تفسير الماتريدي = تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
مقدمة التحقيق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، وجعله قيمًا لا عوج فيه مستقيمًا، ودعا إلى اتباعه، والسير على منهاجه. وأشهد أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له، القائل: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ). وأشهد أن محمدا عبد اللَّه ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وعلم الأمة القرآن، وقال: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " (¬1)، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد: فالتفسير من أجل العلوم قدرًا، وأعلاها شرفًا وذكرا، وأعظمها أجرا، وأسناها منقبة، يملأ العيون نورًا، والقلوب سرورًا، والصدور انشراحًا، ويفيد الأمور اتساعًا وانفتاحًا، لا يفنى بكثرة الإنفاق كنزه، ولا يبلى على طول الزمان عزهُ، به تتعلق مصالح العباد في معاشهم ومعادهم؛ لذا كان أولى بالالتفات إليه، وأجدر بالاعتماد عليه؛ وكيف لا؟ وهو يتعلق بتفسير أعظم كتاب، وأضبط كتاب، وأهدى كتاب؛ القرآن الكريم الذي (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42). ولقد قام سلفنا الصالح من كبار العلماء العاملين بجهود عظيمة في مجال تفسير القرآن الكريم، فعبدوا طرقه، ويسروا صعبه، وبينوا مسائله، راجين مرضاة اللَّه، طالبين رضاه، ملتمسين عفوه ومغفرته. ومما لا شك فيهه أن دراسة التراث التفسيري متمثلا في تحقيق أمهات كتب التفسير، والعناية بها، والاطلاع عليها - يسهم كل ذلك بحظ وافر في التعرف على كتاب الله العظيم، وتفهم آياته، ومعرفة تعاليمه؛ مما ييسر العمل به. أضف إلى ذلك: التعرف على هذا التراث الضخم، والثروة التفسيرية الهائلة الكاشفة عن جهود علمائنا الأجلاء في خدمة القرآن الكويم. لكل هذا آثرنا تحقيق كتاب " تأويلات أهل السنة " لأبي منصور الماتريدي؛ وذلك لأهمية هذا الكتاب في استخلاص مسائل العقيدة من آي الذكر الحكيم، وأيضًا لأن هذا ¬_______ (¬1) أخرجه البخاري (8/ 692) في كتاب فضائل القرآن باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه (5027) (5028)، وأخرجه أبو داود برقم (1425)، والترمذي برقم (907، 908، 909)، وابن ماجة برقم (211)، والدارمي (2//437)، وأحمد في المسند (1/ 58، 69).
الكتاب غير معروف عند كثير من الناس رغم أهميته، ومؤلفه أيضًا عالم فذ يحتاج من المحققين والدارسين الالتفات إليه، ومن ثم حاولنا أن نسهم بجهد متواضع بتحقيق هذا الكتاب؛ للوصول إلى هدفنا المنشود. ويشتمل تحقيق الكتاب على: مقدمة وتمهيد، وبابين، وخاتمة، وفهارس مفصلة. فأما المقدمة فتشتمل على: المنهج المتبع في تحقيق الكتاب. وأما التمهيد فيشتمل على: أولا: التعريف بعصر الماتريدي من الناحية: السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والفكرية، والعلمية، والثقافية. ثانيا: التعريف بالماتريدي: مولده ونشأته، ونسبه، ووفاته. ثالثا: التعريف بشيوخ الماتريدي وتلاميذه. رابعا: قيمة الماتريدي العلمية من خلال بيان أبرز مصنفاته. خامسا: منزلة تفسير " تأويلات أهل السنة " بين مصنفات الماتريدي. الباب الأول: القسم الدراسي، ويشتمل على عدة فصول: الفصل الأول: نشأة التفسير وتطوره. الفصل الثاني: المدارس التفسيرية. الفصل الثالث: المناهج التفسيرية القديمة والحديثة. الفصل الرابع: انتماء الماتريدي التفسيري. الفصل الخامس: بذور التجديد في تفسير الماتريدي. الفصل السادس: منهج الماتريدي في التفسير. الفصل السابع: تأثر الماتريدي بمن سبقوه من خلال تفسيره: - في التفسير. - في العقيدة. - في الفقه. - في علوم اللغة. الفصل الثامن: تأثير الماتريدي فيمن جاءوا بعده إلى العصر الحاضر من خلال تفسيره.
وعملي فيه على النحو التالي
- في التفسير. - في العقيدة. - في الفقه. - في علوم اللغة. الفصل التاسع: القضايا العلمية التي تناولها الماتريدي في تفسيره. - القضايا العقدية والكلامية. - القضايا الفقهية. - القضايا اللغوية والبلاغية. الباب الثاني: القسم التحقيقي. وعملي فيه على النحو التالي: 1 - نسخ المخطوط مع الالتزام بالإملاء والترقيم الحديث. 2 - مقابلة النسخة التي ستكون أصلا بالنسخ الخطية الأخرى للكتاب مع إثبات الفروق في هامش الكتاب. 3 - ضبط النص وسد ما فيه من خلل. 4 - تشكيل الأحاديث النبوية تشكيلاً حرفيا. 5 - تشكيل الكلمات الغريبة في النص. 6 - وضع الآيات التي يفسرها المؤلف وضعًا إجماليا في بداية التفسير مع ترقيمها هكذا: قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3). 7 - ترقيم الآيات القرآنية المستشهد بها في تفسير الآية مع تخريجها. 8 - تخريج الأحاديث النبوية واتبعنا فيها المنهج التالي: أولاً: إذا كان الحديث في الكتب التسعة قمت بتخريجه منها، مع بيان الحكم على الحديث.
ثانيًا: إذا لم يكن الحديث في البخاري ومسلم أشرت إلى الحديث من حيث الصحة والضعف نقلاً عن أئمة هذا الفن. ثالثا: إذا لم يكن الحديث في الكتب التسعة خرجته من باقي كتب السنة مع بيان الصحة والضعف. 9 - تخريج الآثار وعزوها إلى مظانها مع بيان الراجح منها. 15 - توثيق الأقوال والنقول الواردة في الكتاب. 11 - توضيح الغريب بالرجوع إلى كتب اللغة وغريب الحديث وغريب القرآن. 12 - تراجم الأعلام الوادة في الكتاب مع توثيق الترجمة بمصدرين أو أكثر. 13 - التعريف بالأماكن والقبائل والبلدان. 14 - شرح المصطلحات الفقهية والأصولية الواردة في الكتاب، مع بيان الاصطلاحات المشهورة في كل فن. 15 - الرجوع إلى كتب الناسخ والمنسوخ وتوثيق ما يحتاج إلى توثيق. 16 - الرجوع إلى كتب معاني القرآن. 17 - الرجوع إلى كتب البلاغة. 18 - الرجوع إلى كتب القراءات المتواترة والشاذة وتوثيق القراءات الواردة في النص مع ضبطها. 19 - التعليق على بعض المسائل الفقهية، مع بيان الراجح من المرجوح، وأدلة كل فريق مع الترجيح. 20 - التعليق على بعض المسائل الأصولية، وبيان أدلة كل فريق، مع التوثيق. 21 - التعليق على بعض المسائل العقائدية وبيان مذهب السلف الصالح. 22 - تتبع الدخيل الموجود في تفسير المؤلف، مع بيان وجه ضعفه. وبهذا نكون قد وضعنا القارئ على بينة من المنهج المتبع في تحقيق الكتاب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. * * *
الباب الأول عصر الماتريدي
الباب الأول عصر الماتريدي ويشتمل على الفصول الآتية: الفصل الأول: قيام الدولة العباسية. الفصل الثاني: أبرز الأحداث السياسية في الدولة العباسية. الفصل الثالث: ظاهرة الدولة المستقلة في الشرق الإسلامي. الفصل الرابع: نظام الحكم في الدولة العباسية. الفصل الخامس: الحالة الاجتماعية في عصر الماتريدي. الفصل السادس: الحياة الفكرية والعلمية في عصر الماتريدي.
الفصل الأول قيام الدولة العباسية
الفصل الأول قيام الدولة العباسية تمخضت الأحداث المتلاحقة التي اعتورت المسلمين منذ عهد الشهيد عثمان - رضي اللَّه عنه - عن مذاهب سياسية عدة، كان أعظمها خطرًا في التاريخ السياسي للدولتين الأموية والعباسية الحزب الشيعي، فهو أقدم الأحزاب الإسلامية على الإطلاق، حيث ظهر في آخر عصر عثمان، ونما واشتد عوده منذ عهد علي بن أبي طالب، وغدا ذا أثر كبير في توجيه مسار الحياة السياسية في الدولة الإسلامية. وقد أجمع الشيعة على أن علي بن أبي طالب هو الخليفة المختار من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأنه أفضل الصحابة، رضي اللَّه عنهم أجمعين. كما رأى الشيعة في مبايعة أبي بكر وعمر وعثمان بالخلافة افتئاتًا على حق علي في الخلافة، كما ساءهم جدًّا أن يستوي معاوية على كرسيها، وعدُّوا ذلك جورًا وظلمًا حاق بعلي وآله ولابد من رفعه. وتباينت مواقف الشيعة من علي، واختلفت آراؤهم فيه، فالمقتصدون منهم قدَّموه على جميع الصحابة دون تكفير أحد منهم، ودون السمو به إلى مرتبة النبوة، أما المغالون فرفعوه إلى درجة النبوة والتقديس. على أن المغالين والمقتصدين جمع بينهم الإيمان بحق علي وبنيه في الخلافة، وعملوا منذ بداية العصر الأموي على تحويل الخلافة إلى البيت العلوي. وبعد أن استشهد الحسين في كربلاء، انتشر التشيع في أنحاء الدولة الإسلامية ونادى فريق الشيعة بعلي زين العابدين بن الحسين بن علي إمامًا، وعرف هَؤُلَاءِ بالشيعة الإمامية، بينما قام فريق آخر يتزعمه المختار بن عبيد الثقفي، وقائد حرسه أبو عمرو بن كيسان -وكان من موالي الفرس- بالدعوة لمُحَمَّد بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية - نسبة إلى أمه خولة بنت قيس بن جعفر الحنفي- مؤلفًا فرقة من غلاة الشيعة نسبت إلى المختار بن عبيد الثقفي مرة وعرفت بالمختارية، وإلى صاحب شرطته وحرسه مرة ثانية
وعرفت بالكيسانية، وإلى أبي هاشم عبد اللَّه بن مُحَمَّد بن الحنفية مرة ثالثة، وعرفت بالهاشمية. وإذا كان مُحَمَّد بن الحنفية زاهدًا في الخلافة معرضًا عنها، بدليل أنه بايع عبد الملك ابن مروان راضيًا، فإن ولده أبا هاشم عبد اللَّه رأى أن لآل علي حقًّا فيها؛ فجعل يسعى للدعوة سرًّا إلى الخلافة. وأحس سليمان بن عبد الملك بما يدبره أبو هاشم، وبتطلعه إلى الخلافة لا سيما بعد أن آنس منه علمًا واسعًا وذكاءً متقدًا، فأرسل من دس له السم عند عودته من الشام، فلما أحس أبو هاشم بدنو أجله آثر أن يتوجه إلى الحميمة للإقامة لدى علي بن عبد الله ابن عَبَّاسٍ، فعرفه حاله وأعلمه أن الخلافة صائرة إلى ولده، وأعلمه كيف يصنع ثم مات عنده. ولا ريب أن أبا هاشم قد أبلغ شيعته ودعاته قبل وفاته أن أمر الخلافة مصروف إلى مُحَمَّد بن علي العباسي، وأمرهم بطاعته والإذعان له. وكذلك فإن أبا هاشم قد أمد مُحَمَّد بن علي بأسماء الدعاة للشيعة في الكوفة وخراسان وسلمه كتبًا إليهم حتى يطمئنوا له. " وعلى أساس هذه الوصية ورث مُحَمَّد بن علي العباسي حق الكيسانية في الإمامة، فما كاد أبو هاشم يموت حتى قصده الشيعة وبايعوه ثم عادوا إلى مراكزهم، وبدءوا في نشر الدعوة لمُحَمَّد بن علي العباسي عن طريق الدعاة ". وخليق بنا أن نتساءل: لماذا عدل أبو هاشم عن أهل بيته من العلويين، وحَوَّل حقهم في الخلافة إلى بني عمه من العباسيين؟ يقول د / حسن إبراهيم حسن: " لكي نجيب على هذا السؤال نرجع إلى الوراء قليلاً فنقول: إنه منذ وفاة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، لم يرشح المسلمون للخلافة أحدًا من بني هاشم إلا علي بن أبي طالب وأولاده، ولم تتجه الأنظار إلى العباس عم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعد وفاته؛ لأنه لم يكن من السابقين إلى الإسلام؛ ومن ثم لم يرشَّح للخلافة هو ولا أولاده من بعده، وقد
تنظيم الدعوة العباسية:
قيل: إن أبا سفيان جاء العباس بعد بيعة أبي بكر فقال له: ابسط يدك أبايعك، فأَبى العباس. وكانت العلاقة بين بني -هاشم علويين وعباسيين- تقوم على الود والصفاء، وكان البيتان متحدين على العدو المشترك من بني أمية، إلى أن انتقل حق الإمامة من العلويين إلى العباسيين بنزول أبي هاشم بن مُحَمَّد ابن الحنفية. ويظهر أن العباسيين كانوا في أواخر القرن الأول الهجري أكثر كفاية ونشاطًا في الناحية السياسية من العلويين، وأكثر تطلعًا منهم إلى النفوذ والسلطان. وقد قيل: إن أبا هاشم إنما فعل ذلك؛ لأنه لم يجد بين أفراد البيت العلوي من يستطيع النهوض بأعباء إمامة المسلمين، أضف إلى ذلك اختلاف اعتقاد الشيعة الكيسانية (أنصار أبي هاشم) عن اعتقاد الشيعة الإمامية (أنصار أولاد فاطمة). على أن هناك مسألة جديرة بالملاحظة، وهي أن نزول أبي هاشم بن مُحَمَّد ابن الحنفية عن حقه في الخلافة لا يمكن أن يعتبر نزولاً من العلويين جميعًا؛ لأن فريقًا كبيرًا منهم ظل متمسكًا بعقائد الشيعة الإمامية بدليل قيامهم في وجه العباسيين بعد قيام دولتهم ". تنظيم الدعوة العباسية: أدرك مُحَمَّد بن علي بن عبد اللَّه العباسي أن تحويل الدعوة إلى الخلافة من البيت العلوي إلى البيت العباسي على هذا النحو المفاجئ قد يقضي على الدعوة قضاء لا قيام لها بعده، فآثر أن يمهد لذلك بتهيئة النفوس والعقول، بأن اختار لدعوته شعارًا تتستر وراءه، ويضمن انضمام العباسيين والعلويين جميعًا إليه، وهو " الرضا من آل مُحَمَّد "، ويقصد به أي شخص من آل البيت النبوي يتفق عليه في الوقت المناسب؛ درءًا وتقية لما قد يصيب الدعوة من أخطار إذا ما اكتشفت السلطات الأموية سرها، وفي الوقت نفسه كسبًا لأنصار جدد من شيعة فارس الذين كانوا يميلون -سواء عن إيمان عقائدي راسخ أو بدافع من الشعور القومي- للعلويين، وزيادة في تعمية الأمر على الأمويين والعلويين وتجنبًا لإثارة الشبهات في نواياه الحقيقية. مراكز الدعوة العباسية: اتخذ مُحَمَّد بن علي العباسي الكوفة وخراسان مركزين لنشر الدعوة العباسية وبث مبادئها وأهدافها، أما الكوفة فلأنها مهد التشيع ومستقر أنصار آل البيت، وأما خراسان
نجاح الدعوة في العراق:
فلما كان يعانيه الموالي الفرس من عسف الأمويين وجورهم، بالإضافة إلى اعتقادهم في نظرية الحق الملكي المقدس التي سادت الفكر الفارسي منذ أمد بعيد. يقول الإمام مُحَمَّد بن علي العباسي مصورًا طبيعة الأمصار الإسلامية ونوع الأهواء والأفكار السائدة بها آنذاك: " أما الكوفة فشيعة علي، وأما البصرة فعثمانية تدين بالكف، وأما الجزيرة فحرورية، وأعراب لأعلاج، ومسلمون في أخلاق النصارى، وأما أهل الشام فلا يعرفون غير معاوية وطاعة بني أمية، وأما مكة والمدينة فقد غلب عليهم أبو بكر وعمر، ولكن عليكم بخراسان فإن هناك العدد الكثير والجلد الظاهر، وهناك صدور سليمة وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء، ولم تتوزعها النحل، ولم يقدح فيها فساد، وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل وهامات ولحى وشوارب وأصوات هائلة ولغات فخمة تخرج من أجسام منكرة، وبعد فإني أتفاءل إلى المشرق وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح الخلق. ولم يكد القرن الهجري الأول ينتهي حتى انطلقت الدعوة السرية للبيت العباسي من الحميمة وأخذ مُحَمَّد بن علي العباسي يوجه الدعاة في الآفاق فكان للعراق دعاة على التوالي هم: ميسرة العبدي (102) - (105 هـ)، وبكير بن ماهان (105) - (127 هـ) ثم أبو سلمة الخلال (127 - 132 هـ). كما وجه الدعاة إلى خراسَان وكان أولهم أبو عكرمة السراج. " ويلي طبقة الدعاة في المرتبة طائفة النقباء الذين يأتمرون بأمرهم، ويجهلون إمام الوقت، وكان لكل داعية اثنا عشر نقيبًا، ولكل نقيب سبعون عاملا يديرون الوحدات المتفرعة، ويشرفون على الخلايا السرية المنبثة في مختلف الأقاليم، وكان الدعاة والنقباء يتميزون بإخلاصهم الشديد للدعوة وتفانيهم في خدمتها، كما كانوا يتصفون ببعد النظر والقدرة على فهم تقسيمات الناس، وتمييز عناصرهم؛ تمهيدًا لاجتذابهم إلى دعوتهم، وبالبراعة في التخفي والتنكر، مع حظ كبير من الثقافة والعلوم الدِّينية واللغوية ". نجاح الدعوة في العراق: لعب بكير بن ماهان الذي ولي أمر الدعوة العباسية في العراق دورًا كبيرًا في تاريخ الدعوة العباسية على مدار اثنين وعشرين عامًا، وإليه يرجع الفضل في تنظيم الدعوة في
الدعوة في خراسان:
إطار من السرية الشديدة والحيطة الحذِرة. ثم خلفه أبو سلمة الخلال وكان سمحًا كريمًا فصيحًا عالمًا بالأخبار والأشعار والسير والجدل والتفسير، وقد نهض بأمر الدعوة في طورها العسكري العنيف. ودرج المؤرخون على تقسيم الدعوة العباسية إلى طورين متعاقبين مرت بهما. أما الأولى: فتبدأ مع مطلع القرن الثاني الهجري وتنتهي بانضمام أبي مسلم الخراساني إليها، ولم تصطنع الدعوة العباسية في هذا الطور أسلوب العنف والشدة، وإنما جنحت إلى الدعوة السلمية التي امتازت بشيء غير قليل من السرية والكتمان؛ إذ كان الدعاة يجوبون البلاد الإسلامية متظاهرين بالتجارة أو أداء فريضة الحج. أما الطور الثاني: فيبدأ بانضمام أبي مسلم الخراساني إلى الدعوة العباسية، وهو الطور الذي نشبت فيه الحروب بين بني أمية وبني عباس، والتي أفضت إلى زوال السيادة الأموية وقيام الدولة العباسية. الدعوة في خراسان: لقيت الدعوة العباسية في خراسان شيئًا غير قليل من العنت والمحن إبان ولاية أسد بن عبد اللَّه القسري، على الرغم مما حرص عليه الدعاة من إضفاء السرية عليها. ولم يكتب للدعوة في خراسان الذيوع والانتشار إلا بعد وفاة أسد بن عبد اللَّه سنة 120 هـ، وعمد الدعاة في خراسان إلى جملة مبادئ وشعارات، وجدوا أن إذاعتها وترديدها جدير بأن يجذب العرب والموالي الفرس جميعًا إلى الدعوة العباسية كتحقيق مبدأ المساواة الذي كانت تتستر وراءه نزعات متباينة، والذي أيده جماعات كبيرة من الشعوبيين العجم؛ لأنه يحقق لهم مكاسب تهدف إلى إحياء المجد الفارسي القديم، كما أيده آخرون من العرب على أساس تسوية الموالي بالعرب؛ استنادًا إلى مبدأ الفقهاء في
سقوط الدولة الأموية:
الإصلاح ومحاربة الظلم والتعسف، كذلك طالب الدعاة بالدعوة إلى الإصلاح، ويقصد به الدعوة إلى الكتاب والسنة. وقد أدت هذه الشعارات إلى ازدياد عدد المؤيدين للدعوة في خراسان للرضا من آل مُحَمَّد، وانتشارها في بلاد فارس وخراسان وخوارزم وبلاد ما وراء النهر ". سقوط الدولة الأموية: توفي الإمام مُحَمَّد بن علي بن عبد اللَّه حامل لواء الدعوة العباسية سنة 125 هـ بعد أن أوصى بالأمر من بعده لابنه إبراهيم. وفي عهد إبراهيم دخلت الدعوة العباسية طور الصدام الحربي مع الأمويين، وقيض لها شخصيّتان بارزتان يرجع إليهما الفضل الأكبر في نجاح الدعوة العباسية، هما: أبو سلمة الخلال الذي تولى رئاسة الدعوة خلفًا لبكير بن ماهان، وأبو مسلم الخراساني الذي قاد الجيوش العباسية إلى النصر والقضاء على الدولة الأموية. إذ لم تدم السرية التي أسبغها العباسيون على دعوتهم، بل أميط عنها اللثام في عهد مروان بن مُحَمَّد آخر خلفاء بني أمية (127 - 132 هـ) حيث وقَعَ على رسالة لإبراهيم الإمام إلى أبي مسلم الخراساني، فقبض مروان على إبراهيم، وسجنه ثم قتله. وكان إبراهيم قد عهد إلى أخيه أبي العباس السفاح وأوصاه بمواصلة الدعوة والمسير إلى الكوفة، فلما قتل إبراهيم الإمام سار رسوله إلى الحميمة وسلم وصيته إلى أبي العباس الذي توجه إلى الكوفة ومعه كبار بني هاشم من ولد العباس، وفيهم أخوه أبو جعفر المنصور حيث أنزلهم أبو سلمة الخلال داعي الدعاة في دارٍ لأحد أتباعه وكتم أمرهم نحوًا من أربعين ليلة، وحاول أن يصرف الأمر إلى آل علي بن أبي طالب عندما بلغه نبأ وفاة إبراهيم الإمام ولكنه أخفق في هذه المحاولة، واضطر إلى مبايعة أبي العباس السفاح بالخلافة. ولم يستطع والي الكوفة آنذاك مُحَمَّد بن خالد بن عبد اللَّه القسري مواجهة العباسيين
والقضاء على دعوتهم في الكوفة؛ فاضطر إلى تسليمها والإذعان لأصحاب الدولة الجديدة. وفي الجامع الأموي بويع لأبي العباس بالخلافة في الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة 132 هـ. ثم خطب خطبة مدح فيها آل البيت وقرر حق العباسيين في الخلافة، ثم سب الأمويين الذين استأثروا بالأمر دون أهله وذويه، ثم أثنى على أهل الكوفة قائلاً: " يا أهل الكوفة، أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا، أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك، ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم، حتى أدركتم زماننا، وأتاكم اللَّه بدولتنا، فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح والثائر المبير ". ثم خرج العباس بعد الخطبة إلى معسكر أبي سلمة حيث أقام شهرًا، ثم ارتحل من هناك، فنزل المدينة الهاشمية بقصر الإمارة. وعلى هذا النحو خرجت الدولة العباسية إلى الوجود السياسي الإسلامي، وقضي على الأمويين قضاءً سوف نعرف طرفًا منه في الفصل القادم. * * *
الفصل الثاني
الفصل الثاني أبرز الأحداث السياسية في الدولة العباسية حتى دخول البويهيين بغداد إن الناظر في تاريخ الدولة العباسية منذ قيامها وحتى سقوطها يجده مشحونًا بأحداث جسام يحتاج درسها واستيعابها مجلدات تند عن الحصر. لذلك آثرنا أن نجتزئ في هذا الفصل ببعض هذه الأحداث التي نرى أنها تهب القارئ الكريم تصورًا عامًا عن الدولة العباسية من الناحية السياسية. القضاء على الأمويين واستئصال شأفتهم: لم يكد لواء الخلافة يتحول إلى أبي العباس السفاح حتى عمد إلى الانتقام من بني أمية جزاء ابتزازهم الخلافة، واستئثارهم بها دون أهلها من آل البيت، وعقابًا لهم على إيذاء العلويين والعباسيين جميعًا. وذهب نفر من المؤرخين إلى أن سياسة العباسيين تلك إن هي إلا امتداد للعداء المستحكمة حلقاته بين بني أمية وبني هاشم منذ الجاهلية، وهو عداء لم تنجح مبادئ الإسلام في العدل والإخاء والمساواة في استئصال جذوره من النفوس والضمائر، بل لعل الإسلام زاده شدة وضراوة؛ نظرًا لما كان بينهما من منافسة قوية على الظفر بمنصب الخلافة. ومهما يكن من أمر فقد بالغ أبو العباس السفاح في التنكيل ببني أمية وافتن في إنزال ألوان الأذى وضروب القتل بهم، فقتل عبد اللَّه بن علي عم السفاح ثلاثمائة من بني أمية منهم: إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، ويزيد بن عبد الملك، وعبد الجبار بن يزيد ابن عبد الملك، ومروان بن مُحَمَّد آخر خلفاء بني أمية. وروي عن أبي العباس السفاح أنه لما أُتي برأس مروان بن مُحَمَّد ووضع بين يديه، سجد فأطال السجود، ثم رفع رأسه فقال: الحمد لله الذي لم يبق ثأري قِبَلَكَ وقِبَلَ رهطك، الحمد لله الذي أظفرني بك وأظهرني عليك، ثم قال: ما أبالي متى طرقني الموت؛ فقد قتلت بالحسين وبني أبيه من بني أمية مائتين، وأحرقت شلو هشام بابن عمي زيد بن علي، وقتلت مروان بأخي إبراهيم، وتمثل بقول الشاعر:
لو يشربون دمي لم يرو شاربهم ... ولا دماؤهم للغيظ ترويني ثم حول وجهه إلى القبلة فأطال السجود، ثم جلس وقد أسفر وجهه، وتمثل بقول العباس بن عبد المطلب من أبيات له: أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت ... قواطع في أيماننا تقطر الدما تورثن من أشياخ صدق تقربوا ... بهن إلى يوم الوغى فتقدما إذا خالطت هام الرجال تركتها ... كبيض نعام في الوغى متحطما والحق أن الشعراء قد أذكوا لدى بني العباس نيران العداوة ضد بني أمية، وزادوها اشتعالاً، فروي أن السفاح كان جالسًا في مجلس الخلافة، وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقد أكرمه السفاح، فدخل عليه سديف الشاعر فأنشده: لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داءً دويًّا فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويًّا فالتفت سليمان وقال: قتلتني يا شيخ، ثم دخل السفاح وأخذ سليمان فقتل. وقد أسرف العباسيون في التنكيل بالأمويين إسرافًا لا يراعي للموت حقًّا ولا يعرف له جلاله وحرمته، فنبشوا قبر معاوية بن أبي سفيان، فلم يجدوا فيه إلا خيطًا مثل الهباء، ونبشوا قبر يزيد بن معاوية، فوجدوا فيه حطامًا كأنه الرماد. ولم تكن سياسة الانتقام التي اصطنعها أبو العباس السفاح ضرورة طارئة ألجأه إليها إشباع روحه النزاعة إلى الانتقام، أو تثبيت أركان دولته الناشئة، بل كانت سياسة مضطردة توشك أن تسم العصر العباسي الأول كله بميسمها؛ يقول ابن دأب - وقد كان من خواص الخليفة الهادي: " دعاني الخليفة الهادي في وقت من الليل لم تجر العادة أنه يدعوني في مثله، فدخلت إليه، فإذا هو جالس في بيت صغير شتوي وقدامه جزء ينظر فيه، فقال لي: يا عيسى، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: إني أرقت في هذه الليلة وتداعت إِلَيَّ الخواطر واشتملت عَلَيَّ الهموم وهاج لي ما جرت إليه بني أمية من بني حرب وبني مروان في سفك دمائنا، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا عبد اللَّه بن علي قد قتل منهم على نهر أبي فطرس فلانًا وفلانًا، حتى أتيت على تسمية من قتل منهم، وهذا عبد الصمد بن علي قد
قتل منهم بالحجاز في وقت واحد نحو ما قتل عبد اللَّه بن علي. . . ". قال ابن دأب: فسر واللَّه الهادي. الصعوبات التي واجهت أبا جعفر المنصور في سبيل إرساء دعائم الدولة العباسية وتثبيت أركانها: توفي أبو العباس السفاح سنة 136 هـ بعد أن عهد بالخلافة إلى أخيه أبي جعفر المنصور على أن يليه في ولاية العهد عيسى بن موسى بن مُحَمَّد العباسي. وقد أنفق أبو جعفر سني خلافته في تثبيث دعائم الملك العباسي وتوطيد أركان الخلافة الجديدة، وأبدى من الحزم والفطنة والكفاية ما هو خليق بعظماء الرجال، حتى عده المؤرخون بحق المؤسس الحقيقي للدولة العباسية؛ إذ استطاع أبو جعفر بفضل ما أتيح له من مواهب سياسية جماعها الحزم والشجاعة وسداد الرأي أن يقضي على الأخطار المحدقة بالدولة العباسية في طورها الباكر، ولا غرو فهو على حد قول السيوطي: " فحل بني عباس هيبة وشجاعة وحزمًا، ورأيًا وجبروتًا، جَمَّاعًا للمال تاركًا اللهو واللعب، كامل العقل جيد المشاركة في العلم والأدب، فقيه النفس قتل خلقًا كثيرًا حتى استقام ملكه ". وقد تمثلت هذه الأخطار التي واجهت أبا جعفر فيما يلي: 1 - ثورة عبد اللَّه بن علي العباسي. 2 - تضخم نفوذ أبي مسلم الخراساني وإدلاله على الخلفاء العباسيين. 3 - ثورات العلويين. أولا: ثورة عبد اللَّه بن علي العباسي: أبي عبد اللَّه بن علي العباسي أن يبايع أبا جعفر المنصور، ورأى أنه أحق بالخلافة من ابن أخيه، فادعى أن أبا العباس لما أراد توجيه الجند لقتال مروان بن مُحَمَّد قال لهم: " من انتدب منكم للمسير إليه فهو ولي عهدي، وإنه لم ينتدب لهذا الأمر أحدًا غيري "، فبايعه الجند والقواد بالخلافة. ولم تكد هذه الأخبار تنتهي إلى مسامع أبي جعفر حتى وجه إليه أبا مسلم الخراساني الذي قال له: لا تخفه فأنا أكفيكه إن شاء اللَّه، فإن عامة جنده من
القضاء على أبي مسلم الخراساني:
أهل خراسان وهم لا يعصونني. وتمكن أبو مسلم الخراساني من إلحاق الهزيمة بجند عبد اللَّه بن علي في بلاد الشام، وفر عبد اللَّه من ميدان القتال حتى وصل إلى البصرة، واختفى عند أخيه سليمان بن علي، وكان قد وليها من قبل المنصور، واستولى أبو مسلم على ما في معسكر عبد اللَّه من مال وعتاد. وثمة خطآن وقع فيهما عبد اللَّه بن علي تسببا في هزيمته: أولهما: احتياله على قتل حميد بن قحطبة، والذي كان يعد من أعظم قواد الدولة العباسية، وكان قد انضم إلى عبد اللَّه، فلما وقف على مؤامرته للفتك به انضم إلى أبي مسلم الخراساني. ثانيهما: قتله من كان في جيشه من الخراسانيين، مما أضعف قوته وأثار حفيظة من بقي معه من الجند، فلم يخلصوا له ولدعوته. وذكر الطبري أن عبد اللَّه بن علي بايع أبا جعفر المنصور سنة 138 هـ حين كان أخوه سليمان لا يزال على ولاية البصرة، وأن سليمان لما عزل اختفى عبد اللَّه خوفًا على حياته، ثم ألح المنصور على سليمان بن علي وعيسى بن موسى بإحضار عبد الله وأعطاهما الأمان على ألا يسيء إليه، ولكنه أمر بحبسه، وقتل بعض أصحابه، ثم قتله سنة 149 هـ بعد أن حبسه تسع سنوات. وهكذا قضى أبو جعفر على فتنة كانت خليقة أن تعصف بالدولة العباسية في مهدها، أو على أقل تقدير تفرق بين أفراد البيت العباسي وتشتت شمله. القضاء على أبي مسلم الخراساني: لعل من نافلة القول أن نذكر ما أنفقه أبو مسلم الخراساني من مجهود كبير في سبيل الدعوة العباسية، وإخراجها من رحم الظلم والاضطهاد إلى نور الخلافة والملك، وحسن بلائه في الحروب التي خاضها العباسيون ضد الأمويين، فذاك أمر يحتاج بسط القول فيه وإقامة الأدلة والشواهد عليه صفحات كثيرة تضيق عنها هذه الدراسة الموجزة. وأحسب أن أبا جعفر المنصور قد أدرك أن رسوخ قدمه في الملك والحكم منوط بالقضاء على أبي مسلم الخراساني الذي مثل نفوذه المتزايد وإعجابه بما قدم للدولة
العباسية وإدلاله على رجالها خطرًا كبيرًا جديرًا بأن يحيل الخلافة العباسية ألعوبة في يد أبي مسلم يحولها كيف شاء. والحق أن روح العداء بين أبي جعفر المنصور وأبي مسلم الخراساني قديمة، تسبق من غير شك ولاية المنصور للخلافة العباسية. وهو عداء قد تلون في أكثر جوانبه بالمنافسة والتسابق في مضمار السياسة، ثم غدا حقدًا خالصًا وكرهًا مستحكمًا. ولا مراء في أن تصرفات أبي مسلم الخراساني قد أوغرت صدر المنصور عليه، وحملته على أن يتربص به الدوائر ويغتنم الفرصة تسنح كي يتخلص منه. ولا بأس أن نذكر طرفًا من العداوة بين الرجلين حتى يتبين القارئ صدق كلامنا: - تقدم أبي مسلم الخراساني على المنصور في طريق الحج، وعدم انتظاره إياه في طريق العودة عندما بلغه نبأ وفاة أبي العباس السفاح. - بعد وفاة السفاح أرسل أبو مسلم إلى المنصور رسالة يعزيه فيها دون أن يهنئه بالخلافة. - كان المنصور قد أمر الحسن بن قحطبة، والي الجزيرة، أن يلحق بأبي مسلم عند توجهه لمقاتلة عبد اللَّه بن علي في الشام، فكتب ابن قحطبة إلى وزير المنصور يقول: " إني قد رأيت بأبي مسلم أنه يأتيه كتاب أمير المؤمنين فيقرأه ثم يلقي الكتاب من يده إلى مالك بن الهيثم، فيقرأه ويضحكان استهزاء ". - تجرأ أبو مسلم وقتل سليمان بن كثير الخزاعي أحد شيوخ الدعوة العباسية دون استشارة الخليفة. - تحديه لأمر المنصور عندما صرفه عن ولاية خراسان وولاه الشام ومصر وقوله: " هو يوليني الشام ومصر، وخراسان لي "، واستمراره في السير إلى خراسان. - تقديمه لاسمه على اسم الخليفة في رسائله.
- ادعى أبو مسلم أنه ينتسب إلى سليط بن عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ. وهكذا اجتمعت لدى أبي جعفر المنصور الأدلة المقنعة للفتك بأبي مسلم، وطفق يدبر أمر اغتياله، فولى هشام بن عمر العقيلي مكان أبي مسلم، فانصرف أبو مسلم، وأقبل يريد خراسان مغاضبًا لأبي جعفر؛ حتى يثير أهل خراسان عليه ويجعل العباسيين دائمًا في قبضة يده، فمر بالمدائن، وأبو جعفر ينزل برومية على مقربة منها، فلم يسع إلى لقائه، ونفذ لوجهه حتى جاز حلوان، فسير إليه المنصور نفرًا من أصحابه فلحقوه وعظموا عليه الخطب، وحذروه عاقبة البغي ونصحوه بالرجوع إلى المنصور، فأقبل إلى العراق وقدم على أبي جعفر، فأمر الناس بتلقيه، فتلقاه بنو هاشم والناس، فدخل على المنصور فقبل يده، وأمره المنصور بأن ينصرف ويروح نفسه ويدخل الحمام، فانصرف، فلما كان الغد دعا المنصور عددًا من الحرس وأمرهم بالجلوس وراء الرواق فإذا صفق بيديه وثبوا على أبي مسلم فقتلوه، ثم أرسل إلى أبي مسلم يستدعيه، ثم أخذ يعاتبه على مخالفته له، فلما طال عتاب المنصور قال أبو مسلم: " لا يقال هذا لي بعد بلائي وما كان مني ". فقال له المنصور: " يا ابن الخبيثة، واللَّه لو كانت أمة مكانك لأجزأت، إنما عملت في دولتنا وبريحنا، فلو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا "، فأخذ أبو مسلم بيده يقبلها ويعتذر إليه، فقال له المنصور: " ما رأيتك اليوم، واللَّه ما زدتني إلا غضبًا "، قال أبو مسلم: " دع هذا فقد أصبحت ما أخاف إلا اللَّه تعالى "، فغضب المنصور وشتمه، ثم صفق بيده على الأخرى، فخرج عليه الحرس فأخذوه بسيوفهم حتى قتلوه، وتم ذلك في شعبان سنة مائة وستة وثلاثين هجرية. ثم خطب المنصور في الناس بعد أن قتله فقال: " أيها الناس، لا تخرجوا عن أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تسروا غش الأئمة، فإن من أسر غش إمامه أظهر الله سريرته في فلتات لسانه وسقطات أفعاله، وأبداها اللَّه لإمامه الذي بادر بإعزاز دينه به وإعلاء حقه بفلجه، إنا لم نبخسكم حقوقكم، ولم نبخس الدِّين حقه عليكم، وإن أبا مسلم بايعنا وبايع لنا على أنه من نكث بيعتنا فقد أباح لنا دمه، ثم نكث بيعته هو، فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا، ولم تمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحق عليه ". ثم اضطرب أصحاب أبي مسلم بعد قتله، ففرقت فيهم الأموال، فأمسكوا رغبة ورهبة.
ويرى الدكتور حسن إبراهيم حسن أن أبا جعفر المنصور كان مدفوعًا إلى ذلك بما كان بينه وبين أبي مسلم من حزازات شخصية قديمة، وقد زاد أبو مسلم النار اشتعالاً بتماديه في زهوه وإعجابه بنفسه وإسرافه في قتل النفوس البريئة بغير شفقة ولا رحمة. كما يرى د/ حسن أن إخلاص أبي مسلم وتفانيه في نصرة العباسيين أمر لم يقم الدليل بعد على إضعافه أو دحضه. ومهما يكن من أمر فقد كان القضاء على أبي مسلم ضرورة ألجأ المنصور إليها سطوة أبي مسلم وازدياد نفوذه، مع ما ينطوي عليه ذلك من مناوأة له وتهديد لحكمه. ثورات العلويَّين: مُحَمَّد النفس الزكية وأخوه إبراهيم: أشرنا من قبل إلى أن الدعوة العباسية قد رفعت شعار: " الرضا من آل مُحَمَّد " حتى تأمن مناوأة العلويين لهم، وخروجهم عليهم إن هم كشفوا عن نواياهم الحقيقية في الاستئثار بمنصب الخلافة، " فلما ظفر العباسيون بالخلافة وأقاموا دولتهم على أنقاض دولة بني أمية، لم يرق ذلك في نظر العلويين ولم تطب بذلك نفوسهم، على الرغم من أن الجميع من أولاد هاشم، وعلى الرغم من كونهم يدًا واحدة على بني أمية، واشتراكهم في العمل على إزالة دولتهم؛ إذ أدركوا أن العباسيين قد خدعوهم واستأثروا بالخلافة دونهم مع أنهم أحق بها منهم، فنابذوهم العداء ونظروا إليهم كما كانوا ينظرون إلى الأمويين من قبل، فظلوا يناضلون ويكافحون ابتغاء الوصول إلى حقهم في الخلافة ". ولا تمر سنوات كثيرة من عمر الخلافة العباسية حتى يخرج على أبي جعفر المنصور مُحَمَّد بن عبد اللَّه بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المعروف بالنفس الزكية وأخوه إبراهيم. ولم تنجح محاولات العباسيين في استرضاء العلويين من القول اللين حتى العطاء الجزيل؛ فقد كان النفس الزكية يرى أنه أحق بالخلافة وأن أبا جعفر المنصور قد اغتصبها واستأثر بها من دونه، فامتنع في أول الأمر عن مبايعة السفاح ثم تخلف هو وأخوه إبراهيم عن بيعة المنصور، فلم يجد المنصور بدًّا من العمل على التخلص منهما حتى يستقيم له أمر الملك. وكان أن عهد المنصور بولاية المدينة إلى رباح بن عثمان بن حيان ابن عم مسلمة بن
عقبة قائد الحرة في عهد يزيد بن معاوية، فقدم عثمان المدينة سنة 141 هـ وخطب أهلها خطبة سداها ولحمتها التهديد والتخويف، فكان مما قال فيها: " يا أهل المدينة أنا الأفعى ابن الأفعى عثمان بن حيان وابن عم مسلمة بن عقبة، المبيد خضراءكم المفني رجالكم، واللَّه لأدعنها بلقعًا لا ينبح فيها كلب ". بيد أن أهل المدينة قد هوت أفئدتهم إلى مُحَمَّد النفس الزكية، وتدفقت نفوسهم حماسة لآل بيت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فلم يحفلوا بتهديد عثمان، بل أغلظوا له القول وهموا بالفتك به. فكتب إليهم المنصور قائلاً: " يا أهل المدينة، فإن واليكم كتب إلي يذكر غشكم وخلافكم وسوء رأيكم واستمالتكم على بيعة أمير المؤمنين، وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن لم تنتهوا ليبدلنكم بعد أمنكم خوفًا، وليقطعن البر والبحر عنكم، وليبعثن عليكم رجالا غلاظ الأكباد بعاد الأرحام ". ولم يزحزح كتاب المنصور أهل المدينة عن موقفهم، بل لعله زادهم إصرارًا على الانتصار للعلويين، فقبض عامله على عبد اللَّه بن الحسن أبي مُحَمَّد النفس الزكية وإخوته وذوي قرباه. بيد أن عبد اللَّه لم يكن بالرجل الذي تلين قناته، بل كان يعتقد في أحقية ابنه بالخلافة دون المنصور والسفاح من قبله. فطلب إلى ابنه أن يواصل مناجزة العباسيين، وألا يحفل بما يعوقه في سبيل الحق من صعوبات. واشتد إيذاء المنصور لأشياع النفس الزكية، وعظم البلاء النازل بهم حتى اضطروا محمدًا إلى الخروج، ولما تتهيأ الظروف بعد لخروجه وذلك في سنة 145 هـ، وقد شجعه على ذلك ظنه إجماع الناس على نصرته وشدة ميلهم إليه، وتلك الفتوى التي أفتى بها الإمام مالك بن أنس؛ حيث أفتى بجواز نقض بيعة المنصور حين قال لأهل المدينة: " إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين ".
أبرز الأحداث السياسية في عهد الخليفة المهدي:
خرج مُحَمَّد النفس الزكية في مائتين وخمسين من أصحابه، فتوجه إلى السجن وأطلق سراح من فيه، ثم قبض على عامل أبي جعفر المنصور في المدينة وأمر بحبسه. وفي الوقت الذي خرج فيه النفس الزكية في المدينة كان أخوه إبراهيم يدعو له في البصرة ويأخذ من أهلها البيعة له. والحق أن أبا منصور لم يدع وسيلة تمكنه من الظهور على خصمه إلا اصطنعها، فكانت سياسته تجاه هذه الثورة مزيجًا من الحزم والدهاء، وقد ندب المنصور ابن عمه وولي عهده عيسى بن موسى للقضاء على النفس الزكية، فنهض بما أمر به خير نهوض لاسيما وقد تفرق عن النفس الزكية جل أنصاره وشيعته، فبقي في نفر قليل من خاصته، لم يغنه في مواجهة جيش مدرب منظم كجيش عيسى بن موسى، وقتل النفس الزكية واحتز رأسه وذلك في رمضان سنة 145 هـ. وبعد أن فرغ عيسى من النفس الزكية في المدينة أمره المنصور بالتوجه إلى العراق للقضاء على أخيه إبراهيم، وكان قد تغلب على البصرة والأهواز وفارس، ودارت رحى الحرب وحمي وطيسها في باخمري بين الكوفة وواسط، وانجلى غبارها عن هزيمة إبراهيم وجنده، ولم يزل يناضل العباسيين في فئة قليلة حتى قتل فاحتز ابن قحطبة رأسه. وهكذا استطاع المنصور بما أتيح له من حزم وذكاء أن يقضي على أول ثورة يحمل لواءها العلويون، فوطد دعائم خلافته ومكن لها من البقاء والاستمرار. أبرز الأحداث السياسية في عهد الخليفة المهدي: ولي الخلافة العباسية بعد أبي جعفر المنصور ابنه المهدي، ولبث في منصب
ومن الثورات والفتن التي وقعت في عهد المهدي:
الخلافة عشر سنوات (158 - 169 هـ)، وامتازت ولايته بالاعتدال والرفق بالرعية، بعد أن أرهقها المنصور إبان خلافته من أمرها عُسرًا، " فرد الأموال التي صادرها أبوه إلى أهلها، وأطلق العلويين الذين حبسهم أبوه، وعفا عنهم وأجرى عليهم الأرزاق ". ومن الثورات والفتن التي وقعت في عهد المهدي: خرج عبد السلام بن هاشم من الخوارج في الجزيرة، واشتدت شوكته وكثرت شيعته وأنصاره فعاث في الأرض فسادًا، فأرسل إليه المهدي عدة قواد هزم بعضهم، لكنه في النهاية هزم وفر إلى قنسرين حتى قتل بها. كما خرج عبد اللَّه بن مروان الأموي ببلاد الشام، فأرسل إليه المهدي من هزمه وأسره، فحبسمه المهدي ثم عفا عنه وأجزل له العطاء. بيد أن أكثر هذه الثورات أهمية وأعظمها خطرًا على سياسة الدولة واستقرار المجتمع، تلك التي حمل لواءها الزنادقة، فقد أذاعوا في المجتمع مبادئ فاسدة تخالف أصول الإسلام أشد المخالفة، وهي مبادئ تقوم على نوع من الديمقراطية الفاسدة التي تبيح المحرمات وتعبث بالآداب الاجتماعية والزوجية المرعية، وتعرض الحياة السياسية والدِّينية للخطر. والحق أن المهدي قد اشتد على الزنادقة ونكل بهم وحمى المجتمع من فسادهم وانحلالهم، وقد حذا ابنه الهادي من بعده نفس السياسة التي لزمها أبوه تجاه الزنادقة، فتعقبهم وقتل من ظفر به منهم. هارون الرشيد: (170 - 193 هـ): إن عصر هارون الرشيد يعد -بحق- العصر الذهبي للخلافة العباسية؛ إذ بلغت أوج
عظمتها وذروة قوتها في ميادين السياسة والاقتصاد والعلم والثقافة جميعًا. لقد كانت الدولة الإسلامية في تلك الفترة الدولة الكبرى والأولى والأقوى في العالم كله، وقد ازداد اختلاط عناصر السكان فيها بعضهم ببعض، وظهرت في الحياة العامة أخصب النزعات الاجتماعية والفكرية والدِّينية على صعيد واحد. . وزادت في الوقت نفسه أعداد المسلمين في الدولة مقابل الأديان الأخرى، وغدا المسلمون بصورة عامة أكثر من نصف السكان. وبلغ اقتصاد الدولة ذروة قوته وازدهاره، حتى بلغت الأموال في خزائن الرشيد ما يقرب من 72 مليون دينار، عدا الضريبة العينية التي كانت تؤخذ مما تنتجه الأرض من الحبوب، وحق للرشيد أن يخاطب السحابة قائلاً: اذهبي حيث شئت يأتيني خراجك. ومع ذلك، فإن عهد هارون الرشيد لم يخل من الفتن والأزمات: فقد خرج في زمنه يحيى بن عبد اللَّه بن الحسن العلوي بـ " الديلم " يدعو لنفسه، فقويت شوكته، والتف حوله الشيعة، فبعث إليه الرشيد، ففت في عضده، فطلب الصلح من الرشيد، فصالحه، ثم أمنه، ثم حبسه حتى مات. وخرج الوليد بن مطرف الشاري وحقق انتصارات على جيوش الرشيد، وأفسد في الأرض، فبعث إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني فهزم الوليد وقتله. وفي عهد الرشيد لم تكف حركات البربر في إفريقية؛ رغبة في الخروج عن الحكم العباسي، ولكن الرشيد بعث إليهم هرثمة بن أعين فقضى على هذه الحركات، وعمل الرشيد على قيام دولة الأغالبة لصد هجمات البربر والوقوف في وجه دولة الأدارسة، لكن
ما لبثت هذه الدولة أن استقلت عن الدولة العباسية. وفي مصر ثار أهل الحوف مرتين: الأولى سنة 178 هـ، فأرسل الرشيد هرثمة بن أعين فأخمدهم. والثانية سنة 189 هـ بقيادة أبي النداء الذي خرج في مائة ألف رجل، وكان في أيلة، وأفسد مفسدة عظيمة، فأرسل إليه الرشيد جيشًا، وأرسل والي مصر جيشًا آخر، فانهزم أبو النداء، فأعلن أهل الحوف الإذعان والطاعة لما رأوه من انهزام قائدهم. ولما ولي الأمين الخلافة وقع الخلاف بينه وبين أخيه المأمون، ووقع بينهما القتال، خاصة عندما خلع الأمين أخاه المأمون وعهد بالأمر لابنه موسى، فدار القتال، وحاصر طاهر بن الحسين قائد جيش المأمون بغداد أربعة عشر شهرًا وقطع عنها الأقوات، حتى وقع الناس في عنت شديد، وانتصر طاهر، وقتل الأمين، وتمت البيعة للمأمون سنة مائة وثمانية وتسعين. وقيل: إن الأمين كان غير مهتم بشئون دولته؛ حيث كان يحب اللهو والمجون، ومن ثم كثرت الفتن في عهده، وازدادت الثورات، فاشتعلت نار الفتنة في الشام، فقام علي بن عبد اللَّه بن خالد بن يزيد بن معاوية، يدعو لنفسه، فعظم أمره، واشتد خطره حتى احتل دمشق، وكاد يستقر له الأمر لولا النزاع الذي وقع بين اليمنيين والمضريين من أتباعه، وبعث الأمين جيشًا يعيد الاستقرار إلى بلاد الشام، لكنه لم يفعل شيئًا، ومن ثم بقيت بلاد الشام في اضطراب وقلاقل قيل: سنتين، أو أكثر. وفي ولاية المأمون: كان خروج بعض العلويين، فخرج عليه أبو السرايا سنة 199 هـ بالكوفة، وأوقع بجيوش الحسن بن سهل، ولم يستطع المأمون إخماد حركته إلا بعد عناء شديد؛ فقد هزمه هرثمة بن أعين. وأراد المأمون استمالة العلويين فعين ولي عهده منهم، فولى علي بن موسى الكاظم وخلع أخاه القاسم من ولاية العهد، فاستثار بذلك حفيظة العباسيين وثاروا عليه في عدة مناطق.
كما شق عصا الطاعة نصر بن شبث الذي كان يتعصب للأمين؛ فبعث له المأمون من يقاتله، واستمرت المناوشات بينهم خمس سنين، طلب بعدها نصر الأمان. كما ثار المصريون، فبعث لهم عبد اللَّه بن طاهر؛ لإخماد الثورة، فاستولى على الفسطاط، وأقر الأمن، وأصلح البلاد. ومن أخطر الأحداث التي ظهرت في عهد المأمون فتنة القول بخلق القرآن، فقد أمر بامتحان القضاة والمحدثين في الولآيات، وابْتُليَ الإمام أحمد بن حنبل فيها ابتلاء شديدًا. ولما تولى المعتصم وقعت في عهده أحداث كثيرة، ففي عهده أغار الزط على الدولة العباسية، واستولوا على طريق البصرة، فحالوا دون وصول المئونة والأقوات إلى بغداد، فقاتلهم وأرغمهم على طلب الأمان، وكثر في عهده الترك وازداد نفوذهم. وقد أغار الروم على بلاد الإسلام، فاستغاث الناس بالمعتصم، وكان ذلك في سنة 223 هـ؛ فسير إليهم المعتصم جيشًا، وخرج على رأسه، فحارب الروم وهزمهم، وفتح حصونا كثيرة، وفتح عمورية. وفي هذا يقول الشاعر العباسي أبو تمام: يا يوم وقعة عمورية انصرفت ... منك المنى حفلاً معسولة الحلب أبقيت جدَّ بني الإسلام في صعد ... والمشركين ودار الشرك في صبب وقبلَ وفاة المعتصم: خرج المبرقع اليماني الذي أشعل نار الفتنة بـ " فلسطين "، فأرسل إليه المعتصم رجاء بن أيوب، فلم يقدر على المبرقع الذي تجمع حوله الفلاحون، فانتظر حتى ذهب عنه الفلاحون إلى زراعتهم، وبقي المبرقع في نفر قليل، فأغار عليه رجاء وأنزل به الهزيمة هو ومن معه. وتوفي المعتصم وتولى الواثق باللَّه سنة 227 هـ، وسار الواثق على سيرة أبيه المعتصم، فاعتمد على الأتراك الذين شغلوا أعلى المناصب في كل ولايات الدولة.
ولم يمكث الواثق في الخلافة كثيرًا فقد توفي سنة 232 هـ، وتولى بعده المتوكل. الخلافة العباسية مذ وليها المتوكل حتى سيطرة البويهيين عليها، أهم الأحداث السياسية: غدا مقررًا بين المؤرخين أن عهد الخليفة المتوكل العباسي يعتبر بدء عصر انحلال الخلافة العباسية الذي انتهى بسقوطها تحت أقدام التتار سنة 656 هـ. ويسيرٌ على الباحث الوقوف على علة هذا الضعف المطبق الذي اتسم به تاريخ الخلافة العباسية مذ وليها المتوكل الذي كانت ولايته حدًّا يفرق بين عهدين من زمانها، كان الأول منهما عهد ازدهار واستقرار وقوة بينما كان الثاني على النقيض من ذلك. وهذه العلة إنما هي اعتماد العباسيين على الفرس ثم على الأتراك وإيثارهم إياهم بالمناصب المدنية والعسكرية على العرب الذين كانوا مادة الإسلام وقوام الدولة الإسلامية فضعفت عصبتهم وانحطت منزلتهم وانصرفت قلوبهم عن تأييد الدولة. وكان اعتماد العباسيين على العنصر التركي منذ عهد المعتصم (218 - 227 هـ) إرهاصًا ببدء عصر جديد في تاريخ الدولة العباسية محرف بعصر نفوذ الأتراك يبدأ بولاية المتوكل وينتهي بدخول البويهيين بغداد (232 - 334 هـ). وقد استبد الأتراك بمقاليد الأمور وتغلغل نفوذهم في الدولة بحيث أصبح الخليفة العباسي " مسلوب السلطة مهيض الجانب ضعيف الإرادة ". ولم يتورع الأتراك عن قتل الخلفاء العباسيين الذين وقفوا ضد أطماعهم واستبدادهم فدبروا مؤامرة لاغتيال الخليفة المتوكل " 247 هـ " اشترك فيها ابنه المنتصر الذي طوعت له نفسه قتل أبيه، فذاق وبال أمره، فلم يمكث في الخلافة ستة أشهر إلا وقد أغرى الأتراك طبيبه ابن طيفور بقتله وأعطوه ثلاثين ألف دينار، ففصده بريشة مسمومة سنة 248 هـ.
البويهيون:
ومنذ ذلك التاريخ غدت تولية الخلفاء وعزلهم منوطة بإرادة الأتراك، فقد كانوا يعملون على تولية الخلافة من يطمئنون إليه من أمراء البيت العباسي، وما أدق عبارة الفخري صاحب الآداب السلطانية في بيان هذه الحالة التي آل إليها أمر خلفاء بني العباس حيث قال: " كان الأتراك منذ قتل المتوكل قد استولوا على المملكة واستضعفوا الخلفاء، فكان الخليفة في يدهم كالأسير إن شاءوا أبقوه وإن شاءوا خلعوه وإن شاءوا قتلوه ". ونتج عن ضعف الخلافة العباسية استقلال أكثر الولايات الإسلامية في مشرق الدولة ومغربها، فانفرد الطولونيون بحكم مصر (254 - 292 هـ) ثم الإخشيديون (323 - 358 هـ) وأخيرًا الفاطميون (358 - 567 هـ). أما في المشرق فقد قامت الدولة الطاهرية (205 - 259 هـ) في خراسان، ومنهم انتقلت السلطة إلى أسرة جديدة هي الدولة الصفارية (254 - 295 هـ) التي قامت على يد يعقوب ابن الليث الصفار، والدولة السامانية (266 - 389 هـ) التي تفرعت عنها الدولة الغزنوية (351 - 582 هـ). البويهيون: وإزاء استبداد الأتراك بشئون الدولة تطلع الخلفاء العباسيون إلى قوة جديدة تقيل الخلافة من عثرتها وتستأصل شأفة الأتراك، فوجدوا في دولة بني بويه الفتية ضالتهم، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار. برز البويهيون إلى رحاب التاريخ الإسلامي في مطلع القرن الرابع الهجري وسرعان ما ترقوا في معارج القوة والنفوذ، فدانت لعلي بن بويه بلاد فارس بالطاعة (323 هـ) وانتزع من الخليفة الراضي العباسي اعترافًا بسلطانه. وتوجوا انتصاراتهم بدخول بغداد حاضرة الخلافة العباسية عام 334 هـ في عهد أحمد ابن بويه (334 - 356 هـ) فقابله الخليفة المستكفي واحتفى به وخلع عليه ولقبه معز الدولة، ولقب أخاه عليًّا عماد الدولة، ولقب أخاه الحسن ركن الدولة، وضرب ألقابهم على السكة، ولقب المستكفي إمام الحق وضرب ذلك على السكة، على أن البويهيين استأثروا بالسلطة دون الخلفاء كما صنع أسلافهم من الترك.
ثورة البساسيري: ذروة الضعف اثعباسي، ودخول السلاجقة بغداد:
فعمل معز الدولة على توطيد مركزه وتقوية نفوذه في بلاد العراق التي أذعنت لحكمه إذعانًا كاملاً، ولم يلبث أن استبد بالسلطان دون الخليفة وعمل على إضعاف الخلافة العباسية وفكر في القضاء عليها وإقامة خلافة شيعية على أنقاضها، " ولكنه عدل عن هذه السياسة لما قد يتعرض له سلطانه من خطر بسبب وجود خلافة علوية يطيعها الجند، ويعترف بها الديلم، ويكونون أداة في يد الخليفة يستغلها لمصلحته متى شاء ". وبلغ من إهانة معز الدولة البويهي للخلافة العباسية وانتقاصه من قدر خلفائها أن قبض على الخليفة المستكفي وسمل عينيه وحبسه إلى أن مات، وأجلس المطيع (334 - 363 هـ) على كرسي الخلافة وحدد له راتبًا مائة دينار في اليوم، ثم قطع ذلك الراتب وحدد له إقطاعات يسيرة يعيش منها كما عين له كاتبًا يتصرف في شئونها. ثورة البساسيري: ذروة الضعف العباسي، ودخول السلاجقة بغداد: بلغ ضعف الخلافة العباسية غايته وعجزها منتهاه في عهد الخليفة القائم بأمر الله العباسي الذي تحقق من خيانة البساسيري ذي الميول الشيعية، وتأكد من مكاتبته الخلافة الفاطمية في مصر. فطلب إلى الملك الرحيم البويهي إبعاده عن العراق، فسار البساسيري إلى الرحبة بلد نور الدولة لمصاهرة بينهما، وعندئذ أدرك القائم بأمر اللَّه أن نجم البويهيين قد أفل وأنهم أمسوا عاجزين عن حماية الخلافة العباسية ودرء خطر البساسيري عنها، وأنه لا مناص من الاستعانة بالسلاجقة الذين طوى ملكهم بلاد الفرس والجزيرة وأصبحوا قاب قوسين أو أدنى من بغداد. وكان أن أرسل طغرلبك إلى الخليفة العباسي القائم رسولاً يبالغ في إظهار الطاعة والعبودية، فانتهز الخليفة ذلك وأمر بقطع الخطبة للملك الرحيم، والخطبة لطغرلبك بجوامع بغداد في رمضان سنة 447 هـ " ثم أرسل طغرلبك يستأذن الخليفة العباسي في دخول بغداد، فأذن له فوصل إلى النهروان، وخرج الوزير إلى لقائه في موكب عظيم من القضاة والنقباء والأشراف والشهود والخدم وأعيان الدولة، وصحبه أعيان الأمراء من عسكر الرحيم ".
واستغل البساسيري خروج طغرلبك من العراق وانشغاله بحصار الموصل ونصيبين فكاتب إبراهيم ينال أخا طغرلبك وأخذ يعده ويمنيه ويطمعه في ملك أخيه حتى أصغى إليه وحالف أخاه، فترك الموصل إلى الري، فتقدم البساسيري إلى الموصل وحاصرها وتمكن من إخضاعها سنة 450 هـ وتهيأ لدخول بغداد، أما طغرلبك فقد انصرف إلى القضاء على عصيان أخيه إبراهيم ينال وتمكن من الظفر به وقتله بالقرب من الري سنة 450 هـ. وكان إبراهيم قد خرج على طغرلبك فعفا عنه، وإنما قتله في هذه المرة لأنه علم أن جميع ما جرى على الخليفة كان بسببه فلهذا لم يعف عنه. قدم البساسيري بغداد سنة 450 هـ بالرايات المصرية، وعليها ألقاب المستنصر صاحب مصر، وجرى القتال بينه وبين الخليفة القائم الذي انضم إليه نفر من أهل السنة وقاتلوا معه، بيد أن الخليفة لم يقو على صد البساسيري عن دار الخلافة فاستولى عليها بعد قتال دام شهرًا، وأقيمت الخطبة للمستنصر الفاطمي وزيد في الآذان: حي على خير العمل. ثم قبض البساسيري على الخليفة وحمله إلى مدينة عانة حيث حبسه بها. ولما فرغ السلطان طغرلبك من أمر أخيه إبراهيم ينال، عمل على إعادة الخليفة إلى بغداد، فكتب إلى قريش بن بدران يأمره أن يعيد الخليفة إلى داره ويتوعده إن لم يفعل ذلك، فكتب قريش إلى مهارش بن مجلي يخبره بذلك، فتولى مهارش أمر إعادة الخليفة إلى بغداد. ثم جهز طغرلبك جيشًا لقتال البساسيري الذي لحق بواسط يتهيأ لقتال السلاجقة ليمنعه من الدخول إلى بلاد الشام، فظفر به جيش طغرلبك فقتل وحملت رأسه إلى بغداد. وهكذا كانت فتنة البساسيري -كما ذكر ابن الأثير- أهم الأسباب التي حملت الخلافة العباسية على الاستعانة بالسلاجقة لتخليصهم من استبداد البويهيين ذوي الميول الشيعية والتي مثل البساسيري شكلاً من أشكالها.
الفصل الثالث ظاهرة الدول المستقلة في الشرق الإسلامي
الفصل الثالث ظاهرة الدول المستقلة في الشرق الإسلامي تميز تاريخ الدولة العباسية بظاهرة فريدة لم يشهدها تاريخ الخلافتين الراشدة والأموية، وهي ظاهرة الدول المستقلة في المشرق والمغرب جميعًا. وإذا كان ظهور النزعات الاستقلالية في العالم الإسلامي يرجع إلى أواخر العصر الأموي، فإن هذه الظاهرة قد اتسعت على نحو كبير منذ مطلع الدولة العباسية، فقامت الدولة الأموية بالأندلس (138 - 397 هـ) على يد عبد الرحمن الداخل، وأسس إدريس بن عبد اللَّه بن الحسن بن الحسن بن علي دولة الأدارسة في المغرب الأقصى (172 - 311 هـ) وقامت دولة الأغالبة في تونس (184 - 269 هـ) على يد إبراهيم بن الأغلب، وفي مصر ظهر الطولونيون (254 - 292 هـ) ثم الإخشيديون (323 - 358 هـ) ثم الخلافة الفاطمية (358 - 567 هـ). أما في الشرق فثمة دول استطاعت الاستقلال عن الدولة العباسية، فقد قامت الدولة الطاهرية في خراسان -نسبة إلى طاهر بن الحسين (205 - 259 هـ) - وعلى أنقاضها نشأت الدولة الصفارية (254 - 290 هـ) على يد يعقوب بن الليث الصفار، كما ظهرت الدولة السامانية (266 - 389 هـ). ونستطيع أن نرد أسباب هذ الظاهرة -وهي نشأة الدول المستقلة- إلى تضخم نفوذ الأتراك في الدولة العباسية، واستبدادهم بتصريف الشئون السياسية دون الخلفاء، فأحدث الأتراك كثيرًا من القلاقل والاضطرابات، وغدت الدولة العباسية مسرحًا للفوضى والاضطرابات السياسية، الأمر الذي ترتب عليه ضعف السلطة المركزية في بغداد وما ارتبط به من استقلال أكثر الولايات الإسلامية. وثمة أمر آخر هو أن انحسار نفوذ العرب والفرس وضعف مكانتهم وهوان شأنهم في الدولة العباسية، دفعهم دفعًا إلى الاستقلال ببعض بلدان الدولة العباسية في المشرق الإسلامي، قكانت الدولتان: الصفارية والسامانية. وهاتان الدولتان تقع في إطارهما مدينة سمرقند التي ولد فيها الماتريدي؛ ولذلك
أولا: الدولة الصفارية (254 - 295 هـ):
سنتعرض لكل واحدة منهما بشيء من التفصيل. أولًا: الدولة الصفارية (254 - 290 هـ): قامت الدولة الصفارية على أنقاض الدولة الطاهرية ويرجع تأسيسها إلى يعقوب بن الليث الصفار (254 - 265 هـ)، الذي اتخذ من سجستان مركزًا لانطلاقها. وتقع سجستان في أقصى الشرق من إيران وتسمى أيضا " نيمروز " وهي كلمة فارسية تعني " نصف يوم " أي أنها بخيراتها وثرواتها تساوي نصف ما تطلع عليه الشمس، وهذا على سبيل المبالغة لا الحقيقة. وقد انضم يعقوب إلى أحد قادة المطوعة ويدعى صالح بن النضر في ثورته على والي سجستان إبراهيم القوسي؛ لظلمه واستبداده، فتمكنوا من خلعه والاستيلاء على سجستان سنة 237 هـ. والمطوعة جماعات عسكرية تعمل على حماية سجستان وفارس وكرمان من الفوضى التي تعرضت لها إثر ثورات الخوارج. لم يكن صالح بن النضر أحسن حالاً من الوالي السابق من قبل الطاهريين، فبغى على الرعية ولم يسر فيهم سيرة العدل التي كانوا يرجونها منه، فشكوه إلى يعقوب وأغروه بأن يتولى عليهم بدلاً منه، فاستجاب لهم واستطاع أن يتخلص من صالح بن النضر، وأخذ يعمل على توطيد ملكه وتدعيم مركزه بالقضاء على المتمردين والمنشقين عليه، فحارب الخوارج الذين رفضوا الدخول في طاعته وقتل كثيرًا منهم حتى كاد أن يفنيهم، وأذاع أنه يحارب الخوارج عن أمر الخليفة العباسي. ولم يكتف يعقوب بحكم سجستان بل مد نفوذه إلى بوشنج وهراة وما والاها، واحتل نيسابور التي كان يحكمها الطاهريون، وضم إليه بلاد فارس وخراسان، وكرمان، والسند، وطبرستان، والري، وقزوين وأذربيجان وجنديسابور، والأهواز، حتى لقد هدد بغداد نفسها سنة 257 هـ، فأسس بذلك ملكًا عريضًا في شرق الدولة الإسلامية.
والحق أن الملكات السياسية والمواهب الشخصية التي اتسم بها يعقوب بن الليث هي التي أتاحت له ما حقق من نجاح كبير في تأسيس دولته الجديدة، فقد امتاز باليقظة وحسن التدبير، والتفكير العميق في عواقب الأمور ونتائجها، والقدرة على اختيار رجاله وإعداد جيوشه الإعداد السليم؛ فلا عجب أن قال عنه المسعودي: " كانت سياسة يعقوب لمن معه من الجيوش سياسة لم يسمع بمثلها ممن سلف من الملوك من الأمم الغابرة من الفرس وغيرهم ممن سلف وخلف، وحسن انقيادهم لأمره، واستقامتهم على طاعته؛ لما قد شملهم من إحسانه، وغمرهم من بره، وملأ قلوبهم من هيبته ". لا ريب أن الخلافة العباسية أوجست خيفة من يعقوب بن الليث الصفار، ورأت في اتساع ملكه تهديدًا خطيرًا لنفوذها، وكسرًا للقاعدة التي جرت عليها في تولية حكام الأطراف بناء على تفويض منها، فاعتبرت يعقوب متمردًا، وجمع الخليفة الحجاج القادمين من المشرق من خراسان والري وطبرستان وجرجان سنة 261 هـ وأعلمهم أنه لم يفوض يعقوب، وأن دخوله خراسان وقضاءه على الطاهريين لم يكن بأمره، ورد يعقوب على ذلك بمزيد من التحدي وقصد إقليم فارس فاستولى عليه سنة 261 هـ. وبدأ يعقوب يفكر في الاستيلاء على بغداد فتحرك صوبها سنة 262 هـ، مستغلًا انشغال الخلافة العباسية بالقضاء على ثورة الزنج، فرأت الخلافة استمالته وإرضاءه ريثما تفرغ من أمر الزنج، فأبي يعقوب مهادنة العباسيين وقال: إنه لا يرضيه إلا أن يسير إلى باب المعتمد. والتقت جيوش العباسيين بجيش يعقوب في قرية " اصطر بند " على مقربة من واسط في رجب سنة 262 هـ، وكان الخليفة العباسي المعتمد يقود الجيش بنفسه، ومعه أخوه طلحة في القلب. وانجلى غبار المعركة عن هزيمة منكرة للصفار وجنده، وغنم جند الخليفة معسكره وتراجع يعقوب في فلوله، وتوفي بعد ذلك بقليل في سنة 265 هـ. خلف يعقوب بن الليث أخوه عمرو بن الليث، فبادر إلى استرضاء العباسيين
ومهادنتهم، فوثق به الخلفاء العباسيون حتى عهدوا إليه بولاية شرطة بغداد بالإضافة إلى حكم ولايات خراسان وفارس وأصبهان وسجستان والسند وكرمان، فقوي نفوذه واستقر ملكه. وقد اتبع عمرو بن الليث نظامًا دقيقًا في مراقبة عماله وقواده، ورتب موارد دولته وعمل على تنميتها وزيادتها. ولم يقنع عمرو بما استقام له من ملك ونفوذ على كثير من الولايات والممالك، فطمع في بلاد ما وراء النهر التي كانت تحت حكم الدولة السامانية. والحق أن الخلافة العباسية هي التي أغرت عمرو بحرب السامانيين؛ إذ أرسلت إليه تفويضًا بحكم بلاد ما وراء النهر، وفي الوقت نفسه كتبت إلى الأمير إسماعيل بن أحمد الساماني سرًّا تدعوه إلى حرب الصفار وتعده بتوليته على ما تحت يديه من بلاد. ويقول ابن الفقيه موضحًا هذه الخطة: " كتب المعتضد إلى الصفار يأمره أن يطلب إسماعيل بن أحمد، وأنه قد ولاه عمله، وكتب إلى إسماعيل بمثل ذلك ". وكان أن رفض الأمير إسماعيل الساماني تسليم بلاد ما وراء النهر، وكتب إلى عمرو بن الليث قائلاً: " إنك قد وليت دنيا عريضة، وأنا في يدي ما وراء النهر، وأنا في ثغر، فاقنع بما في يدك، واتركني مقيمًا بهذا الثغر ". وأسفر الصراع بين الجانبين عن هزيمة عمرو بن الليث الصفار ووقوعه في الأسر سنة 287 هـ، وعامله الأمير الساماني معاملة كريمة، وخيره بين البقاء عنده أو إرساله إلى الخليفة فاختار السير إلى المعتضد، ولكن الخليفة أمر أن يشهر به ويلقى في السجن ثم قتله سنة 289 هـ. وقد تولى إمارة الدولة الصفارية -بعد عمرو بن الليث- طاهر بن مُحَمَّد بن عمرو بن الليث وكان صغيرًا لاهيًا عابثًا، فغلب عليه السبكري -غلام عمرو بن الليث- فاستبد
الدولة السامانية
بالسلطة دونه، ولم يكن لهذا الأمير الصغير حول ولا طول، بل إن السبكري قبض عليه وعلى أخيه يعقوب، وأرسل بهما إلى بغداد سنة 296 هـ، وبذلك خلا له حكم الدولة الصفارية. ولم تكد الأمور تستقيم للسبكري حتى سار إليه الليث بن علي بن الليث وهزمه وطرده من فارس، وذلك سنة 297 هـ، فاستنجد السبكري بالخليفة فسير جيشًا إلى الليث أوقع به الهزيمة، وعاد السبكري إلى ولاية الدولة الصفارية، لكنه تمرد على الخلافة العباسية، ورفض أداء الأموال إليها، فعملت على التخلص منه، فانتزعت منه فارس سنة 298 هـ، فلجأ إلى سجستان، فسار إليه الأمير أحمد بن إسماعيل الساماني، فاستولى على سجستان وقبض على السبكري وعلى مُحَمَّد بن علي بن الليث الصفار وبعث بهما إلى بغداد سنة 298 هـ، وبذلك قُضي على الدولة الصفارية قضاء لا قيام لها بعده. ويسعنا -بعد هذا العرض الموجز- أن نرجع سقوط الدولة الصفارية إلى سببين اثنين: الأول: جهود الدولة العباسية وحرصها على التخلص منها. الثاني: الهزائم المتكررة التي ألمت بجيوشها، هذا بالإضافة إلى تمرد قوادها، وما ترتب على ذلك من ضعف للدولة وانهيارها في النهاية. الدولة السامانية قامت الدولة السامانية في " منطقة ما وراء النهر "، وتشمل جغرافيا المناطق الواقعة على جانبي نهر جيحون مباشرة وإلى الشمال منه قليلا، وينتسب سكان هذه الأقاليم إلى الجنس الفارسي، الآري -لغة ودمًا وثقافة- أما المناطق التي تقع إلى أقصى الشمال والشرق، فهي مناطق خاصة بالترك، وهم عنصر آخر يعرف بالعنصر الطوراني، وتسمى بلادهم تركستان. ويرتبط هذا الإقليم بخراسان وسجستان جغرافيًّا وسياسيًّا؛ ولذلك اعتبر المقدسي هذه الأقاليم الثلاثة إقليمًا واحدًا أسماه بالمشرق. ويشمل إقليم ما وراء النهر عدة كور منها: بخارى وأشروسنة والشاش وفرغانة وكش
ونسف والصغانيان والختل وخوارزم والترمذ. أما الدولة السامانية فتنتسب إلى أسرة فارسية عريقة في المجد يرجع أصلها إلى بهران ابن جور. ودخلت هذه الأسرة في الإسلام في العهد الأموي، في ولاية خالد القسري الذي كان مهتمًّا بأبناء الأسر الفارسية العريقة، وأدنى إليه سامان وأكرمه، فأسلم على يديه وولاه بلخ، فلما رزقه اللَّه بولده سماه أسدًا تيمنًا باسم هذا الوالي الكريم. وظهر أبناء سامان الأربعة على مسرح الأحداث السياسية في عهد الخليفة المأمون فولي نوح بن أسد سمرقند في سنة 204 هـ، وأحمد بن أسد فرغانة، ويحيى بن أسد الشاش وأشروسنة، وإلياس بن أسد هراة، ولما ولي طاهر بن الحسين بلاد خراسان أقرهم في هذه الأعمال. واشتهر من أبناء أحمد بن أسد إسماعيل ونصر. فخلف نصر أباه على سمرقند وما يليها من قبل الطاهريين حتى ولاه الخليفة العباسي المعتمد بلاد ما وراء النهر سنة 261 هـ. ومن ثم تأسست الدولة السامانية، وولَّى نصر أخاه إسماعيل على بخارى. ولم يلبث العداء أن أنشب أظفاره بين الأخوين إسماعيل ونصر، وكان إسماعيل -كما مر- ينوب عن أخيه في حكم بخارى، فآنس منه نصر طمعًا في المال واستئثارًا بالسلطة، فوقعت حروب بين الأخوين انتهت بانتصار إسماعيل سنة 275 هـ، ولكنه أبدى إيثارًا وتعظيمًا كبيرًا لأخيه، فترجل عن جواده، وقبل ركابه وقال: إني مقر بأني أخطأت والذنب كله ذنبي، فبكى نصر لوفاء أخيه ورجع إلى سمرقند تاركًا إياه نائبًا عنه في بخارى. وآل أمر الدولة السامانية بعد وفاة نصر بن أحمد الساماني إلى أخيه إسماعيل بن أحمد سنة 279 هـ، ويمكننا أن نعتبر إسماعيل المؤسس الحقيقي للدولة السامانية، ففي عهده ظهرت الدولة بمظهر القوة، وقامت بدور كبير في إزالة الدولة الصفارية. واستطاع إسماعيل بفضل كفايته السياسية والحربية أن يخضع لسلطانه بلاد ما وراء
علاقة السامانيين بالخلافة:
النهر كلها، ونجح في أن يضم إلى دولته خراسان وبعض المناطق الإيرانية الأخرى، واتخذ من بخارى عاصمة لدولته. وقد وصف ابن الأثير إسماعيل بن أحمد الساماني فقال: " إنه كان خَيِّرًا يحب أهل العلم والدِّين، ويكرمهم ". وقال في موضع آخر: " إنه كان عاقلاً عادلاً حسن السيرة في رعيته، حليمًا. وحكي عنه أنه كان لولده أحمد مؤدب يؤدبه، فمر به الأمير إسماعيل يومًا، والمؤدب لا يعلم به، فسمعه وهو يسب ابنه ويقول له: لا بارك اللَّه فيك ولا فيمن ولدك، فدخل إليه، فقال له: يا هذا، نحن لم نذنب ذنبًا لتسبنا فهل ترى أن تعفينا من سبك، وتخص المذنب بشتمك وذمك؟ فارتاع المؤدب، فخرج إسماعيل من عنده وأمر له بصلة جزاء لخوفه منه ". علاقة السامانيين بالخلافة: تختلف الدولة السامانية في علاقتها بالخلافة العباسية عن الدولة الصفارية إلى حد كبير؛ فالصفاريون لم يعترفوا بسلطان الخليفة العباسي عليهم وتمردوا على نفوذه الروحي، بل سعوا إلى الاستيلاء على بغداد نفسها. أما الدولة السامانية فنعمت بالاستقلال في ظل الولاء الإسمي للخلافة العباسية، بعد أن أثبتت تجربة الصفاريين فشل الحركات المناوئة للخلافة المتحدية لسلطانها، وتأكد أن الخلافة -حتى في أحلك ظروفها- كانت تتمتع بنفوذ روحي لا يستهان به، وأنها قادرة على تحريك الأحداث والإسهام فيها بالتدخل المباشر أو بالاستعانة بحلفائها. فوعى السامانيون هذا الدرس، واعترفوا بالنفوذ الروحي للخلافة، ورفعوا راية الجهاد في الثغور، وأبدوا تعاونًا مخلصًا مع الخلافة في مواجهة أعدائها. ومن أمارات هذا الولاء الذي أبداه السامانيون للخلافة العباسية: - تمسكهم بالمذهب السني الذي تدين به الدولة العباسية، ورفضهم إقامة علاقات مع الفاطميين عندما حاولوا استمالتهم إليهم. - كما أقام السامانيون الخطبة للعباسيين ونقشوا أسماءهم على السكة، وحرصوا على إكساب حكمهم صفة شرعية بالحصول على تفويض منهم.
وفي المقابل بدأت الخلافة العباسية تثق في السامانيين وتطمئن إلى صدق ولائهم، فاتخذت منهم أنصارًا لها في المشرق خلفًا للطاهريين، وقد أشرنا قبل قليل إلى نجاح التحالف " العباسي الساماني " في القضاء على الدولة الصفارية التي هددت العباسيين تهديدًا مباشرًا. كما أدى السامانيون دورًا آخر لصالح الخلافة العباسية، وهو التصدي للزيدية في طبرستان، وتمكنوا من إسقاط دولة الحسن بن زيد سنة 287 هـ، ونجحوا في استمالة القائد الديلمي أسفار بن شيرويه فتخلى عن ولائه للزيدية، وانضم إليهم، وتكفل بإسقاط الدولة الزيدية الثانية سنة 316 هـ. وكانت بخارى حاضرة الدولة السامانية في عهد الأمير إسماعيل، فقد شيدت فيها القصور المنيفة، والمنشآت الكبيرة، والمدارس الدِّينية، ووفد عليها العلماء من كل حدب وصوب؛ لما وجدوه من التشجيع والحفاوة. وقد حكم إسماعيل أكثر من ثلاثين سنة، سار فيها سيرة حسنة في الرعية، فأرسى قواعد العدل والإحسان؛ ولذلك كان لا يتهاون مع عماله إذا ظلموا الرعية. وكانت خراسان تنقسم إلى أربعة أقسام: قسم عاصمته نيسابور، وقسم عاصمته مرو، وثالث عاصمته هراة، والأخير عاصمته بلخ. وأما بلاد ما وراء النهر فكانت تنقسم خمسة أقسام: الأول: الصغد، ولها عاصمتان هما بخارى وسمرقند. والثاني: خوارزم. والثالثة صغانيان. والرابع: فرغانة. والخامس: الشاش. وقد كان لعمال إسماعيل على هذه الولايات سلطات واسعة. وقد توفي الأمير إسماعيل عام 295 هـ، وبعد وفاته بدأت الدولة السامانية في الضعف والانحلال، وكان ذلك لعدة عوامل:
أولها: انقسام البيت الساماني على نفسه طمعًا في السيادة. ثانيها: رجال الدولة السامانية الذين كانت لهم مطامع خاصة، فسعوا إلى تحقيق هذه المطامع على حساب الدولة. ثالثها: ضعف أمراء آل سامان حتى أصبحوا ألعوبة في أيدي كبار رجال الدولة. وترتب على ضعف الدولة السامانية ازدياد نفوذ الترك الذين كانوا مجرد خدم وأتباع، فتمكنوا من القضاء على الدولة السامانية وبسطوا نفوذهم كذلك على كثير من البلدان الإسلامية. وبرغم ضعف الدولة السامانية بعد الأمير إسماعيل، فإنها ظلت قائمة حتى منتصف القرن الرابع الهجري، فقد تولى الأمير أحمد بن إسماعيل الحكم بعد أبيه، وحاول المحافظة على ملك الدولة السامانية قدر جهده، لكنه لم يستطع تخليص طبرستان من الأمير الحسن بن علي الزيدي الملقب بالأطرش الذي تغلب عليها وعلى بلاد الديلم، وهدى اللَّه على يديه نفرًا كثيرًا ممن لم يدخلوا الإسلام من أهل تلك البلاد، فالتفوا حوله، وطردوا والي السامانيين من بلادهم. وتُوُفيَ أحمد بن إسماعيل سنة 301 هـ إثر مؤامرة دبرت له، وولي من بعده ابنه نصر، وكان صغيرًا فتنافس أمراء البيت الساماني على الوصول إلى الحكم، فشق عليه عمه إسحاق بن أحمد عصا الطاعة، فاستقل بسمرقند، واستقل أبو صالح منصور بن إسحاق في نيسابور، ولكن نصرًا عاجلهم وقضى على ثورتهم. كما هزم العلويين الذين زاد خطرهم في طبرستان وقتل قائدهم، فاستطاع الأمير نصر بسبب هذه الانتصارات استعادة نفوذ الدولة السامانية على بلاد ما وراء النهر. وتوفي الأمير نصر، فبدأ الانهيار الكامل للدولة السامانية، فاستقل الأمراء، كلٌّ بجهة معينة، فواجه الأمير نوح بن نصر الذي خلف والده مصاعب كثيرة، منها خروج أبي إسحاق أحمد في بخارى، وأبو علي الأصفهاني في نيسابور. وأخطر ما واجهه غزو ركن الدولة البويهي لبلاد الري واستيلاؤه عليها، ولكن القائد الساماني أبا علي طرد منها البويهيين، لكنه انقلب على سادته واستقل بها، بل طمع في
إقليم خراسان. ومن ثم بدأ انحسار النفوذ الساماني فما عاد يتجاوز بلاد ما وراء النهر. ومع ازدياد نفوذ البويهيين وضعف أمراء الدولة السامانية ازداد الانحسار، فألقى الأمراء السامانيون بأنفسهم في أحضان الدولة الغزنوية الناشئة، حتى آل أمر دولتهم جميعه إلى هذه الدولة، فسقطت بذلك الدولة السامانية بعدما حكمت بلاد ما وراء النهر وما جاورها قرابة قرن ونصف. على أنه ينبغي أن نسجل للدولة السامانية عدة أمور تعد في ميزان فضائل هذه الدولة وأمرائها: أولها: أن الحضارة الإسلامية ازدهرت في عهد الدولة السامانية؛ حتى كانت بخارى، وسمرقند، وبلخ تحت حكمهم منارات للعلوم الدِّينية، يفد إليها الطلاب من كل حدب وصوب. ثانيها: انتشار الرخاء في عهدهم، واتباعهم سبيل الحق في حكمهم؛ حتى مدحهم المقدسي الذي رحل إلى بلادهم، فقال: إنهم أحسن سيرة، وهذا فضلاً عما عرف عنهم من إجلال للعلم وأهله، فقد كان من رسومهم ألا يكلفوا أهل العلم تقبيل الأرض بين أيديهم. وقال في وصف أهل خراسان في العهد الساماني: إنهم من أشد الناس تمسكًا بالحق، وهم بالخير والشر أعلم. كما أقر بعلمهم الكثير، وحفظهم العجيب، واستقرار الأمور في خراسان، وانتشار الرخاء فيها. ثالثها: عدم قصر عنايتهم على العلوم الدِّينية، بل اهتم أمراء الدولة السامانية بالعلوم الطبيعية والأدبية، فقد نبغ علماء وشعراء في بلاط هذه الدولة، فنبغ الرودكي، أول شاعر غنائي في فارس، ومؤسس الملحمة التعليمية التي تعد من أخصب فروع الأدب الفارسي. وابن سينا الفيلسوف الطبيب الذي بدأ يظهر إنتاجه في عصر منصور بن نوح الساماني 350 هـ وبخاصة كتابه القانون في الطب.
ونسجل أيضًا في هذا المقام أن الماتريدي صاحب التفسير المحقق بين أيدينا عاش في سمرقند، ويمكننا القول: إنه عاش عمره كله في ظل الدولة السامانية، وما من شك في أنه تأثر بأحداثها، ونعم بخيرها، واستقرارها الفكري والعلمي، برغم ما حصل فيها من أحداث سياسية مضطربة في بعض المراحل، فكان ذلك من عوامل نبوغه في العلوم الدِّينية المختلفة، كما سنعرف في الباب الثاني من هذه الدراسة. * * *
الفصل الرابع نظام الحكم في الدولة العباسية
الفصل الرابع نظام الحكم في الدولة العباسية يقصد بنظام الحكم: أجهزة الدولة المختلفة التي تصرف أمورها، وتدبر شئونها، وتكون بمثابة حلقة الوصل بين الرعية وبين الحكام، وذلك حتى تنضبط حركة الحياة ويتمكن الناس من القيام بالوظائف المنوطة بهم على نحوٍ تتحقق به خلافة الإنسان في الأرض على الوجه المرضي. والحديث عن نظام الحكم في أي عصر من عصور التاريخ ذو شعب ثلاث: 1 - النظام السياسي. 2 - النظام الإداري. 3 - النظام القضائي. ولإعطاء القارئ صورة عن نظام الحكم في الدولة العباسية في الفترة محل الدراسة نعرض لهذه الأنظمة الثلاثة في شيء من الإيجاز: أولاً: النظام السياسي: ويتمثل هذا النظام فيما يلي: أ - الخلافة: عرف صاحب الأحكام السلطانية الخلافة بقوله: " الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدِّين وسياسة الدنيا ". كما عرفها ابن خلدون بأنها " حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدِّين وسياسة الدنيا به ". ومن البين أن التعريفين ينطويان على معنى الجمع بين السلطتين الدِّينية والدنيوية.
وقد كانت الخلافة في الدولة العباسية وراثية، تنتقل من الآباء إلى الأبناء. والخلفاء العباسيون يقتفون في ذلك أثر الأمويين الذين ابتدعوا مبدأ توريث الخلافة، بعد أن كانت شورى يتداولها المسلمون فيما بينهم دون قصرها على بيت دون بيت أو أسرة دون أسرة. وامتاز نظام الحكم في العصر العباسي الأول بغلبة النزعة الاستبدادية عليه، فالخليفة العباسي يملك السلطات كلها في يده، على الرغم من أن أصحاب الدواوين أو البارزين من أصحاب البيت العباسي كانوا بمثابة مستشارين غير رسميين. ودرج الخلفاء العباسيون على نظام تولية العهد أكثر من واحد، فقد عهد السفاح بالخلافة إلى أخيه أبي جعفر المنصور ثم إلى أخيه عيسى بن موسى، وكذلك فإن المهدي عهد بالخلافة إلى ولديه الهادي ثم لهارون الرشيد، وأما هارون الرشيد فولى عهده أولاده الثلاثة: الأمين والمأمون والمؤتمن، وقسم البلاد بينهم. ولا ريب أن هذا النظام في ولاية العهد قد أثمر العداوة والبغضاء بين أبناء البيت العباسي بدافع المنافسة والرغبة في الظفر بمنصب الخلافة. وقد آل أمر الخلافة العباسية منذ عهد المتوكل " 232 - 247 هـ " إلى حالة من الوهن والضعف، بسبب ازدياد نفوذ الأتراك ثم البويهيين والسلاجقة، وغدا الخلفاء العباسيون ألعوبة في يد هَؤُلَاءِ، وهو ما أشرنا إليه في المبحث الثاني من هذه الدراسة. وعلى الرغم من ضعف الخلافة في عصر إمرة الأمراء وبني بويه، فقد استمر الخلفاء العباسيون يولون العهد أبناءهم، غير أن الأتراك والبويهيين من بعدهم كانوا لا يحفلون بهذا النظام إذ كان لا يتفق مع مصالحهم. ب - الوزارة: اقتبس العباسيون نظام الوزارة من الفرس، والحق أن الوزارة كاختصاص ومهام ولقب قد استحدثت في العصر العباسي، وإن عرفت كاختصاص فقط دون اللقب في العصر الأموي، فكان عبد الحميد بن يحيى بن سعيد كاتب مروان بن مُحَمَّد يقوم في الخلافة مقام الوزير من حيث تقريب الخليفة له واعتماده عليه في المشورة والرأي.
ولم تتضح مهام الوزارة وأعمال الوزير في صدر الدولة العباسية، ولكنها لم تلبث أن تحددت وصيغت الصياغة النهائية في أواخر العهد العباسي. وكان أكثر وزراء الدولة العباسية من الفرس أو الترك، واشتهر من وزراء العصر الأول البرامكة وبنو سهل، ومن وزراء العصر الثاني بنو الفرات وبنو وهب وبنو الجراح. وأرهبت قوة الدولة العباسية وحزم خلفائها الوزراء، فلم يستبدوا بأمر دون الخليفة، ولم ينفردوا برأي دون الرجوع إليه، بل كان الواحد منهم يتجنب أن يسمى وزيرًا بعد أن مات أبو الجهم على يد المنصور، فكان خالد بن برمك يعمل عمل الوزراء ويأبى أن يسمى وزيرًا على الرغم من منزلته عند الخلفاء. ولم يتردد الخلفاء العباسيون الأوائل في البطش بأي وزير يرون في تضخم نفوذه خطرًا على كرسي الخلافة، ومقتل أبي سلمة الخلال على يد السفاح، وأبي الجهم على يد المنصور، ونكبة البرامكة في عهد الرشيد أمثلة صادقة على قوة الخلافة، وتضاؤل نفوذ الوزراء إلى جوار الخلفاء. ولقد عرف العصر العباسي شكلين من أشكال الوزارة: الأول: وزارة تنفيذ: وهي التي تقتصر مهمة الوزير فيها على تنفيذ أوامر الخليفة وعدم التصرف في شئون الدولة من تلقاء نفسه. الثاني: وزارة تفويض: وهي أن يكل الخليفة الوزارة إلى شخص يثق فيه، ويفوض إليه النظر في أمور الدولة والتصرف في شئونها دون الرجوع إليه. ومن أشهر وزراء التفويض: آل برمك وآل سهل والفضل بن الربيع. ولما ضعفت الخلافة العباسية ودب الوهن في أوصالها، تزايد نفوذ الوزراء وتعاظم خطرهم، وقويت المنافسة على كرسي الوزارة. ولم يكد البويهيون يستولون على بغداد سنة 334 هـ حتى استبدوا بالسلطة دون الخلفاء العباسيين وقضوا على نفوذ الوزراء وحلوا محلهم، ولكنهم اتخذوا لأنفسهم وزراء اشتهر بعضهم كأبي الفضل مُحَمَّد بن العميد وزير ركن الدولة بن بويه.
ثانيا: النظام الإداري:
ج - الكتابة: اقتضى تطور منصب الوزارة وتشعب أعماله استحداث نظام جديد يعاون موظفوه الوزير في الإشراف على الدواوين وإدارة شئونها، وهو نظام الكتابة. ووجد في هذا العصر كاتب للرسائل، وكاتب للخراج، وكاتب للجند، وكاتب للشرطة. ومهمة كاتب الرسائل: إذاعة المراسيم والبراءات وتحرير الرسائل السياسية وختمها بخاتم الخلافة بعد اعتمادها من الخليفة، ومراجعة الرسائل الرسمية ووضعها في الصيغة النهائية وختمها بخاتمه، كما كان يجلس مع الخليفة في مجلس القضاء للنظر في المظالم وختم الأحكام بخاتم الخليفة. واشتهر من كتاب الدولة العباسية: يحيى بن خالد البرمكي، والفضل بن الربيع والفضل بن سهل والحسن بن سهل، وأحمد بن يوسف ومُحَمَّد بن عبد الملك بن الزيات. د - الحجابة: استحدث الأمويون وظيفة سياسية جديدة في بلاطهم هي الحجابة، ومهمة الحاجب: حجب الخليفة عن الناس، وتنظيم دخول الرعية عليه وفقًا لمنازلهم الاجتماعية، ومراتبهم في الدولة. ولعل الأمويين قد خافوا على أنفسهم من الرعية بعد حادثة الخوارج مع علي ومعاوية وعمرو بن العاص. وقد حذا العباسيون حذو الأمويين في اتخاذ الحجاب، بيد أن مرتبة الحاجب قد ارتقت وزادت مكانته في بلاط العباسيين، فأصبح يستشار في كثير من أمور الدولة، ويستبد بالنفوذ دون الوزير ويلزم أصحاب الدواوين بالرجوع إليه. ثانيًا: النظام الإداري: أ - تعيين الولاة: امتاز النظام الإداري في العصر العباسي الأول بالمركزية التي غدا معها ولاة الأقاليم
مجرد عمال لا ولاة ينفردون بالسلطة المطلقة، وهو ما يفرق بين النظام الإداري العباسي والأموي، حيث كان ولاة الدولة الأموية يتمتعون بنفوذ كبير وسلطة لا يغلها استبداد الخليفة، فلا غرو أن اقتصرت وظيفة الوالي في بداية تاريخ الدولة العباسية على الصلاة وقيادة الجند. ودرج الخلفاء العباسيون على اختيار العمال أو الولاة من بيت أفراد البيت العباسي أو من بين كبار القادة، " غير أن هَؤُلَاءِ وأُولَئِكَ آثروا البقاء في بغداد أو في سامراء، وأنابوا عنهم نوابًا يحكمون هذه الولايات باسمهم. ولم يكن هذا التقليد شديد الخطر على الدولة العباسية وهي في قوتها، على أنه لما ضعفت السلطة المركزية ساءت الحالة في هذه الولايات، وجنح بعض نواب الولاة إلى الاستقلال، فظهرت في مصر الدولتان الطولونية والإخشيدية، وظهرت في المشرق الدول: الطاهرية، والصفارية والسامانية ". ب - الدواوين: كلمة الديوان كلمة فارسية تعني السجل يكتب فيه ما يختص بشئون الإدارة. ثم أصبحت تدل على المكان الذي يعمل فيه الكُتَّاب على اختلاف مهامهم. وتشبه الدواوين في نظامها وأعمالها الوزارات في العصر الحاضر. وأول من دون الدواوين في الدولة الإسلامية هو عبد الملك بن مروان. ثم كثرت الدواوين في العصر العباسي لتنظيم شئون الدولة، ومنها: ديوان الخراج، وديوان الجند، وديوان الموالي والغلمان، وديوان البريد، وديوان زمام النفقات، وديوان الدية، وديوان الرسائل، وديوان الحوائج، وديوان المنح، وديوان الأكرة للإشراف على الترع والجسور وشئون الري. ويرجع الفضل في تنظيم إدارة الدواوين في العصر العباسي الأول إلى خالد بن برمك، كما يرجع الفضل في إنشاء ديوان الزمام إلى المهدي لجمع ضرائب العراق، وهو أول من أحدث هذا الديوان.
ثالثا: النظام القضائي:
ج - البريد: أَوْلَى الخلفاء العباسيون نظام البريد عناية كبيرة وحفاوة بالغة تتلاءم مع ما عسى أن يقدمه صاحب البريد من معلومات عن الأمصار والولاة، فهو بمثابة جهاز المخابرات في الدول الحديثة. وكان لديوان البريد محطات على طول الطريق، وظل الحمام الزاجل مستخدمًا في نقل الرسائل حتى عهد الخليفة المعتصم. وكان البريد خاصًّا بأعمال الدولة لا لنقل رسائل الجمهور، ومن ثم كان مصلحة من مصالح الدولة الخاصة، فكان صاحب البريد يراقب العمال، ويتجسس على الأعداء، ويقوم بالأعمال التي يقوم بها رئيس قلم المخابرات في وزارة الدفاع الآن، وكانت مهمة صاحب البريد أول الأمر توصيل الأخبار إلى الخليفة من عماله في الأقاليم، ثم توسعوا فيه حتى جعلوا صاحبه عينًا للخليفة ينقل أوامره إلى ولاته كما ينقل أخبار ولاته إليه. 4 - الشرطة: اعتمد الخلقاء على الشرطة في حفظ الأمن، ونشر الاستقرار والضرب على أيدي المجرمين والمفسدين. وألحقت الشرطة في أول الأمر بالقضاء؛ لأنها تقوم على تنفيذ الأحكام القضائية وصاحبها يتولى إقامة الحدود، ثم لم تلبث أن غدت نظامًا مستقلاً. وكان صاحب الشرطة يُختار من علية القوم وذوي العصبية والناس؛ حتى يكون قادرًا على ضبط المجرمين وإقامة الحدود، وتنفيذ العقوبات. وصاحب الشرطة يختار له مساعدين يأتمرون بأمره ويصدرون عن رأيه. ثالثًا: النظام القضائي: ويشتمل على: القضاة، والنظر في المظالم، والحسبة. أ - القضاة: عرف منصب القضاء في الدولة الإسلامية منذ عصر الخلفاء الراشدين والدولة الأموية. وكان القاضي يصدر في أحكامه عن كتاب اللَّه وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ثم عن رأيه
واجتهاده. فلما كانت الدولة العباسية، وتقررت المذاهب الفقهية المختلفة، غدا كل قاض يصدر في أحكامه عن مذهب منها، ويُعَوِّل في الفصل بين الناس عليه. كما استحدثت الدولة العباسية منصب " قاضي القضاة "، وأول من تلقب بهذا اللقب أبو يوسف في عهد هارون الرشيد. وكان القضاة في العصر العباسي ينظرون في القضايا المدنية والدعاوى والأوقاف، وتنصيب الأوصياء، وأحيانًا المظالم والقصاص وبيت المال. ب - النظر في المظالم: ويختص صاحب المظالم بالنظر في القضايا التي عجز القضاة عن الفصل فيها، وكان يتولى النظر في المظالم -أحيانًا- الخلفاء أنفسهم، فكان بعض خلفاء بني العباس يجلس لهذا الأمر؛ ليحكم في المظالم. كما كان يرأس محكمة المظالم -إن لم يكن رئيسها هو الخليفة- الوالي أو من ينوب عنه. وكان صاحب المظالم يعين للناس يومًا يقصدونه فيه، أو أسبوعًا كاملاً يفرغ لهم فيه. وتنعقد محكمة المظالم في الأعم الأغلب في المسجد، وكان يحضرها خمس جماعات لابد من حضورهم هم: أ - جماعة الحماة أو الأعوان: ومهمتهم التغلب على من يلجأ إلى العنف أو يحاول الفرار. ب - جماعة الحكام: ومهمتهم الإحاطة بما يصدر من الأحكام لرد الحقوق إلى أهلها، والعلم بما يجري بين الخصموم. ج - جماعة الفقهاء: الذين يرجع إليهم صاحب المظالم فيما أشكل عليه. د - جماعة الكتاب: ويقومون بتدوين أقوال الخصوم. هـ - الشهود. ويختلف اختصاص صاحب المظالم عن اختصاص القاضي في عدة أمور: أولها: صاحب المظالم ينظر في القضايا التي يقيمها الأفراد على الولاة وعمال
الخراج. ثانيها: صاحب المظالم ينظر في القضايا التي يعجز عنها القاضي. ثالثها: صاحب المظالم يحكم في القضايا التي تتعلق بإقامة العبادات كالحج والأعياد والجمع والجهاد. ج - الحسبة: وضع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب نظام الحسبة في الإسلام، ويعني هذا النظام: النظر فيما يتعلق بالنظام العام من أمور تقتضي الفصل فيها على وجه السرعة. ومن وظائف المحتسب أنه: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحافظ على الآداب العامة، ويشرف على نظام السوق، ويستوفي الديون ويراقب المكاييل والموازين تجنبًا للتطفيف، ويعاقب العابثين. . . إلخ. بيد أن مصطلح الحسبة لم يستخدم أو يتداول في العصر العباسي بالرغم من تطبيق مفهومه. * * *
الفصل الخامس الحالة الاجتماعية في عصر الماتريدي
الفصل الخامس الحالة الاجتماعية في عصر الماتريدي لا مرية في أن الأوضاع الاجتماعية في عصر من العصور تؤثر تأثيرًا كبيرًا في أفراد المجتمع عامتهم وخاصتهم على السواء، ولعل أكثر الطبقات الاجتماعية تأثرًا بهذه الأوضاع هم العلماء؛ فهم أكثر اتصالاً بحياة الناس وأشد اهتمامًا بشئونهم ورغبة في معرفة مشاكلهم والقضاء عليها. ومرادنا من دراسة الحالة الاجتماعية: بيان طبقات المجتمع من حيث: الجنس، والدِّين، وما يربط هذه الطبقات بعضها ببعض من صلات وأواصر دينية أو اقتصادية أو اجتماعية. كما تُعني دراسة الأوضاع الاجتماعية عناية فائقة بمظاهر الحياة في المجتمع. وتنتظم دراستنا للحالة الاجتماعية للفترة التاريخية التي نحن بصددها مبحثين اثنين هما: المبحث الأول: سكان الدولة العباسية. المبحث الثاني: مظاهر الحياة الاجتماعية. * * *
المبحث الأول عناصر السكان في الدولة العباسية في عصر الماتريدي
المبحث الأول عناصر السكان في الدولة العباسية في عصر الماتريدي تنوع سكان الدولة العباسية تنوعًا كبيرًا، واختلفت عناصرهم وطبقاتهم أشد ما يكون الاختلاف، وانصهرت جميعها في بوتقة المجتمع العربي الإسلامي في العصر العباسي. وهذه العناصر هي: 1 - العنصر العربي: وقد أفاضت الدولة الأموية على العرب تميزًا في المكانة الاجتماعية والاقتصادية، حيث آثرتهم بالمناصب السياسية وقصرتها عليهم، ونظرت بعين الازدراء للعناصر الأخرى، وحرمتها من المشاركة السياسية الفاعلة. أما الدولة العباسية فقامت على أكتاف الموالي من الفرس، وبرزت إلى الوجود بفضل مناصرتهم وتأييدهم، فلا غرو أن قدمهم العباسيون وآثروهم بالمناصب وأجروا عليهم الأعطيات السخية، وفي المقابل تأخر العرب وصارت منزلتهم دون منزلة الفرس بكثير، وحسبك دليلاً على صحة ذلك أن المعتصم " 218 - 225 هـ " أخرج العرب من ديوان العطاء. ولقد عبر الجاحظ عن هذه الحالة في عبارة موجزة فقال: " دولة بني العباس أعجمية خراسانية، ودولة بني مروان عربية أعرابية ". 2 - العنصر الفارسي: وقد أشرنا قبل قليل إلى تميز مكانة الفرس لدى الخلفاء العباسيين، فأسندوا إليهم المناصب الهامة، واعتمدوا عليهم اعتمادًا كبيرًا في تصريف شئون دولتهم. وتخبرنا المصادر التاريخية أن أول من استعملهم هو الخليفة أبو جعفر المنصور، فاستن بسنته في استعمالهم الخلفاء العباسيون من بعده حتى بلغ نفوذهم ذروته في عهد هارون الرشيد، فكان مدبر أمر دولته آل برمك وأصولهم ساسانية. وكذلك انتصر المأمون للفرس وأدناهم إليه واعتمد عليهم في حرب أخيه الأمين، فلما انتصر على أخيه وآل أمر الملك إليه بفضل نصرة الفرس له قربهم أكثر، فازدادوا نفوذًا وتدخلاً في شئون الخلافة العباسية.
3 - العنصر التركي: ازداد نفوذ الفرس في الدولة العباسية، وأصبحوا يمثلون خطرًا كبيرًا على سلطة الخلفاء العباسيين، فلم يجد العباسيون مناصًا من الاعتماد على عنصر جديد يثقون في ولائه ومناصرته لهم، فاستعان المعتصم بالعنصر التركي وأدخله إلى المجتمع العباسي. غير أن هذا العنصر استبد بالأمور دون الخلفاء منذ عصر المتوكل " 232 - 247 هـ "، وغدا الترك أصحاب السلطان الحقيقي في الدولة، والخلفاء ألعوبة في أيديهم. 4 - المولدون: نشأ نتيجة الاختلاط بين العناصر السابقة عنصر جديد لم يكن موجودًا من قبل، وهذا العنصر هو المولدون، وكان لهَؤُلَاءِ مميزات وصفات مختلفة في أجسامهم وعقولهم وأفكارهم، وأثر لا ينكر في الحياة الاجتماعية والعلمية. 5 - اليهود والنصارى: وعلى الرغم من أن هَؤُلَاءِ كانوا قلة في المجتمع العباسي إلا أنهم تمتعوا بكافة الحقوق في ظل التسامح الدِّيني الذي دعا إليه الإسلام، فكانوا يقيمون شعائرهم الدِّينية في حرية كاملة، ويعيشون في طوائف منفصلة عن بعضها مختلطين مع المسلمين، فلم يكن لهم في المدن الإسلامية أحياء مخصصة إلا إذا آثروا الحياة في أحياء خاصة بهم، فتتكون تلقائيًّا لهم أحياء خاصة. طبقة الرقيق: كثرت هذه الطبقة في المجتمع العباسي كثرة ظاهرة، فنشأت أسواق خاصة بهم في بغداد، وامتلأت قصور الخلفاء والأغنياء والحكام بالجواري. كما عني العباسيون بتهذيبهن وتعليمهن ضروبًا من الفنون لا سيما الشعر والغناء. ونَعِمَ الرقيق في ظل الدولة العباسية بكافة حقوق المواطنة التي كان يتمتع بها سائر طبقات المجتمع من الأحرار، وحسبك دليلاً على صدق ما نقول أن كثيرًا من أمهات الخلفاء العباسيين كن من الرقيق. وكان ذلك بفضل ما أرساه الإسلام من مبادئ العدل والمساواة دون تمييز بين عربي وعجمي أو حر وعبد، فالكل سواء في الحقوق الإنسانية.
هذا عن العناصر السكانية في المجتمع العباسي عامة أما بلاد وراء النهر -مسقط رأس الماتريدي- فإن غالبية السكان فيها كانوا من الفرس والترك، وثمة طوائف عربية استوطنت هذه البلاد على أثر الفتوحات الإسلامية، فاندمجوا مع سكان البلاد الأصليين، الذين دخل منهم في الإسلام من دخل، وبقي منهم على دينه بقي، متمتعًا في ظل الإسلام بكافة الحقوق الإنسانية. * * *
المبحث الثاني مظاهر الحياة الاجتماعية
المبحث الثاني مظاهر الحياة الاجتماعية امتازت الحياة الاجتماعية في عصر الماتريدي بمظاهر عدة، لعل أبرزها: - ظهور حركة الشعوبية. - ظاهرة الزندقة. - غلبة اللهو والترف على المجتمع. أولاً: الشعوبية: نشأت ظاهرة الشعوبية كنتيجة طبيعية للصدام السياسي والحضاري بين العرب والموالي، فتعصب العرب لجنسهم واحتقروا الموالي، وتعصب الموالي -الفرس والترك- لأرومتهم، ورأي الفرس أنهم ذوو سابقة في الحضارة والمدنية وأن العرب طارئون على هذه الحضارة. وغلبت هذه النزعة من العصبية على الدولة العباسية وأذكى نيرانها مساندة العباسيين للموالي وتقديمهم إياهم على العرب. وبلغت الشعوبية ذروة خطورتها في القرن الثالث الهجري، حيث نشط الفرس في الهجوم على العرب والتفتيش عن مثالبهم، وتجريدهم من كل ميزة وفضيلة، وربما ساعد على ذلك أن الخلفاء العباسيين لم يتعصبوا للعرب كجنس بقدر ما تعصبوا للإسلام كدين يسوي بين الناس في الحقوق والواجبات، ولا يرى للعرب فضلاً على سائر الأجناس إلا بالتقوى. وثمة نزعات ثلاث تألفت ظاهرة الشعوبية من مجموعها: النزعة الأولى: وتذهب إلى أن العرب خير الأمم؛ لأنهم ظلوا ينعمون بالاستقلال والحرية، بالرغم من أنهم كانوا يتاخمون أكبر دولتين: الفرس والروم، كما أنهم يتمتعون بصفات أخلاقية امتازوا بها عن غيرهم، كالكرم والوفاء والنجدة، بالإضافة إلى أن الإسلام -وهذا هو العامل الأهم- نزل بأرضهم، ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - منهم، وهم حاملو لواء دعوته إلى الناس، فكل من أسلم ففي عنقه للعرب منَّة لا تقدر. النزعة الثانية: ترى أن العرب ليسوا بأفضل الأمم، فالأمم كلها متساوية، يؤيد ذلك قول اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
ثانيا: الزندقة:
ويمثل هذه النزعة وينتصر لها العلماء والصالحون من العرب العجم جميعًا. النزعة الثالثة: يؤمن أصحاب هذه النزعة بأفضلية العجم على العرب، ويفندون الحجج التي ارتكز عليها أصحاب النزعة الأولى في تفضيل العرب، فيقولون: إن الإسلام ليس دينًا عربيًّا أنزله اللَّه لهداية العرب وحدهم، بل هو دين عام للناس أجمعين، ودعوته موجهة لكل الأجناس، وليس للعرب ما يمتازون به عن غيرهم. وما افتخروا به من سجايا كريمة وشيم نبيلة كالكرم والوفاء والنجدة وغيرها، ليست قصرًا عليهم بل يشاركهم فيها سائر الأمم. وقد أطلقت الشعوبية على هذه النزعة الأخيرة حتى غدت مرادفة لها، فصنف العجم كتبًا في مثالب العرب ومناقب العجم، بل تجرأ الشعوبيون فوضعوا الأحاديث ونسبوها زورًا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، إثباتًا لفضيلة العجم. ثانيًا: الزندقة: لعل من الأسباب التي أدت إلى شيوع الزندقة وقوة تيارها في العصر العباسي: نشاط الحركة العلمية العقلية في هذا العصر؛ إذ لم يقتصر البحث على العلوم الدِّينية النقلية من جمع أحاديث وتفسير للقرآن، واستنباط للأحكام الشرعية، بل تعداها إلى دراسة المنطق والكلام والفلسفة وغيرها من العلوم التي تثير في النفس والعقل من الحيرة والشك أكثر مما تثبت فيهما من الإيمان واليقين. وكذلك فإن كثيرًا من الفرس ساءهم ألا يحققوا ما يطمحون إليه من مطامع، ورأوا أن الإسلام ما دام قويًا، فلن يتحقق لهم ما يرنون إليه؛ ولذلك عملوا على هدم الإسلام من داخله عن طريق نشر المبادئ المانوية والزرادشتية والمزدكية، فكان ذلك عاملاً مباشرًا أسهم في ذيوع الزندقة وانتشار أفكارها الهدامة. وتعني الزندقة اعتناق الإسلام ظاهرًا، واعتناق أديان الفرس باطنًا، وخاصة مذهب ماني، وإنما أظهروا الإسلام رغبة في إفساده وهدم تعاليمه، أو لنيل الجاه والظفر بالسلطان. واجتهد الخلفاء العباسيون في تعقب الزنادقة ومحاكمتهم، كما شجعوا المتكلمين وأهل الجدل على تأليف الكتب للرد على الزنادقة، وأمر الخلفاء بمناظرتهم واستتابتهم، فإن تابوا وإلا قتلوا.
ثالثا: حياة الترف واللهو:
وأوصى الخليفة المهدي ابنه وولي عهده موسى الهادي - إذا آل إليه أمر الخلافة من بعده- بتعقبهم والقضاء عليهم. واستحدث هارون الرشيد وظيفة جديدة سمى صاحبها بـ " صاحب الزنادقة " مهمته امتحان كل من يتهم بالزندقة ومحاكمته إن ثبتت عليه التهمة. وذكر الطبري والمسعودي أن المأمون بلغه خبر عشرة من الزنادقة في البصرة، فبعث إليهم، وامتحنهم واحدًا واحدًا، وأظهر لهم صورة ماني، وأمرهم أن يتفلوا عليها ويبرءوا منها، فلما أبوا أمر بهم فقتلوا. وثمة نزعة إيمانية صادقة ظهرت كردِّ فعل لنزعة الإلحاد والزندقة، حيث كثر العلماء المؤمنون الذين وقفوا حياتهم على خدمة الدِّين، والتمسك بآدابه ومبادئه. وفي الحق أن هذه النزعة الإيمانية كانت هي الغالبة على المجتمع العباسي؛ إذ كان الزنادقة قلة إذا قيسوا بالمؤمنين الأتقياء. ثالثًا: حياة الترف واللهو: تدفقت الثروة وعم الرخاء في الدولة العباسية، فانغمس كثير من الخلفاء والأمراء في حياة الترف والمجون، بل أصبح الترف سمة امتازت بها حياة كثير من الناس في هذا العصر، وقد تجلت مظاهر الترف واللهو في عدة أمور أبرزها: أ - القصور المنيفة التي شيدت على أحسن طراز، فقد كانت قصور الأمراء والخلفاء مضرب الأمثال في رونقها وبهائها، وفخامة بنائها واتساعها، والحدائق التي تحيط بها. ب - شاع الغناء في هذا العصر، وكثر المغنون، حيث حفلت قصور الأمراء بالمغنين من الجواري، واشتهر من المغنين عدد غير قليل لعل أبرزهم إبراهيم بن إسحاق الموصلي. وحذا الأمراء والوزارء حذو خلفاء الدولة العباسية في الانغماس في حياة اللهو والترف، وقد أوجدت هذه الحالة جماعة متطوعة تنكر على الفساق ببغداد، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأثمرت حياة اللهو كذلك حياة مقابلة لها هي حياة الزهد التي سلكها بعض الناس. * * *
الفصل السادس الحياة الفكرية والعلمية في عصر الماتريدي
الفصل السادس الحياة الفكرية والعلمية في عصر الماتريدي كان الإسلام محور الحركة العلمية وأساسها الأول حتى أواخر العصر الأموي، فالعلوم التي يتدارسها المسلمون ويعنون بتدوينها وجمع مسائلها علوم دينية مادتها مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وغايتها خدمة الإسلام ودعم أصوله وأركانه. فمبنى الفقه على الكتاب والسنة الصحيحة، ومدار الحديث على أقوال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأفعاله المأثورة عنه، وأساس التاريخ سيرة النبي وغزواته. أما العلوم الدنيوية: كالطب والكيمياء فحظ المسلمين من الاشتغال بها قليل، واهتمامهم بها ضعيف، وأكثر من برعوا فيها واهتموا بها من غير المسلمين. أما الدولة العباسية فمعلوم لكل أحد أن الحركة العلمية نشطت في عصرها نشاطًا كبيرًا، وتنازعت العلوم الدِّينية والعلوم العقلية اهتمام المسلمين وعنايتهم، فكثر التدوين والتصنيف ورتبت مسائل العلوم، وميِّز كل علم عن غيره واستقل بموضوعه ومنهجه، واستحدثت علوم جديدة كعلم التفسير والحديث وأصول الفقه، وعني المسلمون بترجمة العلوم العقلية كالفلسفة والمنطق والرياضيات والطبيعة والكيمياء عن اليونان والهند. فلا غرو أن أثرى هذا النشاط الحركة العلمية في عصر الدولة العباسية -عصر الماتريدي- ثراء عظيمًا، حتى عد هذا العصر بحق العصر الذهبي للحضارة الإسلامية القائمة على العلم الدِّيني والدنيوي على سواء. ويمكننا أن نتلمَّس ملامح الحركة العلمية ونقف على آثارها ونتائجها ببيان أهم العلوم التي دونت في القرنين الثالث والرابع الهجريين. العلوم المدونة في القرنين الثالث والرابع الهجريين وعُني المسلمون منذ مطلع القرن الثالث الهجري بتدوين العلوم وجمع مسائلها وترتيب أبوابها، واتسعت دائرة اهتمامهم العلمي لتشمل إلى جانب العلوم الدِّينية العلوم العقلية، وفيما يلي نعرض بإيجاز لأبرز هذه العلوم: 1 - علم القراءات: القراءات: جمع قراءة، وهي في اللغة: مصدر سماعي لقرأ، وفي الاصطلاح: مذهب
يذهب إلى إمام من أئمة القراء مخالفا به غيره في النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات والطرق عنه، سواء أكانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيئتها. ونستطيع أن نقول: إن الدافع وراء اهتمام المسلمين بهذا العلم والتصنيف فيه خشية جماعة القراء من أن تتأثر قراءة القرآن باللكنة الأعجمية لا سيما بعد دخول الفرس في الإسلام أفواجًا، ومن ثم اهتم هَؤُلَاءِ بضبط القراءات القرآنية وجعلوها علمًا كسائر العلوم. وبرز في علم القراءات رجال كثيرون، من أشهرهم: 1 - عبد اللَّه بن عامر بدمشق، توفي 118 هـ. 2 - عبد اللَّه بن كثير بمكة (توفي: 120 هـ). 3 - أبو بكر عاصم بن أبي النجود بالكوفة، توفي 128 هـ. 4 - حمزة بن حبيب الزيات بالكوفة، توفي 156 هـ. 5 - أبو عمر بن العلاء المازني بالبصرة (توفي: 164 هـ). 6 - نافع بن أبي نافع بالمدينة (ت: 167 هـ)، وأخذ عنه أبو سعيد عثمان بن سعيد المصري الملقب بورش (توفي 197 هـ)، وهو الذي يقرأ له أهل المغرب. 7 - أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي بالكوفة، توفي 189 هـ. وهَؤُلَاءِ هم المعروفون بالقراء السبعة الذين فاقوا غيرهم في الإتقان والضبط، ويليهم في الشهرة: 8 - أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني، توفي 130 هـ. 9 - يعقوب بن إسحاق الحضرمي، توفي 205 هـ. 10 - خلف بن هشام البزار توفي 229 هـ. وقراءات ما عدا هَؤُلَاءِ العشرة قراءات شاذة. والحق أن أول من تتبع وجوه القراءات، وتقصى أنواع الشاذ منها، وبحث أسانيدها وميز فيها الصحيح من الموضوع هارون بن موسى القاري، (ت: 179 هـ). أما أول من صنف في القراءات فهو أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: 244 هـ). وخليق بنا أن نسجل في هذا المقام الملاحظة التالية، وهي أن أكثر القراء وأشهرهم وأبرز من دونوا في علم القراءات قد ظهروا في العصر العباسي، وفي الفترة التاريخية التي
نحن بصددها تحديدًا، عصر الماتريدي. ولا ريب أن تدوين القراءات وتأصيل مسائلها عاملٌ مهم أورث حركة التشريع الإسلامي شيئًا غير قليل من القوة والازدهار. 2 - علم التفسير: سيأتي بمشيئة اللَّه تعالى الكلام عن بيان مفهوم علم التفسير عند الحديث عن التفسير ومناهج المفسرين وكذلك سيأتي الحديث عن نشأة علم التفسير وتطوره، إلا أننا نقول هاهنا في عجالة سريعة إن علم التفسير نشأ في أول أمره فرعًا من فروع الحديث، حيث كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يفسر القرآن لأصحابه ويبين لهم معانيه الخافية عنهم، ثم عني الصحابة من بعده بتفسير القرآن، وأُثِرَتْ عنهم آراء كثيرة في التفسير وأقوال كانت أساسًا صالحًا قامت عليه المدارس التفسيرية فيما بعد. وقد تطور علم التفسير في عصر التابعين، فجاءت طبقة جمعت الأقوال التفسيرية المأثورة عن الصحابة والتابعين، شأنهم في ذلك شأن المحدثين، كما رحل بعض العلماء لجمع روايات التفسير من الأمصار المختلفة. ولم يلبث علم التفسير أن انفصل عن علم الحديث، في العصر العباسي، وقام المفسرون بترتيب الروايات التفسيرية وفق ترتيب السور والآيات، ويذكر ابن النديم: أن عمر بن بكير كان من أصحاب الفراء صاحب كتاب " معاني القرآن " المتوفى سنة 207 هـ، وكان منقطعًا إلى الحسن بن سهل، فكتب إلى الفراء أن الأمير الحسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرني فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولاً أو تجعل في ذلك كتابًا أرجع إليه، فقام الفراء بذلك فوضع كتابًا في التفسير. ثم وضع ابن جرير الطبري بعد ذلك تفسيرًا، عمادُه الروايات التفسيرية المأثورة عن الصحابة والتابعين، بيد أنه أضاف إلى تفسيره شيئًا من التفسير بالرأي. فمنذ ذلك التاريخ غدا القرآن الكريم معينًا خصبًا لكثير من العلوم، فعلماء النحو اعتمدوا عليه في استنباط القواعد النحوية، وألفوا كتبًا في إعراب المشكل من آياته، وعني أهل اللغة بتفسير مفرداته وشرح معانيه، كما عَوَّل عليه الفقهاء في بناء آرائهم وتأسيس مذاهبهم الفقهية، وصنفت كتب في تفسير آيات الأحكام، وأخذ العلماء يفسرون القرآن،
كل بما يتفق مع رأيه، حتى علماء الكلام أَوَّلُوا بعض الصفات بما يتفق مع آرائهم. 3 - الحديث وعلومه: علم الحديث هو علم يشتمل على أقوال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأفعاله وتقريراته وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها. ولم يدون الحديث النبوي الشريف تدوينًا منظمًا إلا منذ مطلع القرن الثاني الهجري وقبل هذا التاريخ كان الصحابة يكتبون منه ما استقامت لهم سبل الكتابة وتيسرت أسبابها، غير أن تدوينهم كان تدوينًا خلا من النظام والترتيب. ومن أشهر من كتب الحديث عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، حتى قال فيه أبو هريرة: " ما من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أحد أكثر مني حديثًا إلا ما كان من عبد اللَّه بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب ". ثم رأى عمر بن عبد العزيز - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن يجمع حديث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - جمعًا منظمًا ويدونه تدوينًا مستوعبًا، فكتب إلى عامله على المدينة أبي بكر مُحَمَّد بن عمرو بن حزم: " أن انظر ما كان من حديث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وسننه فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ". ومنذ ذلك التاريخ بدأت عناية المسلمين بتدوين الحديث تقوى وتشتد، وبرز في ميدان جمع الأحاديث أسماء كثيرة نذكرها بكل إجلال وتقدير، وتوزع هَؤُلَاءِ على الأمصار الإسلامية المختلفة: ففي مكة عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المتوفى سنة 150 هـ. وفي المدينة مُحَمَّد بن إسحاق المتوفى سنة 151 هـ، ومالك بن أنس المتوفى سنة 179 هـ. وبالبصرة الربيع بن صبيح المتوفى سنة 160 هـ وحماد بن سلمة المتوفى سنة 176 هـ. وفي الكوفة سفيان الثوري المتوفى سنة 161 هـ. وفي الشام الأوزاعي المتوفى سنة 157 هـ.
وفي اليمن معمر بن راشد المتوفى سنة 153 هـ. وفي خراسان عبد اللَّه بن المبارك المتوفى سنة 181 هـ. وبمصر الليث بن سعد المتوفى سنة 175 هـ. وكانت طريقتهم في التدوين تعتمد على وحدة الموضوع في أبواب منفصلة يحتوي كل باب على الأحاديث المتعلقة بالموضوع الواحد، فجمعت أحاديث الصلاة في باب، والزكاة في باب آخر، وهكذا. ومن أشهر هذه المصنفات موطأ الإمام مالك. ثم جاءت طبقة أخرى من علماء الحديث انتهجت نهجًا آخر، فكتبت السنة على طريقة المسانيد، وأساسها وحدة الراوي وإن اختلف الموضوع، ومن أشهر المسانيد مسند الإمام أحمد. وفي القرن الثالث الهجري جاءت طبقة أخرى، وجدت أمامها ثروة عظيمة من الأحاديث، فاتبعت أسلوب الانتقاء والاختيار، فألفت ما عرف بالصحاح، وأفردت الحديث عن غيره من فتاوى الصحابة وأقوالهم، وفي طليعة كتب الصحاح: صحيح البخاري المتوفى سنة 256 هـ، وصحيح مسلم المتوفي سنة 261 هـ، وحذا حذو البخاري ومسلم الإمام أبو داود المتوفى سنة 275 هـ، وأبو عيسى الترمذي المتوفى سنة 279 هـ، وابن ماجه المتوفى سنة 303 هـ وغيرهم. ووجد بجانب المحدثين فريق من العلماء توفروا على نقد رواة الحديث، وجرح بعضهم وتعديل البعض الآخر، وعرفوا بعلماء الجرح والتعديل. قال الذهبي: أول من زكى وجرح من التابعين -وإن كان قد وقع ذلك قبلهم- الشعبي وابن سيرين؛ حفظ عنهما توثيق أناس وتضعيف آخرين. وذلك لأن الصحابة كانوا عدولا، وكبار التابعين الآخذين عنهم كانوا ثقات، ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض فيه الصحابة وكبار التابعين ضعيف إلا الواحد بعد الواحد، كالحارث الأعور، والمختار الكذاب. فلما مضى القرن الأول، وجاء القرن الثاني، كان من أوساط التابعين جماعة من الضعفاء الذين كان ضعفهم من قبل تحملهم وضبطهم، فتراهم يرفعون الموقوف، ويرسلون كثيرا، ولهم غلط كأبي هارون العبدي.
فلما كان آخر عصر التابعين -وهو حدود الخمسين ومائة- تكلم في التوثيق والتضعيف أئمة. وقال صالح جزرة: أول من تكلم في الرجال شعبة، ثم تبعه يحيى بن سعيد القطان، ثم أحمد وابن معين. قال السيوطي: يعني أنه أول من تصدى لذلك، وإلا فقد سبقهم من الصحابة والتابعين من علمت. وألف في الجرح والتعديل أئمة في الحديث. منهم من ألف في الضعاف كالبخاري والنسائي والعقيلي والدارقطني وغيرهم. ومنهم من ألف في الثقات كابن حبان. ومنهم من ألف فيهما كالبخاري وابن أبي خيثمة، وابن أبي حاتم. ومن أشهر علماء الجرح والتعديل: يَحْيَى بن سعيد القطان المتوفى سنة 189 هـ، وعبد الرحمن بن مهدي المتوفى سنة 198 هـ، ويحيى بن معين المتوفى سنة 233 هـ، وأحمد بن حنبل المتوفى 241 هـ. 4 - علم الفقه: علم الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية. ظهرت فكرة كتابة بعض الأحكام الفقهية منذ عصر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعصر الخلافة الراشدة، غير أننا لا نستطيع أن نقول: إن علم الفقه ظهر في هذه المرحلة من تاريخ الإسلام؛ لأن هذه الكتابات -وإن سلمنا بوجودها- لا تمثل ظاهرة عامة جديرة بأن تؤسس علما مهما كعلم الفقه؛ له أصوله وقواعده، وغاية الأمر أن هذه الكتابات دليل على أن مسائل علم الفقه شغلت المسلمين منذ طور مبكر، وأنها كذلك إرهاص مؤذن لنشأة علم الفقه في مرحلة تالية، وإن كانت هي بذاتها لا تمثل علما ولا ترقى إلى رتبته، كما نفهم نحن مصطلح العلم من ضرورة أن يتاح له منهج في الدرس ومادة مجموعة ومسائل مرتبة وعلماء يتوفرون عليه. إن فكرة التدوين الفقهي المنظم وليدة القرن الثاني الهجري، حيث تدلنا المصادر
التاريخية على أن فقهاء المدينة قاموا بجمع فتاوى ابن عمر وعائشة وابن عَبَّاسٍ ومن بعدهم من كبار التابعين الذين ظهروا بالمدينة. وكذلك جمع فقهاء العراق فتاوى عبد اللَّه بن مسعود، وقضايا علي بن أبي طالب وفتاواه، وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة. وقد وضعت بعض المؤلفات الفقهية في هذا العصر، فقد ألف أبو حنيفة (الفقه الأكبر) وإبراهيم النخعي (فتاوى الشيوخ وآراؤهم)، وغيرهما. وكانت هذه المؤلفات تجمع بين الفقه والحديث. وهناك من ألف من الفقه مجردًا عن الحديث: كمُحَمَّد بن الحسن في كتبه الستة التي جمع فيها مسائل الأصول في مذهب إمامه أبي حنيفة وهي: المبسوط، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والزيادات، والسير الصغير، والسير الكبير، ومثل: المدونة التي رواها سحنون عن ابن القاسم عن الإمام مالك. وبجانب هذين النوعين من التدوين وجد تدوين المسائل الفقهيهة مصحوبًا بأدلتها من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، مثل كتاب الأم الذي رواه الربيع عن الإمام الشافعي. واستمر الفقه في التطور والازدهار حتى أصبح علمًا قائمًا على سوقه. 5 - علم أصول الفقه: لم يكن استنباط الأحكام في زمن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصدر الإسلام بحاجة إلى أكثر من الرجوع إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في حيانه وإلى أصحابه بعد مماته، ولكن لما بعدت الشقة بين الناس والعهد النبوي احتاج المسلمون إلى وضع العلوم وتأسيس مناهجها، ومن هذه العلوم أصول الففه. وقد أخذ الإمام الشافعي على عاتقه مهمة جمع قواعد علم أصول الفقه المبثوثة في بطون الكتب، والموجودة في سنة النبي وآثار الصحابة، ومن قبل ذلك وبعده من القرآن الكريم. والسبب الذي دفع الشافعي إلى كتابة علم أصول الفقه هو ما ذكره ابن خلدون حينما
قال: " لما وجد -أي الشافعي- الخلاف والنزاع مستمرًا بين فقهاء الحجاز وفقهاء العراق، أو بين أهل الحديث وأهل الرأي، ووجد أن أهل الرأي على جانب من قوة البحث والنظر، وأنهم أصحاب حجاج ولسن، وأهل جدال وشغب، وأنهم قد أسرفوا في الطعن على أهل الحديث وأئمتهم، والحط من قدرهم وقيمتهم، والرد على رأيهم ومذهبهم، ووجد كذلك أن جمهرة المحدثين، وبخاصة من كان موجودًا في العراق منهم على شيء غير يسير من الخمول والكسل، وضعف البحث والنظر، وفساد الاستدلال والجدل، وأنهم غير قادرين -القدرة التامة- على الانتصار لمذاهبهم والدفاع عن آرائهم، والرد على خصومهم، والصمود في وجوههم؛ بسبب عدم الإدراك الصحيح لمباحث أصول الفقه، وسوء التمييز بين الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، وما إلى ذلك من المباحث. لما وجد الأمر كذلك وأدرك حقيقة ما هنالك. . وضع مؤلفا جامعًا في أصول الفقه، يعين على فهم حقائقه، وإدراك دقائقه، ويكون القدرة على الاستدلال بأدلة الشرع، وبيان كيفية إثباتها ". وقد تتابع العلماء بعد الشافعي في تدوين مسائل هذا العلم، من هَؤُلَاءِ الإمام أحمد بن حنبل الذي ألف كتاب " الناسخ والمنسوخ ". 6 - تدوين علم النحو واللغة: كان لاتساع الفتوحات الإسلامية، ودخول الكثير من العجم في الإسلام، واختلاطهم بالعرب - الأثر البالغ على الملكة اللسانية العربية، فبدأ اللحن يتسرب إلى اللسان العربي، فخاف العلماء أن يتعرض القرآن الكريم للتحريف أو ينغلق فهمه على الناس، ومن ثم بادروا إلى وضع القواعد الضابطة للسان العربي من الانحراف وهو ما اصطلح على تسميته بـ " علم النحو ". وقيل: إن أبا الأسود الدؤلي هو أول من اشتغل بعلم النحو. وقيل: إنه تعلم أصوله عن الإمام علي، وأن سبب التفكير في وضعه هو تسرب اللحن إلى القرآن الكريم، ومن ثم، وضع علم النحو. وكانت مدرسة البصرة هي أولَى المدارس النحوية نشأة وأسبقها ظهورًا، تلتها مدرسة
الكوفة، وقد ألف تلاميذ المدرستين تآليف كثيرة، وتتابع الناس يكتبون في هذا العلم؛ حتى انتهى الأمر إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي أيام الرشيد، فهذب الصناعة، وكمل أبوابها، وأخذ عنه سيبويه، فكمل تفاريعها، واستكثر من أدلتها وشواهدها، ووضع فيها كتابه المشهور. وممن كتب في هذا الفن: الأصمعي، وأبو عبيدة، وأبو عمرو بن العلاء، وجميع من ذكرت من علماء البصرة، ومن أشهر علماء الكوفة الذين كتبوا في هذا الفن: الكسائي والفراء. وكما تسرب اللحن إلى تركيب الجملة تسرب أيضًا إلى الألفاظ، فاستعمل كثير من كلام العرب في غير موضعه، ومن ثم وجدت الحاجة إلى معاجم تحفظ المفردات اللغوية، حتى لا تندرس، فيترتب على ذلك جهل بالقرآن والحديث. ولذلك شمر علماء اللغة عن سواعدهم، وبدءوا يجمعون الكلمات العربية، ويحددون معانيها، فرحلوا إلى البادية واستقوا اللغة من منابعها الأولى، كما أخذوا عن عرب البدو الذين وفدوا إلى الحضر، وكان من أهم مصادرهم: القرآن الكريم، والشعر العربي الجاهلي والإسلامي الموثوق به. وقد تم جمع اللغة على مراحل ثلاث: المرحلة الأولى: جمع المفردات كيفما اتفق. المرحلة الثانية: جُمعت فيها الكلمات المتقاربة نوعًا من التقارب، أو ما لها موضع واحد. المرحلة الثالثة: جمع المعاجم، وذلك في أواخر القرن الثاني الهجري حين وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي منهج كتاب العين الذي حصر فيه مركبات حروف المعجم كلها من الثنائي، والثلاثي، والرباعي، والخماسي، ورتب أبوابه على حروف المعجم بالترتيب المتعارف عليه، واعتمد فيه على ترتيب المخارج، فبدأ بحروف الحلق ثم ما بعده حتى وصل إلى الحروف الشفوية، وجعل أحرُف العلة آخرًا، وبدأ من حروف الحلق بالعين؛ ولذلك سمى كتابه بـ " العين ".
وفي القرن الثالث الهجري انتشرت المعاجم الواسعة التي سار فيها أصحابها على طريقة الخليل بن أحمد من حيث ترتيب حروف المعجم على المخارج الصوتية والابتداء بحروف الحلق، ثم انتشرت المعاجم بعد ذلك في القرون التالية مصطنعة مناهج جديدة أكثر تيسيرًا، وموجود بين أيدينا الكثير منها الآن. 7 - الأدب: تطور الأدب كثيرًا في العصر العباسي، وبخاصة الشعر؛ حيث وجد شعراء مجددون في معاني القصيدة وديباجتها كأبي تمام؛ مما أدى إلى وجود نهضة أدبية وشعرية يمكن أن يقال عنها: إنها فاقت العصور السابقة. ولم ينل الأدب العناية في جمعه وتأليفه مثلما نالت اللغة، فقد كان جمع الأدب والشعر في العصور الإسلامية الأولى قائما على الانتقاء والاختيار لا الاستقصاء والشمولية؛ ولعل السبب في ذلك أنه لا يستطيع فرد أو أفراد أن يقوموا بذلك. وقد دون عدد من الكتب في الأدب ونقده في العصر العباسي؛ ككتابي أدب الكاتب، والشعر والشعراء لابن قتيبة، والكامل للمبرد، والبيان والتبيين للجاحظ، والنوادر لأبي علي القالي، وتعتبر هذه الكتب أركانًا في الأدب وعلومه. 8 - التاريخ والجغرافيا: كان الاعتماد في التاريخ -في بادئ الأمر- على السماع، فكان العرب يتناقلون أخبارهم وسير أجدادهم شفويًّا، ولكن لما جاء القرن الثاني الهجري أخذ البحث في التاريخ وتدوينه يأخذ جانبًا من اهتمام العلماء، وانصرف اهتمام المؤرخين في أول الأمر إلى السيرة النبوية، فكتب ابن إسحاق سيرة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وكان ذلك في منتصف القرن الثاني الهجري، وفي أواخر هذا القرن وضع هشام بن مُحَمَّد الكلبي والواقدي كثيرًا من المصنفات والرسائل التاريخية شملت العصور المختلفة، ثم جاء ابن هشام أواخر هذا القرن وبداية القرن الثالث فكتب سيرته الشهيرة المتناقلة بين الناس. وفي القرن الثالث تطور التاريخ تطورًا كبيرًا، فوجدت المصنفات الكبيرة، واتسعت
مادته باتساع حوادث الدولة الإسلامية، فوجدت مؤلفات في الحوادث، ومؤلفات في الأنساب، ومؤلفات في تاريخ الأمم والملوك، ومؤلفات في تاريخ الأديان: كاليهودية، والنصرانية، ومؤلفات في التراجم. ومن أشهر المؤلفات في القرن الثالث: كتاب الطبقات الكبرى لمُحَمَّد بن سعد المتوفي سنة 230 هـ، وكتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة المتوفي سنة 276 هـ، وكتاب فتوح البلدان للبلازدي المتوفي سنة 279 هـ، وكتاب الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدِّينوري المتوفي سنة 282 هـ، وكتاب تاريخ الأمم والملوك للطبري المتوفي سنة 310 هـ. ومعنى هذا أن القرن الثالث الهجري شهد نهضة في علم التاريخ لم تشهدها القرون السابقة وربما القرون اللاحقة؛ حيث الاعتماد على هذه المصنفات والمؤلفات في الغالب الأعم. أما في مجال الجغرافيا فقد بدأ التدوين فيه متأخرًا عن التاريخ، ويعتبر أبو القاسم عبيد اللَّه بن خرداذبة الذي عاش في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، وهو فارسي الأصل - يعتبر من أقدم علماء الجغرافيا، وقد ألف كتاب: المسالك والممالك. ثم تلاه اليعقوبي المتوفي سنة 282 هـ، وألف في ذلك كتاب: البلدان. 9 - علم الطب: كان لاختلاط العرب بالعجم أثر في تنمية المعارف، وبخاصة بعد عملية الترجمة التي ازدهرت في عصر الخليفة المأمون، ومن العلوم التي نقلها المسلمون عن الأمم الأخرى بفضل حركة الترجمة، علم الطب، فنبغ عدد غير قليل من الأطباء في عصر الرشيد، والمأمون، والمعتصم، وبخاصة عصر الواثق، وكانت مهنة الطلب يزاولها في بداية الأمر غير المسلمين من اليهود والنصارى وغيرهم، فاشتهر عصر الرشيد بختيشوع المتوفى سنة 244 هـ، وفي عهد المعتصم يحيى بن ماسويه المتوفى سنة 242 هـ. وفي عهد الواثق بدأ التأليف الفعلي لعلم الطب، فقد طلب من حنين بن إسحاق المتوفي سنة 270 هـ وضع كتاب في الطب، فألف كتابًا ذكر فيه الفرق بين الغذاء والدواء وغيرها من المسائل الطبية. ثم بدأت المصنفات تترى بعد ذلك، وبنيت المستشفيات في بغداد وغيرها.
الباب الثاني ترجمة الماتريدي
الباب الثاني ترجمة الماتريدي ويشتمل على عدة فصول: الفصل الأول: اسمه ولقبه وكنيته ونسبه ومولده ووفاته. الفصل الثاني: البيئة التي نشأ فيها الماتريدي. الفصل الثالث: شيوخه وأقرانه وتلاميذه. الفصل الرابع: قيمة الماتريدي العلمية.
الفصل الأول اسمه ولقبه وكنيته ونسبه ومولده ووفاته
الفصل الأول اسمه ولقبه وكنيته ونسبه ومولده ووفاته اسمه وكنيته: الماتريدي هو: مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن محمود بن مُحَمَّد أبو منصور الماتريدي. وأصل نسبته: ماتريت أو ماتريد وهي محلة من سمرقند، وأحيانًا تضاف نسبته إلى سمرقند، فيقال: أبو منصور مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن محمود الماتريدي السمرقندي، وكنيته: أبو منصور. ألقابه: لُقِّبَ الماتريدي بألقاب كثيرة نذكر منها: " إمام الهدى "، و " إمام المتكلمين "، و " مصحح عقائد المسلمين "، و " رئيس أهل السنة "، وهي ألقاب تومئ إلى ما له من مكانة مرموقة في نفوس مؤرخيه على قلتهم، كما تدل على منزلته العلمية الممتازة بين أصحابه. نسبه: قيل: إن نسب الماتريدي يرجع إلى أبي أيوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، وهذه النسبة تشريف له، ودليل على علو قدر أسرته وشرف نسبه؛ إذ إنها تنتهى إلى أبي أيوب الأنصاري، وهو الذي نزل عليه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حين هاجر إلى المدينة. لهذا يذكره البياضي فيقول: الإمام أبو منصور مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن محمود الماتريدي الأنصاري. وترجح هذه النسبة لدينا؛ لأن أحد شيوخ الماتريدي وهو أبو نصر العياضي من نسل ابن عبادة الأنصاري، وكذلك جاء في كتاب السمعاني أن أم القاضي الإمام أبي الحسن
علي بن الحسن وهو من سلالة أبي أيوب الأنصاري كانت بنت الإمام أبي منصور الماتريدي، ولا شك أن شرفاء العرب كانوا يراعون الكفاءة في الزواج في البلاد النائية. والحقيقة أن كتب التراجم لا تعطينا شيئًا عن أسرة الماتريدي غير ما ذكره الدكتور خليف في مقدمة تحقيق كتاب التوحيد للماتريدي، فقد ذكر أن الأستاذ " تربتون " ذهب إلى أن مؤلف كتاب " نقض المبتدعة عن السواد الأعظم على طريقة الإمام أبي حنيفة " - هو أبو القاسم إسحاق بن مُحَمَّد الماتريدي (342 هـ) وربما يكون شقيق الماتريدي، وأنه تتلمذ على يد الإمام المانريدي، ولا يستبعد الدكتور خليف أن يكون تتلمذ على يده، لكنه يستبعد أن يكون شقيقه، ويرى أن المقصود هو القاضي أبو القاسم إسحاق بن مُحَمَّد بن إسماعيل الشهير بالحكيم السمرقندي. ولعل الذي ذهب إليه الدكتور خليف هو الأقرب إلى الصواب؛ إذ إن المؤرخين لا يذكرون شيئًا عن هذه القرابة، ولا يعني مجرد الاشتراك في النسبة (الماتريدي) أنهما شقيقان؛ لأنها نسبة إلى الموطن وليست إلى العائلة أو القبيلة، ولقد عُرِفَ أكثر من شخص بالماتريدي، مثل القاضي الماتريدي الحسين الذي كان رفيقًا لأبي شجاع وإليه انتهت رئاسة أصحاب الإمام. إذن فالباحث عن أسرة الماتريدي يجد صعوبة بالغة، وقد لا يهتدي إلى شيء ذي قيمة؛ نظرًا لإهمال المصادر التاريخية لذلك وسكوتها عنه. مولده: لم تذكر المصادر التاريخية شيئًا نطمئن إليه عن تاريخ مولد الماتريدي، ولكن نستطيع أن نتلمس مولده في العقد الرابع من القرن الثالث الهجري، وعلى وجه التحديد في عهد المتوكل (232 - 247 هـ)، وبهذا يكون مولده متقدمًا على مولد أبي الحسن الأشعري ببضع وعشرين سنة على الأقل؛ إذ ولد الأشعري سنة 260 هـ، وقيل: سنة 270 هـ. ويرجح كون مولده في عهد المتوكل أن هناك شيخين من شيوخه هما: مُحَمَّد بن
مقاتل الرازي، ونصير بن يحيى البلخي، مات الأول منهما سنة 248 هـ، وتوفي الثاني سنة 268 هـ؛ أضف إلى هذا أن من أقرانه من توفي سنة 268 هـ وهو مُحَمَّد بن عبد اللَّه بن المغيرة بن عمرو الأزدي. ويعني هذا أن الماتريدي قد ولد قبل عام 248 هـ بوقت يسمح له بتلقي العلم عن شيخه الذي مات في تلك السنة. ومن خلال ما سبق يمكننا القول: إن الماتريدي قد يكون ولد في العقد الرابع من القرن الثالث الهجري، أي ما بين سنة 233 هـ وحتى سنة 240 هـ؛ لأنه كما سبق أن قررنا منذ قليل -اعتمادًا على رواية وفيات الأعيان- أنه ولد قبل الأشعري ببضع وعشرين سنة، وقيل في إحدى الروايات: إن الأشعري ولد سنة 260 هـ، وبضم هذه الرواية إلى الرواية الأخرى التي ذكرت أن وفاة شيخه مُحَمَّد بن مقاتل كانت سنة 248 هـ يتبين لنا صحة ما ذهبنا إليه، فقد يكون سنه على أقصى تقدير يوم وفاة شيخه خمسة عشر عامًا، وعلى أدنى تقدير ثماني سنوات، ولا يعقل أن يكون الماتريدي قد بدأ في تلقي العلم قبل الثامنة من عمره؛ لأنه وقتها يكون صغيرًا جدَّا، وعلى فرض صحة ذلك فإنه لا يكون على أيدي الشيوخ الكبار أمثال الشيخ مُحَمَّد بن مقاتل، بل يكون على أيدي شيوخ صغار؛ حيث يبدأ الطفل في حفظ القرآن الكريم أولاً، وشيئًا من الحديث والشعر العربي، وعلى أقصى تقدير بعض مبادئ العلوم. وفاة الماتريدي وضريحه: اتفقت معظم كتب التراجم على أن الماتريدي توفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة بعد الهجرة، بينما ذكر صاحب كشف الظنون أنه توفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة، ويقطع بهذا بعض المؤرخين المحدثين، أما طاش كبرى زاده فيذكر أنه مات سنة ست وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة، ولكن الصحيح المشهور هو الأول وهو ما أجمع عليه أصحاب الطبقات، وهو سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
الفصل الثاني البيئة التي نشأ فيها الماتريدي
الفصل الثاني البيئة التي نشأ فيها الماتريدي عرفنا في الفصل السابق أن الماتريدي قد يكون ولد في العقد الرابع من القرن الثالث الهجري، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة، ومعنى هذا أن الماتريدي عاش في الفترة ما بين أواخر النصف الأول من القرن الثالث والنصف الأول من القرن الرابع، وكان ذلك في مدينة سمرقند التي تقع في إطار الدولة السامانية، والتي أشرنا إلى طرف من تاريخها في الفصل الثالث من الباب الأول، وقد رأينا أن نتمم ذلك بهذه الدراسة الموجزة لمدينة سمرقند التي نشأ فيها الماتريدي. تاريخ سمرقند: وسمرقند -بفتح السين والميم- ويقال لها: سمران: بلد معروف مشهور، قيل: إنه من أبنية ذي القرنين بما وراء النهر. قال أبو عون: سمرقند في الإقليم الرابع، طولها تسع وثمانون درجة ونصف، وعرضها ست وثلاثون درجة ونصف. وقال الأزهري: بناها شمر أبو كرب، فسميت شمر كنت، فعربت فقيل: سمرقند. وقيل: إن سمرقند من بناء الإسكندر، واستدارة حائطها اثنا عشر فرسخًا، وفيها بساتين ومزارع وأرجاء، ولها اثنا عشر بابًا، من الباب إلى الباب فرسخ، وعلى السور آزاج، وأبرجة للحرب، والأبواب الاثنا عشر من حديد، وبين كل بابين منزل للنواب، فإذا جزت المزارع صرت إلى الربض، وفيه أبنية وأسواق. صفة سمرقند: وأيًّا من كان الذي بني مدينة سمرقند، فإنها مدينة عظيمة، من أعظم مدن أوزبكستان في الاتحاد السوفيتي سابقًا، وهي بلد ثري جليل عتيق، ومصر بهي رشيق، رضي كثير الرقيق، وماء غزير بنهر عميق، بناء قوي سني وثيق، ودرس كثير لأهل الفريق، وعيش هنيء إليها الطريق، وحمل المتاع من كل فج عميق، وعلوم كثيرة وصدر نفيق، وخيل ورجال ومال دقيق، ذو رساتيق جليلة ومدن نفيسة وأشجار وأنهار، وتجار، في الصيف
جنة، أهل جماعة وسنة، ومعروف وصدقة، وحزم وهمة، غير أن في أهلها وهوائها بردًا، جفاة مع الغرباء، بلية في الشتاء، يشغبون على الأمراء، وفيهم نفخ وعجب ومراء، جيدة الجواري ردية الغلمان. وليس غريبًا أن تكون سمرقند بهذا الوصف، فقد ذكر أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن مدينة خلف نهر جيحون تدعى سمرقند، ثم قال: لا تقولوا: سمرقند، ولكن قولوا: المدينة المحفوظة، فقال أناس: يا أبا حمزة ما حفظها؟ فقال: أخبرني حبيبي رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن مدينة بخراسان خلف النهر تدعى المحفوظة، لها أبواب على كل باب منها خمسة آلاف ملك يحفظونها يسبحون ويهللون، وفوق المدينة خمسة آلاف ملك يبسطون أجنحتهم على أن يحفظوا أهلها، ومن فوقهم ملك له ألف رأس وألف فم وألف لسان ينادي: يا دائم، يا دائم، يا اللَّه يا صمد، احفظ هذه المدينة، وخلف المدينة روضة من رياض الجنة وخارج المدينة ماء حلو عذب، من شرب منه شرب من ماء الجنة، ومن اغتسل فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وخارج المدينة على ثلاث فراسخ ملائكة يطوفون يحرسون رساتيقها، ويدعون اللَّه بالذكر لهم، وخلف هَؤُلَاءِ الملائكة واد فيه حيات وحية تخرج على صفة الآدميين، تنادي يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، ارحم هذه المدينة المحفوظة، ومن تعبد فيها ليلة تقبل اللَّه منه عبادة سبعين سنة، ومن صام فيها يومًا فكأنما صام الدهر، ومن أطعم فيها مسكينًا لا يدخل منزله فقر أبدًا، ومن مات في هذه المدينة فكأنما مات في السماء السابعة ويحشر يوم القيامة مع الملائكة في الجنة. وزاد حذيفة بن اليمان في رواية: ومن خلفها قرية يقال لها: قطوان يبعث منها سبعون ألف شهيد كل شهيد منهم في سبعين من أهل بيته. وهذا الحديث في كتاب الأفانين للسمعاني، بيد أني لم أعثر له على إسناد ولم أجده في كتب الحديث المعتمدة. وللحق فقد كثر الواصفون لسمرقند حتى لقد استهوت الشعراء واستحفزت قريحتهم، منهم أحد ظرفاء العراق الذي كتب: وليس اختياري سمرقند محلة ... ودار مقام لا اختيار ولا رضا
ولكن قلبي حلَّ فيها فعاقني ... وأقعدني بالصغر عن فسحة الفضا وإني لممن يرقب الدهر راجيًا ... ليوم سرور غير مغرى بما مضى وقال البستي: للناس في أخراهم جنة ... وجنة الدنيا سمرقند يا من يسوي أرض بلخ بها ... هل يستوي الحنظل والقند دخول الإسلام سمرقند: وأول من دخل سمرقند من المسلمين وفتحها هو سعيد بن عثمان عندما ولي خراسان من جهة معاوية سنة خمس وخمسين من الهجرة، فقد عبر النهر ونزل عليها محاصرًا، لكنه تركها، ومن ثم قال يزيد بن مفرغ يمدح سعيد بن عثمان وكان قد فتحها: لهفي على الأمر الذي ... كانت عواقبه الندامه تركي سعيدًا ذا الندى ... والبيت ترفعه الدعامه فتحت سمرقند له ... وبنى بعرصتها خيامه وتبعت عبد بني علا ... ج تلك أشراط القيامه وفي سنة سبع وثمانين من الهجرة عبر قتيبة بن مسلم الباهلي النهر وغزا بخارى والشاش ونزل على سمرقند، وهي غزوته الأولى، ثم غزا ما وراء النهر عدة غزوات في سنين سبع، وصالح أهلها على أن له ما في بيوت النيران وحلية الأصنام، فأخرجت إليه الأصنام وأمر بتحريقها، فقال سدنتها: إن فيها أصنامًا من أحرقها هلك، فقال قتيبة: أنا أحرقها بيدي، وأخذ شعلة نار وأحرقها، فاضطرمت، فوجد بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب خمسين ألف مثقال. ويمكن أن نقول: إن الماتريدي عاش في عصر الدولة السامانية التي وليت سمرقند ما بين 261 - 389 هـ، وكان ملوكها أحسن الملوك سيرة وإجلالاً للعلم وأهله كما أشرنا من قبل. لقد نشأ الماتريدي في هذه المدينة التي تتمتع بخصائص ومميزات، سواء من ناحية طبيعتها، أو أهلها، أو حتى حكامها، وهذه أمور تساعد على تحصيل العلم والبروز فيه،
وقد استفاد الماتريدي من مميزات نشأته في هذه البيئة فبرز في علوم شتى، أهمها: العقيدة، والتفسير فكان واحد عصره إمام دهره. موقع سمرقند الجغرافي وحدودها: تقع سمرقند في القارة الآسيوية، وكانت عاصمة لبلاد الصغد فيما وراء النهر، وتقع خلف نهر جيحون على الضَّفة الجنوبية منه، وتقع بخارى على الضفاف السفلى من هذا النهر، ويتبع سمرقند مدن: كرمانة، ودبوسية، وأشروسنة، والشاس، وتخسانجكث. ولها حصن استدارة حائطه اثنا عشر فرسخًا في أعلاه أبرجة للحرب، وكان لها أربعة أبواب: باب مما يلي المشرق يعرف بباب الصين، مرتفع من جهة الأرض، ينزل إليه بدرج مطل على وادي الصغد، وباب مما يلي المغرب ويعرف بباب النوبهار، وباب مما يلي الشمال يعرف بباب بخارى، وباب مما يلي الجنوب يعرف بباب كش. سمرقند إداريًّا: خضعت سمرقند بعد الفتح الإسلامي لحكم الدولة الأموية، ولما سقطت الدولة الأموية صارت إلى الدولة العباسية، حتى جاء عصر الدويلات، فتبادلت عليها ممالك عدة، حتى خضعت لحكم السلاجقة كسائر بلاد ما وراء النهر، ثم خضعت للمغول حتى أجلتها الروس بعد غزوها عام 1875 م، فأصبحت خاضعة من الناحية الإدارية للاتحاد السوفيتي سابقًا، وهي الآن أصبحت تابعة لجمهورية أوزبكستان. الحركة الثقافية في سمرقند: تمتعت سمرقند بمكانة علمية وثقافية مرموقة، فقد خرج منها علماء أفذاذ في تاريخ الإسلام، كانت لهم بصمتهم الواضحة في الفكر الإسلامي، بل والإنساني، من أمثال: البخاري، ومسلم، وأبي زيد الدبوسي، وآل البزدوي، والكاساني، وعبد اللَّه النسفي، وأبي الحسن الكرخي، والجصاص الرازي، وأبي بكر الشاشي وغيرهم من قادة الفكر الإسلامي، ممن لا يتسع المقام لذكرهم. هذه هي البيئة التي نشأ فيها الماتريدي، وهي بيئة -من غير شك- تساعد على مدارسة العلم وتحصيله والنبوغ فيه، ولقد كان لها أكبر الأثر في نبوغ صاحبنا الماتريدي.
الفصل الثالث شيوخه وتلاميذه وأقرانه
الفصل الثالث شيوخه وتلاميذه وأقرانه أولاً: شيوخه: إن المصادر التي تحدثت عن هذا الإمام في تلقيه للعلوم والمعارف إنما تحدثت عن الصلة القوية بمدرسة الرأي، تلك المدرسة التي تتصل حلقاتها وتأثرها بالإمام المبجل أبي حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى التيمي الكوفي المولود سنة ثمانين في حياة بعض الصحابة، تلقى علومه على عطاء بن أبي رباح والشعبي والأعرج وابن دينار وخلق كثير، قال فيه الإمام الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، وقال علي بن عاصم: لو وزن علم الإمام أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح عليهم، وتوفي شهيدًا سنة خمسين ومائة وله سبعون سنة. ولقد تتلمذ الشيخ أبو منصور الماتريدي على يد علماء كبار، ذكرت منهم كتب التراجم أربعة علماء يحتلون مكانة بارزة بين أعلام الفقه الحنفي وبين علماء زمانهم وهم: 1 - أبو نصر العياضي: أحمد بن العباس بن الحسين بن جبلة بن غالب بن جابر بن نوفل بن عياض بن يَحْيَى ابن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي الفقيه السمرقندي. قال في الجواهر المضيَّة عن أبي منصور الماتريدي: تخرج بأبي نصر العياضي، وأبو نصر العياضي ينتسب إلى الأنصار الذين ينتسب إليهم الماتريدي، وهو من أهل العلم والجهاد، لم يكن يضاهيه لعلمه وورعه وجلادته وشهامته أحد، استشهد وخَلَّفَ أربعين رجلاً من أصحابه كانوا من أقران الماتريدي، وله ولدان فقيهان فاضلان: أبو بكر مُحَمَّد، وأبو أحمد.
وذكره أبو المعين النسفي بـ في كتابه " التبصرة " قائلاً: كان أبو نصر العياضي يحرص أشد الحرص على جهاد أعداء اللَّه الكفرة، وكان من أشجع أهل زمانه وأربطهم جأشًا وأشدهم شكيمة، وكان في العلم بحرًا لا يدرك قعره، أما في الفروع والأصول فلا يدانيه غيره، ومن نظر في كتابه المصنف، في مسألة الصفات، وما أتى فيه من الدلائل على صحة قول أهل الحق وبطلان قول المعتزلة عرف تبحره في ذلك. وقال أبو القاسم الحكيم السمرقندي: ما أتى الفقيه أبا نصر العياضي أحد من أهل البدع والأهواء، وأولى الجدال والمراء في الدِّين بآية من القرآن يحتج بها عليه لمذهبه - إلا تلقاها أبونصر العياضي مبتدئًا بما يفحمه ويقطعه. وقد تفقه أبو نصر العياضي على الإمام أبي بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني، تلميذ سليمان بن موسى الجوزجاني، وتفقه عليه جماعة منهم ولداه. 2 - أبو بكر أحمد الجوزجاني: الجوزجاني من رجال القرن الثالث الهجري، روى عنه أبو منصور الماتريدي، وقد تتلمذ أبو بكر أحمد الجوزجاني على أبي سليمان الجوزجاني، وكان في أنواع العلوم في الذروة العالية، ومن مصنفاته: (الفروق)، و (التمييز)، و (التوبة) وغيرها. 3 - مُحَمَّد بن مقاتل الرازي: مُحَمَّد بن مقاتل هو قاضي الري، رُويَ عن أبي مطيع، وقال الذهبي: إنه حدث عن وكيع وطبقته. وقيل: تفقه على أبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي. 4 - نصير بن يَحْيَى البلخي: وقد تفقه على الإمام أبي سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني، وأبي مطيع الحكم بن عبد اللَّه البلخي، وأبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي. ونظرة عامة إلى شيوخ الماتريدي تبين لنا أنهم جميعًا يرجعون في علمهم إلى الإمام أبي حنيفة، فأبو بكر الجوزجاني ونصير البلخي تفقها على الإمام سليمان بن موسى بن
سليمان الجوزجاني الذي تفقه بدوره على أبي يوسف ومُحَمَّد بن الحسن الشيباني تلميذي أبي حنيفة، كما أن مُحَمَّد بن مقاتل الرازي ونصيرًا البلخي قد تفقها على الإمامين: أبي مطيع الحكم بن عبد اللَّه البلخي، وأبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي اللذين تفقها على الإمام أبي حنيفة، وأخذ مُحَمَّد بن مقاتل أيضًا عن مُحَمَّد بن الحسن. ويدلنا ذلك على أن أساتذة الماتريدي وشيوخه يتبعون في الفقه مذهب أبي حنيفة، ومن ثم فهو يعتبر متخرجًا من مدرسة أبي حنيفة وعلى يد أعلام المذهب الحنفي، ولا أدل على ذلك من أنه كان يتبع المذهب الحنفي في الفقه، وبلغ فيه شأوًا عظيمًا بين أقرانه. وفيما يلي نبين في عجالة أبرز الصلات بين أبي حنيفة والماتريدي، وهي صلات علمية ومذهبية وكلامية. وأول هذه الصلات ما نراه عند الماتريدي من آراء أبي حنيفة الكلامية، فقد كان لأبي حنيفة آراء كلامية، فلقد روي عنه في علم الكلام موقفان: الأول: يروى أن أبا حنيفة نظر في علم الكلام في مبدأ طلبه للعلم، وبلغ في معرفة أصوله ومذاهبه مبلغًا عظيمًا حتى غدا يشار إليه بالبنان، فمضى عليه زمن يخاصم عنه ويناضل؛ حتى دخل البصرة؛ لأن أكثر الفرق بها، وأخذ ينازع تلك الفرق؛ لأنه كان يعد الكلام أرفع العلوم وأفضلها؛ لكونه في أصول الدِّين. أما الموقف الثاني: فيتمثل في انصراف الإمام أبي حنيفة عن الكلام وانشغاله بالفقه الذي ذاع صيته فيه، واشتهر به، ولقد ذكر عنه أنه نهى عن الخوض في علم الكلام والاشتغال به، وأنه ذكر أن الصحابة والتابعين لم يكونوا يشتغلون بعلم الكلام مع أنهم عليه أقدر وبه أعرف، بل نهوا عنه أشد النهي، ولم يخوضوا إلا في الشرائع وأبواب الفقه وتعليم الناس، ومن ثم انصرف أبو حنيفة عن الكلام إلى الفقه. ويمكن القول: إن الماتريدي قد استفاد من آراء أبي حنيفة الكلامية التي دونها في رسائله: كالفقه الأكبر، والفقه الأوسط، والعالم والمتعلم، ورسالته إلى أبي مسلم، وهي رسائل صغيرة، اشتملت -وخاصة رسالة الفقه الأكبر- على بيان عقيدة أهل التوحيد، وما يصح الاعتقاد عليه، وبعض الأدلة لبعض القضايا الكلامية، ونفي الإرجاء.
ولا يغيب عنا في هذا المقام مناظرات أبي حنيفة مع المخالفين في العقيدة. ولما انصرف أبو حنيفة إلى الفقه استفاد منه الماتريدي أيضًا، غير أن هناك قضايا كلامية كثيرة نشبت ولم يبد أبو حنيفة فيها رأيًا أو جاءت بعد عصره، فخاض فيها الماتريدي ونقد آراء المخالفين، وعالج قضايا لم تكن موجودة مثل قضية المعرفة، كما كتب بحثًا تفصيليًّا عن الصفات وإثبات التوحيد، واستخدام العقل في ذلك، كذلك كان علم الكلام غير مقبول عند أهل السنة قبل الماتريدي، فجاء الماتريدي وأسس منه علمًا قائمًا على سوقه يلقى تأييدًا ويجد قبولاً لدى علماء أهل السنة. وخلاصة القول: إنه إذا كان يرجع لأبي حنيفة الفضل في القيام بأول محاولة لإقامة مذهب كلامي على اعتقاد أهل السنة، فإن للماتريدي فضل إقامة مذهب متكامل أيده بالحجة والبرهان للتعبير عن اعتقاد أهل السنة، ولكن يبقى الماتريدي منتسبًا إلى أبي حنيفة ومدرسته. ثانيًا: تلاميذه: قد تتلمذ على يد الشيخ أبي منصور الماتريدي كثيرون، صاروا شيوخًا وعلماء كبارًا، وأسهموا في نهضة الحياة الفكرية والثقافية والعلمية في العالم الإسلامي. ومن هَؤُلَاءِ الذين تخرجوا بأبي منصور الماتريدي: 1 - إسحاق بن مُحَمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن زيد، أبو القاسم القاضي الحكيم السمرقندي. قال عنه أبو سعد السمعاني: روى عن عبد اللَّه بن سهل الزاهد، وعمرو بن عاصم المروزي، وتفقه بأبي منصور الماتريدي. وقد تولى إسحاق قضاء سمرقند أيامًا طويلة، وحمدت سيرته، ولقب بـ " الحكيم "؛ لكثرة حكمته ومواعظه. ورُويَ عنه عبد الكريم بن مُحَمَّد الفقيه السمرقندي في جماعة. وقد توفي - رحمه اللَّه - في شهر المحرم يوم عاشوراء، سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة
بسمرقند، ودفن بها. وذكر صاحب الطبقات السنية آخر يسمى إسحاق بن مُحَمَّد أبو القاسم المعروف بـ " الحكيم السمرقندي "، ثم قال: أخذ عن الماتريدي الفقه والكلام، ثم قال: ذكره في الجواهر، وقال: أظنه الذي قبله. والراجح أنهما شخص واحد؛ لأمرين: الأول: تطابق الاسمين. الثاني: أن الشيخ المأخوذ عنه في كلتا الحالتين هو الماتريدي. وقد جمع صاحب الفوائد البهية في ترجمة الحكيم السمرقندي بين ما ورد فيها في الجواهر المضيَّة وما جاء في الطبقات. 2 - عبد الكريم بن موسى بن عيسى أبو مُحَمَّد الفقيه البزدوي النسفي. قال عنه في الطبقات: تفقه على الإمام أبي منصور الماتريدي، وسمع من منصور أبي طلحة البزدوي صاحب البخاري، وبالبصرة من أبي علي اللؤلؤي، وحدث، وكان زاهدًا مفتيًا، رُويَ عنه أهل سمرقند. وقد توفي - رحمه اللَّه - في شهر رمضان سنة تسعين وثلاثمائة. 3 - أبو عبد الرحمن بن أبي الليث البخاري: قال عنه في الجواهر: صاحب أبي القاسم إسحاق بن مُحَمَّد المعروف بـ " الحكيم "، وأستاذهما أبو منصور الماتريدي، وعنه أخذ علم الكلام والفقه. ولم نعرف له سنة وفاة. ثالثًا - أقرانه: ومن أقران الماتريدي الذين صاحبوه في أثناء رحلته لطلب العلم وزاملوه: 1 - علي بن سعيد، أبو الحسن الرُّسْتُغْفَنيُّ، وهو من كبار مشايخ سمرقند، ومن
أصحاب الماتريدي الكبار، وله ذكر في الفقه والأصول في كتب أهل الطبقات، وهو منسوب إلى إحدى قرى سمرقند. ولعلي بن سعيد عدة مؤلفات، منها: " إرشاد المهتدي "، و " الزوائد والفوائد ". وقد وقع خلاف بينه وبين الماتريدي حول مسألة المجتهد إذا أخطأ في إصابة الحق: فهو عند أبي منصور يكون مخطئًا في الاجتهاد، وعند أبي الحسن يكون مصيبًا فيه. 2 - مُحَمَّد بن أسلم بن مسلمة بن عبد اللَّه بن المغيرة بن عمرو بن عوف الأزدي، وكنيته: أبو عبد اللَّه، ولي قضاء سمرقند في أيام نصر بن أحمد بن أسد بن سامان الكبير. وقد توفي في شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وستين ومائتين. 3 - مُحَمَّد بن اليمان، وكنيته: أبو بكر، الملقب بالسمرقندي الإمام، قال عنه في الجواهر: من طبقة الماتريدي. صاحب كتاب " معالم الدِّين "، وله كتاب " الرد على الكرامية ". ومن خلال دراسة شيوخ الماتريدي وتلاميذه وأقرانه نتبين أن بيئة الماتريدي كانت غَاصَّةً بالعلماء الكبار من ذوي القدر والسبق، كما يتضح لنا طبيعة الحياة العلمية والفكرية والثقافية الحافلة التي كان يعيشها هذا العالم الجليل أبو منصور الماتريدي، ومدى ما بلغته من نضج وازدهار. * * *
الفصل الرابع قيمة الماتريدي العلمية
الفصل الرابع قيمة الماتريدي العلمية تبين لنا مما سبق أن الماتريدي تعلم على أيدي علماء كبار ينتسبون إلى أبي حنيفة، وأنه قد استفاد من آراء أبي حنيفة الكلامية، ولكنه لم يكن مجرد شارح ومفصل لطريقة أبي حنيفة، بل كان مبتكرًا، له منهجه الخاص به ومذهبه المغاير للمذاهب الكلامية الشائعة آنذاك، ومن ثم فإن علم الكلام استوى على سوقه على يد الماتريدي. ولكي نتعرف قيمة الماتريدي العلمية لابد أن نعرض لأمرين: أولاً: مصنفاته: لم يكن الماتريدي متكلمًا فحسب، بل كان فقيهًا مفسرًا، ولعل أبرز ما يدل على علمه الواسع تلك الآثار والمصنفات الجليلة التي خلفها لنا، وهي على النحو الآتي: 1 - مصنفاته في التفسير والتأويل: وفي هذا المجال ذكرت له كتب الطبقات كتابًا يسمى: " تأويلات أهل السنة " ذكره بهذا العنوان صاحب كتاب كشف الظنون وهو الكتاب الذي نقدم له ونقوم بتحقيقه. وقد عنونت له نسخة كوبريلي بـ " تأويلات أبي منصور الماتريدي في التفسير "، ويقول السمرقندي في مقدمة شرح هذا الكتاب: كتاب التأويلات المنسوب إلى الشيخ إمام الملة أبي منصور مُحَمَّد بن أحمد الماتريدي السمرقندي. وذكره أصحاب التراجم والطبقات تحت عنوان " تأويلات القرآن "، وتحمله نسخ موجودة في تركيا وألمانيا ودمشق والمدينة المنورة وطشقند والمتحف البريطاني. وذكر صاحب كشف الظنون كتابًا آخر يحمل عنوان: (تأويلات الماتريدية في بيان أصول أهل السنة وأصول التوحيد)، جاء في وصفه له أنه أخذه عنه أصحابه المبرزون تلقفًا؛ ولهذا كان أسهل تناولًا من كتبه، جمعه الشيخ الإمام علاء الدِّين مُحَمَّد بن أحمد ابن أبي أحمد السمرقندي صاحب " تحفة الفقهاء " في ثمانية مجلدات.
وعلى هذا فكتاب (تأويلات أهل السنة) غير كتاب (تأويلات الماتريدية) عند حاجي خليفة صاحب كشف الظنون. وبمراجعة بعض نسخ التأويلات المنسوبة للماتريدي تبين لنا: 1 - أن نسخة دار الكتب المصرية التي تحمل عنوان (تأويلات أهل السنة) ينقص منها الورقة الأولى، ولكن الثانية توافق ما يقابلها من نسخة كوبريلي. 2 - أن نسخة مكتبة علي باشا كاملة غير أنها لا تذكر شيئًا عن المؤلف، وتحمل اسم (تأويلات القرآن)، وتبين من المراجعة أن نسختي دار الكتب المصرية ونسخة مكتبة علي باشا مأخوذتان عن كتاب واحد، والخلاف فقط في التسمية. ويتضح من هذا أن هاتين النسختين هما كتاب واحد، فالاختلاف بينهما لا يعدو الاختلاف في الاسم، وهو للماتريدي. أما (تأويلات الماتريدية) الذي ذكره صاحب كشف الظنون، وذكر أن تلامذته تلقفوه عنه، فهو على ما ذكر حتى وإن أسند في بعض نسخه إلى الماتريدي؛ لأنه أسهل تناولًا من كتبه المصنفة، كما يؤكد ذلك مراجعة نسخة دار الكتب المصرية على الجزء الأول من نسخة (تأويلات الماتريدية). أما ما ذكره الشيخ علاء الدِّين في مقدمته من أن الكتاب المسمى بـ (تأويلات القرآن أو تأويلات أهل السنة) ليس مما صنفه الماتريدي بنفسه وإنما أخذه عنه أصحابه تلقفًا، فهذا يخالف ما ذكرناه سابقًا، ويخالف ما يقرره الواقع، وما تكشفه الموازنة بين أسلوب الكتاب وكتاب التوحيد الذي اتفق المؤرخون جميعًا على أنه من تأليف الماتريدي، أضف إلى هذا أن وحدة المنهج ووحدة الأسلوب تكشفان عن أن الكتاب من عمل واحد لا جماعة. وعلى هذا فكتاب (تأويلات أهل السنة) الذي نقوم بتحقيقه هو لأبي منصور الماتريدي السمرقندي. 2 - مصنفاته في علم الكلام: صنف الماتريدي - رحمه اللَّه - عدة كتب في مجال علم الكلام ذكرتها المصادر،
منها: - كتاب: (التوحيد) مخطوط بمكتبة جامعة كامبردج، رقم 398، 3651 وقد طبع بمطبعة الجامعة بتحقيق الدكتور/ خليف. - كتاب: (المقالات) مخطوط في مكتبة كيرولو باستانبول، رقم 856، وهناك نسخة ناقصة منه بمكتبة إيمنينول باستانبول. أيضًا. - كتاب: (الرد على القرامطة). - كتاب: (بيان وهم المعتزلة). - كتاب: (رد الأصول الخمسة لأبي مُحَمَّد الباهلي). - كتاب: (رد أوائل الأدلة للكعبي). - كتاب: (رد وعيد الفساق للكعبي). - كتاب: (رد تهذيب الجدل للكعبي). - كتاب: (رد الإمامة لبعض الروافض). ولقد زاد بروكلمان كتاب (الأصول) في قائمة كتب الماتريدي، وذكر أنه لمؤلف مجهول، وذكر أيضًا أن كتابي (التوحيد) و (المقالات) هما كتاب واحد، بيد أنه أشار في الهامش إلى أنهما كتابان مستقلان في فهارس المرتضى. ولم يحفظ لنا الزمان من هذه الكتب سوى كتاب (التوحيد) وكتاب (المقالات)، وكتاب (التوحيد) صحيح النسبة إلى الماتريدي، ذكرته كل كتب التراجم قديمًا وحديثًا. 3 - مصنفاته في الفقه وأصوله: ذكرت كتب الطبقات للماتريدي في هذا المجال كتابين: كتاب (الجدل)، وكتاب (مآخذ الشرائع). وهذان الكتابان لهما أهميتهما ومكانتهما في أصول الفقه بين أتباع المذهب الحنفي، فيذكر الإمام علاء الدِّين الحنفي في ميزان الأصول: أن تصانيف أصحابنا قسمان: قسم وقع في غاية الإحكام والإتقان؛ لصدوره ممن جمع الأصول والفروع، مثل
(مآخذ الشرائع) وكتاب (الجدل) للماتريدي ونحوهما. وقسم وقع في نهاية التحقيق والمعاني وحسن الترتيب، ويذكر الإمام علاء الدِّين أنه قد هجر القسم الأول؛ لقصور الهمم والتواني، واشتهر القسم الآخر. ولم يقع لنا شيء من هذين المؤلفين، غير أن بعض كتب الأصول قد نقلت عنهما، فقد جاء في كتاب كشف الأسرار على أصول البزدوي في أثناء الحديث عن خبر الواحد إذا خالف عموم الكتاب أو ظاهره، وبيان الآراء في صحة تخصيص هذا العموم به: " وعند العراقيين من مشايخنا والقاضي والإمام أبي زيد ومن تابعه من المتأخرين: لما أفادت عمومات الكتاب وظواهره، اليقين كالنصوص، والخصوصات لا يجوز تخصيصها ومعارضتها به. فأما من جعلها ظنية من مشايخنا مثل الشيخ أبي منصور ومن تابعه من مشايخ سمرقند، فيحتمل أن يجوز تخصيصها بها. وجاء في بدائع الصنائع في أثناء استنباط أوقات الصلوات الخمس من قوله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18): " قال الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي: إنهم فهموا من هذه الآية فرضية الصلوات الخمس، ولو كانت أفهامهم مثل أفهام أهل زماننا، لما فهموا منها سوى التسبيح المذكور ". 4 - كتب أخرى: ذكر فؤاد سركين أن للماتريدي رسالة فيما لا يجوز الوقف فيه في القرآن، وهي رسالة صغيرة الحجم، موداعة بدار الكتب المصرية برقم 384 قراءات. وعدد صفحاتها خمس، وتدور حول بيان المواضع التي لا يجوز الوقف عليها في قراءة القرآن، وفيما لو تعمد الواقف عليها الوقف بأنه يكفر، ولو وقف ساهيًا فسدت صلاته، وقد بينها الماتريدي -إن صحت نسبتها إليه- في اثنين وخمسين موضعًا في القرآن. وهذه الرسالة لم يذكرها أحد للماتريدي سوى سزكين، ومع هذا فلا يستبعد أن تكون له؛ لأن الماتريدي كان دائم الاهتمام بالقرآن وتأويله وبيان أحكامه.
وذكر له بروكلمان أيضًا كتاب (مقتطفات في الوعظ)، ولم يذكره للماتريدي أحد سوى بروكلمان فيما نعلم من كتب الطبقات. 5 - كتب نسبت إلى الماتريدي: ومن الكتب المنسوبة إلى الماتريدي: 1 - كتاب: " شرح الفقه الأكبر " وهو مطبوع في حيدر آباد سنة 1365 هـ، ذكره فيننسك، وذكر أنه راجع بعض النسخ المخطوطة لهذا الشرح فلم يجد فيها التصريح بنسبته إلى الماتريدي، ورجح أن السبب في هذه النسبة وقوع بعض أقوال الماتريدي فيه، وأيد هذا الشيخ أبو زهرة في كتابه عن أبي حنيفة، واستند في ذلك إلى الخلاف مع آراء الأشعرية، والمذهب الأشعري لم يتم إلا بعد الجيل الذي تلا وفاة الأشعري. ومن ثم يترجح أن نسبة هذا الشرح إلى الماتريدي نسبة غير صحيحة. 2 - كتاب العقيدة، ومنه نسخة بدار الكتب المصرية مخطوطة تحت رقم (147) تيمور عقائد، وينفي نسبته للماتريدي السبب السابق نفسه في نفي نسبة كتاب (شرح الفقه الأكبر) إليه؛ إذ اشتمل الكتاب على الخلاف بين الأشعرية والماتريدية. 3 - كتاب (شرح الإبانة)، وهي نسبة غير صحيحة؛ لافتقارها إلى السند، كذلك لم نر أحدًا نسب هذا الكتاب إلى الماتريدي من أصحاب كتب الطبقات، سواء القدماء أو المحدثون، كذلك لم يرد أن كتاب (الإبانة للأشعري) وصل إلى بلاد ما وراء النهر في عصر الماتريدي. إذن فنسبة الشيخ مصطفى عبد الرازق هذا الكتاب إلى الماتريدي غير صحيحة. وهذه الكتب التي ذكرتها كلها مخطوطة باستثناء كتاب التوحيد، بل إن معظم هذه الكتب مفقود. ثانيًا: ثناء العلماء على الماتريدي: ليس غريبًا -بعد هذا كله- أن يثني العلماء على الماتريدي ثناء عظيمًا، ولقد رأينا كيف لقبوه بألقاب هو لها أهل، فقد لقبوه -كما ذكرنا- بإمام الهدى، وإمام المتكلمين، ومصحح عقائد المسلمين وغيرها.
ولن نحصي ما أثنى عليه به العلماء، ومن ثم نقتطف بعض الومضات الكاشفة عن تقدير العلماء له والمبرزة لمكانته العالية عندهم. ففي الفواكه الدواني يأتي الماتريدي وأبو الحسن الأشعري على رأس علماء أهل السنة، فيقول: " كذلك عند أهل السنة وإمامهم أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي ". قال صاحب النشر الطيب على شرح الشيخ الطيب الوزاني عند كلامه عن الماتريدي: " وكان معاصرًا للأشعري، وسبقه إلى نصرة أهل السنة ". والفرقة الناجية -كما يرى بعض العلماء- هم الأشاعرة مع الماتريدية الذين تابعوا في الأصول علم الهدى الشيخ أبي منصور الماتريدي. ويراه بعضهم رئيس مشايخ سمرقند، قال صاحب كشف الأسرار: " وهو مذهب مشايخ سمرقند، رئيسهم الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي رحمهم اللَّه ". وقال عنه التميمي: إنه قد فاق الأقران وتجمل به الزمان، وشاعت مؤلفاته، وسارت مصنفاته، واتفق الموافق والمخالف على علو قدره وعظمة محله، فإنه كان من كبار العلماء الأعلام الذين بعلمهم يقتدى وبنورهم يهتدي. قال التفتازاني: إن المشهور من أهل السنة في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار هم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن الأشعري، أول من خالف أبا علي الجبائي ورجع عن مذهبه إلى السنة. وفي ديار ما وراء النهر الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي، وهو مُحَمَّد بن مُحَمَّد، كان يلقب بإمام الهدى. ويقول أبو معين النسفي في التبصرة: ولو لم يكن في الحنفية إلا الإمام أبو منصور الماتريدي الذي غاص في بحور العلم، واستخرج دررها وأتى حجج الدِّين، فزين
بفصاحته، وغزارة علومه، وجودة قريحته غررها، حتى أمر الشيخ أبو القاسم الحكيم السمرقندي أن يكتب على قبره حين توفي: هذا قبر من حاز العلوم بأنفاسه واستنفد الوسع في نشره وأقياسه، فحمدت في الدِّين آثاره. . . اجتمع عنده وحده من أنواع العلوم الملية والحكمية ما يجتمع في العادات الجارية في كثير من المبرزين المحصلين؛ ولهذا كان أستاذه أبو نصر العياضي لا يتكلم في مجالسه ما لم يحضر، وكان كل من رآه من بعيد نظر إليه نظر المتعجب وقال: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ). ويذكر أيضًا أنهم قالوا في تقديره: كان من أكابر الأئمة وأوتاد الملة. وقال الكفوي في ترجمته: إمام المتكلمين ومصحح عقائد المسلمين، نصره الله بالصراط المستقيم، فصار في نصرة الدِّين القويم، صنف التصانيف الجليلة، ورد أقوال أصحاب العقائد الباطلة. قال صاحب الروضة البهية: اعلم أن مدار جميع عقائد أهل السنة والجماعة على كلام قطبين: أحدهما: الإمام أبو الحسن الأشعري، والثاني: الإمام أبو منصور الماتريدي، فكل من اتبع واحدًا منها اهتدى وسلم من الزيغ والفساد في عقيدته. وقال العلامة الدردير: واشتهر الأشاعرة بهذا الاسم -أي أهل السنة- في ديار خراسان والعراق والحجاز والشام وأكثر الأقطار. وأما ديار ما وراء النهر فالمشهور فيها بهذا الاسم هو أبو منصور الماتريدي وأتباعه المعرفون بالماتريدية، وكلام الفريقين على هدى ونور. وفي مفتاح السعادة: إن رئيس أهل السنة والجماعة في علم الكلام رجلان: أحدهما: حنفي، والآخر: شافعي، أما الحنفي: فهو أبو منصور مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن محمود الماتريدي إمام الهدى. . . وأما الآخر الشافعي: فهو شيخ السنة ورئيس الجماعة إمام المتكلمين، وناصر سنة سيد المرسلين والذاب عن الدِّين، والساعي في حفظ عقائد المسلمين أبو الحسن الأشعري البصري. ويرى الشيخ مُحَمَّد زاهد الكوثري: أنه إذا أطلق أهل السنة فالمراد بهم الأشاعرة
والماتريدية، وعند التحقيق، والاستقراء ثلاث طوائف: الأولى: أهل الحديث ومعتمد مبادئهم الأدلة السمعية من الكتاب، والسنة، والإجماع. الثانية: أهل النظر العقلي وهم الأشعرية، والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي. الثالثة: أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية ومبادئهم هي مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية. وقد ذكر العلامة البغدادي: أن أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث، وأخرج من هَؤُلَاءِ الحشوية الذين يشترون لهو الحديث، ومن أهل السنة فقهاء هذين الفريقين -الرأي والحديث- وقراؤهم ومحدثوهم ومتكلمو أهل الحديث. ويقول الزبيدي عن الماتريدي في شرحه على الإحياء: وحاصل ما ذكروه أنه كان إمامًا جليلاً مناضلاً عن الدِّين مُجليًا لعقائد أهل السنة، قطع المعتزلة وذوي البدع في مناظراتهم، وخصمهم في محاوراتهم حتى أسكتهم. وقال عنه صاحب إشارات المرام العلامة كمال الدِّين أحمد البياضي الحنفي -من علماء القرن الحادي عشر الهجري-: " وحقق الأصول في كتبه بقواطع الأدلة، وأتقن التفاريع بلوامع البراهين اليقينية ". فالماتريدي على هذا محقق مدقق، قال الكوثري يصف تدقيقه وتحقيقه: إلى أن جاء إمام أهل السنة فيما وراء النهر أبو منصور مُحَمَّد بن مُحَمَّد الماتريدي المعروف بإمام الهدى، فتفرغ لتحقيق مسائلها وتدقيق دلائلها، فأرضى بمؤلفاته جانبي العقل والنقل في آن واحد. يدلنا هذا كله على مكانة الماتريدي العالية، وقدمه الراسخة في العلم، وذيوع شهرته، ومحبة العلماء له، واقتدائهم به، وأخذهم عنه، فرحم اللَّه - تعالى - الشيخ الماتريدي لقاء ما قدمه للعقيدة الإسلامية الصحيحة من جهود مشكورة في الذب عنها، ودحض شبه المغرضين حولها.
الباب الثالث الفرق والمذاهب الإسلامية
الباب الثالث الفرق والمذاهب الإسلامية ويشتمل على الفصلين الآتيين: الفصل الأول: الفرق السياسية. الفصل الثاني: المذاهب الاعتقادية.
الفصل الأول الفرق السياسية
الفصل الأول الفرق السياسية السياق التاريخي لنشأة الفرق الإسلامية: إن الحديث عن الفرق الإسلامية ومذاهبها السياسية وآرائها العقدية يمت بأوثق الأسباب للأحداث السياسية التي ألمت بالمجتمع الإسلامي منذ وفاة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولما شجر بين المسلمين من وجوه الخلاف حول بعض المسائل التي طرأت بعد رحيل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وأعظم مسألة نشب فيها الخلاف ووقع التخاصم والنزاع بسببها بين المسلمين هي مسألة الإمامة أو الخلافة العظمى، بحيث يصح لنا أن نزعم أن مدار الخلاف بين المسلمين وما انبنى عليه من ظهور الفرق المتباينة في الأصول تباينها في الفروع - على الإمامة. ومن الحق أن نقرر أن الفرق التي نزعت في أول أمرها منزعًا سياسيًّا، وخرجت إلى الوجود من رحم الأحداث السياسية نفسها، لم تلبث أن صارت لها آراء في الأصول الاعتقادية والفروع الفقهية جميعًا، على نحو مثلت معه هذه الآراء مذاهب مستقلة لعلها أبقى أثرًا وأعظم خطرًا في التاريخ من المعتقدات السياسية التي غدت مسائل تاريخية لا يعول عليها كثيرًا ولا يلتفت إليها إلا قليلاً في واقعنا المعاصر. ولا غرو في أن ترتبط المذاهب السياسية بالنظريات العقدية في ظل شريعة لا تفصل بين الدِّين والسياسة فصلاً قاطعًا، على غرار الشرائع الأخرى، فالدِّين -في شريعة الإسلام- لب السياسة وقوامها، ووظيفة السياسة منوطة بحماية الإسلام والذود عن أصوله المقررة، وحراسته من عبث العابثين وهجوم المغرضين، وذلك ما سبق إلى الالتفات إليه ابن خلدون حين عرف الخلافة بأنها: " حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدِّين وسياسة الدنيا ". وثمة أمر آخر نود الإلماح إليه والتنويه به، وهو أن الخلاف بين الفرق الإسلامية لم يمس ركنًا من أركان الإسلام، أو أصلاً من أصوله الثابتة التي نقلت إلينا بالتواتر فغدت
معلومة من الدِّين بالضرورة لا يسع مسلمًا إنكارها أو التشكيك فيها، " فلم يكن الاختلاف في وحدانية اللَّه تعالى وشهادة أن محمدًا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولا في أن القرآن نزل من عند اللَّه القدير، وأنه معجزة النبي الكبرى، ولا في أنه يروى بطريق متواتر نقلته الأجيال الإسلامية كلها جيلاً بعد جيل، ولا في أصول الفرائض كالصلوات الخمس والزكاة والحج والصوم، ولا في طريق أداء هذه التكليفات، وإنما الاختلاف في أمور لا تمس الأركان ولا الأصول العامة ". وغني عن البيان أن شيئًا من الخلاف بين المسلمين لم يقع إبان عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - " فقد كان المسلمون على منهاج واحد في أصول الدِّين وفروعه، غير من أظهر وفاقًا وأضمر نفاقًا ". ولا غرابة في ذلك؛ إذ كان الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يوضح للصحابة ما تشابه عليهم من مسائل الدِّين، ويجيب عما يُطْرَحُ عليه من أسئلة جوابًا يُلْقي في ضمير السائل برد اليقين ويقطع من نفسه وعقله دواعي الحيرة والاضطراب. ويوشك الإجماع أن ينعقد على أن أول خلاف حقيقي واجه الجماعة الإسلامية ظهر بعد وفاة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهو خلافهم حول الإمامة، حيث سارع الأنصار إلى الاجتماع في سقيفة بني ساعدة للنظر في أمر الإمامة وتعيين من يخلف رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولما يوارِ التراب بعد جسده الطاهر، وأذعنت الأنصار إلى البيعة لسعد بن عبادة سيد الخزرج غير مدافع، ولم يَرْتَبِ الأنصار في أن الإمامة حق لهم، ولا ينبغي أن تخرج عنهم إلى إخوانهم المهاجرين، ولم يعدموا من الأدلة الواضحة والبراهين المفحمة -في نظرهم- ما يسوقونه بين يدي رأيهم ذاك، " فإن محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لَبِثَ في قومه في مكة نحو ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام، فما آمن منهم إلا قليل، ولا منعوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من الأذى ولا أعزوا الدِّين، فلما هاجر من مكة إلى المدينة نصره الأنصار وآمنوا به وأعزوا دينه ومنعوه وصحبه ممن أراد بهم سوءًا وكانوا معه على عدوه حتى خضعت له جزيرة العرب، وتوفي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وهو عنهم راض، وبهم قرير العين، فهم أولى الناس أن يخلفوه ". بيد أن " نظرية الأنصار " تلك وجدت إنكارًا ومعارضة من المهاجرين؛ إذ لم يكد خبر السقيفة ينتهي إلى أبي بكر وعمر - رضي اللَّه عنهما - حتى قصدا نحو مجتمع الأنصار في
نفر من المهاجرين، لإبداء الرأي في أمر الخلافة، فأعلمهم أبو بكر أن الإمامة لا تكون إلا في قريش، واحتج عليهم بقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " الإمامة في قريش " وأن العرب لا تذعن بالطاعة إلا لهم، كما أنهم عشيرة الرسول وذوو رحمه، فهم أول من آمن به، واحتملوا في سبيل نصرته من العنت والمشقة شيئًا كثيرا يُسَوِّغُ لهم أن يرثوا الأمر من بعده. وكما كان الأنصار أول من أعز الإسلام وانتصر له، كانوا أول من حماه شر الفتنة، وعواقب الخلاف، فأذعنوا لإخوانهم المهاجرين منقادين، ورجعوا إلى الحق طائعين " بعد
أن قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، وبعد أن جرد الحباب بن المنذر سيفه وقال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، من يبارزني؟ وبعد أن قام قيس بن سعد بنصرة أبيه سعد بن عبادة حتى قال عمر بن الخطاب في شأنه ما قال. ثم بايعوا أبا بكر رضوان الله عليه، واجتمعوا على إمامته، واتفقوا على خلافته، وانقادوا لطاعته ". وثمة نظرية ثالثة ذهب بعض الباحثين إلى أن لها وجودًا ظاهرًا آنذاك، وهي أن تكون الخلافة في بيت النبي، وأولى الناس من قرابة النبي وأمسهم رحمًا به هو علي بن أبي طالب - كرم اللَّه وجهه - فقُدْمَتُه في الإسلام وسابقته في الذود عنه معروفة ذائعة، ومكانه من النبي مكانه، فهو ابن عمه وزوج ابنته فاطمة، ووالد سبطيه الحسن والحسين، وجهاده وفضله وعلمه لا ينكر. على هذا النحو رأى القائلون بهذه النظرية أن بيت بني هاشم أحق بالخلافة من سواه، وروي في ذلك أن عليًّا سأل عما حدث في سقيفة بني ساعدة فقال: ماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال علي: " احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة ". يريد أن المهاجرين احتجوا بأنهم من شجرة النبي فأولى بالاحتجاج من يجمعهم والنبي أنهم من ثمرة قريش وهم قرابته. ومهما يكن من أمر فقد آل أمر الخلافة إلى أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكانت بيعته بيعة حرة؛ إذ توفي رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - دون أن يحدد من يخلفه في هذا الأمر، وخلا الكتاب من النص عليه أو تعيينه، " صحيح أنه قد ورد أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أمر أبا بكر بأن يؤم المسلمين في الصلاة أثناء مرضه الذي مات فيه، وفهم البعض أن الصحابة قد اختاروه لهذا وقالوا: قد اختاره الرسول لأمر ديننا، فأولى أن نختاره لأمر دنيانا، ولكن هذا لا يعد عهدًا، وإن كان في جملته يشير إلى فضل أبي بكر ومقامه بين الصحابة؛ إذ لو كان عهدًا لاستشهد به في السقيفة وحسم النزاع ". ثم عهد أبو بكر -لما أحس بدنو أجله وخاف على المسلمين شر الفتنة وعاقبة الخلاف
الفتنة الكبرى في عهد عثمان وعلي ونشأة الأحزاب السياسية:
- بالإمامة لعمر على سبيل الترشيح. وسكن الخلاف ونامت الفتنة في خلافة الشيخين أبي بكر وعمر؛ لأنهما أخذا نفسيهما بالعدل الشامل المطلق في دقيق الأمور وجليلها، وانتصف كل واحد منهما من نفسه قبل أن ينتصف من رعيته، وبلغا من العدل والمساواة بين الناس مبلغًا أرهق من أتى بعدهما إذا رغب أن يحذو حذوهما ولا يخالف سيرتهما. كما شغل المسلمون آنذاك بقمع المرتدين في داخل الجزيرة العربية، وبالجهاد وفتح الأمصار خارجها لنشر الإسلام وإعلان التوحيد، فغدا المسلمون كما كانوا في العهد النبوي على منهاج واحد ورأي واحد أتاح للدولة أن تزدهر في فترة قصيرة من عمر الحضارة الإنسانية. الفتنة الكبرى في عهد عثمان وعلي ونشأة الأحزاب السياسية: ولي الخلافة عثمان بن عفان بعد مقتل عمر بن الخطاب - رضوان اللَّه عليهما - بعد أن أعطى المواثيق والعهود بالنصح للأمة، والالتزام بسنة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر. ورضي المسلمون على خلافة عثمان في ست السنين الأولى، ثم نقموا منه أمورًا رأوا أنه خالف فيها عن سيرة الشيخين وانحرف عن سنة النبي الكريم. واستحال الإنكار الهادئ والاعتراض الناصح سخطًا عارمًا عم الأمصار المختلفة، وثورة عنيفة عمد المنخرطون فيها إلى خلع الخليفة عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وأفضت الثورة المسلحة إلى مقتل عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، بعد أن حوصر في داره أربعين يومًا منع خلالها من إمامة المسلمين في الصلاة. وقد فتح مقتل عثمان على المسلمين باب الفتنة واسعًا، وأذكى نيران الخلاف بينهم من جديد، وأورث القلوب والضمائر ضغنًا وسوء ظن كان خليقًا بأن يعصف بالوحدة الإسلامية ويقوض أركانها في هذا الطور الباكر. ولم يستطع علي بن أبي، طالب -الذي بويع بالخلافة من أغلبية المسلمين- أن يرأب صدع الخلاف وينتاش المسلمين من هوة الفتنة السحيقة التي تردوا فيها.
وكان من أشد المعارضين لعلي طلحة بن عبيد اللَّه والزبير بن العوام ومعاوية بن أبي سفيان؛ إذ رأوا أنه قعد عن نصرة عثمان، وكان في استطاعته رد الناس عنه، وكان من حجة بعضهم أنه -وقد بويع- يجب عليه أن يقتص من قتلة عثمان، ويقول كل من طلحة والزبير: إنه أولى بالمطالبة بدم عثمان؛ لأنه من الستة الذين انتخبهم عمر للشورى، ومن السابقين للإسلام، ويقول معاوية: إنه أولى الناس رحمًا بعثمان، وأقوى أهل بيته على المطالبة بدمه. يقول أبو الحسن الأشعري: " ثم بويع علي بن أبي طالب - رضوان اللَّه عليه - فاختلف الناس في أمره، فمن بين منكر لإمامته، ومن بين قاعد عنه، ومن بين قائل بإمامته معتقد لخلافته، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم ". وأما طلحة والزبير فقُتلا يوم الجمل، وبقي معاوية وحده حاملاً لواء المعارضة لخلافة علي بن أبي طالب، مستعصمًا بالشام مطمئنًا إلى إخلاص أهله وصدق ولائهم. لم يجد علي بن أبي طالب مفرًّا من قتال معاوية بن أبي سفيان للقضاء على خطره ورد المسلمين إلى ما كانوا عليه من وحدة وتماسك، فقاتله في صفين وكاد النصر يتم له لولا أن عمد معاوية إلى خدعة التحكيم، " فقال لعمرو بن العاص: ألم تزعم أنك لم تقع في أمر فظيع فأردت الخروج منه إلا خرجت؟ قال: بلى، قال: فما المخرج؟ قال له عمرو بن العاص: فلي عليك ألا تخرج مصر من يدي ما بقيت؟ قال: لك ذلك، ولك به عهد الله وميثاقه، قال: مر بالمصاحف فترفع، ثم يقول أهل الشام لأهل العراق: يا أهل العراق كتاب اللَّه بيننا وبينكم، البقية البقية، فإنه إن أجابك إلى ما تريده خالفه أصحابه، وإن خالفك خالفه أصحابه "، وكان عمرو بن العاص في رأيه الذي أشار به كأنه ينظر إلى الغيب من وراء حجاب رقيق، فأمر معاوية أصحابه برفع المصاحف وبما أشار به عليه عمرو بن العاص، ففعلوا ذلك، فاضطرب أهل العراق على عليٍّ - رضوان اللَّه عليه - وأبوا عليه
أولا: الخوراج
إلا التحكيم، وأن يبعث عليٌّ حكمًا ويبعث معاوية حكمًا، فأجابهم عليٌّ إلى ذلك بعد امتناع أهل العراق عليه ألا يجيبهم إليه، فلما أجاب عليٌّ إلى ذلك بعث معاوية وأهل الشام عمرو بن العاص حكمًا، وبعث علي وأهل العراق أبا موسى حكمًا، وأخذ بعضهم على بعض العهود والمواثيق، ومن هاهنا بدأ أمر الخلاف بين المسلمين يزداد تشعبا، وبدأت الفرق المختلفة في الظهور، كالتالي: أولًا: الخوراج بينا في هذا العرض السابق لأحداث النزاع بين عليٍّ ومعاوية أن أصحاب عليٍّ من أهل العراق قد حملوه حملاً على إجابة معاوية إلى التحكيم حين أمر بالمصاحف فرفعت على أسنة الرماح، وقال أهل الشام لأهل العراق: يا أهل العراق، كتاب اللَّه بيننا وبينكم، وذلك على الرغم من أن عليًّا - كرم اللَّه وجهه - بَيَّنَ لهم ما ينطوي عليه نداء معاوية بتحكيم كتاب اللَّه من مكر وخديعة، فأبوا إلا التحكيم. فلما وقف هَؤُلَاءِ على خدعة التحكيم وأدركوا مرماه البعيد الذي أراده معاوية، رفضوا التحكيم وطلبوا إلى علي أن ينقض ما أعطاه للحكمين -أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص- من العهد والميثاق؛ لأن حكم اللَّه في الأمر واضح جلي، والتحكيم يتضمن شك كل فريق من المحاربين أيهما المحق، وليس يصح هذا الشك؛ لأنهم وقتلاهم إنما حاربوا وهم مؤمنون -بلا شك- أن الحق في جانبهم. وهذه المعاني المختلجة في نفوسهم صاغها أحدهم في الجملة الآتية: " لا حكم إلا لله " فسرت الجملة سير البرق إلى من يعتنق هذا الرأي، وتجاوبتها الأنحاء، وأصبحت شعار هذه الطائفة. وذهبت الخوارج إلى إكفار علي إذ قبل التحكيم، وطلبوا إليه أن يقر بما باء به من إثم ثم يتوب ويرجع إلى قتال أهل البغي؛ وإلا تخلوا عنه وصاروا من عدوه بعد أن كانوا من شيعته. فأبى علي إلا الوفاء بما أعطى من عهود ومواثيق، ثم كيف يقر على نفسه بالكفر ولم يشرك باللَّه شيئًا مذ آمن، وهبه أخطأ في قبول التحكيم -مع الأخذ بعين الاعتبار أنه قبله مضطرًّا لا مختارًا - فلا يعدو أن يكون مجتهدًا أخطأ فله أجر واحد، وإن كان قد أصاب فله أجران، ولا يستقيم لذي عقل إكفار المجتهد المخطئ.
جماع رأي الخوراج وما جمعهم من مبادئ: لم تلبث آراء الخوراج السياسية أن تحددت، وأخذت شكل نظرية يسع الدارسين ومؤرخي الفرق إضافتها إلى النظريات السياسية الإسلامية، ولا ريب أن مناظرات رؤسائهم ومجادلاتهم لخصومهم كابن عَبَّاسٍ، وعلي بن أبي طالب وابن زياد وعبد اللَّه بن الزبير قد أسهمت بشكل ملحوظ في بلورة موقفهم السياسي وتحديد معالمه. ومعلوم أن الخوراج لم يكونوا نحلة واحدة متفقة آراؤها وأنظارها إلى مسائل السياسة والعقيدة، بل تفرقوا أحزابًا شتى ومذاهب متعارضة، بيد أن ثمة مبدأين عامين يجمعان بين فرقهم المتباينة، هما: - القول بإكفار علي وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل وصفين وكل من رضي بتحكيم الحكمين. - أما المبدأ العام الثاني: فهو وجوب الخروج على الإمام الجائر. وقد ذكر الكعبي في مقالاته أن مما يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها الإكفار بارتكاب الذنوب، بيد أن عبد القاهر البغدادي ذهب إلى أن رأي الكعبي منابذ للصواب، وأنه قد أخطأ في دعواه إجماع الخوارج على تكفير مرتكبي الذنوب منهم، واحتج البغدادي بأن النجدات من الخوارج لا يكفرون أصحاب الحدود من موافقيهم، وقد قال قوم من الخوارج: إن التكفير إنما يكون بالذنوب التي ليس فيها وعيد مخصوص، فأما الذنب الذي فيه حدٌّ أو وعيد في القرآن، فلا يزاد صاحبه على الاسم الذي ورد فيه، مثل تسميته زانيًا وسارقًا، ونحو ذلك. وقد قالت النجدات: إن صاحب الكبيرة من موافقيهم كافر نعمة وليس فيه كفر دين. يقول عبد القاهر البغدادي: وفي هذا بيان خطأ الكعبي في حكايته عن جميع الخوراج تكفير أصحاب الذنوب كلهم منهم ومن غيرهم. وإنما الصواب فيما يجمع الخوارج كلها ما حكاه شيخنا أبو الحسن - رحمه اللَّه - من تكفيرهم عليًّا وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن صوبهما أو صوب أحدهما أو رضي بالتحكيم.
فرق الخوارج:
ومهما يكن من أمر فإن ما ذهب إليه الخوارج من تكفير لأقطاب الصحابة وأعلامهم قد دفع المسلمين إلى البحث في ماهية الكفر والإيمان؟ وتمييز الحدود الفارقة بين المعصية والكفر والفسوق، والتماس العلاقة بين الإيمان وبين العمل، إلى آخر هذه المسائل اللاهوتية التي ترتب عليها نشأة كثير من الفرق الدِّينية. ومن بين المبادئ التي أذاعها الخوارج في المجتمع الإسلامي أن الخلافة ليست حقًّا مقصورًا قريش دون سائر العرب، بل يتولاها من تحققت فيه شروطها من الكفاية والعدل والبيعة الحرة، وخالفوا في ذلك ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من اشتراط القرشية إعمالاً لحديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " الأئمة من قريش ". ورأى الخوارج أن عدم اشتراط القرشية ينسجم مع ما جاء به الإسلام من مبادئ العدل والمساواة بين الناس دونما نظر إلى لون أو جنس، فمناط المفاضلة بين الناس التقوى والعمل الصالح. فرق الخوارج: الخوارج عشرون فرقة، ذكرها البغدادي صاحب الفرق بين الفرق وهي: المحكمة الأولى، والأزارقة، والنجدات، والصفرية، ثم العجاردة المفترقة فرقًا منها: الحازمية، والشعيبية، والمعلومية، والمجهولية، وأصحاب طاعة لا يراد اللَّه تعالى بها، والصلتية، والأخنسية، والشبيبية، والشيبانية، والمعبدية، والرشيدية، والمكرمية، والحمزية، والشمراخية، والإبراهيمية، والواقفة، والإباضية. والإباضية منهم افترقت فرقًا معظمها فريقان: حفصية وحارثية. وليس من وكدنا في هذا المقام -وهو مقام إيجاز واختصار وليس مقام بسط وتطويل- أن نستوعب آراء هذه الفرق جميعها، وإنما نجتزئ بذكر فرق خمسة منها، رأى الباحثون قبلنا أنها أشهر فرق الخوارج، وهي: - المحكمة الأولى.
أولا: المحكمة الأولى:
- الأزارقة. - النجدات. - الصفرية. - الإباضية. أولًا: المحكمة الأولى: وهم من خرج على عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حين قبل التحكيم، ويقال لهم: محكمة، وشراة، وسموا محكمة؛ لقولهم: " لا حكم إلا لله "، وأما تسميتهم بالشراة فمحمولة على قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ)، فكانوا يقولون: شرينا أنفسنا في طاعة اللَّه، أي: بعناها بالجنة. يقول عبد القاهر البغدادي: " واختلفوا في أول من تشرى منهم، فقيل: عروة بن حدير أخو مرداس الخارجي، وقيل: أولهم يزيد بن عاصم المحاربي، وقيل: رجل من ربيعة من بني يشكر، كان مع عليٍّ بصفين، فلما رأى اتفاق الفريقين على الحكمين استوى على فرسه وحمل على أصحاب معاوية وقتل منهم رجلاً، وحمل على أصحاب عليٍّ وقتل منهم رجلاً، ثم نادى بأعلى صوته، ألا إني قد خلعت عليًّا ومعاوية، وبرئت من حكمهما ثم قاتل أصحاب عليٍّ حتى قتله قوم من همدان ". ومهما يكن من أمر فقد انحاز الخوارج بعد صفين إلى حروراء، وهم يومئذ اثنا عشر ألفًا، وزعيمهم يومئذ عبد اللَّه بن الكواء وشبث بن ربعي، فخرج إليهم علي بن أبي طالب يناظرهم فوضحت حجته عليهم، فلم يسع بعض الخوارج إلا الإذعان للحق، فانضموا إلى علي وكان منهم ابن الكواء نفسه، وخرج الباقون إلى النهروان وأَمَّرُوا على أنفسهم رجلين، أحدهما: عبد اللَّه بن وهب الراسبي، والآخر: حرقوص بن زهير المعروف بذي الثدية. فلما رأى علي انحراف الخوارج عن سماحة الإسلام ومحاولتهم فرض آرائهم على الناس بالقوة والبطش وليس بالجدال بالتي هي أحسن، عمد إليهم في أربعة آلاف من أصحابه، وناظرهم مرة أخرى، وبين لهم وجه الحق فيما نقموا منه، فاستمال منهم يومئذ ثمانية آلاف، ولم يبق إلا أربعة آلاف أبوا إلا قتال عليٍّ وأَمَّرُوا عليهم -كما ذكرنا-
خلاصة رأي المحكمة الأولى:
عبد اللَّه بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير البجلي. والتقى الجمعان في النهروان، وظهر عليٌّ وصحبه على الخوارج، وقتل عبد اللَّه بن وهب، وذو الثدية، ولم يفلت من الخوارج في هذا اليوم إلا تسعة أنفس: صار منهم رجلان إلى سجستان، ومن أتباعهما خوارج سجستان، ورجلان إلى اليمن، ومن أتباعهما إباضية اليمن، ورجلان صارا إلى عمان، ومن أتباعهما خوارج عمان، ورجلان إلى ناحية الجزيرة، ومن أتباعهما كان خوارج الجزيرة، ورجل منهم صار إلى تل موزن. خلاصة رأي المحكمة الأولى: ذهب المحكمة الأولى -كسائر الخوارج- إلى إكفار علي وعثمان، وأصحاب الجمل وصفين، ومعاوية وصحبه، والحكمين، ومن رضي بالتحكيم. ومن آرائهم كذلك إكفار كل ذي ذنب ومعصية، والقول بخلوده في النار. ثانيًا: الأزارقة: تنسب هذه الفرقة إلى نافع بن الأزرق الحنفي، وهم أقوى فرق الخوارج بأسًا وأعزها نفرًا، يقول البغدادي: " ولم تكن للخوارج قط فرقة أكثر عددًا ولا أشد منهم شوكة ". وقد بايع الأزارقة نافع بن الأزرق وسموه أمير المؤمنين، ولم يلبث أن انضم إليهم خوارج عمان واليمامة فصاروا أكثر من عشرين ألفًا. وقد هدد الخوارج الأزارقة الدولة الإسلامية تهديدًا كبيرًا، حيث استولوا على الأهواز وما وراءها من أرض فارس، ثم بسطوا نفوذهم على كرمان وجبوا خراجها، فحاربهم عبد اللَّه بن الحارث عامل عبد اللَّه بن الزبير على البصرة، ومنيت الجيوش التي وجهها لقتالهم بهزائم منكرة، فعهد عبد اللَّه بن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة بقتالهم، فهزمهم عند الأهواز وقتل نافع بن الأزرق، فبايعت الأزارقة بعده عبيد اللَّه بن مأمون التميمي فقتل، ثم بايعوا قطري بن الفجاءة وسموه أمير المؤمنين، " فقاتلهم المهلب حروبًا كانت سجالاً، وانهزمت الأزارقة في آخرها إلى سابور من أرض فارس، وجعلوها دار هجرتهم، وثبت المهلب وبنوه وأتباعهم على قتالهم تسع عشرة سنة، بعضها في أيام عبد اللَّه بن
خلاصة المبادئ التي اعتنقها الأزارقة:
الزبير، وباقيها في زمان خلافة عبد الملك بن مروان وولاية الحجاج على العراق ". وكان المهلب قبل الواقعة يثير خلافهم، فتحتدم المناقشة بينهم احتدامًا شديدًا، ثم يلقاهم وهم على هذا الخلاف؛ ولذا أخذ شأن الخوارج يضعف في عهد قطري بن الفجاءة؛ لاختلافهم فرقًا من جهة، ولأثر هذا الاختلاف في مواقفهم في ميدان القتال من جهة ثانية، وتألب المسلمين عليهم من جهة ثالثة، وغلظتهم في معاملة مخالفيهم من جهة رابعة. وقد توالت هزائمهم على يد المهلب ومن جاء بعده من قواد الأمويين حتى انتهى أمرهم. خلاصة المبادئ التي اعتنقها الأزارقة: أجمل عبد القاهر البغدادي مبادئ الأزارقة في مسائل أربعة: أولاً: قولهم بأن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون، وكانت المحكمة الأولى يقولون: إنهم كفرة لا مشركون. ثانيًا: قولهم: إن القعدة -ممن كان على رأيهم- عن الهجرة إليهم مشركون وإن كانوا على رأيهم. ثالثًا: أنهم أوجبوا امتحان من قصد عسكرهم إذا ادعى أنه منهم: أن يُدْفعَ إليه أسير من مخالفيهم ويأمروه بقتله، فإن قتله صدقوه في دعواه أنه منهم، وإن لم يقتله قالوا: هذا منافق ومشرك وقتلوه. رابعًا: استباحوا قتل نساء مخالفيهم، وقتل أطفالهم، وزعموا أن الأطفال مشركون، وقطعوا بأن أطفال مخالفيهم مخلدون في النار. ومن آرائهم كذلك: أن مرتكب الكبيرة والمعصية كافر مخلد في النار، وأن دار مخالفيهم دار كفر، كما يكفرون -كسائر الخوارج- عليًّا في التحكيم، والحكمين أبا موسى وعمرو بن العاص.
ثالثا: النجدات:
ومن الآراء الفقهية التي انفرد بها الأزارقة: أنهم ينكرون حد الرجم على الزاني المحصن، وحجتهم في ذلك أن القرآن لم ينص على ذلك، فيهملون بذلك السنة الصحيحة في رجم الزاني المحصن. كما يرون أن حد القذف لا يثبت إلا لمن يقذف محصنة بالزنى، ولا يثبت على من يقذف المحصنين من الرجال؛ لأنهم أخذوا بظاهر النص (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4). فلم يذكر حد قذف المحصنين من الرجال. ثالثًا: النجدات: وهم أتباع نجدة بن عامر الحنفي، والسبب في ظهور هذه الفرقة أن بعض الخوارج الأزارقة قد نقموا من رئيسهم نافع بن الأزرق براءته من القعدة عنه بعد أن كانوا على رأيه وإكفاره إياهم، وأنه استحل قتل أطفال مخالفيه ونسائهم؛ ففارق نافعًا جماعة من أتباعه منهم أبو فديك وعطية الحنفي، وراشد الطويل وغيرهم، وذهبوا إلى اليمامة، وبايعوا بها نجدة بن عامر وأكفروا من قال بإكفار القعدة منهم عن الهجرة إليهم، كما أكفروا من قال بإمامة نافع. ومن المسائل التي خالف فيها النجدات الأزارقة استحلالهم دماء أهل الذمة، وأما الأزارقة فذهبوا إلى تحريم دمائهم احترامًا لذمتهم التي دخلوا بها في أمان أهل الإسلام. وقال النجدات بعدم وجوب نصب الإمام، من ناحية الشرع، وأن إقامة إمام واجبة وجوبًا مصلحيًّا، فإذا أقام المسلمون حدود الدِّين والتزموا أحكام الشريعة وتناصفوا فيما بينهم، فليس ثمة حاجة إلى وجود خليفة أو إمام. وقد ابتدع النجدات مبدأً جديدًا لم يكن معروفًا عند الخوارج آنذاك، وهو مبدأ التقية ومعناه: " أن يظهر الخارجي أنه جماعي؛ حقنًا لدمه، ومنعًا للاعتداء عليه، ويخفي عقيدته حتى يحين الوقت المناسب لإظهارها ".
رابعا: الصفرية:
وقد تولى نجدة أصحاب الحدود ممن هم على مثل رأيه، وقال: لعل اللَّه يعذبهم بذنوبهم في غير نار جهنم ثم يدخلهم الجنة، وزعم أن النار يدخلها من خالفه في دينه. وزعم النجدات كذلك أن من نظر نظرة صغيرة أو كذب كذبة صغيرة ثم أصر عليها فهو مشرك، وأن من زنى وسرق وشرب الخمر غير مصر فهو مسلم. فمناط الشرك في ارتكاب المعصية صغيرة كانت أو كبيرة إنما هو الإصرار عليها، فمن أصر على صغيرة فهو مشرك، ومن لم يصر على كبيرة فهو مسلم، وإن شاب إسلامه شيء من نقص، يلحقه بأهل المعصية. ومن بدع نجدة وضلالاته أنه أسقط حد الخمر. وجماع مذهب النجدات أن الدِّين أمران: أحدهما: معرفة اللَّه تعالى ومعرفة رسوله، وتحريم دماء المسلمين وأموالهم. والثاني: الإقرار بما جاء من عند اللَّه جملة. وما سوى ذلك من التحريم والتحليل وسائر الشرائع، فإن الناس يعذرون بجهلها، وأنه لا يأثم المجتهد إذا أخطأ. ولم يلبث النجدات أن ثاروا على رئيسهم نجدة وخرجوا عليه لأمور نقموها منه، وقد تشعبوا لهذا إلى ثلاث فرق: 1 - فرقة صارت مع عطية بن الأسود الحنفي إلى سجستان، وتبعهم خوارج سجستان؛ ولهذا قيل لخوارج سجستان في ذلك الوقت: عطوية. 2 - وفرقة صارت مع أبي فديك حربًا على نجدة، وهم الذين قتلوا نجدة. 3 - وفرقة عذروا نجدة في أحداثه وأقاموا على إمامته. رابعًا: الصفرية: تنسب هذه الفرقة من الخوارج إلى زياد بن الأصفر، وقد اختلف الخوارج الصفرية في
الحكم على مرتكب الكبيرة، وتباينت آراؤهم في ذلك أشد التباين: فمنهم من ذهب إلى الحكم عليه بالشرك، شأنهم في ذلك شأن الأزارقة. وزعم بعضهم أن الذنب الموضوع له حد لا نتجاوز تسمية اللَّه فيه من أنه زانٍ أو سارق أو قاذف وليس صاحبه كافرًا ولا مشركًا، أما الذنب الذي لم تقرر له الشريعة حدًّا كترك الصلاة والصوم فهو كفر وصاحبه كافر. وثمة من الصفرية من رأى أن صاحب الذنب لا يحكم عليه بالكفر حتى يرفع إلى الوالي فيحده. ولم ير الصفرية -خلافًا للأزارقة- فتل أطفال مخالفيهم وسبي نسائهم، كما أنهم لا يوافقون الأزارقة فيما ذهبوا إليه من عذاب الأطفال. ومن أئمة الصفرية: عمران بن حطان السدوسي، وأبو بلال مرداس الخارجي. فأما أبو بلال مرداس، فقد خرج في أيام يزيد بن معاوية بناحية البصرة على عبيد الله ابن زياد، فأرسل إليه عبيد اللَّه من قتله. فلما قتل مرداس اتخذت الصفرية عمران بن حطان إمامًا، وهو الذي رثى مرداسًا بقصائد يقول في بعضها: أنكرتُ بعدك ما قد كنت أعرفه ... ما الناس بعدك يا مرداس بالناس وكان عمران بن حطان هذا ناسكًا شاعرًا شديدًا في مذهب الصفرية وبلغ من خبثه في بغض علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه رثى عبد الرحمن بن ملجم، وقال في ضربه عليًّا: يا ضربة من منيب ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانًا إني لأذكره يومًا فأحسبه ... أوفى البرية عند اللَّه ميزانًا قال عبد القاهر: وقد أجبناه عن شعره هذا بقولنا: يا ضربة من كفور ما استفاد بها ... إلا الجزاء بما يصليه نيرانا إني لألعنه دينًا وألعن من ... يرجو له أبدًا عفوًا وغفرانًا ذاك الشقي لأشقى الناس كلهم ... أخفهم عند رب الناس ميزانًا
خامسا: الإباضية:
ويقول الإمام مُحَمَّد أبو زهرة في شأن هذه الفرقة: " ومن أخبار الذين تولوا أمر هذه الطائفة من الخوارج نتبين أنها لا ترى إباحة دماء المسلمين، ولا ترى أن دار المخالفين دار حرب، ولا ترى جواز سبي النساء والذرية، بل لا ترى قتال أحد غير معسكر السلطان ". خامسًا: الإباضية: وإمام هذه الفرقة عبد اللَّه بن إباض، به تعرف وإليه تنسب، وقد افترقت إلى فرق أربعة، بيد أن ثمة مبادئ مشتركة تجمع بينها وتسوغ للباحث ردها إلى أصل واحد أو فرقة واحدة، ومنها: القول بأن مخالفيهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين، ولكنهم كفار، وكفرهم كفر نعمة لا كفر اعتقاد؛ وذلك لأنهم لم يكفروا باللَّه، ولكنهم قصروا في جنب اللَّه تعالى. وصحح الإباضية مناكحة مخالفيهم والتوارث بينهم، وأجازوا شهادتهم. وذهب الإباضية إلى أن دماء مخالفيهم حرام، وإن أسروا ذلك في أنفسهم ولم يعلنوه. واستحل الإباضية من غنائم المسلمين الخيل والسلاح، وسواهما من أدوات الحرب وأسباب القوة، دون الذهب والفضة فإنهم يردونها على أصحابهما عند الغنيمة. ويقول الإمام مُحَمَّد أبو زهرة عن الإباضية: " وهم أكثر الخوارج اعتدالًا، وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيرًا، فهم أبعدهم عن الشطط والغلو؛ ولذلك بقوا، ولهم فقه جيد، وفيهم علماء ممتازون، ويقيم طوائف منهم في بعض واحات الصحراء الغربية، وبعض آخر في بلاد الزنجبار، ولهم آراء فقهية، وقد اقتبست القوانين المصرية في المواريث بعض آرائهم، وذلك في الميراث بولاء العتاقة، فإن القانون المصري أخره عن كل الورثة حتى عن الرد على أحد الزوجين، مع أن المذاهب الأربعة كلها تجعله عقب العصبة النسبية ويسبق الرد على أصحاب الفروض الأقارب ". ثانيا: الشيعة نشأ المذهب الشيعي -كما ألمحنا إلى ذلك آنفًا- كنتيجة مباشرة لإشكالية الإمامة التي
أورثت الجماعة الإسلامية شيئًا غير قليل من الفرقة والاختلاف، ومزقتهم شيعًا وأحزابًا متصارعة. ولم يكن لدى أعضاء هذا الحزب في مبدأ ظهوره تصور محدد أو فكرة واضحة عن نظرية الإمامة، غاية الأمر أن ثمة من المسلمين من رأى أن عليًّا أحق بالخلافة من سائر أصحابه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وأنه أولى قرابته بها، فيذكر ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة أن من الصحابة من فضلوا عليًّا، وذهبوا إلى القول بأن الخلافة حق له، منهم: عمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي بن كعب، وحذيفة، وأبو أيوب الأنصاري، وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف، وأبو الهيثم بن التيهان، والعباس بن عبد المطلب وبنوه، وبنو هاشم كافة. تلك هي الفكرة المبدئية التي قام على أساسها مذهب الشيعة، ثم تطورت هذه الفكرة نتيجة عوامل متباينة إلى نظرية لها أصول محددة وقواعد مجمع عليها من جانب الشيعة. وأول هذه العوامل: الشعور العاطفي الذي خامر نفوس أكثر المسلمين بسبب الاضطهاد الذي وقع على آل بيت النبي عامة، وآل عليٍّ خاصة، والأحداث المحزنة التي تعاقبت على عليٍّ وآله، ونستطيع أن نلتمس هذه الأحداث في " مصرع عليٍّ على يد الخوارج، ثم في التِياثِ (¬1) الأمر على ابنه الحسن، وتخاذل الناس عن نصرته حتى اضطر إلى التسليم، ثم في موته في ظروف مريبة غامضة يرى شيعته أنها من تدبير أعدائه، فبموته ضاع الأمل الذي كان باقيًا في أن حقه ربما كان سيعود إليه بعد وفاة معاوية. ثم في قسوة زياد -الذي ألحقه معاوية بنسبه- على رجال الشيعة واضطهاده لهم، وإرساله حجر بن عدي -من زعمائهم ومن أشراف العرب ومن خير الناس تقوى وعبادة، وأبطال فتح نهاوند- إلى الشام ليقتل؛ وذلك لاتهامه بأنه كان يعمل لإحداث ثورة في الكوفة، ثم في تقرير معاوية العهد لابنه يزيد، فأغلق الباب نهائيَّا على أي أمل في عودة أبناء علي إلى الخلافة. وأخيرًا وهذه هي الطامة الكبرى والفاجعة التي حفرت في قلوب الشيعة وقلوب المسلمين آثارًا عميقة من الحزن واللوعة، لا يمكن أن يمحوها الزمن: ألا وهي مقتل الحسين. كل هذه الأحداث أو المآسي المتتابعة هي التي كونت فرقة الشيعة ودفعتهم إلى إنتاج آرائهم، وأعطتهم هذه القوة التي جعلت منهم أكبر هيئة في المعترك السياسي الدِّيني، ¬
ومكنتهم من أن يصيروا الحزب الخالد الذي لا يزال باقيًا بتمام قوته ووجوده إلى اليوم ". إذن فقد أسهمت هذه الأحداث المفجعة في تكوين فرقة الشيعة وفي إنتاج آرائها في السياسة ثم في العقيدة، وبَيَّنٌ أن هذا العامل التاريخي يستند على الشعور والوجدان أكثر مما يقوم على البرهان والحجة. وثمة عامل آخر ساعد بشكل كبير على قوة التيار الشيعي، ومنحه ذيوعًا وانتشارًا، وتأثيرًا في الحياة السياسية، ألا وهو انضمام الموالي الفرس إلى الحركة الشيعية. والحق أن فكرة الشيعة عن الخلافة وما ذهبوا إليه من ضرورة تخصيصها بعلي وبنيه لاءمت إلى حد كبير نظرية الحق الملكي المقدس التي اعتنقها الفرس؛ يقول الأستاذ دوزي موضحًا حقيقة هذا العامل: " إن الشيعة فرقة فارسية في حقيقتها وجوهرها. . . إن الفارسي لم يكن يستطيع أن يتصور أن يوجد خليفة بالانتخاب، فهذه الفكرة غير معهودة له وغير معقولة، وإنما المبدأ الوحيد الذي يمكنه أن يفهمه هو مبدأ الوراثة، وكل الذي كان هو في حاجة إليه، وقد تغيرت بيئته واعتنق دينًا جديدًا، هو أن ينقل ولاءه ويحول وجهة شعوره من أفراد أسرة مقدسة إلى أخرى. فليس من المبالغة إذن في شيء -وإن كان الدافع ونوع العاطفة ولا شك مختلفين وكان حدوث العملية غير شعوري- أن يقال: إن " البيت النبوي "، وقد مثله آل علي، قد حل في قلوب الفرس واعتبارهم محل بيت آل ساسان ". ويسعنا أن نضيف سببًا آخر يفسر لنا انضمام الفرس إلى الشيعة وهو دفاعهم عما رأوه حقًّا لعلي وبنيه، وهو اضطهاد الأمويين للموالي والذي أورثهم شعورًا مؤلمًا بانخفاض مستواهم المعيشي، وتدني مكانتهم الاجتماعية عن العرب. نتج عن العوامل السابقة مجتمعة تطور الفكرة الشيعية وتبلور ملامحها، وغدا للشيعة رأي محدد في الإمامة ذكره ابن خلدون فقال: " إن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، ويتعين القائم بتعيينهم، بل هي ركن الدِّين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفالها ولا تفويضها إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصومًا من الكبائر والصغائر، وإن عليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هو الذي عينه صلوات الله
أبرز فرق الشيعة:
وسلامه عليه بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم، لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه، أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة ". أبرز فرق الشيعة: يطلق مصطلح الشيعة على فرق عدة منها المتطرف ومنها المقتصد، عد منها البغدادي عشرين فرقة اعتبرها معدودة في فرق الأمة، وما سوى هذه الفرق العشرين، فليسوا من فرق الإسلام وإن كانوا منتسبين إليه. ونكتفي هاهنا بذكر أبرز فرق الشيعة: الزيدية: تنسب هذه الفرقة إلى زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان زيد قد خرج على هشام بن عبد الملك بالكوفة فقتل وصلب، ويقول المسعودي في سبب خروجه: كان زيد دخل على هشام، فلما مثل بين يديه لم ير موضعًا يجلس فيه فجلس حيث انتهى به المجلس، وقال: يا أمير المؤمنين، ليس أحد يكبر عن تقوى اللَّه ولا يصغر دون تقوى اللَّه، فقال هشام: اسكت لا أم لك، أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة، وأنت ابن أمة، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لك جوابًا إن أحببت أجبتك به، وإن أحببت سكت عنه، فقال هشام: بل أجب قال: إن الأمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمة لأم إسحاق، فلم يمنعه ذلك أن يبعثه اللَّه نبيًّا، وجعله اللَّه للعرب أبًا، فأخرج من صلبه خير البشر محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فتقول لي هذا وأنا ابن فاطمة وابن علي، وقام وهو يقول: شرده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حر الجلاد منخرق الكمين يشكو الجوى ... تنكثه أطراف مرو حداد
الإمامية:
قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد إن يحدث اللَّه له دولة ... يترك آثار العدا كالرماد فمضى إلى الكوفة وخرج عنها، ومعه القراء والأشراف، فلما قامت الحرب انهزم عنه أصحابه، وبقي في جماعة يسيرة، فقاتل بهم أشد قتال وهو يقول متمثلاً: أذل الحياة وعز الممات ... وكلا أراه طعامًا وبيلاً فإن كان لابد من واحد ... فسيري إلى الموت سيرًا جميلاً وانتهى الأمر بقتله. والحق أن الزيدية أقرب فرق الشيعة إلى الجماعة الإسلامية وأكثرها اعتدالاً؛ فهي لم ترفع الأئمة إلى مرتبة النبوة، بل لم ترفعهم إلى مرتبة تقاربها بل اعتبروهم كسائر الناس، ولكنهم أفضل الناس بعد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. والزيدية لا يؤمنون بأن الإمام الذي أوصى به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قد عينه بالاسم والشخص، بل عرفه بالوصف، وأن الأوصاف التي عرفت تجعل الإمام عليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هو الإمام من بعده؛ لأن هذه الأوصاف لم تتحقق في أحد بمقدار تحققها فيه. وهذه الأوصاف توجب أن يكون هاشميا ورعا تقيا، عالمًا سخيا، يخرج داعيًا لنفسه، ومن بعد علي يشترط أن يكون فاطميًّا أي من ذرية السيدة فاطمة رضي اللَّه عنها. الإمامية: وهم يجعلون الإمام بعد علي زين العابدين مُحَمَّد الباقر لا زيد بن علي، وأهم فرقهم الاثنا عشرية والإسماعيلية. والاثنا عشرية هي الفرقة التي تقول باثنى عشر إمامًا، هم: علي المرتضى، والحسن المجتبى، والحسين الشهيد، وعلي زين العابدين السجاد، ومُحَمَّد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومُحَمَّد النقي، وعلي التقي، والحسن العسكري الزكي، ومُحَمَّد المهدي الذي اختبأ واختفى سنة 260 هـ وما يزال مستورًا حتى يظهر في آخر الزمان؛ ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جورًا.
أما الإسماعيلية فساقوا الإمامة إلى جعفر الصادق، وزعموا أن الإمام بعده ابنه إسماعيل، وإليه تنسب هذه الفرقة. وافترقت الإسماعيلية فرقتين: - فرقة منتظرة لإسماعيل بن جعفر، مع اتفاق أصحاب التواريخ على موت إسماعيل في حياة أبيه. - وفرقة قال: كان الإمام بعد جعفر سبطه مُحَمَّد بن إسماعيل بن جعفر، حيث إن جعفرًا نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده، فلما مات إسماعيل في حياة أبيه علمنا أنه إنما نصب ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه مُحَمَّد بن إسماعيل. وقد نشأ ذلك المذهب بالعراق كغيره من مذاهب الشيعة، واضطهد كما اضطهد غيره، وقد فر المعتنقون له بتأثير الاضطهاد إلى فارس وخراسان، وما وراء ذلك من الأقاليم الإسلامية كالهند والتركستان، وهناك خالط مذهبهم بعض آراء من عقائد الفرس القديمة، والأفكار الهندية، وتحت تأثير ذلك انحرف كثيرون منهم فقام فيهم ذوو أهواء؛ ولذلك حمل اسم الإسماعيلية طوائف كثيرة، بعضهم لم يخرجوا عن دائرة الإسلام، وبعضهم انحرفوا بما انتحلوا من نحل لا يتفق ما اشتملت عليه مع المقرر الثابت من الأحكام الإسلامية، وقد سموا الباطنية أو الباطنيين؛ وذلك لاتجاههم إلى الاستخفاء عن الناس، الذي كان وليد الاضطهاد أولًا، ثم صار حالة نفسية عند طوائف منهم. ومن الآراء الشاذة التي قال بها الإسماعيلية الباطنية: - زعمهم أن الأنبياء قوم أحبوا الزعامة فساسوا العامة بالنواميس والحيل طلبًا للزعامة بدعوة النبوة والإمامة. - تأولوا لكل ركن من أركان الشريعة تأويلًا يورث تضليلًا، فزعموا أن معنى الصلاة موالاة إمامهم، والحج زيارته وإدمان خدمته، والمراد بالصوم الإمساك عن إفشاء سر الإمام دون الإمساك عن الطعام، والزنى عندهم إفشاء سرهم بغير عهد وميثاق. وزعموا أن من عرف معنى العبادة سقط عنه فرضها، وتأولوا في ذلك قوله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، وحملوا اليقين على معرفة التأويل.
كما زعموا أن تكاليف الدِّين وشعائره ليست إلا للعامة ولا يلزم الخاصة أن يعملوا بها. ويقول البغدادي موضحًا خطر الباطنية: " اعلموا -أسعدكم اللَّه- أن ضرر الباطنية على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس، بل أعظم من مضرة الدهرية وسائر أصناف الكفرة عليهم، بل أعظم من ضرر الدجال الذي يظهر في آخر الزمان؛ لأن الذين ضلوا عن الدِّين بدعوة الباطنية من وقت ظهور دعوتهم إلى يومنا أكثر من الذين يضلون بالدجال في وقت ظهوره؛ لأن فتنة الدجال لا تزيد مدتها على أربعين يومًا، وفضائح الباطنية أكثر من عدد الرمل والقطر. الكيسانية والراوندية: سميت الكيسانية بذلك نسبة إلى كيسان رئيس جند المختار ابن عبيد اللَّه الثقفي الذي خرج ودعا إلى مُحَمَّد بن الحنفية. ْومنهم من يزعم أن مُحَمَّد بن الحنفية لا يزال حيًّا بجبال رضوى. ومنهم من قال: إن الإمام بعد ابن الحنفية ابنه عبد اللَّه بن مُحَمَّد أبو هاشم الذي أوصى لمُحَمَّد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس بالإمامة، ومن ثم انتقلت الإمامة من أبناء علي إلى أبناء العباس. ومن الكيسانية نشأت الراوندية، حيث أوصى مُحَمَّد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس إلى ابنه إبراهيم، وإبراهيم أوصى إلى أخيه أبي العباس السفاح مؤسس الدولة العباسية. والراوندية فرقة تشيعت للعباسيين ولم تكتف بمدح العباس بل أنكروا على أبي بكر وعثمان أن تقلدوا الخلافة مع وجود العباس، وأنه ما كان يجوز لأحد أن يتولاها إلا العباس وعلي؛ لأن العباس أذن له فيها. بل ذهبوا إلى أبعد من هذا حينما قَالَ بَعْضُهُمْ بالتناسخ، أي: حلول روح آدم في زعيم لهم، وروح جبريل في آخر.
ثالثا: المرجئة
ثالثًا: المرجئة يوشك إجماع المؤرخين والمهتمين بعلم الكلام أن ينعقد على أن ظهور المرجئة كفرقة لها قسماتها الفكرية المميزة وآراؤها العقدية المغايرة للمألوف آنذاك - قد ارتبط ارتباطًا مباشرًا بمغالاة الخوارج في تكفير مخالفيهم، والنظر إلى مرتكب الكبيرة على أنه كافر، تخرجه ذنوبه من دائرة الإيمان والإسلام جميعًا، واعتبار العمل جزءًا من إيمان صاحبه، وأن الفصل بينهما فصل بين مرتبطين ضرورة. وعلى العكس من معتقد الخوارج، ذهبت المرجئة إلى أن الإيمان عقد بالقلب، وإن أعلن الكفر بلسانه بلا تقية وعبد الأوثان أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام وعبد الصليب وأعلن التثليث ومات على ذلك، فهو مؤمن كامل الإيمان عند اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ووليٌّ لله عَزَّ وَجَلَّ، من أهل الجنة. ولما كان الإيمان عند المرجئة غير مرتبط بعمل الجوارح قال مقاتل بن سليمان -وكان من كبار المرجئة-: لا يضر مع الإيمان سيئة جلت أو قلت أصلًا، ولا ينفع مع الشرك حسنة أصلاً. وذهب عبد القاهر البغدادي إلى أن سبب تسميتهم بالمرجئة من الإرجاء بمعنى التأخير؛ لأنهم أخروا العمل عن الإيمان، بيد أن الراجح لدينا فيما يتصل بأمر التسمية، أنهم سموا بذلك؛ لأنهم يرجئون الحكم على صاحب الكبيرة إلى يوم الدِّين، ويفوضون أمره إلى ربه. ونحسب أن هذا الرأي يستقيم مع الملابسات التاريخية التي واكبت نشأة المرجئة في المجتمع الإسلامي، فهم قد ظهروا في عصر غلبت عليه نزعة تكفير الخصوم، أو على أقل تقدير نسبتهم إلى الفسوق والعصيان والمخالفة عن أوامر اللَّه، أما الخوارج فيكفرون عثمان وعليًّا والقائلين بالتحكيم، وثمة من الشيعة من يكفر أبا بكر وعمر وعثمان، والفريقان جميعًا -الشيعة والخوارج- يكفرون الأمويين ويعدونهم مغتصبين للخلافة،
والأمويون يقاتلون الجميع ويرون أنهم ضالون مضلون، " فظهرت المرجئة تسالم الجميع، ولا تكفر طائفة منهم، وتقول: إن الفرق الثلاث: الخوارج والشيعة والأمويين مؤمنون، وبعضهم مخطئ وبعضهم مصيب، ولسنا نستطيع أن نعين المصيب، فلنترك أمرهم جميعًا إلى اللَّه، ومن هَؤُلَاءِ بنو أمية، فهم يشهدون أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأن محمدًا رسول اللَّه، فليسوا إذن كفارًا ولا مشركين، بل مسلمين نرجىء أمرهم إلى اللَّه الذي يعرف سرائر الناس ويحاسبهم عليها ". والحق أن هذه الفرقة قد وجدت لنفسها من مواقف بعض الصحابة تجاه الفتنة مستندًا دعمت به وجهة نظرها، بل يصح لنا أن نعتبر مواقف هَؤُلَاءِ الصحابة البذرة الأولى التي نبتت منها المرجئة، وتفصيل ذلك أن ثمة من الصحابة فئة لما رأوا الفتنة محدقة بالمسلمين، ومقالة الكفر فاشية بين الناس جارية على ألسنتهم يرمون بها كل أحد مهما علا قدره وتميزت مكانته -: اعتصمت هذه الفئة من الصحابة بالصمت، وأحجمت عن الانخراط في الفتنة، وتمسكت بحديث أبي بكرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " ستكون فتن: القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ألا فإذا نزلت أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه، فقال رجل: يا رسول اللَّه، من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاة ". ومن الصحابة الذين امتنعوا عن المشاركة في الفتنة عملًا بحديث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: سعد ابن أبي وقاص، وعبد اللَّه بن عمر، وأبو بكرة راوي الحديث وعمران بن الحصين، وروي أن سعد بن أبي وقاص كان يقول إذا سئل القتال: " لا أقاتل حتى تأتوني بسيف يقول: هذا مؤمن وهذا كافر ". " وبهذا أرجئوا الحكم في أيِّ الطائفتين أحق، وفوضوا أمورهم إلى اللَّه سبحانه وتعالى. وقد قال النووي في ذلك: " إن القضايا كانت بين الصحابة مشبهة، حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين، ولم يقاتلوا، ولم يتيقنوا
بدع المرجئة وضلالهم:
الصواب ". إن الحقيقة التي ينبغي التنويه بها والإشارة إليها في هذا المقام، أن فرقة المرجئة على الرغم من خروجها من رحم الأحداث السياسية، فإنها مذهب ديني فلسفي، موضوعه البحث عن حقيقة الإيمان وعلاقة العمل به، وكانت الغاية التي تهدف إليها -أصلًا- الامتناع عن التسرع في إصدار الأحكام على أعمال الصحابة والتابعين، ولا سيما تلك التي صدرت في خلال المنازعات التي وقعت بينهم، فنظرة هذا المذهب إذن كانت إلى الماضي، وكان حكمه على أعمال تاريخية. وقد صور ثابت قطنة -شاعر المرجئة- عقيدة الإرجاء خير تصوير في قصيدة له، نجتزئ منها بهذه الأبيات: يا هند فاستمعي لي إن لسيرتنا ... أن نعبد اللَّه لم نشرك به أحدا نرجي الأمور إذا كانت مشبهة ... ونصدق القول فيمن جار أو عندا المسلمون على الإسلام كلهم ... والمشركون استووا في دينهم قددا ولا أرى أن ذنبًا بالغ أحدًا ... م الناس شركًا إذا ما وحدوا الصمدا بدع المرجئة وضلالهم: إن تحرج المرجئة من الحكم على أعمال الصحابة، وتأثمهم من تكفير صاحب الكبيرة يحمد لهم من غير مماراة، وهم في ذلك لا يخالفون المسلمين من حيث تفويض أمر مرتكب الكبيرة إلى اللَّه، إن شاء عذبه، وإن شاء تغمده برحمته وأدخله الجنة. بيد أن المرجئة المتأخرين قد بالغوا في فصل الإيمان عن العمل، فأتوا بدعًا وضلالات تخرجهم من دائرة الإسلام أصلاً، فزعموا -كما أشرنا في صدر الحديث عنهم- أنه لا يضر مع الإيمان ذنب جلَّ أو صغر، كما لا يجدي مع الشرك والكفر طاعة، فالإيمان في القلب واللسان، وهو المعرفة باللَّه تعالى، والمحبة والخضوع له بالقلب.
وزعم أبو الحسين الصالحي أن الصلاة ليست بعبادة لله، وأنه لا عبادة إلا الإيمان به وهو معرفته، والإيمان لا يزيد ولا ينقص وهو خصلة واحدة. بل إن بعضهم زعم أن لو قال قائل: أعلم أن اللَّه قد حرم أكل الخنزير ولا أدري هل الخنزير الذي حرمه هو هذه الشاة أو غيرها، كان مؤمنًا. ولو قال: أعلم أنه قد فرض الحج إلى الكعبة، غير أني لا أدري أين الكعبة ولعلها بالهند كان مؤمنًا، ومقصوده أن أمثال هذه الاعتقادات أمور وراء الإيمان لا أنه شاك في هذه الأمور، فإن عاقلًا لا يستجيز عقله أن يشك في أن الكعبة إلى أي جهة هي، وأن الفرق بين الشاة والخنزير ظاهر. على هذا النحو هوَّن المرجئة من شأن العمل، وجعلوا الإيمان مجرد التصديق القلبي، وإن دل عمل الجوارح على خلافه. فلا غرو أن أطمع هذا المذهب الفساق في عفو اللَّه، واتخذوا من أقوال المرجئة ذريعة يبررون بها آثامهم، حتى غدا الإرجاء دين المستهترين وعقيدة المذنبين، وقد أثر عن زيد ابن علي بن الحسن أنه قال: " أبرأ من المرجئة الذين أطمعوا الفساق في عفو اللَّه ". والخلاصة أن المرجئة ينقسمون إلى قسمين: قسم: توقف في الحكم على أعمال الصحابة، وتحرج من تصويب مواقفهم أو تخطئتها. والقسم الثاني: منكر لأن يكون العمل جزءًا من الإيمان، وأن عفو اللَّه يسع الصالحين والمذنبين جميعًا، وأنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الشرك طاعة. * * *
الفصل الثاني المذاهب الاعتقادية
الفصل الثاني المذاهب الاعتقادية توطئة: امتاز الإسلام بعقيدته الواضحة الصافية، التي تخاطب العقل والوجدان جميعًا، وتسلك في سبيل إقناع الناس بها طريقًا وسطًا بين المنطق والعاطفة لا تجد فيه أمتًا ولا عوجًا، ولسنا نقصد بالمنطق ذلك العلم الذي تقررت أصوله وتحددت قواعده لدى اليونان، واتسم بغير قليل من الغموض والتعقيد، وإنما نريد به لفت العقول المستقيمة إلى ما يغص به الكون الفسيح من أعلام واضحة وأدلة مقنعة على وجود اللَّه وقدرته ووحدانيته، والتي لا تملك هذه العقول أمامها إلا الإذعان والتسليم؛ قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وقال كذلك: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) والحق أن الآيات التي تؤدي هذا المعنى وتلفت إليه في القرآن الكريم أكثر من أن تحصى. ولا ريب أن وجود رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بين المسلمين يميط اللثام لصحابته عما التبس عليهم من مسائل العقيدة، ويجيب عما يضطرب في نفوسهم وضمائرهم من أمور مشكلة قد اشتبهت عليهم - قد عصم المسلمين من التردي في هوة الخلاف والجدل الذي ينفي من القلوب يقين الاعتقاد، ويبث فيها بذور الشك والارتياب. وتدلنا الآثار الصحيحة أن شيئًا من التفكير في أصول الدِّين والنظر في بعض مسائله قد مس عقول نفر من الصحابة مسًّا رفيقًا، وإن لم يمعنوا النظر أو يُوغلوا في الدرس، فقد روي أن أحد الصحابة حين أخبرهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بأن كل إنسان قد كتب مقعده من النار أو الجنة قال: ففيم العمل إذن يا رسول اللَّه؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له ". وروي أيضًا عن أبي ذر الغفاري أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حين أخبره بأن من مات من أمته لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة، سأله أبو ذر بقوله: وإن زنى وإن سرق؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " وإن زنى وإن سرق ".
ومن الواضح أن السؤال الأول كان يتصل بالقدر ومشكلة التكليف، والثاني يتصل بحكم صاحب الكبيرة. ولم تكن هذه التساؤلات من جانب الصحابة للرسول الكريم عن رغبة في الجدال المذموم وإثارة للشبهات التي يأباها الإسلام، بل كانت صادرة -هي وغيرها- عن رغبة صادقة ونزعة مخلصة في فهم الدِّين وتدبر مراميه، حتى يكون حظ الاقتناع العقلي في الإيمان به أوفر من حظ الجهل والتقليد. فإذا كان هذا هو حال المؤمنين الصادقين في طرح الأسئلة على النبي فيما يتصل بالقدر وصلتها بالعقيدة بينة، فإن ثمة من المشركين من أثاروا هذه المسألة لا يريدون بها إلا الفتنة، فقال اللَّه فيهم: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7). وقد اتخذ أُولَئِكَ من القول بالقدر ذريعة تسوغ لهم الإشراك باللَّه؛ قال تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148). ومهما يكن من أمر هَؤُلَاءِ المشركين، فإن العقيدة الإسلامية على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - اتسمت بما أشرنا إليه قبل قليل من القوة والوضوح والصفاء، وما كان لشبه المشركين أن تزعزع الإيمان بها أو اليقين فيها، لا سيما وقد التزم المسلمون المنهج السديد في النظر إلى العقائد وأصول الدِّين، وهو منهج يقوم على التسليم بما ورد في كتاب اللَّه دون المماراة فيه أو تأويله، وتفويض أمر المتشابه إلى اللَّه سبحانه وتعالى، وحسبك شاهدًا على صدق مقالتنا أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قد أمر بوجوب الإيمان بالقدر ونهى عن الخوض فيه؛ " لأن الخوض فيه مضلة للأفهام ومزلة للأقدام، وحيرة للعقول في مضطرب من المذاهب والآراء، وذلك يدفع إلى الفرقة والانقسام، ولأن إثارة الجدل فيه إثارة في أمر ليس في سلطان المجادل الإقناع به، وليس بيد أحد من الأدلة العقلية ما يحسم به الخلاف، ويقطع
في الموضوع ". فلا غرو أن كان المسلمون على عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبعد وفاته بقليل على منهاج واحد في أصول الدِّين وفروعه، غير من أظهر وفاقًا وأضمر نفاقًا على حد تعبير البغدادي. ويسعنا أن نضيف إلى ما سلف أن المسلمين في عهد أبي بكر الصديق قد شُغِلوا بقمع المرتدين، وفتح الأمصار والأقاليم لنشر الدعوة الإسلامية وبثها في الآفاق، فصرفوا إلى الدعوة نفسها أكثر مما عنوا بالنظر فيها والجدال حولها. بيد أن الفتح نفسه وما ترتب عليه من اتساع رقعة الإسلام كان عاملًا من عوامل الاختلاف حول العقائد الإسلامية، وسببًا أصيلًا من أسباب الشقاق الفكري الذي صار معلمًا بارزًا من معالم الحياة الإسلامية حتى الآن، على نحو ما سوف نشير إليه بعد قليلٍ. نَعِمَ المسلمون بتلك الحالة التي أشرنا إليها من الاستقرار الدِّيني والهدوء الفكري مدة خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب وشطرًا من خلافة عثمان بن عفان - رضي اللَّه عنهم أجمعين - وعرف الاختلاف طريقه إلى المسلمين منذ عهد عثمان نفسه، وكان مقتله ذروة هذا الاختلاف الذي تجاوز المناقشات الفكرية والحوارات الهادئة إلى المناجزة العنيفة في ميادين القتال وساحات الوغى، ونشأ من هذه وتلك فرق سياسية اصطرعت حول " مبدأ الخلافة "، وأدلى كل منها بما يحسبه صوابًا في ميدان السياسة، وهي: الشيعة والخوارج ثم المرجئة ويمكن أن يضاف إليها الحزب الأموي " وهذه الأحزاب وإن كانت في الواقع سياسية، إلا أنها لم تتخذ الشكل السياسي البحت، بل اصطبغت بصبغة دينية قوية، وصار كل حزب سياسي فرقة دينية، وصار الذين يقتتلون سياسيًّا يقتتلون دينيًّا، ولكل حزب أدلته الدِّينية التي يؤيد بها رأيه، وأخذ كل حزب يؤول في القرآن حسبما يوافق نزعته ورأيه ". وأثارت هذه الفرق مسألة مرتكب الكبيرة، واحتدم النزاع فيما بينها حول نسبته إلى الكفر أو الإيمان، وهل هو كافر مخلد في النار أم مؤمن يدخله اللَّه برحمته الجنة، " ولقد ساقهم الخلاف في هذه المسألة إلى الخلاف في تعريف الكفر والإيمان والكبائر والصغائر ونحو ذلك، وتكون من كل منهم فرق لها آراؤها في الأصول والفروع مما كان أساسًا فيما بعد لعلم الكلام ".
الصدام الفكري بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى:
الصدام الفكري بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى: لم يكد القرن الأول الهجري ينتهي حتى كان المسلمون قد ضموا إلى دولتهم أقطارًا شاسعة متباينة في الدِّين والعقيدة تباينها في نمط الحياة وطريقة العيش، ففتحت بلاد العراق وفارس وما وراءهما، والشام ومصر وما يليهما، وأوغل المسلمون في الفتح فعبروا المحيط الأطلسي إلى أوربا ومدوا نفوذهم إلى الأندلس. والحق أن حركة الفتوحات هذه قد امتد تأثيرها ليشمل إلى الجوانب السياسية والاقتصادية الدِّين والعقائد وما يرتبط بهما من شئون الفكر وألوان الثقافة، وذاك أمر ما نعلم أن أحدًا من الدارسين أو الباحثين قد شكك فيه أو غض الطرف عنه، بل جلُّ الباحثين الذين ينظر إليهم بعين الاحترام والاعتبار قد أرجعوا نشأة علم الكلام والتفكير الفلسفي في الإسلام إلى هذا السبب، بالإضافة إلى أسباب أخرى أشرنا إلى بعضها وقد نشير فيما بعد إلى بعضها الآخر، ولا غرابة في ذلك إذا نحن علمنا أن هذه البلاد المفتوحة لها عقائدها ودياناتها وثقافاتها المختلفة فتجد النصرانية في مصر والشام والعراق وإفريقية، وتطل عليك اليهودية من العراق وشمال الحجاز، ولو قد مددت ببصرك إلى فارس وما وراء النهر لرأيت الزرادشتية والمانوية والمزدكية، وتستطيع أن تقف في غير ما صعوبة ومشقة على الفلسفة اليونانية منبثة في ثنايا هذه الأقطار. إذا علمت ذلك كله -وما نحسب ذلك أمرًا عسيرًا- فإنك لا محالة تتبين أثر هذه الثقافات المختلفة والديانات المتباينة في العقيدة الإسلامية، ومدى ما أسهمت به في تطورها عما كانت عليه في العهد الأول، وما أضافته إلى البحث الدِّيني والإسلامي من مسائل وأفكار لم يكن للمسلمين عهد بها ولا تفكير فيها، ودونك أيها القارئ الكريم بعض الأمثلة: تحدث اليهود في النسخ ولم يجيزوا القول به، فالشريعة عندهم ابتدأت بموسى وتمت به، واهتموا بمسائل الذات والصفات إذ وجدوا في توراتهم ما يدعو إلى ذلك من النزول عند طور سيناء انتقالًا، والاستواء على العرش استقرارًا، وجواز الرؤية وغير ذلك. كما ناقش اليهود فكرة القدر وانقسموا حولها إلى فريقين: فريق يرى الجبر والاستسلام، وفريق يرى القدرة والاختيار. وقال اليهود بالرجعة، فزعموا أن هارون مات وسيرجع، ومنهم من قال: غاب وسيرجع.
أما النصارى ففي ثقافتهم الدِّينية مسائل يدلنا النظر في علم الكلام أن المسلمين قد تأثروا بها مثل مسألة الحشر، وهل يكون للأبدان والأرواح أو للأرواح فقط، وهل صفات اللَّه زائدة عن ذات اللَّه أو هو هي، وهل ينزل المسيح قبل يوم القيامة أو لا ينزل، وحرية الإنسان في إرادته أو القدر إلى غير ذلك مما ظهر الخلاف فيه بين فرق المسلمين. وإلى المانوية والمزدكية والزرادشتية يرجع الأثر الأكبر في كثير من الأفكار المنحرفة التي عرفتها الثقافة الإسلامية: كالتناسخ والحلول والاتحاد. " وكان الفرس ينظرون إلى ملوكهم نظرة إلهية وكانوا يعتقدون أن اللَّه اصطفاهم للحكم بين الناس، وخصهم بالسيادة، وأنهم ظل اللَّه في أرضه. . . وهذه النظرة تأثر بها الشيعة في علي وأبنائه واعتقادهم أنهم أحق بالخلافة دون سواهم ". ولا أحسبني في حاجة إلى إقامة الأدلة والتماس البراهين على انتقال هذه الأفكار وغيرها إلى العقيدة الإسلامية، وأثرها في نشأة علم الكلام نفسه عند المسلمين، فنظرة سريعة في مصنفات هذا العلم تدلك على هذا في وضوح وجلاء، ولسنا حين نقرر ذلك بدعًا بين الباحثين الذين سبقوا إلى مثل رأينا حتى غدا محل إجماعهم ولقي من القبول والتأييد أكثر مما صادف من الإنكار والمعارضة. إن انتقال مسائل العقائد الدِّينية لدى الأمم التي أسلفت ذكرها أمر فرضه واقع حياة المجتمع الإسلامي نفسه الذي كان مسرحًا لديانات مختلفة، دعت تعاليم الإسلام إلى احترامها وعدم جدال أصحابها إلا بالتي هي أحسن، ونهى المسلمين عن فرض دينهم على مخالفيهم؛ قال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) " وبتقرير الإسلام لهذا المبدأ أصبح للكثيرين من أهل هذه الديانات أن يقيموا بين المسلمين على عقائدهم القديمة، في نظير مبلغ من المال يدفعه القادر منهم لأجل حمايته والدفاع عنه، وتمتعه بما يتمتع به المسلمون من حقوق، بل لقد طمع بعضهم في أن يحولوا بعض المسلمين إلى دياناتهم بينما كان المسلمون؛ من جانبهم جاهدين في نشر الدعوة الإسلامية ورفع رايتها، وكان يقوم بهذه المهمة علماء مبرزون في العواصم الكبرى للأقطار التي فتحها المسلمون؛ فثار بذلك خلاف بين المسلمين وبين أهل هذه الديانات كان سببًا في تبادل الأفكار بين الفريقين ".
أولا: المعتزلة
ويسعنا أن نضيف إلى ذلك أن ثمة من أهل هذه الديانات من أسلم بلسانه ولم يطمئن قلبه للإسلام؛ رغبة في الكيد له والطعن فيه، بل إن من أسلم منهم صادقًا مزج -عن غير قصد الإساءة- بين العقيدة الإسلامية، وما درج عليه من عقائد دينه القديم، فأسهم بغير شك في تطوير العقيدة الإسلامية، وتغييرها. أمست العقيدة الإسلامية -لما أسلفنا من أسباب- مفتقرة إلى من ينافح عنها ضد خصومها من أهل الديانات الأخرى، الذين طمسوا معالمها أو كادوا، وشوهوا صفاءها ونقاءها، بما ألصقوه بها من آراء غريبة عنها وأفكار مناقصة لها، بل إن حاجة العقيدة الإسلامية إلى من يدافع عنها فاقت حاجتها لمن يدعو لها ويروج لمبادئها. ودعت الظروف الفكرية التي أحاطت بالمسلمين آنذاك إلى أن يتسلح من ندبوا أنفسهم للدفاع عن العقيدة الإسلامية بأسلحة الخصوم نفسها وهي المنطق والفلسفة وأدوات الحجاج العقلي والصراع الجدلي؛ إذ كان من أهل الديانات المناوئة للإسلام من حذق الفلسفة اليونانية واصطنع أدواتها في تقرير عقائده والدعوة لها، " وهكذا خاض المسلمون منذ عصر الأمويين في العقائد بمنهج جدلي عقلي غير ملتزمين بمنهج الصحابة رضوان الله عليهم، وقد أدى هذا الاتجاه إلى اختلاف المسلمين ووجود الفرق المختلفة التي حاولت كل منها أن تظهر رأيها على أنه الصورة الحقيقية للعقيدة الإسلامية الصحيحة عن طريق جذب النصوص الشرعية إلى رأيها الخاص، وقد وجدوا في المتشابه مجالًا لذلك، فأخذوا يؤولون ويخرجون النصوص تخريجًا يجعلها سندًا لهم ". وننناول الحديث عن أهم هذه الفرق فيما يلي: أولاً: المعتزلة أشرنا آنفًا إلى أن العقيدة الإسلامية قد مست حاجتها إلى من ينافح عنها، ويدحض شبه الطاعنين فيها من أهل الديانات الأخرى، وأن من يقوم بهذه المهمة ينبغي عليه أن يقف على أدوات الحجاج العقلي ووسائل الجدل التي أتقنها الخصوم، وهي المنطق والفلسفة، والحق أن المعتزلة قد قاموا بهذه المهمة خير قيام، وأسهموا في ميدان الدفاع عن الإسلام وتبيين عقائده والاستدلال لها استدلالًا عقليًّا ممتازًا - ما يحمد لهم، ويذكر في كفة حسناتهم بغير قليل من الإكبار والاحترام، " فالمعتزلة تعد من أوائل الفرق الكلامية التي نظرت في العقائد وأيدتها بالبراهين العقلية، وخاضت في الجدل والكلام، وبرعت في
أولا: النشأة وسبب التسمية:
مناظرة الخصوم وإفحامهم ". وينتظم حديثنا عن هذه الفرقة الكلامية عدة محاور: أولًا: النشأة وسبب التسمية. ثانيًا: مراكز الاعتزال وفرق المعتزلة. ثالثًا: منهج المعتزلة في درس العقائد. رابعًا: الأصول الخمسة التي قال بها المعتزلة. أولًا: النشأة وسبب التسمية: تنسب هذه الفرقة -كما هو مقرر معلوم- إلى واصل بن عطاء (80 - 131 هـ) الذي كان تلميذًا للحسن البصري أشهر علماء زمانه وأبرزهم. وثمة خلاف شجر بين الدارسين حول سبب تسمية هذه الفرقة للمعتزلة، أثمر -أي هذا الخلاف- ثلاثة آراء متباينة لا بأس من ذكرها، ثم نختار من بينها ما نراه صوابًا. أما الرأي الأول: فيذكره الشهرستاني صاحب الملل والنحل، حيث روى أن رجلًا دخل على الحسن البصري فقال له: يا إمام الدِّين: لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر وهم الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان؛ لأن العمل عندهم ليس ركنًا من الإيمان، فلا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادًا؟ ففكر الحسن في هذه المسألة وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء -الذي كان حاضرًا مجلس الحسن البصري-: أنا لا أقول: إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق، ولا كافر مطلق، بل هو في منزلة بين المنزلتين، أي: لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل مجلس الحسن إلى مكان آخر من المسجد، فلما رآه الحسن وبعض أصحابه قال: اعتزل عنا واصل؛ فسمي هو وأصحابه معتزلة. والرأي الثاني حكاه المسعودي في مروج الذهب حيث قال: سموا بذلك؛ لأنهم قالوا باعتزال صاحب الكبيرة، فيكون الاعتزال وصفًا لمرتكب الكبيرة في الأصل، وسميت به الفرقة؛ لأنها جعلت مرتكب الكبيرة يعتزل المؤمنين والكافرين.
ثانيا: مراكز الاعتزال وفرق المعتزلة:
أما الرأي الثالث: فقد ذكره البغدادي حين قال: سموا بذلك؛ لأنهم اعتزلوا قول الأمة، فالخوارج كانوا يقولون: إن مرتكب الكبيرة كافر، والمرجئة يقولون: إنه مؤمن، والحسن البصري -وهو ممثل علماء التابعين آنذاك- يرى أنه فاسق وفسقه لا ينفي عنه اسم الإيمان والإسلام. والذي نميل إليه ونأخذ به هو الرأي الثالث؛ " لأن التسمية فيه تكون متعلقة بالجوهر وهو الآراء، لا بالعرض وهو انتقال واصل ومن معه من حلقة من المسجد إلى حلقة أخرى؛ إذ إن هذا الانتقال الحسي ليس بالأمر الهام ذي الخطر الذي من شأنه أن تسمى بسببه فرقة هامة كالمعتزلة ". ومهما يكن من أمر فقد نشأت المعتزلة على يد واصل بن عطاء وفي ذلك يقول طاش كبرى زاده: " وأول ما ظهر مذهب الاعتزال وشاع إنما ظهر من واصل بن عطاء، أخذ الاعتزال عن الإمام أبي هاشم عبد اللَّه بن مُحَمَّد ابن الحنفية الذي قيل: إنه كان أول من أحدث مذهب الاعتزال واخترعه هو وأخوه الإمام الحسن بن مُحَمَّد ابن الحنفية. . . ولكن ظهر واشتهر الاعتزال من واصل بن عطاء أبي حذيفة المعروف بالغزال ". وقُدِّرَ لهذه الفرقة أن تملأ العالم وتشغل الناس، يؤمن بعقائدها الخلفاء وأهل السياسة، فقد اعتقد آراءهم المأمون وحمل الناس عليها حملًا، وامتحنهم بها امتحانًا، وتبعه المعتصم والواثق، فلما جاء المتوكل ناهض المعتزلة وأمر الناس بترك النظر والمباحثة والجدال، وأمر الشيوخ المحدثين بالتحديث وإظهار السنة والجماعة، بيد أن المتوكل لم يستطع أن يقضي على آراء المعتزلة ولم يتمكن من اقتلاع أفكارهم من المجتمع الإسلامي، بل ظلت هذه الآراء والأفكار باقية بعده، وبالرغم من العبث بتراثهم وإتلاف كتبهم، فإن آراءهم لا تزال باقية حتى اليوم. ثانيًا: مراكز الاعتزال وفرق المعتزلة: أشرنا فيما سبق إلى نشأة الاعتزال في البصرة على يد واصل بن عطاء، فعُدِّت البصرة لذلك المركز الأول للمعتزلة والمدرسة الرائدة لهم.
بيد أن ثمة مركزًا آخر ازدهر فيه الفكر الاعتزالي وغدا بمثابة المدرسة الثانية للمعتزلة، ألا وهو " بغداد ". والحق أننا لا نعرف على وجه اليقين تاريخ ظهور هذه المدرسة، وإن كان الراجح لدينا أن هذا التاريخ لا يرجع إلى قبل عهد الرشيد، حيث ازدهرت بغداد نفسها من الناحية العلمية منذ عهد الرشيد الذي أولى العلم عناية فائقة وأنزل العلماء في دولته مكانًا رفيعًا، وبلغت مدرسة المعتزلة في بغداد أوج ازدهارها وذروة نفوذها منذ عهد المأمون الذي تبنى الآراء الاعتزالية وحمل الناس على الإيمان بها، وكانت سنة 218 هـ سنة المحنة التي ابتلي فيها المسلمون في أنحاء الإمبراطورية الإسلامية، وطلب المأمون منهم أن يقروا بخلق القرآن، وبحرية إرادة الإنسان وباستحالة رؤية الباري، ومن لم يفعل ذلك حكم بكفره، ولم تقبل شهادته. على هذا النحو كانت مدرسة البصرة الاعتزالية أسبق إلى الوجود الفكري الإسلامي من مدرسة بغداد، وكانت الأخيرة بمثابة فرع للأولى. وثمة فروق دقيقة نستطيع أن نتبينها بين المدرستين: - أولها: أن مدرسة البصرة كانت أكثر نزوعًا إلى الاستقلال الفكري من مدرسة بغداد. - ثانيها: أن شيوخ مدرسة بغداد كانوا أكثر اتصالًا بالحياة السياسية والعلمية من علماء مدرسة البصرة الذين كانوا منغمسين في بحوثهم العلمية مكتفين بتفكيرهم الهادئ في العقائد الإسلامية. ولا غرابة في ذلك، حيث إن بغداد هي حاضرة الخلافة العباسية ومركز الحكم، ولخلفائها اتصال بالمعتزلة وإعجاب بآرائهم وحدب على شيوخهم. - وثمة أمر ثالث يفرق بين المدرستين هو " أن مدرسة بغداد عرفت بالتعمق في البحث والانتفاع بالآراء الفلسفية إلى أقصى حد؛ لشدة حركة الترجمة في بغداد، فمثلًا نرى ثمامة ابن أشرس يذهب إلى أن العالم برز من اللَّه؛ لأن طبيعة اللَّه من شأنها الإيجاد بالطبع، ولا يمكن أن يتخلف ذلك، ولا شك أن هذا الرأي يؤدي إلى القول بقدم العالم؛ لأن طبيعة اللَّه لا تتغير، وثمامة في هذا الرأي متأثر بآراء أرسطو في قدم العالم ".
ثالثا: منهج المعتزلة في درس العقائد:
على هذا النحو كان تأثر معتزلي بغداد بالفلسفة اليونانية عظيمًا، ولقد مزجوا هذه الفلسفة بدرس العقائد الإسلامية، على نحو ما سنعرف عند حديثنا عن منهج المعتزلة. وقد افترقت المعتزلة إلى اثنتين وعشرين فرقة وهي: الواصلية، والعمروية، والهذلية، والنظامية، والأسوارية، والمعمرية، والإسكافية، والجعفرية، والبشرية، والمرداوية، والهاشمية، والثمامية، والجاحظية، والخابطية، والحمارية، والخياطية، وأصحاب صالح قبة، والمريسية، والشحامية، والكعبية، والجبائية، والبهشمية المنسوبة إلى أبي هاشم الجبائي. فهذه -كما يذكر البغدادي- ثنتان وعشرون فرقة، فرقتان منها من جملة فرق الغلاة في الكفر، وهما: الخابطية والحمارية، وعشرون منها قدرية محضة. على أن ثمة أصولًا مشتركة تؤلف بين هذه الفرق المختلفة، درج الباحثون على نعتها بالأصول الخمسة، ونرجئ الحديث عنها بعد أن نلم بمنهج المعتزلة في درس العقائد. ثالثًا: منهج المعتزلة في درس العقائد: أشرنا فيما سبق إلى أن للسلف - رضوان اللَّه عليهم - طريقة في فهم العقيدة تنهض على ساق من النصوص -القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة- وساق من المعرفة العميقة باللغة العربية والفقه الواسع بأسرارها، ولم يكونوا ينحرفون قليلًا أو كثيرًا عن هذا المنهج الذي أرسى دعائمه الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فإذا ما اشتبه عليهم أمر من أمور العقيدة توقفوا فيه وفوضوا أمره إلى الحق تبارك وتعالى. ولسنا في حاجة إلى أن نقرر أن السلف الصالح قدموا النقل على العقل، وكانت مهمة العقل لديهم مقصورة على فهم النصوص دون تأويل، فلا غرو أن كان العقل تابعًا للنقل أو النص أو الوحي، سمه ما شئت.
أما المعتزلة فقد خالفوا هذا المنهج، حيث اعتدوا بالعقل اعتدادًا كبيرًا، فارتادوا بالمسلمين في فهم العقائد ودرسها طريقًا جديدة لم يألفها المسلمون ولا كان لهم عهد بها من قبل. بيد أن ذلك لا يعني أنهم أهملوا النقل أو أنكروا حجيته، بل كان منهجهم يعتمد على المنقول والمعقول جميعًا، وقد أشار إلى ذلك الإسفراييني وذكر أنهم أول فرقة أسسوا قواعد الخلاف وجمعوا بين المعقول والمنقول، وأقاموا سياجًا قويًّا من البراهين والحجج المنطقية للدفاع عن العقيدة في مواجهة المخالفين لها والمعترضين عليها. ولقد عزا الشهرستاني هذه النزعة العقلية التي امتاز بها المعتزلة إلى تأثرهم بالفلسفة اليونانية، وإدمانهم النظر في المترجم منها إلى العربية. ويقول أحد الباحثين معلقًا على ذلك: " وقد ظهر أثر هذا التأثر بوضوح في آرائهم وأدلتهم ومقدمات براهينهم وقد دفعهم إلى ذلك أمران: الأول: أنهم وجدوا فيها -أي في الفلسفة اليونانية- ما يرضي منهجهم العقلي وشغفهم الفكري، وجعلوا فيها مرانًا عقليًا جعلهم يلحمون الحجة بالحجة. الثاني: أن الفلاسفة وغيرهم لما هاجموا بعض المبادئ الإسلامية تصدى هَؤُلَاءِ للرد عليهم، واستخدموا بعض طرقهم في النظر والجدل، وتعلموا الكثير منها ليستطيعوا أن ينالوا الفوز عليهم ". وإذا كان المعتزلة يجمعون في درسهم للعقائد الدِّينية بين العقل والنقل، فإنهم يقدمون العقل ويتخذونه أساس المعرفة الأول، ويرونه قادرًا على معرفة كل شيء ما خلا الذات الإلهية، فلا غرو أن عولوا عليه في النظر في العقائد وأمور السياسة والعلوم المختلفة كالحديث والفقه والأصول. وهم بذلك يختلفون عن الأشاعرة والماتريدية اختلافًا كبيرًا حيث يقدم هَؤُلَاءِ الدليل النقلي على الدليل العقلي، ويرون العقل مجرد أداة لفهم النصوص واستنباط الأحكام
منها. ولقد حمل هذا المنهج الاعتزالي أحد المشتغلين بالفكر الفلسفي في الإسلام إلى التصريح بأن المعتزلي لم يكن يأبه أن تكون النصوص الدِّينية متوافقة مع أصوله الفلسفية أو غير متوافقة، وأن كل ما يرمي إليه هو دعم الأصل العقلي الذي وصل إليه. كان المعتزلة يرون أن العقل أصل والسمع -أي النقل- فرع، ولا يجوز تقديم الفرع على الأصل، ومن هنا كان تقديمهم العقل على النقل. ويتمثل النقل لدى المعتزلة في ثلاثة أدلة: الكتاب، والخبر المجمع عليه، والإجماع، " وقد عولوا جميعًا في بحوثهم على القرآن، أما الحديث فقد اختلفوا في موقفهم منه، فواصل لم يقبل منه إلا المتواتر أو المشهور، وعمرو بن عبيد شكك في الرواية والرواة، وأبو الهذيل العلاف يرفض المتواتر، وبلغت هذه النزعة أوجها عند النظام الذي أنكر بعض الأحاديث، ورفض الإجماع، ولكن هذه النزعة قد خفت ومالت إلى الاعتدال عند المتأخرين من المعتزلة، وخاصة القاضي عبد الجبار وتلاميذه الذين اعتدوا بالحديث ". وللدليل النقلي عند المعتزلة ضوابط وشروط، لا يأخذون به إلا عند تحققها فيه، وهي: أولًا: ألا يتعارض مع العقل؛ لأن العقل حجة اللَّه والشرع حجة اللَّه، وحجج الله تتعاضد ولا تتعارض. ثانيًا: أن يكون قطعي الثبوت؛ ولذلك فهم لا يأخذون بأحاديث الآحاد ولا يعولون عليها في مسائل الاعتقاد. ثالثًا: أن يكون قطعي الدلالة بحيث لا يحتمل تأويلًا. رابعًا: الأصول الخمسة التي قال بها المعتزلة: ثمة أصول خمسة أجمع المعتزلة -مع تعدد فرقهم وتباينها- على القول بها، ولم ينتحل نحلة المعتزلة متكلم إلا وقد آمن بها؛ قال أبو الحسن الخياط في كتابه الانتصار: " وليس أحد يستحق اسم الاعتزال، حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
1 - التوحيد:
فإذا جمع هذه الأصول فهو معتزلي ". 1 - التوحيد: لا مراء في أن التوحيد جوهر الإسلام وحجر الزاوية في عقيدته، وما من نبي أو رسول إلا دعا قومه إليه ودلهم على شواهده وبراهينه في الكون. ويقوم التوحيد على تنزيه اللَّه في ذاته وصفاته وأفعاله، وقد سلك السلف فيه طريقًا وسطًا بين النفي والإثبات دون تأويل أو تعطيل أو تشبيه أو تجسيم. أما المعتزلة فلهم طريقة مخصوصة في فهم التوحيد، يدلنا عليها أبو الحسن الأشعري بقوله: " أجمعت المعتزلة على أن اللَّه واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وليس بجسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة، ولا لحم، ولا دم، ولا شخص ولا جوهر ولا عرض، ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسة، ولا بذي حرارة ولا رطوبة ولا يبوسة، ولا طول ولا عرض ولا عمق، ولا اجتماع ولا افتراق، ولا يتحرك ولا يسكن، ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء، وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات، ولا بذي يمين وشمال وأمام وخلف وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان. ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن. ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم. ولا يوصف بأنه متناه. ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات، وليس بمحدود، ولا والد ولا مولود، ولا تحيط به الأقدار، ولا تحجبه الأستار، ولا تدركه الحواس، ولا يقاس بالناس، ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه. ولا تجري عليه الآفات، ولا تحل به العاهات، وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له، لم يزل أولًا سابقًا للمحدثات، موجودًا قبل المخلوقات، ولم يزل عالمًا قادرًا حيا، ولا يزال كذلك، لا تراه العيون، ولا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأوهام، ولا يسمع بالأسماع، شيء لا كالأشياء، عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الأحياء، وأنه القديم وحده ولا قديم غيره، ولا إله سواه، ولا شريك له في ملكه، ولا وزير له في سلطانه، ولا معين على إنشاء، أنشأ وخلق ما خلق، لم يخلق الخلق على مثال سبق، وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء. آخر ولا بأصعب عليه منه، ولا يجوز عليه احتزار المنافع ولا تلحقه المضار، ولا يناله السرور واللذات، ولا يصل إليه الأذى والآلام، ليس بذي غاية
رأي المعتزلة في الصفات:
فيتناهى، ولا يجوز عليه الفناء، ولا يلحقه العجز والنقص، تقدس عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والأبناء ". ونستطيع أن نزعم أن طريقة المعتزلة في فهم التوحيد تتكئ عندهم على بعض آيات القرآن الكريم التي اصطبغت بصبغة التنزيه؛ كقوله تعالى: (ليَس كَمِثلِهِ شَيءٌ)، وقوله: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4). ومهما يكن الدافع الذي سلك بالمعتزلة هذا الطريق في النظر إلى التوحيد، فإن هذا الأصل عندهم ترتب عليه نتائج أخرى تكشف عن رأيهم في بعض مسائل الاعتقاد. رأي المعتزلة في الصفات: الصفات عند المعتزلة قسمان: صفات سلبية تسلب عن اللَّه ما لا يليق به، وصفات ثبوتية أو إيجابية. ولم يجد المعتزلة في إثبات الصفات السلبية لله سبحانه ما يتعارض مع مفهومهم عن التوحيد، أو يمس فكرة التنزيه كما يفهمونها من القرآن الكريم. من هذه الصفات: القدم، وتنفي هذه الصفة عن اللَّه الحدوث، والوحدانية وتنفي عن اللَّه التعدد، ومخالفة الحوادث. " أما الصفات الثبوتية أو الإيجابية التي تتعلق بإثبات معنى زائدٍ على الذات -ومن هذه الصفات: العلم والقدرة والإرادة والحياة- فقد نفى المعتزلة اتصاف اللَّه بها أو أكثرها؛ لأن إثباتها يتعارض مع فهمهم للتوحيد ". فقد رأى المعتزلة أن إثبات هذه الصفات لله يجعلها مشاركة له في القدم، ويعني هذا تعدد القدماء مع ما فيه من معارضة لفكرة التوحيد، كما يؤدي إثباتها إلى الوقوع في التعدد الذي وقع فيه النصارى الذين قالوا بوجود ثلاثة أقانيم في الذات الإلهية، الآب والابن والروح القدس. ولا يخفى أن منهج المعتزلة في النظر إلى صفات اللَّه يتعارض مع القرآن الكريم الذي أثبت هذه الصفات لله، وكذا فهمها الصحابة ولم يجادلوا فيها. وثمة صفات أخرى تصف اللَّه بما يوهم مشابهته للإنسان: كوصف اللَّه بأن له وجهًا أو عينًا أو يدًا، ووصفه بالاستواء على العرش والنزول إلى السماء وغير ذلك. وقد وجد المعتزلة أن الإيمان بهذه الصفات دون تأويل يقود إلى التجسيم الذي
القول بخلق القرآن:
يتعارض مع التوحيد، فلا غرو أن أولوا هذه الصفات، فاليد لديهم تعني القدرة، والعين تدل على الرحمة، والوجه يعني الذات. والحق أن السلف آمنوا بهذه الصفات دون تأويل، وما أدق عبارة الإمام مالك بن أنس في الإنباء عن منهج السلف في فهم الصفات حين سئل عن الاستواء فقال: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ". القول بخلق القرآن: ذهب المعتزلة إلى نفي صفة القدم عن القرآن الكريم، وزعموا أن القرآن مخلوق؛ لأن القول بقدمه يقود إلى تعدد القدماء، وهو ما يتنافى مع مفهومهم للتوحيد. وقد حاول المعتزلة إجبار غيرهم من المسلمين على الأخذ برأيهم، غير أن بعض العلماء من أصحاب الاتجاه السلفي رفضوا هذا الرأي، وكان على رأسهم الإمام أحمد بن حنبل الذي ذهب إلى أن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، وأن البحث في هذه المسألة مبتدع لم يثبت عن السلف، ومن ثم لا ينبغي الخوض في هذه الأمور بل ينبغي الوقوف عند رأي السلف. إنكار رؤية اللَّه: يقول أبو الحسن الأشعري: " أجمعت المعتزلة على أن اللَّه سبحانه وتعالى لا يرى بالأبصار، واختلفت: هل يرى بالقلوب؛ فقال أبو الهذيل وأكثر المعتزلة: نرى اللَّه بقلوبنا بمعنى أنا نعلمه بقلوبنا، وأنكر هشام الفوطي وعباد بن سليمان هذا وذلك ". إن القول برؤية اللَّه عند المعتزلة ينطوي على إلحاق الجسمية به سبحانه؛ إذ يجري عليه عند ذلك ما يجري على المرئيات الجسمية، والجسمية تتنافى مع التوحيد. وقد لجأ المعتزلة لإنكار رؤية اللَّه إلى تأويل الآيات التي تثبت هذه الرؤية، كقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23). كما طعنوا في صحة الأحاديث التي تثبت هذه الرؤية؛ كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته " رواه البخاري ومسلم. 2 - العدل: هذا هو الأصل الثاني من الأصول الخمسة التي اتسم بها المعتزلة، ويتخذ أهمية عظيمة
الإنسان مريد لأفعاله:
لديهم، ويمثل مع التوحيد الأصلين اللذين بهما عرف المعتزلة ونسبوا إليهما حتى قيل: " أهل العدل والتوحيد ". والعدل صفة من صفات الحق تبارك وتعالى واسم من أسمائه الحسنى، غير أن المعتزلة نظروا إلى " العدل " نظرة مغايرة لما عليه جمهور المسلمين، وفلسفوه فلسفة خاصة أثمرت عددًا من المسائل العقدية نوجزها فيما يلي: وجوب الصلاح والأصلح على اللَّه تعالى: ويعني ذلك أنه إذا كان ثمة أمران أحدهما صلاح والآخر فساد، وجب على اللَّه تعالى فعل الصلاح منهما، وإذا كان أمران أحدهما صلاح والآخر أصلح وجب على اللَّه تعالى فعل الأصلح. " وقد وجه إلى رأي المعتزلة كثير من الاعتراضات وهي في جملتها وتفصيلها قائمة على أساس أن في إيجاب الصلاح والأصلح تقييدًا لإرادة اللَّه؛ ولذلك أخطأ المعتزلة في القول بإيجاب الصلاح والأصلح على اللَّه، وتطاولوا على مقام الألوهية، وأساءوا الأدب مع اللَّه كما وصفهم الماتريدي بذلك ". الإنسان مريد لأفعاله: إن مسألة الجبر والاختيار مسألة هامة من مسائل علم الكلام الإسلامي، وركن أصيل من أركان الفكر الاعتزالي؛ وتدور هذه المسألة حول العلاقة بين قدرة اللَّه تعالى وأعمال العباد، من حيث إن هذه الأعمال مخلوقة لله تعالى أو مخلوقة للعبد. فقد فرق المعتزلة بين نوعين من أفعال العباد أحدهما ضروري اضطراري، والثاني: اختياري، وحكموا بأن أفعال النوع الأول ليس للإنسان فيها اختيار. أما أفعال النوع الثاني فالإنسان فيها فاعل مختار، " ومن ثم قالوا: إن الأفعال الاضطرارية مخلوقة لله تعالى، ولا دخل لقدرة العبد فيها، وأما الأفعال الاختيارية فقد ذهبوا فيها إلى أنها واقعة بقدرة العبد وحدها على سبيل الاستقلال، وهذه القدرة أوجدها اللَّه تعالى في العبد باختياره ". وقد رأى المعتزلة في قولهم بحرية الإنسان في أفعاله انسجامًا مع العدل الإلهي؛ إذ مما
3 - الوعد والوعيد:
يتعارض مع هذا العدل أن يحاسب اللَّه الإنسان على أفعال ليست من إرادته أو اختياره. كما يترتب على عدم القول بذلك بطلان التكليف والأوامر والنواهي؛ لأن الاختيار مناطها، كما يبطل الثواب والعقاب؛ لأنه لا معنى لأن يعاقب المرء أو يثاب على غير فعله، وتنتفي الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتب. وثمة دليل آخر احتج به المعتزلة على حرية الإنسان وإرادته، خلاصته: أن اللَّه تعالى لو كان هو الفاعل المريد لأفعال العباد، لنسب إليه عَزَّ وَجَلَّ ما يقع على أيديهم من المعاصي والشرور والقبائح، وهو أمر لا يصح أن يوصف اللَّه به. واستدل المعتزلة لصحة ما ذهبوا إليه بآيات كثيرة من القرآن الكريم تثبت للإنسان إرادة حرة واختيارًا مقصودًا؛ كقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)}، وكقوله تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا). على هذا النحو كان رأي المعتزلة في حرية الإنسان، ورأوا أن القول به يجعل التكليف مستساغًا والثواب مقبولًا والعقاب عادلًا وينزه اللَّه تعالى عن الشرور والآثام التي تجري على يد الإنسان. 3 - الوعد والوعيد: ربط المعتزلة بين العمل والجزاء ربطًا وثيقًا، فجاء قولهم بالوعد والوعيد ملائمًا لهذا الربط، فاللَّه تعالى وعد الطائعين ثوابًا عظيمًا وجنة خالدة وأوعد المذنبين عقابًا أليمًا ونارًا يصلونها، والواجب على اللَّه تعالى ألا يخلف وعده أو وعيده؛ لما ينطوي عليه ذلك من فعل القبيح واللَّه لا يفعل القبيح. يقول أحد الباحثين مصورًا رأي المعتزلة في وجوب الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية: " أما وجوب الثواب على الطاعة فلأن التكاليف الشاقة التي كلفنا اللَّه بها ليست إلا لنفعنا وهو بالثواب عليها؛ إذ ليس بمعقول أن يكلفنا اللَّه بشيء لا لغرض لأن ذلك عبث، فيستحيل صدوره من اللَّه لقبحه؛ فوجب أن يكون التكليف لغرض وهذا الغرض ينبغي ألا يكون عائدًا إلى اللَّه لتنزهه وتعاليه عن الانتفاع والضرر، بل يجب أن يكون هذا الغرض عائدًا إلى العبد وحده، ثم يقال: لا يجوز أن يكون عائدًا عليه في الدنيا لأن الإتيان
بالتكاليف بمشقة ملاحظ دنيوي إذ إن العبادة عناء وتعب، وقطع للنفس عن شهواتها فوجب أن يكون الغرض عائدًا عليه في الآخرة، وحينئذ يقال: إما أن يكون هذا الغرض هو التعذيب على قيامه بالتكاليف وأن ذلك ظلم قبيح جدًّا، لا يليق أن يتصف به اللَّه؛ فوجب أن يكون الغرض هو النفع أو بعبارة أخرى هو الثواب وهو المطلوب. وأما العذاب فقالوا فيه: إن مرتكب الكبيرة إذا ما مات ولم يتب لا يجوز أن يعفو اللَّه عنه، بل يجب عقابه؛ لأن اللَّه أوعد بالعقاب على الكبائر وأخبر به، فلو لم يعاقب على الكبيرة وعفا لزم الخلف في وعيده، والكذب في خبره، وهو محال. وأيضا إذا علم مرتكب الكبيرة أنه لا يعاقب على ذنبه لم ينزجر عن الذنب، بل يكون ذلك تقريرًا له على ذنبه، وإغراء للغير عليه، وأن ذلك قبيح مناف لمقصود الدعوة إلى الطاعات وترك المنهيات. وإذن فالثواب على الطاعات، والعقاب على المعاصي واجب لا يمكن أن يتخلف، وعقاب مرتكب الكبيرة هو الخلود في النار ". والحق أن هذا الأصل من أصول المعتزلة يخالف ما عليه جمهور المسلمين من أن الله تعالى لا يجب عليه شيء من عقاب العاصي أو إثابة الطائع، وإن كان الحق لا يسوي بينهما فيثيب الطائع تفضلًا منه ورحمة مصداقًا لقول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه منه بفضل ورحمة ". أما العاصي فيعاقبه اللَّه بعدله، وإن شاء عفا عنه برحمته، ولا نوجب شيئًا على ربنا سبحانه له الأمر والمشيئة. إن تحقيق الوعيد يرجع إلى قدرة اللَّه على العاصين والمذنبين فهم في قبضته واقعون تحت قهر قدرته، والعفو عنهم لا يلحق باللَّه نقصًا أو قبحًا؛ لأنه يعفو -إذا عفا- عن قدرة، والعفو عند المقدرة هو أسمى درجات العفو. ثم إن قول المعتزلة بإيجاب الوعيد يعد حجرًا على إرادة اللَّه تعالى ومشيئته، وتقييدًا لرحمته.
4 - المنزلة بين المنزلتين:
4 - المنزلة بين المنزلتين: إن هذا الأصل قسمة مميزة من قسمات الفكر الاعتزالي، انفردوا به ولم يشاركهم فيه أحد، والقول به سبب نشأة المعتزلة كما أشرنا آنفًا. ويتعلق هذا الأصل بالحكم على مرتكب الكبيرة، حيث اشتجر الخلاف بين المسلمين حوله وافترقوا شيعًا وأحزابًا؛ يقول البغدادي: " وكان واصل من منتابي مجلس الحسن البصري في زمان فتنة الأزارقة وكان الناس يومئذ مختلفين في أصحاب الذنوب من أمة الإسلام على فرق: فرقة تزعم أن كل مرتكب لذنب صغير أو كبير مشرك باللَّه وكان هذا قول الأزارقة من الخوراج وزعم هَؤُلَاءِ أن أطفال المشركين مشركون ولذلك استحلوا قتل أطفال مخالفيهم وقتل نسائهم سواء كانوا من أمة الإسلام أو من غيرهم، وكانت الصفرية من الخوارج يقولون في مرتكبي الذنوب بأنهم كفرة مشركون كما قالته الأزارقة غير أنهم خالفوا الأزارقة في الأطفال، وزعمت النجدات من الخوارج أن صاحب الذنب الذي أجمعت الأمة على تحريمه كافر مشرك وصاحب الذنب الذي اختلفت الأمة فيه حكم على اجتهاد أهل الفقه فيه وعذروا مرتكب ما لا يعلم تحريمه بجهالة تحريمه إلى أن تقوم الحجة عليه فيه، وكانت الإباضية من الخوارج يقولون إن مرتكب ما فيه الوعيد مع معرفته بالله عَزَّ وَجَلَّ وبما جاء من عنده كافر كفران نعمة وليس بكافر كفر شرك، وزعم قوم من أهل ذلك العصر أن صاحب الكبيرة من هذه الأمة منافق والمنافق شر من الكافر المظهر لكفره. وكان علماء التابعين في ذلك العصر مع أكثر الأمة يقولون إن صاحب الكبيرة من أمة الإسلام مؤمن لما فيه من معرفته بالرسل والكتب المنزلة من اللَّه تعالى ولمعرفته بأن كل ما جاء من عند اللَّه حق ولكنه فاسق بكبيرته وفسقه لا ينفي عنه اسم الإيمان والإسلام وعلى هذا القول الخامس مضى سلف الأمة من الصحابة وأعلام التابعين فلما ظهرت فتنة الأزارقة بالبصرة والأهواز واختلف الناس عند ذلك في أصحاب الذنوب على الوجوه الخمسة التي ذكرناها ". أما واصل بن عطاء -رأس المذهب وزعيم نحلة الاعتزال- فقد خرج عن قول جميع الفرق المتقدمة، وزعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، وجعل مرتكب الكبيرة في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان. ويعلل واصل بن عطاء لرأيه فيقول: إن الإيمان عبارة عن خصال خير، إذا اجتمعت
5 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
سمي المرء مؤمنًا، وهو اسم مدح، والفاسق لم يستكمل خصال الخير، ولا استحق اسم المدح، فلا يسمى مؤمنًا، وليس هو بكافر أيضًا؛ لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه، لا وجه لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة فهو من أهل النار خالد فيها؛ إذ ليس في الآخرة إلا الفريقان: فريق في الجنة وفريق في السعير، ولكنه تخفف النار عليه ". ويتضح من كلام واصل بن عطاء أن المعتزلة يرون أن مرتكب الكبيرة خالد في النار وقد ترتب على هذا المبدأ " أن مرتكب الكبيرة لا حظَّ له من شفاعة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فالشفاعة -عند المعتزلة- ليست لأصحاب الكبائر؛ لأن العدل يقتضي أن يعذب العاصي على معصيته، والشفاعة تتنافى مع هذا العدل، فالشفاعة عندهم ليست لهَؤُلَاءِ وإنما هي للصالحين، والمعتزلة بهذا الرأي ينكرون أو يؤولون كثيرًا من الأحاديث التي تثبت الشفاعة للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولغيره من العلماء والشهداء والصالحين، وهذه الشفاعة تنال أصحاب المعاصي فيخرجون بفضلها من النار، فلا يبقى في النار بعد الشفاعة إلا من حبسهم القرآن المجيد وهم الكفار؛ لأن هَؤُلَاءِ لا يغفر اللَّه لهم ولا تنالهم رحمته ". 5 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هذا هو الأصل الخامس من أصول المعتزلة المتفق عليها، فقد قرروا ذلك على المؤمنين أجمعين، نشرًا لدعوة الإسلام وهداية للضالين، ودفعًا لهجوم الذين يحاولون تلبيس الحق بالباطل؛ ليفسدوا على المسلمين أمر دينهم، ولذلك تصدوا للذود عن الحقائق أمام سيل الزندقة التي اندفعت في أول العصر العباسي، تهدم الحقائق الإسلامية، وتفكك عرا الإسلام عروة عروة، كما تصدوا أيضًا لمناقشة أهل الحديث والفقه، وحاولوا حملهم على اعتناق آرائهم بالحجة والبرهان أو بالشدة وقوة السلطان. تلك هي الأصول الخمسة التي أجمع عليها المعتزلة، ولا يستحق متكلم أن ينسب إلى اعتزال دون أن يؤمن بها. * * *
ثانيا: الأشاعرة
ثانيًا: الأشاعرة اشتدت خصومة الفقهاء والمحدثين للمعتزلة، واحتدم النزاع بين الفريقين في النظر إلى مسائل الاعتقاد، ومرد ذلك إلى تباين المنهج الذي يصطنعه كل منهما، فالفقهاء والمحدثون ينزعون منزعًا سلفيًّا يقدم النقل على العقل، والمعتزلة يعتدون بالعقل اعتدادًا جعلهم يؤولون ما يتعارض مع أدلته من آيات القرآن، أو ينكرون ما يناقضها من أحاديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فخالفوا جمهور المسلمين في أمور كثيرة؛ كالقول بخلق القرآن وإنكار الشفاعة ورؤية اللَّه يوم القيامة وغير ذلك مما يصدم المشاعر الدِّينية للمسلمين. ولم تَخْلُ الساحة الفكرية للمعتزلة فحسب، بل كان هناك الحشوية من الحنابلة، وكانوا على الطرف المقابل للمعتزلة حيث أجازوا على اللَّه الملامسة والمصافحة والرؤية، كما أثبتوا له ما وصف به نفسه في القرآن الكريم -كأن له عينًا أو يدًا أو وجهًا- إثباتًا ماديًّا يوهم التجسيم والمشابهة للحوادث، واعتمدوا في ذلك على أحاديث فهموها فهمًا حرفيًّا وقاسوها على ما يتعارف من صفات الأجسام؛ كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " خلق آدم على صورة الرحمن "، وقوله: " قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن "، و " وضع يده على كتفي حتى وجدت برد أنامله ". على هذا النحو مست حاجة المسلمين إلى منهج جديد تتحقق فيه الوسطية التي دعا إليها الإسلام، فيسلك بالمسلمين السبيل الذي سلكه الصحابة قبلهم في شئون الاعتقاد، منهج ينزل العقل مكانه الصحيح فيعرف له حدوده وطاقته، ولا يسرف في الاعتداد به،
منهج يعيد للنقل مكانته التي ضاعت على يد المعتزلة حين جعلوا الدليل النقلي فرعًا يتبع الدليل العقلي. " فظهر في آخر القرن الثالث رجلان امتازا بصدق البلاء: أحدهما: أبو الحسن الأشعري، ظهر بالبصرة، والثاني: أبو منصور الماتريدي ظهر بسمرقند، وقد جمعهما مقاومة المعتزلة ". وينسب مذهب الأشاعرة إلى أبي الحسن الأشعري " 260 - 330 هـ ". ولد أبو الحسن بالبصرة وتخرج في أصول الاعتقاد على المعتزلة، حيث تتلمذ على شيخ من شيوخهم المبرزين هو أبو علي الجبائي ولازمه ملازمة أتاحت له شيئًا غير قليل من النبوغ حتى عُدَّ من كبار رجال المعتزلة، فلا غرو أن كان الجبائي ينيبه عنه في حضور كثير من المجادلات والمناظرات التي كان المعتزلة يخوضونها مع خصومهم ومخالفيهم. الأشعري مؤسس مذهب الأشاعرة: ولم يكد أبو الحسن الأشعري يبلغ الأربعين من عمره حتى تحول عن مذهب المعتزلة وأنكر طريقتهم في درس العقائد، وكفر بآرائهم وأصولهم. ويورد الدارسون أسبابًا تبرر هذا التحول، لعل من أهمها تلك المناظرة الشهيرة التي كانت بين الأشعري وشيخه الجبائي حول: وجوب فعل الصلاح والأصلح على اللَّه، حيث سأل الأشعري أستاذه الجبائي عن حال ثلاثة أخوة: الأكبر فيهم مؤمن تقي، والأوسط كافر شقي، والثالث مات صغيرًا قبل بلوغه سن التكليف، قال الجبائي: أما التقي ففي الجنة، وأما الكافر ففي النار، وأما الثالث فلا يثاب ولا يعاقب فهو من أهل السلامة؛ لأنه ليس مكلفًا. فعاد الأشعري وساله: فماذا يقول اللَّه للصغير إن هو أراد أن يكون مثل أخيه الأكبر في الجنة؛ محتجًّا بأنه لو طال عمره لأطاع واستحق الجنة؟! فرد الجبائي بأن اللَّه يقول له: كنت أعلم أنك لو كبرت لوقعت في المعاصي، ولدخلت النار؛ فكان الأصلح لك أن تموت صغيرًا. قال الأشعري: فما الرأي لو قال الأخ الأوسط المعذب في النار: لم لم تمتني يا رب صغيرًا حتى لا أعصيك ولا أعذب في النار؟! فلم يستطع الجبائي الإجابة على هذا السؤال
الذي يهدم أصلاً من أصول المعتزلة وهو مبدأ الصلاح والأصلح. ولا ريب أن هذه المناظرة -ولا نستبعد وقوع مناظرات أخرى غيرها- قد زعزعت إيمان الأشعري فيما يؤمن به من آراء اعتزالية، وحملته على إعادة النظر فيها، وامتحانها عله يهتدي إلى وجه الحق، فعكف في بيته مدة ينظر في كتب المعتزلة، ويزن أدلتهم، حتى اهتدى إلى فسادها وبطلانها، فرقى المنبر يوم الجمعة بالمسجد الجامع بالبصرة وقال: " أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأن اللَّه تعالى لا يُرى بالأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع متصد للرد على المعتزلة، مخرج لفضائحهم، معاشر الناس، إنما تغيبت عنكم هذه المدة؛ لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي شيء على شيء، فاستهديت اللَّه تعالى، فهداني إلى اعتقاد ما أودعته كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقد، كما انخلعت من ثوبي هذا، ورمى ثوبًا كان عليه ". والحق أن إعلان الأشعري السابق بضلال المعتزلة عن المنهج القويم في أمور الاعتقاد قد تضمن إشارة إلى أبرز وجوه الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة، وهي: القول بخلق القرآن، ونفي الصفات، وإنكار رؤية اللَّه تعالى، وحرية الإرادة الإنسانية والزعم أن الإنسان خالق أفعاله. وذهب بعض الباحثين إلى أن العامل الحاسم في تحول أبي الحسن الأشعري عن مذهب الاعتزال إلى مذهب أهل السنة إنما هو مذهبه الفقهي الذي كان يتعبد به، وهو المذهب الشافعي، وأمر الخصومة بين الفقهاء -ومنهم الإمام الشافعي- والمتكلمين لا سيما المعتزلة أظهر من أن نحتاج إلى إقامة الأدلة عليه، فلقد ذم الشافعي علم الكلام وكان يعني بذلك المعتزلة، وهاجمهم في بعض كتبه ولم يقبل شهادتهم، وللشافعي نفسه آراء في الاعتقاد تخالف ما ذهب إليه المعتزلة، فهو يعتقد أن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، وأن اللَّه يُرى بالأبصار يوم القيامة، ويقول بالشفاعة، ويؤمن بالقدر خيره وشره. فلا غرو أن أحس الأشعري بتناقض كبير بين أصول مذهبه الفقهي، وآراء مذهبه
الكلامي أو الاعتقادي الذي رضيه لنفسه. إذن فإن التكوين الفكري للأشعري نفسه كان يحمل بذور الشك في الفكر الاعتزالي وينطوي على أسباب الثورة والتمرد عليه، على نحو ينتفي معه العجب من تحوله عن مذهب المعتزلة. وثمة أمر آخر قد يحسن بنا أن نشير إليه في هذا المقام، هو أن الأشعري كان معجبًا بتوسط الإمام الشافعي في آرائه الفقهية بين أهل الرأي وأهل الحديث، فحاول هو أن يقوم بدور الشافعي في علم الكلام بأن يوازن بين العقل والنقل أو بين غلو المعتزلة في العقل ووقوف بعض الحنابلة عند النقل. ومن هذه النقطة نفسها ننطلق إلى بيان نقد الأشعري للمعتزلة والحشوية جميعًا: أولًا: نقد الأشعري للمعتزلة: لم يكتف الأشعري بالتحول عن الاعتزال حين انقدح له الرأي في مذهبهم بعد نظر وتأمل، بل طفق يهدم هذا المذهب، ويقوض أركانه ودعائمه، ويفند ما يستند عليه من أدلة وبراهين، ويكتسب نقد الأشعري للمعتزلة أهمية خاصة من كونه قد انتسب للمعتزلة فترة غير قصيرة، وانتحل نحلتهم انتحالًا أتاح له الوقوف على نقاط ضعفه وأسباب تهافته، فكان نقده لهم نقد العالم الخبير المستند إلى رصيد ضخم من المعرفة بما ينقد. والناظر في منهج الأشعري وموقفه من المعتزلة ومناظرته لهم يتبين له أن قوام نقده للمعتزلة إنما هو الإسراف في الاعتداد بالعقل وتقديمه على النص، والاستناد إليه في كل أمر من أمور الاعتقاد، فأقحموه بذلك في ميدان وعرٍ تضل فيه الأفهام إذا لم يكن رائدها الوحي، وتزل فيه الأقدام إذا تخلت عن النقل. وقد أداهم ذلك إلى آراء خاطئة تخالف ما اصطلح عليه جمهور الأمة، فنفوا عن الحق سبحانه وتعالى الصفات التي أثبتها القرآن الكريم والسنة المطهرة. والناس في نظر المعتزلة خالقون لأفعالهم سواء كانت شرًّا أم خيرًا، متمتعون بحرية الإرادة سواء خالفت مراد اللَّه من الخلق أم اتفقت معه. ويترتب على قول المعتزلة أن الناس مشاركون لله تعالى في أخص صفاته وهي الخلق، وهو ما تأباه العقيدة الصحيحة؛ إذ لا خالق في الكون إلا اللَّه، فلا غرو أن كان
نقد الأشعري للحشوية:
المعتزلة في رأي الأشعري شر من مذهب المجوس الذين جعلوا لله شريكًا واحدًا وهو الشيطان. وساق الغلو في استخدام المعتزلة للعقل إلى القول بوجوب الصلاح والأصلح على اللَّه، وهو المبدأ الذي هدمه الأشعري في مناظرته لأستاذه أبي علي الجبائي، وكان أحد الأسباب المباشرة في رفض الأشعري لمنهج المعتزلة وانصرافه عنه، فمن نحن حتى نوجب على اللَّه شيئًا؟! فالعقيدة الصحيحة أن اللَّه يثيب الطائع ويدخله الجنة لا بعمله، ولكن بتفضله ورحمته. ومن المسائل الكبرى التي أخذها الأشعري على المعتزلة القول بخلق القرآن، " فجعلوه مشابها في الخلق والحدوث لجميع الأشياء الحادثة التي تنقصها القداسة، ونفوا أن يكون صفة لله تعالى، فخالفهم الأشعري في ذلك وقرر في كتاب الإبانة: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو رأي السلف الذي تمسك به الإمام أحمد بن حنبل، غير أن الأشعري قدم بين يديه أدلة سمعية وأخرى عقلية، وبذل جهده لإبطال رأي المعتزلة ". والخلاصة أن الأشعري لم يرض عن طريقة المعتزلة في النظر إلى العقيدة، وهي طريقة سداها ولحمتها التعويل على العقل والاستقلال به في تأسيس الأحكام في أصول الدِّين، مما جعلهم يفسرون العقيدة والتوحيد تفسيرًا لم يدل عليه الكتاب ولا السنة ولا قاله أحد من الأئمة، وصدق فيهم قول جولد تسيهر: " إنهم رفعوا العقل إلى مرتبة القياس والدليل في أمور الدِّين والإيمان ". نقد الأشعري للحشوية: يطلق مصطلح الحشوية على طائفة من الحنابلة وجماعة من الشيعة، تمسكوا بحرفية النصوص، وحملوها على ظاهرها حملًا انتهى بهم إلى القول بالتشبيه والتجسيم؛ يقول الشهرستاني: " إن جماعة من الشيعة الغالية وجماعة من أصحاب الحديث الحشوية صرحوا بالتشبيه، قالوا: إن معبودهم صورة ذات أعضاء وأبعاض إما روحانية أو جسمية يجوز عليه الانتقال والنزول والصعود والاستقرار والتمكن ". واستدل هَؤُلَاءِ على رأيهم بنصوص من القرآن أثبتت لله سبحانه وتعالى بعض الصفات
من الاستواء واليد والعين والوجه، فأثبتوها إثباتًا ماديًّا، فأجازوا على اللَّه الملامسة والمصافحة، كما عولوا على بعض الأحاديث التي يؤدي معناها المادي الظاهري معنى التجسيم؛ كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " خلق اللَّه آدم على صورته "، وقوله: " قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن ". وقد انتقد الأشعري هذه الطائفة وشدد النكير عليها، ورماهم بضعف النظر العقلي الذي أداهم إلى آرائهم الشاذة في التجسيم الذي يتنافى مع الوحدانية الصحيحة، وألف رسالة سماها: " استحسان الخوض في علم الكلام "، أشار فيها إلى ضرورة النظر العقلي في مسائل الاعتقاد، وأننا لن نعدم من الأدلة القرآنية ما يؤيد أن المنهج السليم ينبغي أن يقوم على النقل والعقل جميعًا فقال: " إن طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدِّين، وطعنوا على من فتش في أصول الدِّين، وزعموا أن الكلام في الحركة والسكون والجوهر والعرض والجزء والطفرة بدعة وضلالة، مستدلين بأن شيئًا من ذلك لم يؤثر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وخلفائه وأصحابه ولو كان خيرًا لتكلموا فيه ". فأجابهم الأشعري بقوله: لم قلتم: إن البحث في ذلك بدعة مع أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يقل بأن من بحث عن ذلك وتكلم فيه فاجعلوه مبتدعًا ضالاًّ؟! فقد لزمكم أن تكونوا مبتدعة ضلالاً؛ لأنكم قلتم ما لم يقله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. ثم إن الحركة والسكون والاجتماع والافتراق موجود في قصة إبراهيم - عليه السلام - وأفول الكواكب والشمس والقمر. وقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} دليل الوحدانية في القرآن الكريم، وكلام المتكلمين في التوحيد والتمانع والتغالب فإنما مرجعه هذه الآية. وطريقة إلزام الخصم نأخذها من القرآن الكريم، فحينما جاء الحبر السمين وقال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} يريد بذلك إنكار نبوة مُحَمَّد، فرد القرآن عليه: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} وهذا إلزام أقر به الخصم. كما استدل الأشعري على إبطال حوادث لا أول لها من سنة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث قال: " فمن
أعدى الأول ". على هذا النحو أثبت الأشعري أن القرآن الكريم والسنة الشريفة لم يهملا النظر العقلي ولا حرما أدلته، بل حثَّا على الأخذ بهما في إلزام الخصوم ودحض شبههم، وحسبك دليلا أن القرآن نفسه قد تضمن شيئًا غير قليل من هذه الأدلة. ويقول أحد الباحثين: " وقد اضطر الأشعري للنظر العقلي للأسباب الآتية: 1 - أنه تخرج على المعتزلة وتربى على موائدهم الفكرية، فنال من مشربهم وأخذ من منهلهم، واختار طريقهم في إثبات العقائد، وإن خالفهم في النتائج. 2 - أنه تصدى للرد عليهم فلابد أن يتبع طريقتهم. 3 - أنه تصدى للرد على الفلاسفة والقرامطة والحشوية والروافض وغيرهم من أهل الأهواء الفاسدة والنحل الباطلة، وكثير من هَؤُلَاءِ لا يقنعه إلا أقيسة البرهان، ومنهم فلاسفة علماء لا يقطعهم إلا دليل العقل، ولا يرد كيدهم في نحورهم أثر أو نقل. ومن رد الأشعري على المعتزلة وعلى الحنابلة نرى أن الدفاع عن المنهج الأشعري هو نقطة البداية لعلم الكلام السني من غير أن يتطرف في التأويلات العقلية كالمعتزلة، أو
منهج الأشعري:
يستهجن البحث الكلامي كالحنابلة، ولكنه استطاع أن يوفق بين الجانبين -كما فعل الماتريدي- واعتمد على النظر العقلي فوضع للفتن الدِّينية حدًّا، فقضى على مذهب المعتزلة وحل مكانه ". منهج الأشعري: تبين لنا من نقد الأشعري للمعتزلة والحشوية أنه وقف على علة ضلالهما وفساد ما انتهوا إليه من آراء وتصورات في العقيدة، وهذه العلة إنما هي الاقتصار على النقل وإهمال العقل، أو تحكيم العقل وتقديمه على النقل، أما المعتزلة فاستقلوا بالعقل في تأسيس مذهبهم الاعتقادي وظنوا أنه مرقاة إلى العقيدة السليمة، فأداهم ذلك إلى آراء شاذة تنكرها النصوص الشرعية الثابتة، من نفي الصفات والقول بخلق القرآن وإنكار الرؤية والشفاعة، وفي سبيل ذلك أولوا آيات القرآن الكريم وطعنوا في السنة الصحيحة والضعيفة جميعًا. وأما الحشوية فالتزموا بالنقل التزامًا حرفيًّا، ولم يجعلوا للعقل حظًّا من فهمه والاستدلال عليه بأدلته، فزلت أقدامهم في القول بالتجسيم والتشبيه، ورأوا كذلك أن النظر العقلي في أصول الدِّين بدعة، حيث لم يؤثر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصحبه - رضوان الله عليهم - فصنف الأشعري للرد عليهم رسالة: " استحسان الخوض في علم الكلام " بين فيها أن القرآن والسنة يشتملان على أصول النظر العقلي والاستدلال المنطقي على صحة العقيدة الإسلامية، وذهب إلى أن تأييد الشرع بالعقل ليس بدعة وإنما هو واجب لابد من أن ينهض بأدائه علماء المسلمين. اجتهد الأشعري -مستهديًا بنقده للمعتزلة والحشوية- في تأسيس مذهب جديد يُؤَلِّفُ في منهجه بين النقل والعقل ويوائم بينهما " فكان يفهم النص في ضوء العقل أو يسير وراء العقل في حدود الشرع، ويجعل الشرع هاديًا للعقل؛ لأن العقل إذا ترك وشأنه اتبع هواه، لكنه بالشرع يتبع هداه ". وإذا كان الأشعري قد جمع في منهجه بين العقل والنقل، فإنه قدم النقل على العقل؛ لأن مبنى العقائد على الغيبيات وطريقها الوحي لا العقل، ونص الأشعري صراحة في مقدمة كتابه " الإبانة عن أصول الديانة " على أنه يتمسك بكتاب اللَّه وسنة نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، كما نص على أن الإمام الذي يتبعه هو
أحمد بن حنبل. ونستطيع أن نقرر أن هذا المنهج الذي سلكه أبو الحسن الأشعري امتاز بالوسطية التي دعا إليها الإسلام وأكدها القرآن الكريم في غير آية، حين حث على إعمال النظر والتفكر في الكون وتدبر إحكام صنعته، فلم يهمل العقل ولا حرم استخدامه، ولقد ألمحنا فيما سبق إلى أن القرآن نفسه اشتمل على أدلة عقلية وبراهين قوية ألزم بها خصومه، بالإضافة إلى ما احتواه من أدلة سمعية. " ولا ريب في أن الأشعري استطاع بذلك أن يمهد للاعتراف بعلم الكلام وأن يجعله من علوم الدِّين، وأن يحسن للعلماء الخوض فيه، واستطاع أيضًا بمنهجه أن يرسخ قواعد المذهب وأن يجذب إليه الكثيرين، وأن يحد من انتشار مذهب المعتزلة، وأن يضيق الدائرة الحشوية، وما ذلك إلا لوسطيته التي التزمها وحرص على تحقيقها في آرائه، والوسط غالبًا ما يكون أقرب إلى الصحة والاعتدال، فكلا طرفي الأمور ذميم، وإذا كان الناس قد تقبلوا مذهب الشافعي في الفروع لتوسطه بين أهل الحديث وأهل الرأي، فإنهم تقبلوا مذهب الأشعري في الأصول؛ لتوسطه بين الحنابلة والمعتزلة، أو بين أهل النقل وأهل العقل ". وثمة إشكال في " منهج الأشعري الكلامي " يثيره كتابه " اللمع " الذي اقترب فيه -في رأي عدد من المهتمين بعلم الكلام بصفة عامة وبفكر الأشعري بصفة خاصة- من المعتزلة من حيث الاعتداد الكبير بالأدلة العقلية ومن حيث تأويل النصوص الشرعية، الأمر الذي حمل بعض الدارسين على القول بأن الأشعري قد مر في آرائه الكلامية بمرحلتين متعاقبتين مختلفتين أشد الاختلاف: المرحلة الأولى: ويقترب فيها من العقيدة السلفية اقترابًا شديدًا، ويمثل هذه المرحلة خير تمثيل كتابه: " الإبانة عن أصول الديانة ". المرحلة الثانية: ويقترب فيها من المذهب الاعتزالي، ويمثلها كتابه " اللمع ". إذ الناظر في كتاب اللمع يجده خاليًا من الإشادة بالإمام أحمد ومن الانتساب إليه خلافًا لما ذكره في الإبانة؛ وكذلك فإن كتاب اللمع خلا من بعض المسائل التي أتى بها
في الإبانة مثل: إثبات الوجه واليدين والاستواء على العرش. وقد اتخذ البعض من هذين الكتابين ذريعة لاتهام الأشعري بالتناقض في منهجه الكلامي، أو على أقل تقدير اتخذوا من ذلك دليلًا على تطور عقيدة الأشعري، وتحولها في المرحلة النهائية إلى صورة أقرب للمعتزلة منها إلى أهل السنة. ويدافع أحد الباحثين عن وحدة المنهج الأشعري، مبينًا أن التباين في المنهج الذي احتذاه الأشعري في كتابيه الإبانة واللمع يرجع إلى اختلاف الفرقة التي يرد عليها وينقد آراءها، فيقول: إن الأشعري حين ألف الإبانة كان يريد أن يحسم موقفه مع المعتزلة ويبين العقيدة التي يعتنقها ويسير عليها ويدافع عنها، فجاء منهجه متحاملا على المعتزلة غير مهادن لهم؛ لأنه كما نعلم أخذ على نفسه عهدا أن يكشف أمرهم ويظهر فضائحهم، ومن ناحية أخرى فإنه أظهر أن الإمام الذي يسير على منهجه هو الإمام أحمد بن حنبل الذي وقف ضد المعتزلة وقفته المشهورة، فكتاب الإبانة من هذه الناحية يعتبر تقريرًا لعقيدة الأشعري بملامح منهجية جديدة. أما كتاب اللمع فقد ألفه ليرد على الدهرية ونفاة الصانع بجانب رده على المعتزلة بعد أن تم له النصر عليهم فجاءت آراؤه بعيدة عن التحامل؛ فالكتاب والأمر كذلك تعبير عن منهج قد نضج فعلاً، وقد دافع إمام الحرمين عن منهج الأشعري، ولم يشر إلى أي مراحل منهجية مع أن الجويني كان إذا تصدى لمسألة فإنه يذكر الأقوال فيها، ويبين طرقها المختلفة، ويفند الأمر من وجهة نظره تفنيدًا منهجيًّا، ولم يطلعنا وهو يرد على خصوم شيخه على أي اختلاف لمنهج الأشعري، فلما طعن المعتزلة على الأشعري في تصدير كتابه اللمع بالدلالة القرآنية وبمفهومها الشارح لها، بين الجويني في الشامل أن السبب الذي جعل الأشعري يسلك هذا المنهج هو أن اللَّه تعالى احتج على الكفرة والمنكرين بالحجج التي صدر بها الأشعري اللمع حتى تكون حجته موافقة للقرآن، فقال: " وما اعترضوا به من قولهم: إن الاستدلال بالقرآن على الدهرية ونفاة الصانع لا يتحقق باطل؛ لأن شيخنا ما استدل عليهم بنفس الآية وإنما استدل عليهم بمعناها، وهي تنطوي على وجه الحجاج، والذي يوضح ذلك أن الرب تعالى احتج بما ذكره على الكفرة والمنكرين، وذكره الأشعري ليقيم الاحتجاج به على حسب ما أراد اللَّه من الاحتجاج ".
ومهما يكن من أمر، فإن المذهب الأشعري نفسه قد تطور بعد وفاة رائده الأول أبي الحسن على يد الأشاعرة المتأخرين الذين كانوا في آرائهم ومنهجهم أدنى إلى المعتزلة، من حيث الاعتماد على العقل في الاستدلال والاستنباط، وإن كانوا لا يردون الشرع ولا يهملونه؛ لأنهم يرون أن الشرع حجة اللَّه والعقل حجة اللَّه، وحجج الله تتعاضد ولا تتعارض. ويبدو قرب منهج الأشاعرة المتأخرين من منهج المعتزلة في موقفهم من الدليل السمعي والشروط التي وضعوها له، والتي من أهمها ما يلي: أولًا: أن يكون غير مستحيل في العقل، وهذا يتفق مع قولهم: إن العقل والشرع حجتين لله تعالى، وحجج اللَّه تتعاضد ولا تتعارض؛ فلا يوجد في نظرهم دليل سمعي قطعي مستحيل في العقل. ثانيًا: أن يكون قطعي الثبوت؛ ولذلك فأخبار الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد؛ لأنها ليست قطعية الثبوت. ثالثًا: أن يكون قطعي الدلالة، فإذا كان السمعي قطعي الثبوت، ولكنه يحتمل التأويل، كان غير قطعي الدلالة. بعض آراء الأشعري: رأينا أن نختم حديثنا عن المذهب الأشعري، بأن نذكر طرفًا من آراء أبي الحسن وشيعته في بعض مسائل الاعتقاد، والتي كانت ثمرة من ثمار المنهج الذي اصطنعوه، من أجل أن يكون تصور القارئ عن هذا المذهب أدنى إلى الكمال وأقرب إلى الوضوح. 1 - اقترب الأشعري في بحثه لصفات اللَّه تعالى من أهل السنة إلى حد بعيد، حيث أثبت لله الصفات جميعًا بقسميها أي الصفات السلبية والصفات الثبوتية كالعلم والقدرة وغير ذلك من الصفات، بيد أنه لم يقف عند هذا الحد، بل تابع البحث في الصفات بحثًا عقليًّا فانتهى إلى ما يلي: أولًا: أن الصفات زائدة على الذات، وليست عين الذات كما يرى المعتزلة، ويرى الأشعري أن هذا التصور لصفات اللَّه لا يترتب عليه تصور التعدد أو التركيب في ذات اللَّه، والدليل على صدق كلامه زيادة صفات الإنسان على ذاته دون أن تؤدي إلى تعدد في
ذات الإنسان. ثانيًا: هذه الصفات متغايرة فيما بينها، فالعلم صفة لله تختلف عن صفة القدرة وكلتاهما مختلفتان عن صفة الإرادة. ثالثًا: هذه الصفات الإلهية أزلية لابداية لها، فهي تشترك في القدم مع الذات، " ويدلل الأشعري على هذا الرأي بدليل يثبت به أن هذه الصفات لا يمكن أن تكون حادثة؛ لما يترتب على ذلك من نتائج باطلة، ويعلل ذلك بقوله: إننا إذا افترضنا جدلًا أن هذه الصفات حادثة، فسنكون أمام احتمالات أو فروض ثلاثة: الأول منها: أن يحدث اللَّه هذه الصفات في نفسه، وهذا باطل؛ لأنه يجعل اللَّه محلاًّ للحوادث ومقارنًا لها، وما يتصل بالحوادث حادث عند المتكلمين. والفرض الثاني: أن يحدثها اللَّه في غيره، وهذا باطل أيضًا؛ لأن ذلك يستلزم أن يكون هذا الغير موصوفًا بصفات اللَّه تعالى، فيكون مريدًا بإرادة اللَّه تعالى، وعالمًا بعلمه، وهذا باطل. والفرض الثالث: هو أن تكون الصفة الحادثة مستقلة بذاتها، وهذا باطل أيضًا؛ لأن الصفة لا تقوم بنفسها بل تحتاج إلى موصوف تقوم به. وإذا بطلت هذه الفروض الثلاثة لم يكن أمامنا إلا التسليم بقدم هذه الصفات وأزليتها ". 2 - ذهب الأشعري إلى أن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، متابعًا في ذلك رأي السلف الذي دافع عنه وأوذي بسببه الإمام أحمد بن حنبل، بيد أن الأشعري قدم بين يدي رأيه أدلة سمعية وعقلية، خلاصتها أن القرآن كلام اللَّه فلا ينبغي أن يكون حادثًا؛ لما ينبني على ذلك من إلحاق صفة الحدوث باللَّه تعالى. 3 - خالف الأشعري المعتزلة في مسألة رؤية اللَّه في الآخرة، حيث ذهب إلى إثباتها، غير أنه نفى أن تكون هذه الرؤية رؤية إحاطة؛ لأن اللَّه تنزه عن أن تدركه الأبصار، ونفى أيضًا عن الرؤية معاني التجسيم والتشبيه، ورأى أن الرؤية المقصودة أقرب إلى الرؤية القلبية، فوقف بذلك موقفًا وسطًا بين المعتزلة المنكرين لها والمشبهة الذين أثبتوها وأثبتوا
ما تؤدي إليه من الجسمية والمكان. 4 - خالف الأشعري المعتزلة في مسألة حرية العباد في أفعالهم، ووقف موقفًا وسطًا بينهم وبين الجبرية حيث قال بنظرية الكسب، وتعني أن الفعل خلق وإبداع من اللَّه وكسب من العبد. 5 - هدم الأشعري مبادئ المعتزلة في وجوب الصلاح والأصلح على اللَّه وإنكار الشفاعة، والقول بخلود أصحاب الكبائر في النار، ومال في ذلك كله إلى رأي السلف. على هذا النحو اختلفت آراء المذهب الأشعري عن آراء المعتزلة والحشوية، وكانت وسطًا بينهما، ولعل هذه الوسطية التي تحققت في فكر الأشعري ومدرسته هي السبب في ذيوع مذهبه وانتشاره في أكثر البلاد الإسلامية. * * *
ثالثا: الماتريدية
ثالثًا: الماتريدية أسس هذا المذهب العلامة مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن محمود أبو منصور الماتريدي مصنف هذا الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه، وقد سبقت ترجمتنا له. وقد كان الماتريدي مشهورًا بالاعتدال والتوسط حتى اتفق الناس على علو قدره وتميز منزلته، حتى قيل: لو لم يكن في الحنفية إلا هذا الإمام لكفاهم. وكنا قد أشرنا إلى أن الماتريدي كان أحد اثنين قاما بالذود عن عقيدة أهل السنة، وتفنيد آراء المعتزلة المخالفة لها. ومن الحق أن نقرر أن الماتريدي اتخذ منهجًا امتاز بالوسطية والاعتدال، على نحو ما صنع معاصره أبو الحسن الأشعري، فاحتلت شخصيته مكانة تليق به كواحد من أفاضل علماء أهل السنة والجماعة في بلاد المشرق الإسلامي. وسوف نفصل القول في بيان مذهب الماتريدية، والمسائل التي خالف فيها الماتريدي أبا الحسن الأشعري. فنقول: يعد الماتريدي -بحق- واحدًا من أبرز المؤسسين لعلم الكلام الإسلامي؛ إذ ينسب إليه المذهب الماتريدي، وهو مذهب يهدف إلى فهم أصول الشريعة وقواعد الإسلام في ضوء الأسس العقلية السليمة، فهو مذهب يجمع بين العقل والنقل، وإن كان العقل تابعًا، مهمته فهم أصول التوحيد التي نقلت إلينا من طريق الوحي. وقد أشرنا في غير موضع إلى تشابه المذهب الأشعري مع المذهب الماتريدي، وأن كلا المذهبين قد نشأ في سياق فكري واحد. وقامت الماتريدية بالرد على المخالفين والمغالين وبخاصة المعتزلة والروافض والمشبهة، وكان المنهج الذي اعتمده علماء هذا المذهب في الرد على المخالفين ومناقشة المسائل الكلامية منهجًا معتدلاً يوازن بين العقل والنقل، وهو المنهج نفسه الذي عول عليه الأشعري. أثمر اتفاق -أو قل تطابق- المنهجين اللذين اصطنعهما الأشاعرة والماتريدية، اتفاقًا بينهما في أمهات المسائل الكلامية؛ مثل: وجود اللَّه وصفاته، وجواز رؤيته في الدنيا، وتحقق الرؤية للمؤمنين في الآخرة. . . إلى آخر هذه المسائل المثبتة في كتب التوحيد
وعلم الكلام. ونذكر هنا على سبيل الإجمال المسائل التي اختلف فيها السادة الأشعرية مع السادة الماتريدية وقد تقدم بيان أن مدار جميع عقائد الملة الإسلامية على قطبين من أقطاب العلوم الشرعية: أحدهما الإمام أبو الحسن الأشعري، والآخر الإمام أبو منصور الماتريدي. وقبل ذكر هذه المسائل يجدر بي أن أبين أن الأشاعرة والماتريدية متفقون على الأصول العامة لعقيدة أهل السنة والجماعة، والخلاف الظاهر بينهما في بعض المسائل الجزئية، وهو أمر لا يقدح في نسبتهما جميعًا إلى مذهب أهل السنة والجماعة، ولا يوجب القول بأن أحد الفريقين مبتدع، مخالف للعقيدة السليمة. قال الخيالي في حاشيته على شرح العقائد: " الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة، هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار، وفي ديار ما وراء النهر يطلق ذلك على الماتريدية أصحاب الإمام أبي منصور، وبين الطائفتين اختلاف في بعض المسائل؛ كمسألة التكوين وغيرها ". اهـ. وقال السكستلي في حاشيته عليه: " المشهور من أهل السنة في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار هم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن الأشعري أول من خالف أبا علي الجبائي ورجع عن مذهبه إلى السنة - أي. طريق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والجماعة - أي: طريقة الصحابة - رضي اللَّه عنهم - وفي ديار ما وراء النهر الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي تلميذ أبي نصر العياضي تلميذ أبي بكر الجوزجاني صاحب أبي سليمان الجوزجاني صاحب مُحَمَّد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة، وبين الطائفتين اختلاف في بعض الأصول؛ كمسألة التكوين ومسألة الاستثناء في الإيمان، ومسألة إيمان المقلد. والمحققون من الفريقين لا ينسب أحدهما الآخر إلى البدعة والضلالة ". اهـ. وقال ابن السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: " اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصلة لذلك. . . وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف: الأولى: أهل الحديث، ومعتمد مبادئهم الأدلة السمعية، أعني الكتاب والسنة
والإجماع. الثانية: أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية، وهم الأشعرية والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي، وهم متفقون في المبادئ العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه، وفي المبادئ السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط، والعقلية والسمعية في غيرها، واتفقوا في جميع المطالب الاعتقادية إلا في مسألة التكوين ومسألة التقليد. الثالثة: أهل الوجدان والكشف وهم الصوفية، ومبادئهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية " اهـ. وليعلم أن كلا من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور -رضي اللَّه عنهما وجزاهما عن الإسلام خيرًا- لم يبتدعا من عندهما رأيًا ولم يشتقا مذهبًا، إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كان عليه أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فأحدهما: قام بنصرة نصوص مذهب الشافعي وما دلت عليه، والثاني: قام بنصرة نصوص مذهب أبي حنيفة وما دلت عليه، وناظر كل منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين، وهذا في الحقيقة هو أصل الجهاد الحقيقي، فالانتساب إليهما إنما هو باعتبار أن كلًّا منهما عقد على طريق السلف نطاقًا وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه، فصار المقتدي به في تلك المسالك والدلائل يسمى أشعريًّا وماتريديًّا. ويقول الدكتور مُحَمَّد حسن أحمد حسانين: فالماتريدية والأشاعرة متفقون في المذهب، أما الناحية المنهجية: فإن بينهم بعض الاختلاف الذي لا يضر في العقيدة ولا يبدع أحدًا منهم؛ فالأمور المختلف فيها جزئية فرعية، معظمها مبني على شبه الألفاظ وتعيين المعنى المراد منها. وهي عند النظر السليم لا تخرج عن كونها اختلافات مثل ما بين أصحاب الأشعري وأصحاب أبي حنيفة. وقال العلامة السبكي في الطبقات: ولي قصيدة نونية جمعت فيها هذه المسائل وضممت إليها مسائل اختلف الأشاعرة فيها. . . وقال في شرح عقيدة ابن الحاجب: ثم تصفحت كتب الحنفية، فوجدت جميع المسائل التي بيننا وبين الحنفية خلاف فيها ثلاث
المسائل التي كانت محل خلاف بين الأشاعرة والماتريدية
عشرة مسألة، منها معنوي ست مسائل والباقي لفظي، وتلك الستة المعنوية لا تقتضي مخالفتهم لنا ولا مخالفتنا لهم. قلت: ومطلع القصيدة التي ذكرها السبكي هي: الوَرْدُ خَدُّك صِيغَ من إنسانِ ... أم في الخُدودِ شَقائقُ النعْمانِ والسيفُ لحظُك سُلَّ من أجفانهِ ... فسطا كمثل مُهَندٍ وسِنَانِ تاللَّه ما خُلقتْ لِحَاظُكَ باطلًا ... وسُدًى تعالى اللَّه عن بُطْلَانِ ثم ذكر في البيت التاسع والستين وما بعده: هذا اعتقادُ مشايخِ الإسلامِ وَهـ ... وَالدِّينُ فلْتَسْمعْ له الأذنانِ الأشعري عليه ينصره ولا ... يألو جزاه اللهُ بالإحسانِ وكذاك حالته مع النعْمان لم ... ينقض عليه عقائد الإيمان يا صاح إن عقيدة النعمان والـ ... أشعري حقيقة الإتقان فكلاهما واللَّه صاحب سنَّةٍ ... بهدى نبي اللَّه مقتديانِ لا ذا يُبَدِّع ذا ولا هذا وإن ... تَحْسَبْ سِواه وَهِمْتَ في الحُسْبانِ من قال إن أبا حنيفة مبدعٌ ... رأيًا فذلك قائلُ الهَذيَانِ أوْ ظَنَ أن الأشعري مُبدِّعٌ ... فلقد أساء وباء بالخُسرانِ كل إمام مقتد ذو سنَّةٍ ... كالسيف مسلولًا على الشيطانِ والخلفُ بينهما قليلٌ أَمْرُه ... سهل بلا بِدْع ولا كفران فيما يقل من المسائل عَدُّهُ ... ويهون عند تطاعُن الأقرانِ ولقد يئول خِلافُها إما إلى ... لفظٍ كالاستثناء في الإيمانِ ويدلنا النظر في كتب العقائد وتأمل مصنفات الأصول أن ما بينهما من خلاف إنما هو خلاف فرعي لا يمس شيئًا من الأصول. وفيما يلي نجمل المسائل التي كانت محل خلاف بين الأشاعرة والماتريدية، ثم نذكر نبذة يسيرة عن كل مسألة: مع بيان المسائل المختلف فيها لفظًا والمختلف فيها معنى. فأما المسائل المختلف فيها لفظًا فهي: 1 - السعادة والشقاء.
المسألة الأولى: السعادة والشقاوة
2 - بقاء الرسالة. 3 - الإرادة والرضا. 4 - الاستثناء في الإيمان. 5 - إيمان المقلد. 6 - الكسب. 7 - الكافر منعم عليه أم لا. والمسائل المختلف فيها معنويًّا: 1 - تكليف ما لا يطاق. 2 - الثواب والعقاب. 3 - التكوين. 4 - كلام اللَّه. 5 - معرفة اللَّه تعالى بالعقل أم بالشرع؟ 6 - عصمة الأنبياء عليهم السلام. أولاً: المسائل المختلف فيها لفظًا: المسألة الأولى: السعادة والشقاوة السعادة والشقاوة في اللغة والاصطلاح: أ - في اللغة: السعادة: خلاف الشقاوة، والسعيد: نقيضه الشقي، والسعد: هو اليمن ونقيضه النحس. ب - في الاصطلاح: السعادة: هي ما يجده القلب من الطمأنينة عند تنزل الغيب، وهي نور في القلب يسكن إلى شاهده ويطمئن صاحبه في الدنيا بالإيمان، وفي الآخرة بالنظر إلى وجه الرحمن سبحانه وتعالى، ودخول الجنة.
والاختلاف في هذه المسألة اختلاف حول الإجابة عن سؤال مهم، ألا وهو: هل يسعد الشقي أم لا، وهل يشقى السعيد أم لا؟ حيث اختلف الماتريدية مع الأشاعرة في الإجابة عن هذا السؤال. فعند الماتريدية: يرى الماتريدية أن السعادة والشقاوة تكونان في الحال، وليستا أزليتين، وبذلك يكون السعيد عندهم هو المؤمن في الحال، ولو مات على الكفر فقد انقلب شقيًّا بعد أن كان سعيدًا، والشقي هو الكافر في الحال، ولو مات على الإيمان فقد انقلب سعيدًا. أما عند الأشاعرة: فمفهوم السعادة عندهم هو الموت على الإيمان، وذلك - باعتبار تعلق علم اللَّه - تعالى - أزلًا بذلك. وكذلك فالشقاوة عندهم هي الموت على الكفر. وبذلك يكون السعيد عندهم سعيدًا في الأزل، والشقي شقيًّا في الأزل، ولا يتبدل السعيد شقيًّا، أو الشقي سعيدًا. والحق أن الخلاف بين الماتريدية والأشعرية في هذه المسألة خلاف لفظي، ومحصور في مسألة بعينها ألا وهي: حال من أسلم بعد الكفر: هل هو شقي أم سعيد؟ والفريقان متفقان على أنه سعيد بإسلامه، لكنهم قد اختلفوا فيما إذا كان قد تبدل بإسلامه من الشقاوة إلى السعادة أم أنه سعيد أزلًا في علم اللَّه تعالى، وليس هناك تبدل، والكفر عرض له. فقد ذهب الماتريدية إلى أنه قد تحول بإسلامه من الشقاوة إلى السعادة، وذلك غير مخالف لما في علم اللَّه أزلًا. أما الأشاعرة: فقد ذهبوا إلى أنه سعيد، ولم يتبدل حاله من حيث السعادة والشقاوة، فهو في حالة الكفر كان سعيدًا أيضًا تبعًا للخاتمة.
المسألة الثانية حكم بقاء الرسالة بعد موت الرسل
المسألة الثانية حكم بقاء الرسالة بعد موت الرسل قبل عرض المسألة والخلاف فيها ينبغي أولًا أن نعرف بالرسول في اللغة والاصطلاح، والفرق بينه وبين النبي. ففي اللغة: الرسول: يقال: أرسلت رسولاً، أي: بعثته برسالة يؤديها، فهو فعول بمعني مفعول. وفي الاصطلاح: الرسول: هو من اختصه اللَّه بسماع وحي بحكم شرعي تكليفي، وأمر بتبليغه. الفرق بين الرسول والنبي: النبي مأخوذ من النبأ وهو الخبر؛ لإنبائه عن اللَّه -تعالى- إذ هو المتلقي لوحي السماء، وهو -اصطلاحًا-: من اختصه اللَّه -سبحانه وتعالى- بسماع وحي بحكم شرعي تكليفي سواء أمر بتبليغه أم لا. وبذلك يكون الفرق بين الرسول والنبي أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا. ولقد اختلف الماتريدية والأشاعرة في حكم بقاء الرسالة بعد موت الرسل على ما يلي: الماتريدية: وعندهم أن الرسل والأنبياء يظلون كذلك حتى بعد موتهم. وأما الأشاعرة: فيرون أن الأنبياء والرسل بعد موتهم في حكم الرسالة، وحكم الشيء يقوم مقام أصله. وبذلك يتضح أن الفريقين يتفقان في أصل المسألة وهي أن الرسالة باقية إلى الآن، لكن الخلاف فيما إذا كانت الرسالة باقية حقيقة أم في حكم الرسالة.
المسألة الثالثة الإرادة وهل تستلزم الرضا والمحبة أم لا
المسألة الثالثة الإرادة وهل تستلزم الرضا والمحبة أم لا الإرادة: في اللغة والاصطلاح: في اللغة: الإرادة: هي القصد، والمشيئة، يقال: أراد كذا، أو شاء كذا، أي: قصده. وفي الاصطلاح: هي صفة ثبوتية قديمة قائمة بذاته تعالى وزائدة عليها، تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه من الأمور المتقابلة. وقد اختلف السادة الماتريدية والأشاعرة في هذه المسألة بعد اتفاقهم على أن اللَّه تعالى مريد، وأن ما يقع في الكون من خير وشر فهو مراد له تعالى - في أنه: هل هناك تلازم بين الإرادة والرضا بالمراد أم لا؟ فالماتريدية: يثبتون إرادة اللَّه تعالى الشاملة لأفعال العباد؛ لأن أفعال العباد من خلقه تعالى، والقول بعدم إرادة اللَّه الشاملة معناه عدم قدرة اللَّه على أفعالهم، فالقول بالقدرة المطلقة والإرادة المطلقة والعلم المطلق لازم لتمام صفات الألوهية. غير أن الماتريدية يقولون: إنه لا محبة في صفة الإرادة، وأن هذه الإرادة لا تستلزم الرضا والمحبة؛ إذ الكفر غير مرض، وهو مراد لله تعالى، وأن الإرادة والمشيئة لفظان مترادفان، كما أن إرادة اللَّه صفة أزلية ليست حادثة، وهي متعلقة بجميع الممكنات تعلق تخصيص، ويترتب على ذلك نفي التلازم بين الإرادة والرضا والمحبة؛ لأن الماتريدية يرون أن معنى الرضا ترك الاعتراض على الشيء لا إرادة وقوعه، ومعنى المحبة استحماده تعالى له، والإرادة عامة. وبذلك يكون بين الإرادة والرضا والمحبة عموم وخصوص وجهي.
المسألة الرابعة الاستثناء في الإيمان
أما الأشاعرة: فيرون أن الإرادة هي الرضا والمحبة؛ إذ المحبة هي الإرادة والرضا كذلك معناه الإرادة، والإرادة تستلزم الرضا والمحبة، وبهذا تكون الإرادة والمحبة والمشيئة والرضا والاختيار كلها بمعنى واحد، مثلما يكون المعرفة والعلم بمعنى واحد. وفي هذا يقول الإمام البغدادي في المسألة السادسة: أجمع أصحابنا أن إرادة اللَّه تعالى مشيئته واختياره، وعلى أن إرادته للشيء كراهيته لعدم ذلك الشيء كما قالوا: إن أمره بالشيء نهي عن ضده، وقالوا أيضًا: إن إرادته صفة أزلية قائمة بذاته، وهي إرادة واحدة محيطة بجميع مراداته على وفق علمه بها فما علم منها كونه أراد كونه، خيرًا كان أو شرًّا وما علم أنه لا يكون أراد ألا يكون. ولا يحدث في العالم شيء لا يريده اللَّه ولا ينتفي ما يريده اللَّه؛ وهذا معنى قول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. والحق أن الفريقين يتفقان في أصل الإرادة ويختلفان في المراد، ويرجع هذا الخلاف إلى الجهة التي نظر منها كل منهما إلى مفهوم الإرادة، فالماتريدية نظروا إلى جهة العلم، وبذلك فقد ذهبوا إلى أن الإرادة لا تستلزم الرضا؛ إذ ليس هناك تلازم بين الإرادة والرضا، بينما نظر الأشعرية إلى أنها عامة وشاملة للكائنات كلها، وبذلك ذهبوا إلى أن كل مراد مرض، وهناك تلازم بين الإرادة والرضا. المسألة الرابعة الاستثناء في الإيمان التعريف بالإيمان في اللغة والاصطلاح: الإيمان في اللغة: الإيمان: التصديق، وهو ضد الكفر، والتصديق ضد التكذيب، من: آمن بالشيء، يؤمن به، إيمانًا، فهو مؤمن قال اللَّه تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ).
الإيمان في الاصطلاح: لقد اختلف الماتريدية والأشاعرة في التعريف بالإيمان ومفهومه في الشرع على ما يلي: مفهوم الإيمان عند الماتريدية: يعرف الماتريدية الإيمان بأنه " تصديق بالقلب وإقرار باللسان ". مفهوم الإيمان عند الأشاعرة: ويعرفه الأشعرية بأنه " التصديق باللَّه تعالى "، وهذا هو ما ذكره الإمام أبو الحسن الأشعري، وقد حدد المقصود بالتصديق بأنه التصديق القلبي، وهذا التصديق القلبي عند الأشاعرة هو: " الإيمان باللَّه سبحانه وتعالى، وإثبات ما أثبته لنفسه من صفات وأنه ليس كمثله شيء ". الاستثناء عند الماتريدية: ذهب الماتريدية إلى منع دخول الاستثناء في الإيمان، فالمؤمن عندهم يكون مؤمنًا حقًّا، وليس مؤمنًا بالمشيئة؛ وذلك لأن الماتريدية يرون أن الاستثناء شك في إيمان المؤمن وشرائطه التي لا تقبل الشك. يقول الإمام الماتريدي: الأصل عندنا قطع القول بالإيمان والتسمي به بالإطلاق وترك الاستثناء فيه؛ لأن كل معنى في اجتماع وجوده تمام الإيمان عندهم إذا استثنى فيه لم يصح ذلك المعنى؛ نحو أن يقول: أشهد أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إن شاء اللَّه، أو: محمدًا رسول الله إن شاء اللَّه، وكذلك الشهادة بالبعث والملائكة والرسل والكتب. . . فالعرف الظاهر في الخلق أنهم لا يستعملونه -أي: الاستثناء- في موضع الإحاطة والعلم، ومن سمع ذلك استعظم القول، كمن أشار إلى محسوس ويستثني. الاستثناء عند الأشاعرة: يذهب الأشاعرة إلى جواز الاستثناء في الإيمان، فيمكن للمؤمن أن يقول: أنا مؤمن إن شاء اللَّه. يقول الإمام البغدادي: كل من قال من أهل الحديث بأن جملة الطاعات من الإيمان
المسألة الخامسة: إيمان المقلد
قال بالموافاة، وكل من وافى ربه على الإيمان فهو المؤمن، ومن وافى بغير الإيمان الذي أظهره في الدنيا علم في عاقبته أنه لم يكن قط مؤمنًا، والواحد من هَؤُلَاءِ يقول: أعلم أن إيماني حق وضده باطل، وإن وافيت ربي عليه كنت مؤمنًا حقًّا، فيستثني في صحة إيمانه. وبذلك يظهر أن محل الخلاف هو أن الماتريدية لا يجيزون الاستثناء في الإيمان، بينما الأشعرية يجيزون ذلك. المسألة الخامسة: إيمان المقلد وقع اختلاف بين السادة الماتريدية والسادة الأشاعرة في صحة إيمان المقلد، وكذلك صحة تسميته مؤمنًا، وهل يكتفي بالتقليد في العقائد الدِّينية أم لا؟ فالماتريدية: يذهبون إلى القول بصحة إيمان المقلد؛ لأن مع هذا الإيمان تصديقا، والتصديق هو أصل الإيمان، وعند الماتريدية يصح الاكتفاء بالتقليد في العقائد الدِّينية، إلا أن المقلد يعد عاصيًا بتركه للنظر إذا كان قادرًا على ذلك؛ ولذلك قيل: إن النظر واجب وجوب الفروع، وليس وجوب الأصول، وإلا كان هذا المقلد كافرًا. يقول أبو منصور الماتريدي: " ليس الشرط أن يعرف كل المسائل بالدليل العقلي، ولكن إذا بني اعتقاده على قول الرسول، بعد معرفته بدلالة المعجزة أنه صادق فهذا القدر كافٍ لصحة إيمانه ". أما الأشاعرة: فإنهم يقولون بأنه لا يكتفى بالتقليد في العقائد الدِّينية، ولكن لابد من الاعتقاد الجازم الناشئ عن دليل؛ لأن الإيمان من المسائل الأصولية، وهذه قليلة يمكن الإحاطة بها، وتكفي فيها المعرفة على الإجمال، ولا يشترط عندهم القدرة على التعبير عن ذلك؛ لأننا مأمورون بأن نتبع الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والرسول - عليه السلام - مأمور بتحصيل العلم بتلك الأصول، والتصديق لا يوجد بدون العلم والمعرفة، والمقلد لا علم له حتى يحصل عنده التصديق، فإن لم يحصل هذا التصديق عنده فلا يحصل الإيمان.
المسألة السادسة: الكسب
ويذهب الأشاعرة إلى أن المقلد عاص بتركه النظر والاستدلال، ولكنه ليس مشركًا أو كافرًا، ويجوز أن اللَّه تعالى يغفر له، فإذا عوقب على المعصية دخل الجنة. يقول البغدادي: إن معتقد الحق قد خرج باعتقاده عن الكفر؛ لأن الكفر واعتقاد الحق في التوحيد والنبوات ضدان لا يجتمعان، غير أنه لا يستحق اسم المؤمن إلا إذا عرف الحق في حدوث العالم وتوحيد صانعه، وفي صحة النبوة ببعض أدلته سواء أحسن صاحبها العبارة عن الدلالة أو لم يحسنها ". والمتأمل للمسألة يرى أن الماتريدية والأشعرية يتفقان على أن المقلد قد خرج بتقليده عن الكفر والشرك، لكنهما يختلفان في تسمية المقلد مؤمنًا أو لا، فالماتريدية يسمونه مؤمنًا، بينما يمنع الأشعرية ذلك. المسألة السادسة: الكسب الكسب: هو ما يتحراه الإنسان مما فيه اجتلاب نفعٍ وتحصيل حظ، وقد يستعمل فيما يظن أنه يجلب منفعة ثم جلب مضرة. وقال ابن الكمال: هو الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضر. وينبغي ذكر أن السادة الماتريدية قد اتفقوا مع الأشاعرة في القول بأن أفعال العباد واقعة بقدرة اللَّه تعالى، وللعباد فيها الكسب، لكن الماتريدية يختلفون مع الأشاعرة في معنى الكسب. فالماتريدية: يثبتون للعبد قدرة وإرادة لها أثر في الفعل، ولا أثر لها في الإيجاب والإحداث، وإنما أثرها ينصب على وصف الفعل بكونه طاعة أو معصية، وتتمثل هذه القدرة في القصد والاختيار للفعل، واللَّه سبحانه وتعالى يخلق للعبد القدرة على الفعل، وتكون نتيجة الفعل عليه. وبذلك يثبت الماتريدية أن للعبد اختيارًا في أفعاله، وهذه الأفعال هي التي يترتب عليها
المسألة السابعة الكافر منعم عليه أم لا؟
المدح والذم في الدنيا، كما يترتب عليها الثواب والعقاب في الآخرة، ولم يمنع الماتريدية إضافة الأفعال إلى اللَّه تعالى؛ إذ إنه هو الذي وصف نفسه بهذه الصفة على الحقيقة وما عداه مخلوق. أما الأشاعرة: فيذهبون إلى أن قدرة العباد التي وقع بها الفعل غير مخلوقة، وأن أمرها بأيديهم، وعليها مدار تكليفهم. والإرادة عند الأشاعرة هي الإرادة الجزئية، أما الإرادة الكلية عندهم فهي مخلوقة لله تعالى. المسألة السابعة الكافر منعم عليه أم لا؟ التعريف بالنعمة والكفر في اللغة والاصطلاح: أ - اللغة: النعمة: هي اليد والصنيعة والمنة، وكذلك: النعمى، وهي النعماء والنعيم، والجمع: أنعم. أما الكفر: فهو نقيض الإيمان، يقال: كفر يكفر كفرًا وكفورًا وكفرانًا. ب - في الاصطلاح: النعمة: ما قصد به الإحسان والنفع لا لغرض ولا لعوض. أما الكفر: فهو ستر نعمة المنعم بالجحود أو بعمل هو كالجحود في مخالفة المنعم. وقد اختلف الماتريدية مع الأشاعرة فيما إذا كان الكافر منعمًا عليه أم لا، وكذلك في هذه النعمة وهل هي نعمة دين أم دنيا أم هما معًا، وهل هي نعمة على الحقيقة أم لا؟ وذلك على ما يلي: رأي الماتريدية: يرى الماتريدية أن الكافر مُنْعَمٌ عليه، لكن هذا الإنعام إنما وقع في الدنيا فقط.
ثانيا: المسائل المختلف فيها معنويا:
يقول الإمام أبو حنيفة: إن الكافر منعم عليه في الدنيا، حيث خوله اللَّه تبارك وتعالى قوى ظاهرة وباطنة، وجعل له أموالًا ممتدة، فالنعمة دنيوية والنقمة أخروية. رأي الأشاعرة: ويرى الأشاعرة أن الكافر لم ينعم عليه لا في الدِّين ولا في الدنيا ولا في الآخرة. يقول الأشعري: إن اللَّه تعالى لم ينعم على الكافر دنيا ولا أخرى، وإن كان قد أنعم عليه نعمة الدنيا بأن خلقه ورزقه، فإن الحياة في حد ذاتها نعمة بشرط أن يكون الإنسان موفقًا في طاعة اللَّه تعالى، فإذا وجدت تلك النعمة مع فقد التوفيق في المكلف فليست الحياة نعمة إطلاقًا. ونرى أن الخلاف بين الفريقين في هذه المسألة ليس خلافًا كبيرًا ذلك أن الماتريدية القائلين بأن الكافر منعم عليه إنما يعنون النعم التي يعطاها الكافر في الدنيا حتى ولو لم تكن عقباه محمودة. أما الأشاعرة الذين يقولون بأن الكافر غير منعم عليه فقد حصروا النعمة في مجال خاص، إذ قصدوا بالنعمة ما ينعم به على الإنسان ويكون محمود العاقبة، والمتأمل للمسألة يجد أن الفريق الأول -وهم الماتريدية- قد نظر إلى النعم نظرة خاصة لمفهوم النعم ذاته، وبينما نظر الفريق الثاني -وهم الأشاعرة- إلى هذا المفهوم -وهو مفهوم النعم- نظرة أخرى. ثانيًا: المسائل المختلف فيها معنويًّا: المسألة الأولى التكليف بما لا يطاق التكليف: في اللغة والاصطلاح: التكليف في اللغة: التكليف من الكلفة، وهي التعب والمشقة، يقال: تكلف الأمر إذا فعله على كلفة ومشقة.
التكليف في الاصطلاح: التكليف هو: إلزام الكلفة على المخاطب. وقبل أن نبين رأي كل من السادة الماتريدية والأشاعرة في هذه المسألة فإن ثمة أقسامًا وأركانًا للتكليف يجب أن نعرضها وهي: أقسام التكليف: ينقسم التكليف باعتبار اللفظ الوارد به، أو باعتبار الحكم: فباعتبار اللفظ الوارد به يكون ثلاثة أقسام: الأول: التكليف بالأمر، مثل قول اللَّه تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}. الثاني: التكليف بالنهي، مثل قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا}. الثالث: التكليف بالخبر، وهو إما خبر في معنى الأمر؛ مثل قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} أو خبر في معنى النهي؛ مثل قوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}. أما باعتبار الحكم فيكون خمسة أقسام: الأول: تكليف موجب؛ مثل قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}. الثاني: تكليف محرم؛ مثل قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا}. الثالث: تكليف يدل على أن ما ورد به سنة؛ مثل قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا}. الرابع: تكليف يدل على أن ما ورد به مكروه؛ مثل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إن أبغض الحلال عند اللَّه الطلاق ".
الخامس: تكليف يدل على إباحة ما ورد به من غير وجوب ولا حظر ولا كراهة ولا استحباب؛ مثل قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}. أركان التكليف: وللتكليف ثلاثة أركان: الأول: المكلِّف. الثاني: المكلَّف. الثالث: المكلَّف به. مراتب التكليف: وهما مرتبتان: الأولى: التكليف بما يطاق. الثانية: التكليف بما لا يطاق. أما رأي الماتريدية والأشاعرة في المسألة فهو كما يلي: الماتريدية: يذهبون إلى عدم جواز أن يكلف اللَّه تعالى عباده بما لا يطيق العباد، فالماتريدية يرون أن التكليف يكون فيما يُقدر على إتيانه، أما غير المقدور على إتيانه فلا تكليف فيه. يقول الماتريدي: " تكليف ما لا يطاق لوقت الفعل قبيح في العقل ". الأشعرية: ويذهب الأشاعرة إلى أن قدرة اللَّه تبارك وتعالى قدرة مطلقة، ويجوز لله أن يكلف عباده بما لا يطيقون. يقول أبو بكر الباقلاني: " يجوز لله أن يكلف عباده ما لا يطيقون، إلا أن التكليف بما لا يطاق على نوعين: أحدهما: العجز أصلًا عن الفعل، وذلك ينتفي التكليف به لوجود مانع، وهو العجز. الثاني: إذا كان المراد عدم القدرة على الفعل لتركه والاشتغال بضده، فذلك جائز
المسألة الثانية: الثواب والعقاب
التكليف به لارتفاع العجز المانع أصلًا ". وبعد عرض رأي كل من الماتريدية والأشعرية يظهر لنا أن الماتريدية والأشعرية متفقون في حكم أقسام التكليف ما عدا التكليف بالمحال لغيره، وهو أدنى مراتب التكليف بما لا يطاق، فقد ذهب الماتريدية إلى منعه إلا في المقدور على إتيانه، أما ما لا يمكن إتيانه فلا تكليف فيه، لكن الأشعرية قد ذهبوا إلى جوازه؛ لأن قدرة اللَّه تعالى قدرة مطلقة. المسألة الثانية: الثواب والعقاب من الواضح أن كلًّا من السادة الماتريدية والأشاعرة يتفقان في القول بعدم جواز تعذيب المطيع وإثابة العاصي. أما محل الخلاف بينهما فهو في المدرك، حيث ذهب الماتريدية إلى أن المدرك لذلك هو العقل والشرع. وأما الأشاعرة فذهبوا إلى أن المدرك لذلك هو الشرع. وقد ترتب على ذلك أن الماتريدية منعوا جواز تعذيب المطيع وإثابة العاصي، بينما أجاز ذلك الأشعرية، وفي ذلك خلاف سنفصل القول فيه على ما يلي: الماتريدية: لقد ذهب الماتريدية إلى القول بمنع تعذيب المطيع عقلاً أو شرعًا. يقول الإمام أبو حنيفة: " لا يجوز مطلقًا لا عقلًا ولا شرعًا أن يعذب اللَّه تبارك وتعالى العبد الطائع؛ إذ لا يجوز في بداهة العقل أن يعذب اللَّه تبارك وتعالى المطيع ". وجاء في المسايرة لابن الهمام: " القول في تجويز تعذيب المحسن عقلًا عدمه، فوقوع ذلك منه تعالى مقطوع بعدمه وفاقًا بالشرع ". الأشعرية: أما الأشعرية فيذهبون إلى جواز تعذيب اللَّه تعالى للعبد الطائع وإدخاله النار عقلاً، وإدخال الكافر الجنة، كما أن لله تعالى إيلام البهائم والأطفال والمجانين؛ لأنه عدل في حكمه متصرف في ملكه.
المسألة الثالثة: التكوين
يقول أبو عذبة: إنه لو وقع منه -سبحانه وتعالى- تعذيب العبد الطائع لم يكن ذلك منه ظلمًا ولا عدوانًا؛ لأنه متصرف في ملكه بالتعذيب وتركه، فله ما يختار منهما، لكنه سبحانه وتعالى جاد في حق العباد بالإحسان إليهم بترك العقاب. وبذلك يظهر أن تعذيب الطائع لا يقع من اللَّه سبحانه وتعالى شرعًا عند كل من الماتريدية والأشاعرة، لكن الأشاعرة يجيزون وقوع ذلك عقلًا؛ لأن اللَّه تعالى متصرف في ملكه. المسألة الثالثة: التكوين لقد اختلف الماتريدية مع الأشاعرة في مسألة التكوين، فقد أثبتها الماتريدية، ونفاها الأشاعرة، كما سيظهر فيما يلي: الماتريدية: يقول السادة الماتريدية بأن التكوين صفة حقيقية زائدة غير القدرة والإرادة؛ إذ هو صفة أزلية، وغير المكون الحادث، وقدم التكوين لا يستلزم قدم المكوَّن، وأما كون التكوين غير المكوَّن؛ لأنه لو كان التكوين عين المكوَّن لم يكن من اللَّه تعالى شيء يوجب كونه خالقًا للعالم سوى أن ذات الباري أقدم من العالم، وكون ذاته أقدم من غيره لا يوجب كونه خالقًا. والقول بأن التكوين عين المكوَّن يؤدي إلى قدم العالم، وكونه بنفسه لا بغيره، وما لا يحتاج في حصوله إلى غيره كان قديمًا، فدل ذلك على أن التكوين غير المكوَّن. يقول الماتريدي: " إن صفته التي هي الفعل هي صفة ذاته، فيقال: اللَّه خالق ورحمن ورحيم وقد سمى به ذاته ". الأشاعرة: أما الأشاعرة فيقولون بأن التكوين ليس صفة حقيقية له، لكنه أمر اعتباري يحصل في العقل من نسبة المؤثر إلى الأثر، وإضافته إليه، فهو من صفات الأفعال، وهي عند الأشعرية حادثة، لا من الصفات الذاتية، والتكوين عين المكوَّن، والتخليق هو القدرة
المسألة الرابعة: كلام الله تعالى
باعتبار تعلقها بالمخلوق، كما أن الترزيق هو القدرة باعتبار تعلقها بإيصال الرزق. والمتأمل للمسألة يرى أن الخلاف بين الفريقين راجع إلى المعنى لا إلى اللفظ، فعند الماتريدية مبدأ الإيجاد عندهم هو صفة التكوين، وعند الأشاعرة التكوين لا يعد صفة حقيقية لله تعالى زائدة على القدرة والإرادة، بل هو معنى يعقل من إضافة المؤثر إلى الأثر. المسألة الرابعة: كلام اللَّه تعالى إن هذه المسألة من المسائل المهمة في علم الكلام بصفة عامة، ولقد اشتدت أهميتها بعد الجدل الذي دار حول مسألة قدم القرآن وحدوثه، والمحن التي تعرض لها علماء كثيرون بسبب ذلك، وقبل عرض رأي كل من السادة الماتريدية والأشاعرة في هذه المسألة نبين أن ثمة قياسين يعارض كل منهما الآخر: فالأول: هو أن كلام اللَّه -تعالى- صفة له، وكل ما هو صفة له فهو قديم، وبذلك يكون كلامه تعالى قديما. وأما الثاني: فهو أن كلام اللَّه تعالى مؤلف من أجزاء مترتبة متعاقبة في الوجود، وكل ما من شأنه ذلك فهو حادث، ويكون بذلك كلام اللَّه تعالى حادثا. ولقد اختلف المسلمون وافترقوا بين من قال بصحة القياس الأول، وبين من قال بصحة القياس الثاني، حيث نجد أن أهل السنة والحنابلة يقولون بصحة القياس الأول، بينما يقول المعتزلة ومعهم الكرامية بصحة القياس الثاني. أما فيما يخص السادة الماتريدية والأشعرية في هذه المسألة فعلى النحو التالي: الماتريدية لقد ذهب الماتريدية إلى أن الكلام صفة لله تعالى؛ لأنه -سبحانه وتعالى- متكلم بكلام واحد، وهو صفته الأزلية القائمة بذاته، وهي صفة منافية للسكوت والآفة، واللَّه سبحانه وتعالى بهذه الصفة آمر، ناه، مخبر. ويرى السادة الماتريدية كذلك أن حقيقة الكلام لا تسمع في الشاهد، وإنما تكون على الموافقة والمجاز، كما يقول المرء: سمعت كلام فلان وقول فلان، ويكون ذلك على
المجاز وليس على الحقيقة، وذلك لأنه لم يسمع قول فلان حقيقة؛ ولم يسمع كلامه وإنما سمع صوتًا يفهمه به. وبناء على ذلك فإن الماتريدية يقولون بأن موسى -عليه السلام- لم يسمع كلام اللَّه، وإنما سمع صوتًا دالاًّ عليه، ولقد خلق اللَّه تعالى هذا الصوت، وليس ذلك لأحد من خلقه. فالماتريدي يرى أن كلام اللَّه القديم لا يسمع، وأن ما نسمعه من الحروف والأصوات ليست هي كلام اللَّه بذاتها! وذلك لأنها عرض، والعرض لا يبقى زمانين. الأشاعرة: يقول الأشاعرة بأن الكلام إنما يراد به الصفة القديمة. يقول البيجوري في شرح الجوهرة عن الكلام: " إنه صفة أزلية قائمة بذاته، ليست بصوت ولا حرف منزهة عن التقديم والتأخير، ومنافية للسكوت والآفة ". ويقول أبو الحسن الأشعري: " إن كلامه واحد، هو أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد، وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه لا إلى عدد في نفس الكلام ". ويجب أن يعرف أن الإمام أبا الحسن الأشعري لا ينكر الكلام اللفظي، وإنما يثبت الكلام النفسي واللفظي، ويتضح ذلك من قوله: " وأجمعوا على إثبات حياة لله عَزَّ وَجَلَّ لم يزل بها حيًّا، وعلمًا لم يزل به عالمًا، وقدرة لم يزل بها قادرًا، وكلامًا لم يزل به متكلمًا، وإرادة لم يزل بها مريدًا، وسمعًا وبصرًا لم يزل بهما سميعًا بصيرًا ". ويتضح من عرض رأي كل من السادة الماتريدية والأشاعرة أن الماتريدية يتفقون مع الأشاعرة في إثبات صفة الكلام لله تعالى، وأن الماتريدية يرون أن حقيقة الكلام لا تسمع في الشاهد، وإنما تسمع على سبيل الموافقة والمجاز. ويظهر الخلاف بين الماتريدية والأشاعرة فيما سمعه موسى - عليه السلام - أن الماتريدية يذهبون إلى أن موسى - عليه السلام - لم يسمع كلام اللَّه القديم وإنما سمع أصواتًا دلت عليه، وخص موسى بذلك؛ لأنه بغير واسطة الكتاب والملك.
المسألة الخامسة: معرفة الله تعالى
أما الأشاعرة فيذهبون إلى أن موسى - عليه السلام - سمع كلام اللَّه القديم بلا حرف ولا صوت. المسألة الخامسة: معرفة اللَّه تعالى لقد اتفق علماء الكلام على أن النظر هو طريق المعرفة، لكن الاختلاف بينهم في طريق ثبوت هذه المعرفة، وهل هو واجب بالشرع أم بالعقل. فالماتريدية: يذهبون إلى أن معرفة اللَّه -تعالى- واجبة بالشرع، لكنهم يرون أن العقل آلة لوجوب المعرفة، واللَّه -عَزَّ وَجَلَّ- هو الموجب. ويرى الماتريدية -أيضًا- أن العقل ليس مُوجِبًا بذاته ولكنه سبب لوجوب. يقول الماتريدي: " يجب على الصبي العاقل معرفة اللَّه تعالى، فالحق -سبحانه وتعالى- قد فطر الناس على فطرة يعرفون وحدانيته وربوبيته بعقول مركبة فيهم ". وبذلك يذهب الماتريدي إلى أن العقل هو أساس المعرفة ويعاونه السمع في ذلك، وقد يسر اللَّه سبحانه السبيل إلى الوصول إلى الدِّين، ومعرفة اللَّه تعالى إنما هي عن طريق العقل والسمع، والعقل هو المختص بمعرفة اللَّه تعالى، والسمع مختص بمعرفة الشرائع والعبادات. ويقول أبو منصور الماتريدي في موضع آخر: " إن حقيقة الحجة إنما هي في العبادات والشرائع التي سبيل معرفتها الرسل، أما معرفة اللَّه -تعالى- فإن سبيل لزومها العقل، فلا يكون لهم في ذلك على اللَّه حجة؛ لأن الله خلق في كل واحد من الدلائل ما لو تأمل وتفكر فيها لدلته على وجود اللَّه ووحدانيته وربوبيته، واللَّه قد بعث الرسل ليقطع عليهم الاحتجاج ". ولا عذر عند الماتريدية في معرفة اللَّه تعالى عند من له عقل؛ لأن من يملك العقل يستطيع معرفة اللَّه عن طريق التفكر في خلق الكون وما فيه. أما الأشاعرة: فيرون أن معرفة اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ- واجبة على الإنسان المكلف، والشرع هو طريق وجوب هذه المعرفة، وهو كتاب اللَّه تعالى وسنة نبيه الكريم.
المسألة السادسة: عصمة الأنبياء
ويذهبون إلى أن الواجبات ثابتة بالسمع، فالحسن عندهم هو ما حسنه الشرع، والقبيح عندهم هو ما قبحه الشرع، والعقل لا يحسن ولا يقبح ولا يقتضي ولا يوجب. يقول الإمام الغزالي: " إنه لو لم يرد الشرع لما كان يجب على العباد معرفة اللَّه تعالى وشكر نعمته خلافًا للمعتزلة ". المسألة السادسة: عصمة الأنبياء العصمة في اللغة والاصطلاح: العصمة في اللغة: العصمة: المنع، يقال: عصمه الطعام من الجوع، أي: منعه. وهي -كذلك-: الحفظ، يقول اللَّه تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} أي: يحفظك. العصمة في الاصطلاح: هي: عدم خلق اللَّه تعالى ذنبًا في النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعلى هذا تكون أمرًا إعداميًّا. وهذا بصفة عامة، وقد اختلف تعريف الماتريدية للعصمة عن تعريف الأشاعرة لها وذلك على ما يلي: الماتريدية يعرف السادة الماتريدية العصمة بأنها عدم القدرة على المعصية، أو خلق مانع فيها. الأشعرية: ويعرفها الأشعرية بأنها: " ألا يخلق اللَّه فيهم ذنبًا "، وذلك بناء على أصلهم من استناد الأشياء كلها إلى الفاعل المختار. أما عن رأي كل من السادة الماتريدية والأشعرية في مسألة العصمة، فذلك على ما يلي: الماتريدية: يقول السادة الماتريدية بعصمة الأنبياء من الكبائر والقبائح وخصوصًا فيما يتعلق بأمر الشرع وتبيلغ الأحكام وإرشاد الأمة.
ويذهب الماتريدية إلى أن الأنبياء معصومون من الصغائر، وأوجبوا تأويل كل ما أوهم في حقهم عليهم السلام من الكتاب والسنة مما اغتر به بعض من أجاز عليهم الصغائر، فالأنبياء منزهون عن الصغائر والكبائر ومن جميع المعاصي. يقول شارح الفقه الأكبر: " إن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن الكذب، خصوصًا فيما يتعلق بأمر الشرع وتبليغ الأحكام وإرشاد الأمة إما عمدًا وإما سهوًا: عمدًا فبالإجماع، وسهوًا عند الأكثرين، وفي عصمتهم عن سائر الذنوب تفصيل، وهو أنهم معصومون عن الكفر قبل الوحي، وبعده بالإجماع، وكذا عن تعمد الكبائر عند الجمهور، وأما سهوًا فجوزه الأكثرون ". الأشاعرة: يتفق الأشاعرة مع الماتريدية -وغيرهم من سائر الفرق- على أن الأنبياء معصومون من الكبائر مطلقًا، قبل البعثة وبعدها. وفيما يخص الصغائر، فهي عندهم نوعان: أحدهما: صغائر قبل النبوة. ثانيهما: صغائر بعد النبوة. ويذهب الأشاعرة إلى أن الأنبياء تصدر عنهم هذه الصغائر قبل النبوة إذا لم تكن خسيسة وليس هناك دليل على منع ذلك، سواء أكان ذلك عمدًا أم سهوًا، أما بعد النبوة فإن الأنبياء معصومون عن تعمد كل ما يخل بصدقهم حتى إذا كان من الصغائر. يقول الآمدي في الأحكام: " وأما بعد النبوة فالاتفاق من أهل الشرائع قاطبة على عصمتهم عن تعمد كل ما يخل بصدقهم فيما دلت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه من دعوى الرسالة والتبليغ عن اللَّه تعالى ". وبهذا يتضح أن محل الخلاف بين الماتريدية والأشعرية في هذه المسألة أن الماتريدية يرون وجوب العصمة أيضًا من الصغائر، لكن بعض الأشاعرة يجيز وقوع الصغائر من الأنبياء قبل البعثة وبعدها كذلك سهوًا.
الباب الرابع حول تفسير القرآن الكريم
الباب الرابع حول تفسير القرآن الكريم ويشتمل على الفصول الآتية: الفصل الأول: نشأة التفسير وتطوره. الفصل الثاني: مدارس التفسير. الفصل الثالث: المناهج التفسيرية بين القديم والحديث.
الفصل الأول نشأة التفسير وتطوره
الفصل الأول نشأة التفسير وتطوره تمهيد: يجدر بنا قبل الخوض في بيان نشأة التفسير وتطوره بيان معناه، والفرق بينه وبين اصطلاحات قريبة المعنى منه؛ ذلك أن فكرة التفسير والتأويل وما في معناهما كلفظ " المعنى " شغلت كثيرًا من العلماء القدامى والمحدثين على السواء، فمثلاً يقول ابن فارس: " معاني العبارات التي يعبر بها عن الأشياء ترجع إلى ثلاثة: المعنى والتفسير والتأويل، وهي وإن اختلفت فالمقاصد متقاربة ". ونقل صاحب اللسان عن ابن الأعرابي وأحمد بن يحيى أن " المعنى والتفسير والتأويل واحد ". وسنتناول هذه الاصطلاحات الثلاثة في عجالة في الصفحات الآتية: أولا: التفسير: التفسير لغة: مصدر فَسَّرَ -بتشديد السين- مأخوذ من الفسر، والمحور الذي تدور عليه هذه المادة هو الكشف مطلقا، سواء أكان هذا الكشف لغموض لفظ أم لغير ذلك؟ يقال: فَسَّرتُ اللفظ فَسْرًا من باب ضرب ونصر. ويستعمل التفسير لغة في الكشف الحسي، وفي الكشف عن المعاني المعقولة، واستعماله في الثاني أكثر من استعماله في الأول. ومن المعنى اللغوي يمكن القول: إن التفسير بوصفه علمًا يقصد منه كشف المغلق من المراد باللفظ، فالمفسر يكشف عن شأن الآية وقصصها ومعناها والسبب الذي أنزلت فيه.
وقد استعمل القرآن الكريم المادة بهذا المعنى من الكشف والإبانة في قوله تعالى: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33)، قال ابن عَبَّاسٍ: يعني بيانًا وتفصيلاً. التفسير اصطلاحا: قدم كثير من العلماء تعريفات عدة للتفسير، وعلى ما بينها من أوجه اختلاف فإنها تنص على أن التفسير: علم يبحث عن مراد اللَّه، سواء جاء ذلك تلميحًا أو تصريحًا. وهذا التعريف شامل لكل ما يتوقف عليه المعنى وفهمه وبيان المراد منه. ثانيًا: التأويل التأويل لغة: يدور حول معنيين لا ثالث لهما: الأول: بمعنى الرجوع والعود والعاقبة. والثاني: بمعنى تفسير الكلام وتبيين معناه. وقد أشارت كتب اللغة إلى المعنيين، ففي اللسان أن التأويل من " الأول: الرجوع، آل الشيء يئول أولا ومآلا: رجع. . . وفي الحديث " من صام الدهر فلا صام ولا آل "، أي: لا رجع إلى خير، وأول الكلام وتأوله: دبره وقدره، وأوله وتأوله: فسره ".
وقد كثر استعمال لفظ " التأويل " في القرآن الكريم بمعنييه، فمن الأول قول اللَّه تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) يعني ما يئول إليه في وقت بعثهم ونشورهم. ومن الثاني قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}، فالتأويل هنا يعني التفسير والتعيين والتوضيح. التأويل اصطلاحًا: التأويل عند السلف في تعريفه غيره عند الخلف؛ فالتأويل عند السلف يأتي على معنيين: الأول: تفسير الكلام وبيان معناه، وبذلك يكون التأويل والتفسير مترادفين. والثاني: هو نفس المراد بالكلام، فإن كان الكلام طلبًا كان تأويله نفس الفعل المطلوب، وإن كان خبرًا كان تأويله نفس الشيء المخبر به. وبين هذا المعنى والذي قبله فرق ظاهر، فالذي قبله يكون التأويل فيه من باب العلم والكلام: كالتفسير والشرح والإيضاح، ويكون وجود التأويل فيه القلب واللسان، وله الوجود الذهني واللفظي والرسمي. وأما هذا فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج، سواء أكانت ماضية أم مستقبلية، فإذا قيل: طلعت الشمس، فتأويل هذا هو نفس طلوعها، وهذا في نظر ابن تيمية هو لغة القرآن التي نزل بها؛ ولهذا يمكن إرجاع كل ما جاء في القرآن الكريم من لفظ التأويل إلى هذا المعنى الثاني. أما الخلف من المتفقهة والمتكلمين والمتصوفين وغيرهم فقد رأوا أن التأويل يعني: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به. والمتأول عندهم يحتاج إلى أمرين: الأول: أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي حمله عليه وادعى أنه المراد. الثاني: أن يبين الدليل الذي أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح، وإلا كان تأويلاً فاسدًا وتلاعبًا بالنصوص. ومن ثم قال الزركشي: " التأويل: التمييز بين المنقول والمستنبط؛ ليحمل على
الاعتماد في المنقول، وعلى النظر في المستنبط؛ تجويزًا له وازديادًا ". وأوضح من هذا ما قاله صاحب جمع الجوامع وشرحه: " التأويل: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل عليه لدليل فصحيح، أو لما يظن دليلاً في الواقع ففاسد، أو لا لشيء فلعب لا تأويل ". ثالثا: المعنى: المعنى لغة واصطلاحًا: يراد بالمعنى لغة: القصد والمراد، جاء في اللسان: " عنيت بالقول كذا: أردت، ومعنى كل كلام ومعناته ومعنيته: مقصده، ويقال: عرفت ذلك في معنى كلامه ومعناة كلامه وفي معنى كلامه ". وله علاقة بالإظهار والوضوح، كما تقول: عنت القربة: إذا لم تحفظ ماءها بل أظهرته، ومنه عنوان الكتاب، أي: الجزء الظاهر منه والمنبئ عما بداخله. وتجدر الإشارة إلى أن هناك لفظًا رابعًا له اتصال ما بألفاظ التفسير والتأويل والمعنى، وهو لفظ البيان، ويعني: إظهار المتكلم المراد للسامع، وهو أعم من الألفاظ الثلاثة جميعًا؛ لشموله كلاًّ من بيان التغيير وبيان التقرير، وبيان الضرورة، وبيان التبديل. الفرق بين التفسير والتأويل: يمكن القول: إن حاصل ما تضمنته عبارات العلماء العديدة في هذا المقام لا يخرج عن اتجاهين: الاتجاه الأول: أن التفسير والتأويل ترجمة عن معنى واحد، بحيث إذا قلنا أحدهما على شيء قلنا الآخر عليه بلا أدنى فرق، وإلى هذا ذهب أبو عبيد والطبري وطائفة. والاتجاه الثاني: أن التفسير والتأويل يختلف مدلول أحدهما عن الآخر اصطلاحًا كما اختلفا لغة، وقد حمل لواء هذا الاتجاه النيسابوري والزركشي والراغب الأصفهاني وغيرهم. . . وقد تشددوا في التفريق بين اللفظين أيما تشدد، حتى قال النيسابوري
مُعَرِّضًا: " قد نبغ في زماننا مفسرون لو سئلوا عن الفرق بين التفسير والتأويل ما اهتدوا إليه ". وقد فرق العلماء بين اللفظين بفروق شتى، نورد أبرزها -خشية الإطالة- فمثلاً الراغب الأصفهاني يقول: " التفسير أعم من التأويل، وأكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ، والتأويل في المعاني ". وأبو طالب الثعلبي يفرق فيقول: " التفسير: بيان وضع اللفظ إما حقيقة أو مجازًا، كتفسير " الصراط " بالطريق، و " الصيب " بالمطر. والتأويل: تفسير باطن اللفظ، مأخوذ من الأول، وهو الرجوع لعاقبة الأمر، فالتأويل إخبار عن حقيقة المراد، والتفسير إخبار عن دليل المراد ". والماتريدي صاحبنا يقول: " التفسير: القطع على أن المراد من اللفظ هذا، والشهادة على اللَّه أنه عنى باللفظ هذا، فإن قام دليل مقطوع به فصحيح، وإلا فتفسير بالرأي، وهو المنهي عنه، والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون قطع، والشهادة على اللَّه ". والأقوال كثيرة في التفريق بين التفسير والتأويل، بعضها يصل بمفهوم المصطلحين إلى حد التباين، ولعل أولاها بالقبول ما ذكره جملة من العلماء من أن التفسير يرجع إلى الرواية، والتأويل يرجع إلى الدراية والاستنباط؛ لأن التفسير كشف وبيان عن مراد اللَّه، والكشف عن مراد اللَّه لا نجزم به إلا إذا ورد عن رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، أو عن بعض أصحابه الذين شهدوا نزول الوحي، وعلموا ما أحاط به من حوادث ووقائع، وخالطوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ورجعوا إليه فيما أشكل عليهم من معاني القرآن الكريم. أما التأويل فملحوظ فيه ترجيح أحد محتملات اللفظ بالدليل، وهذا الترجيح يعتمد على الاجتهاد. ومن ثم قال الزركشي -فيما أشرنا إليه من قبل-: " وكأن السبب في اصطلاح بعضهم على التفرقة بين التفسير والتأويل، التمييز بين المنقول والمستنبط؛ ليحمل على الاعتماد
نشأة التفسير وتطوره
في المنقول، وعلى النظر في المستنيط ". وخلاصة القول: أنه برغم الاختلاف بين المصطلحين، فإنهما يشتركان في معنى واحد، وهو محاولة الكشف عن حقيقة شيء، وأنه حين يستخدم كل منهما في شرح ألفاظ القرآن وبيان معانيه فإنه يجمعهما هذا المعنى العام. نشأة التفسير وتطوره من البدهيات أن كل شيء في الوجود لا يكتمل إلا إذا مر بمراحل معينة وأطوار متتالية، وتلك سنة من سنن اللَّه في الأشياء جميعًا، {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}. ويصدق على العلوم ما يصدق على الأشياء، فلم يعرف أن هناك علمًا من العلوم وجد كاملاً هكذا فجأة، وإنما كل علم مر بمراحل وتطورات حتى صار علمًا له أصوله وأركانه التي يقوم عليها. ومن العلوم علم التفسير، هذا العلم الذي شهد تطورات منذ نزول الآيات الأولى من كتاب اللَّه الكريم وحتى يوم الناس هذا، فبدأ بمرحلة المهد ثم الطفولة، وتطورت به المراحل حتى استوى على سوقه، وصارت له أصوله وأركانه. وجدير بمن يتناول علم التفسير أن يقف عند هذه المراحل والتطورات؛ لأنها تطورات متلاحقة ومتعانقة في آن واحد، فلا يمكن فصل مرحلة عن مرحلة، أو اعتماد مرحلة دون أخرى، وإلا فقد هذا العلم ركنًا من أركانه، وأصلاً من أصوله، ولوقع المفسر في أخطاء جسيمة، وأدخل في تفسيره للآيات غير مراد اللَّه ومقصوده، ومن ثم فعلى المفسر أن يراعي كل المراحل، ولا يعتمد مرحلة دون مرحلة، ويراعي في المقام الأول مرحلة التفسير في عهد النبوة؛ لأنها الأساس الذي يُبْنَى عليه ما بعده، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هو أعلم الناس بالقرآن. هذا: وقد أشرنا إلى نشأة علم التفسير في عجالة سريعة عند حديثنا عن الحياة الفكرية والعلمية في عصر الماتريدي في الفصل السادس من الباب الأول من هذه المقدمة، إلا أنه لأهمية الوقوف على نشأة التفسير وتطوره، خصصنا الصفحات الآتية لدراسة أبرز مراحل هذه النشأة وذلك التطور:
المرحلة الأولى: التفسير في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -:
المرحلة الأولى: التفسير في عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وعلى أساليب بلاغة العرب وبيانهم، فكانوا يفهمونه، ويدركون أغراضه ومراميه، وإن تفاوتوا في الفهم، والإدراك؛ تبعًا لاختلاف درجاتهم العلمية، ومواهبهم العقلية، فقد قال ابن قتيبة: " إن العرب لا تستوي في المعرفة بجميع ما في القرآن من الغريب والمتشابه، بل إن بعضها يفضل في ذلك على بعض ". ومعنى هذا أن هناك آيات تشكل معانيها على الصحابة، وكان الصحابة - رضوان الله عليهم - يسألون الرسول ليوضح لهم موضع الإشكال، فمن هنا بذرت البذور الأولى لعلم التفسير. والحق أن التفسير في هذه المرحلة يتميز بسمات لم تتوافر لأي مرحلة تالية، ومن أبرز هذه السمات: أن لجميع الأقوال التفسيرية التي شهدتها هذه المرحلة قوة النص المفسَّر، أو هي الوجه الآخر له، إذا صح هذا التعبير. إن تفسير القرآن في هذا المرحلة كان من عند اللَّه تبارك وتعالى، فهو سبحانه أول مبين ومفسر لكتابه؛ لأنه الأعلم به وبمراد نفسه من غيره، ولأن أصدق الحديث كتاب الله تعالى؛ ولذلك يقول اللَّه تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}، ويقول سبحانه: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}، ويقول جل وعلا: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19). وتفسير القرآن في هذه المرحلة -أيضًا- كان موكولاً إلى الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وكان طبيعيًّا أن يفهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - القرآن جملة وتفصيلاً، فهم ظاهره وباطنه، ومجمله ومفصله، ومقيده ومطلقه، ومحكمه ومتشابهه، وخاصه وعامه، وأمره ونهيه، وغريبه ومشكله، وسائر ما يتعلق بالأحكام والاعتقاد والتكاليف. . . إلخ. وقد أعطى القرآن الكريم للرسول الحق في عملية التفسير، فقد قال اللَّه جل وعلا: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}، وقال سبحانه: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151).
وقد بدأ التفسير في هذه المرحلة حينما كان الصحابة يسألون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأن فهم القرآن الكريم كاملاً ليس ميسورًا لهم، " بل لابد لهم من البحث والنظر والرجوع إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما يشكل عليهم فهمه؛ وذلك لأن القرآن فيه المجمل، والمشكل، والمتشابه، وغير ذلك مما لابد في معرفته من أمور أخرى يرجع إليها ". والأمثلة كثيرة وثابتة تدل على أن الصحابة كانوا يسألون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عما يشكل عليهم من معان قرآنية، فمن ذلك ما أخرجه الترمذي عن عليٍّ بن أبي طالب قال: سألت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن " يوم الحج " فقال: " يوم النحر ". وقد فسر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الحساب اليسير بالعرض حيث قال: " من نوقش الحساب عذب " فقالت له السيدة عائشة - رضي اللَّه عنها -: أو ليس قد قال اللَّه تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9)، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " ذلك العرض " بيانا للحساب
اليسير. وكذلك فسر الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - القوة بالرمي في قوله سبحانه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}. وأحيانًا كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يفسر بنفسه المعنى دون أن يوجه إليه سؤال من أحد الصحابة، من ذلك ما أخرجه الترمذي عن أبي بن كعب أنه سمع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في تفسير قوله تعالى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى}، يقول: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ". وهناك لون من التفسير وجد في العهد النبوي، وهو ما يمكن تسميته: التفسير بالوقائع، وفيه تفسير الآية قبل نزولها؛ حيث تقع واقعة، ويسأل الصحابة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وينزل الوحي بحكم هذه الواقعة المسئول عنها، فيفهم الصحابة عن الله مراده في الآيات.
والآيات التي نزلت مرتبطة بوقائع كثيرة في القرآن الكريم، وقلما تجد سورة تخلو من آيات مرتبطة بوقائع، فمن ذلك ما جاء في سورة البقرة: ففي قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}، أخرج الواحدي والثعلبي من طريق مُحَمَّد بن مروان والسدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عَبَّاسٍ، قال: نزلت هذه الآية في عبد اللَّه بن أُبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فقال عبد اللَّه بن أُبي: انظروا كيف أرد عنكم هَؤُلَاءِ السفهاء، فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحبًا بالصديق سيد بني تميم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول اللَّه، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحبا بسيد بني عدي بن كعب، الفاروق القوي في دين اللَّه، الباذل نفسه وماله لرسول اللَّه، ثم أخذ بيد عليٍّ، فقال: مرحبًا بابن عم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وختنه، سيد بني هاشم ما خلا رسول اللَّه، ثم افترقوا فقال عبد اللَّه لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟ فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيرًا، فرجع المسلمون إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأخبروه بذلك، فنزلت هذه الآية. وفي قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، أخرج الأئمة الستة عن عبد اللَّه بن الزبير قال: خاصم الزبير رجلًا من الأنصار في شراج الحرة، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك ". فقال الأنصاري: يا رسول اللَّه، أن كان ابن عمتك، فتلون وجهه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ثم قال: " اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدار، ثم أرسل الماء إلى جارك "، واستوعب للزبير حقه، وكان أشار عليهما بأمرٍ لهما فيه سعة، قال الزبير. فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عَبَّاسٍ قال: جاء العاصي بن وائل إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعظم حائل ففته، فقال: يا مُحَمَّد أيبعث هذا بعدما أرم؟ قال: " نعم، يبعث اللَّه هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم "، فنزلت الآيات {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ}، إلى آخر السورة. والأمثلة في هذا الشان كثيرة جدًّا، وهي مبثوثة في كتب أسباب النزول، وكتب السنة الصحيحة كذلك يراجعها من أراد. إذن نستطيع القول: إن هناك طريقين، أو بالأحرى مصدرين للتفسير في المرحلة النبوية، هذان الطريقان هما: الأول: القرآن الكريم؛ حيث يجد الناظر في كتاب اللَّه تعالى أن هناك آيات تفسر بها آيات أخرى، فالقرآن الكريم " قد اشتمل على الإيجاز والإطناب، وعلى الإجمال والتبيين، وعلى الإطلاق والتقييد، وعلى العموم والخصوص، وما أوجز في مكان قد يبسط في مكان آخر، وما أجمل في موضع قد يبين في موضع آخر، وما جاء مطلقًا في ناحية قد يلحقه التقييد في ناحية أخرى، وما كان عامًّا في آية قد يدخله التخصيص في آية أخرى؛ لهذا كان لابد لمن يتعرض لتفسير كتاب اللَّه تعالى أن ينظر في القرآن أولاً: فيجمع ما تكرر منه في موضوع واحد، ويقابل الآيات بعضها ببعض "، وقد فعل ذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقد فسر القرآن الكريم بالقرآن الكريم حيث سئل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن قوله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)}. فقال الصحابة لما نزلت: وأينا لا يلبس إيمانه بظلم؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: ألم تقرءوا قول الله
تعالى: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ". ففسر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الظلم في الآية الأولى بالشرك في الآية الثانية. ومن تفسير القرآن بالقرآن ما جاء بحمل المجمل على المفصل، مثال ما جاء في تفسير قول اللَّه تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ)، فقد جاء تفسير قوله سبحانه: (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) في آية كريمة أخرى هي قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3). ومن تفسير القرآن بالقرآن -أيضا- ما جاء بحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص: فمن الأول: ما نقله الغزالي عن أكثر الشافعية من حمل المطلق على المقيد في صورة اختلاف الحكمين عند اتحاد السبب، ومثل له بآية الوضوء والتيمم، فإن الأيدي مقيدة في الوضوء بالغاية في قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ). . . ومطلقة في التيمم في قوله تعالى في الآية نفسها: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ)، فقيدت في التيمم بالمرافق أيضا. ومن النوع الثاني: نفي الخلة والشفاعة على جهة العموم في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، فخصص العموم في قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى)، فقد استثنى ما أذن فيه من الشفاعة، وفي قوله تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) فقد استثنى اللَّه المتقين من نفي الخلة.
ومن تفسير القرآن بالقرآن: حمل المبهم على المبين، كما في قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) فقد فسر قوله: (الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ) بقوله: (الْفَجْرِ). ومنه - أيضًا - قول اللَّه تعالى: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ)، فقد بُيِّنت كلمة الطارق بما تلاها من قول اللَّه تعالى: (النَّجْمُ الثَّاقِبُ). " ومن تفسير القرآن بالقرآن: الجمع بين ما يتوهم أنه مختلف، كخلق آدم من تراب في بعض الآيات، ومن طين في غيرها، ومن حمأ مسنون، ومن صلصال، فإن هذا ذكر للأطوار التي مر بها آدم من مبدأ خلقه إلى نفخ الروح ". وتجدر الإشارة إلى أن تفسير القرآن بالقرآن كان النواة الأولى لعلم التفسير، وهو ما قاله المستشرق جولد تسيهر، ووافقه الذهبي حين قال: " نعم نستطيع أن نوافقه - يقصد جولد تسيهر " أن المرحلة الأولى للتفسير تتركز في القرآن نفسه، على معنى رد متشابهه إلى محكمه، وحمل مجمله على مبينه، وعامه على خاصه، ومطلقه على مقيده. . . كما تتركز في بعض قراءاته المتواترة ". الطريق الثاني في تفسير القرآن الكريم في المرحلة النبوية: تفسيره بالسنة الشريفة، وذلك حين لا نجد في القرآن ما نفسره به، " فالسبيل المثالية التي لا ينبغي لعاقل أن يعدل عنها، أن يطلب التفسير ثاني ما يطلبه -أي بعد القرآن مباشرة- من السنة، وعلى هذا أطبق أهل السنة والجماعة؛ انطلاقًا منهم -رحمهم اللَّه- من مسلمات أربع: أولاها: أن خير من يمكن أن يفسر القرآن، ومن ينبغي أن يطلب منه تفسيره بعد الله تعالى في محكم كتابه هو رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الذي حدثنا ربه فيما حدث من وصفه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4). فهو إذن - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بمقتضى كونه رسولاً أولاً، ثم بمقتضى شهادة هذا النص وأشباهه ثانيًا - لا يمكن أن يقر على خطأ أبدًا، دع عنك أن يكون الخطأ في مثل هذا الأمر الجلل، أعني تفسير القرآن الكريم الذي هو أعظم معجزاته، وأكبر آيات فضله وسمو منزلته، فإن جاز عليه الخطأ بمقتضى بشريته في يسير الأمر، فليس يجوز عليه في أهم المهمات بالنسبة له
ولشريعته وأمته أصلاً، بل إن جاز عليه الخطأ ولو في يسير من الأمر بمقتضى تلك البشرية، فليس يجوز في عقل عاقل أن يقر عليه، بمقتضى ما له من الرسالة، بل لا محالة يهديه ربه إلى صواب القول والعمل. الثانية: أن خير من يمكن أن يفسر الشيء من تكون أهم وظائفه تبيان ذلك الشيء، فعند ذلك نقول: قد صرح اللَّه في محكم ذكره بأن أولى غايتي إنزاله، وبالتالي أهم وظيفة لنبيه هي تبيانه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وذلك الذكر للناس، على ما قال جل من قائل: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). الثالثة: أن من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن السنة هي الأصل الثاني لهذا الدِّين، والمصدر التالي للقرآن مباشرة في جميع كليات هذا الدِّين وجزئياته، فالمجاوز للسنة إذن مع وجدان طلبته فيها راكب لعظيم، مخالف لمقتضى ضروريات هذا الدِّين. الرابعة: أن طلب البيان من السنة ما تيسر فيها هو من جملة مقتضى الأوامر الإلهية الموجبة لطاعته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في كل ما نأتي ونذر؛ من أمثال قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59). وقد رسخت هذه المسلمات وتقررت في أذهان أصحاب الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فكانوا يسألونه -كما سبقت الإشارة- عن جميع ما يشكل عليهم من القرآن الكريم وغيره، وقد ذكرنا فيما مضى بعض الأمثلة التي تبين ذلك، ونزيد الأمر وضوحًا بعرض مجموعة القضايا الآتية: القضية الأولى: كيف بينت السنة القرآن؟ جاء بيان السنة للقرآن على وجوه متعددة، أبرزها ما يأتي: الوجه الأول: بيانه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لبعض مجملات القرآن، كما في بعض الفروض التي جاءت في القرآن مجملة: كالصلاة والزكاة والصوم والحج، فقد قام - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بتفصيل أمرها بأقواله أو أفعاله، أو كليهما، تفصيلاً ما كنا نستطيع بدونه أن نفهم المقصود منها، فقد بين - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مواقيت الصلوات الخمس، وعدد ركعات كل صلاة وكيفيتها، وبين مقادير الزكاة،
وأوقاتها، وأنواعها، وبين مناسك الحج وأركانه وسننه؛ ولذلك كان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: " صلوا كما رأيتموني أصلي "، وكان عليه الصلاة والسلام يقول -أيضًا-: " خذوا عني مناسككم ". وروى ابن المبارك عن عمران بن حصين أنه قال لرجل: " إنك رجل أحمق، أتجد الظهر في كتاب اللَّه أربعًا لا يجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدد عليه الصلاة والزكاة، ونحو ذلك، ثم قال: أتجد هذا في كتاب اللَّه تعالى مفسرًا؛ إن كتاب اللَّه تعالى أبهم هذا، وإن السنة تفسر هذا ". الوجه الثاني: تخصيص العام في القرآن، ومن أمثلته تخصيص آية الزانية والزاني بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وفعله بغير المحصن. وتخصيص الظلم في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)، بالشرك. الوجه الثالث: تقييده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مطلقات القرآن، ومن ذلك تقييده اليد في قوله تعالى: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) باليمين.
الوجه الرابع: إيضاحه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لبعض مبهمات القرآن: كتفسيره للعبد الصالح صاحب موسى عليه السلام بالخضر. الوجه الخامس: بيانه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لفظًا أو متعلقه: كبيان المغضوب عليهم في قوله تعالى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ). الوجه السادس: بيانه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أحكامًا زائدة على ما جاء في القرآن الكريم، كتحريم زواج المرأة على عمتها وخالتها وصدقة الفطر، ورجم الزاني المحصن، وميراث
الجدة، والحكم بشاهد ويمين. . . وغير ذلك.
الوجه السابع: بيانه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - النسخ، كأن يبين لنا - عليه الصلاة والسلام - أن آية كذا نسخت كذا، أو أن حكم كذا نسخ بكذا. . . وهكذا، ومن ذلك قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لا وصية
لوارث " يبين أن آية الوصية للوالدين والأقربين منسوخ حكمها وإن بقيت تلاوتها. الوجه الثامن: دفعه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لبعض إشكالات وردت على القرآن: كدفعه ما استشكل به نصارى نجران على أخوة مريم لهارون، يعنون أخا موسى - عليه السلام - مع أن بينها - عليها السلام - وبينه كذا وكذا، فقد دفع ذلك - عليه الصلاة والسلام - بأن ليس المقصود في الآية (يا أخُتَ هَارُونَ)، هارون النبي، بل هو آخر في عهدها سمي باسمه. الوجه التاسع: بيان التأكيد منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وذلك أنه يؤكد الحكم الذي جاء به القرآن ويقويه، وذلك كقوله - عليه الصلاة والسلام -: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه " فإنه يوافق قوله سبحانه: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ).
والغرض من هذا البيان التأكيدي هو ترسيخ مفهوم النص القرآني وحكمه في قلب السامع. ومن ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما، واللفظ للبخاري عن عائشة قالت: " تلا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هذه الآية: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7). قالت: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأُولَئِكَ الذين سمى اللَّه فاحذروهم ".
الوجه العاشر: ويعتبر من أروع الوجوه وأعظمها، وهو تطبيق الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - للقرآن، تطبيقًا عمليًّا في حياته، مما يعد تفسيرًا عمليًّا وتطبيقيَّا جليًّا غاية الجلاء، مما جعل حاجة الصحابة إلى التفسير القولي غير كبيرة، فقد عايشوا مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - معاني القرآن، وتسابقوا إلى الاقتداء به في العمل بآياته المنزلة. روي عن السيدة عائشة أنها قالت حين سئلت عن خُلُق رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " كان خلقه القرآن ". ولست أبغي من وراء عرض كيفية بيان السنة للقرآن وتفسيره والأوجه المعتبرة في ذلك إلا تقرير الدور العظيم الذي اضطلع به رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في تفسير القرآن الكريم في تلك المرحلة المتقدمة مرحلة نزول هذا الكتاب الكريم، مما يعد أساسًا من الأسس التي بني عليها المفسرون فيما بعد عصر النبوة تفسيراتهم للقرآن والتي أسهمت بشكل كبير في استواء التفسير -بوصفه علمًا- على سوقه. القضية الثانية: هل فسر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - القرآن كله؟ وما المقدار الذي بينه عليه الصلاة والسلام من القرآن لأصحابه؟ وهذه القضية خلافية بين العلماء عرضها الدكتور الذهبي في كتابه " التفسير والمفسرون "، وذكر أن هناك فريقين يتنازعان القضية: الفريق الأول: ذهب إلى القول بأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بين لأصحابه كل معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه، وعلى رأس هَؤُلَاءِ ابن تيمية.
الفريق الثاني: ذهب إلى القول بأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يبين لأصحابه من معاني القرآن إلا القليل، وعلى رأس هَؤُلَاءِ السيوطي. ثم شرع الدكتور الذهبي في عرض أدلة كل فريق: فأدلة الفريق الأول من الكتاب والسنة والمعقول: فمن الكتاب: قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). والبيان في الآية يتناول بيان معاني القرآن، كما يتناول بيان ألفاظه، وقد بَيّنَ الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ألفاظه كلها، فلا بد أن يكون بَيَّنَ كل معانيه -أيضًا- وإلا كان مقصرًا في البيان الذي كلف به من اللَّه. ومن السنة ما روي عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال: " حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن. . كعثمان بن عفان وعبد اللَّه بن مسعود وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا ". فهذا الأثر يدل على أن الصحابة تعلموا من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - معاني القرآن كلها، كما تعلموا ألفاظه. ومن المعقول قالوا: إن العادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في علم من العلوم كالطب أو الحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكتاب اللَّه الذي فيه عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم
في الدنيا والآخرة؟ ومما يدل على هذا الدليل العقلي ما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن عمر - رضي اللَّه عنه - أنه قال: " من آخر ما نزل آية الربا، وإن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قبض قبل أن يفسرها ". وهذا يدل بالفحوى على أنه كان يفسر لهم كل ما نزل، وأنه إنما لم يفسر هذه الآية لسرعة موته بعد نزولها، وإلا لم يكن للتخصيص بها وجه. وأما أدلة الفريق الثاني: فقد استدلوا -أيضًا- من السنة والمعقول: فمن السنة: ما أخرجه البزار عن عائشة قالت: " ما كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يفسر شيئًا من القرآن إلا آيات بعدد، علمه إياهن جبريل ". ومن المعقول قالوا: إن بيان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لكل معاني القرآن متعذر، ولا يمكن ذلك إلا في آي قلائل، والعلم بالمراد يستنبط بأمارات ودلائل، ولم يأمر اللَّه نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالتنصيص على المراد في جميع آياته؛ لأجل أن يتفكر عباده في كتابه. وقالوا -أيضًا-؛ لو كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ لأصحابه معاني القرآن، لما كان لتخصيصه ابن عَبَّاسٍ بالدعاء له بقوله: " اللهم فقهه في الدِّين وعلمه التأويل " فائدة؛ لأنه يلزم من بيان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لأصحابه كل معاني القرآن، استواؤهم في معرفة تأويله، فكيف يخصص ابن عَبَّاسٍ بهذا الدعاء؟.
ومن خلال عرض رأي الفريقين يتضح الآتي: أولا: مغالاة الفريقين فيما ذهبا إليه، وأن المقبول هو أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قام بدور عظيم في تفسير كتاب اللَّه، لكنه لم يفسره كله بطبيعة الحال؛ إذ لو قلنا بتفسير رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - القرآن كله لما كان هناك داع لدعوة القرآن إلى تدبر آيات اللَّه فيه (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولما كان للتحذير الشديد والوعيد القاصم للذين لا يتدبرونه في قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، من قيمة. ثم إنه إذا كان الأمر كذلك فلا قيمة للتفسيرات التي وضعها العلماء من لدن الصحابة وحتى يوم الناس هذا، وهي تفسيرات فيها من الجديد المعجب ما لا يمكن إنكاره، أو الزعم بأنه غير صحيح. هذا بالإضافة إلى أننا لو قلنا بأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فسر القرآن لفظه ومعناه لكذبناه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما قال عن القرآن من أنه: " لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد "، ولكان اختلاف الصحابة حول القرآن بعد رسول اللَّه اجتراء منهم على اللَّه وحيفًا عن هديه صلى اللَّه عليه وسلم، وحاشا أن يفعل الصحابة ذالك أو يقع منهم. كما أننا لو قلنا: إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يفسر من معاني القرآن إلا القليل، لهضمنا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حقه في شخصه ودعوته ورسالته؛ إذ إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بين أصول الدِّين وأحكامه وشرائعه وأركانه المبثوثة في القرآن الكريم بصورة إجمالية أو كلية، ففصل المجمل، وأبان عن جزئيات الكلي، فعرف الناس دينهم: أصوله وأركانه وشرائعه وجزئياته، فلو قلنا: إنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يفسر إلا القليل، فمن الذي بين لنا الدِّين " الإسلام " الذي جاء به القرآن؟! كذلك لو قلنا بهذا لكذبنا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في قوله: " ألا وإني أوتيت القرآن ومثله
معه "، ولأنكرنا سنته التي جاءت -كما سبق بيانه- لتبين مبهم القرآن، وتفصل مجمله، وتقيد مطلقه، وتخصص عامه، وتؤكد ما جاء فيه. يتبين لنا أن التوسط والاعتدال بين المذهبين هو الخليق بالقبول، ولذلك أقول: إن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بين الكثير من معاني القرآن لأصحابه، تشهد بذلك كتب الصحاح المليئة بتفسيرات الرسول لكثير من الآيات ببيان معانيها وأحكامها، وأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في الوقت نفسه - لم يبين كل معاني القرآن؛ لأن من القرآن ما استأثر اللَّه تعالى بعلمه، فقال: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7). وبدهي أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يفسر لهم ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب؛ لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم يفسر لهم ما تتبادر الأفهام إلى معرفته، ولم يفسر لهم ما استأثر اللَّه بعلمه كقيام الساعة وحقيقة الروح، وإنما فسر لهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعض المغيبات التي أخفاها اللَّه عنهم، وأطلعه عنيها وأمره ببيانها لهم، وفسر لهم -أيضًا- كثيرًا مما يندرج تحت التفسير الذي تعرفه العلماء ويرجع إلى اجتهادهم. ثانيًا: أدلة الفريقين محجوجة ومفندة: فأدلة الفريق الأول محجوجة بما يأتي: استدلالهم بالآية (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) مردود عليه من وجهين: الأول: أن القول بعموم الآية الشامل لجميع ألفاظ القرآن ومعانيه ليس صحيحًا؛ لقرينتين تفيدان التخصيص: الأولى: قرينة مقالية تتمثل في قوله عز شأنه: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ
الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ). فالآية صريحة في أن بيان الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - للكتاب مقصور على الذي اختلفوا فيه دون ما لم يختلفوا فيه. والقرينة الثانية: قرينة حالية تتمثل في واقع القرآن الكريم وأمر من نزل بلسانهم العربي المبين، فإن واقع أمر القرآن وأمر من أنزل بلسانهم أن فيه كثيرًا من البينات، بل قل بدهية البيان نفسها بالنسبة لكل ذي حظ من معرفة هذا اللسان فضلاً عن أهله الخلص، فلا يسيغ لذي منطق مع هذا أن يقوم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ببيان أمثال هذه الجليات. الوجه الثاني: أننا إذا سلمنا ببقاء ما في القرآن الكريم على العموم الصالح؛ لأن يندرج تحته جميع اللفظ والمعنى، فإننا لابد أن ننظر إلى سياق القول الكريم الذي نزل فيه وحديثه عنه، وذلك أن قوله سبحانه وتعالى: (نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) وصلة (مَا)، فيفيد قطعًا أن حديث هذا العموم هو عن المنزل فحسب، لا عما لم ينزل أيضًا. وأقول: عرفنا أن جميع الألفاظ منزل، وأن بعض المعاني منزل عليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبعضها غير منزل بطبيعة الحال؛ لأن (مَا) لا تدل على العموم هنا. وأما استدلالهم بما روي عن عثمان وابن مسعود وغيرهما من أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عشر آيات من القرآن لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها، فهو استدلال لا ينتج المدعى؛ لأن غاية ما يفيده، أنهم كانوا لا يجاوزون ما تعلموه من القرآن حتى يفهموا المراد منه، وهو أعم من أن يفهموه من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أو من غيره من إخوانهم، أو من تلقاء أنفسهم حسبما يفتح اللَّه به عليهم من النظر والاجتهاد. وأما استدلالهم بأن الصحابة كانوا يفهمون القرآن ويعرفون معانيه فمردود بأن العادة إنما جرت باستشراح -أي: طلب شرح- ما يشكل فهمه فحسب، فأما الواضح الذي لا يشكل فهمه ولا يشتبه أمره، فإن طلب شرح مثله ضرب من العبث واستنفاد الوقت والجهد في غير طائل، وهذا ما لا يمكن أن يفعله صحابة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. أما الأثر الوارد فلا يدل أيضًا لأن وفاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قبل أن يبين لهم آية الربا لا تدل على
أنه كان يبين لهم كل معاني القرآن، فلعل هذه الآية كانت مما أشكل على الصحابة، فكان لابد من الرجوع فيها إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - شأن غيرها من مشكلات القرآن. وأما أدلة الفريق الثاني: فاستدلالهم بحديث عائشة استدلال باطل؛ لأن الحديث منكر غريب؛ لأنه من رواية مُحَمَّد بن جعفر الزبيري، وهو مطعون فيه، قال البخاري: لا يتابع في حديثه، وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: " منكر الحديث "، وقال فيه ابن جرير الطبري: " إنه ممن لا يعرف من أهل الآثار ". وعلى فرض صحة الحديث، فهو محمول -كما قال أبو حيان- على مغيبات القرآن وتفسيره لمجمله، ونحو ذلك مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من اللَّه. وأما استدلالهم بأن بيان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لكل معاني القرآن متعذر، فإنه لا يدل على ندرة ما جاء عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في التفسير؛ إذ إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مأمور بالبيان، وقد يشكل الكثير على أصحابه فيلزمه البيان، بمقتضى أمر اللَّه له (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ). وأما استدلالهم بدعاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لابن عَبَّاسٍ فمردود بأنه لو سلمنا أنه يدل على أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يفسر كل معاني القرآن، فلا نسلم أنه يدل على أنه فسر النادر منه كما هو المدعى. وإذا علمنا ضعف استدلالات الفريقين، فإنه من الأحرى الرجوع إلى الصواب الذي استراحت إليه النفس من أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يفسر كل القرآن ولكنه في الوقت نفسه ضرب بنصيب وافر فيه مما لا تستغني عنه الأمة في فهم دينها، فقد أجاب على تساؤلات الصحابة فيما أشكل عليهم فهمه من آيات الكتاب الكريم. وخلاصة القول أن المرحلة النبوية كان لها أثرها البارز في نشأة علم التفسير -بالرغم من أنها مرحلة النشأة- وذلك لأن كلا هذين القسمين -تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة- لا شك في أنهما أعلى أنواع التفسير، ولاشك في قبولهما، أما الأول فلأن الله تعالى أعلم بمراد نفسه من غيره، وكتاب اللَّه تعالى أصدق الحديث؛ لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
المرحلة الثانية: التفسير في عهد الصحابة رضوان الله عليهم:
وأما الثاني فلأن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانت مهمته التوضيح والبيان (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم. . .)، الآية، فما جاء عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من شرح أو بيان بسند صحيح ثابت فإنه مما لا شك فيه أنه حق يجب اعتماده ". المرحلة الثانية: التفسير في عهد الصحابة رضوان اللَّه عليهم: جاء عهد الصحابة، وما من شك في أنهم كانوا يفهمون القرآن جملة، أي: بالنسبة لظاهره وأحكامه، أما فهمه تفصيلاً، ومعرفة دقائق باطنه، بحيث لا يغيب عنهم شاردة ولا واردة، فهذا غير ميسور لهم بمجرد معرفتهم للغة القرآن، بل لابد لهم من البحث والنظر؛ وذلك لأن القرآن -كما سبقت الإشارة- فيه المجمل، والمشكل، والمتشابه، وغير ذلك مما لابد في معرفته من أمور أخرى يرجع إليها. ولذلك فإن قليلاً من الصحابة من استشرف لمعرفة تفصيلات القرآن ودقائقه من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وأقل منهم من رزق الفهم الصحيح بعد البحث والنظر، وليس هذا التفاوت بقادحٍ في أذهان الصحابة وصحة فهمهم للقرآن الكريم عامة؛ إذ إنه راجع إلى اللغة نفسها، وهي من أوسع الألسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظًا، ولا يحيط بها غير النبي المعصوم، ولا بأس بغروب ألفاظها على بعض الصحابة ما دام ذلك لا يغرب على عامتهم. وبطبيعة الحال لم يكن الصحابة في درجة وإحدة في فهم اللغة وإدراك أسرارها، وليس بمقدور قوم أن يفهموا كل ما يكتب بلغتهم من العلوم على حد سواء، ومن هنا لم يكن الصحابة في درجة واحدة لفهم معاني القرآن، بل تفاوتت مراتبهم، تبعًا لتفاوتهم في فهم اللغة وإدراك أسرارها، وهذا يرجع إلى تفاوتهم في القوة العقلية، وما أحاط بالقرآن من ظروف وملابسات، وأكثر من هذا أنهم كانوا لا يتساوون في معرفة المعاني التي وضعت لها المفردات، فمن مفردات القرآن ما خفي معناه على بعض الصحابة، ولا ضير في هذا، فإن اللغة لا يحيط بها إلا معصوم، ولم يدع أحد أن كل فرد من أمة يعرف جميع ألفاظ لغتها.
والمواقف الدالة على ذلك كثيرة، منها ما أخرج أبو عبيدة من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: " كنت لا أدري ما فاطر السماوات؟ حتى أتاني أعرابيان يتخاصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها ". وروى عكرمة عن ابن عَبَّاسٍ قال: " ما كنت أدري ما قوله تعالى: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ)، حتى سمعت ابنة ذي يزن الحميري وهي تقول: أفاتحك، تعني أقاضيك ". وأظهر ما يدل على تفاوت فهم الصحابة للنصوص ما روي أن الصحابة فرحوا عند نزول قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)؛ حيث ظنوا أنها إخبار وبشرى بكمال الدِّين، ولكن عمر بكى وقال: ما بعد الكمال إلا النقص؛ مستشعرًا نعي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وروى البخاري عن ابن عَبَّاسٍ قال: " كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، وقال: لم يدخل هذا معنا وإن لنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من أعلمكم، فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قوله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)؛ فقَالَ بَعْضُهُمْ: أمرنا أن نحمد اللَّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم ولم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عَبَّاسٍ؟ فقلت: لا، فقال: وما تقول؟ قلت: هو أجل رسول اللَّه أعلمه اللَّه له، قال: (إِذَا جَاءَ نَصرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)، فذلك علامة أجلك، (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)، فقال عمر: لا أعلم منها إلا ما تقول ".
كل هذه المواقف وغيرها تدل على تفاوت الصحابة في فهم معاني القرآن الكريم؛ ولذلك قال ابن قتيبة: " إن العرب لا تستوي في المعرفة بجميع ما في القرآن من الغريب والمتشابه، بل إن بعضها يفضل في ذلك على بعض ". هذا، وقد بدأ الصحابة شارعين في تفسير القرآن الكريم -على تخوف وتحرج- بعد وفاة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - معتمدين في تفسيرهم على القرآن الكريم نفسه، أو على تفسير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لبعض الآيات وتشريعاته الأخرى، أو الاجتهاد والاستنباط، أو أهل الكتاب من اليهود والنصارى أحيانًا، فالصحابة - رضوان اللَّه عليهم - مقتدين برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - اعتمدوا القرآن في تفسير القرآن الكريم حتى قال الدكتور الذهبي: " هذا هو تفسير القرآن بالقرآن، وهو ما كان يرجع إليه الصحابة في تعرف بعض معاني القرآن، وليس هذا عملاً آليًّا لا يقوم على شيء من النظر، وإنما هو عمل يقوم على كثير من التدبر والتعقل؛ إذ ليس حمل المجمل على المبين، أو المطلق على المقيد، أو العام على الخاص، أو إحدى القراءتين على الأخرى بالأمر الهين الذي يدخل تحت مقدور كل إنسان، وإنما يعرفه أهل العلم والنظر خاصة ". ثم إنهم لجئوا لتفسير الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لبعض آيات القرآن، فقد " تناقلوا فيما بينهم، تفسير رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وما فهموه من القرآن وأقرهم عليه، كما هو الشأن في تناقلهم للأحاديث والآثار التي رووها عنه، على ما وردت به وصايا الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ". غير أن الصحابة لم يتوقف جهدهم التفسيري عند حد النقل والرواية عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بل لجئوا مع ذلك إلى طريقين جديدين: الأول: الاجتهاد والاستنباط: كان الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - إذا لم يجدوا التفسير في كتاب اللَّه تعالى، ولم يتيسر لهم أخذه عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - رجعوا إلى اجتهادهم، فأعملوا رأيهم، وكانت أدواتهم في الاجتهاد هي: معرفة أوضاع اللغة وأسرارها، ومعرفة عادات العرب، ومعرفة أحوال اليهود والنصارى في جزيرة العرب وقت نزول القرآن وقوة الفهم، وسعة الإدراك، ومن ثم
يقول أحد الباحثين: " ولقد أعان بعض الصحابة على فهم القرآن عدة عوامل منها: معرفتهم بعادات العرب وتقاليدهم، ومعرفة طرائق اللغة العربية وأسرارها في التعبير، ثم معرفة أسباب النزول، وما أحاط بالآيات من ظروف وملابسات تعين على فهمها؛ ولهذا قالوا: معرفة سبب نزول الآية يعين على فهمها، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، ثم ما يعطاه أحدهم من فهم وسعة إدراك يمكنه من الوصول إلى مراد الآيات ". وقد روى البخاري ما يؤكد ذلك عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب اللَّه؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه اللَّه رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر ". وفي هذا الأثر دليل على إعمال الصحابة رأيهم، واجتهادهم في تفسير القرآن الكريم، والكشف عن غوامضه، لكن ينبغي التأكيد على أن الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - كانوا متفاوتين في معرفتهم بالأدوات المشار إليها، وقد ترتب عليه تفاوتهم في فهم معاني القرآن. الثاني: أهل الكتاب من اليهود والنصارى. بدأ الأخذ عن أهل الكتاب منذ عهد الصحابة مع شيء من التقييد والتحديد، ولعل
الذي دفع الصحابة إلى هذا الأخذ، هو ما جاء في القرآن الكريم من قصص مبثوثة في ثناياه عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وبعض هذه القصص جاء مجملاً، فكانت " نفوس الصحابة تتوق إلى معرفة تفاصيل بعض القصص في القرآن والذي لم يسأل النبي فيه، فكانوا لا يتحرجون في سؤال أهل الكتاب، من جيرانهم فيما يتعلق بهذه التفاصيل التي لا تتعلق بحكم أو تشريع، وإنَّمَا هي تشبع حالة الفضول الإنساني إلى المزيد من المعرفة "؛ مستندين في ذلك إلى حديث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الذي يقول فيه: " بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا علي، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار ". ولقد حدد ابن كثير المراد من هذا الحديث، فقال: " هو محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها عندنا، فليس عندنا ما يصدقها ولا يكذبها، فيجوز روايتها للاعتبار، فأما ما شهد له شرعنا بالصدق فلا حاجة بنا إليه؛ استغناء بما عندنا، وما شهد له شرعنا
بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته إلا على سبيل الإنكار والإبطال ". وهذا الذي قاله ابن كثير اتبعه الصحابة، فدققوا في الأخذ عن أهل الكتاب، وكان أخذهم في أضيق الحدود، وما أشيع عنهم من توسعهم في الأخذ عن أهل الكتاب قد يكون مرجعه إلى أنه قد وضع عليهم الكثير، ودس عليهم من أقوال أهل الكتاب الكثير من الروايات التي لم يعتمدوها، فأوهم ذلك المتأخرين توسع الصحابة في الأخذ عنهم. وتأكيدًا لهذا يقول الدكتور الذهبي: " رجوع بعض الصحابة إلى أهل الكتاب، لم يكن له من الأهمية في التفسير ما للمصادر الثلاثة السابقة، وإنما كان مصدرًا ضيقًا محدودًا؛ وذلك أن التوراة والإنجيل وقع فيهما كثير من التحريف والتبديل، وكان طبيعيًّا أن يحافظ الصحابة على عقيدتهم، ويصونوا القرآن عن أن يخضع في فهم معانيه لشيء مما جاء ذكره في هذه الكتب التي لعبت فيها أيدي المحرفين، فكانوا لا يأخذون عن أهل الكتاب إلا ما يتفق وعقيدتهم ولا يتعارض مع القرآن ". إن ورع الصحابة وصدق إيمانهم جعلهم يسلكون في الأخذ عن أهل الكتاب مسلكًا آمنًا، متمثلين وصية رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا باللَّه وما أنزل إلينا "، هذا فيما يتعلق بالغيبيات أو الأخبار التاريخية المفصلة في الكتب السابقة. أما فيما يتعلق بالعقيدة أو الأحكام الشرعية، أو ما لا يكون لمعرفة تفاصيله والوقوف على حقيقته فائدة تذكر، فقد كانوا يعدون ذلك قبيحًا من قبيل تضييع الأوقات. كما كانوا يردون على أهل الكتاب مقالاتهم المخالفة للشريعة، ونختار للاستشهاد على ذلك موقف الصحابي الجليل أبي هريرة في مراجعته ومحاورته لهذين الكتابيين -كعب الأحبار وعبد اللَّه بن سلام- حول ساعة يوم الجمعة التي عناها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في قوله: " فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل اللَّه تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه وأشار
بيده يقللها "، فقد اختلف السلف في تعيين هذه الساعة، وهل هي باقية أو رفعت؟ وإذا كانت باقية، فهل هي في جمعة واحدة من السنة أو في كل جمعة منها؟ فنجد أن أبا هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يسأل كعب الأحبار عن ذلك، فيجيبه كعب بأنها في جمعة واحدة من السنة، فيرد عليه أبو هريرة قوله هذا، ويبين له أنها في كل جمعة، فيرجع كعب إلى التوراة فيرى الصواب مع أبي هريرة، فيرجع إليه. ثم يتوجه أبو هريرة إلى عبد اللَّه بن سلام يسأله تحديد هذه الساعة، ويقول له: أخبرني ولا تضن علي، فيجيبه ابن سلام بأنها آخر ساعة في يوم الجمعة، فيرد عليه أبو هريرة بقوله: كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي "، وتلك الساعة لا يصلي فيها؟ ولذا كان تعليق كعب الأحبار على مثل هذه الأسئلة والمحاورات: " ما رأيت رجلاً لم يقرأ التوراة أعلم بما في التوراة من أبي هريرة ". ويدل هذا الموقف من أبي هريرة على تيقظ الصحابة لهذه الأفكار الدخيلة التي بدأت تتسرب إلى دينهم، ومقاومتهم لها في هذا الوقت المبكر. المفسرون من الصحابة: اشتهر عدد غير قليل من الصحابة المفسرين، عد السيوطي - رحمه اللَّه - منهم: الخلفاء الراشدين، وابن مسعود، وابن عَبَّاسٍ، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبا موسى الأشعري، وعبد اللَّه بن الزبير، رضي اللَّه عنهم أجمعين. وهناك من تكلم في التفسير غير هَؤُلَاءِ: كأنس بن مالك، وأبي هريرة، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعائشة، غير أن ما نقل عنهم في التفسير قليل جدَّا، فلم يكن لهم
شهرة ما كان للعشرة المذكورين أولًا، وحتى هَؤُلَاءِ العشرة تفاوتوا فيما بينهم قلة وكثرة، فأبو بكر وعمر وعثمان لم يرد عنهم في التفسير إلا النزر اليسير؛ نظرًا لاشتغالهم بمهام الخلافة وتقدم وفاتهم. وعلى هذا يمكن القول: إن أبرز مفسري الصحابة هم: علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي بن كعب؛ نظرًا لكثرة الرواية عنهم في التفسير كثرة غذت مدارس التفسير في الأمصار المختلفة فيما بعد على اختلافها وكثرتها. * * *
أشهر المفسرين من الصحابة ودورهم في التفسير
أشهر المفسرين من الصحابة ودورهم في التفسير 1 - عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى العدوي أبو حفص المدني، أحد فقهاء الصحابة، وثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأول من سمي أمير المؤمنين، شهد بدرًا، والمشاهد إلا تبوك، وولي أمر الأمة بعد أبي بكر - رضي الله عنهما - وفتح في أيامه عدة أمصار، أسلم بعد أربعين رجلاً، وعن ابن عمر مرفوعًا: " إن اللَّه جعل الحق على لسان عمر وقلبه "، ولما دفن قال ابن مسعود: " ذهب اليوم تسعة أعشار العلم "، استشهد في آخر سنة ثلاث وعشرين، ودفن في أول سنة أربع وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين، وصلى عليه صهيب، ودفن في الحجرة النبوية، ومناقبه جمة. ب - دوره في التفسير: لقد تهيب عمر بن الخطاب -كما تهيب أبو بكر قبله- القول في كتاب اللَّه، والأمثلة على ذلك كثيرة، من ذلك ما يرويه الشعبي قال: " سئل أبو بكر عن الكلالة، فقال: إني سأقول فيها برأي، فإن كان صوابًا فمن اللَّه، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد ". يقول الشعبي: " فلما استخلف عمر، قال: إني لأستحيي من اللَّه أن أرد شيئًا قاله أبو بكر، ثم يتردد عمر فيرجع آخر عهده عن هذا القول، ويذهب إلى أن الكلالة من لا ولد له، ويقول: وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي فيها من يقرأ القرآن ومن لا يقرؤه، ثم يقول: ثلاث لأن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بينهن لنا أحب إلينا من الدنيا وما فيها: الكلالة، وأبواب الربا، والخلافة ".
فهذا الموقف يكشف -أولاً- عن تهيب عمر بن الخطاب مقتديًا بأبي بكر من القول في كتاب اللَّه، ويكشف -ثانيا- عن أنه برغم التهيب فإن عمر أدلى بدلوه في التفسير، وذلك حين تكون هناك مصالح عملية وواقعية تتوقف على مدلول العبارة. ولكي يصل إلى جواب قاطع للمسألة، كان أحيانًا يلجأ إلى طرح المسألة على الناس، مثلما فعل في مسألة تحديد ليلة القدر، فقد روى أبو نعيم عن مُحَمَّد بن كعب القرظي عن ابن عَبَّاسٍ أن عمر ابن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جلس في رهط من الصحابة فذكروا ليلة القدر، فتكلم كل بما عنده، فقال عمر: مالك يا ابن عَبَّاسٍ لا تتكلم؟ تكلم ولا تمنعك الحداثة، قال ابن عَبَّاسٍ: فقلت: يا أمير المؤمنين إن اللَّه وتر يحب الوتر، فجعل الدنيا تدور على سبع، وخلق أرزاقنا من سبع، وخلق فوقنا وتحتنا سبعًا، فأراها في السبع الأواخر من رمضان، فتعجب عمر، وقال: ما وافقني فيها أحد إلا هذا الغلام الذي لم تستو شئون رأسه. والحق أن عمر بن الخطاب في تفسيره للقرآن كان يسلك مسلكًا واقعيًّا عمليًّا، بمعنى أنه إذا كانت هناك مصلحة عملية تتوقف على تحديد مدلول اللفظ، فإن التفسير في هذه الحالة يصبح بحثًا ملحًّا وأمرًا ضروريًّا، وأما إن لم تكن هناك مصلحة عملية فلا بأس عنده ألا يدري مدلول اللفظ؛ ولذلك نجده فيما يروي عنه حين كان يقرأ قوله تعالى: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31)، فقال: الفاكهة والقضب، وهذه الأشياء عرفناها، فما الأبُّ؟ فوضع يده على رأسه ثم قال: " إن هذا لهو التكلف يا ابن الخطاب، وما عليك ألا تدري ما الأبُّ؟ ". ومن كل ما سبق يتكشف لنا أن دور عمر بن الخطاب في التفسير كان دورًا محدودًا، لكنه لبنة في تطور التفسير لا يمكن إهمالها وتركها دون الإفادة منها. 2 - علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو الحسن ابن عم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وختنه على ابنته، أمير المؤمنين، يكنى: أبا تراب، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أول هاشمية ولدت هاشميًّا، له خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفق البخاري
ومسلم على عشرين منها وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، شهد بدرًا والمشاهد كلها، روى عنه أولاده الحسن والحسين ومُحَمَّد، وفاطمة، وعمر، وابن عباس، والأحنف، وأمم. قال أبو جعفر: كان شديد الأدمة ربعة إلى القصر، وهو أول من أسلم من الصبيان جمعًا بين الأقوال، قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى "، وفضائله كثيرة، استشهد ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت أو خلت من رمضان سنة أربعين، وهو حينئذ أفضل من على وجه الأرض. ب - دوره في التفسير: الرواية عن علي بن أبي طالب كثيرة، وذلك راجع إلى أمور، أبرزها: الأول: تأخرت وفاته عن الخلفاء السابقين، فقد كانت وفاته - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عام 40 من هجرة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. الثاني: وجد في زمن كثرت فيه حاجة الناس إلى التفسير؛ وذلك لاتساع رقعة الإسلام، ودخول الأعاجم فيه حتى كادت تذوب بهم خصائص العروبة، ونشأ جيل من أبناء الصحابة كان في حاجة إلى علم الصحابة. الثالث: فهم علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - العميق للقرآن، وخصوبة فكره، وغزارة علمه، فكان أهلاً لأن يحمل عنه، ويدل على هذا ما روى معمر عن وهب بن عبد اللَّه عن أبي الطفيل قال: شهدت عليًّا يخطب وهو يقول: " سلوني، فواللَّه لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم. وسلوني عن كتاب اللَّه، فواللَّه ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار؟ أفي سهل أم في جبل؟ ".
وما روي عن ابن مسعود قال: " إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب عنده من الظاهر والباطن ". والآثار الكثيرة المروية عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تدل دلالة واضحة على فضله ومنرلته في التفسير، ومدى الدور الذي اضطلع به في هذا الشأن. كما أنه يعتبر أول من وضع بفكره الثاقب، ونظره الصادق في القرآن الكريم - اللبنة الأولى في منهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم الذي ما زال -حتى عصرنا هذا- يتحسس طريقه، ويخطو خطواته الأولى عليه، فقد كان علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يجمع الآيات في الموضوع الواحد ليستخلص منها جميعًا حكمًا صادقًا يفسر فيه القرآن بعضه بعضًا. يدل على هذا ما رواه ابن حزم من أن عليًّا ذكر عثمان حين أراد إقامة حد الزنى على من وضعت بعد زواجها بستة أشهر بقول اللَّه تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) مع قوله: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)، فرجع عثمان عن إقامة الحد عليها ". " أي أن عثمان حكم العادة الجارية من أنه لا تلد المرأة لأقل من سبعة أشهر، فاعتبر ولادتها قبل ذلك قرينة لإقامة الحد عليها، لكن عليًّا يستدرك عليه ويتدارك الأمر، حيث حكم القاعدة التي تدرأ الحدود بالشبهات، وفهم من الآيتين السابقتين مجتمعتين أن مدة الحمل يمكن أن تكون ستة أشهر، واعتبر ذلك شبهة تحول دون القطع بوقوع الزنى، ومن ثم فلا يقع الحد ". يتبين من خلال ما سبق البصمة الواضحة للإمام علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في التفسير، وإسهامه الواضح في تطوره.
3 - عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ (ترجمان القرآن) حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، أبو العباس عبد اللَّه، ابن عم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - العباس بن عبد المطلب شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي الهاشمي المكي الأمير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. مولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين. صحب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نحوًا من ثلاثين شهرًا، وحدث عنه بجملة صالحة. وحدث عن عمر، وعلي، ومعاذ، ووالده، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سفيان صخر بن حرب، وأبي ذر، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت وخلق. وقرأ على أبي، وزيد. قرأ عليه مجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة. روى عنه: ابنه علي، وابن أخيه عبد اللَّه بن معبد، ومواليه: عكرمة، ومقسم، وكريب، وأبو معبد، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وخلق كثير. وله جماعة أولاد، أكبرهم العباس، وبه كان يكنى، وعلى أبو الخلفاء، وهو أصغرهم، والفضل ومُحَمَّد، وعبيد اللَّه، ولبابة، وأسماء. وكان وسيمًا، جميلاً، مديد القامة، مهيبًا، كامل العقل، ذكي النفس، من رجال الكمال. وأولاده: الفضل، ومُحَمَّد، وعبيد اللَّه، ماتوا ولا عقب لهم، ولبابة لها أولاد وعقب من زوجها علي بن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب، وبنته الأخرى أسماء كانت عند ابن عمها عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن العباس، فولدت له حسنًا، وحسينًا. انتقل ابن عَبَّاسٍ مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، فإنه صح عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين: أنا من الولدان، وأمي من النساء. وعن طاوس قال: ما رأيت أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عَبَّاسٍ. وقال مجاهد: ما رأيت أحدًا قط مثل ابن عَبَّاسٍ، لقد مات يوم مات وإنه لحبر هذه الأمة. وروى الأعمش، عن مجاهد، قال: كان ابن عَبَّاسٍ يسمى البحر؛ لكثرة علمه. وعن مجاهد قال: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عَبَّاسٍ إلا أن يقول قائل: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وعن طاوس، قال: أدركت نحوًا من خمسمائة من الصحابة، إذا ذاكروا ابن عَبَّاسٍ، فخالفوه، فلم يزل يقررهم حتى ينتهوا إلى قوله.
قال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجًّا معه ابن عَبَّاسٍ، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم. الأعمش: حدثنا أبو وائل قال: خطبنا ابن عَبَّاسٍ، وهو أمير على الموسم، فافتتح سُورَةَ النور، فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثل هذا، لو سمعته فارس، والروم، والترك لأسلمت. قال علي بن المديني: توفي ابن عَبَّاسٍ سنة ثمان أو سبع وستين. وقال الواقدي، والهيثم، وأبو نعيم: سنة ثمان، وقيل: عاش إحدى وسبعين سنة. ب - دوره في التفسير: فاز عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - بدعوة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " اللهم فقهه في الدِّين وعلمه التأويل "، فكان له القدح المعلى بين صحابة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في تفسير القرآن، حتى أنه يوجد له تفسير يتداوله الناس يسمى تفسير ابن عَبَّاسٍ. وقد كان ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أكثر جرأة في الاجتهاد، فيروي عن ابن عمر أن رجلا أتاه يسأله عن (السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا)، فقال: اذهب إلى ابن عَبَّاسٍ فاسأله، ثم تعال فأخبرني، فذهب فسأله، فقال: " كانت السماوات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، ففتق هذه بالمطر وهذه بالنبات " فرجع إلى ابن عمر فأخبره فقال: " قد كنت أقول: ما يعجبني جراءة ابن عَبَّاسٍ على تفسير القرآن، فالآن علمت أنه أوتي علمًا ". وابن عَبَّاسٍ يقف على رأس من يرون أن كلام العرب يوضح ما غمض من ألفاظ القرآن الكريم، وأن الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن رجعنا إلى ديوانها، ومساءلات نافع بن الأزرق التي أربت على المائتين تدل على ذلك. ومن ثم يمكن القول -وللأمانة العلمية-: إن المنهج اللغوي في تفسير القرآن من صنع ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - فهو الذي أرسى دعائمه، معتمدًا في ذلك على البذور التي بذرها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وخلفاؤه الراشدون، وبخاصة عمر.
وكان ابن عَبَّاسٍ يبين في تفسيره الكلمات المعربة عن لغات أخرى غير العربية، مما يؤكد رئاسته للمنهج اللغوي، حتى قيل عنه: " إنه هو الذي أبدع الطريقة اللغوية لتفسير القرآن الكريم ". وإذا كان ابن عَبَّاسٍ قد اهتم بالتفسير اللغوي. فإنه -أيضا- ركز على عنصر الأخبار في تفسيره، وبخاصة الأخبار التي لم ترد في حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فكان يرجع إلى التاريخ العام، وأخبار الأمم، وبخاصة أهل الكتاب، فكان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يرجع إليهم ويأخذ عنهم، بحكم اتفاق القرآن مع التوراة والإنجيل في كثير من المواضع التي أجملت في
القرآن وفصلت فيهما. إن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - بما أوتي من علم بكتاب اللَّه أسهم إسهامًا كبيرًا في نشأة علم التفسير وتطوره، بل إنه ليعد من أكبر مفسري القرآن الكريم في عصور الإسلام المختلفة، فقد كانت له مدرسة يتلقى تلاميذها التفسير عنه، استقرت في مكة، ثم غذت بعلمها الأمصار المختلفة، وما زال تفسير ابن عَبَّاسٍ يَلْقَى من المسلمين إعجابًا وتقديرًا، إلى درجة أنه إذا صح النقل عنه لا يكادون يعدلون عن قوله إلى قول آخر، وقد صرح الزركشي بأن قول ابن عَبَّاسٍ مقدم على قول غيره من الصحابة عند تعارض ما جاء في التفسير. 4 - عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: عبد اللَّه بن مسعود بن غافل -بمعجمة ثم فاء مكسورة بعد الألف- ابن حبيب بن شمخ -بفتح المعجمة الأولى وسكون الميم- ابن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل الهذلي، أبو عبد الرحمن الكوفي، أحد السابقين الأولين، شهد بدرا والمشاهد، وروى ثمانمائة حديث وثمانية وأربعين حديثا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة وستين منها وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين، وروى عنه خلق من الصحابة، ومن التابعين: كمسروق والأسود وقيس بن أبي حازم والكبار، تلقن من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سبعين سورة. قال علقمة: كان يشبه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في هديه ودله وسمته. وقال أبو نعيم: مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين عن بضع وستين سنة. ب - دوره في التفسير: كان عبد اللَّه بن مسعود خادم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فكان له من هذه الصلة النبوية خير مثقف
ومؤدب؛ لذلك عدوه من أعلم الصحابة بكتاب اللَّه، ومعرفة محكمه ومتشابهه وحلاله وحرامه، حتى قيل عنه: إنه في التفسير أكثر رواية من علي كرم اللَّه وجهه. وقد أخرج ابن جرير وغيره عنه أنه قال: " واللَّه الذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب اللَّه إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت؟ ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب اللَّه مني تناله المطايا لأتيته ". وهذا يدل على إحاطة ابن مسعود بمعاني كتاب اللَّه، وأسباب نزول الآيات، وحرصه على تعرف ما عند غيره من العلم بكتاب اللَّه تعالى. وقد قام تفسير ابن مسعود على الرأي والاجتهاد والاستنباط؛ لمواءمة البيئة العراقية المتأثرة بثقافة الفرس، فوضع بذلك الأساس لهذه الطريقة في الاستدلال والثي توارثها أهل العراق في التفسير والفقه. ويتميز ابن مسعود عن غيره في مجال تفسير القرآن بأنه اعتمد بعض القراءات التي تختلف عن القراءات المتواترة في المصاحف العثمانية، وقد تكون هذه القراءات من الروايات التفسيرية التي وردت على لسانه، وظنها تلامذته من القراءات، كما يمكن أن يقال -أيضًا-: إنها بهذا الاعتبار كانت بداية لنشوء علم تفسير القرآن. 5 - أبي بن كعب أبي بن كعب بن قيس بن عبيدة بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي أبو المنذر المدني، سيد القراء، كتب الوحي وشهد بدرا وما بعدها، له مائة وأربعة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة منها، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بسبعة، ورُويَ عنه: ابن عَبَّاسٍ وأنس وسهل بن سعد وسويد بن علقمة ومسروق وخلق كثير، وكان ربعة نحيفًا أبيض الرأس واللحية، وقد أمر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقرأ عليه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكان ممن جمع القرآن وله مناقب جمة رحمه اللَّه تعالى، وتوفي سنة عشرين أو اثنتين وعشرين أو ثلاثين أو ثلاث وثلاثين، وقَالَ بَعْضُهُمْ: صلى عليه عثمان، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ب - دوره في نشأة التفسير: أبي بن كعب هو ثالث ثلاثة بعد ابن عَبَّاسٍ وابن مسعود كثرت عنهم الرواية، وكان مقدمًا في القراءة؛ لقول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيه: " وأقرؤكم أبي بن كعب ". وقد عد أبي بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من العلماء المكثرين في التفسير، وربما مكنه من ذلك معرفته بمعاني كتب اللَّه القديمة؛ إذ كان من العارفين بأسرار هذه الكتب وكونه من كتاب الوحي لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وهذا بالضرورة يجعله على مبلغ عظيم من العلم بأسباب النزول ومواضعه، ومقدم القرآن ومؤخره، وناسخه ومنسوخه، ثم لا يعقل بعد ذلك أن تمر عليه آية من القرآن الكريم يشكل معناها دون أن يسأل عنها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. ولقد اتبع أبي في تفسيره منهجًا يتحرى الحيطة والحذر؛ إذ كان يتوقف عند ما ورد في الآيات عن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مستعينًا بمعرفته مواضع النزول، وأوقاته وأسبابه، وأحوال من نزل فيهم، بالإضافة إلى خبرته بالكتب القديمة ومعرفة أسرارها، ووقوفه على ما ورد فيها من جهة، وقراءته القرآن على الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وإقراء الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - له بعضًا منه تعليمًا وإرشادًا من جهة أخرى، فإذا لم يجد فيما ورد عن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - شيئًا، أو لم تعنه وسائله التفسيرية السابقة، فإن صنيعه يتوجه إلى بيان الدلالات اللغوية للألفاظ القرآنية؛ إذ كانت الثقافة اللغوية هي زاد القوم الذي يستمدون منه ما يعينهم على ذلك. لقد استطاع أُبي بما أوتي من علم وموهبة تفسيرية أن يجتذب تلاميذ كثيرين، أثر فيهم بمنهجه الشامل، مما أدى إلى نشأة المدرسة المدنية في التفسير والفقه. ملاحظات حول تفسير الصحابة: نستطيع الآن أن نورد مجموعة من الملاحظات على تفسير الصحابة تبرز لنا بشكل أكثر
وضوحًا الدور الذي قاموا به، وهي كالآتي: أولاً: اتخذت تفسيرات الصحابة جميعهم شكل الحديث من حيث الرواية والتلقي. ثانيًا: الصحابة لم يفسروا القرآن الكريم كله، وإنما تناولوا بالتفسير ما كانوا يسألون عنه، أو ما يبدو غريبًا في أذهان بعضهم. ثالثًا: تفسيراتهم لم تكن تخرج عن تفسير اللفظ بما يوضحه، والاستشهاد له من اللغة، وما يمكن أن يروى حوله من تفسير للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أو مناسبة النزول. رابعًا: لم يكن بين تفسيراتهم اختلافات كبيرة؛ نظرًا لقربهم من عهد النبوة، كما أنهم لم تتوزعهم الأهواء، وما كان بينهم من اختلافات فهي للتنوع وليس للتضاد. ومع كل هذا، فقد كان الصحابة الأجلاء، وبخاصة ابن عَبَّاسٍ وابن مسعود وأُبي بن كعب - رضوان اللَّه عليهم - هم أول من أسس علم التفسير بعد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بما قدموه من إسهامات فتحت الطريق أمام التابعين من بعدهم ومن تلاهم إلى يوم الناس هذا. * * *
المرحلة الثالثة: التفسير في عصر التابعين
المرحلة الثالثة: التفسير في عصر التابعين جاء عصر التابعين، فوجدوا بين أيديهم ميراثًا ضخمًا من التفسير، لكنه ليس شاملاً لكتاب اللَّه تعالى كله، بل هو تفسير لبعض الآيات، كما أنه لم تكن هناك مصنفات كاملة فيه، حيث إنه لم يدون في عهد الصحابة، لقرب العهد برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولقلة الاختلاف، وللتمكن من الرجوع إلى الثقات. ثم لما انقضى عصر الصحابة أو كاد، وصار الأمر إلى تابعيهم، انتشر الإسلام، واتسعت الأمصار، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وحدثت الفتن، واختلفت الآراء، وكثرت الفتاوى والرجوع إلى الكبراء، فأخذوا في تدوين الحديث والفقه وعلوم القرآن. ومعنى هذا أن حركة واسعة لتدوين علوم الإسلام قد بدأت مع عصر التابعين، في أواخر القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني، وقد نال التفسير قسطًا وافرًا من اهتمام التابعين، سواء فيما يتعلق بتدوينه أو تطويره والبلوغ به درجات لم يبلغها من قبل. ونريد في عجالة أن نستجلي أهم ما قام به التابعون في مجال تفسير القرآن الكريم، ولتحقيق ذلك نقف أمام النقاط الآتية: أولًا: مصادر التابعين في تفسير القرآن الكريم: اتبع علماء التابعين سنن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصحابته الكرام، فصدروا عن طريقتهم في التفسير، فجاءت مصادرهم في التفسير هي المصادر الثلاثة السابقة: تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة، وتفسير القرآن بما عند أهل الكتاب مما جاء في كتبهم، ولكنهم زادوا مصادر أخرى: ففسروا القرآن بما رووه عن صحابة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ثم توسعوا في الاجتهاد وتفسير القرآن بالرأي عما كان عليه في عهد الصحابة. يقول الدكتور الذهبي: اعتمد هَؤُلَاءِ المفسرون في فهمهم لكتاب اللَّه تعالى على ما جاء في الكتاب نفسه، وعلى ما رووه عن الصحابة من تفسيرهم أنفسهم، وعلى ما أخذوه من أهل الكتاب مما جاء في كتبهم، وعلى ما يفتح اللَّه به عليهم من طريق الاجتهاد والنظر في كتاب اللَّه تعالى. وقد روت لنا كتب التفسير كثيرًا من أقوال هَؤُلَاءِ التابعين في التفسير، قالوها بطريق
الرأي والاجتهاد، ولم يصل إلى علمهم شيء فيها عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، أو عن أحد من الصحابة. ثانيًا: دور التابعين في تفسير القرآن الكريم: بعدت الشقة بين عصر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعصر التابعين، وتزايد الغموض في فهم القرآن الكريم، واحتاج الناس إلى التفسير وقد اضطلع التابعون في هذه المرحلة بدور بارز. يقول الدكتور الذهبي: تزايد هذا الغموض -على تدرج- كلما بعد الناس عن عصر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والصحابة، فاحتاج المشتغلون بالتفسير من التابعين إلى أن يكملوا بعض هذا النقص، فزادوا في التفسير بمقدار ما زاد من غموض، ثم جاء من بعدهم فأتموا تفسير القرآن تباعًا، معتمدين على ما عرفوه من لغة العرب ومناحيهم في القول، وعلى ما صح لديهم من الأحداث التي حدثت في عصر نزول القرآن، وغير هذا من أدوات الفهم ووسائل البحث. وبرز في عصر التابعين علماء كثيرون، كانوا قد تتلمذوا على أيدي صحابة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سوف نتعرض لأبرزهم في الفصل الثاني من هذه الدراسة عند الحديث عن المدارس التفسيرية. ثالثا: يمتاز التفسير في عصر التابعين بما يلي: أولًا: غالب أقوالهم في التفسير تلقوها عن الصحابة، وبعض منها رجعوا فيه إلى أهل الكتاب، وما وراء ذلك فمحض اجتهاد لهم. ثالثًا: دخل في التفسير كثير من الإسرائيليات والنصرانيات؛ وذلك لكثرة من دخل من أهل الكتاب في الإسلام، وكان لا يزال عالقًا بأذهانهم من الأخبار ما لا يتصل بالأحكام الشرعية: كأخبار بدء الخليقة، وأسرار الوجود، وبدء الكائنات وكثير من القصص، وكانت النفوس ميالة لسماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن من أحداث يهودية أو نصرانية، فتساهل التابعون فزجوا في التفسير بكثير من الإسرائيليات والنصرانيات بدون تحر ونقد، وأكثر من روي عنه في ذلك من مسلمي أهل الكتاب: عبد اللَّه بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ولا شك أن الرجوع إلى هذه الإسرائيليات في التفسير أمر مأخوذ على التابعين كما هو مأخوذ على من جاء
بعدهم. وترتب على دخول الإسرائيليات والنصرانيات أن غص التفسير بكثير من الأباطيل، والخرافات، وممن ساعد على رواج هذه الأباطيل القصاص والوعاظ بالمساجد، ولم يسلم من نسبتها إليهم أئمة ورعون كالحسن البصري بالكوفة، ومُحَمَّد بن كعب القرظي بالمدينة. ثالثًا: تعتبر هذه المرحلة من أخطر مراحل التفسير؛ إذ وضعت فيها بذور المذاهب الإسلامية، من نزوع العقل إلى فهم الآيات وتفسيرها، إلى تصرف في اللغة وإيغال في التأويل، وقد وجدنا هذا في مدرستي مكة والمدينة، بالقدر الذي وجد في مدارس الكوفة والعراق ومصر بعامة، وإن اختلف الأساس الذي بُني عليه هذا الفهم في كل مدرسة على حدة. رابعًا: يعتبر التابعون هم المؤسسون الرئيسون للمدارس التفسيرية التي وجدت بذور نشأتها في عهد الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - فقد تبلورت المدارس التفسيرية وبرزت وتحددت في عصر التابعين والعصور التالية. خامسًا: ظهرت في هذا العصر نواة الخلاف المذهبي، فظهرت بعض تفسيرات تحمل في طياتها هذه المذاهب، فنجد مثلا قتادة بن دعامة السدوسي ينسب إلى الخوض في القضاء والقدر ويتهم بأنه قدري، ولا شك أن هذا أثر على تفسيره، ولهذا كان يتحرج بعض الناس من الرواية عنه، ونجد الحسن البصري يفسر القرآن على إثبات القدر، ويكفر من يكذب به. سادسًا: شهدت هذه المرحلة محاولات فردية في تدوين التفسير، وإن ظل محتفظًا بطابعه في عهد الصحابة من الرواية والتلقي الشفهي مثل الحديث، إلا أنه لم يكن تلقيا ورواية بالمعنى الشامل كما هو الشأن في عصر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، بل كان تلقيا ورواية يغلب عليهما طابع الاختصاص، فأهل كل مصر يعنون -بوجه خاص- بالتلقي والرواية عن إمام مصرهم، فالمكيون عن ابن عَبَّاسٍ، والمدنيون عن أبي، والعراقيون عن ابن
مسعود. . . وهكذا. وعمومًا، فإن التفسير في عهد التابعين تطور عما كان عليه في عصر الصحابة، مما أسهم في بلورته في المرحلة التالية. المرحلة الرابعة: التفسير في عصور التدوين: وهذه المرحلة تبدأ مع ظهور تدوين العلوم في أواخر عصر بني أمية وبداية عصر العباسيين، وفي هذه المرحلة خطا التفسيير خطوات أخرى، نستطيع بلورتها فيما يلي: الخطوة الأولى: أنه مع ابتداء التدوين لحديث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانت أبوابه متنوعة، وكان التفسير بابًا من هذه الأبواب التي اشتمل عليها الحديث، فلم يفرد له تأليف خاص يفسر القرآن سورة سورة، وآية آية، من مبدئه إلى منتهاه، بل وجد من العلماء من طوف في الأمصار المختلفة ليجمع الحديث، فجمع بجوار دلك ما روي في الأمصار من تفسير منسوب إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أو إلى أصحابه أو التابعين، ومن هَؤُلَاءِ: يزيد بن هارون السلمي المتوفى سنة 117 هجرية، وشعبة بن الحجاج المتوفى سنة 160 هجرية، ووكيع بن الجراح المتوفى سنة 197 هجرية، وسفيان بن عيينة المتوفى سنة 198 هجرية، وروح بن عبادة البصري المتوفى سنة 255 هجرية، وعبد الرزاق بن همام المتوفى سنة 211 هجرية، وآدم بن إياس المتوفى سنة 225 هجرية، وعبد بن حميد المتوفى سنة 249 هجرية، وغيرهم. . . وهَؤُلَاءِ جميعًا كانوا من أئمة الحديث، فكان جمعهم للتفسير جمعًا لباب من أبواب الحديث، ولم يكن جمعًا للتفسير على استقلال وانفراد، وجميع ما نقله هَؤُلَاءِ الأعلام عن أسلافهم من أئمة التفسير نقلوه مُسْنَدًا إليهم، غير أن هذه التفاسير لم يصل إلينا شيء منها؛ ولذا لا نستطيع أن نحكم عليها. الخطوة الثانية: انفصل بها التفسير عن الحديث، فأصبح علمًا قائمًا بنفسه، ووضع التفسير لكل آية من القرآن، ورتب ذلك على حسب ترتيب المصحف، وتم ذلك على أيدي طائفة من العلماء منهم ابن ماجه المتوفى سنة 273 هـ، وابن جرير الطبري المتوفى سنة 310 هـ، وأبو بكر بن المنذر النيسابوري المتوفى سنة 318 هـ، وابن أبي حاتم المتوفى سنة 327 هـ، وأبو الشيخ بن حبان المتوفى سنة 369 هـ، والحاكم المتوفى سنة 405 هـ، وأبو بكر بن مردويه المتوفى سنة 410 هـ، وغيرهم من أئمة هذا الشأن.
وكل هذه التفاسير مروية بالإسناد إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وإلى الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، وليس فيها شيء من التفسير أكثر من التفسير المأثور، اللهم إلا ابن جرير الطبري فإنه ذكر الأقوال ثم وجهها، ورجح بعضها على بعض؛ وزاد على ذلك الإعراب إن دعت إليه حاجة، واستنبط الأحكام التي يمكن أن تؤخذ من الآيات القرآنية. وتجدر الإشارة إلى أن التفسير إذا كان قد انفصل عن الحديث، فإنه ليس معنى ذلك أن هذه الخطوة محت ما قبلها وألغت العمل به، بل معناه أن التفسير تدرج في خطواته، فبعد أن كانت الخطوة الأولى للتفسير هي النقل عن طريق التلقي والرواية، كانت الخطوة الثانية له هي تدوينه على أنه باب من أبواب الحديث، ثم جاءت بعد ذلك الخطوة الثالثة، وهي تدوينه على استقلال وانفراد، فكل هذه الخطوات، تم إسلام بعضها إلى بعض، بل وظل المحدثون بعد هذه الخطوة الثالئة، يسيرون على نمط الخطوة الثانية، من رواية المنقول من التفسير في باب خاص من أبواب الحديث، مقتصرين في ذلك على ما ورد عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أو عن الصحابة أو عن التابعين. الخطوة الثالثة: تجاوز التفسير حدود التفسير بالمأثور، بعد ما كان مقصورًا على ذلك، فصنف في التفسير خلق كثير، اختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال المأثورة عن المفسرين من أسلافهم دون أن ينسبوها لقائليها، فدخل الوضع في التفسير والتبس الصحيح بالعليل، وأصبح الناظر في هذه الكتب يظن أن كل ما فيها صحيح، فنقله كثير من المتأخرين في تفاسيرهم، ونقلوا ما جاء في هذه الكتب من إسرائيليات على أنها حقائق ثابتة، وكان ذلك هو مبدأ ظهور خطر الوضع والإسرائيليات في التفسير. الخطوة الرابعة: وهي خطوة أوسع من سابقتها، امتدت من العصر العباسي إلى يومنا هذا، فبعد أن كان تدوين التفسير مقصورًا على رواية ما نقل عن سلف الأمة تجاوز بهذه الخطوة الواسعة إلى تدوين تفسير اختلط فيه الفهم العقلي بالتفسير النقلي، وتدرج ذلك تدرجًا واضحًا، فبدأ أولاً التفسير العقلي على هيئة محاولات فهم شخصي، وترجيح لبعض الأقوال على بعض، وكان هذا أمرًا مقبولاً ما دام يرجع الجانب العقلي منه إلى حدود اللغة ودلالة الكلمات القرآنية، ثم ظلت محاولات هذا الفهم الشخصي تزداد وتتضخم، متأثرة بالمعارف المختلفة والعلوم المتنوعة والآراء المتشعبة والعقائد المتباينة،
حتى وجد من كتب التفسير ما يجمع أشياء كثيرة، لا تكاد تتصل بالتفسير إلا عن بعد عظيم. ثم إن ما ظهر من مذاهب واتجاهات، وما دون من علوم، وما ترجم منها، أدى إلى اختلاط التفسير بغيره من العلوم، وتلونه بالمذاهب المختلفة، فكل فسر القرآن الكريم حسب ما يتمشى مع فكره ومذهبه، ويساير اتجاهه. غير أنه يجب التنبيه إلى أن التفسير العقلي لم يطغ على التفسير بالمأثور الطغيان الذي يجعله في عداد ما درس وذهب، فقد وجدد من العلماء من استطاع في كل العصور مقاومة طغيان التفسير العقلي، ففسر القرآن الكريم تفسيرًا نقليًا بحتًا، أو فسره تفسيرًا نقليًا مختلطًا بالتفسير العقلي. وتجدر الإشارة إلى أن هناك من العلماء من اهتم بموضوعات معينة في القرآن الكريم، فابن القيم مثلاً أفرد كتابًا سماه " التبيان في أقسام القرآن "، وأبو عبيدة أفرد كتابا سماه " مجاز الفرآن "، وألف بعضهم في الناسخ والمنسوخ، وبعضهم في أسباب النزول، وبعضهم في أحكام القرآن، وبعضهم في إعراب القرآن. * * *
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم في زماننا بدأ يظهر ما يعرف بالتفسير الموضوعي، وهو يعني أمرين: الأول: أنه يعني الوحدة الموضوعية، أي: أن بناء السورة الكريمة من سور القرآن الكريم يتناول في معظمه موضوعًا واحدًا، تقوم السورة الكريمة على بيانه والإلحاح عليه من أولها إلى آخرها، وقد يتخلل ذلك موضوعات أخرى أو إشارات إلى موضوعات أخرى، ولكن يبقى الخيط العام في السورة وموضوعها واضحًا، ونادرا ما تقتصر سورة من سور القرآن على موضوع واحد، وذلك من مميزات أسلوبه الفريد وإعجازه الواضح، ومع هذا يبقى الموضوع الكبير وتفاصيله واضحًا في بناء السورة الكريمة، صغيرة كانت أو كبيرة. يمثل ذلك سورة يوسف فإن موضوعها قصة يوسف - عليه السلام - منذ ولادته والرؤيا التي رآها إلى وفاته (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101). ومع أن قصة يوسف هي موضوع السورة الأكبر، وأن وحدة الموضوع وعناصره بادية في السورة من أولها إلى آخرها إلا أن الأسلوب القرآني المعجز يدخل في ثنايا ذلك موضوعات أخرى لا تخل بوحدة موضوع السورة، ولكنها تضيف إليه التقدير والتعظيم. فالموضوع الأكبر هو قصة يوسف، وقد تم سردها بدقة وإحكام، والموضوع الآخر إثبات صدق مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما أخبر به من القرآن الكريم، فهو وحي من عند اللَّه ومعجز لأمته، وبين هذين الموضوعين تعرضت آيات القصة لكثير من القيم والتوجيهات الدِّينية، وقد أفاد كل ذلك في بناء الموضوع ووحدته. الأمر الثاني: وهو سابق على الأمر الأول المتمثل في الوحدة الموضوعية في السورة، فهناك محاولات سابقة للعلماء للربط بين الآيات وبيان المناسبة بين كل آية وآية مما يعد لبنة في تلك الدراسة، فخصص السيوطي لذلك فصلاً في كتابه " الإتقان في علوم القرآن " سماه: " مناسبة الآيات " قال فيه كلامًا طيبًا لا يبعد كثيرًا عما يسمى بالوحدة الموضوعية، بل وهناك محاولات لبيان مناسبة السورة مع التي قبلها. وقد تطور هذا الأمر، فأصبح التفسير الموضوعي يعني " جمع الآيات المتفرقة في سور القرآن الكريم المتعلقة بالموضوع الواحد لفظًا أو حكمًا، وتفسيرها حسب المقاصد
القرآنية ". وأطلق التفسير الموضوعي على جميع الأشباه والنظائر في القرآن الكريم حسب مادة الكلمة، ثم ترتيبها ترتيبًا معجميًا، وذلك كما صنع الفقيه الدامغاني في كتابه: " إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم ". ونستطيع القول: إن التفسير الموضوعي للقرآن الكريم هو معرفة مراد اللَّه تعالى من كلامه الكريم في آيات عديدة يجمعها موضوع واحد، وذلك بقدر الطاقة البشرية والعلوم المعنية. ولكن مما ينبغي إبرازه أن التفسير الموضوعي وجد منذ عصر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وليس وليد العصر الحاضر، وذلك لسببين: الأول: أن القرآن الكريم يفسر بعضهه بعضًا، فما أجمل في موضع فصل في موضع آخر، وما أبهم في موضع بين في موضع آخر، وهكذا، وفي ذلك يقول السيوطي عند حديثه عن شروط المفسر وآدابه: " قال العلماء: من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولاً من القرآن، فما أجمل منه في مكان فقد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر منه، وقد ألف ابن الجوزي كتابًا فيما أجمل في القرآن في موضع وفسر في موضع آخر منه ". والسبب الثاني: أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قد استخدم هذا الأسلوب في بيان وتفسير ما أشكل على الصحابة من القرآن الكريم، حيث ضم الآيات إلى بعضها؛ ليتضح المعنى ويتبين المراد، فمن ذلك أن الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - لما سمعوا قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)، خافوا وظنوا أنهم قد حرموا الأمن والأمان؛ لأن الظلم واقع من كل إنسان لا محالة، حتى ظلمه لنفسه، فذهبوا إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في فزع وخوف، فطمأنهم، وبين لهم أنهم في أمن وأمان؛ لأن الظلم المراد في الآية هو الشرك، وتلا عليهم قوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، فاطمأنت نفوسهم بذلك. وقد سار الصحابة على سنن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في ذلك، فكانوا يجمعون آيات القرآن
الكريم؛ ليستنبطوا الحكم الصحيح وقد سبق أن ذكرنا عند حديثنا عن دور علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في التفسير أنه يعد -بحق- واضع اللبنة الأولى للتفسير الموضوعي للقرآن الكريم، ومن أمثلة ذلك -أيضًا- ما سبق أن ذكرناه عن ابن عَبَّاسٍ وعمر بن الخطاب في توقع موعد ليلة القدر، فقد أخرج أبو نعيم عن مُحَمَّد بن كعب القرظي عن ابن عَبَّاسٍ أن عمر بن الخطاب جلس في رهط من المهاجرين من الصحابة، فذكروا ليلة القدر، فتكلم كل بما عنده، فقال عمر: ما لك يا ابن عَبَّاسٍ صامت لا تتكلم؟ تكلم ولا تمنعك الحداثة، قال ابن عَبَّاسٍ: فقلت: يا أمير المؤمنين، إن اللَّه وتر يحب الوتر، فجعل أيام الدنيا تدور على سبع، وخلق أرزاقنا من سبع، وخلق الإنسان من سبع، وخلق فوقنا سماوات سبعًا، وخلق تحتنا أرضين سبعا، وأعطى من المثاني سبعًا، ونهى في كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع، وقسم الميراث في كتابه على سبع، ونقع في السجود من أجسادنا على سبع، وطاف الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالكعبة سبعًا، وسعى بين الصفا والمروة سبعا، ورمى الجمار سبعا، فأراها في السبع الأواخر من شهر رمضان، فتعجب عمر، وقال: ما وافقني فيها أحد إلا هذا الغلام الذي لم تستو شئون رأسه. وقد توالت الجهود وتتابعت في التفسير الموضوعي حتى أصبح مصطلحًا معروفًا واتجاهًا واضحًا في التفسير في العصر الحديث، حيث وجدنا من العلماء من يتناول بالتفسير سورة واحدة، كما فعل الدكتور مُحَمَّد البهي في تفسير سورة يوسف وإبراهيم وغيرهما، ومنهم من تناول بالتفسير موضوعًا من موضوعات القرآن، فجمع آياته المتفرقة وقام بتفسيرها في كتاب واحد، كما فعل الدكتور مُحَمَّد عبد اللَّه دراز في كتابه " الأخلاق في القرآن الكريم "، والدكتور يوسف القرضاوي في كتابه " الصبر في القرآن الكريم "، ومن قيل: الشيخ مُحَمَّد رشيد رضا في " الوحي المحمدي " وتوالت الكتب المختصة بهذا الشأن، حتى وجدنا بعض العلماء كالشيخ الغزالي يؤلف مباشرة تحت عنوان " التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ". وقد بلغ من شهرة هذا الاتجاه أن أصبح شعبة دائمة في منظمة المؤتمر الإسلامي، وصدرت عنها عدة بحوث كان لها الأثر الكبير في التعريف بالقرآن والإسلام لدى غير المسلمين، مما أسفر عن إعجاب الكثير بالإسلام وإعلان إسلامهم. إذن فإن التفسير " تفسير القرآن الكريم " مر بمراحل متعددة حتى صار إلى ما نراه الآن،
ومع هذا يبقى هذا السؤال الذي يتطلب منا جوابا، وهو: هل صار التفسير علمًا بالمعنى الدقيق لكلمة علم؟ عرض الدكتور الذهبي - رحمه اللَّه - لهذه المسألة، فقال: يرى بعض العلماء: أن التفسير ليس من العلوم التي يتكلف لها حد؛ لأنه ليس قواعد أو ملكات ناشئة من مزاولة القواعد كغيره من العلوم التي أمكن لها أن تشبه العلوم العقلية، ويكتفي في إيضاح التفسير بأنه بيان كلام اللَّه، أو أنه المبين لألفاظ القرآن ومفهوماتها. ويرى بعض آخر منهم: أن التفسير من قبيل المسائل الجزئية أو القواعد الكلية، أو الملكات الناشئة من مزاولة القواعد؛ فيتكلف له التعريف، فيذكر في ذلك علومًا أخرى يحتاج إليها في فهم القرآن، كاللغة: والصرف، والنحو، والقراءات. . . وغير ذلك. والحق الذي يصدق الواقع، وتشهد به التفاسير الكثيرة، أن فن تفسير القرآن الكريم من قبيل العلوم ذات الموضوع والمسائل المستنبطة بوحدة موضوعها وغايتها وغير ذلك، فإن له كتبه المدونة المختصة به كما لسائر العلوم، وأيضًا: فإن فيه كثيرًا من القواعد الكلية التي يندرج تحت كل واحدة منها من المسائل الجزئية ما لا يخفى على من طالع كتبه، والتي تحصل لمن تمرس بها وأحسن رعايتها ملكة تعينه على خوض لجة هذا العلم والسباحة في بحره آمنا مطمئنا إن شاء اللَّه، وتمنع بالتالي من لم يمارسها ويتقن فقهها والتلقي لها عن أهلها الثقات من الكلام في هذا الفن. وكونه مفتقرًا إلى الاستعانة بكثير من العلوم لا يمنع أصلاً من كونه علمًا متكاملًا قد استوى على سوقه كما تستوي أدق العلوم وأدخلها في استحقاق اسم العلم، فإن من الأمور التي قد أصبحت شبيهة بالبدهيات إن لم تكن منها بالفعل أنه لا يمنع من كون العلم علمًا قائمًا برأسه أن يستعين على مسائله بكثير من المسلمات في علوم أخرى وأن الواقع الذي لا تصلح المماراة فيه أن بعض العلوم يأخذ من بعض. كما أن كونه بيانًا لألفاظ القرآن ومعانيه لا يمنع بحال من عده علمًا قائمًا بذاته، كما أن علم اللغة وفقهها لا يخرج عن كونه بيانًا لمعاني ألفاظها واشتقاقاتها وما إلى هذا، ثم لم يمنع ذلك من عده علمًا، فالحق الذي ترتاح إليه النفس ويطمئن إليه القلب إذن أن التفسير علم بأكمل وأدق وأجل ما تنطوي عليه مثل هذه الكلمة الشريفة من معنى، وأنه كذلك من أشرف العلوم وأعظمها على الإطلاق.
الفصل الثاني مدارس تفسير القرآن الكريم
الفصل الثاني مدارس تفسير القرآن الكريم قلنا: إن المدارس التفسيرية تبلورت في عصر التابعين، فظهرت عدة مدارس، لكل مدرسة منها أسلوبها وطريقتها ومنهجها في تفسير القرآن الكريم، اضطلع بالتفسير فيها أئمة كبار من أهل العلم. يقول الدكتور الذهبي: فتح اللَّه على المسلمين كثيرًا من بلاد العالم في حياة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وفي عهود الخلفاء من بعده، ولم يستقروا جميعًا في بلد واحد من بلاد المسلمين، بل نأى الكثير منهم عن المدينة مشرق النور الإسلامي ثم استقر بهم النوى، موزعين على جميع البلاد التي دخلها الإسلام، وكان منهم الولاة، ومنهم الوزراء، ومنهم القضاة، ومنهم المعلمون، ومنهم غير ذلك. وقد حمل هَؤُلَاءِ معهم إلى هذه البلاد التي رحلوا إليها، ما وعوه من العلم، وما حفظوه عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فجلس إليهم كثير من التابعين يأخذون العلم عنهم، وينقلونه لمن بعدهم، فقامت في هذه الأمصار المختلفة مدارس علمية، أساتذتها الصحابة، وتلاميذها التابعون. واشتهر بعض هذه المدارس بالتفسير، وتتلمذ فيها كثير من التابعين لمشاهير المفسرين من الصحابة، فقامت مدرسة للتفسير بمكة، وأخرى بالمدينة، وثالثة بالعراق، وهذه المدارس الثلاث، هي أشهر مدارس التفسير في الأمصار في هذا العهد. ويمكننا القول: إن أصل هذه المدارس، وأعلمها بالتفسير هي مدرسة مكة؛ لأن شيخها وأستاذها عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ حبر الأمة وترجمان القرآن، كان نسيج وحده في التفسير، فكان أعلم الناس به، وكان تلاميذه أعلم التابعين به أيضًا؛ ولذلك يقول ابن تيمية: أعلم الناس بالتفسير أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عَبَّاسٍ وسعيد بن جبير وطاوس وغيرهم. ونحاول في الصفحات الآتية الوقوف أمام أبرز مدارس التفسير؛ لبيان خصائصها
وسماتها والمفسرين الذين يمثلونها وينتمون إليها. أولا: المدرسة المكية: واضع بذور هذه المدرسة ومؤسسها الأول الصحابي الجليل عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - ترجمان القرآن وحبر الأمة، فقد جلس لتلاميذه يفسر لهم ما غمض من القرآن ويوضح لهم ما أشكل عليهم من معانيه، وكان جلوسه لهم بمكة، وقد اجتمع حوله كثير من التلاميذ الذين وعوا ما يقوله ورووه لمن جاء بعدهم، وقد اشتهر من هَؤُلَاءِ التلاميذ: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس بن كيسان اليماني، وعطاء بن أبي رباح. ولكي نعرف بالمدرسة المكية لابد لنا من دراسة خصائصها وسماتها في التفسير، ثم بيان دور تلاميذها وما قاموا به في التفسير مع ترجمة موجزة لكل واحد منهم، فنقول: تتسم المدرسة المكية في التفسير بعده: سمات، أبرزها ما يأتي: أ - الرواية: قامت هذه المدرسة على الرواية عن ابن عَبَّاسٍ، فروى عنه سعيد بن جبير وسمع منه التفسير وأكثر من روايته عنه. وروى مجاهد والفضل بن ميمون وعكرمة وطاوس وعطاء بن أبي رباح، وكانت رواية هَؤُلَاءِ الأعلام أكثرها عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - ومن ثم تأثروا به وبمنهجه في التفسير. ومما يدل على رواية هَؤُلَاءِ الأعلام عن ابن عَبَّاسٍ ما رواه الفضل بن ميمون أنه سمع مجاهدًا يقول: عرضت القرآن على ابن عَبَّاسٍ ثلاثين مرة. وروي عنه -أيضًا- أنه قال: عرضت القرآن على ابن عَبَّاسٍ ثلاث عرضات، أقف عند كل آية، أسأله فيم نزلت، وكيف كانت؟ ولا تعارض بين هاتين الروايتين؛ لأن الإخبار بالقليل لا ينافي الإخبار بالكثير، فلعله
عرض القرآن على ابن عَبَّاسٍ ثلاثين مرة؛ لتمام الضبط، ودقة التجويد وحسن الأداء، وعرضه بعد ذلك ثلاث مرات؛ طلبًا لتفسيره ومعرفة ما دق من أسراره، وخفي من معانيه، كما تشعر بذلك ألفاظ الرواية. ومما يدل على ذلك -أيضًا- ما قاله حبيب بن أبي ثابت: " اجتمع عندي خمسة: طاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء، فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير يلقيان على عكرمة التفسير، فلم يسألاه عن آية إلا فسرها لهما، فلما نفد ما عندهما، جعل يقول: أنزلت آية كذا في كذا، وأنزلت آية كذا في كذا ". ومما يدل على ذلك -أيضًا- ما قاله ابن عَبَّاسٍ نفسه عن عطاء بن أبي رباح: " تجتمعون إليَّ يا أهل مكة وعندكم عطاء؟! ". وهذا إن دل على رواية عطاء، فإنه يدل كذلك على علو قدمه ورسوخها في تفسير القرآن الكريم، حتى إن ابن عَبَّاسٍ -وهو حبر الأمة وترجمان القرآن- يستنكر على أهل مكة اجتماعهم عليه وبين أظهرهم عطاء بن أبي رباح. وخلاصة القول: إن المدرسة المكية كانت تعتمد على الرواية في التفسير، فمثلما روى الصحابة عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - التفسير، فقد روى أصحاب المدرسة المكية عن صحابة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبالأخص عن ابن عَبَّاسٍ رضي اللَّه عنهما. هذا، ولم تقتصر روايتهم عن ابن عَبَّاسٍ والصحابة وحسب، بل إنهم رووا عن أهل الكتاب مثلما فعل سلفهم، لكنهم توسعوا حتى روى الذهبي في ميزانه أن أبا بكر بن عياش قال: قلت للأعمش: ما بال تفسير مجاهد مخالف؟ أو ما بالهم يتقون تفسير مجاهد؟ كما في رواية ابن سعد قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب. لكن ينبغي ألا يتوهم من هذه الرواية أن أصحاب هذه المدرسة لم تكن لهم ضوابط في النقل عن أهل الكتاب، كلا، فلقد كانوا لا يروون إلا ما يعتقدون صدقه، ولم يخالف بيَّنًا مما جاء به مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وكيف لا يتحرون الدقة في الأخذ عن أهل الكتاب، ورأس مدرستهم ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - شدد النكير على من يأخذ عنهم أو يصدقهم فيما
يقولون، مما هو داخل تحت حدود النهي من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. ب - جمع القراءات جمع أصحاب هذه المدرسة القراءات الثابتة، وكان أكثر تلاميذ ابن عَبَّاسٍ حرصًا على ذلك، هو سعيد بن جبير، فقد كان سعيد بن جبير يؤم الناس في شهر رمضان، فروي عنه أنه كان " يقرأ ليلة بقراءة ابن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت، وليلة بقراءة غيره، وهكذا أبدًا ". وما من شك في أن جمع القراءات يمنح القدرة على التوسع في معرفة معاني القرآن وأسراره. ج - التفسير بالرأي: قلنا: إن هذه المدرسة قامت على الرواية؛ وذلك لأن أصحابها تحرجوا من التفسير بالرأي، فقد روى ابن خلكان عن سعيد بن جبير أنه كان يتورع من القول في التفسير برأيه، فقد جاء رجل وسأل سعيدًا أن يكتب لله تفسير القرآن، فقال: لأن يسقط شقي أحب إلى من ذلك. لكن لم يكن كل أصحاب المدرسة على درجة واحدة في هذا التحرج، فمنهم من زاد تحرجه كسعيد بن جبير -كما رأينا- ومنهم من خف تحرجه كمجاهد بن جبر، فكان من أكثر تلاميذ المدرسة المكية تحررا، لكنه التحرر المنضبط؛ لذلك نجده يقول: " ولا يحل لأحد يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يتكلم في شيء من كتاب اللَّه، إذا لم يكن عالمًا بلغات القرآن، ولا يكتفي باليسير منها؛ إذ اللفظ ربما كان مشتركًا فيغفل عن أحد المعنيين ". ويقف في درجة وسطى بين شدة التحرج وخفته عكرمة، فمن يتتبع تفسيره في بطون كتب التفسير يجد فيه خصائص تفسير أستاذه ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - الذي تعلوه المسحة اللغوية والرجوع إلى الشعر، وهو يمثل لونًا من التفسير بالرأي. ومن ثم يمكن القول دونما وجل: إن المدرسة المكية في التفسير تقوم على الرواية " أي التفسير بالمأثور " لكنها في الوقت نفسه لم تهمل التفسير بالرأي، يدل على ذلك ما رواه الطبري في تفسيره عن مجاهد في تفسير قول اللَّه تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا
أعلام المدرسة المكية.
مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)، فقد فسر المسخ بأنه مسخ للقلوب ولم يقع على الأجسام، وإنما هو مثل ضربه اللَّه لهم كمثل الحمار يحمل أسفارًا. أعلام المدرسة المكية. 1 - سعيد بن جبير. سعيد بن جبير الوالبي مولاهم الكوفي الفقيه أحد الأعلام، روى عن ابن عَبَّاسٍ وابن عمر وعبد اللَّه بن مغفل وعدي بن حاتم وخلق، وروى عنه الحكم وسلمة بن كهيل وسليم الأحول، وسليمان الأعمش وأيوب وعمرو بن دينار، وخلائق، وقال اللالكائي: ثقة إمام حجة، قال عبد الملك بن أبي سليمان: كان يختم في كل ليلتين، قال ميمون ابن مهران: مات سعيد وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه، قتل سنة خمس وتسعين كهلاً، قتله الحجاج فما أمهل بعده، قال خلف بن خليفة عن أبيه: شهدت مقتل ابن جبير، فلما بَانَ الرأس قال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فلما قالها الثالثة لم يتمها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. مكانته في التفسير: شهد التابعون لسعيد بن جبير بتفوقه في العلم ولاسيما التفسير، فقد قال عنه الإمام أحمد: " قتل الحجاج سعيد بن جبير، وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه فرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ". وقال عنه سفيان الثوري: " خذوا التفسير عن أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، والضحاك ". وقال قتادة: " كان أعلم الناس أربعة: كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير، وكان عكرمة أعلمهم بالسير، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام ". ولعلم سعيد وفضله كان يثق فيه أستاذه ابن عَبَّاسٍ، ويحيل عليه من يستفتيه، وكان يقول لأهل الكوفة إذا أتوه ليسألوه عن شيء: أليس فيكم ابن أم الدهماء؟ يعني سعيد بن جبير ويروي عمرو بن ميمون عن أبيه أنه قال: لقد مات سعيد بن جبير، وما على ظهر
2 - مجاهد بن جبر:
الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه. ويرى بعض العلماء أنه مقدم على مجاهد وطاوس في العلم، وكان قتادة يرى أنه أعلم التابعين بالتفسير. هذا وقد وثق علماء الجرح والتعديل سعيد بن جبير، فقال أبو القاسم الطبري: هو ثقة، حجة، إمام على المسلمين، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان عبدًا فاضلاً ورعًا، وهو مجمع عليه من أصحاب الكتب الستة. 2 - مجاهد بن جبر: مجاهد بن جبر -بإسكان الموحدة- مولى السائب بن أبي السائب أبو الحجاج المكي المقرئ الإمام المفسر، روى عن ابن عَبَّاسٍ وقرأ عليه، وعن أم سلمة وأبي هريرة وجابر، ورَوَى عنه عكرمة وعطاء وقتادة والحكم بن عتيبة وأيوب وخلق. وثقه ابن معين وأبو زرعة. قال ابن حبان: مات سنة اثنتين أو ثلاث ومائة وهو ساجد، ومولده سنة إحدى وعشرين. مكانته في التفسير: مجاهد أحد المبرزين في التفسير؛ قال الفضل بن ميمون: سمعت مجاهدًا يقول: عرضت القرآن على ابن عَبَّاسٍ ثلاثين عرضة، وعنه -أيضًا- قال: عرضت المصحف على ابن عَبَّاسٍ ثلاث عرضات أقف عند كل آية منه، وأسأله عنها فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ وروى ابن جرير بسنده عن ابن أبي مليكة، قال: " رأيت مجاهدًا سأل ابن عَبَّاسٍ عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول ابن عَبَّاسٍ: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله ". ولذا قال الإمام سفيان الثوري: " إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك "، وقال ابن تيمية: " ولذا يعتمد على تفسيره الشافعي، والبخاري وغيرهما من أهل العلم ". وقال السيوطي في الإتقان: " وغالب ما أورده الفريابي في تفسيره عنه، وما أورده فيه عن ابن عَبَّاسٍ أو غيره قليل جدَّا ". فكل هذه الأقوال تشهد لمجاهد بعلو المكانة في التفسير والعلم، ومع هذا فقد تحرج بعض العلماء من الأخذ عنه في التفسير، ولعل الذي دفعهم إلى ذلك أمران:
3 - عكرمة
الأول: أنه كان يسأل أهل الكتاب، كما سبقت الإشارة إلى أن ابن سعد عزا عدم سؤالهم له في التفسير إلى ذلك، فقال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب. والثاني: مسلك التحرر الذي سلكه وتفسيره القرآن بالرأي، فلعل مثل هذا المسلك من مجاهد، هو الذي جعل بعض المتورعين الذين كانوا يتحرجون من القول في القرآن برأيهم يتقون تفسيره، ويلومونه على قوله في القرآن بمثل هذه الحرية الواسعة في الرأي، فقد روي عن ابن مجاهد أنه قال: قال رجل لأبي: أنت الذي تفسر القرآن برأيك؟ فبكى أبي ثم قال: إني إذن لجريء، لقد حملت التفسير عن بضعة عشر رجلاً من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ورضي عنهم. وليس معنى هذا أن في مجاهد مطعنًا، كلا، فهو ثقة بلا مدافعة، وإن صح أنه كان يسأل أهل الكتاب فما أظن أنه تخطى حدود ما يجوز له من ذلك، لاسيما وهو تلميذ حبر الأمة ابن عَبَّاسٍ، الذي شدد النكير على من يأخذ عن أهل الكتاب ويصدقهم فيما يقولونه مما يدخل تحت حدود النهي الوارد عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وعليه، فتبقى لمجاهد إمامته في التفسير التي لا يمكن أن يدفعها عنه دافع، فليس أخذه عن أهل الكتاب أو حريته في تفسير آيات القرآن يغضان من قيمته ومكانته أو يقللان من تفوقه في العلم والتفسير. 3 - عكرمة عكرمة البربري مولى ابن عَبَّاسٍ أبو عبد اللَّه أحد الأئمة الأعلام، روى عن مولاه، وعائشة وأبي هريرة، وأبي قتادة ومعاوية وخلق، وروى عنه الشعبي وإبراهيم النخعي، وأبو الشعثاء من أقرانه وعمرو بن دينار وقتادة وأيوب وخلق. قال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب اللَّه من عكرمة رموه بغير نوع من البدعة، قال العجلي: ثقة بريء مما يرميه الناس به، ووثقه أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، ومن القدماء أيوب السختياني. قال مصعب: مات سنة خمس ومائة. مكانته في التفسير: قال المروزي: قلت لأحمد: يحتج بحديث عكرمة؟ فقال: نعم يحتج به.
وقال ابن معين: إذا رألت إنسانًا يقع في عكرمة، وفي حماد بن سلمة، فاتهمه على الإسلام. وقال العجلي فيه: مكي تابعي ثقة، بريء مما يرميه به الناس من الحرورية. وقال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا وهو يحتج بعكرمة. وقد وثقه النسائي وأخرج له في كتابه السنن، كما أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم، وكان مسلم بن الحجاج من أسوئهم رأيًا فيه، ثم عدله بعد ما جرحه. وقال المروزي: أجمع عامة أهل العلم بالحديث على الاحتجاج بحديث عكرمة، واتفق على ذلك رؤساء أهل الحديث من أهل عصرنا، منهم أحمد بن حنبل، وابن راهويه، ويحيى بن معين، وأبو ثور، ولقد سألت إسحاق بن راهويه عن الاحتجاج بحديثه فقال: عكرمة عندنا إمام الدنيا!!! تعجب من سؤالي إياه. فإن عكرمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان على مبلغ عظيم من العلم، وعلى مكانة عالية من التفسير خاصة، وقد شهد له العلماء بذلك، فقال ابن حبان: كان من علماء زمانه بالفقه والقرآن، وقال عمرو بن دينار: دفع إليَّ جابر بن زيد مسائل أسأل عنها عكرمة وجعل يقول: هذا عكرمة مولى ابن عَبَّاسٍ، هذا البحر فسلوه. وكان الشعبي يقول: ما بقي أحد أعلم بكتاب اللَّه من عكرمة. وقال حبيب بن أبي ثابت: اجتمع عندي خمسة: طاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء، فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير يلقيان على عكرمة التفسير؛ فلم يسألاه عن آية إلا فسرها لهما، فلما نفد ما عندهما جعل يقول: أنزلت آية كذا في كذا، وأنزلت آية كذا في كذا. وقال يَحْيَى بن أيوب المصري: سألني ابن جريج: هل كتبتم عن عكرمة؟ فقلت: لا، قال: فاتكم ثلثا العلم. وروى البخاري في صحيحه عن عكرمة أن ابن عَبَّاسٍ قال له: " حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات، ولا تمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم، فتقص عليهم، فتقطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني
عهدت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه لا يفعلون ذلك ". إن عكرمة حاز منزلة عظيمة في العلم، فهو من أعلم الناس بالسير والمغازي؛ قال سفيان الثوري عن عمرو قال: كنت إذا سمعت عكرمة يحدث عن المغازي كأنه مشرف عليهم ينظر كيف يصفون ويقتتلون. وهو من علماء زمانه بالفقه والقرآن، وشهد له الأئمة بذلك، يقول الشعبي: " ما بقي أحد أعلم بكتاب اللَّه من عكرمة ". ومع كل هذا، فإن هناك بعض العلماء وجهوا مطاعن إلى عكرمة، فكانوا يصفونه بالجرأة على العلم ويقولون: إنه كان يدعي معرفة كل شيء في القرآن، ويزيدون على ذلك فيتهمونه بالكذب على مولاه ابن عَبَّاسٍ، وبعد هذا كله، يتهمونه بأنه كان يرى رأي الخوارج، ويزعم أن مولاه كان كذلك، وقد نقل ابن حجر في تهذيب التهذيب كل هذه التهم ونسبها لقائليها، فمن ذلك: ما رواه شعبة عن عمرو بن مرة قال: سأل رجل ابن المسيب عن آية من القرآن، فقال: لا تسألني عن القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء يعني عكرمة وحكى إبراهيم بن ميسرة أن طاوسا قال: لو أن مولى ابن عَبَّاسٍ اتقى اللَّه وكف من حديثه لشدت إليه المطايا. وروى أبو خلف الجزار عن يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول لنافع: اتق اللَّه، ويحك يا نافع، ولا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عَبَّاسٍ. وروي أن سعيد بن المسيب قال مثل ذلك لمولاه. وروى ابن سعد: أن على بن عبد اللَّه كان يوثقه على باب الكنيف ويقول: إن هذا يكذب على أبي. ثم بعد ذلك كله يصورون للناس مبلغ كراهة معاصريه له فيقولون: إنه مات هو وكثير عزة في يوم واحد، فلم يشهد جنازته أحد، أما كثير فقد شيعه خلق كثير. وهذه التهم فيها كثير من المبالغة، حتى إن عكرمة نفسه كانت تصله فيتألم، فقد روى حماد بن زيد عن أيوب أنه قال: قال عكرمة: رأيت هَؤُلَاءِ الذين يكذبونني، يكذبونني من خلفي، أفلا يكذبونني في وجهي؟ فإذا كذبوني في وجهي فقد واللَّه كذبوني. ثم نراه
4 - طاوس بن كيسان اليماني
يستشهد ببعض أصحابه على صدقه فيما يروي عن مولاه، فعن عثمان بن حكيم قال: كنت جالسًا مع أبي أمامة سهل بن حنيف، إذ جاء عكرمة فقال: يا أبا أمامة، أذكرك اللَّه، هل سمعت ابن عَبَّاسٍ يقول: ما حدثكم عكرمة عني فصدقوه فإنه لم يكذب علي؟ فقال أبو أمامة: نعم. هذا هو رد عكرمة على متهميه بالكذب، وتفنيده لما نسب إليه من الافتراء على مولاه. ثم إن كثيرًا من التهم ردها علماء موثوق بهم كابن حجر، وشهد له بعضهم وأنصفوه. 4 - طاوس بن كيسان اليماني طاوس بن كيسان اليماني الجندي -بفتح الجيم والنون- الإمام العلم، قيل: اسمه ذكوان؛ قاله ابن الجوزي، روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عَبَّاسٍ وزيد بن ثابت، وزيد ابن أرقم، وجابر، وابن عمرو، وأرسل عن معاذ. قال طاوس: أدركت خمسين من الصحابة. وروى عنه مجاهد، وعمرو بن شعيب، وحبيب بن أبي ثابت، والزهري، وأبو الزبير، وعمرو بن دينار، وسليمان الأحول وخلق. قال ابن عَبَّاسٍ: إني لأظن طاوسًا من أهل الجنة. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مثله. وقال ابن حبان: حج أربعين حجة، وكان مستجاب الدعوة. قال ابن القطان: مات سنة ست ومائة، وقَالَ بَعْضُهُمْ: يوم التروية، وصلى عليه هشام ابن عبد الملك ووثقه ابن معين وغيره. مكانته في التفسير: بلغ طاوس من العلم مبلغًا عظيمًا، وكان واثقًا من علمه هذا، وكان من الورع والأمانة حتى شهد له بذلك أستاذه ابن عَبَّاسٍ فقال فيه ما أشرنا إليه منذ قليل: إني لأظن طاوسا من أهل الجنة، وقال فيه عمرو بن دينار: ما رأيت أحدًا مثل طاوس، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقال ابن معين: إنه ثقة. وقد أدرك طاوس جماعة من الصحابة وروى عنهم، وروايته عن ابن عَبَّاسٍ أكثر وأخذ
5 - عطاء بن أبي رباح:
عنه التفسير أكثر من غيره؛ ولهذا عد من تلاميذه، وجاء ذكره في مدرسة مكة. والتفسير المأثور عنه قليل جدَّا، ومعظمه يرويه عن ابن عَبَّاسٍ، ولقلة التفسير المأثور عنه وطول باعه في الفقه، قالوا عنه: إنه فقيه لا مفسر، وعده علماء الفقه فقيهًا. 5 - عطاء بن أبي رباح: عطاء بن أبي رباح القرشي، مولاهم أبو مُحَمَّد الجندي اليماني، نزيل مكة وأحد الفقهاء والأئمة، روى عن عثمان وعتاب بن أسيد مرسلاً، وعن أسامة بن زيد، وعائشة، وأبي هريرة، وأم سلمة، وعروة بن الزبير، وطائفة، ورُوى عنه أيوب وحبيب بن أبي ثابت، وجعفر بن مُحَمَّد، وجرير بن حازم، وابن جريج، وخلق. قال ابن سعد: كان ثقة عالمًا كثير الحديث، انتهت إليه الفتوى بمكة. وقال أبو حنيفة: ما لقيت أفضل من عطاء. وقال ابن عَبَّاسٍ -وقد سئل عن شيء-: يا أهل مكة تجتمعون علي وعندكم عطاء. وقيل: إنه حج أكثر من سبعين حجة. قال حماد بن سلمة: حججت سنة مات عطاء سنة أربع عشرة ومائة. مكانته في التفسير: لم يكن عطاء مكثرًا من رواية التفسير عن ابن عَبَّاسٍ، كما كان مقلاًّ في التفسير بالرأي، ويرجع ذلك إلى تحرجه من القول بالرأي. يقول الدكتور الذهبي: وإذا نحن تتبعنا الرواة عن ابن عَبَّاسٍ نجد أن عطاء بن أبي رباح لم يكثر من الرواية عنه كما أكثر غيره، ونجد مجاهدًا وسعيد بن جبير يسبقانه من ناحية العلم بتفسير كتاب اللَّه، ولكن هذا لا يقلل من قيمته بين علماء التفسير، ولعل إقلاله في التفسير يرجع إلى تحرجه من القول بالرأي، فقد قال عبد العزيز بن رفيع: سئل عطاء عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تقول فيها برأيك؟ قال: إني أستحي من اللَّه أن يدان في الأرض برأيي. وبعد: فهذه هي مدرسة التفسير في مكة التي كان لها الأثر الكبير في نشأة علم التفسير
وتطوره ونشره في داخل مكة وخارجها، فقد كان لسعيد بن جبير رحلة إلى الري، نشر فيها الكثير من العلم، وكذلك كان لمجاهد رحلات خارج مكة، واستقر طاوس باليمن ينشر هناك علم ابن عَبَّاسٍ وتفسيره، وأما عكرمة فقد طاف البلاد الإسلامية شرقًا وغربًا، حيث رحل إلى خراسان واليمن والعراق والشام ومصر والحرمين. ثانيًا: المدرسة المدنية: هذه المدرسة لم يكن لها إسهام وافر في مجال تفسير القرآن الكريم بالرأي؛ إذ التزم أصحابها السماع والرواية في تفسيرهم، ومن هنا لم تضف هذه المدرسة لونًا عقليًّا تتميز به كما أضافت مدرسة مكة التي تحدثنا عنها قبل قليل، أو مدرسة العراق التي سنتحدث عنها فيما بعد، بل بقيت ثقافتها معتمدة على الوحي: الكتاب والسنة، والإلمام بمواضع نزول الوحي وأوقاته، والإحاطة بأسباب النزول، وأحوال الذين نزل القرآن فيهم. ولكن هذا لا ينفي ما قام به زيد بن أسلم في مجال التفسير بالرأي حتى قال عنه عبيد اللَّه بن عمر: " لا أعلم به بأسًا إلا أنه يفسر القرآن يرأيه ويكثر منه ". وهذا الحكم لا يعد مغمزًا في زيد وثقته وعدالته، أو طعنًا في دينه وعلمه؛ فلم يوجد من العلماء من نسبه إلى أحد المذاهب المبتدعة، ويدل على توثيقه وعدالته أنه جلس إليه علماء كثيرون منهم علي بن الحسين زين العابدين، ولما سئل عن هذا قال: " إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه ". وأستاذ هذه المدرسة ومؤسسها الأول أبي بن كعب، وعنه أخذ أعلام المدرسة المدنية من التابعين، لكن لم يكن أخذهم عنه وحده، بل أخذوا كذلك عن أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب كذلك، ولكن ليس بدرجة أخذهم عن أبي بن كعب. وقد اشتهر من أعلام هذه المدرسة في التفسير ثلاثة أو أربعة، وهم: زيد بن أسلم، وأبو العالية، وسعيد بن المسيب، ومُحَمَّد بن كعب القرظي، وسنقوم بترجمة كل واحد منهم.
أعلام المدرسة المدنية:
أعلام المدرسة المدنية: 1 - زيد بن أسلم: زيد بن أسلم العدوي مولاهم المدني أحد الأعلام، روى عن أبيه، وابن عمر، وجابر، وعائشة في " أبو داود " وأبي هريرة في الترمذي، وقال ابن معين: لم يسمع منه ولا من جابر، وروى عنه بنوه، وداود بن قيس، ومعمر، وروح بن القاسم. قال مالك: كان زيد يحدث من تلقاء نفسه، فإذا قام فلا يجترئ عليه أحد، وثقه أحمد ويعقوب بن شيبة، مات سنة ست وثلاثين ومائة في ذي الحجة. 2 - أبو العالية: رفيع -بضم أوله مصغرًا- ابن مهران الرياحي -بكسر المهملة- مولاهم أبو العالية البصري مخضرم إمام من الأئمة، صلى خلف عمر، ودخل علي أبي بكر، روى عن أبي، وعلي، وحذيفة، وخلق، وروى عنه قتادة، وثابت، وداود بن أبي هند بصريون، وخلق. قال عاصم الأحول: كان إذا اجتمع عليه أكثر من أربعة قام وتركهم. قال مغيرة: أول من أذن بما وراء النهر أبو العالية. قال أبو خلدة: مات سنة تسعين، وهو الصحيح. 3 - سعيد بن المسيب: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن مخزوم المخزومي أبو مُحَمَّد المدني الأعور، رأس علماء التابعين وفردهم وفاضلهم وفقيههم، ولد سنة خمس عشرة، روى عن عمر في الأربعة، وأبي، وأبي ذر، وأبي بكرة في ابن ماجه، وعلي، وعثمان، وسعد في البخاري ومسلم، وطائفة، وروى عنه الزهري وعمرو ابن دينار وقتادة وبكير بن الأشج وَيَحْيَى بن سعيد الأنصاري وخلق. قال قتادة: ما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه. وقال أحمد: مرسلات سعيد صحاح. سمع من عمر، وقال مالك: لم يسمع منه، ولكنه أكب على المسألة في شأنه وأمره حتى كأنه رآه. وقال أبو حاتم: هو أثبت التابعين في أبي هريرة. قال أبو نعيم: مات سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقدي: سنة أربع.
4 - محمد بن كعب القرظي:
4 - مُحَمَّد بن كعب القرظي: مُحَمَّد بن كعب القرظي المدني ثم الكوفي أحد العلماء، روى عن أبي الدرداء مرسلاً، وعن فضالة بن عبيد، وعائشة، وأبي هريرة، وروى عنه ابن المنكدر، ويزيد بن الهاد، والحكم بن عتيبة. قال ابن عون: ما رأيت أحدًا أعلم بتأويل القرآن من القرظي. وقال ابن سعد: كان ثقة ورعًا كثير الحديث. قيل: مات سنة تسع عشرة ومائة، وقيل: سنة عشرين. ثالثًا: المدرسة العراقية: من المدارس التي أصبحت لها قيمتها العلمية مدرسة العراق، وكان تلاميذ هذه المدرسة منهم من كان ببغداد، ومنهم من كان بالكوفة، ومنهم من كان بالبصرة، وأستاذ هذه المدرسة الأكبر هو: عبد اللَّه بن مسعود، حيث ولى سيدنا عمر عمار بن ياسر على الكوفة وسير معه عبد اللَّه بن مسعود معلمًا، ووزيرًا، وقد شرب من علمه أهل العراق عللاً بعد نهل، وأصبحوا متأثرين بطريقته في الاجتهاد في الفقه، والأحكام، والتفسير، وهي حرية الرأي في الاجتهاد، وحسن التصرف في النصوص، وعدم الجمود عليها. وقد روي عن مسروق أنه قال: وجدت علم أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وأُبي، وزيد، وأبي الدرداء، وعبد اللَّه بن مسعود، ثم انتهى علم هَؤُلَاءِ الستة إلى اثنين: علي، وعبد اللَّه؛ يعني ابن مسعود. وفي رواية أخرى: ذكر أبا موسى بدل أبي الدرداء. وأهم سمة تميز مدرسة العراق شيوع طريقة الاستدلال فيها؛ لأن أهل العراق عرفوا بأنهم أهل رأي، وقد وضع حجر الأساس لهذه الطريقة عبد اللَّه بن مسعود. فالحسن البصري مثلاً يعمل فكره ورأيه في فهم القرآن، فيقول في تفسير قوله تعالى: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) " إن اللَّه لم يجعل لأهل النار مدة، بل قال: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا)، فواللَّه ما هو إلا أنه: إن انقضى حقب دخل آخر إلى الأبد، فليس للأحقاب عدة
أعلام المدرسة العراقية:
إلا الخلود، وهو في هذا التفسير يهتدي بابن مسعود؛ إذ يُروى عنه أنه قال: لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار عدد حصا الدنيا لفرحوا، ولو علم أهل الجنة أنهم يلبثون في الجنة عدد حصا الدنيا لحزنوا ". وليس معنى هذا أن تلاميذ هذه المدرسة أهملوا الرواية، فقتادة نفسه روى عن السلف إلى جانب تفسيره بالرأي، فهو يفسر الحكمة في قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ) بأنها علم القرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله. أعلام المدرسة العراقية: 1 - علقمة بن قيس: علقمة بن قيس بن عبد اللَّه بن علقمة بن سلامان بن كهيل بن بكر بن عوف بن النخع النخعي أبو شبل الكوفي، أحد الأعلام مخضرم، روى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وطائفة، وروى عنه إبراهيم النخعي، والشعبي، وسلمة ابن كهيل، وخلق. وقال ابن المديني: أعلم الناس بابن مسعود علقمة والأسود. قال ابن سعد: مات سنة اثنتين وستين، وقال أبو نعيم: سنة إحدى وستين، قيل: عن تسعين سنة. 2 - مسروق مسروق بن الأجدع الهمداني أبو عائشة الكوفي الإمام القدوة، روى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، ومعاذ، وطائفة. وروى عنه زوجته قمير، وأبو وائل، والشعبي، وخلق، وأرسل عنه مكحول. قال أبو إسحاق: حج مسروق فما نام إلا ساجدًا على وجهه. وقال ابن المديني: صلى خلف أبي بكر. وقال ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله. وقال ابن سعد: توفي سنة ثلاث وستين.
3 - عامر الشعبي
3 - عامر الشعبي عامر بن شراحبيل الحميري الشعبي أبو عمرو الكوفي، الإمام العلم، ولد لست سنين خلت من خلافة عمر، روى عنه وعن علي، وابن مسعود، ولم يسمع منهم، وعن أبي هريرة، وعائشة، وجرير، وابن عَبَّاسٍ وخلق. قال: أدركت خمسمائة من الصحابة. وروى عنه ابن سيرين، والأعمش، وشعبة، وجابر الجعفي، وخلق. قال أبو مجلز: ما رأيت فيهم أفقه من الشعبي. وقال العجلي: مرسل الشعبي صحيح. وقال ابن عيينة: كانت الناس تقول: ابن عَبَّاسٍ في زمانه، والشعبي في زمانه. وقال يحيى بن بكير: توفي سنة ثلاث ومائة. 4 - الحسن البصري الحسن بن أبي الحسن البصري مولى أم سلمة والربيع بنت النضر أو زيد بن ثابت، أبو سعيد الإمام، أحد أئمة الهدى والسنة، رمي بالقدر، ولا يصح، روى عن جندب ابن عبد اللَّه، وأنس، وعبد الرحمن بن سمرة، ومعقل بن يسار، وأبي بكرة، وسمرة. قال سعيد: لم يسمع منه وأرسل عن خلق من الصحابة، وروى عنه أيوب، وحميد، ويونس، وقتادة، ومطر الوراق، وخلائق. قال ابن سعد: كان عالمًا جامعًا رفيعًا ثقة مأمونًا عابدًا ناسكًا كثير العلم فصيحًا جميلاً وسيمًا، ما أرسله فليس بحجة، وكان الحسن شجاعًا من أشجع أهل زمانه، وكان عرض زنده شبر. قال ابن علية: مات سنة عشر ومائة، قيل: ولد سنة إحدى وعشرين لسنتين بقيتا من خلافة عمر. قال أبو زرعة: كل شيء قال الحسن: " قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - " وجدت له أصلا مليًّا خلاف أربعة أحاديث. 5 - قتادة قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري الأكمه، أحد الأئمة الأعلام، حافظ مدلس، روى عن أنس، وابن المسيب، وابن سيرين، وخلق، وروى عنه أيوب،
6 - الأسود بن يزيد
وحميد، وحسين المعلم، والأوزاعي، وشعبة، وعلقمة، قال ابن المسيب: ما أتانا عراقي أحفظ من قتادة. وقال ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس. وقال ابن مهدي: قتادة أحفظ من خمسين مثل حميد. قال حماد بن زيد: توفي سنة سبع عشر ومائة، وقد احتج به أرباب الصحاح. 6 - الأسود بن يزيد الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن الكوفي، مخضرم فقيه، روى عن ابن مسعود، وعائشة، وأبي موسى، وطائفة. وروى عنه إبراهيم النخعي، وابنه عبد الرحمن، وأبو إسحاق، وعمارة بن عمير، وطائفة. وثقه ابن معين والناس، قال إبراهيم: كان يختم في كل ليلتين، وروي أنه حج ثمانين حجة. توفي سنة أربع أو خمس وسبعين. 7 - مرة الهمداني مرة بن شراحيل الهمداني، أبو إسماعيل الكوفي العابد، مرة الطيب، ومرة الخير، روى عن أبي بكر وعمر وجماعة. وروى عنه الشعبي، وطلحة بن مصرف، وطائفة. وثقه ابن معين، وقال الحارث الغنوي: سجد حتى أكل التراب جبهته. قال ابن سعد: توفي بعد الجماجم. وقيل: سنة ست وسبعين. ومن خلال دراسة المدارس الثلاثة الرئيسية يمكننا القول بأنها تقوم في مجملها على الرواية، وأن التفسير بالرأي لم يكن سائدًا في هذه المرحلة المبكرة، غير أن الذين جاءوا من بعد توسعوا في التفسير بالرأي؛ بناء على البذور التي بذرها أعلام هذه المدارس من التفسير بالرأي، وبخاصة مدرسة العراق التي كانت أوسع المدارس التفسيرية اتجاهًا إلى الرأي واستخدام العقل في التفسير. ولقد كان لهذه المدارس دور مؤثر في نشأة التفسير وتطويره ونشره، مما كان له أبعد الأثر على هذا العلم في العصور التالية، وما زلنا حتى اليوم نغترف من فيض أعلام هذه المدارس.
الفصل الثالث المناهج التفسيرية بين القديم والحديث
الفصل الثالث المناهج التفسيرية بين القديم والحديث لقد أجمع علماء التفسير منذ القديم -فيما نقله الزركشي- على شروط كثيرة لابد من مراعاتها عند تفسير القرآن الكريم أجملوها في أربعة شروط هي: أولًا: الأخذ بما صح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من أحاديث في التفسير. ثانيًا: الأخذ بقول الصحابي، وخاصة فيما لا مجال للاجتهاد فيه: كالأمور الغيبية، والناسخ والمنسوخ. ثالثًا: الأخذ بمطلق اللغة مع الاحتراز عن صرف الآيات إلى غير معناها الحقيقي، أو إلى غير مرادها. رابعًا: الأخذ بما يقتضيه الكلام ويدل عليه قانون الشرع. واستمر العمل بهذا المنهج كحد يعرف به الرأي الممدوح من الرأي المذموم إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث سادت العالم مناهج جديدة، ومع مرور الزمن وتغلغل هذه المناهج وتمكنها من عقول بعض المفكرين داخل العالم الإسلامي - ظهرت مدرسة فكرية حديثة تدعو إلى تجديد فهم القرآن فهمًا عصريًّا، متبنية في ذلك ما توصل إليه العقل البشري من مناهج وعلوم -وخاصة الغربية- على رأسها علم الألسنية الحديثة وغيره. وكان من أهم آراء المدرسة الفكرية الحديثة الدعوة صراحة إلى تجاوز كل الأدوات المنهجية التراثية؛ لأنها -حسب رأيها- تمثل فترة زمنية معينة، ثم تبنيها الأدوات المنهجية المعاصرة، مثل المنهج التاريخي، والمنهج البنيوي، والمنهج الجدلي وغيرها. وفي هذا الفصل محاولة لدراسة أهم مناهج التفسير في القديم والحديث، وبيان أهم ما يميز هذه المناهج وما يعتورها من قصور، وذلك على النحو التالي: أولا: مناهج التفسير في القديم بعد التابعين، وقيام المدارس التفسيرية، ظهرت مؤلفات في التفسير مستقلة؛ حيث
1 - منهج تفسير القرآن الكريم بالمأثور
كان التفسير من قبل جزءًا من الحديث، وكان التفسير يقوم على الأسانيد، فجاء مفسرون كثيرون في حوالي القرن الخامس الهجري فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال من غير أن يعزوها إلى قائليها، ومن ثم كثر الدخيل في التفسير، ثم إن التفسير غلب عليه التأويل والتفسير الاجتهادي لعلماء برعوا في بعض العلوم، وبرزوا فيها، ومنهم من هم من أهل السنة والجماعة، ومنهم من هم من أهل الزيغ والابتداع، فصار كل واحد منهم يميل بالتفسير إلى إبراز ما برع فيه، فالنحوي ليس له هم إلا الإعراب وذكر الأوجه المحتملة في الآية، والإخباري ليس له هم إلا ذكر القصص واستيفاؤها عمن مضى من الأنبياء والأمم والملوك، وذكر ما يتعلق بالنقد والملاحم وأحوال الآخرة، والفقيه يكاد يسرد فيه مسائل الفقه جميعها، وكثيرًا ما يستطرد إلى إقامة الأدلة، وبيان منشأ الخلاف إلى غير ذلك مما لا تعلق له بالآية، وصاحب العلوم العقلية قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبههم والرد عليها، ويخرج من شيء إلى شيء، ويستطرد ثم يستطرد حتى ينسى الإنسان أنه في كتاب تفسير، ويخيل إليه أنه يقرأ كتابًا من كتب الكلام، وأصحاب المذاهب المبتدعة قد نحوا بالتفسير ناحية مذاهبهم كالشيعة والمعتزلة والباطنية والروافض وغيرهم. ورغم هذا التعدد في الاتجاهات حول تفسير القرآن الكريم فإنه يمكننا أن نقول: إن مناهج التفسير القديمة تذهب في اتجاهات ثلاثة: الاتجاه الأول: منهج تفسير القرآن الكريم بالمأثور. والاتجاه الثاني: منهج تفسير القرآن الكريم بالرأي. والاتجاه الثالث: التفسير الإرشادي وغرائب التفسير. وفي الصفحات التالية نلقي الضوء على هذه المناهج، ببيان أهم ما يميز كل منهج ومميزاته، وأوجه القصور فيه. 1 - منهج تفسير القرآن الكريم بالمأثور التفسير بالمأثور هو ما جاء في القرآن أو السنة أو كلام الصحابة بيانًا لمراد اللَّه تعالى من كتابه، فالتفسير بالمأثور إما أن يكون تفسير القرآن بالقرآن أو تفسير القرآن بالسنة النبوية، أو تفسير القرآن بالمأثور عن الصحابة، وبعضهم أدرج في التفسير بالمأثور
المصدر الأول: القرآن الكريم:
أقوال التابعين. يقول الدكتور الذهبي: وإنَّمَا أدرجنا في التفسير بالمأثور ما روي عن التابعين -وإن كان فيه خلاف: هل هو من قبيل المأثور أو من قبيل الرأي- لأنا وجدنا كتب التفسير بالمأثور: كتفسير ابن جرير وغيره، لم تقتصر على ذكر ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وما روي عن أصحابه، بل ضمت إلى ذلك ما نقل عن التابعين في التفسير. وعلى هذا، فمصادر التفسير بالمأثور أربعة: القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وأقوال الصحابة، وأقوال التابعين. المصدر الأول: القرآن الكريم: يطلب تفسير القرآن العظيم أول ما يطلب من القرآن نفسه فحيثما ظفرنا بطلبنا في ذلك من القرآن لم يجز أن نعدل عنه إلى غيره بوجه من الوجوه؛ وذلك لأمور أربعة كلها من البدهيات المسلمة من كافة من يعتبرون من أهل الإيمان، بل من العقلاء. أحدها: أن صاحب البيت أدرى بالذي فيه، وأن خير من يفسر القول بالتالي هو قائله بنفسه. ثانيها: أن من المعلوم من الدِّين بالضرورة أن القرآن هو المصدر الأول والدعامة الرئيسية التي يقوم عليها بنيان شريعة الإسلام، بحيث لا يمكن أن يتم الإيمان بهذه الشريعة إلا بعد الأخذ بمحتوى هذا المصدر والإذعان لجميعه جملة وتفصيلاً. وثالثها: أن ذلك ولا ريب هو من جملة مقتضى الأوامر الإلهية الموجبة لطاعته تعالى فيما تنازعنا فيه فضلا عما اتفقنا عليه من أمثال قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59). رابعها: كون القرآن كلام رب العالمين أفضل كل قول وأحسن كل حديث؛ فلا يعدل عن الأفضل ما أمكن إلى المفضول، وأنه معجزة بجملته وتفصيله بلفظه ومعناه، بهدفه وغايته إلى غير ذلك من عظيم خصائصه وكريم فضائله، فكيف يدعه العاقل إلى ما دونه في جميع ذلك؟! لجميع هذه الأسباب وغيرها رأينا أهل الحق لا يطلبون تفسير القرآن من غيره ما
المصدر الثاني: السنة المطهرة:
أتيحت لهم سبيل إلى نيل بغيتهم منه، ومما لا ريب فيه أن الناظر في كتاب اللَّه تعالى يجد فيه ألوانًا شتى من تفسير بعضه لبعض، فقد نرى ما أوجز منه في مكان قد بسط في مكان آخر كما ترى منه العام الذي جاء فيه تخصيصه، والمطلق الذي وقع فيه تقييده، والمجمل الذي حصل فيه بيانه، والمبهم الذي ذكر فيه تفسيره. هذا، وقد ذكرنا في الفصل الأول من هذه الدراسة نماذج لتفسير القرآن بالقرآن، وغيرها كثير يعلم بالتدبر في كتاب اللَّه. المصدر الثاني: السنة المطهرة: سبقت الإشارة إلى أنه إن لم يتهيأ ننا الظفر بالبغية في القرآن اتجهنا مباشرة -كما فعل السلف- إلى السنة الصالحة للحجية، أي: الثابتة بطريق صحيح أو حسن، لا يقدم في ذلك غيرها عليها بحال من الأحوال، انطلاقًا من المسلمات الأربع التي سبق أن ذكرناها. المصدر الثالث: أقوال الصحابة: إن أعيانا البيان من القرآن الكريم وثابت السنة المطهرة تطلبناه في أقوال الصحابة عليهم الرضوان، وقد أطلق الحاكم في المستدرك: أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي، له حكم المرفوع، فكأنه رواه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وعزا هذا القول للشيخين حيث يقول في المستدرك: " ليعلم طالب الحديث أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل -عند الشيخين- حديث مسند ". ولكن قيد ابن الصلاح والنووي وغيرهما هذا الإطلاق بما يرجع إلى أسباب النزول، وما لا مجال للرأي فيه، قال ابن الصلاح في مقدمته: " ما قيل من أن تفسير الصحابي حديث مسند فإنما ذلك في تفسير يتعلق بسبب نزول آية يخبر به الصحابي، أو نحو ذلك مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولا مدخل للرأي فيه؛ كقول جابر - رضي الله عنه -: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ. . .)، الآية، فأما سائر تفاسير الصحابة التي
لا تشتمل على إضافة شيء إلى الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فمعدودة في الموقوفات ". والحق أن قول الصحابي يكون في حكم المرفوع إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذا كان قوله فيما لا مجال للرأي فيه، ولم يكن قائله معروفًا بالأخذ عن بني إسرائيل، أو كان ولكن مرويه مما لا صلة له بما لدى بني إسرائيل، فالواجب أن نأخذ بهذا القول أخذنا بالمرفوع بلا أدنى فرق؛ انطلاقًا في ذلك من عين المسلمات الأربع التي ينطلق أهل الحق في أخذهم بالمرفوع منها. فإن لم يتوفر الثابت من مأثور الصحابة بأن اختل فيه الشرطان الآنفان أحدهما أو كلاهما، لم يخل أمر ذلك المأثور عندهم من إحدى أحوال أربع: أولاها: أن يعرف كونه محلاًّ لإجماع الصحابة وأنه لم يشذ عن القول به أحد منهم. الثانية: أن يعرف كونه مجالاً لاختلافهم اختلافًا تضل معه الفكرة، ولا يُهتدى فيه إلى الصواب في غالب الظن. الثالثة: أن يكون كسابقه ولكن مع تبين وجه الصواب منه وترجحه في غالب الظن. الرابعة: ألا يعرف فيه إجماع منهم ولا اختلاف، وإنما غاية الأمر فيه أنه أثر عن الواحد أو الاثنين مثلا دون أن يبلغنا عن أحد من الصحابة ما يخالفه أو ما يوافقه. فإن كانت الحال الأولى فيما ثبت من مأثور الصحابة، وجب عند القوم الأخذ بمقتضاه كسوابقه من الكتاب والسنة المرفوعة وما له حكم المرفوع إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من أقوالهم في تفسير القرآن المجيد؛ لأجل الإجماع؛ انطلاقًا في ذلك من مسألتين اثنتين: أولاهما: ما اشتهر واستفيض عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من عصمة أمته -أي: في كل عصر من عصورها- من أن تجتمع على خطأ أو ضلالة. الثانية: أن الإجماع كما هو معلوم لابد أن يكون له مستند من الكتاب أو السنة الصالحة للحجية، فالأخذ بالمجمع عليه إذن هو أخذ في ذات الوقت بمستند الإجماع، وانطلاقًا من عين المسلمات المناسبة له، أعني: أنه إن كان مستند إجماع الصحابة هو الكتاب، فالأخذ بمقتضى إجماعهم حينئذ فوق كونه انطلاقًا من المسلمة السابقة هو في ذات الوقت
أخذ كذلك بمقتضى الكتاب وانطلاق من عين المسلمات الني أسلفنا لك عند القول فيه، وهكذا فقل في السنة على ما هو في غاية الظهور، فهذه هي الحال الأولى لما ليس له حكم المرفوع من مأثور الصحابة، عليهم الرضوان. وأما الحال الثانية لذلك وهي: أن يقع منهم الاختلاف فيه على وجه لا يتبين معه الصواب في قوله هذا أو ذاك، فإن أهل السنة لا يلتفتون إلى مأثور الصحابة في مثل هذه الحال؛ لعدم الجدوى بالكلية فيما لا يتبين وجه الصواب فيه كما هو جلي. وأما الحالان الباقيان لذلك بألا يصل اختلافهم فيه إلى خفاء وجه الصواب منه، أو يثبت عن أحدهم الأثر دون أن يعرف إجماع منهم عليه ولا اختلاف فيه - فإنه يترجح عند أهل السنة في هاتين الحالين الأخذ بمقتضى مأثور الصحابة في تفسيرهم؛ انطلاقًا منهم في ذلك -أيضًا- من مسلمات ثلاث: إحداها: أن هَؤُلَاءِ الصحابة ينبغي أن يكونوا خير الناس معرفة بهذا التنزيل المجيد من جهة أن أكثرهم عرب خلص؛ فينبغي التحاكم إليهم فيما هو بلسانهم عربي مبين غير ذي عوج. الثانية: أن أكثرهم كذلك حضروا الوحي، وشهدوا وقائع التنزيل فينبغي أن ينتهي الأمر إليهم فيما يمكن أن يكونوا قد حضروه، وشهدوا وقائعه. الثالثة: أن لهم فوق هذا كله من الفهم التام والعلم الصحيح ما ليس لسواهم، فهم أحق إذن أن يؤخذ بفهمهم وعلمهم. ومن هذا يتبين: أولاً: تفسير الصحابي له حكم المرفوع، إذا كان مما يرجع إلى أسباب النزول، وكل ما ليس للرأي فيه مجال، أما ما يكون للرأي فيه مجال، فهو موقوف عليه ما دام لم يسنده إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. ثانيًا: ما حكم عليه بأنه من قبيل المرفوع لا يجوز رده اتفاقًا، بل يأخذه المفسر ولا يعدل عنه إلى غيره بأية حال. ثالثًا: ما حكم عليه بالوقف، تختلف فيه أنظار العلماء: فذهب فريق: إلى أن الموقوف على الصحابي من التفسير لا يجب الأخذ به؛ لأنه لما
لم يرفعه، علم أنه اجتهد فيه، والمجتهد يخطئ ويصيب، والصحابة في اجتهادهم كسائر المجتهدين. وذهب فريق آخر إلى أنه يجب الأخذ به والرجوع إليه؛ لظن سماعهم له من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولأنهم إن فسروا برأيهم فرأيهم أصوب؛ لأنهم أدرى الناس بكتاب اللَّه؛ إذ هم أهل اللسان، ولبركة الصحبة والتخلق بأخلاق النبوة، ولما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح، لاسيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة، وعبد اللَّه بن مسعود، وابن عَبَّاسٍ، وغيرهم. قال الزركشي في البرهان: " اعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد، والأول: إما أن يرد عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أو الصحابة، أو رءوس التابعين، فالأول يبحث فيه عن صحة السند، والثاني ينظر في تفسير الصحابي: فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلا شك في اعتماده، أو بما شاهدوه من الأسباب والقرائن فلا شك فيه .... . وقال الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره: " إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدرى بذلك؛ لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح، ولاسيما علماؤهم وكبراؤهم: كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهتدين المهديين، وعبد اللَّه بن مسعود، رضي اللَّه عنهم ". المصدر الرابع: قول التابعي: اختلف العلماء في تفسير التابعي: فذهب بعض العلماء إلى أنه من المأثور؛ لأنه تلقاه من الصحابة غالبًا. ومنهم من قال: إنه من التفسير بالرأي، أي: له حكم بقية المفسرين الذين فسروا حسب قواعد اللغة العربية دون التزام بالمأثور. والخلاصة في هذا الخلاف: أنه إن ثبت عن التابعين فيه -أي التفسير- شيء: فإن
أجمعوا عليه أخذوا به؛ لأجل الإجماع: انطلاقًا في ذلك من عين المسلمتين اللتين ذكرناهما بالنسبة لإجماع الصحابة بل قل ذلك بالنسبة لكل إجماع أيضًا. فإن لم يكن إجماع فإنه ينظر: فإن توفر في قول أحدهم شرطان: أحدهما: أن يكون له حكم المرفوع المرسل بأن كان فيما ليس للرأي فيه مجال، ولم يكن قائله كذلك معروفًا بالأخذ عن الإسرائيليات. وثانيهما: أن يكون إمامًا من أئمة التفسير الآخذين لتفسيرهم عن الصحابة: كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، أو يتأيد قوله بمرسل آخر مثلهم أو نحو ذلك. نقول: إن توفر في قول التابعي هذان الشرطان يترجح عند القوم الأخذ به. وقد ذهب أكثر المفسرين: إلى أنه يؤخذ بقول التابعي في التفسير؛ لأن التابعين تلقوا غالب تفسيراتهم عن الصحابة، فمجاهد مثلا يقول: عرضت المصحف على ابن عَبَّاسٍ ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها. وقتادة يقول: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئًا. ولذا حكى أكثر المفسرين أقوال التابعين في كتبهم ونقلوها عنهم مع اعتمادهم لها. والذي تميل إليه النفس: هو أن قول التابعي في التفسير لا يجب الأخذ به إلا إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، فإنه يؤخذ به حينئذ عند عدم الريبة، فإن ارتبنا فيه؛ بأن كان يأخذ من أهل الكتاب، فلنا أن نترك قوله ولا نعتمد عليه، أما إذا أجمع التابعون على رأي فإنه يجب علينا أن نأخذ به ولا نتعداه إلى غيره. قال ابن تيمية: قال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني: أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك. هذا هو الأصل في التفسير بالمأثور، وما تحرر منه سبعة أمور: أولها: ما كان تفسيرًا للقرآن بالقرآن.
ثانيها: ما كان تفسيرًا للقرآن بالسنة الصالحة للحجية. ثالثها: ما كان تفسيرًا بما له حكم المرفوع إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من أقوال الصحابة، عليهم الرضوان. رابعًا: ما كان تفسيرًا للقرآن بما أجمع عليه الصحابة أو التابعون. وهذه الألوان الأربعة من التفسير يجب عند أهل الحق أخذها والتعويل عليها على هذا الترتيب، الذي وقفناك عليه، لكن بشرط ألا يتعارض أي منها تعارضًا حقيقيًّا يتعذر فيه الجمع مع المعقول القطعي، فإن وقع مثل ذلك التعارض وجب تأويل المنقول وطرح ظاهره لأجل المعقول في جميع هذه الألوان. خامسها: ما اختلف فيه الصحابة اختلافًا لا يخفى معه وجه الصواب. سادسها: ما لم يعرف فيه من مأثور الصحابة كذلك إجماع ولا اختلاف. سابعها: ما كان له حكم المرفوع المرسل من مأثور التابعين، واعتضد مع ذلك بمرسل آخر أو نحوه من شاهد أو تابع، أو تحقق في قائله شرط الإمامة والأخذ لأغلب تفسيره عن الصحابة. وهذه الثلاثة الأخيرة يترجح عند القوم الأخذ بها في التفسير ترجحًا فحسب، لكن يشترط ألا تتعارض مع معقول ولو ظنيًّا، وإلا طرحت بالكلية، أو طرحت ظواهرها على أقل تقدير لأجل المعقول أيضًا. هذا: وقد تدرج التفسير بالمأثور في دورين: دور الرواية، ودور التدوين. أما في دور الرواية، فإن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بين لأصحابه ما أشكل عليهم من معاني القرآن، فكان هذا القدر من التفسير يتناوله الصحابة بالرواية بعضهم لبعض، ولمن جاء بعدهم من التابعين. ثم وجد من الصحابة من تكلم في تفسير القرآن بما ثبت لديه عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أو بمحض رأيه واجتهاده، وكان ذلك على قلة يرجع السبب فيها إلى الروعة الدِّينية التي كانت لهذا العهد، والمستوى العقلي الرفيع لأهله، وتحدد حاجات حياتهم العملية، ثم شعورهم مع هذا بأن التفسير شهادة على اللَّه بأنه عنى باللفظ كذا. ثم وجد من التابعين من تصدى للتفسير، فروى ما تجمع لديه من ذلك عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -
وعن الصحابة، وزاد على ذلك من القول بالرأي والاجتهاد، بمقدار ما زاد من الغموض الذي كان يتزايد كلما بعد الناس عن عصر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والصحابة. ثم جاءت الطبقة التي تلي التابعين وروت عنهم ما قالوا، وزادوا عليه بمقدار ما زاد من غموض. . . وهكذا ظل التفسير يتضخم طبقة بعد طبقة، وتروي الطبقة التالية ما كان عند الطبقات التي سبقتها، كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق. ثم ابتدأ دور التدوين -وهو ما يعنينا في هذا البحث- فكان أول ما دون في التفسير، هو التفسير بالمأثور، على تدرج في التدوين كذلك، فكان رجال الحديث والرواية هم أصحاب الشأن الأول في هذا، وقد رأينا أصحاب مبادئ العلوم حين ينسبون -على عادتهم- وضع كل علم لشخص بعينه، يعدون واضع التفسير -بمعنى جامعه لا مدونه- الإمام مالك بن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة. وكان التفسير إلى هذا الوقت لم يتخذ له شكلاً منظمًا، ولم يفرد بالتدوين، بل كان يكتب على أنه باب من أبواب الحديث المختلفة، يجمعون فيه ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعن الصحابة والتابعين. ثم بعد ذلك انفصل التفسير عن الحديث، وأفرد بتآليف خاصة؛ فكان أول ما عرف لنا من ذلك تلك الصحيفة التي رواها علي بن أبي طلحة عن ابن عَبَّاسٍ، ثم وجد بعد ذلك جزء أو أجزاء دونت في التفسير خاصة، مثل ذلك الجزء المنسوب لأبي روق، وتلك الأجزاء الثلاثة التي يرويها مُحَمَّد بن ثور عن ابن جريج. ثم وجدت بعد ذلك موسوعات من الكتب المؤلفة في التفسير، جمعت كل ما وقع لأصحابها من التفسير المروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه وتابعيهم: كتفسير ابن جرير الطبري، ويلاحظ أن ابن جرير ومن على شاكلته -وإن نقلوا تفاسيرهم بالإسناد- توسعوا في النقل وأكثروا منه، حتى استفاض وشمل ما ليس موثوقًا به. كما يلاحظ أنه كان لا يزال موجودًا إلى ما بعد عصر ابن جرير ومن على شاكلته -ممن أفردوا التفسير بالتأليف- رجال من المحدثين بوبوا للتفسير بابًا ضمن أبواب ما جمعوا من الأحاديث. ثم وجد بعد هذا أقوام دونوا التفسير بالمأثور بدون أن يذكروا أسانيدهم في ذلك، وأكثروا من نقل الأقوال في تفاسيرهم بدون تفرقة بين الصحيح والعليل؛ مما جعل الناظر في هذه الكتب لا يركن لما جاء فيها؛ لجواز أن يكون من قبيل الموضوع المختلق، وهو
أسباب ضعف الرواية بالمأثور:
كثير في التفسير. ومن المعلوم أن الشخص الذي يفسر نصًّا من النصوص، يتلون هذا النص بتفسيره إياه، وينطبع بطابعه الخاص، وفق قدرته الفكرية، وسعة اطلاعه وأفقه العقلي غير أن هذا الطابع الشخصي الذي يطبع به التفسير، إن ظهر جليًّا واضحًا في كتب التفسير بالرأي، فإنا لا نكاد نجده لأول وهلة على هذا النحو من الوضوح والجلاء بالنسبة لكتب التفسير بالمأثور. أسباب ضعف الرواية بالمأثور: ذكرنا فيما تقدم أن تفسير بعض القرآن ببعض، وتفسير القرآن بالسنة الصحيحة المرفوعة إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لاشك في قبوله، ولا خلاف في أنه من أعلى مراتب التفسير. وأما تفسير القرآن بالمأثور عن الصحابة والتابعين فإنه يتطرق إليه الضعف من وجوه: أولها: ما دسَّه أعداء الإسلام مثل زنادقة اليهود والفرس، فقد أرادوا هدم هذا الدِّين المتين عن طريق الدس والوضع، حينما أعيتهم الحيل في النيل منه عن طريق الحرب والقوة، وعن طريق الدليل والحجة. ثانيها: ما لفقه أصحاب المذاهب المتطرفة ترويجًا لتطرفهم: كشيعة علي المتطرفين الذين نسبوا إليه ما هو منه بريء، ومثل أُولَئِكَ المتزلفين للعباسيين فنسبوا إلى ابن عَبَّاسٍ ما لم تصح نسبته إليه، تملقا واستدرارا لدنياهم. ثالثها: اختلاط الصحيح بغير الصحيح، ونقل كثير من الأقوال المعزوة إلى الصحابة أو التابعين من غير إسناد ولا تحر؛ مما أدى إلى التباس الحق بالباطل. زد على ذلك أن هناك من يرى رأيًا يعتمده دون أن يذكر له سندًا، ثم يجيء من بعده فينقله على اعتبار أن له أصلاً، ولا يكلف نفسه البحث عن أصل الرواية، ولا من يرجع إليه القول. رابعها: أن تلك الروايات مليئة بالإسرائيليات، ومنها كثير من الخرافات التي تصادم العقيدة الإسلامية، والتي قام الدليل على بطلانها، وهي مما دخل على المسلمين من أهل الكتاب.
وكلمة الإنصاف في التفسير بالمأثور أنه نوعان: أحدهما: ما توافرت الأدلة على صحته وقبوله، وهذا لا يليق بأحد رده، ولا يجوز إهماله وإغفاله، ولا يجمل أن نعتبره من الصوارف عن هدْي القرآن، بل هو على العكس عامل من أقوى العوامل على الاهتداء بالقرآن. ثانيهما: ما لم يصح لسبب من الأسباب الآنفة أو غيرها، وهذا يجب رده، ولا يجوز قبوله ولا الاشتغال به، اللهم إلا لتمحيصه والتنبيه على ضلاله وخطئه، حتى لا يغتر به أحد. ولا يفوتنا في هذا المقام أن نشير إلى أهم كتب التفسير بالمأثور، فقد دونت مؤلفات كثيرة تفسر القرآن بالمأثور، منها: تفسير الطبري، وتفسير أبي الليث السمرقندي، والدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي، وتفسير ابن كثير، وتفسير البغوي، وغيرها. * * *
2 - منهج التفسير بالرأي
2 - منهج التفسير بالرأي بعد أن تحدثنا عن منهج تفسير القرآن الكريم بالمأثور وضوابطه، ننتقل إلى منهج تفسير القرآن الكريم بالرأي (الاجتهاد) أو التفسير بالمعقول. وقد عرف الدكتور الذهبي التفسير بالرأي فقال: يطلق الرأي على الاعتقاد، وعلى الاجتهاد، وعلى القياس، ومنه أصحاب الرأي، أي: أصحاب القياس. والمراد بالرأي هنا الاجتهاد، وعليه فالتفسير بالرأي: عبارة عن تفسير القرآن بالاجتهاد بعد معرفة المفسر لكلام العرب ومناحيهم في القول، ومعرفته للألفاظ العربية ووجوه دلالتها، واستعانته في ذلك بالشعر الجاهلي ووقوفه على أسباب النزول، ومعرفته بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن، وغير ذلك من الأدوات التي يحتاج إليها المفسر. والناظر في هذا التعريف يجده -على حد قول المناطقة- غير جامع، وغير مانع؛ ذلك أن التفسير بالرأي أوسع دائرة مما ذكر الدكتور الذهبي؛ إذ هو قسمان: محمود ومذموم، وهو ذكر المحمود دون المذموم. ومن ثم فإن تعريف التفسير بالرأي هو تفسير القرآن الكريم بمطلق الاجتهاد، سواء توافر لهذا الاجتهاد شرطه أم لا، أو أن يكون مصحوبا بحسن قصد أم لا، إلى آخر ما هنالك من الاحتمالات التي تعتور الاجتهاد. موقف العلماء من التفسير بالرأي: اتفق العلماء المخلصون على أن تفسير القرآن بالرأي المذموم ممتنع وحرام، بل كفر صريح إن تعمد فاعله سوء القصد؛ لأنه كذب متعمد على اللَّه تعالى وحكم عليه بما يعلم صاحبه أنه خلاف مراده تعالى، ولا نحسب أن أحدًا من أهل الإسلام يمكن أن يمتري في هذه القضية. وإنما وقع الخلاف بين العلماء في أنه: هل كل تفسير للقرآن بالرأي يعتبر مذمومًا، وإن بلغ صاحبه من حسن القصد ورسوخ القدم في الاجتهاد وعلو المرتبة في العلم ما بلغ، أو أن بعض ذلك محمود وبعضه مذموم؟ ذكر الدكتور الذهبي الخلاف فقال: اختلف العلماء من قديم الزمان في جواز تفسير
القرآن بالرأي، ووقف المفسرون بإزاء هذا الموضوع موقفين متعارضين: فقوم تشددوا في ذلك فلم يجرءوا على تفسير شيء من القرآن، ولم يبيحوه لغيرهم، وقالوا: لا يجوز لأحد تفسير شيء من القرآن وإن كان عالمًا أديبًا متسعًا في معرفة الأدلة، والفقه، والنحو، والأخبار، والآثار، وإنما له أن ينتهي إلى ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وعن الذين شهدوا التنزيل من الصحابة - رضي اللَّه عنهم -، أو عن الذين أخذوا عنهم من التابعين. وقوم كان موقفهم على العكس من ذلك، فلم يروا بأسًا من أن يفسروا القرآن باجتهادهم، ورأوا أن من كان ذا أدب وسيع فموسع له أن يفسر القرآن برأيه واجتهاده. ثم يقول: " ولو رجعنا إلى هَؤُلَاءِ المتشددين في التفسير، وعرفنا سر تشددهم فيه، ثم رجعنا إلى هَؤُلَاءِ المجوزين للتفسير بالرأي، ووقفنا على ما شرطوه من شروط لابد منها لمن يتكلم في التفسير برأيه وحللنا أدلة الفريقين تحليلاً دقيقا - يظهر لنا أن الخلاف لفظي لا حقيقي. ولبيان ذلك ينقل عن القاسمي قوله: الرأي ضربان: أحدهما: جار على موافقة كلام العرب وموافقة الكتاب والسنة، فهذا لا يمكن إهمال مثله لعالم بهما؛ لأمور: أحدها: أن الكتاب لابد من القول فيه ببيان معنى واستنباط حكم وتفسير لفظ وفهم مراد، ولم يأت جميع ذلك عمن تقدم، فأما أن يتوقف دون ذلك فتتعطل الأحكام كلها أو أكثرها، فذلك غير ممكن؛ فلابد من القول فيه بما يليق. والثاني: أنه لو كان كذلك للزم أن يكون الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مبينا ذلك كله بالتوقيف. فلا يكون لأحد فيه نظر ولا قول، والمعلوم أنه - عليه السلام - لم يفعل ذلك فدل على أنه لم يكلف به على ذلك الوجه، بل بين منه ما لا يتوصل إلى علمه إلا به، وترك كثيرًا مما يدركه أرباب الاجتهاد باجتهادهم فلم يلزم في جميع تفسير القرآن التوقيف. والثالث؛ أن الصحابة كانوا أولى بهذا الاحتياط من غيرهم، وقد علم أنهم فسروا القرآن على ما فهموا، ومن جهتهم بلغنا تفسير معناه، والتوقيف ينافي هذا فإطلاق القول
بالتوقيف والمنع من الرأي لا يصح. والرابع: أن هذا الفرض لا يمكن؛ لأن النظر في القرآن من جهتين: من جهة الأمور الشرعية، فقد يسلم القول بالتوقيف فيه وترك الرأي والنظر جدلاً. ومن جهة المآخذ العربية، وهذا لا يمكن فيه التوقيف، وإلا لزم ذلك في السلف الأولين، وهو باطل فاللازم عنه مثله. وأما الرأي غير الجاري على موافقة العربية أو الجاري على الأدلة الشرعية، فهذا هو الرأي المذموم من غير إشكال، كما كان مذموما في القياس -أيضًا- لأنه تقول على الله بغير برهان؛ فيرجع إلى الكذب على اللَّه تعالى، وفي هذا القسم جاء من التشديد في القول بالرأي في القرآن ما جاء؛ كما روي عن ابن مسعود: ستجدون أقوامًا يدعونكم إلى كتاب اللَّه وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم التبدع، وإياكم التنطع وعليكم بالعتيق. وعن عمر بن الخطاب: إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأول القرآن على غيره تأويله، ورجل ينافس الملك على أخيه. وعن عمر -أيضًا-: ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بين فسقه، ولكني أخاف عليها رجلاً قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله. وليس الأمر على ما ذهب إليه الدكتور الذهبي ومن وافقه، فالخلاف على حقيقته؛ ذلك أن ما ذكره القاسمي يتجه إلى قسمين متضادين من الرأي: قسم محمود، وهو الجاري على موافقة كلام العرب وموافقة الكتاب والسنة، وقسم مذموم وهو غير الجاري على موافقة كلام العربية وغير الجاري على الأدلة الشرعية. فهذا الرأي المذموم من غير إشكال ممنوع ومحرم. وإنما وقع الخلاف بين أهل العلم في النوع الأول المحمود. ويعضد هذا ما ساقه أحد الباحثين من أمور أربعة: أحدها: أن مسألة الرأي الفاسد المبني على الهوى والتشهي والفاقد لتحقق شرط الاجتهاد وتوفر ملكاته مما يعلم لكل أحد بالضرورة -ولو كان من أصاغر عوام المسلمين
فضلاً عن أكابر خواصهم وعلمائهم- ضرورة امتناعه فيبعد جدَّا بل لا يكاد يتصور أن ينفرد المانعون فيما نحن بصدده هنا بإقامة الأدلة على امتناع هذا الرأي المذموم. وكذلك يبعد أن يخفى أمر ذلك على المجيزين حتى يشتغلوا بنقض أدلة هَؤُلَاءِ ثم معارضتها بما يثبت نقيضها على ما سترى إن شاء اللَّه تعالى، كيف والكل يشتركون ويتفقون على امتناع الرأي المذموم كما قلنا. ثانيها: أنا لا ندري كيف ظهر للدكتور الذهبي ما خفي على كافة فحول العلماء من قبله حتى عدوا الخلاف بين الفريقين حقيقيًّا وأوردوه جميعا في كتبهم على هذا النحو واشتغلوا ببيان وجه الحق فيه. ثالثها: أن عبارة المانعين للتفسير بالرأي صريحة أبين صراحة في قصد كل تفسير بالرأي، ناصة في جلاء لا يعتوره أدنى شائبة من غموض أو التواء على أنه حتى لو بلغ صاحب الرأي ما بلغ من علم واجتهاد وسعة أدب إلى آخر ذلك، فليس له أن يفسر القرآن برأيه وإنما عليه أن يقتصر على المأثور فحسب. رابعها: أن كلًّا من أدلة المانعين وردود المجيزين على هذه الأدلة ظاهرة أتم ظهور في أن قصد المانعين إنما هو التعميم لكل رأي، وأن قصد المجيزين هو إبطال ذلك التعميم بإثبات التخصص على حد ما هو معلوم لدى المناطقة وأهل آداب البحث والمناظرة عن كون مناقصة السلب الكلي هي بالإيجاب الجزئي كذلك فكيف كان يصلح من هَؤُلَاءِ المانعين هذا التعميم لو أن قصدهم بالفعل هو إرادة التخصيص بالرأي الفاسد. ويهمنا في هذا المقام دون خوض في عرض الخلاف بين المانعين والمجوزين أن نؤكد على ضعف القول بمنع تفسير القرآن بالرأي على الإطلاق، وأن ما ساقه أصحاب هذا القول لتعضيد قولهم ما هو إلا شبهات أشبه بسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الحق عنده يدحض هذه الشبهات، ويكشف وجه الحق في المسألة، وهو أن تفسير القرآن بالرأي جائز بشروطه الضابطة. فهناك أمور -ذكرها الزركشي- يجب استناد المفسر بالرأي إليها، فقال: " للناظر في القرآن لطلب التفسير مآخذ كثيرة أمهاتها أربعة: الأولى: النقل عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مع التحرز عن الضعيف والموضوع.
الثانية: الأخذ بقول الصحابي، فقد قيل: إنه في حكم المرفوع مطلقًا، وخصه بعضهم بأسباب النزول ونحوها مما لا مجال للرأي فيه. الثالثة: الأخذ بمطلق اللغة مع الاحتراز عن صرف الآيات إلى ما لا يدل عليه الكثير من كلام العرب. الرابعة: الأخذ بما يقتضيه الكلام ويدل عليه قانون الشرع. وهذا النوع الرابع هو الذي دعا به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لابن عَبَّاسٍ في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " اللهم فقهه في الدِّين وعلمه التأويل ". فمن فسر القرآن برأيه، أي: باجتهاده، ملتزمًا الوقوف عند هذه المآخذ معتمدًا عليها فيما يرى من معاني كتاب اللَّه، كان تفسيره سائغًا جائزًا خليقًا بأن يسمى التفسير الجائز أو التفسير المحمود، ومن حاد عن هذه الأصول وفسر القرآن غير معتمد عليها، كان تفسيره ساقطًا مرذولاً خليقًا بأن يسمى التفسير غير الجائز أو التفسير المذموم ". ثم إن هناك أمورًا أخرى فصل فيها القول الإمام السيوطي يجب أن يفعلها المفسر بالرأي، وأمورًا أخرى عليه أن يدعها، فقد قال السيوطي: قال العلماء: يجب على المفسر أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسر وأن يتحرز في ذلك من نقص عما يحتاج إليه في إيضاح المعنى أو زيادة لا تليق بالغرض، ومن كون المفسر فيه زيغ عن المعنى وعدول عن طريقه. وعليه مراعاة المعنى الحقيقي والمجازي ومراعاة التأليف والغرض الذي سيق له الكلام وأن يؤاخي بين المفردات. ويجب عليه البداءة بالعلوم اللفظية، وأول ما يجب البداءة به منها تحقيق الألفاظ المفردة فيتكلم عليها من جهة اللغة ثم التصريف ثم الاشتقاق، ثم يتكلم عليها بحسب التركيب فيبدأ بالإعراب ثم بما يليق بالمعاني ثم البيان ثم البديع ثم يبين المعنى المراد ثم الاستنباط ثم الإشارات. وقال الزركشي في أوائل البرهان: قد جرت عادة المفسرين أن يبدءوا بذكر أسباب النزول ووقع البحث في أنه أيهما أولى بالبداءة به بتقدم السبب على المسبب أو المناسبة؛ لأنها المصححة لنظم الكلام وهي سابقة على النزول.
قال: والتحقيق التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفًا على سبب النزول كآية (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا). فهذا ينبغي فيه تقديم ذكر السبب؛ لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد، وإن لم يتوقف على ذلك فالأولى تقديم المناسبة. وقال في موضع آخر: جرت عادة المفسرين ممن ذكر فضائل القرآن أن يذكرها في أول كل سورة؛ لما فيها من الترغيب والحث على حفظها، إلا الزمخشري فإنه يذكرها في أواخرها. قال مجد الأئمة عبد الرحيم بن عمر الكرماني: سألت الزمخشري عن العلة في ذلك فقال: لأنها صفات لها والصفة تستدعي تقديم الموصوف، وكثيرا ما يقع في كتب التفسير " حكى اللَّه كذا " فينبغي تجنبه. قال الإمام أبو نصر القشيري في المرشد: قال معظم أئمتنا: لا يقال: " كلام الله محكي " ولا يقال: " حكى اللَّه "؛ لأن الحكاية الإتيان بمثل الشيء وليس لكلامه مثل. وتساهل قوم فأطلقوا لفظ الحكاية بمعنى الإخبار، وكثيرًا ما يقع في كلامهم إطلاق الزائد على بعض الحروف، وعلى المفسر أن يتجنب ادعاء التكرار ما أمكنه. قَالَ بَعْضُهُمْ: مما يدفع توهم التكرار في عطف المترادفين؛ نحو: (لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ) (صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ)، وأشباه ذلك - أن يعتقد أن مجموع المترادفين يحصل معنى لا يوجد عند انفراد أحدهما فإن التركيب يحدث معنى زائدًا، وإذا كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى فكذلك. انتهى. وقال الزركشي في البرهان: ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوز. وقال في موضع آخر: على المفسر مراعاة مجازي الاستعمالات في الألفاظ التي يظن بها الترادف والقطع بعدم الترادف ما أمكن؛ فإن للتركيب معنى غير معنى الإفراد؛ ولهذا منع كثير من الأصوليين وقوع أحد المترادفين موقع الآخر في التركيب وإن اتفقوا على جوازه في الإفراد. انتهى. وقال أبو حيان: كثيرًا ما يشحن المفسرون تفاسيرهم عند ذكر الإعراب بعلل النحو ودلائل مسائل أصول الفقه ودلائل مسائل الفقه ودلائل أصول الدِّين وكل ذلك مقرر في تآليف هذه العلوم، وإنما يؤخذ ذلك مسلما في علم التفسير دون استدلال عليه.
وكذلك -أيضًا- ذكروا ما لا يصح من أسباب نزول وأحاديث في الفضائل وحكايات لا تناسب بينها وتواريخ إسرائيلية، ولا ينبغي ذكر هذا في علم التفسير. " وقال السيوطي في موضع آخر: وقال ابن النقيب: جملة ما تحصل في معنى حديث التفسير بالرأي خمسة أقوال: أحدها: التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها التفسير. الثاني: تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلا اللَّه. الثالث: التفسير المقرر للمذهب الفاسد بأن يجعل المذهب أصلاً والتفسير تابعًا فيرد إليه بأي طريق أمكن وإن كان ضعيفًا. الرابع: التفسير بأن مراد اللَّه كذا على القطع من غير دليل. الخامس: التفسير بالاستحسان والهوى. ثم قال: واعلم أن علوم القرآن ثلاثة أقسام: الأول: علم لم يطلع اللَّه عليه أحدًا من خلقه، وهو ما استأثر به من علوم أسرار كتابه من معرفة كنه ذاته وغيوبه التي لا يعلمها إلا هو، وهذا لا يجوز لأحد الكلام فيه بوجه من الوجوه إجماعًا. الثاني: ما أطلع اللَّه عليه نبيه من أسرار الكتاب واختصه به، وهذا لا يجوز الكلام فيه إلا له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أو لمن أذن له، قال: وأوائل السور من هذا القسم، وقيل: من القسم الأول. الثالث: علوم علمها اللَّه نبيه مما أودع كتابه من المعاني الجلية والخفية وأمره بتعليمها، وهذا ينقسم إلى قسمين: منه ما لا يجوز الكلام فيه إلا بطريق السمع، وهو أسباب النزول والناسخ والمنسوخ والقراءات واللغات وقصص الأمم الماضية وأخبار ما هو كائن من الحوادث وأمور الحشر والميعاد. ومنه ما يؤخذ بطريق النظر والاستدلال والاستنباط والاستخراج من الألفاظ وهو قسمان: قسم اختلفوا في جوازه، وهو تأويل الآيات المتشابهات في الصفات. وقسم اتفقوا عليه، وهو استنباط الأحكام الأصلية والفرعية والإعرابية؛ لأن مبناها على الأقيسة. وكذلك فنون البلاغة وضروب المواعظ والحكم والإشارات لا يمتنع استنباطها منه
واستخراجها لمن له أهلية. ويمكن أن نستخلص من هذين النصين عدة أمور هي: أولًا: مطابقة التفسير للمفسر مطابقة تامة، بحيث لا يقع له نقص من معناه ومقاصده، ولا زيادة عليه بما ليس له به تعلق وثيق. ثانيًا: حمل الكلام على ما يتعين أو يترجح على أقل تقدير أنه المعنى المراد منه حقيقيًّا كان ذلك المشي أو مجازيًّا، في التركيب كان المجاز أو في المفردات. ثالثًا: مراعاة سياق الكلام -سوابقه ولواحقه- بحيث تتآخى وتترابط كافة أجزائه، ويأخذ أوله بحجزه، وفي ذلك لابد من تجلية المناسبات بين الآيات، بل بين السور كذلك. رابعًا: تجلية سبب النزول، وعقد الصلة الوثيقة بينه وبين المنزل. خامسًا: تحقيق القول أولاً في بيان كل ما يتعلق بمفردات النظم الكريم، ثم الإتيان بعد ذلك على كل ما تحتاج إليه التراكيب من العلوم المختلفة ذات العلاقة بالنص. سادسًا: يجب على المفسر اجتناب الهجوم على التفسير من غير أخذ الأهبة له بكافة ما يلزمه من الصفات والعلوم. سابعًا: اجتناب الخوض في بيان ما استأثر اللَّه بعلمه. ثامنًا: اجتناب الهوى والقول في القرآن بمجرد الاستحسان من غير برهان. تاسعًا: عدم القطع بأن مراد اللَّه من النص كذا من غير دليل يستوجب مثل هذا القطع. هذا، ويحتاج المفسر بالرأي إلى خمسة عشر علمًا عددها السيوطي في مجموعات هي: المجموعة الأولى: علوم اللغة وما يتعلق بالنحو والصرف والاشتقاق، وهو ضروري للمفسر؛ إذ كيف يمكن فهم الآية بدون معرفة المفردات والتراكيب، وهل باستطاعة أحد أن يفسر قوله تعالى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) بدون أن يعرف المعنى اللغوي للإيلاء والتربص والفيء؟ ولهذا قال الإمام مالك: " لا أوتي برجل غير عالم بلغة العرب، يفسر كتاب اللَّه إلا
جعلته نكالاً ". فعلم النحو ضروري للمفسر؛ لأن المعنى يتغير بتغير الحركات تغيرًا كبيرًا. وعلم الصرف والاشتقاق ضروريان -أيضًا- للمفسر؛ حتى لا يخبط الإنسان خبط عشواء. المجموعة الثانية: علوم البلاغة " المعاني -البيان- البديع " وهي ضرورية لمن أراد تفسير الكتاب العزيز؛ لأنه لابد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وذلك لا يدرك إلا بهذه العلوم. المجموعة الثالثة: أصول الفقه، وأسباب النزول، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، ومعرفة علم القراءات، وهي كلها مما يحتاج إليه المفسر بالرأي؛ حتى لا يخطئ الفهم، ولا تزل قدمه بسبب الجهل بهذه الأمور الضرورية. وأخيرًا: علم الموهبة، ويقصد به العلم اللدني الرباني (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) الذي يورثه اللَّه تعالى لمن عمل بما علم، ويفتح قلبه لفهم أسراره، قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ)، فهو ثمرة التقوى والإخلاص، ولا ينال هذا العلم من كان في قلبه بدعة أو كبر أو حب للدنيا أو ميل إلى المعاصي، قال تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ). وما أجمل قول الشافعي رحمه اللَّه: شكوت إلي وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ... ونور اللَّه لا يهدي لعاصي قال السيوطي: " ولعلك تستشكل علم الموهبة وتقول: هذا شيء ليس من قدرة الإنسان، وليس كما ظننت من الإشكال، والطريق في تحصيله ارتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد. ثم قال: " علوم القرآن وما يستنبط منه بحر ولا ساحل له، فهذه العلوم التي ذكرناها هي كالآلة للمفسر، ولا يكون مفسرًا إلا بتحصيلها، فمن فسر بدونها كان مفسرًا بالرأي المنهي عنه ".
منهج المفسرين بالرأي: قسم الشيخ مُحَمَّد عبده التفسير إلى مرتبتين: مرتبة عليا، ومرتبة دنيا. ومن حاول المرتبة العليا من مراتب التفسير بالرأي، فعليه أن يأخذ حذره، وأن يتذرع بكل العلوم التي أشرنا إليها؛ ليكون قد أصاب المراد أو كاد، ووجب عليه أن ينهج الصواب والسداد باتباع ما يأتي: أولا: أن يطلب المعنى من القرآن، فإن لم يجده طلبه من السنة؛ لأنها شارحة للقرآن، فإن أعياه الطلب رجع إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدرى بالتنزيل وظروفه وأسباب نزوله، فوق ما امتازوا به من الفهم التام والعلم الصحيح، والعمل الصالح، فإن عجز عن هذا كله ولم يظفر بشيء من تلك المراجع الأولى للتفسير، فيتبع طريق الاجتهاد والرأي. ثانيًا: اتباع طريق الاجتهاد والعقل باتباع الخطوات الآتية: الأولى: فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعت في القرآن عن طريق استعمالات أهل اللغة من نحو وصرف واشتقاق، مع ملاحظة المعاني التي كانت مستعملة زمن نزول القرآن. الثانية: إرداف ذلك بالكلام عن التراكيب من جهة الإعراب والبلاغة، وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته مع التفطن لنكته ومحاسنه. الثالثة: تقديم المعنى الحقيقي على المعنى المجازي؛ بحيث لا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة. الرابعة: مراعاة التناسب بين الآيات، فيبين وجه المناسبة، ويربط بين السابق واللاحق من آيات القرآن، حتى يوضح أن القرآن لا تفكك فيه، وإنما هو آيات يأخذ بعضها برقاب بعض. الخامسة: ملاحظة أسباب النزول، فإن لسبب النزول دورًا كبيرًا في بيان المعنى المراد. السادسة: مراعاة التأليف والغرض الذي سيق له الكلام. السابعة: مراعاة مطابقة التفسير للمفسر من غير نقص ولا زيادة. الثامنة: مطابقة التفسير لما هو معروف من علوم الكون، وعلم أحوال البشر، واختلاف أحوالهم: من ضعف وقوة، وعز وذل، وإيمان وكفر.
التاسعة: مطابقة التفسير لما كان عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في هديه وسيرته؛ لأنه هو الشارح المعصوم للقرآن بسنته الجامعة لأقواله وأفعاله وشمائله وتقريراته. العاشرة: رعاية قانون الترجيح والاحتمال، وذلك أن اللفظ قد يحتمل معنيين فصاعدا، فماذا يكون العمل؟ نقل السيوطي عن الزركشي في هذه المسألة قولا من أجمع الأقوال، فقال: " قال الزركشي - رحمه اللَّه -: كل لفظ احتمل معنيين فصاعدا هو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعليهم اعتماد الشواهد والدلائل دون مجرد الرأي، فإن كان أحد المعنيين أظهر، وجب الحمل عليه، إلا أن يقوم الدليل على أن المراد هو الخفي. وإن استويا، والاستعمال فيهما حقيقة، لكن في أحدهما حقيقة لغوية أو عرفية، وفي الآخر شرعية، فالحمل على الشرعية أولى، إلا أن يدل دليل على إرادة اللغوية، كما في: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ). ولو كانت في أحدهما عرفية، والآخر لغوية، فالحمل على العرفية أولى. وإن اتفقا في ذلك -أيضًا-: فإن تنافى اجتماعهما ولم يمكن إرادتهما باللفظ الواحد: كالقرء للحيض والطهر، اجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه، فما ظنه فهو مراد اللَّه تعالى في حقه، وإن لم يظهر له شيء فهل يتخير في الحمل على أيهما شاء؟ أو يأخذ بالأغلظ حكمًا؟ أو بالأخف؟ أقوال. وإن لم يتنافيا وجب الحمل عليهما عند المحققين، ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز والفصاحة، إلا إن دل دليل على إرادة أحدهما ". ونستجلي الأمر بوضوح أكثر عند الرجوع إلى نص الزركشي الأصلي، ففي بيانه - رحمه اللَّه - لأقسام التفسير، وأنها أربعة أقسام، قال في القسم الرابع: والرابع: ما يرجع إلى اجتهاد العلماء وهو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل، وهو صرف اللفظ إلى ما يئول إليه، فالمفسر ناقل والمؤول، مستنبط وذلك استنباط الأحكام
وبيان المجمل وتخصيص العموم. وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدًا فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعلى العلماء اعتماد الشواهد والدلائل، وليس لهم أن يعتمدوا مجرد رأيهم فيه، وعلى ما تقدم بيانه فكل لفظ احتمل معنيين، فهو قسمان: أحدهما: أن يكون أحدهما أظهر من الآخر، فيجب الحمل على الظاهر، إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو الخفي دون الجلي فيحمل عليه. الثاني: أن يكونا جليين والاستعمال فيهما حقيقة، وهذا على ضربين: أحدهما: أن تختلف أصل الحقيقة فيهما فيدور اللفظ بين معنيين، هو في أحدهما حقيقة لغوية وفي الآخر حقيقة شرعية، فالشرعية أولى إلا أن تدل قرينة علم إرادة اللغوية؛ نحو قوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ). وكذلك إذا دار بين اللغوية والعرفية، فالعرفية أولى لطريانها على اللغة، ولو دار بين الشرعية والعرفية، فالشرعية أولى؛ لأن الشرع ألزم. الضرب الثاني: لا تختلف أصل الحقيقة، بل كلا المعنيين استعملا فيهما في اللغة أو في الشرع أو العرف على حد سواء، وهذا -أيضًا- على ضربين: أحدهما: أن يتنافيا اجتماعًا، ولا يمكن إرادتهما باللفظ الواحد كالقرء، حقيقة في الحيض والطهر، فعلى المجتهد أن يجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه، فإذا وصل إليه كان هو مراد اللَّه في حقه، وإن اجتهد مجتهد آخر فأدى اجتهاده إلى المعنى الآخر كان ذلك مراد اللَّه تعالى في حقه؛ لأنه نتيجة اجتهاده، وما كلف به فإن لم يترجح أحد الأمرين لتكافؤ الأمارات فقد اختلف أهل العلم، فمنهم من قال: يخير في الحمل على أيهما شاء ومنهم من قال: يأخذ بأعظمهما حكمًا ولا يبعد اطراد وجه ثالث، وهو أن يأخذ بالأخف كاختلاف جواب المفتين. الضرب الثاني: ألا يتنافيا اجتماعًا، فيجب الحمل عليهما عند المحققين، ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز والفصاحة وأحفظ في حق المكلف إلا أن يدل دليل على إرادة أحدهما، وهذا -أيضًا- ضربان: أحدهما: أن تكون دلالته مقتضية لبطلان المعنى الآخر؛ فيتعين المدلول عليه للإرادة. الثاني: ألا تقتضي بطلانه، وهذا اختلف العلماء فيه.
فمنهم من قال: يثبت حكم المدلول عليه ويكون مرادًا ولا يحكم بسقوط المعنى الآخر، بل يجوز أن يكون مرادًا -أيضًا- وإن لم يدل عليه دليل من خارج؛ لأن موجب اللفظ عليهما فاستويا في حكمه، وإن ترجح أحدهها بدليل من خارج. ومنهم من قال: ما ترجح بدليل من خارج أثبت حكمًا من الآخر لقوته بمظاهرة الدليل الآخر. فهذا أصل نافع معتبر في وجوه التفسير في اللفظ. المحتمل، واللَّه أعلم. إذا تقرر ذلك فينزل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " من تكلم في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار " على قسمين من هذه الأربعة: أحدهما: تفسير اللفظ لاحتياج المفسر له إلى التبحر في معرفة لسان العرب. الثاني: حمل اللفظ المحتمل على أحد معنييه لاحتياج ذلك إلى معرفة أنواع من العلوم: علم العربية واللغة والتبحر فيها، ومن علم الأصول ما يدرك به حدود الأشياء، وصيغ الأمر والنهي والخبر والمجمل والمبين والمؤول والحقيقة والمجاز والصريح والكناية والمطلق والمقيد، ومن علوم الفروع ما يدرك به استنباطًا، والاستدلال على هذا أقل ما يحتاج إليه، ومع ذلك فهو على خطر فعليه أن يقول: يحتمل كذا، ولا يجزم إلا في حكم اضطر إلى الفتوى به فأدى اجتهاده إليه، فيحرم خلافه مع تجويز خلافه عند اللَّه. وهذا القانون له نظائر أخرى غير ما ذكر الزركشي، منها: أولًا: يجب حمل اللفظ إذا دار بين كونه حقيقة أو مجازًا مع الاحتمال على حقيقته. ثانيًا: إذا دار الأمر في اللفظ بين جريانه على عمومه أو تخصيصه، فإنه يحمل على عمومه؛ لأن الأصل بقاء العموم. ثالثًا: إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركًا أو مفردًا فإنه يحمل على إفراده؛ كالنكاح فإنه مشترك بين الوطء وسببه الذي هو العقد فيحمل على الوطء دون العقد أو على العقد دون الوطء لا على الاشتراك.
رابعًا: إذا دار اللفظ بين أن يكون مضمرًا أو مستقلاً فإنه يحمل على استقلاله وهو عدم التقدير. خامسًا: إذا دار اللفظ بين أن يكون مقيدًا أو مطلقًا فإنه يحمل على إطلاقه. سادسًا: إذا دار اللفظ بين أن يكون زائدًا أو متأصلاً فإنه يحمل على تأصيله. سابعًا: إذا دار الأمر بين أن يكون اللفظ مؤخرًا أو مقدمًا فإنه يحمل على تقديمه. ثامنًا: إذا دار اللفظ بين أن يكون مؤكدًا أو مؤسسًا فإنه يحمل على تأسيسه. . . وهكذا. وبالجملة فإن على من فسر القرآن برأيه لكي يكون تفسيره محمودًا أن يتقن هذا القانون أيما إتقان، وبقدر ما يقع له من الانحراف عنه بقدر ما يكون تفسيره دخيلاً، والمعصوم من عصم اللَّه. ويبقى أن نشير إلى بعض كتب التفسير بالرأي، وهي: تفسير الجلالين، وتفسير البيضاوي، وتفسير الفخر الرازي، وتفسير أبي السعود، وتفسير النيسابوري، وتفسير الآلوسي، وتفسير الخطيب، وتفسير الخازن. * * *
3 - منهج التفسير الإشاري
3 - منهج التفسير الإشاري يقصد بالتفسير الإشاري: تأويل القرآن على خلاف ظاهره؛ لإشارات خفية تظهر لبعض أولي العلم، أو تظهر للعارفين باللَّه من أرباب، السلوك والمجاهدة للنفس، ممن نور اللَّه بصائرهم فأدركوا أسرار القرآن العظيم، وانقدحت في أذهانهم بعض المعاني الدقيقة بواسطة الإلهام الإلهي أو الفتح الرباني، مع إمكان الجمع بينها وبين الظاهر المراد من الآيات الكريمة. وقد وقع خلاف بين العلماء حول التفسير الإشاري: فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه، ومنهم من عده من كمال الإيمان، ومحض العرفان، ومنهم من اعتبره زيغًا وضلالاً وانحرافًا عن دين اللَّه تبارك وتعالى. والواقع أن الموضوع دقيق، يحتاج إلى بصيرة وروية وغوص في أعماق الحقيقة؛ ليظهر ما إذا كان الغرض من هذا النوع من التفسير هو اتباع الهوى والتلاعب في آيات الله كما فعل الباطنية؛ فيكون ذلك زندقة وإلحادًا، أو الغرض منه الإشارة إلى أن كلام الله تعالى لا يحيط به بشر؛ لأنه كلام خالق القوى، وأن لكلامه تعالى مفاهيم وأسرارًا، ونكتًا ودقائق، وعجائب لا تنقضي، فيكون ذلك من محض العرفان وكمال الإيمان، كما قال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: " إن القرآن ذو شجون وفنون، وظهور وبطون، لا تنقضي عجائبه، ولا تبلغ غايته، فمن أوغل فيه برفق نجا، ومن أوغل فيه بعنف هوى، أخبار وأمثال، وحلال وحرام، وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وظهر وبطن، فظهره التلاوة، وبطنه التأويل، فجالسوا به العلماء، وجانبوا به السفهاء ". وإذا أردنا معرفة الحق في هذا الموضوع، فعلينا أن ننقل شيئًا من أقوال العلماء؛ فقد قال الزركشي: " كلام الصوفية في تفسير القرآن قيل: إنه ليس بتفسير، وإنما هو معان ومواجيد يجدونها عند التلاوة، كقول بعضهم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ)، إن المراد النفس، يريدون أن علة الأمر بقتال من يلينا هي القرب، وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه ". وقال ابن الصلاح في فتاويه: " وجدت عند الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر أنه
قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي حقائق في التفسير، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر ". وقال النسفي في عقائده: " النصوص على ظواهرها، والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطل إلحاد ". وقال التفتازاني: " سميت الملاحدة باطنية؛ لادعائهم أن النصوص ليست على ظواهرها، بل لها معان لا يعرفها إلا المعلم، وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية ". قال: " وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها، ومع ذلك فنهيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف لأرباب السلوك يمكن التوفيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإيمان " محض العرفان ". ونص التفتازاني هذا واضح الدلالة في بيان الفرق بين التفسير الإشاري الذي لا ينكر متعاطيه ظواهر النصوص التي هي أدعى إلى فهم أسرار القرآن، وبين تفسير الباطنية الملاحدة الذين يريدون هدم الشريعة. وينقل السيوطي عن ابن عطاء اللَّه تحديدًا للتفسير الإشاري، فقال: " اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام اللَّه وكلام رسوله بالمعاني الغريبة ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جاءت الآية له ودلت عليه في عرف اللسان، ولهم أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح اللَّه قلبه، وقد جاء في الحديث " لكل آية ظهر وبطن ". فلا يصدنك عن تلقي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة: هذه إحالة لكلام اللَّه وكلام رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فليس ذلك بإحالة، وإنما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلا هذا، وهم لم يقولوا ذلك بل يقررون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها، ويفهمون عن اللَّه ما ألهمهم ". وأقول: هذا كلام الإنصاف، فقد وضع الحق في موضعه، وجمع بين النصوص الظاهرة والمعاني الخفية الواردة التي تشرق على قلب المؤمن العارف باللَّه، كما كان الحال مع الصديق وعمر، ولا عجب فاللَّه تعالى يعطي الحكمة من يشاء، ويضع الفهم
فيمن أراد، وهذا هو القرآن الكريم يخبرنا عن داود وسليمان في أمر عرض عليهما، فحكم كل واحد منهما بحكم يخالف الآخر، فيقول: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا). ونستطيع القول: إن التفسير الإشاري لا يحكمه منهج معين، لكن له شروطًا لابد من توافرها حتى يكون تفسيرًا مقبولاً، وهي خمسة شروط كالآتي: أولاً: عدم التنافي مع المعنى الظاهر في النظم الكريم. ثانيًا: ألا يدعى أنه المراد وحده دون الظاهر. ثالثًا: ألا يكون تأويلاً بعيدًا سخيفًا؛ كتفسير بعضهم قول اللَّه تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) بجعل كلمة (لَمَعَ) ماضيًا، وكلمة (الْمُحْسِنِينَ) مفعوله، ومثل ذلك تفسير الباطنية لقوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) أي: أن الإمام عليًّا ووث النبي في علمه. رابعًا: ألا يكون له معارض شرعي أو عقلي، بل يكون له شاهد شرعي يؤيده. خامسًا: ألا يكون فيه تشويه على أفهام الناس. وبدون هذه الشروط لا يقبل التفسير الإشاري، ويكون عند ذلك من قبيل التفسير بالهوى والرأي المنهي عنه. وقبل أن نغادر إلى الحديث عن المنهج الحديث في التفسير، نشير إلى أبرز التفاسير الإشارية، وهي: تفسير النيسابوري، وتفسير روح المعاني للآلوسي، وتفسير التستري، وتفسير ابن عربي الفيلسوف، وليس ابن العربي الفقيه القرطبي. وأخيرا أنوه بأمر مهم، وهو تحذير المسلمين من التفاسير الإشارية وعدم الاعتماد عليها دون التفاسير الأخرى، وهذا ما حذر منه الشيخ الزرقاني حين قال: " لعلك تلاحظ معي أن بعض الناس قد فتنوا بالإقبال على دراسة تلك الإشارات والخواطر، فدخل في روعهم أن الكتاب والسنة، بل الإسلام كله، ما هو إلا سوانح وواردات، على هذا النحو من التأويلات والتوجيهات، وزعموا أن الأمر ما هو إلا تخييلات، وأن المطلوب منهم هو الشطح مع الخيال أينما شطح؛ فلم يتقيدوا بتكاليف
ثانيا: منهج المدرسة الحديثة في التفسير:
الشريعة، ولم يحترموا قوانين اللغة العربية في فهم أبلغ النصوص العربية: كتاب اللَّه وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. والأدهى من ذلك أنهم يتخيلون ويخيلون إلى الناس، أنهم هم أهل الحقيقة الذين أدركوا الغاية، واتصلوا باللَّه اتصالاً أسقط عنهم التكليف، وسما بهم عن حضيض الأخذ بالأسباب، ما داموا في زعمهم مع رب الأرباب، وهذا -لعمر اللَّه- هو المصاب العظيم الذي عمل له الباطنية وأضرابهم من أعداء الإسلام، كيما يهدموا التشريع من أصوله، ويأتوا بنيانه من قواعده: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ". إذن يجب عدم الانسياق وراء الشطحات والتخييلات التي تخرج بالنص القرآني عن مراده ومعناه المتوخى، واللَّه أعلم. هذه هي المناهج التفسيرية العامة التي اعتمدها القدماء واستخدموها في تفسيراتهم بدرجات متفاوتة، فقد اعتمد بعض المفسرين منهج التفسير بالمأثور، وبعضهم اعتمد منهج التفسير بالرأي، وبعضهم فسر القرآن تفسيرًا إشاريًّا، وبعضهم جمع بين منهجين أو أكثر، وكل مفسر -في النهاية- له منهجه الخاص الذي يستند إلى المنهج العام الذي ينتمي إليه، سواء كان منهج التفسير بالمأثور أو بالرأي أو الإشاري. ثانيًا: منهج المدرسة الحديثة في التفسير: تبين لنا من خلال ما سبق أن التفسير في القديم اعتمد عدة مناهج، فنشأ التفسير شرحًا للفظ غامض أو توضيحًا لمعنى بعيد، ثم تطور إلى تفسير بالمأثور، وتفسير بالرأي. وفي عهد التقليد والجمود تأثر التفسير بثقافة المفسر، وليس ذلك عيبًا بذاته، ولكن العيب أن يتحول التفسير إلى كتاب في القواعد والإعراب، أو البلاغة والبيان، أو آراء الفرق والرد عليها. قال السيد مُحَمَّد رشيد رضا في مقدمة تفسير المنار: " كان من سوء حظ المسلمين أن أكثر ما كتب في التفسير يشغل قارئه عن مقاصد القرآن العالية وهدايته السامية، فمنها ما شغله عن القرآن بمباحث الإعراب، وقواعد النحو، ونكت المعاني، ومصطلحات البيان، ومنها ما يصرفه عنه بجدل المتكلمين وتعصب
الفرق والمذاهب بعضها على بعض، ومنها ما يلفته عنه بكثرة الروايات وما مزجت به من خرافات الإسرائيليات، وقد زاد الفخر الرازي صارفًا آخر عن القرآن هو ما يورده في تفسيره من العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها من العلوم الحادثة في الملة على ما كانت عليه في عهده كالهيئة الفلكية اليونانية وغيرها ". ولما جاء عهد النهضة ظهر أعلام جددوا في علوم الأمة، فكانوا أساس نهضة الأمة ونهضة علومها، ومنها التفسير، فوجدنا: السيد جمال الدِّين الأفغاني، وتلميذه الإمام مُحَمَّد عبده، ومن بعدهما السيد مُحَمَّد رشيد رضا وسيد قطب وكان للأخيرين إسهام في مجال التفسير، أفاد منه المفسرون من بعدهما؛ حيث أعادا للتفسير نضارته وقوته وروحه، ولكنهما سارا في إطار المناهج المأثورة عن السلف في التفسير، وتجديدهما ليس في المنهج بقدر ما هو تجديد أملته روح العصر وتطورات الحياة إبان النهضة، ثم ثقافتهما وشخصيتهما الناقدة الممحصة. وإذا كان جمال الدِّين الأفغاني وتلاميذه ومن على شاكلتهم حاولوا النهضة من خلال العودة بالأمة إلى منابعها الصافية مع مراعاة ظروف الحياة ومقتضيات واقعهم المعيش، سواء في علم التفسير أو غيره، فإن هناك مدرسة فكرية حديثة دعت إلى تبني منهجية جديدة تخالف نهج القدماء في تفسير القرآن الكريم، هذه المنهجية تدعو إلى أمرين: الأول: تجاوز التفسير التراثي للقرآن من مناهج وأدوات تحليلية، بحجة أنها تمثل فترة زمنية معينة أطلق عليها اسم العالمية الأولى. الثاني: الأخذ بمناهج جديدة تلائم الفترة الزمنية الحالية، العالمية الإسلامية الثانية. وقد حمل لواء هذه الدعوة مجموعة من الباحثين، أبرزهم: 1 - الدكتور مُحَمَّد شحرور في كتابه: " الكتاب والقرآن قراءة معاصرة " الذي حاول فيه تناول القرآن الكريم بمناهج وأدوات معاصرة، مثل: المنهج البنيوي، والمنهج الجدلي. 2 - الدكتور مصطفى محمود في كتابه: " القرآن محاولة لفهم عصري "، وهو مجموعة مقالات تحمل آراء غريبة، وهي لا تتسم بالشمولية، حاول من خلالها تطبيق بعض النظريات العلمية على النص القرآني.
3 - الأستاذ جمال البنا في كتابه: " نحو فقه جديد " الذي قسمه إلى بابين: أ - منطلقات ومفاهيم. ب - فهم الخطاب القرآني، قدم فيه الكاتب ما يراه فهما جديدًا للقرآن على أنه معجزة خالدة، ويتمثل إعجازه في نظمه الموسيقي، وتصويره الفني، ومعالجته السيكولوجية للإنسان ثم قيمه ومبادئه السامية. 4 - الأستاذ ماهر المنجد في كتابه: " الإشكالية المنهجية في الكتاب والقرآن: دراسة نقدية "، وهو دراسة نقدية تحليلية لكتاب: الكتاب والقرآن لمُحَمَّد شحرور، حاول فيه صاحبه ضبط القواعد المنهجية التي سار عليها مُحَمَّد شحرور، وإظهار قصوره، والخلفية الفكرية التي استند إليها. 5 - الشيخ خالد عبد الرحمن العك في كتابه: " الفرقان والقرآن " الذي حاول فيه تقديم قراءة إسلامية معاصرة ضمن الثوابت العلمية والضوابط المنهجية، وتعرض فيه لمعظم الكتابات الحديثة في هذا الشأن بدءا من جمال الدِّين الأفغاني، وانتهاء بمُحَمَّد شحرور. 6 - أبو القاسم حاج حمد في كتابيه: " العالمية الإسلامية الثانية ومنهجية القرآن المعرفية "، فلقد حاول فيهما الباحث تقديم منهجية جديدة ويمثلان -وبخاصة الكتاب الأول- أهم الخطوط الرئيسة للمنهج الجديد المقترح في تفسير القرآن الكريم. وإذا أردنا التعرف على المدرسة الحديثة ومنهجها في التفسير فلابد من عرض المسائل الآتية: المناهج الحديثة وأدوات المدرسة الحديثة في التفسير: اعتمد أصحاب المدرسة الحديثة في تفسيرهم للقرآن الكريم على بعض المناهج الحديثة، أهمها ما يلي: 1 - المنهج التحليلي: يزعم بعض أقطاب المدرسة الحديثة في التفسير أنهم يتميزون بالمنهج التحليلي عن القدماء، يقول أبو القاسم حاج في كتابه العالمية الإسلامية الثانية: " لماذا خصنا اللَّه في هذا العصر بالرؤية المنهجية للقرآن؟ ولماذا يختلف أسلوبنا التحليلي في التعامل مع القرآن عن الأسلوب التفسيري التقليدي؟ وبمعنى آخر: لماذا نلجأ إلى الوحدة الناظمة في وقت لجئوا فيه هم إلى التعامل مع الكثرة؟ الفارق هنا يكمن في اختلاف أسلوب المعرفة، فالفكر التحليلي قد يبنى حضاريًّا في عصرنا الراهن على معالجة الكثرة ارتدادًا بها إلى
الوحدة، وربط الظواهر ضمن علاقاتها الجدلية بإطارها الموضوعي ". ومن خلال هذا النص يتبين أن التحليل هو: معالجة الكثرة ارتدادًا بها إلى الوحدة، وربط الظواهر ضمن علاقاتها الجدلية بإطارها الموضوعي. والتحليل على هذا النحو مضر بفهم النص وتفسيره سواء كان نصًّا قرآنيَّا أو غيره، أشار إلى ذلك بعض النقاد الغربيين في حديثهم عن تطبيق منهج التحليل " ويسمونه التفكيك " في الشعر حيث إن النقاد الجدد في أمريكا أقاموا مماراساتهم النقدية على أساس الشكل العضوي، وهي الفكرة القائلة: إن للقصيدة وحدة شكلية تماثل وحدة الشكل الطبيعي، ولكن بدلًا من أن يكشف هَؤُلَاءِ النقاد في الشعر وحدة العالم الطبيعي وتلاحمها، فإنهم اكتشفوا معاني متعددة الأوجه، وفي نهاية المطاف تحول النقد الذي يبحث عن نقد للالتباس والتعدد في المعنى. . . إلى لغة ملتبسة مناقصة لفكرتهم الأصلية الكلية لوحدة الموضوع. ومن خلال هذا الكلام نتبين أن فكرة معالجة الكثرة ارتدادًا إلى الوحدة، وربط الظواهر ضمن علاقاتها بإطارها الموضوعي، فكرة مستقاة من النقد الغربي، وهي فكرة منتقصة من قبل الغربيين أنفسهم، ذلك أنه كما يقول الدكتور عبد العزيز حمودة: " إن التفكيكية، كممارسة نقدية أدبية، تفكك النص لتكشف أن ما يبدو عملاً متناسقًا وبلا تناقضات، وهو بناء من الاستراتيجيات والمناورات البلاغية، إن فضح ذلك البناء ينسف الافتراض بوجود معنى متماسك، غير متناقض ومفهوم يمكن تفسيره بشكل واضح ". 2 - المنهج البنيوي " الألسنية المعاصرة ": والمنهج البنيوي: رؤية نقدية حديثة، تعد النص الأدبي تشكيلًا لغويًّا فنيًّا يتميز عن
اللغة العادية بكون المعاني المباشرة للغة تتحول فيه إلى رموز متعددة الدلالات. وقد تبنت المدرسة الحديثة في التفسير هذا المنهج " فأخذت بتطبيق المنهج على نماذج من هذه الإشكاليات، ومن بينها -على سبيل المثال- ضوابط الاستخدام اللغوي في القرآن، وتحديد العائد المعرفي بطريقة ألسنية معاصرة تختلف عن الاستخدام الكلامي الشائع في اللسان العربي القديم "، وذلك انطلاقًا من " أن معالجة النص القرآني عبر ضوابط الاستخدام الإلهي للمفردة هو استخدام مميز يرقى بالمفردة إلى مستوى المصطلح ". ولكن " إذا سلمنا بكفاءة المنهج البنيوي في تقديم تحليل منهجي علمي للغة، فمن الصعب التسليم بكفاءته في تحليل النصوص الأدبية وإنارتها وتحقيق المعنى. إن البنيوية الأدبية، شأنها في ذلك شأن البنيوية اللغوية، تتبع منهجا معكوسًا عند مقاربتها للنص الأدبي، فالمنهج لا يبدأ بالجزئيات وتحليلها بغية الوصول إلى كليات أو أنظمة، ولكن يبدأ بالنظام الذي يحكم الإبداع في النوع؛ لينتقل إلى الدرجة الأدنى على سلم التحليل وهو نسق النص، ثم الوحدات التي تليها العناصر، وهي أصغر مكونات النص، وقد يسترجع الناقد البنيوي بعد ذلك خطواته متحركًا من أصغر العناصر تجاه النسق أو النظام العام ليقارن بين الخاص (النص) والعام (النظام). . . والتحليل البنيوي على هذا الأساس، كما يقول بعض الرافضين للمنهج البنيوي، يشبه تسليط الأشعة السينية (أشعة) على الجسم لتصل إلى العظام متخطية بل متجاهلة لطبقات كثيرة قبل أن تصل إلى العظام. وهناك شبه إجماع بين الرافضين للمنهج البنيوي، بل بعض البنيويين أنفسهم، على أن تطبيق النموذج اللغوي على النص الأدبي لا يحقق المعنى " فإذا كان هذا حال النص الأدبي عمومًا مع البنيوية، فما بالنا بالنص القرآني؟!. 3 - المنهج التاريخي: تبنى أصحاب المدرسة الفكرية المعاصرة منهجًا ثالثًا هو المنهج التاريخي.
ويعنون به فهم التاريخ فهمًا إسلاميًّا، منطلقًا من علاقة الغيب المدروسة والمحققة بحركة الواقع البشري، وذلك من خلال منطق التدافع والدورات من لدن آدم - عليه السلام - وإلى عصرنا الحاضر. وأصحاب هذه المدرسة يأخذون في تفسيرهم القرآن الكريم بالغائية، ولكن يخالفون في الوقت نفسه منطق الفلاسفة الغائيين، فالغائية -عند أصحاب المدرسة الفكرية المعاصرة- وسيلة تحكم مسار الحركة العامة وتتجه إليها جبريًّا، فهم لا يقولون بالغاية المسبقة. وقد نبه أبو القاسم حاج إلى أن " مفهوم الحركة في التاريخ البشري من خلال القرآن لا يقوم عبر الصراع الطبقي، كما هو الحال في النظرة الغربية، وإنما يقوم عبر أشكال دائرية، بدءًا بالشكل الفردي، ثم الشكل القومي، وانتهاء بالشكل العالمي، وبعبارة أوضح فإن هناك جدلاً بين الإنسان والكون، يتم عبر أطوار تاريخية ثلاثية، فالانفصال المادي للإنسان من الكون عبر مراحل ثلاث: مواد مختلطة من النسيج الكوني تتحول إلى كائن عضوي ويتحول إلى إنسان، يقابله اندماج الإنسان بالوعي في رحم الكون عبر مراحل ثلاث: الطور العائلي، الطور القومي، الطور العالمي، وهي تماثل ثلاثية الخلق في الرحم ". وبناء على تبني المدرسة الفكرية المعاصرة لهذه المناهج، يمكننا أن نبرز الآتي: 1 - ترى المدرسة الفكرية المعاصرة أنها تفترق عن المدرسة التفسيرية التقليدية في المنهج المتبع من حيث إن أسلوب الأولى يعتمد على " التحليل " عوضًا عن " التفسير "، وعلى " التبيين المنهجي " في إطار الوحدة القرآنية بطرح " الجزء " في إطار " الكل " عوضًا عن التفسير التقليدي للكتاب في أجزائه. ونقول: إن اعتماد هذه المدرسة " التحليل " دون " التفسير " لا يمكن أن يطبق تطبيقًا كاملاً في فهم القرآن الكريم؛ وذلك لأمور منها: أولًا: المعنى اللغوي والاصطلاحي يؤكد ذلك؛ فالتحليل -في اللغة- من حل العقدة
يحلها حلاًّ، فتحها ونقضها فانحلت، والحل: حل العقدة. والتحليل اصطلاحًا عكس التركيب، وهو إرجاع الكل إلى أجزائه، فإذا تعلق بشيء مادي سمي تحليلاً ماديًّا، وإذا تعلق بشيء ذهني سمي تحليلاً خياليًّا. وينقسم من جهة أخرى إلى: تحليل تجريبي، ويمر بثلاث مراحل: ملاحظة، تجربة، استقراء. وتحليل عقلي أو رياضي، وهو يتألف من مجموعة قضايا، أولها القضية المراد إثباتها، وآخرها القضية المعلومة؛ بحيث إذا ذهبت من الأولى " أي القضية المراد إثباتها " إلى الأخيرة " أي القضية المعلومة " كانت كل قضية نتيجة ضرورية للتي بعدها، وكانت القضية الأولى نتيجة للقضية الأخيرة صادقة مثلها. فالمفهوم الأول يتعلق بالأمور المادية الخاضعة للتجربة، والقرآن ليس خاضعًا للتجربة. والمفهوم الثاني يحتاج إلى قضية معلومة ينطلق منها في إثبات أخرى مجهولة؛ فإذا قلنا بهذا في حق القرآن، أصبحنا في أحسن الحالات نوظف القرآن في إثبات تصوراتنا المسبقة، ونستغله في نشر " أيديولوجياتنا " وهذا مما لا يرتضيه أحد من المسلمين. وإذا اعتبرنا المنهج التحليلي الذي تنادي به المدرسة الحديثة هو جمع الآيات المتعلقة بموضوع ما ودراستها دراسة وافية، فإن المدرسة التقليدية أولى بأن تنسب إلى هذا المنهج، فقد استخدمت ما سبق أن أشرنا إليه في الفصل الأول مما يسمى بالتفسير الموضوعي. ثانيًا: تدعي المدرسة الفكرية المعاصرة أنها تأخذ القرآن في وحدته الكلية، وأنها تتفوق بذلك على المدرسة التقليدية، وهو ادعاء يعوزه الدليل؛ لأن المدرسة التقليدية سعت في كل مراحلها إلى البحث عن الوحدة الكلية للقرآن الكريم، وأكبر دليل على ذلك تبنيها -كما سبق بيانه- مبدأ تفسير القرآن بالقرآن، فتفسير القرآن بالقرآن بحث عن الوحدة الموضوعية في القرآن، وقد ألف العلماء الأقدمون مؤلفات بهذا الشأن، مثل:
" الأشباه والنظائر " لمقاتل بن سليمان البلخي، المتوفى سنة: 150 هـ، و " نزهة الأعين النواظر في علم الأشباه والنظائر " لابن الجوزي، المتوفى سنة: 597 هـ، و " أحكام القرآن " لأبي بكر الجصاص المتوفى سنة: 370 هـ، و " أحكام القرآن " لابن العربي المالكي، المتوفى سنة: 543 هـ. . . وهكذا. ثالثًا: زعم أصحاب المدرسة الحديثة أن ألفاظ القرآن ترقى إلى درجة المصطلح؛ بحيث لا يتغير معناها بتغير موقعها، فأطلقوا القول بمخالفة ألفاظ القرآن لألفاظ اللغة العربية المعهودة؛ ومن ثم تقاعسوا في فهم اللغة وتحصيلها، وهم بذلك يبعدون عن منهج القدماء في تركيزهم على اللغة وضرورتها في التفسير، بل جعلوا إتقانها شرطًا لفهم كتاب اللَّه. بل إنهم يبعدون -أيضًا- عن المنهج البنيوي الذي يزعمون تبنيه، متجاهلين ما توصلت إليه المدارس اللسانية الحديثة من أن هناك فرقًا بين اللسان، والكلام فاللسان -كما عرفه دوسوسير- " هو نتاج اجتماعي للملكة اللغوية، والكلام هو فعل فردي صادر عن الإرادة الفطنة ". وعليه، فليس هناك فرق بين لسان القرآن " المفردات التي صيغ بها القرآن وقواعد تركيبها "، واللسان العربي العادي " المفردات التي يستعملها العرب وقواعد تركيبها " قال اللَّه تعالى: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ). وقال سبحانه: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)، فليس هناك فرق بين لسان القرآن ولسان العرب، وإلا لكان حجة للعرب في أن اللَّه خاطبهم بغير لسانهم. فالفرق ليس في اللسان -الألفاظ وقواعد تركيبها- المستعمل، وإنما الفرق في الكلام الذي " هو استعمال هذا البناء -اللسان- ووضعه موضع التنفيذ من قبل المتكلمين "، ومن ثم نجد الحق تبارك وتعالى ينسب لنفسه الكلام، وينسب اللسان للعرب، فقال: (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) " فالذي يحرف هو الكلام ذاك التركيب الصادر من المبلغ ليغير معناه، ويبطل أثره المقصود به، أما تحريف اللسان فهو مسبة للمحرف وسلب عليه؛ لأنه حرف الرموز المتواضع عليها بين أُولَئِكَ المخاطبين وقطع طريق التواصل معهم، فلم يعد يفهمه أحد
منهم ". وأقول: إن الاستخفاف باللغة العربية وقواعدها وزعم الاستغناء عنها باللسانيات الحديثة خرق لأصول العلم ومناهجه وتشكيك فيما أصبح من عداد المسلمات. رابعًا: اخترقت المدرسة المعاصرة في التفسير الثوابت، فذهبت -مثلاً- إلى أن السنة تجربة تاريخية خاصة بعصرها الذي ظهرت فيه ولا تلزم ما بعده من العصور، وهذا الاختراق مرفوض؛ لأنه يعرض الدِّين للتحلل من عقده، ويفتح الأبواب على مصارعها للأفكار الهدامة تفعل فعلها في كيان الأمة. وأقول: إن على المتطلعين إلى التجديد وبناء المناهج أن يعرفوا أن الثوابت هي العاصم والحافظ لكيان الأمة وعليها مدارها، فالمساس بها والنيل منها هو مساس بروح الأمة وطعن لها في عمودها الفقري، وتعريض لها لمزيد من الخطر والضياع؛ ذلك أنه - كما يقول سيد قطب رحمه اللَّه- " لكل نجم ولكل كوكب فلكه ومداره، وله كذلك محوره الذي يدور عليه المدار، وكذلك الحياة البشرية لابد لها من محور ثابت، وإلا انتهت إلى الفوضى والدمار ". ولسنا بكل ما ذكرناه ننفي تبني المناهج التي تبنتها المدرسة الفكرية المعاصرة في تفسير القرآن الكريم جملة وتفصيلاً، فهذا إن فعلناه أصابنا الجمود والوقوف عند حد التقليد دون التجديد والإبداع، وهذا مخالف لما دعا إليه القرآن الكريم في كل المجالات، بل وفي مجال التعامل معه -أي مع القرآن- فقد قال اللَّه تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، والتدبر يعني الفهم المتجدد؛ إذ لو كان التدبر يعني الوقوف عند فهم القدماء للقرآن، لما أمرنا اللَّه عز وعلا بتدبره، ولكان أمرنا باتباع أسلافنا وحسب؛ وهذا ينافيه طبيعة القرآن المتجددة. إذن فإن هناك دعوة إلى التجديد في تفسير القرآن الكريم، وتجريب المناهج الحديثة، ولكن ذلك مضبوط بضوابطه التي منها: أولًا: احترام الثوابت، وعدم هدمها.
ثانيًا: معرفة التراث واستيعابه استيعابًا يسمح بمعرفة مواطن القوة، فيؤخذ بها، ومواطن النقص لتفاديها. ثالثًا: الاطلاع على العلوم والمناهج المعاصرة، شريطة ألا يكتفى من هذه العلوم بالمعرفة السطحية العابرة، بل استيعابها استيعابًا كاملاً، وشريطة إتقان الدربة في استخدام هذه الآليات وتوظيفها التوظيف السليم، ولا يقع المجدد فيما وقعت فيه تلك الفئة التي عناها الدكتور طه عبد الرحمن بقوله: " إنها لم تبرهن على تحصيل الدربة في استخدام الآليات العقلانية المنقولة من مفاهيم مصطنعة وقواعد مقررة ومناهج متبعة ونظريات مسطرة، فضلاً عن أن تبرهن على الإحاطة بتمام تقنياتها وبكمال وجوه إجرائياتها ". وأخيرا أود القول: إننا لا ندعو إلى نبذ مناهج بعينها في تفسير القرآن الكريم، بل ندعو إلى تكامل المناهج، فنأخذ وندع من كل المناهج سواء أكانت قديمة أو حديثة، بشرط ألا ندع المسلمات جانبًا، وألا يؤثر ما نأخذه من منهج في توجيه المعنى القرآني وجهة تناقض مراد اللَّه المقصود. نماذج من تفسير المدرسة الفكرية المعاصرة في تفسير القرآن الكريم: لعلنا نورد بعض النماذج من تفسير أعلام المدرسة الفكرية المعاصرة لبعض آيات القرآن الكريم تبرز مدى تجاوز هَؤُلَاءِ القوم في تفسيراتهم، وأنها لا تقوم على أساس متين أو منهج قويم. ومن تلك النماذج ما جاء في تفريق أبي القاسم حاج حمد بين اللمس والمس، وبين الرؤية والنظر والشهود. فبالنسبة للتفريق بين اللمس والمس: يرى أبو القاسم حاج حمد أن " لمس " تعني قرآنيًّا التناول باليد أو الاحتكاك العضوي والحسي، و " مسَّ " تعني التفاعل العقلي والوجداني؛ لذلك لم يمنع اللَّه لمس المصحف فهو للبشر أجمعين وكيفما كانت حالاتهم، فلهم أن يتناولوه. أما مس القرآن بما يعني التفاعل مع مكوناته وأعماقه فيتطلب حالة من الاستعداد (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79). وهذا الفهم بعيد عن الصواب كل البعد؛ إذ إن استقراء آيات القرآن الكريم تؤكد أن
المس معناه الاحتكاك المادي، وليس الإحساس والوعي -كما زعم أبو القاسم حاج- ومن الآيات المعضدة لما ذهبنا إليه قول اللَّه تعالى: (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ)، فأي تفاعل عقلي مع النار في هذه الآية وأمثالها؛ وأي تفاعل عقلي في قوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ)، وفي قوله تعالى: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ)، فهل المس هنا يعني التفاعل العقلي؟ الحقيقة: أن المس هنا واضح بأنه احتكاك مادي، فمس النار للجسم حركة مادية، والولادة العادية تكون بعد مس الرجل زوجته عضويًّا، أي: بعد جماعها؛ لذلك اعترضت السيدة مريم على الأمر، ورأت أنه خلاف العادة. وبالنسبة للتفريق بين الرؤية والنظر والشهود: يرى أبو القاسم حاج أن الرؤية تتعلق بالأمور الحسية، وآلتها العين المجردة، أما النظر فيتعلق بالأمور المعنوية التي تعتمد على التأمل والإدراك، وآلتها العقل، واستدل على ذلك بقوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)، فقال: " وقد طلب موسى رؤية اللَّه عبر النظر، بمعنى أن يرفع عوائق الرؤية الحسية أو حجابها ليمكن النظر، والنظر يرتبط بالخيال والتأمل، وقوي الإدراك خلاف الرؤية الحسية بالعين المجردة (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي) فالنظر عقلي والرؤية حسية؛ ولهذا قال: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23). فهنا يتعلق النظر إلى اللَّه بالوجوه، وليس العين المجردة التي ترى، في حين أن العقل هو الذي يدرك قيمة الأمر وينفعل به (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)، (إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ)؛ ولهذا خاطب إبراهيم ابنه إسماعيل بالنظر في أمر الرؤيا، أي: تقليب الرأي فيها، ثم اتخاذ قرار قاطع، كمن يرى الأمر عياناً في حقيقته (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102). وكذلك ميز القرآن الكريم بين البصر والرؤية العينية، فالبصر إدراك (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (58).
والسمع استيعاب (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179). وكذلك ميز القرآن بين شهود الأمر بمعنى حضوره وبين رؤيته بالعين، وهكذا قال: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، فهناك حضور للشهر في الزمان والمكان؛ حيث يكون الإنسان مقيمًا، ثم استثنيت حالتان، مقيم مريض، وغير مقيم مسافر، ولم يطلب اللَّه في هذه الآية رؤية الشهر؛ وذلك لأن الشهر لا يرى بالعين وإنما الأهلة، ورؤية الأهلة كرؤية إبراهيم لها (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا)، والشهور حساب (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ)، فأن يشهد الإنسان الشهر يعني أن يكون حالًّا حين توقيته، ولا علاقة لذلك برؤية الهلال كما يعتقد الكثيرون ". هذا ما قاله أبو القاسم حاج عن التفريق بين الرؤية والنظر والشهود، وقد جانبه الصواب -أيضًا- كما جانبه الصواب في التفريق بين اللمس والمس؛ لأنه بنظرة سريعة في آيات القرآن الكريم نجد أن النظر يعني الرؤية الحسية -أيضًا- وليس مقصورًا على الإدراك العقلي كما زعم المؤلف، والدليل على ذلك قول اللَّه تعالى: (فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ)، وقد اعترف أبو القاسم حاج نفسه بأن الرسول رأى بعينه المجردة عقول المنافقين كيف تفكر حتى صارت أعينهم تدور كالذي يلفظ آخر أنفاسه. وأما قصر الرؤية على الحس، وأن آلتها العين المجردة فقد وردت آيات كثيرة فيها " رأى " بمعنى علم، منها قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ)، ترى هل كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حاضرًا في واقعة الفيل مشاهدًا لها بأم عينه، أم أنها أمر غيبي أوحاه اللَّه إليه وعلمه إياه؟ إنه من غير شك أمر غيبي، والرؤية هنا ليست رؤية حسية، بل رؤية عقلية وجدانية. وتحديد الكاتب الشهود بمعنى الحضور حصرًا أمر في غاية الغرابة، ووجه الغرابة أن هناك آيات أتت ليس فيها الشهود بمعنى الحضور، فماذا يقول في قول اللَّه تعالى: (شَهدَ
اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ)، فهل شهد هنا بمعنى حضر؟ لا، بل شهد هنا بمعنى أقام الأدلة وبينها، وماذا يقول -أيضًا- في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ)؛ فهل الشهود هنا يعني الحضور والمعاينة؟ ثم إن الآيات التي استشهد بها أبو القاسم حاج ليدلل بها على ما ذهب إليه تدل على خلاف ما أراد، فقول اللَّه تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي). فمادة (نظر) التي تكررت مرتين، في كل مرة منهما لا يمكن أن تدل إلا على الرؤية الحسية، وإلا كيف يستقيم المعنى إذا كان النظر إلى الجبل بمعنى النظر العقلي، وما فائدة الشرط وجوابه في الآية؛ ومما يزيد الأمر غرابة أن المؤلف أورد آية أخرى هي من الوضوح على نقيض ما ذهب إليه؛ مما لا يخفى على المبتدئ فضلًا عن العالم (إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ)، فالنظر هنا بالعين، وليس بالعقل، وإلا لبطل معنى الآية ". وقول اللَّه تعالى الذي استدل به على أن الشهود بمعنى الحضور (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) هو معنى قال به المفسرون قبله، فقد قال القرطبي: " وشهد بمعنى حضر، وفيه إضمار، أي: قال: من شهد منكم المصر في الشهر عاقلاً بالغًا صحيحًا مقيمًا فليصمه ". ومعنى هذا أنه لم يأت بجديد، ولكن الجديد عنده والغريب في الوقت نفسه، حصر الشهود في معنى الحضور، وهو ما فندته قبل قليل. ومُحَمَّد شحرور الذي تناول في كتابه " الكتاب والقرآن قراءة معاصرة " القرآن الكريم بأدوات معاصرة مثل: المنهج البنيوي والمنهج الجدلي، له تفسيرات تقترب من التفسيرات السابقة، فمثلاً تجده ينكر الترادف، وهو اتجاه عام لدى أصحاب المدرسة الفكرية المعاصرة في تفسير القرآن، فيقول عند التفريق بين الحرام والاجتناب: " تبين لنا
أن من قال: إن الاجتناب هو أقل من التحريم فقد صدق؛ لأن التحريم هو لحدود اللَّه، كقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ). وهذا القول يؤدي -كما يقول الجيلاني بن التوهامي مفتاح- إلى التحلل من بعض الأحكام الشرعية، فالقول بأن الاجتناب أقل درجة من التحريم يقود حتمًا إلى القول بعدم حرمة الخمر والزنى، وهو ما صرح به شحرور نفسه حين قال: " وإني أقول لهَؤُلَاءِ الناس، أيهما أكبر، أمن يشرب كأسًا من الخمر أم من ينكح إحدى محارمه؟ (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ). ويقال لشحرور: أليس الشرك من أكبر الكبائر، وأعلى المنهيات حرمة، فلماذا عبر عنه الحق -تبارك وتعالى- بالاجتناب ولم يعبر عنه بالحرمة؟ قال اللَّه تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)، وقال سبحانه أيضًا: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ). فعلى مذهب الدكتور شحرور يصبح الشرك باللَّه والكفر به من الأمور العادية التي تخضع لثقافة الناس وأعرافهم، مثل: الخمر التي يرى أنها ليست بحرام ولكن تعافها الفطرة، وهو مخالف لما درج عليه أهل الفسق من استطابتها واعتبارها من أفضل مشروباتهم. يتبين لنا أن تفسير مُحَمَّد شحرور للحرام والاجتناب مجانب للصواب، مخالف للأصول الثابتة، مزلزل لقواعد القرآن وأصوله. ومن تفسيراته -أيضًا- ما جاء في مسألة الخلق الآدمي، فقد انطلق -كما فعل كثير غيره من أصحاب المدرسة الفكرية المعاصرة في التفسير- من نظرية دارون في التطور، فهو يرى أن آدم انتخب من المملكة الحيوانية البشرية انتخابًا، ولم يخلق ابتداء كما يرى التراثيون، ويرى شحرور أن خير من أول آيات خلق البشر هو (دارون)، ويعتمد نظريته في التطور ويوظفها في تفسير قول اللَّه تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ). وينقل ماهر المنجد في كتابه (الإشكالية المنهجية في الكتاب والقرآن) عن شحرور قوله:
" أما قبل آدم فكان ثمة صنف من المملكة الحيوانية يدعى البشر، وأن اللَّه نفخ الروح في البشر فتحول إلى إنسان وتطور وتقدم، ولم ينفخ الروح في القرود فبقيت كما هي ". ويدلل الدكتور شحرور على تفسيره بدليل يراه دامغًا، وهو " أن كلية الطب تسمى كلية الطب البشري؛ لأنها تدرس الإنسان من حيث كونه بشرًا، له شعر وجلد وعيون وجهاز هضمي وعصبي وقلب ودورة دم ". ولا شك أن هذا لا يمثل براهين علمية، ولا أدلة عقلية، ولا علاقة له أصلاً بأي منهج علمي، إلا إذا اعتبرنا أن التصورات والافتراضات المتخيلة هي من الحقائق العلمية. ثم إن تفسيره للآية أوهى من نسج العنكبوت؛ لأنه: أولًا: بتر الآية، فالآية تقول: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، وهي واضحة في أنها تدل على غير مراد الدكتور شحرور، وأن تفسيره لها غريب وبعيد كل البعد عن المراد منها؛ حيث إن اللَّه عطف نوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على آدم، فهل كان هَؤُلَاءِ مصطفون من المملكة الحيوانية المسماة بالبشر مثل آدم كما زعم؟ فهذا لا يصدق على نوح وآل إبراهيم وآل عمران، ومن ثم فهو لا يصدق على آدم -أيضًا- فترجح ما ذكرناه وهو مخالف لما ادعاه الدكتور شحرور. ثانيًا: تناسى المؤلف آيات كثيرة تدل على أن اللَّه - سبحانه - ابتدأ خلق آدم من العدم، وهو بقوله هذا يكذب صريح هذه الآيات، فاللَّه جل وعلا يقول: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ)، فالخلق يدل على الابتداء وأنه من العدم، فكيف يقال: إن آدم اصطفاه اللَّه من البشر. ثالثًا: هل الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي نفخ اللَّه فيه الروح؟ وهل القرود التي مثل بها ليس فيها روح؟ وكيف يعيش أي كائن حي بدون روح وبخاصة العائلة الحيوانية؟ والخلاصة أن أصحاب المدرسة الفكرية المعاصرة -على الرغم من زعمهم التذرع بالمنهج التحليلي الموضوعي- قد تناقضت مقدماتهم مع نتائجهم، واتسم تفسيرهم لبعض آيات القرآن بالتسرع وعدم الدقة والاستقصاء، ولعل ذلك راجع إلى رغبتهم الجامحة في تسويق مشروعهم الفكري حتى ولو كان على حساب ثوابت القرآن الكريم ومعطياته الدلالية والمضمونية والسياقية، أو على حساب المعنى الصحيح للآية المفسرة.
الباب الخامس الماتريدي مفسرا
الباب الخامس الماتريدي مفسِّرًا ويشتمل على عدة فصول: الفصل الأول: انتماء الماتريدي في التفسير. الفصل الثاني: منهج الماتريدي في التفسير. الفصل الثالث: بذور التجديد في تفسير تأويلات أهل السنة. الفصل الرابع: تأثر الماتريدي بمن سبقوه. الفصل الخامس: تأثير الماتريدي في لاحقيه.
الفصل الأول انتماء الماتريدي التفسيري
الفصل الأول انتماء الماتريدي التفسيري ظهر لنا فيما سبق أن هناك مدارس كثيرة في تفسير القرآن الكريم، فهناك: مدرسة التفسير بالمأثور، ومدرسة التفسير بالرأي، ويقف بين هاتين المدرستين بعض المفسرين لا إلى هَؤُلَاءِ ولا إلى هَؤُلَاءِ، فيتخذون من النقل والعقل طريقًا للتفسير. والنقل -كما سبقت الإشارة-: هو تفسير القرآن بالقرآن أو السنة أو المأثور عن الصحابة والتابعين، وأما العقل -كما سبق أيضًا-: فيعمل المفسر عقله في الآيات، لكن هذا الإعمال مشروط بشروط تتلخص في: عدم عدول المفسر عن حقيقة اللفظ إلى مجازه إلا إذا قامت القرائن الواضحة القاطعة التي تمنع من حقيقة اللفظ وتحمل على مجازه، ومخالفة هذه القاعدة الأساسية اليسيرة قد أدى -عند بعض المفسرين- إلى كثير من الخطأ في تفسير بعض الآيات القرآنية المتعرضة للأنفس والآفاق. ومن أهم الأسس التي يقوم عليها استخلاص المفسر لمضمونات اللفظ القرآني بطريق العقل، وتكسب عمله سنده ومشروعيته، هي مراعاة اللفظ القرآني في خطابه حال العرب ومشاهداتهم ومعارفهم، ونزوله في التعبير على مستوى ما يعرفون؛ ضمانًا لهدايتهم، ثم احتواؤه مع ذلك الحقيقة الأبدية التي يتجدد بها إيمان الناس كلما تكشفت لهم عصرًا بعد عصر، وهو أمر لا يعرف ولا يوجد في غير القرآن الكريم يمنحه الجدة الدائمة والثراء الذي لا ينفد، ويعطي المتأملين فيه، والباحثين في أسراره مشروعية مستمرة، وضمانًا وسندًا دائمين، وتأتي أساليب القرآن الكريم فوق ذلك مستجمعة درجات الفهم، وفيها الغاية -كل الغاية- لكل عقل صحيح، يقرؤها العالم فيستشف من خلالها علل الأشياء، ويقرؤها الحكيم فيلتمس منها أسرار الوجود، ويقرؤها غيرهما من الناس فتنقاد لها قلوبهم وعقولهم، وترى الآي القرآني في علوه يداور المعاني، ويخاطب الأرواح، ويتألف الناس بهذه الخصوصية فيه حتى ينتهي بهم مما يفهمون إلى ما ينبغي أن يفهموا، وحتى يقف بهم على نص اليقين ومقطع الحق. والماتريدي من هَؤُلَاءِ العلماء الذين اشتهر عنهم أنه تابع لمدرسة أبي حنيفة، ومدرسة
أبي حنيفة تمثل -كما هو معروف- مدرسة الرأي، ومعنى هذا القول أن الماتريدي ينتمي إلى مدرسة الرأي. وأقول: إن كان هذا يصدق على الماتريدي متكلمًا أو فقيهًا فلا يمكن أن يصدق عليه مفسرًا؛ إذ إنه في تفسيره لا يمكن أن ينتمي إلى مدرسة الرأي أو مدرسة النقل جميعًا، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين. وبيان ذلك: أن الماتريدي في تفسيره قد استجمع شرائط مدرسة النقل والعقل؛ حيث إنه استند في تفسيره على المأثور كما استند على المعقول وهذه سمة بارزة عنده، ليس في هذا التفسير فقط، بل في جميع مؤلفاته، فقد رأى خطأ الوقوف عند حد النقل أو المغالاة في الجانب العقلي، فالموقف العدل -عنده- هو التوسط بينهما، وذكر أن من دواعي استحسان هذا الموقف الوسط هو قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، ووسطية الماتريدي قائمة على رد كل ما لا يتفق مع أهل السنة من المعتزلة والمجسمة والمشبهة والحشوية وغيرهم، وتقرير عقائد أهل السنة في أثناء تفسيره بالأدلة العقلية والنقلية. وليس موقف الوسط -كما يظن- توفيقًا بين الآراء، وأنه يخلو من الابتكار، بل هو قمة الابتكار؛ لأنه يتطلب معرفة كاملة بأحكام النقل والعقل؛ فلابد من معرفة كاملة بالكتاب والسنة، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والأخبار وشروطها، وهذه هي أحكام النقل، ولابد -أيضًا- من معرفة أحكام العقل والنظر والتأويل والاجتهاد وإقامة الأدلة والبراهين. وإذا تقرر هذا فيجب أن نثبت للماتريدي المفسر بعض الخصائص والسمات التي تجعله مفسرًا متميزًا، هذه الخصائص والسمات تتلخص في: أولًا: استقلال الفكر: كان الماتريدي لا يتعصب لمذهب معين أو رأي معين، بل يبحث عن الحقيقة، فلم يكن تابعًا لفكر معين، أو متعصبًا أو انفعاليًّا؛ لأنه كان يعلم أن هذه الأمور تصد عن الوصول إلى الحقيقة، ومن ثم ضمن له ذلك الاستقلالية والحرية والموضوعية في تناول القضايا في تفسيره. والناظر في تفسيره -نظرة إجمالية- سوف تظهر له هذه الحقيقة، فهو في تفسيره لا يعرض أحيانًا للمذاهب أو الآراء بل إنه يعرض القضايا، فيشعر القارئ كأنه يعرضها كما
يراها هو، ولعلنا ندلل على ذلك بنموذج من تفسيره، فعند قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)، يقول: " سفههم - عَزَّ وَجَلَّ - بما جعلوا له من الشركاء والأضداد على إقرار منهم أنه خلق السماوات والأرض، ولم يجعلوا له شركاء في خلقهما، وعلى علم منهم أنه تعلق منافع الأرض بمنافع السماء، مع بعد ما بينهما، كيف جعلوا شركاء يشركونهم في العبادة والربوبية ". فهنا يفسر الآية من عند نفسه، لكنه لا يهمل عرض الآراء حولها، وما دامت هذه الآراء مقبولة فإنه يعرضها على إطلاقها، فعند الآية نفسها يقول: " وقوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) قال الحسن: الظلمات والنور: الكفر والإيمان، وقال غيره من أهل التأويل: الليل والنهار في الحقيقة ما يكشف عما استتر من الأبصار، أبصار الوجوه وأبصار القلوب، والظلم ما يستر ويغطي على الأبصار: أبصار الوجوه، وأبصار القلوب، فالظلمة تجعل كل شيء مستورًا عليه، والنور يجعل كل شيء كان مستورًا ظاهرًا باديًا عليه، هذا هو تفسير الظلمة والنور حقيقة " ولأن كلا المعنيين لا ترفضه الآية فنجد الماتريدي لا يتعرض لأي منهما بالنقد أو التحليل، بل يكتفي بعرضهما، وهو ما يدل على عدم تعصبه. لكن الأمر إذا احتاج منه إلى إضاءة فنجده بعد عرض الآراء حول الآية يحلل ويعقب ويوجه وينقد، ففي الآية التي معنا، في عجزها والتي بعدها، يقول الماتريدي: " وقوله عز وجل: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)، قيل: يشركون مع ما بيِّن لهم ما يدل على وحدانية الرب وربوبيته، أي: جعلوا كل ما يعبدونه دون اللَّه عديلاً لله، وأثبتوا المعادلة بينه وبين اللَّه تعالى، وليس لله تعالى عديل، ولا نديد، ولا شريك، ولا ولد، ولا صاحبة، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. وقال الحسن: (بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي: يكذبون. وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) أي: خلق آدم أبا البشر من طين، فأما خلق بني آدم من ماء، كقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) وأخبر اللَّه تعالى أنه خلق آدم من الطين، وخلق بني آدم سوى عيسى - عليه السلام - من النطفة، وخلق عيسى - عليه السلام - لا من الطين ولا من الماء؛ ليعلموا أنه قادر على إنشاء الخلق لا من شيء، وأنه لا اختصاص للخلق بشيء، ولا ينكرون -أيضًا- إنشاء الخلق وإحياءهم وموتهم؛ وذلك لأنه لا يخلو إما أن صاروا ترابًا أو ماء، أو لا ذا ولا ذا،
فإذا رأوا أنه خلق آدم من الطين، وخلق سائر الحيوان من الماء، وخلق عيسى - عليه السلام - لا من هذين، كيف أنكروا إنشاء الخلق بعد الموت، وهو لا يخلو من هذه الوجوه التي ذكرنا، فيكون دليلاً على منكري البعث بعد الموت، وعلى الدهرية في إنشاء الخلق لا من شيء، فإنهم ينكرون ذلك ويحيلونه؛ ولهذا وقعوا في القول بقدم العالم، واللَّه الهادي. ويحتمل قوله تعالى. (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) أن يراد به في حق جميع بني آدم، وأضاف خلقنا إلى الطين، وكان الخلق من الماء لما أبقى في خلقنا من قوة ذلك الطين الذي في آدم وأثره، وإن لم يره تلك القوة وذلك الأثر، وهذا كما أن الإنسان يرى أنه يأكل ويشرب ويتغذي، ويحصل به زيادة قوة في سمعه وبصره، وفي جميع جوارحه، وقد يحيى بها جميع الجوارح، وإن لم ير تلك القوة، فكذلك هذا. ويحتمل -أيضًا- على ما روي في القصة أنه يمازج مع النطفة شيئًا من التراب، فيؤمر الملك بأن يأخذ شيئًا من التراب من المكان الذي حكم بأن يدفن فيه، فيخلط بالنطفة، فيصير علقة ومضغة، فإنما نسبهم إلى التراب لهذا. ويحتمل النسب إلى التراب، وإن لم يكونوا من التراب؛ لما أن أصلهم من التراب، وهو آدم ". فنلمح في هذا النموذج كيف يقلب الماتريدي الآية على وجوهها؛ ليعطي القارئ تصورًا عامًّا حول القضية التي تطرحها الآية، فحول قضية الخلق، نجده -أولاً- يعرض لمراحل الخلق جميعًا، وإمكانياته الواقعة في خلق اللَّه من لدن آدم. ونجده -ثانيًا- يبين الغرض من هذه المراحل، وهو غرض مزدوج؛ حيث ترد هذه المراحل والإمكانيات على منكري البعث من جهة، وترد على الدهريين من جهة ثانية. وهو في عرضه يعمل عقله حتى يكون الرد مقنعًا، بل إنه يعمل عقله ويستخدم القياس ليخرج الآية، وليبين لماذا كان التوجه إلينا بها مع أنها تنص على الخلق بالطين. ثم إنه يعرض -ثالثًا- لاحتمال يدل على حس علمي شفيف، وهو أن كل حيوان مخلوق من ماء يخلط بنوع من التراب، وهذه لفتة علمية دقيقة، يؤكدها العلم في العصر الحاضر. ثانيًا: النظرة الكلية للأشياء: تؤكد النماذج السالفة تميز الماتريدي بنظرته الشمولية، وقدرته على ربط الجزئيات
بالكليات، ورد الفروع إلى الأصول، وهي سمة ليست مقصورة على تفسيره فقط، بل تؤكدها تآليفه في الفقه وأصوله والتوحيد، وبخاصة أصول الفقه ذلك العلم الذي يقوم على ربط المسائل الفرعية بأصول الأحكام. ثالثًا: اهتمامه بالمضمون: ينزع الماتريدي في تفسيره إلى بيان المضمون الذي تنطوي عليه الآيات دون النظر إلى الألفاظ، وما يعتورها من نكات لغوية وبلاغية، وإذا عرج على ذلك فلخدمة المضمون وإبرازه، والنماذج السابقة دالة على ذلك. وهذا يجعلنا نقرر سمة من سمات الماتريدي، وهي اهتمامه بربط عملية الفكر بعملية التطبيق والعمل، فالأفكار الذهنية لا قيمة لها بعيدة عن العمل والتطبيق؛ ولذلك في كثير من الأحيان كان يرفض تفصيلات لا طائل تحتها، ويذكر ذلك في صراحة أنه ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة. وهذا يفسر لنا اهتمامه في تفسيره لآيات القرآن الكريم بمعناها أكثر من اهتمامه بالشكل أو اللفظ، فالمهم عنده كشف المضمون ومرامي الآيات. هذا، ولكي يبرز لنا انتماء الماتريدي التفسيري بوضوح أشد، نقف وقفة مع موقفه من طرائق التفسير المختلفة: أولًا: موقف الماتريدي من التفسير بالمأثور: نعني بتفسير القرآن الكريم بالمأثور -كما سبقت الإشارة-: تفسير القرآن الكريم بالقرآن الكريم، أو تفسيره بالسنة، أو تفسيره بالقراءات، أو تفسيره بأقوال الصحابة وأقوال التابعين. ونتناول كل لون تفسيري من الألوان السابقة وموقف الماتريدي منه، كل واحد على حدة: أ - تفسير القرآن بالقرآن: يقوم الماتريدي بتفسير بعض آيات القرآن الكريم بآيات أخرى منه، ففي قوله تعالى من سُورَةُِ الأنعام: (يَعْلَمُ سِرَّكُم وَجَهْرَكُم) يقول: " اختلف فيه؛ قيل: (يَعْلَمُ سِرَّكُم): ما تضمرون في القلوب، (وَجَهْرَكُم): ما تنطقون، (وَيَعْلَمُ مَا تكْسِبُونَ): من الأفعال التي عملت الجوارح؛ أخبر أنه يعلم ذلك كله؛ ليعلموا أن ذلك كله يحصيه؛ ليحاسبهم على ذلك؛ كقوله: (وَإن تُبْدُوا مَا في أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخفُوهُ
يُحَاسِبكمُ بِهِ اللَّهُ)، أخبر أنه يحاسبهم بما أبدوه وما أخفوه، فعلى ذلك الأول فيه إخبار أن ذلك كله يحصيه عليهم، ويحاسبهم في ذلك؛ ليكونوا على حذر من ذلك وخوف ". ومن ذلك ما قاله عند تفسيره قول اللَّه تعالى: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) " قيل: قبيله: جنوده وأعوانه، حذرنا إبليس وأعوانه، بما يروننا ولا نراهم. فَإِنْ قِيلَ: كيف كلفنا محاربته، وهو بحيث لا نراه، وهو يرانا، ومثله في غيره من الأعداء لا يكلفنا محاربة من لا نراه أو من لا نقدر القيام على محاربته، وليس في وسعنا القيام بمحاربة من لا نراه. قيل: إنه لم يكلفنا محاربة أنفسهم؛ إذ لم يجعل له السلطان على أنفسنا وإفساد مطاعمنا ومشاربنا وملابسنا، ولو جعل لهم لأهلكوا أنفسنا وأفسدوا غذاءنا، إنما جعل له السلطان في الوساوس فيما يوسوس في صدورنا، وقد جعل لنا السبيل إلى معرفة وساوسه بالنظر والتفكير، نحو قوله تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)، وقوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ)، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا) علمنا ما به ندفع وساوسه وهمزاته، وجعل لنا الوصول إلى دفع وساوسه بحجج وأسباب ". لكن هناك ملاحظة يجب إثباتها هنا، وهي بارزة في النموذجين السابقين، وهي أن الماتريدي حين يفسر القرآن بالقرآن يسلك مسلكًا خاصًّا يخالف ما درج عليه سابقوه وحتى لاحقوه؛ ذلك أنه قبل أن يأتي بالآية المفسِّرة يقوم بتحليل الآية المفسَّرة، ثم يقول بعد التحليل: نحو قوله تعالى كذا. ثم إن الآية أو الآيات المفسِّرة قد تكون غير صريحة في الدلالة على الآية المفسَّرة، بقدر ما يقصد تحليله هو. وإذا أردنا أن نتبين هذا الفارق بين الماتريدي وغيره من المفسرين يكفينا أن نفتح تفسيرًا واحدًا هو تفسير ابن كثير الذي يقول عند تفسير قوله تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، " قيل: إن هذه الكلمات مفسرة بقوله تعالى: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ".
ونموذج آخر: ففي قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)، يقول الإمام ابن كثير: " لما ذكرهم تعالى بنعمه أولاً، عطف على ذلك التحذير من طول نقمه بهم يوم القيامة فقال: (وَاتَّقُوا يَوْمًا) يعني يوم القيامة (لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا) أي: لا يغني أحد عن أحد، كما قال: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، وقال: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا)، فهذا أبلغ المقامات أن كلا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئًا ". فإذا قارنا بين هذه النماذج سنجد أن الماتريدي يأتي بالآيات المفسِّرة ليعضد تحليله، صحيح أن هذه الآيات تدور في فلك الآية المفسرة، لكنها لا تتوجه إلى تفسير الآية المفسَّرة مباشرة، وتكون في معناها، أو تفصل إجمالها كما عند ابن كثير. وهذا يدعونا إلى القول بأن الماتريدي كان من المجددين في الطريقة حتى مع اعتماده على تفسير القرآن بالقرآن. وهنا ملاحظة يجدر إثباتها، وهو أنه بالرغم من أسبقية الماتريدي عن ابن كثير نجد طريقته في التفسير تتسم بالجدة بخلاف الأخير، فإن طريقته تكاد تدور في فلك طريقة أوائل المفسرين، ولسنا بذلك نعيب على ابن كثير طريقته، لكن نريد إثبات الفارق بينه وبين الماتريدي الذي يعتبر سابقًا إلى التجديد في التفسير حتى لكثير ممن جاء بعده. ب - تفسير القرآن بالسنة: لا يترك الماتريدي الاعتماد على السنة، لكن اعتماده عليها قليل إلى حد ما، وهو يأتي بالأحاديث المتوافقة والمفسرة للآية موضع الحديث، ولكن الجدير بالملاحظة أنه يذكر بعض الأحاديث النبوية بالمعنى، وكأنه يعتمد على حفظه ولا يرجع إلى نصوص الأحاديث أثناء تأويله. ومن نماذج تفسيره بالحديث في السور محل التحقيق ما جاء عند تفسير قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ)، فبعدما فسر المقصود من سؤال موسى ربه الرؤية، وأخذ يعدد الأوجه المحتملة في الآية، قال: " لكنه لولا أن القول بالرؤية كان أمرًا
ظاهرًا، لم يحتمل صرف ظاهر لم يجئ فيها إليها ويدفع به الخبر "، واللَّه أعلم. وأيضًا ما جاء عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في غير خبر أنه قال: " إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون "، وسئل: هل رأيت ربك؟ فقال: " بقلبي قلبي "، فلم ينكر على السائل السؤال، وقد علم السائل أن رؤية القلب، إذ هي علم قد علمه، وأنه لم يسأل عن ذلك، وقد حذر المؤمنين عن السؤال عن أشياء قد كفوا عنها بقوله: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ)، فكيف يحتمل أن يكون السؤال عن مثله يجيء -وذلك كفر في الحقيقة عند قوم- ثم لا ينهاهم عن ذلك، ولا يوبخهم في ذلك، بل يليق القول في ذلك، ويرى أن ذلك ليس ببديع، واللَّه الموفق ". ونلاحظ أن الماتريدي لا يكتفي بإيراد الحديث، بل يحلله ويوجهه، ويبين مراده، وفي هذا إثراء لمعنى الآية وبيان المقصود منها. ونلاحظ -أيضًا- أن الماتريدي يكتفي بجزء من الحديث الدال على ما يريده؛ فمثلاً عند تفسيره قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)، يستشهد بحديث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " كل مولود يولد على الفطرة " فلا يذكر إلا هذا الجزء من الحديث؛ وهو الجزء الدال على مراده. وهو لا يكتفي بإيراد السنة القولية عند تفسيره القرآن الكريم، بل يأتي بالسنة الفعلية -أيضًا- فعند تفسير قول اللَّه تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ذكر أحاديث تمثل السنة القولية، وأحاديث تمثل السنة الفعلية، وأحاديث تمثلهما معًا، فقال: " الثاني: يجوز أن يكون أمر بالاستماع إليه في الصلاة، على ما قال بعض أهل التأويل أنه في الصلاة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: في حال الخطبة. . . وذكر. . . أن الآية نزلت في الصلاة؛ لأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذا قرأ في صلاته كانوا يقولون مثل ما قال، فنزلت الآية بالنهي عن ذلك، والأمر بالاستماع إليه والإنصات له. روي عن أبي العالية قال: كان نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذا صلى قرأ أصحابه أجمعون خلفه، حتى نزلت: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) " فسكتوا ". وعن علباء بن أحمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قرأ في صلاة الفجر " الواقعة، وقرأها رجل خلفه، فلما فرغ من الصلاة قال: " من الذي ينازعني في هذه السورة؟ " فقال رجل: أنا يا رسول اللَّه، فأنزل اللَّه: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا). وزعم بعضهم أن القارئ خفية يسمى ناصتًا ومنصتًا، واستدل بما روي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذا كبر سكت بين التكبير والقراءة، قلت: بأبي أنت، أرأيت سكاتك بين التكبير والقراءة، أخبرني ما تقول؟ قال: " أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المغرب والمشرق. . . " وغير ذلك من الدعوات، وغير ذلك من الروايات الدالة على اعتماد الماتريدي على السنة في تفسيره، وأنه لا يقتصر على نوع واحد من أنواع السنة، بل يستعين بكل أنواع السنة؛ القولية والفعلية. ج - تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين: يعتمد الماتريدي في تفسيره على أقوال الصحابة والتابعين، ففي تفسير قول اللَّه تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)، ينقل عن الصحابة والتابعين معًا، فيقول: " وقال أبو أمامة الباهلي: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، قال: فينا نزلت معشر أصحاب بدر، حين اختلفنا وساءت فيه أخلاقنا، إذ انتزعه اللَّه من أيدينا، فجعله إلى رسوله، فقسمه على السواء. ومجاهد وعكرمة قالا: كانت الأنفال لله والرسول، فنسخها (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ)، وكذلك روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: الأنفال: المغانم كانت لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خالصة، ليس لأحد فيها شيء، ما أصابت
سرايا المسلمين من شيء أتوه به، فمن حبس منه إبرة أو سلكًا فهو غلول، فسألوا رسول اللَّه أن يعطيهم منها، فقال: (قُلِ الأَنفَالُ لِلََّهِ وَالرَّسُولِ) ليس لكم فيها شيء ". ففي النص السابق ينقل عن الصحابة وينقل عن التابعين، ولكنه لا يقف عند حدود النقل بل يذكر الاحتمالات والوجوه التي يراها في الآية، وهي وجوه عقلية في جملتها، سوف نعرض لها بعد قليل. وإنما الذي يعنينا هنا -بعد العرض السابق- أن نؤكد على أن التفسير بالمأثور يمثل جزءًا من تفسير الماتريدي في تأويلاته، وأن الماتريدي يقف موقف الذي يقبل الاعتماد على المأثور في التفسير. ثانيًا: موقف الماتريدي من التفسير بالمعقول: يعتمد الماتريدي على العقل كثيرًا في تفسيره، ولعل مرجع ذلك إلى أن الماتريدي -في مجمله- تابع للمدرسة العراقية، أو مدرسة الرأي التي أسسها الصحابي الجليل عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقاد لواءها من بعده أعلام أفذاذ، من أبرزهم أبو حنيفة النعمان وتلميذاه أبو يوسف ومُحَمَّد الذين أثروا الحياة الفكرية والعلمية في الحضارة الإسلامية. ولأن الماتريدي تلميذ لتلك المدرسة، بل رائد من روادها فقد اصطبغ بصبغة هذه المدرسة، لكنه لم يكن مجرد تابع أو مقلد، بل كان ذا سمات خاصة، مجددًا مبتدعًا، وسنعرف ذلك في فصل تالٍ إن شاء اللَّه تعالى. والذي يدل على عقلانية الماتريدي أمور: أ - ذكر الاحتمالات المتعددة في تأويل الآيات: يذكر الماتريدي في كل آية يتناولها الأوجه الممكنة والمحتملة في تفسيرها، والأمثلة أكثر من أن تحصى في هذا الشأن، نذكر منها نموذجًا واحدًا. فعند تفسيره لقول اللَّه تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ)، يقف عند قوله تعالى: (ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) يقلب العبارة القرآنية على وجوهها المحتملة، فيقول: (ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) دلالة على أنه لم يقبل ما سمع وعرض عليه؛ إذ لو قبل، لكان يكون مأمنه هذه الدار، لا تلك الدار، ولكان يحق عليه الخروج
منها، لا العود إليها. ثم معلوم أن كلام اللَّه هو حجته، وأن الحجة قد لزمته لوجهين: أحدهما: ما ظهر عجز الخلق عن مثله، وانتشر الخبر في الآفاق على قطع طمع المقابلين لرسول اللَّه بالرد، الباذلين مهجهم وما حوته أيديهم في إطفاء نوره؛ فكان ذلك حجة بينة لزمتهم. والثاني: أن جميع ما يتلى منه لا يؤتي عن آيات إلا وفيها مما تشهد العقول على قصور أفهام الخلق عن بلوغ مثله من الحكمة وعجيب ما فيه من الحجة؛ مما لو قوبل بما فيه المعنى، وما يحدث به من الفائدة؛ ليعلم أن ذلك من كلام من يعلم الغيب، ولا يخفى عليه شيء، وإذا كان كذلك صار هو بالرد مكابرًا، وحق مثله الزجر والتأديب أنه لم يفعل لما لم يكن يضمن أمانة القبول، ولا أن يعارضه بالرد، وذلك أعظم مما فيه الحدود، فالحد أحق ألَّا يقام عليه، واللَّه أعلم ". ثم قال حول العبارة -أيضًا-: " ثم قوله: (أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) ويحتمل وجهين: أحدهما: أن يدعه ولا يمنعه عن العود إلى مأمنه؛ ليعلم أن حكم تلك الدار لم يزل عنه، وأنه لا تلزم الجزية إلا عن طوع أو دلالة عليه. والثاني: أن يكون عليه حفظه إلى أن يبلغه مأمنه بدفع المسلمين عنه، وفي ذلك لزوم حق الأمان للجميع بإجارة بعض، وعلى ذلك كل مسلم. ثم سماع كلام اللَّه يخرج عن القرآن، وفيه ما ذكرت من الدلالة، وعلى سماع أوامر اللَّه ونواهيه في حق القرض عليه، وعلى سماع حجج النبوة وآيات الرسالة والتوحيد من القرآن. واللَّه أعلم ". فهنا الماتريدي يقول في القرآن برأيه، ويعرض الأوجه ويدلل تدليلاً عقليًّا دون أن يذكر ولو في إشارة دليلاً نقليًّا. ب - اهتمامه بالأمور الفلسفية والعقدية: يغص تفسير الماتريدي بالأمور الفلسفية والعقدية، فما من آية تتعرض لأمر عقدي أو فكري إلا ويقف أمامها لإبراز جوانبها المتعددة بإعمال عقله. ومن المسائل الاعتقادية التي ناقشها الماتريدي مسألة: سؤال أهل النار ربهم العودة إلى الدنيا كي يعملوا صالحًا، وذلك من خلال تفسيره قول اللَّه تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، مستخلصًا بعض
الأمور العقيدية في إطار تفسيره للآية. يقول الماتريدي: قوله عَزَّ وَجَلَّ: (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ) قيل: إلى الدنيا، وقيل: إلى المحنة من حيث لا يحتمل كون الدنيا بعد كون الآخرة، لكن هذا تكلف لتحقيق مراد قوم ظهر سفههم، ولعله ليس عندهم التمييز، أو يقولون سفهًا كما قالوا كذبًا بقوله: (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ). وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (بِآيَاتِ رَبِّنَا) قال الحسن: بدين ربنا. وقال قوم: بحجج ربنا، فيكون في الآية اعتراف أنهم على التعنت كذبوا في الأول لا على الجهل، وإن كان ثم آيات عاندوها، وهم قوم قد سبق من اللَّه الخبر عنهم مما فيه العناد منهم. . . ثم دل قوله: (وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أنهم قد عرفوا أن الإيمان هو التصديق لوجهين: أحدهما: أنهم جعلوا الإيمان مقابل التكذيب؛ ليعلم أنه التصديق. والثاني: أنهم ذكروا الآيات، والآيات يكذب بها ويصدق لا أن يعمل بها. وبعد: فإن الذي في حد إمكان الإتيان مما فات هو التصديق؛ إذ الغير لو توهم الأمر ليوجد ما سبق من الترك والتصديق لو أمر، فهو لما سبق من التكذيب على أنه أجمع ألا يؤمر من آمن بقضاء شيء مما فات، فثبت أنهم أرادوا به التصديق، وفيه أنه اسم لذلك حتى عرفه أهله وغير أهله معرفة واحدة ". ويمضي الماتريدي في عرض هذه القضية العقدية، ولا يقتصر على عرضه هو لها، بل يستأنس بأقوال الآخرين ويعرض آراءهم، فيقول: " وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ رُدُّوا) أي: إلى ما تمنوا أن يردوا إليه (لَعَادُوا لِمَا نُهُوا) أخبر اللَّه عن علمه بما قد أسروه في ذلك الوقت إنما كان في علمه أن يكون، وإن كان من حكمه ألا يردوا في ذلك أن الآية تضطر صاحبها، ولا قوة إلا باللَّه. وقال قوم: إن الخلود يلزم في النار بما هم في علم اللَّه أنهم يلزمون ما هم عليه لو مكثوا للأبد. وقال قوم: إذ لم يجز لزوم العذاب بما يعلم اللَّه من العناد من أحد لو امتحن بلا محنة ولا خلاف، فعلى ذلك أمر الخلاف، لكن الآية في خاص منهم، وهم الذين اعتدوا وعاندوا الحق بعد الوضوح، على ما ذكر في كثير من الكفرة أنهم لا يؤمنون أبدًا، ثم
أمهلهم على ذلك، وهذا يبين أن ليس يمنع الإعادة لما يعودون له لو كان يحتمل في الحكمة الإعادة، إذ قد أمهل وأبقى على العلم بذلك، فعلى ذلك الإعادة، لكنه أخبر عن تعنتهم، ثم ظنت المعتزلة أن اللَّه لو علم أنهم لا يؤمنون لردهم إلى ذلك؛ إذ بين أنهم لا يؤمنون فيستدلون بهذا؛ إذ ليس لله قبض روح يعلم أنه لو لم يقبضه يؤمن يومًا من الدهر، وقد بينا نحن أن ذلك لا يوجب، وإن كان أُولَئِكَ في علم اللَّه أن يعودوا إلى ذلك. . . إلخ. ونلاحظ الأسلوب الفلسفي في عرض القضية، وبنائها على مقدمات تسلم إلى نتائج كما يفعل المناطقة، متأثرًا في ذلك بالمدارس العقلية، أو سالكًا سبيلها. ج - اهتمامه بالآيات الداعية إلى إعمال العقل: يقف الماتريدي طويلاً أمام الآيات التي تخاطب العقل الإنساني والحواس الإنسانية، ففي قوله تعالى: (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ) قال: " يحتمل الأمر بالنظر وجوهًا، أي: يحتمل: انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه أن كيف يقلبها ويحولها من حال إلى حال، ومن لون إلى لون، وأنه يخرج في ساعة لطيفة ما لو اجتمع الخلائق على تقديره ومعرفته، أي كم خرج، وأي كم مقدار خرج - لم يقدروا عليه؛ ليعلموا أنه قادر على إحياء الخلق بمرة واحدة، وفي إنزال المطر من السماء مع بعدها آية عجيبة وحكمة بالغة ". وهكذا يلح الماتريدي على إعمال العقل في تفسير القرآن الكريم، لكنه العقل المنضبط غير المنفلت. ومن خلال ما سبق نتبين بوضوح انتماء الماتريدي التفسيري، فهو ينتمي من غير مرية إلى اتجاه معتدل يوازن بين النقل والعقل، وإن كنا نلمس ميلاً إلى العقل أحيانًا عند تفسيره لبعض الآيات، وبخاصة الآيات التي تناقش قضايا عقدية وتقيم البرهان على صحتها، أو الآيات التي تخاطب العقل والفكر كحجج وبراهين على وجود اللَّه ووحدانيته. * * *
الفصل الثاني منهج الماتريدي في تفسيره
الفصل الثاني منهج الماتريدي في تفسيره في هذا الفصل تحاول الدراسة تلمس منهج الماتريدي في تفسيره في ضوء السور موضوع التحقيق في القسم الثاني من هذا البحث. ويجدر بنا قبل الخوض في بيان منهج الماتريدي في التفسير أن نخص المنهج بنبذة نعرف به فيها لغة واصطلاحاً. المنهج لغة: المنهج من نهج الطريق ينهج نهجًا، ونهوجًا: وضح واستبان، ويقال: نهج أمره، ونهج الدابة أو الإنسان نهجًا ونهيجًا: تتابع نفسه من الإعياء، ونهج الثوب: بلى وأخلق. ويقال: نهج الطريق: بينه، ونهج الطريق: سلكه. وانتهج الطريق: استبانه وسلكه، واستنهج الطريق: صار نهجًا، ونهج سبيل فلان. سلك مسلكه. والمنهاج: الطريق الواضح، وفي التنزيل العزيز: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) والمنهاج: الخطة المرسومة، ومنه: منهاج الدراسة، ومنهاج التعلم ونحوهما، والجمع: مناهج. والمنهج: المنهاج، والجمع: مناهج. ومن كل هذه المعاني، نرى أن أقرب معنى لغوي يعبر عنه (المنهج) ويخص ما نحن فيه هو المنهج بمعنى الطريق الواضح، أو بمعنى الخطة المرسومة. وبهذا يكون المنهج لغة: هو ما يرسمه مؤلف ما من طريقة يسير عليها وهو يؤلف كتابه. وأكبر الظن أن المنهج بالمعنى اللغوي المذكور كان بعيدًا عن تفكير الماتريدي وأقرانه، فما أظن أنهم كانوا يصنعون لأنفسهم خطة دقيقة يسيرون عليها، أو منهجًا واضحًا ينتهجونه عند تأليفهم، ولكن هذا لا يعني أن تآليفهم كانت عشوائية بدون ضابط، وظني أن الضابط في تلك الآونة هو الانتماء المذهبي أو التفكير العقلي المعين الذي يقود صاحبه إلى التزام أسس معينة في التأليف، لكن أن نقول بأن القدماء -ومنهم الماتريدي طبعًا- كانوا يعرفون المنهج وخصائصه وسماته وضوابطه كما هو في واقعنا الحاضر
منهج الماتريدي في تفسير القرآن الكريم:
فذلك بعيد التصور. المنهج في الاصطلاح: يمكن تلمس تعريف المنهج في الاصطلاح في العلوم التطبيقية وما إليها: كالطبيعة والإحياء والتاريخ، وهو أنه يعني: " الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة التي تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة ". وعلى هذا، فمنهج الماتريدي في التفسير هو الطريق الذي سلكه للكشف عن معاني القرآن بواسطة مجموعة من السبل يسلكها اختطها لنفسه واختارها دون غيرها، للوصول إلى مراده من تفسيره للقرآن الكريم. منهج الماتريدي في تفسير القرآن الكريم: سبق أن أشرت منذ قليل إلى أن الذي يحدد طريقة القدماء أو منهجهم في مؤلفاتهم، إنما كانت تتحدد تبعًا لمجموعة من العوامل المكونة لشخصياتهم سواء كانت هذه العوامل مذهبية أو ثقافية أو فكرية أو غير ذلك، وخاصة أن علماءنا القدماء لم يكونوا يعرفون عن المنهج بالمفهوم الحديث شيئًا. ولذلك إذا أردنا الوقوف على طبيعة المنهج الذي سلكه الماتريدي في تفسيره يجدر بنا أن نقف على القضيتين الآتيتين: القضية الأولى: مصادر الماتريدي في التفسير وطريقته في التعامل معها. القضية الثانية: طريقة الماتريدي العامة في التفسير. القضية الأولى: مصادر الماتريدي وطريقته في التعامل معها: ما من شك في أن العالم -أي عالم- يتأثر بمن سبقوه ويستفيد من علمهم، بل ومن طريقتهم. وفي علم التفسير يستفيد المفسر -فضلاً عن إفادته من العلماء السابقين- من مصدرين عظيمين لا يستغني عنهما، ولو استغنى عنهما لأصاب تفسيره خلل عظيم وعطب خطير، ألا وهما الكتاب والسنة.
أولا: تفسير القرآن بالقرآن:
وقد سبق أن بينا عند الحديث عن انتماء الماتريدي التفسيري اعتماده عليهما، وبينا في إجمال سريع كيفية تعامله مع هذين المصدرين حينما يعتمد عليهما في تفسيره للقرآن الكريم، وفي هذا الفصل سنفصل القول في هذين المصدرين وفي المصادر الأخرى التي أَثْرَتْ تفسيره، وأَثَّرَتْ فيه، وهي: أولًا: تفسير القرآن بالقرآن: لا ريب أن أعظم ما يفسر به القرآن الكريم هو القرآن نفسه، فقد أجمع العلماء على اعتباره المصدر الأول للتفسير، وهو أجل أنواع التفسير وأشرفها؛ إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام اللَّه جل جلاله من اللَّه، فصاحب البيت أدرى بما فيه، فما أجمل في مكان فقد فسر في مكان آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في مكان آخر، فالأخذ بذلك هو مقتضى البدهية المقررة، وفوق ذلك هو مقتضى المعلوم من الدِّين بالضرورة؛ إذ القرآن الكريم هو الأصل الأول، والعماد المتين لهذا الدِّين، ولا يمكن تحقق الإيمان دون الأخذ بما فيه جملة وتفصيلًا. والحق أن الماتريدي اعتمد على القرآن الكريم في تفسيره -وقد أشرنا إلى طرف من ذلك عند حديثنا عن موقفه من التفسير بالمأثور- لكنه لم يكثر منه، ولعل ذلك راجع إلى ميله إلى التفسير بالرأي. والطريقة الشائعة في استعانة الماتريدي بالقرآن أنه يحلل الآية، ثم بعد ذلك نجده يأتي بآية أخرى دالة على ما يقول، وهذا يؤكد ميله إلى القول في القرآن بالرأي، لكنه الرأي المقيد بالنص. ومن النماذج الدالة على هذا ما جاء عند تفسيره قول اللَّه تعالى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) فقد قال: " وقوله: (وَكَذَلِكَ) لا يتكلم به إلا على أمر سبق، فهو -والله أعلم- يحتمل أن يقول: لما قالوا: يا مُحَمَّد، أرضيت بهَؤُلَاءِ الأعبد من قومك، أفنحن نكون تبعًا لهَؤُلَاءِ، ونحن سادة القوم وأشرافهم؟! فقال عند ذلك: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ)، أي: كما فضلتكم على هَؤُلَاءِ في أمر الدنيا، فكذلك فضلتهم عليكم في أمر الدِّين، ويكونون هم المقربين إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والمدنين مجلسهم إليه، وأنتم أتباعهم في أمر الدِّين، وإن كانوا أتباعكم في أمر الدنيا، وكذلك امتحان بعضهم ببعض.
ثانيا: أسباب النزول:
ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن يقال: كما كان له امتحان كل في نفسه ابتداء محنة، كقوله: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)، وكقوله: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)، وكقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ) الآية ". فالماتريدي بعدما حلل الآية موضع التفسير دفع بالآيات ليدلل على ما ذهب إليه، وهي كلها تدل على معنى الآية المفسرة، أو شبيهة بها. ومنه -أيضًا- ما جاء عند تفسير قول اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) حيث قال: " ويحتمل أن تكون الآية في جملة المؤمنين، أي: استجيبوا لله في أوامره ونواهيه، وللرسول فيما يدعوكم إليه، وإنما كان يدعو إليه إلى دار الآخرة، كقوله تعالى: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ)، ودار الآخرة هي دار الحياة؛ كقوله: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) وكأنه قال -واللَّه أعلم- أجيبوا لله وللرسول؛ فإنه إنما دعاكم إلى ما تحيون فيها، ليس كالكافر الذي لا يموت فيها، ولا يحيا بتركه الإجابة ". ونلاحظ هنا أنه بدأ بالتحليل، ثم ذكر الآيات الدالة، ثم عاد للتحليل والتوجيه مرة أخرى. وإذا كانت النماذج السابقة تتجه فيها الآيات المفسرة إلى بيان معنى الآية المفسَّرة، فإن الآية المفسرة قد تفسر كلمة واحدة في الآية، كما جاء في تفسيره لقول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)، فقد أراد الماتريدي تفسير كلمة (وَاتَّقُوا) فقال: " أي اتقوا فتنة التي تصيب الظلمة منكم خاصة بظلمهم، وهو العذاب؛ كقوله: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) ". ثانيا: أسباب النزول: استعان الماتريدي في تفسيره ببيان أسباب النزول، وأحيانًا يحشر المرويات التي وردت في سبب النزول ولا يكتفي برواية واحدة، وأحيانًا أخرى يكتفي برواية واحدة. ومما ذكره في أسباب النزول ما جاء في سبب نزول قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. . .) الآية. حيث قال: " فالسؤال يحتمل وجهين: يحتمل أنهم سألوا عن حلها وحرمتها؛ لأن الغنائم كانت لا تحل في الابتداء، قيل: إنهم كانوا يغنمونها ويجمعونها في موضع، فجاءت نار فحرقتها، وسألوا عن حلها
ثالثا: السنة المطهرة:
وحرمتها، فقال: (الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)، أي: الحكم فيها لله والرسول يجعلها لمن يشاء. ويحتمل السؤال عنها عن قسمتها، وهو ما روي في بعض القصة أن الناس كانوا يوم بدر ثلاثة أثلاث: ثلث في نحر العدو، وثلث خلفهم ردءًا لهم، وثلث مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يحرسونه، فلما فتح اللَّه عليهم اختلفوا في الغنائم، فقال الذين كانوا في نحر العدو: نحن أحق بالغنائم، نحن ولينا القتال، وقال الذين كانوا ردءًا لهم: لستم بأولى بها منا، وكنا لكم ردءًا، وقال الذين أقاموا مع رسول اللَّه: لستم بأحق بها منا، كنا نحن حرسًا لرسول اللَّه فتنازعوا فيها إلى رسول اللَّه، فنزل (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ) وقال أبو أمامة الباهلي: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، قال: فينا نزلت معشر أصحاب بدر حين اختلفنا وساءت أخلاقنا؛ إذ انتزعه اللَّه من أيدينا فجلعه إلى رسوله، فقسمه على السواء ". ثالثًا: السنة المطهرة: استعان الماتريدي في تفسيره لكتاب اللَّه بالسنة المطهرة، وقد ذكرنا أمثلة لهذا من قبل عن تناولنا لموقفه من التفسير بالمأثور، وهو يكثر من ذكر الأحاديث في تفسيره، من نحو ما جاء عند تفسيره قول اللَّه تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً)، فقد قال: " وقوله: (ادْعُوا رَبَّكُمْ). . . قَالَ بَعْضُهُمْ: الدعاء ها هنا هو الدعاء، وقد جاء " الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ "؛ لأن العبادة قد تكون بالتقليد، والدعاء لا يحتمل التقليد، ولكن إنما يكون عند الحاجة لما رأى العبد من نفسه الحاجة والعجز عن القيام بذلك، فعند ذلك يفزع إلى ربه، فهو مخ العبادة من هذا الوجه. . . وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) قيل: المجاوزين الحد بالإشراك باللَّه. وقيل: لا يحب الاعتداء في الدعاء؛ نحو أن يقول: اللهم اجعلني نبيًّا أو ملكًا، أو أنزلني في الجنة منزل كذا، وموضع كذا. وروي عن عبد اللَّه بن مغفل أنه سمع ابنه يقول: " اللهم إني أسألك الفردوس، وأسألك كذا، فقال له عبد اللَّه: سل اللَّه الجنة وتعوذ من النار؛ فإني سمعت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -
رابعا: أقوال المفسرين السابقين:
يقول: " سيكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور " ويحتمل الاعتداء في الدعاء هو أن يسأل ربه ما ليس هو بأهل له ". وهناك بعض الأمور يجدر التنبيه عليها في تفسير القرآن بالحديث عند الماتريدي، أبرزها: أ - أنه لا يذكر سند الحديث إلا قليلاً جدًّا. ب - أنه -أحيانًا- يذكر الحديث بالمعني. ج - أنه -أحيانًا- يورد شرحًا وتحليلاً على الحديث المستشهد به. د - أنه يذكر أكثر من حديث في الموضع الواحد. هـ - نشعر أن الماتريدي لا يهتم بمدى صحة الحديث. رابعًا: أقوال المفسرين السابقين: استعان الماتريدي بأقوال المفسرين قبله من لدن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، فهو يدلل على صحة ما يذهب إليه أحيانًا بذكر أقوال هَؤُلَاءِ المفسرين حول الآية. وطريقته في التعامل مع أقوال المفسرين قبله، تكاد تتطابق مع طريقة تعامله مع القرآن والسنة حين يعتمد عليهما في التفسير؛ حيث يقوم بتحليل الآية محل التأويل، ثم يعرض بعد ذلك أقوال العلماء حولها، وقد يعرضها على إطلاقها، وقد يختار من بينها، وقد يبدي اعتراضًا على بعضها. ففي قوله تعالى: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً) يبدأ الماتريدي بشرح معنى الآية فيقول: كيف تعطون لهم العهد، وكيف يستحقون العهد، ولو ظهروا عليكم لا يرقبون فيكم إلاًّ ولا ذمة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: وكيف لا تقاتلونهم (وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً). ثم أدار حوارًا طويلاً، نقل فيه كثيرًا من أقوال المفسرين قبله حول معنى كلمة (الإل)، قال: " الإل: اللَّه، والذمة: العهد. وقيل: الإل: القرابة، وقيل: الإل: العهد والذمة. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: الإل: العهد. قال: ويقال: القرابة.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الإل: القرابة. وقال أبو عبيدة: الإل: العهد، والذمة: التذمم. وقال ابن عَبَّاسٍ: الإل: اللَّه، بمنزلة جبريل، تفسيره عبد اللَّه؛ لما قيل: جبر هو عبد اللَّه. وقيل: الإل: الحرم، يقول: كيف تعطونهم العهد، وهم (وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً) القرابة ولا العهد، ولا يرقبون الحرم فيكم، وقد كانوا يحفظون فيما بينهم القرابة والرحمة حتى يعاون بعضهم بعضًا، ويناصره، إذا وقع بين قرابتهم ورحمهم وبين قوم آخرين مباغضة وعداوة، وكانوا يرقبون حرم اللَّه حتى لا يقاتلوا في الأشهر الحرم وعند المسجد الحرام، وكانوا يحفظون العهود فيما بينهم من قبل، ولا يرقبونها فيكم ولا يحفظونها ". ويلفت النظر هنا أن الماتريدي تارة ينص على اسم العالم الذي ينقل عنه، وتارة يعبر بـ " قَالَ بَعْضُهُمْ " أو " قيل ". ويلفت النظر -أيضًا- أنه قدم تفسيرًا للآية أولاً دون أن يصرح بمعنى الإل، ثم لما أورد قول بعضهم من أن الإل بمعنى الحرم، قدم تفسيرًا للآية أوضح وأبين من الأول، ولا ندري إن كان هذا التفسير كلامه أم هو ناقل له عن غيره. ونلاحظ أن نقوله السابقة اتجهت إلى معنى اللفظ في مجملها، ولم تتجه إلى المعنى العام للآية، وهو بذلك لا يكون ناقلاً عن علماء التفسير وحسب، بل قد يقع نقله في دائرة النقل عن علماء اللغة والأدب، يدل على ذلك النموذج الآتي. فعند قول اللَّه تعالى: (وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً) اختار أن يكون معنى (وَلِيجَةً): ملجأ يلجئون إليه، وهذا المعنى مستفاد من تفسيره العام للآية، ثم قال: " وقوله: (وَلِيجَةً) قال بعض أهل الأدب: الوليجة: البطانة من غير المسلمين، وأصلها: الولوج، وهو أن يتخذ الرجل من المسلمين دخيلاً من المشركين وخليطًا ودودًا، وجمعه: الولائج ". ثم أخذ يعدد معاني الوليجة ناقلًا إياها عن بعض العلماء دون ذكر لأسمائهم. وقد ينقل أقوال العلماء، ثم يعرض عنها، ويختار ما يستريح إليه، وبعبارة أدق يتبنى رأيًا خاصَّا له، فمثلاً عند تفسير قول اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا).
يقول: " اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: النهي عن دخول المسجد الحرام نفسه. وعندنا أن النهي عن دخول المسجد الحرام نهي عن دخول مكة نفسها للحج وإقامة العبادات؛ دليله وجوه: أحدها: قوله: (بَعْدَ عَامِهم) ولو كان لدخول المسجد لكان ذلك العام أحق عن المنع في دخوله من غيره. والثاني: في قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، وخوف العيلة إنما يكون عن دخول مكة؛ لأنه لو كان النهي عن دخول المسجد نفسه، لكان لا خوف عليهم في ذلك؛ لأنهم يحضرون ويدخلون مكة للتجارة؛ فلا خوف عليهم في ذلك. والثالث: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أَلَا لَا يَحُجَّنَ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ " وفي آخر الآية دلالة ذلك؛ لأنه قال: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ). ونلاحظ -هنا- أنه يعترض على أسلافه، ويذهب بعيدًا عنهم في اختياره، ويعضد اختياره بأدلة أرى أن الصواب يحالفه فيها. وأحيانًا نجد الماتريدي يطرح أقوالاً للمفسرين السابقين، ويذكر المعنى الذي يرتضيه، ثم يعود إلى أقوال المفسرين السابقين مرة أخرى، ويردها، ويدلل على صحة تفسيره وخطأ تفسيرهم، فمثلاً عند قول اللَّه تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ) يقول: " ذكر بعض أهل التأويل أن الأنصار مشت إليهم، يعني إلى المنافقين، فقالوا: قد عيرنا وما نزل فيكم حتى متى، فكانوا يحلفون للأنصار: واللَّه ما كان شيء من ذلك، فأكذبهم الله فقال: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ) وما كان الذي بلغكم (لِيُرْضُوكُمْ) بما حلفوا (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ) منكم يا معشر الأنصار (أَنْ يُرْضُوهُ) حيث اطلع على ما حلفوا وهم كذبة ". ثم لا يرتضي هذا التأويل فيقول: " والأشبه أن تكون الآية نزلت في معاتبة جرت بين المؤمنين والمنافقين باستهزاء كل منهم برسول اللَّه، أو طعن فيه، أو استهزاء بدين اللَّه، فاعتذروا إليهم، وحلفوا على ذلك؛ ليرضوهم، فقال: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ) حقيقة، ولكن ليسوا بمؤمنين ".
ثم شرع يعدد أقوال أهل التأويل الأخرى، مفندًا إياها، فقال: " وأما ما قاله بعض أهل التأويل: إن رجلاً من المنافقين قال: واللَّه، لئن كان مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ [الْحَمِيرِ]، فسمعها رجل من المسلمين، فأخبر بذلك رسول اللَّه، فدعاه، فقال: " مَا حَمَلَكَ عَلَى الذِي قُلْتَ " فحلف والتعن ما قاله، فنزل قوله: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ) هذا لو كان ما ذكر لكانوا يحلفون لرسول اللَّه، لا يحلفون لهم؛ دل أن الآية في غير ما ذكر. ويذكر ابن عَبَّاسٍ أن الآية نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في غزوة تبوك، فجعلوا يحلفون لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حين رجع أنهم لا يتخلفون عنه أبدًا. وكذلك قال غيره من أهل التأويل، ولكن لو كان ما قالوا لكانوا يحلفون لرسول اللَّه ويرضونه، لا للمؤمنين؛ دل على أن الأشبه ما ذكرنا من وجوه: أحدها: أن فيه دلالة تحقيق رسالته ليعلموا أنه حق؛ حيث اطلع عليه بما أسروه في أنفسهم، وكتموا من المكر وأنواع السفه. والثاني: ليحذروا ويمتنعوا عن مثله والمعاودة إليه؛ لما علموا أنه يطلع على جميع ما يسرون عنه ويكتمون. والثالث: تنبيهًا للمؤمنين وتعليمًا لهم منه بأنه إذا وقع لهم مثل ذلك لا يشتغلون بالحلف؛ طلبًا لإرضاء بعضهم بعضًا، ولكن يتوبون إلى اللَّه، ويطلبون به مرضاته ". والنقول التي جاء بها الماتريدي في هذا النص تدخل في إطار ما يعرف بأسباب النزول، ولكنه عزاها هو إلى أهل التأويل تارة وإلى ابن عَبَّاسٍ تارة أخرى، ثم ردها دون أن يتحقق من مدى صحتها، ولعل هذا من المآخذ التي يمكن أن يؤاخذ بها في تفسيره، لكن مع ذلك فإن ما ساقه من حجج عقلية يقوي موقفه، خاصة وأنه ساق رواية تكاد تكون رواية فرضية، يفهم هذا من كلامه؛ هذا من جهة. ومن جهة أخرى: يدل هذا النص على أن الماتريدي لا يهمل أسباب النزول في تفسيره، وإن كانت طريقته ذات سمات خاصة في عرضه لهذه الأسباب تخالف ما درج عليه المفسرون، فالمفسرون حين يتعرضون لذكر هذه الأسباب يصرحون بذلك، فيقولون: ورد في سبب النزول كذا، أو سبب نزول هذه الآية أو الآيات ما روي كذا. . . وهكذا. وقد يعرض الماتريدي أقوال أهل التأويل دون أن يتعرض لها بالنقد، ولكن يضيف إليها، كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ)
خامسا: علم الكلام:
حيث قال: " اختلف فيه: قال الحسن وأبو بكر الأصم: إنه خاطب بقوله: (وَمَا يشُعِركُمْ) وأهل القسم الذين أقسموا باللَّه جهد أيمانهم (لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا)، فقال: (وَمَا يشُعِركُمْ) أي: ما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءتكم آية، ثم استأنف، فقال: (إِنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ). . . وهكذا كان يقرؤه الحسن بالخفض: (إِنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ) على الاستئناف والابتداء. وقال غيرهم من أهل التأويل: الخطاب لأصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وذلك أنهم لما قالوا: (لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا) ظنوا أنهم لما أقسموا باللَّه جهد أيمانهم أنهم يؤمنون إذا جاءتهم آية: يفعلون ذلك ويؤمنون على ما يقولون؛ فقال لهم: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ) على طرح " لا "، أي: ما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون. وهكذا كأنه أقرب. ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن أهل الإسلام قالوا: إنهم وإن جاءتهم آية لا يؤمنون، فقال عند ذلك: (وَمَا يشعِركُمْ) وخاطبا به هَؤُلَاءِ (أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ). والثاني: أنهم وإن آمنوا بها إذا جاءت، فنقلب أفئدتهم من بعد ". وعلى كل حال فما نقله الماتريدي عن أهل التأويل أو أهل التفسير، فإنه لم يقف -في الجملة- حياله عاجزًا، بل حاور سابقيه، ورد أقوالهم ونقدها وفندها أحيانًا، وزاد عليها أحيانًا أخرى. خامسًا: علم الكلام: سبق أن بينا أن للماتريدي مذهبًا اعتقاديًا ينصر فيه اعتقاد أهل السنة والجماعة، وبينا بشيء من التفصيل الفارق بين مذهبه والمذاهب الأخرى، وبخاصة الأشعرية. وتفسير الماتريدي لا يخلو من آراء كلامية، سواء صرح بذكر قائليها أو لم يصرح، ولعلنا نعرض لبعض النماذج التي تؤيد ما نقول. يقول الماتريدي عند تفسير قول اللَّه تعالى: (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ) " الحياة حياتان: مكتسبة: وهي الحياة التي تكتسب بالهدى والطاعات، وحياة منشأة: وهي حياة الأجسام، فالكافر له حياة الجسد وليس له حياة مكتسبة، وأما المؤمن فله الحياتان جميعاً؛ المكتسبة والمنشأة، فيسمي كلًّا بالأسماء التي اكتسبها، فالمؤمن اكتسب أفعالاً طيبة فسماه بذلك، والكافر اكتسب أفعالاً قبيحة، فسماه بذلك ".
ومسألة الكسب مسألة كلامية، وهي مسألة خلافية بين الأشعرية والماتريدية كما سبق بيانها. وقد اهتم الماتريدي في تفسيره هذا بدحض آراء المعتزلة وتفنيدها - اهتمامًا كبيرًا، والأمثلة على هذا كثيرة ومنتشرة على مدار التفسير، فمن ذلك ما ذكره في تفسير قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) حيث قال: " إن الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه ذكر مجيء الموت وتوفي الرسل، وقال: خلق الموت والحياة، ومجيء الموت هو توفي الرسل ثم أخبر أنه خلق الموت دل على أنه خلق توفيهم؛ فاحتال بعض المعتزلة في هذا، وقال: إن الملك هو الذي ينزع الروح ويجمعه في موضع، ثم إن اللَّه يتلفه ويهلكه فلأن كان ما قال، فإذن لا يموت بتوفي الرسل؛ لأنهم إذا نزعوا وجمعوا في موضع تزداد حياة الموضع الذي جمعوا فيه؛ لأنه اجتمع كل روح النفس في ذلك، فإن لم يكن دل أن ذلك خيال، والوجه فيه ما ذكرنا من الدلالة، وهو ظاهر بحمد اللَّه، يعرفه كل عاقل يتأمل فيه ولم يعاند، وباللَّه التوفيق ". ويمكنني القول: إنه في مرآة تفسير الماتريدي انعكس اتجاهه العقدي والمذهبي، فبرز واحدًا من حماة المذهب السني الماتريدي ذائدًا عن حصنه، غيورًا على شرف كلمته، متصديًا لأهل الأهواء والبدع، منازلاً المعتزلة والجهمية والخوارج والمرجئة والجبرية وغيرهم، داحضًا آراءهم في ضوء التنزيل الكريم، ومن ثم كان رائدًا لمن جاء بعده من العلماء الذين نقلوا عنه، ويكفي أن نلقي نظرة على تفسير مثل تفسير النسفي ليتأكد لنا ذلك، حتى لقد ذكر بعض الباحثين أن النسفي لم يصرح بمصدره الكلامي إلا فيما أخذه عن أبي منصور الماتريدي. وليتأكد لنا ذلك نعرض لمسألة الجبر والاختيار التي ناقشها الماتريدي عند تفسيره قول اللَّه تعالى: (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)، فقال: " قال الحسن: المشيئة -ها هنا- مشيئة القدرة، وقال: لو شاء اللَّه قهرهم وأعجزهم حتى لم يقدروا على معصية قط، على ما جعل الملائكة -جبلهم- على الطاعة حتى لا يقدروا على معصية قط، ثم يفضل الملائكة على الرسل والأنبياء والبشر جميعًا، ويقول: هم مجبورون على الطاعة؛ فذلك تناقض في القول لا يجوز من كان مقهورًا مجبورًا على
الطاعة يفضل على من يعمل بالاختيار مع تمكن الشهوات فيه، والحاجات التي تغلب صاحبها وتمنعه عن العمل بالطاعة. أو يقول: فضلهم بالجوهر والأصل، فلا يجوز أن يكون لأحد بالجوهر نفسه فضل على غير ذلك الجوهر؛ لأن اللَّه - تعالى - لم يذكر فضل شيء بالجوهر إلا مقرونًا بالأعمال الصالحة الطيبة؛ كقوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً) وغيره، وقوله: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ)، وقوله: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) ونحوه، لم يفضل أحدًا بالجوهر على أحد، ولكن إنما فضله بالأعمال الصالحة؛ لذلك قلنا: إن قوله يخرج على التناقض. وتأويل قوله: (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) عندنا ظاهر، ولو شاء لهداهم جميعًا ووفقهم للطاعة وأرشدهم لذلك، وهو كقوله: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ. . .) الآية، فإذا كان الميل إلى الكفر لمكان ما جعل لهم من الفضة والزينة، فإذا كان ذلك للمؤمنين آمنوا، ثم لم يجعل كذلك؛ دل هذا على أن قولهم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) هو الأمر والرضا، أو ذكروا على الاستهزاء؛ حيث قال: (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ). والمعتزلة يقولون: المشيئة -هاهنا- مشيئة قسر وقهر، وقد ذكرنا أنه لا يكون في حال القهر إيمان، إنما يكون في حال الاختيار، والمشيئة مشيئة الاختيار، ولا يحتمل مشيئة الخلقة؛ لأن كل واحد بشهادة الخلقة مؤمن؛ فدل أن التأويل ما ذكر ". فالنص يدل دلالة واضحة على تبني الماتريدي الدفاع عن عقيدة أهل السنة، التي تقول بأن أفعال العباد اختيارية ليس فيها إجبار، يقول الإسفراييني: أفعالنا مخلوقة لله ... لكنها كسب لنا يا لاهي وكل ما يفعله العباد ... من طاعة أو ضدها مراد لربنا من غير ما اضطرار ... منه لنا فافهم ولا تماري فأهل السنة والجماعة أثبتوا أن العباد فاعلون حقيقة، وأن أفعالهم تنسب إليهم على وجه الحقيقة لا على جهة المجاز، وأن اللَّه خالقهم وخالق أفعالهم. هذا، وقد يصرح الماتريدي بنسبة الآراء الاعتقادية إلى أصحابها، دون تعليق منه،
سادسا: علم الفقه:
ومن ذلك ما ذكره عند تفسير قول اللَّه تعالى: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) حيث قال: " تعلق بظاهر هذه الآية: الخوارج والمعتزلة. أما المعتزلة فإنهم قالوا: إنهم لما طلبوا الرد ولم يردهم لما علم أنه لو ردهم لعادوا إلى التكذيب ثانيًا، ولو علم منهم أنهم لا يعودون لكان يردهم؛ فدل أنه إنما لم يردهم؛ لما علمه منهم أنهم يعودون إلى ما كانوا من قبل؛ فيستدلون بظاهر هذه الآية على أن الله لا يفعل بالعبيد إلا الأصلح لهم في الدِّين، وقالوا: لو علم منهم الإيمان لكان لا يجوز له ألا يردهم، ومن قولهم: إنه إذا علم من كافر أنه يؤمن في آخر عمره لم يجز له أن يميته، وغير ذلك من المخاييل والأباطيل. وقالت الخوارج: أخبر أنه لو ردهم لعادوا لما نهوا عنه، وسماهم بالقول كاذبين، بما في علمه أنهم لا يفعلون بما يقولون، فعلى ذلك كل صاحب كبيرة إذا كان في اعتقاده الذي أظهره أنه لا يأتي بها، فإذا أتى بها يصير فيما اعتقده ألا يأتي بها كاذباً؛ ولذلك يجعلون أصحاب الكبائر كذبة في القول الأول أنهم لا يأتون بها، وعلى ذلك كانت المبايعة بقوله عَزَّ وَجَلَّ: (يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ)، الآية، فإذا سرقن، صرن كاذبات في البيعة، كما جعل من ذكر كاذبًا في الوعد إذا أخلف، وعلى ذلك يجعلونه كافرًا ". سادسًا: علم الفقه: علمنا من ترجمة الماتريدي أنه تتلمذ بأبي حنيفة النعمان، وإن لم يلقه، فهو قد تتلمذ عليه من خلال مذهبه الفقهي المعروف، فقد قرأ ما كتب أبو حنيفة وما كتب تلاميذه ونقلوه عنه. ولم يكن الماتريدي ناقلاً تابعًا للمذهب الحنفي وحسب، بل كان مجددًا، فهو قد أخذ من المذهب الحنفي أسلوبه في التفكير العقلي، واعتماده الرأي في التفسير والفقه والعقيدة، لكن دون إهمال للنص أو افتئات عليه، بل -كما سبق- وازن الماتريدي بين النقل والعقل موازنة جعلته من العلماء أصحاب الآراء الصائبة في كثير من الأحوال. ونكاد عند مطالعة تفسير الماتريدي لا نجد من أعلام الفقه من يذكر باسمه سوى أبي حنيفة النعمان، ولعل هذا يؤكد الصلة الوثيقة التي أشرنا إليها منذ برهة بين الماتريدي وأبي حنيفة، وتلمذة الأول على الثاني. والماتريدي حين تعرض له آية من آيات الأحكام لا ينسى أن يقف أمامها يستجلي
سابعا: علوم اللغة:
بعض أحكامها ومسائلها، مما يدلنا على اعتماده علم الفقه مصدرًا من مصادر تفسيره. وتتمثل طريقته في اعتماد علم الفقه مصدرًا لتفسير القرآن الكريم في أنه يقوم بتحليل الآية التي تتضمن الحكم الفقهي، ثم يورد بعض أقوال العلماء، ثم يفصل القول حول المسألة الفقهية المعروفة بما أفاض اللَّه عليه. ففي تفسيره لقول اللَّه تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). عرض الماتريدي لعلاقة هذه الآية بما قبلها، وشرح الآية، ثم ذكر بعض الروايات عن الصحابة عامة، وعن بعضهم خاصة: كحذيفة وابن عَبَّاسٍ وعمر وعلي - رضي اللَّه عنهم - في تفسير الآية وبيان ما فيها من أحكام فقهية، ثم شرع يدلي بدلوه في تفسير الآية، وبيان الأحكام الفقهية التي تنطوي عليها، ونراه ينقل عن الأئمة دون أن يذكر أسماءهم، ويعرض لاختلافات المذاهب دون أن يحددها ويعينها، وتناول -أيضًا-: الأصناف الثمانية المخصوصة بالزكاة بشيء من التفصيل، ويستعين في ذلك ببعض الأحاديث والمرويات وأقوال العلماء. لكن ليس معنى هذا أن الماتريدي يهمل نسبة الآراء الفقهية إلى أصحابها في كل الأحوال، بل إنه في مواضع ذكر الآراء منسوبة إلى أصحابها. ومن ذلك ما جاء عند تفسيره لقول اللَّه تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. . .) الآية، فقد ذكر الماتريدي الأحكام التي تتعلق بالآية، وذكر كثيرًا من الأخبار والمرويات بشأنها، وأخذ يحلل ويدلل، ومما قال: " وكان أبو حنيفة - رحمه اللَّه - يسهم للفارس بسهمين، وأبو يوسف - رحمه اللَّه - يرى أن يسهم للفرس بسهمين، ولصاحبه بسهم، والحجة في ذلك قوله: قال اللَّه تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ) ". فهنا ينسب الماتريدي الآراء إلى أصحابها، ونلاحظ أن المذهب الحنفي هو المذهب الغالب -أو الأكثر ورودًا- في تفسير تأويلات القرآن، وليس هذا غريبًا؛ لأن الماتريدي -كما قلنا- يتبع المذهب الحنفي. سابعًا: علوم اللغة: لا يعول الماتريدي كثيرًا على علوم اللغة في تفسيره؛ لذلك نراه مقلًّا جدَّا من توظيفها إلا مما كان من ذكر أقوال العلماء حول بيان بعض الألفاظ، كما سبق في بيان معنى كلمة
(الإل)، وهذا اللون من أكثر الألوان شيوعًا في تفسير الماتريدي فيما يخص توظيفه علوم اللغة، ولكن مع هذا لا نعدم توجيهًا نحويًا أو نكتة بلاغية هنا أو هناك. فمن قبيل التوجيهات النحوية ما جاء عند تفسيره قول اللَّه تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41). فقد قال الماتريدي: " وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ). . . قَالَ بَعْضُهُمْ: هو صلة قوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)، ثم قال: (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ) أي: وإن تولوا هم وقد آمنتم أنتم فاعلموا أن اللَّه مولاكم، ليس بمولى لهم. وقالت طائفة: قوله: (إِن كُنْتُمْ آمَنتُم) ليس على الشرط على ألا تكون غنيمة إذا لم يكونوا مؤمنين، ولا يجب العدل في القسمة إذا كانوا غير مؤمنين، ولكن على التنبيه والإيقاظ ". والماتريدي -كما هو بيِّن من النص- يعرج على اللغة بهدف الكشف عن مراد اللَّه من الآية، فهو لا يفعل كبعض المفسرين الذين ينصب اهتمامهم على اللغة، حتى تكاد تفسيراتهم تكون لغوية خالصة ككتب معاني القرآن، من مثل: معاني القرآن وإعرابه للزجاج، ومعاني القرآن للأخفش، ومعاني القرآن للفراء. . . وغيرها، أو تكون التفسيرات ذات صبغة لغوية بارزة بجوار الاهتمام بمعاني الآيات، كتفسير النسفي. ومن قبيل النكات البلاغية التي أشار إليها الماتريدي في تفسيره، ما جاء في قوله تعالى: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا)، حين قال: " يشبه أن يكون الضحك كناية عن الفرح والسرور، والبكاء كناية عن الحزن، يقول: افرحوا وسروا قليلاً، وتحزنون في الآخرة طويلًا ". ولم يشر -أيضًا- الماتريدي إلى النكتة البلاغية بغرض إثباتها وحسب، بل لأنها تخدم المعنى وترشد إليه؛ ولذلك كان الماتريدي مقلاًّ من الاتكاء على مباحث البلاغة، ولم يكن تفسيره تفسيرًا بلاغيًّا صرفًا ككتاب مجاز القرآن لأبي عبيدة، أو كتب إعجاز القرآن ككتاب إعجاز القرآن للباقلاني، ولم يكن متشبعًا بالمباحث البلاغية كتفسير الزمخشري مثلاً، بل إن النكتة البلاغية تأتي لبيان غرض معين. ولعل عدم اهتمام الماتريدي بعلوم اللغة راجع إلى أمرين:
ثامنا: إعمال العقل والتفسير بالرأي:
الأول: اهتمامه بالمضمون دون الشكل، والمعنى دون اللفظ. والثاني: اهتمامه في تفسيره بالمسائل العقدية والفقهية، وهو أمر مترتب على الأول. ثامنًا: إعمال العقل والتفسير بالرأي: إن الماتريدي فضلاً عن اعتماده على المصادر المذكورة سابقًا، أعمل عقله في الآيات وقال فيها برأيه، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، وهو حين يعمل عقله يقلب الآية على وجوهها المختلفة تارة، ويذكر فيها وجهًا واحدًا تارة أخرى. فمن الأول -وهو كثير-: ما جاء في تفسيره قول اللَّه تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ)، حيث قال الماتريدي: قوله عَزَّ وَجَلَّ: (الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا) هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يجعلهم دركات بعضها أسفل بعض؛ كقوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ). والثاني: يحتمل أن يجعل بعضهم على بعض مقرنين في الأصفاد. (فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا) قيل: يجمعه جميعًا بعضهم على بعض ". ومن الثاني ما جاء في تفسيره لصدر الآية المذكورة (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) حيث قال: " جعل اللَّه تعالى الخبيث مختلطًا بالطيب في الدنيا في سمعهم وبصرهم ونطقهم وجميع جوارحهم ولباسهم وطعامهم وشرابهم وجميع منافعهم من الغنى والفقر وأنواع المنافع، جعل بعضهم ببعض مختلطين في الدنيا. . . لكنه ميز بين الطيب والخبيث في الآخرة بأعلام، يعرف بتلك العلامات الخبيث من الطيب، من نحو ما ذكر في الطيب قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23). ويلفت النظر في تفسير الماتريدي بالرأي أنه يتوخى المعاني القريبة من ظاهر الآية، فهو لا يوغل في التأويل كما يفعل المتصوفة في تفسيراتهم ولا يقف عند حدود ظاهر النص كما يفعل الظاهرية، بل إن الماتريدي ينظر في الآيات نظرة فاحصة معتدلة، ويتجه إلى المعاني التي تحتملها الآيات ولا تخرج بها عن المراد منها. القضية الثانية: طريقة الماتريدي في التفسير: نستطيع من خلال ما عرضناه من مصادر الماتريدي في التفسير ومن خلال تأمل التفسير الذي بين أيدينا أن نتلمس بعض الخطوط العامة لمنهج الماتريدي في التفسير.
إن منهج الماتريدي منهج متميز متفرد، فقد اختط لنفسه طريقة خاصة، وأسلوبًا متميزًا، وهي طريقة تتميز بالشمولية، وأسلوب يتسم بالوضوح، فهو يقوم باستقصاء الآية من كافة وجوهها، ويعرض المعنى الذي يريد إبرازه في وضوح ويسر، يفهمه القارئ العادي فضلاً عن المتخصص وكأننا أمام تفسير حديث، وليس تفسيرًا كتب في القرن الرابع الهجري. وهذه الطريقة تتميز عن طريقة المفسرين السابقين، من وجوه يمكن استخلاصها مما سبق: الأول: أن التفاسير السابقة كانت تقوم -في مجملها- على الرواية، بمعنى أن هذه التفسيرات تندرج تحت ما يعرف بـ " التفسير بالمأثور "، لكن الماتريدي يجمع بين الأمرين جميعًا. الثاني: أن التفاسير السابقة كانت تعتمد على السنة عند إيراد المرويات، سواء كانت هذه المرويات أحاديث عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أم أقوالاً للصحابة، أو حتى أقوالاً لمفسري التابعين، فالمفسر كان يأتي بالسند كاملاً حتى يرفع الخبر أو الأثر المروي إلى قائله، وخير مثال على ذلك تفسير ابن جرير الطبري. ولم يقتصر الأمر على التفاسير المتقدمة وحسب، بل إن تفسيرًا كتفسير القرآن العظيم لابن كثير المكتوب في القرن الثامن الهجري، يقوم على هذه الطريقة، فنجد السند والعنعنات. وهذا بخلاف تفسير تأويلات القرآن الكريم للماتريدي الذي تخلى عن ذكر السند في نقله للمرويات، سواء كانت من السنة أو من غيرها، حتى أننا نجده أحيانًا يهمل حتى القائل المباشر للرواية، فيقول: " قَالَ بَعْضُهُمْ " أو: " قيل "، وهكذا. وهذه الطريقة هي التي نجدها في تفسيرات المحدثين، وهي تناسب عصر الناس هذا، وكان الماتريدي سابقًا إليها قبل المحدثين بقرون متطاولة. الثالث: أن تفسير الماتريدي -كما قلنا- شامل وعام، فنجد فيه: المسائل الاعتقادية، والمسائل الققهية، ومضمون الآية، بخلاف التفسيرات السابقة، بل وأحيانًا اللاحقة التي يكون من همها التركيز على جانب واحد من جوانب هدايات القرآن المتعددة، فنجد مفسرًا ينصب اهتمامه على مسائل اللغة، ومفسرًا آخر ينصب اهتمامه على مسائل الفقه، وبعضهم على مسائل الاعتقاد، وهكذا.
أولا: يقوم الماتريدي -أحيانا- بعرض الآراء
وطريقة الماتريدي أو منهجه يقوم على عدة خطوط عامة، هي: أولًا: يقوم الماتريدي -أحيانًا- بعرض الآراء التي قيلت حول الآية، أو الأوجه المحتملة فيها، فيستخدم: " قَالَ بَعْضُهُمْ "، " قال آخرون "، أو: " قيل "، أو: " قيل فيه بوجوه "، أو: " قال فلان ". . . وهكذا. وهذا حينما يفسر بالنقل لا بالعقل، وإزاء هذه النقول لا يقف الماتريدي عاجزًا، بل ينقد ويحلل ويوجه ويختار من بين الأقوال المذكورة ما يراه أولى بمعنى الآية والمراد منها. ثانيًا: يقوم الماتريدي -أحيانًا- بذكر الأوجه المحتملة في تفسير الآية وذلك حين يفسر بالرأي، فيقول: " يحتمل "، أو: " يحتمل وجوه ". . . وهكذا. ثالثًا: يقوم الماتريدي باستخلاص المسائل الاعتقادية والمسائل الفقهية، ويدير حولها حوارًا طويلاً يستقصي جوانبها، حتى لو لم يكن بعض هذه الجوانب داخلاً تحت إطار الآية المفسرة. رابعًا: يبدأ الماتريدي أحيانًا تفسيره للآية بذكر القراءات الواردة فيها، فحين يفسر قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .) الآية يقول: " اختلف في قراءتها: قرأ بعضهم بالياء، وبعضهم بالتاء " ويعلل للقراءات بقوله: " فمن قرأ بالتاء صرف الخطاب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. . . ومن قرأ بالياء صرف الخطاب إلى الكفرة ". خامسًا: يبين الماتريدي -أحيانًا- أسباب نزول الآية، ولكنه لا يسلم ببعضها؛ لما يراه أنه مخالف للمعنى المقصود، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من هذا القبيل. سادسًا: يبين الماتريدي -أحيانًا- المعنى اللغوي لبعض الألفاظ، ولا يهتم في تأويله بالشعر فلا يأتي إلا نادرًا، ولا يهتم بأقوال العرب؛ اكتفاء منه بالقرآن الكريم وسنة المصطفى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأقوال الصحابة والتابعين وأقوال العلماء. سابعًا: أن الماتريدي حين يستعين بالسنة لا يهتم بذكر السند، كما أنه يذكر الحديث بالمعنى، وكأنه يعتمد على حفظه دون كتب السنة المثبت فيها الأحاديث، ثم إنه يجتزئ من الحديث بما يدل على الغرض، ولا يهتم بإيراده كاملًا. ثامنًا: يهمل الماتريدي الحديث عن المكي والمدني، وإبراز فضائل السور، والناسخ والمنسوخ. تاسعًا: أنه حين يشرع في تفسير أي سورة لا يقدم لها، بل يدخل إلى عالمها مباشرة،
ويعيش في رحاب آياتها دون أن يعرفنا شيئًا عن طبيعة هذه السورة، وعدد آياتها، وهل هي مكية أو مدنية، والظروف العامة لنزولها. . . إلخ. ويمكن القول: إنه من خلال عرض منهج الماتريدي وطريقته في التفسير، يتبين القارئ أنه أمام تفسير غاية في الأهمية، يجمع كثيرًا من أطراف العلوم، وأنه يقوم على منهج نقدي تحليلي يقف ضد العقليين والنصيين المتطرفين. يقول الكوثري: " كانت بلاد ما وراء النهر سليمة من أهل الأهواء والبدع؛ لسلطان السنة على النفوس هناك من غير منازع، تتناقل تلك الآثار بينهم جيلاً بعد جيل، إلى أن جاء إمام السنة فيما وراء النهر أبو منصور مُحَمَّد بن مُحَمَّد الماتريدي المعروف بإمام الهدى؛ فتفرغ لتحقيق مسائلها وتدقيق دلائلها؛ فأرضى بمؤلفاته جانبي العقل والنقل في آن واحد ". * * *
الفصل الثالث بذور التجديد في تفسير الماتريدي
الفصل الثالث بذور التجديد في تفسير الماتريدي يمكن رصد التجديد في تفسير تأويلات أهل السنة في ناحيتين: الأولى: الإطار العام. والثانية: الجزئيات. فأما الناحية الأولى فتتمثل في: أولًا: التجديد في المنهج: سبق أن بينا أن طريقة الماتريدي في تفسيره طريقة متميزة، ومنهجه متطور إلى حد كبير، سواء من جهة الإطار العام، أو من جهة جزئيات المنهج. فقد قام المنهج الماتريدي في تفسيره على التحليل والنقد، ولم يكن هذا معهودًا في التفسير قبل الماتريدي؛ حيث كان التفسير -كما قلنا- يعتمد على الرواية دون كبير تدخل من المفسر ودون نقد أو تمحيص أو تحليل، وفتح الماتريدي بهذا الباب واسعًا أمام من جاء بعده للتوسع في التحليل والشرح والتأويلات للآيات بإعمال العقل والنقل جميعاً. وقد توسع الماتريدي في تفسيره في إعمال العقل، لكن مقيدًا بالنص، وهو لون من ألوان التجديد؛ حيث استطاع الماتريدي الموازنة بين العقل والنقل، وقد كان السابقون عليه يعتمدون في تفسيراتهم على النقل فقط. صحيح أن هناك من سبق الماتريدي في إعمال العقل، لكنه لم يكن في تفسير القرآن الكريم، بل كان في المسائل الاعتقادية، والمسائل الفقهية. ويعد من التجديد في الإطار العام للمنهج عند الماتريدي في تفسيره الاستغناء عن ذكر السند عند التفسير بالمرويات. ثانيًا: الاهتمام بالمسائل الاعتقادية: اهتم الماتريدي كثيرًا في تفسيره بالمسائل الاعتقادية، ولعله غير مسبوق في الاهتمام بالمسائل الاعتقادية في التفسير؛ حيث كانت التفاسير السابقة تقوم على بيان معنى لفظ، أو شرح آية بشروح موجزة، مع ذكر الروايات حول الآية موضع التفسير، أما الاهتمام بالمسائل الاعتقادية التي تتضمنها فلا نكاد نجدها في التفاسير السابقة على تفسير تأويلات
أهل السنة، فقد توسع هذا التفسير في بيان هذه المسائل وناقشها، وذكر مذاهب العلماء فيها، بما يزيد -أحيانًا- عما تتضمنه الآيات من معان. ثالثًا: الاهتمام بالمسائل الفقهية: يعتبر الماتريدي في تأويلاته رائد المفسرين الذين ركزوا على المسائل الفقهية وعرض الآراء حولها في تفسيراتهم: كالإمام القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن الكريم، فقد قام الماتريدي بعرض المسائل الفقهية المتضمنة في بعض الآيات، وعرض الآراء حولها، وزاد عن الحد المطلوب من الآية أحيانًا، وقد ذكرنا نماذج من هذا القبيل. رابعًا: بروز شخصية الماتريدي في التفسير: كانت التفاسير السابقة على الماتريدي تعتمد -كما قلنا مرارًا- على المرويات، أما تفسير تأويلات أهل السنة فقد اعتمد فيه الماتريدي على التحليل، وعرض الآراء ومناقشتها، والقول في القرآن بالرأي، وإبداء الآراء الشخصية حول الآيات، فنحن نحس بشخصية الماتريدي بارزة في تفسيره، فلم يكن مجرد ناقل أو جامع للروايات كما كان شأن أسلافه، والنماذج السابقة تكشف عن ذلك بوضوح. هذه هي أبرز بذور التجديد في تفسير تأويلات أهل السنة، الذي أحسبه يسلك فيه منهجًا ويتبع فيه طريقة لم يسلكها المفسرون المتأخرون. * * *
الفصل الرابع تأثر الماتريدي بمن سبقوه
الفصل الرابع تأثر الماتريدي بمن سبقوه إن الماتريدي تأثر بمن سبقه، عامة، وتأثر بالإمام أبي حنيفة النعمان خاصة، حيث أخذ عنه الإطار العام لمذهبه في الكلام. لقد تأثر الماتريدي بالمنهج المتوازن بين العقل والنقل الذي سلكه أبو حنيفة، فقد سلك ذلك المسلك الوسط الذي لم يسلكه -كما يقول الشيخ أبو زهرة- سوى أبي حنيفة، وبلغ فيه الشأو والغاية. وهذا المنهج الذي سار عليه الإمام أبو حنيفة، وتبناه الماتريدي، لا يقدح في سلفية كل منهما، ولا يخرجهما عن دائرة أهل السنة؛ لأن أبا حنيفة يعد أول من كون مدرسة كلامية لأهل السنة وحاربت المبتدعة، وأظهرت الحق جليَّا. يقول أبو اليسر البزدوي: " أبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تعلم هذا العلم، وكان يناظر المعتزلة وأهل البدع، وكان يعلمه أصحابه في الابتداء، وقد صنف فيه كتبًا، وقع بعضها إلينا، وعامتها محاها وغسلها أهل البدع، ومما وقع إلينا كتاب العالم والمتعلم، وكتاب الفقه الأكبر، وقد نص كتاب العالم والمتعلم أنه لا بأس بتعلم العلم ". وهذا النص يكشف عن دور أبي حنيفة البارز، كما يدل في الوقت نفسه على مجموعة من مؤلفاته التي أثرت في الماتريدي كما سنعرف فيما بعد. وهذه الكتب رد فيها على المعتزلة، وبخاصة كتابه: الفقه الأكبر، ونصر فيه قول أهل السنة في خلق الأفعال، وفي الاستطاعة مع الفعل. ولقد استفاد الماتريدي من هذه الكتب، فقد تناول هذه الكتب والرسائل، وتأثر بها تأثرًا فكريًّا واضحًا؛ حتى إنه ليمكن القول: إن منهج الماتريدي لا يخرج عن المنهج العام الذي وضعه أبو حنيفة في مؤلفاته، هذا المنهج الذي يستخدم العقل، لكنه العقل المقيد بالنص، بحيث لا يخرج عنه، ولا يتقدم عليه بحال؛ لأن اللَّه تعالى ركب العقول ووفقها للاستدلال. ومعلوم أن أبا حنيفة - رحمه اللَّه - كون مدرسة فكرية ضمت أعظم العلماء وجهابذة
الفكر في أصول الدِّين وفروعه، ويرى الزبيدي أن علم أبي حنيفة المذكور في كتبه هو من الأمالي التي أملاها على أصحابه كحماد وأبي يوسف وأبي مطيع بن عبد اللَّه البلخي وأبي مقاتل حفص ابن مسلم السمرقندي، فهم الذين قاموا بجمعها، وتلقاها عنهم جماعة من الأئمة كإسماعيل بن حماد ومُحَمَّد بن مقاتل الرازي ونصر بن يَحْيَى البلخي وغيرهم، إلى أن وصلت إلى أبي منصور الماتريدي. ولكن كيف وصل علم أبي حنيفة ومؤلفاته إلى الماتريدي؟ معلوم أن الإسلام تغلب على بلاد ما وراء النهر منذ الفتح الإسلامي -كما أشرنا إلى ذلك في أول هذه الدراسة- وأن أهل هذه البلاد دخلوا في الإسلام أفواجًا، وأنهم فتحوا المدارس لتعليم الناس أمور الدِّين الإسلامي. ولما ظهرت المذاهب الفقهية اعتنق أكثرهم المذهب الحنفي، فانتشرت آراء أبي حنيفة وكتبه في هذه البلاد، ومن هنا يقول أبو معين النسفي: " إن أئمة أصحاب أبي حنيفة السالكين طريقه في الأصول والفروع الناكبين عن الاعتزال في جميع ديار ما وراء النهر وخراسان من مرو، وبلخ وغيرهما - كلهم من قديم الزمان كانوا على هذا المذهب ". ومن أبرز هَؤُلَاءِ الأئمة: أبو مطيع البلخي الذي تفقه على أبي حنيفة، وأبو سليمان الجوزجاني صاحب مُحَمَّد بن الحسن الذي أخذ عنه الفقه وروى كتبه، وعلى أبي سليمان الجوزجاني تتلمذ أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني وأبو نصر العياضي اللذان أخذ عنهما أبو منصور الماتريدي كما ذكرناه عند حديثنا عن ترجمته وشيوخه. ولم يكن تأثير المذهب الحنفي في الماتريدي في المذهب الكلامي فقط، بل إنه تأثر به في مجال الفقه، وتأثر به في المنهج والطريقة. ولم يكن -أيضًا- المذهب الحنفي هو المؤثر الوحيد في الماتريدي، بل إنه -وكما بان لنا- تأثر بالصحابة فيما نقل عنهم، وتأثر بالتابعين، وتأثر بجملة من العلماء لا يمكن حصرهم، وقد ذكرنا نماذج دالة على ذلك فيما سبق. لكن ما يجب التنبيه إليه هو أن الماتريدي عندما نقل وتأثر بسابقيه لم يكن بالمقلد التابع الذي يحتذي دونما بصر أو وعي، بل كان ينقض وينقد ويحلل ويدقق؛ ولذلك يمكن أن يقال: استطاع أبو منصور أن يؤسس المنهج الماتريدي؛ إذ كان أول متكلم من أهل السنة يعرض نظرية المعرفة بطريقة منهجية تحدد سيره في الاستدلال والوصول إلى
العلم، حتى كان رائدًا لأهل السنة في اتباع هذه الطريقة. هذا، ولقد تأثر الماتريدي بأبي حنيفة في آرائه الكلامية، حيث إن المدرسة السنية فيما وراء النهر، ظلت تدافع عن العقيدة الصحيحة، بدفع البدع، وصد الانحرافات، ومقاومة الضلالات الناتجة عن التعصب للفرق المخالفة لأهل السنة، بعيدًا عن التوغل في الدقائق الكلامية، مهتدية في مسلكها بمنهج الإمام أبي حنيفة دون أن تدخل عليه جديدًا، الأمر الذي جعلنا لم نصل إلى آراء خاصة لهم خارجة عن آراء شيخهم، وهَؤُلَاءِ مهدوا الطريق لأبي منصور للقيام بمنهجه ولإرساء دعائم مذهبه الكلامي المتأثر بمنهج أبي حنيفة والمجدد في الوقت ذاته. * * *
الفصل الخامس تأثير الماتريدي فيمن جاءوا بعده
الفصل الخامس تأثير الماتريدي فيمن جاءوا بعده لقد كان الماتريدي من أفاضل علماء أهل السنة في بلاد الشرق الإسلامي، ففي الطبقات السنية: اتفق الناس على علو قدره وعظم محله وطيب نشره، فإنه كان من كبار علماء الإسلام الذين بعلمهم يقتدى، وبنور فضلهم يهتدي، وكان إمام المتكلمين ومصحح عقائد المسلمين، نصره اللَّه بالصراط المستقيم، فصار في نصرة الدِّين القويم، صنف التصانيف الجليلة، ورد أقوال أصحاب العقائد الباطلة. ولذلك كان أثر الماتريدي في لاحقيه أثرًا كبيرًا، ولعلنا نتلمس هذا التأثير في عدة اتجاهات هي: أولًا: تأثيره في التفسير: تأثر الذين جاءوا من بعد الماتريدي به كثيرًا في التفسير، فأخذ عنه كثير من المفسرين، منهم صاحب روح المعاني، حيث تجد تأثره بالماتريدي في تفسير قوله تعالى: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) ويقول: " فهو الحامد والمحمود، والجميع شئونه، ولهم كلام غير هذا، والكل يُسقى بماء واحد، وعن إمامنا الماتريدي -روح اللَّه روحه- أنه جعل هذا حمدًا من اللَّه تعالى لنفسه، قال: وإنما حمد نفسه ليعلم الخلق، ولا ضير في ذلك؛ لأنه سبحانه هو المستحق لذاته والحقيق بما هنالك؛ إذ لا عيب يمسه، ولا آفة تحل به ". وينقل عنه الآلوسي -أيضًا- تفريقه بين التفسير والتأويل، فيقول: " وقال الماتريدي: التفسير: القطع بأن مراد اللَّه تعالى كذا، والتأويل ترجيح أحد الاحتمالات بدون قطع، وقيل: التفسير ما يتعلق بالرواية، والتأويل ما يتعلق بالدراية ". ونقول الآلوسي عن الإمام الماتريدي في تفسيره لا تحصى عددًا. ونقل عنه -أيضًا- القرطبي، فعند تفسيره قول اللَّه تعالى: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) قال: " حكي عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي - رحمه اللَّه - أنه قال:
يحتمل أن أبا حنيفة كره إشعار أهل زمانه وهو المبالغة في البضع على وجه يخاف منه السراية، أما من لم يجاوز الحد وفعل كما كان يفعل في عهد رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - فهو حسن ". وأفاد من الماتريدي -أيضًا- المفسر الكبير، واللغوي البحر، الجامع بين الرواية والدراية، العالم أبو حيان في كتابه البحر المحيط، فمثلاً عند قوله تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ)، ينقل عن الماتريدي تأويله: " ويحتمل أن يراد بالشح الحرص، وهو أن يحرص كل على حقه، يقال: هو شحيح بمودتك، أي: حريص على بقائها، ولا يقال في هذا: بخيل، فكأن الشح والحرص واحد في المعنى، وإن كان في أصل الوضع: الشح للمنع، والحرص للطلب، فأطلق على الحرص الشح؛ لأن كل واحد منهما سبب لكون الآخر، ولأن البخل يحمل على الحرص، والحرص يحمل على البخل ". هذا ولم يقتصر تأثير الماتريدي على مفسري المتقدمين، بل لقد أفاد منه مفسرو المتأخرين حتى عصرنا الحاضر، فقد أفاد منه السيوطي في الإتقان، وأفاد منه الزرقاني في مناهل العرفان، وأفاد منه الزركشي في برهانه، وأفاد منه ابن تيمية في فتاويه، وغيرهم كثير وكثير، وما يزال اسم الماتريدي وتفسيره تأويلات أهل السنة يتردد في تفاسير المحدثين وبحوثهم في التفسير. ثانيًا: تأثير الماتريدي في العقيدة: لقد كان لمذهب الماتريدي الكلامي أثره في اللاحقين، فقد أفادوا منه أيما إفادة، وأفادوا من مسائله الاعتقادية التي عرضها في تفسيره تأويلات أهل السنة. وتدليلاً على ذلك نسوق بعض النماذج، فقد جاء في أنواء البروق ما نصه: " وأما الحلف بصفات الأفعال، ففي المجموع وشرحه وحاشيته ما حاصله: أن اليمين لا ينعقد بنحو الإماتة والإحياء، اللهم إلا أن يلاحظ المذهب الماتريدي، وهو أن صفات الأفعال
قديمة ترجع إلى صفة التكوين، أو يريد مصدرها ومنشأها وهو القدرة والاقتدار الراجع للصفة المعنوية، أي: كونه قادراً؛ إذ المعنوية ينعقد بها جزمًا ". ونقل عنه وعن غيره ابن تيمية، ما نصه: " وأما الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وطوائف من أهل الكلام من الرادين على المعتزلة والمرجئة والشيعة والكرامية وغيرهم فيطردون ما ذكر من الأدلة، ويقولون: لا يكون فاعلاً إلا بفعل يقوم بذاته وتكوين يقوم بذاته، والخلق الذي يقوم بذاته غير الخلق الذي هو المخلوق، وهذا هو ما ذكره الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك في كتبهم، كما ذكره فقهاء الحنفية كالطحاوي وأبي منصور الماتريدي ". وفي فتاوى الرملي: " أن الكلام القديم هو صفة اللَّه تعالى يجوز أن يسمع بلا صوت ولا حرف؛ كما يرى في الآخرة بلا كم ولا كيف، وهذا هو المرجح في كلام الشيخ جلال الدِّين، ومنع الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ذلك، وهو اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي ". وتأثر اللاحقين بالماتريدي في الآراء الكلامية أكثر من أن تقوم به هذه الصفحات القليلة، بل إنه يحتاج إلى دراسات مستفيضة، وكيف لا وهو صاحب ذلك المذهب المعروف بمذهب الماتريدية في علم الكلام كما أوضحنا من قبل. ثالثًا: تأثير الماتريدي في علم الفقه: امتد تأثير الماتريدي في لاحقيه إلى الفقه، فقد أفاد منه العلماء في هذا المجال إفادة جمة، وفي سبيل إثبات ذلك نذكر بعض النماذج الدالة، منها ما ذكر صاحب بدائع الصنائع من " أنه إذا استيقظ فوجد على فخذه أو على فراشه بللًا على صورة المذي، ولم يتذكر الاحتلام - فعليه الغسل في قول أبي حنيفة ومُحَمَّد، وعند أبي يوسف لا يجب، وأجمعوا أنه لو كان منيًّا أن عليه الغسل؛ لأن الظاهر أنه عن احتلام، وأجمعوا أنه إن كان وديًا لا غسل عليه؛ لأنه بول غليظ، وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه إذا وجد على
فراشه منيًّا فهو على الاختلاف، وكان يقيسه على ما ذكرنا من المسألتين. وجه قول أبي يوسف أن المذي يوجب الوضوء دون الاغتسال، ولهما ما روى إمام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي بإسناده عن عائشة - رضي اللَّه عنها - عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " إذا رأى الرجل بعدما ينتبه من نومه بلة، ولم يذكر احتلامًا اغتسل، وإن رأى احتلامًا، ولم ير بلة فلا غسل عليه "، وهذا نص في الباب ". وفي تفسير قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) الآية، نقل أبو حيان عن الماتريدي قوله: " في الآية دليل على أن المال كله للذكر، إذا لم يكن معه أنثى؛ لأنه جعل للذكر مثل ما للأنثيين، وقد جعل للأنثى النصف إذا لم يكن معها ذكر، بقوله: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) فدل على أن للذكر حالة الانفراد مثلي ذلك، ومثلًا النصف هو الكل. انتهى ". رابعًا: تأثير الماتريدي في علوم اللغة: لم يكن تأثير الماتريدي كبيرًا في علوم اللغة؛ نظرًا؛ لأنه كان لا يعتمد عليها في تفسيره كثيرًا، ومع هذا لا نعدم نقلاً عنه هنا أو هناك في هذا المجال؛ ومن ذلك ما جاء في التلويح عند الكلام عن قول اللَّه تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40). " ذهب الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي - رحمه اللَّه - إلى أن هذا مجاز عن سرعة الإيجاد، والمراد التمثيل لا حقيقة القول ". وخلاصة ما سبق أن الماتريدي كان له فضل على لاحقيه لا ينكر، وأن أثره ممتد ومتشعب في مجالات شتى من العلوم: علم الكلام، والفقه، واللغة، والتفسير، وغيرها؛ مما يدل على موسوعية هذا العالم الجليل وفضله الذي لا ينكر في خدمة الإسلام وعلومه. * * *
وصف نسخ الكتاب الخطية
وصف نسخ الكتاب الخطية اعتمدنا في تحقيق " تأويلات أهل السنة للماتريدي " على ثلاث نسخ خطية: نسختين بدار الكتب المصرية، ونسخة بتركيا. النسخة الأولى: نسخة مصورة منقولة عن المخطوطة المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم " 6 " قوله، ومحفوظة أيضًا تحت رقم 27306 ب وتقع في ثلاثة مجلدات، ينتهي الأول بورقة 219، والثاني بورقة 440، والثالث بورقة 656. والنسخة مكتوبة بخط مصطفى بن مُحَمَّد بن أحمد في سنة 1165 هـ، وتشتمل على 656 ورقة، وهي نسخة جيدة كاملة، ليس فيها تآكل سوى الورقة الأولى، وكل صفحة منها تتكون من سبعة وأربعين سطرًا، يشتمل كل سطر على نحو خمس وعشرين كلمة. والمخطوطة الأصلية المصور عنها تقع في مجلد واحد، مذهبة الصفحات تبدأ فيها كل آية بمداد أحمر تكتب به كلمة: قوله، والخط فيها واضح تمامًا، وبها من هذه النسخة بعض تعليقات، إما تكميل آية وردت بالأصل، أو تعليق على رأى بمزيد توضيح، أو تبيين لمعنى لغوى. النسخة الثانية: نسخة مصورة منقولة عن النسخة الخطية المحفوظة بمكتبة كوبريلِّي بالآستانة تحت رقم 48، ومحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 873 تفسير، وهي مكتوبة بخط أحمد بن مُحَمَّد يوسف الخالدي الصفدي الحنفي 818 هـ، ولوجد من هذه النسخة بدار الكتب المصرية أجزاء تنتهى بتفسير سورة الإسراء، وتقع في 1639 ورقة، وفي كل صفحة 35 سطرًا تقريبًا، ويشتمل كل سطر على نحو 16 كلمة، وخطها واضح في الأغلب منها، ويوجد بعض أجزاء من هذه المصورة في مكتبة معهد المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية بالقاهرة، وقد تم الاعتماد عليها في التحقيق. النسخة الثالثة: يوجد منها جزء واحد موجود في دار الكتب المصرية في ضمن أجزاء نسخة كوبريلِّي، ولكنه يختلف عن هذه النسخة من جهات: - الجزء أصل مخطوط، بينما أجزاء نسخة كوبريلِّي مصورة. - ثم إنه بخط يختلف عن خط النسخة. - وتتكون صفحاته كل صفحة من نحو 28 سطرًا، يشتمل كل سطر على 15 كلمة تقريبًا. وهذا يؤكد أن هذا الجزء يختلف عن هذه النسخة، وأنه من نسخة أخرى.
وهذا الجزء يبدأ بتفسير سورة " المنافقون " من قوله: (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) إلى آخر القرآن الكريم، وعدد صفحاته 256 صفحة، وفيه خرم ورقة أو ورقتين من سورة المزمل. * * *
صور المخطوط
صور المخطوط صورة من نسخة دار الكتب المصرية فيها تفسير سورة الفاتحة
صور المخطوط صورة من نسخة دار الكتب المصرية
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة دار الكتب المصرية
صورة أول فاتحة الكتاب من نسخة مكتبة كوبريلي
صورة من نسخة مكتبة كوبريلِّي
مقدمة المصنف
مقدمة المصنف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي، رضي اللَّه تعالى عنه: الفرق بين التأويل والتفسير هو ما قيل: التفسير للصحابة، رضي اللَّه عنهم، والتأويل للفقهاء، ومعنى ذلك: أن الصحابة شهدوا المشاهد، وعلموا الأمر الذي نزل فيه القرآن. فتفسير الآية أهم لما عاينوا وشهدوا، إذ هو حقيقة المراد، وهو كالمشاهدة، لا تسمح إلا لمن علم، ومنه قيل: من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار؛ لأنه فيما يفسر يشهد على اللَّه به. وأما التأويل: فهو بيان منتهى الأمر، مأخوذ من: آل يؤول، أي يرجع، ومعناه - كما قال أبو زيد: لو كان هذا كلام غيره يوجه إلي كذا وكذا من الوجوه، فهو توجيه الكلام إلى ما يتوجه إليه، ولا يقع التشديد في هذا مثل ما يقع في التفسير، إذ ليس فيه الشهادة على اللَّه؛ لأنه لا يخبر عن المراد، ولا يقول: أراد اللَّه به كذا، أو عنى، ولكن يقول: يتوجه هذا إلى كذا وكذا من الوجوه، هذا مما تكلم به البشر. واللَّه أعلم ما صحته من الحكمة. ومثاله: أن أهل التفسير اختلفوا في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ): قَالَ بَعْضُهُمْ: إن اللَّه تعالى حمد نفسه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أمر أن يُحمد. فمن قال: عنى هذا، دون هذا، فهو المفسر له. وأما التأويل - فهو أن يقول: يتوجه الحمد إلى الثناء والمدح له، وإلى الأمر بالشكر لله عَزَّ وَجَلَّ، واللَّه أعلم بما أراد. فالتفسير -ذو وجه واحد، والتأويل- ذو وجوه. * * *
سورة فاتحة الكتاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) التَّسمِيةُ هِيَ آيةٌ مِنَ الْقُرْآن، وَلَيسَتْ مِنْ فاتِحةِ الكِتاب. دليل جعلها آية: ما رُويَ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال لأبي بن كعب: " لأُعلمنَّكَ آيةً لَم
تَنْزِلْ عَلَى أَحَدٍ قَبلي إِلَّا عَلَى سُلَيمَانَ بنِ دَاودَ فأَخْرَجَ إِحْدَى قَدَمَيهِ، ثمَّ قَالَ له: بأَي آيةٍ تفتتح بها القرآن؟ قال: بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). فَقَالَ: هِيَ هِيَ ". ففى هذا أنها آية من القرآن، وأنها لو كانت من السور لكان يعلمه نَيِّفًا ومائةَ آيةٍ لا آيةً واحدةً. ولو كانت منها أيضًا؛ لكان لا يجعلها مفتاح القرآن، بل يجعلها من السور. ثم الظاهر أن من لم يتكلف تفسيرها عند ابتداء السورة ثبت أَنها ليست منها. وكذلك تركُ الأُمةِ الجهرَ بها، على العلم بأنه لا يجوز أن يكون رسولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يجهر بها ثم يخفى ذلك على من معه، وأن يكونوا غفلوا ثم يضيعون سُنَّةً بلا نفع يحصل لهم، حتى توارثت الأمة تركَها فيما يحتمل أن يكون الجهر سنة ثم يخفى، فيكون في فعل الناس دليل واضح أنها ليست من السور. ودليل آخر على ذلك ما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن اللَّه أنه قال: " قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَينَ عَبدِي نِصْفَينِ، فإِذَا قَالَ العَبدُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) إلى قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ). فقال: هذا لي ". وهي ثلاث آيات. وقال بعد قوله: (اهدِنَا) إلى آخرها: " هَذَا لِعَبدِي "، ثبت أنها ثلاثُ آيات؛ لتستويَ القسمة. ثم قال في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ): " هذا بيني وبين عبدي نصفين ".
فثبت أنها آية واحدة؛ فصارت بغير التسمية سبعًا. وذلك قول الجميع: إنها سبع آيات مع ما لم يذكر في خبر القسمة؛ فثبت أنها دونها سبع آيات. وقد رُويَ عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " صلَّيْتُ خلفَ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وخلف أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمان - رضي اللَّه عنهم - فَلمْ
يكونوا يَجْهرُونَ بـ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ".
وروى ذلك عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وعبد اللَّه بن عمر وجماعة، وهو الأَمر المعروف في الأُمة، مع ما جاءَ في قصة السحر: أن العُقَد كانت إحدى عشرة، وقرأَ عليها المعوذتين دون التسمية؛ فكذا غيرها من السور مع ما إذا جعلت مفتاحًا كانت كالتعوذ، واللَّه الموفق. والأصل عندنا أن المعنى الذي تَضَمنُه فاتحةُ القرآن فرض على جميع البشر؛ إذ فيه الحمد لله والوصف له بالمجد، والتوحيد له، والاستعانة به، وطلب الهداية، وذلك كله يَلزَم كافةَ العقلاء من البشر، إذ فيه معرفة الصانع على ما هو معروف، والحمدُ له على ما يستحقه، إذ هو المبتدئ بنعمه على جميع خلقه، وإليه فقر كلِّ عبدٍ، وحاجةُ كلِّ محتاج، فصارت لنفسها -بما جمعت الخصال التي بَيَّنَّا- فريضةً على عباد اللَّه.
ثم ليست هي في حق الصلاة فريضة، وذلك نحو التسبيحات بما فيها من تنزيه اللَّه. والكبيرات بما فيها من تعظيمه فريضة لنفسها؛ إذ ليس لأَحد ألا ينزه ربه، ولا يعظمه من غير أَن يوجب ذلك فرضيتها في حق الصلاة، وفي حق كل مجعولة هي فيه، لا من طريق توضيح الفرضية من غير طريق الذي ذكرت. ثم ليست هي بفريضة في حق القراءَة في الصلاة؛ لوجوه: أحدها: أَن فرضية القراءَة عرفنا بقوله: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) وفيها الدلالة من وجهين: أحدهما: أنه قد يكون غيرها أَيسرَ. والثاني: أن فرضيَّة القراءَة في هذه الآية من حيث الامتنان بالتخفيف علينا والتيسير، ولو لم يكن فريضة لم يكن علينا في التخفيف منَّةٌ إذًا بالترك. ثم لا نخير في فاتحة القرآن، والآية التي بها عرفنا الفرضية فيما تخير ما يختار من الأيسر، ثبت أنها رجعت إلى غيرها، وباللَّه التوفيق. والثاني: أن نبي اللَّه أخبر عن اللَّه: أنه جعل بها في حق الثناء، وهو ما ذكر في خبر القسمة فصارت تقرأ بذلك الحق، فلم يخلص لها حق القراءَة، بل أَلحق بها حق الدعاء والثناءِ، وليس ذلك من فرائض الصلاة، وباللَّه التوفيق. والثالث: ما رُويَ عنِ عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أَحْيَا ليلة بقوله: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ) الآية. وبه كان يقوم، وبه كان يركع، وبه يسجد، وبه يقعد ". فثبت أنه لا يتعين قراءَتها في الصلاة مع ما أَيَّده الخبر الذي فيه
" أَنِ ارْجِعْ فَصَل فَإِنَّكَ لَم تُصل "؛ إذ قال له وقت التعليم: " اقْرَأْ مَا تيسَّرَ عَلَيكَ " فثبت أَن المفروض ذلك. وأيضا رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أَنه قال: " لا صَلاةَ إِلا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ ".
ثم رُويَ عنه بيان محلها: " إِنَّ كُلَّ صَلاةٍ لَم يُقْرَأْ فيها بِفَاتِحَةِ الكتابِ فهِيَ خِدَاجٌ، نُقْصَان، غَيرُ تَمَام ". والفاسدُ لا يوصف بالنقصان، وإنما الموصوف بمثله ما جاز مع النقصان. وبالله التوفيق. ثم خص فاتحة القرآن بالتأمين بما سُمِّي بالذي ذكَره خبرُ القسمة. وغير الفاتحة وإن كان فيه الدعاءُ، فإنه لم يخص بهذا الاسم؛ لذلك لم يجهر به، فالسبيل فيه ما ذكرنا في القسمة، مع ما كان هو أخلص بمعنى الدعاء منها. ثم السُّنَّة في جميع الدعوات المخافَتةُ. والأصل: أنَ كل ذِكِر يشترك فيه الإمام والقوم فَسُنتُه المخافتة إلا لحاجة الإعلام، وهذا يعلم من قوله: (وَلَا الضَّالِّينَ) فيزول معناه. وسبيل مثله المخافتة مع ما جاءَ به مرفوعًا ومتوارثًا. وخبرُ الجهر يحتمل: السبق، كما كان يُسمِعُهُم في صلاة النهار أحيانًا. ويحتمل: الإعلام، أنه كان يقرأُ به. وباللَّه التوفيق. ثم جمعت هذه خصالًا من الخير، ثم كل خصلة منِها تجمع جميع خصال الخير. منها: أَن في الحرف الأول من قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) شكرًا لجميع النعم، وتوجيهًا لها إلى اللَّه لا شريك له، ومَدْحًا له بأَعلى ما يحتمل المدح، وهو ما ذكرنا من عموم نعمه وآلائه جميعَ بريَّته.
(2)
ثم فيه الإقرار بوحدانيته في إنشاءِ البرِية كلها، وتحقيق الربوبية له عليها بقوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) وكل واحد منها يجمع خصال خير الدارين، ويوجب القائل به -عن صدق القلب- درك الدارين. ثم الوصف لله -عَزَّ وَجَلَّ- بالاسمين يتعالى عن أن يكون لأَحد من معناهما حقيقة، أو يجوز أن يكون منه الاستحقاق نحو " اللَّه " و " الرحمن ". ثم الوصف بالرحمة التي بها نجاة كل ناج، وسعادة كل سعيد، وبها يتقي المهالكَ كلها مع ما من رحمته خلق الرحمة التي بها تعاطف بينهم وتراحمهم. ثم الإيمان بالقيامة بقوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) مع الوصف له بالمجد، وحسن الثناء عليه. ثم التوحيد، وما يلزم العباد من إخلاص العبادة له، والصدق فيها، مع جعل كل رفعة وشرف منالًا به عَزَّ وَجَلَّ. ثم رفع جميع الحوائج إليه، والاستعانة به على قضائها، والظفر بها على طمأْنينة القلب وسكونه، إذ لا خيبة عند معونته، ولا زيغ عند عصمته. ثم الاستهداء إلى ما يرضيه، والعصمة عما يغويه في حادث الوقت، على العلم بأنه لا ضلال لأَحد مع هدايته في التحقيق. والرجاء والخوف من اللَّه لا من غيره. وعلى ذلك جميع معاملات العباد، ومكاسبهم على الرجاء من اللَّه تعالى أَن يكون جعل ذلك سببًا به يصل إلى مقصوده، ويظفر بمراده. ولا قوة إلا باللَّه. قوله تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) قولهُ عَزَّ وَجَلََّّ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ (2) احتمل: أن يكون جلَّ ثناؤُه حمدَ نفسه؛ ليُعلِم الخلقَ استحقاقَه الحمد بذاته؛ فيَحمَدوه. فَإِنْ قِيلَ: كيف يجوز أن يحمدَ نفسه، ومثلهُ في الخلق غير محمود؟! قيل له: لوجهين: أحدهما: أنه استحق الحمدَ بذاته، لا بأَحدٍ؛ ليكون في ذلك تعريفُ الخلقِ لما يُزلفُهم لديه بما أَثْنَى على نفسه؛ ليُثْنُوا عليه. وغيرُه إنما يكون ذلك له به -جل وعز- فعليه: توجيه الحمد إليه لا إلى نفسه؛ إذ نفسُه لا تستوجبه بها، بل باللَّه تعالى.
والثاني: أَن اللَّه تعالى حقيق بذلك؛ إذ لا عيب يمسُّهُ، ولا آفة تحل به فيدخل نقصان في ذلك. ولا هو خاصّ بشيء. والعبدُ لا يخلو عن عيوب تمسُّه، وآفات تحل به، ويُمدح بالائتمار، ويذم بتركه. وفي ذلك تمكن النقصان، وحق لمثله الفزع إلى اللَّه، والتضرع إليه؛ ليتغمدهُ برحمته، ويتجاوز عن صنيعه. وعلى ذلك معنى التكبير، نحمد به ربنا ولا نحمد غيره؛ إذ ليس للعبد معنى يستقيم معه تكبُّره، إذ هُم جميعًا أَكفاء من طريق المحبة، والخلق، وما أَدرك أَحدٌ منهم من فضيلة أو رفعة فباللَّه أدركه، لا بنفسه؛ فعليه تنزيه الرب، والفزعُ إليه بالشكر، لا بالتكبر على أمثاله. واللَّه عن هذا الوصفِ مُتَعَالٍ. ويحتمل أن يكون قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) على إضمار الأَمر، أي: قولوا: الحمد لله؛ لأن الحمد يضاف إلى اللَّه، فلا بد من أن يكون له علينا؛ فأَمرَ بالحمد لذلك. ثم يخرج ذلك على وجهين: أحدهما: ما رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " الحمد لله: أي الشكر لله بما صنع إلى خلقه ". فيخرج تأويل الآية على هذا؛ لأنه -على هذا الترتيب- على الأَمر بتوجيه الشكر إليه، وذلك يتضمن الأَمر أيضًا بكل الممكن من الطاعة على ما رُويَ عن النبي - عليه السلام - " أَنَّه صَلَّى حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فقِيلَ لَهُ: أليسَ قَدْ غَفَرَ اللهُ لكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفلا أكونُ عَبْدًا شَكُورًا "!.
فصيَّر أَنواع الطاعات شكرًا له، فمن أَطاع اللَّه - تعالى - فقد شكر له، فيخرج تأْويل الآية على هذا. والوجه الثاني: أنه يخرج مخرج الثناء على اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - والمدح له، والوصفِ بما يستحقه، والتنزيه عما لا يليق به، من توجيه النعم إليه، وقطع الشركة عنه في الإنعام والإفضال على عباده. وعلى ذلك ما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أَن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لله رَب الْعَالَمين، قال اللَّه تعالى: حَمِدَني عَبدي "؛ فجعل الحمدَ هذا الحرف، وصيَّر منه ثناءً؛ لوجهين: أحدهما: أنه نسب الربوبية إليه في جميع العالم، وقطعها عن غيره. والثاني: أَنه سَمَّى ذلك صلاةً، والصلاةُ اسْم للثناءِ والدعاءِ، وذلك خلاف الذم ونقيضه. وفي الوصف بالبراءَة من الذم مدحٌ، وثناء بغاية المدح والثناءِ؛ ولذلك يفرق القول بين الحمد والشكر؛ إذ أُمِرنا بالشكر للناس بما جاءَ عن رسول اللَّه - عليه السلام -: " إنَّ من لم يَشكُرِ النَّاس لم يشكرِ اللَّه " صيره بمعنى المجازاة، والحمدُ بمعنى الوصف بما هو أَهله؛ فلم يُستَحَب الحمد إلا لله. وباللَّه التوفيق. وقوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ). رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " سيد العالَمين ". والعالم: كل من دَبَّ على وجه إلأرض. وقد يتوجه: " الربُّ " إلى الربُوبية لا إلى السؤدد؛ إذ يستقيم القول برب كل شيء من بني آدم وغيره، نحو رب السماوات والأرضين، ورب العرش ونحوه، وغير مستقيم القول بسيد السماوات ونحوه.
(3)
وقد يتوجه اسم الرب إلى المالك؛ إذ كل من يُنْسب إليه الملك يُسمَّى أنه مالكه، ولا يُسمَّى أنه سيد إلا في بني آدم خاصةً. واسم الرب يجمع ذلك كلَّه؛ لذلك كان التوجيه إلى المالك أقرب، وإن احتمل المروي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذ هو في الحقيقة سيدُ من ذُكِر ورَبُّهم. والله الموفق. ثم اختلَف أهلُ التفسير في العَالَمِين: فمنهم من رد إلى كل ذي روح دب على وجه الأرض. ومنهم من رد إلى كل ذي روح في الأَرض وغيرها. ومنهم من قال: لله كذا، كذا عالم. والتأويل عندنا ما أجمع عليه أهل الكلام: أن العالَمين: اسم لجميع الأَنام والخلق جميعًا. وقول أَهلِ التفسير يرجع إلى مثله، إلا أَنهم ذكروا أَسماءَ الأَعلام، وأَهل الكلام ما يجمع ذلك وغيرَهم. ثم العالَم اسم للجميع، وكذلك الخلق، ثم تعريف ذلك بالعالَمين والخلائق يتوجه إلى جمع الجمع، من غير أن يكون في التحقيق تفاوتٌ، وقد يتوجه إلى عالم كل زمان وكذا خلقِ كل زمان على حكم تجدد العالم. وباللَّه التوفيق. وفي ذلك أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ادعى لنفسه: رب العالمين كلهم، من تقدم وتأَخر، ومن كان ويكون، ولم يَقْدر أَحد أَن ينطق بالتكذيب، يدّعي شيئًا من ذلك لنفسه؛ فدل ذلك على أن لا رب غيره، ولا خالق لشيء من ذلك سواه؛ إذ لا يجوز أَن يكون حكيم أَو إله ينشئ ويبدع ولا يدعيه، ولا يفصل ما كان منه ما كان لغيره، وبنفسه قام ذلك لا بغيره؛ وعلى ذلك معنى قوله تعالى: (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خلق) فهذا - مع ما في اتساق التدبير، واجتماع التضاد، وتعلق حوائج بعضٍ ببعض، وقيام منافع بعضٍ ببعض، على تباعد بعضٍ من بعض وتضادها - دليلٌ واضح على أن مدبر ذلك كله واحد، وأَنه لا يجوز كون مثل ذلك من غير مُدبِّر عليم. والله المستعان. * * * وقوله: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) اسمان مأْخوذان من الرحمة، لكنه رُوِى فيهما: رقيقان أَحدُهما أَرقُّ من الآخر، وكأن الذي رُوِي عنه هذا أَراد به لطيفان أحدُهما أَلطف من الآخر، دليل ذلك وجهان: أَحدهما: مجيء الأَثر في ذلك -اللطيف- في أسماء اللَّه تعالى مع ما نطق به
الكتاب، ولم يذكر في شيء من ذلك رقيق. ومعنى اللطيف: استخراج الأُمور الخفية وظهورها له؛ كقوله: (إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ) إلى قوله: (لَطِيفٌ خَبِيرٌ)، وباللَّه التوفيق. والثاني: أن اللطيفَ حرف يدل على البر والعطفِ. والرقة على رقة الشيء التي هي نقيض الغلظ والكثافة، كما يقال: فلان رقيق القلب. وإذا قيل: فلان لطيف، فإنما يراد به بارٌّ: عاطف؛ فلذلك يجوز: لطيف، ولا يجوز: رقيق، وكذلك فسر من فسر " الرحمن " بالعاطف على خلْقه بالرزق. وذهب بعضهم -وهو الأول- إلى اللطافة وذلك بعيد، وإنَّمَا هو من اللُّطف. وقوله: أَحدُهما أَرق من الآخر، بمعنى اللطف - يحتمل وجهين: أحدهما: التحقيق بأَن اللطف بأَحد الحرفين أَخص وأَليق، وأَوفر وأكمل، فذلك رحمته بالمؤمنين أنه يقال: رحيم بالمؤمنين على تخصيصهم بالهداية لدينه؛ ولذا ذكر أُمته وإن أشركهُم في الرزقِ فيما يراهم غيرهم؛ ألا ترى أنه لا يقال: رحمن بالمؤمنين، وجائز القول: رحيم بهم، وكذلك لا يقال: رحيم بالكافرين، مطلقًا؟! وباللَّه التوفيق. ووجه آخر: أَن أحدهما أَلطف من الآخر؛ كأنه وصف الغاية في اللطف حتى يتعذر وجه إدراك ما في كل واحد منهما من اللطف، أو يوصف بقطع الغاية عما يتضمنه كل حرف. وباللَّه التوفيق. ثم في هذا أن اسم " الرحمن " هو المخصوص به اللَّه لا يسمى به غيره، و " الرحيم " يجوز تسمية غيره به؛ فلذلك يوصف أن " الرحمن " اسم ذاتي، و " الرحيم " فِعْلي، وإن احتمل أن يكونا مشتقين من الرحمة؛ ودليل ذلك: إنكار العرب " الرحمن "، ولا أحد منهم أنكر " الرحيم "، حيث قالوا: (قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا)، وذلك قوله: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا)، يَدُل على أنه ذاتي لا فعلي، وإن كان الفعل صفة الذات؛ إذ محالٌ صفته بغيره؛ لما يوجب ذلك الحاجة إلى غيره ليحدث له الثناءَ والمدح. وفي ذلك خَلَق الخلق لنفع الامتداح، وهو عن ذلك متعالٍ، بل بنفسه مستحق لكل حمدٍ ومدح، ولا قوة إلا باللَّه. ورُوي في خبر القسمة: " أن العبد إذا قال: الرحمن الرَّحيم، قال اللَّه تعالى: أَثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدِّين، قال: مجدني عبدي ". وذكر أنه قال في الأول: بالتمجيد، وفي الثاني: بالثناء، وذلك واحد؛ لأن معنى الثناء الوصف بالمجد والكرم
(4)
والجود، والتمجيد هو الوصف بذلك، وباللَّه التوفيق. ثم أُجمع على أن قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) أنه يوم الحسابِ والجزاءِ. وعلى ذلك القول: (أَإِنَّا لَمَدِينُونَ)، وقوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) وهو الجزاء. ومن ذلك قول الناس: " كما تدين تدان ". وجائز أن يكون (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) على جعل ذلك اليوم لما يدان اليوم؛ إذ به يظهر حقيقتُه، وعِظمُ مرتبته، وجليلُ موقعه عند ربه. وفي الآية دلالة وصف الرب بملكِ ما ليس بموجود لوقت الوصفِ بملكه، وهو يوم القيامة. ثبت أن اللَّه بجميع ما يستحق الوصف به يستحقه بنفسه لا بغيره. ولذلك قلنا نحن: هو خالق لم يزل، ورحيم لم يزل، وجواد لم يزل، وسميع لم يزل -وإن كان ما عليه وقع ذلك لم يكن- وكذلك نقول: هو رب كل شيء، وإله كل شيء في الأزل -وإن كانت الأَشياء حادثة- كما قال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وإن كان اليومُ بعدُ غير حادثٍ. وباللَّه التوفيق. * * * قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) وقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ). فهو -واللَّه أعلم- على إضمار الأَمر، أي: قل: ذا. ثم لم يجعل له أن يَستثني في القول به، بل ألزمه القول بالقول فيه. ثم هو يتوجه وجهين: أحدهما: يحال القول به على الخبر عن حاله؛ فيجب ألا يستثنى في التوحيد، وأن من يَستَثْني فيه عن شَكٍّ يُستَثْنَى. واللَّه - تعالى - وصف المؤمنين بقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا. . .) الآية. وكذلك سئل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن أفضل الأعمال فقال: " إيمان لا شكَّ فيه ".
والثاني: عن الأحوال التي ترد في ذلك. لكنه إذا كان ذلك على اعتقاد المذهب لم يجز الشك فيه؛ إذ المذاهب لا تعتقد لأوقات، إنما تعتقد للأبد؛ لذلك لم يجز الثناء فيه في الأبد. وباللَّه التوفيق. ثم قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) يتوجه وجهين: أحدهما: إلى التوحيد، وكذا رُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - أنه قال: " كُلُّ عبادةٍ في القرآنِ فهو توحيد ". والوجه الآخر: أن يكون على كل طاعة أن يعبد اللَّه بها، وأصلها يرجع إلى واحد؛ لما على العبد أن يوحد اللَّه - تعالى - في كل عبادة لا يُشرك فيها أحدًا، بل يخلصها فيكون موحدًا لله تعالى بالعبادة والدِّين جميعًا. وعلى ذلك قطعُ الطمع، والخوف، والحوائج كلها عن الخلقِ. وتوجيهُ ذلك إلى اللَّه تعالى بقوله: (أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) وعلى ذلك المؤمن لا يطمعُ في الحقيقة بأحدٍ غير اللَّه، ولا يرفع إليه الحوائج، ولَا يخاف إلا من الوجه الذي يخشى أن اللَّه جعله سببًا لوصول بلاءٍ من بلاياه إليه على يديه؛ فعلى ذلك يخافُه، أو يرجو أن يكون اللَّه تعالى جعلَ سببَ ما دفعه إليه على يديه، فبذلك يرجو ويطمع، فيكون ذلك من الضالين، فيكون في ذلك التعوُّذُ من جميع أنواع الذنوب، والاستهداءُ إلى كل أنواع البر. وقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). فذلك طلب المعونة من اللَّه تعالى على قضاء جميع حوائجه دينًا ودنيا. ويحتمل أن يكون هو على أثر الفزع إلى اللَّه بقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) على طلب التوفيقِ لما أَمر به، والعصمة عما حذره عنه، وكذلك الأَمر البين في الخلق من طلب التوفيق، والمعونة من اللَّه، والعصمةِ عن المنهي عنه جرت به سنة الأَخيار. واللَّه الموفق.
ثم لا يصلح هذا على قول المعتزلة؛ لأن تلك المعونةَ على أَداءِ ما كلف قد أعطى؛
إذ هو على قولهم لا يجوز أن يكون مكلفًا قد بقي شيء -مما به أَداءُ ما كلف- عند اللَّه، وطلبُ ما أُعْطِي كتمانُ العطيةِ، وكتمانُ العطيةِ كفرانٌ؛ فيصير كأن اللَّه أَمر أن يَكْفُر نعمَهُ ويكتمها ويطلبها منه تعنتًا. وظنُ مثله باللَّه كفر. ثم لا يخلو من أَن يكون عند اللَّه ما يُطْلب فلم يُعطه التمام إذًا، أوْ ليس عندهُ فيكون طلبه استهزاءً به، إذ مَنْ طَلَب إلى آخَرَ مَا يَعْلم أنه ليس عنده فهو هازئ به في العرف، مع ما كان الذي يُطلب إما أن يكون لله ألا يعطيه مع التكليف فيبطل قولهم؛ إذ لا يجوز أَن يكلف وعنده ما به الصلاح في الدِّين فلا يعطى، أوْ ليس له أَلا يعطى فكأَنه قال: اللهم لا تَجُر. وَمَنْ هذا عِلْمهُ بربه فالإسلام أَولى به، وهذا مع ما كان لا يدعو اللَّه أَحد بالمعونة إلا ويطمئن قلبهُ أَنه لا يذل عند المعونة، ولا يزيغ عند العصمة، وليس مثلهُ يملك اللَّه عند المعتزلة. ولا قوة إلا باللَّه. وقد رُويَ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال في خبر القسمة: " اللَّه يقول: هذا بَيني وبينَ عبدي نِصْفين ". وذلك يحتمل: أن يكون كل حرف من ذلك بما فيها جميعًا الفزعُ إلى اللَّه بالعبادة، والاستعانة ورفع الحاجة إليه، وإظهار غناه -جل وعلا- عنه؛ فيتضمن ذلك الثناء عليه، وطلب الحاجة إليه. ويحتمل: أن يكون الحرفُ الأَول لله بما فيه عبادتُه وتوحيدهُ، والثاني للعبد بما فيه
(6)
طلبُ معونته وقضاءُ حاجته. ويؤيد ذلك بقية السورة أنه أُخرج على الدعاء فقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: " هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل ". وقوله: (اهدِنَا (6) قال ابنُ عباس - رضي اللَّه عنهما -: أرْشِدْنا. والإرشاد، والهداية واحد، بل الهدايةُ في حق التوفيق أقربُ إلى فهم الخلق من الإرشاد بما هي أعم في تعارفهم. ثم القول بالهداية يُخرَّج على وجوهٍ ثلاثة: أحدها: البيانُ. ومعلومٌ أن البيانَ قد تقدم من اللَّه لا أحد يريد به ذلك لمضي ما به البيان من كتابٍ وسنةٍ، وإلى هذا تذهب المعتزلة. والثاني: التوفيقُ له، والعصمةُ عن زيغه. وذلك معنى قولهم: " اللهمَّ اهْدِنَا فيمَنْ هَدَيْتَ "، وقوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ)، ووصَفَهم إلى آخر السورة، ولو كان على البيان على ما قالت المعتزلة فهو والمغضوب عليهم في ذلك سواء، فثبت أَنه على ما قلنا دون ما ذهبوا إليه. والثالث: أَن يكون على طلب خلق الهداية لنا؛ إذ نسب إليه من جهة الفعل، وكل ما يفعله خلق؛ كأَنه قال: اخلُق لنا هدايتنا، وهو الاهتداءُ منا. وباللَّه التوفيق. ثم تأْويل طلب الهداية، ممن قد هداه اللَّه يتوجه وجهين: أحدهما: طلب الثبات على ما هداه اللَّه، وعلى هذا معنى زيادات الإيمان، أنها بمعنى الثبات عليه، وذلك كرجلين ينظران إلى شيء فيرفع أَحدهما بصره عنه، جائز القول بازدياد نظر الآخر. ووجه آخر: على أن في كل حال يخاف على المرءِ ضد الهدى، فيهديه مكانه أبدًا فيكون له حكم الاهتداءِ؛ إذْ في كل وقت إيمان منه دفع به ضده. وعلى ذلك قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ. . .) الآية، ونحو ذلك من الآيات. وقد يحتمل أيضًا معنى الزيادةِ هذا النوعُ. وباللَّه التوفيق. وأما (الصِّرَاطَ) فهو الطريق والسبيل في جميع التأويل وهو قوله: (وَأَن هَذَا صِرَاطِي .. )
) هو الآية، وقوله: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي). ثم اختلفوا فيما يراد به: فقَالَ بَعْضُهُمْ: هو القرآن. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو الإيمان. وأيهما كان فهو القائم الذي لا عوج له، والقيم الذي لا اختلاف فيه، مَنْ لزِمهُ وصَلَ إلى ما ذكر. وباللَّه التوفيق. وقوله: (الْمُسْتَقِيمَ). قيل: هو القائم بمعنى الثابت بالبراهين والأَدلة، لا يُزيله شيء، ولا ينقضُ حُجَجه كيدُ الكائدين، ولا حيلُ المريبين. وقيل: (الْمُسْتَقِيمَ) والذي يستقيم بمن تمسك به حتى يُنجيه، ويدخله الجنة. وقيل: (الْمُسْتَقِيمَ) بمعنَى: يُستقامُ به؛ كقوله: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا)، أي: يُبصَرُ به. يدل عليه قوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا. . .) الآية. فالمستقيم هو المتبع له. وباللَّه التوفيق. ثم ذكر من ذكر من الْمُنعَم عليهم؛ ولله على كل مؤمن نعَمٌ بالهداية. وما ذكر دليل على أن " الصراط " هو الدِّين؛ لأَنه أنعم به على جميع المؤمنين. لكن تأْويل من يردُّ إلى الخصُوص يتوجه وجهين: أحدهما: أنه أَنعم عليهم بمعرفة الكتب والبراهين، فيكون على التأْويل الثاني من القرآن والأدلة. والثاني: أن يكون لهم خصوص في الدِّين قُدِّموا به على جميع المؤمنين؛ كقول داود، وسليمان: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ)، وعلى هذا الوجه يكون (اهدِنَا).
(7)
ووجه آخر: وهو المخصوص الذي خص به كثيرًا من المؤمنين من بين غيرهم، لكن الثنْيَا يدل على صرف الإرادة إلى جملة المؤمنين؛ إذ انصرف إلى غير المغضوب عليهم ولا الضالين. وقولَهُ: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (7) على قول المعتزلة: ليس لله على أحد من المؤمنين نعمة ليست على المغضوب عليهم ولا الضالين؛ إذ لا نعمة من اللَّه على أحد إلا الأَصلح في الدِّين والبيان للسبيل المرضي، وتلك قد كانت على جميع الكفرة فيبطل على قولهم الثنْيَا. واللَّه الموفق. ثم اختلف في (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ). منهم من قال: هو واحد؛ إذ كل ضال قد استحق الغضب عليه، وكل مغضوب عليه استحق الوصف بالضلال. ومنهم من قال: (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) هم اليهود، وإنَّمَا خصوا بهذا: بما كان منهم من فضل تمرد وعُتُو لم يكن ذلك من النصارى نحو إنكارهم بعيسى، وقصدهم قتله مما لم يكن ذلك من النصارى. ثم قولهم في اللَّه: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ. . .) الآية. وقولهم: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ. . .) الآية. وقول اللَّه تعالى فيهم: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ. . .) الآية. وكفرِهم برسول اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بعد استفتاحهم، وشدة تعنتهم، وظهور النفاق؛ فاستحقوا بذلك اسم الغضب عليهمِ، وإن كانوا شركاء غيرهم في اسم الضلال. وباللَّه التوفيق. وفي هذا وجه آخر: أن يُحْمل الذنوب على وجهين: منها ما يوجب الغضب -وهو الكفر- ومنها ما يوجب اسم الضلال -وهو ما دونه- كقول موسى: (فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنا مِنَ الضَّالِّينَ). ورؤية الهداية لأهلها والتعوذ به من كل ضلال، ومن جميع ما يوجب مقته وغضبه -وباللَّه النجاة والخلاص- مع ما في خبر القسمة، وعد جليل من رب العالمين في إجابة العبد مما يرفع إليه من الحوائج، إذْ قال: " قسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين " ثم صَير آخر السورة لعبده، وليس في صلاته سوى إظهار الفقر، ودفع الحاجة، وطلب المعونة، والاستهداء إلى ما ذكر مع التعوذ عما وصف، وليس ذلك مما يوصف به العبد أنه له؛ فثبت أن له في ذلك إجابة ربه فيما أمره به، ووعد ذلك، وهو لا يخلف وعده. فأنَّى يحتمل ذلك بعد أمره العبدَ بالذي تضمنه أول السورة، فقام به العبد مع لُؤمه
وجفائه، واللَّه بكرمه وجوده لا ينجز له ما وعد؟! لا يكون هذا أَلبتة، وقد قال: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، وغير ذلك مما فيه الإنجاز، وأنه لا يخلف الميعاد. ثم قد جعلت -بما جاء من الحديث في تلاوتها- أنْ قدمها على التوراة، والإنجيل، وعدلها بثلثي القرآن، وجعلها شفاءً من أَنواع الأَدواء للدِّين، والنفس، والدنيا، وجعلها معاذًا من كل ضلال، وملجأ إلى كل نعمة. وباللَّه نستعين. مع ما أَوضح -في الأَسماء التي لقب فيها فاتحة القرآنَ- عظيمَ موقعه، وجليلَ قدره، وهو أن سمَّاه فاتحة القرآن بما به يفتح القرآن، وكذلك رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يفتتح القراءَة به وسمى فاتحة الكتاب بما به يفتتح كتابة المصاحف والقرآن. وسمى أُم القرآن لما يؤم غيره في القراءَة. وقيل: الأُم بمعنى الأَصل، وهو ألا يحتمل شيء مما فيه النسخَ ولا الرفعَ فصار أصلا. وسمى المثاني؛ لما يثنى في الركعات، ولا قوة إلا باللَّه. وفي قوله: (اهدِنَا) إلى آخره وجهان سوى ما ذكرنا؛ إذ قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) دعاء كاف عما تضمن إلى آخر السورة؛ إذ ليس فيها غير تفسير هذه الجملة. أحدهما: تذكير نعم اللَّه على الذين يقبلون دينه في قلوبهم، والتوفيق لهم بذلك، وأفضاله عليهم بما ليس لهم عليه. والثاني: تعوذهم عن كل زيغ ومقت، وضلال، وذنب، والتجاؤهم إليه في ذلك بقوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ). * * *
سورة البقرة
تَفْسِيرُ سُورَة الْبَقَرَةِ بسم اللَّه الرحمن الرحيم (وبه نستعين على القوم الكافرين) قوله تعالى: (الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) وقيل: فيه وجوه: رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال: قوله: (والم) أنا اللَّه أعلم. وقيل: إنه قسم أقسم بها. وقيل: إن هذه الحروف المعجمة مفتاح السورة. وقيل: إن كل حرف من هذه الحروف كناية اسم من أسماءِ اللَّه: الأَلف اللَّه، واللام لطفه، والميم ملكه. وقيل: إن اللام آلاؤه، والميم مجدهُ. وقيل: إن الأَلف هو اللَّه، واللام جبريل، والميم مُحَمَّد. وقيل: إنها من التشبيب؛ ليفصل بين المنظوم من الكلام، والمنثور من نحو الشعر ونحوه. وقيل: إن تفسير هذه الحروف المقطعة ما أَلحق ذكرها بها على أَثرها نحو قوله:
(الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ) أول سورة البقرة، (ذَلِكَ الْكِتَابُ) هو تفسير (الم)، و (الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أول سورة آل عمران، و (المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أول سورة الأعراف، و (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ) أول سورة هود، وإبراهيم، و (الم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) أول سورة لقمان، كلُّ ملحق بها فهو تفسيرُها. وقيل: إن فيها بيان غاية ملك هذه الأُمة من حساب الجُمَّل، ولكنهم عدوا بعضها وتركوا البعض. وقيل: إنه من المتشابه الذي لم يطلع اللَّه خلقه علم ذلك، ولله أن يمتحن عباده بما شاءَ من المحن. وقيل: إنهم كانوا لا يستمعون لهذا القرآن؛ كقولهم: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ)، وكقوله: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هذه الحروف المعجمة ليستمعوا إليها فيلزمهم الحجة. والأصل في الحروف المقطعة: أنه يجوز أن تكون على القَسَم بها على ما ذكرنا. وأريد بالقدْر الذي ذكر كليةُ الحروف بما كان من شأْن العرب القسمُ بالذي جلَّ قدْرُه، وعظم خطره. وهي مما بها قوام الدارين، وبها يتصل إلى المنافع أَجمع. مع ما دّلت على نعمتين عظيمتين - اللسان والسمع - وهما مجرى كل أنواع الحكمة، فأَقسم بها على معنى إضمار ربّها، أَو على ما أَجل قدرها في أعين الخلق، فيقسم بها، ولله ذلك، ولا قوة إلا باللَّه. ويحتمل: أَن يكون بمعنى الرمز والتضمين في كل حرف منها أمرًا جليلًا يعظم خطره على ما عند الناس في أَمر حساب الجُمَّل. ثم يُخرَّج على الرمز بِها عن أَسماءِ اللَّه وصفاته ونعمه على خلقه، أَو على بيانِ منتهى هذه الأُمة، أَو عددِ أَئمتها، وملوكها، والبقاع التي ينتهى أمرها، وذلك هو في نهاية الإيجاز، بل بالاكتفاءِ بالرمز عن الكلام، وبما هو بمعنى من الإشارة في الاكتفاءِ بها عن البسط، ولا قوة إلا باللَّه؛ ليُعلم الخلائقَ قدرة اللَّه، وأَن له أَنْ يضمن ما شاء فيما شاءَ على ما عليه أَمرُ الخلائق من لطيف الأَشياءِ التي كادت العقولُ وأَسباب الإدراك تقصر عنها، وكنهِها التي يدركها كل أَحد، وبين الأَمرين، فعلى ذلك أَمر تركيب الكلام، ولا قوة إلا باللَّه.
(2)
ويجوز أن يكون بمعنى اسم السور، ولله تسميتها بما شاءَ كما سمى كتبه، وعلى ذلك منتهى أَسماءِ الأَجناس خمسة أحرف، وكذلك أمر السور، دليل ذلك وصْلُ كل سورة فتحت بها إليها، كأَنه بنى بها. ولا قوة إلا باللَّه. ويجوز أن يكون على التشبيب، على ما ذكرنا للتفصيل بين المنظوم من الكلام والمنثور في المتعارف أن المنظوم في الشاهد يشبب فيخرج عن المقصود بذلك الكلام، فعلى ذلك أمر الكلام المنزل. أَلا ترى أَنه خرج على ما عليه فنون الكلام في الشاهد إلا أنه على وجه ينقطع له المثال من كلامهم، فمثله أَمر التشبيب. ولا قوة إلا باللَّه. وجائِز: أن يكون اللَّه أَنزلها على ما أَراد؛ ليمتحن عبادَه بالوقف فيها، وتسليم المراد في حقيقة معناه والذي له يزول ذلك، ويعترف أَنه من المتشابه، وفيها جاءَ تعلق الملحدة، ولا قوة إلا باللَّه. ويحتمل: أَن يكون إذ علم اللَّه من تعنت قوم وإعراضهم عنه وقولهم: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ)، أنزل على وجه يبعثهم على التأمل في ذلك بما جاءَ بالعجيب الذي لم يكونوا يعرفون ذلك: إما لما عندهم أَنه كأحدهم، أو لسبيل الطعن؛ إذ خرج عن المعهود عندهم، فتلا عليهم ما يضطرهم إلى العلم بالنزول من عند من يملك تدبير الأشياءِ؛ ولذلك اعترضوا لهذه الأَحرف بالتأمل فيها من بين الجميع. ولا قوة إلا باللَّه. وقيل: إنه دعا خلقه إلى ذلك، واللَّه أَعلم بما أَراد. وقوله: (ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) أي: هذا الكتاب، إشارة إلى ما عنده، وذلك شائع في اللغة، جائز بمعنى هذا. وقيل: ذلك بمعنى ذلك، إشارة إلى ما في أَيدي السفرة والبررة. وقوله: (لَا رَيْبَ فِيهِ). قيل: فيه وجوه؛ لكن الحاصل يرجع إلى وجهين: أي: لا ترتابوا فيه أنه من عند اللَّه. وقيل: لا ريب فيه أنه منزل على أَيدي الأُمناءِ والثقات. وقوله: (هُدًى). قيل فيه بوجهين:
(3)
(هُدًى): أَي: بيانًا ووضوحًا، فلو كان المراد هذا، فالتقيُّ وغير التقِيِّ سواء. والثاني: هُدًى أي: رشدًا، وحجة، ودليلًا. ثم اختلفوا في الدليل: فقال الراوندي: الدليل إنما يكون دليلًا بالاستدلال؛ لأَنه فعل المستدل. مشتق من الاستدلال؛ كالضرب من الضارب وغيره. وقال غير هَؤُلَاءِِ: الدليل بنفسه دليل، وإن لم يستدل به؛ لأَنه حجة، والحجة حجة وإن لم يحتج بها. غير أَن الدليل يكون دليلًا بالاستدلال، ومن لم يستدل به فلا يكون له دليلًا، وإن كان بنفسه دليلًا، بل يكون عليه عمى وحيرة كقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا). وقوله: (لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (3) قيل: فيه بوجهين: يؤمنون باللَّه غيبًا، ولم يطلبوا منه ما طلبه الأُمم السالفة، من أنبيائهم؛ كقول بني إسرائيل لموسى: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً). والثاني: يؤمنون بغيب القرآن، وبما يخبرهم القرآن من الوعدِ والوعيدِ، والأمر والنهي، والبعث، والجنة، والنار. والإيمانُ إنما يكون بالغيب؛ لأَنه تصديق، والتصديقُ والتكذيب إنما يكونان عن الخبر، والخبرُ يكون عن غيب لا عن مشاهدة. والآية تنقض قول من يقول: بأن جميع الطاعات إيمان؛ لأَنه أَثبت لهم اسم الإيمان دون إقامة الصلاة والزكاة بقوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ). وقوله: (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ). يحتمل وجهين:
(4)
يحتمل: الصلاة المعروفةَ، يقيمونها بتمام ركوعها وسجودها، والخشوع، والخضوع له فيها، وإخلاص القلب في النية؛ على ما جَاءَ في الخبر " انْظُر مَنْ تُنَاجِي ". ويحتمل: الحمد له والثناء عليه. فإن كان المراد هذا فهو لا يحتمل النسخ، ولا الرفع في الدنيا والآخرة. وقوله: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ). من الأَموال يحتملِ فِرضًا ونفلًا. ويحتمل: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) من القوى في الأنفس وسلامة الجوارح، (يُنْفِقُونَ): يعينون. واللَّه أعلمِ. وقوله: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ (4) يحتمل وجهينِ: أي: ما أنزل إليك من القرآن. ويحتمل: ما أنزل إليك من الأَحكام، والشرائع التي ليس ذكرها في القرآن. (وقوله: (وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ). يحتمل وجهين أيضًا: يعني الكتب التي أنزلت على سائِر الأَنبياءِ عليهم السلام. ويحتمل: الشرائعِ، والأَخبار سوى الكتب، واللَّه أعلم. وقوله: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ). بمعنى يؤمنون. والإيقان بالشيء هو العلم به. والإيمان هو التصديق، لكنه إذا أَيقن آمن به وصدق به لعلمه به؛ لأَن طائفة من الكفار كانوا على ظن من البعث؛ كقوله: (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ)، فأخبر عَزَّ وَجَلَّ عن حال هَؤُلَاءِِ أَنهم على يقين، ليسوا على الظن والشك كأُولئك. وقوله: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ (5)
(6)
قيل: على صواب، ورشد من ربهم. وقيل: إنهم على بيان من ربهم، لكن البيان ليس المؤمنُ أحق به من الكافر؛ لأَنه يبين للكافر جميع ما يحتاج إليه، إما من جهة العقل، وإما من جهة السمع. فظهر بهذا أَن الأول أَقرب إلى الاحتمال من الثاني. وقوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). قيل فيه بوجوه: قيل: الباقون في نعم اللَّه والخير. وقيل: الظافرون بحاجاتهم، يقال: أَفلح، أَي: ظفر بحاجته. وقيل: (الْمُفْلِحُونَ) هم السعداءُ، يقال: أَفلح، أي: سعد. وقيل: (الْمُفْلِحُونَ) الناجون؛ يقال: أَفلح، أي: نجا. وكله يرجع إلى واحد؛؛ كقوله: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) وكل واحد ممن زحزح عن النار فقد فاز ومن أُدخل الجنة فقد فاز فكذلك الأَول. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) هذا - واللَّه أعلم - في قوم خاص، عَلِمَ اللَّه أَنهم لا يؤمنون، فأَخبر عَزَّ وَجَلَّ رسولَه بذلك، فكان كما قال. وفيه آية النّبوَّة. ويحتمل أَيضًا: أَنهم لا يؤمنون ما داموا في كفرهم؛ كقوله: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). والكافرون ما داموا كافرين ظالمون. وقوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)
رُويَ عن الحسن: " إن للكافر حدا إذا بلغ ذلك الحد، وعلم اللَّه منه أنه لا يؤمن، طبعَ على قلبه حتى لا يؤمن ". وهذا فاسد على مذهب المعتزلة لوجهين: أحدهما: أَن مذهبهم أَن الكافر مكلف، وإن كان قلبه مطبوعًا عليه. والثاني: أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عالم بكل من يؤمن في آخر عمره، وبكل من لا يؤمن أَبدًا، بلغ ذلك الحد أَو لم يبلغ. فعلى ما يقوله الحسن إيهام أَنه لا يعلم ما لم يبلغ ذلك. والمعتزلةُ يقولون: إن قوله: (خَتَمَ)، و (طَبع) يُعلم عَلَامة في قلبه أَنه لا يؤمن كإعلام الكتب والرسائل. ولكن عندنا: خلق ظلمة الكفر في قلبه. والثاني: خلق الختم والطبع على قلبه إذا فَعَل فِعْل الكفر؛ لأَن فِعْل الكفر من الكافر مخلوق عندنا، فخلق ذلك الختم عليه؛ وهو كقوله: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) أي: خلق الأكنة. وغيرهِ من الآيات.
(8)
والأَصل في ذلك: أَنه ختم على قلوبهم لما تركوا التأَمل، والتفكر في قلوبهم فلم يقع، وعلى سمعهم لما لم يسمعوا قول الحق والعدل، خلق الثقل عليه، وخلق على أَبصارهم الغطاءَ لما لم ينظروا في أَنفسهم، ولا في خلق اللَّه ليعرفوا زوالها وفناءَها وتغير الأحوال؛ ليعلموا أن الذي خلق هذا دائِم لا يزول أَبدًا. وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) إخبار منهم أنهم قالوا ذلك بألسنتهم قولا، وأَظهروا خلاف ما في قلوبهم؛ فأخبر عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام: أَنهم ليسوا بمؤمنين، أي: بمصدقين بقلوبهم. وكذلك قوله: (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ). وكذلك قوله: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) الآية. هذه الآيات كلها تنقض على الكراميَّةِ؛ لأَنهم يقولون: الإيمان قول باللسان دون التصديق. فأَخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عن جملة المنافقين أَنهم ليسوا بمؤمنين لما لم يأْتوا بالتصديق، وهذا يدل على أن الإيمان تصديق بالقلب.
(9)
والكراميَّة يقولون: بل هم مؤمنون. وقوله: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا (9) لا يقصد أحد مخادعة اللَّه، لكنهم كانوا يقصدون مخادعة المؤمنين، وأَولياءِ اللَّه، فأَضاف اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ذلك إلى نفسه؛ لعِظم قدرهم، وارتفاع منزلتهم عند اللَّه؛ وهو كقوله: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)، واللَّه لا يحتاج أَن ينصر، ولكن كأَنه قال: إن تنصروا أولياء اللَّه ينصركم؛ وهو كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) واللَّه لا يُبايَع، ولكن إضافة ذلك إلى نفسه؛ لعظم قدر نبيه، وعلو منزلته عند اللَّه تعالى، فكذلك الأول أَضاف مخادعتهم أَولياءَه إلى نفسه لعلو منزلتهم عند الله وقدرهم لديه. والمخادعة هو فعل اثنين؛ لخداع هَؤُلَاءِِ بحضور المؤمنين؛ لذلك المعنى ذكر المفاعلة. واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ). الأول: أي حاصل خداعهم، ووباله يرجع إليهم. والثاني: أنهم يُظهرون لهم الموافقة ليأْمنوا، فلحقهم خوف دائم بذلك الخداع في الدنيا. وقوله: (وَمَا يشعُرُونَ). الأَول: أي: ما يشعرون أَن حاصل الخداع يرجع إليهم في الآخرة. والثاني: ما يشعرون أَن اللَّه يظهر، ويطلع نبيه على ما أَضمروا هم في قلوبهم، والله أعلم. وقوله: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (10) يقال: شكٌ ونفاق؛ سَمَّى عَزَّ وَجَلَّ المنافقين مرضى؛ لاضطرابهم في الدِّين؛ لأَنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين بالقول، ويضمرون الخلاف لهم بالقلب؛ فكان حالهم كحال المريض الذي هو مضطرب بين الموت والحياة؛ إذ المريض يشرف - ربما - على الموت، ويرجو الإقبال عليه منه ثانيًا؛ فهو مضطرب بين ذلك، فكذلك هم، لما كانوا مضطربين في دينهم سماهم مرضى.
(11)
وأما سائِر الكفرة فإنهم لم يضطربوا في الدِّين، بل أظهروا بالقول على ما أَضمروا بالقلب؛ فسماهم موتى، لما لم ينتفعوا بحياتهم، ولم يكتسبوا الحياة الدائمة. وسمى المؤمنين أَحياء؛ لما انتفعوا بحياتهم، واكتسبوا الحياة الدائمة، لموافقتهم باللسان والقلب جميعًا لدين اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - واللَّه أعلم. وقوله: (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا). اختلف في تأويله: قالت المعتزلة: هو التخلية بينهم وبين ما اختاروا. وأما عندنا: فهُو على خلق أَفعال زيادة الكفر والنفاق في قلوبهم، لما زادوا هم في كل وقت من إظهار الموافقة للمؤمنين بالقول، وإضمار الخلاف لهم بالقلب، خلق اللَّه عز وجل تلك الزيادة من المرض في قلوبهم باختيارهم. وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم في قوله: (اهدِنَا). وقوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ). لأَن عذاب الدنيا قد يكون ولا أَلم فيه؛ فأخبر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أن عذاب الآخرة عذاب شديد عظيم، ليس كعذاب الدنيا. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ). بالمخادعة للمؤمنين، وإظهار الموافقة لهم بالقول، وإضمار الخلاف لهم بالقلب، والاستهزاء بهم عند الخلوة، والقول فيهم بما لا يليق بهم، وعبادة غير اللَّه. وأَيُّ فساد أَكبر من هذا؟!. وقوله: (قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ). بإظهار الموافقة بالقول. وقوله: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (12) أخبر تعالى أنهم هم المفسدون؛ لما أَضمروا من الخلاف لهم، والمخادعة، والاستهزاءِ بهم.
(13)
وقوله: (وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ). الأول: أي: لا يشعرون أَن حاصل ذلك لا يرجع إليهم. والثاني: لا يشعرون أن ما كانوا يفعلون الفسادُ. فإن كان هذا فهو ينقض قول من يقول: بأن الحجة لا تلزم إلا بالمعرفة، وهو قول الناس؛ لأنه عَزَّ وَجَلَّ أَخبر بفساد صنيعهم، وإن لم يشعروا به. وهو كقوله أَيضًا: (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) أخبر بحبط الأعمال وإن كانوا لا يعلمون. وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ (13) تحتمل الآية: أَن تكون في المنافقين، وتحتمل: في أَهل الكتاب. فإن كانت في المنافقين فكأَن قوله: آمنوا يا أَهل النفاق في السر والعلانية، كما اّمن أَصحاب مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في السر والعلانية جميعًا، وهو كقوله: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا). وإن كان في أَهل الكتاب ففيه الأَمر بالإيمان الذي هو إيمان، وهو التصديق. والإيمان عندنا هو التصديق بالقلب؛ دليله قول جميع أَهل التأْويل والأَدب أنهم فسروا (آمَنُوا): صدقوا في جميع القرآن. وقوله: (قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ) الآية. السفه: هو ضد الحكمة، وهو العمل بالجهل على العلم أَنه يبطل، والجهلُ هو ضد العلم. والسفهُ هو الشتم؛ يقول الرجل لآخر: يا سفيه. وقوله: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ). يقول بعض المتكلمين: إن هذا شتم من اللَّه لهم، جوابًا على المؤمنين، ويستجيزون ذلك على الجواب، وإن لم يجز على الابتداءِ، كالمكر، والكيد، والاستهزاءِ، والخداع ونحوه، فعلى ذلك هذا. وأما عندنا فهو غير جائِز؛ لأَن من يشتم آخر يذم عليه، وهو عمل السفهاء. فأَخبر عز وجل: أَنهم هم الذين يعملون بالجهل على علمهم أَن دينهم الذي يدينون به باطل، وأَن الدِّين الذي يدين به المؤمنون حق. وقوله: (وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ). قيل فيه بوجهين: أحدهما: لا يعلمون أنهم هم السفهاء.
(14)
والثاني: لا يعلمون ما يحل بهم من العذاب لذلك، واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا (14) يعني: أصحاب مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله: (قَالُوا آمَنَّا). أظهروا لهم الموافقة في العلانية، ويضمرون لهم الخلاف في السر. وقوله: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ). قيل فيه بأَوجه: قيل: إن شياطينهم؛ يعني الكهنة؛ سموا بذلك لبعدهم عن الحق. يقال: شَطَن، أَي: بَعُدَ. وقيل: إن كل عاتٍ ومتمرد يسمى شيطانًا لعتوه وتمرده؛ كقوله: (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) سموا بذلك لعتوهم وتمردهم؛ إذ من قولهم: إن الشياطين أَصْلهم من الجن. وقيل: سموا شياطين؛ لأَنه كان مع كل كاهن شيطان يعمل بأَمره، فسموا بأَسمائِهم؛ وذلك جائِز في اللغة جالي، واللَّه أَعلم. وقوله: (قَالُوَا إِنَّا مَعَكُم). قيل: فيه وجهان: الأَول: أَي: معكم في القصد والمعونة. والثاني: إنا معكم، أي: على دينكم لا على دين أُولَئِكَ، واللَّه أَعلم. قوله: (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ). بإظهار الموافقة لهم في العلانية، وإظهار الخلاف لهم في السر. وقوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) قيل فيه بوجوه: قيل: يجزيهم جزاء الاستهزاءِ. وكذلك قوله: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) أي: يجزيهم جزاء المخادعة، وكذلك قوله: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) أي: يجزيهم جزاء
المكر، يحمل على الجزاء؛ لما لا يجوز إضافة المكر والخداع والاستهزاءِ مبتدأ إلى اللَّه؛ لأَنه مذموم من الخلق إلا على المجازاة، فكيف من اللَّه عَزَّ وَجَلَّ؟! وقَالَ بَعْضُهُمْ: يجوز إضافة الاستهزاء إلى اللَّه، وإن كان لا يجوز من الخلق أَن يستهزئ بعضهم من بعض، كالتكبر، يجوز لله ولا يجوز للخلق؛ لأَن الخلق أَشكال بعضهم لبعض وأَمثال، واللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لا شكل له ولا مثل. وكذلك الاستهزاء يجوز له، ولا يجوز لغيره؛ لأَن الاستهزاء هو الاستخفاف، فلا يجوز أَن يستخف ممن هو مثله في الخلقة، وما خلق له من الأَحداث والغِيَر، واللَّه تعالى يتعالى عن ذلك. والأَول أَقرب، واللَّه أعلم. أَو أَضاف استهزاء المؤمنين بهم إلى نفسه كما ذكرنا في المخادعة. ثم اختلف في كيفية الاستهزاءِ: فقال الكلبي: هو أن يُفتح لهم باب من الجنة فيدنون منه، ثم يغلق دونهم. فإن ثبت ذا فهو كما قال. وقيل: إنه يرفع لأَهل الجنة نور يمضون به، قيقصد أُولَئِكَ المضي معهم بذلك النور، ثم يطفأ ذلك النور؛ فيتحيرون وهو قولهم: (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا). وقيل: أَن يعطي لهم في الدنيا ما ينتفعون به من أنواع النعم ظاهرًا على ما أَظهروا لهم الموافقة في العلانية، ويحرم لهم ذلك في الآخرة بإضمارهم الخلاف لهم في السر. وقوله: (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ). الآية في قوم علم اللَّه أنهم لا يؤمنون؛ كقوله: (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)
(16)
غير أن هذه في المنافقين والأُولى في الكفرة. وهى تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن اللَّه لا يقدر أَن يستنقذهم في حال الاختيار، وإنما يقدر الاستنقاذ منهم في حال الاضطرار، فأخبر عَزَّ وَجَلَّ: أَنه يستنقذهم على فعل الطغيان. وقوله: (وَيَمُدُّهُمْ) أي: يخلق فعل الطغيان فيهم. ويحتمل: أن يخذلهم ويتركهم لما اختاروا من الطغيان إلى آخر عمرهم. ويحتمل: أنه لم يهدهم ولم يوفقهم. وفي هذا إضافة المد إلى اللَّه. وإضافة المد على الطغيان لا يضاف إليه إلا لمدح، والمدح يكون بالأَوجه الثلاثة التي بينا، وفي هذا أَنه إذا كان هو الذي يمُدهم في الطغيان قدر على ضده من فعل الإيمان؛ فدل أَن اللَّه خالق فعل العباد؛ إذ من قولهم: إن القدرة التامة هي التي إذا قدر على شيء قدر على ضده. والعَمَهُ: الحيرة في اللغة. قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى (16) أي: اختاروا الضلالة على المدعو إليه -وهو الهدى- من غير أَن كان عندهم الهدى، فتركوه بالضلالة. وهو كقوله: (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) من غير أن كانوا فيه، فكذلك الأَول، تركوا الهدى بالضلالة ابتداء. وقيل: الضلالة: الهلاك؛ أي: اختاروا ما به يهلكون على ما به نجاتهم، وإن كانوا لا يقصدون شراء الهلاك بما به النجاة؛ كقولهم: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) لا يقدر أحد أن يصبر على النار، ولكن فما أصبرهم على عمل يستوجبون به النار. وكذلك قوله: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ)، أي: بئسما اختاروا ما به هلاك أَنفسهم على ما به نجاتهم. وفي هذه الآية دلالة جواز البيع بغير لفظة البيع؛ لأَنهم ما كانوا يتلفظون باسم البيع، ولكن كانوا يتركون الهدى بالضلالة. وكل من ترك لآخر شيئًا له ببذل يأخذه منه فهو بيع وإن لم يتكلموا بكلام البيع. وكذلك قوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ. . .) الآية. وهو على بذل الأَموال والأَنفس له بالموعود الذي وعد لهم، وهو الجنة.
(17)
وقوله: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ). أي: ما ربحوا في تجارتهم؛ لأَن التجارة لا تربح ولكن بالتجارة يربح، وقد يسمى الشيء باسم سببه. وهو كقوله: (جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) والنهار لا يبصر، ولكن بالنهار يبصر. وذلك سائغ في اللغة، جائز تسمية الشيء باسم سببه. ثم في قوله: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) نفى الربح دون نفى الأَصل في الظاهر، غير أَن النفي على وجهين: نفي شيء يوجب إثبات ضده، وهو نفي الصفة؛ كقولك: فلان عالم: نفيت الجهل عنه، وفلان جاهل: نفيت العلم عنه. ونفي شيء لا يوجب إثبات ضده، وهو نفي الأَعراض؛ لأَنك إذا نفيت لونًا لم يوجب ضد ذلك اللون. وقوله: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) نفى الأَصل؛ كأَنه قال: بل خسرت تجارتهم، أَوجبت إثبات ضده. دليله قوله: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ) و (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). * * * قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) وقوله: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) اختلف فيه: قيل: إنها نزلت في المنافقين؛ لأَنها على أَثر ذكر المنافقين، وهو قوله: (وَإِذَا لَقُوا
الَّذِينَ آمَنُوا. . .) الآية. وقيل: إنها نزلت في اليهود؛ لأنه سبق ذكر اليهود، وهو قوله:). . . أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. . .) الآية. ويحتمل: نزولها في الفريقين جميعًا. ورُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - أنه قال: " إن هذا من المكتوم " فلا يحتمل ما قال؛ لأنه مَثَل ضربه اللَّه، والأَمثال إنما تضرب لتُفْهم وتقرب إلى الفهم ما بعُد منه؛ فلو حمل على ما قال لم يفهم مراده وما قرب إلى الفهم شيئًا، إلا أن يريد من المكتوم: أنه لم يعلم فيمن نزل، فهو محتمل، واللَّه أعلم. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (مَثَلُهُم كمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا. . .) الآية. يحتمل: أن يكون الإضافة إلى من ذكر من المنافقين بقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ. . .) الآية، وقوله: (وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوَا آمَنَّا. . .) الآية. وذلك يخرج على وجوه: أَحدها: أَنهم قصدوا قصد المخادعة بأَولياءِ اللَّه والاستهزاءِ بهم؛ ففضحهم اللَّه بذلك في الدنيا والآخرة. فأَما في الدنيا فبما هتك سترهم، وأطْلَعَ على ذلك أَولياءَه؛ فعادت إليهم المخادعة، وعوقبوا بما أطلع على ضميرهم، وبما أَرادوا ذلك الأَمن، فأَعقبهم اللَّه خوفًا دائمًا كما وصفهم اللَّه (ويَخشَوْنَ النَّاسَ. . .) الآية. وقال: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ). وقال: (رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ)، وقال: (فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ. . .) الآية، وقال: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ. . .) الآية. أو أن يكونوا طلبوا -بإظهار الموافقة في الدِّين- الشرف فيهم والعز، وكذلك عند الكفرة مما أظهروا أَنهم يخادعون بذلك المؤمنين، ويستهزئون بهم؛ فعلموا أَنهم كذلك يظهرون للمؤمنين حالهم معهم، فَطُرِدوا من بينهم فقال اللَّه: (مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ)، وقال. (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ. . .) الآية، فزال عنهم ما التمسوا من الشرف والعز، وأَبدل لهم به الهوان والذل. فمثلهم في ذلك مثلُ مستوقِد نارٍ ليستضيء بضوئها، وينتفع بِحرها، فأَذهب اللَّه ضوءه
حتى ذهب ما كان يأْمل من الاستنارة بها والانتفاع، وأعقبه اللَّه تعالى خوف الاحتراق لو دنا منها، وذهب عنه ما طلب بذلكَ -من شرف الوقود في الأَيام الشاتية، أو ما يصلح بها- من الأَغذية بذهاب البصر. فيكون ذلك معنى قوله: (وَهُوَ خَادِعُهُمْ)، و (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) وإذ عوقبوا بالخوف بما قصدوا به الأمنَ، والذل بما طلبوا به العز، وكذلك مستوقد النار الذاهب نوره، واللَّه أعلم. وعلى ذلك قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) أي: اختاروا الضلالة لما رجعوا إلى شياطينهم بالهدى الذي قد أَظهروه عند المؤمنين. فيكون تحقيق استهزاءِ اللَّه بهم، ومخادعته إياهم فعل أَوليائه بهم بما أخبروا من سرائِرهم، وبما حطوا أَقدارهم، وذلوا في أَعينهم، فأُضيف ذلك إلى اللَّه؛ إذ به فعلوا، كما أضيفت مخادعتُهم المؤمنين إليه؛ إذ عن دينه خادعوهم. واللَّه أعلم. وعلى هذا التأْويل أَمكن أَن يخرج قول من زعم: أَن الآية نزلت في الكافرين، أَنهم كانوا يعرفون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما وجدوا نعته في التوراة والإنجيل، أنه (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ. . .)، وقوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) إلى آخر السورة، وقال عز وجل: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) وقوله: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ). كانوا كمستوقد النار، أي: طالب الوقود ليستضيء به، فلما ظفر به أَذهب اللَّه نوره بعد معرفتهم بمنفعة نور النار، فلم ينتفع به. فكذلك لما كفروا عند بعث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حسدًا من أَنفسهم وبغيًا؛ إذ كان من غيرهم؛ أو خشية منهم على ملكهم ومأْكلتهم بعد العلم منهم بعظم المنفعة فيه، ولا قوة إلا باللَّه. وأَما في الآخرة أنهم قصدوا مخادعة المؤمنين، وموالاتهم في الظاهر، ومشاركتهم إياهم في المنافع نحو المغانم والتوارث والتناكح، وخالفوهم في الباطن. فكذلك اللَّه أَشركهم في المنافع الظاهرة الحاضرة في الدنيا، وخالفهم بمنافع دينه في الباطن الغائب وهي الآخرة؛ أراهم المشاركة مع المؤمنين في الدنيا، وصرفها عنهم في الآخرة. فكما أروهم الموافقةَ في الظاهر مع المخالفة في الباطن، فكذلك مستوقد النار أظهر من نفسه الرغبة في ضوئها بالإيقاد، وقد أَذهب اللَّه ضوء بصره؛ فذهب عنه مَنفعته عند ظنه أَنه يصل إليها، كالمنافقين في الآخرة، إذ ظنوا في الدنيا أنهم شركاؤهم في الآخرة لو
كانت؛ ولذلك قالوا: (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ)، وقوله: (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ. . .) الآية، فذلك وجه الاستهزاءِ بهم، والمخادعة أَنه أَشركهم في أَحكام الدنيا وخالفهم في أَحكام الآخرة. وعلى ذلك اشتراء الضلالة بالهدى، على معنى اختيارهم ما فيه الهلاك على ما فيه نجاتهم. وعلى ذلك يخرج تأويل من صرف إلى أَهل الكتاب؛ لأنهم آمنوا بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ إذ آمنوا بكتبهم وقد كان فيها نعته الشريف، فلما وصلوا إلى منافع الإيمان بالبعث إليهم، وشاهدوا كفروا به؛ فعوقبوا بحرمان منافع كتبهم، وإيمانهم عند معاينة الجزاء كما ردوا إيمانهم به عند المشاهدة، واللَّه أعلم. ورُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - أنه ضم تأويل هذه الآية والتي تتلوها من قوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ) إلى قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) وذلك - واللَّه أعلم - أنهم قوم لا يعرفون اللَّه حق المعرفة؛ فيعبدونه بحق الربوبية له قبلهم، ولا يؤمنون بالآخرة؛ فيكون عملهم للعواقب، ولا يعرفون غير الدنيا ومنافعها، فجعلوا دينهم وعبادتهم ثمنًا لها. فإذا رأوا في دين الإسلام الغنائم والسلوة، رأَوا تجارتهم مربحة فاطمأنوا بها، واجتهدوا بالسعي فيها. وإذا أَصابتهم الشدة والبلايا رأَوا تجارتهم مخسرة فصرفوا إلى غير ذلك الدِّين؛ فمثلهم مثل المستوقد نارا؛ إنه يجتهد في الإيقاد ما دام يطمع في نور النار، ومنافع حرها لمصالح الأَطعمة، فإذا ذهب نور بصره أبغض النار بما يخشى من الاحتراق بالدنو منها، وبما يذهب من منافع خفية إن لم يكن كاستوقد، كالمنافق فيما استقبله المكروه في الإسلام تمنى أن لم يكن أسلم قط. وذلك قوله: (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ). وقوله: (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا). وقوله: (قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ). وقوله: (أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا). وكذلك البرق الذي يضيء يمشي المرء في ضوئه، وكذلك المنافق، إذا رأَي خيرًا في الإسلام مشى إليه، وإذا أظلم عليه قام متحيزا حزينًا؛ أَلا يكون اختار السلوك، والله الموفق.
وقال أَبو بكر الأصم: مَثَلُ من يظهر الإيمان فيما يتزين بنوره في الناس، مثل مستوقد النار فيما يستضيء حول النار بنورها، ثم يذهب اللَّه نوره في الآخرة كما أَذهب هو في السر، وكذلك أَذهب اللَّه نور المستوقد؛ فيذهب به التزين بالنور حول النار. قال: وقيل: ذا لعن. كما يقال: أَذهب اللَّه نوره، أي: الذي كان يظهره؛ فيبقى المنافق في ظلمات الآخرة، والمستوقد في ظلمات العمى والليل. ثم قال: جعل الدعاء إلى الإسلام كالصيب، وما فيه من الجهاد كظلمة الليل، وما فيه من الغنيمة كالبرق، وجعل أَصابعهم في الآذان من سماع ما في الإسلام من الشدائد نحو جعل ذلك من الصواعق (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ). أي: ما في الإسلام من الغنيمة يدعوهم إليه. وإذا أَظلم عليهم بالشدائد قاموا وصدوا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولو شاءَ اللَّه لذهب بما ذكر، أي: أَصمهم وأعماهم. ورُويَ عن الضحاك عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: " أن ضوء البرق والنار ليسا بدائمين "؛ فشبه به إيمان المنافق أَنه عن سريع يزول. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: كان المنافق في ظلمة الكفر فاهتدى بما أعطي من النور، كمستوقد
النار بنوره في ظلمة الليل. وكذلك السالك في ظلمة الليل، فلما ذهب نوره -أَو سكن لمعان البرق- رجع إلى ما فيه من الظلمة. والأَصل في هذا الباب: أَن اللَّه تعالى خلق هذه الدار لمحنة أَهلها، وجعل لهم دارًا يجزيهم فيها، مما لولا هي لكان يكون خلق هذه الدار بما فيها عبثًا؛ إذ يكون خلق الخلق للفناءِ بلا عواقب لهم، وذلك عبث في العقول؛ لأن كل شارع -فيما لا عاقبة له- عابث، وفيما لا يُريد معنى يكون في العقل هازلٌ؛ ولذلك قال: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ). فإذا كان كذلك صارت هذه الدار دليل الأخرى؛ فعلى ذلك ضرب للأخرى مثلًا بالمعروف من هذه؛ إذ بهذه عرفت تلك؛ ولهذا خلق اللَّه الممتَحنين بحيث يأْلمون ويتلذذون؛ ليعرفوا قدر الآلام التي بها أوعدوا، واللذات التي فيها رغبوا. فعلى ذلك ضرب اللَّه مثل من عمى عن الآخرة، وصم عن سماع ما يرغب فيها، أو عمى عن أَمر اللَّه ونَهْيه، أو أُلحق بالأَعمى، والأَصم، والميت ونحو ذلك؛ لذهاب منافع البصر والسمع والحياة؛ إذ هي مخلوقة ليعرف بها ما غاب عنها بالتأَمل والتدبر. فإذا غفل عن ذلك سمى بالذي ذكرنا. وبينا أَنه لولا الآخرة ودار الجزاءِ، لم يكن لخلق شيء من ذلك حكمة نعقلها نحن. فعلى ذلك ضرب المثل لذهاب نور القلب -الذي به يبصر العواقب وينتفع بها- بذهاب نور البصر، في زوال منافع الدنيا مما يتصل بنوره، وكذلك أَمر السمع وغيره. فكان على ذلك أَمكن إخراج المثلين جميعًا على الكفرة والمنافقين. أَما المنافق فإذا ذهب نور حقيقته عنه -وهو نور البصر- لم ينتفع بنور النار على قيام النار بنورها لكل ذي بصر، وكذلك سائر منافع النار؛ فمثله إذا ذهب عنه نور بصر القلب
(18)
وحياته لم ينتفع بنور الآخرة وجزائِها. وكذلك الذي ذهب عنه ضوء البرق يبقى متحيرا؛ إذ به يبصر الطريق كمن يذهب عته بصر القلب؛ إذ به يبصر عواقب الأَشياءِ. بل الذي قصد السلوك بالبروق، والاستضاءَة بنور النار، إذا ذهب كان أَعظمَ حسرة وأَشد خوفًا من النارِ، وشدةِ المطرِ، وخبثِ الطريق من الذي لم يعرف -في الابتداءِ- نفع النار أَو البرق، ويكره المطر على شدة رغبته فيه، والنار بما ذهب منه. وكذلك المنافق في الآخرة إن لم يكن منه ما أظهر إذ به يُرد إلى درك الأَسفل، ولا قوة إلا باللَّه. وكذلك الكافر لم يبصر -بما أَعطاه من البصر- عواقب البصر الظاهر، ولا يسمع -بما أَنعم عليه من السمع- عواقب السمع؛ إذ حق ذلك أن يؤدي ذلك ما أَدركه إلى العقل ليعتبر به أَنه لم يخلق شيء من ذلك بالاستحقاق، ولا يحتمل عقله الإحاطة بكنه ما فيه من الحكمة، فيعلم عظم نعمة اللَّه وخروج مثله عن العبث، فيقوم بأداءِ شكره؛ وبذلك يصير به إلى الجزاءِ في العواقب، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) يحتمل وجهين: أَحدهما: صم؛ لأَنه ختم على آذانهم، وعلى سمعهم، وعلى قلوبهم؛ فلا يسمعون، ولا يبصرون، ولا يعقلون. ويحتمل: أَنهم صم بكم عمى؛ لما لم ينتفعوا بأسماعهم، وأَبصارهم، وقلوبهم. ثم اختلف في جواز إضافة لفظ " الاستهزاءِ " إلى اللَّه تعالى " فأجازه قوم، وإن كان ذلك قبيحًا من الخلق؛ لما قبح منهم بما لا أحد يستهزئ بأَحدٍ -إما لجهله، أَو لقبح في الخلقة، أَو لزيادة في الخلق- إلا والمستهزئ نحو هذه قد يحتمل ذلك لولا إنعام اللَّه عليه الذي قد أغفل عنه، أَو لدناءة في الخلق باشتغاله بما ذكر، مع ما لعل الإغفال من هذا أوحش، وأَقبح من حال المستهزأ به. ولذلك قال عَزَّ وَجَلَّ: (لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ. . .) الآية. وذلك نحو التكبر: أنه قبيح من الخلق، بما لهم أَشكال في الحدث، وآثار الصنعة، واحتمال كل منهم بما احتمل غيره. وجائِز إضافته إلى اللَّه تعالى، لتعاليه عن الأَشباه والأَشكال، وإحالة احتمال ما احتمل
(19)
غيره، وبه يقول حسين النجار. وأبَى قوم ذلك إلا على أثر أَحوال تصرف فهم السامع إلى معنى الاستهزاءِ، نحو أن يذكر على أثر فعل له جزاء؛ فيفهم منه جزاءُ الاستهزاءِ كذكر السيئة في الجزاء، والمكر ونحو ذلك. ثم يخرج ما نحن فيه على أوجه: أَحدها: ما بينا. والثاني: ما ينسب إليه فعل المأمور، نحو قول المؤمنين للمنافقين في الآخرة: (ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ) وقول أَهل الجنة، ودعائهم أهل النار بالخروج، لو ثبت ما ذكره الكلبي، وقول الملائِكة: (فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) وغير ذلك. وقوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20). ثم ما ذكر من " الظلمات " يخرج على وجوه ثلاثة: أَحدها: ظلمات كفرهم بقلوبهم؛ إذ أظهروا الإيمان أولًا. والثاني: المتشابه في القرآن، وهو الذي تعلق به كثير من المشركين حتى نزول قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ. . .) الآية. والثالث: ما في الإسلام من الشدائد، والإفزاع من الجهاد، والحدود وغير ذلك. وأَمكن صرف الأَول، والآخر إلى الفريقين: الكافر، والمنافق، وصرف تأْويل المتشابه إلى الكافر. على أنا بينا أَن لكل من ذلك حَظًّا، ويدل آخر الآية -وهو قوله: (وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) - على أن المثل لهم، إلا أن المنافق شريكهم في الكفر، واللَّه الموفق. وجائِز أن يكون المثل المضروب بالآية إنما هو للقوم الذين شهدوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنهم كانوا قبل بعثه صنفين:
صنف ينتحل الكتاب الذي هو عندهم مما جاءَ به الرسل، لكن أَئمتهم قد غيروا ما في كتبهم من دين اللَّه وأَحكامه حتى عطلوا ذلك، وأَبدعوا غير الذي جاءَت به الرسل من الدِّين والأَحكام. بَين ذلك قولُه: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا. . .) الآية. وقوله: (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ). وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ. . .) الآية. ومنهم من أبدع الكتاب ونسب إليهم؛ كقوله: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ. . .) الآية. تبين ما ظهر من التفرق فيهم، ومن القول في أَنبيائهم، وفي اللَّه سبحانه. ومعلوم أن دين الرسل واحد غير مختلف، وبما كان من الفترة اندرست الكتب، وذهبت الرسوم؛ فصاروا في ظلمة الضلالة، وحَيرة الزيغ، وتاهوا في سبيل الشيطان، وانقطع من بين أظهرهم الأَئمة الذين يوثق بهم في الدِّين، بما ليس لأَحد برهان يشهد له بالتمسك بسبيل الأنبياءِ، والاعتصام بكتبهم؛ إِذْ كلهم يدعي ذلك - وقد ظهر فيهم القول المختلف والمتناقض الذي لا تحتمله الحكمة، وَلا يصبر عليه العقل. وصنف: لا ينتحل الكتاب، ولا يؤمن بنبي من الأَنبياءِ، بل يعبدون الأَوثان والنيران والأحجار، وما يهوون مما لا يملك الضرر ولا النفع، ليس لهم شرع، بل هم حيارى، لا يعرفون معبودًا، ولا يبصرون طريقا، وليس فيهم مَنْ إذا فزعوا إليه دلهم على المحجة، وأطلعهم على الحق، بل هم في الضلال تائهون، وفي الظلمات متحيرون. فأحوج الفريقين جميعًا ما حل بهم من الحيرة والتيه، إلى من يشفيهم من داءِ الضلالة بنور الهدى، ومن ظلمة الاختلاف بضياءِ الائتِلاف، ويخرجهم من سبيل الشيطان إلى سبيل اللَّه، ويَدُلهم على معرفة المعبود الحق لئلا يتخذوا من دونه أَربابًا. فبعث إليهم - عند شدة حاجتهم - رسولا، وأكرمهم بما أَراهم من الآيات التي يعلمهم بها أَنه أنعم بها عليهم؛ ليستنقذهم من الضلالة إن هم أَطاعوه، وشكروا نعمة اللَّه. فكانوا كقوم بُلُوا بظلماتِ الليل والسحاب، فتحيروا فيها بما حالت الظلمة بينهم وبين حاجاتهم، وتعذر عليهم الوجه في وضع أَقدامهم، فتاهوا، فدفعهم التيهُ إلى استيقاد النار؛ ليبلغوا حوائجهم، ويأمنوا العَطَبَ في وضع الأَقدام.
(21)
وكقوم بُلُوا في شدة الجوع والعطش لضيق الزمان وجَدْبِهِ، فاستغاثوا بمن يملك كشف ذلك عنهم فأَغاثهم بالمطر. ثم منهم من عرف نعمة من أَنعم عليهم بالوقود وأَغاثهم بالمطر، فتلقوا نعمته بالشكر فنجوا بذلك فما خشوا من الهلاك، ووصلوا إلى حوائِجهم بالنار والمطر. وذلك مثل من اتبع محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعرف نعم اللَّه فشكره. ومنهم من تلقى نور النار بالكفران والجهل بالمنعم به عليه، ونسي ما كان عليه، وهو قوله: (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ) آيات فيها ذكر ما بَينت، وقوله: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ. . .) الآية، فأَذهب اللَّه نورَهُ فلا ينتفع بنور النار، ولا وَصل إلى حاجته التي بها يقضي. وذلك مثل الذين كفروا بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنهم لم ينتفعوا به، ولا قضوا حاجاتهم، بل زادهم ذلك ظلمةً وحيرة، كمستوقد النار إذا ذهب بصرهُ. وكذلك قوم بُلوا بالسلوك في الطريق عند شدة الظلمة، ولم يتلقوا النعمة بالشكر من الوجه الذي جُعل لهم لوضع أَقدامهم بنور البرق فأَذهب اللَّه نوره، وسَكَنَ لمعانُ البرق؛ فعاد الغياث له هلاكا، والمطر -الذي وجهه- عليه بلاء. فمثله من كابر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، واعترض على الاستماع إليه، ولا قوة إلا باللَّه. * * * قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25). وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ). فالخطاب يحتمل الخصوص والعموم. وقوله: (اعْبُدُوا): وحدوا ربَّكم.
(22)
جعل العبادة عبارةً عن التوحيد؛ لأَن العبادة التي هي لله لا تكون ولا تخلص له إلا بالتوحيد. ويقال: (اعْبُدُوا)؛ أي: أَطيعوا له؛ أي: اجعلوا عبادتكم لله، لا تعبدوا غيره، في كلا التأْويلين يرجع إلى الكفرة. ويقال: (اعْبُدُوا)؛ أَي: أَطيعوا له. والعبادة جعل العبد كُليته لله قولًا، وعملًا، وعقدًا، وكذلك التوحيد، والإسلام. والطاعة ترجع إلى الائتمار؛ لأَنه يجوز أن يطاع غير اللَّه، ولا يجوز أَن يعبد غير اللَّه؛ لأن كل من عمل بأَمرِ آخر فقد أطاعه؛ كقوله: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، ولا كل من عمل بأمر آخر فهو عابدٌ له، وباللَّه نستعين. ثم بين الذي أَمر بالتوحيد إياه وبالعبادة له خالصًا، فقال: (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ). والذين تعبدونهم لم يخلقوكم، ولا خلقوا الذين من قبلكم، فكيف تعبدونهم دون الذي خلقكم؟! وباللَّه التوفيق. وقوله: (لَعَلَّكُم تَتقونَ). يحتمل وجهين: يحتمل: تتقون المعاصي، والمناهي، والمحارم التي حرم اللَّه عليكم. فإذا كان هذا هو المراد فذلك راجع إلى المؤمنين. ويحتمل قوله: (تَتَّقُونَ) والشرك وعبادة غير اللَّه، فذلك راجع إلى الكفرة. قال الشيخ: الأَحسن في الأمر بالتقوى والتوحيد أَن يجعل عامّا، وفي الخبر عن التقوى خاصًّا. (لَعَلَّكُم) أي: كي تتقوا. وقوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ (22) بَيَّنَ اتقاء الذي أَمر بالتوحيد له، وتوجيه العبادة إليه، وإخلاص النية له؛ فقال: الذي فرش لكم الأَرض لتنتفعوا بها، وتقضوا حوائِجكم فيها، من أنواع المنافع عليها، واتخاذ المستقر والمسكن فيها. (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) أي: رفع السماء بناء. والسماء: كل ما علا وارتفع، كما يقال لسقف البيت: سماء؛ لارتفاعه.
وسمى السماء بناء -وإن كان لا يشبه بناء الخلق- حتى يعلم أَن البناء ليس اسم ما يبني الناس خاصة. ثم بين بقوله: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ). أي: وجهوا العبادة إلى الذي ينزل لكم من السماء ماء عند حوائِجكم، ولا تعبدوا من تعلمون أنه لم يخلقكم، ولا أَنزل لكم من السماء ماء، ولا أخرج لكم من ذلك الماءِ ثمرات تكون رزقًا لكم. بل هو اللَّه الواحد الذي لا شريك له؛ ولأَنه يخلقكم، ويرزقكم، ويخرج لكم من ذلك الماء المنزل من السماء رزقا تأْكلونه، وماء عذبًا تشربونه. وفي الآية دلالة أن المقصود في خلق السماءِ والأَرض، وإنزال الماءِ منها، وإخراج هذه الثمرات وأَنواع المنافع - بنو آدم، وهم الممتحنون فيها؛ بدلالة قوله: (جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) وما ذكر من المخرج والمنزل منها، وما ذكر في آية أخرى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)، ومنه (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)، (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ)، مما يكثر من الآيات. أضاف ذلك كله إلينا، ثم جعل - عَزَّ وَجَلَّ - بلطفه مَنافع السماءِ متصلة بمنافع الأرض على بُعْدِ ما بينهما من المسافة، حتى لا تخرج الأَرض شيئًا إلا بما ينزل من السماء من الماء؛ ليعلم أَن منشئ السماءِ هو منشئ الأَرض؛ لأَنه لو كان منشئ هذا غير منشئ الآخر لكان لا معنى لاتصال منافع هذا بمنافع الآخر على بُعْدِ ما بينهما، ولتوهم كون الاختلاف من أَحدهما للآخر. فإذا كان كذلك دل على أَن منشئهما واحد، لا شريك له ولا ند. ثم زعم قوم: أَن الأَشياء كلها حِل لنا، طلق، غير محظور علينا، حتى يجيء ما يخظر، فاستدلوا بظاهر هذه الآية بقوله: (رِزقا لَكُم)، وبقوله: (كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا). وقال آخرون: لا يدل ذلك على الإباحة؛ وذلك أَن الأَشياء لم تَصِر لنا من كل الوجوه، فهو على الحظْر حتى تجيء الإباحة، ولأَن الأَشياء لا تحل إلا بأسباب تتقدم؛ فظهر الحظْر قبل وجود الأَسباب، فهو على ذلك حتى يجيء ما يُحل وُيبيح. أَو أَن يقال: خلق هذه الأَشياء لنا محنة امتحنا بها، أَو فتنة فتنا بها؛ كقوله: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ)، فُتِنَّا بها؛ وكقوله: (وَلنبلُوَنَّكُم
(23)
بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ. . .) الآية، ولأَن في العقل ما يدفع حمل الأشياء كلها على الإباحة، لما في ذلك فساد الخلق، وتفانيهم. فيين لِكل منهم ملْكًا على حدة بسبب يكتسب به؛ لئلا يحملهم على التفاني والفساد، وباللَّه نستعين. وقوله: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا). أي: أَعدالًا، وأَشكالًا في العبادة، وكله واحد. ند الشيء: هو عِدْلهُ. وشكلُه: هو مثلُه " وقوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). الأَول: أَن لا نِدَّ، ولا عِدْل، ولا شكل؛ لما أَراكم من إِنشاءِ هذه الأَشياء ولم تروا من ذلك ممن تعبدونه شيئًا. والثاني: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ولما أَنشأ فيكم من الأَشياءِ ما لو تدبرتم وتفكرتم وتأَملتم، علمتم أنه لا نِد له ولا شكل له؛ كقوله: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ). وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا (23) من القرآن أنه مُخْتَلَق مفترى، وأنه ليس منه؛ كقولهم: (إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ) وقولهم: (مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى)، و (مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ). وقوله: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ). أي: ائْتوا أَنتم بمثل ما أَتى هو؛ إذ أنتم وهو سواء في الجوهر والخلقة واللسان، ليس هو أَولى بذلك منكم؛ أَعني: في الاختلاق. وقوله: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). أي: استعينوا بآلهتكم الذين تعبدون من دون اللَّه، حتى تعين لكم على إتيان مثله إن كنتم صادقين في مقالتكم أنه مختلق مفترى. ويقال: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ). يعني شعراءَكم وخطباءَكم ليعينوكم على إتيان مثله. ويقال: ادعوا شهداءَكم من التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائِر الكتب المنزلة على الرسل السالفة أنه مختلق مفترى. وقوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا (24) يحتمل وجوهًا: يحتمل أنهم اقروا على أثر ذلك بالعجز عن إتيان مثله من غير تكلف ولا اشتغال كان منهم لما دفع عَزَّ وَجَلَّ عن أطماعهم إتيان مثله نظمًا، ولا اجتهدوا كل جهدهم، وتكلفوا
كل طاقتهم على إطفاءِ النور ليخرج قولهم على الصدق بأَنه مُختلقٌ مفترى، ويظهر كذب الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أَنه كلام رب العالمين. فدل إقرارهم بالعجز عن إتيان مثله، وترك اشتغالهم بذلك: أَنه كلام رب العالمين، مُنَزل على نبيه ورسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ). الوَقود بالنصب هو الحَطب، وبالرفع هو النار. أَخبر عَزَّ وَجَلَّ أن حَطبها الناس كلما احترقوا أُعيدوا وبُدّلوا؛ كقوله: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا). والحجارة فيه وجهان: قيل: هي الكبريت. وقيل: الحجارة بعينها لصلابتها، وشدتها أشد احتراقًا، وأكثر إحماء. و (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ). في الآية دلالة أنها لم تعد لغير الكافرين. وهى تنقض على المعتزلة قولهم حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، ولم يطلقوا له اسم الكفر، وفي زعمهم أَنها أُعدت للكافرين أيضًا، وإن كان تعذيب المؤمن بمعاصي يرتكبها، وأَوزار حملها، وفواحش تعاطاها؛ وذلك أَن اللَّه يعذب من يشاء بما شاءَ، وليس إلى الخلق الحكم في ذلك؛ لقوله: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). فإن قالوا: إن أَطفال المشركين في الجنة، والجنة لم تُعدَّ لهم، وإنما أُعدت للمؤمنين، ثم جاز دخول غيرهم فيها وتخليدهم. وكذلك النَّار وإن كانت معدة للكافرين، جاز لغير الكافر التعذيب والتخليد فيها، كقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ. . .) الآية، شرط الكفر بعد الإيمان. ثم من ينشأ على الكفر، والذي كفر بعد الإيمان سواء في التخليد، فكذلك مرتكب الكبيرة، والكافر، سواء في التخليد. فيقال لهم: إن كل كافر تشهد خلقته على وحدانية ربه؛ فإذا ترك النظر في نفسه، واختار الاعتناد فصار كَكُفْرٍ بعد الإيمان؛ لأَنه لم يكن مؤمنًا ثم كفر. وأَما قولهم في الأطفال؛ فإنهم إنما خُلِّدوا الجنة جزاء لهم من ربهم، ولله أَن يعطي
(25)
الجزاءَ من شاءَ بلا فعل، ولا صنع كان منه؛ فضلًا وكرامة، وذلك في العقل جائِز إعطاء الثواب بلا عمل على الإفضال والإكرام. وأَما التعذيب فإنه غير جائِز في العقل بلا ذنب يرتكبه، واللَّه أعلم. وقوله: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (25) الآية تنقض قول من جعل جميع الطاعات إيمانًا؛ لما أثبت لهم اسم الإيمان، دون الأَعمال الصالحات، غير أَن البشارة لهم، وذهاب الخوف عنهم إنما أُثبت بالأَعمال الصالحات. ويحتمل: الأَعمال الصالحات: عمل القلب، وهو أن يأْتي بإيمان خالص لله، لا كإيمان المنافق بالقول دون القلب. وقوله: (أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ). يعني بساتين. وقوله: (ومِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) قيل فيه بوجوه: قيل: إن البساتين ليست هي اسم الأَرض والبقعة خاصة، ولكن ما يجمع من الأشجار، وما ينبت فيها من أَلوان الغروس المثمرة فعند ذلك يسمى بستانًا. وقوله: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي: من تحت أشجارها، وأغراسها الأَنهار. وقيل: من تحتها: مما يقع البصر عليها، وذلك أَنزه عند الناس، وأَجلى، وأَنبل. وقيل أَيضًا: من تحتها أَي: من تحت ما علا منها من القصور والغرف، لا تحت الأَرض مما يكون في الدنيا في بعض المواضع يكون الماء تحت الأَرض. دليله قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " تحت كل شعرة جنابة "؛ أي تحت ما علا، لا تحت الجلد؛
فكذلك الأَول من تحت ما علا منها من القصور، والغرف، واللَّه أعلم. وقوله: (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ). قيل فيه بوجوه: (رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ) في الدنيا.
وقيل: (رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ) أَي: هذا الذي وعدنا في الدنيا أن في الجنة هذا. وقيل: (رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ)، في الجنة قبل هذا. وقوله: (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا). قيل فيه بوجوه: قيل: (مُتَشَابِهًا) في المنظر، مختلفًا في الطعم. وقيل: (مُتَشَابِهًا) في الطعم مختلفًا في رأي العين والأَلوان؛ لأَن من الفواكه ما يستلذ بالنظر إليها دون التناول منها. وقيل: (مُتَشَابِهًا) في الحسن والبهاءِ. وقوله: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ). قيل فيه بوجوه: (مُطَهَّرَةٌ) من سوءِ الخلق والدناءَة، ليس كنساءِ الدنيا لا يسلمن عن ذلك. وقيل: (مُطَهَّرَةٌ) من الأمراض، والأَسقام، وأَنواع ما يبلى به في الدنيا من الدرن، والوسخ والحيض. وقيل: (مُطَهَّرَةٌ) لصفاءِ جوهرها؛ كما يقال: يرى مخ ساقيها من كذا وكذا. وقيل: (مُطَهَّرَةٌ) مختارة مهذبة. وقوله: (وَهُم فِيهَا خَالِدُونَ). أي: يقيمون أَبدا. فالآية ترد على الجهمية قولهم؛ لأَنهم يقولون بفناءِ الجنة، وفناءِ ما فيها؛ يذهبون إلى أَن اللَّه تعالى هو الأَول، والآخر، والباقي، ولو كانت الجنة باقية غير فانية لكان ذلك
(26)
تشبيهًا. لكن ذلك وهمٌ عندنا؛ لأَن اللَّه تعالى هو الأَول بذاته، والآخر بذاته، والباقي بذاته، والجنةُ وما فيها باقية بغيرها. ولو كان فيما ذكر تشبيه لكان في العالم، والسميع، والبصير تشبيه، ولكان في الخلق أيضًا في حال البقاءِ تشبيه، فإذا لم يكن فيما ذكرنا تشبيه لم يكن فيما تقدم تشبيه. وأيضًا: فإن اللَّه تعالى جعل الجنة دارًا مطهرة من المعايب كلها؛ لما سماها دار قدس، ودار سلام. ولو كان آخرها للفناءِ كان فيها أَعظم المعايب؛ إذ المرء لا يهنأُ بعيش إذا نغص عليه بزواله؛ فلو كان آخره بالزوال كان نعمة منغصة على أَهلها؛ فلما نزه عن العيوب كلها -وهذا أَعظم العيوب- لذلك كان التخليد لأَهلها أولى بها. * * * قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا). كأن هذا - واللَّه أعلم - يخرج جوابًا على أثر قول قاله الكفرةُ لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على ما ذكره بعض أَهل التأْويل - فقالوا: ما يستحيي ربك أَن يذكر البعوض والذباب ونحوها مما يصغر في نفسه، وملوكُ الأَرض لا يذكرون ذلك، ويستحيون؟ فقال عَزَّ وَجَلَّ جوابًا لقولهم: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا. . .) الآية. لأَن ملوك الأَرض إنما ينظرون إلى هذه الأَشياءِ بالاستحقار لها، والاستذلال؛ فيستحيون ذكرها على الإنكاف، والأنَفَة. واللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لا يستحيي عن ذلك؛ لأَن الأعجوبة في الدلالة على وحدانية الله تعالى وربوبيته في خلق الصغير من الجثة والجسم، أَكبر من الكبارِ منها والعظام؛ لأَن
الخلائق لو اجتمعوا على تصوير صورة من نحو البعوض والذباب، وتركيب ما يحتاج إليه من الفم والأَنف والرجل واليد والمدخل والمخرج - ما قَدروا، ولعلهم يقدرون على ذلك في العظام من الأَجسام والكبار منها. فأُولئك لم ينظروا إليها لما فيه من الأعجوبة واللطافة، ولكن نظروا للحقارة، والخساسة أنفًا منهم وإِنكافًا. ثم اختلف أَهل الكلام في إضافة الحياءِ إِلى اللَّه تعالى: فقال قوم: يجوز ذلك بما رُويَ في الخبر: " إن اللَّه يستحيي أَن يعذب من شاب في الإسلام " ولأنه يجوز كالتكبر، والاستهزاءِ، والمخادعة، وقد ذكرنا الوجه فيما تقدم. وقال آخرون: لا يجوز إضافته إلى اللَّه تعالى؛ لأَن تحته الإنكاف والأَنفة، وذلك عن اللَّه تعالى مَنْفِيٌّ، ولكن الحياء هو الرضاء هاهنا، والحياء الترك؛ أَي: لا يترك ولا يدع. وقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ). أي: علموا أن ضرب المثل بما ذكر من صغار الأَجسام والجثة حق؛ لما نظروا إلى ما فيها من الأُعجوبة والحكمة واللطافة. وقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا). لم ينظروا فيها لما فيها من الأُعجوبة والحكمة، ولكن نظروا للخساسة والحقارة. وقوله: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا). الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنه جواب قولهم: (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) فقال: أَرَاد أَن يضل بهذا المثل كثيرًا، وأَراد أن يهدي به كثيرا، أَضل به من علم منه أَنه يختار الضلالة، ويهدي به من علم أَنه يختار الهدى، أراد من كل ما علم منه أَنه يختار ويُؤثر، واللَّه أَعلم. وهم يقولون: بل أَراد أن يهدي به الكل، ولكنهم لم يهتدوا. والثاني: يُضلُّ به كثيرًا؛ أَي: خَلَقَ فِعْلَ الضلالة من الضال، وخلقَ فعل الاهتداءِ من المُهتدِي. وقد ذكرنا فيما تقدم. وقوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ).
(27)
أي: ما يُضِل بهذا المثَل إلا الفاسق الذي لا ينظر إلى ما فيها من الأُعجوبة واللطافة في الدلالة. وقوله: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ (27) عهد اللَّه يكون على وجهين: عهدُ خِلْقه؛ لما يشهد خَلْقه كُل أحدٍ على وحدانية الرب؛ كقوله: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ). وكقوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ. . .) الآية. إنه إن نظر في نفسه وتأَمل عرف أن له صانعًا وأنه واحد لا شريك له. وعَهْدُ رسالةٍ على أَلْسِنة الأَنبياءِ والرسل عليهم السلام؛ كقوله: (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي. . .) والآية. وكقوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ. . .) الآية. فنقضوا العهدين جميعًا؛ عهدَ الخلقة، وعهد الرسالة. وقوله: (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ). يَحْتَمِل وجهين: يقطعون الإيمان ببعض الرسل وقد أُمروا بالوصل؛ كقوله: (نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ). وقيل: يقطعون ما أمر اللَّه أن يوصل من صلة الأرحام. وقوله: (وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ). قيل فيه بوجهين: يفسدون بما يأمرون في الأرض بالفساد؛ كقوله: (يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ). وقيل: يفسدون، أي: يتعاطَوْن بِأنفسهم في الأَرض بالفساد؛ كقوله: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا). وقوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ). يحتمل أَيضًا وجهين: خسروا لما فات عنهمِ، وذهب من المنى والأَماني في الدنيا. ورُويَ عن الحسن أنه قال في قوله: (هُمُ الْخَاسِرُونَ): أي: قذفوا أَنفسهم -
(28)
باختيارهم الكفر- بين أَطباق النار؛ فذلك هو الخسران المبين. وقوله: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ (28) يحتمل وجوهًا: " كيف ": من أَين ظهرت لكم الحجةُ أَن تعبدوا من دون اللَّه من الأَصنام وغيرها أَنه حق، ولم يظهر لكم منها الإنشاء بعد الموت، ولا الإماتةُ بعد الإحياءِ؟ وقيل: كيف تكفرون بالبعث بعد الموت (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا) يعني نُطَفًا (فَأَحْيَاكُمْ)، وأَنتم لا تنكرون إنشاء الأَول فكيف تنكرون البعث والإحياء بعد الموت؛ وقيل: كيف تكفرون بالإحياءِ والبعث بعد الموت، وفي العقل أن خَلْقَ الخلْق للإفناءِ والإماتة من غير قصد العاقبةِ عبث ولعب؛ لأَن كل بانٍ بنى للنقض فهو عابث، وكذلك كل ساع فيما لا عاقبة له فهو عابث هازل، فكيف تجعلون فعله عَزَّ وَجَلَّ؛ إذ لو لم يجعل للخلق دارًا للجزاءِ، والعقاب كان في خلقه إياهم عابثًا هازلًا خارجا من الحكمة؟! تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرًا. وقوله: (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). أَي: تعلمون أَنكم تُرجَعون إليه، وكذلك المصير والمآب. والثاني: ترجعون إلى ما أعَد لَكُم من العذاب. احتج عليهم بما أَخبرهم اللَّه أَنه أَنشأهم بعد الموتة الأُولى، وأنه يبعثهم بعد الموتة الأُخرى (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) كأنه يقول: ثم اعلموا أَنكم إليه ترجعون. قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا (29) قيل: إنه صلة قوله: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا) أي: كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأرض ما يدلكم على وحدانيته؛ لأَنه ليس شيء من الأرض إلا وفيه دلالة وحدانيته. ويحتمل: كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأَرض نعيمًا من غير أَن كان وجب لكم عليه حق من ذلك لتشكروا لَهُ عليها، فكيف وجهتم أَنتم الشكر فيها إلى غيره؟ ويحتمل (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ): محنة يمتحنكم بها في الدنيا؛ كقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، ثم لتجزون في دار أخرى فكيف أنكرتم البعث؟!
وفى بيان حكمةِ خلق الخلق في الدنيا للفناءِ، والإحياء للآخرة - حكمة، وفي إنكارها ذهاب الحكمة. وقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ). قيل فيه بوجوه: قيل: استوى إلى الدخان؛ كقوله: (اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ). وقيل: استوى: تَمَّ؛ كقوله: (بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى) أي: تَمَّ. وقيل: استوى: أَي: استولى. والأَصل عندنا في قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) و (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، وغيرها من الآيات من قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ. . .) الآية. وقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ. . .) الآية، من الآيات التي ظنت المشبِّهةُ أَن فيها تحقيق وصف اللَّه تعالى بما يستحق كثير من الخلق الوصفَ به على
التشابه. في الحقيقة إنها تحتمل وجوهًا: أحدها: أَنْ نَصِفَهُ بالذي جاء به التنزيل على ما جاء، ونعلم أَنه لا يشبه على ما ذُكر من الفعل فيه بغيره؛ لأنك بالجملة تعتقد أن اللَّه ليس كمثله شيء، وأنه لا يجوز أَن يكون له مثل في شيء؛ إذ لا يوجد حدثه فيه، أَو قدم ذلك الشيء من الوجه الذي أشبه اللَّه. وذلك مدفوع بالعقل والسمع جميعًا، مع ما لم يجز أَن يقدر الصانع عند الوصف بالفعل كغيره، وأنه حي، قدير، سميع، بصير، نفى ما عليه أمر الخلق لما يصير بذلك أَحد الخلائق. وإذا بطل هذا بطل التشابه وانتفى، ولزم أَمر السمع والتنزيل على ما أَراد اللَّه. وبالله التوفيق. والثاني: أَن يمكن فيه معان تُخرِج الكلام مَخْرج الاختصار والاكتفاءِ بمواضع إفهام في تلك المواضع على إِتمام البيان، وذلك نحو قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ) أَي: بالملك. وذلك كقوله: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ. . .) أَي: بربك (فَقَاتِلَا)؛ إذ معلوم أَنه يقاتل بربه؛ ففهم منه ذلك. وكذلك معلوم أَن الملائكة يأتُون، فكأنه بين ذلك. يدل عليه قوله: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)، وكذلك (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ. . .) الآية. ومما يوضح أَنه لم يكن أَحدٌ اعتقد أَو تصوَّر في وهْمِه النظرُ لإتيان الربِّ ومجيئه، ولا كان بنزوله وعد بنظر. وكان بِنزولِ الملائِكة؛ كقوله: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى. . .)، وقوله: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) فيما ذكرنا عظيمُ أَمرهم، وجليلُ شأْنهم، ومثله في قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرشِ اسْتَوَى)، مع ما له وجهان: أَحدهما: أَن يكون معنى العرش الْملك والاستواءُ التام الذي لا يوصف بنقصان في ملك، أَو الاستيلاءُ عليه، وألَّا سلطان لغيره، ولا تدبير لأَحد فيه. والثاني: أَن يكون العرش أَعلى الخلق وأَرفعه.
(30)
وكذلك تقدرُه الأوهام؛ فيكون موصوفا بعلوه على التعالي عن الأمكنة، وأَنه على ما كان قبل كون الأَمكنة، وهو فوق كل شيء؛ أي بالغلبة، والقدرة، والجلال عن الأَمكنة، ولا قوة إلا باللَّه. وأَصله ما ذكرنا: ألا نُقَدرَ فعلَه بفعل الخلق، ولا وصفه بوصف الخلق؛ لأنه أخبر أنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ). وقوله: (فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). مرة قال: (فَسَوَّاهُنَّ)، ومرة قال: (خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ)، ومرة قال: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ. . .) الآية، ومرة قال: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). وكله يرجع إلى واحد. * * * قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39). وقوله: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ). قال الشيخ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: القول فيما يتوجه إليه مما تضمن قصة آدم عليه السلام من سورة البقرة، والكشفُ عما قال فيها أهل التفسير من غير شهادة لأحد منا لإصابة جميع ما فيه من الحكمة أَو القطع على تحقيق شيء، ووجهوا إليه بالإحاطة. ولكن الغالب مما يحتمله تدبير البشر، ويبلغه مبلغ علمنا مما يجوز أَن يوصَف به أَهلُ المحنة، وإن كان تنزيه الملائِكة عن كل معنى فيه وحشة أَوْلى بما وصفهم اللَّه من الطاعة
بقوله: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). وقوله: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا) إلى قوله: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ. . .) الآية. وقوله: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ. . .) الآية. وقوله: (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ). وما جاءَت به الآثار عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من وصف طاعتهم لله، ومواظبتهم على العبادة. وما لا يذكر عن أحد من الرسل وصف ملك بالمعصية، بل إنما ذلك يذكر عن بعض السلف مما لا لوم في مخالفته في فروع الدِّين، فضلا من أَن يبسط اللسان في ملائِكة الله سبحانه، وباللَّه المعونةُ والعصمة. قال اللَّه تعالى لملائِكته: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ. . .) الآية. زعم قوم أن هذا زلة منهم، لم يكن ينبغي لهم أن يقابلوا قوله: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) بهذا؛ لما يخرج مخرج الاستعتاب بقولهم: أَتفعل ونحن نفعل كذا؟! كالمنكرين لفعله. وأَيدوا ذلك بقوله عَزَّ وَجَلَّ: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) أنه لولا كان في ذلك طرف من الجهل يحذر عن مثله قائِلُه، لم يتبع قولهم هذا، ومعلوم عندهم أن يكون هو يعلم ما لا يعلمون. وأَيد ذلك بما امتحنهم بالإنباءِ عن أَسْماءِ الأَشياءِ، مقرونًا بقوله: (إِن كُنتُم صَادِقِينَ) ولولا أنه سبق منهم ما استحقوا عليه التوعد لم يكن لذلك الشرط عند القول: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ) وفائِدة مع ما يوضع موضع التوبيخ والتهدد. ومنهم من قال: إن قوله: (أَتَجْعلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا) قولُ إبليس، هو الذي تعرض بهذا القول، وإن كان الكلام مذكورًا باسم الجماعة؛ لأَنه جائِز خطاب الواحد على إرادة الجماعة، وذكر الجماعةِ على إرادة الواحد، وإن كان خطاب اللَّه تعالى لجملة ملائِكته حيث قال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ. . .) الآية. قوله: (أَنْبِئُونِي) بكذا، وهو يعلم أنهم لا يعلمون ذلك، ولا يحتمل أَن يأْمرهم بذلك وهم لا يعلمون. ولو تكلفوا الإخبار لَلَحِقَهم الكذبُ في ذلك. ثبت أن ذلك على التوبيخ والتهدد لما فرط منهم.
ويكشف عن ذلك أَيضًا عند اعترافهم بأن لا علم لهم إلا ما علمهم اللَّه (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. . .) الآية، ولو لم يكن منهم ما استحقوا به التأْديب والتنبيه عنْ غفلة سبقت منهم، لم يكن لذلك كثيرُ معنى؛ إذ لا يخفى على اللَّه عز وجل عِلْمُ ما ذكر من الكفرة الأشقياءِ، فضلًا عن الكرام البررة. ولكن قد يعاتب الأخيار عند الهفوة، والزلة بما يحل من خوف التنبيه والتوبيخ: نحو قولِهِ: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ). وقوله لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ. . .) الآية. ولملائِكته: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِ). واستجازوا إمكان العصيان عند المحنة. ودليلُ المحنة ما بينا من الفعل بالأمن والخوف المذكورين، وما مدحوا بعبادتهم لله تعالى، وما أوعدوا لو ادعَوا الألوهية؛ ولما لم يحتمل أن يُحمدوا على العبادة والطاعة فيما كان فعلهم على الخير والشر، ولا تعظم المحنة فيما لا يمكن المعصية، ولا تحتملها البنْية؛ إذ الطاعة هي في اتقاءِ المعصية. وقال أَيضًا: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ)، ولا يقال مثله لمن لا يحتمل فعل المعصية. فثبت أن المعاصي منهم ممكنة؛ ولذلك خَطَرُ طاعاتهم، وعِظمُ قَدرِ عباداتهم، والممتَحَن مَخُوف منه الزلة والهفوة، بل المعصية، وكل بلاء إلا أَن يعصمه اللَّه تعالى ويحفظه، وذلك من اللَّه إفضال وإحسان لا يُستَحق قبلَه، ولا يُلْزمه أحد من خلقه. فجائِز الابتلاء به مع ما في زلة أمثالهم من ترك الرجاء بالخلق، وقطع الإياس، والحث على الفراغ إلى اللَّه تعالى بالعصمة والمعونة؛ إذ لم يقم لطاعته أحد وإِن جَل قَدرُهُ عند ما وُكِل إلى نفسه مما يعلم اللَّه أَنه يَختار في شيء الخلاف، لا أَنه يفزع إليه وينزع إليه. وعلى ذلك معنى زَلات الرسل عليهم الصلاة والسلام. وزعم قوم أَن ذلك ليس منهم بالزلة، بل اللَّه تعالى عصمهم عنها، ولكن قوله: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) يخرج على وجهين: أَحدهما: على السؤال بعد أَن أعلمهم اللَّه أَنهم يفعلون؛ فقالوا: كيف يَفْعلون ذلك، وقد خلقتهم ورزقتهم وأَكرمتهم بأَنواع النعم، ونحن إذ خلقتنا نُسبحك بذلك، ونقدس
لك؟! أو كيف تحتمل عقولهم عصيانًا -مع عظم نعمتك عليهم- ونحن معاشر الملائِكة تأْبى علينا العقول ذلك؟! فقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). . أَي: أَمْتحنهُم مع ما ركب فيهم من الشهوات التي -لغلبتها على أَنفسهم- تعتريهم أَنواع الغفلة، ويصعب عليهم التيقظ؛ لكثرة الأَعداءِ لهم، وغلبة الشهوات؛ فلما عظمت المحنة عليهم يكون منهم ذلك. وهذا الوجه يخرج على سؤال الحكمة في خلق من يعصيه. فأخبر أَنه يعلم ما لا تعلمون؛ إذ بذلك بيان الأَولياءِ والأعداءِ، وبيان أن اللَّه لا يخلق من يخلق لحاجته له، أو لمنفعة له؛ إذ لو كان كذلك لم يخلق من يخالفه في الفعل الذي أُمِر به. وإنما خلق الخلق بعضهم لبعض عِبرًا وعِظةً؛ فيكون في عقوبة العُصاة ووعيدهم مَزْجَز لغيرهم وموعظة، ولغير ذلك من الوجوه. والوجه الآخر: أَن يكون المعنى من قوله: (أَتَجْعلُ فِيهَا) على الإيجاب، أَي: أَنت تفعل ذلك؛ إذ ليس عليك في خلق من يعصيك ضرر، ولا لك في خلق من يطيعك نفع، جل ثناؤك، من أَن يكون فعلك لأحد هذين. وذلك كقوله: (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ. . .) الآية. على إيجاب ذلك، لا على الاستفهام. مع ما يحتمل أن الأَلف زائِدة؛ كقوله: (أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ) وقوله: (أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) بمعنى: إنكم تريدون، وذلك يرجع إلى الأول. وقال:؛ معنى قوله: (إنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ): أن اللَّه قد كان أخبرهم عن الذين يفسدون، ولم يكن أَعلمهم ما فيهم من الرسل والأَخيار، فهو يعلم ما لا تعلمون من الأَخيار فيهم؛ ولذلك ذكَّرهم عند سؤال الإنباءِ بما أَعلمهم من عظيم امتنانه على آدم أَن جعله بمعنى نبيء إلى الملائكة بما علمهم الأسماء. ولم يكن بلغ توهمهم أَن في البشر ما يحتاج المخلوقون من النور -الذي هو سبب
رفع الأستار عن الأَشياءِ، وجلاء الأَشياءِ به- ثم يحتاجون في اقتباس العلم إلى من هو من جوهر التراب والماءِ الذي هو أصل الستر والظلمة. فأَراهم اللَّه بذلك ليعلموا أن ليس طريق المعرفة، والعلم بالأَشياءِ الخلقة، ولكن لطفُ اللَّه وامتنانُه، ولا قوة إلا باللَّه. وقال قوم: كان منهم من استحق العتاب من طريقِ الخطر بالقلوب، لا من طريق الزلة -التي هي العصيان- ولكنهم يعاتبون على أمثال ذلك -وإن لم تبلغ بهم المعصية- لعلو شأْنهم، ولعظمِ قدرهم. كما قد عاتب اللَّه نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في أشياءَ وإن لم يكن ذلك منه معصية؛ كقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنك. . .) الآية. وقوله: (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ). وقوله: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ. . .) الآية. ولم يكن إثم في ذلك، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. . .) الآية؛ لأنه، من غير أَن كان منه عصيان؛ فمثل ذلك أمر الملائِكة. ثم تكلموا في معنى ذلك: فمنهم من يقول: ظنوا أنهم أكرم الخلق على اللَّه، وأَنه لا يُفَضِّل أَحدًا عليهم. ومنهم من يقول: ظنوا أَنهم أعلم من جميع من يخلق من جوهر النار أَو التراب؛ من حيث ذكرت من جوهرهم، أَو لعظم عبادتهم لله، وعلمهم بأن في الجن والإنس عصاة؛ فلهذا امتحنهم بالعلم، ثم بالسجود؛ لإظهار علو البشر وشرفه، وعظم ما أكرموا به من العلم. ومنهم من أيقول: ظنوا أنهم فضلم ابفعلهم:، (دنتحُ مجَتدِكَ وَنُقَذِسٌ لَك). وقوله: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). قال قوم: يريد به آدم عليه السلام، يخلف الملائكة في الأرض ومن تقدمه من الجان. وذلك بعيد؛ كأنهم قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) ولم يكن آدم - عليه السلام - بالذي كان يفسد في الأرض، ويسفك الدماء، بل كان يسبح بحمده ويقدس له.
(31)
ولكن يحتمل: أَن يريد آدم وولده -إلى يوم القيامة- أَن يجعل بعضهم خلفاء لبعض؛ كقوله: (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ)، أو يجعلهم خلفاء من ذكروا، إن صح الذي قالوا. وجائز أَن يكونوا على وجه الأَرض، إذ هي مخلوقة لهم قرارا ومِهادًا ومعادًا، وهم جُعِلوا سكانهَا وعُمَّارها - أَن يكونوا خلفاء، في إظهار أَحكام اللَّه تعالى ودينه، كقوله لداود عليه السلام: (إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ)، فجعله كذلك ليحكم بين أهلها بحكم اللَّه ولا يتبع الهوى، وبذلك أُمر بنو آدم. وقولُه: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). قيل: بأمرك. وقيل: بمعرفتك. وقيل: بالثناءِ عليك؛ إذ كانوا أَضافوا ذلك إلى أنفسهم دون أن يذكروا عظيم مِنَّة الله عليهمِ بذلك، واختصاصَه إياهم بالتوفيق له؛ إذ كيف ذكروا من نُعُوت البشر شرَّ ما فيهم، دون أن يحمَدوا اللَّه -بما وفقوا له- أَو يدعوا للبشر بالعصمة والمغفرة مما ابتلوا. ولذلك - واللَّه أعلم - صَرفوا شغلهم من بعد إلى الاستغفار لمن في الأَرض، ونصر أولياءِ اللَّه، ولا قوة إلا باللَّه. ومن الناس من أَخبر في ذلك: أَن إبليس سأَلهم: لو فُضل آدمُ عليهم، وأُمِروا بالطاعة له ما يصنعون؟ فأَظهر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنه علم ما كتم إِبليس من العصيان، وما أَظهروا هم من الطاعة. وهذا شيء لا يعلم حقيقته؛ لأَن المعاتبة كانت في جملة الملائكة، والمخاطبة بالإنباءِ، وما أُلحق به وأَمر بالسجود وكان في غيره. ولم يحتمل أَن يكونوا يؤاخذون بسؤال إبليس اللعين. ولكن يحتمل وجوه العتاب الإخبار فيما لم يبلغوا العصيان، واللَّه الموفق. وقوله: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ (31) يحتمل: أن يكون علم لهم. ويحتمل: أن يكون علَّم بإِرسال ملك من غير الذين امتحنوا به. وفي ذلك تثبيت أحد وجهين:
إما أَن يكون العلم بالأَشياءِ حقيقة ضرورة، يقع عند النظر في الأسباب التي هي أَدلة وقوعه عند التأَمل فيها؛ نحو وقوع الدرك بالبصر عند النظر وفتح العين. وإما أن يكون اللَّه تعالى خلق فعل التعلم الذي يعلم المرء فيما يضاف فيه إلى الله تعالى أَنه علم. وكذا قوله: (علَّمَهُ البَيَانَ). وكذا قوله: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ)، ولا يحتمل هذه الأَسباب لما كانت له كلها، ولم يكن تعلَّم حقيقة ليؤذنه. وكذلك قول الملائكة: (لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا)، واللَّه الموفق. وقوله: (فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ). ظاهره أَمر، ولكنه يحتمل التوعد والمعاتبة على ما بينا، وذلك في القرآن كثير. وإن كان في الحقيقة أَمرًا، ففيه دلالة جواز الأَمر فيما لا يعلمه المأمور إذا كان بحيث يحتمل العلم به إلى ذي العلم تبين له إذا طلب واستوجب رتبة التعلم والبحث. ويحتمل: أَن يكونوا نُبِّهوا حتى لا يسبق إليهم -عند إعلام آدم- أَن ذلك من حيث يدركونه لو تكلفوا. أَو أَراد أن يريَهم آية عجيبة تدل على نبوته، ذكرهم عجزهم عن ذلك، وألزمهم الخضوع لآدم عليه السلام في إفادة ذلك العلم له، كما قال عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)، ذكره أَولًا حالَه وحالَ عَصاه، ليعلم ما أَراه ما في يده من آية نبوته على نبينا وعليه السلام. وقوله: (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34). قوله: (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) في المعاني التي ذكروا؛ إذ كنتم مذ خُلِقتم موصوفين بالصدق. أو على تحذير القول بلا علم وكأَنه قال: واصدقوا، واحذروا القول بالجهل. وفي ذلك أَنهم لم يتكلفوا بالقول في شيء لم يعلمهم اللَّه تعالى. قال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان: هذا يبطل قول المنجمة والعَافة بدعواهم على
الغيب بلا تعليم ادَّعوه من اللَّه تعالى. وفي قصة آدم عليه السلام دلالة نبوة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ إذْ أَخبر نبينا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بما علم بما في غير القرآن من الكتب السماوية من غير أَن عُرِف بالاختلاف إليهم، أَو معرفة الأَلسن التي بها ذكرت في كتبهم. ذكرَها على ما لم يَدع أَحد -له العلمُ بها- النكيرَ عليه؛ ليُعلم أَنه باللَّه علم ذلك. وفيها دلالة فضل آدم عليه السلام أَبِي البشر؛ إذ أَحوجَ ملائكتَه إليه لاقتباس أَصل الأَشياءِ، وهو العلم الذي كل خير له كالتابع، وبه يصلح وينفع، ولا قوة إلا باللَّه. وفيها دلالة محنة الملائكة بوجهين: أَحدهما: تعلُّمُهم العلم الذي هو أحق شيء يحتمل الخير؛ إذ قد يُلْهَم المرءُ ربما من غير تكلف، وهم قد أمروا به مع ما قدم ما يخرج مخرج التهدد في القول من قوله: (أَنبئوني) وذلك -فيما لا محنة- فاسد مع ما سبق من دليل المحنة. والثاني: فيما أمرهم بالسجود لآدم عليه السلام حتى صير مَنْ أَبَى كافرًا إبليسًا. وفي ذلك أيضًا دليل فضل آدم عليه السلام؛ إذ جُعِل موضعَ عبادةِ خيار خلقِ اللَّه معه، وباللَّه التوفيق. وفي ذلك أن السجود ليس بنفسه عبادة؛ إذ قد يجوز السجود لأَحد من الخلق كما أمر به لآدم عليه السلام: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ)، ولم يجز الأمر بالعبادة لآدم، ولله اسم المعبود، ولو جاز لأحد ذلك لكان غيرُ اللَّه إله. دليل ذلك تسمية العرب كل شيء يعبدونه إلهًا، ولا قوة إلا باللَّه. ثم السجود يحتمل وجهين: الوجه الأول: الخضوع كما قال اللَّه تعالى: (يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ. . .) الآية. وقوله: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ)، فإن كان المراد منه الخضوع له والتعظيم، فكذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن اللَّه تعالى إذ فضله عليهم بما أطلعه على علوم خصه بها أمره بالخضوع والتعظيم، فذلك الحق على كل محتاج إلى آخر ما به رجاءُ النجاة، أو دَرْك العلو والكرامة أَن يعظمهُ ويبجلهُ، ويخضعَ له. والثاني: امتحنهم بوجه يُظهر قدرَ الطاعةِ؛ لأَن الخضوعَ لمن يعلو أَمره ويجِلُّ قدره،
أَمر سهل، عليه طُبع الخلق، فإذا كان في تقدير المأمور بالخضوع أَنه دونه في الرتبة، أو شكله، أَو لم يكن بينهم كثير تفاوت اشتدت المحنة في مثله بالطاعة له والخضوع. فامتحنهم اللَّه به حتى ظهر الخاضع لله، والمستسلم لحقه، والمتكبر في نفسه، وهو إبليس. وعلى ذلك الغالبُ من أَتباع الأَنبياء عليهم السلام والذين يأْبون ذلك، أن الذي يحملهم على الإباءِ عظمُهم في أنفسهم، وظنُهم أنهم أَحق بأن يكونوا متبوعين، والله أَعلم. والوجه الثاني: أَن يكون المراد من ذكر السجود حقيقة السجود فهو يُخَرَّج على وجهين: أَحدهما: أن يُجعل السجود تحية؛ أَلزم الملائِكة تحيةَ آدم به، وهو ابتداء ما أَكرم به أَصل الإنس، وإليه مرجع جملة المؤمنين في الجنة أن يأتيهم الملائكةُ بالتحياتِ والتحف، وإن اختلفت أَنفس التحيات. وفي ذلك دليل بيِّن: أن السجودَ ليس بعبادة في نفسه؛ إذ قد يؤمر به للبشر، ولا يجوز الأَمر بعبادةِ غيرِ اللَّه؛ فيكون السجود لغيره من حيث الفعل، والعبادةُ به لله كغيره من المعروف، يصنع إلى الخلق. ومثله أَمرِ سجودِ يعقوب وأَولاده ليوسف عليه السلام، واللَّه أعلم. والثاني: أن يكون السجود له بمعنى التوجه إليه، وهي الحقيقة لله تعالى، نحو السجود إلى الكعبة لله تعالى تعظيمًا له، وتبجيلا لكعبته، وتخصيصًا من بين البقاع. كذلك أَمْرُ السجودِ لآدمَ عليه السلام، تعظيمًا له وتبجيلًا من بين سَائِر البشر، كلاهما سِيَّان. ثم قد ثبت نسخ السجود للخلق بما رُويَ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أَنه قال: " لو كان يحل لأَحد أَن يَسجد لأَحد لأَمرت المرأَة أَن تسجد لزوجها ". ولما جُعِل السجودُ في العبادة عبادةً للمسجود له، واعترافا بعرف الأشرار بعبادة عظمائهم، ومن يعبدونه من دون اللَّه؛ فيصير ذلك المعنى هو السابق في القلوب، وذلك
مما لا يُحتَمل لأَحدٍ دون اللَّه؛ فنهي عنه لذلك -وإن لم يكن بنفسه عبادة للمسجود له في الحقيقة- كما نُهي عن أَشياء بما يتصل بها من الوحشة، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة مُحْتَملًا له، فكذلك الأَمر الأَول، كما نُهي عن سبِّ من يُعْبَد من دون اللَّه خَوْفًا لسبِّ اللَّه، ويؤمر بأُمور ليست -بنفسها- بقُربةٍ ليتوصل بها إلى القُربة، كالسعي إلى الحج والجمعة، ونحو ذلك. وفيه أَن السُّنَّة تنسخ الكتابَ؛ لأَن السجود لآدم عليه السلام في الكتاب، ومثله السجود ليوسف، ثم نهى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك فحرم؛ فدل أن السنة تنسخ الكتاب. وقولُ الملائِكة: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ). يُشْبه أَن يكون السابقُ إلى وهمهم مُنًى، أَو خَطَرَ فِعلِ ما كان باللَّه خرج من أَن يعقلوا حكمته؛ إفَا بما لم يبلغهم العلم بها، أَو يخطر ببالهم أَنه تعالى كيف يأْمرهم، وهو يعلم أنهم لا يعلمون بها، أو خطرَ ببالهم من غير تحقيق ذلك، ولكن على ما يُبْلَى به الأَخيارُ؛ كقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى. . .) الآية. أو كما لا يخلو به الممتَحَنُ عن الخواطر التي تبلغ المحنةُ بهم المجاهدةَ بها في دفعها، وإن لم يكن لهم بما يخطر ببالهم صُنْع. فقالوا: (سُبْحَانَكَ)؛ نزهوا عَما خطر ببالهم، وسبق إلى وهمهم. ووصفوا بأَنه (عَليِم): لا يخفى عليه شيء. (حَكِيم): لا يخطئ في شيء، ولا يخرجُ فعلهُ عن الحكمة، وباللَّه التوفيق والعصمة. وفي الآية منعُ التكلم في الشيء إلا بعد العلم به، والفزع به إلى اللَّه عن القول به إلا بعلم، وهذا هو الحق الذي يلزم كل من عرف اللَّه. وبه أَمر اللَّه تعالى نبيهُ عليه الصلاة والسلام فقال: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. . .). وسُئل أبو حَنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن الإرجاءِ ما بدؤُه؟ فقال: فعل الملائكة إذا
سئلوا عن أَمرٍ لم يعلموا فوضوا ذلك إلى اللَّه تعالى. ومَعنى الإرجاءِ نوعان: أحدهما: محمود؛ وهو إِرجَاء صاحب الكبائر، ليحكم اللَّه تعالى فيهم بما يشاء، ولا يُنزلهم نارًا ولا جنة؛ لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). والإرجاء المذموم هو الجبر، أَن تُرجَأ الأفعالُ إلى اللَّه تعالى، لا يجعلُ للعبد فيه فعلًا، ولا تدبيرَ شيء من ذلك. وعلى ذلك المروِيُّ، حيث قال: " صنفان من أُمتي لا ينالهم شفاعتي؛ القدريةُ والمرجئةُ ". والقدرية: هي التي لم تر لله -في فعل الخلق- تدبيرًا، ولا له عليه قدرةَ التقدير. والمرجئة: هي التي لم تر للعبد فيما ينسب إليه من الطاعة والمعصية فعلًا ألبتَّة؛ فأبطلت الشفاعة لهما، وجُعِلت للمذهب الأوسط بينهما، وهو الذي يُحَققُ للعبد فعلًا، ولله تقديرًا، ومن العبد تحركًا بخير أَوْ شر، ومن اللَّه خلقه. وذلك على المعقول مما عليه طريقُ العدل والحق بين التفريط والتقصير.
وكذلك قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " خير الأُمور أَوساطها ". وكذلك قال اللَّه تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا. . .) الآية، ولا قوة إلا باللَّه. وعن ابن جريج قال: سجودُ الملائِكة لآدم إيماء، ولم يكن يحل وضع الوجه بالأَرض لأَحد. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال: كان سجودُ الملائِكة سجودَ تحيةٍ، ولم يكن سجود عبادة. وعن قتادة قال: كانت الطاعة لله، والسجدة لآدم عليه السلام إكرامًا له، والله أعلم. ثم اختلف في إِبليس: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو من الملائِكة. وقال آخرون: لم يكن من الملائِكة، وهو قول الحسن؛ والأَصم: ذهبوا في ذلك إلى وجوه: أَحدها: ما ذكر عَزَّ وَجَلَّ عن طاعة الملائِكة له بقوله: (لَا يَعصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُم. . .)
وقال: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ. . .) الآية. وقال: (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ. . .) الآية. وصف اللَّه تعالى طاعتهم له، وائْتِمارَهم إياه؛ فلو كان اللعين الرجيم منهم لأطاعَه كما أَطاعوه. والثاني: قوله: (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) والملائِكة إنما خلقوا من النور. والثالث: قوله تعالى: (كانَ مِنَ الجِنِّ)، ولم يقل من الملائِكة فَدَلَّت هذه الآياتُ أنه لم يكن من الملائكة. ثم قال في قوله: (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ): إنه قد يجوز الاستثناء من غير نوع المستثنى منه؛ نحو ما يقال: دخل أَهل الكوفة هذه الدارَ إلا رجلًا من أَهل المدينة. وذلك جائِز في اللغة. ويستدل بالاستثناء أن الأَمر كان عليهم جميعًا في الأَصل، وكان الأَمرُ بالسجود له وللملائِكة جميعًا؛ كقوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، دل أَن كان هنالك أَمر للناس بالإفاضة، فكذلك الأَول، واللَّه أعلم. وذهب من قال: إنه من الملائِكة، أنه لما لم يذكر في قصةٍ من القصص -مع كثرة التكرار لها في القرآن، وغيره من الكتب السالفة- أَنه ليس منهم، وليس فيما ذكر من الآيات ما يدل على أَنه لم يكن منهم؛ لأَن قوله: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، لو لمْ يُتَوهم منهم العصيانُ والخلافُ لله تعالى لم يكن للمدح بالطاعة والخضوع له معنى. ألا ترى إلى قوله: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ. . .) الآية مع ما ذكرنا: أنهم يُمتحنون بأنواع المحن، وكل مُمْتَحَن في شيء يجوز كون المعصية منه والخلاف لديه. وأَما قوله: (كانَ مِنَ الجِنِّ)، أي صار من الجن. وقيل: الجنُ أَراد به الملائِكة؛ سُمُّوا جنَّا لاستتارهم عن الأَبصار؛ كقوله: (وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ). وأما قوله خلق الملائِكة من النُور، وإبليسَ من النار - فهو واحد؛ لأَنه أخبر - عز
(35)
وجل - أنه خلقه من مارج من نار. وقيل: المارجُ هو لهبُها مع ما ليس في القرآن، ولا في الخبر أَنهم إنما خلقوا من النور، ولم يخلقوا من غيره. ثم اختلف في إِبليس: إنه لم كفر باللَّه؟ قيل: إنَه كفر لما لم ير الأَمرَ بسجود من فوقه لمن هو دونه حكمة. وقيل: كفر لما رأَي أن اللَّه تعالى وضع الأَمر في غير موضع الأَمر، ورآه جورًا؛ فكفر وقيل: كفر لما أَبى الائتمار بالسجود واستكبر فكفر. وقيل: كفر لما أضمر إضلال الخلق. وقيل: أَبى الطاعة فيما أُمر به، واستكبر على آدم؛ لما رأَي لنفسه فضلًا عليه بقوله: (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ). وقوله: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). أي صار كقوله: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً). وكقوله: (فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) أي: صار. وقيل: كان في علم اللَّه تعالى أنه سيكفر. وقوله: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (35) قد ذكرنا فيما تقدم أَن الجَنة هي اسم البقعة التي حُفت بالأَشجار والغُروس وأنواع النبات. دليله: قوله: (وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ). وذلك أيضًا ظاهرٌ معروفٌ عند الناس؛ ألا تُسمى كل بقعة من الأرض بستانا، ولا جنة حتى يجتمع فيها ما ذكرنا. ثم لا يُدْرَى ما تلك الجنة التي أمر آدمُ وحواء بالكَون، والمُقام فيها: أهي التي وُعد المتقون، أَو جنة من جنات الدنيا؛ إذ ليس في الآية بيان ذلك. وفي الآية دلالة أن الشرط في الذكر قد يُضْمر، ويكون شرطًا بلا ذكر؛ لأنه قال: (أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى) ثم قد جاع وعَرِيَ حين عصى، فدل أَن ترك المعصية كان
شرطًا فيه. ثم مضى الأَمر من اللَّه تعالى لآدم وزوجته بالسُّكنى في الجنة، والمُقام فيها، وأَمْرهما بالتناول من جميع ما فيها إلا شجرة نُهِيا عن التناول منها، وأُمِرَا بالاجتناب عنها بقوله: (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) وذي صورةُ الممتحن أَن يُؤمر بشيء ويُنْهَى عن شيء. وقوله: (وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ). قوله: (رَغَدًا) أَي: سعَةً؛ يقال: أَرْغَد فلانٌ إذَا وشع عليه، وكثر مالهُ. وقوله: (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ). أَي: لا تأْكلا. دليله قوله: (وَكُلَا مِنْهَا)؛ ولأَنه بالقُربان ما يوصل إلى التناول. واللغةُ لا تَأْبى تسمية الشيء باسم سببه. ثم اختُلف في تلك الشجرة: فقَالَ بَعْضُهُمْ: هي شجرة العنب، ولذلك جعل للشيطان فيها حظًا لما عصيا ربهما بها. وقيل: إنها كانت شجرة الحنطة؛ ولذلك جعل غذاءُ آدم وحواءَ - عليهما السلام - وغذاءُ أَولادهما منها إلى يوم القيامة ليُقاسوا جزاءَ العصيان والخلاف له. وقيل: إنها شجرة العلم؛ لما علما من ظهور عورتهما، ولم يكونا يعلمان قبل ذلك، وهو قوله: (بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا)، واللَّه أعلم. والقولُ في ماهيتها لا يجوز إلا من طريق الوحي. ولا وحي في تلاوتها. ولا يجوز القطعُ على شيء من ذلك. ثم احتَمَل معنى النهي عن التناول منها وجوها: أَحدها: إيثار الآخر عليه. وقد يكون هذا أَن ينهى الرجل عن التناول من شيء إيثارًا لآخر عليه. - ويحتمل: النهي عن التناول من الشيء لداء يكون فيه لما يخاف الضرر به، لا على
(36)
جهة الإيثار، ولكن إشفاقًا عليه ورحمة. ويحتمل أيضًا النهي عن التناول من الشيء على جهة الحرمة، فإذا كان ممكنا هذا محتملا حمل آدم وحواء على التناول منها لما اشتبه عليهما، ولم يعرفا معنى النهي بأَنه نهيُ حرمةٍ، أَو نهي إيثار غيره عليهما، أَو نهي داء؛ لأَنهما لو كانا يعلمان أَن ذلك النهي نهي حرمة لكانا لا يأَتيان ولا يتناولان، وباللَّه التوفيق. ثم في الآية دلالة على أن الحال التي يكون فيه الإنسان في سعة ورغد يشتد على الشيطان اللعين؛ لأَنه إنما تعرض لآدم وحواءَ بالوسوسة التي وسوس إليهما ليزيل تلك الحال عنهما. وإنما يبلى بالسعة، والرخاء ثم لما لحقته من الشدائد والبلايا مما كسبت أيدينا؛ لقوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ). ثم الآية ترد على بعض المتقشفة قولهم بتحريم الطيبات والزينة. وقوله: (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ). أي: الضارِّين؛ لأَن كل ظالم ضارٌّ نفسَه في الدارين جميعًا. وقوله: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا (36) أي: دعاهما، وزين لهما إلى سبب الزلة والإخراج عنها، لا أَن تولى إخراجهما وإزلا لهما، وقد ذكرنا أَن الأَشياءَ تسمى باسم أسبابها، أَو الأَسباب باسم الأشياء. وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه. ثم تكلموا فيما أصاب آدم من الشجرة، وفي جهة النهي عنها: فقال قوم: أكل منها وهو ناسٍ لعهد اللَّه نسيان ترك الذكر. وأَبى ذلك قوم واحتج الحسن بأَن نسيانه نسيان تضييع واتباع الهوى، لا نسيان الذكر بأَوجهٍ: أحدها: ما جرى في حكم اللَّه - تعالى - من العفو عن النسيان الذي هو ترك الذكر، وألا يلحق صاحبَه اسمُ العصيان، وقد عوقب هو به، ونسب إلى العصيان بقوله: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) مع ما تقدم القول فيه أن يكونا من الظالمين. والثاني: أَن عَدُوه قد ذكَره لو كان ناسيًا؛ حيث قال: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. . .) الآية.
وقوله: (وَقَاسَمَهُمَا). وقوله: (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ). ولو كان نسيان الذكر لم يكونا ليغترا بالقسم والإغواء عن ذلك، ولا وُصِفا بأن استزلهما الشيطان ونحو ذلك. فثبت أَنه كان نسيان تضييع، وذلك كقوله: (وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى)، وقوله: (فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا)، وغير ذلك مما ذكر فيه النسيان ومعناه التضييع، سُمي به لما كان كل منسي متروكا، وترك اللازم تضييع، أو بما ينسى به ويغفل عما يحل به من نعمة اللَّه، فسمي به كما وصف ذنب المؤمن بجهالة الجهلة بما يحل به لا بجهله بحقيقة فعله. أو سمي به من حيث لا يُقصد بذلك عصيانُ الرب أَو طاعة الشيطان. وإلى ذلك يصرف بعض وجوه النسيان، لا حقيقته. ومن يقول: بأنه كان على النسيان فهو يُخرِّج النسيان على وجوه: أَحدها: أنه لكثرة ما كان بينه، وبين عدوه من التراجع اشتغل قلبه بوجوه الدفاع له، والفكر في الأَسباب التي بها نجاته، ويتخلص من مكائِده، حتى أَنساه ذلك ذكر العهد. والسبب الذي يدفع الأَشياءَ عن الأَوهام في الشاهد كثرة الاشتغال، وإنَّمَا كان النسيان عدوا في الأُمور وسببًا للعفو؛ لأَنه لا يَخْرج الآخذ به عن الحكمة، وذلك معلوم في الشاهد، أن من أَقبل على أَمر، وأَخذ في تحفظه وتذكره عمل عليه ذلك، وإذا أحب ذلك مع الاشتغال بغيره من الأُمور صعب عليه، بل الغالب في مثله الخفاء. وجائِز معاتبة آدم مع ذلك وتسميته عصيانا بأوجه: أَحدها: أنه لم يكن امتُحن بأنواع مختلفة يتعذر عليه وجه الحفظ في ذلك. وإِنَّمَا امتحن بالانتهاءِ عن شجرة واحدة بالإشارة إليها؛ فجائز ألا يُعذر في مثله. وكذلك النسيان فيما يُعذر في الشاهد، إنما يُعذر في النوع الذي يُبْلى به، وتكثر به النوازل. ألا ترى أنه يُعذر بالسلام في الصلاة، وترك التسمية في الذبيحة ونحو ذلك، ولا
يُعذر في الأَكل في الصلاة، وفي الجماع في الحج، ونحو ذلك، فمثله الأَمر الذي نحن فيه.
والثاني: أنه جائِز أخذ الأَخيار ومعاتبة الرسول بالأَمر الخفيف اليسير الذي لا يؤخذ بمثل ذلك غيره؛ لكثرة نعم اللَّه عليهم، وعظم مِنَّته عندهم، كما أُوعدوا التضاعف في العذاب على ما كان مِن غَيره. وعلى ما ذكر في أمر يونس - عليه السلام - من العقوبة بماء لعل ذلك من عظيم خيرات غيره؛ إذ فارق قومه عما عاين من المناكير فيهم، وفعل مثله من حد ما يوصف به غيره.
وكذلك ما عوتب مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما خطر بباله تقريب أَجِلة الكفرة؛ إشفاقًا عليهم، وحرصًا على إسلامهم ومن يتبعهم على ذلك مما لعل من دونه لا يعدل شيء من خيرَاته بالذي عوتب به، وباللَّه التوفيق. والثالث: أَنه لما عوتب بالذي يجوز ابتداء المحنة به، ولمثله خلقه حيث قال لملائكته: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) لكنه بِكرمه، وبالذي عَوّد خلقه من تقديم إحسانه وإنعامه في الابتلاءِ على الشدائد والشرور، وإن كان له التقديم بالثاني، وذلك في جملة قوله: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)، وقوله: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، وباللَّه التوفيق. وعلى ما في ذلك من مبالغة غيره، والزجر عن المعاصي، وتعظيم خطره في القلوب؛ إذ جوزي أَبو البشر وأَول الرسل منهم -على ما فضله بما امتحن ملائكته بالتعلم منه، والسجود- بذلك القدر من الزلة؛ ليعلم الخلقُ أَنه ليس في أمره هوادةٌ، ولا في حكمه محاباة؛ فيكونون أَبدًا على حذرٍ من عقوبته، والفزع إليه بالعصمة عما يوجب مقته، وألَّا يكلهم إلى أَنفسهم؛ إذ علموا بابتلاءِ من الذي ذكرت محله في قلوبهم بذلك القدر من الزلة، ولا قوة إلا باللَّه. والثاني: أَن يكون حَفظ النهي عنه لكنه خطر ببَاله النهي عن وجه لا يلحقه فيه وصف العصيان، أو نسي قوله: (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)، وقد ذكرنا النهي في وقت الفعل، ولكن يسمى الوصف بالفعل من الظلم والنهي؛ لعله سبق إلى وهمه غير جهة التحريم، إذ يكون النهي على أَوجه: أَحدها: للحرمة. والثاني: نهي لما فيه من الداء وعليه في أكله ضرر، وهذا معروف في الشاهد بما عليه الطباع، نهى قوم عن أشياءَ محللة هي لهم ما يؤذي ويضر، فيحتمل أَن يسبق إلى وهمه ذلك، لما وعد له في ذلك من عظيم النفع. يحتمل ما خوف به ليصل إلى ما وعد على ما سبق وُجِّه النهي إلى ما وجه من حيث الضرر والمشقة، ونسي قوله: (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) أَو ذكرا وعرفَا أَن الظلم قد يقع على الضَّرَر؛ كقوله: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) أي: لم ينقص منه، والنقصان في النفس ضرر. وعلى ذلك فسر عامة أهل التفسير الظلم في القرآن أَنه الضرر. واسم الضرر يأخذ ضررَ الداء، وضرر المأْثم وإن كانت حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، ولا قوة إلا باللَّه.
وقد يحتمل النهي أن يخرج مخرج المنع؛ ليكون غيره هو الذي يبدأ به، ويُخص ذلك لغيره، لا على التحريم، نحو الآمر بالمعروف، فيما يمنع الرجل ولده عن التناول مما يريد به غيره، لا على التحريم. واذا احتمل ذا، ثم بُيِّن له عظيمُ ما في ذلك من البركة من غير أَنْ عاين عدُوه ليعلم أَن ذلك صنيعه. وجائز أَن يسبق إليه أَن ذلك إِشارةُ مَلَكٍ أَو إِلهام في النفس -على ما يكون لكثير من الأخيَار- إلا أَنه من وحي عدُوه، فدعته نفسه إلى الأكل، فيكون كالناسي والجاهل بحقيقة وجه النهي، وإن كان تعمد أَكله، ولا قوة إلا باللَّه. والأَصل في هذا أَن فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إن كان على نسيان العهد، أو على المذكر له، فإن الذي أَصابه عقوبة. وإنِ كان بالذي يكون به المحنة، فلولا أَن اللَّه إِنْ يعاقبه على ما فعله لم يكن ليُغير عليه نعمة أنعم عليه بعذاب، وقد قال: إنه لا يُغَير نعمَة التي أنعمها على قوم حتى يغَيروا ما بأَنفسهم. وما لا يحتمل العقوبة بالتغيير لم يكن ليفعل بعد وعده ذلك، مع ما قد اعترفا بالظلم؛ إذ قالا: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا. . .) الآية. وقد قال اللَّه تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى). وقد كان قال لهما: (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ). فكان فيما بُليَ به وجهان: أحدهما: أن ذلك لم يُزِل عنهما اسمَ الإيمان، ولا دعيا إليه بعدُ لفعلهما ذلك. ثبت أنه لا كل ذنب يزيل اسمَ الإيمان، وإن الذنُوب لا يُحقَّق فيها الكذب فيما اعتقد ألا يعصي اللَّه في شيء. وفي ذلك فساد أهل الخوارج والمعتزلة، وبيان أن قوله: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا)، ليس على كل عصيانٍ، ولا الوعيد بالظلم المطلق بوجه كل ظالم وكل عصيانٍ وغواية، بل يلزم به تقسيم هذه الحروف على ما يلحق به، ومن يريد بها الجمع في كل الأَنامِ خارج عن المعروف من أحكام اللَّه في أَهل المآثم. والثاني: قد عوقب بوجه لا يجب جزءٌ منها بما يسميه المعتزلة كبيرة، بل يُزيل به اسمَ الإيمان؛ من نحو شُرب قطرة من الخمر، أو قذف محصنة، أَو أَخذ عشرة دراهم من مال آخر. وكذلك فعل أولاد يعقوب. ثم لم يجترئ أَحد على دعوى خروج من ذكرت من دين اللَّه؛ لزم بطلان قولهم، مع ما كان من قولهم: إن الصغيرة لا يَجوزُ في الحكمة التعذيبُ عليها، ولا الكبيرة العفو عنها. وقد كان عذب آدم عليه السلام - بأنواع العذاب، لما لو لم يكن سوى ما أَظهر فعلَهما على رءوس الخلائق لكان عظيمًا. ثم اختلف في الوجه الذي بلى: منهم من يقول: لما كان من صلبه من الكفرة وهم ليسوا بأَهل الجنة. وقيل: رحمة للخلق لئلا ييأَسوا، ولا يزيل الولاية بكل ذنب. وقيل: بليا لتنبئة الخلق -بهما- ألا يقوم أحد بتعاهد نفسه عما يذم إليه إذا وكل نفسه إليه، فيكون ذلك سببًا لزجر الخلق عن النظر إلى أنفسهم في شيء من الخير، والفزع إليه، بالعصمة عن كل شيء. وقيل: بلى بحق المحنة؛ إذ هي ترد صاحبها بين اللذات والآلام، وبين أَحوال مختلفة لا يحتمل أن يصير بحيث يأمن الزلل، وإنما ذلك بحفظ اللَّه ومَنِّه، لا بتدبير أحد وجهده،
وإن كان اللَّه نعالى يوفق على قدر الجهد، ويعصم على قدر الرغبة إليه والاعتصام به، ولا قوة إلا باللَّه. وليس بنا حاجة إلى ذكر حكمة الزلة، إذا كانت نفسُه مجبولةً على حبه، باعثةً إلى مثله لولا نعمة الرب. كما قال يوسف - عليه السلام -: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي. . .) الآية. وقال: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا). ثم اختلف في ماهية الشجرة: قيل: بأَنها شجرة العنب، وجعل للشيطان فيها نصيبًا بما بلى به أبو البشر وأُمهم. وقيل: الحنطة فيها جعل غذاء ولده؛ ليبدل بالراحة الكد، وبالنعمة البؤس. وقيل: شجرة العلم، إذ بدث لهما سوآتهما فعلما بذلك ما لم يسبق لهما في ذلك، وفزعا إلى ما يُستران به من الورق. ْفالأَصل أَن هذا نوع ما يعلم بالخبر من عند عالم الغيب، وليس بنا إلى تعرف حقيقته حاجة، وإنَّمَا علينا معرفة قدر المعصية؛ فنعتصم باللَّه عنها، والطاعةِ؛ فنرغب فيها، وباللَّه العصمة. والأَصل فيه أَن اللَّه تعالى فرق بين دار المحنة ودار الجزاءِ؛ إذ الجمع بينهما يزيل البلوى، ويكشف الغطاءَ؛ فجعل اللذيذَ الذي لا راحة فيه، والمؤلمَ الذي لا تنغيص فيه - جزاءً، والتردد بينهما محنة، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله تعالى: (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ). أي: تصيران منهم. وكذلك القول في إبليس: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) أي: صار منهم. ويحتمل: ممن يكونون كذلك؛ إذ في علم اللَّه أَنهم يصيرون ممن في علم الله كذلك، مع جواز القول بلا تحقيق آخر؛ كقوله: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) لا أَنَّ ثَمَّ خالقًا غيره.
ثم اختلف في الوجه الذي أوصل إبليسُ إليه الوسوسة: فقال الحسن: كان آدم - عليه السلام - في السماء وإبليس في الأَرض، ولكنه أوصل إليه بالسبب الذي جعل اللَّه لذلك. وقال قوم: كان خاطبهُ في رأْس الحية. وقيل: تصور بغير الصورة التي كان عليها عند قوله: (إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لكَ وَلِزَوجِكَ. . .) فاغتر به، ولو عرفه لما اغتر به بعد أَن حذره اللَّه عنه، واللَّه أَعلم كيف كان ذلك. وعلى ذلك اختلف في الوجوه التي يوسوس إلى بني آدم: منهم من يقول: يجري بين الجلد واللحم كما يجري الدم، فيقابل وجه بصره بقلبه؛ فيقذف فيه. ومنهم من يقول: هو بحيث جُعلَتْ له قوة إيصال الخطر ببَاله، والقذف في قلبه من الوجه الذي جعل له، وذلك لا يعلمه البشر. ومنهم من يقول: إن النفس كأَنها سيالة في الجسد، دائرة في جميع الآفاق، لولا الجسد الذي يَحبسه لكان له الانتشار، على ما يظهر في حال النوم عند سكون جسده، ومن ذلك سلطان فكرة الرجل على مَنْ في أَقصى بقاع الأَرض حتى يصير له كالمعاين؛ ففي ذلك يكون قدحه وقذفه. ونحن نقول -وباللَّه التوفيق-: إنا لا نعلم حقيقة كيفية ذلك، لكن اللَّه تعالى جعل للحق أَعلامًا، وكذلك للباطل. وكل معنى يدعو إلى الباطل، ويحجب عن الحق، فهو عمل الشيطان، يجب التعوذ منه والفزع إليه وإن لم يعلم حقيقة كيفية ذلك؛ قال اللَّه تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ). وقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا). وقال الحسن في قوله: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) وقد علم - آدم أن الملائكة أفضل، وقد علم ألا خلود يكون معه، وقد أُخبر أَنه يموت، وقد علم أَنه لا يكون مَلَكًا، وقد خلق من طين والملائكة من
نور، ولكن يكون على فضل الملائكة. (وَقاسَمَهُمَا). حلف لهما في وسوسته أَنه يقول ذلك عن نصيحة، فتابعاه في الأكل لا على القبول عنه ما ذكر؛ إذ لو كان عن قبول كان أعظم من الأَكل، ولكن أَكلا على الشهوة، واتباع الهوى. ولو صدقاه في ذلك لكفرا، وكان هذا اعظم من الأَكل، ولم يقل لهما ذلك فيهما لأَجل ذلك الشيء. وذلك كما يقول الرجل لآخر -في شيء يقتل عليه أو يقطع له-: لو فعلتَ لا يُفعلُ بك ذلك، فيقدمُ عليه، أنه يقدم لشهوته، لا على التصديق له في ذلك. وكذا من يُذكر أَحدًا بمثل امرأَةٍ بحبها وإيثارها إياه؛ فيأتيها بشهوة لا بتصديق الآخر؛ فمثْلُه أمر آدم فيما وسوس إليه الشيطان. وهذا الذي يذكر الحسنُ يوجب أن يكون آدم كان يعلم أَن ذلك كان من الشيطان عدُوِّه. وذلك إقدام على أَثر ما ذكر على ما يصف أنه كان يعلم أَنه أَمر فظيع يوجب فِعله -على العلم بالنهي- أنه لا ينال به خيرًا، ولا يصل بذلك إلى فضل، بل اتبع الشيطان بما هوى واشتهى. وهذا لو كان شهده كان فظيعًا أن يدعيَه على أبي البشر، ومن قد فضَّله اللَّه بالذي سبق ذكره. بل لو قيل له: إنه لم يكن علم أَنه من عدوه، أَو إلهام -على ما يكون للأخْيار- أو كان أَسمع على غير الصورة التي أَدَّاها من قبل، كان أَقرب وأَحق أن ينطق به من أَن يذكر الذي ذكر. ومتى يكون الإقدام لجهة بخير لا على طمع في ذلك؟! بل لا يُنكَر أَن يكون له، ولكن على ما بينا. وليس من ذلك الوجه، الوحشة في الدِّين. ثم قد ذكر ملكين، والكلام في الفضلِ وغَير الفضل -على قوله- لا معنى له؛ لأَنَّه
يجعل فعلهم جبرًا - ومن فِعْله جبرٌ لا ترتفع درجته ولا يعلو قدره، ثم يجعل الفضل لهم بالخِلقة، فكيف كان يطمع في ذلك ولم يكن هو بخلقتهم. ولهذا أنكر أن يكون منهم عصيان؛ إذ خلقوا من نور، ومن لا يعصي بالخلقة، فإنه لا يحمد، ولو كان يجب الحمد به لوجب في كل موات، وكل حيوان لا يعصي بالخلقة، وذلك بعيد. وجائز أَن يكون آدم - عليه السلام - طمع أن يكونا ملكين؛ بأَن يُجعل على ما عليه صنيعهم من العصمة، أَو الاكتفاء بذكر اللَّه وطاعته عن جميع الشهوات. واللَّه قادر على أَن يجعل البشر على ذلك، وذلك على ما يوجَد فيهم من معصوم ومخذول، ليعلم أَن الخلقة لا توجب شيئًا مما ذكر، ولا قوة إلا باللَّه. ثم الأَصل أَن معرفة موت البشر وما عنه خلق كل شيء إنما هو سمعي، ليس هو حسي، ولا في الجوهر دليلُ الفناء، ولله أن يميت من شاءَ وُيبقيَ من شاءَ. فقولُ الحسنَ -إِنه علم ذلك ثبت بثبات الخبر عن اللَّه- ينتهي إليه أَنه كان بلغه في ذلك الوقت. وكذلك أَمرُ الملائكة، وحالُ الإغذاء، ومحبةُ الذكر، وظهورُ العصمة تعرف بالمحبة والمشاهدة بمنها، ولا قوة إلا باللَّه. ثم ذكر الحسن في خلال ذلك: أن آدم - عليه السلام - قد علم أَن الملائكة لا يموتون. لا أَدرى ما هذا؟ أَهو عقدٌ اعتقد، أوْ جَرَى على لسانه؟ لأَن مثلَه لا يُعلَم إلا بما لا يرتاب في ذلك أَنه جاءَ عن اللَّه، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا). أي: دعاهما وزيَّن لهما، أَي: سبب الزلة والإخراج منها، لا أن تولى هو إخراجهما وإزلالهما. وقد ذكرنا أنه قد تُسمى الأَشياءُ باسم أَسبابها، والأسباب باسم الأشياء. وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه، واللَّه أعلم. وقوله: (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ).
من الخصب، والسَّعة، والنعم التي أَنزلهما اللَّه - تعالى - فيها، وأَباح لهما التناول مما فيه. ثم اختلف في وسوسة الشيطان لآدم وحواءَ - عليهما السلام - فيم كان؟ ومن أَين كان؟ ولماذا كان؟. قيل: إنه كان في السماء، فوسوس إليهما من رأْس الحيَّة؛ حسدًا منه لما رآهما يتقَلبان في نعم اللَّه، ويتنعمان فيه، فاشتد ذلك عليه. وقيل: إنه كان في الدنيا فوسوس لهما من بُعدٍ، واللَّه أعلم. ثم اختلف في الشيطان: أَله سلطان على القلوب؟ أَو يوسوس في صدورهم من بُعد؟ فقَالَ بَعْضُهُمْ: له سلطان على القلب؛ على ما جاءَ أَنه يجري في الإنسان بين الجلد واللحم مجرى الدم. وقيل: إنه لا سلطان له على القلوب، ولكنه يَقْذف فيهم من البعد، ويدعوهم إلى الشر بآثار ترى في الإنسان من الأحوال؛ من حال الخير والشر، وكأن تلك الأحوال ظاهرة من أَثر الخير والشر. فإذا رأَي ذلك فعند ذلك يوسوس، ويدعوه إلى الشر. وعلى ذلك قوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ) أخبر أنه لا سلطان له علينا سوى الدعاء لنا وهو لا يشبه، واللَّه أَعلم. ثم قيل فيمن عصى ربه: أَليس قد أَطاع الشيطان؟ قيل: بلى. . فَإِنْ قِيلَ: فإذا أَطاع أَلَا يكفر؟ قيل: لا؛ لأَنه ليس يقصد قصد طاعة الشيطان، وإنما يكفر بقصد طاعة الشيطان، وإن كان في عصيان الرب طاعته. وكذلك رُويَ عن أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه سئل عن ذلك فأَجاب بمثل هذا الجواب. والأَصل: أَن الفعل الذي يُبْلى له ليس هو لنفسه فعل الطاعة للشيطان ليصير به مطيعًا، إنما يجعله طاعة القصد بأَن يجعلَه طاعة له، وقد زال، وإن سُرَّ هو به وفرح كما سُرَّ بزوال السرور عنهما واللذة، وإن كان ذلك بفعل من لا يجوز وصف من فعل ذلك بطاعة الشيطان، ولا قوة إلا باللَّه.
(37)
وقوله: (وَقُلْنَا اهْبِطُوا). قيل: الهبوط النزول في موضع، كقوله: (اهْبِطُوا مِصْرًا) أي: انزلوا فيه. ويحتمل الهبوط منها هو النزول من المكان المرتفع إلى المنحدر، والدون من المكان. وقوله: (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ). قيل: يعني إبليسَ وأَوْلاده، وآدمَ وأَولادَه، بعضهم لبعض عدو. والعداوة فيما بيننا وبينهم ظاهرة. وقيل: بيننا وبين الحيَّة التي حملت إبليس حتى وسوس لهما من ذؤابتها. فهذا لا يعلم إلا بالسمع، إذْ ليس في الكتاب ذلك. غير أن العداوة بيننا وبين الحيَّات عداوة طبع، والعداوَة التي بيننا وبين إبليس عداوة اختبار وأَمر؛ إذ الطبعُ ينفر عن كل مؤذٍ ومضر، وباللَّه التوفيق. وقوله: (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ). يقرون فيها، كقوله: (جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا). وقوله: (وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ). أي: متاعًا لكم إلى انقضاء آجالكم. ويحتمل: متاعًا لكم لانقضاء الدنيا وانقطاعها. وقوله تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ (37) أي: أخذ. وقوله: (كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ). قيل: إن فيه وجوهًا: قيل: فتاب عليه، أي: وفق له التوبة، وهداه إليها فتاب، كقوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا)، أي: وفق لهم التوبة فتابوا. وقيل: خلق فعل التوبة منه، فتاب، كما قلنا في قوله: (وَهَدَاهُ)
أي: خلق فعل الاهتداء منه فاهتدى. وقيل: تاب عليه، أَي: تجاوز. وقيل: إن التوبة هي الرجوع. رجع آدم عن عصيانه؛ فرجع هو إلى الغفران
(38)
والتجاوز، وبعضه قريب من بعض. وفي الآية: أنه إنما تاب عليه لكلمات تلقاها من ربه. والآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن من ارتكب صغيرة فهو مغفور له لا يحتاج إلى الدعاء، ولا إلى التوبة. فآدم - عليه السلام - دعا بكلمات، تلقاها منه؛ فتاب عليه. ولو كان مغفورًا له ما ارتكب لكان الدعاء فضلًا وتكلفًا، وباللَّه التوفيق. والكلمات هي ما ذكرت في سورة أُخرى: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا. . .) الآية. وقوله: (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ). أي: قابل التوبة. وقيل: أي موفق التوبة، وهادي لها؛ كقوله: (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ) وقد ذكرنا في قوله: (فَتَابَ عَلَيْهِ) ما احتمل فيه. (الرَّحِيمُ) بالمؤمنين، ورحيم بالتائبين. وقوله: (لْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا (38) ذكر هبوطهم جميعًا؛ فإذا هبطوا فُرادى لم يخرجوا من الأمر، بل كانوا في الأمر، فدل أَن الجمع في الأَمر، والذكر، لا يُصَير الجمعَ في الفعل شرطًا. وقوله: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى). أي: ليأْتينكم. وهذا جائز في اللغة. وقوله: (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). أي: من تبع هداي، ودام عليه حتى مات، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون وكذلك قوله: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ): في الدنيا، (وَلَا يَشْقَى) في الآخرة، إذا مات عليه. وهذه الآية والتي تليها وهو قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39). تنقض على الجهمية؛ لأَنهم يقولون بفناء الجنة والنار، وانقطاع ما فيهما.
(40)
فلو كانت الجنة تفنى وَينقطع ما فيها، لكان فيها خوف وحزن؛ لأَن من خاف في الدنيا زوال النعمة عنه وفوتها يحزن عليه، وينغصه ذلك، ولهذا وصف الدنيا بالخوف والحزن لما يزول نعيمها ولا تبقى، فأَخبر عَزَّ وَجَلَّ أَلا خوف عليهم فيها؛ أي: خوف النقمة، ولا حزن، أَي: حزن فوات النعمة. (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) دل أنها باقية، وأن نعيمها دائم، لا يزول. وكذلك أخبر عَزَّ وَجَلَّ أن الكفار في النار خالدون وأَن عذابها أليم شديد، فلو كان لهم رجاء النجاة منها لخف ذلك العذاب عليهم وهَان؛ لأَن من عوقب في الدنيا بعقوبة، وله رجاء النجاة منها وإن ذلك عليه وخف، وباللَّه التوفيق. * * * قوله تعالى (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46). وقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ). يحتمل وجوهًا: يحتمل قوله: اذْكروا نعمتي التي خصصت لكم دون غيركم من نحو ما جعل منكم الأَنبياء، والملوك، كقوله: (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ). ويحتملُ (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ) ويعني: النجاة من فرعون، حيث كان يستعبدكم ويستخدمكم ويستحيي نساءكم، كقوله تعالى: (يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ. . .) الآية. ويحتمل: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ) ومن نحو ما أَعطاهم - عَزَّ وَجَلَّ - المن والسلْوَى، وتظليل الغمام وغير ذلك من النعم، ما لم يُؤت أَحدًا من العالمين، خصوا بذلك من دون غيرهم. وقيل: نعمتُه مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعث وقتَ اختلافهم في الدِّين، وتَفرقهم فيما كان عليه مَنْ مَضى من النبيين ليدُلهم على الحق من ذلك، ويؤلف بينهم بالبينات.
كما أحوجهم الاختلاف إلى من يقوم بذلك من وجه يُعلم صدقه في ذلك؛ فبعث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نعمة منه عليهم، إذ بطاعته نجاتهم، ولا قوة إلا باللَّه. ويحتمل: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ) أي: وجهوا شكرَ نعمتي إليَّ، ولا توجهوها إلى غيري. فإن كان هذا المراد، فهم وغيرهم فيه سواء؛ إذ على كل مُنْعَم عليه أَن يوجه شكر نعمه إلى ربه. وكان الأمر بذكر النعمة - واللَّه اّعلم - أَمرًا بعرفانها في القلب أَنها مِنَّةٌ، لا الذكر باللسان؛ إذ لا سبيل إلى ذكر كل ما أنعم عليه سوى الاعتراف بالعجز عن أداء شكر واحدة منها طول عمره. وقوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي). قد ذكرنا فيما تقدم أن عهد اللَّه على وجهين: عهد خلقة: لما جعل في خلقة كل أَحد دلائلَ تدل على معرفته وتوحيده، وأَنه لم يخلقه للعبث، ولا يتركه سدى. وعهد رسالة: على أَلسن الرسل؛ كقوله تعالى: (إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي. . .) الآية. وكقوله: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. . .) الآية. وكقوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ. . .) الآية. وقوله تعالى: (أُوفِ بِعَهْدِكُمْ). الذي وعدتكم؛ وهو الجنة، كقوله: (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ. . .) الآية. ويقال: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي) أي: أدوا ما فرضْتُ عليكم من فرائض، ووجهوا إليَّ شكر نعمتي، ولا تشكروا غيري. ويكون أوفوا بعهدي الذي أَخذ على النبي ين بقوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ. . .) (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ) فيكون عهدُه تبليغَ ما بَيّن في كتبهم؛ من بعث مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والإقرار به، والنصر له إذا بعث مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ). أَي: اخشوا سلطاني وقُدْرتي.
(41)
وقيل: اخشَوْا عذابي ونِقْمتي. وقيل: اخشوا نقض عهدي وكتمان بعث مُحَمَّد نبيي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله: (وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ (41) قوله: (وَآمِنُوا بِمَآ أَنزَلْتُ) على نبيي مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من القرآن. (مُصَدِّقا لِمَا مَعَكُم). أي: موافقًا لما معكم من الكتب؛ من التوراة، والإنجيل، وغيرهما. وهم قد عرفوا موافقتَه كتُبهم؛ إذ لم يتكلفوا جمع هذا إلى كتبهم، ومقابلة بعض ببعض. أو يحتمل قوله: (مُصَدِّقا) أي: موافقًا لما معكم من الكتب، وليس كما قال صنف من الكفرة -وهم الصابئون-: إن الإنجيل نَزلَ بالرُّخص، والتَّوراة نزلت بالشدائد. فقالوا باثنين؛ لما لم يرَوْا نزول الكتب -بعضُها على الرُّخَص وبعضُها على الشدائِد مِنْ واحدٍ- حكمةً. فقال عَزَّ وَجَلَّ: (مُصَدِّقًا) أي: موافقًا للكتب، وأنها إنما نزلت من واحد لا شريك له، وإن كان فيه شدائدُ ورخص؛ إذ لله أَن ينهى هذا عن شيء، ويأْمرَ آخرَ، وينهى في وقت، ويأمر به في وقت، وليس فيه خروج عن الحكمة أَن يأْمر أَحدًا وينهاهُ في وقتٍ واحد، وفي حالٍ واحدة، وفي شيء واحد. ثم في الآية دلالة أَن المنسوخ موافق للناسخ، غَير مُخالف له؛ لأَن من الأَحكام والشرائع ما كانت في كتبهم، ثم نسخت لنا، فلو كان فيها خلاف لظهر القول منهم إنه مخالف، وإنه غير موافق. وكذلك في القرآن ناسخ ومنسوخ، فلم يكن بعضه مخالفا لبعضه، كقوله: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا).
(42)
وقوله: (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ). قيل فيه بوجهين: قيل: لا تكونوا أَول قُدوة يقتدى بكم في الكفر. وقيل: أَي لا تكونوا أَول كافر بما آمنتم به؛ لأنهم كانوا آمنوا به قبل أَن يُبعث، فلما بعث كفروا به. وقيل: هم أول من التقوا برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأَنه ظهر بين أَظهرهم؛ فلو كفروا لكانوا أَول من يكفر به فيلحقهم ما يلحق من سن الكفر لقومه مع ما يكونون هم بمعنى الحجة لغَيرهم؛ إذ كانوا أعرف به، وأبصر بما معه من الأدلة والبراهين؛ فيقتدى بهم من لم يشهد ولا عَلِمَ. فيكون عليهم -لو كفروا- ما على أول من كفر -ولا قوة إلا باللَّه- مع ما يلحقهم فيه وصفُ التعنُت والتمرد، واللَّه الموفق. وقوله: (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا). قيل: بحجتي. قال الحسن: الآيات في جميع القرآن هي الدِّين؛ كقوله: (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى). وأما عندنا فهي الحجج، وقد ذكرنا أن اسم الشراء قد يقع من اختيار شيء بشيء وإن لم يتلفظ بلفظ الشراء. وقوله: (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ). أي: اتقوا عذابي ونقْمتي، ويحتمل: سلطاني وقدرتي. وقد ذكرناه. وقوله: (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ (42) يحتمل وجوهًا: يحتمل: لا تشتروا بالحق الباطل. ويَحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تلبِسوا؛ هو تلبيس الحق بالباطل. ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تخلطوا. ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تشبهوا الحق بالباطل. ويحتمل: لا تلبسوا، أي: تكتموا. ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تمحوا نعت مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولا تثبتوا غيره. وكله يرجع إلى واحد.
(43)
ثم (الحَق) ويحتمل وجوها: يحتمل: محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ونعته. ويحتمل الحق: القرآن. ويحتمل الحق: الإيمان. والباطلُ: هو الظلمُ والكفرُ، واللَّه أعلم. وقوله: (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). لما ذكر هو ونعتُه في كتابهم أَنه حق؛ إن كان محمدًا عليه أَفضل الصلواتِ وأَكمل التحيات، أو القرآن والإيمان، لكن تعاندون وتكابرون. وقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ (43) يحتمل وجوهًا: يحتمل: الأَمر بإقامة الصلاة، وإيتاءِ الزكاة أَمرًا بقبول الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة والمدعوة إليهما؛ كقوله: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) ليس هو إخبارًا عن إقامة فعلهما، ولكن القبول لهما والإيمان بهما، والله أعلم. ويحتمل: أن يكون الأَمر بإقامة الصلاة والزكاة أَمرًا بكونهم على حال تكون صلاتهم صلاة، وزكاتهم زكاةً. قال: كونوا في حال تكون صلاتكم صلاة، وزكاتكم زكاة في الحقيقة؛ لأَن الآية نزلت في بني إسرائيل وهم كانوا أَهل كتاب، وكانوا يُصَلُّون ويصَّدقون، ولكن صلاتهم وزكاتهم لم تكن لله، لما لم يأْتوا بإيمانهم فأمروا أن يأْتوا بالإيمان؛ لتكون صلاتهم تلك صلاة في الحقيقة. ويحتمل: الأَمر بإقامة الصلاة والزكاة أَمرًا بإقامتها بأَسبابها وشرائطها من نحو
الطهارة واللباس، وإخلاص النية له، وذلك راجع إلى المؤمنين. ويحتمل: الأمر بالصلاة والزكاة أَمرًا لمعنى فيهما، وهو الخضوع والطاعة له، والثناء عليه، وذلك على كل أَحد أَن يخضع لربه ويطيعه ولا يعصيه، وكذلك الزكاة على كل أَحد أن يزكيَ نفسه عن جميع القاذورات، ويحفظها. ويصونها عن جميع ما يضر به وذلك فَرضٌ على كل واحد، وباللَّه التوفيق. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ). قيل فيه بوجوه:
(44)
قيل: إن اليهود كانوا يصلون ولا يركعون؛ فأُمروا أن يصلوا لله ويركعوا فيها على ما يفعله المسلمون. وقيل: إنَّهم كانوا يصلون وحدانا لغير اللَّه؛ فأُمروا بالصلاة مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأَصحابه بالجماعة. وفيه أمر بحضور الجماعة. وقيل: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) أي: كونوا مع المصلينَ يعني المسلمين، ولا تخالفوهم في الدِّين والمذهب، أَي: اعتقادًا. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (44) قيل فيه بوجوه: قيل: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ) يَعنى: الأَتباع والسفلة باتباعكم، وتعظيمكم لعلمكم، وتلاوتكم الكتاب، (وَتَنسَونَ أَنفُسَكُمْ) ولا تأْمرونها باتباع مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وتعظيمه، لعلمه، ولنبوته، ولفضل منزلته عند اللَّه؟! وقوله: (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ). أي: تجدون في كتابكم أنه كذلك. وقوله: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ). أَن ذا لا يصحُّ؟!. وقيل: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ) يعني: الفقراءَ والضعفةَ بالإيمان بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولا تأمرون الأغنياء وأهلَ المروءَة بالإيمان به، لما تخافون فوت المأْكلة، والبر، وانقطاعه عنكم. ويحتمل أن ذا الخطاب لهم ولجميع المسلمين، ألا يأْمر أحدٌ أحدًا بمعروف إلا ويأمر نفسه بمثلهِ، بل الواجب أَن يبدأ بنفسه، ثم بغيره، فذلك أنفع وأَسرع إلى القبول. (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أَن ذلك في العقل لازم أن يجعل أول السعي في إصلاح نفسه، ثم الأمر لغيره. واللَّه أعلم. وقوله: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ (45) يحتمل وجوهًا: يحتمل: أَن استعينوا بالصبر على ترك الرئاسة والمأكلة في الدنيا؛ لأَن الخطاب كان
للرؤساءِ منهم بقوله: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ) إلى قوله: (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) والله أعلم. ويحتمل: أن اصبروا على ترك الرئاسة لمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، والانقياد والخضوع له، لما بمن لكم من الثواب الآخرة لمن آمن به وأَطاعه، وترَكَ الرئاسةَ له. ويحتمل: أَن اصبروا على المكاره وترك الشهوات؛ بأن الجنة لا تدرك إلا بذلك؛ لما جاءَ: " حفت الجنة بالمكاره، والنار بالشهوات ". ويحتمل؛ أن استعينوا بالصوم والصلاة على أَدَائهما. لكن هذا يرجع إلى المؤمنين، والآية نزلت في رؤساء بني إسرائيل، دليله قولُه: (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ). وإنما يصلح هذا التأويل قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا. . .) الآية. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ). يُخرَّج -واللَّه أعلم- على ما ذكرنا من ترك الرئاسة، والمأْكلة في الدنيا، إنها لكبيرة عليهم إلا على الخاشعين، فإنها غير كبيرة، ولا عظيمة عليهم. ويحتمل: أنَ تركَ الرئاسة لمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والانقياد له، والخضوع - لثقيل إلا على الخاشعين؛ فإنه لا يثقل ذلك عليهم، ولا يكبر. ويحتمل أَن يقال: إن الصبر على الطاعة، وأداء هذه الفرائض كبيرة على المنافقين إلا
(46)
على المؤمنين خاصة، فإنه لا يتعاظم ذلك عليهم. وقيل: إن تحويل القبلة إلى الكعبة لثقيل على اليهود، واللَّه أعلم. وقوله: (إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ). قيل فيه بوجوه: قيل: الخاشع؛ هو الخائف بالقلب. وقيل: الخاشع؛ المتواضع. وقيل: الخاشع -ها هنا- المؤمن. وقال الحسن: الخشوع هو الخوف اللازم بالقلب. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ (46) يعني: يعلمون ويستيقنون أنهم ملاقو ربهم بكسبهم وصنيعهم. وقوله: (وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). أي: سيعلمون يومئذ أَنهم راجعون إليه. قال صاحب المنطق: الظن هو الوقوف على أَحد طرفي اليقين، والشك هو الوقوف على أَحد طرفى الظن. والهمةُ بين هذين. * * *
(47)
قوله تعالى (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53). وقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ). يحتمل وجوها: يحتمل: (أنعمت عليكم) بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وذلك أن الناس كانوا على فترة من الرسل، وانقطاع من الوحي، واختلاف من الأديان والمذاهب؛ فبعث اللَّه - تعالى - محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ ليجمعهم ويدعوهم إلى دين اللَّه، ويؤلف بينهم، ويخرجهم من الحيرة والتيه، وذلك من أعظم نعمة أنعمها عليهم، وباللَّه التوفيق. وذلك أيضًا يُحْتمل فيما تقدم من الآيات. وقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي. . .) والآية. وقوله: (وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) يعني محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وعهدُه في الأرض رسولُه، كقوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ) إلى قوله: (وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي)، أي: عهدى. وعلى ذلك قوله: (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ)، يعني: بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله: (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ)، يعني: محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وكذلك قوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)، أَمكن تخريج هذه الآيات كلها على مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. ويحتمل أيضا قوله: (نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) الوجوه التي ذكرنا. أحدها: أن جعل منكم الأنبياء والملوك؛ كقوله: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا). كما قيل: إن كل نبي من لدن يعقوب إلى زمن عيسى عليه السلام كان من بني إسرائيل. ويحتمل: ما آتاهم - عَزَّ وَجَلَّ - من أنواع النعم ما لم يؤت أَحدًا من العالمين؛
كقوله: (وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)، من المن، والسلوى، وتظليل الغمام، وامتداد اللباس على قدر القامة والطول. كما قيل، إن ثيابهم كانت تزداد وتمتد عليهم على قدر ما تزداد قامتهم، وكانت لا تُبلَى عليهم ولا تتوسخ، وذلك مما لم يؤتِ أحدًا سواهم. ويحتمل أيضا قوله: (نِعْمَتِيَ) أي: النجاة من فرعون وآله؛ كقوله: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. .) الآية. وقوله: (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ). قيل: فُضلوا على جميع من على وجه الأرض؛ على الدواب بالجوهر، وعلى الجن بالرسل، وعلى البشر بالإيمان. ويَحْتمل تفضيلُهم على العالمين وجوهًا أيضا: ما ذكرنا من بعث الأنبياء منهم. والنجاة من أيدي العدو. وإهلاك العدو وهم يرونه. وفَرق البحر بهم، والنجاة منه، وإهلاك العدو فيه. وذلك من أَعظم النعم: أَن ترى عدوَّك في الهلاك وأَنت بمعزل منه آمن. وقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) إلى قوله: (فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ). يحتمل: فضَّل أَوائلهم. وفي الآية وجهان على المعتزلة: أَحدهما: قهوله: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ)، وعندهم: أَن جميع ما فعل مما عليه الفعل، ولو فعل غيره لكان يكون به جائزا، فإذا كان تركه بفعله جائزا ففعله حق عليه. ولا أَحد يكون بفعل ما لا يجوز له الترك منعمًا على أَحد؛ فثبت أن كان ثَمَّ منه معنى زائدٌ خصهم به، وأَن ليس التخصيص محاباة كما زعمت المعتزلة، ولا ترك الإنعام بخلٌ كما قالوا. والثاني: قوله: (فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)، فلو لم يكن منه إليهم فضل معنى، لم يكن لهم ئفضيل على غيرهم؛ فثبت أن كان فيهم ذلك. ومن قول المعتزلة: أَن ليس لله أَن يخص أَحدًا بشيء إلا باستحقاق يفعله، وبذلك هم
(48)
فَضلوا أَنفسهم على العالمين، لا هو، فكيف يَمُنُ عليهم بذلك؟! ولا قوة إلا باللَّه. مع ما لا يخلو تفضيله إياهم على غيرهم من أَن يكون لهم الفضلُ في الدِّين أَولًا. فإن لم يكن فليس ذلك بتفضيل. وإن كان ثبث أَنْ ليس من الحق عليه التسويةُ بين الجميع في أسباب الدِّين. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا (48) الآيةُ - واللَّه أعلم - كأنها مؤخرة في المعنى وإن كانت في الذكر مقدمة؛ لأَنه قال: (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)، ثم ذكر الأَفضال والمنَنَ فقال: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. . .) الآية، وقوله: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ)، وقوله: (وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ). ذكَّرهم - عَزَّ وَجَلَّ - عظيم نعمه ومنَنِه عليهم؛ ليشكروا له، وليعرفوا أنها مِنَّةٌ، وأَنه فضلٌ مِنْهُ، ثم حذَرهم - جل وعز - فقال: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا. . .) الآية؛ ليكونوا على حذر؛ لئلا يصيبهم ما أَصاب الأُمم السالفة من الهلاك وأَنواع العذاب بعد الأَمن، والتوسع عليهم، كقوله: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا) إلى قوله: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ. . .) الآية. ثم في الآية دليل لقول أبي حنيفة وأصحابه: إن الولد يصير مشتومًا مقذوفًا بشتم والديه؛ لما عيرهم - جل وعز - بصنع آبائهم بقوله: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ)، وهم لم يتخذوا العجل، وإنما اتخذ ذلك آباؤهم. وكذلك ذكر - عَزَّ وَجَلَّ - صنعه ومننه عليهم، من نحو النجاة من الغرق، وإخراجهم من أَيدي العدو، وفَرق البحر بهم، وإهلاك العدو. وإنما كان ذلك لآبائهم دونهم، لكن ذكرهم - جل وعز - عظيم منته على آبائهم؛ ليشكروا له على ذلك، وكذلك عَيرهم بصنيع آبائهم من اتخاذ العجل، وإظهار الظلم؛ ليكونوا على حذر من ذلك، واللَّه أعلم. وفي قوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) أي: بما كان إنعامي عليهم باتباعهم الرسول موسى - عليه السلام - وطاعتهم له، فاتبِعوا اسم الرسول مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأَطيعوا له، ولا تتركوا اتباعه. وقوله: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا). قيل: أي لا تُؤدي نفس عن نفس شيئا؛ كقوله: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35).
(49)
وقوله: (وَلَا يُقبَلُ منهَا شَفَاعَة). قيل فيه بوجهين: قيل: لا يكون لهم شفعاء يشفعون؛ كقوله: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ)، وكقوله: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ). وقيل: لو كان لهم شفعاء لا تقبل شفاعتهم؛ كقوله: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) أي: لا يؤْذَنُ لهم بالشفاعة؛ كقوله: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى). وقوله: (وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ). والعدل: هو الفداءُ، إما من المال، وإما من النفس. وذلك أيضًا يحتمل وجهين: يحتمل: ألا يكون لهم الفداء، على ما ذكرنا في الشفيع. ويحتمل: أَن لو كان لا يقبل منهم؛ كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ). ثم الوجوه التي تخلص المرء في الدنيا إذا أَصابته نكبة بثلاث: إما بفداءِ يفدى عنه -مالًا أو نفسًا- وإما بشفعاء يشفعون له، وإما بأَنصارٍ ينصرون له؛ فيتخلص من ذلك. فقطع - عَزَّ وَجَلَّ - عنهم جميع وجوه التخلص في الآخرة. والآية نزلت - واللَّه أعلم - في اليهود والنصارى، وهم كانوا يؤمنون بالبعث، والجنة، والنار، كقوله: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) وقوله: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً). ولذلك ذكر اسم الفداءِ والشفيع، وما ذكر، وأَما من لم يؤمن بالآخرة فلا معنى لذكر ذلك. وقوله: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ (49) قيل: آل الرجل: شيعتُه؛ ولذلك قيل: آل رسول اللَّه: قرابتُه. وقيل: كل مؤمن فهو من آله، وعلى ذلك الأَمر بالصلاة عليه وعلى جميع من آمن به.
(50)
وقوله: (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ). فيل فيه بوجهين: قيل: يقصدونكم أَشد العذاب. وذلك يرجع إلى الاستعباد، والاستخدام بأَنفسهم. وقيل: يسومونكم، يُذيقونكم أَشد العذاب، وذلك يرجع إلى ما يسوءُهم من تذبيح الأبْناء وتقتيلهم، كقوله: (يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ)، أي: يقتلون أَبناءَكم. وقوله: (وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ). يحتمل أيضًا وجهين: يحتمل: يستحيون من الحياء، أَي: استحيوا قتْل النساء، لما لا يخافهن. ويحتمل من الإحياءِ، أي: تركوهن أَحياء فلم يقتلوهن. وقوله: (وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ). قيل: البلاء -ممدود- هو النعمة، كأَنه قال: فيما ينجيكم من فرعون وآله نعمة عظيمة. وقيل: البلا -مقصور- هو الابتلاء والامتحان؛ كأَنه قال: في استعباده إياكم واستخدامه امتحان عظيم. وقوله: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) قيل: فرقنا، أَي: جعلنا لكم البحر فِرَقًا، أي: طرقًا تمرون فيه. وقيل: فرقنا، أي: جاوزنا بكم البحر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (51) كان الوعد لهم - واللَّه أعلم - وعدين: أحدهما: من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بصرف موسى إليهم مع التوراة، كقوله: (أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا) أَي: صدقًا. ووعد آخر، كان من موسى بانصرافه إليهم بالتوراة على رأْس أَربعين ليلة، كقوله:
(52)
(فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي). وقوله: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ). يحتمل وجهين: (اتَّخَذْتُمُ): أي عبدتم؛ فاستوجبوا ذلك التعبير واللائمة بعبادة العجل لا باتخاذه نفسه. ويحتمل: اتخذتم العجل إلهًا؛ فاستوجبوا ذلك باتخاذهم إلهًا، كقوله: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ). وهذا كان أقرب. وقيل: اتخذتم، أي: صنعتم، واللَّه أعلم. وقوله: (وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ). فيل في الظلم بوجوه: قيل: إن كل فعل يستوجب به الفاعل عقوبة فهو ظلم. وقيل: إن كل عمل لم يؤذن له فهو ظلم. وهاهنا -حيث فعلوا ما لم يؤذن لهم- نسبهم إلى الظلم؛ لأنهم ظلموا أنفسهم. وقيل: إن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه؛ فسموا بذلك لأنهم وضعوا الألوهية في غير موضعها، وهذا كأنه - واللَّه أعلم - أقرب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ (52) الآية. يَنْقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يزعمون أن اللَّه إذا علم من أحدٍ أنه يؤمن به في آخر عمره -وإن طال- أَو يكون من نسله من يؤمن إلى آخر الأَبد، لم يكن له أن يُميته، ولا له أَن يقطع نسله. فإذا كان على اللَّه أَن يبقيهم، ولا يقطع نسلهم، لم يكن للامتنان عليهم، ولا للإفضال وطلب الشكر منهم - معنى؛ إذ فَعَلَ - جل وعز - ما عليه أَن يفعل. وكل من فعل ما عليه أن يفعل لم يكن فعلُه فعل امتنان، ولا فعل إِفضال؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - مَنَّ عليهم بالعفو عنهم، حيث لم يستأصلهم، وتركهم حتى تناسلوا وتوالدوا، ثم وجه الإفضال والامتنان على هَؤُلَاءِ - وإن كان ذلك العفو لآبائهم؛ لأَنه لو أَهلك آباءَهم وقطع تناسلهم انقرضوا وَتَفَانَوا، ولم يتوالدوا؛ فالمنة عليهم حصلت؛ لذلك طلبهم بالشكر له، واللَّه أَعلم.
فإذا كان هذا ما وصفنا دلَّ أَنْ ليس على اللَّه أن يفعل الأَصلح لهم في الدِّين وبالله التوفيق.
(53)
وقوله: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). أَي؛ لكنى تشكروا. وكذلك قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، أي: لكى يوحدوا. وذلك يحتمل وجوهًا: يحتمل: أَن يَشْهد خَلْقُه كل أَحد على وحدانيته، وكذلك يشكر خَلْقُه كل أَحد له. ويحتمل: عبادة الأخيار بوحدانيته، والشكر له بما أَنعم وأفضل عليه، وذلك يرجع إلى من يعبد ويوحد. ويحتمل: أَنه خلقهم؛ ليأمرهم بالعبادة، والشكر له، من احتمل منهم الأَمر بذلك. وقوله: (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ (53) يعني: التوراة. والكتابُ: اسم لكل مكتوب. وفو له: (وَالْفُرْقَانَ). قيل: سميت فرقانا؛ لما فرق وبَيّن فيها الحلال والحرام، وكل كتاب فرق فيه بين
(54)
الحلال والحرام فهو فرقان. وقيل: يسمى فرقانًا؛ لما فرق فيه بين الحق والباطل. وهما واحد. وقيل: سميت التوراة فرقانًا؛ لما فيها المخرج من الشبهات. وقيل: الآية على الإضمار؛ كأَنه قال: وإذ آتينا موسى الكتاب -يعني التوراة- ومحمدًا الفرقان؛ كقوله: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ). وقوله: (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ). فالكلام فيه كالكلام في قوله: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وقد ذكرنا فيه ما أَمكن، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59). وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ). وقيل: ظلمتم أَنفسكم باتخاذكم العجل إلهًا. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ). قيل: ارجعوا عن عبادة العجل إلى عبادة ربكم. وقيل: ارجعوا عن اتخاذ العجل إلهًا إلى اتخاذ خالقكم إلهًا. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ). قال الفقيه أَبو منصور - رحمه اللَّه -: لولا اجتماع أَهل التأْويل والتفسير على صرف ما أَمر اللَّه - جل وعز - إياهم بقتل أنفسهم على حقيقته، وإلا لم نكن نصرف الأَمر بقتل أَنفسهم على حقيقة القتل؛ وذلك لأَن الأَمر بالقتل كان بعد التوبة، ورجوعهم إلى عبادة اللَّه، والطاعة له، والخضوع.
دليله قوله عَزَّ وَجَلَّ: - (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149). ظهر بهذا: أَنهم تابوا قبل أَن يؤمروا بالقتل. وقد شرع على أَلسن الرسل: قتال الكفرة حتى يسلموا؛ فلا يجوز ذلك إِنْ أَسلموا، فيحصل الإرسال للقتل خاصة، لا للدِّين، واللَّه أعلم. ولأَن القتل هو عقوبة الكفر، لا عقوبة الإسلام، وخاصة قتل استئصال، على ما روي في الخبر: أَنْ قُتل سبعون أَلفًا في يوم واحد. وذلك استئصال وإهلاك، ولم يهلك اللَّه قومًا إلا في حال الكفر والعناد؛ إذ الإسلام سبب درء القتل وإسقاطه؛ لأَن من يقتل لكفره إذا أَسلم سقط القتل عنه وزال، وكذلك إذا أَسلم وتاب ومات عليه، لم يعاقب في الآخرة لكفره في الدنيا. فعلى ذلك: يجب ألا يعاقب هَؤُلَاءِِ في الدنيا -بالقتل- بعد التوبة والرجوع إلى عبادة اللَّه وطاعته. ويصرف الأَمر بالقتل، إلى إجهاد أَنفسهم بالعبادة لله، والطاعة له، واحتمال الشدائد والمشقة؛ لتفريطهم في عصيان ربهم، باتخاذهم العجل. إلهًا، وبعبادتهم إياه دون اللَّه. وذلك جار في الناس، يقال: فلان يقتل نفسه في كذا، لا يعنون حقيقة القتل، ولكن: إجهاده نفسه في ذلك، وإتعابه إياها، واحتمال الشدائد والمشقة فيه. فعلى ذلك، يصرف الأَمر بقتل أَنفسهم إلى ما ذكر، بالمعنى الذي وصفنا، والله أعلم. ثم صرف ذلك إلى حقيقة القتل احتمل وجهين: أَحدهما: أَن يجعل ذلك ابتداءَ محنة من اللَّه - تعالى - لهم بالقتل، لا عقوبة لما سبق من العصيان. ولله أن يمتحنهم -ابتداء- بقتل أَنفسهم؛ كقوله: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ) الآية، على تأْويل كثير من المتأَولين في ذلك؛ إذْ لَه أَنْ يميتهم بجميع أَنواع الإماتة. فعلى ذلك: له أَن يأْمر بقتل أَنفسهم، وفيه إماتة، مع ما فيه الاستسلام لعظيم ما دعوا إليه، من بذل النفس لله، مما في مثله جعل وفاءِ إبراهيم الأَمر بالذبح، وبذل ولده النفس
له. فيكون في ذلك القدر وفاء وتوبة لا حقيقة القتل، واللَّه أعلم. والثاني: يجوز ذلك؛ لأَن عقوبات الدنيا وثوابها محنة، لجواز الامتحان بعد التوبة والرجوع إلى طاعة اللَّه؛ لأَنها دار محنة. وأَما عقوبات الآخرة وثوابها فليستا بمحنة؛ لأَنها ليست بدار امتحان؛ لذلك: جاز التعذيب في الدنيا بعد التوبة، ولم يجز في الآخرة إذا مات على التوبة، واللَّه أعلم. ثم قيل في قوله: (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)، بوجوه: قيل: أُمروا ببذل الأَنفس للقتل، والتسليم له؛ فصاروا كأن قد قتلوا أنفسهم. ويجوز أن يكون الأَمر بقتل أَنفسهم أمرًا بمجاهدة الأَعداء، وإن كان فيها تلفهم على ما قال: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ. . .) الآية، مذكور ذلك في التوراة. وكذا قوله: (لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ)، نهى عن القتل الذي فيه قتل أنفسهم. وقد قيل في قوله: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)، بمعنى: أي لا تقتلوا مَن تَقتلون، فكأنما قد قتلتم أنفسكم، وعلى هذا التأويل خَرج أَبو بكر قوله: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ). واللَّه الموفق. وقيل: أمر بعضًا بقتل بعض، كقوله: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً)، أَي: يسلم بعضهم على بعض. وقيل: أَمر كل من عبد العجل بقتل نفسه، واللَّه أعلم. وقوله؛ (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ). قيل: إن التوبة خير لكم عند خالقكم. وقيل: قتلكم أنفسكم خير لكم من لزوم عبادة العجل. ويحتمل: عبادة الرب - عَزَّ وَجَلَّ - خير لكم من عبادة العجل، واللَّه أعلم. وقوله: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ). وقد ذكرنا المعنى في ذلك فيما تقدم. وفي بذل أَنفسهم للقتل، والصبر عليه، وكف أَيديهم عن الدفع، والممارسةَ فيه وجهان:
(55)
أَحدهما: أَنه كأنهم طبعوا على أَخلاق البهائم والدواب. وذلك أَن موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من خدمة فرعون وآله، ونجاهم من الشدائد التي كانت عليهم، ولحوق الوعيد بهم، وأَراهم من الآيات العجيبة: من آية العصا، واليد البيضاءِ، وفَرق البحر، وإهلاك العدو فيه، وتفجير الأَنهار من حجر واحد، وغير ذلك من الآيات ما يكثر ذكرها، أَن لو كانت واحدة منها لكفتهم، ودلتهم على صدقه ونُبُوته. ثم -مع ما أَراهم من الآيات- إذا فارقهم، دعاهم السامرى إلى عبادة العجل، واتخاذه إلهًا، كقوله: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ)، فأجابوه إلى ذلك، وأَطاعوه. وكان هارون - صلوات اللَّه على نبينا وعليه - فيهم، يقول: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي)، فلم يجيبوه ولا صدقوه، ولا اكترثوا إليه، مع ما كان هارون من أَحب الناس إليهم. فلولا أَنهم كانوا مطبوعين على أَخلاق البهائم والدواب، وإلا ما تركوا إجابته، ولا عبدوا العجل، مع ما أُروا من الآيات التي ذكرنا. فإذا كان إلى هذا يرجع أَخلاقهم لم يبالوا ببذل أَنفسهم للقتل، واللَّه أَعلم، ونحو ذلك قوله: (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ). وعلى ذلك جعلت آيات موسى كلها حسية لا عقلية؛ إذ عقولهم كادت تقصر عن فهم المحسوس ودركه، فضلًا عن المستدل عليه، واللَّه أعلم. والثاني: يحتمل أَن أُروا ثواب صبرهم على القتل في الآخرة، وجزيل جزائهم، وكريم مآبهم؛ فهَانَ ذلك عليهم وخف. كلما روى أن امرأَة فرعون لما علم فرعون -لعنه اللَّه- بعبادتها ربها، وطاعتها له، أَمر أَن تُعاقب بأشد العقوبات، فَفُعِل بها فضحكت في تلك الحال، لما أُريت مقامها في الجنة، وكريم مآبها؛ فهَان ذلك عليها وسهل. فعلى ذلك يحتمل بذل هَؤُلَاءِ أَنفسهم للقتل، والصبر عليه لذلك، واللَّه أَعلم. وقوله: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً (55) قَالَ بَعْضُهُمْ: قال الذين اختارهم موسى -وكانوا سبعين رجلًا- لن نُصدقك بالرسالة والتوراة حتى نرى اللَّه جهرة، يخبرنا أنه أَنزلها عليك.
ويحتمل: لن نؤمن لك أَنه إله، ولا نعبده حتى نراه جهرة عيانًا. فاحتج بعض من ينفي الرؤية في الآخرة بهذه الآية؛ حيث أَخذتهم الصاعقة لما سأَلوا الرؤية. قالوا: فلو كان يجوز أَن يُرى لكان لا تأْخذهم الصاعقة، ولا استوجبوا بذلك العذاب والعقوبة. وأَما عندنا، فإنه ليس في الآية دليل نفي الرؤية، بل فيها إثباتها. وذلك أَن موسى - عليه السلام - لما سُئل الرؤية لم ينههم عن ذلك، ولا قال لهم: لا تسأَلوا هذا. وكذلك سأَل هو ربه الرؤية، فلم ينهه عنها، بل قال: (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)، وإذا صرف الوعد لا يجوز ذلك، لو كان لا يحتمل؛ لأَنه كفرٌ، ومحال ترك النهي عنه. وكذلك ما روى في الأَخبار: من سؤال الرؤية لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث قالوا: أَنرى ربنا؛ لم يأْت عنه النهي عن ذلك، ولا الرد عليهم؛ فلو كان لا يكون لنُهوا عن ذلك ومنعوا. وإنما أَخذ هَؤُلَاءِ الصاعقةُ بسؤالهم الرؤية؛ لأَنهم لم يسألوا سؤال استرشاد، وإنما سأَلوا سؤال تعنت. دليل التعنت، فيما جاءَ من الآيات، من وجه الكفاية لمن يُنْصف؛ لذلك أَخذتهم الصاعقة، واللَّه أعلم. أَو أَن يقال: أَخذتهم الصاعقة بقولهم: (لَن نُؤمِنَ لَكَ)، لا بقولهم: (حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً). وسنذكر هذه المسألة في موضعها، إن شاءَ اللَّه تعالى. وقوله: (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ). قيل: الصاعقة كل عذاب فيه هلاك. لكن الهلاك على ضربين: هلاك الأَبدان والأَنفس.
(56)
وهلاك العقل والذهن، كقوله: (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) قيل: مغشيًّا. وفيه هلاك الذهن والعقل؛ وكذلك قوله: (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) أَي غشي. واللَّه أعلم. وقيل: الصعقة: صياح شديد. وقوله: (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ). قيل فيه بوجهين: قيل: تعلمون أَن الصاعقة قد أَخذتهم وأَهلكتهم بقولهم الذي قالوا؛ فكونوا أَنتم على حذر من ذلك القول. وقيل: (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) الخطابُ لأُولئك الذين أَخذتهم الصاعقة - أَي: تنظرون إلى الصاعقة وقت أَخذتها لكم، أَي: لم تأْخذكم فجأَة، ولا بغتة، ولكن عيانًا جهارًا، واللَّه أعلم. وقوله: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ... (57) يذكرهم - عَزَّ وَجَلَّ - عظيم مِنَّته عليهم، وجزيل عطائه لهم؛ ببعثهم بعد الموت، وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى من السماءِ لهم، وذلك مما خصوا به دون غيرهم. ثم ما كان لنا من الموعود في الجنة، فكان ذلك لهم في الدنيا معاينة، من نحو البعث بعد الموت ومن الظل الممدود، والطير المشوي، والثياب التي كانت لا تبلى عليهم ولا تتوسخ؛ فذلك كله مما وعد لنا في الجنة، وكان لهم في الدنيا معاينة يعاينون. مع ما كان لهم هذا لم يجيبوا إلى ما دعوا، ولا ثبتوا على ما عاهدوا، وذلك لقلة عقولهم، وغلظ أَفهامهم، ونشوئهم على أَخلاق البهائم والدواب، واللَّه أعلم. وقوله: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ). يحتمل وجهين: يحتمل: ما لم يكل لهم الفضل على حاجتهم، فأَباح لهم القدر الذي لهم إليه حاجة،
(58)
وسماه طيبات. ويحتمل أَنه سماه طيبات؛ لما لا يشوبه داء يؤذيهم، ولا أَذى يضرهم، ليس كطعام الدنيا مما لا يسلم عن ذلك، واللَّه أعلم. وفد قيل: الطيب هو المباح الذي يستطيبه الطبع، وتتلذذ به النفس. وقوله: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. . .) الآية. وقد ذكرنا معنى الظلم فيما تقدم. وقد يحتمل وجها آخر: وهو النقصان؛ كقوله: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا)، أي: لم تنقص منه. وحاصل ما ذكرنا: أَن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وكل ما ذكرنا يرجع إلى واحد. وقوله: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ (58) اختلف في تلك القرية: قيل: إنها بيت المقدس، كقوله: (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ). أمروا بالدخول فيها، والمقام هنالك؛ لسعة عيشهم فيها ورزقهم؛ إذ هو الموصوف بالسعة والخصب. وقيل: إن تلك القرية التي أُمروا بالدخول، والمقام هنالك، هي قرية على انقضاء التيه، والخروج منها. غير أن ليس لنا إلى معرفة تلك القرية حاجة، وإنما الحاجة إلى تعرف الخلاف الذي كان منهم، وما يلحقهم بترك الطاعة لله والائتمار، واللَّه أعلم. وقوله: (فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا). والرغد قد ذكرنا فيما تقدم: أَنه سعة العيش، وكثرة المال. وقوله: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا). يحتمل المراد من الباب: حقيقة الباب، وهو باب القرية التي أُمروا بالدخول فيها. ويحتمل المراد من الباب: القرية نفسها، لا حقيقة الباب؛ كقوله: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ) ذكر القرية ولم يذكر الباب، وذلك في اللغة سائغ، جائز؛ يقال: فلان دخل
في باب كذا، لا يعنون حقيقة الباب، ولكن. كونه في أَمر هو فيه. وقوله: (سُجَّدًا). يحتمل المراد من السجود: حقيقة السجود؛ فيخرج على وجوه: يخرج على التحية لذلك المكان. ويخرج على الشكر له؛ لما أَهلك أَعداءَهم الذين كانوا فيها، لقولهم: (إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ). ويحتمل: حقيقة السجود؛ لما رُويَ عن أَبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " إن بني إسرائيل أُمروا بالدخول سُجَّدًا فدخلوا منحرفين " فما أَصابهم إنما أَصاب بخلافهم أَمر الله. ويحتمل: الكناية عن الصلاة؛ إذ العرب قد تسمى السجود صلاة؛ كأنهم أُمروا بالصلاة بها. ويحتمل الأمر بالسجود: لا حقيقة السجود والصلاة، ولكن: أَمر بالخضوع له والطاعة، والشكر على أَياديه التي أَسدى إليهم وأَنزل: من سعة التعيش، والتصرف فيها في كل حال، واللَّه أعلم. وقوله: (وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ). قيل بوجهين: قيل: الحطةُ: هو قول: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، سميت حطة؛ لأَنها تحط كل خطيئة كانت من الشرك وغيره؛ فكأنهم أمروا بالإيمان والإسلام. وقيل: (وَقُولُوا حِطَّةٌ): أَي اطلبوا المغفرة والتجاوز عما ارتكبوه من المآثم والخطايا، والندامة على ما كان منهم؛ فكأنهم أمروا أَن يأْتوا بالسبب الذي به يغفر الذنوب، وهو الاستغفار، والتوبة، والندامة على ذلك، واللَّه أعلم. وذلك يحتمل الشِّرك، والكبائر، وما دونهما.
(59)
ذكر - عَزَّ وَجَلَّ - مرة خطايا، ومرة خطيئات، ومرة قال: ادخلوا، ومرة قال: اسكنوا، ومرة قال: فأَنزلنا، ومرة قال: فأرسلنا -والقصة واحدة- حتى يعلم: أَن ليس في اختلاف الأَلفاظ والألسن تغيير المعنى والمراد. وإن الأَحكام والشرائع التي وضعت لم توضع للأَسامي والألفاظ، ولكن للمعاني المدرجة والمودعة فيها، والله أعلم. وقوله: (وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ). ْيحتمل المراد من المحسنين: المسلم الذي كان أَسلم قبل ذلك. ويحتمل: الذي أَسلم بعد قوله: (وَقُولُوا حِطَّةٌ)، وكان كافرًا إلى ذلك الوقت. والزيادةُ تَحتمل: التوفيق بالإحسان من بعد، كقوله: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. . .) الآية. ويحتمل: الثواب على ما ذكر من قوله: (أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا. . .). وقوله: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ (59) قوله " بَدَّلَ " يحتمل: إحداث ظلم، بعد أَن لم يكن، والخلاف لما أَمرهم به عَزَّ وَجَلَّ. ويحتمل: نشوءَهم على غير الذي قيل لهم. ولم يبين: ما ذلك القول الذي بدلوا؟ وليس لنا -إلى معرفة ذلك القول- حاجة؛ إنما الحاجة إلى معرفة ما يلزمهم بالتبديل، وترك العمل بأَمره، وإظهار الخلاف له، فقد تولى اللَّه بيان ذلك بمضله، وباللَّه التوفيق. وقوله: (فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ). قيل: " الرجز ": هو العذاب المنزل من السماء على أَيدي الملائكة؛ لأن من العذاب ما ينزل على أَيدي الملائكة كعذاب قوم لوط وغيره. ومنه عذاب ينزل من السماء -لا على أَيدي أَحد- نحو: الصاعقة، والصيحة، ونحوهما. وقوله: (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ). مرة ذكر " يَفْسُقُونَ "، ومرة ذكر " يَظْلِمُونَ "، وهو واحد. وفي هذه الآيات التي ذكرناها، والأنباء التي وصفنا - دلالةُ رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وإثباتُ
(60)
نبوته. وذلك أَن أَهل الكتاب كانوا عرفوا هذه الأَنباء بكتبهم، وكان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يذكر ذلك بمشهدهم، كما في كتابهم، ولم يكن ظهر منه اختلاف إليهم، ولا درس كتابهم؛ فدل: أنه باللَّه عرف، وكان فيها تسكين قلب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والتصبر عليه؛ لظهور الخلاف له من قومه، وترك طاعتهم إياه، وأن ذلك ليس بأول خلاف كان له من قومه، ولا أَول تكذيب، بل كان من الأُمم السالفة لأَنبيائهم ذلك، فصبروا عليه؛ فاصبر أَنت كما صبروا؛ كقوله: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ. . .) الآية. * * * قوله تعالى: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61). وقوله: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ). يعني: طلب الماء لقومه عند حاجتهم إليه؛ فأَوحى اللَّه - تعالى - إليه: أَن اضرب بعصاك الحجر. قد ذكرنا فيما تقدم: أَن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - قد أَراهم لمنْ عَصَاهُ آيات عجيبة، من نحو الثعبان الذي كان يتلقف ما يأْفكون؛ كقوله: (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) وقوله: (فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ). ومن ضربه البحر بها حتى انفلق؛ كقوله: (فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ). ومن ضربه الحجر بها، وانفجار العيون منه، وغير ذلك من الآيات مما يكثر، ذكرها عَزَّ وَجَلَّ من آيات رسالته، وآيات نبُوته. وفيما أرى منها، من عجيب آياته: دلالةُ حدوث العالم وإبداعه، لا من شيء؛
لأَنه - عَزَّ وَجَلَّ - قد أَخرج بلطفه، من حجر يصغر في نفسه -مما يحمل من مكان إلى مكان- من الماءِ ما يكفي لخلق لا يحصى عددهم إلا اللَّه، وفجر منه أَنهارًا، لكل فريق نهر على حدة.
ثم لا يحتمل: كون ذلك الماءِ بكليته فيه، لصغره وخفته، ولا كان ينبغي ذلك من أَسفله. فإذا كان هذا كما ذكرنا ظهر أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - كان ينشئ ذلك الماء فيه، ويحدث من لا شيء؛ لأَن ذلك الحجر لم يكن من جوهر الماءِ، ولا من أَصله. فإذا كان قادرًا على هذا فإنه قادر على إِنشاءِ العالم من لا شيء سبق، ولا أَصل تقدم. وكذلك ما أَراهم - عَزَّ وَجَلَّ - من العصا: الثعبان والحية، لم يكونا من جوهرها، ولا من أَصلها، ولا تولدها منها، بل أَنشأَ ذلك وأَبدع، بلطفه. واللَّه الموفق. وقوله: (فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا). قيل: كانوا اثني عشر سبطًا؛ لقوله: (اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا)، وهم بنو يعقوب؛ فجعل لكل سبط نهرًا على حدة، فانضم كل فريق إلى أبيهم الذي كانوا منه، ولم ينضموا إلى أَعمامهم وبني أعمامهم. ففيه دلالة: أَن المواريث لا تصرف إلى غير الآباءِ إلا بعد انقطاع أَهل الاتصال بالآباءِ. وفيه دلالة: أَن القوم في الصحاري والبوادي ينزلون مجموعين غير متفرقين، ولا متباعدين بعضهم من بعض بحيث يكون بعضهم عونًا لبعض وظهيرًا؛ لأَنهم نزلوا جميعًا في موضع واحد، مجموعين -مع كثرتهم وازدحامهم- غير متفرقين ولا متباعدين، وإن
(61)
كان ذلك أَنفع لهم، وأَهون عليهم، من جهة الرعي والربع وسعة المنازل. وفي الأَول: سبق المعنى الذي وصفنا، واللَّه أعلم. وقوله: (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ). أي: موردهم. وفيه دلالة قطع التنازع، ودفع الاختلاف من بينهم؛ لما بين لكل فريق منهم موردًا على حدة. ولو كان مشتركها لخيف وقوع التنازع والاختلاف بينهم، وفي وقوع ذلك بينهم قطع الأَنساب وألأَرحام، وباللَّه التوفيق. وقوله: (كُلُوا). يعني: المن والسلوى. وقوله: (وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ)، من الماءِ الذي أَخرج لهم من الحجر، وكلاهما رزق اللَّه، الذي ساقه إليهم، من غير تكلف ولا مشقة. وقوله: (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ). قيل: لا تسعوا في الأرض بالفساد. ويحتمل: لا تعثوا، أي: لا تفسدوا؛ لأن العُثُو هو الفساد نفسه، كأَنه قال: لا تفسدوا في الأرض؛ فتكونوا مفسدين. وقوله: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ (61) قيل فيه بوجوه: قيل: أَول ما أنزل المن، فعند ذلك قالوا: لن نصبر على طعام واحد، ثم أَنزل السلوى. وقيل: كانوا يتخذون من المن القُرَص، فيأكلون مع السلوى، فهو طعام واحد؛ فقالوا: لن نصبر عليه. ويحتمل: أَن يكون طعامهم في اليوم مرة؛ فطلبوا الأَطعمة المختلفة. واللَّه أعلم. وقوله: (فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَ).
قال: يبين لنا معنى إضافة خصوصية الأشياءِ إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يخرج مخرج التعظيم لذلك الشيء المخصوص، من ذلك: بيت اللَّه، ورسول اللَّه، وناقة اللَّه، هذا كله يخرج مخرج التعظيم لهذه الأَشياءِ. وإضافة كلية الأشياءِ إلى اللَّه تعالى يخرج مخرج تعظيم الرب وإجلاله، نحو ما قال: (رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ)، و (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)، و (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، و (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) ونحوه. هذا كله وصف تعظيم الرب وإجلاله. وقد اختلف في " الفوم ": قيل: الفوم هو الثوم، وكذلك رُوِي في قراءة عبد اللَّه أَنه قرأَه: وثومها. وقيل: الفوم البر. وقوله: (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ). قيل في " أدنى " بوجوه: قيل: أَدنى في القيمة. وقيل: أدنى في الخطر والرغبة. وقيل: أدنى في المنافع. وقيل: أَدنى؛ لما لا يصل هذا إليهم إلا بالمؤنة والمشقة، وذلك لهم بلا مؤنة ولا مشقة؛ فهو خير. وكل يرجع إلى واحد، واللَّه اعلم. ويحتمل: أَدنى، أَي: أَدْوَن وأَقل، ولا شك أن ما طلبوا، وسَأَلوا دون الذي كان لهم. ويحتمل: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ): قد أعطوا.
ولو كان ذلك أَصلح لهم في الدِّين، لم يكن موسى ليلومهم عليه. ثبت أنه لم يكن، ثم أعطوا ذلك. ثبت أَن اللَّه تعالى قد يجوز له -في الحكمة- فعل ما كان غيره أَصلح لهم في الدِّين، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (اهْبِطُوا مِصْرًا). قيل: المصر المعروف. وقيل: مصر من الأَمصار؛ لأن ما طلبوا لا يوجد إلا في الأَمصار، وباللَّه التوفيق. وقوله: (فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ). من الأَطعمة المختلفة إن كان المراد منه المراد، وإن كان الأَطعمة المختلفة فَهو كما قال. وقوله: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ). قيل فيه بوجوه: قيل: الذلة: ذلة احتمال المؤنة والشدائد؛ لما سأَلوا من الأَطعمة المختلفة. وقيل: الذلة: ذلة الجزية والصغار؛ بعصيانهم ربهم. وقيل: ذلة الكسب والعمل؛ لأَن الأَول كان يأْتيهم من غير كسب ولا مؤنة. وقوله: (وَالْمَسْكَنَةُ). قيل: هي الفقر والحاجة. وقيل: قطعُ رجائهم من الآخرة؛ لما عصوا ربهم. وقوله: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ). قيل فيه بوجوه: قيل: باءُوا: رجعوا. وقيل: استوجبوا. وقيل: أَقَروا، وكله يرجع إلى واحد.
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ). قد ذكرنا فيما تقدم: أَن الآيات، هي الحجج التي أعطى الرسل، وأَجراها على أيديهم. وقال الحسن: هي دين اللَّه. وقوله: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ). يحتمل: أن يكون هذا في غيرهم؛ لأَنه لم يكن في زمن موسى نبي سوى هارون، وهم لم يقتلوه. إلا أَن يقال: إن ذلك كان من أولادهم بعد موسى. أو كان ذلك من غيرهم سوى هَؤُلَاءِ وأَولادهم. على أَن قتل الأَنبياء في بني إسرائيل كان ظاهرًا، حتى قيل: قتل في يوم كذا كذا نبيًّا. ولم يذكر قتل رسول من الرسل، وذلك - واللَّه أعلم - لقوله: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلنَا) ولقوله: (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ)، أَخبر أَنه ينصرهم، وأَنهم منصورون ومن كان اللَّه ناصره فهو المنصور أَبدا. ولأَن الرسل هم الذين أُوتوا الآيات المعجزة؛ فلم يكن لهم استقبال الرسل بذلك للآيات التي كانت معهم. وأما الأَنبياء، فلم يكن معهم تلك الآيات المعجزة، وإنما كانوا يدعون الخلق إلى دين اللَّه بالآيات التي كانت للرسل، والحجج التي كانت معهم؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم. قال قوم: لم يقتل أَحد من الرسل، وإنما قتل الأَنبياء، أَو رسل الرسل. فإن كان كذلك فعلى ذلك يخرج ما ذكرنا من الآيات. وإن لم يكن فالنصر كان بالحجج والآيات؛ فكانت تلك للكل. وعلى ذلك: لا دلالة في كون الآيات مع الأَنبياء، وغير كونها، فإن لم يكن لهم ابتداء شرع، ولا نسخ، بل على الدعاء إلى ما سبق من الشرائع وكانت آياتهم كآيات الرسل، أَو دلالات العصمة، مع ما كان بهم حفظ الكتب السماوية بلا تبديل. واللَّه أَعلم بالحق في ذلك، ونعتصم باللَّه عن بسط اللسان في ذلك، بالتدبير، دون شيء ظهر على أَلسن الرسل، أَو القول فيهم بشيء إن كانت آية لكل، أَوْ لا. لكن الله تعالى قد أَقام حجته لكلٍّ على قدر الكفاية والتمام.
(62)
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62). قيل: إن اليهود والنصارى وهَؤُلَاءِ جائز أَن يكون لهم تعلق بظاهر هذه الآية؛ لأنهم كانوا يقولون: إنا آمنا باللَّه، وآمنا باليوم الآخر، فليس علينا خوف ولا حزن. لكن الجواب لهذا وجوه: أَحدها: أَنّه ذكر المؤمنين بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا)، وإيمانهم ما ذكر في آية أخرى وهو قوله: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ). وهم قد فرقوا بين الرسل، بقولهم: (نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ). وفرقوا بين الكتب أيضًا: آمنوا ببعض، وكفروا ببعض. فهَؤُلَاءِ الذين ذكرهم - عَزَّ وَجَلَّ - في هذه الآية، هم الذين آمنوا بجميع الرسل، وآمنوا بجميع الكتب أيضًا. فإذا كان هذا إيمانهم لم يكن عليهم خوف ولا حزن. والثاني: ذَكَر الإيمان باللَّه. والإيمان باللَّه هو الإيمانُ بجميع الرسل، وبجميع الكتب. ولكنهم لا يؤمنون باللَّه، ولا يعرفونه في الحقيقة. أو أَن يقال: ذكَر عملَ الصالحات، والكفرُ ببعض الرسل ليس من عمل الصالحات؛ لذلك بطل تعلقهم بهذا، واللَّه أعلم. وقيل: ذلك على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: إن الذين هادوا والنصارى من آمن منهم باللَّه واليوم الآخر، والذين آمنوا. . . الآية. وللمعتزلة تعلق أيضًا بظاهر قوله: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). وصاحب الكبيرة عليه خوف وحزن، فلو كان مؤمنا لكان لا خوف عليه ولا حزن؛ لأَنه أَخبر أَن المؤمن لا خوف عليه ولا حزن؛ فدل: أَنه يخرج من إيمانه إذا ارتكب كبيرة. فيقال لهم: لم ينف عنهم الخوف، والحزن في كل الوقت. فيحتمل: أَن يكون عليه خوف في وقت، ولا يكون عليه خوف في وقت آخر؛ لأن لكل مؤمن خوفَ البعث وفزعه حتى الرسل، بقوله: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا
(63)
أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا)؛ لشدة فزعهم من هول ذلك اليوم. فإذا دخلوا الجنة، ونزلوا منازلهم، ذهب ذلك الخَوف والفزع عنهم، فعلى ذلك المؤمن: يكون له خوف في وقت، ولا يكون عليه خوف في وقت آخر، واللَّه أعلم. واختلف في الصابئين: قيل: الصابئون: قوم يعبدون الملائكة، ويقرءُون الزبور. وقيل: إنهم قوم يعبدون الكواكب، وقيل: هم قوم بين المجوس والنصارى. وقيل: هم قوم بين اليهود والمجوس. وقيل: هم قوم يذهبون مذهب الزنادقة؛ يقولون باثنين لا كتاب لهم، ولا علم لنا بهم. قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) وقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ). قد ذكرنا فيما تقدم: أَن ميثاق اللَّه، وعهده على وجهين: عهد خلقة وفطرة، وعهد رسالة ونبوة. وقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ) في التوراة أَن يعملوا بما فيها، فنقضوا ذلك العهد لما رأَوا فيها الحدود، والأَحكام، والشرائع كرهوا؛ فرفع اللَّه الجبل فوقهم، فقبلوا ذلك. ويحتمل ما ذكرنا من عهد خلقة وفطرة قنقضوا ذلك. وقوله: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ). قيل: خذوا التوراة بالجد والمواظبة.
(64)
وقيل: " بقوة " يعني: بالطاعة له والخضوع. ثم احتج بعض المعتزلة بهذه الآية على تقدم القدرة الفعلَ؛ لأَنه أمرهم - عَزَّ وَجَلَّ - بالقبول له، والأَخذ والعمل بما فيها. فلو لم يعطهم قوة الأَخذ والقبول له قبل الأخذ له والفعل، لكان لا يأمرهم بذلك؛ لأنهم يقولون: لا قوة لنا على ذلك؛ فدل أنه قد أعطاهم قبل ذلك، لكنه غلط عندنا؛ لأَنه لو كان أَعطاهم القوة قبل الفعل، ووقت الأَمر به، ثم تذهب عنهم تلك القوة وقت الفعل - لكان الفعل بلا قوة؛ إذ من قولهم: أن القوة لا تبقى وقتين؛ فدل: أَنها تحدث بحدوث الفعل، لا يتقدم ولا يتأخر، ولكن يَكونان معًا. ولأَنها سميت: قدرة الفعل، فلو كانت تتقدم الفعل، لم يكن لإضافة الفعل إليها معنى، واللَّه أعلم. والأَصل في ذلك: أَن اللَّه - تعالى - قال: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) ومعلوم أَن المرادَ من ذلك الأَخذُ بقوة الآخذ. ثم فيه وجهان: أَحدهما: أَن للأَخذ قوة غير التي للترك. والثاني: أَنه ذكر الأَخذ بقوة، فإذا لم تكن معه لم يكن بها أَن يرى أَن الوقت إذا تباعد لم يحتمل بما تقدم من القوة أَوقاتًا؛ فمثله وقت واحد. وقوله: (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). قيل فيه بوجوه: قيل: اذكروا، واحفظوا ما فيه من أَمره ونهيه، ولا تضيعوه؛ لعلكم تتقون المعاصي والمآثم. ويحتمل: اذكروا ما فيه من التوحيد والإيمان؛ لعلكم تتقون الشرك والكفر. ويحتمل: اذكروا ما فيه من الأَحكام والشرائع. ويحتمل: الثواب والعقاب، والوعد والوعيد. وكله واحد. وقوله: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ (64) يعني: من بعد القبول. دل هذا على: أَنهم كانوا قَبِلوا ذلك مرة، قبل أَن يأْتيهم موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بها؛ فلما أَتاهم -
(65)
ورأَوا التشديد، والمشقة- أَبوا قبولها، وتركوا العمل بما فيها من الأَحكام والشرائع؛ فخُوِّفُوا برفع الجبل فوقهم؛ فقبلوا ذلك، واللَّه أعلم. وقوله: (فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ). يحتمل وجوهًا: قيل: فضل اللَّه عليكم الإسلام ورحمته: القرآن. وقيل: فضل اللَّه عليكم بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، بعث إليكم رسولًا؛ ليجمعكم، ويؤلف بينكم، ويدعوكم إلى دين اللَّه الحق، بعد ما كنتم في فترة من الرسل، وانقطاع من الدِّين والعمل. ويحتمل: فضل اللَّه عليكم؛ لما أَنجا آباءَكم من العذاب، ولم يرسل عليهم الجبل، وإلا ما توالدتم أَنتم. وقيل: فضل اللَّه عليكم؛ لما أَعطاهم التوراة، ووفقهم على قبولها، وإلا كنتم من الخاسرين. وبعضه قريب من بعض. وقوله: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ (65) فيه دلالة إثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. كأنه قال: ولقد علمتم أَن محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يكن يعلم الذين اعتدوا منكم في السبت، ولا كان علم ما فُعِل بهم، ثم علم ذلك؛ فإنما علم باللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لأَنه لم يكن قرأَ كتابكم، ولا كان يختلف إلى أَحد ممن يعرف ذلك؛ فباللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عرف ذلك، وبه علم؛ فدل: أَنه رسول اللَّه إليكم. ويحتمل قوله: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ). أي: علمتم ما أَصاب أُولئك باعتدائهم يوم السبت بالاصطياد، وكنتم تقولون: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ). يعني: أَبْناءُ رسل اللَّه وأَحباؤُه. فلو كان كما تقولون، لم يكن ليجعلهم قردةً -وهي أَقبحُ خلق اللَّه، وأَوحشُه- إذ مثل ذلك لا يُفعل بالأَحباء ولا بالأَبناءِ. أَو أَن يحمل على التحذير لهَؤُلَاءِ؛ لئلا يُكذبوا محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولا يعصوه في أَمره، فيصيبكم ما أَصاب أُولَئِكَ؛ بتكذِيبهم موسى، وعصيانهم أَمرَه، واللَّه أعلم. ثم سبب تحريم الاصطياد في السبت كان -واللَّه أعلم- لما قيل: إن موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أراد أَن يجعل يومًا لله، خالصًا للطاعة له، والعبادةِ فيه -وهو يوم الجمعة- فخالفوا هم أَمره
(66)
ونهيَه، وقالوا: نجعل ذلك اليوم السبت؛ لأَنه لم يُخلق لعمل. فحرم الاصطياد في ذلك اليوم لذلك وحولوا قردةً؛ عقوبة لهم لما نهوا عن الاصطياد في ذلك اليوم فاصطادوا. وعلى ذلك تأْويل قوله: (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ)، يعني: يوم الجمعة. وقيل: (اخْتَلَفُوا فِيهِ)، يعني: في اللَّه. ثم اختلف في قوله: (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ): قال قوم: قوله: (كُونُوا قِرَدَةً) من الأصل؛ على ذهاب الإنسانية منهم. وقيل: حَوَّل جَوْهَرهم إلى جوهر القردة، على إبقاءِ الإنسانية فيهم؛ من الفهم والعقل؛ لأَنه قيل: إن الذين كانوا يَنْهَوْنهم عن الاصطياد في ذلك اليوم دخلوا عليهم، فيقولون لهم: أَلم نَنْهكم عن ذلك، ونزجزكم؟! فَآومئوا: أَي نعم. ودموعهم تفيض على خدودهم. فلو كان التحويل على ذهاب جميع الإنسانية منهم لكانوا لا يفهمون ذلك، ولا حزنوا على ما أَصابهم؛ لأَن كل ذي جوهر راضٍ بجوهره الذي خلقه اللَّه سبحانه يُسَرُّ به. ولأَن تحويله إياهم قردةً عقوبةٌ لتمردهم في التكذيب، وجرأتهم على اللَّه؛ ليعلموا ذلك، ويروا أَنفسهم أَقبحَ خلقِ اللَّه وأَوحشَه. وفيه نقض قول المعتزلة؛ لأَنهم يقولون: ليس في خلق اللَّه قبيح. فلو لم يكن في خلق اللَّه قبيح لم يكن لتحويل صورتهم من صورة الإنسان، إلى أَقبح صورةٍ معنًى؛ ليروا قبح أنفسهم؛ عقوبةً لهم بما عَصَوْا أَمر اللَّه، ودخلوا في نهيه. وقوله: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا (66) قيل: الهاء راجعة إلى القرية التي كانوا فيها. وقوله: (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا). من أَهل القرية. وقوله: (وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ). حواليها. وقيل: أَراد بالهاءِ: القرية، (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا) من القرى، (وَمَا خَلْفَهَا) من القرى.
(67)
وقيل: أَراد بالهاءِ: العقوبة والنكالَ، (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا) يعني: لما مضى من الذنوب. (وَمَا خَلْفَهَا) يعني: ما بَقي، واللَّه أَعلم. وقوله: (خَاسِئِينَ). قيل: الخاسئ: الصاغرُ. وقيل: الخاسئ: الذليلُ. وقيل: البعيدُ. وكله يرجع إلى واحد، واللَّه أَعلم. * * * قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74). وقوله: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً). قيل: قُتِل قتيلٌ في بني إِسرائيل، وأُلْقيَ على باب غيرِهم؛ فتنازعوا فيه واختلفوا؛ فأَمر اللَّه نبيه موسى أَن يذبحوا بقرةً، فقال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) فاضربوا ببعضها ذلك الميت؛ فيحيى، فيقول: مَنْ قتلني. وقوله: (قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا
هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ). قَالَ بَعْضُهُمْ: كفروا بهذا القول؛ لأَنهم سمَّوْه هازئًا، ومن سَمَّى رسولًا من الرسل هازئًا يكفر؛ أَلا ترى أَنهم قالوا في الاخِر: (الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ)؟! دل أَن ما قال لهم أَولَ مرةٍ ليس بحق عندهم. وليس هذا بشيء. ولا يحتمل ما قالوا. ولكن يحمل على المجازاة، كأَنهم قالوا: أتجازينا بهذا لما مضى منا وسبق من العصيان بك، والخلاف لك؟! لما لم يعلموا أَنه من عند اللَّه يأْمر بذلك. وهذا وأَمثاله على المجازاة جائزٌ على ما ذكرنا من الاستهزاءِ، والمخادعة، والمكر، كله على المجازاة جائز. وكقول نوح لقومه: (فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ)، على المجازاة جائز على ما ذكرنا من الاستهزاء؛ فكذلك الأَول. وأما الاستهزاء فيما بين الخلق فهو جهل يسخر بعضهم ببعض؛ لجهلٍ بأَحوال أَنفسهم؛ إذ كلهم سواء مِن جهة الجوْهر والخِلْقة، وتركيب الجوارح، وتصوير الصُّور، وتمثيلها. أَلا ترى: أن موسى أجاب لهم عن الهزء بالجهْل، فقال: (أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)؟! دل أَن الهزء في الخلق لجهلٍ فيهم، وباللَّه التوفيق. ثم استدل قوم بهذه الآية على: عموم الخطاب وقت قرْع السمع؛ لأَنه أَمرهم بذبح بقرة لم يبين لهم كيفيَّتها، ولا ماهيتها وقت الخطاب، إلا بعد البحث والسؤال عنها؛ فثبت أَنه على العموم. أَلا ترى ما روي في الخبر: " لو عمدوا إلى أَدنى بقرة لأَجزأتهم، لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد اللَّه عليهم ". لكن هذا لا يصح؛ لأَنه دعوى على اللَّه، لحدوث شيء في أَمره، وبُدُوٍّ في حكمه، فذلك كفرٌ، لا يقوله مسلم، فضلًا عن أَن يقولَ به رسولٌ من الرسل.
تأْويل هذا أَنه قال: إنه يقول كذا، فلو كان الأَول على: غير ذلك لكان قد بدا له فيما عم وفسر بما لم يكن أَرادَ. وذلك معنى البداءِ، بل معنى الرجوع عن الأَول مما أَراد، والتفسير له بغَيره، ولا قوة إلا باللَّه. ثم في الآية دليل خصوص الخطاب من وجهين: أَحدهما: أَخذُ كل آيةٍ خرجت في الظاهر على العموم حتى الخصوص. والثاني: جواز تأْخير البيان على تقدم الأَمر به؛ لما ذكرنا: أنها لو حملت على العموم -وهو مرادها- ثم ظهر الخصوص، فهو بدو وحدوث في الأَحكام والشرائع، فذلك حال من جهل العواقب والنهايات، تعالى اللَّه عن ذلك. ومعنى سُؤالهم؛ بدعاءِ الرب لهم: البيان بما أريد جعل ذلك آية؛ فوقع عندهم: أَنْ لا كل بقرة تصلح للآيات، ولذلك لم يسأَلوا موسى عن تفسيرها؛ إذ اللَّه - تعالى - هو الذي يعلم الآيات. والحرف الثاني هو الأَول الذي قلنا: إليه انصرف المراد في الابتداءِ؛ لما يوجبه، وأَن الأَمر بالذبح في الابتداءِ كان على ما آل أَمرها إليه وظهر. لكنهم أمروا بالسؤال عنها، والبحث عن أَحوالها؛ ليصلوا إلى المراد فيه، لا أَنه أَحدث لهم ذلك بالسؤال. وعلى ذلك: ما روي في الخبر: " أَن صلة الرحم تزيد في العمر ". أَي: لما علم من عبده أَنه يصل رحمه، جعل مدة عمره أَكثر مما لو علم أَنه لا يصل، لا أَنه يجعل أَجله إلى وقت، فإذا وصل رحمه زادَ على ذلك. لا على ما يقوله المعتزلة: أَن اللَّه - تعالى - يجعل لكل أَحد أَجلين، فإذا وَصل رحمه أَماته في أَبْعد الأَجلين، وإذا لم يصل جعلَ أَجله الأولَ. فهذا أَمر من يجهل العواقب، فأَما من كان عالمًا بالعواقب فلا؛ لأَنه بدوٌّ ورجوعٌ عما تقدم من الأَمر. ثم من استدل بهذه الآية: بقبول قول أَولياءِ المقتول وَهِمَ؛ لأَوجهٍ: أَحدها: ما لا يقبل قول القتيل قبل خروج الروح منه: إنَّ فلانًا قتلني، في قطع حَق الميراث، وإغرام الدية.
والثاني: أَن ذلك كان آية عظيمة لهم، لم يكن ذلك لغيرهم. والثالث: أَن أَولياء المقتول قد كانوا -قبل أن يحيى- يدَّعون عليهم القتل، فلو كان لهم حق القبول، لم يحتج إلى تلك الآية. والرابع: أَن قبول قول الميت أَحق من قبول قول الولي؛ لأَن الوليَّ ينتفع بقوله، والميت لا ينتفع بقوله شيئًا، ثم القتيل لا يقبل قوله في شريعتنا فكذلك الولي، والله الموفق. ثم وَجْه جعْلِ البقرة آيةً دون غيرها من البهائم وجهان: أَحدهما: ما رُويَ أن رجلًا كان بارًّا بوالديْه، محسنًا إليهما عاطفًا عليهما، وكانت له بقرة على تلك الصفة والشبه، فأراد اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أَن يوصل إليه في الدنيا جزاء ما كان منه بمكان والديْهِ. والثاني: أَنهم كانوا يعبدون البُقُور والعَجَاجيل، وحُببَ ذلك إليهم؛ كقوله: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ)، ثم تابوا وعادوا إلى عبادة اللَّه وطاعته، فأَراد اللَّه أَن يمتحنهم بذبح ما حُبِّب إليهم؛ ليظهر منهم حقيقة التوبة، وانقلاع ما كان في قلُوبهم من حب البُقُور والعجاجيل، واللَّه أَعلم. وقوله: (لَا فَارِضٌ).
(69)
يقول: ليست بكبيرة. وقوله: (وَلَا بِكْرٌ). ولا شابة. وقوله: (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ). بين الشابة والكبيرة. وقل: (لَا فَارِضٌ): لا كبيرة، على ما ذكرنا (وَلَا بِكْرٌ)، أي: ولا ما لا تلد، (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ) أي: قد ولدت بطنًا أَو بَطنَين. وقوله: (صَفْرَاءُ (69) قيل: الصفراءُ؛ التي تضرب إلى السواد، وذلك لشدته. وقيل: الصفراءُ؛ من الصفَر المعروف. وقوله: (فَاقِعٌ لَوْنُهَا). قيل؛ صَافٍ. وقوله: (تَسُرُّ النَّاظِرِينَ). تُعْجِب الناظرين. وقيل: (فَاقِعٌ لَوْنُهَا). صَفْرَاءُ الظلف والقَرن، واللَّه أعلم. وقوله: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) وقوم موسى مع غلظ أفهامهم، ورقة عقولهم - أَعرف لله، وأَمهلُ توحيدًا من المعتزلة؛ لأَنهم قالوا: إنْ شَاءَ اللَّه لكنا من المهتدين. والمعتزلة يقولون: قد شاءَ اللَّه أَن يهتدوا، وشاءُوا هُم ألا يهتدوا؛ فغلَبَتْ مشيئَتُهم
(71)
على مشيئة اللَّه على قولهم - فنعُوذ باللَّه من السَّرَفِ في القول، والجهل في الدِّين. وقوله: (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا (71) قيل: لم يذللها للعمل؛ أَي: لم يزرع عليها، ولا هي مما يُسقى عليها الحرث. وقيل: (لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ)؛ أي: بقرة وحسية صعبة، تثير الأَرض، ولكن إثارة الأَرض لم تذللها؛ لصعوبتها وشدتها. وقوله: (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ). قيل فيه بوجوه: (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ)، خوفًا على أَنفسهم أَن يفتضحوا لظهور القاتل. وقيل: (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) لغلاءِ ثمنها. والأولُ أَقرب، واللَّه أعلم. وقيل: إنهم استقصَوْا في صفة تلك البقرة، والسؤال عن أحوالها، والاستقصاءُ في الشيء ربما يكون للمدافعة، واللَّه الموفق. وفي قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) دليل لأَبي حنيفةَ - رَحمَهُ اللَّه وَأصحابِه - أَن من حَلَف لا يأْكل لحم بقرَةٍ، فأَكل لحْم ثَور حنث؛ لأَن اللَّه تعالى ذكر البقرةَ، ثم بين في آخره ما يدل أَنه أَراد به الثورَ؛ لقوله: (لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ). والثوْرُ هو الذي يثير الأَرض، ويسقي الحرث، دون الأُنثى منها؛ لذلك كان الجواب على ما ذكرنا. إلا أَن يكونوا همْ كانوا يحرثون بالأُنثى منها كما يَحرث أَهل الزمان بالذكَر، فحينئذ لا يكون فيه دليلٌ لما ذكرنا، واللَّه أَعلم. وقوله: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) في الآية: دليلُ مُرادِ الخصوص -وإن خرجت في الظاهر مخرج العموم- لأَنه قال عز وجل: (قَتَلْتُمْ)، وإنَّمَا قتله واحد، وقال: (وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)، وإنما كان كتمه الذي قتله.
(73)
لذلك قلنا: ألا نصْرف مرادَ الآية إلى العموم بلفظ العموم، ولا إلى الخصوص بلفظ الخصوص إلا بعد قيام الدليل والبرهان على ذلك، واللَّه الموفق. وقوله: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا (73) قَالَ بَعْضُهُمْ: بفخذها الأَيمن. لكن هذا لا يعلم إلا بخبر عن اللَّه تعالى، ولكن يقال: (بِبَعْضِهَا) بقدر ما في الكتاب. وقوله: (كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى). أَي: هكذا يُحي اللَّه الموتى، من الوجه الذي لا يتوهمون إحياءَه، بضرب بعض البقرة عليه. وكذلك قوله: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9). فكما أَحيا الأَرض بَعد موتها بالمطر المنزل من السماءِ، يقدر على إِحياءِ الموتى، وبعثهم على الوجه الذي لا يظنون ولا يتوهمون، واللَّه أعلم. ويحتمل: إِحياء ذلك القتيل لهم، لما لم يكونوا اطمَأنوا على إِحياءِ الموتى؛ فأَرَاهُم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ذلك؛ ليطمئنوا، وليَستَقِروا على ذلك، ولا يضطَربوا فيه، واللَّه أعلم. وقوله: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ). يحتمل: يُريكم آيات وحدانيته. ويحتمل: يريكم آيات إِحياءِ الموتى، وآيات البعث. ويحتمل: آياته فيما تحتاجون إليه، كما أَرى من تقدمكم عند حاجاتهم. ويحتمل: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ) آيات نبوة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ إذ هو خَبَّر عن الغيب. وأَوضح آيات الرسالة؛ الخَبَرُ عن الغئبِ، وذكرُ القصة على الوجه الذي يعلم أَن الاختراع لا يبلغ ذلك؛ لتعلموا أَنه باللَّه علم؛ إذ لم يذكر له خط كتاب، ولا اختلافٌ إلى من عنده. على أَنه لو كان مسموعًا منهم، يجري على مثله القول في الزيادة والنقصان، ولكن منعهم اللَّه تعالى عن ذلك -إذ علموا صدقه- إِشفاقًا على أَنفسهم، أَن ينزل عليهم نِقْمة اللَّه. وقوله: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). لكي تعْقلُوا آيات وحدانيته، وتعقلوا أَنه قادر على إِحياءِ الموتى بَعْدَ الموت. وقوله: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (74)
(75)
ضرب اللَّه لقلوبهم مثلًا بالحجارة، وشبهها بها؛ لتساويها، وشدة صلابتها، وأَنها أشدُّ قسوة من الحجارة، وذلك: أَن من الحجارة -مع صلابتها وشدتها، مع فقد أسباب الفهم والعقل عنها، وزوال الخطاب منها- ما تخضع له، وتتصدع؛ كقوله: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ). وقوله: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ. . .) الآية. وقلبُ الكافر -مع وجود أسباب الفهم والعقل، وسعة سببية القبول- لا يخضع له، ولا يلين. وكذلك أَخبر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عن الجبال أَنها تلينُ، وتخضع لهول ذلك اليوم بقوله: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ). وقلبُ الكافر لا يلين أَبدًا. أَو أَن يقال: إن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ جعل من الجبال مَنافِع للخلق مع صلابتها وشدتها حتى يتفجر منه الأَنهار والمياه. وقلبُ الكافر -مع احتمال ذلك وإمكانه- لا منفعة منه لأَحدٍ. وباللَّه الئوفيق. ثم وجه حكمة ضرب قلوبهم مثلًا بالحجارة، وتشبيهها بها، دونَ غيرها من الأَشياء الصلبة؛ من الحديد، والصُّفْر، وغيرهما، وذلك - واللَّه أعلم - أَن الحديد تُلينه النار، وكذلك الصُّفْر حتى تضرب منهما الأَواني. والحجرُ لا تُلينهُ النار ولا شيء؛ لذلك شبه قلب الكافر بها. وهذا - واللَّه أعلمَ - في قوم علم اللَّه أَنهم لا يؤمنون أَبدًا. وقوله: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ). خرجت على الوعيد -أبلغ الوعيد- والوعظ؛ حين ذَكرهم علمه بما يعملون. * * * قوله تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) وقوله: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ). قيل: الآية -وإن خرجت على عموم الخطاب- فالمراد منها الخصوص، وهو
(76)
الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وإلى هذا يذهب أَكثر أَهل التفسير. وقيل: المراد منها -بعموم الخطاب- العموم؛ يعني: النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وأَصحابه؛ وكأَنها خرجت على النهي عن طمع الإيمان منهم، كأَنه قال: لا تطمعوا في إيمانهم. كقوله: (أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ)؛ أي: لا تُنقذ. وكقوله: (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ)؛ أَي: لا تسمع الصم. وقوله: (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ. . .) الآية. لقائلٍ أن يقول: أَليس فيما كان فريقٌ منهم يسمعُون كلام اللَّه ثم يحرفونه ما يجب أَن يدفع الطمع عن إيمان هَؤُلَاءِ؟ فهو - واللَّه أعلم - لوجهين: أَحدهما: أَنهم كانوا أصحاب تقليد؛ كقوله: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ). فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أَن هَؤُلَاءِ -وإن رأَوا الآيات العجيبة- فإنهم لا يؤمنون أَبدًا؛ لأَنهم أَصحاب تقليد، لا ينظرون إلى الحجج والآيات. والثاني: أَنهم - معَ كثرة ما عاينوا من الآيات، وشاهدوا من العجائب في عهد رسول اِلله موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يطمع في إيمانهم، فكيف طمعتم أَنتم في إيمان هَؤُلَاءِ، وهم أتباعهم؟ واللَّه الموفق. ولهذا وجهان آخران: أحدهما: كأنه قال: لا تطمع في إيمانهم؛ لأَنهم - في علم اللَّه على ما عليه من ذكر. والثاني: لأن أُولَئِكَ كانوا خيرًا من هَؤُلَاءِِ، وأَرغبَ في الحق منهم، ثم لم يؤمنوا مع سماع الحجج، وما يجب به الإيمان، فكيف تطمع في إيمان هَؤُلَاءِ؟ وقوله: (ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). أنه من عند اللَّه، ويعلمون أَنه رسول اللَّه، وأَنه حق. وقوله: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا (76) فقد ذكرنا فيما تقدم أَنها في المنافقين نزلت. وقوله: (وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ).
(77)
يحتمل وجهين: يحتمل: خلا بعض المنافقين إلى بعض، قالوا: أَتحدثونهم بكذا. ويحتمل: خلاء المنافقين إلى اليهود. وقوله: (قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ). قيل: فتح اللَّه؛ قصَّ اللَّه. وقيل: فتح اللَّه؛ بيَّن اللَّه. وقيل: فتح اللَّه؛ قضى اللَّه. وقيل: منَّ اللَّه عليكم في التوراة. وكله يرجع إلى واحد. وقوله: (لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ). أي: باعترافكم عند هَؤُلَاءِِ. ويحتمل: على إضمار رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كأَنه قال: ليحاجوكم بإقراركم عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويحتمل: على معنى ليحاجوكم به عند ربكم أي في ربكم؛ إذ العرب تستعمل حروف الخفض بعضها في موضع بعض. ويحتمل: عند ربكم، أَي: يوم القيامة. ويكون ليحاجوكم بما عند اللَّه؛ أَي: بالذي جاءكم من عند اللَّه. لكن لقائل أَن يقول: ما معنى ذكرِ المحاجَّةِ عند ربكم، والمحاجةُ يومئدٍ لا تكون إلا عنده، ولا تكون ليحاجوكم بها عند اللَّه؛ أَي: بالذي جاءَكم من عند اللَّه؟ قيل: لأَن ذلك أَشد إِظهارًا، واقل كتمانًا؛ لما لممبق منهم الإقرارُ بذلك؛ لذلك نهوا عن ذلك، لأَنهم كانوا يَنْهوْن أُولَئِكَ عن الإقرار بالإيمان عند المؤمنين، وإظهار ما في التوراة من بَعث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وَصِفته. وقوله: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ). أَنَّ هذه حجةٌ لهم عليكم، حيث تعترفون به، وتظهرون نعته وصفته ثم لا تبايعونه. ويحتمل: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أَنه حق. وقوله: (أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)
(78)
قيل: (مَا يُسِرُّونَ) في الخلوة؛ من الكفر به والتكذيب له (وَمَا يُعْلِنُونَ) لأصحابه؛ من التصديق له والإيمان به. وقيل: (مَا يُسِرُّونَ) من كتمان نعته وصفته. (وَمَا يُعْلِنُونَ) من إظهار نعته وصفته الذي في التوراة. ويحتمل: ما يُسِرُّ هَؤُلَاءِِ لهم من النهي عن إظهار ما في التوراة، وما يُعْلِنُ هَؤُلَاءِ للمؤمنين من إظهار نعته وصفته، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ (78) يقول: مِنَ اليهود من لا يقرأ التوراة ولا يعرفها، إلا أَن يحدثهم العلماء والرؤساء عنها. والأُمِّي: الذي لا يكتب، ولا يقرأ عن كتابة، لكنه يقرأ لا عن كتابة، كالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، كان لا يكتب، ولا يقرأ عن كتابة؛ كقوله: (وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ). ويقال أَيضا: الذي لا يقرأ ولا يكتب، لا عن كتابة، ولا غير كتابة. وقوله: (إِلَّا أَمَانِيَّ). قيل: أَحاديث باطلة يحدث لهم، وهو قول ابن عَبَّاسٍ. وقيل: إِلَّا أَمَانِيَّ، يعني إلا كذبًا. وقال الكسائى: إلا أَمانى: إلا تِلاوة؛ كقوله: (إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)، يعني: في تلاوته. وقوله: (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)، يقول: ما هم إلا ظن يظنون في غير يقين. وأَصله: أَي لا يعلمونَ علم الكتاب، إنما عندهم أماني النفس وشهواتها؛ كقوله: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ).
(79)
وقوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (79) قيل: الويلُ: الشدةُ. وقيل: الويلُ: وادٍ في جهنم. وقيل: الويل: هو قول كل مكروب وملهوف يقول: ويلٌ له بكذا. وقوله: (يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) يحتمل وجهين: يحتمل: يكتبون: يمحون نعته، وصفته عن التوراة. ويحتمل: يكتبون: يُحْدثون كتابة، على خلاف نعته وصفته، ثم يقولون: هذا من عند اللَّه؛ فتكون الكتابة في هذا إثباتًا؛ كقوله: (كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ)، والمثبت: هو ذلك الملحق ليظن أنه كذلك في الأَصل. وقوله: (لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا). قد ذكرنا هذا فيما تقدم. وقوله: (فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ). ذكر لهم ثلاث ويلات: ويل؛ بإِحداث كتابة ببعث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ومحوه وتغييره. والثاني: بقولهم: هذا من عند اللَّه. والثالث: وويل لهم مما يكسبون من المأكلة والهدايا. * * * قوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) وقوله: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً). أَجمع أَهل التفسير والكلام على صرف الأَيام المعدودة المذكورة في هذه الآية إلى أَيام عبادة العجل. وذلك لا معنى له؛ لوجهين:
(81)
أحدهما: أَن هَؤُلَاءِ لم يعبدوا العجل، وإنما عبد آباؤُهم؛ فلا معنى لصرف ذلك إلى هَؤُلَاءِ. والثاني: لو صرف ذلك إلى آبائهم الذين عبدوا العجل لم يحتمل أيضًا؛ لأَنهم قد تابوا ورجعوا عن ذلك؛ فلا معنى للتعذيب على عبادة العجل بعد التوبة والرجوع إلى عبادة اللَّه؛ كقوله: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، واللَّه أعلم. وتصرف الأَيام المعدودة إلى العمر الذي عَصَوا فيه؛ لما لم يروا التعذيب إلا على قدر وقت العصيان والذنب، أَو لما لم يكونوا يروْن التخليد في النار أَبدًا، أو لما هم عند أنفسهم، كما أَخبر اللَّه عنهم، بقوله: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) وكقولهم: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ). يقولون: إنا لا نُعذَّب أَبدًا، إنما نعذَّب تعذيب الأَبِ ابنَه أو الحبيبِ حبيبَه؛ يعذِّب في وقت قليل، ثم يرضى، ويدخل الجنة. ولكن عقوبة الكفر أبدًا، والتخليد فيها لا لوقت، وكذلك ثوابُ الإيمان للأَبد لا لوقت؛ لأَن من اعتقد دينًا إنما يعتقده للأبد لا لوقت؛ فعلى ذلك جزاؤه للأَبد لا لوقت. وأما من ارتكب ذنبًا من المسلمين؛ بشهوة تغلبه في وقت، فيرتكبه، ثم يتركه - فإنما يعاقب إن عوقب على قدر ما ارتكب في وقتٍ؛ لأَنه لم يرتكبه للأَبد؛ لذلك افترقا، والله أعلم. وقوله: (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ). والعهد يحتمل: هل عندكم خبر عن اللَّه تعالى بأنكم لا تعذبون أبدًا، ولكن أيامًا معدودة؛ فإن كان لكم هذا فهو لا يخلف عهده. والثاني: اتخذتم عند اللَّه عهدًا، أي لكم أعمال صالحة عند اللَّه فوعدكم بها الجنة، فهو لا يخلف وعده. أَي: ليس لكم واحد من هذين، لا خبرٌ عن اللَّه بأنه لا يعذبكم، ولا أَعمال صالحة وعد لكم بها الجنة. وقوله: (أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) هذا إكذابٌ من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - إِياهم بذلك القول، كأنه قال: بل تقولون على اللَّه ما لا تعلمون؛ أَلا ترى أنه قال: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ)؟! يقول: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) يعني: شركًا (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ)، أَي: مات عليها.
(82)
(فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). لا يموتون فيها ولا يخرجون منها. وقيل: (وَأَحَاطَتْ بِهِ): بقلبه. وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) قد ذكرنا هذا فيما تقدم. * * * قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) وقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ). قد ذكرنا عهد اللَّه وميثاقه أَنه يكون على وجهين: عهد خِلْقة وفطرة، وعهد رسالة ونبوة. وقوله: (لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ). يحتمل وجهين: يحتمل: لا تجعلون الألوهيةَ إِلا لله. ويحتمل: نفس العبادة، أَي: لا تعبدون غير اللَّه، من الأَصنام والأَوثان وغيرهما. وقوله: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). بِرًّا بهما، وعَطفًا عليهما، وإلطافًا لهما، وخفْضَ الجناح، ولينَ القول لهما؛ كقوله: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ. . .) الآية، وكقوله: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا). فَإِنْ قِيلَ: إِن الأَمر بالإحسان فيما بين الخلق يخرج مخرج الإفضال والتبرع، لا على الوجوب، واللزوم.
غير أَن الإحسان يجوز أن يكون الفعلَ الحسن نفسَه؛ كقوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، استوجبوا هذا بالفعل الحسن، لا بالإحسان إلى الله تعالى، وفعلُ الحسن فرضٌ واجبٌ على كل أَحد. والثاني: أَن الإحسان إِليهم يجوز أَن يكون من حق اللَّه عليهم، وحقُّ اللَّه عليهم لازم، وعلى ذلك صلةُ القرابةِ والمحارِم، والإنفاقُ عليهم من حق اللَّه عليهم، وهو لازم. فهذا ينقض على الشافعي قولَه: إنه لا يوجب النفقة إلا على الوالدين، ولا يتكلم في الآباء والأمهات بالقرابة، ولا سموا بهذا الاسم؛ فدل: أَنه أَراد به غير الوالدين، والله أَعلم. وقوله: (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ). يحتمل: على النفْل من الصدقة والفرض جميعًا. وقوله: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا). يحتمل وجوهًا: يحتمل: لا تكتموا صفة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ونعته ولكن أَظهروها. ويحتمل: الدعاء إلى شهادة أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. ويحتمل: المراد به الكلُّ، كل شيء وكل قول؛ أَي: لا تقولوا إلا حسنًا. واللَّه أعلم. وقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ). يحتمل: الإقرار بها، والقبول لها. ويحتمل: إِقامتها في مواقيتها، بتمام ركوعها وسجودها وخشوعها. ويحتمل: أن كونوا في حالٍ تكون لكم الصلاة والتزكية.
(84)
وقوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ). يحتمل الوجوه التي ذكرناها في الصلاة. وقوله: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ). الآية ظاهرة. وقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ (84) قد ذكرنا الميثاق والعهد في غير موضع. وقوله: (لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ). يحتمل وجهين: أي: لا تسفكون دماءَ غيركم، فيسفك دماءَكم؛ فتصيرون كأنكم سفكتم دماءَكم. ويحتمل: لا يسفك بعضُكم دماءَ بعض؛ كقوله: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ)، أي: يسلم بعضكم على بعض. وذكر نقض العهد في هَؤُلَاءِِ وإن كان في أَوائلهم؛ لوجهين: أَحدهما: لما رضي هَؤُلَاءِ بفعل آبائهم. والثاني: بقولهم: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ. . .) الآية. وقوله: (وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ). يحتمل أيضا وجهين: يحتمل: ولا يُخرج بعضُكم بعضًا. ويحتمل: لا تخرجوا غيركم من ديارهم، فتخرجون من دياركم؛ على ما ذكرنا في قوله: (لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ)، واللَّه أعلم. وقوله: (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ). يحتمل: ثم أقررتم وأَنتم تشهدون بالعهد والميثاق، وتشهدون أَنه في التوراة. وقوله: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ (85) يعني: يا هَؤُلَاءِ. وقوله: (تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ). يحتمل الوجهين اللذَين ذكرتهما في قوله: (لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ). وقوله: (تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ). أي: تَعَاوَنُون عليهم، يُعاون بعضكم بعضًا بالإخراج، وهو الظلم والعدوان. وقوله: (وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ).
(86)
أي: ذلك الإخراج محرم عليكم. وقوله: (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ. . .). الآيةُ -وإن كانت مؤخرة في الذكر- فهي مقدمة؛ كأَنه قال: لا تسفكون دماءَكم ولا تخرجون أَنفسكم، وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ. وقوله: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ). آمنوا بالمفَاداة من الأسارى، وكفروا بالإخراج وسفك الدماءِ. ويحتمل: الإيمان ببعض ما في التوراة، وكفروا ببعضها، وهو نَعْت مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفته؛ إذ لم يكن على موافقة مُرادهم. ويحتمل: أَن فادوا أَسراهم من غيرهم، وسَبَوْا ذَرَاري غيرهم. وقوله: (فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ). قيل: الخزي في الدنيا إِجلاءُ بني النضير من ديارهم، وإخراجهم إلى الشام. وقيل: مقاتلةُ بني قريظةَ، وسبي ذراريهم، وذلك لحربٍ وقع بينهم، واللَّه أعلم. ويحتمل قوله: (فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). ولكن لا يعاقبون في الدنيا، بل يردون إلى أشد العذاب في الآخرة، وإن استوجبوا ذلك في الدنيا؛ كقوله: (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ. . .) الآية. وقوله: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ). وعيد. قد ذكرنا ذلك فيما تقدم. وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) يحتمل: أنهم كانوا آمنوا بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قبل خروجه وبعثه، فلما بعث على خلاف مرادهم كفروا به، فذلك اشتراء الحياة الدنيا بالآخرة. ويحتمل: ابتداء اختيار الضلال على الهدى، والحياة الدنيا على الآخرة، من غير أن آمنوا به، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ
(87)
وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ). يعني: التوراة، وهو ظاهر. وقوله: (وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ). وقيل: وقفينا: أَرْدَفْنَا، وهو من القفا، قفا يقفو. وقيل: أَتبعنا رسولًا على أَثر رسول؛ كقوله: (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا)، واحدًا على أَثر واحدٍ. وقوله: (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ). قيل: البينات: الحجج. وقِيل: العجائب التي كانت تجري على يديه، من خلق الطين، وإحياء الموتى، وإبراءِ الأكمه والأَبرص، وإِنباءِ ما يأْكلون وما يدخرون. وقيل: البينات: الحلال والحرام. ثم الرسل في أَنفسهم حفظوا حججًا؛ فلم يحتج كل قول يقولون إلى أن يكون مصحوبًا بدليل وبيانٍ على صدقهم؛ لأَنهم في أَنفسهم حجة. وأما سائر الناس فليسوا بحجج في أَنفسهم، فلا بد لكل قول يقولون أَن يأتوا بدليلٍ يدل على صدقهم، وبيانٍ يُظهر الحق من الباطل، والصوابَ من الخطأ، والصدقَ من الكذب. وباللَّه التوفيق. وقوله: (وَأَيَّدْنَاهُ): قويناه.
(بِرُوحِ الْقُدُسِ). اختلف فيه: قيل: روح القدس: جبريل. وفي الأَصل: القدوس، لكن طرحت الواو للتخفيف. وتأْييدُه: هو أَن عصمه على حفظه؛ حتى لم يدن منه شيطان، فضلًا أَن يدنو بشيء، واللَّه أعلم. وقيل: (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) يعني بالروح: روح اللَّه. ووجه إضافةِ روح عيسى إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: أَن تكون أضيفت تعظيمًا له وتفضيلًا، وذلك أن كل خاص أُضيف إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أُضيف؛ تعظيمًا لذلك الشيء، وتفضيلًا له، كما يقال لموسى: كليم اللَّه، ولعيسى: روحُ اللَّه، ولإبراهيم: خليلُ اللَّه، على التعظيم والتفضيل. وإذا أُضيف الجُمَل إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فإنما تضاف؛ تعظيمًا له - عَزَّ وَجَلَّ - وتنزيهًا؛ كقوله: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، أُضيف ذلك إليه؛ تعظيمًا وتنزيهًا، واللَّه الموفق. والأَصل في ذلك: أَن خاصية الأَشياءِ إذا أُضيف ذلك إليه أضيف تعظيمًا لتلك الخاصية. وإذا أضيف جمل الأَشياء إلى اللَّه، فهو يخرج على تعظيم الرب والتبجيل له. وقوله. (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ). في ظاهر هذه الآية أَنهم كذبوا فريقًا من الرسل، وقَتلوا فريقًا منهم. ويقول بعض الناس: إنهم قتلوا الأَنبياءَ ولم يقتلوا الرسل؛ لقوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا)، ولقوله: (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ)، أَخبر أَنه ينصرهم، ومن كان اللَّه ناصره فهو لا يقتل. ومنهم من يقول: إنهم قتلوا الرسل والأنبياء. فنقول: يحتمل قوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا) في رسول دون رسول، فمن نصره اللَّه فهو
(88)
لم يقتل. أَو كان ما ذكر من النُصرة لهم كان بالحجِج والآيات. ثم في الآية دلالة رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ونبوته؛ لأَنه أخبرهم بتكذيب بعض الرسل، وقتل بعضهم، فسكتوا عن ذلك، فلولا أَنهم عرفوا أنه رسول -عرف ذلك باللَّه- وإلا لم يسكتوا عن ذلك. وقوله: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ (88) يعني: في أَكنة عليها الغطاء؛ فلا نفهم ما تقول، ولا نفقه ما تُحدِّث. يدَّعون زوال الخطاب عن أَنفسهم؛ كراهية لما سمعوا. وأَكذبَهُمُ اللَّه تعالى بقوله: (بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) أَي: طِردهم اللَّه؛ بكفرهم، وعتوهم، وتفريطهم في تكذيب الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، واعتنادهم إياه، لا أن قلوبهم بمحل لا يفهمون شيئًا مما يخاطبون به -على ما يزعمون- ولكن ذلك لترك التفكر والتدبر فيها. وقيل في قوله: (قُلُوبُنَا غُلْفٌ): يعني: أَوعية، تفهم وتعي ما يقال، ويخاطب، ولكن لا تفهم ما تقول، ولا تفقه ما تُحدث، فلو كان حقًّا وصدقًا لفهمت ولفقهت عليه. يَدَّعون إِبطال ما يقول الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لهم، وذلك نحو ما قالوا لشعيب: (مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ). وقوله: (فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ). قيل فيه بوجهين: قيل: فقليلًا أي بقليل ما يؤمنون من التوراة؛ لأَنهم عرفوا نَعْته وصفته، وحرفوه، فلم يؤمنوا به. وقيل: فقليلًا، أي: قليل منهم يؤمنون بالرسل، صلى اللَّه عليهم وسلم. وقوله: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ (89) فلولا أنهم عرفوا أن هذا الكتاب هو موافق لما معهم من الكتاب، غير مخالف له، وإلا لأَظهروا الخلاف لو عرفوا ذلك، ولتكلفوا على إِطفاءِ هذا النُّور ودفعه؛ فدل سكوتهم عن ذلك، وترك اشتغالهم بذلك، أَنهم عرفوا موافقته لما معهم من التوراة؛ ففيه آية نُبوة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ).
(90)
(يَسْتَفْتِحُونَ): يستنصرون (عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) قبل أن يُبعث مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، يقولون: اللهم انصرنا بحق نبيك الذي تبعثه، فلما لم يجئهم على هواهم ومرادهم كفروا به، فلعنة اللَّه على الكافرين. وقوله: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ (90) يقول: اشتروا ما به هلاكهم بما به نجاتهم. وذلك أَنهم كانوا آمنوا بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فكان إيمانُهم به نجاتَهم في الآخرة، فكفروا به، وذلك هلاكُهم، وباللَّه التوفيق. وقيل (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ): باعوا به أَنفسهم بعرض يسير من الدنيا، بعذاب في الآخرة أَبدًا. وقوله: (بَغْيًا). قيل: حسدًا منهم؛ وذلك أَنهم قد هَووا أن يُبعث مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من أَولاد إسرائيل؛ لأَنهم كانوا أُمتَه، فلما بُعث من أَولاد إسماعيل - عليه السلام - والعربُ كانت من أَولاده كفروا به، وكتموا نعته حسدًا منهم. وقوله: (أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ). يعني: النبوة والكتاب على مُحَمَّد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقيل: (بَغْيًا) أَي: ظلمًا، ظلموا أَنفسهم بكفرهم بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وتكذيبهم إياه. وقوله: (فَبَاءُوا). قد ذكرنا فيما تقدم. وقوله: (بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ). يحتمل وجهين: قيل: استوجبوا الغضب من اللَّه؛ بكفرهم بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، على أَثر غضب؛ بكفرهم بعيسى، وبما جاء به. وقيل: إنما استحقوا اللعنةَ على أثر اللعنةِ؛ بعصيانٍ بعد عصيانٍ، وبذنب على أَثر الذنب. واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ (91) على مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من القرآن.
مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وقوله: (قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا). يعني التوراة، وهم لم يكونوا آمنوا بالتوراة؛ لأنهم لو كانوا آمنوا بها لكان في الإيمان بها إيمان بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبما أُنزل عليه، وإيمان بجميع الأَنبياءِ - عليهم السلام - والرسل، وبجميع ما أُنزل عليهم؛ لأَن فيها الأَمرَ بالإيمان بجميع الرسل وبكتبهم؛ لأَنه قال: (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ)، وموافقًا له. فالإيمان بواحد منهم إيمان بجميع الكتب، وبعضها موافق لبعض. وقوله: (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ). قيل: وراءَ التوراة كفروا بالإنجيل والفرقان؛ كأَنه قال: كفروا بالذي وراءَه وهو الحق؛ إذ هما موافقان لما معهم، غير مخالف له. ويحتمل: (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ) يعني: وراء موسى بعيسى وبمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ كأَنه قال: من ورائه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله: (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). فإن قالوا: إنا لم نقتل الأَنبياءَ، ونحن مؤمنون. قيل لهم: إنكم -وإن لم تتولوا القتلَ- فقد رَضيتُم بصنيع أُولئك، واتبعتم لهم، مع ما قد هَمُّوا بقتل مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مرارًا؛ ولذلك أُضيف إليهم. وقيل: أَخبر - عَزَّ وَجَلَّ - نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - غاية سفههم، وعتوهم، ومكابرتهم في تكذيبه. وذلك: أَن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - دعا اليهود إلى الإيمان به، وبما أُنزل عليه. فقالوا: ائتنا بالآيات والقربان، كما كانت الأَنبياء -من قبل- يأتون بها قومهم. يقول اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ: قد كانت الأَنبياء من قبل تجيء -بما تقولون- إلى آبائكم؛ من الآيات والقربان، فكانوا يقتلُونهم. فيقول اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أَنْ قل لهم: لم تقتلون؟ يقول: لم قتل آباؤكم أَنبياء اللَّه قَبلَ مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وقد جاءُوا بالآيات والقربان إن كنتم صادقين بأَن اللَّه عهد إليكم في التوراة: ألا تؤمنوا لرسول حتى يأْتيكم بقربان تأكله النار، وقد جاءُوا به. فَلِم قتلوهم؟!
(92)
فهو -واللَّه أعلم- أَنهم أَخذوا هذه المحاجة من أَوائلهم، وإن علموا بما ظهرت نبوة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وأَنه مبعوث، وأَنتم تقلدونهم، فتُقلدونهم -لو وأوتيتم- كما قلدتموهم، وإن علمتم بما عاينتم؛ إذ لا حجة لكم. واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) وقوله: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ). والبينات: ما ذكرنا -فيما تقدم- من الآيات المعجزة، والحجج العجيبة، والبراهين الظاهرة على رسالته ونبوته، وصدق ما يدعوهم إليه، مما يدل كله أَنه من عند اللَّه. ثم -مع ما جاءَهم موسى بها- عبدوا العجل واتخذوه إلهًا، وكفروا باللَّه. يُعَزِّي نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لئلا يظن أَنه اول مُكذَّب من الرسل. ولا أَول من كُفِر به؛ حتى لا يضيق صدره بما يقولون، ويستقبلونه بما يكره، وباللَّه التوفيق. كقوله: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ). وقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ (93) قد ذكرنا هذا فيما تقدم ما فيه مقْنع، إن شاءَ اللَّه تعالى. وقوله: (وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا). يحتمل وجهين: يحتمل: اسمعوا، أي: أَجيبوا. ويحتمل: اسمعوا: أَطيعوا، لكن هذا فيما بين الخلق جائز السمع والطاعة. وأَما إِضافة الطاعة إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فإِنه غير جائز؛ إذ لا يجوز أَن يقال: أَطاع اللَّه. وأَما السمع فإنه يجوز؛ لقوله: " سمع اللَّه لمن حمده ".
(94)
(قَالُوا سَمِعْنَا) قولك، (وَعَصَيْنَا) أمرك. لكن قولهم: (وَعَصَيْنَا) لم يكن على أثر قولهم: (سَمِعْنَا)، ولكن بعد ذلك بأوقات؛ لأَنه قيل: لما أَبوا قبول التوراة؛ لما فيها من الشدائد والأَحكام، رفع اللَّه الجبل فوقهم، فقبلوا؛ خوفًا من أن يرسل عليهم الجبلَ، وقالوا: أَطعنا، فلما زايل الجبل، وعاد إلى مكانه، فعند ذلك قالوا: (وَعَصَينَا)، وهو كقوله: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) فالتولي منهم كان بعد ذلك بأَوقات. وقوله: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ). قيل: أشربوا، أَي: جُعل في قلوبهم حب عبادة العجل بكفرهم باللَّه عَزَّ وَجَلَّ. وقيل: سُقُوا حُبَّ العجل. وقيل: إِن موسى لما أَحرق العجل، ونسفه في البحر جعلوا يشربون منه لحبهم العجل. وقيل: لما أَحرق ونسف في البحر جعلوا يلحسون الماء. حتى اصفرت وجوههم. وقيل: إنهم لما رأوا في التوراة ما فيها من الشدائد، قالوا عند ذلك: عبادةُ العجل علينا أَهون مما فيها من الشرائع. وكله يرجع إلى وأحد، وذلك كله آثار الحب. وقوله: (قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). قيل: قل يا مُحَمَّد: بئسما يأْمركم إيمانكم بالعجل الكفرَ باللَّه عَزَّ وَجَلَّ. وقيل: إن اليهود ادعوا أَنهم مؤمنون بالتوراة؛ فقال: (بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ) أي بالتوراة؛ إذ كفرتم بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وقد وجدتم فيها نعته وصفته. وقوله: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وذلك أَن أعداءَ اللَّه - تعالى - كانوا يقولون: إن الجنة لنا في الآخرة، بقولهم: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى)، وكقولهم: (كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا)، وكقولهم: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)؛
(95)
فقال اللَّه تعالى لنبيه كجَتَ: قل لهم: إن كانت لكم الدار الأَخرة -كما تزعمون- وأَنكم أبناءُ اللَّه وأحباؤه -كما تقولون- (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). وذلك أَن المرء لا يكره الانتقال إلى داره، وإلى بستانه، بل يتمنى ذلك، وكذلك المرءُ لا يكره القدوم على أبيه، ولا على ابنه، ولا على حبيبه، ولا يخاف نقمته ولا عذابه، بل يجد عنده الكرامات والهدايا. فإن كان كما تقولون، فتمنوا الموت؛ حتى تنجوا من غم الدنيا، ومن تحمل الشدائد التي فيها إن كنتم صادقين في زعمكم: بأَن الآخرة لكم، وأَنكم أبناءُ اللَّه وأَحباؤه. فَإِنْ قِيلَ: إنكم تقولون: إن الآخرة للمؤمنين، ثم لا أَحد منهم يتمنى الموت إذا قيل له: تمنَّ الموت، فما معنى الاحتجاج عليهم بذلك، وذلك على المؤمنين كهو عليهم؟ قيل: لوجهين: أَحدهما: أَن المؤمنين لم يجعلوا لأَنفسهم من الفضل والمنزلة عند اللَّه ما جعلوا هم لأَنفسهم؛ فكان في تمنيهم صدقُ ما ادعَوْا لأَنفسهم، وفي الامتناع عن ذلك ظهورُ صدق رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. والثاني: ما ذكرنا أَنهم ادعوا: أَنهم أَبناءُ اللَّه وأحباؤه، وفي تمنيهم الموت ردهم، وصرفهم إلى الحبيب، والأَب الذي ادعوه، ولا أَحد يرغب وينفر عن حبيبه وأَبيه؛ فدل امتناعهم عن ذلك: على كذبهم في دعاويهم. وباللَّه نستعين. فإن سأَلونا عن قوله: (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) أنهم إذا تمنوا ليس كان انقضاء عمرهم بدون الأَجَل الذي جعل لهم، وفي ذلك: تقديم الآجال عن الوقت الذي كان أَجَلا، وقال الله تعالى: (لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ). قيل: إن اللَّه علم منهم -في سابق علمه، وأَزليته- أَنهم لا يتمنون جعل أَجلهم ذلك. ولو علم منهم أَنهم يتمنون الموت لكان يجعل أَجلهم ذلك في الابتداءِ، وكذلك هذا الجواب؛ لما روى: " أَن صلة الرحم تزيد في العمر ". إنه كذلك يحتمل في الابتداءِ، لا أَن يجعل أَجله إلى وقت، ثم إذا وصل رحمه يزيد على ذلك الأَجل أَو ينقص، فيتمنى الموت عن الأَجل المجعول المضروب له، وبالله التوفيق. وقوله: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا (95) فيه دلالة إِثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وذلك أَنه أَخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أَنهم لا يتمنون أبدًا،
(96)
فكان كما قال؛ فدل أَنه من عند اللَّه علم ذلك. وقوله: (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ). من الذنوب، والعصيان، والتكذيب بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، والحسد له. وهم - واللَّه أعلم - قد عرفوا عن صنيعهم، وما لهم من عند اللَّه من العذاب والجزاءِ، لكنهم قالوا ذلك؛ على التعنت، والمكابرة، والسفه؛ لذلك لم يتمنوا، والله الموفق. وقوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ). هو على الوعيد؛ كقوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ). ويحتمل: عليم بالظالمين؛ بما يفضحهم بالحجج، ويُظهر كذبهم في الدنيا؛ لئلا يظن أحد أَنه عن غفلة بما يعملون، بل خلقهم على علم منه بما يعملون. خلقهم؛ ليعلم أنه لا لنفع له بخلقهم خلَقَهم، وأَن ذلك لا يضره. وقوله: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ (96) يعني اليهود. (أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ). وعلى كراهية الموت. فدل حرصهم على حياة الدنيا أَنهم كذبة فيما يزعمون ويدعون. وقوله: (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ). يعني: المجوس.
أي. هم أحرص الناس على حياة الدنيا من المجوس؛ لأَن المجوس لا يؤمنون بالبعث ولا بالقيامة، وهم يؤمنون بها؛ فهم -مع إيمانهم بالبعث، وتصديقهم بالقيامة- أَحرص على حياة الدنيا من المجوس الذين لا يؤمنون بالبعث ولا بالقيامة. وقيل: إِنَّه على الابتداءِ. ولا يتنافى بقول: (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) ويعني: المجوس (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ)؛ لأنهم يقولون فيما بينَهم: أَلف سنة تأْكل النيروز والمهرجان، ويقولون بالفارسية: هزار ساله بزه. فأَخبر اللَّه -تعالى- أَن طول العمر في الدنيا لا ينجيه من العذاب في الآخرة، ولا يباعده عنه. وهو قوله: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ)، وهو كقوله: (أَفَرَأَيْتَ إِنْ
(97)
مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207). وقوله: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ). هو على الوعيد أيضًا. * * * قوله تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) وقوله: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ). وذلك أَن اليهود قالوا: لو كان الذي يَنْزِل على مُحَمَّد بالوحي ميكائيل لاتبعناه، ونؤمن به؛ لأَن ميكائيل هو الذي ينزل بالغيث والرحمة، وجبريل هو المنزل بالعذاب والحرب والشدائد، فهو عدو لنا؛ لذلك لا نتَّبعه. وفي جهة العداوة بينهم وبين جبريل وجه آخر، وهو أَن قالوا: إن جبريل أُرسل بالوحي والرسالة في أَولاد إسرائيل، لكنه أَنزلها على أَولاد إسماعيل؛ عداوة لنا وبغضًا؛ لذلك نَصبوا العداوة بينه وبينهم -واللَّه أعلم بذلك- فَأَكذبهم اللَّه -تعالى- بزعمهم، فقال: (نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ)، لا كما تقول اليهود. وما ينزل من العذاب والشدائد، إنما ينزل بأَمره، لا من تلقاءِ نفسه وذَاته. ثم كان إظهارهم عداوة جبريل، لاعتقادهم عداوة اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لكنهم لم يجترئوا على عداوة اللَّه -على التصريح- فدل أنه على الكناية عن عداوة اللَّه تبارك وتعالى. ويدل هذا على أن الروافض طعنوا في رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث طعنوا. وقوله: (نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ). تقول الباطنية: إن القرآن لم ينزل على رسول اللَّه - عليه السلام - بالأَحرف التي نقرؤها، ولكنه إلهام، نزل على قلبه، ثم هو يصوره ويرسمه ذا الحروف، ويعبر به، ويعربه بالمعربة التي نقرؤها. فلو كان على ما يقولون لزال موضع الاحتجاج عليهم بما أَتى به معجزًا؛ كقوله:
(98)
(إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إذ كان لهم أَن يقولوا: أنزل على لسان العجمي، لكنه غيّر ذلك بلسانه. وكذلك قوله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ)، مخافة النسيان والذهاب. وكذلك قوله: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ). فدلت هذه الآيات كلها على بطلان قولهم، وفساد مذهبهم، وبُعدهم عن دين الله المستقيم. وقوله: (وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ). هدى من الضلالة، وبشرى للمؤمنين بالجنة. وقوله: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) يحتمل وجهين: يحتمل: من كان عدوًّا لله، أَو ملائكته، أَو رسله. ويحتمل: افتتاح العداوة به دون هَؤُلَاءِ على التعظيم لهم، وفضل المنزلة عند اللَّه، وحسن المآب لديه؛ كقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ)، معنى إضافة ذلك إليه: على التعظيم له، والإفضال لله، لا على جعل ذلك لله مفردًا. فعلى ذلك: معنى افتتاح العداوة به -على ما ذكرنا- واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) وقوله: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ). بيَّن فيها الحلالَ والحرام، وما يُؤْتى وما يُتَّقى، وما يُنْهى وما يُؤْمر.
(100)
ويحتمل: الآيات التي أنزلها عليه ليُنْصر بها على المعاندين له، والمكابرين، والله أعلم. وقوله: (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) يقول: كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم. يحتمل: العهودَ التي أُخذت عليهم -في التوراة- أَن يؤمنوا بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولا يكفروا به بعد الإيمان. أَو أخذ عليهم: ألا يكتموا نعته، وصفته، الذي في التوراة لأَحد، فنبذوا ذلك، ونقضوا تلك المواثيق والعهود التي أخذت عليهم. ثم في الآية دلالة جعل القرآن حجة؛ لأنه قال: (نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ)، ولو كان في كتبهم ما ادعوا من الحجة والاتباع لأَتوا به معارضًا؛ لدفع ما احتج به عليهم؛ فثبت أَنهم كانوا كذبة في دعاويهم؛ حيث امتنعوا عن معارضته. وقوله: (وَمَا يَكْفرُ بِهَا). أي: وما يكفر بتلك الآيات إلا الفاسقون. وقوله: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (101) يعني محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ). أي: نَعتُه الذي كان في التوراة موافق لمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقيل: لما جاءَهم مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عارضوه بالتوراة؛ فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة والقرآن، وأَخذوا بكتاب السحر الذي كتبه الشياطين. ويحتمل: أَن محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما جاءَهم كان موافقًا لما مضى من الرسل، غير مخالف لهم؛ لأَن الرسل كلهم آمنوا به، وصدق بعضهم بعضًا. وقوله: (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ). يحتمل: كتاب اللَّه: التوراة، على ما ذكرنا. ويحتمل: كتاب اللَّه، القرآن العظيم. واللَّه أعلم. وقوله: (كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). أي: يعلمون، ولكن تركوا العمل به، والإيمان بما معهم؛ كأنهم لا يعلمون؛ لما لم ينتفعوا بعلمهم خرج فعلهم فعل من لا يعلم.
(102)
أَخبر: أَنهم نبذوا نبذ من لا يعلم، لا أَنهم لم يعلموا، ولكن نبذوه، سفهًا، وتعنتًا، واللَّه أعلم. وقوله: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ (102) قيل: تتلو: ما كتبت الشياطين من السحر.
وقيل: تتلو؛ من التلاوة. وقيل: ما تتلو: ما يروى الشياطينُ من السحر. وهو قول ابن عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - وهو يرجع إلى واحد. والآية في موضع الاحتجاج على اليهود؛ لأَنهم ادعوا: أن الذي هم عليه أُخِذَ عن سليمان عليه السلام، فإن كان كفرًا فقد كفر سليمان. فأَخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أن سليمان ما كفر، ولكن الشياطين كفروا بما علَّموا الناس من السحر. ويحتمل: لكن أَتْباع الشياطين كفروا باعتقادهم السحر، وعملهم به بتعليم الشياطين، فنسب ذلك إلى الشياطين بما بهم كفروا، كما نسبت عبادة الأصنام إلى الشياطين بما بهم عبدوا، واللَّه أعلم.
ورُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال: كان آصفُ كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأَمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه؛ فلما مات سليمان أَخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا، وكفرًا، وكذبًا؛ فقالوا: هذا الذي كان يعمل به سليمان؛ فأكفرَه جهالُ الناس وسبوه، ووقف علماؤهم، فلم يزل جهالُهم يسبونَه؛ حتى أَنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - على مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ. . .) الآية. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن الشياطين ابتدعت كتابًا من السحر والأَمر العظيم، ثم أَفشته في الناس وعلمته إياهم؛ فلما سمع بذلك سليمان تتبع تلك الكتبَ، فدفنها تحت كرسيه كراهية أَن يتعلمها الناس. فلما قُبض نبيُّ اللَّه سليمان - عليه السلام - عمدت الشياطين إلى تلك الكتب فاستخرجتها من مكانها، وعلموها الناس، وأَخبروهم أَنه علم كان سليمان يكتمه، ويستأثره؛ فَعَذر اللَّه نبيه سليمان، وبرأَه من ذلك على لسان نبينا محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بقوله تعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ. . .) الآية. وقيل أيضًا: لما مات سليمان - عليه السلام - وقع في الناس أوصابٌ وأَوجاعٌ؛ فقال الناس: لو كان سليمان - عليه السلام - حيًّا لكان عنده من هذا فرج، فظهرت الشياطينُ لهم فقالوا: نحن ندلكم على ما كان يعمل به سليمان - عليه السلام - فكتبوا
كتبًا، فجعلوها في البيوت، فاستخرجوا الكتب التي كتبت لهم الشياطينُ من السحر، فقالوا: هذا ما كان يعمل به سليمان. فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ. . .) والآية. فلا ندري كيف كانت القصة، غير أن اليهود تركت كتب الأَنبياءِ والرسل، واتبعوا كتب الشياطين وما دعوهم إليه من السحر والكفر، وباللَّه التوفيق. وفيه دلالةُ رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ بما أَخبرهم عن قصتهم -على ما كان- فدل أَنه كان عرف ذلك باللَّه عَزَّ وَجَلَّ. وفي ذلك أَن قد نسب إلى سليمان ما برأَه اللَّه عنه من غير أَن يُبين ماهيته. ذكره اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لوجهين: دلالة لرسوله، وتكذيبًا للذين نَحَلوه بما هو كفر. وقوله: (عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ). أي: في ملكه؛ إذ كان ذلك الوقت هو وقت ظهورهم، ثم سخرهم اللَّه لسليمان، فأَمكن ذلك منهم. أَلقاهُ على أَلسن المعاندين لسليمان في الشر؛ فَروَوْه عنه بعد الوفاة؛ فكذبهم اللَّه - عز وجل - وبرأَ نبيَّه - عليه السلام - عن ذلك، وبين كيف كان بَدْؤُه. فإِنما بينها للخلق؛ لئلا يتبعوا في الرواية كل من لقي النبي؛ إذ قد يكون من أَمثالهم: اختراعُ الرواية، وإلزامُ السامعين الأُمورَ المعتادة من الرسل، ورد ما لا يوافق ذلك من الرواية؛ ولذلك أَبطل أَصحابُنا خبر الخاص فيما يُبلى به العام. وقوله: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ). قيل: (وَمَا أُنْزِلَ) على النفي، والجحد، معطوفًا على قوله: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ). وقيل: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ): والذي أُنزل على الملكين بِبَابل. وقيل: سميت بابل لما تبلبلت به الأَلسن، يعني: اختلفت؛ فلا يعلم ذلك إلا بالسمع. ثم اختُلِفَ في " هاروت " و " ماروت ": فقال الحسن: لم يكونا ملكين، ولكنهما كانا رجلين فاسقين متمردين؛ وذلك أَن
اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وصف ملائكته بالطاعة له والائتمار بأمره، بقوله (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ. . .) الآية، وكقوله: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ. . .) الآية. وكذلك يقول الحسن في إبليس: إنه لم يكن من الملائكة. وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم. ثم عارض نفسه بقولهما: (فَلَا تَكْفُرْ). فقال: إن الْمُخبِرَ بمثله إِذا عرف ولوع السامع به، وبما يعرض مثله -على العلم منه: أَنه يفعل، ولا يرتدع عن ذلك- يقول ذلك له؛ ترغيبًا منه، واللَّه أعلم. ومنهم من يقول: كانا ملكين، لكنهما علما الاسمَ الأَعظم، فيقضيان به الحوائج إلى أن حل بهما ما حل. وبهذا يحتج في بَلْعَم بقوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ. . .) الآية. ثم اختلف بعد هذا على أَوجه: قَالَ بَعْضُهُمْ: لم يكن ذلك منهما سحرًا، بل هو تعويذ الفرقة يقدر عليه. وقال قائلون: إن ما أنزل على الملكين أنزل كلامًا حسنًا صوابًا، لكنه خلط بالذي لقنهم الشيطان؛ فصار سحرًا. وقال آخرون: بلى. كان هو في نفسه سحرًا، يعلمان الناس ذلك، لكنه لا يُنهى عن تعليمه، ولا يكفر الذي تعلم. إنما ينهى عن الاعتقاد له، فكان كالكفر الذي يعلم، لا
يُنهى عن ذلك؛ لأَنه ما لم يعلم لم نعلم قبحهُ وفساده، ولكن إنما يُنهى عن الاعتقاد له؛ فكان كالكفر الذي في تعلمه، واللَّه أعلم. ثم نقول: إن قولهما: (فَلَا تَكْفُرْ) على الاختيار منهما، وكلمة السحر جار عليهما في اللسان، من غير صنع لهما فيه، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ). قيل: إلا بعلم اللَّه وقضائه. وقيل: بخذلانه وتخليه. وقيل: بمشيئة اللَّه وإرادته. وأَما ظاهر الإذن فهو يخرج على الإباحة؛ فالعقل يدفعه. وقيل: إنه لا يصل إلى هاروت وماروت أَحد من بني آدم، وإنما يختلف بينهم شيطان في كل مسأَلة، واللَّه أعلم. ثم السحر يكون على وجهين: سحر يكفر به صاحبه؛ فإن كان ذلك منه بعد الإسلام، يُقْتل به صاحبُه؛ لأَنه ارتداد منه.
وسحرٌ لا يكفر به صاحبه؛ فلا يقتل به، إلا أَن يسعى في الأَرض بالفساد: من قتل الناس، وأَخذ الأَموال. فهو كقاطع الطريق، يُحكم بحكمهم من القتل وسائر العقوبات، وإذا تاب قُبِلت توبتُه. أَلَا ترى أَن سحرةَ فرعون لما رأوا الآيات آمنوا باللَّه -تعالى- وتابوا توبة لا يطمع في
مثل تلك التوبة من المسلم الذي نشأَ على الإسلام، حيث أَوعدهم فرعون بقطع الأَيدي والأَرجل، والصلب، وأنواع العذاب، فقالوا: (لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ). وذكر عن أبي حنيفة - رحمه اللَّه - في الساحرة: أَنها لا تقتل مرةً، وذكر عنه مرةً: أنها تقتل، وقال في الساحر بالقولين. فأَما ما رُويَ عنه فيه بالقتل بعمل السحر، فهو على ما ذكرنا من قتله الناس بالسحر؛ فهو كالساعي في الأَرض بالفساد، لا بِعَين السحر. أَو كفر بسحره بعد الإسلام؛ فيقتل كالمرتد عن الإسلام. وما ذكر عنه: أَنه لا يُقْتل؛ فهو إذا لم يكن سحره سحرَ كفرٍ، ولا يسعى بالقتل في الأَرض لم يقتل به. ثم قوله - في الساعي في الأَرض بالفساد: إنه إذا تاب قبل أن يُقدر عليه، سقط عنه القتل؛ فكذا الساحر. وأما الذي هو لأجل الكفر يلزم القتل قبل التوبة، بعد القدرة عليه. وعلى هذا يخرج قوله في الساحرة أَيضًا. ففيما قال: إنها لا تقتل؛ لما كان سحرها سحر كفر، والنساءُ لا يُقتلن للكفر. وفيما قال: يقتلن؛ فلأَنهن يقتلن للسعي في الأَرض بالفساد كالرجل، واللَّه أعلم. وقال بعض الناس: لا تقبل توبة الساحر. وهو غلط. وأَحقُّ من يقبل توبتُه الساحرُ؛ إذ هو أَبلغ في تمييز ما هو حجة مما لا حجة. وهذا هو الأَصل: أَن الْمُدَّعِيَ لشيء -على عهد الأنبياءِ- إذا استقبلهم بمثله الأَنبياء - عليهم السلام - فهو أَحق من يلزمهم الإيمان به؛ لعلمهم بالحق منه. والعوَامُّ منهم لا يعرفون إلا ظاهر ما يلزمهم، من تصديق الحجج، واللَّه أعلم. وقوله: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ) -في الدنيا- (وَلَا يَنْفَعُهُمْ) في آخرتهم. وقوله: (وَلَقَدْ عَلِمُوا). يعني: اليهود في التوراة. وقوله: (لَمَنِ اشْتَرَاهُ). يعني: اختاره للسحر. وقيل: يتعلمون ما يضرهم في آخرتهم، ولا ينفعهم إن علموه.
(103)
(وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ) يقول: لقد علمت اليهود أن في التوراة آية لمن اختار السحر. وقوله: (مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ). يقول: نصيب في الثواب. وقيل: (مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ) أَي: ما له عند اللَّه وجه. وقوله: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). أي: بئس ما باعوا به أنفسهم، يعني: اليهود الذين يعلمون الفرفة والسحر. وقيل: (مَا شَرَوْا بِهِ) يقول: ما باعوا به أَنفسهم من السحر والكفر. يعني: من لا يقرأَ التوراة. أَو يعني: أن لو كانوا يعلمون ما باعوا به أنفسهم، ولكنهم لا يعلمون. أي: لو علموا أنهم بمَ باعوا أَنفسهم من العذاب الدائم، لعلموا أنهم بئس ما باعوا به. وقوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا (103) بتوحيد اللَّه. (وَاتَّقَوْا). الشركَ، والسحر. (لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ). يقول: لكان ثوابهم عند اللَّه خيرًا من السحر والكفر. (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). ولكنهم لا يعلمون علم الانتفاع به، وهو كقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)، ليسوا بصم ولا بكم ولا عمي في الحقيقة، ولكنهم صم من حيث لا ينتفعون به؛ إذ الحاجة من العلم، والبصر، والسمع الانتفاعُ به، فإذا ذهبت المنافع بهما فكان كمن لا علم معه ولا بصر له ولا سمع؛ حيث لا ينتفع، ولا يعمل به، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ
أَلِيمٌ). قيل: كانتِ الأَنصار في الجاهلية يقولون هذا لرسول اللَّه - عليه السلام - فنهاهم اللَّه - تعالى - أن يقولوها. وقيل: كانت اليهود تقول للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: راعنا من الرعونة؛ من قولك للرجل: يا أَرعن، وللمرأَة يا: رعناء. وكان الحسن يقرؤها: (راعنًا) بالتنوين. وقال الكلبي: كان في كلام اليهود (رَاعِنَا) سبًّا قبيحًا؛ يسب بعضهم بعضًا، وكانوا يأتون محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فيقولون: راعنا، ويضحكون، فنهى المؤمنين عن ذلك خلافًا لهم. وقوله: (وَقُولُوا انْظُرْنَا). قيل: فهمنا بقولٍ بينٍ لنا. وقال مقاتل: أي اقصدنا. وقيل: إن الأَمر بالإنظار يقع موقع التشفع في النظرة لوجهين: بالصحبة مرةً، وبالخطاب ثانيًا فقولهم: (انْظُرْنَا) لما لا يبلغ أفهامنا القدر الذي يعني ما يخاطبنا به. والثاني: على قصور عقولهم عما يستحقه من الصحبة والإيجاب له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. فأما الأَمر بـ " راعنا "، فهو استعمال في الظاهر بالمراعاة، وذلك يخرج على التكبر عليه، وترك التواضع له، والخضوع. وقوله: (وَاسْمَعُوا). أَي: اجيبوا له. وقيل: أطيعوا له. وقيل: (وَاسْمَعُوا) أَي: اسمعوا وَعُوا. وقوله: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ
مِنْ رَبِّكُمْ). (مَا يَوَدُّ) أي: ما يريد وما يتمنى (الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) اليهود والنصارى (وَلَا الْمُشْرِكِينَ) ما يود هَؤُلَاءِ (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ). يحتمل وجهين: أحدهما: أَنهم كانوا يَهوون ويحبون أَن يبعث الرسول من أَولاد إِسرائيل وهم كانوا من نسله. فلما بعث من أَولاد إسماعيل - عليه السلام - على خلاف ما أَحبوا وهَووا، لم تطب أنفسُهم بذلك، بل كرهت، وأَبت أَشد الإباءِ والكراهية. والثاني: لم يُحبوا ذلك؛ لما كانت تذهب منَافعُهم التي كانت لهم، والرياسةُ بخروجه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - واللَّه أعلم. وقوله: (مِنْ خَيْرٍ). قيل: الخير؛ النبوة. وقيل: الخير؛ الإسلام. وقيل: الخير؛ الرسول هاهنا، واللَّه أعلم. وقوله: (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ). تنقض على المعتزلة قولَهم؛ لأَنهم يقولون: إن على اللَّه أَن يعطيَ لكل الأَصلحَ في الدِّين، في كل وقتٍ، وكل زمانٍ. فلو كان عليه ذلك لم يكن للاختصاص معنى، ولا وجه. والثاني: قال: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) والمفضل عند الخلق هو الذي يُعطِي ويَبذُل ما ليس عليه، لا ما عليه؛ لأَن من عليه شيء فأعطاه، أَو قضى ما عليه من الدَّيْن، لا يوصف بالإفضال؛ فدل أَنه استوجب ذلك الاختصاص، وذلك الفضل، لما لم يكن عليه ذلك، ولو كان عليه لكان يقول: ذو العدل، لا ذو الفضل، وباللَّه التوفيق. * * * قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ
(106)
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) وقوله: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا (106) قال بعض أهل الكلام: (مَا نَنْسَخْ) من اللوح المحفوظ (أَوْ نُنْسِهَا): نَدعُها في اللوح. وقيل: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) أي نرفع بآيةٍ أُخرى أو نتركها في الأخرى. وقيل: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) فنرفع حكمها، والعملَ بها، (أَوْ نُنْسِهَا) أَي: نترك قراءتها وتلاوتها. فيجوز رفع عينها، ويجوز رفع حكمها وِإبقاء عينها؛ لأَوجه: أَحدها: ظهور المنسوخ؛ فبطل قول من أَنْكر النسخ؛ إذ وجد. ومن أَنكر ذلك فإنما أَنكر لجهل بالمنسوخ؛ لأَن النسخ بيان الحكم إلى وقت، ليس على البداءِ، على ما قالت اليهود. والثاني: أَن للتلاوة فيها فضلًا -كما للعمل- فيجوز رفع فضل العمل، وبقاءُ فضل التلاوة. والثالث: على جعل الأَول في حالة الاضطرار، والثاني في وقت السعة، كقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ). ثم يجوز أَن يرفع عينها فيُنْسى ذكرُها، كما رُويَ عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " كنا نعدل سورة الأَحزاب بسورة البقرة، حتى رفع منها آيات، منها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتَّة ". وأَما قوله: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا). فاختلف فيه: قيل: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) أي: أخف وأَهونَ على الأبدان؛ كقوله: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ)، إن الأمر بالصوم كان لوقت دون وقت؛ إذ رجع الحكم عند الطاقة إلى غَيره. وكذا ما كان من الحكم في تحريم الأَكل عند النوم والجماع، وكذا
تحريم الميتة: لو لم يرد فيهما الإباحة والحل عند الضرورة لكُنَا نعرفه بالحرمة، وذلك أَخف وأَهون، واللَّه أعلم. وقيل: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) في الثواب في العاقبة. وقيل: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) في المنفعة (أَوْ مِثْلِهَا) في المنفعة. وقيل: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) وهو أَن يظهر لكم به الخير في حق الاتباع. والمثلُ: في حق الأَمر، فيشترك أَصحاب المنكرين للنسخ في حق الائتمار بالمثل، ويفضلونهم بظهور الأَخير. وهو كالصلاة إلى بيت المقدس؛ كان لهم مثلُ ما لليهود في حق الائتمار ما كان ظهر لهم الأَخير في وقت ظهور الأَمر، وأبهم الخير. وظهر عنده فيمن أَبى: أن اتباعه لم يكن لأَجل حق المتابعة، بل لما كان عنده الحجة. فأما من جعله خيرًا على البدل فاستدل بها الآخر رخصة وإباحة، والإباحة ورودها للتخفيف. ومن استدل على أَن النسخ -أَبدًا- يَرِدُ على ما هو أَغلظ، عورض بقوله: (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ)، فأبدل بعقوبة أَشد من الأَول -وهو الرجم- بقوله: " خذوا عني. خذوا عني ". ويحتمل قوله: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) وجهًا آخر: وهو آية والآيات هي الحجج؛ فيكون معناه: ما نرفع من حجة فننفيها عن الأَبصار، إلا نأت بخير منها يعني أقوى منها في إلزام الحجة، أَو مثلها. ولا شك أن ما يعترض هو أقوى حالة الاعتراض في لزوم الحجة على ما غاب عن الأَبصار؛ فيكون قوله: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) على هذا الوزن، أي: نأت بحجة هي أقوى وأكثر من الأُولى، أَو مثلها في القوة. فَإِنْ قِيلَ: ما الحكمة في النسخ؟ وما وجهه؟ قيل: محنة يمتحن بها الخلق، ولله أَن يمتحن خلقه بما يشاءُ، في أي وقت شاء: يأمر بأَمرٍ في وقت، ثم ينهى عن ذلك، ويأمر بآخر. وليس في ذلك خروج عن الحكمة، ولا كان ذلك منه لبداءٍ يبدو له، بل لم يزل عالما بما كان ويكون، حكيمًا يحكم بالحق والعدل؛ فنعوذ باللَّه من السرف في القول.
(107)
وقوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). يحتمل: أن يكون الخطاب له - عليه السلام - والمرادُ بالخطابِ الذين سبق ذكْرُهم في قوله: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا). . .) والآية. إنه قادر على إنزال الخير على من يشاء، واختصاص بعضٍ على بعض، وتفضِيلِ بعضهم على بعض. ويحتمل: أَن يكون المراد في الخطاب له - عليه الصلاة والسلام - على حقيقة العلم على التذكير والتنبيه، أي: تعلم أنت أَن اللَّه على كل شيء قدير، وهو كقوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ). على حقيقة العلم له. ويحتمل: على الإعلام والإخبار لقومه، وقد ذكرنا. وعلى ذلك يخرج قوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (107) أي: من كان يملك ملك السماوات وملك الأًرض، يملك تخصيص بعض على بعض، وتفضيلهم فيها، ويحكم فيها بما يشاء، ويُحْدِث من الأَمر ما أَراد، واللَّه أعلم. ويحتمل: نزوله على أَثر نوازلَ لم تذكر فيه، وذلك في القرآن كثير، وإنما يقال هذا الحرف عند ضيق القلب؛ تسكينا له. ومعنى تخصيص السماوات والأرض بالملك له؛ لمنتهى علم الخلق بهما، وإن كان له ملك الدنيا والآخرة، وباللَّه التوفيق. وقوله: (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ). يدل هذا على أَنه خرج على أَثر نوازل وإن لم تذكر. وقوله: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ (108) سؤالَ تعنت: لن نؤمن لك -تعنتًا- حتى نرى اللَّه جهرة، وقيل: إنهم سأَلوا ذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كما سأَل قوم موسى موسى. وقيل؛ سألوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أَن يجعل الصفا -لهم- ذهبًا إن كان ما يقوله حقًّا. وقيل: سؤالهم: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا)، وكانوا
(109)
يسأَلون سؤال تعنت، لا سؤال استرشاد واهتداء. وقوله: (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ). قيل: اختار الكفر بالإيمان. وقيل: ومن يختر شدة الآخرة على رخائها وسعتها. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " ومن يشتر الكفر بالإيمان " وذلك كله واحد. وقوله: (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ). قيل: عدل عن الطريق. وقيل: عدل عن قصد الطريق. وقيل: أَخطأَ قصد طريق الهدى، وكله واحد. وقوله: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا (109) إنهم كانوا يجهدون كل جهدهم حتى يصرفوا ويردوا أَصحاب مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن دين اللَّه - الإسلام - إلى ما هم عليه؛ كقوله تعالى: (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ)، وكقوله: (إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ)، وكقوله: (يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ. . .) الآية. وذلك -واللَّه أعلم- لخوفِ فوت رياستهم التي كانت لهم، وذهاب منافعهم التي ينالون من الأَتباع والسفلة، فودوا ردَّهم وصرفهم إلى دينهم. ثم احتجت المعتزلة علينا بظاهر قوله تعالى: (حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ)، قالوا: دلت الآية على أَن الحسد ليس من عند اللَّه بما نفاه - عَزَّ وَجَلَّ - عنه، وأَضافه إلى أَنفسهم
بقوله: (حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ). قيل: صدقتم في زعمكم بأَن الحسد ليس من عند اللَّه، وكذلك نقول، ولا نجيز إضافة الحسد إليه بحال ولكن نقول: خلق فعل الحسد من الخلق، وكذلك يقال في الأَنجاس، والأقذار، والحيَّات والعقارب ونحوها: إِنه لا يجوز أن تضاف إلى اللَّه تعالى فيقال: يا خالق الأَنجاس والحيات والعقارب، وإن كان ذلك كله خلقه، وهو خالق كل شيء. فعلى ذلك، نقول بخلق فعل الحسد، وفعل الكفر من العبد، ولا نجوِّز أن يضاف إلى اللَّه تعالى. ثم يقولون في الطاعات والخيرات كلها: إنها من عند اللَّه، غير مخلوقة، فلئن كانت
(110)
العلة في الذي لا يكون مخلوقًا، أنه ليس هو من عنده لوجب القول بخلقه ما هو من عنده، ثم لم يقولوا به؛ فَبان أَن ما يقولون فاسد، باطل، ليس بشيء. ثم جهة الحسد ما ذكرنا أنهم أحبوا أن تكون الرسالةُ فيهم، أَو أن يكون من عنده سعَةْ؛ كقوله: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ)، وكقوله: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)؛ فبهذين الوجهين يخرج حسدهم. قوله: (مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم). أي: من قِبَلِها، لا أَن اللَّه - تعالى - أمرهم. وليس يضاف إلى اللَّه - تعالى - بأَنه من عنده بما يخلق، ولكن بما يأمر أو يلزم. أَلَا تَرى أَن الأنجاس كلها، والخبائث، والشياطين، كلهم مخلوقة وإن لم يجز نسبتها إلى اللَّه - تعالى - بمعنى أنه مِن عنده؟ كذلك ما ذكر من الحسد. على أَنه معلوم أَنهم لم يكونوا يدعون مِنْ دون اللَّه خَلْقًا فبذلك الوجه ينكر عليهم، بل كانوا يدعون الأَمر في كل ما نُسب إلى اللَّه تعالى؛ فعلى ذلك ورد العقاب، واللَّه أعلم. وقوله: (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ). أي: بين لهم في التوراة أن محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نبي، وإن دينه الإسلام؛ كقوله: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ). وقوله: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ). يحتمل: النهي عن مكافأة ما يؤذونه في الدنيا، ثم لم ينسخ. وقيل: فيه نهي عن قتالهم، حتى يأْتى أَمر اللَّه في ذلك، ثم جاءَ بقوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. . .) الآية. وقيل: حتى يأتي اللَّه بأمره، أي: بعذابه، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) من التعذيب والانتقام، وبكل شيء. ولم ينسخ هذا. وقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ (110) كرر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - الأَمر بإقامة الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، في القرآن تكرارًا كثيرًا، حتى كانت لا تخلو سورة إلا وذكرهما فيها -في غير موضع- وذلك لعظم شأنهما، وأمرهما، وعلو منزلتهما عند اللَّه، وفضل قدرهما.
وعلى ذلك جعلهما شريعة في الرسل السالفة، صلوات اللَّه عليهم. أَلا ترى إلى قول إبراهيم - عليه السلام -: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي). وقوله لموسى وهارون: (أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا) إلى قوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ). وقول عيسى: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)، وقوله: (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ). وذلك - واللَّه أعلم - أَن الصلاة قُربة فيما بين العبد وبين ربه، تجمع جميع أفعال الخير، وفيها غاية منتهى الخضوع له، والطاعة: من القيام بين يديه، والمناجاة فيه، والركوع له، والسجود على الأَرض، وتعفير الوجه فيها حتى لو أَن أَحدًا ممن خلص دينه لله لو أعطى ما في الدنيا على أن يعفر وجهه في الأَرض لأَحد من الخلق ما فعل، وبالله التوفيق. والزكاةُ فيما بين العبد وبين الخلق؛ لتآلف القلوب واجتماعها، وفيها إظهار الشفقة لهم والرحمة.
لذلك عظم اللَّه شأْنهما، وشرف أَمرهما، وأَعلى منزلتهما؛ وعلى ذلك قرنهما بالإيمان في المواضع كلها، وأَثبت بين الخلق الأُخوة بهما بقوله: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ). ثم هما تكرمان بالعقل؛ لأَن الصلاة تجمع جميع أَنواع خيرات الأَفعال، وفيها غايةُ الخضوع له، والخشوع -على ما ذكرنا- وذلك مما يوجبه العقل، وإن لم يرد فيه السمع. وكذلك الزكاة: فيها تزكية الأَنفس وتطهيرها، وذلك مما في العقل واجب. فَإِنْ قِيلَ: ما الحكمة في وجوبها؟ قيل: إظهار ما أَنعم اللَّه على العبد من الأَموال والسعة فيها، وما أعطاهم من سلامة الجوارح عن جميع الآفات، يخرج مخرج الأَمر بأَداءِ شكر ما أَنعم عليهم عز وجل. فَإِنْ قِيلَ: ما الحكمة في وجوبها فيما أُعْطي منهما، يعني من النفس، والمال دون غيره؟ قيل: لأن الوُجوب من غيره يخرج مخرج المعاوضة والمبادلة، لا مخرج أَداءِ الشكر، واللَّه أعلم. ثم الحكمة في: إيجاب الصلاة والزكاة، وغيرهما من العبادات أَن اللَّه - تعالى - إذ عمهم بنعمه فيما فضلهم بالجوهر، وسخر لهم جميعَ ما في الأرض، وبسط عليهم النعم، حتى صار كل منهم لا يُبصر غير نعمه، من غير استحقاق منهم شيئًا من ذلك - لزمهم الشكر عليها.
(111)
ثم كانت الصلاة تجمع استعمال جميع الجوارح فيما لله فيها القيام بها - شكرًا له، مع ما فيها توقف أَحوال نفسه بالاختيار بما هي عليه بالاضطراب والخلقة والقلب بالنية، والخوف والرجاء، وإحضار الذهن والعقل بالتعظيم والتبجيل؛ فيكون كل شيء منه في شكره؛ لما له فيه من سبوغ النعمة، واللَّه أعلم. وكذلك بالأموال فضلوا -في هذه الدنيا- واستمتعوا بلذيذ العيش؛ فأمروا بالإخراج لله، مع ما إذ سخرت هذه الأَرض -بما فيها- لجميع البشر، ألزم من ذلك صلةَ من لم يملك، ليستووا في الاستمتاع بالتسخير لهم، من الوجه الذي عَلِم اللَّه لهم في ذلك صلاح الدارين، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ). الآية تخرج على خلاف قول المعتزلة؛ لأَنهم يقولون: إن من ارتكب كبيرة ثم أَقام الصلاة وآتى الزكاة، وجاهد في سبيل اللَّه، وحج بيت اللَّه الحرام، فقدم خيرات كثيرةً - فإنه لا يجد مما قدم شيئًا، ولكن يجد ما قدم من شر. وذلك ليس من فعل الكريم والجواد، ولا كذلك وصف اللَّه نفسه، بل وصف نفسه على خلاف ما وَصفوا هم، فقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ). وهم يقولون: لا يتقبل عنهم ما قدموا من الخيرات، ولا يتجاوز عن سيئاتهم، وذلك سرف في القول؛ فنعوذ باللَّه من السرف في القول، والحكم على اللَّه، وباللَّه العصمة والتوفيق. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). بما قدمتم من الخير والشر؛ تنبيه منه عَزَّ وَجَلَّ ليكونوا على حَذرٍ من الشر، وترغيب منه لهم بالخيرات. واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) وقوله: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)
(112)
يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أَن قالوا ذلك جميعًا؛ لما أَرادوا أَن يُروا الناس الموافقة فيما بينهم؛ ليرغبوا في دينهم، وينفروا عن دين الإسلام، وإن كانوا هم -في الباطن- على الخلاف والعداوة. ويحتمل: أن يكون ذلك القولُ من كل فريق في نفسه، لا عن كل الفريقين جميعًا على المو افقة. دليله: قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ) دلت الآية أن ذلك القولَ لم يكن من الفريقين جميعًا على الموافقة، ولكن كان من كل في نفسه على غير موافقة منهم ولا مساعدة، واللَّه أعلم. ثم في الآية دليلٌ، لزم الدليل على النافي؛ لأَنهم نفوا دخول غيرهم الجنة بقولهم: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) فطولبوا بالبرهان بقوله: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أنه لا يدخل فيها سواكم. فَإِنْ قِيلَ: إنهم إذا نفوا دخول غيرهم فيها ادعوا لأنفسهم الدخول، فإنما طولبوا بالبرهان على ما ادعوا، ليس على ما نَفَوا. قيل: لا يحتمل ذا؛ لأَنهم لم يذكروا دخول أنفسهم تصريحًا، إنما نفوا دخول غيرهم وهو كمن يقول: لا يدخل هذه الدار إلا فلان وفلان، ليس فيه أن فلانًا وفلانًا يدخلان ولكن فيه نفي دخول غيرهما. أَو نقول: نَفَوْا دخول غيرهم تصريحًا، وادعوا لأَنفسهم الدخول مستدلا، وإنما يطلب الحجة على مُصَرح قولهم، لا على مستدلهم. أَلا ترى أَن الجواب من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بالإكذاب والرد عليهم خرج على ما نفوا دخول غيرهم، وهو قوله: (بَلَى (112) - يدخل الجنة - (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ). ألا ترى إلى ما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " لا نكاح إلا بشهود " ليس فيه
(113)
إثبات النكاح إذا كان ثم شهود؛ ولكن فيه نفى النكاح بغير شهود تصريحًا. ألا ترى أَن من قال: لا نكاح إلا بشهود، لا يسأل أن: لِم قلت: إن النكاح يجوز بالشهود؟ ولكن يسأَل أنْ: لِمَ قلت: إنه لا يجوز بغير شهود؟ فعلى ذلك قوله: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) ليس فيه إثبات الدخول لهم تصريحًا، وفيه نفي دخول غيرهم تصريحًا، واللَّه أعلم. وقوله: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ). قد قلنا إنه خرج مخرج الرد عليهم، والإنكار لحكمهم على اللَّه؛ فقال: بل يدخلها من أسلم وجهه لله وهو محسن. ثم اختلف في قوله: (أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ). قيل: أخلص دينه لله وعمله. وقيل: أَسلم نفسه لله. وقد يجوز أن يذكر الوجه على إرادة الذات، كقوله: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) أي: إلا هو. وقيل: أَسلم، أي: وجه أمره إلى دينه فأخلص. وبعضُه قريب من بعض. أَسلم نفسه لله أَي بالعبودية؛ كقوله: (وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ). وذلك معنى الإسلام: أن تُخْلص نفسك لله، لا تجعل لأحد شركًا من عبودة، ولا من عبادة. وقوله: (فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). قد ذكرنا متضمنها فيما تقدم. وقوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ (113) فَإِنْ قِيلَ: كيف عاتبهم بهذا القول، وقد أَمر نبيه - عليه السلام - في آية أُخرى أَن يقول لهم ذلك: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ)؟. قيل: إنما أَمر نبيه: أَن يقول لهم: إنهم ليسوا على شيء إذا لم يقيموا التوراة، فأما إذا
أَقاموا التوراة - وفيها أَمر لهم بالإسلام، واتباع الرسول مُحَمَّد - فهُم على شيء. ومعنى هذا الكلام - واللَّه أعلم - أن قال لهم: كيف قلتم ذلك، وعندكم من الكتاب ما يبين لكم، ويميز الحق من الباطل، ويرفع من بينكم الاختلاف، لو تأَملتم فيه وتدبرتم؟! ويحتمل: أَن كل فريق منهم لما قال لفريق آخر ذلك: أنهم ليسو على شيء، أكذبهم اللَّه - تعالى - ورد عليهم: بلى من أَسلم منهم فهم على شيء؛ لأَنه كان أَسلم من أَوائلهم. ويحتمل: أَنهم ليسوا على شيء، على نفس دعاويهم، وقولِهم في اللَّه بما لا يليق، وهم على شيء، في تكذيب بعضهم بعضًا بما قالوا. وقيل: لما قالت اليهود: ليست النصارى على شيء من الدِّين؛ فما لك يا مُحَمَّد اتبع ديننا؛ فإنهم ليسوا على شيء؛ وكذلك قول الفريق الآخر لأُولئك. ثم اختلف في " الإسلام ": قيل: الإسلام هو الخضوع. وقيل: الإسلام هو الإخلاص بالأفعال، وهو أَن يُسلم نفسه لله، أَو يسلم دينه، لا يشركه فيه. وقوله: (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ). قيل: الذين لا يعلمون: الذين لا كتاب لهم، وهم مشركو العرب. وقيل: الذين لا يعلمون: هم الذين لا يقدرون على تلاوة القرآن والكتاب، وتمييز ما فيه، وهم جُهَّالهم. سوَّى - عَزَّ وَجَلَّ - بينهم في القول -مَنْ علم منهم ومَن لم يعلم- لأَن من علم منهم لم ينتفع بعلمه؛ فكان كالذي لم يعلم شيئًا، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم في قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)، أَنه سماهم بذلك؛ لما لم ينتفعوا بالآيات، والأَسباب التي أَعطاهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - واللَّه أعلم. وقوله: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ). بالعذاب؛ لاختلافهم فيما بينهم، وبقولهم في اللَّه بما لا يليق، تعالى اللَّه عما يقول
(114)
الظالمون علوًّا كبيرًا. * * * قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) وقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ). يقول: لا أَحد أَظلم لنفسه، ولا أوضع لها. وقوله: (مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ). اختلف فيه: قيل: مساجد اللَّه: الأَرض كلها؛ لأَن الأَرض كلها مساجد اللَّه؛ كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " جُعِلَت لي الأَرض مسجدًا وطَهورًا " منع أَهلُ الكفر أَهلَ الإسلام أَن يذكروا فيها اسم اللَّه، وأَن يُظهروا فيها دينه. وقوله: (وَسَعَى فِي خَرَابِهَا). وهو كقوله: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا). ويخرج قوله: (أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ). أي: لا يدخلون البلدان والأَمصار إلا بالخوف، أَو بالعهد؛ كقوله: (إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ)، وهو العهد. ويحتمل قوله: (مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ): ما كان ينبغي لهم -بما عليهم من حق اللَّه، وتعظيمه- أَن يدخلوا المساجد إلا خائفين وجلين؛ لما كانت هي بقاع اتخذت لعبادة اللَّه، ونسبت إليه تعظيمًا لها؛ فدخلوا مخرِّبين لها، مانعين أَهلها من عبادة اللَّه فيها. وقيل: مساجد اللَّه: المسجد الحرام. وذلك أَنهم حالوا بينها وبين دخول مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأَصحابه فيها، حتى رجعوا من عامهم ذلك. ثم فتح اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - مكة لهم، فصار لا يدخلها مشرك إلا خائفًا؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:
(115)
(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا). وقيل: أراد بمساجد اللَّه: بيت المقدس؛ قيل: إن النصارى استعانوا ببُختنصر وهو رئيس المجوس، حتى خربوا المساجد، وقتلوا من فيها من أَهل الإسلام، ثم بنى أَهل الإسلام -بعد ذلك بزمان- مساجد، فكان لا يدخل نصراني فيها إلا خائفا، مستخفيًا. واللَّه أعلم. وقوله: (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ). قيل: الخزى: الجزية. ويحتمل القتال، (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). وقوله: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (115) قيل: إن رهطًا من أَصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - انطلقوا سَفْرًا، وذلك قبل أن تُصرف القبلة إلى الكعبة، فحضر وقت الصلاة، فاشتبه عليهم، فتحرَّوْا، فمنهم من صلى إلى المشرق، ومنهم من صلى إلى المغرب؛ صلوا إلى جهات مختلفة، فلما بَانَ لهم ذلك قدموا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فسأَلوا عن ذلك؛ فنزلت الآية فيهم (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ
اللَّهِ). وهذا يرد على الشافعي قولَه؛ لأَنه يقول: إنْ صلى إلى جهة القبلة يجوز، وإلا فلا. وليس في الآية ذكر جهة دون جهة، بل فيها ذكر المشرق والمغرب، وكذلك في الخبر ذكر المشرق والمغرب؛ فخرج قوله على ظاهر الآية، وهذا عندنا في الاشتباه والتحري، وأَما عند القصد فهو قوله: (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ). ورُوِى عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن قوله: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ. . .) الآية، نزلت في النوافل في الأسفار. ولكن عندنا على ما ذكرنا في الكل، واللَّه أعلم. وقوله: (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ). اختلف فيه: قيل: ثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، يعني: ثَمَّ ما قصدتم وجه اللَّه. وقيل: ثَمَّ قبلَةُ اللَّه. وقيل: ثَمَّ وجهُ اللَّه: ثم اللَّه. على ما ذكرنا من جواز التكلم بالوجه على إرادة الذات، أي: ليس هو عنهم بغائب. وقيل: ثَمَّ رضاء اللَّه. وقيل: ثم ما ابتغيتم به وجه اللَّه. وقيل فيه: ثم وجه الذي وجهكم إليه إذا لم يجئ منكم التقصير، كما قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -في أكل الناسي: " إنما أَطعمك اللَّه وسقاك ". وقيل فيه: ثم بلوغكم ما قصدتم بفعل الصلاة من وجه اللَّه ورضائه، أي: ظفرتم به. ثم الغرض في القبلة ليس إصابة عينها، ولكن أَغلب الظن، وأَكبر الرأْي؛ لأَنه ليس لنا إلى إصابة عينها سبيل؛ إذ سبيل معرفتها بالاجتهاد، لا باليقين والإحاطة، ليس كالمياه والأَثواب وغيرها من الأَشياء؛ لأَن هذه الأَشياء في الأَصل طاهرة، والنجاسة عارضة فيظفر بأَعينها على ما هي في الأَصل.
(116)
وأَما أمر القبلة فإنما بني على الاجتهاد والقصد، دون إصابة عينها. واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ عَلِيمٌ). قيل: الواسع: الغني. وقيل: الواسع: الجواد، حيث جاد عليهم بقبول ما ابتغوا به وجه اللَّه، وحيث وسع عليهم أَمر القبلة. (عَلِيمٌ) بما قصدوا ونَوَوْا. * * * قوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) وقوله (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ). فيه تنزيه، نزه به نفسه عما قالوا فيه بما لا يليق، ورد عليهم. ومعناه - واللَّه أعلم -: أَنَّ اتخاذ الولد، والتبني -في الشاهد- إنما يكون لأَحد وجوه ثلاثة تحوجه إلى ذلك: إما لشهوات تغلبه؛ فيقضيها به. وإما لوحشة تأْخذه؛ فيحتاج إلى من يستأْنس به. أَو لدفع عدو يقهره؛ فيحتاج إلى من يستنصر به ويستغيث. فإذا كان اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يتعالى عن أَن تمسه حاجة، أَو تأْخذه وحشة، أَو يقهره عدو، فلأَي شيء يتخذ ولدًا؟!. وقوله: (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). رد على ما قالوا: بأن من ملك السماوات وما فيها، وملك الأَرض وما فيها - لا تمسه حاجة، ولا يقهره عدو؛ إذ كل ذلك ملك له، يجري فيهم تقديره، ويمضي عليهم أَمره وتدبيره، وإنما يرغب إلى مثله إذا اعترض له شيء مما ذكرنا، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوا كبيرًا. فإن عورض بالخلة، قيل: إِن الخلة تقع على غير جوهرِ مَنْ منه الخلة، والولدُ لا
يكون إلا من جوهره، وإلى هذا يذهب الحسن. والثاني: أَن الخلة تقع لأَفعال تكتسب، وتسبق منه، فيعلو أَمره، وترتفع مرتبته؛ فيستوجب بذلك الخلة بمعنى الجزاء، وأَما الولد فإنه لا يقع عن أفعال تكتسب، بل بدو ما به استحقاقه يكون من مولده. وقد نفى عن نفسه ما به يكون بقوله: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ). والثالث: ما قاله الراوندي: أَنه لا بد من أَن يدعى إلى التسمي، أَو إلى التحقيق؛ إذ في الخلة تحقيق ما به يسمى. ثم لم يحتمل في هذا تحقيق ما به يسمى، والاسم لم يرد به الإذن، وباللَّه التوفيق. ويحتمل قوله: (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وجهًا آخر، وهو أَن يقال: إن ما في السماوات وما في الأَرض، كلهم عبيده وإماؤه، فأَنتم مع شدة حاجتكم إلى الأَولاد لا تستحسنون أَن تتخذوا عبيدكم وإِماءكم أولادًا، فكيف تستحسنون ذلك لله - عَزَّ وَجَلَّ - وتنسبون إليه مع غناه عنه؟ وباللَّه التوفيق. وقوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ). قيل فيه بوجوه: قيل: إن كل من في السماوات والأرض من الملائكة، وعيسى، وعُزير، وغيرهم -من الذين قلتم: إنه اتخذهم ولدًا- قانتون له، مُقِرون بالربوبية له، والعبودية لأَنفسهم له. وقيل: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ): مطيعون؛ أي: كلهم مطيعون متواضعون. وقيل: القانت: هو القائم، لكن القائم على وجهين: يكون القائم المنتصب على الأَقدام، ويكون القائم بالأَمر والحفظ. ثم لا يحتمل أَن يراد بالقانت هاهنا: المنتصب بالقدم؛ فرجع إلى الطاعة له وحفظ ما عليه، وهو كقوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)، من الحفظ والرزق. ويحتمل: تنزيه الخلقة؛ لأَن خلقة كل أحد تنزه ربه عن جميع ما يقولون فيه. أَو أَن يقال: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) في الجملة؛ كقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).
(117)
وقوله: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (117) ابتدعهما ولم يكونا شيئًا. والبديع والمبدع واحد؛ وهو الذي لم يسبقه أحدٌ في إنشاءِ مثله؛ ولذلك سمى صاحب الهوى: مبتدعًا؛ لما لم يسبقه في مثل فعله أحد. ثم فيه الحجةُ على هَؤُلَاءِ الذين قالوا: اتخذ اللَّه ولدًا، يقول: إن من قدر على خلق السماوات والأَرض من غير شيء، ولا سبب، كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أب؟! والثاني: أن يقال: إِن من له القدرةُ على خلق ما يصعب، ويعظم في أعينكم، بأقل الأَحرف عندكم - كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أَب؟! وقوله: (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ). قيل: وإذا حكم حكمًا: فإنما يقول له: كن فيكون. وقيل: (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا)؛ يعني قضى بإهلاك قوم واستئصالهم (فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). ثم قوله: (كُنْ فَيَكُونُ). ليس هو قول من اللَّه: أَنْ كُنْ -بالكاف والنون- ولكنه عبارة بأَوجز كلام، يؤدي المعنى التام المفهوم؛ إذ ليس في لغة العرب كلام التحقيق بحرفين يؤدي المعنى المفهوم أَوجز من هذا، وما سوى هذا فهو من الصلات، والأَدوات، فلا يفهم معناها، والله أعلم. ثم الآية ترد على من يقول: بأَن خلق الشيء هو ذلك الشيء نفسه؛ لأَنه قال: (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا) ذكر " قَضى " وذكر " أَمْرًا "، وذكر " كُنْ فَيَكُونُ ". ولو كان التكوين والمكون واحدًا لم يحتج إلى ذكر كن في موضع العبارة عن التكوين فالـ " كن " تكوينه، فيكون المكون؛ فيدل أنه غيره. ثم لا يخلو التكوين: إما أن لم يكن فحدث، أو كان في الأَزل. فإن لم يكن فحدث، فإِما أَن يحدث بنفسه -ولو جاز ذلك في شيء لجاز في كل شيء- أَو بإِحداث آخَر، فيكون إحداث بإحداث، إِلى ما لا نهاية له. وذلك فاسد، ثبت أَن الإحداث والتكوين ليس بحادث، وأَن اللَّه تعالى موصوف في الأَزل أَنه محدث،
(118)
مكون؛ ليكون كل شيء في الوقت الذي أراد كونه فيه، وباللَّه التوفيق. وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ (118) قيل فيه بوجوه: قيل: الَّذِينَ لا يعلمون، يعلمون في الحقيقة، ولكن سماهم بذلك؛ لما لم ينتفعوا بعلمهم. وقيل: لا يعلمون توحيد ربهم؛ وهم مشركو العرب. قالوا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: هلا يكلمنا اللَّه، أو تأْتينا آية فتُخبرنا بأَنك رسوله. وقيل: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ)، أَي: لا يعلمون أَنهم لم يبلغوا المبلغ الذي يتمنون تكليم اللَّه إياهم. وقيل: (لَا يَعْلَمُونَ) أنه قد كلمهم وأَخبرهم بالوحي، وإِيتاء رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - آياتٍ على رسالته، لكنهم يعاندون. وقوله: (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ). قيل: الذين من قبلهم: بنو إسرائيل؛ قالوا لموسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ما قال مشركو العرب لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهو قوله: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا). وقيل: اليهود سألوا مثل سؤال النصارى. وقيل: النصارى سألوا مثل سؤال اليهود، واللَّه أعلم. وقوله: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ). بالكفر والسفه. وقيل: تشابهت قلوبهم في المقالة؛ يشبه بعضُها بعضًا في السؤال؛ لأَنهم سأَلوا سؤال تعنت، لا سؤال مسترشد. وقوله: (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ). يحتمل وجهين: أَحدهما: هذا القول. والثاني: أَن يسأَلوا سؤال التعنت والعتو، لا سؤال مسترشد؛ إذ اللَّه - تعالى - قد أَثبت آيات الإرشاد لمن يبتغي الرشد، ولا قوة إلا بالله. وقوله: (قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
(119)
قيل: بينا أَمر مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالآيات، والحجج التي أَقامها: أَنه رسول لمن آمن به، وصدقه، ولم يعانده. * * * قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) وقوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا). قيل: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ) يا مُحَمَّد؛ لتدعوَهم إلى الحق، وهو التوحيد. وقيل: بالحق: بالقرآن. وقيل: بالحق: بالحجج والآيات. قوله تعالى: (بَشِيرًا) لمن أَطاعه بالجنة، (وَنَذِيرًا) لمن عصاه وخالف أمره بالنار. وقيل: بالحق الذي لله على الخلق، والحق الذي لبعضٍ على بعض؛ لتدعوهم إليه وتدلهم عليه. وقوله: (وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ). وجائز أن يكون بمعنى: لَا تَسْأَلْ بعد هذا عنهم. ولم يُذكر أَنه سئل عنهم بعده؛ فيكون ذلك آية له بما هو خبر عن علم الغيب. قيل: إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " ليت شعري! ما فعل أَبواي؟ " فأَنزل اللَّه - تعالى -
(120)
هذه الآية. وفيها لغتان: " لا تَسأل " بنصب التاءِ وهو ما ذكرنا. ويحتمل وجهًا آخر: أَي لا تشتغل بأَصحاب الجحيم؛ فإن ذلك تكلف منك وشُغل. وفيها لغةٌ أُخرى برفع التاءِ: (وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ)، أَي: لا تُسأَل أنت يا مُحَمَّد عن ذنوب أَصحاب الجحيم؛ وهو كقوله: (وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وكقوله: (عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)، وكقوله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، ونحوه. وقوله: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (120) اختلف في الملة: قيل الملة: السنة؛ كقوله: " بسم اللَّه، وعلى ملة رسول اللَّه "، وكقوله (اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا). وقيل الملة: الدِّين، كقوله عليه السلام: " لا يتوارث أهل الملتين ". وقيل: الملة هاهنا: القبلة، وهو كقوله: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ). آيس - عَزَّ وَجَلَّ - رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن اتباع أُولئك دينه وقبلته؛ لأنهم يختارون الدِّين، والقبلة؛ بهوى أَنفسهم، لا بطلب الحق، وظهوره، ولزوم الحجة. وذلك: أَن النصارى إنما اختاروا قبلتهم المشرق؛ لأَن مكان الجبل الذي كان فيه
عيسى في ناحية المشرق بقوله: (إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا). واليهود اختاروا قبلتهم ناحية المغرب؛ لأَن موسى عليه السلام كان بناحية المغرب لما أعطى الرسالة وكلمه ربه؛ كقوله: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ). وأما أهل الإسلام فإنما اختاروا الكعبة -شرفها اللَّه- قبلة بالأَمر، لا اتباعًا لهواهم. والعقل يوجب أن تكون الكعبة قبلة؛ إذ هي مقصد الخلق من آفاق الدنيا، فلما احتيج في الصلاة إلى التوجه إلى وجه كان أَحَق ذلك الموضع الذي جعل للخلق مقاصد أخرى. ثم قوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ). أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - رسوله: أن ليس في وسعك إرضاءُ هَؤُلَاءِ؛ لاختلافهم في الدعاوى في الملل. فَإِنْ قِيلَ: كيف نهى رسوله عن اتباع ملتهم على علم منه: أنه لا يتبع؟ قيل: لأن العصمة لا تزيل المحنة، ولا تدفعها، بل المحنة إنما تقع في العصمة لوجهين: أحدهما: أن عصمته لِمَا مضى لا توجب عصمته في الحادث. والثاني: أَن أَحق مَنْ يُنهى عن الأَشياء مَنْ أُكرم بالعصمة؛ إذ على زَوال النهي يرتفع عنه جهة العصمة؛ لأَنه يصير برفع النهي مباحًا. فلهذا دل القول على النهي عما فيه إرضاؤهم -وإن كان في الأصل معصومًا عنه- وباللَّه التوفيق. وفي إزالة الأمر والنهي إِزالةُ فائدة العصمة؛ لأَن العصمة: هي أَن يعصم في الأمر حتى يؤديَه، وفي النهي، حتى ينتهيَ عنه، وباللَّه التوفيق. وقوله: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ). قيل؛ إن دين اللَّه -الذي اختاره أَهلُ الإسلام؛ بالأمر، واتباع الآيات، والحجج- هو الدِّين، لا كما اختار أُولئك بهوى أنفسهم، واستقبال الآيات والحجج بالرد، والإنكار، والمعاندة. ويحتمل: أن يكون الخطابُ في قوله: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)
(121)
والبيانُ لأَصحابِه، ومن دخل في دينه وصدقه، لا هو. وذلك كثير في القرآن؛ يخاطَبُ هو والمراد غيره. وقوله: (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ). ظاهره: من ولي يتولى الدفاع عنك، ولا نصير يمنعك من العذاب. ويحتمل: ينصرك فتغلب به سلطان اللَّه فيما يريد تعذيبك. وقوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ (121) قيل: الكتابُ: أراد به التوراةَ أَو الإنجيلَ. وقيل: أَراد به القرآن. ومن حمله على التوراةِ والإنجيل قال: فيه إِضمار واو كأَنه قال: الذين آتيناهم الكتاب، ويتلونه حق تلاوته، أُولئك يؤمنون به، أي: إِذا تَلَوْا حق التلاوة؛ فحينئذ يؤمنون به. وقيل: يتلونه حق تلاوته، يعني يعملون به حق عمله، ولا يكتمون نعته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولا يحرفونه. (أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ). وهم الذين أَسلموا منهم. وقيل: يتبعونه حق اتباعه. وهو واحد. ومن حمله على القرآن، فالذين يتلونه حق تلاوته أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. * * * قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129).
(124)
وقوله: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (124) قيل: الابتلاء والامتحان في الشاهد: استفادة علم خَفِيَ عليه من الممتحن والمبتلى به، ليقع عنه علم ماكان ملتبسًا عليه. وفي الغائب لا يحتمل ذلك؛ إِذ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عالم في الأَزل بما كان، وبما يكون في أَوقاته أبدًا. ثم يرجع الابتلاء منه إلى وجوه: أَحدها: أَن يخرج مخرج الأَمر بالشيء أَو النهي عنه، لكن الذي ذكر يظهر بالأمر والنهي؛ فسمى ابتلاء من اللَّه تعالى. والثاني: ليكون ما قد علم اللَّه أَنه يوجد موجودًا، وليكون ما قد علم أنه سيكون كائنًا. وعلى هذا يخرج قوله: (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ)، حتى نعلمه موجودًا، كما علم أَنه يوجد؛ كما قال: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)، علم الغيبَ، علم أنه مُوجَد. وَعلم الشهادةَ، عَلِم به موجودًا، حتى يوجد الذي علم أَنه يجاهد منهم - مجاهدًا، والذي، يصبر منهم صابرًا. ثم اختلف في الكلمات التي ابتلاه بها: فقَالَ بَعْضُهُمْ: الكلمات: هي التي ذكرت في سورة الأَنعام، وهو قوله: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا)، ورأَي القمر بازغًا، ورأَي الشمس بازغة، هي الحجج التي أَقامها على قومه بقوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ). وقيل: ابتلاه بعشر ففعلهن: خمسةً في الرأْس، وخمسة في الجسد. لكن في هذا ليس كبيرُ حكمةٍ؛ إِذ يفعل هذا كل واحد، ولكن الحكمة فيه هي: ما قيل: إن ابتلاءه بالنار، حيث أُلْقي فيها، فصبر، حتى قال له جبريل: " أَتستعين بي؟ قال: أَمَّا منْك فلا ".
وابتلي بإسكان ذريته الوادي، الذي لا ماءَ فيه، ولا زرع، ولا غرس. وابتُلي بالهجرة مِن عِندهم، وتركهم هنالك -وهم صغار- ولا ماءَ معهم، ولا زرع، ولا غرس. وابتلي بالهجرة إلى الشام. وابتلي بذبح ولده. ابتلي بأَشياءَ لم يبتل أَحد من الأَنبياء بمثله، فصبر على ذلك. ففى مثل هذا يكون وجه الحكمة. وفيه لغة أُخرى: (وَإذِ ابْتَلى إِبْرَاهِيمُ) بالرفع (رَبَّهُ) بنصب الباء. ومعناه - واللَّه أعلم -: أَنه سأَل ربه بكلمات فأعطاهن. وهو تأْويل مقاتل. وهو أَن قال: اجعلني للناس إِمامًا. قال: نعم. قال: (وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)، قال: نعم قال: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، قال: نعم. قال: و (اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا). قال: نعم. قال: (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). قال: نعم. مثل هذا: سأَل ربه هذا فأَعطاهن إياه. وقوله: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا). يحتمل: جعله رسولًا يقتدى به؛ لأَن أَهل الأديان. -مع اختلافهم- يدينون به، ويقرون نبوته. ويحتمل: إمامًا من الإمامة والخلافة. وقوله: (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). فَإِنْ قِيلَ: كيف كان قوله: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) وجوابًا لقوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) وكانت الرسالة في ذريته؛ كقوله: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ)؟ يحتمل قوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي): أَحب أَن تكون الرسالة تدوم في ذريته أَبدًا؛ حتى لا تكون بين الرسل فترات؛ فأُخبر أَن في ذريته من هو ظالم، فلا ينال الظالم عهده. ويحتمل: أَن يكون سؤالهُ جعلَ الرسالة في أَولاد إِسماعيل؛ لأَن العرب من أَولاد إسماعيل - عليه السلام - فأُخبر أن في أَولاده من هو ظالم؛ فلا يناله. والعهدُ: ما ذكرنا، هو الرسالة والوحي.
(125)
وقال الحسن: لا ينال الظالم في الآخرة العهدَ. ويحتمل: أَن يكون المراد من ذلك: وذريتي، فأخبر أَن فيهم من لا يصلح لذلك. ويحتمل: أَن يريد به الإمامَة لَا النبوة، وقد كانت هي في نسل كل الفرق، والنبوةُ كانت فيهم. ويحتمل: أَن يكون قصدَ خصوصًا من ذريته، ممن علم اللَّه أَن فيهم من لا يصلح لذلك. ولا يحتمل: أن يريد به الإمامَة لا النبوة وقد ذكر، أَو قال الإنسان: قيل له: إِنه من ذريتك لكن لا ينال من ذكر؛ ولهذا خص بالدعاءِ من آمن منهم دون من كفر. وقوله: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا (125) قيل: المثابة المجمع. وقيل: المثابة: المرجع، يثوبون: يرجعون. وقيل: يحجون. وقوله: (مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا). هو فعل العباد؛ لأَنهم يأمنون ويثوبون. أَخبر أَنه جعل ذلك؛ ففيه دلالة خلق أَفعال العباد.
ثم بين فيه - عَزَّ وَجَلَّ - شدة اشتياق الناس إليها، وتمنيهم الحضور بها، مع احتمال الشدائد والمشقة، وتحمل المؤن، مع بعد المسافة والخطرات؛ فدل أَن اللَّه تعالى -بلطفه وكرمه- حبب ذلك إلى قلوب الخلق، وأَنه جعل من آيات الربوبية والوحدانية، وتدبير سماوي، لا من تدبير البشرية. وفيه دلالة نبوة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ إِذ أَخبر عما قد كان؛ فثبت أَنه أَخبر عن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ. وقوله: (وَأَمْنًا) ولمن دخله من عذاب الآخرة. وقيل: (وَأَمْنًا) لكل مجرم آوى به، وآوى إليه من القتل، وغيره؛ كقوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)، عن كل ما ارتكب. وأما عندنا: فإنه إن قتل قتيلًا، ثم التجأَ إِليه، فإِنه لا يقتل ما دام فيه؛ لأَنه لا يقتل للكفر هنالك.
فعلى ذلك القصاص؛ لقوله: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، وما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ". وما رُويَ عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " لو ظفرت بقاتل عمرَ في الحرم ما قتلته، وإِذا قتل في الحرم يقتل به هنالك. والوجه فيه: أَن إِقامة مثله عليه فيما يرتكبه في الحرم أحق؛ إذ هي كفارة؛ لينزجر عما ارتكب، وأَحق ما يقع فيه الزجر بمثله، ما هو فيه منِ المكان. وإذا قيل في غير الحرم، ثم التجأ إلى الحرم - قال أبو حنيفة - رحمه اللَّه - لا يخرج من الحرم. وأَبو يوسف - رحمه اللَّه - جعل ذلك للسلطان، ذهب إلى أنه قال: (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ
حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)، كما قال: (فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ)، فأوجب الإخراج، من حيث أخرج، كما أوجب القتل من حيث قتل. وقيل: لم يُخرَج من الحرم إذا لم يخرج منه، كما لم يُقتل في الحرم إذا لم يقتُل فيه. أَو نقول بالإخراج للقتل، قَصْد ما لم يَسُغْ فعله فيها كان كالصيد يخرج، يلزم فيه ما يجب بالقتل؛ فمثله في موضع الحظر. وبعد فإِنه لو أخرج لم يأمن بالحرم، بل زيد في عقوبته؛ إِذ الإخراج عقوبة، فقد زيد عليه، مع ما لم يجز في الكفار -الذين نهوا عن قتلهم- إِخراجهم للقتل، كذلك القاتل. وذهب الآخر: إلى أنه يُخْرج؛ لإقامة الحد عند أبي حنيفة - رحمه اللَّه - وإن لم يرتكب فيه. وإِخراج المرتكب له، أَقل في الحكم من إِقامته عليه. غير أنه غلط؛ لأن إِخراجه للقتل يرفع من الحد؛ لأَنه يصل إلى قتله، ولما في القتل عقوبة واحدة، وفي الإخراج عقوبتان. ثم لم يلزمه العقوبة الواحدة -وهي القتل- إِذا لم يقتل فيه كان من ألا يلزمه العقوبتان أحق. وقول: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) اختلف في (مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ): منهم من جعل الحرم كله مقامه -يصلي إليه- لمقامه هنالك بأَولاده. ومنهم من جعل المسجد مقامه؛ لأَنه كان مكان عبادته فهو المصلى. ومنهم من جعل ما ظهر من مقامه -وهو موضع ركوبه ونزوله- لما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أَنه لما قدم مكة قام إلى الركن اليماني، فقال عمر: " يا رسول الله! أَلا تتخذ مقامَ إبراهيم مصلى؟! " فأنزل اللَّه - تعالى -: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى). وعندنا: القبلةُ البيتُ؛ كقوله - تعالى -: (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)،
وقوله: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ)، أي: مقامًا لقيام العبادات. وقوله: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ). فيه الأمر ببنائه. وقوله: (أَن طَهِّرَا بَيتِيَ). يحتمل التطهير لوجهين: أَحدهما: عن الأَصنام والأَوثان التي كانت هنالك، وعبادةِ غير اللَّه والأَنجاسِ. ويحتمل: التطهير عن كل أَنواع الأَقذار، وعن كل أَنواع المكاسب، على ما روي في جملة المساجد. وقوله: (لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ). قيل: الطائف: هو القادم؛ سمي طائفًا لدخوله بطوافه. وقيل: الاستحبابُ الطوافُ؛ لذلك قال أَصحابنا - رحمهم اللَّه - الطوافُ للقادم أَفضل من الصلاة. والصلاة للمقيم أَفضل.
(126)
والعاكفُ: المقيمُ. (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) منهما جميعًا. وقيل: العاكفون: المجاورون؛ يعني: من أهل مكة والقادمين إليها. وقوله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا (126) قد ذكرنا الوجه في قوله: (آمِنًا). وقوله: (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). لما علم أَن المكان ليس بمكان ثمرٍ ولا عُشب دَعَا، وسأَل ربه: أن يرزق أَهله عَطفًا على أَهله، وعلى كل من ينتاب إليه من الآفاق. ثم خص المؤمنين بذلك؛ لوجوه: أَحدها: أَنه لما أَمرهما بتطهير البيت عن الأَصنام والأَوثان ظن أَنه لا يجعل لسوى أَهل الإيمان هنالك مقامًا؛ فخص لهم بالدعاءِ، وسؤال الرزق. والثاني: أَنه أَراد أَن يجعل آية من آيات اللَّه؛ ليرغب الكفار إلى دين اللَّه، فيصيروا أُمة واحدة؛ فكان كقوله: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ. . .). ووجه آخر قيل: لما كان قيل له: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) فلعله خشي أَن يخرج ذلك مخرج المعونة لهم على ما فيه العصيان. وفي ذلك: أن لا بأْس ببيع الطعام من الكفرة. ولا يصير ذلك كالمعونة على ما هم عليه. ويحتمل الدعاءُ المبهم للكفرة: القبحَ؛ إذ ذلك اسم من يعبد غير اللَّه. وقوله: (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا). بالنعم؛ لأن الدنيا دار محنة، لا توجب النظر إلى المستحق للنعم من غير المستحق، ولا إلى الولي من العدو في الدنيا. وأما الآخرةُ فهي دار جزاء، ليست بدار محنة؛ فيوجب النظر إلى المستحق للنعم من غير المستحق. ومعنى قوله: (قَلِيلًا) لأن الدنيا كلها قليل. ثم الامتحان على وجهين: امتحانٌ بالنعم، وامتحان بالشدائد.
(127)
وقد قرئ: " فأمْتِعْه " على معنى دعاءِ إِبراهيم - عليه السلام - " ومن كفر فأمتِعْه " بالجزم. فَإِنْ قِيلَ: لم لا كان تفاضل الامتحان بتفاضل النعم. وإنما يعقل فضل الامتحان بفضل العقل، ويعلم أَن المؤمن هو المفضَّل بالعقل. كيف لا وقع فضل ما به يمتحن -وهو النعم- لأَن العقل الذي به يدرك الحق واحد، لا تفاضل فيه لأَحد. ثم العقل الذي به يمتحن واحد؛ فهما متساويان -فيما به دَرْكُ الحق- إلا أَن أحدهما يدركه فيتبعه، والآخر يدركه فيعانده. فهو -من حيث معرفته- ذو عقل، أعرض عنه؛ فيسمى معاندًا، إذ من لا عقل له يُسمى مجنونًا. وقوله: (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ). ذكر الاضطرار، وهو كقوله: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ) وهو السوق، وكقوله: (وَنَسُوقُ الْمُجرِمينَ)، إِنهم يساقون إليها، ويُدَعون، لا أنهم يأتونها طوعًا واختيارًا. وقوله: (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ). أي: بئس ما صاروا إليه. وقوله: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا (127) أُمِرَا برفع البيت وببنائه؛ فَفَعلا، ثم سألا ربهما: أَن يتقبل منهما. فهكذا الواجب على كل مأْمور بعبادةٍ، أَو قُربة -إذا فرغ منها، وأَداها- أَن يتضرع إلى اللَّه، ويبتهل؛ ليقبل منه، وأَلا يرد عليه؛ ليضيع سعيه. وقوله: (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) لدعائهم. (الْعَلِيمُ) بما نَوَوْا وأَضمروا. وقوله: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ (128) والإسلام قد ذكرنا فيما تقدم أَنه يتوجه إلى وجوه: أحدها؛ هو الخضوع له والتذلل. والثاني: هوِ الإخلاص. ثم اخْتَلَفَ أهل الكلام في الإسلام: فقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنه يتجدد في كل وقت؛ لذلك سألوا ذلك، وهو كقوله - تعالى -
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، معناه: آمنوا باللَّه في حادث الوقت؛ لأَنه تارك فعل الكفر في كل وقت؛ فبترك الكفر يتجدد له الإيمان. وعلى ذلك: يخرج تأويلنا في الزيادة بقولهم: زادتهم إيمانا يتجدد له، ويزداد في حادث الوقت. وقال آخرون: كان سؤالهم الإسلام سؤال الثبات عليه والدوام. وقد ذكرنا أَن العصمة لا ترفع خوف الزوال. ومثل هذا: الدعاء والسؤال -على قول المعتزلة- يكون عبثًا؛ لأَنه لا يملك إِعطاءَ ما سألوا عندهم، بل هم الذين يملكون ذلك، فيَخرج السؤال في هذا -عندهم- مخرج اللعب والعبث، فنعوذ باللَّه من السرف في القول والزيغ عن الهدى. ثم الإيمان: هو التصديق والتصديق بالقلب يتجدد في كل وقت، فلا وقت يخلو القلب عنه في حال سكون، أَو حال حركةٍ، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ). يحتمل: أن الأُمةَ المسلمة هي أُمةُ مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ وذلك: أنه لم يكن من أَولاد إِسماعيل رسول سوى مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فسألا: أن يجعل من ذريتهما رسولًا، وأُمة مسلمة، خالصة له. وإنما الرسل كانوا من أَولاد إِسحاق ومن نسله، واللَّه أَعلم. وقوله: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا). وقيل في قوله: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا): يريد الإراءَة إلى يوم القيامة، يدل عليه قراءَة عبد اللَّه: " وأَرهم مناسكهم "، وفي قراءَة غيره على ضم الرؤية إلى نفسه. والمنسكُ: هو القربة. وأَفعالُ الحج سميت مناسكًا. ثم لا يحتمل: أن يسألا ذلك، من غير أَمر سبق منه - عَزَّ وَجَلَّ - بذلك؛ لأَنه ليس من الحكمة سؤال: إِيجاب فضل عبادة، أَو قربة بغير أَمر؛ فدل أَنه قد سبق منه بذلك أمر، لكنه لم يبين لهما، فسألا: تعليم ماهيتها وكيفيتها، فعلمهما جبريل ذلك. ففيه: دلالة تأخير البيان عن وقت قرع السمع الخطاب؛ أَلا ترى أَنه أَمر بالنداء للحج ولم يعلم. والثاني: أَن آدم والملائكة قد كانوا حجوا هذا البيت قبل إبراهيم - عليه السلام - فدل
أَن الأَمر به قد سبق. والثالث: قوله -في نفس الحج-: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا). ثم لا يحتمل: لزوم الكلفة بالخروج قبل وجوب الحج؛ لما لم يأْمر بفعل ما له إيجاب الحقوق والفرائض. لكنها أوجبت شكرًا لما أَنعم عليه؛ فدل أَن الحج كان واجبًا قبل الخروج، وقد تأَخر الإمكان؛ فمثله البيان، واللَّه أعلم. واحتج بقوله: (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) أَن ظاهره يوجب خضوعًا، لزم به ما أَداه السمع على تأَخر ما بينه، وكذلك الزكاةُ، وكذا ظاهرُ قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ). واحتج أَيضًا بقول القائل وسؤاله رسولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن أَوقات الصلاة ففعله في يومين، وقد كان يمكنه تعليمه وقت السؤال، لكنه أَخر؛ فدل أن البيان يجوز تأَخره عن وقت قرع الخطابِ السمعَ. ثم في تأْخير البيان محنة المخاطب به، أَمر في تعلم العلم وطلب مراد ما تضمن الخطاب، واللَّه أعلم. وذكر في أَمر الحج -عند كل نسك من المناسك- معاني لها، لكنها ذكرت لأَحوالٍ كانت في شأْن آدم وأَمر إبراهيم، وأَمر مُحَمَّد - عليهم الصلاة والسلام - وقد كان الحج قبلهم. وقد ذكر في أَمر الرَّمَل أَنه كان من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ومن معه؛ ليُعلِم به قوتهم؛ حتى
قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " علام أَهز كتفي، وليس أَحد إِزاءَه؟! لكني أَتبع رسول اللَّه، عليه السلام " أَو كما قال، رحمه اللَّه. وقد ذكر ذلك في قصة إبراهيم عليه السلام: أَنه رمل، ولم يكن في وقته من كان الفعلُ لأجله، وكذلك غيرُه من الأَنبياء، صلى اللَّه عليهم وسلم. إلا أَنا نقول: جعل اللَّه كذلك؛ لعلمه بالحاجة إلى ذلك في وقت قد جعل ذلك نسكًا، فحفظ ذلك على حق النسك، وإن لم يكن المعنى مقارنًا له في كل وقت، على ما قيل: " إِن صلة الرحم تزيد في العمر " -بمعنى جعل اللَّه أَجله ذلك بما علم أَنه يصل الرحم- فيكون صرف العمر إلى تلك المدة لذلك. وكما يكتب شقيًّا أَو سعيدًا في الأَزل للوقت الذي فيه يكون كذلك، ونحو ذلك، والله الموفق. ثم الأَصل: أَن اللَّه - جل ثناؤه - جعل على عباده في كل الأنواع التي يتقلب فيها البشر للمعاش، أَو لأَنواع اللذات؛ لتكون العبادة منهم في كل نوع مقابل ما يختار صاحب ذلك شكرًا لما مكن من مثله، لما يتلذذ به ويتعيش؛ إِذ كل لذة، وكل ما يتعيش به نعمة خصَّ اللَّه بها صاحبها، بلا تقدُّم سبب يستوجبها العبد؛ فلزمه -في الحكمة- الشكر لمن أَسدى إليه تلك النعمة. وعلى ذلك: نجد التقلب -من حال القيام، إلى حال القعود، والاضطجاع- أَمرًا عاما في البشر، من أَنواع اللذات، فمثله يكون العبادة بذلك النوع عامة، نحو الصلوات. وعلى ذلك: معنى الرق، والعبودةُ لازم لا يفارق، فمثله الاعتراف به، والاعتقاد دائم لا محالة لا يخلو منه وقت. وعلى ذلك: أَمر إِعطاءِ النفس شهواتها، من المطاعم ونحو ذلك؛ لا يعم الأَوقات عموم التقلب من حال إلى حال؛ إذ لا يخلو عنها المرءُ وإن كانت مختلفة. فجعلت عبادة الصيام في خاص الأَوقات. ثم لم يمتد ما بين الأَوقات امتدادًا متراخيًا، فعلى ذلك: جعل العفو عن الصيام، لم يجعل كذلك، بل في سنة، مع ما قد يدخل الصيام في كثير من الأُمور. ثم للناس في الأَموال معاش، وبها تلذذ: لكن منها قوت لا بد منه؛ فالارتفاق بمثله لازم، لا يحتمل جعل القربة فيه، سوى أَن جعل ذلك لعينه قربة؛ إذ فرض على المرء الاستمتاع به.
ومنها فضْل، به جعلت قرب التصدق؛ لأَنه له بحق التلذذ، لا بحق ما لا بد منه. وكذلك نوع تقلب الأَحوال في النفس التي هي بحق الضرورة، لم يجعل لمثل ذلك فضل قربة يؤديها سوى ما به حياته. وذلك يجعل بحكم الفرض عليه ولا ندبه. وكذلك أَمر الصيام: لم يجعل عما لا بد منه للقوة، ولكن فضل قوة في الاحتمال. لكن الزكاة هي من حقوق ما يجوز أَن يكون هي لغير من عليه، ففرض عليه البذل إلى غيره. وحقوق الأَفعال لا تحتمل أن يصير السبب الذي له به يجب أَن يكون لغيره فيجب عليه؛ فجعل فرض ذلك الفعل في نفسه. وهي تجب للأَحوال لوجهين: أَحدهما: أَن فيها حقوقًا شائعة، على نحو النفقات، فأخرت هي إلى الحول؛ تخفيفًا، أَو لما هي تجب فيما له حكم الفضل. والفضل: ما يفضل عن الحاجة. والحاجات تتجدد في أَوقات -لا أَنها تتتابعُ- لا يظهر في مثله الفضل إِلا بمدةٍ بينةٍ أكثرها حول. ثم فَرضُ الحج جُعِل في العمر مرة؛ لأنه في حق الأَسفار المديدة، التي لا يختار مثلها للذات إلا في النوادر، فلم يوجَب مثلُه إلا خاصًّا؛ فأوجب في جميع العمر مرة.
وقد أَوجب في الأَموال في كل سنة؛ لأن أَرباب الأَموال قد يتقلبون في البلاد النائية رغبة في فضول اللذات؛ فلذلك يجوز فرض مثل ذلك. وعلى ذلك أَمر الجهاد -على أن الجهاد كالذي لا بد من الأَقوات- إِذ في ترك ذلك خوف غلبة الأَعداء، وفيها تلف الأَبدان والأَديان، والأَموال، ففرض على قدر ما فرض من الأَقوات؛ لما بينت من الخلل، ثم كانت أَحوال أَهل السفر تكون على غير المعروف من أَحوال المقيمين - في حق الرَّزانة والوقار، وحق الانبساط والنشاط - فعلى ذلك: فرائض الأَمرين - نحو الجهاد- فيه أَنواع: ما عُد في غيره من اللعب، وكذلك أَمر الحج. وعلى مثل هذا يخرج رمي الجمار والرمَل والسعي ونحو ذلك. فجعل ذلك في حق الأَسفار سُنَّة، وإن كان مثل ذلك عُدَّ في غير ذلك عبثًا؛ إِذ قد بينا مخرج العبادات، على ما عليه أَحوال العباد بأَنفسهم، لولا العبادات، واللَّه أعلم. ثم جعل ذلك في أَمكنة متباعدة الأَطراف؛ إِذ هو بحق أَمر الأَسفار يجب في المعهود؛ فجعل في النسك، بنفسه بالذي به يقطع الأَسفار، ولا قوة إلا باللَّه. ووجه آخر: من المعتبرات: أَن العبادات جعلت أَنواعًا: منها ما يبلغ القيام بحقها العامَ فصاعدًا، وهذه لم يجز أَن يجعل وقتها ينقص عن احتمال فعلها. ولا وقت من طريق الإشارة أجمع لمختلف الأَحوال بعد سقوط اعتبار العمر من السنة. ثم لأَن فعل الحج قد يمتد ذلك، ويجاوز، لم يجعل ذلك وقتًا له، وإنما جعل العمر، لما كان لا وقت يشار إليه إلا وجميع ما فيه مما يحتمله العام الآخر، وما تقدمه وما تأَخره، ثم في العمر أَحوال، لا تحتمل إِضافتها إلى الأَعوام؛ لأَن ما يضاف إلى عام
فذلك لكل عام. وليس ما يضاف إلى العمر موجودًا بحق الأَعوام. فجعل ذلك وقته، واللَّه أعلم. ثم الزكاة هي تجب للأَموال؛ صونا لها؛ لكسب عدد، وفضل غنى، ولكن على ذلك تكتب لأَحوال الحياة لا لما يخلف؛ فلم يمتد أَمرها إلى العمر؛ على أَنها جعلت حقا للفقراء. ومتى أُريد جعل الوقت له العمر يصير لغيره، ويجب فيه ما يجب في الأَول؛ فتبطل الزكاة ويبقى الفقراء بلا عيش؛ إذ اللَّه -بفضله- قدر أَقوات الخلق، ثم فضل الخلق في الأَملاك، حتى كان بعضهم بحيث لا يملك شيئًا، وبعضهم يجاوز ما ينالُ أَضعافَ عمره. ثبت أَن ذلك له بما يقتضي به كفاية الفقراء؛ فلا بد أَن يجعل لذلك مدة يتوسع في ذلك الفريقان جميعًا. ثم كانت الأَقوات -التي هي مجهولة للخلق جميعًا- تتجدد في كل عام على ذلك؛ إذ جعلت أَقوات الفقراء في أَموال الأَغنياء، جعلت في كل عام. على أَنه إِذ جعلت أَقوات الخلق في بركات السماء والأَرض، جعلها اللَّه متجددة بتجدد الأَعوام، ولا قوة إلا بالله. والصلاة والصيام عبادتان تلزم قوى الأَبدان، فعلى ما يختلف قواهما، اختلف في الأَمر بهما والترك، وفي أَنواع الرخص. لكن الصلاة ليس فيها مكابدة الشهوات، ولا مدافعة اللذات؛ إِذ لا سبيل إلى مثلها متتابعًا لما يصير اللذة أَلما، والشهوة وجعًا؛ فيبطل حق التتابع، وقدر المفروض من الصلوات لا يشتغل عما يقوم بها النفس. والصيام يضاد ذلك، ويضر في البدن. فجعل عبادة الصلوات في كل يوم، وعبادة الصيام في أوقات متراخية؛ إذ هي تضاد معنى المجعول له الأغذية بين إِقامة الأَبدان، وفي الصيام خوف فنائها؛ لذلك استعين بطول الاغتذاء على أوقات الصيام، ولا قوة إلا باللَّه. وإن شئت قلت: إن اللَّه أَنعم على البشر بما هو غذاء وقوام، وبما هو لذة وشهوة، ثم أَنعم عليهم بما هو لهم به رفعة وجاه عند الخلق -وهي الأَموال- فأَلزمهم في كل نوع من هذه الأنواع عباداتٍ.
(129)
وعلى ذلك: وقع كل نوع منها لفوت النعمة، التي هي المرغوبة المختارة في الطبيعة، وإلى ما يدوم تلك يدعو العقل ببذل ما ينقطع منه، ثم جعلت قوى النفس بشهواتها، ونعم الأَموال بأَنواع الكد والجهد. فعلى ذلك: خفف حقوق الأَموال؛ فلم يجعل إلا في الفضل الذي لا اختيار لهم ألا يبلغوا بالجهد ذلك، ففي ذلك جعلت الحقوق على ما يحتمل الوسع لهم من الترتيب، مع اليسر الذي أَخبر اللَّه أَنه يريد بهم ذلك، لا العسر، واللَّه أعلم. وقوله: (وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ). دل سؤال التوبة أَن الأَنبياء - عليهم السلام - قد يكون منهم الزلات والعثرات، على غير قصد منهم. ثم فيه الدليل على أَن العبد قد يُسأَل عن زلة لم يتعمدها ولم يقصدها؛ لأنهم سأَلوا التوبة مجملًا. ولو كان سبق منهم شيء علموا به وعرفوه لذكروه؛ فدل سؤالهم التوبة مجملًا على أَن العبد مسئول عن زلات لم يتعمدها. وقوله: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ (129) يحتمل وجوهًا: يحتمل (رَسُولًا مِنْهُمْ): من المسلمين؛ لأَنه أَخبر أَن عهده لا يناله الظالم. ويحتمل (رَسُولًا مِنْهُمْ): من جنسهم، من البشر؛ لأنه أَقرب إلى المعرفة والصدق ممن كان من غير جنسهم، كقوله تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا. . .) الآية. ويحتمل (رَسُولًا مِنْهُمْ): أي من قومهم، ومن جنسهم، وبلسانهم، لا من غيرهم، ولا بغير لسانهم - واللَّه أعلم - كقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ). وقوله: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ). قيل: الآيات هي الحجج. وقيل: الآيات هي الدِّين. ويحتمل: يدعوهم إلى توحيدك، واللَّه أعلم. وقوله: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ). يعني القرآن: ما أَمرهم به، ونهاهم عنه، ونحو ذلك. وقوله: (وَالْحِكْمَةَ)
قيل: الفقه، يقول: يعلمهم الكتاب وما فيه من الفقه. وقيل: الحكمة ما فيه من الأَحكام من الحلال والحرام. وقيل: الحكمة: هي السنة هاهنا. وقيل: الحكمة: هي الإصابة. وبعض هذا قريب من بعض، وباللَّه التوفيق. وقال الحسن: الحكمة: هي القرآن؛ أَعاد القول به. يعني تكرارًا. وقال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الحكمة: الفقه. وقوله: (وَيُزَكِّيهِمْ). قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يأْخذ زكاة أَموالهم -فذلك يزكيهم- كقوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا). وقيل: يزكيهم إلى ما به زكاة أَنفسهم. وقيل: يزكيهم بعمل الصالح. فإن قال لنا قائل ممن ينتحل مذهب الاعتزال: أَليس اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أَضاف التزكية والهداية إلى رسوله، ولم يكن منه -حقيقة- فعل التزكية والهداية، ولا خلق ذلك منه -كيف لا قلتم أيضًا- فيما أَضاف ذلك إلى نفسه: أَن ليس فيه منه خلق ذلك، ولا حقيقة سوى الدعاء والبيان، على ما لم يكن في إضافة ذلك إلى رسوله سوى الدعاء والبيان؟! قيل: كذلك على ما قلتم: أَنه أَضاف ذلك إلى رسوله بقوله: (وَتُزَكِّيهِمْ)، وبقوله: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، وقوله: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، غير أَنه جعل إلى نفسه فضْلَ هدايةٍ، لم يجعل ذلك لرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأَثبت زيادة تزكيةٍ، لم يثبت ذلك لرسوله عليه السلام؛ كقوله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، وكقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ). فدل إضافة تلك الزيادة إلى نفسه على: أن له فضلَ فعلٍ، ليس ذلك لرسوله، وهو خلق فعل الاهتداء، وفعل التزكية، وباللَّه التوفيق. وبعد: فإن الرسول لا يحتمل أَن يملك قدرة فعل أَحد يُقدره عليه لو أَراده بما
أَقدرهم اللَّه على الفعل، حتى قدَروا؛ فجاز أَن يكون له عليه قدرة. وفي تحقيقها جواز خلق ذلك له، ومثله في رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لا يحتمل، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). أي: لا شيء يعجزه، والعزيز بذاته، وكل شيء دونَه غيرُ عزيز، ذليل. وقيل: العزيز: المنيع. وقيل: العزيز: المنتقم من أَعدائه. والحكيم: هو المصيب في فعله. والحكيمُ في أَمره ونهيه. والحكيم هو الذي أَحكم كل شيء جعله دليلًا على وحدانيته. ثم ذكر بعض المفسرين علل المناسك فقال: سميت العرفات عرفات؛ لما قيل له: عرَفتَ. ومِنًى؛ لما قيل له: تمنَّهُ. ورَمي الجمار؛ لما استقبل لإبراهيم الشيطان فرمى. فهذه العلل لا تطمئن بها القلوب، وتنفر عنها الطباع، أَلا ترى أَنه ذكر في قصة آدم فعل ذلك جملةً؛ فزال المعنى الذي ذكر في إِبراهيم عليه السلام؟! ثم قد ذكر في الخبر أَن الملائكة قالت لآدم: حججناه، قبلك بأَلفي عام؛ فثبت أَنهم قد فعلوا هذا كله. ثم يمكن نصب الحكمة فيه من طريق العقل، وهو أَن الحج قصد لزيارة ذلك المكان؛ فأَمر بمختلف الأَفعال الواقع بها الزيارة. كالصلاة: إنها الخضوع لعينه؛ ولذلك أَمر فيها بإحضار الأَفعال المختلفة من حال الخضوع. ثم المرءُ قد يخضع مرة بالقيام، ومرة بالركوع، ومرة بالسجود. أَمر بإحضار مختلف الأَفعال التي فيها الزورة. غير أن الصلاة تخالف الحج؛ فلأنَّ أفعالها فعل المعاش أُمر فيها بإِحضار حالة تذكره الخضوع، والوقوف لله، مفرقًا بين تلك الحالة وحالة المعاش؛ ولهذا تُقْضَى في كل مكان. ثم أَفعال الحج في ظاهرها إلى أَفعال المعاش، وما إليه وَقع القصد -لا عينها- غير
(130)
أن فيه تكلف المعاش؛ ولهذا ما لا يقضي في كل مكان. * * * قوله تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) وقوله: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ). ثم اختلف في الملة؛ قيل: الملة: الدِّين. وقكل: الملة السنة. وقيل: الإسلام. وكله واحد. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. وقوله: (إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ). بما يعمل من عمل السفه. ويحتمل: (إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) أي بنفسه؛ فكان انتصابه لانتزاع حرف الخافض. وقيل: جهل نفسه فيضعها في عير موضعها. وقوله: (وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا). بالنبوة والرسالة والعصمة. ويحتمل: ما جزاهم في الدنيا بثناء حسن لم ينقص من جزائهم في الآخرة. وقوله: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ). في المنزلة والثواب. ويحتمل (لَمِنَ الصَّالِحِينَ)؛ لمن المرسلين. ويحتمل: أَن يكون بشَّره في الدنيا: أَنه كان من الصالحين في الآخرة؛ فيكون -في ذلك- وعدٌ له بصلاح الخاتمة، كما وعد محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مغفرة ما تقدم من الذنب وما تأَخر. وفي ذلك أيضا: وعد بصلاح الخاتمة - واللَّه أعلم - فأَخبر بما كان بشَّره. ويجوز: تفاضُلهم في الآخرة، على ما كانوا عليه.
(131)
وقوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) قيل: أَخْلِصْ. ويحتمل: أَن يكون أَمرًا بابتداءِ إِسلام، على ما ذكرنا من تجدده في كل وقت يهمد. ثم يحتمل: أَن يكون وحيًا أوحى إِليه، أَن قل كذا، فقال به. فإِن كان وحيًا فهو على أَن يُسلم نفسه لله. ويحتمل: أَن يكون إِسلام القلب -بتغاضي الخلقة بالإسلام- فإن كان على هذا؛ فهو على الإسلام دون توحيده. ويحتمل: أَن يكون إِسلام خِلقة؛ كقوله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)، بالخلْقة. وعلى ذلك يخرج قوله لإبراهيم: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ)؛ فدعاهم، فأجابوه في أَصلاب آبائهم إِجابة الخِلقة وقت كونهم. وقيل: يحتمل: أَن يكون أَمر بابتداءِ الإسلام، كقوله: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا. . .)، إلى آخره. ثم قال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا)، يكون جواب قوله: (أَسْلِمْ) واللَّه أعلم. وقوله: (وَوَصَّى (132) يعني بالملة. والملةُ تحتمل ما ذكرنا. وقوله: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ). وهو الإسلام؛ ردا على قول أُولَئِكَ الكفرة: إِن إبراهيم كان على دينهم؛ لأَن اليهود زعمت أَنه كان على دينهم يهوديا. وقالت النصارى: بل كان على النصرانية. وعلى ذلك قالوا لغيرهم: (كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا). فلما ادَّعى كلُّ واحد من الفريقين: أَنه كان على دينهم، أَكذبهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - في قولهم، ورد، عليهم في ذلك فقال: قل يا مُحَمَّد: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا)؛ فعلى ذلك قوله: (اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
(133)
أَخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أَن دينه كان دينَ الإسلام، وهو الذي اصطفاه له، لا الدِّين الذي اختاروا هم من اليهودية والنصرانية؛ لقوله تعالى: (أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (25)، أي ليس له. وقوله: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا (133) يقول: أَكنتم شهداءَ إِذ حضر يعقوب الموت؟! أَي: ما كنتم شهداءَ حين حضر يعقوب الموت. قيل: ويحتمل: أَن اليهود قالوا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أَلست تعلم أَن يعقوب يوم مات أوصى بَنِيه بدين اليهودية؛ فأَنزل اللَّه تعالى: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ) أَي: أكنتم شهداءَ وصية يعقوب بنيه؟! أَي: لم تشهدوا وصيته، فكيف قلتم ذلك؟! ثم أَخبر - عَزَّ وَجَلَّ - عن وصية يعقوبَ بنيه فقال: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ. . .) الآية. وقوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ). يعني: مخلصين بالتوحيد، وبجميع الكتب والرسل، ليس كاليهود والنصارى يؤمنون ببعضٍ ويكفرون ببعضٍ، ثم يدعون: أَن ذلك دين إبراهيم، ودين بنيه. ثم في الآية دلالة رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأَنه أَخبر عن الأَخبار التي قالوا، من غير نظر منه في كتبهم، ولا سماع منهم، ولا تعلم، دل: أَنه باللَّه علم، وعنه أَخْبر. وقوله: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) كان - واللَّه أعلم - لما ادعَوْا أَن إِبراهيم ومن ذكر من الأنبياءِ كانوا على دينهم؛ فقال عند ذلك: لا تُسألون أَنتم عن دينهم وأَعمالهم، ولا هم يُسأَلون عن دينكم وأَعمالكم، بل كل يُسأل عن دينه وما يعمل به. * * * قوله تعالى: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)
(135)
وقوله: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا. . .) الآية. فالآية تنقض على من يستثني في إيمانه؛ لأَنه أَمرهم أَن يقولوا قولا باتًّا، لا ثُنْيا فيه ولا شك. وكذلك قوله: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ) ثم يحتمل: أن يكون هذا ردًّا على أُولئك الكفرة، حيث فرقوا بين الرسل، آمنوا ببعضهم وكفروا ببعض. وكذلك آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعضها؛ فأَمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - المؤمنين، ودعاهم: إلى أن يؤمنوا بالرسل كلهم، والكتب جميعًا، لا يفرقون بين أَحد منهم، كما فرق أُولئك الكفرة. ويحتمل: أَن يكون ابتداء تعليم الإيمان من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لهم بما ذكر من الجملة. ثم اختلف في الحنيف: قيل: الحنيف: المسلم. وقيل: الحنيف: الحجاج. وقيل: كل حنيف ذكر بعده مسلم فهو الحجاج، وكل حنيف لم يذكر بعده مسلم فهو مسلم. وقيل: الحنيف: المائل إلى الحق والإسلام. وقوله: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا (137) رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال: لا تقرأ (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ)؛ فإِن اللَّه ليس له مثل، ولكن اقرأ: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ)، أو (بما آمنتم به). وكذلك في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (فإن آمنوا بما آمنتم به)، تصديقًا لذلك. وعلى ذلك قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، إِن الكاف زائدة، أي: ليس
(138)
مثله شيء. وهو في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كذلك. ويحتمل: آمنوا بلسانهم، بمثل ما آمنتم بلسانكم، من الرسل والكتب جميعًا فقد اهتدوا. ويحتمل بمثل ما آمنتم به: أَي بلسانٍ غير لسانهم فقد اهتدوا. وقوله: (فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ). قيل: الشقاق هو الخلاف. وقيل: الشقاق هو الخلاف الذي فيه العداوة، واللَّه أعلم. وقوله: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). هذا وعيد من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لهم، ووَعدٌ وَعَدَ نَبيَّه بالصبر له؛ لأَن أُولئك كانوا يتناصرون بتناصر بعضهم ببعض، فوَعَد له عَزَّ وَجَلَّ النصر له بقتل بعضهم، وإِجلاء آخرين إلى الشام وغيره. وقوله: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً (138) قيل: دين اللَّه. وقيل: فطرةُ اللَّه؛ كقوله: " كل مولود يولد على الفطرة ".
وقيل: (صِبْغَةَ اللَّهِ): حجة اللَّه التي أقامها على أُولئك. وقيل: (صِبْغَةَ اللَّهِ): سنة اللَّه. ثم يرجع قوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) أي: دينًا وسنة، وحجة تدرك بالدلائل التي نصبها وأَقامها فيه، ليس كدين أُولئك الذين أَسسوا على الحيرة والغفلة بلا حجة ولا دليل. وقيل: إن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماءٍ ليطهروهم بذلك؛ فقال اللَّه عز وجل: (صِبْغَةَ اللَّهِ) يعني الإسلام هو الذي يطهرهم لا الماء. وقوله: (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ). قيل: موحدون. وقيل: مسلمون مخلصون. ويحتمل: ونحن عبيده. * * * قوله تعالى: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ
(139)
مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141) وقوله: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ). رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: قالت اليهود والنصارى: نحن أبناء اللَّه وأَحباؤه، ونحن أَولى باللَّه منكم، فأنزل اللَّه - في ذلك -: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ). وقيل: في اللَّه، يعني: في دين اللَّه. أَي: أَتحاجون وتخاصمون في دين اللَّه؟! وقوله: (وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ). أَي: أَتحاجون في اللَّه مع علمكم وإِقراركم أنه ربنا وربكم بقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ). وقوله: (وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ). قيل: لنا دينُنا ولكم دينُكم؛ كقوله تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ). ويحتمل: (لَنَا أَعْمَالُنَا) ولا تُسئلون أَنتم عنها، (وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) لا نُسأل نحن عن أعمالكم، كقوله: (وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). وقوله:، (وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ). دينًا وعملا، لا نشرك فيه غيره. وقوله: (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ (140) قيل: بل تقولون. وقيل: على الاستفهام في الظاهر: أيقولون، لكنه على الرد والإنكار عليهم، وذلك أَن اليهود قالوا: إن إبراهيم وبنيه، ويعقوب وبنيه كانوا هودًا أو نصارى. قال اللَّه تعالى: قل يا مُحَمَّد: أَنتم أعلم بدينهم أَم اللَّه، مع إِقراركم أَنه ربكم، لا يخفى عليه شيء في الأَرض ولا في السماء؟!. ومعنى الاستفهام: هو تقرير ما قالوه، كالرد عليهم والإنكار. وقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ)
(141)
قيل: الشهادة التي عنده: علمهم أَنهم كانوا مسلمين، ولم يكونوا على دينهم. وقيل: الشهادة التي عندهم بالإسلام: أنه دين اللَّه وأَنه حق. وقيل: الشهادة التي كانت عندهم: مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ بينَه اللَّه في كتابهم وأَخذ عليهم المواثيق والعهود بقوله: (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ)، فكتموه وكذبوه. وقيل: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ) في قول اليهود لإبراهيم - عليه السلام - وما ذكر من الأَنبياءِ كانوا هودًا أَو نصارى؛ فيقول اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: لا تكتموا الشهادة إن كان عندكم علم بذلك. وقد عَلِم اللَّه أَنكم كاذبون. وقيل: (وَالْأَسْبَاطَ): بنو يعقوب؛ سموا أسباطًا؛ لأَنه وُلِد لكل رجل منهم أُمَّةٌ. وقوله: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ). خرج على الوعيد، أَي: لا تحسبوا أنه غافل عما تعملون. ويجوز أَن يكون لم ينشئهم على غفلة مما يعملون، بل على علم بما يعملون خَلَقهم؛ ليُعلم أَن ليس له في شيء من عمل الخلق له حاجة؛ ليخلقهم على رجاء النفع له، ولا قوة إلا باللَّه. خلقهم وهو يعلم أنهم يعصونه. وقوله: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141) قد ذكرنا هذا فيما مَرَّ. * * * قوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143).
(142)
وقوله: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا (142) هذا - واللَّه أعلم - وعد كان وعده عَزَّ وَجَلَّ لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه يحوله إلى الكعبة من بيت المقدس، وإخبار عما يقول له اليهود قبل أن يحول وقبل أن يقولوا له شيئًا. ألا ترى إلى قوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ)، أنه لو لم يكن فيها وعد بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة لكان تقلب وجهه إلى السماء بذلك تخييرًا منه وتحكمًا عليه. وليس لأحد على اللَّه التخيير والتحكم عليه في الأحكام والشرائع ولا في غيرها، فدل أنه على الوعد له ما فعل. واللَّه أعلم. ثم فيه إثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث كان أخبره على ما أخبر من التحويل إلى الكعبة. والقول منهم نقل أنه علم ذلك باللَّه واختلف في قوله (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ) قيل: هو اليهود، وقالوا ذلك عند تحويل القبلة إلى الكعبة، وذلك أنهم لايرون نسخ الشرائع والأحكام؛ لأنه كالبداء والرجوع عنها. وذلك فعل من يجهل عواقب الأمور، كبانٍ بنى بناءً ثم نقضه لجهل منه به. لكن ذلك منهم جهل بمعرفة النسخ وقدره. ولو عرفوا ما النسخ ما نفوا نسخ الشرائع والأحكام. وأما النسخ عندنا: فهو بيان منتهى الحكم إلى وقت ليس فيه بداء ولا نقض لما مضى، بل تجديد حكم في وقت بعد انقضاء حكم على بقاء الأول لوقت كونه، ليس على ما فهمت اليهود من البداء والنقض لما مضى كالبناء الذي وصفوا. وباللَّه التوفيق. وإن كانت الآية في غير اليهود من أهل مكة، على ما يقول بعض أهل التفسير، فقالوا: لما رجع مُحَمَّد إلى قبلتنا من القبلة الأولى يرجع إلى ديننا. فقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ). قل يا مُحَمَّد: لله المشرق والمغرب والأمكنة كلها والنواحي، يأمر بالتوجه إلى أي ناحية شاء شرقًا وغربًا، فالطاعة له في الائتمار لأمره، والقبول لدعائه، لا للتوجه نحو الشرق أو نحو الغرب لِهَوى هووا ولتمنٍّ تمنوا؛ لأن اليهود جعلوا قبلتهم المغرب اتباعًا لهواهم، لا اتباعًا لأمر أمروا به. وكذلك النصارى اتخذوا المشرق قبلة لهوى أنفسهم؛ فأخبر اللَّه تعالى المؤمنين أنهم يأتمرون باللَّه حيث ما أمروا توجهوا نحوه.
(143)
وقوله: (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). هذا على المعتزلة؛ لأنه أخبر عَزَّ وَجَلَّ أنه (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، ولا جائز أن يهدي وهو لا يهتدي. وهم يقولون: شاء أن يهدي ولكن لم يهتدوا. قوله: (مَن يَشَآءُ) وعلى أن مشيئة الهداية ليست للكل على ما قالت المعتزلة: أن هدايته بيان وذلك للجميع. وفيه دليل نسخ السنة بالكتاب؛ لأن القبلة إلى بيت المقدس لم تكن مذكورة في الكتاب، بل عملوا على سنة الأولين الماضين، وهذا على الشافعي؛ لأنه لا يرى نسخ الكتاب بالسنة إلا بعد عمل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فإذا عمل به صار سنة، فهو نسخ السنة بالسنة، لا نسخ بالكتاب. فهذا منه قبيح فاحش. وفيه نبذ الكتاب وهجره، وقد نهينا عنه، والتحكم على اللَّه عَزَّ وَجَلَّ؛ لأنه لم يجعل الكتاب من القدر ما يقع فيه الزجر على ما كان عليه آنفا لولا علمه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. فنعوذ باللَّه من السرف في القول والزيغ عن الهدى. ولكن لم يعرف ما النسخ وما قدره، ولو علم لما قال بمثله. وهو عندنا: ما ذكرنا من بيان منتهى الحكم إلى وقته، ولله جل جلاله نصب الأحكام والشرائع في كل وقت، يبين ذلك مرة بالكتاب، وتارة على لسان المصطفى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وباللَّه التوفيق. وكما جعل له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يعمل به، فنسخ الكتاب فيه تلك الشريعة. فكذلك في غيره من الناس. واللَّه أعلم. وقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (143) (وَكَذَلِكَ)، لا يتكلم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلا على العطف على ما سبق من الخطاب، وهو - واللَّه أعلم - معطوف على قوله: [(قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ. . .)] الآية، كأنه قال: كما وفقكم على الإيمان بما ذكر، وهداكم للإسلام، كذلك جعلكم (أُمَّةً وَسَطًا) يعني عدلًا، (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ).
ثم اختلف في قوله: (عَلَى النَّاسِ): قيل: " على " بمعنى " اللام " أي للناس. وهذا جائز في اللغة سائغ، كقوله: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ)، أي للنصب. وقيل: (عَلَى) بمعنى " على "، أي أن يشهدوا على الأمم للأنبياء على تبليغ الرسالة، ويشهد الرسول لهم بالعدالة. وفيه دليل قبول شهادة أهل الإسلام على أهل الكفر، ورد شهادتهم علينا؛ لأنه لو قبلت شهادتنا عليهم على التبليغ، ثم شهد أُولَئِكَ بأنهم لم يبلغوا، لكان فيه تناقض. فدل أن شهادتنا تقبل عليهم، ولا تقبل شهادتهم علينا. واللَّه أعلم. ويحتمل قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) الذين أبوا إجابة الرسل. (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) أن جحدتم الرسالة، وذلك قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا. . .) الآية أضاف اللَّه إليه جعلهم (أُمَّةً وَسَطًا). ثبت أن لله في فعل ذلك فعل به ذكر مننه. واللَّه أعلم. قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، فالوسط: العدل. أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه جعل هذه الأمة عدلًا، فالعدل هو المستحق للشهادة والقبول لها. ففيه الدلالة على أجعل إجماع هذه الأمة، حجة؛ لأنه وصفها بالعدالة، وصيرها
من أهل الشهادة. فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به، لزم قبول ذلك، والحكم بما شهدوا، والشهادة فيه أنه من عند اللَّه وقع لهم ذلك. والثاني: قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) أخبر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أن فيهم صدقة، يلزم اتباعهم. والثالث: ما قال عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) ولا يجوز الوعيد في مثله إذا لم يكن ذلك هو الحق عند اللَّه. والرابع؛ قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59). أمر عَزَّ وَجَلَّ عند التنازع الرد إلى كتاب اللَّه وإلى سنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فدل أنه إذا لم يتنازع لم يجب الرد إلى ما ذكر. واللَّه أعلم. وقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)، رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه قال: يسأل اللَّه تعالى يوم القيامة الأمم عن تبليغ الأنبياء رسالته إليهم، فينكرون. ثم يأتي بهذه الأمة يشهدون عليهم بالتبليغ. فذلك قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)، ويشهد الرسول عليهم يعني لهم بالعدالة والتزكية. واللَّه أعلم.
قال الشيخ - رضي اللَّه تعالى عنه -: وفي قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)، وجهان: أحدهما: على الكفرة. وفي ذلك دليل قبول شهادة المسلمين عليهم، ورد شهادتهم عليهم، لما يتناقض فيزول منفعة الشهادة عليهم. والثاني: ليكون من شهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، شهود على من يكون بعدهم. وفي ذلك دليل من تأخر الصحابة، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، عن الخلاف لهم، (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) إذا خالفتموه وعصيتموه. وقوله: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ). فهذا - واللَّه أعلم - لما كانوا في المتابعة على قسمين: منهم من تبعه لما وافق هواه. ومنهم من تبعه لما علم أنه الحق من عند اللَّه عَزَّ وَجَلَّ؛ ليبين لهم ويقع علم ذلك عندهم: من المتبع له بهواه، ومن المتبع له بالأمر والطاعة له. وقيل أيضًا في قوله: (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ)، قيل: ليعلم من يتبع الرسول ما قد علم أنه يكون كائنًا، وليعلم ما قد علم أنه يوجد موجودا. وقيل: إنه يجوز أن يراد بالعلم المعلوم. معناه - واللَّه أعلم - إلا ليكون المتبع له، والمنقلب على عقبيه. ثم الأصل في هذا ونحوه من قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) أنا لا نصف اللَّه تعالى بالعلم في الخلق، قال: غير الحال التي الخلق عليها؛ لأن وصفنا إياه بالعلم على غير الحال التي عليها الخلق يومئ إلى وصفه بالجهل؛ لأنه لا يجوز أن يقال: يعلم من الساكن في حال السكون حركة، أو السكون في حال الحركة، أو يعلم من الجالس قيامًا، أو القائم جلوسًا. وكذلك لا يجوز أن يقال: يعلم من العدم موجودًا، أو من الوجود معدومًا في حال وجوده؛ لأنه وصف بعلم ما ليس، وهو محال. وباللَّه العصمة. وقيل: إن كل علم يذكر على حدوث المعلوم يذكر بذكر الوقت للمحدَث -بفتح الدال- أي: يسند علمه إلى المحدث بذكر الوقت؛ لئلا يفهم بذكره قدم المعلوم في
الأزل. وإذا وصفنا اللَّه بما هو حقيقة بلا ذكر الخلق مع ذلك نصفه بالذي نصفه به في الأزل لتعاليه عن التغير والزوال وعن الانتقال من حال إلى حال. ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ). يعني: تحويل القبلة، لكبيرة: ثقيلة، على من كان اتباعه لهواه، دون أمر أمر به، إلا على الذي يتبع أمر اللَّه فيها ويعتقد طاعته فإنها ليست بثقيلة عليه ولا كبيرة. وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) قال بعض أهل التفسير: إن قومًا صلوا إلى بيت المقدس ثم ماتوا على ذلك، فلما حولت القبلة إلى الكعبة قالوا: ضاعت صلواتهم التي صلوا إليها، إشفاقًا عليهم. لكن هذا بعيد لا يحتمل؛ لأن الذي اعتقد الإسلام من الصحابة، رضي اللَّه تعالى عنهم، وعرف موقع أمر اللَّه وأمر رسوله، لا يجوز أن يخطر ببالهم هذا، أو يعملون لو خطر ببالهم، حتى يسألوا عن ذلك، بل كانوا أعلم باللَّه من أن يجد عدو لله فيهم ذلك؛ ولأنهم قوم يأتمرون بأمر اللَّه وطاعته، ويموتون على التصديق، وعلموا أنهم مؤمنون، ثم يشككون في أحوالهم، لكن إن كان ثم سؤال فهو من اليهود الذين اعتقدوا بطلان التناسخ في الأحكام والشرائع، فكانوا يحتجون على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بأنه ينهى عن التفرق والاختلاف، ثم يدعوهم إلى ذلك. أو قوم من الكفرة آذوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأفرطوا في التكذيب له والخلاف والمعاداة، فأرادوا الإسلام، فظنوا أن ما كان منهم من العصيان والتكذيب يمنع قبول الإسلام، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)، لما كان منكم في حال الكفر. ألا ترى أن آخر الآية يدل عليه. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ). أخبر أنه (رَحِيمٌ) يتجاوز عمن تاب. أو قوم علموا ألا تناسخ في الدِّين ولا اختلاف فيه؛ فظنوا أن نسخ الأحكام وتبديلها
(144)
يوجب اختلافًا في الدِّين وتفرقًا فيه. فنقول: إن الإيمان في الأصل الذي لا يقع على اعتقاد الصلاة إلى جهة دون جهة، بل يقع على الائتمار. فالإيمان من الصحابة، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، الذين ماتوا كان على اعتقاد الائتمار فهم مؤمنون باعتقاد الائتمار إلى بيت المقدس، مؤمنون باعتقاد الائتمار إلى الكعبة. فلا تفرق ولا اختلاف في الإيمان، إذ في الأصل به وقع الاعتقاد للائتمار. وباللَّه التوفيق. ثم قوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) تأويله: أي لا يضيع إيمانكم بالصلاة إلى بيت المقدس. ولو كان على الصلاة فهو لوجهين: أحدهما: أنها إنما قامت بالإيمان، فهو سبب لها، وقد يذكر الشيء باسم سببه. والثاني: أن اليهود عرفوه إيمانا، فورد الخطاب على ما عندهم معروف؛ كقوله: (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ)، لا أن كان ثم آلهة، لكن لما عندهم، وكذلك قوله: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، لا أن كان ثم خالق سواه، ولكن لما عرفوا كل صانع خالقًا، فخرج على الخطاب على ما عرفوا هم ذلك الأول. واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وقوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ (144) قد ذكرنا أنه يخرج على الوعد له. قوله: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا). قال بعض المُفْتُون: إنه كان يقلب بصره إلى السماء لما يكره أن تكون قبلته قبلة اليهود. ولكن هذا بعيد؛ لأن مثل هذا لا يظن بأحد من المسلمين، فكيف برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؟
(145)
إلا أن يقال: كره كراهة الطبع والنفس، وأما كراهة الاختبار، فلا يحتمل. ويقال: إنه كان حبب إليه الصلاة حتى لا يصبر عنها، وقد نهى عن الصلاة إلى بيت المقدس، ولم يؤمر بعد بالتوجه إلى غيرها، فكان تقلب وجهه إلى السماء رجاء أن يؤمر بالتوجه إلى غيرها، أو أن يقال: " قبلة ترضاها "؛ لأنها كانت قبلة الأنبياء من قبل، فلا شك أنه كان يرضاها. وهذا جائز في الكلام. يقول الرجل لآخر: أعطيك شيئا ترضاه، وإن لم يظهر منه الكراهية في ذلك، ولا التردد. وقوله: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ). وقد ذكرنا القول في القبلة، والاختلاف فيه فيما تقدم. وقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ). يحتمل قوله: (أَنَّهُ الْحَقُّ) على وجهين: أحدهما: أي علموا أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة حق، لكنهم يعاندون ويتبعون هواهم. والثاني: أي علموا بما بُين له في كتبهم أن محمدًا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وأنه حق. وقوله: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ). وهو على ما ذكرنا أنه على الوعيد والتهديد. واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ (145) في قوم علم اللَّه أنهم لا يؤمنون ولا يتابعون محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في قبلته حيث آيسه عن متابعتهم إياه؛ لأنها لو كانت في أهل الكتاب كلهم لكان لهم الاحتجاج على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ودعوى الكذب عليه؛ لأن من أهل الكتاب من قد آمن. فدل أنهم لم يفهموا من عموم اللفظ عموم المراد، ولكن فهموا من عموم اللفظ خصوصًا. وكان ظاهرًا في أهل الإسلام وأهل الكفر جميعًا المعنى الذي وصفنا لك. فظهر أنه لا يجوز أن يفهم من مخرج عموم اللفظ عموم المراد. وفيه دلالة إثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه في موضع الإخبار بالإياس عن الاتباع له. ولا يوصل إلى مثله إلا بالوحي عن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ. وفيه أن كثرة الآيات وعظمها في نفسها لا يعجز المعاند عن اتباع هواه والاعتقاد لما يخالف هواه. (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ).
(146)
فيه الوعد له بالعصمة في حادث الوقت وما يتلوه. ويحتمل قوله: (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ)، أي وما لك أن تتابعهم في القبلة، وهذا التأويل كأنه أقرب لما خرج آخر الآية على الوعيد له بقوة. وقوله: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ). وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي. ويحتمل: أن يكون المراد من الخطاب غيره. وقوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ (146) لأن الأولاد إنما تعرف بالأعلام وأسباب تتقدم، فعلى ذلك معرفة الرسل، عليهم السلام، إنما تكون بالدلائل والأعلام، وقد كانت تلك الدلائل والأسباب في رسول الله ظاهرة، لكنهم تعاندوا وتناكروا وكتموا بعد معرفتهم به أنه الحق، دليله قوله: (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). والكتمان أبدًا إنما يكون بعد العلم بالشيء؛ لأن الجاهل بالشيء لا يوصف بالكتمان. ورُويَ عن عبد اللَّه بن سلام، أنه قال: أعرفه أكثر مما أعرف ولدي؛ لأني لا أدري ما أحدث النساء بعدي. وفيه الدلالة أن نعته وصفته كانت غير مغيرة يومئذ، وإنما غيرت بعد حيث أخبر أنهم كتموا ذلك. وقيل: (لَا يعْلَمُونَ): لا يؤمنون؛ وهو على ما بينا من نفى بذهاب نفعه، وجائز أن يكونوا عرفوه بما وجدوه بنعته في كتبهم، كما قال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157). وقوله: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) يحتمل: أن يكون الخطاب له والمراد غيره. ويحتمل: هو، وإن كان يعلم أنه لا يمتري؛ لما ذكرنا في غير موضع أن العصمة لا
(148)
تمنع النهي عن الشيء. وقوله: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا (148) قيل فيه بوجوه: قيل: " هو موليها " يعني اللَّه موليها، ومحولها. وقيل: " هو " يعني المصلي، هو موليها. وقيل: ولى -أقبل وأدبر- (هُوَ مُوَلِّيهَا) هو مستقبلها. ويقال في قوله: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) لكل ملة من المسلمين قبلكم جعلت قبلتها الكعبة. وقوله: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ). قيل فيه بوجوه: قيل: بادروا الأمم السالفة بالخيرات والطاعات. وقيل: (فَاسْتَبِقُوا) هو اسم الازدحام، يقول: يبادر بعضكم بعضا بالخيرات. ويحتمل: أي استبقوا في أمر القبلة والتوجه إليها غيركم من الكفرة. واللَّه ورسوله أعلم. وقوله: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا). قيل: أينما كنتم يقبض اللَّه أرواحكم من البقاع البعيدة والأمكنة الحصينة. وقيل: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا) أي في أي حال كنتم -عظامًا ناخرة أو بالية أو رفاتًا- يجمعكم اللَّه ويحييكم، ولا يتعذر عليه ذلك، وهو كقوله: (وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)، أخبر أن شدة الحال عندكم لا يتعذر عليه، ولا يشتد من الإحياء والإماتة. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). من جمع ما ذكرنا من الأشياء المتفرقة وإحياء العظام البالية. * * * قوله تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا
(149)
وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) وقوله: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (149) نقول - واللَّه أعلم -: حيثما كنت من المدائن والبلدان (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، شطره: تلقاءه ونحوه وجهته. وهذا يبطل قول من يقول؛ إن الحرم قبلة لمن نأى عن البيت، وبعد من أهل الآفاق، حيث أمر نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالتوجه إلى شطر المسجد الحرام حيث ما كانت من البلدان. وبالله العصمة والتوفيق. وقال الشيخ رحمه اللَّه تعالى: ذكر المسجد، ومعناه موضعًا منه عرف ذلك بالفحص من البقاع البعيدة والأمكنة الخفية، لا بالظاهر ولا ذكر وصل البيان به. وقوله: (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ). قيل: (وَإِنَّهُ) تحويل القبلة، هو الحق (مِنْ رَبِّكَ). وقيل: (وَإِنَّهُ) يعني محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، هو الحق (مِنْ رَبِّكَ) ويحتمل يعني: القرآن هو الحق من ربك. وقوله: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ). قد ذكرنا هذا فيما تقدم. وقوله: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (150) على ما ذكرنا. وقوله: (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ). خاطب الكل، وأمرهم بالتوجه إليه حيثما كانوا، حتى لا يكون هو المخصوص به دونهم. وقوله: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) تأويل هذا الكلام - واللَّه أعلم - أنه لما اختار اليهود ناحية المغرب قبلة، والنصارى ناحية المشرق بهواهم، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: (لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ)، وقال: فأينما تولوا وجوهكم شطره، فثم وجه اللَّه. فيقطع عذرهم وحجاجهم بما بين في كتب لهم أنه يحولهم. وذلك معنى قوله: (لَئلا يَكُونَ لِلناسِ عَليكُمْ حُجة). وقوله: (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ). ثم اختلف في قوله: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ). قيل: أراد بـ (الناس) أهل الكتاب، وأراد بـ "الذين ظلموا" غيرهم من الكفرة. وتأويله: لئلا يكون لأهل الكتاب عليكم حجة، ولا الذين ظلموا. وقيل: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ) يعني أهل الكتاب (عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) فيقولوا: ليس هذا الوصف في كتبهم أنه يصلي إلى بيت المقدس وقتا ثم يتحول إلى الكعبة، (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) يقول: إلا من ظلم منهم عليكم في الكلام بلا حجة ولا دليل فيقولوا: ليس هذا الوصف. ومثل هذا جائز في الكلام، يقول لآخر: ليس لك على حجة إلا أن تظلمني بلا حجة. وقال الفراء: هذا كما يقول الرجل لآخر: الناس لك حامدون إلا الظالم المتعدي عليك، صواب في المعنى، خطأ في العربية. وذكر بيتا يدل على الجواز. ما بالمدينة دار غير واحدة ... دار إِلَى خليفة إلا دار مروان بمعنى: ولا دار مروان. وقيل أيضًا: (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي) على القطع من الأول والابتداء بهذا، أي: لا تخشوا الذين ظلموا في الضرر لكم، ولكن اخشوني في ترككم إياها، وأن يقال: لا تخشوهم بالقتال والغلبة، فذلك لهم منه أمن وإظهار على الأعداء، وعلى هذا يخرج قوله: (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) يعني الأمن من الأعداء، ولا نعمة أعظم من الأمن وإظهار الحق كقوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)، قيل: هو الأمن من الأعداء، أو أراد بالنعمة كل نعمة من الإسلام، والنصر، وغيره. (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) القبلة. (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) الإرشاد والصواب.
(151)
وقوله: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) (كمَا) حرف لا يصح ذكره إلا على تقدم كلام؛ إذ هو حرف عطف ونسق، وهو - واللَّه أعلم - كما أرسلنا إليكم رسولا، وأنعم عليكم بمعرفة وحدانيته وبمعرفة محاجة الكفرة وأنعم عليكم بإكرامه إياكم بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، كذلك يجب عليكم أن تذكروه وتشكروا له. ويحتمل على التقديم والتأخير على ما قاله أهل التفسير: كأنه قال: فاذكروني كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم، وذلك في القرآن كثير. قال الفراء: يحتمل: كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم أذكركم، فيكون فيه جوابه؛ لذلك جزم، وهذا كقول الرجل: كما أحسنت فأحسن. وقوله: (وَيُزَكِّيكُمْ)، قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يأخذ زكاة أموالكم، ففيه زكاتهم. وقيل: (وَيُزَكِّيكُمْ) يدعوكم إلى ما به زكاة أنفسكم وصلاحها، وهو التوحيد، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. وقوله: (وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ) هو القرآن. (وَالْحِكْمَةَ)، قيل فيه بوجوه: قيل: " الحكمة ": الفقه. وقيل: " الحكمة ": الحلال والحرام. وقيل: " الحكمة ": السنة. وقيل: " الحكمة ": المواعظ. وقيل: " الحكمة ": هي الإصابة؛ ومنه سمي الحكيم حكيمًا؛ لأنه مصيب. وقال الحسن: (الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ): واحد، وهو على التكرار؛ كقوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ)، وهما واحد. وقوله: (وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) من التوحيد والشرائع، والمحاجة مع الكفرة،
(152)
وما أكرمهم بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وما أنعم عليهم من أنواع النعم. وقوله: (رَسُولًا مِنْكُمْ): خاطب العرب، وذكرهم بما أنعم عليهم من بعث الرسول فيهم ومنهم، وإنزال الكتاب بلسانهم وهم كانوا يتمنون ذلك، كقوله: (لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ)، فمنَّ عليهم بذلك، وبه استوجبوا الفضيلة على غيرهم، وكفى بهم فضلًا، وقوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42). * * * وقوله: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) قيل: (فَاذْكُرُونِي) قيل: بالطاعة في الدنيا، (أَذْكُرْكُمْ) في الآخرة بالتجاوز عن سيئاتكم. وقيل: اذكروني في الرخاء والسعة، أذكركم في الضيق والشدة. وقيل: اذكروني في الخلوات، أذكركم في ملأ الناس وأذكركم في ملأ من الملائكة. ويحتمل: اذكروني بالشكر بما أنعمت عليكم، أذكركم بالزيادة عليها. واللَّه أعلم. وقوله: (وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)، أي: وجهوا شكر نعمتي إليَّ، ولا تشكروا غيري. ويحتمل: (وَاشْكُرُوا لِي): أي وجهوا العبادة إليَّ، (وَلَا تَكْفُرُونِ): ولا تعبدوا غيري. واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) قد ذكرنا تأويل هذه الآية فيما تقدم. وقوله: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) قيل فيه بوجوه: قيل: إن العرب كانت تعرف الموتى من انقطع ذكره، إذا لم يبق له أحد يذكر به من
نحو الولد وغيره فيقولون عند موت هَؤُلَاءِ: إن ذكرهم قد انقطع، فأخبر اللَّه تعالى نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنهم مذكورون في ملأ الملائكة. وقال الحسن: إن أرواح المؤمنين تعرض على الجنان، وتعرض أرواح الكفرة على النيران، فيكون لأرواح الشهداء فضل لذة ما لا يكون لغيرهم من الأرواح. ويكون لأرواح آل فرعون فضل ألم بعرضها على النار ما لا يكون لغيرهم من الكفرة ذلك، فاستوجبوا اسم الحياة بفضل لذة ما يجدون من اللذة على غيرهم. أخبر عَزَّ وَجَلَّ: أن أرواح الشهداء في الغيب تتلذذ مثل تلذذهم على ما كانت عليه في الأجساد في دنياهم هذه. وقيل: إن الشهيد حي عند ربه، كما عرف في اللغة: أن الشهيد هو الحاضر، أخبر عَزَّ وَجَلَّ أنهم حضور عند ربهم وإن غابوا عنكم. وقيل: إن الحياة والموت على ضروب: فمنها: الحياة الطبيعية، والحياة العرضية، والموت الطبيعي، والموت العرضي. فالحياة العرضية هي اليقظة، وهي الحياة بالدِّين، كقوله: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)، وكقوله في الحياة بالعلم، إنه ميت بالجهل. والحياة الطبيعية: هي التي بها قوام النفس. والموت الطبيعي: هو الذي به فوات النفسي. والشهادة: هي التي بها اكتساب الحياة في الآخرة، سمي به (حياة). واللَّه أعلم. ويحتمل قوله: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ)، أي لا تقولوا (أَمْوَاتٌ)، لما ينفر طبعكم عن الموت، ولكن قولوا (أَحْيَاءٌ) لترغب أنفسكم في الجهاد، إذ هو يرد بحياة الدنيا والدِّين، مع ما يحتمل أن يكون اللَّه بفضله يجعل لهم ما كان لهم لو كانوا أحياء يعملون. فكأنهم أحياء فيما جعلت لهم حياة الدنيا. واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) وقوله: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156).
(155)
وقوله: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ). قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ (155) وما ذكر فيه تذكير من اللَّه عَزَّ وَجَلَّ للخلق؛ لئلا يجزعوا على ما يصيبهم من أنواع ما ذكر، من المصائب. وفي كل نوع ما ذكر من المصائب إضمار " شيء "، من نحو (بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ) و (بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ) واللَّه أعلم؛ لأن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أخبر في غير آية من القرآن: أنه خلقهم للموت والفناء، وأن ما أعطاهم من الدنيا والزينة فيها كله للفناء والفوات بقوله: (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، وقال: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8). أخبر أن الدنيا وزينتها للفناء، فمن عرف أن ذلك كله لما ذكرنا يحق عليه ما يصيبه من الأمراض والأوجاع والنقص في الأموال والأنفس وما ذكر إذ ذلك كله، دون ما ذكر، وليعلموا أن ما أعطاهم من الحياة والصحة والسلامة لم يكن أعطاهم لحق لهم، بل للإفضال والإحسان، وقد جعل ذلك لمدة لا للأبد، فكأنه، في غير تلك المدة لغيرهم لا لهم، فعرفوا به منته لوقت وحقه وقت الأخذ. ثم يحتمل ما ذكر من الخوف وجهين: على جهة العبادة من نحو الأمر بمجاهدة العدو والقتال معه. ويحتمل لا على جهة العبادة، وكذلك الجوع يحتمل الجوع الذي فيه عبادة، وهو الصوم. ويحتمل ما يصيبهم من المجاعة في القحط ما أصاب أهل مكة سنين، وكذلك قوله: (وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ)، يحتمل: (وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ) يمتحنهم بأداء الزكاة والصدقة. ويحتمل الهلاك بنفسها، وكذلك (وَالْأَنْفُسِ) ويحتمل الصرف على الوجهين اللذين ذكرتهما. وكذلك (وَالثَّمَرَاتِ). ثم لا يحتمل خصوص الامتحان بما ذكر دون غيره؛ لأنهم كلهم عبيده، له أن يمتحنهم بأجمعهم بجميع أنواع المحن، لكن الوجه فيه ما ذكرنا أنه لما عرفهم أن كل ذلك إنما خلق للفناء، فالبعض منه كذلك، ليخف ذلك عليهم. واللَّه أعلم. ثم أمر نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يبشر الذين صبروا على المصائب التي امتحنهم بها عَزَّ وَجَلَّ، ولم يجزعوا عليها، وقالوا: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). فيه الإقرار بوحدانيته عَزَّ وَجَلَّ، وبالبعث بعد الموت.
وقيل: إن هذا الحرف خص به هذه الأمة دون غيرها من الأمم؛ لأنه لم يذكر هذا الحرف عن الأمم السالفة؛ ألا ترى أن يعقوب - عليه السلام - على كثرة ما أصابه من المحن والمصائب والحزن على يوسف لم يذكر هذا الحرف عنه، ولكن قال: (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ)، ولو كان لهم هذا لظهر منهم على ما ظهر غيره؛ فدل أنه مخصوص لهذه الأمة. واللَّه أعلم. ورُويَ عن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: " من استرجع عند المصيبة جبر اللَّه مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفًا صالحًا يرضى به ". ثم الصبر: هو حبس النفس عن الجزع على ما يفوت؛ إذ هو كله لله عَزَّ وَجَلَّ مستعار عند الخلق، والجزع على فوت ما لغيره محال؛ ألا ترى إلى قوله عَزَّ وَجَلَّ: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23). نهانا أن نحزن على ما يفوت عنا؛ إذ هو في الحقيقة ليس لنا، وأن نفرح بما أتانا؛ إذ هو في الحقيقة لغيرنا. واللَّه الموفق. وقوله: (بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ)، فهو على إضمار " الشيء " في كل حرف، إذ هو بحق العطف على ما تقدم؛ فكأنه قال: بشيء من الخوف، وبشيء من الجوع. ولا قوة إلا باللَّه. ثم يتوجه ما أخبر من البلوى إلى وجهين: أحدهما: أن يبلوه بعبادة فيها ما ذكر. والثاني: أن يبلوه بالذي ذكر لا على عبادة يدفع إليه؛ وذلك نحو أن يبلوه بالجهاد، وفيه الخوف، أو يبلوه بأنواع أوصاب تحل به، فيخاف عند ذلك على نفسه. والجوع: أن يبلوه بالصيام الذي فيه ذلك، أو بقلة الإتراب وغلاء الأسعار. ونقص من الأموال: يكون في الجهاد، والحج، والزكوات، والمؤن المجعولة في الأموال، ويكون في الخسران في التجارات، وما يلحق أنواع المكاسب من الحوائج. والأنفس: يكون بالجهاد، ومحاربة الأعداء، ويكون بأنواع الأمراض. والثمرات: ترجع إلى قلة الإنزال، وقصور الأيدي عما به ينال، ومفارقة الأوطان للجهاد والحج ونحو ذلك مما فيه. ثم اللَّه سبحانه وتعالى أخبر أنه يبلوهم بشيء مما ذكرنا، لا بالكل. دل أنه -عَزَّ وَجَلَّ -
(156)
لم يقطع عليهم كل المخارج، بل جعل لهم في كل نوع من ذلك مسلكًا وإن كان في ذلك نقصًا وضررًا، وجائز بلوغ ذلك تمام ما في كل نوع، لكنه بلطفه قرب إليهم فيما خوفهم وجه الرجاء، وعلى ذلك جميع الفعال ذي المحن أنها مقرونة بالخوف والرجاء، وكذلك هم في أنفسهم. ولا قوة إلا باللَّه. ثم إن اللَّه دلهم على ما عليهم من الحق فيما أخبر أنه يبلوهم به بحرف البشارة والوعد الجزيل الذي يسهل بمثله البذل لمن لا حق له، فكيف ومن له كليته ذلك؛ فقال الله تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ). ثم وصف الصابرين فقال: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) وهدى اللَّه عبده إلى الاعتماد بحرف التوحيد عند المصيبة؛ إذ جعل التوحيد داخلا في ذلك الحرف. وفيه التبري من أن يكون له في حكم اللَّه تدبيرًا ورأى، وبذل النفسي له وما للنفس ليحكم فيها بما شاء. وقوله: (إنَّا للَّهِ)، كأنه قال: ما لنا فيما ليس لنا حكم ولا تدبير، وأبدًا يكون الحكم في كل ملك لمن يملكه. وبمثل هذا يقدر على كف الأنفس عن الجزع وحملها على ما يكره. وقوله: (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، فكأنه يقول إذ إليه مرجعنا، لا فرق أن نرجع إليه جملة أو بالتفاريق، بل في التفريق علينا الإبقاء وفضل القبول منا البعض دون الكل. وفي ذلك تذكير النفسي عاقبتها ليكون كمن تقدم شيئًا مما به قوامه إلى مكان قراوه، وقد انتهى الخبر بالبلوغ. فمعلوم أن ذلك أطيب لنفسه، وأسكن بقلبه من أن يكون جميع ذلك معه. وبالله التوفيق. وجملة ذلك أن هذه الدنيا أنشئت لا لها ولكن ليكتسب بها الآخرة، وجعل كل شيء منها زائلًا فانيا لينال به الدائم الباقي. فهذا لأن حق كل فيما يصيبه أن يرى الذي أنشيء وما له يسعى، فيعلم أنه بلغ في تجارته غايتها من الربح، وأنه باع الشيء الفاني بالباقي، مع ما كان كل شيء من الدنيا مأوى بآفات الفناء والهلاك، فأبدل المأوى بالذي لا آفة فيه. فيجب في التدبير ألا يعد ذا مصيبة، بل هو أعلى السرور وأرفع الربح، لكن البشر - تجبل على طباع نافرة عن كل ألم جاهل بالعواقب التي لعلها يرغب فيها كل أحد، لا أن ينفر عنها. واللَّه المستعان. فإن قال قائل: هذا الاسترجاع خص به هذه الأمة؛ إذ قال يعقوب: (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) الآية. فهو واللَّه أعلم، إن كان فهو موضع التلقين والتعليم أن
(157)
قولوا ذلك، لا أن هذا المعنى مما يحتمل أن يكون يعقوب لا يحققه، بل حققه بقوله: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ). وقوله: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86). يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)، وهو مع ذلك قد كان بما أخبره يوسف، وبما أوحى إليه أنه قد علم أنه لم يهلك بعد، ولم يوجد منه إلى حيث يرجع هو إليه من البعث بعد الموت. ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ (157) قيل: الصلاة من اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يحتمل وجوهًا: يحتمل: الرحمة والمغفرة. ويحتمل: الصلاة منه - مباهاته الملائكة؛ جوابًا لهم لما قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)، كيف قلتم هذا؟ وفيهم من يقول كذا. وقيل: الصلاة منه: الثناء عليهم. وأي كرامة تبلغ كرامة ثناء اللَّه عليهم. وقوله (وَرَحْمَةٌ) وقَالَ بَعْضُهُمْ الرحمة والصلاة واحد وهو على التكرار، وقيل: الرحمة: النعمة وهي الجنة. وقوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) شهد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بالاهتداء لمن فوض أمره إلى اللَّه تعالى، ويسلم لقضائه وتقديره السابق وهو كائن لا محالة؛ كقوله: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ). قال الشيخ - رحمه اللَّه -: قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ) يبلوهم بالذي كان به عالمًا ليكون به ما علمه يكون بالأمر والنهي بحق المحنة، وهو كما يستخبر عما هو به خبير، مع ما كانت المحنة في الشاهد لاستخراج الخفيات يكون بالأمر والنهي، فاستعملت في الأمر والنهي، وإن كان لا يخفى عليه شيء، بل هو كما قال: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ). ثم له جعل الغيب شاهدًا، فجرت به المحنة، ليعلم ما قد علمه غائبًا شاهدًا، إذ هو موصوف بذلك في الأزل. وباللَّه التوفيق. ثم كان العبد بجميع ما هو له من السعة والسلامة فهو لله في الحقيقة، لكنه بفضله
(157)
وكرمه يعامل عبيده معاملة من ليس له ما كان يطلب منه ولي أمره به، فقال: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)، وقال: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) ليكون ذلك أطيب لأنفسهم وأرغب لهم في البذل لما طلب منهم، وإن كان له أخذ ذلك منهم بلا شيء يعدهم عليه، فعلى ذلك قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) بالذي ذكر، يدلهم على أن ذلك منه؛ ليعلموا أنه فيما كان وعد الاشتراء منهم، وطلب منهم البذل بجزيل العوض لهم، فيخف ذلك عليهم وتطيب به أنفسهم، وأن يكون يذكر أولا أنه يبتليهم بالذي ذكر ليطيبوا أنفسهم به، ولا يتكلفوا ذلك من قلوبهم، فيضجرون عند الابتلاء بذلك، وكذا كل خلاف للطبع إذا كان عن رياضته إياه وإشعاره به قبل النزول، كان ذلك أيسر عليه من أن يأتيه ذلك من حيث لم يهلمم به، مع ما كان في ذلك خطر بالقلوب نسبة مثله إلى الخلق والتشاؤم بهم، فقدم اللَّه في ذلك البيان ليعلموا أن ذلك بالذي جرى به الوعد، وذلك كقوله: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ)، الآية، فبين أن ذلك مكتوب عليهم لتطيب الأنفس وتطمئن القلوب عليه. والأصل في هذا: أن جميع ما ذكر البلوى به في التحقيق ليس بحق للعبد، بل هو امتنان من اللَّه وإفضال منه، وأنه لم ينشئه ولا أحياه نشوء الأبدية ولا حياة السرمدية، فعلى ذلك جميع ما أنعم عليه، وإذا سكن العبد على هذا الذي جبل عليه أمر نفسه وما ملك عليه سهل عليه ذهابه، وطابت به نفسه، مع ما يعلم أنه أنعم عليه لوقت، ثم هو نعمة على غيره ولغيره، فيكون المأخوذ منه في الحقيقة لغيره، وإن كان اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ذكره في الابتلاء والمصائب، فهو على ما أخبرت من كرمه فيما يعامل عبيده عَزَّ وَجَلَّ. ولا قوة إلا باللَّه. ثم بين اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ما يكرمهم؛ إذا خضعوا لحكمه ورضوا لقضائه، مع ما دل عليه أيضًا بقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . .) الآية، فقال: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)، وقال في موضع آخر: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، فكان من فضله أن سمى ما وعدهم على الصبر أجرًا، ومعلوم أن كان ذلك حقا لله عليهم، بالسابق من نعمه، مع عظم مننه، لكنه سمى ما أفضل به أجرًا له، مع ما كان العبد
يعمل لنفسه، ولا يحتمل أن يستحق به الأجر لولا الإنعام منه جل ثناؤه. ثم وعد له في حال فعله بخصال ثلاثة: إحداها: أن عليه صلاته. وصلاته تحتمل مباهاته الملائكة تعظيمًا لما بذل عبده له، وخضع لحكمه عليه، وهو أن قالوا: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ. . .) الآية، فيخبرهم أن هذا قد سبح حضرة المصيبة، وخضع لحكمه عليه فيها بالاسترجاع. ويحتمل: مغفرته وإيجاب الثواب الجزيل له بقوله: (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)، (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ). وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) إلى ما ذكر من الإفضال. واللَّه الموفق. ويحتمل ثناؤه ذكرهم في أخبار عباده، كقوله: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ)، وقوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا. . .) الآية. مع ما يرجى له من زيادة الهدى في الدنيا بقوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)، وقوله: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ). والثانية: الرحمة. قد يرجع إلى ما ذكرنا، وجائز أن تكون، رحمته هي التي أكرمته بذلك الاسترجاع. ويحتمل: النعمة، أو رحمة يلقيها في قلوب العباد حتى يحبونه بها، أو خلف يعطيه في الدنيا. والثالثة: ثم شهد اللَّه لهم بالهداية، وذلك يحتمل: أن يكونوا اهتدوا لدينه، ولما من عليهم في المصيبة من التسليم لله. ويحتمل: الاهتداء لطريق الجنة على ما بينه أنه وعد الشهداء. ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) للاسترجاع. وقد رُويَ عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " لم يعط الاسترجاع من كان قبلكم "،
فهو على ما بينا من القول به، وأما حق التسليم فقد كان في توقيت وقت الصبر، ثم روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " الصبر عند الصدمة الأولى ". وقد رُويَ عن أنس، رضي اللَّه عنه، أن رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم قال: " ما من مصيبة وإن طال عهدها فيجدد لها العبد بالاسترجاع إلا جدد اللَّه له ثوابها كلما استرجع ". فلعل هذا لمن أحسن القبول وقت المصيبة، أو رجع عما كان فرط منه وتاب. والأول في غير ذلك. واللَّه الموفق. ثم في الآية وجوه من المعتبر: أحدها: ما يلزم العبد من المصائب، وما يستوجبه إذا وفَّى بما عليه. والثاني: في ذلك بيان أن الصحة، والأمن، وحفظ المقدر لأحد ليس بلازم في الحكمة، لكنها إنعام من اللَّه، وله الابتلاء بأخذه؛ إذ لو كان عليه الأول لم يكن يلزمه الشكر في ذلك. واللَّه الموفق. والثالث: أن اللَّه تعالى ذكر أنه بَلَا العباد بالذي ذكر، ومعلوم أن ذلك يجري على أيدي العباد بهم، فأضاف ذلك إلى نفسه. ثبت أن له في ذلك، تدبيرًا حتى يبلوهم به. والله أعلم. وفيه أن اللَّه تعالى قال: ونبلوكم بكذا، ولم يكن كان يومئذ ثم كان ذلك، وكذلك قوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ. . .) الآية. ثم بلوا بذلك ليعلم أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - علم ذلك باللَّه، وتبين أيضًا أنه بموضع البشارة بما يعظم على الخلق ويقتضي القرار في الطبع، لم يحتمل أن يجيزهم به لولا الأمر به وطاعة اللَّه في ذلك. وأيضًا أنه ذكر الخوف فيعلم أن الخوف من الخلق لا يوهن الاعتقاد، وكذلك قوله: (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، فعلى ذلك، الرجاء والطمع وجملته أن أمر
(158)
الدنيا محمول كله على أسباب، لا أنها توجب ولكن اللَّه تعالى أجرى أحكامه عليها، فيكون الخوف والرجاء في التحقيق من اللَّه تعالى أن يكون جعل ذلك سببًا. والله الموفق. وأيضا: أن يعلم أن المصائب في الدنيا ليست كلها عقيب الآثام، بل لله تعالى الابتلاء بالحسنات والسيئات، أيضًا لا يدل على وهن عقد المصائب، ولا زلة بليَ بها. وعلى ذلك أمر الأنبياء والرسل، عليهم السلام، ولكن على وجهين: أحدهما: أن يكون اللَّه تعالى يريد أن يحميَ وليه لذات الدنيا لينالها موفرة في الآخرة. والثاني: أن يكون لهم بعده زلات لا يسلم عنها البشر، فيبتلوا، فيبعثوا يوم القيامة ولا زلة بقيت مما يجزيهم تلك. ولا قوة إلا باللَّه. وإنما كذلك جعلت لمحنة. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) قال دلَّ: قوله: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ). دلَّ أن صعودهما من اللازم في نسكه، وكذلك صعد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الصفا وقال: " نبدأ بما بدأ اللَّه "، وقد قال اللَّه تبارك وتعالى: (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) الآية، ولم يقل: بينهما. فمن لم يصعد الصفا والمروة فلم يطف بهما، مع ما قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ)، وفي ترك صعودهما إحلال شعائر اللَّه، إذ قد بين اللَّه أنهما (مِن شَعَائِرِ اللَّهِ). وما روي أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - طاف بينهما على ناقته، ومعلوم أن ناقته لا تصعدهما، فهو عندنا للعذر فعل ذلك، وإلا فإنه قد رُويَ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنه صعدهما واستقبل البيت وقال: نبدأ بما بدأ اللَّه. دليل ذلك ما رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ عنه، أنه طاف بينهما على ناقته وبالبيت لعُذر به. ولا يحتمل أيضا أن يكون بغير عذر وهو الملقب بالسعي؛ لما فيه من فعل السعي، والراكب لا يسعى.
وقال الشافعي: رُويَ عن جابر بن عبد اللَّه: أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - طاف بالبيت وبين الصفا والمروة على ناقته ليرى الناس. وقال: خبر جابر أولى من خبر ابن جبير؛ فكأنه وقع عنده أنه عن ابن جبير. وذلك عن ابن جبير عن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، وهو أولى؛ لأن العذر كامنٌ لا يعرف بالنظر من بعد، وإنما يعرف بالتأمل، أو بالخبر من عند ذي العذر، وعلى هذا خرج خبر ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ عنه، على أن خبر جابر لو صح على ما يروى فهو لما ذكر أنه " يرى الناس، فكأنه أراد أن يعلمهم، وذلك كالتعليم منه، والتعليم عليه لازم، فهو بتركه يلام عليه، فذلك عذر. واللَّه أعلم. والثاني: أنه يجوز أن يكون فعله ذلك ليس هو فعل ما كان عليه، أنه كيف كان يفعله؛ فكان ذلك لمكان الدلالة للخلق بذلك هو الأمر المتوارث من صنيع الحج والعمرة، أن الأولى يفعلون ما يفعل الحاج، لا على فعل الحج، ولكن على التعليم؛ فعلى ذلك أمر المرُويَ عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. واللَّه أعلم. ثم اختلف في الطواف بينهما بعد ما قيل: إن الجناح فيه لوجهين: أحدهما: ما قيل: كان بالصفا صنم وبالمروة صنم فيخرجوا لمكانهما. وقيل: كان بينهما أصنام، لذلك كان يخرجهم. ثم قال الشافعي: إن السعي بينهما مفروض، حتى لو ترك الحاج خطوة منه وأتى
أقصى بلاد المسلمين أمر بالعود ليضع قدمه موضعها ويخطو تلك الخطوة. واحتج بما روت صفية بنت فلان أنها سمعت امرأة سألت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فقال: " إن اللَّه كتب عليكم السعي بين الصفا والمروة فاسعوا ". وهو يأتي مرة بقبول المراسيل لتوهم الغلط، ومرة يحتج بامرأة لا يعرف ولا يذكر اسمها. والوجه فيه إن ثبت وصح أن الكتاب يحتمل غير ما قاله. وهو أن يقال: (كُتِبَ) أي حكم، كقوله: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ)، وقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ)، قيل: به حكم اللَّه عليكم. وقال آخرون: ليس بفرض ولا لازم. واحتجوا بما ذكر في حرف أُبي: " لا جناح عليه أن لا يطوف بينهما "، ولا يذكر ذلك في شيء واجب. والثاني: إن هذه اللفظة لفظة رخصة، ولا يرخص بترك ما هو فرض أو لازم. ثم الجواب عن الحرف الأول أن اللات ربما تزاد وتنقص، ولا يوجب زيادتها ونقصانها تغير حكمها، كقوله: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)، أي: لا تضلوا. ومثل هذا كثير في القرآن. والثانى: ما ذكرنا أن المسلمين كانوا يتحرجون عن الطواف بينهما لمكان الأصنام. فبين عَزَّ وَجَلَّ أن لا حرج عليهم في ذلك، لا أن ليس الجناح يدفع الحرج في تركه. وأما عندنا: فهو لازم؛ لأنه نوع ما لا يتبرع به، والأصل عندنا: أن ما لا يتبرع به يخرج الأمر به مخرج الوجوب واللزوم؛ كالطواف، وسجدة التلاوة، وكالوتر، والأضحية وغيره. وقد رُويَ عن عائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، أنها قالت: " ما تم حج امرئ قط إلا بالسعي ". فهو وصف بالنقصان لا وصف بالفساد، وفرق بين التمام من النقص وبين
(159)
الجواز من الفساد. وقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ). قيل: (شَاكِرٌ)، أي يجزيهم جزاء الخطير بعمل اليسير. وقيل: يقبل القليل ويعطي الجزيل. وهو واحد. عامل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بكرمه ولطفه عباده معاملة من لا حق له في أموالهم وأنفسهم؛ حيث وعد قبول اليسير من العمل، وإعطاء الجزيل من الثواب؛ وحيث طلب منهم الإقراض، ووعد لهم العظيم من الجزء، كمن لا حق له فيها، بقوله: (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا)، وحيث خرج القول منه في الابتلاء والامتحان مخرج الاعتذار لهم كأن لا حق له فيها، بقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ. . .)، ثم بشرهم بالجنة بما صبروا على أخذ ما له أخذه، وذلك من غاية اللطف والكرم. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ). قيل: (الْبَيِّنَاتِ) وهي الحجج، أي كتموا ما أنزل اللَّه من الحجج التي كانت في كتبهم. وقيل: كتموا ما بين في كتبهم من نعت مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفته. وجائز أن يكون (الْبَيِّنَاتِ) وما بين للخلق مما عليهم أن يأتوا ويتقوا من الأحكام من الحلال والحرام. وقوله: (وَالهدَى). قيل: الصواب والرشد. وقيل: (وَالْهُدَى) ما جاءت به أنبياؤهم من شأن مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ودينه وأمروا من هديه من
(160)
تصديقه وقيل: كتموا الإسلام ومن دين اللَّه كتموا محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. وقوله: (مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ) اختلف في الناس. قيل: هم اليهود كتموا بعد ما بين لهم. وقِيل: بينا للمؤمنين ما كتمهم اليهود من نعته ودينه. ويحتمل: البيان بالحجج والبراهين. ويحتمل: البيان بالخبر، أخبر المؤمنين بذلك. وقوله: (أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ)، قال بعض أهل الكلام: اللعن: هو الشتم من الله تعالى، لكنا لا نستحسن إضافة لفظ الشتم إليه؛ لأن المضاف إليه الشتم يكون مذمومًا به في المعروف مما جبل عليه الخلق. ونقول: اللعن: هو الطرد في اللغة، طردهم اللَّه عز وجل عن أبواب الخير. وقوله: (وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ)، يعني الداعين عليهم باللعن، سموا بذلك " اللاعنين ". ويحتمل: تستبعدهم عن الخيرات وأنواع البر. وقيل: (اللَّاعِنُونَ) هم البهائم، إذا قحطت السماء، وأسنت الأرض قالت البهائم: منعنا القطر بذنوب بني آدم، لعن اللَّه عصاة بني آدم. وقوله: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا (160) قيل: (تَابُوا) عن الشرك، و (وَأَصْلَحُوا) أعمالهم فيما بينهم وبين ربهم، و (وَبَيَّنُوا) صفة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقيل: (إلَّا الَّذِينَ تَابُو) عن الكتمان، و (وَأَصْلَحُوا) ما أفسدوا بالكتمان، و (وَبَيَّنُوا) ما كتموا. وقوله: (فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ). قيل: يتوب عليهم: يقبل توبة من يتوب. وقيل: يتوب عليهم، أي: يوفقهم على التوبة. وقيل: (الرَّحِيمُ): هو المتجاوز عن ذنبهم في هذا الموضع.
(161)
وقيل: الكاشف عن كربهم. وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) قيل: لعنة اللَّه، هو إدخاله إياهم النار وإخلادهم فيها. ولعنة الملائكة قوله: (أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)، جوابًا لما سألوهم من تخفيف العذاب، كقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ)، وكقوله: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ)، فتقول لهم الملائكة: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ)، هذا ما قيل من لعنة الملائكة. وقيل: لعنة الناس أجمعين، أنهم لما طلبوا من أهل الجنة: الماء بقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ)، هذا لعنة الناس. واللَّه أعلم. وقوله: (خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) قيل: لا يقالون ولا يردون إلى ما تمنوا، كقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ). وقيل: لا ينظرون ولا يؤجلون. وقيل: لا يناظرهم خزان النار بالعذاب. * * * قوله تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164). وقوله: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ). ذكر هذا الاسم؛ لأن كل معبود يعبد عند العرب يسمون إلهًا؛ كقوله: (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ)، وكقوله (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)؛ لهذا ذكر أن إلهكم الذي يستحق الألوهية والعبادة واحد بذاته، لا واحد من جهة العدد بالخلق ذي أعداد وأزواج وأشكال، بل واحد بذاته وبجلاله وعظمته وارتفاعه وتوحده عن شبه
(164)
الخلق وجميع معايبهم. يقال: فلان واحد زمانه. يراد لارتفاع أمره وعلو مرتبته، لا بحيث العدد، إذ بحيث العدد مثله كثير. وقوله: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، فيه إثبات إله واحد، وفي قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) ونفى غيره من الآلهة. فَإِنْ قِيلَ: لم كان هذا دليلًا؟ وهو في الظاهر دعوى. قيل له: دليل وحدانيته في قوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) خلق السماوات وجعل فيها منافع، وخلق الأرض وجعل فيها منافع للخلق، ثم جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض لبعد ما بينهما؛ إذ لا منفعة للخلق في منافع إحداهما إلا باتصال منافع الأخرى بها من نحو ما جعل من معرفة الطرف في الأرض بالكواكب، وإنضاج الأعناب والثمار وينعها بالشمس والقمر، وجعل إحياء الأرض وإخراج ما فيها من النبات من المأكول والمشروب والملبوس بالأمطار؛ فدل اتصال منافع أحدهما بالآخر وتعلقها به على أن منشئهما واحد؛ لأنه لو كان من اثنين لكان إذا قطع هذا وصل الآخر، وإذا وصل هذا قطع الآخر. فإذ لم يكن، ولكنه اتصل، دل أنه فعل واحد، فهو ينقض على الثنوية والزنادقة قولهم. وكذلك يدل اختلاف الليل والنهار على أن خالقهما واحد؛ لأنه لو كان اثنين لكان إذا أتى هذا بالليل منع الآخر بالنهار، وإذا أتى أحدهما بالنهار منع الآخر بالليل. وفيه ذهاب عيش الخلق، وفي ذهابه تفانيهم وفسادهم. فدل أنه واحد. والثاني: أنه جعل للخلق في الليل والنهار منافعًا، وجعل بعضها متصلة ببعض متعلقة مع تضادهما، كقوله: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ). فدل اتصال منافع أحدهما بالآخر مع اختلافهما وتضادهما أن محدثهما واحد. وفيه دلالة حدوث العالم؛ لما ذكرنا من تغييرها وزوالها من حال إلى حال. فدل تغييرها وزوالها على إنما حدث زوال مثل هذه الأشياء بابتدائها وعجزها على قدرة مثلها على أن لها محدثًا.
والثاني: أن كل واحد منهما، أعني الليل والنهار، يصير بمجيء الآخر مغلوبًا، فلولا أن كان ثم لغير فيه تدبير، وإلا ما احتمل أن يصير مغلوبًا بعد ما كان غالبًا، فدل أن لهما محدثًا، وأنه واحد. فيه دلالة البعث والحياة بعد الموت؛ لأن الليل يأتي على النهار فيتلفه ويذهب به حتى لا يبقى فيه من أثر النهار شيء، وكذلك النهار يأتي على الليل فيتلفه حتى لا يبقى من أثر الليل شيء. ثم وجد بعد ذلك كل واحد منهما على ما وجد. في النشوء من غير نقصان ولا تفاوت. فدل أنه قادر على إنشاء ما أماته وأتلفه، وإن لم يبق له أثر، على ما قدر من إيجاد ما أتلف، وإنشاء ما أذهب من الليل بالنهار، ومن النهار بالليل، وإن لم يبق له أثر. وقوله: (وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)، وقيل: اختلافهما وما جعل أحدهما مظلِمًا والآخر مضيئًا. وقيل: اختلافهما لنقصانهما وزيادتهما، إذ ماينتقص من أحدهما يزداد في الآخر، فدل انتقاصهما وزيادتهما على أن منشئهما واحد؛ لأنه لو كان من اثنين لمنع كل واحد منهما صاحبه من الزيادة والنقصان، وباللَّه التوفيق، ولتغير التدبير، ولا يجري كل عام الأمر فيه على ما جرى عليه في العام الأول. وقوله: (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ) فالآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأنه عَزَّ وَجَلَّ جعل الفلك التي تجري في البحر من آياته. والمعتزلة جعلوها من آيات البحارين؛ لأن الفلك قبل أن يعمل فيها وينحت لا تسمى فُلْكا، ولكن يسمى خشبًا، فلو لم يكن عمل العباد وفعلهم فيها من مصنوعه ومخلوقه، لزال به موضع الحجاج وتسميته باسم الآيات؛ فدل أن له فيها صنعًا وتقديرًا حيث صار من عجيب آياته. ثم فيه أعجوبة، وهو أن الطباع تنفر من مغافصة البحر بالاطلاع على أمواجهه وأهواله، وأراهم من عظم آياته مما يجريه في البحر على الحفظ والأمر الواقع لهم؛ فدل أنه من عند قادر لطيف خبير. وفيه أيضا دلالة وحدانيته؛ وذلك أن أهل البر لهم الانتفاع بأهل البحر، ولأهل البحر الانتفاع بأهل البر على بعد ما بينهما وتضادهما؛ فدل أن محدثهما واحد. ثم فيه دلالة إباحة التجارات مع الخطرات على احتمال المشقات وتحمل المؤنات. وفي ذلك دلالة النبوة؛ لأن يعلم أن اتخاذ السفن وبما فيه من المنافع لا يقوم له تدبير البشر، ثبت أنه علم ذلك ممن علم جواهر الأشياء، وما يصلح الأشياء وما لايصلح، وفي الحاجة إلى ذلك إيجاب القول بالرسالة للبشر.
وقوله: (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ)، وفيه دلالة فضل العلوي على السفلي؛ لأن ما ينزل من السماء من الماء ينزل عذبًا، وما يخرج من الأرض يخرج مختلفًا: منه ما هو عذب ومنه ما هو أجاج، ومنه ما هو مر. فدل ذا على فضل العلوي على السفلي. وقوله: (فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)، قد ذكرنا هذا أن فيه دلالة البعث. وقوله: (وَبَثَّ فِيهَا)، قيل: خلق. وقيل: بسط. وقيل: فرق. (مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ). قيل: جعل فيها من كل جوهر الدابة. منها: ما جعل مأكولًا منتفعًا بها من كل أنواع المنافع؛ ليدلهم وليرغبهم على ما وعد لهم في الجنة. ومنها: ما جعل غير مأكولة ولا منتفع بها، بل جعلها أعداء لهم ليدلهم على تحذير ما أوعدوا وحذروا في النار. وقوله: (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) يحتمل وجهين: يحتمل: تصرفها مرة للعذاب، ومرة للمنافع؛ لأنه جعل فيها منافع كثيرة للخلق: بها تجري السفن في البحار، وبها تنشر السحاب في الهواء، وبها تنتفي الأشياء، وبها يتميز ما للخلق مما للدواب مما يكثر ذلك. ثم يعلم من عظم لطفه أنه جعل الهواء بحال لا يقر فيها شيء وإن لطف، والسحاب مع غلظه وكثافته جعل الهواء مع لطافتها ورقتها مقرًّا للسحاب حتى يعلم أن ليس لغير اللَّه فيه تدبير. ويحتمل: (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) صرفه إياها مرة صباء، ومرة دبورا، ومرة جنوبًا ومرة نسيمًا، ومرة يمينا، ومرة شمالا للمنافع. ثم فيه دلالة أنها من الأجسام، لا من الأعراض؛ لأنه جل وعز جعلها ماسة مانعة لا صارعة من قام في ناحيتها، وذلك صفة الأجسام، لا صفة الأعراض، لكن لا ترى للطافتها؛ فدل أنها من الأجسام ما لا يرى ولا يمس، كالهواء لا يرى ولا يمس وهو من الأجسام، وكالذرة التي في الشمس ترى ولا تمس.
(165)
ثم دلهم - عَزَّ وَجَلَّ - أن الذي سخر السحاب بالرياح التي جعلها في الهواء، وبما فيها من المنافع التي تقدم ذكرها، على أن مدبرهما واحد؛ إذ لو كان التدبير من عند اثنين لأوجب التناقض في التدبير والصنعة، إذ يجعل كل منهما على خلاف ما جعله الآخر، ويتدبر كل منهما لينقض تدبير الآخر. وفي اتساق التدبير وإتقان الصنعة وإحكامها دليل أن إلهكم هو الواحد الذي دعتكم هذه الأشياء إلى الإقرار بوحدانيته، وألزمتكم العبودية له بما أودع له في كل هذه المصنوعات من أدلة وحدانيته وآيات ربوبيته؛ ولهذا قال: (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ليعتبروا ما فيها من الأدلة والحجج؛ إذ من لا يعقل جهة الحكمة في خلق هذه الأشياء: مم خلقت؟ ولماذا خلقت؟ وما الحكمة فيها؟ يستوي عليه خلقها وغير خلقها. ثم فيه دلالة أن ما خلق من السماوات والأرض، والليل والنهار، والرياح والسحاب، خلقها ليدلهم على وحدانيته وربوبيته، وجعلها مسخرة مذللة لهم. وباللَّه التوفيق. * * * قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167). وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ). قيل فيه بوجوه: قيل: (يَتَّخِذُ) يعبد (مِنْ دُونِ اللَّهِ). وقيل: (يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا) في التسمية. يعني: يتخذ الجواهر التي تصاغ أو تنحت ونحو ذلك، مما يتعلق كونهم بصنيعهم، يسفههم بهذا، أنهم تركوا عبادة من به قامت لهم كل نعمة، وسلم لهم كل خير، وعبدوا ما قد اتخذوه بالمعالجات ولا قوة إلا باللَّه. وقيل: (يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا)، أي أشباهًا في التسمية، أو أعدالًا في العبادة، أو شركاء في الحقوق كقوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا
هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا. . .) الآية، يسفههم بما عبدوا ما قد صنعوه بالصناعة أو النحت، وزينوا بأنواع الزينة، وعلموا أنه لا يملك شيئًا، وأعرضوا بذلك عن عبادة من عرفوه بشهادة جميع العالم به ألهم وعلموا أنه لا يملك شيئًا مما عبدوه ضرَّا ولا نفعًا، بل لو كان يجوز العبادة لغير اللَّه لكان أُولَئِكَ الذين اتخذوا أولى من المتخذين. ثم بين عظم سفههم: علمهم بجهلها بعبادتهم، وعجزها عن الدفع عنها، ثم قاموا بنصرها والدفع عنها سفهًا بغير علم. وقوله: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ). قيل: يحبون عبادة الأنداد وطاعتهم كحبهم عبادة اللَّه وطاعته؛ لأنهم يقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، ويقولون: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ). وقيل: يحبون عبادة الأنداد كحب المؤمنين عبادة ربهم. وقيل: يحبون آلهتهم كما يحب الذين آمنوا ربهم. ثم قال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) منهم لآلهتهم. قيل: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) أي: أشد حبًّا لأجل اللَّه. وقيل: أي أشد اختيارًا لطاعته، وأكثر ائتمارًا وإعظامًا وإجلالًا لأمره من إعظامهم وإجلالهم آلهتهم. واللَّه أعلم. (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) أي لعبادته منهم لعبادة الأوثان من حيث لا يؤثر المؤمن على عبادة اللَّه، أعني في الاختيار لا فيما يوجد من ظاهر الأحوال في الدارين جميعًا، وهم يتركون عبادة الأوثان بوجود ما هو أعجب منها أو بأدنى شيء من متاع الدنيا. ثم المحبة -محبة الشهوة والميل إليها، وهو في الخلق، لا يحتمل في اللَّه، ومحبته- الطاعة وإيثار الأمر والإعظام، فهو في اللَّه يحتمل. وبعد فإن الحب يخرج على الثناء، وعلى العبادة والطاعة، وعلى التبجيل والتعظيم، وقد يخرج على ميل القلوب، فحب الكفرة هذا، وهو حب الجسداني به الذي يولده
(166)
الشهوة أو يستحسنه البصر. وحب اللَّه من المؤمنين من هذين الوجهين فاسد، بل همو من الوجوه التي ذكرنا، وقد كان حب الهيبة والرغبة؛ إذ علموا النعم كلها من اللَّه تعالى، وعلموا أن السلطان والعزة لله ولا أحد ينال شيئًا من ذلك إلا باللَّه، فأوجب ما عنده من النعم الرغبة، وما له من السلطان الهيبة. فذلك طريق حب المؤمنين مع ما ظهر من أياديه التي لا تحصى وأفضاله التي لا تحاط، والعلم بهما موجبًا تعظيم الأمور والمبادرة بالقيام بها مع الأدلة المظهرة تعاليه عن تقدير العقول وتصوير الأوهام. فيكون حبه في الحقيقة في تعظيم أموره، وحسن صحبة نعمه، ومعرفة حقوقه، لا في توهم ذاته، وإشعار القلب ما يعقله ليرجع المحبة إلى ذلك، بل هو فيما ذكرت؛ ولذلك أمر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يقول لهم: (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)، وهو أن من أحب آخر محبة الجلال والرفعة عظم رسوله وانقاد لما يدعوه إليه وإن كان في ذلك هلاكه، وتعظيمًا لأمره وتبجيلًا، فكيف فيما نجاته وفوزه في الدارين. واللَّه الموفق. وقوله: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ). قوله: (يَرَى) قرئ بالياء والتاء جميعًا. ومن قرأ بالتاء جعل الخطاب لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، يقول: ولو ترى الذين ظلموا يا مُحَمَّد: شهدوا لك: (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا). ومن قرأ بالياء، يقول: ولو يرى الذين ظلموا في الدنيا إذا رأوا العذاب يعلمون أن القوة لله جميعًا. ويحتمل: لو علم الذين ظلموا إذا علموا عذاب الآخرة يعلمون أن القوة لله جميعا، ويحتمل: المراد من قوله: (يَرَى)، أي: يدخل، كقوله: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى) أي لمن يدخلها ويصليها. وقوله: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ (166) (الَّذِينَ اتُّبِعُوا) يعني: الرؤساء، (مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) يعني: الأتباع والسفلة، تبرأ بعضهم من بعض العبادة من الأتباع من القادة، وهو كقوله: (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا
(167)
هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38). وقوله: (وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ)، وكقوله: (يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)، وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا)، وقوله: (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ)، وكقوله: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ). وقيل: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا)، يعني: الشياطين، (مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) يعني: الإنس. وقيل: يبرأ اللَّه كلا غدا أن أوثانهم لن تغني عنهم شيئًا، ولا شركاؤهم الذين أضلوهم، ولا أشرافهم شغلوا عنهم حين عاينوا النار. وقوله: (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ). قيل: (الْأَسْبَابُ) والأرحام والأنساب؛ كقوله: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)، وكقوله: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37). وقيل: (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ) يعني العهود والأيمان التي كانت بينهم في الدنيا. وقيل: تواصلهم في الدنيا وتوادهم لم ينفعهم شيئًا؛ لأنهم كانوا يتواصلون ويتوادون في الدنيا رجاء أن ينفع بعضهم بعضًا؛ كقوله: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ). وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) وقوله: (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ) التي لم يريدوا اللَّه بها. (حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ)، أي: حسرة عليهم وندامة.
(168)
وقيل: كل عمل عملوه أرادوا به غير وجه اللَّه، كان ذلك عليهم حسرة يوم القيامة. وقيل: أعمالهم التي عملوها في الدنيا تصير حسرات عليهم حين يرفع اللَّه لهم الجنة، فينظرون إلى مساكنهم التي كانت لهم، وبأسمائهم لغيرهم، وبأسماء غيرهم لهم. قال: وهذا عندي لا يصح أن يجعل اللَّه لأحد نصيبًا في الجنة ثم يحرمه، ولكن هذا على أصل الوعد -وعد من أطاع اللَّه الجنة، ومن عصاه النار- فهو على أن هَؤُلَاءِ لو أطاعوا كان لهم نصيبًا في الجنة، وهَؤُلَاءِ لو عصوا كان لهم نصيبًا في النار. أو يكون ذكر النصيب لهَؤُلَاءِ في الجنة هو الذي ادعوه لأنفسهم كما قالوا: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى)، فيحرمون ونورث عنهم ما ذكروا أنه لهم في الجنة؛ كما قال اللَّه تعالى: (كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80). * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) قيل فيه بوجوه: قيل: إنهم كانوا يحرمون التناول من أشياء والانتفاع من نحو البحائر، والسوائب، والوصائل، والحوامي، فيقولون: حرم الانتفاع بها؛ فأنزل اللَّه تعالى فقال: (كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا) وانتفعوا بها؛ فإن اللَّه لم يحرمها عليكم، كقوله: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103). وقيل: خلق في الأرض ما هو حلال وما هو حرام؛ فأباح التناول من الحلال ونهى عن الحرام. وقيل: إن قومًا يحرمون التناول من الرفيع من الطعام والرفيع من الملبوس، ويتناولون من الدرن والرثة، فنهوا عن ذلك. ولا يحتمل أن يراد بالطيبات الحلال منها، ولكن ما تطيب النفس من التناول؛ لأن
(169)
النفس لا تتلذذ بالتناول من كل حلال، ولكن إنما تطيب بما هو لها ألذ وأوفق. والله أعلم. وعلى ذلك قوله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ. . .) الآية. فيكون كأنه الذي في الأرض حلالًا وحرامًا، ثم فما حل طيب دون ما حرم. فأمر بأكل ما طاب من ذلك إذا قدر عليه؛ لأنه على قدر طيبه يعظم محله في القلب، وعلى ذلك يرغب نفسه بالشكر لمن أنعم به عليه، والتعظيم لمن أكرمه بالذي طابت له به النفس. واللَّه أعلم. واختلف في قوله: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ). قيل: آثار الشيطان. وقيل: وساوس الشيطان. وقيل: سبل الشيطان؛ كقوله: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ). فهو يرجع إلى واحد. وقوله: (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)، وذكر في موضع آخر، وسماه وليًّا بقوله: (أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ). فالوجه فيه أنه يريهم في الظاهر الموالاة ولكنه يريد في الباطن إهلاكهم، فإذا كان كذلك فهو في الحقيقة عدو. وجائز أن يكون (أَوْلِيَاؤُهُمُ)، أي هو أولى بهم إذ عملوا ماعملوا بأمره، أو أولياؤهم بما وافقوهم في الفعل، وشاركوهم في الأمر، وكانوا في الحقيقة لهم أعداء، إذ ذلك هلاكهم. ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)؛ لأنه يوسوس ويدعو فإن أطاعه -وإلا ليس له عليه سلطان سوى ذلك- فهو ضعيف؛ لأن من لا ينفذ على رعيته سوى قوله فهو ضعيف، يوصف بالضعف - واللَّه أعلم - ولكون ضعيفا على من يتأمل مكائده ويتحفظ أحواله. وقوله: (إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ (169) قيل: يحتمل: أن يكون السوء هو الفحشاء، والفحشاء هو السوء. لما أن كل واحد
منهما يشتمل على كل نوع من الآثام. ويحتمل: أن يكون السوء ما خفي من المعاصي، والفحشاء ماظهر منها. وقيل: السوء ما لا حد فيه، والفحشاء ما فيه حد من نحو الزنى وشرب
الخمر وغيره.
(170)
وقيل: الفحشاء ما فحش في العقل، والسوء ما ينتهي بالنهي عنه. وقوله: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ). يخرج على الأول، وهو السوء والفحشاء، يأمرهم بذلك فيقولوا: اللَّه أمرنا بها. ويحتمل قوله: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ما قالوا: إن اللَّه حرم هذه الأشياء، أو القول على اللَّه ما لا يعلمون بما لا يليق به من الولد وإشراك غيره في عبادته. واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا). يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن آباءهم كانوا أوصوهم ألا يفارقوا دينهم الذي هم عليه، فقالوا عند ذلك: لا ندع وصية آبائنا، كقوله: (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ). أو كانوا قومًا سفهاء أصحاب التقليد، فقالوا: إنا قلدنا آباءنا، فلا نقلد غيرهم. وقوله: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ). يخرج هذا الكلام على وجهين: أي: تقلدون أنتم آباءكم وإن كانوا لا يعقلون شيئًا. ويحتمل: (أَوَلَوْ كَانَ)، أي: وقد كان آباؤكم لا يعملون شيئًا فكيف تقلدونهم؟ وهو كقوله: (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ)، أي وقد جئتكم. أو أن يقال: من جعل آباءكم قدوة يقتدى بهم؟ وقوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً (171) قيل فيه بوجهين: قيل: مثلنا (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ) أي يصوت (بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً) يسمعون الصوت ولا يفهمون ما فيه.
(172)
وقيل: (يَنعِقُ) بمعنى يُنْعَقُ، ذكر الفاعل على إرادة المفعول؛ كقوله: (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) أي مرضية. فعلى ذلك الأولى، وهو في اللغة جائز جارٍ. وقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ). سماهم بذلك وإن لم يكونوا في الحقيقة كذلك؛ لما لم ينتفعوا بها، إذ الحاجة من هذه الأشياء الانتفاع بها؛ ولذلك سماهم سفهاء لما لم ينتفعوا بعلمهم وعقلهم. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ). يتوجه وجهين: أحدهما: الإذن في الأكل ما تستطيبه النفس وتتلذذ به، ليكون أرضى وأشكر لله فيما أنعم عليه، ويكون على إرادة الحلال بقوله: (طيباتِ)، فيكون في الآية دليل كون المرزوق حلالًا وحرامًا، إذ قيل: " من ذا "، ولم يقل: " كلوا ذا "، ولو كان كل الرزق حلالًا لكان يقول: " كلوا مما رزقناكم ". واللَّه أعلم. ثم حق المحنة التمكين مما يحرم ويحل، ومما ترغب إليه النفس وتزهد. فجائز جميع ذلك كله في الملك وفي الرزق ليمكن لكم من الأمرين بالمحنة، إذ ذلك حق المحنة. واللَّه الموفق. وقوله: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)، يدل على أن الذي كان لهم الأكل وأمرهم بالتناول منه هو الحلال. ثم فيه الدليل على أن من الرزق ما هو طيب حلال، وما هو خبيث حرام؛ إذ لو لم يكن منه طيبٌ وخبيثٌ لكان لا يشترط فيه ذكر الطيب، بل يقول: " كلوا مما رزقناكم ". فَإِنْ قِيلَ: فما وجه الحكمة في الامتحان بجعل الخبيث رزقًا لهم؟ قيل: هذا أصل المحنة في كل شيء، يجعل لهم الغذاء؛ فلا يأمرهم بالامتناع عنه، ويجعل لهم قضاء الشهوة في المحرم ويأمرهم بالكف. وهو الظاهر من المحن. وقوله: (وَاشْكُرُوا لِلََّهِ).
(173)
على ما أباح لكم من الطيبات. وقوله: (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) أي: إن كنتم منه ترون ذلك. ويحتمل: (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) وأي إياه توحدون. ويحتمل: (إِنْ كُنْتُمْ) ومِمَّن تعبدونه -إياه تقصدون- فاجعلوا عبادتكم له خالصة، لا تعبدوا غيره ليكون له. ولا قوة إلا باللَّه. وقيل: " إن " بمعنى: إذ آثرتم عبادته فاشكروا له. ويحتمل قوله: (وَاشكُرُوا لِلَّهِ) على جميع ما أنعم عليكم من الدِّين، والنبي، والقرآن وغير ذلك من النعم، أي: كونوا له شاكرين. وقوله: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ (173) ذكر " الميتة " فمعناه: حرم عليكم الأكل من الميتة والتناول منها، فإذا كان كذلك فليس فيه حرمة ما لا يؤكل والانتفاع به من نحو الصوف، والشعر، والعظم ونحوه. ألا ترى أن هذا إذا أريد من الشاة وهي حية وأبين منها لم تصر ميتة لا يجوز الانتفاع به، وغيره من اللحم إذا أبين منها صار ميتة؛ لما روي في الخبر: " ما أبين من الحي
فهو ميت ". ولأن الصوف واللبن وغيرهما ليسوا بذوي الروح فيموت باستخراج الروح منها؛ كالحيوان على ما ذكرنا من الخبر. ورُويَ عن عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه سئل عن الأنفحة استخرجت من الميتة، فقال: أفيها دم؟ فقيل: لا. فقال: لا بأس، كلوا؛ فإن اللبن على ذكاة فيه. أو كلام نحو هذا. وكذلك رُويَ عن ابن عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهما، أنه قال: لا بأس. فَإِنْ قِيلَ: ألا فسد بنجاسة الضرع؛ كالوعاء النجس يكون فيه اللبن يفسد بفساده؟ قيل: إن الشيء إذا كان موضعًا للشيء ومعدنه في الأصل فإن فساد ذلك الموضع لا يوجب فساد ما فيه. ألا ترى أن الدم الذي يجري بين الجلد واللحم إذا ذبح لا يفسد اللحم لما كان ذلك موضعه ومظانه؟! فعلى ذلك اللبن في الضرع. وأما الإهاب: فإنه إذا دبغ فقد طهر؛ لما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " أيما إهاب دبغ فقد طهر ". والدم المذكور في هذه الآية هو الدم المسفوح. دليله قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا)،
فالمحرم من الدماء المسفوح وهو السائل. ألا ترى أن الشاة إذا ماتت صارت ميتة بهلاك ذلك المحرم من الدم فيها؟! وقوله: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). واختلف فيه على أوجه: قيل: قوله: (غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ) هو تفسير قوله: (فَمَنِ اضْطُرَّ)، وهو كقوله: (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ)، فصار قوله: (غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) تفسير قوله: (مُحْصَنَاتٍ)؛ لأنها إن كانت محصنة كانت غير مسافحة ولا متخذة الأخدان. فعلى ذلك إن كان مضطرَّا كان غير باغ ولا عاد. واللَّه أعلم. وقيل: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ) أي غير مستحل لتنارله، (وَلَا عَادٍ) بعدو على أكله للجوع. وقيل: (غَيْرَ بَاغٍ) غير متجاوز حده، (وَلَا عَادٍ) ولا مقتصر نهايته. وقيل: (غَيْرَ بَاغٍ) فيه (وَلَا عَادٍ) على حد اللَّه إذ حرمه عليه في غير حال الاضطرار، فيصير باغيا في الأكل، عاديا على حد اللَّه. وقيل: (غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ) وفي مجاوزته في أكل الحد المجعول له من إقامة المهجة ودفع الضرورة، فأكل بشهوة أو لحاجة غير حاجة الجوع خاصة. وقيل: (غَيْرَ بَاغٍ) على المسلمين، (وَلَا عَادٍ) وعليهم. لكن تصريح النهي عن الانتفاع بالشيء وحرمة هتكها صاحبها نهي عما هتك لا عما كان مباحا لهم كما رُويَ عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - " لا صلاة للمرأة الناشزة ولا للعبد الآبق " وذلك نهي عن الإباق والنشوز لا عن الصلاة، فمثله لو كان نهيا، فكيف ولا نهي؟! ولكن ذكر إباحة على صفة لم يذكر الحل والتحريم في الابتداء مع تلك الصفة وجملته أن بغيه لا يحرم ما قد أحل بالخبر هو بالاتفاق؛ فكذلك ما أحل بالسبب، دليل ذلك: أمر الكفرة وسائر الفسقة أنه لم يحرم بينهم شيء من ذلك.
والثاني النهي عن قتله. ثم اختلف في حرمة عين الميتة في حال الاضطرار وحلها:
قَالَ بَعْضُهُمْ: عينها حلال ليس بمحرم. وقال آخرون: عينها محرمة لكن التناول منها مباح. وهو قول أصحابنا رحمهم اللَّه. فمن قال بحل عينها للضرورة ذهب إلى أن الحظر والإباحة لا يقع في الأصل لعين الشيء، ولا يتكلم فيها بحل ولا حرمة بحيث العين، بل الحرمة والحل هي الواردة عليها، موجبة حق الحرمة، ثم الحرمة ترتفع بالضرورة. فيبقى عينه على ما كان في الأصل. ومن قال بحرمة عينها وبحل التناول منها ذهب إلى أن الحرمة حدثت لما كانت ميتة ومهلًّا لغير وجه اللَّه. فحدوث الحل للضرورة يدل على أن العلة كانت هي الضرورة في حق رفع حرمة التناول، ولم ترفع حرمة عينها إلا أنه أبيح التناول منها للضرورة على بقاء الحرمة. ولكن يجب ألا يتكلم في هذا ومثله بحرمة العين وحلها بعد أن تكون الإباحة للضرورة؛ إذ لله أن يحل عينا محرمة في حال الاضطرار، وله أن يحرم عينها ويحل التناول منها للاضطرار. فالتكلم فيه فضل وتكلف. وباللَّه التوفيق.
ثم المسألة في الباغي والعادي: يحرم عليه التناول منها في حال الاضطرار أم لا؟ قال بعض أهل العلم: محرم ذلك عليه لأوجه: أحدها: لأنه ظالم. وفي المنع عن التناول منها زجر عن الظلم، وفي إباحة التناول منها إعانة على الظلم، لذلك حرم عليه. والثاني: أن القاتل عوقب عندما يأوي إلى الحرم بترك المؤاكلة والمشاربة والمجالسة إلى أن يضطر فيخرج عقوبة له. فكذلك هذا يحرم عليه التناول منه عقوبة له إلى أن ينزجر. وقال: إنه قد استحق بالبغي على أهل الإسلام العقوبة العظيمة، ويعاقب بهذا أيضًا. ثم من قول هذا الرجل في الباغي: أنه إذا أتلف أموال أهل العدل لا يتعرض له بها ولا يغرم. وكذلك العادل إذا أتلف أموال أهل البغي لا غرامة عليه.
والغرامة نوع من العقوبات، فإذا استويا في سقوط الغرامة -وإن كان أحدهما ظالمًا- كيف لا استويا أيضًا في هذا؟ وما الذي يوجب التفرقة بينهما؟ ثم نقول لهذا المخالف لنا: إن الباغي المقيم يمسح يومًا وليلة، وإذا سافر لم يرخص له المسح. وهو في الحضر رخصة كهي في السفر. فما باله حرم إحدى الرخصتين على إباحة الأخرى مع وجود الظلم والبغي؛ فقال: لأن الضرورة طريق التناول فيه رخصة، لا ترخص الظالم، إذ هو تخفيف. والأصل في المسألة أن الباغي على أهل الإسلام لا يأتمر بأحكام أهل الإسلام؛ إذ لو ائتمر أمر بالكف عن بغيه. وإذا لم يأتمر في ذا، لاشك أنه لا يأتمر في الثاني، ولا يؤمر بما فيه العبث، ولا يزجره التحريم عن التناول، إذ على العلم بحرمة البغي بغى ما اشتهت نفسه، فكيف ينتهي للحرمة فيما اضطرت إليه نفسه؟ ولم يملك الغلبة عليها في شهوتها إيثارًا لها، كذلك إنظارًا لها للكف لا معنى لإحداث الحرمة عليه ببغيه.
(174)
وأصله قوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)، وقوله: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)، حرم عليهم إلقاء أنفسهم إلى المهالك، وقتلهم الأنفس. وفي دفع هذه الرخصة عنه إباحة محرم، وهو أعظم منه عليه. فلم يفعل؟ وأما من قال: بأن من قتل فأوى إلى الحرم، فإن أهله نهوا عن مؤاكلته ومشاربته، ولم ينه في نفسه الأكل والشرب، إذ لا يقدر أحد منعه عن ذلك. فالقول في مثله تكلف. فكذا الأول. واللَّه أعلم. ثم المسألة في القدر الذي يجوز أن يتناول منها. فعندنا: أن الإباحة كانت للاضطرار، فهو على القدر الذي له الدفع والإزالة، وذلك بدون ما فيه شدة المجاعة، وذلك الأصل في انتفاء الضرورة. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ): أي في الكتاب يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن كتموا ما في كتبهم من بعث مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعلى آله، وصفته. ويحتمل: ما كتموا من الأحكام والشرائع من نحو الحدود والرجم وغير ذلك من الأحكام. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. وقوله: (وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا). قد ذكرنا تأويل هذا فيما تقدم. وقوله: (أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ). يحتمل وجهين: يحتمل: ما يأكلون في دنياهم إلا أوجب ذلك لهم في الآخرة أكل النار. ويحتمل: ما يأكلون في دنياهم إلا أكلوا في الآخرة عين النار. وقوله: (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). قيل: لا يكلمهم بكلام خير، ولكن يكلمهم بغيره، كقوله: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ). وقيل: لا يكلمهم غضبًا عليهم؛ يقال: فلان لا يكلم فلانًا، لما غضب عليه.
(175)
وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ (175) قيل: استحبوا الضلالة على الهدى. وقيل: اختاروا العذاب على المغفرة. وما قاله الكلبي فهو أحسن: أنهم اشتروا اليهودية -التي هي تحصل عذابًا- بالإيمان -الذي يحصل مغفرة- وقد ذكرنا هذا فيما تقدم أيضًا. وقوله: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ). قيل: فما أدومهم في النار. وقيل: فما أصبرهم على العمل الذي يوجب لهم النار. وقيل: فما أجرأهم على عمل أهل النار. وقيل: ما أعملهم بأعمال أهل النار. وقال الحسن: فما لهم عليها صبر ولكن ما أجرأهم على النار. وقد يقال لمن يطول حبسه: فما أصبرك على الحبس. ألا على حقيقة الصبر، لكن على وجوده فيه. وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) أي: خالفوا. وإلا قد اختلف أهل الإيمان والكفر، ولكن أراد - واللَّه أعلم - بالاختلاف: الخلاف، أي: خالفوا الكتاب ولم يعملوا به. (لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) قيل: لفي خلاف بعيد. وقيل: لفي ضلال طويل. وقيل: لفي عداوة بعيدة. وقيل: حرف " البعيد " في الوعيد إياس؛ كأنه قال: لا انقطاع له. * * *
(177)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) قيل: (لَيْسَ الْبِرَّ) في نفس التوجه إلى ما ذكر دون الإيمان. ويحتمل: (لَيْسَ الْبِرَّ) في ذلك، ولكن البر لمن يقصد إليه، إذ قد يقع ذلك لحوائج تعرض، تخرج عن القربة. ويحتمل: (لَيْسَ الْبِرَّ) في التوجه إلى كذا، ولكن البر في الائتمار لأمره والطاعة له، والبر هو الطاعة في الحقيقة. وقيل: (لَيْسَ الْبِرَّ) تحويل الوجه إلى المشرق والمغرب، (وَلَكِنَّ الْبِرَّ) ما ثبت في القلب من طاعة اللَّه وصدقته الجوارح. وقيل: (لَيْسَ الْبِرَّ) أن تصلوا ولا أن تعملوا غير الصلاة. كل ذلك يرجع إلى واحد. وجملته أن يقال: ليس البر كله ذلك، لكن ما ذكر، إذ ذلك الوجه هم استعظموه حتى قال اللَّه تعالى: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ). والثاني: أن يكون ذلك بنفسه ليس ببر، وإنما صار برًّا بالأمر به، أو بما ذكر من الإيمان والخيرات. فلمَّا زال عنه الوجهان سقط فعله أن يكون برًّا. وقوله: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ)، بأنه واحد، لا شريك له. يعني صدق باللَّه بأنه واحد، لا شريك له. (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، وصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، وصدق بالكتب، والملائكة، والكتاب، والنبيين. وللبر تأويلان: أحدهما: ما قيل. والثاني: على الإضمار؛ كأنه قال: ليس البر بر من يولي وجهه، ولكن البر بر من آمن باللَّه، كما قال: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ)، أي أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن باللَّه؟ وقيل: أجعلتم صاحب السقاية كمن آمن باللَّه؟ وقيل: إن البر بمعنى: البار، يقول ليس البار من يحول وجهه قبل كذا، ولكن البار " من آمن باللَّه " الآية. وقوله: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ). قيل: أعطى على حاجته. وقيل: على قلته آثر غيره على نفسه؛ كقوله: (وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ). وقيل: (عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى) أي ذوي قرابته. وفيه دلالة أن الأفضل أن يبدأ بصلة قرابته، ثم اليتامى؛ لأن على جميع المسلمين حفظهم؛ ولأنهم أضعف، فيبدأ بهم قبل المساكين. رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: " ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان. قيل: فما المسكين يا رسول اللَّه؟ قال: الذي لا يجد ما يغنيه ولا يسأل الناس، ولا يفطن به فيتصدق عليه ".
(وَابْنَ السَّبِيلِ). قيل: هو الضيف ينزل بالمسلمين. وقيل: هو المنقطع -حاج أو غاز- وقيل: هو المجتاز وهو واحد. قوله تعالى: (وَفِي الرِّقَابِ). قيل: هم المكاتبون. (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ)، ظاهر. (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) ويحتمل: العهود التي بينهم وبين الناس. ويحتمل: العهود التي فيما بينهم وبين ربهم. وقد ذكرنا العهد من اللَّه تعالى -ما هو؟ - فيما مضى. وفي حرف ابن مسعود، رضيَ اللَّهُ عنه، (والموفين) على النسق على الأول. قيل: إذا عاهدت عهدًا بلسانك تفي به بعملك وفعلك. ثم ليس في القرآن آية أجمع لشرائط الإيمان من هذه، وكذلك رُويَ عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه سئل عن الإيمان، فقرأ هذه الآية. وهكذا رُويَ عن عبد اللَّه بن مسعود، رضيَ اللَّهُ عنه، أنه سئل عن الإيمان، فتلا هذه الآية. وقوله: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ). قيل: في الآية تقديم وتأخير: " السائلين وفي الرقاب والصابرين ". وعلى هذا يخرج حرف ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه: " والموفين بعهدهم ". وقوله: (الْبَأْسَاءِ). من البأس، وهو الفقر. (وَالضَّرَّاءِ).
(178)
قيل: هو المرض والسقم. (وَحِينَ الْبَأْسِ). قيل: عند القتال. وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا). في إيمانهم، أنهم مؤمنون، وصبروا على طاعة ربهم. وقوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ). وقيل: الذين صدقوا في إيمانهم وأُولَئِكَ هم المتقون. رُويَ عن عمرو بن شرحبيل، أنه قال: " من عمل بهذه الآية فهو مستكمل الإيمان ". قال الفقيه أبو منصور: تمام كل شيء باجتماع ما يزينه. ألا ترى أن المصلي إذا اقتصر على فرائضها لم يتم له؟! * * * قوله تعالى: وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179). قيل: نزلت الآية في جيشين من العرب، كان وقع بينهما حرب وقتال، وكان لإحداهما فضل وشرف على الأخرى. فأرادوا بالعبد منهم الحر من أُولَئِكَ، وبالأنثى منهم الذكر. فأنزل اللَّه تعالى: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى). وهي منسوخة؛ لأن فيها قتل غير القاتل. نسخها قوله: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا). قيل: لا تسرف ولا تقتل غير قاتل وليك.
وقيل: لا تسرف، أي: لا تمثل في القتل. وقيل: لا تسرف في القتل، أي: لا تقتل أنت إذ هو منصور. فثبت بهذا نسخها؛ إذ لم يؤذن بقتل غير القاتل. وقوله أيضًا: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)، ولا يحتمل نفس غير القاتل يقتل بنفس. دليله قوله: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ)، ولا يتصدق على غير القاتل. ثبت أنها منسوخة بما ذكرنا. وفي الثاني: قال اللَّه تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)، لما إذا هم بقتل آخر يذكر قتل نفسه، فيرتدع عن قتله، فيحيا به النفسان جميعًا، فلو لزم قتل غير القاتل لم يكن فيه حياة، إذ لا يخشى تلف نفسه. ثم هذا يدل على وجوب القصاص بمن الحر والعبد، وبين الكافر والمسلم، إذ لو لم يجعل بينهما قصاص لم يرتدع أحد عن قتلهم، إذ لا يخشى تلف نفسه بهم. فدل أنهم يقتلون بهم. واللَّه أعلم. هذا فيما يجعل الآية ابتداء، لا في الحيين، اللذين ذكرا به. ثم يقال: ليس في ذكر شكل بشكل تخصيص الحكم فيه وجعله شرطًا ونفيه في غير شكله. دليله ما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: " خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة ". ثم إذا زنى البكر بالسيب وجب ذلك الحكم، فدل أن ليس في ذكر شكل بشكل تخصيص في الحكم، ولكن فيه إيجاب الحكم، في كل شكل إذا ارتكب ذلك وهو أن يقتل الحر إذا قتل آخر. والحرية لا تمنع الاقتصاص لفضله. وكذلك العبد إذا قتل آخر يقتل به، والرق لا يمنع ذلك للذل الذي فيه. وكذلك الأنثى تقتل إذا قتلت أخرى، ولا يمنع ما فيها من الضعف في وجوب القصاص. وباللَّه التوفيق.
وله وجه آخر: وهو أنه قال: (وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى). ومن الإناث إماء، وقد أمر بالاقتصاص بينهن، فلئن وجب تخصيص ما ذكر خاصًّا، وجب أن يذكر عامًّا ما ذكر فيه العموم. فَإِنْ قِيلَ: على عموم الاسم في أحدهما، وخصوص القول في الآخر. قيل: ليس هكذا. لو كان في ذكر الوفاق في الاسم منع الحق عن ذلك الوجه المذكور إذ ذكر في الخلاف لم يدخل فيما ذكر في الوفاق ما ليس منه. فإذا دخل علم أن ذكر الوفاق في الخلاف في حق إدخال ما ليس من شكله بمحل واحد. ثم يقال: إن نفس العبد للعبد في حق الجناية، لا للمولى. إنما للمولى في نفسه الملك والمالية، ألا ترى أن العبد لو أقر على نفسه بالقصاص أخذ به، ولو أقر عليه مولاه لم يؤخذ به. فدل أن نفسه له، لا للمولى. فكان كنفس الحر للحر. فيجب أن يقتل الحر به، إذ هو ساوى الحر في حق النفس، فيجب أن يسوى بينهما في حق القصاص. وقال بعض الناس: لا يقتل الحر بالعبد؛ لأنه أفضل منه. ثم هو يقول: إنه يقتل الذكر بالأنثى. وهو أفضل. وقال: إن القصاص إنما ذكر في المؤمنين. ثم قال بالعموم، وألزم قتل الكافر بالمؤمن، ولم يذكر في القصاص الكافر، وترك القصاص للكافر من المؤمن على عموم إيجاب القصاص على المؤمنين. فإذا جاز ترك القصاص، على ما ذكر فيه، وإدخال من لم يذكر في حق الاقتصاص، ما يجب إنكار مثله في الذي ذكر عقيب ذكر الحق؛ وهم بأجمعهم تحت الإيجاب مذكورين. ثم الإناث بالإناث مع اختلاف الأحوال يلزم القصاص، كيف لا لزم مثله في الأحرار؟ والأصل في هذا: ألا يعتبر في الأنفس المساواة. ألا ترى أن الأنفس تقتل بنفس واحدة. هكذا رُويَ عن عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، " أنه قتل رجلًا بامرأة ". وروي أنه قتل سبعة نفر بامرأة، وقال: لو تمالأ عليها أهل صنعاء لقتلتهم. وقال: ورُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: لا يقتل مسلم بكافر ". ثم قال صاحب هذا القول: لو أن كافرًا قتل كافرًا ثم أسلم القاتل يقتل به. فهو قتل
مسلمًا تقيًّا برًّا بكافر، إذ الإسلام يطهره. ولم يقتل مسلمًا فاسقًا ارتكب الكبيرة بالكافر، إذ القتل يفسقه. والمسلم أحق أن يقتل بالكافر من الكافر بالمسلم. وذلك أن المسلم هتك حرمة الإسلام بقتل الكافر؛ لأنه اعتقد باعتقاد دين الإسلام حرمة دم الذمي، وهو بقتله كمستخف بمذهبه. وأما الذمي فإنه لا يعتقد باعتقاد مذهبه حرمة دماء أهل الإسلام، فهو ليس بقتل المسلم كمستخف بمذهبه، والمسلم كمستخف بدينه، على ما ذكرنا. لذلك كان أحق بالقصاص من الكافر. ألا ترى أن من قتل في الحرم قتل به؛ لأنه هتك حرمة الحرم كالمستخف به. وإذا قتل خارجًا منه، ثم التجأ إليه، لم يقتل به حتى يخرج منه؛ لأنه ليس كمستخف له، والأول مستخف؛ لذلك افترقا. فكذلك الأول. واللَّه أعلم. والخبر عندنا يحتمل وجهين: أحدهما: قيل: إن قومًا قتل بعضهم بعضًا في الجاهلية، فأسلم بعضهم، فأراد أُولَئِكَ أن يأخذوا من أسلم منهم بالقصاص، فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لا يقتل مسلم بكافر "، كما قال: " كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هذا ". والثاني: أنه أراد بالكافر المستأمن؛ لأنه قال: " لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ". فنسق قوله: " ذو عهد " على المسلم، فكان معناه: لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد به. فكل كافر لا يقتل به ذو عهد في عهده لم يقتل به المسلم. فالذمي يقتل به ذو العهد، لذلك يقتل به المسلم. والمسلم إذا قتل مستأمنًا لم يقتل به. وكذلك الذمي. فدل
بما ذكرنا أنه أراد بالكافر المستأمن، لا الذمي. واللَّه أعلم. وقوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ). اخنلف في تأويله: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو القاتل. إذا عفى له: معناه: عنه. فيتبع الولي بأخذ الدية بالمعروف، شاء القاتل أو أَبى. احتج بما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في رجل اختصم إليه في قاتل أخيه، فقال: أتعفو عنه؟ قال: لا. قال: أتأخذ الدية؟ قال: لا. قال: أتقتله؟ قال: نعم ". عرض عليه الدية، ولو كان غير حقه لم يعرض عليه. وقال في بعض الأخبار: " ولي القتيل بين خيرتين: بين قتل وأخذ دية ". وأما عندنا: تأويل قوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) ليس هو القاتل؛ لأنه يكون معفوا عنه؛ ولأنه لا يتبع أحدًا وهو المتبع، بل هو الولي؛ لأنه هو المعفو له، لا القاتل، حيث أمر بالاتباع بالمعروف؛ كأنه قال: من بذل له وأُعطيَ من أخيه شيء فاتباع بالمعروف؛ وذلك جائز في اللغة؛ العفو بمعنى البذل والإعطاء، على ما قيل: خذ ما آتاك عفوًا صفوًا، أي فضلًا. وكذلك رُويَ عن عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ عنه، أنه قال: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ)، أي: أُعطيَ له. والحق عندنا: هو القود، لا غير، على ما جاء عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " العمد قود إلا أن يعفو ولى المقتول "، وقد روي في بعض الأخبار: " إلا أن تفادى ". والمفاداة: هو فعل اثنين، فلا يأخذه إلا عن تراضٍ
واصطلاح منهما جميعًا. وفي الآية دلالة: أن الحق: هو القصاص، لا غير، بقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) وأخبر أن المكتوب عليه والمحكوم القصاص، فلو كان الخيار بين القصاص والعفو وأخذ الدية -شاء أو أبى- لكن لا يكون مكتوبًا عليه القصاص، ويذهب فائدة قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) وإنما كان يكون عليه أحدهما، كما لا يقال في الكفارة: بأن المكتوب عليه العتق، بل أحد الثلاثة. فلما قال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) دل أن أخذ الدية كان كالخلف عنه. وما رُويَ عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث قال لولي القتيل: " أتعفو عنه "؟ قال: " لا ". فقال: " أتأخذ الدية "؟ قال: " لا ". إنما عرض عليه الدية، لما علم أن القاتل يرضى بذلك، على ما روي أن امرأة جاءت إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فأخبرته بغض زوجها. فقال لها: " أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، وزيادة. فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أما الزيادة فلا " وإنَّمَا قال لها ذلك لما علم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه يرضى بطلاقها إذا ردت عليه حديقته؛ فعلى ذلك الأول. ولو كانت لفظة " العفو " تعبر عن إلزام الدية ما أحوجه إلى ذكر الإشارة إلى العفو مرة، وإلى أخذ الدية ثانيًا؛ فثبت أن ليس للذي يعفو أن يأخذ الدية بالعفو. وقيل في قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ): أصلها أنها نزلت في دم بين نفر يعفو أحدهم عن القاتل، ويتبع الآخرون بالمعروف في نصيبهم؛ لأنه ذكر " الشيء "، والشيء: هو العفو عن بعض الحق. فألزم الاتباع للآخرين عند عفو بعض حقه؛ ثبت أن العفو لا يلزم الدية. ورُويَ عن عمر وعبد اللَّه بن مسعود وعبد اللَّه بن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهم، أنهم أوجبوا في بعض عفو الأولياء، للذين لم يعفوا - الدية، على ترك السؤال عمن عفا عنك عفوت بدية، ولو كان ثم حق ذكروه له؛ فدل أن العفو لا يوجب الدية.
واللَّه أعلم. ثم لا يخلو إما أن يكون حقه القصاص ثم له تركه بالدية؛ فهو إلزام بدل حق قِبَلَ آخر من غير رضاه، وذلك مما لم يعقل في شيء، أو كلاهما، فهو أيضًا كذلك، لا يكون أحدهما إلا باجتماعهما، أو أحدهما وهو مجهول؛ فالعفو عنه يبطل حقه، إذ العفو ترك. وقال: إن في أخذ الدية إحياء النفس التي أمر اللَّه بإحيائها، وفي الامتناع عن أداء الدية إليه والبذل له إذن بالقتل. ومن قول الجميع: إن أحدا لو قال لآخر: اقتلني، أنه لا يعمل بإذنه. فإذا كان معنى الامتناع عن أداء الدية هو إذن بالقتل، لم يأذن له. يقال له: أبعدت القياس والتشبيه؛ لأن فيما نحن فيه إذنًا بالقتل، وظهر الأمر به، وفيما ذكرت لم يظهر، حيث قال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ)، فأنى يشبه هذا بذلك ويقاس عليه؟ أو أن يقال: لو كان الأمر كما ذكرت لكان يجيء أن يكون الصلح على كل شيء ماله، وفيه تلف نفسه أن ليس له منعه. ومن قول الجميع: إن له المنع وجائز وقوع الصلح على ما فيه تلف ماله. ثبت أن ما يقوم له وهم. وبعد، فإن الذي ذكرت تدبير الحق عليه أن يفعل، لا تدبير الإلزام. ولو كان ذلك لازمًا، لكان يقتله ببذله نفسه فيغرم فاعل ذلك؛ وهذا كما يغني الرجل بشراء ما به قوام نفسه عند الضرورة إلا أن يلزم لو أبى ذلك، فمثله ديته، بمعنى أن في ذلك تلف نفس تلك قيمته، فمثله الأول. وما روى في التخيير بين أخذ الدية، وما ذكر فهو - واللَّه أعلم - على بيان الحل والرخصة على ما قيل: إن من حكم التوراة القتل، ولا يجوز لهم العفو ولا أخذ الدية، ومن حكم أهل الإنجيل العفو، لا يقتل بالقصاص، ولا تؤخذ الدية، فحكم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ على أهل القرآن: أن جعل لهم القتل مرة، والعفو ثانيا، وأخذ الدية تارة؛ فدل أنه يخرج مخرج بيان الحل والرخصة. إذا طابت به نفس من عليه ذلك يبذله إذا طلب، ولا يوجب قطع الخيار من الآخر. ولهذا ما نقول في قوله: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) وقوله في التخيير في الكفارة: إن ذلك إلى من عليه، لا إلى من يأخذ. إذ الحق هاهنا من جانب واحد. فيجعل الخيار إلى من عليه إذا كان من كلا الجانبين يعتبر
رضاءهما جميعًا، واللَّه أعلم. وقوله: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ). لما ذكر من إباحة العفو في حكم القرآن، ولم يكن في حكم غيره من الكتب، وأخذ الدية أو القتل، ولم يكن في حكم التوراة والإنجيل إلا واحد. ويحتمل: أن كان في التوراة هذا أو هذا كما قال: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ). واحتمل أنه ذكر القود شرعًا لنا، وقوله: (فَمَنْ تَصَدَّقَ)، لنا خاصة. وقوله: (وَرَحْمَةٌ). فيه دلالة ألا يقطع صاحب الكبيرة عن رحمة اللَّه؛ لأنه أخبر أن التخفيف رحمته في الدنيا، فإذا لم يوفِهم في الدنيا من رحمته فلا يوفيهم في الآخرة منها. وفي قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ)، دلالة ألا يزول اسم الإيمان بارتكاب الكبيرة؛ لأنه سماه أخا من غير أخوة نسب؛ دل أنه أخوة في الدِّين لأنه سماه أخًا. وكذلك قوله: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا)، أبقى لهم اسم الإيمان بعد البغي والقتل. دل أن ارتكاب الكبيرة لا يخرجه من الإيمان. وهذا يرد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إن من ارتكب كبيرة أخرجته من الإيمان، وما ذكر من التخليد في قتل العمد يخرج على وجهين: أحدهما لاستحلال قتله، أو يتغمد ديته، وإلا فيخرج الآيتان على التناقض في الظاهر لو لم يجعل على ما ذكرنا. واللَّه أعلم. وقوله: (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ). قيل: من اعتدى على القاتل بعد ما عفى عنه، أو بعد ما أخذ الدية. وقيل: (بَعْدَ ذَلِكَ)، أي: من بعد النهي عن قتله. وقيل: إذا أرى من نفسه العفو، ثم أخذ الدية، ثم أراد قتله، فهو الاعتداء. ثم اختلف بعد هذا بوجهين: قال قوم: إذا فعل ذلك يترك القصاص فيه للعذاب المذكور في الآخرة: وقال
(179)
غيرهم، إذا اقتص ارتفع عنه العذاب الأليم، وإن لم يقتص فلا. وجائز عندنا: أن يكون العذاب الأليم في الدنيا، إذ لم يخلق شيء من العذاب أشد من القتل؛ إذ القتل هو الغاية من الألم والوجع. واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) قيل: فيه بوجهين، وإلا فظاهر القصاص لا يكون حياة، لكن قيل: من تفكره في نفسه قتلها إذا قتل آخر ارتدع عن قتله، فتحيا النفسان جميعًا. والثاني: من نظر فرأى آخر يقتل بغيره امتنع عن قتل آخر ففيه حياته أو تذكر أنه مقتص منه إذا قتل حمله حبه في إحياء نفسه على أن يرتدع عن قتل كلٍّ، ففيه الحياة للأنفس جميعًا؛ ولهذا نقول بوجوب القصاص في الأنفس كلها وإن اختلفت أحوالها، إذ لو لم يجعل بين الأنفس على اختلاف الأحوال قصاص لم يكن في القصاص حياة. فأحق من يجعل فيه القصاص عند مختلف الأحوال لما يغضب الشريف على الوضيع فيحمله غضبه على قتله، فجعل القصاص، أو لما يستخف به. وأما الوارث لما يطمع وصوله إلى مورثه فيحمله على قتله، فسبب القتل ليس ما يذكر، لكنه شدة الغضب، وفي المواريث زيادة، وهو ما يصل إلى ماله، وفي الكافر من استخفافه بدينه من المقتول، فطلب فيه المعنى الذي فيه الإحياء وهو حرمان الميراث؛ فعلى هذا التقدير يقتل المسلم بالكافر؛ لأن المسلم قد يستخف بالكافر في دار سلمه، فيحمله استخفافه إياه على قتله. ففيه معنى يدعو إلى الفناء، فيجب أن يقتص من المسلم بالكافر لتحقيق معنى الحياة. وعلى هذا التقدير يقتل الحر بالعبد؛ لأن الحر يستخف بالعبد، فيدعوه استخفافه به على قتله، فهو يقتل به. أو نقول: يقتل الولد بالوالد لما يستعجل الوصول إلى ملكه، فيحمله على قتله؛ فلزم حفظ ما لأجله الحياة، ثم في الوالد شفقة ومحبة تمنع الوالد عن قتل ولده؛ لذلك انتهى عنه القصاص، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: " لا يقاد الوالد بولده ". وباللَّه التوفيق.
قال الشيخ - رضي اللَّه تعالى عنه -: الوالد يحب ولده؛ لأنه يرغب أن يكون له ولد. وأما الولد فإنما يحب والده له لنفسه ومنافع له. فإذا كان الولد له لم يقتص منه. * * * قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182). وقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
(180)
بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) تكلموا فيه بأوجه: قيل: إنه منسوخ بما بين عَزَّ وَجَلَّ في آية أخرى من حق الميراث. ومنهم من قال: لم ينسخ. ثم قيل: فيه بوجهين: قيل: إنه قد كان ذلك؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد في الإسلام، يسلم الرجل ولا يسلم أبواه. فقوله: (كُتِبَ) إنما وقع على من كان لا يرث. ومنهم من يقول: بأنها كانت للوارث ولم ينسخ، وإنما يقع الأمر في غير من يرث ممن ذكر. لكن في ذلك ذكر (كُتِبَ)، وذلك إيجاب. ولا يحتمل أن يفرض عليهم صلتهم مع التحذير عن اتخاذهم أولياء بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ) وقوله: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)، وفي إلزام الفرضية من حيث المعروف إبقاء الموالاة وإلزام المحبة، وقد حذر وجود ذلك؛ فثبت أن الآية فيمن يتوارثون اليوم لكنها نسخت. واللَّه أعلم. ومنهم من يقول: لا، ولكنه وقع على من كان يرث وعلى من كان لا يرث بقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ)، فهو كان مكتوبًا عليهم مفروضًا في حق الوصاية. ثم من رأى نسخه استدل بقوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)، ذكر فيه الوصاية على بيان كل ذي حق حقه. فليس الذي أوصى اللَّه يمنع وصايته التي كتب عليهم. لكن في الآية دليل لم ينسخ بهذه لوجهين: أحدهما: قوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ). فهو وصيته ذكره كذكر الوصاية في الأول، ففيه جعل حق كالحق المجعول لهم إذا لم يذكر ذلك الوصية مع الميراث ثم نفاه. والوجه الآخر: أنه قال: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)، فجعل حكم الإرث على ذكر الوصية، والإرث بعد الوصية؛ فبانَ أن لها حكم البقاء. ثم قيل: فيه بوجهين: قال قائلون: قوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)، لم يكن ميراثًا، ولا هو
من أهل الميراث. فحدوث الإرث لا يمنع حق القطع عنه بالمكتوب الأول. ومنهم من جعل ذلك فيمن كان وارثًا. فورود البيان من بعد يقطع عنه المكتوب له. ثم من الناس من ادعى نسخ هذا بقوله: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا)، ولو جعل الوصية له ما جعل اللَّه لهم فيه من النصيب خص به الكثير دون القليل؛ فثبت أن ذلك (الكتاب) رفع عنهم مما جعل لهم الحق في الذي قل أو كثر. ثم الوجه فيه عندنا: فهو أنه إن لم يكن نسخ بهذه الآيات، على ما قاله بعض الناس، فهو منسوخ بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إن اللَّه أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث ". فبين أنه قد كان أعطى ذا حق حقه على رفع ما كانت لهم من الوصاية فيه. ثم اختلفوا في الخبر الذي روي: " إن اللَّه تبارك وتعالى قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث ". قال قائلون: فلا يجوز ورود النسخ على الآية؛ إذ السنة لا ترد على نسخ الكتاب. وقال آخرون: لا، ولكنه من أخبار الآحاد. وأخبار الآحاد، على قولكم، لا ترد على نسخ خبر مثله، فكيف على كتاب رب العالمين؟ فأما الأول -في أن السنة لا تعمل في نسخ الكتاب-: فقد سبق القول فيه، أن الذي حملهم على هذا هو جهلهم بموقع النسخ، وإلا لو علموه ما أنكروه. وهو ما قلنا: إن النسخ بيان منتهى الحكم إلى الوقت المجعول له. فأما من قال: بأنه من أخبار الآحاد، فإن الأصل في هذا أن يقال: إنه من حيث الرواية من الآحاد، ومن حيث علم العمل به متواتر. ومن أصلنا: أن المتواتر بالعمل هو أرفع خبر يعمل، إذ المتواتر المتعارف قرنًا بقرنٍ مما عمل الناس به لم يعملوا به، إلا لظهوره، وظهوره يغني الناس عن روايته، لما علموا خلوه عن الخقاء. ولهذا يقول في الخبر الذي جاء عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أنه نهى عن كل ذي ناب من السباع "، فترد به الخبر المروي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه من أخبار الآحاد. هو من حيث
(181)
الرواية من الآحاد، ولكنه من حيث تواتر الناس للعمل به صار بحيث يوجب علم العمل. فما لم يجز أن يجتمع الأمة على شيء علموا كله من كتاب أو سنة غير ما ورد، فيكونوا قد اجتمعوا على تضييع كتاب أو سنة، فكذا هذا، لا يجوز أن يجتمع الناس على ترك الوصية للوارث، وثم كتاب نسخه أو سنة أخرى يلزم العمل به؛ فلهذا قضينا بنسخه. واللَّه أعلم. وقوله: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) قيل فيه بوجهين: يحتمل: (فَمَنْ بَدَّلَهُ) هذه الوصاية المكتوبة للوالدين، إن كان هذا أراد بقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) الآية، فإنما إثمه عليه. ويحتمل: (فَمَنْ بَدَّلَهُ) الوصية (بَعْدَمَا سَمِعَهُ) ومن الموصي (فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ). ثم يحتمل بعد هذا وجهين: يحتمل: أنه أراد تبديل الوصي بعد موت الموصي. ويحتمل: تبديل من حضر الوصي ذلك الوقت من الشهود وغيره. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) أي: سميع لمقالته ووصايته. و (عَلِيمٌ) بجوره وظلمه، أو (عَلِيمٌ) بتبديله. واللَّه أعلم. وقوله: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)
قيل: فيه بوجهين: يحتمل: (فَمَن خَافَ) أي: علم من الموصي ظلمًا وجورًا على الورثة بالزيادة على الملث، (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) في تبديله ومنعه ورده إلى الثلث وقت وصاية الموصي. ويحتمل: (فَمَن خَافَ)، أي: علم من الموصي خطأ وجوزا بعد وفاته بالوصية، (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) في تبديله ورده إلى ما يجوز من ذلك ويصح، وهو الواجب على الأوصياء أن يعملوا بما يجوز في الحكم، وإن كان الموصي أوصى بخلاف ما يجيزه الحكم ويوجبه. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: وكان صرف (الخوف) إلى (العلم) أولى؛ إذ هو تبديل الوصية وقد نهى عنه وأذن به للجور، فإذا لم يعلم فهو تبديل بلا عذر، وقد يخفف للخوف حق العلم إذا غلب الوجه فيه، كما أن أذن للإكراه إظهار الكفر، وذلك في حقيقته خوف عما في التحقيق على العلم بغلبته وجه الوفاء في ذلك. وقوله: (فَأصلَحَ بَينَهُم)، يعني بين الورثة بعد موت الموصي، ورد ما زاد على الثلث بين الورثة على قدر أنصبائهم. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، لجور الموصي وظلمه إذا بدل الوصي ذلك ورده إلى الحق. ويحتمل: (غَفُورٌ رَحِيمٌ)، لمن رد على الموصي جنفه وميله في حال وصايته. والله أعلم. والأصل في أمر الوصاية للوارث، أن آيات المواريث لم تكن نزلت في أول ما بهم حاجة إلى معرفة ذلك، فيجوز أن يكون في الابتداء كانت الوصايا بالحق الذي اليوم هو ميراث، يبين ذلك ما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في ابنتي سعد، الذي قتل بأُحدٍ، وقد كان استولى عمهما على ميراثه، فسألت أمهما عن ذلك، فقال: لم ينزل فيه شيء. ثم دعاهما، وأعطاهما ما بَيَّنَ
اللَّه في كتابه في قوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ. . .). وكذلك كان للنساء الحول في تركة الأزواج وصية لهن؛ فعلى ذلك كان الأمر بالوصية، فقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ) كالمبين بما كان قد أوجب التبيين على الميت، فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إن اللَّه تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث "، ومما يبين ذلك أنه معلوم أن تكون الوصية للوارث ليست تثبت فيما هي له؛ لأنه اليوم فيكون حصول الوصية بنصيب بعض الورثة على ذلك الوجه لا يجوز وصية الميت لأحد، فكذلك للورثة. وهذا يبين أنها كانت في وقت لم يبين الميراث، فلا يكون الوصية لمن تثبت له وصية بنصيب غيره في التحقيق، فكان يجوز، ثم بطل ببيان السنة، إذ ليس في متلو القرآن حقيقة ذلك، وإنما يكون بحق الانتزاع منه والنسخ، ومعناه بالانتزاع أبعد عن الاحتمال منه بالسنة. ولا قوة إلا باللَّه. ثم حق التواتر عندنا يقع بظهور العمل بالشيء على غير ظهور المنع منهم، والتكثير
(183)
عليهم في الفعل، وفي هذا وجود ذلك من طريق الفعل. ثم القول أيضًا من الأئمة بالفتوى به بلا تنازع ظهر فيهم مع ما قد ذكر اللَّه في المواريث: (فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ)، وتخصيص الورثة قصد مضارة بغيره، واستعمال الرأي فيما قد تولى قسمه على غير الذي قسم. واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185). هَؤُلَاءِ الآيات فيهن فرضية بقوله: (كُتِبَ)، وأيد ذلك الإبدال فيها الإفطار لعذر والأمر بالقضاء، وذلك ليس بشرط الآداب مع الامتنان علينا بقوله عَزَّ وَجَلَّ: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ)، أي يريد بكم الإذن لكم في الفطر للعذر، ولو كان غير فرض بدؤه لم يكن الفطر للعذر بموضع الرخصة مع شرطه إكمال العدة في القضاء معنى، وفي ذلك لزوم حفظ المتروك لئلا يدخل التقصير في القضاء. وعلى ذلك إجماع الأمة. ثم بين عَزَّ وَجَلَّ أن لم تكن هذه الأمة بمخصوصة في الصيام، بل هي أحق من فيهم
استعمل العفو أو الصفح بما خصهم بأن جعلهم (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وأخبر أنه لم يجعل عليهم (فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، ولا ألزمهم العبادات الشاقة فضلًا منه عليهم وتخصيصًا لهم؛ إذ جعلهم (شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) فقال عَزَّ وَجَلَّ: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ). لكن " كما " يحتمل وجهين: يحتمل: العذر الذي كتب عليهم. ويحتمل: الفرضية في الجملة لا عين ما فرض عليهم من حيث الإشارة إلى ذلك؛ ولذلك اختلف في (الكاف) في قوله: (كما) - أنها زائدة، أو حقيقية. ثم اختلف فيما يأتيه ذلك الصيام: فمن الصحابة، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، من جعله صوم عاشوراء وأيام البيض. ثم استعملوا نسخ ذلك بصيام الشهر.
وقد روي مرفوعًا: " أن صوم شهر رمضان نسخ كل صيام كان ". ورُويَ عن جماعة في أمر صوم عاشوراء: أنا كنا نصومه حتى نزل صوم الشهر، فلم
يكن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يأمرنا به ولا ينهانا. وأصل هذا أنه كان يصام، لو كان ابتداء الآية عليه بحق الفرض فأبدل ذلك بصوم الشهر، فارتفعت عنه الفرضية على ما إذا كان يخرج منه بالفداء لم يكن معه فرضية القضاء، وبقي الفصل فيه؛ النسخ لم يكن من حيث نفس الصوم، إذ مثله من النسخ يكون بغير الصوم ولا يصوم. فثبت أنه في نسخ الفرضية. فبقي فيه حق الأدب والفضل، وتبين النسخ الصوم إذ مثله، وإن ذلك غير صوم الشهر الذكر في صوم الشهر بقوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا. . .) الآية. إذ ذلك كان غير موضع الشهر، ولو كان الكل واحدًا لكان الذكر في موضع منه كافيًا عن الإعادة؛ فثبت أنه على تناسخ الصيام. وقد روي عن معاذ رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: " أحيل الصيام ثلاثة أحوال ". وبين الخبر على وجهه في ذلك. ويحتمل: أن يكون المراد منه صوم الشهر، ويكون تكرار الذكر في الرخصة لمكان رفع الفداء، أو لمكان ذكر حق الامتنان بالتيسير، أو التحريض على حفظ العدد. والله الموفق. وأي ذلك كان؛ فليس بنا حاجة إلى معرفة حقيقة ذلك؛ لأن كيفية الابتداء لم تكلف،
وإنما كلفنا ما أبقى فرضه، وهو صيام الشهر الذي لم يختلف في ذلك. ثم قد خاطب جل ثناؤه بالصيام من قد آمن بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فكان فيما خاطب وجهان: أحدهما: أنه خاطب المؤمنين فعرف المخاطبون أن الاسم يذكرهم؛ إذ لم يذكر عن أحد أنه ظن خروجه من حكم الآية، من حيث لم يكن وفاء بما به يستحق الاسم، وكذلك سائر عبادات الأفعال. وهذا من أوضح ما يجب به العلم أن الإيمان ليس باسم لجميع القرب، بل تحقيقه يصير أفعال القرب قربًا. وفيه إذ لم يقل: يا أيها الذين، قلتم: نحن مؤمنون به صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، دلالة ظاهرة على هجر هذا القول، وأنه من تلقين الشيطان ليبطل عليهم عقدهم، كما يبطل كل عقد يستعمله فيه صاحبه مما أراد إلزامه العقد. واللَّه أعلم. والثاني: أن اللَّه تعالى خص بالعبادات المؤمنين، وأنهن لا يلزمن غيرهم وإنما يلزم غيرهم فيها الاعتقاد، لا الأفعال التي هي تقوم بالاعتقاد، وليس الاعتقاد بواجب لمكان تلك الأفعال حتى تكون كالأسباب التي توجب بإيجاب أفعال بها تقوم، بل له أوجب غيره. ألا ترى أنه لا يجوز أن يرتفع ذلك عن الخلائق بحال من الأحوال في الدنيا والآخرة مع ارتفاع غير ذلك من العبادات؛ ثبت أن الأمر بذلك بحيث نفسه، لا لغيره. ثم لا قيام لغيره مع عدمه؛ ثبت أن المعنى الذي به يصير المرء أهلًا لاحتمال فعل العبادات، لذلك لا يجوز الأمر بشيء منها دون ذلك. وله وجهان يحيلان الأمر أيضًا: أحدهما: العقل، أنه من البعيد أن يكون من لم يقبل العبودية، ولا أقر بالرسالة تؤمر بالعبادة وباتباع الرسول بحق الرسالة، بل يقول: ألزمونا الأول، حتى يكون الثاني، وهو كما أحال الناس المناظرة في الرسل مع منكري الصانع والمرسل، فمثله الأول، بل يجب كل قربة به؛ إذ لا يكون إلا به. واللَّه أعلم. والثاني: القول بأن من أسلم بعد أوقات العبادات لا يلزمه القضاء. ثم لذلك وجهان من المعتبر: أحدهما: بأنهم إذا لم يدخلوا في خطاب القضاء، بما ليس معهم في الحال ما يحتمل معه القضاء، فكذلك خطاب الابتداء؛ إذ هو الذي به لزم القضاء في الإسلام. والله
أعلم. والثاني: أنه لا يلزم القضاء بعد الإسلام، ولا يجوز الابتداء في حاله. فكان ذا تكليف لم يجعل اللَّه للمكلف وجه القيام، وقد تبرأ اللَّه عن هذا الوجه من التكليف بقوله عز وجل: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا)، مع ما بين اللَّه تعالى بقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ) أن ما للكافر التمتع في الدنيا، لا العبادات في ذلك. واللَّه الموفق. فثبت بالآية التي ذكرنا جميع المؤمنين في الخطاب؛ إذ بين الرخصة لِذِي العذر في الإفطار على وجوب القضاء فإذ لم يحتمل خروج من له العذر في الفطر عن أن يتضمنه الخطاب وجه ألزم القضاء، ثبت أن من لا عذر له داخل فيه ولا يسعه الفطر، وعلى هذا جاء ممن ابتلي بالجماع نهارًا أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أكد عليه الأمر وألزم الكفارة على غير سؤال عن أحوال سوى ما علم من حاله أنه ليس بمريض ولا مسافر، فكان في ذلك دليل تأكيد الفرض، وفي ذلك إيجاب الكفارة لتعديه على الصيام على حال لا يحتمل الإرخاص، إذ قد كان تلك البلية في الليالي، فلم يُؤمَروا بها من حيث كانوا يملكون إبقاء الرخصة لأنفسهم لولا النوم، وفي ذلك أن فرض الصيام يعم المؤمنين. ثم قال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (185) والشهر اسم للكل، ولو كان المراد راجعًا إليه لكان الصيام في غيره؛ لأنه عند هجوم غيره يتم شهوده، ثم يتناقض؛ لأنه قال: (فَلْيَصُمْهُ)، ومحال أن يصوم في غيره ابتداء؛ فرجع التأويل إلى أن من شهد منكم شيئًا من الشهر (فَلْيَصُمْهُ). فمن اعترضه الجنون
فيه فهو ممن قد تضمنه الخطاب، ويجوز في حالة الفرض أيضًا؛ إذ لو شهد ليلة الصيام فعزم على الصيام يجوز له فرضه، فدخل في حق الخطاب، ثم اعترضه في سائر الليالي عذر منع النية، لا عذر منع الصيام، فيقتضيه إذ هو أهل الحكم للآية التي ذكرنا، والقيام بذلك الفرض على ما وصفنا، ففاته بفوت النية كمن كان فوت لعذر المرض
والسفر والحيض ونحو ذلك بعد أن علم أنه ممن تضمنه الآية، فعليه قضاؤه.
وعلى ذلك في الصبي والكافر لم يدخلا في معنى الآية، ولا كانا يحتملان في حال قضاء فرض الصيام، فالقضاء في غيره عن ذلك لا يعمل في حق الفرض. لذلك لم يلزم. وقد رُويَ عن مُحَمَّد، رحمه اللَّه، على هذا: أن من أدرك مجنونًا ثم أفاق في بعض الشهر، أنه لا يقضي ما مضى، على ما ذكرت. وعن أبي حنيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -: أنه يقضي، إن كان في أول الشهر بالغًا، لما أخبرت أن صيامه لم يجز لعدم النية، والصبي والكافر بنفسه، ومن فوته لعدم النية، فهو داخل في حكم فرضه، فعليه القضاء. واللَّه الموفق. ومن جن الشهر كله لا يقضي لشرط الشهود، وهو لم يشهد شيئًا منه مع إمكان الإسقاط بدليل آخر، وإن كان حق الخطاب في الظاهر قد اقتضاه على مثل المريض الذي لا يصح، والمسافر الذي لا يقيم. واللَّه الموفق. وفي قوله: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)، دلالة أن ابتداء الآية في غير صوم الشهر؛ إذ صوم الشهر يحفظ بالأهلة لا بالأيام، لكن اللَّه تعالى إذ علم الأمر الظاهر في الخلق أنهم يعدونه بالأيام وإن كان لهم عن ذلك غنى. وقد رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " الشهر هكذا وهكذا وهكذا بأصابع يديه كلتيهما، وعقد أصبعًا منها في آخر المرات ". وجاء عن غير واحد أنهم قالوا: " ما كنا نصوم على عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تسعة وعشرين أكثر مما نصوم ثلاثين ". فجائز ذكر قوله: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)، يعني يعدها الخلق. واللَّه الموفق.
(184)
وقوله: (لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ)، أي: ما حرم عليكم من أنواع اللذات بكف الأنفس عن الذي به يدعو إليها من الأغذية. أو (تَتَّقُونَ) نقمة اللَّه في الآخرة، ومخالفته في الفعل في الدنيا. وقد جعل اللَّه جل ئناؤه عباداته أعوانًا للمعتادين بها على الكف عن المعاصي، والخلاف لله في الشهوات، فقال: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ)، وقال: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)، وغير ذلك. واللَّه الموفق. والأصل: أن العبادات تذكر أصحابها عظم أحوالهم في أوقات فيها من المقام بين يدي الجبار، وتطلعهم على الموعود لهم في الميعاد. وهما أمران عظيمان: أحدهما: في الزجر بما يعلم من عظم المقام واطلاع الواحد القهار عليه. والثاني: في الترغيب بما يشعر قلبه من لذيذ الموعد ما يضمحل لديه كل لذة دونه، وتنقطع شهواته التي بينه وبين ما وعد، واللَّه أعلم. ثم قال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. . . (184) الآية، من غير أن ذكر فطرا، فلا أشار إلى ما ذكر من السفر والمرض اللذين جعلا له تأخير الصيام إلى أيام أخر، ولا أشار إلى أعين تلك الأيام. وكذلك قال مثله فيما كان عرف الوقت لابتداء الصيام بقوله عَزَّ وَجَلَّ: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ) على أثر المعرف له بقوله عَزَّ وَجَلَّ: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، لكن الفطر يعرف أنه مضمر فيه بالعقل والسمع: فأما السمع: فما جاء من الآثار في الإذن بالإفطار للسفر والمرض؛ دل أن في ذكر العدة (مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) إضمار فطر. واللَّه أعلم. والعقل: أن اللَّه تعالى جعل المرض والسفر سببي الرخص، فلا يجوز أن يصيرا سببي زيادة فرض على ما كان قبل اعتراضهما، على أن قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) دليل أنه لو كان يلزم القضاء مع فرض فعل الصوم لكان ذلك عسرًا وحرجًا في الدِّين، وقد أخبر اللَّه تعالى أنه ما يجعل علينا الحرج في الدِّين. وعلى ذلك قال بعض الناس: يلزمهما القضاء إن أفطرا أو لا، محتجا بما لم يذكر في القرآن الأنطار، وذكر (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) كأنه جعل الوقت لهما غير الذي هو لغيرهما. يؤيد ذلك المرُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " الصائم في السفر كالمفطر "،
ومعلوم أن على المفطر في الحضر القضاء. فكذلك الصائم في السفر. ولكن الآية عندنا على الإضمار، وعلى ذلك يجري ذكر الرخص على إئر ذكر الحضر، كقوله عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) من غير ذكر الأكل أنه على إباحته. وقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)، ثم قال عَزَّ وَجَلَّ: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) ولم يذكر منه الإحلال، لكنه معلوم أنه على الشك ما لم يوجد؛ إذ لا يكون العذر سبب الزيادة في الفرض. وكذلك قوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)، ثم قال عَزَّ وَجَلَّ: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ. . .) الآية وذلك على إطلاق الحلق، ثم يلزمه الفداء؛ لأن الأذى والمرض يلزمانه. فمثله الأول. ثم الأصل: أنه لا أحد يلزم فرض صيام الشهر في غيره إذا لم يدرك الشهر، وقد أمر من نحن في ذكره؛ فبان أنه لزمه بإدراك الشهر لإدراك وقت الإمكان بلا عذر. وقال: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، وقال: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) وليعلم أن الذي يلزمه بالشهر في أوقات الإمكان. وذلك على ما يلزم الإحداث الطهارة لأوقات عبادة لا تقوم دونها، وفعل الجنابات لأوقات الحلول وإن تأخرت فمثله أمر الشهر. دليله ما بينا، وما ثبت عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعن صحابته: فعل الصيام في ذلك الوقت والفطر جميعًا؛ ثبت أن الصوم يجوز على المرض والسفر؛ إذ هما لأنفسهما لا يناقضان الصيام بما جاز معهما، وقد أمر به المتمتع وهو المسافر، أن ليس ذلك على حاضري المسجد الحرام، وذابح الصيد والمبادئ بهما لا يضادان الصيام، ثم كان القضاء عن الشهر بظاهر التلاوة؛ فبان أنه يجوز فيهما.
وإذا جاز ثبت أن التأخير رخصة والفضل في الفعل. واللَّه أعلم. والخبر على من يجهده الصيام حتى خيف عليه، وكذلك ما جاء من الآثار: " أن ليس من البر الصيام في السفر ". واللَّه أعلم. وعلى هذا يخرج قول أصحابنا في المكره على الفطر: أنه إن كان مريضًا أو مسافرًا
لا يسعه ألا يفطر لما جاء في ذلك من الوعيد في الفعل في السفر في حال الضرورة، ويسعه لو كان صحيحًا مقيمًا لما لم يذكر له الرخصة، ويلزمه فيه القضاء، مع ما فيه؛ إذ لم يكن ظهر الإذن في تلك الحال كان كفه عنه تعظيمًا لأمر دينه، من غير أن ذكر له في الدِّين النهي عنه، فهو في سعة، وليس كالمكره على أكل الميتة، ما ليس ذلك بذي بدل. وقد فرق بين ذي بدل وما لا بدل له، نحو إتلاف مال آخر، وأكل الميتة، ولأن علته الاضطرار وليست علة الفطر في السفر تلك، إذ قد يجوز، لا له، فهو عذر النفس، لا ضرورة النفس؛ فكأنه غير معقول العلة، وفيه تعظيم الدِّين. وليس في أكل الميتة وما ذكر. ولا قوة إلا باللَّه. ثم السفر الذي له الرخص: أجمع أنه لم يرد به المكان، لما جاء الفطر في الأمصار، ثبت أنه لنفس السفر. ثم كان السفر - حقيقته الظهور والخروج عن الأوطان، وقد يكون مثله في الخروج عن الأوطان إلى الضياع ونحوه، ولم يؤذن في الفطر؛ ثبت أنه راجع إلى الحد، وعلى ذلك متفق القول. ثم كان الحد المرخص عندنا: الخروج على قصد سفر ثلاثة أيام لخصال ثلاث: أحدها: الإجماع على أن هذا الحد مرخص ودونه تنازع. والتنازع يوجب النظر؛ لا الفتوى بالرخص، وفي ذلك أمر بفعل الصيام. والثاني: مجيء الخبر من وجهين: أحدهما: في تقدير مسح السفر بثلاثة أيام، ومعلوم أنه جعل للسفر حدا ووقتًا لفعل رخصة المسح وأوقات الأفعال على اختلافها. يتفق على أنها لا تقصر عن احتمال الأفعال على الوفاء، وليس بما لم يدخل الليالي في حق السفر عبرة؛ لأن الأسفار وإن كانت مؤسسة: على قطع الطرق والسير فيها، فإن دوام السير يجحف صاحبه ويهلكه، وفي ذلك منع السفر؛ ثبت أن أوقات السعي والسير مشترطة داخلة في حق السفر. لذلك صارت الليالي كالمعفوة، فتكون محيطة بما فيها من فعل المسح. والثاني: ما جاء من الأثر في النهي عن سفر ثلاثة أيام إلا لمحرم. وهو المنهي لما
جاء به النهي، وفيما دونه تنازع، لم يوجب الرخصة للإشكال في حق التمام لما له الرخصة على ما كان لما له النهي. واللَّه أعلم. والوجه الثالث: أن السفر عذر، والنهايات في الأعذار الثلاث، فكذلك بالأيام؛ إذ بها يسافر. وقال موسى عليه السلام: (قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76). وأما المرض فلم يجز أن يكون اسمه سببًا للرخصة؛ إذ ربما كان المرض يخفف الصيام ويسهل عليه سبيل فعله. ومن البعيد الترخيص بما يسهل فيه الفعل، والتضييق لما يشتد؛ فثبت أنه ليس لاسم المرض. وعلى ذلك الإجماع فهو - واللَّه أعلم - لما يخاف أن يزداد له بترك الأكل الداء، ويقبح على المرء اكتساب الداء وتعاطي الضارية، فرخص له الفطر بذلك، وذلك معنى البشرية، إذ به تخفيف ما به أو منع، أو ما يعتريه من الضرر، ولهذا ما رخص أصحابنا لمن به رمد يخاف الزيادة فيه. وقد رُويَ عن أنس بن مالك، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " يفطر المريض
والحبلى إذا خافت أن تضع ولدها، والمرضع إذا خافت الفساد على ولدها " ثبت أن الرخصة لما يخاف من فساد ينزل. ولا قوة إلا باللَّه.
وعن عبد اللَّه بن عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهما، عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " من مات من طعام أو شراب وهو يقدر فله النار " وباللَّه المعونة. وقوله: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ). قال قائلون: يطيقون الفداء. وذلك في الأمر الأول في المسافر والمريض أن له أن يقضي في أيام أخر، وأن يفدي. وفيه: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)، أي: أن تقضوا الصيام - واللَّه أعلم - إذ قد يحتمل أيضًا أن كانت الرخصة من قبل فيمن عليه بالخيار بين أن يصوم وبين أن يفدي، والصوم خير على ما ذكر في الآية، ثم نسخ ذلك، إن كان على التأويل الأول بقوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. . .) الآية، أنه ألزم القضاء على كل حال، وإن كان الثاني فقوله: (فَلْيَصُمْهُ)، أنه ألزم الفعل على حال، وبمثل ذلك خبر معاذ في إحالة الصيام: أنه كان للمرء خيار بين الفطر والفداء وبين الصيام، ثم نسخ. في قوله: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) على أثر ذكر السفر والمرض دلالة جعل الصيام في السفر خيرًا من الفطر والفداء في غيره، وإن احتمل الذي ذكرت. واللَّه أعلم.
ثم الدلالة على النسخ في الوجه الذي ذكرت. ومتفق القول على أن المطلق لم يكن له الخروج من ذلك بالفداء. فبذلك عرف النسخ مع ما ثبت من قطع الآية على القضاء في أحد الوجهين، وفعل الصيام في الآخر. وعلى ذلك معتبر القول في الشيخ الفاني الذي لا يقوم للقضاء أن له الفطر والفداء؛ لأن الصوم قد ثبت أنه يحتمل الوفاء بالفداء لكن نسخ بالصيام، فإذا ارتفع الصيام بالعجز عمن يحتمل الخطاب بعبادات الأموال وهم المشايخ، جاز أن يخاطبوا بالصيام ليخرجوا عنه بالفداء. وعلى ذلك ما جاء في الأثر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالأمر بالصيام عن الميت، أنه الصيام الذي هو صيام من لا يحتمل فعله وهو الفداء. واللَّه أعلم. وقد قرئ (يُطَوَّقُونَهُ) بمعنى يُكلَّفونه، ولا يطيقونه، لكن في الآية (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) ولو كان " لا يطيقونه ": لا يرغبون فيه، إلا أن يشترط فيه طاقة الجهد. والله أعلم. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا). من زيادة فداء، وما يستزيد من الخيرات التي لم يفترض ليعوَّد به الخير. أو (تَطَوَّعَ) فيما أذن له في الفداء بالصوم. واللَّه أعلم.
ورُويَ عن عائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " لا تسموا شهر رمضان رمضان، فإنما هو اسم من أسماء اللَّه تعالى. انسبوه إلى ما نسبه لكم القرآن ". وقوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ). أضاف عَزَّ وَجَلَّ الفعل إلى الشهر بقوله: (فَلْيَصُمْهُ)؛ فلذلك إذا قصد به صوم الشهر جائز الصوم وإن لم ينو الفرض سوى ما ذكرنا. وكذلك سائر الفرائض نحو الظهر والعصر ينوي ذلك، فيكون ذلك على ما جعله اللَّه من فرض وإن لم ينو الفرض. ولا قوة إلا باللَّه. وعلى ذلك من نوى بالصيام غير صيام الشهر جائز عن صيام الشهر، لما أمرنا بصيام الشهر ولم نؤمر بأن نجعل ذلك لشيء سواه، والشهر موجود لنفسه لا يحتاج صاحبه إلى أن يوجده كان من ذلك على كل حال. وكذلك كل حق معين في شيء لم يزل عنه نيته إلى غيره؛ كمن يأمر إنسانًا بشراء شيء بعينه لم يتحول عنه بالنية، على أن ذلك كالظهر والعصر ونحو ذلك؛ فيحال على تحقيق ذلك قصد غير، وبعد فإن كلا يجمع ألا يجوز غير؛ فثبت أن استحقاق الشهر بصومه لا يستحق عليه غيره من الصيام فجاز عنه. وعلى ذلك أجاز أبو حنيفة في السفر غيره، من حيث أذن له في تأخير هذا، أو غيره فرض عليه نحو صوم الظهار والقتل، ولا رخصة له في تأخيره، فجاز فيه؛ إذ هو وقت صيام حول إلى وقت غيره، فصار هذا الوقت بالحكم لغيره، وليس كنية المتطوع؛ لأنه في موضع الرخصة وفي العمل به وقد يكون له مقدار التطوع من الفضل على غيره فهو أولى به. ولما قد يجوز النفل بلا نية نفل، فكأنه لم ينو النفل. فهو رجل لم يعمل برخصة الله بل عمل بوجه العزم. ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). قيل: (تَتَّقُونَ) الأكل والشرب والجماع. ويحتمل: (تَتَّقُونَ) المعاصي؛ لأن النفس إذا جاعت شبعت عن جميع ما تهوى
وتشتهي. وإذا شبعت تمنت الشهوات، وتتمنى ما تهوى. ويحتمل: (تَتَّقُونَ) عذاب اللَّه وعقابه. واللَّه أعلم. وقوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). ألزم بعض الناس على المريض والمسافر قضاء عدة الأيام وإن صاموا، فاستدلوا بظاهر الآية فقالوا: أوجب عليهم القضاء على غير ذكر الإفطار فيها. واحتجوا أيضًا بما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر "، فقد حقق له حكم الإفطار في أن لا صوم له؛ فدل أنه لم يجز، فكان كتقديم الصوم عن وقته. وأما عندنا: فهو على إضمار الإفطار، كأنه قال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ) فأفطر، (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). وهو كما ذكر عَزَّ وَجَلَّ في المتأذي: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) أي: من كان به أذى فرفع من رأسه ففدية. وكما قال في المضطر: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) ومثله كثير في القرآن. فلا يجوز لأحد أن يأتي ذلك، ولأن المرض والسفر أعذار رخص الإفطار فيها تخفيفا وتوسيعًا على أربابها، فلو كان على ما قال هو لكان فيه تضييق عليهم؛ ولأنه إذا قضى في عدة من الأيام إنما يقضي عن ذلك الوقت، فلو لم يجز الفعل في ذلك الوقت وفي تلك الحال، لكان لا يأمر بالقضاء عن ذلك الوقت ولا عن تلك الحال؛ فدل أنه على ما ذكرنا. واللَّه أعلم. وأصله: ما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه صام في السفر، وروي أنه أفطر، ورُويَ عن الصحابة، أنهم صاموا في السفر. ولو كان لا يجوز لكان لا معنى لصومهم.
وأما قوله: " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر "، فهو عندنا: إذا كان الصوم أجهده وضعفه لزمه أن يفطر، صار كالذي أفطر في الحضر. واللَّه أعلم. ورُويَ عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " الصوم أفضل والفطر رخصة ". وقوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ). قرأ بعضهم: " وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَه "، فمعناه يكلفونه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: " لا يطيقونه ". لكن هذا لا يحتمل؛ وذلك أنه قال: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)، دل أن قوله: " لا يطيقونه " لا يحتمل. وقيل: كان أول ما ترك الصوم كان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا كل يوم، فلما نزل صوم شهر رمضان نسخ ما كان قبله عمن يطيق الصوم، ويثبت الرخصة لمن لا يطيق من نحو الشيخ الفاني، والحبلى والمرضع إذا خافت على ولدها. وقيل: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ)، أي: الفدية. وقيل: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ)، ثم عجزوا، (فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) كل يوم. وقيل: إن المريض والمسافر إن شاءا أفطرا وقضيا، وإن شاءا أفطرا وفديا. لكن ذلك كله منسوخ بما ذكرنا بنزول (شَهْرُ رَمَضَانَ). ورُويَ عن أنس، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: " أحيل الصوم ثلاثة أحوال: فمرة يُقضَى، ومرة يطعم، ومرة يصام، ثم نسخ هذا كله ". ثم الأصل في هذا: أن من عجز عن قضائه جعل له الخروج بالفداء بعجزه عن ابتدائه، من نحو الشيخ الفاني وغيره. ومن لم يعجز عن قضائه، لم يجعل له الخروج بالفداء، من نحو المرضع والحبلى والمريض والمسافر؛ لأنهم لم يعجزوا عن غير المفروض والبدل أبدًا، إنما يجب إذا عجز عن إتيان الأصل. واللَّه أعلم. وقوله: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا). يحتمل: زيادة الطواف.
(185)
ويحتمل: نفس الحج. ويحتمل: أصل التطوع أن كل ما يتطوع به فهو خير له إذا ثطوع في الأصل خير. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ (185). قوله: (هُدًى لِلنَّاسِ). قيل: يهتدون به الطريق المستقيم. وقيل: بيان للناس من الضلالة. وقوله: (وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى). قيل: حجج للناس إذا تأملوه. - وقيل: (وَبَيِّنَاتٍ) أي: فيه الحلال، والحرام، والأحكام، والشرائع. وقوله: (وَالْفُرْقَانِ). قيل: يفرق بين الحق والباطل. وقيل: (وَالْفُرْقَانِ)، المخرج في الدِّين من الشبهة والضلالة. قال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه -: " نزل الفرقان إلى السماء الدنيا من اللوح جملة في شهر رمضان في ليلة القدر -في ليلة مباركة- جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلًا رسلًا في الشهور والأيام على قدر الحاجات ". وقولهه تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ). يحتمل قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) وهو مقيم صحيح، (فَلْيَصُمْهُ). ثم رخص للمريض والمسافر الإفطار بقوله عَزَّ وَجَلَّ: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). ويحتمل قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ) أي: من شهد منكم بعقله الشهر (فَلْيَصُمْهُ) فلا يدخل في الخطاب المجانين ولا الصبيان، ألا ترى أن أول الخطاب خرج للمؤمنين بقوله عَزَّ وَجَلَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) فهَؤُلَاءِ لم يدخلوا فيه؛ فدل أن قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ) أي؛ شهد منكم بعقله، (فَلْيَصُمْهُ). ثم يحتمل أن تكون فرضية الصوم بقوله عَزَّ وَجَلَّ: (فَلْيَصُمْهُ).
ويحتمل: لا بهذا، ولكن بقوله: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ)؛ إذ لا يجب إكمال العدة لما مضى إلا على حق الفرضية. والثاني: قال اللَّه تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ)، بما رخص للمريض والمسافر الإفطار، ولو كان غير فرض لم يكن لما ذكر من الامتنان علينا بالتيسير معنى؛ لأن المنة لا تذكر فيما له تركه؛ فدل أنه فرض. ويحتمل: أن يكون فرضيته بقوله عَزَّ وَجَلَّ: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)؛ لأن قوله: (كُتِبَ)، أي: فرض. فدلت هذه الآيات على أنه فرض. ثم اختلف في قضاء ما فات منه برخصة الإفطار في السفر أو في المرض: قَالَ بَعْضُهُمْ: لا يجوز إلا متتابعًا. وكذلك روي في حرف أبي بن كعب في قوله: " فعدة من أيام أخر متتابعات ". وأما عندنا: فإنه يجوز متتابعًا ومتفرقًا؛ اتباعًا لما رُويَ عن خمسة من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنهم قالوا: " إن شاء تابع، وإن شاء فرق " سوى أن عليًّا، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، قال: يتابع، لكنه إن فرق جاز، ثم عن عليٍّ، وعبد اللَّه بن عَبَّاسٍ، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهم، وآخر لست أذكره، أنهم قالوا: بجواز ذلك، ولا يحتمل أن التتابع شرطًا فيه خفي ذلك على هَؤُلَاءِ، أو تركوه إن عرفوه؛ فدل
أنه لا يصح ذكر التتابع شرطًا فيه، وليس كذكر التتابع في صوم كفارة اليمين في حرف ابن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه؛ لأنه لم يخالفه أحد من الصحابة، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، في ذلك، فصار كالمتلو. وهاهنا قد خالفوا أبيًّا في حرفه؛ فلم يصر كالمتلو؛ لذلك افترقا. واللَّه أعلم. وقراءة أُبي إن ثبتت عنه، فهو على الأرب؛ لما ذكر من إجماع الصحابة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهم، وبما أنه وجب بوقت، وكل ذي وقت فليس التتابع بشرط فيه في غير ذلك الوقت. ولو كان التتابع شرطًا، لكان حق الإفطار يلزم الكل؛ حتى يكون القضاء موصولا أو الابتداء. فأما إذا جاز التفريق بين بعض له حكم الابتداء وبعض له حكم القضاء، لجاز في غيره من الأبعاض؛ إذ كل ذلك له في الابتداء جاز الفعل والترك. فصار حق كل يوم في القضاء لنفسه لا لغيره؛ إذ كذلك حقه في الترك القضاء، وفي الفعل في الابتداء. ولا قوة إلا باللَّه. وما ذكر من المسائل فهي مبنية على هذا الذي ذكرت: أن التتابع للفعل لا يحتمل اعتراض رخصة التفريق على إمكان الجمع؛ ثبت أن الجمع شرط فيه. وما نحن فيه يحتمل صوم كل يوم على الانفراد أن يؤخر فعله في الشهر بالرخصة عن غيره كذلك القضاء. واللَّه أعلم. وبعد، لو كان التتابع شرطًا لم يكن لقوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ)، كبير فائدة؛ لأن في التتابع شرط الجملة، لا أن يكلف له العدد، وعلى الرجل أن يتم المدة التي للقضاء، لا أن يحفظ الحساب لإكمال العدة. واللَّه أعلم. والأصل: أن كل صوم يؤمر بالتتابع بحيث الفعل يكون التتابع شرطًا فيه حيثما كان الفعل. وكل صوم يكون التتابع فيه بحيث الوقت، ففوت ذلك الوقت يسقط حق التتابع. ولهم على هذا مسائل: إذا قال: " لله عليَّ أن أصوم شعبان "، فلزمه أن يصوم متتابعًا، لكنه إذا فات شيء منه يقضي إن شاء متتابعًا، وإن شاء متفرقًا؛ لأن التتابع بحيث الوقت يسقط لسقوطه.
ولو قال: " لله عليَّ أن أصوم شهرًا متتابعًا "، يلزمه أن يصوم متتابعًا، لا يخرج من نذره إلا به؛ لأن التتابع ذكر للصوم، فهو لا يسقط عنه أبدًا. والثاني: ما قال عَزَّ وَجَلَّ: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ)، واليسر رخصة، لم يجز أن يجعل فيه ما هو عسر وضيق: وهو التتابع. واللَّه أعلم. ثم في قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، دلالة أنه إذا صام من غيره لم يجز؛ لأنه أضاف عَزَّ وَجَلَّ الصوم إلى الشهر، وأشار إليه بقوله عَزَّ وَجَلَّ: (فَلْيَصُمْهُ) فلو جاز له أن يصوم من غيره لكان فيه صرف إلى غير ما جعله اللَّه، وفي ذلك خوف اعتراض لأمره، وإشراك في حكمه. ونسأل اللَّه العصمة من الزيغ عن الحق. وأما قوله عَزَّ وَجَلَّ: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ). قالت المعتزلة: من صام في السفر أو في المرض فعل ما لم يرد اللَّه؛ لأن اللَّه عز وجل أخبر أنه لم يرد العسر، وإنَّمَا أراد اليسر، فإذا صام في المرض أو في السفر أراد العسر، واللَّه تعالى أخبر أنه لم يرد، فدل أنه فعل ما لم يرد اللَّه. لكن الوجه عندنا: أن قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ)، معناه: أراد اللَّه بكم اليسر لما رخص لكم الإفطار في السفر؛ لأنهم أجمعوا على أن الصوم في السفر أفضل، والإفطار رخصة، ولا جائز أن يقال: لم يرد اللَّه ما هو أفضل، وأراد ما هو دونه على قولهم، ولكن يقال: أراد لمن أفطر اليسر، وأراد لمن ترك الإفطار العسر، وإرادته نافذه، فلا جائز أن ينفذ في وجه ولا ينفذ في وجه آخر. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ)، أي: يريد أن ييسر عليكم بالإذن في الفطر، لا أن يعسر عليكم بالنهي عنه. وقد يحتمل الفعل، لكنه لم يذكر عن أحد أن اللَّه تعالى أراد به اليسر فصام؛ فثبت أن الإرادة موجبة، مع ما لا يحتمل على قولهم أن يكون الصائم في السفر غير مراد، وقد قضى به فرض اللَّه، وأطاع اللَّه فيه. والمعتزلة يقولون بالإرادة في كل فعل الطاعة فضلًا عن الفريضة. وقوله " (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ). قيل: يعني تعظمون اللَّه، (عَلَى مَا هَدَاكُمْ) لأمر دينه. ويجوز أن يريد بالتعظيم الأمر بالشكر لما أنعم عليهم من أنواع النعم من التوحيد والإسلام وغيره.
(186)
(وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): أي: ربكم بهذه النعم التي أنعمها عليكم. ويحتمل: أنه أمر بالتعظيم له والشكر لما رخص لهم الإفطار في السفر والمرض. واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) وقوله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ). هو على الإضمار - واللَّه أعلم - كأنه قال: وإذا سألك عبادي: " أين أنا عن إجابتهم "، فقل لهم: إني قريب الإحسان، والبر، والكرامة لمن أطاعني. ويحتمل: (فَإِنِّي قَرِيبٌ). قرب العلم والإجابة، لا قرب المكان والذات كقرب بعضهم من بعض في المكان؛ لأنه كان ولا مكان، ويكون على ما كان، وكذلك قوله: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، وكقوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)، (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ) كل ذلك يرجع إلى قرب العلم والإحاطة وارتفاع الجهات، لا قرب الذات على ما ذكرنا. وإن كانت القصة على ما قاله بعض أهل التفسير: بأن اليهود قالوا: كيف يسمع ربك دعاءنا، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام، وأن غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام؟! فنزل قوله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)، هذا لما لم يعرفوا الصانع؛ ألا تراهم جعلوا له الولد، وجعلوا له شركاء، فخرج سؤالهم، إن كان، مخرج سؤال المتعنت، لا سؤال المسترشد.
(187)
وقوله: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ). أي: أقبل توحيد الموحد. وكذلك قال ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، في قوله: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، أي: وحدوني أغفر لكم. وقيل: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ)، على حقيقة الإجابة. وقوله: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي). أي: إلى ما دعوتهم. يحتمل: على ما ذكرنا في قوله؛ (أُجِيبُ) لكم، إذا استجبتم لي بالطاعة والائتمار. ويحتمل: (أُجِيبُ) لكم، إذا أخلصتم الدعاء لي. ويحتمل: على ابتداء الأمر بالتوحيد، كأنه قال: وحدوني. ألا ترى أنه قال: (وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) إذا نعلوا ذلك. وقوله: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ (187) سماه (لَيْلَةَ الصِّيَامِ). الليل مضاف إلى يومه، كأنه قال: ليلة يوم الصوم، وإن لم يكن فيها صوم في الحقيفة؛ لانتظار الصيام فيها بالنهار، على ما جاء عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذ قال: " منتظر الصلاة ما دام ينتظرها في الصلاة "، وكذلك قوله: (فَمَن فَهِدَ مِنكم أدشهرَ فَتيَممُته)، أضاف الصوم إلى الشهر يدخل فيه الليل والنهار؛ لأن اسم الشهر يجمع الليل والنهار جميعًا. وقوله: (الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ). قيل: (الرَّفَثُ)، الجماع. وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه. وقيل: (الرَّفَثُ) هو حاجات الرجال إلى النساء من نحو الجماع، والمس، والتقبيل وغيره. وقوله: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ).
قيل: هن ستر لكم عما لا يحل، وأنتم ستر لهن أيضًا. يعف الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل. وقيل: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن. يسكن الزوج بالزوجة، والزوجة بالزوج. وهو كقوله: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا)، أي: سكنا، (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ). ويحتمل: أن يكون أحدهما لباس الآخر بالليالي. واللَّه أعلم. وقوله: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ). (تَخْتَانُونَ) وتخونون واحد. قيل: نزلت الآية في شأن عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، وذلك أن الناس إذا صاموا، ثم نام أحد منهم، حرم عليهم الطعام والجماع حتى يفطر من الغد، فواقع عمر، رضي اللَّه تعالى عنه، امرأته يومًا بعد ما نام أو نامت. فغدا إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فأخبره بذلك، فنزل قوله: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ)، أي: تظلمون؛ لأن كل خائن ظالم نفسه، فتاب اللَّه عليه وعفا عنه، ثم رخص لهم المباشرة بقوله: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) على الرخصة، هو على الإباحة، لا على الأمر به. وقوله: (وَابْتَغُوا). أي: اتبعوا. (مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ). قيل: فيه بوجوه: قيل: (مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)، من الولد. وقيل: (مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)، من ليلة القدر، وما فيه من نزول الرحمة.
وقيل: (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)، من الرخصة، والإباحة في الجماع في ليلة الصيام، والأكل بعد النوم وهو كما جاء: " من لم يقبل رخصنا كما يقبل عزائمنا، فليس منَّا ". وقوله: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ). ذكر عن عدي بن حاتم، أنه قال: كنت أضع خيطين تحت وسادتي بعد نزول هذه الآية: أحدهما أبيض، والآخر أسود، فكنت أنظر فيه متى ما تبين لي إلى أن أتيت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فأخبرته، فقال: " إن وسادك لعريض "، يعني أن الفجر هو المتعرض في الأفق. ورُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: " لا يغرنكم الفجر المستطيل، إنما الفجر
المستطير في الأفق ". وروي أنه قال: " الفجر فجران: فجر مستطيل في السماء، وفجر مستطير في الأفق، هو الذي يحرم الطعام على الصائم ويحل الصلاة ". وروي أنه قال: " لا يغرنكم أذان بلال، فإنه إنما يؤذن بالليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم ". وفي بعض الأخبار قال: " لا يغرنكم أذان بلال عن سحوركم، فإنه إنما يؤذن بليل "، أو كلام نحو هذا. والأصل في هذا: أن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ جعل حد الصيام من وقت تبين النهار إلى وقت غيبوبة الشمس وأباح من وقت غيبوبة الشمس إلى وقت تبين النهار، الطعام، والشراب، والجماع تخفيفًا منه. وقوله: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). وقد اختلف أهل التأويل في معنى المباشرة: قيل: (المباشرة) عنى اللَّه به: الجماع وما دون الجماع، فإنما نهوا عنها.
وقيل: (المباشرة) كناية عن الجماع. ثم قوله: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، فيه أدلة من أوجه الآية، كأنها نزلت في نازلة بلوا بها، لا أن كانوا يباشرون نساءهم في المساجد؛ لأن المساجد كانت أجل عندهم من أن يجعلوها مكانا لوطء النساء. ولكنه - واللَّه أعلم - أن الاعتكاف: هو اللبث في مكان، يأخذ الحق في نفسه عند عكوفه في المسجد وخروجه منه، فذكر أن العكوف نفسه يحرم الجماع في الأحوال كلها، ليس كالصوم الذي يحرم حالًا دون حال في الوقت الذي لم يكونوا فيها، ليعلموا أن حكم المقام في المساجد أخذ وليسوا هم
فيها. ولو لم يكن شرطًا في ذلك لكان قوله: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ) كافيا إذ لم يكونوا في المساجد وقت لحوق النهي للمباشرة. واللَّه أعلم. وفيه دليل أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، حيث خص المساجد دون غيرها من الأمكنة. وفيه دليل أن المعتكف قد يخرج من معتكفه، لكنه لا يخرج إلا لما لا بد
منه، على ما جاء عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أنه كان لا يخرج إلا لحاجة الإنسان "، وحاجة الإنسان يحتمل وجهين: يحتمل: لما يرفع إليه من الحوائج. ويحتمل: حاجة الإنسان: الحاجة المعروفة التي لا يحتمل قضاؤها في المسجد. ثم الضرورة تقع بالخروج في العكوف بوجهين: مرة في نفسه، ومرة فهي أفعال يكتسبها. وبهذا يقول أصحابنا، رحمهم اللَّه تعالى، في فرضية الخروج إلى الجمع؛ لأن من اعتكف على ألا يشهد الجمعة لا يؤذن له في ذلك، لما لا جائز أن يؤذن بإيجاب قربة هي ليست عليه بتضييع أخرى هي عليه؛ إذ ذلك فرض كفاية يسقط بأداء البعض، لذلك كان ما ذكرنا. فَإِنْ قِيلَ: روي أنه كان أيخرج، لاتباع الجنازة وعيادة المريض.
قيل: إن ثبت هذا فهو إذ خرج لوجه أذن له بالخروج لذلك الوجه فخرج ثم عاد مريضًا، أو شهد جنازة، وذلك جائز، ولو كان يؤذن لذلك لكان يؤذن لكل قربة؛ إذ الجنازة إذا شيعها الكافي سقط فرض الثشييع، فإذا لم يؤذن في غير هذا، وهذا مثل ذلك، أو دونه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي ذلك دليل أن الخبر على ما بينت، واللَّه أعلم. ورُويَ عن عائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، أنها قالت: " إن من السنة ألا يخرج المعتكف من معتكفه "، دل هذا من عائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، أن خبر علي بن أبي طالب، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، على ما ذكرنا، إن ثبت. وفي قوله: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) دليل أن الاعتكاف يكون في جميع المساجد؛ لأنه عم المساجد. وما روي: أن " لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام " إن ثبت، فهو على التناسخ؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - اعتكف في مسجد المدينة، فدل فعله أنه منسوخ. واللَّه أعلم. وقوله: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ). قيل: (تِلْكَ) المباشرة معصية، (فَلَا تَقْرَبُوهَا) في الاعتكاف، فحد الأمر ألا تقربوها. وقيل: إنه جمعل لكل طاعة وأمر ونهي حدًّا وغاية، فلا يجاوز ولا يقصر عنه. وقيل: (تلك) فرائض اللَّه.
(188)
وقيل: (تِلْكَ) سنن اللَّه. وكان الأول أقرب واللَّه أعلم. قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) وقوله: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ). قيل: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، ولا تدلوا بها إلى الحكام. وقراءة أُبي: " فلا تدلوا بها إلى الحكام "، وجهان: على إضمار لا؛ كقوله: (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ)، أي: ولا تكتموا الحق. وقيل: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) بما تلبسوا على الحكام، وتقيموا على ذلك حججا باطلة، على ما جاء عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: " إنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه المسلم فكأنما قضيت له بقطعة من النار ".
وقوله: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)، جعل مال أخيه كماله، ونفس أخيه كنفسه بقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُم). فإذا أكل مال أخيه بالباطل لزمه مثله، جعل كأكل ماله بباطل، وجعل قتل نفس أخيه بالباطل كقتل نفسه بالباطل؛ لأنه إذا قتله بباطل قتل به. ثم من الناس من استدل بهذا على أبي حنيفة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، فيما يقول بمضي العقد إذا شهد الشهود على ذلك عند الحاكم، وقضى به، ثم ظهر أن الشهود شهود زور؛ حيث قال: (وَلَا تَأْكُلُوا)، وكما روي من الوعيد للأخذ مكان ما أخذ قطعة من نار، فإذا لم يحل ذلك لم يمض العقد. غير أن الأصل عندنا في كل ما لو اجتمع الخصمان على ذلك بسبب جعل ذلك لهما، فإذا قضى الحاكم بذلك السبب نفذ. وقوله: (لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). يعني: طائفة من أموال الناس. * * * قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192)
(189)
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) وقوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (189) يحتمل: (يَسْأَلُونَكَ)، أي: سألوك عن الأهلة. ويحتمل: (يَسْأَلُونَكَ) أنهم يسألونك من بعد، فإن كان على هذا ففيه دليل رسالته؛ لأنه كان كما أخبر من السؤال له. ثم معنى السؤال عن الأهلة - واللَّه أعلم - هو أنهم لما رأوا الشمس تطلع دائمًا على حالة واحدة، ورأوا القمر مختلف الأحوال من الزيادة والنقصان فحملهم ذلك على السؤال عن حال القمر، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه جعل الهلال معرفًا للخلق الأوقات والآجال والمدد ومعرفة وقت الحج؛ لأنه لو جعل معرفة ذلك بالأيام لاشتد حساب ذلك عليهم، ولتعذر معرفة السنين والأوقات بالأيام. فجعل - عَزَّ وَجَلَّ - بلطفه وبرحمته، الأهلة ليعرفوا بذلك الأوقات والآجال، ويعرفوا وقت الحج، ووقت الزكاة؛ طلبًا للتخفيف والتيسير عليهم. ثم قال: (مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)، جعل الأهلة كلها وقتا للحج. ولهذا قال أصحابنا: إنه يجوز الإحرام في الأوقات كلها، على ما يجوز بقاء الإحرام في الأوقات كلها. وأما أفعال الحج: فإنها لا تجوز إلا في وقت فعل الحج، وهو قوله: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، فإنما هي على أفعال فيه، دليله قوله: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ)، ولا تفرض من الحج في غير الإحرام؛ دل أنه عنى به أفعال الحج، وقد جاء: أنه سمى الإحرام على الانفراد حجا، وسمى الطواف بالبيت حجا، والوقوف حجا، وقال: " الحج عرفة " وسمى الذبح حجا، حيث قال: " أفضل الحج
العج والثج ". وإنَّمَا سمى كلًا منها حجا؛ لما جعل لها أوقاتًا معلومة يؤدَّى فيها.
وأما الإحرام فإنه جعل الأشهر كلها وقتًا له بقوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ). وقوله: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا). لا معنى لعطف هذا على الأول إلا على إضمار السؤال، كأنهم سألوه عن الأهلة وعن إتيان البيوت من ظهورها، فأخبر: أن ليس البر في إتيان البيوت من ظهورها. (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). ثم اختلف في قصة هذا الكلام: قَالَ بَعْضُهُمْ: إن بعض العرب إذا أحرم أحدهم لم يدخل بيته من بابه، ولكن يدخل من ظهر البيت؛ مخافة تغطية الرأس إذا دخل من بابه. وقيل: إن بعض العرب إذا خرج أحدهم لحاجة ولم يقض حاجته، فرجع لم يدخل البيت من بابه، ولكن يدخل من وراء ظهره، يكره دخول بيت غير منجح -يتطيرون به- ويتفاءلون قضاءها ثانيًا. فقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَيْسَ الْبِرُّ) فيما تصنعون، (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ
(190)
اتَّقَى)، واتبع أمر اللَّه، وانتهى عما نهى عنه، ويأتي (الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا). ويحتمل: أن يكون على التمثيل والرمز، ليس على التحقيق؛ كقوله: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ)، وكقوله: (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ)، فهو ليس على حقيقة الطرح وراء الظهر، ولكن كانوا لا يسمعون كلام اللَّه ولا يعبئون به. وكذلك كلام رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: لا يسمعونه ولا يكترثون إليه، فأخبر أنه كالمنبوذ والمطروح وراء الظهر لما لم يعملوا به؛ فعلى ذلك الأول، أخبر أنه (لَيْسَ الْبِرُّ) في ترك اتباع مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والائتمار بأمره، أي: ليس فعل البر مخالفة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما يأمر، ولكن البر في الاتباع له والائتمار بأمره. وقال القرامطة: إن المراد من الأبواب هو علي بن أبي طالب، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، والبيوت بيوت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. أمروا بإتيان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من عند علي، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، على ما جاء أنه قال: " أنا مدينة العلم وعلي بابها ". فمن أراد الدخول في البيت، لا بد من أن يأتي الباب فيدخل من الباب. لكن الجواب لقولهم على قدر ما تأولوا - أنه ذكر البيوت، وذكر الأبواب أيضًا والبيوت كثيرة، والأبواب كذلك أيضًا، فعليٌّ وغيره من الصحابة من نحو أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، فيه شرع سواء؛ ألا ترى أنه قال: " أنا مدينة الحكمة "، والمدينة لا يعرف لها باب واحد، بل يكون لها أبواب؛ فدل أن تأويلهم في عليٍّ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، خاصة، لا يصح. وباللَّه العصمة. وقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ). أي: اتقوا اللَّه ولا تعصوه، ولا تتركوا أمره، وانتهوا عن مناهيه. وقوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا (190)
(191)
(سَبِيلِ اللَّهِ): دينه وطاعته، أي: في إظهار دينه. قيل: هي أول آية نزلت في الأمر بالقتال. وقيل: أول آية نزلت في الأمر بالقتال قوله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا). ويحتمل: أنه أخبر كأنهم نهوا أولًا ثم أذن لهم فقاتلوا فأنكر عليهم، فأنزل اللَّه أنه أذن لهم إخبارًا. فلا يدري أيتهما أول، ولكن فيه الأمر بالقتال، والنهي عن الاعتداء هاهنا؛ قيل: هو نهي عن قتل الذراري والنساء والشيخ الفاني، على ما جاء أنه بعث سرية أوصى لهم ألا يقتلوا وليدًا ولا شيخًا. وقيل: نهاهم أن يقاتلوهم في الشهر الحرام إلا أن يبدأهم المشركون بالقتال. والله أعلم. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). أي أنه لا يحب الاعتداء، لم يحب من اعتدى. وقوله: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ (191) قيل: لفظ (حَيْثُ) يعبر عن المكان؛ ففيه إذن بقتلهم في جميع الأمكنة، وفي تعميم الأمكنة تعميم الأوقات، فهو على عموم المكان إلا فيما استثنى من المسجد الحرام مطلقًا. وأما قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ)، فالاستثناء فيه مقيد، فلا يخرج عن ذلك العام. واللَّه أعلم.
ثم منهم من جعل لهم القتال في الحرم وفي أشهر الحج بظاهر هذه الآية. ومنهم من قال: لا يقتل فيهما جميعًا. وقال أصحابنا رحمهم اللَّه تعالى: يقتل في الشهر الحرام، ولا يقتل في الحرم إلا أن يبدأهم بالقتال، فحينئذ يقتلهم. وكذلك يقولون فيمن قتل آخر ثم التجأ إلى الحرم: لم يقتل فيه، ولكن لا يؤاكل ولا يشارب ولا يجالس حتى يضطر فيخرج، فيقتل. وإذا قتل في الحرم يقتل. فعلى ذلك لا يقاتل في الحرم إلا أن يبدأهم بالقتال، فعند ذلك يحل القتل. وإنما لم يحل القتال في الحرم إلا أن يبدءوهم به، وإن كان ظاهر قوله: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) يبيح القتل في الأمكنة كلها، بقوله: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ)، استثنى الحرم دون غيره من الأماكن. وأما قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ)، ظاهر هذه الآية يحرم القتال في أشهر الحج، لكن فيه دليل حل القتال بقوله: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)، يعني بالفتنة الشرك، جعل القتل فيه كبيرًا، ثم أخبر أن الشرك فيه أكبر وأعظم من القتل. فالأصل عندنا: أن الابتلاء إذا كان من وجهين يختار الأيسر منهما والأخف؛ فلذلك قلنا: إنه يختار القتل في الحرم على بقاء الفتنة -وهو الشرك- إذ هو أكبر وأعظم. والله أعلم. وقوله: (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ). يحتمل: (وَأَخْرِجُوهُمْ) من مكة كما (أَخْرَجُوكُمْ) عام الحديبية. ويحتمل: أن أمرهم بأن يضيقوا عليهم ويضطروهم إلى الخروج كما فعل أهل مكة بهم. ويحتمل: الإخراج على ما جاء: " ألا لا يحجن مشرك بعد عامي هذا ".
(192)
ويحتمل: أن يمنعوهم عن الدخول فيه؛ كقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)، وكقوله: (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)، المنع عن الشرك إخراجًا. وقوله: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ). أي: الشرك أعظم جرمًا عند اللَّه من القتل فيه. وقوله: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) كما ذكرنا أن هذا وقوله: (وَاقتُلُوهُم)، كله يخرج على المجازاة لهم. وفيه لغة أخرى: " ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه ". فإذا قتلونا لا سبيل لنا أن نقتلهم، فما معنى هذا؟ قيل: يحتمل قوله: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ)، أي: إذا قتلوا واحدًا منكم فحينئذ تقتلونهم، أو لا تقتلوهم حتى يبدءوا هم بالقتل، أو أن يقول: لا تقتلوهم حتى يقتلوا بعضكم، فإذا فعلوا ذلك فحينئذ تقتلونهم. واللَّه أعلم. وقوله: (كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ). أي هكذا جزاء من لم يقبل نعم اللَّه، ولم يستقبلها بالشكر. ويحتمل: كذلك جزاء من بدأ بالقتال في الحرم أن يقتل. وقوله: (فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) يحتمل وجهين: يحتمل: (فَإِنِ انْتَهَوْا) عن الشرك، وأسلموا يتغمدهم اللَّه برحمته. ويحتمل: (فَإِنِ انْتَهَوْا) عن بدء القتال، وأسلموا، فإن اللَّه يرحمهم ويغفر ذنوبهم. وقوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ (193) أنه أمرنا بالقتال مع الكفرة ليسلموا. فَإِنْ قِيلَ: أيش الحكمة في قتل الكفرة، وهو في الظاهر غير مستحسن في العقل؟ قيل: إنا نقاتلهم ليسلموا، ولا نقتلهم إلا أن يأبوا الإسلام، فإن أبوا ذلك ثم لم نقتلهم لا يسلمون أبدًا؛ لذلك قتلناهم، إذ في القتل ذهاب الفتنة. ويحتمل: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ)، على وجه الأرض، أي تطهر من الشرك.
(194)
وقال قوم: (وَالْفِتْنَةُ) هاهنا العذاب، أي: قاتلوا حتى لا يقدروا عليه كفار. وقوله: (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ). أي: ليكون (الدِّينُ) دين اللَّه في الأرض لا الشرك. و (الدِّينُ): الحكم. وقوله: (فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ). فَإِنْ قِيلَ: فإذا صار الدِّين كله لله، فلا ظالم هنالك، فما معنى هذا الكلام؟ قيل: يحتمل: أن لا عدوان إلا على الظالم الذي أحدث الظلم من بعد. ويحتمل: أن لا عدوان إلا على من بقي منهم مع الظلم. فَإِنْ قِيلَ: فلم سمي عدوانًا، والعدوان هو ما لا يحل؟ قيل: لأنه جزاء العدوان، وإن لم يكن هو في الحقيقة عدوانا، فسمي باسمه كما سمي جزاء السيئة سيئة وإن لم يكن هو سيئة في الحقيقة؛ كقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) وكما سمي جزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن هو في الحقيقة اعتداء؛ فكذلك الأول. وقوله: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ (194) قيل: خرج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في الشهر الحرام يريد مكة فصده المشركون عن دخولها، فجاء من عام قابل في الشهر الحرام فدخلها وأقام ثلاثًا، وقضى عمرته التي فاتته في العام الأول، فسميت عمرة القضاء، فذلك تأويل قوله: (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ)، هذه الثانية صارت قصاصًا بالأول. وقيل: إن في الجاهلية كانوا يعظمون الشهر الحرام، ولا يقاتلون فيه، فلما أن ظهر الإسلام عظمه أهل الإسلام أيضًا، ولم يقاتلوا فيه، حتى جعل الكفار يغيرون على أهل الإسلام ويستنصرون عليهم، حتى نسخ ذلك وأمروا بالقتال فيه بقوله: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)، كأنه قال: ما هتكتم من حرمة الشهر قصاص لما هتكوا. وقوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ). قد ذكرنا هذا فيما تقدم. وقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ). يحتمل: (وَاتَّقُوا) مخالفة اللَّه.
(195)
أو: (وَاتَّقُوا) عذاب اللَّه. وقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ). يعني: مع المؤمنين جملة. ويحتمل: (وَاتَّقُوا) القتال في الحرم قبل أن يبدءوا هم، فـ (أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) في النصر والمعونة لهم. وقوله: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195) قيل فيه بوجوه: قيل: أمر بالإنفاق ترتيبًا على الخروج إلى الجهاد، وإلا فكل منفق على نفسه بما يعلم حاجته إليه، ولا يلقي نفسه في الهلاك من حيث منع الإنفاق. وقيل: في قوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)، هو أن يذنب ذنبًا ثم ييأس عن العفو عنه. وقيل: (وَأَنْفِقُوا) أي: لا تضنوا بالإنفاق مخافة الفوت في الوقت الثاني؛ فإنه يخلف لكم ما أنفقتم. وقيل: (وَأَنْفِقُوا) أي: أعينوا أصحابكم، ولا تلقوهم إلى التهلكة بترك المعونة لهم بالإنفاق والتجهيز لهم. وقيل: (وَأَنْفِقُوا) أي: تصدقوا، فإن فيه حياة أبدانكم وأنفسكم. وقوله: (وَأَحْسِنُوا). قيل: (وَأَحْسِنُوا) إلى أصحابكم بالإعانة والتصدق. وقيل: (وَأَحْسِنُوا) الظن باللَّه في الإنفاق. وقيل: (وَأَحْسِنُوا) الظن بربكم في الخروج إلى الغزو. ويحتمل: (وَأَحْسِنُوا) أي أسلموا.
(196)
وعلى ذلك يخرج قوله: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) يعني: المؤمنين. * * * قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) وقوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) اختلفوا في تأويله وفي قراءته: قال بعض الناس: العمرة فريضة بهذه الآية؛ لأنه أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج. وقيل: هي الحجة الصغرى. وأما عندنا: هي ليست بفريضة، وليس في قوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) دليل
فرضيتها؛ لأنا لم نعرف فرضية الحج بهذه الآية، ولكن إنما عرفناه بقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا). ثم في الأمر بالإتمام وجوه: أحدها: أنهم كانوا يفتتحون الحج بالعمرة، فأمروا بإتمامها، على ما رُويَ عن عمر، رضيَ اللَّهُ عنه، قال: " متعتان كانتا على عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة الحج، ومتعة النساء ". والثاني: أنهم كانوا لا يجعلون العمرة لله، فأمروا بجعلها لله. وعلى ذلك روي في حرف ابن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قرأ: " وأتموا الحج والعمرةُ لله " بالرفع على الابتداء، ويحتمل الأمر بالإتمام ما رُويَ عن عليٍّ وابن مسعود رضيَ اللَّهُ عنهما سئلا عن قول اللَّه: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) قالا: " من تمامهما أن تحرم من دويرة أهلك ". واحتج أصحابنا، رحمهم اللَّه تعالى، أيضًا بما رُويَ عن جابر رضيَ اللَّهُ تعالى عنه: " أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، العمرة واجبة هي؟ قال: لا. وأن تعتمر خير لك ". وروى أيضا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: " الحج مكتوب، والعمرة تطوع "، وفي بعضها قال: " الحج جهاد، والعمرة تطوع ". وعن ابن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: " الحج فريضة، والعمرة تطوع ".
وعن عائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، قالت: " قلت: يا رسول اللَّه، أكل أهلك يرجع بحجة وعمرة غيري؟ قال: انفري فإنه يكفيك ". إلى هذه الأخبار ذهب أصحابنا. والأصل: احتج أصحابنا أيضًا بشيء من النظر؛ وذلك أن اللَّه تعالى فرض الصلاة والزكاة والصيام في أوقات خصها بها، وأجمع أهل العلم أن المتطوع بالصدقة والصلاة والصيام يفعل ذلك متى شاء، ثم أجمعوا أن العمرة لا وقت لها؛ فدل ذلك على أنها تطوع؛ إذ لو كانت فريضة كان لها وقت مخصوص يفعل فيه كغيرها من الفرائض. فَإِنْ قِيلَ: إن الحج التطوع مخصوص بوقت مخصوص المفروض منه، فكما لا يدل الخصوص الذي في الحج التطوع على وجوبه، فكذلك العموم الذي في العمرة لا يدل أنها تطوع. قيل: وجدنا الفرض كله مخصوصًا بوقت، ووجدنا التطوع على ضربين: منه ما هو مخصوص؛ كالحج، ومنه ما هو غير مخصوص؛ كالصلاة والصيام والصدقة. فلما لم نجد في الفرض ما ليس بمخصوص بوقت، أجعلنا كل ما ليس بمخصوص بوقت تطوعًا غير فرض. واحتجوا أيضًا: بأنا وجدنا العمرة تفعل في أشهر الحج، ولم نجد صلاتين تفعلان في وقت واحد فريضتين، ولكن تفعل الصلاة التطوع في وقت الفريضة؛ فثبت لما جاز أن يجمع بين فعل الحج والعمرة في وقت واحد أنها تطوع؛ كالصلاة التي تفعل في وقت القهر وغيرها. واحتج من جعلها فرضًا بأن قال: لم نجد شيئًا يتطوع به إلا وله أصل في الفرض، فلو كانت العمرة تطوعًا لكان لها أصل في الفرض. قيل: العمرة إنما هي الطواف والسعي، ولذلك أصل في الفرض -فرض الحج- مع ما أنا وجدنا الاعتكاف تطوعًا، وليس له أصل في الفرض. فعلى ذلك العمرة. والأصل: أن كل ما يبتدئ اللَّه إيجابه على عباده فإنه يوجب فعلها بأوقات أو يجعل لأدائها أوقات، والعمرة ليس لوجوبها وقت، ولا لأدائها. ثبت أنها ليست مما أوجبها اللَّه تعالى. وقوله: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ). قوله: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الآية على الإضمار، كأنه قال - واللَّه أعلم -:
فإن أحصرتم: عن الحج، فأردتم أن تحلوا فاذبحوا ما استيسر من الهدْي؛ إذ الإحصار نفسه لا يوجب الهدْي، لكنه إذا أراد الخروج منه يخرج بهدْي؛ وعلى ذلك يخرج
قوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، كأنه قال - واللَّه أعلم -: من كان منكم مريضًا أو على سفر فأفطر، فعدة من أيام أخر، وكقوله: (أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ) معناه - واللَّه أعلم - أو به أذى فلو أزال من رأسه ففدية، وإلا كون الأذى في رأسه لا يوجب عليه الفداء حتى يزيل، كقوله: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ)، أي من اضطر فأكل منها غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه. والاضطرار نفسه لا يوجب الإثم. ثم اختلف أهل العلم في الإحصار: ما هو؟ وبم يكون؟ وهل يحل؟ رُويَ عن ابن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: " إذا أحصر الرجل من مرض أو حبس أو كسر أو شبه ذلك، بعث الهدْي وواعد يوم النحر ومكث على إحرامه على أن يبلغ الهدْي محله، وعليه الحج والعمرة جميعًا من قابل ". وعن عروة بن الزبير قال: " الحصر من كل شيء يحبسه: عدو ومرض ". وروي مرفوعًا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج
من قابل "، ومعنى قوله: " فقد حل "، أي جاز له أن يحل ألا أن يحل، بغير دم؛ لأن اللَّه تعالى أذن له في الإحلال بدم. وهذا عندنا كقول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر "، فمعناه: فقد حل له الإفطار. فعلى ذلك الأول: حل له أن يحل. ثم قال بعض أهل اللغة من نحو الكسائي وأبي معاذ: إن الإحصار من المرض، والحصر من العدو. فَإِنْ قِيلَ: رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ وابن عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهما، أنهما قالا: " لا حصر إلا عن حصار العدو ". ولكن في هذا نسخ الكتاب بقولهما، إن ثبت، وهو لا يرى نسخ الكتاب بالسنة فضلًا أن يراه بقول واحد من الصحابة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهم، مع ما ترك قولهما؛ لأنه رَوى عن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: ذهب الحصر.
ثم يقال للشافعي - رحمه اللَّه تعالى -: إذا جاز أن تجعل المرأة بمنزلة المحصر من غير أن تخاف عدوًا، لكنها لما منعها من له أن يمنعها جعلتها محصرة، فهلا جعلت المريض مثلها، وإن كان النص في القرآن جاء في المحصر من العدو على زعمك؟ فقال: لأن المرأة حبسها من له أن يحبسها، فهي أشد حالا ممن حبسه عدو، وليس له أن يحبسه. فيقال له: المريض أمرضه من له أن يمرضه فاجعله أشد حالا من الذي حبسه عدو وليس له أن يحبسه، أو فرق بين المرأة والمريض، فقال: بل بينهما فرق. وذلك أن الخائف بعدو يخاف القتل على نفسه، وقد أباح اللَّه للخائف في القتال أن يتحيز إلى فئة، فينتقل بذلك من الخوف إلى الأمن. قيل له: كما رخص للخائف في ذلك فقد رخص للمريض ألا يحضر القتال؛ فالرخصهّ له أكثر من الرخصة للخائف. فإن قال: إن المريض لا يبرأ بالقعود، والخائف يأمن. قيل له: إن الرخص التي جعلت للأعذار لا تجعل لترفعها، ولكن الرخصة لتُوَفّيه المشقة. فيقال له أيضا: قد جعلت المرأة محصرة إذا منعها زوجها وهي لا تخاف القتل على نفسها. فبطلت علته وانتقضت. فإن قال: إنكم لم تجعلوا من ضل الطريق محصرًا وهو ممنوع من المضي على حجه، فما الفرق بينه وبين المريض؟ فيقال: لو جعلنا الضال عن الطريق محصرًا، لم يجز له أن يحل من إحرامه إلا بدم يوجهه إلى الحرم فيذبح عنه. وإذا وجد من يذهب إلى الحرم فيذبح هديه، فليس بضال؛ لأنه قد وجد دليلًا يدله على طريقه؛ لذلك افترقا. وبعد، فإن المرض أحق أن يكون عذرًا في ذلك من العدو وغيره؛ لأنه يقاتل العدو والسباع فيدفع عن نفسه الإحصار، والمرض لا سبيل له إلى دفعه. دل أنه أحق أن يجعل عذرًا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يكون محصرًا من الحج، ولا يكون من العمرة؛ لأن الحج مما يحتمل الفوت، والعمرة لا. وأما عندنا: فإنه يكون محصرًا منهما جميعًا؛ لأن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ذكر الإحصار على إثر
ذكر العمرة بقوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)، وروي في الخبر، يرويه ابن عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خرج معتمرًا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت الشريف، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية، وقوله: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)، فيه دلالة أن المحصر يبقى حرامًا على حاله، لا يحل حتى ينحر عنه الهدْي. واختلف أهل العلم: أين يذبح الهدْي؟ فعندنا: أنه لا يجوز أن يذبح إلا في الحرم؛ رُويَ عن ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه قال: " يبعث بهدْي ويواعدهم يومًا، فإذا نحر عنه حل ". وعن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهما، مثل ذلك. وعن ابن الزبير وعروة ابن الزبير - رضي الله تعالى عنهما -: أن المحصر يبعث بالهدْي فإذا نحر عنه حلق. وظاهر القرآن يدل على ما رُويَ عن هَؤُلَاءِ؛ لأن اللَّه تعالى قال: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)، فجعل للهدْي محلا يبلغه، وبين موضع محله فقال: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) وكانت الكعبة محلا لجزاء الصيد والدم المحصر. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: المحل: اسم الموضع الذي يحل فيه. ولو كان كل موضع له محلا لم يكن لذلك المحل فائدة. واحتج من خالف أصحابنا رحمهم اللَّه بما روى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ذبح الهدْي يوم الحديبية ثم قال: ولم يبلغنا أنه نحره في الحرم. قبل روي أنه نحر هدْيه يوم الحديبية في الحرم، يرويه مروان بن الحكم. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: نزل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الحديبية فحال المشركون بينه وبين دخول مكة، وجاء سهيل بن عمرو يعرض عليهم الصلح فصالحهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -
وأمرهم أن يسوقوا البدن حتى تنحر حيث شاء، ولا يتوهم أن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يهدي الهدْي في الحل وقد أطلق له المشركون أن ينحرها حيث شاء ولا يتوهم أن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وهو بقرب الحرم بل هو فيه. ورُويَ عن مروان والمسور بن مخرمة قالا: نزل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالحديبية في الحل وكان يصلي في الحرم، هذا يبين أنه كان قادرًا أن ينحر هدْيه في الحرم حيث كان يصلي. ولا يحتمل أن يترك نحر الهدْي في الحرم وهو على ذلك قادر، ولأن الحديبية مكان مجمع الحل والحرم جميعًا فإنما ذبح في الحرم لا في الحل؛ لما ذكرنا أنه لا يحتمل أن يذبح في الحل، وله سبيل إلى الذبح في الحرم. فَإِنْ قِيلَ: حل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عام الحديبية من إحصاره بغير هدْي؛ لأن الهدْي إلى نحره كان هديا ساقه لعمرته لا لإحصاره، فنحر هدْيه على النية الأولى، وحل من إحصاره بغير دم. قلنا: ليس الأمر عندنا هكذا؛ لأنه لا يتوهم على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يكون حل بغير دم، وقد أمر اللَّه المحصر بالدم. فإن قال كذلك قال: وليس في حديث صلح الحديبية أنه نحر دمين، وإنما نحر دمًا واحدًا، فما وجه ذلك عندكم؟ قيل: وجه ذلك عندنا - واللَّه أعلم - أن الهدْي الذي ساقه كان هدْي متعة أو قران فلما منع عن البيت سقط عنه دم القران فجاز له أن يجعله من دم الإحصار. فَإِنْ قِيلَ: فكيف قلنا: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أزال الهدى عن سبيله، وأنت تزعم أن من باع هديه فهو مسيء؟ قيل له: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يصرف الهدْي عن نحره لله والتقرب به إليه، وإنما صرف النية إلى ما هو أفضل منها وأوجب، فكان ذلك في فعله متبعا والذي باعه صرفه عن سبيله وترك أن ينحره بعد أن كان نوى به القربة فكان مسيئا، ومما يدل على أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - جعل الهدْي لإحصاره ما روي أنه لم يحلق حتى نحر هديه، وقال: " يا أيها الناس انحروا وحلوا ". ثم المسألة ما يجب على المحصر بالحج والعمرة من القضاء إذا حل، فعلى قول أصحابنا إذا كان محرمًا بالحج يلزمه الحج مكان الأول وعمرة بتفويت الحج؛ قال الله
تعالى: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) اختلف أهل العلم في تأويل ذلك، فرُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فيما يكون الرجل به محصرا أنه قال: فإذا أمنتم من الخوف أو المرض فمن تمتع بالعمرة أي اعتمر في أشهر الحج، كأنه يقول: إن عليه لإحلاله بغير الطواف عمرة، فإن أخرها حتى يقضيها مع الحج في أشهره فعليه لجمعه بينهما دم، ورُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال في رجل أهل بعمرة وأحصر: يبعث بهديه، فإذا بلغ الهدْي محله حل، فإن اعتمر من وجهه ذلك إذا برأ فليس عليه هدْي، وإن اعتمر من قابل بعد حج فليس عليه هدْي، فإن وصلها من قابل بعد حج فعليه هدْي، والحاج إذا أحصر فإنه يبعث بهدْي، فإذا بلع محله حل، وإن اعتمر من وجهه ذلك إذا برأ فإنه يحج من قابل وليس عليه هدْي، وإن لم يزر البيت حتى يحج وجعلها سفرا واحدا كان عليه هدْي آخر، سفران وهدْي أو هدْيان وسفر. وقال قوم: عليه حج واحد. ورُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: أمر اللَّه بالقصاص فيأخذ منكم العدد، أي حجة بحجة وعمرة بعمرة. وروى في خبر عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما قال: " فقد حل وعليه الحج من قابل "، هذا يدل على قول ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، لأنه قال: " وعليه الحج من قابل "، ولم يذكر عمرة. إلا أنه قد يجوز أن يكون عليه العمرة وإن لم تذكر في الحديث، كما أن الدم عليه واجب وإن لم يذكر في الحديث، فعلى ذلك العمرة يجوز وجوبها وإن لم تذكر. أما إيجابهم العمرة لفسخ الحج بغير طواف وحجة مكان حجته: فإن كان التأويل في قوله: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ) أي: بالعمرة التي لزمته بإحلاله كما قال ابن مسعود وابن عَبَّاسٍ وابن الزبير - رضي اللَّه عنهم - فكفى به حجة، وإن كان تأويل الآية غير ذلك فإنا وجدنا من يفوته الحج يلزمه أن يطوف بالبيت ثم يجب بعد ذلك قضاء الحج فأوجبوا على المحصر عمرة مكان الطواف الذي يجب على من يفوته الحج وأوجبوا الحج لما دخل فيه. فَإِنْ قِيلَ يجب أن تسقط عنه العمرة التي يجب على من يفوته الحج لأن الذي يفوته الحج لا يحل منه بدم وإنما يحل بالطواف، والمحصر قد حل بالدم فقام الدم الذي لزمه يحل به مقام الطواف الذي يفوته الحج.
قيل له: إن المحصر لو لم يذبح عنه هديا احتاج أن يقوم على إحرامه حتى يصل إلى البيت فيطوف به ولو إلى سنين ثم يحج بعد ذلك مكان الحجة التي دخل فيها فجعل له أن يتعجل إلى الخروج من إحرامه ويؤخر الطواف الذي لزمه بدم يهريقه فبالدم جاز له أن يحل ولم يبطل الطواف عنه وإذا لم يبطل الدم عنه الطواف ولم يجعل بدلًا منه فعليه أن يأتي به بإحرام جديد فيكون ذلك عمرة. فَإِنْ قِيلَ: ما الدليل على أن الدم الذي يحل به المحصر جعل عليه ليتعجل به الإحلال، ولم يجعل بدلًا عن الطواف؟ قيل: لأن أهل العلم أجمعوا على أن الذي يفوته الحج ليس له أن يفسخ الطواف الذي لزمه بدم يهريقه يجعله بدلًا عن الطواف، فدل أنه إنما يهريق الدم ليتعجل به إلى الإحلال، لا بَدَلاً عن الطواف. واللَّه أعلم. وقوله: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ). رُويَ عن عليٍّ وابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهما، أنهما قالا: " شاة " وأصحابنا، رحمهم اللَّه تعالى، يرون الشاة مجزئًا في المتعة، والإحصار، والفدية، والحُجةُ لهم في ذلك ما ذكرنا من قول الصحابة، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، وما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال لكعب بن عجرة: " النسك شاة "، وإجماع الناس على أنها مجزئة في الأضحية. ثم المسألة في المحرم إذا حلق رأسه من أذى: رخص اللَّه تعالى للمتأذي حلق رأسه بفدًى، بقوله: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)، روي في الخبر عن كعب بن عجرة، أنه قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " يا كعب، أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم يا رسول اللَّه. قال: فاحلقه، واذبح شاة أو أطعم ستة مساكين ". وقال كعب: فيَّ نزلت هذه الآية.
ثم اختلف أهل العلم في الذبح: أين يذبح؟ قال أصحابنا - رضي اللَّه تعالى عنهم -: لا يجوز أن يذبح الفدية إلا بمكة. وأما الصدقة والصوم فإنه يأتي به حيث شاء. وذلك عندهم بمنزلة هدْي المتعة؛ لأن هدْي المتعة إنما وجب بجمعه بين الحج والعمرة في سفر واحد؛ ولأنه لو شاء أن يفرد لكل واحد منهما سفرًا فعل، فبأخذه بالرخصة لزمه دم. وكذلك دم الفدية إنما وجب لأخذه بالرخصة في حلق رأسه، فصار سبيل الدمين سواء، يجبان بمكة، وكذلك دم الإحصار إنما وجب؛ لأنه أخذ بالرخصة في حلق رأسه فحل من إحرامه. ولا يجوز أن يذبح إلا بمكة. فدم الفدية أينما كان إنما وجب؛ لأنه رخص له في حلق مثل ذلك.
والصدقة: هي ثلاثة آصع على ستة مساكين، على ما ذكر في خبر كعب بن عجرة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه. فأما الصوم: فإن المتمتع إذا لم يجد هديا، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. فأجمعوا على أن له أن يصوم السبعة بمكة وفي غيرها. فصوم الفدية كذلك. وكذلك الثلاثة الأيام إذا صامها بعد إحرامه بالعمرة عندنا، وبعد إحرامه بالحج عند مخالفينا بمكة بغيرها، فهي مجزئة، وكذلك صيام الفدية تجزئه حيث صامه قياسًا على صوم المتمتع. فأما الصدقة: فإن الشافعي رحمه اللَّه ذكر أنها لا تجزئ إلا بمكة. وقال: لأن أهل الحرم ينتفعون بها كما ينتفعون بالهدْي. فيقال له: أرأيت إن ذبح الهدْي بغير مكة، ثم تصدق به على أهل الحرم هل يجزئه ذلك؟ فإن قال: لا، قيل له: قد بطلت علتك حيث لم يجز التصدق على أهل الحرم، وبان أن الدم خص بأن يهراق في الحرم؛ لأن اللَّه تعالى قال: (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ). فأما الصدقة فهي مجزئة حيث كانت. ثم اختلف في الذي يحلق قبل أن يذبح بغير أذى: فقال أبو حنيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -: يجب عليه دم. والحجة له: بأن اللَّه - تبارك وتعالى - منع المحصر من الحلق (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)، فإن حلق رأسه لأذى فعليه دم آخر؛ لأن الآية الكريمة في الحلق في المحصر، فإذا كان الذي يصيبه الأذى في رأسه قبل الوقت الذي أذن له فيه فدية، بل الذي يحلق رأسه بغير أذى أحرى أن يكون عليه الفدية. وأبو حنيفة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، يزيد في التغليظ عليه، فيقول: لا يجزئه غير الدم، ويخير صاحب الأذى بين الدم، والصدقة، والإطعام، كما أخبر اللَّه تعالى. فدليل القرآن شهد لمذهبه. وخالفه جماعة من أكل العلم فيمن حلق قبل أن يذبح وليس بمحصر، ووافقوه في المحصر. واحتجوا بما رُويَ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه لما سئل عن رجل حلق قبل أن يذبح فقال: " اذبح ولا حرج ". لكن قوله: " افعل ولا حرج "، يرجع إلى الإثم، دون الكفارة،
افعل: أي لو فعلت لم يكن عليك حرج؛ لأن الكفارة قد تجب في أشياء يفعلها الرجل خطأ وعلى جهة الجهل، إنما تجب في ذلك؛ فلا حجة لمن احتج بهذا الحديث في زوال الكفارة. وأصله في ذلك: أن أحوال الضرورة سبب تخفيف الحكم وتيسيره، لم يجز إيجاب ذلك الحكم في غير أحوال الضرورة والعذر. وعلى هذا يخرج قولهم في جميع الأصول: إن الحكم في حال الاضطرار والعذر خلاف ما هو في حال الاختيار. ولهم على هذا مسائل مما يكثر عددها. وفي الآية دليل لزوم الفداء على المتدهن؛ لأن اللَّه تعالى قال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا)، وقد ذكرنا أن فيه إضمارًا. ثم معروف حاجة المريض في حال مرضه إلى الدهن، فصار كأنه مذكور في الآية. واللَّه أعلم. وقوله: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ). وقد ذكرنا هذا وأقاويلهم. وقوله: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ). اختلف أهل التأويل فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: من حين يحرم آخرها يوم عرفة. وعن ابن عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهما، قال: " ولا تصومهن حتى تحرم ".
وعن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، قال: " ما بين الهلال ويوم عرفة "، وعن على، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، قال: " فصيام ثلاثة أيام في الحج "، اختلف أهل التأويل فيه قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة. فإن فات ذلك صام ثلاثة أيام بعد أيام التشريق. أما تأخيره الصوم حتى يكون آخره يوم عرفة لما لعله يجد الهدْي، ومثال ذلك ما أمر اليتيمم عن تأخير الصلاة، رجاء أن يجد الماء فيغنيه عن التيمم، فعلى ذلك يؤخر الصوم حتى يكون آخره يوم عرفة رجاء أن يجد الهدْي. وأما ما اختلفوا فيه من صيامهن حلالا بعد العمرة، فإن من لم يجوز ذلك ذهب إلى أن اللَّه تعالى قال: (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ)، فتأول ذلك على الإحرام. وقد يجوز أن يكون الأمر كما قال، ويجوز أن يكون معناه: في أشهر الحج. ألا ترى أن اللَّه تعالى يقول: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، ومعناه - واللَّه أعلم -: أن الحج يفعل في هذه الأشهر، ولفعله أشهر معلومات. فلما احتملت الآية ما ذكرنا وجدنا السنة في المتمتع أن يحرم بالحج عشية التروية، كذلك رُويَ عن جابر بن عبد اللَّه، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: " قدمنا مكة مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مهلين بالحج لأربع ليال مضين من ذي الحجة، فطاف بالبيت سبعًا، وسعَى بين الصفا والمروة، ولم يحل؛ لأنه كان ساق الهدْي وأمر من لم يسق الهدْي أن يطوف ويسعى ويقصر ثم يحل. فلما كان يوم التروية أمرهم أن يلبوا بالحج، فإذا كنا نأمر المتمتع أن يحرم بالحج عشية التروية، فكيف يصوم الثلاثة الأيام بعد ذلك، وإنَّمَا بقي له يوم واحد؟ فدل ما وصفناه: أنه يجوز له أن يصومهن حلالًا بعد العمرة. واللَّه أعلم. وقوله: (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ). اختلف فيه: قيل: إذا رجع من منى.
وقيل: إذا أتى وقت الرجوع. وقيل: إذا رجعتم إلى أهليكم. وقوله: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ). قيل: تلك العشرة وإن كانت متفرقة، فهي كالموصولة في حق الحج. وقيل: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)، عن الهدْي وافية، أي: يكمل بها حق الدم. وقيل: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)، في حق الثواب، أي: ثوابها كثواب الهدْي. والله أعلم. وقوله: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). جعل الحكم الذي ذكره في المتمتع والمحصر، لمن لا يحضر أهله المسجد الحرام؛ عن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: " ليس على أهل مكة هدْي في المتعة ". ولأن أهل مكة لو كانوا كغيرهم لم بكق للمخصوص معنى. وإذا كان المعتمر في أشهر الحج إذا رجع إلى أهله ثم حج من عامه ذلك فلا هدْي عليه، فالمكي مقيم في منزله بعد عمرته فهو أحرى ألا يجب عليه دم المتعة إن حج من عامه ذلك، ولكنه إن تمتع فعليه دم الحلال؛ لأنه منهي عن التمتع. ثم اختلف أهل التأويل في (حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، من هم؟ قال أصحابنا - رحمهم اللَّه تعالى -: كل من كان من أهل المواقيت فما دونها إلى مكة، فلهم أن يدخلوها بغير إحرام، فلهم جميعًا حكم حاضري المسجد الحرام. ورُويَ عن ابن عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه خرج من مكة يريد المدينة، فلما بلغ قديدًا بلغه أن بالمدينة جيشين من جيوش الفتنة، فرجع ودخلها بغير إحرام. وعندنا: إذا جاوز جميع المواقيت ثم رجع فعليه الإحرام. وقال آخرون: لبس حاضري المسجد الحرام. وأما الدليل، لأصحابنا، رحمهم اللَّه تعالى، ما ذكرنا.
(197)
وأما قولنا: ليس عليهم إحصار؛ لأن الإحصار هو الجيش والحيلولة بينهم وبين دخولهم مكة، فإذا كانوا هم فيها قادرون على الطواف بالبيت في كل وقت، كذلك بطل الإحصار. وقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ (197) عن ابن عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ): شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
وعن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، وعن الحسن، والشعبي، ومجاهد، وابن جبير، وإبراهيم، وعطاء مثله. وعن عبد اللَّه بن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: إنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة. ونرى أن عبد اللَّه بن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أراد ما أراده الأولون؛ لأنه لا يبقى بعد أيام منى شيء من مناسك الحج، فكيف تكون الأيام التي بعد النفر من أيام الحج، ولا عمل فيها للحجاج؟ ثم المسألة - فيمن يحرم بالحج قبل أشهر الحج، ما عليه؛ وهل يجوز إحرامه؟
عن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: من سنة الحج ألا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج. وعن جابر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: لا يحرم بالحج قبل أشهر الحح. فأصحابنا، رحمهم اللَّه تعالى، يكرهون الإحرام قبل أشهر الحج، واتبعوا في كراهيتهم ما رُويَ عن السلف النهي عن ذلك، لكنهم يقولون: إن أحرم يجوز. واحتج بعض أصحابنا في ذلك بأن قال: للحج ميقات ووقت، وأجمعوا أن من أحرم بالحج قبل الميقات فإحرامه صحيح، فعل ذلك من أحرم قبل وقته فإحرامه صحيح، وقَالَ بَعْضُهُمْ: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، الأشهر كلها، كقوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا)، وهي الأشهر كلها، وهي معلومة؛ وهي، كقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ). فإن كان هذا تأويل الآية، ففيه دليل جواز الإحرام بالحج في الأشهر كلها. وقال آخرون: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، أي في أشهر معلومات، وهو ما ذكرنا من قول جماعة من السلف، قالوا: إنها شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، غير أنه يتوجه وجهين: أحدهما: أن لفعل الحج أشهر معلومات، دليله قوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ)، سماه حجّا بعد سبب الإلزام، فثبت أن ما بعد الإحرام حج. والوجه الثاني: أن للحج أشهر معلومات، لا يدخل فيها غيره، ثم أدخل فيها العمرة رخصة، دليله: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، هكذا، وشبك بين أصابعه، "، فيكون معناه: أن للحج أشهر، أي: لفعله أشهر معلومات. واللَّه أعلم.
وقوله: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ). اختلف فيما به فرض الحج؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: إذا نوى الحج صار محرمًا، لبى أو لم يلب. وقال آخرون: إذا نوى أن يعمل بجميع ما أمر وأن ينتهي عن جميع ما نهى، صار بذلك محرمًا، وأما عندنا: فإن تأويل قوله: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ)، أي: لبى فيهن بالحج. دليله ما رُويَ عن ابن مسعود، وابن عَبَّاسٍ، وابن عمر، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، أنهم قالوا: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ)، أي: لبى. وأما بالنية مجردًا فإنه لا يكون محرمًا. وما روي أيضًا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال لعائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، وقد رآها حزينة: " ما لك؟ فقالت: أنا قضيت عمرتي، وألفاني الحج عاركا. فقال: ذلك شيء كتبه اللَّه تعالى على بنات آدم، فحجي وقولي ما يقول المسلمون في حجهم ". فبين قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لعائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، رد حجي وقولي ما يقول المسلمون في حجهم أن التلبية واجبة إذ كان المسلمون يفعلونها وأمر عائشة رضيَ اللَّهُ عنها، باتباعهم فيها. وعن عائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، أنها قالت: " لا يحرم إلا من أهل أو لبى ". فدلت هذه الأحاديث النبوية على أن التلبية فرض الحج، وعن هَؤُلَاءِ الأئمة وأمثالهم الذين نأخذ منهم الدِّين فلا تجوز مخالفتهم ولا العدول عن سبيلهم.
وقال أصحابنا - رحمهم اللَّه تعالى -: إن خرج رجل مع بدنته وقلدها ونوى الإحرام فهو محرم، ويقوم ذلك الفعل منه مقام التلبية. والحجة لذلك: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال لأصحابه، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، في حجته لما أمرهم بأن يحلوا العمرة، فقالوا له: إنك لم تحل. قال " إني قلدت الهدْي، فلا أحل من إحرامي إلى يوم النحر ". وقال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدْي ". فأخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن الذي منعه من الحل تقليده الهدْي، وأن ذلك قام مقام الإحرام لو جدده بعد الطواف. ورُويَ عن عليٍّ، وعبد اللَّه بن مسعود، وجابر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهم، أنهم قالوا: إذا قلد فقد أحرم. وكذلك قال عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه -: إذا قلد وهو يريد الحج أو العمرة - فقد أحرم. وما رُويَ عن عائشة رضيَ اللَّهُ تعالى عنها -: لا يحرم إلا من أهل أو لبى، فذلك
عندنا في الذي يقلد بدنته ولا يخرج معها، لا يصير محرمًا. ألا ترى ما رُويَ عن عائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، أنها قالت: كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يبعث بهديه ويقيم، فلا يحرم عليه شيء. وقوله: (فَلَا رَفَثَ). قيل: (الرَّفَثُ)، جميع حاجات الرجال إلى النساء. وقال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه -: (الرَّفَثُ)، الجماع. وعن عبد اللَّه بن عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، مثله. وأجمع أهل العلم أن المحرم لا يجوز له أن يقبل امرأته، ولا يمسها بشهوة. ويوجبون على من فعل ذلك دما. رُويَ عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -: إذا باشر المحرم امرأته أهرق دمًا. وعن عليٍّ - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: إذا قبل المحرم امرأته فعليه دم. وسئلت عائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، عما يحل للمحرم من امرأته؟ فقالت: يحرم عليه كل شيء سوى الكلام. وقوله: (وَلَا فُسُوقَ). قيل: (الفُسُوقُ)، السب.
وقيل " هو كل فسق، والفسق حقيقة الخروج من أمر اللَّه تعالى، قال اللَّه تعالى: (فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)، أي: خرج. وقوله: (وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ). قيل: " الجدال "، المراء. وذلك أن العرب كانت تؤخر الأشهر الحرم وتعجل، وفي ذلك نزل قوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ)، فبين رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وقال: " إن السَّنة قد استدارت كهيئتها يوم خلق السماوات والأرض "، فعلى ذلك استدار وقت الحج إلى حيث جعل، لا يتقدم أبدًا ولا يتأخر، فلا تماروا فيه. وعن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: لا تجادل صاحبك حتى تغضبه. وأشبه الأمور - واللَّه أعلم - بتأويل الآية: أن اللَّه سبحانه وتعالى أمر بحفظ اللسان والفرج في الإحرام عن كل ما يذكر من فسوق، ومعصية، ومجادلة، ومخاصمة، وعن الرفث بالفعل والقول؛ لأنه يروى أن الفضل بن عَبَّاسٍ كان رديف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من المزدلفة إلى منى، وكان الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن، فجعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يصرف وجهه بيده من خلفه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إن هذا يوم من ملك سمعه، وبصره، ولسانه غفر له، أو كما قال ". ورُويَ عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: " من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه ".
وقوله: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ). ويجزيه؛ وفيه ترغيب منه في كل خير. وقوله: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى). قيل: (وَتَزَوَّدُوا) للحج والعمرة ما تكفون به وجوهكم عن المسألة، ولا تخرجوا بلا زاد لتكونوا عيالا على الناس. ويحتمل: أن يكون الأمر بالتزود للمعاد، يدل عليه قوله: (فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، يقول: إن تقوى اللَّه خير زاد من زاد الدنيا. وقوله: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ). يحتمل: (وَاتَّقُونِ)، المعاصي والمناهي وكل فسق. ويحتمل: على التقديم والتأخير، كأنه قال: " تزودوا يا أولي الألباب "، (وَاتَّقُونِ) في المسألة من الناس. * * * قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا
(198)
كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ (198) قيل: التجارة، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتحرجون من التجارة في عشر من ذي الحجة، فلما أن كان الإسلام امتنع أهل الإسلام عن التجارة، وأحبوا أن يكون خروجهم للحج خاصة، دون أن يختلط غيره من الأعمال، فرخص اللَّه عَزَّ وَجَلَّ للحاج وطلب الفضل. ورُويَ عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -: أن رجلًا سأله، فقال: إنا قوم نكرى، ويزعمون أنه ليس لنا حج، فهل لنا حج؟ فقال: ألستم تحرمون وتقفون؟ فقال: بلى. قال: فأنتم حجاج، وقال: جاء رجل إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فسأله عما سألتني عنه مثله، فلم يجبه حتى أنزل اللَّه تعالى هذه الآية: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ)، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أنتم حجاج " ورُويَ عن ابن عَبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنه مثله. وأصحابنا، رحمهم اللَّه تعالى، يرون حج الأجير والتاجر تامًّا، وظاهر القرآن يدل على ذلك. وكان عند القوم أن الاستئجار على الطاعة لا يجوز أمرًا ظاهرًا حتى سألوا في هذا. وأصله: أن الحج لا يمنع أفعال غيره، فأشبه الصوم، ويجوز فيه الإجارة، كذا في وأما الصلاة فهي مانعة لما سواها من الأفعال؛ فاختلفا. وقوله (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ). قيل: إن أهل الجاهلية كانوا يفيضون من عرفات قبل غروب الشمس، ومن مزدلفة بعد طلوع الشمس، فأمر أهل الإسلام بالخلاف في الحالين جميعًا: أن يجعلوا الإفاضة من عرفة بعد الغروب، ومن المزدلفة قبل طلوع الشمس. واللَّه أعلم.
وفي الخبر: " خالفوهم في الرجعتين جميعًا ". والإفاضة: هي الإسراع في المشي في اللغة. وقيل: الإفاضة: الانحدار. وقوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ). يعني المزدلفة. ويحتمل قوله (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) وجهين: يحتمل: صلاة المغرب والعشاء، ويحتمل: الدعاء فيهما جميعًا. وقال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنهما -: (الْمَشْعَر الْحَرَام)، الجبل وما حوله، وهو الجبل الذي يوقف عليه يقال له: " قزح "، وسمي " جمعًا "، أيضًا؛ لأنه يجمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء، وقيل: يسمى جمعًا، لأنه اجتمع فيه آدم وحواء. ورُويَ عن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: سمي العرفات عرفات؛ لأن جبريل، صلوات اللَّه تعالى عليه، لما علَّم إبراهيم - عليه السلام - المناسك كان يقول له: عرفت عرفت. واللَّه أعلم بذلك. وقوله: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) يحتمل وجوهًا: يحتمل: الأمر بالذكر أمر بالشكر له على ما أنعم عليهم من أنواع النعم. ويحتمل: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ)، وأرشدكم لأمر المناسك. ويحتمل: الأمر بالتوحيد؛ كأنه قال: وحدوه كما وفقكم لدينه، وعلى ذلك يخرج قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ)، عن الهدى، وعن المناسك، وعن معرفة النعم والشكر. واللَّه أعلم.
(199)
قال الشيخ - رضي اللَّه تعالى عنه -: الهدى على وجهين: هدى: عرف، ليوحدوه. وهدى: وفق، لطاعتهم. وقوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) قيل: إن أهل الحرم كانوا لا يقفون بعرفات، ويقولون: إنما نحن أهل حرم اللَّه، لا نفيض كغيرنا، ممن قصدنا، فأنزل اللَّه فيهم: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، أمرهم بالوقوف بعرفات، والإفاضة منها من حيث أفاض غيرهم من الناس. وذكر عن عائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، أنها قالت: كانت قريش، ومن كان على دينها يقفون بالمزدلفة ولا يقفون بعرفة، أوكان من سواهم يقفون بعرفة. فأنزل الله تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ). وفيه دليل أن الوقوف بعرفة فرض، وعلى ذلك جاءت الآثار؛ رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -
(200)
" الحج عرفة، من أدرك عرفة بليل، وصلى معنا بجمع، فقد تم حجه ". ويحتمل في قوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، معنى آخر: وهو أنهم رأوا غيرهم من أهل الآفاق فإذا قصدوا على الإحرام من وراء الحرم، وهم أمروا بالإحرام في الحرم، فلما خصوهم بذلك ظنوا أن قضاء غيره من المناسك في الحرم. والله أعلم. قال الشيخ أبو منصور - رحمة اللَّه تعالى عليه -: أمر بالإفاضة بحرف " ثم "، بعد ذكر المزدلفة والإفاضة من عرفات بتقديم المزدلفة، فَبَانَ أن حرف " ثم " مما قد يبتدأ به أيضًا. وقوله: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا (200) قيل فيه بوجهين: قيل: إنهم في الجاهلية كانوا إذا قضوا المناسك يجتمعون في مكان ويذكرون آباءهم ومناقبهم ويفتخرون بذلك، فلما أن أسلموا أمرهم أن يذكروا ربهم في الإسلام كذكرهم آباءهم في الجاهلية أو أشد ذكرا، فإنه أولى بذلك من الآباء. وقيل: أن يكونوا يذكرون آباءهم -ما أنعم عليهم وأحسن إليهم- فقال: اذكروا لي
(201)
فيما تذكرون آباءكم مكان آبائكم فإني أنا الذي أنعمت عليكم وعلى آبائكم، فاجعلوا ذلك لي دون آبائكم. وقوله: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ). وقوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) وقوله: (أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202). وقوله: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ. .) الآية في قوم لا يؤمنون بالبعث والإحياء بعد الموت، طلبوا خيرات الدنيا، ولم يطلبوا الخيرات في الآخرة، فأعطوا ما سألوا من حسنات الدنيا، وهو كقوله: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)، فأعطوا ما سألوا من نصيب؛ (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ)، أي يؤتى حرث الدنيا والآخرة، فمن كان ركونهم إلى الدنيا وميلهم إليها لم يركنوا إلى دعاء غيرها، وأما من آمن بالبعث والإحياء بعد الموت فإنهم سألوا خيرات الدنيا والآخرة جميعًا بقوله: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) طلبوا حسنات الدنيا؛ لأن الدنيا جعلها محل الزاد للآخرة، لأنه جعلها لهم، إنما خلقهم للآخرة؛ كقوله: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى). ثم اختلف في (الحسَنَة) في الدنيا، و (الحسَنَة) في الآخرة: قيل: حسنة الدنيا: العلم والعبادة، وحسنة الآخرة: الجنة والمغفرة. وقيل: حسنة الدنيا: النصر والرزق، وحسنة الآخرة: الرحمة والرضوان. وكله واحد. ورُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: " إن لله عبادًا يحيون في عافية، ويموتون في عافية، ويدخلون الجنة في عافية. قيل: يا رسول اللَّه، بم؟ قال: بكثرة قولهم: (رَبَّنَا
(203)
آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ". وقوله: (وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) قيل فيه بوجوه: قيل: فيه تقديم وتأخير، كأنه قال: حسابه سريع. وقيل: (سَرِيعُ)، كما أن الإبطاء في الحساب يكون للتفكر فيه والاستذكار وحفظ عقد الأصابع أو لشغل شغله، فاللَّه - تعالى - يتعالى عن ذلك أن يوصف به أو يشغله شيء. وقيل: (سَرِيعُ)، أي قريب، كأن قد جاء، كقوله: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ)، وكقوله: (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ)، وكقوله: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)، أي قرب. وقيل: كناية عن عذاب شديد، أي شديد العقاب والعذاب، وهو كقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)، وهو كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " من نوقش الحساب عذب ". وقوله: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ (203) قيل: إنه يحتمل وجهين: قيل: إنه أراد بالأيام المعدودات أيام النحر والذبح، أي: اذكروا اللَّه بالنحر والذبح في أيامكم. فهو عند أبي حنيفة، رحمه اللَّه تعالى، يوم النحر ويومان بعده. وقيل: أراد بالأيام المعدودات أيام رمي الجمار، دليله قوله تعالى: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ)، وهي أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر. ورُويَ عن عليٍّ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: " الأيام المعدودات: يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها ".
وكذلك رُويَ عن عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه. واللَّه أعلم. وقوله: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ). قيل: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ)، أي: بعد يوم النحر بيومين. يقول: من نفر من منى قبل غروب الشمس في اليوم الثاني فلا إثم عليه، ومن لم ينفر حتى غربت الشمس وأقام إلى الغد -اليوم الثالث- فيرمي الجمار، ثم ينفر فلا إثم عليه. وقيل: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ)، من أيام التشريق فلا إثم عليه، ومن تأخر إلى اليوم الثالث من أيام التشريق فلا إثم عليه. ثم لا يحتمل قوله: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ)، أن يكونا جميعًا على الرخصة، التعجيل والتأخير جميعًا، فلا يلحقه الإثم بكليهما؛ لأنه إذا كان التعجل هو الرخصة فالتأخر لا يكون رخصة، وإذا كان التأخر هو الرخصة فالتعجل ليس برخصة، لكن الوجه فيه - واللَّه أعلم - ما رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ) غفر له، (وَمَنْ تَأَخَّرَ) وغفر له ما كان له من الإثم والذنب في اليوم الذي أخر. واللَّه أعلم. ويحتمل: أنه خيره، أي: إن فعل ذا أو ذا فلا إثم عليه. وعن ابن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال في قوله تعالى: (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ): رجع مغفورًا له. وقوله: (لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ). قيل فيه بوجوه: قيل: (لِمَنِ اتَّقَى)، قتل الصيد في الإحرام، وعلى ذلك قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) وأي فلا تستحلوا قتل الصيد في الإحرام. وقال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه -: من اتقى معاصي اللَّه جملة.
(204)
وقيل: (لِمَنِ اتَّقَى) جميع ما يحرم عليه الإحرام من الرفث، والفسوق، والجدال وغيره، وعلى ذلك قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، خوَّفهم عَزَّ وَجَلَّ ليتقوا اللَّه في كل وقت كل معصية. خرج الخطاب في الظاهر للمؤمنين، ويحتمل أن يكون للكفار أيضًا، يأمرهم أن يتقوا الشرك وإشراك غيره في أفعالهم، لما أوعدهم بالحشر والجزاء لأعمالهم. * * * قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ). قيل: إن رجلًا من الكفار كان يأتي رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيخبره أنه يحبه وكان يعد له الإيمان والمتابعة له في دينه، ويحلف على ذلك، وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يعجبه ذلك ويدنيه في المجلس، وفي قلبه خلاف ذلك، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ). . .) الآية. وقيل: إنها نزلت في المنافقين؛ لأنهم كانوا يرون من أنفسهم الموافقة له في الدِّين، ويظهرون أنهم على دينه ومذهبه، ويضمرون الخلاف له في السر والعداوة، ويحلفون على ذلك، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ. . .) الآية. واللَّه أعلم. وقوله: (وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) قيل: أشد الخصام. وقيل: أجدل بالباطل. وقيل: أظلم في الخصومة، لا يستقيم أبدًا.
(205)
وقوله: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) قيل فيه بوجوه: قيل: (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ)، أي يقتل النساء، وهن حرث، كقوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ)، وفي إهلاك النساء إهلاك النسل. وقيل: أراد بالحرث: الحرث نفسه -وهو الزرع، والنسل والدواب- يحرق الحرث، ويعقر الدواب وكل حيوان. وقيل: إنهم كانوا يسعون بالفساد ويعملون بالمعاصي، فيمسك اللَّه تعالى عنهم المطر، فيهلك كل شيء من الناس وغيرهم. ويحتمل: (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ)، قتل ولد آدم، وفي إهلاكهم إهلاك كل حرث؛ لأنهم هم الذين يحرثون ويتناسلون. واللَّه أعلم. وقوله: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)، ظاهر. وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) (قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ) عن صنيعك، وهو السعي في الأرض بالفساد، حملته الحمية على الإثم تكبرا منه. قال اللَّه تعالى لرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ)، يقول - واللَّه أعلم -: أعرض عنه، واتركه وصنيعه، فإن جهنم مصيره ومأواه. ورُويَ عن عبد اللَّه بن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه أنه قال: " إن أبغض الناس من يقال له: اتق اللَّه، فيقول: عليك نفسك ". وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) يحتمل: (يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ)، أي يهلك نفسه، أي يبيع نفسه في عبادة اللَّه تعالى وطاعته. فذلك شراؤه إياها. ويحتمل: (يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ)، أي يبذل نفسه للجهاد في سبيل اللَّه، وهو كقوله:
(208)
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ)، فهَؤُلَاءِ بذلوا أنفسهم لذلك بتفضيل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ببذل الجنة لهم، فهو الشراء. واللَّه أعلم. وهو ما روي أن أبا بكر الصديق، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، ألقى نفسه على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عندما همَّ المشركون بقتله. وفيه دلالة أن أبا بكر الصديق، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، كان أشجع الصحابة وأصلبهم، وإن كان ضعيفًا في نفسه، لما لم يتجاسر أحد من الصحابة على مثله. وما روي أيضًا أنه خرج لمقاتلة أهل الردة وحده. فدل هذا كله أنه كان أشجعهم وأصلبهم في الدِّين. وقيل: إن هذه الآية نزلت في صهيب، ابتاع دينه بأهله وماله على ذلك والله أعلم. وقوله: (وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) ويحتمل: أن أراد كل العباد، وهو أن الكافر إذا أسلم وأخلص دينه لله تعالى يتغمده في رحمته ويقبل منه ذلك، ويتجاوز عنه عما كان منه في الشرك والكفر. واللَّه أعلم. ويحتمل: أن أراد بالعباد: المؤمنين خاصة، رحيم بهم. * * * * قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً). (السِّلْمِ)، فيه لغتان: بالكسر والنصب. فمن قرأ ذلك بالكسر فهو الإسلام.
(209)
ومن قرأ ذلك بالنصب فهو الصلح؛ كقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا. . .)، إلى آخر الآية. فَإِنْ قِيلَ: كيف أمر بالدخول، وهم فيه؛ لأنه خاطب المؤمنين بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)؟ قيل: بوجوه: أحدها: أنه يحتمل قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بألسنتهم، آمِنوا بقلوبكم. ويحتمل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ببعض الرسل من نحو عيسى، وموسى، وغيرهم من الأنبياء، آمنوا بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقيل: أمره إياهم بالدخول أمر بالثبات عليه. وقيل: إنه تعالى إنما أمرهم بالدخول فيه؛ لأن للإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت، لأنه فعل، والأفعال تنقضي ولا تبقى، كأنه قال: يَا أَيُّهَا الذين آمنوا فيما مضى من الأوقات، آمنوا في حادث الأوقات. وعلى هذا يخرج تأويل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ). وقوله: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) وقد ذكرنا تأويله فيما تقدم. وقوله: (فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ (209) أي: ملتم وتركتم من بعد ما ظهر لكم الحق. وقوله: (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) وقيل: (عَزِيزٌ) أي منتقم بميلكم وترككم الحق بعد الظهور. ويحتمل: (عَزِيزٌ)، أي غني عن طاعتكم له وعبادتكم إياه. وقيل: (عَزِيزٌ)، من أن يقهر أو يذل أو يغلب؛ لأن العزيز نقيض الذليل. وقيل: (عَزِيزٌ)، لا يقدر أحد أن يصل إليه، أو يقهره إلا ذل بنفسه، كما يقال: عزيز لا يرام. وقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ
(210)
تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) (يل فيه بوجوه: قيل: (أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ) بأمره. وهو قول الحسن. وقيل: (يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ)، أي أمر اللَّه؛ وهو كقوله: (أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ) وكقوله: (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ)، على إضمار الأمر فيه. وقيل: قوله: (فِي ظُلَلٍ)، في بمعنى (الباء)، وكأنه قال: يأتيهم اللَّه بظلل من الغمام، وذلك جائز - استعمال (في) مكان (الباء)؛ لأنهما جميعًا من حروف الخفض، والعرب تفعل ذلك ولا تأبى. والأصل في هذا ونحوه: أن إضافة هذه الأشياء إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لا توجب حقيقة وجود تلك الأشياء منه على ما يوجد من الأجسام، لما يجوز إضافته إلى ما لا يوجد منه تحقحق ذلك، نحو ما يقال: جاءني أمر فظيع، و (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ)، وجاء فلان بأمر كذا، وجاءكم رسول. فذكر المجيء والإتيان لا على تحقيق وجود ذلك منه، فعلى ذلك يخرج ما أضاف اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - إلى نفسه من المجيء والإتيان والاستواء، أليس على تحقيق المجيء والإتيان والاستواء، منه على ما يكون من الأجسام. وفي الشاهد أن ملوك الأرض يضيفون إلى أنفسهم ما عمل بأمرهم من غير أن يتولوها بأنفسهم. وكذلك أضاف جل ذكره أمر القيامة إلى نفسه لفضل ذلك الأمر. ثم الأصل: أن الإتيان والانتقال والزوال في الشاهد إنما يكون لخلتين: إما لحاجة بدت، فيحتاج إلى الانتمّال من حال إلى حال، والزوال من مكان إلى مكان ليقضيها. أو لسآمة ووحشة تأخذه، فينتقل من مكان إلى مكان لينفي عن نفسه ذلك. وهذان الوجهان في ذي المكان، واللَّه - تعالى - يتعالى عن المكان، كان ولا مكان فهو على ما كان. فاللَّه - تعالى - يتعالى عن أن تمسه حاجة أو تأخذه سآمة. فبطل الوصف بالإتيان والمجيء والانتقال من حال إلى حال أو من مكان إلى مكان. وباللَّه التوفيق. وقيل: إن النص قد ورد بالاستواء والمجيء، وأورد، الخبر بالنزول، والرؤية. ثم قد ورد السمع بأن (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، لزم نفي التشبيه فيما ورد عن ذاته، ولزم الإقرار بما جاء من عنده من غير طلب الكيفية له والتفسير. فالسبيل فيه الإيمان
(211)
بالتنزيل، والكف عن التفسير. واللَّه أعلم. وفي الشاهد الإتيان في العرض: ظهوره، وفي الجسم: نقله من مكان إلى مكان، وهو - جل ذكره - جل أن يوصف بجسم أو عرض. كذلك إتيانه لا يشبه إتيان الأجسام والأعراض، ويكون إتيان لا يعرف كيفيته، وكما جاز أن يكون هو مثبتًا بدليل لا يشبهه عرض ولا جسم. واللَّه أعلم. وقوله: (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ (211) يحتمل وجوها: يحتمل: أن يكون أمر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، بسؤاله إياهم عما آتاهم من الآيات، على إثر سؤال كان منهم، بطلب الآيات، فقال: سلهم يا مُحَمَّد كم آتيناهم وأجدادهم من الآيات على يدي موسى، فكفروا به، ولم يؤمنوا. فأنتم -وإن آتيناكم آيات- لا تؤمنون أيضًا. يخبر نبيه عليه السلام أن سؤالهم أن كان سؤال تعنت، لا سؤال قبول وتصديق. واللَّه أعلم. ويحتمل: أن يكون لا على إثر سؤال كان منهم، ولكن على الابتداء أن سل علماء بني إسرائيل وأئمتهم كم آتيناهم من آية منه فجحدوها وكتموها وهو كقوله: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، الآية. ويحتمل: (سَلْ)، لا على الأمر به في التحقيق، لكن على التحقيق، والتبيين أنك لو سألتهم لأخبروك. أو يكون المراد من ذلك في الذين تضيق صدورهم عند الإخبار أنهم لو جاءتهم الآيات التي سألوا عنها لا يؤمنون، ليخبروا بذلك فتطمئن لذلك قلوبهم، فتزول عنها الخطرات وأنواع الوساوس. واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ). قيل: (نِعْمَةَ اللَّهِ)، دين اللَّه، من بدله بعد ظهوره وبيانه. وقيل: (نِعْمَةَ اللَّهِ)، يعني محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أي: من كفر له بعدما علم أنه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. ويحتمل: (نِعْمَةَ اللَّهِ)، النعم المعروفة التي كان آتاهم من المن، والسلوى، والغمام
(212)
وغيره مما لم يؤت أحدًا من العالمين ممله. وقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) خوَّفهم عَزَّ وَجَلَّ وحذرهم على تبديل ذلك وتركه والكفر بنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعد معرفتهم أنه حق. واللَّه أعلم. ويكون تبديل نعمة اللَّه بتوجيه الشكر إلى غيره، وهو أن يعبد غيره. واللَّه أعلم. وقوله: (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا (212) قال الحسن زين لهم الشيطان ذلك، وكذلك قوله تعالى: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ). ولكن معناه - واللَّه أعلم - أي زين لهم التزيين ثم التزين يكون بوجهين: يزينه الطبع لقرب الشهوات، والعقل لقيام الأدلة، فيكون التزين بالثواب. وأما ما زين للذين كفروا الحيوة الدنيا لما ركب فيهم من الشهوات وميل الطبع إليه. وأما الوجهان الآخران منهما للمؤمنين. وقوله: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يحتمل وجهين: يحتمل: (فَوْقَهُمْ)، في الحجة، يقول اللَّه تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا). ويحتمل: (فَوْقَهُمْ)، في الجزاء والثواب. وقوله: (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ). يحتمل وجوهًا: يحتمل: (بِغَيْرِ حِسَابٍ)، بغير تبعة. ويحتمل: (بِغَيْرِ حِسَابٍ)، لا على قدر الأعمال، ولكن على قدر الشهوة وزيادة عليها؛ لأن رزق الجنة على ما تنتهي إليه الشهوات، ورزق الدنيا مقدر على قدر الحاجة والقوت؛ إذ لا أحد يبلغ مناه في الدنيا وحاجته، وفي الآخرة كل ينال فوق مناه. ولأن أكل الشهوة في الدنيا هو المؤذي. ويحتمل: (بِغَيْرِ حِسَابٍ)، أي من غير أن ينقص ذلك عن ملكه وخزائنه، وإن عظم عطاياه وكثر مناله، ليس كخزائن المخلوقين تنتقص بالدفع وتنفد. واللَّه أعلم.
(213)
قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215). وقوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)، قال أبو موسى الأشعري، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، وآخر معه من الصحابة، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، قالا: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)، كلهم كفار إلى أن بعث اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فيهم النبيين. وقال عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)، مؤمنين كلهم زمن نوح، عليه السلام، الذين كانوا في السفينة إلى أن اختلفوا من بعد، فبعث اللَّه فيهم النَّبِيِّينَ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)، مؤمنين كلهم زمن آدم، عليه الصلاة والسلام، إلى أن أنزل اللَّه الكتاب عليهم وبعث فيهم الرسل. ولو قيل بغير هذا كان أقرب. قوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)، يعني صنفًا واحدًا. ومعنى الأمة معنى الصنف، كقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ)، يعني: أصنافا. ثم خص اللَّه تعالى صنفا ببعث الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم من بين غيرها من الأصناف تفضيلًا لهم وإكرامًا، وبعث كل رسول إلى قومه فيهم كفار وفيهم مؤمنون؛ لأن الأرض لا تخلو من ولي أو نبي، كقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، ليعلموا أن سائر أصناف الخلق خلقوا لهم ولحاجاتهم. وهو قول الحسن. وكذلك قول أبي حنيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -: أن الأرض لا تخلو عن نبي أو ولي. واللَّه أعلم. وقوله: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ)، لمن أطاعه، (وَمُنْذِرِينَ)، لمن عصاه. وجائز أن تكون البشارة والنذارة جملة عن الوقوع بما به يقعان مختلف؛ كقوله تعالى: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ)، وقوله: (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا). وقوله: (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) يحتمل قوله: (لِيَحْكُمَ)، وجهين: يحتمل: (لِيَحْكُمَ)، الكتاب المنزل عليهم بالحق فيما بينهم، وهو كقوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12). وقرأ بعضهم: (لِيَحْكُمَ)، بالياء، وقرأ آخرون: " لتحكم "، بالتاء. فمن قرأ بالياء جعل الكتاب هو المنذر. ومن قرأ بالتاء صير الرسول هو المنذر؛ فكذلك في هذا: ليحكم الكتاب بينهم بالحق، وليحكم الرسول بالكتاب فيما بينهم بالحق. وقوله: (فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) يحتمل قوله: (فِيهِ) وجوهًا: يحتمل: (فِيهِ)، في مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم -. ويحتمل: (فِيهِ)، في دينه. ويحنمل: (فِيهِ)، في كتابه. وقوله: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)
(214)
أي: ما اختلفوا فيه إلا من بعد ما جاءتهم البينات والعلم، إما من جهة العقل، وإما من جهة السمع والكتب والخبر، وإما من جهة المعاينة والمشاهدة لكنهم تعاندوا وكابروا وكفروا به بغيًا. وقوله: (بغيَا بَينَهُمْ). قيل: (بَغيَا بَينَهُمْ)، أي: حسدًا بينهم. وقيل: (بغيَا بَينَهُمْ)، ظلمًا منهم، ظلموا محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ). تأويله - واللَّه أعلم - أي هدى اللَّه الذين آمنوا، ولم يختلفوا من بين الذين اختلفوا. ويحتمل: هدى اللَّه من أنصف ولم يعاند، ولم يهد الذين عاندوا ولم ينصفوا. وقوله: (بِإِذْنِهِ)، قيل: بأمره، وقيل: بفضله. لكن قوله: (بِإِذْنِهِ)، بأمره، لا يحتمل، ولكن (بِإِذْنِهِ)، أي: بمشيئته وإرادته. وقوله: (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). فيه دلالة أنه من شاء أن يهتدي فاهتدى، ومن لم يشا أن يهتدي لم يهتد؛ لأنه لو كان شاء أن يهتدوا جميعًا أنه من شاء أن يهتدوا جميعًا، على ما يقوله المعتزلة، لكان يقول: واللَّه يهدي إلى صراط مستقيم، ولم يقل: (مَنْ يَشَاءُ)، فدل قوله: (مَن يَشَآءُ)، على أنه شاء إيمان من آمن، ولم يشأ إيمان من لم يؤمن، فالآية تنقض على المعتزلة قولهم: إنه شاء أن يؤمنوا، لكن آمن بعضهم ولم يؤمن البعض. وفي قوله: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ)، دلالة على ألا يفهم من البعث والإتيان والمجيء الانتقال من مكان إلى مكان، ولا الزوال من موضع إلى موضع؛ لأنه ذكر البعث، وهم كانوا بين ظهرانيهم، فدل أنه يراد الوجود، لا غير. وقوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) قيل: معنى قوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ)، على إسقاط " الميم ".
وقيل: (أَمْ حَسِبْتُمْ)، بمعنى: " بل حسبتم ". وقوله: (وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ). قيل: شبه الذين خلوا من قبلكم. وقيل: (مَثَلُ الَّذِينَ)، خبر الذين خلوا من قبلكم، وقيل: سنن الذين خلوا من قبلكم من البلاء والمحن التي أصابت الماضين من المؤمنين. وقوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ. . .) الآية، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة قبل أن تبتلوا كما ابتلي من قبلكم، أي: لا تظنوا ذلك عمله، وإن كان فيهم من قد يدخل - واللَّه أعلم - كقوله تعالى: (الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4). وقيل: إن القصة فيه أن المنافقين قالوا للمؤمنين: لم تقتلون أنفسكم وتهلكون أموالكم؛ فإنه لو كان مُحَمَّد نبيًّا لم يسلط عليه؟ فقال المؤمنون لهم: إن من قتل منا دخل الجنة. فقالوا: لم تمنَوْن الباطل والبلايا؟ فأنزل اللَّه تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ)، من غير أن تبتلوا وتصيبكم الشدائد، (وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ). وقوله: (وَزُلْزِلُوا) قيل: حركوا. وقيل: جهدوا. وقوله: (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) قيل فيه بوجهين: قيل: يقول الرسول والمؤمنون جميعًا (مَتَى نَصْرُ اللَّهِ)، ثم يقول اللَّه لهم: (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ). وقيل: يقول المؤمنون (مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) ثم يقول الرسول: ألا إن نصر اللَّه قريب ويحتمل هذا في كل رسول بعثه اللَّه تعالى إلى أمته يقول هذا، وأمته يقولون أيضًا.
(215)
ويحتمل: إن كان هذا في رسول دون رسول، على ما قاله بعض أهل التأويل: أنه فلان. وليس لنا إلى معرفة ذلك سبيل إلا من جهة السمع، ولا حاجة إلى معرفته. وفي قوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ. . .) الآية. وفي قوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ). وفي قوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)، وجه آخر، وهو أنهم. - واللَّه أعلم - ظنوا لما أتوا بالإيمان أن يدخلوا الجنة، ولا يبتلون بشيء من المحن والفتن، وأنواع الشدائد، فأخبر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أن في الإيمان المحن والشدائد لابد منها، كقوله عليه السلام: " حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ". واللَّه أعلم. وكقوله: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)، ولأن الإيمان من حيث نفسه ليس بشديد؛ لأنه معرفة حق وقول صدق، ولا فرق بين قول الصدق وقول الكذب، ومعرفة الحق ومعرفة الباطل في احتمال المؤن، والإيمان: مخالفة الهوى والطبع وذلك في أنواع المحن. واللَّه أعلم. وقوله: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) فظاهر هذا السؤال لم يخرج له الجواب؛ لأن السؤال " عما ينفق "، فخرج الجواب " على من ينفق "، غير أنه يحتمل أن يكون (ماذا) بمعنى (مَن)، وذلك مستعمل في اللغة، غير ممتنع. ويحتمل: أن يكونوا سألوا سؤالين: أحدهما: عما ينفق؟ والثاني: على من ينفق؟ فخرج لأحدهما الجواب على ما كان من السؤال: " على من ينفق "، ولم يخرج جواب ما كان من السؤال: " عما ينفق ". وهذا أيضًا جائز، كثير في القرآن: أن يكثر الأسئلة، ويخرج الجواب لبعض ولم يخرج لبعض، ويكون جواب
(216)
سؤال: " مم ينفق؟ " في قوله تعالى: (قُلِ الْعَفْو)، فيكون على ما ذكر. واللَّه أعلم. ويدل لما قلنا، أنه كان ثم سؤالان، أن أحدهما: " عما ينفق " والآخر: " على من ينفق "، ما رُويَ عن عمرو بن الجموح الأنصاري، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: يا رسول اللَّه، " كم ننفق؟ وعلى من ننفق؟ فأنزل اللَّه تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ. . .) الآية. ثم اختلف في هذه النفقة: قَالَ بَعْضُهُمْ: هذه النفقة كانت تطوعا، فنسخت بالزكاة. وقِيل: هذه النفقة صدقة يتصدقون بها على الوالدين والأقربين الذين يرثون، فنسختها آية المواريث. وقيل: فيه الأمر بالإنفاق على الوالدين والأقربين عند الحاجة، وكان هذا أقرب. والله أعلم. وفيه دلالة لزوم نفقة الوالدين والمحارم. * * * قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218). وقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) والكراهة المذكورة هاهنا والمحبة: هي كراهة الطباع والنفس، ومحبة الطباع
(217)
والنفس، لا كراهة الاختيار. ولا يكون في كراهة الطباع خطاب؛ لأن طبع كل أحد ينفر عن القتال والمجاهدة مع العدو، لا أنهم كرهوا ذلك كراهة الاختيار؛ لأنه لا يحتمل أن يكون أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يؤمرون بالقتال والمجاهداة مع العدو ثم هم يكرهون عما أمروا اختيارًا منهم؛ لأن ذلك دأب أهل النار، فثبت أنه على ما ذكرنا من نفور كل طبع عن احتمال الشدائد والمشقة وكراهيته. وقوله: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ). يحتمل هذا في القتال خاصة، وهو أن يكونوا كرهوا القتال؛ لما فيه من المشقة والشدة، (وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)؛ لما فيه من الفتوح والظفر وسعة العيش ومنال الثواب والدرجات في الآخرة. (وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا)، يعني التعود على الجهاد، (وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ)، لما فيه من اجتراء العدو والأسر والقتل والذل والصغار وقطع الثواب في الآخرة. ويحتمل هذا في كل أمر يحب الرجل، في الابتداء ويكون عاقبته شرّا له، ويكره أمرًا فيكون عاقبته خيرًا له. هذا لجهلنا بعواقب الأمور وخواتيمها؛ ليعلم أن ليس إلينا من التدبير في شيء. واللَّه أعلم. وقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، أي: ويعلم ما هو خير لكم في العواقب مما هو شر لكم، " وأنتم لا تعلمون ". وقوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ (217) معناه - واللَّه أعلم -: يسئلونك عن القتال في الشهر الحرام وفي المسجد الحرام، (قُل قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ)، لو لم يكن من الكفرة ما ذكر من الصد عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، والكفر به، وإخراج أهله منه، لكن إذ فعلوا ذلك، لم يكن القتال بجنبه كبيرًا، بل الكفر فيه أكبر من القتل. فكأنه - واللَّه أعلم - ذكر هذه الأحرف وعنى به الكناية عن الكفر، ثم جعل الكفر أكبر من هذا كله مع المعرفة أن الذي يؤذيه أقل منه. ثم ألزمهم اختيار الأيسر عند البلوى بما بين. والقتال بنفسه كبير؛ لأن فيه تفاني الخلق، ولم يخلقوا للفناء. ثم فيه نقض على المعتزلة بوجهين: أحدهما: أنه ذكر القتل، وجعل الكفر أكبر منه، ولو أوجب القتل التخليد، ما أوجب الكفر، لكان فيه التساوي، ولا يكون الكفر أكبر من القتل فبان أن الكبيرة لا توجب
التخليد ما أوجب الكفر. واللَّه أعلم. والثاني: قال: والكفر أكبر منه، فصيره أكبر، ثم ألا يخلو أكبره، من أن يكون بنفسه، أو بالكافر، أو باللَّه. ولا يحتمل أن يكون بالكافر؛ لأن فعل الكفر أصغر عنده من فعل الزنى والقتل؛ لأنه يدين بالكفر ويستحسنه، ويستقبح ذلك. فبان أنه يكبر بنفسه أو باللَّه. فإن قالوا: بنفسه. قيل لهم: لما جاز أن يكون كبره بغير من ينشئه لما لا جاز خلقه بغير من يفعله، أو يكون باللَّه؟ وهو قولنا. وقوله: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ) فيه دلالة إثبات رسالة نبينا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه أخبر أنهم يفعلون كذا، فكان كما قال: فدل أنه إنما عرف ذلك باللَّه عَزَّ وَجَلَّ. وقوله: (إِنِ اسْتَطَاعُوا)، ولكن لا يستطيعون أن يردوكم عن دينكم. ففيه إياس الكفرة عن رد هَؤُلَاءِ إلى دينهم، وأمن هَؤُلَاءِ عن الرجوع إلى دينهم. وقيل: (إن) بمعنى (لو)، أي: لو قدروا أن يردوكم عن دينكم إلى دينهم لفعلوا. أخبر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عما ودوا إن استطاعوا، لكن اللَّه بما أكرمهم وبشرهم من النصر وإظهار الدِّين لا يستطيعون على ذلك أظهر بقوله: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). وقوله: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ذكر إحباط الأعمال، بالموت على الكفر، والعمل يحبط بالكفر دون الموت. والوجه فيه: أنه لا يحتمل أن يكون الموت هو سبب إحباط الأعمال، بل الكفر بنفسه إذا وجد؛ إذ الموت لا صنع فيه للعباد، والكفر فيه لهم اختيار، لم يجز جعل العمل حبطًا بما لا صنع له فيه، دل أن الكفر هو المحبط، لا الموت، ولكن ذكر الموت في هذا لما فيه تمام الحبط والإبطال، وما لم يمت ترجى له المنفعة بحسناته؛ لأنه إذا كفر جحد تلك الحسنات فأبطلها، فإذا أسلم بعد ذلك ندم على جعل ذلك باطلًا، فصار مقابلا لسيئاته
(218)
بحسنات، فهو حالة الانتفاع به كما قال عَزَّ وَجَلَّ: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ). وقوله: (فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ). أما في الدنيا: فذهاب التعظيم والإجلال والثناء الأحسن الذي يستوجب بالخير والدِّين عند الناس، فإذا ارتد عن الإسلام حبط ذلك كله أصار على أعين الناس أخف من الكلب والخنزير. وأما حبطه في الآخرة: فذهاب ثواب أعماله، وكأن ما يستوجب المرء من الثواب إنما يستوجب بما يأتي من الأعمال ويحضرها عند اللَّه، لا بالعمل نفسه؛ ألا ترى إلى قوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)، وقوله: (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)، دل هذا أن الثواب إنما يستوجب بإحضاره وإتيانه عند اللَّه، لا بالعمل نفسه. واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا (218) تضمن قوله: (آمَنُوا) والإيمان باللَّه، والإيمان بجميع ما جاء به الرسل من الرسالات وغيرها. وقوله: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا). الهجرة تكون على وجهين: أحدهما: الهجرة المعروفة التي كانت إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالمدينة، وهو كقوله: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100). ثم رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: " لا هجرة بعد فتح مكة ".
(219)
والهجرة الثانية: هجرة الآثام والإجرام، فهي لا ترتفع أبدًا. وقال الحسن في قوله تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ): أي بالعداوة منه لمن كفر باللَّه. وقال أبو بكر الصديق - رضي اللَّه تعالى عنه -: أن يهجر قومه وداره ويخرج لله. وقوله: (وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ). المجاهدة تكون على وجوه: مجاهدة العدو، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس. وقوله: (أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ). فيه دلالة على أن الذي يحق رجاؤه يعمل ما ذكر اللَّه. وقوله: (رَحْمَتَ اللَّهِ)، يحتمل وجهين: الرحمة: الجنة، والرحمة: المغفرة. وقوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). لما كان منهم من التقصير فيما ذكر من المجاهدة والمهاجرة. * * * قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) وقوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا
أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا). (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)، بعد الحرمة (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)، قبل الحرمة، (وَإِثْمُهُمَا)، بعد الحرمة (أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)، قبل التحريم. والمنفعة في الميسر: بعضهم ينتفع به، وبعضهم يخسر، وهو القمار. وذلك أن نفرًا كانوا يشترون الجزور فيجعلون لكل رجل منهم سهمًا، ثم يقترعون، فمن خرج سهمه برئ من الثمن حتى يبقى آخر رجل، فيكون ثمن الجزور عليه وحده، ولا حق له في الجزور، ويقتسم الجزور بقيتهم. وقيل: يقسم بين الفقراء؛ فذلك الميسر. ثم قال: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)، في ركوبهما؛ لأن فيهما ترك الصلاة، وترك ذكر اللَّه، وركوب المحارم والفواحش. ثم قال: (وَمَنَافِعُ للِنَّاسِ)، يعني التجارة، واللذة، والربح. ثم اختلف فيه: قال قوم: إن الخمر محرمة بهذه الآية حيث قال (إِثْمٌ كَبِيرٌ)، والإثم محرم بقوله: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ). وقال قوم: لم تحرم بهذه الآية؛ إذ فيها ذكر النفع، ولكن حرمت بقوله: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ)، والرجس محرم، وقال اللَّه تعالى: (مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)، وعمل الشيطان محرم. ثم أخبر في آخرها أنه: (يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ)، وذلك كله محرم. والأصل عندنا في هذا: أنهم أجمعوا على حرمة الميسر مع ما كان فيه من المنافع للفقراء وأهل الحاجة والمعونة لهم؛ لأنهم كانوا يقتسمون على الفقراء، فإذا حرم اللَّه هذا ثبت أن المقرون به أحق في الحرمة مع ما فيه من الضرر. الذي ذكرنا. واللَّه أعلم. وقال الشيخ، رحمه اللَّه تعالى، في قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ): ولم يبين في السؤال أنه عن أي أمرهما كان السؤال؛ وأمكن استخراج حقيقة ذلك عن الجواب بقوله: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)، كان السؤال كان " عما فيهما "؛ فقال: فيهما كذا. وعلى ذلك قوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى)، كأن السؤال عما يعمل في أموال اليتامى، من المخالطة وأنواع المصالح، وكذلك قوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) كأنه قال: عن غشيان في المحيض، إذ في ذلك جرى الجواب فلم يبين
في السؤال لما في الجواب دليله، أو لما كان الذين سألوا معروفين يوصل بهم إلى حقيقة ذلك. واللَّه أعلم. وقيل: هذه الآية تدل على حرمتهما بما قال: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)، وقد قال اللَّه تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ) إلى قوله: (وَالإثْمَ)، ثبت أن الإثم محرم. وأكثر السلف على أن الحرمة فيهما ليست بهذه الآية، ولكن بقوله (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ). وقوله: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)، يبلغ أمر الخمر والميسر إلى ما يكون فيهما (إِثْمٌ كَبِيرٌ)، من نحو ما بين عند السكر والميسر في سورة المائدة من وقوع العداوة والبغضاء والصد عما ذكر، (فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ)، في ذلك الوقت بوجوه: أما في الخمر: إلى أن يسكر، وفي التجارة فيها. وفي الميسر: لما كان يفرق ما فيه ذلك على الفقراء، وما فيه من التجارة ونحو ذلك. وعلى التأويل الأول يخرج قوله: (قُل فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ)، أي: في الشرب والعمل إذ حرما، (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)، قبل أن يحرما. واللَّه أعلم. ثم الذي علينا: أن نعرف حرمتهما اليوم إن كانت في هذه الآية أو لم تكن، فينتهي الانتفاع بهما ويحذر ذلك، وقد بين اللَّه الكافي من ذلك في سورة المائدة، وجاءت الآثار في تحريمهما، على ما في الميسر من الخطر والجهالة التي جاءت الآثار على كون أمثالها في حكم الربا، وفي الخمر ما لا يتخذ للمنافع وإنما يتخذ للهو والطرب، وكل ذلك مما نهينا عنه، مع ما في ذلك من ذهاب العقل الذي هو أعز ما في البشر، وغلبة السفه في أهله. فحقيق لمن عقل اتقاه لو كان حلالًا؛ لما في ذلك من التبذير، فكيف وقد ظهرت الحرمة. ثم كان معلومًا علة حرمة الخمر إذا سكر منها الشارب، ثم جاء به القرآن، وليست تلك العلة في شرب القليل منه، فلم يلحق بحق القليل غيرها، وأُلحق بالكثير كل شراب يعمل ذلك العمل، لما فيه المعنى الذي ذكره، إذ كانت الخمر لا تتخذ في المتعارف للمصالح ولا لأنواع المنافع، بل تتخذ لما ذكرت من اللهو والطرب، ولا يستعمل شربها
إلا المعروفون بالفسق، فتكون حرمة الخمر بعينها، لا ما ذكرت من قصد العواقب بها. وكل جوهر لا يتخذ لا يقصد باتخاذ ذلك فهو غير محرم بعينه. واللَّه أعلم. وقوله: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ). (الْعَفْوَ): هو الفضل عن القوت، وذلك أن أهل الزروع كانوا يتصدقون بما يفضل عن قوت سنة، وأهل الغلات يتصدقون بما يفضل عن قوت الشهور، وأهل الحرف والأعمال يتصدقون بما يفضل عن قوت يوم، ثم نسخ ذلك بما رُويَ عن أنس بن مالك، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: " الزكاة نسخت كل صدقة كانت، وصوم شهر رمضان نسخ كل صوم كان، والأضحية نسخت، كل دم كان ". فإن ثبت هذا فهو ما ذكرنا. ورُويَ عن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهما، قال: كان هذا قبل أن تقرض الصدقة. دليل ذلك ظهور أموال كثيرة لأهلها في الصحابة، رضوان اللَّه تعالى عنهم أجمعين، إلى يومنا لم يخرجوا من أملاكهم، ولا تصدقوا بها، ولا أنكر عليهم؛ فثبت أن الأمر في ذلك منسوخ، أو هو على الأدب. وقوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ). وقوله: (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ). قيل: أما في الدنيا: فتعلمون أنها دار بلاء وفناء، وأما الآخرة: دار جزاء وبقاء، فتفكرون فتعملون للباقية منهما. وقال الحسن: إي - واللَّه - ومن تفكر فيهما ليعلمن أن الدنيا دار بلاء، وأن الآخرة دار بقاء. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه -: (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، قال: يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها. بل يعلم بالتفكر أن الدنيا للزوال، علم أنها هي للتزود لدار القرار، فيصرف سعيه إلى التقديم، وجهده في فكاك
(220)
رقبته وإعتاقها. ولا قوة إلا باللَّه. وفي قوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) دلالة جواز تأخير البيان؛ لأنه أمر بالتفكر والتدبر، وجعل لهم عند الفكر الوصول إلى المراد في الخطاب، فدل أنه يتأخر عن وقت قرع الخطاب السمع. وقوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ (220) كأن في السؤال إضمارًا؛ لأنه قال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى)، ولم يبين في أي حكم، وإضماره - واللَّه أعلم - أن يقال: يسألونك عن مخالطة اليتامى. يبين ذلك قوله: (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) أن السؤال كان عن المخالطة. وكذلك قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ)، ولم يبين في أي حكم، فكأنه قال: يسألونك عن شرب الخمر والعمل بالقمار والميسر، ثم قال: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)، دل قوله: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) أن السؤال كان عن شرب الخمر والعمل بالميسر. وهذا جائز في اللغة، وفي القرآن كثير أن يكون في الجواب بيان السؤال أنه عما كان وإن لم يذكر في السؤال؛ كقوله: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) دل ما ذكر من الفتيا أن الاستفتاء كان عن الميراث. وكذلك قوله: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ)، دل قوله: (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ) أن السؤال كان عن نساء اليتامى. وهذا جائز، وربما يخرج الجواب على إثر نوازل، فيعرف مراده بالنوازل دون ذكر السؤال. ثم السؤال يحتمل وجهين: يحتمل: أن يكون عن مخالطة الأموال والأنفس جميعًا بقوله: (قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ)، فإنما حملهم - واللَّه أعلم - على سؤال المخالطة، ما قيل: لما نزل قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)، وقوله: (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا) أشفق المسلمون من خلطة اليتامى، فعزلوا لهم بيتا، وعزلوا طعامهم وخدمهم وثيابهم، فشق ذلك عليهم جميعًا، فسألوا عن ذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فنزلت هذه
الآية: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى. . .) الآية. وفي الآية دليل جواز المناهدات والمؤاكلات في الأسفار وغيرها حيث أباح لهم المخالطة بأموال اليتامى. فإذا احتمل ذلك مال الصغار من اليتامى فاحتماله في مال الكبير أشد؛ إذ مال الكبر يحتمل الإباحة والإذن، ومال الصغير لا. وفي الآية دليل جواز القليل من المعروف واليسير منه في ملك الصغير، واحتماله ذلك؛ لأنه - جل وعز - أباح لهم المخالطة مع اليتامى على العلم في الاستيفاء مبلغ الكبير بل يقصر عنه. وفيه دليل أن علة الربا ليس هو الأكل، على ما قاله بعض الناس، ولكن هو الكيل والوزن؛ لأنه أباح لهم المخالطة في المأكول من الطعام والمشروب من الشراب، على غير كيل ولا وزن، على العلم بقصور الصغير عن الاستيفاء قدر الكبير وبلوغه مبلغه، فلو كان علته الأكل لكان لا يبيح لهم أكل الربا؛ فدل أن علته ليس الأكل، ولكن هي الفضل عن الكيل أو الوزن في الجنس. وفيه دليل جواز بيع الثمرة بالثمرتين لخروجه عن الكيل. وهكذا كل شيء خرج عن الكيل والوزن، لترك للناس مكايلته وموازنته، وإن كان كيليا يجوز بيع واحد باثنين. واللَّه أعلم. وفيه دليل أن لا بأس بأن يؤدب الرجل اليتيم بما هو صلاح له. وذلك كما يؤدب ولده وأن يعلمه بما فيه الاعتياد لمحاسن الأخلاق والتوسيع، كما أمر بالصلاة إذا بلغ سبعًا، والضرب عليها إذا بلغ عشرًا اعتيادًا. ألا ترى أنه روي في الخبر: " شر الناس الذي يأكل وحده ويشرب وحده ". وفي المخالطة التخلق بالأخلاق الحسنة، وفي تركها التخلق بالأخلاق السيئة، والاعتياد بعادة السوء. وقوله: (قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ)، فيه دليل إضمار، وهو طلب الصلاح لهم: إما بالتولي لهم في أموالهم والنظر لهم بما يعقب نفعا لهم، وطلب التخلق بالأخلاق الحسنة والاعتياد بالعادة المحمودة؛ فذلك (إصلاح) خير، بطلبكم الصلاح لهم، أو خير لهم بما يعود نفع ذلك إليهم. وإلا فظاهر الصلاح حسن لكل أحد، فلا وجه لتخصيصهم به؛ فدل أنه على طلب النفع والنظر لهم. واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ)، فيه دليل الترغيب؛ كقوله: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) رغبهم عَزَّ وَجَلَّ بما أخبر أنهم (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)، بطلب الصلاح والنظر والنفع لهم، إذ
(221)
يستوجب بعضهم قبل بعض المعونة لهم والحفظ والصلاح، كقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). دل قوله: (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)، على أن الصغير قد يعق والديه في أمر الدِّين، ويجوز منهم التدين إذا عقلوه وإن لم يكونوا بلغوا. واللَّه أعلم. ثم أوعدهم عَزَّ وَجَلَّ بقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ). أي - واللَّه أعلم - يعلم طالب النفع والنظر لهم من طالب الفساد والإسراف في أموالهم. وقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ). قيل: يضيق عليكم، ولم يأذن لكم بالمخالطة معهم. وقيل: لأعنتكم، فلم يرض لكم في الخلطة. وقيل: لأحرجكم. وهو واحد. وأصل العنت: الإثم، كقوله تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ)، يعني: أثمتم. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). فيه وعيد لهم على ما ذكرنا. واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية: فقال قائلون: الحظر على كل مشرك ومشركة -كتابيًّا كان أو غير كتابي- ثم نسخ بقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ). فالإماء على الحصر؛ لأنه إنما استثنى الحرائر دون الإماء بقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ). وقال آخرون: هو على المشركات خاصة دون الكتابيات، والكتابيات مستثنيات،
فدخلت كل كتابية -حرة كانت أو أمة- تحت الاستثناء؛ لأن الاستثناء إذا كان عن جملة الأديان سوى دين الكتابيات لم يحتمل دخول بعض أهل ذلك الدِّين دون بعض، والذي يدل عليه قوله تعالى: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ)، فجعل الأمة المؤمنة خيرًا بالنكاح من المشركة، ومن قوله إنه بالقدرة على طول الحرة الكافرة لا يباح له نكاح الأمة المؤمنة. فبان أن موقع الآية ليس على التناسخ على ما يقوله على أن الإماء يدخلن تحت قوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ)، دليله قوله تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)، فثبت أنهن قد يتعففن فيستوجبن اسم الإحصان، وقد جعل شرط الحل هو ذكر الإحصان. وقوله أيضًا: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا). وقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)، مستثنيًا الإماء من جملة المحصنات؛ دل أنهن دخلن في الخطاب. وقد أجمع على أنهن تحل لنا بالسبي، وكل مذكور في الكتاب يستوي الحل فيه إلا من جهة العدو. فإذا أبيح لنا تزويج المسبيات منهن كالحرائر، ثبت أنه محكوم بحكمهن في النكاح. فبطل قول من أبطل نكاح الإماء؛ إذ ثبت أن الآية بخلاف ما قال. وباللَّه التوفيق. ثم الآية تضمنت أحكامًا: منها: أن من قول أصحابنا - رحمهم اللَّه تعالى أجمعين -: أن المناهي بحيث النهي لا توجب الحرمة. والثاني: أن الآية كيف كان حملها على الخصوص في بعض أحق والعموم في بعض ومخرج الخطابين واحد. والثالث: أن في الآية ذكر المنع، لعلة وهي الدعوة إلى النار، فكيف لم يلزم حفظ ما لأجله وجب الحرمة على وجوده؟ وهذا هو الأصل: أن تحفظ الأحكام المعللة بالعلل ما دامت توجد العلل. والرابع: البيان في تولى النكاح؛ إذ للأولياء خرج الخطاب بقوله: (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا). وأما قولنا في النهي: فإن النهي يوجب الانتهاء، ولكن لا يوجب الحرمة إلا بدليل يقوم على مراد الحرمة في النهي، لما رأينا من المناهي كثيرة لم توجب الحرمة، فلو كان
نفس النهي موجبًا ذلك لوجب أن يوجب في كل ذلك، فلما لم يوجب ذلك، دل أن نفسه لا توجب الحرمة، ولكن الدليل هو الموجب للحرمة. وأما قولهم وسؤالهم عن الخصوص والعموم: فذلك جائز عندنا، خروج الآية على العموم يعقل بها الخصوص. وهو كثير في القرآن مما لا يحتاج إلى ذكره وشرحه، ومن ذلك قوله عَزَّ وَجَلَّ: (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) عقل إيجاب تعظيم الرسل والأنبياء والإيمان لهم على العموم، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة في حق البعض دون البعض، وكذا قوله: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ). فالتخلف غير موجود في بعض الأحيان، وإنَّ حق النهي عن الرغبة عن نفسه أخذ الجميع، فعلى ذلك هاهنا يجوز خروجه عامًّا يخص بالعقول. وأما قولهم: وجوب الحكم لعلة، وهو الدعاء إلى النار، فله وجهان: أحدهما: أن الكتابي أقر بكتاب، يقدر على إلزام الدِّين بالدعاء إليه، ففيه رجاء الإسلام، وغيرهم من أهل الشرك لا طمع فيهم بمثله. والثاني: أن علة الحظر قوله: (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)، والزوجات لا يدعون أزواجهن إلى ذلك، بل الأزواج هم الأصل في الدعاء، وهم الأمراء على الزوجات، والزوجات بين الأتباع للأزواج والمذللات في أيديهم؛ لذلك أبيح. ثم الأصل: أن النكاح جعل لأمرين: إما لإبقاء النسل، وإما للتحصن والتعفف عن السفاح. ثم قد ينكح من لا نسل فيه، فما بقي إلا وجه المنع عن السفاح. ثم الدعاء إلى النار أعظم من السفاح، بهذا لم يبح النكاح. ثم الدلالة على تخصيصها على وجهين: أحدهما: قول الخصوم بالنسخ: أنه ورد على بعض دون بعض، وما ذلك إلا الخصوص. والثاني: أن ذكر ذلك في الكتابيات لم يجر بحيث إظهار ما يحل وما يحرم، إذ شرط نكاحهن إنما هو عند العجز عن الحرائر، فجرى الذكر فيهن، إذ هن الأصل في عقود النكاح، وأن الإماء دخيلات في حق النكاح، وإنما جرى الذكر في حلهن بملك اليمين؛
لذلك ترك ذكرهن مع ما يجوز دخول الإماء في قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)؛ لما أوجب لهن العفة والتحصن بقوله: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)، وبقوله: (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ). وأما قولهم: خاطب الأولياء في النهي بقوله: (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ)، وخاطب الأولياء أيضا في الأمر بإنكاح الأيامى بقوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)، فدل أن الولي شرط في جواز النكاح. فجوابنا: أنه إنما خاطب الأولياء في النهي عن النكاح، وفي الأمر بالنكاح، لما العرف في الأمة ألا يتولى النساء النكاح بأنفسهن، بل الأولياء هم الذين يتولون عليهن النكاح برضائهن وأمرهن وتدبيرهن؛ لذلك خرج الخطاب للأولياء مع ما ليس في تخصيص الأولياء، بالخطاب دليل إخراج النساء عن ولاية النكاح. ألا ترى أنه ذكر في الآية (الصلاح) بقوله: (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)، لم يصر ذلك شرطًا في الجواز، فعلى ذلك الأولى. وهذا يدل أيضًا على أن ليس في تخصيص المحصنات من الكتابيات حظر نكاح الإماء منهن. والثاني: أن قوله: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ)، يحتمل أن يكون في الصغار خاصة، نهى الأولياء عن تزويج الصغار من المسلمين المشركات من غير الكتابيات. فإذا كان محتملًا ما ذكرنا، لم يكن لمخالفنا الاحتجاج به علينا في إبطال نكاح المرأة نفسها دون وليها. واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ). اختلف في تأويله: قال قوم: هو في غير الكتابيات، يبين ذلك قوله: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، فنسق الكتابيات بالإحلال على ما لم يختلف فيه أحوال الحل من أول الإسلام إلى الأبد ولا من قبل ذلك نحو الطيبات من الطعام - من طعام المؤمنين
وأهل الكتاب ونحو المحصنات من المؤمنات، فمثله الكتابيات، إذ نَسَقَ نكاحهن على من ذكر. ولو كان التأويل هذا، كانت الآية نطقت بألا تنكحوا المشركات غير الكتابيات؛ فلا يكون في الآية تحريم الإماء من أهل الكتاب، ولا النهي عن ذلك، وإنما يعرف إن كان يجوز أو لا، بدليل آخر سوى هذه الآية. فَإِنْ قِيلَ: على ذلك لِمَ لا كانت آية الإحلال في التخصيص بذكر المحصنات دليلًا على حرمة نكاح الإماء؟ قيل: يكون الجواب لأوجه: أحدها: أن ذكر الحل في حال لا يدل على الحرمة في غيرها. كذلك ذكر الحل في صنف لا يدل على حرمة في غيره. ولو كان ذا يدل، لكان يجيء أن يكون حكم ما لا يرد فيه السمع مخالفًا لما يرد فيه. وذلك فاسد؛ إذ السمع هو دليل الحكم فيما لا سمع فيه بالمعنى الذي ضمن فيه. واللَّه أعلم. وأيد ذلك قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، ثم هن يحللن وإن لم يؤتين أجورهن؛ فمثله الأول. والثاني: أنه منسوق على مثله في المؤمنات. ثم لم يكن ذلك في المؤمنات على تحريم الإماء؛ فمثله في الكتابيات. فَإِنْ قِيلَ: لما بين في إماء المؤمنات؟ قيل لهم: لم يزعم أحد أن ذلك على نسخ هذه الآية؛ فثبت أنه ليس في الذكر في المحصنات تحريم الغير؛ فكذلك في المنسوق على ذلك مع ما لو كان في مثل هذا الاستدلال على الحرمة، لكان في قوله: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ)؛ إذ وقع على غير الكتابيات - دليل على الإحلال، فيكون ذكر الحرمة في نوع دليل الحل في غيره على مثل ذكر الحل في نوع. وفي ذلك تناقض الأدلة. واللَّه أعلم. ووجه آخر: أن (وَالْمُحْصَنَات)، يحتمل أن يريد به العفائف، وأهل الصلاح، والإماء قد يستحققن هذا الاسم، كقوله تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ)، وقوله: (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ)، وقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ)، وإذا استحققن الاسم فهن في الآية حتى يظهر الإخراج. والله
أعلم. وبعد، فإنا نقول: أكثر ما في ذلك أن يكون في ذلك النهي عن تزوج الإماء من أهل الكتاب، فإن النهي في ذلك لا يدل على الحرمة؛ لأنه معلوم المعنى الذي له يقع النهي عن نكاح الإماء -أنه لمكان رق الأولاد، ولمكان مخالطة الإماء الرجال وخلوتهن بالموالي- وذلك مما ينفر عنه الطباع، ثم كان النساء الزانيات جميع ذلك فيهن موجود، والنهي قائم، وقد يلحق أولادهن أعظم الشين الذي يضعف على الرق، ثم لم يمنع النهي جواز نكاحهن بما هو نهي نفار الطباع، لا معنى في ذلك له بكون الحرمة؛ فمثله أمر الإماء. واللَّه الموفق. ثم دليل حلهن: أن كل امرأة حرمت لنفسها، فسواء وجه الحل بها في ملك اليمين والنكاح، وكل امرأة كانت حرمتها بالحق فيختلف فيها المكان، فإذا كانت هذه محللة بملك اليمين ثبت أنها لم تحرم لنفسها، فهي تحل بالنكاح كما تحل بملك اليمين. على هذا الأصل أمر المجوسيات والمحارم ونحوها. واللَّه أعلم. وقال قوم: الآية في جميع المشركات والكتابيات، ثم نسخت الكتابيات بالآية التي في سورة المائدة، وكان النسخ بشرط الإحصان، فبقيت الإماء على الحرمة. دليل ذلك وجهان: أحدهما: قوله تعالى: (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ)، أنه يدخل في ذلك الكتابي وغيره؛ فكذا في الأول. والثاني: قوله تعالى: (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ. . .) الآية. والثالث: أن الكتابي مشرك في الحقيقة، إذ هو بما لا يغفر له، والكتابي في الدعاء إليها وغيره سواء؛ فلذلك كان على ما ذكرت. فنحن نقول في ذلك - وباللَّه التوفيق -: ليس فيما ذكم دليل على ما ادعى؛ لأنه جائز خروج آية واحدة في أمرين يختلف موقعهما من الخصوص والعموم بالدليل نحو قوله: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا
بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ. . .) الآية، أنه قد يجوز التخلف عنه لعذر، ولا يجوز الرغبة عنه بحال، وقال في قوله: (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا. . .) الآية، أن ليس كل ذلك مما يقتضي عموم الخلق وإن كان الظاهر في الكل بالمخرج واحد، ثم ما ذكرت من الآية دليل الفصل. والثاني: أنه يجوز أن تكون الآية في غير أهل الكتاب. دليل ذلك الأمر بالمعروف من التفرقة في التسمية، وإن كانوا في الشرك مجتمعين؛ قال اللَّه تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ)، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا)، وغير ذلك مما قد فصل الله بينهم في النسبة وإن كانوا في حقيقة الشرك مجتمعين، فجائز أن تكون الآية على ذلك، ثم حرم تزويج المسلمات من أهل الكتاب لا بهذه الآية، لكن بغيرها من الأدلة. ألا ترى أنا لا نترك مماليك أهل الإسلام تحت أيديهم لا بهذه الآية؟! فمثله أمر الإنكاح. واللَّه أعلم. ثم في الآية دليل ذلك، وهو قوله تعالى: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ. . .) الآية، وكل يجمع ألا يحل نكاح الأمة المؤمنة على الحرة الكتابية، فلو كانت هي مرادة في هذه الآية لكان نكاح من هو خير منها في النكاح لا يحرم عليه، حتى إن الذي يقول بهذا التأويل يحرم لطول الكتابية فضلا عن نكاحها. ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)، دليل أن الإماء غير داخلات في الخطاب؛ لأنهن لا يدعون بل الغالب عليهن أن يتبعن ويجبن لمن هن تحتهم فيما دعين إليه، لا أن يدعون. هذا الأمر المتعارف. واللَّه أعلم. ثم نقول: جعل كأن الآية نزلت في الكتابيات، فقال: " ولاتنكحوا الكتابيات "، فإن الكتاب في جميع ما جرى به الذكر في حقوق النكاح والطلاق والأحكام تضمن خطاب الأحرار، خاصة فيما أبهم، وعرف أمر الحرمة في الإماء والعبيد بالأدلة العقلية مما دلت عليه أحكام السمع؛ فكذا هذا. واللَّه الموفق. وقوله: (وَلَا تَنْكِحُوا)، محمول على التحريم باتفاق الأمة وإن احتمل ما هو بهذا المخرج على غير التحريم، على أن اللَّه تعالى قد بين بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ
الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أن النكاح قد أنفسخ حيث أباح لغير الأزواج التزوج. وفي قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ)، أنه الاستمتاع بذوات الأزواج إذا سبين، وقال: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)، ذكر جملة النساء ونهى الرجل عن التمسك بعصمتهن. واسم الشرك اسم لفريق بالإطلاق، واسم الكفر للجملة، على ما قال: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً) الآية، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ. . .) الآية، وغير ذلك مما جمع في اسم الكفر وعرف بأسماء المذاهب، وجعل اسم (الشرك) في التفريق. فدلت هذه الآيات على الحرمة في قوله: (وَلَا تَنكِحُوا. . .) الآية، ويدل قوله في آخر الآية: (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) على ذلك، ومعلوم أن أول دعائهم إلى النكاح، فصير ذلك سببًا للنار.، وما يوجبها حرام. ثم فيها دلالة عموم الآية في الذكور؛ لأنه في تعارف الخلق: أن الرجال هم الذين يدعون، لا النساء، والنساء تتبعهم. وذلك المعنى في رجال أهل الكتاب وغيرهم سواء، فتكون الحرمة فيهم سواء. وعلى ذلك المروي من الخبر: أن رجلًا أسلم وتحته ثماني نسوة وأختان ونحو ذلك فأسلمن. دل أنهن يتبعن الرجال، لا أنهن يدعون إلى ما يخترن من الدِّين. واللَّه أعلم. ثم الدليل على أن النهي أيضًا نهي تحريم في قوله: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)، أنه لولا خبث فيهن في الحقيقة يوجب حرمة الاستمتاع لكان لا ينهى عن التناكح، وذلك من أبلغ أسباب دعوتهن إلى الإسلام بما ذكرت من الفرق في طاعتهن الأزواج فيما يختارون من الدِّين في المتعارف بمن رويت فيهن الخبر، وخاصة ذلك في المشركات أحق في الحل منه في الكتابيات؛ إذ هن إنما أخذن دينهن عن آبائهن بالاعتياد والتقليد، ومعلوم اعتيادهن ما فيه رضاء الأزواج وإيثار ذلك على ما فيه رضاء الآباء حتى يؤثرنهم عليهم بما جعل اللَّه بينهم مودة ورحمة. والكتابيات أخذن دينهن لما علمن أنه دين الرسل وأنهن أمرن بالتمسك به. فإذا نهوا عن نكاح المشركات وأبيحوا نكاح الكتابيات -
والإسلام فيهن بالنكاح أرجى- ثبت أن ذلك كان لخبث نهوا، وقد حرم اللَّه الخبائث. واللَّه أعلم. ثم اللَّه - سبحانه وتعالى - أخبر أنه حرم الخبائث وأحل الطيبات، فلولا أن فيما حرم خبثًا، يحتمل الوقوف عليه، وفيما أحل طيبًا لسوى الحرمة والحل له - كان كذلك لم يحتمل التسمية في وصف التحريم والتحليل هو لا غير. وهذا كما وصف المؤمن بالحياة والسمع والبصر، والكافر بضد ذلك بما في كل معنى ذلك، لا أنه اسم لقب دون أن يكون له حقيقة له يسمى. فمثله الذي ذكرت. ثم كان (الخبث) يكون من وجهين: من خبث الأحوال، ومن خبث الأفعال، وله سمي الكفر (رجسًا)، وكذا الخمر والميسر، وذلك كله بخبث الأفعال. وعلى ذلك يجوز أن يكون تحريم تزويج المسلمات المشركين لخبث الفعل: وهو خوف وقوع الكفر؛ إذ هن يتبعن الرجال فيما يؤثرون من الأفعال ويقلدونهم الدِّين، فيكون التحريم لهذا الخوف؛ إذ هو الوجه الذي عليه جرى حرمات النكاح من ذلك نحو نكاح ما كثر عددهن بقوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)، فمنع عن الخمس، وأكثر الخوف وقوع الجور الذي هو في العقل خبيث، ونكاح الأمة بعد الحرة؛ إذ الطبع ينفر عن مناكحة من يخالط الرجال ويخلو بهم، لا يؤمن عليه السفاح، فما يؤثر مثلها عند الغناء بالحرة عنده عنها إلا لأمر حدث بينهما مما يبعث ذلك على الجور، فنهوا عن ذلك. وكذلك نكاح المحارم بما قد يجري من الأمور في النكاح مما يحمل على تضييع الحدود وأنواع النشوز الذي يمنع ذلك القيام بحق النسب وصلته، فيكون في ذلك تضييع الفرض. وكذلك محارم المرأة، وعلى هذا يجب تحريم المسلمة على الكتابي وغيره لخوف وقوع فعل الخبث بينهما، وهو الكفر. ولم يقع النهي عن نكاح الزانية والزاني على ذلك؛ لأنه ليس في الطباع احتمال اتباع أحدهما الآخر في ذلك الوجه بل ينفر عن ذلك أشد النفار، فلا يخاف فيه هذا، فهو على الأدب بما يلحق الولد الطعن وصاحبه يشتم به، لا أن يلحقه وصفه موافقة ما ثم إلا لمكان الآخر يكون النهي نهي تحريم، بل كان على الإرشاد بما يلحق من الطعن دون ما أن يحدث من تعدى حد أو جور في الفعل. وعلى ذلك أمر نكاح الأمة. واللَّه أعلم. ثم وجه التفصيل بين الكتابية والمشركة - واللَّه أعلم - في إباحة التناكح: أن المشركة
آثرت فعل البهيمي في الدِّين على فعل البشرى، والكتابية آثرت فعل البشرى، وهو ما يدعو إليه العقل لا الطباع؛ لأنهن يرجعن في الاختيار إلى الإيمان بالرسل لكن أنهى إليهن أنهم نهوا عن الإيمان بمن يدعوهن إليه، فاعتقدن على ذلك بالآثار عندهن من الحجج، كما اعتقدنا نحن بأن لا نبي بعد نبينا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لكن خبرنا صحيح وخبرهم فاسد. وإلا فوجه الاعتقاد على ما في العقل ذلك. وأما المشركة لم تختر ذلك بحجة أنما كان لوجود الآباء على ذلك من غير الإنهاء إلى من في العقل اتباعه؛كما قالوا: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ. . .) الآية، فحرم علينا نكاحها لخبث اختيارها واتباع فعل البهيمي، وإيثاره على فعل البشرى. واللَّه أعلم. وعلى ذلك لو أسلمت لم يعظم درجة إسلامها، لولا أنا نرجو من رحمة اللَّه أن اللَّه -إذا قبلت هي الإسلام- بالاختيار لينير قلبها حتى ينشرح صدرها للحق لكان لا يكون لإسلامها فضل حمد. واللَّه الموفق. ووجه آخر: أن الكتابية لما آمنت بكتب الأنبياء، عليهم الصلوات والسلام، في الجملة، فقد آمنت بذلك بالرسل جميعًا، لكنها كذبت من كذبت، لما وقع الخبر عندها بخلاف الحقيقة، فأمكن أن تنبه عن حقيقة ذلك بالكتاب الذي آمنت به؛ ليكون إيمانها في الحقيقة إيمانا بمن كذبته بما ظنت أن في ذلك الكتاب تصديقًا. والمشركة احتيج فيها إلى ابتداء الإلزام، لا أن كان معها ما به اللزوم مما قد وجد إيمانها به. والله أعلم. وعلى هذا لا يسلم للمرتد حق الكتاب إذا اختاره؛ لأنا نعلم أنه يظهر ذلك، لا أنه في الحقيقة مختار؛ إذ كتابنا مصدق كتابهم، فلم يجز أن تظهر له بما به التصديق التكذيب ليرجع إلى رد هذا بقبول الآخر. فلذلك دم تحل ذبائحهم. واللَّه أعلم. ودليل النهي عن النكاح والإنكاح حتى يكون الإيمان، أن الإيمان معروف عندهم، يعلمون به حقيقة الشرط. واللَّه أعلم. ومخاطبات الأولياء في قوله: (وَلَا تَنْكِحُوا)، يخرج على الأمر المعروف من التولى، أو على الوقت الذي إليهم حق التولية، أو على أن الحق لهن عليهم في التزويج إذا أردن، فنهوا عن ذلك؛ ليعلم أن لا حق يجب لهم في ذلك. واللَّه أعلم.
(222)
وقوله: (يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)، يحتمل وجهين: أحدهما: الخبر عما يدعو بعضهم بعضا إلى عبادة غير اللَّه، وذلك دعاء إلى النار، كما قال اللَّه تعالى: (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)، بما يوجب الفعل الذي دعوا إليه ذلك فكأنما دعوا إلى ذلك، إذ هوالمقصود من الثاني. وعلى ذلك تسمية الجزاء باسم العمل الذي له الجزاء. واللَّه أعلم. ويحتمل: (يَدْعُونَ) في التناكح للهو واستكثار الأتباع في معاداة اللَّه تعالى ومعاداة أوليائه بالتناكح، واللَّه يدعو إلى التعفف واستكثار الأتباع على ما ينال به مغفرته ورحمته. واللَّه أعلم. وقوله: (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)، يعني: يدعون إلى العمل الذي يستوجب به النار. (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ)، يعني يدعو إلى العمل الذي يوجب لهم الجنة والمغفرة واللَّه أعلم، وقوله: (وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). * * * قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) وقوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ). دل جوابه على أن السؤال كان عن قربان النساء في الحيض، أو كان عن موضع
الحيض. فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه (أَذًى). والعرب تفعل ذلك - ربما أن تفهم من الجواب مراد السؤال، وربما تبين المراد في السؤال - وإذا جاز أن يتبع غير وقت الأذى وقت الأذى بالاتصال أومن بعد انقطاع الدم قبل أن تغتسل يجوز أن تتبع غير مكان الأذى مكان الأذى بالاتصال، واللَّه أعلم، ولا يحتمل أن يكون الأمر بالاعتزال يقع على اعتزال الأبدان والأشخاص بالاتفاق؛ إذ كل يجمع أن له أن يمسها باليد وأن يقبلها وغير ذلك، إلا أنهم اختلفوا في موضع الاستمتاع: قال أبو حنيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -: يستمتع بها ما فوق السرة وما تحت الركبة، ويجتنب غير ذلك. وقال مُحَمَّد - رضي اللَّه تعالى عنه -: يجتنب شعار الدم، على ما جاء عن عائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، أنها قالت: " يتقي شعار الدم، وله ما سوى ذلك ". ثم دل هذا
الخبر على أن النهي في الموضع الذي فيه الأذى. دليله: أول الآية: (قُلْ هُوَ أَذًى). وحجة أبي حنيفة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، ما روي أنه قال: لها ما تحت السرة، وله ما فوقها، وما روي أن أزواج الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذا حضن أمرهن أن يتزرن ثم يضاجعهن. وأما مُحَمَّد، رحمه اللَّه تعالى، فإنه ذهب إلى ما ذكرنا: أنه ينهى عن قربان ذلك الموضع للأذى، وأما الموضع الذي لا أذى فيه فلا بأس. ويجوز أن ينهى عن قربان هذه الأعضاء من نحو الفخذ وغيرها؛ لاتصالها بالموضع الذي فيه الأذى. ويحتمل أن يكون ذكر الإزار كناية عن الموضع الذي فيه الأذى؛ وعلى ذلك روي عن عائشى:، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، أنها سئلت: عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقالت: " يحل له كل شيء إلا النكاح ". وسئلت: عما يحل للمحرم من امرأته؟ فقالت: لا يحل له شيء إلا الكلام. وقوله: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ) أي: لا تجامعوهن. (حَتَّى يَطْهُرْنَ) فيه لغتان: في حرف بعضهم (يَطْهُرْنَ) بضم الهاء وتخفيفها، وفي حرف آخرين بتشديد الهاء وفتحها: فمن قرأ بالتخفيف فهو عبارة عن انقطاع الدم، ومن قرأ بالتشديد فإنه عبارة عن حل قربانها بعد الاغتسال. ثم من قول أصحابنا - رحمهم اللَّه تعالى -: إن المرأة إذا كانت أيامها عشرا تحل لزوجها أن يقربها قبل أن تغتسل، وإذا كانت أيامها دون العشر لم يحل له أن يقربها إلا
بعد الاغتسال. ويحتمل: أن تكون الآية فيما كانت أيامها دون العشر في اللغتين؛ إذ الغالب كان على أن الحيض لا يحيط بكل وقت، على ما روي أنه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم قال لحمنة بنت جحش: " تحيَّضي في علم اللَّه من الشهر ستا أو سبعا ". فعلى ذلك أنه إنما جعل قربانها بالاغتسال. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى - في قوله: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ): إنه على ما دون العشر من المدة بما الغالب كان على ألا يمتد إلى أكثر الوقت ولا يقصر عن الأقل، على ما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال في النساء: " هن ناقصات عقل ودين ". ووصف نقصان دينهن: أن تحيض إحداهن في الشهر ستًّا أو سبعًا، ووصفهن جملة بنقصان دينهن، ثم ذكر ما بين في التفسير عن الجملة، ثبت أن ذلك كان الغالب في الجملة حتى خرج عليه الجواب أنه لا يمتد إلى الأكثر ولا يقصر عن الأقل. واللَّه أعلم. وأيد هذا ما أخبر عن ابتداء الآية أنه الأذى، وأمر بالاعتزال، ثم جعل لها بعد الانقطاع قبل الاغتسال حكم الأذى؛ فلم يجز أن يجعل الحكم لما ليس بحقيقة حكم الأذى، فيجعل للطهر الذي هو ضده ذلك الحكم، واللَّه أعلم، وبما أنه ليس لذلك حكم الأذى
في العشر إن كان الوقت يضيق عنه في رفع الصلاة، فكذا في أمر القربان. واللَّه أعلم. وعلى ما ذكرت من العرف ينصرف أمر الوقت: أنها لو أخرت الاغتسال عن وقت الصلاة فإن للزوج أن يقربها بما لزمها من قضاء الصلاة، وهذا النوع من الأذى لا يمنع لزوم القضاء. وحصل الخطاب على الوقت بالعرف أنهن لا يتأخرن، وبما ذكرت عن لزوم القضاء الذي يمنعه حكم الأذى، وبذلك صار غسل الحيض كغسل غيره من الأحداث، وهو لا يمنع القربان. واللَّه أعلم. وحرم إتيان الأدبار، بما عليه اتفاق الآثار، وبما خص المكان بالأمر بالقربان، وبما أمر بالاعتزال للحُيَّضِ، ولو كان يحل غِشْيانهن في الأدبار لم يكن للأمر بالاعتزال معنى؛ إذ قد بقي أحد الموضعين من المقصود بالغِشْيان لو احتمل. واللَّه أعلم. والأصل في ذلك: أن الحل في الابتداء لم يتعلق بقضاء الشهوات، ولا كان هذا لها، وإنما القضاء للشهوات خاصة الجنة، فأما الدنيا فإنما جعلت لقضاء الحاجات؛ إذ بها يكون بقاء النسل والأبدان، وبها يكون قوام الأبدان ودوام الحياة إلى انقضاء الأعمار، وركبت فيهم الشهوات لتبعثهم على قضاء تلك الحاجات؛ إذ لولا الشهوات لكان كل أمر من ذلك على الطباع يكون كالأدوية الكريهة والمحنة الشديدة، فخلق اللَّه تعالى فيهم الشهوات ليدوم ما به جرى تدبيره في أمر العالم، ولا تتعلق الحاجات بإتيان الأدبار. ولو أحلت لكان الحل لحق الشهوة خاصة، والدنيا لم تخلق لها؛ فلذلك لم تجعل بها حل مع ما لو كان يحتمل ذلك لاحتمل التناكح في نوع؛ فإذا لم يحتمل بأن أن ذلك إنما جعل للنسل. واللَّه الموفق. وقال بشر: إذ حرم الغشيان للحُيَّضِ بما هو أذى، وهو يكون على ما يتقذر، فالذي مجراه الدبر والذي منه يخرج من الأذى أوحش وأخبث، وذلك قائم في كل الأوقات، كقيام الحيض في أوقاته، فالحرمة لذلك أشد، ذكر بوجه، أمكن أن يبسط ما قال على الذي وصفته. واللَّه أعلم. وقوله: (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ). قيل فيه بوجوه:
(223)
قيل: معنى قوله: (مِن حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ): لا تأتوهن صائمات، ولا معتكفات، ولا مصليات. ويحتمل: لا تأتوهن حُتضًا، ولكن (فَأْتُوهُنَّ) طهرا. وقيل: (فَأْتُوهُنَّ) في الموضع الذي أباح لكم إتيانها، وهو القبل، ولا تأتوهن في أدبارهن. ويشبه -إذ " حيث " يعبر به عن المكان- أن يكون (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) أن تبتغوا الولد، بقوله: (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُم). وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) من الذنوب. (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ). من الأحداث والأذى. والثاني: ممن فعل هذا قبل النزول (الْمُتَطَهِّرِينَ) أنفسهم بالتكفير، والتواب هو الرجاع عما ارتكب، والتارك عن العود إلى ذلك، غير مصر على الذنب. ويحتمل: التواب: الذي لا يرتكب الذنب. وقوله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (223) الحرث: هو الزرع. وفيه دليل النهي عن الاعتزال عنها؛ لأن الزرع إذا ترك سُدًى فيضيع ويخرب. وفيه دليل أن الإباحة في إتيان النساء طلب التناسل والتوالد، لا قضاء الشهوة؛ لأنه سمى ذلك حرثًا، والحرث ما يحرث فيتولد من ذلك الولد. وفيه دليل أن الإتيان في غير موضع الحرث يحرم منهن، وعلى ذلك جاءت الآثار أنها سميت اللوطية الصغرى، ما جاء أنه نهى عن إتيان النساء في محاشهن، يعني: في أدبارهن، وفي بعض الأخبار: إتيان النساء في أدبارهن كفر.
وقوله: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ). يعني؛ على أي جهة شئتم بعد أن يكون ذلك في المزرع، ولا بأس بالاعتزال عنها إذا أذنت؛ لما ذكرنا أن الأمر بذلك أمر بطلب النسل، لا قضاء الشهوة. فإذا كان كذلك فلها ألا تتحمل مشقة تربية الولد، وأما الزوج فإنما عليه المؤنة، وذلك مما ضمن اللَّه لكل ذي روح بقوله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا)؛ لذلك نهِيَ هو عن الاعتزال دون إذنها، ولم تنه هي عن الإذن عن ذلك. واللَّه أعلم.
(224)
وأما الاعتزال عن الإماء وملك اليمين فإنه لا بأس؛ لأنه لا يطلب النسل من الإماء في المتعارف؛ لذلك لم يكره، ولأن في إحبالهن إتلافًا، وللرجل ألا يتلف ملكه؛ لذلك افترقا. واللَّه أعلم. والأصل: أن الشهوات مجعولة لما بها إمكان قضاء الحاجات التي يقضي بها جرى تدبير العالم، وبه يكون دوام النسل، وبقاء الأبدان، الحاجة لا تحتمل الوقوع في الأدبار؛ لذلك لم يجعل فيها. وقوله: (وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ). قيل فيه بوجهين: قيل: (وَقَدِّمُوا) العمل الصالح. وقيل: (وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ) من الولد تحفظونه عند الزيغ عما لا يجب. وقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ). يحتمل قوله: (أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ)، أي: ما قدمتم من العمل الصالح فتجزون على ذلك؛ كقوله: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ). ويحتمل: (أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ)، أي: ملاقو ربكم بوعده ووعيده. * * * قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227). وقوله: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ). قيل: كان الرجل يحلف ألا يصنع المعروف، ولا يبر، ولا يصلح بين الناس، فإذا أمر بذلك، قال: إِنِّي حلفت على ذلك، فنهوا عن ذلك، يقول: لا تحلفوا على أمر هو لي معصية ألا تصلوا القرابة، وألا تبروا، وألا تصلحوا بين الناس، وصلة القرابة خير لكم من الوفاء باليمين في معصية اللَّه تعالى. و " العرضة " العلة، يقول: لا تعللوا، أي: لا يمنعكم أن تبروا أو ما ذكر.
(225)
وقوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). حرفان يخرجان على الوعيد: (سَمِيعٌ) بمقالتكم وأيمانكم، (عَلِيمٌ) بإرادتكم في حلفكم. وقوله: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى - في قوله: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ): إن كسب القلوب لا يكون عقدًا ولا حنثًا، إنما هو تعمد الكذب. كقوله: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)، فعلى ذلك أَمْر يمين اللغو والتعمد. وهذا يبين أن اليمين يكون في موجود، لا فيما يوجد؛ إذ فيه وصف المآثم، وفيما يكون لم يكسب قلبه ما يأثم فيه. فعلى ذلك أمر اللغو؛ فهو في الماضي، ولا يأثم بالخطأ، ويأثم في غير اللغو بالتعمد. ثم قال اللَّه تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ)، وبين أن المؤاخذة تكون في هذا بالكفارة وفي الأول بالمأثم، وفي اللغو لا يؤاخذ بهما، فلزم تسليم البيان لما جاء في كل ذلك، ثم جميع المؤاخذات في كسب القلب بالمأثم ولزوم التوبة؛ فكذا في هذا. وقد رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في أمر اللعان، أنه قال: " إن أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب؟ " ومعلوم كذب أحدهما ولزوم التوبة، مع ما في تركه الوعيد الشديد من الغضب أو اللعن. ولو كانت فيه كفارة لكان لا سبيل إلى العلم بها إلا بالبيان؛ فهي أحق أن يبين لو كانت واجبة، دل ما لم يبين أنها غير واجبة على أنها تجب للحنث، والحنث عقيب العقد يدفعه، وكان هاهنا ملاقيا له، فهو يمنعه على نحو جميع الحرمات التي تفسخ الأشياء، فهي عند الابتداء تمنع. وليس ذلك كالطلاق ونحوه؛ لما قد يكون بلا شرط، واليمين لا يصح إلا به ولم يكن فأنفذ. وقوله: (وَاللَّهُ). وقد يخرج مخرج الاستخفاف الحلف باللَّه كاذبًا والجرأة على اللَّه، فيجيء أن يكون كفرًا، لولا أن المؤمن يخطر بباله ما يحمله على ذلك دون قصد
الاستخفاف به. وعلى ذلك أمر اللعان، أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يقل: أحدكما كافر، فهل منكما من مؤمن؟ لأنهما لم يقصدا ذلك القصد. فكذا " كل حالف على تعمد الكذب. واللَّه الموفق. وقوله: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ)، قال سعيد بن جبير: هذا محمول على قوله: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ)، أي: لا يؤاخذكم اللَّه بنقض أيمانكم التي حلفتم بها؛ لأنها معصية لله، ولكن يؤاخذكم بحفظها والمضي عليها. ثم اختلفوا في اللغو ما هو؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: هو الإثم. وقيل: هو الغلط. ْثم اللغو المذكور الذي أخبر أن لا مؤاخذة على صاحبه يحتمل ألا يؤاخذه بالإثم، ويحتمل ألا يؤاخذه بالكفارة، بل إنما يؤاخذ بالكفارة بما يعقد. ثم ذكر في الآية الثانية: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ)، ولو حمل على أنه لا يؤاخذ في هذا أيضًا بالإثم وقع الكلام -بحيث لا يفيد- في حد التكرار. والأصل عندهم: بأن حمله على ما يفيد أحق من حمله على ما لا يفيد؛ فثبت أن الأول في نفي الإثم، والثاني في نفي الكفارة. وعلى هذا القول في الغموس: إنه لعظم الوزر والإثم لم يلزم أن يكفر، فليس فيه الكفارة.
وله وجه آخر: وهو أن سبب الحنث في اللغو والغموس تلاقى العقد، فلم يصح به اليمين؛ لأن الحنث نفسه يسقط اليمين، فإذا لاقى الحنث اليمين منع صحتها ووجوبها. فإذا كانت هذه اليمين غير صحيحة في العقد، لم يلزم الكفارة؛ لخروجها عن الشرط. ثم لم يزل عنه -في الغموس- الإثم؛ لتعمده الكذب. وقال الفقيه أبو منصور - رحمه اللَّه تعالى -: والقياس عندي في التعمد بالحلف على الكذب أن يكفر؛ ولهذا ما لحقه الوزر لما أن الأيمان - جُعلت للتعظيم لله - تعالى - بالحلف فيها، والحالف بالغموس مجترئ على اللَّه - تعالى - مستخف به؛ ولهذا نهى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن الحلف بالآباء والطواغيت؛ لأن في ذلك تعظيمًا لهم وتبجيلاً. فالحالف بالغموس كالذي هو مجترئ ومستخف، فالوزر له بالجرأة لازم، ثم المتعمد مجترئ مستخف باللَّه - تعالى - على المعرفة؛ لأنه لا يسع، فسبيله سبيل أهل النفاق - إظهارهم الإيمان بما فيه استخفاف، وإن كان سببها للتعظيم، للاستخفاف لزمهم العقوبة بذلك، كذا الأول، ولكنه بالحلف خرج فعله على الجرأة للوصول إلى مناه وشهوته، لا للقصد إليه. وعلى ذلك يخرج قول أبي حنيفة - رضي اللَّه تعالى عنه - في سؤال السائل: إن العاصي مطيع للشيطان، ومن أطاع الشيطان كفر، كيف لا كفَّر العاصي؟ فقال: لأنه خرج فعله في الظاهر مخرج الطاعة له، لا أن القصد يكون طاعته، وإنَّمَا يكفر بالقصد لا بما يخرج فعله فعل معصية؛ فكذا الأول. واللَّه أعلم. وعلى ذلك جاء في أمر اللعان من القول بأن " أحدكما كاذب فهل منكما من تائب "، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لم يأمر بالإيمان، ولا قال: أحدكما كافر؛ فثبت أنه لا يكفر به. والثاني: أنه أمر بالتوبة، وقد يعلم من كذب أن عليه ذلك مع ما في القرآن من اللعن والغضب، ولم يأمر بالكفارة -وهي لا تعلم إلا بالبيان- فهي أحق أن تبين لو كانت واجبة. واللَّه أعلم. والأصل عندنا في اليمين الغموس: أنه آثم، وعليه التوبة، والتوبة كفارة. وهكذا في كل يمين في عقدها معصية أن تلزمه الكفارة وهي التوبة. وأما الكفارة التي تلزم في المال، فهى لا تلزم بالحنث؛ لأنه بالحنث يأثم، والحنث نفسه إثم؛ لذلك لم يجز إلا بالحنث. وما رويت من الأخبار - من قوله - عليه الصلوات والسلام -: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، ثم ليأت الذي هو خير ": أنه إذا كان يمينه بمعصية يصير باليمين آثمًا، فيكلف بالتوبة.
(226)
فَإِنْ قِيلَ: الحلف بالطلاق، والعتاق، والحج بالماضي يلزم، كيف لا لزمته الكفارة؟ قيل: لأن الطلاق، والعتاق، والحج يلزم دون ذكر ما ذكر، إذا قال: (عليَّ حجة)، أو (أنت طالق)، أو (هو حر). ولو قال: (والله) ألف مرة، دون ذكر ذلك الفعل لا يكون يمينًا، ولا يلزمه شيء؛ لذلك افترقا. واللَّه أعلم. وقوله: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وقوله: (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) وقوله: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: الإيلاء معلوم في اللغة أنه اليمين. وكذلك كان
ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقرأ: (للذين يُقْسِمُون من نسائهم).
وما هو لليمين من الحكم، لا يجب لغيرها نحو الكفارة التي تجب للحنث فيها، ثم يجب له على كل حال، على أي وصف كانت اليمين. فكذلك حكم الإيلاء. وهو قول عبد اللَّه بن مسعود وعبد اللَّه بن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهما. ورُويَ عن عليٍّ - رضي اللَّه تعالى عنه - التفريق بين الغضب والرضا. ثم أوجب التربص للمُولِي. فمن كانت يمينه بدون أربعة أشهر فهو بعد المدة ليس بِمُولٍ، فلم يلزمه الحكم الذي جعل اللَّه للإيلاء؛ ألا ترى أنه في المدة ذكر (الفيء)، وهو لو وجد منه لم يجب عليه ما في الفيء من
الكفارة؟! فكذا بمضي المدة لا يلزمه الطلاق. وبه يقول علي وابن عَبَّاسٍ وابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنهم - فيقول ابن مسعود: يلزمه حكم يمين يوم، وابن عَبَّاسٍ يقول: الإيلاء يمين الأبد. وذلك عندنا على إرادة الإتمام، ولو جعله شرطًا لكان الحكم يلزمه بمضي الأربعة الأشهر؛ فلا وجه للزيادة عليه، وهو قول عبد اللَّه بن مسعود: يلزمه بدونه. ثم اختلف الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - في الوقف بعد الأربعة الأشهر، على اتفاقهم على حق لزوم الطلاق أو حقه بمضي المدة، ثم لا يجوز أن يحلف بحق الطلاق فيلزم، ويجوز أن يحلف بالطلاق فيلزم؛ لذلك كان الطلاق أحق مع ما ذلك زيادة في المدة للتربص. وجميع المدد التي جعلت بين الزوجين لم تحتمل الزيادة عليها لما جعلت له المدة، فمثله مدة الطلاق. وهذا على أن اللَّه - تعالى - حذر نقض اليمين بقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا)، وأطلق في هذا أربعة أشهر، بما روي في قراءة أُبي بن كعب، أنه
(227)
قرأ: " فإن فاءوا فيهن "، يعني في الأربعة الأشهر، ففي غير ذلك حكم النهي له آخذ. والله أعلم. وقوله: (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ (227) كقوله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا). وليس ذلك على إحداثه بعد مضي المدة، كذلك الأول. واللَّه أعلم. ثم اختلف فيه على وجوه: قال ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -: الإيلاء على يوم فقط، وأما التربص بأربعة أشهر؛ لأنه لم يذكر في الكتاب للإيلاء مدة، وإنما ذكر المدة للتربص. وقال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه -: الإيلاء على الأبد، ذهب في ذلك إلى أن الإيلاء كان طلاق القوم، والطلاق يقع إلى الأبد. وقال آخرون: من ترك القربان في حال الغضب مُولٍ، وإن لم يحلف. لكن هذا ليس بشيء؛ لأن اللَّه تعالى ذكر الإيلاء، والإيلاء هي اليمين. دليله ما ذكرنا من حرف ابن مسعود وابن عَبَّاسٍ: (للذين يقسمون)؛ فدل هذا أن حكم الإيلاء لا يلزم إلا باليمين على ترك القربان. ورُويَ عن عليٍّ بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه -: أن رجلا سأله - أنه حلف ألا يقرب امرأته سنتين. فقال: هو إيلاء، وأنها تبين إذا مضت أربعة أشهر. فقال: إنما حلفت ذلك لمكان ولدي. فقال: لا يكون إيلاء. فرأى في ذلك إيلاء إذا كان عاصيًا وإذا كان إيلاؤه هو ترك قربانه إياها بمكان الولد لم ير ذلك إيلاء. ثم لا يجوز أن يحمل ما حمل هَؤُلَاءِ. أما ما حمل علي بن أبي طالب، رضي اللَّه تعالى عنه، واعتباره بالعصيان وغير العصيان، فالإيلاء هو اليمين، والأيمان لا يختلف وجوبها ووجوب أحكامهما في حال العصيان وفي حال الطاعة. فعلى ذلك حكم الإيلاء. ولو حمل على ما حمل ابن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، لكان لا يبقى الإيلاء بعد مضي اليوم، فإذا لم يكن يمين بعد اليوم لم يبق حكمها.
ولو حمل على ما قال ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، لكان لا فائدة لذكر التربص. فإذا بطل ما ذكرنا ثبت قولنا: إن مدة الإيلاء إذا قصرت عن أربعة أشهر لم يلزمه حكم الإيلاء. ولو كان على الأبد لكان لا فائدة في ذكر المدة، وألا يعتبر العصيان ولا الطاعة ولا الغضب ولا الرضاء على ما ذكرنا. وروي في بعض الأخبار، أنه قال: الإيلاء ليس بشيء. معناه ما قيل: إن الإيلاء كان طلاق القوم، فقوله: " ليس بشيء " يقع للحال دون مضي المدة ثم اختلفوا أيضًا بعد مضي المدة، قيل أن يفيء إليها في المدة. قال أصحابنا - رحمهم اللَّه تعالى -: إذا مضت أربعة أشهر وقع الطلاق. وقال قوم: إنه يوقف بعد مضي المدة، فإما أن يفيء إليها، وإما أن يطلقها. واحتجوا في ذلك إلى أن اللَّه تعالى ذكر الفيء بعد تربص أربعة أشهر بقوله: (تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا)؛ لذلك كان له الفيء بعد مضي الأربعة الأشهر، وروى في بعض الأخبار الوقف فيه، ورُويَ عن عمر وعلي وعثمان وعائشة وابن عمر - رضيَ اللَّهُ تعالى عنهم - في الْمُولي: إذا مضت أربعة أشهر فإما أن يفيء وإما أن يطلق. إلى هذا يذهبون. لكن هذا يحتمل أن يكون من الراوي دون أن يكون ما قالت الصحابة. وأما عندنا: إن قولهم: ذكر الفيء بعد تربص أربعة أشهر، فذلك لا يوجب الفيء بعد مضيها؛ ألا ترى إلى قوله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، ليس أنه يمسكها بعد مضي الأجل، ولكن معناه: إذا قرب انقضاء أجلهن فأمسكوهن. فعلى ذلك جعل لهم الفيء، إذا قرب انقضاء أربعة أشهر. وأما ما روي من (الوقف)، فليس فيه الوفف بعد مضي أربعة أشهر، يحتمل الوقف في الأربعة الأشهر.
وأما عندنا: فإنها تَبِينُ إذا مضت أربعة أشهر؛ لما روي عن سبعة من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أو ثمانية، أنهم قالوا: إذا مضت أربعة أشهر بانت منه، من نحو: عمر وعلي وابن مسعود وعثمان وابن عَبَّاسٍ وجابر وزيد بن ثابت، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، فاتبعناهم. ثم اختلف في الطلاق إذا وقع: قال قوم: هو رجعي. وهو قول أهل المدينة. فهو على قولهم؛ تعنُّت؛ لأن الزوج يقدم إلى الحاكم، فيطلق عليه الحاكم، ثم كان له حق المراجعة، فيكلف الحاكم العنت. وأما عندنا: فهو بائن. وعلى ذلك جاءت الأخبار، رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه قال: إذا مضت أربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة. وعن ابن مسعود - رضيَ اللَّهُ تعالى عنه - مثله. ورُويَ عن أُبي بن كعب - رضي اللَّه تعالى عنه - في قوله: " فإن فاءوا " أي فيهن يعني في الأربعة الأشهر، (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فثبت أنه جعل الرحمة والمغفرة فيها. والثاني: قوله: (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)، ولو لم يجعل له القربان والنقض في المدة لكان لا سبيل له إلى نقضها بعد مضي المدة؛ إذ هي تتأكد؛ فثبت أنه لا بما اعتبروا يلزم. ثم قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يحتمل وجهين: يحتمل: بما جعل له الخروج مما ضيق على نفسه؛ لأنه لا تطول عليه المدة. ويحتمل: أن المغفرة كانت بما ارتكب ما إذا مضى عليه وجد ذاته مستحقًا للعقوبة، فغفر له صنيعه، ورحمه بأن يجاوز عنه ما فعل. وقوله: (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ): رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه قال: عزيمة الطلاق مضيُّ أربعة
(228)
أشهر. وقد ذكرنا قول الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -: إن عزيمة الطلاق انقضاء أربعة أشهر. وقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). سميع: بإيلائهم، عليم: بترك الفيء وتحقيق حكمه، أو عليم بما أراد بالإيلاء، كأنه قال: إنه عن علم بما يكون من خلقه وبما به صلاحهم وما إليه مرجعهم، وهو السميع بجميع ما به تناجوا وأسروا وجهروا. واللَّه الموفق. والفيء: الجماع، وهو الرجوع في الحاصل؛ لأنه حلف ألا يقربها، فإذا قربها رجع عن ذلك. وهكذا رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ وابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنهما قالا: الفيء: الجماع. * * * (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) ثم اختلف الناس في الأقراء في قوله: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ): قَالَ بَعْضُهُمْ: الأقراء: هي الأطهار.
وقال آخرون: هي الحيض. وهو قولنا. وعلى ذلك اختلف الصحابة: قال عمر وعلي وعبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين -: هي الحيض. وقالت عائشة وزيد بن ثابت وابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -: هي الأطهار. وبه أخذ أهل المدينة، وقالوا: قلنا ذلك بالسنة والأخبار عن الصحابة - رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين - واللسان، والمناقصة: أما السنة: فقوله لعمر: " مر ابنك فليراجعها، ثم ليطلقها وهي طاهر أو حامل من غير جماع؛ فتلك العدة التي أمر اللَّه تعالى أن تطلق لها النساء "؛ فدل أن العدة التي تطلق
لها النساء هي الأطهار. لكن الجواب لهذا من وجهين: أحدهما: أنه جعل ذلك عدة للطلاق، لا عدة عن الطلاق. والعدة للطلاق غير العدة عن الطلاق؛ وكذا نقول في الطهر الذي تطلق فيه النساء: إنها عدة للطلاق، لا عنها. والثاني: أن من قول الرجل أن له الإيقاع في آخر أجزاء الطهر، وقد ذكر في الخبر: " الطلاق لقُبُلِ عدتهن "، ولو كان المعنيُّ به: الطهر، لكان الطلاق في آخر أجزاء الطهر قبل الحيض - في آخر أجزاء الطهر، لا في القُبُل. فثبت أن القول بجعل الطهر عدة عن
الطلاق بعيد. وأما اللسان فهو قول الناس: قرأ الماء في حوضه، وقرأ الطعام في شدقه، أي: حبس، والطهر بسبب حبس الدم. لكن عندنا: الطهر جبلة وأصل، وعليها خلقت وأنشئت، والحيض عارض، فإذا كان في الرحم دم خرج، وإلا كانت على أصل خلقتها طاهرًا؛ لأن الطهر يحبس الدم، فإذا كان هذا ما ذكرنا بطل احتجاجه باللغة واللسان. وأما المناقصة فهي أن يقول: جعلتم هي معتدة مع زوال الأذى عنها ما لم تغتسل في إبقاء حق الرجعة. فأما دعوى المناقصة فهي بعيدة؛ لأن الكتاب جعلها باقية ما لم تغتسل على حكم الأذى؛ فإن كان فيه طعن فعلى الكتاب. وقال: ذكر اللَّه تعالى: (ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) باسم التذكير، لا باسم التأنيث؛ فدل أنه أراد الأطهار، يقال: ثلاثة رجال، وثلاث نسوة، فإذا أدخل فيه (الهاء) عقل أنه أراد الطهر. قيل: إن اللغة لا تمنع عن تسمية شيء واحد باسم التذكير والتأنيث كالبر والحنطة ونحو ذلك إذا لم يكن من ذي روح، فإذا كان كذلك فلا دلالة فيه على جعل ذلك طهرًا. وقال: القرء: هو الانتقال من حال إلى حال؛ يقال: أقرأ النجم: إذا غاب، وأقرأ: إذا طلع، ونحوه. لكن هذا ليس بشيء؛ لأنه لو كان القرء هو الانتقال من حال إلى حال لكان يقال للنجم إذا طلع: أقرأ؛ فيكون الاسم للظهور، لا للغيبوبة، أو لهما جميعًا؛ فلا دلالة في ذلك. وأما الأصل عندنا: فقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، فأمر بالإمساك عند بلوغ أجلهن. والبلوغ: اسم للتمام. ثم لا يخلو بلوغ الأجل من أن يكون بالإشراف على أول أجزاء الطهر أو عند انتهائه. فإن كان على انتهاء الطهر فلا غاية له ينتهى إليه ليقطع عليه الحكم، وإن كان على الإشراف عليه أيضًا كذلك، ثم لو حمل على الانتهاء أيضًا يبعد بما يعرف ذلك بالحيض الذي يقطع جهة الإمساك؛ فحمل على ما يعرف، لا على ما لا يعرف - واللَّه أعلم فثبت أنه الحيض؛ لأن لها الغاية. والثاني: قوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ)، كذا اتفقوا فيه أنه مذكور على البدل، ولم يعرف ذكر الأبدال في
الأشياء إلا على أثر الأصول حيثما ذكر -ذكر الحيض عند ذكر البدل- فبان أن المبدل من ذلك إنما هي الحيض، المجعولة أصولًا في تقضي العدة: هو الحيض. واحتجوا بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " عدة الأمة حيضتان "؛ ثبت أن أصل ما به تنقضي العدة هو الحيض. ثم الدليل على أن المراد من قوله: (ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، وإن احتمل الطهر، يرجع إلى الحيض وجوه: أحدها:، أن (ثلاثة) اسم لتمام العدد، فيصير كأنه قال: ثلاثة أطهار، لو أراد به الطهر، أو ثلاثة حيض، لو أراد به الحيض. ثم هم على اختلافهم اتفقوا على أنه بالحيض ثلاثة، وبالطهر طهران وبعض الأول. ثبت أن الحيض أولى مع ما كان فيه الاحتياط إذ احتمل الوجهين أن يدخلا جميعًا في الحق لا يزال بعد أن ثبت إلا بالبيان، ويبين ذا أن في الخبر تلك العدة التي أمر اللَّه أن تطلق لقبلها النساء، أنه الحيض حتى يكون قبله الطهر مع ما يحتمل عدة فعل الطلاق في الانقضاء يبين ذلك ما رُويَ عن
رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: " إن عدة الأمة حيضتان ". وهي بعض عدة الحرة، ووقت طلاقها وقت طلاق الحرة. فبان أن العدة اثنتان والثاني: ذكر الحيض عند ذكر البدل وذلك حكم الأبدال أن يذكر أصولها عند ذكرها. والثالث: قوله (فإذا بلغن أجلهن) والبلوغ اسم للتمام ووفاء بعد المراجعة من بعد الإشراف عليه، وهو بالطهر لا يعلم حتى يرى الدم؛ لأن الطهر لا غاية له، وذلك يمنع على قولهم الرجعة؛ فثبت أنه الحيض؛ لأن له الغاية، وإن لم ينقطع الدم وقت ولما كان الطلاق وقت ابتداء الحرمة، وذلك طهر، ووقت تقضي العدة وقت تمام ذلك، فهو التطهر، مع ما ينقضي سبب الملك بالطلاق، ووقته الطهر، وبقية الملك بتقضي العدة، فيجب أن يكون وقته الطهر على إلحاق جميع الفروع مع الأصول، وإلحاق التوابع بالمتبوعين، ولا قوة إلا باللَّه. ثبت أن أصل ما به تنقضي العدة هو الحيض. وقال الشافعي: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " عدة الأمة حيضتان " أي: قرءان والقرءان هما الطهران. فيقال له: أبلغت في المقلة، وأفرطت في الحجاج، حيث فهمت من الحيض القرء، وهو أوضح عند أهل اللسان بالسماع من المفهوم له به مع ما في ذلك تجهيل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - باللسان، وهو أفصح العرب وأعلم البشر، حيث عبر عن الطهر بالحيض. ووجه آخر: أنهم اتفقوا على أنه لو طلق في بعض الطهر فالبقية منه عدة، ومثله من الاعتداد قرءان ونصف، والكتاب أوجب الاعتداد بالثلاث؛ فثبت أن الأمر بالاعتداد أمر بالحيض، لا بالإطهار للمعنى الذي وصفنا، وإن كان القرء اسمًا للطهر والحيض في اللغة. ثم الأصل في المسألة: أن أول ابتداء الحل لزوجها ولغيره بالطهر، وكذلك نهاية الحل إنما جعلت بالأطهار. ثم الأصل: أن ابتداء حرمتها على الزوج الأول بالطهر، فيجعل أنتهاء الحرمة في مثله بالطهر. وحاصل هذا أنه جعل نهاية الحل فيه وفي غيره بما به ابتداء الحل، فكذا يجعل نهاية الحرمة فيه وفي غيره بما به ابتداؤه. وإذا ثبت أن المنظور في الحل والحرمة في الابتداء بالابتداء، وجب أن يكون المنظور في الحل والحرمة بالانتهاء.
ثم في قوله: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، وفي قوله: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ)، وفي قوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ)، وفي نحو هذه الآيات دلالة تأخر البيان، حيث لم يبين ما الأقراء؟، ولم يبين الاعتزال من أي موضع، ومن أي مكان؟، ولم يبين المخالطة في ماذا؟ وفي أي شيء؟ فالاختلاف فيه باقٍ إلى يوم التناد؛ قبطل قول من ينكر تأخر البيان، وثبت قول من أقر به. وباللَّه التوفيق. وقوله: (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). ففى الآية دلائل: أحدها: أن ذكر حرمة الكتمان فيمن آمن ليس بشرط فيه دون غيره؛ إذ قد يلزم ذلك من هو غير مؤمن، إذ هو غير مستحسن في العقل. ففيه الدليل على أن الحكم الموجب لعلة يجوز لزومه فيما ارتفعت عنه تلك العلة وعدمت وهو كقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، وقد يلزم إصلاح ذات البين في غير الإيمان، وكذا قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، وقد يلزم ترك الربا للمعاهد، وقد يجوز ذلك للمسلم في غير داره؛ فدل أن الحكم إذا ذكر لعلة في أحد لا يمنع لزوم ذلك في غير المذكور. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: فيه دليل على أن إضافة الحكم إلى سبب لا يمنع حقه ارتفاعه. وفيه دليل ألا يحل ذلك لمن قد آمن في الخلق؛ لأن حقه التصديق وإظهار الحق، وفي الكتمان والتكذيب ترك ما فيه من الشرط. واللَّه أعلم. ثم اختلف في قوله: (مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ). قَالَ بَعْضُهُمْ: الحبل والحيض. وكذلك رُويَ عن عليٍّ وعبد اللَّه بن مسعود وعبد الله ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهم، أنهم قالوا: (مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ): الحبل والحيض؛ فثبت أن موضع الحيض الرحم. ثم الرحم يشغله الحبل عن خروج الدم؛ فبان أن الحامل لا تحيض. وعلى ذلك قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إنما ذلك دم عرق انقطع ". وهو الأمر الظاهر المتعارف في النساء أن الحبل يحبس الدم. وقال بعض أهل التأويل: (مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ): الحبل خاصة دون الحيض؛ لوجهين:
أحدهما: أنهن في الجاهلية كن يكتمن ذلك فيلحقن بغير الآباء، فأوعدن على ذلك بعد الإسلام؛ فثبت أن الحيض لا يحتمل. والثاني: أن الحيض لا ينسب بكونه في الرحم، فإذا كان غير منسوب إليه لم يحتمل كونه فيه. واللَّه أعلم. لكن الوجه فيه ما ذكرنا من قول الصحابة، وما فيه من الدلالة أنهن مؤتمنات فيما يخبرن؛ لوجهين: أحدهما: ما جاء في الخبر من أن الأمانة أن تؤتمن المرأة على فرجها. والثاني: لولا أنها ممن يقبل خبرها فيه لما أوعدن على الكتمان. ثم يحتمل الكتمان من وجهين: أحدهما: أن يكتمن ذلك يستوجبن به الإنفاق من عند أزواجهن بقولهن: العدة باقية، وذلك يحتمل الحيض والحبل جميعًا. ويحتمل: ما قاله بعض أهل التأويل من إبقاء حق الرجعة. ويحتمل قول أبي حنيفة، رحمه اللَّه تعالى، في كتمانها، إذ قال في المرأة إذا جاءت بولد في العدة، فشهدت امرأة على الولادة والحبل: لم يكن ظاهرًا أن يقبل قولها؛ إذ هي أمرت بالإظهار، والكتمان أورث تهمة في القبول. ويحتمل: ألا يحل لهن أن يكتمن الحبل فيلحقن بغيرهم من الأزواج. واللَّه أعلم. وقوله: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا). يحتمل وجهين: يحتمل: أنهن لا يملكن الرجعة، ولا منع أزواجهن عن المراجعة، بل ذلك إلى بعولتهن. ويحتمل: (أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) في نكاح في العدة، لا في حق الرجعة؛ إذ الزوج يملك نكاحها في العدة، وغيره من الناس لا يملك، كقوله: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ). وقوله: (وَبُعُولَتُهُنَّ)، فيه دليل أن قوله: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ)، إنما عنى به المطلق طلاقا لم يقطع على نفسه جهة العود. وقوله في ذلك: (إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا)، يحتمل وجوهًا:
يحتمل: إصلاح ما بينهن. ويحتمل: إن أرادوا إمساكهن بالمعروف، كقوله: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا)، فهو ممسك لها وإن كان مضرًّا. ثم الأصل في هذا: أنه وإن قال: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، ليس على ألا يصير ممسكًا لها بغير المعروف. وأصل هذا: أن ليس في القول بأن (لَمْ تَفْعَلُوا)، دليل الجواز، والفساد إذا فعل ذلك. ثم اختلف في قوله: (فِي ذَلِكَ)، أي: في الوقت الذي يعيد به، أو (فِي ذَلِكَ) القروء. واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ). رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: إِنِّي أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي؛ لأن اللَّه تعالى يقول: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ). وقال آخرون: لهن من الكفاف ما عليهن من الخدمة. وقال غيرهم: لهن من الحق في المهور بتسليم الأزواج إليهن ما عليهن من تسليم الأبضاع إلى الأزواج؛ فيدل هذا على أن الخلوة، والتسليم منها، يحل محل قبض الحق منها لزوجها. وقيل: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ)، الحقوق ما تلزمهن من حقوق الأزواج، يلزم مثلها على الأزواج لهن، وإن كانت مختلفة. وقوله: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). قيل: هو الطلاق بيد الرجل وليس بيدها. وقيل: هي الإمارة والطاعة والأمر. وقيل: هي ما فضل اللَّه به عليها من الجهاد والميراث وغيره.
(229)
وقيل: لهم من الفضيلة من الولايات والشهادات والعقل، وذلك ليس لهن. وقيل: هي فضيلة في الحق وبما ساق إليها من المهر. وقال الشيخ أبو منصور، رحمه اللَّه تعالى، في قوله: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ). أي من الحقوق على الأزواج. ثم يحتمل حقوقهن المهر والنفقة، ويحتمل ما أتبع من قوله: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)، ويحتمل قضاء ما لها من الحوائج خارج البيت مما به قوام دينها ووقايتها عن النار. وعليها من الحقوق: مقابل الأول: البذل له وألا يوطئن فرشهن أحدًا. ومقابل الثاني: أن يحسن إليهن في البر باللسان والقول المعروف الذي فيه تطيب نفسه به، كما وصف الحميدة منهن. " من إذا نظرت إليها سرتك، وإذا دعوتها أجابتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ". ومقابل الثالث: ألا تتلقاه بمكروه، ولا تقابله بما يضجره ويغضبه مع الخدمة وكفاية الداخل مما به قوام دينه. واللَّه أعلم. و" الدرجة ": التي ما له من الملك فيها، والفضل في الحقوق عليها، وما جعل " قوامًا عليها "، وغير ذلك. واللَّه أعلم. ويحتمل: ما لهن من قوله: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)، وعليهن بذل حقهم المعروف، والإحسان إليهم فيما يبغون من الخدمة والقيام بكفاية داخل البيت، مع حفظ ماله عندها. واللَّه أعلم. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ (229) فيه دلالة أنه يطلق بنيتين بمرتين. وقوله: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ). أن له الرجعة بعد طلاقين، بذكره مرتين. وفيه أن المطلق في الطهر الثالث من غير رجعة مطلق للسنة؛ لما خير بين الإمساك أو التسريح من غير مراجعة، وهو على مالك؛ لأنه يقول: ليس له أن يزيد على تطليقة واحدة إلا أن يراجع. والتسريح بإحسان: هو التطليقة الثالثة، كذلك رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه سئل عن " التسريح بإحسان "، فقال: " هو التطليقة الثالثة ".
فَإِنْ قِيلَ: أيش الحكمة في ذكر (المعروف) في الإمساك.، و (الإحسان) في الثسريح. قيل: وذلك أن في (التسريح) قطع الحقوق التي أوجبها النكاح، فأمر عند قطعها عنها بالإحسان إليها مبتدئا، والإحسان أبدًا إنما يكون عند ابتداء الفعل، لا عند المكافأة. وأما (المعروف) في الإمساك فالنكاح أوجب ذلك؛ كقوله: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا). قيل: " الميثاق الغليظ ": الحقوق التي أوجب النكاح. وهذا - واللَّه أعلم - وجه الحكمة، و (المعروف) ما عرفا في النكاح، و (الإحسان) هو ما يبتدئ مما لم يعرفا. وقوله: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ). فظاهر هذه الآية الكريمة يوجب ابتداء الخطاب للأزواج، ثم آخرها يوجب الخطاب لهما جميعًا، ثم آخرها يوجب الخطاب لغير الأزواج يحفظ. عليهما حدود الصحبة، فيشبه أن يكون في الآية الإضمار (فهما الحكمين)، فيكون كقوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا)، فيكونان هما اللذان يحفظان عليها الحد والمحدود. ويحتمل: أن يكون الخطاب في قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) للحكام؛ لأنهم هم الذين يتولون النظر في أمور الناس ليقوموهم على حفظ حدود اللَّه. ثم القول عندنا في قوله: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا)، إذا.كان النشوز واقعًا من قبل الزوج فإنه لا يحل له أخذ شيء على الخلع استدلَالًا بقوله: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا). وأما إذا كان النشوز من قبلها فإنه لا بأس أن يأخذ قدر المهر، ويكره الزيادة وتجوز. أما قدر المهر فإنه لا بأس إذا كان من قبلها استدلَالًا بقوله: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)، ذكر رفع الحرج عن الذي فدى فيما عنه نهي في غير هذا وهو المؤتمن؛ لذلك قلنا: إنه يجوز إذا كان النشوز من قبلها قدر المهر. وأما الزيادة فإنها تكره استدلَالًا بما روي في الخبر: أن امرأة أتت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فذكرت بغض زوجها، فقال: " أتردين عليه حديقته؟ " فقالت: نعم، وزيادة. فقال: " أما الزيادة
فلا ". ففيه الدلالة أن النشوز إذا كان من قبلها فإنه يجوز قدر المهر. وقال ابن داود: خالف الشافعي ظاهر الكتاب فيما جعل له أخذ ما فدى والزيادة، والكتاب رفع الحرج عن أخذ ما فدى، لم يجعل له غيره بقوله: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ). وقال ابن شريح: ما ذلك الأخذ في الطلاق، إنما ذلك في الطلاق كرها؛ لأنه ليس في الآية ذكر الطلاق. واستدل بقوله: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا)، فجعل له أكل ما أخذ بالوصف الذي ذكره، ثم كان له أخذ ما تبذل في غير الطلاق، فعلى ذلك في الطلاق وفي الطلاق، أحق. واللَّه أعلم. والأصل عندنا: جواز ما بذلت أخذه مما احتيج به الرجل إن كان له ذلك في غير الطلاق، وهو في الطلاق أجوزه؛ لأنها تنتفع، غير أنه يكره له الفضل لما ذكرنا من الآية والخبر. ثم يجوز هو لأنه تبادل، فكان كالعقود التي تكره لربح ما لم يضمن على الجواز
فكذا هذا. والأصل: بأن الطلاق بالبذل بينها، وهو لو لم يملك البينونة مطلقًا لم يملكه بما شرط؛ فثبت أنه يملك. وأصله: أنه بالطلاق، ويصرف إليها ما ملك عليها بالعقد فانتفعت بإزاء ما بذلت؛ لذلك سلم للزوج ما أخذ. واللَّه أعلم. قال: ويكره أخذ الزيادة بما فيه رفع النكاح، فيصير أخذ ما يأخذ بالذي أعطى، فما يفضل عليه ليس بإزائه بدل، وذلك وصف الربا. واللَّه أعلم. ثم اختلف في قوله: (إِلا أَن يَخَافَا): قيل: (يَخَافَا) علما، يعني الرجل والمرأة. وقيل: علم الحكمان ألا يقيما حدود اللَّه. وعلى ذلك قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ)، (خِفْتُمْ) ويعني علمتم. وقيل: الخوف هو الخوف، فكأنه أقرب؛ لأن العلم يكون فيما مضى من الحال أنهما أقاما حدودًا أو لم يقيما. وأما الخوف في حادث الوقت أمكن؛ لأنه لا يعلم باليقين؛ لذلك كان ما ذكرنا، وهو كقوله: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ). ثم اختلف في قوله: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ): قَالَ بَعْضُهُمْ: أراد بقوله: (عليهما)، (عليه) خاصة. وهذا جائز في اللغة إضافة الشيء إلى الاثنين، والمراد واحد منهما، كقوله: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) وإنَّمَا يخرج من أحدهما، ومثله كثير. وقال آخرون: أريدا جميعًا: المرأة بالفداء، والزوج بالأخذ؛ لأن الزوج نهي عن أخذ شيء مما آتاها بقوله: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا)، ثم أباح ورفع الحرج منه بالأخذ على الشرط. وقيل: أراد بذلك الزوج خاصة. وهو ما ذكرنا. واللَّه أعلم. وقوله: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا). قيل: إذا لم يفهم بحد من حدود اللَّه تعالى ما يفهم من حد الخلق، كيف فهم من استواء الرب ومجيئه من قوله: (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، و (وَجَاء رَبُّكَ) ما فهم من استواء
(230)
الخلق ومجيئهم؟ والاستواء والمجيء إلى احتمال معان أن ينفي عنه التشبيه أكثر من احتمال الحدود التي في الشاهد. فإذا لم يفهم من هذا ذلك لم يجز أن يفهم من الأول ما فهموا، وقد قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ). وقوله: (حُدُودُ اللَّهِ). قيل: أحكام اللَّه وسننه. وقيل: أوامره ونواهيه. وقيل: آدابه وهو واحد. وقوله: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). يحتمل وجهين: يحتمل: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ) مستحل بها، فيكفر بتعديه ذلك، فهو ظالم - ظلم كفر. ويحتمل. (وَمَنْ يَتَعَدَّ) تجاوز أمر اللَّه وما نهاه عنه غير مستحل لها، فهو ظالم نفسه، غير كافر. وقوله: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (230) هذه الآية رجعت إلى الأولى قوله: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ)، فإن طلقها بعد التطليقتين تطليقة أخرى (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)، وقوله: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)، قيل: التطليقة الثالثة، وعلى ذلك جاء الخبر، وهو واحد عندنا، يدل عليه أيضًا قوله تعالى: (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ). ويحتمل: عقد النكاح خاصة، دون الجماع من الثاني؛ إذ ليس في الآية ذكر الدخول بها. وأما عندنا: فهو على الجماع في النكاح الثاني، يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: " لا، حتى تذوق من عسيلته ويذوق من عسيلتها "، فيكون النكاح مضمرًا، وهو أولى؛ لأن الآية في عقوبة الأول ولا يشتد عليه النكاح حتى يتصل به الوطء. وفيه دلالة على كراهية التطليقة الثالثة - إذ هي لا تحل له بعدها إلا بعد دخول زوج آخر بها، وذلك مما ينفر عنه الطبع ويكرهه.
وقوله: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). فيه دليل على أن في التراجع إيجاب عقد بهما جميعا؛ فدل على قطع رجعه الثاني المحل للزوج الأول، وذلك أن لا رجعة فيه لغيره. وقوله: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ)، أضاف (الرد) إلى الأزواج؛ فدل أنهم ينفردون به دونهن. ثم ذكر الكتاب: (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)، جعل سبب الحل على الزوج الأول نكاح الثاني، لم يجز أن ينهى عنه، وقد جعل هو سبب رفع الحرمة؛ إذ مثل هذا -في أحكام اللَّه تعالى- لا يوجد ولا يستقيم وهو كالوضوء فيما جعل سببًا لإقامة الصلاة، ولم يجز أن يجعل سببًا لها ثم يكره الإقدام عليه وينهى عنه، وكالتحريم إذ جعل سببًا للدخول بها في الصلاة لم يجز النهي عنها، وبها قوامها. كذا هذا، لما جعل سببًا لرفع الحرمة به لا جائز أن ينهى عنه. ثم فيه دلالة جواز نكاح المحلل. فإن سئلنا عن قوله عليه الصلاة والسلام: " لعن الله المحلِّل والمحلَّل له ". قيل: لحوق اللعن لأجل النكاح على قصد الفراق والطلاق، ليس لأجل التحليل على الأول، ورفع الحرمة عنه، دليله قوله عليه الصلاة والسلام: " إن
(231)
اللَّه لا يحب كل ذواق مطلاق "؛ وذلك لقصده الفراق بالنكاح، إذ النكاح بني في الأصل على البقاء والدوام عليه، وفيه التعفف، وفي الطلاق زوال ما به يقصد؛ فلهذا لحقه ما لحقه من اللعن. ثم المحلَّل له لما طلب بنكاح الزوج الثاني ما ينفر عنه الطباع ويكرهه من عودها إليه بعد مضاجعة غيره إياها، واستمتاعه بها منع لهذا المعنى عن إيقاع الثالثة، لكن إذا تفكر حرمتها عليه إلا بنكاح آخر، انزجر عن ذلك. ثم العقد نفسه لا ينفر عنه الطباع ولا يكرهه؛ ثبت أن الدخول شرط فيه ليكون زجرًا ومنعًا عن ارتكابه. وقوله: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا)، يخرج على الترخيص؛ وذلك - واللَّه أعلم - أن الطلاق يحرمها عليه ويبينها منه كما تحرم عليه هي بأنواع الحرم يحرم فأخبر - عز وجل - وأباح له النكاح بعد وقوع الحرمة - أن هذه الحرمة ليست كغيرها من الحرم التي لا ترتفع أبدًا. واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232) وقوله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) وقال عَزَّ وَجَلَّ: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ)، ذكر في الآية الأولى (الإمساك)، والإمساك المعروف: هو إمساكها على ما كان من الملك. وذكر في الآية الأخيرة (الرد)، والرد لا يكون إلا بعد الخروج من الملك. هذا هو الظاهر في الآية. لكن بعض أهل العلم يقولون: إنه يمسكها على الملك الأول ويردها من الحرمة إلى الحل؛ لأن من مذهبهم: أن الطلاق يوجب الحرمة، ولا يخرجها من ملكه. وهذا جائز أن يحرم المرأة على زوجها وهى بعد في ملكه. فإذا كان كذلك فأمر بالإمساك على الملك الأول وبالرد من الحرمة إلى الحل. وهو قول أهل المدينة أي يردها من العدة إلى ما لا عدة، ويمسكها بلا عدة. وأما عندنا: فهو واحد بحدث الإمساك، دليله قوله: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا)، ولو لم يكن الإمساك سوى القصد إليه، لكان لم يكن بالقصد إليها مضرًّا. وهو فيما أمر بالإمساك بالمعروف فيه وجهان:
أحدهما: هو أن يمسكها على ما كان يمسكها من قبل من مراعاة الحقوق ومحافظة الحدود. ويحتمل ما قيل: ألا تطول عليها العدة، على ما ذكر في القصة من تطويل العدة عليها، وفيه نزلت الآية. وفيه دلالة أن الزوج يملك جعل الطلاق بائنًا بعدما وقع رجعيا؛ لأنه يصير بائنا بتركه المراجعة؛ فعلى ذلك يملك إلحاق الصفة من بعد وقوعه، فيصير بائنًا. واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ). قال الشيخ - وحمه اللَّه تعالى -: الأصل عندنا في المناهي: أنها لا تدل على فساد الفعل ولا تستدل بالنهي على الفساد، كقوله تعالى: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ)، على ذلك قوله: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا)، أنه يصير ممسكًا لها وإن كان فيه ضرارًا لها، وهكذا هذا في كل ما يشبه هذا من قوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا)، أنه إذن بالفعل في حال فهو وإن أوجب نهيًا في الفعل، فذلك لا يدل على الفساد في حال أخرى. وقوله: (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا). معناه - واللَّه أعلم - أي لا تعملوا بآيات اللَّه عمل من يخرج فعله بها مخرج فعل الهازئ؛ لأنه معقول أن أهل الإيمان والتوحيد لا يتخذون آيات اللَّه هزؤا، ولا يقصدون إلى ذلك. وقيل: إنهم في الجاهلية كانوا يلعبون بالطلاق والعتاق، ويمسكونهم بعد الطلاق والعتاق على ما كانوا يمسكون قبل الطلاق وقبل العتاق، فنهوا عن ذلك بعد الإسلام والتوحيد. ثم اختلف في (آيَاتِ اللَّهِ): قيل: حجج اللَّه. وقيل: أحكام اللَّه. وقيل: دين اللَّه. ويحتمل: (آيَاتِ اللَّهِ)، الآيات المعروفة. وقوله: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). قوله: (نِعْمَتَ اللَّهِ)، يحتمل وجوهًا:
يحتمل: (نِعْمَتَ) هاهنا محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهو من أعظم النعم. ويحتمل: (نِعْمَتَ)، الإسلام وشرائعه. ويحتمل: (نِعْمَتَ)، هي التي أنعمها على خلقه جملة. النعمة على ثلاثة أوجه: النعمة بالإسلام، تقتضي منه المحافظة. والنعمة الخاصة، تقتضي الشكر. والنعم العامة جملة، تقتضي منه التوحيد. وقوله: (وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ)، وهو القرآن. ففيه دلالة أن (الْكِتَاب)، هو منزل، ليس كما يقول القرامطة؛ لأنهم يقولون: بأن محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ألف القرآن، وإنما كان
يوحى إليه كما يتوهم الرجل شيئًا فيجعله كلامًا. وقوله: (وَالْحِكْمَةِ)، اختلف فيه: قيل: (وَالْحِكْمَةِ، الفقه. وقيل: (وَالْحِكْمَةِ)، الحلال والحرام. وقيل: (وَالْحِكْمَةِ)، المواعظ. وقيل: (وَالْحِكْمَةِ)، هي الإصابة: إصابة موضع كل شيء منه. وقيل: (الحكمة)، القرآن، وهو من الإحكام والإتقان، كأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: " اذكروا ما أعطاكم من الفقه والإصابة والكتاب المحكم والمتقن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ". وقوله: (يَعِظُكُم به)، يعني بالقرآن.
(232)
وفي قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، تخويف وتحذير، ليعلموا أن كل شيء في علمه، وأنه لا يعزب عنه شيء في علمه. وباللَّه العصمة. وقوله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ (232) اختلف في تأويله: قال قائلون: فيه دليل فساد النكاح دون الأولياء، واحتجوا بأن قالوا: قال اللَّه تعالى: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ)، ولا ينهى عن القول من غير أن يعمل، إذ القول فيما لا يعمل غير ضار لعضلها به؛ فثبت أنه عامل، وأن له فيه حقًّا إلى أن نهوا، ثبت أن قوله: " لا تعضل "، منع؛ إذ لو لم يجعل منعًا لم يكن ضارًّا به. وقال آخرون: فيه دليل جواز نكاحهن دون الأولياء؛ لأنه تعالى قال: (أَنْ يَنْكِحْنَ)، واستدلوا: بأن النكاح على وجود العضل يجوز، ولو كان العضل سبب المنع في الجواز لم يحتمل جوازه إذا فات. وفيه أن العضل إذا لم يكن، جاز للنساء تولى النكاح. واحتجوا أيضًا بما أضاف النكاح إليهن بقوله: (أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ)، وقوله: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ)، وأضاف الإنكاح إلى الأولياء على إرادة إدخال الصغار، والثاني على وجوب الحق لهن عليهم، لا أن يجب لهم عليهن. ثم الأصل: بأن كل نكاح أريد بالذكر الصغار وأضيف الإنكاح إلى الأولياء؛ كقوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)، وقوله: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)، (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا)، مع ما احتمل دخول البالغين في هذا، دليله قوله: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)، والفدية لا تصح من الصغار، وقوله: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ)، والصغار لا يخاطبن بإقامة حدود اللَّه، وقوله: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وإن كان متأخرًا في الذكر. بهذا قيل إن وقوع الإنكاح بالإضافة في الصغار إلى الأولياء، وفي الكبار إليهن، ثم ذكر الكفاءة والمهر، وجرى إضافته إلى الأولياء، لذلك كان لهم التعرض في فسخه. ثم قوله: (إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ)، رجع ذلك إلى المهر؛ لأن (التراضي) فعل
اثنين، والمهر يثعرف بهما؛ لأن القصة في امرأة بعينها وكانت ظهرت كفاءة زوجها لها، وقال في الكفاءة: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ)، ووجود الكفاءة إنما تكون من إحدى الجانبين، فذكر ذلك مضافًا إلى الأولياء، لم يجز دونهم. والأصل في مسألة النكاح: أن الحق في النكاح لها على الولي، لا للولي عليها، دليله: ما يزوج على الولي إذا عدم، ويجوز عليه إذا وجد، وزوج عليه إذا أبى، وهي لا تجبر بإرادة الولي إذا أبت؛ فبان أن الحق لها قبله، ومن ترك حق نفسه في عقد له قبل آخر لم يوجب ذلك فساده. واللَّه أعلم. وقوله: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ)، فيه دليل على أن النهي عن العضل إنما كان في الأزواج كانوا لهن، دليله قوله: (أَزْوَاجَهُنَّ)، ولا يسمى (الأزواج) إلا بعد النكاح، ويدل أيضًا قوله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)، ذكر (الطلاق) فدل أنه كان في أزواج كان لهن. ويحتمل: أن يكون في الابتداء من غير أن كان ثم نكاح، وجائز تسمية الشيء باسم ما يئول الأمر إليه لقرب حالهن بهم. وأما أهل التفسير بأجمعهم قالوا: إن الآية نزلت في أخت معقل بن يسار المزني، أن زوجها قد طلقها وانقضت عدتها، ثم أراد الزوج أن يتزوجها ثانية وتهوى المرأة ذلك، فيقول الولي: لا أزوجها إياه؛ فنزل قوله تعالى: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ)، وهو يحتمل المعنى الذي ذكرنا. واللَّه أعلم. وقوله: (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). قيل: (يُوعَظُ بِهِ)، أي ينهاكم به، كقوله: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا) أي: ينهاكم. وقيل: (يُوعَظُ بِهِ)، أي: يؤمر به. وقوله: (ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ). قيل: إذا وضعن أنفسهن حيث هوين فذلك أزكى وأطهر لكم من العضل من ذلك؛ ولعل العضل يحملهن على الفساد والريبة. وقيل: المراجعة خير لكم من الفرقة، وأطهر لقلوبكم من الريبة. وقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
(233)
أي: اللَّه يعلم من حب كل واحد منهما صاحبه، وأنتم لا تعلمون ذلك. ويحتمل: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ) وفيما صلاحكم، (وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ذلك. * * * قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) وقوله: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا). قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ)، هن المطلقات، يرضعن أولادهن، وهو كقوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، ذكر هاهنا الأجر، وذكر هناك الرزق والكسوة، وهما واحد. وقال آخرون: لا، ولكن قوله: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ) هن المنكوحات، وقوله: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) هن المطلقات. دليل ذلك: ذكر الأجر في أحدهما، والرزق والكسوة في الأخرى، على أن المنكوحة إذا استؤجرت على رضاع ولدها منه لم يستوجب الأجر، ويستوجب قبل الزوج الرزق والكسوة؛ فدل هذا على أن ذكر الأجر في المطلقات، وذكر الرزق والكسوة في المنكوحات. فَإِنْ قِيلَ: ما فائدة ذكر الرزق والكسوة في المنكوحة في الرضاع، وقد يستوجب ذلك في غير الرضاع؟ قيل: فائدة ذكر الرزق والكسوة فيه - واللَّه أعلم - لأنها تحتاج إلى فضل طعام وفضل كسوة لمكان الرضاع؛ ألا ترى أن لها أن تفطر لذلك؟! فثبت أن لها فضل حاجة في حال الرضاع ما لا يقع لها تلك الحاجة في غير حال الرضاع؛ فخرج ذكر الرزق والكسوة فيه - واللَّه أعلم - ذكر تلك الزيادة والفضل، واللَّه أعلم. وفي القرآن دليل أن مؤنة الرضاع على الأب من أوجه: أحدها: قوله تعالى: (وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى).
والثاني: قوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). والثالث: قوله تعالى: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ). فثبت أنه حق على الوالد إلى أن ذكر فيه إيتاء الأجر. وفيه دلالة على أن شرط الطعام والكسوة للظئر يجوز بقوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ)، غير أن الكسوة لا تجوز إلا بإعلام الجنس، والطعام يجوز؛ لأن الظئرة تكسى كسوة الأهل وتطعم طعامهم. فلابد في الكسوة من إعلام جنسه، إذ لا يجوز أن تكون كسوة واحدة لها وللأهل، ويجوز في الطعام ذلك؛ لأن الكسوة ليست بذي غاية تعرف، فاحتيج إلى ذكر الجنس ليقع في حد قرب المعرفة والعلم، وأما الطعام فهو ذو غاية عند الناس غير متفاوت ولا متفاضل عندهم؛ لذلك جاز هذا، ولم يجز الآخر إلا أن يعلم الجنس، فإذا علم الجنس فحينئذ يصير عندهم كالطعام. واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى - فدل على جوازه قوله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ)، أي - واللَّه أعلم - مثل ما على المولود له، ويكون ذلك بعد موته؛ لذلك يجوز شرط الكسوة والطعام في الرضاع. وقوله: (حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)، ليس فيه جعل الحولين شرطا في الرضاع لوجوه: أحدها: قوله: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)، فلو لم يحتمل الزيادة والنقصان لم يكن لقوله: (لِمَن أَرَادَ) معنى. والثاني: الإرادة والقدرة ربما تذكر على غير إرادة وقدرة في الحقيقة، ولكن على إرادة حقيقة الفعل. دليله قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " من أراد الحج فليفعلْ كذا، ومن استطاع أن يفعل كذا فليفعل "، ليس ذلك على حقيقة القدرة والإرادة، ولكن هذا - واللَّه أعلم - على معنى: " من فعل كذا فليفعل كذا "؛ فكذلك الأول ليس على حقيقة الإرادة، ولكن تذكر ذلك لما لم يكن الفعل إلا بقدرة وإرادة. واللَّه أعلم. والثالث: لا يخلو " الحولين " من أن يقدر بالأهلة فقد ينتقص عن سنتين، أو أن يقدر بالأيام فقد يزداد على المعروف من الوقت؛ فثبت أنه بحيث الاحتمال لما ذكرنا؛ إذ
يحتمل (لِمَن أَرَادَ) أن يزيد حتى يتم، أو (لِمَن أَرَادَ) أن يقتصر على التمام، على أن الآية ليست في حق الحرمة، لكنها في حق الفعل؛ إذ قد يجب الحرمة لا بحولين. ورُويَ عن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهما، في تأويل قوله: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)، وقوله: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ)، قال: إن كان الحمل ستة أشهر، ففصاله في عامين، وإن كان الحمل تسعة أشهر، فيقدر الباقي؛ فدل هذا على أن (الحولين) ليسا بشرط في الفطام، ولا وقت له، لا يجوز الزيادة عليه ولا النقصان. واللَّه أعلم. وقد ذكرنا أن قوله: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، يحتمل وجهين: قيل: إنه في المطلقة، وقيل: إنه في المنكوحة. وقد دللنا على أنه في المنكوحة. واللَّه أعلم. وقوله: (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا). قال قوم: قوله: (إِلَّا وُسْعَهَا)، إلا ما يسع ويحل. لكن هذا لو كان على ما ذكر لكان بالأمر يحل ويسع، فكان كأنه قال: لا نكلف إلا ما نكلف. وذلك لا يكون. وقال قوم: (إِلَّا وُسْعَهَا)، يعني: طاقتها وقدرتها. وهذا أشبه، ومعناه: لا يكلف الزوج بالإنفاق عليهما والكسوة إلا ما يحتمل ملكه وإن كانت حاجاتها تفضل عما يحتمله ملكه، لم يفرض عليه إلا ما احتمله ملكه - واللَّه أعلم - كقوله: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا). ثم اختلف في تحريم الرضاع في حال الكبير:
قال قوم: يحرم. ورووا في ذلك أحاديث. وقال أصحابنا - رحمهم اللَّه تعالى -: لا يحرم. وذكروا في ذلك إلى الآثار رويت عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه عليه السلام سئل عن الرضاع، فقال: " ما أنبت اللحم وأنشز العظم "، وفي بعضها عنه: " لا رضاع بعد حلم، ولا رضاع بعد فصال ". ورُويَ عن علي بن أبي طالب وابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهم، أنهما قالا: لا رضاع بعد الحولين. وعن عليٍّ وابن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهما، أنهما قالا: لا رضاع بعد الفطام أو الفصال، الشك منا. ورُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في بعض الأخبار: أنه دخل على عائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، فرأى معها رجلًا، فرأت عائشة:، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، الكراهة في وجهه، فقالت: " إنه أخي من الرضاعة أو عمي "، فقال لها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " انظرن من إخوانكن، ما الرضاعة؟ إنما الرضاعة من المجاعة ".
ورُويَ عن أبي موسى الأشعري - رضي اللَّه تعالى عنه -: أن رجلًا قال له: إن امرأتي أرضعتني، أتحرم عليَّ؟ فقال: نعم. فبلغ ذلك ابن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، فأتاه، فقال له: أأنت تفتي بكذا؟ فقال: نعم، فقال: كذبت، أو كلام نحو هذا؛ إنما الرضاعة من المجاعة. إلى هذه الأخبار ذهب أصحابنا، رحمهم اللَّه تعالى، في نفي تحريم الرضاع بعد الفطام وبعد الكبر. وأصله: أن ينظر: فإن كان غذاؤه باللبن أو أغلب غذائه فهو يحرم، وإذا كان بالطعام أو غالب غذائه به، فهو لا يحرم. وأصله: ما ذكر في الخبر: " ما أنبت اللحم وأنشز العظم، فهو يحرم "، فإذا كان غذاؤه بالطعام سوى اللبن، فالطعام هو الذي ينبت اللحم وينشز العظم، فلم يحرم. ثم الأصل: بأن كل مذكور على الكمال والتمام لا يمتنع عن احتمال الزيادة والنقصان. دليله قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " من أدرك عرفة بليل وصلى معنا بجمع فقد تم حجه "، وقوله عليه السلام: " إذا فعلت هذا فقد تمت حجتك "، وقوله: " إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك ". وصفهما بالتمام والحرمة باقية.
ثم قدر أبو حنيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -، الزيادة بستة أشهر، ذهب في ذلك إلى أن الفطام ربما يعترض ويعترى في حال -وهو حال الحر والبرد- ما لو منع الرضاع منه لأورث هلاك الصبي وتلفه، لما لم يعود بغيره من الطعام، ففيه خوف هلاكه، فإذا كان فيه خوف هلاكه، لما ذكرنا، استحسن أبو حنيفة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، إبقاءها بعد الحولين لستة أشهر، إذ على هذين الحالين تدور السنة. واللَّه أعلم. وقال زفر: بزيادة سنة، ذهب في ذلك إلى أنه لما جاز أن يزاد بالاجتهاد على حولين بستة أشهر، جاز أن يزاد بالاجتهاد على الحولين بسنة. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: وعلى ما زيد على المذكور من الحبل مثل أقل وقت الرضاع، يزاد على المذكور من الرضاع مثل أقل الحبل، أو لما احتمل الأقل الانتقال إلى الوسط يحتمل الوسط الانتقال إلى الأكثر، وذلك في قوله: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا). وقوله: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا)، يحتمل وجهين: يحتمل: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا)، في ترك الإنفاق عليهما. ويحتمل: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) في انتزاع الولد منها، وهي تريد إمساكه. وقوله تعالى: (وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ)، كذلك يحتمل وجهين: ويحتمل: لا يضار الوالد بولده في ردها الولد عليه ورميه إليه بعد ما، ألف الولد الأم. ويحتمل: لا يضار الوالد في تحميل فضل النفقة عليه وملكه لا يحتمل ذلك، بل إنما يحمل عليه ما احتمله ملكه. وفي قوله: (وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ)، دليل أنه إنما يسمى (الوالد) على المجاز، ليس على التحقيق؛ لأنه لم يلد هو، إنما ولد له؛ فثبت أن الرجل يستحق اسم الفعل بفعل غيره، وكل معمول له يستحق اسم الفاعل وإن لم يعمل هو، نحو ما سمي (والدًا)، وإن لم يلد هو، وإنما ولد له.
ففيه دلالة أن من حلف: (لا يعتق)، و (لا يطلق) فأمر غيره، ففعل، حنث وجعل كأنه هو الفاعل. واللَّه أعلم. ثم اختلف في تأويل قوله: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ). قَالَ بَعْضُهُمْ: هو معطوف على قوله: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) ومعناه: ألا يضار الوارث أيضًا باليتيم. وقال آخرون: هو معطوف على الكل: على النفقة، والكسوة، والمضارة. وقال غيرهم: هو راجع إلى النفقة والكسوة دون المضارة. وهو قولنا؛ لوجهين: أحدهما: أن نسق الكلام إنما هو على قوله: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، فنسقه على حرف (على) أولى من نسقه على حرف (لا)، ليصح، إذ، لو حمل على قوله: (لَا تُضَارَّ) ولكان ما يوازيه من الكلام، إنما هو: الوارث مثل ذلك. والثاني: أنه لو حمل على إضرار من الوارث بالولد في الميراث لقال: وعلى المورث بحق الميراث، فلا ضرر يقع فيه، بل يقع الإنفاق؛ فثبت أن حمله عليه أحق. ثم اختلف في قوله: (وَعَلَى الْوَارِثِ): قَالَ بَعْضُهُمْ: أراد (بالوارث) الوالد، والأم، والجد، ولا يدخل ذو الرحم المحرم فيه. ذهبوا في ذلك إلى ما رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال ذلك. وأما أصحابنا، رحمهم اللَّه تعالى، ذهبوا إلى ما رُويَ عن عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه أوجب النفقة على العم، وقال: لو لم يبق من العشيرة إلا واحد لأوجبتُ عليه النفقة. وروي أيضا عن زيد بن ثابت، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه أنه قال في قوله تعالى:
(وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ): النفقة على كل ذي الرحم المحرم على قدر مواريثهم. فاتبعنا الصحابة، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، في ذلك. وفي الكتاب دليل وجوب النفقة على المحارم، قوله: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا) فإنما يأكل بحق، لا بالرضاء. ألا ترى أنه يأكل من بيت الأجنبي إذا بذل ورضي، فلو لم يكن أكله من بيت هَؤُلَاءِ بحق لم يكن للتخصيص فائدة. فإن عورض (بالصديق)، أنه لا يفرض عليه قيل: لما أنه لو فرض عليه، لانقطعت الصداقة بينهما. ثم لقائل أن يقول: كيف لا أوجبت النفقة على كل وارث على ظاهر الآية؟ قيل: الآية مخصوصة بالإنفاق؛ لأن المرأة وارثة، ولا تفرض عليها نفقة الزوج؛ دل أنه أراد وارثا دون وارث، وهو الوارث من الرحم المحرم. واللَّه أعلم. وقوله: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا). قيل: فإن أراد الأبوان فِصال الصبي وفطامه بدون الحولين ليس لهما إلا بتراضيهما جميعًا واتفاقهما على ذلك، وأما بعد تمام الحولين فإنه إذا أراد أحدهما الفصال دون الآخر يفصل وأصله واحد بأن الفصال بعد الحولين فصال على التمام والكمال فجاز أن يفصل إذا أراد أحدهما. وأما الفصال قبل الحولين فصال عن غير تمام ذكره الكتاب، فلا يفصل إلا باجتماعهما واتفاقهما على ذلك. وأما ما بعد الحولين هو على تمام النص، فجاز ذلك لرأي واحد منهما، وما قبله لا يجوز إلا لرأيهما جميعًا. وأصله: أنه بالحولين قد ظهر التمام والكفاية، ثم بالنص، وما دونه يعلم بالاجتهاد، وعند التنازع يزول موضع بيان الصواب فيرد إلى الحد المذكور، مع ما في القرآن للتمام ذكر إرادة الفرد، وللفصل التشاور. واللَّه أعلم.
ثم إن الزوجين يحكمان عن أنفسهما برضاع ولدهما لذلك يحتج إلى نظير غيرهما، ولا إلى رأي آخر، لما لا يجوز أن يعدم شفقتهما جميعًا عن ولدهما. وأما إذا كان الحكم لغيرهما أو على غيرهما فلا بد من أن يحكم غيره، دليله: قوله تعالى: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ)، وكقوله: (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) فهذا الحكم على غيرهما؛ ولذلك احتيج إلى غيرهما؛ وذلك الزوجان يحكمان على أنفسهما وينظران لولدهما؛ لذلك افترقا. واللَّه أعلم. و (الجناح) و (الحرج) واحد: وهو الضيق، ومعناه: أي لا ضيق ولا تبعة عليهما، ولا إثم إذا أرادا فطامه بدون الحولين. وقوله: (وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ). فيه دلالة جواز الرضاع بعد الحولين وحرمته؛ لأنه ذكر في قوله: (فَإن أرَادَا فِصَالا) بتراضيهما بدون الحولين. ثم قوله: (وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ) يصير استرضاعا بعد الحولين. إذ ذكر الرضاع في الحولين بقوله: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)، وذكر الفصال بدون الحولين بقوله: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ) فحصل قوله: (وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ) بعد الحولين. وهذا يدل لقول أبي حنيفة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، ويقوي مذهبه. ويحتمل: أن تكون الآية في جواز استرضاع غير الأمهات إذا أبت الأم رضاعه؛ وهو كقوله: (وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى). وقوله تعالى: (إِذَا سَلَّمْتُمْ)، يعني إذا سلمتم الأمر لله تعالى، (مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ)، أي قبلتم، ليس هو على الإيتاء، ولكن على القبول، دليل ذلك قوله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ)، ليس هو الإيتاء نفسه، ولكنه على القبول كأنه قال: فإن تابوا وقبلوا إقامة الصلاة وعهدوا إيتاء الزكاة فخلوا سبيلهم، فعلى ذلك الأول. و (مَا آتَيْتُمْ) أي قبلتم إيتاء ما عهدوا وهو الأجر. وقد يكون (مَا آتَيْتُمْ)، أي: عقدتم عقد الإيتاء؛ إذ الإيتاء هو الإعطاء والعطية عقدتم
(234)
التسليم عليه. وذلك دليل لقول من يفرق بين قوله: أعطيتتني كذا، فلم أقبضه. وسلمتني فلا أقبضه، واللَّه أعلم. وقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ). أي: فيما أمركم من الإنفاق، والكسوة، ونهاكم من إضرار أحدهما صاحبه. وقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). وهو وعيد على ما سبق من الأمر والنهي. * * * قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) وقوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا). قيل: هي ناسخة لقوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ). إنها وإن كانت مقدمة في الذكر، وتلك مؤخرة، (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)، ناسخة لتلك. إلى هذا يذهب عامة أهل التأويل؛ ألا ترى إلى ما جاء في الخبر: أن امرأة أتت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فذكرت: أن بنتًا لها تُوفي عنها زوجها، واشتكت عينها، وهي تريد أن تكحلها. فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " قد كانت إحداكن في الجاهلية تجلس حولًا في منزلها ثم تخرج عند رأس الحول، فترمى بالبعر، وإنما هو أربعة أشهر وعشرا ". فثبت
أن ما كان ذلك مما تقدم الأمر به، نسخ بالثاني. وقال آخرون: إنه قد أثبت في الآية متاعًا أو وصية، ثم ورد النسخ على كل وصية كانت للوارث بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إن اللَّه قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث ". وإلا كان الاعتداد الواجب اللازم هو أربعة أشهر وعشرًا.
وأمكن أن يستدل بقوله: (فَإِنْ خَرَجْنَ)، إذ كان على إثر قوله: (غَيرَ إخرَاجٍ) أن قوله، (فَإِنْ خَرَجْنَ)، كان النهي على (الإخراج)، دون (الخروج). وهذا أصل في الوصايا بالمتاع: ألا يمنع الرد وإن أجبر على التسليم. وفي الآية دلالة جواز الوصية بالسكنى إذا بطلت بحق الميراث، لا بحق الوصية - واللَّه الموفق - وهو جائِز فيمن لم تنسخ له الوصية. وأمكن الاستدلال بالآية على عدة الوفاة بالحبل إن ثبت ما روي: " أنه يكون أربعين يومًا نطفة، وأربعين يومًا علقة، وأربعين يومًا مضغة، ثم ينفخ فيه الروح في العشرة ".
فإذا كان ما ذكرنا أمرت بتربص أربعة أشهر وعشر ليتبين الحبل إن كان بها. وإذا كان بهذا معنى العدة فإذا ولدت بدونه انقضت العدة. واللَّه أعلم. فَإِنْ قِيلَ: الأمة أليست لا تختلف عن الحرة في تبيين الحبل، ثم لم يجعل عدتها أربعة أشهر وعشرا، فإذا لم يجعل ذلك كيف لا بَانَ أن الأمر بتربص أربعة أشهر وعشرا إلا لهذا المعنى؟ قيل: لوجهين: أحدهما: أن الحرائر هن الأصول في النكاح، وفيهن تجري الأنكحة، فيخرج الخطاب لهن. والثاني: أنها حق أخذت الحرة، والحقوق التي تأخذ الحرائر هن الأصول في النكاح، إذا صرف ذلك إلى الإماء تأخذ نصف ما تأخذ الحرائر. والثالث: أنه لا يقصد آجالهن؛ لما فيه رق الولد واكتساب الذل والدناءة. ورُويَ عن عليٍّ بن أبي طالب، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، أنه قال: تعتد أبعد الأجلين احتياطًا. ذهب في ذلك إلى أن الاعتداد بوضع الحبل إذا ذكر في الطلاق، ولم يذكر في الوفاة؛ فيحتمل أن يكون ذلك في الوفاة كهو في الطلاق ويحتمل ألا يكون، فأمرها بذلك احتياطًا. وأما عندنا: ما رُويَ عن عمر، وعبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن عَبَّاسٍ،
رضيَ اللَّهُ تعالى عنهم، أنهم قالوا: إذا وضعت ما في بطنها، وزوجها على السرير، انقضت عدتها. وكذلك رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أن امرأة مات عنها زوجها، وكانت حاملًا، فوضعت بعد ذلك بأيام، فأذن لها بالنكاح ". ثم الأمر بالإحداد أربعة أشهر وعشرا، ما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: " لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا المرأة على زوجها، فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا ". فَإِنْ قِيلَ: أليس وجب ذلك على المطلقة، والخبر إنما جاء في الموت، قيل: ليس للموت ما وجب ولكن لمعنى في الموت، وهو فوت النعمة في الدِّين، وذلك الفوت في الطلاق كهو في الموت؟! ألا ترى أنه لم يجب ذلك في موت أبيها ولا في موت ولدها، دل أنه لم يجب للموت نفسه، ولكن لفوت النعمة في الدِّين؛ ألا ترى أنه روي في الخبر أن المرأة الصالحة مفتاح الجنة، فأمرت بإظهار الحزن على ما فات منها من النعمة بترك الزينة والتشوف؛ إذ النكاح نعمة. ثم الدخول بها سواء في وجوب المهر والعدة وترك الزينة وإظهار الحزن على فوت النعمة، وأما المطلقة قبل الدخول بها لم يلزمها ذلك؛ لأن العدة لم تلزمها فتتجدد لها النعمة، لما لها أن تنكح للحال، فتكتسب نعمة. واللَّه أعلم. ألا ترى أن الصبي الصغير إذا مات عن امرأته تلزمها أربعة أشهر وعشر، دل هذا على أن وجوبها لفوت النعمة. والله أعلم. وقوله: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). قوله: (فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ) قيل: لا تبعة عليكم ولا إثم (فِيمَا فَعَلْنَ) قيل: تزين
(235)
بعد انقضاء عدة، وقيل: المعروف هو وضعهن أنفسهن، أي في الأكفاء بمهر مثلهن. قد ذكرنا هذا فيما تقدم. وقوله: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ (235) قيل: (التعريض) هو أن يرى من نفسه الرغبة فيما يكنى به من الكلام، على ما ذكر في الخبر: أن فاطمة بنت قيس لما استشارت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال لها: " إذا انقضت عدتك فآذنيني، فاستأذنته في رجلين كانا خطباها، فقال لها: أما فلان فإنه لا يرفع العصا عن عاتقه، وأما فلان فإنه صعلوك لا شيء له؛ فعليك بأسامة بن زيد ". فكان قوله عليه
السلام: " فآذنيني " كناية خطاب إلى أن أشار على أسامة، دون ما ذكره أهل التأويل: " إنك لجميلة "، و " إنك لتعجبينني "، و " ما أجاوز إلى غيرك "، أو " إنك لنافعة "، ومثل هذا لا يحل أن يشافه لامرأة أجنبية لا يحل له نكاحها. وفي الآية دلالة أن لا بأس للمتوفى عنها زوجها الخروج بالنهار لما ذكر من التعريض، لأن الرجل لا يأتيها منزلها فيعرض لها، ولكن المرأة قد تخرج من منزلها فتصير في مكان احتمال التعريض، فعند ذلك يقول لها ما ذكرنا. وعلى ذلك جاءت الآثار؛ رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أن امرأة مات زوجها، فأتته، فاستأذنته للاكتحال، لم يأت أنه نهاها عن الخروج ". وما رُويَ عن عمر، وابن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهما، بالإذن لهن بالخروج بالنهار، والنهي عن البيتوتة في غير منزلهن. ولأن المتوفى عنها زوجها مؤنتها على نفسها، فلا بد لها من الخروج. وأما المطلقة فإن مؤنتها على زوجها، والزوج هو الذي يكفي مؤنتها ويزيح علتها؛ لذلك افترقا. واللَّه أعلم. ثم (التعريض) لا يجوز في المطلقة لوجهين: أحدهما: ما ذكرنا ألا يباح لها الخروج من منزلها ليلًا ولا نهارًا، والمتوفى عنها زوجها
يباح لها الخروج. وإنما ذكر اللَّه سبحانه وتعالى التعريض في المتوفى عنها زوجها، لم يذكره في المطلقة. والثانى: أن في تعريض المطلقة اكتساب عداوة وبغض فيما بينه وبين زوجها؛ إذ العدة من حقه. دليله: أنه إذا لم يدخل بها لم تلزمها العدة، وأما المتوفى عنها زوجها لزمتها العدة وإن لم يدخل بها؛ لذلك يجوز التعريض في المتوفى عنها زوجها، ولا يجوز في المطلقة. قال الشيخ: - رحمه اللَّه تعالى -: " ولأن زوجها في الطلاق حي، يعلم ما يحدث بينهما الضغن والمكروه في الحال، وليس ذلك في الوفاة ". وقوله تعالى: (أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ)، يعني أخفيتم تزويجها في السر. وقوله: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ) سرا وعلانية. وقيل: يعني الخطبة في العدة. وقوله: (وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا) قيل فيه بأوجه: قيل: لا تأخذوا منهن عهدًا ألا يتزوجن غيركم. وقيل: (لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا)، يعني الزنى. و (السر) الزنا في اللغة. وقيل: (السر) الجماع؛ تقول: آتيك الأربعة والخمسة ونحوه. ثم قال اللَّه تعالى: (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا) يقول لها قولا لينًا حسنًا، ولا يقول لها قولا يحملها على الزنى، أو على ما يظهر من نفسها الرغبة فيه، على ما ذكر في الآية: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا)، وأن يعد لها عدة حسنة، أو أن يبر ويحسن إليها لترغيب فيه، ولا يقول لها ما لا يحل ولا يجوز. واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) قيل: هو على الإضمار، كأنه قال: " لاتعزموا على عقدة النكاح ". وقيل: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ)، لا تعقدوا (النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)، يعني
بالكتاب: ما كتب عليها من العدة حتى تنقضي تلك. وفيه دليل حرمتها على الأزواج لبقية الملك، فالخطاب للأجنبيين، لا للأزواج؛ إذ للأزواج الإقدام على النكاح وإن كن في عدة منهم. قال الشيخ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، في قوله: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ): حمل على التحريم، وإن احتمل الذي هو بهذا المخرج غير التحريم؛ لاتفاق الأمة على صرف المراد إليه، ولقوله: (حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)، أي: ما كتب عليها من التربص، ولما كان النهي عن ذلك بما لزمها العدة للزوج الأول فهي باقية بها على ما سبق من النكاح المحرِّم لها على غيره؛ فلذلك بقيت الحرمة، ولهذا جاز لمن له العدة النكاح فيها؛ إذ لا يجوز أن يمنع حقه. واللَّه أعلم. وقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ). وهو حرف وعيد، أي يعلم ما تضمرون في القلوب وتظهرون باللسان من التعريض، (فَاحْذَرُوهُ) ولا تخالفوا أمره ونهيه. وقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ). فيه إطماع المغفرة وإمهال العقوبة من ارتكب النهي وخالف أمره. واللَّه أعلم. (وَاعْلَمُوا. . .) الآية، حذره علمه بما في أنفسهم، ليكونوا مراقبين له فيما أسروا وأعلنوا، وليعلموا أنهم مؤاخذون بما أضمروا من المعاصي والخلاف له، وأن الذي لا يؤاخذ به العبد هو الخطر بالبال، لا بالعزم عليه والاعتقاد. ثم أخبر أنه (غَفُورٌ)؛ ليعلموا أن استتار ذلك مما غفره وأنهم قد استوجبوا بفعلهم الخزي، لكن اللَّه بفضله ستره عليهم ليشكروا عظيم نعمه، أو لئلا ييأسوا من رحمته فيستغفروه. وذكر (حَلِيمٌ)؛ لئلا يغتروا بما لم يؤاخذوا بجزاء ما أضمروا في ذلك الوقت، فيظنون الغفلة عنه، كقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42). * * * قوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ
(236)
النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) وقوله: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) فيه دليل رخصة طلاق غير المدخولات بهن في الأوقات كلها؛ إذ لا يتكلم بنفي الجناح إلا في موضع الرخصة، ولم يخص وقتًا دون وقت. وأما المدخولات بهن فإنه عز وجل ذكر لطلاقهن وقتًا بقوله: (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ)؛ لذلك قال أصحابنا - رحمهم اللَّه تعالى -: أن لا بأس للرجل أن يطلق امرأته في حال الحيض إذا لم يدخل بها. وجهه: أنه إذا كان دخل بها فعرف وقت طهرها مه، سبق من الدخول بها، فأمر بالطلاق في ذلك الوقت ليكون أدعى إلى المراجعة إذا ندم على طلاقها. وأما التي لم يدخل بها لا يعرف وقت طهرها لما لم يسبق منه ما به يعرف ذلك الوقت، فلم يؤمر بحفظ ذلك الوقت. ولأنه إذا لم يدخل بها فإن الطلاق بينهما منه، فجعل كل الأوقات له وقتا للطلاق، لما لم يجعل له حق المراجعة قبلها ليكون بعض الأوقات له أدعى إلى ذلك. واللَّه أعلم. والثاني: أن المدخول بها يتوهم علوقها منه، فجعل الطلاقها وقتًا لتستبين حالها: أحامل، أم لا؟ لئلا يندم على طلاقها؛ لأن الرجل إذا طلق امرأته ثم علم أنها حامل يندم على طلاقها؛ لذلك كان الجواب ما ذكرنا. واللَّه أعلم. وفيه دليل رخصة طلاق المبين منه إذا لم يملك إمساكها عند الندامة. لأن الطلاق قبل الدخول تبين المرأة من زوجها. والأصل في الأمرين - جعل الطلاق في وقت حلها للأزواج. وكل الأوقات في غير المدخول بها وقت الحل. وقوله تعالى: (أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) ومعناه - ولم تفرضوا لهن فريضة، كأنه عطف على قوله: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ)، إلى قوله عَزَّ وَجَلَّ: (مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ)، دليله قوله تعالى: (وَمَتِّعُوهُنَّ)، دل الأمر بالمتعة أن قوله تعالى: (أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ)، معناه - ولم تفرضوا لهن. ودل قوله عَزَّ وَجَلَّ: (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) "، أن ذلك في غير المفروض لها؛ حيث أوجب في المفروض نصف المفروض
وأوجب ثَمَّ المتعة. ثم يجيء في القياس أن يوجب في غير المفروض نصف مهر المثل إلا المتعة؛ لأنه إذا دخل بها أوجب كل مهر المثل كما أوجب كل المفروض عند الدخول بها، ونصف المفروض عند عدم الدخول بها، لكن أوجب المتعة لوجهين: أحدهما: أن مهر المثل إنما يقدر بها إذا دخل بها، فإذا لم يدخل بها لم يعرف الزوج ما قدر مهر مثلها؟، فإذا لم يعرف ما قدر مهر مثلها لم يعرف النصف من ذلك. والثاني: أنهم أوجبوا المتعة تخفيفًا وتيسيرًا؛ لأن الحاكم يلحقه فضل كلفة وعناء في تعرف حالها وحال نسائها، إذ مهر المثل إنما يعتبر بنسائها، وليس ذلك في المتعة. والله أعلم. ثم قدر المتعة: يعتبر شأنه اعتبارًا بقدرها؛ لأنه لو اعتبر شأنه قدر ما أوجب لها غناءها وغناء أهلها، ومهر المثل لا يبلغ ذلك، فكان في ذلك تفضيل المتعة على مهر المثل -وقد ذكرنا أن المتعة أوجب تخفيفًا- ولو نظر إلى قدرها دون قدره لكلف الزوج ما لا طاقة له به ولا وسع؛ لذلك وجب النظر إلى قدره اعتبارا بقدرها. واللَّه أعلم. وقوله: (أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً)، أو نسق على قوله: (مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ)، فهو على: " ما لم تفرضوا لهن فريضة "، وعلى ذلك قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا). وعلى هذا إجماع القول في جواز النكاح بغير تسمية. وفي ذلك دليل أن قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ)، هو ما يبتغى من النكاح بالمال، لا بتسمية المال، فيكون النكاح موجبًا له، به يوصل إلى حق الاستمتاع، لا بالتسمية؛ ولهذا كان لها حق حبس نفسها عنه حتى يسلم إليها ما منع عن الملك إلا مهر به مسمى أو غير مسمى، كقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. . .) الآية. وإذا جاز النكاح بلا تسمية لم يفسده فساد التسمية، بل الذي أفسد في أعلى أحواله كأنه لم يكن، وعلى ذلك اتفاق فيما يتزوج المرأة على ما لا يحل من خمر أو ميتة أو نحو ذلك أن يجوز؛ فيكون في ذلك أمران: أحدهما: أن ما لا يتعلق جوازه بالشرط، ففساد الشرط لا يفسد.
والثاني: أن تبين موضع النهي عن الشغار أنه غير مفسد العقد؛ لأنه في جعل ذلك بدلًا للبضع، واللَّه تعالى لم يجعل التسمية شرطًا لجوازه ليفسد لفسادها. واللَّه أعلم. ثم جعل الطلاق قبل المماسة سببا لإسقاط بعض ما أوجب العقد، فهو - واللَّه أعلم - لما لم يوصل إليه كمال ما له قصد النكاح، إذ هو مجعول للتعفف، وحقيقته في إمكان الاستمتاع، لا بالعقد، ولولا ذلك لما جعل النكاح، ولم يبطل كل المهر لما تقلب في الملك الذي له البدل، إذ هو في الحقيقة للملك، لا للاستمتاع. دليل ذلك: ما لا يزداد لكثرة الاستمتاع؛ فثبت أنه بدل الملك في التقلب فيه، إذ ليس هو سببًا لفسخ السبب الموجب للملك، الذي له وجب البدل، بل هو تقلب فيه، لم يرفع عنه البدل كله. والله أعلم. فأوجب عَزَّ وَجَلَّ نصف المهر، وأسقط نصفه بما قد فقد أحد القصدين ووجد الآخر. واللَّه أعلم. ثم إذا لم تكن التسمية جعل اللَّه تبارك وتعالى المتعة مقام نصف المسمى عند التسمية، وإن كان لو تركا، والتدبير بعد بيان الواجب فيما لم يسم مهر المثل نحو وجوب المسمى فيما سمى، لكان الذي يغلب على الوهم أنا لا ندرك تدبيرنا غير نصف مهر المثل، فتولى اللَّه سبحانه وتعالى بيان ذلك ليعلم الناس - واللَّه أعلم - أن اللَّه تعالى بين كل ما بالخلق إليه حاجة على قدر ما يحتمله وسعهم ويبلغه عقولهم، وأن الذي لا يحيط به تدبرهم، بين لهم بالإشارة إليه تفضلًا منه على عباده ليؤلف به بينهم، ويمنعهم عن التنازع. واللَّه أعلم. ثم لم يبين لنا ماهية المتعة بالإشارة إليها. ومعلوم أن قدر الذي يتبين فيما علم قصور التدبير عن الإحاطة بدرك ذلك النوع من الحكمة فيما لم يبين، فهو - واللَّه أعلم - بما علم أن العقول تبلغه، وأنه بالتدبير فيما يتبين وجه الوصول إليه. ولا قوة إلا باللَّه. ثم قد بين أن الحق أوكد عند التسمية، منه فيما لم يكن التسمية، بوجهين: أحدهما: بقوله تعالى: (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ)، فيما كان الطلاق قبل المماسة، وعند التسمية أوجب نصف المسمى، احتمله ووسعه أو لا. ومعلوم أن الاحتمال على قدر الموسع أخف مما كان يجب احتماله عند الخروج من الوسع. واللَّه أعلم. والثاني: بما علم من وقوع الاختلاف يكون بين الأمة فيما لا تسمية إذا مات أحد الزوجين في حق إكمال المهر وارتفاع ذلك بما كان ثم تسمية، فهو الدليل على أن الحق في أحد الزوجين أوكد منه في الآخر، على أن العقود والفسوخ كلها تثبت لها عند
تسمية البدل، ولا يجب شيء من ذلك بنفس العقد البدل حتى يستوفى في بعض ذلك، ولا يجب شيء في البعض على كل حال؛ فثبت به ما ذكرت، فأوجب ما ذكرت - ألا يراد بالمتعة نصف مهر المثل؛ إذ قد ثبت بالبيان الأول أن التدبير لا يوجب الزيادة عليه، وبالبيان الثاني أن الأمر فيه محمول على التيسير والتخفيف، ومن البعيد المجاوزة بالأمر المؤسس على التخفيف على المؤسس بالتغليظ في التغليظ. ولم يبين لنا ماهية المتعة - ما هي؟ ومعروف أن المتعة هي التي يتمتع بها، وأن مهر المثل مما قد يتمتع به. فجعلنا نصف مهر المثل نهاية المتعة بما هو النهاية فيما كان مبنيا على التغليظ، فلا يجاوز بها. ذلك مع ما فيه وجهان: أحدهما: إحالة وجوبها أكثر من مهر مثلها، فيكون الدخول بها سببًا لإسقاط الحق، وقد جعله اللَّه تعالى سببًا لمنع السقوط؛ فثبت أن مهر المثل معتبر في المتعة. والثاني: أنها بحكم البدل عن ذلك. دليله وجهان: أحدهما: أن المطالبة كانت بمهر المثل، والطلاق سبب إسقاط حقوق النكاح لإيجابها؛ فثبت أن المتعة كانت مكان ما فيه المطالبة، لا أن حدث الوجوب بالطلاق. والثاني: أنه متى وجب مهر المثل لم يوجد لها نحو أن يدخل بها. ثبت أنها كانت بدلًا، فلا يزاد البدل، مع ما كان التحويل إلى غير نوع مهر المثل. إنما هو - واللَّه أعلم - لما قد يتعذر تعرفه، أو أن لم يعرف ذلك بالاجتهاد والتفحص عن أحوالها ومحلها ومحل قومها، وفي ذلك مؤن وتكلف. ثم بعد العلم بذلك لا بد من الاجتهاد في الوسط من ذلك، ثم في أمرها منهم، فجعل اللَّه تفضله من الوجه الذي للمرء سبيل العلم به عن ذلك التكلف. أو لو رفع هو إلى الحاكم أمكنه الوصول إلى العلم به بدون ما ذكرت من النظر. فكان ذلك - واللَّه أعلم - نحو ما فرض اللَّه تعالى من زكاة الإبل، لا فيها إذا صار بحيث لو كانت فيها لكانت جزءًا يتعذر أخذ مثله، ثم التسليم إلى الشراء، فجعل في ذلك بدلا على أن الذي عليه لو خرج بتسليم العين جاز؛ فمثله ما نحن فيه. وهذا هو وجه جعل اللَّه تعالى متعة على أنها كانت واجبة نحو الإمساك، لو رام ذلك، إذ عليه النفقة والكسوة، فإذا طلقها فجعلت هي مكان مهر المثل إذا فات السبب الذي كان
يجب بحقها، فجعلت واجبه بحق غيرها حتى لا يقع في الطلاق وجوب أمر لم يكن فيما تقدم، لو أريد بها الإمساك. ومن البعيد أن يزداد كسوة المرأة على مهرها أو نصف مهرها في الحق. ولا قوة إلا باللَّه. ثم ليس في ظاهر الآية إبطال المهر فيما لم يسم، ولا النصف فيما سمى. وإنَّمَا في الأول الأمر بالمتعة، وفي الثاني بيان أن لها نصف الفرض. والقول: بأن نصف هذا العبد لفلان، أو لفلان، كذا من الحق لا يبطل عنه الحقوق جملة، أو عن النصف لآخر بذلك القول، بل فيه بيان ذلك أنه له وغيره متروك لدليله. ولا قوة إلا باللَّه. وكذلك قوله تعالى: (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا)، ليس في ذلك أن لا عدة عليهن، ولكن فيه أن لا عدة لهم، ويجوز أن تكون عليها، لا له. وكذلك عندنا: العدة هي التي عقيب الخلوة لا يملك هو فيها إمساكها، ويلزمه المؤن فكأنها عليه، لا له في المعتبر. فلما ذكرت يبطل قول من ادعى أن القول بالمهر والعدة فيما لا مماسة فيه خلاف الظاهر - واللَّه أعلم - مع ما لو كان في الظاهر ذلك لأمكن أن يكون من المسيس الإمكان، لا حقيقته. دليل ذلك: أنه لو وجدت القبلة أو المعانقة في الملأ من الخلق لوجد المسيس في الحقيقة، ولم يجب به ذلك؛ فثبت أن المراد من ذلك معنى في المسيس، لا ما يلحقه اسمه. ثم الذي يؤيد أنه الإمكان والاجتماع وجهان: أحدهما: قول تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)، فأعظم عليه أخذ شيء مما آتاها بما كان من إفضاء بعض إلى بعض. والإفضاء في اللغة معروف: أنه الانضمام، لا المجامعة، مع ما كانت المجامعة إلى الأزواج، يضاف فعلها، وفي هذا إضافة الإفضاء إلى كل واحد منهما. ثبت أنه في معنى ذلك من كل واحد منهما نحو الذي من الآخر، وذلك يكون في الاجتماع خاصة. واللَّه أعلم. والثاني: وجود القول من خمسة من نجباء الصحابة الخلفاء، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، فمن دونهم ممن لا يحتمل خفاء الآيات عليهم، ومن شهد الخطاب أحق بفهم الحقيقة من المراد أن يسألوا عن ذلك من أن يطلعهم على حقيقته إذا كان بحيث احتمال
الخفاء، والخاصة النجباء الذين يعلمون أنهم أئمة الخلق، وعلى الاقتداء بهم حثت الأمة، مع ما في ذلك عدول عن الظاهر، وقول بالذي لا يحتمل فهمه عنه؛ ثبت أن كان ذلك منهم عن بيان من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أو عن دليل شهدوه أظهر المراد. ولا قوة إلا باللَّه. على أن في الآية، لو كان في تصريح جماع، لكان يلزم ذلك بالخلوة لوجهين سوى ما ذكرت: أحدهما: جرى أحكام الكتاب والسنة في البدل لأشياء مقصودة اسما وتحقيقًا يستوجب حق العرفاء بها بحق شرط اللَّه القبض في الرهن، والقتال في المغانم، والإيتاء في الأجور والمهور والخروج لأمر الهجرة وأمر رؤيا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لما أسلما لأمر اللَّه، فعلى ذلك أمر المهور والعدة في الخلوة إذ هي سلمت نفسها لذلك، وعلى ذلك أمر الخروج من الأمانات بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)، ولو كان لا يخرج إلا بإدخال في الأيدي في الحقيقة، لكان لا سبيل إلى القيام بما كلف اللَّه تعالى. وعلى ذلك إجماع القول في الإجارات إذا أمكن الانتفاع بها. واللَّه أعلم. والثاني: أن النساء لا يملكن من تسليم ما عليهن من الحق، ومحال أن يلزمهن من الحق أكثر مما ذكر، لكن اللَّه تعالى وسعهن؛ فثبت أن ليس عليهن غير الذي فعلن، فاستوجبن ما لهن، وعلى ذلك قوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ)، والله أعلم. ثم قد أجمع على وجوب المهر في موت أحدهما، وأن الموت لا يسقطه، وإن لم يكن ثم دخول. فهو - واللَّه أعلم - أن المقصود بالنكاح الملك وقيام الزوجية إلى موت أحدهما، وإن كان ذلك الاستمتاع وقد وجد تمامه. وقد بينا أن المهر للملك، لا لنفس الاستمتاع، فوجب كماله وإن مات أحدهما، لما بلغ الملك نهايته. وعلى هذا يخرج قولنا فيما لم يسم لها المهر؛ إذ مهر المثل إنما هو بدل الملك. دليله: أنه يوجب لها المطالبة به عند قيامه وإن لم يسم به. وأصله: ما بينا من تعلق هذا الملك بالبدل حكمًا، وإن لم يكن تعلق به شرطًا، وقد وجد ثَمَّ.
وعلى هذا رُويَ عن ابن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، في ذلك، وقام معقل بن سنان فقال: " نشهد أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قضى في بروع بنت واشق بمثل الذي قضيت أنت ". فسر به عبد اللَّه لموافقة رأيه ما روي له عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وإذا ثبت ذلك فعلى ذلك، إذ المعقول بالنكاح أن تبذل المرأة نفسها له ليستمتع بها، فإذا جاءت الخلوة وجد تمام المقصود منها بالنكاح، على ما وجد في موت أحدهما، فيجب كمال المهر كما وجب بالأول، ويستوي في ذلك مهر المثل والمسمى. والله أعلم. وعلى ذلك فيما لم يوجب جعله بذل المنفعة، إذ هو قيمة البضع، ويجب قيمة الأشياء بإتلافها، ولم يوجد هاهنا. وعندنا: أنه وإن كانت قيمة ذلك فهي بدل ملك ذلك، لا بدل الانتفاع نفسه، إذ لا يجب في الزنى؛ ثبت أنه للملك يجب أو لشبهته، وقد وجد في الأول على تمام ما رجع إليه المقصود، وجب على ما مر بيانه. واللَّه أعلم. وأوجب قوم في المسماة بعد النكاح نصف المسمى إذا طلق قبل الدخول استدلَالًا بظاهر الآية. ولكن التسمية عند الناس إنما تكون في العقد حتى لا يعرف لها وجود غيرها، وهي التسمية في العقد، فهي المرادة في الخطاب، إذ هي المعروفة من الفرض، ثم غيرها بحق الاستدلال، فإن ألزم الدليل لها حق التسمية في العقد لزم، وإلا لا. ثم وجد جميع الأسباب التي تحتمل الاعتياض جعل ذكر الفرض بعد السبب كلا ذكر، فمثله أمر النكاح، فأوجب ذلك فساد التسمية، فلم يجب المسمى من بعد إلا حيث يوجبه الدليل، وقد قام دليل الوجوب عند وجود ما له حكم الدخول بها، يجب عند ذلك، وإلا لا. ثم وجه لزوم القول بما يخرج على أحوال أحديهما أن لهذا التسمية إذا جازت جازت بحق مهر المثل، إذ كل سبب ليس له عوض بالحكم لم يجز. ثم كان مهر المثل يسقط قبل الدخول بها، كذلك الواجب به. واللَّه أعلم. وأيضًا فإن الحكم يوجب تبيين مهر
المثل ليدفع إليها، إذ لها حق الامتناع إلا به، فاصطلاحها على ما سميا من بعد له حق ما في الحكم ذلك وهو التبيين، ولو بينه الحاكم لكان يسقط. فمثله هذا. واللَّه أعلم. والثالث: أنه معلوم أنه لو كان الذي في علم اللَّه تعالى من طلاقها، لو كان ظاهرًا وقت التسمية، لكان حقها عليه المتعة، ولم يكن يجب النظر إلى مهر المثل إلا من وجه تحديد المتعة. فكذلك إذا ظهر - واللَّه أعلم - وأمكن أن يقال: الأصل في ذلك أن المتعة ليس يوجبها الطلاق، ولكن النكاح يوجب، ثم كان الواجب بالنكاح مجهول، لا يدري أهو مهر المثل أو المتعة؟؛ إذ لا يجوز أن يجبا، ولا أن يوجب الطلاق أحدهما، لما هو بيان ذلك؛ فثبت أن الواجب في الحقيفة أحدهما، لكن لها مطالبة مهر المثل في الظاهر، ولها التسمية عنه بما العرف في النكاح أنه للدوام ثم هو للاستمتاع، فحمل الأمر على ذلك الظاهر وبه أجيزت التسمية. فلما ورد الطلاق قبل الدخول ظهر حقيقة الواجب، فبطل الذي كان بحق المهر، لما ظهر أن الواجب في علم اللَّه تعالى المتعة. واللَّه أعلم. وعلى أصل هذا المعتبر أمر المفروض الظاهر أنه نوع الإيمان، وذلك مما لا يزداد ولا ينتقص، فيجب بالطلاق نصف مهورهن. ثم إذا كان من نوع ما يزاد وينقص فيحدث أحد الوجهين، فليس في الكتاب تسمية ذلك النوع على المعروف، ولا القضاء فيه بشيء. ومعلوم أن ذلك لو كان في يدي الزوج ليجب نصف ذلك فيما كان الطلاق قبل الدخول بها، فيصير بحكم المفروض. وإن لم يكن بما كان حدث من الحق، أو بما كان في علم اللَّه تعالى أن الحق في ذلك النصف؛ إذ ذلك حكم الطلاق قبل الدخول بها على حق المنصوص، فيكون الذي حدث من النصف حقه، أو بما كان ذلك مهرًا والحادث محتمل جعله مهرًا، فهو فيه على ما عليه معتبر الحقوق من لحوق الفروع الأصول. فإذا كان ذلك بعد القبض فقد انتهى أمر الحق، وحدث ما حدث على ملكها، إذ على ذلك يحدث. فقلنا: لو نقص المهر في العين لكان يصير النصف له بحق بعض القبض فيه، ثم نقض العقد، وإذا كان كذلك لا يخلو أمر الزيادة من أن يرد عليه فيرجع بشيء لم يسلم إليها، وذلك فضل على ما أخذ من الحق يأخذه بالحكم، فيكون ربا؛ لأنه لم يسمه، ولا يسلم إليه، فزال المعنى الذي هو لها فيه، فيكون أخذه بلا عوض في عقد التبادل، فيصير ربا، ولو أبقى له على فسخ القبض في المهر والعقد فيصير ذلك لما فضل من أصل قد فسخ العقد فيه مما لم يكن لها إلا ببدل بلا بدل، وذلك وصف الربا، وقد حرم اللَّه الربا؛
فيجب بالضرورة جعل المفروض كالهالك، فيجب نصف القيمة ليزول معنى الربا. والله أعلم. وعلى ما ذكرت يخرج قول أبي يوسف، رحمه اللَّه تعالى، في العلة والهيئة: أنه يظهر الواجب في الحكم. وعند أبي حنيفة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، ذلك في حق النقض يصير كذلك، دليله: ما لم يكن يجوز فيه تقلب الزوج، لو كان منه، ثم النقض لا يرد على ما ليس له حكم المهر، فيبقى ذلك للمرأة على ما كان لها قبل الطلاق؛ إذ الطلاق نقض الملك في المهر، وليس ذلك بمهر. واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: والمذكور من المتعة فيما فيه الدخول يحتمل ما عليه في حال النكاح من الكسوة والنفقة، إلى تمام العدة، فتكون الآية في ذكر النفقة بعد الفراق؛ إذ لا يجوز أن يكون الطلاق سببًا لإيجاد حق غير واجب قبله. ويحتمل أن يكون في حق المتبرع شرط عليه ليكون تسريحًا بالإحسان على ما رغب في غير المدخول بها من الإتمام؛ إذ لا يجوز أن يكون ذلك بدلًا فيكون لملك واحد بدلين، مع ما جعل اللَّه تعالى الطلاق سببا لتخفيف الحقوق على الزوج، ورفع المؤنة، ورد الأمر إلى الغناء بالآخر بقوله تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ)، لم يحتمل به الوجوب، فيصير سببًا لإلزام المؤنة. ولا قوة إلا باللَّه. وقوله تعالى: (حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ). فيه دليل لأبي حنيفة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، حيث قال: إن الذمي إذا تزوج امرأة ولم يسم لها صداقًا، ثم طلقها قبل أن يدخل بها، لا متعة لها؛ لأن اللَّه تعالى إنما أوجب المتعة على المحسنين، والذمي ليس بمحسن. والدليل على أن المتعة إنما أوجبت تخفيفا، ومهر المثل لا؛ لأن مهر المثل أوجب على المرء احتمله ملكه أو لم يحتمل، والمتعة لم تلزم إلا ما احتمله ملكه؛ فبان أنها أوجبت تخفيفًا فإذا كان تخفيفا؛ لم يزد على مهر المثل. والثاني: أن المتعة أوجبت بدلًا عن نصف مهر المثل، ثم لا جائز أن يراد بالبدل المبدل، كما قيل في سائر الأبدال. واللَّه أعلم. والمتعة - هي ثلاثة أثواب؛ لأنه يخرجها من المنزل، وأقل ما تخرج المرأة من المنزل إنما تخرج بثلاثة أثواب.
فإن قال لنا قائل: إن الكتاب ذكر المتعة للمطلقة قبل المماسة إذا لم يفرض لها فرض، وذكر أنه في نصف المفروض إذا طلقها قبل المماسة، وأنتم أوجبتم كل المسمى وكل مهر المثل إذا خلا بها ولم يمسسها. قيل له: في الآية بيان وجوب المتعة في حال وبيان وجوب نصف المهر في حال، وليس في بيان وجوب النصف نفي وجوب الكل؛ لأنه إذا قيل: " لفلان نصف هذا الشيء "، ليس فيه دليل أن النصف الآخر ليس له، فإذا كان ما ذكرنا ليس لمخالفنا الاحتجاج علينا بظاهر الكتاب، ولا السنة إلى مخالفة الآية، فصار معرفة ذلك بتدبير آخر من جهة الكتاب، مع ما أنه لا يوجب المهر كله لعين المسيس، فكانا -نحن وهو- اتفقنا جميعًا على إيجابه لا بالكتاب. واللَّه أعلم. وإن شئت قلت: إن الخلوة لا توجب كمال الصداق، وإنما يوجبه صحة العقد. دليله: مطالبة المرأة الزوج بكماله بعد صحة النكاح؛ فدل أن وجوبه لا بالخلوة، ولكن بصحة العقد، فالكلام إنما وقع في إسقاط البعض، فيسقط إذا قام دليل الإسقاط. والله أعلم. وإن شئت قلت: إن المرأة لا تملك سوى تسليم نفسها إليه، فالعقد إنما وقع على ما يقدر على تسليمه إليه، ليس على ما لا تقدر؛ لأنها لا تقدر على تسليم الاستمتاع إليه؛ إذ لو كان العقد واقعًا على ذلك لكان يبطل؛ لأن من باع ما لا يقدر على تسليمه إلى المشترى لبطل العقد بأصله، فعلى ذلك عقد النكاح إذا جعل واقعًا على تسليم الاستمتاع إليه كان باطلًا كالبيع للمعنى الذي وصفناه. واللَّه أعلم. ثم اختلف في المرأة التي مات عنها زوجها ولم يدخل بها ولا فرض لها مهرًا: رُويَ عن عبد اللَّه بن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: لها مهر مثلها، وروى عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - " أنه قضى لبروع بنت واشق بمهر مثلها ". ورُويَ عن عليٍّ بن أبي طالب رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال: لها المتعة بكتاب الله تعالى. وقال: لا ندع كتاب اللَّه بقول أعرابي. ذهب - واللَّه أعلم - إلى أن الكتاب ذكر المتعة في الطلاق، ثم كان ذلك الحكم في غير الطلاق كهو في الطلاق؛ فعلى ذلك الفرقة التي وقعت بالموت توجب المتعة كوجوبها في الفرقة الواقعة في غير الطلاق، كقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، ذكر (المطلقات)، ثم
(237)
كانت التي وقعت الفرقة عليها بغير طلاق يلزمها ما يلزم المطلقة، ومثل ذلك كثير مما يكثر ذكره. واللَّه أعلم. وأما عندنا فإنه لا تلزم المتعة، ولكن يلزم مهر المثل لوجوه: أحدها: قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ)، ذكر في الطلاق قبل الدخول نصف المفروض، وفي الدخول كل المفروض؛ فعلى ذلك ما أوجب من الحكم في التي لم يدخل بها ولم يسم لها مهرًا دون ما أوجب في حكم الدخول. واللَّه أعلم. والثاني: أن المقصود بالنكاح إنما يكون إلى موت أحد الزوجين، فإذا كان كذلك لزم كل المسمى أو كل مهر المثل. واللَّه أعلم. والثالث: الخبر الذي ذكرنا: أنه قضى بمهر المثل، وخبر أمثال هَؤُلَاءِ مقبول إذا كانت البلية في مثله بلية خاصة، إذ بمثل هذا لا يبلى إلا الخواص من الناس؛ لذلك كان ما ذكرنا. وقوله: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) ذهب قوم إلى ظاهر الآية - أنه ذكر فيها (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ)، ولم يخص المفروض في العقد دون المفروض بعد العقد، فكله مفروض، فلها نصف المفروض سواء كان المفروض في العقد أو بعد العقد. وعلى ذلك قال قوم: إن الرجل إذا تزوج امرأة على جارية ودفعها إليها، فولدت عندها ولدًا، ثم طلقها قبل الدخول بها، أن لها نصف الجارية؛ لأن اللَّه تعالى قال: (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ)، وأنتم لا تجعلون له نصف ما فرضتم، فخالفتم ظاهر الكتاب. أما الجواب لمن جعل المفروض بعد العقد كهو في العقد فيما جعل لها نصف ما فرض، فإن الخطاب من اللَّه تعالى إنما خرج في المفروض في العقد لا في المفروض بعد العقد؛ الأنه لم يتعارف الفرض بعد العقد، فإذا لم يتعارف في الناس الفرض بعد العقد إنما يعارف في العقد، خرج الخطاب على هذا المتعارف فيهم، وهو المفروض في العقد، فيجعل لها نصف ذلك وما يفرض بعد العقد وإنما يفرض بحق مهر المثل، فإذا وجد الدخول وجب ذلك وإلا لم يجب.
وأما جواب من قال: بأنه إذا تزوجها على جارية ودفعها إليها، فولدت ولدًا، أن له نصف ما فرض - فإنا نقول: إن الآية ليست في الفرض الذي معه آخر ولدًا أو غيره؛ ألا ترى أن الجارية إذا كانت عند الزوج فولدت ولدًا فإن لها نصف الجارية ونصف الولد، والولد لم يكن في الفرض وقت العقد؟ فعلى ذلك الآية ليست في الجارية التي ولدت عندها، ولكن في الفرض الذي لا زيادة معه. ثم لا يخلو إما أن يجعل نصف الجارية لها دون الولد، فقد فسخ العقد في الأصل فبقي الولد بلا أصل، فذلك ربا. أو يجعل له نصف الجارية مع نصف الولد، وهو غير مفروض، واللَّه تبارك وتعالى إنما جعل له نصف ما فرض؛ فبطل قول من قال ذلك. واللَّه أعلم. قال الشيخ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، في قوله: (حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ)، قيل: يريد به المؤمنين فيكون في هذا التأويل دلالة على ما قاله أبو حنيفة. رضيَ اللَّهُ تعالى عنه: أن لا تلزم الذمي المتعة. وقيل: على من قصدهم الإحسان إلى الأزواج ويتقون الخلاف، لما كان عليه النكاح من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. واللَّه الموفق. واعتل قوم في حق العدة وكمال المهر، أنه ذكر فيه الطلاق لا على تخصيص الحكم له، بل بكل ما يكون به تسريحها فمثله يكون ذكر المماسة - لا على تخصيص، ولكن بكل ما يكون به تحقيقها. ولا قوة إلا باللَّه. قال: وقدرت المتعة في الاختيار بالقدر الذي كان يمتعها بالإمساك، إذ لا بد من كسوتها، ليعلم أن ليس للفرار عن ذلك الحق يطلق، أو بما به يخرجها من منزله فأمر أن يمتعها بما به التي تخرج من المنازل. وأقل ذلك ثلاثة أثواب. واللَّه أعلم. وفي هذه الآيات دلالة واضحة على أن الشيء التافه لا يحتمل أن يكون مهرًا؛ لما أوجب عند العدم، فيما لا تسمية فيه، الشيء الخطير، وهو الذي يمتعها، وأقل ما تمتع هى له فيه ثلاثة أثواب وفيما سمى أمرا عند ذلك بالعفو وجب، لا يحث على العفو عنها، ولا يرغب بين الزوجين إلا الأخذ بالفضل بمثله دل أن لذلك حدَّا قد يجري بمثله التنازع، فيرغبون في إبقاء ذلك واختيار ما به التآلف على أن اللَّه - جل ثناؤه - قد جعل بناء النكاح بالأموال وبها أحل، وقال في ذي العذر: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ. . .) الآية، ولو كان بحبة طول حرة لكان لا أحد يعجز عنها فيشترط ذلك في
تزويج المملوكة وبخاصة على قول من لا يبيح إلا بالضرورة، فمن رأى يضطر إلى حبة يتوق إلى الاستمتاع فضلا من أن يتخير، ثم على ذلك قال في الإماء: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) والحبة معلوم أنها أنكر من المنكر؛ فثبت أن مهر الحرائر بمن ويظهر في أهل الحاجة، وأن القول بجعل الحبة مهرًا تامّا ووصف ملكها بملك الطول قولًا مهجورًا، لا معنى له. وبعد فإن الناس قد أجمعوا على أنها لا تملك (المعروف) ببضعها، والبدل للزوج بلا بدل يلزمه، فصار كمتولي العقد على ما ليس لها، وحظ القليل في مثله والكثير في المنع واحد. فقياس ذلك ألا يكون الحط من مهر مثلها، والحبة لا تكون مهر مثل أخبث امرأة في العالم، فلا يجيء أن يجوز الحط ولكن أجيز العشرة بالاتفاق، ولم يجز الأكثر للتنازع، وقد بينا الفساد من طريق التدبير. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ). قيل: المرأة. وقوله: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ). اختلف أهل التأويل فيه: قال علي وابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنهما هو: الزوج - وقال قوم: هو الولي. وأمكن أن يكون قول من قال بأنه الولي؛ لما أن المهور في الابتداء كانت للأولياء. دليل ذلك قول شعيب لموسى: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ)، شرط المهر لنفسه، وكما روي من الشغار، ثم نسخ من بعد وصار ذلك للنساء بقوله تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا) وقوله: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا)، وقوله: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا)، ولأنهم أجمعوا على ألا يجوز لأحد المعروف في ملك الآخر إلا بإذنه؛ فعلى ذلك لما ثبت أن المهر لها لا يجوز للولي المعروف فيه. وقوله: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ)، يعني المرأة تترك النصف ولا تأخذ منه شيئًا. وقوله: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)، يعني الزوج يجعل لها كل الصداق، يقول: كانت في
حبالتي ومنعتها من الأزواج. وتترك المرأة له النصف، فتقول: لم ينظر إلى عورتي، ولا ْتمتع بي. وهو على الإفضال، وعلى ذلك يخرج قوله تعالى: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)، أن يتفضل أحدهما على الآخر بترك النصف أو بإتمام الكل، ومعنى قوله (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)، أي لا تنسوا الفضل الذي في ابتداء الأمر؛ لأن أمر النكاح في الابتداء مبني على التشفع والإفضال، فرغبهما عَزَّ وَجَلَّ على ختم ذلك على الإفضال على ما بُني عليه. واللَّه تعالى أعلم. وفيه دلالة على أن (العفو) هو الفضل في اللغة، وهو البذل، تقول العرب: عفوت لك، أي: بذلته. فإن كان (العفو) هو البذل فكان قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) أي ترك له وبذل، (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ)، يكون فيه دليل لقول أصحابنا - رحمهم اللَّه تعالى - في ذلك. وقوله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى). معناه - واللَّه أعلم -: حق على المتقي أن يرغب فيه، وكذا قوله: (حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ)، أن يرغب فيه. ثم لإضافة ذلك إلى الرجال وجهان: أحدهما: لما أنهم هم الذين تركوا حقهم، ومن عندهم جاء هذا التقصير. والثاني: أن في تسليم ذلك من الرجال الكمال، وهم في الأصل موصوفون بالكمال، ومن عندهم يستوفى ما فيه الكمال. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى - في قوله: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى): يحتمل اشتراك الزوجين في ذلك، لا معنى الأخذ بالعفو والفضل أولى لمن يريد اتقاء دناءة الأخلاق، أو أولى الفضل ممن أكرم باتقاء الخلاف لله تعالى. ويحتمل: الأزواج بما قد ضمنوا الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان، فهو أقرب إلى وفاء ذلك واتقاء الخلاف له، على أن سبب الفراق جاء منه، فذلك أقرب لاتقاء الجفاء منهم، وأظهر للعذر لهم فيما اختاروا. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). حرف وعيد عما فبه الئعدى ومجاوزة الحدود والخلاف لأمره.
(238)
قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) وقوله: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) و (المحافظة) هو المفاعلة والمفاعلة هي فعل اثنين. فهو - واللَّه أعلم - أنه إذا حفظها على وقتها ولم يسهو عنها حفظته، وهو كما ذكر في آية أخرى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ). وفي حرف ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: (إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر). فعلى ذلك إذا حفظها على أوقاتها مع أحكامها وسننها، ولم يدخل ما ليس فيها - من الكلام، والالتفات، وغير ذلك مما نهي عنه - حفظته. وكذلك قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ)، وقوله: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ)، من المفاعلة، فإذا بادر إليها بدرت إليه. وباللَّه التوفيق. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى). اختلف أهل العلم في تأويله: قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى)، أراد كل الصلاة لا صلاة دون صلاة. وهو - واللَّه أعلم - أن الصلاة هي الوسطى، هي من الدِّين. وهو على ما جاء: الإيمان كذا كذا بضعة، أعلاها كذا كذا، وأدناها كذا، فعلى ذلك قوله: والصلاة هي الوسطى من الدِّين، ليست بأعلاها ولا بأدناها، ولكنها الوسطى من الدِّين. وقال آخرون: (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى)، هي صلاة العصر. وعلى ذلك رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " هي العصر ". وذكر في حرف حفصة - رضي اللَّه تعالى عنها -:
أنها هي صلاة العصر. وقال قائلون: هي الفجر؛ ذهبوا في ذلك إلى أن النهار يجمع الصلاتين، والليل بطرفيه كذلك، فالفجر أوسطها. وكذلك رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه قال: هي الفجر. وقال آخرون: هي الظهر؛ ذهبوا في ذلك إلى أنها إنما تقام وسط النهار، فسميت بذلك. وكذلك رُويَ عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه قال: هي صلاة الظهر. ومن قال: هي العصر، ذهب في ذلك إلى ما روى من الخبر، وإلى أن العصر هي الواسطة من صلاتي النهار وصلاتي الليل لأن صلاتين بالنهار قبلها، وصلاتين بالليل بعدها، فهي الواسطة. والقياس: أن تكون هي المغرب؛ لأن الظهر سميت أولى، والعصر تكون الثانية، فالمغرب هي الواسطة. لكن لم يقولوا به. وفيه دلالة أن الصلاة وتر؛ لأن الشفع مما لا وسطى له. ثم جهة الخصوصية - أيها كانت؟ فإن كانت عصرًا: فهو ما ذكر أن الكفرة حملوا على أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في صلاة العصر، فلم يتهيأ لهم إقامتها، فقالوا: احفظوا عليهم صلاة هي أكرم عليهم من أنفسهم وأموالهم. فظهر بهذا أن لها فضلاً وخصوصية من عند اللَّه ورسوله. وما روي في الخبر أيضا من قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " من فاتته العصر وتر أهله وماله ". فإن كانت فجرًا؛ فلأن الكتاب ذكرها بقوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)، ولما قيل: إن ملائكة الليل والنهار يشهدونها، فظهرت لها الخصوصية والفضل.
ومن قال: إنها ظهر، ذهب إلى خصوصيتها وفضيلتها ما جاء عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يصلي قبل الظهر أربعا إذا زالت الشمس، وقال: إن أبواب السماء تفتح في ذلك الوقت. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى - في قوله: (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى): تكلم فيه بوجهين: أحدهما؛ أن الصلاة هي الوسطى، من أمر الدِّين فهي على أن الأرفع من أمر الدِّين هو التوحيد والإيمان وذلك هو الذي لا يرتفع بعذر، ولا يسقط بسقوط المحنة، إذ ذلك في الدارين جميعًا وهو الإخلاص، ونفى جميع معاني الخلق به عمن يوحده ويؤمن به وسائر العبادات قد يقدم مع وجود أمور الدنيا والدِّين والمعاش معها وفي حالها بالذي به قوامها، والتوحيد لا، ثم الصلاة مما بها ترك جميع ما ذكرت في حال فعلها فيما به فعلها، فهي تشبه الإيمان من هذا الوجه، ثم تسقط هي للأعذار، ولا تجب في غير دار المحنة على ما عليه أمر غيرها من العبادات؛ فصارت بذلك الوسطى من أمر الدِّين. والله الموفق. والثاني: أن تكون هي صلاة من جملتها، فتذكر بحرف التخصيص لها من الجملة، لوجهين: أحدهما: لبيان جملة الفرائض أنها وتر، لا الشفع؛ إذ لا وسطى للشفع، فيكون في ذلك بطلان قول قوم أنكروا العدد لها، وقوم زعموا أنها صلاتان في الجملة. واللَّه أعلم. والثاني: أن يراد بذلك التفضيل للصلاة من الصلوات في الحث على فعلها والترغيب في محافظتها، ويجيء أن تكون تلك معروفة عند الذين خوطبوا، إما بالاسم أو بحال من النوازل؛ لأنه لا يحتمل أن يرغب في فعل لا يعلم حقيقة ذلك. واللَّه أعلم. ثم يكون لاختلاف من لم يشهد النوازل التي عرفت المراد، فقال كل مبلغ جهده فيما أدى إليه رأيه من الترغيب في الفعل أنه على ذلك، لكنهم اختلفوا: فمنهم من اعتبر بالركعات، فقال: أكثرها أربع، وأقلها ركعئان، والوسطى منها ثلاث، فصرف التأويل إلى المغرب. واستدل في الترغيب بما جاء " إن اللَّه وتر يحب الوتر " وبما جاء من الترغيب، في تعجيلها والمبادرة في فعلها، حتى لم يؤذن بالاشتغال عنها عند
هجوم وقتها لنافلة وللحاجة. وذلك بعض ما يعرف من معنى المحافظة، وهي أن الصلوات جعلن متصلات الأوقات، وهي الوسطى منهن. واللَّه أعلم. وقوم ردوا إلى صلاة الفجر بما في ذلك من الترغيب والتخصيص بالأمر، كقوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)، وما أخبر من شهود ملائكة الليل والنهار، ولأن وقتها الوسط من أحوال الخلق، إذ أحوالهم تكون سكونًا مرة، وانتشارًا ثانيا، وبذلك ختم أوقات السكون وافتتاح أحوال الانتشار، ووسط الشيء: هو الذي فيه حظ الحواشي، وقد وجد ذلك في وقت هذه الصلاة. واللَّه أعلم. ومنهم من صرف إلى العصر بما جاء في ذلك من الترغيب ومن الوعيد في ترك ذلك، وبها ختم أحوال الزلات التي تدخل في المكاسب، فتكون بها التوبة عنها والاستغفار منها. ولا قوة إلا باللَّه. وقوله تعالى: (حَافِظُوا) على مخاطبة الجملة على الاشتراك؛ إذ المفاعلة اسم ذلك على تضمن الترغيب في الجماعات، أو على لزوم كثرة عدد الصلاة، أو على ما خرج الأمر بالمسارعة إلى الخيرات والمسابقة لها، وكل في ذلك - واللَّه أعلم - على أن الظهر سميت أولى، فعلى ذلك تكون المغرب الوسطى. وقوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ). قيل: خاشعين خاضعين فيها، لا يدخل فيها ما ليس منها؛ وعلى ذلك رُويَ عن زيد ابن أرقم، أنه قال: كنا نتكلم في الصلاة على عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فلما نزل قوله: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)، مطيعين أمرنا بالسكوت في صلاتهم خاضعين خاشعين، ونهي عن الكلام؛ وعلى ذلك سمي الدعاء قنوتًا. وقال آخرون: (قَانِتِينَ)، أي مطيعين. وذلك ما قيل: إن أهل الأديان يقومون في
(239)
صلاتهم خاضعين ساهين، فأمر أهل الإسلام أن يقوموا مطيعين. و" القنوت " هو القيام، على ما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه سئل عن أفضل الصلوات، فقال: طول القنوت. وأصل القنوت - ما ذكرنا - هو القيام، غير الذي يقوم لآخر، يفوم على الخضوع والخشوع والسكوت. وليس في الآية أنه أمر بذلك في الصلاة، غير أن أهل التأويل صرفوا إلى ذلك؛ لأنها ذكرت على أثر ذكر الصلاة. وكذلك قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا (239) ليس فيه أن ذلك في الصلاة، لكنهم صرفوا إليها ذلك؛ لأنه ذكر على أثر ذلك الصلاة. ثم اختلف فيه: قالوا: (رُكبَانًا) على الدواب، حيثما توجهت بهم الدواب يصلون عليها في حال السير والوقوف. وعلى ذلك جاءت الآثار من فعل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وفعل الصحابة، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، في النوافل، فتكون الفرائض عند العذر به مرادة بالآية، بل على ما ظهر فعل النوافل في غيره بالسنة. وأما قوله: (فَرِجَالًا) فمما اختلف فيه: قال: ما يكون (فَرِجَالًا)، فمشاة، وهو من الرجل وترجل: مشى راجلا. وأما عندنا: فهو على المعروف من الصلاة على الأرجل والأقدام قيامًا وقعودًا، لا يزال عن الظاهر. والمعروف الذي عرف الفعل به على ما عرف من الصلاة على الأرجل.
وقوله: (رُكْبَانًا) على ما عرف عن الركوب، وهو في حال السير، ولم نر الصلاة تقوم مع المشي فيها. فَإِنْ قِيلَ: صلاة الخوف فيها مشيٌّ، فقامت. قيل: إن المشي ليس في فعل الصلاة؛ لأنهم في الوقت الذي يمشون لا يفعلون فعل الصلاة، وهو كما يقال: إن الصلاة لا تقوم مع الحدث، فإذا أحدث فيها فذهب ليتوضأ، ليس هو في وقت الحدث مصليًا، وإن بقي في حكم الصلاة. فعلى ذلك المشي في صلاة، ليس هو في فعل الصلاة، وإن كان باقيًا على حكم الصلاة؛ واللَّه أعلم. وقوله: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) يحتمل: قوله (كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) وقوله (فَاذْكُرُوا) يحتمل: أن يصرف إلى الصلاة، أي: صلوا كما علمكم أن تصلوا في حال الأمر. ويحتمل: أن يصرف إلى غيره من الأذكار، كقوله تعالى: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ). ويحتمل: أن يصرف إلى الشكر، أي: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، واشكروها بي، كقوله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ). واللَّه أعلم. وفي قوله: (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)، وقوله: (عَلَّمَ الْقُرْآنَ)، و (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)، دليل أن اللَّه تعالى صنع في فعل العباد حيث أضاف التعليم إلى نفسه، وهو أن خلق فعل التعليم منه؛ إذ لو لم يكن منه فيه صنع لكان أضيف ذلك المعلم دون البيان؛ فدل إضافته إليه على أن له فيه فعلًا. نعوذ باللَّه من السرف في القول والزيغ عن الهدى. قال الشيخ، رحمه اللَّه تعالى، في قوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ). أي: صلوا له كما علمكم من الصلاة في حال الأمن، إذ معلوم تقدم الأمر بالصلاة وتعليم حدودها. (وَقُومُوا) في الرخصة في التخفيف بحال العذر. ويحتمل: اذكروا اللَّه بشكر أنما أمنكم كما علمكم من الشكر له في النعم، وأى ذلك كان فهو الذي علمهم بعد أن كانوا غير عالمين به. واللَّه أعلم. ودل إضافة التعليم في هذه الآية، وكذلك في قوله: (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)، وقوله: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ)، إليه على وجود الأسباب من اللَّه تعالى له في الأمرين على أن كان من اللَّه تعالى في أحد الأمرين ما ليس منه في الآخر، ومعنى الأسباب فيهما واحد؛ ثبت
(240)
أنه على خلق فعل التعليم ونفيه. واللَّه تعالى أعلم. * * * قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) وقوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) قد ذكرنا فيما تقدم أنها تخرج على وجهين: على النسخ بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا). ويحتمل: على نسخ الوصية خاصة دون نسخ العدة، وأن الأمر بالاعتداد في الآيتين أمر واحد - أربعة أشهر وعشرًا، ونسخ الوصية بآية الميراث وبقول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لا وصية لوارث ". وفيه دلالة: أن للموصَى له خيارًا بين قبول الوصية وبين ردها. وفيه أيضا: أن له أن يردها إذا قبل بقوله تعالى: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ)، إذ في الخروج ردها وذلك بعد القبول. وقوله: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، قد ذكرنا فيما تقدم أنها تحتمل وجهين: تحتمل: ما فعلن في أنفسهن من معروف، من التشويف والتزيين. وكذلك روى في حرف ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -: " لا جناح عليهن أن يتشوفن ويتزين ويلتمسن الأزواج ". ويحتمل: وضعهن أنفسهن في الأكفاء بمهر مثلهن. واللَّه أعلم. وقوله: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) تحتمل الآية أن تكون في المطلقات المدخولات بهن وقد فرض لهن أن يأمر الأزواج
(242)
بالمتعة ندبًا، لا وجوبًا، على ما رُويَ عن الحسن بن علي - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه متع بعشرة آلاف، على ما رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ وابن عمر، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهما، أنهما قالا: إن كنت من المتقين ومن المحسنين فمتعها. فهو أمر ندب، لا أمر إيجاب يجبر على ذلك. وإن كانت في المطلقة التي لم يدخل بها ولا فرض لها صداقًا فهو على ما يقوله - وهي واجبة يجبر على ذلك؛ فتخرج هذه الآية والتي قبلها، قوله تعالى: (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ)، على مخرج واحد، غير أن في إحديهما بيان قدر المتعة، وليس في الأخرى سوى ما ذكر. ويحتمل وجه آخر: وهو أن الأمر بالمتعة أمر بالإنفاق عليها والكسوة لها إذا دخل بها، ما دامت في العدة. أو على الاختيار على ما ذكرنا، لا على الإيجاب؛ إذ لو كان على الوجوب لكان في ذلك إيجاب بدلين -الصداق والمتعة- ولم يعرف عقد من العقود أوجب بدلين؛ فكذلك هذا. واللَّه أعلم. والثاني: أن الطلاق سبب إسقاط، لا سبب إيجاب. فإذا كان كذلك لم يجز أن يوجب السبب الذي هو سبب الإسقاط؛ لذلك لم يجب. واللَّه أعلم. وقوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) ما سبق ذكره من الأحكام من الأمر بالاعتداد، والإنفاق عليهن، والتمتع وغير ذلك (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، أمره ونهيه. قال الشيخ، رحمه اللَّه تعالى، في قوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ): أي كما يبين في هذا يبين في جميع ما يعلم لكم إلى بيان ذلك حاجة على قدر ما أراد من البيان -من بيان كفاية أو مبالغة- ليعلم أن جميع ما إليه بالخلق حاجة داخل تحت البيان، يوصل إلى ذلك بقدر ما تحتمله العقول على ما يكرم اللَّه المجاهدين فيه في طلب مرضاته.
(243)
ولا قوة إلا باللَّه. * * * قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245). وقوله: (أَلَمْ تَرَ)، حرف تعجب وتنبيه، ليتأمل فيما يلقى إليه مما أريد الإنباء عنه، أو فيما قد كان سبق الإنباء عنه، ليتجدد بالنظر فيه عهدا. وعلى ذلك المعروف من استعمال هذه الكلمة، وكذلك وجه تأويله إلى الخبر مرة وإلى العلم به ثانية، وإلى النظر فيه ثالثاً، على اختلاف ما قيل. وفيه كل ذلك. واللَّه تعالى أعلم. قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ)، " ألم تخبر "، و" ألم تنظر "، ومثل هذا إنما يقال عن أعجوبة. فالقصد فيه - واللَّه تعالى أعلم - أنه جواب قوله: (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا)، أخبرهم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عن قصة هَؤُلَاءِ: أن جهلهم بآجال أُولَئِكَ حملهم على هذا القول؛ مثل جهل بني إسرائيل بآجالهم حملهم على الخروج من ديارهم حذر الموت، ثم لم ينفعهم ذلك بل أُميتوا. كذلك هذا. ثم اختلف في قصة هذه: قَالَ بَعْضُهُمْ: أخرجوا فرارًا من الجهاد في سبيل اللَّه، فأماتهم اللَّه، ثم أحياهم، وأمرهم أن يخرجوا إلى الجهاد في سبيل اللَّه. وقال آخرون: وقع الطاعون في قريتهم، فخرج أناس وبقي أناس، فمن خرج أكبر ممن بقي، فنجا الخارجون، وهلك الباقون، فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلا قليلًا، فأماتهم اللَّه، ثم أحياهم. فلا تدري كيف كانت القصة. فإن كانت القصة في الفرار من الجهاد في سبيل اللَّه، وله نظير في الآيات، قوله تعالى: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى
مَضَاجِعِهِمْ)، وقوله: (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ)، وقوله: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) وقوله: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)، ومثله كثير في القرآن. وإن كانت القصة في الطاعون، فقد جاء الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: " إذا كنتم في أرض وفيها وباء فلا تخرجوا فرارًا منها ". " وإذا لم تكونوا فيها فلا تدخلوها ". ومعناه واللَّه أعلم: أنهم إذا كانوا فيها يخرجوا مخرج الفرار إن تحولوا، أو أن الفرار أنجاهم إن لم يكونوا فيها فدخلوا فأصابهم فأماتهم اللَّه، يظنون أنهم إذا لم يكونوا فيها لم يصبهم ذلك. ففي الوجهين سيان القضاء. وقد جاء: " أن لا عدوى ولا هامة ". فَإِنْ قِيلَ: رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنه كان إذا مر على حائط مائل أسرع المشي، كيف نهى عن الخروج عن أرض فيها وباء وطاعون؟ قيل: إن كل ما كان مخرجه مخرج آية وفيها إهلاكهم فذلك لا يكون إلا بأمر سبق
منهم، فحق مثله الفرار إلى اللَّه، لا إلى غيره. وأما انكسار الحائط فليس لأمر سبق منه، فجائز أن يأخذ منه حذره. هذا هو الفرق بينهما. واللَّه تعالى أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: ويجوز أن يكون فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ليعلم أن مثله من الخوف لا يعد نقصانا في الدِّين؛ وذلك كالعدة تتخذ للحرب والأغذية للبدن، لا على ظن باللَّه أنه لا يملك الحياة دونها أو قهر العدو، ولكن على التأهب والائتمار؛ إذ قد جعل الذي خيف فيه والذي رجى. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ)، حين أحياهم بعد ما أماتهم، وذلك فضل منه. و (لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ)، بكل نعمة أنعمها عليهم، يستحق الشكر من الخلق بذلك. هذه الآية على المعتزلة إذ قالوا: ليس لله أن يفعل بخلقه إلا الأصلح لهم في الدِّين، ولو فعل غير ذلك كان جائزا. فإذا كان هذا عليه، فأنى يكون الأفضل؛ وإنما يقال (ذو فضل)، و (ذو مَنٍّ)، إذا أعطى ما ليس عليه. وأما من أعطى ما كان عليه لا يقال: إنه (تفضل) أو (مَنٍّ)، كمن يقضي دينًا عليه لآخر لا يستوجب الشكر بذلك، لأنه قضى ما كان عليه قضاؤه؛ فكذلك اللَّه تعالى إذا أخبر أنه (ذو فضل) و (ذو مَنٍّ) لم يكن ذلك عليه، فاستوجب الشكر على الخلق بذلك. وباللَّه التوفيق. ثم الكلام في أن أُولَئِكَ ماتوا بآجالهم، أو لا بآجالهم؟ قالت المعتزلة: لم تكن آجالهم. ومن قولهم: أن لكل أحد أجلين: إن قتل فأجله كذا، وإن مات فكذا. قيل: ذلك تأجيل من لا يعلم أنه يقتل أو يموت، فإذا علم اللَّه أنه يموت لم يكتب له أجل القتل. وكذلك ما روي في الخبر: " أن صلة الرحم تزيد في العمر ". إذا كان في علم اللَّه تعالى في [الأزل] أنه يصل الرحم فكتب عمره أزيد ممن يعلم في [الأزل] أنه
(244)
يقطع ولا يصل؛ إذ لو حمل ذلك على ما يقولون هم لخرج فعله فعل من يجهل العواقب. فَإِنْ قِيلَ: فلِمَ يلام القاتل إذا قتل غيره بغير حق؟ قيل له: لأنه كتب أجل المقتول بقتل هو معصية بما علم اللَّه أنه ينقضي به. وكتاب الآجال هو بيان النهايات والأعمار. وقوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) قد ذكرناه متضمنًا فيما تقدم. وقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) عامل اللَّه تعالى بلطفه وكرمه الخلق معاملة من لا حق له في أموالهم، لا كمعاملة العباد بعضهم بعضًا، وإن كان العبيد وأموالهم كلهم له حيث طلب منهم الإقراض لبعضهم من بعض ثم وعد لهم الثواب على ذلك فقال: (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً). ثم لما سمع اليهود ذلك قالوا: إن إله مُحَمَّد فقير، وهو قوله: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا ِإنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ). ومرة قالوا لما رأوا الشدة على بعض الناس فقالوا: إنما يفعل ذلك ببخله حيث قالوا: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ). فرأوا المنع إما للبخل وإما للفقر. فأكذبهم اللَّه في قولهم ذلك فقال: (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ). قيل: (يَقْبِضُ)، أي يقتر، (وَيَبْسُطُ)، أي يوسع. وقيل: (يَقْبِضُ) ما أعطى، أي يأخذ. و (وَيَبْسُطُ) ويترك ما أعطى، ولا يأخذ منه شيئًا. وقيل: إنها نزلت في أبي الدحداح؛ وذلك أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " من تصدق بصدقة فله مثلها في الجنة. فقال أبو الدحداح: إن تصدقت بحديقتي، فلي مثلها في الجنة؟ فقال: نعم. وقال: وأم الدحداح معي؟ قال: نعم. وقال: والصبية معي؟ قال: نعم. فرجع أبو الدحداح فوجد أم الدحداح والصبية فيها، فقام على باب الحديقة، فنادى: يا أم الدحداح إِنِّي جعلت حديقتي هذه صدقة، واشترطت مثيلتها في الجنة، وأم الدحداح
والصبية فيها معي. قالت: بارك اللَّه لك فيما شريت، وفيما اشتريت أربيت. فخرجوا منها، فتركوا ما كانوا اجتنوا منها، وسلموا الحديقة للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. فنزل قوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا. . .) الآية. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى - في قوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) الآية، في توجيه الآية إليه: فمنهم من يوجهها إلى جميع المحاسن يؤثرها ويختارها لله، فله أضعاف ذلك في الموعود - آجلا وعاجلا - فالآجل ما وعد، والعاجل ثناء الناس وجلالة القدر له في القلوب، متعارف ذلك للأخيار. وسماه قرضا بما هو اسم المعروف، ليذكره عظم نعمه عليه، إن قبله قول المعروف بالشكر له في ذلك، وإن كان ذلك حقا له عليه. واللَّه أعلم. والثاني: ليعرف الخلق كيفية الصحبة والمعاشرة بينهم. إن اللَّه تعالى عامل عبده فيما هو له معاملة من يستحق الشكر منه بما يسدى إليه من النعم، ولله حقيقة ذلك، ليعقل الحكماء أن مثل ذلك في معاملة الإخوان، وفيما كان نعمه في الحقيقة أوجب وأحق، وليعظموا المعروفين بالمعروف بما أكرمهم اللَّه تعالى بالأسماء الجليلة. ولا قوة إلا باللَّه. ومنهم من يوجهها إلى الصدقات خاصة؛ سماها قرضا لوجوه: أحدها: أن جعل معاملة الفقراء والتصدق عليهم معاملة اللَّه تفضيلا لهم، على ما نسب مخادعة المؤمنين إلى اللَّه تعالى تعظيمًا لهم، فمثله الصدقة. ثم وعد فيه العوض لتصير الصدقة بمعنى الإقراض، إذ يرجع في عوضه، فيزول وجه الامتنان عن الفقير بما يأخذ منه البدل. وباللَّه التوفيق. والثاني: سمى ذلك قرضًا بما هو له على ما لم يزل اللَّه تعالى عود به عباده بالذي عرفوا به كرمه وجوده حتى سمى تسليم الذي له في الحقيقة قرضا كالتسليم إلى من لا حق له في الحقيقة، وعلى ذلك أمر الشراء بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)، واللَّه أعلم. والثالث: أنه ذكرهم وجه القصد في الصدقات، والموقع لها، ليكون ذلك تبينًا لعظيم منه الفقر عليه إذ وصل به إلى اللَّه ذكره وأجل محله عنده، فيصير عنده أحد الأعوان له والأنصار على عظيم الموعود وجليل القدر عند اللَّه. فيحمده على ذلك ويشكر له دون أن يمن عليه أو يؤذيه. واللَّه الموفق.
(246)
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248). وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246). في هذه الآية والتي قبلها قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) دلالة إثبات رسالة مُحَمَّد عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات؛ لأن القصة فيهم كانت ظاهرة في أهل الكتاب، ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يختلف إلى أحد منهم، ولا نظر إلى كتبهم، ثم أخبر على ما كان، دل أنه إنما عرف ذلك باللَّه عَزَّ وَجَلَّ. ثم فيه دلالة: أن كل نبي منهم كان إنما يشاور الأشراف من قومه والرؤساء منهم، وإليهم يصرف تدبير الأمور، ولا إلى السفلة منهم والرُّزالة. وفيه دلالة أيضًا: أن الأنبياء، صلوات اللَّه عليهم وسلامه، لم يكونوا يتولون الجهاد والقتال بأنفسهم، ولكن الملوك هم الذين يتولون ذلك. ثم الملوك هم الراجعون إلى تدبيرالأنبياء والرسل، عليهم الصلاة والسلام، في أمر الدِّين والآخرة، حيث سألوا (ملكا) يقاتلون معه عدوهم. ذكر أن كفار بني إسرائيل قهروا مؤمنيهم فقتلوهم وسبوهم وأخرجوهم من ديارهم وأبنائهم، فمضوا زمانًا ليس لهم ملك يقاتل عدوهم، فقال النبي لهم، وهو من نسل هارون ابن عمران أخى موسى: (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ) عدونا، فقال لهم نبيهم: (هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا) استخبار عن سؤالهم الذي سألوا، أحق هو أم شيء
(247)
أجروه على ألسنتهم من غير تحقيق، لئلا يستوجبوا العذاب بتركهم ذلك إذا أجيبوا وأعطوا ما سألوا وتمنوا؛ لما عرف من شدة القتال مع العدو والجهاد في سبيل اللَّه، وكراهية ذلك في كل قوم إلى أن بينوا أنهم عن حق سألوا لما تبينوا العلة التي حملتهم على ذلك، وغاية رغبتهم فيها، وما لأجله كان السؤال، إن قالوا: (وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا)، من القتل، وأخذ الأموال وسبي الذراري. قوله تعالى: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ)، أي: فرض، (تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)، فيه دلالة على أنه قد كان فيهم ما كان في هذه من قوله: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ)، من كراهية القتال والجهاد في سبيل اللَّه. وقيل: (تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نفرًا لم يتولوا عما سألوا. ثم قال لهم نبيهم. قوله تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا (247) قيل: سمي " طالوتا " لطوله وقوته. وقوله: (قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ). يتوجه مثل هذا الكلام وجهين: أحدهما: على الإنكار، فلا يحمل على الإنكار؛ لأنه كفر. والثاني: على الاسترشاد وطلب العلم لهم منه في ذلك عن جهة جعله له ملكًا، لما قد عرفوا أن لا يستوجب الملك، ولا يولى إلا أحد رجلين: إما بالوراثة من الآباء، أو بالسعة في المال، لذلك قالوا: (وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ)، لأنهم كانوا أبناء الملوك وأرباب الأموال. ثم بين لهم - عَزَّ وَجَلَّ - أن جهة الاختيار ليس إليهم، وأن سبب الملك ليس ما ذكرنا دون غيره، بل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يختار من يشاء لذلك بأسباب سوى ما ذكروا بفضل علم وبفضل قوة، حيث قال: (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ). قرر عندهم أن الملك يحتاج إلى فضل علم وفضل قوة.
ثم يحتمل قوله: (بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ)، علم الحرب والقتال. ويحتمل: علم الأشياء الأخر على حفظ الرغبة وغيره. قال الشيخ، رحمه اللَّه تعالى، في قوله: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ): فهو - واللَّه أعلم - لأي معنى جعل له الملك علينا؛ أو كيف يكون له الملك علينا، ونحت بظاهر الأسباب التي تحقق الملك أملك، فنكون بها أحق بالملك منه فبين اللَّه أن المعنى الذي له صار أحق بالملك منهم في ذلك الأمر. واللَّه أعلم. والحرف (أَنَّى) وإن كان مما يتعارف في الإنكار فليس هو كذلك في الحقيقة؛ إذ قد أخبرهم من هو نبي عندهم، ومن تقرر عنده نبوة أحد لا يحتمل تكذيبه إياه في هذا. والله أعلم. وقد يحتمل كون أهل النفاق فيهم، فيكون منهم الإنكار أيضًا كما كان أمثال ذلك في عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يؤيد سؤالهم الآية حتى قال: (إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ) كذا. واللَّه تعالى أعلم. ويؤيد ذلك كثرة مخالفتهم إياه لما امتحنوا بالنهر. واللَّه الموفق. وفي هذا ونحو ذلك دلالة جواز الآيات بغير الرسل إذا كان فيها تصديق الرسل، وكذلك قصة مريم، وكذلك عمل صاحب سليمان، وغير ذلك مما جاء به الكتاب، لكن ذلك يجوز إذا كان منهم تصديق الرسول، فيكون في التحقيق كآيات لهم ظهرت على ألسن غيرهم أو أيديهم. ومن أراد بها ادعاء الرسالة لنفسه فيعجز عن ذلك، بل لا يكرم اللَّه بها من يعلم أنه يدعو إلى تصديق الكذب ومضاهاة الرسل. وبهذا يجاب لمن يعارض بمن يتعلم القرآن، ثم يأتي موضعًا لا يعرف فيحتج به في نبوته، مع ما في ذلك أوجه تمنع الاحتجاج به من ذلك، بما فيه من الإخبار عن الأسئلة والإنباء عن أمور لا توجد هنالك - واللَّه أعلم - وبما لايعلم أوله أنه من تعلم تقدم منه إلى من هو حجة له، أو عن وحي إليه، إذ لم يكن امتحن من قبل. والحجة ما يخرج من المعتاد وحمل الطبيعة، يكرم بها وقت الدعوة بلا سبب سبق منه في مثله ولا عناية. ولا قوة إلا باللَّه. وبعد فإنه قد ظهر في جميع من لسانه ذلك اللسان ممن لا يطاق الدفع لمثله ولا إنكار وانتشر أمر الآتي به، فيظهر بذلك كذبه، ويفتضح عند الدعوى قبل المحنة والتأمل فيما جاء به إلا أن يأتي به من ليس ذلك لسانه، ولا معنى للاحتجاج به في أمثالهم. واللَّه الموفق. وقوله: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (وَاسِعٌ)، أي غنى، يغني من يشاء ويعطيه، (عَلِيمٌ)، بمن يصلح للملك.
(248)
وقوله: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ (248) وكأنهم سألوا نبيهم: ما آية ملكه؟ فقال لهم نبيهم: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت تحمله الملائكة. ذكر في القصة: أن التابوت يكون مع الأنبياء، إذا حضروا قتالا قدموا التابوت من بين أيديهم إلى العدو، ويستنصرون به على عدوهم. وفيه سكينة، كأنها رأس هرة فإذا أن ذلك الرأس سمع التابوت أنين ذلك الرأس دف نحو العدو، وهم يمضون معه ما مضى، فإذا استقر ثبتوا خلفه. فلما هربت بنو إسرائيل وعصوا الأنبياء سلط اللَّه تعالى عليهم عدوهم، وأخذوا منه التابوت لما سئموا وملوا، ثم رد عليهم بعد زمان طويل، وجعل ذلك آية من آيات ملك طالوت. فلا ندري كيف كانت القصة. ثم اختلف في قوله: (فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ). قيل: (سَكِينَةٌ)، ريح هفافة، فيها صورة كوجه الإنسان. وقيل: السكينة لها وجه كوجه الهرة، لها جناحان، فإذا تصوتت عرفوا النصرة. وقيل: السكينة: طست من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء (¬1). وقيل: (فِيه)، أي: في التابوت (سَكينَةٌ)، أي طمأنينة من ربكم، كأن التابوت في أي مكان كان اطمأنوا إليه وسكنوا. فلا ندري ما السكينة؟ سوى أننا عرفنا أن قلوبهم كانت تسكن إليه وتطمئن. فليس لنا إلى معرفة (السكينة)، وكيفيتها حاجة. وقوله: (وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). قيل: " البقية " فيه رضاض الألواح -وهو كسرها- وثياب موسى، وثياب هارون. وقيل: عصا موسى، وعصا هارون. ¬
وقيل: (البقية) قفيز من مَنٍّ، وهو الترنجبين الذي كان يأكله بنو إسرائيل في أرض التيه. وقيل: فيه سُنَّة موسى وهارون، وعلمهما. واللَّه أعلم بذلك. وفي الآية دليل جرى الآية على أيدي الأولياء، لما أعطى لطالوت آية لملكه تشبه آيات الأنبياء حيث أخبر أنه كان (تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ) هي القوة في داره، وهم كانوا لم يمروا ذلك وقت حمل الملائكة إياه، لكن تلك الآيات في الحاصل تكون للأنبياء يجريها اللَّه تعالى على أيدي الأولياء إلا أن يكون للأولياء ذلك. ثم من ادعى من الأولياء بتلك الآيات النبوة لنفسه يعجزه اللَّه تعالى عن ذلك، ويخرج الآية من أن تصير آية له، نحو من أتى مدينة من المدائن التي لم يبلغ أهلها هذا القرآن، ولا عرفوه ولا سمعوا ذلك من أحد قط، فجعل يقرأ ذلك عليهم عن ظهر قلبه، وادعى بذلك رسالة لنفسه، أيسع أهل ذلك البلد أن يصدقوه فيما ادعى، أم لا؟ فإن لأصحابنا، رحمهم اللَّه تعالى، جوابان: أحدهما: بأن في القران ما يظهر به كذب هذا المدعى في دعوته من نحو قوله: (يَسْأَلُونَكَ) عن كذا، ومن نحو الأخبار، والحكايات، والقصص التي فيها مما لا يحتمل كونها إلا بتقدم أسباب فيكذبه ذلك، فلم يلزمهم تصديقه. وباللَّه العصمة. والثاني: قالوا: إذا ادعى ذلك به يعجزه اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عن تلاوته، وإجرائه على لسانه، وادعاء ما ادعى بذلك. وكأن هذا أقرب. واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252).
(249)
وقوله: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ (249) أي: من المدينة. : هم سبعون ألفا. وقيل: كانوا مائة ألف، سار بهم في حر شديد، فنزلوا في قفرة من الأرض، فأصابهم عطش شديد، فسألوا طالوت الماء، فقال لهم طالوت: (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ) قيل: نهر بين الأردن وفلسطين. وقيل: هو نهر فلسطين. وقيل: إنما قال لهم: إن اللَّه مبتليكم بنهر نبيهم. وقوله: (فَمَن شَرِبَ) غرفة كفاه، ومن شرب أكثر منه لم يروه؛ لأنهم عصوه. وقيل، (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي). أي: ليس معي على عدوي، أي: لا يخرج معي. ويجوز (فَلَيْسَ مِنِّي) من أتباعي وشيعتي. وجائز أن يكون به ظهور النفاف والصدف (مِنِّي) في الدِّين. (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي). يقول: (مِنِّي)، أي معي على عدوي. فيه دليل أن يسمى الشراب باسم الطعام، والطعام باسمه. (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) استثنى (الغرفة)، كأنه قال: من شرب منه فليس مني إلا غرفة. ففيه جواز الثنيا من الكلام المتقدم وإن كان دخل بين حرف الثنيا وحرف الأول شيء آخر. وهو يدل لأصحابنا، رحمهم اللَّه تعالى، حيث قالوا: فيمن أقر، فقال:
" لفلان على كُرُّ حنطة وكر شعير إلا نصف كر حنطة "، أنه يصدق ويلزمه من الحنطة نصف كر. ويحتمل أن يكون الثنيا على ما يليه قوله: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً). وقيل: شرب شرب الدواب. و (الغرفة) هي شرب. وقوله: (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) قيل: (القليل) هم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا اغترفوا غرفة واحدة بأيديهم، وكانت الغرفة يشرب منها هو وخدمه ودوابه. وقيل: إنما استثنى الغرفة باليد لئلا يكرعوا كراع الدواب، ففعل بعضهم ذلك، فرد طالوت العصاة منهم، فلم يقطعوا معه، وقطع معه الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلًا وهو قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ). قيل: هو قول بعضهم لبعض: (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ)؛ لأنهم أكثر منا، وكانوا مائة ألف، وهو ثلاثمائة وثلاثة عشر. واللَّه أعلم بذلك العدد. وقوله: (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ) قيل: الذين يعلمون ويقرون بالبعث. (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ). أي: عددهم. وقيل: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ)، يعني يخشون أنهم يقتلون؛ لأنهم وطنوا أنفسهم على الموت، فطابت أنفسهم بالموت (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً). وقوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ). قَالَ بَعْضُهُمْ: (بِإِذْنِ اللَّهِ)، أي بأمر اللَّه. لكنه لا يحتمل الغلبة بالأمر، ولكن (بِإِذْنِ اللَّهِ)، عندنا: بنصر اللَّه. وقوله: (وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ). بالنصر والمعونة لهم.
(250)
وقوله: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ (250) يعني لقتالهم. وقوله: (قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ). يقول: اصبب. ويقال: أتمم علينا صبرا. وهكذا الواجب على كل من لقي العدو أن يدعو بمثل هذا. وعلى قول المعتزلة لا معنى لهذا الدعاء، لأنه قد كان فعل بهذا الأصلح. فاستجاب اللَّه دعاءهم، وهزم عدوهم؛ وهو قوله تعالى: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ (251) قَالَ بَعْضُهُمْ: (بِإِذْنِ اللَّهِ)، بأمر اللَّه. لكن لا يحتمل؛ لأنهم كانوا يقاتلون بالأمر، ولا يهزمون بالأمر. وقال آخرون: (بِإِذْنِ اللَّهِ)، بعلم اللَّه، كان في علمه في الأزل أنهم يهزمونهم. وقيل: (بِإِذْنِ اللَّهِ)، بنصر اللَّه. وهو أقرب. واللَّه أعلم. وقيل في القصة: إن داود، عليه السلام، كان راعيًا، وكان له سبعة إخوة مع طالوت خرجوا معه للقتال. ولما أبطأ خبر إخوته على أبيهم أرسل داود إليهم لينظر ما أمرهم ويأتيه بخبرهم. قال: فأتاهم وهم في الصفوف. فبرز جالوت، فلم يخرج إليه أحد. فقال: (يا بني إسرائيل) لو كنتم على حق لخرج إليَّ بعضكم. فقال داود لإخوته: أما فيكم أحد يخرج إلى هذا الأقلف؟ قال: فقالوا: اسكت. قال: فذهب داود إلى طالوت، فقال: أيها الملك، إِنِّي أراكم تعظمون شأن هذا العدو. ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟ قال طالوت: أنكحه ابنتي، وأجعل له نصف ملكي. فقال داود لطالوت: فأنا أخرج إليه. فلما قال داود: (أنا أخرج إليه)، قال له طالوت: من أنت؟ قال: أنا داود بن فلان. فعرفه طالوت، ورأى أنه أجلد إخوته. قال: فأعطاه طالوت درعه وسيفه. قال: فلما خرج داود في الدرع جرها في الأرض؛ لأن طالوت كان أطول منه. قال: فأخذ داود العصا ثم خرج إلى جالوت. فمر بثلاثة أحجار، فقلن: يا داود خذنا معك، ففينا ميتة جالوت. فأخذها ثم مضى نحوه. وعلى جالوت بيضة هي ثلاثمائة رطل. فقال له جالوت: إما أن ترميني، وإما أن أرميك؟ فقال له داود: بل أنا أرميك. فرماه بها، فأصابه
في آخرها، فوقعت في صدره، فنفذته وقتلته، وقتل الحجر بعد ما نفذ جنودًا كثيرة، وهزم اللَّه جنوده. وهو قوله: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ)، والقصة طويلة فلا ندري كيف كانت القصة وليس لنا إلى معرفتها حاجة (¬1). وقوله: (وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ). فالملك يحتمل: علم الحرب، وسياسة القتال؛ إذ لم يكونوا يقاتلون إلا تحت أيدي الملوك، وهو كقوله: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ). ويحتمل: (الْمُلْكَ)، بما عقد له من الخلافة؛ كقوله: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ). وذكر: (وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ) الأمرين لما كان من قرب زمانه على ما عليه ابتداء الآية أن الملك يكون غير نبي، فجمعا جميعًا له فيكون على ذلك تأويل الحكمة أنها النبوة. (وَالْحِكْمَةَ)، قيل: هي الفقه. وقيل: هي النبوة. وقد تقدم ذكره. وقوله: (وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ). قيل: صنعة الدروع، كقوله: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ). وقيل: كلام الطير، وتسبيح الجبال، كقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ). وذلك مما خص به داود دون غيره من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. ويحتمل: (وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ)، أشياء أخر. وقوله: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: دفع بالكفار بعضهم ببعض شرهم عن المسلمين، لما شغل بعضهم ببعض، وجعل بعضهم لبعض أعداء إلى أن لم يتفرغوا عن أنفسهم للمسلمين، وإلا كان ¬
(252)
في ذلك فساد الأرض. وقال آخرون: دفع بالرسل والأنبياء شرهم عن المسلمين، وكفاهم بهم. وقال غيرهم: دفع بالمؤمنين بعضهم عن بعض - دفع بالمجاهدين في سبيل الله عن القاعدين عن الجهاد، وإلا لغلب المشركون على الأرض. وقيل: بدفع بالمصلي عمن لا يصلي، وبالمزكي عمن لا يزكي، وبالحاج عمن لا يحج، وبالصائم عمن لا يصوم. ثم اختلف في قوله: (لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) وقيل: لو لم يدفع بعضهم ببعض لقتل بعضهم بعضًا، وأهلك فريق فريقًا، وفي ذلك تفانيهم وفسادهم، وفي ذلك فساد الأرض. وقال آخرون: لو لم يدفع لفسدت الأرض، أراد بفساد الأرض فساد أهلها؛ لأنه لو لم يدفع لغلب المشركون على أراضي الإسلام وأهلها. فإذا غلبوا فسد أهلها. وقال: (لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ)، إذا غلب المشركون عليها هدمت المساجد والصوامع، ففيه فساد الأرض. واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ). وعلى قول المعتزلة: ليس هو بذي فضل على أحد؛ لأن عليه أن يفعل ذلك، وأن يدفع ذلك كله عن المسلمين على قولهم، فإذا كان عليه ذلك لا يصير هو بما يدفع مفضلا ولا ممتنًّا. فنعوذ باللَّه من السرف في القول. وقوله: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) يحتمل قوله: (آيَاتُ اللَّهِ)، ما ذكره من قتل داود جالوت بالأحجار. ذكر في القصة مع ضعف داود وقوة جالوت، على ما قيل: إن قامته كانت قدر ميل، وإن بيضته كانت ثلاثمائة رطل. ويحتمل: ما ذكر من قيام القليل للكثير؛ لأنه قيل: إن جنود جالوت مائة ألف، وجنود طالوت ثلاثمائة وثلاثة عشر. وذلك من الآيات. ويحتمل: جميع ما قص اللَّه عليه في القرآن من خبر الأمم السالفة. واللَّه أعلم. وفي قتل داود جالوت، وقتل القليل الكثير، دليل: أنهم لم يقتلوا لقوة أنفسهم،
(253)
ولكنهم باللَّه وبنصره إياهم. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: من آيات وحدانيته: قتل داود جالوت مع ضعف داود وقوة عدوه. * * * قوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254). وقوله: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253) قوله: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) يحتمل: تفضيل بعضهم على بعض ما ذكر (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ)، ومنهم من اتخذه خليلا، ومنهم من سخر له الريح والطير، ما كان في الأنبياء مثله. ويحتمل: (بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، في الحجاج، والحجج على القوم؛ لأن فيهم من كان أكثر محاجة لقومه وأعظم حججا، وهو إبراهيم، صلوات اللَّه عليه وسلامه، وموسى. ويحتمل: " التفضيل " التمكين في الأرض، مكن لبعضهم ما لم يكن للباقين. ويحتمل: ذلك في الآخرة في الشفاعة، ورفع الدرجات. ويحتمل: (بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، في الرسالة؛ لأن منهم من أرسل إلى الإنس والجن جميعًا، ومنهم من أرسل إلى الإنس خاصة، ومنهم من أرسل إلى قومه خاصة، ومنهم من أرسل إلى نفر. واللَّه أعلم. وقد ذكرنا ألا يكون من اللَّه تفضيل لبعض الرسل على بعض على قول المعتزلة؛ لأنه فعل ما عليه أن يفعل، وكل من فعل ما عليه أن يفعل، فإنه لا يوصف بالفضل والإفضال؛ دل أنه ليس على ما يقولون ويذهبون إليه.
(254)
وقوله: (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)، قد ذكرناه فيما تقدم. وقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) هذه الآية والآيتان من بعدها - قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا)، وقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)، على المعتزلة. لأنه أخبر أنه لو شاء ألا يقتتلوا ما اقتتلوا. وهم يقولون: شاء ألا يقتتلوا، ولكن اقتتلوا. والاقتتال هو فعل اثنين، وفيهم من اقتتل ظالما، وفيهم من اقتتل غير ظالم، دليله قوله: (وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ)، ثم قال: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا)، أخبر أنه لو شاء ألا يقتتلوا ما اقتتلوا وأخبر أنه يفعل ما يريد ثبت الفعل في الإرادة وهم يقولون لا يفعل ما يريد. وكذلك قوله (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) أخبر أنه لو شاء ما اختلفوا وهم يقولون: شاء ألا يختلفوا ولكن اختلفوا ثم لا يجوز صرف الآية إلى مشيئة القسر والجبر؛ لأن المشيئة التي ذكرها اللَّه تعالى معروفة في الناس فلا يجوز صرفها إلى غير المشيئة المعروفة إلا بعد تقدم ذكر أو بيان أنها هي المرادة وقوله: (مَا اقْتَتَلُوا) ولا اختلفوا فجعلهم على أمر واحد ودين واحد كقوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً)، والمعتزلة يقولون: شاء أن يصيروا أمة واحدة ولكن لم يصيروا فنعوذ باللَّه من السرف في القول والقول في اللَّه بما لا يليق به. وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ (254) يحتمل الأمر بالإنفاق، أمر بتقديم الطاعات والمسارعة إلى الخيرات قبل أن يأتي يوم يمنعه ويعجزه عن ذلك وهو الموت. ويحتمل أمره بالإنفاق من الأموال في طاعة اللَّه من قبل أن يأتي يوم، وهو يوم القيامة (لَا بَيْعٌ فِيهِ) قيل: لا فداء، (وَلَا خُلَّةٌ)، (وَلَا شَفَاعَةٌ). يحتمل قوله: (وَلَا خُلَّةٌ) أي لا ينفع خليل خليله كما ينفع في الدنيا وكذلك لا شفيع تنفع شفاعته كما تنفع في الدنيا. ويحتمل: (وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ)، أي: لا ينفع أحد أحدا، ولا يخال أحد أحدا، ولا يشفع أحد أحدا. ويحتمل: (يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ)، أنهم يملكون بيع أنفسهم من اللَّه تعالى ما داموا أحياء، فإذا ماتوا لم يملكوا، كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ). فأول الآية وإن خرج الخطاب للمؤمنين فالوصف فيها وصف الكافرين، لكن فيها زجر للمؤمنين مثل صنيع الكفار. وقوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) قيل: اللَّه هو اسم المعبود، وكذلك تسمي العرب
(255)
كل معبود إلها ومعناه - واللَّه أعلم - أن الذي يستحق العبادة ويحق أن يعبد هو اللَّه الذي لا إلا إلا هو لا الذي تعبدونه أنتم من الأوثان والأصنام التي لا تنفعكم عبادتكم إياها ولا يضركم ترككم العبادة لها. ويحتمل أن يكون على الإضمار: أن قل اللَّه الذي لا إله إلا هو لأنهم كانوا يقرون بالخالق ويقرون بالإله؛ كقوله عَزَّ وَجَلَّ (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) وكقوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) وكقوله: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ)، فإذا كانوا يقرون به فأخبرهم أن الذي يقرون به وشممونه هو اللَّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ويحتمل أن يكون لقوم من أهل الإسلام عرفوا اللَّه تعالى وآمنوا به، ولم يعرفوا نعته وصفته فعلمهم نعته وصفته أنه الحي القيوم إلى آخره. * * * قوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) وقوله (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) قيل هو الحي بذاته لا بحياة هي غيره كالخلق هم أحياء بحياة هي غيرهم حلت فيهم لابد من الموت، واللَّه عَزَّ وَجَلَّ يتعالى عن أن يحل فيه الموت؛ لأنه حي بذاته وجميع الخلائق أحياء لا بذاتهم، تعالى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عما يقول فيه الملحدون علوا كبيرا. والأصل: أن كل من وصف في الشاهد بالحياة وصف ذلك للعظمة له والجلال والرفعة. يقال: (فلان حي)، وكذلك الأرض سماها اللَّه تعالى (حية)، إذا اهتزت وربت وأنبتت، لرفعتها على أعين الخلق. فعلى ذلك اللَّه سبحانه وتعالى (حي) للعظمة. وكذلك الأرض سماها اللَّه تعالى: (حية) للعظمة والرفعة ولكثرة ما يكون يذكر في المواطن كلها، كما سمى الشهداء (أحياء)؛ لأنهم مذكورون في الملأ من الخلق. ويحتمل: أنه يسمى (حيًّا) لما لا يغفل عن شيء، ولا يسهو، ولا يذهب عنه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وباللَّه العصمة. وقوله: (الْقَيُّومُ)، القائم على مصالح أعمال الخلق وأرزاقهم. وقيل: (الْقَيُّومُ)، هو القائم على كل شيء يحفظه ويعاهده، كما يقال: (فلان قائم على أمر فلان)، يعنون أنه يتحفظ أموره حتى لا يذهب عنه شيء.
وقيل: (هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، أي لا يغفل عن أحوال الخلق. وقوله تعالى: (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ). قيل: (السِّنَة)، النعاس. وقيل: (السِّنَة)، هي بين النوم واليقظة، وسمى (وسنان). وقيل: (السِّنَة)، هي ريح تجيء من قبل الرأس، فتغشى العينين، فهو (وسنان) بين النائم واليقظان. ويحتمل قوله: (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) على نفي الغفلة والسهو عنه؛ إذ لو أخذه، صار مغلوبًا مقهورًا، فيزول عنه وصفه (حي، قيوم)، كقوله: (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) على نفي الغفلة. ويحتمل: أنه نفى عن نفسه ذلك؛ لأن الخلق إنما ينامون وينعسون طلبًا للراحة والمنفعة -إما لدفع حزن أو وحشة- فأخبر أنه ليس بالذي يحتاج إلى راحة، وإلى دفع حزن أو وحشة. وقيل: لا يفتر ولا ينام. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: والنوم والسِّنَة حالان تدلان على غفلة من حلَّا به، وعلى حاجته إلى ما فيه راحته، وعلى عجزه، إذ هما يغلبان ويقهران. فوصف الرب نفسه يما يعلو عن الذي دلا عليه من الوجوه. وقوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ). وهو العالي على ذلك، القاهر له، لا تأخذه سِنة ولا وحشة، ولا معنى يدل على العجز والحاجة. ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، أخبر أن ما في السماوات وما في الأرض، عبيده وإماؤه، ليس كما قالوا: (فلان ابن الله)، و (الملائكة بنات الله)، بل كلهم عبيده وإماؤه، والناس لا يتخذون ولدا من عبيدهم وإمائهم، فاللَّه أحق ألا يتخذ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)، أي: لا أحد يجترئ على الشفاعة إلا بإذنه. ثم اختلف في الشفاعة: قالت المعتزلة: لا تكون الشفاعة إلا لأهل الخيرات خاصة الذين لا ذنب لهم، أو كان لهم ذنب فتابوا عنه. ذهبوا في ذلك إلى ما ذكر اللَّه تعالى في قوله: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)، أخبر أنهم يستغفرون للذين آمنوا وتابوا واتبعوا. فإذا كان الاستغفار في الدنيا إنما يكون للذين آمنوا وتابوا واتبعوا، فعلى ذلك الشفاعة إنما تكون في الآخرة لهَؤُلَاءِ. وأما عندنا: فإن الشفاعة تكون لأهل الذنوب؛ لأن من لا ذنب له لا حاجة له إلى الشفاعة. وقوله: (لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ)، يكون لهم ذنوب في أحوال التوبة، فإنما يغفر لهم الذنوب التي كانت لهم، فقد ظهر الاستغفار لأهل الذنوب؛ فعلى ذلك الشفاعة. فَإِنْ قِيلَ: أرأيت رجلًا قال لعبده: إن عملت عملًا تستوجب به الشفاعة فأنت حر، فأي عمل يعمله ليستوجب به الشفاعة حتى يعتق عبده: الطاعة، أو المعصية؟ قيل: الطاعة، فعلى ذلك الشفاعة، لا تكون إلا لأهل الطاعة والخير لا لأهل المعصية. قيل: إن الشفاعة التي يستوجبها أهل الذنوب إنما يستوجبون بالطاعات التي كانت لهم حالة الشفاعة؛ لأن أهل الإيمان وإن ارتكبوا مآثم ومعاصي فإن لهم طاعات، فبتلك الطاعات يستوجبون الشفاعة، كقوله: (خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا)، فالشفاعة في شره بخيره. وقالوا: لا شفاعة في الشاهد لأحد في الآخرة؛ لأن الشفاعة هي أن يذكر عن مناقب أحد عند أحد وخيراته، ليس سوءا، وكذا في الآخرة. والجواب لهم من وجهين: أحدهما: أنه إنما يذكر في الدنيا خيرات المشفع له لجهالة هذا بأحواله، فيذكر خيراته ليعرفه بها، فيشفع فيه. واللَّه تعالى عارف لا يتعرف.
والثاني: أن ذكر خيراته لحاجة تقع للمذكور له تكون في مثلها، لا تكون في الآخرة خاصة، واللَّه - تعالى - يتعالى عن الحاجة عما بالعباد؛ لذلك اختلفا. واللَّه أعلم. فإن قال لنا قائل: إن جميع ما ذكر في هذه الآية -من أولها إلى آخرها- كلها دعوى، فما الدليل على تلك الدعوى؟ قيل: يحتمل أن يكون دليله ما تقدم ذكره من قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. . .) الآية. والثاني: من أنكر الصانع فيتكلم أولا معه في حدث العالم، وحاجته إلى محدث، فإذا ثبت حدث العالم، فحينئذ يتكلم في إثبات الصانع ووحدانيته. وباللَّه التوفيق. وفي قوله تعالى: (واحد)، ليس من حيث العدد؛ لأن كل ذي عدد يحتمل الزيادة والنقصان، ويحتمل الطول والعرض، ويحتمل القصر والكسر، ولكن يقال: ذلك (واحد) من حيث العظمة والجلال والرفعة، كما يقال: فلان واحد زمانه، وواحد قومه، يعنون به رفعته وجلالته في قومه وسلطانه عليهم، جائز القول، فهم لا يعنون من جهة العدد؛ لأن مثله كثير فيهم من حيث العدد. واللَّه أعلم. وقوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ). هذا على المعتزلة؛ لأنهم لا يصفونه بالعلم، وقد أخبر أن له العلم. ثم احتمل: (عِلْمِهِ)، علم الغيب. وقال آخرون: علم الأشياء كلها. لا يعلمون إلا ما يعلمهم اللَّه من ذلك، كقول الملائكة: (لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا). ومن قال: علم الغيب، فهو الذي قال: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ). وقوله تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ). قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ)، وسع علمه. وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه. وقال آخرون: (كُرْسِيُّهُ)، قدرته، وهو وصف بالقدرة والعظمة. وقيل: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ)، والكرسي هو أصل الشيء، يقال: كرسي كذا، والمراد منه أنه المعتمد والمفزع للخلق. وذلك وصف بالعظمة والقوة.
(256)
ويقال: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ)، وهو خلق من خلقه. وقيل: إن الكرسي هو الكرسي، لكنه خلقه ليكرم به من يشاء من خلقه. ثم لا يجوز أن يفهم من إضافته إليه ما يفهم من الخلق، كما لم يفهم من قوله: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ)، و " نور اللَّه "، و " بيت اللَّه " ونحوه ما يفهم من إضافته إلى خلقه. فعلى ذلك لا يفهم من قوله: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ)، وغيره من الآيات ما يفهم من الخلق بقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ). وقوله تعالى: (وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا). قيل: (وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا)، لا يشق عليه حفظهما. وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رضي اللَّه تعالى عنه، ورُويَ عنه أيضًا أنه قال: لا يثقل عليه. وقيل: (وَلَا يَئُودُهُ)، لا يجهده. وقيل: لا يعالج بحفظ شيء مثال الخلق. وقوله تعالى: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ). (الْعَلِيُّ) عن كل موهوم يحتاج إلى عرش أو كرسي، (الْعَظِيمُ) عن أن يحاط به. وقال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه -: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ)، قال: علمه، ألا ترى إلى قوله: (وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا)، كل شيء في علمه، لا يَئُودُهُ حفظ شيء، واللَّه أعلم. قال الشيخ: - رحمه اللَّه تعالى - (الْعَلِيُّ)، عن جميع أحوال الخلق وشبههم، و (الْعَظِيمُ) القاهر والغالب. * * * قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) وقوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ). قيل: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، أي: لا يكره على الدِّين. فإن كان التأويل هذا فهو على بعض دون بعض.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: نزلت في المجوس، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، أنه يقبل منهم الجزية، ولا يكرهون على الإسلام. ليس كمشركي العرب ألا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ولا يقبل منهم الجزية، فإن أسلموا وإلا قتلوا. وعلى ذلك رُويَ عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه كتب إلى المنذر بن فلان: " أما الحرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية ". وعلى ذلك نطق به الكتاب (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ). وقال قوم: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) أي: لا دين يقبل بإكراه، بل ليس ذلك بإيمان. والثاني: أن (الرُّشُدُ) هو قد تبين من الغي، وبين ذلك لكل أحد حتى إذا قبل الدِّين قبل عن بيان وظهور، لا عن إكراه. وقال آخرون: قوله: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، أي: لا إكراه على هذه الطاعات بعد الإسلام؛ لأن اللَّه تعالى حبب هذه الطاعات في قلوب المؤمنين فلا يُكرهون على ذلك. ومعناه: أن في الأمم المتقدمة الشدائد والمشقة، ورفع اللَّه عَزَّ وَجَلَّ تلك الشدائد عن هذه الأمة وخففها عليهم، دليله قوله تعالى: (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ)، وقوله: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)، ومثل ذلك كثير، كانت على الأمم السالفة ثقيلة وعلى هذه الأمة مخففة، فإذا كانت مخففة عليهم لا يكرهون على ذلك. وقال آخرون: هو منسوخ بقوله عليه السلام: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على اللَّه ".
وقال آخرون: إن قومًا من الأنصار كانت ترضع لهم اليهود، فلما جاء الإسلام أسلم الأنصار، وبقي من عند اليهود من ولد الأنصار على دينهم، فأرادوا أن يكرهوهم، فنزلت الآية (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ). قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: ويحتمل (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ما قال في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). وقوله تعالى: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ). يعني قد تبين الإسلام من الكفر باللَّه فلا تكرهون على ذلك. وقوله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ). اختلف فيه: قيل: (بِالطَّاغُوتِ)، الشياطين. وقيل: كل ما يعبد من دون اللَّه فهو طاغوت من الأصنام والأوثان التي تعبد من دون اللَّه " وقيل: (بِالطَّاغُوتِ)، الكهنة الذين يدعون الناس إلى عبادة غير اللَّه بكفر هَؤُلَاءِ وتكذيبهم. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: ومن جملته: ومن يكفر بالذي يدعو إلى عبادة غير اللَّه، ويكذبه في ذلك، ويؤمن بالذي يدعو إلى عبادة اللَّه، ويصدقه، أنه داع إلى حق. وقوله تعالى: (وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ). فيه دلالة: أن الإيمان باللَّه هو إيمان بالأنبياء والرسل والكتب جميعًا، إذ لم يذكر معه غيره، والكفر بالذي ذكرت يمنع حقيقة الإيمان باللَّه؛ لأنه في آخر السورة ذكر (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ)، على طريق التفضيل -، من آمن باللَّه آمن به وبأمره ونهيه وشرائعه - لكن الذي قال: (لَا نُفَرِّقُ
(257)
بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ)، لقول قوم حيث قالوا: (نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، وإلا لكان في الإيمان باللَّه إيمان بجميع ذلك. وقوله تعالى: (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). يحتمل هذا وجهين: يحتمل: فقد عقد لنفسه عقدًا وثيقًا لا انقصام لذلك العقد ولا انقطاع، لا تقوم الحجة ببعضه. ويحتمل: (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)، بنصره إياه بالحجج والبراهين النيرة التي من اعتصم بها لا انفصال بها عنه ولا زوال. ثم فيه نقض على المعتزلة؛ لأنه أخبر عَزَّ وَجَلَّ أن من آمن باللَّه فقد استمسك بكذا. والمعتزلة يقولون: صاحب الكبيرة يخلد في النار، وهو مؤمن باللَّه، فأية عروة أوهَى من هذا على قولهم؟ وأن له زوالاً وانقطاعًا من ثوابه الذي وعد له عَزَّ وَجَلَّ بإيمانه وتصديقه به. وباللَّه العصمة. وقوله تعالى: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ) لقولهم، (عَلِيمٌ) بثوابهم. أو (سَمِيعٌ)، بإيمانهم، (عَلِيمٌ)، بجزاء إيمانهم. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا (257) قيل: الولي: الحافظ. وقِيل: الولي: الناصر، وهو ناصر المؤمنين وحافظهم. وقيل: سمى وليًّا لأنه يلي أمور الخلق من النصر والحفظ والرزق وغيره. وعلى ذلك يسمى الولي وليًّا لما يلي أمور الناس. وقيل: قوله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)، أي: اللَّه أولى بهم إليه رجاؤهم أطعمهم، وهو الذي يكرمهم، وأن الطاغوت أولى بالكافرين، كما قال: (وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ)، أي أولى بهم. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ). وقوله: (يُخرِجُهُم)، بمعنى: أخرجهم. وجائز هذا في اللغة (يفعل) بمعنى (فعل)، و (فعل) بمعنى (يفعل)، جاز فيها، غير ممتنع عنه.
وقوله تعالى: (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)، و (يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ)، هو ابتداء نشوئهم عليه، ليس أن كانوا فيه ثم أخرجهم، كقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)، رفعها ابتداء، ليس أن كانت موضوعة ثم رفعها. فعلى ذلك الأول. والآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ إذ من قولهم: إن جميع ما أعطى مؤمن من الإخراج من الكفر، أعطى مثله الكافر؛ فكأنهم يقولون: أخرجهم جميعًا من الظلمة، وعليه إخراج الكفار أيضًا من الظلمات، إذ ذلك هو الأصلح له، وعليه أن يعطى ما هو الأصلح لهم في الدِّين. فإذا كان هذا قولهم، فهو ولي الكفرة والمؤمنين جميعًا على قولهم؛ إذ هو بالسبب الذي ذكر الولاية للمؤمنين فيعطى أيضًا للكفرة. فإن قالوا: إنه أضاف (الكفر) إلى الطاغوت، وأنتم تضيفونه إلى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ؟ قيل: هو ظاهر الكذب؛ لأنا لا نضيف ذلك إليه (الكفر). إنما نقول: إنه خلق فعل الكفر من الكافر كفرًا، وخلق فعل النور من المؤمن نورا. على أنه إن كان هذا في الكفرة فما القول في الأول من قولكم: إنه منعم على المؤمن، ثم لا نعمة فيه على المؤمن إلا بالأمر والأقدار، والأقدار منه موجود للكافر في كفره على قولكم، ثم لا نعمة تقع في الأمر والدعاء للمؤمن إلا ويقع مثله للكافر، إذ هو في الأمر والدعاء كالمؤمن سواء. ولا قوة إلا باللَّه. وليس في القول: إنه خالق، بأنه خالق فعل كل أحد على ما عليه إضافة الكفر إليه، بل إنما يضيف الخير إليه بما منه فيه من الإفضال على الشكر له. فدل أن له عَزَّ وَجَلَّ في المؤمن فضل صنع، ليس ذلك له في الكافر. و (الكفر) في اللغة الستر، وكذلك (الظلمة): هي الستر. يقال: (كفرت الشيء) أي سترته، وكذلك يقال: (ليل مظلم)؛ لأنه يستر ضوء النهار ونوره، فيستر الأشياء عن أبصار الخلق. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى - في قوله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. . .) الآية: دلت هذه الآية على أن كان من اللَّه إلى الذين آمنوا معنى لم يكن منه إلى الذين كفروا به كان إيمانهم، ولو لم يكن إلا الأمر والأقدار أو البيان، على ما قالت المعتزلة، لكان كل ذلك عندهم إلى الكفرة، فلا وجه لتخصيص المؤمنين بما ذكر،
وجعل الطاغوت أولى بالكافرين، وصنع اللَّه إلى كل واحد، ولم تكن من اللَّه تلك الزيادة، فإذا كان الذي ذكر لهم في أنفسهم فلا وجه للامتنان بذلك. ومن البعيد ذكر الامتنان فيما به الإلزام والأمر. وما ذكرت المعتزلة إنما هي أسباب الإلزام، ولولا ذلك كان أيسر عليهم وأقل لائمة. فكيف بمن بها ثبت أن كان منه فضل، ليس ذلك في أعدائه فيه استوجب الحمد منهم؛ ولهذا يضاف إليه الخيرات على الشكر له، وتوجيه الحمد إليه، ولا يضاف إليه الشر بما ليس في ذلك تشكر، إنما منه الخذلان بما علم من إيثار الكافر عداوته واختياره الكفر به؛ فلذلك لم يجز الإضافة إليه؛ والإضافة إلى اللَّه جل ثناؤه لا باسم الخلق يخرج مخرج التعظيم له والخضوع من العبد بالحمد له والشكر. ولا يجوز مثله فيما ليس فيه ذلك على ما لا يضاف إليه الأنجاس والخبائث والجواهر القبيحة، وإن كان من طريق الخلقة جرى عليها تدبيره وخرجت على تقديره. فعلى ذلك أفعال الخلق، وعلى ذلك القول بأنه رب كل شيء، وإله كل شيء. ثم على الإشارة لا يوصف بذلك في الأشياء الخاملة المستخف بها. فمثله الأول. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)، (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَومَ الظَّالِمِينَ)، (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي القَومَ الْفَاسِقِينَ)، ونحو ذلك يخرج على وجوه: أحدها: أنه لا يهديهم وقت اختيارهم ذلك، ويكون على ألا يخلق منهم فعل الهداية، وهم يختارون فعل الضلال. ويحتمل: من في علمه أنه لا يهتدي، فيرجع المراد به إلى الخاص. ويحتمل: لا يهدي طريق الجنة في الآخرة من كفر باللَّه في الدنيا. ويحتمل: لا يجعلهم في حكمهم، كقوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ). وقوله تعالى: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). ذكر أن الكفرة هم أصحاب النار، وذكر في آية أخرى أن الملائكة أصحاب النار بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً)، لكنه ذكر الملائكة أصحاب النار؛ لما يتولون تعذيب الكفرة فيها، فسماهم بذلك، وذكر الكفرة أصحاب النار؛ لأنهم هم المعذبون فيها، والملائكة هم معذبوهم بها. واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا
(258)
مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ (258) فقد ذكرنا فيما تقدم أن قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ)، إنما يفتتح به لأعجوبة، كقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ)، وقوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ). وفيه إباحة التكلم في الكلام والمناظرة فيه والحجاج بقوله: (حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ)، ورد على من يمنع التكلم فيه وهو كذلك؛ لأنا أمرنا بدعاء الكفرة جميعًا إلى وحدانية الله تعالى، والإقرار له بذلك، والمعرفة له أنه كذلك، وكذلك الأنبياء بأجمعهم أمروا وندبوا إلى دعاء الكفرة إلى شهادة أن " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له "، فإن دعوناهم إلى ذلك لا بد من أن يطلبوا منا الدليل على ذلك، والبيان عليه، والوصف له كما هو له، والتقرير عندهم أنه كذا، فلا يكون ذلك إلا بعد المناظرة والحجاج فيه؛ لذلك قلنا: أن لا بأس بالتكلم والمناظرة فيه. وفيه دلالة على إباحة المحاجة في التوحيد. وفيه الإذن بالنظر في النظر؛ لأنه حاجه لينظر. واللَّه أعلم. وقوله: (أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ). قال أهل الاعتزال في قوله تعالى: (أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ): هو إبراهيم، عليه السلام، لا ذلك الكافر؛ لقوله تعالى: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، أخبر أن عهده لا يناله الظالم، والملك عهد. لكنه غلط عندنا لوجوه: أحدها: أن إبراهيم، صلوات اللَّه عليه وسلامه، ما عرف بالملك. والثاني: أن الآية ذكرت في محاجة ذلك الكافر إبراهيم، ولو كان غير ملك، وكان إبراهيم، عليه السلام، هو الملك، لم يقدر المحاجة مع إبراهيم، عليه السلام إذ لا
محاجة إلا عن ملك؛ دل أنه هو الذي كان الملك. والثالث: قال: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، ثم قيل: إنه جاء برجلين، فقتل أحدهما، وترك الآخر. فلو لم يكن ملكا لم يتأت له ذلك بين يدي إبراهيم، إذا كان إبراهيم، صلوات اللَّه عليه وسلامه، هو الذي (آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ)، فدل أن المراد به ذلك الكافر. ثم (الْمُلْكُ) يكون في الخلق بأحد أمرين: إما الفضل والشرف والعز والسلطان والدِّين، وإما من جهة الأموال والطول عليها والقهر والغلبة. فإن لم يكن له (الْمُلك) من جهة الأول لكان له ذلك بفضول الأموال؛ لذلك كان ما ذكرنا. واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: أعطي (الملك) ليمتحن به، كما يعطى الغنى والصحة ليمتحن بهما. وقوله تعالى: (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ). وكان هذا من إبراهيم - عليه السلام - واللَّه أعلم - عن سؤال سبق منه أن قال له ذلك الكافر: من ربك الذي تدعوني إليه؟ فقال: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) وإلا لا يحتمل ابتداء الكلام بهذا على غير سبق سؤال كان منه. وهو ما ذكر في قصة فرعون حيث دعاه موسى إلى الإيمان بربه، (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)، فعلى ذلك الأول. وقوله تعالى: (قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ). أنه دعا برجلين، فقتل أحدهما، وترك الآخر، على ما قيل في القصة. (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ). قال بعض الجدليين: هذا من إبراهيم، عليه السلام، صرف المحاجة إلى غير ما كان ابتداؤها، ومثله في الظاهر انقطاع وَحَيد عن الجواب؛ لأن من حاج آخر شيئًا، وناظره فيه لعلة ضمن وفاء تلك العلة وإتمامها إلى آخره، فإذا اشتغل بغيرها كان منه انقطاع عما ضمن وفاءها؛ فإبراهيم اشتغل بغيرها وترك الأول وهو في الظاهر انقطاع؛لأن جوابه أن يقول: أنا أفعل كما فعلت، أو أن يقول له: إن هذا الحي كان حسا، ولكن أحيي هذا الميت. لكنه، صلوات اللَّه عليه وسلامه، فعل هذا ليظهر عجزه على الناس؛ لأن ذلك كان منه تمويهًا وتلبيسًا على قومه أخذ به قلوبهم، فأراد إبراهيم، صلوات اللَّه عليه وسلامه، أن
(259)
يظهر عليه من الحجة ما هو أظهر وأعجز له، وآخذ للقلوب. والثاني: أراد أن يريه أن هذا مما قدر عليه بغيره، إذ الذي لم يجعل له القدرة عليه لم يقدر عليه، ثم لما ثبت عجزه في أحدهما يظهر عجزه في الآخر. واللَّه أعلم. وقيل: بأن هذا من إبراهيم انتقال من حجة إلى حجة، ليس بانقطاع. وهو جائز. وقوله: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ)، قيل: انقطع وتحير. وقوله تعالى: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). ذكر الظالم؛ لأن الظلم هو وضع الشيء في غير محله، حيث هذا اللعين المحاج في غير موضعه. وقوله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ (259) قيل: هو نسق قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ). وقيل: هو نسق على قوله: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)؛ لأنه بذلك أنكر البعث. ثم اختلف في المار على القرية: قَالَ بَعْضُهُمْ: كافر قال ذلك. وقال آخرون: لا، ولكن قال ذلك مسلم. وقال أكثر أهل التأويل: هو عزير. فإن كان قائل ذلك كافرًا فهو على إنكار البعث والإحياء بعد إماتة. وإن كان مسلمًا فهو على معرفة كيفية الإحياء، ليس على الإنكار، وهو كقول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي). وليس لنا إلى معرفة قائله حاجة، إنما الحاجة إلى معرفة ما ذكر في الآية. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا). قيل: خالية من سكانها. وقيل: (خاوية)، ساقطة سقوفها على حيطانها، وحيطانها على سقوفها.
وقوله تعالى: (قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا). هو على ما ذكرنا. وقوله تعالى: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ). أراد - واللَّه أعلم - أن يرى الآية في نفسه، والآية هي آية البعث، ويحتمل أن تكون آية في المتأخرين. وقوله تعالى: (قَالَ كَمْ لَبِثْتَ). سأل منه - جل وعلا - الاجتهاد بظاهر الحال الذي ظهر عنده، ليظهر أنه اجتهد بدليل أو بغيره على ما يدركه وسعه؛ فبان أن المجتهد يحل له الاجتهاد بما يدرك في ظاهر الحال، وإن كان حكم ما فيه الاجتهاد بالغيب. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: أراد اللَّه تعالى بقوله: (كَمْ لَبِثْتَ)، التنبيه؛ كقوله لموسى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)، ليريه الآية من الوجه الذي هو أقرب إلى الفهم ثم جهة الأعجوبة فيه بوجهين: مرة بإماتة الحمار، إذ من طبعه الدوام، ومرة بإبقاء طعامه، ومن طبعه التغير والفساد عن سريع. جعل في بقاء طعامه وحفظه من الفساد آية ومن طبعه الفساد، وفي إحياء حماره بعد إماتته وطبعه البقاء؛ ليعلم ما نازعته نفسه في كيفية الإحياء درك ذلك؛ وهو قوله: (قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). ثم قيل في وجهةِ ما أراه بأوجه. قيل: إنه أحيا عينيه وقلبه، فأدرك بهما كيفية الإحياء في بقية نفسه. وقيل: أحيا نفسه، فأراه ذلك في حماره. وقيل: إنه أراه ذلك في ولده؛ لأنه أتى شابًّا، وولده وولد ولده شيوخ. وذلك آية. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى - في قوله: (ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ. . .) الآية: فإن قال قائل: كيف سأله عن لبثه، وقد علم أنه لم يكن علم به؟ وأيد ذلك إخباره بقوله (لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ). قيل: القول (كَمْ لَبِثْتَ)، يحتمل وجهين؛ وكذلك القول بقوله: (بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ
عَامٍ). أحدهما: على قول ألقي إليه ونطق أسمع هو. والثاني: أن يكون على ما حدثته نفسه بمدة لبثه في حال نومه، فتأمل في ذلك أحوال نومه، وأخبر عما عاين من أحوال الوقت الذي كان فيه مما كان ابتداؤه وقت نومه، فقال بالذي ذكرتم لَمَّا تأمل شأن الحمار، واستخبر عن الأحوال، قالت له نفسه: (بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ)، ثم أمعن نظره في حماره، وما رأى من تغير أحواله، وأبقاه اللَّه تعالى على ما ذكر. وكل ذلك خبر عما حدثته نفسه، هي بعثه، على التفكر في أحواله، والنظر فيما عاين من أمر الحمار، أو كان علم أن ذلك موت فيه، لكنه استقل ذلك بما شهد نفسه بما عاينها على ما كانت عليها. فلما تأمل شأن حماره وعلم أنه رفع إلى آيات عجيبة، فزع إلى اللَّه تعالى، فأنباه اللَّه تعالى بالذي وصف في القرآن. واللَّه أعلم. ولو كان على القول فإن في السؤال عما يعلم السائل جهل المسئول وجهين: أحدهما: الامتحان على ما به ظهور أحوال الممتحن من الاجتهاد في تعريف الحقائق بالاستدلال والخضوع له بالاعتراف بقصوره عن الإحاطة به، كفعل الملائكة عند قوله تعالى: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ)، بقولهم: (لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا)، والأول كما فعل صاحب هذا أنه قال: (لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)، ومثله أمر أصحاب الكهف. واللَّه أعلم. والثاني: أن يراد بالسؤال التقرير عنده؛ ليكون متيقطا لما يراد به من الاطلاع على الآية، كما قال لموسى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى. . .) الآية. وهذا فيما كان السؤال في الظاهر خارجًا في الحقيقة مخرج المحنة، نحو ما ذكرنا في أمر الملائكة، وأمر موسى، عليه السلام، فأما السؤال الذي هو في حق السؤال إنما هو في حق الاستخبار، ليعلم ما عليه حقيقة الحال بالسؤال. لكن الذي ذكرت فيما كان سبيله أن يكون من له الامتحان. ولا قوة إلا باللَّه. وقوله تعالى: (فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ). قيل: لم يأت عليه السنون، أي: كأنه لم يأت عليه السنون. وقيل: (لَمْ يَتَسَنَّهْ)، لم يتغير ولم ينتن.
(260)
والأول أشبه؛ لأنه يقال من التغير والتنتن: لم يتسنن. وقوله تعالى: (وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا). وهو من الأحياء. و (نُنْشِزُهَا) بالزاي - وهو من الارتفاع والنصب. وفيه لغة أخرى: " ننشرها " بالراء، وهو من الإحياء. و " ننشرها " من النشر. وقوله تعالى: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). (أَعْلَمُ)، بالنصب والخفض: فمن قرأه بالنصب، صرف قوله: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ)، إلى المسلم. ومن قرأ (اعلم) بالخفض صرف إلى الكافر، يقول اللَّه له: اعلم أن اللَّه على كل شيء قدير. ويحتمل أيضًا صرفه إلى المسلم: " واعلم "، على الإخبار، كأنه قال: اعلم ما كنت تعلمه غيبًا مشاهدة. وفي هذه الآيات إثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ وذلك أن هذه القصص كانت ظاهرة بينهم، ولم يكن له اختلاف إليهم، ولا النظر في كتبهم، ثم أخبر على ما كان؛ ليعلم أنه إنما علم ذلك باللَّه عَزَّ وَجَلَّ ثناؤه. وقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) قَالَ بَعْضُهُمْ: كان إبراهيم، عليه السلام، موقنا بأن اللَّه يحيي الموتى، ولكن أحب أن يعاين ذلك؛ لأن الخبر لا يكون عند ابن آدم كالعيان، على ما قيل: " ليس الخبر كالمعاينة ". وقيل: يحتمل سؤاله عما يسأل لما نازعته نفسه وحدثته في كيفية الإحياء، وقد تنازع النفس وتحدث بما لاحاجة لها إليه من حيث نفسه؛ ليقع له فضل علم ومعرفة. وقيل: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، أي: ليسكن قلبي وأعلم أنك قد استجبت لي فيما دعوتك، وأعطيتني الذي سألتك. وقيل: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)، أي: أو لم توقن بالخلة التي خاللتك؟ قال: بلى.
(261)
سأل ربه على الخلة. وقيل: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)، قال: (بَلَى)، (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، بأنك أريتني الذي أردت. ويحتمل: أن يكون إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، أراد بسؤاله ذلك أن تكون له آية حسية؛ لأن آيات إبراهيم كلها كانت عقلية، وآيات سائر الأنبياء كانت عقلية وحسية، فأحب إبراهيم، صلوات اللَّه عليه وسلامه، أن تكون له آية حسية، على ما لهم، كسؤال زكريا ربه حيث قال: (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَاتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا) جعل له آية حسية؛ فعلى ذلك سؤال إبراهيم، عليه السلام. وقوله تعالى: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ). معناه: وجههن إليك، كقول الرجل: " صر وجهك إليَّ "، أي: حول وجهك إليَّ. وروي في حرف ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -: " فصِرْهن إليك "، بالكسر، بمعنى قطعهن، قيل: هو التقطيع. وقيل: (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ)، اضممهن. * * * قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) وقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) يحتمل ضرب مثل النفقة في سبيل اللَّه بالحبة التي ذكر وجهان: أحدهما: أن يبارك في تلك النفقة، فيزداد وينمو، على ما بارك في حبة واحدة فصارت سبعمائة وأكثر. والثاني: قال: (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)، ورأوا الصدقة تتلف وتتلاشى في أيدي الفقراء فقالوا: كيف تربى، وهي تالفة؟ فقال: تربى كما أربي الحبة في الأرض بعد ما تلفت فيها وفسدت، فصارت مائة وزيادة. فعلى ذلك الصدقة في طاعة اللَّه والنفقة فيما يربى وإن كانت تالفة.
(262)
وقيل: إنها منسوخة بالفرائض. لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه نسخ وعد في الآخرة، والوعد لا يحتمل النسخ، إلا أن يعنون نسخ عين الصدقة بغيرها، فأما الوعد فهو حالة. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). قيل: (وَاسِعٌ)، غني. وقيل: (وَاسِعٌ)، جواد، يوسع على من يشاء. وقوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى (262) قال المفسرون: للجهاد، خصوا الجهاد بهذا. واللَّه أعلم. لأن العدو إذا خرجوا لقتال المسلمين خرجوا للشيطان، ويسلكون سبيله وطريقه، والمؤمنون إنما يخرجون ليسلكوا طريق اللَّه تعالى، وينصروا دينه وأولياءه؛ لذلك كان التخصيص له لقولهم، وإلا كان يجيء أن يسمى الطاعات كلها والخيرات (سبيل الله)؛ لأنه سبيل اللَّه وطاعته، كقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا). وقوله: (ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى). اختلف فيه: قيل: (مَنًّا)، على اللَّه، و (أَذًى)، للفقير. وقيل: (مَنًّا)، على الفقير، و (أَذًى)، له. ثم قيل: منه على الفقير عد ما أنفق عليه وتصدق، وأذاه وتوبيخه عليه بذلك. وأما منُّه على اللَّه تعالى؛ كقوله تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17). وقوله تعالى: (لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) وقد ذكرنا تأويله فيما تقدم. وقوله تعالى: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) قيل: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ)، كلام حسن، يدعو الرجل لأخيه بظهر الغيب. وقيل: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ)، يستغفر اللَّه ذنوبه في السر و (وَمَغْفِرَةٌ) له، يغفر له، ويتجاوز عن مظلمته. وقيل: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ)، الأمر بالمعروف خير ثوابا عند اللَّه من صدقة فيها أذى ومن.
(264)
فَإِنْ قِيلَ: كيف جمع بين قول المعروف والمغفرة وبين الأذى والمن، فقال: (خير من كذا. .)، وأحدهما خير والآخر شر، وإنَّمَا يفعل هذا إذا كانا جميعًا خيرين، فيقال: " أيهما أخير "؟ قيل: معناه - واللَّه أعلم - هذا خير لكم من ذلك، وهو كقوله: (قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ)، أي: خير لكم في الآخرة من اللهو والتجارة، في دنياكم، وإن لم يكن اللهو والتجارة من جنس ما عند اللَّه، فعلى ذلك الأول. ويحتمل: أن تكون الآية على الابتداء، لا على الجمع: هذا خير، وهذا شر. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: ووجه ذلك أن الصدقة قربة، وهي خير، فإذا أتبعها الأذى أبطلها، فيكون (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ)، أي: رد جميل للسائل خير من إجابة في البذل، ثم الرد بالأذى؛ لأن هذا يبقى، وإن كان لا ينشفع به الآخر، والصدقة لا، وإن كان ينتفع بها الفقير. واللَّه أعلم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (المن) و (الأذى)، أن يقول للسائل: خذه، لا بارك اللَّه فيه لك. وقوله تعالى: (وَاللَّهُ غَنِيٌّ)، عن صدقاتكم، (حَلِيمٌ)، لا يعجل بالعقوبة عليكم بالمن والأذى. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) المن والأذى: ما ذكرنا.
ثم جهة البطلان - واللَّه أعلم - أن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وعد لمن تصدق الثواب عليها، بقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً)، وقال: (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) وقال في آية أخرى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ. . .) الآية. وإن كانت تلك الأموال في الحقيقة له أعطاهم الثواب على ذلك، فأخبر أن من أعطى آخر شيئًا ببدل لا يمن عليه، كالمبادلات التي تجري بين الناس، ألا يكون لبعض على بعض جهة المن، إذا أخذ بدل ما أعطاه، وأن يقال: إن الأموال كلها لله تعالى، فإنما أعطى ماله، وكل من أعطى ماله آخر لا يستوجب ذلك حمدًا ولا مَنًّا. ثم اختلف في قوله تعالى: (كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ): قَالَ بَعْضُهُمْ: هم المنافقون، كانوا ينفقون أموالهم رياء. دليله قوله تعالى: (وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، شبه الصدقة التي فيها (مَنٌّ) و (أذىً) بالصدقة التي فيها رياء. وذلك - واللَّه أعلم - أن الصدقة التي فيها (مَنٌّ) و (أذى) لم يبتغ بها وجه اللَّه، فكان كالصدقة التي ينفقها للزيادة لا يبتغى بها وجه اللَّه تعالى أوقال آخرون: كل صدقة فيها رياء فذلك، كافرًا كان منفقها أو مسلما؛ لأنها لم يُبتغَ فيها وجه اللَّه تعالى، والدار الآخرة. ثم ضرب المثل للصدقة المبتغى بها الرياء، والصدقة التي فيها المن والأذى بالصفوان الذي عليه التراب: وهو الحجر الأملس، فقال: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا). قيل: (الوابل) هو المطر الشديد عظيم القدر. وفي ضرب الأمثال تعريف ما غاب عن الأبصار بما هو محسوس؛ وذلك أن الصفوان الذي به ضرب المثل، والتراب محسوس، ومن التراب جعل الأغذية للخلق والدواب. ثم الثواب الذي وعد للصدقة ليس بمحسوس، بل هو غائب، فعرف الغائب بالمحسوس. فقال: لما كان التراب الذي به تكون الأغذية يذهب بالمطر الشديد حتى لا يبقى له أثر،
(265)
فكذلك الثواب الذي يكون للصدقة يذهب ويتلاشى حتى لا يُظفر بها بالمن والأذى والرياء، كما أذهب المطر التراب الذي على الصفوان، فصار صلدًا، لا شيء عليه من التراب. وقوله تعالى: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي القَومَ الْكَافِرِينَ). قالت المعتزلة: لا يهدي القوم الكافرين بكفرهم الذي اختاروا. وقلنا نحن: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر، ويهديهم وقت اختيارهم الإيمان. وفي قوله: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى)، وجه آخر، هو أن يحتمل قوله: (مَعْرُوفٌ)، هذه التسبيحات والثناء والحمد، (وَمَغْفِرَةٌ)، ستر ما ارتكب من المأثم. وقوله: (خَيْرٌ)، أي أحب على البذل من صدقة يتبعها أذى. واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) في الأمثال التي ضربها اللَّه تعالى وذكرها في القرآن وجوه: أحدها: جواز قياس ما غاب من الحكم عن المنصوص بالمنصوص إذا جمعهما معنى واحد. والثاني: أن علوم المحسوسات والمشاهدات هي علوم الحقائق، وهي الأصول التي بها يستدل ويوصل إلى صرفة الغائب. والثالث: فيها إثبات رسالة مُحَمَّد، عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات، وذلك أن العرب كانت لا تضرب الأمثال، ولا كانت تعرفها في أمر التوحيد وتعريف ما غاب عن حواسهم من أمر القيامة ونحو ذلك. ثم بعث اللَّه تعالى محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وأنزل عليه القرآن، وذكر فيه الأمثال؛ ليذكرهم تلك الأمثال ليعلموا أنه إنما عرفها باللَّه عَزَّ وَجَلَّ، لا أنه أنشأ هذا القرآن من تلقاء نفسه. وذلك من آيات نبوته ورسالته. وعلى ذلك جعل عدم الكتابة وإنشاء الشعر من آيات نبوته ورسالته؛ لأن من عادة العرب إنشاء الشعر والكتابة، ويفضلون أربابها على غيرهم؛ لئلا يعرف هو بها، ويقولون: إنه أخذ من الكتب، أو اختلق من نفسه، كقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ
بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ). والرابع: فيها دلالة أن اللَّه - جل وعلا - خالق الدنيا وما فيها من المحاسن والخبائث، والأعالي والخسائس، حيث ضرب مثل الرفيع بالرفيع والخسيس بالخسيس؛ فدل أن خالق هذه الأشياء كلها هو اللَّه تعالى، لا شريك له ولا شبيه. ثم شبه الصدقة التي هي لله - عَزَّ وَجَلَّ - مرة بالربوة من الأرض: وهي المرتفعة منها، ومرة بالحبة التي تنبت كذا كذا سنبلة، وفي كل سنبلة كذا كذا حبة، ومرة بالأضعاف المضاعفة؛ كقوله: (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً). فهو - واللَّه أعلم - لما علم عَزَّ وَجَلَّ رغبة الناس مرة في العدد في الدنيا، ومرة في البساتين المرتفعة أرضها وتربتها ليشرفوا على غيرهم من الخلائق والبقاع، ومرة في الكثير من الأشياء والعظيم منها رغبهم عَزَّ وَجَلَّ في الصدقة بما ذكرنا من الأشياء لعلمه برغبتهم فيها، ليرغبوا في ذلك. واللَّه أعلم. وعلى ذلك حرم اللَّه تعالى الصدقات على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه كان يرغب الناس في الصدقة؛ لئلا يظنوا فيه ظن السوء ويقولون: إنه إنما يرغبهم فيها لينتفع هو بها. وقوله تعالى: (وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) واختلف فيه: قيل: (وَتَثْبِيتًا): تصديقا، كقوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7). وقيل: (وَتَثْبِيتًا)، أي: تيقينا بالإسلام. وقيل: يثبتون في مواضع الصدقة. وقيل (وَتَثْبِيتًا) في الصدقة، إذا كانت لله أمضى وتصدق بها، وإن خالطه شيء أمسك. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ). قيل: الربوة: المرتفع من الأرض. وقيل: الربوة: الظاهر المستوي من المكان.
(266)
وقوله تعالى: (أَصَابَهَا وَابِلٌ). والوابل: قد ذكرنا أنه المطر الشديد العظيم القطر. وقوله تعالى: (فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ)، يعني الحبة أضعفت في ثمرها في الحمل ضعفين حين أصابها وابل. كذلك الذي ينفق ماله لله في غير منة يمن بها يضاعف نفقتها، كثرت النفقة أو قلت. وقيل: يضاعف اللَّه للمنفق الأجر مرتين. وقوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ). والطل، هو المطر الضعيف. وقيل: هو الطش من المطر. وقيل: هو الرذاذ من المطر مثل الندى، لا تزال الحبة خضراء دائمًا ثمرها، قل أو كثر. وقوله: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) ليس لهذا الخطاب جواب؛ لأن جوابه أن يقول: يود، أو لا يود. لكن الخطاب من اللَّه تعالى يخرج على وجوه ثلاثة: خطاب يفهم مراده وقت قرعه السمع. وخطاب لا يفهم مراده إلا بعد النظر فيه والتفكر والتدبر، وهو كقوله: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)، وكقوله عز وجل: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، و (يَعْقِلُونَ). وخطاب لا يفهم مراده إلا بالسؤال عنه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أو من له علم في ذلك؛ كقوله تعالى: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا)، وكقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). فإذا كان ما ذكرنا، فيحتمل أن ما ترك من الجواب للخطاب إنما ترك للطلب والبحث
عنه والتفحص. ثم إن هذا الخطاب يحتمل أن يكون في أهل النفاق؛ وذلك أن المنافق يرى من نفسه الموافقة لأهل الإسلام في الظاهر، وهو مخالف لهم في السر، وعنده أنه يستحق الثواب بذلك وقت الثواب، كان كصاحب الضيعة التي ذكرت في الآية: أن صاحبها يغرس فيها الغرس، وينبت فيها النبات في حال شبابه وقوته؛ رجاء أن يصل إلى الانتفاع بها في وقت الحاجة والضعف، فإذا بلغ ذلك واحتاج - حيل بينه وبين الانتفاع فيها. فكذلك المنافق الذي كان دينه لمنافع في الدنيا وسعة لها، إذا بلغ إلى وقت الحاجة حرم ذلك. وكذلك هذا في الكافر؛ لأنه رأى لنفسه النفع بعمله لوقت تأمله كصاحب الضيعة، ثم عند بلوغه الحاجة حرم عنه ذلك لاعتراض ما اعترض من الآفة، وهو كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا)؛ لأن الكافر بما يدين من الدِّين إنما يدين لنفع يتأمله في الدنيا، والمؤمن إنما يدين بما يدين لنفع يتأمله ويطمع في الآخرة. فرجاء الكافر في غير موضعه؛ لذلك كان ما ذكر. والله أعلم. ثم الأمثال التي ضربت ينتفع بها المؤمنون؛ لأن نظرهم ما في الأمثال من المعنى المدرج والمودع فيها، لم ينظروا إلى أعينها. وأما الكفار إنما ينظرون إلى أعين الأمثال، لا إلى ما فيها، فاستحقروها واستبعدت عقولهم ذلك؛ لذلك قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، و (يَعْقِلُونَ). ووجه ضرب هذا المثل: هو أن الكافر يحرم أجره عند أفقر وأحوج ما كان إليه، كما حرم هذا نفع بستانه عند أفقر وأحوج ما كان إليه حين كبرت سنه وضعفت قوته، ولا حيلة له يومئذ. وقوله تعالى: (إِعْصَارٌ). قال ابن عَبَّاسٍ: الإعصار: ريح فيها سموم. وقيل: الإعصار: ريح فيها نار تحرق الأشجار. وقيل: هي الريح تسطع إلى السماء، وهي أشد. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى - في قوله: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ. . .)
الآية: فمعناه - واللَّه أعلم - أن يكون ألا يود أحد أن تكون له جنة ينال منافعها في وقت قوته وغناه بقوته عنها وبغيرها من وجوه المعاش، ثم يحرم نفعها لوقت الحاجة إليها بضعف بدنه وارتكاب مؤن الذرية، فكذلك لا ترضوا من أنفسكم في وقت قوتها وغناها الغفلة عنها لوقت حاجتها إلى الأعمال والاضطرار إلى ثوابها. واللَّه أعلم. وأن يكون المعنى من ذلك أي: لا تغتروا بظاهر أحوالكم في الدنيا، وبما تنالون من النافع بالذي أظهرتم من موافقة المؤمنين، كاغترار من ذكرت بجنسه في خاص ما عليه حاله إلى أن صار إلى ما أراه اللَّه من عاقبته أنه يود عنه نهاية ذلك، أن لم يكن منه الاغترار في ذلك، ولكن كان قيامه على ما لا يضيع عنه ذلك بتلك الحال؛ فيخرج ذا على ضرب المثل للمنافق. ويحتمل: أن يكون ذلك مثلًا لمن كفر بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ممن يؤمن بالبعث، أن الذي ينال بالكفر به من الرياسة والعز، كالذي ذكر من صاحب الجنة أنه لا يود ذلك الابتداء بما يعلم تلك العاقبة؛ فكذا ما ينبغي لهم إذ بين لهم عواقب الكفر بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يؤثروا الذي نالوا بعد علمهم بشدة تلك العاقبة. واللَّه أعلم. والمثل خرج على غير ذكر الجواب فيه؛ لما قد جرى له البيان لعلمه بالمبعوث مبينًا أو بما في الحال التي لها نزول الآية دليل التعريف، أو بما أراد اللَّه امتحان السامعين بالتأمل في الآية لينال كل ذي عقل فضله، وليكرم به أهل التدبر في آياته في صرف وجوه من دونهم إليهم في الصدور عن آرائهم والاعتماد على إشارتهم. واللَّه أعلم. وجملة ذلك: أن أفعال ذوي الاختيار تكون للعواقب، وما إليه مرجع الفاعل مقصود في الابتداء، فبين لمن أغفل عنه بالذي عرف من حيرة المسرور بجنته لما انكشفت له عاقبتها حتى لعله يود أن لم يكن له تلك، ليكون سروره بما يحمد عاقبته. فعلى هذا الأمر: الأفعال التي يغفل عن عواقبها إذا صار إليها صاحبها. واللَّه الموفق. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
(267)
أَنْصَارٍ (270) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) فيه دليل وجوب الزكاة في أموال التجارة بقوله: (مَا كَسَبْتُمْ)؛ لأن أموال التجارة هي التي تكتسب، وليس في كتاب اللَّه تعالى بيان وجوب الزكاة في أموال التجارة في غير هذا الموضوع، وليس فيه سنة عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولكن ذكر عن بعض الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - القول به؛ فيحتمل أن يكون ما قالوا قالوا بهذه الآية. وأما زكاة الفضة، والذهب، والمواشي فيما لها ذكر في الكتاب والسنة، فالزكاة تجب فيها لعينها، اكتسب فيها أو لم يكتسب. وأما أموال التجارة فإن الزكاة تجب فيها بالاكتساب. وفيه دليل أن النفقة المذكورة فيه لازمة واجبة؛ لأنه قال: (إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ)، ذكر الإغماض، والإغماض لا يذكر في المعروف، إنما يذكر في اللازم والواجب الذي لا مخرج له عنه إلا بالأداء، إلا عن عفو وصفح والرضاء بدون الحق - ثبت أنه على اللزوم. وفيه دليل وجوب الحق في الرطاب والخضراوات؛ لأنه ذكر في الآية المخرج، والرطاب هي التي تخرج من الأرض. وأما الحبوب إنما تخرج من الأصل الذي يخرج من الأرض؛ لذلك كان الرطاب والخضراوات أولى بوجوب الحق من غيره بظاهر الآية. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: والوجوب في الحبوب بما كانت تخرج من الحقوق، والحقوق بظاهر هذه الوجوه في التي تخرج من الأرض. وأما أبو يوسف ومُحَمَّد - رحمهما اللَّه تعالى - فإنهما قالا: يحتمل قوله: (أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ)، يعني من الأصل الذي يخرج لكم من الأرض، كقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا)، ولا ينزل من السماء اللباس كما هو، ولكن أراد الأصل الذي به يكون اللباس، وكذلك قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ)، وهو لم يخلقنا من التراب، وإنما خلق الأصل من التراب، وهو آدم - عليه السلام - فعلى ذلك الأول. واللَّه أعلم. والوجه فيه: أنه منَ اللَّه تعالى علينا بما أخرج لنا من الأرض من أنواع ما أخرج بحبة تلقى في الأرض فتفسد فيها، فيخرج منها النبات بلطفه، لا صنع لأحد فيها. وتلك المنة لا تكون على أربابها خاصة دون الفقراء أو بل هي على الفقراء كهي على أربابها؛ لأنه أخرجه رزقًا للكل، ففيه حق الفقراء والأغنياء جميعًا. ومن ثم جاز وجوب العشر على
(268)
الفقير؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64). وقوله: (فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا)، قيل: ءأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون؟ وأما ما بعد النبات فيشترك العباد فيه بالسقي والحفظ وغيره؛ لذلك كان ما ذكرنا. واللَّه أعلم. وفي قوله تعالى: (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ)، دلالة على ألايتصدق بالرديء عن الجيد. فإذا تصدق به يلزمه فضل ما بين الرديء إلى الجيد، على قول مُحَمَّد - رحمه اللَّه تعالى - بظاهر قوله: (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ). وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي اللَّه تعالى عنهما -: يجوز ولا يختار له ذلك؛ وذلك أن اللَّه - تعالى - أطمع الناس قبول ذلك إذا تغامضوا، فهو أحق أن يطمع فيه القبول لكرمه ولطفه؛ ولأنه ليس لصفة ما يكال ويوزن من نوعه قيمة، فإذا لم تكن له قيمة لا يلزمه فضل الصفة. وقوله تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) قوله: (يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) في الدنيا بالتصدق والإنفاق، (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) بترك الصدقة. ويحتمل: (يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ)، في الدنيا بطول الأمل وفناء المال، (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) بسوء الظن بربه. (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ) بالصدقة، و (وَفَضْلًا) ذكرًا في الدنيا. ويحتمل قوله: (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ) في الآخرة، و (وَفَضْلًا) في الدنيا، يعني خَلَفًا. وقيل: (مَغْفِرَةً) لفحشائكم، و (وَفَضْلًا) لفقركم. وقوله: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، أي: غني يقدر إخلاف ما أنفقتم، (عَلِيمٌ) جزاء صدقاتكم. ويحتمل: (عَلِيمٌ) ما تنفقون من الصدقة والحسنة. وفي قوله: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، و (اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)، ونحوه دلالة أن اللَّه - تعالى - إنما رغب الناس على الصدقات والنفقات ابتلاء ومحنة منه، لا حاجة وفقرًا.
(269)
وقوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) قيل: (الْحِكْمَةَ) في هذا الموضع معرفة القرآن وتفسيره. وهو قول ابن عَبَّاسٍ - رضيَ اللَّهُ تعالى عنه - وكذا روي مرفوعا. وقيل: (الْحِكْمَةَ) الفهم في القرآن. وقيل: الفقه. وقيل: (الْحِكْمَةَ) النبوة. وقيل: (الْحِكْمَةَ) هي الإصابة. وفيه دليل جواز الاجتهاد، وأنه مصيب في اجتهاده. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى - في قوله: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ): اختلف في تأويل (الْحِكْمَةَ) في هذا: قال قوم: (الْحِكْمَةَ) هي القرآن، وهو على ما وصفه (نورا) و (وَهدًى)، و (رُوحًا)، و (وشِفَآء) هو الذي يبصر به حقائق الأشياء، وبالهدى يدرك كل شيء ويتقى كل تلف، وبالروح يحيى كل ذي روح، وبالشفاء يبرأ كل سقيم ويزال كل آفة. والذي هذا وصفه فهو الخير. وباللَّه التوفيق. وقال قوم: (الْحِكْمَةَ) هي الإصابة لحقيقة كل شيء، وبها يتقى كل شر، وينال كل خير، وذلك هو الخير الكثير، وباللَّه العصمة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (الْحِكْمَةَ)، هي السنة، كأنه أكرم رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالذي من سلكه نجا،
ومن حاد عنه غوى. وقيل: في الأصل الحكمة في التحقيق وضع كل شيء موضعه، ودفع كل حق إلى مستحقه، ولهذا قال بعض الفلاسفة في حد الحكمة: إنه العلم والعمل بالعلم في وضع الأشياء مواضعها، والعمل في إيصال كل ذي حق إلى مستحقه. وقيل: هي من إحكام الأمور وإتقانها. وذلك مقارب؛ لما يضاد الحكمة السفه، وهو التفاوت في العقل والاضطراب في الأمور. واللَّه أعلم. وقال قوم: الحكمة في القرآن: هي فهم الحدود والسرائر، وهو الذي به يدرك الموافقة والمخالفة من طريق الحقائق، لا من طريق الظواهر. وذلك عمل الحكماء ورعاة الدِّين. ولا قوة إلا باللَّه. وقال قوم: الحكمة: هي الفقه، والفقه: معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، وهو الذي به يوصل إلى معرفة الغائب بالشاهد، والغامض بالظاهر، والفرع بالأصل. ولا قوة إلا باللَّه. وأي هذه الوجوه كانت الحكمة فذلك الوجه يجمع خير الدارين، لو حفظ حقه، والذي هذا وصفه فهو الخير الكثير. وباللَّه المعونة. وفي الآية دلالة أن اللَّه تعالى لا يؤتي كلًّا الحكمة، وأن الحكمة وإن كانت فعلًا للحكيم فإعطاء اللَّه تعالى نالها، وأنه لا يجوز أن يعطيها أحدًا ثم لا ينالها المعطى. وهذه الوجوه كلها تخالف رأى المعتزلة. وقوله تعالى: (فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)، من حفظ النفس في الدنيا عن جميع الآفات، وفي الآخرة عن دفع العقوبات. وقوله تعالى: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) يعني: وما يتعظ بما ذكر إلا ذو الفهم والعقل. وفي الآية نقض على المعتزلة؛ لأنه قال: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ)، ثم قال: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)، ولا كل أحد يؤتى الحكمة، إنما يؤتى بعضًا دون بعض. فلو كان على اللَّه تعالى أن يعطى الأصلح في الدِّين لكان قد آتى الكل، وبطل التفضل. ومن قال: يؤتى غيرها، فكان خلاف ما في الكتاب. وقوله: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
(270)
أَنْصَارٍ (270) يحتمل: نفقة المحارم. ويحتمل: النفقات التي تجري بين الخلق. ويحتمل: المفروض من الصدقات. ويحتمل غيرها. ثم رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه - عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في قوله تعالى: (أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ) قال: " من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا أطاقه فليوف به ". فيه تنبيه وتذكير أن اللَّه تعالى يعلم صدقهم ونذرهم؛ ليحتسبوا في النفقة ويخلصوا، وفي النذر يوفوا به. وقوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ). قيل: يقبله. وقيل: يأمر بوفائه. ويحتمل قوله: (يَعْلَمُهُ) أي: يعلم ما وفيتم منه؛ فيجزيكم على ذلك. ويحتمل: (يَعْلَمُهُ): ما أردتم بصدقاتكم ونذوركم؛ فيكون فيه ترغيب للناس في أداء الفرائض. وقوله تعالى: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ). في الآخرة، يعني مجير يجيرهم من العذاب. وقيل. ما للظالمين من شفيع يشفع لهم، ولا نصير ينصرهم؛ لأنه ما من ظالم إلا وله في الدنيا ظهير. وقوله: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) قَالَ بَعْضُهُمْ: هي الفريضة. وقال آخرون: هي التطوع. وهو أَوْجَه.
وقال غيرهم: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ)، هي الفريضة، (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ) هي التطوع. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: لا يحتمل الإخفاء في التطوع، والإبداء في الفرض؛ لما أخبر في الإخفاء أنه خير، ولا يكون التطوع خيرًا من الفريضة. ومن حمله على الفريضة يستحب أن يظهروا الزكاة المفروضة ليقتدوا به ويرغبوا الناس عليها. ومنهم من يستحب الإخفاء أيضًا، ويقولون: في الإبداء شيئان: الصدقة نفسها، والاقتداء، وفي الإخفاء وجوه: أحد ها: الصدقة. والآخر: ترك المراءاة وسلامتها. والثالث: الكف عن المن والأذى. ومنهم من حمل قوله: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ) على الفريضة، و (وَإِنْ تُخْفُوهَا) على التطوع، وذهب إلى أن الفريضة ليس فيها الرياء؛ لأنه لا شيء عليه، فسواء فيها الإبداء والإخفاء، وأما التطوع ففيه الرياء؛ لأنه معروف ليس عليه، والإخفاء له أسلم. والله أعلم. وقال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه - في قوله: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. . .) الآية، جعل اللَّه - تعالى - صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفًا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. وفي بعض الأخبار عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " صدقة السر تطفئ غضب الرب، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصلة الرحم تزيد في العمر ". وعن الحسن، قال: الإبقاء على العمل أشد من العمل؛ وذلك أن العبد ليعمل العمل سرا فيكتب له عمل السر، فلا يزال به الشيطان حتى ينسخ من عمل السر إلى عمل العلانية، ثم لا يزال به الشيطان حتى يحب أن يحمد، حتى يكتب من عمل العلانية في الرياء.
(272)
وقوله تعالى: (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ): فيه دليل أن من السيئات ما يكفرها الصدقة، ومنها ما لا يكفر. وقيل: إن " من " هاهنا صلة، ففيه إطماع تكفير السيئات كلها بالصدقة، كقوله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ). وهو نقض على المعتزلة؛ لأنهم لا يرون تكفير الكبائر بغير التوبة عنها، ولا التعذيب على الصغائر. فأما إن كانت الآية في الكبائر - فبطل قولهم: لا يكفر بغير التوبة، أو في الصغائر فيبطل قولهم: إنها مغفورة؛ إذ وعدت بالصدقة؛ لأنهم يخلدون صاحب الكبائر في النار، واللَّه تعالى أطمع له تكفير السيئات كلها بالصدقة. واللَّه الموفق. وقوله تعالى: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ): فيه وعيد وتحذير، أنه يعلم ما تسرون وما تعلنون في الصدقة. ويحتمل: (تَعْمَلُونَ)، من جزائكم للصدقة. * * * قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274). قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) أخبر أنه ليس عليه هداهم، وعليه البيان والتبليغ؛ فدل أن هناك فضل هدى، لا يملك هو ذلك، وهو التوفيق على الهدى والتحقيق له. وهذا يرد على المعتزلة ويكذبهم أن كل الهدى: البيان؛ إذ لو كان كل الهدى بيانًا لكان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يملك ذلك، إذ عليه البيان، فدل أنه لا يملك الهدى المراد في الآية؛ فهو على ما ذكرنا من التوفيق. ويحتمل قوله: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) أي: حساب ترك اهتدائهم، كقوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ)، و (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ).
(273)
وقوله تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ): (مِنْ خَيْرٍ)، أي: مال، (فَلِأَنْفُسِكُمْ)، يعني: فلأنفسكم الثواب. وقيل قوله: (فَلِأَنْفُسِكُمْ)، يعني: منفعته لكم. وفي قوله: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ) دلالة على أنهم كانوا يتحرجون بالتصدق على أقربائهم من الكفار خشية ما يقع من التعاون على ما اعتيدوا من الدِّين؛ إذ المكاسب لكل أهل دين إنما تقع من العقلاء مكان ما ينفقون به لأجل الدِّين؛ فبين جل وعلا: أن ذلك يقع لكم ولأنفسكم، وتكفير ما ارتكبتم. ثم في الآية دلالة جواز الصدقة على الكفار، ودليل جواز دفع الكفارات إليهم بقوله: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ)؛ فهو دليل لأصحابنا؛ لأنه جعل هذه الصدقة مكفرة. وقوله تعالى: (يُوَفَّ إِلَيْكُمْ)، يعني: يوفر عليكم ثواب صدقاتكم، وإن كان التصدق على الكفرة. وقوله تعالى: (وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ)، في حرمان الثواب والجزاء. وقوله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) قيل: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وقيل: (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: من سبيل اللَّه، يعني: حبسوا بالفقر عن الجهاد، وهو كقوله: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ). والعرب تستعمل حروف الخفض بعضها في موضع بعض. ويحتمل قوله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، أي: حبسوا أنفسهم في طاعة اللَّه، لا يجدون ما يتجرون، ولا ما يحترفون، ولا ما يكتسبون. وقوله تعالى: (لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ): للتجارة. وقوله تعالى: (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)، يحتمل وجهين: يحتمل: لا يظهرون السؤال، أي: لا يسألون؛ كقوله تعالى: (وَلَا تنفَعُهَا شَفَاعَة) أي: لا يشفع لهم. ويحتمل: فإن كان على السؤال فإنهم إذا سألوا لم يلحفوا، دليله قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " من فتح على نفسه بابًا من المسألة، فتح اللَّه عليه سبعين بابا من الفقر ". ثم ذكر في الخبر: " من
(274)
استغنى أغناه اللَّه، ومن استعف أعفه اللَّه ". وإن كان على التعريض، ففيه إباحة التعريض بين يدي أهل الجود والسخاء. وقوله تعالى: (تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا): قيل: (بِسِيمَاهُمْ)، يعني: سيما التخشع. وقيل: (بِسِيمَاهُمْ): بسيما الفقر عليهم، و (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) يعني: إلحاحا. وقيل: (تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ)، أي: بتجملهم، (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)، أي: إلحاحًا، ولا غير إلحاح. وقوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) قيل: هي النفقة على الخيل المحتبسة للجهاد، ينفقون ليلا ونهارًا، سرًّا وعلانية، لا رياء فيها، ولا إضمار. وعن عليٍّ وأبي أمامة الباهلي - رضي اللَّه تعالى عنهما -: هي النفقة على الخيل في سبيل اللَّه. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه قال: هي في علف الخيل والنفقة عليها. وقيل: نزلت هذه الآية في نفقة عبد الرحمن بن عوف في جيش العسرة.
وقيل: نزلت في علي بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه لم يكن يملك من المال غير أربعة دراهم، وتصدق بدرهم ليلًا، وبدرهم نهارًا، وبدرهم سرًّا، وبدرهم علانية، فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " ما الذي حملك على هذا؟! قال: حملني أن أستوجب على اللَّه الذي وعدني؛ فنزلت فيه هذه الآية. وقيل: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري. فلا ندري فيمن نزلت، وليس لنا إلى معرفة المنزل في شأنه حاجة سوى أنه وصفهم بالجود والسخاء، ونفقتهم على الناس ليلًا ونهارًا سرًّا وعلانية، لا رياء فيها، ولا مَنّ، ولا أذى. وفيه نفى الرياء عن نفقتهم؛ لأن من عود نفسه الفعل في جميع الأوقات لم يراء. وقوله تعالى: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)؛ لأن نعيم الدنيا مشوب بالحزن والخوف، فأخبر عَزَّ وَجَلَّ أن نعيم الآخرة لا يشوبه حزن ولا خوف؛ لذلك كان ما ذكر. واللَّه تعالى أعلم. * * * قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ
(275)
فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281) وقوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا)، ليس على حقيقة الأكل، ولكنه كان على الأخذ، كقوله تعالى: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ). فإذا كان هذا على الأخذ فقوله تعالى: (لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) هو على التمثيل، ليس على التحقيق. وقال آخرون: هو على نفس الأكل، وما ذكر من العقوبة، لما أكلوا من الربا لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم المجنون المنخنق. وقال غيرهم: ذلك لاستحلالهم الربا، وتخبيطهم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ في الحكم في تحريمهم الربا بقولهم: (قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا). ثم قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)، فيه دليل جواز القياس في العقل؛ لأنه لو لم يكن في العقل جوازه لم يكن لقولهم: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) معنى. لكنهم لم يعرفوا معنى المماثلة. ثم المماثلة على الوجهين: مماثلة أسباب، ومماثلة أحوال. فالمماثلة التي هي مماثلة أحوال: هي ابتداء محنة في الفعل، لا يقاس على غيره، نحو أن يقال: اقعد، أو أن يقال: قم، لا يقاس القيام على القعود، ولا القعود على القيام، إنما هو محنة لا يلزم غير المخاطب به. وأما مماثلة الأسباب: فهي مماثلة الإيجاب، نحو أن يقال: حرم اللَّه السكر في الخمر، فحيث ما وجد السكر يحرم؛ لأنه يجني على العقل، فكل شيء يجني عليه فهو محرم التناول منه. وقوله تعالى: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا). يقولون: لما جاز أن يباع ثوب يساوي عشرة بأحد عشر، كيف لا جاز أن يباع عشرة بأحد عشر؟
وقيل: كان الرجل منهم إذا حل ما له على صاحبه طلبه، فيقول المطلوب للطالب: زدني في الأجل وأزيدك على ما لك. فيفضلان على ذلك ويعملان به. فإذا قيل لهما: هذا ربا، قالا: هما سواء: الزيادة في البيع، أو الزيادة عند محل البيع. فأكذبهم اللَّه تعالى في ذلك وقال: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، أي: ليس هكذا: البيع كالربا. ويحتمل: فيه ابتداء حرمة أن حل ما هو بيج لا ما هو ربا. ثم قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا): فلقائل أن يقول: إنما يحرم منه قدر الربا، وأما العقد فإنه يجوز لما ليس فيه ربا. لكن الأصل عندنا فيه: أن الدرهم الزائد يأخذ كل درهم من العشرة قسطًا منه وجزءًا من أجزاء كل درهم منه، فلا سبيل إلى إمضاء العقد لأخذ أجزائه كل درهم من الذي فيه العقد، وهو ربا. وفيه وجه أَخر: وهو أنه ختم الكلام على قوله: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ)، ولا يزاد رأس المال في عقد قد مضى. ثم معرفة الربا من غير الربا ما ليس بإرادة بدل. ثم فيه دلالة أن حرمة الربا كان ظاهرًا عندهم حتى حكوا، وكان حرمته فيما بينهم كهو فيما بين أهل الإسلام؛ لذلك قال أبو حنيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -: أن لا يجوز بيع الربا فيما بين أهل الإسلام وبين أهل الذمة. وعلى ذلك خرج الخطاب منه - عَزَّ وَجَلَّ - بقوله: (لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً). وقوله تعالى: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى): قيل: (مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، بيان تحريم الربا. وقيل: (فَمَنْ جَاءَهُ) نهي في القرآن (مِنْ رَبِّهِ) وفي تحريم الربا، (فَانْتَهَى) عن الربا. ويحتمل: الموعظة، هي التذكير لما سبق منه، فيتذكر فيرجع عن صنيعه. وقوله تعالى: (فَلَهُ مَا سَلَفَ)، قيل فيه بوجهين: قيل: (مَا سَلَفَ) له في الجاهلية صار مغفورًا له، وهو كقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ). ويحتمل قوله تعالى: (مَا قَدْ سَلَفَ) هو، وذلك أن الكافر إذا تاب ورجع عن صنيعه، يرجع لا أن يعود إلى فعله أبدًا، ويندم على كل سيئة ارتكبها، فيجعل اللَّه كل سيئة كانت منه حسنة، وهو كقوله تعالى: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ). وقوله تعالى: (وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ)، في حادث الوقت أن يعصمه.
(276)
وقوله تعالى: (وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). إن المعتزلة استدلوا على الوعيد لأهل الإسلام بما ذكر فيه من العود. لكن بدء الآية على الاستحلال، فعلى ذلك العود إليه على جهة الاستحلال، يدل عليه قوله تعالى: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) فأثبت له الكفر بالذي كان منه في الابتداء، وهو الاستحلال؛ فكذلك العود إليه. وقوله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) قيل: (يَمْحَقُ اللَّهُ): يهلك. وقيل: (يَمْحَقُ): يبطل. ولكن أصل " المحق " هو رفع البركة؛ وذلك أن الناس يقصدون بجمع الأموال والشح عليها، لينتفع أولادهم من بعدهم إشفاقًا عليهم، وكذلك يمتنعون من التصدق على الناس. فأخبر اللَّه تعالى: أن الأموال التي جمعت من جهة الربا ألا ينتفع أولادهم بها، وهو الأمر الظاهر في الناس. وأخبر أن الصدقات التي لا يمتنعون من الإنفاق عنها يربى ويخلف أولادهم إذا تصدقوا، ويمحق الربا ويرفع البركة عنها؛ حتى لا ينتفع أولادهم بها. وهو ما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " كل متبايعين بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما فيه، وإن كذبا وكتما محقت عنهما البركة ". وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) الآية ظاهرة. وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) قيل فيه بوجهين: قيل: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ) من عمركم (الرِّبَا) إذا صرتم مؤمنين. وقيل: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)، الذي تقبضون (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). وفي الآية دلالة على أن الربا الذي لم يقبض إذا ورد عليه حرمة القبض أفسدته. لذلك قال أصحابنا - رحمهم اللَّه تعالى -: إن فوت القبض عن المبيع يوجب فساد العقد، كما كان فوت قبض الربا في ذلك العقد أوجب منع قبض الربا. والذي يدل عليه قوله تعالى: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ)، فأوجب الفسخ فيه حتى أوجب رد
(279)
رأس المال. وفي الآية دليل وجه آخر: وهو أنه جعل حدوث الحرمة المانعة للقبض، يرتفع به العقد في فساد العقد؛ فعلى ذلك يجعل حدوث شيء في عقد معقود قبل القبض كالمعقود عليه في استئجار حصته من الثمن. وقوله تعالى: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)، وقوله: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ) فيه دلالة: أن ما جرت بين أهل الإسلام وأهل الحرب من المداينات والمقارضات ثم أسلموا يرد، وما أخذوا قهزا لا يردون؛ وذلك أن الربا الذي قبضوا لئلا يرد لم يؤمر برده. فعلى ذلك ما أخذوا قهرا أخذوا لئلا يرد، لم يجب رده. وأما رأس المال فإنما أخذوا للرد؛ فعلى ذلك ما أخذ بعضهم من بعض دَيْنًا أو قرضًا وجب رده. ففيه دليل لقول أصحابنا - رحمهم اللَّه تعالى - على ما ذكرنا. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: فمن كان مقيمًا على الربا مستحلًا له لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه: فإن تاب ونزع عنه، وإلا ضرب عنقه. وقوله تعالى: (فَأْذَنُوا)، فيه لغتان: بالقطع، والوصل. فمن قرأ بالقطع، فهو على الأمر بالإعلام لمستحليه أنه يصير حربا له بالاستحلال. ومن قرأ بالوصل، فهو على العلم، كأنه قال للمؤمنين: إنه حرب لنا. وقوله تعالى: (لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ): عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه - قوله: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ)، أي: (لَا تَظْلِمُونَ) فتربون، (وَلَا تُظْلَمُونَ): فتنقصون. وقتادة - رضي اللَّه تعالى عنه - يقول: بطل الربا وبقيت رءوس الأموال. وقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنه -: (إِلَى مَيْسَرَةٍ) قال: هو المطلوب، وهو في الربا. وفيه دلالة جواز التقلب في البيع الفاسد؛ لأنه جعل لأرباب الأموال النظرة إلى ميسرة
(281)
من عليه المال. فلو كان له حق أخذه حيثما وجده بعد ما تناسخت الأيدي، أو كان له حق تضمين من هو أغنى لم يكن لإنظار المعسر إلى وقت الميسرة معنى. ولكن يحتاج إلى تضمين أيسرهم وأغناهم إذا كان يقدر، فله خصومته، وإذا كان شرط سقطت الخصومة، كما تقول في الذي يكفل عن معسر أو عمن أجل، ثم النظرة بالاختيار ممن له الحق، لا أنه يكون هكذا شاء هو أو أبي. دليله قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " الصاحب الحق اليد واللسان ". أما اللسان فيتقاضاه، وأما اليد فيلازمه بها ويحبسه. ولكنه إذا أجل قطع على نفسه حق اللسان واليد إلى أن يمضي ذلك الوقت، فإذا مضى ذلك الوقت، ثبت له حق اللسان واليد. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، يعني برءوس الأموال إذا ظهر إعساره. وعن الضحاك - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه قال في قوله: (وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ)، قال: أخذ رأس المال حسن، وتركه أحسن. وإنما الصدقة على المعسر، فأما على الموسر فلا. وفيه دليل جواز صدقة الدَّين وهبته ممن عليه دين، وهو الأخْيَرُ له إذا ظهر إعساره وفقره. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281) قال عامة أهل التأويل: إن هذه الآية آخر ما نزلت على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وكذلك روي عن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه. فإن كان ما ذكروا فهو - واللَّه أعلم - أنه عَزَّ وَجَلَّ رغبهم في ذكر ذلك اليوم؛ لما في ترك ذكره بطول الأمل، وطول الأمل يورث الحرص، والحرص يورث البخل ويشغله عن إقامة العبادات والطاعات. فإذا كان كذلك فأحق ما يختم القرآن به هذا؛ لئلا يتركوا ذكر ذلك اليوم فيسقطوا عن منزلته الثواب والجزاء. واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: ويصير كأنه قال: اتقوا وعيده تعالى في جميع ما يعدكم وما ألزمكم من الحق.
(282)
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283). وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) فيه دليل جواز السلم من قوله: (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ)؛ لأن المداينة هي فعل اثنين، وهو السلم نفسه؛ لأنه دين من الجانبين جميعًا، وعلى ذلك رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - أنه قال: شهدوا أن الْمُسْلَم المضمون مما أجازه اللَّه - تعالى - في كتاب الكريم، ثم تلا هذه الآية. فأما الخبر الذي جاء به نهى عن الدَّين: فإن ذلك على فوت القبض فيه، دليله: جواز ما كان دينًا بدين إذا قبض أحد الجانبين. وقال آخرون: قوله: (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ)، هو بيع كل دين إلى أجل مسمى، فهو يسمى
التداين، كما يسمى البائع والمشتري: المتبايعين؛ لأن كل واحد منهما بائع في وجه، ومشترٍ في وجه. فعلى ذلك المداينة والتداين. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى): فالعرف في الإسلاف عند الناس: ألا يخلى عن الأجل، فصار الأجل بالعرف شرطا في جواز السلم وإن لم يؤجل؛ لأن الرجل لا يسلم السلف ليؤديه حالة الإسلاف؛ لأن الحاجة هي التي تحمله على الإسلاف فهو إنما يسلف ليؤديه في وقت ثان؛ لأنه لو كان عنده حاضرا لا يحتاج إلى غيره، ولكنه يبيعه فيصل إلى حاجته، ولا يتحمل الْمُؤْنة العظيمة، فصار في العرف كأنه بأجل، يفسد لترك بيان الأجل. واللَّه أعلم. وعلى ذلك رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: " من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم ". ثم أمر عَزَّ وَجَلَّ بالكتابة في التداين بقوله: (فَاكْتُبُوهُ)، وذلك - واللَّه أعلم - لأنه وصل إلى حاجته بقبض رأس المال والآخر لم يصل؛ فلعل ذلك يحمله على إنكار الحق والجحود؛ فأمر عَزَّ وَجَلَّ بالكتابة؛ احترازا عن الإنكار وجحود الحق له؛ لأنه إذا تذكر أنه كتب وأشهد عليه يرتدع عن الإنكار والجحود؛ فهو كما ذكرنا في قوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)؛ لأنه إذا ذكر أنه يقتل ارتدع عن قتل غيره؛ فكذلك إذا ذكر أنه مكتوب عليه يمتنع من الإنكار والجحود؛ لما يخاف ظهور كذبه وفضيحته على الناس، واللَّه أعلم. ولا كذلك بيع العين بالعين؛ لأن كل واحد منهما لا يصل إلى حاجته إلا بما يصلي به الآخر، فليس هنالك للإنكار معنى؛ لذلك لم يؤمر بالكتابة في بيع الأعيان، وأمر في المداينات. واللَّه أعلم.
ويحتمل الأمر بالكتابة في التداين وجهًا آخر: وهو أنه يجوز أن ينسى فينكر ذلك، أو ينسى بعضه ويذكر بعضًا؛ فأمر اللَّه تعالى بالكتابة؛ لئلا يبطل حق الآخر بترك الكتابة. ولا كذلك بيع العين؛ لذلك افترقا. واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: والنسيان يعقب التنازع، والمنازعة توجب التخالف، وفيه الفساد؛ فأمر بالكتابة لدفع ذلك، وللوفاء بالحق، ودفع الخصومات. واللَّه أعلم. ولا يحتمل أن يفرض الكتابة، وأكثر ما فيه أن يحفظ الحق، ولمن له تركه كذلك ألا يقبضه مع ما ليست في عقد أو فسخ فيكلم فيه بوجوب واختيار، إنما هي للحق، فله فعل ذلك. واللَّه أعلم. ثم اختلف في الكتابة: قَالَ بَعْضُهُمْ: هي واجبة لازمة. واستدلوا على وجوبها بقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا، أخبر برفع الجناح في التجارة الحاضرة، فلو كانت في المداينة غير واجبة لم يكن لرفع الجناح فيها معنى؛ فدل أنها لازمة في المداينة حيث رفع الجناح في الحاضرة منها. وأما عندنا: فهي ليست بواجبة؛ لأنه قال عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)، ثم أمر، قال: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ)، ذكر الرهن بدلًا عن الكتابة، ثم ذكر ترك الرهن بالائتمان. فإذا كان له ترك الرهن بالائتمان، وهو بدل الكتابة - فعلى ذلك له ترك الكتابة بالائتمان، إن كان أصله مفروضا لم يحتمل ترك بدله بالائتمان. فإذا كان ذلك له دل أنه ليس بمفروض ولا لازم. والله أعلم. وقوله تعالى: (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ): فهذا لأن الكاتب مأمون عليه فيؤدي حق ما اؤتمن فيه، لا يزيد على ما أملى عليه بالنصيحة وأداء الأمانة. وهكذا الواجب على كل محكم بين اثنين أن يحكم بالعدل والنصيحة وأداء الأمانة، كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، وكقوله: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) وكقوله: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ). وقوله تعالى: (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا وذلك أن الكتبة كانوا في صدر الاسلام قليلا، فنهوا عن ترك الكتابة؛ إذ في ذلك بطلان حقوق الناس وذهابها. وأما اليوم فلا بأس بالإبقاء عليها، لم يجد من يكتب له بالأجر؛
فلا يبطل حقه. وفيه وجه آخر: وهو أن قوله - تعالى -: (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ)، أي: لا يأب الكاتب إذا كتب أن يكتب بالعدل، أي: له ترك الكتابة، ولكنه إذا كتب لا يكتب إلا بالعدل. والله أعلم. وقوله تعالى: (كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ)، هو نقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: يكتب وإن لم يعلمه اللَّه تعالى. واللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أخبر أنه يكتب بتعليم اللَّه إياه. ولو كان التعليم من اللَّه تعالى إيتاء الأسباب لم يكن لقوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ) معنى؛ لأنه قد أعطى أسبابه. والعدل -ما ذكرنا-: ألا يزيد على الحق، ولا ينقص منه. وأصل العدل: هو وضع الشيء موضعه. وقوله تعالى: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ): ما عليه، (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ): ولا ينقص، (مِنْهُ شَيْئًا) أي: لا يملي على الكاتب أقل من حقه ولا ينقص منه شيئًا. ففيه دلالة على أن القول قوله في قدر الحق حيث أوعد فيما يملى على الكاتب ألا ينقص من حق الطالب شيئًا. وقوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ)، قال قائلون: هذا كله واحد: السفيه، والضعيف، والذي لا يستطيع أن يمل. وقال آخرون: بل هو مختلف، السفيه هو الصغير، فليملل وليه. والضعيف هو المريض الذي لا يقدر أن يُمِلَّ. والذي لا يستطيع أن يُمِلَّ هو الجاهل الذي لا يعرف أن يُمِلَّ. ثم اختلف في الولي: قَالَ بَعْضُهُمْ: الولي: هو صاحب الحق، يُمِلُّ بالعدل بين يدي من عليه الحق؛ لئلا يزيد على ذلك شيئًا، فإن زاده أو نقصه أنكر عليه صاحبه. وقال آخرون: الولي هو وصي الصغير، أو ذو النسب منه.
ثم المسألة في الحجر: قال أبو حنيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -: الحجر لا يمنع عقوده. وقال مُحَمَّد بن الحسن: لا يجوز عقوده، ولكن الولي هو الذي يتولى ذلك؛ استدلَالًا بظاهر قوله: (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ)، فإنما جعل الإملاء إلى الولي، لا إليه. ولو كان يجوز إملاؤه لكان لا معنى لجعل ذلك إلى غيره؛ دل أنه لا يجوز. وأما أبو حنيفة - رضي اللَّه تعالى عنه - فإنه ذهب إلى أنه يجوز بقوله تعالى: (إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ)، أجاز تداينه؛ فدل أن الحجر لا يمنع العقد عليه ولا تداينه، ولأن السفيه لم يستفد الإذن من السلطان؛ إنما استفاده من اللَّه تعالى، ولا يجوز حجر من لم يستفد الإذن منه. وقوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ): لم يجعل الإشهاد شرطا في جواز البيع، ولكنه معطوف على قوله: (فاكتبوه). أمر عَزَّ وَجَلَّ بالإشهاد في البيع والتداين؛ للمعنى الذي ذكرنا: أن ترك الإشهاد والكتابة يحمله على الإنكار وجحود الحق، فإذا كان هنالك شهود وكتاب يمتنع من الإنكار؛ لخوف ظهور الكذب. ولم يصر شرطا في جواز التداين؛ لأن الإشهاد إنما ذكر بعد المداينة والمبايعة. وكذلك الكتابة فهو لما ذكرنا: أن الإنسان من طبعه النسيان والسهو؛ فأمر بالاستشهاد والكتابة لئلا ينسى، أو يحمله ترك الإشهاد والكتابة على الإنكار. وأما الأمر بالإشهاد في النكاح -في عقد النكاح نفسه- دليله قوله - عليه السلام -: " لا نكاح إلا بشهود "؛ لذلك صار شرطًا في عقد النكاح، ولم يصر شرطًا في المبايعة. ووجه آخر: وهو أن الشهادة في النكاح تدفع تهمة الزنى عنهما، وقد يحوج إليه في أول أحواله. والحاجة إلى الشهادة في البيع إلى ما يتعقب فيه من توهم وقوع التنازع؛ إذ له بذل ملكه للآخر من غير عقد بيع، وليس لها بذل فرجها له من غير عقد النكاح؛ لذلك صار الإشهاد شرطا في جواز النكاح، ولم يكن شرطا في البيع. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ): في الآية دلالة أن من قضى بالشاهد واليمين قضى بخلاف ظاهر الكتاب، وهو أيضا خلاف السنة؛ لأن قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا)، ليس هو الإشهاد، إنما هو الإحضار للشهادة؛ إذ العجز لا يقع في الإشهاد، إنما يقع عند الاستحضار، ولو كان بيمينه غنية لم يأمر المرأتين هتك سترهما؛ ولأن الآية ذكرت حق القضاء في البياعات الواقعة
والأحكام إلى سبيلها لزوم الفصل بالقضاء بين أربابها. فمن جعل فصل القضاء بالشاهد واليمين جعل على خلاف ما جعله من له نصب الشرائع والحجج، وقال اللَّه تعالى: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). وأما مخالفة السنة - فقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: البينة على المدعي، واليمين على المدعَى عليه. فإذا أتى بشاهد واحد لم يخرج الآخر من أن يكون مدعى عليه. فإذا كان كذلك، وقد جعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حجة المدعَى عليه اليمين، ولم يجعل اليمين حجة للمدعي؛ فلذلك قلنا: إنه المخالف لظاهر الكتاب والسنة. ولأن اللَّه تعالى جعل المرأتين في حال الضرورة، وهو حال عدم الرجل مقام ذلك الرجل، فلو كان يجوز القضاء بالشاهد واليمين، لم يحتج إلى أن يكلف النساء من الخروج إلى أبواب القضاء والسلاطين لأداء الشهادة، وفي ذلك هتك الستر عليهن وكشف عورتهن، وتكلف القضاة فضل التفحص في حالهن ومعرفتهن؛ لذلك بطل القضاء بالشاهد واليمين. واللَّه أعلم. فَإِنْ قِيلَ: رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قضى به.
قيل: إنه لم يرو أنه فيم قضى في الأموال أو في غير الأموال فإن ثبت أنه فيم قضى لكنا نقضي به. ثم قال الصحابة: رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، أنه قضى بالشاهد واليمين في
الأمان. ونحن نقضي بعض أحكام الأمان بالشاهد الواحد إذا كان عدلا. واليمين باب ما يحتاط فيه إذا شهد شاهد أنه أمنه لم يقبل، ولكن يستروّ. وأما الأموال فإن الاحتياط في ذلك ترك القضاء إلى أن تقوم الحجة التي تزيل الشبهة من جميع الوجوه. وباللَّه التوفيق. وأما شهادة النساء: فإنها جائزة في الأموال وفي غير الأموال إلا في الحدود خاصة، فإنها غير مقبولة. أما جوازها في غير الحدود؛ لأن اللَّه تعالى ذكر التداين، وذكر في التداين الأجل، والأجل ليس بمال. ثم أجاز شهادتهن في التداين وفي الأجل الذي ليس هو بمال؛ دل ذلك أن علة جواز شهادتهن ليس هو المالية نفسها، وأجيزت شهادتهن فيما لا مالية فيه وهو الأجل؛ فظهرت أن علتها ليست مالية. وأما بطلان شهادتهن في الحدود؛ فلأن شهادتهن إنما أجيزت بحكم البدل عن شهادة الرجال، والأبدال في الحدود غير مقبولة نحو الوكالات والكفالات؛ فعلى ذلك شهادتهن لما كانت جوازها بحكم البدل لم تقبل، ولأنهن جعلن على السهو والغفلة ونقصان العقل والدَّين؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إنهن ناقصات عقل ودين ". فإذا كان كذلك أورث ذلك شبهة في الحدود، والحدود مما يبتغى فيها الدرء؛ لذلك لم تقبل. واللَّه أعلم. ولأن شهادتهن إنما ذكرت فيما يبتغى به الإعلام والإعلان، لا الإسرار. فعلى ذلك تقبل شهادتهن فيما يبتغى ذلك المعنى. وأما الحدود وما يلزم بها ذلك إنما يبتغى في ذلك الإسرار والستر؛ لذلك قلنا بأن شهادتهن تجوز في النكاح والطلاق والعتاق؛ لأن النكاح يبتغى فيه الإعلان على ما جاء: " أعلنوا النكاح "؛ لذلك قبلت. واللَّه أعلم. ومعنى آخر: أن الخصم أجاز شهادة النساء بالانفراد في كل شيء ما خلا الحدود والقصاص؛ لذلك قبل بالرجال. ولأن شهادة النساء أجيزت في الأصل توسيعا، فلا يجوز أن ترد فيما يتوسع، وتقبل فيما يضيق، وأمر النكاح والطلاق في الشهادة أوسع، فهو أحق أن يقبل. وقوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) فإن قال قائل: كيف جاز استشهاد المرأتين عند وجود الرجلين؟ واللَّه أمر باستحضار الرجلين عند الحاكم للشهادة، لا أمر بالإشهاد عليها؛ لذلك قال عَزَّ وَجَلَّ: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا
رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ). أي: لا تكلف النساء حضور أبواب القضاة ومجلسهم لأداء الشهادة إلا عند العجز عن وجود الرجل؛ لما في ذلك هتك أستارهن، وكشف عورتهن. واللَّه أعلم. والثاني: أن اللَّه تعالى ذكر امرأتين وأقامهما مقام رجل فائتٍ، والرجل الذي قامت امرأتان مقامه هو فائت أبدا غير موجود، إذ له أن يشهد عددا على ذلك الحق؛ لذلك جازت شهادتهن وإن كان هناك رجلان. واللَّه أعلم. فَإِنْ قِيلَ: ما الحكمة في ذكر رجلين دون ذكر العدد، أو ذكر واحد؟ قيل: لوجوه: أحدها: ذكر على قدر الأشياء ومراتبها عند الناس، إذا كان أمرًا عظيما فظيعا لا تقبل فيه إلا شهادة عدد، نحو الزنى، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا). وإذا كان خسيسا سهلا عند الناس قبل قول الفرد حرًّا كان أو عبدًا، من نحو الاستئذان للدخول على آخر ونحوه. ثم الأموال وغيرها هي المتوسطة المترددة بين هذين، فقبل الوسط من الشهادة، ولم يقبل دونها. واللَّه أعلم. ووجه آخر: قيل: إنه ذكر ذلك عبادة، لا لمعنى المودع فيه، ولكن سمعا، فهو على ما ذكر، لا يطلب معناه. والثالث: أن الواحد لم تقبل شهادته في الحقوق بالانفراد؛ لأنه ينتفع بها. لأن من صدق في قوله يتلذذ بتصديقهم إياه. فعلى ذلك لم يقبل قول المدعي في دعواه وإن كان عدلا، لما ينتفع بالتصديق وقبول قوله فيه. فإذا كانا اثنين صار تلذذ كل واحد منهما وانتفاعه لصاحبه؛ فحصلت الشهادة خالصة صافية؛ فقبلت. واللَّه أعلم. والرابع: أن الإنسان مطبوع على السهو والغفلة، فإذا كان فردا يخاف عليه النسيان؛ أمر بضم آخر إليه ليذكر كل واحد منهما صاحبه إذا نسيه. وعلى ذلك يخرِج قوله: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى)، لما ذكر أنهن جبلن وطبعن على فضل السهو والغفلة، أمر بضم غيرها إليها إذا سهت وغفلت عنها. ثم اختلف في قوله: (شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ): قال أصحابنا - رحمهم اللَّه تعالى -: يرجع الخطاب إلى الأحرار خاصة دون العبيد والكفرة. أما الكفرة؛ فلأن الخطاب في الابتداء للمؤمنين بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ. . .) الآية؛ فخرج الكفار من خطاب الآية؛ لذلك لم تقبل شهادتهم على أهل الإسلام. وأما العبيد فلم يدخلوا تحت هذا الخطاب لوجوه: أحدها: ما ذكرنا: أن ظاهر الخطاب للأحرار دون العبيد، لما لا يملكون هم التداين والتبايع؛ فعلى ذلك خطاب الشهادة. فَإِنْ قِيلَ: أليس العبيد يملكون التبايع والتداين؟ قيل: يملكون بالإذن والتولية لا بملك أنفسهم فذلك القدر من التداين وغيره، يملك الكفار، ثم لم يجب قبول شهادتهم، ولا دخلوا تحت ذلك الخطاب؛ فكذلك العبيد. والثاني: ما قاله عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا)، ثم لا يملك العبيد الإجابة لكل ما دعوا لحق السادات؛ فعلى ذلك ليس عليهم الإجابة في الشهادة لحق السادات. واللَّه أعلم. والثالث: أن اللَّه تعالى قسم الشهادة قسمة الميراث بقوله: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ)، وقال في الميراث: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)، ثم لا حظ للعبيد في الميراث؛ فعلى ذلك لا حظ لهم في الشهادة. والرابع: أن الشهادات تجري مجرى الولايات والتمليكات، ثم لا ولاية نكون للعبد على غيره ولا تمليك؛ فعلى ذلك الشهادة، إذ فيها ولاية وتمليك الحاكم الحكم. والله أعلم. وعلى هذا بطلت شهادة الكفار على أهل الإسلام لما لا ولاية لهم عليهم. والخامس: أن الشهود بين حالين: بين أن يصدقوا فتمضي شهادتهم، وبين أن يكذبوا فيضمنوا. ولما كان العبيد إذا كذبوا في شهادتهم لم يضمنوا؛ لأن ضمان الشهادة ضمان معروف؛ لأنه لا بدل له بإزاء من لم يكن من أهل الشهادة؛ دل أنهم ليسوا من أهل الشهادة. وعلى ذلك قلنا: إن النكاح يجوز بشهادة الفاسق والمحدود في القذف، وأنهما من أهل الشهادة فيه؛ لأنهما من أهل الضمان، وإن كانت شهادتهما ردت لتهمة الكذب في سائر الحقوق. وأما العبد: فليس هو من أهل الشهادة بحال، للمعنى الذي وصفنا. والله أعلم. وإلا القياس يقتضي أن تجوز شهادة العبيد؛ لأنها من حق اللَّه، ودليله قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ). فإذا كانت من حق اللَّه تعالى، وحقوق اللَّه تعالى لا يختلف
العبيد والأحرار فيها، فيجب أن تقبل شهادتهم، لكنها لم تقبل للوجوه التي ذكرناها. والله أعلم. وقوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ)، إلى أن قال: (فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى): قد ذكرنا فيما تقدم أنهن لما جبلن وطبعن على فضل سهو وغفلة، ضمت إليها أخرى لتذكرها الشهادة إذا نسيت. وفي الآية دلالة أن الرجل إذا نسي الشهادة، ثم ذكر فتذكر، يجوز أن يشهد. وأما إذا أخبر بالشهادة ولم يتذكر، لم يجز له أن يشهد؛ لقوله: (فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى)، إذ لم يقل: " فتخبر إحداهما الأخرى ". وقوله تعالى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ): فيه دلالة أن من المسلمين من لا يكون مرضيا، وكذلك فيهم من يكون عدلا ومن لا يكون عدلا، دليله قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)، لأنه لو لم يكن فيهم مرضيا وغير مرضي لكان يقول: " وأشهدوا رجلين منكم "، ولم يشترط فيه العدالة والرضاء. وهو على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: المسلم لا يكون غير عدل ولا غير مرضي. وفي الآية التي ذكرنا دلالة ما قلنا. واللَّه أعلم. وفي قوله: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)، دلالة أن الشهود إذا شهدوا على المدعى عليه بالحق، وهم مرضيون عنده، يجب أن يؤدي إليه حقه؛ لأنا قلنا: إن قوله: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)، أمر باستحضارهم عند الحاكم، فإذا كان كذلك فهو دليل ما قلنا. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا): احنتلف فيه: قيل: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) للإشهاد. وقيل: لا يأبوا إذا ما دعوا للأداء. وهذا أشبه؛ لأن للشهود أن يقولوا: أحضر الخصم هاهنا لتشهدنا عليه، فإنا لا نحضر المكان الذي هو فيه. وليس هذا القول في الأداء، إذ الأداء لا يكون إلا عند الحاكم؛ لذلك كان أولى، كقوله تعالى: (وَلَا تَكْتُمُوا
الشَّهَادَةَ)، ولا يجد من يشهدهم، ولا يجد من يشهد له غيرهم. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ): فيه دلالة جواز السلم في الثياب؛ لأن ما يكال ويوزن لا يقال فيه: " الصغير والكبير "، ولا يكتب: " صغيرة وكبيرة "، إنما يقال ذلك في العددي. وقوله تعالى: (ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ)، يقول: أعدل عند اللَّه، (وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ)، في الحجة. وقوله تعالى: (وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا): أقرب إلى دفع الظنون والشكوك التي تحملكم على التناكر والتنازع الذي عاقبته الفسخ؛ ولهذا ما أمر عَزَّ وَجَلَّ بالكتابة فيه والإشهاد، وذكر كل صغير وكبير، لئلا يقع بينهم في العاقبة تنازع وتناكر، فيحمل ذلك الحاكم على فسخ العقد بينهما. وعلى ذلك نصبوا الأجل فيه شرطا لقطع وقوع التنازع والتناكر الذي حكمه الفسخ في العاقبة. والله أعلم. وقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ. . .) الآية: استثنى عَزَّ وَجَلَّ التجارة الحاضرة بترك الكتابة والإشهاد والرهن وغيره، وذلك لما ذكرنا آنفا أن الديون والقروض تنسى وتشتبه على الناس؛ فلذلك أمر بالكتابة فيها، والإشهاد، ولا كذلك التجارات الحاضرات، وعلى ذلك أمر ظاهر بين الناس أنهم يكتبون ويشهدون في الديون والقروض، ولم يعلموا ذلك في التجارات الحاضرات الجاريات فيما بينهم، لارتفاع ما يخاف وقوعه في الديون والقروض وخلائها عن ذلك. واللَّه أعلم. وقوله: (تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا): يقول: يدًا بيد وليس فيها إيجاب القبض على المجلس. وقوله (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ): أمر عَزَّ وَجَلَّ بالإشهاد في التجارة الحاضرة، ولم يأمر بالكتابة، وأمر في التداين بالكتابة والإشهاد، جميعا؛ فالأمر بالكتابة لمحافظة الحقوق ومعاهدة كل قليل وكثير فيه، وأما الأمر بالإشهاد للأدب، والأمر بالرهن أمر بالوفاء، والرهن والكتابة والإشهاد كل ذلك يمنع صاحبه عن الإنكار والجحود، ويذكر عند النسيان والسهو. ذلك كله لقطع التنازع الواقع فيما بينهما في المتعقب. واللَّه أعلم.
(283)
وقوله: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) لا يشغل الكاتب ولا الشهيد، فيقول له: اكتب لي كذا، واشهد لي على كذا، وهو يجد غيره. وقال آخرون: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ)، أي لا يضار كاتب صاحب الحق، فيكتب ما لا ينبغي أن يكتب بالزيادة والنقصان، وكذلك الشاهد لا يزيد على الحق ولا ينقص من الحق شيئًا، ولا يكتم الشهادة أيضًا. فهذا أقرب. واللَّه أعلم. فَإِنْ قِيلَ: إذا كان المعنى راجعًا إلى ما ذكرت ألا يزيد الكاتب ولا ينقص ألا قال: لا يضارُّ بالرفع؟ قيل: إنه لا يضاره فطرحت إحداهما فإذا طرحت انتصبت علامة للطرح إذ هكذا عمل الإضمار. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " الإضرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني: إن اللَّه أمرك ألا تأبى إذا ما دعيت فتضاره بذلك ". وقوله: (وَإن تَفعَلُوا) أي: تضاروا (فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ)؛ هذا يدل على أن التأويل هو ما ذكرنا من النهي عن الزيادة والنقصان والتحريف والكتمان؛ إذ في ذلك خروج عن الأمر. والفسق هو الخروج عن الأمر كقوله (فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)، وهو على المعتزلة؛ كقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) في المضارة من الزيادة والنقصان والكتمان (وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) الحكم والأدب وما يحل وما لا يحل (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) حرف وعيد. وقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) قد ذكرنا فيما تقدم في الأمر بالكتابة والإشهاد: أنهما - واللَّه أعلم - لحفظ الحقوق، ما جل منها وما دق، وألا يحملهم على الإنكار والجحد، وأن يذكرهم ذلك حتى لا ينسوا، فعلى ذلك الأمر بالرهان لئلا يؤخر قضاء الدَّين ويذكرون ولا ينسون، واللَّه أعلم. ثم فيه دلالة ألا يجوز الرهن إلا مقبوضا؛ لأن الرهن يقبض لأمرين: أحدهما: لأنه إذا كان مقبوضًا محبوسًا عن صاحبه عن جميع أنواع منافعه ذكره وتقاضاه لقضاء دينه، وإذا كان في يديه لم يتقاضاه على ذلك؛ لذلك قلنا: إنه لا يجوز إلا
مقبوضًا. والثاني: أنه إنما يقبض ليستوفى منه الدَّين، ولا يستوفى إلا بعد القبض، أو يأخذ ليأخذ الدَّين منه من غير بخس فيه ولا منع عنه. ووجه آخر -فيما لا يجوز الرهن إلا مقبوضًا- لأنه جعل وثيقة، فلا جائز أن يكون وثيقة وهو في يدي الراهن غير محبوس ولا ممنوع عن منافعه؛ فدل ما ذكرنا من طلب الناس بعضهم من بعض الرهون، أنهم طلبوا وثيقة. فإذا كان وثيقة فهو إنما يكون وثيقة إذا كان في يدي المرتهن محبوسًا عن صاحبه. ألا ترى أن الكاتب أمر بأداء الأمانة إذا أمن بعضهم بعضا بغير رهن، فلو كان الرهن يكون رهنا في يدي الراهن لذكر فيه أداء الأمانة في الرهن، ولم يكن لذكر القبض وجه؛ لذلك قلنا: إن الرهن لا يجوز إلا أن يكون مقبوضًا محبوسًا عن منافع صاحبه. وقوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) فيه دلالة ضمان الرهن دلالة استيفاء الدِّين من الرهن؛ لأنه إنما ذكر الأداء فيما أمن بعضهم بعضا بلا رهن، ولم يذكر الأداء فيما فيه الرهن، فلولا أن جعل في الرهن استيفاء الحق والدَّين وإلا لذكر الأداء فيه كما ذكر في الرهن فدل أنه مضمون به إذا هلك، هلك به. واللَّه أعلم. وأيضا قوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) فيه دليل لقولهم في الشركات: إنه يكتب اشتركا على تقوى اللَّه وأداء الأمانة؛ لأن كل واحد منهما أمين في ذلك، لذلك ذكر فيه تقوى اللَّه وأداء الأمانة، كما ذكر - عَزَّ وَجَلَّ - تقوى اللَّه وأداء الأمانة فيما اؤتمن. وقوله: (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) ذكر إثم القلب، والإثم موضعه القلب لكنه يشيع في الجوارح ويظهر على ما روي: " إن في النفس مضغة إذا صلحت صلح البدن، وإذا فسدت فسد البدن ". قال الشيخ - رحمه اللَّه -: وفيه دلالة أن المأثم تعمد القلوب بأي شيء كان؛ فلذلك وصف القلب بأنه آثم؛ وهو كقوله: (يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)، وكذا قوله (وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) الآية. * * * قوله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ
(284)
إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) وقوله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (284) هو ظاهر، إذ ما في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه، ردًّا على قولهم: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ)، و (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ)، و " الملائكة بنات اللَّه ". وقد ذكرنا الوجه فيما تقدم في غير موضع. وقوله تعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ). ومن الناس من استدل على نسخها بقوله: (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ)، لكنه لا يحتمل؛ لأن الآية وعد وخبر بالمحاسبة، والوعد لا يحتمل النسخ؛ لأنه خلف وبداء، وذلك ممن يجهل بالعواقب، تعالى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عن ذلك علوًا كبيرًا. ثم اختلف فيه: قال الحسن: هو على ما عزم لا على ما خطر بالنفس. وكذا قوله: " مَن هَمَّ ". ويحتمل: أن يكون على التقديم والتأخير: إن تخفوا ما في أنفسكم أو تبدوه يحاسبكم به اللَّه. ويحتمل أيضًا: إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه وعزمتم عليه وعقدتم، لا على الخطر فيه أو حديث النفس، على ما روي: " مَن هَمَّ بحسنة فله كذا، ومَن هَمَّ بسيئة فكذا "، ليس على ما يخطر فيه أو حديث النفس، على ما روي، وتحدث النفس به، ولكن على العزم عليه والاعتقاد. وكذلك قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) همت هي به هَمَّ عزم، وهو هَمَّ بها هَمَّ خطر. والمرء غير مؤاخذ بما يخطر في القلب وتحدث النفس به، إنما يؤاخذ على ما عزم واعتقد عليه. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). فيه دليل ما قلنا: إنه على العزم والاعتقاد عليه؛ لما ذكرنا من العفو والعقوبة عليه. وقوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ (285) وقوله: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ)، يحتمل وجهين:
يحتمل: آمن بنفس المنزل (بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ)، أنه من عند اللَّه وكذلك (وَالْمُؤْمِنُونَ) أيضًا آمنوا بما أنزل إليه أنه من عند اللَّه تعالى. ويحتمل: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ)، أي: آمن الرسول بما في المنزل إليه، وكان فيه ما ذكر: (آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ)، إلى قوله: (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، وكذلك " المؤمنون " آمنوا بجميع ما في المنزل، وهو ما ذكرنا. وفيه دليل أن الإيمان بالمنزل على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إيمان بجميع الرسل والكتب كلها والملائكة والبعث والجنة والنار. وفيه دلالة نقض قول من يشك في إيمانه ويستثني؛ لأنه عَزَّ وَجَلَّ شهد لهم بالإيمان، فلا يخلو الاستثناء: إما أن يكون لشكهم في إتيان ما أمروا، أو في الذي أخبر اللَّه عنه بما كان، ففيه الويل لهم. وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه شهد لهم بالإيمان، وهم نفوا عنهم الاسم الذي شهد اللَّه لهم بالإيمان به، وبالذي ذكر، وكل صاحب كبيرة مؤمن بجميع ما ذكر، وقد سماهم اللَّه به مؤمنين، وشهد لهم به. واللَّه الموفق. فَإِنْ قِيلَ: فقد ذكر الطاعة في آخرها. قيل: ذكر الطاعة في الإجابة، وبتلك الإجابة شهد لهم؛ فيلزمهم ما شهد اللَّه لهم جل وعلا بما أجابوا. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) ويحتمل: أن يكون هنا خبرا أخبر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عن المؤمنين أنهم قالوا: (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) كما فرق اليهود والنصارى. وقوله تعالى: (. . . وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا). يحتمل: (سَمِعْنَا) قولك ودعاءك، و (وَأَطَعْنَا)، أي: أطعناك في الإجابة. ويحتمل: (سَمِعْنَا) القرآن، و (وَأَطَعْنَا)، أي: أطعنا ما فيه. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (. . . غُفْرَانَكَ رَبَّنَا). أي: اغفر لنا ربنا (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) أي: المرجع.
(286)
وهذه الآية جمع جميع شرائط الإيمان؛ لذلك قلنا: إن الإيمان بالقرآن إيمان بجميع الكتب والأنبياء والبعث وغيره. وباللَّه العصمة والنجاة. وقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (286) واختلف فيه: قال الحسن: قوله تعالى: (إِلَّا وُسْعَهَا)، إلا ما يحل ويسع، لكن بعض الناس يقولون: هذا بعيد، لا يحتمل الآية، إذا كلف حل ووسع. فإذا كان كذلك لم يكن لقوله معنى. قيل له: هو كقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ)، إذا أحل طَيَّب وإذا طيب أحل. فكذا الأول. وكذا ذكرنا الأمرين جميعًا. وتأويل ثان (إِلَّا وُسْعَهَا): إلا طاقتها وكذلك قول المعتزلة: غير أنا اختلفنا في تقدم استطاعة الأفعال فمنعنا نحن تقدمها وقلنا لا تكون إلا مع الفعل، وقالت المعتزلة، بتقدم الفعل، وأما عندنا: فإنها على وجهين: استطاعة الأحوال والأسباب، واستطاعة الأفعال. أما استطاعة الأحوال والأسباب: فإنها يتقدمها، وعلى ذلك يقع الخطاب، دليله: قوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا). قيل: يا رسول اللَّه ما الاستطاعة؟ قال: " الزاد والراحلة ". ثم كل يجمع أن من كان بأقصى بلاد المسلمين قد يلزمه فرض الحج، على علم كل منهم أن تلك الاستطاعة لو صرفت إلى استطاعة الأفعال لم يبق إلى وقت وجود الأفعال، ثم قد لزمه ذلك؛ فبان أن الكلفة إنما تقع على استطاعة الأحوال والأسباب، وكذلك الكلفة في جميع الطاعات. فَإِنْ قِيلَ: قد يقع هذا على الخروج، فيوجد الفعل عقيب قوة الخروج، قيل: لو كان كذا لكان لا يلزم فرض الحج إلا بالخروج، وله ترك الخروج، إذ باكتساب الخروج يلزمه فرض الحج، فلا يلزم عليه فرض الحج؛ فثبت أنه لا يحتمله، بل هو على ما قاله أصحابنا - رحمهم اللَّه -: إنها استطاعة الأحوال والأسباب، وتلك تتقدم، لما ذكرنا. واللَّه أعلم. وأما استطاعة الأفعال: فإنها تحدث بحدوث الأفعال وتتلو كالأوقات التي لا تبقى في
وقت ثان، فهي كالوقت الذي لا يبقى في وقت ثان. واللَّه أعلم. فإن سئلنا عن التكليف: أيكون فيما لا يطاق؟ فجوابنا: أنه فيما منعنا عنه فلا. وفيما لم نمنع، وصنيعنا يشغلنا بغيره، فبلى. ثم الكافر بما أعطى من القوة والاستطاعة، شغل نفسه بغير وضيع ما أعطى من القوة. فإذا ضيع لم يكن تكليف ما لا يطيق ثم ننظر أينا أحق بالقول بتكليف ما لا يطاق. فمن دول المعتزلة: إن القوة على الفعل ليوجده في الوقت الثاني، ثم في الوقت الثاني جعلوه غير قادر عليه بقدرة توجد، ثم جعلوه أيضًا غير قادر على الترك للفعل. والمتعارف من الأمر في الظاهر بشيء يفعله في وقت ألا يقع الأمر به وقت ما يسمعه ويقرع الخطاب السمع، بل في ثان من الوقت. فحصل عندهم الأمر على الوقت الذي هو غير قادر فيه. فأي تكليف على فقد الطوق والوسع أبين مما قالوا؟! وباللَّه التوفيق. ثم أفحش من هذا ما قالوا: إن القدرة تتقدم الفعل، والفعل هو الذي يدل على وجود الولاية، وهو في وقت إيجاد الفعل، إن كان كفرا يعادى، وإن كان إيمانًا يوالى. فحصل القول: على أن الموالاة والمعاداة أبدا تقع في غير وقت الانتهاء والائتمار. ثم قولهم في قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) أنه على الجبر. ولا يحتمل ذلك؛ لأنه قد أوجب لكل ذلك مرة بالجبر في الخلقة، وهو قوله: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)، فقد ألزمهم الإسلام بالخلقة، بأن أن الثاني على الاختيار. ثم قولهم: في استطاعة واحدة لفعلين خطأ؛ لأن من قولهم: إن الاستطاعة لا تبقى، ثم وجود الفعلين معًا في وقت باستطاعة واحدة محال، ووجود تلك الاستطاعة لأحد الفعلين بعدم الآخر مستحيل لعدم البقاء، ووجوده عندهم على البدل محال، إذ جعلوا عين ما هو الأصل لأحدهما للآخر؛ فثبت أنه خطأ. وقوله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) فيه دلالة: أن اللَّه تعالى إنما يأمر عبيده وينهى، وإنما يأمر وينهى؛ لمنافع لهم ولضرر يلحقهم، لا لمنافع تكون له بالأمر فيأمر، أو بضر يلحقه فينهى عن ذلك. فيكون الأمر جارًّا منفعة، وفي النهي دافعا مضرة. كما يكون في الشاهد أن من أمر آخر بشيء إنما يأمر
لمنفعة تتأمل فيه، وينهى عن شيء لدفع ضرر يخافه. وتعالى اللَّه عن ذلك. وقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا). قيل فيه بوجهين: قيل: (إِنْ نَسِينَا)، يعني: تركنا، كقوله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ). وكقوله: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ)، أي: ترك. وقوله: (أَخْطَأْنَا)، يعني: ارتكبنا ما نهيتنا. وقيل: إنه على حقيقة النسيان والخطأ، كأنه على الإضمار أن قولوا (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا. . .) الآية. ثم اختلف بعد هذا: قالت المعتزلة: أمر بالدعاء بهذا تعبدا أو تقربًا إليه. وكذلك قوله تعالى: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ)، وكذلك قوله: (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ)، ونحوه، خرج الدعاء به مخرج التعبد والتقرب؛ لأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أخبر أن لا يؤاخذنا بالنسيان والخطأ، وأخبر أنه لا يخلف الميعاد، وكذلك معلوم أنه لا يحكم إلا بالحق. وكذلك قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)، وقد أخبر أنه تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولكنه على ما ذكرنا، وإلى هذا يذهب المعتزلة. وأما الأصل عندنا في هذا: أنه جائز في الحكمة أن يعاقب على النسيان والخطأ، ليجتهدوا في حفظ حقوقه وحدوده وحرماته لئلا ينسوا. ألا ترى أن اللَّه تعالى أوجب على قاتل الخطأ الكفارة، ثم قال: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ)، فلو لم يجز أن يعاقب على النسيان والخطأ، لم يكن لوجوب الكفارة عليه والتوبة معنى؛ دل أنه جائز في الحكمة المؤاخذة به. والثاني: قوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ)، وفعل الشيطان
مما يتقى ويحذر؛ لذلك كان ما ذكرنا - واللَّه أعلم - لأنه لو اجتهد عن فعل السهو والنسيان سلم عنه، فجائز أن يسأل السلامة عنهما، إذ بالجهد يسلم عنه، وبالغفلة يقع فيه. والثالث: ما ذكرنا: أن النسيان هو الترك، والخطأ هو ارتكاب المنهي، والتارك لأمر اللَّه، والمرتكب لنهيه يستوجب العقاب عليه. واللَّه أعلم. فيصبح الدعاء على ذلك؛ لئلا يلحقهم العذاب بترك ذلك الأمر وارتكابه المنهى. فَإِنْ قِيلَ: ما معنى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "؟ ْقيل: إنما جاء هذا في الكفر خاصة، لا في غيره؛ وذلك أن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام، يجري على ألسنتهم الكفر على النسيان والخطأ، وكذلك كانوا يكرهون على الكفر فيجرون على ألسنتهم الكفر مخافة القتل، فأخبرهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن ذلك مرفوعًا عنهم. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: وبعد فإن في الخبر العفو، فيكون في ذلك دليل جواز الأخذ، ولعل الوعد بالعفو مقرونا بشرط الدعاء؛ فلذلك يدعون. وذكر أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - دعا بهذا، فأجيبا لا أن يؤمر أحد أن يدعو ابتداء. واللَّه أعلم. وأما قوله تعالى: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ)، ففيه وجهان: أحدهما: أنه وعد الرسل والمؤمنين جملة الجنة. فسؤال كل منهم أن يجعله من تلك الجملة التي وعدهم الجنة. والثاني: يسأل الختم على ما به يستوجب الموعود. وأما الأمر بالاستغفار: فهو يخرج على وجهين: أحدهما: ما روي: " المؤذن يغفر له مد صوته "، فهو على استيجاب أُولَئِكَ المغفرة به؛ فعلى ذلك استغفاره، ليغفر به بعض أمته. والثاني: أن المغفرة في اللغة هي التغطية والستر؛ فكأنه يسأل الستر عليه بعد التجاوز عنه. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: ثم الأصل أن الاستغفار هو طلب المغفرة، فلو كان لا يجوز له التعذيب، فيكون التعذيب جَورًا، فيصير السؤال في التحقيق سؤال ألا يجورَ، وذلك مما لا يسع المحنة. وكذلك لو كان مغفورا له، كان الحق فيه الشكر لما أنعم عليه، وفي ذلك كتمان النعمة، والمحنة بكتمان نعم اللَّه وكفرانها محال؛ لذلك لا
بد أن يكون في الآيات ما يتمكن معه المحنة من المعنى. واللَّه أعلم. وأما قوله عَزَّ وَجَلَّ: (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ)، قيل: الحق هاهنا هو العذاب، كأنه أمره أن يسأل بإنزال العذاب عليهم. وقيل: (احْكُمْ بِالْحَقِّ)، أي احكم بحكمك الذي هو الحق. فإذا كان ما ذكر محتملا، دل أنه ليس على ما ذهب إليه أُولَئِكَ. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا). قيل: " الإصر "، هو العهد، ويقول: لا تحمل علينا عهدا تعذبنا بتركه ونقضه كما حملته على الذين من قبلنا. وكان من قبلهم إذا خُطِّئُوا خطيئة حرم اللَّه عليهم على نحوها مما أحل لهم الطيبات، كقوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) وكأصحاب الأخدود، وغيرهم. فخاف المسلمون ذلك فقالوا: (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا)، في جرم أجرمناه فتحرم علينا الطيبات. وأصل " الإصر "، الثقل والتشديد الذي كان عليهم من نحو ما كان توبتهم الأمر بقتل بعضهم بعضا، كقوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ). وقوله تعالى: (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) يحتمل وجهين: يحتمل: أن (وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) من القتل والهلاك، إذ في ذلك إفناؤهم، وفي الفناء ذهاب طاقتهم. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: أي مما نشتغل عما أمرتنا، فيكون كالدعاء بالعصمة. واللَّه أعلم. ويحتمل: أن يراد به طاقة الفعل، وهي لا تتقدم عندنا الفعل. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (وَاعْفُ عَنَّا) قيل: اتركنا على ما نحن عليه، ولا تعذبنا. وقوله تعالى: (وَاغْفِرْ لَنَا). أي: استر لنا. و " الغفر "، هو الستر؛ ولذلك يسمى المغفر " مغفرًا "؛ لأنه يستر. وستر
الذنب هو أعظم النعم. وقوله تعالى: (وَارْحَمْنَا) أي: تغمدنا برحمتك، لأنه لم ينج أحد إلا برحمتك، وقوله تعالى: (أَنْتَ مَوْلَانَا) قيل: أنت أولى بنا. وقيل: أنت حافظنا. وقيل -: أنت ولينا وناصرنا. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. وقوله تعالى: (فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) يحتمل: الكفار المعروفين. ويحتمل: الشياطين، أي: انصرنا عليهم. * * *
سورة آل عمران
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) قوله: (الم (1) اللَّهُ). قَالَ بَعْضُهُمْ: تفسيره ما وصل به من قوله: (الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ). هو تفسير (الم)، و (الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ): تفسير (الم)، و (المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ)، وجميع ما وصل به الحروف المقطعة فهو تفسيرها، ولله أن يسمي نفسه بما شاء: سمى نفسه مجيدًا؛ كقوله: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ)
(2)
وسمى القرآن مجيدًا؛ كقوله: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحروف المقطعة هي مفتاح السورة. وقال آخرون: إن كل حرف منها اسم من أسماء اللَّه تعالى. ومنهم من يقول بأنها من المتشابه التي لا يوقف عليها. ومنهم من يقول: هو على التشبيب؛ إذ من عادة العرب ذلك، وقد مضى الكلام فيه في قوله: (الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ)، بما يكفي. وقوله: (الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) هو الْحَيُّ بذاته، وكل حي سواه حي بحياة هي غيره، فإذا كان هو حيًّا بذاته لم
يوصف بالتغاير والزوال، ولما كان كل حي سواه حيًّا بغيره احتمل التغاير والزوال؛ وكأن الحياة عبارة يوصف بها مَنْ عَظُمَ شَأنُهُ، وشَرُفَ أمره عند الخلق. ألا ترى أن اللَّه - تعالى - وصف الأرض بالحياة عند نباتِها؛ لما يعظم قدرها ويشرف منزلتها عند الخلق عند النبات؟! وكذلك سمى المؤمن حيا؛ لعلو قدره عند الناس، والكافر ميتا؛ لدون منزلته عند الناس؛ فكذلك اللَّه - سبحانه - سمى نفسه حيًّا؛ لعظمته وجلاله وكبريائه؛ وعلى هذا يخرج قوله في الشهداء؛ حيث قال: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ)، أي: مكرمون معظمون مشرفون عند ربِّهم. وقوله: (الْقَيُّومُ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: هو القائم على كل نفس بما كسبت. وقال آخرون: القيوم: الحافظ. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " هو الْحَيُّ الْقَيَّامُ " وكله يرجع إلى واحد: القائم. والقيوم، والقيام، يقال: فلان قائم على أمر فلان، أي: يحفظه حتى لا يغيب عنه من أمره شيء. وروي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " إنَّ اسمَ اللَّه الأعْظَمَ هُوَ: الْحَيُّ
(3)
الْقَيُّومُ ". وقوله: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ (3) ظاهر. (بِالْحَقِّ) قيل فيه بوجوه: يحتمل بالحق، أي: دعاء الخلق إلى الحق، ويحتمل بالحق، أي: هو الحق نفسه حجة مجعولة، وآية معجزة، أيس العرب عن أن يعارضوه أو يأتوا بمثله، وتحقق عند كُلٍّ أنهُ من عند اللَّه، إلا من أعرض عنه، وكابر وعاند. وقيل: بالحق، أي: بالصدق والعدل. وقيل: بالحق الذي لله عليهم، وما يكون لبعضهم على بعض. ثم قال: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ).
(4)
أي: موافقًا لما قبله من الكتب السماوية، وهي غير مختلفة ولا متفاوتة، وفيه دلالة نبوة سيدنا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه أخبر أنه موافق لتلك الكتب غير مخالف لها، ولو كان على خلاف ذلك لتكلفوا إظهار موضع الخلاف؛ فإذا لم يفعلوا ذلك دل أنهم عرفوا أنه من اللَّه، وأن محمدًا رسوله، لكنهم كابروا وعاندوا. وقوله: (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ (4) من بعد. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (هُدًى لِلنَّاسِ). أي: بيانا لهم، وحجة لمن اهتدى، وحجة على من عمي؛ إذ لا يحتمل أن يكون له هدى، وعليه حجة فيه الهلاك؛ إنما يكون حجة له وهدى إذا اهتدى، وعليه إن ترك الاهتداء؛ فبان أنه يخالف ما يقوله المعتزلة.
وقوله: (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ): قد ذكرنا فيما تقدم أنه إنما سمي فرقانًا؛ لوجهين: أحدهما: لما فرق آياته وفرق إنزاله. والثاني: لما يفرق بين الحق والباطل، وبين الحرام والحلال، وبين ما يتقى ويؤتى؛ فعلى هذا كل كتاب مبيّن فيه الحلال والحرام، وبُيّن ما يتقى ويؤتى. والإنجيل فيه سمي إنجيلًا؛ لما يجلي، وهو الإظهار في اللغة. وَقِيل: سمي التوراة تَوْراة من أوريت الزند؛ وهو كذلك. واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ. . .): قيل: بحجج اللَّه. وقِيل: كفروا بآيات اللَّه، أي: باللَّه؛ لأنهم إذا كفروا بآياته كفروا به، وكذلك الكفر بدينه كفر به، والبراءة من دينه براءة منه، والبراءة من رسوله براءة منه.
(5)
وقوله: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ). قيل فيه بوجهين: قيل: ذو انتقام لأوليائه من أعدائِه. وقيل: ذو انتقام: ذو انتصار على الأعداء. وقيل: ذو بطش شديد. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هو وعيد؛ كأنه - واللَّه أعلم - قال: لا يخفى عليه ما في السماوات، وأما في، الأرض من الأمور المستورة الخفية على الخلق؛ فكيف يخفى عليه أعمالكم وأفعالكم، التي هي ظاهرة عندكم؟! ويحتمل: إذا لم يخف عليه ما بطن، وخفي في الأصلاب والضمائر والأرحام؛ فكيف يخفى عليه أفعالكم وأقوالكم، وهي ظاهرة؟!. ألا ترى أنه قال: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ)؛ إذ علم ما في الأرحام وصوَّرها على ما شاء وكيف شاء، وهم (فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ). وقوله: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ (6) فيه دليل نقض قول من يقول بالقائف؛ لأنه جعل علم التصور في الأرحام لنفسه، لم يجعل لغيره، كيف عرف بالقائف تصوير الأول، حتى قال اللَّه: إنه على صورته وعلى
(7)
تصويره، وإنه من مائه، ثم اختلف في خلق الأشياء: قَالَ بَعْضُهُمْ بخلق الفروع من الأصول، وهن أسباب للفروع. وقال آخرون: يكون بأسباب وبغير أسباب، فإن كان بعض الأشياء يكون بأسباب؛ من نحو الإنسان من النطفة، إلا أن النطفة تتلف؛ فتكون علقة، ثم مضغة؛ فدل أنه يخلق الخلق كيف شاء من شيء ولا من شيء، بسبب وبغير سبب، وهو القادر على ذلك، وباللَّه التوفيق. وقوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ (7) اختلف فيه: فقيل: المحكمات: هن النَّاسخات المعمولات بهن،
والمتشابهات: هن المنسوخات غير معمول بهن، وهو قول ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنه. وقال آخرون: المحكمات: هن ثلاث آيات في آخر سورة الأنعام: قوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ. . .)، إلى قوله: (. . . تَتَّقُونَ)، وما ذكر في سورة " بني إسرائيل " من قوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ)، إلى آخر هذه الآيات، سميت محكمة؛ لأن فيها توحيدًا وإيمانًا باللَّه وغيره من المتشابه. ثم قيل بعد هذا بوجوه: قيل: المحكمات: هي التي يعرفها كل أحد إذا نظر فيها، وتأمَّل فيها. والمتشابه: هو المبهم الذي يعرف عند البحث فيه والطلب. وقيل: المحكمات: ما يوقف ويفهم مراده. والمتشابه: هو الذي لا يوقف عليه ألبتَّة، بعد ما قضى حوائج الخلق من البيان في
المحكم منه، ولكن يلزم الإيمان به، وهو من اللَّه محنة على عباده، ولله أن يمتحن خلقه بما شاء من أنواع المحن؛ لأنها دار محنة. وغيرها لا يفهم مرادها. ويحتمل أن يكون المحكمات: هن ما ظهر لكل أحد من أهل الإسلام؛ حتى لم يختلفوا فيها. والمتشابه: هو الذي اشتبه على الناس؛ لاختلاف الألسن فاختلفوا فيها، ولما يؤدي ظاهره إلى غير ما يؤدي باطنه؛ فتعلق بعضهم بالظاهر فقالوا به، وتعلق آخرون بالباطن؛ لما رأوا ظاهره جورًا وظلمًا أو تشبيهًا، على اتفاقهم على نفي الجور والظلم عنه، ويجوز لمن يوقف على المتشابه بمعرفة المحكم. وقال آخرون: المحكم: هو الواضح المبين، فلو كان على ما قالوا لم يكن لاختلاف الناس فيه، وادعاء كلٌّ أن الذي هو عليه هو المحكم؛ لأنه لو كان ظاهرًا مبيّنًا لتمسكوا به، ولم يقع بينهم اختلاف. وفيه دليل ونقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون بالأصلح في الدِّين: أنه لا يفعل إلا
ذلك، ثم لم يبين لهم المحكم من غير المحكم، ولو بين كان أصلح لهم في الدِّين؛ فدل أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - قد يجوز أن يفعل بهم ما ليس بأصلح لهم في الدِّين؛ امتحانًا وابتلاءً منه لهم، واللَّه أعلم. لكن لا يخرج من الحكمة، ثم ما قالوه في الأمر حق؛ لأنه لا يأمر إلا أن يفعل بهم ما لهم فيه الأصلح، وقد يفعل ما هو حكمة في حق المحنة وإن كان غير ذلك أصلح لهم في الذين، بمعنى: أقرب وأدعى إليه، واللَّه الموفق. وَقال قوم: المحكم: ما في العقل بيانه. والمتشابه: ما لا يدرك في العقل؛ وإنَّمَا يعرف بمعونة السمع. وقال قوم: لا متشابه فيما فيه أحكام من أمر ونهي وحلال وحرام؛ وإنَّمَا
ذلك فيما ليس بالناس حاجة إلى العلم به، نحو: الإنباء عن منتهى الملك، وعن عدد الملوك، وعن الإحاطة بحقيقة الموعود، ونحو ذلك. ولا قوة إلا باللَّه. لكن يمكن أن يكون سمي متشابهًا؛ بما تشابه على أُولَئِكَ القوم حقيقة ما راموا من الوجه الذي طلبوا.
وقد بيّنا الحق في أمر المتشابه، وما يجب في ذلك من القول، وباللَّه العصمة والنجاة. وقوله: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ): يحتمل وجهين: يحتمل أم الكتاب، أي: أصل الكتاب. ويحتمل أم الكتاب، أي: المتقدم على غيرها؛ وعلى هذا يُخَرّجُ: (أُمَّ الْقُرَى) أعني: مكة؛ لأنها هي المتقدمة على غيرها من القرى، ويحتمل هي أصل القرى؛ كما سمى " فاتحة الكتاب ": " أم القرآن "؛ لأنها أصل؛ أو لأنها هي المتقدمة على غيرها من السور، واللَّه أعلم.
ويحتمل قوله: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ)، أي: مقصود الكتاب، يعني: المحكمات، والمتشابهات مما فيه شبه من غيره؛ فيتشابه؛ فهو متشابه؛ كقولهم: (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا)؛ وكذلك المشكل سمي مشكلًا؛ لما يدخل فيه شكل من غيره فسمي مشكلًا؛ فكذلك المتشابه يدخل فيه شبه غيره؛ فصار متشابهًا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) قيل: ميل عن الحق. وقيل: الزيغ: هو الريب والشك. (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) ولو كان ثم اتباع لعذروا؛ إذ الاتباع للشيء اتباع ما فيه من المراد؛ وعلى هذا يقولون في قوله: (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ): أي يتبعونه حق اتباعه، وكذلك قوله: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ). والمتشابه قد أنزل إلينا من ربنا؛ فيحمد متبعه في الحقيقة؛ فثبت أنه لم يكن ثم اتباع في الحقيقة، وأنه لو كان لعذروا، ولكنه كان - واللَّه أعلم - اتباع الآراء في التأويل بالآراء الفاسدة؛ ألا ترى أنهم طلبوا بالتأويل منتهى ملك هذه الأمَّة؟! وفي الوقوف عليه وقوف على علم الساعة وسبب
القيامة، وذلك علم لم يُطْلِعِ اللهُ الرسلَ على ذلك، فضلًا أن يطلع عليه غيرهم. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: ويحتمل أن يكون اتباعهم نظرهم فيما تقصر أفهامهم عن الإدراك في الوقوف عليه، ولو كان نظرهم في المحكم من ذلك، لكان لهم في ذلك بلاغ وكفاية فيما إليهم به حاجة، ولا قوة إلا باللَّه. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: في قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ): أي: ميل عن الحق، وذلك همتهم، أو كان ذلك اعتقادهم، فإن كان المراد من ذلك في الكفرة فهو الأوّل، وإن كان في أصحاب الهوى من الذين يدينون دين الإسلام - فهو الثاني؛ وكذلك نجد كل ذي مذهب في الدِّين - ممن اعتقد حقيقة الأمر في قوله: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ)، وقوله: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) الآية، وقوله: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. . .) الآية - يتعلق بظاهر الآية؛ يدعي أنها محكمة بما عنده أنه الحق، بعد أن أجهد نفسه في طلب الحق، ويسوي غير ذلك عليه، فإن كان على ذلك فحقه التسليم لما عليه توارث الأمة ظاهرًا؛ على ما روي عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه أخبر عن تفرق الأمة، ثم أشار إلى التمسُّك بما عليه هو وأصحابه - رضي اللَّه عنهم -، فعلى ذلك أمر المتوارث؛ فيجب جعله محكمًا وبيانًا لما اختلف عليه، ولا قوة إلا باللَّه.
ويكون المبتدع في ابتغاء تأويله؛ يريد التلبيس على من لزم تلك الجملة، وكذلك لأهل جمل في الدِّين مرفوع عليه، كذا التنازع وترك الاشتغال بتأويل ما اعترضه، لكان متبع المحكم عند الأمة مطيعًا المتشابه، ولا قوة إلا باللَّه. وإن كان هو الأوَّل فقد ذكر أن ذلك في استخراج منتهى ملك هذه الأمة، وأن نهايته الساعة، والعلم به لم يطلع عليه الرسل فضلًا عمن دونهم، أو كان ذلك في أشياء تقصر عقول الضعفاء عن الإحاطة بذلك؛ يريدون بذلك التلبيس على العوام وأهل الغباوة؛ فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - بما ذكر أنه لا يعلمه إلا اللَّه كان ذلك فيما يعلمه غيره أو لا، فإن كان أطلعه فباللَّه علم، لا أن في العقول بلوغ ذلك، ومعنى الاتباع ما قد بين. وقوله: (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ)، أي: من القرآن بقول ما اشتبه حسابهم. (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ). وقيل: الفتنة: الكفر، ويحتمل " الفتنة ": المحنة، أي: يمتحنون أهل الإسلام. وقوله: (وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ). منتهى ما كتب اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لهذه الأمَّة من المدة لهم والوقت، وأصل التأويل: هو المنتهى. قال اللَّه - تعالى -: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ).
أي: وما يعلم منتهي تلك الأمة إلا اللَّه. ثم المتشابه: إن كان ما يوقف فيه فهو، وإن كان مما يعرفه أهل المعرفة، ويعلمه بالواضح - فهو هو، وأصل هذا: أن كل ذي مذهب في الإسلام يدعي على خصمه بما ذهب إليه من الحجاج بالآيات -الوقوع في المتشابه، ولنفسه- الوقوع في الواضح، وعنده أن ما ذهب إليه هو الحق؛ فلا فرق بين أن يدعي عليه ذهابه إلى غير الحق، أو تعديه إلى المتشابه وترك الواضح، فسبيل مثله الفحص والبحث عما ذهب إليه إن جاء بشيء يضطر العقل إلى قبوله سلم له ما جاء به، وإلا فخصمه منه في دعوى مثله: بالوقوع له في المتشابه بمحل دعواه. وقوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ): قال قوم: موضع الوقف على قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)، ثم ابتدأ فقال: (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا): " يقولون "، بمعنى: قالوا، " آمنا به ": بما عرفنا، وذلك جائز في اللغة؛ " يقول " بمعنى: " قال ". وقال آخرون: موضع الوقف على قوله: (إِلا اللَّهُ)، ثم استأنف الكلام فقال: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا): المحكم والمتشابه وغيره. قيل: الراسخون: هم المتدارسون.
(8)
ْوقيل: المتثابتون؛ رسخ، بمعنى: ثبت. وقيل: الراسخون: الناتجون. يقال: رسخ في العلم: نتج فيه. فَإِنْ قِيلَ: ما الحكمة في إنزال المتشابه؟. قيل: إذا كان مما يعلم فهو يحتمل وجهين: يحتمل: ليعلم فضل العالم على غير العالم. ويحتمل: أن جعل عليهم طلب المراد فيه، والفحص عما أودع فيه. وإن كان مما لا يعلم يحتمل المحنة؛ امتحنهم في ذلك بالوقف فيه؛ إذ الدار دار محنة، وللَّه أن يمتحن عباده بجميع أنواع المحن. وقوله: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). ْأي: ما يتعظ إلا أولو الحجج والعقل. * * * قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9) وقوله: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) فيه وجهان على المعتزلة: أحدهما: أنه أضاف الزيغ إلى نفسه، وهو حرف مذموم عند الخلق، إذا قيل: فلان أزاغ فلانًا عن الحق، فإذا أضاف اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - إلى نفسه حرف الزيغ، دل أن فيه معنى سوى ظاهره؛ حتى جاز إضافته إليه، وهو أن خلق منهم فعل الزيغ، وكذلك هذا في الضلال، وأضاف -أيضًا- الهداية إلى نفسه بقوله: (بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا)، فلو كان الهدى: البيان؛ على ما يقوله المعتزلة، لجاز أن يضاف ذلك إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ إذ هو يملك البيان؛ لأنه بعث مبينًا معلمًا، فإذا لم يجز ذلك دل أن فيه معنى سوى البيان وهو التوفيق والعصمة؛ حتى جاز إضافته إليه، ولا يجوز إلى غيره، واللَّه الموفق.
والثاني: أنهم سألوا العصمة عن الزيغ والضلال، فلو كان عليه أن يفعل، وأن يبذل لهم العصمة، لم يكن للسؤال عن ذلك معنى؛ فدل أنه تفضل منه ببذل ذلك لهم، والله أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا) الآية: فيه وجهان: أحدهما: أنه لو لم يكن له إلا الأصلح في الدِّين؛ فتركه جور، فالقول بـ (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا) - لا يخلو من أن يكون الإزاغة أصلح له، وهو يدعو بأن يجور أو لا يكون أصلح، فهو يدعو بأنه لا يجور، ومُحَالٌ الدعاء على خوف الجور؛ ومن خاف جور الخالق فهو غير عارف به. والثاني: أن الداعي -فيما جبل عليه الخلق- يدعو على أمر أنه لو أجابه لكان لا يزيغ قلبه، وكذلك سؤال العصمة والهداية؛ ولهذا يؤمر به -أيضًا- ولو كان معه زيغ، لكان الأفضل في الأمر بين الدعاء بالإزاغة، وأن " لا تزغ "؛ إذ الخوف مع الأمرين قائم، واللَّه الموفق. وفي ذلك -أيضًا- وجهان آخران: أحدهما: أن الإزاغة إذا أضيفت إلى أحد، خرجت مخرج الشتم له والتعيير؛ فثبت أن فيما أضيفت إلى اللَّه - تبارك وتعالى - معنى ليس فيما أضيفت إلى أحد آخر غيره، وهو - واللَّه أعلم - أن الإزاغة من كل أحد فعل هو زيغ بنفسه فيه ذم، ومن اللَّه ليست بذم؛ فيكون فيه أن خلق فعل الزيغ ليس بزيغ، وإن كان فعله زيغا، واللَّه أعلم. وفيه أن خلق الشيء ليس هو ذلك، والشيء ذاته يكون من اللَّه ما يوصف بالإزاغة، ويصير لديه الآخر زائغا، ولا شيء يوجد يكون كذلك سوى خلق فعل الإزاغة من العبد، واللَّه الموفق. والثاني: قوله: (بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا): ولو لم يكن من اللَّه في الهداية سوى البيان، لكان يصح ذلك لكل كافر، ويجوز الإضافة إلى الرسل؛ فإذ لم يصح ذلك ولم يجز، ثبت أن ثم فضلاً، وهو خلق فعل الهداية، والتوفيق الذي معه الاهتداء لا محالة، وباللَّه التوفيق والمعونة.
(9)
وقوله: (وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً): يحتمل وجوهًا: يحتمل الهدى والإسلام؛ إذ به يستفاد. ويحتمل الجنة. ويحتمل أنهم سألوه كل رحمة. قال أبو بكر الأصم: الرحمة: السعة في الدنيا، والثواب في الآخرة. وقوله: (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ): فهو -على قول المعتزلة- ليس بوهاب؛ لأن الوهاب هو الْمُفْضِل الذي يهب ويبذل ما ليس عليه، وهو - على قولهم - عليه أن يعطي الخلق كل ما هو أصلح لهم في الدِّين؛ فالآية تكذبهم، وترد عليهم قولهم الوَخْش في اللَّه، تعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرًا. ويحتمل: هب لنا ما يُستوجب به الرحمة، وهو عمل الخير؛ كقوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ). وقوله: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ (9) إقرار بالإيمان والبعث بعد الموت.
(10)
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) في هذا خاصة: يراد به القيامة والبعث. ويحتمل: لا يخلف الميعاد في كل شيء، مما يصيب الخلق: من الخير والشر، والفرح والحزن والأسف، يقولون: إنه كان بوعده ووعيده، وإنه كان مكتوبًا عليهم ولهم، وإنه لا يكون على خلاف ما كان مكتوبًا عليهم؛ ليصبروا على الشدائد والمصائب، فلا يجزعوا عليها، ولا يحزنوا، وليشكروا على الآلاء والنعماء ولا يفرحوا عليها، وهو كقوله: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ). * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)، وذلك أنهم كانوا يستنصرون بأولادهم وأموالهم في الدنيا، ويستعينون بهما على غيرهم؛ فظنوا أنهم يستنصرون بهم في الآخرة، ويدفعون بهم عن أنفسهم العذاب؛ وهو كقولهم: (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)؛ فأخبرهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أن أموالكم وأولادكم لا تغني عنكم من عذاب اللَّه شيئًا. وقوله: (وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ):
(11)
أي: حطب النار؛ فهو - واللَّه أعلم - أن الإنسان إذا وقع في النار في هذه الدنيا لا يحترق احتراق الحطب؛ ولكنه يذوب ويسيل منه الصديد، فقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: إنهم يحترقون في النار في الآخرة احتراق الحطب، لا احتراق الإنسان في الدنيا؛ لأنها أشد بطشًا، وأسرع أخذًا، وأطول احتراقًا؛ وعلى هذا يخرج قوله: (وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ): ليس عذاب الدنيا أنه على الانقضاء والنفاد؛ ولكن على الدوام فيها والخلود أبد الآبدين؛ فنعوذ باللَّه منها. وقوله: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ (11) قيل: كأشباه آل فرعون، وقيل: كعمل آل فرعون وكصنيعهم، وكله واحد، ثم يحتمل بعد هذا وجهين: يحتمل: صنيع هَؤُلَاءِ وعملهم - كصنيع آل فرعون ومن كان قبلهم بموسى، في التكذيب والتعنت. ويحتمل بصنيع هَؤُلَاءِ بما يلحقهم من العذاب بالتكذيب والتعنت؛ فألحق أُولَئِكَ من العذاب بتكذيب الرسل، وتعنتهم عليهم. (وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) قد ذكرناه. * * * قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13) وقوله: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) وهذا - واللَّه أعلم - في قوم قد علم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنهم لا يؤمنون أبدًا؛ لذلك قال تعالى لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أن قل لهم: (سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ. . .) الآية، وإلا فلا يلحقه ذلك الوعيد، واللَّه أعلم؛ لأن من الكفار من يسلم ومن لا يسلم، وإلا فلا يلحق بالوعيد من الكفار من أسلم.
(13)
وقوله: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا (13) وفيه: فإن قال قائِل: ما في فئة قليلة، وهي فئة أهل الإسلام، في غلبة فئة كثيرة، وهي فئة المشركين؛ حيث غلبت فئةُ المسلمين -وهم قليل- فئةَ المشركين -وهم كثير- يوم بدر، وقد يكون لأهل الكفر إذا كانوا قليلًا، فغَلَبُوا على أهل الإسلام - آيةٌ. قيل: ليست الآية في الغلبة خاصة؛ لكن الآية فيها واللَّه أعلم، وفي غيرها من وجوه: أحدها: أن غلبة المسلمين، مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، وخروجهم لا على وجه الحرب والقتال - المشركين مع قوة أبدانهم، وكثرة عددهم، واستعدادهم للحرب، وخروجهم على ذلك، والقتال - آية، وعلم العدو أنْ ليس لهم فئة، ولا لهم رجاء المدد، وأنْ لا غياث لهم من البشر، وذلك آية الجرأة وعلامة الشجاعة، ومعه آمَنُ، واللَّه أعلم. والثاني: أن ما روي أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أخذ كفًّا من تراب، فرماه على وجوههم، وقال: " شَاهَتِ الوُجُوُه "؛ فامتلأت أعينهم من ذلك وعموا؛ حتى أنهزموا؛ فصار آية. والثالث: ما قيل: إن أبا جهل قام فدعا فقال: " أينا أَحَقُّ دِينًا، وَأوصَلُ رَحِمًا؟
فَانْصُرهُ، واجْعَلِ الغَلَبَةَ والْهَزِيمَةَ عَلَى الآخَرِ "، فاستجيبت؛ فكانت الغلبة والهزيمة عليهم؛ فكان آية. والرابع: ما أعان الملائكةُ المسلمين، وبعثهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - مددًا لنصرة المؤمنين على الكافرين يوم بدر؛ فذلك آية. ووجه آخر: ما ذكرنا أن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانوا خرجوا شبه العير بغير سلاح، غير مستعدين للقتال على علم منهم بذلك، وأُولَئِكَ خرجوا مستعدين لذلك، فكان ما ذكر، واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: في ذكر القليل في الأعين من الجانبين آيةٌ عظيمة؛ إذ هي حسية، والحواس تؤدي عن المحسوسات حقائقها، فجعلها اللَّه بحيث لا تؤدي؛ لما قال: (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا)؛ فيحتمل أن يكون المراد مما ذكر من الآية في أمر الفئتين - هذا، واللَّه أعلم. وقوله: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ). وفي بعض القراءات: " ترونهم " بالتاء: يرى المؤمنون أُولَئِكَ مثلي أنفسهم لا أكثر، وهم كانوا ثلاثة أمثالهم، على ما روي في القصة؛ وهذا لما جعل الحق عليهم قيام الواحد من المسلمين بالاثنين منهم، مع ضعفهم؛ لجهدهم في العبادات، وبلوغهم الغاية من احتمال الشدائد والمشقات.
(14)
أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - بمعرفتهم أمر أهل الحرب، وشدة رغبتهم في تعلمهم ما يحتاجون في الحرب والقتال؛ ولهذا قالوا: إن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - علم المؤمنين جميع ما يحتاجون في الحرب من الآداب وغيرها في الكتاب؛ كقوله: (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا): أمرهم بالتثبت، ثم قال: (فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ)، وقال: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا): فجعل التنازع الواقع بينهم - على خلاف بعضهم بعضًا - سببَ الهزيمة؛ ففيه أمر بالاجتماع، وجعل التدبير واحدًا، والطاعة لإمامهم. وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ): وإِنَّمَا كان عبرة؛ لما ذكرنا من خروج المؤمنين بقلة عددهم، وضعف أبدانهم، بلا استعداد للحرب والقتال، إنما هو خروج شبه العير، وخروج أولئِك بالعدة مع قوة أبدانهم، وكثرة عددهم، وطمع المدد لهم، ولم يكن للمسلمين ذلك؛ ففي مثل غلبة المؤمنين الكافرين، والظفر بهم، والنصر لهم عليهم، على الوصف الذي وصفناهم - عبرةٌ، وآية لأولي الأبصار والعبر. * * * قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17) وقوله: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) أي: الشهيات. (مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ) وما ذكر. . . إلى آخره. قال الحسن: واللَّه ما زيَّنها إلا الشيطان؛ إذ لا أحد أذم لها ولأهلها من اللَّه تعالى، وإليه يذهب المعتزلة، لكن الأصل في هذا وفي أمثاله: أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - زيَّن هذه الأشياء، والتزيين من اللَّه - سبحانه وتعالى - يقع لوجهين، وكذلك الكراهة -
أيضًا- تقع لوجهين: تزين في الطباع، والطبع يرغب فيما يتلذذ ويُشْتَهى، وإن لم يكن في نفسه حَسَنًا. وتزين في العقل، فلا يتزين في العقل إلا فيما ثبت حسنه بنفسه، أو الأمر أو حمد العاقبة ونحو ذلك، ثم جعل العقل مانعًا له، رادًّا عما يرغب إليه الطبع ويميل؛ لأن الطبع أبدًا يميل ويرغب إلى ما هو ألذّ وأشهى وأخف عليه، وينفر عما يضره ويؤلمه. والعقل لا ينفر إلا عما هو القبيح في نفسه، ويرغب فيما هو الحسن في نفسه؛ وعلى ذلك يخرج قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " حُفَتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَالنَّارُ بِالشَهَوَاتِ ": ليس على كراهة العقل، ولا على شهوة العقل؛ ولكن على كراهة الطبع وشهوته؛ وكذلك قوله: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ): ليس على كراهة الاختيار، ولكن كراهة الطبع؛ لأن كراهة العقل كراهة الاختيار، وكذلك رغبة العقول رغبة الاختيار، وفيها تجري الكلفة -أعني: على اختيار العقل، لا اختيار الطبع- بما يميل ويرغب في الألذ، وينفر عن الضار؛ دليله قوله: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، أخبر أنهم لا يؤمنون ما وجدوا في قضائه حرجًا؛ فدلت الآية أن الخطاب والكلفة إنما يكون على اختيار العقل وكراهيته، لا على اختيار الطبع؛ لذلك قلنا: إنه يجوز التزيين في الطبع من الله تعالى، وكذلك الكراهة في الطبع تكره من اللَّه تعالى. فأمّا قولهم: إن الشيطان هو الذي زينها: فإن عنوا أنه يزينها لهم، أي: يرغبهم
ويدعوهم إليها، ويريهم زينتها - فنعم. وإن عنوا أنّه يزينها بحيث نَفَّسَهَا لهم - فلا؛ لأن اللَّه - تعالى - وصف الشيطان بالضعف، ونفى عنه هذه القدرة بقوله: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)، فلو جعلنا له التزيين لهم على ما قالوا، لم يكن كيده على ما وصفه - عزّ وجلّ - بالضعف؛ ولكن كان قويا، ولكنه يدعوهم إليها، ويرغبهم فيها، ويريهم المزين لهم، ثم دعاؤه إياهم، وحخثه في ذلك، وقوته من حيث ما لا يطلع عليه بقوله: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ)، فالعدو الذي يَرَى هو من يعاديه، ولا يُرَى هو - كان يجب أن يكون أحذر منه، وأخوف ممن يرى. ووجه آخر: أن الشهوات التي أضاف التزيين إليها لا خلاف بينهم في أنها مخلوقة لله تعالى، فما بقي للشيطان إلا الدعاء إليها، والترغيب فيها. وفيه وجه آخر: أنه لو لم يجعل هذا مزينًا من اللَّه تعالى، زال موضع استدلال الشاهد على الغائب، وبالدنيا على الآخرة. وقد جعل ما في الدنيا نوعين: مستحسنا ومستقبحًا. وجعل ذلك عيارًا لما أوعد ووعد، فلما لم يكونا منه-لا يصح موضع التعيير، لأنه - جلّ وعلا - بلطفه سخر كل مرغوب في الدنيا، ومدعو إليه من جوهره- في الآخرة، وحسنه؛ ليرغب الناسَ هذا إلى ما في الجنة بحسنه ولطفه وزينته، ويدعوهم إلى ترك ما في الدُّنيَا من الفاني إلى نعيم دائم أبدًا، فلو جعل هذا من تزيين الشيطان - لعنه اللَّه - ومصنوعه لهم، لذهب عظيم موضع الاستدلال الذي ذكرنا؛ فدلّ أنه مزين منه عَزَّ وَجَلَّ، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. ثمّ امتحنهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بترك ما زين لهم في الطباع؛ بما ركب لهم من العقول الوافرة؛ ليختاروا ما حسن في العقول وتزين، وعلى ذلك جرت الكلفة والخطاب، لا بما مالت إليه الطباع، ونفرت عنه العقول، وباللَّه التوفيق. ثم في الآية دلالة وجوب الحق في كل ما ذكر في الآية من المال، وكذلك الخيل،
وأمَّا في النساء والبنين: فلما مُتِّعوا بهم - أوجب عليهم النفقة كذلك. وقوله - عز وجل - (وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ): أوجب في النساء عليهم النفقة، وكذلك البنين، وأوجب في الذهب والفضة حقا، ثم ذكر الخيل
المسومة: إن كان المراد منه جعلها سائمة؛ لذلك قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: إِنَّ فِي الخَيلِ صَدَقَةً، ثم اختلف في المسومة؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: هي المسيَّبة الراعية.
وقال آخرون: هي المعلمة، وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " الْمُسَوَّمَةُ الراعِيَة ". وقال غيرهم: الْمُطَهَّمَة، وهي الْمُحَسَّنة. ثم أخبر أن ما ذكر في الآية (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، وأمرهم بترك ذلك، وأخبر أن لهم عنده: (حُسْنُ الْمَآبِ)، إن هم تركوا مما امتُحِنُوا به، ثم قال: إن من اتقى في الدنيا له خير من ذلك بقوله: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. . .) إلى آخره. ثم اختلف في (وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ)؛ منهم من قال: ألف ومائتا أوقية.
(15)
ومنهم من قال: اثنا عشر ألفًا. ومنهم من يقول: سبعون ألف دينار. ومنهم من يقول: هو بلسان الرومية: ملء مَسْكِ ثور ذهبًا أو فضة. ومنهم من يقول: كل مائةٍ قنطار من كل شيء، وهو اسم المال العظيم الكثير لا يُدرَى ما مقداره، وليس لنا إلى معرفة قدره حاجة ولا فائدة؛ إنما الحاجة إلى معرفة الرغبة فيما كثر من المال؛ إذ ليس قدر أحق بأن يحمل عليه الرغبة من الآخر، واللَّه أعلم. وقوله: (خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ (15) قيل: مُطَهَّرَةٌ: من الآفات كلها، من الأخلاق السيئة، والأقذار والعيوب كلها، وقد
(16)
ذكرنا فيما تقدم في صدر السورة؛ قال: وكل أهل الجنة مطهر من جميع المعايب؛ لأن العيوب في الأشياء عَلَم الفناء، وهم خلقوا للبقاء، إلا أن الذكْر جَرَى للنساء؛ لما ظهر في الدنيا فيهن من فضل المعايب والأذى. وقوله: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا ... (16) قد رضي منهم بهذا القول، وفيه تزكية لهم، ولو كان الإيمان: جميعَ الطاعات - لم يرض منهم التزكية بها، وقد أخبر اللَّه نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن للذين اتقوا عند ربهم في الجنة خيرا من هذا الذي زُيِّن، للناس في الدنيا من النساء، وما ذكر إلى آخره. وقوله: (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا): يحتمل: اتقوا الشرك. ويحتمل: للذين اتقوا الفواحش والمعاصي كلها. وقوله: (الصَّابِرِينَ (17) قيل: الصابرين على طاعة اللَّه. وقيل: الصابرين، على أداء الفرائض. وقيل: الصَّابرين على المرازئ والمصائب والشدائد. والصبر: هو حبس النفس عن جميع ما تهوى وتشتهي. وقوله: (وَالصَّادِقِينَ). قيل: في إيمانهم. وقيل: الصَّادِقِينَ بما وَعَدوا. وقيل: الصادقين في جميع ما يقولون ويخبرون. (وَالْمُنْفِقِينَ). يحتمل الإنفاق: ما لزم من أموالهم من الزكاة والصدقات.
ويحتمل: المنفقين المؤدين حقوق بعضهم بعضًا من حق القرابة والصلة. (وَالْقَانِتِينَ). قيل: القانت: الخاضع. وقيل: القانت: المطيع. وقيل: الخاشع، وكله يرجع إلى واحد، وأصله: القيام، وكل من قام لآخر كان مطيعًا وخاشعًا وخاضعًا ومقرًا. وقيل: القانت: المقر كقوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ)، أي: مقرون. وقال قتادة: (الصَّابِرِينَ): الذين صبروا على طاعة اللَّه، وصبروا عن محارمه. (وَالصَّادِقِينَ): الذين صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا في الشر والعلانية (وَالْقَانِتِينَ): المطيعين. (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ)، (وَالْمُنْفِقِينَ): يعني: نفقة أموالهم في سبيل الله. (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ): قيل: المصلين بالأسحار. وقيل: المصلين في أول الليل، والمستغفرين في آخره. وأصل الاستغفار: طلب المغفرة مما ارْتُكِب من المآثم، على ندامة القلب، والعزيمة على ترك العود إلى مثله أبدًا، ليس كقول الناس: نستغفر اللَّه، على غير ندامة القلب، وأصل الاستغفار في الحقيقة: طلب المغفرة بأسبابها، ليس أن يقول بلسانه: اغفر لي؛ كقول نوح - عليه السلام -: لقومه: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ)، أمرهم بالتوحيد، ثم أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أن الجنة هي للصابرين والصادقين إلى آخر ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
(18)
قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) وقوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ). وقيل فيه بوجوه: قيل: شهد اللَّه شهادة ذاتية، أي: هو بذاته، (أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)؛ إذ في ذاته ما تليق الشهادة بمثله له من الألوهية والربوبية، وليس ذلك في ذات غيره، وباللَّه العصمة. وقيل: شهد اللَّه بما خلق من الخلائق أنه لا إله إلا هو، أي: خلق من الخلائق ما يشهد خلقه كل أحد على وحدانيته وإلهيته، لو نظروا في خلقتهم وتدبروا فيها؛ وكذلك الملائكة، وأولو العلم شهدوا أنه لا إله إلا هو، على تأويل الأول. وعلى تأويل الثاني: أن خلقَه الملائكةَ -وأولي العلم- يشهد على وحدانيته؛ فشهدوا على ذلك، إلا الجهّال؛ فإنهم لم يتأمّلوا في أنفسهم، ولا تفكروا في أنفسهم؛ فلم يشهدوا به؛ لأنه أمر الرسل والأنبياء بأن يقولوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فقوله وأمره به - شهادةٌ منه، ويحتمل شهادة القول؛ كقوله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)، وذلك من اللَّه: الربوبية، ومن الخلق: العبودية له؛ فيجب أن تعرف الربوبية من العبودية؛ ففيه دلالة خلق الإيمان؛ فمن قال: إنه غير مخلوق - لم يعرف ذا من ذاك، وباللَّه التوفيق.
(19)
وقيل: " شهد اللَّه " أي: علم اللَّه أنه لا إله إلا هو، وكذلك علم الملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو، فإن قال لنا ملحد: كيف صح، وهو دعوى؟! قيل: لأن دعوى من ظهر صدقه في شهادته إذا شهد، وهو مقبول، وهو بما ادعى من الألوهية والربوبية؛ إذا لم يَسْتَقِلهُ أحد - ظهر صدقه، وقهر كل مكذب له في دعواه، وبالله النجاة. وقوله: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ): أي: حافظ ومتولٍّ؛ كقوله: (قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)، أي: حافظ لها ومتولٍّ؛ كما يقال: فلان قائم على أمر فلان، أي: حافظ لأمره، ومتعاهد لأسبابه. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: وقيل: هو عادل، أي: لا يجور، لا أن ثم معنى القيام؛ كقوله: (قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ): مقسطين، لا أن ثم للقيام فيه معنى يسبق الوهمُ إليه، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (19) وقال قائلون: إن الدِّين الذي هو حق مِنْ بين الأديان، وهو الإسلام؛ لأن كل أحد منهم ممن دان دينًا يدعي أنَّه هو دين اللَّه الذي أمر به. وقال قوم: إن الدِّين الذي أمر به الآمر من عند اللَّه هو دين الإسلام؛ لأنهم. كانوا مع اختلافهم مقرين بالإيمان، لكن بعضهم لا يقرون بالإسلام؛ فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أن الذين الذي أمر به وفيه التوحيد هو دين الإسلام، لا غيره؛ ألا ترى أنه قال: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا. . .): أخبر عز
وجل، أن إبراهيم - عليه السلام - ليس على دين سوى دين الإسلام، والإسلام هو الإخلاص، على ما ذكرنا فيما تقدم، وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ: أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، وَأنَّهُ قَائِمٌ بِالْقِسْطِ، وَالْقِسْطُ: هُوَ العَدْلُ فِي جَمِيعِ القُرآنِ ". وقوله: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ): يحتمل وجهين. يحتمل الاختلاف: التفرق، أي: تفرقوا في الكفر؛ كقوله: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا) الآية. ويحتمل: الاختلاف: نفس الاختلاف في الدِّين؛ كقوله: (وَلَكِنِ اختَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كفَرَ): أخبر أنهم لم يختلفوا عن جهل؛ ولكن عن علم وبيان؛ كقوله: (إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ). ثم يحتمل قوله: (إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) وجهين: أي: لم يختلفوا إلا من بعد ما علموا وعرفوا. ويحتمل: أي: لم يختلفوا إلا من بعد ما أوتوا أسباب: ما لو تفكروا وتدبروا - لوقع العلم لهم بذلك والبيان، لكنهم تعنتوا وكابروا؛ فاختلفوا. ثم في الآية دليل ألا يجوز أن يُفسَّر قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ)، وقوله: (إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ)، ونحوه: بالانتقال من حال إلى حال، أو من مكان إلى مكان؛ لأنه ذَكَرَ مجيءَ العلم، والعلم لا يوصف بالمجيء ولا ذهاب، وكذلك قوله: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ): ذكر مجيء الحق وزهق الباطل؛ فهما لا يوصفان بمجيء الأجسام، وذهابهم بالانتقال والتحول من مكان إلى مكان، ولا يعرف ذلك ولا يصرف إليه؛ فعلى ذلك لا جائز أن يصرف قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ)، (استَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، ونحوه - إلى المعروف من استواء الخلق ومجيئهم؛ لتعاليه عن ذلك، قال: والمجيء لا يكون عن الانتقال خاصة؛ بل يكون مرة ذاك وأخرى غيره،
وكذلك الإتيان، واللَّه أعلم. وقوله: (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) قيل: حسدًا بينهم؛ لأنهم طمعوا أن يبعث الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من بني إسرائيل، على ما بعث سائر الرسل بعد إسرائيل منهم، فلما بعث من غير بني إسرائيل حسدوه، وخالفوا دينه الإسلام، ويحتمل " بغيًا ": من البغي، وهو الجور. وقوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ) أي: من المختلفين (فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ): كأنه على الإضمار - أنْ قل يا مُحَمَّد: ومن يكفر بآيات اللَّه من بعد ما جاءهم العلم والبيان، فإن اللَّه سريع الحساب. وله ثلاثة أوجه؛ لأن ظاهر الجواب على غير إضمار أن يكون: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)، أي: العذاب - واللَّه أعلم - سمى به؛ لأن بعد الحساب عذاب؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ نُوقشَ الحِسَابَ عُذِّبَ "، فجعل الحساب عذابًا. ثم أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه سريع الحساب، لا كحساب الذي يكون بين الخلق؛ لأن الخلق تشغلهم أسباب، وتمنعهم أشياء يحتاجون إلى التفكر والتدبر، واللَّه يتعالى عن أن يشغله شيء أو يمنعه معنى، جل اللَّه عن ذلك.
وقيل: على التقريب حسابه سريع " كَأْن قد جاء لقربه، واللَّه أعلم. قوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ): هو شهادة ربوبية، لا يتوهم له كيفية، ولا يخطر بالبال له المائية، ولا يحتمل الوصول إلى حقيقة ذلك بالتفكر، ولا أن يُحتمل بلوغُ العقل الوقوفَ على ذلك؛ إذ هو خَلْق قصر عن الإحاطة بمائية نفسه، وعن إدراك وجه قيامه بالذي ركب أو تجديد من حيث نفسه، وهو تحت جميع ما ذكرت، إذ هو خلق وحَدَث جرى عليه التدبير، ودخل تحت التقدير؛ فالربوبية أحق أن ينحسر عنها الأوهام، وتَكِلُّ عن توهم إدراكها الأفهام؛ وعلى ذلك أمر تكوين اللَّه الأشياءَ، على ما شهدت الأشياء، التي هي تحت التكوين في العبارة، لا على توهمٍ في التكوين معنى تحتمله الأفهام، أو تبلغه العقول؛ وإنما هو عبارة بها جعل لا يقف على العبارات عن المتعالي عن صفات الخلق، المحقق له الجلال عن جهاتهم إلا من حيث المفهوم في الخلق، للتقريب إلى الأفهام دون تحقيق المفهوم، مما عن العبارة عنه -قدرت العبارات في الإخبار عن اللَّه تعالى، عن ذلك وعلى هذا القول اللَّه والرحمن وجميع ما يتعارف الخلق من الأسماء على ما يقرب من الأفهام- المراد بها لا تحقيق الحروف، أو إدخال تحت تركيب الكلام وتأليف العبارة، وهذا معنى معرفة وحدانيته من جهة ضرورات توجب المعرفة، على الوصف بالسبحانية له عن معاني جميع المعروفين، وباللَّه العصمة والمعونة. ثم قد يحتمل أن يؤذن في العبارة عن ذلك بما هو ألطف وأدفع للتوهم: توهم ما لعل للقلب عند ذكر الشهادة فضل حيرة، ليس عند تلك العبارة، وذلك يخرج على وجوه في الاحتمال؛ لما يسعه عقولنا دون القطع على شيء مما وقع عندنا من الرجوع إليه واللَّه - سبحانه - أعلم من ذلك بشهادة الخلائق كلهم: ما فيها من آثار الصنعة، ودلالة الربوبية، وشهادة الألوهية؛ لتكون شهادة بالذي ذكر: بأن. لا إله إلا هو، إذ في كل شيء سواه هذه الشهادة بالصفة التي جعلها هو فيه له، واللَّه أعلم. والثاني: أن يكون بذاته متعاليًا عن جميع معاني من سواه من المعاني التي أدخلتها
اسم مربوب، وظهر كل شيء في الحقيقة له عند توهم المعبود، لا يستحق غيرُه غير آثار الحدثيَّة وجهات المدخلة تحت القدرة والتدبير، وهو بذاته متعالٍ عن كلية الجهات والمعاني، التي كانت بها بعد أن لم تكن، وبها صارت مربوبة عبدًا، وهو متعال أيضًا عن الوصف بالجهات والمعاني؛ بل هو خلق الخلق، ولا قوة إلا باللَّه. ويحتمل: شهد: علم، وكذلك مَنْ شهد الشيء فقد علم مخبره خلقته بإله العالم، وأنه واحد لا شريك له، إله الكل وخالقهم؛ ليعلموا أنما أعلمهم أنه كما أخبر، وذلك في نقض قول كثير ممن ينفون عن اللَّه - تعالى - أنه عالم وشاهد كل شيء، واللَّه الموفق. ويحتمل: شهد على الخلائق أن يكون عليهم القول والاعتقاد أنه لا إله غيره؛ بمعنى: قضى وأمر، واللَّه الموفق.، وليس فيما جمعه اللَّه بشهادة من ذكر توهم معنى لشهادته بما هو بشهادة من ذكر، مع ما قد يحتمل لما جمع إلى شهادته شهادة من ذكر وجهان: أحدهما: فضل من ذكر بما ذكر شهادته عند ذكر شهادتهم؛ على نحو قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) الآية؛ ذكر ما له، وإن كان له الخلق كله؛ بوجهين: أحدهما: بما جعل ذلك لوجوه العبادة؛ كما أضاف إليه المساجد على أنها وغيرها له، وذكر في الملائكة الذين عنده في أمر القيامة، وإليه المصير، ونحو ذلك، إما مخصوص لما ذكر من الأوقات في فضل أو غير جعل له، أو لما كان ذلك لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نسب إليه، أو كان لكلية المعاني للعبادة؛ فمثله أمر شهادات من ذكوتها بشهادة اللَّه؛ تفضلًا لأُولَئِكَ وتخصيصًا، من بين الخلائق، واللَّه أعلم. والثاني: على كون الشهادة من الإخبار بحق الأمر، نسبه إليه؛ كما نسب إليه كتابة الألواح ونفخ جبريل الروح بما كان منه أمر به، فكذا فعله في الإضافة إليه، واللَّه أعلم. ثم حق ذلك -فيما على التحقيق- أن يفهم ما عن اللَّه ربوبيّة وعن العبد عبودية، على
(20)
جميع ما يضاف إلى اللَّه أنه يفهم من غير الوجه الذي يضاف إلى لخلق؛ فمثله أمر الشهادة، واللَّه أعلم. وروي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: (شَهِدَ اللَّهُ) إلى قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) على معنى جَعْلِ (أَنَّهُ) صِلَة في الكلام، وحقيقته: شهد اللَّه الذي لا إله إلا هو، والملائكة، ومن ذكر: أن الدِّين عند اللَّه الإسلام، والإسلام في -الحقيقة-: جعل كلية الأشياء لله له، لا شريك له فيها: في ملك، ولا إنشاء، ولا تقدير. والإيمان: التصديق بشهادة كلية الأشياء لله تعالى، بأنه ربها وخالقها على ما عليها، جل عن الشركاء. وقد قيل: الإسلام: خضوع. وقيل: الإخلاص، وهو يرجع إلى ما بيّنا، وذلك كقوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ)، والإيمان: هو التصديق لله تعالى، بما أخبر أنه رب كل شيء، وأن له الخلق والأمر. وقيل: هو التصديق بما جاءت به الرسل، وذلك يرجع إلى ما بينا أيضًا. واللَّه أعلم. وقوله: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ): قيل: هو عادل لا يجور، لا أن للقيام معنى في ذلك؛ كقوله: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ)، بمعنى: كونوا عادلين مقسطين، والله أعلم. وقيل: قيام تولٍّ وحفظ، أو كفاية وتدبير؛ كما يقال: فلان قائم بأمر كذا، لا على توهم انتصاب؛ وعلى ذلك قوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ). وقوله: (فَإِنْ حَاجُّوكَ (20) ولم يقل: في ماذا يحاجوك؟ فيحتمل - واللَّه أعلم - أن يكون هذا. ما علم اللَّه أنهم لا يؤمنون ولا يقبلون الحجة - أمره بترك المحاخة بقوله: (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ)؛
وكذلك: من اتبعني أسلموا أنفسهم لله؛ كقوله: (وَتَوَلَّى عَنْهُم) (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)، أيأسه عن إيمانهم، وأمره بترك المحاجة معهم. وقوله: (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ): أي: أخلصت. ثم يحتمل قوله: (وَجْهِيَ لِلَّهِ)، أي: نفسي لله لا أشرك فيها أحدًا، ولا أجعل لغير الله فيها حقا، على ما جعل الكفار في أنفسهم شركاء وأربابًا. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: وقيل: الإسلام أن يجعل نفسه بكليتها لله - تعالى - سالمة، لا شركة فيها لأحد؛ كما قال: (وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ)، والإيمان: هو التصديق لشهود الربوبية لله من نفسه وغيره؛ لأنه ما من شيء إلا وفيه شهادة الربوبية. وقوله: (وَمَنِ اتَّبَعَنِ): أي: ومن اتبع ديني، فقد أسلموا أنفسهم لله تعالى، أيضًا، لم يشركوا فيها شركاء وأربابًا. ويحتمل قوله: (وَجْهِيَ لِلَّهِ)، أي: أسلمت أمر ديني وعملي للَّهِ؛ وكذلك من اتبعني واتبع ديني، فقد أسلموا أعمالهم وأمورهم لله؛ كقوله - أتعالى، -: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)، وفي حرف ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، " ومن اتبعني " أي: ومن معي.
وقوله: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ): قيل: الذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى، والأميين: العرب الذين لا يقرءون الكتاب، ولا لهم كتاب. (أَأَسْلَمْتُمْ) أنتم لله؛ كما أسلمت أنا وجهي لله، ومن اتبعني. (فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا): وأخلصوا وجوههم لله وأعمالهم. (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ): أي: فإن أبوا أن يسلموا فليس عليك إلا البلاغ كقوله - تعالى -: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) وكقوله: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ)، وكقوله: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ). وقوله: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ): هو حرف وعيد. قيل: (بَصِيرٌ): غير غافل. وقيل: بصير بجزاء أعمالهم. وقيل: بصير بما أسروا وأعلنوا، وفي كل وجه وعد ووعيد. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (فَإِنْ حَاجُّوكَ): ولم يبين في ماذا، فقد يجوز ترك الإخبار عن القصة بوجهين: أحدهما: بعلم أهله.
(21)
والثاني: بما في الجواب؛ دليله: قوله: (يَسْتَفتُونَكَ)، (يَسْأَلُونَكَ) في غير موضع، على غير البيان أنه عن ماذا؟ وهو - واللَّه أعلم - داخل تحت ذينك الوجهين. ثم يحتمل أن تكون المحاجة قد كثرت فيما قال: (فَإِنْ حَاجُّوكَ)، والحجة قد ظهرت فيه؛ فكانوا يعودون إليها مرة بعد مرّة؛ عود تعنت وعناد؛ فأكرم اللَّه رسوله بالإعراض عن محاجتهم، ذلك كما ظهر تعنتهم فقال: (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ) على الإعراض عن محاجتهم، واللَّه أعلم. وعلى ذلك يخرج معنى الأمر بالتولي عنهم في غير موضع. ويحتمل أن تكون المحاجة في عبادة الواحد القهار والأوثان التي كانوا يعبدونها من دون اللَّه؛ فبين - جل ثناؤه - في ذلك بالذي يقول لهم هو ومن اتبعه على ذلك؛ نحو قوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، وقوله: (لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ) الآية، ونحو ذلك، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ): قيل: بآيات اللَّه التي في كتابهم: من بعث مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وصفته. وقيل: (بِآيَاتِ اللَّهِ): بالقرآن، وبمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. (وَيَقْتُلُونَ): يحتمل قوله: (وَيَقْتُلُونَ) أي. يهمون يريدون قتلهم؛ كقوله: (فَإِنْ قَتَلُوكُمْ (¬1) فَاقْتُلُوهُمْ)، فلو كان على حقيقة القتل، فإذا قتلونا لم نقدر على قتلهم؛ وكقوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)، أي: إذا أردت أن تقرأ القرآن؛ وكقوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا) كذا، أي: إذا أردتم أن تقوموا إلى الصلاة؛ لأنه إذا قام إلى الصلاة لم يقدر على الغسل؛ فكذلك الأول. ويحتمل أن يريد: الرضا بقتل آبائهم الأنبياء، فأضاف ذلك إليهم. وقيل: إنه أراد آباءهم الذين قتلوا الأنبياء. ¬
وقيل: جاءَ أنهم كانوا يقتلون ألف نبي كل يوم، قال الشيخ: لا أعرف هذا، فإن صح فهو على أنهم تمنوا ذلك، أو قتلوا نبيا وأنصاره، فسموا أنبياء؛ لما كان ينبئ بعضهم بعضا، واللَّه أعلم. وقوله: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ): لو كان أراد آباءَهم كيف يأمر رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالبشارة وهم موتى؟! دل هذا على أن التأويل هو الأول: أنهم هموا بقتلهم، أو ورضوا بصنع آبائهم، واللَّه أعلم. والبشارة المطلقة إنما تستعمل في الشرور والخيرات خاصة، إلا أن تكون مقيدة؛ فحينئذ تجوز في غيرها؛ كقوله: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) قيدها هنا؛ لذلك قال أصحابنا - رحمهم اللَّه -: أن ليست الحقائق أولى من المجاز، ولا الظاهر أولى
(22)
من الباطن؛ إلا بدليل على ما صرفت أشياء كثيرة عن حقائقها بالعرف؛ من نحو: الإيمان، وغيرها. وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (22) يحتمل وجوهًا: يحتمل: أعمالهم التي فعلوا؛ قبل أن يبعث مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فلما بعث كفروا به، فبطلت تلك الأعمال. ويحتمل: ما كان لهم من الأعمال: من صلة المحارم، والقربات، والصدقات، فبطلت لما لا قوام لها إلا بالإيمان، فلما لم يأتوا به - بطلت. وقوله: (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ): أما في الآخرة: فثوابها، وأما في الدنيا: فحمدها وثناؤها. ويحتمل في الدنيا: ثواب الدنيا؛ كقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ): فالآيات أعلام وحجج، وهن أنواع: منها حسِّيات، نحو: الخلائق؛ في الدلالة على وحدانية اللَّه تعالى. والخارجة منها عن احتمال وسع البشر يظهر عند أداء الرسل الرسالة، يشهد على أن الذي أرسلهم هو الذي تولاها؛ ليعلم بها محجة ويوضح بها رسالتهم. ومنها: السمعيات: وهي التي جاءت بها الرسل من الأنباء؛ عما لا سبيل إلى الوقوف عليها، إلا بالتعلم بلا تقدم تعليم، أو ما لا يعلم حقيقة ذلك إلا اللَّه؛ ليعلم أن اللَّه هو الذي
أطلعهم عليها؛ ليكون آية لهم، واللَّه أعلم. ومنها العقليات: وهي التي تعرف بالمحن، والبحث عنها مما بها يوصل إلى معرفة التوحيد والرسالة ونحوها، ثم قد جعلها كلها لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فمن يكفر بها يخرج على وجهين: أحدهما: على الكفران بحقيقة الآيات؛ أن يكون هن آيات لما أقيمت له، وهن من الوجوه التي ذكرت، فقضى اللَّه - تعالى - لمن يكفر بها بما ذكرت؛ لتعنتهم ومعاندتهم، واللَّه أعلم. والثاني: أن يريد بالكفر بالآيات: الكفر بمن له الآيات؛ فنسب إلى الآيات؛ لما بها تعلم الحقيقة، كما تنسب الأشياء إلى أسبابها التي بها يوصل إليها، فذلك معنى الكفر بالآيات، ثم كانت الكتب السماوية، وما فيها من النعوت، وما أعجزهم عن إتيان مثل القرآن، وغير ذلك من الحسّيات، واللَّه أعلم. فعلى ما ذكرنا يخرج معنى الكفر بالآيات؛ لأنها بحيث يأخذها الحواس، ويحيط بها الأوهام والعقول؛ ولكن على أنهن آيات للذي دَلَّكُم عليه، أو على الكفر بالذي له آيات توجب تحقيقه، واللَّه أعلم. وقوله: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ) وقال في ذلك الكتاب: (لا رَيبَ فِيهِ)، وقد ارتاب فيها أكثر أهل الأرض؛ قيل: قوله: (لَا رَيْبَ فِيهِ) قد يتكلم به على تثبيت المقول به عند قائله، لا على نفي الشك عن كل من سمعه؛ إرادة التأكيد؛ فعلى ذلك أمكن أن يخرج معناه؛ إذ هو مخاطبة على ما عليه كلامهم؛ وكذلك قولهم أبدًا على دوامه وامتداده، لا على حقيقة الأبدية؛ وكذلك يقولون: (هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ)، وأمر قديم: لا على حقيقة القدم؛ التي تخرج على الكون بعد أن لم يكن، واللَّه الموفق. والثاني: على أنه لا يرتاب فيه المتأمّل المنصف بما جعل اللَّه لذلك من الآيات، وعليه من الأدلة التي من تدبر فيها - أظهرته له، حتى يصير كالمعاين، ولا قوة إلا باللَّه. والثالث: أن يخبر به رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن قوم مخصوصين مما كانوا ينازعون فيه، بعد علمهم بصدقه؛ ليعرف به تعنتهم، ويؤيسه عن الطمع فيهم، ولا قوة إلا باللَّه. قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
(23)
يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25) وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) قوله: (أَلَمْ تَرَ) إنما يتكلم به لأحد معنيين: إما للتعجب من الأمر العظيم؛ يقول الرجل لآخر: ألم تر فلانا يقول كذا، أو يعمل كذا؟! يقول ذلك له؛ لعظيم ما وقع عنده. وإمّا للتنبيه. فأيّهما كان ففيه تحذير للمؤمنين؛ ليحذر المؤمنون عن مثل صنيعهم؛ كقوله: (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ) من قبل الآية؛ حذر المؤمنين أن يكونوا مثل أُولَئِكَ الذين أوتوا الكتاب، ولا يخالفوا كتابهم كما خالفوا هم. وقوله: (يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ): يحتمل أن يكون أراد بالكتاب: التوراة؛ على ما قيل: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال لهم: " أَسْلِمُوا تَهْتَدُوا، وَلَا تَتَكَبَّرُوا " فقالوا: نحن أهدى وأحق بالهدى منك. وما أرسل الله رسولًا بعد موسى - عليه السلام - فقال لهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " بَيّنِى وَبَيّنَكُمُ التَورَاةُ وَالإنْجِيلُ؛ فَإِنَهُ مَكْتُوبٌ فِيهِمَا " يعني: وإني رسول اللَّه، فأبوا ذلك خوفًا وإشفاقًا على ظهور كذبهم. وقيل: أراد بالكتاب: القرآن، دعوا إليه؛ لأنه مصدق لما معهم من الكتاب، فأبوا ذلك. وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ (24)
(26)
الأيام التي عبد آباؤهم العجل، فظنوا أنهم إنما يعذبون بقدر ما عبد آباؤهم العجل، وأنهم لا يخلدون في النار؛ لأنهم زعموا أنهم أبناء اللَّه وأحباؤه. ويحتمل أن يكون آباؤهم قالوا لهم: إنكم لا تعذبون في النار إلا قدر عبادتنا العجل؛ فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أن قد غرهم في دينهم ما كانوا يفترون، ثم خوفهم فقال: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ). * * * قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27) وقوله: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) يحتمل قوله: (مَالِكَ الْمُلْكِ) وجهين: أحدهما: مالك ملك كل ملك في الدنيا له حقيقة الملك. والثاني: أن الملك له، يؤتي من يشاء من ملكه، وينزع ممن يشاء الملك، وهو المالك لذلك، والقادر عليه. والآية ترد على القدرية قولهم؛ لأنهم يقولون: إن اللَّه لا يعطي الكافر الملك، وهو قد أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه يؤتي من يشاء الملك، وقد يؤتي الكافر به الملك، فإن قالوا: أراد بـ " الملك ": الدِّين، فقد أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أيضا أنه ينزع، فكيف يستقيم على قولكم في الأصلح هذا. ثم في الآية تقوية لمن قرأ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، بالألف لأنه أعم وأجمع؛ لأنه قال: (مَالِكَ الْمُلْكِ) وهو أعمّ. والثاني: أن (الملك) إنما يعبر عن الولاية والسلطان، و " المالك ": إنما يعبر عن حقيقة الملك، ومن له في الشيء حقيقة الملك - فله ولاية التغلب والتصرف فيه ولاية السلطان، ولا كل من له ولاية السلطان يكون له ولاية التغلب فيه؛ لذلك كان بالألف
أقرب، ومن قرأ: " ملك يوم الدِّين " بغير ألف ذهب إلى أن هذا كقوله: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ)، ومن الملك يقال: ملك؛ لا يقال: مالك؛ لذلك كان ما ذكر، واللَّه أعلم. والمالك -على الإطلاق- لا يقال إلا على اللَّه؛ وكذلك الرب -على الإطلاق- لا يقال إلا على اللَّه، وأما العبد فإنه يقرن الشيء إليه؛ فيقال ربّ الدار ومالكها، ورب الدابة ومالكها، واللَّه أعلم. وقوله: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ): قال قائلون: الخطاب لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خاصة. وقال آخرون: الخطاب بذلك لكل عاقل؛ وهو كقوله: (قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إلى آخر الآية، ذلك الخطاب لكل أحد لا لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خاصة. وقال الشيخ - رحمه اللَّه -: ليس هو خطاب؛ ولكنه أمر بالبلاغ ليقوله كل أحد؛ لأنه لو خوطب به لم يذكر " قل " عند قراءته. وقوله: (اللَّهُمَّ): قال قائلون: " اللهم ": يعني: يا آلهتهم. وقال آخرون: (الله) - على القطع - " أمِّنَّا " اقصدنا بالخير، واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) الآية: فكأنه - عَزَّ وَجَلَّ - امتحن من رغب في الملك، أو نال حظًّا منه - أن يصرفوا وجه الرغبة إليه، أو يروا حقيقة ما نالوه منه؛ فيوجهون إليه الشكر، ويخضعون له بالعبادة والطاعة فيما أمرهم به؛ لينالوا شرفه ويدوم له عزه؛ وذلك كقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، ليريهم أن الذي يملك هذا النوع الذي رغبت فيه أنفسكم، ومنعتكم عن القيام بحقهِ - هو الذي يملك ذلك؛ فإليه فاصرفوا سعيكم، وبشكره استديموا، الذي له اخترتم جل كدحكم؛ فإنه يملك ذلك دون غيره؛ وجملة ذلك في قوله: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)، ومعقول فيما عليه طبع البشر، وإليه دعاهم عقولهم: أن كل شيء تؤثره أنفسهم - كان الذي يحق عليهم طلبه عند من به
يوصل إليه، واختيارهم ما به يبلغون ما يأملون من أنواع الحيل التي تقربهم إلى ذلك، فمثله يلزم أمر الملك ولذات الدنيا، وتقرر في قلوبهم وجود ذلك لقوم؛ لو كان ينال بالتدبير أو بحسن السياسة، وطلب ذلك من الوجوه التي يطلب بها البشر - لم يكن الدِّين لهم ذلك بأحق من غيرهم؛ بل كان فيمن حرموا مَنْ هم أولى بذلك، وأحق أن يكون في ذلك متبوعًا لا تابعًا من الذين نالوه؛ ليعلم أن الذي يملك دفع ذلك إلى أحد أو تمليكه أحدًا، غير الذين صرفوا كدحهم، وجعلوا له سعيهم؛ فيكون لله في كل أمر مما عليه أمر البشر آية عظيمة، وعلامة لطيفة على تفرده بملك ذلك، وتوحُّدِهِ بالتدبير فيه لمن له بصيرة ولمن به يمتحن عباده. وعلى ذلك إذ ثبتت في ذلك أدلة التوحيد، ولزوم الاعتبار به؛ ليعرف من له الحق ثبت القول ببطلان ما ينكره كثير من المعتزلة؛ أن الملك الذي ناله الجبابرة، والسعة التي تصل إلى الكَفَرَة- لم يكن نالوه بتقدير اللَّه، ولا وصلوا إليه بتدبيره؛ إذ حقه ما ذكرت من عظيم ما فيه من النعم؛ ليلزمهم به أرفع المحن وأعلى الشكر، وله أن يبلو بالحسنات والسيئات؛ كما وعد عَزَّ وَجَلَّ؛ وجملته: أن الدنيا إذ هي دار محنة ومكان ابتلاء، فليس الذي يعطى منه على الاستحقاق، ولا ما يمنع على العقوبة -وإن احتمل الدفع والمنع لذلك- ولكن له وللمحن، والمحنة أكثرها على مخالفة الأهواء، وتحمل المكاره، ويكون ذلك على إعطاء ما يعظم في أنفسهم، أو التمكين ليمتحنوا؛ فيتبين الإيثار والترك لوجه اللَّه، والرغبة فيمن إليه حقيقة ملك كل شيء، أو الميل إلى من إليه أنواع التغرير والمخادعات من غير تحقيق، ولا قوة إلا باللَّه. وعلى ذلك قوله: (أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ)، يبيِّن ذلك احتجاجه على إبراهيم - عليه السلام -، بالذي ذكر، وإغضاء إبراهيم عنه، ولو كان الذي آتاه اللَّه، الملك إبراهيم - عليه السلام -، لم يكن ليجترئ على تلك المقالة بقوله: (أَنَا أُحْيِي
وَأُمِيتُ)، ولا قوة إلا باللَّه. ثم على قول المعتزلة: إنّ اللَّه - تعالى - إنما يشاء أن يؤتي الملك أولياءه، وينزع عن أعدائه في الجملة، فكيف ادعى لنفسه هذا السلطان والملك، وكان الوجوب على ضدّ ذلك؟! أيظن المعتزلة أن الملحدة تطعن ما هو يوجب الشبهة في حجج التوحيد بأوضح مما أعطاهم المعتزلة بهذا القول، أو يمكنهم من الطعن في نقض ما ادعت الموحدة من علو الرب وقدرته وجلاله بأبلغ مما لقنتهم المعتزلة بما لبست ثوب التوحيد، واستترت بستره في الظاهر، ثم أعطت للملحدة هذا؛ ليظنوا أنهم بلغوا ما به نقض التوحيد، ودفع حجج أهله، جل اللَّه عما وصفته الملحدة، وتعالى، فبه العصمة والنجاة. ولما أعطتهم المعتزلة في الجملة سبقهم به إبليس، حتى كانوا بمثله يحتجون؛ فيظنون أنهم أحق بالنبوة منهم، بما أعطوا من الملك والثروة في الدنيا؛ فظنوا أنهم أجل عند اللَّه - تعالى - وأرفع في المنزلة منهم، من لم يكن ليؤثرهم بالرسالة عليهم، لكن أُولَئِكَ حققوا حقائق النعم لله، ونيل ما نالوا من الملك والشرف به، والمعتزلة رامت إزالة ذلك عن اللَّه؛ ليزيلوا عنهم ما لزمهم من الشكر له، والطاعة لمن بعثه اللَّه، وأسأل اللَّه تمام نعمه في الدِّين والدنيا. وقوله: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ)، وقوله: (وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) ونحو ذلك: وجوه من الأدلة: أحدها: أن يعلم أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فيما يخلق - لا يخلق على معونة الأسباب، وتوليد الطبائع؛ لأن الأسباب تكون بموضع الإشكال؛ وكذلك الطباع تولد الذي في جوهره؛ نحو: الحار يولد الحرارة، والبارد يولد البرودة؛ فبين اللَّه - تعالى - الإنشاء على أحوال التضاد؛ ليعلم أنه القادر على اجتماع ما شاء مما شاء بلا معونة من ذلك ولا توليد، ولا قوة إلا باللَّه. والوجه الثاني: أنه جرى تقدير ذلك على ما لا تفاوت له، ولا اختلاف في اختلاف الأعوام؛ ليعلم أنها مسوَّاة على التدبير، أحكمه على ذلك العزيز الحكيم، الذي لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه أمر؛ وليعلم أن الذي قدر على ذلك واحد؛ إذ لم يختلف ولم
يتناقض، ولا قوة إلا باللَّه. وأيضًا، أنه قد صير كل جوهر بأحداث الآخر؛ كأنه لم يكن قط، ولا كان بقي له أثر، ثم رده بالوصف الذي كان؛ حتى لا يفوت منه شيء، حتى لا سبيل إلى العلم بالتفصيل بينهما؛ ليعلم أن قدرته على البعث، بعد أن يفنى كل الأجزاء والآثار، على ما كان، ولا قوة إلا باللَّه. وأيضًا، أنه إذ بني الأمر على ما فيه من عظيم الحكمة، وعجيب التدبير - لم يجز أن يكون فعله خارجًا على العبث، ثم في رفع المحنة، وإبطال الرسالة في تعليم ما في ذلك من الحكمة، وما يلزم بمكان ذلك التدبير من الشكر والمعرفة، ثم من الترغيب فيما يملك من النعمة، والترهيب عما عنده من النقمة - إبطال الحكمة، وتقرير العالم مَع ما ذكرت على العبث، وذلك فاسد في العقول، وموجود في الجواهر عظيم حكمة منشئها، ثبت بذلك العبادة والرسالة والجزاء، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) إلى آخره: يحتمل وجهين: يحتمل أن تؤتي ابتداء من غير أن كان آتاهم مرة؛ وكذلك تنزع -أي تمنع- ابتداء من غير أن كان آتاهم، ثم ينزع؛ كقوله: (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ)، رفع ابتداء من غير أن كانت موضوعة فرفعها؛ وكقوله: (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)، إخراج الابتداء، لا أن كانوا فيها ثم أخرجهم، فعلى ذلك هذا، وعلى ذلك قوله: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) إيلاج ابتداء، لا أن كان أحدهما في الآخر؛ كقوله - تعالى -: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، و (النَّهَارَ سَرْمَدًا)، أخبر أنه لم يجعل واحدًا منهما مؤبدا؛ وكذلك قوله: (وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) إخراج ابتداء؛ أن يخلق الحي من الميت
(27)
ابتداء، ويخلق الميت من الحي من غير أن كان فيه؛ ويحتمل هذا كله أن كان يؤتي الملك بعد أن لم يكن، ويعزّ بعد الذل، وينزع الملك بعد أن كان، ويذل بعد أن كان العز؛ وكذا قوله: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ (27) أن يدخل بعض هذا في هذا، وهذا في هذا. وقوله: (وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ): قيل: أن يخرج حي الأقوال من ميت الأفعال، وميت الأفعال من حي الأقوال، يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن؛ على ما سمى اللَّه - تعالى - الكافر ميتًا، والمؤمن حيًّا في غير موضع من القرآن. وقيل: يخرج حي الجوهر من ميت الجوهر، وميت الجوهر من حي الجوهر. وقيل: يخرج الحي من المني، ويخرج المني من الحي. وقيل: البيضة من الحي، والحي من البيضة. وقيل: النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة.
(28)
وقوله: (وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ). قيل: (بِغَيْرِ حِسَابٍ): يعرف الخلق عدده ومقداره. وقيل: بغير تبعة ولا طلبة؛ أي: لا يحاسبهم فيما أعطاهم من بعد ما أعطاهم. ويحتمل: (بِغَيْرِ حِسَابٍ)، أي: لا يعطيهم بحساب أعمالهم، ولكن بتفضل، خلافًا للمعتزلة. ويحتمل: (بِغَيْرِ حِسَابٍ): في الآخرة. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " بغير هنداز - فارسية معربة ". وعن مقاتل: " لا يقدر ذلك غيره؛ يقول: ليس فوقي ملك يحاسبني، أنا الملك أُعطي من شئت بغير حساب، لا أخاف من أحد يحاسبني ". واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) وقوله: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) يحتمل وجهين: يحتمل: (لَا يَتَخِذِ)، أي: لا يكونون أولياء لهم، وإن اتخذوا أولياء؛ بل هم لهم أعداء؛ كقوله: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. . .)، إلى آخر الآية. ويحتمل: على النهي، أي: لا تتخذوا أولياء؛ كقوله: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)
وكقوله: (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ). وقوله: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً): اختلف فيه: قيل: إلا أن يكون بينكم وبينهم قرابة ورحم؛ فتصلون أرحامهم من غير أن تتولوهم في دينهم، على ما جاء عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما مات أبوه أبو طالب -: " إِنَّ عَمَّكَ الضَّالَّ تُوفي "، فقال له رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - " اذْهَبْ فَوَارِهِ ". ويحتمل قوله: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا) على أنفسكم (مِنْهُمْ تُقَاةً)، إلا أن تخافوا منهم فتظهروا لهم ذلك مخافة الهلاك، وقلوبكم على غير ذلك. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " التَّقِيَّةُ: التكلُّمُ بِاللسَانِ، وَقَلْبُه مُطْمَئِن بِالإيمَانِ ". وقوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ): قيل: عقوبته. وقيل: نقمته؛ يقول الرجل لآخر: احذر فلانًا، إنما يريد نقمته وبوائقه؛ فعلى
(29)
ذلك قوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) عقوبته. وبوائقه، التي تكون من نفسه لما يكون ذلك به لا بغيره، واللَّه أعلم. وقوله: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ ... (29) يحتمل: ما تخفوا من ولاية الكفار وتبدوه - يعلمه اللَّه، فيه إخبار أن في قلوبهم شيئًا. ويحتمل: أن يكون أراد جميع ما يخفون ويبدون (وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) الآية. * * * قوله تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) وقوله: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا): قيل: تجد ثواب ما عملت من خير حاضرًا؛ لأن عمله إنما كان للثواب لا لنفس العمل. (وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا): يحتمل: ما عملت من سوء تجده مكتوبًا يتجاوز عنه؛ لأن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وعد المؤمنين، وأطمع لهم قبول حسناتهم، والتجاوز عن سيئاتهم؛ كقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ)؛ فيجد المؤمن ثواب ما عمل من خير حاضرًا، ويتجاوز عن مساوئه. وأمَّا الكافر: فيجد عقاب ما عمل من سوء في ْالدنيا؛ كقوله: (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا)، فلا يتجاوز عنهم، ويبطل خيراتهم. وقوله: (أَمَدًا بَعِيدًا): قيل: بعيدًا من حيث لا يرى. وقيل: بعيدًا تودّ: ليت أن لم يكن، ما من نفس مؤمنة ولا كافرة إلا ودّوا البعد عن
(31)
ذنبه، وأنه لم يكن. (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ): قد ذكرناه. وقوله: (وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ): إن أراد رأفة الآخرة -يعني بالمؤمنين خاصة، وإن أراد رأفة الدنيا- فهو بالكل. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ): فالرحمة من اللَّه - جلّ ثناؤه - والرأفة نوعان: أحَدهما: في حق الابتداء، أن خلق خلقًا ركب فيهم ما يميزون به بين مختلف الأمور، ويجمعون بين المؤتلف، ثم لم يأخذ كلا منهم بما استحق من العقوبة؛ بل رحم وأمهل للتوبة والرجوع إليه، وهذه الرحمة رحمة عامة لا يخلو عنها عبد. ورحمة في حق الجزاء؛ من التجاوز والمغفرة وإيجاب الثواب للفعل، فهذه لا ينالها أعداؤه؛ لما يوجب التجهيل في التفريق بين الذي جعل في العقول التفريق؛ ولما يكون وضع الإحسان في غير أهله، والإكرام لمن لا يصرف الكرم به؛ ولما في الحكمة تعذيبهم تخويفًا وزجرًا عما يختارون، وينالها من تقرب واعتقد الموالاة، وكان هو أعظم في قلوبهم وطاعته من جميع لذَّات الدارين، وإن كانوا يبلون بالمعاصي على الجهالة، أو على رجاء الرحمة والعفو؛ إذ هو كذلك في شرطهم الذي به والوه، وبالغلبة، واللَّه أعلم، فهي رحمة خاصة، أي: هي بالمؤمنين، وبالعباد الذين بذلوا أنفسهم له بالعبودة بحق الاختيار، وإن كانوا يغلبون على ذلك في أحوال، واللَّه الموفق. وقوله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (31) قيل: إن ناسًا كانوا يقولون في عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: إنا نحبُّ اللَّه حبًّا شديدًا؛ فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - هذه الآية، وبين فيها لمحبته عَلَمًا.
(32)
وقيل: إن اليهود لما قالوا: نحن أبناء اللَّه وأحباؤه؛ فأنزل اللَّه - تبارك وتعالى -: قل يا مُحَمَّد: (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) وذلك أن من أَحبَّ ملكًا من الملوك يحبُّ رسوله، ويتبعه في أمره، ويؤثر طاعته لحبِّه، فإذا أظهرتم أنتم بغضكم لرسولي، وتركتم اتباعه في أمره، وإيثار طاعته - ظهر أنكم تكذبون في مقالتكم: نحن أبناء الله وأحباؤه؛ لأن من أَحبَّ آخر يحب المتصلين به ورسله وحشمه، والمحبَّة -هاهنا-: الإيثار بالفعل طاعة من يحبه فيما أحبه وكرهه، والطاعة له في جميع أمره، واللَّه أعلم. وقوله: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ... (32) قد تقدم ذكرها. * * * قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) وقوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ): اختلف فيه؛ قيل: (اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا) ومن ذكر لرسالته ولنبوته. وقيل: اختارهم لدينه، وهو الإسلام. وقيل: اختارهم في النية والعمل الصالح والإخلاص للَّهِ. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: الاصطفاء: أن يجعلهم أصفياء من غير تكدر بالدنيا، وغيرهم اختارهم لأمرين: لأمر الآخرة، ولأمر المعاش؛ ألا ترى إلى قوله: " إِنَا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ؛ نَمُوتُ مَوْتَ العَئبدِ لِسَيِّدِه ".
(34)
وقال الشيخ - رحمه اللَّه - أيضًا في قوله: إن اللَّه اصطفى من ذكر: فهو - واللَّه أعلم - ذكر اللَّه أولياءه وأهل صفوته، ثم أعداءه وأهل الشقاء؛ ترغيبًا فيما استوجبوا الصفوة؛ وتحذيرًا عما به صاروا أهل الشقاء؛ إذ هما أمران يتولَّدان عن اختيار البشر، ويقومان بأسبابهما أهل المحن، لا بنفس الخلقة والجوهر؛ فصار الذكر للمعنى الذي ذكرت؛ وعلى ذلك وجه ذكر عواقب الفريقين في الدنيا، وما إليه يصير أمرهم في المعاد؛ وعلى هذا ما ضرب اللَّه من الأمثال بأنواع الجواهر الطيبة والخبيثة في العقول والطبائع ترغيبًا وترهيبًا؛ وعلى هذا جميع أمور الدنيا، أنها كلها عبر ومواعظ، وإن كان فيها شهوات ولذات، وآلام وأوجاع؛ ليعلم أنها خلقت لا لها لكن لأمر عظيم، كان ذلك هو المقصود من مدبر العالم أن بالعواقب يذم أهل الاختبار ويحمدون؛ فجعل الله عواقب الحكماء وأهل الإحسان حميدة لذيذة؛ ترغيبًا فيها، وعواقب السفهاء وأهل الإساءة دميمة وجيفة؛ تزهيذا فيها؛ فخرج جميع فعل اللَّه على الحكمة والإحسان، وإن كانت مختلفة في اللذة والكراهة؛ لأنه كذلك طريق الحكمة في الجزاء، وفي ابتداء المحنة، إلا أن المحنة تكون مختلفة، والجزاء نوع لما هو كذلك في الحكمة والإحسان؛ إذ كذلك سبق من أهله الاختيار والجزاء على ما اختاره من له وعليه حكمة وإحسان؛ أعني: بالإحسان فيما يجوز الامتحان بلا جزاء بحق الشكر لما أولى وأبلى، والحكمة فيما كان لازمًا ذلك في التدبير، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ (34) قيل: بعضها من بعض في النسب من ذرية آدم، ثم من ذرية نوح، ثم من ذرية إبراهيم، عليهم السلام. وقيل: بعضهم من ذرية بعض. وقيل: بعضهم من جوهر بعض؛ فلا تتكبروا؛ كقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ)، منع الحر عن التعظيم على العبد. واختلف في الذرية: قَالَ بَعْضُهُمْ: " الذرية ": الأولاد والآباء؛ كقوله: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ)، وكانوا الأولاد والآباء، والذرية مأخوذة، وهو الخلقة.
(35)
وقِيل: " الذرية: الأولاد خاصة، يقال: ذرية فلان، إنما يراد، أولاده خاصة؛ دليله قوله (هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً). وقوله: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ). واختلف في الآل؛ قيل: آل الرجل: المتصلون به. وقيل: آل الرجل: أتباعه. وقيل: أقرباؤه. وروي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " كُل تَقِي فَهُوَ مِنْ آلِي ". وقيل: إن عمران من ولد سليمان بن داود. وقوله: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا (35) لما أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه اصطفي آل عمران واختارهم على سائر العالمين، وكان أقل ما في صفوته واختياره أن جعلت امرأة عمران ما في بطنها مُحَرَّرًا.
(36)
(والْمُحَرَّر): هو العتيق عن المعاش بالعبادة. وقيل: " الْمُحَرَّر " هو الذي يعبد اللَّه - نعالى - خالصًا مطيعًا، لا يشغله شيء عن عبادته، فارغًا لذلك، وهو قول ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقيل: " الْمُحَرَّر " هو الذي يكون لله صافيًا. وقيل: " الْمُحَرَّر " هو مَنْ خَدَمَ المسجد. وقوله: (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) جعلت ما في بطنها لله خالصًا، لم تطلب منه الاستئناس به، ولا ما يطمع الناس من أولادهم، وذلك من الصفوة التي ذكر - عَزَّ وَجَلَّ - وهكذا الواجب على كل أحد أنه إذا طلب ولدًا أن يطلب للوجه الذي طلبت امرأة عمران وزكريا، حيث قال: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً)، وما سأل إبراهيم - عليه السلام -: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)، وكقوله: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا. . .) الآية هكذا الواجب أن يطلب الولد لا ما يطلبون من الاستئناس والاستنصار والاستعانة بأمر المعاش بهم. وقوله: (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). أي: تقبل مني قرباني، وما جعلت لك خالصًا، إنك أنت السميع لنذري، العليم بقصدي في التحرير. وقيل: (السَّمِيعُ): المجيب لدعائي، (العليم) بنيتي. وقوله: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى (36) ومعنى قولها: (إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى) -مع علمها أن اللَّه عالم بما في بطنها وبما وضعتها- وجهان: أحدهما: اعتذارًا لما لم يكن يُحَرَّر في ذلك الزمان إلى الذكور من الأولاد؛ فاعتذرت:
(37)
إني ما وضعت لا يصلح للوجه الذي جعلت. والثاني: أن الإنسان إذا رأى شيئا عجيبا قد ينطق بذلك، وإن كان يعلم أن غيره علم ما علم هو، وأنه رأى مثل ما رأى هو. أو يحتمل أن طلبت ردّها إلى منافعها إذا وضعت الأنثى؛ لما رأت الأنثى لا تصلح لذلك. ويحتمل قولها: (إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى): التعريض لإجابة اللَّه - تعالى - لها فيما قصدت من طاعته بالنذور إن لم تكن صلحت لما قصدت، وقد أجيبت في ذلك بقوله: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ) نحو ما يتقبل لو كان ذكرًا في الاختيار والإكرام، وجعلها خير نساء العالمين. وقوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى). اختلف فيه: قيل: إن ذلك قولها، قالت: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) على إثر قولها: (إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى)؛ لما تحتاج الأنثى إلى فضل حفظ وتعاهد، والقيام بأسبابها ما لا يحتاج الذكر. وقيل: إن ذلك قول قاله - عَزَّ وَجَلَّ - لما قالت: (إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى)، جوابًا لها، (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) فيما قصدت، واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ). فيه دليل على أن تسمية الأولاد إلى الأمهات في الإناث دون الآباء، ثم التجأت إلى اللَّه تعالى، حيث أعاذتها به -وذريتَها- من الشيطان الرجيم. وفيه دلالة أن الذكور يكونون من ذرية الإناث؛ لأنه لم يكن منها إلا عيسى، عليه السلام. وقوله: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ (37) يحتمل قوله: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ): أن أعاذها وذريتها من الشيطان الرجيم على ما سألت.
ويحتمل أن جعلها تصلح للتحرير ولما جعلت، وإن كانت أنثى. وقوله: (وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا). يحتمل -أيضًا- نباتًا حسنًا؛ أن لم يجعل للشيطان إليها سبيلًا. ويحتمل أن ربَّاها تربية حسنة؛ أن لم يجعل رزقها وكفايتها بيد أحد من الخلق؛ بل هو الذي يتولى ذلك لما يبعث إليها من ألوان الرزق، كقوله: (وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا)، وكقوله: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا). وقوله: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا). فيه لغتان: إحداهما: بالتخفيف، والأخرى: بالتشديد؛ فمن قرأ بالتخفيف؛ فمعناه ضمَّها زكريا إلى نفسه، ومن قرأ بالتشديد؛ فمعناه: أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ضمَّها إلى زكريا. وقوله: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا). قيل: وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف - قال زكريا: (أَنَّى لَكِ هَذَا). قيل فيه بوجهين: قيل: استخبار عن موضعه، أو كيف لك هذا، على الاستيصاف؛ إنكارًا عليها واتهامًا؛ لما لا يدخل عليها غيره، ولا يقوم بكفايتها سواه، فوقع في قلبه أنَّ أحدًا من
(38)
البشر يأتيها بذلك. وقيل: إنه قال ذلك؛ تعجبًا منه لذلك لما رأى من الفاكهة والطعام في غير حينه غير متغير؛ فقال: (أَنَّى لَكِ هَذَا)؛ تعجبًا منه لذلك. ثم قالت: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ). أي: يرزق من حيث لا يحتسب. * * * قوله تعالى: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) وقوله: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) قيل: فعند ذلك دعا زكريا ربه لما كانت نفسه الخاشية تحدث بالولدان تهب له، لكنه لم يدعو لما رأى نفسه متغيرة عن الحال التي يطمع منها الولد، فرأى أن السؤال في مثل ذلك لا يصلح؛ فلما رأى عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف غير متغيرة عن حالها - علم عند ذلك أن السؤال يصلح، وأنه يجاب للدعاء في غير حينه، فذلك معنى قوله: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ)، واللَّه أعلم. ويحتمل أنه لما رأى ما أكرمت امرأة عمران في قبول دعوتها وتبليغ ابنتها في الكرامة المبلغ الذي رأى فيها مما لعل أطماع الأنفس لا تبلغ ذلك - دعا اللَّه - جل جلاله - أن يكرمه ممن يبقى له الأثر فيه والذكر، وإن كانت تلك الحال حال لا تطمع الأنفس فيما رغب - عليه السلام - مع ما كان يعلم قدرة اللَّه - تعالى - على ما يشاء من غير أن كان يحس على طلب الإكرام بكل ما يبلغه قدره، حتى رأى ما هو في الأعجوبة قريب مما كانت نفسه تتمنى، واللَّه أعلم بالمعنى الذي سأل. وقوله: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).
(39)
أي: مجيب الدعاء. وقوله: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ (39) دل هذا أن المحراب هو موضع الصلاة. (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى). فيه دلالة لقول أصحابنا - رحمهم اللَّه - أن الرجل إذا حلف ألا يبشر فلانًا فأرسل إليه غيره يبشره - حنث في يمينه؛ لأنه هو البشير، وإن كان المؤدي غيره؛ ألا ترى أن البشارة -هاهنا- أضيفت إلى اللَّه - تعالى - فكان هو البشير؛ فكذلك هذا. وقوله: (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ). (بِكَلِمَةٍ) قيل: عيسى - عليه السلام - كان بكلمة من اللَّه، فيحيى صدقه برسالته. وقيل: أول من صدق عيسى - يَحْيَى بن زكريا، ولهذا وقع على النصارى شبهه؛ حيث قالوا: عيسى ابن اللَّه، بقوله: (بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ)، (وَرُوحٌ مِنْهُ)، ظنوا أنه في معنى (فيه)؛ لكن ذلك إنما يذكر إكرامًا لهم وإجلالا، ولا يوجب ذلك ما قالوا؛ ألا ترى أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - قال: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)، ونحو ذلك، لم يكن فيه أن النعمة منه في شيء؛ فعلى ذلك الأول. وقوله: (وَسَيِّدًا): قيل: سَيِّدًا في العلم والعبادة. وقيل: السيِّد: الحكيم هاهنا.
وقيل: السيد: الذي يطيع ربه ولا يعصيه، فكذلك كان صلوات اللَّه عليه. وقيل: السيد: الحسن الخلق. وقيل: السيد: التقي. وقيل: اشتق يَحْيَى من أسماء اللَّه - تعالى - من: " حي "، واللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - هو الذي سماه يحيى؛ وكذلك عيسى - روح اللَّه - هو الذي سماه مسيحًا؛ بقوله: (يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)، وذلك إكرامًا لهم وإجلالًا، على ما سمى إبراهيم: خليل اللَّه، ومُحَمَّد: حبيب اللَّه، وموسى: كليم اللَّه؛ إكرامًا لهم وإجلالًا؛ فكذلك الأول. وجائز أن يكون " يَحْيَى " بما حيي به الدِّين. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (بِيَحْيَى): قيل: سماه به؛ لما حيي به الدِّين والمروءة، أو حيي به العلم والحكمة، أو حيي به الأخلاق الفاضلة، والأفعال المرضية؛ ولهذا - واللَّه أعلم - سمي سيدًا؛ لأن السؤدد في الخلق يكتسب بهذا النوع من الأحوال. وسمي مسيحًا بما مسح بالبركة، أو يبارك في كل شيء يمسحه بيده؛ نحو أن يبرأ به وَيَحْيَى، واللَّه أعلم. وحقيقة السؤدد أنه يكتسب بالأخلاق الحسنة، والأفعال المرضية، وجائز أن يكون - عليه السلام - جمعهما فيه؛ فسمي به، واللَّه أعلم. والأصل في هذا ونحوه: أن الأسماء إن جعلت للمعارف، ليعلم بها المقصود - فالكف عن التكلف في المعنى الذي له سموا له أسلم، وإن كان في الجملة يختار ما يحسن منه في الأسماع، دون ما يقبح على المقال، أو على الرغبة في ذكره على ما يختار
من كل شيء، واللَّه أعلم. وقوله: (وَحَصوُرًا): قيل: الحصور: الذي لا ماء له ولا شهوة. وقيل: هو المأخوذ عن النساء، والممنوع منهن. وقيل: هو الذي لا يشتهي النساء. وكله واحد، واللَّه أعلم. (وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ): ذكر أنه من الصالحين، وإن كان كل نبي لا يكون إلّا صالحًا؛ على ما سمي كل نبي صديقا، وإن كان لا يكون إلا صديقًا، ووجه ذكره صالحًا: أنه كان يتحقق فيه ذلك؛ لأن غيره من الخلق، وإن كان يستحق ذلك الاسم - إنما يستحق بجهة، والأنبياء - عليهم السلام - يتحقق ذلك فيهم من الوجوه كلها. والثاني: دعاء أن يلحق بالصالحين في الآخرة، واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: ما ذكر في كل نبي أنه كان من الصالحين - يخرج على أوجه: على جميع الصلاح، وعلى البشارة لهم في الآخرة أنهم يلحقون بأهل الصلاح، وعلى أنهم منهم؛ لولا النبوة؛ ليعلم أن النبوة إنما تختار في الدِّين لمن تم لهم وصف الصلاح، وعلى الوصف به أنهم كذلك على ألسن الناس، وأن الذين ردوا عليهم - ردّوا
بعد علمهم بصلاحهم، أو على الوصف به كالوصف بالصديق، وإن كان كل نبي كذلك؛ مع ما لعل لذلك حد عند اللَّه؛ لذلك أراد لم يكن أطلع غيره عليه، واللَّه أعلم. وجائز أن يكون " يَحْيَى " بما حي به الأخلاق المحمودة، والأفعال المرضية؛ ولذلك سمى سيدًا؛ وجملته أن لله أن يسمي من شاء بما شاء، وليس لنا تكلف طلب المعنى، فيما سمى اللَّه الجواهر به؛ إذ الأسماء للتعريف، لكن يختار الأسماء الحسنة في السمع على التفاؤل، واللَّه أعلم. وقوله: وروح اللَّه وكلمته - كقوله: خليل اللَّه وحبيبه، وذبيح اللَّه، وكليم اللَّه، ليس على توهم معنى يزيل معنى الخلقة، ويوجب معنى الربوبية أو النبوة، وذلك على ما قيل: من بيوت اللَّه، وعلى ما قيل لدينه: نور اللَّه، وقيل لفرائضه: حدود اللَّه، لا على معنى يخرج عن جملة خلقه؛ بل على تخصيص لذلك في الفضل على أشكاله، وذلك كما قال لمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)، وقال في الجملة: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)، لا على ما توهمته النصارى في المسيح، فمثله الأول، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا): بشارة ببقائه إلى أن يصير كهلًا. وفيه وجه آخر: وهو أن في ذلك بيان أن كلامه في المهد كلام مختار؛ إذ ذلك وصف كلام الكهل؛ ليعلم أن قوله: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ)، إلى آخره: إنما هو حقيقة الخضوع لله، والإنباء عنه، لا على خلقه؛ كنطق الجوارح في الآخرة، واللَّه أعلم. أو لتكون آية له دائمة؛ إذ لم يكن على ما عليه أمر البشر: من التغيير، على أن آيات الجوهرية تزول عند الفناء، نحو العصا فيما تعود إلى حالها، واليد، ونحو ذلك؛ ليخص هو بنوع من الآيات الحسية بالدوام، ولا قوة إلا باللَّه.
(40)
(قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ (40) يحتمل هذا الكلام وجوهًا: أحَدها: على الإنكار، أي: لا يكون، لكن هاهنا لا يحتمل؛ لأنه كان أعلم باللَّه وقدرته أن ينطق به، أو يخطر بباله. والثاني: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) أي: كيف وجهه ولسببه، وكذلك قوله: (أَنى لَك هَذَا)، وقوله: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا)، (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا)، أي: كيف وجهه وما سببه. والثالث: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) في الحال التي أنا عليها، أو أردّ إلى الشباب؛ فيكون لي الولد. هذان الوجهان يحتملان، وأمَّا الأول فإنه لا يحتمل. وقوله: (وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) وذكر في سورة مريم: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا): ذكر على التقديم والتأخير. وكذلك قوله: (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا) أو (ثَلَاثَ لَيَالٍ)، والقصة واحدة؛ ذكر على التقديم والتأخير، وعلى اختلاف الألفاظ واللسان؛ دل أنه ليس على الخلق حفظ اللفظ واللسان؛ وإنما عليهم حفظ المعاني المدرجة المودعة فيها، وبالله التوفيق، ويعلم أنه لم يكن على كلا القولين، ولم يكن بهذا اللسان. وقوله: (قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)، وقوله: (كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، وإن اختلف في اللسان. وقوله: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً (41) طلب من ربِّه آية؛ لما لعله لم يعرف أن تلك البشارة بشارة الملائكة، أو وساوس؛ فطلب آية ليعرف أن تلك البشارة بشارة الملائكة من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لا بشارة إبليس؛ لأنه لا يقدر أن يفتعل في الآية؛ لأن فيها تغير الخلقة والجوهر، وهم لا يقدرون على،
ذلك، ولعلهم يقدرون على الافتعال في البشارة؛ ألا ترى أن إبراهيم - صلوات اللَّه على نبينا وعليه - لما نزل به الملائكة لم يعرفهم بالكلام وهابوه، حتى قال: (إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ)، حتى قالوا: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، فذهب ذلك الروع منه بعد ما أخبروه أنهم ملائكة، رسل اللَّه، أرسلهم إليه. وقوله: (قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا) قال بعض أهل التفسير: حبس لسانه عقوبة له بقوله: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ)؛ لكن ذلك خطأ، والوجه فيه: منعه من تكليم الناس، ولم يمنعه عن الكلام في نفسه؛ ألا ترى أنه أمره أن يذكر ربَّه، ويسبح بالعشي والإبكار؛ كقوله: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ)؟!. ويحتمل أن يكون أراه آية في نفسه من نوع ما كان سؤاله؛ إذ كان عن العلم بالولد في غير حينه، فأراه بمنع اللسان عن النطق، وأعلى أحوال الاحتمال؛ ليكون آية للأوّل. وقيل في قوله: (اجْعَلْ لِي آيَةً): أنه طلب آية؛ لجهله بعلوق الولد، وجعلها ليعرف متى يأتيها؟. وقوله: (إِلَّا رَمْزًا): قيل: الرّمز: هو تحريك الشفتين. وقيل: هو الإيماء بشفتيه. وقيل: هو الإشارة بالرأس. وقيل: هو الإشارة باليد، واللَّه أعلم بذلك.
(42)
قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) وقوله: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ): قال أهل التفسير: هو جبريل - عليه السلام - لكن ذلك لا يعلم إلا بالخبر، فإن صح الخبر - فهو كذلك، وإلا لم يقل من كان مِنَ الملائكة قال ذلك. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ): أن صفاها لعبادة نفسه، وخصها له، ما لم يكن ذلك لأحد من النساء؛ فيكون ذاك صفوتها. وقيل: اصطفاها بولادة عيسى - عليه السلام - إذ أخرج منها نبيًّا مباركًا تقيًّا، على خلاف ولادة البشر. وقوله: (وَطَهَّرَكِ): قيل: من الآثام والفواحش. وقيل: وطهرك من مس الذكور، وما قذفت به.
(43)
(وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ): هو ما ذكرنا من صفوتها؛ إذ جعلها لعبادة نفسه خالصا، أو ما قد ولدت من ولد من غير أب، على خلاف سائر البشر. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " خَط رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أَربَعَةَ خُطُوط، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذِهِ؟ قَالوُا: اللَّه وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: " أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنةِ: خَدِيجَةُ، وَفَاطِمَةُ، وَمَريَمُ، وآسيَةُ امْرَأةُ فِرْعَونَ ". وكذلك روى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -قال: " خَيرُ نِسَاءِ العَالَمِينَ أَرْبَعٌ: مَريَمُ بِنْتُ عِمرَانَ، وآسيَةُ بِنْتُ مُزَاحِم، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِد، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ". وقوله: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ (43) يحتمل وجهين: الأمر بالقنوت: القيام، ثم الأمر بالسجود، أي: الصَّلاة، ثم الأمر بالركوع مع الراكعين؛ وهو الصلاة بجماعة؛ ففيه الأمر بالصلاة بالجماعة، على ما هو علينا؛ لأنه قال: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)؛ وعلى ذلك روي في الخبر: أنه سئل عن أفضل الصَّلاة؟ فقال: " طُولُ القُنُوتُ ". ويحتمل أنه الأمر بالركوع، ثم بالسجود؛ فيدل أن السجود -وإن كان مقدمًا ذكره على الركوع- فإنه ليس في تقديم ذكر شيء على شيء، ولا تأخير شيء عن شيء في الذكر دلالة وجوب الحكم كذلك. وقيل: القنوت: هو الخضوع والطاعة؛ كقوله: (وَقُومُوا لِلََّهِ قَانِتِينَ)
(44)
أي: خاضعين مطيعين. فَإِنْ قِيلَ: كيف أُمِرَتْ بالركوع مع الراكعين؟! قيل: كانوا - واللَّه أعلم - ذوي قرابة منها ورحم؛ ألا ترى أنهم كيف اختصموا في ضمها وإمساكها، حتى أراد كل واحد منهم ضمها إلى نفسه، وأنه الأحق بذلك؟! دل أن بينهم وبينها رحمًا وقرابة. وقيل في قوله: (اقْنُتِي): أي: أطيلي الركوع في الصَّلاة واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: يحتمل (مَعَ الرَّاكِعِينَ): أي: ممن يركع ويخضع له بالعبادة، لا على الاجتماع - واللَّه أعلم - كيف كان الأمر في ذلك؟. وقوله: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ (44) أي: من أخبار الغيب لم تشهده أنت يا مُحَمَّد ولم تحضر، بل نحن أخبرناك وذكرناك عن ذلك. ثم في ذلك وجوه الدلالة: أحدها: أراد أن يخبره عن صفوة هَؤُلَاءِ وصنيعهم؛ ليكون على علم من ذلك. والثاني: دلالة إثبات رسالته؛ لأنه أخبر على ما كان من غير أن اختلف إلى أحد، أو أعلمه أحد من البشر على علم منهم ذلك؛ دل أنه إنما علم ذلك باللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -. والثالث: أن يتأمل وجه الصفوة لهم؛ أنهم بما نالوه؛ فيجتهدوا في ذلك، واللَّه أعلم. وفي ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى أن ظهر ذلك بإلقاء الأقلام. وقوله: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) الآية. قيل: إنهم ألقوا أقلامهم على جرية الماء، فذهبت الأقلام كلها مع الجرية؛ إلا قلم زكريا؛ فإنه وقف على وجه الماء. وقِيل: طرحوا أقلامهم في الماء، وكان من شرطهم أن من صعد قلمه عاليًا مع الجرية، فهو أحق بها، ومن سفل قلمه مع الجرية فهو المقروع، فصعد قلم زكريا، وتسفلت أقلامهم؛ فعند ذلك ضمها زكريَّا إلى نفسه.
ثم من الناس من احتج بجواز القرعة والعمل بها - بهذه الآية؛ حيث ضمها زكريا -مريم- إلى نفسه، لما خرجت القرعة له؛ لكن القرعة في الأنبياء لتبيين الأحق من غيره؛ لوجهين: لحق الوحي. والثاني: لظهور إعلام في نفس القرعة؛ ما يعلم أنه كان باللَّه ذلك لا بنفسه؛ كارتفاع القلم على الماء، ومثل ذلك لا يكون للقلم، والمحق من المبطل، وفيما بين سائر الخلق؛ لدفعهم التهم؛ فهي لا تدفع أبدا. ويحتمل استعمال القرعة فيها لتطييب الأنفس بذلك، أو علموا ذلك بالوحي، فليس اليوم وحي؛ لذلك بطل الاستدلال لجواز العمل بالقرعة اليوم، واللَّه أعلم. أو كان ذلك آية، والآية لا يقاس عليها غيرها؛ نحو: قبول قول قتيل بني إسرائيل -
(45)
آية، ليس به معتبر في جواز قول قتيل آخر قبل الموت. وقوله: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ (45) يحتمل: (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ): أن قال: " كن " - فكان من غير أب ولا سبب، وسائر البشر لم يكونوا إلا بالآباء والأسباب: من النطفة، ثم من العلقة، ثم من مضغة مخلقة على ما وصف - عَزَّ وَجَلَّ - في كتابه، وكان أمر عيسى - عليه السلام - على خلاف ذلك. ويحتمل (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ): ما ذكر أنه كلم الناس في المهد: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ) وذلك مما خص به عيسى، وهو بكلمة من اللَّه قال ذلك. فَإِنْ قِيلَ: ما معنى قوله: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) والكهل: مما يكلم الناس؟ قيل: لأن كلامه في المهد آية، والآية لا تدوم؛ كقوله: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ) الآية، وإنما يكون ذلك مرة لا أنها تشهد وتنطق أبدًا، فأخبر أن تكليمه الناس في المهد - وإن كانت آية - فإنه ليس بالذي لا يدوم، ولا يكون إلا مرّة. والثاني: أمنٌ من اللَّه لمريم، وبشارةٌ لها عن وفاته إلى وقت كهولته، واللَّه أعلم. وقوله: (اسْمُهُ الْمَسِيحُ). قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " المسيح: المبارك "، أي: مسح بالبركة. وقيل: سمي مسيحًا؛ لأنه كان يمسح عين الأعمى والأعور فيبصر. وقيل: المسيح: العظيم؛ لكنه - واللَّه أعلم - بلسانهم؛ فيسأل: ما المسيح بلسانهم. وقوله: (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا): بالمنزلة، ومكينًا في الآخرة، (وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) في الدرجة
(47)
والرفعة، ومن كان وجيهًا في الدنيا والآخرة فهو مقرب فيهما. وقوله: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ (47) عرفت مريم أن الولد يكون بمس البشر، وعلمت -أيضًا- أنها لا تتزوج، ولا يمسها بشر أبدًا؛ لأنها قالت: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) فإن لم يكن مسها أحد قبل ذلك، فلعله يمسها في حادث الوقت؛ فيكون لها منه الولد، فلما لم يقل لها يمسسك؛ ولكن قال: (كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) دل ذلك أنها علمت أنها لا تتزوج أبدًا؛ لأنها كانت محررة لله، مخلصة له في العبادة، واللَّه أعلم. ويحتمل قوله: (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ) أي: من أي وجه يكون لي ولد بالهبة؛ لأنها بشرت أن يهب لها ولدًا، فقالت: من أي وجه يكون لي ولد بالهبة، (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ)؟ ثم قال: (كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) تأويله: ما ذكر في سورة مريم حيث قالت: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) الآية، ثم قال: (كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أي: خلق الخلق عَلَيَّ هَيِّنٌ: بِأبٍ، وبغير أبٍ، وبمس بشر، وبغير مس، وبسبب، وبغير سبب؛ على ما خلق آدم بغير أب ولا أم؛ فعلى ذلك يخلق بتوالد بعض من بعض، وبغير توالد بعض من بعض؛ كخلق الليل والنهار، يخلق بلا توالد أحدهما من الآخر؛ فكذلك يخلق لك ولدًا من غير أب ولا مس بشر، وباللَّه الحول والقوة. وقوله: (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ): أي: إذا قضى أمرًا بتكوين أحد، أو بتكوين - فإنما يقول له: كن، لا يثقل عليه، ولا يصعب خلق الخلق وتكوينهم؛ كقوله: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) أي: خلق الخلق كلهم ابتداء، وبعثهم بعد الموت - كخلق نفس واحدة؛ أن يقول: (كُنْ فَيَكُونُ)؛ وإنَّمَا يثقل ذلك على الخلق ويصعب؛ لموانع تمنعهم وأشغال تشغلهم، فاقا اللَّه - سبحانه وتعالى - عن أن بشغله شغل، أو يمنعه مانع، أو يحجب عليه حجاب. وقوله: (فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ): ذكر - واللَّه أعلم - هذا الحرف؛ لأنه ليس في كلام العرب حرف أو جزء منه يعبر فيفهم معناه، لا أن كان منه - عَزَّ وَجَلَّ - كاف أو نون، أو حرف، أو هجاء، أو صفة
(48)
يفهم ويعرف حقيقته، أو يوصف هو بمعنى من معاني كلام الخلق أو صفاتهم، أو يكون لتكوينه وقت أو مدة أو حال، أو يكون تكوين بعد تكوين، على ما يكون من الخلق، إنما هو أوجز حرف يفهم معناه، بالعبارة إخبار منه - عَزَّ وَجَلَّ - الخلق عن سرعة نفاذ أمره ومشيئته. * * * قوله تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) وقوله: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ): بشارة منه لها -أيضًا-: أنه يعلمه الكتاب، ثم اختلف في (الْكِتَاب)؛ قيل: (الْكِتَاب): الخط هاهنا يخط بيده، ويحتمل (الْكِتَاب): الكتاب نفسه: التوراة والإنجيل، ويحتمل (الْكِتَاب): كتب النبيين. (وَالْحِكْمَةَ)؛ قيل: الحكم بين الخلق، وقيل: الفقه، وقيل: الحلال والحرام، وقيل: السنة. (وَالْحِكْمَةَ): هي الإصابة، وقد ذكرناه فيما تقدم. وقوله: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ (49) أي: أجعله رسولًا إلى بني إسرائيل، وهذا -أيضًا- بشارة لها منه، وكان عيسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من أوَّل أمره إلى آخره آية؛ لأنه ولد من غير أب،
على خلاف ما كان سائر البشر، يكلم الناس في المهد، وأقرَّ بالعبودية له، ولم يكن لأحد من البشر ذلك، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وأنباء ما كانوا يأكلون ويدخرون، وما كان له مأوى يأوى إليه، ولا عيش يتعيش هو به، والبشر لا يخلو عن ذلك، ثم ألقى شبهه على غيره؛ فقتل به، ورفع هو إلى السماء؛ وذلك كله آية، وكانت آياته كلها حسية يعلمها كل أحد، وآيات رسول اللَّه - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - كانت حسية وعقلية: أمَّا الحسية: فهو انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وكلام الشاة
المسمومة، وقطع مسيرة شهر في ليلة، وغير ذلك من الآيات مما يكثر عددها؛ هذه كلها كانت حسية. وَأفَا العقلية: فهذا القرآن الذي نزل عليه، وهو بين أظهرهم، وهم فصحاء وبلغاء وحكماء، يتلى عليهم: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ. . .) الآية، وقوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ
ظَهِيرًا)، فلو كان بهم طاقة أو قدرة أن يأتوا بمثله، لجهدوا كل جهد، وتكلفوا كل تكلف؛ حتى يطفئوا هذا النور؛ ليتخلصوا عن قتلهم، وسبي ذراريهم، واستحياء نسائهم، فلما لم يفعلوا ذلك - دَلَّ أنه كان آية معجزة، عجزوا جميعًا عن إتيان مثله، فأي آية تكون أعظم من هذا؟! وباللَّه المعونة والنجاة. وقوله: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ): أي: بعلامة أني رسول منه إليكم، ثم فسَّر الآية، فقال: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّه) قوله: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ) هو على المجاز، لا على التخليق والتكوين؛ لأن الخلق ليس هو من فعل المخلوق، وإنَّمَا هو من فعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لأن التخليق: هو الإخراج من العدم إلى الوجود، وذلك فعل اللَّه - تعالى - لا يقدر المخلوق على ذلك؛ فهو على المجاز؛ ألا ترى أنه قال في آخره: (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ)، وليس إلى الخلق تحليل شيء أو تحريمه، إنما ذلك إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فمعناه: أني أظهر لكم حل بعض ما حرم عليكم؛ فعلى ذلك قوله: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) أي: أظهر لكم بيدي ما خلق اللَّه من الطين طائرًا؛ فيكون آية لرسالتي إليكم؛ وكذلك الآيات ليس مما ينشئ الأنبياء، ولكن تظهر على أيديهم. وإنَّمَا لم يجز إضافة التخليق إلى الخلق؛ لما ذكرنا: أنه إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وذلك ليس إلى الخلق. والثاني: أن التخليق هو إخراج الفعل على التقدير، وفعل العبد إنما يخرج على تقدير اللَّه، لا يخرج على تقديره؛ لذلك لم يجز إضافة ذلك إلى الخلق، إلا على المجاز. واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: الخلق: اسم المجاز والحقيقة، والتخليق: فعل حقيقة خاصَّة، وآيات الأنبياء - عليهم السلام - هي التي تخرج على خلاف الأمر المعتاد فيما بينهم، يجريها اللَّه - سبحانه وتعالى - على أيديهم؛ ليعلموا أن ذلك لم يكن بهم، إنما كان ذلك بالمُرسِل الذي أرسلهم؛ ليدل على صدقهم، ولا قوة إلا باللَّه.
وإبراء الأكمه والأبرص " هو من آيات النبوة؛ لخروجها عن الأمر المعتاد فيما بينهم. فَإِنْ قِيلَ: إن إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص من آيات النبوة؛ لعجزهم عن إتيان مثله، وخروجه عن المعتاد فيما بينهم، ولكن أنباء ما يأكلون وما يدخرون لِمَ كان من آيات النبوة، ويجوز أن يكون ذلك من منجم؟ قيل: له جوابان -إن كان يكون مثل ذلك بالنجوم-: أحَدهما: أنه مضموم إلى الآيات؛ فصار آية بما ضم إليها. والثاني: أن هذا -وإن كان يعلم بالنجوم- فعيسى - عليه السلام - لما علم قومه أنه لم يختلف إلى أحد في تعلم علم النجوم، ثم عرف ذلك وأنبأهم بذلك - دل أنه إنما علم ذلك باللَّه؛ فكان آية، وباللَّه التوفيق. مع ما كان في قومه أطباء وحكماء وبصراء - لم يَدَّعِ أحد شيئًا من هذه الآيات التي جاء بها عيسى - عليه السلام - دل ترك اشتغالهم في ذلك على إقرارهم بأنها آية سماوية، لكنهم تعاندوا وكابروا فلم يؤمنوا به. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: الخلق: اسم المجاز والحقيقة، والتخليق: فعل حقيقة خاصة. وقوله (بِإِذْنِ اللَّهِ). قيل: بأمر اللَّه.
(50)
وقيل: بمشيئة اللَّه. واختلف في " الأكمه ": عن مجاهد، قال: " الأكمه: الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل ". وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " الأكمه: الأعمى الممسوح العين "، وقيل: هو الذي ولد من أمه أعمى لا يتكلف أحد من الأطباء إبراء مثله، ولا اشتغل بدوائه، دل أنه عرف ذلك باللَّه تعالى، والأطباء يتكلفون في دفع العلل العارضة الحادثة، وأما ما كان خلقة من جِبِلَّة - فلا. وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): قيل: قال: إن هذا آية لكم؛ إن كنتم صدقتم أني رسول اللَّه إليكم. وقيل: قال: إن في ذلك لآية لكم في رسالتي؛ إن كنتم مؤمنين بالمُرسِل. ويحتمل (إن كنتم تُؤمِنُونَ) أي: بالآيات أنها تُعَرِّفُ مَا جُعِلْنَ له، واللَّه أعلم. وقوله: (وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ... (50) الآية: ما ذكر. وقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ): يحتمل: فاتقوا اللَّه في تكذيبي في الآيات، و (وَأَطِيعُونِ) في تصديقي. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) ظاهر، قد ذكرنا فيما تقدم. * * * قوله تعالى: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وقوله: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ): قيل: أَحَسَّ: علم.
وقيل: أحسَّ: رأى؛ وهو كقوله: (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ). وقيل: أحسَّ، أي: وجد، وهو قول الكيساني، وقيل: عرف؛ وهو كله واحد. ثم قوله: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ): يحتمل - واللَّه أعلم - أن قومه لما سألوه أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ تكون لهم آية لرسالته وصدقه؛ ففعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ذلك، وأنزل عليهم المائدة، ثم أخبر أن من كفر منهم بعد إنزال المائدة يعذبه عذابًا لا يعذبه أحدًا، فكفروا به؛ فعلم أن العذاب ينزل عليهم؛ فأَحبَّ أن يخرج بمن آمن به؛ لئلا يأخذهم العذاب، فقال: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)؛ يؤيد ذلك قوله: (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ. . .) الآية. ويحتمل أن يكونوا أظهروا الإسلام له، وكانوا في الحقيقة على خلاف ذلك، فلما علم ذلك منهم، وقد همُّوا على قتله، قال عند ذلك: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)؛ أحبَّ أن يكون معه أنصار مع اللَّه ينصرونه؛ فيظهر المؤمنون من غيرهم، فنصرهم اللَّه على أعدائهم؛ ليظهر المؤمنون من غيرهم، وهو قوله: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ). ومن الناس من يقول: إنه لم يكن في سُنَّةِ عيسى - عليه السلام - الأمر بالقتال، وفي الآية إشارة إلى ذلك بقوله: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ)، أخبر أنهم أصبحوا ظاهرين على عدوهم؛ فلا يخلو إمَّا أن يكون قتالًا أو غلبة بحجة أو بشيء ما يقهرهم، واللَّه أعلم. وقوله: (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ): اختلف في الحواريين: قَالَ بَعْضُهُمْ: هم القصَّارون الغسَّالون للثياب، ومبيضوها.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " إِنَّمَا سُمُّوا الحَوَارِيينَ؛ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِم "، وكانوا يصيدون السَّمك. وقيل: الحواري: الوزير، والناصر، والخاص؛ على ما جاء عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إِن لِكُلِّ نَبِي حَوَارِيِّينَ، وَحَوَارِيي فُلان وفُلان "، ذكر نفرًا من الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين، - وإنما أراد - واللَّه أعلم - الناصر والوزير. ويحتمل أن يكونوا سمُّوا بذلك؛ لصفاء قلوبهم، وهم أصفياء عيسى - عليه السلام -. كذلك روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - واللَّه أعلم بهم. وقوله: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) إن اللَّه يتعالى عن أن يُنصَر، ولكن يحتمل (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ)، أي: أنصار دين اللَّه، أو أنصار نبيه، أو أنصار أوليائه؛ تعظيمًا. وكذلك قوله: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ): إن اللَّه لا يُنْصَرُ؛ ولكن يُنْصَرُ دِينُهُ أو رسلُهُ أو أولياؤه؛ وهو كقوله: (يخادعُونَ اللَّهَ): إن اللَّه لا يُخَادَعُ، ولا يمكر، ولكن لما خادعوا أولياءه أو دينه، أضاف ذلك إلى نفسه؛ فعلى ذلك لما نصروا دين اللَّه ونبيه ووليّه، أضاف ذلك إلى نفسه.
(53)
وقوله: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) الآية: ينقض قول من يجعل الإيمان غير الإسلام؛ لأنهم أخبروا أنهم آمنوا، وأنهم مسلمون، لم يفرقوا بينهما، وكذلك قوله: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36): لم يفصل بينهما، وجعلهما واحدًا، وكذلك قول موسى لقومه: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ): لم يجعل بين الإيمان والإسلام فرقًا، وهو قولنا: إن العمل فيهما واحد؛ لأن الإيمان: بأن تصدق بأنك عبد اللَّه، والإسلام: أن تجعل نفسك لله سالمًا. وقيل: الإيمان: اسم ما بطن، والإسلام: اسم ما ظهر؛ ألا ترى أنه جاز في الإسلام الشهادة، وفي الإيمان التصديق؟!. وقوله: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ ... (53) يعني - واللَّه أعلم -: بما أنزلت من الكتب السماوية التي أنزلها على الرسل جميعًا، فإن أرادوا بما أنزلت على عيسى - عليه السلام - فالإيمان بواحد من الكتب أو بواحد من الرسل: إيمان بالكتب كلها وبالرسل جميعًا، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. * * * قوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) وقوله: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ). مكروا بنبي اللَّه عيسى - عليه السلام - حيث كذبوه وهمُّوا بقتله، (وَمَكَرَ اللَّهُ)، أي: يجزيهم جزاء مكرهم؛ وإلا حرف المكر مذموم عند الخلق؛ فلا يجوز أن يسمى الله به إلا في موضع الجزاء؛ على ما ذكره - عَزَّ وَجَلَّ - في موضع الجزاء؛ كقوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ. . .)، والاعتداء منهي عنه غير جائز؛ كقوله: (وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)؛ فكان قوله:
(55)
(فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ. . .) هو جزاء الاعتداء؛ فيجوز؛ فعلى ذلك المكر والخداع والاستهزاء: لا يجوز أن يسمى به، فيقال: يا ماكر، ويا خادع، ويا مستهزئ؛ لأنها حروف مذمومَة عند الناس؛ فيَشْتُمُ بعضهم بعضًا بذلك؛ لذلك لا يجوز أن يسمّى اللَّه - تعالى - به إلا في موضع الجزاء. وباللَّه العصمة. وقوله: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ): أي: خير الجازينَ أهل الجور بالعدل، وأهل الخير بالفضل. وقيل: (وَمَكَرُوا)؛ حيث كذبوه وهمَّوا بقتله، (وَمَكَرَ اللَّهُ)؛ حيث رفع الله عيسى - عليه السلام - وألقى شبهه على رجل منهم حتى قتلوه؛ فذلك خير لعيسى - عليه السلام - من مكرهم. وقيل: (وَمَكَرُوا)، أي: قالوا، (وَمَكَرَ اللَّهُ): قال اللَّه. وقولهم الشرك، وقال لهم: قولوا التوحيد. (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)، أي: خير القائلين. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)؛ بما بالحق يمكر، ويأخذ من استحق الأخذ، وهم لا، واللَّه أعلم. والمكر: هو الأخذ بالغفلة، واللَّه يأخذهم بالحق من حيث لا يعلمون؛ فسمي مكرًا لذلك؛ كما يقال: امتحنه اللَّه وهو الاستظهار، ولكن لا يراد به هذا في حق اللَّه. وقوله: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ (55) اختلف فيه: قيل: هو على التقديم والتأخير: ورافعك إليَّ، ثم متوفيك بعد نزولك من السماء، ولكن هو التقديم والتأخير، ولم يكن في الذكر فهو
سواء؛ لأنا قد ذكرنا أنْ ليس في تقديم الذكر، ولا في تأخيره ما يوجب الحكم كذلك؛ لأنه كَمْ مِنْ مُقَدَّمٍ في الذكر هو مؤخَّر في الحكم، وكم من مؤخَّر في الذكر هو مقدَّم في الحكم، فإذا كان كذلك: لم يكن في تقديم ذكر الشيء، ولا في تأخيره - ما يدل على إيجاب الحكم كذلك؛ كقوله: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا): فإنما هو قبض الأرواح؛ فيحتمل الأول كذلك، ويحتمل توفي الجسم، أي: متوفيك من الدُّنيا، أي: قابضك، وليس بوفاة موت. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)، أي: مميتك وهو ما ذكرنا؛
ليعلم أنه ليس بمعبود. وقوله: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ): هو على تعظيم عيسى - عليه السلام - ليس على ما قالت المشبهة؛ بإثباتها المكان له؛ لأنه لو كان في قوله: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) يوجب ذلك، يجب أن يكون أهل الشام أقرب إليه؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - قال: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)، والكفرة إليه قريب منه؛ كقوله: (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ)؛ دل هذا أن ما قالوا خيال فاسد - تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوا كبيرًا - ولكن على التعظيم والتبجيل، أعني: المضاف إليه. والأصل في هذا: أن الخاص إذا أضيف إلى اللَّه فإنما يراد به تعظيم ذلك الخاص؛ نحو ما قال: " بيت اللَّه "؛ على تعظيم البيت، (نَاقَةَ اللَّهِ)؛ فهو على تعظيم الناقة، ونحوه مما يكثر وقوعه. وإذا أضيف الجماعة إليه، فهو على إرادة تعظيم الربِّ - جل ثناؤه - نحو: (رَبِّ الْعَالَمِينَ)، (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، ونحوه؛ كله على إرادة تعظيم الربِّ، جل ثناؤه. وقوله: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا): قيل فيه بوجوه: قيل: مطهرك من أذى الكفرة، من بين أظهر المخالفين لك. وقيل: ومطهرك من الكفر والفواحش، ويحتمل: مطهرك مما قالوا فيك. وقوله: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا) يحتمل: يجعله فوق الذين كفروا بالقهر والغلبة والقتل، ويحتمل: بالحجة، ويحتمل: في المنزلة والدرجة في الآخرة.
(56)
ويحتمل قوله: (وَمُطَهِّرُكَ) بقتل الكفرة من وجه الأرض؛ على ما ذكر في بعض القصة: أنه ينزل من السماء، فلا يبقى على وجه الأرض كافر إلا وهو يقتله مع الذين اتبعوه؛ فذلك تَطْهِيرُهُ وَجَعْلُ الذين اتبعوه فوق الذين كفروا. وقوله: (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) ذكر هذا - واللَّه أعلم - وإن كان المرجع للكل إليه في كل حال؛ لأنهم يُقِرُّونَ ويعترفون في ذلك اليوم أن المرجع إليه، وكانوا ينكرون ذلك في الدُّنيا؛ وهو كقوله: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ)، الملك كان في ذلك اليوم وفي غير ذلك اليوم، ولكن معناه: لا ينازعه أحد يومئذ في ملكه، ويقرون له بالملك، وفي الدُّنيا أنكروا ملكه؛ وهو كقوله: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا)، كلهم بارزون لله في كل وقت؛ لكنهم أنكروا بروزهم في الدنيا له؛ فيقرون يومئذ بالبروز له؛ فكذلك الأول، واللَّه أعلم. وقوله: (فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ). يحتمل: أحكم بينكم مَنِ المحقُّ منكم، ومَنِ المبطلُ. ويحتمل: أحكم بينكم: أي: أجزيكم على قدر أعمالكم. ويحتمل: أحكم بينكم أي، أجزي كلا بعمله على ما يستوجبون. وقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) الآية: وقوله: (فِي الدُّنْيَا)، قيل: القتل، والجزية، وفي الآخرة: العذاب. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) فقوله: (مُتَوَفِّيكَ):
يحتمل تَوَفِّي الموت بما يقبض روحه كفعله بجميع البشر؛ تكذيبًا لمن ظن أنه اللَّه، أو ابنه، لا يحتمل أن يموت، وقد ألزمهم هذا أيضًا بوجهين ظاهرين -وإن كان فيما عليه خلقته وجوهره. ثم تقلبه من حال إلى حال في نفسه، ومكان إلى مكان في حق القرار والحاجة- كفاية لمن يعقل الحقائق، وبُلْغَة لمن تأمَّل الأشياء عبرا. أحدهما: بقوله: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)، وقوله: (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) حتى ينطق به لسان كل منهم، ومعلوم إحالة ابن بشر إلهًا أو ولدًا لإله؛ إذ هو يكون أصغر منهما وذلك آية حدثه، وكذلك قوله في المهد: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ): إلى آخر ما ذكر، مع ما لو احتمل ذلك لكان آدم - عليه السلام - الذي هو الأصل، هو المقدم، وهو الذي لا يعرف له وَالِدَانِ أحق أو هو؟ إذ هو بجوهره فهو ولده لا غير، أو ذلك وصف الأولاد، واللَّه أعلم. والثاني: (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ): فأخبر عن حاجته وغلبة الجوع عليه، وفقر نفسه إلى ما يقيمها من الأغذية. ثم في ذلك حاجة إلى الخلاء، واختيار الأمكنة القذرة لقضاء حاجته، وباللَّه التوفيق. والثالث: على قبضه بنفسه من بين أظهر أعدائه، ورفعه إلى ما به شرفه، وتطهيره مما كان يحسُّ منهم من الكفر وأنواع الفساد، وختمه من بين البشر على وجه آية يكون له عليهم من أول أحوال ظهوره إلى آخر أحوال مقامه فيهم؛ ليكون أوضح لمتبعيه في الآيات، وعلى مخالفيه في قطع العذر. ولا قوة إلا باللَّه. وفي الدعاء إلى المباهلة دلالة ظهور التعنت والعناد، وفي تخلفهم عن ذلك دليل
علمهم بتعنتهم وخوفهم مما قد وُعِدوا بالنزول عليهم، ثم لزموا مع ذلك ما كانوا عليه من السفه والعناد؛ ليعلم أن الحيل عمن اعتاد المعاندة منقطعة، ومعلوم أن الدعاء إلى المباهلة لا يكون في أول أحوال الدعوة؛ وإنَّمَا يكون بعد توفير الحجة وقطع الشبهة؛ ففي ذلك بيان أنه كانت ثَمَّ محاجاتٌ، حتى بلغ الأمر هذا، وعلى ذلك أمر القتال أنه لم يوضع في أول أحوال الإرسال، وفي الحال التي للقول وللحق وجه القبول من طريق النصف والعقل؛ وإنما كان عند ظهور معاندتهم، وكثرة سفههم، حتى همّوا بالقتل، وأكثروا الأذى، وأكرهوا أقوامًا على الكفر، وأخرجوا رسول ربِّ العزة من بين أظهرهم بما راموا قتله، وطردوا أصحابه من بلادهم حتى تحصنوا بالغيران، فأذن الله تعالى عند ذلك بالقتال، وفتح الفتوح؛ ليكون آيته في كل وجوه الآيات ظاهرة وحجته بينة، وفي ذلك جواز محاجة الكفرة في التوحيد والرسالة، لكن على ما قال اللَّه - تعالى -: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، و (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا)، نهي عن التعمق والخوض فيما تقصر عنه الأفهام، وإن كان معلومًا أن لله حججًا ظاهرة وغامضة، ولا قوة إلا باللَّه. وفي ذلك تعليم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: أنه يكون ذلك باللطف والرفق يرى المقصود به؛ ليقرر به عنده الحجة، ويزيل عنه الشبهة من الوجه الذي يحتمله عقله، ويبلغه فهمه، فإن رآه يتعامى في ذلك يوعده ويخوفه بالذي في ذاك من الوعيد. فإن رأيته يكابر عرفت شؤم طبعه وسوء عنصره، يوعده بما جاء به التعليم من الضرب
(58)
والحبس، فإن نفع ذلك، وإلا بكف شره عن غيره وتطهير الأرض منه؛ فإنه النهاية في القمع، والغاية فيما يحق من معاملة السفهاء، واللَّه أعلم. لكنه على منازل لا يحتمل انتهاء كل أنواع المآثم إلى هذه الغاية؛ بل فيها ما كان أعظمها دون هذا بكثير - واللَّه أعلم - لذلك يلزم تعرف مقادير الآثام أولًا؛ ليعرف بها ما يحتمل كل إثم من العقوبة فيه والزجر به، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ): لأنه لا يحب الظلم. * * * قوله تعالى: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) وقوله: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ)، قيل: ذلك الذي ذكر في هذه الآية: نثلو عليك يا مُحَمَّد. (مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) هو المحكم، وقيل: (الْحَكِيم)، أي: من نظر فيه وتفكر يصير حكيمًا؛ كما قال: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا)، أي: يبصر فيه، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ (59) قيل في القصة: إن نصارى من أهل نجران قدموا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقالوا له: إنك تشتم صاحبنا عيسى ابن مريم، تزعم أنه عبد، وهو يُحْيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فيطير، فأرنا فيما خلق اللَّه عبدًا مثله يعمل
هذا، والنصارى في الحقيقة مشبهة وقدرية: وأمَّا التشبيه: فإنما حملهم على ذلك ظنهم في قول إبراهيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ حيث قال: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)؛ ظنوا أن عيسى لما قال: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) أنه رب وإله؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - أخبر أن ربه (الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)؛ فسموا عيسى إلهًا بهذا، وهم كانوا يرون عيسى يأكل ويشرب وينام؛ فلولا أنهم عرفوا اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وإلا ما شبهوه به، تعالى اللَّه عن ذلك. وأمّا القدرية: فلما لم يروا لله في أفعال العباد صنعًا؛ إنما رأوا ذلك للخلق خاصة،
فلما رأوا ذلك من عيسى - عليه السلام - ظنوا أنه ربٌّ؛ لما لم يروا ذلك من غيره، ولو كانوا عرفوا اللَّه حق المعرفة، لعلموا أن لم يكن من عيسى إلا تصوير ذلك الطير وتمثيله، ويكون مثله من كل أحد؛ وإنَّمَا الإحياء كان من اللًه - عَزَّ وَجَلَّ - أجراه على يدي عيسى - عليه السلام - وأظهره، وإنما كان من عيسى تصويره فقط؛ وكذلك ما كان من إبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أجراه على يديه آيات لنبوته؛ لأنهم ادعوا له الربوبية من وجهين: لكونه من غير أب، ولآياته. ثم قوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) - يحتمل وجهين - واللَّه أعلم -: أحدهما: أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - صور صورة آدم من طين، ثم جعل فيه الروح، لم يجز أن يقال صار آدم حيًّا من نفسه؛ لوجود صورته، كيف جاز لكم أن تقولوا: إن عيسى لمّا صوَّر ذلك الطير من الطين، صار محييًا له بتصويره إياه دون إحياء اللَّه - تعالى - إياه؟! واللَّه أعلم. والثاني: أن آدم - عليه السلام - خُلِقَ لا من أب وأم، ثم لم تقولوا: إنه ربٌّ
(60)
أو إله، فكيف قلتم في عيسى: إنه إله؛ وإنه خلق لا من أب؟ إذ عدم الأبوة في آدم لم يوجب أن يكون ربًّا؛ وكيف أوجب عدم الأبوة في عيسى كونه ربًّا وإلها؟! والله الموفق. وإنما كان عيسى بقوله: " كن " - كما كان آدم، أيضًا، بـ " كن " - من غير أب. وقوله: (كُن): قد ذكرنا أنه أوجز كلام في لسان العرب يعبر فيؤدي المعنى؛ فيفهم المراد، لا أن كان من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - كاف، أو نون، أو وقت، أو حرف، أو يوصف كلامه بشيء مما يوصف به كلام الخلق، تعالى اللَّه عن ذلك. وقوله: (فَيَكُونُ): يحتمل وجهين: يحتمل " يكون "، بمعنى: كان، والعرب تستعمل ذلك ولا تأبى. والثاني: أن تكون الكائنات بأسبابها في أوقاتها التي أراد كونها على ما أراد، وأصل ذلك، إذا ذكر اللَّه ووصف بذكر بلا ذكر وقت في الأزل، وإذا ذكر الخلق معه يذكر الوقت، والوقت يكون للخلق يقول: خالق لم يزل، وخالقه في وقت خلقه. وقوله: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) يحتمل هذا وجوهًا: يحتمل أن يكون الخطاب لكل أحد قال في عيسى ما قالوا، أي: لا تكن من الممترين في عيسى أنه عبد اللَّه خالصا، وأنه نبيه ورسوله إليكم. ويحتمل أن يكون الخطاب للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والمراد غيره؛ وهكذا عادة ملوك الأرض أنهم إذا أرادوا أن يعرفوا رعيتهم شيئا، يخاطبون أعقلهم وأفضلهم وأرفعهم منزلة وقدرًا عندهم؛ استكبارًا منهم مخاطبة كل وضيع وسفيه؛ فكذلك (ولله المثل الأعلى)، اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - خاطب نبيّه؛ إعظامًا له وإجلالًا، واللَّه أعلم. ويحتمل ما ذكرنا فيما تقدم أن العصمة لا تمنع الأمر ولا النهي؛ بل تزيد أمرًا ونهيًا،
(61)
وإن كان يعلم أنه لا يكون من الممترين أبدًا، واللَّه الموفق. وقوله: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ (61) دعاهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى المباهلة، فالمباهلة في لغة العرب: الملاعنة، دعاهم إلى الدعاء باللعنة على الكاذبين، فامتنعوا عن ذلك؛ خوفًا منهم لحوق اللعنة؛ فدل امتناعهم عن ذلك أنهم عرفوا كذبهم، لكنهم تعاندوا، وكابروا؛ فلم يقروا بالحق. وقوله: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ (62) يعني: الخبر الحق. وقوله: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): ظاهر، قد ذكرناه فيما تقدم، واللَّه أعلم. وقوله: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ)، يحتمل: خبر الحق في أمر عيسى - عليه السلام - أنه كان عبدًا بشرًا نبيَّا، (فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)، أي: لا يحملنك شدة لجاجتهم وكثرتهم في القول فيه بهذا الوصف على الشك في الخبر الَّذِي جاءك عن اللَّه؛ كقوله: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ
(64)
مَا يُوحَى إِلَيْكَ) إلى آخره: على الموعظة، لا على أنه يكون كذلك، أو على ما سبق ذكره، واللَّه أعلم. ويحتمل: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ)، أي: كل حق فهو عن اللَّه جائز إضافته إليه، على الوجوه التي تضاف إليه، الباطل من الوجه الذي هو باطل، (فَلَا تَكُنْ) في ذلك (مِنَ الْمُمْتَرِينَ)، واللَّه أعلم. وجائز أن يقول: جعل اللَّه ذلك الفعل ممن فعله باطلًا، ولا يقال: الباطل من اللَّه، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) وقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ): يعني: كلمة الإخلاص والتوحيد، (سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ)، أي: عدل، أي: تلك الكلمة عدل بيننا وبينكم؛ لأنهم كانوا يقرون أن خالق السماوات والأرض: اللَّه، بقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، وكذلك يقرون أن خالقهم اللَّه، بقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، لكن منهم من يعبد دون اللَّه أوثانًا، ويقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، ومنهم من يجعل له شركاء وأندادًا يشركهم في عبادته، فدعاهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى ألا يجعلوا عبادتهم لغير الذي أنعم عليهم؛ إذ العبادة لا تكون إلا لله الذي أقروا جميعًا أنه خالق السماوات والأرض، وأنه ربهم، وألا يصرفوا عبادتهم إلى غير الذي أنعم عليهم؛ إذ العبادة هي لشكر وجزاء ما أنعم عليهم. (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)؛ لأن العبادة لواحد أهون وأخف من العبادة لعدد، وأن صرف العبادة إلى من أنعم عليكم أولى من صرفها إلى الذي لم ينعم عليكم؛ إذ ذاك جور وظلم في العقل أن ينعم أحد على آخر، فيشكر غيره.
(65)
قال الشيخ - رحمه اللَّه -: العدل في اللغة: وضع الشيء في موضعه، وفي إخلاص العبادة لله والتوحيد - ذلكَ وهذا معنى سواء. وجائز أن تكون كلمة يستوي فيها أنها عدل ما شهد لنا بهذا كل أنواع الحجج. وقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا): يحتمل: تولوا عن طاعة اللَّه وتوحيده، وصرف العبادة إليه. (فَقُولُوا). كذا. ويحتمل: فإن تولوا عن المباهلة والملاعنة - فقولوا (اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) أي: مخلصون العبادة له، صادقون الشكر على ما أنعم علينا، واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: فإن تولوا عن قبول ما دعوتهم إليه من الاجتماع على الكلمة. * * * قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) وقوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ). قيل: وذلك أن اليهود قالوا: إن إبراهيم كان على ديننا اليهودية، والنصارى ادعت أنه كان على دينهم ومذهبهم، ليس على دين الإسلام؛ فنزل قوله: (لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ) يعني: في دين إبراهيم.
(66)
(وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ) يعني: من بعد إبراهيم، وهو يحتمل وجهين: يحتمل: أن التوراة والإنجيل إنما نزلا من بعده، وأنتم لم تشهدوه - يعني: إبراهيم - حتى تعلموا أنه كان على دينكم، لم تقولون بالجهل أنه كان على دينكم؟!. ويحتمل: (وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ)، أي: أن التوراة والإنجيل ما نزلا إلا من بعد موته، وكان فيهما أنه كان حنيفًا مسلمًا (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) وأنه كان حنيفًا مسلمًا؟! ثم أكذبهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فقال: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) قال الشيخ - رحمه اللَّه -: وفي هذه الآية دلالة أنهم علموا أنه كان مسلمًا، لكن ادعوا ما ادعوا متعنتين؛ حيث لم يقابلوا بكتابهم بالذي ادعوا من نعته، وبخلاف ما ادعى عليهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نعته. وفيه دلالة الرسالة؛ إذ في دعواهم أنّ رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يعرف نعته بهم، لما ادعوا هم غير الذي ادّعى؛ فثبت أنه عرف باللَّه، وذلك علم الغيب، واللَّه الموفق. وقوله: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ (66) وهو ما ذكرنا، وفيه دلالة جواز المحاجة في الدِّين على العلم به، وإنما نهي هَؤُلَاءِ عن المحاجة فيما لا علم لهم؛ ألا ترى أن الرسل - عليهم السلام - حاجوا قومهم: حاج إبراهيم قومه في اللَّه، وذلك قوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) وموسى - عليه السلام - حاج قومه، وما من نبي إلا وقد حاج قومه في الدِّين؛ فذلك يبطل قول من يأبى المحاجة في الدِّين. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: وأيد الحق أنه كذلك - عجزُ البشر عن إيراد مثله، وعجزهم عن المقابلة بما ادعوا أنهم عرفوه باللَّه. وقوله: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا (68)
وهكذا يكون في العقل أن من اتبع آخر وأطاعه؛ فهو أولى به، وإنما الحاجة إلى السمع بمعرفة المتبع له والمطيع أنه ذا أو ذا؛ فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أن الذين آمنوا والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هم المتبعون له؛ فهم أولى به. وقوله: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) اختلف فيه؛ قيل: الولي: الحافظ. وقيل: الولي: الناصر. وقِيل: هو أولى بالمؤمنين، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. وقد يكون وليهم: بما دفع عنهم سفه أعدائهم في إبراهيم، وأظهر الحق في قولهم. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: في قوله - تعالى -: (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. . .) الآية، وفي قوله: (لِمَ تُحَاجُّونَ. .)، وفي قوله: (لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ. . .) الآية، ونوع ذلك من الآيات التي خص بالخطاب بها أهل الكتاب - وجوهٌ من المعتبر. أحدها: أن الذين خوطبوا بهذا الاسم كانوا معروفين، وأنه لم يخطر ببال مسلم أنه قصد به غير أهل التوراة والإنجيل، ولا ذكرت تلاوتها في حق المحاجة على غيرهم، ثبت أن المجوس ليسوا بأهل الكتاب، وأن المراد من ذكر أهل الكتاب غيرهم، وأن أخذ الجزية من المجوس ليس مما تضمنهم قوله: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)؛ لكن بدليل آخر، وهو ما روي عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال " " سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَاب، غَيرَ نَاكِحِي نِسائِهِم، وَلا آكِلي ذَبَائِحِهِمْ "؛ وعلى ذلك أيَّد قوله: (أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا)؛ ليعلم أن الكتاب المعروف وأهله: هَؤُلَاءِ، إن كانت ثَمَّ كتب وصحف، واللَّه أعلم. والثاني: أن اللَّه خص أهل الكتاب بأنواع الحجج، وجعل المحاجة بينهم وبين رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ ليوضح أنه -وإن كان مرسلا إلى جميع البشر- كان له التخصيص في المحاجة؛ وعلى ذلك عامة " سورة الأنعام " في محاجة أهل الشرك، على أن أهل المدينة كانوا أهل كتاب، وأهل مكة كانوا أهل شرك، فحاجَّ كلًّا بالذي هو أحق أن يكلم فيه، وإن كانت
الحجة تلزم الفريقين؛ لأن محاجة أهل الشرك أكثرها في التوحيد وأمرِ البعث، وعلى وجوده فيه: في أهل الكتاب بعض المشاركة لهم، ومحاجة أهل الكتاب بما في كتبهم، وفيه وجهان: أحدهما: العلم بما قد غاب عنه السبب الذي يوصل إليه بالكسب؛ ليعلم أنه وصل إليه بالوحي؛ فيكون من ذلك الوجه حجة على الفريقين. والثاني: ظهور سفه أهل الكتاب بوجه يُسقِطُ عند التأمل الريبةَ والمحلَّ الذي كان يمنعهم ذلك عن اتباعه، وذلك فيما مدح كتبهم، وشهد لها بالصدق والحق، وإظهار الإيمان برسلهم؛ ليعلم أنه ليس بين الرسل والكتب اختلاف في الدعاء إلى عبادة الله وتوحيده، وأن أُولَئِكَ إنما كذبوا؛ لتسلم لهم الرياسة، ثم -مع ذلك- ظاهروا أهل الشرك المكذبين لكتبهم ورسلهم؛ ليعلم كلُّ ذي عقل شبههم وتمردهم في الباطل؛ إذ ظاهروا أعداءهم في الدِّين على مَنْ الذي أظهروا موالاته في الدِّين ولى له؛ فيكون في ذلك أبلغ الزجر لمتعنتيهم، وأعظم الحجة عليهم فيما آثروا من السفه وتركوا الحق، والله أعلم. وفي ذلك وجه آخر: أن أهل الشرك قد عرفوا حاجاتهم إلى أهل الكتاب في أمور الدِّين، وما عليه أمر السياسة؛ فيصير ما يلزم أُولَئِكَ من الحجة لازمةً لهم في محاجته بالذي في كتبهم - لزومَ الحجة، مع ما عليهم في ذلك بما قد (أقسموا باللَّه جهد أيمانهم) الآية، أبلغ الحجة في محاجة أهل الكتاب؛ إذ تمنوا أن يكون منهم نذير فكان، وقد بلغ المبلغ الذي له ظهر بما خصوا من الحجج، وشاركوا أُولَئِكَ في جميع ما به كان افتخارهم عليهم ودعوى الفضل، واللَّه أعلم، مع ما لم يكن له اللسان الذي به ظهر كتبهم، أخبر هو جميع ما في كتبهم بغير لسانهم؛ ليعلموا أنه أدرك ذلك ممن له حقيقة كتبهم، واللَّه أعلم. وفي ذلك وجه آخر: أنه حاجهم بوجهين: أحدهما: بالموجود في كتابهم، والمعروفِ عند أئمتهم من العلم بالكلمَة التي دعاهم إليها من التوحيد وعبادة من له الخلق والأمر، وإخبارِ ما في كتبهم من أنواع البشارات به، ومن موافقة الكتب، وعلى ذلك أمر إبراهيم - عليه السلام - وغيرهم؛ ليكون أعظم
في الحجة، وأقطع للشغب، واللَّه أعلم. والثاني: بما قد حرفوا من كتبهم، وبدلوا من أحكامهم، وحرفوا من صفته ونعته ونعت أُمَّته؛ ليعلم كلُّ متأمل أنه لا وجه لتعلم ذلك بهم؛ إذ لا يحتمل أن يكون منهم هتك أستارهم، والاطلاع على أسرارهم بما لا يتهيأ لهم دفع دلك، ولا المقابلة في ذلك؛ ليعلم كل الخلائق: من انقاد لهم أو لا، أن ذلك لا يدركه إلا بمن له العلم بكل سرٍّ ونجوى، ولا قوة إلا باللَّه. مع ما في ذلك وجهان من المعتبر: أحدهما: أن ذلك الزمان لم يكن زمان حِجاجٍ ونظرٍ في أمر الدِّين؛ إنما كان ذلك الزمانُ زمانَ تقليدٍ في أمر الدِّين، وتناهٍ في أمر الدنيا، وتفاخرٍ بكثرة الأموال والمواشي؛ فبعث اللَّه - تعالى - رسولًا نشأ من بين أظهرهم، دعاهم إلى ترك التقليد في الدِّين، واتباع الحجج التي لا يبلغها أهل الحجاج بعقولهم دون أن يكون لهم المعونة من علم الوحي، وما فيه من حكمة الربوبية؛ فكيف والقوم أصحاب التقليد؟! إمّا ثقة بأئِمتهم الذين ادعوا علم الكتب المنزلة، وإما ثقة وإيمانًا بآبائهم فيما نشئوا عليه: أن الحق لا يشذ
عنهم، على ما في ذلك من الاختلاف الذي يمنعهم الأمرين جميعًا، لكنهم إذا لم يكونوا أهل نظر في الدّين ومحاجةٍ فيه، لم يعرفوا أن ذلك يمنعهم التقليد؛ فأظهر لهم الحجج، وأنبأهم بالمودع من حجاج أنبيائهم في كتبهم، وألزمهم أن في آبائهم من يلزم التقليد، كانوا أحق بذلك بما كان عندهم أن آباءهم كانوا على دينهم بما بيَّن من تغييرهم وتبديلهم، وتركِ الواجب عليهم من حق الاتباع، واللَّه أعلم. والثاني: أن أظهر فيهم الاختلاف في أئمتهم، على ادعاء كل منهم أن ذلك هو الذي كان عليه الأنبياء والرسل في أهل الكتاب؛ وحاجات غيرهم بما ليس عندهم إلا آراء ليس عندهم فضل على القول، ثم كان معلومًا عند الاختلاف والتفرق؛ فصارت الحاجة قد عمتهم، والعلم بهم في لزوم الأحكام إلى من يدلهم على الحجة ويعرفهم الحق الذي قد تقرر عندهم؛ فبعث اللَّه بفضله من أظهر لهم بما أنطق به لسانه من الحجاج، وأراهم من علمه مما غيروا حِفظ ما كان عليه أوائلهم؛ فكان ذلك أظهر البيان، وأولى ما يعرف من أفضال اللَّه عليهم بالإغاثة، والامتنان عليهم بالفرج مما قد مستهم إليه الحاجة، ودفعهم إلى العلم به الفاقة، واللَّه الموفق. وفي الفصل الأول بقي حرف لم نذكره، وهو أنْ دعاهم إلى الزهد في الدنيا بعد الركون إليها، وإلى الأخوة في الدِّين بعد ظهور التفاخر بينهم بتكثير العشائر، وتقابل القبائل، والسخاء بجميع ما طبعوا عليه بما قدّر عندهم: ما إليه ترجع عواقب أمرهم، وقام بذلك على قهر العادة ومخالفة الطبيعة التي يعلم أن ذلك في مثل ذلك العصر آية سماوية خارجة عن وسع البشر؛ ليكون أقطع لعذرهم، وأسكن لقلوبهم إليه؛ فلله الحمد على ذلك. وقوله، (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ. . .) الآية. قيل فيها بأوجه: أحدها: أنها العدل، وهي كلمة التوحيد، وكانت عدلًا باتفاق الألسن؛ إذ سئلوا عمن خلق السماوات والأرض في الفزع إليه بالإجابة، وشهادة الخلقة على وحدانية من له الخلق والأمر، واللَّه أعلم.
(69)
ومن هذا الوجه أمكن أن يحاج جميع الخلق، وإن خص به أهل الكتاب، واللَّه أعلم. وأخرى: أن يستوي فيها أنها حق وعدل، وهي عبادة الواحد الذي لم يُختلَف في أنه معبود، وأن كل من عبد غيره فعلى أن يكون له العبادة يعبده، فيرجع إلى حقيقته دون أن يكون بيننا وبينه من يعلم أنه لا يستحق العبادة، وهذا المعنى يلزم الجمع، أيضًا. والثالث: أن يكون إلى كلمة ظهر أنها عدل في كتابهم بما جاءت رسلهم، ونزلت بها كتبهم، ولا قوة إلا باللَّه. * * * قوله تعالى: (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وقوله: (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ): ذكر في القصة أن المشركين أخذوا عمارًا وحذيفة، فقالوا لهم: ديننا أفضل من دينكم، وأفضل من الأديان كلها؛ فنزل هذا. والأشبه أن يكون مثل هذا من رؤساء أهل الكتاب، وعلماؤهم هم الذين يتولون مثل هذا العمل، وأمَّا الجهَّال منهم والرذلة، فإنهم لا يفعلون هذا، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ): الإضلال: قيل فيه بوجوه: قيل: الإضلال هو الإخمال؛ أرادوا أن يَخْمُلَ ذكرُهم، ولا يُذْكَرون بعدهم أبدًا، كما ذكر أُولَئِكَ.
(70)
وقيل: الإضلال: الإهلاك. وقيل: الإضلال: هو التحير، وكل ضال طريقًا فهو متحير تائه، (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) أي: ما يهلكون إلا أنفسهم وما يُخْمِلون إلا ذكر أنفسهم. (وَمَا يَشْعُرُونَ) أي: وما يشعرون أنهم يهلكون أنفسهم، أو يحيرون، وما يشعرون ماذا عليهم فيما ودّوا من أليم العقاب، واللَّه أعلم. ويقال: نزلت في عبد اللَّه بن مسعود، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) قوله: (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ): يحتمل وجوهًا: يحتمل: وأنتم تشهدون تلك الآيات، وتعاينونها، وتعلمون أنها آيات، لكن تكابرون وتعاندون، ولا تؤمنون بها. ويحتمل: (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ)، أي: وأنتم تعلمون ما في التوراة والإنجيل: من بعث مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفته - أنه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أفضل المخلوقات، وأنه حق، ولكن لا تتبعونه. وقيل: (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ)، أي: تعلمون أنها آيات؛ والآيات تحتمل: القرآن، وتحتمل: رسول اللَّه محمدًا. وتحتمل غيرها من الآيات التي جاء بها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لم تكفرون بدين اللَّه، وأنتم تعلمون بدلالة الخلقة، وشهادة كتبكم أن دين اللَّه وتوحيده حق؟!. وقوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) في الآية دلالة جواز هتك الستر، وإفشاء المكنون والمكتوم من الأمر؛ إذا كان في ذلك تحذير لغيرهم عن مثله، وترغيب لهم في المحمود من الفعل. ثم فيه دلالة إثبات رسالة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه يخبرهم عما كانوا يكتمون وُيسِرُّون فيما بينهم، وذلك من إطلاع اللَّه إياه على ذلك. (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ): ذلك؛ ألا ترى أنهم لم يتعرضوا له بشيء من ذلك، فيقولوا: متى كتمنا الحق؟ ومتى لبسنا الحق بالباطل؟! فدل
(72)
أنهم علموا أنه حق، وأنه رسول اللَّه، وأن ذلك إنما عُلم بإله - عَزَّ وَجَلَّ - وذلك قوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، ثم عِلْمُ ذلك يكون بأن كان ذلك في كتابهم، أو علموا بالآيات المعجزة. ويحتمل قوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) - ما جزاء من لَبَسَ الحق بالباطل وكتمه، واللَّه أعلم. ويحتمل: وأنتم تعلمون أنكم تلبسون الحق بالباطل. * * * قوله تعالى: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) وقوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ) وقيل فيه بوجوه، قيل: قوله: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ)، يعني: بأول أمر مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لا النهارَ نفسه، وذلك ما روي في القصّة أن بعضهم كان يقول لبعض: إن محمدًا كان على قبلتنا وقبلته بيت المقدس، ويصلي إليها، فآمنوا أنتم به، (وَاكْفُرُوا آخِرَهُ)، يعني: آخر أمره، يعنون قبلة: البيت الحرام الكعبة، أي: اكفروا بقبلته التي يصلي إليها الآن، وهي الكعبة. وقيل: إن بعضهم يقول لبعض: آمنوا بمُحَمَّد في أول أمره؛ حتى يؤمن به جميع العرب، ثئم اكفروا به في آخر أمره؛ فيقولون لنا: لم كفرتم به ورجعتم عن دينه؟ فنقول لهم: إنا وجدنا في التوراة نعت نبي وصفته، فحسبنا أنه هذا؛ فآمنا به، ثم نظرنا فإذا ذلك لم يكن نعته ولا صفته؛ فرجعنا عن دينه وكفرنا به؛ حتى يرجعوا جميعًا عن دينه؛ فذلك قوله: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ). وقيل -أيضًا-: إن رءوس اليهود قالوا للسِّفْلة: صدِّقوا بالقرآن وبمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وجه النهار، يعني: أول النهار، يعني: صلاة الغداة، فإذا كان صلاة العصر اكفروا به، فقولوا لهم: إن قبلة بيت المقدس كانت حقا؛ فماذا بعد الحق إلا الضلال؟! ليرجعوا عن
دينهم. فلا ندري كيف كانت القصة؟ ولكن فيه دلالة رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لما ذكرنا أنه كان يخبرهم بما يضمرون في أنفسهم ويسرون، فذلك من إطلاع اللَّه إياه. ويحتمل قوله: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ)، أي: أظهروا لهم الإسلام والموافقة، ولا تؤمنوا به في الحقيقة؛ يدل على ذلك قوله: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) في الحقيقة، أي: آمنوا به ظاهرًا، وأمّا في الحقيقة فلا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم. وقال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) الآية -: يحتمل وجهين: أحدهما: حقيقة النهار، ثم يتوجه وجهين: أحدهما: أمر القبلة خاصّة، فيريدون بذلك المحاجة بالموافقة في أحد الوقتين عليهم فيما خالفوا في ذلك، وإن علموا أن ذلك حق؛ ليشبهوا على الضعفة أنه لا تزال تنتقل من دين إلى دين، ومذهب إلى مذهب، وأن من لزم الدِّين الأول والمذهب الأول أحق للموافقة فيه مرة، ولما لا يؤمن البقاء على الثاني، وهو كقوله: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا)؛ وعلى ذلك أنكروا جواز نسخ الشرائع سفهًا منهم؛ إذ ليس معنى التناسخ إلا اختلاف العبادات، لا اختلاف الأوقات، وذلك المعنى قائم، وما التناسخ إلا ما عليه تناسخ الأحوال في كل، على أن العبادات فيها المصلحة، ومن تعبَّدهم عالم بالذي به الأصلح في كل وقت، فله ذلك.
والثاني: أن يكون الذي أول النهار لعله أنزل بما فيه وصف رسلهم وكتبهم من الهدى والبيان، أو وصف أوائلهم في رعاية الحق، وتعاهد الدِّين؛ فأمروا بالإيمان بذلك؛ ليروا قومهم أن قد ثبت وصف من تقدم بما ذُكر، وأنهم على ذلك، ومنه جاء فيما أخبر من تبديل من بذل من أوائلهم وتحريفهم، إلا إن كانوا كذلك؛ ليُلزموهم التقليد في الأمرين، واللَّه أعلم. وحقه أنه إذا عرف حال الأوائل لا يهم؛ فعلى ذلك أمر الآخر ومن به كانت المعرفة ألزمهم التصديق في الأمرين جميعًا، ومع ما أن في القرآن وصفًا بتصديق كتبهم، فحقهم فيما هووا مقابلة كتب أنبيائهم؛ لتكون هي القاضية والمثبتة للحق أنه على ما ادعوا أو ادُّعي عليهم. وقد ظهر تعنتهم بمظاهرتهم للمنكرين لكتبهم، المكذبين برسلهم على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعد تصديقه إياهم وشهادة كتابه بذلك؛ ليعلم المتأمل عنادهم بغيًا وحسدًا، كما أخبر اللَّه - تعالى - عنهم. والوجه الآخر من تأويل الآية: أن يراد بما أخبر عنهم أول أمره وآخره، لا حقيقة بياض النهار. ثم ذلك يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون دُعاه في أول الأمر إلى التوحيد، والإيمان بالكتب المتقدمة، وهم يدعون إلى ذلك؛ وعلى ذلك كانوا قبل ظهور رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وآخر ذلك بما تبين من تحريفهم وتعنتهم، لما أخذهم البغي وغلبهم الحسد، وخافوا على رياستهم، وأشففوا على ملكهم، وجزاء الشح، وإظهار كثير مما قد كتم أوائلهم؛ فكذبوه في هذا، والله أعلم. ويحتمل أن يكون ذلك من أئمتهم اصطلاح على الإيمان بذلك؛ حتى يعلم محلهم وحرصهم على قبول الحق، ثم يكفرون به؛ ليكون الأول ذريعة لهم في الثاني؛ أنهم إذ ظنوا أنه على الحق أذعنوا له؛ فلما تبين لهم باطله رجعوا عن ذلك، فأطلع اللَّه نبيه - عليه السلام - على ما أسروا؛ ليصير ما ظنوا أنه حجة لهم حجة عليهم، وجملة ذلك: أنا لا ندري ما السبب الذي كان منهم القول وفيما كان، ولكنه قد بان أن ذلك كان منهم إسرارًا أطلع اللَّه نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عليه؛ ليكون حجة له، وزجرًا لهم عن كل أنواع التبديل في شأن رسوله - عليه أفضل الصلوات - بما يهتك عليهم؛ فيفتضحون عند من راموا ستر
أمرهم، وتسقط رياستهم، واللَّه الموفق. وقوله: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ): اختلف فيه، قيل: هو على التقديم والتأخير؛ قوله: (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) - كان على أثر قوله: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ): يقول بعضهم لبعض: ما أنزل اللَّه كتابًا مثل كتابكم، ولا بعث نبيا مثل نبتكم؛ قالوا ذلك حسدًا منهم. وقيل: إن هذا قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - للمسلمين: لما نزل قوله: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) - قال لهم: (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ)، يقول: دين اللَّه الإسلام هو الذين (أَنْ يُؤْتَى)، يقول: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من دين الإسلام، والكتاب الذي فيه الحلال والحرام، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون قال: لن يؤتى أحد من الأنبياء قبلي من الآيات مثل ما أوتيت أنا؛ لأن آياتهم كانت كلها حسية يفهمها كل أحد، وآيات رسول اللَّه كانت حسية وعقلية لا يفهمها إلا الخواصُّ من الناس وخيرتُهم. وقوله: (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ): راجع إلى قوله: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) فـ (يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ) أنهم قد آمنوا به مرة وأقروا له؛ وهو كقوله: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ): أنهم كانوا يظهرون لهم الإسلام والإيمان، ثم إذا خلوا قالوا: (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)؛ فقال بعضهم لبعض: لا تظهروا لهم الإسلام؛ فيحاجوكم عند ربكم في الآخرة؟!. وقوله: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) هذه الآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الفضل ليس بيد اللَّه؛ وكذلك الاختصاص؛ إنما ذلك بيد الخلق؛ لأن من قولهم: إنه ليس على اللَّه أن يفعل بالخلق إلا ما هو أصلح لهم في الدِّين، ليس له أن يؤتى أحدًا فضلًا، ولا له أن يختص أحدًا برسالة، إلا من هو مستحق لذلك مستوجب له؛ فذلك الفضل والاختصاص إنما استوجبوا بأنفسهم لا باللَّه، على قولهم، ففي الحقيقة الفضل عندهم كان بيدهم لا بيد اللَّه، فأكذبهم
(73)
اللَّه بذلك؛ إذ الفضل عند الخلق هو فعل ما ليس عليه لا ما عليه؛ فنعوذ باللَّه من السرف في القول، والزيغ عن الرشد. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ (73) يحتمل أن يكون في السرّ، وإن أعطيتم لهم الظاهر. ويحتمل: أن يكون بعد ما أظهرتم اكفروا آخره. ويحتمل: لا تؤمنوا بما جاء به، إلا لأجل من تبع دينكم؛ فيكون عندهم قدوة، يتقرر عندهم -بالذي فعلتم- أنكم أهل الحق؛ فيتبعكم كيفما تصيرون إليه. ويحتمل: (لا تؤمنوا): لا تصدّقوا فيما يخبركم عن أوائلكم، (إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) على المنع عن تصديق الرسول فيما يخبرهم من التحريف والتبديل، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ الهُدَى هُدَى اللَّهِ): يحتمل وجهين: أحدهما: البيان هو ما بين اللَّه؛ إذ هو الحق، وكل ما فيه الصرف عنه فهو تلبيس وتمويه. ويحتمل: أن يكون الدِّين هو الذي دعا إليه بما أوضحه وأنار برهانه، لا الدِّين الذي دعا إليه أُولَئِكَ المنحرفون. (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ)، أي: لن يؤتى - واللَّه أعلم - من الكتاب والحجج. ويحتمل أن يكون صلة قوله: (إِنَّ الهُدَى هُدَى اللَّهِ)، وهو دينه، أو ما دعا إليه، ثم يقول: (أَنْ يُؤْتَى) بمعنى: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أهل الإسلام من الحجج والبينات، التي توضح أن الحق في أيديكم. وقوله: (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ): فإن كان هو صلة الأوّل، و " أَو " بمعنى: " ليحاجوكم "، أو: " حتى يحاجوكم " إذا آمنتم بما دعوا إليه؛ فيحاجوكم بذلك عند ربكم، أي: إنما آمنتم بالذي جاء لكم من عند ربكم؛ فيصير ذلك لهم حجة عليكم. وإن كان صلة الثاني، فهو على أنهم لا يؤتون مثل ما أوتيتم من الحجج؛ ليحاجوكم بها عند ربّكم في أن الذي هو عليه حق؛ لما قد ظهر تعنتهم وتحريفهم - واللَّه أعلم - ثم بين السبب الذي هو نيل كل خير وفضل، واللَّه أعلم.
(74)
وقوله: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)، وقوله: (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (74) ينقض على المعتزلة قولهم بوجهين: أحدهما: أنهم لا يرون لله أن يختص أحدًا -بشيء فيه صلاح- غيره صرفَهُ عن ذلك الغير، بل إن فعل ذلك كان محابيًا عندهم بخيلًا، بل في الابتداء لم يكن له ذلك؛ وإنما يعطى بالاستحقاق، وذلك حق يلزمه، وقد ذكر بحرف الامتنان. وعندهم -أيضًا-: ليس له ألا يشاء أو لا يعطى؛ فلا معنى لذكره الذي ذكر مع ما صار ذلك، بيد غيره إذ يلزم ذلك، واللَّه أعلم. والثاني: أن الذي يحق عليه - أن يبذل كُلا الأصلح في الدِّين، وأنه إن قَصَرَ أحدًا عن ذلك كان جائزًا، ثم الأفضل للعبد شيء مما أعطى حتى يعطيه فيما أمره؛ فيكون الفضل في الحقيقة في يد العبد: يؤتى نفسه إن شاء ويمنع إن شاء، واللَّه الموفق. * * * قوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) وقوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ): والقنطار ما تقدم ذكره، (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ): وصف - جلّ وعز - أهل الكتاب بعضهم بأداء الأمانة، وبعضهم بالخيانة، وليس المراد من الآية - واللَّه أعلم - القنطار نفسه أو الدِّينار، ولكن وصفهم بأن فيهم أمانة وخيانة، قلَّت الخيانة أو عظمت، وكذلك الأمانة؛ ألا ترى أنه يستحق الذم بدون القنطار والدِّينار إذا خان، وكذلك يستحق الحمد إذا أدى بدون ذلك؟! دلّ أنه لم يرد به التقدير، ولكن على التمثيل، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
يَرَهُ)، ليس على إرادة الذرة؛ ولكن على التمثيل أن لعمل الخير والشر جزاء وإن قل؛ فكذلك الأول. وفيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد، ولما ذكرنا أنه لم يرد القدر الذي ذكره؛ ولكن لمعنى فيه: بالاجتهاد يعرف لا بالنصوص، وعن الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن الدِّينار عنده مستكثر يحلف عليه مدعيه عند المنبر، واللَّه - تعالى - جعله مستقلا. وفيه دلالة -أيضًا- جواز شهادة بعضهم لبعض وعلى بعض، إن كانت فيهم
نزلت، على ما قاله بعض أهل التأويل؛ لأنه وصف - عَزَّ وَجَلَّ - بعضهم بالأمانة في المال، وإن كانت الأمانة لهم في الذين والشهادة أمانة، واللَّه أعلم. ويحتمل: أن تكون الآية فيمن أسلم منهم وصف بالأمانة، ومن لم يسلم وصفهم بالخيانة؛ على ما ذكر - عَزَّ وَجَلَّ - مثله في آية أخرى: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ): وصف - عَزَّ وَجَلَّ - من آمن منهم بالعدالة والهدى، ووصف الكفار بالخيانة في غير آي من القرآن. ويحتمل أن تكون الآية فيما ائتُمِنوا، أو فيما جرى بينهم وبين المسلمين من المداينة من غير رهن ولا كفالة؛ وهو كقوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ)
أمرهم بأداء الأمانة فيما ائتمنوا. وقوله: (إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا): قيل: ملازمًا، مواظبًا، ملحًّا، دائمًا، متقاضيًا. ومن عامل من المسلمين الناس هذه المعاملة يُخافُ دخوله في هذا النهي والوعيد. وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) قالوا ذلك؛ لأنهم كانوا يستحلون أموال المسلمين ظلمًا، يقولون: لم يُجعل علينا في كتابنا لأموالهم حرمةُ أموالنا علينا؛ يقولون: نحن أبناء اللَّه وأحباؤه، وأرادوا بالأمّيين: العرب؛ إذ ليس لهم كتاب. وقيل: ذلك الاستحلال بأن قالوا: ليس علينا لله فيهم سبيل، وأرادوا بالأميين: المسلمين؛ على ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " نَحْنُ أمَّة أُمَيَّة؛ لَا نَحْسُبُ وَلَا نَكْتُبُ ". وقيل: قالوا: لا حرج علينا في حبس أموالهم في التوراة؛ فأكذبهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بقوله:
(76)
(وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ). بأنْ ليس في كتابهم حرمة أموالهم، ولا لهم عليهم سبيل، وهم يعلمون أنهم يكذبون على اللَّه، عَزَّ وَجَلَّ. وقوله: (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) يحتمل قوله: " بلى "؛ ردا على قولهم: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ)؛ بل عليكم سبيل فيهم، ثم ابتدأ الكلام فقال: (مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)، أي: هَؤُلَاءِ الّذين يحبّهم اللَّه لا أنتم. ويحتمل قوله: (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ): الذي عليه في التوراة أمر بأداء الأمانة، وإظهار نعته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفته التي فيها، واتقاء محارمه وظلم الناس في ترك الوفاء، وفي نقض العهد، وصدق اللَّه ورسوله، ولم يكتم نعته وصفته - فإن اللَّه يحبّهم، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ): قيل: عهد اللَّه: أمره ونهيه. يحتمل هذا العهد فيما عهدوا في التوراة ألا يكتموا نعته وصفته؛ ولكن يظهرون ذلك للناس ويقرون به. (وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا): أيمانهم التي حلفوا كذبًا أن ليس نعته وصفته فيه؛ مخافة ذهاب منافعهم. ويحتمل: أن حلفوا كذبًا، فأخذوا أموال الناس بالباطل والظلم؛ وعلى ذلك روي عن
رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ؛ لِيَقطَعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسلِم لَقِيَ اللَّه - تعالى - وَهُوَ عَلَيهِ غَضْبَانُ " وتلا هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا. . .) الآية. والعهد والأيمان سواء؛ ألا ترى إلى قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ. . .)، الآية. ويحتمل عهد اللَّه: ما قبلوا عن اللَّه، وما ألزمهم اللَّه، والأيمان: ما حلفوا، والله أعلم. وقوله: (أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ): أي: لا نصيب لهم في الآخرة مما ذكروا أن لهم عند اللَّه من الخيرات والحسنات؛ كقوله: (فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ). وقوله: (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ): يحتمل وجهين: يحتمل: أنه أراد بذلك كلام الملائكة الذين يأتون المؤمنين بالتحية والسلام من ربهم؛ كقوله: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24). وقوله: (لا تكلمهم) الملائكة؛ على ما تكلم المؤمنين، أضاف ذلك إلى نفسه، على ما ذكرنا فيما تقدم من إضافة النصر إليه على إرادة أوليائه؛ فكذلك هذا، أو أن يكون اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - كان قد كلمهم بتكليم الملائكة إياهم؛ لأنهم رسله؛ فكان كقوله: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا): صيره ببعث الرسل كأنْ قد كلمهم هو؛ فكذلك الأول. ويحتمل: أن يكون اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يكرم المؤمنين في الجنة بكلامه على ما كلم موسى في الدنيا؛ فلا يكلمهم كما يكلم المؤمنين.
(78)
ويحتمل: لا يكلمهم بالرحمة سوى أن يقول لهم: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ)؛ وكقوله: (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). وقوله: (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ). نظر رحمة، كما ينظر إلى المؤمنين بالرحمة. وقوله: (وَلَا يُزَكِّيهِمْ): أي: لا يجعل لخيراتهم ثوابًا. ويحتمل: أن يكون هذا في قوم علم اللَّه منهم أنهم لا يؤمنون أبدًا؛ فقال: لا يزكيهم، أي: لا تزكو أعمالهم. وقوله: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ (78) أي: كانوا يحرفون ألسنتهم بالكتاب على التعظيم والتبجيل: (لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ) أي: كانوا يحرفون نعته -عليه أفضل الصلوات- وصفتَهُ، ثم يتلونه على التعظيم والتبجيل؛ ليحسبوه من الكتاب المنزل من السماء، وما هو من الكتاب الذي أنزل من السماء. (وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا). (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنهم يكذبون على اللَّه، وأن ذلك ليس هو من عند اللَّه. وقوله: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) أي: ما كان لبشر اختاره اللَّه للذي قال؛ وتبين أنهم إنما أضافوا دينهم الذي فيه عبادة غير اللَّه إلى أنبيائهم كِذْبة، وأن اللَّه يجعل رسالته عند من يعصمه عن مثله بقوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، لا يجعلها حيث يخان ويكتم، واللَّه الموفق. وهذه الآية تنقض على الباطنية قولهم؛ لأنهم يقولون: إن اللَّه لا يؤتي النفس
البشرية الكتاب ولا النبوة؛ إنما يؤتي النفس البسيطة، وهي الروحانية، ليأتي تخيل في قلوب الأنبياء، ويؤيدهم حتى يؤلفوا؛ كقوله: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195). فإذا ثبت ذلك في قلوب الرسل ألفوا هم الكتب والصحف، لا يقدر غير الرسل على ذلك، ثم الناس يأخذون ذلك منهم؛ فالآية تكذبهم وترد عليهم قولهم؛ حيث أخبر أنه يؤتي البشر الكتاب والحكم والنبوة بقوله: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ... ) وكذلك قال عيسى - عليه السلام - في المهد: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا). وفي الآية دليل عصمة الرسل والأنبياء - عليهم السلام - عن الكفر بقوله: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ)، وخاصّة في عصمة رسولنا - مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، وقال: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا): شرَطَ في المؤمنين اكتسابَ ما يستوجبون به الأذى، ولم يشترط في النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ دل أنه لا يكون منه اكتسابُ ما يستوجب به الأذى، ويكون من المؤمنين بشرطه فيهم ذلك، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَكِنْ كُونُوا): معناه، أي: ولكن يقول لهم: كونوا ربّانيين؛ وكأنه على الابتداء والاستئناف ويقول لهم: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ). ثم اختلف في (رَبَّانِيِّينَ)؛ قيل: متعبدين لله بالذي يُعلّمون الكتاب، وبالذي يدرسونه. وقيل: الربانيون: العلماء الحكماء. وقيل: حكماء علماء. وقيل: علماء فقهاء. وهو واحد.
(80)
ثم فيه دلالة أن الرجل قد يدرس ويعلِّم آخر بما لا يفقه ولا يعلم، معناه: إلا كل من يدرس شيئًا أو يعلِّم آخر يكون فقيهًا فيه، ويعرف ما أودع فيه من المعنى. وفيه دلالة جواز الاجتهاد؛ لأنه إنما يوصل إلى ما فيه من المعنى والفقه بالاجتهاد، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) اختلف فيه؛ قيل: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة أربابًا؛ لأنهم يقولون: إن اللَّه أمرهم بذلك؛ كقوله - تعالى -: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا). وقيل: إن عيسى وعزيرًا ومن ذكر لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا من دون اللَّه، وقد عصمهم اللَّه بالنبوة. وقوله: (أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ): يحتمل وجوهًا: يحتمل: أيأمركم اللَّه بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون له بالخلقة؛ لما يشهد خلقة كل أحد على وحدانيته؛ كقوله: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). ويحتمل: (بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، أي: أسلموا له، وأقروا به مرة، ثم كفروا بعد ما كانوا مخلصين له بالتوحيد. ويحتمل قوله: (بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ): بعد إذ دعاكم إلى الإسلام فأجاب بعضكم. * * * قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)
(81)
وقوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ (81) قال مجاهد: هذا خطأ من الكاتب، وهي في قراءة ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " ميثاق الذين أوتوا الكتاب "؛ على ما ذكر في آية أخرى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)؛ لأن الميثاق لا يؤخذ على النبيين أن يصدقوا، لكنه يجوز هذا. ثم اختلف فيه، قيل: ميثاق الأوّل من الأنبياء - ليصدقن بما جاء به الآخر منهم، لو أدرك. وقِيل: أخذ اللَّه ميثاقًا على النبيين أن يصدق بعضهم بعضًا، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى قومهم؛ ففعلوا، ثم أخذوا مواثيق قومهم أن يؤمنوا بمحمّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويصدقوه وينصروه. وقيل: أخذ اللَّه على النبيين ميثاقًا على أن يبلغوا الرسالة إلى قومهم، ويدعوا الناس إلى دين اللَّه. قال الكسائي فيه بوجهين: أحدهما: يقول: ميثاق الذين منهم النبيّون وهم بنو إسرائيل، وكل ميثاق ذكره اللَّه -
(82)
تعالى - في القرآن في أهل الكتاب، فإنما يراد به بنو إسرائيل. والثاني: ذكره كما ذكرنا من تصديق بعضهم بعضًا، وتبليغ كتب اللَّه إلى قومهم. وقوله: (ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ). أخذ عليهم الميثاق؛ ليأخذوا على قومهم المواثيق أن يؤمنوا بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذا خرج وينصروه. وقوله: (قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ): قال اللَّه - تعالى - للأنبياء: (قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي)، قيل: هو عهدي. والإصر: قيل: هو العهد. (قَالُوا أَقْرَرنَا) بالعهد لنؤمنن به ولننصرنه، وأخذنا على قومنا ليؤمنن به ولينصرنه، وقال اللَّه - تعالى -: (فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) ويقول اللَّه - تعالى -: وأنا على إقراركم بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من الشاهدين. وقيل: قال اللَّه: فاشهدوا أني قد أخذت عليكم بالعهد، وأنا معكم من الشاهدين أنكم قد أقررتم بالعهد. يقول اللَّه - تعالى -: (فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ (82) العهد والإقرار بنقض العهد، والرجوع عن الإقرار (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). وقوله: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ (83) الدِّين كأنه يتوجه إلى وجوه يرجع إلى اعتقاد المذهب في الأصل، ويرجع إلى الحكم والخضوع؛ كقوله - تعالى -: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ)، ويرجع إلى الجزاء. ثم قوله: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ): كأن كى منهم يبغي دينا هو دين اللَّه، ويدعي أن
الدِّين الذي هو عليه دين اللَّه، لكن هذا - واللَّه أعلم - كل منهم في الابتداء يبغي دين الله في نفسه، لكن بَانَ له من بعد وظهر بالآيات والحجج أنه ليس على دين اللَّه، وأن دين الله هو الإسلام، فلم يرجع إليه ولا اعتقده، ولزم غيره بالاعتناد والمكابرة؛ فهو باغٍ غيرَ دين اللَّه، واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ)، أي: أفغير ما في دين اللَّه من الأحكام والتوحيد. ويحتمل: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ): يدينون، وليس على الاستفهام؛ ولكن على الإيجاب أنهم في صنيعهم يبغون غير الذي هو دين اللَّه، كقوله: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)؛ وكقوله: (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. . .) الآية. وقوله: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا): يحتمل وجوهًا: يحتمل: أسلم، أي: استسلم، وخضع له بالخلقة؛ إذ في خلقة كُل دلالاتُ وَحدانيته. ويحتمل: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ)، يعني: الملائكة، (وَالْأَرْضِ) المؤمنين الذين أسلموا طوعًا وكرهًا، يعني: أهل الأديان يقرون أن اللَّه ربهم وهو خلقهم؛ كقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، فذلك إسلامهم، وهم في ذلك مشركون. عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " مَنْ فِي السمَاوَاتِ أَسْلَمُوا طَوْعًا، وَأَمَّا أهْلُ الأرْضِ: فَمِنْهُم مَنْ أَسْلَمَ طَوْعًا، وَمِنْهُم مَنْ أَسْلَمَ كَرْهًا؛ مَخَافَةَ السَّيفِ ". وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيضًا - قال: " طَوْعًا مَنْ وُلِدَ فِي الإسْلَامِ، وَكُل مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُولَدْ فِي الإسْلَامِ فَهُوَ كَرْهٌ ". وقيل: منهم من أسلم طوعًا، ومنهم من جبروا عليه، والإسلام: هو تسليم النفس
(84)
لله خالصًا لا يشرك فيها غيره؛ كقوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ) الآية. دلَّت الآية أنه ما ذكرنا، واللَّه أعلم. والإسلام: هو اسم الخضوع، وكل منهم قد خضعوا، ولم يجترئ أحد أن يخرج عليه. * * * قوله تعالى: (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) وقوله: (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) والآية. هذا - واللَّه أعلم - وذلك أن اليهود والنصارى لما آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، كقوله: (نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) - أمر اللَّه - تعالى - المؤمنين أن يؤمنوا بالرسل جميعًا؛ فآمنوا بهم جميعًا، وقالوا: (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ): والإسلام ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ (85) اختلف فيه: يحتمل (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ): حسنات من بغى غيرَ دين الإسلام في الدنيا؛ وهو كقوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ)، أي: بالمؤمن به (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ). ويحتمل: من أتى بدين سوى دين الإسلام فلن يقبل منه، (وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ). وقيل: إنها نزلت في نفر ارتدوا عن الإسلام بعد ما أسلموا، ثم تاب بعضهم؛ فنزل قوله: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ). قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ): يحتمل: " يبتغي ": يطلب، (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)؛ كأنه نهى عن ذلك أن يقصد بالتدين التقرب إلى اللَّه - تعالى - فأخبر أن ذلك لا يقبله؛ ليصرف الطلب إلى غير ذلك، وذلك كما دانوا من عبادة الأوثان وغيرها؛ لتقربهم إلى اللَّه زلفى، فأخبر أنه لا يقرب؛ ليصرف الطلب إلى حقيقة ذلك الدِّين على الأديان التي كانت معروفة، تأبى أنفس الكفرة عن قبول اسم
(86)
الإسلام لدينهم، وادعوا أن دينهم هو دين اللَّه؛ فأخبر اللَّه - تعالى - أن دينه هو الإسلام، وأن من يبتغي الدِّين؛ ليدين اللَّه به، غيرَهُ -، فاللَّه لا يقبل منه، واللَّه أعلم. ويحتمل الابتغاء: الإرادة؛ فيكون فيه تحقيق الدِّين؛ إذ هي تجامع الفعل؛ فكأنه قال: من دان غير دين الإسلام، فلن يقبل منه، وإن قصد به اللَّه بالدِّين، واللَّه الموفق. أيد ذلك قوله: (وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ): أنه فيمن أتى بغيره، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) وقوله: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ. . .) الآية. فالآية تحتمل وجوهًا: تحتمل: ألا يهدي اللَّه قومًا هم معاندون مكابرون فيه، غير خاضعين له ولا متواضعين؛ إنما يهدي من خضع له وتواضع، فأما من عاند وكابر: فلا يهديه. ويحتمل أن هذا في قوم مخصوصين، علم اللَّه منهم أنهم لا يؤمنون أبدًا؛ فأخبر اللَّه - تعالى - أنه لا يهديهم، وأما من علم اللَّه أنه يؤمن وتاب: فإنه يهديهم بقوله: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) الآية: أطمع من تاب وأصلح أن يهديه ويغفر له. ويحتمل: ألا يهديهم طريق الجنة، إذا ماتوا على كفرهم؛ كقوله: (وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ). قال الشيخ - رحمه اللَّه -: ويحتمل: لا يهديهم في وقت اختيارهم الضلالة. وقيل: بما اختاروا من الضلالة لا يهديهم، أي: لا يعينهم: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). قال الشيخ - رحمه اللَّه -: ودل قوله: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) - أن دين الإسلام هو الإيمان، وأن الكفر مقابله من الأضداد، وكيف يهدي قبل كفرهم؟!. وقيل: في وقت اختيارهم. وقيل: ذلك في قوم علم اللَّه أنهم لا يؤمنون، وكانت همتهم التعنت والمخالفة،
(87)
واللَّه أعلم. وقوله: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) الآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم قالوا: إن الهدى: البيان، والبيان للكل، قالوا: بتقدم الفعل، فلو كان متقدمًا لكان في ذلك إعطاء الهدى للظالم؛ فأخبر - عَزَّ وَجَلَّّ - أنه لا يهدي الظالم، وهم يقولون: لا، بل يهدي الظالم؛ فذلك خروج عليه، وأمَّا على قولنا: فإن التوفيق والقدرة إنما تكون معه؛ فكان قولنا موافقًا للآية. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي) من ذكر -: فلو لم يكن الهدى غير البيان، فلقد هداهم إذن؛ على قول المعتزلة، واللَّه أعلم. وقوله: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ (87) قيل: (لَعْنَةَ اللَّهِ)، عذاب اللَّه. وقيل: لعنة اللَّه: هي الإياس من رحمته وعفوه، واللعن: هو الطرد في اللّغة، ولعنة الملائكة: ما قيل في آية أخرى قوله: (ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا). وقيل: لعنة الملائكة قولهم لهم: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) إلى آخره. وقيل: يدعون عليهم باللعن. وقيل: لعنة المؤمنين قوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ)، فذلك لعنهم عليهم. وقوله: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) ملحق على قوله: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ): ذكر الكفر بعد الإيمان، ثم ذكر التوبة فقال: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا. . .) الآية: أطمع لهم المغفرة والرحمة بالتوبة بعد الكفر بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). وما قيل في القصّة -أيضًا- أن نفرًا ارتدوا عن دين الإسلام، ثم تاب بعضهم،
(90)
ولم يتب البعض؛ فنزل قوله: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) الآية. وفي الآية دلالة قبول توبة المرتدين؛ لأن قوله: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) الآية - قيل في القصّة. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) الآية: اختلف فيه، قيل: قوله: (كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا)، أي: ماتوا على ذلك، فذلك زيادتهم الكفر. وقيل: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا): بعيسى بعد الإيمان بالرسل جميعًا، ثم ازدادوا كفرًا: بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ)، قيل: لن تقبل توبتهم التي تابوا مرة ثم تركوها. وقيل: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) التي أظهروا باللسان، وما كان ذلك في قلوبهم، أي:
(91)
ليست لهم توبة إلا أن يكون توبة منهم فترد؛ كقوله: (لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ). وقيل: هم قوم علم اللَّه أنهم لا يتوبون أبدًا؛ فأخبر أنه لا يقبل توبتهم؛ كقوله: (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ). وقيل: لا تقبل توبتهم عند الموت؛ كقوله: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)، وكقوله: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)، وكقوله: (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ): أخبر أنه لا ينفع الإيمان في ذلك الوقت؛ فعلى ذلك قوله: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ في ذلك الوقت؛ إذا داموا على الكفر إلى ذلك الوقت. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) -: ذلك في قوم مخصوصين، أي: لا يكون منهم توبة؛ كقوله: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ)، أي: لا شافع لهم، ويحتمل عند رؤية بأس اللَّه وجزاء فعله عند القيامة أو معاينة الموت؛ يدل على ذلك الآية التي تقدمت. وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا (91) الآية. قوله: (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ)، يقول: لو كان معهم لافتدوا به أنفسهم - ما قبل منهم، ولكن لا يكون؛ كقوله: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ)، أي: لا يكون لهم شفيع، لا أن كان لهم شفعاء فيشفعون فلا تقبل شفاعتهم، ولكن لا يكون لهم؛ فهذا يدل على أن قوله: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ)، أي: لا يتوبون، واللَّه أعلم. ورُويَ عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " يُجَاءُ بالكَافِرِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: أَرأَيْتَ لَو كَانَ لَكَ مِلءُ الأرْضِ ذهبًا، أكُنْتَ مُفْتَديًا به؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا
(92)
رَبّ، فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ! ". وقوله: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (92) يحتمل أن تكون الآية - واللَّه أعلم - في كفار منعهم عن الإسلام الزكاةُ والصدقات التي تجب في الأموال؛ كقوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا. . .) الآية، إلى قوله: (بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - لن تنالوا الإسلام حتى تنفقوا مما تحبون من الأموال؛ وكقوله: (لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ). وتحتمل الآية في المؤمنين؛ رغبهم - عَزَّ وَجَلَّ - في إنفاق ما يحبون؛ كقوله: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) الآية: أخبر أن البر ما ذكر: من الإيمان به، وإيتاء المال في حبه. ورُويَ عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما نزل قوله - تعالى -: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)، قال أبو طلحة: يا رسول اللَّه، حائطي الذي في مكان كذا وكذا فهو لله، ولو استطعت أن أسره ما أعلنته؛ فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " اجْعَلْهُ في قَرَابَتِكَ - أو أَقْرِبائِكَ ". ورُويَ عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه لما نزل هذا: أعتق جارية.
(93)
ثم اختلف في الْبِرّ، قيل: الْبِرّ هو الجنة هاهنا. وقيل: الْبِرّ هو الإسلام، إن كان في الكافرين. وقيل: لن تنالوا درجات الجنة، وما عند اللَّه من الثواب إلا بإنفاق ما تحبون. وقوله: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) ففيه دليلُ قبول القليل من الصدقة؛ لأنهم كانوا يمتنعون عن قليل التصدق استحقارًا، فأخبر أنه بذلك عليم وإن قلَّ، بعد أن يكون ذلك للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قوله: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ) الآية. قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " وكان الطعام كله حلالًا، إلا الميتة والدم ولحم الخنزير. (إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ)، يعني: يعقوب، حرم على نفسه لحم الإبل
وألبانها، وكان من أحب الطعام إليه، إن ثبت ما ذكر في القصة: أن يعقوب - عليه السلام - أقبل يريد بيت المقدس، فلقيه ملك، فظن يعقوب أنه لص؛ فعالجه يصارعه حتى أضاء له الفجر، فلما أضاء لهما الفجر غمز الملك فخذ يعقوب، فتهيج عليه عرق النسا؛ فكان يبيت الليل ساهرًا من وجعه، فأقسم: لئن شفاه اللَّه ليحرِّمن أحبّ الطعام والشراب إليه على نفسه؛ فشفاه اللَّه من ذلك؛ فحرم لحم الإبل وألبانها؛ لأنها من أحب الطعام والشراب إليه. فإن ثبت هذا فهو إنما حرم ذلك على نفسه بالإذن من اللَّه - " تعالى - والأمر منه. ثم إن اليهود قالوا: إنما كان تحريم ذلك من اللَّه في التوراة؛ فأمر اللَّه - تعالى - نبيه أن قل لهم: (فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ): أن ذلك التحريم من اللَّه في التوراة. ويحتمل أن يكون التحريم كان بظلم منهم؛ كقوله - تعالى -: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ. . .) الآية؛ ثم أنكروا تحريم ذلك بظلمهم، فدُعوا بإحضار التوراة؛ ليظهر كذبهم، فأبوا ذلك.
(95)
فلا ندري كيف كانت القصة؟ ولكن فيه ثبات دلالة رسالة رسولنا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث أخبر عما أسروا، وأظهر ما كتموا. قال أبو يزيد: إنما قدر أهل الكتاب على تغيير كتابهم، والزيادة فيه والنقصان، ولم يكن لأحد تغيير القرآن عن وجهه، أو زيادةٍ فيه أو نقصان منه؛ لأن كتبهم تشبه كلام غيره من الحكماء؛ فغيروا بغيره من كلام الحكماء، وأمَّا القرآن: فهو آية معجزة، لم يقدروا على تحريفه ولا تبديله، وإن علم أنه كان كما ذكر؛ وإلا فهو - واللَّه أعلم - ليهتك عليهم أستارهم، وليظهر منهم ما كتموا، وفيه إثباث لرسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. * * * قوله تعالى: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) وقوله: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) الآية: قد ذكرنا فيما تقدم. وقوله: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) قيل فيه بوجوه؛ قيل: إن أوّل بيت مبارك وضع للناس هو بكة. وقيل: أوّل مسجد وضع للناس مكة. وقيل: يريد بـ " بكة " البقعة، أي: أوّل بقعة خلق اللهُ هو بكة، ومنها دحيت
الأرض. وقيل: إن آدم - عليه السلام - لما أمر بالحج فيه، قال جبريل - عليه السلام -: " قد حج فيه الملائكة قبلك بألفي عام ". وقيل: خلق اللَّه البيت قبل الأرض بألفي عام. ثم اختلف في قوله " بكة "؛ قيل " البكة ": الزحام. وقيل: " البكة ": موضع البيت، ومكة سائر القرية. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " مكة من فخ إلى التنعيم إلى المنحر، وبكة: من البيت إلى البطحاء ". وقيل: " بكة ": الكعبة؛ حيث يبك الناس، أي: يزدحم بعضهم بعضًا، بـ " مكة ": ما وراءها. وقوله: (مُبَارَكًا)، قيل: يغفر فيه الذنوب والخطايا.
(97)
(وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ (97) يحتمل قوله: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) - ما لو تأملوا لهداهم؛ وذلك أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - خلق هذا البيت بين الجبال في أرض ملساء قليلة الإنزال والريع، لا ماء فيه ولا شجر ولا نزهة؛ ما لا يرغب الخلق إلى مثله، ثم جعل قلوب الناس تميل وتهوى إليه أفئدتهم من غير أن كان فيه ما يرغبهم من النزهة، فلولا أن كان ذلك من آيات اللَّه ولطفه؛ وإلا ما رغب الناس إلى مثله. ويحتمل قوله: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) - ما ذكر: (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)، وذلك آياته، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا): ظاهره فيمن يجني، ثم دخل الحرم آمِن؛ لأن من لم يجن فهو آمِن أين دخل من الحرم وغيره، وإنما الآية على ما يخص بالأمن إذا دخل الحرم دون غيره. وقد روي عن جماعة من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يوافق هذا، ورُوي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " إذا أصاب الرجل الحدَّ في الحرم، أقيم عليه، وإن
أصابه في غير الحرم، ثم لجأ إليه، لا يُحَدَّث، ولا يُجالَس، ولا يُؤَاكَل، ولا يبايع، حتى يخرج منه؛ فيؤخذ، فيقام عليه الحد ". ورُوي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " لو وجدنا قاتل أبينا في الحرم لم نقتله " ورُوي عن الحسن - رحمه اللَّه - أنه قال في قوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) -كان هذا في الجاهلية، فأما الإسلام: فلم يزده إلا شدة: من أصاب الحد في غيره، ثم لجأ- إليه أقيم عليه الحد. يقال للحسن: إن الصيد كان يأمن في الجاهلية، ثم الإسلام لا يرفع ذلك الأمن؛ بل كان أمن الصيد في حال الإسلام. كهو في حال الجاهلية؛ فعلى ذلك الأمن الذي كان في الجاهلية هو باقٍ غير زائل في الإسلام. وأصحابنا - رحمهم اللَّه - يذهبون إلى ما روي عن ابن عَبَّاسٍ وابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " إِنَّ اللَّه - تعالى - حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَها؛ لم تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبلي ولا تُحَلُّ لِأَحَدٍ بَعْدي، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعة مِنْ نَهَارٍ، لا يُخْتَلَي خَلَاهَا، وَلَا يُعْضد شَجَرُها، ولا يُنَفَر صَيدُها، ولا يُحْتَشُّ حَشِيشُها ". أخبر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن مكة بعد
الإسلام حرام؛ كما كانت قبله، وأنها لم تُحَلَّ له إلا ساعة من نهار، فإذا كان الملتجئ آمنًا قبل الإسلام؛ فالواجب أن يكون آمنًا بعد الإسلام، حتى يخرج منها. وحجة أخرى: وهو أن اللَّه - تعالى - أباح لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قتل المشركين جميعًا، بل فرض ذلك عليه، إلا أهل مكة؛ فإنه لم يُحِلَّ له قتلهم إلا ساعة من نهار، ففضَّل مكة على غيرها بما خصها به من التحريم؛ فلا يبعد ألا يقام على من التجأ إليها في الإسلام؛ إذ كانت جنايته أقل من كفر أهلها، ولم يُحَلَّ قتالُهم إلا ساعة من نهار. وفي الفرق بين من قتل فيها وفي غيرها، ثم لجأ إليه - وجه آخر: قال اللَّه - تعالى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ): أباح لهم القتل عند المسجد الحرام، إذا قاتلونا؛ فعلى ذلك يقام الحد إذا أصاب وهو فيه، وإذا أصاب - وهو في غيره - ثم لجأ إليه: لم يُقِم؛ كما لم يُقَاتَلُوا إذا لم يُقَاتِلُوا، وهذا فرق حسن واضح بحمد اللَّه وعونه. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) -: يحتمل أن يكون خبرًا من الحرم في قديم الدهر: أنه كان على ما بين الخلق من القتال والحرب يأمنون بالحرم، إذا التجأوا إليه؛ وذلك كقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ)؛ فيكون ذلك من عظيم آيات اللَّه - تعالى - أن أهل الجاهلية - على عظيم ما بدلوا من الأمور، وغيروا من الدِّين - منعهم اللَّه - تعالى - عن هذا التغيير؛ حتى بقيت لكل من شهده آية أن اللَّه له هذا السلطان، وبه قام هذا التدبير العظيم، له العلم بحقائق الأشياء، ووضع كل شيء موضعه؛ وعلى ذلك قال بعض أهل التأويل في قوله: (ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ) - إن اللَّه قد جعل - جل ثناؤه - ذلك كالماء في الشرع والطبع، فأمّا الشرع: فما جاءت به الرسل، وأمّا الطبع: فما تنافر الناس، حتى سار ذلك إلى الصيد الذي يؤذيه الأخذ، وإلى أنواع الأشياء التي قامت بجوهر تلك البقعة من النبات، لا بأسباب تكتسب؛ ولهذا كره بيع رباع مكة،
ورخص في بيع ما يحدث فيه من البنيان، واللَّه أعلم. ودلَّ قوله: و (جَعَلنَا) كذا - على لزوم ذلك الحق؛ لأنه مذكور بحرف الامتنان، والاحتجاج له، ولا يجوز تغير الذي هذا وضْعُهُ، واللَّه أعلم. ويحتمل: كأنْ صار آمنًا، أي: أوجب له الأمان، ومعلوم أن الذي لم يلزمه القتل كان آمنا دون دخوله؛ فثبت أن ذلك فيمن لزمه؛ وأَيَّد ذلك قوله: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) فهم قوم قد سبق منهم الكفر وقت شرع القتل بالكفر، لم يأخذهم حق الشرع على ما سبق من الكفر في وقت لم يكن ذلك جزاءه في الدنيا، إلا أن يُحْدِثَ القتال؛ فعلى ذلك من لزمه - لا فيه - فهو يأمن به، إلا أن يكون أحدثه فيه، واللَّه أعلم. وأصله: أنه أضاف الأمان إلى نفسه بقوله: (كَانَ آمِنًا) فكل حق بِتَلَفِ نَفْسِهِ فله أمان بالدخول فيه، وكل حق في إقامته إحياء ما جعلت الحياة لنفع مثله - فهو يقام؛ ليكون زجرًا له، وتكفيرًا على بقاء الأمن؛ ليقي نفسه، ورده إلى ما لم يدر أنه التجأ إليه؛ للهرب عن حكم اللَّه - تعالى - أو للأمان باللَّه؛ ليصل إلى إقامة أحكام اللَّه - تعالى - آمنًا، وفي إقامته هذا أيضًا، واللَّه أعلم. وقوله (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) فرض اللَّه - تعالى - الحج بهذه الآية على من استطاع إليه سبيلًا، ولم يبين ما السبيل، وبين ذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: حيث سئل عن الاستطاعة؛ فقال: " الزَّاد، والراحِلَةُ "، وهكذا يقول علماؤنا: إن الاستطاعة والسبيل هو الزاد والراحلة؛ كما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -
وقال بعض الناس: إذا كان بينه وبين الحج بحر، لم يلزمه الحج؛ فكأنه ذهب إلى ظاهر الآية: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)؛ فجعل البحر وأشباهه مزيلا للاستطاعة؛ فخالف ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سئل عن الاستطاعة؟ فقال: " الزَّادُ والرَّاحِلَةُ "؛ فلم يجز لأحد أن يزيد في شرائط الاستطاعة مع الزاد والراحلة؛ لأن النبي - عليه السلام - هو المبين عن اللَّه؛ فعلينا اتباعه في قوله وفعله وتفسيره الآية، ولكنا نجعل من يحول بينه وبين البيت معذورًا في التأخير، ولا يأثم - إن شاء اللَّه تعالى - إذا لم يقدر على الوصول إلى البيت بعلة على ما جعل التأخير في غيرها من العبادات عند الأعذار والعلل، ولا يأثم في ذلك. ثم في الآية دلالة أنه لا يلزم المرأة الحج إلا بالمحرم؛ لأن المرأة -وإن وجدت الزاد والراحلة- فإنها تحتاج إلى من يُركِبُها ويُنزلها، ولا تقدر على ذلك إلا بغيرها، وهكذا العرف فيهن، فإذا كان كذلك جعل كأنها غير واجدة للراحلة، واللَّه أعلم. وفيه دلالة أن العبد إذا حج ثم أُعْتِق - لزمه حجة الإسلام؛ لأنه لا يملك الزاد والراحلة، فإذا لم يملك الزاد والراحلة لم يجز ذلك من حجة الإسلام وكذلك روي عنه
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " أَيُّمَا عَبدٍ حَجَّ وَلَو عَشْرَ حِجَجٍ؛ فَعَلَيهِ إِذَا أُعْتِقَ حَجَّةُ الإسْلامِ ". وليس كالحر - الفقير يحج، ثم أيسر: جاز ذلك من حجة الإسلام؛ ففرقوا بينهما، وإن كانا في زوال الحج في الابتداء سواء؛ وذلك أن الفقير إذا بلغ ذلك المكان صار غنيًا، ولزمه الفرض؛ لأنه لا يحتاج حينئذ إلى زاد وراحلة، وأمّا العبد إذا حضر ذلك المكان لم يَعْتِقْ؛ لذلك افترقا. وفي ذلك حُجة أخرى: ما أجمع أهل العلم أن فقيرًا لو حضر القتال ضرب له بسهم كامل؛ كما يضرب لمن كان فَرضُ الجهاد لازمًا له، ولو أن عبدًا شهد الوقعة رضخ له، ولم يكمل له سهم الحر؛ فافترقت حال الفقير والعبد في: الجهاد، والضرب في السَّهْمان؛ فعلى ذلك يفترق حالهما في الحج، واللَّه أعلم. وقال بعض أهل العلم: إن الشيخ الذي لا يستمسك على الراحلة، إذا وجد غيره يحج عنه - يلزمه فرض الحج؛ فما ينكر من قال في المرأة بمثله، فاحتج بما روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " جاء رجل إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول اللَّه، إن أبي
شيخ فأدركته فريضة الحج، وهو لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة؛ أفيجزئ أن أحج عنه؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أَرَأيتَ لَوْ كَانَ عَلَى أبِيكَ دَيْن فَقَضَيتَهُ عَنْهُ، أكان يُقْبَلُ مِنْكَ "؟ قال: نعم؛ قال: " فاللهُ أَوْلَى بِحَج أَبِيكَ " أو كلام نحوه، ولكن ليس في الخبر أن فريضة الحج إنما أدركته في الحال التي لا يستمسك على الراحلة، فيجوز أن أدركته فريضة الحج قبل ذلك؛ فكذلك يقول علماؤنا: إن الحج إذا وجب فأخر أداءه حتى أعْسَرَ - لم يسقط عنه الحج، وكذلك إن وجب عليه الحج فلم يحج حتى كبر، فصار لا يستمسك على الراحلة، عليه أن يوصي ليُحَجَّ عنه. ويحتمل -أيضًا- أنه رغبه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في الحج عنه تبرعًا، لا أنه ألزمه الحج في ذلك الوقت الذي لا يثبت على الراحلة - وعندنا أنه لا يلزمه؛ لأنه إذا لم يستمسك على الراحلة فلا راحلة له، ثم من قول هذا القائل: إن من لزمه فرض الحج، فله التأخير، وفي التأخير فَوْتٌ أو إدراك المنيّة، ومِنْ قوله: إنه لو أخر حتى مات يصير فاسقا؛ فإذا مات مات فاسقا، يجعل له رخصة التأخير، ثم يفسقه؛ فكأنه يجعل له الرخصة في الفسق، فذلك قبيح وخش من القول سمج. وأما عندنا: فإنه لا يسع له التأخير في أوّل أحوال الإمكان على تمام شرط الاختيار؛
كغيره من العبادات التي لزمت، من نحو الصلاة، والصيام، وغيرهما؛ لا يسع التأخير؛ فعلى ذلك الحج. ثم مِنْ قول الشافعي - رحمه اللَّه -: إن على الكافر الحج والصلاة والصيام في حال كفره، فإذا أسلم سقط ذلك عنه؛ فذلك عندنا لعب وعبث في دين اللَّه - تعالى - غير جائز أن يلزمه فرض في حال لا يجوز له فعله، فإذا جاء سبب الجواز يسقط عنه ذلك. وفي الآية دلالة أن الحج إنما كان فرضا على المؤمنين خاصة؛ بقوله: (وَمَن كَفَرَ) بالحج (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) فلو كان هو على الكافر كما هو على المسلم، لم يكن لقوله معنى؛ دل أنه غير لازم، واللَّه أمر بالعبادات باسم المؤمنين. ثم المسألة بيننا وبين المعتزلة في الاستطاعة، قالت المعتزلة: تكون قبل الفعل؛ لأن اللَّه - تعالى - فرض الحج، وأمر بالخروج إليه، إذا قدر على الزاد والراحلة؛ على ما فسره رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذا لم يقدر لم يلزمه؛ فدلّ أنها تتقدم.
وأمَّا عندنا: فهي على وجهين: أحدهما: استطاعة الأسباب والأحوال. والثاني: استطاعة الأفعال. فأمّا استطاعة الأحوال والأسباب: فيجوز تقدمها، من نحو: الزاد، والراحلة، والجوارح السليمة. وأمّا استطاعة الأفعال فإنها لا تكون إلا مع الفعل؛ لأنها استطاعة الفعل وسببه؛ فلا تكون إلا معه، والوقت في الحج لفعل الحج لا للإيجاب؛ لأنه لو كان للإيجاب لكان له ألا يخرج، ولا يأتي ذلك المكان فيجب عليه الحج؛ ولأنه لو لم يلزمه إلا بالوقت، ثم لا يتمكن فعله به دون المكان فيجيء - لا يلزمه إلا بحضور ذلك، فلا يلزمه الخروج أبدًا؛ إذ الحج غير لازم إلا بالوقت، ولأنه ليس على العبد أن يتكلف في اكتساب إيجاب العبادات، وعليه أن يَجْهَدَ في أداء الواجب عليه. ثم الأوقات على أقسام ثلاثة: وقت الإيجاب والأداء جميعًا نحو: الصلاة، والصيام، ونحوهما. ووقت الإيجاب، نحو: الزكاة. ووقت الأداء -وهو الحج- إنما وجوبه بالزاد والراحلة، وأمَّا الوقت: فهو للأداء خاصة، فإذا كان في أقصى بلاد المسلمين فهو لم يعط قدرة فعل الحج؛ لأنه لا يقدر على فعله إذا كان فيما ذكر؛ دل أن قدرة الفعل لا تتقدم الفعل، وقدرة الأحوال تتقدم لما ذكرناه، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ). في الآية دلالة أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - إذا أمر عباده بأمر ليس يأمره لحاجة نفسه، ويأمر لحاجة العبد؛ لأنه غني بذاته، لا حاجة تمسه، وأمَّا الأمر فيما بين الخلق: فإنما هو لحاجة بعضهم لبعض: إمَّا جر منفعة، أو دفع مكروه، فذلك معنى قوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ). ثم اختلف في قوله: (وَمَن كَفَرَ): عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَمَن كَفَرَ) قال: من زعم أنه لم ينزل.
وعن الحسن: (وَمَن كفَرَ) قال: من زعم أن الحج ليس بواجب. وقيل: (وَمَن كفَرَ) باللَّه، قال: هو الذي إن حج لم يرج ثوابه، وإن جلس لم يخش عقابه. وعن ابن عَبَّاسٍ قال: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، والسبيل أن يصح بدن العبد، وأن يكون له ثمن زاد وراحلة، من غير أن يحجب ". ثم قال: (وَمَن كفَرَ)، يقول: ومن كفر بالحج فلم ير حجه برًّا، ولا تركه إثمًا. وفي قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) دلالتان: إحداهما: في الوجوب بقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ)، وأيد ذلك قولُهُ: (وَمَن كَفَرَ) وما جاء من الأثر واتفاق القول. والثانية: جعل البيت شرطًا للقيام لما هو في قوله: (عَلَى النَّاسِ) ذلك؛ فيكون فيه دليل لزوم الطواف، تفسيره في قوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، وكذلك أيده قوله: (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ)، وأيّد -أيضًا- ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال في امرأة نَفِسَتْ: " أَحابِسَتُنا هِيَ؟ " قيل: إنها أفاضت. وعلى ذلك اتفاق القول بلزوم الطواف، واللَّه أعلم. فلما دلّ أن الطواف لازم لم يخل إمَّا أن يكون الطواف المبدأ به في الحج، أو الذي يختم به، والذي يبدأ به لا يلزم كل الناس -ثبت أن الفرض هو الذي يختم به، وهو
قوله: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا): أوجب جعل السبيل إليه والإمكان- شرطًا للوجوب؛ إذ الآية في ذكر الوجوب لا الفعل؛ وعلى ذلك جميع العبادات، جعل الإمكان في وجوبها شرطًا بالسمع بقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، وغير ذلك مما ذكر في كل نوع من العبادات من الاستطاعة؛ وكذا حق هذا بالفعل، وذلك يخرج على وجهين: استطاعة الفعل من القدرة التي تحدث لا محالة ما سلمت الأسباب، إلا أن يكون ممن منه الفعل الإعراض عنها بالشغل بغير تلك الأفعال، أو اشتغال ذلك بالفعل؛ فيكون فوت الاستطاعة بتضييعه، ولا عذر بفوت ما كان المكلف يفوته، كفوت العلم به على الإمكان، وإن كان لا يقوم دونه، والذي يؤيد أن هذه الاستطاعة ليست بشرط في الإيجاب أنها لا تبقى، ثم محال وجودها في حال لو أريد إقامة الحج لا يتهيأ، وذلك نحو أن يكون في أقصى البلاد من مكة، ومعلوم أن القدرة التي بها يكون الفعل ليست معه، ومحال تكليف السبب الذي به يجب الفعل؛ فلذلك لم يجب تكليف بالخروج ولا أمر بالحج؛ فكأنه يؤمر بتكليف سبب الإيجاب -ثبت أن قد يجب الحج لا بتلك القوة؛ وكذلك يجوز في الكفارات استعمال الأبدال في حال العجز، وإن كان لا يعلم أن العجز يمتد إلى آخر ما يقوم به الأصل، بل على ظهور ألا يمتد بمضي البدل- ثبت أنْ لا عبرة لفقد قدرة الفعل ووجودها في التكليف، واللَّه أعلم. والثاني: يراد بالاستطاعة: سلامة الأسباب، ولا يجوز التكليف دونها بالفعل لأنه ممنوع، ومحال أمر الممنوع عن الفعل - به؛ كالأعمى، والمُقْعَدِ، ونحو ذلك، وإلى مثل هذا انصرف شرط الاستطاعة، وهو اللازم في العقل؛ لما القرب بحق الشكر لما أنعم على المأمور، فإذا منع عنه السبب الذي هو النعمة لم يحتمل أن يؤمر بالشكر ولا نعمة، واللَّه أعلم.
(98)
وعلى ذلك ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه سئل عن ذلك؛ فقال: " الزادُ والراحِلَةُ ". واللَّه الموفق. وعلى ما ذكرت يخرج قول أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في وجوب الحج: وإن لم يدرك الوقت الذي فيه يقوم الحج على ما لزمه، وإن لم يكن أصاب المكان الذي فيه يقام - واللَّه أعلم بظاهر الآية مع ما ذكرنا من بيان الأثر. وأصله: أن الوقت في الحج جعل لجواز الفعل؛ إذ هو لو فات لا يحتمل في غيره، وكل فعل يجوز في غير وقته فما يقرب من الوقت به كان أحق بالجواز، فإذا لم يجز هذا وجاز في مثله من القابل - ثبت أنه للجواز لا للوجوب؛ وأيد ذلك ما لا يوصف بالقضاء متى أدى، ولو كان في الأول واجبًا لوقت الأول لكان يكون في الثاني قاضيًا، فإذا لم يكن: ثبت أنه ليس لوجوبه وقت، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ): وآيات اللَّه، ما ذكرنا فيما تقدم بمحمّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالقرآن والحجج. (وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ): هو حرف وعيد وتنبيه؛ ينبئهم عن صنيعهم؛ ليكونوا على حذر من ذلك. وقوله: (لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا (99) يحتمل قوله: (لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ) من الأتباع الذين كان إيمانهم إيمانَ تقليدٍ، لا إيمانًا بالعقل؛ لأن من كان إيمانه إيمانا بالعقل فهو لا يصد، ولا يصرف عنه أبدًا؛ لما عرف حسن الإيمان وحقيقته بالعقل، فهو لا يترك أبدًا، وأما من كان إيمانه
(100)
إيمان تقليد: فلم يكن إيمانهُ إيمانَ حقيقة، فمثله يصد عنه، إلا أن من يمن اللَّه عليه فيشرح صدره؛ حتى يكون على نور منه، وذلك أحد وجوه اللطف. والمقلد غير معذور؛ لما معه ما لو استعمله لأوضح له الطريق، وأراه قبح ما آثر من التقليد، ولا قوة إلا باللَّه. ويحتمل قوله: (لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ)، أي: لم تقصدون قصد صدهم عن سبيل اللَّه، وهم لا يرجعون إلى دينكم، أيأس منه إياهم عن أن يرجعوا عن دينهم الذي عليه؛ كقوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)، فيه إياس الكفرة عن رجوع المسلمين إلى دينهم. وقيل: كانوا يصرفون المؤمنين عن الحجج. وقوله: (تَبْغُونَهَا عِوَجًا)، والعوج: هو غير طريق الحق، وهو الزيغ والتعوج عن الحق. وقوله: (وَأَنْتُمْ شُهَدَآء)، (وَأَنتُم تَشْهَدُونَ): واحدٌ، وفي حرف حفصة - رضي الله عنها -: " وأنتم شهداء على الناس ". وقوله: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ): هو حرف وعيد وتنبيه؛ لأن من علم أن عليه رقيبًا وحافظًا، يكون أحذر وأخوف ممن لم يكن عليه ذلك. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: وفيه أنه لا غفلة بالذي يكون منكم خلقكم، ولكن على علم؛ لتعلموا أنه لا للحاجة خلقكم؛ بل لإظهار الغنى والسلطان، جك جلاله، وعم نواله. وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ (100) الآية تحتمل وجوهًا: أحدها: معلوم أن المؤمنين لا يطيعون الكفار بحال في الكفر، ولكن معناه - والله
(101)
أعلم - أن يدعوهم إلى شيء لا يعلمون أن في ذلك كفرًا، نهاهم أن يطيعوهم، وفي كل ما يدعوكم إليه كفر وأنتم لا تعلمون. ويحتمل: النهي عن طاعتهم، نهاهم عن أن يطيعوهم، وإن كان يعلم أنهم لا يطيعونهم؛ كما نهى الرسولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في غير آي من القرآن، كقوله: (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)، فكذلك هذا. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: ويشبه أن تكون الآية في عرض أمور عظام ترغب فيها النفس ليكفر بها؛ فحذر عن ذلك بما بين من الاعتناد والخسار في آية أخرى؛ ليعلموا أن ذلك تجارة مخسرة، وقد كانت لهم ولأهل كل دين ومذهب هذا الاعتناد، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وعلى ذلك قوله: (وَكَيفَ تَكفُرُونَ). على أن الذي أراكم الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ألذ للعقول، وأروح للأبدان مما وُعِدوه مع سوء ألمآب، واللَّه أعلم. وقوله: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ): وهو على وجه التعجب ظاهر، ولكنه على طلب الحجة في كفرهم. (وَفِيكُمْ رَسُولُهُ) يدفع عنكم الشبهة التي عرضت لكم بإلقاء الكفار إليكم. (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ): أي: من جعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ملجأ له، ومفزعًا إليه عند الشبه والإشكال. (فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي: يحفظه عن الشبه، ويرشده إلى صراط مسمقيم، واللَّه أعلم. ويحتمل: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ): يتمسك بالذي جاء من القرآن، (فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ
(102)
مُسْتَقِيمٍ). وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ (102) رُوي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " (حَقَّ تُقَاتِهِ): أن يُطاع فلا يُعصى، ويُشكر فلا يُكفر، ويُذكر فلا يُنسى "، وأراد: حق تقاته؛ مما يحتمل وسع الخلق. ورُوي في حرف حفصة: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) أي: اعبدوا اللَّه حق عبادته، وهذا في اعتقاد التوحيد. وروي عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول: " لا يتقي اللَّه أحد حق تقاته حتى يخزن من لسانه، ويعد كلامه من عمله ". وقيل (اتَّقُوا اللَّهَ): أطيعوا اللَّه حق طاعته. وقيل: إن هذا نسخها قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) الآية؛ لكن لا يحتمل أن يأمر الخلق بشيء ليس في وسعهم القيام به، ثم ينسخ ذلك بما يستطاع، ولكن أصله ما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " إِنَّ لله عَلَى عِبَادِهِ حَقًّا، وَلِعِبَادِهِ عَلَيهِ حَقًّا، وَحَقّ اللَّه على عَبدِهِ: أَنْ يَعْبُدَ اللَّه، وَلَا يُشْرِكَ غَيرَهُ فِيهِ. وَحَقُّ العَبدِ عَلَى اللَّه: أَنْ يُدْخِلهُ
(103)
الجَنَّةَ؛ إِذَا عَبَدَهُ، وَلَمْ يُشْرِكْ غَيرَهُ فِيهِ أَحَدًا " ليكون هذا تأويلًا للآية أن قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ) ولا تكفروه؛ فيكون فيه الأمر بالإيمان، والنهي عن الكفر؛ لأنه ليس في وسع أحد أن يتقي اللَّه حق تقاته في كل العبادة؛ ألا ترى إلى ما روي من أمر الملائكة مع ما وصفوا من عبادتهم أنهم (لَا يَفتُرُونَ)، و (لَا يَسْأَمُونَ)، ثم يقولون: ما عبدناك حق عبادتك؟!. وإذا كان أحد لا يبلغ ذلك فلا يحتمل تكليف مثله، وجملته: أن ذلك ليس بذي حدّ وغاية، فلذلك كان - واللَّه أعلم - الأمر فيه راجع إلى الإسلام، أو في نفي حق الإشراك خاصة، لا في جميع الأحوال والأفعال، دليله ما ختم به الآية، وفي وسع الخلق ألا يشركوا أحدًا في عبادته؛ ألا ترى أنه قال: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)؟!. وفي ظاهر الآية النهي عن الموت إلا مسلمًا، وليس في الموت صنع للخلق، والمعنى - واللَّه أعلم -: أي: كونوا في حال إذا أدرككم الموت كنتم مسلمين؛ فالنهي فيه نهي عن الكفر، والأمر بالإسلام، حتى إذا أدركه الموت أدركه وهو مسلم، والله أعلم. وقد يكون على بيان ألا عذر عند الموت -وإن اشتد أمره- بالذي ليس بإسلام. وروي عن أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " أكثر ما يسلب الإيمان عند الموت؛ كان الشيطان يطمعه في أمر لو أعطاه ما طلب ". ويحتمل قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) أي: احذروا عذاب اللَّه حق حذره، واحذروا نقمته؛ كقوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) بمعنى نقمته. وقوله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا (103) اختلف فيه؛ قيل: حبل اللَّه؛ يعني: القرآن، وهو قول ابن مسعود، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " حبل اللَّه: الجماعة، وإنما هلكت الأمم
الخالية بتفرقها "، أمر بالكون مع الجماعة، ونهي عن التفرق؛ لأن أهل الإسلام هم الجماعة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)، وصف أهل دين الإسلام بالجماعة، وأهل أديان غيرها بالتفرق. وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -أيضًا- قال: حبل اللَّه: الجماعة. ورُوي في بعض الأخبار أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " مَنْ فَارَقَ الجَمَاعةَ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسْلامِ مِنْ عُنُقِهِ " يعني: حبل الإسلام. وروي عنه -أيضًا- قال: " إِن الشيطَانَ ذئب الإنسان، كَذِئْبِ الغَنَمِ، يَأْخُذُ الشَاذَّةَ والقَاصِيةَ وَالنَّاحِيَةَ، فَإِياكم والشعَابَ، وَعَلَيكُم بِالجَمَاعَةِ وَالعَامَّةِ وَهَذَا المسجِدِ ". ورُوي عن علي بن أبي طالب، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " دعاني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ليلةً ثلاث مرات، ثم قال: " يَكُونُ فِي أُمتِي اخْتِلافٌ "، قلت: كيف نصنع يا رسول اللَّه إذا كان كذلك؟ قال: " عَلَيكمُ بكِتَابِ اللَّه؛ فإنَّ فِيهِ نَبَأَ مَنْ قَبلَكُم، وَخَبَرَ مَا بَعْدَكُم، وهُو حَكَمٌ فِيمَا بَينَكُم، مَنْ يَدَعْهُ مِنْ جَبارٍ يَقْصِمهُ اللَّه، وَمَنْ طلب الْهُدَى فِي غَيرِهِ يُضِلَّهُ اللهُ، وَهُوَ حَبلُ اللَّه المَتِينُ، وَأَمْرُهُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الصرَاطُ الْمُستَقِيمُ، وَهُوَ الذي لَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الألسِنَةُ،
وَلَا يَخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدُ، وَلَا تَنْقَضي عَجَائِبُهُ ". وقيل: حبل اللَّه: دين اللَّه. والحبل: هو العهد؛ كأنه أمر بالتمسك بالعهود التي في القرآن، والقيام بوفائها، والحفظ لها، ونهى عن التفرق كما تفرقت الأمم الخالية، واختلفت في الأديان. وقوله: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ): بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقيل: ألّف بين قلوبكم بالإسلام. وقيل: بالقرآن، ولم يكن ذلك للدِّين نفسه، ولكن بلطف من اللَّه منَّ به على أهل دينه، وأخبر أن التأليف بين قلوبهم نعمة؛ لأن التفرق يوجب التباغض، والتباغض يوجب التقاتل؛ وفي ذلك التفاني. وعلى قول المعتزلة: ليس من اللَّه على المسلم من النعمة، إلا ومثلها يكون على الكافر؛ لأن الهدى والتوفيق -عندهم- هو البيان، فذلك البيان للكافر كهو للمسلم؛ وعلى قولهم - لا يكون من اللَّه على أحد نعمة؛ لأنهم لا يجعلون لله في الهداية فعلا، إنما ذلك من الخلق، وأمَّا عندنا: فإنما يكون الإسلام بهدايته إياه، فذلك من أعظم النعم عليه. وقوله: (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا): أي: صرتم بنعمته إخوانا. وقوله: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ):
أي: كنتم أشفيتم حفرة من النار، وهو القريب منها، لولا أنه من بالإسلام. ويحتمل أن يكون على الكون فيها والوقوع، لا القرب؛ كقوله: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)، ليس على الرؤية خاصة؛ ولكن على الوقوع فيها؛ وكقوله: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ) ليس على البعد منها؛ ولكن على الكون فيها، ومثله كثير يترجم على الوقوع فيها. وقوله: (حُفْرَةٍ): كأنه قال: كنتم على شفا درك من دركات النار، (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا). وهذا -أيضًا- على المعتزلة؛ لأن على قولهم: هم الذين ينقذون أنفسهم، لا اللَّه، على ما ذكرنا، واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه - نقول: إذا كان اللَّه - تعالى - عندهم قد جمع بين الكفرة والبررة في بذل الأصلح لهم في الذين، وليس منه غير ذلك فلا يجيء أن يمن عليهم به يتألف بنعمته، والتي منه موجود مع التفرق؛ بل أُولَئِكَ تألفوا بنعمتهم. وبعد؛ فإنّ النعمة لو كانت دينًا، فما الذي كان منه حتى يمن، وذلك فعلهم بلا فضل منه فيه؟! واللَّه أعلم. وفي قوله: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ) الآية: أنه قد يلزم خطاب الإيمان حين الفترة؛ لأنهم في ذلك الوقت كانوا قد أنقذوا، واللَّه الموفق. وقوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ): إذ كنتم أعداء في الجاهلية والكفر، متفرقين، وصرتم إخوانًا في الإسلام؛ كلمتكم واحدة. (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ): لكي تعرفوا نعمته ومنته. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: وقد يكون: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ) في حادث الأوقات؛ لتكونوا فيها مهتدين كما اهتديتم؛ فيكون في ذلك وعد التوفيق والبشارة، والله أعلم.
(104)
قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) وقوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ). وقوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ) يحتمل أن يكون هذا خبرًا في الحقيقة، وإن كان في الظاهر أمرًا؛ فإن كان خبرًا ففيه دلالة أن جماعة منهم إذا قاموا على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر - سقط ذلك عن الآخرين؛ لأنه ذكر فيه حرف التبعيض، وهو قوله: (مِنْكُمْ أُمَّةٌ. . .) الآية. ويحتمل أن يكون على الأمر في الظاهر والحقيقة جميعًا، ويكون قوله: (مِنْكُمْ) - صلة، فإن كان على هذا ففيه أن على كل أحد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وذلك واجب؛ كأنه قال: كونوا أمة (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) الآية؛ لأنه ذكر - جل وعز - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آي كثيرة من كتابه، منها هذا: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ. . .) الآية، ومنها قوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)، وذم من تركهما بقوله: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ). ورُوي عن عكرمة أن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال له: " قد أعياني أن أعلم ما
يفعل بمن أمسك عن الوعظ، فقلت: أنا أعلمك ذلك، اقرأ الآية الثانية: (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ. . .)، فقال لي: أصبت. فاستدل ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بهذه الآية على أن اللَّه أهلك من عمل السوء، ومن لم ينه عنه من يعمله، فجعل - واللَّه أعلم - الممسكين عن نهي الظالمين مع الظالمين في العذاب. وقد رُوي عن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)، وإني سمعت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: " إِذَا رَأَوا الظَّالِمَ، فَلَم يَأْخُذُوا عَلَى يَدِهِ - أَوشَكَ أَنْ يَعُمَّهُم اللهُ بِعِقَابٍ ". وعن جرير قال: سمعت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: " إن الرجُلَ لَيَكُونُ فِي القَوْمِ، وَيَعْمَلُ فِيهِم بِمَعَاصِي الرحْمَنِ، وَهُم أكْثَرُ مِنْهُ وَأَعَزُّ، وَلَو شَاءُوا أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِهِ لَأَخَذُوا عَلَى يَدِهِ، فَيَرْهَبُوا لَهُ؛ فَيُعَذّبُهُمُ اللهُ بِهِ ". وعن حذيفة قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " والَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيَعُمَّكُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُونَهُ ولا يَستَجِيبُ لكُم ".
وعن أبي سعيد الخدري يذكر أنه سمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: " إِن اللهَ لَيَسأَلُ العَبدَ يَوْمَ القيَامَةِ حَتى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذَا رَأَيْتَ مُنْكَرًا أَنْ تُنْكِرَهُ؟ فإذَا اللهُ لَقَّنَ عَبدًا حُجتَهُ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، وَثِقْتُ بِكَ، وَفَرَقْتُ مِنَ النَّاسِ ". وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: اجتمع نفر من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقالوا: يا رسول اللَّه، أرأيت إن قلنا بالمعروف حتى لا يبقى من المعروف إلا ما عملنا به، وانتهينا عن المنكر حتى لا يبقى، أيسعنا ألا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر؟ فقال: " مُرُوا بالمَعْروفِ، وإنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ كُلهِ، وانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَإنْ لَمْ تُنْهَوُا عَنْهُ ". ولا ينبغي للرجل أن يقول: لست ممن يعمل بالمعروف كله، وينتهي عن المنكر كله، حتى آمر غيري وأنهاه، فإن فعله المعروف واجب عليه، فلا يجب إذا قصر في واجب أن يقصر في غيره. وقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ). يحتمل وجوهًا: يحتمل: (كُنْتُمْ): أي: صرتم خير أمّة أظهرت للناس؛ بما تدعون الخلق إلى النجاة والخير. ويحتمل: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) في الكتب السالفة؛ بأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. ويحتمل: تكونون خير أمة إن أمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر. يحتمل: (كُنْتُمْ): صرتم خير أمة، وكانوا كذلك هم خير ممن تقدمهم من الأمم؛
(105)
بما بذلوا مهجهم لله في نصر دينه، وإظهار كلمته، والإشفاق على رسوله، حتى كان أحب إليهم من أنفسهم؛ ويرونه أولى بهم، واللَّه الموفق. ثم اختلف في المعروف والمنكر، قيل: المعروف: كل مستحسن في العقل فهو معروف، وكل مستقبح فيه فهو منكر. ويحتمل الأمر بالمعروف: هو الأمر بالإيمان، والنهي عن المنكر: هو النهي عن الكفر؛ دليله: قوله: (وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. . .) الآية، يؤمنون هم، ويأمرون غيرهم بالإيمان، وينهون عن الكفر. وقوله: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا (105) لأن التفرق هو سبيل الشيطان بقوله: (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ). (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ): والبينات: هي الحجج التي أتى بها. ويحتمل: بيان ما في كتابهم من صفة رسولنا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ونعته الشريف. ويحتمل: تفرقوا عما نهج لهم اللَّه، وأوضح لهم الرسل؛ فأبدعوا لأنفسهم الأديان بالأهواء، فحذرنا ذلك، وعرفنا أن الخير كله في اتباع من جعله اللَّه حجة له، ودليلًا عليه، وداعيا إليه، ولا قوة إلا باللَّه. (وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ): دل هذا أن السبيل هو الذي يدعو الشيطان إليها. وقوله: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ (106) وصف اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وجوه أهل الجنة بالبياض؛ لأن البياض هو غاية ما يكون به الصفاء؛ لأن كل الألوان تظهر في البياض، ووصف - عَزَّ وَجَلَّ - وجوه أهل النار بالسواد؛ لأن السواد هو نهاية ما تكون به الظلمة؛ إذ الألوان لا تظهر في السواد فهو شبيه بالظلمة. وقد يحتمل أن يكون المراد من وصف البياض والسواد - ليس نفس البياض والسواد؛ ولكنّ البياض هو كناية عن شدّة السرور والفرح، والسّواد كناية عن شدة الحزن والأسف؛
كقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39)، ووصف وجوه أهل الجنة بالضحك، وليس على حقيقة الضحك؛ ولكن وصف بغاية السرور والفرح؛ وكذلك وجوه أهل النار وصفها بالغبر والقتر؛ وهو وصف بشدة الحزن، واللَّه أعلم. وقوله: (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ): يحتمل وجوهًا: يحتمل: أكفرتم بألسنتكم بعدما شهدت خلقتكم بوحدانية اللَّه تعالى؛ لأن خلقة كل أحد تشهد على وحدانيته. ويحتمل: أي: كفرتم بعدما آمنتم بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قبل أن يبعث بوجودكم، نعته وصفته في كتابكم وعلى هذا قال بعض أهل التأويل: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ): أي: على استجابة كثير منهم من الأجلّة والكبراء، الذين لا يعرفون بالتعنت في الدِّين ولا بالتقليد، واللَّه أعلم. ويحتمل قوله: أكفرتم أنتم بعد أن آمن منكم فرق؟!؛ لأن منهم من قد آمن، ومنهم من كفر، فقال لمن كفر: أكفرتم أنتم وقد آمن منكم نفر؟! ألا ترى أنه قال: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ)، واللَّه أعلم؛ وكقوله: (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ). وقيل: أراد بالإيمان - الذي قالوا حين أخرجوا من ظهر آدم. وفي الآية ردّ قول المعتزلة بتخليد أهل الكبائر في النار، وإخراجهم إياهم من الإيمان من غير أن أدخلوهم في الكفر؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - لم يجعل إلا فريقين: بياض
(108)
الوجوه، وسواد الوجوه، فبياض الوجوه هم المؤمنون، وسواد الوجوه هم الكافرون؛ لأنه قال: (أَكَفَرْتُم) فأصحاب الكبائر لم يكفروا بارتكابهم الكبيرة، ولم يجعل اللَّه - تعالى - فرقة ثالثة؛ وهم فرقة ثالثة؛ وكذلك قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) لم يجعل الخلق إلا فريقين، وهم جعلوا فرقًا؛ وكقوله: (فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ). فَإِنْ قِيلَ: ذكر في الآية الكفر بعد الإيمان، ثم لم يكن فيه منع دخول من لم يكفر بعد الإيمان؛ فامتنع ألا يكون فيه منع دخول صاحب الكبيرة فجوابنا ما سبق: أن خلقة كل كافر تشهد على وحدانية اللَّه تعالى، لكنهم كفروا بألسنتهم، وذلك كفر بعد الإيمان؛ فلم يجز أن يدخل في الآية من لم يكن كافرًا في حكم الكافر، وباللَّه التوفيق. وقوله: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ) في الظاهر أمر، لكنه في الحقيقة ليس بأمر؛ لأن العذاب لا يذاق، وإنما يذوق هو؛ فكأنه قال: اعلموا أن عليكم العذاب. وقوله: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ (108) يحتمل: (آيَاتُ اللَّهِ): حجج اللَّه وبراهينه. ويحتمل: (آيَاتُ اللَّهِ): القرآن.
(109)
قوله تعالى: (بِالْحَقِّ): ببيان الحق. ويحتمل: (بِالْحَقِّ): بالدِّين، والدِّين هو الحق، ويحتمل: أن الآيات هي الحق. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: أي: بالأمر بالدعاء إلى الحق. ويحتمل: الحق الذي لله على عباده، ولبعضهم على بعض. وقوله: (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ): والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فإذا كان ما في السماوات وما في الأرض كله له، ومن وصف في الخلق بالظلم إنما وصف؛ لأنه يضع حق بعض في بعض، ويمنع حق بعض؛ فيجعل لغير المحق، فاللَّه يتعالى عن ذلك. وقوله: (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ) أي: لا يريد أن يظلمهم، وإن شئت قلت: قلت الإرادة صفة لكل فاعل في الحقيقة؛ فكأنه قال: لا يظلمهم، وكيف يظلم؟! وإنَّمَا يظلم بنفع تسرّه إليه النفس، أو ضرر يدفع به، فالغني بذاته متعال عن ذلك. وقوله: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) أي: إليه يرجع أمر كل أحد، فلا يحتمل الظلم أوجود الظلم منه. * * * قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وقال: " خير الناس أنفعهم للناس و (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ): أي: تأمرونهم، أن يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، والإقرار بما أنزل اللَّه، وتقاتلون عليه، ولَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ هو أعظم المعروف،
والمنكر: هو التكذيب، فهو أنكر المنكر ". وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِياءِ "، قلنا: يا رسول اللَّه، وما هو؟ قال: " نُصِرتُ بِالرُّعْبِ، وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ، وَسُميتُ أَحْمَدَ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِى طَهُورًا، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمم ". قال الشيخ - رحمه اللَّه -: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ) له وجهان: أي: (كُنْتُمْ) على ألسن الرسل في الكتب المتقدمة خير أمة. ويحتمل: أي: كنتم صرتم بإيمانكم برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، واتباعكم ما معه - خير أمّة على وجه الأرض؛ لأنهم آمنوا ببعض، وكفروا ببعض. وقوله: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ): يتوجّه إلى وجوه ثلاثة: المعروف: هو المعروف في العقول، أي: الذي تستحسنه العقول، والمنكر: هو الذي قبحته العقول وأنكرته. ويحتمل أن يكون المعروف: هو الَّذي عرف بالآيات والبراهين أنه حسن، والمنكر: ما عرف بالحجج؛ أي: أنه قبيح. ويحتمل أن المعروف: هو الذي جاء على ألسن الرسل أنه حسن، والمنكر:، هو الذي أنكروه ونهوا عنه. فعلى هذه الوجوه يخرج تأويل الآية، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) لا شك أن الإيمان خير لهم من الكفر، ولكن معناه - واللَّه أعلم - أنهم إنما أبوا الإيمان وتمسكوا بالكفر لوجهين: أحدهما: أنهم كانوا أهل عزة وشرف فيما بينهم، وأهل دراية؛ ينتاب إليهم الناس، ويختلفون إليهم بحوائجهم، فخافوا ذهاب ذلك عنهم إذا آمنوا، فأخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنهم إن آمنوا لكان خيرًا، لهم من الذكر والشرف والعز في أهل الإيمان أكثر مما لهم في أهل الكفر؛ ألا ترى أن من آمن منهم مِنْ دَرَسة الكتاب وعلمائهم - كان لهم من الذكر
(111)
والشرف في الإيمان ما لم يكن لأحد مات منهم على الكفر؛ نحو: عبد اللَّه بن سلام، ومن أسلم منهم؛ نحو: كعب، وغيره من الأحبار؟! وإنما كانوا من علمائهم لم يكونوا من علماء أهل الإيمان، فنالوا بالإيمان من الذكر والعز والشرف ما لم ينل أحد منهم مات على الكفر، بل حمل ذكرهم وانتشر في أهلهم؛ فضلًا عن أهل الإيمان والإسلام، والله أعلم. والثاني: أنهم كانوا أبوا الإسلام واتباع مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، واختاروا المقام على الكفر؛ خوفًا وإشفاقا على ما لهم من المنافع والمنال أن يذهب ذلك عنهم بالإسلام، فأخبر - عز وجل - أنهم لو آمنوا لكان خيرًا لهم في الآخرة؛ إذ ذاك ينقطع ويذهب عن قريب، والذي لأهل الإيمان في الآخرة باق دائم، لا يزول أبدًا؛ لما كان الذي يُنال بالإيمان غيبًا، وكذلك ما يحلُّ بالكفار من جزاء الكفر - غيب اشتد عليهم الفكر والتدبر، لما يمنعهم عن الشهوات، وينغص عليهم اللذات، فآثروا ما هوته أنفسهم وتلذذوا به على التدبر، مع ما كان إدرإك الغائب بالشاهد أمر عسير، لا يوصل إليه إلا بفضل اللَّه، ولم يكن عليه ذلك لا يسقط معنى الإفضال والإنعام، ويصير حقًا مع ما كان منهم تقديم الجفاء، وإيثار زهرة الدنيا وبهجة الغنى على الموعود، واللَّه أعلم. وقوله: (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ): كذلك كانوا: كان المؤمنون أقل، والكفار أكثر، واللَّه أعلم. وقوله: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ (111) فيه بشارة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وللمؤمنين، بالأمن لهم عن أذى المشركين وضررهم، إلا أذى باللسان؛ وهو كقوله - تعالى -: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)، وقوله: (لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ. . .) الآية، ونحوه من الآيات التي فيها بشارة لأهل الإيمان بالنصر لهم على
(112)
عدوهم. وفي قوله: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى. . .) الآية - دلالة إثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه أخبر بذلك قبل أن يكون، فكان على ما أخبر؛ فدل أنه إنما علم ذلك باللَّه عزّ وجل. وقوله: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ (112) وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " ضُربت عليهم المسكنة " وليس فيه الذلة، وفي حرف حفصة: " ضربت عليهم المسكنة والذلة ". ثم اختلف في (الذِّلَّةُ): قيل: هي الجزية التي ضربت عليهم، وهي ذلة؛ كقوله: (عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)؛ لأنهم كانوا يأنفون عنها. وقوله: (أَيْنَ مَا ثُقِفُوا) أي: وجدوا. (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) يعني: بعهد من اللَّه، وعهد من الناس يكون تحت قوم يؤدون الجزية؛ وكذلك تأوّل ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) أي: بعهد من اللَّه، وعهد من الناس. وقال مقاتل: و " الناس " في هذا الموضع: النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خاصة. ويحتمل قوله: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) بكفرهم فيما بين المسلمين، بعد ما كانوا أهل ذكر وشرف وعز فيما بينهم. (أَيْنَ مَا ثُقِفُوا) أي؛ لا يوجدون إلا بحبل من اللَّه وحبل من الناس - بالإسلام، أي: لا يظفرون بهم ولا يوجدون؛ إلا أن يسلموا لخوفهم على أنفسهم. وقوله: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ):
قيل: استوجبوا غضبًا من اللَّه بكفرهم. وقيل: رجعوا. وقيل: وجب عليهم الغضب. وقد ذكرنا هذا في غير موضع. واللَّه أعلم. وقوله: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ)؛ وهي الحاجة والفقر، وهو ما ذكرنا: أنهم ظاهروا المشركين على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مع قربهم برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبعدهم بالمشركين؛ فأذلهم اللَّه - تعالى - بذلك، وجعلهم أهل حاجة وَضِعة فيما بين المسلمين، بعد ما كانوا أهل عزّ وشرف فيما بينهم؛ وهو كقوله: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ. . .) الآية. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: وقد يحتمل رجوع الآية إلى خاص منهم، وهم الذين ذكر اللَّه في قوله: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ) الآية، وغير ذلك مما يصير فيه المسلمون. يعرف حقيقة المراد من شهد النوازل، وعرف الأسباب التي لها جاءت البشارات. ويحتمل: أن اللَّه - تعالى - جعل كل حاجاتهم إلى ما يفنى؛ وهي الدنيا التي لا بقاء لها ولا منفعة في الحقيقة، فهي حاجة، ثم بما فيهم بالجهل أن ذلك فيهم حاجة. ويحتمل: أن اللَّه مع ما وسع عليهم الدنيا - جعل في قلوبهم خوف الفقر، وأعظم الحاجات فهي المسكنة. وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ): وآيات اللَّه: ما ذكرنا في غير موضع. وقوله: (وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ): يحتمل وجوهًا: يحتمل: أن أوائلهم قد قتلوا الأنبياء بغير حق، وهَؤُلَاءِ رضوا بذلك، وإن كانوا
(113)
لم يتولوا هم بأنفسهم؛ فأضاف اللَّه - تعالى - ذلك إليهم؛ لأنهم شاركوا في صنيعهم برضاهم؛ وهو كقوله: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). ويحتمل: أن يكونوا قصدوا قتل مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فإذا قصدوا ذلك فكأنهم قصدوا الأنبياء كلهم، كما ذكرنا في قوله: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا. . .) الآية. ويحتمل: أن يكونوا همُّوا بقتل مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. ويحتمل: أن يكون عَيَّرَهُم بآبائهم؛ إذ هم قلدوهم في الدِّين، فبين سوء صنيعهم بالأنبياء - عليهم السلام - ليعرفوا به سفههم وسفه كل من قصد تقليدهم، والله أعلم. ويحتمل: أن يكونوا قتلوا أتباع مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فأضاف إليه، وهو كما أضاف إليه مخادعتهم المؤمنين - إلى نفسه؛ وكما أضاف نصر أوليائه إليه، وإن كان اللَّه لا يخادع ولا ينصر؛ فعلى ذلك إضافة القتل إليه " لقتلهم الأتباع، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) وقوله: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ. . .) الآية: أي: لا سواء بين من آمن منهم -يعني: من أهل الكتاب- ومن لم يؤمن منهم؛ لأن منهم من قد آمن؛ فصاروا أمّة قائمة؛ قيل: عادلة، كقوله: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ).
(114)
وقيل: أمة قائمة على حدود اللَّه، وفرائضه، وطاعته، وكتابه؛ لم يحرفوه. وقيل: أمة قائمة مهتدية، وهم الذين آمنوا منهم. وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ) أمة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يصلون، ولم يكن هذا للأمم السالفة. وفي حرف حفصة: " ليس أهل الكتاب ليسوا منهم أمة قائمة "؛ كقوله - تعالى -: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ. . .) كذا: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ. . .) الآية. وقوله: (وَهُم يَسْجُدُونَ): يحتمل قوله: (وَهُم يَسْجُدُونَ): أي: يصلون. ويحتمل (يَسْجُدُونَ): يخضعون، والسجود: هو الخضوع. (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) أي: يؤمنون بأنفسهم، ويأمرون غيرهم بالإيمان، ويدعون إليه، (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)، يعني: الكفر. ويحتمل (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ): كل معروف، (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ): كل منكر، وقد ذكرنا هذا. (وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ): في الخيرات كلها. (وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ): وقيل: مع الصالحين في الجنة. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: أي: ومَنْ ذلك فعله - فهو صالح.
(115)
وقوله: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) أي: لن يرد ذلك عليكم؛ بل يقبل؛ بل تجزون به في الآخرة. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: أي: كيف يَكْفُرهُ، وهو الشكور الذي يقبل اليسير، ويعطي الجزيل؟!. وهو في حرف حفصة: " فلن تتركوه ": أي: لن تتركوه دون أن تُجزوا عليه؛ وإن قل ذلك؛ كقوله: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا)، معناه - واللَّه أعلم - ما ذكر، (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ). وقيل: لن يظلمكم. وقيل: لن ينقصكم. وقيل: فلن يضل عنكم؛ بل يشكر ذلك لهم، يعني: فلن يضيع ذلك عند اللَّه، والله أعلم. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ): ظاهر. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا): قال الشيخ - رحمه اللَّه -: فهو - واللَّه أعلم - أن بمثله يكون التناصر في الدُّنيا، لكن الذي كان فيها لا ينفع في الآخرة، بل يكون كما قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ. . .) الآية، ثم لا مال له، ثم ولا لو كان فينفع؛ وذلك أنهم ظنوا أن كثرة الأموال والأولاد تمنعهم من عذاب اللَّه؛ كقولهم: (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)، فأخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلََّّ -: أن كثرة الأموال والأولاد لا تغني عنهم من عذاب اللَّه شيئًا. وقوله: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ (117) ضرب مثل نفقة الكفار التي أنفقوها بريح فيها صر أصابت حرث قوم، وذلك - والله أعلم - أنهم كانوا ينفقون ويعملون جميع الأعمال: من عبادة الأصنام والأوثان، ويقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، ظنوا أن تلك الأعمال والنفقات
التي أنفقوها في صد الناس - تنفعهم في الآخرة، وتقربهم إلى اللَّه، فأخبر أنها لا تنفع، فكان كالريح التي فيها صرّ وبرد، ظنوا أن فيها رحمة، وشيئا ينفع زروعهم، وينمو بها، فإذا فيها نار أحرقت حرثهم؛ كما طمعوا من أعمالهم ونفقاتهم التي في الدنيا - بالآخرة؛ قربة وزلفة إليه، فإذا هي مهلكة لأبدانهم؛ كالريح التي فيها صر كانت مهلكة؛ محرقة لزروعهم وحرثهم، واللَّه أعلم. والصرّ: هو البرد الشديد. وقيل: الصر: الصوت؛ كقوله: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا). قيل. هي الصوت. قيل: مثل ما ينفقون في الصدّ عن سبيل اللَّه، وفي قتال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا. . .) والآية، أي: يتأسفون على ما أنفقوا تأسف صاحب الزرع على ما كان أنفق فيه، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ): والظلم: ما ذكرنا: هو وضع الشيء في غير موضعه، فهو - واللَّه أعلم - قال: هم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها، لا أن وضع اللَّه أنفسهم ذلك الموضع؛ لأنهم عبدوا غير اللَّه، ولم يجعلوا أنفسهم خالصين سالمين لله، فهم الذين ظلموا أنفسهم؛ حيث أسلموها لغير اللَّه، وعبدوا دونه، فذلك وضعها في غير موضعها؛ لأن وضعها موضعها هو أن يجعلوها خالصة لله، سالمة له. وقيل: ما ضروا اللَّه بعبادتهم غيره وبكفرهم به، إنما ضروا أنفسهم؛ إذ لا حاجة له إلى عبادتهم، واللَّه الموفق. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: تقديم وتأخير، وأصل ذلك أن اللَّه قد وضع كل نفس الخلقة بموضع العبودية، فجعلوها عبدة غيره. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ
(118)
الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ (118) اختلف فيه: قيل: نهى اللَّه المؤمنين أن يستدخلوا المنافقين، أو يؤاخوهم، أو يتولوهم دون المؤمنين. وقيل في حرف حفصة: " لا تتخذوا بطانة من دون أنفسكم "، يعني: من دون المؤمنين. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " نهى اللَّه المؤمنين أن يتخذوا اليهود والنصارى، والمنافقين - بطانة دون إخوانهم من المؤمنين، فيحدثوهم ويفشوا إليهم سرهم دون المؤمنين ". والبطانة: قيل: هم الإخوان، ويجعلونهم موضع إفشاء سرهم. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: والنهي عن اتخاذ الكافر بطانة لوجهين: أحدهما: العرف به؛ إذ كل يعرف بمن يصحبه. والثاني: الميل إليه بما يريه عدوه أنه حسن العشرة وحسن الصحبة، مع ما فيه الإسقاط عما به يستعان على أمر الدِّين، والإغفال عن حقه. وقوله: (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا): يقولون: لا يتركون عهدهم في إفشاء أمركم.
(119)
وقوله: (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ): أي: يودون ويتمنون ما أثمتم. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: أي: ودوا أن تشاركوهم في أشياء تؤثمكم ويبعثكم عليه. وقيل: العنت: الضيق؛ أي: ذلك قصدهم؛ كالآية التي تتلوها. وقوله: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ): من قال: إن أول الآية في المنافقين يقول: قوله: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) ما ذكر في آية أخرى: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ)، أنهم كانوا يعرفون المنافق في لحن كلامه. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ): ما كان من التفريق بقوله: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)، وإظهار السرور بنكبتهم، كقوله: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ. . .) الآية. وقوله: (وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ): وذلك أنهم كانوا يظهرون الموافقة لهم، ويضمرون العداوة والخلاف لهم، والسعي في هلاكهم فما كانوا يضمرون أكثر ما كانوا، يظهرون. ومن قال بأن الآية في الكفار - فهو ظاهر. وقوله: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ): من الشتيمة والعداوة، ويضمرون أكثر من ذلك من الفساد والشرور، واللَّه أعلم. وقوله: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ): يحتمل قوله: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) البينات، ويحتمل قوله: إن كنتم تنتفعون بعقولكم؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - ذكر في غير آي من القرآن أنهم لا يعقلون، قد كان لهم عقول لكنهم لم ينتفعوا بعقولهم، فإذا لم ينتفعوا نفى عنهم العقل رأسًا. وقوله: (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ (119) من قال: إن أول الآية في المنافقين فهذا يدل له ويشهد؛ لأنه قال: (وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا. .) الآية. يقول: ها أنتم يا هَؤُلَاءِ
(120)
المسلمون تحبونهم -يعني: المنافقين- ولا يحبونكم على دينكم. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: وفي الآية بيان أن أُولَئِكَ قوم يحبهم المؤمنون، إمّا بظاهر الإيمان أو بظاهر الحال، منهم من طلب مودتهم، فأطلع اللَّه المؤمنين على سرهم؛ لئلا يغتروا بظاهرهم، وليكون حجة لهم ولرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بما أطلعه اللَّه على ما أسروا، والله أعلم. ومن قال: إن أوّل الآية في الكفار - يجعل قوله: (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ) على الابتداء، والقطع من الأول؛ لأنه وصفهم بصفة المنافقين، ووسمهم بسمتهم وليس في الأول ذلك. وقوله: (عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) هو على التمثيل، يقال عند شدة الغضب: فلان يعض أنامله على فلان، وذلك إذا بلغ الغضب غايته. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ): إنما كان يغيظهم ما كان للمسلمين من السعة، والنصر، والتكثر، والعز؛ فيكون في ذلك دعاء لهم بتمام ذلك، حتى لا يروا فيهم الغير، واللَّه أعلم. وفي حرف حفصة: " قل موتوا بغيظكم لن تضرونا شيئًا إن اللَّه عليم بذات الصدور " على الوعيد. وقوله: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ (120) قال: ليس هذا وصف المنافقين في الظاهر؛ لأنهم كانوا يطمئنون عند الخيرات، لكنّه يحتمل أنهم كانوا يطمئنون بخيرات تكون لهم لا للمؤمنين: (وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا) ذكر في القصة أنهم إذا رأوا للمسلمين الظفر على عدوهم والغنيمة -يسوءهم ذلك، وإذا رأوا القتل والهزيمة عليهم- يفرحون به ويُسَرُّون. وقيل؛ إذا رأوا للمؤمنين الخصب والسعة -ساءهم، وإذا رأوا لهم القحط والجدب وغلاء السعر- فرحوا به، لكن هذا يحتمل في كل خير رأوا لهم -اهتموا لذلك، وفي
(121)
كل مصيبة ونكبة رأوا لهم- فرحوا بها. وقوله: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) وعد النصر بشرط: (لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا)، أخبر أن المؤمنين إذا اتقوا وصبروا لا يضرهم كيدهم شيئًا، حتى يعلم أن ما يصيب المؤمنين إنما يصيب بما كسبت أيديهم. قوله: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) على الوعيد. * * * قوله تعالى: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) وقوله: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ). قوله: (تُبَوِّئُ): قيل: تهيئ للمؤمنين أمكنة القتال. وقيل: (تُبَوِّئُ): تنزل المؤمنين. وقيل: (تُبَوِّئُ الْمُؤمِنِينَ): تتخذ للمؤمنين مقاعد لقتال المشركين. وقيل: (تُبَوِّئُ): توطن. وقيل: تستعد للقتال. كله يرجع إلى واحد. ثم اختلف في أي حرب كان، وأي يوم؟ قال أكثر أهل التفسير: كان ذلك يوم أُحد. وقيل: إنه كان يوم الخندق. وقيل: كان يوم الأحزاب؛ فلا يعلم ذلك إلا بخبر يصح أنه كان يوم كذا، لكن في ذلك أن الأئمة هم الذين يتولون أمر العساكر، ويختارون لهم المقاعد، وعليهم تعاهد إخوانهم، ودفع الخلل والضياع عنهم ما احتمل وسعهم، وعليهم طاعة الأئمة، وقبول
(122)
الإشارة من الإمام، وذلك في قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ذكر مقاعد القتال في هذه الآية، لكن الذي لزم من ذلك في آية أخرى - ذكر الصف بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)، وذكر في آية أخرى الثبات بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا)، والأصل أنهم أمروا بالثبات، فالأحسن أن يختار لهم أمكنة لهم بها معونة على الثبات، واللَّه أعلم، فيحتمل أن يكون أراد بالمقاعد القعود، وذلك أثبت للقتال وأدفع للعدو، وفيما ذكر الصف ذكر للجيلة عليه بقوله - عز وجل -: (إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) فيه رخصة الحملة على العدو، وباجتهاد إن كان فيها تولي الأدبار. ويحتمل أن يكون أراد بالمقاعد: الأماكن والمواطن للقتال والحرب، واللَّه أعلم. وقوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). يحتمل. سميع لمقالتكم؛ عليم بسرائركم. ويحتمل: سميع بذكركم اللَّه والدعاء له؛ لأنهم أمروا بالذكر لله، والثبات للعدو بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا)، وعليم بثوابكم. ويحتمل قوله: (سَمِيعٌ عَلِيمٌ): البشارة من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بالنصر لهم، والأمن من ضرر يلحقهم؛ كقوله - تعالى - لموسى وهارون: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) ثم قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) أمَّنهما من عدوهما بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَسْمَعُ وَأَرَى)، فعلى ذلك يحتمل ذا في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، ويكون سميع: أي: أسمع دعاءكم؛ بمعنى: أجيب، وأعلم ما به نصركم وظفركم، واللَّه أعلم. وقوله: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا (122) قوله: (هَمَّتْ): يحتمل: أن همُّوا هَمَّ خطر. ويحتمل: أن همّوا همّ عَزم، وكذلك هذا التأويل في قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا)، همَّت هي هَمَّ عزم، وهمَّ هو بها همَّ خطر، وهَمُّ الخطر يقع من غير صنع من صاحبه، وهَمُّ العزم يكون بالعزيمة والقصد.
(123)
وقوله: (هَمَّت. . . أَن تَفْشَلَا) والفشل ليس مما ينهى عنه؛ لأنه يقع من غير فعله، لكنه - واللَّه أعلم - هموا أن يفعلوا فعل القتل والجبن وذكر في القصة أن الطائفتين: إحداهما كانت من بني كذا، والأخرى من بني كذا، فلا يجب أن يذكر إلا أن يقروا هم بذلك. وقيل: إنهم كانوا أقروا بذلك، وقالوا: نحن كنا فعلنا، وما نحب ألا يكون في قوله: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) ظهر لنا ولاية اللَّه، ولو لم يكن لم يظهر. وقوله (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا). قد ذكرنا هذا في غير موضع: أن " الولي ": قيل: هو الناصر، وقيل: هو الحافظ، وقيل: إنه أولى بهم. وقوله: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) قال الشيخ - رحمه اللَّه -: المؤمن من يعلم -علم اليقين- أن من نصره اللَّه لا يغلبه شيء، ومن يخذله اللَّه لا ينصره شيء. حق على المؤمنين ألا يتوكلوا ولا يثنوا إلا على اللَّه، عَزَّ وَجَلَّ. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: فتوكل: أي اعتمد على ما وعد، واجتهد في الوفاء بما عهده، وفوض كل أمره إلى اللَّه؛ إذ علم أنه -بكليته- لله، وإليه مرجعه، وبهذه الجملة عهد أن ينصر دينه، ولا يولي عدوَه دبرَه، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) وقوله: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) يذكرهم - عَزَّ وَجَلَّ - ألا يتكلوا إلى أنفسهم لكثرتهم ولقوتهم ولعدتهم، ولا يثقوا
(124)
بأحد سواه، بل على اللَّه يتوكلون، وإليه يكلون، وبه يثقون؛ لأنه أخبر أنهم كانوا أذلة ضعفاء فنصرهم، وأمد لهم بالملائكة حتى قهر عدوهم -مع ضعفهم، وقلة عددهم- يوم بدر. ويوم أحد: كانوا أقوياء كثيري العدد؛ فوكلوا إلى أنفسهم، فكانت الهزيمة عليهم. وقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ) يعني: اتقوا معاصيه قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وفيه دلالة أن الشكر إنما يكون في طاعته، واتقاء معاصيه، وأن المحنة إنما تكون في الشكر لما أنعم عليه، والتكفير لما سبق منه من الجفاء والغفلة، واللَّه أعلم. وقوله: (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) وذكر في سورة الأنفال: (بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ)، فاختلف فيه: قيل: كانوا عشرة آلاف؛ لأنه ذكر مرة: ثلاثة آلاف، ومرة: خمسة آلاف. ومرة: ألفا - مردفين؛ فيكون ألفان، فذلك عشرة آلاف. وقيل: كانوا تسعة آلاف: ثلاثة آلاف وخمسة آلاف، وألف وقيل: كانوا كلهم خمسة آلاف: ثلاثة آلاف؛ وألفان مدد لهم. ثم اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: كان يوم أحد. وقال آخرون: يوم بدر.
(125)
وقوله: (فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ)، يوم بدر، ولا ندري كيف كانت القصة؟ وليس لنا إلى معرفة القصة حاجة؛ سوى أن فيه بشارة للمؤمنين بالنصر لهم، والمعونة بقوله: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ) جعل في ذلك تسكين قلوب المسلمين. ثم اختلف في " قتال الملائكة ": قَالَ بَعْضُهُمْ: قاتل الملائكة الكفار. وقال آخرون: لم يقاتلوا، ولكن جاءوا بتسكين قلوبهم ما ذكر في الآية، ولا يحتمل القتال؛ لأنه ذكر في الآية: (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ)، ولو كانوا يقاتلون لم يكن لما يقلل معنى؛ ولأن الواحد منهم كاف لجميع المشركين، ألا ترى أن جبريل - عليه السلام - كيف رفع قريات لوط إلى السماء فقلبها؟! فدلّ لما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقيل: قاتلوا يوم بدر، ولم يقاتلوا يوم أحد. فلا ندري كيف كان الأمر؟. وقوله: (مُسَوِّمِينَ (125) قيل: " منزلين "؛ " ومسوّمين " سواء، وهو من الإرسال؛ ومن التسويم.
(126)
وقيل: معلمين بعلامة، وذلك - وألله أعلم - لِيُعْلِمَ المؤمنين حاجتهم إلى العلامة، لا أن الملائكة يحتاجون إلى العلامة؛ وكذلك روي عن نبيّ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال لأصحابه يوم بدر: " تَسَوَّمُوا؛ فإن المَلائِكةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ). وقوله: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (126) ليعلم أنّ في النصر لطفًا من اللَّه لا يوصل إليه بشيء من خلقه؛ لأنه نفاه عنهم مع مدد الملائكة " ليعلم أن كل منصور على آخر - إنما كان ذلك من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ. وقوله: (لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... (127) قال قتادة: " كان يوم بدر قتل صناديدهم وقادتهم في الشر ". وقيل: (طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا): جماعة. وقيل: (طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ. . .): يعني: أهل مكة. وقوله: (أَوْ يَكْبِتَهُمْ): قيل: يخزيهم. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " الكبت: الهزيمة ". وقيل: الكبت: هو الصرع على وجهه. وقوله: (فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ):
والخائب: هو الذي لم يظفر بحاجته، أي: رجعوا ولم يصيبوا ما أمَّلوا. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: ما ذكر من حضور الملائكة الحرب فهو - واللَّه أعلم - في حق محنة الملائكة، ولله أن يمتحنهم بما شاء من الحضور والمعونة، والكف عن ذلك، أو الدعاء لأوليائه بالنصر، وبما شاء اللَّه من الوجوه التي يمتحن بها عباده، وفيهم من قد امتحنه على الأرزاق والأرواح، والأمطار والأعمال، وأنواع الأذكار والأفعال؛ إذ هم خلق اصطفاهم واختارهم لعبادته وطاعته في جميع ما يأمرهم؛ ليجل به قدرهم، ويعلي رتبتهم، ثم لو أذن لهم بالمعونة أعانوا المؤمنين على قدر الإذن لهم؛ إذ هم -على ما وصفهم اللَّه-: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ). وقوله: (يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ)، وغير ذلك مما وصفهم بالطاعة له، والاتباع لأمره، وما أكرمهم من هيبة جلاله، وخوف عقابه، صلوات اللَّه علمهم أجمعين. ثم كان للمؤمنين في حضورهم أنواع البشارات فيما لم يكن أذن لهم بالقتال، وأنواع الآيات فيما قد أذن لهم، على ما ذكر من أمر بدر وغيره؛ مما أخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - من إرسال جنوده، وهزيمة أعدائه؛ بمنه وفضله، من ذلك: ما قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا. . .) الآية، أن يكون الله يؤيدهم بما به تشجيع قلوب المؤمنين على ما قد أمكن أعداءه من أنواع الوساوس، التي لديها تضطرب قلوبهم، وتزل أقدامهم، فمثله يمكن أولياءه في تشجيع المؤمنين، ليسكن قلوبهم، ويثبت أقدامهم، واللَّه أعلم. والثاني: أن يكون الذي جُبل عليه الخلق أن يكون كل أحد عند معاينة الحاجة إلى دعائه، وما يحتمل وسعه من معونة؛ عليه أقبل وبه أرغب؛ فيكون للمؤمنين بحضورهم رجاء النصر بدعائهم، ويخرج قوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا. . .) الآية، وقوله - تعالى -: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُم)، واللَّه أعلم. أو كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في عصرهم يبشرهم بحضورهم؛ فيكون لهم بذلك فضل ثبات وقرار حياة منهم بما أعلموا إطلاعهم على ذلك، أو يكون لهم فضل قوة بذلك، وإقبال
(128)
على الأمر؛ على ما جبل الخلق من الإقبال على الأمور المهمة، وإذا كثروا على ذلك قوله: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ)، ولعلهم -أيضًا- بما يطمعون أنهم لو أطاعوا اللَّه، وثبتوا لأعدائه - أن لهم النصر والدفع، فكان ذلك بعض ما يستبشرون؛ وعلى ذلك أكثر ما بلى أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالهزيمة، إنما كان يصرف قلوبهم إلى بعض ما جبل عليه البشر من حب الدنيا، والإعجاب بالكثرة، ونحو ذلك، ثم من أعظم الأعلام في ذلك ما قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) فتكون البشارة والطمأنينة بالذي جبل عليه البشر على ما بينتُ، ويكون النصر من عند اللَّه، الذي متى أراد نصر أحد لن يغلب، قلَّت أعوانه أو كثرت، وذلك لطف من الله العزيز العليم؛ يريهم النصر من الوجه الذي لا يعلمه إلا هو، وفي حال الأنفس من أنفسهم أن يقوم لعدوهم؛ ليعلموا عظيم لطفه الذي بمثله ارتفعت درجات الأخيار، وشرفت منازلهم، ولو كان لهم بالإذن؛ على ما ذكر من قوة جبريل - عليه السلام - في قلب قريات لوط بجناح واحد، لم يكن يقوم لمثله أهل الأرض، فضلًا عن عدد يسير منهم، ولكنهم لا يتقدمون بين يدي اللَّه، واللَّه لم يكن أذن لهم في القتال عند كل مشهد، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) وقوله. (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. . .) الآية. قوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ): إنما أنت عبد مأمور؛ فليس لك من الأمر؛ إنما ذلك إلى الواحد القهار، الذي لا شريك له ولا ند؛ كقوله: (يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ). وقوله: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ. . .) الآية فيه: أنه كان من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - معنى قولًا وفعلًا، حتى ترك قوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ)، ولكنا لا نعلم ذلك المعنى، غير أنه قيل في بعض القصة: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - شج يوم أُحد في وجهه، وكسرت رباعيته، فدعا عليهم؛ فنزل قوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)
(129)
وقيل: إن سرية من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، خرجوا إلى قتال المشركين يقاتلونهم حتى قتلوا جميعًا، فشق على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه بقتلهم، فدعا عليهم باللعنة - يعني: على المشركين - أربعين يومًا في صلاة الغداة؛ فنزل قوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ). وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يوم أحد: " اللَّهُمَّ الْعَنْ أَبَا سُفْيان، اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا، حتى لعن نفرًا منهم " فنزل قوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. . .) الآية. وقيل: " إن نفرًا من المسلمين انهزموا، فشق ذلك على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فنزل: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)، فأمره بكف الدعاء عنهم، واللَّه أعلم بالقصة في ذلك. وقوله: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ): فإن كانت القصة في الكفار فكأنه طلب التوبة والهدى، وأفرط في الشفقة فقال: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) فيهديهم لدينه، (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) على كفرهم؛ (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ)؛ كقوله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ). فإن كان في المؤمنين فقوله: (يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) عن ذنبهم الذي ارتكبوا، (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) بذنبهم، ولا يعفو عنهم، واللَّه أعلم بذلك. وقوله: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... (129) فيه دلالة ما ذكرنا في قوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) إنما الأمر إلى اللَّه، الذي له ما في السماوات وما في الأرض، هو الذي يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء.
(130)
وفي قوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) وجواز العمل بالاجتهاد؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - عمل بالاجتهاد لا بالأمر، حتى منع عنه، واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه - قوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) ويحتمل أن يكون على أثر أمر مما جبل عليه البشر ما رأى في ذلك صلاح الخلق، ومما عليه التدبير بحيث الإطلاق فقيل هذا، وإن كان على ما رأيت فليس لك من أمر هذا شيء، وإنَّمَا الذي إليك الصفح عن ذلك والإعراض، واللَّه أعلم ما كان. ويحتمل أن يكون يبتدئ القول به من غير أن يسبق منه ما يعاتب عليه أو يمنع منه؛ ليكون -أبدًا- مُتَقبلا الإذن له في كل شيء والأمر، ولا يطمع نفسه في شيء لم يسبق له البشارة به، على أن النهي والوعيد أمران جائزان، وإن كان قد عصم عن ركوب المنهي، ووجوب الوعيد؛ إذ هنالك تظهر رتبة العصمة، ولا قوة إلا باللَّه. والظاهر أن يكون على إثر أمر استعجل ذلك من: دعاء الإهلاك أو الهداية لقبول الحق والخضوع له؛ فيقول: ليس لك شيء من ذلك في أحد على الإشارة إليه، إنما ذلك إلى اللَّه، يصنع فيهم ما عنده من الثواب أو التعذيب، على قدر ما يعلم من إقبالهم على الطاعة له أو نفاذهم عنها، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً). قوله: (لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا) - كقوله: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) ففيه نهي عن الأخذ؛ كقوله: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ)؛ فعلى ذلك قوله: (لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا)، أي: لا تأخذوا. وقوله: (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) فَإِنْ قِيلَ: ما معنى النهي عن المضاعفة وغير المضاعفة حرام؟! لكنه يحتمل هذا وجوهًا:
يحتمل: أن يكون هذا قبل تحريم الربا، فنهوا عن أخذ المضاعفة. ويحتمل قوله: (لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا): أي: لا تكثروا أموالكم بأخذ المضاعفة. ويحتمل: (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً)، أي: لا تصرّوا على استحلال الربا فتثبتون عليه آخر الأبد. ويحتمل. (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً)؛ تضعيف العذاب. ويحتمل ما قيل: كان أحدهم يبايع الرجل إلى أجل، فإذا حل الأجل زاد في الربح، وزاد الآخر في الأجل، وذلك كان ربا الجاهلية. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا). يحتمل الأكل؛ لأنه نهاية كل كسب. ويحتمل الأخذ؛ كقوله: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ)، وقوله: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)، وقوله: (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً): في الأخذ، أي: لا تأخذوا لتُكَثروا أموالكم، أو تقصدوا بذلك تضاعف أموالكم إلى غير حد؛ وليس فيه أن القليل ليس بمحرم، لكن ذلك هو مقصود أكله؛ فنهوا عن ذلك، وحرمة القليل بغير ذلك من ليُكَثروا أن يكون في نازلة عليها، خرج النهي لا على الإذن بدون ذلك، ولو كان على حقيقة الأكل فهو على النهي عن التوسع بالربا أو الأمر بالعود إلى ما لا ربا فيه، وإن كان
(131)
في ذلك ضيق، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون في الآية إضمار؛ فيقول: لا تأكلوا الربا؛ لأنكم إن أكلتموه بعد العلم بالتحريم - تضاعفت عليكم المآثم والعقوبات، وقد جعل اللَّه للربا أعلامًا دلت على ما غلظ شأنها؛ نحو ما وصف من لا يتقيه لا ينفيه بالخروج بحرب اللَّه وحرب رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبالتخبط يوم القيامة، وانتفاخ البطن وما جرى في معاقبة اليهود، وبتحريم أشياء لمكان ذلك، وقوم شعيب ما حل بهم بلزومهم بتعاطي الربا، واللَّه أعلم، (وَاتَّقُوا اللَّهَ) ولا تأخذوا الربا ولا تستحلوه (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). وقوله: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) فيه دلالة أنها إنما أعدت للكافرين، لم تعد لغيرهم، فذلك يرد على المعتزلة؛ حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، واللَّه - تعالى - يقول: إنها أعدت للكافرين، وهم يقولون: ولغير الكافرين. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ: يحتمل: للذين اتقوا الشرك؛ كقوله: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ). ويحتمل: للذين اتقوا جميع أنواع المعاصي: فإن كان التأويل هو الأول -فكل من لم يستحق بفعله اسم الكفر- فهو في الآية؛ إذ قال في النار: (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)، لم يجز أن تكون هي أبدًا لغيرهم؛ لوجهين: أحدهما: إذ لا يجوز أن تكون الجنة المتخذة للمؤمنين تكون لغيرهم؛ فكذلك النار المعدة للكافرين، وهذا أولى بجواز القول في إيجاب الجنة لمن لا يكون منه الإيمان؛ نحو الذرية، وفساد القول فيهم بالنار، واللَّه أعلم. والثاني: أنها إذا جعلت لغيرهم أو أعدت لغيرهم -كان لا يكون للكفر فضل هيبة
(132)
ولفعله فضل فزع في القلوب بوجود ذلك، ومعلوم أن ذلك بالعواقب لا بنفس الفعل- ثبت أنه لا يجب خلود من ليس بكافر فيها حتى يكون ممن أعدّت له، ولغير أثر وتحذير لا تحقيق ذلك كله، واللَّه أعلم. وإن التأويل هو الثاني من اتقاء جميع المعاصي؛ فيكون لذلك بعد عبارتان: إحداهما: أن قد ظهر أهل الجنة وأهل النار، وبينهم قوم لم تبلغ بهم الذنوب الشرك، فيدخلون في الوعيد بالنار المعدة لهم، ولا اتقوا جميع المعاصي؛ فيكونون في الوعد المطلق فيمن أعدت له الجنة؛ فحقه الوقف فيه حتى يظهر ذلك في قوله: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، وفي قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ)، وقوله: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ)، الآية، وغير ذلك من آيات العفو والمغفرة، وما كان ذلك واجبًا في الحكمة، فيكون القائم به يستحق وصف العدل لا العفو والمغفرة - ثبت أن ذلك فيما قد وجب، أو يكون فيمن يجزيهم جزاءهم ويدخلهم الجنة؛ إذ أخبر أنه لا يجزي السيئة إلا بمثلها، وبالتخليد مضاعفة ذلك من وجهين: أحدهما: أنه عذاب الكفر، وهذا دونه. والثاني: منع لذة الحسنة بكليتها، بل حق ذلك أن يكون كقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) الآية، أن يجزي بالأمرين جميعًا، ولا قوة إلا باللَّه. والثاني: أنه قد جاء بمقابل السيئة من الحسنات، ومقابل كل أنواع من المعاصي من الطاعات، وقد وعد على الحسنة عشر أمثالها؛ فمحال أن يقابل مثل الذي دون الشرك من السيئات - الشرك في إحباط العمل، ولا يقابل مثل الذي دون الإيمان الإيمان في إحباط الذنوب، ويجب له الجنة، ثم مع ذلك الإيمان الذي لا أرفع منه، وهو الذي بعثه على الخوف والرجاء وقت الإساءة، وعلى أنه لو خشي على نفسه كل بلاء ورجا كل نفع في الكفر بربه - لم يؤثر ذلك مع ما وعد على الحسنة عشر أمثالها، ثم يبطل لذة ذلك كله، ويلزم الخلق القول فيه بالكرم والعفو والرحمة، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ... (132) ذكر - واللَّه أعلم - طاعة الرسول؛ لأن من الناس من لا يرى طاعة الرسول؛ فأمر - عَزَّ وَجَلَّ - بطاعة رسوله - لئلا يخالفوا أمر اللَّه ولا أمر رسوله، وأن من أطاع اللَّه ولم ير طاعة رسوله فهو لم يطع اللَّه في الحقيقة. ويحتمل: (وَأَطِيعوا اللَّهَ) في أمره ونهيه، وأطيعوا الرسول فيما بين في سننه أو دعا أو
(133)
بلغ، والقصد في الآية إلى فرض طاعة الرسول، وأطيعوا الرسول في أمره ونهيه، كما أطعتم اللَّه في أمره ونهيه. قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) وقوله: - عَزَّ وَجَلَّ - (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ). يحتمل أن يكون هذا موصولا بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً)، أي: لا تأخذوا الربا أضعافا مضاعفة فتكثروا أموالكم، وحقيقته: وسارعوا إلى ما فيه وعد المغفرة من ربكم: بالإجابة له إلى ما دعا، والقيام به بحق الوفاء. وقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) في استحلال الربا؛ لأن من استحل محرما فقد كفر، وحقيقته: اتقوا ما أوعدكم ربكم عليه النار. وأصل الطاعة: الائتمار بأمر المطاع في كل أمر، فمن أطاع اللَّه فيما أمر، وأطاع رسوله - رحمه ربه، وفي الطاعة رحمة الخلق؛ على ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " لَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تَرَاحَمُوا؛ قَالُوا: كُلُّنَا نَرحَمُ يَا رَسُولَ اللهَ؟ قَالَ: لَيسَ رَحْمَةَ الرجُلِ وَلَدَهُ؛ وَلَكِنَّهُ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ ". قوله: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ) في تحريم الربا، وأطيعوا الرسول: في تبليغه إليكم تحريم الربا والنهي عن أخذه. (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ): أي: ارحموا الناس وترحموهم في ترك أخذ الربا، ترحمون أنتم، وتنجون من النار ومن عذاب اللَّه. ثم قال: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ). أي: بادروا بالتوبة والرجوع عن استحلال الربا والترك عن أخذه، والمغفرة هي فعل اللَّه، لكنه - واللَّه أعلم - كأنه قال: بادروا إلى الأسباب التي بها تستوجبون المغفرة من ربكم، والمغفرة: هي الستر في اللغة. ثم يحتمل وجهين: يحتمل: ألا يهتك أستاركم في الآخرة إذا تبتم.
ويحتمل: أن ينسى عليكم سيئاتكم في الجنة؛ لأن ذكر المساوئ في الجنة تنقص عليهم نعمه، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّّ - أنه ينسيهم مساوئهم في الجنة؛ لئلا ينقص ذلك عليهم، واللَّه أعلم. وقوله: - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ): وبادروا -أيضًا- بالتوبة عن استحلال الربا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فمعنى ضرب مثل الجنة بضرب السماوات والأرض، وذلك - واللَّه أعلم - ذكر هو أن للسماوات والأرض أحوالًا ليست تلك الأحوال لغيرها من الخلائق؛ بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ)؛ وذلك أنهما عندهم من أشد الخلائق وأقواها، فقال: إن الذي قدر على اتخاذ ما هو أشد وأقوى وأصلب - لقادر على إنشاء ما هو دونه، وهو هذا العالم الصغير. ووصف -أيضًا- السماوات والأرض بالغلظ والكثافة والشدة؛ لقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَبعَ سماوَاتٍ) (شِدادًا) وغلاظا، ثم أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنها مع غلظها وكثافتها تكاد أن تنشق لعظيم ما قالوا بأن لله ولدًا وشريكًا بقوله: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)؛ ليعلموا عظيم القول وقبحه؛ لئلا يقولوا في اللَّه ما لا يليق به. ووصف -أيضًا- السماوات والأرض بالدوام إلى وقت يبعد فناؤهما في أوهام الخلق، وإن كانا فانيان بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) فإذا كان للسماوات والأرض ما ذكرنا من الأحوال عند الخلق، ليست تلك الأحوال لغيرها من الخلائق؛ من شدتها وقوتها، وصلابتها وكثافتها وسعتها - شبه عرض جنته وسعتها بسعة السماوات والأرض وعرضهما؛ لما هما عند الخلق ليسا بذوي نهاية، وإن كانا ذوي نهاية وغاية؛ كما وصف أهل الجنة وأهل النار بالدوام فيهما بدوام السماوات والأرض، وإن كانا فيهما غير دائمين أبدًا؛ لبعد فنائهما عن أوهام الخلق؛ فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم. وفيه دلالة أن الجنة ذو نهاية المكان في العرض، وإن لم تكن بذات نهاية الوقت وغايته؛ لأنه ذكر العرض لها، وكل ذي عرض يحتمل نهاية عرضه - واللَّه أعلم - ولو لم يكن ذا نهاية من حيث العرض، فكأن اللَّه غير موصوف بالقدرة على الزيادة، ومن زال عنه
وصف ذلك - انقطع عنه الطمع، واضمحل الرجاء. وبعد، فإن ثم دارًا أخرى سوى الجنة، فأوجب ذلك نهاية الجنة من حيث العرض. إذ كان غير الجنة دار أخرى مثلها في ارتفاع نهاية الوقت، وجائز وجود أمرين مختلفين على اتفاق في الوقت، ومحال وجودهما في مكان واحد اتفاق بمكان؛ لذلك لزم نهايتهما، وإن زالت عنهما نهاية الوقت. وقوله: - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ): والاتقاء: هو من الطاعة في كل أمره ونهيه، وترك مخالفته في ذلك كله، ثم سبب التقوى يكون بوجوه ثلاثة: بذكر عظمته وجلاله ورفعته عن مخالفة أمره ونهيه؛ فيذله ذلك ويحقره، فيمنعه عن مخالفته. أو بذكر نعمته وإحسانه، فيمنعه ذلك عن ارتكاب ما نهي عنه حياء منهم. والثالث: بذكر نقمته وعذابه في مخالفة أمره ونهيه؛ فيتقي بذلك عذاب اللَّه ونقمته. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)، ثم فسَّرَ الذين يتقون إلى آخر ذلك، فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد: من أعدت له، له من جميع الذي ذكر. والثاني: أن يريد بـ (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ) اتقوا الشرك بالذي أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - بقوله: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ). ثم وصفهم بالذي ذكر من الأفعال المحمودة؛ لا أن ذلك بكليته شرط لأن يعد له الجنة حتى يحرم من لم يبلغ ذلك، فإن كان على الأول - فكأنه وصف النهاية لمن أعدّت الجنة، وقد يجوز أن يكون لهم أتباع
في الشركة، وإن لم يبلغوا تلك الرتبة بفضل اللَّه، أو بما أعطى من ذكر فيهم من الشفاعة، أو بما شاركوا أُولَئِكَ في أصل الاعتقاد بقبول ذلك، وإن كان منهم تقصير على أنه قد يذكر في كل أمر من الأمور العظيمة، والنهاية في ذلك على مشاركة من دونهم لهم في ذلك، وعلى ذلك ما ذكر من بعث الرسل إلى الفراعنة على دخول من دونه في ذلك، وعلى مخاطبة أهل الجلال في ذلك، ودخول من دونهم في الحق؛ وكذلك ذكر الخطاب في أهل الرفعة والعلو على تضمين من دون ذلك؛ فكذلك الأول؛ وكذلك اللَّه - سبحانه - ذكر في القرآن من الكفرة الذين جمعوا مع الكفر العناد والتمرد، وذكر أهل الإيمان الذين لهم مع ذلك الخيرات منّا منه، إن ذكر هَؤُلَاءِ بأعلى أما استحقوا من الثناء، والأول، بأعلى ما به يصير لمَقْته، من غير تخصيص في أصل له الوعد والوعيد، إلا من حيث التشديد والتفضيل، فمثله الأول؛ أيد ذلك قسمته أهل الجنة قسمين: السابقين، - وَأَصحَابَ اليَمِينِ، ثم قال في الذين من ذكر: الذين (خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا) وقد بين في آخر ذلك ما يدل على ذلك، وهو من ذكر من الذين يأتون الفواحش والظلم، ثم (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا)، ويكون في ذلك وجهان: أحدهما: أن اللَّه - تعالى - بمنِّه يوفقه لما يرضيه في آخر أمره؛ ليختمه به؛ إذ كان في وقت ارتكابه ما ارتكب، وتقصيره فيما قصر - معتقدًا جلال ربه، خائفًا عظمته، راجيًا رحمته، متعرضًا لما عرفه من الكرم والعفو، فيكون هو شريك من ذكر في الخاتمة، وإن كان منه تخلف عنه في الابتداء، واللَّه أعلم. أو أن يكون يجزيه عما قصر وفرط؛ حتى يطهره مما كان من الخلط؛ فيرجع إلى ما وافق الأول في جملة الاعتقاد، فتكون معدة لمن جمع ذلك، والجمع يكون بالذي ذكر، أو بالعفو والجود؛ إذ جعل الجزاء طريقه الجود والكرم، لا الاستحقاق، واللَّه أعلم. وإن كان على معنى الثاني - فالآية تخرج مخرج الترغيب في جميع تلك الأوصاف، وتكون الجنة في الإطلاق معدّة للمتقين، الذين اتقوا الشركة والدرجات وما فيها من الفضائل والمراتب، على قدر ما يبقى من أنواع الخلاف في الأفعال، ويتوسل إلى اللَّه - تعالى - بالمبادرة والمسارعة إلى ما فيه الرغاثب؛ وعلى ذلك أمر الوعد بتفضيل الذرجات في الجنة، وتفريق الدركات في النار، على ما أعدت النار في الجملة للكفرة، ويتفاوت أهلها بتفاوت الأفعال من الخلاف والتمرد، واللَّه الموفق.
(134)
ثم السّبب الذي به يستعان على التقوى ثلاثة: أحدها: أن يذكر المرء عظمته وجلاله وقدرته عليه في كل أحواله؛ فيتقي مخالفته بالهيبة والإجلال. والثاني: أن يذكر عظم منّته عليه، ونعمه عنده، وأياديه التي فيها يتقلب، وبها يتمتع؛ فيتقيه حياء منه. والثالث: أن يذكر نفسه عظم نقمته الموعودة، وعذابه المعد لأهل الخلاف له؛ فيتقيه إشفاقًا على نفسه، واللَّه الموفق. وجملة ذلك: أن من تأمل ما إليه مرجعه، والذي منه بدؤه وما فيه متقلبه، من أول أحواله إلى منتهي آجاله، حتى صير ذلك كله كالعيان لقلبه - سَهُل عليه وجه التقوى؛ لما عند ذلك تذهب شهواته، وتضمحل أمانيه، واللَّه الموفق. * * * قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136 وقوله: - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ). قيل: السراء: الرخاء، والضراء: الشدة. وقيل: السراء: السعة، والضراء: الضيق؛ وهو واحد. وقيل: السراء: ما يسرهم الإنفاق؛ من نحو الولد وغيره، يسره الإنفاق عليه، والأجنبي يضره. وعلى تأويل الأول: أن الإنفاق في حال الرخاء والسعة - أيسر وأهون على المرء من الإنفاق في حال الضيق والفقر، فإذا أنفق في الأحوال استوجب بذلك المدح، واللَّه أعلم. والسبب الذي يُيَسرُ عليه الأمر وجهان:
أحدهما: علمه بأن الذي في يديه في الحقيقة في يد اللَّه؛ فهو يصرف ذلك حيث يصرفه، لم يخرجه من يد مَنْ يَدُهُ فِي يَدِهِ، كأنه يعد في يده. والثاني: بعلمه بجود ربه وقدرته، حيث يكون ذلك فيما به قضاء حاجته، والوصول إلى منفعته مع ما يعلم بالجود، وكثرة الانتفاع بما لا ملك للمنتفع به، وحرمان ذي الملك ذلك فيه. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ): يحتمل فيما يسرهم ويضرهم، أو في حال يسر وعسر، أو حال بلاء ونعمة. ثم السبب الذي يسهل سبيل الإنفاق في تلك الأحوال -وإن كان بالذي ذكر في تسهيل التقوى- هذا وجوه ثلاثة: أحدها: أن ترى مالك لمن له يد امتحنك بحق ذلك وحفظه، وأنك إذا بذلته ارتفعتْ عنك مئونة الحفظ، ومراعاة الحق على ما لم يكن ذاك عنك نفعه الذي كان له وقت كونه في يدك؛ إذ هو بعد البذل في يد من يدك قبله في يده، فكأنه لم يخرج من يدك بحيث النفع، وإنما سقطت عنك ما ذكرت من المئونة؛ إذ معلوم وجودها لك في الظاهر؛ لا منتفع به، ومن لا ملك له في الشيء منتفع به، على العلم باستواء الأمر على من له بذلت، واللَّه أعلم. والثاني: أن تشعر قلبك جوده بمن آثره على ما عنده، وقدرته على إعطائه إياه من خزائنه التي لا تنفد، ولا يتعذر عليه، فتيقن بذلك، وتعلم أنه لك على الإيصال إليه؛ فيما لم يكن أوصله، وعلى ذلك فيما أعطاه في القدرة واحد؛ فيهون عليه ذلك؛ واللَّه أعلم. والثالث: أن تعلم أن الذي عليه جبل وإليه دفع؛ ليس للوقت الذي فيه؛ ولكن ليتزود لمعاده، ويكتسب به الحياة الدائمة، والمنفعة التي لا تنفد، فيصير كبائع الشيء بأضعاف ثمنه، أو كباذل ما فيه فكاك رقبته، أو كمقدم ما يمتهن إلى مكان مهنته، أو كمن يعد الشيء في مسكنه لوقت حاجته، فإن مثله آثَرُ الشيء على الطبيعة، وألذ شيء في العقل. ولا قوة إلا باللَّه. ثم الأصل في قوله: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) أي: من لم يبلغ بما يرتكب من المعاصي - الكفر، لم يمتنع من احتمال التسمية المتقين على إرادة خصوص التقوى؛ وهو ممتنع
عن احتمال التسمية بالكفر على صرف الآية في إعداد النار إلى خصوص أو عموم، فثبت به خروج صاحب الكبائر عن أهل الاسم الذي أعدّت له النار، ولم يثبت خروجه عن أهل الاسم الذي له أعدت الجنة، فالقول فيه، وإنما ذلك في الجنة فاسد بأوجه: أحدها: مع الإشكال فيما يحرم الجنة، والإحاطة بأن النار لم يذكر أنها أعدت له أدخل فيها، فيكون في ذلك إسقاط شهادة تثبت بيقين بالشك، وإيجاب شهادة لم تجب بالخيال. والثاني: أن يكون في ذلك إسقاط اسم العفو والرحمة؛ إذ لو لم يجعل لمثله - لبطل أن يكون له موضع لما في غيره استحقاق، واللَّه أعلم. والثالث: ما فيه إسقاط الموازنة والمقابلة مع مجيء الآيات بالكتب التي تقرأ الموازين التي توزن؛ مع ما في ذلك مخالفته التوهم بالكريم الذي أمرنا أن نسميه بها؛ مع ما قد جاء من التجاوز عن السيئات والتقبل للحسنات من واحد، وفي ذلك قلب ذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ). رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " مَنْ كَظَمَ غَيظًا - وهُو يَقْدِر عَلَى إِنْفَاذِهِ - مَلأهُ اللهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا ". والغيظ متردد بين الحزن والغضب، والحزن على من فوقه، والغضب على من دونه، والغيظ بين ذلك، مدحهم - عَزَّ وَجَلَّ - بترديد حزنهم وغيظهم في أجوافهم.
ْوقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ). أي: عمّن ظلم. وروي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه، قال: " مَا عَفَا رَجُلٌ عَمَّنْ ظَلَمَهُ إِلا زَادَهُ اللهُ بِهَا عِزًّا " ومن عفا عن الناس عن مظلمة - فقد أحسن بذلك؛ كما يقال: فلان يحسن بكذا؛ ولا يحسن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). والإحسان يحتمل وجهين: يحتمل: العلم والمعرفة: ويحتمل: أن يفعل فعلًا ليس عليه من نحو المعروف والأيادي الذي ليس عليه، إنما فعله الإفضال، ذكر -هاهنا- المحسنين وحبه، وأخبر في الآية الأولى أن الجنة أعدت للمتقين بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) ثم قال: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)، وأخبر أن النار أعدت للكافرين. ثم اختلفوا فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: من لم يكن من المتقين لم تعدّ الجنة له، فهو ممن أعدّت له النار، وهو قول الخوارج والبغاة. وقال آخرون: إنه أخبر أن النار أعدت للكافرين، فهو إذا لم يكن كافرًا - ليس ممّن أعدت له النار، فهو ممّن أعدّت له الجنة. وقال غيرهم: أخبر أن النار أعدت للكافرين وأخبر أن الجنة أعدت للمتقين، فوصف المتقين: فهم الذين اتقوا معاصيه، وتركوا مخالفة أمره ونهيه، فإذا كان قوم لهم مساوئ -
لم يدخلوا في إطلاق قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) ولا دخلوا في قوله: (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) وفيكون لهم موضعًا بالنار. وأما عندنا: فإنه يرجى دخول من ارتكب المساوئ من المؤمنين في قوله - عز وجل -: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)، بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)، ذكر خلط عمل الصالح مع السيئ، ثم وعد لهم التوبة بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) والعسى من اللَّه واجب. والثاني: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ) فإذا تجاوز لم يبق لهم مساوئ؛ فصاروا من أهل هذه الآية: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ). وقوله -أيضًا-: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) وقالوا: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ). أخبر أنهم (إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ): وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم لأي معنى ظلموا أنفسهم، حيث لم يسلموا أنفسهم لله خالصين، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فإذا لم يسلموا له - وضعوا أنفسهم في غير موضعها، لذلك صاروا ظلمة أنفسهم. (ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) أي: طلبوا لذنوبهم مغفرة، وأقروا أنه لا يغفر الذنوب إلا اللَّه. (وَلَمْ يُصِرُّوا) على ذنوبهم، والإصرار: هو الدوام عليه، ثم أخبر أن جزاء هَؤُلَاءِ المغفرة من ربهم؛ (وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا. . .)، إلى آخر ما ذكر. دلّت هذه الآيات على تأييد قولنا: إن أهل المساوئ والفواحش إذا تابوا صاروا ممن أعدّت لهم الجنة، وإن لم يكونوا من المتقين من قبل، فمثله إذا تجاوز اللَّه عن سيئاتهم؛ وعفا عنهم بما هو عفو غفور، واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ. . .) والآية: يحتمل أن يكون الظلم غير الفاحشة. ويحتمل أن يكون واحدًا في المراد؛ إذ قد يكون في المعنى أن كل عاص ظالم
(135)
لنفسه، بمعنى ضرّها؛ ونحس لحظها؛ إذا فعل ما ليس له الفعل ووضع اختياره في غير موضعه، وهما معنيا الظلم، وكذلك من تعدى حَدَّ اللَّه أو آثر ما يزجره العقل والشرع -فقد فحش فعله، وذلك معنى الظلم الذي وصفت؛ إذ فعل ما ليس له، واختياره غير الذي له- هو الذي يزجره العقل والشرع، واللَّه أعلم. ويحتمل وجها آخر غير هذين: وهو أن الظلم يجمع كل وجوه الخلاف؛ عظم أو صغر، ولذلك قد نسب ذلك إلى زلات الأخيار، نحو ما قيل لآدم - عليه السلام - في أكل الشجرة: (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)، وقيل في الشرك: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). والفواحش: ما أظهر وتبين، قبحه؛ لا ما قل أو كثر في الذنوب، وعلى ذلك النقصان ظلمًا بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا)، وقد يوصف العيب والنقصان بالفحش؛ لكنه إذا كثر وظهر فمثله في الزلات، ويكون كالطيب في المحللات من المباح ونحوه في الدرجة، واللَّه أعلم. ثم ليس بنا حاجة إلى معرفة المقصود بالذكر في الآية؛ لما فيها الرجوع عن ذلك، وطلب المغفرة، وكل أنواع المآثم بالتوبة تغفر بما وعد اللَّه في الشرك، والزنا، والقتل؛ فما دونه - بقوله: (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. . .)، إلى تمام الآية، واللَّه أعلم. وقوله: (إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً (135) يحتمل الفاحشة: ما فحش في العقل وقبح. وقال آخرون: كل محرم منهيّ فهو فاحشة. والأول كأنه أقرب؛ لأن الشيء ما لم يبلغ في الفحش والقبح غايته؛ فإنه لا يقال: فاحشة، وإذا بلغ الغاية -فحينئذ كالطيب، أنه إنما يقال ذلك إذا بلغ غايته في الحل واللذة، فأما أن يقال لكل حل في الإطلاق طيبًا- فلا، فعلى ذلك: الفواحش؛ لا يقال لكل محظور محرم، إنما يقال ما بلغ في القبح والفحش غايته، فأما أن يقال ذلك لكل محرم منهي - فلا، وباللَّه التوفيق.
(137)
والطيب: ما استطابه الطبع؛ فإذا بلغ طيبه غايته في الطبع؛ فهو طيب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُم يعْلَمُونَ) أنها معصية فلا يقيمون عليها، ولكن يتوبون، فمن تاب من ذنبه فجزاؤه ما ذكر. * * * قوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ). يحتمل أحكامًا، والأحكام تكون على وجهين: حكم يجب لهم، وهو الثواب عند الطاعة، واتباع الحق، وعذاب يحل بهم عند الخلاف والمعصية. ويحتمل " السنن ": الأحكام المشروعة. (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) حتى تروا آثار من كذب الرسل وما حلَّ بهم من العذاب؛ بالتكذيب. أو (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ): أي سلوا من يعلم ما الذي حل بهم حتى يخبروكم ما مضى من الهلاك في الأمم الخالية، فهذا تنبيه من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - إياهم أنكم إن كذبتم الرسول - فيحل بكم ما قد حل بمن قد كان قبلكم، وإن أطعتم الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فلكم من الثواب ما لهم، فاعتبروا به كيف كان جزاؤهم بالتكذيب. وما في القرآن مثل هذا فمعناه: لو سئلت لأخبروك. وقيل: (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ): أي: تفكروا في القرآن يخبركم عن الأمم الماضية؛ فكأنكم سرتم في الأرض، وما في القرآن مثل هذا - فمعناه: لو سألتَ لأخبروك؛ فإن فيه خبر من كان قبلكم من الأمم، وما لهم من الثواب بالتصديق والطاعة، وما عليهم من العقاب بالتكذيب، واللَّه أعلم.
(138)
وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) يحتمل في المكذبين بالرسل والمصدقين، (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) يحتمل: لو سرتم فيها لرأيتم آثارهم، ولعرفتم بذلك ما إليه ترجع عواقب الفريقين. ويحتمل: الأمر بالتأمل في آثارهم، والنظر في الأنباء عنهم؛ ليكون لهم به العبر، وعما هم عليه مزدجر. ويحتمل " السنن ": الموضوع من الأحكام، وبما به امتحن من قبلهم؛ ليعلموا أن الذي بلوا به ليس ببديع؛ بل على ذلك أمر من تقدمهم؛ كقوله. (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ)؛ وكقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، واللَّه أعلم. وقوله: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ (138) يحتمل قوله: (هَذَا بَيَانٌ) يعني: القرآن؛ هو بيان للناس، وهدى من الضلالة. (وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) أي: يتعظ به المتقون. ويحتمل (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ): ما ذكر من السنن التي في الأمم الخالية. دل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)، أن لله في صرف الدوْلة إلى أهل الشرك فعل وتدبير؛ إذ أضاف ذلك إليه ما به الدولة، ثم ذلك معصية وقهر وتذليل، فثبت جواز كون ما هو فعل معصية إلى اللَّه من طريق التخليق والتقدير، واللَّه أعلم؛ إذ ذلك لهم بما هم عصاة به - عَزَّ وَجَلَّ - واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَا تَهِنُوا (139) ولا تضعفوا في محاربة العدو، ولا تحزنوا بما يصيبكم من الجراحات والقروح؛ كقوله - تعالى -: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ)، ويحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَهِنُوا): في الحرب وأنتم تعملون لله؛ إذ هم لا
(140)
يضعفون فيها، وهم يعملون للشيطان. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَحْزَنُوا) على ما فاتكم من إخوانكم الذين قتلوا. ويحتمل: ما أصابكم من القروح؛ أي: تلك القروح والجراحات لا تمنعكم عن قتال العدو؛ ولكم الآخرة والشهادة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ). قيل فيه بوجوه: قيل: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) في الآخرة. وقيل: (الْأَعْلَوْنَ) المحقون بالحجج. وقيل: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) في النصر؛ أي: ترجع عاقبة الأمر إليكم. ويحتمل أن النصر لكم إن لم تضعفوا في الحرب، ولم تعصوا اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ورسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. ويحتمل: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ): لكم الشهادة إذا قتلتم؛ وأحياء عند اللَّه، وهم أموات. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). ليس على الشرط؛ ولكن على الخبر؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ)، أي: إذ كن يؤمن باللَّه، وإن كنتم مؤمنين بالوعد والخبر. * * * قوله تعالى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وقوله: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ). اختلف فيه: قيل: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ) في آخر الأمر؛ يعني في أُحد؛ فقد مسَّ المشركين قرح مثله يوم بدر، يذكر هذا - واللَّه أعلم - على التسكين؛ ليعلموا أنهم لم يخصوا بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ). تحتمل الآية وجوهًا: يومًا للمؤمنين ويومًا عليهم، وذلك أن الأمر بمجاهدة العدو والقتال معهم محنة من اللَّه - تعالى - إياهم يمتحنهم ويبتليهم؛ مرة بالظفر لهم والنصر على عدوهم، ومرة بالظفر للعدو عليهم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)، وكقوله: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)، يمتحن عباده، بجميع أنواع المحن، بالخير مرة، وبالشر ثانيًا. ويحتمل المداولة -أيضًا وجهًا آخر: وهو أن الظفر والنصر لو كان أبدًا للمؤمنين- لكان الكفار إذا أسلموا لم يسلموا إسلام اختيار؛ ولكن إنما آمنوا إيمان قهر وكره وجبر؛ لما يخافون على أنفسهم من الهلاك إذا رأوا الدولة والظفر للمؤمنين، وإن كان الظفر والنصر أبدًا للكفار؛ فلعلهم يظنون أنهم المحقون فيمنعهم ذلك عن الإسلام. ويحتمل أن ما يصيب بمعصية المؤمنين إنما يصيب بمعصية سبقت منهم، أو خلاف كان منهم؛ من ترك أمر أو ارتكاب نهي، واللَّه أعلم. فإن طعن طاعن من الملاحدة في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ)، أليس وعد أنكم إن نصرتم دينه ينصركم، وأخبر -أيضًا- أنه إن نصركم فلا غالب لكم، فإذا نصرتم دينه فلم ينصركم؛ أليس يكون خلفًا في الوعد؟ أو إن نصركم فغلبتم يكون كذبًا في الخبر. قيل: لهذا جواب من أوجه: قيل: يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: إن تنصروا دين اللَّه في الدنيا ينصركم في الآخرة بالحجج؛ كقوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا. . .) الآية، وكقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا). وقيل: إن تنصروا دين اللَّه ولم تعصوا اللَّه فيه - ينصركم؛ فلا غالب لكم. وقيل: يحتمل: إن تنصروا دين اللَّه جملةً - ينصركم؛ كقوله - عليه السلام -: " لَنْ يُغْلبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِن قِلَّةٍ، كَلِمَتُهُم وَاحِدَة " وكقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ
مَا سَأَلْتُمُوهُ). وقيل: إن تنصروا دين اللَّه ينصركم؛ أي: يجعل الظفر؛ والنصر في العاقبة لكم، وكذلك: وإن كان في ابتداء الأمر الغلبة على المؤمنين؛ فإن العاقبة لهم في الحروب كلها، ومقدار ما كان عليهم إنما كان لأمر سبق منهم: إمَّا إعجابًا بالكثرة؛ كقوله - تعالى -: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا)، وإما خلافًا لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) دلالة أن كان من اللَّه معنى لديه تكون الغلبة لهم؛ بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -؛ (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ) ولكان هو يجعل أبدًا الدولة لأحد الفريقين، وقد أخبر أنه يجعل لهما، ومعلوم إن كانت الدولة بالغلبة، فثبت أن من اللَّه في صنع العباد - صنع له أضيف إليه صنيعهم، واللَّه أعلم. ثم معلوم أن الغلبة لو كانت للمسلمين - كان ذلك ألزم للحجة، وأظهر للدعوة، وأدعى إلى الإجابة، وفيها كل صلاح، فثبت أن ليس في المحنة شرط إعطاء الأصلح، واللَّه أعلم. وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) رد قول الأصلح؛ حيث قالوا: إن اللَّه لا يفعل إلا الأصلح في الدِّين، يقال لهم: أي صلاح للمؤمنين في مداولة الكافرين على المؤمنين؟!. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا): أي: ليعلم ما قد علم بالغيب أنه يؤمن بالامتحان مؤمنًا شاهدًا، وليعلم ما قد علم أنه يكون كائنًا. وجائِز أن يراد بالعلم: المعلوم؛ كقوله: الصلاة أمر اللَّه، أي: بأمر اللَّه. وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا. . .) الآية، تخرج على أوجه:
أحدها: أن ما وصفت اللَّه به إذا ذكرت معه الخلق - تذكر وقت كون الخلق؛ لئلا يتوهم قدمه، وإذا وصفت اللَّه - تعالى - بلا ذكر الخلق وصفته به في الأزل؛ نحو أن تقول: عالم، قادر، سميع - في الأزل، فإذا ذكرت المسموع والمقدور عليه والمعلوم - ذكرت وقت كونه؛ لتزيل توهم القدم على الآخر؛ وعلى هذا عندنا القول بـ " خالق " " رازق " ونحو ذلك، واللَّه أعلم. والثاني: على تسمية محلومة علمًا في مجاز اللغة؛ وذلك كما سمّى عذاب اللَّه في القرآن أمره، وسمى الناس الصلاة -وغيرها من العبادات- أمره، على معنى أنها تفعل بأمره؛ وكذلك ما سميت الجنة رحمته، على أن كان فيها؛ فيكون: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا): أي: ليكون الذين آمنوا على ما علمه يكون، واللَّه أعلم. والثالث: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) في الغيب شهودا؛ إذ هو عالم الغيب والشهادة، وتحقيق ذلك لا يكون بحادث العلم، وذلك نحو من يعلم الغد يكون؛ يعلمه بعد الغد، وإن لم يكن له حدوث العلم قد كان؛ وعلى هذا قيل: ليعلمه كائنًا لوقت كونه ما قد علمه يكون قبل كونه، واللَّه أعلم. وقال بعض أهل التأويل: ليكون الذي علمه يكون بالمحنة ظاهرًا موجودًا، وهو يرجع إلى ما بيّنا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ليراه، وهذا من صاحبه ظن أن الكلام في الرؤية لعله أيسر، وعن التشبيه أبعد، وعند من يعرف اللَّه حق المعرفة: هما واحد. والأصل في هذا ونحوه في الإضافات إلى اللَّه: أنها كانت بالأحرف المجعولة المتعارف في الخلق، ثم هي تؤدي عن كل ما يضاف إليه، ويشار إليه ما كان عرف من حال ذلك قبل الإضافة، لا أن يقدر عند الإضافة معنى لا نعرفه به لولا ذلك، على ما عرف من الاشتراك في اللفظ والاختلاف في المعنى؛ فعلى ذلك أمر الإضافة إلى اللَّه - تعالى - ويوضح ذلك ما لم يفهم أحد من قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ)، ما فهم من إضافة الحدود إلى غيره؛ وكذلك بيوت اللَّه، وعباد اللَّه، وروح
اللَّه وكلمته، ونحو ذلك، فمثله الذي نحن فيه. وجائز -في الجملة- أن يوصف اللَّه بأنه لم يزل عالمًا بكون كل ما يكون كيف يكون؟ وفي وقت كونه كائنًا؛ وبعد كونه قد مضى كونه؛ على تحقيق التغير في أحوال الذي يكون لا في اللَّه - سبحانه وتعالى - إذ تغير الأحوال واستحالتها من آيات الحدث وأمارات الصنعة. قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ): قيل فيه بوجهين: أحدهما: " ولم يعلم "، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: على إثبات أنه علم أنهم لم يجاهدوا؛ كقول الناس: ما شاء اللَّه كان، وما لم يشأ لم يكن، أي: شاء ألا يكون، لا يكون. والثاني: أنه عالم بكل شيء، فلو كان منكم جهاد لكان يعلمه، وإنما لم يعلمه؛ لأنه لم يكن؛ وعلى ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)، أي: ليس لهم. والثاني: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمَّا يَعْلَمِ) بمعنى: إلا؛ كقوله: (لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) - بالتشديد - بمعنى: إلا عليها حافظ؛ فيكون معنى الآية: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ)؟! لا تدخلوها إلا أن يعلم اللَّه مجاهدتكم، أي: حتى تجاهدوا فيعلم اللَّه ذلك منكم موجودًا، واللَّه أعلم. وكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) أي: ليعلم ما قد علم أنه يصير صابرًا؛ وكذلك قوله: (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)، أي: ليعلمن الذين قد علم أنهم يصدقون - صادقين، وليعلمن الذين قد علم أنهم يكذبون - كاذبين، وكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ)، أي: حتى يعلم ما قد علم أنهم يجاهدون - مجاهدين، وأصله: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) ليعلم شاهدًا ما قد علم غائبًا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ) أي: يستشهدون في سبيل اللَّه بأيدي عدوهم.
(141)
ويحتمل: ويتخذ منكم شهداء على الناس؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)، وفيه دلالة أنهم لا يستوجبون بنفس الإيمان الشهادة على الناس، حتى تظهر الصيانة والعدالة في أنفسهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا (141) أي: يمحص ذنوبهم وسيئاتهم. وقوله: - عَزَّ وَجَلَّ - (وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ): أي: يهلكهم ويستأصلهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا): ما ذكرنا من تمحيص الذنوب على ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " السَّيفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ ". (وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ): أي: يهلكهم، ولا يكون السيف تمحيصًا لهم من الكفر، بل يهلكهم في النار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ (142) قيل: بل حسبتم أن تدخلوا الجنة. (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ). قيل فيه بوجهين: قيل: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ): أي: ولم يعلم اللَّه الذين جاهدوا منكم؛ أي: لم يجاهدوا. وقيل: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ)، و " لما " بمعنى: " إلا يعلم "، بمعنى: لا تدخلون الجنة إلا أن يعلم اللَّه الذين جاهدوا منكم؛ وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ): من قرأ بالتشديد؛ فكان معناه:، إلا عليها حافظ "، ومن قرأ بالتخفيف؛ فمعناه: لَعَلَيها حافظ، و " ما " صلة. وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -؛ (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ)، أي: ظننتم ذلك، (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ)، وقال في موضع آخر: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ) الآية.
(143)
بمعنى: ولم تجاهدوا، ولم يصبكم مثل الذي ذكر؛ ففي ذلك وعد أن يصيب أُولَئِكَ الذين خاطبهم به ما أصاب من تقدمهم، وأن اللَّه قد يعلم أنهم يجاهدون قبل الموت؛ وعلى هذا قال قوم في تأويل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ): أن يدخلوا الجنة إذا أصابهم مثل الذي أصاب من تقدمهم، واللَّه أعلم. فيكون تأويل (لَمَّا): ولم، والألف صلة. وقيل: يحتمل بالتشديد منه: إلا؛ كما قيل في تأويل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) بالتشديد: " إلا عليها حافظ "؛ فيكون بمعنى الإضمار: لا تدخلوا إلا أن يعلم اللَّه الذين جاهدوا منكم، وقد بينا ما في العلم في الحرف الأول على أنه له وجهان -أيضًا-: أحدهما: أن اللَّه لم يعلم بذلك، وهو العالم بكل شيء فلو كان: لكان يعلمه. والثاني: أن يعلموا أن يكونوا لم يجاهدوا بعد، وسيجاهدون على ما بينا، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وقوله: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ): قيل فيه بوجهين: قيل: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: تمنون ما فيه الموت، وهو القتال. وقيل: تمنون الموت نفس الموت. ثم يحتمل وجوهًا: يحتمل: يتمنون إشفاقًا على دينهم الإسلام؛ لئلا يخرجوا من الدنيا على غير دينهم الذي هم عليه، ويحتمل أن يكونوا تمنوا الموت، لينجوا أو يتخلصوا من تعذيب الكفار إياهم وتغييرهم؛ على ما قيل: إن أهل مكة كانوا يعذبونهم، طلبوا النجاة منهم
(144)
والخلاص، واللَّه أعلم. وقيل: يتمنون الموت، أي: يتمنون الشهادة؛ لما سمعوا لها من عظيم الثواب وجزيل الأجر، تمنوا أن يكونوا شهداء لله - عَزَّ وَجَلَّ - أحياء عند ربهم، واللَّه أعلم. وقيل: في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ): وذلك حين أخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّّ - عن قتلى بدر، وما هم فيه من الخير؛ فتمنوا يومًا مثل يوم بدر؛ فأراهم اللَّه يوم أحد فانهزموا، فعوتبوا على ذلك بقوله: (تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ)، يعني: يوم أحد. وقوله: - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ). يحتمل أيضًا، وجوهًا: يحتمل: فقد رأيتم أسباب الموت وأهواله. ويحتمل: فقد رأيتم أصحابكم الذين قتلوا بين أيديكم، على تأويل من صرف قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ) إلى القتال، واللَّه أعلم. وقوله - عزّ وجلّ -: (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ). يحتمل: (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)؛ إلى الموت، يعني: إلى موت أصحابكم أو إلى القتال. ويحتمل: (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)، أي: تعلمون أنكم كنتم تمنون الموت، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ (144) يحتمل هذا وجهين: يحتمل - واللَّه أعلم -: أن يقول لهم: إنكم لما آمنتم بمحمّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قبل أن يبعث لم تؤمنوا به؛ لأنّه مُحَمَّد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولكن آمنتم بالذي أرسله إليكم، والمُرسِل حي، وإن كان مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قتل أو مات على زعمكم؛ فكيف انقلبتم على أعقابكم؟!.
قال الشيخ - رحمه اللَّه -: في الآية خبر بانقلاب من علم اللَّه أنه يرتد بموت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ). والشاكرون: الذين جاهدوهم، قد أخبر اللَّه - تعالى - أنه يحبّهم ويحبّونه. وقال الحسن: إن أبا بكر الصّديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان - واللَّه - إمام الشاكرين. ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن من كان قبلكم من قوم موسى وعيسى - عليهما السلام - كانوا يكذبون رسلهم ما داموا أحيّاء؛ حتى قال لهم موسى - عليه السلام - (يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ)، وكذلك قال عيسى - عليه السلام -: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا) الآية، فإذا ماتوا ادعوا أنهم على دينهم، وأنهم صدقوهم فيما دعوهم إليه، وإن لم يكونوا على ذلك، فلم ينقلبوا على أعقابهم؛ فكيف تنقلبون أنتم على أعقابكم إن مات مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أو قتل؟!. والانقلاب على الأعقاب: على الكناية والتمثيل، ليس على التصريح، وهو الرجوع إلى ما كانوا عليه من قبل من الدِّين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا): أي: من ارتد بعد الإسلام فلن يضرّ اللَّه شيئًا؛ لأنه لم يستعملهم لنفسه، ولكن إنما استعملهم لأنفسهم؛ ليستوجبوا بذلك الثواب الجزيل في الآخرة، فإنما يضرون بذلك أنفسهم، لا اللَّه - تعالى. والثاني: أنه إنما يأمرهم ويكلفهم؛ لحاجة أنفسهم، لا أنه يأمر لحاجة نفسه، ومن أمر آخر في الشاهد: إنما يأمر لحاجة نفس الآمر، فإذا لم يأتمر لَحِق ضرر نَفْس ذلك الآمر، فإذا كان اللَّه - سبحانه - يتعالى عن أن يأمر لحاجته؛ وإنما يأمر لحاجة المأمور، فإذا ترك أمره - ضر نفسه، وباللَّه التوفيق. (وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ): قيل: الموحّدين لله.
(145)
وقيل: الذين آمنوا وجاهدوا يجزيهم في الآخرة، وكل متمسك بأمر اللَّه ومؤتمر بأمره فهو شاكر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (145) يحتمل قوله: (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)، أي: لا يموت إلا بقبض المسلط على قبض الأرواح - روحه؛ كقوله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ): إن مات أو قتل. ويحتمل: (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ): إلا بعلم اللَّه. (كِتَابًا مُؤَجَّلًا): قيل: وقتًا موقتًا، لا يتقدم ولا يتأخر، مات أو قتل، ما لم تستوف رزقها وأجلها. وقيل: (كِتَابًا مُؤَجَّلًا)، أي: مبينًا في اللوح المحفوظ، مكتوبًا فيه. وقوله: (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا): أي: من أراد بمحاسن أعماله الدنيا نؤته منها. (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ): أي: من يرد بأعماله الصالحات ومحاسنه الآخرة نؤته منها. [(وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ)]: وهو كقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) على قدر ما قدر (وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)؛ فكذلك هذا -أيضًا- واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) وقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ):
قيل: فيه لغات: أحدها: " قاتل معه " بالألف، وتأويله: وكم من نبي قاتل معه ربيون كثير، فقتل؛ على الإضمار. والثاني: " وكم من نبيّ قُتِل معه ربيون كثير "، برفع القاف. والثالث: " وكم من نبي [قَاتَلَ] معه ربيون كثير " بالنصب. ومعنى الآية - واللَّه أعلم -: كم من نبي قتل معه ربيون كثير، فلم ينقلب أتباعه على أعقابهم؛ بل كانوا بعد وفاتهم أشد اتباعًا لهم من حال حياتهم؛ حتى قالوا: لن يبعث الله من بعده رسولا؛ فما بالكم يخطر ببالكم الانقلاب على أعقابكم، إذا أخبرتم أنه قتل نبيكم أو مات؟!. وفي إنباء هذه الأمة قصصَ الأمم الخالية وأخبارهم - وجهان. أحدهما: دلالة إثبات رسالة رسولنا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنهم علموا أنه لم يختلف إلى أحد منهم ممن يعلم هذا، ثم أخبر بذلك، فكان ما أخبر؛ فدل أنه علم ذلك باللَّه. والثاني: العمل بشرائعهم وسننهم، إلا ما ظهر نسخه بشريعتنا؛ ألا ترى أنه ذكر محاسنهم وخيراتهم؛ وإنما ذكر لنتبعهم في ذلك ونقتدي بهم، وذكر مساوئهم وما لحقهم بها؛ لننتهي عنها ونكون على حذر مما أصابهم بذلك، واللَّه أعلم. وقوله: (رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ): اختلف فيه - عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " عالم كثير "، وعنه -أيضًا-: " الجموع الكثير ". وعن الحسن - رحمه اللَّه - مثله.
(147)
وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: الألوف. وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال في قوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)، يقول: قاتل؛ ألا ترى أنه يقول: (فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ). ثم اختلف في قوله: (فَمَا وَهَنُوا) (وَمَا ضَعُفُوا). قيل: فما وهنوا في الدِّين، وما ضعفوا في أنفسهم في قتال عدوهم بذهاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من بينهم؛ فما بالكم تضعفون أنتم؟! ويحتمل قوله: (فَمَا وَهَنُوا)، يعني: فما عجزوا لما نزل بهم من قتل أنبيائهم، وما ضعفوا في شيء أصابهم في سبيل اللَّه من البلايا. وقيل: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا وَهَنُوا) يرجع إلى: (قَاتَلَ) إلى المقاتلين وفي " قتل " إلى الباقين. وقوله: (وَمَا اسْتَكَانُوا): قيل: لم يذلّوا في عدو لهم، ولم يخضعوا لقتل نبيهم؛ بل قاتلوا بعده على ما قاتلوا معه؛ فهلا قاتلتم أنتم على ما قاتل عليه نبيكم؛ كما قاتلت القرون من قبلكم إذا أصيب أنبياؤهم، واللَّه أعلم. (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ): على قتال عدوّهم، وعلى كل مصيبة تصيبهم. وقوله: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا (147) قيل: وما كان قول الأمم السالفة عند قتل نبيهم - إلا أن قالوا: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) الآية، يقول: يعلِّمُ اللَّه هذه الأمة ويعاتبهم: هلا قلتم أنتم حين نُعِي إليكم نبيكم كما قالوا القوم في الأمم السالفة؟!.
(148)
وقوله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)، قيل: الذنوب: هي المعاصي. وقوله: (وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا): والإسراف: هي المجاوزة في الحد، والتعدّي عن أمره. وقيل: هما واحد. وقوله: (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا). يحتمل وجهين: يحتمل: ثبتنا على الإيمان، ودين الإسلام، والقَدمُ كناية؛ كقوله: (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا) أي: تكفر بعد الإيمان، وكقوله: (يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)؛ وذكر القدم لما بالقدم يثبت. ويحتمل قوله: (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) وفي قتال العدو، وفزعوا إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بعد ذهاب نبيّهم من بينهم؛ ليحفظهم على ما كان يحفظهم في حياة نبيهم. وقوله: (وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ): يحتمل: النصر عليهم بالحجج والبراهين. ويحتمل: النصر بالغلبة والهزيمة عليهم. وقوله: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا (148) يحتمل ثواب الدنيا: الذكر والثناء الحسن، وهم كذلك اليوم نتبعهم ونقتدي آثارهم وهم موتى. ويحتمل -: على ما قيل-: النصر والغنيمة. وقوله: (وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ): الدائم، وذُكِر في ثواب الآخرة " الحُسْن "، ولم يذكر في ثواب الدنيا الحسن؛ لأن
(149)
ثواب الآخرة دائم لا يزول أبدًا، وثواب الدنيا قد يزول، أو أن يشوب في ثواب الدنيا آفاتٌ وأحزان؛ فينقص ذلك، وليس ثواب الآخرة كذلك، واللَّه أعلم. وقوله: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) الإحسان يحتمل وجوهًا ثلاثة: يحتمل: المحسن: العارف، كما يقال: فلان يحسن ولا يحسن. ويحتمل: المعروف من الفعل -مما ليس عليه- يصنع إلى آخر؛ تفضلًا منه وإحسانًا. ويحتمل: اختيار الحسن من الفعل على القبيح من الفعل والسوء؛ وكان كقوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ): هذا يختار المحاسن من الأفعال على المساوئ، والله أعلم. ويحتمل: المحسنين إلى أنفسهم باستعمالها فيما به نجاتها. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ): يحتمل الطاعة لهم: طاعة الدِّين، أي: يطيعونهم في كفرهم. ويحتمل: الطاعة لهم في ترك الجهاد مع عدوهم؛ كقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً) والآية، وقوله: (يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ). قد ذكرنا، أي: يردوكم على دينكم الأول، وهو على التمثيل والكناية، واللَّه أعلم. وقوله: (بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ (150)
(151)
أي: أولى بكم، أو ناصركم، أو حافظكم، أو وليكم. (وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ): أي: خير من ينصر من نصره؛ فلا يغلب، كقوله: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ). وقوله: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ (151) هذه بشارة من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالنصر له؛ حيث أخبر أنه يلقي في قلوبهم الرعب، وكذلك روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " نُصِرتُ بِالرعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ "، وكان ما ذكر؛ لأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يأتيهم بعد ذلك ويقصدهم، لا أنهم أتوه، وكانوا قبل ذلك يأتون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويقصدونه. وقوله: (بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا): أي: بالشرك ما فذف في قلوبهم من الرعب، من غير أن كان لهم بما أشركوا حجة أو كتاب أو برهان أو عذر؛ قال ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " السلطان في القرآن حجة ". وقوله (وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ): أي: مقامهم في النار. (وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ): أي: النار بئس مقام الظالمين. وقوله: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ (152) أي: أنجز اللَّه وعده؛ حيث أخبر أنه يلقي في قلوبهم الرعب، وقد فعل. (إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ): قال أهل التفسير: [إذ تَقْتُلُونَهُمْ] (¬1). وقوله: (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ): ¬
هو على التقديم والتأخير: " حتى إذا تنازعتم وفشلتم "؛ إذ التنازع هو سبب الفشل والجبن؛ كقوله: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ) وقيل: في القصّة: إن نفرًا من رماة أمرهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يكونوا في مكان، وألا يدعوا موقفهم، فتركوه ووقعوا في غنائمه؛ فعوقبوا على ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ)، يحتمل: ما أراكم ما تحبون من الهزيمة والغنيمة. ويحتمل: ما أراكم من النصر لكم على عدوكم، وإنجاز الوعد لكم. وقوله: - عَزَّ وَجَلَّ - (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ): روي عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " ما كنا نعرف أن أحدًا من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يريد الدنيا، حتى نزل قوله:، (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا). وقوله: (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ). روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله - تعالى -: (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ)، يعني: هُزِمَ المسلمون، يقول: صرفوا عن المشركين منهزمين، بعد إذ كانوا هزموهم، لكن لما عصوا وتركوا المركز صرفهم اللَّه عن عدوه: (لِيَبْتَلِيَكُمْ) أي: ذلك الصرف كان لكم من اللَّه ابتلاء ومحنة. وقيل: كان ذلك العصيان -الذي منكم كان- من اللَّه ابتلاء؛ ليعلم من قد علم أنه يعصي عاصيًا، واللَّه أعلم. ودلّ قوله - عَزَّ وَجَلَّّ -: (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ) - وإن كان الانصراف فعلهم -أن الله
لفعلهم - على ما عليه فعلهم - خالقٌ، وأن خلق الشيء ليس هو ذلك الشيء؛ إذ ذلك الشيء إذا كان انصرافًا عن العدو معصيّة، وقد تبرأ اللَّه - تعالى - عن أن تضاف إليه المعاصي، وقد أضاف انصرافهم إلى فعله وهو الصرف - ثبت أنه غير فعلهم، واللَّه أعلم. (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ): يحتمل وجهين: يحتمل: (عَفَا عَنْكُمْ)؛ حيث لم يستأصلكم بالقتل. ويحتمل: (عَفَا عَنْكُمْ)؛ حيث قبل رجوعكم وتوبتكم عن العصيان. وهذه الآية قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ صَرَفَكُمْ)، وقوله: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) - ترد على المعتزلة؛ وكذلك قوله - تعالى -: (لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَليهِمُ القَتلُ)، إلى آخر الآية؛ لأنهم يقولون: هم الذين صرفوا أنفسهم لا اللَّه، وهم الذين كتبوا عليهم القتل لا اللَّه، وهم الذين يداولون لا اللَّه، وقد أضاف - عَزَّ وَجَلَّ - ذلك إلى نفسه؛ فعلى ذلك لا يضيف إليه إلا عن فعل وصنع له فيه؛ ولأنهم يقولون: لا يفعل إلا الأصلح لهم في الدِّين، فأي صلاح كان لهم في صرفه إياهم عن عدوهم؟! وأي صلاح لهم فيما كتب عليهم القتل؟! فدل أن اللَّه قد يفعل بعباده ما ليس ذلك بأصلح لهم في الدِّين، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ): بالعفو عنهم، وقبول التوبة؛ حيث عصوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وتركوا أمره، وعلى قول المعتزلة عليه أن يفعل ذلك؛ فعلى قولهم ليس هو بذي فضل على أحد، نعوذ باللَّه من السرف في القول. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: الفائدة في تخصيص المؤمنين بالامتنان عليهم دون جملة من بعث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيهم ومنهم، مع ما ذكر منته بالبعث من أنفسهم، وقد بيّنا وجه المنة في البعث من جوهر البشر - وجهان: أحدهما: أن من لم يؤمن به لم يكن عرف نعمة من اللَّه - تعالى - وإن كان - في الحقيقة - نعمة منه لهم، ورحمة لهم وللعالمين، فخص من عرفه ليشكروا له بما ذكرهم؛ وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) أي: هم يقبلون ويعرفون حق الإنذار.
(153)
والثاني: أنه صار لهم حجة على جميع الأعداء: أنهم لا يطيعون لمعنى كان منهم، إلا وللمؤمنين عليهم وجه دفع ذلك بما كان عليه ما عرفوه به قبل الرسالة؛ لما فيه لزوم القول بصدقه؛ فيكون ذلك منة لهم وسرورًا ونعمة عظيمة؛ فاستأداهم اللَّه لشكرها، ولا قوة إلا باللَّه. * * * قوله تعالى: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ): فيه لغتان: " تَصْعدون " بفتح التاء، وهو من الصعود أن صعدوا الجبل، " وتُصعدون " بالرفع، وهو أن أصعدوا أصحابهم نحو الوادي؛ لأن المنهزم الأوّل إذا التفت فرأى منهزمًا آخر اشتد. وقيل: الإصعاد هو الإبعاد في الأرض. وقيل: تَصْعدون من صعود الجبل، وتُصعدون في الوادى من الجبل. وقوله: (وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ): أي: لا تلتفتون على أحد، ولا ترجعون. (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ).
أي: الرسول يدعوكم وينادي وراءكم: إلَيَّ أنا الرسول. وقيل: يناديكم من بعدكم: إِلَيَّ أنا رسول اللَّه يا معشر المؤمنين، وكان يصل نداؤه في أخراهم بأولهم بعضهم ببعض، فلم يرجعوا إليه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ): اختلف فيه، قيل: غمّ الأول: الهزيمة والنكبة التي أصابتهم، والغم الآخر: الصوت الذي سمعوا: قُتِل مُحَمَّد - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - فذلك غم على غم. ويحتمل: (غَمًّا): بعصيانهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - اغتموا، والغم الآخر: أن كيف يعتذرون إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بتركهم المركز، وعصيانهم إياه والخلاف له. وقيل: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ): أي: مرة بعد المرة الأولى. وقيل: (غَمًّا بِغَمٍّ)، أي: هزيمة بعد هزيمة: أصابتهم هزيمة بعد هزيمة من قتل إخوانهم، وإصابتهم الجراحات. وقيل: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا): بعصيانكم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، (بِغَمٍّ): الذي أدخلوا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بترككم المركزَ والطاعةَ له، وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) وهو غم الهزيمة والنكبة، بالغم الذي أدخلوا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في عصيانهم إياه، وإهمالهم المَقْعَد الذي أمرهم بالمقام فيه. وقيل: غمًا بالغم الذي له تركوا المركز، وهو أن غمهم اغتنام أصحابهم. وقيل: غم الاعتذار إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالغم الذي جنوه به؛ حيث مالوا إلى الدنيا، وعصوه فيما أمرهم. وقيل: غمًا على أثر غم، نحو: القتل، والهزيمة، والإرجاف بقتل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وحقيقته: أن يكون أحد الغمين جزاء، والآخر ابتداء، وفي ذلك تحقيق الزلة والجزاء؛ وذلك كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ).
(154)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ): يعني: من الفتح والغنيمة، ولا ما أصابكم من القتل والهزيمة. ويحتمل قوله: (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) من الدنيا، (وَلَا مَا أَصَابَكُمْ): فيها من أنواع الشدائد؛ بما أدخلتم على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من الغمّ بعصيانكم إيّاه. (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ): على الوعيد. وقوله: (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ (154) قيل فيه بوجهين؛ قيل: الطائفة التي أتاهم النعاس هم المؤمنون، سمعوا بانصراف العدو عنهم فصدقوا الخبر فناموا؛ لأن الخوف إذا غلب يمنع النوم، وأمَّا الطائفة التي قد أهمتهم أنفسهم هم المنافقون، لم يصدّقوا الخبر فلم يذهب عنهم الخوف، فلم ينعسوا؛ وذلك كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا) الآية. وقيل: كانت الطائفتان جميعًا من المؤمنين، لكن إحداهما قد أتاها النعاس؛ لما أمنوا من العدو، والأخرى لا؛ بعصيانهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وترْكِهم أمره منع ذلك النوم عنهم؛ إذ كيف يلقون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وكيف يعتذرون إليه؟ واللَّه أعلم. وعن ابن مسعود - رضي اللَّه عنه - قال: " النُّعَاسُ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيطَانِ، وَفِي القِتَالِ أَمَنَة مِنَ اللَّه ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ): قيل: يظنون باللَّه ألا ينصر محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، ذا في غير المؤمنين. وقيل: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ) [ظنونًا] كاذبة، إنما هم أهل شرك وريبة في أمر اللَّه، يقولون: [(لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا)]. وقوله: - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَقُوُلونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ): قيل: يقولون بعضهم لبعض: (هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ)، يعني بالأمر: النصر
والغنيمة. وقيل: قالوا ذلك للمؤمنين. (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) يعني النصر والفتح كلّه بيد اللَّه. (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ): والذين يخفون قولهم: لو أقمنا في منازلنا ما قتلنا هاهنا، وقيل: يقولون: (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)، قالوا: ليس لنا من الأمر من شيء؛ إنما الأمر إلى مُحَمَّد، ولو كان الأمر لنا ما خرجنا إلى هَؤُلَاءِ حتى قتلنا هاهنا. قال اللَّه - تعالى -: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ): قيل: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ) كما يقولون: (لَبَرَزَ)، يعني: لخرج من البيوت (الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ)؛ ليقتلوا. وقيل: من كتب عليه القتل يظهر الذي كتب عليه حيث كان. وقيل: إذا كتب على أحد القتل لأتاه، ولو كان في البيت، وكقوله: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)، وقيل: متى كتب اللَّه على قوم القتل فلم يموتوا أبدًا؟! وفي هذا بيان أن الآجال المكتوبة هي التي تنقضي بها الأعمار: إن كان قتلًا فقتل، وإن كان موتًا فموت، لا على ما قالت المعتزلة: إن القتل تعجيل عن أجله المكتوب له وعليه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ): والابتلاء هو الاستظهار؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) تبدي وتظهر، وذلك يكون بوجهين: يظهر بالجزاء مرة، ومرة بالكتاب، يعلم الخلق من كانت سريرته حسنة بالجزاء، وكذلك إذا كانت سيئة، أو يعلم ذلك بالكتاب.
(155)
وقوله - تعالى -: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ)، أي: ليظهر اللَّه للخلق ما في صدورهم مما مضى، وليجعله ظاهرًا لهم. (وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) من الذنوب. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " الابتلاء والتمحيص هما واحد ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ): يقول: هو عالم بما في صدورهم من سرائرهم، ولكن يجعلها ظاهرًا عندكم. ويحتمل الابتلاء -هاهنا- الأمر بالجهاد؛ ليعلموا المنافق منهم من المؤمن، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ (155) يعني: إن الذين انصرفوا عن عدوهم مدبرين منهم منهزمين يوم التقى الجمعان: جمع المؤمنين، وجمع المشركين. وقوله: (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا): أي: إنما انهزموا ولم يثبتوا خوفًا أن يقتلوا بالئبات؛ فيلقوا اللَّه وعليهم عصيان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فكرهوا أن يقتلوا وعليهم معصية رسول اللَّه جمم؛ خوفًا من اللَّه - تعالى -. (وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) وبما خافوا اللَّه بعصيانهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. ويحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) - أن اللعين لما رآهم أجابوه إلى ما دعاهم من اشتغالهم بالغنيمة، وتركهم المركز، وعصيانهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - دعاهم إلى الهزيمة، فانهزموا وتولوا - عدوَّهم. ويحتمل قوله: (بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا)، أي: بكسبهم، قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)؛ فكذلك هذا، واللَّه أعلم. (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ). قَبِلَ توبتكم، وعفا عنكم، (حَلِيمٌ) لم يخزكم وقت عصيانكم، ولا عاقبكم، أو حليم بتأخير العذاب عنكم.
(156)
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) وقوله - عزّ وجلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى) الآية. اختلف في قوله - تعالى -: (الَّذِينَ كفروا)، قَالَ بَعْضُهُمْ: نهى المؤمنين أن يكونوا كالذين كفروا في السر والعلانية. (وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ)، يعني: المنافقين، (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا). وقيل: لا تكونوا كالمنافقين قالوا لإخوانهم -يعني: لبعضهم-: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا. وقيل: قالوا لإخوانهم، يعني: المؤمنين الذين تولوا، وهم كانوا إخوانهم في النسب، وإن لم يكونوا إخوانهم في الدِّين والمذهب. لا حاجة لنا إلى معرفة قائله من كان، ولكن المعنى ألا يقولوا مثل قولهم لمن قتل. وقوله: (إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ)، يعني: إذا ضربوا في الأرض تجارًا أو " غزى "، أي: غزاة. وقيل: قوله: (إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ) أو كانوا غزاة على إسقاط الألف. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ): أي: ليجعل اللَّه ذلك القول الذي قالوا حسرة يتردد في أجوافهم. ويحتمل قوله: (لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً) يوم القيامة؛ كقوله: (أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي: واللَّه يحيي من ضرب في الأرض وغزا، ويميت من أقام ولم يخرج غازيًا، أي:
(157)
لا يتقدم الموت بالخروج في الغزو، ولا يتأخر بالمقام وترك الخروج، دعاهم إلى التسليم، إنما هي أنفاس معدودة، وأرزاق مقسومة، وآجال مضروبة، ما لم يفناها واستوفاها وانقضى أجلها: لا يأتيها. (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ): وعيد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) أي أن الموت إن كان لا بدّ نازل بكم؛ فقتلكم أو موتكم في طاعة اللَّه وجهاده خير من أن ينزل بكم في غير طاعة اللَّه وسبيله. (لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون): من الأموال. (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) أي: إن متم على فراشكم، أو قتلتم في سبيل اللَّه - فإليه تحشرون، فمعناه - والله أعلم - أي: إن لم تقدروا على أن لم تحشروا إليه، كيف تقدرون ألا ينزل على فراشكم بكم الموت، وإن أقمتم في بيوتكم؟! واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ): يحتمل هذا وجهين: يحتمل: فبرحمة من اللَّه عليك لنت لهم؛ كقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ويحتمل قوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ): فيجب أن يكون الإنسان رحيما على خلقه؛ على ما جاء في الخبر قال لأصحابه: " لَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تَرَاحَمُوا "، فقيل: كلنا نرحم يا رسول اللَّه، فقال: " لَيسَ تَرَاحُمَ الرجُلِ وَلَدَهُ أَوْ أَخَاهُ، وَلَكِنْ يَتَرَاحَمُ بَعْضُهُم بَعْضًا " أو كلام نحو هذا. وما جاء: " مَنْ لَمْ يَرحَم صَغِيرَنَا، وَلَم يُوَقر كَبِيرَنَا - فَلَيسَ مِنَّا "، وما جاء: " مَنْ لَمْ
يَرحَمْ أَهْلَ الأَرْضِ لَمْ يَرحَمْهُ أَهْلُ السَّمَاءِ "؛ كما قال اللَّه - تعالى -: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) الآية، وقد أمر اللَّه عباده أن يعامل بعضهم بعضا بالرحمة واللين، إلا عند المعاندة والمكابرة؛ فحينئذ أمر بالقتال؛ كقوله لموسى وهارون -حيث أرسلهما إلى فرعون- فقال: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) وكان اللين في القول أنفذ في القلوب، وأسرع إلى الإجابة، وأدعى إلى الطاعة من الخشن من القول، وذلك ظاهر في الناس؛ لذلك أمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - رسله باللين من المعاملة، والرحمة على خلقه، وجعله سبب تأليف القلوب وجمعها، وجعل الخشن من القول والفظ سبب الفرقة بقوله: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا) في القول (غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) أي: لو كنت في الابتداء فظًّا غليظًا لتفرقوا ولم يجتمعوا عندك. وقوله - عزّ وجل -: (فَاعْفُ عَنْهُمْ) بأذاهم إياك ولا تكافِهِم، واستغفر لهم فيما بينهم وبين ربهم. ويحتمل قوله: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) بما عصوك ولا تنتصر منهم، وكذلك أمر اللَّه المؤمنين جملة أن يعفوا عنهم، وألا ينتصروا منهم بقوله: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ)، وكان أرجى للمؤمنين قوله: (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ)؛ كما قال اللَّه - تعالى -: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ. . .) الآية، وقوله -أيضًا-: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ): لا جائز أن يؤمر بالاستغفار لهم ثم لا يفعل، وإذا فعل لا يجاب؛ فدل أنه ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وكذلك دعاء إبراهيم - عليه السلام -: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)، ودعاء نوح - عليه السلام -: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ
دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)، لا يجوز أن يدعو هَؤُلَاءِ الأنبياء - عليهم السلام - ثم لا يجاب لهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ): أمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يشاور أصحابه في الأمر؛ ففيه وجوه ثلاثة: أحدها: أنه لا يجوز له أن يأمره بالمشاورة فيما فيه النص، وإنما يأمر بها فيما لا نص فيه؛ ففيه دليل جواز العمل بالاجتهاد. والثاني: لا يخلو أمره بالمشاورة، إما لعظم قدرهم وعلو منزلتهم عند اللَّه، أو لفضل العقل ورجحان اللب؛ فكيفما كان فلا يجوز لمن دونهم أن يسووا أنفسهم بهم، ولا جائز -أيضًا- أن يأمر نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بمشاورة أصحابه، ثم لا يعمل برأيهم؛ دل أنهم إذا اجتمعوا كان الحق لا يشذ عنهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنما أمر نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بمشاورتهم في أمر الحرب والقتال، وعن الحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " لما أنزل اللَّه - تعالى -: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) - قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إِنَّ اللهَ ورَسُولَهُ غَنيَّانِ عَنْ مُشاوَرَتِكُم "؛ ولكنه أراد أن يكون سُنَّة لأمته "، وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كان يقرأ: " وشاورهم في بعض الأمر ". وقيل: أمر اللَّه نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه وحي السماء؛ لأنه أطيب لأنفس القومِ، وأن القوم إذا شاورهم بعضهم بعضًا فأرادوا بذلك وجه اللَّه - عزم الله لهم على أَرْشدِهِ. وقيل: إن العرب في الجاهلية كانوا إذا أراد سيدهم أن يقطع أمرا دونهم، لا يشاورهم في الأمر شق عليهم؛ فأمر اللَّه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يشاورهم في الأمر إذا أراد؛ فإن ذلك أعطف لهم عليه، وأذهب لأضغانهم. وفي بعض الأخبار قيل: " يا رسول اللَّه، ما العزم؟ قال: " أن تستشير ذا الرأي، ثم
(160)
تطيعه ". وكان يقال: ما هلك امرؤ عن مشورة، ولا سعد ثبور، قيل: الثبور: الذي لا يستشير ويعمل برأيه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ): أي: لا تتكلن إلى نفسك، ولا تعتمدن على أحد؛ ولكن اعتمد على اللَّه وَكِلِ الأمر إليه. وقيل: فإذا فرق ذلك الأمر بعد المشاورة فامض لأمرك، فإن كان في أمر الحرب على ما قيل فهو - واللَّه أعلم - لا تعجبن بالكثرة، ولا ترَيَنَ النصر به، ولكن اعتمد بالنصر على اللَّه؛ كقوله - تعالى -: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا)، واللَّه أعلم بما أراد، بذلك؛ كقوله: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ (160) صدق اللَّه من كان اللَّه ناصره؛ فلا يغلبه العدو من بعد. (وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ) أي: يترككم (فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ): والنصر يحتمل وجهين، يحتمل: المعونة، ويحتمل: المنع: كقوله - تعالى -: (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ)، أي: أعانكم اللَّه؛ فلا يغلبكم العدو، (وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ): ولم يعنكم؛ فمن ذا الذي أعانكم سواه؟! ومن المنع، أي: إن منع اللَّه عنكم العدوَّ، فلا غالب لكم، (وَإن يَخْذُلكُم)، ولم يعنكم، فمن الذي يمنعكم من بعده؟! والخذلان في الحقيقة هو: ترك المأمول منه ما أُمِّلَ منه، واستعمل في هذا كما استعمل الابتلاء على غير حقيقته. وقوله: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ):
(161)
هو على الأمر في الحقيقة كأنه قال: وعلى اللَّه فتوكلوا أيها المؤمنون. والتوكل: هو الاعتماد عليه، وتفويض الأمر إليه، لا بالكثرة والأسباب التي يقوم بها، من نحو: القوة والعدة والنصرة والغلبة، وفي الشاهد إنما يكون عند الخلق بثلاث: إمّا بالكثرة، وإما بفضل قوَّة بطش، وإمَّا بفضل تدبير ورأي في أمر الحرب، وجميع نصر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وغلبته على عدوه إنما كان لا بذلك؛ ولكن بالتوكل عليه وتفويض الأمر إليه؛ دل أن ذلك كان باللَّه - عزَّ وجلَّ - وذلك من آيات نبوته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. * * * قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) وقوله - عزَّ وجلَّ -: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) فيه قراءتان: " يَغُلَّ " بنصب الياء، وبرفع الياء ونصب الغين، ومن قرأه بنصب الياء فذلك يحتمل وجهين: يحتمل: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) أي: لم يكن نبي من الأنبياء غل قط، وهو أحق من لا تتهمونه؛ لعلمكم به؛ فكيف اتهمتموه هنا بالغلول؟! وقيل: إن ناسًا من المنافقين خَشوا ألا يقسم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الغنيمة بينهم؛ فطلبوا القسمة؛ فنزلت هذه الآية. وقيل: قالوا: اعدل يا مُحَمَّد في القسمة؛ فنزل هذا. ويحتمل قوله: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) أي: قد كنتم عرفتموه من قبل أن يرسل، فما
عرفتموه خان قط أَوْ غَلَّ؛ فكيف يحتمل الخيانة بعدما أرسل؟! هذا لا يحتمل. ومن قرأه بالرفع أي: يُغَلَّ، فهو -أيضًا- يحتمل وجهين، أي: يتهم بالغلول في الغنيمة؛ فهو يرجع إلى تأويل الأول. ويحتمل قوله: " أن يُغَلَّ " أن يخان في الغنيمة، لا يخون ولا يحل أن يخان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في الغنيمة؛ فإنه يطلع على ذلك، يطلع اللَّه [رسوله]، على ما جاء في بعض الأخبار أنه مرَّ بقبر، فقال: إنه في عذاب، قيل: بماذا يا رسول اللَّه؟! فقال: " إِنَّهُ كَانَ أَخَذَ مِنَ الغَنِيمَةِ قَدْرَ دِرْهَمَينِ أَوْ نَحْوَهُ ". ويحتمل: خصوص الغنيمة بما يتناول الغالَّ حِلُّهُ، بما لا يعرف له صاحب؛ كالمال الذي لا مالك له، وربما يباح التناول منه للحاجة والأخذ بغير البدل بوجه لا يحتمل بتلك أكل الحل من ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ): أي: يؤخذ به يوم القيامة، وهكذا كل من أخذ من مال غيره بغير إذنه؛ فإنه يؤخذ به. وقال بعض الناس: وإنما خص الغنيمة بفضل وعيد؛ لأن الغلول فيها يجحف بحق الفقراء وأهل الحاجة، أو يضر ذلك أصناف الخلق، وسائرُ الأموال ليس كذا. وقيل: إنما جاء الوعيد في هذا أنهم كانوا أهل نفاق، يستحلون الغلول في الغنيمة والأخذ منها، وهذا كأنه أشبه. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: بعث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - جيشًا فغلوا رأس ذهب؛ فنزلت الآية، (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ). وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -أيضًا- قال: فُقِدَتْ قطيفة حمراء يوم بدر مما
(162)
أصيب من المشركين؛ فقال الناس: لعل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أخذها لنفسه؛ فأنزل اللَّه - تعالى -: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ (162) قيل: أفمن لم يغل، ولم يأخذ من الغنيمة شيئًا - كمن غلَّ وأخذ منها؟! ليسا سواء؛ رجع أحدهما برضوان اللَّه، والآخر بسخطه. ويحتمل: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ): أفمن أطاع اللَّه واتبع أمره، كمن عصى اللَّه واتبع هواه؟! ليسا بسواء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ (163) والدرجات - واللَّه أعلم -: ما يقصدها أهلها. والدركات: ما تدركهم من غير أن يقصدوها؛ كالدرك في العقود يدرك من غير قصد. وقيل: الدرجات: ما يعلو. والدركات: ما يَسْفُل، واللَّه أعلم. فهذا في التسمية المعروفة أنْ سُمِّيَتِ النار دركات والجنة درجات، وحقيقة ذلك واحد، والآية تدل على الأمرين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ (164) وجه المنة فيما بعث الرسل عليهم من البشر، ولم يرسلهم من الملائكة ولا من الجن - وجوه: أحدها: أن كل جوهر يألف بجوهره، وينضم إليه ما لم يألف بجوهر غيره، ولا ينضم إلى جنس آخر، فإذا كان كذلك، والرسل إنما بعثوا لتأليف قلوب الخلق وجمعهم، والدعاء إلى دين يوجب الجمع بينهم، ويدفع الاختلاف من بينهم - فإذا كان ما وصفنا بُعِثُوا من جوهرهم وجنسهم؛ ليألفوا بهم وينضموا إليهم، واللَّه أعلم. والثاني: أن الرسل لابد لهم من أن يقيموا آيات وبراهين لرسالتهم، فإذا كانوا من غير جوهرهم وجنسهم لا يظهر لهم الآيات والبراهين؛ لما يقع عندهم أنهم إنما يأتون ذلك بطباعهم دون أن يأتوها بغير إعطائهم إياها ذلك. والثالث: أن ليس في وسع البشر معرفة غير جوهرهم وغير جنسهم من نحو الملائكة
والجن؛ ألا ترى أن البشر لا يرونهم؟! فإذا كان كذلك بُعِثوا منهم؛ ليعرفوهم ولتظهر لهم الحجة، واللَّه أعلم. ثم المنة الثانية: حيث بعثهم من نسبهم وجنسهم وحَسَبهم لم يبعثهم من غيرهم؛ وذلك أنهم إذا بعثوا من غير قبيلهم وجنسهم لم يظهر لهم صدقهم ولا أمانتهم فيما ادعوا من الرسالة، فبعثهم منهم؛ ليظهر صدقهم وأمانتهم، لَمَّا ظهر صدقهم وأمانتهم في غير ذلك؛ فيدلّ ذلك لهم أنهم لما لم يكذبوا بشيء قط ولا خانوا في أمانة - لا يكذبون على اللَّه تعالى. والثاني: أنهم إذا كانوا من غير نسبهم فلعلهم إذا أتوا بآية أو براهين يقولون: إنما كان ذلك بتعليم من أحد، واختلاف إلى أحد ممن يفتعل بمثل هذا، بعثهم اللَّه منهم؛ ليعلموا أنهم إذا لم يتعلموا من أحد، ولا اختلفوا فيه - أنهم إنما علموا ذلك باللَّه - تعالى - لا بأحد من البشر، واللَّه أعلم. ألا ترى أن ما أتى به موسى - صلوات اللَّه عليه - من الآيات من نحو: العصا، واليد البيضاء وغير ذلك لو كان سحرًا في الحقيقة لكان من أعظم آيات رسالته: لأنه لم يعرف أنه اختلف إلى أحد في تعلم السحر قط، وقد نشأ بين أظهرهم، فكيف ولم يكن سحرًا؟! فدل أن لله على خلقه منة عظيمة؛ فيما بعث الرسل من نسبهم وقرابتهم، وممن نشأ بين أظهرهم لمعنى الذي وصفنا، واللَّه أعلم. وقيل: قوله؛ (رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ)، أي: من العرب معروف النسب أميًّا؛ ليعلموا أنه إنما أتى به ما أتى سماويا وَحْيًا، وألا يرتابوا في رسالته وفيما يقوله، كقوله: (وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ): يحتمل: إعلام رسالته ونبوته، ويحتمل الآيات الحجج والبراهين، هما واحد، ويحتمل: آيات القرآن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُزَكِّيهِمْ): يحتمل: التزكية من الزكاء والنماء، وهو أن أظهر ذكرهم، وأفشى شرفهم ومذاهبهم؛ حتى صاروا أئمة يذكرون ويقتدون بهم بعد موتهم؛ كقوله - نعالى -: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا)
(165)
أظهره ولم يُخمل ذكرهم؛ ألا ترى أنه قال: (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) أي: أخفاها وأخملها؟! ويحتمل: (وَيُزَكِّيهِمْ)، أي: يطهرهم بالتوحيد، وقيل: (وَيُزَكِّيهِمْ)، أي: يأخذ منهم الزكاة؛ ليطهرهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) أن ينصرف إلى وجوه، وقد ذكرناه في غير موضع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ): وقد ذكرنا الضلال أنه يتوجه إلى وجوه: إلى الهلاك، وإلى الحيرة، وإلى خمول الذكر وغيره. * * * قوله تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ): يوم أحد؛ حيث قتل منكم سبعون. (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا) يوم بدر: قتلتم سبعين وأسرتم سبعين. وقيل: إن ذلك كله يوم أُحد كانت الدائرة والهزيمة على المشركين في البداية، ثم هُزِم المؤمنون، يقول: إن أصابكم في آخره ما أصاب، فقد أصابهم -أيضًا- مثلاها؛ يذكر هذا لهم - واللَّه أعلم - على التسلي بما أصيبوا؛ ليتسلى ذلك عنهم، أو يذكرهم نعمَهُ عليهم بما أصيب المشركون مثلي ذلك؛ ليشكروا له عليها، وليعلموا أنهم لم يُخَصُّوا هم بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) هو: كأنه يعاتبهم - واللَّه أعلم - بقولهم: (أَنَّى هَذَا)؛ فقال (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ): يعاتبهم بتركهم الاشتغال بالتوبة عما ارتكبوا من عصيان ربهم، والخلافِ لنبيهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ إذ مثل ذلك الكلام لا يكون إلا ممن كان متبرئًا عن ارتكاب المنهي والخلافِ لأمره، فأما من كان منه ارتكاب المناهي والخلاف لربه؛ فلا يسع ذلك أو كان ما أصابهم إنما أصاب محنة منه، ولله أن يمتحن عباده بأنواع المحن على يدي من شاء؛ إذ كلهم عبيده، فعاتبهم لما لم يعرفوا محنه، و (قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا)، ونحن مسلمون نقاتل في سبيل اللَّه، وهم مشركون؟! فقال: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)، يقول: بمعصيتكم الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وبتركبهم ما أمركم به من حفظ المركز وغيره؛ كقوله: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ). قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله - تعالى -: (قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا): يخرج إن كان من أهل النفاق مخرج الاستهزاء، أي: لو كان ما يقول مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من النصر له والرسالة حقًّا؛ فمن أين بُلي بهذا؟! وذلك كقولهم: (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا) وقولهم يوم الخندق: (مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا)، وغير ذلك مما عليه معتمدهم في إظهار الإسلام، واللَّه أعلم. وإن كان ذلك من أهل الإيمان فهو سؤال تعريف الوجه الذي بلوا به، وهم أنصار دين اللَّه، وقد وعد لأنصار دينه النصر، وإن الذي يتصره اللَّه لا يغلبه شيء، وكان قد وُعِدوا إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، أو بما كانوا رأوا الدَّبْرَةَ عليهم والهزيمة من الأعداء، فيقولون: بم انقلب علينا الأمر؛ فبين أنه بما قد عصوا ومالوا عن اللَّه، وإن كان ذلك عن بعضهم لا عن كلهم: فجائز ذلك بحق المحنة؛ إذ قد يجوز الابتداء به مع ما يكون ذلك عن المعاصي أزجر، وللاجتماع على الطاعة أدعى؛ إذ المحنة بمثله تدعوا كلًّا إلى اتقاء الخلاف، ومنع إخوانه -أيضًا- عن ذلك؛ فيكون به التآلف وصلاح ذات البين، واللَّه أعلم
(166)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): من النصر والهزيمة، ولكن ما أصابكم إنما أصاب بمعصيتكم ربكم، وخلافكم رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أو أصابكم؛ محنة منه إياكم. وقوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) جمع المؤمنين، وجمع المشركين. (فَبِإِذْنِ اللَّهِ): قيل: فبمشيئة اللَّه وإرادته، وقيل: (فَبِإِذْنِ اللَّهِ): فبتخلية اللَّه إياكم لما لعلهم رأوا النصر والغلبة بالكثرة، أو بالقوة والعدة؛ فخلاهم اللَّه بينهم وبين عدوهم؛ ليعلموا أن أمثالهم مع قلتهم وضعفهم لا ينتصرون من أمثال أُولَئِكَ مع كثرة عددهم، وقؤة أبدانهم، وعدتهم في سلاحهم، ولكن باللَّه ينتصرون منهم، ويتغلبون عليهم. وقيل: (فَبِإِذْنِ اللَّهِ): بعلم اللَّه، أي: يعلم اللَّه ما يصيبكم من خير أو شر، ليس عن سهو وغفلة منه يصيبكم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا (167) كما ذكرنا فيما تقدم؛ ليعلم ما قد علم أنهم يؤمنون، ويصبرون على البلايا والقتال مؤمنين صابرين محتسبين؛ وكذلك ليعلم ما قد علم أنهم ينافقون، ويصيرون منافقين، غير صابرين، ولا محتسبين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -؛ (وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا): قوله: (أَوِ ادْفَعُوا): يحتمل: (أَوِ ادْفَعُوا)، أي: كثروا السواد؛ لأن المشركين إذا
رأوا سواد المؤمنين كثيرًا، يُرهبهم ذلك ويخوفهم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ). ويحتمل: أو ادفعوا العدو عن أنفسكم؛ لما لعلهم يقصدون أنفس المؤمنين المقاتلين، أو ادفعوا عن أموالكم وذراريكم ويقصدون ذلك، أو ادفعوا عن دينكم إذا قصدوا دينكم، وقد يقصدون ذلك، أو أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا) - واحدًا، أي: قاتلوا في سبيل اللَّه وادفعوا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ) يعني: المنافقين، قيل: قال المنافقون الذين تخلفوا في المدينة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وقيل: قال ذلك غيرهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ): يعني: المنافقين، أخبر أنهم إلى الكفر أقرب من الإيمان للكفر وإلى الكفر من الكفر، كل ذلك لغة، وفي حرف حفصة: هم " إلى الكفر أقرب "، وتأويله - واللَّه أعلم -: أن المنافقين كانوا لا يعرفون اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ولا كانوا يعبدونه؛ فإنما هم عباد النعمة، يميلون إلى حيث مالت النعمة: إن كانت مع المؤمنين؛ فيظهرون من أنفسهم الوفاق لهم، وإن كانت مع المشركين فمعهم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ. . .) الآية، وكقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ. . .) الآية، وأما الكفار: فإنهم كانوا يعرفون اللَّه، لكنهم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان لوجهين: أحدهما: لما اتخذوها أربابًا. والثاني: يطلبون بذلك تقربهم إلى اللَّه زلفى؛ كقولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، لكنهم إذا أصابتهم الشدة، ولم يروا فيما عبدوا الفرج عن ذلك - فزعوا إلى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، كقوله - تعالى -: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ)، فإذا ذهب ذلك عنهم عادوا إلى دينهم الأول، وقوله - عز وجل -: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ) الآية، وأمّا المؤمنون: فهم في جميع أحوالهم: في حال الرخاء والشدة، والضراء والسراء - مخلصون لله صابرون على مصائبهم وشدائدهم قائلون: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ): يحتمل هذا وجوهًا: قيل: إنما كانوا كذا؛ لأنهم كانوا يقولون للمؤمنين: (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) وإن كان للكافرين نصيب قالوا: (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ): ذكروا كونهم مع المؤمنين، وذكروا في الكافرين استحواذهم عليهم، ومنعهم من المؤمنين؛ فذلك آية الأقرب منهم. ويحتمل: أقرب منهم للإيمان؛ لأن ما أظهروا من الإيمان كذب، والكفر نفسه كذب؛ فما أظهروا من الإيمان فهو كذب إلى الكذب الذي هم عليه أقرب، وهو الكفر. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ)، قال: " هم يومئذ يسرون الكفر، ويظهرون الإيمان، وسرّ العبد أولى من علانيته، وفعله أولى من قوله ". (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ): وهو قولهم، وقيل: وهم منهم أقرب؛ لأنهم كانوا في الحقيقة كفارًا على دينهم. وفي قوله - تعالى -: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ) - يحتمل الذم، وقيل: كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا): فيكون الوصف بالقرب على الوقوع والوجوب؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، أي: هي لهم - وباللَّه التوفيق - وذلك لأنهم كانوا أهل نفاق، والكفر لم يكن يفارق قلوبهم، وما كان من إيمانهم كان بظاهر اللسان، ثم قد يفارقها في أكثر أوقاتهم، واللَّه أعلم. وقد يكون على القرب من حيث كانوا شاكين في الأمر، والشاك في أمر الكفر والإيمان تارك للإيمان؛ إذ حقيقته تصديقٌ عن معرفة، ولم يكن لهم معرفة، والكفر قد يكون بالتكذيب؛ كأن له بما يكذب علم بالكذب أولًا؛ فلذلك كان الكفر أقرب إليهم، ويحتمل: أقرب إليهم: أولى بهم، وهم به أحق أن يعرفوا؛ بما جعل اللَّه لهم من إعلام
(168)
ذلك في لحن القول، ثم في أفعال الخير، ثمّ في أحوال الجهاد، ومما يظهر منهم من آثار الكفر في الأقوال والأفعال مما جاء به القرآن، واللَّه أعلم. فإدن قيل في قوله: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) -: كيف عم هَؤُلَاءِ بالعقوبة، وإنما كان العصيان والخلاف في الأمر من بعضهم لا من الكل، قيل: لما خرج لهم ذلك مخرج الامتحان والابتلاء، لا مخرج الجزاء لفعلهم، ولله أن يمتحن عباده ابتداء بأنواع المحن من غير أن يسبق منهم خلاف في الأمر أو عصيان، وكل عقوبة خرجت مخرج جزاء عصيان أو خلاف في أمر - لم يؤاخذ غيرُ مرتكبها؛ لقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، وما خرج مخرج الامتحان جاز أن يعمهم؛ لما ذكرنا أن له ابتداء امتحان، أو إن كان ما كان منهم بمعونة غيرهم؛ فعمهم لذلك بذلك، كقُطاع الطريق وكسُراق أن تعمهم العقوبة جميعًا: مَنْ أخذ ومن لم يأخذ، ومن تولى ومن لم يتولَّ؛ فكذلك هذا، أو كانوا جميعًا كنفس واحدة؛ فعمهم بذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ ... (168) وقيل: لإخوانهم في الدِّين، ومعارفهم من المنافقين: (لَو أَطَاعُونَا) ولم يخرجوا إلى الجهاد (مَا قتُلُوا). وقيل: لإخوانهم في النسب والقرابة، وليسوا بإخوانهم في الدِّين والولاية؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) ليس بأخيهم في الدِّين ولا في الولاية؛ ولكن كان أخاهم في النسب والقرابة. قوله تعالى: (لَو أَطَاعُونَا) وقعدوا عن الخروج في الجهاد (مَا قتُِلُوا) في الغزو. ثم قال - عَزَّ وَجَلَّ - لنبيّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن قل لهم: (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ) أي: ادفعوا عن أنفسكم الموت (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) بأنهم لو قعدوا في بيوتهم ما قتلوا؛ فمعناه - واللَّه أعلم -: أن من قتل في سبيل الله
(169)
فمكتوب ذلك عليه، ومن مات في بيته فمكتوب ذلك عليه، فإذا لم تقدروا دفع ما كتب عليكم من الموت؛ كيف زعمتم أنهم لو قعدوا ما قتلوا، وهو مكتوب عليهم كالموت؟!. وهذه الآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إن من قتل مات قبل أجله، أو قبل أن يستوفي أجله؛ فهم واليهود فيما أنكر اللَّه عليهم قولهم لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا - سواء بقوله: (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). * * * قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا): قيل فيه بوجوه، قيل: إن المنافقين قالوا للذين قتلوا بأُحُدٍ وببَدْرٍ: إنهم ماتوا؛ فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وبأحد وبدر (أَمْوَاتًا) كسائر الموتى؛ بل هم أحياء عند ربهم. وقيل: قالوا: إن من قتل لا يحيا أبدًا ولا يبعث؛ فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: بل يحيون ويبعثون كما يحيا ويبعث غيرهم من الموتى. وقيل: إن العرب كانت تسمي الميت: مَنْ انقطع ذكره إذا مات ولم يذكر، أي: لم يَبقَ له أحد يُذْكر به؛ فقالوا: إذا قتل هَؤُلَاءِ ماتوا، أي: لا يذكرون؛ فأخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنهم مذكورون في الملأ: ملأ الملائكة، وملأ البشر، وهو الظاهر المعروف في الخلق أن الشهداء مذكورون عندهم. وقيل: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ) أي: يُجْرِي أعمالهم بعد قتلهم، كما كان يُجْري في حال حياتهم، فهم كالأحياء فيما يجري لهم ثواب أعمالهم وجزائهم، ليسوا بأموات. وقيل: إن حياتهم حياة كلفة؛ وذلك أنهم أمروا بإحياء أنفسهم في الآخرة؛ ففعل المؤمنون ذلك: أحيوا أنفسهم في الآخرة؛ فسموا أحياء لذلك، والكفار لم يحيوا أنفسهم
(170)
بل أماتوها؛ فسمى أؤلئك أحياء، والكفار موتى. وقيل: سمى هَؤُلَاءِ أحياء؛ لأنهم انتفعوا بحياتهم، وسمى الكفار أمواتًا؛ لما لم ينتفعوا بحياتهم. ألا ترى أنه - عَزَّ وَجَلَّ - سماهم مرة (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)؛ لما لم ينتفعوا بسمعهم ولا ببصرهم ولا بلسانهم، ولم يسم بذلك المؤمنين؛ لما انتفعوا بذلك كله؟! فعلى ذلك سمى هَؤُلَاءِ أحياء؛ لما انتفعوا بحياتهم، وأُولَئِكَ الكفرةَ موتى؛ لما لم ينتفعوا بحياتهم، واللَّه أعلم. وقال الحسن: إن أرواح المؤمنين يعرضون على الجنان، وأرواح الكفار على النار؛ فيكون لأرواح الشهداء فضل لذة ما لا يكون لأرواح غيرهم من المؤمنين ذلك، ويكون لأرواح آل فرعون فضل ألم وشدة ما لا يكون لأرواح غيرهم من الكفرة ذلك؛ فاستوجبوا بفضل اللذة على غيرهم اسمَ الحياة. ألا ترى أنه قال - تعالى -: (يُرزَقُونَ): فيها، (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (170) وقيل: إن الناس كانوا يقولون فيما بينهم: من قتل بـ " بدر وأحد " مات فلان ومات فلان؛ فقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ): روي عن مسروق، قال: سألت عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن هذه الآية: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. . .) الآية؛ قال: سألت عن ذلك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فقال: " أرْوَاحُهُم عِنْدَ اللهَ في حَوَاصِلٍ طَيرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَة بِالْعَرشِ، تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِي أَيها شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلِهَا. . . " والحديث طويل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ. . .) الآية: عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " تَنْزِلُ عَلَيهِم صُحُفٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا مَنْ يَلْحَقُ بِهِم مِنَ الشّهَدَاءِ؛ فَبِذَلِك يَسْتَبْشِرُونَ ". وقيل: " يَسْتَبْشِرُونَ " لإخوانهم الذين فارقوهم على دينهم وأمرهم؛ بما قَدِموا عليه من الكرامة والفضل والنعم، الذي أعطاهم اللَّه. وقيل: " يَسْتَبْشِرُونَ "، يعني: يفرحون (بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ)، يعني: من بعدهم من إخوانهم في الدنيا: رأوا قتالا؛ استشهدوا " فلحقوا. وقيل: (لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ): الذين يدخلون في الإسلام من بعدهم. والاستبشار: هو الفرح أو طلب البشارة؛ كأنهم طلبوا البشارة لقومهم؛ ليعلموا بكرامتهم عند اللَّه ومنزلتهم؛ كقول من قال: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27). وقيل: إن الحياة على ضربين: حياة الطبيعي، وحياة العَرَضِي، وكذلك الموت على وجهين. موت الطبيعي، وموت العرضي، ثم حياة العرضي على وجوه: أحدها: حياة الدّين والطاعة؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ). وحياة العلم والبصيرة واليقظة، يسمي العالِم حيًّا، والجاهل ميتًا. وحياة الزينة والشرف، على ما سمى اللَّه - تعالى - الأرض ميتة في حال يبوستها، وحيَّةً: في حال خروج النبات منها بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا). وحياة الذكر واللذة؛ فجائز أن يكون اللَّه - تعالى - لما أخبر أنهم أحياء عند ربهم أن يكون لهم حياة من أحد الوجوه التي ذكرنا: حياة ذكر ولذة، أو حياة زينة وشرف، أو حياة العلم لهم بأهل الدنيا على ما كان لهم قبل ذلك، أو حياة دين وعبادة، أو يُجري عليهم أعمالهم على ما كان لهم قبل الشهادة، وإن كانت أجسادهم في الحقيقة ميتة في أحكام الدنيا عند أهل الدُّنيَا، وهذا يقوي قولنا في المرتد: إنه إذا لحق
(171)
بدار الحرب يحكم في نفسه وماله بحكم الموتى في قسمة المواريث، وقضاء الديون وغيرها، وإن كان هو في الحقيقة حيًّا على ما حكم في أموال الشهداء وأنفسهم بحكم الموتى في حكم الدنيا؛ لما لا يعودون إلى الدنيا، وإن كانوا عند ربهم أحياء؛ فعلى ذلك يحكم في نفس المرتد وأمواله بحكم الموتى؛ لما لا يعود إلى دارنا، وإن كان هو في الحقيقة حيًّا عند اللَّه لما جاز أن يكون حيًّا عند اللَّه، ميتًا عندنا، وجاز أن يكون ميتًا عندنا حيًّا عند اللَّه، واللَّه أعلم. وحياة الطبيعي: هو حياة جوهر، وما به يقوم النفس، وموت الطبيعي هو هلاكه، وفوته واللِّه أعلم. وموت العرضي: هو جهله؛ واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ (171) يحتمل (بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ) أي: بدين من اللَّه؛ كقوله - تعالى -: (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)، قيل: بدينه، ويحتمل: (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ): الجنة، (وَفَضْلٍ): زيادات لهم وكرامات من اللَّه، عَزَّ وَجَلَّ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ): أي: لا يضيع من حسناتهم وخيراتهم وإن قل وصغر؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا)، وكقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ)، كقوله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ. . .) الآية. * * * قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ): قيل: أجابوا اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - والرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى ما دعاهم إليه، وأطاعوا فيما أمرهم
(173)
به من بعد ما أصابهم القرح، أي: الجراحة. قيل: دعاهم إلى بدر الصغرى بعد ما أصابهم بأُحدٍ القروح والجراحات؛ فأجابوه، فذلك قولهَ تعالى -: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. . .) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ): في الإجابة له بعدما أصابتهم الجراحة، وشهدوا القتال معه. (وَاتَّقَوْا): الخلاف له، وترك الإجابة، ويحتمل: اتقوا النار وعقوبته. (أَجْرٌ عَظِيمٌ): في الجنة وثواب جزيل، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ... (173) قيل: إن المنافقين قالوا لأصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعد ما انهزم كفار مكة وولوا أدبرهم: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ)، يخوفونهم؛ حتى لا يتبعوهم على أثرهم، فذلك عادتهم لم تزل؛ كقوله - تعالى -: (مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا)، أي: فسادًا. وقيل: إنه إنما قال ذلك لهم رجل يقال لهم: نعيم بن مسعود، ولا ندري كيف كانت القصة؟.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا): لما وجدوا الأمر على ما قال لهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ووعد لهم، لا على ما قال أُولَئِكَ؛ فزادهم ذلك إيمانًا، أي: تصديقًا. زادهم: قيل: جراءة وقوة وصلابة على ما كانوا من قبل في الحرب والقتال، ويحتمل؛ زادهم ذلك في إيمانهم قوة وصلابة وتصديقًا. وقيل: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا)، أي: تصديقًا ويقينًا بجرأتهم على عدوهم، ويقينهم بربهم، واستجابتهم لنبيهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. فإن قال قائل: ما معنى قوله - سبحانه وتعالى -: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) على أثر قوله - عز وجلَ: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا)، وقول ذلك قول لا يحتمل أن يزيد الإيمان، وليس كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا)؛ لأنها حجج، والحجج تزيد التصديق، أو تحدث، أو تدعوا إلى الثبات على ذلك؛ فيزيد الإيمان؛ فقولهم: اخشوهم، كيف يزيد؟ قيل: يخرج ذلك - واللَّه أعلم - على وجوه: أحدها: أنهم إذا علموا أنهم أهل النفاق، وأنهم يخوفون بذلك، وقد كان وعدهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بصنيعهم، فكذبوهم بذلك، وأقبلوا نحو أمر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إجابة لأمره؛ وتصديقا بوعده، ومجانبة لاغترارهم بأخبار أعدائه والنزول على قولهم؛ فكان ذلك منهم - عند ذلك - زائدًا في إيمانهم مع ما في تكذيبهم؛ ذلك نحو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. . .)، الآية: إنه إذا زاد بتكذيب آيات الله رجسًا؛ فمثله تكذيب المكذب بالآيات؛ لذلك يزيد إيمانًا، واللَّه أعلم. والثاني: أن يكون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أخبرهم بتفرق أعداء اللَّه، وتشتت أمرهم، وأخبرهم المنافقون بالاجتماع؛ فصاروا إلى ما نعتهم به رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فوجدوا الأمر على ما قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وذلك من أنباء الغيب، والإنباء عن الغيب، من أعظم آيات النبوة؛ فزادهم ذلك إيمانًا، واللَّه أعلم، وذلك، قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ. . .) الآية. والثالث: لم لما يغتروا بقول المنافقين، ولا قصدوا لذلك، ولا ضعفوا؛ فأنزل اللَّه -
(174)
تعالى - سكينته على قلوبهم؛ ليزيد لهم بذلك إيمانًا؛ كقوله - تعالى -: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ. . .) الآية، وباللَّه التوفيق. ثم معنى زيادة الإيمان يتخرج على وجوه: أحدها: بحق الابتداء في حادث الوقت؛ إذ له حكم التجدد في حق الأفعال بما هو للكفر به تارك؛ وعلى ذلك قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. . .) الآية، فيكون ذلك بحق الزيادة على ما مضى، وإن كان بحق التجدد في حق الحادث والفرد. والثاني: أن يكون له الثبات عليه؛ إذ حجج الشيء توجب لزومه، والدوام عليه؛ فسمى ذلك زيادة. ويحتمل: أن يكون يزداد له في أمره بصيرة، وعلى ما رغب فيه إقبالا، ولحوقه مراعاة؛ فيكون في ذلك زيادة في قوته أو في نوره، أو بزينته وتمامه، وذلك أمر معروف. ويحتمل: أن يكون ذلك داع إلى محافظة حقوق، والتمسك بأدلته، والوفاء بشرائطه؛ فيزيد ذلك فضله؛ كما عدت صلاة واحدة في التحقيق ألفا؛ بما في ذلك من حفظ الحقوق ومراعاتها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ): فزعوا إلى اللَّه - تعالى - بما رأوا من صدق وعد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لهم وظهور كذب قول المنافقين: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ. . .) الآية، أو قالوا ذلك عند قول المنافقين إياهم: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ)؛ فوضوا أمرهم إلى اللَّه تعالى، وسلموا لما رأوا النصر منه؛ رضاء منهم بكل ما يصيبهم، كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ): مدحهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بما رأوا أنفسهم لله؛ فكذلك هذا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللََّهُ ذُو فَفحلٍ عَظِيم). أي: ذو من عظيم، يدفع المشركين عن المؤمنين. وقرله - عَزَّ وَجَلَّ -. (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) يحتمل النعمة: نعمة الدِّين، على ما ذكرنا.
(175)
وقيل: انقلبوا بنصر من اللَّه والغنيمة، ويحتمل: النعمة من اللَّه: الأمن من العدو؛ لأن المنافقين كانوا يخوفونهم بقولهم: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ)، ويحتمل: النعمة: الجنة، وفضلَ الزيادة على ذلك. وقيل: انصرفوا بأجر من اللَّه وفضل، وهو ما تشوقوا به من الشوق: (لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) ولا قتل، ولا هزيمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ) أي: اتبعوا العمل الذي به رضوان اللَّه، ورضاء رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقيل: اتبعوا طاعته ورضاه. ويحتمل قوله: (بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ): الزيادة في الإيمان، وهو الصلابة والقوة فيه. وقوله: (لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ): مما كانوا يخوفونهم بقوله: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ). ويحتمل قوله - تعالى -: (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ)، أي: رجعوا بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) يخوف أولياءه وأعداءه، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياؤه يخافونه؛ كقوله: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ): ومن لم يتبع، لكن من اتبع الذكر كان يقبل إنذاره، ومن لم يتبع الذكر لا؛ وإلا فإنه كان ينذر الفريقين جميعًا؛ فعلى ذلك الشيطان كان يخوف أولياءه وأعداءه جميعًا، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياءه يخافونه. ويحتمل قوله: (يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ)، أي: بأوليائه، وجائز هذا في الكلام؛ كقوله: (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ)، أي: بيوم الجمع؛ ألا ترى أنه قال: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ)؛ فعلى ذلك قوله: (يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ)، أي: بأوليائه، واللِّه أعلم. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يخوفكم أولياءه، وهذا يؤيد تأويل من يتأول: يخوف بأوليائه، واللَّه أعلم.
(176)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: لا تخافوه لمخالفتكم إياه، (وَخَافُونِ)، أي: خافوا مخالفتكم أمري؛ كقوله: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ). أخبر أنْ ليس له سلطان على الذين آمنوا؛ إنما سلطانه على الذين يتولونه؛ لذلك قال: لا تخافوه؛ لما ليس له عليكم سلطان، وخافون؛ لما لي عليكم سلطان، وباللَّه العصمة. * * * قوله تعالى: (وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) يحتمل الآية وجهين: يحتمل: ولا يحزنك الذين ظاهروا غيرهم من المشركين عليكم، وقد ظاهر أهل مكة غيرهم من المشركين على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيقول اللَّه لرسوله: (وَلَا يَحْزُنْكَ) مظاهرتهم عليك؛ فإن اللَّه ينصرك؛ فيخرج هذا مخرج البشارة له بالنصر على أعدائه والغلبة عليهم. ويحتمل -أيضًا- وجهًا آخر: وهو أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يشتد عليه كفرهم باللَّه، ويحزن لذلك، كقوله - تعالى -: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)؛ فيخرج قوله: (وَلَا يَحْزُنْكَ) مخرجَ تَسْكينِ الحزن، ودفْعِهِ عنه، والتسلي عن ذلك، لا مخرج النهي؛ إذ الحزن يأخذ الإنسان، ويأتيه من غير تكلف ولا صنع، وكقوله - تعالى -: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا): هو على مخرج التسكين والدفع عنه، لا على النهي؛ فكذلك الأول - واللَّه أعلم - وكقوله - تعالى - لأم موسى - عليه السلام -: (وَلَا تَحْزَنِي). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا):
(177)
يحتمل قوله: (لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا)، أي: لن يضروا أولياء اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - إنما ضرر ذلك عليهم، كقوله - تعالى -: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ). ويحتمل: (لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا)؛ لأنه ليس لله في فعلهم وعملهم نفع، ولا في ترك ذلك عليه ضرر؛ إنما المنفعة في عملهم لهم، والضرر في ترك عملهم عليهم، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ): هذه الآية تنقض على المعتزِّلة قولهم؛ لأن اللَّه - تعالى - يقول: أراد ألا يجعل لهم في الآخرة حظًا؛ والمعتزلة يقولون: بل أراد أن يجعل لهم حظا في الآخرة؛ إذ يقولون: أراد لهم الإيمان، وبالإيمان يكون لهم الحظ في الآخرة، فثبت بالآية أنه لم يكن أراد لهم الإيمان، والآية في قوم خاص علم اللَّه - تعالى - أنهم لا يؤمنون أبدًا؛ فأراد ألا يجعل لهم حطا في الآخرة، ولو كان على ما تقوله المعتزلة: بأنه أراد أن يجعل لهم حظا في الآخرة - لما أراد لهم أن يؤمنوا، ولكن لم يؤمنوا لكان حاصل قولهم: أراد اللَّه ألا يجعل لمن أراد يؤمن في الآخرة، وذلك جور عندهم، وباللَّه التوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ): وذكر مرة: (أَلِيم)، ومرة: (شَدِيد)؛ لأن التعذيب بالنار أشد العذاب في الشاهد وأعظمه؛ لذلك أوعد بها في الغائب، وجعل شرابهم وطعامهم ولباسهم منها، فنعوذ باللَّه من ذلك. وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177) قد ذكرنا تأويل هذا فيما تقدم. (لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) وما ذكرنا أنه على الوجهين اللذين وصفتهما، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178) اختلف في قراءتها، قرأ بعضهم بالياء: وبعضهم بالتاء: فمن قرأ بالتاء صرف الخطاب إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فقال: لا تحسبن يا مُحَمَّد أنما نملي لهم خير لهم؛ إنما نملي لهم ليزدادوا شرًّا.
ومن قرأ بالياء: صرف الخطاب إلى الكفرة، فقال: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ) يكون خيرًا لهم؛ بل إنما نملي لهم ليكون سرّا وإثما لهم؛ فالآية على المعتزلة، لكنهم تأولوا بوجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: " ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما؛، إنما نملي لهم خير لأنفسهم "؛ فيقال لهم: لو جاز جعل الآية وصرفها على ما حملتم عليه وصرفتم إليه، جاز حمل جميع الآيات التي فيها وعد للمؤمنين، وصرفها إلى الكافرين، وما كان فيها وعيد للكافرين إلى المؤمنين؛ إذ لا فرق بين هذا وبين جعلكم الخير مكان الإثم، والإثمَ مكان الخير، وبين جعل الوعد في موضع الوعيد، والوعيد في موضع الوعد. والوجه الثاني: قالوا: أخبر اللَّه - تعالى - عما يئول أمرهم في العاقبة، لا أن كان في الابتداء كذلك؛ كقوله - تعالى -: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)، ومعلوم أنهم لم يلتقطوا ليكون لهم عدوًا وحزنًا؛ ولكن إخبار عما آل أمره في العاقبة أن صار لهم عدوًا وحزنًا؛ وكذلك يقال للرجل: سرقت لتقطع، وقتلت لتقتل، وهو لم يسرق ليقطع، ولا قتل ليقتل؛ ولكن إخبار عما آل أمره وحاله في العاقبة؛ فكذلك هذا، لكن الإخبار عما يئول الأمر يخرج مخرج التنبيه عن السهو والغفلة في الابتداء، فاللَّه - سبحانه وتعالى - يتعالى عن ذلك؛ فخرج ذلك مخرج التحقيق في الابتداء، لا مخرج الإخبار عما يئول الأمر في العاقبة، وباللَّه التوفيق. والثاني: أن من أراد أمرًا يعلم أنه لا يكون فهو لجهل يريد ذلك أو لعبث، فاللَّه - سبحانه - يتعالى عن الجهل بالعواقب، أو العبث في الفعل؛ دل أنه كان على ما أراد، لا ما لم يرد، ولو كان اللَّه - سبحانه وتعالى - لا يفعل بخلقه إلا ما هو أصلح لهم في الدِّين وأَخْيَرُ - لم يكن لنهي رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن الإعجاب بما أعطى الكفرة من الأموال والأولاد بقوله - سبحانه وتعالى -: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ. . .)، الآية؛ دلّ أنه قد يعطي ما ليس هو بأصلح في الدِّين ولا أَخْيَرَ، واللَّه أعلم. وقال الشيخ - رحمه اللَّه -: في قوله: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا)، وقولِهِ - تعالى -: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا. . .) الآية، وقوله - تعالى -: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ
مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56) ونحو ذلك من الآيات - فيها وجهان على المعتزلة: أحدهما: قولهم في الأصلح: إن اللَّه - تعالى - لو فعل بالخلق شيئًا غيرهُ أصلحُ لهم في الدِّين في حال المحنة - كان ذلك جَورًا، ومعلوم أن الفعل بهم؛ ليزدادوا إثمًا لا يبلغ في الصلاح في الدِّين الفعلَ بهم؛ ليزدادوا به برا، ومعلوم أنه لو كان كذلك لم يكن ليجوز أن يحذر رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فيقول: لا يعجبك كذا؛ فكأنه قال: لا يعجبك الذي هو صلاح في الذين، ثم يؤكد ذلك بأنه جعل لهم ذلك ليعذبهم بها، ثم شهد على من حسب ما حسبته المعتزلة بأنهم لا يشعرون؛ فكان ذلك شهادة منه - عَزَّ وَجَلَّ - على كل من وافق رأيُهُ رأيَ أُولَئِكَ الكفرة: أنهم لا يشعرون، ومعلوم أن الجبابرة والفراعنة لو لم يجعل اللَّه - تعالى - لهم تلك الحواشي والملك والقوة لم يكن ليجترئوا على دعوى الربوبية، ويبلغوا في المآثم ما بلغوا؛ فيكون فوت ذلك أصلح لهم في الدِّين، وقد قال اللَّه - تعالى -: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ. . .) والآية ثم كان معلومًا أنه إذا كان بما يجعل ذلك للكفرة يكفرون، فلو جعل للمؤمنين يؤمنون، ثم لم يجعل كذلك، واللَّه أعلم. وأيد ذلك قوله - تعالى -: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ ليُعَذبَهُم بِهَا. . .) الآية. والثاني: أن الإرادة إذ هي صفة لكل فاعل مختار في الحقيقة، وقد أخبر لأي وجه أعطى؛ ثبت أنه أراد ذلك مع ما كان المتعالم من فعل كل أحد لا يخرج على ما أراده ولا يبلغ به ما لو فعل أنه يكون على جهل أو سفه. فالأول: يكون فعله على ظن أن يكون ذلك فلا يكون. والثاني: إذا علم ألا يكون؛ فيكون له به عابثًا سفيهًا، جلّ اللَّه - تعالى - عن الوجهين؛ ثبت أن فعله لما علم أنه يكون لا لغيره ليلحقه به وصف جهل أو سفه؛ وبهما سقوط الربوبية. ثم وجهت المعتزلة الآية إلى وجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير بمعنى: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا إنما نملي خير لأنفسهم. وذلك فاسد لوجهين: أحدهما: لو كان جعل الخير شرًّا والشر خيرًا بالتأويل، وصرف الآية عن سياقها ونظمها - لجاز ذلك في كل وعد ووعيد، وأمر ونهي، وتحليل وتحريم؛ فيصير كل أمور
(179)
الدنيا مقلوبًا. والثاني: أنه لو كان كذلك لكان يجب أن يعجب به رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ إذ على كل ذلك معجبًا، ولكانوا فيما حسبوا أن ذلك ضر لهم - يشعرون، لا ألا يشعرون، مع ما قيل: (وَلَا يَحسَبَنَّ) بالياء في بعض القراءة، ومتى كان يحسب الكفرة ذلك شرا حتى يعاتبوا على الحسبان؟! واللَّه الموفق. والثاني: قالوا ذلك خبر عما يئول الأمر إليه؛ كقوله - تعالى -: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)، وهم لا لذلك التقطوا، وكمن يقول للسارق: سرقت لتقطع يدك، وكما يقال: من الوافر . . . . . . . . . . . . لدوا للموت وابنوا للخراب والذي قالوه إنما هو تنبيه وإيقاظ لقوم لا يذكرون عواقب الأمور، فيحرصون عليها عن غفلة بالعواقب، فأما اللَّه - سبحانه وتعالى - فمحال أن يكون أمره على ذلك ليكون فيما يذكره ذلك؛ ألا ترى أن أحدًا لا يقول: ولدت للموت، أو بنيتُ للخراب؛ لأنه لا لذلك يفعل، وإن كان إليه يئول، وإنما هو قول الواعظ لهم بما ذكرت؛ كذلك بطل هذا، وأمر قوم فرعون لم يقل: ليكون لهم عندهم؛ إنما هو ليكون لهم عند اللَّه تعالى، وبما أراد اللَّه، وكان كذلك، ولا قوة إلا باللَّه. وقد بيّنا ما في الحكمة تحقيقه من طريق الاعتبار - ولا قوة إلا باللَّه - والأصل في ذلك أن اللَّه - تعالى - عالم بمن يؤثر عداوته ويعاند آياته، فإرادته ألا يكون منه ذلك حاجة إليه في موالاته، أو إيجاب غلبة عليه في بعض ما يريد، جل اللَّه عن هذا الوصف. قوله تعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)
قيل فيه بوجوه: قيل: لا يترك اللَّه المؤمنين على ما أنتم عليه أيها المنافقون؛ ولكن يمتحنكم بالجهاد وبأنواع المحن؛ ليظهر المنافق لهم من المؤمن. وقيل: ليظهر الكافر لهم من المؤمن المصدق. وقيل فيه بوجه آخر: وذلك أن المنافقين كانوا يطعنون لأصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويستهزئون بهم سرًّا؛ فقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: لا يدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الطعن فيهم، والاستهزاء بهم؛ ولكن يمتحنكم بأنواع المحن؛ لتفتضحوا وليظهر نفاقكم عندهم. ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن قوله: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)، أي: لا يدع المؤمنين على ما أنتم عليه من النفاق والكفر في دار واحدة؛ ولكن يجعل لكم دارًا أخرى يميز فيها الخبيث من الطيب. يجعل الخبيث في النار، والطيب في الجنة؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ) الآية. وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ): قيل فيه بوجهين: قيل: إنهم كانوا يقولون: لا نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي الأنبياء؛ كقولهم: (لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ)؛ ومثل قوله: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً)؛ فعلى ذلك قوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) إلا من اجتباه لوحيه، وجعله موضعا لرسالته، أي: لا يجعلكم رسلًا؛ إذ علم الغيب آية من آيات رسالته، واللَّه أعلم. وقيل: إن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء، فيسترفون؛ فيأتون بأخبارها إلى الكهنة قبل أن يبعث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ثم إن الكهنة يخبرون بها غيرهم من الكفرة؛ فأنزل الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ): بعدما بعث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نبيا، كما كنتم تطلعون على أخبار السماء قبل بعثه. (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: يصطفي من يشاء، فيجعله رسولًا، فيوحي إليه ذلك، أي: ليس الوحي من
السماء إلى غير الأنبياء، عليهم السلام. ويحتمل قوله - تعالى -: (يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ)، أي. لا يُطْلِعُ أحدًا منكم على الغيب إلا من اجتباه منكم لرسالته. ويحتمل قوله: (يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ)، أي: لا ينسخ شرائعه وأحكامه برسول آخر؛ نحو ما بَيْن موسى إلى عيسى - عليهما السلام - ولكنه إن كان فيما بينهما نبي لم يجعل له أحكامًا سوى أحكام موسى - عليه السلام - أبقى تلك الأحكام والشرائع؛ وكذلك ما بين عيسى إلى مُحَمَّد - عليهما الصلاة والسلام - فاجتبى هَؤُلَاءِ؛ لإبقاء شرائعهم وأحكامهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ): ظاهر (وَإِنْ تُؤْمِنُوا): برسله كلهم. (وَتَتَّقُوا): المعاصي. (فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) ويحتمل: (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا) الشرك (فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ). * * * قوله تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182)
(180)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ ... (180) أوتوا العلم بالكتاب أن ما يؤتون من المال، وينالون من النيل بكتمان بعث مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفته وتحريفهما - أن ذلك، خير لهم. (بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ) وفي الدنيا والآخرة، ولو لم يكتموا كان خيرًا لهم في الدنيا ذكرًا وشرفًا، وفي الآخرة ثوابًا وجزاء. وقيل: نزلت في مانعي الزكاة؛ بخلًا منهم وشحًا؛ فذلك وعيد لهم. والأوّل أشبه، واللَّه أعلم. وإن كان في الزكاة - قيل: الجحود بها؛ كقوله - تعالى -: (الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ): فإن كان على التأويل الأول من كتمان نعته وصفته؛ فهو - واللَّه أعلم - يطوق ذلك في عنقه يوم القيامة؛ ليعرفه كل أحد؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ). وإن كان على التأويل الثاني - قيل: إن الزكاة التي منعها تصير حية ذكرًا شجاعًا أقرع ذو ذنبتين، يعني: نابين؛ فيطوق بها في عنقه، فتنهشه بنابيها؛ فيتقيها بذراعيه، حتى يُقضَى بين الناس، فلا يزال معه حتى يساق إلى النار، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): في الآية دلالة أن أهل السماوات يموتون، ليس على ما يقوله القرامطة: إنهم لا يموتون؛ لأنه أخبر أن له ميراث السماوات والأرض، والوارث هو الذي يخلف المورَث؛ دلّ أنه ما ذكرنا، وإن كانوا هم وجميع ما في أيديهم لله - عَزَّ وَجَلَّ - ملكًا له وعبيدًا؛ ألا ترى أنه روي في الخبر: " لَا يَرِثُ الكَافِرُ الْمُسلِمَ، وَلَا الْمُسلِمُ الكَافِرَ، إِلا المَوْلَى مِنْ عبدهِ " سمى ما يكون للمولى من عبده ميراثا، وإن كان العبد وما في يده ملكا للمولى:
فعلى ذلك الأول: سمى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ذلك ميراثًا له، وإن كان عبيده وما في أيديهم ملكًا له، واللَّه أعلم. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: وقوله - تعالى، -: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): وكانت له لا بحق الميراث؛ لوجهين: أحدهما: على الإخبار عن ذهاب أهلها، وبقائه - عَزَّ وَجَلَّ - دائمًا؛ إذ ذلك وصف المواريث أن تكون لمن له البقاء بعد فناء من تقدم، واللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - هو الباقي بعد فناء الكل، مما يجوز القول بما هو له في الحقيقة من قبله بالميراث؛ من حيث مَلَّكَ غيره الانتفاع بذلك؛ وعلى ذلك المرُوي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " لَا يَرِثُ الكَافِرُ الْمُسلِمَ، وَلَا الْمُسلِمُ الكَافِرَ، إِلا المَوْلَى مِنْ عَبدِهِ "، وليس ذلك في الحقيقة ميراثًا، إذ كان له في حال حياته؛ ولكن كان ولاية الانتفاع به فزال؛ وعلى مثل هذا وراثة المسلمين الجنة، لا على انتقال من غيرهم إليهم، ولكن على بقائهم فيها، وحصول أمرها لهم، أو على وراثة ما لو كان من لم يؤمن آمن، وما ادعوا أنها لهم بقولهم: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى)، فصارت ميراثًا لغيرهم ما ادعوا أنها لهم، واللَّه أعلم. والثاني: أن يعلم كل بالموت حقيقتها أنها له فأضيفت إليه بالميراث عنهم؛ كما قال - تعالى -: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جمَيعًا)، (وَإليهِ المَصِيُر)، والمرجع ونحو ذلك من غير غيبة عنه، ولكن ما يعلم كل إذ ذاك ذلك؛ وكذلك قوله - عز وجل -: (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ)، وهو في الحقيقة كل يوم له، ولا قوة إلا باللَّه. وفي الذكر والإخبار أنها له ميراث - تحريض على الإنفاق والتزود؛ إذ هي في الحقيقة لغير أهلها؛ وإنما لهم ما ينفقون ويتزودون دون ما يمسكون، وفيه منع الإمساك؛ وذلك كقوله - تعالى -: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. . .) الآية
(181)
(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ): وعيد منه - عَزَّ وَجَلَّ - إياهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ (181) قيل: لما نزلت: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا. . .) الآية، قالت اليهود: ربكم يستقرض منكم ونحن أغنياء. وليس في الآية بيان أن ذلك القول إنما قاله اليهود أو غيرهم من الكفرة، ولكن فيه أنهم قالوا ذلك؛ فلا ندري من قال ذلك، ولا يجوز أن يشار إلى أحد بعينه إلا ببيان، ثم يحتمل ذلك القول منهم وجوهًا: يحتمل أن يكون قال ذلك أوائلهم؛ على ما قال في قتل الأنبياء - عليهم السلام - وهَؤُلَاءِ لم يَقْتُلُوا؛ ولكن إنما قتلهم أوائلهم، أضيف ذلك إليهم؛ رضاء منهم بصنيعهم؛ فعلى ذلك القول الذي قالوا يحتمل ما ذكرنا. ويحتمل أن يكون هَؤُلَاءِ قالوا ذلك بحضرة أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبمشهدهم، أو قالوا ذلك في سر. فإن قال ذلك أوائلهم؛ فإنه يحتمل وجهين: يحتمل أن يكون اللَّه - تعالى - أعلم ذلك رسولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ تصبيرًا منه إياه وتسكينًا؛ ليصبر على أذى الكفار؛ حيث قالوا في اللَّه ما قالوا فكيف فيه؟! واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون ذلك ليكون ذلك آية من آيات رسالته. وإن كانوا قالوا ذلك بحضرة أصحابه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ ففيه -أيضًا- وجهان: أحدهما: ما ذكرنا من التسكين والتصبير على أذاهم. والثاني: ليعلموا أن جميع ما يقولون محفوظ عليهم، ليس بغائب عنه، ولا غافل عنه؛ كقوله - تعالى -: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ. . .) الآية، لكنه يؤخر ذلك إلى وقت. وإن كانوا قالوا ذلك سرًا؛ ففيه -أيضًا- وجهان: أحدهما: ما ذكرنا أن يكون آية من آيات النبوة؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك باللَّه، على علم منهم أنه لم يكن فيما بينهم من يُنْهِي الخبرَ إليه. والثاني: خرج على التعزية له والتصبير على أذاهم.
ثم معنى قوله - تعالى -: (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)، و (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) - يحتمل وجهين: أحدهما: لئلا يمنوا على الفقراء بما يتصدقون عليهم؛ إذ يعلمون أنه ليس بفقير ولا محتاج ليستقرض لفقره ولحاجته، وكل من أقرض آخر لا لحاجة له في ذلك القرض ولا فقر؛ ولكن ليكون ماله عنده محفوظًا في الشاهد - فإنه لا يَمُن الْمُقْرِضُ عليه؛ بل تكون المنة للذي عنده القرض على الْمُقْرِض؛ حيث يحفظ ماله في السفاتج؛ فعلى ذلك المال الذي يقرضون ويتصدقون على الفقراء، يكون محفوظًا عند اللَّه ليوم حاجتهم إليه؛ فلا منة تكون على الفقير، واللَّه أعلم. والثاني: إنباء عن جوده وكرمه؛ لأن العبد وما في يده له، فلو أراد أن يأخذ جميع ما في يده لكان له ذلك، ثم يطلب منه ببدل يضاعف على ذلك. والثالث: أن المولى في الشاهد إذا طلب من عبده القرض؛ يكون في ذلك شرف للعبد وعظم؛ فعلى ذلك اللَّه - تعالى - إذا طلب من عبده القرض، على علم منه في أنه غني بذاته، لا يجب أن يبخل عليه، وفي ذلك شرفه وعظمه، واللَّه أعلم. وقوله: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ)، قال أهل التفسير: قالت اليهود، وذلك تنبيه بصنيعهم وشدة سفههم؛ حتى زعموا أن يد اللَّه مغلولة، لكن ليس في الآية بيان القائلين، ولا في النسبة إلى أحد تقع سوى خوف الكذب؛ لو لم يكن ذلك منه، لكنهم قالوه، والأغلب على مثله أن يكونوا قالوه سرا، يكون في إظهاره آية الرسالة، أو كانت الأوائل يقولون فيكون في ذلك ذلك؛ إذ لا يحتمل أن يُصْبَرَ لمثله: يقال بحضرة الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - إلا أن يكون في وقت أمروا بالكف؛ فيكون في ذلك بيان قدر طاعتهم لله، مع عظيم ما سمعوا من القول، وجملة ذلك أن في ذكر ذلك دعاء إلى الصبر على أذاهم وسوء قولهم؛ إذ هم مع تقلبهم في نعم اللَّه - تعالى - وعلمهم بأنهم لم ينالوا خيرًا إلا باللَّه - تعالى - اجترءوا عليه بمثل هذا القول، وبلغ عُتُوُّهُم هذا،
واللَّه - جل ثناؤه - مع قدرته وسلطانه يَحْلمُ عنهم ليوم وعدهم فيه الجزاء؛ فمن ليس منه إليهم نعمة ولا تقدم عليهم منه كثير منة - أحق بالصبر لأذاهم، وإعراضٍ عن مكافأتهم؛ وعلى ذلك قوله - تعالى -: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ. . .) الآية، وقال اللَّه تعالى لرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَنَكتُبُ مَا قَالُوا): قيل: سنجزيهم جزاء ما قالوا، وقيل: سنحفظ ما قالوا، وسنثبت، وسألزم، كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)، واللَّه أعلم. وقوله: (وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ): قد ذكرنا هذا فيما تقدم أنه يحتمل: إذ قتل أوائِلُهم؛ فأضيف إليهم لرضائهم بفعلهم؛ كقوله - تعالى - (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)؛ لرضاه بقتله.
(182)
فَإِنْ قِيلَ: ما الحكمة في قوله: (وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ)، والأنبياء - عليهم السلام - لا يرتكبون ما يجب به قتلُهم؛ كقوله - تعالى - (الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. . .) الآية، أطلق القول فيه من غير ذكر اكتساب شيء يستوجب به ذلك، وشرط في المؤمنين اكتساب ما يستوجبون به؛ كقوله: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا. . .) الآية، فكيف ذكر هاهنا - القتل بغير حق، وهم لا يكتسبون ما يستوجبون به القتل؟! قيل: يحتمل قوله: بغير حق، أي: بغير حاجة؛ لأنهم كانوا يقتلون بلا منفعة تكون لهم في قتلهم؛ على ما قيل: إنهم كانوا يقتلون كذا كذا نبيا، ثم يهيج لهم سوق؛ فإذا كان كذلك يحتمل قوله: (بِغَيْرِ حَقٍّ)، أي: بغير حاجة؛ كقول لوط - عليه السلام -: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) فقالوا: (مَا لنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ)، أي: من حاجة، واللَّه أعلم. ويحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ)، أي: قصدوا قصد قتل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فكأنْ قد قتلوه، أو قتلوا أصحابه - رضي اللَّه عنهم - فأضيف إليهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ): أي: الْمُحْرِق، وقد ذكرنا هذا. وقوله: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ (182) ذكر الأيدي؛ لما بالأيدي يقدم، وإن لم يكن هذا مقدمًا باليد في الحقيقة؛ وكذلك (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)، لما باليد يكتسب، واللَّه أعلم.
(183)
قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184) وقولهَ عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ): قيل: إنهم لما دعوا إلى الإسلام - يعني: اليهود - قالوا: (إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ)، وكان ذلك آية في بني إسرائيل؛ فسأل اليهود منْ نبينا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ذلك. وقيل: كان مِنْ قبلنا، في الأمم الخالية ذلك؛ فسألوا من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ذلك، ولكن لم يكن القربان من آيات النبوة والرسالة إن كان؛ فهو من آيات التقوى؛ كقوله - عز وجل -: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ): كان القربان من آيات التقوى؛ ألا ترى أنه قال: يا مُحَمَّد (قُل قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ) يعني: القربان؛ (فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي: إن كان ذلك من آيات النبوة، لم قتلتم الأنبياء الذين أتوا به؟! أو لِمَ قَتَلَ أوائِلُكُم الأنبياءَ؛ إذ أتوا بالقربان، (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ): أنه من آيات النبوة، أو (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ): أنه عهد إليكم ألا تؤمنوا به حتى يأتي بقربان، واللَّه أعلم. وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -أيضًا-: (قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) - فهو، واللَّه أعلم، ادعَوا أن أوائلهم ادَّعَوُا الذي ذكروا من العهد، وهم تبِعُوا أُولَئِكَ، فعرَّفهم صُنْعَ من بدعواهم احتجوا؛ ليكون لهم فيه آيةٌ، أما تكذيبهم بما احتجوا بوصية المتقدمين في ذلك، فَبَطَل عذرهم؛ إذ هم قتلوهم؛ فلا يجوز تصديقهم على العهد الذي ادعوا وذلك صنيعهم، أو يقروا أنهم أُخْبِروا بالعهد من غير أن كان كذبًا وباطلًا؛ فبطل حجاجهم. على أن في الآية: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، فجعل ذلك آية التُّقَى لا آية النبوة. والأصل فيه: أنا لما عرفنا آيات الرسل - عليهم السلام - لا يُذكر فيها
(184)
القرابين؛ ثبت أن هذا الذي ادعوا ليس هو بعهد جاء به الرسل - عليهم السلام - ولكنه حِيَلُ السفهاء بتلقين الشياطين وَوَحْيِهِم؛ لذلك لم يجب الذي ذكروا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ (184) يا مُحَمَّد في القول، وما جئت من آيات تدل وَتُوَضحُ أنك رسول اللَّه، وأنك صادق في قولك (فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ) يعزي نبيه - عليه الصلاة والسلام - ويصبره؛ ليصبر على أذاهم وتكذيبهم إياه؛ كما صبر أُولَئِكَ على أذاهم وتكذيبهم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. . .) الآية. وفي قوله - تعالى -أيضًا-: (فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) وجوه: أحدها: أن يصبره على ذلك بما له فيه أجر أن صبروا، على عظم ذلك عليهم؛ وذلك قوله تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ). والثاني: على رفع العذر عنه في ترك الإبلاغ؛ فإن ذلك لم يمنع من تقدمه. والثالث: على الأنبياء أنهم أصحاب تقليد في التكذيب، لا أن يكذبوا من محنة وظهور؛ فذلك أقل للتأذي، ولتوهم الارتياب في الأنبياء؛ ليستيقن من حضره، وصدقه - أن ذلك منهم على الاعتناد والتقليد دون المحنة والظهور، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِالْبَيِّنَاتِ): قد ذكرناها فيما تقدم في غير موضع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالزُّبُرِ): قيل: أحاديث الأنبياء - عليهم السلام - من قبلهم بالنبوة على ما يكون. وقيل: الزبر: هي الكتب، أي: جاءوا بالبينات والزبر، يعني: الكتب. (وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ): قيل: الزبر والكتاب واحد. وقيل: (وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ): هو الذي فيه الحلال والحرام، والأحكام المكتوبة عليهم. والمنير: هو الذي أنار قلب كل من تمسك بالهدى؛ كما قيل في الفرقان أنه يفصل ويفرق بين الحق والباطل، واللَّه أعلم. وتسمي كتب اللَّه كلها فرقانًا ومنيرًا؛ بما تفرق بين الحق والباطل، وتبين السبيلين
(185)
جميعًا، واللَّه أعلم. قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ): فيه دلائل: أحدها: دليل إثبات الرسالة؛ لأنه ليس في العقل ألا تبقى هذه الأنفس أبدًا، ولا تدوم، ولا فيه آثار فنائها وموتها، ثم وجود العلم من كل منهم بالموت، والتسليم له، والإقرار منهم أن كل نفس تموت - يدل أنهم إنما عرفوا ذلك وأيقنوا به من خبر السماء بالوحي، واللَّه أعلم. ثم إن كل حي يتلذذ بحياته، وحُبِّب ذلك إليه، ويتكره الموت ويبغضه؛ دل أن هذا العالم لم يكن بالطباع، ولكن كان بغيره؛ لما يتلذذ طبع كل منهم بالحياة، ويتكره بالموت ويتنغص به؛ إذ لو كان به: لكان يختار ما يتلذذ به، ولدفع ما يتكره به؛ فدل أن غيرًا فَعَلَ ذلك وخلق؛ لما ذكر: (خلق الموتَ وَالحيَاةَ) الآية؛ وفي ذلك بطلان قول أصحاب الطبائع. وأيضًا: أن كل نفس يجتمع فيها الطبائع المختلفة المتضادة، التي من طبعها التنافر - لم يجز أن يكون بنفسه تجتمع؛ دل أن له جامعًا. وأيضا: إن كان العالَم لو كان بنفسه وطبعه لاختار كل لنفسه أحوالاً: أحسنَ الأحوال وألذها؛ فيبطل به الشرور والقبائح؛ فدل وجود ذلك على كونه بغيره. ثم فيه أن ذلك الغير -الذي كان به العالم- واحدٌ لا عدد؛ إذ لو كان بعدد لم يحتمل وجود العالم على الطبائع المختلفة والهمم المتفرقة: لما جَمَعَ هذا فَرَّقَ الآخر، وما أثبت هذا نفي الآخر، وفي ذلك فساد الربوبية؛ فدل وجوده على ما ذكرنا: أنه واحد لا عدد؛ فاتسق تدبيره ونفذ أمره، مع ما كان الأمر المعتمد بين الملوك في الشاهد: أن من فعل هذا نقض الآخر، وما رام هذا إيجادَهُ يريد الآخر إعاقتهُ، وما أبقى هذا أراد الآخر إفناءه؛ وفي ذلك تناقض وتناف؛ فدل الوجود على. أن الذي به كان - واحد لا عدد، ثم يحتمل على الاصطلاح منهم؛ لأنه يدل على العجز والجهل: أن العجز والجهل هو الذي حملهم على الاصطلاح، والعاجز والجاهل لا يصلح أن يكون إلهًا وربًّا، وباللَّه التوفيق.
ثم الدلالة على حكمته وعلمه: ما لم يُعَايَنْ شَيءَ وَلَا يُشَاهَدْ إلا وفيه حكمة عجيبة، ودلالة بديعة مما يَعْجَزُ الحكماء عن إدراك مائيته، وكيفية خروجه على ما خرج، وعلم كل أحد منهم بتصور علمه على ما عنده من الحكمة، والعلم عن إدراك كُنْهِ ذلك فيما ذكرنا، وخروجُ الفعل متقنًا محكمًا - دلالةُ حكمةِ مبدعه وخالقه، وباللَّه التوفيق. ثم الدلالة أنه لم يخلق الخلق للفناء خاصَّة؛ ولكن خلق للعواقب: يتأمل ويرجى ويخاف ويحذر - خروج فعل كل أحد في الشاهد من الحكمة إذا بنى للفناء والنقض، فإذا كان الحكمة التي هي جزء يُخرج فعلَهُ عن الحكمة؛ إذا كان ذلك للفناء والهلاك خاصَّة، فخروج الكل عن ذلك لذلك أحرى وأولى أن يكون سفها لا حكمة، واللَّه الموفق. قال: دلت طمأنينة القلوب بموت كل نفس، وترك حكماء البشر الاحتيال - في دفعه، على ما ليس في الجوهر دليله، ولا في العقل امتناعه - أنه عرف ذلك بمن له التدبير فيها بالوحي إليه؛ وفي ذلك إيجاب القول بالرسل، ثم دل قهر جميع الحكماء به على حب الحياة إليهم، وبغض الموت عندهم - على خروج جميع الأحياء عن تدبيرهم، وفي خروجهم خروج الأموات؛ إذ هم تحت تدبير الأحياء. ثم في طمأنينة كل قلب على الموت دلالةُ التدبير للواحد؛ إذ لو كان لأكثر لَجُوز التمانع وإبطال الوارد من الحي؛ وفي ذلك ارتياب، مع ما كانت كل نفس تحت أمور تقهرها، وتحوجها إلى أمور تعلم أن مدبرها هيأها على ذلك وطَبَعَهَا، وأنه العليم بما به صلاحها وقوامها وإليه حاجتها، وعلى ذلك جبلها؛ ليظهر عظيم حكمته وتعاليه عن الشرك في التدبير، أو المعونة في التقدير. ثم لا يحتمل نشوء مثله على ما جرى عليه من حكمته في موت كُل - أنه كان للموت أنشأ لا لغير؛ إذ تدبيرُ فعلٍ واحد للفناء خاصَّة من حكماء البشر - يُخْرِج عن معنى الحكمة، ويدل على قصور صاحب ذلك وسفهه؛ فجملة العالم الذي كانت حكمة الحكماء جزءًا منها، وعقل العقلاء بعضًا منها - أحق وأولى؛ فثبت أنها أُنْشِئَتْ (لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)، ويوم تجزى كل نفس بما كسبت، وذلك قوله - تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) لما ذكرنا أنهم لها خلقوا -أعني: الآخرة- للجزاء والثواب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ):
(186)
قيل: بُعِّدَ ونُحِّيَ عنها. (وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ): قيل: فاز: نجا، وقيل: سَعِدَ، وقيل: الفائز: السابق، وقيل: فاز: غنم. وأصل الفوز: النجاة، أي: نجا مما يخاف ويحذر، ويظفر بما يتأمَّل ويرجو. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ): حياة الدنيا للدنيا غرور؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ)، حياة الدنيا للدنيا لعب ولهو وغرور، وللآخرة: ليست بلعب ولا لهو ولا غرور. وأصل الغرور: هو أن يتراءى الشيء في ظاهره حسنا مموهًا؛ يغتر بها كل ناظر إليها ظاهرًا، فإذا نظر في باطنها وجدها قاتلة مهلكة، نعوذ باللَّه من الاغترار بها. وقيل: الحياة الدنيا -على ما عند أُولَئِكَ الكفرة- لعب ولهو، وعند المؤمنين حكمة. * * * قوله تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ): يحتمل الابتلاء في الأموال والأنفس: أن يُبلَوْا بالنقصان فيها؛ كقوله - عز وجَل -: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ. . .) الآية. ويحتمل: أن يُبلَوْا بما جعل فيها من العبادات، من نحو: الزكاة في الأموال والصدقات والحقوق التي جعل فيها، وفي الأنفس: من العبادات: من الصلاة والجهاد والحج، وغيرها من العبادات، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ):
(187)
يعني: الذين لهم علم بالكتاب ومن غيرهم. (أَذًى كَثِيرًا) أي: تسمعون أنتم من هَؤُلَاءِ أذى كثيرًا، على ما سمع إخوانكم الذين كانوا من قبلكم من أقوأمهم أذى كثيرًا؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تَصْبِرُوا): على أذاهم. (وَتَتَّقُوا): مكافأتهم، على ما صبر أُولَئِكَ واتقوا مكافأتهم. (فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ): قيل: من خير الأمور؛ هذا يحتمل. وقيل: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) ومن قولهم: عزير ابن اللَّه، والمسيح ابن اللَّه، (وَمِنَ الَّذِينَ أَشرَكوُا)، يعني: العرب، (أَذًى كَثِيرًا)، يعني: نصب الحروب فيما بينهم، والقتال، والسب وغير ذلك، (وَإِنْ تَصْبِرُوا): على ذلك والطاعة له، (وَتَتَّقُوا): معاصي الرب، (فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ):، يعني. من حزم الأمور. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ (187) أي: الذين أوتوا العلم بالكتاب، وأَخَذَ الميثاق؛ ليبينوا، أي: يُبَيِّنُوا للناس ما في الكتاب من الأمر والنهي، وما يحل وما يحرم، وغير ذلك من الأحكام، ولا يكتموا ذلك. ويحتمل: أن أخذ عليهم الميثاق: أنْ بَيّنُوا للناس بَعْثَ مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفَتَهُ، ولا تكتموه بالتحريف وبترك البيان. وقوله: (فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهورِهِم) أي: لم يعملوا بما فيه، ولا بينوا للناس؛ فهو كالمنبوذ وراء ظهورهم. (وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. . .) الآية: قد ذكرنا معناه في غير موضع.
(188)
وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " ما أخذ اللَّه ميثاقًا على أهل الجهل بطلب العلم، حتى أخذ ميثاقًا من أهل العلم ببيان العلم؛ لأن العلم كان قبل الجهل ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا (188) قيل: بما غيَّروا من نعت مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفته في كتابهم وكتموه، وتبديلهم الكتاب، وإعجاب الناس ذلك وحمدهم على ذلك. وقيل: إن اليهود دخلوا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فقالوا: نحن نعرفك ونصدقك - وليس ذلك في قلوبهم - فلما خرجوا من عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ قال لهم المسلمون: ما صنعتم؟ فيقولون: عرفناه وصدقناه؛ فيقول المسلمون: أحسنتم، بارك اللَّه فيكم: يحمدهم المسلمون على ما أظهروا من الإيمان، وهم يحبون أن يحمدوا على ذلك؛ فذلك تأويل قوله: (وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا). وقيل: إنهم قالوا: نحن أهل الكتاب الأول والعلم، وأهل الصلاة والزكاة. ولم يكونوا كذلك، وأحبُّوا أن يحمدوا على ذلك، واللَّه أعلم بالقصَّة. وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ أيضًا -: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا. . .) والآية - دلّ ما ذم اللَّه عباده، وأوعدهم عليه أليم عقابه فيما أحبُّوا الحمد على ما لم يفعلوا - على تعالى الرب عن قول المعتزلة في قولهم: ليس لله في الإيمان
تدبير سوى الأمر، ولا صُنْع، وقد أحث أن يحمد عليه بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، وبقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ)، وقولهِ - تعالى -: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ)، في غير موضع من القرآن، ولا قوة إلا باللَّه. * * * قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) قال اللَّه - تعالى -: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): امتدح - جل ثناؤه - بإدخال كلية الأشياء تحت قدرته، وبه خَوَّفَ من عاند نعمته، وأطمع من خضع له عظيم ثوابه؛ فلئن جاز إخراج شيء تحت القدرة عن قدرته، لاضمحل الخوفُ عما خوَّفَهُ، والرجاءُ فيما أطمعه؛ إذ لم يظهر على ذلك قدرته إلا بقوله: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وما لا صنع لأحد في شيء إلا بأقداره، ومحال أن يقدر على ما لا يقدر هو عليه، أو يزول به قدرته؛ لما فيه ما ذكرت؛ فلذلك قلنا في بطلان قول المعتزلة بإخراج أفعال صنع الخلق عن قدرة اللَّه، وامتناعه عن تدبيره، ولا قوة إلا باللَّه. قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). .) إلى قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) نقول - وباللَّه نستعين -: أخبر اللَّه - تعالى - أن فيما ذكر آيات لمن ذكر، ومعلوم أن الآيات إنما احتيج إليها لمعرفة أمور غابت عن الحواس، يوصل إليها بالتأمل والبحث عن الوجوه التي لها جعلت تلك الأشياء المحسوسة، التي يغني من له اللب دخولها تحت الحواس - عن تكلف العلم بها بالتدبير، بل علم الحواس هو علم الضرورات وأوائل علوم البشر الذي منه يرتقي إلى درجات العلوم؛ فيلزم طلب ذلك؛ فيبطل به قول من قال: العلوم كلها ضرورات لا تقع بالأسباب، ولا يلزم الخطاب دون تولى الرب إنشاءَ العلم في القلوب بحقيقه ما فيه الخطاب؛ إذ ذلك يرفع حق الطلب، ويستوفي فيه الموصوف باللبِّ وغير الموصوف، والمتفكر في الأمر وغير المتفكر، وقد قال اللَّه - تعالى -: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. . .) الآية، وفي ذلك دليل أن المقصود مما أظهر ليس هو ما أظهر، إذ لزم التفكر بالذي أظهر؛ ليوصل به إلى العلم بالذي له أنشأ الذي أظهر، ويعلم ما جعل في الذي دليله وعلمه، وهذا لكل أنواع العلوم أن منها ظاهرًا مستغنيا بظهوره عن الطلب، وخفيًّا يطلب بما له في الذي ظهر من أثر ينبئ عنه التأمل،
واللَّه أعلم. وفي ذلك دليل لزوم التوحيد باللبِّ؛ إذ صيرها آيات لمن له ذلك، وأوَّل درجات الآيات أن يُعَرف منشئها وجاعلها آيات، واللَّه أعلم. ثم دلَّ اتصال منافع السماء والأرض على تباعد ما بينهما، حتى قام بها وحي جميع من دب على وجه الأرض وانتفع بشيء، ثم في إيصال الليل بالنهار في منافع كل حي على تضاد ما بينهما؛ حتى صارا كالشكيلين، والسماء والأرض كالقرينين - على أن منشئ ذلك كله واحد، وأنه لو اختلف الإنشاء لتناقض التدبير، وبَطَلَ وجوه النفع، وأن الذي أنشأ ذلك علم كيف يدبر لاتصال المنافع واجتماعها بغيرها، على اختلافِ ما بينها، وأنه حكيم وضع كل شيء على ما لو تدبر الحكماء فيه -لم يكن يُعْرَفُ اتصال أقرب في المنافع، على اختلاف في الجواهر، وتضاد في الأحوال- أبلغَ من ذلك؛ بل تقصر حكمتهم عن الإحاطة بوجه الحكمة، أو الظفر بطرف منها، إلا بمعونة مَنْ دَبَّرَ ذلك سبحانه، - وذلك هو الدليل على قدرته وعلو سلطانه؛ إذ سخر ذلك كلها لبذل ما فيها من المنافع لمن جعلها له، وجعل لبعض على بعض سلطانًا وقهرا؛ ليُعْلَمَ أن التدبير يرجع إلى غير ذلك، ويُعْلَمَ أن من قَدَرَ على ذلك، وعلم قبل خلق المنتفعين بما خلق على أي تدبير يخلق ذلك، وبأي وجه يصل كل خلق في ذلك إلى منافعه بها، وما الذي سوى معاشهم، وعلى أي تدبير، دلهم عليه - لقادر على إعادة مثله، والزيادة منه على أنواع ذلك؛ إذ كل أمر له حق الابتداء - كان ذلك أبعد عن التدبير مما له حق الاحتذاء بغيره أو الإعادة، مع ما كان في إعادة الليل والنهار، وجعل كُل من ذلك كالذي، مضى، وإن كان الذي مضى -مرة- دلالة كافية للبعث والقدرة عليه، واللَّه الموفق. ومنها: أنها جعلت على تدبير يُعَرِّفُ صَاحِبَهَا ومُنْشِئَهَا، وأنه دبرها على ما فيها من وجوه الحكمة التي صارت الحكمة جزءًا منها، وفنون العلم التي تنال بالتأمل فيها، مما يوضح أن الذي أبرمها حكيم عليم، مع ما فيها من آثار الإحكام والإتقان الكافية في الإنباء عن الإنشاء للحكمة، وأن الذي أبدع ذلك ليس بعابث ولا سفيه.
ثم معلوم أن الفعل للهلاك والفناء غيرُ داخل في الحكمة؛ ثبت أن ذلك غير مقصودا فصار المقصود من ذلك وجهًا يبقى؛ فثبت أن مع هذه دارًا أخرى تبقى، فهي المقصود، وجعلت بحق الجزاء؛ وفي ذلك لزوم المحنة والقول بالرسالة؛ ليعلم بالوحي كيفية وجوه المحنة مع ما لم يخل شيء من أن يكون فيه آثار النعمة، من غير أن كان منه ما يستحق ذلك؛ فثبت أنه في حق الابتداء، ولازمٌ شكر المنعم في العقول؛ فيجب به وجهان: أحدهما: القول بالرسل؛ لبيان وجوه الشكر؛ إذ النعم مختلفة، وأصل الشكر يتفاضل على قدر المنعمين؛ وكذلك النعم تتفاضل على قدر تفاضل متوليها، لابد من بيان ذلك ممن يعرف حقيقة مقادير النعم، وجلالة حق المنعم، وباللَّه التوفيق. فكان فيها آيات الرسالة والتوحيد، وحكمته وقدرته وعلمه وجلاله عن الأشباه والشركاء، وبها جل عن احتمال الشرك في صنعه، أو الشبه في فعله على أن كليةَ كُلّ مَنْ سواه تحت القدرة، وهو المتعالي عن ذلك. وفيه دلالة البعث؛ لما ذكرت، ولما إذ لزم الشكر بما ذكرت -لزمت عقوبة الكفران، وقد يخرج المعروف به سليمًا غريقًا في النعم، وفي الحكمة والعقل عقوبته- لزم أن يكون ثَمَّ دارٌ أخرى، مع ما كان خلق الخلق، لا لين يعرف الحكمة من السفه، والولاية من العداوة، والخير من الشر، والرغبة من الرهبة، لا معنى له بما فيه تضييع الحكمة، وجمع بين الذي حقه التفريق في الحكمة والعقل، وذلك آية السفه، ومحال كونه ممن الحكمة صفته والعدل نعته؛ فلزم به خلق الممتحن بالذي ذكرت؛ فصار جميع الخلائق للمحن. ثم لابدَّ من ترغيب وترهيب؛ إذ على مثله جُبِل محتملو المحن؛ فلزم به القول بالدار الأخرى، وهو البعث؛ ليكون إحداهما بحق ابتداء النعم، والأخرى: بحق استحقاق الجزاء، وإن كان لله التكليف بلا جزاء سابق النعم، ولا قوة إلا باللَّه. والمعاقبة واجبة في الحكمة للجفاء والكفران، وباللَّه التوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ) وقيل: بمفازة، أي: بنجاة من العذاب، وهو ما ذكرنا من الفوز أنه نجاة على ما
(189)
يخاف ويحذر، أي: ليسوا هم بنجاة، من العذاب، بل لهم عذاب أليم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) يشبه - واللَّه أعلم - أن يكون هذا جوابًا لقولهم: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) أي: كيف جاز نسبة الفقر إليه والحاجة، وله ملك ما في السماوات وما الأرض؟! ونسبة الغنى إلى أنفسكم، وأنتم عبيده وإماؤه، وما في يد العبد يكون لمولاه؟!. أو أن يكون جوابًا لقولهم: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا)، أي: كيف يجوز أن يتخذ ولدًا، وله ملك ما في السماوات وما في الأرض، كلهم عبيده وإماؤه؟! والولد في الشاهد إنما يُتَّخَذُ لأحد وجوه ثلاثة: إمَّا لوحشة أصابته فيستأنس به، أو لحاجة تبدو له فيُدْفع به، أو لقهر وغلبة يخاف من عدوٍّ؛ فيستنصر به على أعدائه، ويرث ملكه إذا مات. فإذا كان اللَّه له ملك السماوات والأرض وتعالى عن أن يصيبه شيء من ذلك؛ كيف جاز لكم أن تقولوا: اتخذ ولدًا؟! وإن كان الخلق كلهم عبيده وإماءه، وأنتم لا تتخذون الأولاد من عبيدكم وإمائكم؛ كيف زعمتم أنه اتخذ ولدًا من عبيده؟!. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): وهذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لا يقدر على خلق فعل العبد، وعلى قولهم: غير قادر على أكثر الأشياء، وهو قد أخبر أنه على كل شيء قدير. * * * قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) .
(190)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) في الآية وجوه. أحدها: أنه خلق السماوات والأرض للبشر ولمنافعهم، لا أنه خلقهما لأنفسهما: لا منفعة لهما بخلقه إياهما؛ حتى يكون خلقه لأنفسهما؛ إذ خلق الشيء لا لمنفعة أحد أو للفناء خاصة - عَبَث، فإذا كان ما ذكرنا أنه لا منفعة لهما في خلقهما - دل أنه إنما خلقهما لمنافع البشر، وسخرهما لهم، ثم جعل منافع السماء مع بُعْدِها من الأرض متصلة بمنافع الأرض؛ حتى لا تقوم منافع هذا إلا بمنافع الآخر؛ فيصيرهما كالمتصلين؛ لاتصال المنافع مع بعد ما بينهما؛ فدل هذا أن الذي أنشأهما واحد. وكذلك: (وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ): هما مختلفان: أحدهما ظلام والآخر نور، يُفْنِيان الأعمار ويقربان الآجال، وليس بينهما في رأي العين تشابُه ولا تشاكل؛ إذ أحدهما نور والآخر ظلام، وهما متضادان، لكن خلقهما لمنافع البثر، والمقصود بخلقهم بنو آدم لا أنفسُهُم، على ما ذكرنا أنْ لا منفعة لهم في خلقهم، ثم صيرهما مع اختلافهما وتضادهما كالشكلين؛ لاتصال منافع بعضها ببعض؛ دل أن منشئهما واحد، وأنه عليم حكيم؛ حيث جمع من المتضادين المختلفين وصيرهما كالشكلين؛ وهما لعلم وحكمة وتدبير صارا كذلك. وفيهما دلالة البعث؛ لأنهما يَفنيان حتى لا يبقى من الليل أثر حتى يجيء النهار، فيذهب النهار أيضا حتى لا يبقى من النهار أثر، فيجيء آخر، لا يزالان كذلك، فإذا كان قادرًا على خلق الليل وإنشائه من غير أثر بقي من النهار؛ وكذلك قادر على إنشاء النهار من غير أن بقي من الليل أثر ظلام - لقادر على أن ينشئ الخلق ثانيا ويحييهم، وإن فَنوا وهلكوا ولم يبق منهم أثر؛ فإذا كان ما ذكرنا من خلق السماوات والأرض وما فيهما لمنافع البشر، وهو المقصود من خلقهما لا غيرهم من الخلائق؛ لما ركب فيهم من العقول والبصر الذي بهما يميزون بين المنافع والمضار، وبين الخبيث والطيب، وبين الحسن والقبيح، ولم يركب ذلك في غيرهم من الخلائق - لابد من أمر ونهي: يأمر بأشياء، وينهى عن أشياء؛ يمتحنهم على ذلك؛ إذ هم أهل التمييز والفهم والبصر؛ فإذا كان ما ذكرنا، لابد -أيضًا- من دار أخرى للجزاء، يُكْرَمُ المطيع له فيها والولي، ويُعَاقَبُ العدو فيها والعاصي، ولا قوة إلا بالله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ (191)
(192)
يحتمل هذا لما جعل اللَّه - تعالى - على العبد في كل حالٍ نعمةً ليست تلك في غيرها من الأحوال، نحو: أن جعل القيام نعمة في قضاء حوائجه وتقلبه في تلك الحال، وجعل القعود راحة له عند الإعياء، وكذلك الاضطجاع؛ فاستأداهم بالشكر له في كل نعمة على حال من تلك الأحوال، ومدحهم على ذلك إذا فعلوا. ويحتمل: أن يكون - تعالى - أمرهم أن يذكروه في كل حال: في حال الرخاء والشدة، وفي الضراء والسراء، لا في حال دون حال، على ما يفعله بعض خلقه: يذكرونه في حال الشدة والضراء، ولا يذكرونه في حال الرخاء واليسر، ويذكرونه في حال الرخاء واليسر، ولا يذكرونه في حال الشدة والبلاء، فمدح المؤمنين أنهم يذكرونه في كل حال، لا على ما يفعله أهل الشرك على إرادة نفس القيام، ونفس القعود والاضطجاع؛ ولكن على كل حال وفي كل وقت، واللَّه أعلم. وقيل: إنه جاء في رخصة صلاة المريض: يصلِّي قائمًا إن استطاع، وإلا فقاعدًا إن لم يستطع، وإلا فمضطجعًا، وكذلك روي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) إذ في خلقهما دليل وحدانيته، وشهادة ربوبيته. (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا): أي: عبثًا، ولكنَّ خَلْقَهُم دَلِيل على وحدانيتك، وشاهد على ربوبيتك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سُبْحَانَكَ): هو للتبرئة، والتنزيه: هو إبعاده عن العيب، وتبريئه منه، وتطهيره عما يقول الكفار، وهو حرف يقدم عند حاجات ترفع إليه، ودعوات يدعى بها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ (192)
(193)
قيل: أَذْلَلْتَهُ وفضحتَهُ وأهنتَه. (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ): أي: مانع يمنع عنهم العذاب ويدفع، ويحتمل الأنصار: الأعوان، أي: ليس لهم أعوان يعينونهم في الآخرة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ (193) يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على حقيقة السمع أن سمعوا مناديًا يدعوهم إلى الإيمان، وهو رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أو القرآن، كلاهما يدعوان الخلق إلى الإيمان باللَّه. ويحتمل قوله: (سَمِعنَا)، أي: عقلنا، وعَقْلُ كُل أحد يدعو إلى التوحيد والإيمان به. وقيل: سمعوا دعوة اللَّه فأجابوها، وصبروا عليها. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المنادي: مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ثم قرأ: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. . .) هو الآية. وعن غيره: المنادى هو الترآن، يدعوهم (أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَآمَنَّا رَبَّنَا) وفيه دلالة أن الإيمان ليس هو جميع الطاعات، على ما يقول بعض الناس؛ ولكنه فرد تصديق؛ لأنه لما قال لهم: آمنوا بربكم لم يطلبوا التفسير، ولا قالوا: كم أشياء تكون؟!، ولكن أجابوه إجابة موجزة، فقالوا: (فَآمَنَّا رَبَّنَا). ثم فيه دلالة أن لا ثُنَيَّا في الإيمان؛ لأنهم أطلقوا القول في الإخبار عن إيمانهم من غير ذكر حرف الثنيا؛ دلَّ أن
(194)
الإيمان مما لا يحتمل الثنيا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا): قيل: قولهم: (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا): التي كانت فيما مضى من عمرنا، (وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا)، أي: اعصمنا فيما بقي من عمرنا، أو: وفقنا للحسنات التي تكفر سيئاتنا؛ لما قد يلزم العبدَ التكفيرُ لما أساء. وقيل: المغفرة والتكفير كلاهما سواء؛ لأن المغفرة هي الستر، وكذلك التكفير " ولذلك سُمِّي الحراثون: كفارًا؛ لسترهم البذر في الأرض؛ وكذلك الكافر سمى كافرًا؛ لستره الحق بالباطل، ولستره جميع ما أنعم اللَّه عليه بتوجيه الشكر إلى غيره، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ): يحتمل قوله: (وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ)، أي: توفنا واجعلنا مع الأبرار. ويحتمل: وتوفنا من الأبرار وفي الأبرار. ثم اختلف في البَرِّ: قيل: هو الذي لا يؤذى أحدًا، وقيل: الأبرار: الأخيار. ويحتمل: توفنا على ما عليه توفيت الأبرار، وتوفنا وإنَّا أبرارٌ. والبر: الطاعة، والتقوى: ترك المعصية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ (194) قيل فيه بوجهين: قيل: وآتنا ما وعدتنا على ألسن رسلك، على إضمار " ألسن " كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا). وقيل: (مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ)، أي: ما جعلت عليهم من الاستغفار للمؤمنين؛ كقوله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)، وكقول إبراهيم - عليه السلام -: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ)، وكقول نوح - عليه السلام -: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ). ثم بيننا وبين المعتزلة كلام في الآية: قالت المعتزلة: يجوز الدعاء والسؤال عنه بما قد أعطى، وما عليه أن يعطي نحو ما ذكر من السؤال بما وعد، وما وعد لا شك أنه يعطي،
(195)
وأنه لا يخلف الميعاد، ونحو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ)، وهو لا يحكم بالجور. وأما عندنا: أن السؤال عما عليه أن يعطي - يخرج مخرج الدعاء له ربنا لا تَجُر ولا تَظْلم، إن هذا لا يقال إلا لمن يخاف الجور منه والظلم؛ إذ يعلم أن ذلك عليه، والسؤال عما قد أعطى محال؛ لأنه يخرج مخرج كتمان ما أعطى، أو ليس عنده ما يعطيهم؛ فيخرج مخرج السخرية به؛ لذلك بطل السؤال، واللَّه أعلم. ثم تأويل الآية عندنا على وجوه: أحدها: قوله: (وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ)، يحتمل أن يكون الوعد منه لرسله باستغفار الرسل، إذا كان من المؤمنين استغفار وسؤال؛ كقوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ. . .) الآية: وعد لهم المغفرة لهم باستغفار الرسول؛ إذا كان منهم استغفار وسؤال، يقول: اجعل دعائي دعاء من جاء إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مستغفرًا فاستغفر له، وكقوله -أيضًا-: (لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا). والثاني: يحتمل أن يكون الوعد لهم؛ إذا ماتوا على ذلك، فالدعاء كان منهم، والسؤال: أنه إذا أماتهم يميتهم على الإيمان، على ما كانوا أحياء، والمغفرة والرحمة حينئذ تكون لهم؛ ألا ترى أنه قال: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ)، فله كذا، ولم يقل: من عمل بها فله كذا، ولكن ذكر مجيئه بها، فعلى ذلك الأوَّل، واللَّه أعلم. ثم يحتمل ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وفيما ذكر من تأويل الآية في الابتداء كفاية من ذلك، واللَّه أعلم. والثالث: يدعو؛ ليجعلهم من الجملة الذين كان لهم الوعد؛ إذ الوعد غير مُبَيّنٍ لمن هو؛ فسألوا أن يجعلهم في تلك الجملة، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ) هذا يدل أن الوعد لهم كان مقرونًا بشرط السؤال؛ لأنه قال: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ)،
(196)
والاستجابة تكون على أثر السؤال؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ. . .) الآية. وقوله تعالى: (أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ). قيل: من الخلق كلهم، لكن جعل جزاء أعمال الكفرة في الدنيا؛ كقوله تعالى: (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ)، وأما المؤمنون: في الدنيا والآخرة، وأما الكفار فإنما يعطيهم ابتداء ليس بجزاء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ)، أي: نردها عليهم، وهم لا يبخسون أرزاقهم. وقيل: قوله: (مِنْكُمْ) - إشارة إلى المؤمنين خاصَّة؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي. . .) الآية: الذين هاجروا: إلى اللَّه تعالى ورسوله طوعًا، (وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ)، أي: اضطروهم حتى خرجوا من ديارهم فهاجروا، (وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي)، أي: في طاعتي، (وَقَاتَلُوا): حتى (قُتِلُوا). ويحتمل هذا كله أنْ هاجر بَعْضٌ طوعًا، وبعض أُخرجوا من ديارهم حتى هاجروا، وقاتل بعضٌ حتى قتلوا، وقاتل بعض ولم يُقْتلوا، وقُتِل بعض. وقوله: (وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. . .) الآية تأويلها ظاهر. * * * قوله تعالى: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ): يحتمل تقلبهم وجوهًا. وذلك نعمة من اللَّه عليهم؛ لترْكِهِم يَتَّجِرون في البلدان مع كفرهم بربهم. والثاني: أعطاهم أموالًا يتنعمون فيها ويتلذذون.
(198)
والثالث: ما أخر عنهم العذاب والهلاك إلى وقت. يقول: لا يغرنك يا مُحَمَّد ذلك؛ إنما هو متاع يسير، ومصيرهم إلى النار؛ كقوله - تعالى -: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ. . .) والآية؛ وكقوله: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا. . .) الآية. قال: وليس الاغترار في نفس التقلب؛ لأنه جهد ومشقة؛ ولكن لما فيه من الأمن والسعة والقوة؛ دليله قوله - تعالى -: (مَتَاعٌ قَلِيلٌ)، ثم قال: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ)، وسعيهم للآخرة متاع لا ينقطع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ (198) يعني: الشرك (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. . .) إلى آخر ما ذكر (ثَوَابًا مِّن عِندِ اللَّهِ). يحتمل أن يكون الأمر ما ذكر في بعض القصة: أن بعض المؤمنين قالوا: إن الكفار في خصب ورخاء، ونحن في جهد وشدة؛ فنزل: لا يغرنك تقلبهم في ذلك؛ إنما هو متاع قليل، وذلك ثوابهم في الدنيا، وأما ثواب الذين اتقوا ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار. . . إلى آخر ما ذكر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ (199) ويعني: القرآن. (وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ) ويعني: التوراة. ثم اختلف في نزوله: قَالَ بَعْضُهُمْ: نزل في شأن عبد اللَّه بن سَلام وأصحابه: أقرُّوا بأنه واحد لا شريك له، وصدقوا رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وما أنزل عليه. . . ". وقيل: نزل في شأن النجاشي، وروي عن جابر بن عبد اللَّه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن
(200)
النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما صلى على النجاشي قال أناس من المنافقين: يصلي على حبشي مات في أرض الحبشة؟! فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ. . .) الآية. وعن الحسن قال: لما مات النجاشي، قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " استغفروا لأخيكم " قالوا: يا رسول اللَّه، لذلك العِلْج؟! فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ. . .) الآية، وقيل: لما صلَّى عليه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ قال المنافقون: صلى على من ليس من أهل دينه؟ فأنزل اللَّه الآية. وعن الزهري عن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - صلى على النجاشي، فكبَّر عليه أربع تكبيرات، وصففنا في المصلَّى خلفه، وكان مات بالحبشة. قال: والنوازل على وجهين: من ترك بسببه خيرًا وسعة فله فيه فضل؛ لأنه كان مفتاح الخير، ومن ترك بسببه ضيقًا فعليه فضل لوم؛ كأنه مفتاح الضيق. وأمَّا الأحكام: فإنه ينظر إلى ما فيه نزل فيشترك فيه الخلق، ولا يجوز أن يقال: نزل في شأن فلان؛ إنما أنزل لما في شأن فلان، لا في شأنه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا (200) قيل: على أداء الفرائض والعبادات، وقيل: اصبروا على البلايا والمصائب والشدائد:
(وَصَابِرُوا) في الجهاد لعدوكم. وقيل: اصبروا على أمر اللَّه وفرائضه، وصابروا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعلى آله وصحبه في المواطن. وعن الحسن قال: أُمِروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضى اللَّه لهم، وهو الإسلام، ولا يَدَعُوا دينهم؛ لشدة ولا لرخاء، ولا ضراء، ولا سراء، حتى يموتوا، ويكونوا يصابرون الكفار، حتى يكونوا هم يميلون عن دينهم، وأمروا أن يرابطوا المشركين. وقيل: اصبروا على الجهاد، وصابروا لعدوكم. (وَرَابِطُوا) أي: داوموا على دينكم. (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ): قال: والصبر في نفسه خاصة في طاعة يصبر عليها، ومعصية يصبر عنها وفي بلوى، والمصابرة مع غيره، وقد يكون كل واحد على المعنيين؛ لأنه لا يخلو عن مصابرة عدو فيما يطيع ربه. وقيل: رابطوا مع عدوكم ما أقاموا، واتقوا اللَّه فيما أمركم به، فلا تدعوا ذلك مع نبيكم، وذروا ما نهاكم عنه، ولا قوة إلا باللَّه. * * *
سورة النساء
سُورَةُ النِّسَاءِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) في كل ما كان الخطاب للكفرة: ذكر اللَّه - سبحانه وتعالى - على أثره حُجج وحدانيته، ودلائل ربوبيته؛ لأنهم لم يعرفوا ربهم، من نحو ما ذكر: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ. . .) الآية، وكقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. . .) الآية، وكقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)، ونحوه كثير: ذكر الحجج والدلائل التي بها يوصل إلى معرفة الصانع وتوحيده؛ لينظروا فيها وليتفكروا؛ فيعرفوا بها خالقهم وإلههم. وفي كل ما كان الخطابُ للمؤمنين: لم يذكر حجج الوحدانية، ولا دلائل الربوبية؛ لأنهم قد عرفوا ربهم قبل الخطاب، ولكن ذكر على أثره نعمه التي أنعمها عليهم، وثوابه الذي وعد لهم، نحو قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا. . .) إلى آخر ما ذكر، ذكر نعمه التي أنعمها عليهم، وكقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ. . .) كذا إلى آخر ما ذكر؛ على هذا يخرج الخطاب في الأغلب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اتَّقُوا رَبَّكُمُ). قيل: اتقوا عذابه ونقمته. وقيل: اتقوا عصيانه في أمره ونهيه. وقيل: اتقوا اللَّه بحقه في أمره ونهيه. قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) أضاف خلقنا إلى آدم؛ إذ صورة الإنسان في النطفة. قال: دلت إضافة خلقنا من آدم -وإن لم تكن أنفسنا مستخرجة منه- على أمرين:
أحدهما: جوازُ إضافة الشيء إلى الأصل الذي إليه المرجع، وإنْ بَعُدَ ذلك عن الراجع إليه؛ على التوالد والتتابع. والثاني: أنا لم نكن بأبداننا فيه، وإن أضيف خلقنا إليه؛ إذ لو كنا فيه لكُنا منه بحق الإخراج لا بحق الخلق منه. وذلك يبطل قول من يجعل صورة الإنسان في النطفة مع الإحالة أن يكون معنانا في التراب أو النطفة؛ إذ هما من الموات الخارج من احتمال الدرك، ونحن أحياء داركون، واللَّه أعلم. وقوله: (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) أي: فرق، ونشر، وأظهر منهما أولادًا كثيرًا: ذكورا وإناثًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) قوله: (تَسَاءَلُونَ بِهِ)، أي: اتقوا اللَّه الذي تساءلون بعضكم من بعض، أي: يسأل بعضكم من بعض الحوائج والحقوق به، يقول: أسألك بوجه اللَّه، وبحق اللَّه، وباللَّه. ويسأل بعضكم من بعض بالرحم، يقول الرجل لآخر: أسألك بالرَّحم وبالقرابة أن تعطيني. وقوله: (وَالْأَرْحَامَ)، روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ)، واتقوا في الأرحام وصلوها. وقرئ بالنصب والخفض: (وَالْأَرْحَامَ): فمن قرأ بالنصب يقول: اتقوا اللَّه فلا تعصوه، واتقوه الأرحام فلا تقطعوها. ومن قرأ بالخفض يقول: اتقوا اللَّه الذي تساءلون به والأرحام. وروي في الخبر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " اتقُوا اللهَ وَصِلُوا الأَرْحَامَ؛ فَإِنَّهُ أَتْقَى لكُم فِي الدُّنْيَا، وَخَيرٌ لكُمْ فِي الْآخِرَةِ ". والآية في الظاهر على العظة والتنبيه. وكذلك قوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) هو على التنبيه والاتعاظ.
(2)
قوله تعالى: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3) قوله - تعالى -: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) يحتمل هذا وجهين: أحدهما: احفظوا أموالهم إلى أن يخرجوا من اليتم، فإذا خرجوا من اليتم أعطوهم أموالهم. ويحتمل قوله: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ)، أي: أنفقوا عليهم من أموالهم، ووسعوا عليهم النفقة ولا تضيقوها لينظروا إلى أموال غيرهم. (وَآتُوا)، بمعنى: آتوا لوقت الخروج من اليتم، أي: احفظوا؛ لتؤتوا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) أي: لا تأخذوا الخبيث فتتركوا لهم ما وعد لكم في الآخرة بحفظ أموالهم. وقيل: لا تأخذوا الجياد من ماله وتعطي الدون من ماله؛ فذلك تبديل الخبيث بالطيب. وقيل: لا تأكلوا الخبيث: وهو أموال اليتامى، وتذروا الطيب: وهو أموالكم؛ إشفاقًا على أموالكم أن تفنى. وقيل: لا تأكلوا الحرام مكان الحلال؛ لأن أكل مال اليتيم حرامٌ، وأكل ماله حلال؛
فنهي أن يبدلوا الخبيث بالطيب. ويحتمل: لا تأخذ ماله -وهو خبيث- ليؤخذ منك الذي لك وهو طيب. ويحتمل: لا تأكلوا ذلك؛ إبقاء لأموالكم التي طيبها اللَّه - تعالى - لكم، بما جعل اللَّه لكم خبيثًا. ويحتمل: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ) في الدنيا؛ فتكون هي نارا تأكلونها؛ فتتركون الموعود لكم في إبقاء الخبيث؛ كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا. . .) الآية. وقوله: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) يحتمل هذا - واللَّه أعلم - وجهين: يحتمل قوله: (أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)، أي: مع أموالكم، أي: لا تخلطوا أموالهم مع أموالكم فتأكلوها؛ ففيه نهي عن الخلط والجمع. ويحتمل: (أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)، أي: بأموالكم؛ ففيه النهي عن أكل أموالهم بأموال أنفسهم تبعًا؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). وقوله - تعالى -: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)، بمعنى: لا تجمعوها إليها فتأكلونهما معًا. ويحتمل: مع أموالكم، واللَّه أعلم. وقوله - جل وعز -: (إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) قيل: جورًا. وقيل: الحوب: الإثم، وهو واحد. وقيل: خطأ. وقِيل: ذنبًا كبيرًا.
(3)
وقيل إثمًا؛ وكذلك روي عن ابن عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ (3) اختلف في تأويله: فقيل: إنهم كانوا يخافون من أموال اليتامى ويتحرجون منها؛ لكثرة ما جاء من الوعيد فيها؛ فنزل هذا: (وَإِنْ خِفْتُمْ) وتحرجتم من أموال اليتامى؛ فكذا فتحرجوا من الزنا: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ. . .) الآية. عن عائشة - رضي اللَّه عنها - أنها قالت: نزلت في يتامى من يتامى النساء كُنَّ عند الرجال؛ فتكون اليتيمة الشوهاء عند الرجل -وهي ذات مال- فلا ينكحها؛ لشوهتها، ولا يُنْكِحُهَا؛ ضنًّا بمالها؛ لتموتَ فيرثَها، وإن نكحها أمسكها على غير عدل منه في أداء حقها إليها، ولا ولي لها سواه يطالبه بحقها؛ فأنزل اللَّه - تعالى -: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) فذروهن، ولا تنكحوهن، (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ). وروي عنها -أيضًا- أنها سئلت عن هذه الآية؟ فقالت: نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، وينقص من صداقها؛ فنهوا عن نكاحهن، إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء. قالت عائشة - رضي اللَّه عنها -: واستفتى الناس رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعد ذلك؛ فأنزل اللَّه: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ. . .) إلى قوله: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) فأنزل اللَّه - تعالى - لهم في هذه الآية: أن اليتيمة إذا كانت ذات جمالٍ ومال رغبوا فيها -في نكاحها- وسنتها في إكمال الصداق، وإذا كانت مرغوبًا عنها في شوهتها، وقلة
مالها؛ تركوها وأخذوا غيرها من النساء. قالت: فكما تتركونها حين ترغبون عنها؛ فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق. وقيل: لما أنزل اللَّه - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا. . .) الآية ترك المؤمنون مخالطة اليتامى، وتنزهوا عنها؛ فشق ذلك عليهم؛ فاستفتوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في مخالطتهم، وكان يكون عند الرجل عدد من النساء ثم لا يعدل ببنهن؛ فأنزل اللَّه - تعالى -: (وَإِنْ خِفْتُمْ) الجور في مخالطة اليتامى؛ فكذلك خافوا جمع النساء وترك التسوية بينهن في النفقة والجماع. ثم من الناس من يبيح نكاح التسع بقوله تعالى: (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) فذلك تسع. وأما عندنا: فإنه لا يحتمل ذلك؛ لأن معنى قوله - تعالى -: (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ): مثنى أو ثلاث أو رباع؛ لأنه قال: (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً): استثنى الواحدة إذا خاف ألا يعدل بينهن، فلو كان ما ذكر؛ لكان لا معنى لاستثناء واحدة منهن، ولكن يقول: وإن خفتم ألا تعدلوا " بين التسع؛ فثمان، أو سبع، أو ست؛ فلما لم يستثن إلا واحدة دل أن التأويل ما ذكرنا: مثنى أو ثلاث أو رباع، على الانفراد.
والثاني: ما ذكر في القصة: أنه كان عند الرجل عدد من النساء عشر أو أكثر أو أقل، فخرج ذلك على بيان ما يحل من العدد، وذلك أربعة. وروي أن رجلا أسلم وتحته ثماني نسوة، فأسلمن، فقال له رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " اختَر مِنْهُنَّ أَرْبعًا، وفَارِقِ الْبَوَاقِي ". والخبر في بيان منتهى ما يحل من العدد دون وجه الحل؛ فاحتمل أن يختار أربعًا على استقبال النكاح. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى. . .) الآية: قيل فيه بوجوه: أحدها: أنه قال: إذا خفتم الجور في كفالة اليتامى فاتقيتموها؛ فخافوا في كفالة النساء؛ فلا تكثروا منهن. والثاني: أنكم إذا خفتم في أموال اليتامى؛ فتحرجتم ضم أموالهم إليكم؛ إشفاقا على أنفسكم أن تأكلوا منها - فخافوا النساء مواقعتهن من وجهٍ يحرم عليكم؛ فانكحوهن. والثالث: أنه إذا خفتم الجور في يتامى النساء لو تزوجتموهن من حيث ليس معهن من يمنعكم من ظلمهن، فانكحوهن من غيرهن ممن إذا جرْتُمْ فيهن مُنِعْتُمْ من ذلك.
لكنه معلوم أن الحد في عدد النساء؛ لخوف الجور، وبما علم اللَّه من عجز البشر على ما جُبِل عليه، أخبر أنه لا يقوم بوفاء الحق في أكثر من ما ذكر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) ليس على الحكم والحتم؛ ولكنه أدب؛ لأنه وإن خاف ألا يعدل فتزوج أربعًا - جاز، وهو مثل الذي نهى -في الإصرار- المراجعة، وأمر بالقصد فيها والعدل، فإن فعل ذلك أثم ورجعته صحيحة، وكذلك كالأمر بالطلاق في العدة، والنهي عنه في غير العدة، ثم إذا طلق في غير العدة وقع؛ فكذلك الأول. وقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا): في القسم والجماع والنفقة. (فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) إن خفتم ألا تعدلوا في واحدة؛ لأنه ليس للإماء قِبَلَ سادتهن حق الجماع والقسم؛ ينكح ما شاء؛ كأنه قال هذا؛ لما ليس لأكثرهن غاية؛ فله أن يجمع ما شاء من الإماء في ملكه، وليس له أن يجمع بالنكاح أكثر من أربع، ولو كان التأويل ما ذهب إليه لم يكن لقوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وجهٌ. وفيه إذن بتكثير العيال، مع ما أن كثرة العيال معدودة من الكرم؛ إذا أحسن إليهم لم يحتمل أن يزهد فيه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا): قال بعضُ أهل العلم: إن قوله - تعالى -: (أَلَّا تَعُولُوا): من كثرة العيال، وهو قول الشافعي - رحمه - اللَّه تعالى - ولكن هذا لا يستقيم في اللغة؛ لأنه يقال من كثرة العيال: أعال يُعِيل إعالة؛ فهو معيل، ولا يقال: عال يعول، وإنما يقال ذلك في الجور. فَإِنْ قِيلَ: روي في الخبر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ " لكن تأويله - والله أعلم -: ابدأ بمن يلزمُك نفقته، أي: ابدأ بمن تصير جائرًا بترك النفقة عليه، وكذلك يقال: عال يعول عولا؛ إذا أنفق على عياله، وليس من كثرة العيال في شيء، ألا ترى أن على الرجل أن يبدأ بمن يعول؛ فلو كان قوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) من العيال؛ لكان المتزوج واحدة ذا عيال، وإن قول اللَّه - تعالى -: (أَلَّا تَعُولُوا)، والمتزوج واحدة يعولها؛ فدل بما ذكرنا أن قوله: (أَلَّا تَعُولُوا)، أي: لا تجوروا ولا تميلوا؛ على ما قيل. وعن عائشة - رضي اللَّه عنها -: (ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا): ألا تميلوا.
(4)
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مثله. والعول: هو المجاوزة عن الحد؛ ولذلك سمي الحساب الذي ازداد على أصله عولا؛ لمجاوزته الحد؛ فعلى ذلك العول هاهنا هو: المجاوزة عن الحد الذي جعل له، وهو الجور. وقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً): ليس بشرط؛ ليتفق القول، ولأنه لا وجه لمعرفة حد الخوف الذي يجعل شرطا للجواز، وكل عدل يخاف أدنى خوف، بل جميع أمور الدِّين هي على الخوف والرجاء. ولأنه يوجب جهل النساء بمن يحل لهن النكاح ويحرم؛ إذ لا يعرفن ذلك، ومتى حرم عليه حرم عليها، ولا يحتمل أن يجعل للحل شرطا لا يوصل إلى حقيقته، ولظهور الجور في الأمة على الإبقاء على النكاح؛ فضلًا عن خوفه؛ كذا مع ما في قوله: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا. . .) الآية. دلالة ظاهرة، وكذلك في قوله: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا) الآية، وقوله - تعالى -: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ). * * * قوله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5) وقوله - تعالى -: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).
عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: نحلة -قال-: المهر. وقيل: النحلة: الفريضة، أي: آتوهن فريضتهن. وقيل: نحلة؛ أي: عطية، أي: تُعْطَى هي لا وليها؛ وهو من النُّحْلَى. وقيل: نحلة: من نحلة الدِّين، أي: من الدِّين أن تؤتوا النساء صدقاتهن؛ ليس على ما كانوا يفعلون في الجاهلية: يتزوجون النساء بغير مهورهن؛ ففيه أن لأهل الكفر النكاح بغير مهر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا). وفي الآية دلالة جواز هبة المرأة من زوجها، وفساد قول من لا يجيز هبة المرأة بمالها حتى تلد أو تبقى في بيته سنة؛ فيجوز أمرها. وفي الآية -أيضًا-: دليل أن المهر لها؛ حيث أضاف الإحلال والهبة إليهن بقوله: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا).
وفيه دليل -أيضًا-: أن هبة الديون والبراءة منها جائزة؛ كما جازت هبة المرأة مهرها وهو دَين. وقيل: فيه وجه آخر، وهو أن الآباء في الجاهلية والأولياء كانوا يأخذون مهور نسائهم؛ فأمرهم - عَزَّ وَجَلَّ - ألا يأخذوا ذلك، وحكم بأن المهر للمرأة دون وليها، إلا أن تهبه لوليها؛ فيحل حينئذٍ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكُلُوهُ هَنِيئًا): لا داء فيه، و (مَرِيئًا): لا إثم فيه. وقيل: الهنيء: هو اللذيذ الشهي، الذي يلذ عند تناوله ويسر. والمريء: الذي عاقبته. ثم الحكمة في ذكر الهنيء والمريء هنا وجهان: أحدهما: ما ذكر في الآيات من الوعيد بأخذه منها: يقول - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا. . .) إلى قوله: (بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ)؛ لئلا يمتنعوا عن قبول ذلك للوعيد الذي ذكر في الآيات. والثاني: إن الامتناع عن قبول ما بذلت الزوجة يحمل على حدوث المكروه، ويورث الضغائن؛ وذلك يسبب قطع الزوجية فيما بينهما. وقيل: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)، يعني: بطيبة أنفسكم: يقول: لا تعطوهن مهورهن وأنتم كارهون، ولكن آتوهن وأنفسكم بها طيبة؛ إذ كان المهور لهن دونكم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ)، أي: ما طابت به أنفسهن من غير كره فهو حلال.
وعن علقمة أنه قال لامرأته: أطعميني من الهنيء المريء. وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إذا اشتكى أحدكم شيئًا فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها، ثم يشتري بها عسلًا، ثم يشربه بماء السماء، فيجمع اللَّه - تعالى - الهنيء المريء والشفاء والماء المبارك. وفي قوله - أيضًا، عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) أن النفقة - وإن كانت عليه - فهي إذا قامت بها في نفسها لا يحرج هو؛ لأن نفقتها عليها ليست بأعظم من نفقته من مالها إذا تطيبت، ووصف بالهنيء المريء بما ربما يستثقل الطبع عن مالها؛ كراهة الامتنان، أو بما كان عليه كفايتها، أو بما جرى من الوعيد الشديد في منع مهرها، أو بما قد تحتشمه فتبذل له، أو بما يوهم الطمع في مالها، والرغبة في النكاح لذلك؛ فطيبه اللَّه - تعالى - حتى وصفه بغاية ما يحتمل المال من الطيب. وفيه بيان جواز معروفها، وترغيب في حسن المعاشرة بينهما حتى أبقى ذلك بعد الفراق بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ. . .) الآية وذلك أحد ما يورث المحبة والمودة، أو يديمها؛ إذ جعل اللَّه بينهما بقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا). مسألة: في العبد لا ينزوج أكثر من اثنتين: روي عن عبد اللَّه بن عتبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " ينكح العبد اثنتين، ويطلق اثنتين، وتعتد الأمة بحيضتين، فإن لم تحض فشهر ونصف ".
وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " لا يحل للعبد أن ينكح فوق اثنتين ". وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: " يتزوج العبد اثنتين ". وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال لابن مسعود - رضي اللَّه عنه -: " ما يحل للعبد من النساء؟ قال: " اثنتين "، قال عمر - رضي اللَّه عنه -: " ذلك أرى ". وعن الحكم قال: اجتمع أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين؛ فهَؤُلَاءِ ستة نفر من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، منهم: عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي، وابن مسعود، والفضل بن العباس، والأنصاري - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - اتفقوا على أن العبد يتزوج اثنتين، ولا يتزوج أكثر من ذلك. وأيضًا عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " طَلاقُ الأَمَةِ تَطْليقَتَانِ، وَعِدتُهَا حَيضَتَانِ ". وعن عائشة - رضي اللَّه عنها - قالت: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " الأَمَةُ تُطَلقُ تَطْيقَتَينِ، وَتَعْتَد حَيضَتَينِ ". فإن احتج محتج بعموم الآية أن اللَّه - تعالى - قال: (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)، ولم يذكر عبدًا ولا حرًّا؛ فهو على عمومه. قيل: في الآية دليل أن الخطاب للأحرار، وهو قوله - تعالى -: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)؛ فهو على من له النكاح بنفسه، والعبد يكون له النكاح بغيره بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ): فكان المخاطب بنكاح العبيد مواليهم، ليس له أن ينكح المرأة إلا بإذن مولاه؛ ومولاه يزوجه إذا شاء بغير أمره، فإنما الخطاب لمن له أن يتزوج إذا شاء؛ والعبد من ذلك خارج؛ ألا ترى أنه قال - عز
وجل -: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)؟! والعبد لا يملك ملك اليمين؛ فدل أن الخطاب راجع إلى الأحرار دون العبيد. فَإِنْ قِيلَ: قد جعلتم للعبد أن يطلق الحرة ثلاثًا، فجعلتم له من الطلاق مثل الذي جعلتموه للحر؛ فيجب أن تجعلوا له مِنْ تزوج النساء مثل الذي يجوز للحر. قيل: الفرق بينهما أن الطلاق عندنا بالنساء؛ لأن الحر يطلق امرأته الأمة تطليقتين؛ فتحرم عليه؛ والتزويج بالرجال لا ينظر فيه إلى النساء، فللعبد أن يتزوج النصف من تزويج الحر، كما أن عدة الأمة وطلاقها على النصف من عدة الحرة، على ما روينا من الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " حَتَّى يَكُونَ لِلْعَبدِ في امْرَأَتَينِ شَيءٌ نِصْفُ مَا لِلْحُر مِنَ الأرْبَعِ "؛ ورُويَ عن الحسن أنه قال في قوله - تعالى -: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) يعني: الكفار. وقيل: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ)؛ فيكونوا قيامًا عليكم، ولكن كونوا أنتم قيامًا عليهم. وقيل: لا تؤتوهم أموالكم؛ فيكونوا أربابًا عليكم، وكونوا أربابًا بأموالكم عليهم. ومن صرف التأويل إلى اليتامى جعل معنى قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْوَالَكُمُ) و - كقوله: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)، وكقوله: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُم): يريد من ترونه في البيوت؛ فعلى ذلك إضافة أموال اليتامى إلى الأولياء.
(5)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ... (5) فالسفيه -في الحقيقة- من يعمل عمل الجهال، كان جاهلا في الحقيقة أو لا؛ لما قد يلقب العالم به؛ إذا ضيع الحدود، وتعاطى الأفعال الذميمة؛ وعلى ذلك ما جاء من الكتاب بتسفيه علماء أهل الكتاب. ثم قد يسمى الجهال به؛ لما أن الجهل هو السبب الباعث على فعل السفه؛ فقوله - تعالى -: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) يحتمل ذلك الوجهين. وأي الأمرين كان ففيه التحذير للمعنى الذي بين من قوله: (الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا): فإما إذا كانت قيامًا للمعاش أو للمعاد أو لهما، وطريق الإنفاق في الوجهين والإمساك لهما التدبر، ومراعاة الشرع، وتعاهد الأسباب، والوجهان جميعًا يمنعان الوفاء بما جعلت له الأموال؛ فحذر من أنعم بها عن تضييع ذلك بالتسليم إلى من ذكر، مع ما يكون في ذلك أن اتباع من يستحق أن يكون متبوعًا لمن حقه أن يجعل تابعًا، وذلك خارج عن حد الحكمة، وما يحمده العقل. ثم قد صرفت الآية إلى النساء بما جعل من إليه التدبير وهو الذي أنشأهن تحت أيدي الرجال في الأمور، مع وصف الرجال أنهم قوامون على النساء. وصرفت -أيضًا- إلى الصغار بما ضمن حفظ أموال مثلهم الكبار، وجعلوا مكفولين عند البالغين؛ فأموال البالغين أحق بذلك، وحقيقة السفه ما ذكرت. وجائز أن يكون المقصود بالذكر -من ذكر الصغار والنساء بما خاطب من حذر بالدفع إلى من ذكر- رزق أُولَئِكَ وكسوتهم، ولا يجب رزق الجهال والسفهاء في الأفعال على غيرهم؛ فيكون ما ذكروا أولى بمراد الآية، وإن كان للمعنى الذي قصد بالآية التي ذكرتهم - قد استحقوا. ولما غلبت تلك الأحوال على هَؤُلَاءِ جعل من ذكرت قوامًا عليهم، وقد ذكرت عن الحسن: أنه صرف الآية إلى الكفار؛ فكأنه تأول في القيام - القيام بأمر الدِّين؛ والكفار لا
يجوز الاستعانة بهم فيه؛ وله جعل المال عنده مع ما كره العلماء تسليط الكفار العقوبة؛ لجهلهم بحق شرع الإسلام فيها؛ فمثله دفع الأموال إليهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا)، يعني: قوام أمركم ومعيشتكم، وهو هكذا جعل اللَّه هذه الأموال أغذية للخلق، بها يقوم دينهم وأبدانهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) يقول: لا تؤتوهم، ولكن ارزقوهم أنتم واكسوهم. وقيل: يقول: أنفقوا عليهم منها، وأطعموهم. وقيل: لما أضاف الأموال إلى الدافعين لا إلى المدفوعة إليهم؛ دل على وجوب نفقة الولد وكسوته على الرجل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا)
(6)
قيل: عِدَةٌ حسنة جميلة: سأفعل وسأكسو. وقبل: مروهم بالمعروف، وانهوا عن المنكر. وقيل: علموهم الأدب والدِّين، وقولوا لهم كلام البر واللين واللطف. * * * قوله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى إِذَا) حرف، " حتى " صلة؛ وتأويله: وابتلوا اليتامى إذا بلغوا النكاح؛ وهو قول الشافعي، يجعل الابتلاء بعد البلوغ.
ويحتمل أن يكون المراد بالابتلاء - قبل البلوغ؛ لوجهين: أحدهما: أن يبتلي الأيتام قبل بلوغهم بأنواع العبادات والآداب؛ ليعتادوا بها ويتأدبوا؛ ليعرفوا حقوق الأموال وقدرها، ويحفظوها إذا بلغوا؛ لأنهم إذا ابتلوا بعد البلوغ لم يعرفوا ما عليهم من العبادات والفرائض وقت البلوغ، وكان في ذلك تضييع حقوق اللَّه وفرائضه؛ إذ لا سبيل لهم إلى القيام بها حتى البلوغ، فأمر الأولياء والأوصياء أن يبتلوهم قبل البلوغ، حتى إذا بلغوا، بلغوا عارفين لما عليهم من العبادات والحقوق، حافظين لها؛ ألا ترى إلى ما روي في الخبر أنه أمر الأب أنه يأمر ولده بالصلاة إذا كان ابن سبع، وأمر بالضرب والتأديب إذا كان ابن تسع وبالتفريق في المضاجع، وهو من حقوق الخلق؟! فهذا ليعتادوا، ويأخذوا الأدب قبل البلوغ، حتى إذا بلغوا عرفوا ما عليهم، وهَان القيام بها، وإذا لم يُعَوَّدُوا قبل ذلك يشتد عليهم القيام بإقامة العبادات وأداء الحقوق؛ فعلى ذلك الأول. ووجه آخر: أن يبتلي عقولهم بشيء من أموالهم يتجرون بها، ويتقلبون فيها؛ لينظروا: هل يقدرون على حفظ أموالهم عند حدوث الحوادث والنوائب؟ ففيه دليل جواز الإذن في التجارة في حال الصغر؛ لأنه لا يظهر ذلك إلا بالتجارة. وإن كان المراد بالابتلاء بعد البلوغ والكبر فهو -أيضًا- يحتمل وجهين: يحتمل العلم بها نفسه؛ ويحتمل العمل بها والعلم، ولا يضعوها في غير موضعها. وقوله: " إن حرف (حتى) صلة ": إنه لو جاز له أن يجعل هذا صلة، لجاز لغيره أن يجعل الرشد صلة فيه؛ إذ لا فرق بين هذا وبين الأول أن يجعل صلة. ثم اختلف في قوله: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هو أن يصير هو من أهل الشهادة؛ فحينئذ يدفع إليه المال؛ فعلى قوله يجيء أن ينتزع الأموال من أيدي الفساق؛ لأنه لا شهادة لهم؛ ومن قوله: إن اليتيم من أهل الكفر لا يدفع إليه المال إلا بعد استئناس الرشد منه، فلو كان شرط الرشد هو شهادة لكان الكافر لا يدفع إليه عنده؛ لما لا يقبل الشهادة ما لزم الكفر على أحد؛ دل أن
الرشد ليس ما ذكر، ولكن ما قيل من العقل والحفظ لماله، والإصلاح فيها. ورُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - في قوله - تعالى -: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) قال: إذا أدرك بحلم وعقل ووقار. وهو يقول -أيضًا- في قوله - تعالى -: (مِنْهُمْ رُشْدًا): إن اللَّه - سبحانه وتعالى - يقول: اختبروا اليتامى من عند الحلم، فإن عرفتم منهم رشدًا في حالهم، والإصلاح في أموالهم -: (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ). وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " فإن أحسستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم ". وفي حرف حفصة: " وابتلوا اليتامى في أموالهم حتى إذا بلغوا النكاح بعد كبرهم ". ثم لا يخلو منع الأموال منهم من أوجه ثلاثة: إما أن يمنع؛ لفرط البذل والإنفاق، جودًا وسخاوة، وحسن الظن باللَّه أنه - عَزَّ وَجَلَّ - يرزقهم ويعطيهم خلف نفقتهم، وهذا لا يحتمل؛ لأن هذا من أخلاق الأنبياء - صلى اللَّه عليهم وسلم - وسيرتهم؛ فلا يحتمل النهي عن ذلك. أو يمنع؛ لغلبة شهوتهم، ولقضاء وطرهم وحاجتهم، ينفقون الأموال؛ ليصلوا إلى ذلك، فإنهم إن مُنِعوا عن أموالهم يتناولوا من أموال غيرهم، ويتعاطوا ما لا يحل ولا يحسن؛ فلا يحتمل أن يمنعوا لذلك. أو أن يمنع عنهم الأموال؛ لآفة في عقولهم، ونقص في لُبِّهم، فإن كان لهذا ما يمنع أموالهم عنهم؛ فيجب أن يمنع أبدًا، لا وقت في ذلك ولا مدة إلا بعد ارتفاع ذلك وزواله عنهم، وهو الوجه، يمنع منه حتى يؤنس منه الرشد. ثم جعل إدراكه وبلوغه بالاحتلام؛ لأن كل جارحة من جوارح الإنسان يجوز استعمالها إلا الجارحتين منهما؛ فإنه لا يقدر على استعمالهما إلا هو، إحداهما: الذكر، والأخرى: اللسان؛ فإن هاتين الجارحتين لا يمكن استعمالهما إلا صاحبهما؛ فجعل
الاحتلام علمًا لبلوغه وإدراكه لذلك؛ ولهذا لم يعمل الإكراه عليهما، نحو من أكره أعلى الزنا؛ فزنا؛ فإنه عليه الحد؛ لأن الإكراه لا يعمل عليه؛ فإنما كان بفعل منه، إلا الوالي؛ فإنه إذا أكره آخر بالزنا ففعل لم يقم عليه الحد؛ لما جعلنا ذلك كالعلم بالسبب الذي يحل؛ وكذلك لو أكره حتى وطئ امرأة لزمه المهر، ولا يرجع على المكرِه. ولو أكره على إتلاف مال من أمواله ففعل لرجع على المكرِه؛ للمعنى الذي وصفنا؛ ولهذا ما وقع طلاق المكره ونكاحه وعتاقه؛ لأن هذه الأشياء إنما تقع باللسان، واللسان مما لا يعمل عليه الإكراه؛ لذلك جاز، واللَّه أعلم. وأما البيوع والأشربة والعقود كلها سوى هَؤُلَاءِ، تكون بالتسليم والقبض دون النطق باللسان والتكلم بها، فالإكراه مما يعمل عليها؛ لما أمكن استعمالها غيره؛ لذلك افترقا؛ ولهذا ما قلنا: إن الإيمان يكون بالقلب دون اللسان؛ لأنه إذا أكره حتى يكفر؛ فأجرى كلمة الكفر على لسانه، وكان قلبه مطمئنا بالإيمان -لم يكفر، فإذا اطمأن قلبه بالكفر- كَفَرَ؛ لأن الإكراه لا يعمل على القلب، ولا يصير المكره مستعملا له، إنما المستعمل هو؛ لا غير؛ لذلك كان الجواب ما ذكرنا. ومعنى جعل الاحتلام بلوغا هو إمكان استعمال سائر الجوارح دونه -يعني: الفرج- إلا بعد الكبر، وما كان المعروف من الآباء والأولاد، وما كان مما يجري الأمر بابتغاء المكتوب من الولد يكون بعد البلوغ، وبعيد ذلك، إلا في الوقت الذي لو ابتغى لوجد ولقدر عليه، وليس ذلك إلا في خروج الماء للشهوة. ثم يكون في المتعارف الاحتلام عن ذلك؛ فجعل علمًا له؛ ولذلك قيل: (حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ) ثم فرق في حق الكتاب بين اللسان وغيره؛ من حيث لا يملك أحد قهر لسان آخر حتى ينطق دون صاحبه؛ فبه يظهر سبب جري القلم من الإقرار بالبلوغ وهذا معنى ما جعل سببه بما لا يعلمه غيره؛ ليكون أول أحوال البلوغ وقوع قوله بحيث البلوغ، مع ما كان النطق فعل من يجري في جنسه الخطاب؛ وكأنه اتصل أمره بالسبب الذي خص به
الممتحن من العقل؛ إذ كان العقل قد يعرف بالمحنة والاحتلام لا؛ فأمرنا بالابتلاء من حيث العقول، ولم نؤمر من حيث الاحتلام، بل يقبل قوله في ذلك. ودل قبول قول من بلغ بالإخبار عن احتلامه، وبه يجري القلم عليه، ويلزم الحقوق - أن يقبله، يجوز في ذلك الوقت -وبخاصة على قول من يرى الابتلاء بعد الإدراك- أنه لو لم يقبل فبم نبتليه؟ ثم إذا جاز قوله لزم كل أمر علق به، وعلى ما ذكرت من أول ما علق به القول في حق البلوغ دليل اتصال حكم القول بالعقل، وتمام العقل بالبلوغ؛ إذ به يجري القلم. ودل ما ذكرت من امتناع اللسان عن سلطان غير صاحبه عليه - على لزوم كل حق معلق به على الإكراه؛ إذ لا يلزم بغيره، وهو لا يجري عليه، ثم كل أمر يكون لا به يصير اللسان سببا فيه كَالْمُعْلِم عنه، وهو مما يجري عليه القهر، ويعلم به؛ فيبطل، والله أعلم. وقوله: (وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا) الإسراف: هو كل ما نُهي عنه. وقيل: الإسراف: هو أكل في غير حق؛ وكأن الإسراف هو المجاوزة عن الحد، وهو كقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا)، وكان القتر مذمومًا، فعلى ذلك الإسراف في النفقة في مال اليتيم. وقوله - تعالى -: (إِسْرَافًا وَبِدَارًا)، قيل: البدار: هو المبادرة، وكلاهما لغتان، كالجدال والمجادلة، وهو أن يبادر بأكل مال اليتيم؛ خشية أن يكبر؛ فيحول بينه وبين ماله. وهو قول ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وفي حرف ابن مسعود - رضي اللَّه عنه -: " ولا تأكلوها إسرافًا وبدارا خشية أن يكبروا ".
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) أطلق اللَّه - تعالى - لولي اليتيم - بظاهر الآية؛ إذا كان فقيرا - أن يأكل بالمعروف من غير إسراف، وذلك هو الوسط منها، وكذلك روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أَن رجُلا سَألَهُ، فَقَالَ: لَيسَ لِي مَالٌ، وَلي يَتِيم؟ فَقَالَ: " كُلْ مَالَ يَتِيمك غَير مُسرِفٍ، وَلا مُتَأَثِّلٍ مَالَكَ بمَالِهِ " وفيه دليل أن الغني لا يجوز له أن يأكل مال اليتيم، وأن الفقير إذا أكل منه: أنفق نفقة لا إسراف فيها. وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إني أنزلت نفسي من مال اللَّه منزلة مال اليتيم: إذا استغنيت استعففت، وإذا احتجت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت. وروي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: الوصي إذا احتاج وضع يده مع أيديهم، ولا يكتسي عمامة. وعن عائشة - رضي اللَّه عنها - قالت: في قوله - تعالى -: (وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ)، قالت: يأكل والي اليتيم من مال اليتيم؛ إذا كان يقوم له على ماله،
ويصلح إذا كان محتاجًا. وقيل: يأكل قرضًا ثم يرد عليه إذا أيسر، وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رضي اللَّه عنهما. وقيل: (فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ)، أي: من مال نفسه، حتى لا يفضي إلى مال اليتيم. وقيل: يأكل إذا كان يعمل له، ويقوم عليه. وقيل: يأكل قرضًا؛ ألا ترى إلى قول اللَّه - تعالى -: (فَأَشْهدُوا عَلَيْهِمْ): أمر بالإشهاد عليهم عند الدفع، ولو كان أمانة في يده لم يحتج إلى الإشهاد في الدفع، ولكن يجوز أن يأمر بالإشهاد لا لمكان الوصي نفسه؛ ولكن لما يجوز أن يحدث بينه وبين ورثة الوصي خصومة فَيُشْهِد؛ ليدفع تلك الخصومة عنهم. وقيل: الأكل بالمعروف هو ما يسد به جوعه، ويواري عورته.
(7)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) قيل: شهيدا بما أخذ من ماله وأنفق. ويحتمل قوله: (حَسِيبًا) يحاسبه في الآخرة؛ إذا لم يحاسبه اليتيم في الدنيا. قوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ. . .) الآية. يحتمل أن تكون الآية - واللَّه أعلم - نزلت بسبب ما لم يكن يورث أهل الجاهلية الإناث والصغار، ويجعلون المواريث لذوي الأسنان من الرجال، الذين يصلحون للحرب، ويحرزون الغنيمة؛ فنزلت الآية بتوريث الرجال والنساء جميعًا. ويقال: إن الآية نزلت في شأن رجل يقال له: أوس بن ثابت الأنصاري، توفي
وترك بنات وامرأة، فقام رجلان من بني عمه - وهما وصيان - فأخذا ماله، ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئًا؛ فجاءت امرأة أوس بن ثابت إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فشكت، وأخبرت بالقصة؛ فقال لها: " ارْجِعِي في بَيتِكِ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يُحْدِثُ اللَّه في ذَلِكَ ". فانصرفت؛ فنزل قوله - تعالى -: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ. . .) الآية. وقيل: نزلت الآية في شأن امرأة سعد: أن سعدا استشهد بأُحد، وترك ابنتين وامرأة، فاحتوى أخ لسعد على مال سعد، ولم يعط المرأة ولا الابنتين شيئًا؛ فاختصمت إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأخبرته بالقصة؛ فقال لها: " لَم يُنْزِلِ اللهُ عَلَيَّ فِيكُم شَيئًا ". ثم نزلت الآية، فأخذ من عمهما ثلثي المال، ورده إليهما، ودفع الثمُن إلى المرأة، وترك البقية للعم. واللَّه أعلم أنْ فيم كان نزولها؟. وفي هذا الخبر دليل أن للابنتين الثلثين، كما للثلاث فصاعدًا، ليس كما قال بعض الناس: إن لهما النصف؛ لأن اللَّه - تعالى - إنما جعل الثلثين للثلاثة. ثم تحتمل الآية وجهين بعد هذا: تحتمل أن يكون المراد الأولاد خاصة لا غير؛ فيدخل كل ولد: ولد البنات، وولد البنين؛ لأنهم كلهم أولاده. ويحتمل أن يكون المراد منها الرجال والنساء؛ فيدخل ذوو الأرحام في ذلك، فلما لم يدخل بنات البنات في ذلك -وهم أولاد- دل أنه أراد النساء والرجال جميعًا، لا
الأولاد خاصة. وفيه دلالة نسخ الوصية للوارث؛ لأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ. . .) إلى قوله: (مَفْرُوضًا) أي: معلومًا بما أوجب في كل قبيل. ثم قال في قوله: (نَصِيبًا مَفْرُوضًا)، قيل: ذا يرجع إلى ما بين فرضه، وهو أصحاب الفرائض دون العصبات، فيكون على ما أشار إلى حقه من حيث الاسم في القرآن. ويحتمل ما بين، وقد جرى فيه ذكر حقين: أحدهما: حق العصبة، كما ذكر في الأب والإخوة والأولاد، وحق أصحاب الفرائض، ولو كان على ذلك فقد يتضمن الفرض ما يعلم بالإشارة إليه والدلالة؛ لأن أكثر من يوصي بحق العصبة هو ما لا نص فيه، والذي فيه النص هو في الأولاد والإخوة -خاصة- والوالد. وقيل: يتضمن كل الأقرباء على اختلاف الدرجات؛ فيكون منصوصًا -أيضًا- ومدلولا عليه، ويؤيد هذا التأويل قوله: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) ثم بَيَّنَ: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) وأُولَئِكَ هم البعداء الذين لهم أخوة الدِّين والهجرة، فإذا بقي في الرحم أحد - لم يصرف ذلك إلى المؤمنين، وقد قدم حقهم على المؤمنين والمهاجرين بالرحم؛ لذلك هم أولى، مع ما للإمام صرف ذلك بحق الإيمان إليهم؛ فيصير الدفع إليهم بحق الجواز، وإلى غيرهم شك عند قيامهم؛ فالدفع إليهم أولى لوجهين: أحدهما: عموم الكتاب على تحقيق حق لكل آية منها؛ دون إدخال حكم آية في حق آخرين بلا ضرورة. والثاني: الإجماع من الوجه الذي ذكرت مع اتفاق أكثر الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - والفتوى إلى يومنا هذا.
(8)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى) قيل فيه بوجهين: قيل: أراد بالقسمة: قسمة المواريث بين الورثة بعد موت الميت. وقيل: أراد به: قسمة الموصي وهو الإيصاء، يوصى ويبر لمن ذكر من الأقرباء واليتامى والمساكين بشيء؛ فالخطاب للموصى. ومن قال بقسمة المواريث: فالخطاب للورثة إن كانوا كبارًا، يعطون لهَؤُلَاءِ شيئًا،
ويبرونهم بشيء؛ وإن كانوا صغارا يقول الوصي: لهم (قَوْلًا مَعْرُوفًا)، أي: يَعِدُ لهم عدَةً حسنة إلى وقت خروج الأنزال، أو إلى وقت البيع إن باعوها. ثم اختلف المتأولون فيها: قَالَ بَعْضُهُمْ: هي منسوخة. وقال آخرون: هي محكمة، وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ومن قال: هي منسوخة، قال: نسختها آية المواريث: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ. . .) الآية؛ لأنهم كانوا يوصون الأولاد والآباء والأمهات؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ. . .) الآية. فنسخت آية المواريث وصية الموصي. ومن قال: هي محكمة متقنة، وهو قول ابن عَبَّاسٍ، والحسن ومجاهد وغيرهم؛ لأنه المعروف والبر والإحسان، وذلك مما لا يحتمل النسخ. وقبل: إن عبد اللَّه بن عبد الرحمن قسم ميراث أبيه، وعائشة حية، فلم يدع في الدار مسكينًا ولا ذا قرابة إلا قسم له من ميراث أبيه، وتلا هذه الآية: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ. . .) الآية، فذكر ذلك لابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - فقال: ما أصاب ليس ذلك له، إنما ذلك في الوصية، يريد الميت أن يوصي لهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا). قيل: إذا كان المال كثيرًا - رضخ وأعطى لهم شيئًا، وإذا كان قليلًا اعتذر إليهم، وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(9)
وقيل: أمر من يرث أن يرضخ ويعطي لمن لا يرث شيئًا، وهو قول الحسن، ويقال لهم: (قَوْلًا مَعْرُوفًا). والقول المعروف يحتمل ما ذكرنا: أن يعطى لهم إن كانوا كبارًا -أعني: الورثة- ويعد لهم عِدة إن كان المال ضياعًا إلى وقت خروج الأنزال والغلات، أو إلى وقت خروج الثمر، أو يعطي الورثة إن كانوا كبارا ويعتذر إليهم الوصي إن كانوا صغارًا. وقوله - جل وعز -: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ ... (9) قيل: هو الرجل يحضره الموت، وله ولد صغار، فيقو له آخر: أوص بكذا، أو أعتق كذا، أو افعل كذا، ولو كان هو الميت لأحب أن يترك لولده؛ فخوف هذا القائل بقوله: (فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ)، وأمر أن يقول له مثل ما يحب أن يقال له في ولده بالعدل بقوله - عز وجل -: (وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)، وهو قول ابن عَبَّاسٍ رضي اللَّه عنه. وقيل: هو الرجل يحضره الموت، فيقول له مَنْ يحضره: اتق اللَّه، وأمسك عليك لولدك الصغار والضعفاء، ليس أحد أحق بمالك منهم، ولا توصِ من مالك، شيئًا. فنهي أن يقال له ذلك؛ لما لو كان هو الموصي، وله ورثة صغار ضعفاء، أحبَّ بألا يقال له ذلك؛ فكذلك لا يقول هو له. والأول أشبه. وقوله: (وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا). قيل: عدلًا؛ يأمر أن يوصي بما عليه من الدَّين والوصية، ولا يجور في الوصية.
(10)
وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: نهي من حضر منهم مريضا عند الموت أن يأمره أن ينفق ماله في العتق والصدقة، أو في سبيل اللَّه؛ ولكن يأمره أن يبين ما له وما عليه من دين أو حق. وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) أي: استحلالاً، فإذا استحل كفر؛، فذلك الوعيد له. وقيل: (ظُلْمًا): أي: غصبًا. والأكل: هو عبارة عن الأخذ؛ كقوله: (لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) إنما هو نهي عن أخذه، وكذلك قوله: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا)، وقوله: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) - إنما هو نهي عن قبض الربا؛ فعلى ذلك الأكل -في هذه الآية- عبارة عن الأخذ والاستحلال. ومن حمل الآية على الغصب جعل الوعيد عليه، إلا أن يتوب؛ إذ لله أن يعذب من
شاء ممن ارتكب من عباده جرمًا، كما جعل الوعيد على المستحل إلا أن يتوب. وقيل: إنه على التمثيل أن الذي يأكل من مال اليتيم كأنه يأكل نارًا؛ لخبثه ولشدته. وعن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يقول: " اتقُوا اللَّه في الضعِيفَين "؛ قيل: ومن هما يا رسول اللَّه؟ قال: " اليَتيمُ والمرأة "؛ فإن اللَّه أيتمه وأوصى به، وابتلاه وابتلى به. وقيل في قوله: (فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا): للميت إذا جلس إليه (قَوْلًا سَدِيدًا)، أي: عدلاً في وصيته ولا يجور، ومن عدل في وصيته عند موته، فكأنما وجه ماله في سبيل اللَّه؛ فقال سعد بن أبي وقاص: فسئل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: كم يوصي الرجل من ماله؛ فقال: " الثلُث، والثلُث كَثير، لأَنْ تَدَع عِيالَكَ أَغْنياءَ خَيرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ الناسَ ". ثم قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إنَّ اللَّه - تعالى - تَصَدَّقَ عَلَيكُم بثُلُثِ أَمْوالِكم زِيَادةً في أَعْمَالِكم عِندَ وَفَاتِكُم ".
(11)
قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) قيل: قوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ) أي: يفرضكم اللَّه، وقد سمى اللَّه - تعالى - الميراث
فريضة في غير آى من القرآن بقوله: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ) ثم قال: (نَصِيبًا مَفْرُوضًا. . .)، وقال -أيضًا- في آخر هذه الآية: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ)، ولأنه شيء تولى اللَّه إيجابه من غير اكتساب أهله؛ فهو كالفرائض التي أوجبها اللَّه على عباده من غير اكتساب أهلها؛ فعلى ذلك سمى هذه فريضة؛ لأن اللَّه - تعالى - أوجبه، واللَّه أعلم. وقيل: قوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)، أي: يبين اللَّه في أولادكم. . . إلى آخر ما ذكر. وفيه نسخ الوصية للوالدين والأقربين في قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)، ودليل نسخه ما روي عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - أَعْطَى كُل ذِي حَق حَقَّهُ؛ فَلَا وَصِيةَ [لِوَارِثٍ] ". ثم قيل: إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار من الأولاد والإناث في الميراث؛ وإنما كانوا يورثون الرجال ومن يحوز الغنيمة؛ فنزل قوله: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ. . .) الآية؛ فالآية في بيان الحق للإناث في الميراث، وكذلك قوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) فيه بيان حق الميراث للذكور والإناث جميعًا. وقيل: تأويل هذه الآية ما بين في القرآن في ذوي الأرحام، وإن كانوا مختلفين في سبب ذلك، وإن الآيات التي بعدها من قوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) إلى آخر الآيات
التي فيها ذكر المواريث - فُسر بها مبلغ النصيب الذي أوجبه اللَّه للنساء والرجال في الآية الأولى مجملا، وأجمعوا أن الرجل إذا مات وترك ولدًا ذكورًا وإناثًا؛ فالمال بينهم (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ). ويحتمل قوله: (فِي أَوْلَادِكُمْ) - أولاد موتاكم، وهذا جائز في اللغة؛ لأنه لا يجوز أن يفرض على الرجل قسمة الميراث في أولاده وهو حي؛ دل أنه أراد أولاد الموتى. أو يحتمل ما ذكرنا أنهم كانوا لا يورثون الإناث من الأولاد والصغار منهم؛ فخاطب الجملة بذلك؛ لئلا يحرموا الإناث من الأولاد والصغار منهم. وفي قوله -أيضًا-: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)، أي: في أولاد من مات منكم؛ إذ لا يحتمل خطاب الحي ما ذكر في ولده؛ فهذا إن كان تأويل " يوصي ": يفرض أو يأمر. وإن كان تأويل ذلك: يُبَيِّن، فذلك جائز أن يخبر الحي ما بيَّن اللَّه في أولاده بعد موته في ماله، وذلك يمنع الوصية؛ لأنه يزيل حق البيان، ولما يمكن رفع القسمة وتحصيل الوصية على بعض لبعض، وذلك بعيد؛ إذ لا يملك في غيرهم. ثم من الناس مَنْ رأي نسخ الوصية للوارث بقوله: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ. . .) الآية؛ لأن الآية أوجبت الميراث فيما قل أو كثر، فلو كانت الوصية تجب للوالدين بقوله - تعالى -: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ. . .) الآية، لكان الميراث لا يجب فيما قل منه، وإنما يجب فيما يفضل منه، لكن الآية إذا لم تمنع الوصية للأجنبي وهي تصرف السهم المفروض إلى ما يفضل من الوصية؛ فمثله للوارث، لكن في الآية دلالة على رفع الكتاب؛ إذ في الأولى أنها كتبت، فلما أوجب الحق في كل قليل وكثير لم يبق معه الفرض والوجوب، ولكن يجب الفضل، ثم كان حق الوالدين ومن ذكر بحق اللزوم، وقد سقط ذلك، وبه كان يجوز، فلما سقط الحق جاء في الخبر أن " لا وَصِيَّةَ [لِوَارِثٍ] ". وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إِنَّ اللَّه قد أَعْطَى كُل ذِي حَق حَقه؛ فلا وَصيةَ [لِوَارِثٍ] "؛ فسقط الحق بالآية من الوجه الذي ثبت، والتنفل بقوله: " لا وَصية. . . ". فمن هذا الوجه الذي ذكرت يسقط حق الوصية بالقرآن، لكن قد ذكر للمرأة لا بحرف الوجوب بقوله: (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ)، ثم سقط -أيضًا- بالخبر الذي
ذكرنا؛ إذ ليس في الآية ذكر المرأة بما ذكر فيها ميراث الأولاد والأقربين، وقد بقي حق المتاع؛ إذ له أن يوصى لغير الورثة، لكن ذكر في ميراث المرأة وصية، كقوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً) من اللَّه، والوصية منه مكتوبة على ما للوالدين والأقربين، ثم أشرك الزوجين في ميراث الوالدين والأقربين مما قل أو كثر، كقوله: " النصف " و " الربع " و " الثمن " مما ترك. وقد بينا أن الآية نسخت ما ذكرت فصارت ناسخة للأمرين جميعًا، فهذا من جهة الاستخراج في حق النسخ. على أنه على مذهبنا: السنة كافية في بيان نسخ الحكم الذي، بينه الكتاب؛ إذ هو بيان منتهى الحكم من الوقت، وقد جعل اللَّه - تعالى - نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بحيث البيان مما في القرآن. وقوله - تعالى -: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ): فيه دلالة أن المال كله للذكر من الولد إذا لم يكن ثَمَّة أنثى؛ لأنه جعل للذكر مثلَي ما جعل للأنثى، وجعل للأنثى النصف إذا لم يكن معها ذكر؛ بقوله - تعالى -: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ). فدل أن للذكر من الولد إذا جعل له مثلي ما جعل للأنثى عند الجمع، إنما جعل له ذلك بحق الكل، ففي حال الانفراد له الكل. وقوله - تعالى -: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) قَالَ بَعْضُهُمْ: بين الحق لما فوق الثنتين، ولم يبين للاثنتين، ولهما النصف الذي ذكر للواحدة، وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رضي اللَّه عنه.
وأما عندنا: فإن للاثنتين ما للثلاث فصاعدًا؛ فيكون بيان الحق للثلاث بيانا للاثنتين؛ لأن اللَّه - تعالى - جعل حق ميراث الواحدة من الأخو. ات: النصف؛ بقوله: (وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)، كما جعل حق الابنة النصف إذا لم يكن معها ذكر بقوله - تعالى -: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ)، ثم جعل للأختين الثلثين بقوله: (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ)، فإذا نزلت الأخوات منزلة البنات في استحقاق النصف إذا كانت واحدة، واستحقاق الثلثين إذا كانتا اثنتين فصاعدًا؛ فعلى ذلك نزل بيان الحكم في الأختين منزلة بيان الحكم في الابنتين. قيل: يفوق اثنتين اثنتان فما فوقهما. وقيل: بين الكتاب الاستواء بين الابنة، الواحدة والأخت الواحدة؛ ليعلم استواء حق الولد وولد الأب، ثم بين في الأخوات للثنتين الثلثان، وفي البنات لما فوقهما؛ ليكون الذكر في الأختين دليلاً على الابنتين، وفيما كثر من البنات على ما كثر من الأخوات، وأيد ذلك أمر الاجتماع بين البنتين والبنات -وإن كثروا- بالإخوة والأخوات -وإن كثروا- مع ما كان معلومًا أن بنات الرجل أحق من بنات أبيه؛ أيد ذلك أن بنات ابنه قد يَرِثْنَ، وبنات ابن أبيه لا؛ فلا يجوز أن تكون الأختان أكثر حقا من الابنتين. وفي الأغلب أن يجعل لهن ميراث هَؤُلَاءِ، وأيد ذلك أنه ما دام يوجد في الأولاد من له فرض أو فضل - لم يصرف إلى أولاد الأب؛ ثبت أنهم بمعنى الخلف من هَؤُلَاءِ، وعلى ما ذكرت جاءت الآثار، واجتمع عليه أهل الفتوى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: أراد بالولد الذكورَ خاصة؛ لأنه جعل للأبوين لكُلِّ واحد منهما السدس إذا كان الولد ذكرًا، أما إذا كان الولد أنثى فللأب يكون الثلث. وأمَّا عندنا: فإن اسم الولد يجمع الذكور والإناث جميعًا. وبعد: فإنه إن كان الولد -هاهنا- ذكرًا وأنثى؛ فينظر:
إن كان ذكرًا يكون لكل واحد من الأبوين السدس، والباقي للولد. وإن كان أنثى فلها النصف، وللأبوين السدسان، والباقي للأب؛ على ما جاء في الخبر: " مَا أَبْقَتِ الفَرَائضُ فِلأَوْلَى رَجُل ذَكَرٍ ". وقالت الروافض: الباقي للابنة، ذهبوا في ذلك إلى أن الذي يقابل الابنة هو الابن، والذي يقابل الأب هي الأم، فالذي يقابلُ الابنة هو أولى بإحراز الميراث من الذي يقابل الأم؛ وهو الأب؛ فعلى ذلك الذي يقابل الابن -وهي الابنة- أولى بذلك من الذي يقابل الأم؛ وهو الأب. وأما عندنا: فإن الأب أولى بذلك من الابنة؛ لأن للأب حَقَّين: حق فريضة، وحق عصبة: أمَّا حق الفريضة بقوله: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ)، وأما حق العصبة بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ): جعل الباقي له؛ فذو حقين أولى بذلك من ذي حق واحد، والابنة ليس لها إلا حق الفريضة؛ لذلك كان الأب أولى. وفي الخبر دلالة أن حكم الابنتين وما فوقهما سواء، وهو الثلثان: ما روي عن جابر ابن عبد اللَّه قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بابنتين إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقالت: يا رسول اللَّه، هاتان ابنتا ثابت بن قيس، أصيبَ معك يوم أحد، وقد أخذ عمهما مالهما وميراثهما، ولم يدع لهما شيئا إلا أخذه، فما ترى يا رسول اللَّه؟ فواللَّه لا تنكحان إلا ولهما مال، فنزل قوله - تعالى -: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)؛ فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لعم الجاريتين: " اعْطِهِمَا الثُّلُثَينِ، وَأَعْطِ أمَّهُما الثمُنَ، ولَكَ ما بَقِيَ ". ثم في الآية دلائل:
أحدها: يخرج الخطاب على العموم، والمراد منه خاص؛ لأنه ذكر الأولاد، والولد قد يكون على غير دينه؛ فلا يرث، وقد يكون مملوكًا فلا يرث، على ما روي في الخبر: " لا يَتَوَارَث أَهْلُ مِلَّتَيْنِ "، وما روي: " لا يَرِث الْمُسْلمُ الكافِرَ وَلا الكَافِرُ الْمُسْلِمَ إِلا العَبْدَ مَوْلاهُ "، وذلك في الحقيقة ليس بميراث، ولكن ما للعبد يكون لمولاه. وفي هذا دليل جواز الاستثناء من غير نوعه؛ حيث استثنى العبد، وذلك في الحقيقة
ليس بميراث. وفي الآية دليل جواز القياس، والفكر فيها، والاعتبار؛ لأن ميراث الابنتين مستدل عليهما، غير منصوص، وكذلك ميراث الذكور من الأولاد بالانفراد مستدل عليه غير
منصوص، وما يحرز الأب من الميراث بحق العصبة مستدل عليه لا منصوص، وما يستحق بالفريضة فهو منصوصٌ عليه، وهكذا كل من يستحق شيئا بحق الفريضة فهو منصوص عليه؛ فدل أن ما ترك ذكره إنما ترك للاجتهاد، والتفكر فيه، والاعتبار. وفيه دليل أنه يجوز ألا يُطْلِع اللَّه عباده على الأشياء بقوله - تعالى - (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) إذ لم يبين أيهم أقرب نفعًا؛ دل قوله: (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ)؛ إذ ذكر وراثتهما، ولم يبين حق الأب أنه جعله عصبة يرد إليه الفضل. فيظهرُ للأب بهذه الآية من قوله - تعالى -: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ. . .) إلى آخرها - أمران: أَحَدُهُمَا: حق العصبة. الثاني: حق الفرض بقوله: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) ثم بعد هذا فيه أمران: أحدهما: أنه إذا ثبت له حق العصبة، وقد بين اللَّه - تعالى - نصيب الابنة أنه النصف، ونصيب الأب مع الوالد أن له السدس؛ فزعمت الشيعة أن الفضل يرد إلى الابنة؛ لأنها ولد، ولم يذكر له مع الولد إلا السدس. وعندنا: يرد إلى الأب؛ لأنه لم يذكر للابنة إلا النصف، ثم قد جعل الأب عصبة فيما له حق الفضل عن المفروض، ولم يجعل الابنة؛ لذلك كان الرد إلى الأب أحق مع ما يحتمل إن كان له ولد ذكر، ثم حرمت الأمُّ بالابنة؛ إذ هي تحرم بالأخوات، فالبنات أحق؛ إذ هن أقرب. والثاني: أنه إذ جعل للأب السهم من وجهين، ثم الذي له في أحد الوجهين صار للجد دون أولاده، وبين لأولاد الأب الحق، وإبقاء حق الجد لما بين لولده؛ فعلى ذلك ما له من الوجه الثاني وهو أولى؛ لأن حق العصَّاب يخرج على إلحاق الأبعدين فيه بالأقربين، وحق الفرائض لا، حتى يبين، ثم صار الجد أبًا في حقه من الفرض إذا لم يكن هو فمثله في حق العصبة. ثم فيه وجه آخر: أنه أتبع ذلك الذكر ذِكر الزوجين، وذكرهما مع الولد، ولم يذكر معهما الولدان؛ فثبت أن أمرهما يدخل في حالهما فيما كان، لا في حالهما، أي: الزوجين، وأيد ذلك قوله: إنه بقي حالهما مع الزوجين مع الولد على ما كان عليه دون الزوجين معه؛ فعلى ذلك حالهما بلا ولد، وفي ذلك وجوب صرف حقهما إلى ما فضل، كما ذكر في قوله:
(وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ) فيكون الفضل بينهما على ما كان عليه بالكل لولا الزوجان. وقوله: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) اختلف في حكم الآية من أوجه ثلاثة: قَالَ بَعْضُهُمْ: لا يحجب الأم عن الثلث أخوان ولا أختان، حتى يكون ثلاثة؛ لأن اللَّه - تعالى - قال: (إِخْوَةٌ)، وأقل الإخوة ثلاثة، وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رضي اللَّه عنه. وقال آخرون: يحجب الأم عن الثلث الذكور منهم، ولا تحجب الإناث؛ لأن اللَّه - تعالى - ذكر الإخوة، والإخوة اسم للذكور منهم دون للإناث؛ إذ الإناث اسم على حدة وهو الأخوات؛ لذلك حجب الذكور ولم يحجب الإناث. وأما عندنا: فإن الإخوة اسم للذكور والإناث جميعًا في الحكم، وإن لم يكن اسمًا لهما جميعًا في الحقيقة؛ ألا ترى أن اللَّه - تعالى - ذكر الإخوة، ثم جعل بالتفسير اسما لهما جميعا بقوله: (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً)، دل أن اسم الإخوة يجمع الذكور والإناث جميعا في الحكم؛ لذلك حجب الأم عن الثلث ذكورًا كانوا أو إناثًا. وأما قولنا: بأن الاثنين يحجبانها عن الثلث: ما رُويَ عن عليٍّ وعبد اللَّه وزيد بن ثابت أنهم قالوا: يحجب الأخوان الأم عن الثلث كما يحجبها الثلاثة.
وجعلوا الأخوين إخوة، والفرائض على اختلافها اتفقت في أن حكم الاثنين حكم الأكثر؛ فكذلك في حق الحجاب، واللَّه أعلم. وحجة أخرى: وهي أن اللَّه - تعالى - حكم في (الْكَلَالَةِ) إذا كان واحدًا أن له السدس، (فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ)؛ فجعل حكم الاثنين والثلاثة واحدًا يشتركون في الثلث؛ فوجب أن يكون حكم الاثنين والثلاثة من الإخوة في حجب الأم عن الثلث سواء. وحجة أخرى: وهي أن اللَّه - تعالى - جعل للأختين من الأب والأم الثلثين، وسوى بين حكم الأختين والثلاث في الميراث؛ فعلى ذلك يجب أن يستوي حكم الأخوين والثلاث في حجاب الأم عن الثلث. ثم المسألة بيننا وبين الروافض: زعمت الروافض أن الإخوة من الأم لا تحجب الأم عن الثلث؛ لأنهم منها، فمن البعيد أن يحجبوها، ويمنعوا ذلك عنها، ويجعلون ذلك لغيرها، يضرون بالأم وينْفَعونَ غيرها؛ وقد قال - تعالى -: (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً). والثاني: أن الحجاب قد يجوز أن يقع بمن يحصل له ما حجب عنها نحو الإخوة من الأب والأم إذا حجبوا الأم عن الثلث وقع لهم ذلك، وأمَّا الإخوة من الأم فإن وقع لهم الحجاب لم يجعل لهم ذلك المحجوب منها؛ فلا يحتمل الحجاب بهم. وأما عندنا: فإنه ليس لهم بحق القرب والبعد ما يحجبون، ولكن بحق الميت، فإذا كان ما ذكرنا؛ فسواء كانوا من قبل الأم أو من قبل الأب في حق الحجاب. والثاني: أن المواريث جعلت بحق الابتداء لا بحق المورثين؛ لما لا يحتمل أن يختار المورث من هو أبعد على من هو أقرب، نحو من يموت عن ابنة وابن عم، لا يحتمل أن يختار ابن العم على الابنة في النصف الباقي؛ دل أنه على الابتداء. ونقول في الإخوة في الأم: إنهم في الحجاب كالأخوة من الأب والأم، وإن كان الحق
لغيرهم؛ لما أن الإخوة لما تفرقت حقوقهم ذكرت، وكذلك الأولاد، فلو كان الحجابُ يتفرق لكانت الحاجة إلى الذكر لازمة؛ إذ بعيد ترك الأمر للنظر فيما لا أصل له في الأثر، ولا أصل له في هذا بالتفريق؛ بل قد جمع ذلك بين الإخوة والأخوات، على ما في ذلك من اختلاف الحقوق؛ ثبت أن غير الحجاب من الحقوق ليس بأصل له، والأصل أن ذلك لو كان على اعتبار الحق فهو بحق الميت، لا بحق الأبوين؛ لأنه لم يُعرف إيجاب حق ممن لا حق له، ولا حق لهم مع الأب؛ فبان أنه بمعتبر حق الميت يقع الحجاب، والمعنى منه واحد، ولو كان حجاب الإخوة من الأب بالأب لكان الأب إذن حجب الأم، فإذا كان هو لا يحجب بأن أن ولدها لا يحجبونها؛ إذ هو بحق الميت. وقوله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) ذكر اللَّه - تعالى - الوصية قبل الدَّين، وأجمع أهلُ العلم أن الدَّين يبدأ به قبل الوصية والميراث. رُويَ عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: تقرءون الوصية قبل الدَّين، وقضى مُحَمَّد - عليه الصلاة والسلام - بالدَّين قبل الوصية.
ورُويَ عن عليٍّ - رضي اللَّه عنه - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " الدَّيْنُ قَبلَ الوَصِيةِ، وَالْوَصِيةُ قَبلَ المِيرَاثِ، وَلَا وَصِيةَ لِوَارِثٍ ". وأجمعوا أنه إذا قضى الدَّين - دفع إلى أهل الوصايا وصاياهم إلا أن تجاوز الثلث فترد إلى الثلث؛ إن لم يجز الورثة، ويقسم الثلثان بين الورثة على فرائض اللَّه تعالى. وليس معنى قول اللَّه - تعالى -: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) - أن يخرج الثلث، فيبدأ بدفعه إلى الموصى لهم، ثم يدفع الثلثان إلى الورثة؛ لأن الموصى له شريك الورثة؛ إن هلك من المال شيء قبل القسمة ذهب من الورثة والموصى له جميعًا، ويبقى سائر المال بالشركة بينهم. ولكن معناه: من بعد وصية إعلام أن الميراث يجري في المال بعد وضع الوصية من جملته إذا كان الثلث أو دونه، وإن لم يكن دفع ذلك إلى أصحاب الوصايا، ثم لم يذكر في الآية قدر الدَّين والوصية، ومن قولهم: إن الدِّين إذا أحاط بالتركة منع الميراث والوصية، وإذا لم يحط لم يمنع. والوصية تجوز قدر الثلث، ولا تجوز أكثر من الثلث، إلا أن يجيز الورثة.
والآية لم تخص قدرًا من الدَّين دون قدر، وكذلك الوصية، لكن تفسيره ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " الثلُث والثلُث كثير "، وما رُوي في خبر آخر: " إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - تصَدَّقَ عَلَيكُم بِثُلُثِ أَمْوَالِكُم عِنْدَ وَفَاتِكُم زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُم لَم يَجْعَلْ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ "، وما روي في خبر آخر عن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وعمر وعثمان - رضي اللَّه عنهما -: " الخُمُسُ اقْتِصادٌ، وَالرُّبُعُ جَهْدٌ، وَالثلُثُ حَيفٌ ". ثم الوصية جوازها الاستحسان والإفضال من اللَّه تعالى، والقياس يبطلها؛ وذلك أن اللَّه - تعالى - لم يملك الخلق أَعْينَ الأموال؛ وإنما جعل الانتفاع لهم بها؛ ألا ترى أنهم نُهوا عن إضاعتها، ولو كان أعين المال لهم لكان لا مَعْنى للنَهْي عن إضاعتها؛ دل أنه إنما جعل لهم الانتفاع فيها إلى وقت موتهم، وبالموت ينقطع الانتفاع بها؛ فينظر من الأحق بها بعد الموت: الغريم صاحب الدَّين، أو الوارث، وإلا جواز الوصية الإفضال من اللَّه - تعالى - على عباده بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إِنَّ اللهَ تَصَدقَ عَلَيكُم بِثُلُثِ أَمْوَالِكُم عِنْدَ وَفَاتِكُم "؛ دل هذا الخبر أن جوازها الإفضال والاستحسان منه إلى عباده، واللَّه أعلم. وقوله - تعالى -: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) -يدل على أن ما ليس بدين ولم
يوصِ به الميت- فإنه لا يخرج من ماله، ويدخل عندنا في هذا الجنس: الحج يكون على الرجل، والنذر، والزكاة، وأشباه ذلك، ليس بشيء منها دين، فإذا لم يوص الميت بها فلا يجب أن تؤدى من التركة إلا أن يُنْفِذَها الورثة. فإن قال قائل: هي دين كسائر الديون. قيل له: أرأيت إن كان عليه دين وزكاة: يبدأ بالدَّين أو تقسم التركة بالحصص إذا لم يف بذلك كله؟ فإن قال: يبدأ بالدَّين؛ قيل له: لو كانت الزكاة دينًا كديون الناس كانت في القضاء. فإن قال: أجعل الزكاة أسوة في القضاء مع الديون؛ قيل له: ما تقول في رجل أفلس وعليه ديون: هل يقسم ماله بين غرمائه؟ فإن قال: نعم؛ قيل: فإن كانت عليه زكاة هل يضرب لها بسهم؟ فإن قال: لا؛ قيل: كيف ضربت لها بسهم بعد الموت لما قسمت ماله، ولم تضرب لها بسهم في الحياة، إن كانت كسائر الديون بعد الموت؟! فيجب أن تكون كسائر الديون في الحياة، إلا أن الزكاة حالة واجبة على من كان عنده مال فحال عليه الحول فاستهلكه، وليس يجوز له تأخير قضاء الدَّين. وفي إقرارك أنك تبدأ بالدَّين قبل الزكاة في الحياة دليل على أنه يجب أن يبدأ بالدَّين قبل الزكاة بعد الموت. فَإِنْ قِيلَ: قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - للمرأة التي سألت: هل تحج عن أبيها؟: " أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ، فَقَضَيتِيهِ أَلَم يُجْزِ عَنْهُ؟ " يدل على أن الحج دَين. قيل له: ليس فيه دلالة الوجوب عليها؛ إنما فيه دليل جواز الحج عن الميت وقبوله، إذن كان قضاء ما هو أوكد منه من ديون العباد قضاء صحيحًا؛ فالحج الذي هو دون ذلك
في التأكيد أحرى أن يقبل؛ كأنه أراد هذا، واللَّه أعلم. ودليل آخر: أن الزكاة لا تجوز أن تؤدى عن الميت إذا لم يوص بها؛ لأن الزكاة لا تؤدى إلا بنية المزكي، والنية عمل القلب، ولا خلاف في أنه لا يُصَلَّى عن الميت ولا يصام عنه؛ فلما لم يجز أن يُقْضَى عن الميت على الأبدان، لم يجز أن تقوم نية الورثة في أداء الزكاة مقام نية الميت. قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى - في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) وظاهره أنه يقدم الوصية على الميراث، لكن أجمع أن الابتداء به عن حق حد الميراث، ولكن يوزع؛ فيخرج التأويل على وجوه: أحدها: أن قوله - تعالى -: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ. . .) إلى قوله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) -كأنه سوى، أي: سواء مالُكُمْ: أن توصوا، أوصاكم اللَّه فيه- بكذا. والثاني: أن يكون (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ)، أي: من بعد ما أوصيتم، ويكون الميراث بعد الإيصاء. ويحتمل: من بعد أن كان عليكم الإيصاء والدَّيْنَ - أمركم بالمواريث؛ فيكون فيه نسخ قول: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ)؛ فدلت هذه الآية على حجر بعض الوصايا بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (غَيْرَ مُضَارٍّ)، لكن يحتمل أن تكون المضارة تبطل الفضل، ويحتمل ألا تبطل؛ كقوله - تعالى -: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا) في الرجعة على إمضاء الرجعة على ذلك، لكن الإضرار في الرجعة
مقصود، وفي هذا مفضول، فيمكن التفريق بين الأمرين، فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ. . .) الآيتين، وأوعد جهنم على تعدي هذه الحدود، وفي ذلك لا يحتمل مع جواز الفضل، وأيد ذلك قوله: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ. . .) الآية، ولو كان يجوز لكان لا يملك معه الإصلاح؛ فثبت أن من الوصايا ما يبطل مع ما كان اللَّه ذكر في المواريث: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ)؛ فلا يُملك إبطال فريضة اللَّه، وبالإذن منه يجوز فعله؛ لذلك يبطل بعض وصاياه. والأصل في ذلك أن الأموال أنشئت للأحياء؛ وخُلقت لمنافع الأحياء، فكأنهم ملكوا منافعها إلى انقضاء آجالهم، ثم صارت إلى مَن به ملكوها، يجعلها لمن يشاء، ويضعها عند من يشاء. وقد بين - عَزَّ وَجَلَّ - أنها: لمن، ومن أحق بها؛ فصار الموصي كأنه أوصى بحق مَنْ بَيّن أن مُحِقَّه فيه غيرُهُ، فإن تفضل اللَّه عليه في ذلك من شيء، وإلا فذلك كسائر الأملاك التي بينت أربابها، لم يكن لغيرهم فيها حق إلا بجعل اللَّه أو جعل من له؛ فعلى ذلك هذا قد جاء عن اللَّه بيان هذه بعد أن بينت هذه الآيات جعل الحق له إلى الثلث، فذلك له صدقة من اللَّه - تعالى - وفي الفضل إن أجاز المجعول له جاز، وإلا لا، واللَّه أعلم. فجعلت للوصية حدًّا، ولم تجعل للدِّين؛ لأن الدِّين مما يتصل بحوائجه في حال حياته؛ إذ هو يلزم بالأسباب التي بها معاشه وغذاؤه؛ فصار مقدمًا على المتروك في الحكم، وإنما جُعلت المواريث في المتروك مع ما كان الغرماء أحق بملكه في حياته بعجزه عن كثير من المعروف في مرضه بهم، فلو لم يكن لهم الحق لامتنعوا من المداينات إلا بوثائق يكونون هم أحق بها بعد الوفاة من الورثة، أو يمتنعون من المداينات، وفي ذلك تقصير القوت والأغذية عن مضي الأجل، وهو به مأمور؛ فجعلت الديون كأنها استحقت الإملاك في حال الحياة؛ فلم تجئ منهم التركة، وليس كالعبادات؛ لأنها تجب في الفضول عن الحاجات، والديون في الأصول، فليست العبادات بالتي تمنع الوفاء بالآجال ولا كان بأربابها إليها تلك الضرورات؛ فإنما هي بحق القرب، وهي عمل الأحياء، فإذا ماتوا زال الإمكان، وجرت في الأموال المواريث، وكذا المعروف من الدِّين المذكور في القرآن من قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا
أَوْ دَيْنٍ) - أن العبادات لا توصف بالديون، ولا تفهم من إطلاق القول بالديون؛ فصارت بمعنى الفضل عن الوصايا والديون إلى أن يؤجل، وهو الحقيقة؛ ألا يكون للمولى على عبده دين؛ فيكون المذكور دينا في الأفعال؛ كما ذكرت العِدَاتُ دَيْنًا في الأخلاق، لا في حقيقة الذمم، مع ما كانت هي لله، وقد جعل اللَّه له فريضة لأقوام بأعيانهم، لا تمنع عنهم إلا بالوصية، كما جعل للموصي. وعلى أن العبادات لا تقوم إلا بالبينات، ولا تؤدى عن أحد في حياته إلا بأمره، وإن احتمل قيام بعض منها عن بعض، وسائر الديون تجوز دونه؛ فعلى ذلك بعد الوفاة، وإن كان كل ما يؤدى به فهو الذي حدث به الوصية، وقد جاء الحد لها مع ما كانت العبادات لا تحتمل لحوق الأموات ولا الإيجاب عليهم في أموالهم، ثبت أنها حقوق الحياة خاصة، والديون تحتمل، فهي حقوقهم في الحالين. ثم قد ذكر في الدِّين (غَيْرَ مُضَارٍّ)؛ بل الدَّين أقرب إلى حرف الثنيا، ومعلوم أنه لا يقع منه في الديون الظاهرة المعلومة مضارة بالورثة إن كان يقع، يقع في الغرماء؛ إذ يؤخذ منه بلا إيصاء، ولا يحتمل النهي من حيث الغرماء؛ لما فيه إلزام المكاسب في أوقات العجز لقضاء الديون؛ فثبت أن ذلك فيما لا يعرف من الديون؛ وإنما يرجع فيها إلى قوله؛ فبطل بالذي ذكرته جواز إقراره على كل حال لكل أحد؛ إذ لا ضرر يقع من حيث فعله فيرد، وقد بينا أن المضارة في هذا تمنع الجواز؛ فثبت أن من الإقرار ما لا يجوز، فقال أصحابنا - رحمهم اللَّه -: لا يجوز إقراره لبعض الورثة وقت الإياس من نفسه؛ لأنه
وقت الإيثار، والسخاء بما عنده من المال، ولوقت السخاء ما أبطل وصيته للوارث بما يخرج مخرج الإيثار، فنحن إذا أجزنا إقراره فيهن لنظره لم يمنع الوصية أن ينتفع؛ بل يذهب الكل، وفي الأول لم يكن يذهب، واللَّه أعلم. ثم الأصل أنه أجيز في الكل بحق الأمانة، ووصيته بحق الفضل ثم جعل في وارثه كمن لا ملك له؛ إذ قد يقصد به التفضيل والتخصيص إلى القربة؛ فعلى ذلك فيما خان في الأمانة يجعل كمن لا أمانة له لما يخرج، على ما بينا، وإسقاط الأخبار؛ لتوهم من الأمناء أوجد في الأحكام، ومن إسقاط المعروف عن الأملاك، واللَّه أعلم. وعلى ذلك فيما كانت عليه ديون ظاهرة قد يبقى الضرر بأهلها لبعض من له بشأنه عناية، وفيما بينهما حقوق تحث على المعروف والصلة له وقت السخاء بماله، وللعلم بأنه عن الانتفاع به عاجز؛ فيقر لهم ذلك بتهم في الحقوق التي ظهرت، ثم كانت عبادات الأموال قد تقام عن الأموات بالأمر، ولا تقام عبادات الأفعال لوجهين: أحدهما: جواز بعض في أحد عن بعض النوعين فيما للعباد بلا أمر في الحياة، ولا يجوز في الآخر؛ فمثله العبادات بالأمر. والثاني: أن السبب الذي به تجب عبادات الأموال قد يجوز أن يوجب على نفر بالتحول من ملك إلى ملك، وما له تجب عبادات الأفعال يجوز فعل ذلك حق القيام بالأفعال، وعلى ذلك النيات؛ إذ ليست من الحقوق التي تتصل بالأموال في شيء من الأمور لم يقم بها أحد عن أحد، لذلك لم يجز إلا بأمر؛ فيكون الأمر بالأمر لما أمرنا به نادرا، واللَّه أعلم. وقوله - تعالى -: (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا). اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا في الدنيا، وهو أن يلزم الابن نفقة والده عند الحاجة والقيام بأمره، والأب يلزم أن ينفق على ولده في حال صغره، وعند الحاجة إليه، والقيام بحفظه، وتعاهده، فإذا كان ما ذكرنا لم يدر أيهما أقرب نفعًا: نفع هذا لهذا، أو هذا لهذا. ويحتمل أن يكون قال: لا تدرون أنتم أي نفع أقرب إليكم: نفع الآباء أو الأبناء، فإن كان التأويل ما ذكرنا؛ ففيه دلالة بطلان شهادة الوالد لولده، وشهادة الولد لوالده؛ إذ
أخبر أن لهذا نفعًا في مال هذا ولهذا نفعًا في مال هذا، فإذا ثبت النفع لم تقبل شهادة من ئنتفع بشهادته؛ ولهذا قال أبو حنيفة - رضي اللَّه عنه -: لا يجوز للوكيل بالبيع أو الشراء أن يبيع من أبيه، أو ابنه، أو والدته؛ لما ينتفع ببيعه منه وبالشرى منه. وكذلك قالوا: إذا اشترى من هَؤُلَاءِ فليس له أن يبيع مرابحة، إلا أن يبين؛ لأنه ينتفع به. وقيل: هذا في الآخرة. ورُوي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه -: (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا)، يقول: أطوعكم لله من الآباء والأبناء: أرفعكم درجة عند اللِّه يوم القيامة؛ لأنه - تعالى - يُشَفعُ المؤمنين بعضهم في بعض. وقيل: قوله: (لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ) أنتم في الدنيا (أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا)، يقول: أخصّ لكم نفعًا في الآخرة في الدرجات الوالد لولده، أو الولد لوالده؛ إذ هم في الدنيا لا يدرون أيهم أقرب لصاحبه نفعًا في الآخرة حتى يرجعوا في الآخرة قال: فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع اللَّه - تعالى - إليه ولده في درجته؛ لتقر بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والده رفع اللَّه - تعالى - الوالدين إلى الولد في درجته؛ لتقر بذلك
أعينهم برفع الأسفل إلى الأعلى والأدون إلى الأفضل، وهو كقوله - تعالى -: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ)، يعني: بإيمان الآباء، (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ)، يعني الآباء (مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ). ويحتمل أن يكون هذا في الشفاعة، أو لا يدرى ما ذلك النفع وما مقداره. أو يحتمل قوله: (لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا): ليس على حقيقة القرب؛ ولكن على الكبر والعظم، وقد يتكلم بهذا كقوله: (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا): ليس على أن آية هي أكبر من أخرى، ولكن على وصف الكل منها بالكبر والعظم؛ فعلى ذلك قوله: (لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) على وصف كل منهم بالنفع؛ على الإعظام والإكبار، واللَّه أعلم. ويحتمل قوله - تعالى -: (أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا)، أي: أوجب؛ كقوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، أي: واجب للمحسنين، وغيره من الآيات. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) سمى اللَّه - تعالى - المواريث فرائض؛ لأنه كان بإيجاب اللَّه - تعالى - لا باكتساب من الخلق؛ إذ لم يملك الخلق أعين هذه الأموال، ولكنه إنما ملكهم المنافع منها، وإلى وقت وفاتهم فإذا ماتوا صار ذلك المال للذي جعل اللَّه له؛ لذلك سمى فرائض. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) ببدو حالهم ومعاشهم ومصالحهم، وما يصلح لهم وما لا يصلح (حَكِيمًا) فيما فرض من قسمتها وبينها. والحكيم: هو المصيب واضع كل شيء في موضعه، والظالم: هو واضع الشيء في غير موضعه. * * * قوله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى
(12)
بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ. . .) إلى آخر ما ذكر: فيه مراد الخصوص، وإن كان مخرج الخطاب عافا؛ لأن الزوج أو الزوجة إذا لم يكن على دين صاحبه وعلى وصفه لم يجز بينهما التوارث؛ دل أن ليس لأحد الاحتجاج بعموم المخرج، على ما ذكرنا في الولد والوالد والأم وغيرهم: أنه إذا لم يكن بعضهم على وصف بعض لم يجز بينهما التوارث؛ دل أن عموم مخرج الخطاب لا يدل على عموم المراد، ثم الآية معطوفة على ما سبق من الآيات؛ لأنها ذُكرت بحرف العطف والنسق بقوله: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) والربع إن كان لهن ولد (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ)، والثمن إن كان لكم ولد، فبين في الآية الأولى ميراث الأب والأم وميراث الأولاد، ولم يبن ميراث الأزواج، ثم بين في هذه الآية؛ فنسق على الأول؛ دل أن الأزواج والزوجات إذا كانوا معهم فإن الحكم لا يختلف فيهم، يكون للأم الثلث إذا لم يكن هنالك ولد ولا اثنان من الإخوة والأخوات فصاعدا، والسدس إن كان له ولد أو اثنان من الإخوة والأخوات يكون لها مع هَؤُلَاءِ ثلث ما بقي، حيث نسق هذه على السابقة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً) اختلف في الكلالة: قَالَ بَعْضُهُمْ: الكلالة: الميت الذي لا ولد له ولا والد.
وعن الحسن أنه قال: الكلالة: الإخوة والأخوات من الأب والأم، أو الإخوة والأخوات من الأب، ذهب في ذلك إلى ما ذكر في آية أخرى قوله: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ. . .) إلى آخر ما ذكر. والنصف إنما يكون للأخت من الأب والأم، أو الأخت من الأب، وذلك تفسير الكلالة؛ دل أنها الإخوة والأخوات من الأب والأم، أو من الأب. وروي عن أبي بكر الصديق - رضي اللَّه عنه - أنه قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد. وروي عن عمر - رضي اللَّه عنه - أنه قال: لقد أتى عليَّ زمان وما أدري ما الكلالة، ألا وإن الكلالة ما لم يكن له ولد ولا والد. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد. وروي عن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال في خطبته: ألا إن الآية التي أنزلها اللَّه - تعالى - في أول سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والمرأة، والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة من الأب والأم، والآية التي في سورة الأنفال في: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ)، مما جرت في الرحم من العصبة. وروي عن عمر - رضي اللَّه عنه - أنه قال: إذا كانت الكلالة بعضهم أقرب من بعض بأبٍ فهو أحق بالمال.
وحديث عمر هذا يبين أن الكلالة، اسم يقع على الإخوة من الأم ويقع على الإخوة من الأب، ويقع على الإخوة من الأب والأم، وهو ما ذكرنا في قول أبي بكر الصديق وعمر - رضي اللَّه عنهما - أن الكلالة ما عدا الولد والوالد، فكانوا يذهبون - واللَّه أعلم - أن الأعمام وبني الأعمام يرجعون في النسب مع الميت إلى جده، وقد تكللهم الجد، وكذلك الأخوال والخالات وأولادهم يرجعون مع الميت إلى جده أبي أمه، وقد تكللهم أبو الأم؛ فسبيلهم في ذلك سبيل الإخوة والأخوات الذين تكللهم الأب والأم، إلا أنهم لما كانوا أبعد في النسب من الإخوة والأخوات لم يرثوا معهم، فأجمعوا أن معنى قوله - سبحانه وتعالى -: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ)، هو في الأخت من الأب والأم، أو من الأب، إذا مات الرجل ولا ولد له ذكر ولا أنثى يعطى الأخت النصف تسمية، فقال قوم من الشيعة: الآية تدل على أنه إن ترك ابنة وأختا أن المال كله للابنة، ولا شيء للأخت؛ لأن اللَّه - تعالى - جعل لها الميراث إذا لم يكن له ولد؛ فسوى الذكر والأنثى من الأولاد. وليس الأمر كما قالوا؛ لأنا إذا جعلنا للابنة النصف وجعلنا ما بقي للأخت فلم نعطها ما أعطيناها بالتسمية؛ ألا ترى أنه لو كانتا أختين كان لهما عندنا ما بقي، ولو جعلنا ذلك لهما تسمية، أعطيناهما الثلثين؛ لأن اللَّه - تعالى - جعل لهما الثلثين بالتسمية، وليس سبيل ما تأخذه الأخت بالتسمية لا ينقص منها شيئًا ما تأخذه من الباقي بغير تسمة؛ ألا ترى أن اللَّه - تعالى - جعل للأبوين السدسين مع الولد، فإن كانت ابنة وأبًا فلها النصف، وما بقي للأب، فقد أعطينا الأب أكثر مما سمى اللَّه - تعالى - ولكنا لم نعطه الزيادة بالتسمية؛ فلم يلزمنا الخلاف في زيادثه، فإن خالفونا في ذلك، قيل: قد سبق لذلك جواب ما يدل على أن الأب بالباقي أولى من الابنة؛ لذلك لم نذكره في هذا الموضع. فإن قال: الابنة أولى بما زاد على النصف؛ لأن اللَّه - تعالى - قال: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)؛ فكانت الابنة أحق بذلك من غيرها.
قيل له: أإن قوله - تعالى -:، (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) - إنما أوجب أنهم أولى ببعض من الأجنبيين؛ بين ذلك قوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ)؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة، فنسخ اللَّه ذلك، وجعل الميراث لذوي القرابة. وليس في الآية دليل على أن القريب أولى بالميراث ممن هو أبعد منه في القرابة، وقال اللَّه - تعالى -: (وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ)، يقول - واللَّه أعلم -: الأخ من الأب يرث الأخت المال كله؛ إن لم يكن لها ولد، وترث من الأخ النصف إذا كان هو الميت، وقال اللَّه سبحانه وتعالى: (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ)؛ فأجمعوا أن الأختين وما زاد من الميراث سواء. وقال اللَّه - تعالى -: (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ)، فأجمعوا أن الرجل والمرأة إذا مات أحدهما وترك أخًا وأختًا فما زاد على ذلك من الذكور والإناث كان الميراث بينهم: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)؛ فهذا ما نص اللَّه - تعالى - عليه في فرائض المواريث. وقد تكلم أهل العلم في الرد، والعول، وميراث ذوي الأرحام: فأما ميراث ذوي الأرحام: فإن اللَّه - تعالى - قال: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)، فمن زعم أن المال لبيت المال فلم يجعل بعض الأرحام أولى ببعض؛ بل جعل الغرباء أولى بالميت من أولى الأرحام؛ فكان قول المورثين عندنا أولى، وهو قول عمر، وعلى، وعبد اللَّه بن مسعود، وجماعة من الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - إلا زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فإنه جعل ذلك لبيت المال. فَإِنْ قِيلَ: إن قول اللَّه - سبحانه وتعالى -: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) إنما هو فيمن سمى اللَّه لهم سهامًا. قيل: في الخبر دليل أنه في غير الذين سمى اللَّه لهم سهامًا: ما روي عن عمر بن
الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " اللهُ وَرَسُولُهُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ، وَالخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ". وروي -أيضًا- أن عمر - رضي اللَّه عنه - قضى للخالة بالثلث، وللعمة بالثلثين. وعن زر بن حبيش، عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قسم الميراث بين العمة والخالة. وعن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: الخالة والدة. وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال في العمة والخالة: للعمة الثلثان، وللخالة الثلث. فأخذ علماؤنا في ذلك بما رُوي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وعن الأجِلَّة من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - وكان ذلك موافقا لظاهر الآية وعمومها، وكان اتباع ذلك عندهم أولى من غيره. فأما الكلام في العول: فإن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - كان ينكره، ويقول: لا تعول الفريضة. وكان علي وعبد اللَّه وزيد بن ثابت يقولون بعول الفرائض. وروي عن الحارث قال: ما رأيت أحدًا قط أحسب من علي بن أبي طالب - رضي اللَّه عنه - أتاه آت، فقال: يا أمير المؤمنين، رجل مات وترك ابنتيه وأبويه وامرأته، ما لامرأته؟ قال: صار ثمنها تسعًا. وكان ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - يكره أن ينقص الأب من السدس، وقد سمى اللَّه - تعالى - له السدس، ثم لم يمض على هذا الأصل؛ لأنه قال في الابنتين وأبوين وامرأته: للمرأة الثمن، وللأبوين السدسان، وما بقي فللابنتين؛ فنقص الابنتين مما سمى اللَّه لهما،
فلم كانتا أولى بالنقصان كله من غيرهما؟ وسائر الصحابة أدخلوا النقصان على كل وارث بقدر نصيبه؛ لئلا يلحق النقصان على بعض، ويأخذ البقية كمال نصيبهم، وجعلوا ذلك كقوم أوصى لهم رجل بوصايا تتجاوز الثلث إذا جمعت؛ فالحكم أن يقسم الثلث بينهم بالحصص، وكقوم صح لهم دَيْن على ميت، وتركته لا تفي بذلك؛ فهم جميعًا أسوة: يلحق كل واحد منهم النقصان بقدر حصته. وأما الردُّ: فإن عليًّا - رضي اللَّه عنه - وعبد اللَّه - رضي اللَّه عنه - قالا به، على اختلافهما فيمن يرد عليه، وسبيل ذلك سبيل ذوي الأرحام؛ لأن ذا الرحم بباقي المال أولى من الأجنبيين؛ بقول اللَّه - سبحانه وتعالى -: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)؛ فمن لا رحم له فلا حق له غير سهمه. وليس في الزوج والزوجة خلاف بين أهل العلم أنه لا يرد عليهما، ولأن في الآية دليل الرد على غير الزوجين من أهل السهام ومنعَ الرد عليهما؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - ذكر للأبوين السدسين إذا كان له ولد، وسمى للأم الثلث إذا لم يكن له ولد، ولم يسم للأب شيئًا؛ فيرد الباقي عليه، وكذلك سمى للذكور من الأولاد مع الإناث نصيبًا بقوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)، ولم يسم لهم شيئًا في حال الانفراد؛ فيرد الكل عليهم، ولم يترك للزوجين ذكر تسمية سهامهما في حال؛ بل ذكر سهامهما في الأحوال كلها في حال الولد، وفي حال الذي لا ولد له؛ فلذلك منع دليل الرد عليهما. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ) ومرة: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ)؛ حتى يعلم أنهما واحد. ثم ذكر المضارة في ميراث الإخوة والأخوات، ولم يذكر في الولد والوالد والزوج والزوجة؛ فهو - واللَّه أعلم - يحتمل وجهين: يحتمل: أنه ذكر في هذا أنه بهم ختم المواريث؛ فتكون تلك المضارة كانت كالمذكورة في الأولاد، أو الوالدين والأزواج؛ إذ بذلك ختم. ويحتمل: أنه ذكر هاهنا المضارة ولم يذكر فيما ذكرنا؛ لما في الطبع يقصد الرجل إلى مضارة الأخ والأخت ومَنْ بَعُدَ منه، ولا يقصد في المتعارف إلى مضارة الآباء والأولاد ومن ذكرنا، فإذا جاء النهي في مضارة من يُقصد في الطبع - بقصد الرجل - مضارته؛ فَلَان ينهى عنها فيما لا يقصد بالطبع أحق.
ثم بيان المضارة في الوصية ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ " وقوله: " إِنَّكَ إِنْ تَدَعْ وَرَثَتَكَ أَغْنِياءَ خَيرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُم عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ "، وما روي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ الخَيرِ سِتِّينَ سَنَةً، فَإِذَا أَوْصَى خَانَ فِي وَصِيتِه، فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ؛ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الشَرِّ سِتِّينَ سَنَةً، فَيَعْدِلُ فِي وَصِيّتهِ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيرِ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ " ثم يقول أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اقرءوا إن شئتم: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .) إلى قوله: (عَذَابٌ مُهِينٌ) وما روي: " الثُّلثُ حَيفٌ ". وما روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: الإضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ. . .) إلى آخره، قال: في الوصية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ). ثم الإضرار قد يكون -أيضًا- إذا أوصى لوارث ولم يوص للباقين؛ لأنه أضر به بالوصية لبعض ورثته الباقين؛ فلا فرق بين أن يضر بعض الورثة وبين أن يضر الورثة كلهم؛ ففيه دليل بطلان الوصية لبعض الورثة دون بعض. ثم الإضرار قد يكون بالدَّيْن على ما يكون بالوصية؛ لأنه إذا أقر المريض لبعض الورثة بدين، فإن إقراره لا يجوز كما لا تجوز وصيته، والإقرار بالدَّين أحق ألا يجوز من
الوصية؛ لأن الإقرار في المرض جوازه بحق الأمانة؛ إذ يجوز جواز الشهادة، والشهادة أمانة، والوصية جوازها بحق الملك؛ فإذا بطلت الوصية لوارثه فإقراره له في المرض أحق أن يبطل؛ وعلى ذلك إذا كان عليه دين في الصحة، فأقر بدَين في المرض؛ فغرماء الصحة أولى بدينهم من غرماء المرض؛ لأن في ذلك إضرارًا بغرماء الصحة؛ لأن دينهم قد تعين في ماله، وتحول من الذمة إلى التركة؛ ألا ترى أنه ليس له أن يقضي غريمًا دون غريم! فإذا كان ما ذكرنا - لم يكن له قسمة المال بين غرماء الصحة وبين من أقر لهم بالدَّين في المرض؛ إذ فيه الإضرار بهم؛ إذ قد تعين حقهم؛ فلا فرق أن يكسب الضرر على الوارث وبين أن يكسب الضرر على الغرماء. وإذا باع شيئًا بقيمته في المرض أو استقرض؛ فإنه يجوز ويبدأ به؛ لأنه يعمل للغرماء؛ إذ يقضي ديونهم مما أخذ. وإذا تزوج أو استأجر فيكون أسوة الغرماء؛ لأنه لم يعمل لهم، إنما يعمل لنفسه، وليس فيه اكتساب الضرر على الغرماء، فيكون أسوة، ثم إذا أضر لم يجز، ويرد ذلك الضرر ويفسخ. فَإِنْ قِيلَ: إن الرجل قد ينهى عن الإضرار في نفسه وماله، ولو فعل يجوز. قيل: إن الإضرار إذا حصل في ملكه أو في نفسه - يُنْهي ويجوز؛ لأنه لم يضر غيره، وإذا حصل في ملك غيره لم يجز وَرُد، وهاهنا إنما حصل في ملك الورثة والغرماء؛ لذلك بطل، ولا يوصي بأكثر من الثلث، ولا يوصي لوارث، ولا يقر بحق ليس عليه مضارة للورثة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ) يحتمل قوله تعالى: (وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ)، أي: الذي نهي عن المضارة وصيةً. ويحتمل: الذي فرض عليكم من المواريث؛ وصية من اللَّه وفريضة منه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ). بمن ضارَّ الوارث، وزاد على الثلث، وبمن لم يضار. (حَلِيمٌ) لا يعجل بالعقوبة على من ضار. ويحتمل العليم والحليم أن يكونا سواء؛ لأن ضد (حَلِيمٌ) سفيه، وكذلك الحليم.
(13)
قوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) قيل: فرائض اللَّه التي أمركم بها من قسمة الميراث. ويحتمل (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ): ما حد لنا حتى لا يجوز مجاوزتها، وقد تقدم ذكرها في سُورَةِ البقرة. وذكر حدود اللَّه، وقد يجوز أن يكون للخلق حدود، يقال: حدُّ فلان؛ فإذا لم يفهم من حدود اللَّه ما فهم من حد الخلق كيف فهم من قوله: (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، و (استَوَى إلَى السَّمَاءِ) ما فهم من استواء الخلق؟! فإذا لم يفهم من حدود اللَّه ما فهم من حد الخلق - لم يجز أن يفهم من استواء اللَّه ما يفهم من استواء الخلق، وكذلك لا يفهم من رؤية الرب ما يفهم من رؤية المخلوق، ولا يفهم من مجيئه مجيء الخلق، ولا من نزوله نزول الخلق، على ما لم يفهم من قوله - تعالى - (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) حدود الخلق؛ إذ لا فرق بين هذا وبين الأول. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) يحتمل وجهين: أحدهما: أوامره ونواهيه، وما حَرَّم وأحلَّ. ويحتمل: حدود شيء من ذلك؛ فيرجع تأويل الأول إلى أنفس العبادات، والثاني: إلى نهايات العبادات. والمعروف من الحدود التي تنسب إلى الخلق وجهان: أحدهما: نهاية المنسوب إليه، وذلك حق حد الأعيان. والثاني: الأثر الذي يضاف إليه، وذلك حد الصفات أن يقال: حد الفعل فعل كذا، وحد البصر والسمع، يراد به الأثر الذي به يعرف، أو هنالك ما ذكر، ثم لم تكن الحدود التي أضيفت إلى اللَّه - سبحانه وتعالى - على واحد من الوجهين اللذين يضافا إلى الخلق؛ إذ قد ثبت بضرورة العقل وحُجج السمع تعاليه عن المعاني التي هي معاني خلقه؛ فعلى ذلك ما أضيف إليه من طريق العقل من الاستواء، والمجيء، والرؤية - لم يجز في ذلك تصوير المعنى الذي في إضافة ذلك إلى الخلق يكون بما في ضرورة العقل والسمع جلاله وكبرياؤه عن ذلك المعنى، وباللَّه العصمة.
(14)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). قيل: من يطع اللَّه في أداء فرائضه أوسنة رسوله. (يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ. . .) إلى آخر ما ذكر. وقيل: ومن يطع اللَّه فيما أمر ونهى، وأطاع رسوله في أمره ونهيه؛ فله ما ذكر. وقيل: إذا أطاع اللَّه فقد أطاع رسوله، وإذا أطاع رسوله فقد أطاع اللَّه - تعالى - وهو واحد، كقوله: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وقوله: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ) - تعالى -: فيما أمر ونهي، وحَرَّم وأحلَّ، (وَرَسُولَهُ): فيما بلغ وبين. وقيل: ذا ليس بتفريق، لكن من الذي يطيع اللَّه هو الذي يطيع رسوله؛ لأنه إلى طاعة اللَّه - تعالى - دعاه، وعلى عبادته رغب؛ فتكون طاعتُهُ طاعتَهُ، كقوله - تعالى -: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، وكقوله - سبحانه -: (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي. . .) الآية. وقوله - تعالى -: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... (14) وهذا كذلك -أيضًا- إذا عصى اللَّه؛ فقد تعدى حدوده، ومن تعدى حدوده فقد عصى اللَّه. ويحتمل قوله: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ): فيما لم ير أمره أمرًا ونهيه نهيًا، (وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ)، يعني: أحكامه وشرائعه، أي: لم يرها حقًّا -: (يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا) وله ما ذكر. * * * قوله تعالى (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ)، (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا) قيل: كان هذان الحكمان في أول الإسلام: الأول منهما للمرأة، والثاني للرجل.
وقيل: إن آية الأذى كانت في الرجل والمرأة، وآية الحبس كانت في حبس المرأة. ويحتمل أن تكون آية الأذى في البكر في الرجل والمرأة جميعًا، وآية الحبس في الثيب في الرجل والمرأة جميعًا. ويحتمل أن تكون آية الأذى في الرجال خاصة: فيما يأتي الذكرُ ذكرًا؛ على ما كان من فعل قوم لوط، وآية الحبس في الرجال والنساء جميعًا. فإن كانت آية الأذى في الرجال خاصّة؛ ففيها حجة لأبي حنيفة - رضي اللَّه عنه - حيث لم يوجب على من عمل عمل قوم لوط الحدَّ؛ ولكن أوجب التعزير والأذى، وهو منسوخ إن كان في هذا، وإن كانت في الأول؛ فهي منسوخة. ثم اختلف بما به نسخ: فقال قوم: نسخ بقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)، لكن عندنا هذا يجوز أن يجمع بين حكميهما؛ فكيف يكون به النسخ؟! ولكن نسخ عندنا بالخبر الذي روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " خُذُوا عَني، خُذُوا عَني، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً: البِكْرُ بِالبِكْرِ، والثيبُ بِالثيبِ، البِكْرُ يُجْلَد ويُنْفَى، والثيبُ يُجْلَدُ وَيُرجَمُ ". ففيه دليل حكم نسخ القرآن بالسنة. فَإِنْ قِيلَ: في الآية دليل وعد النسخ بقوله: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا)؛ فإنما صار متسوخًا بما وعد اللَّه في الآية من النسخ، لا بالسنة. قيل: ما من آية أو سنة كان من حكم اللَّه النسخ إلا والوعد فيه النسخ، وإن لم يكن مذكورًا؛ لأن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لا يجعل الحكم في الشيء للأبد ثم ينسخ؛ لأنه بدو، وذلك فعل البشر لا فعل الربوبية؛ فإذا كان ما ذكرنا فلا فرق بين أن ينسخه بوحي يكون قرآنا يتلى وبين أن ينسخه بوحي لا يكون قرآنا، وفيه أخبار كثيرة: روي أنه رجم ماعزًا لما أقرّ بالزنا مرارًا، ورجم -أيضًا- غيره: ما روي أن عسيف الرجل زنا بامرأته، وقال: سأقضي بينكما بكتاب اللَّه تعالى، وقال: " وَاغْدُ يَا أُنَيسُ عَلَى
امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ هِيَ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا ". وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائله: ما نجد الرجم في كتاب اللَّه، فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللَّه، ألا وإن الرجم حق إذا أحصن الرجل، وقامت البينة، أو اعترف، وقد قرأناها: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتَّة نكالا من اللَّه "، رجم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ورجمنا بعده. وقال قوم: الرجم بين اليهود والنصارى كهو بين المسلمين كالجلد بالآية، ولما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أنه رجم يهوديين ". قيل: إنما رجم بحكم التوراة؛ ألا ترى أنه روي أنه دعا بالتوراة، ودعا علماءهم فأمرهم أن يقرءوا عليه؛ فوضعوا أيديهم على الموضع الذي فيه ذكر الرجم فقرءوا غيره؛ فقال ابن سلام: إنهم كتموه يا رسول اللَّه، ثم قرأ هو؛ فأمر برجمهم، ولا شك أن القرآن نسخ حكم التوراة؛ لذلك لم يقم عليهم الرجم. فإن قال قائل: إن الحد يقام على من عمل عمل قوم لوط بقوله - تعالى -: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)، قيل: لا يحتمل وجوب الحد عليه بذلك؛ لأنه مختلف حكم هذا من هذا في الحرمة، ووجوب المهر؛ وغير ذلك، فلا يحتمل أن يعرف حكم شيء لما يخالفه في جميع أحكامه وجميع الوجوه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ) -: في الآية دليل جواز القياس؛ لأنه ذكر الحكم في النساء، ولم يذكر في الرجال ذلك الحكم، وهما لا يختلفان في هذا الحكم؛ ما يلزم المرأة في ذلك الفعل يلزم الرجل مثله؛ دل أن ما ترك ذكره في المنصوص إنما ترك؛ للاستدلال عليه، والاستنباط من المنصوص والانتزاع منه.
وقال قوم: إن على الثيب الجلد والرجم جميعًا؛ ذهبوا في ذلك إلى ما روي عن عبادة ابن الصامت، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " خُذُوا عَني خُذُوا عَني؛ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُن سَبَيلا: البِكْرُ بِالبِكْرِ يُجْلَدُ وُينْفَى، وَالثيبُ بِالثيبِ يُجْلَدُ وُيرجَمُ ": أوجب الجلد والرجم على الثيب أما عندنا: فإنه لا يوجب مع الرجم الجلد؛ لما روينا من الأخبار عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه رجم ماعزًا، ولم يذكر أنه جلده، وما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " اغْدُ يَا أُنَيسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا ": لم يُذكر هنالك جلد، والأخبار كثيرة في هذا. وروي أنه قال: " مَنْ أصَابَ مِنْ هَذِهِ القَاذُورَاتِ شَيئًا فَلْيَستَتِرْ بِسَتْرِ اللَّهِ الَّذِي سَتَرَهُ عَلَيهِ، فَإِن مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيهِ حَدَّ اللَّهِ ". ثم يحتمل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " الثيبُ بِالثيبِ يُجْلَدُ ويرجَمُ " في اختلاف الأحوال: يجلد في حال، ويرجم في حال، أو يجلد ثيب ويرجم آخر؛ لأنه لا كل ثيب يرجم؛ لأنه إذا كان ثيبا غير محصن لا يرجم؛ دل أنه على ما ذكرنا. أو يحتمل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " البِكْرُ بِالبِكْرِ يُجْلَدُ وُينْفَى، وَالثيبُ بِالثيبِ "، أي: البكر مع البكر، والثيب مع الثيب؛ فيكون ثيبا يجلد وثيبًا آخر يرجم. ثم اختلف أهل العلم في نفي البكر: قال قوم: النفي ثابت واجب. وعندنا: إن كان فهو منسوخ، ودليك نسخه: ما روي في خبر زيد بن خالد، وكان الرجل بكرا، لم يذكر أنه نفي. وما روي عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه نفى رجلا؛ فارتد ولحق بالروم؛ فقال: لا أنفي بعد هذا أبدًا. وما روي أنه قال: كفى بالنفي فتنة.
وإن كان فهو عقوبة وليس بحد؛ كحبس الدعارة وغيره. والدليل على أن النفي ليس بحد أن اللَّه - سبحانه وتعالى - قال في الإماء: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)، والأمة لا تنفي؛ لما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه، قال: " إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَلْيَجلِدْهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ ": أمر بجلدها ولم يأمر بالنفي، ولو كان حدا لأمر به كما أمر بالجلد؛ دل أنه ليس بحد في الحر، ولأنه أوجب على الإماء نصف ما أوجب على الحرائر، ولا نصف للنفي؛ دل أنه ليس بحد، ولا يجب ذلك، أو إن كان فهو حبس، وفي الحبس نفي، فيحبسان أو ينفيان؛ لينسيا ما أصابا؛ لأن كل من رآهما يذكر فعلهما؛ فينفيان لذلك، لا أنه حد؛ ولكن لينسبا ذلك ولا يذكر. وقوله -أيضًا-: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ. . .) إلى قوله - تعالى -: (فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا)، - يخرج على وجهين - لو كان الإتيان الزنا: أحدهما: أن يكون في جميع الإناث الحبس، وفي الذكور: الإيذاء؛ ولذلك جمع بين
الجميع في الخبر الذي به النسخ؛ فارتفع الحبس والأذى جميعًا، وذلك معقول: تأديب الرجل به أزجر له، وحبس المرأة أقطع لوجوه الزنا. أو أن تكون الآية الأولى: في المحصنات؛ على تضمن المحصنين بالمعنى، والآية الثانية: في الذكور؛ على تضمن الإناث بالمعنى، لكن جرى الذكر على ما ظهر من فضل صيانة الأبكار في الإناث: إما تدينًا، أو حياء الافتضاح، أو بما الغالب عليهن الصون من المحارم، والحفظ عن قرب الذكور، ليس بشيء من ذلك في الذكور ولا في الثيبات من النساء، على أنه بعيد بلوغ النساء في قلة الحياء إلى أن يُعْلِنَ حتى يشهده أربع، والغالب عليهن ألا يخالطن هذا القدر من العدد. ثم الدلالة على دخول الكل - قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " خُذُوا عَني، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَ سَبِيلًا. . . ": ذكر لهن؛ على ما جرى به الذكر في القرآن، ثم جمع في التفسير بين الكل؛ ثبت أن الذكر قد يضمن الكل، وذلك يبطل تأويل من يصرف الآية إلى الأبكار من الإناث والذكور، ومتى يحتمل وجود الكل مثل ذلك بعد النكاح على إثر خلوة الأزواج بهن والاطلاع على ما فيه المسبة الدائمة، والعار اللازم لهن، ثم كشف ذلك لجميع محارمها، ثم خوف الانتشار به ظاهرًا، وكيف يحتمل في مثل تلك الحال إلى تمكن من ذكر بحضرة من ذكر دون أن ينضم إلى زوجها؟ فتأويل من وجَّهَ الآية إلى الأبكار خارج عن المعروف. ثم المروي من السنة، ثم بما أجمع عليه أهل التأويل عمل صاحبه على هذا جهله بألا يجوز بيان نسخ حكم بينه الكتاب بالسنة، ويحكم على اللَّه - تعالى - وعلى رسوله بحجر هذا النوع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا. . .) الآية، ومعلوم أن عقوبة الزناة يتولاها الأئمة، فكأن الخطاب عليهم خرج، ثم قد أثبت الفاحشة منهن، ولم يأذن في إقامة عقوبتها حتى يستحضر أربعة فيشهدون بها؛ فعلى هذا أن ليس للأئمة تولي حد الزناة بعلمهم حتى يكون ثَمَّ شهود، وفي ذلك لزوم حق الستر إلى أقصى ما ينتهي إليه من إعلان الفعل من الزناة؛ إذ ذلك أمر معلوم فيما يحل ألا يفعل إلا في أحوال الخلوات التي تعلم حقيقة ذلك بالولد يكون، فأما
من حيث الكون دونه فإنما هو غالب الظن، فالذي لا يحل من ذلك أن يكون بحيث لا يعلم حقيقته أبدًا؛ يدل على ذلك جميع الأمور التي منها المباح أو المحظور: أن المحظور منه أبعد من الظهور والعلم به من المباح؛ فعلى ذلك أمر هذا مع ما زيد هاهنا ما جعل فيه من حد الزاني وجهين: أحدهما: الزجر عن هتك هذا النوع من الستر حتى خرجت شهادة من رمى بذلك؛ بما هتك ستر اللَّه. والثاني: فحش الشين بفاعل ذلك، ولزوم المسبة في صاحب ذلك، وذلك غاية معنى لزوم الشين، وكذلك روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ القَاذُورَاتِ شَيْئا فَليَسْتَتِرْ بِسَتْرِ اللَّه، فَإِنهُ مَن أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَد اللَّه ". فإذا بلغ العمل الذي حده ما ذكرت من العقوبة، من نهاية الستر النهاية من الإعلان حتى أظهر ذلك الجماعة بفعل من يشينه فعله ما ذكرت، استحق ما ذكرت من العقوبة بجرأته على ذلك بحله، وبقلة حيائه، حيث أظهر الذي ذلك حقه الستر عقوبة ذلك الفعل، فألزم من إليه ذلك القيام به لله، ثم جعل اللَّه في ذلك الفعل عقوبات مختلفة على اختلاف أوقات الفعل وأهله، على ما علم من مصلحة الخلق بها، وزجرهم، وتكفيرهم بها. ثم إن اللَّه - سبحانه وتعالى - جعل أول عقوبة الزنا في نوع من الخلق في الإسلام الحبس في البيوت، فهو - واللَّه أعلم - مخرج على أوجه: أحدها: إنه كان الزنا في الابتداء في نوع ظاهر يكتسبون به عرض الدنيا في ذلك في الإماء حتى قال اللَّه - تعالى -: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ. . .) الآية، وحتى كانوا يدعون الأنساب في أولاد الزناة من الإماء، حتى بلغ من ظهور ذلك إلى أن يمازج به الحرائر في الطرق تعاميا عن حالهن؛ فنزل قوله - سبحانه وتعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ)، وإن كان هذا حالهم في ذلك الوقت غلب عليهم خوف مواقعة الزنا، وكذلك على الحرائر؛ لكثرة ما يرين أو يسمعن، وذلك معنى يبعث من شَرِهَت نفسه،
وقل تفكره في أمر عاقبته مما ينزل به أو يشينه، وقد ركبت هذه الشهوة في كل البشر، فخفف اللَّه عقوبته في الابتداء أن جعل فيه الحبس والإمساك في البيوت، ثم صار ذلك إلى الضرب؛ لما أن تحرج الناس وعظم ذلك في أعينهم، وجعل في الشتم به الحد؛ ليعرفوا عظم موقعه عند اللَّه وينتهوا عن فعله، وقد جعل في ذلك في بعض الأحوال الرجم، وهي الحال التي يزول فيها كل وجوه العذر، ويرتفع جميع معاني الشبه لعظيم أمره. والثاني: أن السبب الباعث على ذلك قرب بعض لبعض، ومخالطة بعض ببعض على عظم الشهوة؛ فغلب عليهم الأمر، واستعدتهم الشهوة حتى واقعوا ذلك. ثم في الحبس وجهان: أحدهما: الكف عن المعنى الذي يدعو إليه من الاختلاط وتلاقي الأبصار. والثاني: ما فيه من فضل ضجر وتضييق الحال؛ إذ جعل ذلك إلى الموت، فيكون في ذلك عقوبة من حيث الضجر، ومعونة على الكف عنه بالحبس حتى لا يقع بصر ذكر على أنثى وأنثى على ذكر. والثالث: أن يكون في الحبس ترغيب الأرحام في الحفظ وإلزام القرابة بعض ما يزجر عن تضييع حقوق الرحم، ويدعو إلى القيام بالكفاية؛ إذ ضيق على الفاعل ذلك، وذلك يوجب قبل المواقعة الاستعلام عن الأحوال والجهد في الحفظ؛ إذ في ذلك بعض عقوبة أهل الاتصال من تكليف الإمساك والقيام بالكفاية؛ فيكون أبلغ في العفاف، وأقرب إلى الصلاح، وعلى مثل ذلك جعل أمر المعاقل؛ ليقوم أهل الصلاح في كل قبيلة في كف أهل الفساد عن الفساد، واللَّه أعلم. ثم لما انقطعت العادة وقام الناس بالتعاهد، وتفرق الفريقان حتى لا يؤذن بالاجتماع، إلا أن يكون ثَمَّ مَنْ جُبِلَ على الإياس من ذلك وأنشئ على قطع الشهوة فيهن، فجعل في ذلك حد، وجعل في ذلك لهن سبيلا، وذلك - واللَّه أعلم - يخرج على أوجه، يجب التأمل في الوجه الذي سمى ما نسخ به اللازم في ذلك، وذكر فيما ذكر حد مرة ورجم ثانيًا، ومعلوم أن المجعول له السبيل، والرجم والحد أشد عليهم من الحبس، وقد رُوي عن نبي الرحمة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " خُذُوا عَني، خُذُوا عَني، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائة وَتَغْريبُ عَامٍ، والثيبُ بِالثيبِ يُجْلَدُ وُيرجَمُ " فهو - واللَّه أعلم - أن بهذه الشريعة خلى سبيلهن، لا أن أوجب على المحبوسات إقامة ذلك بما قد حبس بالزنا،
ولكن في هذا تخلية السبيل، على أنهن؛ إذا زنين فعل بهن ذلك على رفع الحبس عنهن إذا حبس بما لم يبين حد ذلك، فإذا بين زال ذلك ولا حد حتى يكون منها ذلك، فالسبيل المجعول لهن تخلية السبيل، ثم بين الحكم في الحادث. ووجه آخر: أن السبيل في الحقيقة مجعول لمن كلف إمساكهن، وإن أضيف إليهن بما فيهن ضيق عليهم الأمر، وذلك كقوله - تعالى -: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، والإماء لا يؤتَين الأجر، لكن بما بمعنى فيهن ذكر الأجر، فأضيف إليهن، وعلى نحو ما أضيف أهل القرى إلى القرى بالتسمية، فأخرجت على تسمية القرى، وإذا كان المراد أهل ذلك في حق تسمية الأهل التذكير والقرية التأنيث، فكأنه جعل للمأمورين بالإمساك سبيلا في أن يقيموا الحد، ويزول عنهم مؤنة الإمساك والقيام بالكفاية. والثالث: أن يكون في طول الحبس ضجر وضيق، وحيلولة بين المحبوس والشهوات كلها، وقطع ما بينه وبين الأحباب، وتحمل مثله بمرة أيسر على النفس وأهون من دوام الذل والقهر، ثم لا مخلص عن ذلك إلا بما في الأول يكون ثمرة؛ فلذلك سمي - واللَّه أعلم - ذلك سبيلاً لهن. ثم دل الخبر الذي ذكرت على أمرين: أحدهما: أن الحبس -وإن كان مذكورًا في النساء خاصة- فهو في جميع الزناة؛ لأنه قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " خُذُوا عَني، خُذُوا عَني، قَدْ جَعَلَ اللُّه لَهُن سَبِيلًا " ثم ذكر ما به جعل لهن السبيل، في الذكور والإناث، في المحصنين وغيرهم جميعًا؛ ليعلم أن الحكم يجمع الكل وإن كان الذكْرُ فيهن، وذلك كما ذكر حد المماليك في الإماء، وحد الزناة في قذف المحصنات، والحكم يجمع الذكر والأنثى من حيث اتفاق المعنى الذي له جعل، فمثله فيما نحن فيه. والثاني: بيان نسخ المذكور من الحكم في الكتاب بالسنة، وذلك لوجهين: أحدهما: أنه لم يوجد على الترتيب الذي ذكر في القرآن مع ما ذكر تخلية السبيل، وليس بمذكور في شيء من القرآن؛ ثبت أن ذلك كان بوحي غير القرآن. والثاني: أنه - عليه السلام - قال: " خُذُوا عَني، خُذُوا عَني " ثم أخبر عن جعل اللَّه لهن السبيل؛ فدل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " خُذُوا عَني، خُذُوا عَني " أنه بيان اللَّه، وهكذا معنى النسخ
أن بيان جعل اللَّه مدة حكم الأول بما يحدث فيه الحكم، وليس قول من يقول في هذا في القرآن وعد بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) - معنى؛ لأن كل شيء في حكم اللَّه أنه ينسخه، فالوعد في حكمه قائم، إلا أن يقول قائل: لا يصدق الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ببيان وعد الحكم، وإنما يصدق ببيان وعد الشرط؛ فيحتاج أن يحدث منه إيمانًا، واللَّه الموفق، مع ما إذا جاز أن يعد النسخ المذكور في القرآن حقيقة، لا فيه يجوز أن ينسخ المذكور حقيقته لا فيه. وبعد، فإن من يقول هذا بعثه عليه جهله بمعنى النسخ: أنه البيان عن منتهى حكم المذكور من الوقت، ولا ريب أن لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بيان منتهى الحكم من النوع، فمثله الوقت. ثم إذا كان هذا أول عقوبة في الإسلام؛ فثبت به نسخ الحكم بالتوراة والعمل إذا كان فيها الرجم، وقد ذكر أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إنما رجم بحكم التوراة، وقال: " أَنا أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا سُنَّة أَمَاتُوهَا ". وإذا ثبت أن ذلك حكم التوراة ثم ثبت نسخ حكمه، فلا يقام عليهم الرجم إلا بعد البيان مع ما جاء عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهَ فَلَيسَ بِمُحْصَنٍ "، وأنه أخبر بالرجم في القرآن للمحصن. وقال قوم: عقوبة الحبس في الإناث خاصة، وأما في الذكور ففيهم الأذى باللسان والتعزير بقوله - تعالى -: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا. . .) الآية، وهذا
قريب من حيث كانت النساء مكانهن البيوت، وأمكن حفظهن عن الزنا، وتسليمهن إلى الأزواج مرة والمحارم ثانيًا، والرجال إذا حبسوا تحولت مؤنهم إلى غيرهم، فتكون عقوبة فعلهم تلزم غيرهم، والراحة تكون لهم، وأمَّا النساء فمؤنهن في الأصل على غيرهنَّ، فليس في حبسهن زيادة على غيرهن، فذلك عقوبة لهن مع ما كان الرجال بحيث يمكن تعييرهم، وذلك أبلغ ما يزجر العقلاء، وقد يحتمل أن يكون ذلك في الرجال خاصة؛ إذ لا يذكر في عمل قوم لوط العقوبة، وقد علم اللَّه - سبحانه وتعالى - حاجة الناس إلى معرفة عقوبة ذلك؛ إذ قد جعل اللَّه - تعالى - في إتيان النساء حقوقا وحرمات وأحكامًا ليست في إتيان الذكور، عرف الخلائق تلك؛ فلم يحتمل أن يترك ذكر عقوبة للذكور في الزنا بعد أن فرق أحكام الأمرين؛ فيشبه أن تكون الآية على ذلك؛ وأيد ذلك عَزَّ وَجَلَّ أنه - سبحانه وتعالى - قال: (فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا) ولم يذكر في ذلك جعل السبيل، وقد ذكر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ذلك في كل أقسام الزنا، ثبت أن ذلك فيما ذكر، فتكون عقوبة الأولى في ذلك أخف من الحد، فكذلك عقوبة الثانية مع ما يكون فيما يؤذيان بتفريق، وهو تعزير، وذلك هو الباقي أبدًا إذا لم يظهر معنى النسخ، وأيد الذي ذكرت استواء الذكور والإناث في جميع عقوبات الزنا في قديم الدهر وحديثه من حدود المماليك والأحرار، والثيبات والأبكار، فعلى ذلك أمر تأويل الآية. والنفي المذكور في الخبر يحتمل وجوهًا: أحدها: ما ذهب إليه الخصوم من جعله عقوبة، وأنه النفي من البلد، لكن الحدود إذا جعلت كفارات قد جعلن زواجر، وفي الزنا بخاصة إذا أمر فيه بالحبس أريد قطع السبيل إليه، وفي الإشخاص والإخراج من البلدان تمكين، وذلك بعيد، واللَّه أعلم. فعلى ذلك لو كان عقوبة فهو على الحبس، فينتفي عن وجوه الاجتماع على ما كان من قبل، فينتفي ذلك العذر منه؛ لظهور خشوع التوبة. وقد يحتمل أن يراد بالنفي قطع الذكر ورفع المسبَّة، فينفى؛ لينسى ذلك؛ فلا يعير بذلك، وكذلك في الإماء ولا في الكفر؛ إذ ما فيهم من الذل أعظم مع ما لا يجب بسبِّ من ذكرت حد؛ ليعلم عظيم موقع ذلك في الأحرار، ولو كان على العقوبة فهو منسوخ بما
(17)
جرت السنة في الإماء بحدهن من غير ذكر الحبس، وقد قال اللَّه سبحانه وتعالى: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)، والمذكور في الثيب يحتمل: يجلد في حال ويرجم في حال؛ إذ لا كل ثيب يجلد، وإن كان ثم نسخ بما ذكر من خبر ماعز وغيره. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَآذُوهُمَا) قيل: فآذوهما، بالحد. وقيل: فآذوهما بالتعيير (فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا) كُفوا عن ذلك. وقيل: سبوهما، لكن ذا قبيح، والتعيير أقرب. * * * قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) يحتمل قوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ) كذا؛ أي: توفيق التوبة وهدايته على اللَّه - سبحانه وتعالى - إذا كانت نفسه ترغب فيها، وتميل إليها على اللَّه أن يوفقه على ذلك؛ إذا علم اللَّه منه أنه يتوب. ويحتمل قوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) سبحانه وتعالى أي: قبول التوبة على اللَّه - تعالى - إذا تاب ورجع عما كان فيه وارتكبه. وفي قوله -أيضًا-: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) لمن ذكر، يحتمل قبولها بمعنى أن الذي
لا يُسَوِّفُ التوبة ولا ينتظر بها وقت المنع عن ركوب ما عنه يتوب والإياس من إمكان العود إلى ما عنه يتوب، فاللَّه يقبلها إذا كان ذلك دأبه وعادته. وإن بلغ هو ذلك الضيق بأمر دفع إليه، أو كان يتوب من قريب من الذنب بألا يستخف به؛ فيترك الرجوع؛ لقلة مبالاته به، فلا يقبلها ممن هذا وصف توبته، وحال استخفافه بالذنب. والثاني: أن يكون توفيق التوبة والهداية إليه ممن يفزعه ذنبه ويبعثه على الرجوع إلى اللَّه، والتعرض لرحمته وإحسانه، ولا يوفق من لا يبالي بالذي يذكر ولا يتضرع إليه. وقيل: الأول في الصغائر، والثاني في الكبائر، والثالث في الكفر: بأن صاحب الصغيرة أرق قلبًا وأخص ذكرًا له ورجوعًا إلى ربه، وصاحب الكبيرة أقسى قلبًا من الأول وأظلم، فهو لا يندم إلا بعد شدة، وبعد طول المحنة وضيق القلب، فليس على اللَّه قبول توبة من يتوب في تلك الحال، ولا توبة من بأن منه ما يأمله بالذي عليه قبول ذلك، ولكن بفضله وبرحمته يقبل ويوفق له بما كان منه من الخيرات والحسنات التي هُن أسباب التقريب إلى اللَّه - سبحانه وتعالى - والكافر لا يقبلها؛ إذ هو لا يتوب حتى يموت؛ فيستيقن بالعذاب، واللَّه أعلم. ويحتمل أن تكون هذه الأجرة في الكفار؛ فيكون فيهم من يظهر التوبة عند الضرورة والدفع إلى الحال التي يزول عنه وسع الإمكان، ويأنس من الإمهال؛ ليصل إلى ما كان له يذنب، فاللَّه لا يقبل توبته؛ إذ ليست في الحقيقة تَوْبَةُ مَمكَّنٍ، بل توبة مضطر، وتوبة دفع ما حل به، إذ هو وقت يشغل عن الاستدلال، وعن الوقوف على الأسباب من جهة التأمُّل والنظر، ولا يرى غير الذي أقبل عليه يظن أن له الخلاص بالذي يبدّل، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ)
(18)
هذا -أيضًا- يحتمل وجهين: يحتمل جهل الفعل؛ فيقع فيه من غير قصد. ويحتمل: قصد الفعل، والجهل بموقع الفعل. والعمل بجهالة يخرَّج على وجوه: يكون عن غلبة: تغلب عليه شهوته؛ فيعمل ذلك العمل على طمع منه أنه سيتوب من بعد، ويصير رجلاً صالحًا؛ على ما فعل إخوة يوسف، حيث قالوا: (أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) ثم سماهم جهلة بذلك في آية أخرى، حيث قال لهم: (هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ). ويحتمل العمل بالجهالة: هو أن يعمل على طمع المغفرة، ويتكل على رحمة اللَّه وكرمه. ويحتمل العمل بالجهالة: جهالة عقوبة عمله على ذلك. وكذلك الخطأ والنسيان على وجهين: خطأ الفعل: وهو الذي ليس بصواب ولا رشد. وخطأ القصد عمد الفعل: وهو الذي قصد أحدًا فأصاب غيره. والنسيان على وجهين -أيضًا-: نسيان ترك: وهو الذي يجوز أن يضاف إلى اللَّه - سبحانه وتعالى - بحال؛ كذلك الجهالة، واللَّه أعلم. والأصل في الشيء المنسي أنه متروك، فسمي المتروك من الرحمة والكرامة منسيًّا؛ فتجوز الإضافة إلى اللَّه - تعالى - من هذا الوجه. وقيل: نزل قوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ. . .) الآية - في المؤمنين. وقوله: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ... (18) إلى آخر الآية، في
الكافرين. وقيل: إنهما جميعًا في المؤمنين، والثالثة في الكفار. وقيل: إن الأولى في المؤمنين، والثانية في المنافقين، والثالثة: في الكفار. وعن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إن اللَّه - تعالى - يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. ورُوي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " مَنْ تَابَ قَبلَ أَنْ تُغَرغِرَ نَفْسُهُ وُيعَايِنَ المَلَائِكَةَ قَبِلَ اللهُ تَوْبَتَهُ ". والأصل في هذا أن توبة الكافر تقبل إذا كان توبته توبة اختيار، وأمَّا إذا كانت توبته توبة اضطرار ودفع فإنها لا تقبل أبدًا؛ كقوله: (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) إذا كان إيمانه إيمان دفع واضطرار عند معاينة العذاب فإنه لا يقبل أبدًا، وهو -أيضًا- كإيمان فرعون، حيث قال: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ. . .) الآية، لم يقبل إيمانه؛ لأنه إيمان دفع واضطرار؛ فعلى ذلك كل إيمان كان إيمان دفع واضطرار فإنه لا يقبل أبدًا، وكقوله: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ). وقيل: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ. . .) توبة تشريط، فلم تقبل؛ لأنه لم يقطع القول فيه قطعا. وقيل: في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا
(19)
حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) هم الذين يتوبون عند معاينتهم الموت؛ أخبر أنه لا يقبل توبتهم؛ لأنهم يتوبون توبة دفع واضطرار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) لا تقبل توبتهم، لأنهم يتوبون في الآخرة؛ دفع العذاب عن أنفسهم؛ كقوله تعالى: (مَآ أَشْرَكْنَا)، و (مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ). * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا). قَالَ بَعْضُهُمْ: كان يجوز لهم أن يرثوا النساء طوعًا؛ لأنه إنما نهي أن يرثوهن كرهًا، فكان فيه دليل جواز وراثتهن طوعًا. وأما عندنا: فإنه ليس فيه دليل جواز وراثتهن طوعًا، وإن كان النهي إنما كان في حال الكره؛ لأن الأصل عندنا: أن ليس في حظر الحكم في حال دليل إباحته في حال أخرى، ولا في إباحته في حال دليل حظره في حالة أخرى، ولا في حله في حال دليل حرمته في حال أخرى، ولا في حرمته في حال دليل حله في حال أخرى، دليل ذلك قوله - تعالى -: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ)، ليس على أن لهم أن يقتلوا إذا لم يخشوا الإملاق، وقوله: (إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ)، ليس فيه أنه لا يحل له؛ إذا لم يؤت أجورهن، وقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً). والقصة في الآية ما قيل: إن الرجل إذا مات وترك امرأة، كان أولياؤه أحق بامرأته من ولي نفسها: إن شاءوا تزوجوها وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يتزوجوها؛ فنزلت الآية في ذلك. وقيل -أيضًا-: كانوا في أول الإسلام إذا مات الرجل أقبل أقرب الناس منه فيلقي على امرأته ثوبًا فيحدث نكاحها طوعًا وكرهًا؛ فنزلت الآية في ذلك.
والآية عندنا خرجت مخرج بيان التحريم على ما كانوا يفعلون؛ دليل ذلك قوله - تعالى -: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) نهي الأبناء أن ينكحوا ما نكح آباؤهم من النساء؛ فدل أن النهي كان في الحالين جميعًا: في حال الكره والرضا، واللَّه أعلم. وفي قوله: (لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا. . .) الآية، تحتمل حرمة وراثتهن أبدًا، وأن ذكره " كرهًا " لأوجه: أحدها: أن ليس في ذكر الحرمة في وجه أو ذكر الحكم في حال دلالة تخصيص الحال؛ كقوله - سبحانه وتعالى -: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ)، وقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -. (إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ)، أنهن يحللن وإن لم يؤتين أجورهن، وإذا لم يصر ذلك شرطا صار كأنه قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا)، واللَّه أعلم. والثاني: أن تكون الوراثة أبدًا تكون كرهًا ويجب الميراث سواء من فيه وله أولاد إذا كان وجه الوراثة، فذكره ذلك وغير ذلك سواء. والثالث: أنهم كانوا يتوارثون النكاح، وهو أمر لا يحتمل الانقسام، ولا عند الاشتراك بالاستمتاع، فكان ذلك على تراض منهم لواحد. أو أن، يكون فيما كانت الوراثة ترجع إلى واحد؛ فيكون ذلك له بحق النكاح لا الميراث، فإذا حرم النكاح في حق من يرث من الذكور -وهم الآباء والأبناء- فبطل الميراث لو كان يجوز أن يورث. ثم دلت هذه الآية في قطع وراثة منافع الأبضاع، وملك الأبضاع أدوم من ملك الإجارات؛ فيجب أن يكون قطع الإجارات أولى. ودليل آخر على بطلان الوراثة: أن المرأة قد ترث الميراث؛ فتكون وراثة بعض نفسها، فبطل من حيث يراد إثباته. وقوله: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) اختلف فيه. قَالَ بَعْضُهُمْ: هو معطوف على ما تقدم، وهو ما ذكرنا من الوراثة، نهى أن
يعضلوهن؛ ليُذْهِبُوا ما آتوهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة؛ قيل: لم يكن يومئذ عقوبة؛ إذا أتت المرأة بفاحشة سوى أخذ المهور منها، وكانوا يمسكونها على الوراثة، فإذا أتت بفاحشة أخذ ما آتاها، ثم يسرحها. فَإِنْ قِيلَ: إنما نهاها عن الوراثة؛ لأن الولي إذا ورثها ورثت هي نفسها؛ فيبطل بذلك، فالنهي لذلك. قيل: لو كان لذلك فالمرأة إذا كانت ممن لا ترث عن الزوج مملوكة يجيء أن يحل ذلك؛ إذ لا وراثة ثَمَّ، فإذا لم يجز دل أنها خرجت على بيان التحريم، واللَّه أعلم. وقيل: في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) على الابتداء، ليست على الأول، نهي الزوج أن يأخذ منها ما آتاها من المهر إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. ثم اختلف في قوله - تعالى -: الفاحشة. قَالَ بَعْضُهُمْ: هو الزنا، وهو ما ذكرنا. وقال آخرون: الفاحشة - هاهنا - هو النشوز، أي: إذا نشزت فلا بأس أن يأخذ منها ما آتاها. وقيل: هو ما ذكره - عَزَّ وَجَلَّ - في آية أخرى: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا)، لا تأخذوا منه شيئًا: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)، نهى الأزواج أن يأخذوا منهن شيئًا إلا عندما يخافا ألا يقيما حدود اللَّه، فحينئذ أباح أخذ ما افتدت به، فعلى ذلك قوله: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)، وهو ما ذكرنا من النشوز وخوف ترك إقامة حدود اللَّه؛ فعند ذلك أباح له أخذ ما آتاها، واللَّه أعلم. وقوله: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) اختلف فيه: قيل: هو كقوله - تعالى -: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)
وكقوله - تعالى -: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ). وقيل: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ): في كلامها، وبرها، والإنفاق عليها، والإحسان إليها والاجتناب عما لا يليق بها من الشتم والإيذاء، وغير ذلك. (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) يحتمل: بالفضل، ويحتمل: كما لو فعل بك مثل ذلك لم تنكره، بل تعرفه وتقبله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ) قيل فيه بوجهين: قيل: كرهتم صحبتهن من قبحهن ودميمتهن، أو سوء خلقهن، فصبرتم على ذلك (وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) قيل: يهب لكم منهن أولادًا تقر بهم أعينكم، أو يعطي لكم في الآخرة ثوابًا جزيلاً بصحبتكم إياهن. وقيل في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ) أي: كرهتم فراقهن، ويجعل الله
(20)
في الفراق خيرا كثيرًا؛ كقوله - تعالى -: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ). * * * قوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا) والقنطار: قيل: مائة رطل. وقيل في حرف ابن مسعود: " قنطارا من الذهب ". وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إن كرهت امرأتك أو أعجبتك غيرها؛ فطلقت هذه وتزوجت تلك، فأعط هذه مهرها وإن كان قنطارًا. والقنطار: اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار. وقيل: القنطار ألف ومائتا دينار، فهذا على التمثيل، ليس على التقدير، ووجه النهي والوعيد في ذلك - واللَّه أعلم - ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " إِنَّ النسَاءَ عِنْدَكُم عَوَان، اتخَذْتُمُوهُنَّ بِأمَانَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَاسْتَحْلَلْتُم فُرُوجَهُن بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى " فوعد - عَزَّ وَجَلَّ - الأزواج في غير آي من القرآن عن أخذ مهور النساء وغيرها من الأموال؛ لضعفهن في أنفسهن، والرجال هم القوامون عليهن؛ لئلا يبسط الأزواج في أموالهن؛ إشفاقًا عليهن، أو لما إذا أخذ منها مهرها تبقى تلك المنفعة بلا بدل، وذلك زنا؛ وعلى هذا يجيء ألا يجوز له أن يخلطها؛ لأنه إذا أخذ منها مهرها بقيت له المنفعة بلا بدل، لكنه أجيز له ذلك؛ لأنه تقلب في الملك، وكل من تقلب في ملكه ببدل يأخذه جاز له ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا)
(21)
قيل: ظلمًا بغير حق. وقيل: إذا أراد طلاقها لا يضارها بكذب لتفتدي منه مهرها. (وَإِثْمًا مُبِينًا): ويحتمل أن يكون البهتان والإثم واحدًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ ... (21) وقيل: الإفضاء: هو الجماع. والأشبه أن يكون الإفضاء: الاجتماع؛ لأنه أضاف إليهما جميعًا، فهو بالاجتماع أشبه وإليه أقرب؛ فيجب المهر بالاجتماع والخلوة بها، والجماع فعل الزوج، يضاف إليه خاصة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) قيل: عقدة النكاح. وقيل: هو ما ذكرنا في قوله - تعالى -: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ). وقيل: الميثاق الغليظ ما ذكر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يقول: " اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُم إِنَّمَا اتخَذْتُمُوهُن بأمَانَةِ اللَّه، وَاسْتَحْلَلْتُم فُرُوجَهُن بِكَلمِة اللَّه، وإنَهُنَّ عِنْدَكُم عَوَان لَا يَمْلِكْنَ مِنْ أَمْرِهِنَّ شَيئًا ". وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " يَآ أيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لَكُم عَلَى نِسَائِكُم حَقا، وإنَّ لَهُنَّ عَلَيكُم حَقًّا، وإنَّ مِنْ حِقكُمْ عَلَيهِنَّ أَلا يُوطِئنَ فُرُشَكُم، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِأحَدٍ تَكْرَهُونَهُ، وَلَا يَأْتِينَ
(22)
بِفَاحِشَةٍ مبُيَنةٍ، فَإِنْ هُن فَعَلْنَ ذَلِكَ فَقَدْ أَحَلَّ اللهُ لَكُم أَنْ تَضْرِبُوهُن ضَربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ - يعني: غير شائن - وَإِنَّ مِنْ حَقهِن عَلَيكُمُ الكُسوَةَ والنَّفَقَةَ بِالْمَعْرُوفِ ". وقيل: إن رجلا سأل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: ماذا يحل لنا من نسائنا؟ وما يحرم علينا منهن؟ فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " حَرْثُكَ، فَأْتِهِ أنى شِئْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الوَجْهَ، وَلَا تُقَبحْهُ، وَلَا تَهْجُرهَا إِلا فِي بَيتِهَا، وَأَطْعِمْهَا إِذَا أَكَلْتَ، وَاكْسُهَا إِذَا اكْتَسَيتَ ". وقيل: الميثاق الغليظ: ما أقروا به من قول اللَّه: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ (22) حرم - اللَّه تعالى - على الأبناء نكاح نساء الآباء، وذلك أنهم كانوا يعملون في الجاهلية ما قيل في القصة: أن أبا قيس توفي فعمد ابنه - يقال له: محصن - فتزوج امرأة أبيه، فنهى اللَّه - تعالى - عن ذلك، فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ). وقيل: إن رجلًا من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خرج سالاًّ سيفه؛ فقيل له: ما شأنك؟ فقال: إن رجلاً تزوج بامرأة أبيه، فهذا إذا تزوجها مستحِلًّا لها، فهو يكفر لذلك: كأن قصد قتله؛ وكذلك حرم اللَّه - سبحانه وتعالى - على الآباء نكاح نساء الأبناء بقوله - تعالى -: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا): أي: إنكم إذا انتهيتم عن ذلك في الائتناف يغفر لكم ما قد سلف، وإن كان فاحشة
(23)
وقيل: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) قبل: التحريم. (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً) أي: صار فاحشة في الإسلام: (وَمَقْتًا) قيل: بغضًا. (وَسَاءَ سَبِيلًا) أي: بئس المسلك تزوج نساء الآباء. ويحتمل أن تكون الآية في الطلاق؛ إذ كان الرجل يطلق امرأته ثم يندم على طلاقها، فيتزوجها ابنه، فيمقت ذلك الأب ويبغض. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسَاءَ سَبِيلًا): أي: بئس السبيل نكاح امرأة أبيه، حيث مقت أبيه وبئس مقت أبيه المسلك. * * * قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) وقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ) إلى آخره، يحتمل وجهين: يحتمل: أي: حرم عليكم الاستمتاع بأمهاتكم وبناتكم وأخواتكم. . . وما ذكر، والجماع بهن. ويحتمل: حرمة النكاح، أي: حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم، فإن كان هذا أراد، فلا يحرم النكاح لنفس النكاح، ولكن يحرم النكاح؛ لما به يوصل إلى الاستمتاع بالنساء، وإليه يقصد؛ فدل أنه يحرم الجمع بين الأختين في الاستمتاع في ملك اليمين، ولا يحرم الجمع بينهما في العقد. ثم ذكر الحرمة في الأمهات والبنات والأخوات، ولم يذكر في الجدات فهُنَّ محرمات وإن علون، ولم يذكر في بنات البنات، فهُنَّ محرمات وإن سفلن.
فعندنا: أن ذكر الحرمة في الأمهات والبنات ذكر في الجدات وإن علون، وفي بنات البنات وإن سفلن؛ لأنه ذكر الحرمة في العمات والخالات، والعمات من ولد الجد، والخالات من ولد الجدات، فإنما ذكرت في الأولاد الحرمة، ثبت حرمة الجدات والأجداد، وكذلك ذكر الحرمة في الأخوات وبنات الأخوات، فالحرمة في بنات الأخ والأخوات لحرمة في الأخوات والإخوة، فعلى ذلك ذكر في الأمهات ذكر الحرمة في البنات وبنات البنات، لما ذكرنا. أو أن يقال: إن بنات البنات بنات وإن سفلن، فدخلن في ذكر الحرمة نصًّا، وكذلك أم الأم أم، وإن علت، فدخلت في الخطاب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) ذكر الأمهات من الرضاعة والأخوات، ولم يذكر البنات، قال بشر: إنما لم يذكر البنات من الرضاعة؛ لأنه لا يمكن من الرضاعة البنات؛ لذلك لم يذكر، وذلك اختلاف بيننا وبينه في لبن الفحل، فعندنا لبن الفحل محرم، وعند بشر لا يحرم لبن الفحل، ذكر اللَّه - سبحانه وتعالى - الحرمة في النسب بيننا وبَيّنَ بيان إحاطة وحقيقة، وذكر الحرمة في الرضاع، وبين بيان كفاية لا بيان إحاطة؛ فإما أن تركه للاجتهاد والاستنباط من المذكور، وقد أجمعوا جميعًا أن بنات الإخوة والأخوات من الرضاع كالذكر في أولادها؛ فعلى ذلك يجب أن يكون ذكر الحرمة في الأمهات من الرضاعة ذكرًا في بناتها، أو ترك بيان ذلك للسنة: روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " يَحْرُمُ مِنَ الرضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ "، وما روي عن عائشة - رضي اللَّه عنها - قالت: جاء عمِّي من الرضاعة، فاستأذن عليَّ، فأبيت أن آذن له حتى أسأل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فجاء رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فسألته عن ذلك؟ فقال: " إنَه عَمُّكِ، فَأذَني لَهُ " فقلت: يا رسول اللَّه، إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل؟! فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إِنهُ عَمُّكِ، فَلْيلِجْ عَلَيكِ " فقالت عائشة - رضي اللَّه عنها -: وذلك بعد أن ضرب علينا الحجاب.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - سئل عن رجل له امرأتان، أو جارية وامرأة، فأرضعت هذه جارية وهذه غلامًا، هل يصلح للغلام أن يتزوج الجارية؟ فقال: لا؛ اللقاح واحد. وعن عمرة، عن عائشة - رضي اللَّه عنها -: أنها أخبرتها أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان عندها، وأنها سمعت رجلا يستأذن في بيت حفصة - رضي اللَّه عنها - قالت عائشة - رضي اللَّه عنها -: فقلت: يا رسول اللَّه، هذا رجل يستأذن في بيتك، فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أُرَاهُ فُلَانًا " - لعم حفصة من الرضاعة - فقالت عائشة - رضي اللَّه عنها -: يا رسول اللَّه، لو كان فلان حيا - لعمها من الرضاعة - دخل عليَّ؟ فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " نَعَم؛ إِنَّ الرضَاعَةَ تُحَرمُ مَا تُحَرمُ الوِلَادَةُ ". وعن علي - رضي اللَّه عنه - قال: لا تنكح من أرضعته امرأة أبيك، ولا امرأة أخيك، ولا امرأة ابنك. وعن عائشة - رضي اللَّه عنها -: أن أفلح أخا أبي القعيس جاء فاستأذن عليها -وهو عمها من الرضاعة- بعد أن نزل الحجاب، قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أخبرته بالذي صنعت، فأمرني بأن آذن له عليَّ. وحجة أخرى من النظر: بأن اللَّه - تعالى - حرم الابنة على أبيها، وعلى جدها، والابنة حدثت عن ماء الأب بعينه، ولم تحدث عن ماء الجد، ولكن الجد سبب ماء الأب الذي حدثت عنه الابنة، قال: فاللبن -وإن كان حدوثه من الأم- فإن سبب كونه هو الأب؛ فيجب أن تحرم المرأة التي أرضعتها امرأته عليه؛ إذا كان سببًا لذلك اللبن، كما يحرم المرضع إذا كان سببًا على التي أرضعته. ثم بقيت مسألتان: إحداهما: في التقدير، والأخرى في الحد.
أما في التقدير: فعموم قوله - تعالى -: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) لم يخص قدرًا دون قدر. وروي عن عليٍّ وعبد اللَّه قالا: قليل الرضاع وكثيره سواء. وعن ابن عَبَّاسٍ كذلك. وعن عبد اللَّه بن عمر قال: الرضعة الواحدة تحرم. فَإِنْ قِيلَ: رُويَ عن عائشة - رضي اللَّه عنها - أنها قالت: كان فيما نزل عشر رضعات، ثم صرن إلى خمسٍ، فتوفي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وهو فيما يقرأ. فَإِنْ قِيلَ: لسنا نجد في القرآن آية الناسخ ولا آية المنسوخ، ولا يجوز أن يقال من القرآن شيء؛ فلا نترك ما نجده ثابتًا في القرآن، محفوظًا برواية لعلها قد غلطت فيها. ورُويَ عنها أنها قالت: يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم. وروي عنها -أيضًا-، أنها قالت: لا تحرم المصَّة والمصَّتان، ولا الإملاجة ولا الإملاجتان: فذكر ذلك لابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقال: حكم اللَّه أولى وخير، أو كلام نحو هذا من حكمها. وعن عمرو بن دينار قال: سألت ابن عمر - رضي اللَّه عنهما - فذكر شيئًا من الرضاع، فقال: لا نعلم إلا أن اللَّه - تعالى - حرم الأختين من الرضاعة، قال: فقلت: إن أمير المؤمنين ابن الزبير يقول: لا تحرم المصَّة والمصَّتان قال: فقضاء اللَّه خير من
قضائك وقضاء أمير المؤمنين. مع ما يحتمل قوله: لا تحرم المصة والمصتان، ولا الإملاجة ولا الإملاجتان؛ لما لم يتحقق بالمصة والمصتين أن اللبن قد صار في جوف الصبي ووصل إليه؛ فلذلك لم يحرم به. وأما المسألة في الحد: أن الرضاع في الكبر لا يحرم عندنا، وما روي في خبر عائشة - رضي اللَّه عنها - أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - دخل عليها، فرأى عندها رجلا، فتغير وجه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال: " مَنْ هَذَا؟ " قالت: إنه عمي من الرضاعة، فقال: " انْظُري مَا الرضَاعَةُ؟ إِنما الرضَاعَةُ مَنْ المَجَاعَةِ ". وما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " الرضَاعُ مَا أنْبتَ اللحْمَ، وَأَنْشَز العَظْمَ "، وما روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " الرضَاعُ مَا فَتَّقَ الأَمْعَاءَ " وفتق الأمعاء، إنما يكون في الصغر؛ لأن أمعاء الصبي تكون ضيفة لا تحتمل الطعام لضيقها، وأما فتقها باللبن على ما وصفه - عَزَّ وَجَلَّ - لبنا خالصا سائغا للشاربين، فإذا كان غذاؤه إنما يكون باللبن -للمعنى الذي وصفنا- كانت كفاية مجاعته به، وكان هذا معنى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إِنما الرضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ " وكذلك ما روي: " الرضَاعُ مَا أَنْبَتَ اللحْمَ وَأَنْشَزَ العَظْمَ " وفي الكبر لا ينبت اللحم، ولا ينشز العظم. وروى زاذان عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سمعت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -
يقول: " الجَزعَةُ تُحَرِّمُ كَمَا يُحَرِّمُ حَولَانِ كَامِلَانِ " فإن ثبت هذا فهو الأصل في ذلك، والمعتمد عليه، فإن عورض بما في خبر سالم، حيث قال لها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - " أَرْضِعِي سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ تَحْرُمِي عَلَيهِ " قيل: هذا يحتمل وجهين: يحتمل: أن يكون ذلك لسالم خاصة دون غيره من الناس، فإذا كان كذلك لا يقاس عليه غيره. ويحتمل: أن يكون منسوخًا بما روينا من الأخبار المرفوعة والموقوفة بإيجاب الحرمة بالقليل منه والكثير. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ. . .) الآية. اجتمع أهل العلم في " الربيبة " على أنها لا تحرم على الرجل الذي كان تزوج أمها وطلقها قبل الدخول بها أو ماتت، وإنَّمَا تحرم عليه إذا دخل بها. واختلف في أم المرأة إذا لم يدخل بالابنة حتى بانت منه: قال أصحابنا - رحمهم اللَّه -: هي حرام عليه، كان دخل بالأم أو لم يدخل بها. وقال آخرون: شرط الدخول في آخر القصة راجع إلى الربيبة والأم جميعًا، فما لم يدخل بواحدة منهما حل له أن يتزوج بالأخرى إذا فارقها، وهو القياس الظاهر في الكتاب في أمر الشرط والثنيا أن يكون الشرط فيهما جميعًا؛ لأنه قال - تعالى -: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) ذكر أمهات النساء وربائب النساء، ثم شرط الدخول بهن، فيجب أن يكون الشرط لاحقًا بهما جميعًا.
وكذلك روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: هي بمنزلة الربيبة. وعن جابر قال: ينكح أمها إن شاء. وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أفتى في امرأة تزوجها رجل فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت، قال: لا بأس أن يتزوج أمَّها، فلما أتى المدينة رجع، فأتاهم فنهاهم عن ذلك، فقيل: إنها ولدت أولادًا، فقال: ولو ولدت. إلى هذا يذهبون أُولَئِكَ، وهو الظاهر من الآية. واحتج بعض أصحابنا في ذلك أن الثنيا الملحق في آخر الكلام ربما يلحق الكل، على ما تقدم من الكلام، وربما يقع على ما يليه، فلما كان غير ملحق على الكل من المذكور، وقع على ما يليه. فَإِنْ قِيلَ: يلحق على ما تقدم من الذكر ما يحتمل ليس على ما يحتمل؛ ألا ترى أن اللَّه - تعالى - قال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. . .) إلى قوله: (وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ)، لم يلحق الكل، ولا وقع على ما يليه خاصة، ولكنه لحق على ما احتمل عليه، فعلى ذلك في هذا لم يلحق الكل؛ لأنه لا يحتمل، ووقع على الأم والرّبيبة؛ لأنه يحتمل. واحتج أصحابنا - رحمهم اللَّه أيضًا - أن الحرمة قد تثبت بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ. . .) إلى قوله - تعالى -: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) فلا تستحل بالشك، وفي الربيبة لم تثبت إلا بالشرط؛ فلا تحرم بالشك. وقيل -أيضًا-: إن الدخول لو كان شرطًا في الأم والربيبة جميعًا لاكتفي بذكر نساء
الأمهات والربائب، فنقول: أمهات نسائكم من ربائبكم اللاتي دخلتم بهن، ولم يَحْتَجْ إلى أن يذكر (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) على ما اكتفى بذكر الحرمة في الأنساب والرضاع في الأصول عن الشعوب، فلما لم يكتف بذلك، دل أن الربائب مخصوصات بالشرط دون الأمهات، ومما يبين ذلك أن الربيبة لو لم تذكر لم يجز أن يبقى من الكلام: وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن ولو لم يذكر الأمهات، فبقي من الكلام: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) - كان كلامًا تامًّا؛ فدل ذلك على أن قوله - تعالى -: (مِنْ نِسَائِكُمُ) وإنما هو في الربائب دون الأمهات. وأصله: ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أَيما رَجُلٍ تَزَوجَ امْرَأَة فَطَلقَهَا قَبلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَوْ مَاتَتْ عِنْدَهُ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوجَ ابْنَتَهَا. وَأَيمَا رَجُلٍ تَزَوجَ امْرَأَةً فَطَلقَهَا قَبلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَوْ مَاتَتْ عِنْدَهُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوجَ أُمَّهَا ". وعن ابن عَبَّاسٍ وعمران بن حصين في " أمهات نسائكم "، قالا: هي مبهمة. وقال أكثر أهل العلم: إذا تزوج الرجل امرأة ودخل بها، لم يجز له أن يتزوج ابنتها، وإن لم تكن ربيبة وفي بيته وحجره، وهي في ذلك بمنزلتها لو كانت في حجره يربيها. وأجمعوا جميعًا: أن الجمع بين المرأة وأمها وابنتها في الجماع في ملك اليمين حرام. وكذلك رُويَ عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه سئل عن ذلك؟ فقال: ما أحب ذلك. فإن قال قائل: إن الخطاب - كما ذكرت - يدل على أن الشرط في الدخول بالأمهات إنما هو بسبب الربائب، فما تنكر أن يكون حكم الأمهات حكم الربائب كما كان حكم
حلائل الأبناء حكم نساء الآباء؟ قيل: لا يجوز أن يقاس المنصوصات بعضها على بعض، وإنما يقاس ما لا نص فيه على المنصوص؛ فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم. ثم يجب أن ننظر أي حكمة أوجبت تحريم الجمع بين المحارم بين محارم الرجال ومحارم النساء؟ وروي عن أنس قال: إن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانوا يكرهون الجمع بين القرائب في النكاح، وقالوا: لأنه يورث الضغائن، أو كلام نحو هذا؛ فقيل له: يا أبا حمزة، من منهم؟ فقال: أبو بكر وعمر وعثمان، رضي اللَّه عنهم. وروي مرفوعًا أنه قال: لا ينكح كذا على كذا، ولا كذا على كذا، فإنهن يتقاطعن. ونراه قال: " لَا تُنْكَحُ المَرأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا ". وروي في بعضها أنه يوجب القطيعة. وروي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كره الجمع بين ابنتي عم، وقال: لا أحرم، ولكن أكره؛ لأنه يوجب القطيعة. فلم يحرم؛ لأن صلة القرابة فيما بينهما ليست بمفترضة، والصلة بين المحارم مفترضة، فإذا كانت مفترضة فالجمع بينهما يحمل على القطيعة؛ فحرم، وعلى ذلك في نساء الآباء وحلائل الأبناء إذا فارق واحد من هَؤُلَاءِ امرأته فلعله يندم على ذلك؛ فيريد العود إليها، فإذا تزوجها أبوه أو ابنه، أورث ذلك فيما بينهما الضغائن والقطيعة؛ لذلك حرم، واللَّه أعلم. وكذلك هذا المعنى في الابنة، إذا طلقها ثم تزوج بأمها، حملها ذلك على الضغينة فيما بينهما. وأمَّا إذا تزوج الأم، ثم فارقها قبل أن يدخل بها، حل له أن يتزوج بابنتها؛ لأن الأم تُؤْثر ابنتها على نفسها في المتعارف؛ فلا يحمل ذلك على القطيعة، والابنة لا تؤثر أمها على نفسها، بل تؤثر نفسها على أمها، كذلك كان ما ذكر. وأمَّا إذا دخل بالأم لم يحل له أن ينكح بالابنة؛ لأنه يذكر استمتاع هذه في استمتاع
هذه؛ فيكون جامعًا بينهما في الاستمتاع؛ لذلك حرم. ثم اختلف في الجماع والدخول بها إذا كان من غير رشد؛ قال أصحابنا - رحمهم اللَّه - يحرم كما يحرم الحلال، ويمنع نكاح الربيبة كما يمنع الحلال. وقال قوم: لا يحرم، ولا يمنع نكاح الربيبة، واستدلوا في ذلك بقول اللَّه - تعالى -: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ) لأن اللَّه - تعالى - حرم ربائب النساء إذا دخل بالأمهات، والمزني بها ليست بزوجة للزاني؛ فلا تحرم ابنتها، لكنه لا حجة لهم في ذلك؛ وذلك أن اللَّه - تعالى - ذكر الدخول بهن، ولم يذكر النكاح، ولا خص الدخول في النكاح، بل ذكر الدخول، وهو على كل دخول، رشدا كان أو سفاحًا، والسفاح أحق في الحرمة من الحلال؛ إذ حكمه أغلظ وأشد؛ فعلى ذلك في إيجاب الحرمة من الحلال يجيء أن يكون أشد وأغلظ، ولو كان ذكر الدخول - هاهنا - في النكاح لم يكن فيه ما يمنع وجوب الحرمة إذا كان في غير النكاح؛ ألا ترى إلى قول اللَّه - تعالى -: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ) والربيبة التي لا تكون في حجر الرجل مثلها في الحرمة، ولم يجعل قوله - تعالى -: (فِي حُجُورِكُمْ) خصوصًا فيها دون ما أشبهها، وكذلك يجوز ألا يجعل قوله: (مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) خصوصًا الدخول بالزوجات دون ما أشبههن - وهن الموطوءات - مع ما ذكرنا أن ليس في الآية ذكر نسائنا؛ لذلك لم يكن فيه دليل الحظر في غيره. وبعد: فإنا قد ذكرنا فيما تقدم أن ليس في حظر شيء في حال حظره في غير تلك الحال، والحرمة من ذلك الاستمتاع أنه إذا استمتع بإحداهما لم يكن له الاستمتاع بالأخرى، ولا يحل أن يتزوج بالأخرى؛ ألا ترى إلى ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " مَلْعُون مَنْ نَظَرَ إِلَى فَرجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا " ومعلوم أنه لا ينظر إلى فرجهما في وقت واحد، وإنما ينظر في وقتين، فهو - واللَّه أعلم - إذا نظر إلى فرج إحداهما ثم نظر إلى فرج أخرى يذكر نظره في فرجها في وقت نظره في فرج هذه، فهو كالقاضي وطره فيهما، كذلك في الزنا كهو في النكاح، واللَّه أعلم. على أنهم أجمعوا: أن من وطئ أمَةً له لم يكن له أن يتزوج ابنتها؛ فدل أن الدخول بها في النكاح وفي غير النكاح سواء، وأنه محرم، وما أجمعوا عليه -أيضًا- أنه إذا وطئ امرأة في النكاح الفاسد لشبهة حرمت ابنتها عليه، وهو وطء حرام؛ فدل هذا على أن
التحريم إنما يكون بالاستمتاع بها لا غير. وروي -أيضًا- عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " مَنْ نَظَرَ إِلَى فَرجِ امْرَأَةٍ لَم تَحِلَّ لَهُ أُمُّهَا وَلَا ابْنَتُهَا ". وعن عمران بن حصين في رجل زنى بأم امرأته قال: حرمت عليه امرأته. وعن عبد اللَّه قال: لا ينظر اللَّه في رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها. إلى هذه الأخبار ذهب أصحابنا، رحمهم اللَّه. وقوله - تعالى -: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ. . .) الآية. الأصل: أن اللَّه - سبحانه وتعالى - بين المحرمات في الأنساب بيان الإبلاغ، وفي غير الأنساب بيان الكفاية؛ إذ بين في الأنساب الحرمة في الطرفين: في اللواتي علون وسفلن: نحو الأمهات والبنات، ثم في اللواتي يتصلن بالآباء والأمهات: نحو العمات والخالات، ثم في اللواتي يشركن الطرفين بالاسم: كالأخوات. وذكر في الرضاع من الأنفس أحد الطرفين، وفي الشعوب ما يشركن الطرفين؛ على الاكتفاء بذكر طرف من الأنفس عن الطرف الآخر، وبذكر المشتركات من الشعوب؛ اكتفاء عن ذكر المنفردات؛ فعلى ذلك أمر الأنفس في خطاب الحرمات، فلما ذكر في ذلك الأمهات والبنات جميعا على ما ذكر في الواحد فيما كان المذكور في نوعه بحق الكفاية من البيان، لا بحق الإبلاغ؛ دل أن ذلك لما أريد به التفريق في الأمرين وأيد ذلك خبر عبد اللَّه بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأقاويل جماعة الصحابة مع ما كان في ذلك إمكان شبهة محضة؛ إذ لو اقتصر على إبداء الآيةِ الحُرمَة بالعقد لا يزال ذلك بالشك، على أن وجه الاعتبار الاستواء في الحرمة قبل الدخول؛ لتكون حرمة الابنة على الأم في زوجها حرمة الأم عليها على ما عليهما أمر الابن من الأب في زوجته، لكن فرق من حيث إساءة الرجل في الاختيار إذا اختار الأم على الابنة إن علم، أو الغفلة إن لم يكن علم، وحق مثله الزجر عنه، والتوبة عن مثله، فجعل له مفارقتها لابنتها، وقد يعلم بذلك قبل الدخول، على أن الدخول مذكر له ما كان بها في حال الاستمتاع بها،
وقد حرم ذلك الجمع حرمة أيدية ما ينبغي أن يجعل بما يذكر، وسبيل الحظر بالقلب، واللَّه أعلم. وليس أمر الابن والأب هذا؛ إذ إليهما في الابتداء الاختيار والإيثار، وكل يؤثر الذي له على الذي هو لغيره، وفي النساء إنما يجب بعد الخطاب، وليس منهن عرض، لذلك لم يعتبر حالهن على أن الأمهات في العرف يؤثرن لَذَّات بناتهن على لَذَّاتهن؛ فلا يلحقهن في الفراق لأجل البنات غضاضة، ويلحق للبنات، فلذلك فرق. وأمَّا بعد الدخول فهو موجب الحرمة، لا من حيث الإيثار؛ إذ من جهة حرام أو حلال يوجب ذلك؛ فلذلك اختلف الأمر أن قال بشر: دل تخصيص ذكر الأصلاب في حلائل الأبناء على رفع حرمة الرضاع، أو على ألا يكون الابن إلا من الصلب، ونحن نقول: لا دلالة فيه على ما ذكرنا، لو استدل به على الكون كان أقرب؛ إذا خص ذكر الأصلاب ولو لم يكن الابن إلا من الصلب لكان القول بحلائل أبنائكم كافيًا عن ذكر الأصلاب، مع ما فيه وجوب الإلحاق بقوله: " يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ. . . "، ومعلوم أن الحرمة من الولادة تلحقه وإن لم يكن منه حقيقة الولادة بما كان سببًا له، فكذلك يصير مرضعًا لما كانت هي مرضعة، وإن لم يكن منه حقيقة الإرضاع؛ لما كان هو سبب لما به ورود اللبن، وأيد ذلك أمر حلائل أبناء الأبناء، بل حلائل أبناء البنات، وإن لم يكونوا للصلب؛ للاتصال به بالنسب على البعد عما ذكرنا أحق، واللَّه أعلم، مع ما يجوز أن يقال: صار الرضاع ولادًا في الحكم بالخبر؛ فيصير للصلب بالحكم نحو قوله: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ). ثم قد يعتبر فيهم الولاء في الحجاب؛ لما جاء: " إِنَّ الوَلَاءَ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ "، ويصير ذو نسب ورحم في الحكم ما ذكر من الخبر، فمثله الأول، مع ما قد قيل: إن فائدة ذكر الصلب ألا تتحقق حرمة حلائل أبناء التبني بالأصلاب؛ ولذلك قال - واللَّه أعلم - (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ)، وقوله - تعالى -: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) إلى قوله - تعالى -: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ)؛ إذ يحتمل الجمع في العقد، والجمع في الملك، والجمع في الاستمتاع ويحتمل الجمع في جنس الاستمتاع.
ويحتمل ألا يرجع المراد إلى معنى من ذلك، ولكن يرجع إلى الكل، ثم كان الاستمتاع بهما مرة واحدة غير ممكن، فإن كانت فيه حرمة فهو لمعنى هنالك يوجد في حال الجمع، لا أن الخطاب يأخذه؛ إذ هو غير ممكن وجوده، ولا يتهيأ احتماله؛ ليقصد بالخطاب نحوه، ولكن من خاطب يجوز أن يخاطب بما يجعل فيه تحريمه وإن لم ينص عليه في الخطاب، ثم الملك المطلق أو العقد المطلق قد يوجدان غير محرمين نحو عقده به ملك ملك يمين؛ فثبت أن المقصود لو كان ملكا أو عقدًا فهو مقيد؛ نحو ملك النكاح، أو عقد ملك النكاح، وقد أجمع على دخول هذا في حق الخطاب؛ إذ قد أجمع على أن من جمع بين الأختين في النكاح أنه لا يصح، وأجمعوا أنه لو تزوج بعقدين: أن نكاح الثانية فاسد من غير أن كان جمع في العقد، بل في الملك لو ثبت العقد في الثانية، وإذا ثبتت الحرمة بهذا العقد والملك لم يكن لعقد ملك اليمين ولا تملكه أثبت أنها لمعنى في ذلك، لا لنفس ملك أو عقد. وبعد: فإنهما في إيجاب الحل واحدة، ثبت أن ذلك ليس للحل نفسه، ولا للملك، ولا للعقد؛ إذ كل ذلك على الانفراد لا يعمل هذا العمل؛ فيجب أن يكون المعنى من ذلك الاستمتاع، والجمع في الفعل به غير ممكن؛ فثبت أنه لمعنى قد وصف الجمع بالاستمتاع وذلك على وجوه: أحدها: عقد الاستمتاع، وهو عقد النكاح؛ إذ عقد ملك اليمين قد يوجد ولا يوجب حق الاستمتاع، وملك النكاح؛ إذ هو لا يخلو من أن يوجب ذلك الحق، ثم كان نفس الاستمتاع بحقه أحق من الأسباب الموجبة له، والعدة مما يوجب الاستمتاع نفسه؛ فهي أحق أن تكون شرطا للمنع، بل هي أولى؛ إذ قد يمنع الاستمتاع بملك اليمين، ولا يمنع لحل ولا لملك ولا لسبب، فإذا وجب المنع في النكاح لما هو سبب له فهو لأن يجب بحقيقته أحق، وإن شئت قلت: إن لم يتفرد الخلق لنوع من السبب دون أن يشاركه غيره من الأسباب لزم أن يكون حقيقة السبب مجهولا، لا يطلق ما قد يثبت الحرمة إلا بيقين، واللَّه أعلم. وأيضا إن عقدة النكاح قد حرم عليه وعليها، لكن الذي حرم عليه في محارمها عليها في الكل.
ثم معلوم أن يملك الزوج فيها ما به يحل لغيره من الفراق حضرة فعله، فلما دخل عجز عن ذلك بما أحدث له فيها الاستمتاع بها حقًا بعد الفراق أبقاها على ما سبق من الوصل بلا فراق؛ فعلى ذلك ما فيه من الحق؛ إذ ذلك واجب بما فيه الشرك على أنها في بقية ملك له بنكاح عملت فيها بقية ملكه عمل صلة ملكه فمثله فيه، وقد ألحق بعض من أنكر حرمة الجمع في العدة بالوطء حرمة ما نزل منها من اللبن على احتمال درور دونه، ودون الولد بما كان هو سببا في ذلك كانت حرمة العدة أحق بذلك. فالأصل: أن الحرمة قد ثبتت بالنكاح، فلما وقعت الفرقة أشكل زوالها؛ فلا يزال بالشك مع ما في الإزالة تعليق الحرمة بالحل أو بالملك خاصة، وقد بينا وجوبها لا لتلك الوجوه. ثم الأصل في النكاح: أن المقصود منه الاستمتاع، وبحله يحل هو، وبحرمته يحرم؛ فيجب أن يكون هو الأصل للتحريم والتحليل، وعلى هذا يحرم كثير من الإماء في حق الاستمتاع بهن، وإن لم يحرم فيهن الملك، ويحرم بالاستمتاع في ذلك، وإن كان الملك لا يوجب الحرمة؛ فإذا ثبت أن الاستمتاع أحق في التحريم، والعدة حق الاستمتاع - أوجبها، فيجب أن تكون هي محرمة؛ لذلك لم يجز نكاح الأخت فيها مع ما كانت موجبة الحرمة فيها أكثر مما يوجب في ملك اليمين، ثم كان الاستمتاع بملك اليمين يحرم الاستمتاع بالأخت، فالعدة التي هي مجعولة لتأكيد الحرمات وقطع المجعول للحل خاصة أحق أن يمنع، واللَّه أعلم. وعلى ما بينا إذا ثبت أن الاستمتاع هو الأصل في التحريم، سواء له وقع من وجه يحل أو لا فيهن الحرمة حرمة الأنفس، لا حرمة الجمع؛ إذ لا أثر يقع له جمع. ثم الأصل في ذلك أن تعلق الحرمات بالمحرم من الأعيان أظهر منه بالمحللة منها، ثم كان الاستمتاع بالأعيان المحللة توجب حرمة الأمهات والبنات فهو في المحرم أحق مع ما لا يخلو أن تكون الحرمة لا تجب إلا فيما يحل، فيجب ألا يجب في النكاح الفاسد، ولا في وطء جارية بعد وطء الابن، أو الملك فيهما أيضا زائل بالنسب، فيجب ألا
تجب الحرمة فيما لا يكون منه نسب، أو في وقت لا يتمكن، أو بإيجاب الحقوق، فيجب ألا تجب في مماسة الأمة دون الفرج، أو للاستمتاع خاصة؛ فيجب استواء حال السفاح والنكاح. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هو كناية عن الجماع. لكنه عندنا: الدخول بها: هو أخذه يدها في إدخالها في موضع الخلوة والجماع، لا نفس الجماع، كما يقال: فلان دخل بفلان موضع كذا، لا يراد به عين الدخول به المعروف، وهو أخذ اليد والدخول فيه؛ لذلك قلنا بأنه إذا أدخلها في موضع وخلا بها، وجب كمال المهر بظاهر الآية، ووجبت الحرمة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - أيضًا: (اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) كنى به عن الجماع من حيث لا يكون الجماع إلا بالدخول بها مكانًا يسترهما، وإلا فحقيقة الدخول بآخر ليس بجماع، ولا يصلح القول به مطلقًا دون ذكر المكان، إلا في المرأة بما يعلم أنها لماذا يدخل؟ وفيم يدخل؟ فجائز أن يكون في الحرمة على حق الكناية، والمراد منه الجماع، وجائز على حقيقة الدخول بها مكانًا لذلك؛ إذ هو الظاهر، وهذا الثاني يكون بأخذ يدها أو شيء منها؛ ليكون هو الداخل بها لا هي، ووجوده لا يكون إلا للشهوة؛ فيكون هو المذكور للحرمة، فإذا لم يظهر حقيقة المراد يجب الاحتياط في إيجاب الحرمة من كل وجه، أو تحقيق هذا؛ إذ هو أظهر له، وله أدلة ثلاثة: أحدها: ما روي: " مَلْعُونْ مَنْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا " أنه أوجب اللعن بالنظر، فلولا أن نظر الأول قد حرم الثاني لم يلحقه به اللعن، ثم النظر دون اللمس في العبادات والأحكام، فاللمس أحق في إيجاب الحرمة. والثاني: ما بينا أن علة الحرمة الاستمتاع، ومعلوم أن معناه في القبلة والمباشرة أعلى منه في السبب الذي يقضي به الاستمتاع، وهو النكاح، وقد أوجب له، فالقبلة أحق أن يوجب لها، وذلك كما أوجب بسبب الحدث -وهو النوم- حكمه، ثم لا يجب إلا في
حال دون حال، وقد يجب لنفس الحدث على كل حال، فمثله سبب الاستمتاع من حقيقته، واللَّه أعلم. والثالث: أن كل أنواع الاستمتاع في الحرمة والحل متصل بالجماع، وبخاصة في حقوق الأملاك؛ فعلى ذلك في فسخ الأملاك وتحريمها، على أنه يبعد أن يكون المرء يستمتع بالمرأة عاما ثم يستمتع بها ولدها، وكذلك بابنتها دون الفرج، أو أن يكون من لا يقدر على الإيلاج لِعِنَّةٍ أو جبٍّ يرتفع عنه الحرمة أبدًا، فيشترى أمّا وابنة ويستمتع بهما أبدًا، وذلك بعيد؛ فيجب الحرمة من الوجه الذي ذكرت. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ). يحتمل ذكر الصلب وجوهًا: أحدها: يحتمل أن يكون ذكر الصلب؛ ليعلم أن الحرمة في حليلة الولد كهو في الولد الصلب، وكذلك الحرمة في حليلة ابن الرضاع كهي في حليلة ابن الصلب؛ على ما كانت في محارم الرضاع، وإن لم يذكر: نحو أن ذكر أمهات الرضاع وأخواته، ولم يذكر غيرها، ثم دخل ما دون ذلك في الحرمة؛ فعلى ذلك هذا. وقال بشر: دل تخصيص الأصلاب على فسخ حرمة حليلة الابن عن الرضاعة؛ إذ لا يكون من الرضاع ابن. قلنا: لو لم يكن من الرضاع ابن لم يكن لذكر الصلب للابن معنى ولا فائدة؛ دل أنه يكون من الرضاع ابن على ما يكون من النسب، وأن الحرمة من الرضاع كهي في النسب، وإن كانوا في الحقوق مختلفين: نحو العتاق، يعتق بعض على بعض، ويوجب لبعض في أموال بعض النفقة، وحقوق بمثلها لا توجب في محارم الرضاع، وذلك - واللَّه أعلم - أن الرضاع انتفاع، والنسب حدوث نفس بعضهم من بعض، فإذا كان كذلك لم يوجب الرضاع إلا حرمة الانتفاع خاصة، وهو الاستمتاع، وأمَّا النسب فهو كون الولد منه، وحدوث نفسه منه؛ فأوجب مع ذلك حقوقًا، ولأن في إقرار بعضهم في يد بعض -مماليك وعبيدًا- قهرًا وغلبة لم يوجب ذلك؛ فما لم يحصل لبعضهم قهر بعض، لذلك كان الجواب ما ذكر. وقيل: إنه ذكر أبناء الأصلاب؛ وذلك أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تزوج امرأة زيد بن حارثة بعد ما
طلقها، وقد كان تبناه، فعابه المنافقون على ذلك، وقالوا: تزوج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - امرأة ابنه، فأنزل اللَّه - تعالى -: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) يحتمل قوله - سبحانه وتعالى -: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) وجوهًا: يحتمل الجمع بينهما في العقد، وقد أجمعوا: أنه إذا لم يجمع بينهما بالعقد ولكنه تزوج إحداهما، ثم تزوج أخرى، لم يحل له نكاح الأخرى؛ دل أنه لم يرد به الجمع في العقد. أو يحتمل الجمع في الملك، وقد أجمعوا -أيضًا-: أن له الجمع بينهما في ملك اليمين؛ فدل أنه إنما أراد الجمع بينهما في الاستمتاع، وإذا استمتع بإحداهما بنكاح، ثم فارقها، لم يحل له أن يتزوج أختها، والأولى في عدة منه من طلاق بائن؛ لأن الاستمتاع هو الذي حبسها عن الأزواج؛ فكان كالجمع بينهما في الاستمتاع، ولأن المعنى الذي به حرم الجمع في ملك النكاح، ذلك إذا كانت في عدة منه موجود، وهو خوف القطيعة فيما بينهما، واللَّه أعلم. ولأن أكثر أحكام الزوجات قائم فيما بينهما: نحو الإسكان، والإنفاق عليها، وإلحاق الولد، وغير ذلك من الحقوق. وعن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه سئل عن رجل طلق امرأته، فلم تنقض عدتها حتى تزوج أختها، ففرق عليٌّ بينهما، وجعل لها الصداق بما استحل من فرجها، وقال: تكمل الأخرى عدتها، وهو خاطب. وعن زيد بن ثابت أنه سئل عن رجل تحته أربع نسوة، فطلق إحداهن ثلاثًا، أيتزوج رابعة؟ فقال: لا، حتى تنقضي عدة التي طلق. وعن عائشة - رضي اللَّه عنها - مثله. واختلف في الجمع بين الأختين من ملك اليمين: عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه سئل
عن المرأة وأختها من ملك اليمين، هل توطأ بعد الأخرى؛ قال: ما أحب أن أجيزهما جميعًا، ونهى عنه. وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه حنث في الأختين من ملك اليمين، فقال: حمل أحدكم ملك اليمين. وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: يحرم من جمع الإماء ما يحرم من جمع الحرائر إلا العدد. وعن ابن عمر - رضي اللَّه عنهما - أنه سئل عن رجل له أمتان أختان، وقع على إحداهما أيقع على الأخرى؟ قال: لا ما دامت في ملكه. وأجمعوا -أيضًا- على أنه إن تزوج بامرأة فاشترى أختها لم يحل له أن يطأها؛ إلى هذا ذهب أصحابنا؛ رحمهم اللَّه. ثم إذا طلق امرأته وانقضت عدتها أو ماتت، حل له أن يتزوج أختها، ولم يحل له أن يتزوج بأمها، وذلك - واللَّه أعلم - بأن الحرمة في الأخت في نفسها وليس في ولدها، والحرمة في الأم والابنة في أنفسهما، وفي ولدها، فإذا كانت الحرمة في الأخت من وجه، وفي الأم من وجهين، ففيما كانت الحرمة من وجه كانت حرمة الجمع لا حرمة تأبيد، وفيما كانت من وجهين حرمة جمع وحرمة تأبيد؛ لأنها تأدت إلى أولادها، وفي الأخت لم يتأد؛ لذلك اختلفا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) يحتمل: إلا ما قد سلف قبل التحريم في الجاهلية، فإنهم إذا انتهوا عن ذلك في الإسلام، يغفر اللَّه لهم. ويحتمل قوله: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) وإن كان محرمًا في ذلك الوقت فإنهم إذا انتهوا عن ذلك بعد الإسلام يغفر ذلك لهم، ويتجاوز عنهم، فهم كما ذكرنا في قوله: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً).
(24)
يحتمل: كان في ذلك الوقت فاحشة. ويحتمل: كان فاحشة، أي: صار فاحشة في الإسلام. * * * قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) اختلف في تأويله: قال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " والمحصنات عن النساء إلا ما ملكت أيمانكم " قال: ذات الأزواج من المسلمين والمشركين. وقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ذات الأزواج من المشركين. وذهب عبد اللَّه في تأويل الآية إلى أن بيع الأمة طلاقها؛ فيحل للمشتري وطؤها، وأسر الكتابية والمشركة يحلها لمولاها؛ وإن كان لها زوج في دار الحرب. وذهب علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى أن الآية نزلت في المشركات. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كل ذات زوج إتيانها زنا؛ إلا ما سبيت. وروي عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: وقعت في سهمي يوم أوطاس جارية، فبينا أنا أسوقها إذ رفعت رأسها إلى الحل فقالت: ذلك زوجي؛ فأنزل اللَّه - سبحانه وتعالى -: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ. . .) الآية، قال أبو سعيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فاستحللنا فروجهن بها. بيّن أبو سعيد الخدري، في حديثه أن الآية نزلت في المشركات ذات الأزواج،
وكأن حديثه يقوي قول علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومن وافقه. وقيل -أيضًا- في تأويل الآية: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ) قال: والمحصنات من النساء حرام على الرجال إلا ما ملكت يمينك، قال: ملك يمينه امرأته. وعن أبي قلابة قال: ما سبيتم من النساء، إذا سبيت المرأة ولها زوج من قومها، فلا بأس أن يطأها. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه -: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) قال: لا يحل له أن يتزوج فوق أربع نسوة وما زاد عليهن، فهو عليه حرام كأمه وابنته وأخته: (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) الإماء فإنه على أربع، وأكثر من أربع. وعن أبي سعيد الخدري - رضي اللَّه عنه -: (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) هن نساءكنَّ نُصيبهن، يهاجرن ولا يهاجر أزواجهن، فمنعناهن في هذه الآية، ثم أنزل اللَّه - عز وجل - في الممتحنة: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، حللن لنا بعد أن نتزوجهن، وفيه نهى عن الزنا وأباح التزويج، فجعلوا ملك اليمين التزويج. وأصح التأويلين وأولاهما بالقبول ما روي عن عليٍّ أبن أبي طالب - رضي اللَّه عنه -،
وابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في ذلك، وظاهر القرآن يدل على أن ذلك هو الحق؛ لأن اللَّه - تعالى - قد فَصل في غير هذا الموضع بين التزويج وملك اليمين، فجعل ملك اليمين الإماء؛ ألا ترى إلى قوله: (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) وقال: (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ)، فهاتان الآيتان تدلان على أن قول اللَّه - سبحانه وتعالى - في آية المحصنات: (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) على غير الأزواج، كما روي عن الجماعة من الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - الذين ذكرناهم، ثم الكلام بين علي وابن مسعود - رضي اللَّه عنهما - ونحن نعلم أن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أوجب على الأمة إذا باعها مولاها ولها زوج - العدة؛ إذا كان قد دخل بها، وأنها عنده لا تحل لمولاها حنى تنقضي عدتها، فلم يجعلها حلالا للمولى الثاني بملكه إياها؛ فكان قول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أشبه بظاهر الآية؛ لأنه تأول الآية على متزوجة تحل بالملك لمولاها في حال الملك من قول عبد اللَّه؛ إذ جعلها محرمة وإن كانت مملوكة حتى تمضي عدتها. وفي ذلك وجه آخر: وهو أن اللَّه - تعالى - قال: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وعند اللَّه يحرمها على البائع ويحلها للمشتري، ولم يخص اللَّه - تعالى - أحدًا من المالكين. وروي عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حمل الآية على امرأة كافرة متزوجة سبيت، فأحلها اللَّه - تعالى -: هي لمالكها، فلم تعرف من حال المملوكة، هذا مع موافقة الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وظاهر الآية يدل على أن المأسورة ذات الزوج لا عدة عليها، وهو قوله - تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ. . .) إلى قوله: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، فأمر ألا يردهن إليهم وينكحهن، فلما جاز أن يتزوج الحرة إذا خرجت مسلمة ولا عدة عليها، حلت إذا سبيت فملكت قبل أن تعتد. والثاني: إنها كانت حرة، فأبطل السبي حكم الحرية والزوجية، فكذلك يبطل حكم العدة. هذا كله إذا سبيت ولم يكن معها زوجها، فأما إذا سبيت وزوجها معها، فإن الفرقة لا
تقع بينهما؛ لأنها لو بانت من زوجها بانت للرق، والرق لا يمنع ابتداء النكاح كيف يعمل في فسخ نكاح ثابت؟ ولكن اختلاف الدارين هو الموقع فيما بينهما الفرقة؛ لفوت الاجتماع بينهما، وإذا فات الاجتماع بين الزوجين والإياس عن الانتفاع وقعت الفرقة فيما بينهما، وهذا يبطل قول من يقول: إنه تقع الفرقة فيما بينهما للرق. والثالث: أن العدة حق من حقوق الزوج؛ يبين ذلك قول اللَّه - سبحانه وتعالى -: (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا)، فلا يجوز أن يبقى للحربي على المسلمة الخارجة إلى دار الإسلام حق، فإذا لم تكن عليها العدة لها أن تتزوج، وسبيل الأمة المسبية مسألة الحرة المسلمة؛ لأن حكم الإسلام قد جرى عليها؛ فحلت للمولى وإن كان لها في دار الحرب زوج. ومن الدليل -أيضًا- على أن المسبية ذات الزوج يحل تزوجها ووطؤها لمولاها: أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تزوج صفية بنت حيي بن أخطب في رجوعه من خيبر قبل أن يصل إلى المدينة، ومعلوم أنه كان لها زوج كبير، وأن عدتها منه لو كانت واجبة لم تنقض في تلك المدة؛ فهذا يبين ألا عدة على مسبية من زوجها المقيم في دار الحرب، ولا على مسلمة إذا خرجت من دار الحرب، وأقام زوجها هنالك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ. . .) الآية. قيل فيه بأوجه ثلاثة: أحدها: في المسبية ذات الأزواج، وكذلك روي عن عليٍّ وأبي سعيد الخدري - رضي اللَّه عنهما - فيكون فيه أمران: أحدهما: الحرمة على الأزواج. والثاني: ارتفاع العدة؛ إذ هما حقان للحربي، وحقه في نفسه لا يمنع الاسترقاق، ولو كانت حُرة الاستمتاع فمثله في زوجته، لكن يدخل على هذا سبي الزوج معها أن الرق قد ثبت فيهما ولم يبطل النكاح؛ فيجاب لهذا بوجهين: أحدهما: الاستحسان من حيث يلزم المولى حق الإنكاح بقوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ. . .) الآية، فلم يبطل عليه التجديد، وليس هذا في سبي الزوجة؛
فلا تعفف لها به، وهو في دار الحرب. والثاني: أن يكون الزوج وحق الرق إنما يجب إذا أخرج المرء من يد نفسه، والمملوك قد يكون له يد في النكاح، فكأنها لم تخرج من يده إذا سبي معها، وإذا لم يسبيا لا يكون لمن في دار الحرب يد في دار الإسلام. وفي حق الآية عبارة أخرى: أنها إذا سبيت دونه انقطعت عنها عصمة الزوج، وقد جعل اللَّه - تعالى - انقطاع عصمته بسبب حل غيره؛ لقوله - تعالى -: (إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ. . .) إلى قوله (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ)، وقد جعل ذلك في الزوج سببًا لقطع عصمته بقوله - تعالى -: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)، وعصمة الزوجين عصمة مشتركة، أيهما خرج مسلمًا خرج لئلا يعود، وكذلك المختلف يختلف لئلا يخرج؛ فبطلت العصمة بينهما، وأحل التناكح، ولو خرجا معًا لا، فمثله أمر السبي. وتأويل آخر: أن يكون قوله - تعالى -: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ. . .) الآية إلى قوله: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ. . .) الآية، على ألا يحل وراء الأربع إلا ملك يمين، وعلى هذا في غير ذات الأزواج، وقد روي مثله عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - ويكون في ذلك بيان ما كانت حرمته من حيث العدد، ويختص في النكاح، فإن كان النكاح وملك اليمين فيما كانت الحرمة من حيث المنكوحة يستوي من حيث كانت حرمة العدد بحيث العقد بما فيه من الحقوق التي لا يقوم لها إلا بشر قد عصم، وملك اليمين لا يجب فيه ذلك، وما كانت الحرمة بحيث نفس المرأة تستوي لاستواء الملكين في حق الحل والحرمة. ووجه آخر: قيل: المحصنات: هن الحرائر، وما ملكت أيمانكم بالنكاح، فذهب من يقول بهذا إلى ما لو لم يذكر " أيمان "، ولكن قال: " المحصنات من النساء إلا ما ملكتم "؛ فيكون التحريم في غير النكاح، لكنه بعيد على المعهود من الكلام أنه لا يتكلم به إلا في ملك اليمين خاصة، ويجوز جعل الأمرين من الإماء على خطر وطء الزانيات على الموالي، واختيار المتعففات منهن لمكان الأولاد.
وقوله - تعالى -: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) قيل: كتب اللَّه عليكم ما ذكر مما مر في هَؤُلَاءِ الإناث. وقال الكسائي: نصب كتاب اللَّه على قوله: حرم كذا وأحل كذا، كتاب اللَّه عليكم؛ على الأمر؛ يقول: عليكم كتاب اللَّه، ودونكم كتاب اللَّه، اتبعوا كتاب اللَّه، في نحو هذا المعنى. وقيل: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) يقول: هذا حرام اللَّه عليكم في الكتاب. وقيل: هذا التحريم من النكاح قضاء اللَّه عليكم في الكتاب. وقوله - جل وعز -: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) اختلف فيه: قيل: (مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) أي: ما سوى ذلكم، وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رضي اللَّه عنه؛ دليله قوله: (وَيَكفرونَ بِمَا وَرَآءَهُ)، أي: سواه. وقيل: (مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) أي: ما قبله وأمامه، وهو كقوله: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ)، وهو كان أمامهم. وقيل: (وَرَاءَ ذَلِكُمْ) أي: بعد ذلك وخلفه، وهو ظاهر. ومن قال سوى ذلك يقول: أحل لكم ما سوى ذلكم الذي حرم عليكم ما لم يسم لكم. ومن قال (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ): أمام ذلك وقبله، وهو ما ذكر قبل هذه المحرمات: قوله: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ).
ومن قال: (مَا وَرَاءَ): بعد، أي: ما بعد الأربعة الأصناف المحرمة: المحرمات بالنسب، والمحرمات بالرضاعة، والمحرمات بالصهر، والمحرمات بالجمع، يقول: أحل لكم ما بعد هَؤُلَاءِ الأربعة الأصناف. وقيل في قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ): هن المتعففات من الإماء (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) من الإماء المسافحات الزانيات، كأنه قال: فاستمتعوا بالمتعففات منهن ولا تستمتعوا بالزانيات؛ لأنهن يلبسن عليكم النسب، وهو كقوله - تعالى -: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا). وقوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) بين اللَّه - تعالى - أن النكاح لا يكون إلا ببدل يكون مالًا؛ لأنه قال: (بِأَمْوَالِكُمْ). وفي الآية دلالة -أيضًا- على أن ما يملك ولا يقع عليه اسم المال لا يَكْفِيَنَ مهرًا؛ لأنه قال: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) ولا يسمَّى الدانق والحبة: مالًا، ولو كانت الحبة مالًا كانت التمرة مالًا، فثبت بما وصفنا من دلالة الآية أن المهور لا تكون إلا من الأملاك. فَإِنْ قِيلَ: روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال لرجل: " قَدْ زَوجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ "، قيل: تأويله عندنا - واللَّه أعلم -: " بما معك من القرآن " أي: من أجل ما معك من القرآن، ولا يجوز أن تكون السورة مهرًا بدليل الكتاب؛ لأنها ليست بمال، وكذلك كل شيء ليس بمال ولا يكون له قيمة، فلا يجوز أن يكون مهرًا، وكذلك قوله - سبحانه وتعالى -: (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ)، يدل على أن السورة وما لا يتمول لا يكون مهرًا. وروي عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تزوج على وزن نواة من
الذهب. قلنا: وزن نواة من الذهب يكون دينارًا. فَإِنْ قِيلَ: قد بين في الخبر قيمتها ثلاثة دراهم وثلث، لكن لا ندري من كان المقوم للنواة، ولا يجوز أن يجعل تقويم ذلك المقوم وتفسيره حجة على علمائنا حتى نعلم ذلك، مع ما قال قوم: إن النواة عشرة دراهم، وهو ما قال إبراهيم. فَإِنْ قِيلَ: روي عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ أَعْطَى فِي نِكَاح مِلْءَ كَفهِ طَعَامًا أَوْ دَقِيقًا أَوْ سَوِيقًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ ". وكذلك يقول أصحابنا - رحمهم اللَّه - ولكن يتم لها عشرة دراهم، ولم يقل النبي - - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: ولا شيء عليه سوى ذلك مع ما يقول المخالف لنا إذا كان المهر مما لا يتمول لم يكن مهرًا، وملء الكف من الطعام لا يتمول، وإن جعل ذلك مهرًا فقد ترك أصله: أن ما لا يتمول فليس بمهر، فكذلك ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " زَوجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ " ولم يذكر أن ليس عليه سوى ذلك، وأهل العلم مجمعون على أن السورة لا تكون مهرًا. ومن الحجة لعلمائنا ما روي عن جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه عنه - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " لَا مَهْرَ دُونَ عَشَرَةٍ ". وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم ". وعن ابن عمر - رضي اللَّه عنه - مثله.
على أن أهل العلم أجمعوا أن النكاح لا يكون إلا ببدل، وأنه خالف سائر الأملاك التي توهب ويتصدق بها بغير بدل، وكل يجعل لذلك حدا، وإن اختلفوا في ذلك المقدر والحد، وكل يقول -أيضًا-: إن التافه لا يكون مهرًا، فذهب أصحابنا أن الفروج لما لم تملك إلا ببدل، لم يجعل البدل إلا ما أجمعوا عليه، وهو عشرة دراهم؛ إذ كان النكاح مخصوصًا ألا يملك إلا ببدل دون غيره من الأملاك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) قيل: متناكحين غير زانين بكل زانية. وقيل: (بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ) أي: عفائف للفروج، وغير مسافحين في العلانية بالزنا؛ وكأنه أمر - عَزَّ وَجَلَّ - ابتغاء النكاح بالأموال، ونهي عن الاستمتاع بغير مال. وقيل: المسافح الذي يزني بكل امرأة يجدها، والمسافِحَةُ كذلك تزني بكل أحد. والمتخذات أخدان: هن اللاتي لا يزنين إلا بأخدانهن. والسفاح من الفعل: ما ظهر وعلا. مسألة في المتعة: وقوله - تعالى -: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) ذهب قوم إلى جواز المتعة بهذه الآية؛ يقولون: ذكر الاستمتاع بهن ولم يذكر
النكاح، وذكر الأجر بعد الاستمتاع، والمهر إنما يجب في النكاح بالعقد: يؤخذ الزوج أولا بالمهر ثم يستمتع بها؛ فهو بالمتعة والإجارة أشبه؛ كقوله - تعالى -: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، أمر بإيتاء " الأجرة إذا أرضعن فعلى ذلك: لما ذكر الاستمتاع بهن، وأمر بإيتاء الأجر لا المهر؛ دل أنها نزلت في المتعة. وأمّا عندنا: فإنها نزلت في النكاح؛ دليله ما تقدم من الذكر، وهو قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) نكاحًا، وقوله: (مُحْصِنِينَ) هو: متناكحين، (غَيْرَ مُسَافِحِينَ) هو غير زانين. وقوله - تعالى -: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) كل ذلك يدل أنه في النكاح، فكذلك قوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) في النكاح (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) وقد سمى اللَّه المهر أجرًا؛ كقوله: (إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ)، وقال: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ). وأما قولهم: ذكر إيتاء الأجر بعد الاستمتاع والمهر يجب بالنكاح - فهو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: فآتوهن أجورهن إذا استمتعتم بهن؛ كقوله - تعالى -: (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ)، أي: طلقوهن، -إذا طلقتم- لعدتهن، ونحو ذلك كثير. وقال أبو بكر الأصم: دل قوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) فآتوهن مهورهن كملا، وإذا لم يدخلوا بهن فالنصف بالآية الأخرى؛ فهذا فائدة ذكر الأجور والاستمتاع، وهو بالنكاح أشبه وأولى من المتعة؛ لما ذكرنا من تحريم الأجناس من المحرمات في أولها وإباحتها
في آخرها ما وراء ذلك، وبين -أيضًا- أن الاستمتاع هنا النكاح، وأن الأجر هو المهر؛ لما ذكرنا. ورُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: رحم اللَّه عمر، ما كانت المتعة إلا رحمة رحم اللَّه بها أمة مُحَمَّد؛ فلولا نهيه عنها إيانا ما زنى إلا شقي، وكان يراها حرامًا حلالا. قال: وكان يقول في حرف أُبي: " إلى أجل مسمى ". وروي عنه أنه قال: إن الناس هذا قد أكثروا في المتعة، فقال: إنها لا تحل إلا لمن اضطر إليها؛ كالميتة، والدم، ولحم الخنزير؛ فدل قوله: إنها بمنزلة الميتة على أنه رجع عن قوله الأول؛ فإن كانت المتعة في حال غير الضرورة حرامًا فهي في حال الضرورة حرام، وإنما أحل اللَّه المحرم في الضرورة إذا خاف الرجل على تلف نفسه، وليس في ترك الوطء خوف تلف نفسه. وروي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله - تعالى -: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) قال: نسخها: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ. . .) الآية. هذا يدل على أنه رجع عن قوله الأول. ومن الدليل على تحريمها قول اللَّه - سبحانه وتعالى -: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ)، فحرم اللَّه - تعالى - من الجماع ما عدا النكاح وملك اليمين، والمتعة ليست بملك نكاح، ولا ملك يمين؛ فهي
داخلة في التحريم. ومن الدليل على تحريمها ما روي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه، نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. وعن سبرة الجهني، عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه نهي عن متعة النساء يوم فتح مكة. وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يوم خيبر عن متعة النساء، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية. وفي خبر آخر أنه كان قائمًا بين الركن والمقام وهو يقول:: إِني كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُم فِي المُتْعَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيءْ فَلْيُفَارِقْهُ، وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آَتيتُمُوهُنَّ شَيئًا؛ فَإِن اللَّهَ - عَز وَجَلَّ - قَدْ حَرَّمَهَا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ ". وعن ابن عمر - رضي اللَّه عنه - قال: سمعت عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول في المتعة: لو تقدمت فيها لرجمت. وعن عبد اللَّه قال: المتعة -متعة النساء- منسوخة، نسخها الطلاق، والصداق، والعدة، والمواريث، والحقوق التي تجب في النكاح.
وعن عائشة - رضي اللَّه عنها - أنها إذا ذكر لها المتعة قالت: واللَّه ما نجد في كتاب الله النكاح والاستسرار، ثم تتلو هذه الآية: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) الآية. وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: متعتان كانتا على عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما. فأنكر قوم على عمر - رضي اللَّه عنه - إقراره أنهما فعلا في عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ونهيه عنهما. لكن الجواب في ذلك كحكم أنه علم بنهي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن متعة النساء، وما نزل فيها من نص القرآن؛ فكان وعيده لاحقًا بمن فعلها لعلمه بأنها منسوخة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) يحتمل الإجارة. ويحتمل التسريح بالنكاح أنه إذا كان بعد الاستمتاع يؤتيهن كل المهر؛ لأنه ذكر المهر في النكاح، والبعض بعد الطلاق، فبين الكل في هذا، وأيد هذا التأويل ما كان عليه ذكر المحرمات والإحلال أنه كله بالنكاح، وكذلك على ذلك قوله - تعالى -: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا)، أن كله في النكاح لا في الإجارة وإن ذكر فيه الأجر كما ذكر للإماء، ولو كان بالإجارة فهو منسوخ بقوله: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ)، كان ذلك إجارة وصف أنه بغي، ونهوا عن ذلك. وبقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)، ذكر أن مُبتَغي وراء ذلك باغٍ بهذا لو عرف بحكم الكتاب، فما ذكرته له ناسخ، ولو عرف بالإخبار، فكانت أخبار الإباحة رويت مقرونًا بها النهي، فمن رام الأخذ بطرف منها على الإغضاء عن الطرف الثاني أعطى خصمه الإغضاء عليه بالطرف الثاني والمنع عما قال به. ثم امتناع الأمة عن العمل على ظهور الحاجة، ونفور الطباع عن قبول مثله من أحد في المتضدين؛ فاصبر على الحق. ثم دل ما روي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: نسخه الطلاق والعدة - أن الأول كان نكاحها يمضي بمضي المدة أبطله ارتفاع أحكام النكاح عنه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ). في الآية دلالة أن الزيادة في المهر جائزة؛ لأن الفريضة هي التسمية. فَإِنْ قِيلَ: قوله: (فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ) معناه قوله: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ. . .): هو أن تبذل المرأة من مهرها شيئًا للزوج، أو الزوج لها. قيل: لو كان ذلك كذلك برضاها؛ يعني: رضا زوجها، وقال: (تَرَاضَيْتُمْ بِهِ) فجعل للزوج في الرضا نصيبًا، ومعناه - واللَّه أعلم - أن الزوج إذا زاد على المهر فذلك جائز، فهذا التراضي إنما يكون منهما جميعًا في الحالين، وذلك أصل الزيادة في المهر، والثمن في البيع، وأشباه ذلك. وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يخطب أم سلمة ويقول: " إِنْ كَانَ إِيْمَانُكِ أَنْ أَزِيدَكِ فِي الصدَاقِ زِدْتُكِ، وَإِنْ أَزِدْكِ أَزِدِ النّسوَةَ ". وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: زدها، فهو أعظم للبركة. وروي عن عثمان وعمار كذلك. وقد دل الكتاب والسنة وقول الصحابة على جواز ذلك، فهو الحق، وعلى ذلك جمهور المسلمين في بياعاتهم وتجاراتهم. ومن الدليل -أيضًا- على جواز الزيادة في الثمن والمهر وأنها تصير كأنها كانت مسماة في عقد البيع -: أن رجلا لو اشترى من رجل عبدًا بيعًا باتًّا، ثم إن أحدهما جعل لصاحبه الخيار يومًا فنقض البيع - أن نقضه جائز، ويصير ذلك كالخيار المشروط في أصل البيع، وكذلك رجل اشترى عبدًا بألف درهم حالَّة، ثم إن البائع أَخلَّ المشترى في الثمن
(25)
شهرًا - كان الأجل جائزا، ويصير كأنهما سميا الأجل في عقد البيع، فوجب أن تكون الزيادة بعد البيع في الثمن، كأنها كانت في عقد البيع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)، (عَلِيمًا)، فيما حرم وأحل، (حَكِيمًا) حيث وضع كل شيء موضعه. * * * قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم) وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) فقال بعض أهل العلم: لا يجوز تزوج الأمة حتى يعجز عن نكاح الحرة، ويخشى مع ذلك العنت، فإذا اجتمع الأمران فحينئذ يجوز أن يتزوج الأمة، ولا يجوز أن يكون تأويل الآية في هذا؛ وذلك أن الإماء أعز وجودا اليوم من الحرائر، ويجد الرجل حرة يتزوجها بأدنى شيء ما لم يجد بمثله الأمة، إلا أن يقال: إن الإماء في ذلك الزمان أوجد، وإن الحرائر أعز، وإن مؤنة الإماء ومهورهن أقل، فخرج الخطاب على ذلك. أو أنه لما نزل قوله - سبحانه وتعالى -: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)، رغب السادات في تزويج الإماء بشيء يسير، فعند ذلك نزل قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا. . .) الآية، وإلا الأمر الظاهر ما ذكرنا أنهن أعز وجودًا من الحرائر وأكثر مؤنة، وأن الحرائر أهون وجودا، ومؤنتهن أقل. أو أن تكون الآية في الإنفاق عليهن، ليس في ابتداء النكاح، وهو أن الرجل إذا تزوج حرة لزمه أن ينفق عليها شاء أو أبى، فإذا عجز عن الإنفاق عليها يطلقها ويتزوج بأمة؛ إذ نفقة الأمة على سيدها ونفقة الحرة عليه، فأمر أن يطلق الحرة التي نفقتها عليه ويتزوج أمة تكون نفقتها على سيدها، هذا أشبه - واللَّه أعلم - مما قاله أُولَئِكَ.
أو أن يقال: إنه أراد بالنكاح الوطء، لا العقد والتزويج على ما قال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. والنكاح اسم للوطء والتزويج جميعًا، قال اللَّه - تعالى -: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً)، وتأويله الوطء، فكذلك الأول، ومعنى قول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حيث حمل الآية على الوطء؛ لأنه قال لا يتزوج الأمة على الحرة. كأنه منعه من ذلك؛ لأنه قادر على وطء الحرة، ويتزوج الحرة على الأمة. يقول: يتزوج الأمة ولم يكن قادرًا على وطء الحرة؛ فجاز نكاحه. أو إن كانت الآية في ابتداء النكاح والتزويج؛ على ما قالوا، فليس فيها حظر نكاح الإماء وبطلانه في حال الطول والقدرة؛ لأنه أباح نكاحهن في حال عدم الطول والقدرة، ومن أصلنا: أن ليس في إباحة الشيء وحله في حال - دلالة حظره ومنعه في حال أخرى؛ دليله: قوله: (أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ)، ليس فيه أنه لا يحل له إذا لم يؤت أجورهن، وقوله - تعالى -: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) ليس فيه حظر الأربع وإن خاف ألا يعدل؛ فهذا يدل على أن حظر الشيء ومنعه في حال، لا يوجب الحظر في حال أخرى، وإباحة الشيء في حال وحله لا يوجب منعه وحرمته في حال أخرى، على أن المخالف لما لم يجعل الإيمان المذكور في الآية شرطًا لقوله - تعالى -: (أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) فإذا لم يصر الإيمان شرطًا في حال نكاح الإماء، كيف صار الطول والقدرة شرطًا فيه؟! إذ من قوله أن ليس له أن ينكح الأمة إذا كان له طول نكاح المحصنة الكتابية، فلما لم يصر هذا شرطا في ذلك كيف صار الطول والعنت شرطا؟! وهذا يبطل قوله: أن ليس له أن ينكح أمة كتابية؛ لأنه يقول: لأن اللَّه - تعالى - شرط فيهن الإيمان بقوله: (مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) فإذا لم يصر الإيمان شرطًا في المحصنات كيف صار شرطًا في الإماء، وذلك كله عندنا ليس بشرط. فإن قال قائل: إن قول اللَّه - تعالى -: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ. . .) كذا، ليس ذلك شرطا حتى لا يجوز غيره إذا كان له طول العتاق وقدرة الصوم ما ينكر أن يكون الأول بمثله.
قيل: صار ذلك شرطًا فيه؛ لأنه فرض لزمه بشريطة لم يكن له الخروج والتعدى إلى غيره، وأمَّا النكاح: فليس هو بفرض لزمه بوجود الطول والقدرة والعتاق، وما ذكر فرض لزمه بوجود الطول والقدرة عليه، ويجوز الطعام، لكن لم يسقط الفرض الذي لزمه عنه؛ لذلك صار شرطًا فيه، والأول لم يصر. فإن قال: ما معنى الآية إذن؟ قيل: معنى الآية على الاختيار والأدب، أو على الإنفاق الذي ذكرنا، أو ألا يختار نكاح الأمة على نكاح الحرة إذا كان له طول الحرة؛ على ما جاء عن عمر - رضي اللَّه عنه - قال: أيما حر تزوج أمة فقد أرق نصفه، وأيما عبد تزوج حرة فقد أعتق نصفه. لا يختار نكاح الأمة وله إلى طول الحرة سبيل. ويجيء أن يكون قوله: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) هو ألا يحمل على الزنا، ولكن يحمل على مخالطتهن الناس واسترقاق الأولاد، فإذا أمنه السيد عن استرقاق الولد، وعن ترك الاختلاط بالناس، فعند ذلك يتزوجها؛ إذ قلوب الناس لا تحتمل اختلاط أزواجهم بالناس واسترقاق الأولاد، فَحَمْلُ العنت على هذا أشبه من الزنا. ومن الدليل -أيضًا- على ألا يعتبر الطول على التزوج على ما قالوا: إذا تزوج أمة ثم قدر على تزوج الحرة لم يفسد نكاح الأمة، وهو قول ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - فعلى ذلك طوله في الابتداء على نكاح الحرة لا يمنع جواز نكاح الأمة، واللَّه أعلم. على أن عدم الطول في الأصل لا يمنع نكاح الحرة؛ إذ المهر شيء يلزم الذمة، وعدم النفقة يمنع الإمساك عنده؛ فدل أن الآية لعدم نفقة الحرة أشبه وأقرب من عدم طول مهر الحرة في الابتداء؛ على ما ذكرنا. والأصل: أن كل أمر يجوز بشرط الاضطرار؛ فإن ارتفاع الضرورة يمنع البقاء، فإذا لم يمنع بأن أنه لا على الحل بالضرورة، وعلى ذلك يختار لمن تحته حرة مفارقة الأمة؛ إذ بإمساكها رِقُّ الولد الذي يَقْبُحُ في العقل اختياره، ومخالطة الزوجة في الطبع نفار منه، فمثله في الابتداء - واللَّه أعلم - مع ما قال اللَّه - تعالى -: (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) وليس عن الذي فيه الضرورة شرط الصبر، ثم القول واحد فيهن بملك المال وهو غائب عنه يخشى العنت إلى أن يبلغ ذلك أنه لا يمنع النكاح، وجميع ما له الحرمة، يستوي غيبة ذلك وحضرته: كنكاح الأمة على الحرة، والأخت على الأخت، ونحو ذلك، مع ما لو
كانت خشية العنت تصير سببًا للحل في شيء لكان ملك الحرة التي هي عنه غائبة؛ إذ لم تصر الضرورة مبيحة، فإذن بأن أن الحرمة لنفس النكاح في الوجود والحل لعدمه لا للسبيل إلى ذلك وغير السبيل. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) إنما هو الضيق؛ كقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ)، أي: يضيق عليكم مخالطة الأيتام. أو الإثم؛ كقوله - تعالى -: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ)، وكل رجل فيه وسع الاستمتاع فهو يخشى الإثم، فيجيء أن يباح له على كل حال، أو يرجع إلى الضيق؛ فيكون المقصود منه الإمساك دون العقد، واللَّه أعلم. ثم خشية الزنا يحتمل أن يصير شرطًا للحل، وقد حصل له عقوبة، فيها أبلغ الزجر لمن عقل من: رجم أو حد، بل يفرض عليه اتقاء ذلك بكل وجوه الإمكان، ومعلوم أن اللَّه قد جعل عنه بغير النكاح سبيلا في الاستمتاع، أيضًا، وقد جاء -أيضًا- الأمر بالصيام بأنه له وجاء، فإنما خشية ذلك خشية حظر، لا حقيقة، فلم يجز أن يجعل عذرًا لرفع الحرمات ولقدر عليه بالمباح من الصيام. القول في قوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ) الآية، نقول - وباللَّه التوفيق -: تحتمل الآية وجهين: أحدهما: طول عقد النكاح أمن ملك المهر. والثاني: طول إمساك الحرة؛ للاستمتاع من النفقة والكسوة والمسكن، وهذا الوجه أحق؛ لأوجه: أن طول عقد النكاح، مذكور -أيضًا- في نكاح الأمة، بقوله: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) ومعلوم وجود الحرة بالمهر الذي يوصف في المعروف من المهور، بل لعل ذلك في الحرائر أوجد؛ إذ قد جاز نكاح الحرائر بالأشياء الضعيفة، ومعروف وجودهن في كل عصر بدون ما يوجد من مثله الإماء، فمحال أن يشترط في نكاح الإماء عدم ما لا يوجد السبيل إليه إلا بوجود
ذلك، أو ما هو أعظم في الوجود. وأمَّا النفقة والمسكن فقد يكون بمال السيد دون أن يؤخذ به، وفي الحرة هي لا سبيل إليها إلا بمال الزوج، ففيهما بذكر الوجود، لا فيما يستوي الذكر فيه في المتلو. ثم في الحاجة على ما عليه العرف فيه فضل، ولا قوة إلا باللَّه. والوجه الثاني: ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " لا تُنْكَحُ الأَمَةُ عَلَى الحُرةِ " ولو كان يجوز نكاحها عند وجود طول الحرة، لم يكن للنهي عن ذلك بعد النكاح وجه؛ إذ ليس لذلك وجود؛ لما الطول يمنع وجوده. والثالث: أن الذي به يجب النكاح ليس للوجود شرط فيه، والذي به الإمساك شرط؛ إذ قد يجوز بذمة من لا يملك شيئا ولا يمسك بمثله، ثبت أن ذلك في حق الإمساك. وبعد: لو كان يمنع بالذي ذكر، لكان جوازه بحق الضرورة، وهذا مما لا يقع به الضرورة، ثبت أن ذلك في حق الإمساك. ثم لو كان التأويل على النكاح لم يكن في ذلك تحريم النكاح على وجود طول الحرة؛ لخصال: أحدها: أن ذلك يوجب أن يكون نكاح الإماء يجوز بحق الإبدال والاضطرار، وذلك لا يحتمل حق النكاح؛ لوجوه: أحدها: أن طريق ذلك طريق إباحة ورخص، والفروج لا تحتمل الإباحات؛ بل الإباحة توجب حد المبيح وعقوبته، وتجعل كمبيح ما لا يملكه. والثاني: أن الحرمات التي كانت في جميع النكاح كانت ظاهرة لم يرتفع شيء منها لحاجات وكذا نكاح الإماء لو كان من المحرمات، بل الحكم أن كل امرأة لا تحتمل النكاح فهي لا تحل بملك اليمين، فلو قلنا: إنه لا يحل نكاحها لذاتها لم يحل في ملك اليمين، فإذ حلَّت بأن ما ذكرت، وليس كالزيادة على الأربع؛ لأن تلك الحرمة لحق المنكوحة لا لمكان المرأة، وكذلك الأخت ونحو ذلك؛ دليل ذلك جواز ذلك لا بحق
الإبدال والاضطرار، إذا عدم نكاح غيره. وبعد: فإنه لم يجعل في شيء من الحل والحرمة المال؛ بل قال - تعالى -: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا. . .) الآية؛ صير العدم شرط الترك، وله قد يفسخ، لا أنه شرط الإباحة، فكذلك أمر نكاح الإماء. والثالث: إذ الأصل في إضافة الحل والحرمة إلى حال أنه لا يوجب ضد ذلك في غير تلك الحال؛ بل هو في غيرها موقوف على قيام الدليل من ذلك المضاف إليه أو غيره، لا أنه يوجب ذلك؛ دليل ذلك أمور النكاح؛ قال اللَّه - تعالى - لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ)، لا أنه لو لم يؤتهن الأجور لم يحللن، وكذلك قوله - سبحانه وتعالى -: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ. . .) الآية؛ لأن الحد لا يجب لو لم يحصن، وقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) لا على جعل الإيمان شرطا، وقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)، لأن الأمة لا تحل إذا لم يخف العدل في الحرائر، وغير ذلك مما يكثر؛ إذ ليس في إضافة الحل إلى حال قطعه عن غيره، فمثله أمر النكاح فيما نحن فيه.
ثم احتج بعضهم بالآيات التي فيها: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ)، (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ)، لتوجيه ذلك الحق هاهنا وقد دخل جواب هذا فيما قلنا: إن الحكم في غيره موقوف على الدليل فيه منعنا لا بهذا، مع ما بينا دليل ما نحن فيه ليس بشرط؛ ألا ترى أنه ذكر شرط الإيمان في المحصنات؟! ومن لم يصر شرطًا وقد صار في الكفارات ونحو ذلك؛ فمثله ما نحن فيه. ثم الفصل بين الأمرين يقع من وجوه: أحدها: أن تلك بحق الإبدال والاضطرار؛ دليله: زوال حكمه عند الارتفاع وفي هذا إلا ألا يرتفع لنكاح الحرة؛ فلذلك اختلف الأمران، ولو جعلنا الأمر به في حال أو الإشارة بالحل إليها دليلًا على النهي عن ذلك كان نهيا عن نكاح الإماء في حال طول الحرائر؛ فلا يحتمل أن يكون النهي مبطلا للفعل لأوجه: أحدها: أن المعنى الذي له يقع النهي كان معقولاً، وبمثله لا يحتمل الفساد، وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: أن يرق ولده. والثاني: أن تخالط امرأته الرجال، وذلك بعض ما يشين الرجل. ثم كان نكاح الزانية مع النهي عن ذلك يجوز، ومع الأمر بطلاقها ومعلوم أن ذلك أعظم في الشين؛ إذ قد ظهر به ما يخافه في المملوكة، ويصير ولده مشتوما بأمه ما هو أوخش في العقول من كل رق وعبودة ويقال له: يا ابن الزانية، وذلك -أيضًا- تلبيس النسب وشبهه، ثم لم يجب به الفساد؛ فأمر المملوكة بالأحرى. وأيضا لم يختلف على نهي الحرمة عن نكاح العبيد، وله يفرق الأولياء، ويصرف حق نسب الآباء إلى الموالى؛ إذ معلوم أن الطعن عليهن في الخلاف قبح منه عليهم، ثم لم يمنع ذلك جواز النكاح؛ فمثله ما نحن فيه. وأيضًا إن الحرمة على وجهين: حرمة لنفس المنكوحة أو الاستمتاع وحرمة لحق النكاح، وكل محرمة لذاتها فهي لا تحل بملك اليمين ولا بملك النكاح، وما كانت الحرمة بحيث النكاح تحل، فإذا كانت الأمة تحل بملك اليمين ثبت أن حرمتها ليست لنفسها ولا للاستمتاع فهي تحل بملك اليمين، بل حلها في الأصل بملك النكاح أحق؛ إذ
ليس إلا للاستمتاع، فإذا حلت به فبالأحرى أن تحل بالنكاح، ثم قد يحرم للنكاح أشخاص ألا يحر من للأموال بحال، فكذا ما نحن فيه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ). يحتمل وجهين: يحتمل - واللَّه أعلم -: حقيقة إيمانكم، وأنتم لا تعلمون ذلك. ويحتمل - واللَّه أعلم -: بإيمانكم، وغيره لا يعلم حقيقة ذلك. وفيه لزوم العمل بالظاهر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ). يحتمل: بعضكم من بعض في الدِّين. ويحتمل: بعضكم من نسب بعض؛ فهذا يدل على أن بعضهم من دين بعض، ومن نسب بعض؛ فليس لبعض على بعض فضل من جهة الدِّين والنسب؛ إذ نسبهم ودينهم واحد، وليس للحرة على الأمة فضل من هذا الوجه. وفي قوله: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) قيل: إن قوله (أُحْصِنَّ) تزوجن، وقيل أسلمن. فكيفما كان التأويل لم يصر الإحصان شرطا في لزوم ذلك العذاب؛ لأنها إذا كانت على غير هذا الوصف لزمها ذلك الحكم؛ دل أن وجوب ذلك الحكم في حال على وصف - لا يمنع وجوب الحكم في حال أخرى على غير الوصف الذي وصف في تلك الحال، وهذا بالمخالف لنا ألزم؛ لأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ - في قوله: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ)، أن النهي وقع على جميع المشركات: كتابيات وغير كتابيات، ثم صار الكتابيات منسوخة بقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ)، ثم قال: إذا كان له طول محصنة كتابية لم يحل له نكاح الأمة المؤمنة، وقد أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أن الأمة المؤمنة خير من مشركة، وهو يقول: بل المشركة خير من الأمة؛ فهذا يدل على اضطراره في قوله على مذهبنا ما قلنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) الآية، على المشركات خاصة من غير الكتابيات عندنا؛ دليله: قوله - تعالى -: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ. . .)، ذكر المشركات وذكر الكتابيات؛ دل هذا أن المشركات في هذه الآية غير الكتابيات، وقد ذكرنا الوجه في ذلك في صدر السورة ما يغني عن ذكره في هذا الموضع. فإن كان ما ذكرنا - حل له أن يتزوج كتابية محصنة كانت أو أمة، وقد أقمنا الدليل على أن ليس في ذكر الإيمان فيهن دليل جعله شرطًا في جواز نكاحهن؛ على ما لم يكن في ذكر الإيمان، في المحصنات من المؤمنات دليل جعل الإيمان فيهن شرطًا. وقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ)، أي: هو أعلم بحقيقة إيمانهن وأنتم لا تعلمون حقيقته، وإن كان أثبت لنا علم الظاهر بقوله - تعالى -: فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ)، أمرنا بالعمل بعلم الظاهر، لا بعلم الحقيقة بقوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)؛ فهذا يدل على أن الإيمان هو عمل القلب، لا عمل اللسان؛ لأنه لو كان عمل اللسان لكان يعلم حقيقته كل أحد؛ فظهر أنه ما وصفنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) قيل فيه وجوه: بعضكم من بعض في الولايات في الدِّين، كقوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ). وقيل: بعضهم من بعض في النسب؛ إذ كل منهم من أولاد آدم. ويحتمل: بعضكم من بعض قبل الإسلام. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ)
أي: بإذن ساداتهن؛ سفى السادات أهلا لهن؛ دل أنهن من أهلهم. وفيه أن للمرأة أن تزوج نفسها إذا أذن لها وليها؛ الأن اللَّه - تعالى -، قال (بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) فلو كان أهلهن هم الذين يُنكحونهن - لم يكن لطلب الإذن معنى. وفيه أن للمرأة ولاية النكاح؛ لأنه قال: (بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ)، والمرأة إذا كانت لها جارية، لها أن تزوج من غيره، وهذا في النساء أولى لأن الرجل إذا كانت له جارية - يستمتع بها ولا يزوجها من غيره، والمرأة إذا كانت لها جارية هي التي احتاجت إلى تزويج جاريتها؛ لذلك كان في هذا أولى. وفيه أن ليس للعبد ولا للأمة أن يتزوج إلا بإذن السيد، وكذلك روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " أَيمَا عَبدٍ تَزَوجَ بِغَيرِ إِذْنِ مَوْلَاهُ فَهُوَ عَاهِرٌ ". وقال بعض أهل العلم: قوله: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) إذا كن مؤمنات؛ على ما سبق من ذكر الإيمان بقوله: (مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ) لكن هذا وإن كان نهيًا عن نكاح الإماء إذا كن غير مؤمنات لم يدل ذلك على فساد نكاحهن إذا كن غير مؤمنات؛ ألا ترى أن النساء نُهِينَ عن تزويج أنفسهن من العبيد، وذلك مما يشينهن، ثم لم يمنع ذلك النهي عن التزويج منهم؛ فعلى ذلك لا يمنع شرط الإيمان فيهن والنهي عن نكاحهن - فساد النكاح ولا بطلانه، وكذلك الرجل نهي أن يتزوج كتابية حرة وهو واجد الحرة المؤمنة. ثم مع ما نهى عن نكاحها - إذا فعل ذلك جاز النكاح، فعلى ذلك الأول. وكذلك قوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ)، ذكر الصلاح فيهم، ثم إذا كانوا على غير ذلك الوصف جاز؛ فكذلك الأول. وكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) ذكر الإحصان فيهن، ثم لم يصر الإحصان فيهن شرطًا في جواز النكاح؛ لأنهن إذا كن
غير محصنات يجوز نكاحهن؛ فعلى ذلك الأول، ولو كان الطَّوْل والقدرة مما يمنع جواز نكاح الإماء -وجواز نكاح الإماء بمعنى البدل- لكان إذا تزوج أمة ولم يكن له طول على نكاح الحرة في ذلك الوقت، ثم كان الطول على نكاح الحرة - يجيء أن يفسد النكاح؛ لأنه إذا منع الابتداء يمنع القرار في ملكه؛ فإذا لم يمنع دل أنه ليس على حكم البدل؛ إذ الأبدال ألا قرار لها ولا ثبات، عند وجود الأصول؛ دل أنه ليس عنه؛ ولكن على الاختيار والتأديب ألا يختار نكاح الإماء على الحرائر والمسافحات على المحصنات، ولا يختار المشركات على المؤمنات. فَإِنْ قِيلَ: إنكم تمنعون من نكاح الأمة على الحرة، ثم لا تفسخون نكاح الأمة إذا كانت عنده أمة فتزوج حرة. قيل له: إنما يمنع عن نكاح الأمة على الحرة لحق حرمة الجمع: كالجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، فأما إذا لم يكن ثَمَّ جمع لا يمنع، وهذا ليس بجمع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) بإذن أهلهن على ما ذكر الإذن في النكاح بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ). ويحتمل -أيضًا- أن يؤتى أجرها وإن لم يأذن له مولاها، إذا كانت الجارية ممن يحفظ مال سيدها ويتعاهده؛ إذ الناس يشترون المماليك لحفظ أموالهم وصون أملاكهم، نحو ما جاء من الوعيد عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " كُلُّكُم رَاعٍ، وَكُلُّكُم مَشئُولٌ عَنْ رَعيتهِ، حَتى العَبد عَنْ مَالِ سَيدِهِ ". فإذا كان ما وصفنا - لا بأس بأن يدفع الأجر والمهر إليها إذا كانت هي ممن تحفظ ماله وتصونه. ثم من الناس من استدل بقوله: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) على حقيقة الملك للمماليك، ويبيح لهم التمتع بالجواري، وبقوله - تعالى أيضًا -: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ
عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، لو لم يملكوهم حقيقة الملك - لم يكن لوعد الغنى لهم معنى؛ لأنه لا يقع لهم الغنى أبدا، وكانوا لا يملكون؛ دل أنهم يملكون حقيقة الملك وأما عندنا فإنهم لا يملكون حقيقة الملك؛ استدلالا بقوله - تعالى -: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ)، أخبر أن ليس لهم فيما رزقهم شركاء مما ملكت أيمانهم؛ دل أنهم لا يملكون حقيقة الملك. فإن قالوا: أليس يملكون التمتع في النكاح إذا ملكوا ما منع -أيضًا- أن يملكوا رقاب الأشياء إذا ملكوا؟ قيل: إن السادات لا يملكون من المماليك رقبة ما يتمتع به بالأسر؛ ألا ترى أن السيدة لا تملك من عبدها التمتع به؛ دل أن ملك ذلك للعبد خاصة؛ لذلك ملك ملك التمتع في النكاح. وأمَّا قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، بغناء ساداتهم؛ إذ مقدار ما يطعمون ويشربون مما جعل لهم الانتفاع به. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) ما ذكرنا من الإذن من أهلهن، أو لما جعل النهي حفظ الأموال. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِالْمَعْرُوفِ) قيل: مهر غير مهر البغي، وقيل: هو المعلوم. وقوله - تعالى -: (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) وقد ذكرناه فيما تقدم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا أُحْصِنَّ) قيل: فإذا أسلمن. وقيل: (فَإِذَا أُحْصِنَّ): فإذا تزوجن. ويحتمل: (فَإِذَا أُحْصِنَّ): فإذا بلغن مبلغ النساء. وقيل: (فَإِذَا أُحْصِنَّ) أي: عففن، وتأويله - واللَّه أعلم -: ما ذكره في أول
الآية. وقوله: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)، أنهن إذا تركن للتعفف، ولم يكرههن على البغي - فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب؛ فهن الحرائر؛ لأن عذاب المتزوجة إذا دخل بها زوجها - الرجمُ، ولا نصف للرجم، وإنما حد الأمة الجلد؛ فلا يجوز أن يكون المحصنات في هذا الموضع ذات الأزواج؛ لأن عذاب ذات الأزواج الرجم، ولا نصف له؛ دل أنه أراد بالإحصان: الإسلام. ورُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وسعيد بن جبير، وجماعة من أهل العلم: أن لا حد على الأمة حتى تتزوج. وأما عندنا: فإن عليها الحد؛ لما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه أمر بجلد الأمة إذا زنت وإن لم تنزوج؛ فذلك حجة لقول من قال: إحصانها إسلامها، وهو ما رُويَ عن أبي هريرة، وزيد بن خالد، وشبل - رضوان اللَّه عليهم - قالوا: كنا عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فسأله رجل عن الأمة تزني قبل أن تحصن؟ قال: " اجْلِدْهَا؛ فَإِنْ زَنَتْ فَاجْلِدْهَا. . . " ثم قال في الثالثة أو الرابعة: " فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ ". هذ الخبر يدل على أن الأمة إذا زنت تجلد وإن لم تتزوج. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) أي: وإن تصبروا ولا تتزوجوا الإماء فهو خير لكم؛ لأن أولادكم يصيرون عبيذا؛ فهذا يدل اعى أن قوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) - كله على الاختيار، ليس على الحكم ألا يختار، ولا على أنه إذا فعل لا يجوز. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يحتمل وجهين:
(26)
يحتمل: (غَفُورٌ رَحِيمٌ)؛ حيث كفر عنكم ما ارتكبتم في الدنيا بالعذاب الذي يقام عليكم، ولم يجعل عذابكم في الآخرة؛ إذ عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، وذلك من رحمته. ويحتمل: (غَفُورٌ رَحِيمٌ) من رحمته أن يجعل الحدود في الدنيا زواجر عن العود إلى ارتكاب مثله من الأفعال. * * * قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) يحتمل قوله: يريد اللَّه أن يبين لكم ما تؤتون وما تنفقون، وما لكم وما عليكم، ويبين ما به صلاحكم ومعاشكم في أمر دينكم ودنياكم، لكن حقيقة المراد بالآية: إما أن يكون أراد جميع ما ذكر، أو معنى خاصا مما احتمله الكلام، وليس لنا القطع على ما أراد به. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) يحتمل وجوهًا: أي: يبين لكم سبيل الذين من قبلكم، أي: سبيل الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - وأهل الهدى والطاعة منهم؛ ليعلموا ما عملوا هم وينتهوا عما انتهوا، وكذلك في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ): سبل الذين من قبلكم. ويحتمل: قوله: (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: أمر الرسالة والنبوة؛ ليهديكم مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وهو رسول؛ إذ أمر الرسالة والنبوة ليس ببديع، قد كان في الأمم السالفة رسل وأنبياء - عليهم السلام - فأمر رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ونبوته ليس ببديع ولا حادث؛ كقوله - تعالى -: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ). ويحتمل قوله: (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: يبين لكم أن كيف كان سنته في الذبن خلوا من قبل في إهلاك من عاند اللَّه ورسوله، واستئصال من استأصلهم بتكذيب
الرسل والأنبياء - عليهم السلام - والخلاف لهم؛ كقوله - تعالى -: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ)، وقوله - تعالى -: (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ). وقيل: (سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) شرائع الذين من قبلكم من المحرمات والمحللات: من أهل التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائر الكتب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَتوُبَ عَليكُم) أي: يريد أن يتوب عليكم. وفي قوله - تعالى -أيضًا-: (سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) يحتمل: يهديكم تلك السنن، أي: يبينها لكم أنها كانت ماذا؟ ويحتمل: (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) بمعنى: جعل تلك السنن هداية لكم. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ قَبْلِكُمْ) يحتمل: سنته وسيرته في الذين من قبلكم؛ لتعتبروا بها. ويحتمل: سنتهم التي لزموها، وسيرتهم التي سلكوها بما لها من العواقب؛ لتتعظوا بها، واللَّه أعلم بحقيقة ما انصرف إليه مراد الآية، لكن فيما احتمله، فهاهنا موعظة بيناها فيه، وعلى ذلك معنى قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) يحتمل: كل ما به لنا نفع، أو كل ما بنا إليه حاجة، أو كل ما علينا القيام به، أو يرجع ذلك إلى الخاص مما يريد بالآية الإخبار عنه، وأن الذي علينا النظر فيما قد يفضل البيان عنه، وفيما أنبأنا عن سنته فيمن تقدمنا مما نرجو به الهداية والشفاء؛ للقيام بما علينا في ذلك من الحق دون الشهادة عليه - جل ثناؤه - بالمراد فيها في مخرج الكناية دون التصريح من الموعود. وقوله - تعالى -: (لِيُبَيِّنَ) وأن يبين في مفهوم الخطاب فيما جرى به الذكر في هذه الآية واحد؛ إذ لو كان ذكر " أن " لسبق إلى الفهم غير الذي سبق في هذا على حق العباد من التفاهم، واللَّه أعلم. ثم كان معلومًا فيما أراد بقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ) أنه لو لم يبين ما أراد بهذا الوعد ولم يهد - أنه كان يلحقه الخلف في الوعد؛ فعلى ذلك فيمن قال: يريد اللَّه أن يتوب عليكم، ويريد اللَّه أن يخفف عنكم: لو لم يكن يخفف ويتوب على من أريد بقوله: يتوب ويخفف عنكم - يلحقه الخلف في الوعد، ثم يخالف وصف كافر في حال
(27)
أنه ممن تاب اللَّه عليه؛ ثبت أنه لم يدخل في قوله - سبحانه وتعالى -: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) فإذا ثبت أنه لم يدخل فيه وجب فيه أمران: أحدهما: أن الإرادة ليست بأمر؛ إذ قد أمر الكافر بالتوبة. والثاني: أن كل من لم يتب فهو ممن لم يرد اللَّه أن يتوب عليه، وهو في قوله - تعالى -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ)، على أن اللَّه - تعالى - قال في المؤمنين: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ)، وقال في الكفار: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ)، على التفريق بين الذي في علمه أن يختم مؤمنا، ومن في علمه أن يختم كافرا، على أن إرادة الهداية مع إرادة ألا يجعل له الحظ في الآخرة على الموعود - خلف، وإرادة من لا تدبير له في فعله، ولا يتصل به فعله - تمنٍّ في متعارف الأمر وتشهٍّ، ولا يجوز أن يضاف إلى اللَّه - تعالى - الإرادة من هذا الوجه؛ فكان له حق الإرادة وهي التي يوصف بها من فعله الاختيار ثبت أن لله - تعالى - في فعل العباد فعلا: بحيث فعله يوصف بالإرادة، وفي ذلك وجوب القول بخلق أفعال العباد. أو أن يكون المراد من تلك الإرادة - إذا لم تحتمل التمني، ولا الأمر - أن تكون الإرادة التي تنفي القهر والغلبة؛ فيلزم إذا ثبت نفي القهر - الوصفُ بالإرادة، وثبت أنه مريد لكل فعل نفي عنه القهر في وجوده، وباللَّه التوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بما يؤتي وينفي، عليم بما به معاشكم وصلاحكم، وما به فسادكم وفساد معاشكم، ونحوه. (حَكِيمٌ) وضع كل شيء موضعه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ... (27)
قالت المعتزلة: قد أراد اللَّه - تعالى - توبة من لا يتوب؛ فيقال لهم: ما التوبة
(28)
عندكم؟ أليس عندكم التوبة: التجاوز والدعاء؟ فإذا وعد أن يتوب ولم يفعل - فهل ترك ذلك لا بعجز أو ذلك إلا لعجز أو بداء به، أو ذلك الوصف له بالعجز أو الجهل، فنعوذ باللَّه من الزيغ عن الحق، والسرف في القول. وأما تأويله عندنا: واللَّه يريد أن يتوب عليكم في الذي علمه أنهم يتوبون، أو كان ذلك إخبارًا عن قوم أراد اللَّه أن يتوب عليهم فتابوا. وقال قوم: قوله: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) أي: يأمر أن يتوبوا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ) الآية. أي: من اختار الدنيا على الدِّين، والأولى على الآخرة؛ لهوى يتبعه، وشهوة تغلبه، لا لتقصير من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عن البيان؛ بل لتركهم النظر والتأمل بالعواقب غلبت عليهم شهواتهم، واتبعوا أهواء أنفسهم: إما رياسة طلبوها، وإما سعة في الدنيا بغوها؛ فذلك الذي يمنعهم عن النظر في العاقبة، والتأمل في الآخرة؛ لذلك مالوا ميلا عظيمًا، وخسروا خسرانًا مبينًا، وضلوا ضلالاً بعيدًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ... (28) يحتمل هذا: أنه خفف علينا، ولم يحمل ما حمل على الأمم السالفة من الإصر والشدائد والأثقال والمشقات، مما جعل
(29)
توبتهم قتلَ بعضهم بعضًا، وجعل توبتنا الندامة بالقلب، والرجوع عما ارتكبوا. أو أن يقال: خفف عنا؛ حيث لم يستأصلنا، ولم يهلكنا بالخلاف له وترك الطاعة، على ما استأصل أُولَئِكَ وأهلكهم. ويحتمل التخفيف عنا -أيضًا-: وهو ما خفف علينا من إقامة العبادات والطاعات، من نحو: الحج، والجهاد، وغيره، حتى جعل القيام بذلك أخف على الإنسان وأيسر من قيامه بأخف العبادات أوالطاعات، وأيسرها، وذلك من تخفيف اللَّه علينا وتيسيره؛ فضلا منه ورحمة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) يحتمل: أن يكون أراد به الكافر؛ كقوله - تعالى -: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا)، وكقوله - تعالى -: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا)، وقد قيل: كل موضع ذكر فيه الإنسان فهو في كافر من ضعفه يضيق صدره، ويمل نفسه بطول الترك في النعم حتى يضجر فيها. ويحتمل: أنه أراد به الكافر والمسلم، ووضعُه في ابتداء حاله أنه كان ضعيفًا؛ كقوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ). ويحتمل وصفه بالضعف له؛ لأنه ضعيف في نفسه، يمل من الطاعات والعبادات التي جعل اللَّه عليه، ليس كالملائكة؛ حيث وصفهم أنهم لا يفترون ولايستحسرون، (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ)، ولا كذلك بنو آدم. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ
تَكُونَ تِجَارَةً) الظاهر في الثنيا أنه من غير جنس المستثنى؛ لأنه استثنى التجارة عن تراضٍ من أكل المال بالباطل بينهم، وأكل المال بالباطل ليس من جنس التجارة، ولا التجارة من نوع أكل المال بالباطل، والثنيا في الأصل جعل تحصيل المراد في المجمل من اللفظ؛ فإذا لم يكن من نوعه كيف جاز؟! لكنه يحتمل - واللَّه أعلم - أن يكون على الابتداء والائتناف؛ كأنه قال: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، ولكن كلوا بتجارة عن تراض منكم؛ وعلى ذلك يخرج قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا)، استثنى السلام، والسلام ليس من جنس اللغو، لكن معناه ما ذكرنا: لا يسمعون فيها لغوًا، ولكن يسمعون فيها سلامًا. ويحتمل أن يكون في الثنيا بيان تخصيص المراد في المطلق من الكلام؛ كقوله - تعالى -: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آلَ لُوطٍ)، دل استثناؤه آل لوط على أنه أراد بقوم مجرمين قوم لوط خاصة؛ لأنه قد كان في قوم إبراهيم - عليه السلام - وفي غيرهم أقوام مجرمين؛ دل الثنيا على مراد الخصوص؛ فعلى ذلك يدل استثناؤه التجارة عن تراض منهم - على أنه أراد بأكل المال بالباطل تجارة عن غير تراض، وإن كان -في الحقيقة- يصير مال هذا بمال هذا، وهو أن يأخذ مال غيره فيتلفه؛ فيلزمه بدله؛ فيصير ما عوض من بدله بما أتلفه قصاصًا؛ فهو -في الحقيقة- تجارة. أو يحتمل: أن يكون أكل المال بالباطل بينهم ما لا يجوز ولا يطيب؛ لأن حرف البين لا يستعمل إلا فيما كان البدل من الجانبين؛ فإذا كان ما وصفنا محتملا - كان الثنيا من ذلك من وجه يطيب، ومن وجه لا يجوز ولا يطيب. وفيه دليل: أن التجارة هي جعل الشيء له ببدل، وترك الشيء بالشيء؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى)، ذكر الشرى ولم يكن منهم إلا ترك الهدى بالكفر، ثم سمى ذلك تجارة بقوله - تعالى -: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ). وفيه دلالة: أن البيع يتم بوقوع التراضي بين المتبايعين، وليس كما قال قوم: لا يتم البيع وإن تراضيا على ذلك حتى يتفرقا عن المكان؛ فكانوا تاركين - عندنا - لظاهر هذه الآية، فإن احتجوا بالخبر الذي روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " الْمُتَبَايِعَانِ بِالخيَارِ مَا لَم
يتَفْرَّقَا " - لكن معناه عندنا: أن يقول الرجل للرجل: بعتك عبدي بكذا، فلصاحبه أن يقول: قبلت البيع، ما دام في مجلسه. أو يحتمل: أن يكون إذا قال: بعتك، كان له الرجوع قبل أن يقول الآخر: قبلت. على أن قوله - عليه السلام -: " مَا لَم يتَفْرَّقَا "، لا يوجب أن يكون تفرقًا عن المكان وتفرق الأبدان؛ ألا ترى أن اللَّه - سبحانه وتعالى - قال: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ)، ولا يفهم المعنى من ذلك تفرق المكان والأبدان؛ ولكن وقع ذلك على القول والطلاق. على أن في الآية بيان تمام البيع بوجود التراضي بقوله: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ). ومما يدل على ذلك -أيضًا-: قوله - تعالى -: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ)، فلو كان البيع لا يتم بالتراضي؛ فمتى يشهد: قبل التفرق أو بعد التفرق؟ إن أشهد قبل التفرق، فهل المقر صادق في أن لصاحبه عليه الثمن أو كاذب؟ إذ كان البيع لم يتم، وما ينفعه الإشهاد إن كان للمقر أن يبطل إقراره برد السلعة. وإن كان إنما يشهد بعد التفرق فقد يجوز أن يتلف المال بالتفرق قبل الإشهاد؛ فأين التحصين الذي أمر اللَّه تعالى؟! ومما يدل على تأويلنا في الخبر: ما روي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " الْبَيعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَم يَتَفَرقَا مِنَ بَيعِهِمَا، أَوْ يَكُونُ بَيّنَهُمَا خِيَارٌ "، وما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " الْبَيعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَم يَتَفَرقَا، وَلَا يَحِل لِأَحَدٍ أَنْ يُعَجلَ فِرَاقَهُ خشية أَنْ يَستَقيلَهُ ". وقوله: " يستقيله " يدل على أن ليس له أن يرده إلا بأن يقيله صاحبه؛ ويدل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " مَالَم يَتَفْرقَا مِنْ بَيعِهِمَا " - على أن التفرق هو الفراغ من عقد البيع لا غيره. ومما يدل على أن الخيار ليس بواجب: قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إن البيع عن صفقة أو خيار؛ فكان موافقًا لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول: دل قوله - تعالى -: (لَا تَأكُلُوا. . .) إلى قوله: (تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) - على الإذن في الأكل إذا وجدت التجارة عن تراض من الناس، والتجارة معروفة عند جميع من له عقل، ومعروف أن تفرق
المتعاقدين بعد الفراغ من العقد لم يعرف -فيما هو عند الخلق- تجارة، ولكن التفرق بانقضاء ما له الاجتماع والفراغ منه بما ليس من معاقدة العقلاء الوقوف في مكان بلا حاجة؛ فليس التفرق مما يحتمل أن يظنه حكيم أو سفيه من التجارة، وقد أذن في الأكل، والأكل عبارة عن الأخذ وأكل أنواع المنافع بالباطل؛ فثبت أن قد ملك بالفراغ عن التجارة بغير الرضا، وأيد ذلك قوله: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) والتبايع الذي عليه الإشهاد هو التعاقد، لا التفرق، ومن البعيد أن يكلفوا الإشهاد على التبايع قبل وجوب الواجب من الحق الذي عليه الإشهاد؛ فثبت بذلك وجوب ما جعل البائع بوجوبه دون التفرق؛ وإذن ثبت الذي ذكرنا من أحكام القرآن مع الكفاية بالأمر الذي لا يجوز شذوذ حق لا يسلم عنه بشر عن علم جميع البشر، وكل أهل التبايع به يتعارفون الحق بينهم بالفراغ من العقود، ولا يجوز شذوذ العلم بحق ذلك محله؛ فيكون اتفاق الخلق على الجهل بالاعتقاد في أمر يعرفه الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ثم أئمة الهدى، لا ينتهون عن ذلك، واللَّه أعلم. فإذا لزم ذا الولاء المروي من الخيار: أن كل متبايعين بالخيار ما لم يتفرقا، حمل الخبر على ما فيه بعض العلم بحق القرآن، وما عليه أمر الخلق على اتساع لغير ذلك الوجه، بل لعله بغيره أولى، ثم يخرج على وجوه: على إضمار: حُقَّ على المتبايعين أن يكونا كذلك في حق الجعل، لا في حق العبادة عن واجب؛ دليله رواية عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه عنه - أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " البَيعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَم يتَفْرقَا ". أو لا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه؛ خشية أن يستقيله؛ ثبت أن المعنى بالخيار في حق الجعل لو طلب - كالفسخ في الاستقالة، واللَّه أعلم. والثاني: أن يريد به: ما داما في التبايع؛ دليل ذلك احتمال اللفظ في قوله - سبحانه -: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ)، والإشهاد على التبايع، والتبايع هو فعل اثنين، وقد ثبت منهما مع الفراغ - الإشهاد على التبايع، وهذا أحق بوجوه:
أحدها: حق اللغة أنه اسم التفاعل، وهو اسم لفعلهما؛ فيستحقان ذلك في وقت كونهما فيه: كالتضارب، والتقاتل، ونحو ذلك، وبعد الفراغ التسمية تكون بحق الحكاية دون تحقيق الفعل. والثاني: بما روي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " البَيعَانِ بِالْخِيارِ مَا لَمْ يَتَفَرقَا مِنْ بَيْعِهِمَا، وَبَيْعُهُمَا مَعْرُوفْ "، واللَّه أعلم. والثالث: متفق القول من أهل العقل على رؤية وجوب البيع دون التفرق عن المكان، واللَّه أعلم. والرابع: أن يجعل ذلك الحد لإصلاح البياعات أنهما ما لم يتفرقا يملكان الاصطلاح، وإذا تفرقا لا، وهو أولى؛ إذ قد جعل التفرق التام شرطًا للفساد ومنع الإصلاح، وقد كان في بعض العقود مما يصلح بالقبض؛ فهو على الوجود قبل التفرق، ثم لا يصلح إذا وجد التفرق؛ فمثله مما كان الصلاح بالقول في الإصلاح؛ وعلى ذلك إذا قال أحد للآخر: اختر - انقطع خياره لو كان تفرقا من القول، وليس فيه زيادة على ما في قوله: بعت منك، في حق الإصلاح؛ فثبت أن التفرق لقطع الإصلاح، لا للإصلاح - واللَّه أعلم - قوله: إن للناس عرفًا في التبايع من وجهين: أحدهما: في التعاقد. والثاني: في التقابض؛ فيكون المعنى من الخبر فيما البيع عن تقابض، وهو بيع المداومة إذا ترك كل واحد منهما الآخر يفارقه على ما سلم وقبض كان ذلك بينهما، وجاز ذلك -أيضًا- بحق الآية في الإباحة عن تراض، واسم التجارة قد يقع على تبادل ليس فيه قول البيع؛ كقوله - تعالى -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) وقوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ)، وذلك مع قوله - سبحانه وتعالى -: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ)، وفي ذلك أن البيع الموقوف إذا أجيز يباح الأكل؛ لما كان وقت الأكل قد وجدت التجارة عن تراض، وفي ذلك دليل وجوب خيار الرؤية؛ إذ قد جعل الرضا سببًا، وهو بما يجهل غير محق، وإنَّمَا يعلم بالرؤية. وفيه أنه بالقبض يمضي حق العقد؛ إذ التجارة للأكل، ولا يوصل إليه إلا بالقبض، فإذا فات، فات ما له التجارة؛ فيبطل، واللَّه أعلم. وفي قوله -أيضًا-: " تبايعا " وإن كان اسما لفعل اثنين، فلما يتصل صحة كلام كل
(30)
واحد منهما إذا كان الآخو حاضرا؛ فكأنهما اشتركا في صحته؛ فصارا به متبايعين، نحو قوله: حتى يتفرقا، والتفرق اسم لفعل اثنين، لكن أحدهما إذا فارق مكان البيع والآخر لم يفارقه - فقد وجد حق التفرق من أن ليس أحدهما بجنب الآخر؛ فكأنهما اشتركا في التفرق وإن لم يوجد الفعل من أحدهما، واللَّه أعلم. وقوله - جل وعز -: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) يحتمل وجهين: أي: لا يقتل بعضكم بعضًا؛ فإنه إذا قتل آخر يقتل به؛ فكأنه هو الذي قتل نفسه؛ إذ لولا قتله إياه وإلا لم يقتل به. والثاني: أنه أضاف القتل إلى أنفسهم؛ لأنهم كلهم كنفس واحدة؛ إذ كلهم من جنس واحد، ومن جوهر واحد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) أي: من رحمته: أن جعل لكم فيما بينكم القصاص، وأخذ النفس بالنفس، والمال بالمال، وفي ذلك حياة أنفسكم، وإبقاء أموالكم. ومن رحمته -أيضًا-: أن جعلكم من جوهر واحد؛ إذ كل ذي جوهر يألف بجوهره، ويسكن إليه، واللَّه أعلم. ومن رحمته: أرسل إليكم الرسل، وأنزل عليكم الكتب، وأوضح لكم السبل. ومن رحمته: أن أمهل لكم، وستر عليكم، ودعاكم إلى المتاب. ومن رحمته: دفع عنكم الآفات، وأوسع لكم الرزق، وبالمؤمنين خاصة برحمته اهتدوا، وسلموا عن كل داء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا ... (30) عدوانًا لمجاوزته حدود اللَّه، وظلمًا على صاحبه. والعدوان هو التعدي والمجاوزة عن حدود اللَّه؛ كقوله - تعالى -: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ). ويحتمل قوله: (وظلمًا) على نفسه؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ
(31)
ظَلَمَ نَفْسَهُ)، وقوله - تعالى -: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، وقوله - تعالى -: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ). وهذا الوعيد - واللَّه أعلم - لما يفعل ذلك مستخفا بحدود اللَّه واستحلالا منه لذلك؛ وإلا لو كان ذلك على غير وجه الاستخفاف بها والاستحلال لها - لم يستوجب هذا الوعيد؛ ألا ترى أنه قال - تعالى -: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) ثم قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) إنما جاء هذا في قتلى العمد، ثم أبقى الأخوة فيما بينهما، وأخبر أن ذلك تخفيف منه ورحمة، وفيما كان الفعل منه فعل الاستخفاف والاستحلال لا يجوز أن يكون فيه منه رحمة، ويخلد في النار؛ وعلى ذلك يخرج قوله - تعالى -: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا)، إذا قتله مستحلا له مستخفا بتحريم اللَّه إياه؛ فاستوجب هذا الوعيد، وأما من فعل على غير الاستحلال والاستخفاف بحدوده فالحكم فيه ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله - تعالى، أيضًا -: (عُدْوَانًا وَظُلْمًا) يحتمل: الاستحلال؛ دليله قوله - عز وجل -: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) ثم قال - عز وحل -: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ)، وقال: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) فأبقى الأخوة التي كانت بقوله - عز وجل -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)؛ فثبت أن الأيمان بعدُ باق فأبقى له الرحمة والأخوة، وهاهنا زال؛ لذلك افترقت الآيتان. والثاني: أنه وعد اختلافهم، ولم يذكر الخلود، وجائز تعذيبه في الحكمة والتنازع في الخلود لا غير. والأصل في هذا ونحوه: أنه لم يتنازع أن يكون فعله الذي فيه الوعيد إن كان ثَمَّ خلود، فهو الذي يزيل عنه اسم الإيمان، ويبطل عنه حق فعله، وإنما التنازع في إبقاء اسم الإيمان في لزوم الوعيد؛ فهي فيمن لم يبق له الاسم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ... (31) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: كبائر الشرك؛ لأن كبائر الشرك أنواع، منها: الإشراك باللَّه، ومنها جحود الأنبياء صلى اللَّه عليهم وسلم، ومنها: الجحود ببعض الرسل، عليهم السلام، ومنها: جحود العبادات، واستحلال المحرمات، وتحريم المحللات، وغير ذلك، وكل ذلك
شرك باللَّه. فقيل أراد بالكبائر كبائر الشرك، فإذا اجتنب كبائر الشرك صارت ما دونها موعودا لها المغفرة بالمشيئة بقوله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) وعد المغفرة لما دون الشرك، وقرنها بمشيئته؛ فهو في مشيئة اللَّه - تعالى -: إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، وباللَّه التوفيق. وقيل: أراد بالكبائر كبائر الإسلام. ثم يحتمل وجهين بعد هذا: يحتمل: أن تكون الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر. ويحتمل: أن تكون الصغائر مغفورة بالحسنات؛ ألا ترى أنه قال في آخره: (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)، والتكفير إنما يكون بالحسنات؛ ألا ترى أنه قال: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)، أخبر أن من السيئات ما يذهبها الحسنات. ويحتمل: أن يكون التكفير لها جميعًا وإن لم تجتنب؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ) إلى قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ)، وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)؛ ألا ترى أنه روي عن أنس - رضي اللَّه عنه - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " شَفَاعَتِي نَائِلَة لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتي ". وروي عن عليٍّ أبن أبي طالب، - رضي اللَّه عنه - أنه سمع امرأة تدعو: اللَّهُمَّ
اجعلني من أهل شفاعة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال: " مَهْ! فَقُولي: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الفَائِزِينَ؛ فَإِنَ شَفَاعَةَ مُحَمدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الكَبَائِرِ " ثم قرأ: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ. . .) الآية. ثم اختلف في كيفية الكبائر وماهيتها: فقَالَ بَعْضُهُمْ: ما أوجب الحد فهو كبيرة: من نحو الزنا، والسرقة، والقذف، وغير ذلك. وقال آخرون: الإشراك باللَّه، وقتل النفس التي حرم اللَّه بغير حقها، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقول البهتان، والفرار من الزحف. وروي عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه سئل عن ذلك؛ فقال: " من أول السور إلى هنا من المحرمات، فهو من الكبائر.
وروي أنه قيل لابن عَبَّاسٍ: إن عبد اللَّه بن عمر، يقول: الكبائر تسع. فقال، ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه -: هن إلى التسعين أقرب، ولكن لا كبيرة مع توبة، ولا صغيرة مع إصرار. وروي عن الحسن قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " مَا تَقُولُونَ فِي الزنَا وَالسرِقَةِ وَشُربِ الْخَمْرِ؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: " هُنَّ فَوَاحِشُ، وَفِيهِنَّ عُقُوبَة " ثم قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أَلَا أُنْبَئُكُم بِأكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: " الْإشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ " قال: وكان متكئًا فجلس، ثم قال: " أَلَا وَقَوْلُ الزورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُورِ " قاله ثلاثًا. وقوله - تعالى -: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) ذكر تكفير السيئات إذا اجتنب الكبائر، ولم يذكر الحكم إذا لم يجتنبها؛ فليس فيه أنه إذا لم يجتنب لا يكفر، فهو في مشيئة اللَّه: إن شاء [غفر] (¬1)، وإن شاء عذَّب؛ على ما ذكرنا: أن وجوب الحكم لا يوجب إيجاب ذلك الحكم في حال أخرى، حظرًا كان أو إحلالا، واللَّه أعلم. ¬
(32)
ويقرأ في بعض القراءات: (إن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه) (1) فإن ثبت هذا فهو يدل على التأويل الذي ذكرنا آنفًا: أنه أراد بالكبائر كبائر الشرك، واللَّه أعلم. قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) قيل: الجنة. * * * قوله تعالى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) الآية. قيل: لا يتمنى الرجل مال أخيه، ولا امرأته، ولا داره، ولا شيئا من الذي له؛ ولكن ليقل: اللهُمَّ ارزقني، تذكر النوع الذي رغبت؛ فاللَّه واجد ذلك، وهو الواسع العليم. وقيل: هو كذلك في التوراة. وقيل: إن أم سلمة قالت: يا رسول اللَّه، يغزو الرجال ولا نغزو، ويذكر الرجال ولا نذكر؛ فنزلت الآية: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ) إلى قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ). ويحتمل: أن يكون هذا التمني في الديانة وفي الدنيا: أما في الديانة: هو أن يتمنى أحد أن يكون قدره مثل قدر آخر عند الناس من العلم، والزهد، وغير ذلك؛ فنهي أن يتمنى ذلك؛ إذ لم يبلغ هو ذلك المبلغ إلا باحتمال المكاره
والمشقة والجهد. وفي الدنيوية: هو أن يتمنى مال: أخيه، وزوجته، وخدمه. ويحتمل: أن يكون معنى التمني: ما ذكر في خبر أم سلمة؛ لأن في ذلك الكفران بنعم اللَّه؛ لأن النساء -وإن لم يُجْعَل عليهن القتال وغيره من الخيرات- رفع عنهن بعض المؤُنات؛ ففي التمني الكفرانُ بتلك النعم التي أنعم اللَّه - تعالى - عليهن. وفي قوله -أيضًا-: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ)، أي: الذي فضل اللَّه بعضكم على بعض؛ فهو - واللَّه أعلم - لما فيه السخط بحكمه، يريد الصرف إليه، أو لما فيه أنه إنما قصر فضله على ما رأى وألا يسع فضله له وللذي فضله، ولما النظر إلى ما أكرم به غيره بحق التمني -يلهى عن نعم اللَّه- تعالى عليه، أو لما يخرج ذلك مخرج العداوة، وحق نعم اللَّه على كل أحد - أن يُعرف التعظيم له، وكذلك قيل: فضلت على غيرك؛ لترحمه وتتفضل عليه؛ للتعظيم، والتمني أوخش من الحسد؛ لأن الحسد هو إرادة الصرف عنه، وفي التمني ذلك وإرادة الفضل له به عليه. (وَاسْأَلُوا اللَّهَ) - سبحانه وتعالى - (مِنْ فَضْلِهِ)، وكان فضله في الحقيقة هو ما له ألا يبذل، وذلك يخرج على فضل في الدِّين، أو فضل في الخلق والمروءة، فأما فيما يرجع إلى نعم الدنيا مما لا يسثعمله في أحد ذينك الوجهين - فهو في الظاهر نعمة، وفي الحقيقة بلية ومحنة؛ قال اللَّه - سبحانه وتعالى -: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ)، الآية، وقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ. . .). وجائز أن تكون الآية في النهي، مع ما مكنوا من النعم ووفقوا للخيرات: فإن كان لما وفقوا للخيرات - فحق ذلك أن يشكر لله؛ بما أكرم به من حسنات، ويرغب في التوفيق لمثله. وإن كان في أمر النعم - فحقه أن يعينه بالدعاء؛ لتكون النعمة له نعمة، لا بلية
(33)
ونقمة، وترغب فيما يقربك إلى اللَّه في عاقبة. وقد ذكرنا أن أم سلمة تمنت بعض ما يقوم به الرجال من العبادات: نحو الجهاد وأشكاله؛ فنزل النهي عن ذلك، والترغيب في فضله في نوع ما تحتمل هي من الخيرات، دون الذي يفضل عليهن بالرفع عنهن، واللَّه أعلم. وفي قوله -أيضًا-: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ. . .) الآية - يحتمل أن يكون على ما خاطب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بقوله - تعالى -: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ. . .)، الآية؛ فأخبر أن الذي أُعطي - لم يعط للكرامة؛ ولكن ليفتنهم به، والعقل يأبى الرغبة فيما يفتن به دون ما يكرم به، ثم بيَّن الذي هو أولى بالمشتهي من التمني، فقال: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا) فرغب فيما له، وأمر بالسؤال من فضله؛ إذ لا يكون كسبه له إلا بفضله: كقوله - سبحانه وتعالى -: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا)، ثم قال اللَّه - عز وجل -: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا)، [فبين أن كسبه عليه إلا بفضل الله]، وبين أن الأولى به الإقبال على ما له عاقبته، والتضرع إلى اللَّه - تعالى - بالإكرام دون الذي عليه في ذلك؛ خوف المقت، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) مِثْلَهُ؛ فإن فضله واسع، ولا يتمنى مال أخيه وداره. أو اسألوا اللَّه - تعالى - العبادة، ولا تتمن ألا يكون لأخيك ذلك، ويكون لك، ثم أخبر أن ما يكون للرجال إنما يكون بالاكتساب، وما يكون للنساء يكون بالاكتساب، يكون لكل ما اكتسب من الأجر وغيره. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ (33) احتمل هذا - واللَّه أعلم - أن يكون معطوفًا، مردودًا إلى قوله - سبحانه وتعالى -: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ) الآية، ذكر - هاهنا - ما يرث الرجال والنساء من الوالدين والأقربين، ولم يذكر ما يرث الوالدان من الأولاد والأقربون بعضهم من بعض: من نحو العم، وابن العم، وغيرهم من القرابات؛ فذكر - هاهنا - ليعلم أن للمولى من الميراث مما ترك الوالدان والأقربون ما لأُولَئِكَ من الوالدين والأقربين إذا لم يكن أُولَئِكَ أن جعل لهَؤُلَاءِ ما جعل لأُولَئِكَ، ولم يذكر -أيضًا- ما للوالدين من
الأولاد في قوله: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ. . .) الآية، ولكن ذكر في آية الوصية في قوله - تعالى -: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ)، ذكر الوصية للوالدين والأقربين؛ ولم يذكر للأولاد - واللَّه أعلم - أن الرجل قد يؤثر ولده على نفسه، وعلى غيرهم من الأقرباء، ولا كذلك الولد للوالد؛ فذكر الوصية للوالدين والأقربين لهذا المعنى؛ ليصل إليهم المعروف، وأمّا الأولاد فإنهم لا يؤثرون عليهم غيرهم؛ لذلك لم يذكرهم، واللَّه أعلم. وقيل في قوله: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا) أي: بينا، فيكون فيها بيان ما في الأولى من المواريث. ثم قيل في الموالي: إنهم هم العصبة، وقيل: هم أولياء الأب، أو الأخ، أو ابن الأخ، وغيرهم من العصبة. وقيل: هي الورثة، وهو قول ابن عَبَّاسٍ، وكله واحد. وروي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أَنا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ، مَنْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالاً فَمَالُهُ لَمَوالي العَصَبَةِ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً أَوْ ضيَاعًا فَأَنا وَليُّهُ؛ فَلَا دُعَاءَ لَهُ ". وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أَلْحِقُوا المَالَ بِالْفَرَائِضِ،
فَمَا أبْقَتِ السهَامُ فَلأِوْلَى رَجُل ذَكَرٍ ". وعن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: سمعت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: " مَا أَحْرَزَ الوَالِدُ أَوْ الَوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ ". وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كتب: إذا كانت العصبة بعضهم أقرب بأم - فهم أحق بالمال. وأجمع أهل العلم على أن أهل السهام إذا استوفوا سهامهم وبقي من المال شيء - أنه لعصبة الميت، وهم الرجال من قرابته من قبل أبيه ومواليه، وأنه لا يكون أحد من النساء عصبة إلا الأخوات من الأب والأم، أو من الأب مع البنات، والمرأة المعتقة؛ فإن هاتين عصبة، وأجمعوا أن كل من اتصلت قرابته من قبل النساء بالميت فليس بعصبة، وأن المرأة إذا أعتقت عبدًا أو أمة فإنها عصبة المعتق بعد موت أمه، إلا ابن مسعود - رضي الله عنه - فإنه يجعل لذوي الأرحام دون الموالي. وأجمعوا أنه إذا اجتمع عصبتان فأقربهما أولى، وأقرب العصبة الابن، ثم ابن الابن وإن سفل، ثم الأب، ثم الجد وإن علا، والأخ من الأب والأم، ثم الأخ من الأب، ثم ابن الأخ من الأب والأم، ثم ابن الأخ من الأب، ثم العم من الأب والأم، ثم العم من الأب، ثم ابن العم من الأب والأم، ثم ابن العم من الأب، ثم مولى النعمة، ثم ابن مولى النعمة وإن سفل، فهَؤُلَاءِ كلهم عصبة الميت، وأقربهم أولاهم بما فضل من المال عن أصحاب السهام المذكور سهامهم، هو - واللَّه أعلم - موافق لما ذكرنا من دليل الآية والسنة، وما تواتر من الروايات عن الصحابة، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين. وفي قوله: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ)، يحتمل: ولكل من
الموالي جعلنا؛ على إضمار " نصيب " أو " حق " فيما ترك الوالدان والأقربون؛ فيكون تأويله قوله: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ)، فيكونون هم مواليه بحق الميراث على تأويل أنهم أولى بما تركوا، وعلى مثله قوله: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا)، ووليه من يلحقه في ملكه؛ يفسره قوله - تعالى -: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ)، وجميع آيات المواريث، إلا أنه لم يذكر للوالدين في هذه الجملة ولا للزوجين، ولا يدخلون في اسم القرابة، ولا في اسم الأولاد وقد جاء بالإيجاب لهم الكتاب وأجمعت عليه الأمة على غير دعوى النسخ فيه من أحد؛ ليعلم أن التخصيص بالذكر فالحق لا يقطع حق غير، لكنه يكون الأمر موقوفًا على وجود دليله، واللَّه أعلم. على أن في الإيجاب للأقربين وللموالي كفاية عن ذكر من ذكر؛ إذ بهم تكون كل القرابة، وبالتناكح يكون النسل، وهو المجعول لذلك، وكذلك لا يسقط حق هَؤُلَاءِ بحال ولا يحجبون عن الكل بأحد، وقد جرى ذكر حقهم فيما نسخته هذه الآية من الوصية، واللَّه أعلم. ويحتمل قوله - تعالى -: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) مَنْ يرجع الموالى إلى الذين ورثوه من تركة الأبوين والأقربين يجيز أن قد تجري المواريث فيما قد ورث نحو ما تجري فيما لم يكن ورث مرة؛ فرجع ذا إلى غير أولاد الأول وأقرباء الأول، أو أن يكون المقصود فيما ترك الوالدان والأقربون بما ذكر في أيهم نصيبًا مفروضًا أن يكون هذا فيما ترك الوالدان والأقربون مع أصحاب الفرائض؛ فتكون هذه الآية في بيان حق العصبات؛ إذ لم يذكر لهم دون أن يكون معهم أصحاب الفرائض يرثون بحق السهام، لا بحق الفضول؛ فتكون عمل الآيات في المواريث ثلاث: أحدها: في أصحاب الفرائض، وهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا). والثاني: حق في العصبات، وهو قوله - تعالى -: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ. . .) الآية. والثالث: في حق ذوي الأرحام، وهو قوله: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ. . .)
ثم ألحق بهَؤُلَاءِ في حجاب الأبعدين - أهلَ العقد بقوله - عز وجل -: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) وإنما ذكر ذلك فيما يترك الميت، ولا وجه للعون والرفد منه أو النصر، مع ما ذكر نصيبهم في التركة، كما ذكر لأصحاب الفرائض، وعلى ذلك المرفوع لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيمن أسلم على يدي آخر أنه أحق الناس محياه ومماته، وكذلك روي عن عمر وعلي وعبد اللَّه مع ما كانت المواريث بهذا من قبل، فنسخ بقوله - تعالى -: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)، فإذا ارتفع ذلك ذهب التناسخ فوجب لهم؛ إذ بيت المال يرث بولاية الإيمان جملة، ولهذا تلك الولاية وولاية أخرى؛ فهو أحق، واللَّه أعلم. ويخلف هَؤُلَاءِ من له رحم كما خلف ولاء العتاقة بما تقدم من النعمة بالإعتاق - حق العصبة من ذي النسب بقوله - عليه السلام -: " الولاء لحمة كلحمة النسب ". قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ). قيل: هو من الأيمان كان حلفٌ في الجاهلية يقول الرجل لآخر: ترثني وأرثك، وتعقل عني وأعقل عنك، وتنصرني وأنصرك. ويتحالفان على ذلك. وقد قرئ بالألف " عاقدت " فهو من المحالفة. ثم روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لَا حِلْفَ فِي الإسْلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ حَلَفٍ فِي الجَاهِليةِ لمْ يَزِدهُ الإسْلَامُ إِلَّا شِدةٌ "
وقيل: هو من ضرب اليمين في اليمين، وهو المبايعة؛ كان الرجل يعاقد الرجل ويبايعه في الجاهلية، فيموت؛ فيرثه. وقيل: إن أبا بكر - رضي اللَّه عنه - عاقد رجلا، فمات؛ فورثه؛ ولذلك خص المماليك بالذكر بهذا من قوله - تعالى -: (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) لأنهم يشترون للخدمة، والمرء إذا خدم نفسه إنما يخدمها بيمينه، فإذا كان تأويل الآية ما ذكروا، فهو منسوخ بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) وبما روينا من الخبر من قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لَا حِلْفَ فِي الإسْلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ حَلَفٍ فِي الجَاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة " ويحتمل أن تكون الآية فيمن أسلم على يدي آخر ووالاه؛ على ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الكُفْرِ عَلَى يَدَي رَجُلٍ مِنَ الْمُسلِمِينَ فَهُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ مَحْيَاهُ وَمَمَاتَهُ ". وروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رجلا سأل عن رجل أسلم على يد رجل ويواليه؟ قال: هو مولاه؛ فإن أبى فلبيت المال. وروي عن مسروق قال: أتيت عبد اللَّه فقلت: إن رجلا كان عاملا علينا فخرج إلى الجبل، فمات، وترك ثلاثمائة درهم؟ فقال عبد اللَّه: هل ترك وارثًا أو لأحد منكم عليه عقد ولاء؟ قلت: لا؛ فجعل ماله لبيت المال. وكذا يقول أصحابنا - رحمهم اللَّه -: من مات وترك وارثًا فماله لوارثه، وإن لم يكن له وارث فللذي أسلم على يديه ووالاه؛ لما روينا من الخبر: " هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ مَحْيَاهُ وَمَمَاتَهُ "، وقوله: " محياه " في العقل، و " مماته " في الميراث، وما روينا عن الصحابة، رضوان اللَّه عليهم أجمعين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) قيل: هي الوصية إلى
(34)
تمام الثلث؛ لأن الميراث قد نسخ بالآية التي في الأحزاب بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) ثم قال: (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا)، فهي الوصية إلى تمام الثلث؛ فإذا كانت الآية في الذي أسلم على يديه ووالاه وعاقده فهو ليس بمنسوخ. وقيل: (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) من النصر والمعونة والمشورة، ولا ميراث. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) بما ذكر من الشرط والوفاء به، وباللَّه التوفيق. * * * قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) قال أهل التأويل: الآية نزلت في الأزواج؛ دليله قوله - تعالى -: (وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) والأزواج هم المأخوذون بنفقة أزواجهم، وفيه دليل وجوب نفقة المرأة على زوجها، وعلى ذلك إجماع أهل العلم. وقال بعض أهل العلم في قوله - تعالى -: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) - دليل ألا يجوز النكاح إلا بالولي، حيث أخبر أنهم القوامون عليهن دونهن. قيل له: إن كانت الآية في الأزواج وفي الأولياء على ما ذكرت ففيه دليل جواز النكاح بغير ولي لا بطلانه، وذلك قوله - تعالى -: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أخبر أنه فضل بعضهم على بعض، وذلك التفضيل تفضيل خلقة، وهو أن جعل الرجال من أهل المكاسب والتجارات، والقيام بأنواع الحرف، والتقلب في البلدان والمدائن، والنساء ليس كذلك؛ بل جعلهن ضعفاء عاجزات عن القيام بالمكاسب والحرف والتقلب في حاجاتهن؛ فالرجال هم القوامون عليهن. وَالُونَ أمورهن، وقاضون حوائجهن، قائمون على ذلك، ففرض على الرجال القيام بمصالحهن كما ذكرنا مع ما فرض ذلك على الرجال، يجوز إذا ولين بأنفسهن وقمن بحوائجهن من البياعات، والأشرية، وغير ذلك؛ فعلى ذلك النكاح، وإن كان الرجال هم القوَّام عليهن، فإنهن إذا ولين ذلك بأنفسهن وقمن - جاز ذلك كما جاز غيره، وكذا ما أمر الأولياء بالتزويج في قوله - تعالى -: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ. . .) الآية، ونهاهم عن العضل عن النكاح بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ. . .) الآية؛ لأن ذلك حق عليهم أن يفعلوا حتى يلين ذلك بأنفسهن؛ إذ لا بد من حضور مشهد الرجال ومجلسهم ليشهدوا على ذلك، فذلك على الأولياء القيام به. وكهذا ما جعل نفقتهن إذا لم يكن لهن مال على محارمهن؛ لأنهن لا يقمن بالمكاسب وأنواع الحرف والتجارات، والرجال يقومون، فجعل مؤنتهن عليهم؛ لضعفهن وعجزهن عن القيام بالمكاسب خلقة؛ ولهذا ما لم يجعل للذكور من المحارم بعضهم
على بعض النفقة؛ لما يقومون بالمكاسب؛ فإذا صار زَمِنًا وعجز عن المكاسب جعل نفقته على محارمه؛ لأنه صار في الخلقة كالمرأة، واللَّه أعلم. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) قال: أمراء عليهن أن تطيعه فيما أمر اللَّه به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهلها، حافظة لماله، وفضله عليها بنفقته وسعته. وقيل: نزلت الآية في رجل لطم امرأته لطمة في وجهها؛ فنشزت عن فراش زوجها، واستعدت إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقالت: يا رسول اللَّه، لطمني زوجي فلان لطمة، وهذا أثر يده في وجهي؛ فقال لها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " اقْتَصِّي مِنْهُ "، وكان القصاص بينهم يومئذٍ بين الرجال والنساء في اللطمة والشجة والضربة، ثم أبصر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - جبريل - عليه السلام - ينزل؛ فقال لها: " كُفي حَتى أَنْظُرَ مَا جَاءَ بِهِ جِبرِيْلُ فِي أَمْرِكِ "، فأتاه بهذه الآية: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي: المسلّطون على آداب النساء في الحق. وقيل: تفضيلهم عليهن بالعقل والميراث، وفي الفيء، واللَّه أعلم. ثم قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أَرَدْنَا أَمْرًا وَأَرَادَ اللهُ أَمْرًا، وَالذِي أَرَادَ اللهُ خَيرٌ مِمَّا أَرَدْنَا ". وقيل في قوله - تعالى -: (وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ): بما ساقوا من المهر
والنفقة. استدل الشافعي - رحمه اللَّه - بقوله - تعالى -:، (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ. . .) الآية، على أن النكاح لا يجوز إلا بالولي، فصرف تأويل الآية إليهم، وفيها: (وَبِمَا أَنفَقُوا) فيلزم الأولياء النفقة، وهو لا يقول به. وبعد: فإن الآية لو كانت في الأولياء فهو في كل أمر لهن إليهم حاجة؛ فيخرج ذلك مخرج الحق لهن في أن يتولوا لهن العقود كلها، ويقوموا في كفايتهن وكفالتهن، لا أنهن لو قمن بأنفسهن يبطل فعلهن؛ فمثله أمر النكاح. وأهل التأويل يحملون الآية على الأزواج، ومن تدبر الآية علم أنها فيما قال أهل التأويل دون الذي ذهب إليه الشافعي، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ). عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (قَانِتَاتٌ) يعني: مطيعات، والقانت: هو المطيع. ويحتمل: مطيعات لله تعالى: ويحتمل: مطيعات للأزواج. ويحتمل: (قَانِتَاتٌ) أي: قائمات بأداء ما فرض اللَّه عليهن من حقوقه وحقوق أز وا جهن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ). قيل: حافظات لما استودعهن اللَّه من حقه، وحافظات للغيب لغيب أزواجهن. وقيل: حافظات لأنفسهن -لغيبة أزواجهن- في فروجهن. ويحتمل: (حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ) أي: لله في أموره ونواهيه، والقيام بحقوقه، وقانتات
وحافظات هو تفسير صالحات. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) اختلف في تلاوته وتأويله؛ في حرف بعضهم بالنصب (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) وتأويله: بحفظ اللَّه، لكنه نصب لسقوط حرف الخفض، ومن رفعه جعل تأويله: بما استحفظهن اللَّه تعالى، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ). قال بعض أهل الأدب: سمي العلم خوفًا؛ لأنه اضطر في العلم. وقال آخر -وهو الفراء-: الخائف: الظان؛ لأنه يرجو ويخاف. وأما الأصل في أنه سمي العلم خوفا؛ لغلبة شدة الخوف؛ فيعمل عمل العلم بالشيء على غير حقيقته؛ لأنه يعرف بالاجتهاد، وبأكثر الرأي والظن، وهكذا كل ما كان سبيل معرفته الاجتهاد - فإن غالب الظن وأكبر الرأي يعمل عمل اليقين في الحكم ديان لم يكن هنالك حقيقة؛ ألا ترى إلى قوله تعالى -: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)، وألزمنا العمل بظاهر علمنا وإن لم نصل إلى حقيقة إيمانهن؛ فعلى ذلك إذا علم منها النشوز علم أكثر الظن وأغلبه يعمل عمل الذي ذكر في الآية من العظة وغيرها؛ لأن قوله - تعالى -: (تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) ليس على وجود النشوز منها للحال حقيقة؛ ولكن على غالب الظن؛ لأنها إذا كانت ناشزة كيف يعظها؛ وكيف يهجرها ويضربها؛ فدل أنه على غالب العلم؛ أولا ترى أنه من أكره على أن ينطق بكلام الكفر بقتل أو ضرب يخاف منه التلف - كان في حل وسعة أن ينطق به بعد أن يكون قلبه مطمئنا بالإيمان، وذلك إنما يعلم علم غالب الظن، وأكبر الرأي لا يعلم علم حقيقة، ثم أبيح له أن يعمل عمل حقيقة العلم؛ فكذلك الأول - واللَّه أعلم - نهى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - المرأة عن عصيان زوجها، وأمرها بطاعته في نفسها، كما أمره أن يحسن عشرتها، وهذا هو - والله أعلم - هو الحق الذي ذكره اللَّه - تعالى - في سورة البقرة مجملا بقوله - تعالى -: (وَلَهُنَّ .
مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وفسر الحق عليهن في هذه السورة وهو أن تطيعه في نفسها، وتحفظ غيبته؛ ألا ترى أنه قال - تعالى -: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا). وروي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " حَق الزوجِ عَلَى امْرَأَتِهِ إنْ دَعَاهَا وَهِي عَلَى قَتَبٍ أَنْ تُطِيعَهُ ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَعِظُوهُنَّ) عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: عظوهن بكتاب اللَّه (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ) أي رجعن إلى الفراش والطاعة، وإلا فاهجروهن، والهجران ألا يجامعها، ولا يضاجعها على فراشه، ويوليها الظهر، فإن قبلت وإلا فقد أذن اللَّه لك أن تضربها ضربًا غير مبرِّح، ولا تكسر لها عظمًا، فإن قبلت وإلا فقد حل لك منها الفداء. ويحتمل قوله - تعالى -: (فَعِظُوهُنَّ): يقول لها: كوني من الصالحات، ومن القانتات، ومن الحافظاتْ، ولا تكوني من كذا، على الرفق واللين؛ فإن هي تركت ذلك وإلا فاهجرها، والهجران يحتمل وجهين: يحتمل التخويف على الاعتزال منها، وترك المضاجعة والجماع. ويحتمل: أن يهجرها ولا يجامعها، لا على التخويف من ترك ذلك؛ فإن هي تركت ذلك وإلا ضربها عند ذلك الضرب الذي ذكرنا غير مبرِّح، ولا شائن، واللَّه أعلم. على الترتيب: يعظها أولا بما ذكرنا من الرفق بها واللين لعلها تطيعه وتترك ذلك، ثم إذا لم تطعه خوفها بالهجران؛ فلعل قلبها لا يحتمل الهجران وترك المضاجعة؛ فتطيعه؛ فإن هي أبت ذلك حينئذ هجرها، ولم يجامعها ولا يضاجعها؛ فإن هي أطاعته وإلا عند ذلك ضربها؛ فإن هي أطاعته وإلا فعند ذلك يرفعان إلى الحاكم، وهذا يجب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: يعظه على الرفق واللين أولا، ولا يغلظه في القول؛ فإن هو قبل ذلك وإلا عند ذلك غلظ القول به؛ فإن قبل ذلك وإلا بسط يده فيه على ما أمر اللَّه - سبحانه وتعالى - الأزواج أن تعامل النساء من العظة، ثم الهجران، ثم الضرب، ثم الرفع إلى الحكمين.
وروي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللهِ "؛ فترك الناس ضربهن، فجاء عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقال: واللَّه لقد دبر النساء يا رسول اللَّه؛ فأمر بضربهن، قال: فأطاف بآل مُحَمَّد النساء كثيرًا يشتكين أزواجهن، فلما أصبح رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " لَقَدْ أَطَافَ الليلَةَ بآلِ مُحَمدٍ سَبعُونَ امْرَأَةً يَشْتَكِينَ الضربَ، واللهَ مَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خَيَارَكُمْ "، وقال: " خَيرُكُم خَيرُكُم لِأَهْلِهِ، وَأنا خَيرُكُم لِأَهْلي " وقال: " أَحْسَنُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَأَلْطَفُهُمْ بِأهْلِهِ ". قال: والموعظة كلام يلين القلوب القاسية، ويرغب الطبائع النافرة؛ فيكون ذلك تذكير عواقب الأمور ومبادئ الأحوال، واللَّه أعلم. وعلى ذلك يعظها زوجها بأن يذكرها نعم الربِّ - جل جلاله - وما جعل من الحق عليها، وما وعد في ذلك وأوعد.
ففي هذه الآيات دلالة لزوم الاجتهاد وتكليف ما لا يوصل إلى معرفة المكلف به إلا بالتدبر والعرض على الأمور المعتادة أو الأسباب المعقولة في جعلها أسبابًا للمصلحة، وسبلا للوقوف على ما في أصول تلك النوازل من الحكمة، ولا قوة إلا باللَّه. ثم جعل تأديبهن إلى الأزواج، لا إلى الأئمة؛ إذ عقوبة الأئمة تكون بالضرب أو الحبس وما يلحقها من المكروه فيما له أمر بالتأديب مع ما في ذلك من الستر، ويكون الغالب منه ما لا يجد لسبيل الإظهار عند الحاكم، ويكون في أوقات تضيق عن احتمال ذلك، ويكون ذلك أصلا لتأديب كل كافلِ أحدٍ من الأيتام والصغائر، وغير ذلك، والله أعلم. والأصل: أن اللَّه - تعالى - قال: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)، فجعل التأديب من الوجه الذي فيه حفظ المجعول لنا - آية، ورعاية ما جعل بينهم من المودة والرحمة، والمنازعات والخصومات إلى الحكام يقطع تلك؛ فجعل لهم من ذلك قدر ما لا يقطع مثله من التأديب المعنى المجعول بينهم؛ ولذلك لم تأذن بالضرب المبرح، ولا أذن إلا عند انقطاع الحيل التي جعلت للألفة والمحبة، على أن في خفيف ذلك إظهار الإشفاق على ما اعترض من خوف انقطاع المودة والرحمة، وإبداء العتاب الذي هو آية النصح والرحمة؛ إذ ذلك مما يخاف في ترك ذلك تمام ما قد افتتح من السر والشفقة، واللَّه أعلم. وقيل في قوله - تعالى -: (وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ): بما ساقوا من المهر والنفقة. وقوله - تعالى -: (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ)
يحتمل وجهين: أحدهما: أن يهجرها في حال مضاجعته إياها في ألا يكلمها، لا أن يترك مضاجعتها؛ إذ المضاجعة حق بينهما عليه في تركها ما عليها، لا يؤذيها بما يضر حقه ونفسه، والله أعلم. ويحتمل قوله: أي اهجروهن عن المضاجع ومضاجعة أخرى في حقها؛ فيكون حقها عليه في حال الموافقة وحفظ حدود اللَّه بينهما، لا في حال التضييع، واللَّه أعلم. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: يهجرها في ألا يجامعها، ولا يضاجعها على فراشه، ويوليها الظهر، لكنه على هذا يشتركان في التأديب؛ لأنه به يؤدب نفسه في ذلك إلى حاجته، لكن المعنى من ذلك ألا يجامعها لوقت علمه بشهوتها وحاجتها، وإنما ينظر شهوته دونها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) إن أطعنكم، أي: لا تطلبوا عليهن عللا. وقيل: لا تكلفوهن الحبَّ، وإنما جعل اللَّه الموعظة والهجران والضرر في المضاجع. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: فإن أطاعته فلا سبيل له عليها. ثم الضرب هو ما ذكرنا أنه يضربها ضربًا غير مبرح، وهو ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " عَلِّقْ سَوْطَكَ - أَوْ ضَعْ حَيثُ يَرَاهُ أَهْلُكَ، وَلَا تَضْرِبْهَا بِهِ "، قيل: وبم نضرب؟ قال: بنعليك ضربًا غير مبرح، يعني: غير مؤثر ولا شائن.
(35)
ويروى في خبر آخر: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنكُم أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَإِنَّ لَكُم عَلَيهِنَّ أَلَّا يُوطِئْنَ فِرَاشَكُم أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ؛ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَربًا غَيرَ مُبَرِّح، وَلَهُنَّ عَلَيكُم رِزْقُهُن وَكُسوَتُهُن بِالْمَعْرُوفِ ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) هذا - واللَّه أعلم - تذكير من اللَّه عباده، وأمر منه إياهم: أنه مع علوه وسلطانه وعظمته وجلاله وقدرته، لا يؤاخذنا بأول عصيان نعصيه، ولا بأول عثرة نعثرها، مع قدرته على الأخذ على ذلك وإهلاكه إياهم، فأنتم لا تؤاخذوهن -أيضًا- بأول معصية يعصين فيكم، واللَّه أعلم. ويحتمل: ذكر هذه الآية وهو كذلك؛ ليذكر علوه وكبره؛ فيحفظ حده فيما جعل له من التأديب، ويذكر قدرته عليه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا (35)
كأن هذه المخاطبة - واللَّه أعلم - لغير الأزواج؛ لأنه قال: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) ولو كانت المخاطبة في ذلك للأزواج، لقال: فإن " خافا شقاق بينهما "، أو " إن خفتم شقاق بينكم ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ) الآية، خاطب بذلك الأزواج؛ لأنه قال: (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) وذلك إلى الزوج؛ إذ للزوج إذا خاف نشوز امرأته أن يعظها أولا، فإن قبلت وإلا فبعد ذلك هجرها، ثم يضربها إن لم تقبل ذلك؛ فإن لم ينفع ذلك كله فبعد ذلك رفع الأمر إلى الحاكم أو الإمام فوجه الحكمين. وروي نحو ذلك عن عليٍّ بن أبي طالب - رضي اللَّه عنه - قال: يُبعَثُ الحكمان: حكمٌ من أهله وحكمٌ من أهلها، فيقول الحكم من أهلها: يا فلان، ما تنقم من زوجتك؟ فإذا قال: أنقم منها كذا وكذا، يقول: أرأيت إن نزعت عما تكره إلى ما تحب هل أنت تتقي اللَّه وتعاشرها بما يحق عليك من نفقتها وكسوتها؟ فإذا قال: نعم، قال الحكم من أهله: يا فلانة، ما تنقمين من زوجك؟ فإذا قالت: أنقم منه كذا وكذا، فيقول: مثل ذلك؛ فإن قالت: نعم، جمع اللَّه بينهما بالحكمين، بهما يجمع اللَّه، وبهما يفرق. ثم اختلف في الحكمين: هل يفرقان بينهما؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: يفرقان بينهما إن شاءا، وإن شاءا جمعاهما. وروي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين، فقيل لنا: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما. وأما عندنا: فإنهما لا يفرقان إلا برضا الزوجين؛ دليلنا ما روي أن رجلا وامرأته أتيا عليًّا - رضي اللَّه عنه - مع كل واحد منهما فئام من الناس؛ فقال علي - رضي الله عنه - ما شأن هذين؟ قالوا: بينهما شقاق، قال علي - رضي اللَّه عنه -: ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، إن يريدا إصلاحًا يوفق اللَّه بينهما، فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هل تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا
فرقتما، قالت المرأة: رضيت بكتاب اللَّه، قال الرجل: أما الفرقة فلا؛ فقال على - رضي اللَّه عنه -: كذبت، واللَّه لا تنفلت مني حتى تقر كما أقرت. أخبر علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن فرقة الحكمين إنما تجب برضا الزوجين، فلو كانت فرقتهما تجوز بغير رضا الزوجين - لم ينظر إلى سخط الزوج في الفرقة، ولقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - للحكمين: فرقا إن رأيتما ذلك، كره الزوج أو رضي. وفي قوله -أيضًا- (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) أي: علمتم؛ إذ حق ذلك أن يجتهد في الحال بينهما فيعلم على الغالب، وللغالب حق العلم في الأعمال، وحق الريب في الشهادة، فذكر باسم الخوف على ما فيه من علم العمل، على أن في ظاهر الآية التفرق في المنزل حتى يبعث عن أهل كل واحد منهما ولو كانا في منزل واحد، فحقه أن يجمع بين الحكمين، لا أن يبعثا بذلك؛ يدل على ظهور الخلاف والشقاق، واللَّه أعلم. قال: وأمر الحكمين بالإصلاح بين الزوجين، وهو الأمر الذي أمر بين جميع المؤمنين من قوله: (وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ)، وقوله: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ)، الآية، وقوله: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ) الآية، وذلك في حق التأليف وما به تمام الأخوة بقوله: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)، لا بما يضر به أهله، ويوجب التفريق بينهم والتباغض، وعلى ذلك أمر الحكمين في النكاح، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا): هما الحكمان. وعن مجاهد مثله. وقال آخرون: قوله: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا): هما الزوجان. وفي الآية دليل على أنه ليس للحكمين أن يفرقا؛ لأن اللَّه - تعالى - قال: (إِنْ يُرِيدَا
إِصْلَاحًا) وليس فيها دليل أن فرقتهما جائزة بشيء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ). يدل على أن الخلع إليهما دون الحكمين، وكان الحكمين يُوَجَّهَانِ؛ ليعرف مَنِ الظالم من الزوجين؟ يُستَظْهَرُ بهما على الظالم؛ لأن كل واحد منهما إذا شكى بين الناس من صاحبه - لا يعرف الظالم منهما من غير الظالم، فإن كان الزوج هو الظالم أُخِذَ على يده، وقيل: لا يحل لك أن تفعل هذا لتختلع منك، وأُمِرَ بالإنفاق عليها، وإن كانت هي الظالمة وكانت في غير منزله ناشزة - لم يؤمر بالإنفاق عليها، وقيل له: قد حلت الفدية، وكان في أخذها معذورًا بما ظهر للحكمين من نشوز المرأة، واللَّه الموفق. وفي قوله -أيضًا-: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا) لا يخلو من أمرين: إما أن يريد به الزوجين، أو الحكمين. ثم الإصلاح يكون مرة بالجمع، ومرة بالتفريق؛ فعلى الجمع تأويل التوفيق: الجمع بينهما، وعلى إرادة التفريق تأويله: التوفيق للإصلاح، وعلى التوفيق للإصلاح يدخل فيه الأمران، وفي ذلك أن الفرقة والاجتماع إليهما؛ إذ عليهما إرادة الإصلاح، وانصرف معنى الآية إلى الزوجين، وأيد ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا. . .)، إلى قوله: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا. . .) الآية. ثم قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ. . .) الآية. فعلى ما ظهر منه النشوز صرف أمر التفرق إلى الزوجين، وكذلك قوله - تعالى -: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ. . .) إلى قوله - تعالى -: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)، فاشركهما في الابتداء الذي به الفراق، أو يريد به الحكمين؛ فيكون ذلك على الترغيب في طلب الإصلاح بينهما، وعلى إيثار العدل والصواب؛ كقوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. . .)، وقوله - تعالى -: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ. . .) الآية، فإذا أرادا الإصلاح يوفق اللَّه بينهما، له
وجهان: أي: بين الزوجين ببركة قيام الحكمين للَّهِ وابتغائهما الصلاح بينهما؛ فيوفق الزوجين لما له النكاح من: السكن، والرحمة، والمودة، والعفة. ويحتمل: (يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا): بين الحكمين في إصابة ما أرادا من الإصلاح. ثم العلم بإرادتهما الإصلاح لا يعلمه إلا اللَّه؛ فلا يحتمل أن يوجب لهما في الحكم التفريق، والذي جوابه وعد التوفيق لم يبين، فلذلك لم يكن لهما حق التفريق، إنما إليهما إعلام ما اتفقا عليه، ثم هما عملا لهما وعليهما، فيكون لهما الرضا بما رأيا وغير الرضا، وأصله وجهان: أحدهما: أنه استوجبا القيام بالتولية والتراضي من الزوجين أو بمن يخاف الشقاق بينهما: فإن قاما ببعث الناس، فقاما ببعث من لا يملك الفراق، فلا يستوجبان بهم ذلك، وإن قاما ببعث الزوجين فرضاؤهما بعثهما في ذلك لم يكن لهما غير الذي كان فيه الرضاء عليهما، واللَّه أعلم. والثاني: أنهما بعثا للعلم بالسبب الذي حملهما على الشقاق، ولعل السبب منهما؛ فلا يحتمل أن يلزمانه الطلاق بلا ذنب منه، فَيُمَكَّنُ به كل امرأة تريد مفارقة الزوج وإغرامه المهر، وإذا لم يحتمل ذلك لم يحتمل أن يكون لهما حق التفريق بهذا البعث مع ما بعثا لدفع الشقاق الهائج بينهما والرد إلى الصلاح الذي له كان النكاح، على أنه يمكن الأخذ على يدي الظالم منهما، والقهر على العود إلى ما فيه الصلاح بالتأديب - لم يجز أن يلزما الفراق وإن كرهاه، واللَّه أعلم. ثم الأصل: أنهما بالغان لا يلزمان النكاح إذا كرها ورأي القوم الصلاح إلى التناكح، على احتمال وجود الولايات في الأنكحة كانا ألا يلزما الطلاق إذا كرها على امتناعه عن وجوب الولايات به لغير الزوجين - أحرى، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) مَنْ الظَالِمُ منهما؟ ومَنِ المظلومُ؟
(36)
وقيل: (عَلِيمًا خَبِيرًا) بنصيحتهما لهما، عليمًا بما أَسَرتِ المرأة إلى حكمها، والزوج إلى حكمه، خبيرًا بما اطلع كل واحد من الحكمين من صاحبه على ما أفشى به إليه أصدقه أم لم يصدقه؟ واللَّه أعلم. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " فأتوا حكمة من أهله وحكمة من أهلها ". * * * قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ) قيل: وَحِّدُوا اللَّه. وقيل: أطيعوا اللَّه. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) يحتمل: النهي عن الإشراك في العبادة والطاعة. ويحتمل: النهي عن الإشراك في الربوبية والألوهية. ويحتمل: النهي عن الإشراك في سلطانه، وغير ذلك؛ كل ذلك إشراك باللَّه، وباللَّه العصمة. قال بعض أهل اللغة: العبادة هي الطاعة التي معها الخضوع. وقَالَ بَعْضُهُمْ: التوحيد، وأصلها: أن يجعل العبد نفسه لله عبدًا، لا يشرك فيها غيره من هوى أو ما كان من وجوه الإشراك. ثم له وجهان: أحدهما: في الاعتقاد. والثاني: في الاستعمال، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أمر اللَّه - تعالى - بالإحسان إلى الوالدين، وأمر بالإحسان إلى ذي القربى،
واليتامى، والمساكين. . . إلى آخر ما ذكر، لكن المعنى الذي به أمر بالإحسان إلى هَؤُلَاءِ الأصناف والفرق مختلف: أما إحسان الوالدين: تَشَكُو لهما بما أحسنا إليه وربياه صغيرًا؛ كقوله: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ. . .) وقوله - تعالى -: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ. . .) الآية (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) يذكر حال صغره وضعفه أن كيف ربياه، ويشكر لهما على ذلك، ويحسن إليهما كما أحسنا إليه وربياه صغيرًا، وقال اللَّه، - عَزَّ وَجَلَّ -أيضًا-: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا)، فإحسان الوالدين جزاء وتشكر لما أنعما هما عليه، وذلك يكون من جانب الولد؛ لأن مثله لا يلزم الوالدين لولده، وذلك فرض على الولد، حتى عد عقوق الوالدين من الكبائر؛ روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " أَكْبَرُ الكَبَائِرِ: الإشْرَاكُ باللَّهَ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ ". والواجب على الرجل أن يطيع والديه وكل واحد منهما؛ إلا أن يأمراه بمعصية، أو ينهياه عن أداء فريضة، أو تأخيرها عن وقتها، فإن طاعتهما - حينئذٍ - معصية لله، ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)، أمره بمصاحبتهما بالمعروف إلا أن يأمراه بمعصية؛ ولهذا قال أصحابنا - رحمهم اللَّه -: لا ينبغي للرجل أن يقتل أباه الكافر إذا كان محاربًا؛ إلا أن يضطره الأب إلى ذلك؛ لأنه قال: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) فمن المعروف في الدنيا ألا يقتله، ولا يشهر عليه السلاح. وقالوا أيضا: إن مات أحدهما تولى دفنه، وذلك من حسن الصحبة والمعروف. روي أن أبا طالب لما مات قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لعليٍّ: " اذْهَبْ فَوَارِهِ ". ثم في هذه الآية تسوية بين الوالدين فيما أمر له من الإحسان إليهما، ولم يجعل للأب فضلا في ذلك على الأم؛ فذلك يدل على أن إسلام كل واحد من الأبوين إسلام للصغير؛ إذ كان الإجماع قائمًا في أن إسلام الأب إسلام لولده الصغار، وكذلك قول
رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث قال: " غَيرَ أنَّ أَبَويْهِ يُهَوِّدَانِهِ وُينَصِّرَانِهِ ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبِذِي الْقُرْبَى) أمر بالإحسان إلى ذي القربي، ومعنى الأمر به - واللَّه أعلم - صلة يصل بعضهم بعضًا، وذلك من جانبين ما يلزم هذا أن يحسن إلى هذا لزم الآخر أن يحسن إليه، وذلك إبقاء للمودة فيما بينهم والمحبة، وذلك فرض -أيضًا- أن يصل بعضهم بعضا؛ لأن صلة القرابة فريضة. والأمر بالإحسان إلى اليتامى يحتمل وجهين: يحتمل: لما ليس لهم والد يقوم بكفايتهم على ما يقوم له والده، وأمر بذلك؛ لما يبر الرجل ولد آخر لمكان والديه، فإذا مات والده يمتنع عن ذلك، فأمر أن يحسنوا إليه بعد موت والده على ما كانوا يحسنون في حياته؛ لأنه في ذلك الوقت أحوج إليه؛ إذ لا شفقة لأحد عليه، وشفقة والده معدومة، واللَّه أعلم. ومعنى الأمر بالإحسان إلى المساكين يحتمل أيضا وجهين: يحتمل: شكر اللَّه على ما مَنَّ عليهم وأنعم بالإفضال على أُولَئِكَ؛ إذ لم يسبق منهم إلى اللَّه معنى يستوجبون ذلك دونهم، أمر بالإحسان إليهم؛ شكرًا لما أنعم عليهم وأحسن إليهم. والثاني: أنهم من جوهرهم وجنسهم في الخلقة؛ يحتاجون إلى ما يحتاج هَؤُلَاءِ من المأكل، والمشرب، والملبس، وغير ذلك، يأمرهم بالإحسان إليهم؛ شفقة منهم لهم؛ ليتقووا على أداء ما فرض اللَّه عليهم؛ إذ هم مثلهم في الخلقة والجوهر، واللَّه أعلم. وهذا الإحسان في اليتامى والمساكين من جانب ليس من جانبين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَابْنِ السَّبِيلِ) أمر اللَّه بالإحسان إلى ابن السبيل؛ للوجهين اللذين وصفتهما في المساكين، واللَّه أعلم. وقيل في اليتامى: إنه أمر الأوصياء بالقيام على ما لهم وحفظهم؛ رحمة لهم، وباللين لهم. وقوله: (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى)
وهم ذوو قرابة، وله حقان: حق الجوار، وحق الرحم، كذلك روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " الجِيرَانُ ثَلَاثَة: جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَاحِد، وَجَار لَهُ حَقَّانِ، وَجَار لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ: فَأما الذِي لَهُ حُقُوق ثَلَاثَة: حَق القَرَابَةِ، وَحَق الإسْلَامِ، وَحَق الجِوَارِ، وَالَّذِى لَهُ حَقَّانِ: حَق الإسْلَامِ، وحَق الجِوَارِ، وَالذِي لَهُ حَق وَاحِدْ هُوَ حَق الجِوَارِ خَاصَّةً ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْجَارِ الْجُنُبِ) خص اللَّه - سبحانه وتعالى - الْجَارِ الْجُنُبِ دون غيره من الجيران غير الملازقين، وكان ذلك دليلًا على أن الحقوق التي تلزم بالجوار إنما تلزم في الجيران الملازقين؛ لأنهم الجيران بالملك، يمس ملك بعضهم بعضًا، ويلصق به؛ كما في الرحم يمس أنفس بعضهم لبعض، ولهذا قال أبو حنيفة - رضي اللَّه عنه -: إنه إذا أوصى لجيرانه، فالوصية للملازقين دون غيرهم؛ لأنهم هم الذين يلزم لبعضهم على بعض حقوق يقومون بأدائها في حال حياتهم، فإذا ماتوا فأوصوا إنما أوصوا بأداء ما كان بينهم، وكذلك قال في الوصية لذوي قرابته؛ إنها لقرابته الذين يفرض عليهم صلتهم إذا كانوا أحياء، فإذا مات فأوصى فإنما يوصي بأداء ما كان يؤدي في حال حياته، وذلك مما عليه الأداء؛ وفيه دليل على أن الشفعة الواجبة للجار إنما تكون للجار الجنب الملازق دون غيره من
الجيران، وقد ذكر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حق الجار، وأمر بمسامحته. وعن ابن عمر - رضي اللَّه عنه - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " مَا زَالَ جِبرِيلُ يُوصِيني بالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أنهُ سَيُوَرِّثُهُ " وفي بعض الأخبار: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر، فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ "، وفي بعضها: " مَا آمَنَ مَنْ أَمْسَى شَبعَانًا وَجَارهُ جَائِعٌ ". وإذا بيع بجنبه دارٌ أو أرضٌ، فله أن يأخذها بالشفعة؛ لما روي عن عمرو بن
الشريد، عن أبي رافع، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " الجَارُ أَحَق بِسَقَبِهِ " وعن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: قلت: يا رسول اللَّه، أرض ليس لأحد فيها شرك إلا الجوار؟ قال: " الجَارُ أَحَق بِسَقَبِهِ مَا كَانَ ". وعن رافع بن خديج قال: عَرَضَ عَلَيَّ سَعدٌ بيتًا له، فقال: خذه؛ فإني قد أعطيت به أكثر مما تعطيني؛ ولكنك أحق به؛ لأني سمعت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: " الجَارُ أَحَق بِسَقَبِهِ ". وعن أبي الزبير، عن جابر - رضي اللَّه عنه -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قضى بالشفعة بالجوار. وعنه -أيضًا- قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " الجَارُ أَحَق بِسَقبةِ جَارِهِ إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا واحدًا يَنْتَظِرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا ". وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - " يُنْتَظَرُ بِهَا وإنْ كَانَ غَائِبًا " يدل على أنه لا ينتظر بها أكثر من ذلك؛ وفي ذلك دليل على أن الشفيع إن أمسك عن طلب الشفعة، وقد علم بالبيع - بطلت شفعته، ومما يدل على ذلك -أيضًا- أن الشفعة إنما جعلت للجار - واللَّه أعلم - بما يخاف عليه من سوء جوار المشتري، والضرر الذي عسى أن يلحقه منه، فلو جعلنا الشفيع على شفعته أبدًا لم يؤمن أن يبني المشترى في الدار، وينفق فيها نفقة عظيمة، ثم يجيء الشفيع فيطلب الشفعة؛ فيقال للمشتري: سلم الدار وارفع بناءك، وفي ذلك ضرر عليه بيِّن.
وعن علي وعبد اللَّه قالا: قضى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالشفعة بالجوار. وعن شريح قال: كتب إليَّ عمر - رضي اللَّه عنه -: أن اقض للجار بالشفعة. وإلى هذا ذهب أصحابنا - رحمهم اللَّه - في إيجاب الشفعة للجار. وأنكر قوم أن تكون الشفعة إلا فيما لم يقسم من الدور والأرضين، واحتجوا في ذلك بما روي عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة قالا: " قضى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، فلا شفعة ". وكذلك روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بمثله. لكن تأويل الحديث عندنا - واللَّه أعلم -: أن قوله: " قضى بالشفعة فيما لم يقسم " قول الراوي؛ لأنه لم يحك عنه أنه قال: لا شفعة فيما قسم، فيحتمل أن يكون علم ذلك فحكاه، ولم يعلم بما روأه الآخرون بإيجاب الشفعة فيما قد قسم. وأمَّا قوله: " فإذا وقعت الحدود، فلا شفعة "، فليس فيه بيان حكاية عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقد يجوز أن يكون ذلك من الراوي، أو أن قال ذلك إنما قال في القسمة، لا شفعة في القسمة عندنا. ثم قد جعل اللَّه - تعالى - للجيران بعضهم على بعض حقوقًا باتصال أملاكهم، حتى قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - " مَنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ دَارَهُ فَلْيَستَأذِنْ جَارَهُ " فإذا أراد البائع اختيار الجار الذي لا حق له على الجار الذي له حق، جعل له إبطال ذلك؛ إذ ليس غرضه من البيع إلا الثمن؛ وهو وقد يوجد ذلك من الجار؛ ولهذا ما توجب الشفعة في الهبات والصدقات مما يجوز أن يقصد بها أسبابا وأحوالا لا يوجد ذلك في الجار، وأما البيع فالمقصود فيه الثمن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - أيضًا: (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ) والْجُنُبِ: البعيد، بيّن - واللَّه أعلم - ليعلم أن الحق الذي ذكر للجار من الإحسان إليه ليس هو بحق القرابة، بل هو بحق الجوار، فأمر بالإحسان إلى من له جوار بالملك نحو ما أمر بالإحسان إلى من له جوار بالنسب، ثم كان الحق قد يفترض بجوار النسب بمال مع ما كانت الصلة مفروضة فيمن مس ملكُهُ ملكَهُ في الملك وجوبه فيما وقع التَّمَاسُّ بالبدن
في البدن. على أن الآية فيما أمر بالإحسان إلى جميع من ذكر قد يصير ذلك حقا يلزم بحال، فمثله حق الجوار، وذلك لا يعرف غير حق الشفعة، وقد جاءت به الآثار، وثوارث المسلمون في ذلك الطلب والاحتيال في الصرف والمنع؛ فبان أن الحق به ظاهر لا يحتمل الخفاء، مع ما لا يشك من القوام عن ذلك إلا وعنده حظ من العلم فيه لا يوجد مثله بشيء من الحقوق في غير أملاك المحقين، هذا البيان والظهور ثبت أن أمره كان معروفًا في الأمة حتى جرى به التوارث. ثم هذا النوع من العلم لا يحتمل انتشاره ونيله بالرأي؛ فصار كسنة ظاهرة، لها حق التواتر مع ما يستغنى عن روايته، واللَّه أعلم. ثم اعلم أن الناس على اختلافهم متفقون على وجوب حق الشفعة بحق الشرك فيما يحتمل القسمة، وأما أن يجب بحق القسمة، فيجب ذلك في كل محتمل القسمة، وذلك مما يأباه الجميع، أو يجب بما جعل من حق الجوار الذي جاء به الكتاب، وجرت به السنة، أو بما جعل من تأذي بعض الجيران ببعض، والأمر بالمعروف في الخلق من الاستخبار عن أحوال الجيران قبل تأمل الدور وتفاوت القيم باختلاف الجيران بما في ذلك من المؤن والمضار، وأي هذين كان فالشفعة واجبة بالجوار؛ لأنهما أمران لا يسلم عنهما على ثبات الجوار؛ فيجب به الشفعة مع ما أمكن الجمع بين الآثار بما لا يحتمل تسمية الشريك جارًا من حيث الشرك لوجهين: أحدهما: قوله - تعالى -: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ)، لم يجعل الأرض من حيث الأرض متجاورة حتى أثبت لها القطع؛ فأوجب بالقطع التجاور مع ما كان الجوار في اللغة اسمًا للتقارب والالتصاق، لا لتداخل معروف، ذلك عند من تأبى نفسه مكابرة المعارف. والوجه الآخر: ما لا يسمي الشركاء في عين العرصات جيرانًا، ثبت أن ذلك ليس من
أسماء الشرك؛ فلا وجه لصرف الخبر باسم الجوار إلى الشرك مع ما قد جاء ما يقطع من السؤال عن أرض ليس لأحد فيها شرك إلا الجوار أنه قال: " الجَارُ أَحَق بِسَقَبِهِ. . . ". ومما جاء: " الجَارُ أَحَق بِشُفْعَةِ جَارِهِ يُنْتَظَرُ بِهِ وَإِنْ كَانَ غَائِبَا " إذا كان طريقهما واحدًا؛ فيجب بما ذكرت صرفه عن الشريك إلى وجه يوافق خبر الجار، وله أوجه ثلاثة: أحدها: أن قوله: " قضى بالشفعة لشريك لم يقسم " غير مقابل لخبر الجوار؛ إذ هو أحق في القولين: وما روي من القول: " إِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ " فقد يحتمل أن يكون خبرًا عن هذا الفعل ألا شفعة في صرف الطريق وإظهار الحدود؛ إذ القسمة في معنى البيع في الأمور حتى منع الاقتسام في كل ما لا يحتمل التفاضل إلا بما يجوز به، فقيل: لا شفعة في هذا، واللَّه أعلم. والثاني: أن يكون إذا كان هذا فلا شفعة لهم مع من لم تقع بينهم الحدود، ولا صرفت بينهم الطرق، واللَّه أعلم. والثالث: إذا وقعت الحدود فتباينت، وصرفت الطرق فتباعدت؛ إذ فيما لم يتباينا ثم حد ليس واحد من الأمرين، وإذا احتمل خبر الشرك ما ذكرنا، ثبت أمر الشفعة بالجوار والشرك جميعًا على الترتيب، ولا قوة إلا باللَّه. ولو كان الجنب اسمه لبعيد الجيران بالنسب استحق بما كان الذي به الجوار يلتصقان، ويكون كل واحد منهما بجنب الآخر؛ إذ لا يسمى كل بعيد به، ففيه وجهان: أحدهما: الحق بالاتصال. والثاني: بيان ما به يكون الجوار، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) اختلف فيه: قال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هي المرأة. وقال عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه عنه - كذلك أيضًا هي المرأة.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه -: هو الرفيق في السفر، وكذلك قول مجاهد. فإن كان الصاحب بالجنب هو المرأة، فالأمر بالإحسان من جانب، وإن كان هو الرفيق في السفر فمن جانبين، ما يلزم هذا يلزم الآخر مثله بحق المصاحبة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) يحتمل الأمر وجهين: بالإحسان إلى المماليك شكرًا لما أنعم عليهم مما جعل لهم من الخولة من جوهرهم وأمثالهم في الخلقة أذلاء تحت أيديهم يستخدمونهم ويستعملونهم في حوائجهم. أو لما هم أمثالهم في الحاجة من المطعم، والمشرب، والملبس، وهم مقهورون في أيديهم، وقد يترك الرجل النظر لمن هو مقهور في يده؛ أمر بالنظر إليهم، واللَّه أعلم. وقد جاءت الآثار في ذلك عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كانت عامة وصية رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ". وعن جابر بن عبد اللَّه قال: كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يوصي بالمملوك خيرًا، ويقول: " وَأَطْعِمُوهُم مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُم مِمَّا تَلْبَسُونَ ". وعن علي - رضي اللَّه عنه - قال سمعت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيماننا.
(37)
وعن أم سلمة - رضي اللَّه عنها - قالت: سمعت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يقول في مرضه: " الصلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم " فجعل يتكلم وما يقبض بها لسانه. وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لِلْمَملُوكِ طَعَامُهُ وَكسوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ ". وعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كان آخر وصية رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حين حضرته الوفاة: الصلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكم "، ثم جعل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يغرغر بها في صدره، ولا يفصح بها لسانه. وعن أبي ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سمعت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول في المماليك: " هُم إِخْوَانُكُم، وَلَكِن اللهَ خَوَّلَهُم إِياكُم، فَأطْعِمُوهُم مِما تَأكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُم مما تَلْبَسُونَ ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) الآية. قيل: المختال: هو المتكبر. وقيل: هو من الخداع. وقيل: هو الذي يمشي مرحًا؛ وهو واحد، يتكبر على عبادة اللَّه - تعالى - أو يتكبر على عباد اللَّه - تعالى - ويخدعهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا)؛ لأنه لا يحب الاختيال، وكذا في كل ما ذكر: لا يحب ذا ويحب ذا؛ كقوله: (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) والتائبين، ولا يحب الظالمين؛ لأنه يحب الطهارة والتوبة، ولا يحب الظلم ولا الكفر، فإذا لم يحب هذا، لم يحب فاعله لفعله وإذا أحب هذا، أحب فاعله لفعله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ... (37)
يحتمل أن تكون الآية تفسيرًا لما تقدم من قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) ووصف لهم؛ إذ لا يتكلم بمثله إلا عن تَقَدُّمِهِ. ويحتمل على الابتداء؛ كقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ. . .) الآية. ثم يحتمل وجوهًا: يحتمل قوله: يبخلون بما عندهم من الأموال، ويأمرون الناس به، وهكذا دأب كل بخيل أنه يبخل ويأمر به غيره. ويحتمل: يبخلون بما عندهم من العلوم والأحكام، لم يُعَلِّمُوا غيرهم، ويأمرون الناس بذلك. ويحتمل قوله: يبخلون بإظهار نعت مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويأمرون الناس به؛ ألا ترى أنه قال: (وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: يكتمون نعت مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفته. ويحتمل قوله: (وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: يكتمون، من العلوم والحكمة. ويحتمل: ما ذكرنا: أنهم يكتمون ويبخلون بما آتاهم اللَّه من فضله من الأموال، ولا ينفقونها، وفي ترك الإنفاق والتصدق كتمان ما أنعم اللَّه عليهم، وعلى ذلك روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " مَنْ أَتَاهُ اللهُ نِعْمَة فَلْتُرَى عَلَيهِ " لعله أراد بقوله: " تُرَى عَلَيهِ " أن ينفقها على نفسه ويتصدق بها ويلبسها. وجائز أن يكون أراد - واللَّه أعلم - الإنفاق والتصدق على غيرهم، فعلى ذلك كتمان ما آتاهم اللَّه من الأموال إذا تركوا الإنفاق على غيرهم؛ لأن من كانت له الأموال لا يترك الإنفاق على نفسه.
(38)
وقيل في قوله: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) نزلت في كعب بن الأشرف كتم نعت مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وكتب إلى الرؤساء من اليهود في الآفاق يأمرهم بكتمانه. وأيضًا، في قوله: (يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ): أي: بما أنعم اللَّه عليهم من الأموال، أو بما بين لهم من صفات الرسول - عليه أفضل الصلوات - أو بما أمروا به من العبادات، حملهم على الكفر أحد هذه الأوجه الثلاثة؛ أو كانوا استحلوا أحدها، فكفروا بذلك، لزمهم الذي ذكر في القرآن، واللَّه أعلم. وكتمانهم يرجع إلى كتمان النعت والحقوق والعبادات في أنفسهم؛ لئلا يعرفوا بالعدول عليهم عما في كتبهم، وذلك تحريفهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) ظاهر، قد ذكرناه في غير موضع. * * * قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ. . .) الآية: أي، سرا وقيل: إنها نزلت في المنافقين: كانوا ينفقون مراءاة، ويصلون مراءاة كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين بذلك، وكانوا لا يؤمنون باللَّه ولا باليوم الآخر سرًّا. وقيل: إنها نزلت في الذين يسعون في معاداة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويخرجون معه ينفقون أموالهم مراءاة للناس، يطلبون بذلك الرياسة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) يحتمل أن يكون هذا في الدنيا كقوله: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ. . .) الآية
(39)
ويحتمل في الآخرة؛ كقوله - تعالى -: (فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39)، فهذا - واللَّه أعلم - لأن كلّا منهم كان يقبح الشيطان ويأنف عنه، ويحشن الملائكة ويحمدهم، حتى ضرب مثل القبح من الأشياء بالشياطين؛ كقوله: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ)، وضرب مثل الحسن بالملائكة، وذلك لمعرفتهم بقبح الشياطين وحسن الملائكة؛ وذلك إنما عرفوا بالخبر؛ لأنهم لم يعاينوا ملكا عرفوا حسنه بالمعاينة، ولا شاهدوا شيطانًا عرفوا قبحه بالمشاهدة، ولكنهم عرفوا ذلك بالخبر؛ ففيه دليل إثبات النبوة؛ لأنهم ما عرفوا ذلك إلا بهم، دل استقباح الجميع الشياطين واستنكارهم، واستحسانهم الملائكة واستعظامهم من غير أن شهدوا من أحد من الفريقين - على قبول الأخبار؛ إذ عن الألسن نطقوا به؛ وعلى إثبات الرسالة؛ إذ هم جاءوا بالآثار عمن شهدهم وأنشأهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... (39) هذا - واللَّه أعلم - صلة قوله: (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) وفمعنى قوله: فماذا عليهم لو آمنوا باللَّه واليوم الآخر - واللَّه أعلم - وذلك أنهم كانوا ينفقون مراءاة طلب الرياسة وإبقائها؛ فقال: لو آمنوا باللَّه واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم اللَّه تبقى لهم تلك الرياسة، ويكون لهم الذكر؛ بل لو آمنوا كان ذلك في الإيمان أكثر ذكرًا، وأعظم قدرًا ومنزلة؛ ألا ترى أنه من أسلم منهم من الأئمة من نحو ابن سلام وغيره كان لهم ذكر في الإسلام وبعد موتهم من غير حاجة وقعت بهم إليهم في حق شرائع الإسلام، ومن مات منهم على الكفر لم يذكر أبدًا، فأخبر اللَّه - سبحانه وتعالى - أن ليس في الإيمان باللَّه واتباع مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ذهاب شيء مما يخافون ذهابه من الرياسة والمنافع التي يطمعون في وصولها إليهم، وغير ذلك؛ حيث قالوا: (إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا)، فقال: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي: لم يكن مما خافوا باتباع الهدى قليلًا ولا كثيرًا.
(40)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا) يحتمل وجهين: يحتمل: أنه كان على علم منه بما يفعلون من فعل الكفر والشر ونحوه من خلق إبليس، لا عن جهل ولا غفلة، ليس كصنيع ملوك الأرض أنهم إذا فعلوا فعلا ثم استقبل الخلاف فإنما يكون ذلك لفعله منهم وجهل بالعواقب، فاللَّه - سبحانه وتعالى - كان لم يزل عالمًا بهم، لكنه تركهم على ذلك لما لا يلحقه الضرر بالعصيان، ولا النفع بالطاعة، بل حاصل الضرر والنفع يرجع إليهم. والثاني: يخرج مخرج التحذير لهم والتنبيه؛ لأن من علم أن آخر يعلم بصنيعه كان أحذر وأخوف ممن يعلم أنه ليس عليه حافظ ولا رقيب، وعلى هذا يخرج قوله: (كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ)، ليكونوا على حذر من ذلك. وقيل: (وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا) أنهم لن يؤمنوا. وفي قوله -أيضًا-: (وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا) أي: أنشأهم على العلم بما يفعلون؛ يبين أنه أنشأهم؛ ليعلم الخلائق أن مخالفتهم إياه لا تضره؛ إذ كل من يضره الخلاف لا يتولى ابتداءه إلا على الغفلة ببعضه من الضرر يلحقه بالخلاف. والثاني: على التحذير وقت الفعل بتذكير المراقب عليه على ما عليه الأمر المعتاد من الانتهاء عن أمور تهواها النفس بالمراقب عليه. ويحتمل: كان على إرادة نفي حدثية العلم، أو أخبر بعلمه بفعلهم وما لهم من الجزاء، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) وقوله - تعالى -: (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) و (نَقِيرًا)، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ). ذكر هذا - واللَّه أعلم - لئلا يظن جاهل إذا رأي ألم الأطفال والصغار وما يحل بهم أن ذلك ظلم منه لهم، لكن ذلك - واللَّه أعلم - ليعلم أن الصحة والسلامة إفضال من اللَّه -
تعالى - لهم، لا لحق ألهم عليه في، ذلك؛ إذ له أن يخلق كيف شاء: صحيحًا، وسقيمًا، ثم من ظلم آخر في الشاهد إنما يظلم لإحدى خلتين: إما لجهل بالعدل والحق، وإما لحاجة تمسه يدفع ذلك عن نفسه، فيحمله على الظلم، فاللَّه - سبحانه وتعالى - غني بذاته، عالم، لم يزل يتعالى عن أن تمسه حاجة؛ أو يخفى عليه شيء مع ما كان معنى الظلم في الشاهد هو التنازل مما ليس له بغير إذن من له وكل الخلائق من كل الوجوه له؛ فلا معنى ثَمَّ للظلم. ثم قيل في الذرة: إنها نملة، وكذلك في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " مثقال نملة ". وقيل: مثقال حبة، وهو على التمثيل، ليس على التحقيق، ذكر لصغر جثته أنه لا يظلم ذلك المقدار، فكيف ما فوق ذلك؟!، لا أن مثله يحتمل أن يكون، لكن لو كان فهو بتكوينه، وباللَّه التوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) هذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: من ارتكب كبيرة يخلد في النار ومعه حسنات كثيرة، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) وهي الجنة، وهذا لسوء ظنهم باللَّه، وإياسهم من رحمته. عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " إِنَّ اللَّه - تعالى - لَا يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حسَنَة يُثابُ عَلَيهَا إِمَّا رِزْقٌ فِي الدنْيَا، وَإِمَّا جَزَاءٌ فِي الآخِرَةِ ". وعن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " يَقُولُ اللهُ - تَعَالَى -: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرةٍ مِنْ إِحْسَانٍ " قال أبو سعيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
(41)
فمن شك في ذلك فليقرأ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ. . .) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ... (41) يقول: بالنبي، يعني: بنبيها وجئنا بك يا مُحَمَّد على هَؤُلَاءِ شهيدًا عليهم، يعني: على أمته، شهيدًا بالتصديق لهم؛ لأنهم يشهدون على الأمم للرسل أنهم بلغوا ما أرسلوا به لما هو دليل صدقهم، وقامت براهينهم بالرسالة صارت شهادة على هَؤُلَاءِ؛ أي: لهَؤُلَاءِ؛ على هذا التأويل؛ كقوله - تعالى -: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ)، أي: لها ويحتمل عليهم لو كذبوا وزلوا. وقوله: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) يعني: نبيها، (وَجِئْنَا بِكَ) يا محمد على أمتك شهيدًا على تبليغ الرسالة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ ... (42) قيل فيه بوجوه: إذا ميز اللَّه أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، قال للوحش والطير والسباع: " كُوِني تُرَابًا "؛ فتكون ترابًا، فعند ذلك يتمنون أن يكونوا ترابًا مثل الوحش فسويت بهم الأرض. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: يجحد أهل الشرك يوم القيامة أنهم ما كانوا مشركين، فينطق اللَّه - تعالى - جوارحهم؛ فتشهد عليهم؛ فيودون أنهم كانوا ترابًا؛ كقوله: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا)، وقوله - تعالى -: (يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ)؛ فذلك قوله - سبحانه وتعالى -: (لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) ليتنا لم نبعث
(43)
ولم نحيا، ويقرأ " تُسَوَّى " و " تَسَوَّى " " وتَسَّوى "، و " [وتُسْوَى "، و " تستوى "، و " تُسْوَى] " (¬1) وفي حرف حفصة: " لو تستوى بهم الأرض ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا). قيل: لما أنطق اللَّه - تعالى - جوارحهم وشهدت عليهم حين أنكروا أن يكونوا مشركين بقوله - تعالى -: (إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) - لم يستطيعوا أن يكتموا اللَّه حديثًا. ويحتمل: على الاستئناف: لا يكتمون اللَّه حديثًا. ويحتمل: أن يكونوا يودّوا في الآخرة ويتمنوا أن لم يكونوا كتموا في الدنيا حديثًا. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) واختلف في قوله: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) قيل: لا تدنوا مكان الصلاة وأنتم سكارى، وكذلك الجنب لا يدنو مكان الصلاة؛ وهو قول عن ابن مسعود، رضي اللَّه عنه. ¬
وقيل: قوله: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) نهي عن الصلاة في حال السكر؛ روي أن رجلًا صنع طعامًا فدعا أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًّا، وسعد بن أبي وقاص، فأكلوا، وسقاهم خمرًا، وذلك قبل أن تحرم؛ فحضرت صلاة المغرب، فأمهم رجل منهم فقرأ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون)، بطرح اللاءات؛ فنزل قوله - تعالى -: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى). وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " لَا يُصَلِّيَنَ أَحَدُكُم وَهُوَ لَا يَعْقِلُ صَلَاتَهُ ". وفي الآية دلالة: أن في الصلاة قولاً فرضًا، نهي عن قربانها في حال السكر؛ مخافة تركه، أو نهي عن قربانها في حال السكر؛ خوفا أن يدخل فيها قولا ليس منها؛ وفي ذلك دليل فساد الصلاة بالكلام عمدًا كان أو خطأ؛ لأن السكران لا يفعل ذلك على العمد، ولكن على الخطأ، والأصل في هذا: أنه لم ينهه عن فعل الصلاة في حال السكر لنفس الصلاة، ولكن فيه نهي عن السكر، وكذلك قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لَا صَلَاةَ للْعَبدِ الَآبِقِ، وَلَا لِلْمَرأَةِ الناشِزَةِ " ليس النهي فيه عن الصلاة، ولكن النهي عن الإباق والنشوز نفسه، وهكذا كل عبادة نهي عنها بأسباب تتقدم، فالنهي إنما يكون عن تلك الأسباب، لا عن العبادة التي أمر بها؛ لأن الإباق والنشوز والسكر ليسوا بالذي يعملون في إسقاط ذلك الفرض وتلك العبادة. وفي الآية دلالة أن السكران مخاطب بقوله: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) نهي
عن قربان الصلاة في حال السكر، فالنهي إنما وقع في حال السكر، فإذا كان مخاطبًا عمل طلاقه ونفذت عقوده؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)، فلو لم يكن عليهم ذكر في حال السكر لم يكن ليصدهم عن ذكر اللَّه معنى ولا ذكر عليهم، دل أنه مخاطب، ولهذا ما قال أبو يوسف - رحمه اللَّه -: إنه إذا ارتد عن الإسلام يكون ارتداده ارتدادًا؛ ولما نفذ طلاقه وسائر عقوده وفسوخه، فعلى ذلك الارتداد. وعلى قول أبي حنيفة - رحمه اللَّه - لا يصير مرتدًّا؛ استحسانًا، ليس كسائر العقود والفسوخ؛ لأن سائر العقود يتعلق جوازها باللسان، وإن كان رضا القلب شرطًا فيها، وأما الإيمان والكفر فإنما يكون بالقلب، وإن كانت العبادة باللسان تكون شرطًا فيما بين الخلق، فإذا كان كذلك فإذا سكر يُذْهِبُ السكرُ القلبَ؛ فجعل كأنه لم ينطق به، وإما كان سائر العقود تعلقها باللسان، فإذا نطق به جاز، واللَّه أعلم. ثم اختلف في قوله - تعالى -: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ. . .) منهم من حمل على مكان الصلاة؛ إذ الصلاة فعل، والفعل لا يقرب. ومنهم من حمل على الفعل؛ أي: لا تصلوا. وأي الوجهين أريد به فالآخر داخل فيه؛ لأنه إذا نهي عن حضور مكانها لحرمته فهي أعلى في الحرمة، وأحق في المنع؛ وأيد ذلك قوله - سبحانه وتعالى -: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) والعلم بالقول يحتاج إليه في حق الفعل؛ لئلا يترك المفروض من الذكر فيفسد، أو يدخل المحرم فيه فيفسد، وفي ذلك دلالة أحد الوجهين، وفي حق العموم الوجهان جميعًا، وهو على الخطأ يقول؛ فثبت أن الخطأ من القول في الصلاة مفسدًا؛ إذ لو كان لا يفسد لم يكن سوى النهي، وفي التأخير نهي أيضًا، واللَّه أعلم. ولو أريد به الصلاة فإنما المكان لأجلها، فلا وجه للحضور دون إمكان الفعل للفعل،
واللَّه أعلم. وعلى ذلك أمر الجنب، واستثناء عابري السبيل؛ ليكون على فعل الصلاة بالتيمم؛ فيكون في الآية دلالة التيمم للجنب، أو المكان فيباح الدخول فيه على العبور فيه بالتيمم أيضًا، فعلى ذلك عندنا الدخول للاغتسال فيه؛ إذ كان فيه بالتيمم، واللَّه أعلم. وإذا أبيح للجنب على المنع عن دخول المسجد إلا بالتيمم؛ فثبت أن التيمم قد جعل له الطهارة، فله الصلاة به لعذر، واللَّه أعلم. ثم في المروي دلالة عمن أَمَّ في المغرب بـ (قُل يَا أَيُّهَا الكافرون) على طرح اللاءات في حال السكر حتى نزل قوله - تعالى -: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) - أن كلام الكفر في حال السكر لا يكفر صاحبه؛ إذ خاطبهم باسم الإيمان؛ فلذلك لم يكن عند أبي حنيفة - رحمه اللَّه - كافرًا، على أن المخطئ لما يجري على لسانه كلمة الكفر لا يصير كافرًا في الحكم، والسكران يجري على لسانه على الخطأ؛ دليله ما لا يذكره، وما كان من عقد القلب فهو لا ينسى، وبخاصة المذاهب كلها يختار عن فكر الأسباب، وعن اختيار الأحق من الأمور عنده إما لحجة، أو شبهة، أو شهوة، من نحو الإلف بالتقليد، وحسن الظن، والذي يكون على ما ذكرت لا يحتمل السهو عنه حتى لا يخطر بباله لو أراد بدعوة عن قريب ثبت أنه كان عن خطأ، وقد جاء برفع الخطأ. وأصله: أن اللسان معبر عن الاعتقاد في أمر الدِّين، وبخاصة في الكفر الذي يكون بالقلب خاصة بلا استعمال اللسان؛ فإذا كان مخطئا فهو أمر اللسان دون القلب الذي اللسان عنه معبر، ومن عبر الكفر باللسان ووصفه لا يكفر إلا بأن يكون يُعَبّرُ عن نفسه أنه اعتقده، فلذلك كان على ما بينا، على أنه قد يجري بتلاوة القرآن على اللسان بالغلط ما يكفر عليه بالتعمد؛ فلا يجوز أن يجعل تلاوته للتعظيم، والإيمان به كفرًا، ثبت بذلك رفع حكم الكفر عمن أخطأ في إجرائه على اللسان، فمثله السكران؛ إذ هو مخطيء، واللَّه أعلم. ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله - تعالى -: (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ): عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: هو أن يكون مسافرًا ولا يجد
الماء فيتيمم. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: هو المسافر. وقيل: (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) نهي الجنب أن يدخل المسجد ومكان الصلاة إلا عابري سبيل، إلا مجتازًا. ومن تأول الآية على المرور في المسجد فهو غير بعيد؛ يقول: إنما كره للجنب أن يستوطن المسجد، فأما المار لأمر يعرض له، فقد رخص له؛ ألا ترى أن الجنب رخص له أن يقرأ بعض الآية، ولا يجوز أن يتمها، فمروره في المساجد إذا لم يجلس فيه كقراءته بعض الآية إذا لم يتمها، وعلى ذلك أمر الجنب. واستثناء عابري السبيل يكون على فعل الصلاة بالتيمم؛ فيكون في الآية دلالة التيمم للجنب، أو المكان؛ فيباح الدخول فيه على العبور فيه بالتيمم أيضًا؛ فعلى ذلك عندنا الدخول للاغتسال فيه إذا كان منه بالتيمم، واللَّه أعلم. وإذا أبيح للجنب دخول المسجد بالتيمم؛ فثبت أن التيمم قد جعل له الطهارة، فله الصلاة به لعذر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) الآية. أباح اللَّه - تعالى - للمريض المقيم أن يتيمم، والآية ذكرت المرض عامَّا، وأجمعوا أن المريض الذي لا يخاف أن يضر به الماء لا يتيمم، وإنما أجازوا أن يتيمم إذا خاف ضرر
الماء إن هو توضأ به؛ فدل أن اللَّه - تعالى - لما أباح للمريض التيمم لم يبح باسم المرض، ولكنه لمعنى في المرض؛ دليله ما ذكر أنه لم يبح لكل مريض، وإنما أبيح لمريض دون مريض. وفيه دليل لقول أبي حنيفة - رضي اللَّه عنه - حيث أباح للمقيم الجنب التيمم إذا خاف على نفسه الهلاك؛ ألا ترى أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أباح للسفر التيمم، ولم يبحه باسم السفر، ولكنه أباح لمعنى فيه: وهو إذا كان بمكان إعذار والماء؛ ألا ترى أنه لا يباح له التيمم في الأمصار، وإن كان اسم السفر موجودًا؛ لعدم معنى السفر؛ فعلى ذلك إباحة التيمم للمريض إباحة لمعنى في المرض؛ ألا ترى أنه ذكر مجيئه من الغائط، والغائط هو المكان المطمئن الذي يقضي فيه الحاجة، ولا كل من جاء من ذلك المكان يلزمه الوضوء والتيمم؛ دل أنه لمعنى فيه، فعلى ذلك الأول. وروي أن جريحًا غسل فمات، فبلغ الخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فقال: " قَتَلَوهُ، فَإِنَّمَا يَكْفِيهِم كَفٌّ مِنْ تُرَابٍ "، وكذلك غسل محدود فمات، فقال: " قَتَلوه، إِنَّمَا يَكْفِيهِ كَفٌّ مِنْ تُرَابٍ " ونحو هذا، فإذا ثبت أن المراد من المرض والسفر والغائط المعنى الذي فيه لا لعين المرض والسفر والغائط؛ لما ذكرنا؛ دل أن كل مريض يباح له التيمم، وإنما يباح لمريض دون مريض، وكذلك لم يبح لكل أسفر وإنما يباح، لسفر دون سفر، ومكان دون مكان، وهو المكان الذي يعدم الماء فيه ويفقد. فعلى ذلك المراد من قوله: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا)
عين اللمس وهو الجماع، وكذلك روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: الملامسة، والمباشرة، والإفضاء، والرفث، والجماع - نكاح، ولكن اللَّه - تعالى - كنى. وعن الحسن، وعبيد بن عمير، وعطاء، قالوا: الملامسة: الجماع. فَإِنْ قِيلَ: ما الحكمة في ذكر المرض والسفر والغائط والملامسة إذا كان المراد من ذكرها غيرها؟ قيل: الحكمة في ذكرها هو أن المرض في أغلب أحواله يُعْجِزُ المرءَ عن إصابة الماء، وكذلك السفر في أغلب أحواله يُعْجِز صاحبَهُ عن الماء، فخرج الذكر على أغلب الأحوال، وكذلك من جاء من الغائط؛ الأغلب أنه إنما يجيء عن قضاء الحاجة؛ لأنهم كانوا لا يخرجون إلا لقضاء الحاجة، وكذلك الملامسة من الزوجين، الأغلب فيها قضاء الوطر والحاجة، فعلى الأغلب خرج الذكر وإن احتمل غيره، وهذا يدل على أن الاحتجاج بالظواهر والعموم بحق المخرج باطل؛ لما لا يجوز لأحد أن يحتج بظاهر هذه الآية أن يقول: على كل مريض، أو على كل مسافر إلا كذا. ثم اللمس إن أريد به الجماع، فهو ممكن لوجهين: أحدهما: البلية بالقبلة، واللمس باليدين من الزوجين ظاهرًا لا يحتمل ألَّا يعرف به الرسول والأئمة من فعل العوام، فلو كان الوصف فيه لازمًا لا يحتمل ترك إظهار البيان حتى يلزم أكثر الأمة المنكر في فعل الصلاة، واللَّه أعلم. والثاني: أن يكون الأمر بالمعروف في كل لمس ومس جرى الذكر به بين الذكور والإناث فهو بحق الكناية عن الجماع، وكذلك سائر الحروف المحتملة للكناية عنه؛ من نحو: المباشرة، والغشيان، ونحو ذلك، وبه قال كل من أجاز التيمم للجنب في حق الصلاة من الصحابة - رضوان اللَّه تعالى عليهم - واللَّه أعلم.
وإن أريد به غير الجماع مما قد يحتمل وجوهًا، فهو لا يجمع الكل، ولكن يرجع إلى خاص، وهو الذي في الغالب أن يكون ثم خروج وإن لم يكن، وهي المباشرة الفاحشة؛ دليله ذكر المرض والسفر على غير اقتران الحكم بنفسه؛ إذ هو اسمان لوجوه، فانصرفا إلى غاية ما له وقعت الرخصة من العجز والعدم، فمثله أمر الوضوء في الأول، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) قيل: التيمم: القصد؛ يقال: تيممت الصعيد وأممته، لغتان. وقوله: (فَتَيَمَّمُوا): تعمدوا صعيدًا طيبًا، فإذا كان التيمم القصد والتعمد إلى الصعيد - لم يجز إلا بالنية؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - أمر بالقصد إليه والتعمد، وذلك أمر بالنية؛ لأن القصد نية. وفي حرف حفصة وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فأموا صعيدًا طيبًا " أي: اقصدوا قصده، والصعيد، قيل: هو وجه الأرض، وسمي: صعيدًا؛ لما يصعد عليها. وقيل: الصعيد هو الأرض التي تنبت؛ ألا تري أنه رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " جُعِلَتْ لي الأَرْضُ مَسجِدًا وَطَهُورًا، إِلا السَّبَخَةَ وَالمَقْبَرَةَ " وقيل: إنها ملعونة؛ ولهذا قال أبو يوسف - رحمه اللَّه -: إن التيمم لا يجوز من الأرض السبخة؛ لأنها ليست
بطيب، والطيب ما ينبت، وأما أبو حنيفة - رضي اللَّه عنه - فإنه قال: الطيب: هو الطاهر الحلال، له أن يتيمم به إذا عدم الماء، الطيب: اسم ما أحل في كل نوع، من المقصود فيه، والمقصود في التيمم التطهر، فهو الطهور والطاهر، وأيده الخبر الذي ذكر من جعل الأرض طهورًا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) الأمر يقع بمسح الأيدي على الذراعين دون الكفين؛ دليله أمر الوضوء أنه يُغْسَلُ الذراعان وقت غسلهما بلا غسل كفين؛ إذ قد تقدم غسلهما، فالذراعان دخلتا في المسح بذكر اليد، وكذلك في الوضوء؛ لأن الكفين يغسلان قبل غسل الوجه، فالأمر بغسل اليد يقع على الذراعين وما وراء ذلك. وعن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي الجهيم قال: أقبل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من غائط أو بول، فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ السلام، فضرب باليد الحائط ضربة فمسح بها وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها يديه إلى المرفقين، ثم رد السلام. وهكذا يقول أصحابنا - رحمهم اللَّه - بالضربتين: ضربة للوجه، وضربة للذراعين. الأصل: أنه إذا قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - في الوضوء: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ): أنه في وقت الأمر يفعل الغسل إلى المرافق غير مخاطب بغسل الكفين على حق غسل الذراع؛ إذ
(44)
قد أمضى غسل فرضها، من قبل؛ فصارت الآية كأنها في غسل الذراع بالأمر بغسل اليد، وعرف بذلك غسل الكف لا بها، فمثله أمر التيمم؛ فصارت الآية كأنها في حق الذراع، ودخل الكف في ذلك بالخبر على أن أمر الطهارة فيما أضيفت إلى عضو أو بدن لم يحد لم يدخل كالمضاف إليه في الاشتراك بقضاء حقهما، نحو الجنابة، والوجه، والرأس، فكذلك أمر اليد في التيمم، لكن قصر عن التمام، بدلالة بيان السنة وعموم الفتيا، وما لا يشك في قضاء حكم الوضوء، وليس هو في بعض اليد فلا يجعل فيما ليس هو فيه بدله؛ إذ حقه التقصير عن كمال وظيفة الأصل، لا الزيادة عليه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا) لما مضى من الذنوب (غَفُورًا) لما يستقبل. والعفو: الصفح والمحو، والغفر: الستر، هو يعفو عنه، ويستر على صاحبه. أو يعفو من التجاوز؛ فيختلف اللفظ على إرادة معنى واحد. * * * قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا) يقول: أعطوا حظًّا من علم الكتاب، وهم علماؤهم، يشترون الضلالة بعلم الكتاب. ويحتمل: يشترون الضلالة بالهدى، وكذلك قيل في حرف حفصة على ما ذكر في
(45)
غير هذه الآية: (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى)، وذلك أنهم كانوا آمنوا بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قبل أن يبعث، فلما لم يبعث على هواهم، كفروا به؛ كقوله - تعالى -: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ). ويحتمل: يشترون ضلالة غيرهم بالتحريف، والرشاء، ونحو ذلك؛ كقوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)، وقوله: (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا). (أَلَمْ تَرَ) حرف التعجب عن أمر قد بلغه؛ فيخرج مخرج التذكير، أو لم يبلغه؛ فيخرج مخرج التعليم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) يحتمل وجهين: (وَيُرِيدُونَ) أي: يتمنون أن تضلوا السبيل؛ لتدوم لهم الرياسة والسياسة؛ إذ كانت لهم الرياسة على من كان على دينهم، ولم يكن لهم ذلك على من لم يكن على دينهم؛ فتمنوا أن يكونوا على دينهم؛ لتكون لهم الرياسة عليهم. وقيل: (وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) أي: يأمرونهم ويدعونهم إلى دينهم؛ لما ذكرنا من طلب المنافع، وإبقاء الرياسة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ... (45) كأنهم - واللَّه أعلم - يطلبون موالاة المؤمنين، ويظهرون لهم الموافقة، فنهي اللَّه - تعالى - المؤمنين عن موالاتهم؛ كقوله - تعالى -: (لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا). . .)، إلى قوله - سبحانه وتعالى -: (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ. . .) الآية، فأخبر اللَّه - تعالى - المؤمنين أنه أعلم بأعدائكم منكم. ويحتمل أن يكون المؤمنون استنصروهم، واستعانوا بهم في أمر، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنهم أعداؤكم، وهو أعلم بهم منكم. ثم قال: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) أي: كفى به وَلِيًّا ومعينًا، وكفي به ناصرًا. ويحتمل قوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) مما أعطاكم من أعطاكم؛ أي: لا ولي أفضل من اللَّه - تعالى - ولا ناصرًا أفضل منه، منه البراهين والحجج، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ... (46) وفي حرف ابن
مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا)، (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) على الاستئناف، والابتداء خبر، وفي حرف غيره: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) - معناه واللَّه أعلم: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من الذين هادوا، لا ذكر للنصارى في ذلك. وفي حرف ابن مسعود - رضي اللَّه عنه - ذكر النصارى في الذين أوتوا نصيبًا. وفي حرف حفصة - رضي اللَّه عنها -: " من الذين هادوا من يحرف الكلم عن مواضعه ". ثم تحريف الكلم يحتمل وجهين: يحتمل: تغيير المعاني وتبديل التأويل على جهالهم؛ كقوله - تعالى -: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ. . .) الآية. ويحتمل: تغيير اللفظ والكتابة نفسها؛ كقوله - سبحانه وتعالى -: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) قيل: سمعنا قولك، وعصينا أمرك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) قيل: اسمع قولنا غير مسمع، أي: غير مجيب. وقيل: اسمع قولنا غير مسمع لا سمعت؛ على السب. وقوله: (وَعَصَيْنَا) الإسرار به منهم أظهره اللَّه - تعالى - عليهم؛ ليكون آية للرسالة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرَاعِنَا) قيل: يقولون لمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: راعنا سمعك.
وقيل: (وَرَاعِنَا): أرعنا حقوقنا؛ وهو من الرعاية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) أي: تحريفًا، والتحريف ما ذكرنا؛ كقوله - تعالى -: (يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ. . .) الآية. وقيل في قوله - تعالى -: (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) أي: اسمع يا مُحَمَّد منا قولنا غير مسمع منك قولك، ولا مقبول ما تقول. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) أي: لو قالوا: سمعنا قولك، وأطعنا أمرك، وانظرنا فلا تعجل علينا ننظر. وقيل في قوله: (وَانْظُرْنَا): أفهمنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) مما قالوا: سمعنا قولك وعصينا أمرك، لكان خيرًا لهم في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا: فدوام الرياسة التي خافوا فوتها لو أطاعوه واتبعوه؛ إذ قد مَن آمن منهم وأطاعوا نبيه فلم تذهب عنهم الرياسة والذكر في الدنيا؛ بل ازداد لهم شرفًا وذكرًا في الحياة وبعد الممات، وأمَّا في الآخرة فثواب دائم غير زائل أبدًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأقوَمَ) أي: أعدل وأصوب لما ذكرنا. (وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ) واللعن: هو الطرد، طردهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - من رحمته ودينه، لما علم منهم أنهم لا يؤمنون باختيارهم الكفر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) قيل: والقليل من أسلم؛ من نحو ابن سلام وأصحابه وغيرهم. وقيل: قوله - تعالى -: (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) منهم، أو لا يؤمنون إلا بالقليل من
(47)
الكتب والأنبياء، عليهم السلام؛ كقوله - تعالى -: (نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ). * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) دلت هذه الآية أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب؛ ولا ممن أوتوا الكتاب؛ لأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) أي: موافقا لما معكم وليس عند المجوس كتاب حتى يكون المنزل على مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مصدقًا لما معهم. ثم قوله: (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) أي: موافقًا لما معكم، وإنَّمَا كان موافقًا لما معهم بالمعاني المدرجة فيه والأحكام، لا بالنظم واللسان؛ لأنه معلوم أن ما معهم من الكتاب مخالف للقرآن نظمًا ولسانًا، وكذلك سائر كتب اللَّه - تعالى - موافق بعضها بعضًا معاني وأحكامًا، وإن كانت مختلفة في النظم واللسان؛ دل أنها من عند اللَّه - تعالى - نزلت؛ إذ لو كانت من عند غير اللَّه كانت مختلفة؛ ألا ترى أنه قال: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)، ففيه دليل لقول أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حيث أجاز الصلاة بالقراءة الفارسية؛ لأن تغير النظم واختلاف اللسان لم يوجب تغير المعاني واختلاف الأحكام، حيث أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه موافق لما معهم، وهو في اللسان والنظم مختلف، والمعنى موافق.
ثم يحتمل قوله: (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) بصفته، ونعته، ونبوته، ومبعثه، وزمانه، فيه فيما معكم، لا يخالف في شيء من ذلك. ويحتمل: أنه هو النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الذي آمنتم به قبل أن يبعث، فكيف كفرتم باللَّه؟! واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا. . .) الآية. قيل: لما نزلت هذه لآية قدم عبد اللَّه بن سلام على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فأسلم، وقال: يا رسول اللَّه، ما كنت أرى أني أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي. وقيل: طمسها: أن تعمى أبصارها، وردها على أدبارها. وقيل: طمس الوجوه: أن تعمى، وترد عن بصرتها، وذلك أنهم كانوا مؤمنين بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مستيقنين بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه نبي اللَّه، يجدونه في كتبهم، يقول: حققوا إيمانكم بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبكتابه من قبل أن نضلكم عن هداكم؛ فتصيروا ضُلَّالًا؛ فلا تعلمون ما كنتم تعملون. ويحتمل أن تكون الآية خرجت على الوعيد، وهي على التمثيل، لا على التحقيق. ويحتمل: على التحقيق؛ كقوله - تعالى -: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ) ويحتمل أن يكون هذا في الآخرة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ أيضًا -: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا) يحتمل الحقيقة؛ فيرجع إلى يوم القيامة، فيذهب عنه جميع محاسن الوجه. أو نطمس وجوه الحق عنه بمعاندته، فيبصر الحق بغير صورته والباطل بغير صورته بعد أن كانوا رأوا كل شيء بصورته في كتبهم المنزلة، واللَّه أعلم. أو نطمس وجوههم عند أتباعهم الذين لأجلهم غيروا وحرفوا بما يطلعهم على خيانتهم، ويظهر لهم تبديلهم، وقد فعل بحمد اللَّه تعالى. وقد يحتمل الوعيد: أن يفعل بهم إن لم يؤمنوا حقيقة ذلك؛ كفعله بأصحاب السبت، تغير الجوهر، ثم لعل أُولَئِكَ قد أسلموا، أو نزل بهم ولم يذكر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا)
(48)
أي: كان بأمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - مفعولا، كما يقال: الجنة رحمة اللَّه، والمطر رحمة اللَّه، أي: برحمة اللَّه، فعلى ذلك معنى قوله - سبحانه -: (أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) أي: بأمر الله كان مفعولا. ويحتمل قوله: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا)، أي: عذاب اللَّه نازلا بهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (48) أجمع الناس أن اللَّه، يغفر الذنوب كلها: الشرك وما دونه إذا انتهى وتاب بقوله - تعالى -: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) دل أن إطماع المغفرة لما دون الشرك لمن لم ينته عنه. وقال الخوارج: الكبائر كلها إشراك باللَّه، فمن ارتكبها دخل تحت قوله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)، والمسألة بيننا وبينهم في ذلك، فيقال لهم: المعنى الذي صار به مشركا عندكم بارتكابه الكبيرة ذلك المعنى موجود في ارتكابه الصغائر؛ فيجيء أن يكون كافرًا، فإذا لم يصر بذلك كافرًا لم يصر بارتكابه الكبائر كافرًا. وقالت المعتزلة: صاحب الكبيرة يخرج من الإيمان، ولا يدخل في الكفر. وقال أبو بكر الأصم: ظهر الوعيد في الكبائر، وشرط المغفرة لما دون الشرك بقوله - تعالى -: (لِمَنْ يَشَاءُ) فهو للصغائر؛ كقوله: (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ) أخبر أن من السيئات ما يكفر، ومنها ما لا يكفر، فهو للصغائر. وأمَّا عندنا: فإن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أطمع المؤمنين المغفرة ما دون الشرك، ولو كان لا يجوز في العقل المغفرة لكان لا يطمع؛ لأنه لا يجوز أن يطمع ما لا يجوز في العقل، فإذا أطمع دل أنه يجوز في العقل المغفرة لما دون الشرك، ثم له المشيئة: إن شاء عذبهم، وإن شاء عفا عنهم. وأما إطماع المغفرة في الشرك: فإنه لا يجوز في العقل؛ لأن من اعتقد دينا إنما يعتقده
للأبد، وليس كل من ارتكب ذنبًا يرتكبه للأبد؛ بل إنما يرتكبه لقضاء شهوة تغلبه، فهو يندم على إثره؛ لذلك قلنا: يجوز في العقل إطماع المغفرة لما دون الشرك، ولا يجوز للشرك، وباللَّه التوفيق. ووجه آخر: أن الوعيد الذي ذكرته يحتمل الاستحلال، والاستخفاف بالأمر والنهي، فلا يتزل بما أطمع بهذه الآية من المغفرة؛ فيزال الطمع والرجاء بالوعيد المتوجه وجهين أو يوقف فيهم؛ فأما القطع في أحد الوجهين بالمحتمل ومنع القطع بالآخر للاحتمال فهو تحكم، ولا قوة إلا باللَّه. ووجه آخر: أن الآية في التفصيل بين المحتمل للغفران والذي لا يحتمل، فإذا صرفت إلى الصغائر فيبطل تخصيص اسم الشرك، ويلتبس على السامع محله، وليس أمر الوعيد فيما جاء بموضع التفصيل، بل الذي جاء بحق التفصيل ذكر الغفران بالتكفير، والتكفير يكون مقابلة الجزاء من حسنات أو عقوبات؛ كقوله - تعالى -: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ. . .) الآية، واللَّه الموفق. ووجه آخر: قال اللَّه،- عَزَّ وَجَلَّ -: (لِمَنْ يَشَاءُ) وهذا كناية عن الأنفس المغفورات، لا عن الآثام التي تغفر، لم يجز صرف التخصيص إلى الآثام بالآية المكنى بها عن الأنفس، وفي آيات الوعيد تحقيق في الذين جاء بهم، وفيما جاء عامًّا؛ فبان لا صرف في ذلك، فهو أولى، واللَّه الموفق. وبعد، فإنه - عَزَّ وَجَلَّ - قال: (لِمَنْ يَشَاءُ) والصغائر عندكم مغفورة بالحكمة لا بالوعد، والآية في التعريف، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله - تعالى - أيضًا: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) فمعلوم: أنه فيما يلزمه حتى يختم به، لا فيما يتوب عنه؛ أيد ذلك قوله: (إِن يَنتَهُوا يُغْفَر لَهُمْ. . .) الآية، وغير واحدة من الآيات التي جاءت في الكفرة لما آمنوا، واللَّه أعلم؛ فصار كأنه قال: لا يغفر أن يشرك به إذا لم يتب عنه، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وإن لم يتب منه، فلو كان شيئًا مما دونه لا يحتمل في الحكمة المغفرة لضمه إلى الممتنع عن الاحتمال، لا أن ألحقه بالمحتمل له فيما كان معلومًا أن القصد فيه إلى بيان ما فيه الرجاء والإياس، وأيد ذلك
(49)
قوله - تعالى -: (لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)، فلو كان يلزم الإياس لما دونه ليجب الوصف له بالكفر؛ إذ الإياس لهم بالكفر وفي تحقيقه تحقيقُهُ، فأي الوجهين لزم تبعه الآخر في حق الإياس، لا في وجود فعله؛ إذ قد يوجد فعل الرجاء في الكفرة، ثبت أن ذلك في الحكم والتحقيق، لا في وجود الفعل، وباللَّه التوفيق. * * * قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) قيل: هم اليهود، جاءوا بأبنائهم أطفالا، فقالوا: يا مُحَمَّد، هل على أولادنا هَؤُلَاءِ من ذنب؟ قال: " لا "، قالوا: فوالذي يُحْلَفُ به ما نحن إلا كهيئهم، ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كُفِّرَ عنا بالليل، وما عملنا بالليل إلا كُفِّرَ عنا بالنهار، فذلك التزكية منهم. وقيل: تزكيتهم أنفسهم بقولهم: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، لا ذنوب لنا. ويحتمل: أن تكون تزكيتهم أنفسهم ما قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)، وكان أكثر الأنبياء - عليهم السلام - إنما بعثوا من بني إسرائيل، وكانوا يزكون أنفسهم بذلك، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنهم كانوا مفضلين على غيرهم، لكن لما فضل غيرهم عليهم صار أُولَئِكَ المفضلون دونهم وذلك، قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) يفضل من يشاء، أو يبرئ من يشاء من الذنوب. ثم التزكية تذم؛ أن يزكي أحد نفسه؛ لأن التزكية هي التنزيه من العيوب كلها والذنوب، وذلك مما لا يسلم أحد منها، ولا يبرأ، ولا يستحق مخلوق، وذلك معنى النهي: (فَلَا
تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ)، إذ تخرج التزكية مخرج التكبر، وذلك لجهله بنفسه لما لا يرى غيره شكل نفسه ولا مثله فيتكبر عليه، ولو عرف أنه مثله وشكله ما تكبر على أحد قط، ولا زكي نفسه. وقول الرجل: أنا مؤمن، ليس ذلك منه تزكية، إنما هو إخبار عن شيء أكرم به، والتزكية هي التي يرى ذلك من نفسه. وقوله -أيضًا-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) ليس في إظهار الإيمان تزكية؛ لما لا يخلو من أن تظهر لمن أبى مشاركتك فيه، فعليك الإظهار بحق الدعوة إليه؛ لتدعوه إلى ما تدين به، أو هو يشاركك فيه، والتزكية -في الحقيقة- فيما يوجب تقديمك، وليس في هذا. وأيضًا: إن القول بالإيمان ليس بمقدر عن معنى العبادة، أو سبب فيه علو من حيث ذلك، إنما هو خبر عن أمر هو في اللغة تصديق، والتصديق بأمر هو كذلك ليس بالذي يعد في الرتب، بل على كل ذلك، ولا أحد إلا وقد يؤمن بأشياء ويصدق، فليس في القول به منقبة، وكذلك ما من أحد إلا وعليه التكذيب بأمور، فلا بالتكذيب في الإطلاق لوم، ولا بالتصديق بالإطلاق مدح؛ إذ كل في ذلك، لكن الذم في تكذيب يكذب به، فيكون من حيث كذبك ذممت، ثم تتفاوت على تفاوت درجات الكذب. ثم التصديق لو كان ثم مدح فهو بصدقه أيضًا، ولا أحد يخرج الصدق كله؛ فيصير المرء بوصفه نفسه صادقًا في شيء تزكية ومدحًا، ولا قوة إلا باللَّه. على أن للإيمان حدًّا، وكل عبادة ذات حد، فلا امتداح ممن قد أداها بالإخبار عن الأداء، وبخاصة الفرائض منها، نحو من يقول: قد صليت الظهر، أو أديت زكاة مالي،
(50)
أو حججت، أو نحو ذلك، وفيما يقول: هو بر، أو تقى، أو حبيب اللَّه - تعالى - أو نحو ذلك مما يرجع ذلك إلى ما لا يعرف حده من الخيرات، فهو بذلك يرتفع على الأمثال، ويفتخر عليهم، فيما لو كان صادقًا كان في ذلك منه إغفال عن حق ذلك، ولو كان كاذبًا كان ذلك جائزًا فيه، ممقوتًا بالكذب، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: الفتيل: ما فتلت بين أصبعيك. والنقير: ما يكون وسط النواة. وقيل: النقير والقطمير: قشر النواة. وقيل: الفتيل -أيضًا-: ما يكون وسط النواة. وقيل: النقير: الذي يكون في ظهر النواة، وهو على التمثيل. وقيل في حرف حفصة: (ألم تر إلى الذين قالوا إنا نزكي أنفسنا بل اللَّه يزكي من يشاء). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) الآية ظاهرة. وقوله - عَزَّ وَجَلٍَّ -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ... (51) قيل: أعطوا حظًّا من الكتاب، وهم علماؤهم. (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) اختلف فيه: قيل: الجبت: الشيطان، والطاغوت: الكاهن. وقيل: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال: الجبت: الشيطان بكلام الحبشة،
(52)
والطاغوت: كهان العرب. وقيل: الجبت: الكاهن، والطاغوت: الشيطان. وقيل: الجبت: حيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف. يخبر - عَزَّ وَجَلَّ - عن سفههم بإيمانهم بهَؤُلَاءِ وحسدهم محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، ويحذر المؤمنين من صنيعهم؛ لأن هَؤُلَاءِ كانوا علماءهم مؤمنين بالجبت أوالطاغوت، (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا). قيل في القصة: إن هَؤُلَاءِ أتوا مكة؛ ليحالفوا قريشًا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قبل أجله، ففعلوا، فدخل أبو سفيان البيت في مثل عدتهم، فكانوا بين أستار الكعبة، فتحالفوا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعلى أصحابه - رضي الله عنهم -: لتكونن كلمتنا واحدة ولا يخذل بعضنا بعضا، ففعلوا، ثم قال أبو سفيان: ويحكم يا معشر اليهود، أينا أقرب إلى الهدى وإلى الحق، أنحن أم مُحَمَّد وأصحابه؟ فإنا نعمر هذا المسجد، ونحجب هذه الكعبة، ونسقي الحاج، ونفادي الأسير، أفنحن أفضل أم مُحَمَّد وأصحابه؟ قالت اليهود: لا، بل أنتم؛ فذلك قوله - تعالى -: (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا). وفي حرف حفصة: (ويقولون للذين أشركوا هَؤُلَاءِ أهدى من الذين آمنوا سبيلا). ثم قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) واللعن يكون على وجوه: اللعن: هو العذاب. وقيل: (لَعَنَهُمُ اللَّه): عذبهم اللَّه.
(53)
واللعين: هو الممنوع عن الإحسان والإفضال. وقيل: هو الطريد، أي: طردوا من رحمة اللَّه وإفضاله وإحسانه. قال: الطاغوت: هو اسم اشتق من الطغيان: كالرحموت والرهبوت، من الرحمة والرهبة، ونحو ذلك، سمي به كل من انتهي في الطغيان غايته، حتى استحل أن يُعْبَدَ هو دون اللَّه، فهو طاغوت، وعلى ذلك تأويل قوله - تعالى -: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ) أي: بعبادة كل من عبد دون اللًه. وقيل: هم مردة أهل الكتاب. وقيل: هو الشيطان. وقيل: الصنم، وذلك كله يرجع إلى ما ذكرت. وقيل في ذلك: كاهن، وقد سمي جبتًا. وقيل في الجبت: السحر، فإن كان الجبت السحر فهو على ما قال: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ... ) الآيات، وأي شيء مما ذكرت قد كانوا آمنوا بذلك، فعيرهم اللَّه - تعالى - وسَفَّهَ أحلامهم بالإيمان بمن ذكرت، ومظاهرتهم على ما لهم من الأتباع [على رسول رب العزة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعد علمهم بموافقته - عليه السلام -] (¬1) رُسُلهُم وتصديقه بكتبهم؛ وعلمهم بعدول أُولَئِكَ عن هذه الرتبة؛ بغيا وحسدًا، وكان في إظهار ذلك عليهم بيان الرسالة، وإعلام أتباعهم تحريفهم كتب الرسل، وإبداء ما في قلوبهم من الحسد؛ لتزول الشبهة عن الأتباع، وتظهر المعاندة في المتبوعين، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) اختلف فيه: قيل: لو كان لهم نصيب من الملك فإذن لا يؤتون الناس نقيرًا من بخلهم، وقلة خيرهم. ¬
(54)
وقيل: لهم نصيب من الملك من الشرف والأموال والرياسة فيما بينهم، لكن ألا يأتون الناس، نقيرًا، فكيف يتبعونهم؟!. وقيل: قوله - سبحانه -: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ) أي: ليس لهم نصيب من الملك فكيف يؤتون الناس شيئًا؟! إنما الملك لله - عز وجل - هو الذي يؤتى الملك من يشاء؛ كقوله - تعالى -: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ. . . .) الآية، إنما يستفاد ذلك باللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لا بأحد دونه، واللَّه - تعالى - أعلم. * * * قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) يقول: بل يحسدون محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على ما آتاه اللَّه من فضله من الكتاب والنبوة؛ يقول اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ردا عليهم: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، فلم يحسدوه، فكيف يحسدون محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بما آتاه اللَّه - تعالى - من الكتاب والنبوة، وهو من أولاد إبراهيم، عليه السلام؟! فهذا - واللَّه أعلم - معناه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) قيل: أراد الملائكة والجنود. وقيل: هو ملك سليمان بن داود، وداود كان من آل إبراهيم، عليه السلام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ) يعني: محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - (عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) يعني: من كثرة النساء، لكن ذلك ليس بحسد، إنما هو طعن طعنوه، وعيب عابوه؛ لأن الحسد هو أن يرى لآخر شيئًا ليس له؛ فيتمنى أن يكون ذلك له دونه، وقد كان لهم نساء، لكنه إن كان ذلك فهو طعن طعنوه، وعيب عابوه على كثرة النساء، ويقولون: لو كان نبيًّا لشغلته النبوة عن النساء، ويقولون: يحرم على الناس أكثر من أربع، ويتزوج تسعًا وعشرًا؛ فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ردَّا عليهم: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ. . .) وكان لداود تسع وتسعون امرأة، وما قيل -أيضًا- إن لسليمان - عليه السلام - ثلاثمائة سرية وسبعمائة حرائر. إن ثبت ذلك: فكثرة النساء له لا تمنع ثبوت الرسالة والنبوة، وإنما تمنع كثرة النساء لأحد شيئين: إما لخوف الجور، وإما للعجز عن القيام بإيفاء حقهن. فالأنبياء - عليهم السلام - يؤمن ناحيتهم الجور، وكانوا يقومون بإيفاء حقهن مع ما كان قيام رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خاصة لتسع أو لعشر من النساء من آيات النبوة؛ لأنه كان معروفًا بالعبادة لله ليلًا، وبالصيام له نهارًا، وتحمل الجوع وأنواع المشقة تباعًا، ومعلوم في الخلق أن من كان هذا سبيله لم يقدر على وفاء حق امرأة واحدة؛ فضلًا أن يقوم لإيفاء حق العشر وأكثر؛ فدل أنه باللَّه قدر على ذلك، وعلى ذلك قيام داود - عليه السلام - لمائة من النساء، وقيام سليمان - عليه السلام - لألف منهن، فذلك من آيات النبوة؛ لما ذكرنا: أنه ليس في وسع أحد سواهم القيام بذلك.
وكذلك في قيام رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لإظهار هذا الدِّين من غير اتباع كان له، أو ملك، أو فضل سعة - دليل أنه كان بنصر اللَّه أظهر، ويعوذه به جميع هذا الخلق على دينه. وفي قوله -أيضًا-: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ. . .) الآية تحتمل وجهين: أحدهما: المحاجة: أن كيف يحسدون محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأتباعه من آل إبراهيم وأولاده بما خصهم به من فضله، ولم يزل ذلك في آل إبراهيم، ولم يكونوا حسدوهم. وعلى هذا قوله - تعالى -: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ) أي: بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أو بكتابه الذي أنزل عليه. والثاني: أن يكون على التصبير على أذاهم الذي كان منهم بالحسد مما كان هذا فيمن تقدمه من آل إبراهيم، ومن فضله، ومن الحساد لهم في ذلك، والمؤذين لهم، فصبروا، ولم يكافئوهم؛ نحو قوله - تعالى -: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ): أي: بإبراهيم - عليه السلام - أو بما أنزل إليه، أو آله، واللَّه أعلم. الأصل في اختلاف التأويل الآية واحدة فيما يجب في ذلك من الحق أنه على أقسام: أحدها: أنه يتسع الكل. ويحتمل: دخول الكل في المراد. ويحتمل: إرادة البعض؛ فإن كان ذلك مما يجب العمل به يلزم طلب الدليل على الموقع للمراد، فإن وجد من طريق الإحاطة شهد عليه بالمراد، وإن لم يوجد عمل به على حسب الإذن في العمل به بالاجتهاد من غير الشهادة عليه أنه المقصود لا غير، واللَّه أعلم. وإن كان ذلك مما لا يجب العمل به وإنما حقه الشهادة، يشهد به على ما هو في الحكمة وجوب تلك الشهادة من غير أن يقضي على الآية بقصد ذلك إذا كانت بحيث تتسع له ولغيره؛ نحو القول بأنه سميع عليم على إثر أمورهم من أدلة الخصوص، لو
كانت تحتمل الخصوص، وفي الحكمة أنه سامع كل صوت، وعليم بكل شيء، فبه يشهد، ولا يقال في ذلك: إنه أراد ذا من الخاص، نحو قوله - تعالى -: (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، قال قوم: لا يقع الطلاق حتى يوقع؛ لأنه ذكر أنه سميع ولو أوقع الطلاق بغير قول، لم يكن لذكر السميع في هذا الموضع فائدة. وقال قوم: (سَمِيعٌ) لإيلائه؛ إذ هو قسم ينطق به، (عَلِيمٌ) لعزمه، وقد ذكر (سَمِيعٌ عَلِيمٌ)؛ فيجب توجيه كل حرف إلى وجه، ليفيد حقيقة ذلك في هذا الموضع، ولو كان لا يقع دون القول لكان كل أمره مسموعًا؛ ليلتقي القول بأنه سميع عن القول بأنه عليم. وفي جملة العقد من طريق الحكمة أنه سميع بكل صوت، عليم بكل شيء، لكن في النوازل يتوجه وجهين لا يجب القطع عليه في الإرادة إلا أن يجيء ما يوجب الإحاطة، وقد عمل به الخلق على الاختلاف، واللَّه أعلم. ووجه آخر من التأويل: أنه يحتمل وجوهًا لا يسع للكل في حق العمل أو في حق الشهادة، لكنها لأحد الحقين، فإن كان ذلك في حق العمل يجب طلب دليله، ويكون الدليل على وجهين: أحدهما: أن يوجب على حق العمل والشهادة جميعًا. والآخر: أن يوجب على حق العمل خاصة، وقد بينا ذلك. وإن كان في حق الشهادة فيجب الوقف في تحقيق المراد، والتسليم لله حتى يظهر، وذلك في حق إضافة الاستواء إلى اللَّه - تعالى - على العرش، والقول بالرؤية من حيث يثبت ما به يرى على الإشارة إليه، لا بالإحاطة، ونحو ذلك من الأمور، واللَّه أعلم. ووجه آخر: أن يكون احتمال وجوهها إنما يكون بمقدمات، فيختلف على اختلاف تلك المقدمات، فلا يجوز تأويل تلك إلا بمعرفة المقدمة، إذا لم يكن فيها غير معرفة الموقع من المقدمة؛ نحو قوله - تعالى -: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ)، لم يكن لأحد تأويل واحد من الوجهين حتى يعلم بالسمع أنه فيم كان مشغولا. وقوله - تعالى -: (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا)، لم يكن لأحد طلب مراد قائله أو تأويل مراده، ولا يظفر به إلا بالوحي، ولا قوة إلا باللَّه.
والقول في حقه إلى أن يتبين ما كان في حق الشهادة، فلازم الوقف فيه حتى يظهر، وما كان في حق العمل، فإن كان في نوع ما يحتمل الاحتياط فحقه القيام به حتى يظهر دليل التوسيع، ودليل التوسيع على الوجهين اللذين ذكرت، وإن كان فيما لا يحتمل الاحتياط فحقه التوقف حتى يظهر واللَّه أعلم. ولا يخلو شيء إلا أحد الوجهين به حاجة من دليل يكون له. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) أي: غير الجلود النضيجة؛ كقوله - تعالى -: (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، أي: تجدد ما قد فني، وكذلك أعيد ما قد كان من الجلود قبل النضج جديدًا في رأي العين من حيث صار الأول نضيجًا، لا أن كان هذا غير الأول، بل هو الأول غير نضيج؛ إذ ذلك نعت الأول، وتعذيب ما كان ارتكب المعصية؛ لأن التعذيب -في الحقيقة- على غير الذي أثم فيه. وقال قائلون: الجلود والعظام ونحو ذلك لم تكن عصت ولا أطاعت، بل استعملت قهرًا وجبرًا، لا أنها عملت طوعًا، لكن الذي به عملت والذي استعملها في الجسد به يتلذذ ويتألم، فهو المعذب والمثاب بما صدر من الجسد؛ ألا ترى أن أجساد أهل الجنة تزداد الحسن والجمال، وجعل لأهلها حدا لا يزداد ولا ينتقص، وأجساد أهل النار مشوهة قبيحة؛ ليكون لهم في التقبيح عقوبة، وللأول بالتحسين ثواب، فكانت فيها أحوال للجزاء لم تكن للأعمال، فثبت أن المثاب والمعاقب ما ذكرت، لكنه يتألم ويتلذذ، فجعلت على ما بها تمام اللذة والألم من الأجساد لا على إعادة أنفس تلك الأجساد، بل على التجديد، كما ذكره في القرآن، وكذلك المقطوع على بعض الأعضاء في حال الكفر إذا أسلم يبعث سليمًا، لا كذلك، ومثله في حال الإسلام لو أريد لم يرفع عنه ألم ذلك؛ فدل الذي ذكرت على حق تجدد الثاني على ما شاء اللَّه والذي به كان المأثم والبر على ما قد كان، واللَّه أعلم. وللمذهب الأول أن الجزاء هو لما يختم عليه؛ إذ لو كان إسلام لتمنى لنفسه أحسن الأحوال، وأسلم البنية ليستعملها بالخير، فأوجب ذلك إبطال جميع السيئات كانت بجوارح ذهبت أو بقيت، وكذلك من اختار الكفر فقد آثره، واختار أن يكون على ذلك،
وإن سلمت جوارحه وتمت فلزمه حكم احتياط جميع ما تقدم بكل فائت منه وباق، وفي الأول استوجب جعل جميع ما تقدم منه بالفائت والباقي حسنات لما ندم عن الكل بكل الجوارح، فلحق حكم تبديل السيئات بالحسنات في الكل؛ فيكون على حكم إعادة الأولى بحق التجديد في المعنى - واللَّه أعلم - نحو قوله - تعالى -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)، وقوله: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ. . .) الآية. وفي الإعادة كقوله - تعالى -: (من يُعِيدُنَا. . . .) الآية، وقوله - عز وجل -: (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. . .) الآية، وغير ذلك من آيات البعث، واللَّه أعلم. وقال قائلون: الواجب من العقوبة للكفر، وغيره بحكم التبع له، وكذلك الثواب الواجب منه للإيمان، ولغيره بحكم التبع، بل به قام، والأول به سقطت عنه مشيئة العفو، فصار الذي به الجزاء خاصًّا، وغيره بحكم التبع يزداد وينتقص؛ فعلى ذلك أمر الجزاء والتجديد والإعادة، وكل ذلك للذي هو بحق التبع، والاتباع في الشاهد بتجدد أعين الأفعال، ولا يدوم، والاعتقاد في الأمرين يدوم، فعلى ذلك أمر الجزاء ولذلك، واللَّه الموفق. ولهذا الوجه ما يبطل الخلود لما سوى الكفر؛ إذ في ذلك إبطال الجزاء الدائم من حيث الأفعال، وإدامة الجزاء المنقطع من حيث الأفعال، فيكون فيه زيادة في العقوبة على المثل، واللَّه يقول: (فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا)، واللَّه الموفق. ثم اختلف في المبعوث أنه يبعث بجسده أو يبعث الروحاني منه، سمته بعض الفلاسفة نفسًا، وبعضهم جوهرًا روحانيًّا، وبعضهم بسيطًا، فإن كل جسد فيه روحاني في حياته ومنافعه؛ وجسده له كالمانع عن جميع ما يحتمل من الأمور؛ إذ الجوهر الروحاني لطيف، ينفذ في الأشياء، ويتخلل إلا بالحابس، يبين ذلك أمر النائم أن النفس تخرج لقوله - تعالى -: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)، أو هي مما يسكن الجوارح وينقطع عنها هم الجسدية يرجع إلى حصة جوهره فيرأها تطوف في البلاد النائية،
وفي الأمكنة العلوية، حتى لا تصفها أرض ولا سماء تأتي بالأخبار عنها كأنها شاهدة، أما ما كان ذلك عملها بالجوهر حيث يكون من النفاذ إذا لم تحبس، أو هي بالجوهر تخرج فتعمل ذلك وهي تسمع وتبصر وتعقل في المنام كأنها بالجسد كذلك؛ فدل أن العمل في حال اليقظة وما له الجزاء لها، فعلى ذلك أمر الجزاء، وعلى ذلك جميع الجواهر التي بها الأغذية والحياة ليست بأعين تلك الأشياء، ولكن بما جعل في سريتها من الروحاني، وهي القوى التي تظهر في البدن إلى كل أجزاء البدن، فتقوى وتصح فيه بحياة روحه، وتزول عنه الآفات، وكذلك عن السمع والبصر والعقل حل شيء ثم تلقي فعله؛ فعلى ذلك أمر المعاد من الجزاء فهو على ذلك، وكذلك الثواب يكون من كل موعود مما يعرف في الشاهد بجسده ويرجع إلى السرية التي هي روح لذلك فيكون هو الثواب؛ لما هو بحكم روح في الجسد؛ ألا ترى أنه لا يبقى في الآخرة بالأكل الأجساد التي تلقى، وهي الأثقال التي تفضل في الجسد، ويخرج عنها جميع ما فيها من الأقوية والروح، فثبت أن الأمر يرجع إلى ما ذكرت، وهذا معنى قوله - عليه السلام -: " مَا لَا عَينٌ رَأَتْ، وَلَا أذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ " لأن ذلك الجوهر لا تراه العين، ولا تسمعه الأذن في الشاهد، ولا يخطر على القلب، وتكون لذة ذلك روحانيًّا، لا هذه لذة الحياة بحياتها السمع والبصر، وكل باطن في الجواهر ولذة الأجساد إنما يكون باللهاة في الطعم، وبالعين في اللون، وهذا النوع، فيذهب هذا، ويكون الأول، وعلى ذلك تذهب العبادات الجسدانية، وتبقى الروحانية من الحمد، والثناء، والتعظيم، والهيبة، والمعرفة، ونحو ذلك يبقى أبدًا، بل يزداد؛ لما يذهب عنها الحواجب من الجسداني، وعلى ذلك يبطل تقدير الرؤية، وإبطاله مما عليه أمر الشاهد لذهاب ما به كونها في الشاهد، ورجوع الأمر إلى ما يحاط به على سقوط الحواجب، واللَّه أعلم. اختلف من ذكرت في أمر البعث:
فمنهم من لا يرى على ما في الجسد من الروحاني فناء، والبعث هو إسقاط الأجساد وخروج ما فيها من الروحاني بصورها. ومنهم من يقول: تفنى وتعاد على حالها، ومعلوم أن ذكر الجديد لا يحتمل بلا ذهاب الأصل، وذكر الإعادة بلا فوته، وقال: (مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وجعل إنشاء الأولى دلالة للأخرى، وليس ثَمَّ أخرى، بل هي الأولى، والأولى هي -على ما يزعمون- غير معروفة عند المنكرين؛ فيحتج عليهم بها، بل يجب أن يعرفوا الأولى أولا، ثم يساعدوا على نفي البعث، ويلزموا الإظهار. والدهرية ومنكري البعث يقولون في جميع العالم بالظهور بعد الكون، وبالكون في الأصول بالقوة، ثم الظهور بالفعل، فكيف ينكرون البعث ليحتج عليهم بالخلق الأول؟! واللَّه أعلم. وقال قوم بالبعث بالأجساد على ما كانت، لكنها كانت في الدنيا منشأة للفناء، مشتمل عليها آثار الفناء، ويحيط بها أعلام الهلاك، ومن آفات كلها وسواتر تحجبن عن أعمال لطائف الجواهر، وعن إدرإك الروحانيين، وإلا فهي كما وصفهم إلله - تعالى - أنه خلقهم في أحسن تقويم، وكرمهم بأقوم جوهر، وأكمل أسر، وأنقى خلقة، فإذا وقعت عليهم الآفات، وأعيدوا للبقاء؛ فيزول عنهم جميع الظلمات التي هن حواجب وسواتر لهم على الإحاطة بحقائق الأضياء وبواطنها، وعلى شكلهم تنشأ الأجساد المجعولة أجزاء لهم، فيلحقون بجميع اللطائف جسدا بما فيها من الجوهر الروحاني وتصير هذه في اللطف كذلك الجوهر، وهي لما تنقل إلى ألطف من ذلك، وأنور لهم كالأرواح؛
فيفضلون على الروحانيين بأجساد فيها معانيها من اللطافة، والنفاذ في الأمور التي هي كالروحانيين في التمثيل وما فيهم حق الروحانيين ألطف من ذلك بارتفاع آثار الفناء عنها، وخروجها من أن يعمل فيها الفساد، وعلى ذلك أجساد الجزاء، فإنها تخرج عن الآفات، وتمنع عن الفساد، وتصير أجسادها في الطيب والضياء كالروحاني، وما فيها من الروحاني يبقى فيها على كل حال لا يفنى، والأصل فيه أن الجزاء بحق الشهوات واللذات، لا بحق الأغذية وحياة أجساد المستنفعين بها، فتكون هي بجسدها وسريتها واحدة، وبقاء الأجساد لها أحق من بقاء الروحاني في هذا العالم من طريق الاعتبار؛ لأن الذي له حق الروحاني في الشاهد به البقاء والغذاء والحياة لا يدفع بها الآفات العارضة في الأرواح من جهة القوالب التي تضعف وتقوى، وفي الآخرة لا تعرض الآفات التي يحتاج فيها إلى الأغذية، وإنَّمَا ينال عنها الشهوات واللذات، وإنما يكون ذلك من حق الأجساد في الشاهد؛ لذلك كانت أحق أن تكون في الآخرة، ثم هذا القول أوفق بما جاء به من حجج السمع وما عليه الاعتبار. فأما حجج السمع: فإن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - قال: (إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ. . .) الآية، وقال: (أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا. . .) الآية وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) الآية، وغير ذلك مما حاج به منكري البعث، والإشكال كان لهم في الأجساد، وفيها جرت المحاجاة؛ لذلك كانت هي أولى في الاعتبار مع ما كانت الأشياء اللطيفة التي لا تمس ولا تحس في التجديد لم يكن بحيث احتمال الإنكار لوجودهم في كل حال؛ نحو العقول تذهب بأسباب ثم تعود، وكذلك العلوم والسمع والبصر، ونحو ذلك، ثم الحسيات اللطائف: نحو الليل، والنهار، والنور، والظلمة، والظل، ونحو ذلك يرون الفناء والعود في كل حين لا ينكرون هذا النوع؛ ليحاجوا بالذي ذكر وبهذا؛ فلذلك كان القول بالأجساد أحق، واللَّه أعلم. والاعتبار أن اللَّه - سبحانه وتعالى - أنشأ هذا الخلق على ما يتلذذون ويتألمون؛ ليكون ذلك علمًا للترغيب والترهيب بالموعود، وما يحل من الآفات وأضدادها في الروحاني في
(56)
الجسد يكون له سرور وحزن، لا يتألم ويتلذذ، وقد جرى الوعد بالمؤلم والملذ. وكذلك حكمة خلق الجسد على ذلك بما يحقق العلم بالمرغب والمرهب من الموعود، على أن السرور والغموم ليسا بحيث يرغب فيهما أو يزهد إلا من حيث يألم الجسد ويتلذذ، بل كل يكون فيه الأمران؛ ليسر ويحزن؛ فلذلك كان القول بالأجساد أحق من طريق التقدير على ما جرى به حق السمع والعقل، واللَّه أعلم بحقيقة ذلك، وبيده الملك، يكرم من شاء بما شاء؛ فضلًا منه، ويهين من شاء؛ بما شاء عدلًا منه، والله الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ) بما أنزل على مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من اليهود (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) قال: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ) يعني: بالكتاب الذي أعطى إبراهيم (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ): عن الكتاب، وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقيل: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ) يعني: إبراهيم (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) يعني: عن إبراهيم، عليه السلام. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) كأن جهنم - واللَّه أعلم - معظم النار وجميع دركاتها، والسعير هو التهابها ووقودها؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44). ويحتمل قوله: (وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) أي: عذابًا، واللَّه أعلم. (وَكَفَى بِجَهَنَّمَ) أي: بالتهاب جهنم التهابًا؛ إذ السعير: الالتهاب، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا) يحتمل الآيات: أعلام الدِّين وآثاره.
ويحتمل الآيات: آيات الربوبية له. ويحتمل الآيات: أعلام رسالة الرسول عفًيِلى؛ فيكون الكفر بها كفرًا باللَّه. وقوله - تعالى -: (سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا) قيل: (نُصْلِيهِمْ): ندخلهم، وقيل: (نُصْلِيهِمْ): نشويهم؛ يقال: شاة مصلية، أي: مشوية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا): كلما احترقت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها، أي: جددنا لهم جلودًا غيرها؛ ليزدادوا التهابًا وإيقادًا من غير أن يسكن ألم العذاب، فهو من حيث التجديد غير؛ لأن الأولى قد احترقت ونضجت، ومن حيث العين نفسها هي الأولى، ألا ترى ما يقال: تبدل فلان، فإنما يقال من حيث تغيره من لون إلى لون، لا أن كانت تحولت نفسه وتبدل من حال إلى حال؛ فعلى ذلك قوله: (بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) هي من حيث العين أنها تلك بعينها واحد، وعلى ذلك البعث بعد الموت، والإنشاء هو من حيث التجديد غير، حيث تفانوا وذهبت آثارهم، ومن حيث الإعادة إلى الحالة الأولى هم بأنفسهم ليسوا بغير، وعلى ذلك قد سمي البعث خلقًا جديدًا، وإن كان بعث الأولى في المعنى. ثم تكلموا في قوله - تعالى -: (بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) قالوا: كيف كان أن يعذب جلودًا لا مأثم فيها، وإنَّمَا المأثم في الجلود التي احترقت ونضجت، وقالوا: أيدنا فيمن قطع يده وهو كافر، ثم أسلم، فمات على الإسلام، ما حال اليد المقطوعة، تعذب في النار، أو تكون مع النفس في الجنة؟ وفيمن قطعت يده وهو مسلم، ثم كفر، فمات على كفره، تلحق النفس أو تكون في الجنة؟ فالجواب لهذا كله: أن الجوارح والأعضاء ليست تعمل ما تعمل بالاختيار والطوع، ولكنها كالمكرهات والمقهورات في العمل؛ ألا ترى أن الإكراه عليها يوجب تحويل الفعل منها إلى المكره، فيجعل كأن المكره هو الذي قد فعل ذلك في حق الضمان؛ فهذا يدل أن هذه الجوارح كالمكرهات والمقهورات لحقت النفس حيث كانت. ثم معلوم: أن من أسلم في آخر عمره يتمنى سلامة جوارحه التي كانت ذهبت عنه؛
(57)
ليعمل بها في طلب مرضاة ربه - تعالى - وكذلك من كفر بعد الإسلام يتمنى سلامة جوارحه؛ ليستعملها فيما اختار من الدِّين، فإذا كان كذلك لحقت النفس حيث كانت في طاعتها ومعصيتها. وقالت فرقة من الملحدة: إن الثواب في الآخرة لا يكون لهذه النفس التي تأكل، وتشرب، وتعمل كل ما تعمل، ولكن إنما يكون للروحاني الذي جوهرها جوهر النور، لكن هذه النفس ممتحنة في الدنيا بالأكل والشرب، مشوبة بالآفات والعيوب، فإذا صفت عن الآفات، ونزهت عن العيوب التي بها امتحنت - صارت أهلًا للثواب العظيم، ومحلًا للجزاء الجزيل، وباللَّه العصمة والنجاة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) أما ذوق الطعام والشراب يكون بالفم؛ ليعرف طعمه ولذته، وأما ذوق العذاب فإنما يكون بكل جارحة منه؛ ليجد ألم ذلك في جميع الجوارح، واللَّه أعلم. والذوق في العرف جُعِلَ ليعرف الطعم، يلقب به كل شيء يعرف؛ يقال: لفلان ذوق في أمر كذا: أي بصر ومعرفة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) قيل: العزيز: هو ما يتعزز وجوده في الشاهد. وقيل: هو عزيز لا يعجز، فهو عزيز لما لا يوجد في الأفهام، ولا يدرك بالأوهام. وقيل: العزيز: المنتقم، وقد ذكرناه في غير موضع. وقوله - عز وجل -: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ (57) من الآفات والعيوب، لسن كأزواج الدنيا ونسائها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) لا تنسخه الشمس، ولا أذى فيه؛ لأن الشمس فيها منافع للناس وأذى، وكذلك القمر فيه أذى، وإن كان فيه منافع، والظلمة كذلك فيها منافع وأذى، وأما الظل نفسه فليس فيه أذى على كل حال، فإن كان فهو للزمان، لا للظل بنفسه، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه يدخلهم الظل الذي ليس فيه أذى الشمس، ولا أذى الظلمة، ولا أذى الزمان، ليس كظل الدنيا
(58)
مشوبًا بأذى غيره، واللَّه أعلم. وذلك تأويل الظليل أن يظله عن جميع المؤذيات، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) قيل: لما فتح اللَّه مكة على يدي رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فقال العباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يا رسول اللَّه، لو جعلت السقاية والحجابة فينا؛ فأخذ مفاتيح الكعبة من ولد شيبة فدفعها إلى العباس؛ فأنزل اللَّه - تعالى - هذه الآية؛ فأخذ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مفاتيح الكعبة فردها إلى ولد شيبة، ثم قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " يَا عَم، إِن اللهَ - تَعَالَى - أَحَبَّ أَنْ يرزأ ولا يرزأ شيئًا ". وقيل: إنها نزلت في الأمراء في الفيء الذين استأمنهم على جمعها وقسمتها، والصدقات التي استأمنهم على جمعها وقسمتها. والآية يجب أن تكون نازلة في كل أمانة اؤتمن المرء فيها، من نحو ما كان فيما كان بينه وبين ربه، وما كان فيها بين الخلق. أما ما كان فيما بينه وبين ربه، من نحو العبادات التي أمر المرء بأدائها، ومن نحو تعليم العلم الذي رزقه اللَّه - تعالى - كقوله - سبحانه وتعالى -: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. . .) الآية، وكقوله - تعالى -: (كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْ. . .) الآية، وكقوله - تعالى -: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) كل ذلك أمانة تدخل في قوله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)، وكذلك كل أمانة يؤتمن المرء عليها تدخل في ذلك. ذكر أن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ عَلَيهَا، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ".
ومن قال: نزلت في الأمراء، استدل بقوله - تعالى -: (أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)؛ لأن الحكم إلى الأمراء. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) قال: هي مبهمة، المؤمن والكافر سواء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) من الحكومة بالعدل، وأداء الأمانات إلى أهلها. (إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) يحتمل: مجيبًا لمن دعا له وسأل؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، يجيب لمن استجاب له، وأدى الأمانة. ويحتمل: (سَمِيعًا بَصِيرًا) أي: لا يخفى عليه شيء. واختلف أهل العلم في العارية إذا ضاعت:
قال أصحابنا - رحمهم اللَّه -: لا شيء عليه. وقال غيرهم: عليه الضمان. ولأصحابنا - رحمهم اللَّه - في ذلك عدة حجج: أحدها: أن المستعير إن لبس القميص، أو ركب الدابة، أو حمل عليها ما أذن له في حمله عليها، وأصابها في ذلك نقصان في قيمتها -فلا شيء عليه، فإذا لم يكن عليه ضمان فيما وقع بها من الضرر والنقص بفعله، ولبسه، وركوبه- فلا يجب عليه ضمان ما هلك منها بغير فعله. والثاني: ما روي عن ابن الحنفية، عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: العارية ليس بتبعة، ولا مضمونة، إنما هي معروف، إلا أن يخالف فيضمن. وروي عن الحسن قال: إذا خالف صاحب العارية ضمن. واحتج من خالف أصحابنا في ذلك بحديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتى تَرُدَّهُ " فالحديث يحتمل معنيين: أحدهما: أن يقال: معناه على اليد أن ترد ما أخذت إذا كان قائمًا عليها رده؛ ألا ترى أن الوديعة لا تضمن إذا تلفت، وعليه أن يردها إذا كانت قائمة، فالعارية مثلها.
والثاني: أن يحتمل معنى ذلك في الغصب وأشباهه؛ فعلى الغاصب أن يرده قائما أو تالفًا، ولا يدخل في عموم الخبر العارية؛ ألا ترى أن الوديعة لم تدخل فيها، وإن كان فيه أخذ. واحتجوا أيضًا - بحديث صفوان: أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - استعار من صفوان يوم حنين درعًا، فقال: أغصب يا مُحَمَّد؟ فقال: " بَل عَارِية مَضْمُونَة ". وروي في خبر آخر: أن صفوان هرب من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يريد حنينًا، فقال: " يَا صَفْوَانُ، هَلْ عِنْدَكَ مِنْ سِلَاح؟ " قال: عارية أو غصبًا؟ قال: " بَلْ عَارِيةٌ " فأعاره، ولم يذكر فيه الضمان، فهو عندنا -إن ثبت خبر صفوان-: مضمونة الرد على المستعير، ورد العارية ليس كالوديعة؛ لأن الوديعة ما لم يطلب صاحبها لم ترد. وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما يؤيد قولنا، وهو قوله: " العَارِيةُ مُؤَداة ".
(59)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)، فمن ولي أمرًا أو حكمًا فيما بين الناس فقد ولي الأمانة، يجب أن يؤديها إلى أهلها، وعلى ذلك جاءت الآثار: روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " مَا مِنْ أَحَدٍ يَكُونُ عَلَى شَيءٍ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ -قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ- فَلَا يَعْدِلُ فِيهِم إِلا أَكَبَّهُ اللهُ - تَعَالَى - فِي النَّارِ ". وفي خبر آخر: " أَيُّمَا امْرِئٍ وَليَ مِنْ أَمْرِ الناسِ شَيئًا ثُمَّ لَم يُحِطْهُم مِثْلَ مَا يَحُوطُ بِهِ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ لَم يُرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ ". وعن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إِنَّ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِليَّ وَأَقْرَبِهِم مَجْلِسًا مِني يَوْمَ القِيَامَةِ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وإن أَبْغَضَ النَّاسِ إِليَّ يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَشَدَّهُم عَذَابًا: إِمَامٌ جَائرٌ ". * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) فَإِنْ قِيلَ: كيف خص اللَّه - تعالى - المؤمنين بالخطاب بالطاعة له وطاعة الرسول والأمر بها يعم المؤمن والكافر جميعًا؟. قيل فيه بوجوه ثلاثة:
أحدها: أن من عادة الملوك أنهم إذا خاطبوا بشيء إنما يخاطبون أهل الشرف والمجد، ومن كان أسمع لخطابهم، وأعظم لقولهم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي) وقال - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا)، يخاطبون أبدًا أهل الشرف والمجد، ومن هو أقبل لقولهم، وأطوع لأمرطم؛ فعلى ذلك خاطب اللَّه - تعالى - المؤمنين وأمرهم أن يطيعوه ويطيعوا رسوله، وإن كان الخطاب بذلك يعمهم. والثاني: يحتمل أن يكون الخطاب بذلك للمؤمنين خاصة؛ لأن الكافر إنما يخاطب باعتقاد الطاعة له أولا، فإن أجاب إلى ذلك فعند ذلك يخاطب بغيره، والمؤمن قد اعتقد طاعة ربه، وطاعة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لذلك خرج الخطاب منه للمؤمنين خاصة، واللَّه أعلم. ويحتمل: أن يكون تخصيص الخطاب للمؤمنين؛ لما أمر بطاعه أولي الأمر؛ ليعلم أنه إنما أمر بطاعة أولي الأمر إذا كانوا مؤمنين، واللَّه أعلم. ثم فيه دلالة جواز الطاعة لغير اللَّه؛ لأن كل من عمل بأمر آخر فقد أطاعه، هو الائتمار للآمر. وأما العبادة فهي إخلاص الشيء بكليته لله - عَزَّ وَجَلَّ - حقيقة؛ إذ الأشياء كلها لله بكليتها حقيقة، ليست لأحد سواه؛ لذلك لم يجز أن يعبد غير اللَّه - تعالى - وقد يجوز أن يطاع غيره؛ لما ذكرنا أن الطاعة هي الائتمار بالأمر، وليس العبادة؛ لذلك افترقا. ثم طاعة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تكون طاعة لله؛ لأنه بأمره يطاع، وفي طاعتهم له طاعته. ثم قيل: قوله - تعالى -: (أَطِيعُوا اللَّهَ) في فرائضه، ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في سنته. وقيل: (أَطِيعُوا اللَّهَ) فيما أمركم ونهاكم في كتابه، (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما أمركم ونهاكم في سنته.
ثم اختلف في أولي الأمر: قيل هم الأمراء على السرايا. وقيل: هم العلماء والفقهاء. وقيل: هم أهل الخير. ويحتمل: أولي الأمر: الذين يُوَلَّوْنَ السرايا. فكيفما ما كان ومن كان، ففيه الدلالة ألا يولى إلا من له العلم والبصر في ذلك، أمراء السرايا كانوا أو غيرهم؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - أمر بطاعتهم، ولا يؤمر بطاعة أحد إلا بعلم وبصر يكون له في ذلك. والآية التي تقدمت، وهو قوله - تعالى -: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) يدل على أن أولي الأمر الأمراء؛ لأنه - تعالى - أمر الحكام في الآية الأولى بالعدل، وأمر الرعية بالسمع لهم والطاعة فيما يحكمون ويأمرون، واللَّه أعلم. ألا ترى أنه روي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " يا َأَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإنْ أُمِّرَ عَلَيكُم حَبَشِيٌّ مُجَدَّعٌ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا مَا أَقَامَ فِيكُم كِتَابَ اللهَ ".
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " عَلَى الْمَرءِ الْمُسْلِمِ السمعُ وَالطاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعصِيةٍ، فَمَنْ أُمِرَ بِمَعصِيَةٍ فَلَا سَمعَ عَلَيهِ وَلَا طَاعَةَ ". وبعد: هذه الآية والتي تليها تدل على أن أولي الأمر هم الفقهاء، وهو قوله - تعالى -: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، والتنازع يكون بين العلماء؛ فكأنه - واللَّه أعلم - أمر في آية أولي الأمر بطاعتهم، وأمر أولي الفقه برد ما يختلفون فيه إلى كتاب اللَّه - تعالى - وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. والآية تحتمل المعنيين - واللَّه أعلم -: أن على العامة طاعة أمرائهم في أحكامهم، وعليهم اتباع علمائهم في فتواهم؛ يبين ذلك قول اللَّه - تعالى -: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ. . .) الآية، فلو لم يجب على قومهم قبول قول علمائهم ما وجب عليهم إنذار قومهم. وفي هذه الآية دليل على إبطال قول الرافضة في الإمامة؛ لأن اللَّه - تعالى - قال: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) فليس يخلو أولو الأمر من أحد ثلاثة أوجه: إما أن يكون الأمراء، أو الفقهاء، أو الإمام الذي تدعيه الرافضة، فإن كان المعنى في أولي الأمر: الفقهاء أو الأمراء، ففيه إبطال قول الرافضة: إنه الإمام الذي يصفونه، ومحال أن يكون ذلك هو الإمام الذي يذكرونه؛ لأنه قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، وذلك الإمام عندهم طاعته مفترضة، وهم بين أظهر المتنازعين عندهم، ومخالفته كفر في مذهبهم، فلو كان ذلك كذلك، لقال - واللَّه أعلم -: " فردوه إلى الإمام؛ فإن من خالفه فقد كفر "، ولكنه - عَزَّ وَجَلَّ - أمر برد المتنازع إلى كتاب اللَّه - تعالى - وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فدل على أن قول أحد لا يقوم في الحجة مقام قول الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) قيل: (إِلَى اللَّهِ)، أي: إلى كتاب اللَّه، أو إلى رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذا كان حيًّا، فلما مات، فإلى سنته.
واستدل قوم بهذه الآية على إبطال الاجتهاد، وترك القول إلا بما يوجد في كتاب اللَّه - تعالى - أو في سنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، نصًّا، ويقولون: فَنَكِلُ أمره إلى اللَّه - سبحانه وتعالى - ورسوله - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - وليس ذلك عندنا. والآية تحتمل وجهين: أحدهما: أن يحمل تأويلها على أن التنازع إذا كان في عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وجب أن يرد إليه - عليه الصلاة والسلام - ويُسأل عن ذلك، ولا يُستعمل في الحادثة الاجتهاد ولا النظر. فأما ما كان من التنازع بعد وفاة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: فإن حكم الحادثة يطلب في كتاب اللَّه، أو في سنة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أو في إجماع المسلمين، فإن وجد الحكم في أحدهم بينا وإلا قيل بالاجتهاد. والوجه الثاني: أن يكون المجتهد إذا ما اجتهد فيه إلى كتاب اللَّه - تعالى - وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيقول: وجدت في الكتاب أو في السنة كذا وكذا، وهذه الحادثة تشبه هذا الحكم، فحكمها حكمه، ويكون رادًّا لحكم الحادثة إلى كتاب اللَّه - تعالى - وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أو شبهها بما وجده من الحكم فيهما. وإذا كان ما وصفنا من تأويل الآية محتملًا؛ فلا حجة لهم علينا في ذلك، واللَّه المستعان. وفي الآية دلالة جعل الإجماع حجة، وهو قوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. . .) الآية، أنه إنما أمر بالرد إلى اللَّه والرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عند التنازع؛ لم يأمر عند الإجماع؛ دل أنه إذا كان ثَمَّ إجماع لا تنازع فيه، لم يجب الرد إلى ما أودع في الكتاب وفي السنة. وفي الآية دلالة أنه يدرك بالطلب المودع فيه؛ لأنه لو لم يدرك، أو ليس ذلك فيه، لم
يكن للرد إلى ذلك معنى؛ ألا ترى أنه قال اللَّه - سبحانه وتعالى -: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، فإنما يستنبط ما فيه؛ فدل أن حكم الحوادث، مذكور في هذين: في الكتاب، والسنة؛ إذ لو لم يكن الفرج عند النظر والطلب، لكان لا يفيد الأمر بالرد إليهما معنى. ثم لا توجد نصوص في كل ما يتلى، ثبت أنه مطلوب، وهو يدل على لزوم البحث في استخراج المودع من المنصوص، واللَّه أعلم. وفي قوله -أيضًا-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ. . .) الآية - تخصيص المؤمنين على اشتراك الجميع في اللزوم؛ يخرج على أوجه: أحدها: على مخاطبة الأشراف والنجباء، وعلى ذلك أمر الملوك في الأمور، يريدون اشتراك الرعية وأهل المملكة في ذلك؛ كقوله - سبحانه -: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ)، وقال سليمان - عليه السلام -: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ)، وقال فرعون للملأ: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ. . .)، ونحو ذلك، فمثله الذي نحن فيه، واللَّه أعلم. والثاني: أنهم مما قد عرفوا الأمور والمناهي؛ فقيل لهم: (أَطِيعُوا اللَّهَ) وما ذكر، واعلموا أنهم فيمن أمروا به ونهوا عنه، ولم يكن من الكفرة علم بالذي يوجهون الأمر إليهم؛ فلذلك خص من ذكر، واللَّه أعلم. والثالث: أن الكفرة قد أنكرت المعبود والرسول، فجرى الخطاب فيمن ثبتت لهم المعرفة بذلك، مع ما يحتمل: أن يكون هذا الخطاب في الشرائع، وهي غير لازمة للكفرة؛ فلذلك كان على ما ذكرت. والرابع: ما أدخل في الخطاب أولي الأمر منا، ولا يلزمهم طاعتهم؛ لذلك خص المؤمنين، وكان المقصود بالآية بيان طاعة أولي الأمر منا، وإلا كانت طاعة اللَّه - تعالى - وطاعة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بما كان إيمانهم قد ثبت، ولكن جمعت طاعة من ذكر؛ ليعلم أن قد يكون بطاعة أولي الأمر طاعة اللَّه، واللَّه الموفق.
ومما يبين الذي ذكرت أن كل من عرف الإله، عرف أن عليه طاعته بما عرف اسمه الذي سمت العرب كل معبود: إلهًا، فمن عرف منهم الإله عرف أنه معبود، ثم من عرف ما له عنده من الأيادي، وعليه من النعم علم أن عليه شكره وطاعته به. ثم من عرف الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، عرف أن طاعته هي طاعة اللَّه؛ لأنه إليه يدعو، وعن أمره ونهيه يأمر وينهى؛ إذ هو رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - منه إلى الخلق، وليس من عرف اللَّه وعرف الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يعرف أن عليه طاعة أولي الأمر بما لم يرو عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فبين اللَّه - تعالى - ذلك في هذه الآية؛ ليعلموا أن طاعتهم هي طاعة اللَّه وطاعة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ وذلك هو الدليل على جعل الإجماع حجة، وأن متبعهم هو مطيع للَّهِ - تعالى - إذ صير اللَّه - تعالى - طاعتهم طاعته، وهم في ذلك الإجماع. وعلى ما ذكرت من شأن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يخرج قوله - تعالى -: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ. . .)، وقوله - تعالى -: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤمِنُونَ) الآية، صير الواجد حرجًا مما قضى واجدًا حرجًا من قضاء اللَّه - تعالى - في نفي حكم الإيمان؛ وعلى ذلك قوله - تعالى -: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ، أي: ليكون عليهم طاعته بأمر اللَّه - تعالى - إذ هي طاعة اللَّه أولا؛ لتكون طاعته طاعة اللَّه بإذنه وبأمره، واللَّه الموفق. ثم اختلف في أولي الأمر، ومعلوم أنهم هم الذين إليهم يرجع تدبير أمور الدِّين، وعن آرائهم يصْدرُ وهم الذين تضمنتهم آية أرجو أن يكون فيها الكفاية في تعريف المقصود بها، وهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، فجعل أولي الأمر مَنْ عندهم علم الاستنباط، وشهد لهم بالعلم فيما رد إليهم؛ فثبت أنهم الفقهاء المعروفون بالاستنباط ورعاية أمور الدِّين، وفي هذا -أيضًا- دلالة على إصابتهم فيما أجمعوا عليه؛ إذ شهد لهم في الجملة بالعلم؛ وعلى ذلك قوله - تعالى -: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ. . .) الآية، وقوله - تعالى -: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا. . .) الآية. ثم كانت الشهادات والأمر والنهي للعلماء بهما؛ ثبت أن الأمر في ذلك ينصرف إلى العلماء، وأنهم إذا اجتمعوا على شيء بالأمر أو بالنهي، يكون إجماعًا؛ لأن ذلك كذلك عند اللَّه - تعالى - وتجوز شهادتهم على جميع العوام ومن تأخرهم، ومن ذلك في الأمور
التي تجري بها البلية والعمل بها في العامة، مما لا يحتمل خفاء مثله، على ما ذكرت من الخاص أن ذلك كان عند أُولَئِكَ الخاص على ذلك؛ إذا لم يغيروا ولا شهدوا في ذلك بغيره، وأمراء السرايا لو كانوا أهل البصر في الأمر مع العلم بالشرع والفتيا يلزم فيهم ذلك؛ لأنهم صيروا في الباب أهل الأمر. وأيد الأول أنهم العلماء -: قوله - تعالى -: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) ومعلوم أن على العوام لذي الإشكال والحاجة الرد إلى أولي الأمر بما ذكرت من الآية، فثبت أن هذا في تنازع العلماء، وهو يوضح إبطال قول الروافض في جعل أولي الأمر إمامهم، وإبطال قول من يجعل أولي الأمر كل أمير أو نحوه، وإنَّمَا هم العلماء في كل نوع، حتى يمكن فيهم التنازع، وإمامهم واحد لا معنى للتنازع فيهم، والتنازع إنما بكون عن تدبر وبحث ونظر، ولا معنى في ذلك للعوام الذين لا يعرفون الأصول والفروع، واللَّه الموفق. ثم اختلف في تأويل قوله - تعالى -: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ): فقال قوم: كأنه قيل: كِلُوا الأمر فيه إلى اللَّه - تعالى - والرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولا تجتهدوا فيه؛ كقوله - تعالى -: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)، تعالى، ولأن الاختلاف كان على تأويل الكتاب والسنة، فكيف يطلب من بعد فيهما، وبعد الطلب حدث التنازع؟!. وقال قوم: الاختلاف يقع في التأويل بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) إلى ظاهر ذلك، ولا تتأولوا فتختلفوا؛ إذ الأول كان على التأويل. وقال قوم: هذا كان في عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يظهر في ذلك نص الحكم والحق في ذلك؛ فيكون الأمر الذي يتنازع فيه أولو الأمر لم يجز لأحد العمل إلا بالبيان، ولهم وجه الوصول إلى البيان في الحقيقة، فأمروا بذلك مع ما كان يجوز أن يكون التنازع في وقت لم يفرغ من بيان جميع ما بالخلق إليه حاجة بالكفاية؛ إذ كان ذلك الوقت وقت حدوث الشرائع، ووقت احتمال التناسخ وتبديل الأحكام، فإن وقع التنازع بين المجتهدين فلهم مع إشكال التنازع شبهة احتمال أن أصله لم ينزل، وأن الذي يتضمن حكمه من المنصوص لم يبلغهم في ذلك، فيجب في ذلك الرد إلى اللَّه - سبحانه وتعالى - بالرد إلى
رسوله مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وأما بعده فقد فرغ من جميع أصول الحوادث التي يعلم اللَّه - سبحانه وتعالى - أنها تقع بيان كفاية؛ إذ لو لم يبين ذلك القدر لبقي تنازع لا ارتفاع له، ولا يجوز الحكم، ولكان لا يعلم الحادث الذي له أصل يطلب أولاً، وفي ذلك تمكين المعنى الذي يخرج إلى الرسالة مع ما قد تكلم جميع الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - ومن بعدهم إلى اليوم في الحوادث من غير أن يظهر يهن أحد قول بأن هذا هو ما لم ينزل له الأصل، فصار ذلك إجماعًا في بيان أصول كل حادث؛ فيجب طلبه في الأصول، واللَّه أعلم. والأصل: أنه فيما يوكل إلى أحد يوكل إلى من يعلم الحكم ويملك إظهاره، فلو كان للتنازع يجب الرد إلى اللَّه - تعالى - وترك الحكم في ذلك بالاجتهاد؛ فإذًا يبطل أن يكون في الرد إليه علم بحكمه إلا للوقت الذي لا يحتاج إلى الحكم؛ وهو يوم القيامة؛ على أنه معلوم لو كان يرده إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، لكان لا يدعهم على ما هم عليه من التنازع الذي هو أصل كل شين وفساد؛ فعلى ذلك فيما يرد إلى اللَّه، سبحانه وتعالى. وإذا علم - عَزَّ وَجَلَّ - بجميع النوازل وبجميع ما بالخلق إليه حاجة فصارت النوازل كلها مردودات إليه؛ فيجب أن يكون حكم فيها؛ إذ قال اللَّه، - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَحُكمُهُ إلَى اللَّهِ)، تعالى، وإذا لم يحكم فيها لم يصر الحكم إليه، بل لا حكم فيه إلى اللَّه - تعالى - فلما وجب بالذي ذكرت أن يكون ذلك مما تضمنه البيان - لزم الاجتهاد. ثم لو كان الحق عند التنازع الظاهر دون أن يطلب -على أصح التأويلات- دليل، لكان لا يجوز التنازع أن يقع؛ لأن الظاهر قد كان في أيديهم وهو حجة لا يحتمل أن يتركه أحد إلا بالدليل لو كان حجة، وكان قد قام الدليل على لزوم العدول عن الظاهر بتأويل جميع أولي الأمر في ذلك؛ فثبت أن دليل ذلك مطلوب يوجد، ويتفقون عليه إذا أنصفوا، وأنعموا النظر، وأعرضوا عن حسن الظن، ففريق من الأئمة على أن الذي يقوله هَؤُلَاءِ يقتضي أحكام الحوادث كلها بيقين؛ فثبت أن أحكامهم مودعات في المنصوص؛ فصرن متعلقات بالمعاني، لا بالظواهر. ثم الأصل: أن العمل بالظواهر في محتمل المعاني ومختلف التأويلات مما فيه التنازع
في الأمة، وللتنازع أمر بالرد؛ فبعيد أن يرد إلى ما لم يثبت صحته، بل في الظاهر وجه في ظاهر الاسم باللسان، والظاهر من التفاهم في المعتاد؛ نحو القول بأن اغسلوا وجوهكم، أنه بأي شيء غسل يستحق اسم الغسل في اللغة، لكن لما يغسل به عادة في الاستعمال إلى ذلك ينصرف الخطاب، ويصير الظاهر في المعتاد به أولى من الظاهر في اللسان، ويكون في ذلك منع الذي ذكر حتى يوضحه دليل، أو يعلم أنه المعتاد؛ فيكون ذلك دليلًا، واللَّه أعلم. ثم لا يحتمل التنازع فيما فيه المعتاد من التفاهم والعدول عنه إلا بدليل؛ فيجب القول لمن عدل إن كان عنده دليل؛ فيكون بما يوجب العمل منع، واللَّه أعلم. ثم قيل في قوله - تعالى -: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) بأوجه ثلاثة: (أَطِيعُوا اللَّهَ) - تعالى - فيما أمر، والرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما بلغ، وأطيعوا اللَّه فيما فرض، والرسول فيما سَنَّ، وأطيعوا اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فيما أنزل ونص، والرسول فيما بَيَّنَ. والأصل في معهود اللسان: أن الطاعة تكون في الائتمار، فرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مطاع في جميع ما أمر، لازم طاعته في ذلك وأمره -إذا ثبت أنه أمره- هو أمر اللَّه - تعالى - وطاعته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - طاعة اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وله يجب به ظهور الخصوص والعموم والتناسخ جميعًا، وبه تبين الفرض والأدب وكل نوع، وما يظهر، فباللَّه - تعالى - ظهر على لسانه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: كتابًا كان، أو تنزيلا كان، أو تأويلاً، فالتقسيم بين الذي لله - عَزَّ وَجَلَّ - والذي لرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يوجب الشبهة، وَتَوَهُّم الاختلاف، جل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أن يبعث رسولا يخالفه، وباللَّه المعونة والتوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) أي: ذلك الرد خير إلى ما ذكر. ويحتمل: (ذَلِكَ خَيْرٌ) أي: الائتلاف فيما أمكن فيه خير من الاختلاف وأحمد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) أي: عاقبة.
(60)
وقيل: (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) أي: خبرًا. وفي حرف حفصة: " ذلك خير وأحسن ثوابًا ". وعن ابن عَبَّاسٍ: (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) قال: القرآن أحسن تأويلا. * * * قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ. . .) الآية. ذكر في القصة: أن رجلين تنازعا: أحدهما منافق، والآخر يهودي، فقال المنافق: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف، وقال اليهودي: اذهب بنا إلى مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فاختصما إلى نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فقضى لليهودي على المنافق، فلما خرجا قال المنافق: انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب نختصم إليه، فأقبل معه اليهودي إلى عمر - رضي اللَّه عنه - فقال اليهودي: يا عمر، إنا اختصمنا إلى مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقضى لي عليه، فزعم أنه لا يرضى بقضائه، وهو يزعم أنه يرضى بقضائك، فاقض بيننا، فقال عمر - رضي اللَّه عنه - للمنافق: كذلك؟ قال: نعم، فقال: رويدكما أخرج إليكما، فدخل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - البيت، فاشتمل على السيف، ثم خرج فضرب به عنق المنافق، فأنزل اللَّه - تعالى -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) والطاغوت، قيل: هو كعب بن الأشرف.
(61)
وقيل: (الطَّاغُوتِ): هو اسم الكاهن. وقيل: (الطَّاغُوتِ): الكافر. والطاغوت: هو كل معبود دون اللَّه - تعالى - وعلى هذا التأويل خرج قوله - سبحانه وتعالى -: (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ. . .) أي: جاء أهل النفاق يحلفون باللَّه: أنه لم يرد بالتحاكم إلى ذلك إلا إحسانًا وتوفيقًا. وفي الآية دلالة إثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ وذلك أن قوله - سبحانه وتعالى -: (يُرِيدُونَ أن يَتَحَاكمُوَا) قصدوا أن يتحاكموا ولم يتحاكموا بعد، فأخبرهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بذلك؛ فعلموا أنه إنما علم ذلك باللَّه، لكنهم لشدة تعنتهم وتمردهم لم يتبعوه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) أي: أمروا أن يكفروا بالطاغوت؛ كقوله - تعالى -: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) أي: يزين لهم الشيطان ليضلوا ضلالاً بعيدًا؛ أي: لا يعودون إلى الهدى أبدًا، فيه إخبار أنهم يموتون على ذلك، فكذلك كان، وهو في موضع الإياس عن الهدى. وقيل: بعيدا عن الحق. وقيل: طويلا، وهو واحد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ ... (61) أي: إذا قيل لهم: تعالوا إلى حكم ما أنزل اللَّه في كتابه، وإلى الرسول، وإلى أمر الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وسنته - (رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) والصدود: هو الإعراض في اللغة، والصد: الصرف. وقال الكسائي: يقرأ: " يَصِدُّونَ " بكسر الصاد، و " يَصُدُّونَ " بضم الصاد.
(62)
وفي حرف حفصة: " وإذا دعوت الكافرين والمنافقين إلى ما أنزل اللَّه رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) يحتمل هذا ما ذكر في القصة الأولى: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما قتل ذلك الرجل المنافق جاء المنافقون إلى الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يحلفون باللَّه ما أراد ذلك الرجل إلا (إِحْسَانًا) أي: تخفيفا وتيسيرًا عليك؛ ليرفع عنك المؤنة، (وَتَوْفِيقًا) إلى الخير والصواب. وقيل: نزلت في المنافقين في بناء مسجد ضرار؛ كقوله - سبحانه وتعالى -: (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى).
(63)
ويحتمل قوله - تعالى -: (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) الآية) في كل مصيبة تصيبهم، وكل نكبة تلحقهم أن كانوا يأتون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيعتذرون كما (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ. . .) الآية؛ لأنهم كانوا يميلون إلى حيثما كانوا يطمعون من المنافع من الغنيمة وغيرها، إن رأوا النكبة والدبرة على المؤمنين مالوا إلى هَؤُلَاءِ، ويظهرون الموافقة لهم؛ طمعًا منهم، ويقولون: إنا معكم، وإن كانت النكبة والدبرة على الكافرين يظهرون الموافقة لهم؛ كقوله - تعالى -: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، هذا كان دأبهم وعادتهم أبدًا. وقوله - تعالى -: (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) قيل فيه بوجوه: قيل: إلا تخفيفًا وتيسيرًا عليك. وقيل: قالوا: تحاكمنا إليه على أنه إن وفق، وإلا رجعنا إليك. وفيه دلالة بطلان تحكيم الكافر والتحاكم إليه، وذلك حجة لأصحابنا - رحمهم اللَّه - واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ... (63) من النفاق والخلاف غير ما حلفوا، (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)، ولا تعاقبهم في هذه المرة، (وَقُلْ لَهُمْ): إن فعلتم مثل هذا ثانية عاقبتكم. ويحتمل: أن يكون على الوعيد، أي: لا تعاقبهم؛ فإن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - هو معاقبهم. وقوله - تعالى -: (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) قيل: أي: تخفيفًا وتيسيرًا عليك، على أنه إن وفق للصواب وإلا رجعنا إليك؛ إحسانًا وتوفيقًا؛ لما لعل التحاكم إليهم يحملهم على الرجوع إلى دين الإسلام.
(64)
وقيل: (إِحْسَانًا): يحسنون إلينا ويبروننا بفضول أموالهم. وقيل: (وَتَوْفِيقًا): بفضول أموالهم. وقيل: (وَتَوْفِيقًا): أي: صوابًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) قيل: أوعدهم وعيدًا؛ حتى إذا عادوا إلى مثله يعاقبون. وقيل: ألزمهم الحجة في ذلك وأبلغها إليهم؛ حتى إذا عادوا عاقبتهم. * * * قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ. . .) الآية. يحتمل قوله - تعالى -: (بِإِذْنِ اللَّهِ) وجوهًا: قيل: (لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بمشيئة اللَّه. وقيل: (لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بأمر اللَّه. وقيل: (لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بعلم اللَّه. ومن قال: (بِإِذْنِ اللَّهِ)، بمشيئة اللَّه؛ أي: من أطاع الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إنما يطيعه بمشيئته، وكذلك من عصاه إنما يعصيه بمشيئته، من أطاعه أو عصاه فإنما ذلك كله بمشيئة اللَّه. ومن تأول: (إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) العلم، يقول: إنه يعلم من يطيعه ومن يعصيه، أي: كل ذلك إنما يكون بعلمه، لا عن غفلة منه وسهو، كصنيع ملوك الأرض أن ما يستقبلهم من العصيان والخلاف إنما يستقبلهم الغفلة، منهم وسهو بالعواقب، فأما اللَّه - سبحانه وتعالى - إذا بعث رسلا بعث على علم منه بالطاعة لهم وبالمعصية، لكنه
بعثهم لما لا ينفعه طاعة أحد؛ ولا يضره معصية أحد، فإنما ضر ذلك عليهم، ونفعه لهم. ثم قالت المعتزلة في قوله - تعالى -: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ): أخبر أنه ما أرسل الرسل إلا لتطاع، ومن الرسل من لم يطع؛ كيف لا تبينتم أن من الفعل ما قد أراد - عَزَّ وَجَلَّ - أن يفعل، وأن يكون، ولكن لم يكن على ما أخبر أنه ما أرسل من رسول إلا ليطاع. ثم من قد كان من الرسل ولم يطع. قيل: هو ما ذكر في آخره: (إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بمشيئة اللَّه، فمن شاء من الرسل أن يطاع فقد أطيع، ومن شاء ألا يطاع، فلم يطع، وكذلك من علم أنه يطاع فأرسله ليطاع فأطيع، ومن علم أنه لا يطاع فلم يطع، ومن أرسل أن يطاع بأمر ليكون عليه الأمر فذلك مستقيم، ومن أرسل ليطاع بالأمر فلا يجوز ألا يطاع. وقوله -أيضًا-: (لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) قيل فيه: بأمر اللَّه، وقد مرّ بيانه. وقيل: ليطاع بمشيئة اللَّه؛ فيطيعه كل من شاء اللَّه. وقيل: بعلم اللَّه، فهو فيمن يعلم أنه يطيعه؛ إذ لا يجوز أن يعلم الطاعة ممن لا يكون. والمعتزلة في هذا: أنه أخبر أنه أرسل ليطاع، ولم يطعه الكل ما يبعد أن يكون أراد ليطاع وإن كان لا يطيعه الكل. فقلنا: إذا قال: (لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ)، والإذن يتوجه إلى ما ذكرت؛ فعلى ما ذكرت كان ليطاع ممن يطيعه لا غير؛ فحصل الأمر على الدعوى، وهو كقوله - تعالى -: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، ومعلوم أن الصغار منهم لا يعبدون، فخرج الخبر إلى الخصوص بالوجود، لا أن كان في كل أمر؛ فعلى ذلك أمر الإرادة فيمن وجد، لا أنه في كل على أنه فيه بعلم، وهو يرجع إلى بعض دون الكل، فمثله الإذن على إرادة المشيئة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) أي: علموا أن حاصل ظلمهم راجع إليهم؛ لأن الظلم هو وضع الشيء في غير
(65)
موضعه، وهم وضعوا أنفسهم في غير موضعها، فإذا لم يعرفوا أنفسهم لم يعرفوا خالقها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ) أي: جاءوك مسلمين، تائبين عن التحاكم إلى غيرك، راضين بقضائك، نادمين على ما كان منهم، (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) أي: تشفع لهم الرسول، (لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) أي: قابلا لتوبتهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ... (65) قيل: قوله: (فَلَا) صلة، وكذلك في كل قسم أقسم به؛ كقوله تعالى: (لَآ أُقسِمُ بِهَذَا البلَدِ)، (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)، ونحوه، كله صلة، كأنه قال: أقسم وربك لا يؤمنون. وقيل: قوله: (فَلَا وَرَبِّكَ) ليس هو على الصلة، ولكن يقال ذلك على نفي ما تقدم من الكلام وإنكاره؛ كقول الرجل: لا واللَّه، هو ابتداء الكلام، ولكن على نفي ما تقدم من الكلام، فعلى ذلك هذا. وفيه دلالة تفضيل رسولنا، مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على غيره من البشر؛ لأن الإضافة إذا خرجت إلى واحد تخرج مخرج التعظيم لذلك الواحد، والتخصيص له، وإذا كانت إلى
جماعة تعظيمًا له؛ كقوله: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)، وقوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، ونحوه. وقوله - تعالى -: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حاكمًا وإن لم يحكموه، ليس معناه - واللَّه أعلم -: (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) أي: حتى يرضوا بحكمك وقضائك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) أي: اختلفوا بينهم وتنازعوا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) قيل ضيقًا. وقيل: شكا مما قضيت بينهم أنه حق. وقيل: إثمًا. ثم في الآية دلالة أن الإيمان يكون بالقلب؛ لأنه قال - تعالى -: (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ) أي: في قلوبهم؛ ألا ترى أنه قال اللَّه - تعالى - في آية أخرى: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا)، ذكر ضيق الصدر، وذكر ضيق الأنفس، وهو واحد؛ ألا ترى أنه قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -، في آية أخرى: (وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ)، فهذه الآيات ترد على الكرامية قولهم؛ لأن اللَّه - تعالى - قال: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ) وهم يقولون: بل يؤمنون، فيقال لهم: أنتم أعلم أم اللَّه؟!. ثم قيل: إن الآية نزلت في اليهودي والمنافق اللذين تنازعا، فتحاكما إلى الطاغوت.
وقيل: نزلت في شأن رجل من الأنصار والزبير بن العوام كان بينهما تشاجر في الماء، فارتفعا إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فقال للزبير: " اسْقِ، ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إِلَى جَارِكَ "، فغضب ذلك الرجل؛ فنزلت الآية (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ. . . .) الآية. ولا ندري كيف كانت القصة؟ وفيم كانت؟. ثم روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في بعض الأخبار أنه قال: " لَا يُؤْمِنُ أَحَدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَهْلِهِ، وَوَلَدِهِ، وَمَالِهِ، وَالنَّاسِ جَمِيعًا ". وقيل في قوله - تعالى -: (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ) أي: في قلوبهم (حَرَجًا) أي: شكًّا (مِمَّا قَضَيْتَ) أنه هو الحق (وَيُسَلِّمُوا) ولقضائك لهم وعليهم (تَسْلِيمًا). وفي قوله - تعالى -: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ) قيل: تأويله: أنه ما أرسل رسولا في الأمم السالفة إلا ليطيعوه، فكيف تركتم أنتم طاعة الرسول الذي أرسل إليكم. وقوله - تعالى -: (إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) ما أرسل اللَّه رسولا إلا وقد أمرهم أن يطيعوه، لكن منهم من قد أطاعه، ومنهم من لم يطع. * * * قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ
(66)
مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ. . .) الآية. قال أبو بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لو كانت علينا نزلت يا رسول اللَّه، لبدأت بنفسي وأهل بيتي، فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " ذَاكَ لفَضْلِ يَقِينِكَ عَلَى يَقِينِ النَّاسِ، وَإِيمَانِكَ عَلَى إِيمَانِ النَّاسِ ". وعن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال رجل من الأنصار: واللَّه، لو كانت علينا لقتلنا أنفسنا، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لَلْإِيمَانُ أَثْبَت فِي صُدُورِ الرجَالِ مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي ". وقيل: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ. . .) الآية: هم يهود [يعني والعرب] (¬1) كما أمر أصحاب موسى، عليه السلام. وقيل: قال عمر - رضي اللَّه عنه - ونفر معه: واللَّه لو فعل ربنا لفعلنا، فالحمد للَّهِ الذي لم يجعل بنا ذلك، فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لَلْإيمَانُ أَثْبَتُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الجِبَال الرَّوَاسِي ". ¬
(67)
ثم اختلف في قتل الأنفس: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو أن يقتل كلٌّ نفسَهُ. وقال آخرون: هو أن يأمر أن يقتل بعض بعضًا، وأما قتلُ كلٌّ نفسَهُ فإنه لا يحتمل لوجهين: أحدهما: وذلك أنه عبادة شديدة مما لا يحتمل أحد؛ كقوله - تعالى -: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، أخبر أنه لا يكلف ما لا طاقة له. والثاني: أن فيه قطع النسل وحصول الخلق للإفناء خاصة، وذلك مما لا حكمة في خلق الخلق للإفناء خاصة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ)، قيل: هو عبد اللَّه بن مسعود، وعمار، وفلان، وفلان - رضي اللَّه عنهم - ولا ندري أيصح أم لا؟ ولو كان قوله - تعالى -: (أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) قتل بعض بعضا فذلك ما أمروا به بمجاهدة العدو، والإخراج من المنزل، والهجرة، ثم أخبر أنهم لا يفعلون ذلك إلا قليل منهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) يحتمل هذا وجهين: لو فعلوا ما يؤمرون به من الإسلام والطاعة لكان خيرًا لهم من ذلك. ويحتمل: لو أنهم فعلوا ما يؤمرون به من القتل لو كتب عليهم، لكان خيرًا لهم في الآخرة، (وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) قيل: حقيقة. وقيل: تحقيقًا في الدنيا. وقيل: ما يوعظون به من القرآن (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) في دينهم (وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) يعني: تصديقًا بأمر اللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) يحتمل وجهين:
(68)
الأجر العظيم في الآخرة. ويحتمل: في الدنيا؛ كقوله: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى). وقوله: (وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) فهو الهادي للعباد إلى الطريق المستقيم. وقيل: تثبيتا لهم في الدنيا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ... (69) قيل في بعض القصة: إن رجلاً جاء إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فبكى، ثم قال: والذي لا إله غيره لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي وولدي وأهلي، وإني لأذكرك، فلولا أني أجيء فأنظر إليك، لرأيت أني سأموت، وذكرت موتي وموتك، ومنزلتك في الجنة ترفع مع النبيين، فإني وإن أُدخلت الجنة كنت دون ذلك، وذكرت فراقي إياك عند الموت، فبكيت لذلك. فما أجاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - شيئا؛ فأنزل اللَّه - تعالى -: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ. . .) الآية، فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أَبْشِر يَا أبَا فُلَانٍ، أَنْتَ مَعِي فِي الجَنَّةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ " وروي، أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خرج ذات يوم على بعض أصحابه، فرأى بوجوههم كآبة
وجزعًا، قال: فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " مَا لَكُم؟ وَمَا غَيَّرَ وُجُوهَكُم وَلَوْنَكُمْ؟ " فقالوا: يا رسول اللَّه، ما بنا من مرض ولا وجع، غير أنَّا إذا لم نرك ولم نلقك اشتقنا إليك، واستوحشنا وحشة شديدة حتى نلقاك، فهذا الذي ترى من أجل ذلك، ونذكر الآخرة فنخاف ألا نراك هناك؛ فأنزل اللَّه - تعالى - (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ. . .) الآية. ويحتمل: أن لم يكن في واحد من ذلك، ولكن في وجوه آخر. أحدها: أن اليهود، وغيرهم من الكفرة، والذين آذوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأفرطوا في تعنتهم وتمردهم في ترك إجابتهم إياه، وطاعتهم له - ظنوا أنهم وإن أسلموا وأطاعوا الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يقبل ذلك منهم توبتهم، ولم ينزلوا منزلة من لم يؤذه، ولم يترك طاعته، فأخبر - عز وجل -: أنه إذا أطاع اللَّه والرسول فيكون: (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) كأن لم يترك طاعته أبدًا - واللَّه أعلم - كما قال - تعالى -: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ). ويحتمل: أن يكون ذلك لما سمعوا أن لكل أحد في الجنة مثل الدنيا فظنوا ألا يكون لهم الاجتماع والالتقاء؛ لبعد بعضهم من بعض، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أن يكون لهم الاجتماع؛ لأن ذلك لهم في الدنيا من أعظم النعم وأجلها. ويحتمل: أن يكون على الابتداء: أن من أطاع اللَّه - تعالى - والرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيكون (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ)، في دار واحدة، لا يكونون في غيرها؛ فهذه الوجوه كأنها أشبه - واللَّه أعلم - إذ هم بالطاعة أجابوا، واللَّه أعلم. ثم اختلف في (وَالصِّدِّيقِينَ)؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: أتباع الأنبياء - عليهم السلام -
(70)
وخلفاؤهم في كل أمر من التعليم، والدعاء لهم إلى كل خير وطاعة. وقيل: الصِّدِّيق: هو الذي يصدق الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في أول دعوة دعاه إلى دين اللَّه - تعالى - وفي أول ما عاينه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالشُّهَدَاءِ) قيل: الشهيد: الذي قتل في سبيل اللَّه. وقيل: الشهيد: هو القائم بدينه. وقيل: الصديقون والشهداء والصالحون كله واحد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) دلت الآية على أن الجزاء إفضال من اللَّه - تعالى - إذ قد سبق من عنده الإنعام والإفضال عليهم؛ فيخرج طاعتهم له مخرج الشكر له، لا أن عليه ذلك وأن الجنة لا يدخل فيها إلا برحمته وفضله. وقوله: -أيضًا- (ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ) أي: ذلك الإنعام الذي أنعم عليهم فضل من اللَّه. ويحتمل قوله: (ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ) أي: ما أحسن من الرفقة بينهم؛ فذلك فضل منه. والآية ترد على أصحاب الأصلح؛ لأن تلك الأفعال إنما صارت قربة للَّهِ بإنعام من الله وإفضاله وتوفيقه، وبه استوجبوا الثواب. وقوله - تعالى أيضًا -: (ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ) بعد العلم بأن الفضل هو بذل ما لم يكن عليه، وبذل ما عليه هو الوفاء، لا الفضل في متعارف اللسان والمعتاد. ثم لا يخلو من أن يرجع منه إلى الخيرات التي اكتسبوها؛ فيبطل به قول المعتزلة بما لا يخلو من أن كان منه ذلك الفضل أو مثله إلى الكافر أولى، فإن كان منه لم يكن للامتنان منه بالذي كان منه وجه يستحقه، وقد كان منه إلى غيره، فلم ينل تلك الدرجة، ولا بلغ تلك الرتبة؛ فبان أنه لا بذلك بلغ من بلغ، فيكون منه فيما لم يكن. وأيضًا: إنه لو لم يكن معه ذلك عنهم لم يكن البذل فضلا لما ذكرت؛ ثبت أن ليس الحق عليه كل ما به الأصلح في الدِّين؛ لما يزيل معنى الفضل، وإن لم يكن إعطاء الكافر مثله فهو عندهم محاباة منه على المؤمن، وقد منع بعض ما عليه في الأصلح، وذلك عندهم بخل، جل اللَّه عما وصفوه.
(71)
وإن كان ذلك في الثواب دل أن له أن يثيب حتى يصير ما أثاب عليه فضلا، ولا يحتمل ألا يرضى بطاعة العبد واتباع رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فثبت أن الرضا ليس هو المراد، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) قيل: عليمًا بالآخرة وثوابها. وقيل: (وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) بما وعد من الخير في الآخرة لهَؤُلَاءِ الأصناف. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: الصديقون هم الذين أدركوا الرسل - عليهم السلام - وصدَّقوهم. وعن أبي ذر - رضي اللَّه عنه - قال: الصديقون هم المؤمنون. وقيل الصديقون: السابقون، الذين سبقوا إلى تصديق النبيين، أنعم اللَّه عليهم بالتصديق، والشهداء: هم الذين أنعم اللَّه عليهم بالشهادة. والصالحون: هم المؤمنون أهل الجنة. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) قيل: خذوا عدتكم من السلاح. وقيل: قوله: (خُذُوا حِذْرَكُمْ) من جميع ما يحترز به العدو؛ كقوله - سبحانه وتعالى -: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ. . .) الآية، وكقوله -
تعالى -: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً)، أمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بالاستعداد للعدو، والإعداد له، وألا يوكل الأمر في ذلك إلى اللَّه دون الإعداد للعدو. وقيل: لقاؤه، وإن كان يقدر على نصر أوليائه وقهر عدوه من غير الأمر بالقتال معهم؛ إذ في ذلك محنة امتحنهم بها؛ فعلى ذلك أمرهم بالإعداد للعدو، وأخذ الحذر لهم، وذلك أسباب تعد قبل لقائهم إياه. وفيه دلالة تعلم آداب الحرب قبل لقاء العدو؛ ليحترس منه. وفيه دلالة إباحة الكسب؛ لأنه فرض عليهم الجهاد، وأمر بالإعداد له؛ ليحترس من العدو، ولا يوصل إلى ذلك إلا بالكسب، واللَّه أعلم. وفي قوله -أيضًا-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) أي: ما تحذرون به عدوكم، وما تحذرونه وجوه: منها: الأسلحة، ومنها: البنيان، ومنها: النّكْر عند الالتقاء، والثبات، وذكر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - كما قال: (فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا)، وفي هذا الأمر بالإعداد للعدو قبل اللقاء، وأيد ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً)، وكذلك قوله: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)، فيكون الأمر بالإعداد قبل وقت الحاجة دليل جواز الكسب لحاجات تجددت، وأن الاستعداد للحاجات ليس برغبة في الدنيا؛ إذ لم يكن الإعداد فشل ولا ترك التوكل، على أن الجوع وحاجات النفس تعين وتلقي العدو، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) قيل: الثبات: هو السرايا (أَوِ
انْفِرُوا جَمِيعًا) يعني: عسكرًا. وقيل: (ثُبَاتٍ) يعني: فرقًا، (أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا): مجموعًا. وقيل: (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ) أي: عصبًا، (أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا). وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: زحفًا. وقيل الثبات: الأثبات، والثبة في كلام العرب الجمع الكثير، ومعناه: انفروا كثيرًا أو قليلا، وفي ذلك دلالة الأمر بالخروج إلى العدو فرادى وجماعة، وفرقًا وجماعة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ) أي: إذا استنفرتم فانفروا ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) ومعلوم أن عليهم الدفع، فيحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (انْفِرُوا) إذا أَزُّوا؛ أي: على ما استنفرتم من جميع أو بعض؛ فيكون في ذلك دلالة قيام البعض عن الكل على غير الإشارة إلى ذلك، وقد يجب فرض في مجهول على كل القيام حتى يعلم الكفاية بمن خرج، وهو كفرائض تعرف لا تعرف بعينها، أو حرمات تظهر لا يعرف المحرم بعينه، فعلى من حرم عليه الإيفاء والقيام بجميع الفرائض؛ ليخرج عما عليه، ثم إذا غلب عليهم في التدبير الكفاية بمن خرج سقط عن الباقين، ولو لم يكن يسقط لم يكن للإمام استنفار البعض؛ يدل على ذلك قوله - تعالى -: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ. . .) الآية، وقوله - تعالى -: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ)، وأصله أنه فرض لعله لا يجوز بقاؤه، وقد زالت العلة، على أن خروج الجميع من جهة إبداء للعورة من
(72)
جهات؛ فلذلك لم يحتمل تكليفه بخروج الجميع من جهة استنفر منها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ... (72) قوله: (مِنْكُمْ) يحتمل وجوهًا: يحتمل: في الظاهر منكم. ويحتمل: في الحكم منكم. ويحتمل: في الدعوى؛ لأنهم كانوا يدعون أنهم منا، ويظهرون الموافقة للمؤمنين، وإن كانوا -في الحقيقة- لم يكونوا. وقوله - تعالى - (لَيُبَطِّئَنَّ) قيل: إن المنافقين كانوا يبطئون الناس عن الجهاد ويتخلفون؛ كقوله - تعالى -: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا)، كانوا يسرون ذلك ويضمرونه، فأطلع اللَّه - عز وجل - نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على ذلك؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك باللَّه تعالى. وفيه دلالة إثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ. . .) على التقديم والتأخير يسر ويفرح، إذا أصابتكم مصيبة كأن لم يكن بينكم وبينه مودة؛ لأن كل من كان بينه وبين آخر مودة إذا أصابته نكبة يحزن عليه ويتألم، فأخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أن هَؤُلَاءِ المنافقين إذا أصابت المؤمنين نكبة يسرون بذلك ولا يحزنون، كأن لم يكن بينهم مودة ولا صحبة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ... (73) يعني: الغنيمة والفتح،
يقولون: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) أي: يأخذ من الغنيمة نصيبًا وافرًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا) هذا قول المكذب الشامت: (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ. . .) الآية، هو قول الحاسد؛ وهو قول قتادة. وقوله - تعالى -: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) يعني: ليتخلفن عن النفير: (فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ) يعني: شدة وبلاء من العيش والعدو، (قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا) فيصيبني ما أصابهم: (كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) دل أن فرض الجهاد فرض كفاية
يسقط بقيام البعض عن الباقين؛ لأنه قال: (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) أمر بنفير
(74)
الثبات، فلو كان لا يسقط بقيامهم عن الباقين لم يكن للأمر به معنى، وتأويله - واللَّه أعلم -: إذا قيل لكم، انفروا، فانفروا ثبات أو انفروا جميعًا. * * * قوله تعالى: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) كأنه - واللَّه أعلم - نهى المنافقين بالخروج إلى الغزو كقوله - تعالى -: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا)، وأمر المؤمنين أن يخرجوا لذلك؛ لأنه قال اللَّه - تعالى -: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) والمؤمنون هم الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قيل: في إظهار دين اللَّه. وقيل: في طاعة اللَّه - تعالى - ونصر أوليائه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) في الآية دلالة أن من بذل نفسه وماله للَّهِ - تعالى - غاية ما يجب أن يبذل استوجب العوض قبله، وإن لم يتلف نفسه فيه ولا أحدث؛ لأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ)، جعل لمن يتلف نفسه فيه الثواب والعوض الذي تلفت نفسه فيه؛ لأنه اذا غلب لم تتلفت نفسه فيه، وكذلك قوله - سبحانه وتعالى -: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ)، جعل لمن قتل ولم يقتل فيه العوض؛ فهذا يدل على مسائل لنا: من ذلك أن المرأة إذا سلمت نفسها إلى زوجها في الوقت الذي كان عليها التسليم استوجب كمال الصداق وإن لم يقبض الزوج منها.
(75)
ومن ذلك: البائع -أيضًا- إذا سلم المبيع إلى المشترى كان مُسَلِّمًا وإن لم يقبض المشترى. وكذلك من صلى صلاة الظهر في منزله، ثم خرج إلى الجمعة يصير رافضًا للظهر؛ لأن عليه الخروج إليها؛ فيصير بالخروج إليها كالمباشر لها، وإن لم يباشر؛ على سبيل ما جعل الباذل لنفسه للَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - والمسلم إليه، وإنها أخذت منه في استيجاب العوض الذي وعد له؛ فعلى ذلك يجب أن يجعل تسليم ما ذكرنا إلى المحق كأخذ المحق منه، وإن لم يأخذ، وليس كالقيام إلى الخامسة، ولا كالمتوجه إلى عرفات قبل فراغه من العمرة؛ لأن على هَؤُلَاءِ الفراغ مما كانوا فيه، ثم التوجه إلى عرفات والقيام إلى الخامسة؛ فلم يصح ذلك. وأما المرأة والبائع ومؤدى الظهر في منزله عليهم التسليم والبذل؛ لذلك كان ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وفي الآية أن اللَّه - تعالى - عامل عباده معاملة أهل الفضل والإحسان كان لا حق له، لا معاملة ذي الحق، وإن كانت الأنفس والأموال كلها له في الحقيقة؛ حيث فرض عليهم الجهاد، وجعل لهم بذلك عوضا؛ كقوله - تعالى -: (وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)، وقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - في آية أخرى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ)، من المؤمنين كثيرًا من لا حق له فيها، وهي له في الحقيقة، ووعد لهم على ذلك عوضًا وأجرًا عظيمًا. وقوله - تعالى -: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... (75) وقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. . .) الآية، مثل هذا لا يقال إلا لتفريط سبق منهم، ثم لم يزل اسم الإيمان منهم بذلك، وكان الجهاد فرضا عليهم؛ فهذا ينقض على من يخرج مرتكب الكبيرة من الإيمان. وقوله - تعالى -: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: وما لكم لا تقاتلون في سبيل اللَّه وفي المستضعفين؟!.
وكذلك رُويَ عن الكسائي. وفيه دلالة: أن على المسلمين أن يستنقذوا أسراهم من أيدي الكفرة إذا أسروا بأي وجه ما قدروا عليه: بالأموال، والقتال، وغير ذلك، وذلك فرض عليهم، وحق ألا يتركوهم في أيديهم؛ لأنه قال اللَّه - تعالى -: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا. . .) الآية. وفي الآية دلالة أن إسلام الصغار إسلام، وكفرهم كفر إذا عقلوا؛ لأنه قال اللَّه - تعالى -: (وَالْوِلْدَانِ) الكبار من الرجال والنساء لا يسمون: ولدانا، إنما يسمون الصغار منهم؛ لأنه عاتبهم بتركهم في أيدي الكفرة، فلو كانوا على حكم أولاد الكفرة لم يكن للتعيير والعتاب وجه بتركهم في أيديهم؛ إذ لم يعاتبوا بترك ولدان الكفرة في أيديهم؛ فدل أنه إنما لحقهم العتاب لإسلامهم، وكذلك قوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ. . .) الآية، ثم استثنى المستضعفين، فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً)، فلو لم يكن إسلام الولدان إسلامًا، ولا كفرهم كفرًا، لم يكن لاستثنائهم من أُولَئِكَ وإخراجهم من الوعيد الذي ذكر - معنى، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا. . .) سألوا اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أن يخرجهم من القرية، وهم علموا أنه لا يتولى نحوه السماء، ولكن على أيدي قوم يعينهم على ذلك، وهم علموا أن للَّهِ - تعالى - في ذلك صنعًا، والمعتزلة لم يعلموا،
(76)
وذلك ينقض قولهم، وباللَّه التوفيق. وقوله: (الظَّالِمِ أَهْلُهَا) قيل: المشرك أهلها: كل ظالم منعهم عن الخروج إلى دار الإسلام والهجرة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) في ديننا، ونصيرًا يمنعنا عن المشركين، ويقال: مانعًا يمنع عنا المشركين، وقد ذكرنا الولي والنصير في غير موضع، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... (76) وسبيل اللَّه: ذكرنا الذي يأمر خلقه بالسلوك فيه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) قال ابن عَبَّاسٍ: الطاغوت: هو الشيطان في هذا الموضع؛ لأنه هو الذي يدعو ويأمر بالسلوك في سبيله. وفي الآية دلالة ألا يؤمر الكفار بالجهاد، ولا بالصلاة، ولا بالزكاة، ولا بغيرها من العبادات؛ لأنه أخبر أنهم لو قاتلوا إنما يقاتلون في سبيل الشيطان، وكذلك إذا صلوا، صلوا له، وكذلك سائر العبادات، ولكن يؤمرون أولا بإتيان ما لو فعلوا من العبادات كانت في سبيل اللَّه، وهو الإيمان، وهذا ينقض قول من يقول: إن الكافر مأمور مكلف بالصلاة، والزكاة، وغيرها من العبادات، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ) هذا يدل على أن الطاغوت هو الشيطان هاهنا، وكل ما عبد دون اللَّه فهو طاغوت. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) يحتمل قوله: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ): أي: كيد أولياء الشيطان (كَانَ ضَعِيفًا) إذا كان اللَّه ناصركم؛ كقوله - سبحانه وتعالى -: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ). ويحتمل أن كيد الشيطان كان ضعيفًا؛ لأنه لا يعمل سوى الدعاء والأمر يدعوهم إلى سبيله؛ فذلك لضعفه لا يباشر القتال ولا الضرب، إنما هو إشارة منه ودعاء؛ كقوله - تعالى -: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ). * * * قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)
(77)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ ... (77) اختلف فيه؛ قيل: نزلت الآية في بني إسرائيل، وهي الآية التي ذكرها اللَّه - تعالى - في سورة البقرة: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى. . .) إلى قوله: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ). وقيل: إنها نزلت في المؤمنين من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - استأذنوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في قتال كفار مكة سرا؛ لكثرة ما يلقون من الأذى منهم؛ فنزل قوله - تعالى -: (كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) أي: لم أؤمر بالقتال، فنهاهم عن ذلك، فلما كتب عليهم القتال وأمروا به كرهوا ذلك؛ فدل قوله - تعالى -: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ. . .) الآية. وقيل: إنها نزلت في المنافقين الذين كانوا يقاتلون مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ) أي: يخشون الناس - يعني المنافقين كخشية المؤمنين اللَّه أو أشد خشية؛ كقوله - سبحانه وتعالى -: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ). وإن كانت في المؤمنين؛ فتأويله: يخشون الناس في القتال كخشية اللَّه في الموت أو أشد خشية؛ لأنه أهيب وأسرع نفاذًا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ أيضًا -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ. . .) الآية. تكلموا في ذلك: فمنهم من جعله خبرًا عن أمر بني إسرائيل الذين قالوا لنبي لهم: (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا. . .) الآية، أنهم إذا أمروا بالكف عن مقاتلته تمنوا الإذن في ذلك، وسألوا نبيهم - عليه السلام - عن ذلك، ثم فيهم من أعرض عن الطاعة، وقد كان أهل الإيمان يتمنون الإذن في ذلك؛ كقوله - تعالى -: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ)، فوعظوا بمن ذكرت؛ ليقبلوا العافية، ولا يتمنوا محنة فيها شدة؛ فيبعثهم على ما بعث
أُولَئِكَ. وروي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " لَا تَتَمَنوا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا رَبَّكُم العَافِيَةَ، وَإذَا لَقِيتُمُوهُم فَثُورُوا فِي وُجُوهِهِم " (¬1) أو كان في علم اللَّه - سبحانه وتعالى - أن يأمرهم، فَأُخْبِرُوا بالذين قتلوا وحل بهم؛ لئلا يفعلوا مثل فعلهم، واللَّه أعلم. وخشيتهم كخشية اللَّه؛ كقوله - تعالى -: (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ. . .) إلى تمام القصة. وقد قيل: الآية نزلت فيما سألوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فأجيبوا في ذلك، ثم خاطبهم الذي ذكر. لكن اختلف في ذلك: فمنهم من يقول: كان ذلك في المصدقين؛ لكن اشتد عليهم الأمر، وذلك نحو ما كان منهم يوم حنين وأحد ونحو ذلك، حتى أغاثهم اللَّه - تعالى - وفرج عنهم بِمنِّه، وعلى ذلك قوله - تعالى -: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ)، أي: ما فيه الموت من الجهاد، وعلى ذلك: (يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً)، فلما عاينوا السبب الذي فيه هلاكهم، وتبلغ عند ذلك الخشية غايتها؛ نحو قرب الموت وشدة المرض؛ يكون المرء يخشى منه الموت ما لا يخشى لولا تلك الحال؛ لأنه يرى الموت من المرض، وإن كان الذي يظهر عليه من خشية الموت في تلك الحال أشد، فهو -في الحقيقة- خشية من اللَّه - تعالى - أن يكون جعل ذلك سبب الموت، وأنه حضره وقرب منه؛ فيكون في ظاهر الأمر كمن يخشى من تلك الأحوال، وقد جعل لما جبل عليه الخلق في مثله معروف مثله؛ أعني: أن المريض عند الموت لما يغلب عليه الإياس من حياته، وإن كان الذي يصيبه يستوي عليه أحواله، فعلى ذلك أمر الأول. وعلى ذلك فيما طبع عليه الخلق من طمأنينة القلب عند ملك أسباب الرزق والقدرة ¬_______ (¬1) أخرجه البخاري (15/ 141) كتاب التمني: باب كراهية تمني لقاء العدو (7237)، ومسلم (3/ 1362) كتاب الجهاد والسير: باب كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء (1742)، عن عبد اللَّه بن أبي أوفي بلفظ " يا أيها الناس: لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا اللَّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف "، واللفظ لمسلم.
عليه ما لم يكن في غيرها، وإن كان من حيث قدرة اللَّه - تعالى - واحد؛ فتكون تلك الخشية جبلية طبيعية، لا اختيارية، أو سخط بحكم الرب، وهو كالذي جاء من قوله - تعالى -: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ. . .) الآية. وقوله - على ذلك -: (رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ. . .) الآية، يحتمل وجهين: أحدهما: الخبر عما في طباعهم، كما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ. . .) الآية، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ " وإنما ذلك على الطبع فذلك الطبع كالسائل عن ذلك، وربما يضيفون القول والسؤال على اعتبار الأحوال إلى ما لا يطيق له، فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم. ويحتمل: أن يكون قولا منهم عن وجه الحكمة لهم بالأمر فيما علم أنهم يبلغون بالقتل والجبن إلى حال لا يقومون للعدو، ولا يملكون أنفسهم في ذلك الوقت؛ فأخبر اللَّه - عز وجل - أن الذي حملهم على ذلك رغبتهم في التمتع بالدنيا، ولو صوروا متاع الآخرة في قلوبهم لذهب عنهم ذلك، ويثبتون للعدو، ولا يبالون للعدو بما يحل بهم، ولا يخشون لذلك، وكأنه وعد لهم أن متاع الآخرة لكم على هذا الفعل لو صبرتم خير لكم، وما وعد لكم عليه خير من متاع الدنيا. وأيضا: أن يقال: إن هذا وإن عظم هوله على الطبع، فإنه إذا كان للَّهِ بحق العبادة لهو أيسر وأهون من الموت على صاحبه إذا حضر؛ إذ يريهم اللَّه متاع الآخرة أو بعض ما فيه الكرامة؛ فيصير ذلك متاع الآخرة لهم وقت الموت فهو خير من تمتعهم في الدنيا ثم الموت، ولا ذلك منه، كما قيل في تأويل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهَ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لقَاءَهُ " إن المؤمن يرى ما له من الكرامة؛ فيحب الموت أن يعجل به؛ ليصل إلى ذلك، والكافر يرى سخطه فيكرهه، وعلى هذا تأويل القول في الدنيا أنها:، " سِجْنُ الْمُؤْمِن وَجَنَّة الْكَافِرِ " أن تكون كذلك في ذلك الوقت، واللَّه أعلم.
وتأويل آخر: أن تكون الآية في المنافقين: أنه يظهر عليهم النفاق وقت المحنة بالجهاد دون غيره من العبادات، قال اللَّه - تعالى -: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ. . .) الآية، بين ما نزل بالمنافقين، وكذلك قوله - تعالى -: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ. . .) الآيات، - واللَّه أعلم - فيمن نزلت الآية، لكنها معلوم أن فيها ترغيبًا فيما عند اللَّه، وتزهيدًا في الدنيا، ودعاء إلى الرضا بحكم اللَّه - تعالى - فيما خف وثقل، واللَّه المستعان. وعلى التأويل الآخر: جميع ما ذكر ظاهر في المنافقين، مذكور ذلك في الآيات التي ذكرتها، وفيهم قال اللَّه - تعالى -: (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ. . .) الآية، وغير ذلك مما دل على إنكارهم، وفضل خوفهم في ذلك، واللَّه أعلم. فإن قال قائل: كيف قال اللَّه - تعالى -: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) وقد هلك به أكثر البشر؟ قيل: قد يخرج على وجوه - واللَّه أعلم -: أحدها: أنه يضعف كيده على من تعوذ باللَّه - تعالى - كقوله - تعالى -: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ. . .) الآية، وإنما يقوى على من جنح له، ومال إلى ما دعاه إليه؛ كقوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ. . .) الآية إلى قوله - تعالى -: (ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ). والثاني: أن يكون ضعيفا على المقبل على ربه، والذاكر له في أحواله، والمفوض أمره إلى ربه، فأما من تولاه وأقبل على إشارته فهو الذي جعل له السلطان على نفسه بما آثره في شهواته، ومال به هواه، وهو كقوله - تعالى -: (لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا. . .) الآية، وقد سماه اللَّه - تعالى -: (الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ)، بما يخنس بذكر اللَّه - تعالى - ويوسوس عند الغفلة عن اللَّه، فكان سلطانه به، واللَّه الموفق. والثالث: أنه لا يملك الجبر والقهر ولا اكتساب الضرر في الأبدان والأموال، فهو ضعيف، واللَّه أعلم. والرابع - واللَّه أعلم -: أن يكون كان ضعيفا، أي: صار ضعيفا عند نصر اللَّه ومعونته، واللَّه أعلم. ويحتمل: كان ضعيفا لو ظهر، حتى يعلم أنه شيطان، لكن قوى بما لا يعلم المغرور أنه كيده وتغريره، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ)
قيل: في حرف حفصة: " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال، فلما كتب عليهم القتال إذا هم يخشون الناس كخشية اللَّه " كأن في الآية إضمارًا، يبين ذلك حرف حفصة، وإلا لم يكن في ظاهر الآية خبر حتى يكون قوله - تعالى -: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ. . .) الآية - جوابًا له. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ. . .) فإن كانت الآية في المنافقين، فهو على الإنكار قالوا ذلك، وإن كانت في المؤمنين فهو يخرج على طلب الحكمة في فرض القتال عليهم، طلبوا أي حكمة في فرض القتال علينا؟ وقد تطلب الحكمة في الأشياء، ولا عيب يدخل في ذلك، وأصله: أن كل آمر - في الظاهر - من هو فوقه فذلك سؤال له في الحقيقة لا أمر؛ فيخرج سؤاله مخرج الخضوع والتضرع له، ومن أمر من دونه فهو في الحقيقة ليس بسؤال، فهو يخرج على الأمر والنهي، وهو الأمر الظاهر في الناس. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) معناه - واللَّه أعلم -: إنا لم نخلقكم للدنيا وللمتاع فيها، إنما خلقناكم للآخرة وللمقام فيها، فلو خلقتكم للدنيا ثم كتبت عليكم القتال - لكان ذلك عبثًا خارجًا عن الحكمة، ولكن خلقناكم للآخرة وللمقام فيها. ويحتمل قوله - تعالى -: (يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) وقوله - تعالى -: (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ. . .) إلى آخره، أن لم يقولوا ذلك قولا، ولكن كان ذلك خطرًا في قلوبهم، فأخبرهم نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عما أضمروا؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك باللَّه - تعالى - ليدلهم على نبوته ورسالته. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) فنموت حتف أنفنا ولا نقتل، قتلا؛ فَيُسَرُّ بذلك الأعداء؛ كقوله: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، وفي القتل فتنة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا: أنهم لم يخلقوا لمتاع الدنيا، ولكن إنما خلقوا لمتاع الآخرة. والثاني: أن متاع الدنيا قليل من متاع الآخرة، كقوله - سبحانه وتعالى -: (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ)، وكقوله - تعالى -: (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207).
(79)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى) لأن متاع الآخرة دائم غير منقطع، ومتاع الدنيا زائل منقطع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) قد ذكرناه. * * * قوله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) قيل: لما استشهد من استشهد يوم أحد، قال المنافقون: لو كان إخواننا عندنا ما ماتوا وما قتلوا؛ قال اللَّه - تبارك وتعالى -: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ). ويحتمل: أن يكون جوابًا لما سبق من القول قولهم: (لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) يقول: من كتب عليه الموت ينزل به لا محالة، قاتل أو لم يقاتل؛ كقوله - تعالى -: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ. . .). ويحتمل: أن يكون قوله - تعالى -: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ): إذا كان الموت نازلا بكم لا محالة فالقتل أنفع لكم؛ إذ تستوجبون بالقتل الثواب الجزيل، ولا يكون ذلك لكم إذا متم حتف أنفكم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ). قال الفراء: الْمُشَيَّد والمَشِيد واحد، غير أن الْمُشَيَّد -بالتشديد- فيما يكثر الفعل، والمَشِيد فيما لا يكثر الفعل. وقيل: الْمُشَيَّد: هو المجصَّص، والشيد: هو الجِصّ.
(79)
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) أي: حصينة. وقيل: قصور محصنة طوال. وقوله: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) معلوم أنهم لم يريدوا بالحسنة والسيئة حسنة في الدِّين وسيئة في دينهم، ولكن إنما أرادوا بالحسنة والسيئة في الدنيا من المنافع والبلايا والشدائد؛ وذلك أنهم ما كانوا يحزنون لما يصيبهم من السيئة في الدِّين، ولا كانوا يفرحون بالحسنة والخير في الدِّين، ولكن فرحهم بما كانوا يصيبون في الدنيا من الخصب والسعة، وحزنهم بما يصيبهم من الضيق والشدة، وكانوا يتطيرون برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهكذا كان دأب الكفرة من قبل، كانوا يتطيرون بالأنبياء والرسل - عليهم السلام - كقوله - عَزَّ وَجَلَّ - إخبارًا عن قوم موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ)، وكقوله - تعالى -: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ)، وقال اللَّه - عز وجل -: (أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)؛ فعلى ذلك قولهم: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ)؛ تطيرًا منهم برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فقال - تعالى -: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: بتقديره كان وقضائه، فضلا؛ كقوله - تعالى -: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)، وجزاءً؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) أي: ما أصابهم إنما أصابهم بسوء صنيعهم برسل اللَّه صلى اللَّه عليهم وسلم وتكذيبهم إياهم؛ كقوله - تعالى -: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) أي: لا يفقهون ما لهم وما عليهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ... (79) وروي
في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " وأنا قدرتها عليك " يحتمل: أن يكون قوله - تعالى -: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) يرجع إلى ما ذكرت من السعة والعافية ونحوها (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ) من البلاء، والشدة (فَمِنْ نَفْسِكَ) أي: من جناية نفسك؛ جزاء. وفي الأول قال: (فَمِنَ اللَّهِ) في ذلك بعينه بحق الجزاء، وفي الثاني: (فَمِنْ نَفْسِكَ) بحق الجناية على الآية التي ذكرت من قوله - تعالى -: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ). ويحتمل: أن تكون الآية الأولى في أمر الدنيا، والأخرى في أمر الدِّين؛ إذ اختلفت الإضافة في هذه واتفقت في الأولى؛ إذ الأولى على ما عليه أمر المحنة من قوله - تعالى -: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)، وقوله - تعالى -: (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، جعل اللَّه - تعالى - بمختلف أحوال للعباد لا منفع لهم في ذلك، وكذلك قوله - تعالى -: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ. . .) الآية، وقوله - تعالى -: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ. . .) الآية. والثانية: في حق الأفعال، فيضاف إلى اللَّه ما صلح منها؛ شكرًا وحمدًا بما أنعم الله عليه، وذلك قوله - تعالى -: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ)، وقوله:
(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، وقوله: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ. . .) الآية، وقوله - تعالى -: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)، وقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ. . .) الآية، وغير ذلك؛ فيضاف إليه بما منه في ذلك من الفضل والنعمة؛ شكرًا، والثاني في زله وضلاله لا تجوز الإضافة إليه لما شبه الاعتذار، ولا عذر لأحد في ذلك، ويقبح في الإضافة، وذلك نحو القول بأنه: رب السماوات والأرض، ولا يقال: هو رب الخنازير والأقذار، ونحو ذلك؛ لما يقبح في السمع، وإن كان من حيث الخلق والتقدير واحدًا، فمثله أمر الأفعال، واللَّه الموفق. ونفي الإضافة عنه لا يدل على نفي أن يكون خلقه؛ لما بينا من الأشياء؛ الإضافة إليه كالتخصيحص، فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير، ويا إله الأقذار والخبائث، ويا رب الشرور والمصائب، وإن كان كل ذلك داخلا في أسماء الجملة، ومحقق منه تقديرها وخلقها، وكذلك الفواحش والكبائر، واللَّه أعلم. والثاني: الخيرات والأعمال الزاكية قد تضاف إليه، لا من وجه التخليق عند الجميع، بل عندنا: من جهة الإفضال بالتوفيق والإنشاء، وعند المعتزلة: من جهة الأمر والترغيب؛ فعلى ذلك نفي الإضافة فيما لم يضف إليه لهذا، وأيدَتْ هذا قراءة عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " وأنا قدرتها عليك ". فإن قال قائل: ذلك لا يقع على الأفعال؛ لقوله: (مَا أَصَابَكَ)، ولو كان عليها كان يقول: ما أصبت، ثم كان له جوابان: أحدهما: أن الإجابة اسم مشترك، ما يصيبه هو يصيب ذلك، فسواء لو أضيف إليه أو أضيف هو إليه، واللَّه أعلم. والثاني: أن ذلك يخرج مخرج الجزاء أيضًا إذا كان على ما يقوله؛ فيكون على ما يصيبه من جزاء حسنة أو سيئة، وإذ لم يجعل لله في حسنه فضلا لم يحتمل الإضافة إليه مع ما قد بينا من إضافات أعمال الخير إليه، ودفع الشر لما ليس في فعله من اللَّه إفضال عليه به
إنعام، وكان في فعل الخير ذلك، لا بالأمر والنهي؛ إذ هما يستويان في كل واحد، والله أعلم. ثم أوضح ذلك خبر عبد اللَّه، فطعنه قوم لمخالفة المصحف المعروف، قلنا: ليس بذي خلاف، إنما هو بيان المطلق، وقد يقبل خبر الآحاد في مثله، واللَّه أعلم. وقيل: خبر عبد اللَّه من خبر الآحاد، ولعله ليس قبل مصحفه كلمة ترُوى عنه العامة لا تحتمل التبديل، وأما خبره عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ إذ لا يجوز اختراع القراءة مرفوع، وخبر الفرد فيه يقبل، فيما لا خلاف فيه، وإن كان فيه تأويل الظاهر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا). قيل في حرف حفصة: " وأرسلناك إلى الناس رسولا "، (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) قيل: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) أي: بأنك رسول اللَّه. وقيل: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) على ما يضمرون في قلوبهم. وقيل: فلا شاهد أفضل من اللَّه بأنك رسوله وفي قوله -أيضًا-: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) وجوه: أحدها: إن جحدوا تبليغك في الدنيا، أو يقولوا: لم تعلم رسالتك. والثاني: أن يكون بالآيات التي جعلها اللَّه - تعالى - لرسالتك تحقق، وشهادة اللَّه لك بالرسالة شهيدًا، لك، أو مبينا، أو حجة. والثالث: أن يكون جعل علم الأنبياء والرسل - عليهم السلام - وتبليغهم الخبر إليهم شهادته وكفي به شهيدا على ما أضاف بيعة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إليه، ونصر أوليائه إليه، قال اللَّه - تعالى -: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ). ويحتمل: شهيدًا مبينًا، أو حكمًا مبينًا، فمعناه: فيبين لهم بالمعاينة ما كان بينه بالدلالة والآيات، وحكمًا فاصلا بين المحق والمبطل؛ فيخرج الوجهان جميعًا مخرج الإعراض عن المحاجة بما ظهر من العناد والمكابرة، وتفويض الأمر إلى اللَّه وإخبار عن الفراغ مما كان عليه فيهم من حق البلاغ، ولا قوة إلا باللَّه. * * * قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ
(80)
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ... (80) لأن اللَّه - تعالى - أمر بطاعة الرسول، فإذا أطاع رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقد أطاع اللَّه - تعالى - لأنه اتبع أمره؛ ألا ترى أنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، وحتى جعل طاعة الرسول من شرط الإيمان بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) الآية. والثاني: أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إنما يأمر بطاعة اللَّه، فإن أطاع رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وائتمر بأمره فقد أطاع اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لأنه هو الآمر بطاعة اللَّه، وباللَّه التوفيق. وقيل: لأن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يأمر بأمر اللَّه - تعالى - لذلك كانت طاعته طاعة اللَّه، وذكر في بعض الأخبار أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال في المدينة: " مَنْ أَحَبَّني فَقَدْ أَحَبَّ اللهَ - تعالى - وَمَنْ أَطَاعَني فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ " فعيره المنافقون في ذلك فأنزل اللَّه - تعالى - تصديقًا لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا). وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " مَنْ أَطَاعَ اللهَ فَقَدْ ذَكَرَ وَإِنْ قَلَّتْ صَلَاتُهُ وَصِيَامُهُ وَتلَاوَتُهُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ نَسِيَ اللهَ - تَعَالَى - وإنْ كَثُرَ صِيَامُهُ وَصَلَاتُهُ وَتِلَاوَتُهُ القُرْآنَ "، فطاعة اللَّه - تعالى - إنما تكون في اتباع أمره، وانتهاء مناهيه، وكذلك حبه إنما يكون في اتباع أمره ونواهيه؛ كقوله - تعالى -: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ).
وقوله -أيضًا- (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) ظاهر مكشوف، حقيقته أنه يطيعه لطاعة اللَّه؛ إذ الأمر يطيعه على أنه يدعوه إلى طاعته، وطاعته إجابته له بما يطيع اللَّه به، وحكمته أنه لم يجعل مسلك الطاعة عبادة وإن كانت هي لله عبادة، ولا تجوز عبادة الرسول؛ فصير اللَّه - تعالى - طاعته عبادة لله - تعالى - فأعلم: أن الطاعة قد تكون غير مستحقة لاسم العبادة؛ إذ قد يسمى لا من ذلك الوجه، ولذلك جاز القول بمطاع في الخلق، ولا يجوز بمعبود، واللَّه أعلم. وأيضا: فيه شهادة له بالعصمة في كل ما دعا إليه وأمر به، وإلزام للخلق بالشهادة له بالصدق في ذلك والقيام به، أكد بقوله - تعالى -: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ. . .)، وبقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ. . .) الآيتين جميعًا، وذلك الإباء على لزوم طاعته أخوف مخالفة العذاب الأليم، وأزال عن الواجد في نفسه من قضائه الحرج الإيمان، ثم ليست طاعته في فعله خاصة، أو قول ما يقوله، ولكنها بوجهين: أحدهما: اعتقاد كل فعل وقول على ما عليه عنده من خصوص، أو عموم، أو إلزام، أو آداب، أو إباحة، أو ترغيب. والثاني: في الوفاء بالذي منه المراد فيه من أن يفعل كفعله أو يتقي ذلك، أو يستعمله في حق الإباحة، أو ما أراد من محله فيه، يعرف موقع كل من ذلك بالأدلة، ولا قوة إلا باللَّه. وقول من يقول: لا يلزم طاعته في فعله أو يلزم، كلام بهذا الإطلاق لا معنى له. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) في أعمالهم وأفعالهم، فإنما عليهم ما عملوا وعليكم ما عملتم، ما تسأل أنت عن أعمالهم، ولا يسألون عما فعلتم، واللَّه أعلم. ويحتمل قوله: (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) يطلع على سرائرهم، إنما عليك أن تعاملهم على الظاهر، واللَّه أعلم.
(81)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ... (81) وقيل: إن المنافقين قد أظهروا التصديق للَّهِ - تعالى - ولرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فإذا دخلوا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قالوا: يا رسول اللَّه، أمرك طاعة، فمُرْنا بما شئت نفعله، فإذا أمرهم بأمر ونهاهم عنه خالفوا أمره، وغيروا ما أمرهم أبهأ ونهاهم عنه؛ فأنزل اللَّه - تعالى - على رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) إلى قوله - تعالى -: (بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) قوله: (بَيَّتَ) قيل: غير ما أمرهم به. وقيل: (بَيَّتَ) ألف. وقيل: (بَيَّتَ) أي: قدروا بالليل القول وألفوا، وكل كلام وقول مقدر بالليل مؤلف فيه، يقال: بَيَّتَ، ومعناه - واللَّه أعلم -: أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -[ ... ] فهذا - واللَّه أعلم - معنى قوله: (بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) وإلا ظاهر هذا ليس على ما قاله أهل التفسير، وباللَّه التوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ) أي: اللَّه - تعالى - يأمر بإثبات ما يبيتون من القول الكذب والمغير من القول؛ ليلزمهم الحجة؛ لأنهم كانوا يسرون ذلك ويضمرونه لا يظهرون إظهارًا ليجزيهم جزاء ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) يحتمل: أعرض عنهم ولا تكافئهم على هذا. ويحتمل: أعرض عنهم، ولا تتكلف إظهار سرهم، ولا تطلع عليه، إنما ذلك إلَيَّ؛ لأطلعكم على ما يسرون؛ ليعلموا أنك إنما عرفت ذلك باللَّه ففيه دلالة إثبات الرسالة،
(82)
فتوكل على اللَّه، وثق به، ولا تخافهم، فإن اللَّه - تعالى - يدفع عنك شرهم وكيدهم. ويحتمل: (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) في جزائه؛ فإن اللَّه هو يتولى جزاء تكذيبهم إياك، والله أعلم. (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) فيما ذكرنا. أي: كفى به مانعًا، فلا أحد أمنع منه. وقيل: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)، مما يبيتون وحافظًا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يكون التبييت إلا بالليل، يؤلفون الشيء ويقدرونه بالليل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) لو كان الحكم لظاهر المخرج على ما يقوله قوم - لكان القرآن خرج مختلفًا متناقضًا؛ لأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ - في الآية: (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. . .) الآية، ويقول في آية أخرى: (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، لو كان على ظاهر المخرج فهو مختلف، وكذلك قوله - تعالى -: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)، وقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - في آية أخرى: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا) في إحداهما حظر وفي الأخرى إباحة، فلو كان على ظاهر المخرج والعموم - لكان مختلفًا متناقضًا، ويجد أهل الإلحاد أوضح طعن فيه وأيسر سبيل إلى القول بأنه غير منزل من عند الرحمن؛ إذ به وصفه أنه لو كان من عند غير اللَّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرًا. وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ. . .) الآية، وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، ثم وجد أكثر ما فيه الحكم متفرقًا إلى غير المخرج، ومحصلا على غير مجرى اللفظ من العموم والخصوص؛ فدل به أن الحكم لا كذلك، ولكن المعنى المودع فيه والمدرج، لا يوصل إلى ذلك إلا بالتدبر والتفكر فيه، وإلى هذا ندب اللَّه عباده؛ ليتدبروا فيه؛ ليفهموا
مضمونه، وليعملوا به. ثم يحتمل بعد هذا وجهان: أحدهما: قوله - تعالى -: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) أي: لو كان هذا القرآن من عند غير اللَّه، لكان لا يُوَافَقُ بما يخبرهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولكن يخبرهم مخالفا لذلك؛ لأن الكهنة، الذين كانوا يدعون الخبر عن غيب، لا يخرج خبرهم موافقا، بل كان بعضه مخالف لبعض مناقض له، فلما خرج هذا ما يخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من سرائرهم موافقًا له، دل أنه خبر عن اللَّه تعالى. والثاني: أنهم كانوا يقولون: (إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ)، (مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى)، ونحوه، فأخبر اللَّه - تعالى - أنه لو كان من عند غير اللَّه لكان لا يوافق لما عندهم من الكتب، بل كان مختلفا متناقضا، فلما خرج هذا القرآن مستويا، موافقًا لسائر الكتب؛ كقوله - تعالى -: (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ)، (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ)، دل أنه من عند اللَّه نزل. ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن هذا القرآن نزل على مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في أوقات متفرقة متباعدة على نوازل مختلفة، فلو كان من عند غير اللَّه نزل - لخرج مختلفًا، مناقضًا بعضه بعضًا؛ لأن حكيمًا من البشر لو تكلم بكلمات في أوقات متباعدة - لخرج كلامه متناقضًا مختلفًا، إلا أن يستعين بكلام رب العالمين، ويعرضه عليه؛ فعند ذلك لا تناقض، فلما خرج هذا - مع تباعد الأوقات - غير مختلف ولا متناقض، دل أنه من عند اللَّه - تعالى - نزل، وباللَّه التوفيق. وفيه الاحتجاج على الْمُلْحِدَة؛ حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ. . .) إلى قوله: (اخْتِلَافًا كَثِيرًا) فلو وجدوا لأظهروا ذلك، وقوله - تعالى -: (بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) ولو قدروا على ذلك لأتوا به؛ دل ترك إتيانهم ذلك: أنهم لم يقدروا على إتيان مثله، ولو وجدوه مختلفًا لأظهروه، ولو كان من كلام البشر -على ما قالوا- لأتوا به؛ لأنهم من البشر؛ فظهر أنه منزل من عند اللَّه، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) وقوله: (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)، دلالة بينة على وجهين:
أحدهما: أن المقصود منه يدرك بالتأمل والتدبر؛ إذ به جرى الأمر والترغيب قبل وقت العمل، بل ألزم القيام بما يعقل بالتدبر. ثم فيه وجهان: أحدهما: أن الأمر ليس على مخرج الكلام عند أهل اللسان، ولا على حق الأيسر في اللغة؛ إذ حق مثله أن يرغب في معرفة الموقع عند أهل اللسان من المخرج، ويوجه إليه لا يدَّبَّر فيه، واللَّه أعلم. ومعلوم -أيضًا- أن التدبر فيه حظ الحكماء وأهل البصر، لا حظ العوام، وما يعرف من حيث اللسان فهو حظ الفريقين، ثبت أن على العوام اتباع الخواص فيما فهموا هم والاقتداء بهم، واللَّه أعلم. والثاني: أنه جعل وجه معرفة الاختلاف والاتفاق بالتدبر فيه لا يقرع الكلام السمع، وإذا ثبت ذلك لم يلزم العمل بشيء من الظاهر حتى يعرف الموقع أنه على ذلك بالتدبر؛ لئلا يلحق المتمسك به النقيض بالتدبر، واللَّه أعلم. والوجه الثاني: بما تضمنت الاختلاف أن ارتفاع الاختلاف جعله حجة على أنه عن اللَّه؛ إذ علم اللَّه -مما جبل عليه الخلق- أنه لا أحد يملك بحق الاختراع لا عن علم السماع ينتهي إليه عن اللَّه بخبر الصادقين، يملك تأليف الكلام ونظم مثله غير متناقض، ولا مختلف ينفي بنفي الاختلاف ما قرن به من الكهنة؛ إذ كذلك كلام الكهنة يخرج مختلفًا، وما قرن من تعليم البشر وأساطير الأولين، والسحر، ونحو ذلك؛ إذ كل ذلك يخرج على الاختلاف، وفي ذلك بيان حظر جعل المخرج بحق اللسان من الاسم حجة ودليلا؛ لما يوجد من ذلك الوجه اختلافا كثيرا، ولو كان من ذلك الوجه الاحتجاج - لوجد الاختلاف، ومن رام أن يجعل القرآن - لولا بيان الخبر - موقعه على جهة قد يقع فيه الاختلاف دونه - فهو وصف القرآن مع اجتماع الخبر بنفي الاختلاف، وأما ما هو في نفسه مختلف، فمثله لكل كاهن وبشر أريد تثبيت التناقض فيه أمكن لمن يذب عنه إن كان عنه مترجم معبر يجب ضم تأويله إليه، فيبطل أن يكون على أحد، ووجود اختلاف في
(83)
مكان، ويكون احتجاج العدين عبثا، جل عن ذلك. ثم ما ذكر يحتمل الأحكام والحدود، والأوامر والنواهي، وذلك يوجب أن التناسخ والخصوص والعموم لا يكون مختلفًا. ويحتمل: الإخبار، والوعد والوعيد، ونحو ذلك، وأعني بالإخبار: عن الغيب، وعما كان أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - عن شرك المنافقين، وعما إليه مرجع الأمور، وعما كان عنهم، ونحو ذلك مما خرج كذلك، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ) وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " وإذا جاءهم نبأ من خوف أو أمن أذاعوه " وكذلك في حرف حفصة. قال الكسائي: هما لغتان، أذعت به وأذعته: إذا أفشيته. وقيل: سمعوا به وأفشوه. وقيل: أفشوه وأشاعوه. ثم اختلف فيمن نزلت: قال الحسن: نزلت في المؤمنين؛ وذلك أنهم إذا سمعوا خبرًا من أخبار السرايا والعساكر - مما يسرون ويفرحون - أفشوه في الناس؛ فرحًا منهم، وإذا
سمعوا ما يحزنهم ويهمهم أظهروه في الناس؛ حزنا وغما، ثم استثنى إلا قليلا منهم لا يذيعون ولا يفشون بالخبر، فلو سكتوا وردوا الخبر إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حتى يخبر النبي ما كان من الأمر، أو ردوه إلى أولي الأمر حتى يكونوا هم الذين يخبرون به - كان أولى، وهو على التقديم والتأخير. وقال أبو بكر الكسائي: نزلت الآية في المنافقين؛ وذلك أن المنافقين إذا سمعوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يخبر عن نصر المسلمين أذاعوا إلى الأعداء بذلك ليستعدوا على ذلك، وإذا سمعوا أن الأعداء قد اجتمعوا وأعدوا للحرب أخبروا بذلك ضعفة أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ ليمتنعوا عن الخروج إليهم؛ فقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ) حتى كان هو مخبرهم عن ذلك، أو ردوا إلى أولي الأمر منهم؛ ليخبروا بذلك، واللَّه أعلم. ثم اختلف في (إِلَى أُولِي الْأَمْرِ): قيل: هم أمراء السرايا. وقيل: هم العلماء الفقهاء (الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ). الذين يطلبون علمه بقوله. وقيل: (أُولِي الْأَمْرِ) - هاهنا - مثل أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضي اللَّه عنهم.
(لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أي: يستخرجونه من كتاب اللَّه تعالى. وقيل: (أُولِي الْأَمْرِ) ولاة الأمر الذين يستنبطونه، والذين أذاعوا به: قوم إما منافقون وإما مؤمنون، على ما ذكرنا، إنما هو: أذاعوا به إلا قليلا منهم (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ. . .) الآية على قول بعض. وقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) واختلف فيه: قيل: فَضْلُ اللَّه: رسولنا، مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ورحمته: القرآن؛ تأويله: لولا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والقرآن لاتبعوا الشيطان إلا قليلا منهم لم يتبعوه، ولكن آمنوا بالعقل. وقيل: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) في الأمر والنهي عن الإذاعة والإفشاء، وإلا لأذاعوه واتبعوا الشيطان في إذاعتهم به (إِلَّا قَلِيلًا) منهم فإنهم لا يذيعون به. وعن الضحاك قال: هم أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانوا حدثوا أنفسهم بأمور من أمور الشيطان إلا طائفة منهم لم يحدثوا بها أنفسهم. وقال آخرون: هم المنافقون، كانوا إذا بلغهم أن اللَّه - تعالى - أظهر المسلمين على المشركين وفتح عليهم - صغروه وحقروه، وإذا بلغهم أن المسلمين نُكِبُوا نكبة - شنعوه وعظموه. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه -: (إِلَّا قَلِيلًا) يقول: لعلموا الأمر الذي يريدون، والخبر كله، (إِلَّا قَلِيلًا) يقول: لم يخف عليهم إلا قليلا من ذلك الأمر؛ (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ. . .) الآية. وعن الحسن قال: هم الذين استثنى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - حين قال إبليس - لعنه اللَّه -
(84)
(لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا)، وحيث قال: (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ). وقال غيرهم ما ذكرنا على التقديم والتأخير: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا منهم، واللَّه أعلم بذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ... (84) قوله: (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) يحتمل وجهين: أي: ليس عليك حسابهم ولا جزاء تخلفهم، إنما حساب ذلك عليهم؛ كقوله - عز وجل -: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)، وكقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ). والثاني: (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) أي: تكلف أنت بالقتال والجهاد، وإن تخلف هَؤُلَاءِ عن الخروج معك؛ يؤيد ذلك ما روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: هذا حين استنفر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أصحابه - رضي الله عنهم - بوعد أبي سفيان بدرا الصغرى، فخذله الناس؛ فأنزل اللَّه - تعالى - هذه الآية؛ فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لَأخْرُجَن إِلَى بَدْرٍ وَإِنْ لَم يتبِعْنِي أَحَدٌ مِنْكُم "، فاتبعه أقل الصحابة - رضي اللَّه عنهم - وقالوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل. وفيه دليل وعد النصر له والفتح، والنكبة على الأعداء؛ لأنه تكلف الخروج وحده؛ فلو لم يكن وعد النصر له - لم يؤمر بالخروج؛ ألا ترى أنه قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، و " عسى " من اللَّه - تعالى - واجب. وفي قوله - تعالى -: (عَسَى اللَّهُ) وعد نصره وإن خرج وحده؛ إذ الـ " عسى " هو من اللَّه واجب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: و (حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) يحتمل وجوهًا: يحتمل: حرض المؤمنين بالثواب لهم وكريم المآب على ذلك. ويحتمل قوله - تعالى -: و (حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ)؛ لما في القتال معهم إظهار دين اللَّه - الإسلام - وفي ترك المجاهدة والقتال معهم نصر العدو عليهم، وإظهار دينهم، أمر - عز وجل - رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ليرغبهم في مجاهدة أعدائهم.
(85)
والثالث: وحرض المؤمنين على المجاهدة والقتال معهم؛ وعدًا بالنصر لهم، والفتح، والغنيمة، واللَّه أعلم. وقوله - عز وجل -: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا). والـ " عسى " من اللَّه واجب؛ وعد اللَّه نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يكف عنهم بأس الذين كفروا. وتجوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا). قيل: وقوله: (أَشَدُّ بَأْسًا)؛ لما يدفع بأس المشركين عنكم، ولا يقدرون هم دفع بأس اللَّه عن أنفسهم؛ فبأس اللَّه أشد. وقوله - سبحانه -: (وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا)، قيل: التنكيل: هو العذاب الذي يكون للآخر فيه زجر ومنع. وقيل: حين قال له: (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ)؛ ولو لم يتبعك أحد من الناس - لكف الله عنك بأس المشركين. وقيل: البأس: هو عذاب الدنيا، والتنكيل والنكال: هو عذاب الآخرة؛ كأنه يخوفهم ببأسه؛ لتخلفهم عن العدو ومخافة بأسهم وعذابهم؛ فأخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -، أن بأس اللَّه وعذابه أشد من بأس الأعداء، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ... (85) قوله تعالى: وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا) لم يذكر ما تلك الشفاعة التي يشفع؛ فيحتمل الشفاعة الحسنة: هي الدعاء له بالمغفرة والرحمة، وهو لذلك مستوجب؛ فيكون له بذلك نصيب. والشفاعة السيئة: هي الدعاء عليه باللعن والمقت، وهو لذلك غير مستوجب؛ فيكون له بذلك نصيب. وقيل: هو كقول العرب: " الدالّ على الخير كفاعله "، من دل آخر على الخير؛ فله في ذلك نصيب، وكذلك من دل آخر على الشر. ويحتمل: الشفاعة الحسنة: في مظلمة، يسعى في دفع مظلمة عن أخيه المسلم، وهي
شفاعة حسنة؛ فله في ذلك نصيب. ويحتمل: الشفاعة السيئة: هي أن يسعى في فساد أمر يلحقه من ذلك نقمة ومظلمة؛ فله في ذلك إثم. وقيل: الشفاعة الحسنة: هي التي ينتفع بها وعمل بها، هي بينك وبينه، هما فيها شريكان، والشفاعة السيئة، هي التي تضر به، هما فيها شريكان. ويحتمل: أن تكون الشفاعة الحسنة: كل صانع معروف، وكل آمر به، والشفاعة السيئة: كل صانع منكر، وآمر به؛ فهما شريكان في ذلك: الآمر والفاعل جميعًا. ويحتمل ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " كُل مَعْروفٍ صَدَقَة، وَالدَّال عَلَى الْخَيرِ كَفَاعِلِهِ، وَاللهُ يُحِبُّ إِغَاثَةَ اللَهْفَانِ ". وعن الحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لَا صَدَقَةَ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ اللسَانِ "؛ قيل: وما صدقة اللسان يا رسول اللَّه؟ قال: " الشفَاعَةُ تُجْرِيهَا إِلَى أَخِيكَ، وترفع عنه ثقل الكريهة وتحقن بها الدم ". والكفل والنصيب واحد. وقيل: الكفل: الجزاء، وهو واحد. وقيل: الكفل: الإثم، ولكن ليس إثمه خاصة؛ ألا ترى أنه قال: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ).
والشفاعة من أعظم ما احتيج إليها؛ إذ قد جاء القرآن بها، والآثار ممن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والشفاعة في المعهود من الأمر تكون عند زلات يُستَوجَبُ بها المقت والعقوبة؛ فيعفى عن مرتكبها بشفاعة الأخيار وأهل الرضا بهم، ثم كانت الصغائر منا لا يجوز التعذيب عليها عند القائلين بالخلود بالكبائر، والكبائر مما يعفى عنها بالشفاعة؛ فإذن يبطل عظيم ما جاء من القرآن والآثار في الامتنان، ويسقط ما جبل عليه أهل العلم باللَّه وبرحمته، ويبطل رجاء المسلمين بشفاعة الرسل - عليهم السلام - ولا قوة إلا باللَّه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الشفاعة تخرج على وجهين: الأول: على ذكر محاسن أحد عند آخر؛ ليقرر له عنده المنزلة والرتبة. والثاني: أن يدعو له؛ فالأول هو الذي يحتمل توجيه الشفاعة إليه، والثاني قد بين بقوله: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ. . .) إلى قوله: (العَظِيمُ)، وقوله - تعالى -: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)، والخوف يدل على وجهين: الشفاعة؛ لأن المرتضى هو ذو منزلة وقدْر، وهو ممن تضمنته آية شفاعة الملائكة؛ فيقال: الوجه الأول في الآخرة لا معنى له؛ لوجهين: أحدهما: أنه في تقرير الأمر عند من يجهله، واللَّه - جل ثناؤه - هو العليم بحقيقة ذلك، بل غيره مما يجوز عليهم خفاء الحقائق؛ كقوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا. . .) الآية، وقال عيسى - عليه السلام -: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ. . .) الآية؛ وكان في ذلك أن الحقائق في ذلك عند اللَّه، وهم تبرءوا عن العلم بذلك، وأقروا بأن اللَّه هو المنفرد بعلم ذلك، وباللَّه التوفيق. والثاني: أن ثمة كتبًا يقرأ فيها أعمال بني آدم وما سبق منهم من صغير وكبير؛ فهي الكافية في التقدير إن كان في حق الاحتجاج، وإن كان في حق الإعلام - فعلم اللَّه بهم مغنٍ عن ذلك، ولا قوة إلا باللَّه. وأما الدعاء: فكذلك نقول بالدعاء لمن له ذلك الوصف، ويشفع له فيما كان في ذلك منه من المآثم والذنوب، لا أنه إذا كان كل أفعالهم ذلك، فيشفع لهم؛ لأنه لا يجوز في الحكمة تعذيبهم، على ما ذكر من الأفعال، بل لهم عليها أعظم الثواب، وأرفع المأوى.
وطلب الشفاعة والمغفرة لمثله يصح من وجوه: أحدها: أن ذلك لا يجوز في الحكمة؛ فكأنهم طلبوا منه ألا يجور ولا يسفه، وذلك لأفسق الخلق يخرج مخرج السفيه، فضلا عن أن يتضرع إلى اللَّه به، جل الكريم الحليم عن هذا الوصف. والثاني: أن يخلق في مثله؛ إذ هو مثاب غير معاقب، يلقى ذلك منه بالشكر والحمد، وفي الدعاء كتمان ذلك وكفرانه، ومحال الإذن في مثله، وباللَّه التوفيق. والثالث: أن ذلك في الموعود له بالجنة والمبشر بها؛ فطلب مثله يوجب الجهالة بذلك، لا أن يكون الوقت لم يبين، يكون ذلك في الاستعجال، وهو قولنا في أصحاب الكبائر: إنهم لو عُذبوا بقدر الذنوب - لكان ذلك في الحكمة عدلا؛ فيشفع لسائلهم بالفضل والإحسان دون العدل والاستيفاء، ولا قوة إلا باللَّه. والأصل: أنها مقادير للعقوبات، وإنما يعرف من يعرف مقادير الأجرام، وليس مِنَ الخلائق مَنْ يحتمل تركيبه احتمال العلم بمقاديرها؛ إذ لا أحد يبلغ في معرفة تعظيم اللَّه كُنْه عظمته؛ ليعرفوا قدر الخلاف لأمره - جل وعلا - وما كان هذا سبيله - فحق القول الاتباع أن اللَّه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها. ثم معلوم أن لا سيئة أعظم من الكفر، وجعل مثلها من الجزاء: الخلود في النار، ممن ألزم ذلك لما دونه وصف اللَّه - تعالى - أنه يجزي بالسيئة أكثر من مثلها، واللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أخبرنا أنه لا يجزي ذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ أيضًا -: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً. . .) يكون فيما بين المرء والرب: يشفع إليه بالمغفرة لأحد والتجاوز عن المذنب؛ ليكون له نصيب منها. ويحتمل: أن يكون اللَّه - تعالى - برحمته يرحمه على أخيه بالشفاعة إليه - بالتجاوز عنه والمغفرة. ويحتمل: أن يكون اللَّه - تعالى - إذا غفر له يجعل له في شفيعه شفاعة؛ يهبه له كما وهب الأول له، وفي السيئة فيما يلعنه، أو يدعو اللَّه عليه بالهلاك عن غير استحقاق، أو عليه في بقائه ضرر يكون له نصيب منها يلعن لآخر، أو أحدًا يلعنه ويدعو عليه به أن يعاقبه
بإساءته إلى أخيه في طلب الهلاك له بلا معنى له. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - أيضًا: (مَنْ يَشْفَعْ. . .) الآية، يحتمل فيما بينه وبين ربه يشفع له: بخير إليه من عفو وتجاوز، أو يسوء إليه من لعنه أو هلاكه، والنصيب منها بوجهين: أحدهما: المغفرة في الأول هي برحمته أخاه وإشفاقه عليه، أو يعطي المشفوع له الشفاعة؛ فيكون ذلك له نصيبا منها، وفي الثاني: يجزيه بإساءته إلى من لعنه ودعا عليه بالهلاك بلا استحقاق نفس الأول، أو واحدًا بمثله فيه، واللَّه أعلم. ويحتمل: فيما بينه وبين الناس، ثم يكون ذلك بوجوه: أحدها: بما يشفع إلى من بين أخاه وآخر سواء في دفع ذلك وحلت التحية أو الألفة، أو إلى ضد ذلك يشفع في إقالة عثرة، أو ينم بينهما؛ لإلقاء عداوة، أو يشفع إليه بالدلالة على ملهوف في إغاثة، أو مظلوم في نكبة، أو يصنع معروفا أو نكبة، يبعث ذلك على خير أو شر، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا). قيل: هو الحافظ، وهو قول ابن عَبَّاسٍ. وقيل: (مُقِيتًا): حسيبًا، وقيل: شهيدًا، وقيل: (مُقِيتًا) أي: مقتدرًا، مجازيًا بالحسنة والسيئة. وروي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " مَنِ اسْتَأْكَلَ بِمُسْلِمٍ أكلَةً - أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ قَامَ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِياءٍ - أَقَامَهُ اللهُ - تَعَالَى - مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ، وَمَنْ تَتَبَّعَ عَوْرةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ - تَتَبَّعَ اللهُ عَورَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ - يَفْضَحْهُ فِي بَيتِهِ ". وعن الفَرَّاء والكسائي قالا: الْمُقِيت: المقتدر؛ من " أَقاتَ، يُقِيت إِقاتة ".
(86)
وقيل: الْمُقِيت مشتقة من الْقُوتِ؛ يقول: رِزْق كل دابة على اللهَ تعالى - حتى تستوفي أكلها ورزقها. وقيل: مُقِيتًا: راحما يكلؤهم ويرزقهم. وقال أبو بكر الكسائي: وهو مأخوذ من الكتب السابقة، ليس هو بلساننا؛ فنحن لا نتأوله؛ فلعله على خلاف ما نتأوله، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) ذكر التحية، ولم يذكر ما تلك التحية، واسم التحية يقع على أشياء: من نحو ما جعل الصلاة لتحية المسجد، والطواف تحية البيت، وغير ذلك مما يكثر عددها، لكن أهل التأويل أجمعوا على صرف هذه التحية إلى السلام دون غيرها من التحية التي ذكرنا؛ ألا ترى أنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ رُدُّوهَا)؟! ولو كان غيرها أراد - لم يقل: (أَوْ رُدُّوهَا)؛ لأن غيرها من التحية لا يرد؛ إذ في الرد ترك القبول، ولم يؤمر بذلك؛ دل أنه أراد بالتحية: السلام، ويدل على ذلك آيات من كتاب اللَّه - تعالى -: قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)؛ فجعل تحية الملائكة للمؤمنين السلام؛ كقوله - تعالى -: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ)، وجعل تحية أهل الجنة السلام؛ كقوله - تعالى -: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا)، وكقوله - تعالى -: (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ)، وتحية الملائكة بعضهم على بعض: بالسلام؛ ألا ترى أنه قال اللَّه - تعالى -:، (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. . .) الآية
فعلى ذلك يمكن أن يكون المراد من قوله - تعالى -: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ): السلام، وجعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - السلام علمًا وشعارًا فيما بين المسلمين، وأمانًا يؤمن بعضهم بعضًا من شره؛ ألا ترى أن أهل الريبة لا يسلِّمون ولا يردون السلام، وإن كانوا لا يعرفون تفسيره ولا معناه؟! ولكن على الطبع جعل ذلك لهم. والسلام: قيل: هو اسم من أسماء اللَّه - تعالى - فهو يحتمل وجوهًا: يحتمل: سلام مسَلَّم طاهر عن الأشباه والأشكال، وسلام عدل منزه عن العيوب كلها، والجور والظلم. وقوله: " رحمت اللَّه "، أي: برحمته ينجو مَنْ نجا، وسعد من سعد: " وبركاته ": به ينال كل خير، وهو اسم كل خير؛ ألا ترى أنه جعل التحليل من الصلاة بالسلام بقوله: " السلام عليكم ورحمة اللَّه "؛ على ما جعل تحريمها باسم اللَّه؛ فعلى ذلك جعل الافتتاح بما به جعل الختم. ثم اختلف في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا): فقيل: حيوا بأحسن منها للمسلمين، أو ردوها على أهل الكتاب. وعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: نهينا أن نزيد على أهل الكتاب على: عليك، وعليكم. وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: السلام: اسم من أسماء اللَّه وصفاته في الأرض، فأفشوه بينكم؛ فإن الرجل إذا سلَّم كتبت له عشر حسنات، فإن هم ردوها عليه كتب لهم مثله.
وقيل: قوله - تعالى -: (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) بالزيادة، (أَوْ رُدُّوهَا): بمثلها. وروي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنه جاءه رجل فقال: السلام عليكم، يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " عَلَيكُم وَرَحْمَةُ اللَّهِ "، ثم جاءه آخر فقال: السلام عليكم، يا رسول اللَّه ورحمة اللَّه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " عَلَيكُم وَرَحْمَةُ اللَّه وَبَرَكَاتُهُ "، ثم جاءه آخر فقال: السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، فقال: " عَلَيكُم "؛ فقيل له: إنك زدت في الأول والثاني؟ فقال: " إِنَّ الْأَولَ وَالثانِي قَدْ أَبْقَيَا لي زِيادَةً، وَهَذَا لَم يُبقِ لي زيادةً ". وقيل: إنه روي أنه سلَّم عليه رجل فقال: السلام عليكم، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " عَشرٌ " يعني: عشر حسنات، وسلَّم عليه آخر فقال: السلام عليكم ورحمة اللَّه؛ فقال: عِشرُونَ "، وقال آخر: السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته؛ فقال: " ثَلاثُونَ ". ومنتهى السلام قوله: " وبركاته "، لا يزاد عليه؛ كقوله: (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ). فَإِنْ قِيلَ: يسلم في الصلاة على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، ولا يقول في التحليل من الصلاة: وبركاته؟ قيل: لوجهين: أحدهما: تفضيلا لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. والثاني: إبقاء لهم في الرد زيادة. ويسلِّم الراكب على الماشي، والماشي على القائم، والقائم على القاعد: روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " يُسَلِّمُ الراكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالماشي عَلَى القَائِمِ، وَالْقَائِمُ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالصغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْقَليلُ عَلَى الكَثِيرِ ".
وروي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " إِذَا انْتَهَى أَحَدُكم إِلَى المَجْلِسِ فَلْيُسَلم، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِس، وَإِنْ قَامَ وَالْقَوْمُ جُلُوسٌ فَلْيُسَلم؛ فَلَيسَتِ الْأُولَى بِأحَق مِنَ الْأُخْرَى ". وعن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - " مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيرِنَا فَلَيسَ مِنَّا "، وقال: " لَا تُسَلمُوا تَسليمَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ فَإِنَّ تَسليمَ النَّصَارَى بِالْأَكُفِّ، وَتَسليمَ الْيَهُودِ بِالإشارَةِ ". ويكره أن يبتدئ أهل الكتاب بالتسليم، ولكن إذا بدءوا هم - يردّ؛ وعلى ذلك جاءت الآثار: روي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لَا تَبدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالتَّسليمِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُم فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُم إِلَى أَضْيَقِهَا ". وعن أبي نضرة الغفاري - رضي اللَّه عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال لهم يومًا: " إِنى رَاكِبٌ إِلَى يَهُودَ؛ فَإِنْ سَلَمُوا عَلَيكُم فَقُولوُا: وَعَلَيكُم ". ثم قيل في تفسير: " السلام عليكم " بوجوه: قَالَ بَعْضُهُمْ: تأويله: اللَّه شهيد عليكم. وقيل: اللَّه قائم عليكم، وهو كقول اللَّه - تعالى -: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ) برًّا وفاجرًا، يرزقهم، ويحفظهم، ويستجيب لهم.
(87)
وقيل: هو الدعاء لهم بالمغفرة والسلامة، وهو ما ذكرنا بدءًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا). قيل: شهيدا. وقيل: حفيطا. وقيل: كافيًا مقتدرًا؛ يقال: أَحْسَبَني هذا، أي: كفاني. وقال الكسائي: مشتقة من الحساب؛ كقوله - تعالى -: (كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) أي: حاسبًا؛ كالأمير والآمر، والقدير والقادر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87) هذا - واللَّه أعلم - لما ألزم اللَّه، وأجرى على ألسنتهم أنه اللَّه، وأنه خالق السماوات والأرض، وأنه خالقهم؛ كقوله - تعالى -: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ): أخبر أن الذي سميتموه " اللَّه " وقلتم: إنه خالق السماوات والأرض - هو واحد، لا إله غيره، ولا رب سواه، هو واحد، لا شريك معه ولا نِد، وأن الأصنام التي تعبدونها دون اللَّه قد تعلمون أنها لا تنفعكم إن عبدتموها، ولا تضركم إن تركتم عبادتها، وباللَّه التوفيق. وقوله: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) قيل فيه بوجهين: قيل: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)؛ كقوله: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) وقيل: ليجمعنكم في القبور إلى يوم القيامة ثم يبعثكم، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) معناه - واللَّه أعلم -: أنكم تقبلون الحديث بعضكم من بعض، وإن حديثكم يكون صدقًا ويكون كذبا؛ فكيف لا تقبلون حديث اللَّه وخبره في البعث وما أخبر في القرآن، وحديثه لا يحتمل الكذب؟! هذا - واللَّه أعلم - تأويله. * * * قوله تعالى: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ
(88)
اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ) اختلف في قصة الآية: قيل: إن ناسًا من أهل مكة قدموا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - المدينةَ، فأسلموا، وأقاموا بها ما شاء اللَّه أن يقيموا، ثم ندموا على الهجرة والإقامة فيها، وأرادوا الرجعة إلى مكة واجتووا المدنية؛ فخرجوا يتحولون مَنْقَلَةً مَنْقَلَةً، حتى تباعدوا من المدينة، فلحقوا بمكة، فكتبوا كتابًا، ثم بعثوا به مع رسول من قبلهم إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فقدم به الرسول عليه بالمدينة، فإذا فيه: " إنا على الذي فارقناك عليه من التصديق باللَّه وبرسوله، اشتقنا إلى أرضنا، واجتوينا المدينة ". ثم إنهم خرجوا من مكة متوجهين إلى الشام للتجارة، فبلغ ذلك المسلمين وهم عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فقَالَ بَعْضُهُمْ لبعض: فما يمنعنا أن نخرج إلى هَؤُلَاءِ الذين رغبوا عن ديننا، وتركوا هجرتنا، فنقتلهم ونأخذ ما معهم؟! فقال فريق منهم: كيف تقتلون قومًا على دينكم؟! ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ساكت لا ينهى واحدًا من الفريقين؛ حتى نزل قوله - تعالى -: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ): يبين اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لرسوله أمرهم وما صاروا إليه. وقيل: تخلَّف رجال عن أُحُدٍ، فكان أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيهم فئتين: فرقة تقول: اعف عنهم، وفرقة تقول: نقتلهم؛ فنزلت الآية: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ). وقيل: إن قومًا كانوا يتحدثون، فاختصموا في أهل مكة: فقَالَ بَعْضُهُمْ: إنهم كفار، وقال آخرون: إنهم قد أكلوا ذبائحكم، وصلوا صلاتكم، وأجابوا دعوتكم؛ فهم معكم، وقال غيرهم: تركوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وتخلفوا عنه. فأكثروا في ذلك؛ فنزل قوله - تعالى -: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ. . .) الآية، فلا ندري كيف كانت القصة، ولكن فيه النهي عن الاختلاف والتنازع بينهم؛ كأنه قال - واللَّه أعلم -: كيف تختلفون في قوم ظهر نفاقهم؟
وكيف لا تسألون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن حالهم وهو بين أظهركم؟! كقوله - تعالى -: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. . .) الآية، وظهور نفاقهم يحتمل الخبر منه نصًّا أنهم منافقون. ويحتمل الظهور بالاستدلال على أفعالهم، وقد يوقف على حال المرء بفعله أنه كافر أو مؤمن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) قال الكسائي: فيه لغتان؛ يقال: أركسته في أمر كذا وكذا وركسته، وارتكس الرجل: إذا وقع فيه ورجع إليه. وقيل في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وحفصة - رضي اللَّه عنها -: " واللَّه ركسهم بما كسبوا ". ثم قيل: أركسهم: أي ردهم. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) قال: أوقعهم. ثم يحتمل قوله - تعالى -: (أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) وجهين: ما أظهروا بما كان في قلوبهم من النفاق والخلاف لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ كقوله - تعالى -: (بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ). ويحتمل: ابتداء كسب كسبوا بعد ما أسلموا، أي: كفروا وارتدوا عن الإسلام بعد ما صح إسلامهم. وفي إضافة ارتكاسهم إلى اللَّه دلالة خلق فعلهم وحرمان أمر يملكه، واللَّه أعلم بما كسبوا من إحداث شرك، أو بكسبهم بالقلوب وقت إظهارهم الإيمان في أن ظهر عليهم بلحوقهم إخوانهم من الكفرة، أو لما جعل اللَّه من أعلام النفاق التي ظهرت بغرض الجهاد والعبادات، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ). تأويله - واللَّه أعلم -: أتريدون أن تهدوا وقد أراد اللَّه أن يضلُّوا؛ لما علم اللَّه منهم أنهم لا يهتدون؛ باختيارهم الكفر.
(89)
ويحتمل: إنكم لا تقدرون على هداهم إذا لم يهدهم اللَّه؛ كقوله - تعالى -: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، وفي قوله -أيضًا-: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا) قيل: أن يُسَمَّوْا مهتدين، وقد أظهر اللَّه - تعالى - ضلالهم؛ صلة لقوله - تعالى -: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ) وحذرهم عن الاختلاف في التسمية بعد البيان. وقيل: أن تجعلوهم مهتدين، وقد جعلهم ضالين على نحو قوله - تعالى -: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) الآية، أَيَّدَنَا تَمَامُ الآية، وأوضح الأول قوله: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) يقول: من أضله اللَّه عن الهدى فلن تجد له سبيلا يهتدي به، وقيل: دينا، وقيل: مخرجا، وهو واحد، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ... (89) قيل: ود الذين تركوا، الهجرة، فرجعوا إلى أهلهم ومنازلهم، الذين لهم قال اللَّه: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ) - أن تكفروا كما كفروا، أي: تتركون الهجرة وترجعون كما رجعوا منهم؛ فتكونون أنتم وهم سواء؛ شرعًا في الكفر، فسماهم اللَّه كفارًا، وأمرهم بالبراءة منهم؛ فقال: (فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ) بالهجرة الأولى؛ كقوله - تعالى -: (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ)، وقال اللَّه - تعالى -: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)، وكقوله - تعالى -: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ)، نهاهم أن يتخذوا أولياء حتى يهاجروا هجرة ثانية إلى المدينة، ويثبتون على ذلك. هذا على قول من قال: إنهم كانوا هاجروا ثم لحقوا بمكة.
وأما في قول من قال: إنهم كانوا في أهلهم تكلموا بالإسلام فيها ولم يهاجروا - فمعنى هذا: لا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا كما هاجر غيرهم. وقيل: المهاجرون على طبقات: منهم: من هاجر، وأقام، وسمع، وأطاع، وثبت على ذلك. ومنهم: من هاجر، ثم خرج من غير إذن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فلحق بأهله وأبطل هجرته التي هاجر، وإيمانَهُ الذي آمن. ومنهم: من تكلم بالإسلام، وأقام بأهله، ولم يهاجر، وبه قوة على الهجرة؛ كان كذلك. ومنهم: من تكلم بالإسلام ولم يكن له قوة على الهجرة؛ كانوا مستضعفين، وهو - واللَّه أعلم - ما قال اللَّه: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) الآية. وروي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: " كنت أنا وأمي من المستضعفين ". والذين آمنوا ولم يهاجروا ولهم قوة الهجرة ما قال اللَّه - تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ). وفي قوله - تعالى -: (فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا) - يحتمل: من أظهر الموافقة من المنافقين للكفرة، ولحق بهم. ويحتمل: من قد آمن ولم يهاجر؛ فيكون الأول على ولاية الدِّين، والثاني: على ولاية الميراث؛ كقوله - تعالى -: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ). ومن يتأول الآية على إظهار الكفر دون الخروج من المدينة - فمهاجرته تخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون قد انضم فيها إلى معاني الكفرة فيما يترك صحبتهم. والثاني: أن يهاجر الأعلام المجعولة لأهل النفاق، مما يظهر ذلك فيما امتحنوا به من الأفعال؛ فيظهر خلاف ذلك؛ كقوله: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ). وقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا)
(90)
وأبوا الهجرة. (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) لأنهم صاروا حربًا لنا؛ حيث تركوا الهجرة وأبطلوا إيمانهم الذي تكلموا به (وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) لما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) يخرج على وجهين: أحدهما: في لحوق قوم من مظهري الإيمان أنهم لو لحقوا بمن لا ميثاق بينكم وبينهم ولا عهد؛ فاقتلوهم حتى يتوبوا ويهاجروا، ولو لحقوا بأهل الميثاق - لا تدعوا الولاية التي كانت بينكم وبينهم. والثاني: أن تكون الآية في قوم من الأعداء وأهل الحرب: لو انضموا إلى أهل الميثاق وأهل العهد فلا تقاتلوهم؛ فيكون الأمر عقيب موادعة تجري بين رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبين قوم في دورهم، على أن لا تمانع بينهم لأهل الاتصال في الزيادة والاجتماع إلى المدة المجعولة للعهد، ممن إذا خيف منهم: ينبذ إليهم العهد، ويوفي إليهم المدة إذا وفوا - والله أعلم - كقوله: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ. . .)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ). * * * قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) قَالَ بَعْضُهُمْ: استثنى الذين خرجوا من دار الهجرة مرتدين إلى قومهم، وكان بينهم وبين المؤمنين عهد وميثاق، وقال: وفيهم نزل قوله - تعالى -: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، كأنه قال - واللَّه أعلم -: إن وصل هَؤُلَاءِ إلى أُولَئِكَ الذين بينكم وبينهم عهد وميثاق - فلا تقاتلوهم.
وقيل: كان هذا في حي من العرب بينهم وبين رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أمان وعهد، وكانت الموادعة على أن من أتاهم من المسلمين فهو آمن، ومن جاء منهم إلى المؤمنين فهو آمن، يقول - واللَّه أعلم -: إن وصل هَؤُلَاءِ أو غيرهم إلى أهل عهدهم - أو قال: عهدكم - فإن لهم مثل الذي لأُولَئِكَ من العهد وترك القتال. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: لما صد مشركو مكة نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن البيت - جاء رجل - يقال كذا من بعض القبائل - لينظر ما أمر مُحَمَّد وقريش؛ فرآهم قد حالوا بين رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبين البيت، فقال: يا معشر قريش، هلكتم؛ أتردون قومًا عمار ضفروا رءوسهم عن البيت، واللَّه لا نشرككم في هذا؛ فصالح رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ووادعه ألا يكونوا مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولا يكونوا عليه، ومن لجأ إليه فهو آمن. فلا ندري كيف كانت القصة في ذلك، غير أن فيه دليلا أن من اتصل بأهل العهد وكان على رأيهم - فهو بمنزلتهم، لا نقاتلهم. ومن قولنا: إن الإمام إذا وادع أهل بلدة من بلدان أهل الحرب، فمن دخل فيها أو اتصل بهم فهم آمنون مثلهم؛ لا يحل قتالهم، ولا أسرهم، حتى ينبذ إليهم عهدهم، وإذا أمَّن قومًا منهم في دار الإسلام ووادعهم، ثم انضم إليهم آخرون، فدخلوا معهم دار الإسلام - له قتالهم وأسوهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) قيل: أي: ضيقة صدورهم، وهكذا قال الكسائي: كل من ضاق صدره عن فعل أو كلام؛ فقد حصر، فهذا - واللَّه أعلم - ما ذكرنا: أن الموادعة ألا يعين بعضهم بعضًا في القتال، ولا يعينوا عليهم عدوهم، فنهاهم اللَّه عن قتالهم؛ لما أخبر أن قلوبهم تضيق على أن يقاتلوكم مع قومهم أو أن يقاتلوا قومهم معكم. وفي قوله - تعالى - أيضًا: (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) يحتمل: أن يكون حكم هذا الحرف ما ضَمَّنه الحرف الأول؛ فيكون ذلك الشيء عمن ذكرت إذا كان هذا صفته -
(91)
أن يضيق صدره عن مقاتلة المؤمنين والكافرين جميعًا: إما بالطبع، أو بوفاء العهد، أو بالنظر في الأمر؛ ليتبين له الحق، وهو متردد في الأمر؛ بما يجد المعروفين بالكتب التي احتج بها الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مختلفين فيه على ما عقولهم مرتقب بهم، أو تخلف عن الإحاطة بحق الحق إلا بعد طول النظر، واللَّه أعلم؛ فيكون معنى قوله: (أَوْ جَاءُوكُمْ) بمعنى: وجاءوكم. ويحتمل: في قوم سوى ما ذكرت من الذين يصلون، لكن في أُولَئِكَ المعاهدين نفسه الذين أبت أنفسهم نقض العهد بينهم وبين المؤمنين، وعزموا على الوفاء به، وأبت أنفسهم -أيضًا- معونة المؤمنين على قومهم بالموافقة بالمذهب والدِّين، وعلى ذلك وصف جميع المعاهدين الذين عزموا على الوفاء بالعهد، وذلك في حق الآيات التي ذكرنا، ثم بين الذين يناقضون العهد، أو المنافقين الذين متى سئلوا عن الكون على رسول اللَّه والعون لأعدائه - الأمر فيهم؛ وذلك كقوله تعالى: (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ). إلى قوله: (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا)، وتكون هذه الآية فيهم؛ كقوله - تعالى -: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ. . .) الآية؛ فيكون في هذه الآية الإذن، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ) أي: نزع من قلوبهم الرعب والخوف؛ فقاتلوكم، ولم يطلبوا منكم الصلح والموادعة. (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) يعني: طلبوا الصلح، وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رضي اللَّه عنه. وقيل: قالوا: إنا على دينكم، وأظهروا الإسلام. (فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا). أي: حجة وسلطان القتال، أمر اللَّه رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالكف عن هَؤُلَاءِ. ثم قال: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ... (91) قيل: كان رجال تكلموا بالإسلام متعوذين؛ ليأمنوا في المسلمين إذا لقوهم، ويأمنوا
في قومهم بكفرهم؛ فأمر اللَّه بقتالهم، إلا أن يعتزلوا عن قتالهم. وقيل: قوله - تعالى -: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ) غيرهم ممن لا يفي لكم ما كان بينكم وبينهم من العهد (يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ) يقول: يريدون أن يأمنوا فيكم؛ فلا تتعرضوا لهم، ويأمنوا في قومهم بكفرهم؛ فلا يتعرضوا لهم. ثم أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - عن صنيعهم وحالهم، فقال: (كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ) يعني: الشرك. (أُرْكِسُوا فِيهَا) أي: كلما دُعوا إلى الشرك فرجعوا فيها، فهَؤُلَاءِ أمر اللَّه رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بقتالهم، وعرفه صفتهم، إن لم يعتزلوا ولم يكفوا أيديهم عن قتالكم. (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) أي: جعلنا لكم عليهم سلطان القتل وحجته. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " ويكفوا أيديكم عن أن يقاتلوكم " وفي حرفه: " ركسوا فيها ". وفي حرف حفصة: " ركسوا فيها " وفي حرفها: " أن يقاتلوكم ويقاتلوا قومهم ". ثم يحتمل نسخ هذه الآية بقوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ). وقوله - تعالى -: (فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)؛ لأن الفرض في القتال أول ما كان فرض أنه يقاتل من قاتلنا وبدأنا، ثم إن اللَّه - تعالى - قال: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ).
(92)
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) اختلف فيه: عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً): أي: لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا بغير حق عمدا، إلا خطئًا فيما لا يملكه. وقيل: (إِلَّا) بموضع الواو، كأنه قال: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا متعمدًا ولا خطأ، وذلك. جائز في اللغة. وقيل: وما كان ينبغي لمؤمن أن يترك قتله إذا قتل آخر عمدا إلا خطأ، فإنه يترك قتله ولا يقتل به؛ وهو قول أبي بكر الكسائي. وقيل: وما كان ينبغي لمؤمن أن يترك حكم قتله إلا خطأ. قال أبو بكر الكسائي: حكم القتل ما ذكرنا من القصاص والقود، أو كلام نحو هذا. ويحتمل قوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا) قط بعد ما سبق من اللَّه بيانه في غير آي من القرآن، نحو قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) وقوله - تعالى -: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)، وقوله - تعالى -: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا)، وغيرها من الآيات. (إِلَّا خَطَأً) فإنه لم يسبق منه الحكم فيه إلا في هذه الآية. وقيل: وليس لمؤمن أن يقتل مؤمنًا على كل حال إلا أن يقتله مخطئًا؛ فعليه ما في القرآن. وهو قريب مما ذكرنا.
ثم الخطأ - عندنا - على وجهين: خطأ قصد، وخطأ دين. فخطأ القصد: هو أن يقصد أحدًا فيصيب غيره. وخطأ الدِّين: هو أن يعرفه مشركًا كافرًا من قبل حلال الدم؛ فيقتله على ما عرفه من قبل، وهو للحال مسلم. فَإِنْ قِيلَ: كيف لزمه في قتل الخطأ ما لزمه من الكفارة؛ وقد أخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنه لا يؤاخذه له، وأن لا حرج عليه في ذلك؛ بقوله: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)، وقال في آية أخرى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)، وغيرها من الآيات. قيل: إن الفعل فعل مأثم، وإن كان لم يوجد منه القصد فيه، فما أُوجِبَ إنما أُوجِبَ؛ لما الفعل فعل مأثم. والثاني: يجوز أن يكون اللَّه يكلفنا بترك القتل والفعل في حال السهو والغفلة، ألا قرى أف قال: (لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)، والخطأ نقيض الصواب؛ فلا يجوز أن يؤمر بطلب الصواب ولا ينهى عن إتيان ضده؛ كقوله - تعالى -: (وَلَا تَنْسَ
نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا. . .) الآية. ثم اختلف في المعنى الذي أوجب عليه رقبة مؤمنة. قيل: لأنه أتلف نفسًا خلقها اللَّه - تعالى - لعبادته؛ فأوجب مكانها نفسًا مؤمنة؛ لتعبد اللَّه على ما عبدت تلك. لكن التأويل لو كان هذا لكان يجب في العمد ما وجب في الخطأ؛ لأنه وجد ذلك المعنى، لكن أوجب لا لذلك المعنى - واللَّه أعلم - ولكن تغليظًا وتشديدًا عليه لما أتلف نفسًا محظورًا لم يؤذن له في ذلك؛ لئلا يقدم على مثله، ولله أن يوجب على من شاء بما شاء لما شاء، من غير أن يقال: لم؟ وكيف؟ وأين؟ والثاني: أوجب عليه رقبة مؤمنة؛ لأنه أبقى له نفسًا مؤمنة؛ فعلى ما أبقى له نفسًا مؤمنة أوجب عليه مثلها رقبة مؤمنة. وفي قوله - تعالى أيضًا -: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) واختلف في تأويل (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ)؛ فمنهم من يقول بإضمار: وما كان بمتروك لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ. ويخرج معنى " بمتروك " على وجهين: أحدهما: ما قاله " أبو بكر الملقب بالأصم: أي بمتروك له في القصاص إلا أن يقتله خطأ. ولكن هذا يوجب منع العفو لما به الترك، ومعلوم أنه أمر رغب فيه؛ حتى دعا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولي القتيل إلى العفو، ثم إلى أخذ الدية، ثم لما أبت نفسه عن ذلك أذن له في القصاص؛ ويدل على ذلك قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ. . .) الآية، وقوله: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا. . .)، إلى قوله: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ. . .) الآية، إلا أن يرجع في قوله: " بمتروك له " إلى الوجوب، أي: لا يدفع عنه إيجاب القصاص إلا من قتل مؤمنًا خطأ؛ فإنه ليس عليه القصاص.
والثاني: أنه ما كان بمتروك له من التأنيب والتوبيخ والتعيير بسوء صنيعه بأخيه وتعديه حد اللَّه وبمعونة ولي القتيل؛ إذ قال: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)، فحق ذلك على الناس أن يظهروا له النكير عليه، ويقوموا بالنصر لوليه - واللَّه أعلم - إلا أن يكون خطأ؛ فلا يتلقونه بشيء مما ذكرت، بل يقومون بالشفاعة له، والمعونة في احتمال ما لزمه؛ ولذلك جعل - واللَّه أعلم - أمر العقل على ما به من إبقاء الألفة، ودفع الضغينة، واجتماع التالم في المصيبة. ومنهم من يقول في تأويل الآية: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ) أي: حرام عليه ذلك الفعل بما حرم اللَّه، وبما بينهما من الأخوة في الدِّين، وبما هو شقيقه وجنسه، يتألم بما يتألم به الآخر، ويتأذى بما يتأذى الآخر، والنفس عن مثله تنتهي، والطبع ينفر، فما كان له بعد هذا أن يقتل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا خَطَأً) قيل فيه بوجوه: أحدها: أن يقع ذلك منه على الخطأ؛ فيكون على ما لا يلحقه اللائمة التي ذكرنا، ولا وصف التعدي الذي وصفنا. والثاني: أن يكون الأمر في موضع الابتداء؛ لما بين له من الحكم بمعنى: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنَا ألبتَّة، لكن من قتل مؤمنَا خطأ فتحرير رقبة؛ كقوله: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا)، بمعنى: لا يسمعون فيها لغوَا ألبتَّة، لكن الذي يسمعون: يسمعون سلامًا. وقيل: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً): إلا ألا يعلمه أنه مؤمن، وكان عرفه كافرًا، له قتله بما روي من الإذن في البيات وقتل عيون الكفرة بما سبق من ظهور كفرهم، وإن احتمل إيمانهم فيما بين الوقتين؛ فيكون بمعنى: حرام عليهم إلا مَنْ هذا وصفُهُ. ويجوز: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) أي: أليس، لمؤمن ذلك قط إلا أن يقتل خطأ؛ فإنه ليس فيمن يقال كان له أو لا؛ لما يقع به إلا أن يفعله هو في التحقيق؛ إذ حقيقة الفعل أن يقع بإرادة ويخرج عليها، وهذا لا يقع بها، ولا يخرج
عليها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) فلم يذكر في القاتل أنه مؤمن عند ذكر قتله، لكنه رجع إليه بوجهين: أحدهما: أن الآية في بيان قتل يكون من المؤمن، وعليها جرى تفسير الحكم عند الوقوع. والثاني: قوله: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) والتوبة بالتحرير تكون للمؤمن لا غيره، والله أعلم. على أنه حق الشرع من العبادات؛ فلا يحتمل قصد الكافر به، وأيد ذلك المذكور من الصيام، وهو لا يقوم إلا بالإيمان، ثم جعل الإيمان شرطا من حيث الذكر، وتأكده بأوجه ثلاثة: أحدها: بالتأكيد، يذكر كل قتيل على اختلاف أهل القتيل، وفي ذلك دليل أن ذلك جعل عليه لمكان أمر يدخل على دينه مما عليه من الحق أن يحفظ حرمته، وبحرمته يتقي قتل من ذكر؛ إذ حرم دينه عليه؛ فيصير في قتله مُضَيعًا، فالزم ما ذكرت في كل أنواع القتيل لرجوع أمر ذلك كله إلى تضييع من حق دينه؛ ولذلك قيل: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: أن تحقيق معنى التوبة في فعل اللَّه، وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: على ما تجاوز منه؛ إذ لم يأخذه بالخطأ؛ فيكون بحق جعل ذلك شكرا من العبد بما لم يؤاخذه بالخطأ؛ فيكون معنى التوبة منه أنه لم يؤاخذه بالخطأ، لا إن في الإعتاق ذلك، والإعتاق للشكر له فيما لم يكن أخذه، وقد يجوز أن يؤاخذه لما بالجهد في التحفظ قد يؤمن ذلك، فلما لم يكلفه وتجاوز عما كان على الخطأ؛ يأمر بالشكر لذلك. والثاني: قبولا منه ذلك في حق التوبة عن غير القتل من الزلات؛ فيكون فيه قيام بما أمر توخيه في حكمة العفو عن مثله، بجعل ذلك من العبد مقبولا بحق التوبة من الزلات. أو نُسب إلى التوبة منه إذا كان على التوفيق لفعله، وذلك تسمية اللَّه " توابًا " على التوفيق والتجاوز، واللَّه أعلم. والثاني: يرجع إلى فعل العبد؛ فتكون توبة من اللَّه على عبده القاتل بأن يتوب بإعتاق
رقبة مؤمنة، وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون الفعل فعل مأثم، ولله - تعالى - مؤاخذته عليه؛ لأنه بالجهد يمكن اتقاء ذلك؛ ولذلك تعبد بقوله: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وإذا كان كذلك؛ فيكون ذلك منه توبة إلى اللَّه؛ ليحفظ عن مثله في أمر الدِّين. والثاني: أن يكون عليه حفظ دينه عما يقع فيه من التضييع الذي يبلى بإنساء الشيطان، أو بفرط غفلة، أو نحو ذلك؛ فيلزم جبر ذلك بما ذكر وإن لم يعلم؛ إذ قد يجوز وقوع النقصان في ذي الحرمات من وجه لا إثم يلحقه نحو المذكور في المتأذي، وفي أمر السهو في ذلك: فيؤمر به؛ لينجبر ذلك، وذلك نحو ما قد يفسد بأمور من وجه لا يعلم به، فكذلك أمر النقصان؛ فيؤمر بالتوبة إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عن ذلك بما يمتحن اللَّه به من الأمور - واللَّه أعلم - مع ما قد يتصل بالقتل ما له حكم الخطأ يأثم المرء عليه ويحرج؛ فجائز أن يرجع حرف التوبة من اللَّه إلى ذلك، وهو سمى خطأ العمد. والثاني: مما يدل على جعل الإيمان شرطًا: أنه جعل لما وقع في حق الدِّين من التضييع إذا تعلقت الحرمة بالدِّين من الوجه الذي بينا، ولا فرق بين عبادة يشار إليها يقع فيها تضييع في حد منها يبرئ تلك بكفارة وبين جملة من العبادات يعتقدها الإنسان وضمن الوفاء بما يقع في حد منها تضييع أن مقدار حدها من الفرض لا يعلمه إلا من يعلم حد التضييع من الأصل، ولا يعلم حده غير الذي جعل الحدود؛ فيكون في ذلك بيان المبرئ، وبدونه لعله لا ينجبر؛ فألزم بالاحتياط ذلك، وعلى ذلك أمر الحدود للإجرام. والثالث: متفق القول على موقع الشرط أنه بحق اللزوم، وعلى ذلك شرط في التتابع في الصيام له هذا المعنى والأول جميعًا، وعلى هذا الاتفاق جعل قوم أمر هذا أصلا لغيره من الكفارات، ونحن لا نجعلها؛ لوجهين:
أَحَدُهما: لما لم يجعل ذكر التتابع في هذا أصلا لكل ما لم يذكر فيه التتابع. والثاني: لما بينا من محل كل من أصل ذلك أنه إنما يعلم من علم ما حد ذا من الأصل؟ ومعلوم الاختلاف في الكل؛ لذلك لم يجب هذا، لكن يطلق المطلق ويقيد المقيد بالذكر، وأيد ذلك أن اللَّه - تعالى - قد ذكر في كل قتل، ولو كان بالذي يحتمل درك الحد بالتدبير لكان ترك الذكر في هذا لإفهام الحكم في نوع المذكور أقرب منه في غير نوعه، فبين - واللَّه أعلم - لوجهين: أحدهما: للتنبيه على لزوم الرجوع في هذا إلى الذكر. والثاني: للتنبيه أنه لم يجعل لمكان القتيل، لكن لما وقع في الدِّين من التضييع. وجائز أن يكون شرط الإيمان بما سبق منه تضييع حد من الحدود الذي اقتضى إيجابه عليه الإيمان، فأمر بإعتاق من يسلم له الرقبة؛ لحفظ ما ألزمه حق الإيمان من الشغل عنه بحق الرق فيه لغيره. ويجوز أن يكون إنما أبقيت به نفسه وهي مؤمنة لله تعالى، فأمر أن يشكر لله - تعالى - بإبقاء نفس مؤمنة؛ إذ بالعتق إحياء. وعلى ما ذكر من اختلاف الحدود وما له حدود في حق الشرع لم يقس الطعام على الصيام عند العجز عنه، على ما قضى به في حق الظهار والفطر، مع ما في الظهار حق لها لم يكن له التأخير إلى القدرة عليه أو ملك الرقبة، وليس هاهنا، وأمر الفطر هو في بعض صيام قد جعل لأصله من الطعام عوضًا عرف حده بقوله - تعالى -: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ. . .) الآية، فعلى ذلك أمر عوض التعدي فيه، وليس في أمر القتل ذلك. ودلت الآية بذكر الإيمان على أن له حدا يعرف موقعه، ثم الذي يبين فيها آية التصديق خاصة ما جمع بين المؤمن الذي يحتمل أن يكون منه سائر الشرائع، والذي لا يحتمل سوى نفس الإيمان: وهو المؤمن الذي من قوم عدو لنا؛ إذ قد يؤمن في دار الحرب بما في العقل دليله، ولا يعلم به غيره من العبادات التي لها حق الشرائع. وقد يجوز أن يكون في الإبلاع في وصف ما يكفر به إبلاع في التحذير عن الغفلة التي لديها خوف وقوع ما ذكر، وعلى ما ذكرت من تضييع حق ألزمه دينه لزم التعوذ كل
واحد منهم الكفارة على التمام؛ لما انفرد كل بما لزمه من الحق بدينه في التضييع؛ وعلى هذا قولهم في المحرمين يقتلون الصيد: إن كل واحد منهم جنى على إحرامه الذي لم يتصل إحرامه بإحرام غيره، على أن النفس إذ هي لا تحتمل التجزئة؛ لم يتجزأ المجعول لها، وعلى ذلك أمر القصاص، والدية، لم تجب في الحقيقة للنفس؛ إذ هي قد تجب لما دونها فيما يحتمل التجزئة أكثر مما يجب للنفس، وإذا بلغت النفس فسقط بعض ما له منها حكم الوجوب، ولما هي ترجع إلى غير الجاني. ومحال أخذ الكل ممن يرجع إليه بالكل بما يكون في طلب التخفيف الإجحاف وإهلاك الخلق، ولما كان حق النفس من حيث القتل في المال يختلف، ومن حيث القصاص والكفارة لا تثبت أن المرجع في هذين إلى أحوال في نفس القاتلين من دين يضيع حقه أو امتناع عن احتمال التجزئة أو إحياء أريد بالموضوع، ولو لم يجعل في الجماعة لذهب فائدة الإحياء؛ إذ الوجود بالآحاد غير فيبطل الإحياء في أبلغ أحوال الحاجة إليه، ثم إذا رجع أمر الكفارة إلى من تولى قتله وقد سبق عليه أمر الدية، كقوله - تعالى -: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) بمعنى: عليه تحرير ما ذكر، وقد أوجب عليه، وعلى ذلك جميع ما في القرآن من الأمر على إثر الأسباب. ثم نسق على ذلك بقوله: (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) فحقها أن تكون عليه والخبر الوارد عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في أمر العقل الذي توارثته الأمة إلى يومنا هذا، بل الأمم، حتى كان قد ظهر عن أمر الرسل السالفة بحق التواتر في المؤمنين بهم والمنكرين لهم؛ فكان ذلك بحق التعاون؛ ولذلك قال أصحابنا - رحمهم اللَّه - في الذين لا عاقلة لهم: تجب الدية في أموالهم. وعلى ذلك فيما يظهر بأقاويلهم دون البينات وهو الحق؛ إذ فيما يجب فيه القصاص أنفسهم تتلف، فعلى ذلك الدية. والأصل في ذلك: أن معنى القصاص معقول أيد الذي ذكره اللَّه - تعالى - في القرآن من قوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)، فلا معنى لصرف ذلك إلى غير المتولي؛ لما يذهب الحياة. وجائز شرع ذلك بحق العقل؛ لينزجر الناس به، ولتسلم لهم الحياة التي هي ألذ الأشياء؛ إذ بها تعرف اللذات كلها، وذلك المعنى ليس نفس القتيل أحق من غيره من أن
يجعل القصاص لحقه، بل الأولى أن يجعل لا محالة للردع والزجر؛ مع ما كان معلومًا أن نفس القتيل لا تنتفع بالقصاص، بل إنما نفعها في أن يبقى؛ لخوف القصاص ممن يروم قتله؛ إشفاقًا على نفسه، وليس ذلك المعنى في أمر الدية بشيء، وإنما تُوجَبُ بعد الوفاة، ولم تجب من وجه يتولد منه الغضاضة والعداوة التي لديها سفك الدماء على حق تخصيص الدماء لما هي تجب بالخطأ من وجه يعلم عذر من منه ذلك، لكن اللَّه - تعالى - بفضله بما جعل للمتصلين معونة في حياته، وشرفا في كثرة الأقوام، ونباهة في الدنيا، مع ما يقع بها التناصر والتدافع الذي بمثله الدوام والقوام؛ فيعظم في مثله مصيبة العقل وبخاصة من وجه لعله تسبق إليهم الأفعال في التلبيس على أهله بالخطأ، وأن ذلك ليس بحق؛ فيخاف وقوع الشر بينهم والعداوة التي تولد الفساد؛ فجعل اللَّه - بمنهِ وفضله - لهم ما تطيب بمثله أنفسهم، ويسكن المعنى الذي يخاف من حدوث الشر بينهم، مع ما له جعل ما للخلق له ابتداء المحنة بما ذكر بلا سبب يسبق، فهو بالسبب أحق، وإذا جعل بهذا من الوجه الذي له حق الابتداء، فله وضع ذلك في أموالهم، مَنَّ بإبقاء نفس القاتل لهم ما ذكرت من المنافع على ما جعل في ذلك، وإن لم يرجع منفعة الواجب في ذلك إلى القتيل بما لا يعلم أنه يقتل؛ ليجعل ذلك لوجه يتزود به لمعاده، وإن حرم ذلك في دنياه؛ فيصير المجعول في ذلك فيمن لهم وعليهم بالذي ذكرت من دفع الفساد، والقيام بحق الإحسان. ثم الأصل في إتلاف الأموال: أن منافعها عند القيام ومضارها عند الإتلاف ترجع إلى أربابها خاصة، والأنفس يرجع ما لها في ذلك إلى العشائر والمتصلين؛ فعلى ذلك المجعول فيها مع ما كانت الأموال تملك؛ فيصير من ضمنه كأنه اشتراه، وكل مشترى بالتسليم إليه الخروج منه؛ فلا يحتمل أن يضمن من لم يكن منه الجناية لما يسقط لو ضمن بعقد التسليم، ولا على ذلك أمر جنابات الأنفس؛ فجائز في حق الشرع الموضوع
على غير من يتولى الخروج؛ إذ على غير التسليم إلى أحد يستوجب بدله. ثم وقوع الخطأ يكون من وجهين: أحدهما: من جهة دينه: نحو أن ظنه القاتل كافرًا بما كان عرفه كذلك، أو بما عليه سيماء الكفرة. ومن جهة نفسه في أن يرمي غيره فيصيبه. والحكم في وجهي الخطأ واحد. والخطأ الثالث، وهو الذي لم يقتضه حق هذه الآية، وهو عند الضرب قد يقع ذلك فيما أخطأ الدِّين وفيما تعمد أو النفس جميعًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) لم يبين من أهله؛ وقال في موضع آخر: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا)، ولم يبين من وليه؟ فكأن الأهل والولي هم ورثته، على ما جاء في الخبر: أنه ورَّث امرأة أَشْيَم من دية زوجها، وإن كانت الدية لأهل العصبة منهم من قتل، ولأن هذه الدية إنما وجبت لمكان ما لهم من المنافع من القتيل في حال حياته، دون غيرهم فإذا قتل فذهب منافعه
عنهم، أوجب ذلك لهم؛ لأنهم هم المنتفعون في حياته دون غيرهم. وقيل: إن القتل يوجب الضغائن فيما بين أولياء القتيل وأولياء القاتل؛ فيحمل ذلك على الفساد والإهلاك، فإذًا وجبت هذه الدية لتطيب أنفسهم بذلك، ولا يحمل ذلك على الضغائن والحقد. وقيل: أوجبت هذه الدية؛ لئلا يدعي الخطأ؛ فيسقط القصاص عن نفسه بدعوى الخطأ؛ فأوجب الدية لما إذا ادعى الخطأ - أخذ بالدية، وقد ذكرنا أن الخطأ على وجهين: وهو أن يقصد شيئًا، فيصيب إنسانًا، فهو خطأ؛ لأنه أصاب غير الذي قصده بالضربة. والثاني: خطأ الدين، وهو إن عرفه كافرًا، فقتله على ذلك، قاصدا له، فهو خطأ. وللخطأ وجه آخر: وهو أن يضرب الرجلُ الرجل قاصدًا لذلك؛ بغير حديدة، فإن كان الذي ضربه به حجرًا صغيرًا، أو عصًا صغيرة، فحكمه حكم الخطأ، وإن كان حجرًا كبيرًا مثله يَقْتُل، أو عصًا عظيمة - فإن أصحابنا - رحمهم اللَّه - اختلفوا في ذلك. قال أبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا قود في ذلك، وعلى عاقلته الدية مغلظة. وقال مُحَمَّد - رحمه اللَّه -: يقتل به إذا كان مِنْ مِثْلِهِ لَا يُنْجَى. وقد رُوي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما يبين أن العمد ما كان بحديد؛ فهو حجة لأبي حنيفة - رحمه اللَّه - في الحجر العظيم؛ ودليل على أن القصد بالضرب قد يكون خطأ. وروي عن النعمان بن بشير، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " كُلُّ شَيءٍ خَطَأٌ إِلا الحَديدَ والسيفَ " وسنذكر هذه المسألة في باب شبه العمد، إن شاء اللَّه تعالى. ثم أجمع أهل العلم على أن الرقبة على القاتل، لا على العاقلة، وأما الدية فلم يذكر
على من تجب؟ فقال أكثر السلف: الدية تجب على العاقلة، وعلى ذلك تواترت الآثار عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقال بعض الناس: الدية -أيضًا- على القاتل كالرقبة؛ فيقال له: إن الصيام بدل عن الدية، أو عن العتق؛ فإن قال: لا، بل بدل عن العتق؛ قيل له: فذلك يدل على أن الذي يجب على القاتل هو العتق؛ الذي إن لم يجده صام مكانه، ويدل على أن الدية ليست عليه. وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه جعل الدية على العاقلة: عن مقسم عن ابن عَبَّاسٍ قال: كتب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كتابًا بين المهاجرين والأنصار: أن يعقلوا معاقلهم، ويفدوا غائبهم بالمعروف، والإصلاح بين المسلمين. وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قضى في الجنين: عبدًا أو أمة على العاقلة. والتي ضربت ضرتها بعمود فسطاط فقتلتها، فقضى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بديتها على عصبة القاتلة، وفيما في بطنها غرة، فقال أعرابي: يا نبي اللَّه، أتغرمني من لا طعم، ولا شرب، ولا صاح ولا استهل، فمثل ذلك يطلّ. فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرابِ؟! اغْرَمْ؛ فَإِنَّ الديَةَ عَلَى العَاقِلَةِ، والميراثَ لِأهْلِ الفَرائِضِ " وعمود الفسطاط مما يقتل مثله،
ولم يوجب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على التي ضربت ضرتها به فقتلتها القصاصَ؛ فذلك حجة لأبي حنيفة - رضي اللَّه عنه - في قوله: إن الخشبة العظيمة والصغيرة سواء، ولا قصاص فيه، والأخبار فيه كثيرة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ أيضا -: (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) ذكر - واللَّه أعلم - مسلمة إلى أهله؛ على الحث والترغيب في التسليم، والنهي عن التعاسر الذي عنه توهم حدوث الشر والفساد الذي يوقع مثله جعل العوض في قتل الخطأ، وعلى ذلك قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ)، وقد بينا من يسلم، ثم بين التسليم إلى أهل القتيل، ولم يبين مَنْ أهله؟ وقد أجمع السلفُ على أن أهله: ورثته، والأصل في ذلك: أن الدية جُعلت بدلا لنفس القتيل؛ فتصير متروكة عنه، وعلى ذلك لو كانت منه الوصايا أو عليه دين ينفذ منها، فصارت فيما قال اللَّه - تعالى -: (وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ. . .)، الآيات التي فيها بيان من يرث من بعد الوصية والدَّين، فذلك لهم؛ فيصير أهله بعد وفاته من ينتفع بتركته؛ إذ كذلك وصف الأهل في الحياة أنه يرجع إلى المتصلين به، وبمنافعه مع ما كان اسم الأهل في الزوجة غير ممتنع استعماله على كل حال؛ فيجب دخولها في ذلك، وغيرها من الورثة أحق، وقد روي في مثل ذلك مرفوعًا في توريث امرأة أَشْيَم الضَّبَّابي، وعمل به عمر بحضرة الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - والذين لهم سائر الولايات سوى ولاية الميراث مع ولاية الميراث أحق، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) فالثنيا من الدية؛ لأنه لا حق لأحد في العتق حتى يحتمل التصدق، وهو كقوله - تعالى - في القصاص: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ)، وذكر التصدق على ما عليه الترغيب في الديون من قوله: (وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ). ثم الأصل: أن التصدق من المعروف إلى ذوي الحاجات، والعقل إنما وضع أصله على الأغنياء، لكن يخرج على وجهين: أحدهما: أن الآية جاءت بذكر القاتل، ووجود الدية المسلمة كلها لكل قاتل عسير؛ فكان الترغيب على ذلك.
والثاني: أنه معروف في الديون، وكذلك حكم الصدقات؛ إذ لا يقع له الثواب في الدنيا ربما يقع لغير المعروفين؛ فيكون فعلهم - في الحقيقة - للَّهِ، لا لابتغاء الجزاء، فسمي صدقة؛ إذ هو اسم لما يقع من المعروف للَّهِ مع ما يتمكن في ذلك أن العقل ليس شرطه الغناء الذي له يجب الزكوات، وغير ذلك النوع من الغناء لا يخرج أهله عن احتمال الصدقة، بل جعل على أهل الديوان، وهم الذين أموالهم هي التي تخرج بحق العطايا يؤخذ لوقت الخروج، لا بعد الوقوع بالملك، وتمام شرط الغناء له، وفي هذا صرف الثنيا إلى الذي يلي من الكلام دون الذي تقدم، وحمله على بعض الكلام دون الكلام؛ ليعلم أن موقع الفهم عن الحكم على ما يقتضيه حق الحكمة دون الذي ينتهي إليه حق اللسان، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ). عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: يكون الرجل مؤمنًا وأهله كفار في دار الحرب، فيقتله مسلم، فلا دية عليه، ولكن عليه عتق رقبة مؤمنة. وعنه -أيضًا- قال: كان الرجل يسلم، ثم يأتي قومَهُ فيقيم فيهم، ثم يمر بهم الجيش من المسلمين؛ فيصاب فيمن يصاب؛ فأنزل اللَّه - تعالى -: (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: كيف يكون للمؤمن المقيم في دار الحرب دية؛ وأولياؤه حرب لنا؟ فهل يجوز أن تعطى لهم الدية ونحن نغتنم أموالهم؟ فَإِنْ قِيلَ: تكون الدية لبيت المال، قيل له: إنما يجوز أن تكون لبيت المال من لو كان حيًّا - كان له في بيت المال حق، فأما المسلم المقيم في دار الحرب فلا حق له في بيت المال؛ لأن حكمنا لا يجري على داره، فكيف يستحق بيت المال ديته؟! وبعد: فإن المسلم في دارهم لم يصر بالإسلام محرزا نفسه وماله؛ لأن دار الحرب ليست بدار يحرز بها الدماء والأموال، فإذا كان كذلك فلم يكن للأنفس والأموال هنالك بدل؛ لذلك لم تجب الدية، ألا ترى أنَّ من أتلف مال ذلك المسلم لم يغرم
بَدَلَهُ؟ فعلى ذلك لم يغرم بدل نفسه؛ لأن حرمتهما سواء في دار الإسلام. ثم اختلف في تأويل قوله -أيضًا-: (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. . .) الآية، على الاتفاق أن لا دية فيه لكن الاختلاف في أنه: من يخرج على ثلاثة أوجه: أحدها: أن ذلك فيما يقتل على الإغارة، نحو أن يغار على أهل الحرب وفيهم مسلم: فإنه لا دية فيه؛ لما أبيحت الإغارة؛ فيجب على هذا أمران: أحدهما: أن يكون دفع الكفارة في ذلك أحق من دفع الدية، ومن حيث كانت الكفارة حق اللَّه بمعنى العبادة أو القربة، فإذا وقعت الإباحة من عنده فهي في السقوط أحق من الدية التي هي حق العباد، ولم يرد ممن هي له الإباحة، فلما أوجبت هي فالدية أحق أن ثجب، فإذ لم تجب بأن أنه ليس على ما قدروا. والثاني: أن يكون لو كان كذلك، فيجيء أن يكون ذلك فيمن كان من قوم عدو لنا أو لا سواء جُعل من حيث الإغارة، بل إذا صارت الإغارة مباحة، وإن كان فيهم مسلم ذهب حق النفس من الأمرين جميعًا: من الدية، والكفارة، وكذلك الجواب في قوم تترسوا بالمؤمنين أنه إذا أبيح الرمي فيستوي الأمران جميعًا من الدية والكفارة. وعلى ذلك اختلف فيمن له القصاص فيما دون النفس؛ فمات من الاقتصاص: أن لا كفارة في ذلك، وقد اختلف في الدية، وعلى ذلك من يقتله ممن لا يحتمل العلم، وما أوجب من العقل في الوجود بلا دية يوجب أن تكون الدية أحق في الإيجاب من الكفارة؛ فإذ لم تجب بأن أن ليس دفع الدية لما ظنوا. والقول الثاني: ذهبوا إلى القتيل الذي قومه أهل الحرب أنه لا تجب فيه الدية؛ يقوله: (مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ). ويؤيد ذلك قوله: (فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) وأهله عدو لا يحتمل التسليم إليهم بما لنا أخذ أموالهم؛ فيصير بذلك لنا، وأما الكفارة فهي بين العبد وبين اللَّه، فتلزمه؛ إذ هي في حق التوبة والكفارة؛ لما في ذلك من معنى الإثم؛ فيدخل على ذلك -أيضًا- أمران: أحدهما: إبطال الدية عن كل نفس لا وارث لها إذا قتل من أهل دار الإسلام في دار الإسلام؛ إذ لا أهل لها، وعدم الأهل أكثر من كون الأهل وهم أعداء له، بل يغرم الذي قتله وقومه لبيت المال، فعلى ذلك الأول لو كان يجب، ولكن لم يجب لا لهذا؛ إذ قد
رأينا الوجوب مع ما هو أعظم في العدة من هَؤُلَاءِ، وأيد ذلك الإيجاب في المؤمن الذي قومه من أهل الميثاق، أو الكافر الذي هو من أهل الميثاق، والعداوة لم تكن انقطعت بالميثاق. والوجه الثاني: أنه لا توارث يجري بين المسلم وأهل الكفر ليبطل حق الدية بوجوبها لهم، بل يتحول الميراث بالإسلام إلى أهل الإسلام، وإن لم يكن له خصوص أهل، وعلى ذلك جميع تركته؛ فبان أنه لا لهذا لم يوجب. والقول الثالث: أن الآية فيمن أسلم في دار الحرب ولم يخرج إلينا حتى يقتله مؤمن خطأ أن عليه تحرير رقبة، ولا دية فيه؛ فيكون المعنى (مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ): هو من قوم في الظاهر عند القاتل لم يخرجوا بعد عن إظهار المعاداة، ثم يكون قتله الخطأ من وجهين: أحدهما: بما كان عرف كفره، ولم يظهر انتقاله عما كان عليه في الظاهر، لا بخروجه إلى دار الإسلام ولا سيما يظهر، وذلك ظاهر الوجود، وفي مثله نزل قوله - تعالى -: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا. . .) الآية، وقد أخبر أنهم كانوا كذلك يكتمون دينهم حتى مَن اللَّه عليهم بالإظهار؛ فيكون هذا بين أظهرهم على الأمر الأول، ولا على ذلك شأن المسلمين الذين دخلوا تلك الدار بالأمان، ولا يحتمل أن يلحقه هذا النوع من قتل الخطأ؛ فلزم في نفسه البدل على كل حال. والثاني: أن يرمي غيره فيصيبه على ما يكون خطأ أهل هذه الدار، ولم تجب له الدية؛ لما يقع فيه الخطأ من الوجه الذي على الآمر يفعل على ما بينت؛ فلا يحتمل أن يجعل لنفسه بدل. والأصل في ذلك: أن دإر الحرب هي دار الحرب، وفي الحرب سفك الدماء وإتلاف الأموال؛ فلا يقع بها إحراز الدماء والأموال؛ فلذلك لم يجب فيها البدل، وليس كدار
الإسلام؛ لأنها دار سلم وأمن حتى جعلت تحرز بها الدماء والأموال على ما كان أنفس الأعداء إذا دخلت بالميثاق إلينا استوجبت حق الأعراض ولزوم البدل، وإن كانوا من قوم عدو لنا؛ إذ هي الدار دار سلم وإحراز، ولا يشبه الذي أسلم، ولم يخرج، الذي خرج من هذه الدار مسلمًا لما كان يخرج بأمان، وفي الأمان لزوم حفظ الأمر الأول، وليس في الأول ذلك على أن أحد الأمرين في ابتداء الإيجاب، والآخر في البقاء على ما وجب، ومعلوم تفاضل هذين في الأصول، واختلاف الأمر بينهما، وقد كان في إبقاء بعض ما يستوجب بالدِّين لترك الهجرة؛ كقوله - تعالى -: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)، وقد نسخت تلك الهجرة، ولم تنسخ الهجرة إلى دار الإسلام، وإن نسخت إلى المدينة، فلم يكن لنا من ولايتهم من شيء، وإنما حق بذل الأنفس لمن يبقى عنه من الأولياء والأهل، وقد بقي ذلك؛ فلذلك لم يجب. وعلى هذا يخرج قولنا فيه: لو قتل عمدًا ألَّا يجب القصاص ولا الدية؛ لأن الله تعالى - قال: (فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا)، وقد بقي فيما نحن فيه الولاية؛ لذلك بطل السلطان، وفي بطلانه بطلان البدل، ويجوز معه بقاء الحق الذي بينه وبين اللَّه؛ لثبات تلك الحرمة. ووجه آخر في تأويل: قوله: (مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ) أي: في قوم مظهري العداوة؛ دليل ذلك: أنه وإن خرج إلى هذه الدار فهم قومه، لكنه ليس يرجع إلى مؤمن آمن وهو يعد فيهم أن لا شيء، فإذا خرج إن عاد وإلا فله حكم نازله لم يقتضه حق الآية؛ فيجب فيه الذي يجب على حسب الدليل الموجب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ). اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: ذلك القتيل معاهد؛ من قوم بيننا وبينهم ميثاق؛ فاحتج
بعض أصحابنا - رحمهم اللَّه - بهذه الآية الكريمة، في إيجاب الدية في قتل المعاهد: دية مسلمة، وهي مثل دية المسلم؛ لأن اللَّه - تعالى - قال فيهما جميعًا: (فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ). . .) فهما سواء. وقد روي ذلك عن ابن عَبَّاسٍ، رضي اللَّه عنه. والآية تحتمل غير هذا؛ لأن اللَّه - تعالى - قال في أول الآية: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً. . .) إلى قوله: (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ. . .) فيحتمل: أن يكون معناه: وإن كان المقتول المؤمن من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فاكتفى بذكر الإيمان في القتيلين الأولين عن إعادة ذكر الإيمان في القتيل الثالث، ولم يكتف بذكر الإيمان في القتيل الأول عن إعادته في الثاني؛ لأنه لو قال اللَّه - تعالى -:، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، ولم يزد على هذا - كنا نوجب الدية في قتل كل مؤمن؛ فذكر الإيمان في الثاني للتفريق بينهما. وأما ذكر الإيمان في الثاني أغنى عن ذكره في الثالث؛ لأنه لا تفرقة بينهما؛ لذلك كان ما ذكرنا. وعن الحسن: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) قال: مؤمن. واستدل من ذهب إلى أن المقتول مسلم بأن اللَّه - تعالى - قال: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) ولا تجب الكفارة على قاتل المعاهد إذا لم تكن ذمة، ألا ترى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فدى قتيلي عمرو بن أمية، وكان لهما عهد، ولم يبلغنا أنه أمر بالكفارة، فيقال: إن الكفارة واجبة على قاتل المعاهد المستأمن بظاهر الآية بقوله: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ). وقال أيضا: ومما يدل أن المقتول معاهد: أنه لو كان مسلمًا لم يجب لأهله من
المعاهدين الدية؛ لأنهم لا يرثونه، وإنما يرثونه إذا كان معاهدًا، وهذا يؤيد قول أصحابنا - رحمهم اللَّه - في وجوب كمال دية المسلم على قاتل المعاهد. وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه ودى ذميًّا دية مسلم، وحديث عمرو بن أمية: أنه كان ببعض الطريق، فأقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا في ظل هو فيه، وكان معهما عهد من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يعلم به عمرو، وقد علم أنهما من بني عامر، فلما ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه أصاب منهما ثأره من بني عامر، فلما قدم عمرو على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: لقد قتلت قتيلين لأدينهما. فوداهما رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. ومعلوم أن الدية كانت تامة وإن لم تسم؛ لأن العرب كانت لا ترضى أن تنتقص دياتها عن ديات المسلمين. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - جعل دية العامِرِيَّينِ دية الْحُرَّيْنِ المسلمين. وعن ابن مسعود - رضي اللَّه عنه - قال: دية أهل الكتاب مثل دية المسلم. فَإِنْ قِيلَ: روي عن عمر - رضي اللَّه عنه - قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم. عن عثمان - رضي اللَّه عنه - مثله. قيل: يحتمل هذا ما روي عن عمر: أنه قوَّم الإبل فبلغت قيمتها أربعة آلاف درهم، ثم قومها ثانيًا فبلغت ستة آلاف، إلى أن بلغت عشرة آلاف، أو ما ذكر، فيحتمل أنه لما قوَّمها فبلغت أربعة آلاف كان ذلك في دية يهودي أو نصراني؛ فظن الراوي أنه إنما أوجب أربعة آلاف؛ لأنه دية النصراني أو اليهودي، فروي على ذلك مع ما رُوي عن عمر وعثمان
- رضوان اللَّه عليهم أجمعين - بعشرة آلاف. وروي أن أبا بكر وعمر وعثمان - رضي اللَّه عنهم - قالوا: دية المعاهد دية الحر المسلم، فهذا يوهن قولهما الأول. أو يحتمل أن يكون على الاصطلاح: فَإِنْ قِيلَ: روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " دِيَةُ الكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ " قيل: إن كلا الفريقين تركوا العمل بهذا الخبر؛ لأن من يقول بأربعة آلاف لم يأخذ به؛ لأن أربعة آلاف ثلث دية المسلم، على قوله؛ لأن دية المسلم الحر اثنا عشر ألفا عنده. ومن يقول بعشرة آلاف لم يأخذ به؛ فقد أجمعوا على ترك العمل به؛ وذلك لما لم يثبت عندهم - واللَّه أعلم - مع ما وصفنا في باب: قتل المسلم بالكافر ما يدل على أن ذلك واجب، فإذن وجب قتل المسلم بالذي وجب أن تكون ديتهما سواء، ألا ترى أن الكفارة على قاتلهما سواء. وقوله -أيضًا-: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ). . . اختلف في تأويل هذا الحرف من وجهين: أحدهما: أن الآية في المؤمنين خاصة، لكنهم على أقسام ثلاثة: أحدها: على النشوء على الإيمان. والآخر: على إحداث الإيمان في دار الحرب من أهل الحرب. والثالث: على إحداث الإيمان من أهل الميثاق في دار العهد. والآخر من وجهي الآية: بيان جميع ما يجب في نفسه حق إذا قتل خطأ من مؤمن قد أحرز دمه بالإيمان، أو بالإيمان والدار، أو بالعهد، وفي ذلك إنما قطع الحق عن كثير ممن ينهى عن قتلهم إذا لم تتضمنهم هذه الآية، من نحو نساء أهل الحرب والذراري، فلم
تجب الدية بما لم تحرز دماؤهم بدار الحرب، ولم تجب الكفارة بارتفاع الميثاق، وإن كنا لا نقتلهم. فإن كان تأويل الآية هذا - فكان في الآية -أيضًا- على تخصيص القتيل المؤمن من أهل الحرب أن لا دية فيه، وعنها كان فَهْمُ الإجماع أن اللَّه لو أراد الجمع بين القتيل لكان يخرج الأمر على الإبلاغ على ما في الكفارة وما فيها من صفة الإيمان، أو على الإيجاز والتدريج فيها بالمعنى، فالذكر في قتيل واحد كان، فلما ذكر في قتيلين ولم يذكر في الواحد - دل أنه على التفريق، وأيد ذلك أمر الصيام أنه ذكر مرة، والحكم به يأتي على الكل، أوعلى ذلك، حق الدية مع ما بين الذي هو وصفه. وإن كان تأويل الآية الأولى فأوجب في المعاهد بالمروي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنه قضى في عامريَّينِ دخلا بأمانٍ فَقُتِلَا - بدية حُرَّينِ مسلمَين، وفي ذلك بيان أن الدية لم تكن وجبت بالنهي عن القتل؛ إذ هو في الذراري والنساء قائم، ولم تجب، لكن بالعهد، فإذا كان على الاتفاق في الدِّين والنهي فرق بينهما بالعهد؛ فعلى ذلك أمر المسلمين على الاتفاق في الدِّين والنهي يفرق بينهما بمكان العهد والإحراز. وأيد التأويل الثاني شرط الإيمان في قوله - تعالى -: (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) فلولا أن الذكر يقتضي القتيل من العدو، لم يكن ليحتاج إلى ذكر المؤمن، وقد سبق بيان المقصود في ابتداء الآية في النهي والثنيا جميعًا، فإذا لم يذكر في أهل الميثاق فصار متروكًا على ما يقتضيه، وأيد ذلك الذي هو وصفه أن ذكر النوعين يدل على التفريق إذ ليس على حق الاقتضاء بالمعنى، ولا على حق الإبلاغ في البيان، وجميع الكل يخرج على ذانك النوعين في حق الحكمة؛ لذلك صار إلى حق التفريق. ثم الظاهر قد يضمن الخطاب بأمرين: أحدهما: في حق هتك الحرمة. والآخر: في حق العوض من غير تفريق في وزن الملفوظ، وجاء البيان للواجد،
وهي دية المؤمن؛ فيصير كأن البيان في الآية، ومعلوم أنه لو كان - لكان يأخذ الكل، إلا أن يجيء التفريق على ما ذكر من أمر الصيام وحق التوبة، وأن ذكر الآحاد في حق بيان التضمين كذلك في الكل الدية على حد واحد مع ما استوى أمر الكفارة فيما له حق البيان التام أو بيان الكفاية، فعلى ذلك الأول، وأيد ذلك وجهان: أحدهما: أن الدية بمبلغها كانت في الجاهلية فأقرت على ذلك في الإسلام، وكذلك حق القسامة، وكانت كذلك في أهل الكفر عند الأمان، فعلى ذلك اليوم، أو يلزم الذي عرف حتى يظهر؛ ولذلك - واللَّه أعلم - لم يجز في الأمر البيان؛ لأنه كان على معروف، وأيد ذلك جميع الأمور المنقسمة، من نحو الحدود بين العبيد والأحرار في التفريق، والديات بين الذكور والإناث؛ أنه يجب ذلك الانقسام في أهل الكفر، فعلى ذلك حد الجملة والنصف. والثاني: خبر ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - في العامريَّين، وعلى ذلك جاء عن عمر، وعلى - رضي اللَّه عنهما - وما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فهو في الوقت الذي بلغت قيمة الإبل أربعة آلاف، وسنذكر ذلك. ثم الأصل: أن البدل حق المتلف، والإسلام والكفر أمران يرجعان إلى الدِّين والمذاهب، والناس لا يملكون الزيادة والنقصان من الأبدال لأنفسهم؛ لأنه لا بهم جعلت الدية، لكن بالشرع؛ فبه يُعرف التفريق والجمع، فما لم يثبت التفريق والمعنى في كل نفس من المنافع وإليها ما في غيرها لزم الجمع حتى يجيء علم التفريق. والأصل: أن البدل أمر يرجع إلى منافع تقع للمجني عليه مكان ما ذهب منه، أو لغيره فيما يدخل عليهم من النقصان بفوت نفسه، ثم كل أمر مجعول للمنافع فالنظر فيها إلى قدر المنافع عند أهلها، وأهل الذمة أحق بالزيادة؛ لتعجيل المنفعة لهم في الدنيا؛ إذ لا حظ لهم في الآخرة. وقد زعم الشافعي أن العبد لو بيع على أنه كافر فوجده مسلمًا أنه عيب يرد منه؛ فيصير الإسلام عيبًا في قيمته؛ فلا يجيء أن يكون الحر منهم أقل قيمة من الحر منا، ومحل الدِّين ما ذكرت، فهذا - وإن كان القول به منه شنيعًا - لا يجوز أن يحتج به، فهو في موضع التنبيه، وقوله يلزمه، كقوله - سبحانه وتعالى -: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، فحاجهم بالذي عند أئمتهم، فعلى ذلك يحاجُّ بالذي عنده، ولا قوة
إلا باللَّه. وقد حاج بنفي الإلهية بما لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع ولا يبصر، وإن كان وجود ما انتفي لا يوجب القول به. ثم القتل على أقسام ثلاثة: عمد، وهو ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يتعمد نفس القتيل. والثاني: أن يتعمد دينه فيقتل لأجل دينه. وخطأ، وهو -أيضًا- على قسمين: أحدهما: أن يقع بأحد الجناية عن غير قصده. والثاني: أن يقع له على قصده، لكن على ظن لزومه الدِّين الذي استوجب القتل به. وبين الخطأ والعمد قتل آخر سمي: خطأ العمد، أو شبه العمد: مما لم يبين حكمه في منصوص القرآن، ولا هو مما يحتمل معرفة حقيقته بالعيان؛ لأنه ليس في العين جناية تقع من حيث الوقوع إلا عن عمد أو خطأ؛ فصار ذلك معروفا حكمه بالشرع، وللَّه أن يشرع في حقيقة الخطأ والعمد شرعا واحدا؛ على ما عليه أمر شرعه في جميع الأمور، وقد جاء الخبر فيه، واتفاق الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - على إيجاب الدية في ذلك، وليس في ذلك ذكر الكفارة، فلما ثبت إلحاقه بالذي هو خطأ في الحكم قيس عليه أمر الكفارة؛ مع ما كان لذلك أوجه تقدر:
أحدها: أن في العمد ما هو لنفسه كفارة وهو القصاص، وقد دفع ذلك في شبه العمد، والدية تلزم العاقلة، فلا بد من وضع كفارة في ذلك؛ كالذي ذكر في الخطأ فيه. والثاني: أنه ذكر في الكفارة توبة من اللَّه، والتوبة من اللَّه تخرج على أوجه ثلاثة: على التوفيق لفعله. أو على التجاوز لما كان من الزلة. أو على جعل ذلك الفعل منه توبة عن زلته. وأي هذه الوجوه الثلاثة كان ففي ذلك معنى يحق وصف التوبة؛ فيكون في ذلك مما قد يتوجه إلى عمد يلحق وصف الزلة، أو أمر تجوز الكلفة به؛ فيقع العدول عنه؛ إذ قال: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)، فإن جعل في ذا توبة فهو في وجه فيه جناح؛ فيدخل في ذلك قتل فيه جناح، ويكون له حكم الخطأ يبينه الخبر. والثالث: اتفاق أهل الفتوى على القول به، وأيضًا أن الذي يقع الخطأ فيه لدينه فقد تعمد قتله، وأوجبت عليه الكفارة، فقد وجدت كفارة مع تعمد فيما لا بدل لنفسه، فإذا كان شبه العمد يجب فيه البدل فهو لوجوب الكفارة أحق. وأما العمد الذي فيه القصاص ففيه أوجه ثلاثة: أحدها: أن اللَّه - تعالى - بين ما فيه من الحق على نحو ما بين في الخطأ، وإنما يجب طلب العلم بالحكم فيما لم يُبَيَّن منصوصًا من النوازل التي يعلم أن للَّهِ - تعالى - فيها حكمًا؛ إذ لم ينص عليه، فقد جعله مبينا بالتضمن لا بالتصريح، فإذا بين سقطت الحاجة وبطل الاجتهاد والتعرف به، وعلى مثل ذلك يجاب لقتل الصيد عمدا أن الحكم فيه لم يبين بالتصريح، فهو متروك للتضمين. والثاني: أن الكفارة في حق الزجر عنه، والتكفير لفعله، وفي السيف ذلك والزيادة فيه؛ فلذلك لم يضم إليه غيره. ثم معلوم أن الكفارة إنما جُعلت بما معه الإبقاء حتى يصوم شهرين، وفيما فيه القصاص لا مهلة له يستوجب به بقاء النفس؛ لتقوم بالكفارة؛ فلذلك لم تجب.
والثالث: الاتفاق أن الذي يقتص لا يلزمه الكفارة، فمن وجب له حكم العمد لم تجب عليه الكفارة، ولو أوجبنا الكفارة على القاتل جعلناها حقا لله من حيث النفس لا من حيث معنى في الجناية له تجب، وذلك المعنى في نفس القاتل والقتيل سواء؛ فيكون ولي القتيل آخذًا الذي له وقع القصاص والذي ليس له القصاص، لكن له الكفارة فتلزمه، فإذ لم تجب، بأن أنها تجب بحال في النفس والجناية، فلم تجب فيما عدمت تلك الحالة. والأصل: أنها لم تجعل للحظر ولا لنفس الحرمة؛ إذ قد يوجد قتل نفس محظورة ولم تجعل فيها الكفارة، نحو الذراري والنساء من أهل الشرك، بل لو كان كذلك كان الخطأ من أبعد ما يجعل له الكفارة؛ فثبت أنها لم تجعل لذلك، ومن يقس - يقس بذلك؛ فبطل، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: لا يجزئ إلا من صام وصلى. وعن ابن عَبَّاسٍ قال: الرقبة المؤمنة: كل مولود ولد في الإسلام، صغيرًا كان أو كبيرًا. والأشبه أن يجزئ الصغير من المسلمين، ألا ترى أنهم أجمعوا أن على قاتل الصغير من المؤمنين مثل ما كان على قاتل الكبير منهم؟! فيجب أن يجزئ الصغير من المؤمنين على ما يجزئ عنه الكبير منهم؛ إذ كان حكم الصغير من المؤمنين حكم الكبير منهم. ومما يدل على ذلك -أيضًا- أن حكم الصغير من المؤمنين، وميراثه، وتزويجه، وطلاق الرجل الزوجة الصغيرة - حكم الكبير، فهم مؤمنون في الحكم وإن كانوا صغارًا، ولكن لسنا نذكر عن أصحابنا رواية منصوصة في جوازه، والقياس ما ذكرنا، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) وصف اللَّه - تعالى - الشهرين بالتتابع، ووصف الرقبة بالإيمان، فهو - واللَّه أعلم - يحتمل أن يكون على التغليظ والتشديد؛ لما يجوز أن يجاوز جرم حكم الخطأ جرم غيره من الأشياء، نحو أن يقتله بعصًا، أو بسوط، ونحوه، قاصدًا له، ولا شك أن جرمه أعظم من جرم غيره من الأفعال التي توجب الكفارة من الأيمان والظهار وغيره؛ فغلظ فيه ما لم
يغلظ في غيره بالإيمان في الرقبة والتتابع في الصيام، وهذا كما يقولون: إن ضرب التعزير أشد من ضرب حد الزنا وحد شرب الخمر وغيره؛ لأن جرم فعل التعزير ربما يبلغ جرم الزنا أو يجاوز، وهو أن يخنق آخر مرة أو مرتين، لا شك أن حرمته أعظم من حرمة من قذف آخر، أو شرب قطرة من خمر؛ فغلظ فيه وشدد؛ لما ذكرنا، فعلى ذلك شرط الإيمان في العتاق في كفارة القتل، والتتابع في الصوم؛ تغليظًا وتشديدًا للمعنى الذي ذكرنا، وهو أن يقتله قتل شبه العمد؛ أي: عمد القصد، خطأ الحكم، ألا ترى أنه غلظ في الدية في شبه العمد ولم يغلظ في غيره. وروي أعن ابن عمر - رضي اللَّه عنه -، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " قتيلُ السَّوطِ والعَصَا فيه الديةُ مُغلَّظة ". وعن النعمان بن بشير - رضي اللَّه عنه - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " كُلُّ شَيء خَطَأٌ إِلا السيفَ وَالْحَدِيدَ، وَلِكُل خَطَأ أَرْشٌ ". ذكر اللَّه - تعالى - قتل الخطأ والعمد، فبين حكمهما، ولم يذكر غيرهما في كتابه، لكنا عرفنا قبلُ شبه العمد والحكم فيه بما روينا من خبر ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وحديث النعمان عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث قال: " أَلَا إِنَّ قَتيلَ خَطَإ الْعَمدِ قَتِيلُ السوْطِ والعَصَا، ففيه الدية مُغَلَّظة: ثَلاثُونَ جَذَعةً، وثَلاثُونَ حِقَّةً، وَأَرْبَعُونَ ما بَينَ ثَنيَّةٍ إِلَىْ بَازِل عَامِهَا، كلُّها خَلِفَة ". واختلف الصحابة: - رضوان اللَّه عليهم أجمعين -: روي عن عمر - رضي اللَّه عنه - ما ذكرنا من الخبر المرفوع أثلاثًا. وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قريبًا منه أثلاثا. وعن أبي موسى الأشعري والمغيرة ما روينا من الخبر المرفوع أثلاثًا. وعن ابن مسعود - رضي اللَّه عنه - في شبه العمد أرباعًا: خمسة وعشرين حقة، وخمسة وعشرين جذعة، وخمسة وعشرين بنات لبون، وخمسة وعشرين بنات مخاض.
ثم لا يحتمل أن يكون الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - قالوا ذلك رأيًا من أنفسهم؛ لأن هذا باب ما لا يوقف إلا بالسمع والخبر من اللَّه - تعالى - فيجعل كأنهم جميعًا سمعوا ذلك من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في وقت واحد؛ فدل أنه في وقتين مختلفين، فهو على التناسخ، فلم يظهر الأول منهما من الآخر؛ فأوجب الأخف باليقين، ولم يوجب الأغلظ بالشك، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه اللَّه - حيث قال في شبه العمد بالأرباع، وأما مُحَمَّد - رحمه اللَّه - فإنه ذهب إلى ظاهر الخبر المرفوع بالأثلاث. ثم اختلف أصحابنا - رحمهم اللَّه - فيمن رمى آخر في بحر فغرق فمات: قال أبو حنيفة - رحمه اللَّه -: لا يُقتل به. وقال فيمن أحرق آخر بالنار: قُتل به، وكان يفرق بينهما بوجهين:
أحدهما: أن يكون الرامي في الماء حسب أنه يحسن أن يسبح، وذلك موجود في كثير من الناس؛ فصار ذلك شبهة يزول بها القصاص عن الرامي، وأما الذي رمى صاحبه في النار ليس له أن يدعى مثل تلك الشبهة؛ لذلك لم يزل عنه القصاص. والثاني: أن النار جارحة؛ ألا ترى أنها تستعمل في موضع السلاح، ويحارب بها؟! وهي من أشد السلاح، ولا كذلك الماء؛ لذلك افترقا. ثم القول في مبلغ الدية من الإبل ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه ودى رجلا بمائة من الإبل ورُوي أن الكتاب الذي كتبه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لعمرو بن حزم في العقول في النفس مائة من الإبل. وما روينا من خبر ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: خطب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فقال: " ألا إنَّ قَتيلَ خَطَإ العَمْد فيه الديةُ مُغَلَّطظةَ مِائة مِنَ الإبِلِ ". ثم القول في أسنان الإبل في الدية ما رُويَ عن عبد اللَّه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " دِيةُ الخَطَإ أخْماسٌ، وكذلك رُوي عن عبد اللَّه بالأخماس، وعن عمر - رضي اللَّه عنه - كذلك.
وعلي بن أبي طالب في الخطأ أرباع. وكان أبو حنيفة يذهب إلى ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وإلى ما روي عن عمر وعبد اللَّه - رضي اللَّه عنهما - ويجعل دية الخطأ أخماسًا من الإبل، وفي شبه العمد أرباعا؛ لما ذكرنا، ومُحَمَّد - رحمه اللَّه - يذهب إلى ما رُويَ عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بالأرباع في الخطأ، وفي شبه العمد بالأثلاث؛ بالخبر المرفوع، والوجه فيه ما ذكرنا. ثم المسألة في مبلغ الدية من الورق، رُوي في بعض الأخبار عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قضى بالدية اثني عشر ألفًا. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - جعل الدية اثني عشر ألفًا. وروي عن عبيدة السلماني قال: وضع عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الديات: فوضع على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورِق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشياة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. ثم رُويَ عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: قَوِّموا الإبل؛ فقوَّموها أوقية، ثم غلت
الإبل؛ فقال: قوِّموا؛ فقُوِّمت أوقية ونصفًا، ثم غلت؛ حتى قُوِّمت عشرة آلاف درهم. فلو علم عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قضى بالدراهم، لم يحتج إلى أن يقوِّموا الإبل، ومحال أن يخفى على عمر وغيره من الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - سنةُ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حتى يضطروا إلى تقويم الإبل؛ فدل أن الخبر في اثني عشر غير ثابت. ثم الاختلاف أن الدية من الدنانير ألف دينار؛ فوجب أن تكون الدية من الورِق عشرة آلاف؛ لأنه رُوي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه جعل قيمة كل دينار عشرة. ورُوي أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن تؤخذ الجزية من أهل الورق أربعين درهمًا، ومن أهل الذهب أربعة دنانير. وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم. دل ما ذكرنا من قول الصحابة أن قيمة كل دينار عشرة دراهم؛ فلما أجمعوا في أن الدية من الذهب ألف دينار - وجب أن تكون من الورق عشرة آلاف؛ ألا ترى أنه يؤخذ في الزكاة من مائتي درهم خمسة دراهم، وفي عشرين دينارًا: نصف دينار؟! دل على أن الدية عشرة آلاف. ثم يحتمل الخبر -إن ثبت- أن الدية اثنا عشر ألفًا، وزن ستة؛ لأن الدية كان أصلها الإبل، فقومت الإبل دراهم؛ فبلغت اثني عشر ألفًا من وزن ستة، ثم رُدَّت الأوزان إلى وزن سبعة؛ فكانت اثني عشر ألفا، وكسر وزن سبعة، ألقوا الكسر؛ لأن القيم لا تُعرف منصوصًا؛ وإنما تُعرف بالاجتهاد، وقد تزداد وتنقص، ويكون بين القيمتين الشيء اليسير؛
فتركوا ذلك الكسر؛ لما وصفنا، ولأنه لم يكن في الدية في أصلها كسر، وهذا وجه محتمل؛ فأخذ أصحابنا - رحمهم اللَّه - بآخر التقديرين؛ لأن الأوزان استقرت على وزن سبعة، وبطل وزن ستة، ولا شك أن وزن سبعة هي الآخرة؛ لاستقرارها في الناس على ذلك، وباللَّه التوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) قد ذكرنا معنى التتابع في ذلك. وفي قوله - تعالى -: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) عند الجميع من جميع من ذكر من القائلين في هذه الآية، ثم قوله - تعالى -: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ). قال بعض أهل العلم: ندامة من اللَّه - تعالى - وقد يندم الرجل على أفعل يفعله، خطأ. لكن عندنا على حقيقة التوبة؛ لأن الفعل فعلُ مأثم وإن كان خطأ، ولأنه يجوز أن يكلف الإنسان وينهى في حال الخطأ؛ لما لا يتأمل في ذلك ولا ينظر؛ لئلا يترك التأمل في ذلك والنظر؛ فتكون التوبة على الحقيقة؛ لما ذكرنا. وفي قوله أيضًا: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) قد بينا الوجه في ذلك. وقال بعض أهل التأويل: التوبة - في الحقيقة: هي الندامة على الأمر، وكل من يتولد من فعله قتل أحد؛ فهو يندم على ذلك الفعل الذي حدث منه الذي ذكر، ويحزن عليه؛ فيكون - على هذا التقدير - معنى التوبة من اللَّه: إلقاء ذلك الحزن في قلبه، أو رجوعه بالتأسف إلى اللَّه بالإعتاق والصيام، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) لمن قتله خطأ ولم يقصد، ومن قصده، أو (عَلِيما) بما حكم عليكم من الدية والكفارة، أو (عَلِيما) بآجالكم، (حَكيما) في قضائه وحكمه؛ حيث وضع كل شيء موضعه، واللَّه أعلم به. وقوله - تعالى -: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) يخرج ذلك عند ذكر هذه الآية، وهو كذلك بذاته على أوجه: أحدها: أنه عليم بالذي عليه خرج حقيقة فعل ذلك القاتل من القصد وغير القصد، وهو حكيم بما حكم علينا الذي ذكر بظاهر أحوال القتيل، وإن لم يُعْرف حقيقة الأمر في ذلك؛
(93)
إذ الذي له حكم العمد والخطأ لا يظهر لغيره. والثاني: وكان اللَّه لم يزل عليمًا بالذي يكون من عباده، وبالذي به المصالح بينهم؛ فحكم بما فيه المصالح، فيما علم من وقوع الجنايات. والثالث: يبين أنه لا عن جهل يقع الخلاف لأمره ولما لم يرض به من خلقه، ولا عن خطأ في التدبير، أي: عليم بالذي يكون من الخلق، لا عن جهل بهم خرج أمرهم، وحكيم في التدبير، أي: لا يلحقه الخطأ في تدبير الخلائق، على ما يكون منهم من الفساد والشر؛ إذ بمثله من غيره يعلم الخطأ والجهل؛ لما في ذلك ضرر يقع به، واللَّه يتعالى عن هذا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ... (93) قيل في بعض القصة: إن رجلا قتل آخر عمدا؛ فلما علم أنه يُقتل به ارتد عن الإسلام، ولحق بدار الحرب؛ فنزل الوعيد. وهذا - واللَّه أعلم - كقوله تعالى: (الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) كانوا يمنعون الزكاة لما كان عندهم أن الزكاة تنقص المال؛ فجحدوا بها رأسًا، وكقوله: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46). فتركوا الزكاة والصلاة؛ لما يلحقهم بذلك مؤن وأشغال، يشغلهم ذلك كله عما تهوى أنفسهم؛ فانكروا رأسًا؛ لأنهم إن صلوا وأدوا الزكاة لا يكون ذلك صلاة وزكاة؛ إذ كانوا يكذبون بيوم الدِّين؛ فعلى ذلك قاتل المسلم عمدًا إذا علم أنه مقتول به ترك دينه؛ فصار من أهل النار خالدًا مخلدًا فيها. ويحتمل قوله: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) لدينه يقتله عمدا، غير غالط فيه ولا جاهل، عالما بذلك، وإلى قتله لدينه قاصدًا، ومن كان هذه صفته فقد كفر، ووجب له هذا الوعيد الذي ذكره في كتابه الكريم، إلا أن يجدد إيمانا؛ فإن اللَّه - تعالى - يقبل إيمانه وتوبته. والرابع: أن يكون الوعيد الذي ذكره في كتابه ذلك جزاء، ولله الإفضال عليه بالعفو والمجاوزة؛ إذ ذلك جزاؤه إن لم يكن له حسنات يقابل به، فإما إذا كانت له
حسنات يقابل به، يبدل اللَّه بفضله - سيئاته حسنات، كقوله - تعالى -: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ). ثم الدليل أن الآية فيمن قتل مسلمًا لدينه، قاصدا لنفسه دون دينه - قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)، وإنما يكتب عليهم إذا كان القتل قتل عمد، وأبقى لهم بعد القتل اسم الإيمان، ثم قال: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ)؛ فأبقى لهم اسم الإخوة، ثم قال: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) أطمعه في رحمته - عَزَّ وَجَلَّ - وبعيد أن يكون له مع هذا خلود في النار؛ فدلت الآية على بقاء اسم الإيمان، وعلى رجاء الرحمة، وهما معنيان ينقضان قول المعتزلة؛ حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، ولأنه - تعالى - قال: (فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) ولم يقل: يجزيه، وله أن يتفضل بالعفو عنه، على ما وصفنا، وبالله التوفيق والنجاة. وروي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في تأويل الآية ما يؤيد ما قلنا: روي عنه أنه قال في قوله: (فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ)، قال: هي جزاؤه، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. وروي عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " كَانَ فِيمَنْ قَبلَكُم رَجُل قَتلَ تسعًا وَتِسعِينَ نَفْسا، فسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ؟ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ؛ فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِني قَتَلْتُ تِسعَة وَتِسعِينَ نَفْسًا بِغَيرِ حَق؛ فَهَلْ لِي مِنْ تَوبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا. فَقَتَلَهُ، ثُمَّ سَألَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَ عَلَى رَجُلٍ، فَأتاهُ فَقَالَ: إِني قَتَلْتُ مِائةَ نَفْسٍ بِغَيرِ حَق؛ فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؛ قَالَ: نَعَم، وَمَنْ يَحُولُ بَينَكَ وَبَيّنَ التوبَةِ؟! انْطَلِقْ إِلَى أَرضِ كَذَا وَكَذَا؛ فَإِنَّ فِيهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدْهُ مَعَهُم؛ فَانْطَلَقَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ نِصْفَ الطرِيقِ أَتَاهُ الْمَوتُ، فَاخْتَصَمَ مَلَائِكَةُ الرحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الَعَذابِ، فَأتاهُم مَلَكٌ، فَجَعَلُوهُ حَكَمًا بَينَهُم، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَينَ الْأَرضينِ، أَيهُمَا كَانَ أَدْنَى وَأَقْرَبَ فَهُوَ لَهُ؛ فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى لِلْأَرْضِ التِي أَرَادَ؛ فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرحْمَةِ ".
(94)
أفلا ترى أنه لما كان كافرًا، فقتل مائة نفس، فقبلت توبته، ولو كان مسلمًا كانت مظالم المقتولين في عنقه باقية؛ فهذا الحديث يدل - واللَّه أعلم - على أن التأويل ما ذكرنا، وباللَّه التوفيق. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا. . .) الآية. قيل: إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعث سرية إلى دار الحرب، فسمعوا سرية لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تريدهم؛ فهربوا، وأقام رجل؛ لإسلامه؛ فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من العدو من حرب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فألجأ غنمه إلى كهف، ثم قام دونها، فسمع التكبير؛ فهبط إليهم وهو يقول: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فأتاه رجل من هَؤُلَاءِ، فقتله واستاق غنمه وما معه، ثم رجعوا إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فأخبروه الخبر؛ فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أَقتَلْتُمُوهُ؛ إِرَادَةَ مَا مَعَهُ، وهُوَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلا اللهُ؟! " فقالوا: إنه قال ذلك، متعوذا؛ فقال: " هَلَّا شَقَقْتُم عَنْ قَلْبِهِ؟! ". وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعث سرية، فلقيهم رجل، فسلم عليهم وحياهم بتحية الإسلام، فحمل عليه رجل من السرية فقتله؛ فلامه أصحابه وقالوا: أقتلت رجلا حيانا بتحية الإسلام؟! فلما قدموا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أخبره بالذي صنع؛ فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: إِني مُسلِم؟! " فقال: يا رسول اللَّه، إنما قالها متعوذًا؛ قال: " فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِه فَتَعْلَمَ ذلك؟! "؛ فنزل قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا).
فلا ندري كيفما كانت القصة؟ ولكن فيه الأمر بالتثبت عند الشبهة، والنهي عن الإقدام عندها، وهكذا الواجب على المؤمن الوقف عند اعتراض الشبهة في كل فعل وكل خبر؛ لأن اللَّه - تعالى - أمر بالتثبت في الأفعال بقوله: (فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)، وقال في الخبر: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)، أمر بالتثبت في الأخبار عند الشبهة، كما أمر في الأفعال لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ). وفي الآية دليل فساد قول المعتزلة؛ لأنه نهاهم أن يقولوا لمن قال: إني مسلم: لست مؤمنا، وهم يقولون: صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، وهو يقول ألف مرة على المثل: إني مسلم، فإذا نهى أن يقولوا: ليس بمؤمن؛ أمرهم أن يقولوا: هو مؤمن؛ فيقال لهم: (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ)، على ما قيل لأُولَئِكَ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) قيل: الغنيمة: (فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: (فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) أي: أجر عظيم وجزاء كثير. ويحتمل: (فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) يعطيها لكم في غير هذا، كقوله - تعالى - (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا. . .) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ. . .) الآية. اختلف فيه: قيل: (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) ضلالا كفارا؛ (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) بالإسلام والهجرة، وهداكم به. وقيل: (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) تخفون إيمانكم من المشركين وتكتمونه؛ (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) بإظهار الإسلام وإبدائه. وقيل: (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) تأمنون في قومكم من المؤمنين بـ " لا إله إلا اللَّه "، ولا تخيفوا من قالها؛ (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) بالهجرة. وعن ابن عَبَّاسٍ قال: (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) كفارًا تقاتلون على الدنيا
(95)
وعرضها. وقوله - تعا لي -: (فَتَبَيَّنُوا) عاد إلى الأول، وأمر بالتثبت عند الشبهة؛ ألا تري أنه روي في الخبر أنه قال: " الْمُؤْمِنُ وَقَّافٌ وَزَّانٌ): وَقَّافٌ يقف عن الشبهة، ووَزَّانٌ يزن الأعمال فيختار أفضلها. * * * قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) قال الحسن: كان هذا في الوقت الذي كان الجهاد تطوعًا؛ لأنه لو كان فرضا لكان لا معنى لقوله: لا يستوي كذا من كذا، وهما غير مستويين: أحدهما فرض عليه، والآخر لا. قيل له: هذا الذي ذكرت لا يدل على أن الجهاد ليس بفرض في ذلك الوقت؛ ألا ترى أنه قال: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ)، وقال: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) جمع بين متضادين، ثم قال: (لَا يَسْتَوُونَ)؛ فعلى ذلك هذا، وهو أولى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ): استثنى أهل الضرر مجملا في هذه الآية، وبين أمرهم وما زال عنهم من فرض الجهاد في آية أخرى، وهو قوله - تعالى -: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ)، وقوله عز
وجل: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى. . .) الآية، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم، وأزالوا الحرج عمن كان في مثل حال هَؤُلَاءِ الذين وصفهم اللَّه - تعالى - وعَذَرَهم في تخلفهم عن الجهاد. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما ذكر اللَّه - تعالى - فضيلة المجاهدين على القاعدين رغبهم في الجهاد بقوله: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. . .) الآية - أتاه عبد اللَّه بن أم مكتوم الأعمى، فقال: يا رسول اللَّه، ذكر اللَّه فضيلة المجاهدين على القاعدين، وحالنا ما ترى، ونحن نشتهي الجهاد؛ فنزل: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) فجعل لهم من الأجر ما للمجاهدين؛ لزمانتهم. وعلى ذلك أكثر أهل التفسير. وقال الكسائي: (الضَّرَر) مصدر الضرير والمضرور، والضرير: الأعمى، يقال: ضُرَّ بَصَرُهُ، فهو ضرير ومضرور: إذا عمي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) القاعد والمجاهد (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) قيل: هذا الفضل للمجاهد على القاعد الذي قعد لا لعذر، جعل له الأجر العظيم. وقوله: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً) على القاعد الذي قعد لعذر؛ لأنه جعل فضيلته عليه بدرجة، وفي الثاني جعل
(97)
فضيلته عليه بدرجات. لكن قوله: " درجة "، و " درجات " عندنا: واحد؛ ألا ترى أنه - تعالى - قال: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)، ليس هو شيئًا واحدًا؛ ولكنه أشياء، والذي قعد لعذر يستوي في الأجر مع الذي خرج؛ إذا كان يتمنى أن يخرج إن قدر؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكان لا معنى للاستثناء. وفي الآية دلالة أن فرض الجهاد - فرضُ كفاية: يسقط عن الباقين بقيام بعضهم، وإن كان الخطاب يعمهم في ذلك، وهو قوله - تعالى -: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ)، وفرض الخروج لطلب العلم فرضُ كفاية: إذا خرج بعضهم لطلبه يسقط عن الباقين ذلك؛ فعلى ذلك فرض الجهاد، وإن كان ذلك خلاف ما عاتب اللَّه - تعالى - عليه الثلاثة الذين خلفوا في سورة " براءة "؛ لأن أُولَئِكَ تخلفوا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وقد قال اللَّه - تعالى - (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) فإنما عاتب أُولَئِكَ لتخلفهم عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ... (97) عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: نزلت هذه الآية في قوم من المنافقين خرجوا مع المشركين إلى بدر، فلما التقى المسلمون والمشركون، أبصروا قلة المسلمين - وهم مع المشركين على المؤمنين، فقالوا: (غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ). وأظهروا النفاق، فقتلوا، عامتهم؛ ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، فقالت لهم الملائكة: (قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ). وقيل: إنها نزلت في نفر أسلموا بمكة مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ثم أقاموا عن الهجرة، وخرجوا مع المشركين إلى القتال، فلما رأوا قلة المؤمنين شكوا في النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقالوا: (غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ)، فقتلوا، فقالت الملائكة: فيم كنتم؟ قالوا: كذا. وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا، وكانت الهجرة يومئذ مفترضة؛
(98)
فكفروا بترك الهجرة، وهو كقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا)، فلا ندري كيف كانت القصة، وليس لنا إلى معرفة القصة؟ حاجة بعد أن يُعرف ما أصابهم بماذا أصابهم؟. وقوله: (قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) هذا يتوجه وجوهًا: إحدها: مع من كنتم: مع مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كنتم وأصحابه أو مع أعدائهم؟ والثاني: (فِيمَ كُنْتُمْ) أي: في دين مَنْ كنتم: في دين مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أو في دين أعدائه؟ والثالث: " قالوا " بمعنى: " يقولون " أي: يقولون لهم في الآخرة: (فِيمَ كُنْتُمْ)؟ (قَالوُا): كنا كذا. وقولهم: (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ): هذا ليس جوابًا لقوله: (فِيمَ كُنْتُمْ)؟ جوابه أن يقال: كنا في كذا، ولكنه كأنه على الإضمار، قالوا لهم: ما الذي منعكم عن الخروج والهجرة إلى مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ قالوا عند ذلك: (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ): اعتذروا؛ أن كانوا مستضعفين في الأرض. وظاهر هذا: أنْ مُنِعْنا عن الخروج إلى الهجرة، وحالَ المشركون بيننا وبين إظهار الإسلام. فقالوا: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) يعني: المدينة واسعة، آمنة لكم من العدو، فتخرجوا إليها، فتقلبوا بين أظهرهم، فهذا - واللَّه أعلم - كأنهم اعتذروا في التخلف عن ذلك؛ لما كانوا يتقلبون بين أظهر الكفرة ويتعيشون فيهم، فقالوا: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) قطعوا عليهم. ويحتمل وجهًا آخر: وهو أنهم إن منعوكم عن الإسلام ظاهرًا وحالوا بينكم وبين إظهاره؛ ألستم تقدرون على ادِّيَان الإسلام سرا، لا يعلمون هم بذلك؟! (فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا). أخبر أنْ لا عذر لهم في ذلك. وفي قوله - تعالى -: (فِيمَ كُنْتُمْ) دلالة إحياء الموتى في القبر والسؤال فيه عما عملوا في الدنيا واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ... (98)
(99)
بين اللَّه - تعالى - أهل العذر في ذلك؛ حيث قال: (لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا). قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كنت أنا وأمي من المستضعفين. (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ... (99) و (عسى) من اللَّه واجب؛ كأنه يقول: فأُولَئِكَ يعفو اللَّه عنهم. * * * قوله تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) قيل: المراغم: المذهب والملجأ، وسعة في الرزق، أي: يجد في الأرض، وفي غير الأرض التي هم فيها - ما ذكر. وقيل: المراغم: المتزحزح، أي: يجد متزحزحًا عما يكره وبراحًا. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: المراغم: التحول من أرض إلى أرض، والسعة في الرزق. وقيل: من الضلالة إلى الهدى، ومن العيلة إلى الغنى. وقيل: المراغم: المهرب. وقيل: لما نزلت هذه الآية سمعها رجل وهو شيخ كبير -وقيل: إنه مريض- فقال: واللَّه ما أنا ممن استثنى اللَّه؛ وإني لأجد حيلة، واللَّه لا أبيت الليلة بمكة؛ فخرجوا به يحملونه حتى أتوا به التنعيم، فأدركه الموت بها؛ فصفق يمينه على شماله، ثم قال: اللَّهُمَّ
(101)
هذه لك وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايعت عليه رسولك. ومات؛ فنزل فيه: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) أي: وجب أجره. وقيل: إنه لما سمع الرجل أن الملائكة ضربت وجوه أُولَئِكَ وأدبارهم، وقد أدنف للموت؛ فقال: أخرجوني؛ فاحتمل بينه وبين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فلما انتهي إلى عقبة، فتوفي بها؛ فأنزل اللَّه هذه الآية، واللَّه أعلم بذلك. وفي قوله: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) - دلالة أن إسلام الولدان إذا عقلوا إسلامهم - إسلام، وكفرهم كفر؛ لأنه تعالى استثناهم وعذرهم في ترك الهجرة؛ فلو لم يكن إسلامهم إسلامًا، ولا كفرهم كفرًا - لكان مقامهم هنالك وخروجهم منها سواءً، ولا معنى للاستثناء في ذلك؛ إذا لم يكن عليهم خروج، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ. . .) الآية. أباح اللَّه - تعالى - القصر من الصلاة؛ إذا ضرب في الأرض إذا خاف أن يفتنه الكفار، ولم يبين القصر في ماذا؟ فيحتمل: القصر قصرًا من الركعات؛ على ما قال أصحابنا - رحمهم اللَّه تعالى - ويحتمل: القصر من الركوع والسجود والقيام بالإيماء؛ كقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا)، رخص للخائف الصلاة بالإيماء. ويحتمل: القصر قصر الاقتداء، وذلك -أيضًا- مباح عند الخوف. ثم تأول قوم أن الصلاة كانت ركعتين، فزيدت في صلاة الحضر، وأقرت في صلاة السفر، ورخص في القصر من ركعتي السفر في حال الخوف، وقالوا: صلاة الخوف ركعة.
ورُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: فرض اللَّه - تعالى - صلاة الحضر أربعًا، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة، على لسان نبيكم. وكذلك رُويَ عن جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه عنه - قال: صلاة الخوف ركعة، ركعة. وقال آخرون: إنما رخص اللَّه - تعالى - في قصر الصلاة من أربع إذا كان الخوف، فردها إلى ركعتين رخصة. وقالوا ثَمَّ: إن رسول اللَّه أعلمنا أن اللَّه - تعالى - تصدق علينا أن نقصر في حال الأمن؛ فثبت بالسنة أن القصر في غير الخوف جائز؛ كما أجازه اللَّه في حال الخوف. والقصر -في قول هَؤُلَاءِ- أن تُرَدَّ الأربع إلى ركعتين، والقصر في قول الأولين أن يرد الركعتان في حال الخوف إلى ركعة. وقال غيرهم: القصر إنما كان في حال الخوف كما قال اللَّه تعالى. فأما الآن: فإن المسافر إذا صلى ركعتين، فليس ذلك بقصر؛ ولكنه إتمام بقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حيث قال: صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم. وروي أن رجلا سأل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن قوله - تعالى -: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، قال: وقد أمن الناس اليوم؟!. فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: عجبتُ مما عجبتَ منه؛ فسألت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال: " صَدَقة تَصَدَّقَ اللهُ تَعَالَى بِهَا، عَلَيكُم فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ "؛ فيحتمل أن يكون قوله: " صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر " - يريد به أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما قال: " صَدَقَة تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيكُم "؛ صار الفرض ركعتين وارتفع القصر، وصارت الركعتان تمامًا غير قصر؛ إذ كانتا هما
الفرض بعد الصدقة التي تصدق اللَّه بها علينا؛ فكل واحد من الخبرين موافق لصاحبه؛ أعني خبر عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مع ما روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال: كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، يسافر من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا اللَّه، يصلي ركعتين. وهذا يؤيد حديث عمر - رضي اللَّه عنه -: " صَدَقَة تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيكُم "؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان لا يصلي وهو آمن ركعتين مع شرط اللَّه الخوف؛ إلا وقد رفع اللَّه شرط الخوف عن المسافر. وقال قوم: إن التقصير في السفر، والحضر هو الإتمام. واحتجوا بقول اللَّه - تعالى -: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) قال: فرفع الحرج عن المقصر، ولو كان التقصير حتمًا لكان قال: وعليكم جناح ألا تقصروا من الصلاة إن خفتم ولكن الأمر ليس كما توهموا؛ وذلك أنا قد ذكرنا أن النص في القصر إنما جاء في حال الخوف، وأما حال الأمن فلا نص فيما يوجب القصر؛ وإنما جاز القصر من الصلاة في حال الأمن؛ لقول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " صَدَقَة تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيكُم "، وتقصيره في حال الأمن، ومحال أن يتصدق اللَّه بالركعتين علينا. ويقول قائل: فرضها قائم؛ فأين موضع الصدقة؟! إذ لو كان الأمر على ما ذكرنا فما معنى قول عمر - رضي اللَّه عنه -: " إن صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر؛ على لسان نبيكم "؛ لأنه - واللَّه أعلم - جعل الصدقة من اللَّه بذلك مزيلة للفرض في الركعتين بعد الركعتين؛ فبقيت الركعتان تمامًا، إذا كانتا فرض المسافر؟ مع ما روي أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سافر أسفارًا كثيرة، فلم يرو عنه أحد أنه أتم الصلاة في شيء من الأحوال في سفره، وكلٌّ روي أنه - عليه السلام - كان يصلي ركعتين ركعتين؛ فلو كانت الفريضة أربعًا، والقصر رخصة - لأتم في وقت؛ وقصر في وقت، ألا ترى أن الإفطار في السفر لما كان رخصة غير حتم - أفطر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في أوقات وصام في أوقات؛ فدل ذلك أن فرض المسافر ركعتان غير قصر. وروي عن ابن عمر - رضي اللَّه عنه - قال: صليت مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بمنى ركعتين، ومع أبي بكر الصديق - رضي اللَّه عنه - ركعتين، ومع عمر - رضي اللَّه عنه - ركعتين،
ومع عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صدرًا من خلافته، ثم صلى أربعًا، وما صلى أربعًا؛ يحتمل أن يكون عزم على الإقامة. وكذلك روي عن الزهري قال: بلغني أنه إنما صلى أربعًا؛ لأنه أزمع أن يقيم بعد الحج. وعن عمران بن حصين قال: " سافرنا مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فكان يصلي ركعتين، ركعتين حتى يرجع إلى المدينة، وأقام بمكة ثماني عشرة يومًا، لا يصلي إلا ركعتين، وقال لأهل مكة: " صَلُّوا أَرْبَعًا؛ فَإِنَّا قَومٌ سَفْرٌ ". وخالف بعض أهل العلم هذا الحديث؛ لأنهم يقولون: إذا أقام ببلد في غير حرب أربعا يتم بعد ذلك، وإن لم يكن عزم على المقام بذلك البلد. وروي عن عمر بن الخطاب عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " صَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ حَتى يئول إِلَى أهْلِهِ أَوْ يَمُوت ". ورُوي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه سئل عن الصلاة في السفر، قال: ركعتان ركعتان؛ من خالف السنة كفر. واستدل قوم بقوله - تعالى -: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) أن القصر رخصة، وأن الأفضل إتمام الصلاة؛ إذ " لا جناح " تستعمل في موضع التخفيف، لا في موضع الأمر؛ على نحو الصيام بقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، وهذا حرف لا يستعمل في موضع الأمر والإيجاب، واللَّه أعلم. وسلَّم قوم لهم هذا المعنى في الآية، وردوا القصر إلى أقصر للخوف، يلحق عند الضرب في الأرض، وإذن كان على وجهين: أحدهما: في بيان المراد في قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا)، أنه: ليس على تمام المعروف من الصلاة؛ لكن على القصر على الحد الذي ينتهي إليه الخوف من أمر القبلة، أو ترك القيام والركوع والسجود، وإلى الإيماء والقعود، واللَّه أعلم. والثاني: ما في قوله: (وَإذَا كُنتَ فِيهِم. . .) الآية، وإنما يذكر ذلك في أحوال لهم الانفراد وهو أحوال السفر، ومعلوم أن ذلك في حق قصر الاقتداء فكأنه قال: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) في الاقتداء به، وإن قصرتم في الاقتداء عن تمام حقه من الجماعة، وكذلك إصابة الكل أفضل؛ فبين أن ارتفاع ذلك لا يمنعكم الاقتداء، ولا يلزمكم نصب إمام آخر؛ لثؤدوا جميع الصلاة في الجماعة، وأيد الوجهين قوله - تعالى -: (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا). . . إلى قوله تعالى: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ)؛ فالقصر في السفر على ما عليه، ليس للخوف؛ وأيد ذلك ما التبس على عمر - رضي اللَّه عنه - حتى سأل عن ذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال: " صَدَقَة تَصَدقَ اللَّه بِهَا عَلَيكُم فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ "، بمعنى: حكم حَكَمَ اللَّه عليكم في أن لم يفرض عليكم في السفر غير ركعتين، هو من جميع المذكور عن اللَّه من العفو؛ فهو في الإسقاط، وأيد ذلك ما كان يقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بعد ذلك: " صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ". فعلم أن ذلك ليس في حق الآية؛ لكن في ابتداء الشرع، وعلى ذلك المروي بأن الصلاة كانت في الأصل ركعتين، فزيدت في الحضر وأقرت في السفر، وإلى هذين التأويلين يتوجه قول أصحابنا، رحمهم اللَّه. وقد تحتمل الآية قصر الصلاة.
(102)
ثم قوله: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) يرجع إلى وجهين: أحدهما: إلى ترك الركعتين، وإن لم يتم السفر بعد الخروج له، وليس كسائر الأعذار، نحو الحيض، إذا لم يتم أنه يلزم إعادة المتروك، والإغماء، ونحو ذلك، وأمر الصوم في السفر بعد الخروج له ليس كسائر الأعذار؛ فلا يعاد. والثاني: ليس عليكم جناح في السفر، وإن كان ذلك اختيارا منكم لترك صلاة الحضر، أو ليس عليكم ما على المقيم من الجناح إن لم يتم، فإذا رجع الجناح إلى ذلك بقي الأمر بالقصر، وإن خرج بحد الخبر؛ إذ قد يكون خبرًا في المخرج أمرا في الحقيقة نحو قوله - تعالى -: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ. . .) الآيات، ونحو ذلك كقوله - تعالى -: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) أنه لما صار: " لا جناح " راجعا إلى ما كان ثَمَّ من الأصنام أو الفعل؛ بقي حق الأمر بالطواف، وإن كان في مخرج الخبر، وصار من اللوازم، دليل ذلك الأمر الوارد في الآية والظاهر من فعل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في الأسفار. ولا يحتمل أن يكون [. . .] يضيع من الجميع، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ. . .) الآية. اختلف أهل العلم في صلاة الخوف: قال بعض أهل العلم: يجعل الإمام القوم طائفتين، يصلي بالطائفة الأولى،
ركعة، ويصف الطائفة الأخرى مصاف العدو، فإذا صلى بهم ركعة؛ فيقومون ويصلون الركعة الثانية وحدانًا. ثم ينصرفون ويقومون مقامهم بإزاء العدو، وترجع الطائفة التي كانت مصاف العدو فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية، ثم يسلم بهم الإمام، فيقومون ويقضون الركعة الأولى وحدانًا. ويقولون: لأنه ليس في الآية إتيان الطائفة الأولى وعودها إلى الإمام؛ لذلك لا يفعل. وقالوا -أيضًا- بأن القيام بعد الفراغ من الصلاة مصاف العدو أطمع وأرجى من القيام قبل الفراغ منها. وقيل: بل القيام مصاف العدو، وهم في الصلاة أطمع وأرجى من القيام في غير الصلاة. وأما أصحابنا - رحمهم اللَّه - فإنهم ذهبوا إلى ما روي في الأخبار. روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: صلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - صلاةَ الخوف: فصلى بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهو العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم، مقبلين على العدو، وجاء أُولَئِكَ، فصلى بهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ركعة ثم سلم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ثم قضى هَؤُلَاءِ ركعة، وهَؤُلَاءِ ركعة. وعن عبد اللَّه قال: صلى بنا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - صلاة الخوف، فقاموا صفين: فقام صف خلف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفٌّ مستقبل العدو، وصلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالصف الذي يلونه ركعة، ثم قاموا فذهبوا وقاموا مقام أُولَئِكَ، واستقبل هَؤُلَاءِ العدو، وجاء أُولَئِكَ فقاموا مقام هَؤُلَاءِ، فصلى بهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ركعة، ثم سلم، فقاموا يصلون لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، فذهبوا فقاموا مقام أُولَئِكَ مستقبلين العدو، وجاء أُولَئِكَ إلى مقامهم، فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا.
وروى ابن عَبَّاسٍ وزيد بن ثابت وحذيفة بن اليمان - رضي اللَّه عنهم - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نحو ذلك، فاتفق على هذه الرواية عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هَؤُلَاءِ الجماعة من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عَبَّاسٍ، وزيد بن ثابت، وحذيفة؛ كلهم يقولون: إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - صلى بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهو العدو، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعة، وإن واحدًا منهم لم يقض بقية صلاته حتى فرغ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من صلاته كلها، فصلى المؤتمون ما بقي عليهم من صلاتهم؛ وهذا نظرًا لما عليه المسلمون جميعًا فيما سبقهم الإمام: لا يقضونه حتى يفرغ الإمام من صلاته، ثم يقضون ما فاتهم، والأخبار التي جاءت بخلاف ذلك يحتمل أن تكون في الوقت الذي كانوا يقضون الفائتة قبل فراغ الإمام من صلاته، ثم نسخ ذلك بما توارث الأمة القضاء بعد الفراغ، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) اختلف فيه. قيل: هم الطائفة التي بإزاء العدو، يأخذون السلاح؛ ليكون أهيب للحرب والقتال. وقيل: هم الطائفة الذي يصلون، يأخذون السلاح حتى إذا استقبلهم العدو والحرب يقدرون على ذلك. وقيل: إذا وقع بينهم الحرب فلهم تأخير الصلاة إلى وقت انقطاع الحرب بينهم. وقال الحسن: يصلي الإمام بكل طائفة تمام الصلاة؛ لأنه ذكر في الخبر أنه كان يصلي بكل طائفة سجدة، والسجدة هي اسم التمام، وهذا جائز في اللغة. لكن عندنا ما ذكرنا من الأخبار عن الصحابة: عن عمر، وابن عَبَّاسٍ، وغيرهما - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - حيث قالوا: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الفطر والأضحى
ركعتان، وصلاة الخوف ركعة تمام غير قصر، وما روينا أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سجد بالصف الأول، ولم يسجد معه الصف الثاني، فلما رفع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - رأسه من السجدتين سجدهما أهل الصف الثاني؛ فهذا يدل على أن الأمر ما وصفنا. وإذا كان العدو مواجَهةَ القبلة فالإمام بالخيار: إن شاء جعل القوم صفين: صفا أمامه بإزاء العدو، وصفًّا معه يصلي بهم؛ هكذا روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه فعل ذلك بالمسلمين: وروى جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - صلى بهم والعدو في القبلة، فصلى بطائفة ركعة، وجاءت الأخرى فصلى بها أخرى. وإن شاء جعل القوم كلهم خلفه صفين فيصلي بهم، فإذا انتهوا إلى السجود، سجد الصف الأول، والصف الثاني يحرس العدو، فلما فرغ هَؤُلَاءِ من السجود سجد الآخرون، ثم كذلك يفعل بهم في الثانية، وهذا -أيضًا- روي أنه فعل؛ فيختار أيهما شاء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ) أي: ليكونوا مصاف العدو يحرسونهم من العدو. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) يحتمل قوله - تعالى -: (حِذْرَهُمْ)، أي: يأخذون ما يستترون به ويحرسون العدو، من نحو الترس، والدرع، ونحوه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَسْلِحَتَهُمْ): ما يقاتل به من السلاح ويحارب. ويحتمل ما يتحصن به من الحصن، من نحو الجبال وغيرها. وفيه الأمر بتعلم آداب الحرب والقتال، وأخذ الأهبة والإعداد للعدو دون أن يَكِلُوا الأمر إلى ذلك؛ ولكن يكلوا الأمر إلى ما وعد اللَّه لهم من النصر بقوله - تعالى -: (وَمَا
النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، وبقوله: (وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) وقوله - تعالى -: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ)، وقوله: (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا)، وغيره من الآيات، فيها الدلالة على تعلم آداب الحرب وأخذ الأهبة فيه؛ حيث أمرهم - عَزَّ وَجَلَّ - بمجاهدة العدو في غير آي من القرآن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ. . .) الآية. هذا يعلم بالطبع أن كل أحد يطلب الفرصة على عدوه والغفلة منه، هذا معروف في طباع الخلق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ): ما يحارب به ويقاتل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَمْتِعَتِكُمْ) - يحتمل: أمتعتكم: ما يحرس به العدو ويستتر به منه، أي: يطلبون الغفلة عن الأسلحة والأمتعة. ويحتمل: الأمتعة أن يريد بها غيرها، من: الثياب وغيرها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) في الآية دلالة أن اللَّه - تعالى - لم يرد بقوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ. . .)، - بَذْلَها للقتل؛ حيث رخص لهم وضع الأسلحة وأخذ الحذر عندما بُلُوا بالمطر والمرض؛ لأنه لو كان المراد بشراء الأنفس منهم بذلها للقتل - لكان لا يرفع ذلك عندما يخافون على أنفسهم من الهلاك؛ إذ الحرض وخوف الهلاك لا يرفع ذلك في الأحوال كلها إذا كان الأمر بذلك أمرًا بالقتل والهلاك؛ ألا ترى أن من وجب عليه الرجم لم يرفع عنه بالمرضِ الرجم؛ لأن في الرجم هلاكه، فلما رفع عنهم القتال في حال المرض، أو في الحال الذي يخاف الهلاك - دل أنه لم يرد بشراء الأنفس بذلها للقتل؛ ولكن أراد - واللَّه أعلم - إظهار دين اللَّه، ونصر أهل دينه؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)، جعل الثواب والأجر عند الغلبة على عدوه مثل ما جعل عند القتل، ولو كان الأمر بذلك أمرًا بالقتل خاصة - لا يستوجب الأجر والثواب بغيره؛ دل أنه ما ذكرنا؛ ألا ترى أنه قال: (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا): جعل الوعد للقاتل ما جعل
(103)
للمقتول. هذا كله يدل أن الأمر بذلك ليس على القتل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) قد ذكرنا أن الأمر بأخذ الحذر يحتمل وجهين: أحدهما: فيه الأمر بتعلم آداب الحرب وأسباب القتال، وألا يكلوا الأمر إلى ذلك خاصة؛ لكن إلى ما وعد لهم من النصر والظفر على عدوهم بعد أخذ الأهبة؛ ألا ترى أنه قال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ. . .) الآية، وقال - تعالى -: (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ. . .) الآية. والثاني: يحتمل أن يأمرهم بأخذ ما يدفعون به سلاح العدو عن أنفسهم ويتقون به، نحو الترس، أو الدرع، أو البنيان، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) أي: أعد لهم من العذاب ما يهانون به، نصروا أو غلبوا، وأعد لكم من الثواب ما تشرفون وتفوزون به، نصرتم أو غلبتم؛ فما لكم لا تقاتلون؟!. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ ... (103) قيل: يحتمل وجهين: يحتمل: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ)، أي: إذا فرغتم منها، فاذكروا اللَّه على كل حال، تستعينون به بالنصر على عدوكم، كقوله - تعالى - (فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) أمر بالثبات عند لقاء العدو؛ وذكر اللَّه؛ استعانة منه على عدوهم؛ فعلى ذلك الأول. ويحتمل: أن يكون معناه: إذا أردتم أن تقضوا الصلاة فاذكروا اللَّه كثيرًا في أي حال كنتم: في حال القيام، والركوع، والسجود؛ كقوله: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ. . .) معناه - واللَّه أعلم -: إذا كنت فيهم فأردت أن تقيم لهم الصلاة فافعل كذا؛ فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) وهذا - واللَّه أعلم - مقابل قوله: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ
إِنْ خِفْتُمْ. . .) الآية، وقد ذكرنا أن القصر يحتمل وجوهًا: يحتمل: القصر للضرب في الأرض، وهو القصر في عدد الركعات. ويحتمل القصر للمرض والخوف، فهو قصر الإيماء، فنحن نأخذ بذلك كله على اختلاف الأحوال؛ فعلى ذلك قوله: (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ) يحتمل الوجوه التي ذكرنا، أي: اذا اطماننتم صرتم أصحاء؛ فصلوا كذا صلاة الأصحاء. ويحتمل: (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ): أمنتم من الخوف؛ فصلوا كذا. ويحتمل -أيضًا-: (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ) إذا رجعتم وأقمتم، فصلوا صلاة المقيمين أربعًا؛ فهذا - واللَّه أعلم - على ما ذكرنا مقابل قوله: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ. . .) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) أي: مفروضا، وهو قول ابن عَبَّاسٍ. وقيل: (كِتَابًا مَوْقُوتًا) أي: لها وقت كوقت الحج، وهو قول ابن مسعود، رضي اللَّه عنه. وقيل: (كِتَابًا مَوْقُوتًا): محدودا، فنحن نقول بهذا كله، نقول: إنها مفروضة، موقوتة، محدودة؛ على ما قيل، واللَّه أعلم. والآية ترد على من يقول بأن على الكافر الصلاة؛ لأنه أخبر أنها كانت على المؤمنين كتابًا موقوتا، وهم يقولون: على الكافرين والمؤمنين، لكنها كتبت على المؤمنين فعلا، وعلى الكافرين قولا؛ هذا - واللَّه أعلم - معنى قوله: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)، أي: فعلها على المؤمنين كتابا موقوتا. ثم يحتمل قوله: (كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) أي: لم تزل هي كانت كتابًا موقوتًا على الأمم السالفة، لا أن هذه الأمة خصت بها؛ كقول إبراهيم - عليه السلام -: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)، وكقول عيسى - عليه السلام -: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. . .)، وكقول موسى - عليه السلام -: (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ).
ويحتمل قوله - تعالى -: (كانَتْ)، أي: الصلوات صارت (عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) بعد أن لم تكن. وكل ذلك محتمل، ولكن لا نشهد على اللَّه أنه أراد كذا، وكذلك في قوله - تعالى -: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ). وقوله - تعالى -: (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ) نتأول فيه ونعمل فيه بالوجوه كلها على اختلاف الأحوال؛ لاحتماله الوجوه التي ذكرنا؛ فلا نقطع القول فيه، ولا نشهد على اللَّه أنه أراد كذا، وهكذا السبيل في جميع المجتهدات أن نعمل بها، ولا نشهد على اللَّه أنه أراد ذا أو أمر بذا، وباللَّه التوفيق. ذكر اللَّه - تعالى - ما بَيَّنَ فرض الصلاة ووجوبها في غير موضع من كتابه، منها الآية التي ذكرناها، ومنها قوله - تعالى -: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)، وقوله - تعالى -: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)، ولم تدل هذه الآيات على كيفية الصلاة وعددها؛ إنما دلت على وجوبها ولزوم فرضها، ودلت آيات أخر على عددها وجمل أوقاتها؛ قال اللَّه - سبحانه وتعالى -: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)، فهذه ثلاثة أوقات ذكر اللَّه - تعالى - فيهن ثلاث صلوات، روي عن مجاهد، عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سالته عن قول اللَّه - تعالى - (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ. . .)؛ قال: إذا زالت الشمس عن بطن السماء، لصلاة: الظهر (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) وقال: بذا صلاة المغرب. وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) قال: دلوكها: زيغها بعد نصف النهار، وهو وقت الظهر. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: دلوكها: زوالها.
وعن عبد اللَّه قال: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) قال: زوالها وقد روي عن ابن مسعود وابن عَبَّاسٍ قالا: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ): غروبها. فأيَّ التأويلين كان دلوك الشمس فقد أوجب فيه صلاة، وصلاة عند غسق الليل، وصلاة عند الفجر؛ فهذه ثلاث صلوات. قال اللَّه - تعالى -: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ)؛ فأحد طرفي النهار يجب فيه صلاة الفجر، وقد ذكر في هذه الآية، والطرف الآخر قبل غروب الشمس؛ فهذه أربعة، وهي العصر. وروي عن الحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن الصلوات الخمس مجموعة في هذه الآية: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ. . .)، قال: صلاة الفجر، والطرف الآخر: الظهر والعصر: (وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ. . .)، المغرب والعشاء. فأي التأويلين كان فإن صلاة العصر مذكورة في هذه الآية. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ)، المغرب والعشاء، (وَحِينَ تُصْبِحُونَ): الفجر، (وَعَشِيًّا) العصر، (وَحِينَ تُظْهِرُونَ): الظهر. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - أيضًا: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)؛ قال: الصلاة المكتوبة. دلت هذه الآيات - واللَّه أعلم - أن اللَّه - تعالى - فرض على عباده في كل يوم وليلة
خمس صلوات، وبيِّن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كيف فرضت الصلاة؟ ومتى فرضت؟. وروي عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: " خَمْسُ صَلَوَاتٍ كتبهَا اللهُ - تعالى - عَلَى العِبَادِ، فَمَنْ أَتَى بِهِنَّ لَم يُضَيعْ مِنْ حَقهِنَّ شَيئا اسْتِخْفَافًا بِحَقهِنَّ؛ فَإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللهَ عَهْدًا أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَم يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيسَ لَهُ عِنْدَ اللهَ عَهْدٌ: إِنْ شَاءَ عَذبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ ". وعن أبي معبد، عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حين بعث مُعاذًا إلى اليمن قال: " إِنَكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ الكِتَابِ، فَادْعُهُم إِلَى شَهادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَني رَسُولُ اللَّهَ، فَإِنْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأعْلِمْهُم أَن اللَّهَ - سُبحَانَهُ وَتَعَالَى - فَرَضَ عَلَيهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُل يَوْمٍ وَلَيلَةٍ ". وعلى ذلك اتفاق الأمة لا اختلاف بينهم، إلا أن قومًا زعموا أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أوجب بعد ذلك الوتر؛ بقوله: " إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً، ألَا وَهِيَ الوَتْرُ ". وليس في الكتاب ذكر ولا دليل وجوبه؛ فتركنا الكلام فيها، لكن أبا حنيفة - رضي اللَّه عنه - سلك فيها مسلك المكتوبة؛ احتياطا. * * * قوله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ
(104)
بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ... (104) في الآية دلالة فرضية الجهاد؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - أخبر أنهم يألمون ويتوجعون بما يصيبهم من الجراحات كما تألمون أنتم وتتوجعون بها؛ فلو كان نفلا لكان يرفع عنهم الجهاد عند الألم والتوجع؛ على ما يرفع سائر النوافل عند الألم والتوجع؛ فدل أنه فرض، لكنه فرض كفاية، وفرض الكفاية يسقط بقيام البعض عن الباقين. وقد ذكرنا فيما تقدم الوجه فيه. وقوله - تعالى -: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ)، فمعناه - واللَّه أعلم - أي: لا عذر لكم في تألمكم أن تهنوا في ابتغائهم؛ (فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ) ولا أيضعفون في ذلك، و (وَتَرْجُونَ) أنتم العاقبة من الثواب الجزيل (مَا لَا يَرْجُونَ)، ثم هم لا يضعفون؛ فكيف تضعفون أنتم في ذلك؟! وكل أمر لا عاقبة له فهو عبث، وليس لأمرهم عاقبة؛ فهو عبث، ولأمركم عاقبة محمودة؛ فأنتم أولى في ذلك. ودل قوله: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) - على تأكد فرضية الجهاد؛ إذ لم ياذن لهم في التخلف عن ذلك، على ما فيه من التالم، وخوف هلاك النفس في ذلك، ثم بين ما يخفف لمثله بحمل المكروه على الطبع له، وقد يختار له مباشرة الأتعاب في النفس من عواقب تنقطع وتزول؛ فكيف فيما ألا انقطاع، له من رجاء الثواب بذلك التألم؟! واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا). بتألمكم، أي: عن علم بالتألم أمركم بذلك، لا عن جهل. وقد ذكرنا ذلك في غير موضع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ... (105) قوله: (بِالْحَقِّ) يتوجه وجوهًا: بحق اللَّه عليكم، أنزل إليك الكتاب. ويحتمل: بحق بعض على بعض أنزل إليك الكتاب؛ لتحكم بين الناس.
ويحتمل قوله: (بِالْحَقِّ)، أي: بالمحنة يمتحنهم بها؛ إذ في عقل كل أحد ذلك، وإهمال كل ذي لبٍّ لا يؤمر ولا ينهى - خروج عن الحكمة. أو أن يقال: (بِالْحَقِّ)، أي: بالعواقب؛ لتكون لهم العاقبة. وقوله - تعالى -: (بِالْحَقِّ) أي: بالحق الذي للَّهِ، أو لبعض على بعض، أو لأمر كانت، وهو البعث؛ لِيُعَدَّ له، ويتزودوا بالذي يحمد عليه فاعله؛ إذ الحق صفة لكل ما يحمد عليه فاعله، والباطل لما يذم. وقد يحتمل بالعدل والصدق على الأمر من التغيير والتبديل، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ). قيل: إن في الآية دلالة جواز الاجتهاد؛ لأنه قال: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) دل قوله (بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) أن ثمة معنى يدرك بالنظر والتأمل؛ لأنه لو كان يحكم بالكل بالكتاب، لكان لا معنى لقوله: (بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ). ولكن يقول له: لتحكم بين الناس بالكتاب؛ دل أنه يحكم بما يريه اللَّه بالتدبر فيه والتأمل، لكن اجتهاده كالنص؛ لأنه لا يخطئه؛ لأنه أخبر أنه يريه ذلك؛ فلا يحتمل أن يريه غير الصواب، وأما غيره من المجتهدين فيجوز أن يكون صوابًا، ويجوز أن يكون خطأ؛ لأنه لا ينكر أن يكون الشيطان هو الذي أراه ذلك فيكون خطأ؛ فلا يجوز أن يشهد عليه بالصواب ما لم يظهر، وأما اجتهاده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فهو كله يكون صوابًا؛ لأن اللَّه - تعالى - هو الذي أراه ذلك؛ فنشهد أنه صواب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) قال أكثر أهل التفسير: إنه هَمَّ أن يُقَوِّي سارقًا - يقال له: طُعْمَة - ويصدقه في قوله؛ فنزل قوله: (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)؛ فلو لم يقولوا ذلك كان أوفق وأحسن، فإن كان ما قالوا، فذلك لم يظهر منه الخيانة عنده؛ إذ ذكر في القصة أنه وجد السرقة في دار غيره. فلئن كان ذلك إنما كان لما ذكرنا. وأما النهي عن أن يكون للخاثنين خصيما: نهي وإن كان يعلم أنه لا يكون لما عصمه اللَّه؛ كقوله - تعالى -: (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْركِينَ)، (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)، إن كان عصمه من أن يكون منهم، والعصمة إنما تنفع إذا كان
(106)
ثمة أمر ونهي، فأما إذا لم يكن ثمة لا أمر ولا نهي فلا معنى للعصمة والتوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وقوله - تعالى -: (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ)، ليس هو قول الناس: نستغفر اللَّه، ولكن كأنه قال: كونوا على الحال التي تكون أعمالكم مكفرة للذنوب؛ ألا ترى إلى قول هود لقومه: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ. . .) الآية. وقال نوح - عليه السلام - لقومه: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. . .) الآية، لم يريدوا أن يقولوا: نستغفر اللَّه قولا حسب؛ ولكن أرادوا أن يكونوا على الحال التي تكون أعمالهم مكفرة لذنوبهم؛ لأنهم لو قالوا بلسانهم ألف مرة: نستغفر اللَّه، لكان لا ينفعهم ذلك؛ فعلى ذلك قوله: (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) وحقيقة الاستغفار وجهان: أحدهما: الانتهاء عما أوجب العقوبة؛ لقوله: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) وعلى ذلك معنى قول من ذكر. والثاني: طلب الستر بالعفو والتجاوز. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ... (107) هو ما ذكرنا أن العصمة لا تنفع؛ إذا لم يكن أمر ونهي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ): لا أحد يقصد قصد خيانة نفسه، ولكن لما رجع في العاقبة ضرر الخيانة إلى أنفسهم، صاروا كأنهم اختانوا أنفسهم كقوله: (وَمَا يَخْدَعُون إِلا أنفُسَهُم)، لا أحد يقصد قصد خداع نفسه؛ لكن لما رجع في العاقبة حاصل الخداع إليهم - صاروا كأنهم خدعوا أنفسهم؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم. قوله تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) يحتمل وجهين: يحتمل: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ)، أي: يحتشمون من الناس أن يعلموا بصنيعهم، ولا يحتشمون من اللَّه، على علم منهم أنه لا يخفى عليه شيء. ويحتمل: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ)، أي: يسترون سرهم من الناس.
وكذلك رُويَ في حرف حفصة: ولا يستترون من اللَّه، ولكن اللَّه يطلع الناس على ما يسرون. (وَهُوَ مَعَهُم)، أي: لايخفي عليه شيء. وقوله: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) - على وجهين: أحدهما: على نفي القدرة وإثباتها: أن لهم ذلك في الإخفاء من الناس، وليس لهم في الإخفاء عن اللَّه. والثاني: على قلة المبالاة: يعلم باطلاع اللَّه - تعالى - عليهم، وتركهم مراقبة اللَّه في الأمور، واجتهادهم في ذلك عن الخلق، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: (إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) يقول: من العمل والفرية على اليهودي، بالسرقة. وقيل: يبيتون: أي يؤلفون القول فيما بينهم، فيقولون: يأتي به النبي، فيقول له كذا وكذا؛ ليدفعوا عن صاحبهم الخيانة والتهمة، وهو طُعْمَة؛ على ما قيل في القصة: إنه سرق درع رجل فرماها في دار يهودي. وقيل: إنه خبأها في دار يهودي، فلما طلب منه حلف باللَّه أنه ما سرق. وقيل: التبييت: هو التقدير بالليل، وقد ذكرناه في قوله: (بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ. . .) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) هو على الوعيد؛ أي: عن علم منه يفعلون هذا، لا عن غفلة؛ كقوله - تعالى -: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)، لكنه يؤخره إلى يوم على علم منه ذلك، وعلى الإعلام أن اللَّه لم يزل عالمًا بما يكون منهم، وعلى ذلك امتحنهم، وباللَّه التوفيق.
(109)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... (109) قيل: يعني: أصحاب طعمة؛ أي: لو خاصمتم عنهم يا هَؤُلَاءِ في الدنيا (فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَ) أي: لا أحد يخاصم عنهم يوم القيامة. (أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) يخاصم عنهم يوم القيامة. وقيل: كفيلا، أي: في الدفع عنهم؛ كقوله - تعالى -: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ)، أي: في دفعها وإرادة أن يدحضوا بالباطل. وقيل: رقيبا. وقيل: كفيلا. والوكيل: هو القائم بحفظ الأمور، والقاضي للحوائج، والمزيح للعلل. * * * قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) هما سواء، أي: من عمل سوءًا فقد ظلم نفسه، ومن ظلم نفسه فقد عمل سوءا. ويحتمل ما قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: من يعمل سوءًا إلى الناس، أو يظلم نفسه فيما بينه وبين اللَّه. ثم روي عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: أرجى آية في القرآن هذه قوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ. . .) الآية. وروي عنه -أيضًا- قال: أربع آيات من كتاب اللَّه - تعالى - أحب إليَّ من حمر النعم وسُودِها -: قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا)، إِلَى آخره، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)،
(111)
وقوله - تعالى -: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ. . .) الآية، وقوله - تعالى -: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ. . .) الآية. وعن علقمة والأسود قالا: قال عبد اللَّه: إن في كتاب اللَّه لآيتين، ما أصاب عبد ذنبها فقرأهما، ثم استغفر اللَّه إلا غفر له: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ. . .) إلى آخر الآية، وقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ)، وقوله - تعالى -أيضًا-: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا) يحتمل كل واحد منهما أنه الآخر؛ كرر على التأكيد فيما جرى له الذكر. ويحتمل التفريق: أن يكون سوءًا إلى الناس وخطيئة إليهم، أو يظلم نفسه: بما يأثم بما بينه وبين اللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ ... (111) لأن حاصله يرجع إليه؛ فكأنه كسب على نفسه. وقوله: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ... (112) يحتمل: أن يكون قوله: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا) واحدًا: الخطيئة هي الإثم، والإثم هو الخطيئة. وقيل: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً) سرقته الدرع (أَوْ إِثْمًا): يقول بيمينه الكاذبة: أنه لم يسرقها، وإنما سرقها فلان اليهودي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا) قيل: لما طلب في داره رماها في دار اليهودي، ثم حلف باطلا وزورًا: أنه لم يسرقها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا). يقول: كذبا على آخر بما لم يفعل. والبهتان: هو أن يبهت الرجل الرجل كذبًا بما لم يفعل، (وَإِثْمًا مُبِينًا): بيمينه الكاذبة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ ... (113) قال أكثر أهل التأويل: نزلت هذه الآية في شأن طعمة الذي سرق درع جار له
بالذي سبق ذكره، وقالوا: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ)، أي: يخطئوك، وليس هو الإضلال في الدِّين، ولكن إن كان كما قالوا فهو تخطئة الحكم. ويحتمل قوله: (أَنْ يُضِلُّوكَ)، أي: يجهلوك في حكم السرقة. ويجوز أن يكون جاهلا في سرقته؛ لمَّا لم يدر أنه سرق، وكان يصدقه في الحكم أنه لم يسرق؛ لأنه إنما كان يعلم الأشياء بالوحي، ثم أعلم أنه قد سرق. ويحتمل: أن تكون الآية في الكفار كلهم؛ لأن الكفرة والمنافقين لم يزل كانوا يريدون أن يضلوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن الهدى، ويصرفوه عنه؛ كقوله - تعالى -: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً)، وكقوله - تعالى -: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا). ثم يحتمل قوله - تعالى -: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ)؛ حيث عصمك بالنبوة؛ وإلا لأضلوك عن سبيل اللَّه: الهدى، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ) أي: بالعصمة، (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا). والثاني: ولولا فضل اللَّه عليك ورحمته؛ حيث أعلمك بالحكم في ذلك، وبصّرك به بالوحي، وصرفك عن تصديق ذلك الخائن، إن ثبت ما قالوا؛ وإلا لهموا أن يخطئوك ويجهلوك فيه. ثم في الآية نقض قول المعتزلة؛ لأنه مَنَّ على رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه عصمه، وهم يقولون: كان عليه أن يعصمه، وهو كان يستحق ذلك قبله. فلو كان عليه ذلك لم يكن للامتنان عليه بذلك معنى؛ إذ فعلَ ما كان عليه أن يفعل؛ على زعمهم، ومن فعل فعلا عليه ذلك - لم يقل إنه تفضَّلَ؛ دل أنه ليس كما قالوا، وباللَّه التوفيق والعصمة. وقوله -أيضًا-: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) يخرج على وجهين: أحدهما: يكفهم عما هموا. والثاني: يعصمه عما راموا فيه أن يظفروا منه بعد أن أظهروا ما طلبوا. وقوله: (يُضِلُّوكَ): يجهلوك الحكم بالتلبيس وأنواع التمويه يرجع ذلك إلى نازلة.
(114)
والثاني: أن يكون بالإضلال عن السبيل والحيل في الصرف عن الحق، وهذا هو الذي لم يزل أعداء اللَّه يقصدون برسول اللَّه وبجميع أهل الخير؛ فكفهم بوجهين، يتوجه كل وجه إلى وجهين: أحدهما: ظواهر الأسباب من الوحي والآيات، وكذا في كفهم مرة بالقتال والأسباب الظاهرة، ومرة باللطف والعصمة، وسمى ذلك فضلا ورحمة؛ ليعرف أن ذلك فضله لا حقًّا قبله؛ إذ ليس بذل الحقوق يُعَد في الفضائل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) لا أحد يقصد قصد إضلال نفسه؛ لكن لما رجع حاصل ذلك الإضلال إلى أنفسهم كأنهم أضلوا أنفسهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ). أمَّن رسوله عن ضرر أُولَئِكَ؛ كقوله - تعالى -: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) قد ذكرناه في غير موضع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) من الحلال والحرام والأحكام كلها، وغير ذلك؛ كقوله: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ)، فهو كذلك كان. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) فيما علمك من الأحكام، وعصمك بالنبوة والرسالة، وصرف عنك ضرر الأعداء واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ). اختلف في النجوى:
(115)
قيل: النجوى: القوم؛ كقوله: (وَإِذْ هُمْ نَجْوَى)، أي: رجال. وقيل: النجوى: هي الإسرار؛ كقوله: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ. . .) الآية. ثم استثنى: (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ. . .) الآية. فإن كان التأويل من النجوى هو فعل النجوى خاصة، فكأنه قال: لا خير في كثير من نجواهم إلا الأمر بالصدقة، والأمر بالمعروف، والإصلاح بين الناس. وإن كان تأويل النجوى هو القوم، فكأنه قال: واللَّه أعلم: " لاخير في كثير منهم إلى من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس؛ وكان هذا أقرب. ومعنى الثنيا من الكثير فيما يرجع إلى القوم؛ فكأنه قال: لا خير في كثير منهم إلا من يرجع أمره إلى ما ذكر؛ فيصير إلى خير. وقد يحتمل: أن قومًا منهم يرجع نجواهم إلى خير، وهم أقلهم، ومن الفعل، على أن الفعل ربما يكون فعل خير، وإن كانوا أهل النفاق والكفر، لكن بين أنه غير مقبول إلا أن يبتغي به مرضاة اللَّه، وذلك لا يكون إلا أن يؤمنوا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ... (115) قيل: لما تبين خيانته لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - استحيا أن يقيم بالمدينة؛ فارتد، ولحق بمكة كافرًا؛ فنزل قوله - تعالى -: (وَمَن يشَاقِقِ الرَّسُولَ) يقول: يخالف الرسول (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ). وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى)، يقول: من بعد ما كان كافرًا تبين له الإسلام وأسلم. وقال: لما أبان أمر طُعْمَة، وعلم أنه سرق الدرع - أنزل اللَّه - تعالى -: (وَالسَّارِقُ
(116)
وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)؛ قيل له: يا طعمة، إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قاطِعُك؛ فخرج هاربًا إلى مكة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) يعني: غير دين المؤمنين. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " ويسلك غير سبيل المؤمنين ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) أي: نتركه وما تولى من ولاية الشيطان. وقيل: ندعه وما اختار من الدِّين غير دين المؤمنين. (وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ)، أي: ندخله جهنم في الآخرة. وقيل: قوله: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى)، أي: نوله في الآخرة ما تولى في الدنيا. (وَسَاءَتْ مَصِيرًا) يقول: بئس المصير صار إليه. وقوله - تعالى -: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) أنه تولى الشيطان؛ فجعله اللَّه وليًّا؛ كقوله - تعالى -: (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا)، وغير ذلك، ويكون نخذله فيما اختاره، ونكون نجزه جزاء توليه، ويكون بخلق توليه منه جورًا باطلا، مهلكًا له، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) وقوله - عزَّ وجلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ. . .) الآية. في الآية دليل ألا يصير بكل ذنب مشركًا؛ على ما قاله الخوارج لما قسم الكتاب، ولا
يحتمل إضمار التوبة؛ لأن الشرك مما: يُغفر بالتوبة؛ فبطل قولهم. وفيه بطلان قول من يبطل المغفرة في الكبائر بلا توبة؛ لأن اللَّه - تعالى - جعل لنفسه مشيئة المغفرة، وذلك فيما في الحكمة دفعه سفه؛ فلزم الذي ذكرنا الفريقين جميعًا. ثم الذي ينقض قول الخوارج الذين يكفرون بارتكاب الصغائر - ما بلى بها الأنبياء والأولياء؛ وما يكفر صاحبه - يُسقط النبوة والولاية، ومن كان وصف إيمانه بالأنبياء - عليهم السلام - هذا؛ فهو كافر بهم. وعلى المعتزلة في ذلك أن اللَّه وصف الأنبياء - عليهم السلام - بالدعاء له تضرعًا وخيفة، وخوفًا وطمعًا، وبكائهم على ما كان منهم من الزلات وتضرعهم إليه؛ حتى أجيبوا في دعائهم، ولو لم يكن ذنوبهم بحيث يحتمل التعذيب عليها في الحكمة، لكان في ذلك تعدى الحد والوصف بالجور والتعوذ به، وذلك أعظم من الزلات. فهذا ينقض قول المعتزلة في إثبات المغفرة في الصغائر، وإخراج فعل التعذيب عن الحكمة، وقول الخوارج بإزالة اسم الإيمان بها، ولا عصمة إلا باللَّه. ثم قوله: (لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) - يحتمل: الشرك في الاعتقاد، وهو أن يشرك غيره في ربوبيته وألوهيته، وبين أن يشرك غيره في عبادته؛ ألا ترى أنه قال: - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، ثم قال اللَّه - تعالى - في آخره: (وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا): جعل الإشراك في الألوهية والربوبية، والإشراكَ في العبادة واحدًا؛ كله شرك باللَّه، وباللَّه التوفيق. ثم قوله: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) لا يحتمل ما قالت المعتزلة: إنه وعد المغفرة فيما يشاء، ثم بين ذلك في الصغائر بقوله - تعالى -: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)، وقد ثبت الوعيد في الكبائر؛ بقي الوعد بحقه لم يزل بالذي ذكر لاحتماله. وقيل: قوله: (لِمَنْ يَشَاءُ) كناية عن الأنفس المغفورات، لا عن الآثام والأجرام التي تغفر، لم يجز صرف التخصيص إلى الآثام بالآية المكنى بها عن الأنفس؛ لأنه لم يقل: ما شاء، ولكن قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِمَنْ يَشَاءُ)؛ فذلك كناية عن الأنفس. وفي آيات الوعيد تحقيق في الذين جاء بهم، وفيما جاء على ما قيل: لا صرف في
(117)
ذلك؛ فهو أولى. وبعد: فإنه قال: (لِمَنْ يَشَاءُ)، والصغائر عندهم مغفورة بالحكمة لا بالوعد، والآية في التعريف، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا ... (117) عن الحسن قال: الإناث: الأموات التي لا روح فيها وكذلك روي عن ابن عباس، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقيل قوله - تعالى -: (إِلَّا إِنَاثًا): هم الملائكة؛ لأنهم يقولون: الملائكة بنات اللَّه في السماء؛ فعبدوها؛ فإنهم إنما عبدوا الإناث عندهم وفي زعمهم. وقيل: إناثًا من الوثن؛ وكذلك روي في حرف عائشة - رضي اللَّه عنها - أنها كانت تقرأ: " إن يدعون من دونه إلا أوثانا "، وهو الصنم؛ سمي إناثًا لما صوروها بصور الإناث، وحلَّوْها، وقلدوها قلائد، وزينوها بزيهم، ثم يعبدونها لم يعبدوها على ما كان في الأصل؛ فسمي بذلك. وقيل، سمي إناثًا؛ لأنهم كانوا يسمون ما يعبدون من الأصنام والأوثان: اللات، والعزى، ومناة؛ فأسماؤهن أسماء إناث، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا): أخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنهم وإن كانوا يفرون من الشيطان ويأنفونه - فإنهم بعبادتهم
(118)
الأصنام؛ والأوثان يعبدون الشيطان؛ لأن الشيطان هو الذي يدعوهم إلى عبادتهم الأصنام؛ فكأنهم عبدوه؛ ألا ترى أن إبراهيم - عليه السلام - قال: (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ): جعل عبادة الصنم عبادة للشيطان؛ حيث قال له: (لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ)؛ فدل أن عبادتهم الأوثان عبادة للشيطان، وباللَّه العصمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَرِيدًا)، قال ابن عَبَّاسٍ: المريد: هو العاتي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَعَنَهُ اللَّهُ ... (118) اللعنة: هي الإبعاد من رحمة اللَّه، فسمي: ملعونًا؛ لأنه مبعد من رحمة اللَّه، مطرود منها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا). إنه - لعنه اللَّه - وإن قطع القول فيه: لأتخذن من كذا، قطعا - فهو ظن في الحقيقة؛ ألا ترى أنه قال - تعالى - في آية أخرى: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ)؛ دل أن ما قاله، قاله ظنًّا، لكنه خرج مقطوعًا محققًا، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَصِيبًا مَفْرُوضًا)، أي: مبينا معلومًا، والنصيب المفروض هو ما ذكر: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ. . . إلى آخر ما ذكر (مَفْرُوضًا)، أي: مبينًا: من يطيعه ومن لا يطيعه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ... (119) قيل: هذا إخبار عن اللَّه - تعالى - عبادَهُ عن صنيع اللعين؛ ليكونوا على حذر منه. ثم قوله: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ) - ليس على حقيقة الإضلال؛ لأنه لا يقدر أن يضل أحدًا، لكنه يدعو إلى الضلال ويزين عليهم طريقه، ويلبس عليهم طريق الهدى؛ فذلك معنى إضافة الإضلال إليه؛ وإلا لم يملك إضلال أحد في الحقيقة؛ كقوله - تعالى -: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ. . .) الآية. ثم إذا ضلوا بدعائه إلى ذلك وتزيينه عليهم سبيله - يمنيهم عند ذلك؛ حتى يتمنوا أشياء؛ كقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ. . .) الآية، وكقوله - تعالى -
(وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ)، ونحو ذلك من الأماني، وذلك مما يمنيهم الشيطان، لعنة اللَّه عليه. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ)، يعني: عن الدِّين، (وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) أن يصيبوا خيرًا لا محالة؛ ليأمنوا. وفي حرف ابن مسعود: " ولأعدنهم ولأمنينهم ولأحرمنَّ عليهم الأنعام ولآمرنهم فليبدلن خلقك ولآمرنهم فليبتكن ". وقوله: (فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ) فجعلوها نحرًا للأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) يحتمل هذا وجهين، سوى ما قال أهل التأويل: أحدهما: أن اللَّه - تعالى - خلق هذا الخلق؛ ليأمرهم بالتوحيد، وليجعلوا عبادتهم له، لا يعبدون دون اللَّه غيره؛ كقوله - تعالى -: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ. . .) الآية؛ فهو دعاهم أن يجعلوا عبادتهم لغير اللَّه، وهو ما قيل في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)، قيل: لدين اللَّه؛ فعلى ذلك يحتمل قوله: (فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ)، أي: عن الذي كان خَفقُهُ إياهم لذلك، واللَّه أعلم. والثاني: أنه - عَزَّ وَجَلَّ - خلق الأنعام والبهائم لمنافعهم، وسخرها لهم، فهم حرَّموها على أنفسهم، وجعلوها للأوثان والأصنام: كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام؛ منعوا منافعها التي خلقها لهم عن أنفسهم، وذلك تغيير ما خلق اللَّه لهم، واللَّه - تعالى - أعلم. وأما أهل التأويل فإنهم قالوا غير الذي ذكرنا: قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ): الإخصاء، وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رضي اللَّه عنه. وقال آخرون: هو دين اللَّه.
(120)
وروي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال -أيضًا-: دين اللَّه. وقيل: هو ما جاء من النهي عن الواشرة، والنامصة، والمتفلجة، والواصلة، والواشمة. ولا يحتمل أن يكون خطر بباله يومئذ أنه أراد بتغيير خلق اللَّه ما قالوا من الإخصاء، أو المثلة، والواشرة، والنامصة؛ لأنه إنما قال ذلك يوم طلب من ربه النظِرة إلى يوم البعث، ولا يحتمل أن يكون له علم ألا يحل هذا أو النهي عن مثله؛ إذ قد يجوز أن ترد الشريعة في مثله؛ لذلك بعد هذا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ). أي: يطيعه ويجيبه إلى ما دعاه، ويعبده دون اللَّه. (فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينً). في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا فذهاب المنافع عنهم التي جعلوها للأصنام والأوثان، وفي الآخرة العقوبة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَعِدُهُمْ ... (120) إما فقرًا وإما سعة
(121)
(وَيُمَنِّيهِمْ) هو ما ذكرنا من الأماني وقضاء الشهوات في الدنيا (وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) والغرور: هو أن يرى شيئًا يظهر خلافه. (أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121) الآية ظاهرة، قيل: مفرَّا، وقيل: ملجأ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ... (122) قد ذكرنا هذا فيما تقدم: أن الإيمان هو التصديق، والأعمال الصالحات غير التصديق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) تأويل هذا - واللَّه أعلم - أن يقال: إنكم ممن تقبلون الأخبار والقول من الناس، ثم لا أحد أصدق قولاً من اللَّه - تعالى - ولا أنجز وعدا منه؛ كيف لا تقبلون قوله وخبره أنه بَعْثٌ، وجنة، ونار، وتكذبون قول إبليس أن لا جنة، ولا نار، ولا بعث؟!. * * * قوله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أن الأمر ليس بالأماني؛ ولكن إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فهو - واللَّه أعلم - يحتمل أن يكون في المنزلة والقدر عند اللَّه؛ لأنهم قالوا: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، وقالوا: (قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)، وغير ذلك من الأماني. وأهل التأويل يذهبون إلى غير هذا، وقالوا: إن كل فريق منهم كانوا يقولون: إن ديننا خير من دينكم، ونحن أفضل من هَؤُلَاءِ؛ فنزل: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ). وذلك بعيد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) اختلف فيه؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله - تعالى -: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)، يعني: [شِرْكًا] يجز به؛ يدل على ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا
(124)
وَلَا نَصِيرًا)، وذلك وصف الكافر ألا يكون له ولى يتولى حفظه، ولا نصير ينصره؛ ألا ترى أنه قال: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ)؛ ذكر الذين يعملون الصالحات - وهم مؤمنون - أن يدخلوا الجنة؛ فهذا -أيضًا- يدل أن قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) أراد به الشرك. وقال آخرون: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)، أي: كل سوء يدخل فيه المسلم والكافر؛ ألا ترى أنه رُوي عن أبي بكر الصديق - رضي اللَّه عنه - لما نزلت هذه الآية، قال: يا رسول اللَّه، كيف الفلاح بعد هذا وكل شيء عملناه جزينا به؟! قال: " غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ! أَلَستَ تَحْزَنُ؟ أَلَستَ تَنْصَبُ؟ ألَستَ تَمْرَضُ؟ أَلَستَ يُصَيبُكَ الْأَذَى؟ فَهَذَا مَا تُجْزَوْنَ بِهِ، يُجْزَى بِهِ الْمُؤْمِنُ فِي الدنْيَا، وَالكَافِرُ فِي الْآخِرَةِ "، فإن كان التأويل هذا؛ فقوله: (وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا): هو في الكافر؛ أي: لا يجد له وليا ولا نصيرا إذا لم يرجع عن كفره ومات عليه، وأما إذا رجع عن ذلك، وتاب، ومات على الإيمان؛ فإنه يجد له وليا ونصيرا: ينصره اللَّه - تعالى - وباللَّه التوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ... (124) في الآية دليل أن الأعمال الصالحات غير الإيمان؛ لأنه قال - تعالى -: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ. . . وَهُوَ مُؤْمِنٌ)، ولو كان إيمانًا؛ فيصير كأنه قال: ومن يعمل الإيمان وهو مؤمن؛ فدل - بما ذكرنا - أنها غير الإيمان، وفيه دلالة -أيضًا- أن الأعمال الصالحة إنما تنفع إذا كان ثمة إيمان؛ لأنه شرط فيه الإيمان بقوله - تعالى -: (وَهُوَُ مُؤْمِنٌ)؛ دل أن الأعمال الصالحة لا تنفع إذا لم يكن ثمة إيمان، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) قد ذكرناه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ... (125) يحتمل وجهين:
يحتمل من أحسن دينا من المسلمين ممن يعمل جميع عمله موافقا لدينه - ممن لم يعمل؟! بل الذي عمل بجميع عمله موافقا لدينه - أحسن دينا من الذي لم يعملِ شيئا، وهو كما روي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه، قال: " لَوْ وُزنَ إِيمَانُ أبِي بَكْرٍ الصديقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِإيمان جميع أمتي، لرجح إيمانه " وقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " قويٌّ في دينه، ضعيفٌ في بدنه "؛ ألا ترى أنه خرج لمقاتلة أهل الردة وحده؟! وذلك لقوته في الدِّين وصلابته فيه، لا لزيادة الإيمان، ولا لنقصان إيمان في غيره، واللَّه أعلم. والثاني: مقابلة سائر الأديان، أي: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله - ممن لم يسلم وجهه لله. . . إلى آخر ما ذكر، واللَّه أعلم. ثم قوله - تعالى -: (أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ)، عن الحسن قال: أسلم جميع جهة أمره إلى اللَّه، أي: جميع ما يعمل إنما يعمل للَّهِ، لا يعمل لغير [اللَّه]. وقيل: (أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ)، أي: أخلص نفسه لله، ولا يجعل لأحد فيها شركا؛ كقوله - تعالى -: (وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ)، الآية، أي: يسلم نفسه له، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ مُحْسِنٌ) - يحتمل وجهين: يحتمل: قوله: (وَهُوَ مُحْسِنٌ): يحسن ما يعمل، أي: جميع ما يعمل؛ لعلمٍ له فيه. ويحتمل قوله: (وَهُوَ مُحْسِنٌ): من الإحسان، وهو أن يزيد العمل على المفروض عليه: يؤدي المفروض عليه، ويزيد على ذلك أيضًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) الملة: قيل: هي الدِّين. وقيل: الملة: السنة، وكأن السنة أقرب؛ لأن دين الأنبياء - صلى اللَّه عليهم وسلم - كلهم واحد، لا يختلف دين إبراهيم - عليه السلام - ودين غيره من الأنبياء، عليهم السلام.
وأما السنن والشرائع فيجوز أن تختلف؛ ألا تري أنه رُويَ في الخبر: " ملة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وفي بعضها: " سنة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: جعل السنة تفسير الملة؛ فالملة بالسنة أشبه. ثم خص ملة إبراهيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لأن سننه كانت توافق سنن نبينا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَنِيفًا) قيل: مخلصًا. وقيل: سمي حنيفًا، أي: مائلا إلى الحق؛ ولذلك سمي الأحنف: أحنفًا؛ لميل أحد قدميه إلى الأخرى، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) ذكر في بعض الأخبار أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أوحى إلى إبراهيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أن لي خليلا في الأرض؛ فقال: يا رب، من هو؟ قال: فأوحى اللَّه - تعالى - إليه: لِمَ؟ أي: لم تسألني عنه؟ قال: حتى أحبه وأتخذه خليلا كما اتخذته خليلا، أو كلام نحو هذا؛ فقال: أنت يا إبراهيم. وأصل الخلة: المنزلة، والرفعة، والكرامة، يقول: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)، أي: جعل له عنده منزلة وكرامة لم يجعل مثلها لأحد من الخلائق؛ لما ابتلاه اللَّه ببلايا، وامتحنه بمحن لم يبتل أحدًا بمثلها، فصبر عليها، من ذلك: ما أُلقي في النار، فصبر، ولم يستعن بأحد سواه، وما ابتلي بذبح ولده، فأضجعه، وما أمر أن يترك أهله وولده الطفل في جبال مكة: لا ماء هنالك، ولا زرع، ولا نبات؛ ففعل، ومن ذلك أمر المهاجرة. . . مما يكثر ذلك؛ فجائز تخصيصه بالخلة لذلك، واللَّه أعلم. وجائز أن يكون ذلك كرامة أكرمه اللَّه بها؛ لأن أهل الأديان كلهم ينتسبون إليه، ويدَّعون أنهم على دينه، وعلى ذلك يخرج قوله: " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ
مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ. قيل: خص هو بهذين الوجهين اللذين ذكرتهما في الخلة. وقيل: إنه اتخذه خليلا؛ لأنه كان يعطي ولا يأخذ، وكان يحب الضيف، وكان لا يأكل وحده وإن بقي طويلا، واللَّه أعلم بذلك. وأصل الخلة ما ذكرنا من الكرامة والمنزلة؛ لأن من يحب آخر يبره ويكرمه، ومن لا يحبه يعادهِ، ويظهر له الجفاء، ولا قوة إلا باللَّه. واختلف في المعنى الذي وصف إبراهيم - عليه السلام - بالخلة أنه خليل اللَّه: فقد قيل: بما سخت نفسه في بذل كل لذة من لذات الدنيا لله، وله تَبَوِّء في مكان إتيان الأضياف وأبناء السبيل، وكان لا يأكل وحده، وكانت عادته التقديم بكل ما يتهيأ له عند نزول الأضياف عليه، والابتداء بذلك قبل كل أمر، والقيام للأضياف مع عظم منزلته؛ أيد ذلك أمر الملائكة الذين جاءوه بالبشارة، واللَّه أعلم. وقيل: إنما امتحنه اللَّه بأمور فصبر عليها؛ نحو النار أُلقى فيها لله، وذبح الولد، والهجرة مرتين، وبذل الأهل والولد للَّهِ، حيث لا ضرع، ولا زرع، ولا ماء، وغير ذلك مما أكرمه اللَّه - تعالى - بالثناء عليه: بوفاء ما امتحن، وإتمام ما ابتلي من قوله: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)، وفي قوله - تعالى -: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ). ويحاج فرعونه وجميع قومه، ويجادلهم فيمن يعبدونهم، فغلبهم، وألزمهم حجة اللَّه، وغير ذلك من وجوه المحن. وقيل: بما به كان بدء البيت الذي جعله اللَّه قيامًا للناس، ومأمنًا للخلق، ومثابًا لهم ومنسكًا؛ فعظم شأنه فيما بالخلق إليه حاجته في أمر الدِّين؛ وعلى ذلك أكرمه اللَّه - تعالى - بميل القلوب إليه، وإظهار التدين بدينه من جميع أصناف أهل الأديان، واللَّه
أعلم. وقيل: إنما هو: لله خصائص في أهل الخيرة من الرسل وأولي العزم منهم: اختصهم بأسماء عرفن في الفضائل والكرامات، نحو القول بكليم اللَّه، وروح اللَّه، وذبيح اللَّه، وحبيب اللَّه؛ فعلى ذلك كان لإبراهيم - عليه السلام - خصوصية في الاسم؛ فسماه الله خليلا؛ فنحن نقول - وباللَّه التوفيق -: ونحن نعلم بأن اللَّه - تعالى - لا يسميه بالذي ذكر عبثًا باطلا؛ ولكنه سماه به تعظيمًا لقدره، وإظهارًا لكرامته، وبيانًا لمنزلته عنده لما شاء من الوجوه التي لعلها لم يطلع عليها من الخلق، ولا يحتمل أن يدرك ذلك إلا بالوحي؛ فحق ذلك علينا تعظيمه ومعرفته بالذي اختصه اللَّه واصطفاه، دون تكلف المعنى الذي له كان ذلك، مع ما لا وجه ولا معنى صار حقيق ذلك وأكرم به، إلا بمعنى أكرمه اللَّه وأكرمه بفضل اللَّه ورحمته؛ فلله أن يبتدئه بالخلة ثم يكرمه بأنواع الكرامات التي هي آثار الخلة، وأن يكرمه بأنواع الكرامات التي لديها تقع كرامات الخلة ويصلح، ولله المنُّ في ذلك والفضل، وعلينا الحمد لله والشكر؛ بما أكرمنا من معرفة كرام خلقه، وجعل قلوبنا عامرة بمودتهم حتى صاروا - بفضل اللَّه ورحمته - أحب إلينا من أمسِّ الخلق بنا، بل من أنفسنا، ولا قوة إلا باللَّه. ثم ليس للنصارى ادعاء البنوة للَّهِ من حيث الكرامة على الاعتبار بالخلة؛ لأن اللَّه - سبحانه وتعالى - عظم أمر الأولاد حتى جعله كالشرك، ولا كذلك أمر الخلة، ولأن أمر الأولاد حقه المجانسة، والخلة حقه الموافقة. ثم أصل الأولاد: الشهوة والحاجة، والخلة: الطاعة والتعظيم، مما يرجع أحد الوجهين إلى شهوة الولد وحاجته، والآخر إلى تعظيم يكون من ذلك العبد وتبجيله والطاعة له والخضوع. ثم الأصل: أن المعنى الذي تقتضيه الخلة قد يجوز أن يظفر كلٌّ بالطاعة، وإن كان الاسم له في حق النهاية؛ نحو قوله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ. . .) الآية وقوله - تعالى -: (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)، والمحبة قريبة من الخلة، ومحال أن يحق معنى الأولاد والبنوة بشيء من الطاعة؛ لذلك اختلف الأمران، واللَّه أعلم.
(126)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (126) تأويل هذه الآية - واللَّه أعلم - أنه وإن أكرمهم وأعظم منزلتهم عنده وأعلاها - فإنهم لم يأنفوا عن عبادته، ولم يخرجوا أنفسهم من أن يكونوا عبيدًا؛ بل كلما ازداد لهم عند اللَّه - واللَّه أعلم - منزلة وقدر - كانوا أخضع له وأطوع؛ كقوله - تعالى -: (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)، وفي موضع آخر: (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ. . .) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) أي: أحاط بكل شيء علمه، وهو يخرج على الوعيد، أي: عن علم منه خلقهم لا عن جهل بصنيعهم كملوك الأرض، وباللَّه التوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - أيضًا: (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) وبصيرًا، وعليما، ونحو ذلك، يخرج على التوعيد والتخويف؛ ليكونوا مراقبين له، حذرين؛ كمن يعلم في الأمور أن عليه رقيبًا، واللَّه أعلم. ويخرج على الابتلاء: أنه أمر من يكتب الأعمال لا للخفاء عليه، لكن بما إذ لا يمتحن لحاجة به؛ ولكن لمصلحة عباده، فيمتحن بما شاء، فامتحن أُولَئِكَ الكتبة بما يكونون أبدًا متيقنين ناظرين، لا يغفلون عن ذلك؛ طاعة منهم لله. والثاني: أن يكون العلم بمن يكتب عليه كل أمره -فيما جُبل عليه البشر- أذكر له وأشد في التنبيه؛ فجرى حكم اللَّه في ذلك؛ إذ أمر المحنة موضوع على المصلحة، وذلك أبلغ في الوجود، واللَّه أعلم. ويخرج على أن اللَّه - تعالى - كان بذلك محيطًا؛ ليعلموا أنهم لا يتركون سُدى، بل يحصى عليهم للجزاء، واللَّه أعلم. وجملة ذلك: أن اللَّه - تعالى - قال كان كذا؛ ليعلم أنه لا عن جهل خلق الخلق وبعث الرسل، وأنشأ الآيات، مما عليه أمر الخلق أنهم كيف يعاملون من ذكرت، وذلك خارج على حد الحكمة، وإن كان لا يعرفون في بعث الرسل إلى من يكذبهم، ولا تقوية الأعداء على ما به قهر الأولياء، ولا الأمر والنهي لمن يعلم أنه لا يأتمر ولا ينتهي - كبيرَ حكمة، وبما كان ذلك من اللَّه فهو خارج على حد الحكمة؛ إذ ذلك كله من الخلق يقع لحاجة أو
(127)
لمنفعة ترجع إليهم؛ فإذا ناقض .. خرج الفعل من الحكمة. فأما اللَّه - سبحانه وتعالى - يمتحن عباده، ويبعث الرسل - عليهم السلام - لحاجة بالمبعوث إليهم وبالممتحنين، ولمنافع ترجع إليهم؛ فيكون ذلك منه كهدايا؛ فمن لا يقبلها فنفسه يضر ولحقها يبخس، لا أن يرجع إليه ذلك؛ فزال ذلك المعنى الذي له خرج الفعل من الخلق عن حد الحكمة؛ فلزم القول بموافقة الحكمة والمصلحة، ولا قوة إلا باللَّه. * * * قوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ. . .) الآية. ذكر الاستفتاء في النساء، وليس فيه بيان عما وقع به السؤال؛ إذ قد يجوز أن يكون في الجواب بيان المراد في السؤال، وإن لم يكن في السؤال بيان؛ نحو قوله - تعالى -: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ)؛ دل الأمر باعتزال النساء في المحيض - على أن السؤال عن المحيض إنما كان عن الاعتزال، وإن لم يكن في السؤال بيان المراد؛ وكذلك قوله - تعالى -: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ. . .) الآية؛ دل قوله: (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ) وعلى أن - السؤال إنما كان عن مخالطة اليتامى، وكقوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)؛ دل قوله: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) وعلى أن السؤال عن الخمر والميسر - ما ذكر في الجواب من الإثم، وإن لم يكن في السؤال بيان ذلك. ثم قوله - تعالى -: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) ليس في السؤال ولا في الجواب بيان ما وقع به السؤال؛ فيحتمل أن يكون السؤال في أمورهن جميعًا: في الميراث وغير ذلك من الحقوق، ثم ذكر واحدًا فواحدًا؛ كقوله - تعالى -: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ)، كقوله: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا
وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) الآية، هذا في الميراث. وأما في الحقوق فقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ). ويحتمل غيرها من الحقوق سوى حقوق النكاح، فترك البيان في الجواب؛ لما ذكر واحدًا فواحدًا في غيرها من الآي؛ إذ الجواب خرج مخرج العدة أنه يفعل بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُفتِيكُمْ)، وقد فعل هذا، واللَّه أعلم. ويحتمل غير هذا: وهو أن يترك البيان في السؤال والجواب؛ لنوازل يعرفها أهلها، لم يحتج إلى بيان ما وقع به السؤال؛ لمعرفة أهلها به. ويحتمل ما قاله أهل التأويل: وهو أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار من الأولاد؛ وإنما كانوا يورثون المقاتلة من الرجال والذين يحرزون الغنائم، فلما بين اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - للنساء وللصغار نصيبًا في الأموال، وفرض لهم حقًّا، سألوا عند ذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك؛ فأنزل اللَّه - تعالى -: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ)، وكذلك روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - وذكر القصة هكذا، واللَّه أعلم. ويحتمل: أن يكون السؤال وقع عن يتامى النساء؛ ألا ترى أنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) الآية. قيل: كانت اليتيمة في حجر الرجل ذات مال؛ يرغب عن أن يتزوجها لدمامتهما، ويمنعها عن الأزواج؛ رغبة في مالها، وهكذا روي عن عائشة، رضي اللَّه عنها. وعلى ذلك يخرج قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ. . .) الآية. وقوله: (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ) هذا - واللَّه أعلم - كأنه معطوف، على قوله: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ)، والمستضعضون من الولدان، على ما ذكرنا من الميراث والحقوق. (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ) في إبقاء حقوقهم وأداء ما لهم عليكم.
(128)
(وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) فيجزيكم به، أو كان به عليما: من يفعل الخير ومن لا يفعل الخير، واللَّه أعلم. وعن الحسن في قوله: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ)، أي: ترغبون عن نكاحهن. وعن ابن سيرين: لا يرغب في نكاحها؛ لدمامتها، ولا يزوجها غيره؛ رغبة في مالها. وعلى ذلك يخرج قوله - تعالى -: (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ. . .) الآية، وقوله - تعالى -: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى. . .) الآية. وني قوله - تعالى -: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) دلالة أن للولي أن يزوج اليتيمة الصغيرة؛ لأنه لو لم يكن له ذلك - لم يكن للعتاب على ترك تزويجهن من غيرهم معنى. فَإِنْ قِيلَ: اسم اليتيم يقع على الصغيرة والكبيرة جميعًا؛ فلعل المراد من اليتيمة: الكبيرة هاهنا، قيل: هو كذلك، غير أن الغالب يقع على الصغائر منهن، واللَّه أعلم. وفيه دلالة؛ أن الكاح قد يقوم بالواحد؛ لأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ)؛ فلو لم يكن له أن يتزوجها - لم يكن لهذا العتاب معنى؛ دل أن له أن ينكح. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا ... ) قيل: خافت، أي: علمت من بعلها نشوزا. وقيل: الخوف - هاهنا - خوف لا غير، فمن قال بالخوف فهو حمل على أن يظهر لها منه جفاء؛ يجفوها لدمامتها أو لكبرها، ويسيء صحبتها؛ لترضى بالفراق عنه؛ ليتزوج غيرها، وهو الخوف حقيقة. وهكذا روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: [إنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ خشيت أن يطلقها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فجعلت يومها لعائشة - رضي اللَّه عنها - فأنزل اللَّه - تعالى] (¬1): (وَإنِ ¬
امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا. . .) الآية. ثم قال: فهذا الصلح الذي أمر اللَّه. فجعل الخوف - هاهنا - خشية. وعن عائشة - رضي اللَّه عنها - أنها قالت: هي المرأة تكون عند الرجل دميمة، ولا يحبها زوجها؛ فتقول: لا تطلقني، وأنت في حِلٍّ من شأني. وقيل: (خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا) أي: علمت، والعلم هو أن يكون للرجل امرأتان: إحداهما كبيرة أو دميمة، والأخرى شابة، يميل قلبه إلى الشابة منهما، ويكره صحبة الكبيرة منهما، ويستثقل المقام معها، وأراد فراقها؛ فتقول: لا تفارقني، واجعل أيامي لضرتي، أو يصالحها على أن يكون عند الشابة أكثر من عند الكبيرة، وهو ما روي عن عائشة - رضي اللَّه عنها - أنها قالت: هي المرأة تكون عند الرجل دميمة، ولا يحبها أزوجها؛ فتقول: لا تطلقني، وأنت في حِلٍّ من شأني. فالخوف هو ما يظهر لها من نشوزه قبل تزوج أخرى - بأعلام، والعلم هو ما يظهر من ترك مضاجعته إياها، وسوء صحبته معها. وعلى هذين الوجهين رُوي عن الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - عن بعضهم: يكون عند الرجل امرأتان: إحداهما كبيرة، والأخرى شابة؛ فيؤثر الشابة على الكبيرة؛ فيجري بينهما صلح على أن يمسكها ولا يفارقها على الرضا منها بإبطال حقها أو بدونه، وهو ما روينا من خبر ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن سودة - رضي اللَّه عنها - جعلت أيامها لعائشة - رضي اللَّه عنها - خشية أن يفارقها. وكذلك رُوي عن عمر، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أتاه رجل يستفتيه في امرأة خافت من بعلها نشوزًا؛ قال: هي المرأة تكون عند الرجل؛ فتنبو عيناه من دمامتها أو كبرها، أو فقرها، أو سوء خلقها؛ فيكون فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئًا حل له، وإن جعلت من أيامها شيئًا لغيرها فلا حرج.
دلت هذه الأحاديث التي ذكرنا على أن الرجل إذا كان له نسوة أن يسوي بينهن، فيقيم عند كل واحدة يومًا، إلا أن يصطلحا على غير ذلك، والصلح خير، كما قال اللَّه، عز وجل. وبين قوله: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ ... ) أن على الرجل -وإن عدل بين نسائه في قسمة الأيام- ألا يخلي إحداهن من الوطء، واللَّه أعلم. ولا يكون وطؤه كله لغيرها، وتكون الأخرى كالمعلقة التي ليست بأيم ولا ذات زوج، لكنها إذا رضيت بإبطال حقها أو بدون حقها فإنه لا حرج على الزوج في ذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا) يحتمل: أن يكون رفع الحرج عن الزوج خاصة، وإن كان الفعل مضافًا إليهما؛ إذ ليس للمرأة لْي ترك حقها حرج، وكذلك قوله - تعالى -: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) ليس على المرأة جناح في الافتداء؛ لأنها تفتدي بمالها، ولها أن تُمَلِّكَ على مالها من شاءت؛ فكأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: فلا جناح عليه في أخذ ما افتدت، أو في إبطال حقها إذا رضيت. ويحتمل: أن يكون على ما ذكر، وهو أن لا حرج على المرأة المقام معه وإن استثقل الزوج ذلك ويكره صحبتها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ). عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: شحت المرأة بنصيبها من زوجها أن تدعه للأخرى، وشح الرجل بنصيبه من الأخرى. وقيل: الشح: الحرص، وهو أن يحرص كل على حقه. وكان الشح والحرص واحد، وإن كان أحدهما في المنع، والآخر في الطلب؛ لأن البخل يحمله على الحرص، والحرص يحمله على المنع، وكل واحد منهما يكون سببًا للآخر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا) في أن تعطوهن أكثر من حقهن، وتتقوا في ألا تبخسوا من حقهن شيئًا.
(129)
ويحتمل: (وَإِنْ تُحْسِنُوا) في إبقاء حقهن، والتسوية بينهن، وتتقوا الجور والميل، وتفضيل بعض على بعض. ويحتمل: (وَإِنْ تُحْسِنُوا) في اتباع ما أمركم اللَّه من طاعته، وتتقوا عما نهاكم اللَّه من معاصيه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) على الترغيب والوعيد، وقد ذكرنا معناه في غير موضع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ... (129) عن ابن عَبَّاسٍ في قوله: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ) في إيفاء الحق أن يستوي في قلوبكم الحب (وَلَوْ حَرَصْتُمْ) على العدل؛ لا تقدرون عليه في ذلك. (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ). إلى التي تحب في النفقة والقسم؛ فتأتي الشابة التي تعجبك، وتدع الأخرى بغير قسم ولا نفقة. روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كان يقول: اللَّهُمَّ أما قلبي فلا أملك، ولكن أرجو أن أعدل فيما سوى ذلك. والعدل - هاهنا - التسوية؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) ليس هو ضد الجور؛ ولكن التسوية: يسوون بين ربهم وبين الأصنام في العبادة. وعن عبيدة قال: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) في الحب. وروي عن أبي قلابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يعدل بين نسائه في القسمة ويقول: " اللَّهُمَّ هذه قِسمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تُؤَاخِذْنِي فِيمَا تَمْلِكُ أَنْتَ وَلَا أَمْلِكُ.
(130)
وأصل ذلك: أن في كل ما كان المرء مدفوعا مضطرًّا - فإنه غير مكلف في ذلك، وفي كل ما كان باختيار منه وإيثار غير عليه - فإنه مكلف في ذلك، والحب مما يدفع المرء فيه ويضطر، ولا صنع له فيه، لم يكلف التسوية فيما يكون مدفوعًا فيه مضطرا؛ لأنه لا يملك التسوية، وعلى هذا يخرج قولنا: إن الكافر مكلف بالإيمان في حال الكفر؛ لشغله به، واختاره فعل الكفر، ليس كالمضطر، وقد ذكرنا - فيما تقدم -: أن الاستطاعة تكون على ضربين: استطاعة أحوال وأسباب، واستطاعة أفعال، والاستطاعة التي هي استطاعة الأحوال والأسباب من نحو الصحة والسلامة وغيرهما يجوز فبل ومع وبعد، وأما استطاعة الأفعال فإنها لا تكون إلا مع الفعل، وباللَّه التوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ): في النفقة والقسمة، معناه: لا يحملنكم شدة الحب والميل بالقلب أن تتركوا الإنفاق عليها وإيفاء الحق، أعني: حق القسم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) ليست بأيم ولا ذات بعل، ليست هي بأيم تتكلف هي مؤنتها كما تتكلف الأيم، ولا ذات بعل يتحمل البعل مؤنتها. وفي حرف أبي بن كعب: " فتذروها كالمسجونة "، وهو ما ذكرنا: لا ينفق هو عليها، ولا يطلقها؛ لتتزوج زوجًا آخر، فهي كالمحبوسة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا) هو ما ذكرنا في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) هذا ينقض قول من يقول: إنه لم يكن رحيمًا ثم صار رحيمًا؛ لأنه أخبر أنه كان رحيمًا، وهو يقول: صار رحيما، وباللَّه العصمة. ثم المسألة: بأن المرأة إذا جعلت أيامها لضرتها، كان لها أن ترجع وتفسخ ذلك؛ لأنها جعلت لها ما لم يجب بعدُ ولم يلزم؛ فكان كمن أبرأ آخر عن حق لم يجب بعد، فإن إبراءه - باطل، له أن يعود إليه، فيأخذه به إذا وجب؛ فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ... (130)
أي: الزوجان إن تفرقا؛ لما لم يقدر الزوج على التسوية بينهن (يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ): المرأة تتزوج آخر، والرجل بامرأة أخرى. ويحتمل: (كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) أن كل واحد منهما -وإن كان غنيا بالآخر في حال النكاح- فاللَّه قادر على أن يغني كل واحد منهما بعد الافتراق، كما كان يرزق قبل الفراق. وفيه دليل قطع طمع الارتزاق من غير اللَّه، وإن جاز أن يجعل غيره سببًا في ذلك؛ لأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ)؛ ليعلم كلٌّ أن غناه لم يكن بالآخر؛ حيث وعد لهما الغناء، وكذلك في قوله - تعالى -: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ. . .) إلى قوله - تعالى -: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) - دليل قطع طمع الارتزاق بعضهم من بعض في النكاح؛ لما وعد لهم الغناء إذا كانوا فقراء. وفيه دليل وقوع الفرقة بينهما بالمرأة، بالمكنى من الكلام؛ لمشاركتهما فيه، وإن كان الزوج هو المنفرد بالفراق؛ لما أضاف الفعل إليهما بقوله: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ) وكذلك قوله - تعالى -: (فَارقُوهُنَّ)، و (سَرِّحُوهُنَّ)، واللَّه أعلم. وفيه دليل لزوم النفقة في العدة؛ لأنه ذكر الافتراق، والفراق إنما يكون بانقضاء العدة، ثم أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - عن غناء كل واحد منهما بالآخر قبل الفراق؛ دل أن للمرأة غناء بالزوج ما دامت بالعدة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) قيل: واسعًا: جودًا. وقيل: واسعًا: يوسع على كل منهما رزقه، (حَكِيمًا) حكم على الزوج: إمساكًا بمعروف أو تسريحًا بإحسان. وقيل: حكيمًا؛ حيث حكم فرقتهما. وأصل الحكيم: أن يضع كل شيء موضعه. * * * قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131)
(131)
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ... (131) وصى الخلق كلهم: (أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)، ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ. . .). قيل: وصينا: أمرنا. وقيل: وصينا: فرضنا على الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم: (أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)، قيل: أي أمرناهم أن يوحدوا اللَّه ويتقوا الشرك. وقال مقاتل: (أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)، أي: وحدوا اللَّه. وقيل: قوله - تعالى -: (أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)، أي: أطيعوه فيما أمركم ونهاكم عنه. ويحتمل: (أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)، أي: اتقوا عذاب اللَّه ونقمته، ولا تعبدوا غيره دونه (وَإن تَكْفُرُوا). ولم تتقوا فيما أمركم اللَّه ونهاكم. (فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ذكر هذا على أثر قوله: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)؛ ليعلموا أنه لم يأمرهم بذلك لحاجة له في عبادتهم، ولم يأمر لمنفعة نفسه؛ إذ من له ملك ما في السماوات وما في الأرض لا يحتاج إلى آخر ينتفع به؛ ولكن ليعلموا أنه - تعالى - إنما أمرهم بذلك لحاجتهم في ذلك، ولمنفعة أنفسهم؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل -: (وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) غنيًّا عن عبادتكم له وطاعتكم إياه، وحميدًا في سلطانه، ويكون غنيًّا عن خلقه في الأزل، حميدًا في فعله، وذلك الحميد في الفعل يخرج على إتقان الفعل وإحكامه، أو على إحسانه إلى خلقه، وإنعامه عليهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) هو ما ذكرنا من غنائه عن عبادة خلقه وطاعتهم له.
(133)
(إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ... (133) تأويله واللَّه أعلم -: أي من له ما في السماوات وما في الأرض يقدر أن يذهبكم، أي: يهلككم، ويأتي بآخرين أخير منكم، وأخوف وأطوع لله منكم، لكنه لا يفعل؛ لأنه غني عن عبادتكم وطاعتكم، لم يخلقكم في الابتداء لحاجته في عبادتكم أو لمنفعة له؛ ولكن لحاجة أنفسكم ومنافعكم، واللَّه أعلم. ثم يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ): في قوم خاص، كما كان في الأمم الخالية من الإهلاك عند المعاندة والمكابرة. ويحتمل في الكل (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ)، أي: يهلككم: الكل، ويأت بآخرين، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا) أي: كان اللَّه على الإهلاك والإبدال قديرًا، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ... (134) قال بعض أهل التأويل: من كان يريد بعمله الذي يعمله عرَض الدنيا، ولا يريد به اللَّه - آتاه اللَّه ما أحب من عرض الدنيا، أو دفع عنه ما أحب في الدنيا؛ فليس له في الآخرة من ثواب؛ لأنه عمل لغير اللَّه، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ)، ومن أراد بعمله الذي يعمله في الدنيا، ثواب الآخرة - آتاه اللَّه - تعالى - من عرض الدنيا ما أحب، ودفع عنه، وجزاه في الآخرة الجنة؛ بعمله في الدنيا، واللَّه أعلم. وتحتمل الآية -غير هذا- وجوهًا كأنها أشبه من هذا: أحدها: أنهم كانوا يتخذون من دون اللَّه آلهة يعبدونها؛ طلبًا للرياسة والعز والشرف؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)، فأخبر أن العز والشرف ليس في ذلك؛ ولكن عند اللَّه عز الدنيا والآخرة. والثاني: أنهم كانوا يعبدون الأوثان والأصنام، ويقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) ويقولون:، (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)؛ فأخبر أن ليس في عبادتكم هذه الأوثان دون اللَّه - لكم زلفى، ولا ثواب، ولكن اعبد اللَّه؛ فعنده الدنيا والآخرة.
(135)
والثالث: يحتمل: أن يكونوا عبدوا هذه الأصنام؛ لمنافع يتأملون بذلك في الدنيا والسعة في الدنيا؛ كقوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ. . .) الآية؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) لا عند من تطلبون. ويحتمل أن تكون الآية في أهل المراءاة والنفاق، الذين يراءون بأعمالهم الصالحة في الدنيا؛ يريدون ثواب الدنيا لا غير، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا). لمقالتكم (بَصِيرًا). بما تريدون وتعملون، وهو وعيد. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ. . .) الآية. عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كونوا قوامين بالعدل في الشهادة على من كانت: من قريب أو بعيد، ولو على نفسه فأقر بها، وكذلك قال عامة أهل التأويل قوله: (قَوَّامِينَ): قوالين لله، ولكن يكون في كل عمل وكل قول يلزم أن يقوم لله، ويجعل الشهادة له؛ فإذا فعل هكذا - لا يمنعه عن القيام بها قربُ أحد ولا بعده، ولا ما يحصل على نفسه أو والديه، وكذلك قال اللَّه - تعالى - في آية أخرى: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) فإذا جعلها للَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لم يجعلها للمخلوق، أمكن له القيام بها،
وإن كان على نفسه أو من ذكرتم ما يمنع القيام بها فهو مختلف: أما على نفسه؛ لنفع يطمع أو لدفع ضرر يدفع بذلك، وأما على الوالدين بالاحتشام يحتشم منهما؛ فيمتنع عن أداء ما عليه، وأما القرابة: بطلب الغناء لهم ودفع الفقر عنهم؛ فأخبر أنه أولى بهم؛ فلا يمنعك غناء أحد منهم ولا فقره - القيامَ بها، وكذلك روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - في تأويل هذه الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) قيل فيه بوجهين: قيل: (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) وتعملوا لغير اللَّه. وقيل: (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى)؛ كراهة أن تعدلوا. ويحتمل: (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا): عن الحق من الصرف بالعدول. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا) فيه لغتان: " تلُوا " بواو واحدة، من الولاية؛ يقول: كونوا عاملين للَّهِ، وقائلين له، مؤدين الشهادة له، وإن كنتم وليتم ذلك. وقيل: " تَلْوُوا " بواوين، من التحريف؛ يقول: لا تتبعوا الهوى، ولا تحرفوا الشهادة، ولا تعرضوا عنها وتكتموها. وفي حرف حفصة - رضي اللَّه عنها -: " إن يكونوا غنيا أو فقيرًا فاللَّه أولى بهما ". وعن قتادة - رضي اللَّه عنه -: فاللَّه أولى بهما، يقول: اللَّه أولى بغنيكم وفقيركم؛ فلا يمنعكم غناء غنى أن تشهد عليه لحق علمته، ولا أمر ثبت لفقير أن تشهد عليه بحق علمته. وفي حرف حفصة - رضي اللَّه عنها -: (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا)، وهو من الولاية التي ذكرنا.
(136)
وقيل: وإن تلووا: من التحريف وطلب الإبطال. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا بين الناس "، وهو من العدل؛ على ما ذكرنا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو من الصرف والعدول عن الحق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) خرج على الوعيد، على كل ما ذكر: من منع الشهادة، والقيام للَّهِ بها، وتحريف ما لزمهم، وباللَّه العصمة. وبمثل ذلك رُوي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَومِ الآخرِ فَلْيُقِم شَهَادَتَهُ عَلَى مَنْ كَانَتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه وَالْيَومِ الْآخِرِ فَلَا يَجْحَدْ حَقًّا هُوَ عَلَيهِ، وَلْيؤُده عفوًا، وَلَا يُلْجئْهُ إِلَى سُلْطَانٍ، وَلَا إِلَى خُصُومَةٍ لِيَقْطَعَ بِهَا حَقَّهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ خَاصَمَ إِلَيَّ فَقَضَيتُ لَهُ عَلَى أَخِيهِ بِحَق لَيسَ هُوَ لَهُ عَلَيهِ - فَلَا يَأْخُذنَّهُ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعةً مِنْ جَهَنَّمَ ". وروي في خبر آخر: " يَا ابْنَ آدَمَ، أَقِمِ الشهَادَةَ وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ، أَوْ عَلَى قَرَابَتِكَ، أَوْ شَرَفِ قَوْمِكَ؛ فَإِنَّمَا الشَهَادَةُ للَّهَ وَلَيسَتْ للنَّاسِ، إِنَّ اللهَ رَضِي بِالْعَدْل والإقْسَاطِ لِنَفْسِهِ، وَالْعَدْلُ مِيزَانُ اللهِ فِي الأَرْضِ: يَرُدُّ عَلَى الْمَظْلُومِ مِنَ الظَالِمِ، وَعَلَى الضَّعِيفِ مِنَ الشَدِيدِ، وَعَلَى الْمُحِقِّ مِنَ الْمُبطِلِ، وَبِالْحَق يُصَدقُ اللهُ الصادِقَ، وَيُكَذبُ اللهُ الكَاذِبَ، وًيرُدُّ المُعْتَدِي وُيوَبِّخُهُ، وَبِالْعَدْلِ أَصْلَحَ اللهُ النَّاسَ ". * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ). يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) - وجوهًا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا)، فيما مضى من الوقت، آمِنوا في حادث الوقت. ويحتمل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا آمِنُوا)، أي: اثبتوا عليه. ويحتمل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا) بألسنتكم، (آمِنُوا) بقلوبكم؛ كقوله - تعالى -: (آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ).
ويحتمل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) عند رؤية البأس والعذاب، (آمِنُوا) في الحقيقة؛ كقوله - تعالى -: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ). ويحتمل وجهًا آخر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ببعض الرسل، (آمِنُوا) بالرسل كلهم كما آمن المؤمنون؛ كقوله - تعالى -: (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ)، وهم كانوا يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ). ويحتمل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بمحمدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قبل أن يبعث، (آمِنُوا) به إذا بعث؛ لأنهم كانوا يؤمنون به قبل أن يبعث، فلما بعث تركوا الإيمان به؛ كقوله - تعالى -: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ). (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) يعني: محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. (وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ). أي: آمنوا بالكتاب الذي نزل على رسوله، وهو مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. (وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ). أي: آمنوا -أيضًا- بالكتب السماوية التي أنزلها اللَّه، تعالى. ثم الإيمان باللَّه حقيقة - إيمانٌ بجميع الرسل والكتب؛ لأن كل نبي كان يدعو إلى الإيمان بجميع ذلك، وكذلك في كل كتاب من الكتب السماوية دعاء إلى الإيمان بجملتهم؛ ألا ترى أن الكفر بواحد منهم - كفرٌ باللَّه وبجميع الرسل والكتب وما ذكر، وباللَّه العصمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. . .) والآية. يحتمل هذا وجهين: يحتمل: ومن يكفر بجميع ما ذكر؛ (فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا)، وهو على التأكيد. ويحتمل: ومن يكفر باللَّه أو ملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر؛ فقد كان ما ذكر؛ لأن الكفر بواحد من ذلك كفْرٌ بالكل، حتى لو أنكر آية من آيات اللَّه - تعالى - كفر باللَّه، وبالكتب وبالرسل كلها، واللَّه الموفق. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137)
(137)
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ. . . (137) عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: نزلت الآية في الذين قال اللَّه - تعالى - في سورة آل عمران: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ). وقيل: إنها نزلت في الذين آمنوا بموسى - عليه السلام - ثم كفروا بعد موسى، ثم آمنوا بعُزَير، ثم كفروا بعده، ثم آمنوا بعيسى - عليه السلام - وبالإنجيل، ثم كفروا من بعده، ثم ازدادوا كفرًا بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبالقرآن الكريم. وهو الأولى. وقيل غير هذا، لكن ليس بنا إلى أنها فيهم نزلت حاجة، ولكن فيه دليل أنها في قوم علم اللَّه أنهم لا يؤمنون أبدًا ولا يتوبون؛ لأنه قال: (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) أخبر أنه لا يغفر لهم، وهو كقوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ)؛ لما علم اللَّه أنهم لا يتوبون؛ وإلا لو آمنوا وتابوا قبلت توبتهم؛ فعلى ذلك الأول؛ لما علم اللَّه أنهم لا يتوبون، ويموتون على ذلك - أخبر أنه لا يغفر لهم. وفيه دليل أنه تقبل توبة المرتد إذا تاب، ليس -كما قال بعض الناس- أنه لا تقبل توبة المرتد؛ لأنه أثبت لهم الإيمان بعد الكفر والارتداد بقوله: (آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا
ثُمَّ آمَنُوا) ثم كذا؛ فدل أنه إذا تاب يقبل منه. وقال أصحابنا: يستتاب المرتد ثلاثًا؛ فإن أسلم وإلا قتل. روي عن علي بن أبي طالب - رضي اللَّه عنه - قال: يستتاب المرتد ثلاثًا. ثم تلا هذه الآية. وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كذلك. وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قدم عليه رجل من الجيش، فقال: هل حدث لكم حدث؟ فقال: إن رجلا من المسلمين ارتد ولحق بالمشركين فأخذناه. فقال: ما صنعتم به؟ قالوا: قتلناه. قال: هلا أدخلتموه بيتًا، وأغلقتم عليه بابا، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه ثلاثًا؛ فإن تاب وإلا قتلتموه. ثم قال: اللَّهُم إني لم أشهد، ولم آمر، ولم أرضَ حين بلغني. وقال أبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إذا ارتد ثلاثًا، ثم تاب في كل مرة - فإنه يحبس في الثالثة إذا تاب؛ حتى يظهر منه خشوع التوبة، وذلك أثر الثبات على توبته؛ فإن ظهر ذلك، فحينئذ يخلى سبيله؛ لما يحتمل أن تكون توبته فرارًا من القتل؛ فيحبس حتى تظهر حقيقة توبته؛ لأنه أظهر الفسق، والفاسق يحبس حتى يظهر خشوع التوبة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) لا يحتمل أن يكون أراد بقوله: (وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) - البيان؛ على ما قاله قوم؛ لأنه قد تولى لهم البيان، لكنهم تعاندوا ولم يهتدوا؛ فدل أن ثم معنى منه سوى البيان لم
(138)
يعطهم؛ لما علم أنهم لا يهتدون أبدًا، وهو التوفيق، فهذا يرد على من لا يجعل الهدى إلا بيانًا؛ إذ قد بين لهم ذلك. * * * قوله تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ) بكذا. البشارة المطلقة المرسلة لا تكون إلا بالخير خاصة، وأما إذا كانت مقيدة مفسرة فإنها تجوز في الشر؛ كقوله - تعالى -: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ) كذا، وكذلك قوله - تعالى -: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، وفي القرآن كثير، ما ذكرها في الشر إلا مفسرة مقيدة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ) - يدل هذا على أن الآية الأولى في أهل النفاق والمراءاة، علي ما ذكرنا من التأويل؛ لأنه لم يسبق فيما تقدم ذكر لهم سوى قوله - تعالى -: (آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولَهِ). ويحتمل على الابتداء والانتناف على غير ذكر تقدم، وذلك جائز في القرآن كثير. ثم فسر المنافقين فقال: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ثم يحتمل قوله - تعالى -: (يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) قولا وفعلا: أما القول: كقولهم: (إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)، وغيره من الآيات. وأما الفعل: فكانوا يمنعون المؤمنين أن يغزوهم؛ كقوله - تعالى -: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ)، وكقوله: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ)، وكقوله - تعالى -: (فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ)، كانوا يمنعون أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والمسلمين عن أن يغزوهم ويقاتلوهم؛ فهم - وإن كانوا يُرُون
(140)
من أنفسهم الموافقةَ للمؤمنين في الظاهر -فإنهم كانوا في الحقيقة- معهم؛ فهذا - واللَّه أعلم - تأويل قوله: (يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ). قيل: قوله - تعالى -: (أَيَبْتَغُونَ) على طرح الألف وأنها زائدة، أي: يبتغون بذلك من عندهم العزة. ثم يحتمل قوله - تعالى -: (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ) وجهين: يحتمل: العزة: المنعة والنصرة، وكانوا يطلبون بذلك النصرة والقدرة عند الكافرين. ويحتمل: ليتعززوا بذلك. والأصل: أن حرف الاستفهام كله من اللَّه - له حق الإيجاب، على ما يقتضي جوابه من حقيقة الاستفهام؛ إذ اللَّه عالم لا يخفى عليه شيء يستفهم، جل عن ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) أي: والنصرة والقدرة، كله للَّهِ، من عنده يكون، وبه يتعزز في الدنيا والآخرة، ليس من عند أُولَئِكَ الذين يطلبون منهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا ... (140) قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله - تعالى -: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) - هو ما ذكر في سورة الأنعام، وهو قوله - تعالى -: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ)، ثم قال: (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)؛ لأنه نهاهم - عَزَّ وَجَلَّ - عن القعود معهم إذا خاضوا في طعن القرآن وآيات اللَّه؛ فأخبر أن ليس لهم من حسابهم من شيء إذا قعدوا. ثم قال في هذه الآية: (فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ): نهاهم - عَزَّ وَجَلَّ - عن القعود معهم، وأخبر أنهم إذا فعلوا ذلك يكونوا مثلهم؛ فهو - واللَّه أعلم - على النسخ: نسخ هذا الأول. ويحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)
(141)
في المشركين، لم يلحقهم من العقوبة والمآثم؛ لأنهم لا يقدرون على منع المشركين عن الاستهزاء بآيات اللَّه والطعن فيها، ويقدرون على منع المنافقين عن ذلك؛ فشاركوهم في العقوبة فيما يقدرون على منعهم فلم يمنعوا، ورفع عنهم ذلك فيما لا يقدرون على دفعه. وفيه دلالة أن من بلي بمنكر له قدرة التغيير على أهله، فلم يغير - أن يشاركهم في ذلك، أو إذا لم يكن له قدرة التغيير عليهم فلم يفارقهم، لكن أقام معهم - شاركهم أيضا في العقوبة؛ الواجب على كل من بُلي بذلك، وله قدرة التغيير عليهم - فعل، أي: أنكر عليهم وغيَّره، وإلا فارقهم؛ وإلا يُخاف أن يشاركهم في العقوبة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) الآية. لأنهم كانوا معهم في السر والحقيقة، وإن كانوا يظهرون للمؤمنين الموافقة باللسان؛ فهذا يدل على أن الحقائق في العواقب هو ما يسر المرء ويضمر، ليس ما يظهر؛ لأن المنافقين كانوا مع المؤمنين في الظاهر في جميع الأحكام: في الأنكحة، والعقود كلها، وإظهار الإيمان لهم باللسان، لكنهم إذا أضمروا خلاف ما أظهروا - لم ينفعهم ذلك؛ دل أن الحقائق في العواقب ما يسر ويضمر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ... (141) يحتمل وجهين: يحتمل: يتربصون الغنيمة والنصر، فإن كان الفتح للمؤمنين قالوا: (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) في الإيمان والأحكام كلها؛ يطلبون الغنيمة والاشتراك فيها؛ كقوله - تعالى -: (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ) الآية، وإذا كانت الدبرة والبوار على المؤمنين للكافرين يقولون: (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بقولهم: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ)، وكقوله - تعالى -: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا) الآية: كانوا بين المسلمين كعيون لهم؛ يخبرونهم عن عوراتهم، ويطلعونهم على مقصود المؤمنين؛ فذلك مَنْعُهم من المؤمنين واستحواذهم عليهم، واللَّه أعلم. ويحتمل: (يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ)، يعني: أمر مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه عندهم بألا يدوم ذلك،
بل ينقطع عن قريب، واللَّه أعلم. ويحتمل: (يَتَرَبَّصُونَ) ما ذكر من قوله - تعالى -: (وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ)، ثم خرج تأويله في قوله: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ)، ثم خص ذلك بقوله - تعالى -: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ) الآية؛ فبين أنهم يتربصون بهم انقلاب الأمر ورجوعه إلى أعداء اللَّه؛ فمتى ظهرت لهم العواقب - أظهروا الذي له كان دينهم في الحقيقة - أنه كان لسعة الدنيا ونعيمها؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ. . .)، وقوله - تعالى -: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) الآية. يحتمل هذا -أيضًا- وجهين: يحتمل: لن يجعل اللَّه للكافرين على المؤمنين سبيلا في الحجج في الدنيا، أي: ليس للكافرين الحجة على المؤمنين في الدنيا من شيء، إلا أن يموه عليه، ويفتعل به ويعجز المؤمن في إقامة الحجة عليه، ودفع تمويهاته؛ وإلا ليس للكافر حجة يقيمها على المؤمن في الدنيا. ويحتمل: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) في الآخرة، على دفع شهادتهم التي شهدوا عليهم؛ لأن أمة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يشهدون عليهم؛ كقوله - تعالى -: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)، ثم لا سبيل لهم على دفع شهادتهم التي شهدوا عليهم، وردها، واللَّه أعلم. وأيضًا: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا): في الحجة، أو في الشهادة، أو عند اللَّه في الخصومة، وإنما دعوا إلى كتبهم إذا أجابوا اللَّه فيما دعاهم إلى الإيمان بالكتب والرسل - عليهم السلام - أو في النصر؛ فيرجع أمره إلى العواقب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ) الاستحواذ: الغلبة. وقيل: الاستيلاء.
(142)
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ألم نخبركم بعورة مُحَمَّد وأصحابه ونطلعكم على سرهم، ونكتب به إليكم؟!. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ألم نحط من وراءكم؟!. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " ألم نستحوذ عليكم ومنعناكم من المؤمنين؟! ". قال الكسائي: هذا في كلام العرب كثير ظاهر، ومعنى (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ) - إنا استحوذنا ومنعناكم، وهو ظريف. وأصل الاستحواذ الغلبة والقهر، وهو ما ذكرنا أنهم يُجبنونَ أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقولون: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وحكم اللَّه بينهم - واللَّه أعلم - هو أن يُنزل المؤمنين الجنة، والمنافقين النار. (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) في الحجة؛ على ما ذكرنا، وكذلك روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قال: حجة. وقيل: ظهورًا عليهم، لكن الأول أشبه. ويحتمل ما ذكرنا من الشهادة - أنه جعل يوم القيامة للمؤمنين الشهادة عليهم، ولم يجعل لهم إلى دفعها وردها على أنفسهم سبيلا، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) وقوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ). يحتمل قوله - تعالى -: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ)، أي: يخادعون أولياء اللَّه أو دينه، فأضيف إليه؛ فهو جائز، وفي القرآن كثير؛ كقوله - تعالى -: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)، أي: إن تنصروا دين اللَّه أو أوليائه ينصركم، وقد ذكرنا هذا في صدر الكتاب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ خَادِعُهُمْ)، أي: يجزيهم جزاء خداعهم المؤمنين؛ فسمي: خداعًا - وإن لم يكن في الحقيقة خداعًا؛ لأنه جزاء الخداع، وهو كما سمى جزاء السيئة:
سيئة، وإن لم تكن الثانية -في الحقيقة- سيئة، وكذلك سمى جزاء الاعتداء: اعتداء، وإن لم يكن الثاني اعتداء؛ فعلى ذلك سمى هذا: خداعًا؛ لأنه جزاء الخداع، واللغة غير ممتنعة عن تسمية الشيء باسم سببه؛ على ما ذكرنا، واللَّه أعلم. ثم اختلف في جهة الخداع؛ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: يعطى المنافقين على الصراط نورًا كما يعطى المؤمنين؛ فإذا مضوا به على الصراط طفِئ نورهم، ويبقى نور المؤمنين يمضون بنورهم؛ فينادون المؤمنين: (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ)، فنجوز به؛ فتناديهم الملائكة: (ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا)، وقد علموا أنهم لا يستطيعون الرجوع؛ فذلك قوله: (وَهُوَ خَادِعُهُمْ) وكذلك قال الحسن، ثم قال: فتلك خديعة اللَّه إياهم. وقال آخرون: يفتح لهم باب من أبواب الجنة؛ فإذا رأوا ذلك قصدوا ذلك الباب، فلما دنوا منه أغلق دونهم، فذلك الخداع، واللَّه أعلم. ويحتمل وجهًا آخر: وهو أنهم شاركوا المؤمنين في هذه الدنيا ومنافعها، والتمتع والتقلب فيها؛ فظنوا أنهم يشاركونهم في منافع الآخرة والتمتع بها؛ فيحرمون ذلك، فذلك الخديعة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ. . .) الآية. جعل اللَّه - تعالى - للمنافق أعلاما في قوله وفعله يعلم بها المنافق: أما في القول: ما قالوا: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ)، وقوله: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ)، وقوله - تعالى -: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا. . .) الآية. وأما في الفعل فهو قوله - تعالى -: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا)، وقوله: (وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا)، أي القتال، وقوله - تعالى -: (فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ. . .) الآية، ومثله كثير في القرآن، مما جعل ذلك علامة لهم، وهو كقوله - تعالى -: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ. . .) الآية، وكقوله - تعالى -: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. . .) الآية، يراءون في جميع أفعالهم - الناس.
وفي حرف حفصة - رضي اللَّه عنها -: " يراءون الناس واللَّه يعلم ما في قلوبهم ولا يذكرون اللَّه إلا قليلا ". عن الحسن في قوله - تعالى -: (وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) - فقال: أما واللَّه لو كان ذلك القليل منهم للَّهِ لقبله، ولكن ذلك القليل رياء. وقيل: لو كان ذلك القليل لله يريدون به وجهه، فقبله - لكان كثيرًا، ولكن لا يقبله؛ فهو لا شيء. وقد يتكلم بالقليل واليسير على إرادة النفي من الأصل، واللَّه أعلم. وروي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: " مَنْ أحْسَنَ الصلَاةَ حَيثُ يَرَاهُ النَّاسُ، وَأَسَاءَهَا حَيثُ يَخْلُو - فَتِلْكَ اسْتِهَانَةٌ يَسْتَهِينُ بِهَا رَبَّهُ ". وروي في علامة المنافق أخبار: روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إِن للمُنَافِقِ عَلَامَاتٍ، يُعرَفُونَ بِهَا: تَحِيتُهُم لَعْنَة، وَطَعَامُهُم نُهْبة، وَغَنيمَتُهُم غُلُوا، لَا يَقْرَبُونَ المَسَاجِدَ إِلا هَجْرًا، وَلَا يَأتُونَ الصلَاةَ إِلأ دُبُرًا ". وعن عبد اللَّه بن عمرو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " أَرْبعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وِإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ "، وروي: ثلاث. ورُوي عن عبد اللَّه قال: اعتبروا المنافق بثلاث: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وِإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذا عاهد غدر. ثم قرأ الآيات: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ. . .) الآية. وعن وهب قال: من خصال المنافق: أن يحب الحمد، ويكره الذم.
(143)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ... (143) قال أكثر أهل التأويل: ليسوا بمسلمين مخلصين ولا مشركين مصرحين. وهو -أيضًا- قول قتادة. وقال مقاتل: ليسوا مع اليهود فيظهرون ولايتهم لهم، وليسوا مع المؤمنين في التصديق مع الولاية. ويحتمل غير هذا: وهو أنه لم يظهر لكل واحد من الفريقين منهم الموافقة لهم والكون معهم؛ بل ظهر منهم الخلاف عند كل فريق؛ لأنهم كانوا أصحاب طمع، عُبَّادَ أنفسهم، يكونون حيث رأوا السعة معهم؛ فلا إلى هَؤُلَاءِ في حقيقة الدِّين عند أنفسهم، ولا إلى هَؤُلَاءِ، فذلك - واللَّه أعلم - تأويله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) قيل: حجة؛ على ما قيل في الأول. وقيل: (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا)، يعني: هدى وطريقًا مستقيمًا، واللَّه أعلم. وعن الحسن: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا)؛ ما دام كافرًا؛ فإذا تاب ورجع عن ذلك فله السبيل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ... (144) عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: نزلت في المنافقين الذين اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين؛ سماهم اللَّه - تعالى - مؤمنين بإقرارهم بالإيمان علانية، وتوليهم الكافرين سرا، أو أن يقال: سموا مؤمنين؛ لما كانوا ينتسبون إلى المؤمنين؛ فسموا بذلك. وقيل: نزلت في المؤمنين، نهاهم أن يتخذوا المنافقين أولياء بإظهارهم الإيمان علانية، وأمرهم أن يتخذوا المؤمنين أولياء. ثم وجه النهي في الولاية واتخاذهم أولياء يكون من وجوه:
يحتمل: النهي عن ولايتهم ولاية الدِّين، أي: لا تثقوا بهم، ولا تصدقوهم، ولا تأمنوهم في الدِّين؛ فإنهم يريدون أن يصرفوكم عن دينكم؛ كقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) الآية. ويحتمل: النهي عن اتخاذهم أولياء في أمر الدنيا؛ كقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا. . .) الآية. نهي - عز وجل - المؤمنين أن يجعلوا المنافقين موضع سرهم في أمر من أمور الحرب وغيره. والثالث: في كل أمر، أي: لا تصادقوهم، ولا تجالسوهم، ولا تأمنوهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) أي: تجعلون للَّهِ عليكم سلطانًا مبينًا. قيل: عذرًا مبينًا. وقيل: حجة بينة يحتج بها عليكم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) فهو - واللَّه أعلم - الإرادة، وهي صفة كل فاعل في الحقيقة، وحرف الاستفهام من اللَّه إيجاب؛ فكأنه قال: قد جعلتم لله في تعذيبكم حجة بينة يعقلها الكل؛ إذ ذلك يكون - وهو اتخاذ الكافرين أولياء دون المؤمنين - حجة ظاهرة في لزوم المقت. وجائز أن تكون الإضافة إلى اللَّه ترجع إلى أولياء اللَّه؛ نحو الأمر بنصر اللَّه، والقول بمخادعة اللَّه، وكان ذلك منهم حجة بينة عليهم لأولياء اللَّه: أنهم لا يتخذون الشيطان وليا، وأولياء: عبادة غير اللَّه اتخذوه، ولا قوة إلا باللَّه. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)
(145)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ... (145) الدرك: بالجزم والفتح - لغتان، وهما واحد؛ يقال: للجنة درجات وغرفات، وللنار دركات بعضها أسفل من بعض. وقيل: كلما كان أسفل - كان العذاب فيها أشد؛ ألا ترى أنه أخبر عنهم بقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ)، فلو لم يكن من أسفل منهم في الدركات أشد عذابًا - لم يكن لقولهم: (نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ)، معنى؛ فدل أن كل ما كان أسفل من الدركات - كان في العذاب أشد، واللَّه أعلم. وذكر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ذكر [عبد المطلب وهشام بن المغيرة] (¬1) فقال: " هُما مِنْ أَدْنَى أَهْلِ النًارِ عَذَابًا، وَهُمَا فِي ضَحْضاع مِنَ النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا، وَأَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: فِي رِجْلَيهِ نَعْلَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلي بِهِمَا دِمَاغُهُ ". وعن ابن مسعود - رضي اللَّه عنه -: قال: الأدراك: توابيت من حديد تصمت عليهم في أسفل النار. وقيل: إن العذاب في النار واحد في الظاهر، وهو مختلف في الحقيقة؛ وأيد ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ)، لكن بعضهم لا يشعر بعذاب غيرهم؛ كقوله: (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ)، سألوا ربهم أن يجعل لهم ضعفًا من العذاب؛ جزاء ما أضلوا، فأخبر أن لكل ضعفًا من الأئمة. ثم لتخصيص المنافقين في الدرك الأسفل من النار دون سائر الكفرة وجوه ثلاثة: أحدها: أنهم كانوا يسعون في إفساد ضعفة المسلمين، ويشككونهم في دينهم، ويتكلفون في إخراجهم من الإيمان، وكان ذلك دأبهم وعادتهم؛ فاستوجبوا بذلك - ¬
(146)
ذلك العذاب؛ جزاء لإفسادهم، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون ذلك لهم؛ لأنهم كانوا عيونًا للكفرة، وطلائع لهم، يخبرون بذلك عن أخبارهم وسرائرهم، ويطلعون على عوراتهم، فذلك سعى في أمر دينهم ودنياهم بالفساد؛ كقوله: (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ) الآية. ويحتمل وجهًا آخر: وهو أنهم لم يكونوا في الأحوال كلها أهل دين يقيمون عليه في حال الرخاء والضيق؛ ولكن كانوا مع السعة والرخاء حيث كان، ولا كذلك سائر الكفرة، بل كانوا في حال الرخاء والشدة على دين واحد: يعبدون الأصنام، وأُولَئِكَ مع المؤمنين في حال إذا كانت السعة معهم، ومع الكافرين في حال إذا كانت السعة معهم، لا يقرون على شيء واحد، مترددون بين ذلك؛ كما قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ): الآية، والكفرة عبدوا من عبدوا؛ على رجاء التقريب إلى اللَّه، وأمر اللَّه - تعالى - لهم بذلك؛ ليكونوا لهم شفعاء عند اللَّه، وأهل النفاق لم يكونوا يعبدون غير بطونهم ومن معه شهواتهم؛ فلذلك ازداد عذابهم على عذاب غيرهم، ولما جَمَعُوا إلى الكفر باللَّه - المخادعة والتغرير وإغراء الأعداء واستعلاءهم، ولما قد أشركوا الفرق كلهم في اللذات وفي طلب الشهوات؛ فعاد إليهم ما استحق كل منهم من العقوبة، وبما بذلك شاركوا في كل المعاصي، أو سبيلها إعطاء الأنفس الشهوات مع ما فيهم تغرير ضعفة المؤمنين، والتلبيس عليهم، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا ... (146) عن ابن عَبَّاسٍ قال: (تَابُوا) من النفاق، و (وَأَصْلَحُوا) أعمالهم، و (وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ)، ويقول: وثقوا باللَّه. وقيل: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ). يقول: من المؤمنين، أي: صاروا كسائر المؤمنين. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأُبَي: " إلا الذين تابوا، ثم آمنوا باللَّه والرسول والكتاب الذي أنزل إليه من ربه وما أنزل إلى النبيين من قبل، ثم أخلصوا دينهم
(147)
لله واعتصموا به، أُولَئِكَ مع المؤمنين، وسوف يؤتى اللَّه المؤمنين أجرًا عظيمًا ". وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ) قال: لم يراءوا، وكانت سريرتهم كعلانيتهم أو أفضل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ... (147) تأويله - واللَّه أعلم - أن ليس لله - عَزَّ وَجَلَّ - حاجة في تعذيبه إياكم إن صدقتم وآمنتم، ولكن الحكمة توجب تعذيب من كفر به؛ وإلا ليس له حاجة في تعذيبكم، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون هذا في قوم أفرطوا في التكذيب ومعاندة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فظنوا أنهم إن آمنوا به وصدقوه - لم يغفر لهم ما كان منهم من الإفراط في التكذيب، والتمرد وفي المعاندة؛ فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه لا يعذبهم إن آمنوا به - بما كان منهم من الكذب والعناد؛ كقوله - تعالى -: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، واللَّه أعلم. ثم الشكر فيما بين الخلق - يكون على الجزاء والمكافأة؛ كقوله: " من لم يشكر الناس لم يشكر اللَّه ". وأما فيما بينهم بين ربهم: فهو على غير الجزاء والمكافأة؛ إذ ليس في وسعهم القيام بأداء شكر أصغر نعمة أنعمها عليهم عُمْرَهم؛ فدل أنه ليس يخرج الأمر على ما به أمر المكافأة؛ ولكنه يخرج على وجوه: الأول: على معرفة النعم أنها منه. والثاني: على معرفة التقصير والاعتراف بالعجز - عن أداء شكرها. والثالث: ألا يستعملها إلا في طاعة ربه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) يقبل الإيمان بعد الجحود والتكذيب؛ إذا تاب. وقيل: (شَاكِرًا) أي: يقبل القليل من العمل إذا كان خالصًا، ليس كملوك الأرض لا يقبلون اليسير من الأشياء.
(148)
وقيل: (شَاكِرًا): يقبل اليسير من العمل، ويعطي الجزيل من الثواب، وذلك هو الوصف في الغاية من الكرم، واللَّه أعلم. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " ما يعبأ اللَّه بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان اللَّه شاكرًا لأعمالكم الحسنة عليمًا بها " وهو ما ذكرنا، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ). اختلف في تأويله وتلاوته: قَالَ بَعْضُهُمْ: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ) من الدعاء إلا من ظلم؛ فإنه لا بأس أن يدعوا إذا كان مظلومًا. وقال آخرون: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ) هو الشتم؛ أخبر أنه لا يحب ذلك لأحد من الناس، ثم استثنى (إلا مَنْ ظُلِمَ) واعْتُدِيَ عليه؛ فإن رد عليه مثل ذلك، فلا حرج عليه. وكذلك قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ) أن يشتم الرجل المسلم في وجهه، إلا أن يشتمه فيرد كما قال، وذلك قول اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ)، وإن يعفو فهو أفضل. وقرأ بعضهم: " إِلَّا مَنْ ظَلَمَ " (¬1) بالنصب، فهو يحتمل: إلا من ظلم؛ فإن له الجهر ¬
بالسوء من القول، وإن لم يكن له ذلك؛ وهو كقوله - تعالى -: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)؛ فإنهم -وإن لم يكن لهم حجة عليكم- فإنهم يحتجون عليكم؛ فعلى ذلك الظالم، وإن لم يكن له الجهر بالسوء من القول فإنه يفعل ذلك، واللَّه أعلم. ومن قرأ: (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ): بالرفع -فتأويله ما ذكرنا- واللَّه أعلم -: أنه لا يبيح لأحد الجهر بالسوء من القول إلا المظلوم؛ فإنه يباح له أن يدعو على ظالمه، وينتصر منه. والثاني: ما قيل: من سبَّ آخر، فإنه لايباح له ولا يؤذن أن يرد عليه مثله وينتصر منه. وقيل: نزلت الآية في أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شتمه رجل بمكة، فسكت عنه ما شاء اللَّه، ثم انتصر؛ فقام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وتركه. وعن الحسن قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا؛ فَهُوَ عَلى البَادِئ حَتَّى يَعْتديَ المَظْلومُ ". وقال: " ألا لا تَسْتَبُّوا، فَإِنْ كُنْتُم فَاعِلينَ لَا مَحَالَةَ، فَعَلِمَ الرَّجُلُ مِنْ صَاحِبِهِ - فَلْيَقُلْ: إِنَكَ لَجَبَّارْ، وَإِنَكَ لَبَخِيلٌ ". وأصل هذا الاستثناء أن الأول - وإن لم يكن من نوع ما استثنى - فهو جزاؤه، وجزاء الشيء يسمى باسمه؛ كما سمى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - جزاء السيئة: سيئة؛ بقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)، وسمي جزاء الاعتداء: اعتداء، وإن لم يكن الثاني اعتداء ولا سيئة؛ فعلى ذلك استثنى (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ)، وإن لم يكن من نوعه؛ لأنه جزاء الظلم والاعتداء، واللَّه أعلم. وقيل: إن الآية نزلت في الضيف ينزل بالرجل فلا يضيفه، ولا يحسن إليه؛ فجعل له أن يأخذه بلسانه، وإلى هذا يذهب أكثر المتأولين، لكنه بعيد.
(149)
وفي قوله: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) دليل على أنه ليس في إباحة الشيء في حال - يوجب حظره في حال أخرى؛ لأنه نهي عن الجهر بالسوء من القول، ثم لم يدل ذلك على أنه لا ينهى عن ذلك في غير حال الجهر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا). بجهر السوء، (عَلِيمَا به. ثم قال: (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ... (149) يحتمل - واللَّه أعلم - أن العفو والتجاوز خير عند اللَّه من الانتصار؛ فيحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن يكون على الترغيب: رغبهم - عَزَّ وَجَلَّ - بالعفو عن السوء والمظلمة، فكما أنه يعفو عن خلقه، ويتجاوز عنهم مع قدرته على الانتقام - فاعفوا أنتم عن ظالمكم أيضًا، وإن أنتم قدرتم على الانتصار والانتقام منهم، فيكون لكم بذلك عند الله الثواب. ويحتمل: أن يأمرهم بالعفو عن مظالمهم؛ ليعفو - عَزَّ وَجَلَّ - عن مظالمهم التي فيما بينهم وبين ربهم؛ وعلى ذلك يخرج قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) - واللَّه أعلم - فإن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أقدر على عفو ذنوبكم منكم على عفو صاحبكم المسيء إليكم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: اللَّه أجدر وأحرى أن يعفو عنك إذا عفوت عن أخيك في الدنيا، وهو على ذلك أقدر. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ) يحتمل وجهين: يحتمل قوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ. . .) أي: يريدون، أن يفرقوا بين اللَّه ورسله؛ فيكون قوله: (يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ): في الدهرية؛ لأنهم
(151)
يكفرون باللَّه، ولا يؤمنون به، ويقولون بقدم العالم، فذلك فيهم، وقوله: (وَرُسُلِهِ) يكون في الذين يؤمنون بِاللَّهِ ويكفرون بالرسل كلهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ): في الذين كفروا ببعض الرسل وآمنوا ببعض الرسل، ويقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض. ثم أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - عنهم جميعًا -مع اختلاف مذاهبهم- أنهم كفار، وحقق الكفر فيهم بقوله - تعالى -: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ... (151) ويحتمل أن يكون فيمن آمن ببعض الرسل وكفر ببعض الرسل؛ فيكون الكفر ببعض الرسل كفرًا باللَّه، وبجميع رسله، وبجميع كتبه؛ لأن كل واحد من الرسل يدعو الخلق كلهم إلى الإيمان باللَّه، والإيمان بجميع الرسل والكتب، وإذا كفر بواحد منهم - كفر بِاللَّهِ وبالرسل جميعًا، واللَّه أعلم. وقوله - تعالى -: (وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) أي: ويتخذون غير ذلك سبيلا؛ على طرح إرادة " أن "، أي: يتخذون بين ذلك، أي: بين إيمان ببعض الرسل، وكفر ببعض الرسل - دينًا؛ فذلك لا ينفعهم إذا كفروا ببعض الرسل. وقوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ). يحتمل وجهين: يحتمل: أُولَئِكَ هو الكافرون الذين حق عليهم الكفر باللَّه. والثاني: يكفرون ببعض الرسل؛ أنهم - وإن كفروا ببعض الرسل - فقد حق عليهم الكفر بالله تعالى؛ لأن الكفر بواحد من الرسل كفر باللَّه وبالرسل جميعًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا). قوله: (مُهِينًا): يهانون فيه. ثم نعت المؤمنين فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ... (152) يعني: من الرسل، وقالوا: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ)
(153)
إلى آخر ما ذكر. وفي الآية دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم لا يسمون صاحب الكبيرة مؤمنًا، وهو قد آمن باللَّه ورسله ولم يفرق بين أحد من رسله؛ فدخل في قوله - تعالى -: (أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ) وهم يقولون: لا يؤتيهم أجورهم. (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا). أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه لم يزل غفورًا رحيمًا، وهم يقولون: لم يكن غفورا رحيما ولكن صار غفورا رحيمًا، وباللَّه العصمة. * * * قوله تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ). قيل في أحد التأويلين: كان يريد كل أحد منهم أن يأتي إلى كل رجل منهم بكتاب: أن محمدًا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهو كقوله - سبحانه وتعالى -: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً)، وكقوله - تعالى -: (وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ). وقيل: سألوا أن يأتيهم بكتاب جملة مثل التوراة؛ مثل قولهم: (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)، كما أنزلت التوراة على موسى جملة واحدة؛ لأنهم يقولون: إن هذا القرآن من اختراع مُحَمَّد واختلاقه؛ لأنه لو كان من عند اللَّه نزل، لنزل جملة كما نزلت التوراة جملة غير متفرقة؛ فأخبر أنهم: (سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً)، وقد سألوا محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مثل سؤال أُولَئِكَ موسى، وهو قوله: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا)، يعزي - عَزَّ وَجَلَّ - رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويصبره على أذاهم، يقول - واللَّه أعلم -: إنهم سألوا آيات على رسالته، فأتى بها، فلم يؤمنوا به، يخبر
(154)
أن سؤالهم سؤال تعنت، لا سؤال استرشاد؛ لأن سؤالهم لو كان سؤال استرشاد - لكان إذا أُتُوا بها قبلوها؛ ولذلك أخذهم العذاب بقوله - تعالى -: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ)؛ لأنهم كانوا يسألون سؤال تعنت، لا سؤال رشد. وفي الآية دلالة أن المسئول لا يلزمه الدليل على شهوة السائل وإرادته؛ ولكن يلزمه أن يأتي بما هو دليل في نفسه. وفيه دلالة له -أيضًا- أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب؛ لأنه لما قال: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ. .) - لم يخطر ببال أحد أنه أراد المجوس بقوله: (أَهْلُ الْكِتَابِ)، واللَّه أعلم. فبطل قول من قال: بأنهم من أهل الكتاب، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) الصاعقة: هي العذاب الذي فيه الهلاك، وقد ذكرناه فيما تقدم، وإنما أخذهم العذاب بكفرهم بموسى بعد ما أتاهم موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بآيات الرسالة، لا بسؤالهم الرؤية؛ لأنه لو كان ما أخذهم من العذاب إنما أخذ بسؤال الرؤية، لكان موسى بذلك أولى؛ حيث قال: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ)؛ فدل أن العذاب إنما أخذهم بتعنتهم وبكفرهم بعد ظهور الآيات لهم أنه رسول اللَّه، وذلك قوله - تعالى -: (ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) يخبر نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن شدة تعنتهم في تكذيب الرسل، وكثرة تمردهم وسفههم؛ ليصبر على أذى قومه، ولا يظن أنه أول مكذَّب من الرسل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا) قيل: السلطان المبين يحتمل الآيات التي أراهم، ما يعقل كل أحد -إن لم يعاند ولا كابر- أنها سماوية؛ إذ هي كانت خارجة عن الأمر المعتاد بين الخلق، من نحو: اليد البيضاء، والعصا، وفرق البحر، وغير ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ ... (154) حين لم يقبلوا التوراة؛ فعند ذلك قبلوا، ثم أخذ عليهم الميثاق بذلك، وهو ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ). عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ)، يقول: لا
(155)
تعملوا في السبت عملا من الدنيا، وتفرغوا فيه للعبادة. وفي حرف حفصة - رضي اللَّه عنها -: " وقلنا لهم لا تَعدّوا في السبت ": وقال أبو معاذ: ويقرأ: " لا تَعَدَّوْا في السبت "؛ على معنى لا تتعدوا، تلقى إحدى، التائين، وإن شئت: تعتدوا، لم تدغم التاء في الدال. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا). هو ما ذكر، قال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: من أرسل اللَّه إليه رسولا فأقر به - فقد أوجب على نفسه ميثاقًا غليظًا. وقال مقاتل: الميثاق الغليظ: هو إقرارهم بما عهد اللَّه إليهم في التوراة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ... (155) قال الكسائي: " ما " - هاهنا - صلة: فبنقضهم ميثاقهم. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " وكفرهم بآيات اللَّه من بعد ما تبينت ". وقال مقاتل: فبنقضهم إقرارهم بما في التوراة، وبكفرهم بآيات اللَّه، يعني: بالإنجيل والقرآن، وهم اليهود. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) يحتمل على حقيقة القتل، ويحتمل على القصد والهم في ذلك، وقد هموا بقتل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - غير مرة. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قال كانوا يقتلون الأنبياء، وأما الرسل - عليهم السلام - فكانوا معصومين، لم يقتل رسول قط؛ ألا ترى أنه قال: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا)، وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ). قيل فيه بوجهين: أحدهما: أنهم قالوا: قلوبنا أوعية للعلم، لا تسمع شيئًا إلا حفظته؛ فالقرآن في هذا الوجه غلف. والثاني: قالوا: قلوبنا في أَكِنَّة مما تقول، لا تعقل ما تقول؛ فالقراءة في هذا الوجه
(156)
غلف فيه. ثم قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ). يحتمل أن يكون هذا جوابًا وردًا على قولهم: إن قلوبنا أوعية للعلم، لا تسمع شيئا إلا وعته؛ أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه طبع على قلوبهم بكفرهم؛ فلا يفقهون شيئا، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا). قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قذفوها بالزنا، وهو قولهم: (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا). وقيل في قوله - تعالى -: (وَبِكُفْرِهِمْ) أي: كفرهم بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبالقرآن، وقولهم على مريم ما قالوا: (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا). (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ ... (157) قيل: سمي مسيحًا؛ لأن جبريل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مسحه بالبركة؛ فهو كالممسوح الفعيل، بمعنى: المفعول، وذلك جائز في اللغة. وقيل: المسيح، بمعنى: ماسح؛ لأنه كان يمسح المريض والأبرص والأكمه فيبرأ؛ فسمي لذلك مسيحًا، وذلك جائز الفعيل بمعنى فاعل، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ. . .) الآية. لبعض الناس تعلق بهذه الآية بوجهين: أحدهما: في احتمال الغلط والخطأ في المشاهدات والمعاينات. والثاني: في احتمال المتواتر من الأخبار الغلط والكذب؛ وذلك أنه قيل في القصة: إن اليهود طلبت عيسى - عليه السلام - ليقتلوه، فحاصروه في بيت ومعه نفر غير أصحابه من الحواريين، فأدركهم المساء؛ فباتوا يحرسونه؛ فأوحى اللَّه - تعالى - إلى عيسى - عليه
السلام -: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)؛ فأخبر أصحابه، وقال: أيكم يحب أن يلقى عليه شبهي فيقتل، ويجعله اللَّه يوم القيامة معي وفي درجتي؟ فقال رجل منهم: أنا يا رسول اللَّه؛ فألقى اللَّه - تعالى - عليه شبهه ورفع عيسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فلما أصبح القوم أخذوا الذي ألقى اللَّهُ عليه شبهه؛ فقتلوه، وصلبوه. وقيل: إنه أُلقي شبهه على رجل من اليهود. وقيل: إنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما هموا بقتله التجأ إلى بيت، فدخل فيه، فإذا هم قد جاءوا في طلبه، فدخل رجل منهم البيت ليقتله، فأبطأ عليهم؛ فظنوا أنه قد قتله، فلما خرج وقد أُلقي شبهه عليه؛ فقتلوه، وقالوا لما قتلوا ذلك الرجل، وعندهم أنه عيسى؛ لما كان به شبهه، ثم لم يكن ذلك عيسى فلا يمنع أيضًا أن ما يشاهد ويعاين أنه -في الحقيقة- على غير ذلك، كما شاهد أُولَئِكَ القوم وعاينوا، وعندهم أنه عيسى، ثم لم يكن، واللَّه أعلم. ثم الخبر -أيضًا- قد تواتر فيهم بقتل عيسى، فكان كذبًا ما يمنع -أيضًا- أن الأخبار المتواترة يجوز أن تخرج كذبًا وغلطًا. قيل: أما الخبر بقتله إنما انتشر عن ستة أو سبعة؛ على ما ذكر في القصة، والخبر الذي كان انتشاره بذلك القدر من العدد، هو من أخبار الآحاد عندنا. وأما قوله - تعالى -: (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ). يجوز أن يكون ذلك التشبيه تشبيه خبر أنه قتل من إلقاء الشبه على غيره، وقتله حقيقة؛ وذلك أنه ذكر في بعض القصة: أنهم لما طلبوه في ذلك البيت فلم يجدوه، ولم يكن غاب أحد منهم - قالوا: قتلناه؛ لأنهم قالوا: إنه دخل البيت، فدخلوه على أثره، فلم يجدوه - كان ذلك إنباء عن عظيم آيات رسالته؛ فلم يحبوا أن يقولوا ذلك، فقالوا:
(158)
قتلناه، كذبًا؛ فذلك تشبيه لهم، واللَّه أعلم. فإن احتمل هذا - لم يكن ما قالوا من تخطئة العين لهم درك، ولو كان ما قال أهل التأويل من إلقاء شبهه عليه؛ فذلك من آيات رسالته، أراد اللَّه أن تكون آياته قائمة بعد غيبته عنهم، وفي حال إقامته بينهم، واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) قيل: لفي شك، من قتل عيسى - عليه السلام - قتل أو لم يقتل؛ وقيل: (لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) في عيسى، أي: على الشك يقولون ذلك. قال اللَّه - تعالى -: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ). أي: ليس لهم بذلك إلا اتباع الظن: إلا قولا منهم بظنهم في غير يقين. (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا). أي: ما قتلوا ظنهم يقينًا؛ (بَل رفَعَهُ اللَّهُ). وقيل: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) أي: يقينًا ما قتلوه. (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) قيل: عزيزا حين حال بينهم وبين عيسى أن يقتلوه ويصلوا إليه. (حَكِيمًا). حكم أن يرفعه اللَّه حيَّا. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه -: (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) في أن رسله يكونون معصومين، وهو قوله - تعالى -: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ أيضًا -: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172). وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ... (159) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله - تعالى -: (قَبْلَ مَوْتِهِ) هو أي: قبل موت عيسى، إذا نزل من السماء - آمنوا به أجمعين، وبه يقول الحسن. وقال الكلبي: إن اللَّه - تعالى - إذا أنزل عيسى - عليه السلام - عند مخرج الدجال، فقتل الدجال - يؤمن به بقية أهل الكتاب؛ فلا يبقى يهودي ولا نصراني إلا أسلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) أي: قبل موت الكتابي؛ لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى، عليه السلام. وكذلك رُوي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه -: قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى - عليه السلام -، قيل: وإن ضرب بالسيف؟ قال: وإن ضرب بالسيف. وقال: هي في حرف أُبَي: " إلا ليؤمنن به قبل موتهم ". لكن التأويل إن كان هو الثاني؛ فهو في رؤسائهم الذين كانت لهم الرياسة، فلم يؤمنوا؛ خوفًا على ذهاب تلك الرياسة والمنافع التي كانت لهم، فلما حضرهم الموت أيقنوا بذهاب ذلك عنهم؛ فعند ذلك يؤمنون، وهو - واللَّه أعلم - كقوله - تعالى -: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ. . .) الآية، لكن لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت؛ كقوله - تعالى -: (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ)؛ لأنه إيمانُ دفع العذاب والاضطرار؛ كقوله - تعالى -: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ. . .) الآية؛ فكان إيمانهم إيمان دفع العذاب عن أنفسهم، لا إيمان حقيقة؛ لأنه لو كان إيمان حقيقة لقبل، ولكن إيمان دفع العذاب؛ كقول فرعون حين أدركه الغرق: (قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ)، فلم يقبل منه ذلك؛ لأنه إيمان دفع العذاب، وإيمان الاضطرار، لا إيمان حقيقة؛ فعلى ذلك الأول، وباللَّه التوفيق. وقيل في حرف ابن مسعود - رضي اللَّه عنه -: " وإن من أهل الكتاب إلا من ليؤمنن به قبل موته ". وفي حرف حفصة - رضي اللَّه عنها -: " وإن كل أهل الكتاب لما ليؤمنن به قبل موته ". وقيل: (إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ) قيل: باللَّه. وقيل: بعيسى.
(160)
وقيل: بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ ذلك أن عيسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذا نزل يدعو الناس إلى الإيمان بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) قيل: إنه يكون عليهم شهيدًا بأنه قد بلغ رسالة ربه إليهم، وأقر على نفسه بالعبودية. وقيل: الشهيد: الحافظ. وقيل: " ويوم القيامة يكون عيسى عليهم شهيدا ". وقيل: يكون مُحَمَّد عليهم شهيدًا، وهذا كله محتمل، واللَّه أعلم ما أراد. * * * قوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162) وقوله: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) لولا آية أخرى سوى هذه؛ وإلا صرفنا قوله - سبحانه وتعالى -: (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ) على المنع، دون حقيقة التحريم؛ لأنهم أهل كفر؛ فلا يبالون ما يتناولون من المحرم والمحلل، ولا يمتنعون عن التناول من ذلك؛ فإذا كان ما ذكرنا - فيجيء أن يعود تأويل الآية إلى المنع؛ كقوله - تعالى -: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ)، فليس هو على التحريم؛ ولكن على المنع؛ أي: منعناه؛ فلم يأخذ من لبن المراضع دون لبن أمه؛ فعلى ذلك يجب أن يكون الأول.
(161)
ثم المنع لهم يكون من وجهين: أحدهما: منع من جهة منع الإنزال؛ لقلة الأمطار والقحط؛ كسني يوسف - عليه السلام - وسني مكة، على ما كان لهم من القحط. والثاني: منع من جهة الخلق: ألا يعطوا شيئًا، لا بيعًا ولا شراء ولا معروفًا. ولكن في آية أخرى بيان أن قوله: (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) - أنه على التحريم، ليس على المنع، وهو قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ): أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أن ذلك جزاء بغيهم؛ فدل ما ذكرنا في الآية أن ذلك على حقيقة التحريم؛ لما يحتمل أن يكونوا لا يستحلون ما ذكر في الآية، ولكن كانوا يتناولون الربا على غير الاستحلال؛ فحرم ذلك عليهم. وفي قوله - تعالى -: (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) دلالة لأصحابنا - رحمهم اللَّه - في قولهم: إن من قد أَقَرَّ، فقال: هذا الشيء لفلان اشتريته منه - أنه له، ولا يؤخذ منه؛ وإلا في ظاهر قوله: هذا الشيء لفلان اشتريته منه - أنه إذا اشتراه منه لا يكون لفلان؛ فيكون ذلك منه إقرارًا له، لكنه على الإضمار؛ كأنه قال: هذا الشيء كان لفلان اشتريته منه. وكذلك قوله: (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) أي: كانت أحلت لهم، وكذلك في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وحرف ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: " حرمنا عليهم طيبات كانت أحلت لهم ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا) أي: بصدهم الناس عن سبيل اللَّه كثيرًا، يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أنهم صدوا من يستجهلون ويستسفهون عن سبيل اللَّه: كانوا يدلون على الباطل وعلى غير سبيل اللَّه، فذلك الصد محتمل. ويحتمل: أنهم كانوا يصدون عن سبيل اللَّه بالقتال والحرب. وقوله: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ... (161)
دل أن الربا لم يزل محرمًا على الأمم كلها كما حرم على هذه الأمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) يحتمل هذا وجهين: يحتمل أكل أموالهم بالباطل: هو الرشوة؛ كقوله - تعالى -: (وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ)، قيل: هو الرشوة. وقيل: ما كانوا ينالون من أموال الأتباع والسفلة؛ بتحريفهم التوراة لهم، وهو قول ابن عباس، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا). الآية ظاهرة.
(162)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ... (162) استثنى الراسخين في العلم منهم. والرسخ: هو ثبات الشيء في القلب؛ يقال: رسخ العلم في القلب، ورسخ الإيمان في القلب. وقوله: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) [رُويَ عن عائشة - رضي اللَّه عنها - أنها قالت: هذا خطأ من الكاتب؛ هو: " المقيمون الصلاة، والمؤتون الزكاة "] (¬1). وكذلك في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " والمقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة ". وقال الكسائي: وجه قراءتنا: (يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ ¬
الصَّلَاةَ) يقول: يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ويؤمنون بإقامة الصلاة؛ كما قال - عَزَّ وَجَلَّ - في سورة البقرة (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ)، معناه: ولكن البر الإيمان بِاللَّهِ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله - تعالى -: (يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) يعني: الرسل.
(163)
وفي حرف حفصة - رضي اللَّه عنها -: " لكن الراسخون في العلم يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك المقيمين الصلاة المؤتين الزكاة والمؤمنون باللَّه واليوم الآخر سوف نؤتيهم أجرًا عظيمًا "، وكذلك في حرف أبي: (المُقِيمِينَ الصَّلاةَ) بالنصب. * * * قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) قيل فيه بوجوه: قيل: قوله: (كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ) الكاف صلة زائدة، ومعناه: إنا أوحينا إليك ما أوحينا إلى نوح ومن ذكر من بعده، أي: لا يختلف ما أنزل إليك وما أنزل إلى غيرك من الرسل؛ وهو كقوله - تعالى - (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ)، (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى). وقيل: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) من الحجج والآيات " كما أوحينا إلى نوح " ومن ذكر من الحجج والآيات على صدق ما ادعوا، أي: قد أعطاك اللَّه، من الحجج والآيات ما يدل على رسالتك ونبوتك؛ كما أعطى أُولَئِكَ من الحجج والآيات على صدق ما ادعوا من الرسالة والنبوة، ثم لم يؤمنوا. وقيل: إن اليهود قالوا: إن محمدًا لو كان رسولا - لكان يؤتى كتابًا جملة، كما أوتي موسى كتابًا جملة من غير وحي؛ فقال اللَّه - تعالى -: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) وحيًا من غير أن أوتي كل منهم كتابًا جملة كما أوتي موسى، ثم كان أُولَئِكَ رسلاً؛ فعلى ذلك مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - رسول وإن لم يؤت كتابًا كما أوتي موسى، ولله أن يفعل ذلك: يؤتي من شاء كتابًا جملة مرة، ومن شاء يوحي إليه بالتفاريق، واللَّه أعلم
(164)
بذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. . .) ومن ذكر. يحتمل ذكر إبراهيم ومن ذكر من أولاده بعد قوله: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ) - على التخصيص لإبراهيم ومن ذكر؛ لأنه ذكر النبيين من بعد نوح؛ فدخلوا فيه، ثم خصهم بالذكر؛ تفضيلأ وتخصيصًا لهم. ويحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ): الرسل الذين كانوا بعد نوح قبل إبراهيم، ثم ابتدأ الكلام فقال: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ. . .) ومن ذكر. وفي حرف حفصة - رضي اللَّه عنها -: " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح، وكما أوحينا إلى الرسل من بعدهم، وكما أوحينا إلى إبراهيم "؛ فهذا يدل على ما ذكرنا من ابتداء الذكر لهم، واللَّه أعلم. والآية ترد على القرامطة مذهبهم؛ لأنهم يقولون: الرسل ستة، سابعهم قائم الزمان؛ لأنه ذكر في الآية من الرسل أكثر من عشرة؛ فظهر كذبهم بذلك، ومخايلهم التي سول لهم الشيطان وزين في قلوبهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ... (164) ذكر في بعض القصة: أن اليهود قالوا: ما بال موسى لم يذكر فيمن ذكر من الأنبياء؟ فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ) هَؤُلَاءِ بمكة في " الأنعام " وفي غيرها؛ لأنه قيل: إن هذه السورة مدنية. ثم في قوله: (وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) دلائل من وجوه: أحدها: أن معرفة الرسل بأجمعهم واحدًا بعد واحد - ليس من شرط الإيمان بعد أن يؤمن بهم جميعًا؛ لأنه أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أن من الرسل من لم يقصصهم عليه، ولو كان معرفتهم من شرط الإيمان لقصهم عليه جميعًا، لا يحتمل ترك ذلك؛ دل أنه ليس ذلك من شرط الإيمان، واللَّه أعلم. والثاني: أن الإيمان ليس هو المعرفة، ولكنه التصديق؛ لأنه لم يؤخذ عليه عدم معرفة الرسل، وأخذ بتصديقهم والإيمان بهم جملة.
(165)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا). اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: خلق اللَّه كلامًا وصوتًا، وألقى ذلك في مسامعه. وقال آخرون: كتب له كتابا فكلمه بذلك؛ فذلك معنى قوله: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) لا أن كلمه بكلامه، ولا ندري كيف كان؟ سوى أنا نعلم أنه أحدث صوتًا لم يكن، فأسمع موسى ذلك كيف شاء، وما شاء، وممن شاء؛ لأن كلامه الذي هو موصوف به في الأزل لا يوصف بالحروف، ولا بالهجاء، ولا بالصوت، ولا بشيء مما يوصف به كلام الخلق بحال. وما يقال: هذا كلام اللَّه - إنما يُقال على الموافقة والمجاز؛ كقوله: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ)، ولا سبيل له أن يسمع كلام اللَّه الذي هو موصوف به بالأزل؛ ولكنه على الموافقة والمجاز يقال ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) يخرج هذا - واللَّه أعلم - مخرج التخصيص له؛ إذ ما من رسول إلا وقد كان له خصوصية، والكلام خصوصية لموسى - عليه السلام - إذ كلمه من غير أن كان ثمة سفير ورسول، وكان لسائر الرسل وحيًا يوحي إليهم؛ أي: دليل برسول، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) دل المصدر على تحقيق الكلام؛ إذ المصادر مما يؤكد حقائق ما له المصادر في موضوع اللغة، وأيد ذلك الأمر المشهور من تسمية موسى: كليم اللَّه، وما جرى على ألسن الخلق من القول بأن اللَّه كلم موسى؛ فثبت أنه كان له فيما كلمه خصوصية لم يشركه فيها غيره من الرسل، وعلى حق الوحي لمانزال الكتب له شركاء في ذلك من الرسل؛ فثبت أن لما وصف به موسى خصوصية بايَنَ بها غيره؛ على ما ذكره من خصوصية كثير من الرسل بأسماء أو نعوت أوجبت لهم الفضيلة بها، وإن كان حمل ما يحتمل تلك الخصوصية - قد يتوجه إلى ما قد يشترك في ذلك جملة الرسل؛ فعلى ذلك أمر تكليم موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ... (165) أخبر أنه بعث الرسل بالبشارة في العاقبة لمن أطاعه، والإنذار لمن عصاه؛ فهذا ليعلم أن كل أمر لا عاقبة له فهو عبث، ليس من الحكمة، وأن الذي دعا الرسلُ الخلق إليه إنما دعوا لأمر له عاقبة؛ إذ في عقل كل أحد أن كل أمر لا عاقبة له ليس بحكمة؛ فهذا - والله
(166)
أعلم - معنى قوله: (مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) مبشرين، لمن أطاع اللَّه بالجنة، ومنذرين لمن عصاه بالنار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ). يحتمل هذا وجهين: يحتمل: لئلا يكون للناس على اللَّه - تعالى - الاحتجاج بأنه لم يرسل الرسل إلينا، وإن لم يكن لهم في - الحقيقة - عند اللَّه - تعالى - ذلك؛ فيقولوا: (لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى). ويحتمل قوله - تعالى -: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) حقيقة الحجة، لكن ذلك إنما يكون في العبادات والشرائع التي سبيل معرفتها السمع لا العقل، وأما الدِّين فإن سبيل لزومه بالعقل؛ فلا يكون لهم في ذلك على اللَّه حجة؛ إذ في خلقة كل أحد من الدلائل ما لو تأمل وتفكر فيها لدلته على هيبته، وعلى وحدانيته وربوبيته؛ لكن بعث الرسل لقطع الاحتجاج لهم عنه، وإن لم تكن لهم الحجة. وإن كان على حقيقة الحجة فهو في العبادات والشرائع؛ فبعث الرسل على قطع الحجة لهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) أي: لا يعجزه شيء عن إعزاز من أراد أن يعزه، ولا على إذلال من أراد إذلاله. (حَكِيمًا): يعرف وضع كل شيء موضعه. وقد ذكرنا تأويله في غير موضع. وتوبه - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ... (166) قيل فيه بوجهين: قيل: يشهد اللَّه يوم القيامة -والملائكة يشهدون أيضًا- أن هذا القرآن الذي أنزل إليك إنما أنزل من عند اللَّه، لا كما يقولون: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ)، (مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى)، (إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ)، كما قالوا. وقيل: قوله: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ) أي: يبين بالآيات والحجج التي يعجز الخلائق عن إتيان مثلها، وتلزمهم الإقرار بأنه إنما أنزل من عند اللَّه، واللَّه أعلم.
(167)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) يحتمل وجهين: أنزله بالآيات والحجج ما يعلم أنها آيات الربوبية والحجج السماوية. ويحتمل: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) أي: أنزله على علم منه بمن يقبل ومن لا يقبل، ليس كما يبعث ملوك الأرض بعضهم إلى بعض رسائل وهدايا لا يعلمون قبولها ولا ردها، ولا علم لهم بمن يقبلها وبمن يردها، ولو كان لهم بذلك علم ما أرسلوا الرسل، ولا بعثوا الهدايا؛ إذا علموا أنهم لا يقبلون؛ فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه على علم منه أنزل بمن يقبل وبمن يرد، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) أي: شاهدًا على ما ذكرنا من شهادته يوم القيامة على أحد التأويلين أنه أنزله. ويحتمل قوله: (شَهِيدًا) أي: مبينًا، أي: كفى باللَّه مبينًا بالآيات والحجج. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: لما أنزل اللَّه: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ) إلى قوله: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. . .) الآية - قالت قريش: من يشهد لك أن ما تقول حق؟ فأنزل اللَّه - تعالى -: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)، وأنزل (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) الآية. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: كفروا بآيات اللَّه. (وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا) أي: قد تاهوا وتحيروا تحيرًا طويلا. ويحتمل: (قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا) أي: هلكوا هلاكًا لا نجاة لهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع.
(168)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا ... (168) أي: كفروا بآيات اللَّه وحججه، وظلموا أمر اللَّه وتركوه. ويحتمل قوله - تعالى -: (وَظَلَمُوا) حيث جعلوا أنفسهم لغير اللَّه، وجعلوا العبادة لمن دونه، وهو إنما خلقهم؛ ليجعلوا عبادتهم له، فقد وضعوا أنفسهم في غير موضعها؛ لذلك وصفهم بالظلم؛ لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. ويحتمل: ظلموا أنفسهم، وإن كانوا لا يقصدون ظلم أنفسهم؛ فإن حاصل ذلك يرجع إلى أنفسهم؛ فكأنهم ظلموا أنفسهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ... (169) كأنه على الإضمار بألا يهديهم في الآخرة طريقًا إلا طريق جهنم. ويحتمل ما قال أهل التأويل، قالوا: لا يهديهم طريق الإسلام إلا طريق جهنم: طريق الكفر والشرك هما طريقا جهنم في الدنيا، والإسلام هو طريق الجنة في الدنيا. وهذه الآية والآية الأولى في قوم علم اللَّه أنهم لا يؤمنون أبدًا، ويموتون على ذلك؛ حيث أخبر أنه - عَزَّ وَجَلَّ - لا يغفر لهم، ولا يهديهم. (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا). ظاهر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ ... (170) يحتمل قوله: (بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ): بالحق الذي للَّهِ عليكم. ويحتمل: (بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ) بالحق الذي لبعضكم على بعض، قد جاءكم الرسول من اللَّه ببيان ذلك كله. ويحتمل قوله: (قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ) الحق الذي هو ضد الباطل ونقيضه، وفرق بينهما، وأزال الشبه؛ إن لم تعاندوا ولم تكابروا. (فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ). لأن الذي كان يمنعهم عن الإيمان باللَّه حب الرياسة، وخوف زوال المنافع التي كانت لهم؛ فقال: (فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ)؛ لأن ذلك لكم في الدنيا، والآخرة دائم لا يزول؛ فذلك خير لكم من الذي يكون في وقت ثم يزول عنكم عن سريع.
(171)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. . .) الآية. يخبر - واللَّه أعلم - أن ما يأمر خلقه وينهى ليس يأمر وينهى لحاجة له أو لمنفعة؛ ولكن يأمر وينهى لحاجة الخلق ومنافعهم؛ إذ من له ما في السماوات وما في الأرض وملكهما - لا يقع له حاجة ولا منفعة، وهو غنى بذاته. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) عليمًا: عن علم بأحوالكم خلقكم، لا عن جهل، وعليمًا بما به صلاحكم وفسادكم. (حِكيما): حيث وضع كل شيء موضعه. ويحتمل قوله - تعالى - (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وجهًا آخر، وهو: الذي تكفرونه، يقْدر أن يخلق خلقًا آخر سواكم يطيعونه؛ إذ له ما في السماوات وما في الأرض، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) والغلو في الدِّين: هو المجاوزة عن الحد الذي حد لهم، وكذلك الاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي أحد لهم، في الفعل وفي النطق جميعا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: تفسير الغلو ما ذكر: (وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)؛ فالقول على الله بما لا يليق به غلو. وقيل: لا تغلوا: أي لا تَعَمَّقُوا في دينكم، ولا تَشَدَّدُوا؛ فيحملكم ذلك على الافتراء على اللَّه، والقول بما لا يحل ولا يليق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ). أي: الصدق. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) يقول: لا تقولوا لله - تعالى - ولد ولا صاحبة. وفي حرف حفصة - رضي اللَّه عنها -: " ولا تقولوا: اللَّه ثالث ثلاثة؛ إنما هو إله واحد). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ) الخطاب بقوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) في حقيقة المعنى - للخلق كلهم؛ لأن على كل الخلائق ألا يغلوا في دينهم، وهو في الظاهر في أهل الكتاب، والمقصود منه النصارى دون غيرهم من أهل الكتاب؛ حتى يعلم أن ليس في مخرج عموم اللفظ دليل عموم المراد، ولا في مخرج خصوصه دليل خصوصه؛ ولكن قد يراد بعموم اللفظ: الخصوص، وبخصوص اللفظ: العموم؛ فيبطل به قول من يعتقد بعموم اللفظ عموم المراد، وبخصوص اللفظ خصوصه. ثم افترقت النصارى على ثلاث فرق في عيسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعد اتفاقهم على أنه ابن مريم: قال بعضهم: هو إله، ومنهم من يقول: هو ابن الإله، ومنهم من يقول: هو ثالث ثلاثة: الرب، والمسيح، وأمه؛ فأكذبهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - في قولهم، وأخبر أنه رسول اللَّه ابن مريم، ولو كان هو إلهًا لكانت أمه أحق أن تكون إلهًا؛ لأن أمه كانت قبل عيسى - عليه السلام - ومن كان قبلُ، أحق بذلك ممن يكون من بعد، ولأن من اتخذ الولد إنما يتخذ من جوهره، لا يتخذ من غير جوهره؛ فلو كان ممن يجوز أن يتخذ ولدًا - لم يتخذ من جوهر البشر؛ كقوله - تعالى -: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) قَالَ بَعْضُهُمْ: كلمته: أن قال له: كن؛ فكان. لكن الخلائق كلهم في هذا كعيسى؛ لأن كل الخلائق إنما كانوا بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: كن؛ فكان؛ فليس لعيسى - عليه السلام - في
ذلك خصوصية. وأصله أنه سمي كلمة اللَّه لما ألقاها إلى مريم، ولا ندري أية كلمة كانت؛ وإنما خلقه بكلمته التي ألقاها إليها؛ فسمي بذلك، كما خلق آدم من تراب؛ فنسب إليه، وحواء خلقها من ضلع آدم؛ فنسبها إليه، وسائر الخلائق خلقهم من النطفة؛ فنسبهم إليها؛ فعلى ذلك عيسى، لما خلقه بكلمة ألقاها إليها - نسب إليه، لكن في آدم وغيره من الخلائق ذكر فيهم التغيير من حال إلى حال، ولم يذكر ذلك في عيسى؛ فيحتمل أن يكون له الخصوصية بذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرُوحٌ مِنْهُ) كقوله - تعالى -: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) فسمي لذلك روحًا؛ لما به كان يحيي الموتى؛ ألا ترى أنه سمى القرآن روحًا، وهو قوله - تعالى -: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا)، سماه روحًا؛ لما به يحيي القلوب، كما يحيي الأبدان بالأرواح. وقيل: (وَرُوحٌ مِنْهُ) أي: أحياه اللَّه وجعله روحًا. وقيل: (وَرُوحٌ مِنْهُ) أي: رسولا منه. وقيل: (وَرُوحٌ مِنْهُ) أي: أمر منه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ. . .) لأن الرسل كلهم لم يدعوكم إلى الذي أنتم عليه أنه ثالث ثلاثة؛ إنما دعاكم الرسل أنه اللَّه إله واحد لا شريك له ولا ولد. (انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ). بما ذكرنا بالآية الأولى. وقوله: (وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ) بالرفع، أي: لا تقولوا: هو ثلاثة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) نزه نفسه عن عظيم ما قالوا فيه بأن له ولدًا، ثم أخبر أن له ما في السماوات وما في الأرض؛ وإنَّمَا يُتَّخَذُ الولد لإحدى خصال ثلاث: إما لحاجة تمسه؛ فيدفعها به عن نفسه، أو لوحشة تصيبه؛ فيستأنس به، أو لخوف غلبة العدو؛ فيستنصر به ويقهره، أو لما يخاف
(172)
الهلاك؛ فيتخذ الولد ليرث ملكه. فإذا كان اللَّه - سبحانه - يتعالى عن أن تمسه حاجة أو تصيبه وحشة، أو لملكه زوال - يتعالى عن أن يتخذ ولدًا وهو عبده. (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا). قيل: حافظًا. وقيل: شهيدًا. وقيل: الوكيل: هو القائم في الأمور كلها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ... (172) تكلم الناس في هذه الآية: قال الحسن: فيه دليل تفضيل الملائكة على البشر؛ لأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)؛ لأن الثاني يخرج مخرج التأكيد للأول، وأبدًا إنما يذكر ما به يؤكد؛ إذا كان أفضل منه وأرفع، لا يكون التأكيد بمثله ولا بما دونه؛ كما يقال: لا يقدر أن يحمل هذه الخشبة واحد ولا عشرة، ولا يعمل هذا العمل واحد ولا عدد؛ فهو على التأكيد يقال؛ فعلى ذلك الأول: خرج ذكر الملائكة على أثر ذكر المسيح؛ على التأكيد، وأبدًا إنما يقع التأكيد بما هو أكبر، لا بما دونه. والثاني: قال: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وقال - عز وجل -: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ)، وقالوا: فكيف يستوي حال من يعصي مع حال من لا يعصي؟! وحال من لا يفتر عن عبادته طَرْفَةَ عَيْنٍ مع حال من يرتكب المناهي؟! والثالث: ما قال اللَّه - تعالى - حكاية عن إبليس؛ حيث قال لآدم وحواء - عليهما السلام - (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ). لو لم يكن للملائكة فضل عندهم ومنزلة -ليس ذلك للبشر- لم يكن إبليس بالذي يغرهما بذلك الملك والوعد لهما أنهما يصيران مَلَكَينِ، ولا كان آدم وحواء باللَّذين يغتران بذلك - دل أن الملك أفضل من البشر. والرابع: أن الأنبياء - صلى اللَّه عليهم وسلم - ما استغفروا لأحد، إلا بدءوا بالاستغفار لأنفسهم ثم لغيرهم من المؤمنين؛ كقول نوح - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ. . .) الآية.
وكقول إبراهيم - عليه السلام - (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، وما أمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - نبيه محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالاستغفار؛ فقال: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) الآية، وقال: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)، وما أمر بذلك، وما فعلوا ذلك؛ إلا ما يحتمل ذلك فيهم. والملائكة لم يستغفروا لأنفسهم؛ ولكنهم طلبوا المغفرة للمؤمنين من البشر؛ كقوله: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)، وإلى هذا ذهب بعض الناس: بتفضيلهم الملائكة على البشر.
وقال آخرون بتفضيل البشر على الملائكة، ولا يجب أن يتكلم في تفضيل البشر على الإطلاق على الملائكة؛ لأنهم يعملون بالفساد وبكل فسق، إلا أن يتكلم في تفضيل أهل الفضل من البشر والمعروف منهم بذلك - على الملائكة؛ فذلك يحتمل أن يتكلم فيه. ويذهب من قال بتفضيل من ذكرنا من البشر على الملائكة - إلى أنه: ليس في قوله تعالى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) - دلالة على أن الملائكة كلهم أفضل منهم؛ لأنه إنما ذكر " المقربون "، لم يذكر الملائكة مطلقًا؛ فيجوز
(173)
أن يكون لمن ذكر فضل على البشر، وكلامنا في تفضيل الجوهر على الجوهر، ولأن البشر ركب فيهم من الشهوات والأماني التي تدعوهم إلى ما فيه الخلاف لله والمعصية له، وجعل لهم أعداء أمروا بالمجاهدة معهم، من نحو: أنفسهم، والشياطين الذين سلطوا عليهم، ولا كذلك الملائكة؛ فمن حفظ نفسه، وصانها، وأخلصها من بين الأعداء، وقمع ما ركب فيهم من الشهوات، والحاجات الداعية إلى الخلاف لله والمعصية له - كان أفضل ممن لا يشغله شيء من ذلك، واللَّه أعلم. وما ذكر من اغترار آدم وحَواء بقول إبليس: (إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ) لا يحتمل أن يكون آدم لما خلقه من جوهر البشر، وأخبر أنه جعله خليفة في الأرض أنه يتناول ما نهي عنه؛ ليصير من جوهر الملائكة، ولكنه - واللَّه أعلم - رأي أن الملائكة طبعوا على حب العبادة لله، ولم يركب فيهم من الشهوات والحاجات التي تشغل المرء عن العبادة لله والطاعة له - فأحب أن يطبع بطبعهم؛ ليقوم بعبادة اللَّه كما قاموا هم، والله أعلم. والتكلم في مثل هذا فضل؛ ذلك إلى اللَّه تعالى، وإليه التخيّر والإفضال. ثم تأويل قوله عَزَّ وَجَلَّ - واللَّه أعلم -: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ): وذلك أنهم كانوا يعبدون الملائكة دون اللَّه، ويعبدون المسيح دونه؛ فأخبر أن أُولَئِكَ الذين تعبدونهم أنتم لم يستنكفوا عن عبادتي؛ فكيف تستنكفون أنتم؟! وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) فهو - واللَّه أعلم - على الإضمار؛ كأنه قال: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر، ومن لم يستنكف عن عبادته ولم يستكبر؛ فسيحشرهم إليه جميعًا. ثم بين جزاء من لم يستنكف عن عبادته ومن لم يستكبر، ومن استنكف واستكبر، فقال: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ. . . (173) الآية، (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا. . .) الآية؛ وإلا لم يكن في الذين استنكفوا مؤمن؛ بل كانوا كلهم كفارًا؛ بالاستنكاف والاستكبار عن عبادته. والاستنكاف والاستكبار واحد في الحقيقة، وقال الكساني: وإنما جمع بينهما؛ لاختلاف اللفظين، وهذا من حسن كلام العرب: كقول العرب: كيف حالك؟ وبالك؟ والحال والبال واحد، ومثله في القرآن والشعر كثير. لكن الاستنكاف -والأنفة- لا يضاف إلى اللَّه تعالى، والاستكبار يضاف، فهما من هذا المعنى مختلفان، وأما في الحقيقة فهما واحد، واللَّه أعلم.
(174)
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) والبرهان: هو الحجة توضح وتظهر الحق من الباطل. وقيل: بيان من ربكم، وهما واحد. قَالَ بَعْضُهُمْ: هو النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقال آخرون: هو القرآن؛ فأيهما كان فهو حجة وبيان، يلزم الحق -ويبين- من لم يعاند. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) يبصر به الحق من الباطل، وبه يعرف: وهو القرآن، سماه: نورًا؛ لما به يبصر الحق، وإن لم يكن هو بنفسه نورًا؛ كالنهار: سماه مبصرًا؛ لما به يبصر، وإن لم يكن هو كذلك. وقال قتادة: (نُورًا مُبِينًا): هو هذا القرآن، وفيه بيانه ونوره وهداه، وعصمة لمن اعتصم به. * * * قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ). جعل الاعتصام به ما به ينال رحمته وفضله. والاعتصام: هو أن يلتجأ إليه في كل الأمور، وبه يوكل، لا يلتجأ بمن دونه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) كأنه - واللَّه أعلم - على التقديم والتأخير: " فأما الذين آمنوا باللَّه واعتصموا به، ويهديهم إليه صراطًا مستقيمًا؛ فسيدخلهم في رحمة منه "، يعني: الجنة " وفضل "؛ كقوله تعالى: (فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ). * * * قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:، (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ). ذكر الاستفتاء، ولم يذكر: فيم استفتوا؟ لكن في الجواب بيان أن الاستفتاء فيم كان، وقال: (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ). والكلالة: ما ذكر: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي. . .) إلى آخر ما ذكر.
قال جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فِيَّ نزلت الآية. ورُويَ عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: ما سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، ثم طعن في صدري بأصبعه، فقال: " ألا يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيفِ التي في آخِرِ سُورَةِ النسَاءِ؟! "، وفيه دلالة أن قد يترك بيان ما يدرك بالاجتهاد والنظر، ولا يبين؛ ليجتهد، ويدرك بالنظر؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سأل غير مرة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولم يبينه، وأشار إلى الآية التي فيها ذكر ما سأل عنه؛ لينظر ويجتهد؛ ليدرك. وفيه دليل جواز تأخير البيان؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سأله غير مرة، ولم يبينه حتى أمره بالنظر في الآية، وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لم يكن عرف قبل ذلك؛ فدل على جواز تأخير البيان. وروي عن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: الكلالة: من ليس له ولد ولا والد، وكذلك قال عمر - رضي اللَّه عنه - وقال: إِنِّي لأستحي من اللَّه أن أرد شيئا قاله أبو بكر. وسئل ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن الكلالة؟ فقال: من لا ولد له ولا والد. وروي عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: مرضت؛ فأتاني رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يعودني وأبو
بكر الصديق معه؛ فوجدني قد أغمى عليَّ؛ فصبَّ وضوءه عليَّ؛ فأفقت؛ فقلت: يا رسول اللَّه، كيف أصنع في مالي؟ وكان لي تسع أخوات؛ فلم يجبني حتى نزل قوله - تعالى -: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ. . .) إلى آخر ما ذكر، قال جابر - رضي اللَّه عنه -: فِيَّ نزلت الآية. قال بعض الناس: إذا مات الرجل؛ وترك ابنة وأختًا - فلا شيء للأخت؛ لأن اللَّه - تعالى - قال: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) والابنة ولد؛ فلا ميراث للأخت وللأخ مع الابنة؛ لأنها ولد؛ فيقال: إن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - جعل للابنة النصف؛ إذا لم يكن معها ابن؛ بقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)؛ فإذا مات وترك ابنة وأختًا فللابنة النصف، وذلك النصف الباقي إذا لم يُعْطَ للأخت - يرد إلى الابنة؛ فيكون لها كل الميراث، وقد جعل اللَّه - تعالى - ميراثها إذا لم يكن معها ولدٌ ذَكَرٌ - النصف، أو لا يرد إلى الابنة؛ فيجب أن ينظر أيهما أحق بذلك النصف الباقي؛ فجاء في بعض الأخبار: أن الأخوات مع البنات عَصَبَة؛ لذلك كانت الأخت أَوْلَى بذلك النصف الباقي، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) ذكر للاثنتين الثلثين، ولم يذكر ما للثلاث فصاعدًا منهن، وذكر في الابنة الواحدة النصف في أول السورة بقوله: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) ولم يذكر ما للبنتين؛ ولكن ذكر الثلاث فصاعدًا بقوله تعالى: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) فترك بيان الحق في الابنتين؛ لبيانه في الأختين، وترك البيان للأخوات؛ لبيانه في البنات؛ ففيه دليل القياس: حيث اكتفى ببيان البعض عن الآخر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) دل قوله تعالى: (إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً) أن اسم الإخوة يجميع الإناث والذكور جميعًا؛ لأنه ذكر إخوة، ثم فسر الرجال والنساء؛ فهو دليل لنا في قوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ
فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) وإنهم يحجبون الأم عن الثلث، ذكورًا كانوا أو إناثًا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) قيل: ألا تضلوا. قال الكسائي: العرب تقول للرجل: أطعمتك أن تجوع، وأغنيتك أن تفتقر؛ على معنى ألا تجوع ولا تفتقر، وفي القرآن كثير مثل هذا. ثم قوله: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) قيل: ألا تضلوا في قسمة المواريث. وقيل: ألا تخطئوا. وقيل: ألا تخلطوا، وهو واحد. (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). وعيد، وباللَّه الحول والقوة، واللَّه المستعان. * * *
سورة المائدة
سُورَةُ الْمَائِدَة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) أجمع أهل التأويل على أن العقود - هاهنا - هي العهود، ثم العهود على قسمين:
عهود فيما بين الخلق، أمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بوفائها. وعهود فيما بينهم وبين ربهم، وهي المواثيق التي أخذ عليهم، من نحو: الفرائض التي فرض اللَّه عليهم، والنذور التي يتولون هم إيجابها، وغير ذلك، أمر عَزَّ وَجَلَّ بوفائها. وأما العهود التي فيما بينهم من نحو: الأيمان وغيرها، أمر بوفاء ذلك إذَا لم يكن فيها معصيَة الرب؛ كقوله تعالى: (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا. . .) الآية، أمر هاهنا بوفاء الأيمان، ونهى عن تركها ونقضها، ثم جاء في الخبر أنه قال: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَي غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الذِي هُوَ خَيرٌ، وَلْيُكَفرْ عن يَمِينَهُ ". أمر فيما فيه معصية بفسخها، وأمر بوفاء ما لم يكن فيه معصية، ونهي عن
نقضها بقوله تعالى: (وَلَا تنقُضُوا. . .) الآية. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ): وهي العهود، وهو ما أحل وما حرم، وما فرض وما حد، في القرآن كله، وهو ما ذكرنا. وقيل: إن العقود التي أمر اللَّه - تعالى - بوفائها هي العهود التي أخذ اللَّه - تعالى - على أهل الكتاب: أن يؤمنوا بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ويأخذوا بشرائعه، ويعملوا بما جاء به، وهو كقوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ)، وكقوله: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي). فالخطاب لهم على هذا التأويل؛ لأنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ). قَالَ بَعْضُهُمْ: هي الوحوش، وهو قول الفراء؛ ألا ترى أنه قال: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)؟!.
وقال الحسن: هي الإبل والبقر والغنم. وقال آخرون: البهيمة: كل مركوب. لكن عندنا: كل مأكول من الغنم، والوحش، والصيد، وغيره، وإن لم يذكر. دليله، ما استثنى: (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)؛ كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد إلا ما يتلى عليكم من (الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ) الآية، (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) دل قوله: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) على أن الصيد فيه كالمذكور، وإن لم يذكر؛ لأنه استثنى الصيد منه، وأبدًا: إنما يستثنى الشيء من الشيء إذا كان فيه ذلك، وأما إذا لم يكن؛ فلا معنى للاستثناء، فإذا استثنى الصيد دل الاستثناء على أن الصيد فيه، وإن لم يذكر. ودل قوله - تعالى -: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)، على أن النهي كان عن الاصطياد في حال الإحرام لا عن أكله؛ لأن للمحرم أن يأكل صيدًا صاده حلالٌ. ودل قوله: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) على أن الصيد قد دخل في قوله: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) على ما ذكرنا فيما تقدم: أن البيان في الجواب يدل على كونه في السؤال، وإن لم يكن مذكورًا في السؤال؛ فعلى ذلك تدل الثنيا من الصيد على كونه فيه، واللَّه أعلم. ويحتمل (بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) الثمانية الأزواج التي ذكرها في سورة الأنعام: (مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ. . . إلى آخر ما ذكر. والآية تدل على أن الذي أحل من البهائم - الأنعام منها - ثمانية؛ دل عليه قوله: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) ثم قال: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً)؛ ففصل بين الأنعام وبين الخيل والبغال والحمير؛ فالخيل والبغال والحمير، خلقها للركوب، والأنعام للأكل. وقوله: (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد، (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ): يحتمل: يتلى على الوعد، أي: يتلى عليكم من بعد ما ذكر على أثره: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ. . .) إلى آخره، ويحتمل: (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) وهو ما ذكر.
(2)
وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " إلا ما يتلى عليكم فيها "، في سورة الأنعام: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا. . .) إلى آخره. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) وهذا - واللَّه أعلم - أي: إلى اللَّه الحكم، يحكم بما شاء من التحريم والتحليل، فيما شاء، على ما شاء، ليس إليكم التحكم عليه، وهذا ينقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: يريد طاعة كل أحد، ولو أراد ذلك لحكم؛ لأنه أخبر أنه يحكم ما يريد، ولا جائز أن يريد ولا يحكم؛ فدل أنه: لم يرد؛ لأنه لو أراد لحكم، وباللَّه العصمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ... (2) عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم؛ فأنزل اللَّه - تعالى -: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ)، يعني: لا تستحلوا قتالاً فيه، (وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ. . .) الآية. وقال غيره: قوله: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ)، يعني: المناسك، لا تستحلوا ترك شعائر اللَّه، والشعائر هن المناسك؛ ألا ترى أن اللَّه - تعالى - سمي كل منسك من الحج شعائر اللَّه؟! كقوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ)، وقال: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ)، كل هذا من شعائر اللَّه، وهن معالم اللَّه في الحج. وقيل: شعائر اللَّه: فرائض اللَّه؛ كأنه قال: لا تستحلوا ترك ما فرض اللَّه عليكم. وقال الحسن: (شَعَائِرِ اللَّهِ): قال: دين اللَّه، وهو واحد. وقيل في قوله: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ. . .) حتى بلغ [(وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ)]، فقال: حواجز أبقاها اللَّه بين الناس في الجاهلية؛ فكان الرجل لو جر
جريرة وارتكب كبيرة، ثم لجأ إلى حرم اللَّه - تعالى - لمْ يُتنَاول ولم يُطْلب، ولو لقي قاتلَ أبيه في الأشهر الحرم لم يَتَعَرَّضْ له، وكان الرجل لو لقي الهدى مقلدًا -وهو يأكل العصب من الجوع- لم يعرض له، ولم يقربه؛ فإذا أراد البيت يقلّد قلادة من شعر؛ فحرمته ومنعته من الناس حتى يأتي أهله. ويحتمل قوله - تعالى -: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ)، أي: لا تستحلوا ما أشعركم الله حرمته، وهو من الأعلام، ويحتمل أن يكون أراد به مشاعر الحرام الذي ذكرنا. وقال: لا تحلُّوا الحرام ولا الشهر الحرام، ولا الهدي ولا القلائد. وهذه أمور كانت من قبل فَنُسِخَتْ بقوله - تعالى -: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. . .) الآية. وعن الشعبي أنه قال: لم ينسخ من المائدة غير هذه الآية؛ نسخها: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)، وقوله: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. . .) الآية. وقالت عائشة - رضي اللَّه عنها -: " إنها آخر ما أنزل؛ فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) فهو هو كقوله - تعالى -: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ)، وقد ذكرنا أن اللِّه - عَزَّ وَجَلَّ - أطلق الحرم في الشهر الحرام بعد ما كان محظورًا بقوله - تعالى -: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ). وأما قوله: (وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ).
فهو ما ذكرنا من صنيعهم في الجاهلية فيما ذكرنا، وفيه دليل لقول أصحابنا - رحمهم اللَّه - حيث قالوا: إن الغنم لا تقلد، والإبل والبقر تقلد؛ لأنه ذكر الهدي والقلائد؛ فدل أن من الهدي ما يقلد، ومنه ما لا يقلد. (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ). أي: قاصدين البيت الحرام. (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا). قيل: إن المشركين كانوا يقصدون البيت الحرام يلتمسون فضل اللَّه ورضوانه؛ بما يصلح لهم دنياهم؛ كقوله - تعالى -: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ). وقد يجوز أن يكونوا لما التمسوا عند أنفسهم رضوان اللَّه - أمر اللَّه المؤمنين بالكف عنهم، وإن كانوا قد غلطوا في توجيه العبادة؛ فجعلوها لغير اللَّه؛ كقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا). دل هذا على أن النهي في قوله: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) أي: أخذ الصيد واصطياده في الإحرام، لا أكله، وهو إباحة ما حُظر عليهم بالإحرام، وإن كان ظاهره أمرًا، ومعناه: فإذا حللتم لكم أن تصطادوا. وأصله: أن كل أمر خرج على أثر محظور فهو أمر إباحة وإطلاق ذلك المحظور المحرم، لا أمر إلزام وإيجاب؛ من نحو قوله - تعالى -: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)، ثم قال: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)، وهو المحظور المتقدم، وقوله - تعالى -: (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ)، ثم قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا)، أمر إطلاق وإباحة ما حُظر عليهم، ومثله كثير في القرآن مما يكثر ذكره. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله: (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ): " ولا تاموا "، وكذلك في حرفه؛ " فأموا صعيدًا طيبًا ". وقيل في قوله - تعالى -: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا): حجهم؛ فلا يقبل عنهم حتى يسلموا؛ فنهى اللَّه - تعالى - رسوله عن قتالهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن الآية نزلت في رجل من أهل اليمامة يقال له: شريح، وذلك أنه أتى المدينة، فدخل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال: أنت مُحَمَّد النبي؟ فقال: " نَعَم "، فقال: إلام تدعو؟ قال: " أَدْعُوا إِلَى أَنْ تَشهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأني مُحَمدٌ، رَسُولُ اللَّه "، فقال شريح: يا مُحَمَّد، هذا شرط شديد، وإن لي أمراء خلفي أرجع إليهم؛ فأعرض عليهم ما اشترطت عليَّ، وأستأمرهم في ذلك، فإن أقبلوا أقبلت، وإن أدبروا أدبرت فكنت معهم، ثم انصرف خارجًا من عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فلما خرج، قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لقَدْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِي بِعَقِبَي غَادِرٍ، وَلَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ بِوَجْهٍ كَافِرٍ، وَمَا الرجُلُ بِمُسلِمٍ " فمرَّ شريح
بسرح لأهل المدينة فساقها منهم. فلما كان من العام الثاني قدم شريح إلى مكة، ومعه تجارة عظيمة في حجاج، وكانت العرب في الجاهلية يُغِير بعضهم على بعض، فإذا كان أشهر الحرم، أمن الناس كلهم بعضهم بعضًا، فمن أراد أن يسافر قلد بعيره من الشعر أو الوبر؛ فيأمن بذلك الهدي حيثما ذهب، فلما سمع أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بحج شريح، وقدومه إلى مكة، أرادوا أن يغيروا على شريح؛ فيأخذوا ما معه، ويقتلوهم؛ كما أغار شريح على سرح أهل المدينة قبل ذلك؛ فاستأمروا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في ذلك؛ فنزلت الآية فيهم: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ. . .) إلى آخره؛ فلا ندري كيف كانت القصة؟ وليس بنا إلى معرفة القصة حاجة، إلا القدر الذي ذكر اللَّه في ذلك. وقوله: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا)، وقال تعالى في موضع آخر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) الآية، وقال في آية أخرى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا) الآية. ذكر في بعضها الاعتداء ونهى عنه، وهو المجاوزة عن الحد الذي حُد لهم. وذكر في بعضها العدل، وأمر به، ونهى عن الظلم والجور. ثم الأسبابُ التي تحملهم وتبعثهم على الاعتداء والظلم، وتمنع القيام بالشهادة والعدل - ثلاثة:
أحدها: ما ذكر - عَزَّ وَجَلَّ - البغض والعداوة، بقوله: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا)، وقال: (عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا)، وقال: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا)، أمرهم بالقيام بالشهادة، وأخبر ألا يمنعكم الولاية والقرب القيام بالشهادة، أو طَمَعُ غِنًى أو خَوْفُ فَقْرٍ. هذه الوجوه التي ذكرنا تمنع الناس القيام بالشهادة، وتبعثهم على الجور والاعتداء؛ فنهاهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أن يحملهم بغض قوم، أو عداوة أحد على الجور والاعتداء. أو تمنعهم الشفقة، أو القرب، أو طمع غنى أحد، أو خوف فقر - القيامَ بالشهادة وما عليهم من الحق. وأمر أن يجعلوه كله لله بقوله: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ)، فإذا كان كله للَّهِ، قدر أن يعدل في الحكم، وترك مجاوزة الحد الذي حد له، وقدر على القيام بالشهادة، وما ذكر، وما يمنع شيء من ذلك القيام به، من نحو ما ذكر: من البغض والعداوة، والقرب والشفقة، أو طمع الغنى وخوف الفقر؛ إذا جعل الحكم لله عدل فيه، ومنعه عن الجور فيه والاعتداء، وكذلك الشهادة إذا جعلها لله قام بأدائها، ولو على نفسه، أو ما ذكر لم يمنعه شيء عن القيام بها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى): كان البر هو اسم كل خير، والتقوى: هي ترك كل شر. (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ). ألا ترى أنه ذكر بإزاء البر: الإثمَ، وبإزاء التقوى: العدوانَ؛ فهذا يبين أن البرَّ: اسم
لكل خير، والتقوى: هي الانتهاء عن كل شر. ويجوز أن يكون ما ذكر في الآية الأولى وأمر به، وهو قوله: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ. . .) إلى قوله: (الْبَيْتَ الْحَرَامَ) يقول: عاونوهم على ما يأتون به من ذلك؛ فإنهم إلى البر يقصدون عند أنفسهم، وإن لم يكن فعلهم برًّا؛ لعبادتهم غير اللَّه تعالى. وإنما أمروا بمعاونتهم، وترك التعرض لهم -إن ثبت ما ذكر في القصة-: إذا أحرموا، أو قلدوا، أو قصدوا البيت الحرام في الوقت الذي جاز أن يعاهدوا فيه؛ كما يجوز لنا معاهدة أهل الكتاب على ألا نعرض لكنائسهم وبِيَعِهِم، وإن كانوا يعصون اللَّه فيها؛ لأنهم يدينون بذلك، ويقصدون به البر عند أنفسهم. فلما أمر بنقض عهود مشركي العرب، أمر بمنعهم من دخول المسجد، وأن يقتلوا حيث وجدوا، وإلى هذا المعنى ذهب أصحابنا - رحمهم اللَّه، واللَّه أعلم - في فَرقهم بين شهادة أهل الذمة على أمثالهم، وشهادة فُساق المسلمين؛ لأن أهل الذمة متدينون
بكفرهم، والفساق غير متدينين بفسقهم. وكذلك فرقهم بين ما يغلب عليه المشركون من أموال المسلمين، وبين ما يغلب عليه الفساق من أموال المسلمين. وكذلك سبيل الدماء التي يصيبها المحاربون من أهل البغي من أهل العدل، لا تشبه ما يصيبه الفساق منها؛ لأن أمر المتدين بدين خطأ مخالف في الحكم أمر المقر بالذنب فيه؛ ألا ترى أنه يجوز أن يُطْلَقَ لمن يعاقدونه من أهل الكتاب الصلاة في كنائسهم، وإن كان ذلك عندنا معصية حراما، ولا يجوز أن يُطْلَقَ المعصية لفساق المسلمين بحال. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّقُوا اللَّهَ): أي: نقمة اللَّه وعذابه: في ترك ما أمركم به، وارتكاب ما نهاكم عنه. (إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). قال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - في قوله: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ): أي: لا يحملنكم بغض قوم؛ لصدهم إياكم عن البيت الحرام؛ فتأثموا فيهم: أن تعتدوا؛ فتقتلوهم، وتأخذوا أموالهم. وقال: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) البر: ما أمرت به، والتقوى: الكف عما نهيت عنه. وقال: والعدوان: هو المجاوزة عن حد اللَّه الذي حده لعباده. وقوله: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ): قَالَ بَعْضُهُمْ: لا يؤثمنكم بغض قوم أن تعتدوا. وقال آخرون: لا يحملنكم. وفيه لغتان: (يُجْرِمَنَّكُم) برفع الياء، وبنصبها: (يَجْرِمَنَّكُمْ)، وهو ما ذكرنا.
(3)
قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ): هو على الإضمار - واللَّه أعلم - كأنه قال: حرم عليكم أكل الميتة والدم وأكل لحم الخنزير. . . إلى آخر ما ذكر؛ ألا ترى أنه قال: يجوز الانتفاع بصوف الميتة وبعظمها؛ دل أنه على الإضمار: إضمار " أكل "، وأما الانتفاع بجلدها لا يجوز إلا بعد الدباغ؛
لأن الجلد ربما يشوى مع اللحم فيؤكل؛ فهو حرام كاللحم، إلا أن يدبغ. ثم في الآية دليل الامتحان من وجهين: أحدهما: إباحة التناول من جوهر، وامتحن بحرمة الخنزير والدم لم يحله بسبب ولا بغير سبب، وامتحن بحل الآخر بسبب، وحَرَّم بسبب. والثاني: امتحن بسبب حل تنفر الطباع عنه؛ لأن كل ذي روح يتألم بالذبح واستخراج الروح منه، وجعل طبيعة كل أحد مما ينفر عنه لم يتألم به؛ لتطيب أنفسهم بذلك، ثم جعل ما يخرج من الأرض كله حلالاً بلا سبب يكتسبون، إلا ما لا يقدرون على التناول منه؛ لخوف الهلاك؛ لأنه موات لا تنفر الطبائع عنه، ثم جعل أسباب الحل أسبابًا يكتسبون مما لا يعمل في استخراج ذلك الدم المحرم منه حل أكله، وإذا لم يعمل في استخراج ذلك الدم؛ فهلك فيه - أفسده؛ لأنه أتلف فيه ما هو محرم فأفسده؛ فاستخراج ذلك الدم مما يطيب ذلك، ويمنع عن الفساد، إلا في طول الوقت، والذي هلك فيه الدم يفسد في قليل الوقت. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ): قال الكسائي: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ): أي: ذكر وسمي عليه غير اسم اللَّه، مشتقة من استهلال الصبي، ومنه أهك الهلال، وأهل المهل بالحج إذا لبى.
قال قتادة: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة؛ حتى إذا ماتت أكلوها. والكافر - في الحقيقة - يهل لغير اللَّه؛ لأنه لا يعرف اللَّه حقيقة، لكنه أجيز ذبائح الكتابي؛ لأنه يسمي عليها اسم اللَّه تعالى. (وَالْمَوْقُوذَةُ): كانوا يضربون بالعصي حتى إذا ماتت أكلوها. (وَالْمُتَرَدِّيَةُ): كانت تردى في بئر أو من جبل؛ فتموت. (وَالنَّطِيحَةُ): كان الكبشان يتناطحان؛ فيموت أحدهما، فيأكلونه. (وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ): كان أهل الجاهلية إذا قتل السبع شيئًا من هذا وأكل منه، أكلوا ما بقي؛ فقال اللَّه - تعالى -: (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ). ثم روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ) فما أَدْرَكْتَ من هذا كُلِّه يتحرك له الذنَبُ، أو يَطْرف له العينُ - فاذبحْ، واذكر اسم اللَّه عليه؛ فهو حلال.
وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إذا طرفت بعينها، أو ركضت برجلها أو حركت ذنبها - فهي ذكية. وكذلك روي عن أبي الزبير أنه سمع عبيد بن عمير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول كذلك، وكانه روي - مرفوعًا - عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كذلك. وهذا - واللَّه أعلم - إذا خنقها أو أوقذها - يغمى عليها، فإذا ذبحت، فحركت ذنبها، أو طرفت عينها، أو ركضت برجلها - أفاقت؛ فاستدل بذلك على حياتها. وليس هذا كشاة ينزع الذئب أو السبع ما في بطنها، وصارت بحال لا تتحامل، إنها وإن تحركت أو طرفت بعينها فإنها لا تؤكل. وأصله: أن كل ما لو قطع العروق فتركت فماتت، تكون ميتة، فإذا أدركها في تلك الحال فذكاها، كانت ذكية، وكل ما لو صار بحال لو ماتت كانت ذكية، فإذا أدركه في تلك الحال فذكاه، كانت ميتة. (وَالْمُتَرَدِّيَةُ): الممتنعة عن الذبح، في المذبح، إذا ذبح من غير المذبح يجوز أكله. وروي عن رافع بن خديج قال: أصبنا إبلا وغنمًا، فَنَدَّ منها بعير؛ فرماه رجل بسهم؛ فحبسه؛ فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إنَّ لِهَذِهِ الإبِلِ أَوابِدَ كآوابِدِ الوَحشِ، فَإِذَا كَانَ غَلَبَكُم شَيءٌ مِنْهَا، فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا ". وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال - في البعير يتردى في البئر - إذا لم يُقْدَرْ على منحره؛ فهو بمنزلة الصيد ينحره من حيث أدرك. وسئل علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن بعير تردى في بئر، فصار أعلاه أسفله؛
فقال: قطعوه أعضاء وكلوه. وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كذلك روي أنه سئل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقيل: هل تكون الذكاة إلا في الحلق واللبَّة؛ فقال: أَمَا إِنَها لَوْ طُعِنَتْ فِي فَخِذِهَا، أَجْزَى عَنْكَ ". وَإِذَا ذكي بِغَيرِ السكين من نحْوِ المروة والقصبة مما يقطع - يجوز. روي أن عدي بن حاتم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: يا رسول اللَّه، أُرْسِلُ كلبي فيأخذ الصيد، وليس معي ما أذكيه به؛ فأذبحه بالمروة أو القصبة؛ فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أَمْرِ الدَّمَ بمَا شِئْتَ، واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيهِ ". وكذلك روي عن علي أبن أبي طالب - رضي اللَّه عنه -. وروي أن رجلًا أشاط دم جزور بجدل؛ فسأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال: " إِذَا أَنْهرتَ الدَّمَ
فَكُلْ ". وعن حذيفة - رضي اللَّه عنه - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " اذبح بكل ما أفرى الأوداج وأهرق الدم ما خلا السِّنَّ والظُّفُرَ ". وإلى هذا يذهب أصحابنا - رحمهم اللَّه - في ذلك، ويرون كل ما أنْهرَ الدم: من حجر، أو مروة، أو نحو ذلك - مذكى ويؤكل، ويحملون قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إِلَّا السِّنَّ والظُّفُرَ " على أنهما إذا كانا غير منزوعين؛ لأن ذلك خنق، وليس بذبح؛ يفسر ذلك قول ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - حيث قال: إن ذلك خنق، وفي الخبر بيان؛ لأنه قال: " كُل مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَأَفْرَى الأوْدَاجَ، مَا خَلا السِّنَّ وَالظُّفُرَ؛ فَإِنَّهُمَا مُدَى الحَبَشَةِ "، وهم
إنما كانوا يذبحون بسن أو ظفر غير منزوعة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ). أي: للنصب، قيل: كانوا يذبحون للأوثان والأصنام التي يعبدونها؛ يتقربون بذلك إليها؛ كما كان أهل الإسلام يتقربون بالذبائح يذبحونها إلى اللَّه؛ فحرم اللَّه - عز وجل - ما كانوا يذبحون للنصب (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ)؛ لما ذكرنا أن الأمر به خرج مخرج قبول النعمة والشكر له فيما أنعم عليهم من عظيم النعم؛ فإذا أهلوا به لغير اللَّه - أي: لغير وجه اللَّه لم يقبلوا نعمه، ووجهوا الشكر إلى غيره؛ فحرم لذلك، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ). قيل: سهام العرب وكعاب فارس التي يتقامرون بها. وقيل: الأزلام: هي القداح، كانوا يقتسمون بها الأمور: فكان الرجل إذا أراد سفرًا أخذ قِدحًا، فقال: " هذا يأمره بالخروج "، فإن هو خرج فهو مصيب في سفره خيرا، ويأخذ قِدحًا آخر؛ فيقول: " هذا يأمره بالمكث "، فإن هو خرج فليس بمصيب خيرًا في سفره. والمنيح بينهما؛ فنهي اللَّه عن ذلك، وأنبا أن ذلك فسق؛ بقوله: (ذَلِكُمْ فِسْقٌ).
وعن الحسن قال: كانوا يعمدون إلى قداح فيكتبون على أحدها: " مُرْني "، وعلى الآخر: " انْهَنِي "، ثم يحيلونها إذا أرادوا السفر: فإن خرج عليه " مرني " مضى في وجهه، وإن خرج الذي عليه " انهني " لم يخرج. قال أبو بكر الكيساني: إن في النهي عن العمل بالأزلام دليل النهي عن العمل بالنجوم، فإذا نهي عن العمل بقول المقتسمين ينهى -أيضًا- عن العمل بقول المنجِّمة؛ لأنهم يقولون عين ما يقول أُولَئِكَ ويعملون به، لكن المنجمة ليسوا يقولون: إن نجم كذا يأمركم كذا، ونجم كذا ينهى عن كذا؛ على ما كان يفعل أُولَئِكَ. ويجوز أن يكون اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - جعل في النجوم أعلامًا ومعاني يدركون بها، ويستخرجون أشياء تحتمل ذلك؛ ويكون على ما يستخرج أهل الاجتهاد بالاجتهاد أشياء من معنى النصوص، وأحكامًا لم تذكر في المنصوص؛ فعلى ذلك المنجمة يجوز أن يستخرجوا أشياء من النجوم بدلائل ومعان تكون في النجوم، ولا عيب عليهم في ذلك ولا لائمة، إنما اللائمة عليهم فيما يحكمون على اللَّه ويشهدون عليه. قَالَ الْقُتَبِيُّ: الأزلام: القداح، واحدها: زَلَم وزُلَم، بها: أن يضرب، فأخذ الاستقسام من القسم - وهو النصيب - كأنه طلب النصيب. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: استقسمت، أي: ضربت بالقداح؛ قال: كأنه من القسم. وقال أبو عبيد: إنما سمي: استقسامًا؛ لأنهم كانوا يطلبون قسم الرزق وطلب
الحوائج بها؛ فكانوا يسألونها أن تقسم لهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكُمْ فِسْقٌ): يحتمل قوله: (فِسْقٌ): أي: العمل بالأزلام، والشهادة على اللَّه أنه أمر بذلك - فِسق، وعلى هذا من يستجيز العمل بالقرعة؛ لأنه يقول: يقرع فمن خرجت قرعته يحكم له، فإنما يحكم له بأمر القرعة؛ كأن القرعة تأمره بالحكم لهذا بهذا، وتنهاه عن الحكم لهذا بهذا، فهو بالأزلام والقداح التي نهى اللَّه عن العمل بذلك أشبه، وبها أمثل من غيره. ويحتمل قوله - تعالى -: (ذَلِكُمْ فِسْقٌ): أي: التناول مما ذكر من المحرمات: من الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير اللَّه به، وما ذبح على النصب، وما ذكر في أول السورة من الاصطياد في الإحرام والتناول منه؛ ذلك كله فسق، وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رضي اللَّه عنه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ): إنهم كانوا يطمعون دخول أهل الإسلام في دينهم وعودهم إليهم، فأيأسهم اللَّه - سبحانه وتعالى - عن ذلك؛ فقال: اليوم يض الذين كفروا من ترككم دين الإسلام؛ فلا تخشوهم واخشون؛ آمنهم عن ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) الآية: قال أبو عبيد: كان دينهم إلى ذلك اليوم ناقصًا؛ فحينئذ كمل دينهم؛ فعلى زعمه: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يدعو الناس إلى دين ناقص، ومن مات من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من المهاجرين والأنصار - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - ماتوا على دين ناقص، ويحشرون يوم القيامة على دين ناقص، وأي قول أفحش من هذا وأسمج؟!. وقال آخر من أصحابه: كان الدِّين كاملاً إلى ذلك الوقت، فلمَّا بعث اللَّه بالفرائض، وافترض عليهم - صار الدِّين ناقصًا إلى أن يؤدوا الفرائض وما افترض عليهم؛ فعند ذلك يكمل؛ فهذا القول -أيضًا- في الوحشة والسماجة والقبح مثل الأول.
ويقال لأبي عبيد: قل -أيضًا- بأنه لم يكن رضي لهم بالإسلام دينًا قبل ذلك فعند ذلك رضي. والأصل في تأويل الآية وجوه: أحدها: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ): أي: برسوله، وببعثه أكملت لكم دينكم، وبه أتممت عليكم نعمتي. ويحتمل قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ): أي: اليوم أظهرت لكم دينكم، ولم يكن قبل ذلك ظاهرًا، حتى قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " نُصِرتُ بِالرعْب مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ "، وقال: " أَلا لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ "؛ وذلك لظهوره ولغلبة أَهل الإسلام عليهم، وإن لم يكن هذا قبل ذلك. ويحتمل قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)؛ لما آمنهم من العدو والعود إلى دين أُولَئِكَ، وإياس أُولَئِكَ عن رجوعهم إلى دين الكفرة، وأي نعمة أتم وأكمل من الأمن من العدو؛ ويقول الرجل: اليوم تم ملكي وكمل؛ إذا هلك عدوه؛ لأمنه من عدوه، وإن كان لم يوصف ملكه قبل ذلك بالنقصان؛ فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم. وقيل: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)، أي: أمر دينكم بما أمروا بأمور وشرائع لم يكونوا أمروا بها قبل ذلك، وهذا جائز. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا): أي: أكرمتكم بالدِّين المرضي وهو الإسلام؛ كقوله - تعالى -: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ): قيل: المخمصة: المجاعة. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: رجل خميص، أي: جائع. وقال غيره: هو من ضيق البطن. وهو واحد؛ لأنه من الجوع ما يضيق البطن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ):
(4)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ): أي: غير مُتَعَمد لإثم، وهو قول ابن عَبَّاسٍ. وقال الكسائي: (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ): غير متمايل، والجنف: الميل، وكذلك قَالَ الْقُتَبِيُّ. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ -أيضًا-: الجنف: الميل. ثم قوله: (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ) يحتمل وجهين: قيل: غير مستحل أكل الميتة في حال الاضطرار، وحرم عليه التناول من الصيد. وقيل: غير متلذذ ولا مشتهٍ، يتناول على التكره منه، لا على التلذذ والشهوة. وقيل -أيضًا-: إنه لا يتناول إلا في حال الاضطرار؛ كقوله - تعالى -: (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ) تفسير قوله: (اضْطُرَّ)؛ فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، أي: من رحمته أن جعل لكم التناول من المحرم، ورخص لكم؛ إذ له أن يترككم تموتون جوعًا؛ كقوله - تعالى -: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ. . .) الآية. * * * قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ): ليس في السؤال بيان: مم كان سؤالهم؟ ولكن في الجواب بيان المراد من سؤالهم، فقال: (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ)؛ دل قوله - تعالى -: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ): أن سؤالهم كان عن الطيبات، مما يصطاد من الجوارح. ثم اختلف في قوله - تعالى -: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ): قَالَ بَعْضُهُمْ: (الطَّيِّبَاتُ): هن المحللات، لكنه بعيد؛ لأنه كأنه قال: " أحل لكم المحللات "؛ على هذا التأويل. لكنه يحتمل وجهين غير هذا: أحدهما: أن أحل لكم بأسباب تطيب بها أنفسكم من نحو: الذبح، والطبخ،
والخبز، وغيره. لم يحل لكم ما يكره به أنفسكم التناول منه غير مطبوخ، ولا مذبوح، ولا مشوي، ولكن أحل لكم بأسباب طابت بها أنفسكم التناول منه، واللَّه أعلم. ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن أحل لكم ما يستطيب به طباعكم لا ما تنكره طباعكم وتنفر عنه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ): كأنهم سألوا رسول اللَّه، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عما يحل من الجوارح؛ فذكر ذلك لهم، مع ما ذكر في بعض القصة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما أمر بقتل الكلاب، فأتاه أناس، فقالوا: ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزل قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ) الآية. وقيل: سميت: جوارح؛ لما يكتسب بها، والجوارح: هن الكواسب؛ قال اللَّه - تعالى -: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ)، قيل: اكتسبوا، وجرح: كسب. وقال أبو عبيد: سميت: جوارح؛ لأنها صوائد، وهو ما ذكرنا من الكسب، يقال: فلان جارحٌ أهله، أي: كاسبهم. وقال غيره: سميت: جوارح؛ لأنها تجرح، وهو من الجراحة، فإذا لم يَجْرح، لم يحل صيده. واحتج مُحَمَّد - رحمه اللَّه - بهذا المعنى في صيد الكلب إذا قَتَلَ، ولم يَجْرَح في مسألة من كتاب الزيادات، ومما يدل على صحة ذلك ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن عدي بن حاتم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سألت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن المعراض؛ فقال: " مَا أَصَبتَ بَعَرْضِهِ فَلَا تَأكُلْ؛ فَهُوَ وَقِيذٌ، وَمَا أَصَبتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ ".
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ. . .) الآية. قَالَ بَعْضُهُمْ: (مُكَلِّبِينَ) هن الكلاب يكالبن الصيد. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: المكلبون: أصحاب الكلاب، وكذلك قال الفراء والكسائي: المكلبون: هم أصحاب الكلاب. والمكلب: الكلب المعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تُعَلِّمُونَهُنَّ): قال الحسن وأبو بكر: تضرونهن، يقال: كلب مضراة على طلب الصيد، وهما يبيحان الصيد وإن أكل منه الكلب؛ فعلى قولهما يصح تأويل الإضراء؛ إذ يبيحان التناول، وإن أكل منه. وقال: تؤدبونهن؛ ليمسكوا الصيد لكم، وهو عندنا على حقيقة التعليم؛ تُعَلّم ليمسكوا الصيد لهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ) يتوجه وجهين: أحدهما: (مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ)، أي: مما جعل بينكم، بحيث احتمال تعليم هَؤُلَاءِ، ولم يجعل غيركم من الخلائق محتملاً لذلك ولا أهلاً. ويحتمل قوله - تعالى -: (مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ): أن قال لكم: علموهن بكذا، وافعلوا كذا، فكيفما كان، ففيه دليلُ جَعْلِ العلم شرطا فيه. ثم تخصيص الكلاب بالذكر دون غيرها من الأشياء، وإن كانت الكلاب وغيرها سواء إذا عُلِّمَتْ؛ لخبث الكلاب ومخالطتها الناس، حتى جاء النهي عن اقتنائها، وجاء الأمر بقتلها في وقت لم يجئ بمثله في سائر السباع؛ ليعلم أن ما كسب هَؤُلَاءِ مع خبثها إذا كن معلمين، يحتمل التناول منه، فغيرها مما لم يجئ فيه ذلك أحرى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ).
إنما أباح أكل ما أمسك علينا، ولم يبح مما أمسك على نفسه؛ لأن الكلب وغيره من السباع من طباعهم إذا أخذوا الصيد يأخذون لأنفسهم ولا يصبرون على ألا يتناولوا منه، فإذا أخذ الصيد ولم يتناول منه؛ دل أنه إنما أمسك لصاحبه، وإذا تناول منه لم يمسك لصاحبه؛ لأن الباقي لا يدري أنه أمسكه لصاحبه أو أمسكه لنفسه لوقت آخر لما شبع، وعلى ذلك جاءت الآثار. روي عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول اللَّه، إنا قوم نَتَصَيدُ بهذه الكلاب والبزاة، فهل يحل لنا منها؛ فقال: " يَحِلُّ لَكُم (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) مِما عَلَّمْتُمْ مِنْ كَلْب أَوْ بَازٍ، فَذَكَرتَ عَلَيهِ اسْمَ اللَّهَ " قلت: وإن قتل؟ قال: " إِذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْهُ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَيكَ، وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ "، فقلت: يا رسول اللَّه، أرأيت إن خالطت كلابنا كلابًا أخرى؟ قال: " إِذَا خَالَطَ كَلْبُكَ كِلَابًا فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ إِنَّمَا ذَكَرتَ اسْمَ اللَّهَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَم تَذْكُرهُ عَلَى كَلْبِ غَيرِكَ ". وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - أنه قال: إذا أكل الكلب من الصيد، فليس بمعلم. وعنه -أيضًا- قال: إذا أكل الكلب من الصيد فلا تأكل، وإذا أكل الصقر فكل؛ لأن الكلب تستطيع أن تضربه والصقر لا. وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل واضربه. وقد ذكرنا من الأخبار ما يدل على أن الكلب إذا كان غير معلم لم يؤكل صيده، من خبر عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول اللَّه، إنا قوم نصيد بهذه الكلاب؟ فقال: " إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعلَّمَةَ، وَذَكَرتَ اسْمَ اللَّهَ عَلَيهَا، فَكُلْ مَما أَمْسَكْنَ عَلَيكَ، وَإِنْ قَتَلْنَ، إِلا أَنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ، فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأكُلْ "، وعلى هذا يخرج قولنا: إنه إذا أكل من دمه يؤكل؛ لأنه لو أمسكه علينا كنا لا نأكله، وذلك من غاية تعليمه؛ لأنه تناول الخبيث،
وأمسك الطيب على صاحبه. ولو كان صيد الكلب إذا أكل منه حلالا، لكان المعلَّم وغير المعلَّم سواء، وكان ما أمسك على نفسه وعلى صاحبه سواء؛ لأن كل الكلاب تطلب الصيد إذا أرسلت عليه، وتمسكه حتى يموت، وتأكل منه إلا المعلم، فما معنى تخصيص اللَّه - تعالى - المعلم منها والممسك على صاحبه، لو كان الأمر على ما قال مخالفنا. وقد روي عن أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: إن عُلِّمَ الكلبُ حتى صار لا يأكل من صيد، ثم أكل من صيد يصيد - لم يجز أن يؤكل من صيده الأول إذا كان باقيًا. ومذهبه عندنا - واللَّه أعلم -: أن صيد الكلب لا يؤكل حتى يكون معلمًا، وإن أمسك في أول ما برسل فلم يأكل، فإذا أمسك مرارًا ثم أكل، دَلنا أكله على أن إمساكه عن الأكل لم يكن لأنه معلم؛ إذ قد يمسك غير المعلم للشبع، ولو كان معلمًا ما أكله؛ فاستدل بأكله في الرابعة على أن إمساكه في الثالثة كان على غير حقيقة تعليم، وهذا عندنا في صيد يقرب بعضه من بعض، فأما إذا كثر إمساكه، ثم ترك إرساله مدة، يجوز أن ينسى فيها ما علم، ثم أرسل فأكل - فليس فيها رواية عنه، ويجوز أن يقال: يؤكل ما بقي من صيده الأول، ويفرق بين المسألتين بأن الثاني قد نسى، والأول يبعد من النسيان؛ لتقارب ما بين الصيدين؛ فلا وجه إلا أن يجعل غير مستحكم التعليم في الصيد المتقدم. وقد ذكرنا - فيما تقدم -: أن الصقر والبازي من الجوارح، واستدللنا على ذلك بما أوضحناه؛ فدل ذلك على أن صيد ما ليس بمعلم من الطير لا يؤكل إلا أن يدرك ذكاته. ثم يكون تعليم البازي والصقر بإجابته صاحبه ورجوعه إليه، وتعليم الكلاب ترك الأكل
(5)
منه؛ لأن البازي ونحوه مستوحش عن الناس ينفر طبعه عنهم؛ فدل إلفه الناس وإجابة أصحابهم على التعلم وإن أكل منه، ولا يحتمل أن يكون بالتناول منه يخرج عن حد التعليم؛ لأنه إنما يعلم بالأكل من الصيد، وأما الكلب: فإنه يألف الناس ولا يستوحش، ومن طبعه اكل إذا أخذ الصيد؛ فدل إمساكه عن التناول منه على أنه معلم. وقد روي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وابن عَبَّاسٍ ما يدل على تأييد ما ذكرنا، قالا: إذا أكل الصقر فكل، وإن أكل الكلب فلا تأكل. وعن سلمان كذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ). يحتمل قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ)؛ فلا تستحلوا ما لم يذكر اسم اللَّه عليه؛ فإنها ميتة. ويحتمل: اتقوا اللَّه في ترك ما أمر ونهى كله. (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)، يحتمل السرعة: كناية عن الشدة. وقوله تعالى (سَرِيعُ الْحِسَابِ): شديد العقاب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ... (5) يحتمل قوله: (الْيَوْمَ) حرف افتتاح يفتتح به الكلام، لا إشارة إلى وقت مخصوص؛ على ما ذكرنا في قوله - تعالى -: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)، وقد يتكَلم باليوم لا على إشارة وقت مشار إليه. وهو - واللَّه أعلم - ما حرم عليهم من الثمانية الأزواج التي ذكر اللَّه - تعالى - في سورة الأنعام، وهو قوله: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ. . .) إلى آخر ما ذكر. ثم قال: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا. . .) الآية، وما حرموا هم على أنفسهم من: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وغيرها من المحرمات التي كانت، فأحل اللَّه ذلك لهم؛ فقال: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ)، وكانت محرمة عليهم قبل ذلك، لكن أهل التأويل صرفوا الآية إلى الذبائح، لم يصرفوا إلى ما ذكرنا، وقد ذكرنا المعنى الذي به صارت الذبائح طيبات فيما تقدم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ):
عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ)، أي: ذبائحهم حل لكم، وذبائحكم حل لهم. إلى هذا حمل أهل التأويل، فَإِنْ قِيلَ: أليس جعل ذبائحنا محللة لهم وذبائحهم محللة لنا، ثم تحل ذبائحنا لهم ولغيرهم؟ كيف لا حل ذبائحهم وذبائح غيرهم، وهو ذبائح المجوس؟ قيل: حل الذبائح شرعي، وليس للمجوس كتاب آمنوا به؛ فتحل ذبائحهم، وأما أهل الكتاب، فإنهم آمنوا بما في الكتاب، حله وحرمته؛ لذلك افترقا، واللَّه أعلم. والآية على قول أصحاب العموم توجب حل جميع طعام أهل الكتاب لنا وحل جميع طعامنا لهم؛ لأنه قال: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ)؛ فعلى قولهم لكل واحد من الفريقين أن يتناول طعام الفريق الآخر؛ دل على أن مخرج عموم اللفظ لا يوجب الحكم عافَا للفظ، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ): اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَالْمُحْصَنَاتُ) أراد به الحرائر. وقال آخرون: أراد به العفائف منهن غير زانيات؛ كقوله - تعالى -: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً)، نهى عن نكاح الزانيات، ورغب في نكاح العفائف، وهذا أشبه من الأول؛ لأنه قال في آخر الآية: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ)؛ دل هذا على أنه أراد بالمحصنات: العفائف منهن لا الحرائر، ودلت الآية على حل نكاح الحرائر من الكتابيات، وعلى ذلك اتفاق أهل العلم، لكن يكره ذلك. روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كره تزوجهن، فهذا عندنا على غير تحريم
منه لتزويجهن، ولكن رأى تزويج المسلمات أفضل وأحسن؛ لمشاركتها المسلم في دينها. وروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كراهة ذلك؛ وذلك لأن حذيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تزوج يهودية؛ فكتب إليه عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يأمره بطلاقها، ويقول: " كفى بذلك فتنة للمسلمات "، فهذا -أيضًا- لا على سبيل التحريم، ولكن لما ذكر من الفتنة: فتنة المسلمات، فأصحابنا - رحمهم اللَّه - يكرهون أيضًا تزويج الكتابيات ولا يحرمونه. واختلف أهل العلم في تزويج إمائهن: فتأول قوم قول اللَّه - تعالى -: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) على الحرائر، وتأوله آخرون على العفائف. وقد ذكرنا أن صرف التأويل إلى العفائف أشبه؛ بدلالة قوله: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) ومع ما لو كانت المحصنات هاهنا هن الحرائر، لم يكن فيه حظر نكاح إماء الكتابيات؛ لأنه إباحة نكاح الحرائر من الكتابيات، وليس في إباحة شيء في حال حظر غيره فيه، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم، فالمجوسية ليست عندنا من أهل الكتاب؛ والدليل على ذلك قول اللَّه - تعالى -: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا) فأخبر اللَّه - تعالى - أن أهل الكتاب طائفتان؛ فلا يجوز أن يجعلوا ثلاث طوائف، وذلك خلاف ما دل عليه القرآن؛ ألا ترى أنه لو قال رجل: " إنما لي عليك يا فلان، درهمان "، لم يكن له أن يدعي عليه أكثر من ذلك، ولو قال: " إنما لقيت اليوم رجلين "، وقد لقي ثلاثة، كان كاذبًا؛ لأن قوله: " إنما لقيت رجلين "، كقوله: لقيت اليوم رجلين، ولا يجوز مثل هذا في أخبار اللَّه؛ لأنه الصادق في خبره عَزَّ وَجَلَّ. فَإِنْ قِيلَ: هذا شيء حكاه اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عن المشركين، وقد يجوز أن يكونوا
غلطوا، فحكي اللَّه - تعالى - عنهم ما قالوا. قيل له: لم يحك اللَّه - تعالى - هذا القول عن المشركين، ولكن قطع بالقرآن عذرهم، فقال: (أُنْزِلَ الْكِتَابُ)؛ لئلا يقولوا: (إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ)، فهذا كلام اللَّه واحتجاجه على المشركين، وليس بحكاية عنهم. ومن الدليل على أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب ما قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو في مجلس بين القبر والمنبر: ما أدري كيف أصنع بالمجوس، وليسوا بأهل الكتاب؟ "، فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: " سُنُوا بِالمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ ". صرح عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بأنهم ليسوا أهل الكتاب،
ولم ينكر عبد الرحمن ذلك عليه، ولا أحد من الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - فلو كانوا أهل الكتاب لقال: " هم أهل الكتاب "، لم يقل: " سُنُّوا بِهِم سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ ". وكذلك روي عن الحسن بن مُحَمَّد أنه قال: كتب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى مجوس هجر، فقال: " أَدْعُوكم إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّه، وَأَني رَسُولُ اللَّه فَإِنْ أَسْلَمْتُم فَلَكُم مَا لَنَا وَعَلَيكُم مَا عَلَينَا، وَمَنْ أَبَى فعَلَيهِ الْجِزيَةُ، غَيرَ آكِلي ذَبَائِحِهِمِ، وَلَا نَاكِحِي نِسَائِهِم ". وإلى هذا ذهب أصحابنا - رحمهم اللَّه - في قولهم: إن المجوس ليسوا بأهل كتاب. وأما نصارى بني تغلب: فإن عليًّا - رضي اللَّه عنه - قال: لا تحل ذبائح نصارى العرب؛ فإنهم ليسوا بأهل كتاب، وقرأ: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ). وقال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تؤكل، وقرأ: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ. . .). والآية الأولى تدل على أنهم أهل كتاب؛ لأن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - قد جعلهم منهم بقوله: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ)، فحكمهم حكمهم؛ إذ أخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنهم منهم. ومما يدل على ذلك -أيضًا- قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث قال: " لَا يَخْتَلِجَنَّ فِي صَدْرِكَ
طَعَامٌ ضًارَعت فِيهِ النَّصْرَانِية "؛ لأنه عم فيه النصارى؛ فدخل فيه عربهم وعجمهم؛ لأنهم دانوا بدينهم، وكل من دان بدين قوم فهو منهم. ومن الدليل على أن العرب إذا دانوا بدين أهل الكتاب فهم من أهل الكتاب -: أن العجم لما أسلموا صار حكمهم حكم عرب أهل الإسلام؛ فإن ارتد أحد منهم، وسأل أن تؤخذ منه الجزية؛ كما كانت تؤخذ في الابتداء من المجوس - لم يُجَبْ إلى ذلك، وقيل له: إما أن تسلم، وإما أن تقتل، فهو بمنزلة عربي مسلم لو ارتد عن الإسلام، فلما كان حكم العجمي إذا دان بدين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حكم العرب - وجب أن يكون حكم العربي إذا دان بدين العجم من أهل الكتاب أن يجعل حكمه حكمهم، وباللَّه التوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ): ذكر إيتاء أجورهن، وقد يحللن لنا إذا لم نؤت أجورهن؛ دل أن ذكر الحكم في حال لا يوجب حظره في حال أخرى؛ فهو دليل لنا في جواز نكاح الإماء من أهل الكتاب، وإن ذكر في الآية المحصنات. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. . .) الآية. أي: ومن يكفر بالذي عليه الإيمان به، وهو الْمُؤْمَنُ به، أي: اللَّه؛ لأنه لا يكفر بالإيمان، ولكن يؤمن به، وهو كقوله: (حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، أي: الموقَن به؛ فعلى ذلك الأول معناه: ومن يكفر بالذي عليه الإيمان به، وهو الْمُؤْمَنُ به (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، وباللَّه العصمة والهداية. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا
(6)
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ): لو حملت الآية على ظاهرها لكان لا سبيل لأحد على القيام بأداء ما فرض اللَّه عليه من الصلاة؛ لأنه كلما قام إلى الصلاة يلزمه الوضوء؛ فلا يزال يبقى فيه، لكنها على الإضمار؛ كأنه قال: " إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق؛ وإلا فظاهر الآية يوجب ما ذكرنا، لكن الحدث مضمر فيه. ومن الناس من يوجب الوضوء لكل صلاة بظاهر هذه الآية، وقد جاء عن الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - الفعل بذلك: روي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان - رضي اللَّه عنهم - أنهم توضئوا لكل صلاة. وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نحو ذلك، وروى أن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صلى الظهر، ثم قعد في الرحبة، فلما حضرت العصر دعا بكوز من ماء، فغسل يديه ووجهه وذراعيه ورجليه، وشرب فضله، وقال: " هكذا رأيت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يفعل "، وقال: " هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَم يُحْدِثْ ".
وروي عن عبيد بن عمير، أنه كان يتوضأ لكل صلاة، وتأول هذه الآية. وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكة، صلى الصلوات كلها بوضوء واحد؛ فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يا رسول اللَّه، إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله؟ فقال: " إِني عَمدًا فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ ". وروي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لَوْلَا أَنْ أَشُق عَلَى أمَّتي لَأَمَرتُ فِي كُل صَلَاة الوُضُوءَ، وَمَعَ كُلً وُضُوء السوَاكَ ". وكل ما روي من الأخبار بالوضوء لكل صلاة، هو على الفضل عندنا والاستحباب لا على الحتم؛ ألا ترى أنه روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، وقال: " إِني عَمْدًا فعَلْتُهُ "؛ دل ذلك على ما ذكرنا. وقد يحتمل تأويل الآية معنى آخر: ما روي عن بعض الصحابة أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -
كان إذا أراق ماء نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى يأتي أهله فيتوضأ وضوءه للصلاة؛ فقلنا له في ذلك؛ حتى نزلت آية الرخصة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ)؛ فهذا يدل أن معنى الآية على الإضمار: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم. وروي في تأويل الآية: إذا قمتم من المضجع إلى الصلاة، فاغسلوا وجوهكم. وقد رويت الأخبار عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعن الصحابة بإيجاب الوضوء من النوم؛ فكان ذلك شاهدا لهذا التأويل: روي عن ابن عَبَّاسٍ عن رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - أنه كان ينام، ثم يصلي الصبح ولا يتوضأ؛ فسُئل عن ذلك؟ فقال: " إِني لَستُ كَأَحَدٍ مِنْكُم؛ إِنَهُ يَنَامُ عَينَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي، وَلَوْ أحْدَثْتُ لَعَلِمْتُ ". وروي عن صفوان بن عسال قال: إذا كنا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في سفر يأمرنا ألا ننزع خفافنا إذا أدخلناهما طاهرتين، ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم، إلا من جنابة ". فهذه الأحاديث توجب الوضوء من النوم مجملاً، وجاء حديث آخر مفسرا بإيجاب الوضوء إذا نام مضطجعًا: روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - قال: " لَيسَ عَلَى مَنْ نَامَ قَاعِدًا وُضُوءٌ حَتَّى يَضْطَجِعَ، فَإِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرَخَتْ مَفَاصِلُهُ ".
فهذا يفسر الأخبار التي جاءت مجملة. وقد جاءت الأخبار أنه إذا نام في الصلاة قائمًا أو قاعدًا أو ساجدًا، فلا وضوء عليه؛ فيدل ذلك على أن النوم في الصلاة ليس بحدث. وروي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لا يجب الوضوء حتى يضع جنبه وينام. فهذا يؤيد ما قلنا مع ما اجتمع أهل العلم في أن الوضوء ليس بواجب على من قام إلى الصلاة وهو غير محدث؛ فكان التأويل ما ذكرنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) الخطاب من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بغسل الوجه: ما يعرف أهله الوجه؛ فالتكلم فيه والتحديد أنه من كذا إلى كذا فضل تكلم. والأمر بالغسل يرجع إلى ما ظهر وعرف أهله أنه وجه، وكذلك الأمر بمسح الرأس، يرجع إلى ما عرف أهله أنه رأس، وليس كالأذنين؛ لأن معرفة الأذنين أنهما من الرأس سمعي؛ لأنهما لا تعرفان أنهما من الرأس إلا بالسمع، وكذلك الأمر بغسل اليد، وغسل الرجل، يقع على ما يعرف الناس، وعرف الناس اليد إلى الإبط، والرجل إلى الركبة؛ فخرج ذكر المرافق في غسل الأيدي على إخراج ما وراء المرافق، وكذلك ذكر الكعب في الرجل؛ لإخراج ما وراء الكعب؛ لأن اسم اليد على الإطلاق يقع من أطراف الأصابع إلى الإبط. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) قرءوا بالنصب، وقرءوا بالخفض:
قَالَ بَعْضُهُمْ: من قرأ بالنصب، فهو يرجع إلى الغسل؛ نسقًا على الوجه، وبالخفض يرجع إلى المسح: مسح الخفاف؛ نسقًا على مسح الرأس، لكن هذا بعيد؛ لأنه تناقض: لا يجوز أن يأمر بالغسل والمسح جميعًا. ومعنى الخفض؛ لقرب جواره بقوله - تعالى -: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ)، وقد يجوز ذلك؛ نحو قوله تعالى: (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23). فمن قرأ بالخفض إنما قال: لقرب الجوار بالخفض؛ فعلى ذلك الأول، ثم الحكمة في الأمر بغسل هذه الأعضاء؛ ليذكرهم تطهير باطنهم. والمعنى في غسل هذه الأعضاء الظاهرة - واللَّه أعلم - لمعنيين: أحدهما: أما اليد شكرًا لما بها يتناول ويقبض. وأما الرجل؛ لما بها يمشي، وبها يصل إليه. والوجه؛ لأنه مجمع الحواس التي بها يعرف عظيم نعم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - من نحو: البصر، والفم، وغيرهما من الحواس التي يكون بها التلذذ والتشهي. أو أمر بذلك؛ تكفيرًا لما ارتكب بهذه الحواس من الإجرام؛ لأنه بها يُرتكب جُلُّ الآثام، وبها يوصل إليها من: المشي، والقبض، وغير ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) قيل: اغتسلوا: تأخذ الجنابة الظواهر من البدن وبواطنه، والحدث لا يأخذ إلا الظواهر من الأطراف؛ لأن السبب الذي يوجب الجنابة لا يكون إلا باستعمال جميع ما فيه من القوة؛ ألا ترى أنه به يضعف إذا أكثره وبتركه. يقوى؟! فعلى ذلك أخذ جميع البدن ظاهره وباطنه. وأما الحدث: فإن سببه يكون بظواهر هذه الأطراف، من نحو: الأكل والشرب، والحدث ليس باستعمال كل البدن، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ. . .) الآية ذكر المرض والسفر والمجيء من الغائط، والملامسة، ثم الحكم لم يتعلق باسم المرض ولا باسم السفر؛ ولكن باسم الغائط، ولكن كان متعلقًا لمعنى فيه؛ ففيه دلالة جواز القياس؛ لأنه ذكر الغائط والمجيء منه، والغائط: هو المكان الذي تقضى فيه الحاجات، والمراد منه: المعنى وهو قضاء الحاجات؛ فهذا أصل لنا أن النص إذا ورد لمعنى، فوجد ذلك المعنى في غيره - وجب ذلك الحكم في ذلك الغير، فإذا عدم الماء
في المكان الذي يعدم، وإن لم يكن سفرا - يجوز التيمم فيه؛ وكذلك إذا خاف الضرر من الماء - جاز له التيمم، وإن لم يكن مريضا؛ لأنه ليس أباح ذلك للمريض باسم المرض ولا باسم السفر؛ ولكن لمعنى فيه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ): قد ذكرنا فيما تقدم أن الملامسة: هي الجماع؛ كذلك روي عن عليٍّ وابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - وقال ابن عَبَّاسٍ: " الملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث والغشيان كله جماع، ولكن اللَّه كريم يكني ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا). جعل الطهارة بالماء والتراب؛ لأنه بهما معاش الخلق، وبهما قوام الأبدان، حتى جعل جميع أغذية الخلق وجل مصالحهم منهما؛ فعلى ذلك جعل قيام هذه العبادات بهما، واللَّه أعلم. ثم الحكمة في وجوب الطهارة وجهان: أحدهما: ما ذكرنا: أن يذكرهم طهارة الباطن. والثاني: تكفيرًا لما ارتكبوا بهذه الجوارح من الإجرام، أو شكرًا لما أنعم عليهم من المنافع التي جعل لهم فيها من القبض والبسط، والتناول والأخذ والمشي، وغير ذلك مما يكثر. ثم الحكمة في جعل الطهارة في أطراف البدن للتزين والتنظيف؛ لأنه يقدم على الملك الجبار، ويقوم بين يديه ويناجيه، ومن أتى ملكًا من ملوك الأرض يتكلف التنظيف والتزيين، ثم يدخل عليه؛ فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا): قال عبد اللَّه بن مسعود وعمر - رضي اللَّه عنهما -
الملامسة: ما دون الجماع "، وقالا: " إن الجنب لا يتيمم، وإن لم يجد الماء شهرًا ". وإنما قالا: " إنه لا يتيمم "؛ لما قالا: " إن اللمس ما دون الجماع "؛ فلم يدخل الجنب في هذه الآية، فأوجبوا عليه الغسل بقوله - تعالى -: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)، وجعلا قول اللَّه - تعالى -: (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) على مرور الجنب في المسجد، ولم يجعله على أنه يصلي إذا كان مسافرًا ولم يجد الماء بالتيمم، فهذا الذي منع عبداللَّه أن يطلق للجنب أن يصلي بالتيمم على كل حال. فأما علي وابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - فإنهما جعلا اللمس الذي ذكره اللَّه - تعالى - في هذه الآية الجماع، وقالا: " كنى اللَّه - تعالى - عن الجماع بالمسيس والغشيان والمباشرة، وجعل قول اللَّه - تعالى -: (إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) في المسافر الذي لم يجد الماء وهو جنب. وقد روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنه أذن للجنب من الجماع أن يتيمم: إذا لم يجد
الماء؛ فكان ذلك حجة على من منع الجنب من التيمم. ثم قول الشافعي قول ثالث خارج عن قول الصحابة والسلف جميعا - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - لأنه يزعم " أن اللمس هو الجماع وما دونه، فذلك ابتداع في الآية قولاً وتفسيرًا؛ خالف فيه ما روي في تفسيرها عن الصحابة جملة والسلف؛ لذلك كان مخطئًا مبتدعًا، وأصله أن اللَّه - تعالى - ذكر الوضوء وأمر به في الآية، وهو قوله - تعالى -: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ. . .) الآية: ولم يذكر الحدث، وأمر بالاغتسال من الجنابة، وهو قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) ولم يذكر من أي جنابة؟ ثم ذكر الحدث في قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ)؛ فعلى ذلك قوله - تعالى -: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) كان بيانًا لما تقدم من الأمر بالاغتسال من الجنابة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا)، قيل: اقصدوا صعيدا طيبًا، والصعيد: هو وجه الأرض. وقوله: (طَيِّبًا) قَالَ بَعْضُهُمْ: الطيب: ما يُنبت من الزرع وغيره. وقال آخرون: الطيب - هاهنا - هو الطاهر؛ روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " جُعِلَتْ لي الأَرْضُ مَسجِدًا وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِيَ الصلَاةُ تَيَمَّمْتُ وَصَلَّيتُ ": أخبر أن الأرض
(7)
جعلت له مسجدًا وطهورًا؛ فكان قوله: " طهورًا " تفسيرًا لقوله: " طيبًا "، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) قد ذكرنا فيما تقدم أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) يحتمل هذا وجهين: يحتمل ما يريد أن يضيق عليكم ليأمركم بحمل الماء إلى حيثما كنتم في الأسفار وغيره؛ ولكن جعل لكم التيمم، ورخص لكم أن تؤدوا ما فرض عليكم به، ولم يكلفكم حمل الماء في الأسفار وغيره، واللَّه أعلم. ووجه آخر: ما أراد اللَّه بما تعبدكم من أنواع العبادات أن يجعل عليكم من حرج؛ ولكن أراد ما ذكر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) يحتمل يريد ليطهركم به: بالتوحيد والإيمان به وبالرسل جميعًا. ويحتمل قوله: (يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) من الذنوب والآثام التي ارتكبوها؛ كقوله - تعالى -: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ). ويحتمل: التطهير من الأحداث والجنابات كما قال أهل التأويل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) تمام ما ذكرنا من التوحيد والإيمان والهداية لدينه، والتكفير مما ارتكبوا، ويجوز أن يكون هذا في قوم علم اللَّه أنهم يموتون على الإيمان؛ حيث أخبر أنه يتم نعمته عليهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ... (7) أمر - واللَّه أعلم - بشكر ما أنعم عليهم من أنواع النعم. (وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ) يحتمل الميثاق: ميثاق الخلقة وشهادتها؛ إذ خِلْقَةُ كُل أحد تشهد على وحدانيته وربوبيته. ويحتمل الميثاق الذي ذكر: ميثاق قول قالوه وقبلوا ما دعوا إليه. وقوله: (إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) قَالَ بَعْضُهُمْ: أجبنا دعوتك، وأطعنا أمرك. وقال آخرون: سمعنا قولك، وأطعنا أمرك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّقُوا اللَّهَ)
(8)
في ترك ما أمركم ربكم، وارتكاب ما نهاكم. (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) وهو على الوعيد. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ. . .) الآية يحتمل أن تكون الآية في الشهادة نفسها؛ كأنه قال: أن قوموا شهداء لله، واجعلوا الشهادة له، فإذا فعلوا هكذا لا يمنعهم بغض أحد وعداوته، ولا رضا أحد وولايته - القيام بها. ندبهم اللَّه أن يقوموا في الشهادة لله والحكم له: يحكم للعدو كما يحكم للولي، ويقوم في الشهادة للعدو كما يقوم للولي، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون في بيان الحق والحجج وتعليم الأحكام والشرائع؛ كأنه يقول - والله أعلم -: قوموا في بيان الحجج والحق وتعليم الأحكام للَّهِ، لا يمنعكم بغض قوم ولا رضاهم على ألا تبينوا الحق لهم، ولا تعلموا الحجج والأحكام لهم. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ)، أي: لا يحملنكم (شَنَئَانُ قَوْمٍ)، أي: بغض قوم (عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) فيهم؛ فإنما العدل لله في الرضا والسخط، (اعْدِلُوا)، يقول: قولوا العدل بالحق؛ فإنه أقرب للتقوى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) أي: اعدلوا هو التقوى؛ كقوله - تعالى -: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) أي: رحمة اللَّه للمحسنين؛ لأن العدل ليس إلا التقوى. (وَاتَّقُوا اللَّهَ) في ترك ما أمركم به، وارتكاب ما نهاكم عنه. (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)
(9)
وتضمرون من العدل والجور، خرج على الوعيد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ... (9) قَالَ بَعْضُهُمْ: هذه الآية هي صلة ما تقدم في قوله - سبحانه وتعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ. . .) إلى آخر ما ذكر. فإذا فعلوا، وقاموا في الشهادة والعدل في الحكم، كان لهم ما ذكر من الوعد، واللَّه أعلم. ولكن يحتمل هي على الابتداء - والله أعلم - كأنه قال: وعد اللَّه الذين آمنوا وعملوا الصالحات وعدًا، ثم بين ما في ذلك الوعد، فقال: لهم مغفرة وأجر عظيم: يستر على ذنوبهم، ويتجاوز عنها، وأجر عظيم: الجنة، قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " لهم مغفرة في الدنيا لذنوبهم، وأجر عظيم في الآخرة: الجنة "، وهو ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10) قيل: كفروا بآيات اللَّه وكذبوا بآياته، يعني: محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والقرآن، (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ). وقيل: (كَفَرُوا) بتوحيد اللَّه، (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا): بالقرآن بأنه ليس من اللَّه تعالى، وهما واحد؛ وهذا يدل أن الآية على الابتداء خرجت، ليس على الصلة على ما قالوا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ... (11) يحتمل أن تكون هذه المنة التي ذكر اللَّه - تعالى - في هذه الآية من كف أيدي الأعداء عنهم، بعدما بسطوا إليهم أيديهم في جملة المؤمنين؛ لأن المؤمنين كانوا في ابتداء الأمر مختفين فيما بين الكفرة، لا يقدرون على إظهار الإسلام وإعلانه، وقد هموا قتل المؤمنين غير مرة، وفيما كف أيديهم عنهم منة عظيمة علينا وعليهم وعلى جميع المسلمين. ويحتمل أن يكون في قوم خاص قد أحاطوا بهم، وبسطوا أيديهم إليهم، وهموا بقتلهم؛ فكف اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بفضله أيديهم عنهم، وأنقذهم من أيديهم. ثم اختلف فيه: عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: " هَمَّ بنو قريظة أن يبسطوا إليهم أيديهم بالقتل؛
(12)
فكفَّ اللَّه - تعالى - أيديهم عنهم بالمنع ". وقيل: نزلت في اليهود: دخل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حائطا لهم في النخل، وأصحابه وراء الجدار، واستعانهم في مغرم دية غرمها، ثم قام من عندهم، فائتمروا بينهم بقتله، فخرج يمشي القهقرى معترضًا ينظر من خيفتهم، ثم دعا أصحابه إليه رجلًا رجلًا، حتى تناهوا إليه. فلا ندري كيفما كانت القصة؟ وليس لنا إلى معرفة القصة حاجة بعد أن نعرف منَّة اللَّه - تعالى - التي منَّ علينا بكف الأعداء عنهم، ونشكر له على ذلك. وفي هذه الآية دلالة إثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه أخبر عما كان منهم من غير أن يشهد ذلك؛ ليعلم أنه باللَّه علم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي: على اللَّه يكل المؤمن في كل أمره، وبه يثق. * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا)
هذا - واللَّه أعلم - تعليم من اللَّه - تعالى - هذه الأمة وإنباء منه أنه قد أخذ العهود والمواثيق على الأمم السالفة، كما أخذ منكم؛ لأنه ذكر أنه: قد أخذ من هَؤُلَاءِ الميثاق بقوله: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ. . .) الآية، ثم أعلمهم بما وعد لهم من الثواب إن وفوا بتلك العهود والمواثيق التي أخذت عليهم، وبما أوعد لهم من العقاب إن نقضوا العهود التي أخذ عليهم؛ ليكونوا على حذر من نقضها، وليقيموا على وفائها. أو أن يقال: إنه إنما ذكر ما أخذ على أُولَئِكَ من العهود والمواثيق؛ ليكون ذلك آية من آيات رسالة نبينا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه إخبار عن الأمم السالفة، وهو لم يشهدها ولا حضرها؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بِاللَّهِ. ثم تحتمل تلك العهود والمواثيق التي أخذت عليهم: ما ذكر على أثرها وسياقها، وهو قوله - تعالى -: (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ. . .) إلى آخر ما ذكر. ويحتمل ما قال ابن عَبَّاسٍ: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) في التوارة: ألا تشركوا به شيئا، وبالإيمان بِاللَّهِ وملائكته وكتبه ورسله، وإحلال ما أحل اللَّه، وتحريم ما حرم اللَّه، وحسن مؤازرتهم. (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا)، يعني: ملكًا، وهم الذين بعثهم موسى إلى بيت المقدس؛ ليعلموا له علمها. ويحتمل: أن يكونوا اختاروا من بينهم أُولَئِكَ، فسألوا موسى أن يجعلهم عليهم قدوة يقتدون بهم ويعلمونهم الدِّين والأحكام، ويأخذ عليهم المواثيق والعهود؛ فيكون ما أخذ على أُولَئِكَ من المواثيق والعهود عليهم، واللَّه أعلم. ثم اختلف في النقيب: قَالَ بَعْضُهُمْ: النقيب: هو الملك، وهو قول ابن عَبَّاسٍ. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: النقيب: هو المنظور إليه، والمصدور عن رأيه، وهو من وجوه القوم، وجمعه: النقباء، مثل العرفاء.
وقال أبو عبيد: النقيب: الأمير والضامن على القوم. وقال الكسائي والفراء يقال منه: نقبت عليه، أنقب، نقابة، وهو فوق العريف؛ يقال من العريف: عرفت عليهم عرافة، وهم النقباء والعرفاء. والمناكب، واحدهم: منكب، وهم كالعون يكون مع العريف. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: النقيب: الكفيل على القوم، والنقابة والنكابة: شبيهة بالعرافة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: قال للنقباء: إني معكم في النصر والدفع عنكم، (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ. . .) إلى آخر ما ذكر، وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ويحتمل أن يكون هذا الوعد لكل من قام بوفاء ذلك: النقباء وغير النقباء، وما ذكر من الوعيد في الآية التي هي على أثر هذه على كل من نقض ذلك العهد: النقيب وغير النقيب. ثم قوله: (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ) يحتمل وجهين: يحتمل: أنه أراد بالصلاة: الخضوع والثناء له، وبالزكاة: تزكية النفس وطهارتها، وذلك في العقل على كل أحد القيام به في كل وقت. ويحتمل: أن يكون أراد بالصلاة والزكاة: الصلاة المعروفة المعهودة، والزكاة المعروفة؛ ففيه دليل وجوب الصلاة والزكاة على الأمم السالفة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي) يحتمل: أن تؤمنوا برسلي جميعًا، ولا تفرقوا بينهم: أن تكفروا ببعض وتؤمنوا ببعض؛ كقولهم: (نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ). (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) قَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ: وعزرتموهم، قالا: وعظمتموهم، والتعزير: التعظيم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: نصرتموهم.
(13)
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " وعزرتموهم: أعنتموهم "، يعني: الأنبياء، عليهم السلام. (وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) أي: صادقا من كل أنفسكم، ابتغى به وجه اللَّه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) أي: محتسبًا طيبة بها نفسه. ويحتمل قوله: (وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)، أي: اجعلوا عند اللَّه لأنفسكم أيادي ومحاسنَ؛ تستوجبون بذلك الثواب الجزيل، ثم قال: (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) وعد لهم تكفير ما ارتكبوا من المآثم إذا قاموا بوفاء ما أخذ اللَّه عليهم من المواثيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: فمن كفر بعد ذلك، أي: بعد المواثيق والعهود التي أخذ عليهم. ويحتمل قوله: (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ)، أي: من كفر، (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ)، أي: أخطأ قصد السبيل. وقوله - تعالى -: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ ... (13) أي: فبنقضهم، قيل: ما زائدة، فبنقضهم ميثاقهم. (لَعَنَّاهُمْ) يحتمل: (لَعَنَّاهُمْ)، أي: طردناهم، والملعون: هو المطرود عن كل خير. ويحتمل (لَعَنَّاهُمْ)، أي دعونا عليهم باللعن. (وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) بما نزع منها الرحمة والرأفة؛ إذا نقضوا العهود وتركوا أمر اللَّه؛ لأن اللَّه - تعالى -
(14)
أخبر أنه جعل في قلوب الذين اتبعوا أمر اللَّه وأطاعوا رسوله الرحمة والرأفة بقوله - تعالى -: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً)؛ فإذا نزعت الرحمة من قلوبهم صارت قاسية يابسة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) يحتمل أن يكونوا يغيرون تأويله ويقولون: هذا من عند اللَّه. ويحتمل التحريف: تحريف النظم والمتلو، ومحوه، ويكتبون غيره. (وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) قيل: ضيعوا كتاب اللَّه بين أظهرهم، ونقضوا عهده الذي عهد إليهم، وتركوا أمره. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ)، أي: وعظوا به، وقيل: تركوا نصيبًا مما أمروا به في كتابهم من اتباع مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ) إخبار عن تمردهم في المعاندة، وكونهم في الخيانة، وإياس عن إيمانهم، ثم استثنى فقال: (إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) وهم الذين أسلموا منهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) ولا تكافئهم لما آذوك. ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: هو منسوخ بآية القتال في سورة براءة، وهو قوله - تعالى -: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. . .) الآية. ويحتمل (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) إلى أن تؤمر بالقتال، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ... (14) عن الحسن قال: قال للنصارى: (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ)؛ فقالوا: بل نكون
نصارى؛ فذلك قوله: (إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ): ما من أحد يعقل إلا وقد أخذ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عليه العهد والميثاق، وقد أخذ الميثاق على المؤمنين بقوله - تعالى -: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ. . .) الآية، وأخذ الميثاق على اليهود بقوله: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. . .) الآية، وأخبر -أيضًا- أنه قد أخذ الميثاق على النصارى في هذه الآية بقوله - تعالى -: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ)، وقد تقدم ذكر الميثاق ومعناه في غير موضع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أي تركوا حظهم مما أمروا به من التوحيد باللَّه، والإيمان بالرسل كلهم، والتمسك بكتاب اللَّه - سبحانه وتعالى - والوفاء بالعهود التي عهد إليهم، فتركوا ذلك كله وضيعوا. ويحتمل: (فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ)، أي: لم يحفظوا ما وعظوا به. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) قيل: (فَأَغْرَيْنَا): ألقينا بينهم العداوة والبغضاء، قال الحسن: من حكم اللَّه - تعالى - أن يلقي بينهم العداوة والبغضاء، وأن يجعل قلوبهم قاسية، ومن حكمه أن يكون بين المسلمين رأفة ورحمة. وقال بعض المعتزلة: قوله - تعالى -: (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ)، أي: خذلناهم، وتركناهم. لكن هذا كله منهم احتيال، وفرار عما يلزمهم من سوء القول وقبحه؛ فيقال لهم: إن شئتم جعلتم خذلانا، وإن شئتم تركًا، اجعلوا ما شئتم، ولكن هل كان من اللَّه في ذلك صنع، أو أضاف ذلك إلى نفسه، ولا صنع له في ذلك، وذلك الحرف على غير إثبات الفعل فيه أو شيء، حرف ذم لا يجوز أن يضيف ذلك إلى نفسه ولا فعل له في ذلك ولا صنع؛ فدل أن له فيه صنعًا، وهو ما ذكرنا أن خلق ذلك منهم؛ وكذلك فيما أضاف إلى نفسه من جعل الرأفة والرحمة في قلوب المؤمنين؛ فلو لم يكن له في ذلك صنع لكان لا يضيف ذلك إلى نفسه، وذلك الحرف حرف الحمد والمدح؛ فدل أن له صنعًا، وهو أن خلق الرأفة والرحمة في قلوب المؤمنين، وخلق القساوة والعداوة في
(15)
قلوب أُولَئِكَ الكفرة، وباللَّه التوفيق. وفي الآية دلالة إثبات رسالة نبينا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه أخبر أنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وأخبر ألا تزال تطلع على خائنة منهم، وكان كما قال، على علم منهم أنه لا يطلع على أما في، قلوبهم من الخيانة والقساوة وغير ذلك من الأمور؛ فدل أنه علم بِاللَّهِ ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ) في الآخرة. (بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) في الدِّينا، وهو قول ابن عَبَّاسٍ. * * * قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ) الآية. قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا)، ولم يقل: فلان بن فلان؛ ليعلم أن الرسل - عليهم السلام - ليسوا يعرفون بالأسامي والأنساب؛ ولكن إنما يعرفون بالآيات المعجزة والبراهين النيرة. وفيه دليل أن من آمن بالرسل كلهم ولم يعرف أسماءهم أنه يكون مؤمنًا، ولم يؤخذ علينا معرفة أسامي الرسل؛ إنما أخذ علينا الإيمان بهم جملة؛ ألا ترى أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لم يذكر في الكتاب الأنبياء والرسل جميعًا واحدًا فواحدًا، ولا ذكر أسماءهم؛ إنما ذكر بعضًا منهم؟! أفترى أن من لم يعرف أسماءهم لم يكن مؤمنًا؟! هذا بعيد. وفيه دلالة إثبات رسالة أسيدنا، مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه قال: (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ)، وهم إذا كتموا ذلك وأخفوه - أعني: الرؤساء - ولم يخبروا أحدًا أنهم كتموا ذلك وأخفوه، حتى يبلغ الخبر إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولا كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - اختلف إلى أحد منهم، أو نظر في كتابهم قط؛ ليعلم ما كتموا، فلما بين لهم ما قد
كتموا وأخفوا من الناس؛ دل ذلك لهم أنه إنما علم ذلك باللَّه تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) اختلف في تأويله وقراءته: قَالَ بَعْضُهُمْ: " نبين " بالنون " ونعفوا عن كثير "، أي: اللَّه يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو اللَّه - تعالى - عن كثير إذا آمنوا ورجعوا عما كانوا يخفون ويكتمون. وقال آخرون: يبين لهم كثيرا، أي: جميع ما كانوا يخفون، ويعفو عن جميع ذلك. وأمَّا عندنا فقوله: (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) بالياء، أي: رسول اللَّه يبين لهم كثيرا، ويعفو عن كثير، على قدر ما أذن له البيان لهم؛ لأن الرسل إنما يأتون بالبراهين والحجج على قدر ما أذن لهم، لا بكل ما لهم من الآيات؛ ألا ترى أن سحرة فرعون لما ألقوا حبالهم وعصيهم فصارت حيات، لم يلق موسى عصاه حتى أذن اللَّه له في ذلك؟! وهو قوله - تعالى -: (وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117). إنما أتى بالآية بعد ما أذن له بذلك؛ فعلى ذلك قوله: (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا) إنما يبين على قدر ما أذن له بالبيان والحجة، واللَّه أعلم. وقوله: (مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ): يحتمل مما كنتم تخفون من الكتاب: من الشرائع والأحكام، ويحتمل: كتموا ما في الكتاب من نعت مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفته الكريمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ) عن الحسن: النور والكتاب واحد، وكذلك ما قال في قوله: (الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) هما واحد. وقال غيره: النور: هو مُحَمَّد، والكتاب: هو القرآن، سماه: نورًا؛ لما يوضح ويضيء كل شيء على ما هو عليه حقيقة؛ وعلى ذلك يخرج قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللَّهُ نُورُ
(16)
السَّمَاوَاتِ والأرضِ. . .) الآية، أي: به يتضح كل شيء على ما هو عليه في الحقيقة، وباللَّه التوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ... (16) يحتمل قوله: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ)، أي: بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ويحتمل: بالقرآن، أي: به يهدي اللَّه (مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ)، يحتمل: رضاه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سُبُلَ السَّلَامِ) السلام: قيل: هو اللَّه؛ كقوله - تعالى -: (السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ) أي: به يهدي سبل السلام، سمي سبلا؛ لأن سبيل اللَّه - وإن كان كثيرا في الظاهر - فهو في الحقيقة واحد، وسمي سبل الشيطان سبلاً وقال: (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ. . .) الآية؛ لأن سبله متفرقة مختلفة، ليست ترجع إلى واحد، وأما سبل اللَّه - وإن كانت سبلاً في الظاهر - فهي ترجع إلى واحد، وهو الهدى والصراط المستقيم. * * * * * * قوله تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ) كفروا كفر مكابرة ومعاندة، لا كفر شبهة وجهل؛ لأنهم أقروا أنه ابن مريم، ثم يقولون: إنه إله، فإذا كان هو ابن مريم وأمُّه أكبر منه؛ فمن البعيد أن يكون من هو أصغر منه إلهًا لمن هو أكبر منه وربًّا؛ وإلا الكفر قد يكون بدون ذلك القول، لكن التأويل هو ما ذكرنا: أنهم كفروا كفر معاندة ومكابرة مع إقرارهم أنه ابن مريم؛ حيث جعلوا الأصغر إله الأكبر وربًّا له.
(18)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) أي: لا أحد يملك من دون اللَّه شيئًا، إن أراد إهلاك (الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ. . .) الآية، أي: لو كان إلهًا -كما تقولون- لكان يملك دفع الإهلاك عن نفسه وعن أمه ومن عبدهما في الأرض. وقيل: فمن يملك أن يمنع من اللَّه شيئًا من عذابه إن أراد أن يهلك المسيح بعذاب، وأمُّه ومن في الأرض جميعًا بعذاب أو بموت؟! وهما واحد. ثم عطم نفسه عن قولهم ونزهها حين قالوا: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)، فقال: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: كلهم عبيده وإماؤه، يخلق ما يشاء من بشر وغير بشر. (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: قادر على خلق الخلق من بشر ومن غير بشر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ... (18) يحتمل أن يكون هذا القول لم يكن من الفريقين جميعًا، ولكن كان من أحد الفريقين هذا، ومن الفريق الآخر غيره، وكان كقوله - تعالى -: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) كأن هذا القول: كان كل فريق نفى دخول الفريق الآخر الجنة، لا أن قالوا جميعًا: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى). ويحتمل: أن كان من النصارى (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ)؛ لما ذكر في بعض القصة أن عيسى - عليه السلام - قال لقومه: " أدعوكم إلى أبي وأبيكم الذي في السماء "؛ فقالوا عند ذلك: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ)، وكان من اليهود: " نحن أحباء اللَّه ". ويحتمل: أن يكون هذا القول كان منهما جميعًا، قال كل واحد من الفريقين: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ). وقيل: إنهم قالوا ذلك في المنزلة والقدر عند اللَّه تعالى، أي: لهم عند اللَّه من المنزلة والقدر كقدر الولد عند والده ومنزلته عنده، ولا يعذبنا، فقال: قل يا مُحَمَّد: (فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ) إن كان ما تقولون حقا فلم يعذبكم؟! حيث جعل منكم القردة والخنازير، ولا أحد من
(19)
الخلق يحتمل قلبه أن يكون ولده أو صديقه قردا أو خنزيرا. أو يقال: لا أحد يحتمل قلبه تعذيب ولده وحبه -بذنب يذنبه- بالنار، وقد أقررتم أنكم تعذبون في الآخرة قدر ما عبد آباؤكم العجل. ثم قال: (بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ) أي: من اتخذ ولدًا وحبًّا أن يتخذ من شكله ومن جنسه؛ فاللَّه - تعالى - إنما خلقكم من بشر؛ كغيركم من الخلق، وأنتم وهم في ذلك سواء، فكيف خصصتم أنفسكم بذلك؟!. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) دليل أن من رفع أحدًا من الرسل فوق قدره في الكفر كمن حط عن قدره ومرتبته. وقوله: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) أي: من تاب وأسلم. (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) من دام على الكفر، ومات عليه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) أي: كلهم عبيده وإماؤه وخلقه؛ يعظم نفسه عن قولهم: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، ولا أحد يتخذ عبده ولده ولا حبًّا؛ فأنتم إذا أقررتم أنكم عبيده. كيف ادعيتم البنوة والمحبة؟! واللَّه أعلم. وفي الآية دلالة إثبات رسالة نبينا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنهم قالوا قولا فيما بينهم، ثم أخبرهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بذلك؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك باللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) يحتمل قوله - تعالى -: (يُبَيِّنُ لَكُمْ) ما كنتم تكتمون من نعته وصفته، ويحرفون؛ كقوله - تعالى -: (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ). ويحتمل: (يُبَيِّنُ لَكُمْ) مما لكم وعليكم من الأحكام والشرائع، ويحتمل:
(يُبَيِّنُ لَكُمْ) ما كان عليه الأنبياء والرسل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ) قيل: على انقطاع من الرسل من لدن إسرائيل إلى عيسى - عليه السلام - لأنه قيل: إنه كان رسول على أثر رسول: لم يكن بين رسولين انقطاع؛ فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه بعث محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على حين فترة من الرسل. وقيل: (عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ) ليس على انقطاع منهم؛ ولكن على ضعف أمور الرسل ودروس آثارهم، وهو من الفتور، يقال: فتر يفتر فتورًا. يخبر - واللَّه أعلم - أنه إنما بعث الرسول بعدما درس آثار الرسل، وضعف أمورهم، ووقع فيما بينهم اختلاف للضعف؛ ليبين لهم ما ذكر: (أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ). يقطع احتجاجهم بذلك، وإن لم يكن لهم في الحقيقة احتجاج، وهو كما قال: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)، وكقوله: (أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ). بشير بالجنة لمن أطاع، ونذير بالنار لمن عصاه. (فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) يحتمل: (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) من بعث الرسل على فترة منهم، وإحياء ما درس من آثار الرسل، وما ضعف من رسومهم، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25)
(20)
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ... (20) يحتمل قوله: (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ): ما ذكر من بعث الرسل والأنبياء - عليهم السلام - على فترة منهم، ويحتمل: ما ذكر على أثره، وهو قوله: (إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)؛ كأنه يقول: اشكروا نعمتي التي أنعمت عليكم من جعل الأنبياء فيكم، ولم يكن ذلك لأمة من الخلق، وجعلكم ملوكًا تستنصرون من الأعداء؛ لأن الملوك في بني إسرائيل هم الذين كانوا يتولون القتال وأمر الحرب مع الأعداء؛ كقوله: (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، فأخبر أنه جعل فيهم الأنبياء يعلمونهم أمور الدنيا والآخرة، ويحتاج غيرهم إلى معرفة ذلك، وإنَّمَا يعرفون ذلك بهم، وجعل فيهم ملوكًا يستنصرون من الأعداء ويقهرونهم؛ فيعزون ويشرفون في الدنيا والآخرة. وقوله: (وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) يحتمل: ما ذكر من جعل الأنبياء والملوك فيهم، ويحتمل: ما رزقهم في التيه من المنِّ والسلوى وغيره من النعم. وقيل في قوله: (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا)، أي: جعلكم بحيث تملكون أنفسكم، وكنتم قبل ذلك يستعبدكم فرعون، ويتخذكم خولاً لنفسه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ... (21) وقيل: قوله: (كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)، أي: كتب اللَّه عليكم قتال أهل تلك الأرض؛ ليسلموا، وهو كقوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ)، يعني: الكفر؛ فعلى ذلك قوله - تعالى -: (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) قتال أهلها؛ ليسلموا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَكُمْ)، أي: عليكم، وهذا جائز في اللغة؛ كقوله: (وَإِن
(22)
أَسَأْتُمْ فَلَهَا)، أي: فعليها. وقيل: قوله: (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) فَتْحَهَا، إن أطعتم أمر اللَّه فيما أمركم به، وانتهيتم عما نهاكم عنه، وأجبتم رسوله إلى ما دعاكم إليه، أي: إذا فعلتم ذلك يفتح اللَّه تلك الأرض، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ)، قيل: هي الشام، وقيل: غيرها، ثم سماها مرة مقدسة، ومرة: مباركة، وهو كقوله: (إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)، ثم يحتمل قوله: (بَارَكْنَا حَوْلَهُ) بكثرة الثمار والفواكه، وسعة عيشها، وكثرة ريعها. ويحتمل: أن سماها مباركة؛ لما كانت معدن العباد والزهاد ومنزهة عن الشرك وجميع الفواحش والمناكير، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ) هذا - واللَّه أعلم - كناية عن الرجوع عن الدِّين؛ وهو كقوله - تعالى -: (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا)، وإنما صار ذلك كناية عن الرجوع عن الدِّين - واللَّه أعلم - لما ذكرنا في أحد التأويلين: أنه كتب عليهم قتال أهل تلك الأرض، فتركوا أمر اللَّه وطاعته. ويحتمل: أن وعد اللَّه لهم فتح تلك الأرض، فلم يصدقوا رسوله فيما أخبر عن اللَّه من الفتح لهم؛ فكفروا بذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) يحتمل: أن يكون ذلك لهم في الآخرة، ويحتمل: في الدنيا منهزمين. ويحتمل قوله - تعالى -: (وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ) أي: لا ترجعوا وراءكم، ولكن ادخلوها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) يحتمل: أن يكون هذا - واللَّه أعلم - لما رأوا فرعون مع قربه وكثرة جنوده، مع ادعاء ما ادعى من الربوبية لنفسه - لعنة اللَّه عليه وعلى آله - لم يقدر على فتح تلك
(23)
الأرض، وعجز عن غلبة أهلها وقهرهم وجعلهم تحت يديه - فرأى هَؤُلَاءِ ألا يقدرون على ذلك مع ضعفهم في أنفسهم، وقلة عددهم؛ وقصور أسبابهم؛ لذلك امتنعوا عن الدخول فيها إلا بعد خروج من فيها من الجبارين عنها؛ خوفًا منهم على أنفسهم، لكن موسى - عليه السلام - كان وعد لهم الفتح والنصرة مع ضعفهم وقلة عددهم، إذا دخلوا فيها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ... (23) اختلف في الرجلين اللذين قالا ذلك لهم: قال قائلون: كان ذانك الرجلان من أُولَئِكَ الذين بعثهم موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - إلى أهل تلك الأرض، وأمرهم بالدخول فيها، وهما ممن قد أنعم اللَّه عليهما من تصديق ما وعد لهم موسى من الفتح والنصرة، فقال: (فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ) صدقوا موسى بما وعد لهم من الفتح. وقال قائلون: كان ذانك الرجلان اللذان قالا ذلك لهم هما من أهل تلك الأرض؛ لأنهم إذ سمعوا أن موسى قصد نحوهم خافوا من ذلك؛ فذلك معنى قوله: (مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا) بالإسلام؛ فقالا: (ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ)؛ لما علموا من خوف أهلها من موسى ومن معه وفزعهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: مصدقين بوعد موسى بالفتح لكم والنصر. ويحتمل: وعلى اللَّه فتوكلوا إن كنتم مسلمين؛ فان كل من توكل على اللَّه ووثق به، نصره اللَّه، وجعله غالبًا على عدوه، واللَّه أعلم. وقوله: (ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ): كان المراد من الباب ليس نفس الباب؛ ولكن جهة
(24)
من الجهات التي يكون الدخول عليهم من تلك الجهة أرفق وأهون؛ كأنه قال: ادخلوا عليهم جهة كذا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ... (24) من تعرض لرسول من الرسل بمثل ما تعرض هَؤُلَاءِ لموسى: (يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا) - يكفر؛ لأن موسى - عليه السلام - قد وعد لهم النصر والفتح إذا دخلوها، فقالوا: (لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا) لم يصدقوا موسى - عليه السلام - فيما وعد لهم من الفتح والنصر، ومن كذب رسولا من الرسل بشيء مخبر؛ فهو كافر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا. . .) الآية: دل قوله - تعالى -: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا) على أن الأمر بالدخول فيها أمر بالقتال مع الأعداء، حين قال: (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)، وأن المكتوب عليهم القتال معهم؛ لأنهم قالوا: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا)، واللَّه أعلم. ثم قيل في قوله - تعالى -: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا) بوجهين: قيل: اذهب أنت وربك فقاتل وحدك، وليعينك ربك وينصرك؛ لأنك تقول: إن اللَّه قد وعدك فتحها والنصر عليهم، فالواحد والجماعة فيه سواء، إذا كان اللَّه ناصرك ومعينك. والثاني: اذهب أنت وأخوك بربك فقاتلا؛ لأنهما كانا جميعًا مأمورين بتبليغ الرسالة؛ لأنهما إذا قاتلا إنما قاتلا بربهما، وتجوز الإضافة إليه والنسبة لما كان يفعل به؛ كقوله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)، وقوله - تعالى -: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) هم المباشرون للقتل والرمي في الحقيقة، لكنه أضيف
(25)
إليه؛ لما بنصره ومعونته قتلوا ورموا؛ فعلى ذلك الأول - واللَّه أعلم - أضيف إليه؛ لما بمعونته ونصره يقاتلون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) أي: ليس يريد به القعود نفسه، ولكن - واللَّه أعلم - إنا هاهنا منتظرون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ... (25) يحتمل وجهين: يحتمل: أني لا أملك في الإجابة والطاعة لك إلا نفسي وأخي -أيضًا- لما عرفت بالعصمة التي أعطيت له أن يجيبني ويطيعني في ذلك، وأما هَؤُلَاءِ: فإني لا أملك إجابتهم ولا طاعتهم، (فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ). ويحتمل: (إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي) لا يملك -أيضًا- إلا نفسه؛ على الإضمار؛ لأنهما كانا جميعًا رسولين مأمورين بتبليغ الرسالة بقوله - تعالى -: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا. . .) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) قال قائلون: إنما طلب موسى - عليه السلام - الفرقة بينه وبين الذين أبوا الدخول فيها، وقالوا: (لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا). وقال قائلون: إنما طلب موسى الفرقة بينهم وبين الجبابرة الذين كانوا في الأرض، التي أمروا بالدخول فيها والقتال معهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ... (26) قوله تعالى: (مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ): من الحرمان والمنع، هو - واللَّه أعلم - ليس على التحريم؛ كقوله - تعالى -: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) ليس هو من التحريم الذي هو تحريم حكم، ولكن من المنع والحرمان؛ فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم. وقال قائلون: محرمة عليهم أبدًا لم يدخلوها حتى ماتوا، لكن ولد لهم أولاد؛ فلما ماتوا هم دخل أولادهم؛ لأنهم قالوا: (لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا).
وقال قائلون: قوله تعالى: (مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ): أي: التوبة محرمة عليهم، لن يتوبوا أبدًا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ): فالمدة هاهنا للتيه - واللَّه أعلم - لا لقوله تعالى: (مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ). ثم اختلف في التيه: قال قائلون: لم يكن موسى وهارون - عليهما السلام - معهم في التيه؛ لأن ذلك لهم من اللَّه كان عقوبة، ولا يحتمل أن يكون اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يعذب رسوله بذنب قومه؛ لأنه لم يعذب قومًا بتكذيب الرسول قط إلا من بعد ما أخرج الرسول من بين أظهرهم؛ فعلى ذلك لا يحتمل أن يكون موسى يعذب بعصيان قومه، والله أعلم. وقال آخرون: كان موسى معهم في تلك الأرض مقيمًا فيها، ولكن الحيرة والتيه كانت لقومه، قيل: كانوا يرتحلون ثم ينزلون من حيث أصبحوا أربعين سنة، وكان ماؤهم في الحجر الذي كان مع موسى - عليه السلام - فكان إذا نزل ضربه موسى بعصاه، (فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا)، لكل سبط عين، ولم يكن حل بموسى مما كان حل بقومه قليل ولا كثير؛ إنما أمر بالمقام فيها؛ فأقام من غير أن كان به حيرة. * * * قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)
(27)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا ... (27) قال الحسن وغيره: لم يكونا ابني آدم من صلبه، ولكن كانا رجلين من بني إسرائيل قربا قربانا؛ فتقبل قربان أحدهما، ولم يتقبل قربان الآخر، وإن نسبهما إلى آدم؛ لأن كل البشر ولد آدم ينسب إليه، كقوله - تعالى -: (يَا بَنِي آدَمَ) افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، ليس يريد به ولد آدم لصلبه، ولكن البشر كله؛ فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم. وأمَّا ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - والكلبي وغيرهما من أهل التأويل: فإنهم قالوا: " إنهما كانا ابني آدم لصلبه: أحدهما يسمى قابيل، والآخر هابيل، وكان لكل واحد منهما أخت ولدت معه في بطن واحد، وكانت إحداهما جميلة، والأخرى دميمة، فأراد كل واحد منهما نكاح الجميلة منهما، فتنازعا في ذلك؛ فقال أحدهما لصاحبه: تعال حتى نقرب قربانا، فإن تقبل قربانك فأنت أحق بها، وإن تقبل قرباني فأنا أحق بها، فقربا قربانهما، فقبل قربان هابيل، ولم يتقبل قربان قابيل؛ فحسده؛ فهمَّ أن يقتله؛ فذلك قوله - تعالى -: (إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، ولكن لا ندري كيف كانت، وفيما كانت القصة؟ وكانا ابني آدم لصلبه، أو لم يكونا، وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة، إنما الحاجة في هذا إلى معرفة ما فيه من الحكمة والعلم؛ ليعلم ذلك ويعمل به، فهو - واللَّه أعلم - ما ذكر - عَزَّ وَجَلَّ - فيما تقدم من قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ)، وقال في آية أخرى: (يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ)، فكان هذا - أعني: نبأ ابني آدم - كان في كتبهم، فأمر - عز وجل - رسوله أن يتلو عليهم ذلك على ما كان، ويبين لهم ما في كتبهم؛ لأنه قال: (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ) و (يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ) ليعلموا أنه إنما علم ذلك باللَّه، لا بأحد من البشر؛ لأنه إنما بعث عند دروس آثار الرسل، وانقطاع العلوم، فبين لهم واحدًا بعد واحد، ففيه دليل إثبات رسالة
(28)
سيدنا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وسورة المائدة كان أكهثرها نزلت في مخاطبة أهل الكتاب؛ لأنه يقول في غير موضع: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ) و (يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ) يدعوهم إلى الإيمان بالرسل، ونزل سورة الأنعام في مخاطبة أهل الشرك؛ لأن فيها دعاء إلى التوحيد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ): يحتمل وجهين: يحتمل: (بِالْحَقِّ) على ما نزل. ويحتمل: (بِالْحَقِّ) المعلوم المعروف على ما كانوا؛ ليعلموا أنه باللَّه علم، وأنه علم سماوي. وقوله - عز وجل -: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ): هذا يحتمل وجهين: يحتمل: إنما يتقبل اللَّه قربان من اتقى الشرك، لا يتقبل قربان من لم يتق، وإلى هذا يذهب الحسن، وقال: كانا رجلين من بني إسرائيل: أحدهما مؤمن، والآخر منافق، فتنازعا في شيء فقربا ليعلم المحق منهما، فتقبل من المؤمن ولم يتقبل من الآخر. وقال أبو بكر الأصم: كانا رجلين مصدقين؛ لأن الكافر لا يقرب القربان، لكن أحدهما كان أتقى قلبًا فتقبل قربانه، والآخر لا فلم يتقبل قربانه، والتقوى شرط في قبول القرابين وغيرها من القرب؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، وقوله: والكافر لا يقرب القربان، يقال: قد يقرب لما يدعي من الدِّين أن الذي هو عليه حق؛ ليظهر المحق منهم؛ ألا ترى أنهم يَدَّعُون أن فيهم من هو أحق بالرسالة من محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بقولهم: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)، وغير ذلك من أباطيل قالوها، وباللَّه التوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ... (28) قال بعض الناس: إن الواجب علينا أن نفعل مثل فعل أُولَئِكَ، لا ينبغي لمن أراد أحد قتله أن يقتله، ولكن يمتنع عن ذلك على ما امتنع أحد ابني آدم؛ حيث قال له: (لَأَقْتُلَنَّكَ)، فقال له الآخر: (مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ)، واحتجوا في ذلك
بأخبار رويت: روي عن أبي موسى الأشعري، كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: " إِذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيفَيهِمَا قَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَهُمَا فِي النَّارِ "، فقيل: يا رسول اللَّه، أرأيت المقتول؟! فقال: " إِنَهُ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ صَاحِبَهُ ". وعن سعد بن مالك قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَبدًا للَّهِ، وَلَا تقْتُل أَحَدًا مِنْ أَهْلِ القِبلَةِ فَافْعَلْ ". وعن الحسن - رضي اللَّه عنه - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إِنَّ ابْنَي آدَمَ ضَرَبَا لِهَذِهِ الأُمةِ مَثلاً، فَخُذُوا بِالْخَير مِنْهُمَا ". وعن أبي ذر - رضي اللَّه عنه - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " كَيفَ يَا أَبَا ذَرِّ إِذَا كَانَتْ بِالمَدِينَةِ قَتْل بغَيرِ حِجَارَةٍ؟ " قال: قلت: ألبس سلاحي، قال: " شَارَكْتَ الْقَومَ إِذَنْ " قال: قلت: كيف أصنع يا رسول اللَّه؟ قال: " إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبهَرَكَ شُعَاعُ السيفِ فَأَلْقِ نَاحِيَةَ ثَوْبِكَ عَلَى وَجْهِكَ، يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ " يحتجون بمثل هذه الأخبار. وقال آخرون: له أن يقاتل إذا لم يتعظ صاحبه باللَّه، وأراد قتله، فهو في سعة من قتل من يريد أن يبتدئه بالقتل؛ استدلالاً بما أمر اللَّه - تعالى - بقتال أهل البغي؛ كقوله - تعالى -: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) فصار الحكم في أمتنا ما أمرهم اللَّه به من قتال البغاة؛ لأن اللَّه - تعالى - قال: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)، على أن قتال المشركين كان محظورًا في أول مبعث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وقبل ذلك بأوقات، وقالوا: فغير منكر أن يكون الوقت الذي ذكره اللَّه في هذه الآية كان قتال المشركين وتجريد السيف فيه محظورًا، فأذن اللَّه في قتالهم وقتال أهل البغي، فصار الحكم في أمتنا ما أمر اللَّه به من قتال البغاة والمشركين، واللَّه أعلم. وأما ما احتجوا به من الأخبار التي رويت من اقتتال المسلمين وأشباهها: فإن ذلك، -
(29)
واللَّه أعلم - ما احتجوا به من الأخبار التي رويت في حال الفتن، وقتال الفئتين اللتين لا إمام فيهما يستحق الإمامة؛ لحمية أو أمر جاهلية أو عصبية، فهما على خطأ، فالصواب في مثله ما ذكر من الأخبار. وأما إذا كان للناس إمام هدى: فقد عقدوا له البيعة، فخرجت عليه خارجة ظالمة، فقتالهم واجب؛ اتباعًا لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومن حارب معه من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على أهْلَ البغي والخوارج، فأما قتال الخوارج: فهو كالإجماع؛ لأن جميع الطوائف قد حاربوهم، ورويت في ذلك آثار كثيرة عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ إلى هذا يذهب من رأى قتل من يهم بقتله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ... (29) أن ترجع بإثمي بقتلك إياي، وإثمك الذي عملته قبل قتلي. قَالَ الْقُتَبِيُّ: (بِإِثْمِي): أن تقتلني، (وَإِثْمِكَ): ما أضمرت في نفسك من الحسد والعداوة. وقال الحسن: ترجع (بِإِثْمِي) بقتلك إياي، (وَإِثْمِكَ) يعني: الكفر الذي كان عليه؛ لأنه يقول: كان أحدهما كافرًا فقتل صاحبه؛ فيرجع بالكفر، واللَّه أعلم. وقوله - تعالى -: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ): يجوز أن يتكلم بالإرادة على غير تحقيق الفعل؛ كقول القائل: أريد أن أسقط من السطح، وهو لا يريد سقوطه منه؛ وكقوله: (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ) والجدار لا فعل له، فإذا جاز إضافة الإرادة إلى من لا فعل يكون منه؛ دل أنه ليس على حقيقة الفعل، ولكن على ما يقع أنه يكون كذلك، ويئول أمره إلى ذلك. أو أراد أن يبوء بإثمه لما علم منه أنه يقتله لا محالة، ويعصي ربه، أراد أن يبوء بإثمه؛ وذلك جائز، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ... (30) قَالَ الْقُتَبِيُّ: أي شايعته،
(31)
وانقادت له. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ): أي: أمرته وزينت له. وقال مجاهد: أي: شجعته وأعانته، وكله يرجع إلى واحد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، وقال في آية أخرى: (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ): يحتمل وجهين: يحتمل: أصبح تائبًا؛ لأن الندامة توبة، وذلك أن من أذنب ذنبًا فندم عليه كان ذلك منه توبة، فإن لم يكن توبة فتأويل قوله: (فَأَصْبَحَ) أي: يصبح في الآخرة من النادمين؛ وهو كقوله: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: يقول في الآخرة لا أن قال له؛ فعلى ذلك قوله تعالى: (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ): أي: يصبح من النادمين في الآخرة - واللَّه أعلم - ويصبح من الخاسرين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ... (31) استدل من قال بأن القصة كانت في بني آدم لصلبه: يقول: (فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ)؛ لأن القصة لو كانت في بني إسرائيل لم يكن ليجهل دفن الميت؛ إذ قد رأى ذلك غير مرة وعاينه؛ فدل أنه كان في أول ميت جهل السنة فيه. وقال من قال: إنهما كانا رجلين من بني إسرائيل؛ إذ قد يجوز أن يخفى على المرء شيء علمه قبل ذلك وعاينه إذا اشتد به الخوف ونزل به الهول؛ كقوله - تعالى -: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا)، وقد كان لهم علم بذلك، لكن ذهب عنهم - واللَّه أعلم - لشدة هول ذلك اليوم، وخوفه؛ فعلى ذلك الأول، يجوز خفاء دفن الموتى بعدما علمه؛ لشدة الهول، واللَّه أعلم. ثم اختلف فيما أخبر عن بحث الغراب في الأرض: قال الحسن - رضي اللَّه عنه -: كان الغراب يبحث التراب على ذلك الميت؛ ليرى ذلك القاتل، لا أنه كان يبحث التراب
(32)
على غراب آخر، على ما ذكر في القصة أن غرابًا قتل آخر، ثم جعل يبحث التراب عليه؛ لأنه ذكر السوأة، وليس للغراب سوأة -والسوأة: العورة- وذلك ليريه كيف يوارى سوأة أخيه لم يذكر السوأة في الغراب، إنما ذكرها في أخيه؛ من أجل أن يريه أن كيف يوارى سوأته، واللَّه أعلم. وقوله: (قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي) أي: أعجزت في الحيلة أن أكون مثل هذا الغراب، فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ... (32) أي: من استحل قتل نفس، يحتمل وجوهًا: يحتمل قوله - تعالى -: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) أي: من استحل قتل نفس حَرَّمَ اللَّه قتلها بغير حق، فكأنما استحل قتل الناس جميعًا؛ لأنه يكفر باستحلاله قتل نفس محرم قتلها، فكان كاستحلال قتل الناس جميعًا؛ لأن من كفر بآية من كتاب اللَّه يصير كافرًا بالكل؛ فعلى ذلك الأول، إذا استحل قتل نفس محرمة يصير كأنه استحل قتل الأنفس كلها. ويحتمل: أن يكون هذا في أول قتيل قتل لم يكن قبل ذلك أحد، فلما قتل هذا قتيلا جعل الناس يقتلون بعد ذلك بعضهم بعضًا، وكان ذلك منه سنة استن الناس به؛ فهو كما روي في الخبر أن: " مَنْ سَنَّ سُنَّة سَيئةً فَلَهُ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِنْ غَيرِ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ وِزْرِهِم شَيئًا "؛ فيشترك هذا القاتل في وزر كل قتيل قتل إلى يوم
القيامة بغير حق. وتحتمل الآية وجهًا آخر، وهو ما قيل: إنه يجب عليه من القتل مثل ما أنه لو قتل الناس جميعًا، ومن أحياها أعطاه من الأجر مثل ما لو أنه أحيا الناس جميعًا، إذا أحياها فلم يقتلها وعفا عنها. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: من أجل ابن آدم حين قتل أخاه كتبنا على بني إسرائيل: (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ) بلا نفس وجب عليها القصاص (أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ) يقول: الشرك في الأرض، (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) يقول: يعذب عليها؛ كما أنه لو قتل الناس جميعًا لهم، وهو مثل الأول. وعن عبد اللَّه بن عمرو قرأ: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ. . .) الآية قال: " لم يكن يؤخذ في بني إسرائيل أرش، إنما كان قصاصا بقصاص " يقول: من قتل نفسا، أو أفسد في الأرض جزاؤه كانما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فعلى نحو ذلك. ويحتمل قوله - تعالى -: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا): أي: من استنقذ أحدًا من مهلكة فكأنما استنقذ الناس جميعًا في الآخرة. وقيل: ومن أحياها بالعفو - أُجِرَ في إحيائها كما يؤجر من أحيا الناس جميعًا؛ إذ على الناس معونة ذلك، فإذا عفا عنها فكأنما عفا عن الناس جميعًا. قال الحسن: ومن أحياها في الأجر، أما واللَّه من يستطيع أن يحييها إذا جاء أجلها؟! ولكنه أقيد فعفا. ووجه آخر: أنه يلزم الناس جميعا دفع ذلك عن نفسه ومعونته له، فإذا قتلها أو سعى عليها بالفساد فكأنما سعى بذلك على الناس كافة؛ فعلى ذلك من أحياها فكأنما سعى في إحياء الناس جميعًا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)
(33)
في الآية تصبير رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على تكذيب الكفرة إياه، وأنه ليس بأول مكذَّب في الحق، بل كانت الرسل من قبل يكذبون فيما يأتون من الآيات والحجج والبيان. * * * قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا. . .) الآية قَالَ بَعْضُهُمْ: الآية نزلت في أهل الكفر، وبيان الحكم فيهم؛ وهو قول الحسن وأبي بكر الأصم، وقالا: لأن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ذكر محاربة اللَّه ورسوله، وذكر السعي في الأرض بالفساد، وكل كافر قد حارب اللَّه ورسوله، وسعى في الأرض بالفساد - فللإمام أن يقتلهم بأي أنواع القتل شاء، ما دام الحرب فيما بينهم قائمًا، فإذا أثخنوا في الأرض - بترك ذلك - يَمُنَّ اللَّه عليهم إن شاء. وأما المسلم إذا قطع الطريق: فإنه لا يقال: إنه حارب اللَّه ورسوله؛ فدل أنها نزلت في أهل الكفر؛ للكفر، لا لقطع الطريق. وقال آخرون: نزلت في المشركين إذا قطعوا الطريق فأما المسلمون إذا قطعوا الطريق،
فإنما هم سراق تقطع أيديهم فقط. وقال غيرهم: نزلت الآية بالحكم في المشركين إذا قطعوا الطريق وأخافوه، لكن يتحرى ذلك الحكم في المسلمين، إذا قطعوا الطريق على الناس وأخافوهم. روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " وادع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي، فجاء أناس يريدون الإسلام، فقطع الطريق عليهم؛ فنزل جبريل - عليه السلام - على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالحد فيهم: أن من قتل وأخذ المال - صُلب، ومن قَتَل ولم يأخذ المال - قُتِلَ، ومن أخذ المال ولم يقتل - قطعت يده ورجله من خلاف، ومن جاء مسلمًا - هدم الإسلام ما كان في الشرك "؛ فدل حديث ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على أن الآية نزلت في الموادعين غير المحاربين. روي عن أنس قال: " إن أناسًا من عُكْل أو عُرَينة أتوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فشكوا إليه الجهد، فبعث معهم بلقاح وراعيا، وقال لهم: " اشْرَبُوا أَلْبَانَهَا، وَتَدَاوَوْا بِأبْوَالِهَا "، فلما أن صَحُّوا قتلوا راعي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - واستاقوا الإبل، وارتدوا عن الإسلام؛ فبعث في آثارهم، فأتى بهم بعد ما ترجل بهم النهار، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وقطع ألسنتهم، وتركوا بالمكان حتى ماتوا؛ فنزلت الآية ". وروي عن علي - رضي اللَّه عنه - ما يخالف هذا؛ روي: " أن حارثة بن بدر حارب اللَّه ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، وتاب من قبل أن يقدر عليه، فكتب علي بن أبي طالب إلى عامله بالبصرة: أن حارثة قد تاب قبل أن يقدر عليه؛ فلا تتعرض له إلا بالخير " ألا ترى أن حارثة قد أطلق فيه أنه حارب اللَّه ورسوله وكان مؤمنًا؟! فهذا
يدل على أن الحكم الذي أجري على قطاع الطريق الكفرة يجري ذلك الحكم في المسلمين، إذا كان منهم ما كان من المشركين من قطع الطريق على الناس وإخافته عليهم. وقد يتوهم أن الآية نزلت في أهل الحرب، وقد أبيح لنا قتل من ظفرنا به منهم كيف شئنا، وإن لم يفسدوا في الأرض ولم يقطعوا الطريق؛ وهذا يدل أن الآية نزلت بالحكم في أهل الكفر وأهل الإسلام جميعًا، إذا سعوا في الأرض بالفساد، ومن الدليل على ذلك: أن اللَّه - تعالى - قال: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ)، وأجمعوا أن الكافر إذا قتل مسلمًا، وأظهر في الأرض الفساد، فقدرنا عليه وأسرناه، ثم أسلم - أنه يزول عنه القتل والقطع والطلب؛ فدل ذلك على أن الآية نزلت بالحكم في المسلمين؛ لأنه يختلف حكمه إذا تابوا من قبل أن يقدر عليهم، أو بعد قدرتنا عليهم، ولم ينزل فيمن يستوي حكمه في الحالين جميعًا، إذا تابوا بعد القدرة، فالحكم ثابت عليهم، فأما الذي روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من فعله بالعرنيين: فإنهم كانوا أسلموا، ثم ارتدوا. واحتج من ذكرنا قوله من المتأخرين بأن الآية نزلت فيهم - بحديث أنس من فعله بالعرنيين. وقد روي عن بعض المتقدمين أن الآية نزلت بعد قتل العرنيين من نحو ابن سيرين وغيره؛ فالواجب على من ادعى أن الآية نزلت في العرنيين أن يبين دعواه. وكان أصحابنا - رحمهم اللَّه - يذهبون إلى ما روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ويرون أن يؤخذ المحارب إذا تاب قبل أن يقدر عليه بما أصاب من دم ومال، على سبيل القصاص، ولا يصلب ولا تقطع يده ورجله فيما أصاب من مال؛ فكأنهم ذهبوا إلى أن يزال الحد الذي للَّهِ على المحارب بتوبته قبل أن يقدر عليه، وهو ما كان إلى الإمام إقامته، ولا أمر للولي فيه. وأما الحقوق التي هي للعباد: فإن التوبة لا تعمل في إبطالها، ولكل ذي حق أن يأخذ بحقه لا حق للإمام؛ لأن الحق صار للولي دون الإمام. وفي قوله: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) دلالة على أن السارق إذا رد السرقة قبل أن يقدر عليه أن لا قطع عليه؛ وكذلك روي عن بعض المتقدمين أنهم قالوا: ليس على تائب قطع.
ودل قوله: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) على أن السارق في المصر ليلاً أو نهارًا لا يكون محاربًا، وإنما هو سارق تقطع يده دون رجله؛ لأنه ذكر السعي في الأرض بالفساد، والسارق في المصر لا يقال: سعى في الأرض؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ)، لم يرد الضرب في المصر، ولكن أراد الأسفار؛ فعلى ذلك الأول. وأما الكلام في القتل والصلب والقطع: فروي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " إذا حارب وقتل وأخذ المال - قطعت يده ورجله من خلاف وصلب، فإن قتل ولم يأخذ المال - قتل، وإن أخذ المال ولم يقتل - قطعت يده ورجله من خلاف ". وتأول الآية: (الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .) الآية: على أن الواجب على المحارب من العقوبة له على قدر جنايته، ويزاد في عقوبته بقدر زيادته في جرمه. وتأول غيره الآية: على أنها نزلت في المحارب الذي يصيب المال والنفس، وإذا أصاب الأمرين كان للإمام أن يقتله كيف شاء: إن شاء قتله بالسيف قتلاً، وإن شاء قطع يده ورجله ثم يتركه حتى يموت، وإن شاء صلبه حيًّا، وإن أبطأ عليه الموت طعن بالرماح حتى يموت؛ وإلى هذا كان يذهب أبو حنيفة، رحمه اللَّه. وأما أبو يوسف ومُحَمَّد - رحمهما اللَّه - قالا: إذا صلب لم تقطع يده ورجله؛ لأنه لا يجوز أن يجمع عليه الأمرين، وإنما جعل اللَّه له أحدهما بظاهر قوله: (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ)، وجعلا عقوبته مختلفة على قدر جنايته، إن قيل: فما معنى التخيير فيه؟ قيل: معناه - واللَّه أعلم - أن يقتل بالسيف، أو يقتل بالصلب، أو يقتل بقطع اليد والرجل. وأصله: أن حرف التخيير إذا كان في متفق الأسباب يخرج مخرج التخيير، من نحو: التخيير في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة المتأذي؛ لأن سبب وجوبه
واحد. وإذا كان في مختلف الأسباب فيخرج مخرج بيان الحكم لكل في نفسه؛ كقوله - تعالى -: (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) لا يحتمل التخيير، ولكنه على بيان الحكم لكل في نفسه؛ لأن سبب وجوبه مختلف، فتأويله: إما أن تعذب من ظلم، وتتخذ الحسن فيمن آمن باللَّه؛ ألا ترى أنه قال: (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى). وقول من جعل الحكم فيمن جمع القتل وقطع الطريق أقرب إلى التأويل - واللَّه أعلم - ممن لم يجمع؛ لأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .) الآية، فمن حارب وأفسد في الأرض فقد أتى بالأمرين جميعا؛ لأن محاربته أن يقتل، وإفساده في الأرض بقطع الطريق، فإذا جمع هو بين الأمرين يجمع بين عقوبتين. وأصله أن أمر قطاع الطريق محمول على فضل تغليظ، من نحو ما يجمع بين قطع اليد والرجل في أخذ المال، وذلك لا يجمع في أخذ المال في المصر، ومن نحو الصلب، وذلك لم يجعل في غيره من القتل في المصر؛ فدل أنه محمول على فضل تغليظ، فجاز أن يجمع بين ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ): قَالَ بَعْضُهُمْ: " وينفوا من الأرض " على إسقاط الألف، ويكون في القتل والصلب نفيه إذا قتل وأخذ المال. وقَالَ بَعْضُهُمْ: نفيه أن يطلب فلا يقدر عليه. وعن الحسن قال: يطلب حتى يخرج من أرض الإسلام، وذلك إلى الإمام. وأصله ما ذكرنا: أنه إذا قدر عليه وقد قتل وأخذ المال يقتل؛ وفي القتل نفيه، وإذا لم يقتل ولم يأخذ المال حبس إن قدر عليه؛ وفي الحبس نفيه، وإن لم يقدر عليه يطلب حتى يبرح عن الطريق، واللَّه أعلم. وقول أبي عبيد؛ حيث قال: إنه يصلب بعد القتل؛ لأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نهى عن
(34)
المثلة، فيقال له: المثلة يراد بها على ما قال مُحَمَّد بن الحسن - رحمه اللَّه - ولأن الصلب جعل عقوبته، والميت لا يعاقب، ولو جاز أن يصلب بعد القتل لجاز لغيره أن يقول: تقطع يده ورجله بعد القتل؛ فذلك بعيد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ... (34) قد ذكرنا فيما تقدم أن قطاع الطريق إذا تابوا قبل أن يقدر عليهم، سقط عنهم الحدود التي هي للَّهِ نعالى، لا يؤاخذون بها، وليس كغيرها من الحدود التي تلزم في غير المحاربة - أن التوبة لا تعمل في إسقاطها - لوجهين: أحدهما: أن التوبة من غير المحارب لا تظهر حقيقة، فإذا لم تظهر - لم تعمل في إسقاط ما وجب، وفي المحارب تظهر؛ لأنه في بدي نفسه إذا ترك المحاربة والسعي في الأرض بالفساد، وظهرت منه التوبة فلم يؤاخذ به، وفي سائر الحدود لا يظهر منه ترك ما كان يرتكب؛ لذلك افترقا. والثاني: أنه لو لم يقبل منه ذلك لتمادى في السعي في الأرض بالفساد في حق المسلمين من الضرر أكثر مما لو أخذوهم بذلك، فاستحسنوا قبول ذلك منهم، ودرئ ما وجب عليهم من الحدود التي هي لله تعالى. وأما الحقوق التي هي للعباد: فذلك إلى الأولياء: إن شاءوا أخذوهم بذلك، وإن شاءوا تركوا، واللَّه أعلم. وأما قوله: " من جاء مسلمًا هدم الإسلام ما كان في الشرك "، معناه: إذا جاء تائبًا؛
(35)
لأن الحدود جعلت زواجر، والإسلام يزيد في الزجر والتغليظ؛ فلا يجوز أن يكون ما كان سببًا للتغليظ سببًا لإسقاطه؛ دل أن المعنى منه: من جاء مسلمًا تائبا، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) يحتمل أن تكون الآية صلة ما مضى من الآيات؛ من ذلك قوله - تعالى -: (إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، أخبر أنه إنما يتقرب بقربانه المتقي، وقال: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .) الآية، ثم قال تعالى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ): أي: ابتغوا بتقوى اللَّه عن معاصيه القربة والوسيلة. و (الْوَسِيلَة): القربة وكذلك الزلفة، يقال: توسل إليَّ بكذا، أي: تقرَّب؛ وهو قول الْقُتَبِيّ، وقوله: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ): أي: قربت. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ. . .) الآية. يحتمل هذا وجهين: أحدهما: جاهدوا أنفسكم في صرفها عن معاصيه إلى طاعته؛ وهو كقوله - تعالى -: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا). ويحتمل: أن جاهدوا مع أنفسكم وأموالكم أعداء اللَّه في نصرة دينه، وباللَّه التوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ... (36) كان الذي يمنعهم عن الإسلام والإيمان باللَّه وبالرسل قضاء شهواتهم، وطلب العزة والشرف بالأموال، فأخبر: (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ)؛ في صرف العذاب عن أنفسهم (مَا تُقُبِّلَ
(37)
مِنْهُمْ)، ولا ينفعهم ذلك، يذكر هذا - واللَّه أعلم - ليصرفوا أنفسهم عن معاصي اللَّه، والخلاف له بأدنى شيء يطلبون من الأموال والشهوات، وأخبر أنه لو كان لهم ما في الأرض ومثله معه ليفتدوا بعذاب يوم القيامة، ما نفعهم ذلك، وما تقبل منهم. والحكمة في ذكر هذا - واللَّه أعلم - ليعلموا أن الآخرة ليست بدار تقبل فيها الرشا كما تقبل في الدنيا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) دل هذا على أن من العذاب ما لا ألم فيه من نحو الحبس والقيد، فأخبر أن عذاب الآخرة أليم كله، ليس كعذاب الدنيا: منه ما يكونُ، أليمًا ومنه ما لا يكون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا ... (37) يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ): أي: يطلبون ويسألون الخروج منها من غير عمل الخروج نفسه. ويحتمل قوله - تعالى -: (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ) ولكن يردون ويعادون إلى مكانهم؛ كقوله - تعالى -: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا) أي: يجتهدون في الخروج منها (أُعِيدُوا فِيهَا)؛ فيه دليل أنهم يعملون عمل الخروج؛ ولكن يردون ويعادون فيها. * * * قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40) وقوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا. . .) الآية عام في السراق، خاص في السرقة؛ لأنه يدخل جميع أهل الخطاب في ذلك، وإن
كان يجوز أن يدرأ الحد عن بعض السراق، إذا سرقوا من محارمهم، أو ممن له تأويل الملك في ماله أو شبهة التناول منه؛ لأنه إذا سرق ممن ليس له ذلك التأويل ولا تلك الشبهة - قطع؛ فدل أنها عامة في السراق؛ وعلى هذا يخرج قول ابن عَبَّاسٍ؛ حيث سئل عن قوله - تعالى -: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) أخاص هو أم عام؟ فقال: " لا؛ بل عام " أي: عام في السراق؛ ألا ترى أنه قال في خبر آخر؛ حيث سئل عن ذلك فقال: " ما كان من الرجال والنساء قطع ". وأما قولنا: " خاص في السرقة "؛ لأنه لا يحتمل قلب أحد قطع اليد في الشيء التافه الخسيس الذي إذا أخذ أمنه، دل أن الخطاب بذلك من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - رجع إلى سرقة دون سرقة، لا إلى كل ما يقع عليه اسم السرقة؛ وكذلك الخطاب بقطع اليد رجع إلى بعض اليد، وهو الكف، وإن كان اسم اليد يقع من الأصابع إلى الإبط؛ لأن الناس مع اختلافهم - اتفقوا على أن اليد لا تقطع من الإبط ولا من المرفق، لكنهم اختلفوا فيما دون ذلك: فعلى قول بعضهم: تقطع الأصابع دون الكف، وعندنا: أنه تقطع الأصابع بالكف؛ لأنه بها يُقْبَضُ الشيءُ وُيؤْخذ؛ فمخرج الخطاب بالقطع عام، والمراد منه: رجع إلى بعض اليد دون بعض. وكذلك قوله تعالى: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) مخرج الخطاب بالقطع عام، ليس فيه
بيان من يتولى القطع، فالمراد منه: رجع إلى الولاة؛ فهذا كله يدل على أن ليس في مخرج عموم اللفظ دليل عموم المراد، ولا في مخرج خصوص اللفظ دليل خصوصه؛ بل يعرف ذلك كله بدليل: يقوم العموم بدليل العموم، والخصوص بدليل الخصوص؛ فهذا ينقض قول من يقول: إنه على العموم حتى يقوم دليل الخصوص، واللَّه أعلم. فَإِنْ قِيلَ لنا: أيش الحكمة في إقامة الحد في السرقة على ما به تكتسب السرقة وهو اليد، ولم يقم الحد في سائر الحدود فيما به كان اكتسابها؛ من نحو القصاص والزنا وغيره، أنه إذا قتل آخر لم تقطع يده وبها كان اكتساب القتل؛ وكذلك الزنا لم يقم الحد على ما به كان الزنا، بل أقيم على غير ما به كان ذلك الفعل، وفي السرقة أقيم على ما به كان ذلك خاصة؟! قيل - واللَّه أعلم - لخلتين: إما لقصور في الاستيفاء من الحق، أو لخوف الزيادة في الاستيفاء على الحق؛ لأنه إذا قتل: لو قطعت يده بقيت له النفس، وقد تلفت نفس الآخر، فكان في ذلك قصور في استيفاء الحق. وفي الزنا: لو أقيم به على الذي به كان اكتساب الفعل لخيف تلف نفسه به؛ فكان في ذلك استيفاء الزيادة على الحق. وأما السرقة: فإنه أمكن استيفاء الحق مما كان به اكتسابها، على غير قصور يقع في الاستيفاء، ولا خوف الزيادة في الاستيفاء؛ لذلك كان ما ذكر، واللَّه أعلم. فَإِنْ قِيلَ: ما الحكمة في قطع يد قيمتها ألوف بسرقة عشرة، وذلك مما لا يمثاله في الظاهر، وقد أخبر ألا يجزي إلا مثلها، كيف جزي هذا بأضعاف ذلك؟ قيل: لهذا جوابان: أحدهما: أن جزاء الدنيا محنة يمتحن بها المرء، ولله أن يمتحن عباده بأنواع المحن ابتداء على غير جعل ذلك جزاء لكسب يكتسب، فمن له الامتحان بأنواع المحن على غير جعلها جزاء لشيء - كان له الامتحان بأن يجعل ما يساوي ألوفا جزاء فلس أو حبة، وبالله العصمة والنجاة. والثاني: أن ليس القطع في السرقة جزاء ما أخذ من المال؛ ولكنه جزاء ما هتك من
الحرمة؛ ألا ترى أنه قال: (جَزَاءً بِمَا كَسَبَا)، ولم يقل: جزاء بما أخذا من الأموال؟! فيجوز أن يبلغ جزاء تلك الحرمة قطع اليد، وإن قصر علم البشر عن ذلك؛ لأن مقادير العقوبات إنما يعرف من يعرف مقادير الإجرام، وليس أحد من الخلائق يحتمل علمه مبلغ مقادير الإجرام، فإذا لم يحتمل علمهم مبلغ مقاديرها لم يحتمل معرفة مقادير عقوباتها، فإذا كان كذلك فحق القول فيه الاتباع والتسليم - بعد العلم في الاتباع - أن اللَّه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها، وباللَّه التوفيق. ثم الكلام في قطع اليمين ما روي في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " فاقطعوا أيمانهما ". وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قال: " إذا سرق الرجل قطعت يده اليمنى "، وعلى ذلك اتفاق الأمة. ثم المسألة في مقدار السرقة، وليس في الآية ذكر مقدارها، واختلف أهل العلم في ذلك: فقَالَ بَعْضُهُمْ: تقطع في ربع دينار فصاعدًا. وقال أصحابنا: لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم فصاعدًا أو دينار. وقد روي من الأخبار ما احتج به كل فريق منهم: روي عن عائشة - رضي اللَّه عنها - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يقطع في ربع دينار فصاعدًا. وعنها أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " تُقْطَعُ يَدُ السارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ".
وعروة بن الزبير يقول: كانت عائشة - رضي اللَّه عنها - تحدث عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " لَا تُقْطَعُ اليَدُ إِلا فِي المِجَنِّ أَوْ فِي ثَمَنِهِ " وتزعم أن قيمة المجن أربعة دراهم؛ فدل قول عائشة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان لا يقطع اليد إلا في ثمن المجن - أن قولها: " إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان لا يقطع اليد إلا في ربع دينار " أن ثمن المجن كان عندها ربع دينار أو لا يكون كذلك؛ وعلى ذلك ما روي عن ابن عمر - رضي اللَّه عنهما -: " أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم ". في الخبر أنه قطع في مجن، وأما التقويم فإنما هو من عند عبد اللَّه. وعن أنس بن مالك - رضي اللَّه عنهما - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قطع في مجن، فقيل: يا أبا حمزة، كم كانت قيمته؟ قال: دون خمسة دراهم؛ هذا يدل على أن التقويم كان من
أنس، فكان ذلك كتقويم ابن عمر وعائشة، رضي اللَّه عنهم. وليس في التقويم حجة في واحد من المقومين؛ لمخالفة كل واحد منهم صاحبه، وإنما قوموه من قِبَلِ أنفسهم. فأما إن كان في مِجَنَّينِ مختلفين: فهو على التناسخ، وأما إن كان في مجن واحد في وقتين مختلفين: فإن كان في وقتين مختلفين، لم يكن لمخالفنا فيه حجة؛ لما يحتمل الزيادة والنقصان على اختلاف الأوقات، وإن كان في مجنين مختلفين فهو على التناسخ فلم يظهر؛ فلا يقدم على القطع بالشك. ثم الأخبار التي تمنع القطع بدون العشرة: ما روي عن عمرو بن شعيب قال: " دخلت على سعيد بن المسيب، فقلت له: إن أصحابك: عروة، ومُحَمَّد بن مسلم، وفلان - رجل آخر - يقولون: ثمن المجن خمسة دراهم أو ثلاثة؟ فقال: أما هذا فقد مضت السنة فيه عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عشرة دراهم. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: ثمن المجن في عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عشرة دراهم. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أنه كان لا يقطع اليد إلا في ثمن المجن، وهو يومئذ يساوي عشرة دراهم ". فلما اختلف المقومون في قيمة المجن رجعنا إلى ما روي عن سعيد بن المسيب؛
(39)
حيث قال: " مضت السنة من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعشرة دراهم " وإن كان مرسلاً؛ إذ لا معارض له، ويؤيد هذا ما روي عن نجباء الصحابة من نحو: عمر، وعثمان، وعلي، وعبد اللَّه بن مسعود، رضي اللَّه عنهم. وروي أن عمر أتى بسارق فأمر بقطعه؛ قال عثمان - رضي اللَّه عنه -: " سرقته لا تساوي عشرة دراهم "؛ فأمر بها فقومت ثمانية دراهم، فلم يقطعه. وعن ابن مسعود قال: " لا تقطع يد السارق في أقل من عشرة دراهم ". وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم ". وروي عن عائشة قالت: " لم تكن اليد تقطع على عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في الشيء التافه "، فأخذ أصحابنا - رحمهم اللَّه - بهذه الأخبار، ولم يروا قطع اليد بدون العشرة؛ لأنهم مع اختلافهم اتفقوا على أن اليد تقطع في سرقة عشرة دراهم، واختلفوا في وجوب القطع فيما دون العشرة وهو حد قد روي؛ للإشكال، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ. . .) الآية: يحتمل قوله: (نَكَالًا مِنَ اللَّهِ)، أي عظة وزجرًا من اللَّه لغيره؛ لأن من عاين آخر قطعت يده في سرقة - اتعظ به، وزجره ذلك على الإقدام عليه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ ... (39) يحتمل: (تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ) أي: تاب عن الشرك، وأصلح ما كان يفسده
ويرتكبه في حال شركه. (فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وعد له المغفرة والرحمة؛ إذا تاب عن الشرك، وأصلح ما كان يفسده ويرتكبه في حال الشرك، حتى لم يؤاخذ بشيء مما كان يرتكبه في حال الشرك ويتعاطاه إذا أسلم؛ ألا ترى أنه قال - تعالى -: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، والمسلم في حال الإسلام إذا ارتكب حدودا وتعاطاها، ثم تاب - أخذ بها؛ لوجهين: أحدهما: أن الكافر لو أُخِذَ بعدما أسلم بما كان ارتكب في حال الكفر وتعاطاه؛ فذلك يمنعه عن الإسلام ويزجره؛ فإذا كان كذلك فكان في إقامة ذلك والأخذ بها من الفساد أكثر من الصلاح. وأما المسلم إذا لم يؤخذ بما ارتكب وتعاطى بعد التوبة - يدخل في ذلك من الفساد ما يفحش؛ وذلك أنه كلما أريد أن يقام عليه الحد تاب فسقط ذلك عنه، ثم عاد ثانيًا، ثم ثالثا. . . إلى ما لا يتناهى، فعمل في الأرض بكل الفساد من غير أن لحقه ضرر؛ لذلك أخذ به بعد التوبة، والكافر لا، واللَّه أعلم. والثاني: أن الكافر ما يرتكب ويتعاطى في حال الكفر - إنما يرتكبه تدينًا يدين به؛ فإذا رجع عن ذلك الدِّين ودان بدين آخر ما يكون ذلك حرامًا في دينه الذي تمسك به - ترك ما كان يرتكب في دينه الأول تدينًا؛ فيظهر ذلك منه؛ فلم يقم عليه؛ لما يظهر منه ترك ما تعاطى قبل ذلك. وأما المسلم: فليس يتعاطى ما يتعاطى تدينًا يدين به؛ ولكنه يتعاطاه شهوة، وذلك مما لا يظهر منه التوبة حقيقة؛ لذلك اختلفا، واللَّه أعلم. وفيه دليل جواز تأخر البيان؛ لأنه قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً)، ولا يحتمل أن يبين له جميع شرائط السرقة التي يجب فيها القطع وقت قرع الخطاب السمع؛ فدل أنه إنما يبين له على قدر الحاجة بعد السؤال والبحث عنها، واللَّه أعلم. وكان جميع ما ذكر من العقوبات إنما نزل في أهل الكفر؛ لأنهم هم الذين كانوا
(40)
يتعاطون ذلك دون المسلمين، وترك عامة العبادات في المسلمين؛ لأنهم هم الذين يرغبون فيها: من ذلك قوله - تعالى -: (الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .) الآية، وما ذكر في ابني آدم. وقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا. . .) الآية: ذكر عن ابن عَبَّاسٍ أنه قال: " نزلت في طعمة بن أبيرق؛ سرق درع جاره؛ فنزلت الآية "، وعلى ذلك قال عامة أهل التأويل، ثم صار ذلك الحكم في المسلمين إذا ارتكبوا تلك الأجرام، وفيه دليل جواز القياس، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ... (40) ذكر هذا - واللَّه أعلم - على أثر قوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)، وعلى أثر قوله: (الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .) الآية -: أن له ملك السماوات والأرض، وله أن يعذب من يشاء بعد التوبة وقبل التوبة، ويغفر لمن يشاء، ولا يعذب بعد التوبة؛ وذلك أن المحارب إذا تاب قبل أن يقدر عليه لم يقم عليه الحد الذي وجب في حال المحاربة، والسارق إذا تاب قبل أن يقدر عليه أخذ به. أخبر أن له أن يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء. وفيه نقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: الصغيرة مغفورة ليس له أن يعذب عليها، والكبيرة يخلد صاحبها في النار ليس له أن يعفو عنها. فلو كان على ما قالوا لذهب معنى التخيير بقوله - تعالى -: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) إذا ما عفا: عفا ما عليه أن يعفو، وكذلك ما عذب: عذب ما عليه أن يعذب؛ فيذهب فائدة التخيير، وقد أخبر أنه (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ). * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ
(41)
يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ. . .) الآية يحتمل وجوهًا: أحدها: ألا يحزنك كفر من كفر منهم. ليس على النهي عن ذلك؛ ولكن ألا يحمل على نفسه بكفرهم ما يمنعه عن القيام بأمره، كقوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)، وكقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، ونحو ذلك من الآيات مما يشتد به الحزن بكفرهم؛ لشدة رغبته في إسلامهم. ويحتمل قوله - تعالى -: (لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) أي: لا يحزنك تمرد هَؤُلَاءِ وتكذيبهم إياك؛ فإن اللَّه ناصرك ومظفرك ويظفر لك عليهم. ويحتمل: لا يحزنك صنيع هَؤُلَاءِ الكفرة وسوء عملهم؛ فإنك لا تؤاخذ بصنيعهم؛ كقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)، وكقوله - تعالى -: (لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ). وفي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) دلالة تفضيل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على غيره من الأنبياء والرسل؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - في جميع ما خاطب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ)، و (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) ولم يُخَاطَبْ باسمه، وسائر الأنبياء - عليهم السلام - إنما خاطبهم باسمائهم: (يا موسَى)، و (يا إبَراهِيمُ)، و (يَا نُوحُ)، وجميع من خاطب منهم أو ذكر إنما ذُكِرَ بأسمائهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) قال: قالوا: (آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ)، ولم يقل: آمنوا بأفواههم؛ ليعلم أن القول به ليس هو من شرط الإيمان؛ إنما الإيمان هو تصديق القلب، لكن يعبر به اللسان عن قلبه؛ ألا ترى أنه قال: (وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ)، والإيمان: هو التصديق في اللغة؛ لأن ضده التكذيب؛ فيجب أن يكون ضد التكذيب: التصديق. والتصديق يكون بالقلب؛ حيث قال - عز وجل -: (وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ)، لكن اللسان يعبر عن ضميره، فهو ترجمان القلب فيما بين الخلق؛ فهذا يدل أيضا على أن الإيمان ليس هو المعرفة؛ لأن الإيمان لو كان معرفة لكان يجب أن يكون ضده جهلا؛ فلما كان ضد الإيمان تكذيبا وجب أن يكون ضد التكذيب: التصديق، والتصديق والإيمان في اللغة سواء؛ ولأن المعرفة قد تقع في القلب على غير اكتساب فعل وإنَّمَا والتصديق لا يكون إلا باكتساب ترك مضادته وهو التكذيب؛ لذلك قلنا: إن الإيمان ليس هو المعرفة، ولكنه تصديق. ثم اختلف في هَؤُلَاءِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإيمان باللسان، وقلوبهم كافرة. وقال آخرون: هم اليهود والمنافقون (الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ)، وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) هذا يدل أن قوله - تعالى -: (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ) في المنافقين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ) يحتمل: سماعون إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خبره، (سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ) خبره بالكذب، ومعناه - واللَّه أعلم -: أنهم كانوا يستمعون إلى رسول اللَّه - - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خبره، وما يقول لهم، ثم يأتون الذين لم يأتوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيخبرونهم خلاف خبره وغير ما سمعوا منه. وقيل: إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يقول: إن في التوراة كذا من الأحكام والشرائع؛ فإذا سمع هَؤُلَاءِ منه ذلك أتوا أُولَئِكَ الذين لم يأتوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيقولون: إنه كاذب، وليس
في التوراة ما يقول هو، ونحو ذا. وقيل: إنهم كانوا طلائع الكفرة وعيونًا لهم، فإذا أتى لهم منهم خبر يخبرون ضعفة أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خلاف ما أتاهم؛ نحو قولهم: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ)، كانوا يخشونهم؛ لئلا يغزوهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) يحتمل التحريف وجهين: يحتمل: تبديل الكتابة من الأصل؛ كقوله - تعالى -: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، ويحتمل تغيير المعنى في العبارة على غير تبديل الكتاب، يغيرون على السفلة، والذين لا يعرفون غير ما فهموا منه. وقوله: (يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا) يعنون بـ " هذا ": ما حرفوه وغيروه. (فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: نزلت الآية في رجل وامرأة من اليهود زنيا، وكان حكم اللَّه في التوراة في الزنا: الرجم، وكانوا يرجمون الوضيع منهم إذا زنا، ولا يرجمون الشريف - وكانا في شرف وموضع، وكانا قد أحصنا، فكرهت اليهود رجمهما، وفي كتابهم الرجم، وكانوا أرادوا أن يرتفع الرجم من بينهم، وأن يكون حدهم الجلد؛ فذلك قوله - تعالى -: (إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا) - يعنون: الجلد - (فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا)، فكتبوا بذلك إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وسألوا عن ذلك، فقالوا: يا مُحَمَّد، أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا: ما حَدُّهُمَا؟ وهل تجد فيهما الرجم فيما أنزل اللَّه - تعالى - عليك؛ فقال لهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " وَهَلْ تَرضَونَ بِقَضَائِي فِي ذَلِكَ؟ " قالوا: نعم؛ فنزل
جبريل - عليه السلام - بالرجم، وقال له: إن أبوا أن يأخذوا به، فاسألهم عن رجل منهم يقال له: " ابن صوريا " - وصفه له - فاجعله بينك وبينهم، فقال لهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " نَعَمْ، أَجِدُ فِيمَا أَنْزلَ اللهُ عَلَيَّ: أَن الزانِيَةَ وَالزانِي إِذَا أُحْصِنَا وَفَجَرَا؛ فَإِنَّ عَلَيهِمَا الرجْمَ "، فنفروا عن ذلك؛ فقال لهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أَتَعْرِفُونَ رَجُلاً شَابًّا صِفَتُهُ كَذَا، يُقَالُ لَهُ: ابنُ صُوريا؟ " قالوا: نعم، قال: " فَأَيُّ رَجُلٍ هُوَ فِيكُم؟ " قالوا: هو أعلم يهودي على وجه الأرض بما أنزل اللَّه على موسى، قال: " فَأَرْسِلُوا إِلَيهِ " ففعلوا؛ فأتاهم ابن صوريا، فقال له رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أَنْتَ ابْنُ صُوريا؟ " قال: نعم، قال: " وَأَنْتَ أَعْلَمُ اليَهُودِ؟ "، قال: كذلك يزعمون، قال: " اجْعَلُوهُ بَيّنِي وَبَينَكُم " قالوا: نعم، رضينا به إذا رضيت، قال: فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " فَإِني أَنْشُدُكَ باللَّه الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَا هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ التَوْرَاةَ عَلَى مُوسَى: هَلْ تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمُ الَّذِي أَتَاكم بِهِ مُوسَى فِي التوْرَاةِ: الرجْمَ عَلَى مَنْ أُحْصِنَ؟ "، قال ابن صوريا: نعم والذي ذكرتني، ولولا خشية أن تحرقني النار إن كذبت أو غيرت ما اعترفت لك. ففي هذا وجوه من الدلائل: أحدها: أنه سألهم عما كتموا من الأحكام والحقوق التي بينهم وبين اللَّه تعالى؛ ليظهر خيانتهم وكذبهم فيما كتموا من نعت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفته؛ ليعلموا أنه إنما عوف ذلك باللَّه، وفيه إثبات رسالته. والثاني: أنهم طلبوا منه الرخصة والتخفيف في الحد؛ لأنهم عرفوا أنه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، لكنهم كابروا في الإنكار بعدما عرفوا أنه رسول اللَّه حقًّا. وفيه دلالة جواز شهادة بعضهم على بعض؛ لأنه قبل شهادة ابن صوريا عليهم حيث شهد بالرجم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا
فَخُذُوهُ. . .) الآية: إنها نزلت في قتيل قتل عمدًا بين قبيلتين: بني قريظة، والنضير، وكان القتيل من بني قريظة، وكان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يعطوهم القود، ولكن يعطونهم الدية، وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير لم يرضوا إلا بالقود؛ يتعززون عليهم، فقدم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - المدينة فأرادوا أن يرفعوا أمرهم إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ ليحكم بينهم، فقال رجل من المنافقين: إن قتيلكم قتل عمدًا، وأنا أخشى عليكم القود، فإن كان مُحَمَّد أمركم بالدية وقبل منكم فأعطوه، وإلا فكونوا على حذر، فأخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بما قالوا؛ فقال: (يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ) يعني: الدية، (وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا). فلا ندري فيم كانت القصة، وفيه من الدلائل ما ذكرنا من إثبات الرسالة والنبوة، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ) قيل: من يرد اللَّه عذابه وإهلاكه؛ فلن يملك أحد دفع ذلك العذاب عنه. وقيل: الفتنة: المحنة، أي: من يرد اللَّه أن يمتحن بالرجم أو القتل؛ فلن يملك له أحد دفع ذلك عنه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) قالت المعتزلة: قوله: (لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) تأويله يحتمل وجهين: يحتمل: (لَمْ يُرِدِ اللَّهُ). أي: لم يطهر اللَّه قلوبهم. والثاني: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) بالشرك والكفر، وذلك بعيد؛ لأنه كيف يطهر بالكفر، وبالكفر يتنجس؟!. لكن الوجه عندنا في قوله - تعالى -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) أي: لم يرد اللَّه أن يطهر قلوبهم؛ إذ علم منهم أنهم يختارون ما اختاروا، ويريدون ما
(42)
أرادوا، فإنما أراد ما كان علم منهم أنهم يريدون ويختارون؛ وكذلك قوله - تعالى -: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ) يريد فتنة من علم أنه يريدها ويختارها، فإنما يريد ما أراد هو ويختار. وظاهر الآية على المعتزلة؛ لأنه قال: (لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ)، وهم يقولون: أراد أن يطهر قلوبهم. وذلك ظاهر الخلاف بَيّن، وباللَّه العصمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خزية) الخزي في الدنيا يحتمل: القتل، ويحتمل: العذاب والجزية (خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ... (42) يحتمل وجهين: يحتمل: (سَمَّاعُونَ)، أي: مستمعون إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ ليعرفوا به فيكذبوا عليه. ويحتمل قوله: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ)، أي: قابلون لما أُلقيَ إليهم من الكذب: كانوا يقبلون لما أُلقيَ إليهم من الكذب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: كل حرام هو سحت، فإن كان السحت اسم كل حرام، فذلك يعم جميع الكفرة أو أكثرهم. وقال آخرون: السحت: هو الرشوة في الحكم، فإن كان السحت هذا فذلك يرجع إلى رؤسائهم الذين يحكمون فيما بينهم، ويأخذون على ذلك رشوة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) اختلف فيه. قَالَ بَعْضُهُمْ: هو على التخيير إذا رفعوا إلى الإمام: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض ولم يحكم، لكنه منسوخ بقوله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ): أمر بالحكم بينهم إذا جاءوا، ونهى أن يتبع أهواءهم، وفي ترك الحكم بينهم اتباع هواهم، وقال: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (وَاحْذَرْهُمْ) قالوا: هو منسوخ بهذه الآية، وأمكن الجمع بينهما، وهو أن قوله - تعالى -: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) في قوم من أهل الحرب دخلوا دار الإسلام بأمان، فرفعوا إلى الإمام أمرهم؛ فالإمام بالخيار: إن شاء ردهم إلى مأمنهم، أو نقض عليهم أمانهم، ولم يحكم بينهم، وإن شاء تركهم وحكم بينهم؛ فذلك معنى التخيير، والله أعلم. وأما قوله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ): فذلك في أهل الذمة الراضين بحكمنا، إذا رفعوا إلى الحاكم يجب أن يحكم بينهم، ولا يرد عليهم ما طلبوا منه من إجراء الحكم عليهم؛ لأنه ليس له فسخ ما أعطى لهم من العهود والمواثيق، وهم قد رضوا بحكمنا؛ لذلك لزم الحكم بينهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا) يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن يقع الإعراض عنهم موقع الجفاء، ويعدون ذلك جفاء؛ فأمَّن - عَزَّ وَجَلَّ - نبيه - عليه السلام - عن أن يلحقه ضرر منهم. ويحتمل قوله: (فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا) أي: ليس عليك من ضرر ما هم فيه؛ فإنما ضرر ذلك عليهم؛ وهو كقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) وكقوله - تعالى -: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ. . . .) الآية.
(43)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) أي: بالعدل؛ كقوله - تعالى -: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ) وكقوله - تعالى -: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. . .) الآية. (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) أي: العادلين في الحكم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ... (43) يُعَجِّبُ نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - شدة سفههم وتعنتهم بتركهم الحكم بالذي صدقوا، وطلب الحكم بما كذبوا؛ لأنهم صدقوا التوراة وما فيها من الحكم، وكذبوا ما أنزل على مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، يقول - واللَّه أعلم -: إنهم إذا لم يعملوا بالذي صدقوا، كيف يعملون بالذي كذبوا؟! وذلك تعجيب منه إياه شدة السفه والتعنت. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِيهَا حُكمُ اللَّهِ)، أي: حكم اللَّه الذي تنازعوا فيه وتشاجروا: رجمًا كان، أو قصاصًا أو ما كان، واللَّه أعلم. وقوله: (ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) يحتمل وجهين: يحتمل: يتولون من بعد ما تحكم بينهم عما حكمت. ويحتمل: يتولون من بعد ما عرفوا من الحكم عليهم بما في التوارة. وقوله: (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) أخبرهم أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم سماهم كافرين في آخر الآية، بقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) لم يجعل درجة ثالثة؛ فهذا ينقض قول من يجعل درجة ثالثة بين الإيمان والكفر، وهو قول المعتزلة. وقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ... (44) هدى من الضلالة، ونور من العمى، هدى لمن استهدى به، ونور لمن استنار به من العمى وقوله: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: الآية على التقديم والتأخير: يقول: يحكم بها النبيون الربانيون والأحبار
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ الذين أسلموا، أو من الأحبار من قد أسلم. أخبر أن النبيين والأحبار الذين أسلموا يحكمون بما في التوراة (لِلَّذِينَ هَادُوا)، أي: على الذين هادوا؛ (لِلَّذِينَ) بمعنى: على الذين؛ وهذا جائز في اللغة؛ كقوله: (وَإِنْ أَسَأتُم فَلَهَا)، أي: فعليها. وقيل: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا)، أي: أسلموا أمرهم وأنفسهم لله، وخضعوا له، حكموا بما فيها، وإن خافوا على أنفسهم الهلاك (لِلَّذِينَ هَادُوا) إن أطاعوا اللَّه، وقبلوا ما فيها من الحكم؛ فعند ذلك يحكم لهم. وقوله: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) هو طلب الحفظ، أي: بما جعل إليهم الحفظ. (وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ). أي: شهداء على ما في التوراة من الحكم. ويحتمل: شهداء على حكم رسول اللَّه الذي حكم عليهم، أنه كذلك في التوراة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ) فيما تحكم عليهم، (وَاخْشَوْنِ) أمن رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - شرهم ونكبتهم، وأمر أن يخشوه؛ يكفيه شرهم وأذاهم. ثم اختلف في الأحبار والربانيين: قَالَ بَعْضُهُمْ: " الرَّبَّانِيُّونَ ": علماء اليهود، " والأحبار ": علماء النصارى. وهما واحد سموا باسمين مختلفين. وقيل: قوله: (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) إنما خاطب علماءهم، أي: لا أتخشوا الناس، أن تخبروهم بالحكم الذي في التوراة واخشون. (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) لهم خرج الخطاب بهذا على التأويل الثاني. (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) هكذا من جحد الحكم بما أنزل اللَّه ولم يره حقًّا فهو كافر. ذكر في القصة أن الآية نزلت في قتيل كان بين بني قريظة وبني النضير: أن بني النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يرضوا إلا بالقود، والأخرى إذا قتلت أحدًا منهم كانوا لم يعطوهم القود، ولكن يعطوهم الدية؛ فنزل: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ
(45)
بِالنَّفْسِ. . . .) الآية. * * * قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ. . .) إلى آخره. أخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنه كان كتب على أهل التوراة: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)، وقد كتب علينا -أيضًا- قتل النفس بالنفس بقوله - تعالى -: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)؛ كأنه قال: كتب عليكم القصاص في النفس بالنفس، كما كنت كتبت عليهم. وأما القصاص فيما دون النفس: فإنه لم يبين في الآية التي أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه كتب علينا القصاص في النفس. ثم يحتمل أن يكون قوله: (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ. . .) إلى آخر ما ذكر وجهين: يحتمل: أن يكون إخبارًا عما كان مكتوبًا عليهم من القصاص فيما دون النفس: كالنفس؛ ألا ترى أنه قد قرئ في بعض القراءات بالنصب؛ نسقًا على الأول؟!
ويحتمل: على الابتداء على غير إخبار منه، ولكن على الإيجاب ابتداء؛ والذي يدل على ذلك قوله: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) لا يحتمل أن يكون هذا في الخبر؛ لأن ذلك ترغيب في العفو في الحادث من الوقت؛ دل أنه ليس على الإخبار، ولكن على الابتداء؛ ألا ترى أكثر القراء قرءوا بالرفع غير قوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)، فإنه بالنصب؟!. ثم ذكر (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ)، ولم يذكر اليد والرجل، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: لما يحتمل أن يكون القصاص في اليد ظاهرًا، فَيُستَدَلُّ بوجوبه فيما هو أخفى على وجوبه - فيما هو أظهر منه؛ لأن المنتفع بالبصر والأنف والسمع ليس إلا صاحبه، وقد يجوز أن ينتفع غيره بيد آخر وبرجله. والثاني: أن يكون وجوب القصاص في اليد في قوله: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ). ثم تخصيص الأسنان بوجوب القصاص دون غيرها من العظام؛ لأن الأسنان بادية ظاهرة، يقع عليها البصر - يقدر على الاقتصاص فيها، وأما غيرها من العظام: مما لا يقع عليها البصر، ولا يقدر على الاقتصاص فيها إلا بعد كسر آخر وقطع لحم؛ لذلك خصت الأسنان بالاقتصاص دون سائر العظام، واللَّه أعلم. ثم فيه دليل وجوب القصاص في العضو الذي لا منفعة فيه سوى البهاء - بذهاب البهاء؛ لأنه ذكر الأنف والأذن، وليس في الأنف والأذن إلا ذهاب البهاء؛ فأوجب في ذهاب البهاء القصاص؛ كما أوجب في ذهاب المنفعة؛ وعلى هذا يخرج قولنا: وجوب الدية في ذهاب البهاء على الكمال، كوجوبها في ذهاب المنفعة على الكمال. على أن أهل العلم مجمعون أن القصاص واجب بين الرجال الأحرار في " العين، والأنف " والأذن، والسن "، " والجروح " التي ليس فيها كسر عظم؛ إذا جنى على شيء من ذلك عمدا بحديدة. وأما القصاص بين الرجال والنساء والعبيد والأحرار فيما دون النفس: فأهل العلم اختلفوا فيه، وكان أصحابنا - رحمهم اللَّه - لا يرون القصاص بينهم في ذلك، ويرون القصاص في الأنفس، فأهل العلم اختلفوا فيه، ويفرقون بينهما، والفرق بينهما:
(46)
أن جماعة لو قتلوا رجلًا قتلوا به، ولو قطع جماعة يد رجل لم تقطع أيديهم؛ فالتفاضل في الأنفس غير معتبر به، ويعتبر به فيما دون النفس، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم ذكرًا كافيًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو صاحب الدم كفارة لما كان ارتكب هو، وعلى ذلك رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " مَنْ تَصَدَّقَ بِدَمٍ فَمَا دُونَهُ كَانَ لَهُ كَفَارَةً مِنْ يَومِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ تَصَدَّقَ ". وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ)، يعني: كفارة للقاتل إذا عفا الولي، وهو قول ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وعن مجاهد: هو كفارة للجارح، وأجر المتصدق على اللَّه. والأول كأنه أقرب وأشبه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وهذا إذا ترك الحكم بما أنزل اللَّه جحودًا منه، فهو ما ذكر، كافر. (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ... (46) قوله تعالى: (وَقَفَّيْنَا): أي: أتبعنا على آثارهم، وهو من القفا. وقوله: (آثَارِهِمْ) يحتمل وجهين: يحتمل: على آثار الرسل. ويحتمل: على آثار الذين أنزل فيهم التوراة.
(47)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) أخبر أنه كان مصدفا ما بين يديه من التوراة؛ فهذا يدل أن الأنبياء - صلى اللَّه عليهم وسلم - كان يصدق بعضهم بعضا فيما أنزل عليهم من الكتب، تأخر أو تقدم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ) (هُدًى): من الضلالة لمن تمسك به، (وَنُورٌ) لمن عمى ولمن استناره. (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) فهذا يدل أن الكتب كانت مصدقة بعضها بعضًا على بُعد أوقات النزول مما يدل: أنه من عند واحد نزل، جل اللَّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) يحتمل: موعظة للمؤمنين؛ لأن المؤمن هو الذي يتعظ به، وأما غير المؤمن فلا يتعظ به. ويحتمل قوله: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ): الذين اتقوا المعاصي كلها. وفي قوله: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ)، وكذلك قوله - تعالى -: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) - دلالة أن القصاص للعبد خاصة؛ حيث رغبه في العفو عنه والترك له، ليس كالحدود التي هي لله تعالى؛ لأنه لم يذكر في الحدود العفو ولا التصدق به، وذكر في القصاص والجراحات؛ دل أن ذلك للعبد: له تركه، وسائر الحدود لله ليس لأحد إبطالها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) ذكر في موضع: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، وفي موضع: (الظَّالِمُونَ)، وفي موضع: (الْفَاسِقُونَ) فأمكن أن يكون كله واحدًا: أن من لم يحكم بما أنزل اللَّه جحودًا منه له، واستخفافا؛ فهو كافر، ظالم، فاسق. ويحتمل أن يكون ما ذكر من الكفر بترك الحكم بما أنزل اللَّه؛ إذا ترك الحكم به
(48)
جحودًا منه وإنكارًا، وما ذكر من الظلم والفسق ذلك في المسلمين؛ لأنه قال: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ. . .) إلى آخر ما ذكر، ثم قال: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ)، ثم قال: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) تركوا الحكم بما أنزل اللَّه؛ اتباعًا لأهوائهم لا جحودًا، فقد ظلموا أنفسهم؛ لأن الظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، والفسق: هو الخروج عن الأمر؛ كقوله - تعالى -: (فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)، أي: خرج. ثم يجيء أن يكون هذا في حال الجهل به والعلم سواء؛ لأنه إذا لم يحكم بما أنزل الله فقد وضع الشيء في غير موضعه، وخرج عن أمر ربه، لكن هذا في القول يقبح أن يقال: هو ظالم فاسق، وهو ما يفعل، إنما يفعل عن جهل به، يجوز أن يقال: فعله فعل ظلم وفسق، وأما في القول: فهو قبيح؛ لما ذكرنا. (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ): من الأحكام أي حكم كان، فهو ما ذكرنا، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ). قوله: (بِالْحَقِّ) قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) قد ذكرناه، أيضًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ). عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: مؤتمنا عليه.
والكسائي قال: المهيمن: الشهيد، وقيل: الرقيب على الشيء، قال: هيمن فلان على هذا الأمر؛ فهو مهيمن، إذا كان كالحافظ له والرقيب عليه. وعن الحسن قال: (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) مصدقا بهذه الكتب، وأمينًا عليها. والْقُتَبِيُّ قال: أمينا عليه. وأَبُو عَوْسَجَةَ قال: مسلطًا عليه. وقيل: مفسرا يفسر التفسير. وقال أبو بكر الكيسانى: قوله: (وَمُهَيْمِنًا) هي كلمة مأخوذة من كتبهم معربة، غير مأخوذة من لسان العرب. وفيه إثبات رسالته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وتأويله: هو شاهد وحافظ على غيره من الكتب، ومصدقًا لها أنها من عند اللَّه نزلت سوى ما غيروا فيها وحرفوا؛ ليميز المغير منها والمحرف من غير المغير والمحرف. قال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)، يعني: القرآن شاهد على الكتب كلها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ
الْحَقِّ). يحتمل قوله: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) من الرجم في الزاني الثيب، على ما ذكر في بعض القصة: أنهم رفعوا إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في الزاني والزانية منهم، فطلبوا منه الجلد، وكان في كتبهم الرجم. (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) قولهم: (إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا). أو أن يقال: احكم بينهم بما أنزل اللَّه من القتل؛ لأنه ذكر في بعض القصة أن بني قريظة كانوا يرون لأنفسهم فضيلة على بني النضير، وكانوا إذا قتلوا منهم أحدًا لم يعطوهم القود ولكن يعطوهم الدية، وإذا قتلوا هم أحدًا منهم لم يرضوا إلا بالقود؛ فأنزل اللَّه - تعالى -: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) ووهو القتل، (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) في تركهم القود، وإعطائهم الدية، واللَّه أعلم بالقصة أن كيف كانت، وليس بنا إلى معرفة القصة ومائيتها حاجة، بعد أن نعرف ما أودع فيه وأدرج من المعاني. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا. . .) الآية. فَإِنْ قِيلَ: كيف نهاه عن اتباع أهوائهم، وقد أخبر - عَزَّ وَجَلَّ -: أنه جعل لكل شرعة ومنهاجا، وقد يجوز أن يكون ما هو هواهم شريعة لهم؟!: قيل: يحتمل النهي عن اتباع هواهم؛ لما يجوز أن يهووا الحكم بشريعة قد نسخ الحكم بها لما اعتادوا العمل بها؛ فالعمل بالمعتاد من الحكم أيسر فهووا ذلك. أو كان ما نسخ أخف؛ فيهوون ذلك؛ فنهاه عن اتباع هواهم؛ لأنه العمل بالمنسوخ والعمل بالمنسوخ حرام. أو أن هووا في بعض على غير ما شرع، وفي بعض: ما شرع، فإنما نهي عن اتباع هواهم بما لم يشرع، واللَّه أعلم.
وقوله - تعالى -: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)، وليس في نسخ شريعة بشريعة خروج عن الحكمة عند من عرف النسخ؛ لأن النسخ بيان منتهى الحكم إلى وقت ليس على ما فهمت اليهود من البداء والرجوع عما كان، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم ما فيه مقنع بحمد اللَّه تعالى وَمَنِّهِ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) قال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه -: " الشرعة: هي السبيل، وهي الشريعة، وجمعها: شرائع، وبها سميت شرائع الإسلام، وكل شيء شرعت فيه فهو شريعة. وقال: " المنهاج: السنة، والشرعة: هي السبيل ". وقيل: الشرعة: السنة، والمنهاج: السبيل، يعني: الطريق الواضح الذي يتضح لكل سَالك فيه إلا المعاند والمكابر؛ فإنه يترك السلوك فيه مكابرة، يخبر - عَزَّ وَجَلَّ، واللَّه أعلم - أنه لم يترك الناس حيارى لم يبين لهم الطريق الواضح يسلكون فيه؛ بل بيَّن لهم ما يتضح لهم إن لم يعاندوا؛ ليقطع عليهم العذر والحجاج، وإن لم يكن لهم حجاج، وباللَّه التوفيق. وقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً). اختلف فيه، قيل: لو شاء اللَّه، لجعلكم جميعا على شريعة واحدة، لا تنسخ بشريعة أخرى، لكن نسخ شريعة بشريعة أخرى؛ لفضل امتحان، ولله أن يمتحن عباده بمحن مختلفة، كيف شاء بما شاء. وقيل: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، أي: على دين واحد، وهو دين الإسلام، لم يجعل كافرًا ولا مشركًا، ولكن امتحنكم بأديان مختلفة على ما تختارون وتؤثرون، ثم اختلف في المشيئة: قالت المعتزلة: هي مشيئة الجبر والقسر.
(49)
وقال أصحابنا: المشيئة مشيئة الاختيار، وقد ذكرناها في غير موضع. وقوله: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ). قيل: سابقوا يا أمة مُحَمَّد الأمم كلها بالخيرات. ويحتمل قوله: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ). أي: سابقوا إلى ما به تستوجبون المغفرة؛ كقوله: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ). وأصل قوله: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)، أي: اعملوا الخيرات؛ كقوله: (وَاعْمَلُوا صَالِحًا. . .) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ... (49) نهى رسوله - عليه السلام - أن يتبع أهواءهم - على العلم: أنه لا يتبع أهواءهم - والوجه فيه ما ذكرنا: أن العصمة لا تمنع النهي؛ بل تؤيد، وقد ذكرنا فيما تقدم. ويحتمل أن يرجع النهي إلى غيره، ويراد بالنهي والأمر: غير المخاطب به؛ على ما ذكرنا من عادة الملوك: أنهم إذا خاطبوا، خاطبوا من هو أجل عندهم وأعظم قدرًا، وأرفع منزلة؛ فعلى ذلك هذا. وقوله: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) فيما غيروا وبدلوا؛ هذا يحتمل. ويحتمل ألا تتبع أهواءهم: فيما طلبوا منك من الجلد مكان الرجم، أو الدية مكان القصاص؛ لما رأى بنو النضير لأنفسهم من الفضل على بني قريظة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ). قوله: (أَنْ يَفْتِنُوكَ)، أي: يصدوك عن الحكم ببعض ما أنزل اللَّه إليك، والفتنة هي المحنة، وهي تتوجه إلى وجوه، وقد ذكرنا الوجوه فيه فيما تقدم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ). قوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا): فإن أعرضوا، عن الحكم الذي تحكم بما أنزل اللَّه؛ (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ)، اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: إنما يعذبهم اللَّه ببعض ذنوبهم، لا يعذبهم بجميع ذنوبهم. وقال آخرون: عذاب الدنيا عذاب ببعض الذنوب، ليس هو عذابًا بكل الذنوب؛ لأنه لا
(50)
يدوم، وأما في الآخرة: فإنهم يعذبون بجميع ذنوبهم؛ لأن عذاب الآخرة دائم؛ فهو عذاب بجميع الذنوب، وعذاب الدنيا زائل؛ فهو عذاب ببعض الذنوب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ... (50) قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا صلة قوله: (يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا)؛ فقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ). وقال آخرون: روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - يقول: فحكمهم في الجاهلية يبغون عندك يا مُحَمَّد في القرآن. يعني: بني النضير. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا). أي: لا أحد أحسن من اللَّه حكمًا، على إقرارهم أن اللَّه إذا حكم لا يحكم إلا بالعدل. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ). يحتمل قوله - تعالى -: (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) وجوهًا: يحتمل: لا تتخذوا أولياء في الدِّين، أي: لا تدينوا بدينهم؛ فإنكم إذا دنتم بدينهم صرتم أولياءهم. ويحتمل: لا تتخذوهم أولياء في النصر والمعونة؛ لأنهم إذا اتخذوهم أولياء في النصر والمعونة صاروا أمثالهم؛ لأنهم إذا نصروا الكفار على المسلمين وأعانوهم فقد كفروا، وهو كقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ. . .) الآية، نهاهم أن يتخذوا أُولَئِكَ موضع سرهم وخفياتهم؛ فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم.
والثالث: (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) في المكسب والدنيا؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك لابد من أن يميلوا إليهم، ويصدروا عن رأيهم في شيء؛ فذلك مما يفسقهم، ويجرح شهادتهم، فهذا النهي يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرنا، واللَّه أعلم. وفي الآية دلالة أن الكفر كله ملة واحدة، وإن اختلفت مذاهبهم ونحلهم؛ فالواجب أن يرث بعضهم بعضًا؛ كقوله - تعالى -: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) كما أن أهل الإسلام يرث بعضهم بعضا، وإن اختلفت مذاهبهم؛ ألا ترى أنه قال: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) الآية؟! وليس ذلك بداخل في قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لَا يَتَوَارَثْ أَهْلُ مِلتَينِ "؛ لما عليه الآية: أنهم كلهم ملة واحدة، ولكن أحدًا منهم لا يرث المسلم ولا يرثهم المسلم؛ لقول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لَا يَتَوَارَثْ أَهْلُ مِلَّتَينِ "؛ فالإسلام ملة: ملة حق، والكفر ملة: ملة باطل، ولا نرثهم ولا يرثوننا، وما روي: " لَا نَرِثُ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلَا يَرِثُونَنَا إِلا أَنْ يَرِثَ الرجُلُ عَبدَهُ أَوْ أَمَتَهُ، ويحِلُّ لَنَا نِسَاؤُهُم وَلَا يَحِلُّ لَهُم نِسَاؤُنَا " فما يرث عبده أو أمته، ليس بميراث؛ إنما هو ملك كان يملكه قبل موته؛ فعلى ذلك بعد موته، وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:، " لَا يَرِثُ الْمُسلِمُ الكَافِرَ، وَلَا الكَافِر الْمُسْلِمَ ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ). يحتمل قوله: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) الوجوه التي ذكرنا: الولاية في الدِّين، والولاية في النصر والمعونة؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك صاروا منهم في حكم الدنيا والآخرة، أو الولاية في المكسب والدنيا؛ فيصيرون منهم في حكم الدنيا، واللَّه أعلم. فَإِنْ قِيلَ: أليس يرث المسلم المرتد، وقد قال: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ): أخبر أن
(52)
من تولاهم من المسلمين صار منهم، ونحن لا نرث اليهود والنصارى، كيف وُرِثَ من صار منهم من المسلمين؟! قيل: معنى قوله: (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) في الدِّين والكفر، لا في الحكم والحقوق؛ لأن المرتد إلى النصرانية ليس بمتروك على دينه، فلم يكن من أهل تلك الملة؛ وإنما الملة ما يُقَرُّ عليها أهلها؛ ألا ترى أن المرتد لا يرث النصراني إن كانوا أقرباء، فلو كانت النصرانية له ملة ورثه أهلها؛ لأنا نعلم أن النصارى يرث بعضهم بعضًا؛ فلمَّا لم يرثوه دل ذلك على أنه ليس من ملتهم، وأن حكمه في الميراث حكم الملة التي يجبر على الرجوع إليها، وعلى ذلك جاءت الآثار عن الصحابة: روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أتى برجل ارتد عن الإسلام، فعرض عليه الإسلام، فأبى؛ فضرب عنقه، وجعل ميراثه لورثته المسلمين. وعن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كذلك. وروي عن زيد بن ثابت مثله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). قد ذكرناه فيما تقدم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... (52) وهم المنافقون؛ كقوله - تعالى -: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)، إلى قوله: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ)، وهو وصف المنافقين. (يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ): كانوا يظهرون الموافقة للمسلمين؛ خوفًا منهم، وفي السر مع الكفرة؛ لأنهم كانوا أهل ريب وشك، ولا دين لهم، يميلون إلى من رأوا السعة معهم والأمن، وكانوا على شك من أمر مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وريب، (يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ): لعل محمدًا لا ينصر ولا يتم أمره؛ فأسروا في أنفسهم الموافقة للكفر والغش للإسلام وأهله، ويظهرون الموافقة للمؤمنين؛ لما كانوا يسمعون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يعد النصر والظفر للمؤمنين، لكن ذلك لا يتحقق عندهم، وكانوا كما قال اللَّه - عز وجل -: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ. . .) الآية، وكانوا ينتظرون النصر والظفر؛ فيميلون إلى حيث كان النصر والظفر؛ فيقولون للمؤمنين إن كان
(53)
الظفر لهم؛ (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ)، وإن كان للكافرين فيقولون: (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ). أي: بالنصر: نصر مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والظفر له على أعدائه، وفتح البلدان والأمصار له، وإظهار دينه: دين الإسلام؛ على ما روي أنه قال: " نُصِرتُ بِالرعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ "، وعلى ما فتح له البلدان كلها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ). قيل: عذاب أُولَئِكَ الكفرة وهلاكهم في الدنيا. (فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ). عند العذاب والهلاك، أو يندمون في الآخرة؛ لما أصابهم من العذاب. (مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ): في الدنيا من المودة لهم، والعداوة للمؤمنين، واللَّه أعلم. وفي قوله: (يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) دلالة إثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه لا يحتمل أن يقولوا: (نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) من حيث يسمع أهل الإسلام ذلك منهم؛ دل ذلك لهم أنه إنما عرف ذلك باللَّه؛ وكذلك بما أخبر من الوعد بالنصر له والظفر، ثم كان على ما أخبره ووعد؛ دل أنه خبر عن اللَّه تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) بعضهم لبعض لما ظهر نفاق أهل النفاق قتلوا وافتضحوا؛ كقوله - تعالى -: (مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا)، قال المؤمنون عند ذلك: (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ). وقد كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين، ويحلفون باللَّه
(54)
على ذلك، ويضمرون الخلاف لهم والعداوة، والمودة للكفرة؛ كقوله - تعالى -: (يحلِفُونَ باللَّهِ مَا قَالُوا)، (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ)، ونحو ذلك، فذلك معنى قوله: (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ)، واللَّه أعلم. وقوله: (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ). أي: حبطت أعمالهم التي عملوها قبل إسرار ما أسروا في أنفسهم إذ أسروا ذلك، (فَأَصْبَحُوا)، أي: صاروا خاسرين بعد الافتضاح؛ حيث ذهبت منافعهم التي كانت لهم قبل الافتضاح وظهور نفاقهم. ويحتمل قوله - تعالى -: (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ): التي عملوا ظاهرًا؛ مراءاة للناس. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ. . .) الآية قوله - تعالى -: (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ): إن قوله: (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ) - وإن كان حرف توحيد وتفريد - فإن المراد منه الجماعة؛ ألا ترى أنه قال: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ)؟! دل هذا على أن المراد منه الجماعة والعصابة، ولأن الواحد - والاثنين - إذا ارتد عن الإسلام يؤخذ ويحبس ويقتل إن أبي الإسلام، والجماعة إذا ارتدوا عن الإسلام احتيج إلى نصب الحرب والقتال؛ على ما نصب أبو بكر الحرب مع أهل الردة. وفي الآية دلالة إمامة أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لأن العرب لما ارتدت عن الإسلام، بعد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حاربهم؛ فكان هو ومن قام بحربهم ممن أحب اللَّه وأحبه اللَّه. وعن الحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) قال: هو - واللَّه -
أبو بكر وأصحابه، رضي اللَّه عنهم أجمعين. وقوله - تعالى -: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا): يدل على إمامة أبي بكر - رضي اللَّه عنه - لأنه كان الداعي إلى حرب أهل الردة. فَإِنْ قِيلَ: يجوز أن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هو الذي دعاهم - قيل له: قال اللَّه - تعالى -: (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا) فمحال أن يدعوهم فيطيعوا، وقد قال اللَّه - تعالى -: إنهم لن يخرجوا معه أبدًا. فَإِنْ قِيلَ: قد يجوز أن يكون عمر - رضي اللَّه عنه - هو الذي دعاهم - قيل له: فإن كان، فإمامة عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثابتة بدليل الآية، وإذا صحت إمامته صحت إمامة أبي بكر - رضي اللَّه عنه - لأنه المختار له والمستخلف. فَإِنْ قِيلَ: قد يجوز أن يكون علي - رضي اللَّه عنه - هو الذي دعاهم إلى محاربة من حارب - قيل له: قال اللَّه - تعالى -: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ)، وهذه صفة من يُحَارَبُ من مشركي العرب الذين لا تقبل منهم الجزية، وعلي - رضي اللَّه عنه - إنما حارب أهل البغي وهم مسلمون، ولم يحارب أحد بعد النبي أهل الردة غير أبي بكر - رضي اللَّه عنه - فكانت الآية دليلا على صحة إمامته. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (فسوْفَ) كقوله: (عَسَى)، والعسى من اللَّه واجب. أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه يأتي بقوم يحبهم؛ لبذلهم أنفسهم في مجاهدة أعداء اللَّه، وتركهم في اللَّه لومة لائم؛ فذلك لحبهم لله؛ لأنه لا أحد يبذل نفسه للهلاك، وترك لومة لائم - إلا لمن يحب اللَّه، وأحبهم اللَّه: لما أثنى عليهم بقوله: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ)، وحبهم لله: لما بذلوا أنفسهم في مجاهدة أعدائه، وتركهم لومة لائم. وفيه دلالة إثبات إمامة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - أثنى عليهم بخروجهم في سبيل اللَّه ومجاهدة أعدائه؛ فلو كان غاصبًا ذلك على عليٍّ - رضي اللَّه عنه - أو كان غير محق لذلك - لم يكن اللَّه ليثني عليه بذلك؛ لأنه كان آخذًا ما ليس له أخذه
(55)
ومضيعًا حقا لغيره، ومن كان هذا سبيله لم يكن يستوجب كل هذا الثناء من اللَّه تعالى؛ فهذا ينقض على الروافض قولهم وما روي: " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَليٌّ مَوْلَاهُ " وغيره من الأخبار، وذلك في الوقت الذي طلب علي - رضي اللَّه عنه - الخلافة وحارب عليها؛ لأنه لا يحتمل أن يعلم أن له الخلافة في زمن أبي بكر - رضي اللَّه عنه - ويرى الحق لنفسه، ثم يترك طلبها؛ لأنه كان مضيعًا حق اللَّه عليه؛ فدل سكوته وترك طلبه على أن الحق ليس له، ولكن كان لأبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ). أي: للمؤمنين، أي: ذوو رحمة ورأفة للمؤمنين. (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) أي: شاقة شديدة على الكافرين، وهو ما وصفهم، عَزَّ وَجَلَّ: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) الآية، بذلك وصفهم عَزَّ وَجَلَّ. وقوله: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: ذلك الجهاد في سبيل اللَّه، أي: في طاعة اللَّه (فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)، وقيل: ذلك الإسلام (فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ). (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) قد ذكرنا هذا في غير موضع. * * * قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا. . .) الآية. قال بعض أهل التأويل: قوله - تعالى -: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) هو صلة قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) وكذلك قوله - تعالى -: (لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ): هو صلة ما تقدم ذكره: نهى المؤمنين أن يتخذوا الذين أوتوا
الكتاب، والذين لم يؤتوا الكتاب أولياء في غير آي من القرآن، وأخبر أن اللَّه ورسوله هو ولي الذين آمنوا، والمؤمنون -أيضًا- بعضهم أولياء بعض كما في قوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، فإذا كان اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ورسوله والذين آمنوا أولياء لمن آمن - لم ينبغ أن يتخذوا الكفار أولياء. وذكر في بعض القصة أن عبد اللَّه بن سلام قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: إن اليهود أظهروا لنا العداوة من أجل إسلامنا، وحلفوا ألا يكلمونا، ولا يخالطونا في شيء، ومنازلنا فيهم، وإنا لا نجد متحدثًا دون هذا المسجد؛ فنزلت الآية - فقالوا: قد رضينا باللَّه وبرسوله والمؤمنين أولياء. ثم اختلف في نزوله: قَالَ بَعْضُهُمْ: نزلت في شأن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تصدق بخاتمه وهو في الركوع. ويقولون: خرج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فإذا هو بمسكين، فدعاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال: " هَلْ أَعْطَاكَ أَحَدٌ شَيئًا "، قال: نعم يا رسول اللَّه، قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " ماذا؟ " قال: خاتم فضة؛ قال: " مَنْ أَعْطَاكَ؟ " قال: ذلك الرجل القائم - يعني: عليا - قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " على أي حال أعطاكه؟ قال: أعطانيه وهو راكع؛ فكبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ودعا له وأثنى عليه. فاحتج الروافض بهذه الآية على تفضيل علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على أبي بكر وإثبات الخلافة له دون غيره. ويقولون: نزلت في شأنه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما روي عن أبي جعفر - رضي اللَّه عنه - قال: " تصدق علي بن أبي طالب - رضي اللَّه عنه - بخاتمه وهو راكع؛ فنزل: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) فيقال لهم: هب أن الآية نزلت في شأنه، وليس فيها دلالة إثبات الخلافة له في زمن
أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لأنا قد ذكرنا في الآية الأولى ما يدل على إثبات الإمامة له في الوقت الذي كان هو إمامًا، ونحن لا نجعل لعلي - كرم اللَّه وجهه - الخلافة له في الوقت الذي لم ير لنفسه فيه الخلافة؛ لأنه روي عنه أنه قال: " إن أبا بكر هو خير الناس بعد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - " أو كلام نحو هذا. وفي الخبر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " لَو وَلَّيتُم أَبَا بَكْرٍ لَوَجَدْتُمُوهُ قَوِيًّا فِي دِينِهِ، ضَعِيفًا فِي بَدَنِهِ، وإنْ وَلَّيتُم عُمَرَ لَوَجَدْتُمُوهُ قَويًّا فِي دِينِهِ وَبَدَنِهِ، وإنْ وَلَّيتُم عَليًّا لَوَجَدْتُمُوهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا مُرشِدًا " فنقول: نحن على ما كان من على وسائر الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - من تسليم الأمور إلى أبي بكر، وتفويضهم إليه من غير منازعة ظهرت من على - كرم اللَّه وجهه - في ذلك؛ فلو كان الحق له في ذلك الوقت، لظهرت منه المنازعة على ما ظهرت في الوقت الذي كان له. فقالوا: لأن عليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لم يكن له أنصار، وفي الوقت الذي ظهرت المنازعة منه والطلب كان له أنصار. قيل: لا يحتمل أن يكون الحق له فيها ثم لا يطلب؛ لما لم يكن له أنصار؛ ألا ترى أن أبا بكر - رضي اللَّه عنه - مع ضعفه في بدنه، خرج وحده لحرب أهل الردة، حتى لما رأوه خرج وحده حينئذ تبعوه؟! فأبو بكر لم يترك طلب الحق لعدم الأنصار، مع ضعفه في بدنه، فعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مع شدته وقوته وفضل علمه بأمر الحرب؛ حتى لم يبارز أحدًا من الأعداء إلا غلبه وأهلكه؛ فكيف توهمتم فيه ترك طلب الحق لفقد الأنصار له والأعوان في ذلك؟! هذا لعمري لا يتوهم في أضعف أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فضلا أن يتوهم في علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فدل ترك طلب ذلك منه على أنه ترك؛ لما رأى الحق له، واللَّه أعلم. واحتجوا بما روي عن رسول، اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال لعلي: " أَنْتَ مِني بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَير أَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدِي "، وهارون كان خليفة موسى؛ فَلِمَ أنكرتم -أيضًا- أن
(56)
عليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان خليفة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؟! قيل: لهذا جوابان: أحدهما: أن قوله: " أنْتَ مِنْي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى " يحتمل أن يكون في الأخوة التي كان آخاه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وليس في إثبات الأخوة إثبات الخلافة له. والثاني: أنه كانت له الخلافة في الوقت الذي كان هو، وليس في الخبر جعل الخلافة له في الأوقات كلها وهكذا جواب ما روي عنه: " مَنْ كُنْتُ مَولَاهُ فَعَليٌّ مَولَاهُ "، واللَّه أعلم. ثم إن كان الحديث الذي روي عن أبي جعفر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صحيحًا؛ ففي الآية معنيان: أحدهما: فضيلة علي - كرم اللَّه وجهه - وقد كان كثير الفضائل، مُستَكْمِلاً خصال الخير. والآخر: أن العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها، وقد روي في بعض الأخبار عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه خلع نعله في الصلاة، وأنه مس لحيه، وأنه أشار بيده، وغير ذلك من العمل اليسير فعله في صلاته؛ فيقاس كل عمل يسير على ما دل عليه الخبر على جواز الصلاة. وفيه وجه آخر: وهو أن الصدقة التطوع تسمى زكاة؛ لأن صدقة علي - رضي الله عنه - بالخاتم لم تكن صدقة مفروضة، بل كانت تطوعا؛ فسماها اللَّه زكاة وإن كانت تطوعا؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ)، فسماها اللَّه زكاة، وإن كانت تطوعًا؛ كما تسمى صلاة الفرض والتطوع: صلاة، وصوم التطوع والفرض: صيامًا؛ فعلى ذلك هذا. وظاهر الآية في جملة المؤمنين، وليس علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أولى بها من غيره، فإن كان فيه نزل، فهو ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) ظاهر هذا لو صرف إلى أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان أقرب؛ لأنه كان هو الغالب على أهل الردة من أول ما وقع بينهم إلى آخره، وعلي - رضي اللَّه عنه - إنما صار الأمر له في آخره حين حارب الخوارج، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57)
(58)
يحتمل النهي عن اتخاذ أُولَئِكَ أولياء وجوهًا: يحتمل: النهي قبل أن يتخذوا؛ لئلا يتخذوا. ويحتمل: النهي بعدما اتخذوا أولياء: لا في الدِّين، ولكن في بعض المكاسب. ويحتمل: أن يكون النهي للمنافقين ألا يكونوا مع أُولَئِكَ على المؤمنين، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. والحزب: هو العون والنصر في اللغة؛ قال الكسائي: تقول العرب: فلان حزبي، أي: ناصري وعوني. وقوله: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ... (58) يخبر نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - غاية سفههم بصنيعهم إذا نودي إلى الصلاة؛ لأنه ذكر في القصة: أنهم إذا سمعوا المنادي يقول: " أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه "، قالوا: حرق الكاذب، وقالوا: واللَّه ما نعلم أهل دين من هذه الأديان أقل حظّا في الدنيا والآخرة منهم، يعنون: محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه - رضي اللَّه عنهم - فدخل خادمهم ليلة من الليالي بنار وهو نائم، فسقطت شرارة؛ فحرقت البيت واحترق هو وأهله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) نفى عنهم العقل؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا؛ وإلا كانوا يعقلون؛ وعلى ذلك يخرج قوله (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ)، لما لم ينتفعوا بما سمعوا به وعقلوا، وكذلك قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ. . .) الآية: إنا نعلم أنهم كانوا يبصرون ويسمعون؛ لكن نفي عنهم لما لم ينتفعوا بالبصر والسمع واللسان؛ كمن ليس له ذلك في الأصل، واللَّه أعلم. ويحتمل وجها آخر: وهو أن شدة بغضهم وحسدهم لنبينا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تمنعهم عن فهم ما خوطبوا به، وتحول بينهم وبين معرفة ذلك - فكانوا كمن ليس لهم ذلك رأسًا. * * * قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قيل: (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا): هل تطعنون علينا، وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رضي اللَّه عنه. وقيل: وهل تعيبون علينا.
(60)
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا)، أي: تنكرون منا. وهو يرجع إلى واحد. والنقم: هو العيب والطعن، والانتقام: هو الانتصار، ومعناه: (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ)، أي: كيف تطعنون علينا وتعيبون، وأنتم ممن قد دعوتم إلى الإيمان باللَّه، والإيمان بما أنزل في الكتب، وأنتم ممن قد أوتيتم الكتاب، وفي كتابكم الإيمان باللَّه، والإيمان بالكتب كلها؛ فكيف تنكرون الإيمان بذلك كله، وتعيبون علينا، ولا تعيبون على أنفسكم بفسقكم وخروجكم عن أمر اللَّه تعالى، وعما أمركم كتابكم ودعاكم إليه، ونهاكم عما أنتم فيه؟! (وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ) وهو القرآن، وهو يصدق ما قبله من الكتب، (وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ) من الكتب المتقدمة من التوراة والزبور والإنجيل، وهي تصدق القرآن، بعضها يصدق بعضًا، فكيف تنكرون الإيمان به؟! * * * قوله تعالى: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) ذكر هذا - واللَّه أعلم - على أثر قوله: (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ. . .) على أثر قوله: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا. . . .) الآية؛ وذلك أنهم كانوا يستهزئون بالمؤمنين ويضحكون منهم، ويطعنون في دينهم ويعيبون عليهم؛ فقال على أثر ذلك: (قُلْ) يا مُحَمَّد: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ)، أي: مما المؤمنون عليه (مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ) قالوا: من؛ قال اللَّه: (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ. . .) الآية؛ فمن كان هذا وصفه فهو شر مما عليه المؤمنون، وقد كان فيهم جميع ذلك مما غضب الله عليهم ولعنهم، أي: حول جوهرهم إلى أقبح جواهر في الطبع وأوخسها - وهي القردة والخنازير - بسوء صنيعهم. أو يكون ذلك على أثر قول ما قالوا: ما ذكر في بعض القصة: " واللَّه ما نعلم من أهل دين أقل حظًّا في الدنيا والآخرة، من هَؤُلَاءِ "، يعنون: المؤمنين؛ لأنهم كانوا يَدَّعُون أن الدنيا والآخرة لهم، وليس لهَؤُلَاءِ لا دنيا ولا آخرة؛ فقال اللَّه - سبحانه وتعالى -: (قُلْ) يا مُحَمَّد: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ)، أي: ثوابًا عند اللَّه، فقالوا: من هم؟ قال: (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) والملعون هو المطرود عن الخيرات، وجعل من حول جوهره إلى جوهر القرد
(61)
والخنزير، وهو أقبح جوهر في الطبع والعقل وأوسخه، ومن (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) يعني: الشيطان (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا) في الدنيا؛ لما حول جوهرهم إلى أقبح جوهر في الأرض - من الذين لم يحول جوهرهم إلى ذلك؛ إذ لم يروا أحدًا من المؤمنين حُوِّل جوهره إلى جوهر مَنْ ذُكِرَ، وقد رأوا كثيرًا من أوائلهم قد حولوا من جوهرهم إلى هذه الجواهر المسئقبحة في الطبع المؤذية. أو يكون على الإضمار على أثر أمر كان ونحن لم نعلم به؛ فنزل عند ذلك. وعن الحسن قال: قوله - تعالى -: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ): الذين لعنهم اللَّه، والذين غضب عليهم، والذين عبدوا الطاغوت، والذين جعل منهم القردة والخنازير: منهم من جعله قردة، ومنهم من أبقى على جوهره الذي كان، (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا) في الدنيا والآخرة. (وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) أي: أخطأ طريقًا ودينًا، واللَّه أعلم بالقصة. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) قيل: إن الآية في اليهود. وقيل: إنها في المنافقين. وهي في المنافقين أشبه؛ ذكر أنهم كانوا يدخلون على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويظهرون الموافقة له، ويخبرونه أنهم يجدون نعته وصفته في كتبهم، ويضمرون الخلاف له في السر وهزءوا به؛ فقال عند ذلك: (وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ): أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنهم دخلوا بالكفر؛ لأنهم يقولون ذلك استهزاء، وعلى ذلك خرجوا؛ ففيه دلالة إثبات رسالة سيدنا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه أخبرعما أضمروا؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالذي يعلم الغيب، مع علمهم أنه لا يعلمه إلا اللَّه، واللَّه أعلم بما كانوا يكتمون ويضمرون من الكفر والهزء.
(62)
قوله تعالى: (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) يحتمل أن يكون قوله: (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ): من ملوكهم وعوامهم. (يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، أي: في قول الكفر والعدوان، والعدوان: هو المجاوزة عن الحد الذي حد لهم، ويسارعون -أيضًا- في أكل السحت. والسحت، قيل: هو كل محرم، وقيل: هو الرشوة في الحكم. وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: الرشوة: هي الكفر، وأما السحت: هو أن يرفع حاجة أخيه إلى السلطان فيأكل عنده، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. ثم قال على أثر ذلك: قوله تعالى: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63) عاتب اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - الربانيين والأحبار عن تركهم نهي أُولَئِكَ عن صنيعهم، وأشركهم في الإثم شرغا سواء؛ ليعلموا أن العامل بالإثم والمعصية والراضي به والتارك النهي عن ذلك - سواء، وفيه دلالة أن تارك النهي عن المنكر يلحقه من الإثم ما يلحق الفاعل به. والربانيون والأحبار قد ذكرنا فيما تقدم. * * * قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ. . .) الآية. قال الحسن: قول اليهود: " يد اللَّه مغلولة "، أي: محبوسة ممنوعة عن
تعذيبنا؛ لقولهم: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ). في الآخرة بالسلاسل إلى أعناقهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) بالمغفرة والتعذيب؛ يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء. قال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه -: " قولهم: " يد اللَّه مغلولة ": لا يعنون بذلك أن يده موئقة مغلولة حقيقة اليد والغل؛ ولكن وصفوه بالبخل، وقالوا: أمسك ما عنده؛ بخلا منه، تعالى اللَّه عن ذلك. وقال آخرون: إن اللَّه - تبارك وتعالى - قد كان بسط على اليهود الرزق؛ فكانت من أخصب الناس وأكثرهم خيرًا، فلما عصوا اللَّه في مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وكفروا به، وبدلوا نعمة اللَّه كفرًا بالنعمة - كف اللَّه - تعالى - عنهم بعض الذي كان بسط عليهم من السعة في الرزق؛ فعند ذلك قالوا: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)، لم يقولوا: يده مغلولة إلى عنقه، ولكن ممسكة عنهم الرزق، فلا يبسط كما كان يبسط؛ وهو كقوله: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ): نهى عن البخل في الإنفاق، لا أنه أراد حقيقة غل اليد إلى عنقه؛ فعلى ذلك قولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ): كناية عن البخل ووصف به، لا حقيقة الغل، وباللَّه العصمة. وتأويل قوله: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) على هذا التأويل، أي: أيديهم هي الممسكة عن الإنفاق، وهم الموصوفون بالبخل والشح. (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)، أي: نعمه مبسوطة: يوسع على من يشاء، ويقتر على من يشاء. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بل يداه يبسطان. قال الفراء: يقال: وجه مبسوط، ووجه بسط. ثم لا يحتمل أن يفهم من إضافة اليد إلى اللَّه ما يفهم من الخلق؛ لما وجد إضافة اليد إلى من لا يحتمل أن يكون له اليد، من ذلك قوله - تعالى -: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ): لا يفهم من القرآن اليد كما يفهم من الخلق؛ فعلى
ذلك لا يجوز أن يفهم من إضافة اليد إلى اللَّه - تعالى - كما يفهم من الخلق؛ ألا ترى أنه قال: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ)، (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)، لم يفهم منه اليد نفسها؛ وكذلك قوله: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ)، لكن أضيف ذلك إلى اليد؛ لما باليد يقدم ويعطي ويكسب؛ ألا ترى أنه قال - تعالى -: (لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، ومعلوم أنه لم يفهم من اليد: اليد نفسها، ولكن أضيف ذلك إليها؛ لما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا) قيل: عذبوا بما قالوا: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)، واللعن - في اللغة -: هو الطرد؛ كأنه قال: طردوا عن رحمة اللَّه وأيسوا عنها حتى لا ينالوها أبدًا بقولهم الذي قالوا. وقيل: فيه إخبار: أنهم يموتون على ذلك، ولا يؤمنون، فماتوا على ذلك؛ فذلك دليل رسالته، عليه الصلاة والسلام، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ). قيل فيه بوجهين: قيل: يريد ما أنزل اللَّه إليك من القرآن، (كَثِيرًا مِنْهُمْ)، يعني: اليهود (طُغْيَانًا وَكُفْرًا). وقيل: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ): من البيان عما كتموا من نعته وصفته التي كانت في كتابهم، وما حرفوا فيه وغيروه من الأحكام؛ فذلك مما زادهم طغيانًا وكفرًا. قيل: (طُغْيَانًا)، أي: تماديا بالمعصية، (وَكُفْرًا): بالقرآن. وقيل: الطغيان: هو العدوان، وهو المجاوزة عن الحد الذي حد. فَإِنْ قِيلَ: ما معنى إضافة زيادة الطغيان إلى القرآن، والقرآن لا يزيد طغيانًا ولا كفرًا؟: قيل: إضافة الأفعال إلى الأشياء تكون لوجوه ثلاثة: منها: ما يضاف لحقيقة الفعل بها.
ومنها: ما يضاف للأحوال. ومنها: ما يضاف لمكان ما به يكون الفعل، وهاهنا أضيف ذلك إلى القرآن؛ لما كان فيهم من الطغيان والكفر لمكان ما أنزل إليهم بالكفر الذي كان فيهم؛ وهو كقوله - تعالى -: (إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ): إنهن لا يضللن أحدًا في الحقيقة؛ ولكن لما صاروا بهن ضلالا أضيف إليهن، وكقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)، والحياة الدنيا لا تغر أحدًا؛ ولكن لما لو كانت لها حواس لكان ما أبدت من الزينة لغرت. وقوله: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ): بين اليهود والنصارى، أي: لا يحب اليهودي نصرانيا، ولا النصرانى يهوديا. وقال آخرون: (بَيْنَهُمُ)، أي: بين اليهود؛ لأن اليهود على مذاهب مختلفة وأهواء مشتتة: منهم من يقول: عزير ابن اللَّه، ومنهم من يذهب مذهب التشبيه. هم على أهواء مختلفة؛ فبينهم عداوة وبغضاء، على ما ذكرنا الاختلاف الواقع بينهم. ثم معنى ما أضاف من إلقاء العداوة بينهم إلى نفسه لا يخلو: إما أن يكون له في نفس العداوة فعل، أو أن يكون في سبب العداوة، ولا يجوز أن يكون له في فعل العداوة صنع؛ لأنه فعلهم، ولا في سبب العداوة -أيضًا- لأن سببه الاختلاف، والاختلاف فعلهم -أيضًا- فإذا بطل أن يكون له في واحد من هذين صنع؛ دل أن له ذلك من الوجه الآخر، وهو أن خلق فعل العداوة وسبب العداوة منهم، وباللَّه التوفيق والعصمة. فَإِنْ قِيلَ: ذكر هاهنا أنه تعالى ألقى بينهم العداوة والبغضاء، وذكر في آية أخرى أن بعضهم أولياء بعض بقوله - تعالى -: (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) كيف يجمع بينهما؟!: قيل: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) في أصل الدِّين وهو الكفر، وبينهم عداوة؛ لاختلاف الأهواء والمذاهب، واللَّه أعلم. وفي الآية دلالة الامتنان على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بما أخبر أنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء،
(65)
ولو كانوا على مذهب واحد، ولم يكن بينهم اختلاف وعداوة - لكان ذلك عليه أشد، وفي المقام بينهم أصعب، لكن مَنَّ عليه بالاختلاف فيما بينهم؛ لما جعل الاختلاف والتنازع سبب الفشل؛ كقوله - تعالى -: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا. . .) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ). يحتمل وجهين: يحتمل: كلما أرادوا مكر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأجمعوا أمرهم على قتله، أطلع اللَّه نبيه - عليه الصلاة والسلام - على ذلك؛ حتى لم يقدروا على مكره. والثاني: كلما انتصبوا للحرب مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - واجتمعوا عليه، فرق اللَّه شملهم، وجعلهم بحيث لا يجتمعون على ذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) يحتمل وجهين -أيضًا-: يحتمل: السعي بالفساد على حقيقة المشي على الأقدام، وهو ما كانوا يسعون في نصب الحرب مع المؤمنين، والاتصال بغيرهم من الكفرة، والاستعانة بهم؛ فذلك هو السعي في الأرض بالفساد. والثاني: ما كتموا من نعت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفته وحرفوا ما في كتبهم من أعلام نبوته وآيات رسالته، ودعوا الناس إلى غير ما نزل فيه؛ وذلك سعي في الأرض بالفساد، وبالله التوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) لأنه لا يحب الفساد، ولا يرضى به. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) عامل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - خلقه معاملة أكرم الأكرمين؛ حيث وعد لهم المغفرة، وتكفير ما ارتكبوا في حال الكفر، وقولهم في اللَّه من القبيح الوَخْش؛ لو آمنوا واتقوا الذي قالوا في اللَّه؛ وهو كما قال اللَّه: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ): وذلك - واللَّه أعلم - أنه لما تاب ورجع عن صنيعه يرجع عن جميع ما كان منه، ويندم على ذلك،
(66)
ويتمنى أن يكون ما كان منه في تلك الحال من الشر: خيرًا؛ فهو كقوله - تعالى -: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ)؛ لأنهم يندمون على تلك السيئات التي كانت منهم، ويتمنون أن يكون الذي كان منهم في تلك الحال خيرًا لا شرًّا، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) يحتمل هذا وجهين: يحتمل: ولو أنهم عملوا بما في التوراة والإنجيل، وبما أنزل إليهم من القرآن - لأكلوا من كذا مما ذكر. ويحتمل: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ): على ما أنزل، ورجعوا عما حرفوا فيها وغيروه وكتموه من نعت نبينا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفته، وما فيها من الأحكام - لكان لهم ما ذكر، واللَّه أعلم. وذلك أنهم كانوا يخافون الضيق إذا أسلموا وهو - واللَّه أعلم - قوله: (إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) فأخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنهم لو آمنوا واتقوا الشرك، لوسع عليهم العيش. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ). ليس على حقيقة الأكل؛ ولكن يخرج على المبالغة في الوصف والذكر؛ كما يقال: فلان من قرن رأسه إلى قدمه في نعمة: ليس على حقيقة ما وصف؛ ولكن على المبالغة في الوصف بالسعة. ويحتمل: أن يكون على حقيقة الأكل: أما ما يخرج من تحت الأرجل: فهو ما يخرج من الأرض من المأكول والمشروب، ومن فوقهم: من الثمار والفواكه يخرج من الأشجار. ويحتمل: ما ذكر (مِنْ فَوْقِهِمْ): وهو الجبال، و (وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ): الأرض، إخبار أن يكون لهم نزل الجبل والسهل جميعًا. وقيل: (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ)، أي: أرسل اللَّه عليهم مدرارًا، (وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ): تخرج الأرض بركتها، وتنبت لهم الثمرة.
(67)
وقال قتادة: لأعطتهم الأرض نباتها، والسماء بركتها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ). قيل فيه بوجهين: قيل: (أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ) من أسلم منهم. وقيل: منهم أمة مقتصدة على كتاب اللَّه لم يحرفوه، ولا غيروه، ولا كتموا شيئًا، ولا سعوا في الأرض بالفساد على ما عمل أكثرهم من التحريف والتغيير، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) هذا - واللَّه أعلم - وذلك أن أهل الكفر كانوا على طبقات ثلاث: منهم من يقول: (لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)، وقولهم: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ). ومنهم من كان يخوفه ويمكر به، ليقتلوه؛ كقوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ. . .) الآية. ومنهم من كان يعرض عليه النساء والأموال؛ ليترك ذلك، وألا يدعوهم إلى دينه الذي
هو عليه. كانوا على الوجوه التي ذكرنا؛ فأمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أن يقوم على تبليغ رسالته، وألا يمنعه ما يخشى من مكرهم وكيدهم على قتله؛ لأن المرء قد بمتنع عن القيام بما عليه إذا خشي هلاكه أو لطلب مودة وصلة. أو يمتنع عن القيام بما عليه إذا كُذبَ في القول، ولحقه أذى لذلك؛ فأمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - نبيه بتبليغ ما أنزل إليه، وإن خشي على نفسه الهلاك أو التكذيب في القول، والأذى وترك طلب الموالاة، أي: لا يمنعك شيء من ذلك عن تبليغ ما أنزل إليك. أو أن يكون الأمر بتبليغ الرسالة في حادث الوقت: أن بلغ ما أنزل إليك في حادث الوقت؛ كما بلغت في الماضي من الوقت. أو أن يكون الأمر بتبليغ ما أنزل إليه أمرًا بتبليغ البيان، أي: بلغ ما أنزل إليك من البيان كما بلغت تنزيلا؛ وهو كقوله - تعالى -: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه إنما أرسل الرسل على لسان قومهم؛ ليبينوا لهم؛ فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ). أي: وإن لم تبلغ ما أنزل إليك؛ لما تخشى من الهلاك والمكر بك - كان كأن لم تبلغ الرسالة رأسًا. لم يعذر نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في ترك تبليغ الرسالة إليهم، وإن خاف على نفسه الهلاك، ليس كمن أكره على الكفر أبيح له أن يتكلم بكلام الكفر، بعد أن يكون قلبه مطمئنا بالإيمان إذا خاف الهلاك على نفسه. ولم يبح له ترك تبليغ الرسالة وإن خشي على نفسه الهلاك؛ ذلك - واللَّه أعلم - أن تبليغ الرسالة تعلق باللسان دون القلب، والإيمان تعلقه بالقلب دون اللسان؛ فإذا أكره على الكفر أبيح له التكلم به بعد أن يكون القلب على حاله مطمئنا بالإيمان. وأما الرسالة: فلا سبيل له أن يبلغها إلا باللسان؛ لذلك لم يبح له تركها وإن خاف الهلاك؛ وهذا يدل لقولنا في المكره بالطلاق والعتاق أنه إذا تكلم به عمل؛ لتعلقهما باللسان دون القلب؛ فالإكراه لا يمنع نفاذ ما تعلق باللسان دون القلب كالرسالة التي ذكرنا، واللَّه أعلم. ويحتمل قوله - تعالى -: (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ)، أي: لم تبلغ الرسالة في حادث الوقت كأن
(68)
لم تبلغ فيما مضى. أو إن لم تبلغ البيان كما بلغت التنزيل فما بلغت الرسالة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فيه دليل إثبات رسالته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - أخبر أنه عصمه من الناس؛ فكان ما قال؛ فدل أنه علم ذلك باللَّه، وكذلك في قوله - تعالى -: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ): كان يقول بين ظهراني الكفرة: كيدوني جميعًا، ثم لم يلحقه من كيدهم شيء؛ دل أنه كان ذلك باللَّه تعالى. وعن عائشة - رضي اللَّه عنها -: " كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ليحرس، فلما نزل قوله - تعالى -: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) قال: " انْصَرِفُوا إِلَى مَنَازِلِكُم؛ فَإِنَّ اللهَ عَصَمَنِي مِنَ الناسِ "؛ فانصرفوا. ويحتمل قوله - تعالى -: (بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)، أي: بلغ ما أنزل إليك من الآيات والحجج والبراهين، التي جعلها اللَّه أعلاما لرسالتك، وآثارا لنبوتك؛ ليلزمهم الحجة بذلك، واللَّه أعلم. قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) لا يُبتَدَأ الكلام بمثل هذا إلا عن قول أو دعوى تسبق، وليس في الآية بيان ما كان منهم؛ فيشبه أن يكون الذي كان منهم ما ادَّعَوا أنهم على دين اللَّه وعلى ولايته، أو ما قالوا: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، أو ما قالوا: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى)، أو نحو ذلك من أمانيهم ودعاويهم التي ادعوا لأنفسهم؛ فقال لرسوله: قل لهم: (لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ). قال الحسن: قوله - تعالى -: (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ)، أي: حتى تقيموا ما قد حرفتم وغيرتم من التوراة والإنجيل وبدلتم، وتثبتوا على ما أنزل وتؤمنوا به.
(69)
وقال غيره: قوله - تعالى -: (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) بالشهادة والتصديق لما فيهما. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ. . .): حتى تعملوا بما في التوراة والإنجيل من صفة مُحَمَّد ونعته ومبعثه ونبوته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وتبينوه للناس ولا تكتموه. وهو وما ذكرنا واحد. (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ). من كتب أنبيائكم، وحتى تقيموا -أيضًا- ما أنزل من الكتب: كتب الرسل أجمع؛ لأن الإيمان ببعض الرسل وببعض الكتب، والكفر ببعض - لا ينفع؛ حتى يؤمن بالرسل كلهم وبالكتب جملة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا): قد ذكرنا هذا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ): القرآن في أمر الرجم والقصاص (طُغْيَانًا وَكُفْرًا). وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) هو ما أمر اللَّه نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يبلغ ما أنزل عليه بقوله: (بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ): أي: لا تحزن على كفرهم؛ كقوله - تعالى -: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، ونحو قوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) قال ابن عَبَّاسٍ: هم الذين آمنوا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم الذين آمنوا ببعض الرسل لم يتسموا باليهودية ولا بالنصرانية. (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى) قد ذكرنا فيما تقدم مَنْ هُم؟ وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). تأويل الآية - واللَّه أعلم -: وإن اختلفت أديانهم، وتفرقت مذاهبهم لو آمنوا باللَّه
(70)
وما ذكر، فلا خوف عليهم بما كان منهم في حال كفرهم؛ كقوله - تعالى -: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ). (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ): على فوت ما أعطاهم، أي: لا يفوتهم ذلك، واللَّه أعلم. قوله تعالى: (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) قد أخذ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - الميثاق على جميع البشر، وخصهم به دون غيرهم من الخلائق؛ لما رَكَّبَ فيهم ما يَعْرِفُ كُل به شهادة الخلقة على وحدانية ربه؛ كقوله - سبحانه وتعالى -: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ). ثم خص بني إسرائيل من البشر بفضل الميثاق؛ لما أرسل إليهم الرسل منهم، وهو قوله: (وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا)، وكأنهم قد قبلوا تلك المواثيق؛ كقوله - تعالى -: (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ. . .) إلى آخره؛ وكقوله - تعالى -: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ)، كان من اللَّه لهم عهد ومنهم للَّهِ عهد، فأخبر أنهم إذا أوفوا بعهده يوفِ بعهدهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) في الآية دلالة أنهم كانوا يخالفون دين الرسل بأجمعهم؛ لما أحدثوا من اتباع أهوائهم، وأن الرسل - وإن اختلفت أوقات مجيئهم - فإنهم إنما يدعون بأجمعهم إلى دين واحد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ): منهم من كذب، ومنهم من قتل، لكن القتل إن كان فهو في الأنبياء غير الرسل؛ لأنه - تعالى - قال: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا) أخبر أنه ينصر رسله، وليس في القتل نصر. ويحتمل قوله: (وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ)، أي: فريقًا قصدوا قصد قتلهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. قوله تعالى: (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا
(71)
وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ): ولم يبين ما الفتنة التي حسبوا ألا تكون، فأهل التأويل اختلفوا فيها: قال قائلون: الفتنة: المحنة التي فيها الشدة، حسبوا ألا يأتيهم الرسل بامتحانهم على خلاف هواهم، بل جاءتهم الرسل؛ ليمتحنوا على خلاف ما أحدثوا من هوى أنفسهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ): أي: هلاك وعذاب بتكذيبهم الرسل، وقصدهم قصد قتلهم. وقال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " ألا يكون شرك ". وقيل: (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ): أي: حسبوا ألا يبتلوا بتكذيبهم الرسل، وبقتلهم الأنبياء بالبلاء والقحط، فعموا عن الهدى، فلم يبصروه، وصموا عن الهدى فلم يسمعوه؛ لما لم ينتفعوا به، ثم تاب اللَّه عليهم فرفع عنهم البلاء، فلم يتوبوا بعد رفع البلاء. ويحتمل أن يكون قوله: (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا): ما ذكره في آية أخرى: وهو قوله: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) إلى قوله تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ. . .) الآية؛ تابوا مرة ثم رجعوا ثم تابوا؛ فذلك قوله: (فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا. . . .) الآية. * * * قوله تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ
(72)
ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. . . (72) الآية: يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا): أي: كفروا بعيسى؛ لأن عيسى كذبهم في قولهم: " إنه ابن اللَّه " بقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ. . .) الآية، وبقوله: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ)، وبقوله: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ. . .) الآية، أخبر أنه عبد اللَّه، ليس هو إلهًا ولا ابنه، تعالى الله عن ذلك. والثاني: كفروا بعلمهم؛ لأنهم علموا أنه ابن مريم، وسموه ابن مريم، ثم قالوا: هو اللَّه أو ابن اللَّه، فإن كان ابن مريم أنى يكون له ألوهية؟! فإذا كانت أمه لم تستحق الألوهية وهي أقدم منه، كيف يكون لمن بعدها؟! ولكن لسفههم قالوا ذلك، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ): إذا حرم عليه الجنة صار مأواه النار. وقيل: سمي: مسيحًا؛ قال الحسن: سمي ذلك؛ لأنه ممسوح بالبركات، وسمي الدجال: مسيحًا؛ لأنه ممسوح باللعنة. وقيل: المسيح بمعنى الماسح، وذلك جائز؛ الفعيل بمعنى الفاعل، وهو ما كان يمسح المريض والأكمه والأبرص فيبرأ، ويمسح الموتى فيحيون، ومثل ذلك؛ فسمي بذلك، واللَّه أعلم. والفعيل بمعنى المفعول جائز -أيضًا- يقال: جريح ومجروح، وقتيل ومقتول؛ هذا كله جائز في اللغة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ... (73)
قوله تعالى: (كَفَرَ) بعلمهم، علموا بوحدانيته، فكيف يكون ثالث ثلاثة وهو واحد؟! فإذا قالوا: هو اللَّه فلا يكون هناك ثان ولا ثالث، وذلك تناقض في العقل.
(74)
والثاني: أنهم لم يروا غير اللَّه خلق السماوات والأرض، ولا رأوا أحدًا خلقهم سوى اللَّه، كيف سموا دونه إلهًا ولم يخلق ما ذكرنا؟! إنما خلق ذلك اللَّه الذي لا إله غيره، وذلك قوله: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ) أي: يعلمون أنه لا إله إلا اللَّه، إله واحد، لكنهم يتعنتون ويكابرون في ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ): عما تقدم ذكره (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ... (74) عن مقالتهم الشرك، فإن فعلوا فإن اللَّه غفور رحيم؛ كقوله - تعالى -: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، وباللَّه العصمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ ... (75) في الآية دلالة المحاجة مع الفريقين؛ كأنهم كانوا فريقين: أحد الفريقين كانوا ينكرون أنه رسول، والفريق الآخر يدعون له الربوبية والألوهية، فقال: إنه ابن مريم،
وابن مريم لا يحتمل أن يكون إلهًا. والثاني: أخبر أنه رسول قد خلت من قبله الرسل، أي: قد خلت من قبل عيسى رسل مع آيات وبراهين لم يقل أحد من الأمم السالفة: إنهم كانوا آلهة، فكيف قلتم أنتم بأن عيسى إله، وإن كان معه آيات وبراهين لرسالته؟! وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ). قيل: مطهرة عن الأقذار كلها، صالحة. وقيل: (صِدِّيقَةٌ): تشبه النبيين، وذلك أن جبريل - عليه السلام - لما أتاها وقال: (إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) صدقته كتصديق الأنبياء والرسل الملائكة، وأما سائر الخلائق: إنما يصدقون الملائكة بإخبار الرسل إياهم، وهي إنما صدقت جبريل بإخباره أنه ملك، وأنه رسول؛ لذلك سميت صديقة، واللَّه أعلم. وقيل: كل مؤمن صديق؛ كقوله - تعالى -: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ. . .) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ): فيه الاحتجاج عليهم من وجهين: أحدهما: أن الجوع قد كان يغلبهما ويحوجهما إلى أن يدفعا ذلك عن أنفسهما، ومن غلبه الجوع وقهره كيف يصلح أن يكون ربًّا إلها؟!. والثاني: أنهما إذا احتاجا إلى الطعام لا بد من أن يدفعهما ذلك إلى إزالة الأذى عن أنفسهما ودفعه، والقيام في أخبث الأماكن وأقبحها، فمن دفع إلى ذلك لا يكون إلها، تعالى اللَّه عن ذلك علوَّا كبيرًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ): والآيات ما ذكر من وجوه المحاجة عليهم: أحدها: أنه ابن مريم، ومن كان ابن آخر لا يكون إلها.
(76)
والثاني: أنه رسول، وقد كان قبله رسل مع آيات وبراهين، لم يدع أحد لهم الألوهية والربوبية. والثالث: أنه كان يأكل الطعام، ومن كان تحت غلبة آخر وقهره، لا يكون إلها. والرابع: من أكل الطعام احتاج أن يدفع عن نفسه الأذى، ويقوم في أخبث مكان، ومن كان هذا أمره لم يكن ربًّا. وليس في القرآن - واللَّه أعلم - آية أكثر ولا أبين احتجاجًا على النصارى وأُولَئِكَ، ولا أقطع لقولهم من هذه الآية؛ للمعاني التي وصفنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ): أي: من أين يكذبون. قال أبو عبيد: (يُؤْفَكُونَ): يصرفون، ويخادعون عن الحق، كل من صرفته عن شيء فقد أفكته. ويقال: أفكت الأرض، إذا صرف عنها القطر. وقوله: (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) قال ابن عَبَّاسٍ - رضي النْه عنه -: (وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) قال: أضلهم، فإذا أضلهم، فقد صرفهم عن الهدى. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الإفك عندي: الصرف عن الحق، وفي الأصل: الإفك: الكذب. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (يُؤْفَكُونَ): يصرفون عن الحق ويعدلون. وقيل: (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) يخدعون بالكذب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ... (76) إن خالفتموه (وَلَا نَفْعًا) إن أطعتموه. ويحتمل: قوله: (مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا) إن كان اللَّه أراد بكم نفعًا، ولا نفعًا إن حل بكم الضر، أي: لا يملكون دفعه عنكم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ): لنسبتكم عيسى إليه تعالى، (الْعَلِيمُ)
(77)
بعبادتكم غير اللَّه. ويحتمل: (السَّمِيعُ) المجيب لدعائكم، (الْعَلِيمُ) بنياتكم، واللَّه أعلم. * * * وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ... (77) خاطب اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بالنهي عن الغلو في الدِّين أهل الكتاب، لم يخاطب أهل الشرك بذلك فيما خاطب بقوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)؛ وذلك أن أهل الكتاب ادعوا أنهم على دين الأنبياء والرسل الذين كانوا من قبل، فنهاهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عن الغلو في الدِّين. والغلو: هو المجاوزة عن الحد الذي حد، والإفراط فيه والتعمق؛ فكأنه - واللَّه أعلم - قال: لا تجاوزوا في الدِّين الحد الذي حد فيه بنسبة الألوهية والربوبية إلى غير اللَّه والعبادة له. وأما أهل الشرك: فإنهم يعبدون ما يستحسنون، ويتركون ما يستقبحون، ليس لهم دين يدينون به. وأما هَؤُلَاءِ: فإنهم يَدَّعُون أنهم على دين الأنبياء والرسل؛ لذلك خرج الخطاب لهم بذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ): يعني: الرؤساء بذلك، واللِّه أعلم. (وَأَضَلُّوا كَثِيرًا): أي: أتباعهم. (وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ): أي: عن قصد طريق الهدى. * * * قوله تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)
(78)
وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ... (78) قَالَ بَعْضُهُمْ: لعنوا بكل لسان؛ لعنوا على عهد موسى - عليه السلام - في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، وعلى عهد رسولنا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في القرآن؛ وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقيل: مسخوا بدعائهم بما اعتدوا، فصاروا قردة وخنازير. قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " القردة والخنازير من نسل الذين مسخوا ". وقال الحسن: " انقطع ذلك النسل ". وأصل اللعن: هو الطرد؛ كأنهم طردوا عن رحمة اللَّه. ويحتمل تخصيص اللعن على لسان داود؛ لأن داود - عليه السلام - كان به غلظة وخشونة، وهو الذي كان اتخذ الأسلحة وآلات الحرب، وعيسى كان به لين ورفق؛ ليعلم أن اللعن الذي كان منهما كان لتعديهم الحدود - حدود اللَّه - وعصيانهم ربهم، وكانوا مستوجبين لذلك محقين؛ ولذلك استجيب دعاؤهم عليهم باللعن أعني: دعاء الرسل، عليهم السلام.
(79)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ... (79) ذكر في بعض القصة عن عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه عنه - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ في المَعَاصِي نَهَاهُم عُلَمَاؤُهُم فَلَم يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُم في مَجَالِسِهِم وَآكَلُوهُم وَشَارَبُوهُم، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِم بِبَعْضٍ، وَلَعَنهُم عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَريَمَ؛ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ " قال: فجلس رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وكان متكئًا فقال: " لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطُرُوهُم عَلَى الحق أطْرًا " قال أبو عبيد: يعني تعطفوهم عطفا، وقال غيره: حتى تكسروهم كسرا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... (80) قيل: قوله: (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ) يعني: المنافقين، (يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) يعني: اليهود يتولون الذين كفروا ويعاندون رسول اللَّه وأصحابه. وقيل: (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ): يعني: من اليهود: (يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) من مشركي العرب وغيرهم، كانوا يظاهرون على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والمؤمنين، ويعاونون عليهم، وقد كان من الفريقين جميعًا ذلك. ويحتمل وجهًا آخر: قوله: (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ) من هَؤُلَاءِ الذين شهد لهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يتولون الذين كفروا، يعني: أسلافهم ورؤساءهم؛ كقوله: (لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا. . .) الآية، تولى هَؤُلَاءِ أُولَئِكَ واتبعوا أهواءهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ): أي: ما
(81)
قدمت أنفسهم سخط اللَّه عليهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ ... (81) يعني: المنافقين، في أحد التأويلين. وفي تأويل آخر: اليهود، أي: لو صدق هَؤُلَاءِ رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وآمنوا به وصدقوا ما أنزل إليه من القرآن - ما اتخذوا أُولَئِكَ أولياء. ثم يحتمل قوله - تعالى -: (مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ) في الدِّين أو في النصر والمعونة والنصرة، (وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ... (82) تحتمل الآية وجوهًا: تحتمل: أن يكون ما ذكر من شدة عداوة اليهود للذين آمنوا قومًا مخصوصين منهم. وتحتمل: اليهود الذين كانوا بقرب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه هم أشد عداوة لهم. وتحتمل: اليهود جملة، فهو - واللَّه أعلم - على ما كان منهم من قتل الأنبياء وتكذيبهم إياهم، ونصب القتال والحرب مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والمؤمنين، وما كان منهم من قول الوخش في اللَّه - سبحانه - ما لم يسبقهم أحد بمثل ذلك ما وصفوا اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بالبخل والفقر، وهو قوله - تعالى -: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)، وقالوا: (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ)، وغير ذلك من القول؛ وذلك لشدة بغضهم وعداوتهم وقساوة قلوبهم؛ فعلى ذلك كل من دعاهم إلى دين اللَّه تعالى، فهم له أشد عداوة، وأقسى قلبًا. وأمَّا النصارى: فلم يكن منهم واحد مما كان من اليهود: من قتل الأنبياء، ونصب الحروب والقتال معهم، ولم يروا في مذهبهم القتال ولا الحرب، ولا كان منهم من القول الوخش ما كان من اليهود، بل كان فيهم اللين والرفق؛ حتى حملهم ذلك على القول في عيسى ما قالوا، وذلك منهم له تعظيم فوق القدر الذي جعل اللَّه له، حتى رفعوه من قدر العبودية إلى قدر الربوبية؛ لذلك كفروا، وإلا كانوا يؤمنون بالكتب والأنبياء - عليهم السلام - من قبل؛ ألا ترى أنه قال: (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا) أخبر - عز وجل - أن منهم قسيسين ورهبانًا، والرهبان: هم العباد. وقيل: القسيسون: هم الصديقون، ولم يكن من اليهود رهبان ولا قسيسين؛
(83)
لذلك كان النصارى أقرب مودة وألين قلبًا من اليهود، واللَّه أعلم. فإن كان ذلك في قوم مخصوصين مشار إليهم، وهو ما ذكر في القصة أن بني قريظة وبني النضير كانوا يعاونون ويظاهرون مشركي العرب على قتال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويأمرونهم بذلك، ظاهروا وأعانوا لمن لم يؤمن بنبي ولا كتاب قط على من قد آمن بالأنبياء والكتب جميعًا؛ وذلك لسفههم وشدة تعنتهم؛ حتى قاتلهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأجلاهم من بلادهم إلى أرض الشام. وإن كان ذلك عن قوم بقرب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والمؤمنين، وهو ما كان من يهود المدينة؛ حيث بايعوا أهل مكة على قتال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وكانوا عيونًا لهم عليهم وطلائع، ولم يذكر في قصة من القصص أنه كان من النصارى شيء من ذلك، كان أقرب مودة للمؤمنين، واللَّه أعلم. وما قال بعضه أهل التأويل بأن من أسلم منهم كان أقرب مودة للمؤمنين من اليهود فحاصل هذا الكلام أن المؤمن أقرب مودة للمؤمنين من الكافر، وذلك كلام لا يفيد معنى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ... (83) سرورا على أنفسهم مما ظفروا مما كانوا يسمعون من نعته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفته ويطمعون خروجه، وقد يعمل السرور هذا العمل إذا اشتد به وفرح القلب فاضت عيناه سرورًا. ويحتمل قوله - تعالى -: (تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ)؛ حزنًا على قومهم؛ حيث لم يؤمنوا بعد أن بلغهم ما بلغ هَؤُلَاءِ من أعلام النبوة وآثار الرسالة؛ إشفاقًا عليهم أن كيف لم يؤمنوا؛ كقوله - تعالى -: (وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ): قد فاضت أعينهم حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون، واللَّه أعلم. وقوله: (يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا) بما أنزلت واتبعنا الرسول (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) الآية:
(84)
قيل: مع الأنبياء والرسل. وقيل: مع أصحاب مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهو واحد. ثم ذكر في القصة: أنها نزلت في النجاشي وأصحابه. وقيل: نزلت في أربعين رجلا من مسلمي أهل الإنجيل: بعضهم قدموا من أرض الحبشة، وبعضهم قدموا من أرض الشام، فسمعوا القرآن من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقالوا: ما أشبه هذا بالذي نُحَدَّثُ من حديث عيسى!! فبكوا وصدقوا؛ فنزلت الآية فيهم، فلا ندري كيف كانت القصة؛ وفيمن نزلت؛ إذ ليس في الآية بيانه، وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى ما فيه من شدة رغبتهم في القرآن، وسرورهم على ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ ... (84) (الحق) يحتمل: الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ويحتمل: القرآن، ويحتمل: كليهما. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ). قال الحسن: قوله - تعالى -: (وَنَطْمَعُ): أي: نعلم أن يدخلنا ربنا الجنة إذا آمنا باللَّه وما جاءنا من الحق. قيل: نطمع: هو الطمع والرجاء، أي: نطمع ونرجو أن يدخلنا ربنا في دين قوم صالحين. و (الصَّالِحِينَ): يحتمل: ما ذكرنا من الأنبياء والرسل.
(85)
ويحتمل: أصحاب مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا ... (85) الثناء الحسن في الدنيا؛ حيث ذكرهم في القرآن؛ فيذكرون إلى يوم القيامة، ويثنى عليهم، وفي الآخرة: الجنة ونعيمها. (وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ). المحسن: كأنه هو الذي يتقي المعاصي، ويأتي بالخيرات والحسنات جميعًا، يعمل عملين جميعًا. والتقي: هو الذي يتقي المعاصي والمكاره خاصة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) قَالَ بَعْضُهُمْ: " الجحيم ": هو اسم معظم النار. وقال غيرهم: هو اسم درك من دركات النار؛ وكذلك " السعير ". * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) الآية ترد على المتقشفة؛ لأنه نهانا ألا نأكل طيبات ما أحل اللَّه لنا، وهم يحرمون ذلك، وقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) ثم لا فرق بين تحريم ما أحل اللَّه لنا من الطيبات، وتحليل ما حرم الله علينا من الخبائث، ثم يلزمهم أن يحرموا على أنفسهم التناول من الخبز والماء، وهما من أطيب الطيبات؛ ألا ترى أن المرء قد يمل ويسأم من غيرهما من الطيبات إذا كثر ذلك، ولا يمل ألبتَّة من الخبز والماء؛ دل أنهما من أطيب الطيبات، إلا أن يمتنعوا من التناول من غيرهما؛ إيثارًا منهم غيرهم على أنفسهم؛ لما يلحق القوم من المئونة في غيرهما من الطيبات ولا يلحق في الخبز والماء؛ لأنهما موجودان، يجدهما كل أحد ولا يجد غيرهما من الطيبات، إلا من تصل مؤنة عظيمة، فإن كان تركهم التناول منها لهذا الوجه، فإنه لا بأس.
وبعد: فإن اللَّه - تعالى - جعل الأطعمة والأشربة والفواكه للبشر في الوقت والحال التي تطيب أنفسهم بها وتلذ؛ لأنه لم يحل لهم في أول خروجها من الأرض والنخيل، إنما أحل لهم بعد نضجها وينعها واتخاذها خبزًا، وبلوغها في الطيب نهايته، وجعل للبهائم ذلك في أول ما يخرج، فإذا كان البشر خصوا بذلك لم يجب أن يحرم ذلك، ويبطل ذلك التخصيص والتفضيل، واللَّه أعلم. فَإِنْ قِيلَ: إنما لم يتناول منها لما يعجز عن شكر اللَّه؛ لذلك يقتصر على ما يُقيم الرمقَ منه. قيل له: فيجب ألا يتزوج من النساء إلا أدونهن جمالا وأكبرهن سنًّا؛ لأنها تصونه عن الفجور، فإن لم يكن في تزويج العجائز والقبائح وترك الشبان الحسان زهادة، فليس في أكل خبز الشعير وترك المحور والميدة زهادة، ولكن لما خاف أن يدخله الرغبة في طيب الطعام في شبهة مكسبه، فواجب عليه ألا يدخل في ذلك المكسب، وينزه نفسه عنه، ويقتصر على القوت الذي لا بد له منه. وقيل: الآية نزلت في أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - منهم: عمر وعلي وابن مسعود وعثمان ابن مظعون والمقداد وسالم، رضوان اللَّه عليهم أجمعين. وهَؤُلَاءِ حرموا على أنفسهم الطعام والنساء، وهموا أن يقطعوا مذاكيرهم، وأن يلبسوا المسوح ويدخلوا
(88)
الصوامع؛ فيترهبوا فيها، فبلغ ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فأتى منزل عثمان فلم يجدهم فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لامرأة عثمان: " أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْ عُثْمَانَ وَأَصْحَابِهِ؟ " قالت: ما هو يا رسول اللَّه؟ فأخبرها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالذي بلغه، فكرهت أن تكذب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أو تبدي على زوجها؛ فقالت: إن كان عثمان أخبرك فقد صدقك، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " قُولي لِزَوْجِكِ إِذَا جَاءَ: إِنهُ لَيسَ مِنَّا مَنْ لَم يَستَنَّ بِسُنتِنَا ويأكُلْ ذَبِيحَتَنَا)، فلما رجع عثمان وأصحابه أخبرته امراته بقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فقال عثمان: واللَّه لقد بلغ النبي أَمْرُنا فما أعجبه؛ فذروا الذي كره؛ فأنزل اللَّه: (لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ. . .) الآية، فلا ندري كيف كانت القصة؟ ولكن فيه بيان ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ... (88) يحتمل أن يكون الحلال هو الطيب، والطيب هو الحلال؛ سماهما باسمين وهما واحد. ويحتمل: أن يكون قوله: (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا): بالشريعة والدِّين، والله أعلم. (طَيِّبًا): بالطبيعة؛ لأن الحل والحرمة صرفتهما بالشريعة، والطيب ما تستطيب به الطبائع. وفي الآية دليل، أنه قد يرزق ما هو خبيث ليس بطيب؛ لأنه لو لم يرزق لم يكن لشرط الحلال والطيب معنى، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) في الآية دلالة أن الخطاب للمؤمنين؛ لأنه قال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) ولم يقل: " إن كنتم مؤمنين " ونحو هذا، قد سماهم مؤمنين مطلقًا؛ دل أنه يجوز أن يسمى (وَاتَّقُوا اللَّهَ) ولا تحرموا ما أحل اللَّه لكم، (الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) أنه لا يحل ولا يحرم إلا هو، وليس إلى من دونه تحليل وتحريم. * * * قوله تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ
(89)
إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) مسألة: اختلف الناس في تأويل أحرف ذكرت في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ. . .) إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) مما للناس حاجة إلى معرفة حقيقة ما في كل حرف منها: أنه لم يزل يتنازع أهل الفقه في أحكامه، مما يعلم أن حق البيان في الخطاب لا يبلغ ما يقطع موضع التنازع فيه، ولا بحيث يبلغ حقيقته كل سامع، وأن في شرط المحن بالأسباب التي يمتحن بها لزوم الفكر فيها، والبحث عنها، والسؤال عنها الذين خصوا بفهمها بسؤالهم من ولي الإبانة عنها، أو مقابلتهم بما سبق لهم العلم بها في معرفة ذلك بيان ما خفي من معنى الذي قرع سمعه، أو بغير ذلك مما فيه دليل ذلك؛ إذ لا تجوز المحنة بالذي لا يحتمل الوسع الوصول إليه، ولا في جملة ما به امتحن إيضاح ذلك لما يوجب الأمر بفعل ما هو عنه ممنوع، وذلك بعيد، بل يكون البيان السمعي على قدر البيان العقلي أن من المعارف ما يكون بالحواس، ومنها ما بها يوصل إليها: إما بالتعليم، أو بالاستدلال، فمثله حق السمعي، واللَّه أعلم. من ذلك: قوله - تعالى -: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) أنه - عَزَّ وَجَلَّ - ذكر يمينًا لا يؤاخذ كيها في موضعين من غير أن ذكر أنها أي يمين هي؛ ولا بأي شيء لايؤاخذ فيها والحاجة لازمة؛ إذ ذلك في موضع الامتنان منه - جل وعلا - في العفو عن أمر كان له المؤاخذة، وحق على السامع معرفة مِنَة اللَّه تعالى؛ ليشكره عليها. ثم معلوم أن اليمين لو كانت بالطلاق والعتاق، كان صاحب ذلك يؤاخذ بهما؛
بما روي عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إِنَّ ثلاثًا جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَلاقُ، وَالعِتَاقُ، وَالنكَاحُ "، واللاغي لا يعدو أمرين مع ما كانا يلزمان بلا شرط يصير به الموقع حالفا، وأعظم ما في رفع المؤاخذة في اليمين أن يرفع عنه اليمين وهما يجبان دونهما، فيقعان من غير أن كان في الآية ذكر التفضيل، ولكن يجب معرفة حقيقة ذلك بالذي بَيَّنَّا من الخبر والنظر، مع ما لا يعرف في ذلك خلافًا، وهذا يوضح أن العفو فيما كانت الأيمان بالله تعالى؛ فعلى ذلك ما نسق على ما لا يؤاخذ من المؤاخذة، وذلك يمنع من احتج بإيجاب الكفارة على الحالف بالقرب من حيث كان ذلك منه يمينًا، واللَّه أوجب في اليمين كفارة، وإنما ذلك في اليمين لا في اليمين بالقرب، ثم كانت اليمين بالقرب لو كانت على مخرج اليمين باللَّه لم يجب فيها شيء؛ نحو أن يقول: " بالعتق لا أفعل كذا. . . "، أو: " بالصلاة. . . " أو " بالصيام. . . "، ولو قال: " باللَّه. . . " يجب؛ ثبت أن وجوب ذلك وصيرورته يمينًا كان بحق النذور، وقد أمر اللَّه ورسوله في النذور بالوفاء؛ فكذلك اليمين بها، ومما يبين ذلك أنه لو قال: " إن فعل كذا فعليه قتل فلان، أو إتلاف ماله "، أنه لا يلزمه شيء؛ ثبت أن ما لزم - لزم بحق لزوم ذلك في النذور، وحق ذلك الوفاء لا غير، مع ما جاء الخبر بالأمر بالحلف باللَّه، والنهي عن الحلف بغيره والنذور أبدًا تكون
بغيره؛ ثبت أن وجوب ذلك بحق النذر؛ فلذلك يجب الوفاء به، واللَّه أعلم. ثم الأصل في ذلك أن الحلف بغير اللَّه يكون على قسمين: قسم: ألا يجب فيه شيء. وقسم: أنه لو وجب لوجب المسمى، نحو: الطلاق، والعتاق فيما يجب، فلما كان في الحلف بالقرب في الذمة وهو حلف بغير اللَّه - تعالى - يجب به شيء يجب أن يكون الواجب في ذلك ما أوجب، واللَّه أعلم. ثم اختلف في معنى اللغو: فقال قوم: هو الإثم؛ " كقوله - تعالى -: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا) وقوله - تعالى -: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا). ثم اختلف من قال بهذا على قولين: أحدهما: أنه لا يؤاخذ بالإثم في أيمانكم التي لم تعتقدوها، لكنها جرت على اللسان، وبمثل ذلك روي عن عائشة - رضي اللَّه عنها - أنها قالت: هو قول الرجل: " لا واللَّه ما كان كذا "؛ وبه قال أبو بكر الكيساني في تفسيره، وأيد ذلك قوله: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)؛ دل أن الأول بما يجري على اللسان دون ما يقصده قلبه، واللَّه أعلم. والثاني: ألا يؤاخذ بترك المحافظة فيما كان في المحافظة مأثم؛ دليله: صلة ذلك قوله - تعالى -: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ. . .) الآية؛ فكأنهم تحرجوا عن ترك المحافظة فيما سبقت منهم الأيمان قبل النهي بقوله - تعالى -: (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)؛ فنزل قوله: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ) في بعض أيمانكم إذا كان حفظها مأثمًا، وذلك نحو ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَي
غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَلْيَأتِ بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ، وَلْيُكَفرْ عَنْ يَمِينِهِ " وعلى ذلك قوله: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ). ولا يحتمل أن يؤخذ بالعقد وهو به معظِّم ربه، ولكن لمحافظة ما عقدتم الأيمان إذا كانت المحافظة إثمًا، وفيما لم يكن فهو في قوله: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ)، واللَّه أعلم. وإلى هذا يذهب سعيد بن جبير في تأويل الآية. وقال قائلون: إنه هو الشيء الذي لا حقيقة له نحو اللعب، وعلى ذلك (وَالْغَوْا فِيهِ) أنهم لم يقصدوا تحقيق أمر يظهرونه، ولكن قصدوا التلبيس بما ينطق به ما كان؛ وكذا قيل: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا) باطلا، بل كل ما يسمع فيها هو حق وحكمة. ثم رجع تأويله إلى وجهين: أحدهما: فيما يجري على اللسان من غير عقد القلب على ما مَرَّ به تفسيره. والثاني: أن يكون الحلف بما لا حقيقة له على ظن أن حقيقة ما حلف عليه الحالف كما حلف؛ وكذلك روي عن ابن عَبَّاسٍ والحسن - رضي اللَّه عنهما - في تأويل الآية. ثم لو كانت الآية على التأويل الأول لكانت في رفع المأثم خاصة، وهو التأويل الذي ذكره سعيد بن جبير، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وأما الكفارة: فهي لازمة على ما ذكر في الخبر المرفوع في ذلك، وبما هي واجبة للحنث في اليمين ولترك الوفاء بالعهد، والمعنى في الأمرين موجود؛ لذلك لزمت الكفارة في الوجهين جميعًا، مع ما لا بد من الإلزام فيما أخطأ أو تعمد من حيث لم يكن استثناء حالا منهما صاحبه، وذلك يبين أن ذلك للحلف في عقد اليمين، أو لما يخرج الفعل مخرج الاستحقاق إذا قوبل فعله بعقد، وإن كان المسلم قد عصم عن ذلك الوجه، فأمر
بتكفير ذلك، وذلك المعنى موجود في الوجهين؛ لذلك لزمت الكفارة في الأمرين، واللَّه أعلم. ولو كانت على التأويل الثاني أو على أحد وجهي التأويل، لأمكن ألا يؤاخذ بالمأثم ولا بالكفارة جميعًا، والذي يبين أن هذا التأويل أنه ذكر المؤاخذة في الآيتين. فأحدهما: بكسب القلوب وكسبها تعمدها، والمؤاخذة به تكون بالمأثم لا بالحقوق والكفارات؛ إذ لا يؤاخذ في شيء بكسب القلب خاصة كفارة أو حقا يوجب، وإن كان قد يؤخذ لذلك عند أفعال الجوارح، فأما له خاصة فلا، وقد يكون به الطاعة والمعصية؛ وعلى ذلك قوله: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ). وإذا ثبت أن ذلك في المآثم فلا يؤاخذ، ثم لا مأثم فيما ذكر من عقد اليمين في العقد؛ إذ هو يخرج مخرج التعظيم للَّهِ، وقد رويت عقود الأيمان عن الرسل؛ فثبت أن المؤاخذة فيها بالكفارة؛ فلا يؤاخذ بها في اللغو أيضًا، وأيد ذلك أن اللَّه تعالى ذكر ما لا يؤاخذ مرتين، وذكر المؤاخذة كذلك، فلو كانت المؤاخذة بواحد لكان الذكر الواحد كافيًا؛ فثبت أنه بأمرين مختلفين؛ فعلى ذلك أمر العفو، واللَّه أعلم. مع ما أنه قد تبين في آية المعاقدة كيفية المؤاخذة ولم يبين في كسب القلب؛ فيجب أن يكون العفو عما جرى به بيان المؤاخذة أحق منه مما لم يَجْرِ به؛ فثبت أنه في رفع المؤاخذة بالكفارة، ولو كان على ما يقوله سعيد لكانت تجب الكفارة بما سلف بيانه؛ لذلك قلنا: إن هذا أحق بالآية، واللَّه أعلم. ثم إذا ثبت أن اللغو مما لا يجب فيه الكفارة، يحتمل أن يكون لم يجب من حيث
لم يعص اللَّه به، ويحتمل أن يكون لم يجب؛ لأن يمينه كانت على ما كان الحنث به معه أو قبله؛ فيمنع صحة اليمين وإن أطلق لها الاسم؛ إذ كانت الأسماء مطلقة لما فسد من العقود وصحت، وإنما تختلف لها الأحكام والمقاصد منها، فإن كان لما لم يعص الله فيجب أن يكون في كل حنث يؤمر به لا يجب به الكفارة، فإذا جرت السنة بإيجابها على الأمر بالحنث، وقد يجب -أيضًا- فيما كان فعل الحنث على حال خطأ أو نوم أو جنون، أو فعل غير الحالف فيم الحنث به على تعمد أن يأثم بغيره؛ إذ قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) - ثبت أنها تجب لا لأنه لم يعص اللَّه، ولكن للوجه الذي ذكرت، واللَّه أعلم.
ثم كان ذلك المعنى قائمًا في اليمين الذي تعمد عليه الكذب، وهو ما قيل: اليمين الغموس يجب ألا يلزمه كفارة اليمين، إنما يلزمه كفارة فعل الجرأة والمخالفة لله، واللَّه أعلم. وأيد هذا الأصل وجهان: أحدهما: استواء الأمرين في اليمين المعقودة على الحانث فيما عصى من الحنث فيها أو أطاع أن يستويا في اليمين على الماضي في الوجهين جميعًا، فإذا لم تجب الكفارة في أحد الوجهين لم تجب في الآخر، واللَّه أعلم. والثاني: ما روي عن نبي الرحمة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في شأن اللعان بعد الفراغ منه: " إِنَّ أَحَدَكُمَا لكَاذِب، هَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ " ومعلوم أن حاجتهما لو كانت تجب فيه الكفارة إلى البيان عنها أكثر من حاجتهما إلى بيان كذب أحدهما ثم لزوم التوبة؛ إذ ذلك يعرفه كل سفيه وحكيم بلا سمع، والكفارة لا تعرف إلا بالسمع، ثبت أنها غير واجبة؛ وكذا الأخبار التي روبت في الخصمين: أنه قضى لأحدهما حتى ذكر فيه الوعيد الشديد، ثم أمرهما بالتساهم بينهما وأن يحلل كل واحد منهما الآخر، فلا يحتمل أن يكون فيه كفارة ولا يمين؛ وكذلك علم في الموضع الذي أمر بالحنث؛ إذ قد يشتبه على بعض من ليس له روية، وقد قال إسحاق: أجمع المسلمون على ألا يجب فيه الكفارة، فقول من يوجبها ابتداء شرع، ونصب حكم للَّهِ تعالى على الخلق، وهو لم يشرك في " حكمه أحدا. ثم الأصل في ذلك أن الأسباب التي ترفع العقود وتوجب الحرمات إذا تأخرت العقود
وأسباب الحل فهي على اختلافها متفقة على منع ابتدائها إذا قارنتها؛ فعلى ذلك أمر سبب الحنث؛ فلذلك بطلت اليمين والكفارة، وهي كفارة اليمين فلا يجب فيما لا يمين يجب فيها، وليس ذلك كالقول بمس السماء ونحو ذلك؛ لأن اليمين في هذا على ما يكون، فسبب الحنث لم يقترن بها فصحت؛ لذلك اختلف الأمران، وهذه المسألة توضح حال رجلين: الشافعي في قوله: إن الكفارة تجب للحنث وهاهنا لا حنث؛ لما لم يصح العقد؛ ليحنث فيه، ويكون الحنث -أيضًا- بعد العقد، ولم يكن مع ما كان النص بالكفارة في اليمين المعقودة التي أمر فيها بالحفظ، ومحال الأمر بالحفظ في هذه اليمين، وإنَّمَا يجب الحفظ عنها أن يحلف به، واللَّه أعلم. وحال أبي عبيد حيث يوجب الكفارة بعقد اليمين، وعنده اليمين الغموس يمين لا يجب فيها الكفارة، فهذا يوضح أن الكفارة تجب للذي يرد في اليمين لا لنفسها، واللَّه أعلم. ثم احتج قوم بوجوب الكفارة بعقد اليمين بقوله: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) ثم قال: (فَكَفَّارَتُهُ) - أي: عندهم - كفارة ما عقد من الأيمان بما فيها الإضافة، ولم يسبق غير ذلك العقد يضاف إليه؛ وكقوله: (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ) أضيف إلى اليمين؛ وعلى ذلك تسمية المؤمنين كفارة اليمين مع ما فيه وجهان من المعتبر: أحدهما: ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما رأى بحمزة الطعنة أقسم لَيُمَثلَنَّ بكذا من قريش؛ فنزل النهي عن الوفاء بذلك؛ فكفر عن يمينه. ومعلوم أنه لا يحنث في يمينه إلا في الوقت الذي لا يحتمل بز مسألة في حياته ثبت أنها كانت لليمين؛ وكذا ما جاء: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ. . . " إلى أن قال: " وَلْيُكَفرْ عَنْ يَمِينِهِ " إنما أمر بتكفير يمينه، واللَّه أعلم.
والثاني: ذكر أبو عبيد أن اللَّه إذ نهي عن الوعد إلا بالثنيا بقوله: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)، فذلك النهي في اليمين أوكد وأشد، فمن حلف بلا ثنيا عصى اللَّه؛ فيلزمه الكفارة. والأصل عندنا: أن الكفارة تجب للحنث في اليمين؛ إذ هي كفارة، والكفارات إنما تكون للسيئات؛ كقوله - تعالى -: (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)، وغير ذلك من الآيات. ومن البعيد في العقل طلب تكفير الحسنات، بل الحسنات تكفر السيئات، والحنث في التحقيق اسم المأثم. ثم معنى الذنب فيه؛ لأنه كان عاهد اللَّه ألا يفعل كذا، ففعله يخرج مخرج نقض العهد فيه؛ فيأثم لا بالعهد؛ ولذلك قال اللَّه - تعالى -: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا). وفي الجملة أمر اللَّه أن يوفوا بعهده لا أن ينقضوا، وقد جعلت اليمين عهده وأمرنا بوفائه، فنقضه يوجب الخلف في وعده والنقض لعهده؛ فيأثم الحالف لا بالحلف؛ فلذا تجب الكفارة، ولو كان لليمين كفارة لكان الحنث أحق أن يوجب الكفارة. ثم لا يجوز أن يكون من حلف أن يطيع اللَّه يكون به عاصيًا؛ ثبت أن الكفارة لو كانت تجب بيمين على المعصية لتصير تلك معصية فيجب ثم حق كفارة مثلها الحنث فيها. وعلى ذلك روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن " مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيء؛ فَرَأَي غَيرَهُ خَيرًا مِنْهَا، فَإِنَّمَا كَفارَتُهُ أنْ يَأتِيَ الَّذِي هُوَ خَيرٌ "؛ فكذلك تكون كفارة اليمين لو احتملت أن يرجع عن الوفاء بها. وأما كفارة ما لا وجه لدفعه: تكون بالتوبة والحسنة تكفر، لا بالرجوع؛ وعلى ذلك جميع أنواع الكفارات أن ما احتمل دفع الحقيقة والرجوع عنه جعلت كفارته بالتوبة عنه، ونقض ما قد فعل، وما لا يحتمل فلا فيعتبر ذلك، فلو كان لليمين كفارة لكانت توبة وفسخًا لا غير، فإذا أوجب اللَّه غير الرجوع ثبت أن ذلك للحنث، واللَّه أعلم. ثم الدليل على أنه لا يحتمل إيجاب الكفارة بعقد اليمين أوجه: أحدها: أن العقد يخرج مخرج التعظيم للَّهِ والتبجيل، وجعله مفزعا إليه ومأمنا للخلق
عنه؛ فلذلك جعلت الأيمان لدفع التهم وتحقيق الأمر للخلق عن الحالفين، وأيد ذلك أوجه: أحدها: ما روي عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " إِذَا حَلَفْتُم فَاحْلِفُوا بِاللَّه "، وقال: " لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُم وَلَا بِالطَواغِيتِ " فحذر الحلف بغيره بما فيه تعظيم ذلك ورفعه عن قدره، وألزم ألا يجعلوا لأحد ذلك القدر إلا لله تعالى. والثاني: قوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) ولا يجوز أن ينهى عن الرجوع عن المعصية ويأمر بالوفاء بها. والثالث: الأمر الظاهر عن نبي الرحمة لحلفه وقسمه في غير موضع، وما ذكر في قصة يعقوب وأولاده، وأمر إبراهيم - عليه السلام - في شأن الأصنام، وأمر أيوب - عليه السلام - لم يجز أن يكونوا عصاة بفعلهم، وذلك ينبئ عن جرأة من زعم أن الحالف عاص بما ترك الثنيا، ومن ذكرنا من الأنبياء - عليهم السلام - قد تركوا الثنيا، وليس ذلك كالوعد؛ لأنه إلى نفسه يضيف الفعل وهو يفعله، تحت مشيئة اللَّه - تعالى - وفي اليمين باللَّه يستغيث وإليه يرجع، فلذلك اختلف الأمران، واللَّه أعلم. والدليل على أنها لم تجب باليمين قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَي غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ، وَلْيَكَفر يَمِينَهُ "، أو قال: " فَلْيَكَفر يمِينَهُ، وَلْيَأتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ " ولو كانت الكفارة واجبة باليمين، لكان لا وجه للأمر بالذي يأتي وهي
واجبة، ويقول: من حلف على يمين فليكفر يمينه، فإذا لم يقل، ولكن قال فيما كان ثم حنث؛ ثبت أنها له تجب، واللَّه أعلم. ووجه آخر: اتفاق القول: إنه إذا كان مع اليمين بِرٌّ فلا كفارة عليه، وإذا كان معها حنث تجب، فلو كانت تجب لليمين لكانت هي عند الوفاء أوجب، فالكفارة فيه تكون أوجب، فإذا لم تكق عليه إذا بر ثبت أنها بالحنث وجبت، واللَّه أعلم. وأيضًا ما أجمع أن من حلف ألا يقرب امرأته بشيء، لا يلزمه لو حنث به لم يلزم فيه حكم الإيلاء، فلو كانت الكفارة تجب باليمين، لكان الحالف به عند الفراغ عن يمينه صار بحيث لا يلزمه من بعد شيء؛ فيجب أن يسقط حق الإيلاء، فإذا بقي عليه حكمه جاء بذلك الكتاب وجرت به السنة؛ ثبت أن القول بوجوبها قول مهجور، واللَّه أعلم. ثم إذا ثبت هذا رجع تأويل الآية إلى وجهين: أحدهما: قوله: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ) بمحافظة ما عقدتم من الأيمان؛ كقوله: (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)، فإن تركتم ذلك فكفارته كذا. والثاني: أن يكون على إضمار حيث يؤاخذكم بحنثكم فيما عقدتم، وذلك غير مدفوع في حق الكفارات؛ كقوله - تعالى -: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ. . .) الآية، وقوله - تعالى -: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ) الآية، لا على الوجوب للعذر، ولكن باستعمال الرخصة فيه؛ إذ لا يكون العذر سبب الإيجاب، فمثله في الأول لا يكون تعظيم الرب سبب إيجاب الكفارة؛ فيصير الحنث فيه مضمرًا، والله أعلم. والإضافة إلى الأيمان على إرادة الحنث فيها؛ كإضافة كفارة الفطر إلى الصيام، والدم إلى الحج، والسجود إلى السهو، وإن كانت الكفارات ليست لما أضيفت إليه؛ أيد ذلك ما ذكرت، واللَّه أعلم. وتكفير رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يمينه؛ لأنه قد عصم عن المعصية، وفي الوفاء بذلك
معصية؛ إذ نهي عنه، ويمينه كانت قبل النهي، فصار آيسًا عن البر بذلك، وبذلك يكون الحنث لا بعدم إمكان الوفاء، لكن غيره؛ إذ لا يؤمن منه العصيان، فذلك وقت إياسه عنه، ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذ قد عصم عن ذلك فوقت إياسه وقت النهي، ولا قوة إلا باللَّه. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ): في متعارف اللغة على التقريب؛ ليأكلوا، لا على التمليك؛ وكذلك الأمر المتعارف بين الخلق فيما ينسب بعضهم إلى بعض الإطعام، وأيد ذلك قوله: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ)، ولا يعرف التمليك في إطعام الأهل، ولا خطر ببال أحد ذلك، وقد عرفهم اللَّه - تعالى - ما فرض عليهم بالذي كان علمه عند كل أحد معلومًا؛ إذ قَلَّ إنسان يخلو من أن يكون أهلا لأحد، أو له أهل؛ فلا يحتمل أن يُظَنَّ بأحد الجهل به حتى يسأل؛ فيكون ذلك إلزام الفرض مع رفع وهم الجهل به عن العقل، ثم لا نعرف بها، واللَّه أعلم. والذي يوضح هذا من طريق العبرة أنه ذكر في ذلك إطعام عشرة مساكين، والمسكنة: هي الحاجة، وحاجة المسكين إلى الطعام معلوم أنها تكون إلى أكله دون ملكه، وجهات حاجات الأملاك مما يعم المساكين وغيرهم، مع ما قَدَّر ذلك بالكفاية والشبع؛ وحق ذلك في التقريب للتطعم لا في التمليك عليه، ولكن يجوز التمليك بما به التمكين لذلك؛ فيجب بذلك الجواز بكل ما فيه تمكين ذلك بهما أو ما كان، إذ جواز التمليك بحق التمكين لا بحق النظر، مع ما كان في تمليك الثمن الوصول إلى ما يختار هو على الوجه الذي يختار الاغتذاء، فإن ذلك أقرب إلى قضاء حاجته، ولو كان
الأمر على تمليك المأكول خاصة، لكان الدعاء والتقريب إليهم للملك أحق أن يجوز لوجهين: أحدهما: أنه أقرب إلى دفع الجوع وسد المسكنة من تمليك بر لا يصل إليه إلا بعد تحمل المؤنة وطول المدة. والثاني: أن الكفارة جعلت بما ينفر عنه الطبع؛ ليذيقه ألم الإخراج من الملك والبذل، فيكفر ما أعطى نفسه من الشهوة التي لم يؤذن له فيها؛ وكذلك معنى الحسنات المكفرة للسيئات، ثم كان دعاء المساكين وجمعهم على الطعام، وخدمتهم والقيام بما فيه الاختيار إليهم - أشد على الطبع من التصدق عليهم؛ فيجيء أن يكون أقرب للتكفير به؛ وعلى ذلك يجوز بذل الثمن لما فيه تحمل المكروه على الطبع كهو في الإطعام، فيجوز مع ما إذا جعل ذلك حقًّا للمساكين يخرج من عليه بالتسليم إليهم عن طوع منهم، ويجوز مثله من التبادل في جميع الحقوق، فمثله عن الكفارات، واللَّه أعلم. على أن اللَّه - تعالى - قال: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)، ويجوز فيه غير ذلك النوع؛ وكذلك في كل الصدقات، واللَّه أعلم. ثم جعل ذلك أكلتين لوجهين: أحدهما: القول بإطعام المساكين، ثم أريد به دفع المسكنة، والمسكين: هو الخاضع؛ فأحق من يستحق اسمه السائل؛ لأنه يخضع للمسئول بالسؤال. وقد روي عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال في يوم الفطر: " أغْنُوهُم عَنِ المَسأَلَةِ فِي مِثْلِ هَذَا اليوْمِ "، ثم كان أقل ما أجيز فيه نصف صاع من حنطة؛ فعلى ذلك صدقة المسكين، ومثل ذلك إذا أطعم يكفي مرتين؛ وكذلك روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في كفارة المتأذي ثلاثة آصع بين ستة مساكين، فمثل مقدار طعام المسكين فيما أريد الإطعام القدر ذلك، فمثله
ما نحن فيه، وذلك يعدل أكلتين، وبه قال عمر وعلي - رضي اللَّه عنهما -. والثاني: أنه - عَزَّ وَجَلَّ - قال: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) والأوسط: فيما له حدود ثلاثة، يرجع ذلك إلى أوجه ثلاثة: أحدها: إلى الأوسط من صفات المأكول. والثاني: إلى الأوسط من مقدار الأكل. والثالث: إلى الوسط من أحوال الأكل. فالأول: نحو الأجود والأردأ وبين ذلك. والثاني: نحو السرف والقتر وبين ذلك.
والثالث: نحو مرة وثلاث مرات في يوم واحد وبين ذلك. فإذا لم يثبت في خبر ما إليه رجع المراد، فحق الاحتياطات أن يكون الوسط من الكل؛ فيخرج بما فرض عليه؛ فلذلك وجبت أكلتان مع ما كان لا يعرف حقيقة الأوسط من الأنواع والمقادير لما لا منتهى لطرفيه، وقد يعرف حقيقة عدد الأكثر والأقل من الوقت فهو أحق أن يعتبر، واللَّه أعلم. ثم كان الأمر في الظاهر بالإطعام، وأجمع على رجوع الأمر إلى الحد، وإن لم يذكر، فهو - واللَّه أعلم - يحتمل أن يكون انتزع حده من حكم الكتاب من وجهين: أحدهما: أن الآية إذا كانت على ما يؤكل ويطعم، وإن فيما عليه العرف ألا أحد يقرب إلى آخر ما يطعمه، فيقتصر على أقل ما يستحق اسمه، وقد يتصدق بالقليل في العرف؛ فلذلك في الأمر به تحديد إذا كان مما يعرف فيه التحديد؛ ولذلك لم يذكر فيه التفسير مرفوعًا، وذكر في قصة المتأذي لما ليس في لفظها دلالة الحد، وفي لفظ الإطعام دلالته؛ إذ فيه عُرْفٌ، وعلى هذا أمر ما جاء من البيان في الصدقات، ولم يذكر في الإطعام إلا لمكان النوازل؛ وعلى هذا يجب أن يجوز الإطعام أيضًا، وإن لم يكن فيه تمليك، واللَّه أعلم. والثاني: قوله - تعالى -: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) ومعلوم أن كل شيء له واسط، فهو ذو حدود وأطراف، على أنه رُد إِلَى طعام الأهل، وفيه الإشباع لا محالة؛ لذلك وجب القول بالحد، واللَّه أعلم. وإذا ثبت القدر فيه بحق الخطاب يجب وصل ذلك به؛ ليعرف به حقيقة المقصود، واللَّه أعلم. فصار كأنه قال: إطعام عشرة مساكين؛ إذ طعام عشرة في العرف عبارة عن قدر طعامهم، وإطعام عشرة عبارة عن فعل الإطعام، وقد ثبت أنهما ارتدا جميعًا فكأنهما ذكرا موصولين، ولو توهمنا ذلك لم يكن بحق حفظ العدد، بل بحق حفظ مقدار ذلك العدد من الصيام وإن مدفوعًا إلى الواحد أو أكثر، واللَّه أعلم؛ لذلك أجاز أصحابنا جمع الكل في مسكين واحد عشرة أيام، ولم يجيزوا في يوم واحد؛ إذ حق الأمر على أن يغدي
ويعشي، وإن كان يجوز الدفع لما فيه حق الإطعام، فصير طعام كمال ذلك، وهو قدر طعام مسكين؛ فيزول عنه المسكنة، لكن الإطعام فيه لا يجوز، أو إذا صح كان حق ما ذكرت الجواز، ففساده لمعنى اعترض فمنع، لا لأنه خارج عن أن يراد له على ذلك، وذلك كخروج بعض المساكين لعلل عن الدفع إليهم، لا لأنه لو أجيز كان كالخلاف للذكر، فمثله الأول، واللَّه أعلم. ودليل آخر مما له جرى ذكر عشرة لا لأن يجعل العشرة شرطًا: أنه معلوم بالمعنى الذي له جعل الدفع إليهم أو الإطعام لهم سببًا للجواز: أن ذلك ثبت بحيث تحمل المكروه على الطبع، وكف الهوى عن مثلها، وإذاقة النفس مرارة الدفع لله - جل ثناؤه - يكفر ما أتبعها هواها، وأوصلها إلى مناها فيما خالف اللَّه في فعله حيث لم يف بالعهد الذي عهد للَّهِ، أو ألزم نفسه عهدًا من منع عن الوفاء، فيخرج فعله مخرج فعل ناقض العهد، ومخلف الوعد باللَّه، وذلك المعنى في البذل لا في مراعاة العدد، ولا في أنه كان حقًّا لهم قبل الدفع، بل باختيار الدفع إليهم يجعلهم محقين فيه بما له إيثار غيرهم، والخروج عن ذلك بالعتق والصيام الذي لا يعود إليهم نفعه، ولكن الكفارة إذا جعلت مما يغدي ويعشي، ونحو ذلك إذا أريد الخروج به منه بمسكين واحد يحتاج إلى تجديد الأيام ومرور الأوقات، وفي ذلك خوف بقاء الذنوب عليه، ولعله يعجله الموت فيبقى ذنبه غير مكفر، فجعل اللَّه له التفريق في المساكين؛ تيسيرًا عليه وتمكينًا من الخروج الذي ركبه، لا لفوت معنى ما له التكفير، فلذلك يجوز على ما ذكرت، وهذا الوجه يوجب مغ الجواز في يوم واحد، واللَّه أعلم. وبعد: فإنه متى أطعم مسكينًا بقي عليه خطاب إطعام تسعة، وذلك لو ابتدأ الخطاب بتسعة مما يتضمنه الخطاب، فكذلك إذا كان بعد إسقاط الواحد من الخطاب، واللَّه أعلم. ثم لو كان العدد شرطًا لكان بوجود معنى العدد في الواحد إسقاطه؛ إذ ذلك في موضع التكفير والتطهير، وكل ذلك يتعلق بالمعاني مما ذكر فيها من الأعداد نحو الغسل من الأحداث -كالجنابة- والأنجاس، فمثله الكفارة.
وبعد: فإنه معلوم أن لكل مسكين قدرًا من الطعام، ثم كان المقدار الواحد بتفرق الأملاك عليه يستوجب حق قدر العشر، فعلى ذلك المسكين الواحد بما يتفرق عليه المسكنة كل يوم، ويجدد الحاجة؛ فيصير كعدد المساكين، وذلك -أيضًا- شبيه بما روي من " الاستنجاء بثلاثة أحجار " على استحقاق كل حرف من ذلك حق حجر على حدة من حيث كان غير مستنجى به، فكذا ما نحن فيه؛ إذ له كل يوم حق مسكين آخر من حيث حدثت له حاجة لم تدفع بالإطعام الأول، واللَّه أعلم. وليس كالأعداد في الشهادة؛ لما جعل العدد فيها بما يلحق الواحد تهمة، أو له به منفعة التصديق، أو نوع عبادة في موضع الحكم والقضاء وتسليم الأمر لغيره من الحجج. وفي هذا معنى التكفير قد بينا، وذلك كمعنى التطهير في الذي وصفنا، على أن الشهادة في اليوم الثاني إعادة للأولى، والإطعام هو تجديد الدفع، والواحد قد يقوم في الشهادة مقام مائة إذا كان لِكُلٍّ حَقُ التجديد، واللَّه أعلم. ثم قوله - تعالى -: (عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) من غير ذكر القريب والبعيد، أو المؤمن والكافر، أو الصغير والكبير، أو قدر المسكنة، أو العلم الذي به يعرف، ومعلوم أن لكل جهة مما بينا حدا بالناس إلى معرفته حاجة، وللناس في كل جهة تنازع، والاجتهاد في الوقوف على الحقيقة على الاتفاق، على أنه لم يحصل الأمر على الاسم خاصة، وأن الذي هو في حد الفقير فيما ذكر فيه المسكين، والفقير قائم مقام المسكين هاهنا في الجواز؛ ليعلم أن المعنى فيهم مقصود يجب طلبه والبحث عنه، واللَّه أعلم. ثم أجمع أن الصغير الذي يكفيه قدر اللقمة -لقمة الكبير- لم يقم في حق الإطعام إلا
من حيث التمليك؛ إذ أجمع على أقل المقدار أنه مد، والمدُّ يكفي عشرة مثله؛ ثبت أنه لا إلى مثله رجع الخطاب، وأيد ذلك قوله تعالى: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) أن مثله لا يبلغ أقل ما يطعم الأهل، على أنه لو أريد بالأهل: الزوجة، لكان مثلها لا يطعمها الزوج، فثبت أن المراد راجع إلى الخصوص، واللَّه أعلم. والأصل في ذلك ما بينا من تألم الطبع بدفع مثله، وابن يوم يميل الطبع إلى إرضاع مثله، بل لا يحتمل إمهاله. وبعد: فإن مثله لا يطعم؛ فثبت أن الأمر راجع إلى حَدٍّ، واللَّه أعلم. وعلى ما ذكرنا قالوا في الوالدين والولد إنه لا يجوز؛ لأن الطبع يألم بمسكنة هَؤُلَاءِ، لا بما به دفع المسكنة عنهم، بل جعل اللَّه - تعالى - الطبائع بين هَؤُلَاءِ بحيث لا تحتمل نزول البلاء والشدة بهم، وبحيث يجتهد كل بدفع الضرر عنهم على مثل الدفع عن نفسه، وبذل المال لصون عرضهم؛ حتى لقد يشتم من لم يتعاهد منهم ذلك، ويلام أعظم اللوم، وإذا كان كذلك لم يتضمنهم هذا الأمر؛ إذ هم بهذا يقومون بذلك بحق الطبيعة، لا بأمر، وقد بينا وجه الكفارة أنه في مخالفة الطبع، واللَّه أعلم. وعلى ذلك ما روي عن الذي أمر بتفريق زكاته فأعطى ابنه؛ فاختصما إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فقال: " يَا فُلَانُ، لَكَ مَا نَوَيْتَ "، وقال للآخر: " لَكَ مَا أَخَذْتَ " ولو كان يجوز اختيار مثله لكان ذلك أحب ما صار إليه وآثر. ثم قد روي عن رسول اللَّه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: " أَنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ "؛
فلا يحتمل مع هذا الجواز بالاختيار، ويصير ما يدفع إلى ابنه كأنه له، وما يدفع إلى أبيه كأنه لنفسه دفع؛ فلذلك لم يجز. والأصل في هذا وفي الزكاة أنها حقوق جعلها اللَّه - تعالى - في الأموال لوجهين: أحدهما: بما ابتدأ اللَّه عبيده بالنعم، وخصهم بإعطاء ما اشتهت أنفسهم، ومالت إليه طباعهم؛ فاستأداهم شكر ذلك بالذي جعل في طباعهم النفار عنه، وفي أنفسهم الألم به من الإخراج عن الملك، ومعونة من لم يكرمهم به، ولا أنعم عليهم به. والثاني: أن يكونوا اقترفوا مأثمًا بما أعطوا أنفسهم مناها، وأوصلوا طباعهم إلى هواها بغير الوجه الذي أذن له في ذلك من هو له في الحقيقة، وهو الذي اختصهم، فعرض عليهم الخروج بما فعلوا من الوجه الذي في الطبع النفار عنه، وفي النفس الألم به؛ ليذيقوا أنفسهم بدل ما أعطوها من اللذة المرارةَ، فمن هو من المتصدق بالمحل الذي يجد به هذا، فهو مقابل ما له أكرم وبه اقترف، ومن لا يجد به هذا فليس بمقابل ذلك، فلم يف بحق الشكر ولا بحق التكفير، فلم يخرج مما عليه من الفرض، وإن كان اللَّه بكرمه وجوده بحيث يرجى منه العفو وعنه والقبول منه، واللَّه أعلم. وعلى ذلك عندنا أمر الزوجين؛ إذ يوجد بينهما في البذل شهوة وميل الطبيعة، ويكون التناكح بمثله على ما ذكر من النكاح لأربعة أوجه: أحدها: لمالها، وما كذلك الموجود في الطباع، واللَّه أعلم. وعلى هذا المعنى يخرج أمر الشهادة؛ إذ هي مؤسسة على دفع التهم عن المدعين، فإذا رجعت منافعهم إلى حججهم تمكنت فيهم ذلك فلم يقبل. وجملة ذلك: أن الشهادة ودفع الزكاة والكفارات بحق الأمانات، وهي بحيث لا يسع للأمناء الانتفاع بها، فكل وجه فيه انتفاع المؤتمن فإنما له الانتفاع به بلا تمانع في العرف أو بما في الطبع إيثار نفعه، فكان له فيه ما بزواله جعل أمينا؛ فلا تثبت له الأمانة فيه، واللَّه أعلم. وعلى هذا يخرج أمر الدفع إلى المكاتب والشهادة له، واللَّه أعلم. ثم الدفع إلى الكفار: القياس أن يجوز جميع ذلك من حيث كان المعنى الذي له يختار
في الدفع إليهم أن يجد من ثقل الطبع وألم النفس، وعلى ذلك أجيزت عندنا الكفارات، وأيد ذلك قوله - تعالى -: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ. . .) إلى قوله: (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ)، صير الصدقات مكفرة لما ذكرتم؛ يدل على ذلك فيما قال أهل التفسيهر في قوله: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ. . .) الآية، أن ذلك في التصدق على أهل الكفر، أي: لا يمنعك ذلك، وكان على إثر الوعد بالتكفير بالصدقة، فامكن أن يكونوا هم في ذلك مع ما كانت الكفارات جعلت بشرط المسكنة، وقبيح في المسلم دفع السؤال وإن كانوا كفرة، فجائز الدفع إليهم. وجملة ذلك: أن ذلك بما اختار من إعطاء النفس شهوتها فيما لم يؤذن له، فيكون كفارتها بالكف عن شهوتها فيما كان يحل، والبذل بالذي كان يسعه منع ذلك، وذلك المعنى موجود في ذلك، على أن التصدق عليهم بعض ما يرغبهم في الإسلام؛ لم يجز المنع، واللَّه أعلم. وأما الزكاة: فهي مخصوصة بما جاء من إضافة الدفع إلى من يؤخذ من غنيهم، ولما بين أهلها، وجعل عليها سعاة؛ ليتحروا المواضع. وأمر الكفارات جعل إلى أربابها إيجابها والخروج عنها في تخير أهلها مع ما كانت الزكاة أوجبت بلا كسب بحق الشكر، وحق الشكر الإنفاق في الطاعة. ثم كان الإنفاق على من يطيع اللَّه به يخرج مخرج المعونة على الطاعة، وعلى الكافر لا؛ فيقتصر عن شرط التمام في معنى الشكر، والكفارة في حق إعطاء النفس الشهوة، فيمتحنها بإخراج ما في شهوتها المنع، وذلك المعنى موجود في الكافر على التمام؛ لذلك اختلفا. وبعد: فإن الزكاة تجب بلا إيجاب، وقد قطع اللَّه الحق الذي ذلك سبيله، ثم بين مختلفي الملك بحق المواريث والكفارات يجب بما اكتسبوا، وبين الفريقين في الحقوق المكتسبة اشتراك، ولا قوة إلا بِاللَّهِ.
والأصل في ذلك أن الزكاة أوجبت في الأموال حقا للفقراء، ثم هي تخرج إلى من أوجبت لهم، فما لم يعلم من أوجبت له لم تخرج على مثل حقوق المواريث؛ للقرابة، وغير ذلك، والكفارات ليست بواجبة في الأموال تخرج، بل ينظر إلى وقت الدفع والقيام بالتكفير، فإن كانت له أموال دفعها منها، وإلا ليست عليه؛ فصارت الحقوق كأنها بالدفع تقع؛ إذ لو توهم وقت الوجوب له الغنى والفقر لكان الأمر لا يختلف، وإذا كان، كان كذلك، وله ابتداء التصدق عليهم بحق التطوع والنذور وغيرهما فيجوز فيهم، والزكوات؛ إذ الدفع منها تسليم إلى من كان له الحق، احتيج في ذلك إلى مبين ذلك، واللَّه أعلم. وصدقة الفطر بحق إظهار السرور، ودفع السؤال؛ كما روي عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " أغْنُوهُم عَنِ المَسألَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ " لا بحق ما كان جعل في ماله يخرج منه، بل بحق المعونة، وذلك لازم في العقول لكل سائل وبخاصة في الدفع إليهم؛ ليمتنعوا هم بما فيه سرور أهل الإسلام، واللَّه أعلم. وأيضًا: إن الزكوات أوجبت في الابتداء حقا للفقراء؛ إذ اللَّه - سبحانه وتعالى - أخرج أرزاق الخلق أملاكا لبعضهم، وألزمهم تحمل كفاية من لم يملكهم أعين تلك الأموال؛ إذ لم يخلق ابتداء الخلق لهم الجملة. وإذا كان محل الزكوات في الابتداء وجعل لأهلها بها الغنى، وأهل الكفر أبوا قبول الدِّين الذي ذلك حق جعل للمحتاجين في أموال الأغنياء، فلم يكن لهم في مذهبهم ذلك الحق، بل لو كان، كان في أموال أغنياء مذهبهم، ولأهل الإسلام أن ذلك الحق في أموال أغنيائهم، وكذلك من عليهم الحق قبلوه بالدّين لأهله لم يدخل في ذلك غيرهم. ثم كانت الكفارات والنذور ونحوها ليست بمجعولة بالدّين لحق الفقراء، وإنما هي واجبة بتعاطي أرباب من لزمهم؛ ليتقربوا بها إلى ربهم، ويخرجوا بها مما جنوا على مذهبهم، وقد جعل ذلك في جملة الصدقات، وفي أنواع العبادات التي لا عبرة فيها لمنافع الخلق؛ فثبت أنها لم تجب لهم، وإنَّما الشرط عليهم فيها ما يكون عبادة وقربة إلى اللَّه تعالى، وقد جعل اللَّه - تعالى - في الدفع إلى مساكينهم قربة وعبادة، فجازت، وعلى هذا يخرج قولنا في العتق، على أن قولنا بجميع المخالفين لنا في هذا أولى؛ لأن مذهبهم
اعتماد العموم إلا في قدر ما يمنعهم عن ذلك، والعموم بجميع الفرق كلهم باسم المساكين، واسم تحرير الرقبة، ولا دليل لهم على الخصوص إلا ضرب من القياس. ومَنْ مَذْهَبُهُ أن إخراج بعض ما تضمنه الاسم لا يوجب خصوص ذلك، فكذا يلزمهم ألا يخصوا الوجود التخصيص في غيره؛ إذ ذلك أبعد، على أنهم أجمعوا ألا يقاس ما ليس فيه ذكر التتابع على المذكور، فمثله أمر الإيمان. وجملته: أنه قد يجوز في العتق مع قيام كثير من العيوب التي لا تحتمل التغير؛ فيعيب الدّين الذي يمكنه أحق، وكذلك من قول الجميع: إن العجز بالمرض عن المكاسب لا يمنع؛ إذ هو قد يزول، فالذي لا عجز فيه ويمكنه اختياره أحق أن يجوز، واللَّه أعلم. ثم الأصل: أن اللَّه - تعالى - في الكفارة التي جعل الإيمان فيها شرطًا، ذكر العتق
في ذلك في قتل ثلاث فرق، ذكر في كل مرة (وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، لم يدع ذكر ذلك في شيء منها للذكر في نوع من ذلك، على قرب ما بين أُولَئِكَ الأسباب، فلو كان يحتمل الاقتصار على بيان الكفاية دون المبالغة، أو يجب ذلك في النظر - لكان يذكر مرة كفاية على نحو الصوم فيه، فإذا لم يكتف على تقارب المعنى بان أن ذلك نوع ما لم يؤذن فيه تعليق الحكم بالمعنى، بل لو كان مأذونًا فيه، لكان يوجد في القتل معان لا توجد في غير ذلك؛ فلا يجوز قياس غيره عليه، واللَّه أعلم. فإن قال قائل: إذ قال اللَّه - تعالى -: (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) ثم قد جعل سيئة الظهار والقتل: عتق رقبة، وبالصيام: صوم شهرين متتابعين، فكيف جعل مثل سيئة الحنث بالعتق: عتق رقبة، وبالصيام: ثلاثة أيام؛ فلو كان ثلاثة عديل العتق لماذا زاد في الظهار والقتل في الجزاء؟ نقول - وباللَّه التوفيق -: لذلك أجوبة ثلاثة: أن الجزاء في الدنيا هو ما يجوز به المحنة ابتداء؛ لا على الجزاء، فعلى ذلك يجوز فيه الزيادة بحق المحنة، لا الجزاء والقضاء، وبحق العفو، كما قال - عَزَّ وَجَلَّ - (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)، وقال (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) وفي الآخرة لا يكون بحق ابتداء المحنة، إنما ذلك بحق الجزاء وهو - عَزَّ وَجَلَّ - حكيم عدل لا يزيد على ما توجبه الحكمة، ويجوز التجاوز بما هو عفو كريم؛ فلذلك اختلف الأمران. والثاني: أن يقال: حق جزاء كل ما فيه العتق صيامُ شهرين متتابعين، ولله العفو فيه، عامل الحانث فرضي منه بصوم ثلاثة أيام؛ لما علم - عَزَّ وَجَلَّ - في ذلك من المصالح، واللَّه أعلم. والثالث: أن يكون حق الجزاء في اليمين بالصيام ما ذكره، وكذلك في القتل والظهار، وفيهما حق العتق كذلك، وفي اليمين دونه، ولكنه تمم بما لا يحتمل التجزئة على حق كل شيء لا يتجزأ أن جزءًا منه متى وجب يجب كله؛ فعلى ذلك العتق، واللَّه
(90)
أعلم. ثم نقول: وظاهر هذا يشهد لأبي يوسف - رحمه اللَّه - ومُحَمَّد - رحمه اللَّه -: أنه متى أوجب جزءًا منه عتق كله؛ إذ لا يحتمل التجزئة؛ دليله أمر الكفارات، واللَّه أعلم. ومذهب أبي حنيفة: أنه يحتمل أن يكون هذا لما لا يحتمل العتق التجزئة، ويحتمل: أن يكون؛ لما لا تحتمل حقوق العتق التجزئة، وإن كان العتق في نفسه محتملا؛ فيجب عرض ذلك على ما فيه بيانه؛ فوجد الأمر بالتحرير حيث كان، كان بذكر الرقبة، ولو كان لا يحتمل من حيث التحرير التجزئة، لكان ذكر التحرير كافيًا عن ذكر الرقبة، فإذا ذكر في كل ما أمر بأن أنه ذكر؛ ليتمم بالإعتاق، لا أنه يتم بلا ذكر؛ فعلى ذلك أمر الطلاق لم يذكر فيها معنى رقبتها؛ لما لا يحتمل - واللَّه أعلم - بعض ذلك، ثم كانت الحقوق ترجع إلى الانتفاع، أو قول، أو مضرة، أو نحو ذلك، لا يحتمل نفوذ من المعتق من دون غيره، ثبت أن ذلك إن كان كذلك، فهو لما لا يحتمل حقوقه أكمل؛ إذ في ترك الإكمال فوت نفع ما أوجب، واللَّه أعلم. ثم قد يجوز إعتاق الجزء من حيث كان الملك والحرية بأخذ العين، والمنافع تصل إلى المباشرة، والمباشرة لا تحتمل التميز، وفي القول فيه، والملك فيه جملة يحتمل لذلك اختلفا، وعلى ذلك أمر الطلاق لا ملك، ثم في النفس، إنما حقيقة المباشرة والانتفاع، وذلك لا يحتمل الجزء المطلق منها أوجب دون غيره؛ فلذلك أكمل، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ. . .) الآية.
عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (وَالْمَيْسِرُ): القمار. وعن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " اجْتَنِبُوا هَذِهِ الكِعَابَ المَوْسُومَةَ التي تُزْجَرُ زَجْرًا؛ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَيْسِرِ ". وعن ابن مسعود - رضي اللَّه عنه - مثله. وعن أبي موسى الأشعري عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ ". وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " الميسر قمار ". وعن عليٍّ - رضي اللَّه عنه - قال: " لأن آخذ جمرتين من نار فأقلبهما في يدي أَحبَّ إليَّ من أن أقلب كعبتي نرد ". وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أيضا قال: " الشطرنج هو ميسر الأعاجم ". وعن مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وهَؤُلَاءِ السلف قالوا: الميسر: القمار كله،
حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان. وعن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال " لَا جَلَبَ، وَلَا جَنَبَ، وَلَا شِغَارَ، وَلَا وِرَاطَ فِي الإسْلَامِ " وقيل: الوراط: القمار. وقيل: الجلب: هو أن يجلب وراء الفرس حتى يدنو أو يحرك وراءه الشيء يستحث به السبق. والجنب: هو الذي يجنب مع الفرس الذي به يُسَابَقُ فرسٌ آخر حتى إذا داناه تحول راكبه إلى الفرس المجنوب، فأخذ السبق. وأجمع أهل العلم على أن القمار حرام، وأن الرهان على المخاطرة مثل القمار، وما روي عن أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه خاطر أهل مكة في غلبة الروم فارس، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " زِدْهُم فِي الخَطَرِ وَأبْعِدْهُم فِي الأَجَلِ " - فكان ذلك والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بمكة في الوقت الذي لم ينفذ حكمه، فأما في دار الإسلام: فلا خلاف في أن ذلك لا يجوز، إلا ما رخص فيه من الرهان في السبق في الدواب والإبل، إذا كان الآخذ واحدًا: إن سبق أخذ، وإن سُبق لم يدفع شيئًا، وكذلك إن كان السبق بين الرجلين أيهما سبق أخذ، ودخل بينهما فرس: إن سَبَقَ أخذ، وإن سُبِقَ يغرم صاحبه شيئًا - فهو جائز، ويسمى الداخل بينهما: المحلل. فأما الرخصة فيه فما روي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ، [أَوْ نَصْلٍ "] هذا الذي وصفنا كله من الميسر.
(91)
والأنصاب: هي الأحجار والأوثان التي كانوا ينصبونها، ويعبدونها، ويذبحون لها. وأما الأزلام: فالقداح التي كانوا يستقسمون بها في أمورهم، ويستعملونها، ففيه دليل بطلان الحكم بالقرعة؛ لأن الاستقسام بالقداح هو أن كانوا يجعلون الثمن على الذي خرج سهمه أخيرًا، ويتصدقون بما اشتروا على الفقراء، ففيه إيجاب الثمن على الغير، فيجعلون الأمر إلى من ليس له تمييز، فعوتبوا على ذلك، فعلى ذلك الحكم بالقرعة تسليم إلى من ليس له تمييز بين المحق وغير المحق، فيلحق هذا ما لحق أُولَئِكَ. ثم أخبر أن ذلك كله (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)، وليس هو في الحقيقة عمل الشيطان؛ لأن الشيطان لا يفعل هذا حقيقة، لكن نسب ذلك إليه؛ لما يدعوهم إلى ذلك، ويزين لهم، وكذلك قول موسى - عليه السلام -: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) إنه كذا، وكذلك قوله - تعالى -: (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)، وهو - لعنه اللَّه - لم يتول إخراجهما، ولكن كان سبب الإخراج والإزلال، وهو الدعاء إلى ذلك، والمراءاة لهم، فنسب ذلك إليه، واللَّه أعلم. قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) هم في الظاهر لم يجتمعوا على العداوة والبغضاء، بل يكون اجتماعهم على الألفة
والمودة، على ذلك تَجَمُّعُهُم في الابتداء، لكن لما شربوا وأخذهم الشراب وقع بينهم العداوة والبغضاء؛ فكان قصده إلى جمعهم في الابتداء على المحبة والمودة ما ظهر منه في العاقبة من إيقاع العداوة بينهم، وتفريق جمعهم، وهو كقوله - تعالى -: (يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) ولو دعاهم إلى عذاب السعير لكانوا لا يجيبونه، لكن دعاهم إلى العمل الذي يوجب لهم عذاب السعير، فعلى ذلك هو يدعوهم إلى الاجتماع في الخمر والميسر إلى ما يوجب ويوقع بينهم العداوة والبغضاء، ففيه أن الأعمال ينظر فيها العواقب؛ كما روي: " الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ ". وفي الآية دليل تحريم الخمر؛ لأنه قال: (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) والرجس حرام؛ كقوله تعالى: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا)، وما يدعو إليه الشيطان -أيضًا- حرام، وكذلك قوله: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)، والحلال المباح لا إثم فيه، ولا يسمى رجسًا، وكذلك روي عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قام، فخطب الناس، فقال:، يَا أيها الناسُ، إِنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ عَلَى الخَمرِ تَعْرِيضًا، لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ سَيُنْزِلُ فِيهَا " ثم قال: " يَا أَهْلَ المَدِينَةِ، إن اللهَ قَدْ أَنْزَلَ تَحْرِيمَ الخَمرِ، فَمَنْ كَتَبَ هَذِهِ الآيَةَ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شيء فَلَا يَشْرَبْهَا، وَلَا يَبِعْهَا " قال: فسكبوها في طريق المدينة. وعن عمِر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما نزل تحريم الخمر قال: " اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء "؛ فنزلت الآية التي في البقرة: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) فقرئت عليه؛ فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء "؛ فنزلت الآية التي في النساء: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى)، فكان منادي رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذا قام إلى الصلاة قال: " لا يقرب الصلاة سكران " فدعي عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقرئت عليه؛ فقال: " اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء ". فنزلت الآية التي في المائدة: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ) فدعي عمر -
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقرئت عليه، فلما بلغ: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) قال: انتهينا، انتهينا. وعن أنس بن مالك - رضي اللَّه عنه - قال: كنت ساقي القوم، ونبيذنا تمر وزبيب وبسر خلطناه جميعا، فبينا نحن كذلك - والقوم يشربون - إذ دخل علينا رجل من المسلمين، فقال: ما تصنعون؟ واللَّه لقد أنزل تحريم الخمر، فأهرقنا الباطية، وكفأناها، ثم خرجنا، فوجدنا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قائمًا على المنبر يقرأ هذه الآية ويكررها: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ. . .) إلى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) فالخليطان حرام. فأجمع أهل العلم على أن الخمر حرام قليلها وكثيرها، وأن عصير العنب إذا غلا واشتد فصار مسكرًا - خمر. واختلفوا فيما سوى ذلك من الأشربة: فكان أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما اللَّه - يقولان: ما كان من الأشربة نيئا متخذًا من النخلة والعنب فهو حرام: كنبيذ البسر والتمر والزبيب، إذا أسكر كثيره فهو حرام عندهما؛ وعلى ذلك جاء الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " الخَمْرُ مِنْ هَاتَينِ الشَجَرَتَينِ: مِنَ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبِ " ومعنى التخصيص لهما: لأن شرابهم كان منهما، ولا يتخذ منهما إلا المسكر خاصة. وأما ما اتخذ من غير
النخلة والعنب فلا يحرم وإن كان نيئًا إلا السكر منه؛ لأن غيرهما من الأشربة قد يتخذ لا للسكر، وإن كان في مكان لا يتخذ إلا للسكر فهو مكروه قليله وكثيره، كالمتخذ من النخلة والعنب. وكانا يقولان: ما كان من الأنبذة مطبوخًا فهو حلال وإن قل طبخه، إلا العصير فإنه لا يحل بالطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. وكانا يفرقان بين العصير وغيره: بأن العصير ليس فيه شيء من غيره، وإن ترك بحاله غلا فأسكر، فإذا طبخ حتى يذهب ثلثه أو نصفه فهو يغلي ويسكر، فلم يخرجه الطبخ من حده الأول؛ إذ كان يسكر قبل أن يطبخ، وهو الآن يسكر بنفسه؛ إذ لم يجعل فيه شيء غيره، وسائر ما يتخذ منه الأنبذة إن بقيت لم يشتد ولم يسكر حتى يلقى عليه الماء ويخلط بها غيره، فحينئذ يسكر، فهي مثل العصير إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فإن بقي دهرا لم يسكر حتى يلقي عليه الماء فحينئذ يسكر، فإذا صار العصير في حال إن بقي مدة لم يغل بنفسه حتى يلقي عليه غيره كان بمنزلة الزبيب والتمر إذا ألقي عليهما الماء فطبخا؛ وعلى ذلك ما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في الطلاء أنه لا يحل حتى يذهب ثلثاه؛ فيذهب عنه سلطانه، يقول: إذا كان يغلي بنفسه من غير أن يصب عليه الماء ففيه سلطانه، فإذا صار لا يغلي بنفسه، وهو أن يطبخ حتى يذهب ثلثاه فقد ذهب عنه سلطانه. وروي عن أنس بن مالك - رضي اللَّه عنه - أن أبا عبيدة ومعاذ بن جبل وأبا طلحة - رضوان اللَّه عليهم - كانوا يشربون من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه.
وقد وصفنا فرق أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما اللَّه - بين المطبوخ وبين المثلث والمنصف من العصير. فأما فرقهم بين المطبوخ ما يتخذ من النخلة والعنب والنيء منه فهو: أن الخمر التي لا خلاف في تحريمها في العصير التي تصير خمرا، فكل ما كان نيئا من الشجرتين اللتين سماهما النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فهو حرام إذا أسكر، فإذا كان مطبوخا فقد عمل فيه ما خرج به من حد الخمر. فَإِنْ قِيلَ: يجب أن يقاس ذلك على النيء؛ لأنه يسكر، وفيه صفات الخمر. قيل: الخمر حرمت لعينها لما لا تتخذ إلا للسكر، ولا يقاس عليها غيرها، وإنما يقاس على ما حرم وحل لعلة دون ما حرم بعينه، وأما غيره من الأنبذة فإنما يحرم منه السكر؛ ألا ترى أنه في الخبر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما بعث أيا موسى ومعاذا إلى اليمن قال له أبو موسى: إن شرابنا يقال له: البتع، فما نشرب منه وما ندع؟ قال: " اشْرَبُوا وَلَا تَسْكَرُوا ". وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: حرمت الخمر بعينها، قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب.
وعن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: فما أسكر من النبيذ ثمان، وفي الخمر قليلها وكثيرها ثمانون. فدل قول على - رضي اللَّه عنه - فيما أسكر من النبيذ ثمان، معناه: في السكر ثمانون، وذلك يدل أن قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " كُل مُسْكر حَرَامْ " أن السكر منه حرام.
(92)
وعن عمر - رضي اللَّه عنه - أنه أُتِي بسكران، قال: يا أمير المؤمنين، إنما نشرب من نبيذك الذي في الإداوة؛ فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لست أضربك على النبيذ، إنما أضربك على السكر. فهذه الأخبار التي ذكرنا دلت على تحريم الخمر بعينها، والسكر من كل شراب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ): يدل على، تحريمها؛ لأنه إذا سكر، صده عن ذكر اللَّه وعن الصلاة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ... (92) في تحريم الخمر، والميسر، والأزلام، والأنصاب، وغيرها، (وَاحْذَرُوا) معصيتهما وخلافهما (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ) عن طاعتهما فيما حرم عليكم وحذركم عنه: (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) في تحريم ذلك، واللَّه أعلم. (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) أي: شربوا من الخمر قبل تحريمها (إِذَا مَا اتَّقَوْا) شربها بعد التحريم (وَآمَنُوا): أي: وصدقوا بالتحريم، (ثُمَّ اتَّقَوْا) شربها، (وَآمَنُوا) في حادث الوقت، (ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا). وذكر في بعض القصة: أنه لما نزل تحريم الخمر، قالوا: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟. فنزل: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا. . .) الآية. لكن هذا لا يحتمل أن يكون كما ذكر؛ لأنهم شربوا الخمر في وقت كان شربها مباحًا، ولم يشربوا بعد تحريمها، لكن هذا إن كان فإنما قالوا في أنفسهم؛ فنزل: أن ليس عليكم جناح فيما شربتم قبل تحريمها بعد أن اتقيتم شربها بعد نزول حرمتها، واللَّه أعلم. وقال بعض الناس: إن في الآية تكرارا في قوله - تعالى -: (إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا
(94)
الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، ليس على التكرار، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ) وليس فيه بيان أنه ابتلى بالأمر فيه أو بالنهي، لكن بيانه في آية أخرى: أن الابتلاء إنما كان بالنهي عن الاصطياد بقوله: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)، دل هذا على أن المحرم كان منهيا عن الاصطياد بقوله: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ)، وأن الابتلاء الذي ذكر في الآية كان بالنهي عن الاصطياد، واللَّه أعلم. ثم اختلف في الآية: قَالَ بَعْضُهُمْ: النهي بشيء من الصيد لأهل الحرم؛ ألا ترى أنه روى في الخبر قال: " لَا يُنَفَرُ صَيدُهَا، وَلا يُخْتَلى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا " فكان الابتلاء بالنهي عن الصيد لأهل الحرم؛ لما أخبر أنه لا ينفر صيدها، وأما المحرم فإنما نهي عن الاصطياد
بقوله: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) وبقوله: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ). وقال آخرون: الابتلاء بالنهي عن الاصطياد للمحرمين، وفي قوله: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) نهي عن قتله، وهنالك نهي عن أخذه بقوله: (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ). وقوله - تعالى -: (بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ): أي: في بعض الصيد دون بعض؛ لأن المحرم لم ينه عن أخذ صيد البحر وإنما نهي عن أخذ صيد البر بقوله: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) وقال - تعالى -: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) فذلك معنى قوله: (بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ)، واللَّه أعلم. ويحتمل على التقديم والتأخير، كأنه قال: ليبلونكم اللَّه بشيء تناله أيديكم ورماحكم من الصيد، واللَّه أعلم. ثم اختلف في قوله: (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ): قَالَ بَعْضُهُمْ: ما تناله الأيدي هو البيض؛ وعلى هذا يخرج قولنا: إن المحرم منهي عن أخذ البيض، فإن أخذ بيضا فإن عليه الجزاء، والذي يدل على ذلك ما روي أبو هريرة - رضي اللَّه عنه - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " فِي بَيضِ النَّعَامِ صِيَامُ يَوْمٍ أَوْ إِطْعَامُ مِسكِينٍ ". وعن كعب بن عجرة أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قضى في بيض نعام أصابه محرم بثمنه.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عليه ثمنه أو قيمته. وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مثله. وقَالَ بَعْضُهُمْ: تناله أيديكم: هو صيد الصغار، وهي الفراخ التي لا تطير فتؤخذ بالأيدي أخذا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرِمَاحُكُمْ): قَالَ بَعْضُهُمْ: ما رميت وطعنت. وقيل في قوله: (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ): ما يؤخذ بغير سلاح، (وَرِمَاحُكُمْ): ما يؤخذ بالسلاح من نحو: النبل، والرماح، وغيرهما من السلاح. ثم في الآية دلالة أن المحرم قد نهي عن أخذ الصيد، وكذلك في قوله - تعالى -: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)، والاصطياد: هو الأخذ لا القتل، وإنما النهي عن القتل في قوله: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) ليعلم ما قد علم أنه يكون كائنا، أو أن يقال: ليعلم ما قد علم غائبًا عن الخلق شاهدًا؛ كقوله - تعالى -: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. . .) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: يخافه بالغيب: بغيب الناس؛ أي: يخافه وإن لم يكن بحضرته أحد. وقال آخرون: يخاف العذاب بالأخبار وإن لم يشهد ويصدق، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ) أي: من استحل قتل الصيد بعد ما ورد النهي والتحريم (فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ). والثاني: من اعتدى على الصيد بعد النهي على غير استحلال، (فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) إن شاء عذب، وإن شاء عفا، وإذا عذب كان عذابه أليمًا.
(95)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... (95) أي: وأنتم محرمون. الآية في ظاهرها عامة على قتل الصيد كله، ثم إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - رخص في أشياء أذن في قتلها، فقال: " خَمسٌ مِنَ الدوَاب لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ في الحرَمِ: الحِدَأَةُ، والغُرَابُ، والعَقْرَبُ، والفَأرَةُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ ". وعن عائشة - رضي اللَّه عنها -: قالت: " أمر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور ".
وفي بعض النسخ والأخبار: الذئب؛ فيحتمل أن يكون الكلب العقور: الذئب. وروي عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سئل عما يقتل المحرم؟ فقال: " الحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ، والفُوَيْسِقَةُ. " وَيَرمِي الغُرَابَ وَلا يَقْتُلُهُ، والكُلْبُ العَقُورُ والسَّبُعُ العادِي ". والكلب العقور الذي أمر المحرم بقتله: ما قتل الناس وعدا عليهم، مثل: الأسد، والنمر، والذئب، وما كان من السباع لا يعدو، مثل: الضبع، والثعلب، والهرة، وما أشبههن من السباع فلا يقتلهن المحرم، فإن هو قتل شيئًا منهن فداه، وإن قتل شيئًا من الطير سوى ما ذكر في الخبر فعليه جزاؤه. وفي بعض الأخبار عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الفَأرَةَ؛ فَإنها تُوهِنُ
السِّقَاء ". وقال بعض الناس: ما قتل المحرم من السباع التي لا يؤكل لحمها؛ فلا فدية عليه؛ فكان تاركًا لظاهر الآية، وهو قوله - تعالى -: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُ). فإن احتج بحديث ابن عمر - رضي اللَّه عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - رخص للمحرم في قتل خمس من الدواب، وذلك ما لا يؤكل لحمه - قيل: أباح النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قتل الخمس؛ لعلة: أنه لا يؤكل لحمها. فإن قال: نعم - قيل: ما الدليل على ذلك؟ فإن قال: لأنها لا تؤكل؛ فكل ما لا يؤكل من الصيد فقتله مباح؛ فيقال له: قولك: " لا يؤكل " ليس بعلة؛ لأن ذلك لا يزول ولا يتغير، والعلة هي التي تحدث في وقت وتزول في وقت، ولو كان قول القائل: " لا يؤكل "، علةً فيما لا يؤكل - كان قوله: " يؤكل "، علة فيما يؤكل، وكان الشيء علة لنفسه. وهذا بين الخطأ، وإذا لم يكن تحريم أكل الخمسة التي أذن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في قتلها للمحرم علة في إطلاق قتلها، ما كان القياس عليها على ما لا يحل أكله مخطئا؛ لأن القياس إنما يكون على العلل، وما لا علة فيه لا يجوز القياس عليه. وعندنا: أن هذه الخمسة المسماة تبتدئ المحرم وغيره بالأذى، وإن لم يبتدئها المحرم، وما سوى ذلك مما لا يؤكل لحمه - لا يكاد يبتدئ بالأذى حتى يبتدئها الإنسان؛ فحينئذٍ تعرض له. وبيان ذلك: أن الحدأة ربما أغارت على اللحم تراه في يدي الرجل، والغراب يسقط على وبر الدواب فيفسده، والعقرب تقصد من تلدغه، وتتبع حسَّه، والكلب العقور لا يكاد يهرب من الناس كما يهرب السباع سواه. فأما الضبع والخنزير والكلب والذئب وأشباهها فهي تهرب من بني آدم، ولا تكاد تؤذيهم حتى يبدءوها بالأذى؛ لذا جعلنا العلة فيما رخص النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - للمحرم في قتله: ما يعرف من قصدها لأذى المحرم وإن لم يؤذها المحرم؛ إذ كان ذلك معروفًا فيها، معلومًا
أنه أكثر شأنها؛ فلما لم يكن في سائر الطير المحرمة والسباع هذه العلة، وكان المعروف فيها أنها لا تبتدئ بالأذى - لم يجز أن تشبه بالخمسة المسماة في الخبر، فإذا ابتدأ منها مبتدئ المحرمَ بالأذى؛ كان حينئذ مثل الخمسة؛ فجاز له قتلها بغير فدية. وبعد: فإن الذي لا يؤكل لحمه يسمى: صيدًا، والصيادون يصيدونه؛ فكان داخلا تحت عموم الخطاب، ومخالفنا تارك لأصله في العموم؛ لأنه خص الآية بغير دليل، ومن أصله أن الآية على العموم، ولا تخص إلا بدليل، وأصحابنا - رحمهم اللَّه - يجعلون الصيد كله محظورًا أكل أو لم يؤكل إلا ما عدا منها، فإن قتله قبل أن يعدو عليه لزمه الفداء؛ ذهبوا في ذلك: إلى ما روي في الخبر: خبر أبي سعيد - رضي اللَّه عنه - عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " يَقْتَلُ الْمُحْرِمُ كَذَا وَكَذا وَالسَّبُعَ العَادِي "، فالعادي: ما يعدو على المحرم. وإلى ما روي عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وغيره، مع ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه جعل على المحرم قَتَلَ ضبعًا - جزاءه، وكذلك روي عن عمر وابن عَبَّاسٍ وابن عمر - رضي اللَّه عنهم - وهي مما يؤكل.
وعن جابر قال: سئل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن الضبع؛ فقال: " هُوَ صَيدٌ، وَفِيهِ كَبشُ ". وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كذلك، وابن عَبَّاسٍ وابن عمر - رضي اللَّه عنهما - كذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) اختلف في الآية في تأويلها على وجهين: أحدهما: من جعل الآية على ظاهرها؛ فلم يوجب في الخطأ كفارة: عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إذا أصاب المحرم الصيد خطأ؛ فليس عليه شيء. وكذلك روي عن عطاء وسالم والقاسم أنهم قالوا: لا شيء عليه، مثل قول ابن عباس، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والقول الثاني: ما قاله أكثر أهل التأويل: قالوا: قوله: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا) لقتله، ناسيًا لإحرامه؛ فذلك الذي يحكم عليه، وهو الخطأ المكفر. وإن قتله
متعمدًا لقتله، ذاكرًا لإحرامه - لم يحكم عليه. وكذلك روي عن الحسن أنه قال: متعمدا لصيده، ناسيًا لإحرامه، وقال: (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) متعمدا للصيد، وذاكرًا لإحرامه؛ فكأنهم ذهبوا إلى أن المحرم لا يقصد قصد الصيد وهو ذاكر لإحرامه. أحسنوا الظن به. وعندنا: أن الإحرام مما لا يجوز أن يخفى على المحرم وينساه؛ لأن للإحرام أعلاما تذكره تلك الأعلام الحال التي هو فيها، وعندنا: أن ما لا يجوز أن ينسى ويخفى على المرء لم يعذر صاحبه في نسيانه، وعندنا: أن على قاتل الصيد الكفارة، عمدًا قتله أو خطأ، وليس تخلو الآية من أن تكون أوجبت الكفارة على المتعمد للقتل الناسي لإحرامه؛ كما قال الحسن ومجاهد، أو تكون أوجبت الكفارة على المتعمد للقتل، ذاكرًا لإحرامه؛ فإن كان وجب أن يكفر من قتله عامدًا لقتله، ناسيا لإحرامه - فإن الذي يقتله عامدًا لقتله ذاكرًا لإحرامه أولى بالكفارة؛ لأن ذنبه أعظم، وجرمه أكبر. فَإِنْ قِيلَ: إنكم لا توجبون الكفارة على قاتل النفس عمدًا؛ فما منع أن يكون قتل الصيد مثل ذلك وإن كان حرمته أعظم كما؟! قيل: إن قاتل النفس عمدًا - وإن كنا لم نوجب عليه الكفارة - فقد أوجبنا عليه القصاص، وهو أغلظ من الكفارة، وقاتل الصيد عامدًا لقتله ذاكرًا لإحرامه، لو أزلنا عنه الكفارة - فلا شيء عليه سواها؛ لذلك اختلفا. ثم نقول: إنا عرفنا الحكم في قتل الصيد عمدًا بالكتاب، والحكمُ في قتل الصيد في الخطأ إنما يعرف بغيره، وليس في ذكر الحكم وبيانه في حالٍ دليل نفيه في حال أخرى؛ دلنا على هذا مسائل قد ذكرناها فيما تقدم في غير موضع كرهنا إعادتها في هذا الموضع. ثم تخصيص ذكر الكفارة في قتل العمد يحتمل وجوهًا: أحدها: أن الكفارة في قتل النفس إنما ذكرت في قتل الخطأ ولم تذكر في قتل العمد؛ ليعلم: أنها إذا أوجبت في العمد فهي في الخطأ أوجب. والثاني: أن الكفارة إنما وجبت بجنايته على صيد آمن به في الحرم، وكل ذي أمانة إذا أتلف الأمانة لزمه الغرم، عمدًا كان إتلافه أو خطأ؛ فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم. والثالث: أن ذكر التخيير في حال الضرورة يخرج مخرج التوسيع والتخفيف على
أهلها، ولا يكون ذلك في غير حال الضرورة؛ فدل ذكره في غير حال الضرورة على أن ذلك كالمذكور في حال الضرورة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) اختلف أهل العلم فيما يجب، من المثل: فقال قوم: في الظبي شاة، وفي النعامة: بدنة، وفي الحمار الوحشي: بقرة، وأشباه ذلك. وقال آخرون: المثل: قيمة الصيد، يقومه عدلان فيوجبان قيمته دراهم، فيشتري بتلك الدراهم شاة، أو يجعله طعامًا، فيتصدق به: على كل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن كل نصف صاع يومًا. وقال غيرهم: إن بلغ دما - ذبح شاة، وإن لم يبلغ دمًا: يتصدق به. وأما قولنا: إن المثل هو القيمة، لا المثل في رأي العين: ذهبنا في ذلك إلى وجوه: أحدها: أن المحرم إذا أصاب صيذا في هذا الوقت - حكم بجزائه حكمان؛ فلو كان مثلُ الظبي شاة في كل الدهور والأوقات - كان في جعلنا ما تقدم من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والسلف من الحكم في ذلك كافيًا لا يحتاج إلى حكم غيرهم؛ فدل إجماعهم على أن حكم الحكمين باق، على أن المثل غير مؤقت؛ بل هو مختلف على قدر الأزمنة والمواضع والأوقات، وإذا جعلنا المثل قيمة كانت الحاجة إلى الحكمين قائمة، وإذا جعلناه هديًا فالحاجة إليهما زائلة، ولا يجوز أن يعطل أمر الحكمين وقد ذكره اللَّه في
كتابه. والثاني: ما أجمعوا عليه أن ما لا مثل له في الأنعام من الصيد إذا أصابه المحرم فعليه قيمته؛ فإذا كان المثل في بعض الصيد قيمته، فهو في كل الصيد قيمته، وكذلك روي عن ابن عَبَّاسٍ وغيره من السلف - رضي اللَّه عنهم - أنهم قالوا ذلك. فَإِنْ قِيلَ: ما لا مثل له من النعم لا يمكن قيمته أكثر من قيمته، قيل له أترى، ذلك مثلا؟ فإن قال: بلى، قيل: فقد صارت القيمة مثلا في بعض الصيد، فما منع أن تكون مثلا في كل الصيد؛ فإن قال: المثل: هو الهدْي فيما له مثل، فأما ما لا مثل له من الهدْي، فليس الواجب فيه بمثل، إنما ذلك قيمة، ولم يجب ذلك بنص الكتاب، وإنَّمَا وجب - ذلك بنص الكتاب - المثل من الهدْي، فأما ما لا مثل له: فإنما وجب قيمته بالإجماع، قيل له: حدثنا عن قول اللَّه - تعالى -: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)، هل دخل في عموم الآية الفرخ ونحوه؛ فيكون منهيا عن قتله؟ فإن قال: نعم، قيل: فإذا دخل الفرخ في عموم النهي عن قتل الصيد فهو -أيضًا- داخل في عموم قوله: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا. . .) الآية. فإن قال: لا يدخل الفرخ في عموم قوله - تعالى -: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)، قيل له: قد قال اللَّه - تعالى -: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ)، فروي أن ذلك في البيض والفراخ، فإن لم يجعل الفراخ ولا شيئا منها داخلا في الآية، فما معنى الآية؟ ونحن لا ننال بأيدينا من الصيد إلا ضعافه وما يعجز عن الطيران والعدو منه، فالآية توجب أن الصيد كله قد دخل في عمومها: ما قَلَّت قيمته، وما كثرت، وذلك يوجب أن يكون الواجب من قيمة الفرخ والعصفور مِثْلاً، واللَّه أعلم. ولأن النعامة لا مثل لها من النعم، فمن أوجب فيها بدنة فقد أوجب فيها ما ليس بمثل لها ولا نظير، ومن أوجب فيها قيمتها فقد أوجب مثلا لها، فهو موافق للنص عندنا، واللَّه أعلم. وكذلك الموجب في الحمامة شاة لا تشبه الصيد المقتول في عينه، ولا في صفته، ولا
في جنسه، فهو غير موجب المثل، بل الموجب فيها القيمة أقرب إلى إيجاب المثل فيها، واللَّه أعلم. فَإِنْ قِيلَ: كيف يسمّى قيمة الشيء: " مثلا " وليست من جنسه، وإنما المثل ما كان من جنس الشيء؟ قيل: قد ذكرنا أن قيمة ما لا مثل له من النعم تسمى: " مثلا "، ولأن اللَّه - تعالى - قال: (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا)، وإذا جاز أن يسمى الصيام: " عدلا " للطعام، جاز أن تسمى القيمة: " عدلا " للصيد، وإنما صار الصيام عدلا للطعام بالتقويم والمثل، والعدل في المعنى متقارب، واللَّه أعلم. ولأن اللَّه - تعالى -: قال (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ)، ولو كان المراد من المثل: المنظور في رأي العين، لم يكن لشرط ذوي عدل فيه معنى؛ لأن المثل في رأي العين يعرفه كل أحد به بصر، فيه أو لم يكن؛ فدل ما شرط من نظر ذوي عدل على ما بطن فيه وخفي، لا ما ظهر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) تأويله ما ذكرنا: ينظر إلى رجلين عدلين، لهما بصر ومعرفة في ذلك، فيقومانه، ثم يشتري بها هدْيًا إن شاء، فيهدي، وإن لم يبلغ هدْيا قومت الدراهم طعامًا، فإن لم يجد، صام مكان كل نصف صاع يومًا. وروي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كذلك، والحسن، وإبراهيم، والقاسم، والسلف جملة. وعندنا: أنه مخير بين هذه الأشياء الثلاثة، يفعل أي هذه الثلاثة شاء؛ لأن اللَّه - تعالى -: قال في المحصر: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)، ولا خلاف بينهم في أن
لصاحب الفدية في حلق الرأس أن يفعل أي هذه الثلاثة شاء، فالواجب أن يكون في جزاء الصيد مثله؛ لأن الخطاب خرج على حرف التخيير، وكل خطاب خرج على حرف التخيير، وكان سبب وجوبه واحدا - فهو على التخيير؛ نحو كفارة اليمين، وما ذكرنا في دفع الأذى عن رأسه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) شرط بلوغ الكعبة، وهو لا يبلغ نفس الكعبة؛ فدل أن المراد رجع إلى بلوغه قرب الكعبة، وعلى هذا يخرج قولهم فيمن حلف ألا يمر على باب فلان، فمر بقرب بابه - حنث؛ استدلالا بقوله: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ)، لم يرد به بلوغه عين الكعبة، ولكن قربها أو مكانها؛ فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم. وكان مُحَمَّد بن الحسن يقول: يحكم عليه بمثله من النعم حيث كان. وأبو حنيفة - رضي اللَّه عنه - يقول: يحكم عليه بقيمة الصيد في الموضع الذي أصابه فيه. واختلافهما في هذا يرجع إلى ما اختلفا فيه من المثل عينا أو قيمة. وقد روي عن عمر، وعبد الرحمن - رضي اللَّه عنهما - وغيرهما أنهم حكموا في الظبي شاة، ولم يسألوا عن الموضع الذي أصيب فيه؛ فدل تركهم السؤال عن ذلك على أن المواضع كلها كانت عندهم سواء، وأنهم أجروه مجرى الكفارات دون القيم؛ لأنهم لو أجروا ذلك مجرى ضمان القيم، لسألوا عن أماكن الجنايات؛ إذ كان الصيد يختلف قيمته، ولا يستوي في ذلك الأماكن كلها؛ فهذا يؤيد قول مُحَمَّد ومن وافقه. وأما عند أبي حنيفة - رحمه اللَّه - أن الملك للحرم في الصيد، وكل من أتلف ملك آخر أو جنى على مال أحد، إنما ينظر إلى قيمته في المكان الذي أتلفه؛ فعلى ذلك النظر في الصيد إلى المكان الذي أصابه. ثم المسألة في جزاء الصيد أين يذبح؟ عندهم جميعًا: لا يجوز أن يذبح إلا بمكة؛ لأنه لو جاز أن يذبح في غير الحرم حيث شاء، زالت فائدة قوله: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ)، وليس في ذلك بينهم خلاف. وأما الإطعام والصيام: فإن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لم يذكر فيهما موضعًا، ولا جعل لهما مكانًا؛ فله أن يطعم، وأن يصوم حيث شاء.
(96)
فَإِنْ قِيلَ: إن الهدى يذبح في الحرم؛ لمنفعة أهل الحرم به، ويتصدق به عليهم؛ فعلى ذلك الإطعام يجب أن يطعم أهل الحرم؛ لأنه جعل لمنفعة لهم. قيل له: لا خلاف بينهم: أنه لو ذبح الهدي في غير الحرم وتصدق به على أهل الحرم ألا يجوز؛ دل أنه لا لما ذكر، ولكن الهدْي لا تذبح إلا بمكة؛ ألا ترى أن من قال اللَّه - تعالى -: عليه أن يهدي، ليس له أن يذبح إلا بمكة، ولو قال: عليه الإطعام أو الصدقة، له أن يتصدق حيث شاء؛ دل أن الهدْي مخصوص ذبحه بمكة، لا يجوز في غيره، وأما الصدقة فإنها تجوز في الأماكن كلها؛ لذلك افترقا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ)، أي: لينال شدة أمره وألمه؛ كما نال لذته. وقيل: جزاء ذنبه، وهو الكفارة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) إذا تاب ورجع عما استحل من قتل الصيد؛ وهو كقوله - تعالى - (إِن يَنتهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَد سَلَفَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ): أي: من عاد إلى استحلال الصيد في الحرم ينتقم اللَّه منه في النار. ويحتمل: من عاد إلى قتل الصيد ينتقم اللَّه منه بالكفارة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ)، أي: لا يعجزه شيء، ويقال: عزيز، أي. كل عز عند عزه ذل. وغني، أي: كل غني عند غناه فقر، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا). أخبر اللَّه - تعالى - أن صيد البحر وطعامه حلال للمحرم، ثم اختلف أهل التأويل في تأويله. قَالَ بَعْضُهُمْ: " صيده: ما صيد، وطعامه: ما قذف في البحر "، كذلك روي عن عمر -
رضي اللَّه عنه - أنه قال: " صيده: ما صيد، وطعامه: ما قذف ". وعن أبي بكر وابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - قالا: " طعامه: ما قذف ". وقَالَ بَعْضُهُمْ: صيده: ما أخذ طريًّا، وطعامه: مليحة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَتَاعًا لَكُمْ): أي: منفعة لكم، أي: للحاضر (وَلِلسَّيَّارَةِ): أي: للمسافر. وعن بعضهم: صيده: ما صدت طريا، وطعامه: ما تزودت في سفرك مليحا. ثم يجيء على قول أصحاب الظاهر: أن يكون كل صيد البحر وطعامه حلالا مباحًا بظاهر قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ. . .) الآية، وكذلك ما روي عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " الطهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيتَتُهُ " أنه لم يخص ميتة دون ميتة، ولا طعامًا دون طعام، غير أن المراد عندنا رجع إلى السمك خاصة؛ لما روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " أُحِلَّتْ لَنَا مَيتَتَانِ وَدَمَانِ، أمَّا المَيتَتَانِ: فَالجَرَادُ والسمَكُ. . . " دل الخبر أن المراد من الآية والخبر رجع إلى السمك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه
عنه - قال: مبهمة، لا يحل لك أن تصيده ولا أن تأكله. وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو محرم أنه دعي إلى طعام، فقرب إليه يعاقيب وحجل -، فلما رأي ذلك على قام، وقام معه ناس؛ فقيل لصاحب الطعام: ما قام هذا ومن معه إلا كراهية لطعامك؛ فأرسل إليه، فجاء، فقال: ما كرهت من هذا، ما أشرنا، ولا أمرنا ولا صدنا. قال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا " ثم انطلق. وعن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مثله أو قريبا منه. وأما عندنا: فإنه يحل للمحرم أن يأكل لحم الصيد إذا لم يصده هو ولا صيد له؛ لما روي عن أبي قتادة - رضي اللَّه عنه - أنه كان مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حتى إذا كان ببعض الطريق بمكة تخلف مع أصحاب له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حمار وحش، فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يناولوه سوطا، فأبوا، فسألهم رمحه، فأخذه، ثم اشتد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحابه، وأبى بعضهم، فلما أدركوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فسألوه عن ذلك، فقال: " إِنَّمَا هِي طُعْمَة أَطَعَمَكُمُوهَا اللهُ سُبحَانَهُ "، وقال: " هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيءٌ ". وفي خبر آخر عن جابر بن عبد اللَّه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: عقر أبو قتادة حمار وحش ونحن محرمون وهو حلال، فأكلنا منه، ومعنا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وفي خبر آخر عن أبي قتادة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إِنِّي أصبت حمار وحش، فقلت: يا رسول اللَّه، إِنِّي أصبت حمار وحش وعندي منه، فقال للقوم: " كُلُوا "، وهم محرمون. وفي بعض الأخبار عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لهم: " لَحْمُ صَيدِ البَرِّ
حَلَال لَكُم وَأَنْتُم حُرُمٌ؛ مَا لَم تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُم "، رخص النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في أكل لحم الصيد للمحرم إذا لم يَصِدْهُ ولم يُصَدْ له، وبذلك أخذ أصحابنا. وفي الآية دليل لقولنا، وهو قوله - تعالى -: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)، وقال: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) فمعناه - واللَّه أعلم -: اصطياده؛ ألا ترى أن صيد ما لا يؤكل لحمه محظور؛ فدل ذلك على أن الآية نزلت في الاصطياد لا في أكل لحمه؛ لأن لحم الصيد قد خرج من أن يصاد؛ فالتحريم غير واقع عليه، ليس كالبيض؛ لأن البيض قد يصير صيدًا، واللحم ليس كذلك، ولأن المحرم لو أتلف البيض غرم قيمته، ولو أتلف لحم الصيد لم يضمن شيئًا، فما لزمه الضمان منع عن أكله، وما لم يلزمه لا، ولأنه لو حرم على المحرم التناول من لحم صيد صاده حلال، لوجب أن يحرم على أهل مكة التناول منه؛ إذ هم أهل حرم اللَّه، وذلك بعيد؛ فأخذ أصحابنا - رحمهم اللَّه - بما روينا من الأخبار عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من حديث أبي قتادة وغيره، وبما دل عليه ظاهر الكتاب، وهو قول عمر وعثمان وغيرهما، رضي اللَّه عنهم. فَإِنْ قِيلَ: روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - عن زيد بن أرقم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نهي المحرم عن لحم الصيد. وفي خبر آخر عن زيد بن أرقم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - - قال: أهدى لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عضوًا من لحم صيد، فرده، وقال: " إِنَّا حُرُمٌ لَا نَأْكُلُهُ ".
(97)
وروي في خبر آخر أنه سئل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن محرم أتى بلحم صيد؟ قال: " لَا تَأْكُلْ مِنْهُ " لكن هذا الحديث يجوز أن يحمل على أن كان صيد بعد أن أحرم أو أن يكون صيد من أجله، وإذا صيد من أجله لم يحل له أكله؛ دليله من خبر عثمان - رضي اللَّه عنه -: " ما أمرت بصيد، ولا صيد من أجلي "، وخبر جابر - رضي اللَّه عنه - عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " لَحْمُ صَيدِ البَر حَلَالٌ لَكُم وَأَنْتُم حُرُمٌ مَا لَم تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُم ". ثم المسألة في معرفة صيد البر من البحر: قَالَ بَعْضُهُمْ: ما كان يعيش في البر والبحر فلا تصيدوه، وما كان حياته في الماء فذاك البحري. وقال آخرون: أكثر ما يكون في الماء حتى يفرخ. وقال غيرهم: صيد البر هو الذي إن أخذه الصائد حَيًّا فمات في يده لم يحل، ولا يحل إذا أدرك زكاته إلا بتزكيته، فكل ما كانت هذه صفته فهو صيد البر، وإن كان قد يعيش في الماء. وما كان الصائد إذا أخذه حيا وهو يعيش في الماء فمات في يده أكله، فذلك صيد البحر، وذلك السمك. وفي ذلك وجه آخر: وهو أن كل ما ألقاه البحر وقذفه فمات فحل لنا أكله، فذلك طعامه، وإن لم يحل أكله فليس بطعامه، فما كان طعامه وألقاه فمات فهو إذن صيد البحر، وما لا يحل أكله إذا ألقاه، فليس بصيد البحر إذا صيد؛ لأن اللَّه أباح صيد البحر وطعامه، فما ليس بطعامه إذا ألقاه فمات فليس بصيد إذا أخذ حيا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) في استحلال قتل الصيد في الحرم، أو اتقوا اللَّه في أخذ الصيد في حال الإحرام بعد النهي، أو اتقوا اللَّه في كل ما لا يحل (الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فتجزون بأعمالكم: إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. ويحتمل قوله: (إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، أي: إلى حكمه تصيرون؛ كقوله - تعالى -: (لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ... (97) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ قوله -تعالى -: (قِيَامًا
(98)
لِلنَّاسِ)، أي: ثباتا للناس ودوامًا؛ لأن اللَّه - تعالى - جعلها موضعًا لإقامة العبادات، من نحو: الحج، والطواف، والصلاة، وإراقة الدماء، والهدايا، وغير ذلك من العبادات، ثم إن تلك العبادات جعلها ثابنة دائمة لا تبدل ولا تنسخ أبدًا؛ فذلك معنى القيام للناس، واللَّه أعلم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قيامًا بمعنى: قوامًا، أي: جعلها قوامًا لهم في معاشهم ومعادهم؛ لأنه جعلها مأمنًا لهم وملجأ؛ حتى أن من ارتكب كبيرة أو جرم جريمة ثم لجأ إليه، لم يتعرض له بشيء من ذلك، ولا يتناول منه، وكانوا إذا وجدوا هديًا مقلدًا لم يتعرضوا له وإن كانت حاجتهم إليه شديدة، ونحو هذا كثير مما يطول ذكره. وجعل فيها عبادات ومقصدًا ما لم يجعل في غيرها من البقاع: من قضاء المناسك وغيرها، وكذلك الشهر الحرام كان جعله مأمنًا لهم إذا دخلوا فيه، يأمنون من كل خوف كان بهم، وجعل في الهدايا والقلائد منفعة لأهلها؛ فكان في ذلك قوامًا لهم في معاشهم ومعادهم. وعن سعيد بن جبير: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ): شدة لدينهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا)، أي: ذلك الأمن وما ذكرنا من جعل الكعبة قوامًا لهم في معاشهم ومعادهم؛ (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، أي: على علم جعل هكذا قبل أن يكون أنه يكون. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (ذَلِكَ)، أي: ما سبق ذكره من تحريف الكتب وتغييرها وتبديل نعته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفته، أي: على علم منه بالتحريف والتبديل خلقكم، لا عن جهل؛ ليمتحنكم؛ لما لا يضره كفر كافر، ولا ينفعه إيمان مؤمن، بل حاصل ضرر الكفر يرجع إلى الكافر، وحاصل نفع الإيمان يرجع إلى المؤمن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ... (98) أي: اعلموا أنه شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره، على ما علمتم أنه عن علم منه كان جميع ما كان. (وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) واعلموا -أيضًا- أن اللَّه غفور رحيم لمن تاب وأناب إليه، وشديد العقاب؛ لأن من العقوبات ما ليس بشديد، وخاصة عقوبة الآخرة أنه يعاقب
(99)
بالنار، وما من عقوبة إلا وقد يحتمل شيء منها سوى عقوبة النار؛ فإنه لا يحتملها أحد، ولأن عقوبات الدنيا وعذابها على الانقضاء، وعذاب الآخرة لا انقضاء له ولا فناء؛ لذلك وصف بالشدة، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ) فيه وجهان: أحدهما: ردّا على من يقول: إن الموعظة لا تنفع ولا تنجع فيه إذا لم يكن الواعظ مستعملا لما يعظ غيره! إذ ليس أحد من الخلق أشد استعمالا من الرسل - عليهم السلام - ثم لا تنفع مواعظهم وذكراهم قومهم، ولا تنجع فيهم؛ لشؤمهم ولشدة تعنتهم. والثاني: إنباء أن ليس على الرسل إلا البلاغ، ولا ضرر عليهم بترك القوم إجابتهم؛ كقوله - تعالى -: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) ما تبدون من العداوة لمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولأصحابه، وبنصب الحرب والقتال معهم، وما تكتمون من المكر له، والقصد لقتله؛ كقوله - تعالى -: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ) الآية كانوا يمكرون، ويقصدون قصد إهلاكه، لكن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أطلع رسوله على مكرهم، وأخبر أنه يعصمه عن الناس، وقال -: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ... (100) يحتمل وجهين: أحدهما: خرج عن سؤال قد سبق منهم عن كثرة الأموال؛ لما رأوا أُولَئِكَ كانوا يستكثرون ويجمعون من حيث يحل ولا يحل، فمالت أنفسهم إلى ذلك ورغبت، فقال:
(101)
(لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) كأنه قال: إن القليل من الطيب خير من الكثير من الخبيث، واللَّه أعلم. والثاني: أنهم رغبوا في عبادة أُولَئِكَ من الترهب والاعتزال عن الناس؛ لدفع أذى أنفسهم عنهم، وكثرة ما كانوا يتحملون من الشدائد والمشقة؛ فرغبوا في ذلك، وهموا على ذلك، على ما ذكر في القصة عن بعض أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنهم هموا أن يترهبوا ويعتزلوا من الناس؛ فقال: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) أن العمل القليل مع أصل طيب خير من الكثير مع خبث الأصل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاتَّقُوا اللَّهَ) في مخالفة أمره ونهيه (يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) فيه دلالة أن اللَّه لا يخاطب أحدًا إلا من كمل عقله وتم، وباللَّه العصمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ... (101) يحتمل: أن يكون النهي عن السؤال عن أشياء خرج عن أسئلة كانت منهم لم يكن لهم حاجة إليها؛ فنهوا عن ذلك إلى أن يقع لهم الحاجة فعند ذلك يسألون، كأنهم سألوه عن البيان والإيضاح لهم قبل أن يحتاجوا إليه؛ ألا ترى أنه قال: (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ. . .) الآية. ويحتمل: أن يكون خرج النهي عن السؤال ابتداء، على غير تقدم سؤال كان منهم، ولكن نهوا عن السؤال عنها. ثم يحتمل بعد هذا: أن كان منهم على ابتداء سؤال، كان من أهل النفاق يسألون سؤال تعنت لا سؤال استرشاد، يسألون منه آيات بعد ما ظهرت لهم، وثبت عندهم الحجج، وعرفوا أنه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وإن كان النهي للمؤمنين فهو ما ذكرنا من سؤال البيان قبل وقوع الحاجة إليه.
(102)
وقيل: نزلت في قوم سألوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن أشياء: قال أحدهم: من أَبي؟ وقال آخر: أين أنا؟ قال: " أَنْتَ في النارِ، وَأَنْتَ ابْنُ فُلانٍ " ونحو ذلك من الأسئلة؛ فنهوا عن ذلك. وقيل: ذكر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الحج، فقال رجل: أفي كل - عام يا رسول اللَّه؟ فقال: " " لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، صَارَ مَفْرُوضًا، فَإِذَا صَارَ مَفْرُوضًا تَرَكْتُم، وَإذَا تَرَكْتُم جَحَدْتُمْ، وَإِذَا جَحَدْتُم كَفَرتُم؛ لأنَّ مَنْ جَحَدَ فَرضًا مِمَّا فَرَضَهُ اللهُ كَفرَ " أو كلام نحو هذا، ولا يجب أن يفسر هذا أنه كان في كذا؛ إذ ليس في كتاب اللَّه بيان سوى أن فيه النهي عن سؤال ما لا يحتاج إليه. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنه - قال: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ) قد عفا اللَّه عنها (إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)، أي: تظهر لكم تسؤكم، أي: أمرتم العمل بها، واللَّه أعلم بذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102) هذا يدل على أن النهي عن السؤال في الآي لأحد شيئين: إما أن سألوا الآيات عنه بعد ما ظهرت وثبتت لهم رسالته، فلما أتى بها كفروا بها؛ ألا ترى أنه قال: (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ)، وقد كان الأمم السالفة يسألون من الرسل - عليهم السلام - الآيات بعد ظهورها عندهم.
(103)
ويحتمل: ما ذكرنا من قولهم: أين نحن؟ ومن أبي؟ ومن أنا؟ ونحوه، فلما أن أخبرهم بذلك كفروا به، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ): أي: ما جعل اللَّه قربانا مما جعلوا هم؛ لأنهم كانوا يجعلون ما ذكر من البحيرة والسائبة؛ وما ذكر قربانا يتقربون بذلك إلى الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها دون اللَّه، فقال: ما جعل الله من ذلك شيئًا مما جعلتم أنتم من البحيرة والسائبة، فقوله: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ. . .) وما ذكر، أي: ما أمر بذلك، ولا أذن به. قيل: حرم أهل الجاهلية هذه الأشياء، منها: ما حرموه على نسائهم دون رجالهم، ومنها: ما حرموه على الرجال والنساء، ومنها: ما جعلوه لآلهتهم به. ثم قيل: البحيرة: ما كانوا يجدعون آذانها ويدعونها لآلهتهم. والسائبة: ما كانوا يسيبونها. والوصيلة: ما كانت الناقة إذا ولدت ذكرا وأنثى في بطن قالوا: وصلت أخاها؛ فلم يذبحوها، وتركوها لآلهتهم. قال أبو عبيد: البحيرة: إذا نتجت خمسة أبطن قطعت آذانها وتركت. والسائبة: إذا ولدت خمسة أبطن سيبت؛ فلا ترد عن حوض ولا علف. والوصيلة من الغنم: إذا ولدت
عناقين تركا، وإذا ولدت عناقًا وجديًا، قالوا: وصلت العناق الجدي وتركا، وإذا نتجت جديًا ذبح. والحامي: إذا نظر إلى عشرة من ولده، قيل: حمى ظهره؛ فلا يركب، ولا يحمل عليه شيء. وقال مجاهد: (وَلَا حَامٍ): إذا ضرب الجمل من ولد البحيرة فهو الحامي، والحامي: اسم. والسائبة من الغنم على نحو ذلك، إلا أنها ما ولدت من ولد بينها وبين ستة أولاد كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكرًا أو ذكرين نحر، فأكله رجالهم دون نسائهم، وإن أتأمتْ بذكر وأنثى فهي وصيلة؛ يترك ذبح الذكر بالأنثى، وإن كانتا اثنتين تركتا. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن والخامس ذكر نحر، فأكله رجالهم ونساؤهم، وإن كان الخامس أنثى شقوا أذنها، وكان حرامًا على النساء لحمها ولبنها، فإذا ماتت حلت للنساء. والسائبة: البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه اللَّه من مرضه، أو بلغه منزله، أن يفعل ذلك. والوصيلة من الغنم: كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا: فإن كان السابع ذكرا ذبح، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرًا أو أنثى، قالوا: وصلت أخاها؛ فلم يذبح لمكانها، وكان لحومهما حرامًا على النساء، وليست الأنثى حرامًا على النساء، إلا أن يموت منهما شيء فيأكله الرجال والنساء. والحامي: الفحل إذا ركب ولد ولده. ويقال: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا: حمى ظهره، ولا يركب، ولا يمنع من كلأ ولا ماء.
(104)
كانوا يحرمون الانتفاع بما ذكرنا، ويقولون: إن اللَّه حرم ذلك علينا، وهو ما ذكر في آية أخرى قوله - تعالى -: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا) الآية، يحرمون أشياء على أنفسهم، ويضيفون تحريمها إلى اللَّه، ثم سفه أحلامهم بقوله: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ)، لم يكن تحريمهم هذه الأشياء بالسمع، ولكن رأيًا منهم وتبحثًا؛ فاحتج اللَّه عليهم على ذلك الوجه؛ ليظهر فساد قولهم من الوجه الذي ادعوا، فقال: (قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ) فإن قالوا: الذكرين، فقد كان من الذكر ما لم يحرم، وإن قالوا: أنثى، فقد كان من الأنثى ولم يكن فيها تحريم؛ ففيه دليل أن الحكم إذا كان بعلة يجب وجوب ذلك الحكم ما كانت تلك العلة قائمة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ... (104) الآية، كأنها نزلت في مشركي العرب، وكانوا أهل تقليد، لا يؤمنون بالرسل، ولا يقرون بهم، إنما يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان والأصنام، فإذا ما دعاهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى ما أنزل اللَّه إليه، أو دعاهم أحد إلى ذلك، قالوا: (حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا)، كقوله: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) ونحو ذلك: يقلدون آباءهم في ذلك؛ فقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)، أي: تتبعون آباءكم وتقتدون بهم، وإن كنتم تعلمون أن آباءكم لا يعلمون شيئًا في أمر الدِّين ولا يهتدون، وكذلك قوله: (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ) تتبعون آباءكم وتقتدون بهم، وإن جنتكم بأهدى مما كان عليه آباؤكم؛ يسفههم في أحلامهم في تقليدهم آباءهم، وإن ظهر عندهم أنهم على ضلال وباطل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ... (105)
ظن بعض الناس أن الآية رفعت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعة في ترك ذلك، وليس فيه رفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ولكن فيه إنباء أن ليس علينا فيما يرد ولا يقبل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - شيء، وهو كقوله - تعالى -: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ)، وكقوله - تعالى -: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ. . .) الآية. ليس فيه رخصة ترك تبليغ الرسالة إليهم، ورفعه عنه، ولكن إخبار أن ليس عليه فيما يرد وترك القبول شيء، كقوله: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ)؛ فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم. ويحتمل: أن يكون في الآية دليل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه قال: (لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ) بترك قبول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) أنتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، وبذلك وصف اللَّه هذه الأمة بقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ). وعن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " مَنْ لَم يَرحَم صَغِيرَنَا، وَلَم يُوَقر كَبِيرَنَا، وَلَم يَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ، وَلَم يَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَلَيسَ مِنَّا ". وعن عائشة - رضي اللَّه عنها - أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - دخل عليَّ - وقد حفزه - النفس، فتوضأ، ثم خرج إلى المسجد، فقمت من وراء الحجاب، فصعد المنبر، ثم قال: " أَيهَا النَّاسُ، إن اللهَ يَقُولُ: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهوا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبلَ أَنْ تَدْعُونِي فَلَا أُجِيبَكُم، وَتَسألُوني فَلَا أُعْطِيكُم، وَتَستَغِيثُونِي فَلَا أُغِيثَكُم، وَتَستَنْصِرُوني فَلَا أَنْصُرَكُم ". وعن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (يَا أَيُّهَا الناس، إنكم تقرءون هذه
الآية، وإني سمعت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: " إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَرًا فَلَم يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَاب "، وبقوله: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ) الآية. ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مراتب: مع الكفرة: بالقتال والحرب، ومع المؤمنين: باليد واللسان. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فرض، ما لم يدخل في ذلك فساد، ويصير الأمر به والنهي عنه منكرًا، فإذا خشوا ذلك يرخص لهم الترك، وإلا روي عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " قولوها ما لم يكن دونها السيف والسوط، فإذا كان دونها السيف والسوط فعليكم أنفسكم ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا). الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والذي يرد عليه المعروف والنهي عن المنكر. (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). خرج على الوعيد والتحذير. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي
(106)
الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ... (106) اختلف فيه: عن قتادة قال: رجل مات بقرية من الأرض وترك تركة، وأوصى وصية، وأشهد على وصيته رجلين، فإن اتهما في شهادتهما استحلفا بعد صلاة العصر، وكان يقال: عندها تصبر الأيمان. (فَإِنْ عُثِرَ)، أي: اطلع منهما على خيانة على أنهما كتما أو كذبا، وشهد رجلان أعدل منهما بخلاف ما قالا، أجيزت شهادتهما، وأبطلت شهادة الأولين. (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) من المسلمين، (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) من أهل الكتاب إذا كان ببلد لا يجد إلا هَؤُلَاءِ. وعن الحسن قال: (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ): أي: من عشيرتكم، أو آخران من غير عشيرتكم، فيقول: إن الحق على المسلم إذا أراد أن يوصي أن يسند الوصاية إلى أهل عشيرته، وكذلك يشهد على ذلك من أهل عشيرته؛ لأن أهل عشيرته أحفظ لذلك، وأحوط، وأكثر عناية، وأقوم للشهادة، ولا كذلك الأجنبيان. فإن قال قائل: خاطب اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - المؤمنين جملة بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) الآية، فكيف يحتمل أن يكون قوله: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) من غير عشيرتكم، وكيف لا؟ انصرف قوله: أو آخران من غيركم من غير دينكم؟ فنقول سبحان اللَّه!! ما أعظم هذا القول!! يرد شهادة موحد، مخلص دينه لله لفسق يرتكبه، ويأمر بقبول شهادة كافر، كاذب، قائل للَّهِ بالولد والشريك، هذا مما لا يحتمل. وقال -أيضًا-: (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ) وهم كانوا يستهزئون بالصلاة إذا نودي
لها بقوله: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا) دل أنه لا يحتمل ما ذكروا. وعن سعيد بن جبير في قوله: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) قال: إذا حضر المسلم الموت في السفر فلم يجد مسلمين، فأوصى إلى أهل الكتاب، فإن جاءوا بتركته فاتهموا حلف هَؤُلَاءِ أن متاعه كذا وكذا وأخذوه. وبعض الناس يجيزون شهادة النصارى واليهود في السفر في الوصية بظاهر الآية. وقال مجاهد: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ): من غير ملتكم. وعن عامر الشعبي قال: شهد نصرانيان على وصية مسلم مات عندهم، فارتاب أهل الوصية، فأتوا بهما إلى أبي موسى الأشعري، فاستحلفهما بعد صلاة العصر باللَّه ما
اشتريتما به ثمنا قليلا، ولا كتما شهادة اللَّه، إنا إذن لمن الآثمين. ثم قال أبو موسى الأشعري: واللَّه، إن هذه لقصة ما قضى بها منذ مات رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى اليوم. قد بين الشعبي أن أبا موسى إنما استحلفهما فيما اتهما به من تركة الميت، وهذه يمين واجبة عند المسلمين جميعًا، ولم يحلفهما على أن ما شهدا به كما شهدا به؛ كما زعم قوم أن شهادتهما تصح بيمينهما. وعن عبد اللَّه بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: خرج رجل من المسلمين، فمر بقرية ومعه رجلان من المسلمين، فدفع إليهما ماله، ثم قال: ادعوا إليَّ من أشهد على ما قبضتما. فلم يجدا أحدًا من المسلمين في تلك القرية، فدعوا ناسًا من اليهود والنصارى، وأشهدهم على ما دفع إليهما، ثم إن المسلمين قدما إلى أهله، فدفعا ماله إلى أهله، فقال الورثة: لقد كان معه من المال أكثر مما أتيتما به. فاستحلفوهما باللَّه ما دفع إليهما غير هذا. ثم قدم ناس من اليهود والنصارى، فسألهم أهل الميت، فأخبروهم أنه هلك بقريتهم، وترك كذا وكذا من المال؛ فعلم أهل المتوفى أن قد عثروا على أن المسلمين قد استحقا إثمًا، فانطلقوا إلى ابن مسعود، فأخبروه بالذي كان من أمرهم، فقال ابن مسعود - رضي اللَّه عنه -: ما من كتاب اللَّه من شيء إلا قد جاء على الدلالة إلا هذه الآية، فالآن جاء تأويلها فأمر المسلمين أن يحلفا باللَّه (لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ). ثم أمر اليهود والنصارى أن يحلفوا باللَّه لقد ترك من المال كذا وكذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلمين، وما اعتدينا إنا إذًا لمن الظالمين ثم أمر أهل الميت أن يحلفوا باللَّه: أن كان ما شهدت به اليهود والنصارى حق
فحلفوا، فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلمين ما شهدت به اليهود والنصارى. وكان ذلك في خلافة عثمان بن عفان. فإن ثبت هذا عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فهو خلاف ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " لَوْ يُعْطَى الناسُ بِدَعْوَاهُم لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُم، لَكِنَّ البينَةَ عَلَى المُدعِي، واليَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِى عَلَيهِ ". وهو -أيضًا- غير موافق لظاهر الآية؛ فلا نراه ثبت هذا عن عبد اللَّه بن مسعود، رضي اللَّه عنه. وعن ابن عَبَّاسٍ قال: كان رجل يقال له: تَمِيمُ الدَّارِيُّ وَعَدِيُّ بْنُ بَدَّاءَ يختلفان
إلى مكة في التجارة، فخرج رجل من بني سهم، فتوفي بأرض ليس فيها مسلم؛ فأوصى إليهما، فدفعا تركته إلى أهله، وحبسا جامًا من فضة، فاستحلفهما رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما كتمتما ولا اطلعتما. ثم عُرِفَ الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا باللَّه: إن هذا الجام للسهمي ولشهادتنا أحق من شهادتهما، فأخذوا الجام، وفيهم نزلت هذه الآية. وفي هذا الحديث أن اليمين وجبت على المدعَى عليهم كما ادعى عليهم الورثة: أنهم تركوا بعض تركة الميت، وفيه أن الإناء لما ظهر ادعى تميم وصاحبه، أنهما اشترياه من الميت فكانا مدعيين، وحلف الورثة على دعواهم وصاحبه وهذان حكمان موافقان لسائر الأحكام والسنن، فإن كان الأمر كما ذكر في هذا، فليس في الآية نسخ، ولا فيها ما يخالف الأحكام الظاهرة، وليس يجوز - عندنا - أن يحلف الشاهدان إذا كانا كافرين مع شهادتهما؛ لأن ظاهر الآية يوجب اليمين على العدلين منا ومن غيرنا، فلما لم يجز أن يحلف الشهود المسلمين على الوصية التي يشهدون لها، وإنما يحلفون على شيء إن ادعوا أنهم حبسوه شيئًا، كان سبيل الكفار كذلك. وإذا كانت الآية نزلت في قصة تميم وصاحبه وكانا نصرانين، فإن ذلك يدل على أن شهادة بعضهم على بعض جائزة؛ لأن اللَّه - تعالى - قال: (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) فمعنى الآية على هذا التأويل، - واللَّه أعلم - أن يكون الميت خلف تركته عند ذميين، على ما ذكر في القصة، وقالا: ترك في أيدينا كذا وكذا، وادعى الورثة أكثر من ذلك، فاستحلف المدعى قبلهم، وقوله: (تَحْبِسُونَهُمَا) على هذا التأويل هو المدعى عليهما.
(107)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا ... (107) يريد - واللَّه أعلم - أن يشهد عليهما شاهدان منا أو منهم بشيء جحداه: أنه من تركة الميت؛ فهذا استحقاق الورثة، فإذا قال المدعي قبلهما: اشتريناه من الميت، فعلى الورثة أن يحلفوا؛ فهذا - واللَّه أعلم - معنى قوله: (فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا)؛ لأن الورثة صاروا مدعى عليهم، فقاموا في هذه الحال في وجوب اليمين عليهم مقام الأولين لما كانت الدعوى عليهم؛ فهذا - واللَّه أعلم - أقرب الوجوه في تأويل الآية وأشبهها، وهو - إن شاء اللَّه - معنى ما روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وإن لم يذكر تفسير قوله: (مِن غَيْركُم) وهو - واللَّه أعلم -: على غير ديننا؛ لأنه ذكر المؤمنين جملة. وأصحابنا لا يجيزون شهادة أهل الكفر في الوصية لمسلم، لا في ضرورة ولا في غيرها؛ لأنهم مع اختلافهم اتفقوا في أن شهادة الكفار لا تجوز على غير الوصية في حال ضرورة، ولا في غيرها، فشهادتهم في الوصية على المسلمين مثل ذلك. ويمكن أن يكون تأويل الآية: (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) في بيان ما يجوز من شهادة ذوي العدل منا في الحضر والسفر في الوصية وفي غير الوصية؛ كقوله (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ). وقوله - تعالى -: (ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)، الآية، هذا في السفر والحضر. وفي الدَّين وغير الدَّين سواء، فعلى ذلك الأول، ثم ابتدأ الحكم في غيره، فقال: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ). فَإِنْ قِيلَ: فما معنى قوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا)؟ قيل: في ذلك بيان أن المؤتمن إذا ادعيت عليه الخيانة، وقال هو: قد ردت ما كان في يدي؛ فإنه لا يصدق إلا بعد أن يحلف، فإذا علم أنه لا يقبل قوله إلا بيمين كان
(108)
أحرى أن يقول حذرًا من أن يحلف على كذب، أو يقر خوفًا من الإثم في اليمين فتبين خيانته. فَإِنْ قِيلَ: ما معنى قوله: (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ)؟ قيل: يحتمل أن يكون على زيادة التغليظ في اليمين، وللحاكم أن يغلظ في اليمين على الخصم إذا اتهمه بأكثر من هذا، وهو أن يحضر يمينه جماعة إذا سأل الخصم ذلك. أو ذكر بعد الصلاة؛ لما كان ذلك الوقت هو وقت لجلوس الحاكم بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر لا على التغليظ، وإن كانت الآية نزلت - فيما ذكر ابن عَبَّاسٍ، رضي اللَّه عنه - في نصرانيين، فقد يجوز أن يكون اللَّه أمر بذلك تغليطا عليهما، وهما تميم وصاحبه؛ إذ كانوا يعظمون وقت غروب الشمس وما قرب من ذلك، ووقت طلوعها؛ لأنه وقت عبادتهم إياها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا). قَالَ بَعْضُهُمْ: فإن اطلع منهما على خيانة: أنهما كتما وكذبا، فجاء آخران يشهدان على غير ما شهدا عليه أجيزت شهادة الآخرين، وأبطلت شهادة الأولين. قَالَ الْقُتَبِيُّ: (فَإِنْ عُثِرَ): أي: ظهر. وقال: أَبُو عَوْسَجَةَ: قوله: (فَإِنْ عُثِرَ): أي: علم واطلع عليه، يقال: عثرت على فلان، وعلى ما يفعل فلان، أي: علمت به واطلعت عليه، أعثر عثرًا وقوله (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ) في سورة الكهف من هذا، أي: اطلعنا عليهم، وأعلمناهم بمكانهم، ويقال: أعثرت فلانا على سر فلان، أي: أعلمته. ثم وعظ اللَّه المؤمنين، وحذرهم أن يفعلوا مثل ذلك، فقال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ... (108) مواعظه (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) ما داموا في فسقهم، أو قال ذلك لقوم علم اللَّه منهم أنهم لا يرجعون عن ذلك أبدًا. * * * قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ
(109)
النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) قال أهل التأويل: بل إنما يقولون ذلك؛ لفزعهم من هول ذلك اليوم وشدته، تطير قلوبهم، وتذهل أفئدتهم، فيقولون: (لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ). فلو كان ذلك منهم للهول والفزع على ما قاله أهل التأويل لكان لا يتهيأ لهم الإجابة، وقد قالوا: (لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)؛ دل أنه لا لما ذكروا، ولكن للوجهين الآخرين، واللَّه أعلم. أحدهما: أن سألهم عن حقيقة إجابة قومهم لهم بالضمائر، أي: لم تطلعنا على علم الضمائر والغيوب، فأنت أعلم بذلك. والثاني: أن أحدثوا أمورا وأبدعوها من دأب أنفسهم، فنسبوا ذلك إلى الرسل؛ كقوله - تعالى -: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ. . .) إلى قوله: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ)، كأنهم قالوا: إن عيسى - عليه السلام - هو الذي دعاهم إلى ذلك، فيقول لهم: ماذا أجبتم؟ فقالوا: لا علم لنا فيما ادعوا علينا من الأمور التي أتوها، إنك أنت علام الغيوب بأنا لم نقل لهم، ولم نَدْعُهُم إلى ما ادَّعَوا من الأمور. على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية، واللَّه أعلم.
(110)
ومثل هذا السؤال لهم بما أخبر في آية أخرى: أنه يسألهم؛ كقوله: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى قومهم، ويسأل قومهم عن إجابتهم لهم؛ ليقطع احتجاجهم، وإن لم يكن لهم الحجاج. (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ). أما نعمه عليه ما ذكر على إثره: (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا. . .) إلى قوله: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ)، شهد في حال طفولته بوحدانية اللَّه وربوبيته وإخلاص عبوديته له، وذلك من أعظم نعم اللَّه عليه وأجل مننه، وما ذكره أيضًا: (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي. . .) الآية. إلى آخر ما ذكر من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكف بني إسرائيل عنه عند مجيء الآيات، وهو كقوله - تعالى -: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، ففيه أعظم النعم عليه، وما ذكر -أيضًا- في بعض القصة - إن ثبت - أن عيسى لما دُفِعَ إلى الكُتَّابِ جعل المعلم يقول له: باسم، فيقول هو: باسم اللَّه، وإذا قال المعلم: باسم اللَّه، فيقول هو: الرحمن، وإذا قال: الرحمن، فيقول هو: الرحيم، فيقول المعلم:
كيف أعلم من هو أعلم مني؟ ونحو هذا كثير مما يكثر ويطول ذكره، وأما ما أنعم اللَّه على والدته هو ما ذكر في قوله - تعالى -: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا) وما ذكر في قوله: (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)، طهرها عن جميع ما تبلى به بنات آدم؛ فذلك من أعظم النعم، وأجل المنن، ثم أمر عيسى بشكر ما أنعم عليه وعلى والدته؛ حيث قال: (اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ) وفي ذكر النعم شكرها، وأمر -أيضًا- بشكر ما أنعم على والدته ليعلم أن على المرء شكر ما أنعم على والدته، كما يلزم شكر ما أنعم على نفسه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: بروحه المبارك الذي أعطى في حال طفولته، به كان يدعو الناس إلى توحيد اللَّه وعبادتهم له. وقيل: إن روح القدس هو الدعاء المبارك الذي به كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص بدعائه. وقال أهل التأويل: الروح: هو جبريل، والقدس هو اللَّه؛ كقوله - تعالى -: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) أي: جبريل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) قال الحسن: الكتاب والحكمة واحد، الكتاب هو الحكمة، والحكمة هي الكتاب؛ لأن جميع كتب اللَّه كان حكمة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الكتاب: ما يكتب من العلم، والحكمة: هي ما يعطى الإنسان من العلم على غير تعلم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الكتاب: هو ما يحفظ، والحكمة هي الفقه، وهو واحد.
(111)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي). قوله: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ): أي: تصور وتقدر (مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) كان من عيسى التصوير والتقدير، وإلا كان التخليق من اللَّه في الحقيقة؛ لأنه هو المنفرد به دون الخلق، غير أنه أجرى ذلك على يدي عيسى؛ ليكون له آية لصدقه ونبوته، وعلى ذلك الآيات التي يأتي بها الرسل، ليست الرسل يأتون بها في الحقيقة، بل كان اللَّه هو الآتي بها، والمنشئ تلك الآيات حقيقة، لكنه يجريها على أيدي الرسل؛ لتكون آيات صدقهم، ودلالات رسالتهم، فأما أن يأتي الرسل بالآيات والحجج من عند أنفسهم فلا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تخلُقُ) ذكر التخليق؛ لما تسمي العرب تصوير الشيء وتقديره: تخليقًا؛ فعلى ذلك خرج الخطاب، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ) قيل: الأكمه: الذي يولد أعمى، وأما الأعمى فهو الذي يذهب بصره بعد ما كان بصيرًا. وقيل الأكمه: هو الذي لا حدقة له، وهو ما ذكرنا، واللَّه أعلم. قوله تعالى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ) والحواريون: قيل: هم خواصه، وكذلك أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هم حواريوه، وقد ذكرنا هذا في سورة آل عمران والاختلاف فيه. ثم قوله: (أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ) يحتمل الوحي إليهم وجهين: أحدهما: أنه أوحى إلى رسوله عيسى - عليه السلام - فنسب ذلك إليهم وأضيف؛ لأن الوحي إلى عيسى كالوحي إليهم؛ كقوله - تعالى -: (وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) وما أنزل علينا، وما أنزل على كذا ما أنزل إلى رسول الله كالمنزل إلينا؛ فعلى ذلك الوحي إلى عيسى هو كالوحي إليهم. والثاني: أوحى إليهم وحي إلهام؛ كقوله (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) الآية،
(112)
وقوله - تعالى - (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) ونحوه، أنه وحي إلهام وقذف لا وحي إرسال، والقذف في القلب من غير تكلف ولا كسب، وهو الإخطار بالقلب على السرعة (أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي). والخطر يكون من اللَّه تعالى، ويكون من الشيطان، لكن ما يكون من اللَّه تعالى يكون خيرًا، يتبين ذلك في آخره. وقوله - عَزَّ وجل -: (قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) يحتمل وجهين: يحتمل: أن قالوا لعيسى: واشهد أنت عند ربك بأننا مسلمون. ويحتمل: أن سألوا ربهم: أن يكتبهم من الشاهدين؛ كقوله - تعالى -: (آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ... (112) اختلف فيه: قيل: إن قومًا من غير الحواريين سألوا الحواريين أن يسألوا عيسى - عليه السلام - حتى يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ لأن الحواريين قد قلنا: إنهم كانوا خواص عيسى - عليه السلام - فكان كمن بدت له حاجة إلى بعض الملوك؛ فإنه إنما يرفع أولا إلى خواصه؛ فهم الذين يتولون رفعها إلى الملك؛ فعلى ذلك رفعوا حاجتهم إلى الحواريين؛ ليسألوا هم نبي اللَّه عيسى - عليه السلام - ليسأل ربه. وقال آخرون: لم يسألوا قومهم ذلك؛ ولكن الحواريين هم الذين سألوا عيسى - عليه السلام - أن يسأل ربه حتى ينزل عليهم مائدة من السماء، لكن سؤالهم ذلك يحتمل وجوها: الأول: يحتمل سألوا ذلك؛ لما أرادوا أن يشاهدوا الآية، ولم يكونوا شاهدوا قبل ذلك؛ فأحبوا أن يشاهدوها، وإن كانوا قد آمنوا به وصدقوه من قبل؛ ليزداد لهم بذلك طمأنينة ويقينًا، وهو كقول إبراهيم - عليه السلام -: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، لما يحتمل أن نفسه كانت تحدث وتنازع في ذلك، وأحب أن يعاين ذلك ويشاهده؛ ليزداد له طمأنينة ويقينًا؛ فعلى ذلك أُولَئِكَ
كانت أنفسهم تحدث وتنازع في مشاهدة الآيات؛ فأحبوا أن يريهم بذلك؛ ليزداد لهم - طمأنينة ويقينًا وصلابة في التصديق، واللَّه أعلم. والثاني: يحتمل أن يكون عيسى يخبرهم أن لهم كرامة ومنزلة عند اللَّه؛ فأحبوا أن يعرفوا منزلتهم عند اللَّه وكرامتهم. والثالث: سألوا ذلك؛ ليعرفوا منزلة عيسى - عليه السلام - عند اللَّه وكرامته: هل يجيب ربه دعاءه إذا سأل ربه؟ واللَّه أعلم. وإن كان السؤال من قوم غير الحواريين؛ فهو لما بدت لهم من الحاجة إليها، ولا نعلم ذلك إلا بالخبر الصادق. وقوله: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) يقرأ بالياء والتاء جميعًا: فمن قرأ بالتاء ذهب في التأويل إلى أن فيه إضمارًا؛ كأنهم قالوا: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء. ومن قرأ بالياء قال: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ)، أي: هل يجيب ربُّك دعاءك إذا دعوته أن ينزل علينا مائدة من السماء. قال الفراء: قد يكون مثل هذا السؤال على غير الجهل من السائل بالمسئول؛ لأنه يجوز أن يقال في الكلام: هل يستطيع فلان أن يقوم في حاجتنا وفي أمرنا، على علم منه أنه يستطيع، ولكنه يسأل عنه: أيفعل أم لا؟ وذلك جائز في العربية؛ ألا ترى أن قراءة من قرأ بالتاء - وهو ابن عَبَّاسٍ وعائشة: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) - على علم منهم أن عيسى يستطيع السؤال لربه؟! لكنهم قالوا ذلك لما ذكرنا، وذلك جائز في اللغة. ويجوز أن يراد بالاستطاعة: الإرادة، يقول الرجل لآخر: لا أستطيع أن أنظر إلى فلان، وهو يقدر النظر، لكنه يريد بذلك: لا أريد أن أنظر إليه؛ فعلى ذلك قوله: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ): هل يأذن لك ربُّك بالسؤال في ذلك، واللَّه أعلم.
(113)
وقوله: - عَزَّ وَجَلَّ -: (اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). أي: اتقوا اللَّه، ولا تسألوا شيئًا لم يأذن لكم في ذلك (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ... (113) قوله: (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا)، يدل أنهم سألوا ذلك؛ لما كانت تحدث أنفسهم وتنازع في مشاهدة الآيات ومعاينتها، وإن كانوا صدقوا عيسى - عليه السلام - فيما يقول لهم ويخبر عن اللَّه؛ للمعنى الذي ذكرنا في إبراهيم عليه السلام، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا). اختلف في تلاوته وفي تأويله: قَالَ بَعْضُهُمْ بالنصب (وَنَعْلَمَ)، فهي القراءة الظاهرة المشهورة، ومعناه: وأن نعلم ما قد صدقتنا. والثاني: أن العلم بالشيء من جهة الخبر ربما يعترض الوساوس والشبه؛ فطلبوا آية من جهة الحس والعيان؛ ليكون ذلك أدفع لما يعترض من الشبه والوساوس. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ). أي: نكون عليها لمن أنكرها من الشاهدين: أنها نزلت. قوله تعالى: (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا). أي: طعامًا دائمًا. قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله (تَكُونُ لَنَا عِيدًا)، أي: مجتمعًا، وسمي يوم العيد؛ لاجتماع الخلق. ثم قيل: نزلت يوم الأحد؛ فجعلوا ذلك اليوم يوم عيدهم. ثم اختلف في نزول المائدة: قال الحسن: لم تنزل المائدة؛ لأنه سأل أن تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا، ونحن من آخرهم، فلم يكن لنا ما ذكر. والثاني: (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)، وقد كفر منهم، ثم لم يظهر أنه عذبهم عذابًا لم يعذبه أحدًا
(115)
من العالمين. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ليس فيه دلالة أنها لم تنزل؛ لأنه يجوز أن يكون قوله: (تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا) ما لم يأت النسخ، فكان لهم ذلك إلى أن بعث نبيُّنا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فنسخ ذلك بيوم الجمعة. وقالوا: قوله: (فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) ذكر في بعض القصة أن من كفر منهم بعد ذلك مسخهم خنازير، فذلك تعذيب لم يعذبه أحدًا من العالمين. وقيل: يحتمل قوله - تعالى -: (فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) في الآخرة، واللَّه أعلم بذلك كله. * * * قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ. . .) الآية. يحتمل هذا القول أوجهًا ثلاثة: أحدها: أن كان هذا القول منه في الوقت الذي كان عيسى بين أظهرهم؛ ليكون ذلك آية وحجة لمن تبعه على من زاغ عن طريقه، وضل عن سبيل الهدى؛ لأنه تبرأ أن يكون قال لهم ذلك. ويحتمل: أن يكون قال ذلك له وقت رفعه إلى السماء: قرر عنده أن قومه يقولون ذلك القول بعد مفارقته قومه. وقيل: إنه يقول ذلك له يوم القيامة ويكون " قال " بمعنى: " يقول "؛ كقوله - تعالى -: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ)، وكقوله - تعالى -: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ
(117)
فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا)، أي: يقولون، وذلك جائز " قال " بمعنى: " يقول "، وذلك في القرآن كثير. واتخاذهم عيسى وأمه إلهين قول متناقض؛ لأنهم سمَّوها: أم عيسى؛ فإذا ثبتت لها الأمومة بطل أن تكون إلهًا؛ وكذلك عيسى: إذا ظهر أنه كان ابنا لها، بطل أن يكون إلها؛ لأنه لا يكون ابن غيره إلهًا، لكنهم قوم سفهاء، يقولون ذلك عن سفه. (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) أي: لا ينبغي لي أن أقول ما ليس ذلك بحق. (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ). يتكلم في النفس على وجهين: أحدهما: يراد ما يضمر. والثاني: على إرادة الذات؛ فإن كان اللَّه يتعالى عن أن يوصف بالذات كما يوصف الخلق؛ دل أنه إنما يراد بذلك غيره، وهو أن يقال: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو يقول: تعلم ما كان مني ولا أطلع على غيبك. (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ). أي: إنك أنت علام ما غاب عن الخلق. قوله تعالى: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ). أي: ما دعوتهم إلا إلى ما أمرتني أن أدعوهم إليه من التوحيد والعبادة لك. وقوله: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا). أي: شاهدًا عليهم. هذا يدل على أن ذلك القول كان منه وقت رفعه إلى السماء، أو يكون يوم القيامة. ويقال: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ)، أي: كنت عليهم حفيظًا ما كنتُ بين أظهرهم. (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ). أي: الحفيظ عليهم.
(118)
(وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). بما أمرتهم من التوحيد والعبادة لك، وشاهدًا عليهم بما قالوا من البهتان. وذكر في بعض القصة: لما قال اللَّه - تعالى - لعيسى: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) - قيل: فَأُرعِدَتْ مفاصله، وخشي أن يكون قالها؛ فقال: (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ. . .) الآية. وذكر -أيضًا- متكلمان يتكلمان يوم القيامة: نبي اللَّه عيسى ابن مريم - عليه السلام - وعدو اللَّه إبليس - لعنه اللَّه -: فأما كلام عيسى - عليه السلام - يقول اللَّه: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)؛ فقال عيسى ابن مريم - عليه السلام -: (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ. . .) إلى قوله: (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). وأما كلام اللعين: فيقول: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ. . .) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) اختلف فيه: عن الحسن قال: يقول ذلك في الآخرة: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ) إن تعذب من مات على ما كان منه من القول الوخش في اللَّه، (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ)، أي: وإن تغفر لمن أكرمت له بالإسلام والهدى (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)؛ لأن منهم من قد آمن بعد هذا القول الوخش في اللَّه. وقال آخرون: هذا القول كان من عيسى في الدنيا: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ)، يقول: إن تعذب من مات على الكفر الذي كان منهم (فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإن تَغفِر) من أكرمت له الهدى (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أي: أنت العزيز وهم عبادك أذلاء. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (فإنك أنت الغفور الرحيم) وهو ظاهر؛ لأنه ذكر أنه غفور على إثر المغفرة. وروي في الخبر أن نبي اللَّه - عليه السلام - كان أحيا ليله بقوله: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) به قام، وبه سجد، وبه قعد، فهو - واللَّه أعلم - على
(119)
التشفع والتضرع إليه؛ كأنه قال: إن خذلتهم فمن الذي ينصرهم ويدفع ذلك عنهم دونك، وهم عبادك أذلاء؟! وإن أكرمتهم فمن الذي يمنعك عن إكرامهم؟!. والثاني: إن تعذبهم فلك سلطان عليهم، ولست أنت في تعذيبك إياهم جائرا؛ لأنهم عبادك؛ لأن الجور هو المجاوزة عن الحد الذي له إلى الحد الذي ليس له. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ... (119) قيل: " قال. . . " بمعنى: " يقول اللَّه يوم القيامة " (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ)، أي: اليوم ينفع الصادقين صدقهم في الدنيا، وينفع صدق الصادق -أيضًا- في الدنيا؛ لأنه إذا عرف بالصدق قُبِلَ قوله، وإن لم يظهر صدقه في قوله. ثم اختلف في الصادقين من هم؟: قَالَ بَعْضُهُمْ: هم المؤمنون جملة، أي: يومئذ ينفع إيمان المؤمنين، وتوحيد الموحدين في الدنيا؛ كقوله - تعالى -: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: الصادقون: هم الأنبياء، عليهم السلام. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ). قد ذكرناه فيما تقدم. (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا). و" خالدين " و " أبدًا " واحد؛ لكنه يذكر على التأكيد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ). لسعيهم في الدنيا. (وَرَضُوا عَنْهُ). بالثواب لسعيهم. ويحتمل: (وَرَضُوا عَنْهُ) بما وفقهم على سعيهم المحمود في الدنيا (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). لأنه ليس بعده خوف الهلاك، ولا خوف الفوت؛ فهو الفوز العظيم، ليس كفوز الدنيا؛
(120)
لأنه لا يذهب عنه خوف الهلاك، ولا خوف الفوت. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ... (120) كأنَّ هذا خرج على إثر قوله: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)، أي: كيف يتخذ أربابًا وولدًا وله ملك السماوات والأرض وملك ما فيهن من الخلق، كلهم عبيده وإماؤه؟!. (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). لا يعجزه شيء، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم. * * *
سورة الأنعام
سُورَةُ الْأَنْعَامِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) الحمد: هو الثناء عليه بما صنع إلى خلقه من الخير. ألا ترى أن الذم نقيضه في: الشاهد، ويحمد المرء بما يصنع من الخير، ويذم على ضده. فالتحميد: هو تمجيد الرب، والثناء عليه، والشكر له بما أنعم عليهم.
والتسبيح: هو تمجيد الرب وتنزيهه عما قالت الملحدة فيه من الولد وغيره. والتهليل: هو تمجيد الرب وتنزيهه عما جعلوا له من الشركاء والأضداد، والوصف له بالوحدانية والربوبية. والتكبير: هو تمجيد الرب والوصف له بالعظمة والجلال، وتنزيهه عمّا وصفوه
بالعجز والضعف عن أن يكون ينشئ من العظام البالية خلقًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ). سفههم - عَزَّ وَجَلَّ - بما جعلوا له من الشركاء والأضداد على إقرار منهم أنه خلق السماوات والأرض، ولم يجعلوا له شركاء في خلقهما، وعلى علم منهم أنه تُعَلَّق منافع الأرض بمنافع السماء، مع بعد ما بينهما كيف جعلوا شركاء يشركونهم في العبادة والربوبية؟!. وقوله - تعالى -: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ). قال الحسن: الظلمات والنور: الكفر والإيمان.
(2)
وقال غيره من أهل التأويل: الليل والنهار في الحقيقة ما يكشف عما استتر من الأبصار: أبصار الوجوه، وأبصار القلوب. والظلم ما يستر ويغطي على الأبصار: أبصار الوجوه، وأبصار القلوب، فالظلمة تجعل كل شيء مستورًا عليه، والنور يجعل كل شيء كان مستورًا عليه ظاهرًا باديًا، هذا هو تفسير الظلمة والنور حقيقة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) قيل: يشركون مع ما بيَّن لهم ما يدل على وحدانية الرب وربوبيته، أي: جعلوا كل ما يعبدونه دون اللَّه عديلا لله، وأثبتوا المعادلة بينه وبين اللَّه - تعالى - وليس لله - تعالى - عديل، ولا نديد، ولا شريك، ولا ولد، ولا صاحبة، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. وقال الحسن: (بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي " يكذبون. وقوله - تعالى -: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) أي: خلق آدم أبا البشر من طين، فأما خلق بني آدم من ماء؛ كقوله تعالى: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ)، أخبر اللَّه - تعالى - أنه خلق آدم من الطين، وخلق بني آدم - سوى عيسى عليه السلام - من النطفة، وخلق عيسى - عليه السلام - لا من الطين ولا من الماء؛ ليعلموا أنه قادر على إنشاء الخلق لا من شيء، وأنه لا اختصاص للخلق بشيء، ولا ينكرون -أيضًا- إنشاء الخلق وإحياءهم وموتهم، وذلك لأنه لا يخلوا إما أن صاروا ترابًا أو ماء، أو لا ذا ولا ذا، فإذا رأوا أنه خلق آدم من الطين، وخلق سائر الحيوان من الماء، وخلق عيسى - عليه السلام - لا من هذين، كيف أنكروا إنشاء الخلق بعد الموت، وهو لا يخلو من هذه الوجوه التي ذكرنا؛ فيكون دليلا على منكري البعث بعد الموت،
على الدهرية في إنشاء الخلق لا من شيء؛ فإنهم ينكرون ذلك ويحيلونه؛ ولهذا وقعوا
في القول بقدم العالم، واللَّه الهادي. ويحتمل قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) أن يراد به في حق جميع بني آدم، وأضاف خلقنا إلى الطين، وكأن الخلق من الماء؛ لما أُبقِيَ في خلقنا من قوة ذلك الطين الذي في آدم وأثره، وإن لم يُرِه تلك القوة وذلك الأثر، وهذا كما أن الإنسان يرى أنه يأكل، ويشرب، ويغتذي، ويحصل به زيادة قوة في سمعه وبصره، وفي جميع جوارحه، وقد يحيا بها جميع الجوارح، وإن لم ير تلك القوة، فكذلك هذا. ويحتمل -أيضًا- على ما روي في القصة أنه يمازج مع النطفة شيئًا من التراب، فيؤمر الملك بأن يأخذ شيئًا من التراب من المكان الذي حكم بأن يدفن فيه، فيخلط بالنطفة، فيصير علقة ومضغة، فإنما نسبهم إلى التراب لهذا. ويحتمل النسبة إلى التراب وإن لم يكونوا من التراب؛ لما أن أصلهم من التراب، وهو آدم. وقوله - تعالى -: (ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) فالقضاء يتوجه إلى وجوه كلها ترجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه، وقد يكون لابتداء فعل وإنشائه؛ كقوله - تعالى -: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ)، ويقال: قضيت هذا الثوب، أي: عملته وأحكمته. وقد يكون بمعنى الأمر؛ قال اللَّه - تعالى -: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) أي: أمر ربك؛ لأنه أمر قاطع حتم.
وقد يكون بمعنى الإعلام؛ قال - تعالى -: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ)، أي: أعلمناهم إعلامًا قاطعًا. وقد يكون لبيان الغاية والانتهاء عنه والختم؛ كقوله - تعالى -: (ثُمَّ قَضَى أَجَلًا) أي: ختم ذلك وأتمه، وقد يكون غير ما ذكرنا.
(3)
ثم قوله: (قَضَى أَجَلًا) يحتمل هذا كله سوى الأمر. ثم قوله: (قَضَى أَجَلًا) وقيل: هو الموت، (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يوم القيامة، أطلعنا على أحد الأجلين وهو الموت؛ لأنا نرى من يموت ونعاين، ولم يطلعنا على الآخر وهو الساعة والقيامة. وقيل: (قَضَى أَجَلًا): أجل الدنيا من خلقك إلى أن تموت، (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) ويوم القيامة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ). أي: تشكون وتكذبون بعد هذا كله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ... (3) هذا - واللَّه أعلم - صلة قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) فإذا كان خالقهما لم يَشْرَكْهُ أحد في خلقهما، كان إله من في السماوات وإله من في الأرض لم يَشْرَكْهُ أحد في ألوهيته، ولا في ربوبيته. ويحتمل قوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) أي: إلى اللَّه تدبير، ما في السماوات وما في الأرض، وحفظهما إليه؛ لأنه هو المتفرد بخلق ذلك كله؛ فإليه حفظ ذلك وتدبيره.
وقوله: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) اختلف فيه. قيل: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ): ما تضمرون في القلوب (وَجَهْرَكُم): ما تنطقون، (وَيَعْلَمُ مَا تكسِبُونَ): من الأفعال التي عملت الجوارح؛ أخبر أنه يعلم ذلك كله؛ ليعلموا أن ذلك كله يحصيه ليحاسبهم على ذلك؛ كقوله: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ)، أخبر أنه يحاسبهم بما أبدوه وما أخفوه، فعلى ذلك الأول قد أفاد أن ذلك كله يحصيه عليهم، ويحاسبهم في ذلك؛ ليكونوا على حذر من ذلك وخوف. وقيل: (يَعْلَمُ سِرَّكُم): ما خلق فيهم من الأسرار، من نحو السمع، والبصر وغيرهما؛ لأن البشر لا يعرفون ماهية هذه الأشياء وكيفيتها، ولا يرون ذلك كما يرون غيرها من الأشياء، ولا يعرفون حقائقها؛ أخبر أنه يعلم ذلك وأنتم لا تعلمون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَهْرَكُم) أي: الظواهر منكم، (وَيَعْلَمُ مَا تكسِبُونَ): من الأفعال والأقوال.
(4)
قوله تعالى: (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) يحتمل: ما تأتيهم من آية من آيات توحيده، أو من آيات إثبات رسالة مُحَمَّد ونبوته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويحتمل في إثبات البعث والنشور بعد الموت؛ لما أخبر أنه خلقهم من طين، فإذا ماتوا صاروا ترابًا، فإذا كان بدء إنشائهم من طين، فإذا عادوا إليه يقدر على إنشائهم ثانيا؛ إذ ليس إنشاء الثاني بأعسر من الأول. ثم يحتمل الآيات آيات القرآن. ويحتمل الآيات ما كان أتى به رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من الآيات سوى آيات القرآن. ثم أخبر عن تعنتهم ومكابرتهم بقوله: (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ)، فإذا أعرضوا عنها لم ينتفعوا بها؛ ليعلم أنه إنما ينتفع بالآيات من تأملها ونظر فيها لا من أعرض عنها. ثم سورة الأنعام إنما نزلت في محاجة أهل الشرك، ولو لم يكن القرآن معجزًا كانت
سورة الأنعام معجزة؛ لأنها نزلت في محاجة أهل الشرك في إثبات التوحيد والألوهية لله والبعث، فكيف يكون وقد جعل اللَّه القرآن آية معجزة عَجَزَ البشرُ عن إتيان مثله،
(5)
ولم يكونوا يومئذ يعرفون التوحيد والبعث، كانوا كلهم كفارًا عبدة الأوثان والأصنام لا يحتمل أن يكون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ألف ذلك وأنشأه من ذات نفسه؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك باللَّه. وفيه دلالة إثبات المحاجة في التوحيد والمناظرة فيه؛ لأن أكثرها نزلت في محاجة أهل الشرك، وهم كانوا أهل شرك، وينكرون البعث والرسالة، فتنزل أكثرها في محاجتهم في التوحيد وإثبات البعث والرسالة. وفيه أنه إذا ثبت فساد قول أحد الخصمين، ثبت صحة قول الآخر؛ لأن إبراهيم لما قال: (هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ)، أثبت فساد عبادة من يعبد الآفل بالأفول. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ... (5) يحتمل الحق: الآيات التي كان يأتي بها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من آيات التوحيد وآيات البعث. ويحتمل القرآن، ولو لم يكن يأتي رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بآية كانت نفسه آية عظيمة من أول نشأته إلى آخر عمره؛ لأنه عصم حتى لم يأت منه ما يستسمج ويستقبح قط؛ فدل أن ذلك إنما كان لما جعل آية في نفسه، وموضعًا لرسالته، وعلى ذلك تخرج إجابة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أول دعوة دعاه إلى ذلك لما كان رأى منه من آيات، فلما دعاه أجابه في ذلك مع ما كان منعه من آيات عظيمة، وأعلام عجيبة.
(6)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) معناه - واللَّه أعلم - أن يأتيهم وينزل بهم ما نزل بالمستهزئين، وإلا كان أتاهم أنباء ما نزل بالمستهزئين، ولكن معناه ما ذكرنا، أي: ينزل بهم ويحل ما نزل وحل بالمستهزئين. ويحتمل قوله وجهًا أَخر: (فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) وهو العذاب؛ لأن الرسل كانوا يوعدونهم أن ينزل بهم العذاب بتكذيبهم الرسل، فعند ذلك يستهزئون بهم؛ كقوله: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا)، وكقوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ)، وغير ذلك؛ إذ قالوا: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، فأخبر أنه ينزل بهم ذلك كما نزل بأُولَئِكَ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ... (6) قال الحسن: ألم يروا: ألم يعتبروا (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ). وقال أبو بكر الكيساني: (أَلَمْ يَرَوْا) قد رأوا (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ) قال: وهو واحد، قد رأوا آثار الذين أهلكوا بتكذيبهم الرسل، وتعنتهم ومكابرتهم، لكنهم لم يعتبروا بذلك. - وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أعطيناهم من الخير والسعة والأموال ما لم نمكن لكم يا أهل مكة أي: لم نعطكم، ثم إذا كذبوا الرسل أهلكهم اللَّه - تعالى - وعاقبهم بأنواع العقوبة.
ويحتمل: مكناهم في الأرض من القوة والشدة؛ كقوله: (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)، ثم مع شدة قوتهم أهلكوا إذ كذبوا الرسل. ويحتمل وجها آخر: (مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ) أي: في قلوب الخلق، من نفاذ القول، وخضوع الناس لهم؛ لأنهم كانوا ملوكًا وسلاطين الأرض، من نحو نمرود، وفرعون، وعاد، مع ما كانوا كذلك أهلكوا إذ كذبوا الرسل، وأنتم يا هَؤُلَاءِ ليس
لكم شيء من ذلك، أفلا تهلكون إذا كذبتم الرسل؟! وإنما حملهم على تكذيب الرسل - واللَّه أعلم - لما كانوا ذوي سعة وقوة، فلم يروا الخضوع لمن دونهم في ذلك لما رأوا الأمر بالخضوع لمن دونهم في ذلك جورًا غير حكمة، وإنما أخذوا ذلك من إبليس اللعين؛ حيث قال عند أمره بالسجود لآدم، فقال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) فعلى ذلك هَؤُلَاءِ الكفرة رأوا الأمر بالخضوع لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - جورًا منه، حتى قالوا: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا) قَالَ الْقُتَبِيُّ: مدرارا بالمطر: أي غزيرا، من درَّ يدرُّ. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: أي: درت عليهم السماء بالمطر، أي: كثر ودام وتتابع واحدا بعد واحد في وقت الحاجة (وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ) أخبر عن سعة، أُولَئِكَ،
(7)
وما أنعم عليهم من كثرة الأمطار والأنهار ما لم يكن ذلك لهَؤُلَاءِ، ثم مع ما كان أعطاهم ذلك أهلكهم إذ كذبوا الرسل. فَإِنْ قِيلَ: كيف ذكر إهلاك هَؤُلَاءِ، وخوف أُولَئِكَ ذلك بتكذيبهم الرسل، وقد أهلك الرسل والأولياء من قبل؟ قيل: لأن إهلاك أُولَئِكَ إهلاك عقوبة وتعذيب؛ لأنه كان أهلكهم هلاك استئصال واستيعاب؛ خارجًا عن الطبع، وأهلك أُولَئِكَ الرسل والأولياء لا إهلاك عقوبة خارجًا عن الطبع؛ لذلك كان ما ذكر. * * * قوله تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) يخبر بشدة تعنتهم أنهم وإن أتوا ما سألوا من الآيات لم يؤمنوا به؛ لأنهم كانوا سألوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن ينزل كتابًا يعاينونه، ويقرءونه، كقوله: (وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ) وكقوله: (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)، ونحوه من الآيات، وقوله: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ) أي: في صحيفة، مكتوبًا، يعلمون أنه لم يكتب في الأرض، ولمسوه بأيديهم، وعاينوه لم يؤمنوا به، ولا صدقوه، وقالوا: (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) يخبر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنهم لا يؤمنون، ويخبره بشدة تعنتهم أنهم لا يؤمنون وإن جئت بكل آية؛ إذ قد أتاهم من الآيات ما إن تأملوا ولم يتعنتوا لدلتهم على ذلك، لكنهم أعرضوا عنها، ولم يتأملوا فيها لتعنتهم، وشدة مكابرتهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ... (8) أن مشركي العرب كانوا لا يعرفون
(9)
الرسل، ولا الكتب، ولا كانوا آمنوا برسول ولا كتاب، فقالوا: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا)، ونحوه من السؤال، فيسألون إنزال الملك. ثم يحتمل سؤالهم إنزال الملك لما لم يكونوا رأوا الرسل يكونون من البشر، وإنما رأوا الرسول إن كان يكون ملكًا، فقالوا: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ). ويحتمل أن يكون سؤالهم إنزال الملك سؤال عناد وتعنت، لا سؤال طلب الرسول من الملائكة، فقال: (وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا) على ما سألوا (لَقُضِيَ الْأَمْرُ) أي أن الملك إذا نزل على إثر سؤال العناد والتعنت ينزل بالعذاب والهلاك، فهذا يبين أن سؤالهم سؤال تعنت وعناد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ) أي أنهم كانوا يسألون إنزال الملك آية لصدقه - عليه السلام - فقال: (وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ) أي: يهلكون؛ لأن الآيات إذا نزلت على إثر سؤال القوم ثم خالفوا تلك الآيات وكذبوها لنزل بهم العذاب والهلاك، وإن جاءت الآيات على غير سؤال، فكذبوها يمهلون، ولا يعذبون عند تكذيبهم إياها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا ... (9) قيل: آدميًّا بشرًا، ويحتمل هذا وجوهًا: أحدها: أي: لو بعثنا الرسول ملكًا لجعلناه على صورة البشر؛ لأنه لو كان على صورة الملائكة لصعقوا ودهشوا؛ لأنه ليس في وسع البشر رؤية الملك على صورته. ألا ترى أن جبريل - عليه السلام - إذا نزل على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم ينزل على صورته، ولكن كان ينزل على صورة البشر، حتى ذكر أنه كان ينزل عليه على صورة
دحية الكلبي، وأنه متى رآه على صورته صعق وتغير حاله، فإذا رأوا ذلك في وجهه قالوا: إنه لمجنون، فقال: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا) ويكون فيه ما في رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من اللبس به. والثاني: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا)؛ لأنهم لا يعرفون صدقه، فيحتاجون إلى الدلائل، والآيات التي تدلهم على أنه ملك، وعلى صدقه، فذلك لا يعرف إلا بالبشر؛ لأنهم لا يعرفون صدقه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ. . .) الآية. قالوا: لا يجوز إضافة اللبس إلى اللَّه - تعالى - إلا على المجازاة للبس، كالاستهزاء،
والمكر، والخداع. ويحتمل قوله: (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) أي: لو جعلناه ملكًا للبسنا عليهم ما لبس أُولَئِكَ على صنيعهم؛ حيث قالوا: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)، و (مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا)، وغير ذلك من الكلام، لكنا لا نفعل حتى لا يكون ذلك لبسًا؛ إذ ليس في وسعهم النظر إلى الملك، ولو جعلنا ذلك ملكًا لكان ذلك لبسًا. فإن قال لنا ملحد في قوله: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) (وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ) سألوا أن ينزل على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ملك، وقال: (وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ)، وأنتم تقولون: إنه قد أنزل عليه الملك، وهو أخبر لو أنزل عليه الملك لقضي الأمر، ولم يقض الأمر، كيف لآيات لكم إنما اختار ذلك من نفسه؛ لأن اللَّه أنزل عليه ذلك. قيل: إنهم إنما سألوا أن ينزل عليهم الملك - وإن لم يذكر في الآية السؤال - لما ذكر في آية أخرى؛ كقولهم: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا)، أو سألوا أن
(10)
تأتيهم الملائكة وتأتيه، قالوا: كيف يخَصُّ هو بإتيان الملائكة دوننا وهو كواحد منا؛ كقوله: (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)، وهذا جائز أن يكون أسئلة لم تذكر، ويكون في الجواب بيان ذلك، على ما ذكرنا من قبل في غير موضع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (10) يصبر رسوله على تكذيب قومه ليعلم أنه ليس هو أول مكذب، ولكن قد كذب الرسل الذين من قبلك، ويخبره أنه يلحق هَؤُلَاءِ بتكذيبك كما لحق أُولَئِكَ بتكذيبهم الرسل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَحَاقَ). قال أَبُو عَوْسَجَةَ: " حاق " أي: رجع، يقال: حاق يحيق حيقًا، أي: رجع عليهم. وقال الكيساني: حاق بهم أي: أحاط بهم ونزل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) ليس على الأمر بالسير في الأرض، ولكن على الاعتبار والتفكر فيما نزل بأُولَئِكَ بتكذيبهم الرسل؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - أراهم آيات عقلية وسمعية، فلم ينفعهم ذلك، فأراد أن يريهم آيات حسية ليمنعهم ذلك عن التكذيب والعناد. * * * قوله تعالى: (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ). يحتمل وجهين: أحدهما: أن يخرج مخرج البيان لهم وأنه ليس على الأمر؛ لأنه لو كان على الأمر لكان يذكر سؤاله لهم، ولم يذكر وإن سألهم، لا يحتمل ألا يخبروه بذلك، فلما لم يذكر
سؤاله لهم عن ذلك، ولا يحتمل أن يأمره بالسؤال ثم لا يسأل، أو يسأل هو ولا يخبرونه - فدل أنه على البيان خرج لا على الأمر. والثاني: على أمر سبق؛ كقوله - تعالى -: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ)، وكقوله: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ. . .)، إلى قوله: (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ)، وقوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، ونحوه، كان على أمر سبق، فسخرهم - عَزَّ وَجَلَّ - حتى قالوا: اللَّه؛ كقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) ذلك تسخير منه إياهم حتى قالوا: اللَّه. وفي حرف ابن مسعود، وأبي بن كعب - رضي اللَّه عنهما - (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ) هذا يدل على أنه كان على أمر سبق. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: سلهم، فإن أجابوك فقالوا: لله، وإلا فقل لهم أنت: لله. وقال قائلون: فإن سألوك لمن ما في السماوات والأرض؟ قل لله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ). قال الحسن: كتب على نفسه الرحمة للتوابين إن شاء أن يدخلهم الجنة، لا أحد يدخل الجنة بعمله، إنما يدخلون الجنة برحمته، وعلى ذلك جاء الخبر عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " لا يدخل أحد الجنة بعمله " قيل: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته ". وقيل: كتب على نفسه الرحمة أن يجمعهم إلى يوم القيامة، أي: من رحمته أن يجمعهم إلى يوم القيامة، حيث جعل للعدو عذابًا، وللولي ثوابًا، أي: من رحمته أن يجمعهم جميعًا، يعاقب العدو ويثيب الولي. وقيل: أي: من رحمته أن جعل لهم الجمع، فأوعد العاصي العذاب، ووعد
(13)
المطيع الثواب؛ ليمنع العاصي ذلك عن عصيانه، وليرغب المطيع في طاعته، وذلك من رحمته. وقال قائلون: (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) لأمة مُحَمَّد ألا يعذبهم عند التكذيب، ولا يستأصلهم، كما عذب غيرهم من الأمم، واستأصلهم عند التكذيب، فالتأخير الذي أخرهم إلى يوم القيامة من الرحمة التي كتب على نفسه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) قيل: (إِلَى) صلة، ومعناه: ليجمعنكم يوم القيامة. وقيل: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي: ليوم القيامة، كقوله: (لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ). وقال قائلون: قوله: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ) في القبور (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ثم يجمعكم يوم القيامة والقرون السالفة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا رَيْبَ فِيهِ) أي: لا ريب في الجمع والبعث بعد الموت عند من يعرف أن خلق الخلق للفناء خاصة، لا للبعث والإحياء بعد الموت للثواب والعقاب، ليس لحكمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) قد ذكرناه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) في الآية - واللَّه أعلم - إنباء أن الخلق كلهم تحت قهر الليل والنهار وسلطانهما، مقهورين مغلوبين؛ إذ لم يكن لأحد من الجبابرة، والفراعنة الامتناع عنهما، ولا صرف أحدهما إلى الآخر،
بل يدركانهم، شاءوا أو أبوا، وسلطانهما جار عليهم ليعلموا أن لغير فيهما تدبيرا، وأن قهرهما الخلق وسلطانهما كان بسلطان من له التدبير والعلم، ثم جريانهما على سنن واحد ومجرى واحد يدل على أن منشئهما واحد، ومدبرهما عليم حكيم. وقال بعض أهل التأويل: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)، ما استقر في الليل والنهار، من الدواب والطير، في البر والبحر، فمنها ما يستقر نهارًا وينتشر ليلا، ومنها ما يستقر بالليل وينتشر بالنهار. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) وذلك أن كفار أهل مكة أتوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وقالوا: يا مُحَمَّد، إنا قد علمنا أنه ما يحملك على هذا الذي تدعو إليه إلا الحاجة، فنحن نجعلك في أموالنا حتى تكون أغنانا رجلا، وترجع عما أنت عليه؛ فنزلت: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ)؛ لمقالة أُولَئِكَ. (العَلِيمُ) من أين يرزقهم، لكن الوجه فيه ما ذكرنا آنفًا أن الخلق كلهم تحت قهرهما وسلطانهما. وفيهما وجوه من الحكمة: أحدها: بعض ما ذكرنا ليعلم أن مدبرهما واحد، وفيه نقض قول الفلاسفة؛ لأنهم
(14)
يقولون: الظلمة كثافة ستارة، والنور دقيق دراك. وفيهما ما ذكر من المنافع بقوله: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا) وغيره من المنافع. وقوله - عزَّ وجلَّ -: (وَهُوَ السَّمِيعُ) لمن دعا له، (الْعَلِيمُ): بمصالح الخلق وحاجتهم. * * * قوله تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ) وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (رَبًّا)؛ كأن هذا صلة قوله: (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ) فإذا أقررتم أن ذلك كله لله فكيف تتخذون له شركاء فتعبدون غير اللَّه وهو فاطر السماوات والأرض ومنشئهما ومنشئ ما فيهما، كيف صرفتم العبادة إلى غير اللَّه؟ وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ). قال أهل التأويل: هو يرزق ولا يرزق، ليس كمن له عبيد في الشاهد يرزق بعضهم بعضًا، الموالي من العبيد، والعبيد من السادات، ينتفع بعضهم من بعض، فأما اللَّه - سبحانه وتعالى - خلق الخلق لا لمنفعة نفسه؛ لأنه غني بذاته، والخلق فقراء إليه؛ كقوله - تعالى -: (أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ). قال الحسن: أول من أسلم من قومه، وأصله: (إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) أي: أُمرت أن أسلم وأخضع أنا أولا، ثم آمركم بذلك.
(15)
واحتج بعض الناس بظاهر هذه الآية أن الإسلام لا يلزم إلا بالأمر والدعاء إليه، وقالوا: إن من مات قبل أن يؤمر به، وقبل أن يدعي إليه - فإنه لا شيء عليه، وعلى ذلك من مات في وقت الفترة وانقطاع الرسل والوحي؛ لأنّه قال: (إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) أخبر أنه أمر بذلك، وإذا لم يكن ثَمَّ أمر لم يلزم، لكن الوجه في الآية ما ذكرنا، أي: أمرت أن أسلم وأخضع أولا ثم آمر غيري، فإذا كان التأويل هذا بطل أن يكون في ذلك حجة لهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قل يا مُحَمَّد لكفار أهل مكة: (إِنِّي أَخَافُ)، أي أعلم (إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) فعبدت غيره، (عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ). هذا التأويل صحيح إن كان ما ذكر من سؤالهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعرضهم المال عليه ليعود ويرجع إلى دينهم، فيخرج هذا على الجواب لهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله - تعالى -: (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) وعلى الخوف، لكن لقائل أن يقول: كيف خاف عذاب يوم عظيم وقد أخبر أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! وكيف قال: (إِنْ عَصَيْتُ) وقد أخبر أنه عصمه وغفر له؟ قيل: يحتمل أن تكون المغفرة له على شرط الخوف غفر له ليخاف عذابه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ... (16) قال بعض المعتزلة: الرحمة هاهنا: الجنة؛ لأن اللَّه - تعالى - جعل في الآخرة دارين؛ إحداهما:
النار، سماها سخطًا. والأخرى: الجنة، سماها رحمة. وإنما حملهم على هذا أنهم لا يصفون اللَّه بالرحمة في الأزل، فعلى قولهم يكون قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته "، أي: يثيبني الجنة. ولكن سميت الجنة رحمة عندنا لما برحمته يدخلون الجنة، لا بأعمالهم؛ لما روينا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث قال: " لا يدخل أحد الجنة بعمله " قيل: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته ".
وعلى قول المعتزلة فيكون اللَّه بالملائكة رحيمًا لأنه [ ..... ]، ولا ثواب، ولكن الوجه فيه ما ذكرنا أنها سميت رحمة لما برحمته يدخل فيها. وعلى هذا يخرج ما سمي المطر رحمة لما برحمته ينزل، وكذلك كل ما سمي رحمة
(17)
في الشاهد يخرج على ما ذكرنا، واللَّه أعلم. ثم قوله: (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ). قيل: من يصرف عنه العذاب يومئذ فقد رحمه، وكذلك روي في حرف حفصة: (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ)، وفي حرف ابن مسعود: (من يصرف عنه شر ذلك اليوم فقد رحمه). ويحتمل أن يكون قوله: (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ) صلة قوله: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ). وكذلك روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال في قوله - تعالى -: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ): قل لكفار أهل مكة حين دعوه إلى دينهم، على ما ذكر في بعض القصة: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ). وذلك الصرف - يعني: صرف العذاب - الفوز المبين، وإنما ذكره - واللَّه أعلم - فوزا مبينًا؛ لأنه فوز دائم، لا زوال له، وليس كفوز هذه الدنيا يكون في وقت ثم يزول عن قريب، ولا كذلك فوز الآخرة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) فيه إخبار أن ما يصيب العبد من الضرّ والخير إنما يصيب به، ثم الضر المذكور في الآية لا يخلو من أن يراد به سقم النفس، أو ضيق العيش، أو شدة وظلم يكون من
(18)
العباد لا يخلو من هذه الأوجه الثلاثة، فإذا كان كذلك فدل إضافة ذلك إلى اللَّه - تعالى - على أن لله فيه فعلا، وهو أن خلق فعل ذلك منهم، فهو على كل شيء قدير من كشف الضر له، والصرف عنه، هاصابة الخير لا يملك ذلك غيره. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) في هذه الآية والآية الأولى ذكر أهل التوحيد؛ لأنه أخبر أن ما يصيب العباد من الضر والشدة لا كاشف لذلك إلا هو، ولا يدفع ذلك عنهم ولا يصرفه إلا اللَّه، وأن ما يصيبهم مق الخير إنما يصيبهم بذلك اللَّه، وأخبر أنه على كل شيء قدير. وفي قوله: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) وإخبار أنه قاهر يقهر الخلق، عزيز، قادر، وله سلطان عليهم، وأنهم أذلاء تحت سلطانه. وفي قوله: (فَوْقَ عِبَادِهِ) إخبار بالعلوية، والعظمة، وبالتعالي عن أشباه الخلق. (وَهُوَ الْحَكِيمُ): يضع كل شيء موضعه. (الْخَبِيرُ): بما يسرون وما يعلنون، إخبار ألَّا يخفى عليه شيء، وأنه يملك وضع كل شيء موضعه، وأن ما يصيبهم من الضر والشدة إنما يكون به، لا يملك أحد صرفه، وأن ما ضر أحد أحدًا في الشاهد، أو نفع أحد أحدًا إنما يكون ذلك باللَّه في الحقيقة. وفي هذه الأحرف: إخبار عن أصل التوحيد وما يحتاج إليه لما ذكرنا من الوصف له بالقدرة والقهر، والوصف له بالعلو والعظمة، والتعالي عن أشباه الخلق، والوصف له بالحكمة في جميع أفعاله، والعلم بكل ما كان ويكون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ... (19) كأن في الآية إضمارًا - واللَّه أعلم - أي (قُلْ) يا مُحَمَّد (أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً)،
فيقولون: اللَّه؛ لأنهم كانوا يقرون أنه خالق السماوات والأرض، وأنه أعظم من كل شيء؛ لكنهم يشركون غيره في عبادته، ويقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، وإلا كانوا يقرون بالعظمة له والجلال، فإذا سئلوا: (أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً)، فيقولون: اللَّه. ويحتمل -أيضًا- أن يقول لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إنهم إذا سألوا: (أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً)؟ قل: اللَّه، فإنك إذا قلت لهم ذلك يقولون هم أيضًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ). في كل اختلاف بيننا وبينكم في التوحيد، والبعث بعد الموت، ونحوه. ويحتمل: (قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) وفي كل حجة وبرهان أتاهم الرسول به. وفي قوله: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ): دلالة أنه يقال له شيء؛ لأنه لو لم يجز أن يقال له شيء لم يستثن الشيء منه، وكذلك في قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) أنه
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شيء؛ لأن " لا شيء " في الشاهد، إنما يقال إما للنفي أو للتصغير، ولا يجوز في الغائب النفي ولا التصغير؛ فدل أنه إنما يرادب " الشيء " الإثبات لا غير وباللَّه العصمة. ذكر في بعض القصة في قوله: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً) أن رؤساء مكة أتوا رسول اللَّه، فقالوا: يا مُحَمَّد، أما وجد اللَّه رسولا يرسله غيرك، ما ترى أحدًا يصدقك بما تقول، ولقد سالنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، ولا صفة، ولا مبعث، فأرنا من شهد لك أنلث رسول اللَّه كما تزعم. فقال اللَّه - تعالى -: يا مُحَمَّد، قل لهم: (أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً)، يقول: أعظم شهادة؛ يعني: البرهان، مُحَمَّد حجة وبرهان، فإن أجابوك فقالوا: اللَّه، وإلا فقل لهم: اللَّهُ أَكْبَرُ شهادة من خلقه أني رسوله، واللَّه شهيد بيني وبينكم في كل اختلاف بيننا وبينكم، في التوحيد، وإثبات الرسالة، والبعث، وكل شيء. وذكر في هذه القصة أنهم لما قالوا: من يشهد أن اللَّه رسلك رسولا، قالوا: فهلا أنزل إليك ملك. فقال اللَّه لنبيه: قل لهم: (أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً)؛ فقالوا: اللَّهُ أَكْبَرُ شهادة من غيره، فقال اللَّه:، قل لهم يا مُحَمَّد: اللَّه شهيد بيني وبينكم أني رسول اللَّه، وأنه (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ)، ومن بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له. ثم قال لهم: (أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى)، قالوا: نعم، نشهد. فقال الله لنبيّه: قل لهم: لا أشهد بما شهدتم، ولكن أشهد أنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون.
وقوله - عَزَّ وَجَلََّ: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ). كأنه قال: أوحي إليَّ هذا القرآن الذي تعرفون أنه من عند اللَّه جاء؛ لأنه قال لهم: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)، فعجزوا عن إتيان مثله، فدل عجزهم عن إتيان مثله أنهم عرفوا أنه جاء من عند اللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -؛ (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ): لا ينذر بالقرآن ولكن ينذر بما في القرآن؛ لأنه فيه أنباء ما حل بأشياعهم بثكذيبهم الرسل، وما يحل بهم من العذاب في الآخرة بتكذيبهم الرسل، وإلا فظاهر القرآن ليس مما لنذر به، (وَمَنْ بَلَغَ) كأنه قال: وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به، وأنذر من بلغه القرآن، صار رسول اللَّه نذيرًا ببلوغ القرآن لمن بلغه، فإذا صار نذيرًا به لمن بلغه وإن كان هو في أقصى الدنيا يصير هو نذيرًا في أقصى الزمان، في كل زمان، وهو - واللَّه أعلم - كقوله - تعالى -: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) ورسول اللَّه هاد لقومه إلى يوم القيامة. وفي الآية دلالة أن البشارة والنذارة يكونان ببعث آخر يبشر أو ينذر، وهو دليل لقول أصحابنا: إن من حلف: أيُّ عبدٍ من عبيدي بَشَّرَنِي بكذا فهو حرّ، فبشره برسول أو بكتاب، يكون بشارة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى) فهذا في الظاهر استفهام، ولكنه في الحقيقة إيجاب أنكم لتشهدون أن مع اللَّه آلهة أخرى، بعد ما ظهر
(20)
عندكم آيات وحدانيته، وحجج ربوبيته لما عرفتم أنه خالقكم وخالق السماوات والأرض، به تعيشون وبه تحيون، وبه تموتون، مع ما ظهر لكم هذا أشركتم مع اللَّه آلهة أخرى، وليس ذلك مما تشركون في عبادته وألوهيته، وأنا لا أشهد، وإنما أشهد أنه إله واحد وإنني بريء مما تشركون في ألوهيته وربوبيته. * * * قوله تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ). قيل: نزلت سورة الأنعام في محاجة أهل الشرك، إلا آيات نزلت في محاجة أهل الكتاب، إحداها هذه. وجائز أن يكون أهل الشرك يعرفون أنه رسول كما يعرفون أبناءهم، ويكون الكتاب هو القرآن - هاهنا - لما قرع أسماعهم هذا القرآن، وأمروا أن يأتوا بمثله، فعجزوا عنه، وبما
(21)
كانوا يختلفون إلى أهل الكتاب، ويسألونهم عن نعته وصفته، ويخبرونهم، فعرف أهل الشرك أنه رسول، كما عرف أهل الكتاب بوجود نعته وصفته في كتابهم. وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لعبد اللَّه بن سلام: إن اللَّه قد أنزل على نبيه - عليه السلام - بمكة: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ)، فكيف يا عبد الله المعرفة؛ فقال عبد اللَّه: يا عمر، لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب، وأنا أشد معرفة بمُحَمَّد مني لابني، فقال: كيف ذلك؟ فقال: أنا أشهد أنه رسول اللَّه حق من اللَّه، ولا أدري ما صنع النساء، أو ما أحدث النساء، وقد نعت في كتابنا. فقال له عمر: صدقت وأصبت. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) قال أهل التأويل: لا أحد أظلم ممن افترى على اللَّه كذبا، لكن هذا - في الحقيقة - كأنه سؤال واستفهام؛ كأنه قال: من أظلم من الظالمين، قال: من افترى على اللَّه كذبًا، يقال: من فعل هذا؟ قال: فلان، أو من قال هذا؟ قال: فلان، فهو - والله أعلم - على السؤال والاستفهام. ثم قيل الذين افتروا على اللَّه كذبًا: إن معه شريكًا كقولهم: إن مع اللَّه آلهة أخرى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِ). قيل: مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقيل: القرآن.
(22)
(إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ). قَالَ بَعْضُهُمْ: إنه لا يفلح الظالمون بظلمهم، لكن عندنا قوله: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) ما داموا في ظلمهم، أو نقول: لا يفلح الظالمون إذا ختموا وماتوا على الظلم والكفر. * * * قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا). المطيع والعاصي، والكافر والمؤمن. (ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ). ذكر - هاهنا - شركاءهم، أضاف ذلك إليهم؛ لأنهم كانوا من جنسهم وجوهرهم، يفنون كما يفنون هم، وذكر في آية أخرى: (شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ)، أنهم شركائي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) قال الحسن: الآية نزلت في المنافقين، وذلك أنهم كانوا يكذبون في الدنيا فيما بينهم، فظنوا أن يتروج كذبهم في الآخرة كما كان يتروج في الدنيا، وسماهم مشركين؛ لأنهم كانوا مشركين لأنهم أشركوا في السر، فقالوا: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ). وقال غيره من أهل التأويل: الآية نزلت في أهل الشرك من العرب؛ وذلك أنهم كانوا يشركون مع اللَّه آلهة، وكانوا ينكرون البعث بعد الموت، وينكرون الرسالة، فلما أن عاينوا ذلك أنكروا أن يكونوا أشركوا غيره في ألوهيته وربوبيته. وقوله - تعالى -: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا). أي: لم يكن افتتانهم في الدنيا بافترائهم على اللَّه الكذب وإشراك غيره معه، وتكذيبهم آيات اللَّه، إلا أن قالوا في الآخرة: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ). وذكر في بعض القصة أن المشركين في الآخرة لما رأوا كيف يتجاوز اللَّه عن
(24)
أهل التوحيد، قَالَ بَعْضُهُمْ لبعض: إذا سئلنا فقولوا: إنا كنا موحدين، فلما جمعهم الله وشركاءهم فقال: (أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) في الدنيا بأنهم معي شريك. قوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ). قال أهل التأويل: معذرتهم وجوابهم إلا الكذب حين سئلوا ففالوا: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) تبرءوا من ذلك. ثم قال اللَّه: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ... (24) في الآخرة، (مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ): من الشرك في الدنيا. قيل: لما أنكروا أن يكونوا مشركين في الدنيا ختم اللَّه على ألسنتهم، وشهدت الجوارح عليهم بالشرك. وقيل: انظر كيف كذبوا على أنفسهم، يقول: كيف صار وبال كذبهم عليهم؟!. (وَضَلَّ عَنْهُمْ) قيل: واشتغل عنهم. قوله تعالى: (مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) يقول: يكذبون. وأصله: أنه يذكر نبيه شدة تعنتهم وسفههم أنهم كيف يكذبون عند معاينة العذاب، فإذا كانوا بنأي منه وبعد كانوا أشدّ تكذيبا وأكثر تعنتًا؛ لأنهم يطلبون الرد إلى الدنيا بقولهم (فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)، فقال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ). * * * قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)
(25)
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ... (25) وكانوا يستمعون إليه ليجادلوه، على ما ذكر، (احَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ) دل هذا أنهم كانوا يستمعون إليه للمجادلة معه والخصومة. وقيل في بعض الحكايات: إن الناس كانوا ثلاث فرق في أخبار الرسل والأنبياء - عليهم السلام -: منهم من يستمع للجمع والاستكثار. ومنهم من يستمع ليأخذ عليهم سقطاتهم وما يجري على لسانهم من الخطأ. ومنهم من يستمع ليأخذ الحق منه ويترك الباقي، ولكن هَؤُلَاءِ كانوا يستمعون إليه ليخاصموه في ذلك وليجادلوه؛ ليعرف قومهم أنهم يستمعون إليه، ويعرفون ما يقول ليصدوا بذلك أتباعهم. والثاني: أنهم يستمعون ويحاجون في ذلك ليعرفوا أنهم أهل حجاج وعلم ليصدوهم عنه. ثم يحتمل أن يكونوا أهل نفاق؛ لأنهم كانوا يرون ويظهرون الموافقة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ويضمرون الخلاف له. ويحتمل أن يكونوا أهل الشرك، أي: رؤساؤهم؛ ليستمعوا إليه، ويجادلوه فيما يستمعون إليه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا). أخبر أن على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرًا. وقال: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ). نفى عنهم ذلك لما لم ينتفعوا بذلك كله، وإن لم يكونوا - في الحقيقة - صما، ولا بكمًا، ولا ما ذكر، لما لم ينتفعوا بما أنشأ فيهم من السمع والبصر والعقل، فنفى عنهم ذلك. ثم قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً). لا يخلو إضافة ذلك إلى نفسه من أن يكون خلق منهم فعل الكفر، أو خلق الظلمة التي في قلوبهم، يعني ظلمة الكفر؛ لأن ظلمة الكفر تستر وتغطي كل شيء، ونور الإيمان ينير منه كل شيء، فإضافة الفعل إليه لا تخلو من أحد هذين الوجهين، إما لخلق فعل الكفر منهم، ففيه دلالة خلق أفعالهم، وإما لخلق ظلمة الكفر في قلوبهم. وفيه ردّ قول المعتزلة لإنكارهم خلق فعل العباد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا). قيل: الوقر: هو الثقل في السمع، يقال: وقرت أذنه، توقر وقرا، فهي موقورة، وأما الوقر فهو الكفر في قلوبهم.
(26)
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الوقر: الصدع في العظم أيضًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا). يحتمل كل آية: آية وحدانيته، وربوبيته، وقدرته على البعث، وآية رسالته ونبوته. ويحتمل: كل آية سألوا أن يأتي بها؛ يقول: وإن أوتيت بكل آية سألوك لا يؤمنون بك بعد ذلك أبدًا، كقولهم: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا) ونحو ذلك مما سألوا من الآيات؛ يقول: إنك وإن جئت بما سألوك من الآيات لا يؤمنون بك، ولا يصدقونك، يقولون: (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) أي ما هذا إلا أساطير الأولين، قيل: أحاديث الأوّلين، والأسطورة: الكتاب، يقولون ذلك تعنتًا منهم؛ لأنهم كانوا يعرفون أنه حق، وأنه ليس بكلام البشر؛ لأنهم عجزوا عن إتيان مثله، ولو كان هو مفترى على ما قالوا لقدروا هم على أن يأتوا بشيء مثله، حيث قيل لهم: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)، فعلموا بعجزهم عن إتيان مثله أنه ليس من كلام البشر، وأنه سماوي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ... (26) ينهون الناس عن طريقته ومتابعته وينأون عنه، أي: يتباعدون عنه وينهون غيرهم عن اتباعه ويتباعدون هم. ويحتمل ما ذكر في القصّة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام
اجتمعت قريش عنده ليريدوا بالنبي سوءًا قال أبو طالب وأنشد فيه: واللَّه لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقرّ بذاك منك عيونا فدعوتني وزعمت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثمَّ أمينا وعرضت دينا قد علمت بأنه ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سُبَّة ... لوجدتني سمحًا بذاك مبينا كان ينهى الناس عن أذى مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويتباعد هو عنه فلا يتبع دينه، فنزل هذا.
(27)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) أي لا يشعرون، أنهم بذلك يسعون في هلاك أنفسهم. * * * قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ). عن الحسن قال: سترى إذ وقفوا على النار. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (ولو ترى إذ عرضوا على النار) وكذلك في: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ)، إذ عرضوا على ربهم. ولولا ما روي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقفوا: عرضوا على النار، وإلا يجوز أن يحمل قوله: (إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ)، أي: عند النار، أو في النار " على " مكان " عند "، أو مكان " في "، وذلك جائز في اللغة، ولكن ما روي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أقنعنا عن ذلك. ثم يحتمل - واللَّه أعلم - أن يكون هذا صلة قوله (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) كأنه يقول: ولو ترى يا مُحَمَّد إذ وقفوا على النار لرحمتهم؛ لما كان منهم من القول فيك (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)، وهكذا الواجب
(28)
على كل أحد أن يرحم عدوه إذا كان عاقبته النار والتخليد فيها، وألا يطلب الانتقام منه بما كان منه بمكانةٍ، وأن يقال: ولو تراهم إذ وقفوا على النار من الذل والخضوع لرحمتهم بما كان منهم من التكبر والاستكبار في الدنيا، وهو كقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) الآية، أخبر عن ذلهم وخضوعهم في الآخرة بما كان منهم في الدنيا من الاستكبار والاستنكاف؛ فعلى ذلك يخبر نبيّه عما يصيبهم من الذلّ بتكبرهم في الدنيا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وجل -: (فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). تمنوا عند معاينتهم العذاب العود والرد إلى الدنيا. ثم فيه دليلان: أحدهما: أنهم عرفوا أن ما أصابهم أإنما أصابهم، بتكذيبهم الآيات وتركهم الإيمان، حيث قالوا: (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا). والثاني، أن الإيمان هو التصديق الفرد لا غير؛ لأنهم إنما فزعوا عند معاينتهم العذاب فتمنوا الرد والعود إلى الدنيا؛ لأن يكونوا من المؤمنين، ولم يفزعوا إلى شيء آخر من الخيرات - دل أن الإيمان هو التصديق الفرد لا غير، وأنه ضد التكذيب، والتكذيب هو درد فعلى ذلك التصديق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ... (28) قيل فيه وجوه: قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله - تعالى -: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ)، إنما نزل في المنافقين، يدل على ذلك قوله: (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ)، وهو سمة أهل النفاق أنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين، ويضمرون الخلاف، ويخفون العداوة لهم. ويحتمل قوله - تعالى -: (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) ورؤساؤهم كانوا عرفوا في الدنيا أنه رسول، وأن ما (أنزل) عليه هو من ربه، وعرفوا أن البعث حق، لكنهم أخفوا ذلك على أتباعهم، وستروه، ثم ظهر ما كانوا يخفون على أتباعهم.
وقيل: قوله: (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) وذلك أنهم حين قالوا: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ). وقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ)، يحتمل قوله (وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) أي: حبسوا إذ لو وقف حبس، والنار لا يوقف عليها، بل يكون فيها ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ)، وقال: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ)، ويحتمل الوقف عندها قبل الدخول في حال الحساب للمساءلة؛ كقوله: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ. . .) الآية، (وَلَو تَرَى) أي: لو ترى ذلهم وخضوعهم، كقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ)، ولم يذكر جواب " لو "، وقد يترك جواب (لو) لما يعلم ربما يعلم بالتأمل أو بالذكر؛ كقوله: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا)، بمعنى ظننتم، أو على ما ذكر في موضع آخر؛ نحو قوله: (قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا) وكذلك قوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ)، وغير ذلك، فلعل معناه: لو ترى ذلهم بعد استكبارهم لرحمتهم على ما هم عليه، ولهان عليك التصبر لأذاهم، ولأشفقت عليهم. ويحتمل قوله: ولو ترى ما ينزل بهم من نقمة اللَّه، ويحل بهم من عذابه، لعلمت أن القوة لله جميعًا، وأنه بحلمه ورحمته يملي لهم ويسترجعهم؛ كقوله: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا). ويحتمل أن يكون جوابه فيما ذكر من تمنيهم العود، وندامتهم على ما سلف منهم، وشدة تلهفهم على صنيعهم لرأيت ذلك أمرًا عظيمًا، وجزاء بالغًا، لما يكون ما ينزل بهم أعظم عندك مما تلقى منهم. وقد يخرج الخطاب لرسول اللَّه على تضمن تنبيه كل مميز وتبصير كل متأمّل، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ). قيل: إلى الدنيا. وقيل: إلى المحنة من حيث لا يحتمل كون الدنيا بعد كون الآخرة، لكن هذا تكلف تحقيق مراد قوم ظهر سفههم، ولعله ليس عندهم هذا التمييز، أو يقولون سفها كما قالوا كذبًا بقوله: (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (بِآيَاتِ رَبِّنَا). قال الحسن: بدين ربنا. وقال قوم: بحجج ربنا، فيكون في الآية اعتراف أنهم على التعنت كذبوا في الأوّل لا على الجهل، وإن كان ثم آيات عاندوها، وهم قوم قد سبق من اللَّه الخبر عنهم مما فيه العناد منهم؛ كقوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِ) وذلك يدل على تعنتهم في القول؛ ليتخلصوا عما بلوا بجميع ما يحتمل وسعهم، لا أن ذلك كذلك في قلوبهم؛ لذلك - واللَّه أعلم - قال اللَّه - تعالى - (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ). ثم دل قوله: (وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أنهم قد عرفوا أن الإيمان هو التصديق لوجهين: أحدهما: أنهم جعلوا الإيمان مقابل التكذيب؛ ليعلم أنه التصديق. والثاني: أنهم ذكروا الآيات، والآيات يكذب بها ويصدق لا أن يعمل. وبعد، فإن الذي في حد إمكان الإتيان مما فات هو التصديق؛ إذ مشكلة الغير لو توهم الأمر ليوجد ما سبق من الترك والتصديق لو أمر، فهو لما سبق من التكذيب على أنه أجيع ألا يؤمر من آمن بقضاء شيء مما فات، فثبت أنهم أرادوا به التصديق، وفيه أنه اسم لذلك حتى عرفه أهله وغير أهله معرفة واحدة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) قيل فيه بوجوه فقَالَ بَعْضُهُمْ: إنه، يخرج على أوجه: أحدها: على أن الآية في أهل النفاق أظهرت ما قد أضمروا من الكفر. والثاني: أن تكون الآية في رؤساء الكفرة العلماء بالبعث، وبأن الرسل تكون من
البشر، وألا شريك لله، فبدا للأتباع ما كان الرؤساء يخفون في الدنيا. ويحتمل: وبدا لهم من صنيعهم ما قد أسروه وأضمروه في أنفسهم ظنوا أنه لا يطلع على ذلك أحد، وذلك كقوله: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)، وقوله: (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ)، وغير ذلك. ويحتمل: ما كانوا يخفون من الخلق، أو بدا لهم ذلك بالجزاء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ رُدُّوا) أي: إلى ما تمنوا أن يردوا إليه. (لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ). أخبر اللَّه عن علمه بما قد أسروه في ذلك الوقت إنما كان في علمه أن يكون، وإن كان من حكمه ألا يردوا في ذلك وأن الآية لا تضطر صاحبها، ولا قوة إلا باللَّه. وقال قوم: إن الخلود يلزم في النار بما هم في علم اللَّه أنهم يلزمون ما هم عليه لو مكثوا للأبد. وقال قوم: لم يجز لزوم العذاب بما يعلم اللَّه من العناد من أحد لو امتحن بلا محنة ولا خلاف، فعلى ذلك أمر الخلاف، لكن الآية في خاص منهم، وهم الذين اعتدوا وعاندوا الحق بعد الوضوح، على ما ذكر في كثير من الكفرة أنهم لا يؤمنون أبدا، ثم أمهلهم على ذلك، وهذا يبين أنه ليس يمنع الإعادة لما يعودون له لو كان يحتمل في الحكمة الإعادة؛ إذ قد أمهل وأبقى على العلم بذلك، فعلى ذلك الإفادة، لكنه أخبر عن تعنتهم. ثم ظنت المعتزلة أن اللَّه لو علم أنهم يؤمنون لردهم إلى ذلك وإذ بين أنهم لا يؤمنون فيستدلون بهذا على أنه ليس لله قبض روح مَنْ يعلم أنه لو لم يقبضه يؤمن يومًا من الدهر وقد بينا نحن أن ذلك لا يجب، وإن كان أُولَئِكَ في علم اللَّه لن يعودوا إلى ذلك بما قد يترك في الدنيا من يعلم أنه يلزم الكفر، وينجي عن المهالك من يعلم أنه يعود، ثم قد يترك من يعود إلى الكفر على وجود ما به النجاة عنه، واللَّه أعلم. وبعد، فإن اللَّه - تعالى - قال: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) فبين أنه لم يبسط لئلا يبغوا، وقال: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ
يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ. . .) الآية، ثم قد جعل لكثير ممن ضل بهم قوم نحو الفراعنة ولكثير منهم وقد بغوا في الأرض؛ إذ لو لم يكن البسط لفرعون لم يكن ليدعي الألوهية لكن الأول: طريق الفضل يفضل به، والثاني: طريق العدل وما يجوز في الحكمة، فعلى ذلك الإمهال، يبين لك ما كان اللَّه يأمر بقتل من لعله يؤمن لو أمهل بما ندب إلى القتال، ولا يحتمل أن يأمر في قتل من ليس له قبض روحه، وقد يبقى من به يهلك ويضل، وإن قبض كثيرًا منهم بما يضل به لو أبقى؛ كما قال: (فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا)، واللَّه أعلم. وظنت الخوارج بهذه الآية أن كل من يرتكب كبيرة يظهر منه كذبه فيما وعد أنه لا
يفعل " إذ اللَّه سماهم كذبة بما في علمه أنهم يعودون إلى ذلك. فإذا تقرر عندنا من أحد ركوب ما كان في عهده وإيمانه أنه لا يرتكب يظهر به كذبه. وذلك خطأ، لما لو كان كذلك لكان الصغائر والكبائر واحدًا، ومن كذب في أمر الصغائر في العهد أو رد يكفر، ومن ارتكب الصغيرة، لم يصر كذلك، فعلى ذلك الكبائر. لكن الآية تخرج على أوجه: أحدها: أنها في قوم أرادوا بذلك دفع العذاب لا أن عزموا على ما ذكروا، دليله فتنتهم بقوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ). والثاني: أنه ذكر كذبهم، أنطق اللَّه جوارحهم، فشهدت عليهم بما كتموا من الشرك، فتمنوا عند ذلك العود والرد. ويحتمل: (بَدَا لَهُم): ظهر لهم ما كانوا يخفون من نعت مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفته في الدنيا وكتموه، واللَّه أعلم.
وقوله - تعالى -: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) تعلق بظاهر هذه الآية الخوارج والمعتزلة. أما المعتزلة فإنهم قالوا: إنهم لما طلبوا الرد ولم يردهم لما علم أنه لو ردهم لعادوا إلى التكذيب ثانيًا، ولو علم منهم أنهم لا يعودون لكان يردهم، فدل أنه إنما لم يردهم لما علم منهم أنهم يعودون إلى ما كانوا من قبل، فيستدلون بظاهر هذه الآية على أن اللَّه لا يفعل بالعبيد إلا الأصلح لهم في الدِّين، وقالوا: لو علم منهم الإيمان لكان لا يجوز له ألا يردهم. ومن قولهم: إنه إذا علم من كافر أنه يؤمن في آخر عمره لم يجز له أن يميته. وغير ذلك من المخاييل والأباطيل. وقالت الخوارج: أخبر أنه لو ردهم لعادوا لما نهوا عنه، وسماهم بالقول كاذبين بما في علمه أنهم لا يفعلون بما يقولون، فعلى ذلك كل صاحب كبيرة إذا كان في اعتقاده الذي أظهره أنه لا يأتي بها، فإذا أتى بها يصير فيما اعتقده ألا يأتي بها كاذبًا؛ ولذلك يجعلون أصحاب الكبائر كذبة في القول الأول أنهم لا يأتون بها، وعلى ذلك كانت المبايعة بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ. . .) الآية، فإذا سرقن صرن كاذبات في البيعة، كما جعل من ذكر كاذبًا في الوعد إذا أخلف، وعلى ذلك يجعلونه كافرًا.
(29)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ). يحتمل (لَكَاذِبُونَ) أي: ليكذبون لو ردوا، أو أنهم لكاذبون في قولهم: (وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: يضمرون أنهم لا يؤمنون؛ كقوله - تعالى -: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) إلى قوله: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، يقولون: إنك لرسول اللَّه، لكنهم لما أضمروا خلاف ذلك في قلوبهم سماهمم كاذبين، فعلى ذلك هَؤُلَاءِ لما أضمروا في أنفسهم التكذيب وإن ردوا فهم كاذبون في ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ رُدُّوا). قيل: إلى الدنيا، ولكن لو ردوا إلى المحنة ثانيًا لعادوا لما نهوا عنه. والثاني: أنه ذكر كذبهم بما اعتادوا العناد، وظهر منهم الجحود في القديم، فبذلك سماهم كذبة، كما سمي أهل النار كفرة بما كان من كفرهم قبل أن يصيروا إليها؛ فعلى ذلك هذا. والثالث: أن يكون على الخبر عن عاقبتهم أنهم يصيرون كاذبين لو ردوا، وعرض عليهم ذلك، وبعث إليهم الرسل بالآيات، لا أن يكذبوا في ذلك الوعد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) قوله تعالى: (إِن هِيَ) يحتمل (هِيَ): الحياة الدنيا، ويحتمل (هِيَ) الدنيا. ثم هذا القول يحتمل أن يكون من الدهرية؛ لأنهم ينكرون البعث والحياة بعد الموت، ويقولون: إن هذا) الخلق كالنبات ينبت ثَم يثلاشى؛ فعلى ذلك الخلق يموتون ويصيرون ترابًا، ثم يحيون في الدنيا؛ كقوله: (نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ). ويحتمل أن هذا القول كان من مشركي العرب لما لم يروا إلا الدهر، ولم يشاهدوا غيره، فظنوا أنه ليس يهلكهم إلا ذلك الدهر الذي تدور الدنيا عليه، فإن كان ذلك منهم، فإنما كان ذلك من كبرائهم ورؤسائهم على علم منهم بذلك، أي: بالبعث، يلبسون ذلك على السفلة والأتباع؛ ليكونوا أشد اتباعًا لهم وانقيادًا؛ لأنهم لو أعلموا الأتباع بالبعث بعد الموت لعلهم يتركون طاعتهم واتباعهم؛ لما يشتغلون بالاستعداد لذلك والعمل له، ففي ذلك ترك اتباعهم وطاعتهم. وقوله عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) أي: لربهم؛ كقو " له - تعالى -: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، وكقوله -
(31)
تعالى -: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ)، أي: للنصب، وأصله: ما روي في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (ولو ترى إذ وقفوا إذ عرضوا على ربهم). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ). يحتمل قوله: (أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ)، أي: البعث بعد الموت؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، ويقولون: إنه باطل. ويحتمل: بما كانوا أوعدوا العذاب إن لم يؤمنوا، فكذبوا ذلك، فقال: أليس ما أوعدتم في الدنيا حقًا، فأقروا فقالوا: (بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ): في الدنيا. * * * قوله تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ). يحتمل قوله - تعالى -: (كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ)، أي: كذبوا لقاء وعد اللَّه ووعيده في الدنيا وعلى هذا يخرج قوله: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ)، أي: يرجو لقاء وعد اللَّه في الدنيا، ووعيده خسروا في الآخرة بتكذيبهم ذلك في الدنيا، وعلى ذلك يخرج ما روي في الخبر: " من أحبَّ لقاء اللَّه " أي: أحب لقاء ما أعد اللَّه له " ومن كره لقاء اللَّه " أي: كره لقاء ما أعد له، وأصله: من أَحبَّ الرجوع إلى اللَّه أحب اللَّه رجوعه، ومن كره الرجوع إلى اللَّه كره اللَّه رجوعه إليه، والمحبة لله اختيار أمره وطاعته؛ وعلى
ذلك ما روي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " الدنيا جنة الكافر، يلعب فيها ويركض في أمانيها، وسجن المؤمن، وراحته بالموت ". وأصله: أنها سجن المؤمن؛ لأن المؤمن يمنعه دينه من قضاء شهواته لما يخاف هلاكه، ويحذره مما يفضي به إلى الهلاك، والكافر لا يمنعه شيء من ذلك عما يريد من قضاء شهواته في الدنيا، فتكون له كالجنة، وللمؤمن كالسجن، على ما ذكرنا. ويحتمل قوله وجهًا آخر: وهو أن الكافر عند الموت يعاين مكانه وما أعدَّ له في النار، فتصير عند ذلك الدنيا كالجنة له يكره الرجوع، والمؤمن يعاين موضعه في الجنة، فتصير كالسجن له. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً). قيل: سميت القيامة ساعة لسرعتها، ليست كالدنيا؛ لأن في الدنيا يتغير فيها على المرء الأحوال، يكون نطفة، ثم يصير علقة، ثم مضغة، ثم يصير خلقًا آخر، ثم إنسانا ثم يكون طفلا ثم رجلا يتغير عليه الأحوال، وأما القيامة فإنها لا تقوم على تغير الأحوال فسميت الساعة لسرعتها بهم. وقيل: سميت القيامة الساعة لأنها تقوم في ساعة، وهو كقوله: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ
إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ). وقيل: سميت الساعة لما تقوم ساعة فساعة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَغتَة) أي: فجأة. وقوله - عَزَّ وَجَلََّ: (يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا). قيل: التفريط: هو التضييع، فيحتمل قوله: (مَا فَرَّطْنَا فِيهَا)، أي: ما ضيعنا في الدنيا من المحاسن والطاعات. ويحتمل: ما ضيعنا في الآخرة من الثواب والجزاء المجزيل بكفرهم في الدنيا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ). هو - واللَّه أعلم - على التمثيل، ليس على التحقيق، وهو يحتمل وجهين: يحتمل: أنه أخبر أنهم يحملون أوزارهم على ظهورهم بما لزموا أوزارهم وآثامهم، لم يفارقوها قط، وصفهم بالحمل على الظهر، وهو كقوله - تعالى -: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)، لما لزم ذلك صاروإنه في عنقه. والثاني: إنما ذكر الظهر؛ لما بالظهر يحمل ما يحمل، فكان كقوله: (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)، و (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ)، لأن الكفر لا يكتسب بالأيدي ولا يقدم بها، لكن اكتساب الشيء وتقديمه لما كان باليد ذكر اكتساب اليد وتقديمها. وكقوله: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ)، أنهم لما تركوا العمل به والانتفاع، صار كالمنبوذ وراء الظهر؛ لأن الذي ينبذ وراء الظهر هو الذي لا يعبأ به ولا يكترث إليه. ويحتمل وجهًا آخر: ما ذُكر في بعض القصة أنه يأتيه عمله الخبيث على صورة قبيحة، فيقول له: كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني،
(32)
فيركب ظهره؛ فذلك قوله - تعالى -: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ... (32) يحتمل أن يكون هذا صلة قوله: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) قال: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ). أي: الحياة الدنيا للدنيا خاصة؛ لأن العمل إذا لم يكن لعاقبة تتأمل فهو عبث، كبانٍ يبني بناء لا لعاقبة تتأمل وتقصد ببنائه فهو لعب، وعبث، فعلى ذلك الحياة الدنيا، لا لدار أخرى يتأمل ويرجى بها الثواب والعقاب فهذا ليس بحكمة، وإنما هو لعب ولهو؛ وعلى ذلك يخرج قوله - تعالى -: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا. . .) الآية، أخبر أن خلقه إياهم إذا لم يكن للرجوع إليه فهو عبث، فعلى ذلك الحياة الدنيا، إذا لم يكن هناك بعث ولا حياة بعد الموت للثواب والعقاب، فهي لعب ولهو. واللهو: ما يقصد به قضاء الشهوة خاصة، لا يقصد به العاقبة، واللعب: هو الذي لا حقيقة له ولا مقصد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ). أي: الدار الآخرة خير للذين يتقون الشرك والفواحش كلها من الحياة الدنيا، وأصله: أن الحياة الدنيا على ما عند أُولَئِكَ الكفرة لعب ولهو؛ لأن عندهم أن لا بعث، ولا ثواب، ولا عقاب، فإذا كانت عندهم هكذا فتصير لعبًا ولهوًا؛ لأنه يحصل إنشاء لا عاقبة له، فيكون كبناء البناء الذي ذكرنا إذا كانت عاقبته غير مقصودة، فهو لا انتفاع به. * * * قوله تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ
(33)
تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ... (33) هذا - واللَّه أعلم - إخبار منه نبيه - عليه السلام - أنه عن علم منه بتكذيبهم إياك بعثك إليهم رسولا، وأمرك بتبليغ الرسالة إليهم، وكان عالمًا بما يلحقك من الحزن بتكذيبهم إياك، ولكن بعئك إليهم رسولا مع علم منه بهذا كله لتبلغهم، يذكر هذا - واللَّه أعلم - ليعلم رسوله ألا عذر له في ترك تبليغ الرسالة، وإن كذّبوه في تبليغها. ثم الذي يحمله على الحزن يحتمل وجوهًا: يحتمل: يحزنه افتراؤهم وكذبهم على اللَّه. أو كان يحزن لتكذيب أقربائه وعشيرته إياه فإذا أكذبته عشيرته، انتهى الخبر إلى الأبعدين فيكذبونه، فيحزن لذلك. أو يحزن حزن طبع؛ لأن طبع كل أحد ينفر عن التكذيب. أو كان يحزن إشفاقًا عليهم بما ينزل عليهم من العذاب بتكذيبهم إياه وآذاهم له؛ كقوله - تعالى -: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ. . .) الآية. وكقوله - تعالى -: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) اختلف في تلاوته: قرأ بعضهم بالتخفيف، وبعضهم بالتشديد والتثقيل: فمن قرأ بالتخفيف: قراءة (لا يُكْذِبُونَكَ)، أي: لا يجدونك كاذبًا قط. ومن قرأ بالتثقيل: (لَا يُكَذِّبُونَكَ)، أي: لا ينسبونك إلى الكذب، ولا يكذبونك في نفسك.
(34)
ويحتمل قوله: ولا يكذبونك في السر، ولكن يقولون ذلك في العلانية، والتكذيب هو أن يقال: إنك كاذب. قوله تعالى: (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ). أي: عادة الظالمين التكذيب بآيات اللَّه. و (الظَّالِمِينَ) يحتمل وجهين: أحدهما: الظالمين على نعم اللَّه عادتهم التكذيب بآيات اللَّه. الثاني: والظالمين على أنفسهم؛ لأنهم وضعوها في غير موضعها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا ... (34) يخبر نبيه - عليه الصلاة والسلام - ويصبره على تكذيبهم إياه وأذاهم بتبليغ الرسالة، يقول: لست أنت بأول مكذب من الرسل، بل كذب إخوانك من قبلك على تبليغ الرسالة، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا، ولم يتركوا تبليغ الرسالة مع تكذيبهم إياهم؛ فعلى ذلك لا عذر لك في ترك تبليغ الرسالة وإن كذبوك في التبليغ وآذوك، وهو ما ذكرنا أنه يخبره أنه بعثك رسولا على علم منه بكل الذي كان منهم من التكذيب والأذى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا). أخبر اللَّه أنه نصر رسله، ثم يحتمل ذلك (النصر) وجوهًا. أحدها: ينصرهم أي: أظهر حججه وبراهينه، حتى علموا جمعا أنها هي الحجج
(35)
والبراهين، وأنهم رسل اللَّه، لكنهم عاندوا وكابروا. ويحتمل: النصر لهم بما جعل آخر أمرهم لهم، وإن كان قد أصابهم شدائد في بدء الأمر. أو نصرهم لما استأصل قومهم وأهلكهم بتكذيبهم الرسل، وفي استئصال القوم وإهلاكه إياهم، وإبقاء الرسل نَصْرهم، وكذلك قوله - تعالى -: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا) وقوله: (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ)، يخرج على الوجوه التي ذكرناها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) وهو ما ذكرنا من النصر لهم، واستئصال قومهم، وما أوعدهم من العذاب؛ فذلك كلمات اللَّه. ويحتمل قوله: (لِكَلِمَاتِ اللَّهِ): حججه وبراهينه؛ كقوله: (وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ)، أي: بحججه وآياته، وكقوله - تعالى -: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي)، أي: حجج ربي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) يحتمل ما ذكرنا من إهلاك القوم وإبقاء الرسل، قد جاءك ذلك النبأ. ويحتمل قوله - تعالى -: (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) من تكذيب قومهم لهم وأذاهم إياهم، فإن كان هذا ففيه تصبير رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ ... (35) كان يشتد على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويشق عليه كفر قومه وإعراضهم عن الإيمان، حتى كادت نفسه تتلف وتهلك لذلك إشفاقًا عليهم؛ كقوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ).
وقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، ونحو ذلك من الآيات، يشفق عليهم بتركهم الإيمان لما يعذبون أبدًا في النار، فعلى ذلك قوله: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ). أو كان يكبر عليه ويثقل إعراضهم لما كانوا يطلبون منه الآيات، حتى إذا جاء بها لا يؤمنون؛ من نحو ما قالوا: (وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ) وغير ذلك من الآيات التي سألوها، فطمع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في إيمانهم إذا جاء بما سألوا من الآيات، فكان اللَّه عالمًا بأنه وإن جاءتهم آيات لم يؤمنوا، وإنَّمَا يسألون سؤال تعنت لا سؤال طلب آيات لتدلهم على الهدى، فقال عند ذلك: (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ). أو أن يكون قوله: (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ) ونهيًا عن الحزن عليهم، أي: لا تحزن عليهم كل هذا الحزن بما ينزل بهم، وقد تعلم صنيعهم وسوء معاملتهم آيات الله. وكذلك روي في القصة عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن نفرًا من قريش قالوا: يا مُحَمَّد، ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات إذا سألوهم: فإن أتيتنا آمنا بك وصدقناك، فأبى اللَّه أن يأتيهم بما قالوا، فأعرضوا عنه، فكبر ذلك عليه وشق، فأنزل اللَّه: (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ. . .). يقول: إن قدرت (أَنْ تَبْتَغِيَ) يقول: أن تطلب (نَفَقًا فِي الْأَرْضِ) يقول: سربًا في الأرض كنفق اليربوع نافذًا أو مخرجًا فتوارى
فيه منهم (أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ) يكون سببًا إلى صعود السماء، (فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ) التي سألوكها فافعل. قَالَ الْقُتَبِيُّ: النفق في الأرض: المدخل، وهو السرب، والسلم في السماء: المصعد. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: النفق: الغار، والأنفاق: الغيران، والغار واحد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى). قال الحسن: أي: لو شاء اللَّه لقهرهم على الهدى وأكرههم، كما فعل بالملائكة؛ إذ من قوله إن الملائكة مجبورون مقهورون على ذلك، ثم هو يفضل الملائكة على البشر ويجعل لهم مناقب، لا يجعل ذلك لأحد من البشر، فلو كانت الملائكة مجبورين مقهورين على ذلك، لم يكن في ذلك لهم كبير منقبة؛ ففي قوله اضطراب. وأما تأويله عندنا: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى)، أي: لجعلهم جميعًا بحيث اختاروا الهدى وآثروه على غيره، ولكن لما علم منهم أنهم يختارون الكفر على
(36)
الهدى، لم يشأ أن يجمعهم على الهدى، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم ألا يكون الهدى في حال القهر والجبر، وإنما يكون في حال الاختيار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ). يحتمل وجوهًا: يحتمل: فلا تكونن من الجاهلين: من قضاء اللَّه وحكمه. ويحتمل: لا تكونن من الجاهلين: من إحسانه وفضله، أي: من إحسانه وفضله يجعل لهم الهدى. ويحتمل: لا تكونن من الجاهلين أنه يؤمن بك بعضهم وبعضهم لا يؤمن. قال أبو بكر الكيساني في قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) أي: لو شاء الله ابتلاهم بدون ما ابتلاهم به ليخف عليهم، فيجيبون بأجمعهم، أو يقول: لو شاء اللَّه، لوفقهم جميعًا للهدى فيهتدون، وهو قولنا، لكن لم يشأ؛ لما ذكرنا أنه لم يوفقهم لما علم منهم أنهم يختارون الكفر. وقوله: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)، بأن اللَّه قادر لو شاء لجعلهم جميعًا مهتدين. ثم معلوم أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان معصومًا، لا يجوز أن يقال إنه يكون من الجاهلين أو من الشاكرين، على ما ذكر، ولكن ذكر هذا - واللَّه أعلم - ليعلم أن العصمة لا ترفع الأمر والنهي والامتحان، بل تزيد؛ لذلك كان ما ذكر، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) معناه - واللَّه أعلم - إنما يستجيب الذين ينتفعون بما يسمعون، وإلا كانوا يسمعون جميعًا، لكن الوجه فيه ما ذكرنا أنه إنما يجيب الذين ينتفعون بما يسمعون، وهو كقوله - تعالى -: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) كان النبي - عليه السلام - ينذر من اتبع الذكر ومن لم يتبع، لكن انتفع بالإنذار من اتبع الذكر، ولم ينتفع من لم يتبع، وهو ما ذكر - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ
الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)، أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين ولا تنفع غيرهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ): اختلف فيه؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ) أنه على الابتداء؛ يبعثهم اللَّه ثم إليه يرجعون. وقال قائلون: أراد بالموتى الكفار، سمي الكافر ميتًا والمؤمن حيًّا في غير موضع من القرآن؛ كقوله: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ)، فهو - واللَّه أعلم - أن جعل لكل بشر سمعين وبصرين وحياتين؛ سمع أبدي في الآخرة، وبصر أبدي في الآخرة؛ وكذلك جعل لكل أحد حياتين: حياة أبدية في الآخرة، وحياة منقضية وهي حياة الدنيا؛ وكذلك سمع أبدي وهو سمع الآخرة، وسمع ذو مدة لها انقضاء وهو سمع الدنيا، ثم نفى السمع والبصر والحياة عمن لم يدرك بهذا السمع والبصر والحياة التي جعل له في الدنيا، ولم يقصد سمع الأبدية وبصر الأبدية والحياة الأبدية؛ لأنه إنما جعل لهم هذا في الدنيا؛ ليدركوا بهذا ذاك؛ وكذلك العقول التي ركبت في البشر إنما ركبت ليدركوا بها ويبصروا ذلك الأبدي، وإلا لو كان تركيب هذه العقول في البشر لهذه الدنيا خاصة، لا لعواقب تتأمل للجزاء والعقاب - فالبهائم قد تدرك بالطبع ذلك القدر، وتعرف ما يؤتى ويتقى، وما يصلح لها [ .... ]؛ فدل أن تركيب العقول فيمن ركب إنما ركب لا لما يدرك هذا؛ إذ يدرك ذلك المقدار بالطبع من لم يركب فيه وهو البهائم التي ذكرنا. والسمع والبصر والحياة قد جعلت في الدنيا لمعاشهم ومعادهم؛ وكذلك جعل لهم
(37)
اللسان؛ لينطق بحوائجهم في الدنيا، ويعرف بعضهم من بعض حاجته في الدنيا، ويدرك به الأزلي، فإذا لم ينتفعوا بذلك أزال عنهم ذلك وسماهم العُمْي والصم والبكم؛ ألا ترى أنه قال: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)، لما لم ينتفعوا بذلك؟! ألا ترى أنه إذ لم يدرك الأزلي والأبدي من ذلك سماه أعمى؛ حيث قال: (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا). والحياة حياتان: حياة مكتسبة: وهي الحياة التي تكتسب بالهدى والطاعات. وحياة منشأة: وهي حياة الأجسام؛ فالكافر له حياة الجسد وليس له حياة مكتسبة، وأما المؤمن: فله الحياتان جميعًا المكتسبة والمنشأة فيسمى كل بالأسماء التي اكتسبها فالمؤمن اكتسب أفعالا طيبة فسماه بذلك، والكافر اكتسب أفعالا قبيحة فسماه بذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً ... (37) هَؤُلَاءِ قوم همتهم العناد والمكابرة وإلا قد كان أنزل عليه آيات عقليات وسمعيات وحسيات، فأما الآيات العقليات: فهي ما ذكر: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ. .) الآية. وأما الآيات السمعيات: فهي ما أنباهم عن أشياء كانت غائبة عنهم، من غير أن كان له اختلاف إلى من يعلمها وينبئه عنها. والآيات الحسيات: هي ما سَقى أقوامًا كثيرة بلبن قليل من قصعة، وما قطع
مسيرة شهرين بليلة واحدة، ونطق العناق الذي شوي له، وحنين المنبر، وغير ذلك من الأشياء مما يكثر ذكرها. لكنهم عاندوا، وكانت همتهم العناد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً): التي سألوك، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ): يحتمل وجهين: يحتمل: أن يكون أن أكثرهم لا يعلمون أنه إذا أنزل آية على أثر السؤال لأنزل عليهم العذاب واستأصلهم إذا عاندوا. ويحتمل قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ): أنه لا ينزل الآية إلا عند الحاجة أبهم، إليها. ويحتمل ألا يسألوا الآية ليعلموا، ولكن يسألون؛ ليتعنتوا.
(38)
أو إن أنزل آية، على أثر سؤال، فلم يقبلوها، ولم يؤمنوا بها؛ أهلكهم على ما ذكرنا من سنته في الأولين، لكنه وعد إبقاء هذه الأمة إلى يوم القيامة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ... (38) يشبه أن يكون هذا صلة قوله: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً)؛ لأنه ذكر " دابة "، والدابة: كل ما يدب على وجه الأرض من ذي الروح، وذكر الطائر، وهو: اسم كل ما يطير في الهواء. لما كان قادرًا على خلق هذه الجواهر المختلفة، وسوق رزق كل منهم إليهم، فهو قادر على أن ينزل آية؛ ولو أنزل آية لاضطروا جميعًا إلى القبول لها والإقرار بها، ولكنه لا ينزل لما ليست لهم الحاجة إليها، والآيات لا تنزل إلا عند وقوع الحاجة بهم إليها، وعلى هذا يُخرَجُ مخرج قوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُم لَا يَعْلَمُونَ). ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن البهائم والطير ممتحنات؛ حيث قال: (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ)، ثم قال: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ). ثم اختلف في قوله تعالى: (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ): عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال في قوله - تعالى -: (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ): أي: إلا سيحشرون يوم القيامة كما تحشرون، ثم يقتص البهائم بعضها من بعض، ثم يقال لها: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا)؛ كالبهائم. وعن ابن عَبَّاسٍ قال: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ)؛ أي: يفقه بعضها من بعض كما يفقه بعضكم من بعض، وأمم أمثالكم في معرفة ما يؤتى ويتقى. ويحتمل: (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) في الكثرة، والعدد، والخلق، والصنوف تعرف بالأسامي
(39)
كما تعرفون أنتم. وأصله: إن ما ذكر من الدواب والطير (أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ): سخرها لكم لم يكن منها ما يكون منكم من العناد والخلاف، والتكذيب للرسل والخروج عليهم، بل خاضعين لكعمم مذللين تنتفعون بها. ويحتمل قوله: (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ): في حق معرفة وحدانيته وألوهيته، أو حق الطاعة لله؛ كقوله - تعالَى -: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ). اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: (مَا فَرَّطْنَا) أي: ما تركنا شيئا إلا وقد ذكرنا أصله في القرآن. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال: ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أم الكتاب: وهو اللوح المحفوظ. وقيل: (مَا فَرَّطْنَا): ما ضيعنا في الكتاب مما قد يقع لكم الحاجة إليه أو منفعة إلا قد بيناه لكم في القرآن. قوله تعالى: (ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ). قيل: الطير والبهائم يحشرون مع الخلق، وقيل: (إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ): يعني بني آدم. وقوله: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ... (39) قاله الحسن: (بِآيَاتِنَا) ديننا. وقال غيره: (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا): حججنا: حجج وحدانيته وألوهيته، وحجج الرسالة والنبوة.
ويحتمل: آيات البعث، كذبوا بذلك كله، وقد ذكرنا هذا في غير موضع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (صُمٌّ وَبُكْمٌ). هو ما ذكرنا أنه نفى عنهم السمع، واللسان، والبصر؛ لما لم يعرفوا نعمة السمع، ونعمة البصر، ونعمة اللسان. ولا يجوز أن يجعل لهم السمع والبصر واللسان، ثم لا يعلمهم ما يسمعون بالسمع، وما ينطقون باللسان، دل أنه يحتاج إلى رسول يسمعون منه، ويستمعون إليه، وينطقون ما علمهم، فإذا لم يفعلوا صاروا كما ذكر (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)، لما لم يشْفعوا به، ولم يعرفوا نعمته التي جعل لهم فيما ذكر. أو نفى عنهم السمع والبصر واللسان؛ لما ذكرنا أن السمع والبصر، والحياة على ضربين: مكتسب، ومنشأ، فنُفِي عنهم السمع المكتسب، والبصر المكتسب، والحياة المكتسبة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي الظُّلُمَاتِ). يحتمل وجهين: يحتمل: ظلمات الجهل والكفر. والثاني: هم في ظلمات: يعني ظلمات السمع، والبصر، والقلب. وهم في الظلمتين جميعًا: في ظلمة الجهل والكفر، وظلمة السمع، والبصر؛ كقوله - تعالى -: (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ)، والمؤمن في النور؛ كقوله - تعالى -: قوله تعالى: (نُورٌ عَلَى نُورٍ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). وصف - عَزَّ وَجَلَّ - نفسه بالقدرة، وجعلهم جميعًا متقلبين في مشيئة، وأخبر أنه شاء لبعضهم الضلال، ولبعضهم الهدى، فمن قال: إنه شاء للكل الهدى لكن، لم يهتدوا، أو شاء للكل الضلال - فهو خلاف ما ذكره عَزَّ وَجَلَّ؛ لأنه أخبر أنه شاء الضلال لمن ضل، وشاء الهدى لمن اهتدى. وأصله: أنه إذا علم من الكافر أنه يختار الكفر، شاء أن يضل وخلق فعل الكفر منه،
(40)
وكذلك إذا علم من المؤمن أنه يختار الإيمان والاهتداء، شاء أن يهتدي وخلق فعل الاهتداء منه. * * * قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ). الذي وعدكم في الدنيا أنه يأتيكم. (أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ). لأنه كان وعدهم أن يأتيهم العذاب، أو كان يعدهم أن تقوم الساعة، فقال: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ): في رفع ذلك، وكشفه عنكم. (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أن معه شركاء وآلهة. أو (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ): أن ما تعبدون شفعاؤكم عند اللَّه، أو تقربكم عبادتكم إياها إلى اللَّه. وقوله - تعالى - (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ). يحتمل: حقيقة الدعاء عند نزول الجلاء. ويحتمل: العبادة، أي: أغير اللَّه تعبدون على رجاء الشفاعة لكم، وقد رأيتم أنها لم تشفع لكم عند نزول البلايا، ثم أخبر أنهم لا يدعون غير اللَّه في دفع ذلك وكشفه عنهم، وأخبر أنهم إلى اللَّه يتضرعون في دفع ذلك عنهم، وهو ما ذكر - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)، وكقوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ).
(41)
وكقوله: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): ذكر هذا - واللَّه أعلم - أنكم إذا مسكم الشدائد والبلايا لا تضرعون إلى الذين تشركون في عبادته وألوهيته، فكيف أشركتم أُولَئِكَ في ربوبيته في غير الشدائد والبلايا، (وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)، أي: تتركون ما تشركون باللَّه من الآلهة؛ فلا تدعونهم أن يكشفوا عنكم؟ وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ... (42) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: البأساء: الشدائد التي تصيبهم من العدو، والضراء: ما يحل بهم من البلاء والسقم السماوي. وقَالَ بَعْضُهُمْ: البأساء: هو ما يحل بهم من الفقر والقحط والشدة. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قوله، (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ): الزمانة والخوف، (وَالضَّرَّاءِ): البلاء والجوع. (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ). أي: ابتلاهم بهذا، أو امتحنهم لعلهم يتضرعون، ويرجعون عما هم عليه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ... (43) يذكر في ظاهر هذا أنه قد أصابهم البلاء والشدة، ولم يتضرعوا ولكن قست قلوبهم، ويذكر في غيره من الآيات أنه إذا أصابهم البلاء والشدائد تضرعوا ورجعوا عما كانوا عليه؛ وهو كقوله - تعالى -: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)، وقوله: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ)، وغيرهما من الآيات. لكن يحتمل هذا وجوهًا: أن هذا كان في قوم، والأول كان في قوم آخرين، وذلك أن الكفرة كانوا على أحوال ومنازل: منهم من كان على حال، فإذا أصابه خير اطمأن به، وإذا زال عنه وتحول تغير؛ وهو كقوله - تعالى -: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ. . .) الآية. ومنهم من يتضرع ويلين قلبه إذا أصابه الشدة والبلاء، وعند السعة والنعمة قاسي القلب معاند؛ وهو كقوله: (دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. . .) إلى آخر الآية؛ وكقوله - تعالى -: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ). ومنهم: من
كان فرحًا عند الرحمة والنعمة، وعند الشدة والبلاء كفورًا حزينا؛ كقوله - تعالى -: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ). ومنهم: من كان لا يخضع ولا يتضرع في الأحوال كلها، لا عند الشدة والبلاء، ولا عند الرخاء والنعمة، ويقولون: إن مثل هذا يصيب غيرنا، وقد كان أصاب آباءنا، وهم، كانوا أهل الخير والصلاح؛ وهو كقوله؛ (وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ): كانوا على أحوال مختلفة، ومنازل متفرقة؛ فيشبه أن يكون قوله: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ): في القوم الذين لم يتضرعوا عند إصابتهم الشدائد والبلايا. وجائز أن يكونوا تضرعوا عند حلول الشدائد، فإذا انقطع ذلك وارتفع، عادوا إلى ما كانوا من قبل؛ كقوله: (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)؛ ويشبه أن يكون قوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)، وقوله: (دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): فيما بينهم وبين ربهم، وهذا فيما بينهم، وبين الرسل؛ لأن الرسل كانوا يدعونهم إلى أن يقروا، ويصدقوهم فيما يقولون لهم ويخبرون، فتكبروا عليهم، وأقروا لله وتضرعوا إليه، تكبروا عليهم ولم يتكبروا على اللَّه. ويحتمل أن يكون قوله: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا): في الأمم السالفة إخبار منه أنهم لم يتضرعوا. ويحتمل قوله أيضًا: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) وجهين: أحدهما: أنهم لم يتضرعوا إذ جاءهم بأس اللَّه، ولكن عاندوا وثبتوا على ما كانوا عليه. والثاني: تضرعوا عند نزول بأسه؛ لكن إذا ذهب ذلك وزال عادوا إلى ما كانوا، فيصير كأنه قال: فلولا لزموا التضرع إذ جاءهم بأسنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). أي: زين لهم صنيعهم الذي صنعوا، ويقولون: إن هذا كان يصيب أهل الخير، ويصيب آباءنا وهم كانوا أهل خير وصلاح.
(44)
أو زين لهم الشيطان ما كانوا يعملون من الشرك والتكذيب، ويقول لهم: إن الذي أنتم عليه حق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ... (44) يحتمل: ابتداء ترك، أي: تركوا الإجابة إلى ما دعوا وتركوا ما أمروا به. ويحتمل: نسوا ما ذكروا به من الشدائد والبلايا. (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ). يحتمل وجهين: يحتمل أبواب كل شيء مما يحتاجون إليه، (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً). ويحتمل: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ)، أي: تركوا ما وعظوا به، يعني: بالأمم الخالية لما دعاهم الرسل فكذبوهم (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ)، أي: أنزلنا عليهم أبواب كل شيء من أنواع الخير بعد الضر والشدة الذي كان نزل بهم. (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ). اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ المبلس: الآيس من كل خير. قَالَ الْقُتَبِيُّ: المبلس: الآيس الملقي بيديه. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: المبلس: هو الحزين المغتم الآيس من الرحمة وغيرها من الخير. وقال الفراء: المبلس هو المنقطع الحجة، وقيل: لذلك سُمي إبليس لعنه اللَّه إبليس لما أيس من رحمة اللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ... (45) قيل: استؤصل القوم الذين ظلموا بالهلاك جميعًا، والظلم هاهنا: هو الشرك، وقيل: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا)، أي: أصلهم. وقيل: دابر القوم، أي: آخرهم وكله واحد، وذلك أنه إذا هلك آخرهم وقطعوا، فقد استؤصلوا.
(46)
ويشبه أن يكون قوله: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا)، أي: قطع افتخارهم وتكبرهم الذي كانوا يفتخرون به ويتكبرون. وقوله - عَزَّ وَجَلََّّ -: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). الحمد في هذا الموضع على أثر ذلك الهلاك يخرج على وجوه، وإلا الحمد إنما يذكر على أثر ذكر الكرامة والنعمة، لكن هاهنا وإن كان نقمة وإهلاكًا فيكون للأولياء كرامة ونعمة؛ لأن هلاك العدو يعد من أعظم الكرامة والنعمة من اللَّه، فإذا كان في ذلك شر للأعداء والانتقام فيكون خيرًا للأولياء وكرامة، وما من شيء يكون شرا لأحد إلا ويجوز أن يكون في ذلك خير لآخر، فيكون الحمد في الحاصل في الخير والنعمة. والثاني: أنه يجوز أن يكون في الهلاك نفسه الحمد إذا كان الهلاك بالظلم؛ لأنه هلاك بحق إذ لله أن يهلكهم، ولم يكن الهلاك على الظلم خارجًا عن الحكمة، فيحمد عز وجل في كل فعل: حكمةٍ. والئالث: يقول: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وعلى إظهار حججه بهلاكهم. * * * قوله عَزَّ وَجَلَّ: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ). اختلف فيه؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: يراد بأخذ السمع والبصر والختم على القلوب: أخذ منافع هذه الأشياء، أي: إن أخذ منافع سمعكم، ومنافع بصركم، ومنافع عقولكم، من إله غير اللَّه يأتيكم به: أي يأتيكم بمنافع سمعكم، ومنافع بصركم، ومنافع عقولكم، فإذا كانت الأصنام والأوثان التي تعبدون من دون اللَّه وتشركون في ألوهيته وربوبيته لا يملكون ردّ تلك المنافع التي أخذ اللَّه عنكم، فكيف تعبدونها وتشركونها في
(47)
ألوهيته؟! وقيل: يراد بأخذ السمع والبصر وما ذكر: أخذ أعينها وأنفسها، أي: لو أخذ اللَّه سمعكم وبصركم وعقولكم، لا يملك ما تعبدون رد هذه الأشياء إلى ما كانوا عليه: لا يملكون رد السمع إلى ما كان، ولا رد البصر والعقل الذي كان إلى ما كان، فكيف تعبدون دونه وتشركون في ألوهيته؟! يُسفّهُ أحلامهم لما يعلمون أن ما يعبدون ويجعلون لهم الألوهية لا يملكون نفعًا ولا ضرًّا، فمع ما يعرفون ذلك منهم يجعلونهم آلهة معه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ). أي: نبين لهم الآيات في خطئهم في عبادة هَؤُلَاءِ، وإشراكهم في ألوهيته. (ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ). أي: يعرضون عن تلك الآيات. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) معناه - واللَّه أعلم -: أنهم يعلمون أن العذاب لا يأتي ولا يأخذ إلا الظالم، ثم مع علمهم أنهم ظلمة؛ لعبادتهم غير اللَّه، مع علمهم أنهم لا يملكون نفعًا ولا ضرًا يسألون العذاب كقوله: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ). وقوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ). وقوله: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ... (48) أخبر أنه لم يرسل الرسل إلا مع بشارة لأهل الطاعة، ونذارة لأهل معصيته، وفيه أن الرسل ليس إليهم الأمر والنهي، إنما إليهم إبلاغ الأمر والنهي. ثم بين البشارة فقال: (فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ): لما ليس لذلك فوت ولا زوال، ليس نعيمها كثواب الدنيا
(49)
وأنه على شرف الفوت والزوال. (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ): لأنه سرور لا يشوبه حزن، ليس كسرور الدنيا يكون مشويًا بالحزن والخوف. (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) هذه هي النذارة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ). ذكر المس - واللَّه أعلم - لما لا يفارقهم العذاب، ولا يزول عنهم. والفسق في هذا الموضع: الكفر، والشرك، وما ذكر من الظلم هو ظلم شرك وكفر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ... (50) لم يحتمل ما قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حيث قال: إنهم قالوا لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم ينزل اللَّه عليك كنزًا تستغني به؛ فإنك محتاج، ولا جعل لك جنة تأكل منها فتشبع من الطعام؛ فإنك تجوع، فنزل عند ذلك هذا. لا يحتمل أن يقولوا له ذلك، فيقول لهم: إني لا أقول لكم إني ملك، وليس عندي خزائن اللَّه ولا أعلم الغيب، فإن كان من السؤال شيء من ذلك، فإنما يكون على سؤال سألوا لأنفسهم؛ كقوله: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91)، ونحو ذلك من الأسئلة التي سألوا لأنفسهم، فنزل عند ذلك ما ذكر، فهذا لعمري يحتمل، فيقول لهم: إنه ليس عندي خزائن اللَّه فاجعل لكم هذا، ولا أعلم الغيب؛ ولا أقول لكم: (إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ). والثاني: جائز أن يكون النبي - عليه السلام - أوعدهم بالعذاب وخوفهم، فسألوا العذاب استهزاء وتكذييًا، فقالوا: متى يكون؟! كقوله: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، فقال عند ذلك: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ) ومفاتيحه، أُنْزِلُ عليكم العذاب متى شئت، (وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) ومتى وقت نزول العذاب عليكم، (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) نزلت من السماء بالعذاب، إنما أنا رسول، بشر مثلكم، ما أتبع إلا
ما يوحى إليَّ، هذا محتمل جائز أن يكون على أثر ذلك نزل. ويحتمل وجهًا آخر وهو: أنه يخبر ابتداء في: (لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ)؛ لأني لو قلت: عندي خزائن اللَّه، وأنا أعلم الغيب، وإني ملك - كان ذلك أشد اتباعًا لي وأرغب وأكثر لطاعتي، لكن أقول: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ ما أتبع إلا ما يوحى إليَّ، لتعلموا أني صادق في قولي، ومحق فيما أدعوكم إليه. * * * قوله تعالى: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ). يعلم بالإحاطة أن هذا ونحوه خرج على الجواب لأسئلة كانت منهم لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لكن لسنا نعلم ما كانت تلك الأسئلة التي كانت من أُولَئِكَ، حتى كان هذا جوابًا لهم، فلا نفسر، ولكن نقف؛ مخافة الشهادة على الله. ويحتمل: أن يكون جوابًا لما ذكر في آية أخرى، وهو قولهم: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ)، فقال عند ذلك: (لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ)، وقال: (وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) جوابًا لسؤال عن وقت الساعة، أو وقت نزول العذاب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) جواب لقولهم: (أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ) فقال عند ذلك: لا أقول: إني أعلم الغيب؛ حتى أعلم وقت نزول العذاب
(51)
أو قيام الساعة، ولا أقول: إني ملك حتى أرقى في السماء. وقوله: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ). أي: تعرفون أنتم أنه لا يستوي الأعمى، أي: من عمي بصره، والبصير: أي: من لم يعم بصره، فكيف لا تعرفون أنه لا يستوي من عمي عن الآيات ومن لم يعم عنها؟! أو نقول: إذا لم يستو الأعمى والبصير، كيف يستوي من يتعامى عن الحق ومن لم يتعام؟! (أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) أنهما لا يستويان. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ). في آيات اللَّه وما ذكركم. أو نقول: (أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) في وعظكم، باللَّه تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو صلة قوله: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ. . .) الآية، أيئس الكفرة عما سألوا من الأشياء رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ثم أمر بالإنذار الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم وهم المؤمنون، أي: يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم، وأن ليس لهم ولي يدفع عنهم ما يحل بهم، ولا شفيع يسأل لهم ما لم يعطوا. وجائز أن يكون تخصيص الأمر بإنذار المؤمنين لما كان الإنذار ينفعهم ولا ينفع غيرهم، وليس فيه لا ينذر غيرهم؛ وهو كقوله: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)، ليس فيه أنه لا ينذر من لم يتبع الذكر ولا خشي الرحمن ولكن أنبأ أنه إنما ينفع هَؤُلَاءِ؛ كقوله تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)، أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين ولا تنفع أُولَئِكَ، ينذر الفريقين: من اتبع، ومن لم يتبع، ومن انتفع، ومن لم ينتفع، ويكون قوله: (لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ)، يعني: ليس لأُولَئِكَ أولياء ولا شفعاء؛ لأنهم يقولون: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، ونحوه أخبر أن ليس لهم ولي ولا شفيع دونه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ... (52)
يذكر في بعض القصة أن رجالا من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانوا يسبقون إلى مجلس رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيجلسون قريبًا منه، فيجيء أشراف القوم وساداتهم، وقد أخذ أُولَئِكَ المجلس فيجلس هَؤُلَاءِ ناحية، فقالوا: نحن نجيء فنجلس ناحية، فذكروا ذلك لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقالوا: إنا سادات قومك وأشرافهم، فلو أدنيتنا منك في المجلس، فهمّ أن يفعل ذلك، فأنزل اللَّه هذه الآية يعاتب نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بقوله: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. . .) الآية. وإلى هذا يذهب عامة أهل التأويل، لكنه بعيد؛ إذ ينسبون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى أوحش فعل وأفحشه ما لو كان فيه إسقاط نبوته ورسالته؛ إذ لا يحتمل أن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقرب أعداءه ويدني مجلسهم منه، ويبعد الأولياء، هذا لا يفعله سفيه فضلا أن يفعله رسول اللَّه المصطفى على جميع بريته، أو يخطر بباله شيء من ذلك، وكان فيه ما يجد الكفرة فيه مطعنا يقولون: يدعو الناس إلى التوحيد والإيمان به والاتباع له، فإذا فعلوا ذلك وأجابوه طردهم وأبعد مجلسهم منه، هذا لعمري مدفوع في عقل كل عاقل، ولكن إن كان فجائز أن يكون منهم طلب ذلك طلبوا منه أن يدني مجلسهم ويبعد أُولَئِكَ؛ هذا يحتمل، وأما أن يهم أن يفعل ذلك أو خطر بباله شيء من ذلك فلا يحتمل.
وجائز أن يكون هذا من اللَّه ابتداء تأديبًا وتعليمًا؛ يعلم رسوله صحبة أصحابه ومعاملته معهم؛ كقوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) ونهاه أن يمد عينه إلى ما متَّع أُولَئِكَ؛ كقوله: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ. . .) الآية، ويخبره عن عظيم قدرهم عند اللَّه. وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي والحظر، بل العصمة تزيد في النهي والزجر، وأخبر أن ليس عليه من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، فإنما عليك البلاغ وعليهم الإجابة؛ وهو كقوله: (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ). يشبه أن يكونوا يجتمعون إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في كل غداة ومساء، فيسمعون منه، ثم يفترقون على ما عليه أمر الناس من الاجتماع في كل غداة ومساء عند الفقهاء وأهل العلم. وجائز أن يكون ذكر الغداة والعشي كناية عن الليل كله وعن النهار جملة؛ كقوله:
(وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)، ليس يريد بـ (وَالضُّحَى) الضحوة خاصة ولكن النهار كله. ألا ترى أنه قال: (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) ذكر الليل دل أنه كان الضحى كناية عن النهار جملة؛ فعلى ذلك الغداة والعشي يجوز أن يكون كناية عن الليل والنهار جملة، والله أعلم. وجائز أن يكون أصحاب الحرف والمكاسب، لا يتفرغون للاجتماع إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والاستماع منه في عامة النهار، ولكن يجتمعون إليه ويستمعون منه بالغداة والعشي، فكان ذكر الغداة والعشي لذلك أو لما ذكرنا. وجائز أن يكون المراد بذكر الغداة والعشي صلاة الغداة، وصلاة العشاء؛ يقول: لا تطرد من يشهد هاتين الصلاتين، وإنَّمَاكان يشهدهما أهل الإيمان، وأما أهل النفاق: فإنهم كانوا لا يشهدون هاتين الصلاتين، ويحتمل غير ما ذكرنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) الظلم على وجوه: ظلم كفر، وظلم شرك، وظلم يكون بدونه، وهو أن يمنع أحدا حقه أو أخذ منه حقا بغير حق؛ فهو كله ظلم. والظلم - هاهنا واللَّه أعلم -: يشبه أن يكون هو وضع الحكمة في غير أهلها؛ لأنه لو كان منه ها ذكر من طرد أُولَئِكَ وإدناء أُولَئِكَ، لم يكن أهلا للحكمة، ويجوز أن يوصف واضع الحكمة في غير موضعها بالظلم؛ على ما روي في الخبر: " أن من وضع الحكمة في غير أهلها فقد ظلمها، ومن منعها عن أهلها فقد ظلمهم ".
(53)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ... (53) قوله: (وَكَذَلِكَ) لا يتكلم إلا على أمر سبق، فهو - واللَّه أعلم - يحتمل أن يقول لما قالوا: يا مُحَمَّد أرضيت بهَؤُلَاءِ الأعبد من قومك، أفنحن نكون تبعًا لهَؤُلَاءِ، ونحن سادة القوم وأشرافهم؟! فقال عند ذلك: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) أي: كما فضلتكم على هَؤُلَاءِ في أمر الدنيا فكذلك فضلتهم عليكم في أمر الدِّين، ويكونون هم المقربين إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والمدنين مجلسهم إليه، وأنتم أتباعهم في أمر الدِّين، وإن كانوا هم أتباعكم في أمر الدنيا؛ فكذلك امتحان بعضهم ببعض. ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن يقال: كما كان له امتحان كل في نفسه ابتداء محنة؛ كقوله: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً). وكقوله: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ). وقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ. . .) الآية. فعلى ذلك له أن يمتحن بعضكم ببعض. وأشد المحن أن يؤمر المتبوع ومن يرى لنفسه فضلا بالخضوع للتابع ومن هو دونه عنده، يشتد ذلك عليه ويتعذر؛ لما كانوا يرون هم لأنفسهم الفضل والمنزلة في أمر الدنيا، فظنوا أنهم كذلك يكونون في أمر الدِّين؛ وعلى ذلك يخرج امتحانه إبليس بالسجود لآدم لما رأى لنفسه فضلا عليه فقال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ)، ولم ير الخضوع لمن دونه عدلا وحكمة، فصار ما صار؛ فعلى ذلك هَؤُلَاءِ لم يروا أُولَئِكَ الضعفة أن يكونوا متبوعين عدلا وحكمة، وظنوا أنهم لما كانوا مفضلين في أمر الدنيا، وكان لهَؤُلَاءِ إليهم حاجة - يكونون في أمر الدِّين كذلك، ويقولون: (لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) ونحوه من الكلام. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا). قَالَ بَعْضُهُمْ: هو موصول بالأول بقوله: (فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا) يقول الكافر قول الكفر والمؤمن قول الإيمان. ثم ابتدأ فقال: (أَهَؤُلَاءِ) أي: يقول الكفرة (أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا). ليس بمفصول من قوله (لِيَقُولُوا) وولكن موصول به (لِيَقُولُوا) يعني الكفرة (أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا).
(54)
ثم يحتمل قوله (أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) وبالحظ بالتقريب والإدناء في المجلس وجعلهم متبوعين من بيننا بعد ما كانوا أتباعًا لنا فقال عند ذلك (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) أي: عرف هَؤُلَاءِ نعمة اللَّه تعالى، ووجهوا شكر نعمه إليه وأنتم وجهتم شكر نعمه إلى غيره بعد ما عرفتم أنه هو المنعم عليكم والمسدي إليكم. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) هذا يدل على أن النهي عن الطرد ليس للإبعاد خاصة في المجلس، ولكن في كل شيء في بشاشة الوجه واللطف في الكلام وفي كل شيء؛ لأنه قال (فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) وقَالَ بَعْضُهُمْ (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) هو هو أن يبدأهم بالسلام فذلك الذي كتب على نفسه الرحمة. وقَالَ بَعْضُهُمْ قوله (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) أي: لم يأخذهم في أول ما وقعوا في المعصية ولكن أمهلهم إلى وقت وجعل لهم المخرج من ذلك بالتوبة وعلى ذلك ما روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " فتح اللَّه للعبد التوبة إلى أن يأتيه الموت ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: كل من عمل سوءًا بجهالة ثم تاب من بعد ذلك وأصلح أنه يغفر له ما كان منه. ومن قرأها بالنصب عطفه على قوله: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لذلك. وجائز أن يكون قوله (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) أي: كتب على خلقه الرحمة أن يرحم بعضهم بعضًا. وجائز ما ذكرنا أنه كتب على نفسه الرحمة أي: أوجب أن يرحم ويغفر لمن تاب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ) جائز أن يكون الآية في الكافر إذا
(55)
تاب يغفر اللَّه له ما كان منه في حال الكفر والشرك كقوا له: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ. .) الآية، وقوله: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ). وجائز أن تكون في المؤمنين. ثم ذكر عملا بجهالة وإن لم يكن يعمل بالجهل لأن الفعل فعل الجهل وإن كان فعله لم يكن على الجهل؛ وكذلك ما ذكر من النسيان والخطأ في الفعل؛ لأن فعله فعل ناس وفعل مخطئ وإن لم يفعله الكافر على النسيان والخطأ، وإلا لو كان على حقيقة الخطأ والنسيان لكان لا يؤاخذ به؛ لقوله (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ)، لكن الوجه ما ذكرنا أن الفعل فعل نسيان وخطأ وإن لم يكن ناسيًا ولا مخطئًا فيه، وعلى ذلك الفعل فعل جهل وإن لم يكن جاهلا والفعل فعل جهل وإن لم يكن بالجهل، والمؤمن جميع ما يتعاطى من المساوي يكون لجهالة؛ لأنه إنما يعمل السوء إما لغلبة شهوة أو للاعتماد على كرم ربه بالعفو عنه والصفح عن ذلك ويعمل السوء على نية التوبة والعزم عليها في آخره. على هذه " الوجوه الثلاثة يقع المؤمن في المعصية وأما على التعمد فلا يعمل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قرئ بالياء والتاء جميعًا. فمن قرأ بالتاء نصب السبيل بجعل الخطاب لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أي: لتعرف سبيل المجرمين. ومن قرأ بالياء رفع " السبيل " كأنه قال نفصل الآيات وجوهًا. أي: نبين الآيات ما يعرف السامعون أنها آيات من عند اللَّه غير مخترعة من عند الخلق ولا مفتراة ما يبين سبيل المجرمين من سبيل المهتدين. والثاني: نفصل الآيات ما بالخلق حاجة إليها وإلى معرفتها. والثالث: نبين من لآيات ما بين المختلفين، أي: بين سبيل المجرمين وبين سبيل المهتدين. (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) تأويله ما ذكرنا أن من قرأ بالتاء حمله على خطاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أي: نبين من الآيات لتعرف سبيل المجرمين بالنصب. ومن قرأ بالياء نبين من الآيات ليتبين سبيل المجرمين من سبيل غير المجرمين، والله أعلم.
(56)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) معناه - واللَّه أعلم -: إني نهيت بما أكرمت من العقل واللب أن أعبد الذين تعبدون من دون اللَّه. أو يقول: إني نهيت بما أكرمت من الوحي والرسالة أن أعبد الذين تدعون من دون اللَّه. (قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) ثم أخبر أن ما يعبدون هم من دون اللَّه إنما يعبدونه اتباعًا لهوى أنفسهم وأن ما يعبده هو ليس يتبع هوى نفسه، ولكن إنما يتبع الحجة والسمع وما يستحسنه العقل؛ ألا ترى أنه قال (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أي: على حجة من ربي؟! يخبر أن ما يعبده هو يعبده اتباعًا للحجة والعقل، وما يعبدون اتباعًا لهوى أنفسهم، وما يتبع بالهوى يجوز أن يترك اتباعه ويتبع غيره لما تهوى نفسه هذا ولا تهوى الأول وأما ما يتبع بالحجة والسمع وما يستحسنه العقل فإنه لا يجوز أن يترك اتباعه ويتبع غيره وفيه تعريض بسفههم؛ لأنه قال (قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) أي: لو اتبعت هواكم لضللت أنا، وأنتم إذا اتبعتم أهواءكم لعبادتكم غير اللَّه ضلال ولستم من المهتدين؛ فهو تعريض بالتسفيه لهم والشتم منه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ... (57) قيل: على بيان من ربي وحجة، وقيل على دين من ربي. وقوله عَزَّ وَجَلَّ (وَكَذَّبْتُمْ بِهِ) قيل بالقرآن، وقيل: العذاب ما أوعدتكم ويحتمل كذبتم ما وعدتكم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) أي: العذاب كقوله - تعالى -: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ)، وغيره فقال ما عندي ما تستعجلون به من العذاب. ثم هذا يدل على أن قوله: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) أن المراد بالخزائن العذاب أي: ليس عندي ذلك، إنما ذلك إلى اللَّه وعنده ذلك وهو قوله: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)، أي: ما الحكم والقضاء إلا لله. (يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) اختلف في تلاوته وتأويله: قرأ بعضهم بالضاد وآخرون بالصاد. فمن قرأ بالصاد (يَقُصُّ) ويقول يبين الحق؛ لأن القصص هو البيان. وقال آخر (وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) أي: خير المبينين. ومن قرأ بالضاد يقول يقضي بحكم.
(58)
ثم اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ أي: يقضي بالحق وكذلك روي في حرف ابن مسعود رضي اللَّه عنه أنه قرأ (يقضي بالحق) وقيل فيه إضمار، أي: يقضي ويحكم وحكمه الحق. (يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) أي: القاضين والفصل والقضاء واحد؛ لأنه بالقضاء يفصل واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) لأهلكتكم. وقيل: (لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)، أي: لعجلته لكم بالقضاء فيما بيننا، يخبر عن رحمة اللَّه وحلمه، أي: لو كان بيدي لأرسلته عليكم، لكن اللَّه بفضله ورحمته يؤخر ذلك عنكم. ثم فيه نقض على المعتزلة في قولهم بأن اللَّه لا يفعل بالعبد إلا الأصلح في الدِّين؛ لأنه قال: (قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)، ثم لا يحتمل أن تأخير العذاب والهلاك خير لهم وأصلح، ثم هو يهلكهم ويكون عظة لغيرهم وزجرًا لهم، ثم إن اللَّه - تعالى - أخر ذلك العذاب عنهم وإن كان فيه شر لهم؛ فدل أن اللَّه قد يفعل بالعبد ما ليس ذلك بأصلح له في الدِّين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ). أي: عليم بمن الظالم منا؟ وهم كانوا ظلمة. * * * قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ). هذا - واللَّه أعلم - يحتمل أن يكون صلة قوله: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا
أَعْلَمُ الْغَيْبَ)، وصلة قوله: (مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) كانوا يطلبون منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويسألونه أشياء من التوسيع في الرزق، وغير ذلك مما كان يعدهم من الكرامة والمنزلة والسعة، وكان يوعدهم بالعذاب ويخوفهم بالهلاك، فيستعجلون ذلك منه ويطلبون منه ما أوعدهم فقال: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ)، ليس ذلك عندي، لا يعلم ذلك إلا هو. ومفاتح: من المفتح، ليس من المفتاح؛ لأن المفتاح، يكون جمعه مفاتيح، والمفتح: يقال في النصر والمعونة؛ يقال: فتح اللَّه عليه بلدة كذا، أي: نصره وجعله غالبًا عليهم، ويقال فيما يحدثه ويستفيد منه: فتح فلان على فلان باب كذا، أي: علمه علم ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ). أي: من عنده يستفاد ذلك ومنه يكون، ومن نصر آخر إنما ينصر به، ومن علم آخر علما إنما يعلمه به، ومن وسع على آخر رزقًا إنما يوسعه باللَّه، كل هذا يشبه أن يخرج تأويل الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ). هذا يحتمل وجوهًا؛ يحتمل أي يعلم ما في البر والبحر من الدواب، وما يسكن فيها من ذي الروح، كثرتها وعددها وصغيرها وكبيرها، لا يخفى عليه شيء. والثاني: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)، أي: يعلم رزق كل ما في البر والبحر من الدواب ويعلم حاجته، ثم يسوق إلى كل من ذلك رزقه. يذكر هذا - واللَّه أعلم - ليعلموا أنه لما ضمن للخلق لكل منهم رزقه، يسوق إليه رزقه من غير تكلف ولا طلب؛ كما يسوق أرزاق كل ما في البر والبحر من غير طلب ولا تكلف، لا تضيق قلوبهم لذلك، فما بالكم تضيق قلوبكم على ذلك، وقد ضمن ذلك لكم كما ضمن لأُولَئِكَ؟! والثالث: يعلم ما في البر والبحر من اختلاط الأقطار بعضها ببعض، ومن دخول بعض
في بعض، يخرج هذا على الوعيد: أنه لما كان عالمًا بهذا كله يعلم بأعمالكم ومقاصدكم. فَإِنْ قِيلَ: هذا الذي ذكر كله في الظاهر دعوى، فما الدليل على أنه كذلك؟ قيل: اتساق التدبير في كل شيء وآثاره فيه يدل على أنه كان بتدبير واحد؛ لأن آثار التدبير في كل شيء واتساقه على سنن واحد ظاهرة بادية، فذلك يدل على ما ذكر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) الآية. يحتمل الكتاب - هاهنا -: التقدير والحكم اختلف فيه؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) أي: محفوظ كله عنده؛ يقول الرجل لآخر: عملك كله عندي مكتوب، يريد الحفظ، أي: محفوظ عندي، وذلك جائز في الكلام. وقيل: الكتاب - هاهنا -: هو اللوح المحفوظ، أي: كله مبين فيه. وقال الحسن - رحمه اللَّه -: إن اللَّه يخرج كتابًا في كل ليلة قدر،
(60)
ويدفعه إلى الملائكة، وفيه مكتوب كل ما يكون في تلك السنة؛ ليحفظوه على ما يكون. أو كلام نحو هذا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ... (60)
قال بعض أهل الكلام: إن لكل حاسة من هذه الحواس روحًا تقبض عند النوم، ثم ترد إليها، سوى روح الحياة فإنها لا تقبض؛ لأنه يكون أصم بصيرًا متكلمًا ناطقًا، ويكون أعمى سميعًا، ويكون أخرس سميعًا بصيرًا، فثبت أن لكل حاسة من حواس النفس روحًا على حدة تقبض عند النوم، ثم ترد إليها إذا ذهب النوم. وأما الروح التي بها تحيا النفس: فإنه لا يقبض ذلك منه إلا عند انقضاء أجله وهو الموت. وقالت الفلاسفة: الحواس هي التي تدرك صور الأشياء بطينتها.
وقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ). فيه دلالة أن ليس ذكر الحكم في حال أو تخصيص الشيء في حال دلالة سقوط ذلك في حال أخرى؛ لأنه قال: (وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ)، ليس فيه أنه لا يعلم ما جرحنا
بالليل، بل يعلم ما يكون منا بالليل والنهار جميعًا، وليس فيه أنه لا يتوفانا بالنهار وألا نجرح بالليل، لكنه ذكر الجرح بالنهار والوفاة بالليل؛ لما أن الغالب أن يكون النوم بالليل والجرح بالنهار؛ فهو كقوله - تعالى: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا)، ليس ألا يبصر بالليل، لكن ذكر النهار، لما أن الغالب مما يبصر إنما يكون بالنهار؛ فعلى ذلك الأول. ثم فيه دلالة أن النائم غير مخاطب في حال نومه؛ حيث ذكر الوعيد فيما يجرحون بالنهار ولم يذكر بالليل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ). قَالَ بَعْضُهُمْ: جرحتم، أي: أثمتم بالنهار. وقيل: يعلم ما كسبتم بالنهار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ) يستدل بقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ) على الإحياء بعد الموت؛ لأنه يذهب أرواح هذه الحواس ثم يردها إليها من غير أن يبقى لها أثر، فكيف تنكرون البعث بعد الموت وإن لم يبق من أثر الحياة شيء؟! ثم القول في الجمع بعد التفرق مما الخلق يفعل ذلك ويقدر عليه؛ نحو ما يجمع من التراب المتفرق فيجعله طينًا، ورفع البناء من مكان، ووضعه في مكان آخر، وغير ذلك من جمع بعض إلى بعض، وتركيب بعض على بعض؛ فدل أن الأعجوبة في رد ما ذهب كله حتى لم يبق له أثر، لا في جمع ما تفرق، واللَّه أعلم.
(61)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ). أي: يوقظكم، ويرد إليكم أرواح الحواس. (لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى). أي: مسمى العمر إلى الموت. (ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). خرج هذا على الوعيد لما ذكرنا؛ ليكونوا على حذر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ)، وقوله: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ). يعلم كل ما يغيب عن الخلق ولا يخفى عليه شيء؛ لأنه عالم بذاته لا يحجبه شيء، ليس كعلم من يعلم بغيره، فيحول بينه وبين العلم بالأشياء الحجب والأستار، فأما اللَّه - سبحانه وتعالى - فعالم بذاته لا يعزب عنه شيء، ولا يكون له حجاب عن شيء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ... (61) فيه جميع ما يحتاج أهل التوحيد في التوحيد؛ لأنه أخبر أنه قاهر لخلقه وهم مقهورون، ومن البعيد أن يشبه القاهر المقهور بشيء، أو يشبه المقهور القاهر بوجه، أو يكون المقهور شريك القاهر في معنى؛ لأنه لو كان شيء من ذلك لم يكن قاهرا من جميع الوجوه، ولا كان الخلق مقهورًا في الوجوه كلها، فإذا كان اللَّه قاهرًا بذاته الخلق كله كانت آثار قهره فيهم ظاهرة، وأعلام سلطانه فيهم بادية؛ دل على تعاليه عن الأشباه والأضداد، وأنه كما وصف (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ). وقوله: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ). يكون على وجهين: أحدهما: وهو القاهر وهو فوق عباده. الثاني: على التقديم والتأخير؛ وهو فوق عباده القاهر.
ويحتمل قوله: (فَوْقَ عِبَادِهِ): بالنصر لهم والمعونة والدفع عنهم؛ كقوله: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)، أي: بالنصر والمعونة، والعظمة والرفعة والجلال، ونفاذ السلطان والربوبية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً). أخبر أنه القاهر فوق عباده، وأنه أرسل عليهم الحفظة؛ ليعلموا أن إرسال الحفظة عليهم لا لحاجة له في ذلك لما أخبر أنه قاهر فوق عباده ولو كان ذلك لحاجة له، لم يكن قاهرًا؛ لأن كل من وقعت له حاجة صار مقهورًا تحت قهر آخر، فاللَّه - تعالى - يتعالى عن أن تمسه حاجة، أو يصيبه شيء مما يصيب الخلق، بل إنما أرسلهم عليهم لحاجة الخلق: إما امتحانًا منه للحفظة على محافظة أعمال العباد والكتابة عليهم، من غير أن تقع له في ذلك حاجة، يمتحنهم على ذلك، ولله أن يمتحن عباده بما شاء من أنواع المحن، وإن أكرمهم ووصفهم بالطاعة في الأحوال كلها بقوله: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وغير ذلك من الآيات. والثاني: يرسلهم عليهم بمحافظة أعمالهم والكتابة عليهم؛ ليكونوا على حذر في ذلك العمل، وذلك في الزجر أبلغ وأكثر؛ لأن من علم أن عليه رقيبًا في عمله وفعله كان أحذر في ذلك العمل. وأنظر فيه، وأحفظ له ممن لم يكن عليه ذلك، وإن كان يعلم كل مسلم أن اللَّه عالم الغيب لا يخفى عليه شيء، عالم بما كان منهم وبما يكون أنه كيف يكون؟ ومتى يكون؟ ثم اختلف في الحفظة هاهنا: قَالَ بَعْضُهُمْ: هم الذين قال اللَّه أفيهم: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2).
وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12). يكتبون أعمالهم ويحفظونها عليهم. وقال آخرون: هم الذين يحفظون أنفاس الخلق، ويعدوز عليهم إلى وقت انقضائها وفنائها، ثم تقبض منه الروح ويموت؛ ألا ترى أنه قال على أثره: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ)؛ دل على أن الحفظة - هاهنا - هم الذين سلطوا على حفظ الأنفاس، والعد عليهم إلى وقت الموت، واللَّه أعلم. ثم في قوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه ذكر مجيء الموت وتوفي الرسل، وقال: (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ)، ومجيء الموت هو توفي الرسل وتوفي الرسل هو مجيء الموت. ثم أخبر أنه خلق الموت دل أنه خلق توفيهم، فاحتال بعض المعتزلة في هذا وقال: إن الملك هو الذي ينزع الروح ويجمعه في موضع، ثم إن اللَّه يتلفه ويهلكه. فلئن كان ما قال، فإذن لا يموت بتوفي الرسل أبدًا؛ لأنهم إذا نزعوا وجمعوا في موضع تزداد حياة الموضع الذي جمعوا فيه؛ لأنه اجتمع كل روح النفس في ذلك الموضع، فإن لم يكن دل أن ذلك خيال، والوجه فيه ما ذكرنا من الدلالة، وهو ظاهر بحمد اللَّه، يعرفه كل عاقل يتأمل فيه ولم يعاند، وباللَّه التوفيق. ثم اختلف في قوله: (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا): قَالَ بَعْضُهُمْ: هو ملك الموت وحده، وإن خرج الكلام مخرج العموم بقوله: (رُسُلُنَا)، والمراد منه الخصوص؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ)، أخبر أنه هو الموكل والمسلط على ذلك.
(62)
وقال آخرون: يتوفاه أعوان ملك الموت، ثم يقبضه ملك الموت ويتوفاه. وقال قائلون: يكون معه ملائكة تقبض الأنفس، ويتوفاه ملك الموت. لكن ذكر ذلك لا ندري أن كيف هو؟ ليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة، ولكن إلى معرفة ما ذكرنا. وقوله: (وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) وفيه إخبار عن شدة طاعة الملائكة ربهم، وأن الرأفة لا تأخذهم فيما فيه تأخير أمر اللَّه وتفريطه؛ لأن من دخل على من في النزع، أخذته من الرأفة ما لو ملك حياته لبذل له، فأخبر عَزَّ وَجَلَّ أنهم لا يفرطون فيما أمروا ولا يؤخرونه؛ لتعظيمهم أمر اللَّه وشدة طاعتهم له، وعلى ذلك وصفهم: (غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)، وقال: (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ... (62) ذكر الرد إلى اللَّه، وأنه مولاهم الحق، وإن كانوا في الأحوال كلها مردودين إلى اللَّه، وكان مولاهم الحق في الدنيا والآخرة. وكذلك قوله: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا)، وكذلك قوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) كان الملك له في الدنيا والآخرة، وكانوا بارزين له جميعًا في الأوقات كلها؛ لما كانوا أصحاب الشكوك، فارتفع ذلك عنهم، وخلص بروزهم وردهم إلى اللَّه خالصًا لا شك فيه؛ وكذلك كان الملك له في الدنيا والآخرة وهي الأيام كلها، لكن نازعه
(63)
غيره في الملك في الدنيا، ولا أحد ينازعه في ذلك اليوم في الملك، فقال: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)؛ وعلى ذلك قوله: (مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ)، كان مولاهم الحق في الأوقات كلها والأحوال، ولكن عند ذلك يظهر لهم أنه كان مولاهم الحق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ). يحتمل: ردوا إلى ما وعدهم وأوعد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ). يحتمل قوله: (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ): في تأخير الموت والحياة، وقبض الأرواح، وتوفي الأنفس. ويحتمل قوله: (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ) في التعذيب في النار والثواب والعقاب ليس يدفع ذلك عنهم دافع سواه، ولا ينازعه أحد في الحكم. (وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ). عن الحسن قال: هو سريع العقاب؛ لأنه إنما يحاسب ليعذب كما روي: " من نوقش الحساب عذب " وهو أسرع الحاسبين؛ لأنه لا يحاسب عن حفظ ولا تفكر، ولا يشغله شيء، وأما غيره: فإنما يحاسب عن حفظ وتفكر وعن شغل، فهو أسرع الحاسبين؛ إذ لا يشغله شيء. * * * قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) وليس هذا على الأمر له، ولكن على المحاجة؛ كقوله - تعالى -: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ)، ليس على الأمر بالسير في الأرض، ولكن على الاعتبار بأُولَئِكَ الذين كانوا من قبل، والنظر في آثارهم وأعلامهم أن كيف صاروا بتكذيبهم الرسل،
وماذا أصابهم بذلك؛ فعلى ذلك هذا، فيه الأمر بالمحاجة معهم في آلهتهم: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) آلهتكم التي تعبدون من دون اللَّه، وتشركونها في ألوهيته وربوبيته، أو اللَّه الذي خلقكم؟ فسخرهم حتى قالوا: اللَّه هو الذي ينجينا من ذلك، فقال: (قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ)، فإذا كان هو الذي ينجيكم من هذا لا آلهتكم التي تعبدونها؛ فكذلك هو الذي ينجيكم من كل كرب ومن كل شدة. ويحتمل قوله - تعالى -: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ). أي: لا أحد ينجيكم من ظلمات البر والبحر؛ كقوله: (وَمَنْ أَظلَمُ)، أي: لا أحد أظلم من تخافون على آلهتكم الهلاك كما تخافون على أنفسكم؛ فلا أحد سواه ينجيكم من ذلك ومن كل كرب. قال أبو بكر الكيساني: هم عرفوا في الدنيا أنه هو الذي ينجيهم من ذلك كله، وهو الذي يعطي لهم ما أعطوا بما قامت عليهم الحجج، ولم يعرفوا أنه هو الذي ينجيهم في الآخرة ويهلكهم، وهو هكذا: عرفوا اللَّه في الدنيا، ولم يعرفوه في الآخرة. ثم اختلف في ظلمات البر والبحر: قَالَ بَعْضُهُمْ: الظلمات: هي الشدائد والكروب التي تصيبهم بالسلوك في البر والبحر. وقال آخرون: الظلمات هي الظلمات لأن أسفار البحار والمفاوز إنما تقطع بأعلام السماء، فإذا أظلمت السماء بقوا متحيرين لا يعرفون إلى أي ناحية يسلكون، ومن أي طريق يأخذون، فعند ذلك يدعون اللَّه تضرعًا وخفية. قال الحسن: التضرع: هو ما يرفع به الصوت، والخفية: هي ما يدعي سرًّا وهو من الإخفاء. وفي حرف ابن مسعود: (تدعونه تضرعًا وخيفة) وهي من الخوف.
(64)
قال الكلبي: في خفض وسكون، وتضرع إلى اللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ). قال أبو بكر (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)، أي: لا نوجه الشكر إلى غيرك، والشكر - هاهنا -: هو التوحيد، أي: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الموحدين لك من بعد؛ لأنهم كانوا يوحدون اللَّه في ذلك الوقت، لكنهم إذا نجوا من ذلك أشركوا غيره في ألوهيته. ألا ترى أنه قال: (قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ) بعد علمكم أن الأصنام التي تعبدونها لم تملك الشفاعة لكم، ولا الزلفى إلى اللَّه؛ يذكر سفههم في عبادتهم الأوثان على علم منهم أنها لا تشفع لهم، ولا تملك دفع شيء عنهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ... (65) اختلف في نزول الآية فيمن نزلت؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: نزلت في مشركي العرب - وهو قول أبي بكر الأصم - لأنها نزلت على أثر آيات نزلت في أهل الشرك، من ذلك قوله: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ). وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ. . .) الآية. وقوله: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً. . .)، إلى قوله - تعالى -: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ): هذه الآيات كلها نزلت في أهل الشرك، فهذه كذلك نزلت فيهم؛ لأنها ذكرت على أثرها؛ ولأن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك، إلا آيات منها نزلت في أهل الكتاب، وسورة المائدة نزل أكثرها في محاجة أهل الكتاب؛ لأنه يذكر فيها: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ). ومنهم من يقول: نزلت في أهل الإسلام، وهو قول أبي بن كعب، وقال: هن أربع، فجاء منهن ثنتان بعد وفاة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: ألبسهم شيعًا، وأذاق بعضهم بأس
بعض. أما لبس الشيع: هي الأهواء المختلفة، (وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) هو السيف والقتل، هذان قد كانا في المسلمين، وبقي ثنتان لابد واقعتان. ومنهم من يقول: كان ثنتان في المشركين من أهل الكتاب، وثنتان في أهل الإسلام،
وهو قول الحسن قال: قد ظهر في أهل الإسلام الأهواء المختلفة والقتل والفتن، وأما اللذان في أهل الشرك من أهل الكتاب: فهما الخسف في الأرض، والحجارة من السماء. ثم اختلف في قوله: (عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ). عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ)، أي: من أمرائكم، (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ). أي: من سفلتكم؛ لأن الفتن ونحوها إنما تهيج من الأمراء الجائرين ومن أتباعهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا). قال: الأهواء المختلفة. وقوله - تعالى -: (وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ). أي: يسلط بعضهم على بعض بالقتل والعذاب. ومن قال بأن الآية نزلت في أهل الشرك يقول: كان في أشياعهم ذلك كله، أما العذاب من الفوق فهو الحصب بالحجارة؛ كما فعل بقوم لوط، ومن تحت أرجلهم وهو الخسف، كما فعل بقارون ومن معه. وقوله: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا).
يقول: فرقا وأحزابًا، وكانت اليهود والنصارى فرقًا مختلفة، اليهود
فرقًا والنصارى كذلك؛ كقوله: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وقوله: (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ). وقوله: (وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ). هو الحرب والقتال. وقول الحسن ما ذكرنا أنه ظهر في أهل الإسلام الأهواء المختلفة وظهر الحرب والقتل. وأما الخسف والحصب: فلم يظهرا؛ فهما في أهل الشرك. ويحتمل قوله: (عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُم) أرسلها عليهم؛ لأنهم قد أقروا أنه هو رفع السماء، فمن قدر على رفع شيء يقدر على إرساله. وقوله: (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ). لأنهم عرفوا أنه بسط الأرض، ومن ملك بسط شيء يملك طيه ويخسف بهم.
(66)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ). قيل: أي: نردد الآيات ليعلم كل مزدجره. أو يقول: كيف نصرف الآيات ليعلم كل صدقها وحقيقتها أنها من اللَّه جاءت. (لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ): يحتمل وجوهًا: صرفها ليفقهوا، وذلك يرجع إلى المؤمنين خاصة. والثاني: (لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ)، أي: ليلزمهم أن يفقهوا، وقد ألزم الكل أن يفقهوا، لكن من لم يفقه إنما لم يفقه؛ لأنه نظر إليه بعين الاستخفاف. والثالث: (نُصَرِّفُ الْآيَاتِ) أي: نصرف الرسل ونبلغها إليهم على رجاء أن يفقهوا، لكي يفقهوا؛ إن نظروا فيها وتأملوها. وذكر (لَعَلَّهُم)؛ لأن منهم من فقه، ومنهم من لم يفقه. (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ... (66) يحتمل به: القرآن، ويحتمل: بما ذكر من الآيات، ويحتمل: الإيمان به والتوحيد. (وَهُوَ الْحَقُّ) وكذب به قومك وهم أحق أن يصدقوك بما جئت به وأنبأتهم؛ لأنك نشأت بين أظهرهم، فلم تأت كذبًا قط، ولا رأوك تختلف إلى أحد يعلمك، فهم أحق أن يصدقوك بما جئت به وأنبأتهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ). قال عامة أهل التأويل: الوكيل: الحفيظ، والوكيل: هو القائم في الأمر، أي: لست بقائم عليكم؛ لأكرهكم على التوحيد والإيمان شئتم أو أبيتم، ولست بحافظ على
(67)
أعمالكم إنما عليَّ التبليغ؛ كقوله: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) قَالَ بَعْضُهُمْ: لكل أمر حقيقة. وقيل: لكل خبر غاية ينتهي إليها. ويحتمل: أن يكون صلة قوله: (قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ)؛ (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ)، أي: لست عليكم بوكيل، لكن لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ في أن أغنم أموالكم وأسبي ذراريكم؛ كقوله: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ). ويحتمل قوله: (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ) أي: بما كان وعد وأوعد، واللَّه أعلم. وفي قوله: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنا نعلم أن للخلق حقيقة الفعل في القتل والحرب والأهواء المختلفة، ثم أضاف ذلك إلى نفسه؛ دل أن له صنعًا في أفعالهم، وليس كما تقول المعتزلة: إنه لا يملك ذلك. وكذلك ما ذكر من إضافة تلبيس الشيع إليه رد لقولهم؛ لأنهم يقولون: هم يختلفون، وقد أخبر أنه هو يجعلهم شيعًا، وذلك ظاهر النقض عليهم؛ لأنه أخبر أنه يذيق بعضهم بأس بعض، وهم يقولون: هو لا يذيق ولكن ذلك القاتل أو الضارب أو المعذب هو يذيقهم دون رب العالمين؛ وكذلك قوله: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ) وهم يقولون: هو لا يعذبهم ولكن الخلق يعذبونهم؛ وكذلك قوله: (أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا)، وهم يقولون: هو لا يملك تعذيبهم بأيديهم، وذلك رد لظاهر الآية وتركها جانبًا. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ).
(69)
يشبه أن يكون قوله: (يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) أن يكون، أي: يكفرون بها ويستهزئون بها؛ كما قال في سورة النساء: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا)، فيكون خوضهم في الآيات الكفر بها والاستهزاء بها، ويكون قوله - تعالى -: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)، أي: لا تقعد معهم؛ كما قال: (فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ). يحتمل: النهي عن القعود معهم على ما ذكرنا من قوله: (فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ). ويحتمل الإعراض: الصفح عنهم وترك المجازاة لمساويهم؛ كقوله - تعالى -: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ)؛ أو كقوله تعالى: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا)، وفيه الأمر بالتبليغ فينهى عن القعود معهم والأمر بالتبليغ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ومعناه - واللَّه أعلم -: أن الشيطان إذا أنساك القعود معهم فلا تقعد بعد ذكر الذكرى، ومعنى النهي بعد ما أنساه الشيطان، أي: لا تكن بالمحل الذي يجد الشيطان إليك سبيلا في ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) قيل فيه رخصه الجلوس معهم؛ وهو كقوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ)، ثم نسخ ذلك بقوله - تعالى -: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ)، وكان النهي عن مجالستهم ليس للجلوس نفسه، ولكن ما ذكرنا من خوضهم في آيات اللَّه بالاستهزاء بها والكفر بها هو الذي كان يحملهم على ذلك، ليس ألا يجوز أن تجالسهم، وكذلك ما نهانا أن نسبهم ليس ألا يجوز لنا أن نسبهم، ولكن لما كان سبُّنَا إياهم هو الذي يحملهم على سبِّ اللَّه.
(70)
(وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ). يحتمل النهي عن القعود معهم وجهين. أحدهما: نهى هَؤُلَاءِ عن القعود معهم لما كان أهل النفاق يجالسونهم، ويستهزئون بالآيات ويكفرون بها، فنهى هَؤُلَاءِ عن ذلك؛ ليرتدع أهل النفاق عن مجالستهم. والثاني: أنه نهى المؤمنين عن مجالستهم؛ ليمتنعوا عن صنيعهم حياء منهم؛ لأنهم لو امتنعوا عن مجالستهم فيمنعهم ذلك عن الاستهزاء بها والكفر بها، لما كانوا يرغبون في مجالسة المؤمنين، فيتذكرون عند قيامهم عنهم، فيتقون الخوض والاستهزاء، ولا يخافون أن يعرفوا في الناس بترك مجالستهم المؤمنين، فيحملهم ذلك على الكف عن الاستهزاء بالآيات وبرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا ... (70) أي: وذر الذين اتخذوا لعبا ولهوا دينا؛ على التقديم والتأخير. والثاني: اتخذوا اللعب واللهو دينهم؛ حتى لا يفارقوا اللعب واللهو؛ لأن الدِّين إنما يتخذ للأبد، فعلى ذلك اتخذ أُولَئِكَ اللعب واللهو للأبد كالدِّين. ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: اتخذوا دينهم عبادة ما لا ينفع ولا يضر، ولا يبصر ولا يسمع ولا يعلم، ومن عبد من هذا وصفه، واتخذ ذلك دينا - فهو عابث لاعب. والثاني: اتخذوا دينهم ما هوته أنفسهم، ودعتهم الشياطين إليه، ومن اتخذ دينه بهوى نفسه، وما دعته نفسه إليه - فهو عابث لاعب. والثالث: صار دينهم لعبًا وعبثًا؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، ومن لم يقصد بدينه الذي دان به عاقبة فهو عابث مبطل؛ كقوله - تعالى -: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ
عَبَثًا. . .) الآية، صير عدم الرجوع إليه عبثًا. وقوله: (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا). أي: شغلهم ما اختاروا من الحياة الدنيا والميل إليها عن النظر في الآيات والبراهين والحجج. أو أن يكون قوله: (وَغَرَّتْهُمُ)، أي: اغتروا بالحياة الدنيا؛ أضاف التغرير إلى الحياة الدنيا لما بها اغتروا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ). قيل: وذكر به قبل أن تبسل نفس بما كسبت، وإنَّمَا يذكرهم بهذا لئلا يقولوا غدًا: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ). وأصل الإبسال: الإهلاك، أو الإسلام للجهناية والهلاك. ثم اختلف في قوله: (أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ): عن ابن عَبَّاسٍ قال: أن تفضح نفس بما كسبت. وقيل: تبسل: تؤخذ وتحبس؛ وهو قول قتادة؛ وكذلك قال في قوله: (أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا)، أي: حبسوا بما كسبوا. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أُبْسِلُوا) أي: فضحوا؛ على ما قال في
(تُبْسَلَ). وعن الحسن: (تُبْسَلَ)، أي: تسلم وعن مجاهد كذلك. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (تُبْسَلَ نَفْسٌ): أي: تسلم، وذلك أن الرجل يجني جناية، فيسلم إلى أهل الجناية. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (تُبْسَلَ) أي تسلم للهلكة. وعن الكيساني: (تُبْسَلَ): تجزَى نفس بما كسبت. وقال الفراء: (تُبْسَلَ): ترهن. وأصل الإبسال: هو الإسلام، وتفسيره ما ذكر على أثره، وهو قوله: (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ)؛ كما يكون بعضهم شفيعًا لبعض في الدنيا، وأعوانًا لهم وأنصارًا في دفع المضار والمظالم عنهم وجر المنافع إليهم، وأما في الآخرة: فإن كل نفس تسلم بما كسبت، لا شفيع لها ولا ولي؛ كقوله: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ). وكقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً)، وغير ذلك من الآيات تسلم كل نفس إلى كسبها لا شفيع لها ولا ولي. وقوله: (وَذَكِّرْ بِهِ)، يحتمل بالقرآن والآيات ويحتمل (بِهِ)، أي: باللَّه، أي: عظ به أن تهلك نفس بما كسبت. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا). اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: العدل: الفداء؛ يقول: وإن فدت نفس كل الفداء
لتتخلص مما حل بها، لم يؤخذ منها ولم يقبل منها ذلك. وقال الحسن: العدل: كل عمل البر والخير، أي: وإن عملت كل عمل البر والخير من الفداء والتوبة، لم يقبل منها ذلك؛ يخبر أن الدار الآخرة ليست بدار العمل، ولا يقبل فيها الرشا كما تقبل في الدنيا، وأخبر ألا يكون شفعاء يشفعون لهم، ولا أولياء ينصرونهم، ليس كالدنيا؛ لأن من أصابه في هذه الدنيا شيء، أو حل به عذاب أو غرامة - فإنما يدفع بإحدى هذه الخلال الثلاثة، إما بشفعاء يشفعونه، أو بأولياء ينصرونه، أو بالرشا، فأخبر أن الآخرة ليست بدار تقبل فيها الرشا، فتدفع ما حل بهم، أو أولياء ينصرونهم في دفع ذلك عنهم، أو شفعاء يشفعونهم. فَإِنْ قِيلَ: ما معنى ذكر العدل والفداء، وليس عنده ما يفدي ولا يبذل وما يمكَّن من العمل؟ قيل: معناه - واللَّه أعلم - أي: لو مكن لهم من الفداء ما يفدون في دفع ذلك عن أنفسهم، ومكن لهم من العمل ما لو عملوا، لم يقبل ذلك منهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا). قد ذكرنا الاختلاف في الإبسال، وأصله: الإسلام يسلمون لما اكتسبوا لا يكون لهم
(71)
شفعاء ولا أولياء، ولا يقبل منهم الرشا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ). قيل: الحميم: هو ماء حار قد انتهى حره يغلي ما في البطن إذا وصل إليه، فيشبه أن يكون لهم من الشراب ما ذكر؛ لما تناولوا في الدنيا من الشراب المحرم، فكان لهم في الآخرة الحميم مكان ذلك، والعذاب الأليم؛ لما أعطوا أنفسهم في الدنيا من الشهوات واللذات جزاء ذلك. * * * قوله تعالى: (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا): يحتمل هذا وجوهًا: يحتمل: أن يكون أُولَئِكَ الكفرة دعوا رسول اللَّه أو المؤمنين إلى عبادة الأصنام التي كانوا يعبدونها، فقال عند ذلك: (أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا)، بعدما عبدنا اللَّه الذي يملك نفعنا وضرنا. أو كان أهل الكفر يدعون أهل الإسلام إلى عبادة الأوثان التي كانوا يعبدونها: إما طمعًا بشيء يبذلونه؛ ليرجعوا إلى عبادة الأوثان والأصنام عن عبادة اللَّه، أو تخويفًا منهم لهم، فقال: قل يا مُحَمَّد أندعو من دون اللَّه ما لا يملك نفعنا إن عبدناه، ولا يملك ضرنا إن تركنا عبادته، بعدما عبدنا الذي يملك نفعنا إن عبدناه، ويملك ضرنا إن تركنا عبادته؟! وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا): هذا مثل ضربه اللَّه للأصنام التي عبدوها دون اللَّه، ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى اللَّه وإلى عبادته؛ كمثل رجل ضل به الطريق؛ فبينما هو ضال إذ ناداه مناد: يا فلان بن فلان هلم إلى الطريق وله أصحاب يدعونه يا فلان هلم إلى الطريق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا): في الكفر والشرك. (بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ). يقول: مثلهم إن كفروا بعد الإيمان كمثل رجل كان مع قوم على الطريق، فضل الطريق فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: ائتنا؛ فإنا على الطريق، قال: فلم يأتهم؛ فذلك مثل من تبعكم بعد المعرفة بمُحَمَّد، ومُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هو الذي يدعوهم إلى الطريق وهو الهدى. ويحتمل أن يكون المثل الذي ضربه من وجه آخر، وهو أن مثل هَؤُلَاءِ كمثل من كان في بعض المفاوز والبراري، فضل الطريق به فذهب به الغيلان حتى أوقعوه في الهلكة؛ وهو الذي تقدم ذكره. ويشبه أن يكون قوله: (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا) أنه ما من أحد: من مشرك ومؤمن، إلا وله أصحاب يدعونه: أما المؤمن: فله أصحاب من الملائكة يدعونه إلى الهدى، والكافر: له شياطين يدعونه إلى الشرك؛ هذا أشبه أن يحمل عليه، لكن أهل التأويل حملوا الآية، على ما ذكرنا. قال قتادة: هذه خصومة علمها اللَّه محمدا يخاصم بها أهل الشرك؛ لأن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك. قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (اسْتَهْوَتْهُ): أضلته. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: أي: ذهبت به، استهوته وأهوته واحد، أي: دعته إلى الهلكة، وقيل: أضلته.
(72)
وقوله: (وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا). أي: نرجع عن الإيمان إلى الشرك، (بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى). قيل: بيان اللَّه هو البيان. وقيل: إن دين اللَّه هو الهدى وهو الدِّين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). قيل: هذا صلة قوله: (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا) (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: ليس على الصلة، ولكن على الابتداء: (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، وقل لهم: (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ (72) (وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) قد ذكرناه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ... (73) قيل: قوله: (بِالْحَقِّ)، أي: خلق السماوات والأرض بالحق لم يخلقهما باطلا؛ كقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا). قيل: لم يخلقهما باطلا، ولكن خلقهما بالحق، وهو يحتمل وجوهًا: قيل: خلقهما للعاقبة؛ لأن كل أمر لا عاقبة له فهو باطل ليس بحق، فإنما خلق السماوات والأرض وما بينهما للعاقبة وذلك لأمر عظيم؛ كقوله: (لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6). وقيل: قوله: (بِالْحَقِّ)، أي: خلقهما ليمتحن فيهما ولمحنة سكانهما، لم يخلقهما لغير شيء. وقيل: (بِالْحَقِّ)، أي: خلقهما بالحكمة من نظر فيهما وتدبر؛ للدلالة على أن لهما خالقًا ومدبرًا، والدلالة على أن مدبرهما ومنشئهما واحد، فإذا كان كذلك كان خلقهما بالحق بالحكمة والعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُنْ فَيَكُونُ).
قد ذكرنا أن قوله: (كُن) هو أوجز كلام في لسان العرب يعبر به فيفهم منه، لا أَنْ كَانَ مِنَ اللهِ كاف أو نون، لكنه ذكر - واللَّه أعلم - ليعلموا أن ليس على اللَّه في الإحياء والإنشاء بعد الموت مؤنة؛ كما لم يكن على الخلق في التكلم بـ " كن " مؤنة، ولا يصعب عليهم ذلك؛ فعلى ذلك ليس على اللَّه في البعث بعد الموت مؤنة ولا صعوبة. والثاني: ذكر هذا لسرعة نفاذ البعث؛ كقوله: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ)، أخبر أن خلقهم وبعثهم ليس إلا كخلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة؛ وكقوله: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ)، يخبر لسرعة نفاذ الساعة وبعثهم، وذلك أن الرجل قد يلمح البصر وهو لا يشعر به؛ فعلى ذلك القيامة قد تقوم وهم لا يشعرون. والثالث: يذكر هذا - واللَّه أعلم - أن البعث بعد الموت والإحياء إعادة، وإعادة الشيء عندكم أهون من ابتداء إنشائه؛ وعلى ذلك يخرج قوله: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) أي: هو أهون عليه عندكم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -.: (قَوْلُهُ الْحَقُّ). يحتمل: (قَوْلُهُ الْحَقُّ)، أي: البعث بعد الموت حق على ما أخبر. ويحتمل: (قَوْلُهُ الْحَقُّ)، أي: ذلك القول منه حق يكون كما ذكر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَهُ الْمُلْكُ) أي: ملك ذلك اليوم؛ كقوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)؛ وكقوله: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ)، ذكر هذا - واللَّه أعلم - لما لا ينازعه أحد في ملك ذلك اليوم، وقد نازعه الجبابرة في الملك في الدنيا، وإن لم يكن لهم ملك ولا ألوهية. ويحتمل قوله: (وَلَهُ الْمُلْكُ)، أي: ملك جميع الملوك له في الحقيقة؛ كقوله: (مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -. (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ): قَالَ بَعْضُهُمْ: النفخ: هو الروح، والروح من الريح، والروح إنما تد - خل، بالنفخ (فَنَفَخنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا). وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يكون هناك في الحقيقة نفخ، ولكن يذكر لسرعة نفاذ الساعة؛ لأن
(74)
الرجل قد يتنفس وهو لا يشعر به، فذكر هذا لسرعة نفاذ الساعة؛ لأنه ليس شيء أسرع جريانًا ونفاذًا من الريح. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو على حقيقة النفخ وهو ما ذكرنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي الصُّورِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: في صور الخلق، وقَالَ بَعْضُهُمْ: الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل فلا ندري كيف هو، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى أن فيه ما ذكرنا من سرعة نفاذ البعث. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَالِمُ الْغَيْبِ). أي: يعلم ما يغيب الخلق بعضهم من بعض. (وَالشَّهَادَةِ). ما يشهد بعضهم بعضًا. أو يحتمل عالم الغيب، أي: يعلم ما يكون إذا كان كيف كان، أو يعلم وقت كونه، والشهادة: ما كان وشوهد؛ يخبر أنه لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه. (وَهُوَ الْحَكِيمُ): في خلق السماوات والأرض، وخلق ما فيهما، والحكيم: في بعثهم، والحكيم، هو واضع الشيء موضعه. (الْخَبِيرُ) بكل شيء. * * * قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ).
قيل: آزر: هو اسم أبي إبراهيم، عليه السلام. والحسن يقرأ: (آزرُ)، بالرفع ويجعله اسم أبيه. وقال آخرون: هو اسم صنم، فهو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر أصنامًا آلهة. وقوله: (أَتَتَّخِذُ). استعظامًا لما يعبد من الأصنام دون اللَّه؛ لأن مثل هذا إنما يقال على العظيم من الفعل. وقال أبو بكر الكيساني: قوله: (آزر) هو قيل: هو اسم عيب عندهم؛ كأنه قال: يا ضال أتتخذ أصنامًا آلهة؛ كقول الرجل لآخر: يا ضال. وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة كان اسم أبيه أو اسم صنم. وفي الآية دلالة أن أباه كان من رؤساء قومه بقوله: (إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). وفيه دلالة أن لا بأس للرجل أن يشتم أباه لمكان ربه؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - سماه ضالا. وفيه دلالة أن الإيمان والتوحيد يلزم أهل الفترة في حال الفترة؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - سماهم ضلالا وهو لم يكن في ذلك الوقت رسولًا، إنما بعث رسولًا من بعد، واللَّه أعلم. وقوله - تعالى -: (إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي: ضلالًا لا شك فيه ولا
(75)
شبهة، وهو ما ذكر في آية أخرى حيث عبد ما ذكر؛ حيث قال: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا)، هذا الضلال البين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) ذكر كذلك - واللَّه أعلم - على معنى كما أريناك ملكوت السماوات والأرض والآيات؛ كذلك كنا أرينا إبراهيم. و (نُرِي) بمعنى: أرينا وذلك جائز في اللغة، و " كذلك " لا تذكر إلا على تقدم شيء، لكن الوجه فيه ما ذكرنا كما أريناك من السماوات والأرض من الآيات والحجج والبراهين؛ كذلك كنا أرينا إبراهيم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: سلطان السماوات والأرض. وقيل: الشمس والقمر والكواكب. وقيل: فرجت له السماوات السبع، حتى نظر إلى ما تحت العرش وما فيهن؛ وكذلك فرجت له الأرضون حتى رأى ما فيهن. وقيل: (مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): خبئ إبراهيم - عليه السلام - من الجبابرة في سرب، فجعل اللَّه في أصابعه رزقًا، فإذا مص إصبعا من أصابعه وجد فيها رزقًا، فلما خرج أراه اللَّه الشمس والقمر، فكان ذلك ملكوت السماوات، وملكوت الأرض: الجبال والبحار والأشجار. وقيل: نظر إلى ملك اللَّه فيها حتى نظر إلى مكانه ورأى الجنة، وفتحت له الأرضون حتى نظر إلى أسفل الأرضين، فذلك قوله: (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا)،
قال: أري مكانه في الجنة. وقيل: أجره الثناء الحسن. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) من الملك؛ وكذلك قال أبو عبيدة، وهو كجبروت ورحموت ورهبوت؛ فكذلك ملكوت. وأصله: ما ذكر من الآيات والعجائب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ). الإيقان بالشيء هو العلم بالشيء حقيقة بعد الاستدلال والنظر فيه والتدبر؛ ولذلك لا يوصف اللَّه باليقين، ولا يجوز لله - تعالى - أن يقال: موقن؛ لما ذكرنا أنه هو العلم الذي يعقب الاستدلال، وذلك منفي عنه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75). قيل في قوله: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ) أي: كما أريناك ملكوت ما ذكر، فقوله: (نُرِي) بمعنى أرينا. وقوله: (وَكَذَلِكَ) له وجهان: أحدهما: أنه كما أريناك ما أيقنت به أن الربوبية لله، وأنه الواحد لا شريك له من الآيات والأدلة، أريناه -أيضًا- ما ذكر حتى أيقن، فهو - واللَّه أعلم - على التسوية بين الأسباب الدالة على الوحدانية لله والربوبية في المعنى، وإن كانت لأعيانها مختلفة، وعلى أن طريق المعرفة الاستدلال بما أنشأ اللَّه من الدلالة لا السمع والحس، وإن كان في حجة السمع تأكيد. والثاني: أن يكون (وَكَذَلِكَ نُرِي) على ما أظهر من الحجج على قومه؛ وهو كقوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ)، وأعطاه ما أراه وأشعر قلبه من
الحجج التي ألزم قومه بها أنطق بها اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لسانه ليلزم حججه خلقه، والله الموفق. (مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): الملك في الحقيقة من الوجه الذي يكون آية للإيقان ودليلا للإحاطة بالحق. ثم اختلف في وجه ذلك: فمنهم من قال: هو ما أرى بصره، أعني: بصر الوجه؛ نحو الذي ذكر من فتح السماء حتى رأى ما فيها من العجائب والآيات إلى العرش، أو حيث قد زوى الأرض حتى رأى ما فيها من أنواع الخلق إلى الثرى، أو حيث بلغ. ومنهم من قال: رفع إلى السماء حتى كانت الأرض بمن فيها له رأي العين، وكان له - صلوات اللَّه عليه مثل هذا من الأمور؛ نحو: أمر النار بالهجرة إلى حيث لا ضرع ولا زرع، وما جعل رزقه في أصابعه، وأمر بلوغ صوته في قوله - تعالى -: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ)، أن كان على ما سمع منه، واللَّه أعلم. ومنهم من قال: هو ما أرى بصر قلبه من وجوه العبر وأنواع الأدلة عند التأمل في خلق اللَّه بالفكر من غير أن كان في الخلق تغير على الأحوال التي كانت عليه، وهو أحق من يكون له في الذي كان كفاية عن حدوث أحوال تدل إذ هي حجج اللَّه يستدل على قومه، من الوجه الذي جعل لجميع الخلق، لا من جهة خصوص آيات؛ فثبت أن ذلك كان له بهذا الوجه. ثم هو يخرج على وجوه؛ منها: ما رأى من تسخير القمر والشمس والنجوم، وقطعها في كل يوم وليلة أطراف السماء والأرض جميعًا، ومسيرها تحت الأرض إلى أن يعود كل إلى مطلعه، يسير كل ذلك ما فوق الأرض إلى السماء، واستواء أحوال ذلك على ما عليه حد في كل عام وشهر، لا يزداد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر، مع
(76)
عظيم ما بها من المنافع لأنواع دواب الأرض والطير جميعًا حتى يوقن كل متأمل أن مثل هذا لا يعمل بالطباع إلا أن يكون له مدبر حكيم جعله ذلك الطبع وسواه على ما شاء من الحد، وألا يتسق الأمر على التدبر والحكمة، إلا أن يكون مدبر ذلك، بحيث لا يحتاج إلى معين، ولا يجوز أن يكون له فيه منافع، ثم هو بذاته عليم قدير، وما في الأرض من تدبير الليل والنهار وأنهما يتعاقبان أبدًا، ويسيران يقهران ما فيها من الجبابرة والفراعنة، حتى إن اجتمع جميع أهل الأرض على زيادة في واحد أو نقصان، أو تقديم أو تأخير؛ لما لهم من الحاجة، أو بما فيهم من القوة والقدرة مع معونة الجميع لهم في ذلك لم يتهيأ لهم، ولا بلغ توهم أحد في احتمال ذلك حتى يصير عند وجود كل كان الآخر لم يكن قط، ثم عند العود إليهم كأنه لم يفارقهم قط، مع ما أودع أهل الأرض بهما من المنافع، وعليهم فيها أنواع مضار، ولهما سلطان على أعمارهم، على ما فيهما من أثر التسخير والتذليل الذي كل مقهور بالآخر، إذا جاء سلطانه وبلغ حده، وليس في واحد منهما امتناع عن قهر الآخر، وإن كان هو الظاهر القوي جريا جميعًا على حد واحد وسنن واحدة، ولا على ذلك على ما دل عليه الأول، مع ما فيهما من أثر العيث أمرًا ظاهرًا لا يحتمل أن يجهله إلا سفيه معاند، واللَّه أعلم. ثم النور والظلمة والظل ونحو ذلك الذي يبسط بسعة جميع أطراف السماء والأرض يستر واحد كل شيء، ويبدي آخر عن كل شيء، ويحيط الثالث بكل شيء، ثم تعلق منافع الأهل بها على اختلافها، وبالسماء والأرض على تباعد ما بينهما، وبالسهل والجبل والبحر والبر على تضاد معانيهما؛ وعلى ذلك جميع الأمور، فكان - صلوات اللَّه عليه - بما أرى من المعنى وغيره من الموقنين أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وجه إليه نفسه، وأن كل شيء نسب إليه الألوهية، محال أن يكون فيه وله إمكان ذلك، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ. . . (76) إلى قوله: (وَمَآ أَنا مِن الْمُشركِينَ). تكلموا في تأويل الآية على وجوه ثلاثة:
فمنهم من جعل الأمر على ما عليه الظاهر: أنه غير عارف بربه حق المعرفة إلى أن عرف من الوجه الذي بأن له عند الفراغ من آخر ما نسب إليه الربوبية أنه لا يعرف من جهة درك الحواس ووقوعها عليه، ولكن من جهة الآيات وآثار العقل، فقال: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. . .) الآية، لكن أهل هذا القول اختلفوا على وجوه ثلاثة: أحدها: ما روي في التفسير أنه ربّي في السرب، ولم يكن نظر إلى شيء من خلق السماء، فنظر عن باب السرب في أوّل الليل، فرأى الزهرة بضوئها وتلاللَّهِا، وكان في علمه أن له ربا وأنه يرى، فلم ير أضوأ منها ولا أنور، فقال: هذا ربي، فلما أفل وله علم أن الرب دائم لا يزول، فقال: لا أحبُّ، بمعنى: ليس هذا برب؛ كقوله: (مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ)، أي: ليس لنا، وقول عيسى حيث قال: (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ)، بمعنى: ما قلت ذلك، لكن أهل هذا التفسير حملوا الأفول على غيبوبته بنفسه، وهو عندنا على غيبوبته في سلطان القمر وقهر سلطان القمر، لما طلع سلطان النجم، وعنده أن الرب لا يقهر وأن سلطانه لا يزول؛ وعلى ذلك أمر القمر والشمس بظلمة الليل، وفي ذلك أنه لو كان عنده أن الرب لا يقهر وأن سلطانه لا يزول وأنه لا يرى، لأنكر من ذلك الوجه أن يكون ربه بل أقر به، وأنكر الأفول والزوال، وهذا ينقض قول من يصفه بالزوال والانتقال من حال إلى حال. ومنهم من يقول: كان هذا أمنه في وقت، لم يكن جرى عليه القلم سمع الخلق يقولون في خلق السماء والأرض ونحو ذلك، وينسبون ذلك إلى اللَّه؛ وعلى ذلك أمر جميع أهل الشرك؛ كقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) وقوله: (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ. . .)، إلى قوله: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ)
ثم رآهم عبدوا الأصنام وسموها آلهة، فتأمل فوجدها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر، علم أن مثلها لا يحتمل أن يكون يخلق ما ذكر، وأن الذي ذلك فعله لعلي عظيم، يجب طلب معرفته من العلو بما كان يسمع نسبة الملائكة إلى السماء ونزول الغيث منها، ومجيء النور والظلمة وكل أنواع البركات وغيرها منها، فصرف تدبير الطلب الذي نسب إليه الخلق إليها. ثم أوّل ما أخذ في التأمل والنظر لم يقع بصره على أحسن وأبهى من الذي ذكر، فظنه ذلك، ثم لما قهر وقد كان علم بأن خالق من ذكر لا يجوز أن يقهر، فمن ذلك علم أنه ليس هو وقال لِمَنْ قَهَرَ، وذلك إلى أن قهر الليل ضوء الشمس، وصار بحيث لا يجري له السلطان، ورأى في الكل آثار التسخير والتذليل، ولم ير فيها أعلام من له الأمر والخلق، فعلم أن الرب لا يدرك من ذلك الوجه، ولا يعرف من جهة الحواس، فرجع إلى ما سمع من أنه خلق السماوات والأرض، فوجه نفسه إليه بالعبودية، واعترف له بالربوبية بما في الخلق من آثار ذلك، وفي القول من تسمية من له الخلق ربا وإلها، فآمن به، وذلك كان أول أحوال احتماله علم الاستدلال وبلوغه المبلغ الذي من بلغه يجري عليه الخطاب، ولا قوة إلا باللَّه. ومنهم من قال: إنه كان بالغًا قد جرى عليه القلم، وقد كان رأى ما ذكر غير مرة، لكن اللَّه لما أراد أن يهديه ألهمه ذلك وألقاه في نفسه، فانتبه انتباه الإنسان لشيء كان عنه غافلا من قبل، فرأى كوكبًا أحمر يطلع عند غروب الشمس، فراعاه إلى أن أفل، فأراد إذن من اللَّه قربة، وعلم أن ربه لا يزول ولا يتغير، ففزع إليه وقال: (لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ)؛ وكذا ذكر في القمر والشمس إلى أن عرف اللَّه، فتبرأ مما كانوا يشركون، وتوجه بالتوحيد والعبادة إليه؛ وإلى هذا التأويل ذهب الحسن. الأول: روي عن ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثاني: قال به جماعة أهل الكلام، ونحن نتبرأ إلى اللَّه أن نجعله رجلا بالغًا جرى عليه القلم، وهو كان - عن اللَّه - بهذه الغفلة حتى يتوهمه في معنى نجم أو قمر أو شمس، مع ما يرى فيها الظهور بعد أن لم يكن، والأفول بعد الوجود، ثم آثار التسخير والعجز عن التدبير بما هو في جهد وبلاء، ومن له يحمل في راحة وسرور، ثم لا يرى في شيء من العالم أو له معنى يدل على رجوع التدبير إليه، فيتحقق له القول بذلك، والله يصفه بقوله: (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)، قيل: سليم من الشرك لم يشبه بشيء، وقال: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ)، وما يذكرونه إنما آتاه على نفسه إذ هو في الغفلة عنها، والجهل بمن له الآيات شريك قومه، وقد قال - أيضًا - (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، ومعلوم أن ذلك على معاينته أو أنه قد أرى كلا منهما، ولكن على ما بينت من الوجهين وفيهما حقيقة ذلك. وليس في قوله: (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) دلالة الشك في الابتداء، أو الجهل في الحال التي يحتمل العلم به فسمى به عَزَّ وَجَلَّ، ولكن على أنه على ذلك الوجه يكون الإيقان ممن لا يقع عليه الحواس، ولا يوجب علمه الضرورات، إنما هو الاستدلال بالآثار أو تلقى الأخبار، ولا قوة إلا باللَّه.
وذلك كقوله: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)، لا عن وضع كان، وقوله: (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)، لا أن كانوا من قبل في الظلمات، وقول يوسف - عليه السلام -: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) لا عن كونه فيها؛ وهكذا أمر الإيقان: أن يكون العبد في كل وقت موقنا باللَّه، وأن لا إله غيره، لا عن شك فيما تقدمه من الوقت أو الجهل، فمثله أمر إبراهيم، عليه السلام. والوجه الثاني - مما تكلم في التأويل: أن يكون إبراهيم - عليه السلام - كان مؤمنًا في ذلك الوقت، عارفًا بربه حق المعرفة، ولكنه كلم قومه كلام مستدرج بإظهار المتابعهّ لهم على هواهم؛ فيكونون به أوثق وإليه أميل، وذلك أبلغ في الحجاج وألطف في المكيدة، فيبين لهم ما أراد من غير جهة النقض والعناد، فبدأ بتعظيم ما عظموه؛ إذ هم
قوم كانوا يعظمون النجوم، وبالعلم بأمرها أخبروا نمرود بولادة من يهلك على يده هو ويزول ملكه، وهذا كما ذكر أنه نظر نظرة في النجوم في مقاييسها وعلمها؛ لا أنه نظر إليها، ثم قال الذي ذكر لا من حيث علم النجوم، ولكن من حيث علمه أنه يموت ومن يَمُت يسقم، لكن أراهم الموافقة في العلم الذي لهم في ذلك الباب دعوى؛ فكذلك ما نحن فيه. وعلى ذلك أمر الند الذي كان يعبده قوم عظَّمه الحواريُّ الذي أرسل إليهم، حتى اطمأنوا إليه وصدروا عن تدبيره وبلوا بعد، وكاد يحيط بهم، فدعاهم إلى دعاء الند ليكشف لهم؛ إذ لمثله يعبد حتى أيسوا، فدعاهم إلى اللَّه فكشف عنهم، فآمنوا به، فمثله الأول. وإلى هذا التأويل يذهب الْقُتَبِيّ، لكنه ذكر أنهم كانوا أصحاب نجوم وكهانة، ومن ذلك قوله لا يعبد النجم ولا يراه ربا فكيف أظهر الموافقة بتسمية النجم ربا، ثم النقض عليه بالأفول؟! ولكن ذلك لو كان فإنما كان في قوم يعبدون النجوم والشمس والقمر، فألزمهم بالأفول؛ إذ فيه تسخير وغلبة سلطان على سلطان، وهذا الوجه يجوز أن يظهر على إضمار معنى في نفسه مستقيم: كالمكره على عبادة صليب يقصد قصد عبادة اللَّه ونحوه،
والمكره على شتم مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقصد قصد مُحَمَّد آخر يصوره في وهمه ونحو ذلك، فهو على ما قال: (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ)، على جعل (إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) شرطا في نفسه في قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، واللَّه أعلم. وقيل في الاستدراج من غير هذا الوجه، على التسليم أنهم أهل كهانة ونجوم، وهو أنه لما رآهم يعبدون الأصنام والأوثان، دعاهم من طريق المقابلة؛ إذ هم مالوا إلى ذلك بما رأوا من حسن ذلك في البصر، بما قد زين بأنواع الزينة وحلي بأنواع الحلي، فأراهم أنه يعبد النجم وما ذكر، وأن الذي ذكر أحسن وأعظم نورًا وضياء؛ إذ هو بجوهره ونفسه كذلك، وما كانوا يعبدون بما فعلوا به وجعلوه كذلك؛ ليكره إليهم عبادتهم الأصنام، ويستنقذهم عما اعتادوه بالمعنى الذي ذكرت، ثم ألزمهم فساد ما مالوا إليه وقبلوا منه، قبل أن يقر ذلك في قلوبهم وتطمئن إلى ذلك أنفسهم، بما أظهر من فساد أن يكون الذي بذلك الوصف من التسخير أو ملكه على شرف الزوال، أو يصير بحيث يقر في قلوبهم عبادة من لا يشهدونه وقت العبادة؛ فيلزمهم على ذلك عبادة المستحق لها. أو أن يقول: إذا كانت النجوم وما ذكر مع ضيائها ونورها وكثرة منافع الخلق بها لم تصلح لها الألوهية عند الجميع بالأفول والتسخير، فالذي كانوا يعبدون على ما سخرهم كانوا تحت البشر أذلاء، لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع أحق ألا يكون له الربوبية، وألا توجه إليه العبودية، واللَّه أعلم. فهذا النوع من الاستدراج فيما لو ظهر أنهم لم يكونوا يتخذون النجوم أربابًا يعبدونها؛ وكذلك الذي ذكره الْقُتَبِيّ. والتأويل الثالث للآية يخرج مخرج الإنكار والاستهزاء، ويكون في ذلك معنى الاستدراج؛ إذ هو الإلزام من حيث لا يشعر به، أو نقض أسباب الشبه درجة فدرجة في حلول المقت ولزوم المقصود بتعاطي ذلك الابتداء بالكشف عن الأسباب. ثم قيل في هذا بأوجه: أحدها: أنهم كانوا يعبدون النجوم وما ذكر، ويدعون إلى ذلك الأولاد والصبيان - وإبراهيم منهم - فيما كانوا يدعونه إليه، فقال لما رأى النجم: هذا الذي تعبدون ربي،
أي: إلى عبادته تدعونني، أي: هذا ربي الذي تدعونني إلى عبادته، فلما رآه طالعًا سائحًا غائبًا ثبت عنده أنه سخر، فقال: لا أحب عبادته، لكن ذا قد يكون في خاص نفسه متفكرًا في الذي دعوه إليه؛ ليعرف دفع قولهم من الوجه الذي يقر ذلك في القلوب إذا قابلهم به. وقد يكون في ملأ منهم يظهر لهم قوله: (هَذَا رَبِّي) على إضمار: تدعونني إليه؛ ليلزمهم بما بأن له فساد الربوبية، فيكون استدراجًا أيضًا؛ لأنه ألزمهم بعد ظهور الوفاق منه لهم. وقد يكون ذكر هذا الذي تدعونني إليه أنه ربي سرا، ويهزأ بهم بإظهار الموافقة، يبين لهم ذلك بما ألزمهم أن الابتداء لم يكن على المساعدة؛ إذ ذلك المعنى الذي به ألزم كان ظاهرا عنده في الابتداء وعندهم جميعًا. والثاني: أن يكون قوله: (هَذَا رَبِّي) على ما يقال: هذا فلان الذي تخبرونني عنه، بمعنى: أهذا هو؟! على إنكار أنه ليس بالمحل الذي أخبرتموني عنه، أو على الاستفهام ليقرره عنده. وأي الوجهين كان فقد هزئ بهم، وظهر في المتعقب أن الأول كان على الهزء بهم والإنكار، أو الاستفهام؛ وذلك كقوله: (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ)، على أنهم لم يخلقوا كخلقه، يوضح قوله: (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) في الأول: (لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ). ويجوز أن يكون هذا أضمر في قوله: (هَذَا رَبِّي)، أي: رب هذا ربي إلى آخر ما ذكر، ثم رجع إليه عند التقرير عندهم أنه لا يليق بالربوبية الذي ظنوا أنه ساعدهم عليه. ثم قد بينا الدليل على أنه لم يكن كافرًا في ذلك الوقت مع ما قد ثبت من عصمة الرسل عن الكبائر، فكيف يبلون بالكفر واللَّه يقول: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) وكل متمكن فيه الكفر شريك أمثاله، فلا وجه لتخصيص الأهل. ثم جملة ذلك أن اللَّه تعالى لو أراد أن يبين حقيقة الحال، أو كانت بنا إلى معرفة
حقيقة ذلك من المراد والوقت حاجة في أمر الدِّين - لكان يبين ذلك، أو يرد في ذلك عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لكن العلم بحقيقة ذلك إذ هو علم الشهادة بما ليس لنا، وعلينا بالوصول عمل تكلف، ولا تكلف الشهادة بوقت القول، وهو متمكن فيه فحقه أن يتأمل وجه الحكمة في ذكر القصة وما فيها من الحجة في أمر الدِّين، فهو - واللَّه أعلم - يخرج على وجوه: أحدها: على جعل ذلك حجة لرسالة رسوله؛ إذ هو من أنباء الغيب، ونبي اللَّه نشأ بمكة ولم يكن ثم من يعلمه ذلك، ولا فارق قومه واختلف إلى من عنده علم الأنبياء بتوارثهم كتب الأنبياء، ولا كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ممن يخط بيمينه أو يقف على المكتوب؛ دل أنه علمه باللَّه سبحانه وتعالى، مع ما كان في القصة حجج التوحيد ودفع عبادة الأصنام وتسفيه أهل ذلك، فلم يحتمل أن يكون تعليم مثل ذلك من الدافعين لذلك المدعين على إبراهيم اليهودية والنصرانية؛ وبعد فإن كتبهم بغير لسانه، وفي العبارة بلسان غيره توهم الاختلاف والتغيير، فلا يحتمل الاحتجاج بمثله بما يحتمل الإنكار والدفع. الثاني: وفيه استعطاف قوم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ إذ هم من ذرية إبراهيم - عليه السلام - بما يدعوهم إلى دين آبائهم، مع ما كانوا هم أصحاب تقليد وحفظ آثار الآباء، فألزمهم القول في آبائهم بما لا مدفع لهم القول بغير الذي قلدوا؛ إذ إبراهيم - عليه السلام - عند جميع المشركين إمام يؤتم به أحق من كل أب، مع ما كان كل مولود على دينه مذكورًا محفوظًا في الخلق، ومن خالفهم فهو ممحوق الاسم والذكر جميعًا، فكان في ذلك أعظم الدليل أن هَؤُلَاءِ من الأنبياء أحق بالتقليد من الذين اتبعوه؛ وعلى ذلك اتفاق أهل الكتاب على موالاة إبراهيم من غير أن تهيأ لهم دفع ما أثبت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من توحيده، ولا ما قرره عندهم من دينه بشيء يجدونه خلافًا لذلك في كتبهم. والثالث: أن إبراهيم - عليه السلام - صرف معرفة الرب من جهة خلقه، ودان بدينه من جهة النظر في الآيات والبحث عنها، دون أن يقلد أباه أو قومه؛ ليعرف سبيل طلب
الحق ووجه اتباعه؛ ليكون ذلك تذكرة لجميع ذريته. والرابع: أنه ذكر الخبر عن أحواله بمخرج ظاهر يوهم المكروه، وله وجه الصرف إلى ما أليس، فيه نفار عنه للطبع، ولا يأباه للعقل؛ ليمتحن عباده بالقول فيه والوقف في أمره. والخامس: ليعلم أن المحاجة في الدِّين على قدر ما تحتمله العقول لازمة؛ إذ بها أفحم إبراهيم قومه وأظهر دين ربه، فيبطل بذلك قول كثير من المسلمين الذين يكرهون المناظرة في الدِّين، ويرون في ذلك تقليد الإسنادين وظواهر ما جاءت به الآثار، التي في اتباع أمثالها تناقض عند العقلاء، ولا قوة إلا باللَّه. والسادس: أن المناظرة تكون بوجهين: بطلب الدلالة في تثبت القول، وبإظهار الفساد بما يتمكن فيه من العيب؛ إذ هو رد ما ادعوا من الربوبية فيمن ذكر، بما في ذلك من آثار التدبير لغيره؛ وكذلك قال في الأصنام: (لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا)، وقال: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي)، وقال في موضع آخر: (الَّذِي خَلقَنِي)، إلى آخر ما أخبر؛ فمرة أبطل قولهم بالمعنى الذي بضده احتج في ثبات قوله، وجائز في كل ذلك أن يقول لهم: ما الدليل على ما تدعون لما تذكرون من الربوبية؟ والسابع: جواز التسليم بإظهار الموافقة، وإن كان المسلم بحقيقة ذلك منكرا وله دافعًا، إذا كان في المساعدة بذلك في الظاهر نيل الفرصة والظفر بالبغية؛ إذ على ذلك خرجت مناظرته قومه، وعلى ذكر ما احتج به في قوله: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)، إذ قال خصمه: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، وإقباله على حجة هي أوضح من ذلك وأقهر للعقل وألزم في الطبع، فقال: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ
الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ). والثامن: أن يعلم أن اللَّه لم يهمل القوم في شيء من الأزمنة دون أن يجعل لهم أدلة للحق يظفرون بها لو تأملوا، ولا ألزم خلقه في زمان من الأزمان بشيء لو بحث عنه لا يوقف عليه ولا يتهيأ له؛ ولذلك أظهر الحجج وآثار البينات؛ ليعلم أنه جعل أوامره كلها تالية الأدلة والبراهين؛ ليقطع بها عذر من تأبى نفسه القيام بها. والتاسع: أن يعلم أنه لا أحد يقوم بالحجاج ولا ينطق بحسن البيان إلا بعطية الله وامتنانه عليه بما ينطق به لسانه ولوفقه للقيام به بقوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ). ثم العاشر: أن يكون بفضله ينال الدرجات في أمر دينه، ويرتقي إلى منازل الفضل والشرف بمشيئته؛ كما قال: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَا)، وأنه متى شاء الرفع كان، والله أعلم. وقد قال بعض أصحاب الإمامة في تأويل الآية: زعم أنهم أخذوه من شرح على أن تأويل النجم: المأذون، والقمر: اللاحق، والشمس: الإمام، بمعنى: أنه قال للمأذون: هذا ربي عنى به رب التربية رباه بالعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا أَفَلَ).
أي: فني ما عنده رغب عنه وقال: لا أحب هذا، ثم ظفر باللاحق، ثم كذلك بالإمام، ثم توجه نحو التالي بالقبول من الرسول؛ إذ التالي عندهم هو الذي فطن ما ذكر، فلما جاوز درجة المتم - وهو الإمام - صار إلى درجة الرسالة، وهو القابل من التالي بالخيال والمصور للشرائع عندهم، فألزموا بهذا عبادة أرباب، وأن الارتفاع من درجة إلى درجة بأُولَئِكَ. وذلك أمر متناقض على المتأمل؛ لأنه لما فني ما عند المأذون صار إلى اللاحق، والمأذون كان به مأذونًا فلم يكن الثاني بما يصير إليه أحق من الأول؛ إذ لو كان به صار مأذونًا ولو كان ثم درجة أخرى، فإما أن يكون ينال تلك في الوقت الذي يلقى المأذون ذلك إلى غيره أو لا: فإن كان لا ينال فلا أسفه من المأذون؛ حيث امتنع عما يُعْليه إلى الدرجة الثانية وبلغ غيره أو ينال معه، فإذا صار هو معه في درجة المتم فكيف قال: لا أحبه، وهو آثر الذي ذلك وصفه؟! ثم كيف قال لا أحب وذهاب ما به أخذ بحظه عن الأخذ من الآخر؟! أو كيف صار ربه قبل أن يربيه، فلما رباه تبرأ من ربوبيته وآثر ربا آخر؟! فإذا عاقبة شكره وسعى ربه في شأنه كفرانه به؛ وكذلك درجة فدرجة حتى يكفر بالتالي ثم بالعقل، ثم يصير إلى رب العالمين، وهو الربُّ في الابتداء والانتهاء، لا رب لأحد سواه جل عن الشركاء؛ إذ إليه حاصل الأمر ومصير الخلق، ولو كان كل مرتق حدا يرتقي أَخر لكانت تلك الحدود يكون أبدا آخرها، فيكون الكل توالى أو مطلقًا، ويبطل الأولاء والمأذونون والأئمة جميعًا، وقد كرم اللَّه - تعالى - عليا - كرم الله وجهه - عن هذا الخيال، وعصمه عن هذا الوسواس، والحمد لله. * * * قوله تعالى: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا
(80)
تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ... (80) ذكر محاجة قومه ولم يبين فيما حاجوه، لكن في الجواب بيان أن المحاجة فيما كانت، وهو قوله: (قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ). ثم تحتمل المحاجة في اللَّه: في توحيد اللَّه ودينه. وتحتمل في اتباع أمر اللَّه وطاعته. وذكر في بعض القصة عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ): في آلهتهم وخوفوه بها، وقالوا: إنا نخاف آلهتنا، وأنت تشتمها ولا تعبدها، أن تخبلك وت