تفسير المنتصر الكتاني
الكتاني، محمد المنتصر
الكهف [1 - 8]
تفسير سورة الكهف [1 - 8] يحمد الله تعالى نفسه في فاتحة سورة الكهف ذاكراً في معرض ذلك منته على عباده بإنزال الكتاب على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، يبشر به المؤمنين وينذر به الكافرين المشركين على دعواهم اتخاذ الله الولد، ومبيناً تعالى حال نبيه الرحيم بأمته، حيث كاد أن يهلك نفسه أسفاً عليهم لإعراضهم عن اتباعه.
نسبة سورة الكهف وفضلها وسبب نزولها
نسبة سورة الكهف وفضلها وسبب نزولها بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلوات الله وسلامه وبركاته على سيدنا محمد سيد العرب والعجم، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأبرار، أما بعد: فيقول الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} [الكهف:1 - 3]. سورة الكهف سورة مكية، فيها مائة آية وعشر آيات، وقد نزلت على نبينا صلوات الله وسلامه عليه بمكة المكرمة. وقد ورد في تلاوتها وقراءتها يوم الجمعة أجر وثواب، وورد أن من قرأ عشر آيات من أولها، وعشر آياتها من آخرها، لا يضره الدجال، وورد أن قراءتها تنزل معها السكينة من السماء. وورد أن من قرأها يوم الجمعة حفظ من الدجال، ويؤجر ويثاب بتكفير سيئاته من الجمعة إلى الجمعة. وسبب نزول هذه السورة أن كفار مكة أرسلوا إلى علماء يهود في المدينة فقالوا لهم: أنتم أهل كتاب، ومحمد يزعم أنه أوحي إليه بكتاب، فأخبرونا عنه، فقال لهم اليهود: اسألوه عن ثلاث، فإن هو أجابكم عنها فهو نبي، وإن لم يجبكم فهو متقول، اسألوه عن فتية ذهبوا في الزمن الأول، واسألوه عن رجل طاف المشارق والمغارب، واسألوه عن الروح. فعادوا فاجتمعوا بالنبي عليه الصلاة السلام فقالوا: يا محمد! إنا سائلون أسئلة إن أنت أحسنت الجواب عنها علمنا أنك نبي، وإن لم تجب فأنت متقول، ما قصة فتية ذهبوا في الزمن الأول؟ وأخبرنا عن رجل طاف المشارق والمغارب؟ وما الروح؟ فقال لهم: غداً أجيبكم. وإذا بالغد يأتي، ثم يأتي اليوم الثاني والثالث إلى أن مضى خمسة عشر يوماً، ولم يأته الوحي بجواب هؤلاء، فانزعج صلى الله عليه وسلم جداً، وأخذ الكفار يقولون: ها نحن سألنا محمداً فافتضح عندنا ولم يحسن الجواب. وفي اليوم الخامس عشر جاءه جبريل بالوحي، وعاتبه ربه في قوله: أجيبكم غداً، ولم يقل: إن شاء الله، وكان قد نسيها صلى الله عليه وسلم، وذاك قوله تعالى في السورة: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف:23 - 24]. ثم تداركه الله بلطفه ورحمته فأوحى إليه بالجواب عن الفتية وعن الرجل الطواف، وأخبره بجواب سؤالهم عن الروح في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85]. فكان الجواب عن الروح أنه لا جواب، وأن علم الروح من أمر الله تعالى؛ لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وجاء الجواب في سورة الكهف عن الفتية الذين ذهبوا في الدهر الغابر، وعن قصة الرجل الذي طاف الآفاق.
تفسير قوله تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب)
تفسير قوله تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) يقول تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا} [الكهف:1]. يحمد الله جل جلاله نفسه، وقد ابتدأ تعالى الخلق بالحمد، وأنهاه بالحمد، وافتتح كتابه القرآن الكريم بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2]، وختم أمر الجنة بقوله تعالى عن أهلها: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس:10]. وابتدأ هاتين القصتين بحمد نفسه جل جلاله، فله الحمد كله، وإليه يرجع الحمد كله، وإذا حمدنا زيداً من الناس أو عمراً فإنما نحمده ظاهراً ومجازاً، وإنما الحمد لله الذي شرح قلب هذا الذي عمل عملاً يخدمك به، أو يقدم خدمة للناس، أو للإسلام، أو في أي شيء كان، فالحمد الخالص الكامل لله، فنحمده على أن هدانا للإسلام، ونحمده على أن وفقنا لاتباع نبيه عليه الصلاة السلام، ونحمده على أن عافانا في أبداننا وأرواحنا، ونحمده على أن أكرمنا بأن أغنانا عن الناس، فلم يُرق ماء وجوهنا لأحد سواه، {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [إبراهيم:34]، فالحمد لا ينقطع، والنعم لا تنقطع، وبالحمد والشكر تزداد النعم، والكفران يسلبها. فالله تعالى هنا يحمد نفسه ويعلمنا أن نحمده وأن نشكره، وأن نؤدي الحق لأهله، فيقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَاب} [الكهف:1]. وعبده هنا هو محمد سيد الخلائق، سيد الأولين والآخرين، خاتم الأنبياء والرسل، عليه صلوات الله وسلامه. فالله يحمد نفسه، ويعلمنا أن نحمده على أن أنزل هذا الكتاب المهيمن على كل الكتب، الجامع لكل ما مضى من خيرات وافرات، وهداية دائمة، وصلاح في الدنيا والآخرة، فهو الذي {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت:42]، وهو الكتاب المعجز الذي فيه خبر من قبلنا وخبر من بعدنا. فهذا الكتاب الذي جعله الله خاتم كتبه خص به عبده وسيد عبيده محمداً صلى الله عليه وسلم. والكتاب إذا أطلق يراد به القرآن الكريم، فهو كتاب جميع المسلمين، وكتاب جميع العلماء، وهو الكتاب الذي فيه ما ينفعنا معاشاً، وما ينفعنا معاداً، وهو الذي جمع كل العلوم. وإذا أطلق الكتاب بين أهل اللغة والأدب والنحو فالمراد به كتاب سيبويه في النحو وقواعد العربية. قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا} [الكهف:1]، فلم يجعله ناقصاً، ولم يجعله مخالفاً، ولم يجعله غير معجز، ولم يجعل فيه تناقضا. والعوج يكون في المحسوسات والمعاني، يقال: فلان أعوج الخلق، أي: فيه اعوجاج عن الحق، واعوجاج عن الطريق المستقيم، ويقال: البناء فيه عوج، أي: فيه اعوجاج في هندسته وفي نظامه. وهذه الآية كقوله تعالى: {قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر:28]، أي: فلا نقص فيه، ولا شين، ولا تناقض.
تفسير قوله تعالى: (قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه)
تفسير قوله تعالى: (قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه) قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا} [الكهف:1 - 2]. فهو القيم والقائم والمهيمن على ما سبقه من كتب سماوية، والقيم على كل كتب الناس وعلومهم، فما وافقه فهو الحق، وما خالفه فهو الباطل. قال تعالى: {قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا} [الكهف:2]. أنزل الله هذا القرآن القيم المهيمن المستقيم الكامل الذي {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت:42] على البشير النذير ليتخذه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أداة في الخطابة وفي الدعوة وفي العلم، وفي مخاطبة الأعداء وفي مخاطبة الأنصار، وفي دعوة الناس إلى الحق والهدى والنور. وقوله تعالى: {لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا} [الكهف:2] أي: لينذر الناس الذين لم يؤمنوا وأصروا على الشرك والكفر البأس الشديد، والغضب الشديد، والقوة الشديدة، والعذاب من الله والطرد من الرحمة والخلود في النار، إن هم أصروا على الكفر، وأبوا إلا الشرك، وحادوا عن الإيمان والتوحيد. وقوله تعالى: {لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ} [الكهف:2] أي: من لدن الله، ومن عند الله، لا من عند محمد صلى الله عليه وسلم ولا من عند أحد من الخلق، فالله عندما يريد أن ينزل بأسه بالناس يسلط رسله على من يشاء من عباده المشركين والكافرين، وقد سلط نبيه صلى الله عليه وسلم على الكفار والمشركين من العرب والفرس والروم، إلى أن دانوا لله، وذلوا للحق، وقالوا كلمة التوحيد، وحادوا عن الشرك، ومن لم يستجيبوا ذهبوا بين شريد وطريد وقتيل، وما عند الله أشد وأنكى. فهذا البأس وهذه النذارة الشديدة وهذا التخويف بالعذاب هو من لدن الله، ولكن الله يسلط عباده بأمره وببأسه على من يشاء من الكافرين الجاحدين. قال تعالى: {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ} [الكهف:2]. أي: يبشر الذين آمنوا بالله واحداً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، فهؤلاء المؤمنون ضموا إلى الإيمان بالقلب العمل بالجوارح، فقاموا بالأركان الخمسة من قول الشهادتين والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، كما تحلوا بالأخلاق الفاضلة، وتخلوا عن الأخلاق الرذيلة السافلة. فهؤلاء المؤمنون يبشر منهم من مضى، ويبشر من يأتي، وهي بشرى قائمة إلى يوم القيامة بأن من آمن بالله وبرسول الله، وعمل صالحاً كان له الأجر الحسن، والأجر هنا هو الجنة. قال تعالى: {مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} [الكهف:3] أي: مقيمين خالدين أبد الآباد.
تفسير قوله تعالى: (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا)
تفسير قوله تعالى: (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً) قال تعالى: {وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [الكهف:4]. فالإنذار بالسوء هنا في أعظم أنواع الكفر، وهو الشرك بالله، بزعم أن لله ولدا. والذين قالوا ذلك هم العرب، قالوا: إن الملائكة بنات الله، وكذلك اليهود، حيث قالوا: عزير ابن الله، وكذلك النصارى حيث قالوا: عيسى ابن الله، ومريم صاحبته، تعالى الله عن كل هذا الإفك علواً كبيرا. قال تعالى: {وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ} [الكهف:4 - 5]. فليس لهم علم ولا دليل ولا برهان ولا حجة ولا سلطان من الله على أن لله ولداً، فلم ينزل بذلك كتاب، ولم ير أحد هذا الولد، بل إنهم لم يتفقوا على هذا الولد، فقالوا: هو عزير، وقالوا: الملائكة، وقالوا: عيسى. فمن قال: إن الله اتخذ ولداً فقد قال كذباً وبهتاناً على الله، ولم يأت بذلك برهان ولا دليل.
تفسير قوله تعالى: (ما لهم به من علم ولا لآبائهم)
تفسير قوله تعالى: (ما لهم به من علم ولا لآبائهم) قال تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ} [الكهف:5]. فهم يقولون: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف:23]. فلقد كانوا هم وآباؤهم ضالين مضلين، كذبة على الله مفترين. قال تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف:5]. (كلمة) تمييز، أي: كبرت هذه الكلمة وهذه المقالة، وهي أن الله اتخذ ولداً، وأن الله اتخذ صاحبة أماً لهذا الولد، فهذه الكلمة عظيمة تكاد السموات أن تتفطر منها. فهؤلاء لم يقتصروا على الكذب على رسول الله، وعلى أصحاب رسول الله، وعلى الصالحين، بل كذبوا على الخالق جل جلاله بما لم يأت به سلطان ولا دليل ولا برهان. يقول تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف:5]، والأفواه: جمع (فو)، وهو من الأسماء الخمسة، فيرفع بالواو، وينصب بالألف، ويجر بالياء. قال تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف:5]. فلم يقولوا ما قالوا وما نطقوا إلا بالكذب وبالبهتان وبالافتراء وبما ليس لهم عليه دليل ولا برهان، فكل ذلك من إفكهم ومخترعاتهم التي خلت عن الدليل والبرهان.
تفسير قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم)
تفسير قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم) قال تعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6]. فما ستقصه على قومك مما سألوك عنه ووجههم إليه يهود المدينة سيكذبونك فيه، ولن يصدقوك، فقد سألوك وأجبت، فما آمنوا ولا صدقوا، فلم يسألوك رغبة في العلم، ولا سعياً في معرفة الحقيقة، وما ذلك إلا التحدي، وما هو إلا التعجيز، وما هو إلا العناد، فأرح نفسك، ولا تهلكها ولا تتعبها. يقول تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ} [الكهف:6] أي: مهلك نفسك، وقاض عليها، ومميتها؛ حرصاً على قومك وهدايتهم، وأسفاً على قومك حيث لم يؤمنوا بالحق مع الأدلة القاطعة التي تأتيهم بها مساء وصباحا، وليلاً ونهارا، فما تلك مهمتك، ولم تطالب بذلك، وإنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء. فنبينا عليه الصلاة والسلام هو كما وصفه ربه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} [التوبة:128]. فكان عزيزاً عليه وصعباً عنت قومه، وعناد قومه، وإصرارهم على الكفر، بل عنت جميع الناس، فقد كان حريصاً على هدايتهم، فالله يقول له: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6]. فلعلك مهلك نفسك أسفاً وحزناً عليهم وموجعها ومؤلمها؛ لأنهم لم يؤمنوا ولم يصدقوا، وليس عليك هداهم، فمن سبق في علم الله ضلاله وكفره فسيبقى كذلك، ولن تفيده موعظة، ولن تفيده دعوة، ولن تفيده معجزة.
تفسير قوله تعالى: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم)
تفسير قوله تعالى: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم) قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف:7]. يقول الله جل جلاله: إنه جعل ما على الأرض زينة لها؛ ليختبر بها عباده، وليختبر بها الناس، وليختبر بها الجن والإنس، فزين الأرض بما فيها من أشجار ومياه وثمار، وأنواع من الحيوانات التي تمشي على أربع، والتي تطير في الهواء، والتي تعيش في البحار، فكل ذلك جعله الله للإنسان ابتلاء من الله واختبارا، ليظهر الذي يرى ذلك، فيعمل بمقتضاه، ويشكر الله عليه، ولا يتخذ ذلك نكراناً وجحوداً وكفرانا. يقول تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف:7]. فما على الأرض من جبال راسيات، وبحار متلاطمات، ونسيم وخضرة زين الله به الأرض وجملها؛ ليبلو عباده أيهم أحسن عملا، فيظهر الذي سيكون أحسن عملاً بالطاعة وبالتوحيد، وبالامتثال لأمر الله، ولأمر رسوله.
تفسير قوله تعالى: (وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا)
تفسير قوله تعالى: (وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً) قال تعالى: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} [الكهف:8]. فهذه الدنيا التي زينت وزخرفت سيأتي عليها يوم وكأن لم تكن، فإذا بالأرض تصبح صعيداً جرزاً، أي: أرضاً قاحلة، لا شجر فيها ولا نبات، ولا طائر يطير، ولا دابة تسير، ولا إنسان يتحرك، إذ يذهب الله بكل ما فيها وما عليها، بعد أن ظن الناس أن هذه الأرض التي زينوها وتعبوا فيها منذ آلاف السنين قديماً وحديثا، وأوصلوها إلى ما لم تكن عليه يوما لن تزول، وإذا بكل ذلك يدمر، فتصبح صعيداً زلقا وجرزاً لا ينبت، فليس فيها نبات ولا زهر، ولا نعيم، ولا ما يشرب ولا ما يؤكل، وتجف البحار والأنهار، وتنقطع العيون. وهذه بداية الفناء، وإلا فبعد ذلك لا تبقى الأرض نفسها ولا السماء، قال تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88]، وقال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27].
الكهف [9 - 11]
تفسير سورة الكهف [9 - 11] لقد كان أصحاب الكهف الذي أخبر الله تعالى عن قصتهم فتية شباباً، فروا بدينهم من قوم مشركين، فجعلهم الله تعالى آية على البعث والنشور، واتضح من قصتهم دور الشباب الفاعل في التغيير، للحماسة الجارية في أبدانهم، ولبعدهم عما يقعدهم عن العمل من شواغل الحياة، وإدراك هذا الأمر يرفد الدعوة الإسلامية بطاقات عظيمة.
تفسير قوله تعالى: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا)
تفسير قوله تعالى: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً)
آيات الله وقدرته العجيبة
آيات الله وقدرته العجيبة قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} [الكهف:9]. لقد قال اليهود لسفيري قريش في قلة: لقد كانت عجائب وغرائب لشباب كانوا في القرون الأولى، فذهبوا ولم يعرف مكانهم، ثم بعد قرون ظهروا وبرزوا وكان من شأنهم وغرائبهم وعجائبهم كذا، فأنزل الله تعالى خبرهم بعد أن مهد للقصة بحمده تعالى وبيان أن القرآن حق، وأنه الذي أوحى به وأنزله على عبده، فجاء به نذيراً للمشركين، وبشيراً للمؤمنين، وبياناً أن الدنيا بما فيها من زينة وزخرف لم تكن إلا ابتلاء، ولم تكن إلا اختباراً، كما يختبر الطالب في مدرسة ليعلم أيرسب أم ينجح، والعبرة بالمستقر في الآخرة، فإما إلى سعير وإما إلى جنة. قال تعالى لنبيه: {أَمْ حَسِبْتَ} [الكهف:9] أتظن كما ظن هؤلاء {أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} [الكهف:9]. أيظنون أن هؤلاء الفتية من أصحاب الكهف والرقيم، كانوا من آياتنا عجباً، فأعجب من أمر هؤلاء خلقك -أيها الإنسان- من عدم، ثم إماتتك ثم إعادتك، وأعظم من قصة أهل الكهف خلق السموات والأرض وما بينهما، وأعجب منها الدقائق والغرائب والعجائب في هذا الكون المنظم الذي لا يزيد فيه الليل والنهار عن أربع وعشرين ساعة ثانيةً واحدةً، ولا يزيد فيه أجل إنسان ولا ينقص منه. فالدنيا كلها من بدايتها إلى نهايتها لها أجل مسمى عند الله، لا تزيد ولا تنقص، ففصول العام الأربعة لا تزيد ثانية ولا تنقص، فهذا الكون المنظم، من نظمه؟! ومن دبره؟! ومن خلقه؟! إنه الله جل جلاله. وماذا ستكون الغرابة في شباب أميتوا دهراً ثم بعثوا بجانب إعادتكم يوم القيامة بعد آلاف من السنين؟! فقصة البعث أعجب وأغرب. يقول تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ} [الكهف:9]. أي: أتظن يا رسولنا، والخطاب له والمقصود أولئك الذين أتوا متآمرين متكبرين من مشركي مكة إلى يهود المدينة، فإن كان قد جاءهم بالقصة الغريبة العجيبة من شأن أولئك الفتية فهو نبي الله حقاً، ولكن إذا كان هؤلاء يريدون الإغراب، ويريدون الإعجاب. قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} [الكهف:9] ولا عجب ولا غرابة في قدرة الله، فهو القادر على كل شيء، يفعل ما يشاء كيف يشاء متى شاء، ولا يعجزه شيء. فهنا جاء الجواب بعد انتظار نبينا صلى الله عليه وسلم خمسة عشر يوماً تأديباً له من الله؛ لأنه لم يقل: إن شاء الله. وربما انزعج لقول الكفار في تأخر الوحي عنه، ولكن الله لم يخيب عبده، ولم يخيب نبيه، ولكنه أرجأه أياماً لكيلا يعود مرة أخرى إلى ترك الاستثناء بمشيئة الله تعالى، وقد قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ} [الإنسان:30]. فهو أدب له، وهو أدب لكل إنسان، فلا تقل: سأفعل غداً؛ لأن الغد لا تملكه، فكيف تتكلم عن الغد بأنك ستفعل فيه وستقول وأنت لا تعلم هل ستعيش غداً أو تموت، وهل ستملك العمل إن عشت أم لا، فإذا كان الأمر لله، فعليك أن تستسلم، وأن تجعل المشيئة له، فإن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.
بيان معنى الكهف والرقيم
بيان معنى الكهف والرقيم والكهف: هو الغار المتسع، ذو العمق الداخلي، بخلاف الغار، فالغار يكون صغيراً. والرقيم فيه أقوال كثيرة، حتى إن عبد الله بن عباس قال: علمت القرآن من بدايته إلى نهايته، ولم أعلم ما الرقيم. وإن كان بعد ذلك فسر الرقيم، فقال: لا أدري أهو كتاب أم مكان. وقد ورد في تفسيره أقوال عن الصحابة والتابعين وأئمة التفسير، فقد قال بعضهم: الرقيم قرية، وهي قرية أهل الكهف. ولكن سياق الآية لا يدل على ذلك، فالرقيم هو حجر أو رصاص جعل على باب الكهف.
ذكر ما روي من خبر أهل الكهف
ذكر ما روي من خبر أهل الكهف ويروى في الأخبار أن هؤلاء الفتية كانوا في عصر دقيانوس، وقد زعم بعضهم أنه كان في أرض العراق، وزعم بعضهم أنه كان في أرض فلسطين، والأسماء لا عبر فيها ولا ينبني عليها عمل، ولا يمكن القطع بشيء من ذلك؛ بل قد ذكرت أسماء هؤلاء الثمانية الذين كانوا في الكهف، وذكر اسم كلبهم كذلك، واختلفوا في الأسماء، ولا حاجة لهذه الأسماء؛ لأن العبرة ليست في الاسم، ولكن العبرة فيما جرى لهم، وفيما تم على أيديهم، وفي قدرة الله، وأن البعث قد حصل في الدنيا قبل الآخرة؛ ليعلم من ينكر البعث أن الله جل جلاله الذي جعل البعث إلى يوم القيامة قادر على أن يجعله في الدنيا ويبتدئه في الدنيا. فـ دقيانوس كان وثنياً، فكان يؤتى بالناس كبارهم ثم صغارهم فيأمر بذبحهم على أصنام صنعها ويقول عنها: هي الآلهة، فكان من خالفه يذبحه من ساعته. وكان له قرابة بأحداث صغار، ولعلهم كانوا بين الخمسة عشر والعشرين عاماً، فهؤلاء فكروا، فقالوا: كيف يصنع دقيانوس من حجر صنماً ثم يقول للناس: هذه آلهتكم فاسجدوا لها وتقربوا إليها، واذبحوا عليها قرابينكم، وكان كل إنسان منهم يفكر هذا التفكير على حدة. وفي يوم احتفال اجتمع الناس، فاجتمع هؤلاء الفتية، وأخذ كل شاب يكلم الآخر بما في نفسه، فتبين أنهم أنكروا الشرك وعبادة الأوثان، وقالوا: لا بد من أن يكون لهذا الكون خالق، فآمنوا بالله، واتبعوا ما سمعوا من أديان سابقة. وقد اختلف الناس: هل كان هذا بعد إرسال عيسى أم كان قبله؟ قال ابن كثير: لو كان هذا بعد عيسى لما دل عليه علماء اليهود، فهم لا يؤمنون بعيسى، ولا يعتقدونه نبياً، ويقذفون أمه، وكيف يدلون أهل مكة على أن يسألوا محمداً عليه الصلاة والسلام عن قصة فتية يؤمنون بما كفروا به؟! فذلك يدل على أن هؤلاء كانوا قبل عيسى، كانوا من الموحدين من أتباع الأنبياء السابقين. فلما علموا الحق كفروا بالأوثان، واتخذوا مكاناً للصلاة وللعبادة، وإذا بـ دقيانوس يبلغه الخبر، فأرسل إليهم: ألستم بمؤمنين بآلهتي؟ فقالوا: لا. وقد كان عليه شارة الملك، فأمر بإحضارهم، ثم أرجئوا إلى الغد تكرمة لقرابتهم، وقبل أن يأتي الغد فكروا طويلاً، فقال بعضهم لبعضهم: نحن غداً إما مشركون، ونعوذ بالله من الشرك، وإما مقتولون شر قتلة، فماذا نصنع؟! فتداولوا الأمر، وكانوا سبعة، واتفق الكل على الاختباء في غار ذكروا له اسماً، وذكروا له محلاً، وبينما هم ذاهبون إذا براع يلحق بهم فيسألهم أن يذهب معهم، فأبعدوه، فأصر، فاصطحبوه فتبعه كلبه، فأصبحوا ثمانية ومعهم كلب، فدلهم الراعي على كهف فساروا إليه، فلما دخلوه ضرب الله على آذانهم، فمنع أن يصل إليها سماع أي شيء، لأن النائم إذا كثرت عليه الأصوات أزعجته وأيقظته، والله أراد أن ينيمهم ثلاثمائة من السنين وتسعاً، فأصم آذانهم عن أن يسمعوا شيئاً. وكانت الشمس تدخل عليهم صباحاً ومساء ولا تمسهم، فيبقى شعاعها وضوؤها، وإلا لو مستهم الشمس لأضرت بهم. وكانوا يتحركون يميناً وشمالاً، فالهواء يدخل، والشمس تنظف وتطهر، ولكن لا تمس الأجساد، بل تتزاور عنهم يميناً وشمالاً في الصباح وفي المساء. فلما أفاقوا قال بعضهم لبعض: {كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [الكهف:19]، وكان الله تعالى قد جعل عليهم في الكهف هيبة، حتى لا يكشف أمرهم قبل أوانه، فكان الناس يأتون الكهف، ومن يحاول الدخول إلى الكهف يشعر بقشعريرة ورهبة وخوف. فلما أفاقوا أحسوا بالجوع، فأرسلوا أحدهم ليأتيهم بالطعام، فلما خرج أخذ يتلفت يميناً وشمالاً قائلاً: أهذه البلدة التي كنا نعيش فيها؟! فلقد وجد فيها شعارات الإيمان والتوحيد في الطرقات، ورأى أن الناس كلها تنظر إليه، ورأى لباسه غير لباسهم، وأن لحيته وشاربه قد طالا كثيراً، فشعر بأن الناس ينفرون منه، ويرون عجباً في شكله، فكان يمشي في الطريق وعيناه زائغتان، ويلتفت يميناً وشمالاً فلا يجد في البلد من يعرفه، فأخذ يتساءل: هل هذه المدينة قريبة من مدينتي؟! لا أعرف مدينة قريبة منها، وهكذا إلى أن تجرأ بعد ذلك في عيون زائغة، وفي حركات مريبة، وفي وجه مخيف، وفي حركات غير مستقرة، فوقف أمام صاحب دكان فقدم له درهماً فأخذ الدرهم، وبدأ يحقق النظر فيه، فالوجه غريب، واللحية طالت، وزيه غير الأزياء التي يلبس الناس، فلما أخذ الدرهم وجده قد مضى على ضربه قرون، وفيه اسم دقيانوس، فأخذ يتساءل: أين دقيانوس؟ ومتى كان دقيانوس؟ فأمسكه، وقال له: لعلك وقعت على كنز، فإما أن تدلني عليه وأما أن أبلغ بك الإمبراطور الحاكم؟! وارتعد وخاف أن يأخذه إلى دقيانوس قريبه، فيلزمه بالشرك أو يقتله، فينكشف إخوانه الذين تركهم جائعين في الكهف، ثم أخذ يطلع جيرانه في الدكاكين على هذا الدرهم، فجمع عدداً، وإذا بالكل يلتف حوله، قائلين: من أنت؟ ومن أين جئت؟ ومن أي بلد؟ فأخذ يتكلم، ثم أخذ يبكي حين شعر بأنهم موحدون، فأخذ يفرك عينيه، ليعلم أصاح هو أم نائم، وما هذه البلدة؟! فهل اختطفته الجن؟! ولم يعرف ما جرى. فأخذوه إلى حاكم البلد، وهو يظن أنهم سيأخذونه إلى دقيانوس، فوقف أمام حاكم البلد، فوجد على الناس شارات الإسلام والإيمان، فسألوه: من أنت؟ فسمى نفسه، وأخذ يقول لهم: لا تأخذوني إلى دقيانوس، فلم يعرفوا الاسم، وسألوه عن قريبه فقال: دقيانوس، فقالوا: أنت مجنون، من أين جاءك هذا الدرهم؟! فقال: درهم -والله- لم أسرقه، ولم آخذه من أحد. ثم قال: اذهبوا معي إلى إخواني في الكهف، وكانوا قد سمعوا قصة الكهف والرقيم، وهي أن جماعة من الشباب من الأسرة المالكة فروا بدينهم إلى الكهف، ولم يخرجوا، وأن أسماءهم كتبت على لوح من رصاص أو من حجر، ووضعت في جانب من الكهف، فذهبوا فقرءوا اللوح، فأدركوا آنذاك أن هذه معجزة وآية، ففرحوا بأن الله أحياهم ليعلموا أنهم على دين حق، وأن البعث والنشور المنتظر حق، أدركوا ذلك وهم أحياء، فبادروا واتصلوا بملكهم، فجاء مسرعاً، فرأى الرقيم، فدخلوا عليهم، فلما دخلوا عليهم رعبوا، وهابوهم وفزعوا منهم، وجاء ذلك الذي خرج ليأتي بالطعام فدخل الكهف، وبعد أن تجمع الآلاف وحصلت ضجة في البلد مات أصحاب الكهف، فقالوا: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف:21]. فبنوا المسجد، وبقي ذكرى لوجودهم، وذكرى لإيمانهم، وذكرى لما أظهر الله من قدرته على البعث في الدنيا قبل الآخرة. وفي سورة الكهف أيضاً ذكر قصة ذي القرنين الذي جاب الآفاق، وفيها قصة ذي الجنتين مع أخيه الذي لا جنة له، وهذه كانت زيادة في الوعظ والإرشاد والتعليم والإيمان، والبعد عن البخل، وعدم أداء الحقوق للفقير والمسكين.
الاهتمام بالشباب
الاهتمام بالشباب قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ} [الكهف:9]. والمراد بهم الفتية الشباب، والشباب أقرب إلى التبدل والتغير، فإذا جاء الخير كانوا إليه مسرعين، وإذا جاء الشر كانوا إليه مسرعين. ولذا كان أول من آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام هم الشباب، وقلة من الكهول أسنانهم بين الثلاثين والأربعين، وكان ولاته صلى الله عليه وسلم من الشباب، فقد أمر على مكة بعد أن فتحها عتاب بن أسيد وهو شاب، وأمر علياً وهو شاب، وكان قادة الجيوش من الشباب، كـ أسامة بن زيد، فقد أمره صلى الله عليه وسلم وجعله القائد العام قبيل موته وفي الجيش أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وكبار القوم، وسنه سبعة عشر عاماً؛ وأما الخليفة فإنه يختار كبيراً حكيماً، ليس نزقاً، حتى إذا ولى الشباب كان هو الذي يكف من حدتهم، وهو الذي يعدل من سيرهم، وكان مستشارو عمر رضي الله عنه من الشباب، فقد كان منهم عبد الله بن عباس ولم يبلغ عمره بعد عشرين عاماً. فقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنه ثلاثة عشر عاماً، فأتم الخمسة عشر بخلافة أبي بكر، ثم ولي الخلافة عمر، فاتخذه مستشاراً وهو ابن خمسة عشر عاماً، إلى أن لقي الله بعد عشر سنوات من الخلافة، ولم تزد سن عبد الله بن عباس على خمسة وعشرين عاماً. وكان عمر عليه رضوان الله يقول: إنني أستشير الشباب أبتغي بذلك حدة أذهانهم. فالشباب معروفون بالشجاعة والإقدام، فليس هناك مال ولا جاه ولا منصب يخافون عليه، فإن دفعوا للموت ماتوا، وإن دفعوا للمغامرة غامروا، أما الشيوخ وقد تمولوا وأصبحوا آباءاً وأجداداً، وأصبح لهم جاه وسلطان، فإنهم يخافون على أموالهم وعلى جاههم وعلى أولادهم، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (الولد مجبنة مبخلة)؛ فالأولاد يحملون الإنسان على أن يكون جباناً، وعلى أن يكون بخيلاً. فيكون جبانا إذا أقدم، فيقول: سأموت وتبقى المرأة أرملة، ويبقى الأولاد أيتاماً، وإذا أراد أن يعطي يقول: لمن أترك أولادي؟! أأعطي الناس وأترك أولادي فقراء؟! فالشباب غالباً يكونون مندفعين، وهذه سنة الله في الكون. ودائماً تجد الدعوات تنجح بين العمال والطلاب، فالطلاب والعمال غالبهم شباب، فإن كان الداعية صالحاً كانوا صالحين، وإن كان الداعية فاسداً كانوا كذلك، ولذلك كان على الدولة أن تحفظ شبابها -طلاباً كانوا أو عمالاً- من دعاة السوء وأئمة الكفر، حتى لا يقع الشباب ضحايا الكفر والشيطان، لا لحسنة أدركوها في الدنيا، ولا لحسنة أدركوها في الآخرة. فالنبي عليه الصلاة والسلام ولى الشباب أعلى المناصب، ونحن نرى ابن العشرين لا يزال يقاد، فهو لا يزال مراهقاً، ونتكلم عنه على أنه لا يزال ولداً، ولا يزال بعيداً عن تحمل المسئولية. وهكذا عندما يذل الله أمة ويبعدها عن الحق، وعن الطريق المستقيم، تعيش في السخط، وتعيش في الضلال، ويستعبدها عدوها عقوبة من الله وامتحاناً.
ذكر بعض خبر النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة
ذكر بعض خبر النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} [الكهف:9]. وقد عاش النبي عليه الصلاة والسلام في الغار حتى آن أوان نزول الوحي عليه، فألهمه الله أن يذهب إلى الغار وحده، ولم يكن معه جماعة، فكان يذهب إلى الغار الذي لا يزال معروفاً، وهو غار حراء، فكان يتحنث ويتعبد فيه بالفكر، ويقول في نفسه: هذه الدنيا على عظمتها أيمكن أن تكون بلا خالق؟! أيمكن أن يكون الدين ما عليه قومي، وهم يسجدون للأحجار وللأوثان، ويصنعون من التمر صنماً ثم يجوعون فيأكلونه؟! وقد أراد مرة أن يحضر لهوهم في مكة فقال لمن كان يرعى معه: بلغنا اليوم أن هناك عرساً واجتماعاً فارع غنمي حتى أحضر العرس فذهب ليطلع على عرس للمشركين، وإذا بالله الذي يهيئه لرسالة العالم، ولإمامة الأئمة يمنعه عن ذلك، فلم يكد يصل حتى أصيب بما أصيب به أهل الكهف، فنام إلى أن أصبح الصباح ومسه حره الشمس، وإذا بالقوم قد تفرقوا، وأعاد هذا مرة ثانية، فحفظه الله وصانه، وكان ذلك إرهاصاً لما يعد له، إلى أن نزل عليه الوحي في الغار، حيث جاءه جبريل فضمه إليه ضمة شديدة كادت أضلاعه أن تتداخل منها، وكان يقول له: اقرأ، وهو يقول: ما أنا بقارئ. وقد اجتمعت برجل ماروني هو الآن أديب مشهور قد تجاوز التسعين، وقد ترك النصرانية وقارب الإسلام، وقد رأى رؤيا أولتها له بأنه قريب من الهداية، فاغتر وظن أنه نبي، وأخذ يدخل المغارات، ويصدر الكتب يعارض بها القرآن والتوراة والإنجيل، ويقول: يا بني آدم، يا ابن آدم، وهكذا تلاعب به الشيطان، حيث انتظر جبريل فلم يأته في الغار، وإذا به يأتيه الشيطان!
تفسير قوله تعالى: (إذ أوى الفتية إلى الكهف)
تفسير قوله تعالى: (إذ أوى الفتية إلى الكهف) قال تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف:10]. الفتية: جمع قلة، ولا يقال: فتى وفتية إلا للشباب الأحداث، ولذلك قالوا: كانت أعمارهم بين الخمسة عشر والعشرين عاماً عندما أرادوا الفرار بدينهم وبتوحيدهم، واعتزال المشركين وأهل الكفر. ولذا قال علماؤنا: عندما تنتشر البدعة، وينتشر الكفر، ويعم الفساد في الأرض يجب على الإنسان أن يعتزل الناس، كما اعتزل الفتية قومه إلى الكهف. يقول تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ} [الكهف:10]. و (إذ) هنا مصدرية زمنية أي: اذكر -يا رسولنا- وأنت تسأل عن قصة أهل الكهف، اذكر هؤلاء إذ أووا إلى الكهف، أي: اتخذوه مأوى، واتخذوه معزلاً، واتخذوه مكان اختفاء عن المشركين. قال تعالى: {فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} [الكهف:10]. أي: من عندك يا رب، لا بما نستحقه، فنحن في الكهف غرباء، لا طعام ولا شراب، ولا حراسة ولا حماية، إلا إذا شئت أنت، فارحمنا حتى لا يفتننا هؤلاء عن ديننا، وحتى لا يقهرونا، وحتى لا يقتلونا ويعذبونا، وحتى لا نضطر فنعود إلى دينهم. قال تعالى: {وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف:10]. أعدنا لما يصلحنا، ولما يبعدنا عن المشركين والكافرين من قومنا، ولما نحتفظ فيه بتوحيدك، ونحتفظ فيه بعبادتك.
تفسير قوله تعالى: (فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا)
تفسير قوله تعالى: (فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً) قال تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} [الكهف:11]. أي: ضربنا على آذانهم فأنمناهم، والنائم لا يسمع المتكلم، وإذا كثر الضجيج عنده يستيقظ، ولكن الله تعالى أصم آذانهم، فضرب عليها النوم، فلم يسمعوا ضجيجاً. يقول تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ} [الكهف:11]. أي: أنمناهم لكي لا يسمعوا، وتركناهم يستغرقون في النوم سنين عدداً، وهي ثلاثمائة وتسع سنوات، أي: ثلاثة قرون وتسع سنوات.
الكهف [12 - 16]
تفسير سورة الكهف [12 - 16] لقد ذكر تعالى قصة أهل الكهف مجملة في آيات من هذه السورة العظيمة، ثم عاد فذكر تفاصيل قصتهم العظيمة في دلالتها على التوحيد والبعث والنشور، حيث ذكر تعالى أنهم أووا إلى الكهف راجين من الله أن يؤتيهم رحمة ويهيئ لهم من أمرهم رشداً، وذكروا حال قومهم وما هم عليه من الشرك الذي لا سلطان لهم عليه ولا دليل.
تفسير قوله تعالى: (ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا)
تفسير قوله تعالى: (ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا) قال الله جل جلاله: {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} [الكهف:12]. لا نزال مع قصة أهل الكهف، حيث أنامهم الله دهراً وزمناً طويلا، ليكونوا مثالاً للبعث يوم النشور، وليؤمن من يؤمن، ولتقوم الحجة على من أبى إلا الكفران والجحود. يقول الله جل جلاله عن هؤلاء الفتية وقد أنامهم في الكهف سنين عدداً: {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ} [الكهف:12]. أي: ثم أيقظناهم وأقمناهم من النوم، وذلك يشعر الناس بأنهم ما ماتوا، ولا اندثروا ولا فنوا. {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} [الكهف:12]. ومعنى ذلك أن حزبين من الناس اختلفا في هؤلاء الفتية من أهل الكهف، كم لبثوا؟ وفي أي مكان رقدوا؟ وفي أي كهف غابوا؟ والله جل جلاله هو العالم سلفاً، فبعثهم الله وأيقظهم من رقادهم، لُيعلم أي هؤلاء الذين اختلفوا أحصى وأصوب، وأيهم أعلم بالواقع بمقام هؤلاء الذين أقاموا في الكهف. هذا ما أجمل الله به قصة هؤلاء الفتية في الكهف، وقال لنبيه عليه الصلاة والسلام، بعد أن أخبره بما سأله عنه قومه من اقتراح يهود المدينة: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} [الكهف:9 - 12]. ففي هذه الآي القصار أجمل الله الكلام عنهم، ولخصه، وهو أنه قد أنامهم في الكهف، وضرب على آذانهم فلم يسمعوا كلام أحد، ولم ينفذ الكلام والضجيج إلى آذانهم فيكون ذلك سبباً لإيقاظهم.
تفسير قوله تعالى: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق)
تفسير قوله تعالى: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق) ثم أخذ تعالى يفصل فقال: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ} [الكهف:13]. فما سمعت عن هؤلاء ليس إلا كلاماً دخله الحق والباطل، سواء ما قصه اليهود وغير اليهود، ولكن الحق فيهم، وفي مدة إقامتهم وعددهم، وأين كانوا هو ما نتلوه عليك ليسمعه من رغب من قومك، ومن تبعك من المؤمنين المسلمين، قال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ} [الكهف:13]. فالله جل جلاله يقول: سنقص عليك نبأهم، وخبرهم، فهؤلاء الفتية الذين غابوا زمناً ثم أحياهم الله، قد كان يظن أنهم ماتوا، ولم يكن كذلك، وإنما ناموا، وضرب الله على آذانهم فطال سباتهم، وطال نومهم قرونا. يقول تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ} [الكهف:13] أي: نبأ هؤلاء الفتية (بِالْحَقِّ)، أي: نقص الحق من شأنهم ومن أمرهم.
بيان معنى قوله تعالى: (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى)
بيان معنى قوله تعالى: (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) قال تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ} [الكهف:13]. أي: جمع فتى، وهو الشاب الحدث، فهؤلاء الذين غابوا في الكهف كانوا شباباً فروا بدينهم وعقيدتهم من الكفر والطغيان وعبادة الأوثان، ومن جبروت دقيانوس الوثني ملك الروم آنذاك. قال تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف:13]. فهؤلاء الفتية الشباب تركوا قومهم واعتزلوهم؛ لأنهم استنكروا وثنيتهم وعبادتهم للأصنام من دون الله، فهم قد آمنوا بالله الواحد القهار جل جلاله، وبأن كل ما في الكون من خلقه، فلا شريك له ولا معين، ولا ولي له من ذل، ولا شريك له في الملك جل جلاله. يقول تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ} [الكهف:13]، أي: آمنوا بالله الخالق {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف:13]، أي: زدناهم هداية واطمئناناً وبصيرة وتمسكاً بالحق من غير شك ولا مين ولا تردد. فهؤلاء الفتية كانوا شباباً أحداثا مؤمنين بربهم، فروا بدينهم، فزادهم الله تثبيتاً، وزادهم بصيرة، وزادهم في توحيدهم هداية، ولم يتأثروا بشرك مشرك، ولم يهابوا طغيان طاغية، وثبتوا على ذلك، وكانوا على بصيرة من أمرهم. والربط على القلب يعني الثبات واليقين وعدم التردد والشك والميل في العقيدة.
تفسير قوله تعالى: (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا)
تفسير قوله تعالى: (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا) قال تعالى: {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} [الكهف:14]. قلنا في بداية القصة: إن هؤلاء الفتية كانوا أقارب للملك دقيانوس، فاجتمع كل منهم إلى غيره حتى صار عددهم ثمانية، واتخذوا معبداً يعبدون الله فيه، وينفردون عن أولئك الذين يعبدون الأوثان والأصنام والحجارة، وبلغ دقيانوس خبرهم فكاد يجن، فأرسل إليهم، فلما وقفوا بين يديه وهم شباب أحداث ربط الله على قلوبهم، ورزقهم قوة ويقيناً، ورزقهم شجاعة، فأعلنوا دينهم، وأعلنوا عقيدتهم، بل دعوا دقيانوس إلى التوحيد وعبادة الله. فقاموا بين يدي دقيانوس عندما دعاهم وأخذ يقول لهم: كيف تركتم ديني وآلهتي واتخذتم لأنفسكم إلهاً غير الإله الذي أعبد؟! فقاموا بين يديه في ثبات ويقين، وكان قد أوقفهم لينذرهم وليتوعدهم بالبطش والرجم وقطع الأيدي والأرجل، فلم يهابوه ولم يخافوه، وقالوا له وهم قائمون بين يديه، وقد كان يظن بهم الهلع والجزع والخوف: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الكهف:14]. أي: ليس الإله الحق ما تعبد يا أيها الملك، فنحن نعبد خالقك وخالقنا، نعبد رب السموات والأرض، وليس هو ربنا وربك فحسب، ولكنه رب الكل، وخالق الكل، فأخذوا يدعونه إلى الله، وترك الأوثان والإشراك في عبادة الله. وقد قال لهم: اتخذتم رباً دون ربي؟! فقالوا له: لم نتخذ رباً، ولكنه الرب الموجود الأبدي الأزلي الخالد، الأول والآخر، والظاهر والباطن، الذي بيده الأمر، وبيده الخلق، وهو رب السموات ورب الأرض ورب كل شيء {لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا} [الكهف:14]. فلا تنتظر ذلك منا، و (لن) لتأبيد النفي، فخذ يقيناً منا أنا لن ندعو غير الله، والدعاء العبادة، ومن هنا قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (الدعاء مخ العبادة). فلا يدعى إلا الله، ولا يطلب إلا الله، ولا يلجأ إلا إلى الله جل جلاله. يقول تعالى عنهم: {لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا} [الكهف:14]. أي: لا تنتظر ذلك منا يا دقيانوس، واصنع بنا ما تريد، فلن ندعو إلهاً من دون الله خالق السموات والأرض، فإلهنا وإلهك وربنا وربك ورب السموات والأرض جميعاً هو الله تعالى، فلن نعبد غيره، ولن نعترف بسواه. قال تعالى: {لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} [الكهف:14]. أي: إن نحن فعلنا فدعونا غيره وعبدنا سواه؛ فقد قلنا الشطط، والشطط: الزور والباطل والبهتان، والشطط في الأصل: تجاوز الحق، وتجاوز الواقع، ويجمع كل ذلك الزور والبهتان والكذب. وإذا بالملك يزيل عنهم شعار الأسرة المالكة من لباس الذهب ونحوه، ويلبسهم ألبسة الناس العاديين، ويضرب لهم أجلاً إلى الغد، فإذا لم يفعلوا ولم يعودوا إلى دينه فإنه سيرجمهم، وسيقتلهم، وسيصلبهم في جذوع النخل، وسيقطع الأيدي والأرجل من خلاف، وخصهم بالإنظار لقرابتهم منه. وكان هذا الإنظار لصالحهم، فتركوه وذهبوا ليلتهم يديرون الأمر والفكر، فما العمل؟ إن هذا الطاغية الجبار المشرك الوثني أبى إلا أن يشرك بالله، وأن يفرض شركه على غيره، فكان رأيهم الذي اتفقوا عليه أن يفروا بدينهم منه، وأن يذهبوا إلى مكان لعل الله ينقذهم، ولعل الله يبعدهم عن طغيانه وجبروته.
تفسير قوله تعالى: (هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة)
تفسير قوله تعالى: (هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة) ولما ذهبوا وجلسوا وأخذوا يتحدثون قالوا فيما بينهم: {هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} [الكهف:15]، وليس إلهاً واحد {لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الكهف:15]. فأخذوا يقولون فيما بينهم، ويقولون لربهم وهم يدعونه بأن يلهمهم الرشاد في الفرار من هذا الظالم الطاغية: {هَؤُلاءِ قَوْمُنَا} [الكهف:15] أي: عشيرتنا، {اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ} [الكهف:15] من دون الله الخالق جل جلاله، {آلِهَةً} [الكهف:15]، فلم يقتصروا على عبادة الله وحده، بل اتخذوا آلهة من دونه أفردوها بالعبادة، وخصصوها بالوثنية. {لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} [الكهف:15] فهذا الذي قالوه ألهم عليه سلطان وحجة ودليل وبرهان، أم افتروه؟! فمن أين أتوا بالشرك والشركاء؟! فهل لهم بذلك نبأ عن نبي، وهل لهم كتب يتدارسونها يزعمون أنها من كلام الأولين من الحكماء والمؤمنين والعارفين؟! هيهات هيهات، وإنما هو اتباع الآباء والأجداد في دين لم يشرعه الله، ولم يأمر به، وليس عليه دليل ولا سلطان ولا برهان {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم:23]. يقول تعالى: {لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} [الكهف:15] فهل يأتون على هذه الآلهة بسلطان بين؟! وجمعت بضمير العاقل على زعمهم، ولا يكون الإله إلا عاقلاً مدركاً واعياً، وإلا فهي أخشاب وجمادات وأحجار، وما كان كذلك فليس بعاقل. فليس لهم على زعمهم سلطان بين، ودليل قاطع، وبرهان واضح، ولكن ظنوا أنها آلهة بحق، وعلى هذا الاعتبار عاد الضمير إليها بجمع العاقل، وليس ذلك إلا من مفترياتهم ومن مقولاتهم التي لا دليل عليها. ففعلهم هو الهراء والسخف والجور والباطل، فلا شريك مع الله، ولا ثاني مع الله، فهو الواحد الأحد الفرد الصمد {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:3 - 4]. قال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الكهف:15]. فهم كذبة حين قالوا ما لم يكن، واخترعوا ما لا وجود له، ومن أعظم جرماً وإثماً ممن افترى على الله كذباً؟! وإذا كان الكذب على الناس يعتبر جريمة وكبيرة، ومخلاً بالمروءة والكرامة؛ فكيف إذا كان على الله؟! فهؤلاء نسبوا إلى الله شريكاً ومعيناً ومؤازراً، فذلك أكبر الكبائر، وأعظم الجرائم، وأقبح ما يعتقده إنسان ويخترعه.
تفسير قوله تعالى: (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله)
تفسير قوله تعالى: (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله) ثم أخذوا يتفكرون فيما بينهم، ويقول بعضهم لبعض: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا} [الكهف:16]. فما دمتم قد اعتزلتم هؤلاء، وعشتم في عزلة دونهم، وقررتم أن تتركوا جموعهم، وأن تبتعدوا عن مدينتهم وعن ملكهم وسلطانهم، وأن تعتزلوا ما يعبدون غير الله، وقررتم تركهم، وترك آلهتهم التي عبدوها من دون الله، فأووا إلى الكهف، أي: اتخذوا من الكهف مأوى ومنزلاً ومعتزلاً وخلوة، ومكاناً تبتعدون فيه عن هؤلاء وآلهتهم الكاذبة، وفجورهم وظلمهم واعتدائهم. قال تعالى: {يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ} [الكهف:16]. أي: يعطيكم الله ويجللكم بالرحمة، بأن يرحمكم من أعدائكم، فلا يعرفون مكانكم، ومن ثم لا يرجمونكم ولا يجبرونكم على الدخول في دينهم والعودة إلى باطلهم. فاتخذوا هذا الكهف مأوى، عسى الله أن ينشر عليكم من رحمته، فيجعل هذا الكهف الذي أنتم فيه مجللاً بالرحمة، وبالحفظ وبالصيانة حتى لا يصل إليكم عدوكم. قال تعالى: {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا} [الكهف:16]. أي: يكرمكم، ويرشدكم، ويوفقكم إلى ما فيه مرفق لكم ترتفقون به، ويزول عنكم العسر، ويزول عنكم ما تتضجرون وتتبرمون به من طغيان هذا الطاغية وجبروت هذا الجبار. والمرفق: هو ما يرتفق به في الحياة من سكن هادئ، وبيئة صالحة، ولباس مريح، وطعام لذيذ، فأي شيء يرتفق به الإنسان في حياته يسمى المرفق. فهم يرجون أن يكون هذا الكهف مأوى لهم، ومرفقاً يرفق الله بهم فيه. فدخلوا الكهف، وانتظروا الرحمة من الله والرفق بحالهم وحياتهم، واستجاب الله جل جلاله دعاءهم، فأكرمهم بالرحمة وبالرفق بهم.
الكهف [17 - 19]
تفسير سورة الكهف [17 - 19] وصف الله تعالى الكهف الذي أوى إليه الفتية المؤمنون، وبين أنه يقع موقعاً بحيث تدخله الشمس والهواء فتنفع الفتية النائمين صحياً ولا تصيبهم الشمس، ثم وصف كلبهم وتقليبهم حال نومهم وغير ذلك.
تفسير قوله تعالى: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين)
تفسير قوله تعالى: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين)
معنى تزاور الشمس عن الكهف ذات اليمين
معنى تزاور الشمس عن الكهف ذات اليمين قال تعالى: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ} [الكهف:17]. ومعنى ذلك أنهم دخلوا الكهف بعد أن اتفقوا عليه، ثم بعد ذلك أصابهم النوم، حيث ضرب الله على آذانهم كما سبق ذكره في مجمل قصتهم، فَحُذِفَ من السياق كلام علم بما أتى بعده. يقول تعالى: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف:17]. فالله تعالى أنامهم ففقدوا الإحساس كما يفقده النائم، وضرب على آذانهم، وللحفاظ عليهم ببقاء سلامة أبدانهم من البلى ومن الفناء صنع بهم ما ذكره تعالى، ولذلك قال: {ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ} [الكهف:17]. يقول تعالى: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ} [الكهف:17]. فعند الشروق كانت الشمس إذا طلعت عليهم تزاور، أي: تميل عنهم، فلا تشرق على أجسادهم، ولا على ذواتهم، ولو أشرقت الشمس عليهم صباحاً ومساء مع الأيام والسنين والقرون لأحرقتهم، ولبدلت ألوانهم، ولكن الله كان يكرمهم بدخول الشمس بغير أذى، والمكان الذي تدخله الشمس تدخله الصحة والعافية. ومن تمام المكان الصحي أن يدخله الهواء والشمس، وليس من الضروري أن تصيبك الشمس، بل يكفي أن تدخل الشمس بشعاعها وضيائها. يقول تعالى: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} [الكهف:17]. فإذا دخلت الشمس صباحاً تميل عن أجسادهم فلا تمسهم، ويكونون في فيئها وفي ظلها، وإذا هي غابت وقت الغروب تقرضهم ذات الشمال، أي: تتركهم. يقول تعالى: {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ} [الكهف:17]، أي: في ساحة واسعة من الكهف، بحيث تدخل الشمس إلى الكهف، فينتفعون بضيائها وشعاعها وما جعله الله فيها مما يعود على البدن بالصحة والعافية، فهي تشرق في الصباح، فتطهر الكهف من الأنفاس التي احترقت، ومن الهواء العفن إن كان، ومما يمكن أن يحدث، فيبقى الكهف مدة رقادهم صحياً. وقوله تعالى: {وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ} [الكهف:17] أصل القرض: القطع، بمعنى: تمر وتتجاوز عن أجسادهم، بمعنى أن الشمس تدخل في الصباح، وتدخل في المساء فتطهر المكان مما عسى أن يكون قد وقع فيه من أنفاس محترقة، ولكن أجسامهم لا تصيبها الشمس، حتى لا تسود ألوانهم.
معنى قوله تعالى: (ذلك من آيات الله)
معنى قوله تعالى: (ذلك من آيات الله) قال تعالى: {ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ} [الكهف:17]. أي: من قدرة الله، حيث مكث هؤلاء ثلاثمائة سنة وتسع سنوات، وهذا الجسم الذي هو من لحم ودم وعظم يؤثر فيه دوام الليل والنهار، وخلايا البدن التي في الجسم تعد بالملايين، فينتفع منها الحي ما دامت الحياة في بدنه، وما دامت أنفاسه تدخل وتخرج، أما إذا حدث الموت فليست هناك مسام ولا منافذ يمكن للجسد أن يستريح بها، فإن حدث ذلك فهو الموت، فهؤلاء تركهم الله أحياء، ولكنهم رقود. وكان لا بد من هذا، وذلك من آيات الله، ولم يصنعوا بأنفسهم شيئاً لأنهم رقود، ولأن الله ضرب على آذانهم فناموا، ولكنه تعالى هو الذي صنع بهم ذلك، فألهمهم الدخول في الكهف كما تمنوا، فدخلوا كهفاً تدخله الشمس صباحاً ومساء، فتنظف الكهف ولا تضر الأجساد. يقول تعالى: {ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ} [الكهف:17]، أي: من قدرة الله، ومن بديع صنع الله، ببقائهم ثلاثمائة سنة ونيفاً، ولم تفن الأجساد ولم تنته ولم تنقرض.
معنى قوله تعالى: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا)
معنى قوله تعالى: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً) قال تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ} [الكهف:17]. وقد هداهم الله لعبادته، وهداهم لتوحيده، وهداهم للفرار بدينهم من ظلم الظالمين وكفر الكافرين. قال تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف:17]. فمن أبى إلا الضلالة، ففسد قلبه الذي هو مناط العقيدة، فلن تجد له ولياً مرشداً. وإن يعلم الله من قلوبنا خيراً يؤتنا خيراً، وإن يعلم سوى ذلك يؤتنا على ما في قلوبنا من غش وفساد وعدم رغبة في الخير والهداية والصلاح. يقول تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف:17]. و (لن) للتأبيد، فمن يضله الله فلن تجد له من دون الله من يرشده ومن يدله على الخير. وقوله تعالى: {وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف:17] أي: ناصراً مؤازراً هادياً. ولذلك فلا طريقة للهداية إلا طريقة الرسل، وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، ورضي عن الأصحاب الذين رووا لنا شريعته وسنته، وهذا الكتاب الذي أكرمنا الله به وأكرم به البشرية كلها.
تفسير قوله تعالى: (وتحسبهم أيقاظا وهم رقود)
تفسير قوله تعالى: (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود)
معنى قوله تعالى: (وتحسبهم أيقاظا وهم رقود)
معنى قوله تعالى: (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود) قال تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف:18]. يقول تعالى: لو صح لك -يا رسولنا- أن تراهم لحسبتهم أيقاظاً، ولظننت من رؤيتك لهم أنهم ليسوا براقدين ولا نائمين. قالوا: لأن أعينهم كانت مفتحة، وذلك لأن العين تحتاج إلى أن تفتح ليدخلها الهواء، ولتنتفع بشعاع الشمس وضياء القمر، فلو بقيت مغمضة طول هذا الدهر لفسدت وعميت، ولالتحم أعلاها بأسفلها، ولكن الله كما جعل الشمس تدخل كهفهم صباحاً ومساء، فتفيدهم بضيائها ولا تحرقهم بحرها ولهيبها، كذلك ضرب على آذانهم، وترك عيونهم مفتحة. وقد حكوا عن الذئب أنه في الليل كله ينام بعين ويفتح الأخرى، ويراوح بين هذه وهذه، وذلك لشدة حذره، ولشدة خوفه، وخوفه من الكلاب أكثر من خوفه من الناس، فقد يجرؤ الذئب على الناس، ولا يجرؤ على الكلب.
معنى قوله تعالى: (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال)
معنى قوله تعالى: (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) يقول تعالى: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} [الكهف:18]. وهذا من حفظ الله لأجسامهم، فلو بقوا على حالة واحدة لأكلت الأرض أبدانهم، فهم يميلون كما نفعل عادة، حيث نتقلب عشرات المرات في الليل ونحن لا نشعر، ولو قدر لإنسان ألا يتقلب يميناً وشمالا، لقام خبيث النفس معذب البدن، يكاد يشعر بأن أعضاءه ينحل بعضها عن بعض. فالله كان يقلبهم في نومهم بين اليمين والشمال ليحفظ أجسامهم، وليصونها عن الفناء في هذه المدة. فكانوا يتقلبون يميناً ثم يتقلبون شمالاً، لتأخذ أبدانهم حظها من الحركة، وتبقى دورة الدم جارية. فالإنسان عندما يظل مقيماً في مكان قد يصاب بالشلل، ولذلك كان المشي من تمام العافية، ومن تمام الصحة، والتزام الجلوس والرقاد دوماً، والتزام الوقوف على حالة من الحالات يضر بالبدن. فهؤلاء ضرب الله على آذانهم، وذلك من آيات الله، وهو أنهم يتقلبون في هذه السنوات الطوال عن اليمين وعن الشمال.
معنى قوله تعالى: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)
معنى قوله تعالى: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) قال تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} [الكهف:18]. فالكلب كان معهم، وعادة الكلب عندما يجلس ليستريح أن يبسط الذراعين ويقعي. قال تعالى: {بِالْوَصِيدِ} [الكهف:18]. أي: بفناء الكهف، فكان عند باب الكهف، والوصيد هو الباب. فهذا كلب ذكر في القرآن مع أهل الكهف، وأشيد به هذه الإشادة، والكلب كلب، والجار قد يؤتى بذنب الجار، فإن كان الجار صالحاً غلب أن يكون الجار الآخر كذلك، وإن كان الجار فاسداً غلب أن يعم فساده جاره، فيتعلم أولاده من أولاده، ونساؤه من نسائه، ولذلك جاء في الحكمة: الجار قبل الدار.
فضل مصاحبة الصالحين
فضل مصاحبة الصالحين وعلمنا من هنا وفهمنا أن الاتصال بالصالحين وبالعارفين، ومعاشرة أهل الفضل والخير ترفع من مكان المعاشر ولو كان كلباً. فقد خلد الكلب بذكره في القرآن، واختلفوا في اسمه، ولا حاجة إلى ذلك، ولكنه أصبح شخصية قائمة، حيث ذكره الله وتكلم عنه. وللكلب -أيضاً- ذكر في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان جبريل على موعد مع نبينا عليه الصلاة والسلام في داره في المدينة المنورة، وإذا بالموعد يأتي ولا يأتي جبريل، فرآه بعد يوم أو يومين أو ثلاثة خارج البيت، فقال: يا جبريل! ما منعك أن تأتي؟ فقال: نحن -معاشر الملائكة- لا ندخل بيتاً فيه كلب أو صورة أو جنب أو كافر، وفي بيتك كلب. فعجب النبي عليه الصلاة والسلام، من كون بيته فيه كلب لا علم له به، فدخل البيت، وإذا بجرو صغير تحت سريره، وهذا الجرو كان يلعب به حفيداه الحسن والحسين. وللكلب قوة في حاسة الشم، فكان إذا شعر بمجيء النبي عليه الصلاة والسلام فر من بين يدي الحسن والحسين واختفى، وإذا خرج النبي عليه الصلاة والسلام بادر هذا الجرو فخرج إلى الحسن والحسين. فالله تعالى كرم كلب أهل الكهف، فهؤلاء الفتية الصالحون العارفون بالله عندما تمسح بهم هذا الكلب، ولحقهم ودخل معهم في كهفهم أنامهم الله وأنام معهم كلبهم، وقد ورد أن هذا الكلب سيكون في الجنة مع أهل الكهف، كما ورد أن حمار عزير سيكون معه -أيضاً- في الجنة. وهذا من باب ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام ذات مرة، حيث ذكر أن الجنة درجات ومنازل، ما بين كل درجة ودرجة كما بين الأرض والسماء، ولا ترى تلك الدرجة العليا إلا كما يرى النجم البعيد، وقال: (منازل الأنبياء في الفردوس الأعلى). وإذا بأحد الأصحاب ممن إذا حضر لم يعرف، وإذا غاب لم يفتقد يغيب زمناً، ثم يحضر وعليه آثار شحوب، وآثار ألم نفساني، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ما بالك يا فلان؟! فأخذ يبكي، وقال يا رسول الله! سمعتك تتحدث عن الجنة ودرجاتها، وأن أعلاها الفردوس، وهي منازل الأنبياء والمرسلين، وأنا مهما أكن -إن أكرمني الله فدخلت الجنة- فلن أكون في الفردوس، فكيف أدخل الجنة ولا أراك؟! وإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يقول له: (المرء مع من أحب)، قال الصحابة: مضى زمن طويل فلم نسر ولم نفرح بشيء سمعناه من رسول الله عليه الصلاة والسلام كفرحنا وسرورنا بهذا الحديث. وهكذا حب الصالحين، فهؤلاء العارفون بالله لحقهم راعٍ فألحوا وحرصوا على أن يبعدوه عنهم، وخافوا منه، ويأبى ألا أن يلحق بهم، وكان معه كلب، وكان هو الثامن، فوقف يحرسهم على فم الكهف كعادة الكلاب، فكرمه الله وشرفه الله، وأنزل فيه وحياً يتلى في كتابه. وقد كان أحد العلماء الصالحين جالساً مع أمير في القرن السادس أو السابع، وإذا بالعالم يقول شيئاً، ويغضب ذلك الأمير، فيشتمه ويقول له: يا كلب. فضاقت نفس العالم، فذهب إلى بيته تلك الليلة، وكتب مؤلفاً اسمه: (تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب)، ولم ينم تلك الليلة، وفي الصباح أرسله إلى الأمير، ففهم الأمير أن العالم يقول له: هذا الكلب الذي شتمتني به أفضل منك، وفيه من الخصال والمزايا ما ليس فيك، لكن الأمير كان ذا فضل، وإنما أصابته نزوة من النزوات حملته على أن يقول ذلك لهذا العالم، فاعترف له، واعتذر إليه وطلب مغفرته. وقد اشتهر الكلب بالوفاء، واشتهر بالقناعة، واشتهر بحسن الحراسة، وبالصبر. فالكلب لا شك -كما قال ابن رجب - في أنه أفضل من كثير من الناس، فهو أفضل من الكفار والمشركين بما له من صفات، وأفضل من المنافقين بما له من صفات. وقد أخبر عليه الصلاة والسلام بأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب، وبأن من كان عنده في البيت كلب فإنه ينقص من أجره وثوابه كل يوم كذا وكذا، أي: حسنات. وقد أذن النبي عليه الصلاة والسلام بكلب الرعي وبكلب الحراسة، فمن كان له أغنام لا بد لها من كلاب ترعاها وتصونها من الذئاب فله أن يتخذ كلباً. وكذلك من يسكن البراري، يحتاج إلى كلب لينبهه بنباحه، فله ذلك ولكن ليس من الضروري أن يدخله البيت، بل يكون في الفناء، ومن هنا قال تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف:18]. وإلا فالمكان مليء بالملائكة التي تحرسهم، ولو كان الكلب في الكهف لفرت الملائكة، ولكن الكلب بقي على الباب، فهؤلاء الفتية العارفون بالله بحثوا عن موقع للكلب، وكان الكلب معهم، فبقوا محروسين مصانين من ملائكة الله لا تصل إليهم يد، بل ولا تصل إليهم عين.
معنى قوله تعالى: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا)
معنى قوله تعالى: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً) يقول تعالى: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} [الكهف:18] يا رسولنا وغيرك {لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف:18] أي: لعدت ولرجعت ولأدبرت من النظر إليهم فراراً وخوفاً، فقد طالت شعورهم وأظفارهم، وكان على وجوههم حالة مهيبة مرعبة، فلا يكاد إنسان تقع عينه عليهم إلا فر، وذلك حفظ لهم. أما وهم يتحركون فإنه بمجرد النظر تهرب منهم، فتعتقد أنهم أيقاظ وليسوا براقدين. يقول تعالى: {لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف:18]. أي: لفزعت منهم لأجل الحالة التي كانوا عليها، فقد ألبسهم الله المهابة، والإنسان إذا طال شعره ولم يقص أظفاره، تكون صورته مخيفة، وشكله مهيباً، كيف وقد ألبسهم الله على ذلك رداء الهيبة والرعب، حفاظاً عليهم وعلى أجسامهم.
تفسير قوله تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم)
تفسير قوله تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم)
معنى قوله تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا)
معنى قوله تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا) قال تعالى: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ} [الكهف:19]. وذلك أنهم دخلوا في الصباح فناموا، واستيقظوا عند غروب الشمس أو قبله بقليل، فظنوا أنهم ناموا من الصباح إلى المساء، ولذلك قال تعالى: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} [الكهف:19]. فليس هو بعث القيامة والحساب والعقاب والجنة والنار، ولكنه بعث حياة التساؤل، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} [الكهف:19] أي: ليسأل بعضهم بعضا {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ} [الكهف:19] كم أقمتم في هذا النوم {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [الكهف:19]. فقالوا: بعض يوم لأنهم، دخلوا في الصباح، وإذا بهم صاحون قبل غروب الشمس، فظنوا أن النوم كان ما بين الإشراق والغروب. ولكنهم رأوا أظفارهم، ورأوا شعورهم قد طالت، فقالوا: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} [الكهف:19]، أي: فحالتنا لا تدل على نومنا يوماً أو بعض يوم، فالسنة يستبعدونها، والشهر يستبعدونه، فخرجوا بعدم العلم والمعرفة، فقالوا: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} [الكهف:19]، أي: فالله وحده أعلم كم أقمتم ولبثتم.
معنى قوله تعالى: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة)
معنى قوله تعالى: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) ثم قالوا: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ} [الكهف:19]. وكانوا دخلوا ومعهم بضعة دراهم، فشعروا بالجوع، فقالوا: لقد جعنا، فابعثوا واحداً منكم بورقكم. والورق: الفضة، فقد كانت العملة التي يتعاملون بها من الفضة، وهذا دليل على أنهم كانوا يتعاملون بالورق، ولا يتبادلون السلع. وفي الزمن السحيق ما كانت هناك دراهم ولا دنانير، وكان الناس يتعاملون بالمبادلة، فيعطيك الملح، وتعطيه الفلفل، ويعطيك لحم الدجاج، وتعطيه لحم الأغنام. وسلكت هذا الأمر ألمانيا أيام هتلر، فلم يكن عندها ذهب، فأرادت أن تسقط قيمته دولياً، فأبت أن تشتري شيئاً بالعملة، فكانت تقول: عندي من المواد كذا وكذا، فأعطوني كذا وكذا، وخذوا مقابله هذه المادة، وبذلك أسقطت قيمة الذهب والفضة عالمياً. قالوا: المدينة كانت طرسوس، والله أعلم بحقيقة الحال، وهناك كهف اليوم في الأردن يقال عنه: إنه كهفهم، وقيل: في أيلة، وقيل: في أرض تركيا، وهذه الأماكن متجاورة. قال تعالى: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} [الكهف:19]. لقد كانوا يظنون بأن الملك الجبار الذي أراد قتلهم لا يزال حياً، وأن الدنيا هي الدنيا، وأن الحال هو الحال، فخافوا من دقيانوس ومن خدامه ومن مجتمعه الوثني، فأخذ هذا دراهم وخرج، فزاغ بصره، فكان يمشي في الشوارع كالهائم، فالمدينة ليست بالمدينة، كإنسان عاش فيما قبل عصر الطائرات والصواريخ والمخترعات، ثم بعث فأخذ ينظر إلى الأشياء فذهل، فقال: ارجعوني إلى قبري. ففر ورجع إلى قبره، وما استطاع أن يعيش مع هؤلاء البشر. فهذا خرج فوجد المدينة قد تغيرت معالمها، وقد تغيرت دورها، ولم ير أحداً في الطريق يعرفه، فأخذ يتساءل: هل أنا في طرسوس؟! ومن هؤلاء؟ وما هي هذه الأزياء؟! وما هذه الوجوه؟! ورأى شعارات الدكاكين تدل على التوحيد، وأن الناس مؤمنون، فقال: متى كان هذا؟! لقد دخلنا الكهف صباحاً، واستيقظنا مساء، فهل بين الصباح والمساء يحدث كل هذا؟! فكان يستغرب، ومن رآه يستغرب منه ويتعجب منه، إلى أن وقف أمام دكان، وأراد خبزاً، كما قال تعالى: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} [الكهف:19]. أي: لينظر الحلال من الحرام، فلا يأتينا بما لا يحل، بل بشيء لذيذ طيب، وكانوا جياعاً.
معنى قوله تعالى: (وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا)
معنى قوله تعالى: (وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً) قال تعالى: {وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} [الكهف:19]. أي: ليكن لطيف الحديث، لطيف الكلام حتى لا يكشف عن حقيقته، وحتى لا يعرف، فيؤخذ إلى دقيانوس، فيؤذيكم فيعيدكم إلى دينه. وإذا به يذهب بهذه العملة التي مضى عليها قرون، ودقيانوس مصور فيها أو كان عليها اسمه، ومضت عليها قرون، فلم يخطر ببال صاحب الدكان إلا أنه وقع على كنز، فقال: له أين وجدت هذا الكنز؟ قال: ما وجدت كنزاً. وأي علاقة للكنز بهذه العملة. فصاح ذاك فحضر الثاني والثالث، واجتمع الناس بالمئات يسألونه: أين الكنز، فأخذ يبكي، وهو في أشد ما يكون من الهلع، ولا يعرف ماذا حدث، فقد خاف أن يقتل، وأن يجبر على الوثنية، وأن يقتل أصحابه الذين أوصوه وأكدوا عليه بقولهم: كن لطيفاً، فلا تشعر بنا أحداً. فلما انكشف أمره، اضطر فقال: أنا فلان، أليست هذه مدينة دقيانوس؟! وكانوا قد سمعوا أن فتية من الشباب وحدوا الله وهربوا من ملكهم إلى الكهف، وأنه كتبت أسماؤهم في رقيم على باب الكهف، فذهبت هذه الجموع إلى باب الكهف، وقبل أن يصلوا إلى باب الكهف، قال حاكم البلدة: لا يجوز أن يقتصر الأمر علينا، فلا بد من الرجوع إلى الملك الكبير، فاتصلوا بالملك وأخبروه بالواقع.
الكهف [20 - 22]
تفسير سورة الكهف [20 - 22] عندما خرج أصحاب الكهف من منامهم شعروا بالجوع فأرسلوا أحدهم إلى المدينة ليطلب لهم الطعام وكانوا حذرين من أن يعلم بهم أحد، خوفاً من الرجوع إلى الشرك والوثنية، وقد ذكر الله عدتهم ونهى عن المجادلة فيها.
تفسير قوله تعالى: (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم)
تفسير قوله تعالى: (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم) قال الله جل جلاله: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف:20]. لما استيقظ أصحاب الكهف من نومهم وأخذوا يتساءلون، كما قال تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} [الكهف:19]. فقد ظنوا أنهم قد ناموا يوماً أو بعض يوم، وشعروا بالجوع، وكلفوا أحدهم وقد أعطوه دراهم أن ينزل للسوق ويأتيهم بما يسد جوعتهم، ويشبع حاجتهم، وأخذ كبيرهم ينصحه ويوجهه ويرشده، ويقول له: تلطف في حديثك، وإياك أن يبدر منك ما يشعرهم بك {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ} [الكهف:20] أي: إنهم إن يطّلعوا عليكم يعرفوكم فيرجموكم. فأصحاب الكهف لا زلوا يتحدثون عما مضى عليه ثلاثمائة سنة وتسع سنوات، وهم يظنون أنهم فارقوا البلدة بالأمس، فقال هذا لمن أرسله ليأتي بالطعام والشراب: إياك أن يبدر منك ما يعرفون به حالك، وأنك من أولئك الذين تركوا الأمة على شركها ووثنيتها، وفروا بالتوحيد كافرين بأوثان دقيانوس وشعبه، فإنهم إن يطلعوا عليكم ويعرفوا حقيقتكم، يلقوا القبض عليكم، ثم يرجموكم بالحجارة حتى الموت، على عادتهم في قتل الموحدين والبطش بالمؤمنين، وإن لم يفعلوا فلعلهم يطمعون فيكم ليعيدوكم في ملتهم، أي: في كفرهم وشركهم ووثنيتهم، وإن أنتم استجبتم لهم فلن تفلحوا إذاً أبداً، إذ تصبحون ضلالاً تعودون للوثنية والشرك ويذهب عنكم الفلاح والصلاح والإيمان والتقى، فنزل هذا الشاب المؤمن وإذا به يرى كما يقول الشاعر: أما الديار فإنها كديارهم وأرى رجال الحي غير رجاله فرأى البلدة قد تغيرت واندثرت، ورأى نفسه غريباً بينهم، ولم ير أحداً في الأزقة والطرقات يعرفه لا من الصغار ولا من الكبار، بل لم يجد البنيان باقياً على شكله، فحصل له من الذهول والغرابة ما جعله يشك في نفسه، هل جن؟ هل فقد عقله؟ هل هو لا يزال نائماً أم قد استيقظ؟ وبينما هو في حركته هذه أراد أن يستعجل الأحداث فوقف عند أول دكان يبيع الخبز، فمد يده إليه وهو مضطرب ومستغرب، وإذا بصاحب الدكان عندما رأى دراهمه تعجب منها، فقد كانت من الدراهم التي مضى عليها دهر سحيق، فيها اسم دقيانوس الذي مضى على حكمه وملكه في هذه الديار قرون. وأمسك به صاحب الدكان وقال له: من أين لك هذه الدراهم؟ هل وجدت كنزاً؟ أخبرني، فأخذ يضطرب، ولا يدري ما يقول له، وبماذا يجيبه؛ لأن كل ما في ذهنه أنه ما فارق البلدة إلا بالأمس، نام يوماً أو بعض يوم، فاجتمع الناس حوله وهكذا قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف:21]. يقول جل جلاله: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} [الكهف:21] أي: كما أنمناهم وأدخلناهم الكهف وأيقظناهم وهم يتساءلون، كذلك أعثرنا عليهم، يقال: فلان عثر على كذا، أي: وجده من غير إعداد سابق، كأنه وجده اتفاقاً. فقوله: (أعثرنا عليهم) أي: الله جل جلاله قدر الأسباب في العثور على هؤلاء الشباب المؤمنين الموحدين الذين أقاموا في الكهف قروناً. فقوله: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} [الكهف:21] أي: كشفنا أمرهم، وعرفوا بما لديهم من دراهم أنه قد مضى عليها قرون، وتجمع حوله الناس، وأخذ يقص قصتهم مضطرباً. وهكذا علم بخبره ملك البلاد، وكانت الأمة كلها قد آمنت وأصبحت على التوحيد. فعندما بلغ الملك أمرهم، وكان قد سمع بهم في التاريخ، ذهب مع الأفواج من الخلق، وأخذهم هذا الشاب إلى الكهف ودخلوا الكهف ورأوا الرقيم: فلان ابن فلان، سنة كذا تاريخ كذا أيام دقيانوس، وإذا بالملك يحمد الله ويشكره. وكان صالحاً موحداً، فحاول دخول الكهف فرأوا وجوهاً مرعبة ومخيفة، رأوا شعوراً قد طالت وأظافر قد طالت مع ما ألبسهم الله به من رداء الخوف والهيبة والرعب، والكلب باسط ذراعيه بالباب. فأخذوا يتنازعون فيما بينهم، وبينما هم في هذه الحال مات أصحاب الكهف موتاً حقيقياً. والحكمة في ذلك أن الله جعل لكل زمن ولكل نبي معجزة من المعجزات، من أجلها آمن من آمن وصدق من صدق، وكانت بمثابة أن يقول: هذه معجزتي وعلامة صدقي، فآمنوا بالله ولن أكذبكم، ولا يكذب الرائد قومه. فكان هؤلاء ورثة للأنبياء ودعاة لله والتوحيد بحالهم قبل مقالهم. إذاً: عندما سقطوا موتى فعلاً أخذوا يتنازعون شأنهم، بعد أن وجدوهم من غير بحث سابق ولا طلب فتأكدوا وتيقنوا، أن هؤلاء أصحاب الكهف، وأصحاب الرقيم أي: اللوحة التي فيها أسماؤهم، وقد أكدنا أن المعنى كذلك، بخلاف من زعم أن الرقيم اسم لمكان قرب أيلة، أو قرب البلقان أو قرب نينوى، فالرقيم: كتاب مرقوم، أي: مكتوب، والكتابة رقم. قال تعالى: {ليَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} [الكهف:21] أي: وعد الله بالبعث يوم القيامة، وأن الله يحيي الإنسان بعد أن يموت ويعيده إليه، وذلك لنحاسب على ما قدمت أيدينا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وجعل الله هذا في الدنيا مثالاً لما هو أكبر من ذلك في يوم القيامة الذي لا ريب فيه ولا شك. فقوله: {لِيَعْلَمُوا} [الكهف:21]. أي: ليعلم قومهم، وليعلم الناس الذين رأوهم، وعلموا حقيقتهم وأمر كتابهم المكتوب فيه أسماؤهم، والزمن المذكور فيه. وقوله: {أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا} [الكهف:21] أي: وعد الله في إرسال أنبيائه والبعث بعد الموت، ووعد الله في قيام الساعة الذي لا ريب فيه ولا شك، ولا يرتاب فيه إلا مشرك، ولا يشك فيه إلا كافر. قال تعالى: {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} [الكهف:21]. في هذه الحال، والله قد أعثرهم عليهم أخذوا يتنازعون: كم عددهم؟ وهابوا أن يدخلوا إلى الداخل، إذ رأوا منهم أفراداً، وكأنهم تنقلوا من جنب إلى جنب، فأخذوا يتنازعون الكلام والقول، هذا يقول قولاً والآخر ينازعه، وعلى هذا الاعتبار فإنهم قد ماتوا، مع الهيبة التي ألبسهم الله تعالى إياها رداءً، وهي هيبة المؤمن الواثق بربه. قال تعالى: {فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا} [الكهف:21]. لما ماتوا أمامهم، ولم يأكلوا ولم يشربوا، ولم يطل بهم الزمن، وقالوا: ابنوا عليهم بناءً، أي: قبةً مثلاً أو بناء حائط، حتى نقصدهم بالزيارة. وعندما اختلفوا فيهم وفي أسمائهم والزمن الذي كانوا فيه وفي آبائهم وأجدادهم، قال الله عنهم: {رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} [الكهف:21] فلا حاجة للتفاصيل. إذ إن المراد العبرة والحكمة، وأنهم قوم في دار الدنيا، ناموا ثلاثمائة سنة وتسع سنوات، ولم يبلوا ولم يندثروا ولم يفنوا، ثم أحياهم الله بعد كل هذا الزمن الطويل، والرقيم هو الذي أكد لهم تاريخهم بالأسماء وتاريخ الملك الوثني الذي طاردهم. وبينما هم في هذا العجب قالوا: لا فائدة من النزاع، ربهم أعلم بهم، أي: بعددهم وأسمائهم وأزمانهم، وبكل ما يتعلق بهم، فقالت طائفة ممن عثروا عليهم: {ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا} [الكهف:21] أي: اجعلوا عليهم أثر بناء لنقصدهم بالزيارة ولنترحم عليهم وندعو لهم. قال تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} [الكهف:21]. ولا شك أن الذي غلب على أمرهم هو الملك الحاكم، وكان مؤمناً، وسموه تيدوسيس، قال تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف:21]. وما ذكر المسجد إلا للمؤمنين الموحدين (لنتخذن) أي: أقسموا بالله، فهذه اللام موطئة للقسم، ومؤكدة بنون التوكيد الثقيلة. كأنهم قالوا: والله لنتخذن عليهم مسجداً، وكأنهم تنازعوا في البناء، ويظهر أنهم كان معهم وثنيون جاءوا للاستغراب والتعجب، فقال هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم وأصبح أمرهم بيدهم (لنتخذن عليهم مسجداً)، ولا يكون هذا عادة إلا للسلطان، وكان الملك حاضراً ومعه كبار من قومه ورجاله. فقوله: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف:21]. أي: مكاناً للعبادة، نسجد فيه لله. يقول عبد الله بن عباس: ذهبت في حرب في بلاد الروم وإذ بهم يذكرون كهفاً، وأن فيه بقايا من عظام، فدخل ودخل معه آخرون وقالوا له: هؤلاء هم أصحاب الكهف، وهذا هو الكهف الذي ذكره الله في القرآن. وقال ابن عباس: وكان قد مضى من الزمن ثلاثمائة عام. ولكن هذا يخالف ما قلناه من قبل، فالنبي عليه الصلاة والسلام أرسل بالنسبة للتاريخ الميلادي سنة 640م وكون ابن عباس يخبرنا عن ذلك في أواخر القرن السابع الميلادي، فمعناه: أنهم كانوا نصارى من أتباع عيسى، وبما أننا قد علمنا من قبل أن الذين دلوا كفار قريش على أن يسألوا عنهم النبي عليه الصلاة والسلام هم يهود المدينة، واليهود لا يؤمنون بعيسى فضلاً عن اتباعه، أو أن يعطوهم هذا الاعتبار ويعترفوا بهم، وهذا مما يؤكد أنهم كانوا قبل عيسى، وكانوا من الشعوب المؤمنة السابقة. ولم يكن الذي حكي عن ابن عباس إلا ظناً: {وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم:28].
حكم بناء المساجد على قبور الموتى
حكم بناء المساجد على قبور الموتى ذكر الله عن هؤلاء اتخاذهم المساجد على القبور، وهذا في شريعة الإسلام لا يجوز، فقد روى الجمَّ الغفير عن نبي الله عليه الصلاة والسلام أنه قال عند موته: (لعن الله اليهود والنصارى، كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا عليه مسجداً، أولئكِ شرار الخلق). يقول رواة الحديث: يحذر مما صنعوا، والحديث متواتر. وقال صلى الله عليه وسلم: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب). وقد هاجرت أم حبيبة بنت أبي سفيان هجرتها الأولى إلى أرض الحبشة، وكانت زوجة لـ عبيد الله بن جحش فارتد، نسأل الله اللطف والسلامة، فبقيت هي ثابتة على إيمانها، فخطبها عليه الصلاة والسلام من النجاشي، وكذلك كانت هناك أم سلمة مع زوجها مهاجرة، ولما مات زوج أم سلمة تزوجها صلى الله عليه وسلم، فأصبحتا معاً من أمهات المؤمنين: فقالتا: يا رسول الله! عندما كنا في الحبشة رأينا كنيسة للنصارى فيها تصاوير وتماثيل وأصناماً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لعن الله اليهود والنصارى كانوا إذا مات أنبياؤهم وصالحوهم بنوا عليهم مسجداً، أولئك شرار الخلق عند الله) فكان هذا من آخر قول النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا ليس موضع جدال عند المسلمين، فالمسجد لا يجوز أن يدفن فيه ميت، ولا أن يتخذ مقبرة، ولا يجوز أن يصلى إلى قبر أو عليه، كل كذلك قد حرمه المصطفى صلى الله عليه وسلم وأكد تحريمه، وما ذكر هنا قد يكون جائزاً لمن قبلنا. إذا قيل: هل ما ذكر في القرآن مما هو شريعة لمن قبلنا يعتبر شرعاً لنا أو لا؟ ف A أجمع العلماء على أنه إذا ورد ما يخالف شرعنا فليس شرعاً لنا، واختلفوا فيما لم يخالف سنة نبي الله صلى الله عليه وسلم أو القرآن هل يصبح شرعاً لنا؟ فالحق أنه ليس بشرع إلا ما قاله الله لنبينا صلى الله عليه وسلم أو أخبرنا به الله جل جلاله أنه شرع لنا. وقد نص النبي عليه الصلاة والسلام وأكد على حرمة بناء المساجد على القبور، أو إدخال القبور إلى المساجد، روي ذلك عن الجمع الغفير من الأصحاب، وأن القبر لا يقصد بالصلاة ولا يصلى إليه ولا يصلى عليه، وكل هذا ليس موضع جدال بين المسلمين. ولم يرد في القرآن هل بنوا المسجد فعلاً أم لم يبنوه؟ إنما أخبرنا عن مقولتهم، وكونهم قالوا ذلك لا يدل على أنهم فعلوه.
تفسير قوله تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم)
تفسير قوله تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم) عندما أخذوا يتنازعون أمرهم بينهم قالوا: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف:22]. وهذا قد يكون قولاً لأولئك الذين تنازعوا بينهم، وقد يكون قولاً لأهل الكتاب من اليهود، الذين أشاروا على أهل مكة الذين ذهبوا إليهم بسفارة عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، أشاروا عليهم أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أشياء، قالوا: سلوه عن قوم غابوا في الزمن الغابر، ما قصتهم؟ وأين هم؟ وسلوه عن الروح ما هي؟ وسلوه عن رجل طاف مشارق الأرض ومغاربها من هو؟ وما حكايته؟ فجاء الجواب بنزول هذه السورة الكريمة، ونهى الله جل جلاله النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين أن يماروا فيها، فإذا قال اليهود: هم ثلاثة، أو هم أربعة، أو هم خمسة، فكل ذلك كلام منهم، فالمطلوب معرفة القصة دون تفاصيل أو تحقيق في الزمن. قال تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف:22] أي: سيقول هؤلاء اليهود، ولعلهم من سبقهم كذلك، فالذين سبقوهم ربما يكونون قد دخلوا الكهف ورأوهم، فقالوا عنهم: ثلاثة والكلب الرابع، وقالوا: خمسة وسادسهم كلبهم رجماً بالغيب، أي: الذين قالوا: ثلاثة ورابعهم كلبهم والذين قالوا: خمسة وسادسهم كلبهم قالوا ذلك رجماً بالغيب، أي: قالوا ذلك رمياً لما غاب عنهم ولم يعلموه. يقال: رجم بالغيب، أي: رمى الغائب عنه بغير علم ولا معرفة، كما يقال: رمية من غير رام. فهؤلاء رجموا بالغيب، أي: قالوا كلاماً عن الغائب ولم يحضروه ولم يشاهدوه ولم يعلموا عنه شيئاً. ثم قال تعالى: {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف:22]. قال هذا ربنا جل جلاله، ولم يقل: رجماً بالغيب، فدل على أن عددهم سبعة، وعلى أن الثامن الكلب. قال تعالى: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ} [الكهف:22] أي: قل يا محمد في هؤلاء الذين ينازعونك في أسمائهم وأحزابهم: {رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} [الكهف:22]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم سبعة وثامنهم كلبهم، وأنا من القليل الذين استثنى الله، فكان يقول: إني أعلم، وأن الله قد أخبر بأن القليل يعلمونهم، وأنا من القليل. وحاول ابن إسحاق أن يقول فهماً غريباً، فقال: هم ثمانية، ويفسر الآية الكريمة: {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف:22] أنه قد قرأ من قبل: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} [الكهف:18]، قرأها: (كالبهم باسط ذراعيه) وفسر ذلك بأنه رجل حارس، أي: الراعي الذي تبعهم، ولكن (باسط ذراعيه) ليست صفة للإنسان، والجلسة التي تكون عند الباب جلسة كلب، فهو قول شاذ لا معنى له، ولم يُرو عن صحابي، ومحمد بن إسحاق كان عالماً بالسيرة، ولم يكن عالماً بالتفسير، ولا يعارض بمثل عبد الله بن عباس فهو حبر القرآن، وقد دعا له صلى الله عليه وسلم بالفقه والتأويل. إذاً: هم سبعة على قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وجمهور المفسرين، وسياق القرآن وظاهره يؤكد ذلك، فقد عاب الله من قالوا: إنهم ثلاثة رابعهم كلبهم، ومن قالوا: خمسة سادسهم كلبهم فقال: {رَجْمًا بِالْغَيْبِ} [الكهف:22]. أي: قالوا ذلك ورجموه وقذفوه ولم يكن لهم علم بذلك ولم يحضروه ولم يشاهدوه. وعندما قال: {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف:22] لم يقل: رجماً بالغيب، والله أعلم. قال تعالى: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ} [الكهف:22] أي: قل يا محمد! إن جادلك أهل الكتاب، وقالوا لك: هؤلاء عددهم كذا أو العدد كذا أو العدد كذا: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} [الكهف:22]. وقد أخبر الله تعالى أن الذي يعلم هذا العدد هم قليل، إذاً: هناك من يعلم عين الحقيقة، والله أعلم. فقد قال ابن عباس: وأنا من هذا القليل الذي استثنى الله. قال تعالى: {فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [الكهف:22]، أي: عندما يجادلك أهل الكتاب، ومن يدعي المعرفة بهؤلاء لا تمار ولا تجادل إلا جدالاً ظاهراً، قل لهم: هم سبعة، والثامن الكلب، فإن عارضوا فلا تمارهم ولا تحرص على أن يعلموا ولا تجادلهم كثيراً، ولا تكن لدوداً في الخصومة، ولا تكن مماراتك لهم المماراة التي يريد صاحبها أن يعلمهم الحقيقة، فهم لا يريدون حقيقة، وقد زعموا هذه علامة على رسالتك ونبوءتك، أدركوها وعلموها ومع ذلك كذبوه ولم يؤمنوا، لا صناديد قريش آمنوا ولا علماء اليهود، فإذا أخذوا يجادلون، ويقولون: ليس هذا هو العدد، ولم يكن وقت كذا، ولم يكن كذا، فلا تجادلهم، فقوله تعالى: {فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} [الكهف:22] أي: لا تجادل فيهم إلا جدالاً سطحياً ظاهراً. وقال تعالى: {وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [الكهف:22]. وإياك أن تسألهم بعد أن نزل عليك الوحي، فلا تقل لهم: ما الذي عندكم، إذ ليس عندهم بعد هذا إلا الضلال والأكاذيب والأساطير وما ليس عليه من الله دليل ولا برهان، وهذا النهي للنبي عليه الصلاة والسلام، فكيف بنا نحن الذين نماري ونجادل؟ أما النبي عليه الصلاة والسلام فهو معصوم على أي حال.
الكهف [23 - 28]
تفسير سورة الكهف [23 - 28] ينهى الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول إنه سيفعل شيئاً في المستقبل دون أن يقول إن شاء الله، ويأمره بتفويض الأمر إليه والتمسك بكتابه والركون إليه.
تفسير قوله تعالى: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا)
تفسير قوله تعالى: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً) قال تعالى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف:23 - 24]. إن سبب نزول هذه الآية هو أن عقبة والنضر، وكلاهما عاشا على الكفر وأصرا عليه وعلى حرب الله ورسوله وقد مكن الله نبيه من رقبتيهما، وقتلهما صبراً في غزوة بدر، عندما جاءا مثيرين لأهل مكة، من قبل أعداء الله ورسوله اليهود؛ فقد سألوا النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن جعلوا له مجلساً عند الكعبة في فنائها، فقالوا له: يا محمد! إن كنت نبياً حقاً، فأخبرنا عن جماعة من الشباب غابوا في الدهر القديم، أين ذهبوا ومن هم؟ وأخبرنا عن رجل طواف بين المشرق والمغرب من هو، وما قصته؟ وأخبرنا عن الروح. فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: غداً أجيبكم، فجاء الغد وجاء بعد الغد إلى اليوم الخامس عشر ولم يأتهم بنبأ، فكثرت الأقاويل، وكثر اتهام نبي الله عليه الصلاة والسلام بأن الله تركه، وأنه قد تخلى عنه شيطانه، وحاشا نبينا من كل ذلك عليه الصلاة والسلام. وفي اليوم الخامس عشر جاء الوحي وجاء العتاب: لم تقول لهم غداً ولا تقول: إن شاء الله، قال تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران:128]، فالأمر بيد الله، فلو قلت: إن شاء الله وانتظرت أمر الله لكان أفضل، ولذلك دخل هذا الاستثناء والعتاب والملام في صلب السورة، فقد قص الله عليه القصة التي سئل عنها، وأنهاها بتأديبه وأن لا يعود إلى ذلك مرة ثانية. فقال له ربه جل جلاله: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف:23 - 24]. أي: قل: إن شاء الله، واجعل الأمر بيد ربك، فله الأمر وله النهي، خاصة وأنت نبي ورسول، تتحدث عن الله وبوحي الله وبأمره، على أن الخطاب كذلك عام، كما يقول علماء الأصول، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والنبي لم يقل: إن شاء الله، لأنه نسي، فقال الله له: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف:23 - 24]. فكان هذا هو الأصل، وأصبحت الآية عامة لكل الناس، لأن الغد ليس لنا، إنما الغد لله، قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان:30]. فإذا كان الأمر كذلك فيجب على المؤمن الموحد المخلص لله طاعةً وعبادةً، ألا يتحدث عن شيء إلا ويحيل علمه إلى الله، فضلاً عن عمله. حكي عن سليمان أنه قال يوماً: لأطوفنَّ هذه الليلة على مائة من نسائي - وكان أنبياء بني إسرائيل يتزوجون المائة والمائتين والثلاثمائة امرأة - ليرزقني الله من كل واحدة منهن فارساً يجاهد في سبيل الله، فمضى العام، ومضت الأشهر التسعة التي تكون عادة هي مدة الحمل ولم يلد من زوجاته إلا واحدة، وولدته نصف إنسان، كما في الصحاح. وقال النبي تعليقاً على ذلك: (لو قال سليمان: إن شاء الله، لاستجاب الله له، ولرزقه مائة فارس كلهم يجاهدوه في سبيل الله)، ولكن لم يقل: إن شاء الله. قال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف:24]، يعني: اذكر ربك إذا نسيت بعد التذكر للاستثناء، أي إذا قال أحدنا: سأفعل غداً، أو سأفعل بعد غد، ونسي أن يقول إن شاء الله، فذكر بعد ساعة أو ساعتين، فبمجرد أن يتذكر يقول: إن شاء الله. وهذا هو علاج النسيان فيما إذا لم نقل إن شاء الله، وبذلك ترفع عنا المسئولية. فالله علم نبيه وذلك، وهو أسوتنا الأعظم عليه الصلاة والسلام، فنحن نقول: إن شاء الله في كل ما نريد عمله، فإذا أنسانا الشيطان أن نذكر اسم ربنا، فعلينا إذا ذكرنا أن نقول: إن شاء الله. وتجري على ذلك أحكام، فمن الناس من يطلق وبعد ساعة أو أكثر يقول: إن شاء الله، فتطلق عليه زوجته، لأنه أخر الاستثناء. وابن عباس له في ذلك رأي وحكم عجيب، يقول: الاستثناء مقبول ولو بعد عام، ولكن علماءنا يقولون: ابن عباس أعلم وأكرم من أن يقول: الطلاق يبقى معلقاً سنة؛ لأنه خلال العام كيف يتصل بها وهي مطلقة، فقد فارقت زوجها وقد تتزوج غيره، وقد انتهت عدتها. إذاً: فـ ابن عباس يقصد الأعمال الأخرى غير الطلاق، ولكن إذا طلق ثم استثنى قريباً، فعند ابن عباس يعتبر ذلك استثناء ولا يحدث طلاق، واختلف في هذا علماؤنا ومجتهدونا، فقالوا: إن كان الاستثناء متصلاً فنعم، وإن مضت مدة فلا يعتبر الاستثناء استثناءً من الفعل. وهذا كقوله عليه الصلاة السلام: (من نسي صلاة أو نام عنها فوقتها حين يذكرها). فالصلاة لا تؤخر عن وقتها، فإذا نسيها إنسان وتذكر بعد يوم أو بعد سنة، فبمجرد ذكره لها يصليها بلا تأخير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وذلك أصل من أصول الشريعة، فالإنسان لا يؤاخذ على ما فعله نسياناً، ولا على ما استكره عليه. قال تعالى: {وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} [الكهف:24] أي: يا محمد! عندما تنسى ادعُ ربك وقل: عسى، وعسى من الله تحقيق وليست للترجي، أي: إذا ذكرت ربي بعد ذلك فإن الله تعالى سيلهمني الصواب، ويرزقني الرشد والتوفيق والهداية للحق والصواب، فإذا نسيت أن تثني بإن شاء الله، أو إذا ذكرت بعد ذلك فقلت: إن شاء الله، فقل مع هذا: {عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} [الكهف:24]. قل: عسى الله أن يرشدني لأن أقرب الصواب، ولأن أكون قريباً للصواب والرشاد، وأن أمتنع وأبتعد عن الخطأ، وعن الضلال وعما لا يليق. هذا ما يجب على الناس أن يفعلوه، أن يقولوا بعد أن يذكروا: إن شاء الله، فيدعون الله بهذا الدعاء، كما قال علماؤنا ومفسرونا.
تفسير قوله تعالى: (ولبثوا في كهفهم)
تفسير قوله تعالى: (ولبثوا في كهفهم) قال تعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} [الكهف:25]. أخبرنا الله جل جلاله لتتم القصة وليعلمها النبي صلى الله عليه وسلم، وليبلغها لهؤلاء الذين أرادوا امتحانه واستفزازه فقال الله لنبيه: إنهم أقاموا في الكهف ثلاثمائة عام، وازدادوا تسعاً. وزعموا أن في الكتب السابقة: أنهم ما أقاموا إلا ثلاثمائة عام، لكن الله قال: ثلاثمائة عام وازدادوا تسعاً، فإن قيل: لِمَ قال هكذا: (وازدادوا) ألم يكن كافياً أن يقال: ثلاثمائة وتسع سنوات؟ ف A هناك السنة القمرية، وهناك السنة الشمسية، فهي ثلاثمائة عام شمسية، وهي ثلاثمائة وتسعة أعوام قمرية. والقرن الشمسي يزيد عن القرن القمري بثلاث سنوات في كل مائة عام، فكل مائة سنة شمسية تساوي مائة وثلاث سنين قمرية، فهي ثلاثمائة عام شمسية، وثلاثمائة عام وتسعة أعوام قمرية، ومعنى القمرية: أننا نعد أشهرها برؤية القمر، فبرؤية القمر نصوم، وبرؤية القمر نفطر، وبرؤية القمر تكون مواعيدنا، وبرؤية القمر يكفر من يكفر بصيام شهرين متتابعين، وبالشهر القمري تحد المرأة على وفاة زوجها أربعة أشهر وعشراً، ولا عبرة بالسنة الشمسية البتة. فالإثنا عشر من الشهور التي ذكرها الله كلها قمرية، وهي من المحرم إلى ذي الحجة، فنحج بيت الله الحرام على الحساب القمري. ومن حسنات هذه البلاد أن الشهر القمري الشرعي الإسلامي لم يبقَ قائماً إلا فيها، ففي جميع ديار الإسلام تركوا الشهر القمري الإسلامي، واعتمدوا على تاريخ لا صلة لنا به، وهو تاريخ نصراني يتعلق بعيسى، ومع احترامنا لعيسى أنه نبي الله وعبده، فإنه ليس هو عيسى الذي يؤمن به النصارى. فإن عيسى الذي يؤمن به النصارى يزعمونه إلهاً ورباً وابن صاحبة، وهم مع ذلك يقولون: إنه ولد، ويقولون: التاريخ الميلادي حسب ولادته، وحتى هذا التاريخ فإن فرق النصارى غير متفقه عليه، فالبعض يقول: قبل ذلك بعشرة، والبعض يقول: من بعد ذلك عشرة، وغير ذلك. فما حاجتنا إلى أن نستخدم تاريخاً لا تربطنا به شريعة ولا عقيدة ونخالف إجماع الصحابة، فقد اتفق الصحابة على أن يبتدئ التاريخ من الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، فمعاملاتنا وصيامنا وحجنا ومواعيد شريعتنا، كلها مبنية على الشهر القمري، وتركه فسق، وخروج عن أمر الله وإجماع المسلمين، فكيف بإجماع الصحابة. قال تعالى: {ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} [الكهف:25]. من المعلوم أن تمييز العدد مائة يكون مفرداً، فتقول: جاء مائة رجلٍ، واشتريت مائة جمل، ولا تقول: مائة سنين ولا ثلاثمائة سنين، ولكن الكلام تقديره، ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة. وفهم بعض النحاة من ذلك أن تمييز العدد مائة قد يكون مفرداً وقد يكون جمعاً، ولكن هذا غير معروف، فقد فسروها بقولهم: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة، أي: من الأعداد ثلاث مائة سنة، وازدادوا تسعاً. قوله: (ازدادوا) هل الضمير يعود للثلاثمائة؟ ولو كان كذلك يقيل: وازدادت تسعاً، ولكن الضمير لا يرجع إلى السنوات ولا إلى القرون، وإنما يرجع إلى أصحاب الكهف وهم عقلاء. فقد أقاموا في الكهف ثلاثمائة من السنين، وازدادوا في الكهف على هذه المدة تسع سنوات أخرى.
تفسير قوله تعالى: (قل الله أعلم بما لبثوا)
تفسير قوله تعالى: (قل الله أعلم بما لبثوا) قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} [الكهف:26]. وفي قراءة ابن مسعود وقراءته شاذة: (وقالوا لبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين). فنسب هذا القول لأولئك الذين أعثر الله عليهم، أنهم هم الذين قالوا ذلك. وقال ابن مسعود: لم يقرهم الله عليه؛ ولذلك قال: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} [الكهف:26]. وهذا ليس بصحيح؛ لأن قراءة ابن مسعود شاذة لا تصح، وليست في القراءات السبع، فالخبر بمدة إقامتهم في الكهف، ثلاثمائة وتسع سنوات خبر إلهي، ولكن قال الله تعالى: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} [الكهف:26]. لأن يهود المدينة وأدعياء الكتاب سيناربونك، وأن المدة ليست ثلاثمائة سنة وتسعاً، وأن العدد ليس سبعه والكلب الثامن، وسيقولون ويقولون. أي: فإن نازعوك فلا تمار في ذلك إلا مراءً ظاهراً، ثم أخبرك ربك وأعلمك فإن عارضوك: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} [الكهف:26]. فالله أعلم بمدة لبثهم وإقامتهم، هل لبثوا مائة سنة أم ألف سنة، أم سبعمائة، فأخبر يا محمد بما أُخبرت به، فإن نازعوك فقل: الله أعلم بالعدد. قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف:26]. قال تعالى: هؤلاء إن جادلوك وماروك، ونازعوك، فلا تمارهم ولا تنازعهم، وقل ربي: {أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الكهف:26]. فالله وحده هو عالم الغيب والشهادة إذ لا يعلم غيبه أحد، قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن:26 - 27]. ولا يدعي معرفة الغيب من قبل ذاته إلا دجال كذاب أشر، وغيوب الأنبياء هي بعلم الله، وبإعلام الله، من شاء أعلمه، ومن شاء لم يعلمه، وغيب الله لا يعلمه أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، إلا من شاء الله أن يعلمه. يعلمه ببعض ما يريد. قوله: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} [الكهف:26]. تعجب للكثرة، أي: ما أسمعه، وما أكثر سمعه، وما أكثر بصره، فبعض العلماء نازعوا في هذا التعبير أن يقال على الله، والآية تدل على أنهم قالوا ما ليس بحق، والنبي يؤكد ذلك عليه الصلاة السلام فقال (لا أحد أصبر من الله)، أي: يكفر به الإنسان ويشرك به ومع ذلك يصبر، ويرفق بهم ويعطيهم عوناً وأرزاقاً، وهكذا هنا. فالمعنى: ما أصبره وما أسمعه، فالله جل جلاله يعلمنا أن نقول: هو وحده الذي انفرد بأن يسمع كل شيء ويبصر كل شيء، وأن يعلم كل شيء. هو عالم الغيب والشهادة لا يشاركه أحد في علمه ولا في غيبه ولا في شهوده جل جلاله وعلا مقامه. قال تعالى: {مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ} [الكهف:26] أي: ليس لأحد من الخلق من دون الله ولي ولا ناصر ولا معزز، ولا ما يعطيهم إذا هم جاعوا وذلوا وتضرعوا. قال تعالى: {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف:26]. لله الأمر والنهي، لا حكم إلا لله وحده، ولا يشرك الله في حكمه ولا في أمره ولا في إرادته أحد من خلقه، وكل ما زعم المشركون والكافرون إن هي إلا أسماء سموها، مالهم بها من علم ولا لآبائهم، ولا دليل عليها، ولا سلطان لها. فالله لم يشرك معه أحداً لا في الخلق، ولا في الأمر، ولا في النهي، ولا في العطاء ولا في المنع، وكل هذا تأكيد لتوحيد الله وعبادته وإفراده بالعبودية وبالألوهية والربوبية جل جلاله.
تفسير قوله تعالى: (واتل ما أوحي إليك)
تفسير قوله تعالى: (واتل ما أوحي إليك) قال تعالى: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} [الكهف:27]. يخاطب الله أشرف عبيده، وكأنه يقول له: دع عنك اليهود والمشركين وأعداء الله، واقرأ ما أوحى الله إليك من كتاب، واعتنِ بهذا القرآن تالياً وقارئاً وحاكماً، وآمراً وناهياً، أحل حلاله وحرم حرامه، صدق بقصصه واعمل بموجبه، ولا تدعه أبداً، فهو الحق: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت:42]. فاقرأ كتاب ربك لتكون معانيه وحقائقه لازمة لك، استحضرها دوماً واعلم أن ما أخبرك به هذا الكتاب هو الحق، وما أثبته فهو الحق، وما لم يقله فهو الباطل، وما لم يزكه فهو الباطل. فإياك أن تأخذ الحقائق عن أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا وتلاعبوا، وزادوا في دين الله ما ليس فيه، ونقصوا منه ما فيه. وقد كان أحب شيء لرسول الله تلاوة القرآن، فقد كان عليه الصلاة والسلام يتلو القرآن في كل أحواله، يصلي بالمسلمين بالقرآن، ويتهجد به في أول الليل ثم ينام، ثم يتلو ثم ينام ثم يقوم في الثلث الأخير من الليل، نافلةً له. فكان التهجد في حق المسلمين سنة مستحبه، وفي حق رسول الله صلى الله عليه وسلم واجباً عينياً. فكان وهو يتهجد يتلو القرآن، فيتذكر معانيه، ولا ينساها عليه الصلاة والسلام، بل كان يزداد لها ذكراً وعملاً، وتعليماً ونشراً لدين الله. ومن هنا كان يقول عليه الصلاة والسلام (نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأدها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع). أما القرآن فقد رواه أطباق المسلمين، عصراً بعد عصر، وجيلاً بعد جيل من الصدور والسطور، وبذلك لم يتغير فيه كلمة ولا حركة ولا آية. وكذلك كانت السنة في الدرجة الثانية، إذ سمع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرواة والحفاظ من الصحابة والتابعين، بضبط الكلمة، وبشرح معناها، وتأكيد لفظها، ولذلك كان يقول: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها)، أي: حفظها أولاً: (فأدها كما سمعها)، حتى إذا سمع ولم يفهم، فسيأتي من يفهمها، (فرب مبلغ أوعى من سامع). قال تعالى: {لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الكهف:27]. هذا الكتاب الحق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كلماته لم تغير ولم يتلاعب بها كما حدث في التوراة والإنجيل، وذاك قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]. فقد مضى على القرآن أربعة عشر قرناً من التاريخ ولم يعتره التحريف، وهذا أصدق دليل وأكبر معجزة، ومن هنا كان القرآن الكريم هو المعجزة المستمرة الدائمة في صدق رسول الله عليه أزكى الصلوات وأفضل التسليم. فقوله: {لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الكهف:27]. أي: لا مبدل لها لفظاً، ولا مبدل لها معنىً، مهما تلاعب المبتدعة من الفرق الضالة في تحريف معنى القرآن والتلاعب به، فإنه سيبقى من أكرمهم الله بعلمه، ومعرفته، فمع بيان رسول الله له، ومع السنة المطهرة المفسرة الشارحة، بقي القرآن بمعانيه وبألفاظه، لم يغير ولم يبدل. ومهما حاول أن يبدل المبدلون في المعاني، سيبقى ذلك الكلام مضروباً به وجوههم، دالاً على بدعتهم، بل دالاً أحياناً على كفرهم. قال تعالى: {وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} [الكهف:27]. أصل الإلحاد: الميل، فقوله: {وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ} [الكهف:27]، أي: من دون الله ومن دون كتابه، والكل بمعنى، و (لن) لنفي التأبيد، أي: لن تجد مرجعاً ولن تجد من تحيد إليه وتستغيث به، إلا الله جل جلاله، وكتابه هو الذي يدلكم على ما أحل وعلى ما حرم، وعلى أنباء السابقين لرسل الله وأنبيائه المقربين. فلا ملجأ منه إلا إليه جل جلاله، وكتابه هو الحاكم وهو المعلم، وهو الهادي المرشد، أنزله الله لنا، ليكون رفيقاً في المكتب والمدرسة، وحاكماً في المحكمة، ومؤدباً في الشارع، وموجهاً للأسرة، والحاكم بيننا وبين الأحباب، وبيننا وبين الأعداء. فيه خبر من قبلكم، ونبأ من بعدكم، هو الجد ليس بالهزل، ما تركه من جبار إلا وقصمه الله، وما حكم به إمام إلا وهداه الله.
تفسير قوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم)
تفسير قوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم) قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]. هذه آية عباد الله المساكين الفقراء العابدين الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفقدوا، الذين يشغلون صباحهم ومساءهم بذكر الله؛ مصلين وصائمين وتالين ومسبحين ومنزهين ومعظمين. وأمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يصبر نفسه معهم إذا جالسهم وآكلهم وعاشرهم، فيتحملهم ولا يتبرم بهم، فقد مر النبي عليه الصلاة والسلام يوماً بالمسجد على جماعة من ضعفاء الصحابة بعضهم ليس عليه إلا ثوب واحد، وبعضهم ثائر الشعر، فجلس بينهم وقال: أنتم الذين قال الله لي عنكم: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف:28]. أي: يذكرون في الصبح، ويذكرون الله تعالى في العشية والمساء. والذكر كلمة عامة، وأفضل الذكر لا إله إلا الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفضل ما قلته أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله). وذكر الله يكون بالتهليل والتسبيح والتعظيم، والإجلال والإكبار.
الكهف [28 - 31]
تفسير سورة الكهف [28 - 31] يحث الله عبده محمداً صلى الله عليه وسلم على أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، وينهاه أن يعرض عنهم، ثم يذكر الله جزاء الكافرين ويهددهم ويتوعدهم بما أعد لهم من نار تحيط بهم وتحصرهم، ويبشر المؤمنين الذين عملوا الصالحات بما أعد لهم في الجنة من نعيم.
تفسير قوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي)
تفسير قوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) قال الله جل جلاله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]. يعلم ربنا جل جلاله نبيه عليه صلوات الله وسلامه، ويوجهه لكي يصبر نفسه، ويتحمل أتباعه من المؤمنين القاصرين أنفسهم على ذكر الله وعبادته والدعوة إليه، وهم لا يريدون بذلك إلا وجه الله والدار الآخرة، وذلك أمر للمؤمنين جميعاً، وهذا أمر للنبي عليه الصلاة والسلام لكونه أسوة للمسلمين. وسبب نزول هذه الآية أن فئة من كفار مكة قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يجلس مجلسك ويحضر معك أمثال بلال بن رباح وسلمان الفارسي وصهيب الرومي وأبي الدرداء، وهؤلاء مساكين الصحابة، وهم يلبسون ألبسة صوفية فعندما يشتد الحر تخرج منهم روائح العرق، فيتعالى الأغنياء والمترفون الجبابرة عن أن يجالسوا ضعاف ومساكين المؤمنين، وقالوا لنبي الله عليه الصلاة والسلام: خصنا بمجلس معك وأبعد هؤلاء واطردهم، فأمره الله بألا يفعل فقال: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الأنعام:52]، وقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف:28] أي: تحمل هؤلاء المساكين ومسكنتهم وروائحهم، وجالسهم واصبر معهم وادع دعاءهم واعبد عبادتهم. وكان هؤلاء يجلسون مكانهم في الغداة بعد صلاة الصبح يدعون ربهم ويتضرعون إليه ويسبحونه ويحمدونه ويكبرونه ويهللونه إلى شروق الشمس، ويفعلون مثل ذلك بعد صلاة العصر داعين ضارعين ذاكرين حامدين شاكرين مهللين ومعظمين ومنزهين إلى غروب الشمس. وكذلك كان أهل الصفة الذين تجاوزت أعدادهم السبعين لا عمل لهم إلا العبادة والدعاء والذكر، والله ذكر هنا الدعاء؛ لأن الدعاء عبادة، والدعاء كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (الدعاء مخ العبادة). واصبر نفسك يا محمد! وتحمل هؤلاء وهم يدعون ربهم، ويتضرعون إليه، وقد كان بعض هؤلاء لا يلبس إلا لباساً واحداً، وبعضهم يكون اللباس عليه أياماً، وبعضهم كان ثائر أشعث الشعر مسكنة وضعفاً وحاجة، ومع ذلك كان الواحد منهم يزن مئات من الأغنياء والمترفين والغافلين عن ذكر الله، فقد قلنا بالأمس بأن النبي عليه الصلاة والسلام كما روى الإمام أحمد وجد جماعة من أتباعه بعضهم ثائر الشعر، وبعضهم ليس عليه إلا ثوب واحد، وهم يذكرون الله غدوة، وهم يذكرون الله مساءً وعشية، فجلس معهم، وقال: (أنتم الذين أمرني ربي بأن أصبِّر نفسي معكم). والمترفون من صناديد مكة عندما طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يخصهم بمجلس ويطرد عنه هؤلاء المساكين والضعاف، نهاه ربه أن يستجيب لهم، وإن كان لم يفعل عليه الصلاة والسلام، فهو لم يفردهم بمجلس ولم يجلس مختصاً بهم دون مساكين الصحابة وكل ما كان قد حدث يوماً بين ما هو مع أمثال هؤلاء جاءه عبد الله بن أم مكتوم وأخذ يسأله وكان أعمى لم ير من هم الجالسون فأعرض عنه عليه الصلاة والسلام وعن جوابه، رجاء أن يؤمن به أولئك، وبإيمانهم قد يؤمن أتباعهم، وقد تؤمن الأكثرية من مكة، ولكن الله جل جلاله لم يقبل منه ذلك، وعاتبه عليه، وقال: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} [عبس:1 - 3]. فعاتبه الله ولامه، وبعد ذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا جاءه ابن أم مكتوم يقول: (أهلاً بمن عاتبني فيه ربي)، وكان يقبل عليه بوجهه الشريف عليه الصلاة والسلام، بل أكثر من ذلك كان إذا خرج من المدينة المنورة إلى غزوة كان يتركه أميراً للمدينة ونائباً عنه في حكم المدينة، والفصل بين الناس. {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} [الكهف:28] أي: يعبدون ربهم، ويضرعون إليه، {بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف:28]، أي: يفعلون ذلك في الغداة وهي الصباح، ويفعلون ذلك مساءً وعشية، فيذكرون ربهم داعين ضارعين، يصلون الصبح، ويبقون في مجالسهم إلى شروق الشمس، ويصلون العصر، ويبقون في مجالسهم إلى غروب الشمس، داعين لله ضارعين، شاكرين له على أنعمه بأن هداهم إلى الإسلام ووفقهم لدعائه وعبادته وحده، وترك الأصنام والأنصاب والأزلام والأوثان كما كان يصنع أقوامهم. {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف:28]، وهم بذلك لا يقصدون من دعائهم ومن عبادتهم إلا وجه الله والدار الآخرة، ولا يريدون إلا ثواب الله، لا يريدون جزاء أو مكافأة دنيوية ولا جزاءً ولا شكوراً من أحد، ولا يريدون دنيا ولا مجاملة، ولا مراءاة، ولا شيء مما يفعله غير المخلص وغير العامر قلبه بالله وبعبادة الله وذكره. {وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} [الكهف:28]، أي: لا تتجاوز بعينيك عنهم، ولا تتطاول بالنظر إلى غيرهم من الأغنياء والمترفين، وترى أن أولئك أولى بالمجالسة، وأولى بالمحادثة، وأولى بالمذاكرة، بل جالس هؤلاء العابدون، هؤلاء الأخيار الصالحون، المنكسرة قلوبهم لله، الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، عباد الله المخلصون في العبادة له، ولا تتجاوز عيناك عنهم، لا تنظر إلى غيرهم، ولا تهتم بالمترفين وبالمعجبين وبالتائهين، دع أولئك لدنياهم، واصبر نفسك مع هؤلاء العابدين المخلصين لله. {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الكهف:28]، أي: ولا تطع أولئك الذين طلبوا منك اختصاصهم بهذه المجالس وإبعاد العابدين المخلصين في دعائهم وفي عبادتهم لله وحده. أما أولئك المترفون الذين غفل قلبهم عن ذكر الله، وعن عباد الله الصالحين فلا تطعهم وأعرض عنهم، ولا تجالسهم، ولا تخصهم بالجلوس، وإياك أن تبعد هؤلاء وتطردهم لأجل أولئك. {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} [الكهف:28]، غفل قلبه فأغفلناه، ونسي ربه فنسيناه، لو يعلم الله في قلوبكم خيراً لآتاكم خيراً، ولأكرمكم، وفي الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله. فهؤلاء عندما فسدت قلوبهم وغطى عليها الران، وما تركوا نبيهم عليه الصلاة والسلام والرسالة التي أنزل إليه، لم يتركوها عن جهل ولا عن عدم معرفة، ولكنهم أعرضوا عنها تكبراً وتعاظماً واستهزاءً، فدعهم واتركهم، فقد فعلوا بأنفسهم ما الله جل جلاله ودعهم إليها وتركهم. {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} [الكهف:28]، أي: عن توحيد الله، وعن عبادة الله. {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الكهف:28]، أي: اتبع نزواته وكفره وشهواته، واتبع ما يظنه خيراً له في دنياه، وهو لا يؤمن بالبعث ولا بالنشور ولا بالآخرة، فكان إلهه هواه، فصد عن سبيل الله، وأغفله الله وتركه. {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]، أي: كان أمره فارطاً ضائعاً ضالاً تائهاً من الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، كان أمره ضياعاً وضلالاً وفساداً، هؤلاء الذين يزعمون أنهم على شيء وليسوا على شيء، ممن جعلوا العبادة لغير الله، وممن جعلوا مع الله شريكاً، وممن اتبعوا شهواتهم ونزواتهم، وممن دعوا غير الله وأشركوا مع الله غيره، فهؤلاء كما أُمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك وهو الأسوة والمعلم، وهو الذي جاء بالرسالة عن ربه ليبلغها لعباده. وهو أمر لكل مؤمن ومسلم بأن يصبر نفسه مع المساكين من الصالحين والأتقياء، الذين يذكرون الله صباحاً ومساءً، وألّا يكبر في عينه المترفون والأغنياء والضائعون والمبتدعون والتابعون لأهوائهم وشهواتهم، والبعيدون عن الله في مجالسهم، وفي خلواتهم، هؤلاء الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وما هم على شيء، فقد ذهبت أيامهم ضياعاً وضلالاً، فلا تهتم بهم، ولا يهتم بهم مسلم، ولا يجعلهم المؤمن جلساء له، فإنهم يبعدون المسلم عن ربه، وينسونه ذكر ربه. أما أولئك الذين إذا رأيتهم ذكروك بالله، والذين تتنزل الرحمات عند ذكرهم فجالسهم وعاشرهم، وهذه الآية الكريمة تحض المؤمن على عشرة الصالحين، والبعد عن المنافقين المبتدعين الضالين، وعلى ألا يكبر في عينه إلا الصالح التقي المستمسك بسنة نبيه وما كان عليه السلف الصالح، واترك ما عدا ذلك ممن اتبع هواه، وجعل دين الله شيعاً وأحزاباً، واتبع كل ناعق. ومن هنا كان يعلمنا عليه الصلاة والسلام في الدعوات، ويقول لنا: (اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربنا إلى حبك)، فحب الصالحين مطلوب ومشروع أيضاً. أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة فحب الصالح يفيدك وينفعك، وعسى يوماً أن تنالك بركته، فتصبح من الصالحين كذلك. وقديماً قيل في الحكمة: قل لي من تعاشر أقل لك من أنت. أما أولئك التابعون لكل ناعق، المسترسلون مع كل فاشق، التاركون لنبيهم وسنتهم، التابعون لضلالات اليهود والنصارى والمنافقين والمبتدعة، فقد نهى الله عن عشرتهم، ونهانا عن مجالستهم، ونهانا عن أن نعترف بهم وبما عندهم من فساد وضلال وهوى.
تفسير قوله تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)
تفسير قوله تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)
معنى قوله تعالى: (وقل الحق من ربكم)
معنى قوله تعالى: (وقل الحق من ربكم) قال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف:29] يقول جل جلاله لنبينا: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} [الكهف:29]، لست إلا بشيراً ونذيراً ومبلغاً من الله، والحق الذي أدعوكم إليه وأحضكم عليه، وأبعثكم له صباحاً ومساءً، فلست أنا الذي جئت به، وليس من قبلي، ولكن الحق من الله ربكم خالقكم، هو الذي أرسلني بهذا الحق ليزهق به باطلكم وباطل كل كافر، وباطل كل داعية للكفر والفساد والضلال، فما أدعوكم إليه هو من أمر الله. أنا لست إلا رسولاً مبشراً، ولست إلا نذيراً ومبلغاً، قال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النور:54]، وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:272]. {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} [الكهف:29]، فالحق الذي أدعوكم إليه هو عبادة الله وحده، وترك الشركاء والأوثان والأصنام من أي نوع، فضلاً عن الأحجار والأشجار والجمادات.
معنى قوله تعالى: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)
معنى قوله تعالى: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) قوله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29]. وهذا تهديد ووعيد شديد، يقول الله جل جلاله لعباده بواسطة نبيه عليه الصلاة والسلام: بعد أن ظهر لكم الحق، وجاءكم به خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، بعد ظهور الحق ومعرفته بأدلته العقلية والمنطقية، فبعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فمن آمن فله الهدى والرحمة والرضا وله الجنة دائمة، ومن كفر وأشرك وعصى ربه وخالف نبيه فهو أدرى بنفسه، فليس له إلا الخزي والدمار والغضب والسعير الدائم، فطريق الجنة واضح، وطريق النار واضح، وهذه طريق الإسلام، قد بينها الله جل جلاله وشرحها، وأنزل بها كتاباً، وأرسل بها رسولاً يبينه ويوضحه، ليس فيه اعوجاج، قال عليه الصلاة والسلام: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يظل عنها إلا هالك). {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف:29]، ثم قال: من كفر فهذا جزاؤه، ومن آمن فهذا جزاؤه، فقال عن الكافرين: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف:29]، أي: أعتدنا ناراً سعيراً محرقة، كلما نضجت جلود المعذبين فيها أعيدت ليزدادوا عذاباًَ، ويزدادوا هلاكاً ودماراً.
معنى قوله تعالى: (إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها)
معنى قوله تعالى: (إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها) {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} [الكهف:29]، والظالمون هنا بمعنى الكفار، وأظلم الظلم الكفر، يقال: ظلم نفسه فأشرك بربه، وأزال الحق عن أهله، فالله الخالق الواحد، فعندما يقول المشرك: إن لله شريكاً أو ولداً أو صاحبة، يكون قد ظلم وأزال الحق عن أهله، ولو كان ذلك في مخيلته وأوهامه، فيكون ظالماً لنفسه؛ لأنه أبعدها عن الحق وساقها للعذاب وسعى في هلاك نفسه ودمارها، وأي إنسان أكثر حمقاً ممن يظلم نفسه، ويسيء إليها، ويقع في عذابها ودمارها؟! {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف:29]، أي: أعد الله للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها، والسرادقات هي الحواجز التي تكون وراء الخيام، لكي لا يدخل ولا يخرج منها، ومعنى ذلك أن هذه النار محاطة بجدران، بين كل جدار وجدار قالوا: سبع جدران، والجدار سمكه ما يمشى فيه أربعين عاماً، بحيث لا يستطيع أحد أن يخرج منها مهما صاح ومهما ولول ومهما استغاث وبكى وتألم، وسيقال له: ألم تأتك الرسل؟ ألم تنزل على رسلك كتب دعتك لله الواحد، وأنت لا تزال في فسحة من عمرك؟ إنك لم تنتهز حياتك قبل موتك، ولا صحتك قبل مرضك، ولا شبابك قبل شيخوختك، وقد أرسل الله لك نبياً يأمرك وينهاك، ويدلك على الله، وأبيت إلا العناد والكفران والجحود، فهذا جزاء من ينكر ربه، ويشرك به، ومن يكذب نبيه ولا يؤمن به. {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف:29] أي: أحاط بالظالمين الكافرين، ومعنى حوطهم أي: حصرهم وحبسهم، فلا منجى ولا منفذ، فحبسوا في هذه النار، وصعدت جدرانها، وسمكت وتكررت وازدادت، بحيث لا يتصور أن يفر عنها فار، وهو خالد فيها سرمداً تحت العذاب والآلام، لا يكاد ينضج منه بدن، إلا ويعوض بدناً آخر وهكذا دواليك، أبد الآبدين ودهر الداهرين.
معنى قوله تعالى: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه)
معنى قوله تعالى: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه) قال تعالى: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} [الكهف:29]. عندما لم يجد أهل النار مخرجاً ولا منفذاً ولا مهرباً، أخذوا يستغيثون أي: يطلبون الغوث، صاحوا في الملائكة: أغيثونا؛ فقد اشتد عطشهم، واشتدت آلامهم، واشتد جوعهم. قال تعالى: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف:29]، أعاذنا الله منها، وأبعدنا عنها، وثبتنا على عبادته وتوحيده، والموت على دينه. فالحبس محيط بهم من كل جانب فاستغاثوا وطلبوا الغوث والرحمة، وقد أصابهم العطش، ((وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ))، طلبوا الماء، فاحترقت منهم الأجواف، {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ} [الكهف:29]، والمهل هو الصديد والدم والقيح، وهو سائل ثقيل كعكر الزيت. أراد ابن مسعود أن يمثل هذا المهل، فجاء بذهب ووضعه تحت النار إلى أن ذاب وأخذ يقطره، وهو ينزل ثقيلاً قطرة قطرة، قال: هكذا المهل، ماء ثقيل يشربون ولا يغيثهم، بل إذا دخل أجوافهم، مزق أمعاءهم، وزادها حرقة، وآلاماً ووجعاً، وهو ماء ثقيل من ماء الصديد، من الدم، من القيح، من كل أنواع من البلاء، مضاف إلى أنه كالنار بل أشد، فهو نار، فيشربونه بهذه الحالة، فيشوي الوجوه لمجرد قربه إلى الوجه، يشوي ويزيل فروة الوجه، نسأل الله اللطف والسلامة، فكيف به إذا دخلت جوفه ودخلت أمعاءه.
معنى قوله تعالى: (بئس الشراب وساءت مرتفقا)
معنى قوله تعالى: (بئس الشراب وساءت مرتفقاً) وقوله: {بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف:29]. يا ما أبأس شراباً كهذا، يا ما أقبحه، يا بؤس وذل وهوان من يشربه ويضطر إليه! وهو طالبه لنفسه، محاطٌ بسرادق، يغلق عليه النار ويحبسه فيها، ثم يستغيث فلا يغاث، وإن أغيث أغيث بهذا الماء، الذي هو خلاصة الدماء، وخلاصة القيح والصديد، قيل: ذلك القيح والصديد الذي ينزل من فروج الزواني والفاجرات. {بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف:29]، أي: ساءت النار مرتفقاً يرتفق بها، ومنزلاً يؤوي إليه، ومكاناً يحتاج له ولا مفر، فهي المأوى إلى الأبد، وهي مكان مرفقهم، وهي مكان مجتمعهم، وهي دارهم الخالدة المؤبدة، التي لا مفر لهم عنها. هذا للظالمين المشركين، أما الذين دخلوا تأديباً لعصيانهم، فهؤلاء مهما دخلوا وقعدوا فيها، فإنهم لن يخلدوا فيها ولن يبقى في النار أحد يقول: لا إله إلا الله، ولن يخلد في النار أحد يعلم أنه لا إله إلا الله، والله جل جلاله يأذن بالشفاعة العظمى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويأذن لغيره من الأنبياء والصالحين والعلماء والملائكة بالشفاعة، ومع ذلك فالمذهب الحق ثبوت كل الشفاعات، فقد يشفع للمسلم ويعفى عنه ولا يدخل النار ألبتة، ومن أولئك سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، وهناك من يدخل ويشفع فيه ويخرج، وهناك من يدخل ويطول مقامه ثم يخرج ويدخل الجنة، ويقال لهم: الجهنميون، فتبقى على جباههم وعلى وجوههم آثار سوداء من شدة الحريق والآلام، ولكنهم بعد دخول الجنة وطول المقام بها، يستغيثون ربهم أن يرفع عنهم هذه العلامة، فهم قد تألموا من أن يقال لهم الجهنميون، فيستجيب الله لهم ويزيلها عنهم، ويصبحون كغيرهم ممن سبقوا إلى الجنان. فهذه صفة المشركين الظالمين عندما تهددهم الله وأوعدهم، وعندما قال لنبيه فليقل لهم: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29]، إلا أنه من كفر فهذا جزاؤه.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً) أما من آمن فقد قال الله فيه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف:30]. أي: إن الذين آمنوا بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوة، ثم أتبع الإيمان بعمل الصالحات، فالإيمان عقد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، وهذه الجوارح بها نصلي، وبها نصوم، وبها نزكي، وبها نحج، وهذه هي الصالحات. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الكهف:30] أي: آمنوا بالله قولاً وجناناً، ويعملون بمقتضى الإيمان، فيصلون الصلوات الخمس، ويصومون شهر رمضان، ويؤدون زكاة مالهم، ويحجون بيت الله الحرام مرة في العمر، ويتركون السيئة البتة، ويعملون من الصالحات ما في قدرتهم، والضابط في ذلك كما قال عليه الصلاة والسلام: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، أي: ما في قدرتكم وطاقتكم، فأمرنا بالصلاة قياماً، وإن عجزنا صلينا قعوداً، وأمرنا أن يكون الوضوء بالماء، وإن عجزنا عن الماء أو فقدناه ننتقل للتيمم بالصعيد الطاهر، وهكذا ما عجزنا عنه ننتقل لما شرع لنا عند الأعذار. أما السيئات كالزنا والشح والربا والسرقة والاشتغال بأعراض الناس، والغيبة والنميمة، وما إلى ذلك مما أمرنا بتركه فيجب أن نتركه البتة. وقوله: {إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف:30] هذه جملة معترضة، أما جواب (إِنَّ الَّذِينَ) فهي الآية التالية: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} [الكهف:31]، وتقدير الكلام: أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار إنها لا نضيع أجر من أحسن عملاً، بمعنى: أنه مع هذا المقام لا نضيع أجر من أحسن العمل، وإحسان العمل إخلاصه، فتكون عبادتك لله، لا تريد بها لا رياء ولا تسميعاً، ولا تريد بها أحداً من الناس البتة. وأما من جعل عملاً من أعماله يريد به زيداً من الناس فذلك الشرك الخفي، وعبادته يضرب بها على وجهه، ولا بد أن تكون العبادة خالصة لله، قال تعالى: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر:3]، فلا بد أن يكون الدين خالصاً لله، لا تشرك معه فيه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً ولا غيرهما.
تفسير قوله تعالى: (أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار)
تفسير قوله تعالى: (أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار) وقوله: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} [الكهف:31]، أي: لهم جنات وليست جنة واحدة. يحكى أن هارون الرشيد كان في بعض لياليه التي كان يسرف فيها على نفسه، فنازعته إحدى جواريه فقالت له: أأنت خليفة المسلمين؟ والله! لن تدخل الجنة، فقال لها: لي جنتان، وسأدخل الجنتين وأقسم لها بالطلاق، فبعد أن قال هذا إذا به أخذ يفكر ما الذي صنع، وكيف يحلف على غيب لا يعلمه إلا الله، وكان الوقت في منتصف الليل، فأرسل خلف أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، فجاء منزعجاً لأن هذه الأوقات لا يدعى فيها إلا من يراد تأديبه، فدخل عليه، فقال: أفتني يا أبا يوسف: الجارية الفلانية قالت لي: لن ترى الجنة، أأنت الذي تزعم أنك خليفة المسلمين؟ فأقسمت لها بالطلاق إني سأدخل الجنتين، فقال له: إني سائلك يا أمير المسلمين! قال: اسأل، قال: وتحلف لي بالله، فتردد هارون، قال: إما أن تفعل وإما أن لا جواب عندي، فقال: أقسم، قال: هل تخاف الله؟ قال: نعم، قال: احلف، قال: والله إني لأخاف الله، فقال: أبشر، فالله تعالى يقول: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:46]، فسُرَّ هارون. والكلام أولاً كان مزاحاً فأصبح جداً. والمؤمن يرجو الله في كل الأوقات، وإن كان لا بد أن يكون بين الخوف والرجاء، فتارة يخاف العذاب والعقوبة، وتارة يطمع في الرحمة. قوله: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} [الكهف:31] والعدن أي: الإقامة الدائمة الخالدة، أي: جنة الإقامة الدائمة، وليست جنة واحدة، فالمؤمن يستحق الجنان، فيتنقل في منازل الجنة وفي درجاتها، فينزل لما هو أدنى ولا يصعد لما هو أعلى، ولكن المحب المتعلق قد يصعده حبه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (المرء مع من أحب)، والفردوس منزلة الأنبياء والمرسلين، وهي أعلى درجات الجنان. {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} [الكهف:31]، فأنهار الجنة تجري يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً، إلى ما يتصور الإنسان من لذائذ ومتع تتمتع بها العين، وتستمتع بها الأذن والبشرة، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، وهي كما قال الله جل جلاله: {فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ} [الزخرف:71]. قال تعالى: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف:31]. يقول جل جلاله: المنعمون من أهل الجنة، وهم الذين آمنوا بالله رباً وبنبيه محمد عبداً ورسولاً لهم الجنان، يمتعون بما فيها من حواسهم، فهم {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} [الكهف:31]، أي: يلبسون فيها الأساور التي حرمت في الدنيا فإنها تحل لهم في الآخرة. والذهب حرام على ذكور الأمة المحمدية، حلال لإناثها، وفي الآخرة يلبسونها، ويلبسون ثياباً من سندس خضر، وقديماً قالوا عن الخضرة ما قالوا، وبأن النظر إلى المياه المتدفقة وإلى الخضرة اليانعة، وإلى مايسر العين تزيد في صحة البصر، وتزيد من قوة النفس، وألبسة أهل الجنة الخضرة من سندس وإستبرق، والسندس رقاق الألبسة، وما يلبس عادة قمصاناً وما إليه من الألبسة الداخلية، فهي الألبسة الشفافة، وهي من حرير منسوج بالذهب واللؤلؤ وما إلى ذلك مما لا يخدش ولا يؤذي البدن. أما الإستبرق فهي الأثواب الخارجية من الحرير ذي الذهب وذي الفضة، وذي اللآلئ على أشكال وألوان. يقول ابن عباس رضي الله عنه: كل ما ورد في الجنة من نعيم مأكول أو ملبوس أو مشروب أو منظور ليس من الدنيا فيه إلا الأسماء، وأما الذي في الآخرة فالله أعلم بشكله. مع اليقين أن المتعة في الجنة تكون بالأجسام والأرواح، ومن أنكر ذلك فهو كافر حلال الدم، أي أن من قال: إن البعث لا يكون إلا بالأرواح، والتمتع لا يكون إلا بالأرواح، والعذاب لا يكون إلا على الأرواح، فلا يقول ذلك إلا أهل الكفر من أهل الكتابين، ويقول ذلك بعض المبتدعة ممن ضل وأضل وارتد. فالبعث يكون بالأجسام وبالأرواح، والمتعة كذلك، لكن عندما نرى النبي عليه الصلاة والسلام يقول لنا: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت)، فلو أردنا أن نقيس ما في الجنة من نعيم على ما في الدنيا، لوجدنا أن الله قد ذكر الموز ونحن رأينا الموز في الدنيا، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (فيها ما لا عين رأت)، وفيها الحور العين مع أشباههن، فنحن رأينا النساء في الأرض، ورأينا الجمال في ذروته، ومع ذلك يقول لنا نبي الله عليه الصلاة والسلام: (فيها ما لم تر عينك، ولا سمعت أذنك، ولا خطر على قلب بشر). لكن الله جل جلاله يقول: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ} [الزخرف:71]، إذاً كما قال ابن عباس: كل ما ذكر من نعيم في الآخرة من نساء، ومن طعام، ومن شراب ليس فيه ما يشبه الدنيا إلا بالأسماء، أما غير ذلك فالله أعلم بحقيقته، وهذا يؤكده القول النبوي الصحيح في الصحاح: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت)، ومعناه أن كل ما سنرى في الجنة بفضل الله وكرمه ورحمته لم تره أعيننا في الدنيا، ولم تسمعه آذاننا في الدنيا، ولم تتخيله ولم تتصوره خواطرنا وخيالاتنا. {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ} [الكهف:31]، الأرائك جمع أريكة، وهي المقاعد المرتفعة ذات الصوف والقطن والحرير. قال تعالى: {نِعْمَ الثَّوَابُ} [الكهف:31] أي: هذا اللباس الأخضر، وهذا الدمقس الحرير، والسندس، وهذا الديباج على أشكال، هو نعم الثواب. والإستبرق في الدنيا له أسماء، فيكون السندس ثياباً حريرية شفافة تلبس قمصاناً وأثواباً داخلية، ويكون الإستبرق ثياباً حريرية ديباجية غليظة، ويكون ألبسة خارجية، ومعنى ذلك أن الألبسة الداخلية والخارجية في الجنة هي من أعلى أنواع ما يتمتع به الإنسان مما لا يخطر ببالك في الدنيا. {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ} [الكهف:31] أي: يجلسون في قصورهم، وفي جنانهم على الأرائك وهي: الفرش الواسعة المرتفعة التي يتمتع بها الإنسان في دنياه، فمهما غلت، ومهما أترفت، ومهما تكن، فما في الدنيا مما في الآخرة إلا ما يشبهه بالأسماء. قالوا: والأريكة هي سرير تحت الحجلة، كما يسمى اليوم الناموسية، فهي أسرة وعليها أغطية تغطي الإنسان.
الكهف [32 - 38]
تفسير سورة الكهف [32 - 38] ضرب الله مثلاً للمؤمن الشاكر لنعمة الله والكافر الجاحد لها برجلين من بني إسرائيل كان لأحدهما جنتين فكفر بنعمة الله وأنكر البعث، والآخر لم يكن له شيء من ذلك لكنه كان مؤمناً يشكر الله على ذلك.
تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب)
تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب) قال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} [الكهف:32]. أي: اضرب يا محمد مثلاً رجلين أحدهما صالح والآخر طالح، فضرب المثل برجلين صديقين، وقيل: أخوين من بني إسرائيل، وقد ورثا عن أبيهما ثمانية آلاف دينار ذهبية، فأخذ كل واحد منهما نصفها أربعة آلاف، فاشترى الأول بالألف دينار بستاناً، ففصله وجعله بستانين، كما وصفه الله بقوله: {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} [الكهف:32]، فالجنتان اللتان جعلهما الله لهذا الرجل زرع فيهما نخيلاً في جميع جوانبهما، (وحففناهما) يكون في الجوانب، وكان ذلك بنخل، فزرعهما كروماً وأعناباً، وحفهما بالنخيل من جميع أطرافهما وجوانبهما، وجعل بين الجنتين زرعاً من قمح أو شعير أو ما إلى ذلك من أنواع الزروع، وشق فيها نهراً فزاد البستان والجنة جمالاً وبهاء وكمالاً. وهاتان الجنتان (آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً)، أي: آتت أرزاقها بالكامل، وثمراتها وزرعها، وما فيها من زرع وأعناب ونخيل، (ولم تظلم منه شيئاً) أي: لم تنقص منه شيئاً. وأخذ الرجل الثاني ألفاً، وقال: اللهم إني أشتري منك داراً في الجنة بهذه الألف، وتصدق بها على المحتاجين والأقارب والمساكين، وإذا بالأول يصرف على البستان ألف دينار أخرى، فيأتي الثاني يقول يا رب: هذه الألف الثانية أثث بها هذه الدار عندك في الجنة من أنواع الآرائك والبسط. وتزوج الأول بالألف الثالثة، فجاء أخوه الآخر وقال: يا رب! هذه الألف الثالثة زوجني بها إحدى نساء الجنة، وذهب بالألف الثالثة يتصدق بها. وأخذ الأول الألف الرابعة والباقية معه فاشترى لزوجته حلياً وفرشاً وأثاثاً ومراكب وخدماً وحشماً وما إلى ذلك، فقال الآخر: اللهم وهذه الألف الرابعة: أثث لي بها زوجتي في الجنة، وصرف الأربعة الآلاف ولم يبق له شيء، فمضى زمن وأترف الأول، فقد أخذ بستانه يزداد ثمرات وخيرات وزروعاً وتمراً وعنباً، والمياه تتدفق في جميع جوانبه، وإذا بالآخر يضطر يوماً إلى أن يحتاج لأخيه، فذهب إليه، فقال: ما بالك؟ قال: يا أخي أنا أحتاج بعض مالك، قال: وأين مالك الذي ورثته من أبيك، قال: تصدقت به لله رجاء ثواب الله في الآخرة، فقال: أأنت تؤمن بالآخرة؟ قال: نعم. قال: والله! لا أعطيك شيئاً وأنت تؤمن بهذا الهراء الذي لم يأت به أحد ولم يقله أحد. فذكر الله محاورة هذين الأخوين بعد أن استغنى الأول وبعد أن ازداد إيمان الثاني، فرعاه وحماه ربه، وما أعد له في الآخرة أعظم وأعلى شأناً. فقال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ} [الكهف:32]، لسان الذي أعطي زرعاً وجنتين لسان الفاجر الذي تمتع في الدنيا في أول أيامه، ثم أبى إلا الشرك والكفور، أبى إلا الإعجاب بنفسه، وأنه ما أغناه الله إلا لمزيد مكانته ومقامه عند ربه، وهو لم يشكر الله على ذلك، بل إنه لم يزدد به إلا شركاً وكفراً وعناداً، وأما الآخر حتى لو لم يغنه الله فهو مؤمن ومتمسك بربه، ولن يعبد غيره. وهذا المترف الغني في الدنيا والذي لم يؤمن بالله، ولم يعمل بما يعمل به المؤمنون مثله كمثل صاحب الجنتين، ملك دهراً ثم أزال الله كل ما عنده، ومثل المؤمن الصابر في الدنيا الذي افتقر إلى الله وآثر ما عند الله في الآخرة على ما أعطاه في الدنيا رجاء رحمته ورضاه، ورجاء الجنة وهو لم يكن فقيراً في الدنيا، ولكن رغبته وخوفه، واعتماده على الله يوم القيامة جعله يعرض عن دنياه ونعيمها إلى الآخرة ونعيمها. قال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا) أي: مثالاً لهم بين الكافر والمؤمن. {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ} [الكهف:32] قالوا: أخوان أو قالوا: صاحبان، والآية ليس فيها تصريح بأنهما أخوان؛ لأن كل واحد منهما يقول للآخر صاحبي، ولم يرد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتأكيد، لكنها روايات وردت عن الصحابة والتابعين، وقد تكون صحيحة وقد تكون عن إسرائيليين، والحكمة ليس في كونهما أخوين، ولكن في كون أحدهما آثر الدنيا والآخر آثر الآخرة. {جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ} [الكهف:32] هاتان الجنتان زرعهما بالأعناب، والأعناب جمع عنب، أي: أنها جمع الجمع، والمفرد: عنبة. {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} [الكهف:32]، وحف الجنتين من جميع جوانبها، فالحفاف هو: الجانب، حفها بالنخيل، فزين بها الجنتين، واستفاد واستثمر أيضاً من التمر الناتج عن النخيل. {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} [الكهف:32]، أي: جعل بين النخيل، وبين الجنتين وما فيهما زرع من القمح أو الشعير أو غيرهما. قال تعالى: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ} [الكهف:33]، أي: هاتان الجنتان آتت أكلها أي: أثمرت وأينعت وأخصبت فقد عني بها سقياً وزرعاً، تنقية لفضول الخضرة والحشيش فـ {آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف:33] أي: لم تنقص من هذه الثمرات شيئاً، فأعطت ذلك بالكامل، أي: أغنت صاحبها، وجعلته مترفاً معجباً. {وفجرنا خِلالَهُمَا نَهَرًا} [الكهف:33]، وقرئت: {َفَجَّرْنَا} [الكهف:33] أي: شققنا في الأرض نهراً، وفجره من الأرض، فقد حفر على آباره، وعلى عيونه وكانت المياه قريبة من السطح، فأصبح جارياً يسقي به الجنتين.
تفسير قوله تعالى: (وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره)
تفسير قوله تعالى: (وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره) قال تعالى: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} [الكهف:34] وقرئ: (ثُمر). أي: كان لهذا البستان باعتباره جميعه، أو صاحب البستان كان له ثمر. وثمر: جمع ثمرة، أي: هذه الجنتان أعطت من ثمارها خيراتها، وقد قال تعالى: {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف:33] أي: لم تنقص، فقد أعطت ذلك بالكامل وقرئ (ثُمر) والثُمر معناه: الأموال بأشكالها، أي: وكان له أموال غير هذا البستان من الخيل والحمير والجمال وأنواع المواشي، والدواب، وأنواع التجارة، وكان له أموال ينميها فهو غني بالبستان وغني بأشياء أخرى، والمؤدى في الكل: أنه كان غنياً، نمى أمواله وساعده الحظ، فلو شكر الله على ذلك لأنعم عليه وزاده، ولكن العبرة بالخواتم فقد كانت خاتمته سيئة، فجاءه أخوه أو صاحبه يطلب رفده وحاجته، فقال له: أين ذهبت بالآلاف التي ورثتها؟! وإذا بهذا الرجل الصالح يعطيه درساً في الكفر والشرك، في الكبرياء والجبروت والتعالي على الله وعلى أخيه ورحمه، أو على صاحبه المؤمن. {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} [الكهف:34]، فلم يقل الله: قال لأخيه، وإن كان لا يلزم قيل أخوه وقيل: مجرد صاحب، والأغلب أنه مجرد صاحب. {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف:34]، أخذ يتيه عليه بماله بعد أن جاء يطلب رفده فقال: أنا أكثر منك مالاً، عندي من المواشي، ومن الزراعة، ومن الذهب، ومن الفضة، ومن ومن (وأعن نفراً)، أي: أكثر زوجات وأولاداً، وأكثر خدماً وحشماً، فالعادة في المترفين والأغنياء أنه كلما ازداد المال زادت الزوجات، وكلما ازدادت الزوجات زاد الأولاد، وكلما ازداد الأولاد زاد الخدم والحشم والمراكب وما يتبع ذلك، فأخذ يتيه عليه مدلاً بماله وعزته بين قومه، يقول له: لست فريداً وأبتر، ولست غريباً. {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} [الكهف:35]، أي: أخذه معه فدخل جنته وأدخل صاحبه، ليدل عليه بهذه الجنة التي وصفها الله أنها آتت أكلها ولم تنقص منه شيئاً، وكان من جمالها أن مياه الأنهار تتدفق وتجري خلالها، وكان من جمالها أنها حفت بالنخيل، فهي في منتهى ما يكون من الجمال. {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} [الكهف:35] لكونه مشركاً ظلم نفسه بالشرك، وسيصرح بالشرك لصاحبه، {قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} [الكهف:35 - 36]، فإذا بهذا المشرك الظالم لنفسه، أخذه من التيه والعجب ومن النكران لما أغناه الله به، وأكرمه به، فعوضاً عن أن يشكر ربه ونعمته أخذ يتكبر على صاحبه ويدل عليه بجنته، ثم يقول له: ما أظن أن تبيد هذه أبداً، أي أنها لن تفنى، ولن تنتهي فقد جملتها وزرعتها وحرثتها وشققت أرضها أنهاراً ومياهاً. {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} [الكهف:36]، أي: ولا أظن الساعة ستأتي، ولذلك لا مسئولية عما صنعت، إن أعطيت فمن كرمي، وإن منعت فمن حقي، ولذلك أنا محظوظ في دنياي، وليس هناك بعث ولا نشور ولا آخرة كما يقول: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي} [الكهف:36]، وهذا يدل على أنه جرى بينهما حديث في التوحيد، وأن الآخر عندما طلبه أن يتصدق عليه أو يحسن إليه أو يسلفه، قال: أين مالك الذي ورثته معي؟ قال: جعلته لله لأجده عنده يوم القيامة. والآخر يعتقد أنه لا قيامة ولا بعث، وأعلن الشرك بالله، وأعلن التيه بما يملك، ثم زاد فقال له: {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي} [الكهف:36]، أي: لئن كان هناك آخرة، ولئن كان بعث ونشور كما تزعم، {لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا} [الكهف:36]، فهو يزعم غروراً وجنوناً وكفراً وإصراراً وبلاءً من الله له أنه لا آخرة ولا بعث، ويقول لصاحبه مجادلاً: وعلى فرض أن هناك بعثاً فأنا محظوظ عند ربي في الدنيا، فكما أعطاني في الدنيا فإنه سيعطيني يوم القيامة أحسن منها.
تفسير قوله تعالى: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب)
تفسير قوله تعالى: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب) وإذا بالآخر يجيب: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} [الكهف:37] والمحاورة هي: المحادثة والمذاكرة وتبادل القول والكلام، {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف:37] يا هذا! ما الذي دهاك وما الذي أصابك؟! أبعد أن أكرمك الله بالعافية وبهاتين الجنتين تكفر به وتقول: لا بعث ولا نشور، وتزداد تألهاً على الله وافتراءً عليه، كيف هذا، أكفرت بالله وهو الذي خلقك في الأصل من تراب؟! فقد خلق أباك الأول وجذرك الأول من تراب، ومنه خلق أبونا الأول آدم عليه السلام، ثم بعد ذلك سلسلك من نطفة من ماء مهين، أتتعاظم بهذا الماء المهين؟! أتتكبر على ربك وعلى خلقه وعلى عباده؟! أتشرك بالله وتكفر به؟! قال له صاحبه وهو يحاوره: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ} [الكهف:37] وهو الله جل جلاله، {مِنْ تُرَابٍ} [الكهف:37] أصل آدم فهو مخلوق من تراب ثم من نطفة، ثم بعد التراب توالدنا أباً وأماً من نطفة من الأصلاب إلى الأرحام. {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف:37] أي: جعل لك جوارح: النظر، والكلام، والسمع، والبصر، وجعلك سوياً ولم يشوهك، ولم يعم منك البصر، ولم يصم منك الأذن، ولم يجعلك تمشي زحفاً، ولم يقعد حواسك، ولم يمرضك، أهذا جزاء النعمة؟! أهذا جزاء الله منك؟! لقد خلقك وأكرمك وسواك بشراً سوياً، وجعلك جميل التقاطيع والخلقة، ورزقك من خيراته، ومن أمواله، ومع ذلك تأبى إلا الشرك والكفر، وأنه لا بعث ولا نشور! {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف:38]، (لكنا) بمعنى: لكن أنا، ودمجت في كلمة لالتقاء الساكنين فأصبح يُنطق بها كما رسمت في المصحف، وتأويل الكلام: لكن أنا الله هو ربي، فإن كان ربك الشيطان فأنا ربي الله، وإن كنت تنكر البعث فأنا أومن بالبعث وبما قاله الله وأتى به الأنبياء، هكذا تقدير الكلام. {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي} [الكهف:38] أي: أعترف بأنه خلقني من تراب، ثم من نطفة، ثم سواني رجلاً، ثم سيبعثني يوم القيامة ويجازيني على يقيني وعلى إيماني بما يجازي به المؤمنين. {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف:38] أي: معاذ الله أن أفعل فعلك، أو أصنع صنيعك، أو أن أشرك بربي أحداً من الخلق، فالله الخالق، والله الرازق، والله الباعث، وكل ما تقوله إفك وضلال، وهذا هو كلام الظالمين لأنفسهم، والمشركين بربهم.
الكهف [39 - 45]
تفسير سورة الكهف [39 - 45] يعظ المؤمن صاحبه الكافر فيأمره أن يشكر نعمة الله ولا يكفرها، ويحذره من عواقب الكفر والطغيان، فإن الله قادر على أن يذهب بجنتيه فيحرقهما ويجعل ماءهما غوراً، وحينئذ لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً.
تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله)
تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله) قال الله تعالى: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} [الكهف:39 - 41]. ذكرنا في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:28]، أن الخطاب لنبينا عليه الصلاة والسلام في ألا يتجاوز بنظره وعينيه وبمجالسته وعنايته ورعايته فقراء المسلمين وصعاليك المؤمنين، وأن يصبر معهم، وعلى فقرهم، وعلى بعض لأوائهم، وعلى بعض خشونتهم، فهم الذين يصبحون ويمسون ذاكرين ربهم جل جلاله، داعين له، ضارعين بين يديه، يسألونه الرحمة والمغفرة والتوبة. وقوله: {وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:28]، هي مقولة للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي الوقت نفسه هي تأديب وتعليم وتوجيه للمؤمنين، والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الذنوب والآثام صغيرها وكبيرها وليس له رغبة في الدنيا وزينتها، وهذا كقوله تعالى لنبينا عليه الصلاة والسلام: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر:65]، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يشرك، وهو معصوم، وقد أتى لتعليم الناس توحيدهم ودينهم والرسالة التي أوحي له بها، ومن هنا نعلم باستمرار أن ما كان كذلك فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه المبلغ عليه الصلاة والسلام عن ربه، والمؤدب والمعلم والموجه، فيكون المكلف المخاطب أولاً، وعليه البلاغ لغيره. قال تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر:65] أي: لئن أشركت أيها المؤمن! ليحبطن عملك، ولست بمعصوم ولا محفوظ من الذنوب والآثام، فلا تتخذ من الدنيا زينة، ولا تتكبر وتتعاظم على عباد الله. وهكذا في الآية التي مضت في سورة الإسراء في أنه لو تقوّل أو تزيّد لعاقبه الله، كما قال الله: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} [الإسراء:75]، فهذا خطاب له، وهو أمر للمسلمين ألا يفعلوا ذلك حتى لا يصيبهم ذلك وأمثاله. قال صاحبنا المسلم لصاحبه الكافر الذي كفر بربه عندما دخل جنته: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} [الكهف:35 - 36] إلى أن قال ما قال. فأجابه صاحبه المسلم كما قال الله: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف:37 - 38]. فهذا الصاحب المؤمن جادل صاحبه الكافر المشرك المنكر للبعث والمنكر أن تبيد جنته ودنياه أو أن تكون هناك حياة ثانية دائمة وهو متعاظم على صاحبه المسلم بماله وبأولاده وبما عنده فصبر عنه صاحبه الصالح المؤمن إلى أن انتهى من قوله الكفري الشركي ومن جنونه وهرائه، ثم كرر عليه وهو يحاوره ويحادثه ويبادله القول والحديث، فقال له: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ} [الكهف:37]، لقد كنت كافراً بقولك: إنه لا بعث ولا فناء ولا حشر ولا عرض، فكفرت بربك الذي خلقك من تراب، إذ كلنا من آدم، وآدم من تراب، ثم أنت من نطفة، أي: من ماء مهين، ومن أب وأم، وصلب ورحم، ومع ذلك تشرك بربك، وتتعالى عليه، وتنكر الرسالات، والبعث! أيليق هذا بإنسان خلق من تراب ثم من نطفة من ماء مهين؟! {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف:38] أي: لكن أنا، فحذفت الهمزة وأدمجت النون السابقة باللاحقة، فصارت الكتابة والنطق: لكنا، وتفسير القول: لكن هو الله ربي أنا، أما أنا فلا أشرك بالله، فهو خالقي من تراب، ومن نطفة، وهو سيعيدني مرة ثانية، ويبعثني كما يبعث كل الخلق، فأنا أومن بهذا وأعترف وأقر به، وأفرد ربي بالوحدانية وبالعبادة وبالدعاء، وأستعيذ بربي أن أصنع صنيعك. {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ} [الكهف:39] أي: هلا، فهو يعظه ويرشده ويعلمه الإيمان ويوجهه إليه، شأن المؤمن بربه الداعية إلى الله، وهكذا وظيفة المسلم حيث كان في بقاع الأرض، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110]. وهكذا هذا الصاحب المؤمن عندما رأى هذا الكافر القذر الوسخ، الذي ما كاد يملك شبراً من أرض وقطرة من ماء حتى تعاظم على الفقراء والمساكين والمؤمنين، وكفر وأشرك بربه، وأنكر البعث. {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف:39]، أي: هلا قلت إذ رأيت جنتك وأعجبت بها وبأشجارها وبخضرتها وبمياهها الدافقة، وإذ رأيت أولادك وأعجبت بهم وبكثرتهم وبمن يحيط بك من أولاد وخدم وحشم؛ هلا قلت عند ذلك: {مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف:39]، {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان:30]. فلم تكن جنتك بقدرتك ولا بإرادتك، ولكنها كانت بمشيئة الله وقدرته، فأنت لا تملك مع ربك قليلاً ولا كثيراً، بل أنت خلق من خلقه كجنتك وولدك ومالك وما أعجبت به، فهلا عندما أعجبت بما أعجبت به قلت: ((ما شاء الله)) أي: الأمر والشأن قد شاءه الله وأراده، ((لا قوة إلا بالله)) أي: لا قوة لي ولا لأحد من الخلق إلا بالله، فبقوة الله زرعت بستاني وفجرت مياهه، وبقوة الله رزقني ما أتزوج به، وهو الذي أتى بالذرية والأولاد والخدم والحشم، فكل ما أنا فيه بمشيئته وبقدرته وبإرادته. وكان الواجب عليك إذ كان الأمر كذلك أن تشكر ربك وتثني عليه وتنزهه وتعظمه وتجله، لا أن تتكبر على ربك، وعلى نبيك، وتنكر البعث والتوحيد والمشيئة والقدرة، فهلا خفت يا هذا المخلوق! وقد نظرت إلي نظرة التحقير والإزدراء، وأخذت تتعالى علي وتقول: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف:34]، فإن رأيتني كذلك أقل منك مالاً وولداً. و (أنا) ضمير فصل هنا لا يعمل فيها الإعراب، ولا تعمل فيها الحركة، و (أقل) هي مفعول منصوب بالفعل، (ترني)، و (أنا) إنما جاءت فاصلة لتأتي بالقول وبالكلام، وليست هي من الضمائر المرفوعة ولا الرافعة لغيرها، ويكون المعنى: إن أنت رأيتني أقل منك مالاً، وأقل منك نفراً، ومالك أكثر من مالي، وأولادك أكثر من أولادي، ونفرك المحيطون بك من الخدم ومن الحشم ومن الجنود الذين تعتز بهم، إن كنت كذلك {إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ} [الكهف:39 - 40] أي: لعل الله أني يكرمني ويعطيني ويتفضل علي بجنة خير من جنتك، أوسع منها أرضاً، وأكثر منها أنهاراً، وأعلى منها أشجاراً، وأكثر منها ثمراً وفاكهة وكل ما يعود علي بالمال والغنى والثروة. ((فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ)) ويرسل على جنتك {حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ} [الكهف:40] أي: صاعقة وناراً من السماء؛ إذ أعطاك وأكرمك ورزقك، فلم تشكر النعمة، ولم توحد الرزاق، ولم تحمده وتشكر له ما أعطاك وأنعم به عليك. {فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ} [الكهف:40]، ناراً محرقة تأتي على الأخضر منها واليابس، فتغير مياهها، وتجفف أشجارها، وتضيع ثمارها، فإن من يكفر النعمة جدير بأن يسلبها وبأن تزال عنه. والحسبان الصاعقة والنار والأحجار التي تأتي عليها وكأنها لم تكن. {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} [الكهف:40] أي: فتتبدل من الجنة ذات الأشجار الباسقات والأزهار المنيرات والمياه المتدفقة إلى أرض ملساء لا تنبت، وليس عليها شجرة ولا ورقة خضراء ولا قطرة ماء، كما قال تعالى: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} [الكهف:40]، أي: أرضاً ملساء لا تنبت، قاحلة لا شجر فيها ولا خضرة ولا ما يعجب البتة. زلقاً: أي: رمالاً، إذا أنت وقفت عليها تزلق رجلك؛ لأنها أصبحت سبخة صاعدة بارزة، وكأنها الصحاري والأرض ذات الرمال التي لا تكاد تحمل رجل الرجل حتى يزلق ويقع، وقد تدخل رجله في الأرض فلا يستطيع المضي ولا الذهاب ولا الإياب. قال تعالى: {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا} [الكهف:41]. (غور) مصدر بمعنى فاعل، أي: أو يصبح ماؤها غائراً، أي: ضائعاً قد غار في الأرض بعيداً عن سطحها وعن فورانها وعن أن ينفع جنتك وأشجارها وزراعتها وثمارها. {فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} [الكهف:41] فيصبح غائراً ضائعاً في أعماق الأرض، فلن تستطيع له طلباً مرة أخرى، لا بحفر ولا بسعي ولا ببذل، فإذا كفرت بربك ولم تشكر نعمته أخذ نعمته عليك وسلبك إياها. وقال سلفنا الصالح في قول هذا الصاحب المسلم: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف:39]: ينبغي للمسلم إذا رأى ما يعجبه من أهله أو أولاده أو ماله أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. فهو حري أن تدوم تلك النعمة وألا تصيبها آفة إلى الموت. وقد ورد هذا نصاً عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقد روي عن أ
تفسير قوله تعالى: (وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه)
تفسير قوله تعالى: (وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه) قال تعالى: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف:42]. صدق ما قاله المسلم لصاحبه الكافر عندما تعالى بماله، وظن أن ذلك قد أوتيه بحظ عنده، وبمقدرة انفرد بها، فوبخه وأنذره بأنه يوشك أن تزول عنه هذه النعمة، وترى البلاد والأرض والجمال والبستان وكأنه لم يكن يوماً من الأيام؛ بما يصيبه من قوارع وصواعق من السماء تحرقه، وبما يضيع من مائه فيغور في الأرض فلن تستطيع له طلباً. وما كاد يقول له ذلك، وينام بعد ذلك ليلة أو ليلتين إلا وأصبح يجد بستانه على ما توقعه له صاحبه المسلم، فأصبح في البلاء وسلب هذه النعمة. قال تعالى: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} [الكهف:42] أحيط: من الإحاطة، أي ذهب بستانه وجنته وما فيها من ثمار، فقد ذهبت جميعها وكأنها لم تكن يوماً، وأصبحت صعيداً زلقاً بلقعاً لا تنبت ولا تؤتي ثمرة ولا زهرة ولا خضرة ولا قطرة ماء، وكان ذلك بسبب كفره وشركه وعدم اعترافه لله بنعمته، فسلب هذه النعمة، قال تعالى: (وأحيط بثمره) أي: ذهب جميع ثمار أرضه وعمله وجميع أتعابه، فأصبح خاوي الوفاض، ساقط العروش والسقف والمنازل. {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [الكهف:42]. قوله: (أصبح)، يدل على أن هذا حصل له بالليل، فما كاد يصبح ويأتي بستانه ليتعهده ويتنعم فيه على عادته حتى وجد هذا المنظر، فكاد يغمى عليه ويجن، وشك هل هذه هي أرضه وبستانه أو لا؟ وعندما رأى الحدود والجيرة والمكان الذي فيه بستانه تأكد أن هذا الذي حدث فيه هذا البلاء والصواعق المحرقة والمياه الغائرة هو بستانه وجنته وما فيها من ثمر، فأصبح يضرب على كفيه ندماً وأسفاً، وهكذا شأن من بلي ببلاء، فأخذ يندم ويتأسف ويتوجع، وقد مضى الوقت والزمن، وهيهات فالوقت سيف إن لم تقطعه قطعك. فندم على ما كان منه من كفر ومن شرك ومن إنكار للبعث، فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وما بذلت كفاه من مصروف ومن أموال، فقد بلغت من الكثرة أن استغرق جميع ماله في هذا البستان. وحال كونه يتندم ويتأسف ويتوجع كان هذا البستان خاوياً على عروشه، فارغاً خالياً ساقطاً عاليه على سافله؛ من الصواعق التي نزلت وهدت ما فيه من بناء، وأصبح السقف أرضاً وصعيداً زلقاً، وأصبحت المياه غائرة لا يقدر منها على شربة، فذهب كل عمله، وأصبح نادماً آسفاً على كفره وشركه وما مضى منه، ولكن هيهات، فقد سبق السيف العذل! قال تعالى: {وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف:42]، فقال هذا بعد فوات الأوان، وبعد أن جرى عليه ما جرى وأحيط بثمرة، فعندما ندم وتوجع وقلب يديه بعضها على بعض أصبح يتندم ويقول: {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف:42]، يندم في نفسه بتقليب يديه، ويندم بلسانه ويتمنى بأنه لم يشرك بربه أحداً. وهل آمن بعد ذلك وهو في الحياة، لم يذكر لنا الله هل آمن أو لم يؤمن، ولكنه ندم على كونه أشرك وكفر لما كانت هذه النتيجة، فقد ذهبت جناته وما فيهما من ثمار وأشجار وأنهر دافقة، فيمكن أن يكون قد آمن وندم على شركه، ولكن القرآن لم يبين ذلك، وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام لم يبين ذلك؛ لأن العبرة في ضرب مثل بما جرى وبمن كان موحداً أيام بني إسرائيل، فضرب ذلك مثلاً في أغنياء الكفار وفقراء المؤمنين، وأن هؤلاء الأغنياء لا يتعاظمون على فقراء المؤمنين والمسلمين، بما لديهم من أولاد وأموال، فقد سبق أن كان مثل هذا لـ قارون، وإذا بالأرض تخسف به وهو في زينته وفي أمواله. وكذلك ما ذكره الله تعالى عن هذين الرجلين الصاحبين أو الأخوين عندما تعالى أحدهما على الآخر. والله يضرب هذه الأمثال ويقول للفقير المسلم: يا أيها الفقير! لا تتألم ولا تتوجع لحالك، وإياك أن تغتر بمال ذلك الغني الكافر العاصي، فأنت إن بقيت على الإيمان والطاعة أشرف من ذاك، والدار الآخرة الدائمة خير لك، وخير لولدك ولحشمك، وخير لك مآلاً وعاقبة وآملاً، وذاك الذي أنت تعتبره شيئاً كبيراً يوشك أن يأتي الله على ماله وعلى ولده في الدنيا قبل الآخرة، ولعذاب الله أنكى وأشد. وقد ذكرنا أن سبب نزول سورة الكهف هو أن عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث ذهبا سفيرين من كفار مكة إلى يهود المدينة يسألانهم عن صفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكان ما قلناه قبل، وكانت النتيجة هذا المثال بالكافر المنكر للبعث عقبة والنضر وأمثالهما، وهكذا كان فقد مات عقبة والنضر على أشد أنواع الكفر، وكانا من أشد أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وممن لقي منهم رسول الله في مكة المكرمة عنتاً في الأيام الأولى عند اضطهاد الإسلام والمسلمين، كما لقى المسلمون، وكانت النتيجة أن نصر الله نبيه وعبده سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر، واختار هذين بالذات دون بقية الأسرى من كفار قريش فأمر بقتلهما وقطع رقابهما صبراً دون قتال، فأخذ يصيح عقبة ويقول: مالي أنفرد بهذا دون إخواني من الأسرى، فسكت عنه النبي عليه الصلاة والسلام، فأخذ يقول: (يا محمد! من للصبية؟ فقال: النار).
تفسير قوله تعالى: (ولم تكن له فئة ينصرونه)
تفسير قوله تعالى: (ولم تكن له فئة ينصرونه) قال تعالى: {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا} [الكهف:43]. هذا الذي تعالى يوماً وهو في عز جاهه وقوته وتيهه وما له من الخدم والحشم، بينما هو يتيه على هذا الصاحب المسلم ويقول له: (أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً) ذهب هذا النفر كله من ولد وزوجة وخدم وحشم، فقال الله عنه بعد أن ذهبت جنتاه بما فيهما: {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الكهف:43]. فهذه الفئة والجماعة والطائفه من العيال والأولاد والخدم التي اعتز بها لم ينصروه من دون الله، ولم يكن لهم من الحول والطول ما يكونون به حزباً وأعواناً وفئة مناصرة وكيلة نائبة له، وهيهات، ومن يتوكل لأحد على الله، ويقف في وجه الله جل جلاله القادر على كل شيء؟ فهو الواحد الأحد، والكل له عبد ذليل يرجو رحمته ويخاف عذابه. قال تعالى: {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا} [الكهف:43]، فلم ينتصر لا بمال ولا بأولاد ولا بشباب ولا وبقوة ولا بجنتيه اللتين افتخر بهما على المؤمنين من الفقراء والمساكين، فقد ذهبت جنتاه وفئته وخدمه وحشمه وأولاده في الحياة الدنيا، وإن مات على الشرك فلعذاب الله أنكى وأشد.
تفسير قوله تعالى: (هنالك الولاية لله الحق)
تفسير قوله تعالى: (هنالك الولاية لله الحق) قال تعالى: {هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا} [الكهف:44]. هنالك أي: يوم القيامة الوَلاية، فإن قلنا: الولاية فهى الحكم والسلطان والأمر والنهي، وإن قلنا: الوِلاية فهى: النصرة والتعزيز والمؤازرة، وكل ذلك انفرد به الله جل جلاله، إذ يقول إذ ذاك: أنا الملك أين الملوك؟ فيقولها ويكررها جل جلاله، ولا جواب، فالكل ذل وخنع وأصبح يقول: نفسي نفسي، بما فيهم الأنبياء إلا نبينا محمداً صلى الله عيه وسلم، وعند ذاك يجيب نفسه بنفسه: أنا الملك أين الملوك؟ أنا ملك الملوك. قال تعالى: {هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ} [الكهف:44]. وهناك الحكم الحق والمناصرة والتأييد والقوة لله وحده، وليس لأحد موالاة ولا نصرة ولا سلطان يعتز به ولا حاكم يعود إليه، فالحاكم الله، له الأمر والنهي، وبيده العز والذل، يعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير جل جلاله وعلا مقامه. وهذا هو المغزى والنتيجة من ضرب المثل. ولقد قال السلف الصالح: إذا سمعت ربك يقول: ياأيها الناس! يا أيها الذين آمنوا! فأعرها أذنك فهو خطاب لك، وامتثل ما قيل لك أمراً واترك ما قيل لك نهياً، وإلا حل بك ما حل بالكفار والمشركين من اللعنة في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: {هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ} [الكهف:44]، قرئ: (لله الحقِ) على أنه نعت لاسم الجلالة الله، والله هو الحق، وهو الواحد الأحد، الرازق الصمد، الذي بيده كل شيء. وقرئ: (هنالك الولاية لله الحقُ)، على أن الحق نعت للولاية، أي: هنالك الولاية الحق، وهنالك الملك والسلطان لله وحده، وهنالك المناصرة والتعزيز والتأييد، فالحق لله وليس لأحد سواه، والكل تؤكده الآية وتدل عليه، وكلتاهما قراءتان سبعيتان متواترتان. قال تعالى: {هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا} [الكهف:44]. فالله جل جلاله خير ثواباً ممن ترجو ثوابه من المشركين ومن الكافرين، فثواب الله خير، وهو خير في الواقع وفي الزمن القائم في الدنيا. {وَخَيْرٌ عُقْبًا} [الكهف:44]، أي: خير عاقبة في الآخرة. وقرئت: (عقْبى) و (عقُبى)، فثواب الله خير في الدنيا وخير عاقبة يوم القيامة. وقوله: (خير) أي: حسب توهم المشرك؛ لأن خير فعل تفضيل، وهي تقتضي المشاركة والزيادة، وإلا فلا أحد يشارك الله فضلاً عن أن يزيد عليه، ولكن ذلك حسب توهم هؤلاء المشركين من أن أربابهم المزيفة وأوثانهم الباطلة تثيبهم وتأجرهم وتعطيهم الخير، فقيل لهم: هذا الذي تنتظرونه من هذه الأوثان ثواب الله وإفضاله وخيره وإكرامه خير لكم في الآجل والعاجل، وفي الحال والاستقبال، ولولا أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من لم يشكر الناس لا يشكر الله)، لما شكرنا أحداً على كل جزئية أو كلية إلا الله؛ لأنه ما من إحسان بلسان أو قلم أو يد إلا والله هو الذي حرك القلب والفؤاد والنفس لأن تعمل هذا الخير، فأنا أشكر الله الذي حرك ودفع لذلك، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن نشكر الواسطة، فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله وهكذا. ومع ذلك تأتي حالة لبعض الناس لا يشاهدون إلا الله في كل إحسان. وعائشة أم المؤمنين رضوان الله عليها عندما بهتت بما بهتت به، وقذفت بما قذفت به من المنافقين ومن ضعفة من المؤمنين، ثم نزلت براءتها من فوق سبع سماوات، وكانت في بيت أبيها، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام يبلغها ذلك ويبشرها، وهى حزينة متألمة باكية، وكان أبوها أبو بكر رضوان الله عليه حاضراً، فعندما جاء يقول ذلك عليه الصلاة والسلام سكتت، فقال أبو بكر لابنته: اشكري رسول الله يا عائشة! قالت: والله لا أشكره، ولا أشكر إلا الله الذي برأني. وهذه حالة تأخذ المؤمن. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: عرفت الحق لأهله. وكان هذا من إدلالها على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها كانت غضبى على رسول الله صلى الله عليه وسلم لماذا يتشكك فيها؟ ولماذا يسأل الصغار والكبار ما تعرفون عن عائشة؟ فهذا الذي آلمها وأحزنها وأبكاها، فعندما جاءت البراءة من الله أبت أن تشكر إلا الله جل جلاله، وهذه حالة تأخذ الإنسان، فـ عائشة أم المؤمنين جديرة بأن تكون في هذا أسوة. قال تعالى: {هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا} [الكهف:44]، أي: هو خير عاقبة وخير ثواباً حاضراً ومآلاً، آجلاً وعاجلاً.
تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا)
تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا) قال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً} [الكهف:45]. وهذا مثال آخر لهذه الدنيا الفانية الغرارة، وهو للأغنياء؛ حتى لا يغتروا بمالهم وبسلطانهم، وللفقراء حتى لا يملئوا قلوبهم بما عند الأغنياء. والمخففون قد استراحوا من التبعة ومن الحساب، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (هلك المكثرون، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا وهكذا)، وقد هلك الأغيناء وذوو الكثرة من المال؛ لأن الأغلب فيهم أنهم لا يقومون بحقوق الله في مالهم، ولا يؤدون زكاته كاملة، ولا النفقة الواجبة عليهم، ولا يعطوا من مالهم حق للفقير والمسكين، وقد يتيه أحدهم بماله ويعجب بدنياه، وهذا شأن الأكثر، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام، (هلك المكثرون، إلا من قال هكذا وهكذا). والمخففون هم الذين لا يملكون شيئاً، فلا يحاسبون يوم القيامة على دنيا إذا كانوا صالحين، وقد يذنبون بالقليل القليل من المال، فتجدهم فقراء في الدنيا والآخرة. نسأل الله اللطف والسلامة.
الكهف [52 - 56]
تفسير سورة الكهف [52 - 56] ينادي الله الكفار يوم القيامة بأن يدعوا شركاءهم فلا يستجيبوا لهم، ولا يرون إلا النار جزاء تكذيبهم للرسل والرسالات.
تفسير قوله تعالى: (ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم)
تفسير قوله تعالى: (ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم) قال تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} [الكهف:52]. هنا يعلمنا الله أن نتخذ الحيطة لأنفسنا ونجدد إيماننا وتوبتنا، وليؤمن من لم يكن مؤمناً، ويتب إلى الله من شركه وكفره وعصيانه، ويقول الله جل جلاله لهؤلاء الظالين المشركين: {نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ} [الكهف:52]، نادوهم لأراهم، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، فقد نفذوا الأمر، وأخذوا ينادون: يا عيسى! يا مريم! يا عزير! يا عجل! يا هبل! {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} [الكهف:52]؛ لأنهم ليسوا شركاء، ولأنهم يعلمون من أنفسهم أنهم عبيد لله، خاضعون لجلاله، {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام:18]، فلا أمر لهم ولا نهي، فهم عبيد يصنع الله بهم ما يشاء، وأما أن يقولوا: إنهم شركاء، فلم يبلغوا هذا المبلغ من الجنون، هذا في الدنيا فضلاً عن الآخرة. قال تعالى: {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} [الكهف:52]، أي: لم يستجيبوا لطلبهم. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} [الكهف:52]، فالله فرق بين أهل الهدى وأهل الباطل، وبين المؤمنين والكافرين، وجعل بينهم موبقاً، وهو مأخوذ من أوبقه وأهلكه، أي: جعل خندقاً ووادياً في النار من القيح والدم والصديد، وهو جزء من النار، فلا هؤلاء يستطيعون أن يخرجوا من جهنم ليقابلوا أولئك الهداة الصالحين، ولا الصالحون يستطيعون ذلك لو شاءوا، فكيف وهم لا يخطر لهم ببال أن يتركوا الجنة ويدخلوا إلى جهنم؛ فقد جعل الله بينهم موبقاً ومهلكاً ودماراً وخندقاً ووادياً في جهنم حال بين هؤلاء وهؤلاء، هذا إذا كان من يشركون به دون الله من المؤمنين. وأما إذا أشركوا به الجن ومن هو على شاكلتهم فقد حكى الله لنا خصومتهم في النار، قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ} [البقرة:166]. يقول الأئمة المتبعون للأتباع: نحن ما أمرناكم، وإبليس يقول حينئذٍ: لا سلطان لي عليكم، وإنما دعوتكم فاستجبتم لي، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي، فلا أنا أستطيع إغاثتكم، ولا أنتم تستطيعون غوثي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم.
تفسير قوله تعالى: (ورأى المجرمون النار)
تفسير قوله تعالى: (ورأى المجرمون النار) قال تعالى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} [الكهف:53]. وهذا بعد الحساب والعرض على الله، وبعد أن جاءوا صفاً صفاً، وعرض الكتاب في يمين المؤمنين وفي يسار الكفار، وأخذ الكفار عندما أخذوا كتبهم بشمائلهم يصيحون ويندبون ويقولون: يا ويلهم! يا دمارهم! يا هلاكهم! ورأوا جهنم، وفي بعض الأحاديث: أنه يأتي بها كذا وكذا آلاف من الملائكة، وعندما يرون النار يظنون أنهم مواقعوها، والظن بمعنى اليقين، فيظنون أي: يتأكدون؛ ليزدادوا حسرة قبل أن يقذف بهم فيها؛ لأن توقع العذاب هو أعظم من العذاب. ولذلك الكثير ممن يحكم عليه بالموت، ويكون بين الحكم وبين التنفيذ أيام، يكاد يموت قبل الموت، فيغمى عليه، وتذهل عيناه، ويضيع في نفسه، فيموت وهو مفتح العينين، وقد يموت فعلاً بسكتة قلبية، إلا إذا كان مؤمناً مثبتاً فهذا قد يفرح بالشهادة. وهؤلاء يرون النار، ويتأكدون أنهم مواقعوها داخلون فيها، وواقعون فيها، فهؤلاء يزداد ألمهم، وتوقع العذاب عذاب. قال تعالى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ} [الكهف:53]، المشركون الكافرون {النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} [الكهف:53]، وسواء تحققوا أو لم يتحققوا، وظنوا أو توهموا فلا محيد لهم عنها، وليس هناك من يبعدهم عن عذاب الله وعقوبته. فهم سيدخلونها ويواقعونها ويصبحون جزءاً منها؛ جزاء كفرهم بنبيهم وبكتاب ربهم وبالله جل جلاله، الذي طالما دعاهم ووعدهم وأرسل لهم رسله. ونحن في الدنيا نشهد على هذا قبل الآخرة، فقد أرسل رسلاً مبشرين ومنذرين، فشهدنا بما سمعنا، وتيقنا به تيقن القطع الذي لا شك فيه، وتأكدنا أن هذا الكتاب الذي نتشرف بتدارسه كلام الله المنزل من عنده؛ لأن الله تعالى ذكر لذلك علامة ومعجزة، وهي أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد مضى على إنزاله على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام 1400 عام، فلم تغير منه كلمة ولا حركة، ثم الإعجاز الذي فيه، إعجاز اللفظ والمعنى، فآمنا علماً، وصدقنا واقعاً، وكنا على غاية ما يكون من الاطمئنان، والحمد لله أن ثبتنا الله على ذلك، وجمعنا بسيد البشر تحت لواء سيدنا المرسلين نبينا عليه الصلاة والسلام.
تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل)
تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل) قال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف:54] يقول الله جل جلاله لتبقى الحجة البالغة له: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ} [الكهف:54]، أي: بينا وأوضحنا بتفصيل وإجمال، بياناً واضحاً بليغاً فصيحاً مفصلاً في كل الجزئيات والكليات، ورزقناكم عقولاً للفهم، وأسماعاً للسماع، وأبصاراً للنظر، ورسلاً مبشرين ومنذرين ومعلمين، وخلفاء للرسل، من علماء منوعين، في علم القرآن وعلم الحديث وعلم اللغة، وجميع علوم الإسلام. وقد صرف الله في كتابه بين مختلف الألفاظ والمعاني، والله جل جلاله طالما قص القصة ونوعها وذكرها في سورة بلفظ وفي أخرى بمعنى، وجمع أطرافها تارة، وذكرها مجزأة تارة، وكل ذلك لنفهم، والشيء -كما تقول القاعدة العربية- إذا تكرر تقرر، وهذا سر التكرار، وإن كان لكل تكرار معنى قائم بنفسه. قال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ} [الكهف:54]؛ لأنه نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبلغ كل الناس، ولكن اهتدى من آمن، وأبى الضلال من أشرك. وقد صرف الله في هذا القرآن للناس من كل مثل ومعنىً وحكم ومثال، وصرف فيه من الحلال والحرام والعقائد والقصص وتاريخ الماضين والآتين والحاضرين، ما ترك شاذة إلا وذكرها، قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:38]. وها نحن الآن نعيش في القرن الخامس عشر -ولا أقول القرن العشرين، فمالي ولتاريخ النصارى، فلا يهتم به إلا من خذله الله- الذي يزعمونه عصر علم وحضارة، وما هو إلا عصر فجور وفسوق ويهودية وعري وبعد عن الله، ومع ذلك فكل ما تجدد في العصر مما لم يكن يخطر ببال فإننا نجده في كتاب الله، قاله الله جل جلاله وبينه رسوله صلى الله عليه وسلم، وفصله وبينه أصحابه والتابعون أئمة الهدى كـ أبي حنيفة ومالك وأحمد والشافعي والأوزاعي والليث جزاهم الله عنا جميعاً خير الجزاء. قال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف:54] وصدق الله العظيم، فمع هذا الحق البين الواضح نجد من أضله الله وسلبه عقله قبل أن يسلبه دينه، يجادلك بالباطل وبالهراء، وأنت تتعجب وتتساءل: هل يقول هذا الكلام قائل؟ ولكنه الجدل. وفي صحيح البخاري ومسلم: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرق يوماً غرفة ابنته فاطمة وزوجها علي رضي الله عنهما فقال: ألا تصلون؟ وإذا ب علي يجيبه وقد استيقظ: إذا شاء الله أن يبعثنا بعثنا وصلينا، وإذا برسول الله عليه الصلاة والسلام يدبر، وإذا بـ علي يسمعه يقول وهو مدبر: {وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف:54]). وإذا قيلت هذه لمثل علي وفاطمة فكيف بغيرهما؟ فالمؤذن أذن، وهما قد استيقظا، وطرق عليهما بابهما، وهما يسمعانه، ففيم الجدل؟ قال تعالى: {وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف:54] ولا يجادل في الحق واليقين، والتوحيد والرسالة إلا من سلبه الله عقله، ولا يجادل في كتاب الله إلا من لعنه الله وأخزاه. وأما من يطلب العلم ومزيد المعرفة والاستدلال؛ أو ليعلم غيره فليس من هؤلاء، ونقول له: قل الحق بالمنطق والعقل وبالبرهان القاطع كما ذكره الله، وهذا لا يجادل فيه إلا مجنون أو من غطى الله تعالى على قلبه بالران.
تفسير قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى)
تفسير قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى) قال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا} [الكهف:55]. يذكر جل جلاله عن هؤلاء المعاندين الجاحدين، أن الذي منعهم من الإيمان بالرسالة وبصاحبها محمد عليه الصلاة والسلام واستغفار ربهم من جحودهم وكفرهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين؛ لأنهم قالوا مثلهم. وما هي سنة الأولين؟ عاقب الله تعالى الأولين من المشركين والكافرين، فقد عاقب قوم نوح بالطوفان، وقوم هود بصواعق وزلازل، وقوم صالح بالصيحة، وقوم لوط بأن جعل الأرض عاليها سافلها عليهم، وفرعون وقومه بأن استدرجهم إلى أن دخلوا في البحر ورأوا اليابسة واغتروا بمشي موسى وهارون وأتباعهما عليها، فما كادوا يدخلون حتى أطبق عليهم الماء وأصبحوا في أمس الدابر. وهؤلاء قالوا كأولئك، واستعجلوا العذاب وطلبوا إتيانه، وقالت قريش للنبي عليه الصلاة والسلام: ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين. فهنا يقول تعالى: إن الذي منع هؤلاء من الإيمان هو تقليدهم لأولئك الكافرين، ورغبتهم في أن ينزل العذاب عليهم، وإذا نزل فلا يقبل إيمان ولا توبة ولا استغفار، وهيهات، فقد سبق السيف العذل. قال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ} [الكهف:55] أي: ممن لم يؤمن منهم، {أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى} [الكهف:55]، إذ جاءهم الإسلام والقرآن ومحمد عليه الصلاة والسلام {وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ} [الكهف:55]، أي: ويطلبوا المغفرة من الكفر ومن الجحود ومن الشرك، {إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا} [الكهف:55]، فقد امتنعوا من ذلك حتى يروا العذاب الذي نزل بالسابقين ينزل بهم، وإذ ذاك يصدقون، وماذا يفيدهم التصديق بعد ذلك! قال تعالى: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا} [الكهف:55]، أي: مقابلة ومواجهة ومكاشفة.
تفسير قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين)
تفسير قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين) قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [الكهف:56]. فليست من وظيفة المرسلين أن يأتوا بالعذاب ولا بالجنة والرحمة، فالعذاب والرحمة بيد الله، وهو الذي يعذب من شاء عندما يشاء، ويرحم من شاء عندما يشاء، وإنما وظيفة النبيين والمرسلين هي التبشير والإنذار، قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [الكهف:56]، أي: مبشرين المطيعين بالرضا وبالجنة، منذرين الكافرين الجاحدين بالغضب والنار، وبعد ذلك فالله إن شاء عذب في الدنيا قبل الآخرة، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى، وإن شاء أخر العذاب إلى يوم القيامة؛ لتزاد فرصة هؤلاء، وتزداد حجة الله البالغة عليهم، ويزدادوا عناداً وكفراً وجحوداً، إلا إذا أكرم الله أحدهم ممن لم يكفر جحوداً وهزءاً وسخرية، ولكنه كان ثقيل الطبع، بليد الفهم، يحتاج إلى زمن ليفهم وليعقل، فهؤلاء طول الزمان قد يفيدهم، ومن هنا فإن قريشاً لم تؤمن إلا في السنة الثامنة من الهجرة عندما فتح صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة، فلم يسلموا إلا بعد ثماني عشرة سنة من الرسالة المحمدية، وكثير منهم ممن ضل وأضل -وكان أكثرهم لا يزال حياً- تاب إلى الله، وسموا الطلقاء ومسلمة الفتح، أي: عندما فتح رسول الله مكة عليه الصلاة والسلام وجمعهم وقال لهم: (يا معاشر قريش! ماذا ترون أني صانع بكم؟). وما الذي يخطر ببالهم وهم يعلمون أنهم طالما آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشتموه وأخرجوه وجرحوه، وقتلوا أصحابه نساءً ورجالاً، واضطهدوهم، وتآمروا على صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام؟ وإذا بالنبي الكريم الرءوف الرحيم -كما وصفه الله جل جلاله- يقول لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء). فعفا عنهم عن مقدرة، ولا يكون العفو إلا عن مقدرة، وبعد هذا العفو آمن الكل، ولم يقبل من قريش إلا الإسلام أو السيف، فآمنوا. فبقيت طائفة إلى زمن تعد من المؤلفة قلوبها ممن لم يثبت الإيمان بعد في قلبها ثبوت الراسخين، وثبت الإسلام في قلوب الكثيرين، ومنهم عكرمة بن أبي جهل، وكان قد فر من رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما فتح رسول الله مكة، وآمنت زوجته برسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تلحق به، وإذا بـ عكرمة يريد الفرار إلى أرض الحبشة، وإذا بالسفينة التي يركبها تضطرب وتموج ويرى الأمواج وكأنها الجبال يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً، وإذا بربان السفينة يقول للراكبين: لا يفيد الآن إلا دعاء الواحد، فادعوا ربكم ولا تشركوا به أحداً، وإلا فنحن هالكون. وإذا بـ عكرمة وقد أراد الله به خيراً قال: إن كان لا يفيدني إلا الواحد وأنا في البحر فمن باب أولى ألا يفيدني إلا هو وأنا في البر، علي لله نذر إن سلمني الله فلم أغرق أن أذهب إلى مكة وأضع يدي في يد محمد، فسأجده رحيماً وشفيقاً ومستغفراً لي من ذنوبي، وهكذا كان. فجاء إليه عليه الصلاة والسلام وقص عليه قصته، فقبل إيمانه وإسلامه، وقال لرسول الله عليه الصلاة والسلام: (علي عهد لله ألا أدع مكاناً ولا موقعة رفعت فيها السيف عليك وعلى الإسلام إلا رفعتها على عدوك وعلى عدو دينك يا رسول الله! أنا سيف من سيوفك فاضرب بي من شئت). فأكرم الله عكرمة فكان من الفاتحين، وشارك في فتوح الشام والعراق وفارس، وأسلم وحسن إسلامه. وهذه من فوائد إطلاق سراح أسرى غزوة بدر، فقد خرج من هؤلاء الكافرين مؤمنون بحق وصدق رفعوا سيوفهم وأقلامهم لله صادقين داعين لدين الله. وكـ عدي بن حاتم الطائي المضروب به المثل في الكرم والنبل سيد آل طيء، فقد أسرت عصماء أخت عدي، وفر عدي مع عياله إلى الشام، فأتي بها مع الأسرى في معركة من معارك بلاد طيء في أرض اليمن، وإذا بها ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقول له: يا محمد! أنا بنت سيد قوم كان يضرب به المثل في الكرم والجود، فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا ابنة حاتم الطائي، فأكرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدخلها داره، ثم ذهبت إلى أخيها وقد فر إلى الشام، فأتى أخوها وكان متنصراً من قبل، فآمن وأسلم وحسن إسلامه، وكان من الدعاة إلى الله وممن أبلى البلاء الحسن.
الكهف [56 - 59]
تفسير سورة الكهف [56 - 59] أرسل الله المرسلين مبشرين ومنذرين، وأمر بالإيمان بهم وعدم الاغترار بالدنيا، فأبى الكافرون الظالمون إلا الكفر والطغيان.
تفسير قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين)
تفسير قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين) قال الله جل جلاله: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا} [الكهف:56]. بعد أن أنذر الله جل جلاله وهدد وأوعد وأخبر عن الكافرين والمشركين السابقين في الأمم السابقة أنهم استعجلوا العذاب، وأنهم طلبوا من أنبيائهم المكر والغضب واللعنة ونزول العذاب، يخبر جل جلاله بأن وظيفة الأنبياء ليست العذاب ولا الرحمة، وإنما العذاب والرحمة بيد الله، ولكن المرسلين والنبيين أرسلهم الله جل جلاله مبلغين ومبشرين ومنذرين، فيبلغون الناس رسالات ربهم، ويبلغونهم ما أمرهم به ربهم، ويبلغونهم ما أنزل عليهم من كتاب الله، مبشرين أهل الطاعة بالجنة، ومنذرين العصاة بالعذاب والنار، فتلك وظيفة الأنبياء. ولكن الله جل جلاله قد بشرهم وأنذرهم، فهو جل جلاله الذي يحقق البشرى للمؤمن المتقي برحمته ومغفرته ورضاه ودخول الجنة، وهو الذي يحقق النذارة والتخويف والتشديد والإيعاد، وينفذ ذلك على العصاة والمخالفين بلعنته وغضبه وبدخولهم النار. قال تعالى عن هؤلاء المشركين والكافرين: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [الكهف:56] فيجادل هؤلاء وينازعون ويعترضون بلا حجة أو سلطان أو برهان أو دليل من عقل أو منطق، فضلاً عن أن يكون لذلك حجة من الله أو من رسله السابقين، وإنما هم يفتحون أفواههم ويغلقونها كما تعوي الكلاب وتصيح الحيوانات، فلا يدرون ما يقولون. فلهم شأن الكافر الذي فقد عقله، فيريدون الجدال ولا جدال في هذه الأشياء إلا بالباطل؛ ظناً منهم أن هذا الباطل سيدحضون به الحق، وسيزيلونه ويمحقونه وسيزلقونه إلى أن يصبح زائلاً، وهيهات أن يبطل الحق باطل، وأن يقف في وجه الحق أحد! ومن أراد أن يفعل ذلك تكون النتيجة ذهابه وضياعه مع باطله وهرائه وكفره، ويبقى الحق والبارز الظاهر المتسلطن، ذو السلطان والبرهان والدليل. قال تعالى: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [الكهف:56] أي: يدحضوا به الإسلام والقرآن، ويبطلوا به رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، وهيهات أن يتم ذلك لأحد إلا لأرعن كافر أو لمجنون فقد عقله قبل أن يفقد دينه، وشأن الغواة شأن الذين لا يعلمون ما يقولون ولا ما يصدر عنهم، وهكذا إلى أن يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. قوله: {وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا} [الكهف:56] أي: لا يكتفون بالجدال بالباطل، بل يأخذون في الاستهزاء والسخرية بآيات الله التي أنزلها على أنبيائه من معجزات ودلائل واضحات من كتب لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ويهزءون بالرسل والكتب وبالحق. قوله: (وما أنذروا هزواً) أي: أنذروا به، فيهزءون بما أنذرهم الله به من عذاب وغضب ونار، ويهزءون برسلهم وما أتوا به من معجزات بينات، ودلائل واضحات، ولا يكون ذلك إلا دلالة على كفرهم واتباع أهوائهم، وضياع عقولهم وهم في الدنيا كذلك، ويكادون ينتهون حتى يأخذهم الله في الدنيا أخذ ذل وهوان وسحق، ولعذاب الله أشد وأنكى.
تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها)
تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها) يقول تعالى مستفهماً استفهام تقرير وتأكيد وتعليم وإيضاح، أي: يوجهنا ويعلمنا ويحقق رسالة نبيه التي أرسله بها. يقول: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [الكهف:57] أي: من أكثر ظلماً وشركاً، ومن أكثر جنوناً ممن جاءته الرسل وجاءته كتب الله بالدلائل الواضحات القطعية مما لا يدفعها منطق ولا عقل سليم فأعرض عنها. قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ} [الكهف:57] أي: ذكر بها ووعظ وأرشد وخوطب وكوشف. فهذا الذي يأتيه رسول أو كتاب، ومع ذلك يأبى القبول والخضوع ويعرض عن آيات ربه ويهجرها فيترك الإيمان بها، ولا يلقي لها بالاً ولا يعتبرها، فهو ظالم لنفسه. قوله: {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [الكهف:57] أي: أعرض عن تذكير رسله له، وأعرض عن كتاب ربه له ولأمثاله، ثم جاء فنسي ما قدمت يداه من شرك بالله وكفر بآياته، وظلم واعتداء على الأعراض والأموال وسلب الناس حقوقهم، وغير ذلك مما لا يجوز فيه الاعتداء على حق أحد من الناس، فهو ظالم لنفسه بكفره بالله، وهو ظالم لنفسه لأخذه حقوق الناس، وأكله أموالهم وانتهاكه أعراضهم، واشتغاله بشتائمهم وسبابهم، هزءاً منه بكتاب الله ورسوله، وما أتى به من معجزات وبراهين واضحات. قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الكهف:57] يقول جل جلاله: هؤلاء الذين لم يعطوا لأنفسهم فرصة التعلم والسماع والتذكير والتفكير فيما جاء به رسول الله فكذبوا، ثم أعرضوا، ثم استهزءوا، ثم نسوا ما قدمت أيديهم من شرك وظلم وإيذاء واعتداء؛ هؤلاء يقول الله عنهم: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} [الكهف:57] أي: غشاوة وغباراً غطاها عن سماع الحق ووعيه وفهمه، وهذا يحدث لمن سبق في علم الله أن جازاه بسوء الخاتمة وبأن يموت على الشرك؛ ليخلد في النار جزاءً وفاقاً، لا للكفر فقط، بل مع الكفر العناد والهزء بالأنبياء وبكتب الله. قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} [الكهف:57] أكنة: جمع كنان، أي: ستراً، وغشاوة، حيث يسمعون فلا يعون، وينظرون فلا يبصرون، تسمع قلوبهم فلا تفقه ما يقال لها، كأنهم خشب مسندة، قد يفهم الحيوان ويعلم ويؤدب ولا يفهم هو ألبتة. قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الكهف:57] أي: جعلنا على قلوبهم ما أفسد فهمهم ووعيهم وأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم، فلم يعوا ولم يدركوا ولم يتعظوا. قوله: {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الكهف:57] أي: وجعل على آذانهم ثقلاً، وهذه أشياء معنوية؛ ولذا قال تعالى: {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} [الأعراف:198] أي: تراه ذا بصر وسمع وقلب وفهم وذكاء، ومع ذلك لا يستفيد ببصره؛ فيكون أعمى لا يدرك ما يدركه البصير، ولا يسمع ما يسمعه البصير، ولا يفقه ما يفقهه الذكي والعاقل والسامع والمبصر، فهو كأنه قد جعل على آذانه ثقلاً من حديد، وجعل على قلبه غشاوة، والران يغطي على القلب والسمع والبصر، فهو لا يبصر ولا يسمع، ولا يعي ولا يفهم، وعلى آذانه وقر. قال تعالى: {وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف:57] أي: هؤلاء -وقد صعد الران على قلوبهم، والآنك في آذانهم، والغشاوة على الأبصار- لو دعوتهم إلى الهدى لا يهتدون إذاً أبداً؛ لأنهم لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعون، فالأبصار والأسماع والقلوب قد عطلت عن فائدتها، فلا عين ترى، ولا أذن تسمع، ولا قلب يفقه، ولا عقل يدرك، فهم في بلاء ولعنة مسترسلة لعدم الفهم والوعي، وهكذا لم تفد فيهم رسالة، ولم يفد فيهم كتاب ولا علم ولا وعظ ولا إرشاد. قوله: {وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف:57] يقول الله عنهم: من كان كهؤلاء لم يهتد أبد الآبدين، فيعيشون ظالمين كفرة، ويبعثون كافرين ظلمة، ويخلدون في النار على ذلك، كالكثير ممن يحاول أن يسأل عن العلم وهو أجهل من الحمار، وكثير ممن يظن أنه يدرك ويعلم، وإذا به أبلد من حذاء، وإذا به الأجدر أن يربط في الإسطبل مع الدواب والمواشي، إن ذكرته بقال الله يظنك تتحدث معه في قصص ألف ليلة وليلة، وإن حدثته بقال رسول الله كأنك تحدثه بما يسميه الفنان والفنانة. وإذا رأى فيك صفة مما تحترم أو تجل، تجده قد كفر بكل إجلال واحترام بدءاً من سيد البشر عليه الصلاة والسلام ورسالته، كما وصفهم الله بأنهم لم يؤمنوا ولن يؤمنوا، وأنهم يهزءون بكتاب الله ورسل الله وآيات الله، هؤلاء: {كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف:179] فلا يجوز أن يتركوا ليدخلوا مسجداً أو يعاشروا مسلماً أو يحضروا مجمعاً، هؤلاء أوجب الإسلام علينا أن نضرب على أيديهم، وأن نطهر المجامع منهم ومن أمثالهم.
تفسير قوله تعالى: (وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب)
تفسير قوله تعالى: (وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب) قال تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} [الكهف:58]. يخبر الله تعالى أنه رحمة منه جل جلاله يمهل الإنسان الظالم فلا يؤاخذه، ويعطيه فرصة من حياته، خمسين سنة، سبعين عاماً، قرناً من القرون، سنة أو سنوات وما يشاء الله. والله جل جلاله كما وصفه النبي عليه الصلاة والسلام: (لا أحد أصبر من الله) يقال عنه ويقال، وهو مع ذلك يرزق الكافر ويعطيه ويسلم حواسه، ومع ذلك يأبى إلا الكفر والعناد؛ لتبقى الحجة البالغة لله. ذاك من رحمته لعله يوماً يعود إلى ربه، لعله يوماً يقول: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، لعله يفكر يوماً: أن الله لم يخلقنا عبثاً، وأن الله خلقنا لنعبده ولنطيعه، فما أوجدنا وخلقنا إلا لنعبده مخلصين له الدين جل جلاله وعلا مقامه. قوله تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [الكهف:58] (الغفور) صيغة مبالغة أي: كثير المغفرة، وعلى عاقب يعاقب بالقليل على الجرم الكثير، ويكافئ ويجازي بالكثير على العمل القليل، ذاك من رحمته ومغفرته. قال تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [الكهف:58] أي: صاحب الرحمة جل جلاله، ويوم خلق الرحمة كانت رحمته قد سبقت غضبه جل جلاله، فهو يرحم الكبير والصغير والمؤمن والكافر، ورحمته للكافر بأن يمهله ليعيش زمناً وليسمع زمناً عله يرعوي فيعود لربه. ولقد فسر ابن تيمية قوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر:95] في خطابه لرسوله عليه الصلاة والسلام، أن هؤلاء المستهزئين جميعاً ختم الله لهم بسوء الخاتمة، وهي خاتمة ذل وعقوبة وإذلال، ولعذاب الله لهم يوم القيامة أنكى وأشد. واذكر إن شئت أبا لهب وأبا جهل وأبي بن خلف وعتبة وعتيبة والكثير الكثير، وهو قد قال رحمه الله: تلك سنة الله مع المستهزئين في الحياة النبوية وبعدها، وحكى أشباهاً مما حصل في عصره وقبل عصره، وقد كان في القرن الثامن، وهكذا قل عنا الآن، وإلى ما بعد الآن، وإلى يوم القيامة. قد يكون الكافر كافراً عن جهل وبلادة، ولكنه لا يهزأ ولا يعاند، ولا يكون قليل الأدب مع رسول الله ومع المقدسات، ومع بيت الله الحرام ومع المسجد النبوي، ومع كلام الله، ومع السنة المطهرة. قوله تعالى: {لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ} [الكهف:58] يخبر تعالى أنه لو يؤاخذ الكافرين، ويحاسب الظالمين، لعجل لهم العذاب، ولما أمهلهم، ولما أعطاهم فرصة من حياة ليتعلموا، ومن هنا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله يمهل ولا يهمل)، وهذا الإمهال تارة رحمة، وتارة لتبقى الحجة البالغة لله، وأن هذا المشرك أو الظالم مد في عمره وحياته، وفي ماله وقوته وسلطانه، ومع ذلك لم يزدد إلا كفراً، ولم يزدد عن الله إلا بعداً. فهذا عندما يكون كذلك يكون قد صعد الران على قلبه، فلا تفيد معه موعظة ولا آية من كتاب الله، ولا حديث من سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. قوله تعالى: {لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا} [الكهف:58] أي: لو يؤاخذ الظالمين الذين قال عنهم إنهم استهزءوا بآيات الله، وبما أنذروا به، وهؤلاء الظالمون لو يؤاخذهم ويحاسبهم بما اكتسبوا وفعلوا من كفر وشرك، وكسبوا من ظلم، لأسرع بعذابه ونقمته، ولم يمهلهم ولا ساعة، ولكن لرحمته -وهو الغفور ذو الرحمة- قد شاء أن يعطي هؤلاء فرصة الحياة، فلا يؤاخذهم، ولا يحاسبهم، ولا يعجل لهم العذاب، ممهلاً لهم إما أن يعودوا إلى التوحيد وإما أن يكون ذلك حجة لله بالغة عليهم. قوله تعالى: {لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ} [الكهف:58] أي: في الدنيا قبل الآخرة كما كان يعامل الأمم السابقة قوم نوح وهود وصالح ولوط، وقوم فرعون، ولكن الله من رحمته بعباده لم يسرع العذاب لهم، بل أمهلهم لعلهم يعودون إليه. قال تعالى: {بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} [الكهف:58] أي: بل لهؤلاء المشركين والظالمين موعد وعدوا في وجودهم فيه وعرضهم فيه على الله، وهو يوم القيامة، قد وعدوا بالحياة الثانية، وبالبعث بعد الموت؛ ليحاسبوا على ما عملوا، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. فمن فعل الخير دخل الجنة، ومن ارتكب الشر دخل النار، فهذا الموعد لا موئل عنه ولا مفر، هو موعدهم ومرجعهم، وهو مآلهم (لن يجدوا عنه موئلاً) أي: لن يجدوا عنه مرجعاً ولا مفراً ولا مكاناً يئوبون إليه، ويستغيثون به، يفرون إليه من عذابه وعقابه، ولكن هيهات هيهات! يوم ينادي: أنا الملك أنا الديان!! أين الملوك؟! فلا يجيب أحد، ثم يجيب نفسه بنفسه جل جلاله. نأتيه فرادى ليس معنا حول ولا طول ولا أنصار ولا أولاد ولا أشياع ولا جيوش، نأتي فرادى كما خلقنا فرادى.
تفسير قوله تعالى: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا)
تفسير قوله تعالى: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا) قال تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف:59]. قوله: (تلك القرى) أي: أهل القرى السابقة في الأمم الماضية، عاقبهم الله تعالى وأهلكهم، ودمرهم بأنواع من الهلاك كالغرق والصواعق والزلازل، وبجعل الأرض عاليها سافلها، وبأنواع العذاب، فعجل لهم الهلاك وأسرع به لهم. قوله: (لما ظلموا) أي: عندما أشركوا بالله وظلموا أنفسهم، ورفضوا الإيمان بربهم، وأبوا قبول الرسالات، والهدايات والمعجزات، والأدلة الواضحات الفاضحات، ولم يرغبوا إلا في الكفر والجحود، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر. قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [الكهف:59] معناه: يا هؤلاء! خذوا العظة والعبرة مما جرى لمن سبقكم، فالسعيد من وعظ بغيره، والشقي الذي لا يوعظ إلا بنفسه، فإذا بطش به، وإذا سحق وعوقب يكون قد فات الأوان، والوقت سيف إن لم تقطعه قطعك. قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف:59] أي: وكان لهم موعد في هلاكهم ودمارهم وفي القضاء عليهم في عقوبتهم، فذهب ملكهم وسلطانهم، وذهب عزهم ونورهم، وذهبت حضارتهم، وذهب ما أسسوه وأتقنوه وعاشوا له قروناً، وكأنهم لم يكونوا يوماً في الأرض، بادوا ثم بادوا، وانتهى وجودهم وعادوا إلى عذاب ربهم بعد أن أعطاهم فرصة الإيمان والهداية، فأبوا إلا الفسق والعصيان والجحود والكفران. قوله: {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ} [الكهف:59] قرئ (مَهلِكِهم) و (مَهلَكِهم) و (مُهلَكِهم) والمعنى واحد، وكلها قراءات متواترة صحيحة، ومعناه: أنه جعل لهم مكاناً وموعداً، وهو يوم القيامة، يوم العرض على الله، وقد يكون هذا العذاب له موعدان، موعد في الدنيا وموعد في الآخرة، كما صنع بأهل القرى الماضية، وكما صنع بالأمم السابقة.
الكهف [60 - 62]
تفسير سورة الكهف [60 - 62] كان سيدنا موسى عليه السلام من أولي العزم، ولكنه لما افتخر بعلمه أعلمه الله بمن هو أعلم منه وهو سيدنا الخضر عليه السلام، وكلفه الله تعالى السفر إليه ليتعلم منه، وجعل له علامة على مكان وجوده، فأخذ فتاه يوشع بن نون وسافر يبحث عن الخضر عليه السلام.
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين)
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين) قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} [الكهف:60]. ندخل الآن في القصة الثالثة من سورة الكهف، وهي قصة الخضر وموسى عليهما السلام، فالله جل جلاله يقص علينا هذه القصص -قصص الأنبياء والصالحين والكافرين والمجرمين- لنتخذ منها العبرة، ولنتخذها درساً في حياتنا ومآلنا، وإعداداً لآخرتنا، لا لنتفكه، ولا لمجرد الحكاية والقصة؛ ولذلك فإن الله جل جلاله لا يتبع التفاصيل كما يفعل أصحاب القصص، ما اسم زيد؟ ما اسم عمرو؟ في أي سنة كان؟ ما اسم كلبهم؟ ما اسم أمه وأبيه؟ هذا خارج عن العبرة والعظة؛ ولذلك لا يلتفت القرآن له ولا يهتم به، وإنما يذكر العظة والعبرة لنتخذها دروساً كما مضى في النصف الأول من كتاب الله في جميع قصصه. واذكر يا محمد (إذ قال موسى لفتاه) أي: موسى بن عمران، من أولي العزم من الرسل، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم جميعاً الصلاة والسلام، وكان موسى من أكابر الأنبياء، فهو كليم الله جل جلاله، وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام كلمه الله في ليلة الإسراء عندما أمره بالصلاة، وكان ذلك بلا واسطة من جبريل؛ ولذلك ما من منقبة ذكرت في نبي من الأنبياء إلا وكان مثلها وأعظم لنبينا عليه الصلاة والسلام. قوله: (إذ قال موسى لفتاه)، وفتاه نبي من الأنبياء، هو يوشع بن نون، كان خادماً له، وهذا شأن الكبار من العارفين بالله أنبياءً ورسلاً وعلماء، فلقد كان مع رسول الله عليه الصلاة والسلام جمع من الصحابة ذوي المقامات العلية كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد واذكر لهم هؤلاء الأخيار الأكابر، وهؤلاء السادات الأعاظم، وهؤلاء الذين هم أفضل الخلق بعد الأنبياء على الإطلاق. وقد قال عليه الصلاة والسلام: (خير القرون قرني) أي: خير قرون الأرض على الإطلاق القرن النبوي الذي بزغ فيه هذا العربي الهاشمي صلوات الله وسلامه عليه في هذه البقاع المقدسة، وقال: يا أيها الناس! إني رسول الله إليكم جميعاً، فكان أصحابه لشرفه شرفاء وعظماء، فكانوا أعظم الناس بعد الأنبياء على الإطلاق. وقد أقسم الله بعصره كما في أحد التفاسير: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:1 - 2] أقسم بعصر محمد عليه الصلاة والسلام، وقيل: أقسم بوقت صلاة العصر؛ لأنها هي الصلاة الوسطى، كما ثبت ذلك نصاً في صحيح مسلم. قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} [الكهف:60] أنزل الله جل جلاله أنزل ما من هذه القصة، وهي قصة موسى والخضر، فموسى سماه باسمه ولم يقل: ابن فلان، والخضر لم يسمه، فلم يكن فيه نزاع أنه الخضر، وأما موسى فقد قال قلة إنه ليس موسى بني إسرائيل، ولكنه موسى بن موسى، هذا قول قاله أحد من أسلم وكان يهودياً، وهو نوف البكالي ربيب كعب الأحبار، ولكن عندما بلغ ذلك ابن عباس قال: كذب عدو الله! فكذبه ووصفه بعداوة الله، وكأن في نفس ابن عباس من كعب أشياء، كما كان ذلك عند العباس عم النبي عليه الصلاة والسلام كان عند عائشة أم المؤمنين وكما كان عند عمر أمير المؤمنين، وكما كان عند معاوية ملك الشام ومؤسس الأمويين. فقال ابن عباس: كذب عدو الله، وقال له ذلك سعيد بن جبير؛ فقال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب (حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قرأ سورة الكهف أنه موسى بن عمران) وأما أنه موسى بن موسى فهذه من الإسرائيليات، ولا دليل عليها، وهي كذب وهراء، وقد كذبها حبر القرآن ابن عباس. لقد كان موسى يخطب يوماً في قوم حتى خشعت قلوبهم تأثراً بالموعظة الحسنة، وبعد أن انتهى من الخطبة تبعه أحد المعجبين بكلامه وعلمه ومعرفته، فقال له: يا رسول الله! هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: لا أحد. وإذا بالله الكريم بعد ذلك يعاتبه ويقول له: بلى عبدنا الخضر، والرواية في مسند أحمد، وفي صحيح البخاري ومسلم رواها أبي وغيره من الصحابة الكبار والصغار رضي الله عنهم جميعاً، والقصة مغزاها الأول واضح، والآن نأتي إلى المغازي جميعاً بعد نهايتها، فمنها: أنه إذا كان الله جل جلاله لم يقبل من موسى -وهو أحد أولي العزم من الرسل- أن يقول: لا أحد أعلم مني في الأرض، فكيف بغيره. وإذا بموسى يبتدئ طلب العلم وكأنه تلميذ جديد دخل المدرسة الابتدائية، وكان ذلك إيثاراً من الله بأن يذهب موسى ويتعرف على الخضر ويتعلم من علومه ومعارفه، فسأل ربه وقال: يا رب! اجمعني بهذا، فقال: خذ حوتاً زاداً للطريق، واجعله في مكتل، وفي مجمع البحرين عند صخرة هناك سوف تفقد الحوت، فتلك علامة كانت لموسى في وجود الخضر. والخضر عبد من عبيد الله، وهو يتنقل في هذه الأرض من قبل موسى لا مكان له ولا منزل، وهو في مختلف البقاع شرقيها وغربيها، يعبد الله ساجداً قائماً راكعاً موحداً مقدساً، وقالوا عنه: يعيش بشربة ماء من زمزم مرة في العام. وقد عرفنا موسى وقصصه في كتاب الله، أما الخضر فلم يذكر مرة أخرى، ولولا أن النبي صح عنه أن هذا العبد الذي أخبر الله موسى عنه لقلنا هو عبد من عبيد الله الله أعلم من هو، وما اسمه، وهل لا يزال موجوداً. وقد قال قوم: إن الخضر ابن آدم مباشرة، وقيل: ابن نوح، وقيل: من بني إسرائيل، أي جاء بعد إبراهيم من سلالة إسحاق، وقيل: هو أمير ابن ملك، وقيل: ليس اسمه الخضر وإنما هي صفة، فقد كان يتعبد الله في قطعة من الأرض لا نبات فيها ولا خضرة، فيبقى يدعو الله وهو يبكي بدموعه حتى تسقى الأرض بدموعه فتنبت، فيصبح وكأنه على فروة خضراء من النبات، وكأنه على جلد أخضر، فسمي الخضر من أجل ذلك. هل لا يزال حياً؟ أما أصحاب الآداب والرقائق فيكادون يجمعون على أنه لا يزال حياً، ويحكون عجائب وغرائب في ذلك، وأما أهل الدليل والبرهان والمحدثون، فقد خصه برسالة الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني إمام المحدثين، الذي لم يأت بعده مثله، وقد كان في القرن التاسع، وقليل نظراؤه فيمن تقدموه، فقد ترجم له في كتابه الإصابة في تراجم الصحابة، بناءً على قول من قال: إنه بقي إلى العصر النبوي، وأنه جاء إلى رسول الله مؤمناً به عليه الصلاة والسلام، وكانت رسالته مستقلة، وأظنها قد طبعت، وتجاوزت مائة ورقة، وقد طبعت ضمن كتاب فتاوى السيوطي فيما يسمى الحاوي في الفتاوي. ثم هل كان عالماً عارفاً بالله وولياً فقط أو كان نبياً؟ الكثيرون يقولون: إنه كان نبياً، وكثرة أيضاً قالوا: إنه كان ولياً، ولكن ظاهر القرآن وسياقه يدل بما يشبه اليقين أنه كان نبياً. ولنعلم أن فئة الرسل والأنبياء أشرف الخلق، أما الأولياء فهم طبقة ثانية بعد الصحابة، فالصحبة مقامها عزيز جليل. فهل الخضر لا يزال حياً؟ وأتى بعضهم بأحاديث كثيرة لم يسلم سند حديث منها من مقال تدل على أنه جاء إلى رسول الله وآمن به، يقول ابن حجر: لو كان الخضر حياً لكان لابد من أن يأتي إلى رسول الله فيؤمن به؛ لأن الرسول نبي إلى جميع الخلق ممن أدرك حياتهم، فلا يسع الخضر إذا ظهر رسول الله وخاتم الأنبياء إلا أن يأتي مسلماً مستسلماً. ولقد قال عن موسى وهو من أولي العزم: (والله لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي) وعيسى سينزل في آخر الزمان كما جاء في القرآن والسنة فيكون على دين محمد، فيحج حجنا، ويستقبل قبلتنا، ويقتدي بأئمة المسلمين، فكيف يكون الخضر حياً ولا يأتي إلى رسول الله مسلماً ومؤمناً؟! ومن هنا مال الحافظ إلى قول من أتى بأنباء وأخبار أخرى عمن ذكر عن نفسه -وهم مشهورون بالصلاح والصدق- أنهم اجتمعوا بالخضر فحدثهم وحدثوه، لكن لابد أولاً من معرفة هل كان حياً أيام رسول الله؟ فإذا لم يكن حياً فكل ما يذكر من بعد يجب أن نقابله بالشك والارتياب، وإن كان حياً فلا يسعه بحال من الأحوال إلا أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وعلى هذا الأساس بحث العلماء والمحدثون، وأصحاب الأدلة والبراهين، فهو عند المحدثين لم يكن حياً أيام رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومع ذكر الكثير ممن ينتسب للعلم والإمامة في العلم عن شيوخهم وعن علماء عارفين أنهم رأوه، وتحدث إليهم وتحدثوا إليه. ولكن لابد أن يصاحب الدليل، وأن يعنى بالسنة، ومن لا يقبل الكلام هكذا على عواهنه فعليه أن يبحث المقدمة الأولى: هل أدرك الحياة النبوية؟ فإن كان الخضر قد أدرك الحياة النبوية فهو لا شك بعدها، وإذا لم يكن كذلك فمعناه أنه لم يكن في الحياة النبوية؛ لأنه لو أدركها لآمن به. المقدمة الثانية: من المعروف الصحيح المتواتر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يبقى على وجه الأرض أحد ممن هو عليها الآن)، وقد قال هذا قبل موته بسنة أو سنتين؛ ولذلك حسبوا وتتبعوا فقالوا: من كان في هذا الوقت ممن رآه رسول الله أو رأى رسول الله فقد توفي، وهذا أبو الطفيل عامر بن واثلة من صغار الصحابة قالوا عنه: إنه كان آخر الصحابة موتاً، حيث مات على رأس القرن الأول من الهجرة، وعندما قال هذا الحديث عليه الصلاة والسلام قالوا: كان عمر الطفيل سنتين أو ثلاثاً، وعاش بعد تمام القرن بسنتين أو ثلاث ليتم القرن. قالوا: فلو كان الخضر موجوداً لجاء مبايعاً مسلماً مستسلماً لرسول الله مؤمناً بأنه رسول الله إليه قبل أ
تفسير قوله تعالى: (فلما بلغا مجمع بينهما)
تفسير قوله تعالى: (فلما بلغا مجمع بينهما) قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} [الكهف:61] أي: بلغا مجمع البحرين {نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} [الكهف:61] الناسي في الحقيقة هو يوشع، وهو الذي بيده مكتل الطعام والزاد، وعندما يقال: أخذوا الزاد، لا يكون الزاد إلا في يد واحد، ولكن ينسب إلى الكل حمل الزاد، فينسب العمل إلى الجماعة أو الرفقة. كذلك نسبة النسيان ستمسهما، بل ستضر موسى الذي هو صاحب القصة والشأن. (فاتخذ سبيله) أي: الحوت خرج من المكتل واتخذ طريقه (في البحر سرباً)، السرب: الكوة والطاق، كما نقول الآن: النفق. فقد وصل إلى مكان فيه عين الحياة، ولعل الماء فوار، فمس الحوت من هذا الماء الفوار قطرات فإذا به يعيش ويحيا، قالوا: ومن الغريب أن موسى قد أكل منه، وليس هذا في الآية، ولابد أن يكون الشأن كذلك، لأنه لم ينقطع عن الأكل من سيناء إلى أن بلغ مجمع البحرين، ومشيه إما على دابة أو على رجليه، وذلك سيحتاج إلى فترة طويلة. قوله تعالى: {نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} [الكهف:61] أي: قفز الحوت بعد أن رش بماء الحياة بالصدفة فاتخذ سبيله في البحر سرباً، وصار هناك نفق في الماء الذي مسه واتصل به فأصبح مجوفاً بحيث أخذ يجر وينسحب وينزلق، والماء مع ذلك مفترق، فيصبح فيه كأنه الصخرة داخل الماء. فبقي الحوت محصوراً إلى أن يعود موسى، {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} [الكهف:61] اتخذ طريقاً ونفقاً ونافذةً في داخل الماء.
تفسير قوله تعالى: (فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا)
تفسير قوله تعالى: (فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا) قال تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف:62]. فلما جاوزا: أي: تجاوزا المكان الذي نسيا فيه الحوت. قوله تعالى: {قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف:62] غضب موسى فهو من فطرته وطبعه غضوب، حيث تحاج مع آدم ودار بينهما كلام، وكان بينه وبين قومه وهارون كلام، وأخذ بلحيته يجره إليه، ورمى الألواح التي أتى بها عن موعد ربه بعد أربعين يوماً فكسرها، ولطم ملك الموت ففقأ عينه، وانتصر لإسرائيلي على خصمه في مصر فضرب قبطياً فقتله، قال تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص:15] بضربة واحدة بيده، فكان قوياً، ولا تنسوا قصته مع بنتي شعيب عندما جاء إلى البئر ورفع بمفرده صخرة يعجز عنها عشرون رجلاً؛ ولذلك قالت أحداهما لأبيها: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص:26].
الكهف [62 - 70]
تفسير سورة الكهف [62 - 70] في رحلة سيدنا موسى عليه السلام لطلب العلم كان الله تعالى قد جعل له علامة يعرف بها أين يلقى سيدنا الخضر عليه السلام لكنه تجاوز ذلك، فلما تذكر عاد يقص الأثر حتى وجده وطلب منه أن يعلمه مما علمه الله.
تفسير قوله تعالى: (فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا)
تفسير قوله تعالى: (فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً) قال الله تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف:62]. لا نزال مع موسى نبي الله وكليمه، ومع الخضر نبي الله الصالح، ومع فتى موسى يوشع بن نون. لقد أمر الله رسوله موسى أن يأتي الخضر ليتعلم منه، ويعلم بذلك أن في الأرض من هو أعلم منه، ولو أنه من أولي العزم من الرسل. ونحن مع موسى وقد صحب معه فتاه النبي يوشع بن نون وقال له: {لا أَبْرَحُ} [الكهف:60] أي: لا أزال أمشي وأسافر وأقطع الفيافي والبراري والقفار إلى أن أصل إلى مجمع البحرين كما قال لي ربي، وأجتمع بعبده الصالح الذي عنده من العلم ما ليس عندي، فإما أن أصل وإما أن أبقى ماشياً مسافراً ولو أحقاباً وأزماناً ودهوراً. (فلما جاوزا) أي: جاوزا بالمشي وبالانتقال وبالسير إذا بالغلام يوشع يفر منه الحوت حين مس ماء الحياة، ويقفز إلى داخل البحر حيث يصبح سرباً وطاقاً وممراً يدخل به البحر. (فلما جاوزا) أي: فلما تجاوز موسى وغلامه يوشع مجمع البحرين وهو المكان الذي تواعد فيه مع ربه ليلقى فيه الخضر، والعلامة الحوت الذي كان طبيخاً مملحاً، يعود للحياة فيفر من بين يدي غلام موسى ويجعل لنفسه سرباً ونفقاً داخل البحر، ويوشع نسي الحوت ولم يقل ذلك لموسى بن عمران، وموسى لم يشعر بالجوع حتى جاوز مجمع البحرين، أي: حتى جاوز طنجة وأفريقيا، ولعله دخل في الأرض التي سميت بعد ذلك الأندلس والتي فتحها المسلمون أيام الوليد بن عبد الملك. وبعد أن جاوز موسى ويوشع مجمع البحرين شعر موسى بالجوع فقال لفتاه ولغلامه: (آتنا غداءنا) الغداء: هو الطعام غدوة، والعشاء الطعام عشية، وقوله: (آتنا غداءنا) معناه أن ذلك قد كان في وقت البكور. وقال مع ذلك: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً)، أي: لقينا في هذا السفر إلى عبد الله الصالح الخضر تعباً ومشقة، وقد كانت المسافة طويلة جداً من سيناء إلى المغرب، وقد كان موسى مع أتباعه بني إسرائيل في التيه، ولم يصل إلى القدس، وإنما وصل كما قلنا إلى أريحا حيث مات فيها، كما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه في ليلة الإسراء رأى موسى يصلي عند الكثيب الأحمر في قبره في أريحا، وقال: (لو كنت هناك لأريتكم مكانه). فذهب من هناك إلى مجمع البحرين: البحر الأبيض المتوسط، والبحر المحيط، قال هذا محمد بن كعب القرظي، وقال هذا الصحابي الجليل المقرئ العالم أبي بن كعب، وسيأتي معنا بعد ذلك اسم القرية التي دخلوها واستطعموا أهلها فأبوا أن يضيفوهما. قال أبو هريرة عن هذه القرية: إنها بلدة في الأندلس. إذاً: ثلاثة من كبار القوم صحابيان جليلان وتابعي مفسر، كلهم قالوا: إن المكان الذي كان عند مجمع البحرين هو في أرض أفريقيا في شمالها الفاصل بين قارة أفريقيا وقارة أوروبا.
تفسير قوله تعالى: (قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت)
تفسير قوله تعالى: (قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) قال الله تعالى: {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} [الكهف:63]. يقول يوشع: يا مولاي يا رسول الله أرأيت؟ أي: هل فكرت ونظرت؟ وهل خطر لك ببال أننا عندما وصلنا الصخرة فر الحوت عندما أصيب بماء هناك من عين تسمى عين الحياة، وهذه العين هي التي سبق للخضر أن شرب منها، وهي في أقصى الدنيا، وذلك عندما كان على مقدمة ذي القرنين، ويأتي هذا في القصة التالية، ومن شرب من هذا الماء عاش آلاف السنين، كما حصل للخضر وحصل أيضاً لإلياس، وكما عادت الحياة في هذا الحوت بسبب هذا الماء. وقوله: {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} [الكهف:63] أي: أخطر لك ببال أننا عندما استرحنا عند الصخرة إذا بالحوت يقفز من المكتل بعد أن أصابه ماء من عين أخذت أتوضأ منها، وإذا به يقفز ويدخل البحر، ويتخذ سرباً وطريقاً يفر الماء منه، فيصبح طريقاً لا ماء فيه، يصبح كأنه الممر في الأرض داخل البحر. ثم قال يوشع لموسى: ونسيت أن أخبرك بأن الحوت دخل البحر واتخذ سرباً ونفقاً وممراً فيه، وما أنساني أن أقول لك ذلك إلا الشيطان. وهذا من أدب المسلم فضلاً عن أدب النبوة، أن ينسب الخير لله والشر لغيره، على أن الله جل جلاله خالق الخير وخالق الشر، وقد قدر الكل في الأزل. وإذا بموسى لم يغضب على فتاه، بل قال: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} [الكهف:64] أي: كان هذا هو العلامة بينه وبين ربه، أن يفر الحوت من المكتل، وأن يتخذ سرباً ونفقاً في البحر، يكون سرباً له وعجباً لنا. وقوله: {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف:64] وإذا بموسى وقد تجاوز مجمع البحرين عاد قصصاً متخذاً الآثار والعلامات فرجع من حيث أتى. وقوله: (قصصاً) القصاص هو الذي يتبع آثار السارق وآثار المطلوب وآثار الفار، وللعرب في هذا علم وخبرة قليل نظيرها عند غيرهم، كانوا ولا يزالون كذلك. فارتد موسى ومعه مولاه على آثارهما، ورجعا من نفس الطريق الذي سافرا عليه، وتتبعا أثر ما مشيا عليه من موطأ الأقدام والنعال.
تفسير قوله تعالى: (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا)
تفسير قوله تعالى: (فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا) قال الله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف:65]. وجد موسى طلبته ووجد بغيته وهو الخضر، بعد أن تعب ولقي نصباً، وبعد أن سافر أشهراً طوالاً، ومن لذة الوجدان والحصول على المقصود وجد نشاطاً في ذلك، وأخذ يعطي معه ويأخذ. قوله: (فوجدا) أي: وجد موسى ويوشع، وسينقطع ذكر يوشع من هذه الفقرة في هذه الآية. {عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف:65] لم يسم الله هذا العبد، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري ومسلم وبقية الكتب الستة سماه الخضر، وقد قيل: هو ابن آدم مباشرة، وقيل: ابن نوح، وقيل: من بني إسرائيل، وقيل: كان ملكاً، وقيل: كان حاكماً، وقيل غير ذلك. وكما قلت: من هدي القرآن الكريم عندما يأتي بالقصة لا يراد منها ما يراد من القصص عادة، وإنما يراد منها ما كان عبرةً وعظةً ودرساً للسامع، أما الأسماء والأزمان والقبائل فلا حاجة لذكرها؛ لأنه لا صلة بينها وبين العبرة والعظة والحكمة. إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام سمى هذا العبد فقال: هو الخضر، وكما مضى ذلك مبيناً، يقول الله عنه: (آتيناه رحمة من عندنا) أي: أنعمنا عليه بها، ما هي هذه النعمة؟ هي الولاية أو النبوءة؛ لما سيظهر معنا في آخر القصة عندما يقول: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف:82] وهذا يدل دلالةً واضحةً ظاهرة بأنه كان نبياً موحى إليه، وقد قيل في حديث فيه ضعف: كان رسولاً كذلك، ولكن الحقيقة والصحيح وما يدل عليه ظاهر الآي أنه كان نبياً موحى إليه. وما عمله من قتل غلام لم يبلغ الحنث بعد، ومن خرق سفينة كان يركبها مساكين، فهذا العمل ليس بعمل ولي، ولو فعله الولي ولم يكن موحى إليه، لكان ذلك نتيجة الإلهام كما قال من قال عنه ولي، والإلهام لا يصل لدرجة الوحي، ولو صنع هذا في الأمة المحمدية رجل ولو كان من الصحابة، وقال: قتلت الطفل الفلاني؛ لأنني ألهمت أنه سيكون عاقاً لوالديه، فأردت أن أريحهما من طغيانه وكفره، لقلنا: إن الغيب لا يعلمه إلا الله، والوحي قد انقطع بعد محمد صلى الله عليه وسلم، والإلهام لا يجوز أن يكون معه هذا؛ لأن الإلهام يخطئ ويصيب، وليس كذلك الوحي. وقوله: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} [الكهف:65] أي: آتاه النبوة والحكمة والوحي. وقوله: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف:65] أي: علمه العلم اللدني الذي لم يتعلمه من شيخ أو من كتاب، ولكنه علم من الله علمه إياه بطريق الوحي، فكان بذلك الخضر أحد أنبياء الله الذين ذكروا في القرآن من غير أن يسموا، ولكن سماه من أنزل عليه القرآن ليبينه للناس صلى الله عليه وسلم. وبهذا يكون قد أشاد الله جل جلاله بعبده هذا الذي لقيه موسى، وأنه كان من العلماء النبيين، وقد أكرمه الله بعلم من عنده ولم يكرم به سواه، بل لم يكرم موسى بمثل ذلك. وإذا بموسى يقف على الخضر ويجده ممتداً على فروة خضراء من الحشيش، في ثوب جعل طرفه كالمخدة عند رأسه، والطرف الثاني غطى به رجليه، فقال له: السلام عليك، فقال: وعليك السلام، ما بأرضك السلام؟ من أين لك بالسلام؟ وكان المكان الذي فيه الخضر ليس فيه إلا كافر ومشرك لا يعلم سلاماً ولا يعلم تحيةً بسلام؛ ولذلك عجب الخضر، فأجابه عن السلام وقال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. هكذا في الحديث الصحيح.
تفسير قوله تعالى: (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا)
تفسير قوله تعالى: (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً) قال الله تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف:66]. تكلم موسى مع الخضر على جلالة مقامه ورسالته العظيمة، وتأدب معه أدب الطلاب المهذبين، فقال له: هل توافق على أن أصحبك لتعلمني مما علمك الله؟ {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف:66] أي: على أن تعلمني مما علمك الله، رشاداً وهدايةً، مما كنت لم أعلمه قبل، وذلك عندما سئلت من أعلم منك؟ فقلت: لا أحد. فموسى عنده علم اليقين، والخضر عنده عين اليقين، فاشتاقت نفس موسى على أن يقف على عين اليقين، فقال له: بكل أدب واحترام: (هل أتبعك) أي: أتوافق أن أكون تابعاً لك، طالباً لعلمك، مستفيداً مما علمك الله، بما يرشدني ويهديني ويزيل عن نفسي ما كان بها، عندما لم أستثن العلم لأحد سواي؟ فقال له الخضر: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف:67]. ثم إن الخضر أخذ يدل على موسى بعلمه، وإذا بموسى يلح على الخضر، فأخذ الخضر يقول له من أول مرة: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف:67] أي: ليس في قدرتك أن تصبر على علمي. ومعنى ذلك: سوف تستنكر وتعترض عليه، ثم اعتذر له فقال: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} [الكهف:68] أي: أنت معذور، كيف يمكن أن تصبر على شيء لم تحط بحقيقته، ولم تعرف ظواهره ودواخله، وستراه لأول مرة في ظاهره منكراً من الفعل والقول، فلا يكاد يقبله عاقل فضلاً عن نبي ورسول، فأنا أعذرك بأنك ستستنكر وسوف لا تصبر، فكيف الآن تطلب مني أن أعلمك ما لا يمكن أن تعلمه. وفي الصحيح أنه قال له: في التوراة التي أنزلت عليك كفاية من العلم، وإن في قومك بني إسرائيل لما يشغلك ويكفيك عني وعما عندي من علم، ولكن موسى ألح على الخضر وقال له: بذاك أمرني ربي، فاضطر الخضر للاستجابة له، بعد أن أنذره وحذره وقال: ما أراك ستصبر وما أراك ستتحمل علمي الذي لم تحط بحقيقته ولا بظواهره وبواطنه.
تفسير قوله تعالى: (قال ستجدني إن شاء الله صابرا)
تفسير قوله تعالى: (قال ستجدني إن شاء الله صابراً) قال الله تعالى: {قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [الكهف:69] استثنى من البداية؛ لأن موسى علم من نفسه أنه لا يكاد يصبر على ما لا يراه علماً، وما لم يؤمن به حقيقةً، فابتدأ بالاستثناء قبل المستثنى منه، قال: (ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً) وتعهد له بشيء أيضاً سوف لا يستطيعه ولا ينفذه ولا يقوم بحقيقته، فوعده وعدين وعلق بالمشيئة بأنه يصبر وبأنه سوف لا يعصيه، فيوافقه في كل ما يأمره به، وإذا بـ الخضر يشترط عليه ويوافقه موسى وهو لا يزال متردداً. فقال الخضر لموسى: {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي} [الكهف:70] لم يقل له: (اتبعني)، والمعنى: إن أنت أبيت إلا هذا وإن أنت تحملت الصبر كما تقول، وإن أنت أطعتني كما استثنيت، فأنا أشترط عليك أن تكون تابعاً لي لتسمع من علمي ولتستفيد من حقائق ما عندي. {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف:70] أي: لا تكن فضولياً، سأفعل أمامك ما أفعله، دعني أتكلم، دعني أعمل، ولا تسألني لم هذا؟ (حتى أحدث لك منه ذكراً)، وعندما أنتهي سأقص عليك بواطن وأسرار جميع ما قلت وجميع ما فعلت وصنعت، ولكن لا تستعجل من أول قضية تسألني وتعارضني وتستنكر عملي. قال الخضر: (إن اتبعتني فلا تسألني عن شيء) أي: أيُّ شيء، وكلمة شيء نكرة تدل على أن الخضر اشترط على موسى اشتراط العالم على الطالب: (لا تسألني) أي: لا تعترض قولي إلى أن أنتهي وأحدث لك منه القول والبيان والشرح الذي يذكرك ويوضح لك عملي، ويكشف لك الحقائق والبواطن. فوافق موسى على هذا الشرط، وقبل الوعد بعمل شرط الخضر، وأخذا يقطعان الفيافي والبراري والقفار والبحر. ومن هنا انقطع ذكر يوشع وسيبقى الكلام عن موسى فقط والخضر، وليس معنى ذلك أن يوشع ذهب، ولكنه كتابع لا حاجة لذكره، وذكر عندما احتيج للحوت والحفاظ عليه، وللجواب على النصب والسفر والتعب، أما وقد وجد موسى بغيته وطلبته، فإن يوشع لا وظيفة له إلا أن يكون تحت الطلب عند الاحتياط.
الكهف [71 - 82]
تفسير سورة الكهف [71 - 82] اشترط سيدنا الخضر على سيدنا موسى عليهما السلام شروطاً يلتزم بها إذا رافقه، ثم انطلق معه مسافرين حتى ركبا البحر، ثم بدأ الخضر عليه السلام يعمل حسب ما يأمره الله، فكان موسى لا يصبر على السكوت عما ظاهره المنكر حتى فارقه الخضر وذكر له تأويل ما لم يستطع عليه صبراً.
تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها)
تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها) قال الله تعالى: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} [الكهف:71]. أي: قام الخضر وقد كان نائماً وقال لموسى: الحقني واتبعني، فأخذا يبحثان عن سفينة ليركباها، وموسى يمتثل، بعد أن اجتمعا في طنجة عند صخرة كبيرة، وهي ما تسمى اليوم بجبل طارق، وفي المقابل الآخر الجزيرة الخضراء وملقا من أرض الأندلس، وسيقول لنا أبو هريرة قريباً بأن القرية التي لم تضيفهما كانت في الأندلس. قوله: {فَانطَلَقَا} [الكهف:71] أي: انطلقا ماشيين مسافرين متنقلين، وأخذا جهة الشاطئ يبحثان عن سفينة، فوجدا سفينة فركباها، {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا} [الكهف:71] أي: قام الخضر وجاء إلى خشبة في عمقها ومعه قدوم فكسرها. وهذا العمل يدل على أنه يريد إغراق السفينة بمن فيها وموسى معهم، وإذا بموسى ينسى شرطه، وينسى وعده بأنه سيصبر، فصاح مستنكراً فقال له: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} [الكهف:71] أي: كأنه لم يعد صالحاً ولا نبياً، وإنما أصبح كمجرم يريد قتل هؤلاء الركاب في السفينة جميعاً، فقال له: أتريد من خرقك لها أن تغرقها وتغرق أهلها؟ {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} [الكهف:71] أي: شيئاً عظيماً منكراً. فهو لم يكتف بأن يستفسر عن هذا الفعل، بل استنكره واتهمه بأنه يريد إغراق الركاب، ثم اتهمه بأنه أتى منكراً من العمل، قال موسى: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} [الكهف:71] وإن كان المفسرون قد قالوا إن هذه اللام ليست لام التعليل، وإنما هي لام العاقبة، ولكن ما أظن موسى يقصد العاقبة؛ لأن موسى بحدته اتهمه بأنه يريد إغراق هؤلاء الناس، ولولا أن الله أمره لما تحمل هذا العذاب الشديد في اتباعه. وإذا بـ الخضر كان أهدأ منه عصباً وكان عنده رزانة المعلم، وكان موسى عليه الصلاة والسلام فيه حدة الطالب، فقال له الخضر: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف:72] أي: ألم أقل لك من قبل عندما طلبت أن تكون تابعاً لي متعلماً من علمي، مسترشداً من رشادي، ألم أقل لك: إنك لن تستطيع معي صبراً؟ ولم يقل: إنني اشترطت عليك ألا تسأل عن شيء حتى أبينه لك، مع أنه اشترط عليه ألا يسأله عن شيء حتى يحدث من نفسه ذكر البيان. وإذا بموسى يقول له: {لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} [الكهف:73]، فأخذ يعتذر ويقول: إنني نسيت فلا تحملني ما لا أطيق، ولا تصعب علي عشرتك وصحبتك وطلبي للعلم منك، فقبل الخضر الغلطة الأولى وسكت، فتابعا الرحلة ونزلا من السفينة. وقبل ذلك لم يذكر الله لنا موقف الركاب عندما رأوا الخضر يأتي إلى السفينة فيخرقها ويعيبها، ويغرقها، وكان الشأن أن يثوروا في وجهه، وأن يرموه في البحر ويقوموا بإصلاح السفينة، ولكن الذي حدث أنه خرق السفينة بأن أزال منها ركناً من الأركان من عمقها، وكان معداً أخشاباً، وبمجرد ما نزع هذا وضع هذا، لكن كان التركيب يظهر السفينة معيبة غير صالحة؛ لكي لا يقع طمع الطامعين في أخذها كما سيأتي بعد. ولكن موسى بادر وأخذ ثوبه وأراد أن يسد هذا الثقب والخرق بثوبه، وماذا عسى أن يصنع الثوب، قد يأتي حوت ويسحبه إليه يظنه لحماً أو طعاماً، ولكن النتيجة أن السفينة لم تغرق، والركاب لم يهلكوا، وموسى لم يحصل له شيء.
تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله)
تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله) قال الله تعالى: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} [الكهف:74] أي: أخذا طريقهما منطلقين مشياً ورحلةً وسفراً، {حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ} [الكهف:74]، فكانت الفعلة الثانية أفظع من الأولى. فقد رأى الخضر غلماناً يلعبون فجاء إلى أجملهم وأذكاهم وأوضئهم، وكان دون البلوغ بين العشر والتسع سنوات فقتله، وإذا بموسى عندما رأى هذا المنظر نسي مرة أخرى وصاح: {قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} [الكهف:74] ما هذا يا خضر؟ لقد أتيت إلى طفل صغير، (نفس زكية) أي: لم يعص الله بعد فقتلته بغير نفس، ولم يسبق أن قتل نفساً أو أجرم جرماً أو أذنب ذنباً. (لقد جئت شيئاً نكراً) أي: جئت شيئاً مستنكراً مستفظعاً لا يقبله إنسان.
تفسير قوله تعالى: (قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا)
تفسير قوله تعالى: (قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً) قال الله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف:75]. هذه أول آية من الجزء السادس عشر من كتاب الله، قال الخضر مرة أخرى لموسى نبي الله: ألم أقل لك يا موسى إنك لن تستطيع معي صبراً، أي: أنت لا تطيقه ولا تتحمله، وإذا بموسى يكتم على نفسه هذه فيقول له: {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} [الكهف:76]. أي: إن أنا عدت مرة ثانية وسألتك أو استنكرت عليك فعل شيء فلا تصاحبني، (قد بلغت من لدني عذراً)؛ لأنك صبرت على المرة الأولى والمرة الثانية وهذه المرة الثالثة، فيكون عذرك معك.
تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها)
تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها) قال الله تعالى: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف:77]. لما انطلق الخضر ومعه موسى وصلا إلى هذه القرية جائعين لا زاد معهما، وإذا بـ الخضر وموسى يطلبان من أهل هذه القرية الغداء أو العشاء، فطلبا منهم الضيافة فامتنعوا وكانوا لئاماً، {فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} [الكهف:77] أبوا ضيافتهما وإكرامهما، وهما نبيان مكرمان: نبي الله موسى وهو من أولي العزم، ونبي الله العبد الصالح الخضر. فقام الخضر إلى جدار يريد أن ينقض، أي: يوشك أن ينهار، وإذا بـ الخضر يبني الجدار على الحائط بناءً جديداً. قال أبو هريرة: هذه القرية كانت مدينة في الأندلس، وهي خلف الضفة الثانية الملاصقة للصخرة التي سميت بعد ذلك بجبل طارق، حيث دخل منها طارق بن زياد المغربي البربري فاتحاً قبل مولاه موسى بن نصير للأندلس. قالوا: والذي أطعم الخضر وموسى وأضافهما امرأة مغربية من البربر، فدعا موسى والخضر على أهل هذه القرية، ودعوا لهذه المرأة بالبركة وفيضان البركة؛ لما تحلت به من الكرم والجود. وذكر في التاريخ أن الأندلس اشتهرت قديماً وحديثاً، سواء في عصر الإسلام وقد عاشت ثمانية قرون، أو بعد ذلك وهي عائشة فيه منذ خمسمائة عام في الكفر والردة والنصرانية، فقد اشتهر الأندلسي واليوم الأسبان والبرتغال باللؤم والجوع والبخل، وهذا مما يؤكد أن المدينة كانت أندلسية. ودعا الخضر وموسى للمرأة البربرية المغربية، وقد اشتهر المغرب قديماً وحديثاً وإلى الآن بالكرم والجود ومد الموائد، الفقير منهم والغني سواء. قوله: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ} [الكهف:77] أي: أن ينهار ويسقط {فَأَقَامَهُ} [الكهف:77] أي: أتم بناءه، وإذا بموسى مرة ثالثة ينزعج ويقول: (لو شئت لاتخذت عليه أجراً)، يعني: هؤلاء اللئام الذين منعونا الضيافة ومنعونا الطعام والغداء والعشاء، فتأتي أنت فتبني لهم هذا الحائط ويكلفك وقتاً وزمناً، وتسعى في حجارته وفي طينه وفي ملاطه، وكل هذا دون أجر، وهم لا يستحقون ذلك مع لؤمهم وبخلهم؟! وإذا بـ الخضر يحكم على موسى تنفيذاً لحكمه على نفسه: {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف:78] أي: الآن سأخبرك بأسرار وبواطن وتأويل وشرح وبيان هذه القضايا الثلاث التي لم تستطع صبراً على واحدة منها. قال النبي عليه الصلاة والسلام هنا: (رحمنا الله وموسى، لو صبر على الخضر لأعطانا من علومه ومن عجائبه) ولكن موسى لم يصبر، وكان يمكن أن يصبر، لكن هي الحكمة الإلهية في المغزى، وكان يمكن أن تكون واحدة، لكن الله ثناها وثلثها لتكون الحجة والحكمة البالغة. ومغزى القصة من الأصل: أن موسى عندما سئل: من أعلم منك؟ قال: لا أعلم، فقال الله له: بلى عبدنا الخضر، وعاتبه الله ولامه لِمَ لم يسند الأمر إليه ويقول: الله أعلم؟ فالله تعالى أراد أن يؤدبه تأديب الرب الخالق للمخلوق، والله يصنع ما يشاء مع عباده كيف شاء، فيأمر الله تعالى موسى رسول الله أن يسافر من المشرق إلى المغرب شهوراً وشهوراً، ويكابد تعباً ونصباً وجوعاً وعطشاً، ويكون تابعاً طالباً متتلمذاً متأدباً مع الخضر أدب الطلاب مع الأساتذة والمدرسين. ومع ذلك لم يصبر لا على واحدة ولا اثنتين ولا ثلاث، ولكن عندما أخذ الخضر يؤول أعماله ويفسرها ويذكر باطنها وحقائقها، قبل موسى منه ذلك؛ لأن الله أمره بذلك، وهو الذي أشاد به الخضر أن الله جل جلاله آتاه علماً من لدنه، ولا يسع العبد إلا أن يمتثل وينفذ أمر الله. قال: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف:78] أي: سأخبرك حقيقة الأمور الثلاثة التي استنكرتها واستغربتها.
تفسير قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر)
تفسير قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) قال الله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف:79]. كان هناك ملك طاغية جبار متسلط ظالم، يتسلط على الناس ويصادر أموالهم، كما يأخذ الظلمة الأموال الآن باسم التأمين؛ فالكفر ليس بجديد، فأخذ الأموال من الناس من قبل الحكام والكبراء والملوك كان قديماً ولا يزال إلى وقتنا، فالشيوعية التي تصادر أموال الناس باسم التأمين، والاشتراكية التي تصادر أموال الناس باسم التأمين، والتي تذل العامل والفقير والفلاح والمسكين باسم أنها تريد خدمته، وهي تكذب عليه، هذا نفس الذي أراد الخضر أن يزيله، ويقطع الطريق على هذا الظالم المتسلط، وقيل اسمه هدد بن بدد. قال تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} [الكهف:79] كان يملكها عشرة من الإخوة، خمسة كانوا مقعدين مرضى لا يستطيعون العمل، والخمسة الآخرون كانوا يعملون في السفينة فيستفيدون ويستفيد معهم إخوتهم المرضى، والخضر علم بعلم الله أن هذا البحر الذي فيه هذه السفينة قد تقع في يد ملك طاغية جبار يتعرض للسفن، وكان كلما رأى سفينة سليمة جديدة غصبها من أهلها. والخضر نبي الله، والأنبياء يكونون رحمة للعباد ورحمة للمؤمنين، فأراد أن ينقذ السفينة من هذا الملك الطاغية، وينقذ هؤلاء المساكين بإنقاذ السفينة، فجاء إلى السفينة فخرقها وعابها كما قال هو: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف:79] فهي عندما تكون معيبة وفيها خرق وثقب، فيراها هذا الملك الغاصب اللص قاطع الطريق، فسيزهد فيها ويتركها؛ لأنها لا تصلح. وقوله: (فأردت أن أعيبها وكان وراءهم) أي: وراءهم في البحر، (ملك يأخذ كل سفينة غصباً) أي: يأخذها غصباً وقهراً بغير حق، فبعمله هذا أنقذ السفينة وبقيت لهؤلاء المساكين. وهنا نفهم أن وجود سفينة لأفراد لا يزيل عنهم صفة المسكنة، فالمسكين قد يجد طعاماً وشراباً وسكناً، ولكن ليس عنده ما يكفيه في سنته أو في شهره، وفي الشرع أن المسكين يأخذ من الزكاة ما يكتفي به سنة إن شاء.
تفسير قوله تعالى: (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين) قال الله تعالى: {وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} [الكهف:80 - 81]. أي: علمه الله وأوحى إليه أن هذا الولد الوضيء الجميل الذكي ذا الملامح الأخاذة سيكون عند كبره وبلوغه عاقاً كافراً طاغيةً جباراً، وسيصيب أبويه المؤمنين الصالحين منه كل بلاء وكل ضرر وأذى. وقد يغلب حبهما وعطفهما له بأن يجرهما إلى الكفر، فرحمة بهما واستراحة من هذا الكافر سلط الله الخضر لقتله وقطع دابره قبل أن يظهر كفره وطغيانه وفسوقه وعصيانه وعقوقه. ثم قال: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا} [الكهف:81] أي: يبدل الله هذين الأبوين عن هذا الكافر الذي قتلته وأرحتهما منه خيراً منه زكاةً وأقرب منه إيماناً وصلاحاً ونماءً. وقوله: (وأقرب رحماً) أي: أقرب لصلة الأرحام وللطاعة والبر، وأبعد عن العقوق والكفر والطغيان. قالوا: وقد عوض الله هذين المؤمنين بنتاً جاريةً فكبرت وبلغت المحيض وتزوجت صالحاً، وأخرج الله من صلبها جماعةً من الأنبياء، عصراً بعد عصر وزماناً بعد زمان. وقال علماؤنا: ومن هنا يجعل الإنسان إرادته في إرادة الله، وهي معنى قوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:216]، فلا شك أن الأبوين عندما قتل ولدهما صاحا وبكيا وتألما وتوجعا، ولكن كان قتله خيراً لهما. ولذلك عندما يبتلى الإنسان -نسأل الله السلامة والعافية لنا ولكم جميعاً- ينبغي أن يعلم أن الرضا بالقضاء والقدر أصل الإيمان، ومن تمام اليقين والتوحيد، فإذا وقع ما يكرهه الإنسان فليعلم أن الله تعالى ما سلبك إلا ليعطيك، وما أخذ منك إلا ليزيدك، فيتقبل الإنسان ذلك بالرضا وبالقناعة.
تفسير قوله تعالى: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة)
تفسير قوله تعالى: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة) قال الله تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ} [الكهف:82]. قوله: (أراد ربك) تعم الثالثة والثانية والأولى، أي: فلست أنا المريد، ولست إلا آلة، ولست إلا مأموراً. قوله: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} [الكهف:82] هذان اليتيمان لم يبخلا، ولم يكونا يملكان من شيء؛ لأن أموالهما كانت تحت يد الوصي المشرف على أموالهما. {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف:82] كان أبوهما مؤمناً تقياً، ومن هنا نعلم أن الأبوة الصالحة ترجع بركتها على الأولاد والأسباط والأحفاد والذرية إلى قرون. قالوا: بأن هذا الأب كان السابع، وهذا ورد ولا أستطيع أن أقطع به، ولم يكن في القرآن مذكوراً، لكن الجد يسمى أباً إلى السابع والسبعين، ونحن نقول: أبونا آدم وهو الجد الأعلى، فيمكن أن يكون الأب السابع، ويمكن أن يكون الأب المباشر، ولكن الذي قال: إنه الأب السابع مجموعة من الصحابة والتابعين، وهذا لا يغير شيئاً من سياق القرآن ومن نظم الآيات، فإذا كانت بركة الأبوة الصالحة أفادت الذرية السابعة فما بالك بالأبوة الأولى والثانية والثالثة. ومعنى ذلك: أن الله يكرم الصالح في أولاده وفي أحفاده وفي أسباطه، فكيف إذا كان هؤلاء الأولاد والأسباط والأحفاد أبناء لمحمد صلى الله عليه وسلم؟! ولا ينكر هذا إلا غشوم أو جحود أو في نفسه شيء، فإذا كانت الأبوة الصالحة المطلقة أفادت البطن السابع، فكيف بالأبوة النبوية الرسولية الخاتمة، الأبوة التي هي سيدة الأبوات منذ كانت الدنيا وإلى يوم القيامة. ولذلك في الحديث المتواتر الذي نص على تواتره جماعة من العلماء كـ ابن تيمية وابن القيم والمزي وابن كثير والذهبي وطوائف من الحفاظ والأئمة أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله، وعترتي آل بيتي، لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض) أي: لن تفترق السلالة عن القرآن حتى يردا على النبي صلى الله عليه وسلم الحوض، (فانظروا كيف تخلفوني فيهما)، وهو في أمهات كتب السنة. وقوله: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا} [الكهف:82] هذا الكنز قال الأكثر: كان مالاً وعلماً، قالوا: كان لوحاً من ذهب مصمد، أي: غير مجوف، ومكتوب فيه حكم من الواجهتين، في إحدى الواجهتين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك وما يشبه هذا من التسبيح والتحميد والتمجيد والتعظيم. وكان في الوجه الثاني حكم أخرى في باب التوحيد. لا شك أن أعظم الكنوز كنوز العلم، ثم كان مالاً؛ هذه القطعة من الذهب تسوى الكثير، ولرحمة الله تعالى بهذه الأبوة الصالحة رحم أسباطها وأحفادها، فأتى الخضر مع نبي الله موسى ليشرفا على إخراج هذا الكنز الذي كان تحت هذا الجدار ولا يعلمه إلا الله، ولا يعلمه الغلامان الصغيران، لكن عندما وصل الخضر أصبحا مراهقين. {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ} [الكهف:82] أي: تحت الجدار، {كَنزٌ لَهُمَا} [الكهف:82] جاء الخضر وجدد بناء الجدار، وأخذ الكنز ولم يره موسى، لأنه لو رآه موسى لما انتقد بما انتقد ولما عارض بما عارض، ولما قال له: {لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} [الكهف:77]. لكن كان تحته كنز فأخذه الخضر وأعطاهما إياه. وقوله: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [الكهف:82] أي: أراد الله ولست أنا الذي أردت، فأنا لا علم لي إنما الله الذي علمني وهو الذي أمرني، وأراد ربك الرحمة بهذين المسكينين، فأمرني أن أصنع ما صنعت لهما؛ رحمة بهما؛ ليأخذا حقوقهما رحمةً من ربك. وكان هذان الطفلان قد بلغا أشدهما في الوقت الذي جاء الخضر فيه إلى هذا الجدار فأقامه، فهو هدمه ثم أعاد بناءه إلى أن صار قائماً مستقيماً وأخذ الكنز، {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} [الكهف:82] أي: يبلغا سن البلوغ، وأن يكونا عاقلين مدركين مع البلوغ. وأن يحسنا التصرف في مالهما. قال الخضر: (رحمة من ربك) أي: لم يكن ذلك إلا رحمة أرادها الله. ثم قال: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف:82] أي: ما فعلت ذلك من تلقاء نفسي. ثم قال: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف:82]، أي: هذا تأويل هذه القضايا الثلاث التي لم تستطع يا موسى أن تصبر عليها.
الكهف [83 - 88]
تفسير سورة الكهف [83 - 88] ومن الأخبار التي ذكرها الله في سورة الكهف قصة الرجل الصالح ذي القرنين، الذي جاب شرق الأرض وغربها، ومكن الله له فيها بتهيئة الأسباب وإخضاع الرقاب لملكه وسلطانه.
تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن ذي القرنين)
تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن ذي القرنين) قال الله جل جلاله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف:83]. عرفنا أن سبب نزول سورة الكهف أن فئة من كفار مكة ذهبوا إلى يهود المدينة يسألونهم ليمتحنوا النبي صلى الله عليه وسلم هل هو نبي حقاً أو أنه متقول؟ فقال له هؤلاء الكذبة الفجرة من يهود المدينة وهم لا يريدون امتحاناً ولا اختباراً وإنما يريدون التشهير والتعجيز: سلوا هذا الذي قال إنه نبي من بينكم: ما قصة الجماعة الذين خرجوا يوماً في الدهر فغابوا ولم يعودوا؟ ومن هو الرجل الذي طاف المشارق والمغارب؟ ومتى كان؟ واسألوه عن الروح ما هي؟ فجاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسألونه فقال لهم: (غداً أجيبكم)، فمضى الغد وبعد الغد إلى أن مكث عشرة أيام ولم يأته الوحي، وفي اليوم الخامس عشر جاءه جبريل يعاتبه عن ربه أنه لم يستثن ويعلق الجواب في الغد بمشيئة الله، ومع ذلك أجابه فأنزل سورة الكهف، وأنزل قبلها الجواب عن الروح وكان جواباً سلبياً: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85]، فالله استأثر بعلمها ولم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً. وأما قصة الجماعة فهي قصة فتية أهل الكهف التي مضت مفصلة، واليوم سنذكر قصة هذا الذي طوف الأرض مشارقها ومغاربها، فقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ} [الكهف:83] أي: يا محمد! يسألك قومك عن ذي القرنين {قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف:83] أي: سأجيبكم وأقص عليكم شيئاً من قصة هذا الرجل، وأذكر لكم خبراً يعرف به وماذا صنع، وهل كان مؤمناً أم كافراً؟ فقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ} [الكهف:83] أي: أقص عليكم يا معاشر العرب! ويا معاشر المسلمين! ممن عاصروه ومن لم يعاصروه، أي: سأقص عليكم خبراً من أخباره ونبذة من حياته، وأخبرنا عنه بياناً وتفسيراً نبينا صلوات الله وسلامه عليه كما في في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من الكتب الستة عن طائفة من الصحابة: (أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا عن ذي القرنين وأنه كان عبداً بشراً صالحاً)، ومع ذلك اختلف الناس فيه: أكان ملكاً؟ ف A ليس هذا الخبر إلا من الإسرائيليات، وكثيراً ما تمتزج الإسرائيليات بقصص القرآن عند تفسيرها وبيانها، ونجد فيها الكثير من الخرافات والأكاذيب مروية عن جماعة أسلموا وأدخلوا في هذه القصص ما ليس من القرآن ولا من صحيح السنة، وكان على رأس هؤلاء كعب الأحبار.
نبذة مختصرة عن كعب الأحبار
نبذة مختصرة عن كعب الأحبار وكعب الأحبار أدرك حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين عاماً ولم يأت مسلماً، ولم يبحث عن اللقاء به، وما جاء إلا بعد أن استقرت الأحوال بالإسلام عقيدةً وديناً ودولة أيام عمر، أي: لم يأت أيام أبي بكر، وكانت الفتن قائمة وارتد من ارتد ومنع الزكاة من منعها وادعى النبوة من ادعاها، وإذا بـ أبي بكر يؤدب الخارجين ويجبر المرتد على العودة للإسلام، ويقتل مسيلمة الكذاب ثم يجمع المسلمين جميعاً فجندهم وجعلهم جيوشاً موزعة إلى أرض الروم وأرض فارس، فلم يكن لـ كعب أن يأتي في مثل هذه الظروف؛ لأنه قد يفصل فيها رأسه عن جسده، وجاء أيام عمر وأخذ يظهر الكثير من علمه ومعرفته وينقل عن التوراة وعن أهل الكتاب أخباراً، والتوراة معروفة، والإنجيل بنسخه الأربع معروفة متداولة بين الناس قديماً وحديثاً، غيرت وبدلت في العصور الأولى، وعندما نزل القرآن كان قد انتهى تبديلها وتغييرها على الشكل الذي نراه. وإذا بنا نجد أن الكثير مما يعزو كعب إلى التوراة ليس فيها، ومما يعزوه إلى الإنجيل ليس فيه، ووجدنا أنه قد حصل الشك عند استشهاد عمر وقتله أن ذلك كان نتيجة مؤامرة، وقد قيل: قد كانت تحت إدارة كعب الأحبار الذي كان من أصل يهودي وكان حبراً من أحبارهم، وقد سأله يوماً العباس عم النبي عليه الصلاة والسلام: كيف يا كعب! في سنك ونضج عقلك لم تأت لرسول الله وهو حي فتكرم وتتشرف برؤيته والاجتماع به وتصبح ضمن أصحابه؟ ما الذي أخرك؟ فأجاب بما لا يقبل. وقالت عائشة عنه يوماً: إنا لنبلو عنه الكذب، وقد أخذه عمر معه يوم فتح القدس وأبى بطارقة القدس أن يسلموا مفتاح المدينة إلا للخليفة الأعظم، فوجد عمر أنه لا مانع من حضوره بنفسه وجاء وعلم مكان الأقصى فمسحه ونظفه بردائه وتبعه جميع من معه من الصحابة والجند، وكان معه كعب فقال لـ كعب: أين ترى نصلى يا كعب؟! وكانت قد عرفت الصخرة فقال له كعب: نصلي خلف الصخرة ونجمع بين قبلة بني إسرائيل وقبلة المسلمين، وإذا بـ عمر يقول له: لقد ضاهيت اليهودية يا كعب! بل ندع الصخرة خلفنا ونستقبل الكعبة ما لنا ولصخرة اليهود، وقد سأله بذلك أيضاً معاوية بن أبي سفيان عندما كان خليفة على المسلمين بعد سنة أربعين هجرية واستشهاد علي كرم الله وجهه. ويخبر الله عن ذي القرنين أنه أعطي من الأسباب والتمكين، فقال كعب: كان يصل بجنده وجيوشه ويربط خيوله في الثريا، وأين الثريا؟ وأين الأرض؟ فقال عمر عنه: إنا لنبلو عنه الكذب. فكان عمر يتهمه بالكذب وبالاختلاق، وهكذا نجد الكثير ممن زعم الإسلام ممن كانوا من أصول كتابية وكان على رأسهم كعب ثم يأتي بعد ذلك ربيبه وابن زوجته نوف البكالي. فـ ذو القرنين لم يكن ملكاً ولا نبياً، وإن كان ستأتي معنا آية يشير ظاهرها إلى أنه نبي، ولكن الجمهور والكثرة الكاثرة على أنه لم يكن نبياً ومن باب أولى لم يكن مَلَكاً، ولم يكن للمَلكِ أن يتصل بالبشر على هذه الطريقة فيحكموه ويطوف بين المشارق والمغارب وبين السدين، ولقد كان كما قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فيما رواه الضياء المقدسي في كتابه المختارة وهو من أصح الكتب، وقد صحح فيه أحاديث انفرد بتصحيحها، وسلم ذلك له من أئمة الحديث وحفاظه وعلمائه، قال عنه: لقد كان عبداً صالحاً ناصحاً لله فمكن له في الأرض. إذاً: نحن نتكلم عن ذي القرنين الذي ملكه الله العالم من مشرق الشمس إلى مغربها وما بينهما، وأعطاه من كل ما يعطاه الملوك من الأسباب الموطدة لملكه والممكنة له في الحكم والسلطان والأمر والنهي والتصرف في رقاب هؤلاء البشر ملوكاً وأجناساً شعوباً وقبائل. قال تعالى: {قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف:83]، أي: قل يا محمد! طالما وقد سألتم فهذا هو الجواب، وسأتلو عليكم منه نبذة تعطي صورة عن حياته. وأتى الله بقصته كعادة القرآن، أن الله يأتي بالقصص لأخذ العبرة والدرس منها، لا ليقص علينا قصصاً تكون للسمر وللسلوى والسهر، ولذلك قلما تذكر الأسماء والتاريخ والعشيرة والأقوام، والحكمة تؤخذ كاملة مما قصه الله علينا في كلامه عن ذي القرنين.
تفسير قوله تعالى: (إنا مكنا له في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (إنا مكنا له في الأرض) قال تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} [الكهف:84]. فـ ذو القرنين هو عبد من عباد الله مكن الله له في الأرض وأعطاه سلطاناً ونفوذاً وحكماً، وأعطاه ما يحكم به بين المشارق والمغارب، قوله: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ) أي: كل الأرض، والألف واللام للاستغراق، فقد حكم ذو القرنين ما بين شروق الشمس إلى غروبها وما بين شمالها إلى جنوبها، وعاش ألفاً وستمائة عام كما قال المفسرون من الصحابة والتابعين وأئمة الحديث. فقوله: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ) أي: أعطيناه من الأسباب، قوله: (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) أي: آتيناه من كل ما يحتاج إليه لملكه وحكمه وسلطانه، وأعطيناه من العلوم والوسائل التي يتنقل بها بين المشارق والمغارب من جند ووزراء وأعوان ونصراء وآلات سفر وتنقل، ومن كل ما يحتاج إليه من قهر أعدائه والمخالفين له والمعارضين لسلطانه، وقد روي -ولا أستبعده- أنه سخر له السحاب كما سخر السحاب لسليمان عليه السلام، ومن المعلوم أن سليمان سأل الله أن يهبه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، لكن ذا القرنين كان قبل سليمان، فقد عاصر ذو القرنين إبراهيم الخليل عليه سلام الله وطاف معه بالكعبة، وكان من وزرائه الخضر. فلقد مكن لـ ذي القرنين تمكيناً وكان أيام إبراهيم وسخر له السحاب فكان يتنقل بين مشارق الأرض ومغاربها ممكناً له بالأسباب والجند والقوة والجيوش وآلات الحرب والحكم والمال والثروة التي بها أخضع العالم لسلطانه ولأوامره ونواهيه، وكان موحداً لله مسلماً صالحاً. فقوله: (إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً) أي: آتيناه من كل ما يصلح للملوك والحكام من آلات وعلم ومعرفة وأداة كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير والصحابة والتابعون. قال تعالى: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف:85] أي: اتبع ما أعطاه الله من أسباب في معرفة الطرق الموصلة إلى المغرب والمشرق ثم إلى ما بين السدين، قوله: (سبباً) أي: طريقاً ومسالك، فقد كان يعلم ذلك علم يقين، وله أعوان من علماء الأرض وجغرافيتها ومسالكها سواء بين الجبال أو الوهاد أو البحار، وهكذا أعطي سبب كل ما يمكنه في الأرض من التحكم فيها وإخضاع ملوك الأرض وشعوبها لسلطانه.
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا بلغ مغرب الشمس)
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا بلغ مغرب الشمس) قال تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا} [الكهف:86]. أي: استخدم الأسباب ووسائل المواصلات والسير إلى الطرق إلى أن بلغ مغرب الشمس، وهي آخر رقعة من الأرض حيث ليس وراءها إلا الماء. قال تعالى: (وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) وقرئ: حامية، أي: وجد الشمس تغرب في مرأى العين في عين فيه ماء حام، أي: حار، وقوله: (حمئة) أي: من ماء وطين أسود فيما تراه العين، وقد قال علماؤنا في تفسير هذه الفقرة من الآية الكريمة: كل إنسان إذا وقف على شاطئ البحر عند غروب الشمس يرى قرصها وكأنه في عين حمئة، أي: في ماء من تراب أسود إلى أن تغيب فلا يعود يراها، ذلك وصف نظر العين إليها، وإلا فالشمس فوق السماء وليست من الأرض، فهي تغيب وتحضر وتشرق على الأفلاك كما تشرق على الأرض. قال تعالى: {وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا} [الكهف:86] أي: وجد عند غروب الشمس قوماً، وقد وصفهم بعض الصحابة أنهم قوم حمر قصار، وهذه صفة الهنود الحمر من سكان أمريكا، ومعنى ذلك: أن ذا القرنين حكم أقصى غرب الأرض وهي أمريكا، وحكم قومها الذين سموا بعد ذلك بالهنود الحمر، فسكانها الأصليون كانوا قصاراً حمراً يعيشون في أقصى الأرض عند مغرب الشمس، وما المغرب الأقصى المسلم وأوروبا إلا طريق إليها، وكان اكتشافها على أيدي من سموا في التاريخ العربي بالشباب المغرورين قبل خمسمائة عام، فهم الذين دلوا عليها واكتشفوها قبل كولومبس بدهر وإنما اتبع طريقتهم. فهؤلاء القوم في صفتهم كما ورد عن الصحابة والتابعين ومفسري هذه الآية الكريمة: أنهم قوم حمر قصار، وهي صفة لسكان أمريكا الأصليين الهنود، وإنما جاء هؤلاء البيض طارئين عليهم مستعمرين أرضهم، جاءوا أوزاعاً وأشتاتاً من مختلف أقطار الأرض. قال تعالى: {قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} [الكهف:86] وبهذه الآية قال من قال عن ذي القرنين: إنه نبي من عند الله، إذ يقول الله: (قلنا يا ذا القرنين) فكأنه وحي، ولكن علماءنا أحصوا الأنبياء المذكورين في القرآن، فوجدوهم لا يتجاوزون الخمسة والعشرين فيمن ذكروا بأسمائهم فلم يكن ذو القرنين ممن سمي، وقالوا: هذا من باب الإلهام وليس من باب الوحي، وهذا رأي الأكثرين، ولو وجدنا من قال سوى ذلك من الجمهور أو الإجماع لقلنا بقولهم، بأن الآية تدل دلالة قوية على نبوته، ولكن مع قوتها اعتبروا هذا القول ليس إيحاء وإنما هو إلهام. فهؤلاء القوم وجدهم ذو القرنين قوماً كافرين لا يؤمنون بالله ولا يعرفونه ولم تصلهم رسالة، وانتقلوا في مختلف بقاع الأرض بعد طوفان نوح الذي أغرق الجميع، وما أفلت إلا أقوام معدودون بالأصابع، فكان هؤلاء القوم مشركين كافرين بالله، فأطلق الله تعالى يد عبده الصالح ذي القرنين في هؤلاء، فقال له إلهاماً: {يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} أي: إما أن تعاقبهم على كفرهم وعلى شركهم، وإما أن تحسن إليهم وتكرمهم حسب ما تراه من أحوالهم. وإذا بـ ذي القرنين يجيب جواب المؤمن الصالح التقي، كما قال تعالى: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا} [الكهف:87] وهذا الجواب منه كذلك إلهاماً. قوله: (أما من ظلم) الظلم هنا الكفر، أي: أما من وجدته كافراً مشركاً بربه فإني سأعذبه، والعذاب مطلق، قد يكون بالقتل وقد يكون بالتعذيب حتى الموت وبما شاء من عذاب. قال: (ثم يرد إلى ربه) معنى ذلك أن الرجل الصالح ذا القرنين يؤمن بالبعثة بعد الموت وباليوم الآخر شأن جميع المؤمنين الموحدين. قال: (ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً) أي: ثم يرد هذا الظالم المشرك بعد تعذيبي له في الدنيا على كفره وشركه إلى ربه، أي: سيموت ثم يبعث يوم القيامة وسيكون عذابه على يد ربه عذاباً نكراً أي: موجعاً شديداً تستنكره نفسه ويجد عذاب الدنيا ليس عذاباً بالنسبة له، بل سيجده رحمة ونعيماً. وهكذا شأن الكافرين بالله عموماً، يعذبون في الدنيا حسب ما أمرت به الشرائع، ثم إذا ماتوا على الكفر والشرك ولم يفد فيهم تأديب ولا تعذيب ولا عقاب، عذبوا يوم القيامة عذاباً موجعاً مؤلماً بما لم يكن يخطر لهم ببال. قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف:88]. أي: أما من آمن بالله واحداً، وآمن بالرسالات إلى الأنبياء، فهذا سيكون جزاؤه أي: مكافأته (الحسنى) والحسنى: الجنة، سيكون له من ربه الرضا ودخول الجنان والخلود فيها جزاء إيمانه وعمله الصالح، والإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، ولا يتم للإنسان أن يوصف بالمؤمن حقاً إلا إذا اعتقد قلبه اعتقاداً يقينياً بوحدانية الله، وبصدق رسله، وبما أنزله عليهم من كتبه، ثم بعد ذلك يصدق الاعتقاد والجنان بقول لسانه، بحيث يقول: أشهد أن لا إله إلا الله ويشهد لرسوله، كل حسب من كان في عصره من الرسل، أما بعد البعثة المحمدية فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم يعمل الصالحات وفي الدرجة الأولى الأركان التي بعد الشهادتين: الصلاة ثم الصيام ثم الحج ثم الزكاة، وبصفة عامة أن يترك الشرك كلياً، وأن يعمل من الخير ما يقدر عليه. وضابط ذلك ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا)، فلا زنا، ولا سرقة، ولا نميمة، ولا ربا، ولا رشوة، ولا سحت، ولا غير ذلك من أنواع الكبائر والمحرمات، يتركها المسلم البتة دون اختيار واحدة على واحدة. أما عمل الصالحات فالقدرة العملية لها حد وطاقة، فمن عجز عن الحج سقط عنه، وقد يكون له بدل، وقد يعجز حتى عن البدل، وأمرنا الله بالصيام، فوجد منا المريض والحائض والنفساء والمسافر، فيسقط حال ذلك الصيام ويعوض، وأمرنا الله بالصلاة مستقبلين الكعبة طاهرين متوضئين بالماء، فمن عجز عن الماء أو فقده أو جهل الكعبة أو ما استطاع أن يصلي قائماً صلى قاعداً فإن لم يستطع فعلى جنب، وينتقل من الماء إلى الصعيد الطاهر، وهكذا في الأفعال والأمر بها: (فأتوا منها ما استطعتم). قال تعالى: {وَعَمِلَ صَالِحًا} [الكهف:88] يؤكد إيمانه بأن يعمل الصالحات من عبادة لربه، والإخلاص له، والإحسان إلى عباد الله المؤمنين. قال تعالى: {فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى} [الكهف:88] (جزاءً) منصوب على أنه مفعول مطلق، أي: جزاؤه الجزاء، ومكافأته المكافأة الحسنى، والحسنى: الجنة. قال تعالى: {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف:88] أي: من يدخل تحت إمكاننا وقدرتنا فنحن نقول له القول اللين والكلام الميسر، ونحسن إليه بمالنا ولساننا وبما نستطيع، ونعينه في أمرنا وسلطاننا وأحكامنا كل حسب مقدرته وعلمه وطاقته.
الكهف [89 - 98]
تفسير سورة الكهف [89 - 98] وفي رحلة ذي القرنين وصل إلى مشرق الشمس حيث العراة الذين ليس لهم من دون الشمس ستر، وقد سألوه أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج ستراً، ففعل ذلك بما مكنه الله من الأسباب.
تفسير قوله تعالى: (ثم أتبع سببا)
تفسير قوله تعالى: (ثم أتبع سبباً) قال تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف:89]. لا نزال مع ذي القرنين، إذ قطع مكانه الذي كان فيه إلى مغرب الشمس، وأعاد للدين قواعد، ولا شك أنه ترك حكاماً ومعلمين يعلمون الناس التوحيد، وينشرون الإسلام كما نشره، ووضع بينهم من يعدل بينهم، ويفصل خصوماتهم، ويحول دون ظلم البعض للبعض، ثم ترك المغرب وهو الآن في طريقه إلى المشرق، فقال تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} أي: ثم أخذ طريقه مرة أخرى واتخذ الأسباب للسفر والتنقل في الأرض والضرب في أرجائها، وهكذا اتخذ الآلة والمراكب البرية والبحرية، وربما الجوية كما حكى علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة والتابعين: أنه سخر له السحاب؛ فقد سئل عنه علي فقال: ذاك عبد صالح ناصح لربه، فنصحه ربه وأكرمه، فسخر له السحاب وأعطى له الأسباب، ومكنه من كل ما يحتاجه حاكم على الأرض. قوله: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ} [الكهف:90] أي: أقصى بلاد الصين حيث لا يعرف بعدها عمار ولا سكنى ولا شعوب من البشر، وصل هناك فوجد عند مطلع الشمس قوماً لم يجعل لهم ربهم من دون الشمس ستراً، فأرضهم لا تقبل بناء وليس فيها شجر ولا نبات، إذ تطلع الشمس في الساعة التي تطلع فهم معرضون لها ولحرها وبلائها، لا كهوف، ولا مغارات، ولا شجر، ولا أرض تقبل البناء، إذ الأرض تهتز وتتنقل فما بنوه يسقط، والشجر لا ينبت، وإنما يعيشون على ما يصطادونه من حيوان البحر وغيره. فقوله تعالى: {لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} [الكهف:90] أي: لا ستر لهم دون الشمس، وهم معرضون لها عراة لا لباس يسترهم إذ لا غنم ولا صوف ولا وبر ولا زرع يأخذون منه قطناً، وإنما يعيشون على الماء وسمك البحر، فهؤلاء عندما يبدأ حر الشمس يدخلون المياه ويبقون فيها إلى أن تميل الشمس إلى الغروب، فيخرجون من الماء. وقد قال البعض: إنهم يحفرون أخاديد فيجلسون فيها، ولكنها أيضاً لا تمسك قد تنهار عليهم يميناً وشمالاً، فيجدون أنفسهم قد حفروا لها مقابر، ولذلك أصح ما قالوه: أنهم يتبردون من حرها ومن سمومها بالماء. قال تعالى: {كَذَلِكَ} أي: مثلما في قوله تعالى: {قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} [الكهف:86] فكان نفس A { قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف:87 - 88] فقوله: {كَذَلِكَ} [الكهف:91] أي: مثلما حدث مع قوم مغرب الشمس دعاهم إلى الله، وأحسن إلى المحسن، وأساء إلى المسيء، فقتل الكافر المعاند الظالم، وعذب المعارض، وأما من قبل الإيمان والتوحيد فإنه أحسن إليه ووجد منه كلمة طيبة وليناً ولطفاً وإحساناً، وهذا معنى قوله تعالى: (كذلك). أي: كما صنعنا معه عندما وصل إلى مغرب الشمس كذلك، وصل إلى مطلع الشمس وخيرناه بأن يصنع معهم ما شاء إما أن يعذب وإما أن يتخذ فيهم حسناً، فكان جوابه: أن يحسن إلى المحسن ويعذب العاصي والمسيء. قال تعالى: {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا} [الكهف:91] أي: نحن محيطون بعمله وبقوله فما من شاذة ولا فاذة إلا والله يعلمها، ولا يخفى عليه خافية جل جلاله، فكان بعين الله عمله وبعين الله تعذيبه للظالمين الكافرين، وبعين الله إحسانه إلى المحسنين المؤمنين المصلحين، والله قد أحاط به علماً وأحاط به خبراً جل جلاله، وهو المحيط بـ ذي القرنين وبغير ذي القرنين. وسبب تسميته بـ ذي القرنين أنه كان له قرنان أو ما يشبه القرنين وهذا قول. وقيل: لأنه بلغ قرن الشمس طلوعاً وبلغ قرن الشمس غروباً وهذا الأقرب. وقال البعض: لأنه حكم فارس والروم ومعلوم أن فارس والروم لا تتعدى ولايتين من ولايات دولته وحكومته، فقد كان الإسلام قروناً وفارس والروم ولايتان من ولاياته، أما ذو القرنين فحكم العالم كله بما فيها أمريكا.
تفسير قوله تعالى: (ثم أتبع سببا)
تفسير قوله تعالى: (ثم أتبع سبباً) قال تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف:89]. أي: ثم أخذ طريقاً، فهو لا يزال يقطع الأرض والبحار والجبال والفيافي وأعطاه الله الأسباب من الجند والمال والقوة السيادة والعز ليستطيع التصرف في ذلك تمكيناً له في الأرض مشرقاً ومغرباً وما بينهما، فهو يتنقل بأسبابها علماً بالطرق والمنازل والحكم، وإرشاداً لهذا وعقوبة لهذا والإحسان إلى المحسن والإساءة إلى المسيء. قال تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} [الكهف:93] أي: وصل بين إقليم وإقليم وبينهما ممر سحيق قد يكون ودياناً وقد يكون كهوفاً وقد يكون بحاراً، وعلى كل كان هذا بناحية وهذا بناحية. قال: {وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا} أي: من دون هذا الإقليم ومن دون هذا الإقليم، وجد {قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} أي: فيهم صفات الحيوانية من الجهل وعدم العلم والمعرفة فلا يكادون يفقهون قولاً من أحد، ومن قال: إنهم لا يفهمون اللغة فهذا ليس بصحيح، فإن الأمم التي تنقل فيها ذو القرنين كان لكل منهم لغته ونظامه لا تشبه هذه هذه إلا قلة قليلة لا تكاد تتجاوز الأصابع ممن تكلفت ذلك وتعلمته، ولا يقال: إن تلك اللغة انتشرت بين جميع شعوب الأرض، وقد قيل: إن ذا القرنين مما أعطي له من الأسباب أنه كان يتقن مخاطبة كل أمة بلغتها، فقد كان ذلك من الأسباب التي أكرمه الله بها، ومن الوسائل التي مكنه الله منها في الأرض. قوله: (لا يكادون) يكاد: من أفعال المقاربة، أي: أنهم يفهمون قليلاً ويدركون قليلاً، ومن الإدراك الذي أدركوه أن هذا الذي وصل بلدهم بجيوشه وسلطانه وقوته قد أعطاه الله الأسباب على ذلك، وإذا بهم ينتهزون فرصة وجود ذي القرنين ويأتونه قائلين: يا ذا القرنين!
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض) قال تعالى: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يأجوج وَمأجوج مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} [الكهف:94]. وقرئ: (سُداً)، جاءوا إلى ذي القرنين وقالوا: يا ذا القرنين وأخذوا يرجونه ويتأدبون معه أدب الرعية للرؤساء والملوك والقادة، فقالوا: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا) أي: عطاء وأجرةً ومالاً (عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) أي: أن تجعل بيننا وبين يأجوج ومأجوج فاصلاً وحاجزاً؛ لأن يأجوج ومأجوج شعب مفسد في الأرض، فقد كانوا من الظلم والجور يأكلون الإنسان، ويأكلون كل ما وصل إلى أيديهم من أنواع الحيوانات والمواشي والدواب، وكانوا عراة يتسافدون في الشوارع تسافد الكلاب والحيوانات، إذ كانوا لا يعيشون على نظام ولا خلق ولا دين، وكانوا يأتون المياه فيغورونها ويميتون أهلها عطشاً، وإذا وجدوا أرضاً مزروعة أفسدوها وقتلوا الماشية ولم يتركوا لهم شيئاً، فقد كانوا أشبه بالتتار الذين أفسدوا يوماً في بلاد العرب والمسلمين إلى أن وصلوا حدود مصر ثم دمرهم الله وقضى عليهم. ويأجوج ومأجوج ورد ذكرهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم قوم مفسدون في الأرض، وقد جعل عليهم سداً وحال بينهم وبين الانتشار في الأرض ذو القرنين، استجابةً لهؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون حديثاً، ولكنهم سيخرجون إلى الدنيا عند زوال هذا السد، فيخرجون إلى الأرض وينتشرون، وخروجهم من العلامات الكبرى التي ستأتي بعد المهدي، فـ المهدي أولاً، ثم الدجال ثانياً، ثم عيسى ابن مريم عليه السلام ثالثاً، ثم يأجوج ومأجوج رابعاً، فيخرج يأجوج ومأجوج وعيسى في الأرض قد نزل من السماء ودان بدين الإسلام، وحج بحج المسلمين، وكسر الصليب، وقتل الخنزير، وهدم الكنائس، وألغى الجزية ولم يعد يقبل من أحد إلا الإسلام أو السيف، ودين عيسى إذ ذاك دين نبينا عليه الصلاة والسلام، فهي أوامر لعيسى من النبي عليه الصلاة والسلام، فعندما ينزل إلى الأرض يطلع عليها ويبلغها ويقوم بتنفيذها تنفيذاً لأمر نبيه محمد عليه الصلاة والسلام الذي هو آخر الأنبياء ولا نبي بعده أبداً، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (والله لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي). وأخبرنا عليه الصلاة والسلام: (أن عيسى سينزل في آخر الزمان فيحج على غير القلص) والقلص جمع قلوص، والقلوص: الراحلة، أي: الجمل أو الناقة، وفي قوله: إنه سيحج على غير القلص إشارة للطائرات، فسيحج في الطائرات كما نحج نحن عليها اليوم، وقد تكون طائرات من نوع جديد، فنحن نرى كل يوم اختراعاً جديداً وشكلاً جديداً بحيث ما مضى عليه عشر سنوات أصبح كالدواب والمواشي بالنسبة لطائرات هذه الأيام، ويعد أيضاً من أنواع الطائرات الآن ما لا يكاد أن يتصورها أحد، وقد سبقت الإشارة لهذا في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [النحل:8]. قال حبر القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: إن معنى قوله: {وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [النحل:8] ظهور أنواع المراكب في الأرض حتى كان ذلك من جنسها، قال هذا ابن عباس منذ ألف وأربعمائة عام، وفي هذا النصف من القرن العشرين أصبحنا نستطيع أن نقول كما قال ابن عباس: والخيل والبغال والحمير والسيارة والقطار والباخرة والصاروخ، وأيضاً لا نزال نقرأ قوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [النحل:8] وهذا من معجزات القرآن الدالة على تصديق نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. ومن هنا كان القرآن المعجزة الخالدة الدائمة المستمرة، فقد آمنا بالمعجزات التي ظهرت لنبينا حال حياته عليه الصلاة والسلام إيمان تصديق، ونحن نؤمن اليوم بالقرآن ومعجزته معنىً ولفظاً، ونؤمن إيمان شهود وإيمان حضور وكل يوم نعيش في معجزة، فالصحابة الذين آمنوا بالمعجزات التي شاهدوها آمنوا بما سيأتي إيمان تصديق، كما آمنا نحن بالمعجزات التي كانت في عصرهم إيمان تصديق، ثم نؤمن بالقرآن الكريم إيمان شهود وحضور. قال تعالى: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يأجوج وَمأجوج} [الكهف:94] وقرئ: (ياجوج وماجوج) {مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} [الكهف:94] أي: هل نؤجرك ونكافئك؟ ونعطيك مالاً، على أن تفعل بيننا وبين يأجوج ومأجوج سوراً، فلا يدخلون أرضنا ولا ندخل أرضهم عسى أن نستريح من إفسادهم وقتلهم وسفكهم الدم الحرام وأكلهم لحوم البشر. ولم يمكن الله ذا القرنين في الأرض إلا للإصلاح ونشر الدين والعدل وعقاب الظالم ورفع الظلم عن المظلوم، فأجابهم ذو القرنين: {قَالَ مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف:95] أي: ذلك الذي مكنني، قرئ: (مكنني ومكني). فقوله: (مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) بمعنى: ما أنا فيه من التمكين في الأرض ومن الأسباب التي أكرمني الله بها، وما ملكني الله من الحكم بين البشر وخضوع الملوك والأمراء والحكام وجميع شعوب الأرض لحكمي، هو خير من خرجكم ومن مالكم وأجرتكم، فدعوا الخرج عندكم تفرحون به أنتم لا أنا، كما قال سليمان عندما أرسلت له ملكة سبأ الهدية لتنظر رده فكان A { بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل:36]، أي: أنتم الذين تفرحون بهذا المال، أما أنا فأملك من السلطان والجاه والمال ما ليس عند أحد في الأرض. قوله: (خير) أي: أخير من أفعل، أي: أكمل وأحسن تمكيناً وقدرة. ثم قال: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف:95] أي: لا تعطوني مالاً ولكن أعطوني قوة منكم، تعاونوا معي بأجسامكم وبالأدوات التي أطلبها من حديد ونحاس وأخشاب وأحجار وبنائين، قوله: (بقوة) أي: فليكن هذا منكم بعزم وصلابة وإرادة وبكل ما أطلبه منكم ولا حاجة للخرج. ثم قال ذو القرنين: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} [الكهف:96]، والزبر: جمع زبرة، أي: آتوني بقطع الحديد، وقيل: كانت القطعة وزنها قنطاراً اتخذها كما يتخذ الآجر والحجارة في البناء، فجاءوه بما طلب من قطع الحديد، بمعنى: صبت وقطعت، وهذا يدل على أنه كان عند ذي القرنين من المصنع والآلات ما أذاب به الحديد وقطعه قطعاً متوازية متوازنة على وزن واحد ومقاس واحد، وبعد أن جمعوا الحديد -إما أخرجه من الأرض أو أخرج ما كان موجوداً- أذابه وصنعه وجعله قطعاً. قال تعالى: {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا} [الكهف:96]، فالسدان في الوادي بين جبل يسار وجبل يمين، وذو القرنين ومن معه في الوسط، وفي جانبه يأجوج ومأجوج، وفي الجانب الآخر هؤلاء الذين لا يكادون يفقهون قولاً، فقال لهم: اربطوا هذا الجبل بهذا الجبل وأبعدوا هؤلاء عنكم واجعلوا بينكم وبينهم ردماً، فردم هذه الفئة وبنى فيها سوراً بعلو هذه الجبال، فجاءوا بالحديد وبنوا الأساس، فكانوا يجعلون الحديد ثم فوقه الخشب، ثم فوقه الحديد ثم فوقه الخشب، ثم فوقه الفحم ثم فوقه الحديد، وهكذا طبقة من حديد وطبقة من خشب وطبقة من فحم إلى أن أصعده وواصل بين هذه الفئة من الجبل وهذه الفئة من الجبل حتى ساوى بين الجبلين واستوى هذا السد الذي أعلاه حتى أصبح في مستوى الجهتين، ثم قال: {انفُخُوا} [الكهف:96] أي: أشعل النار، فاشتعلت النار في الفحم واشتعل الخشب فإذا بالزبر تشتعل، فصار هناك فراغ حين احترق الفحم والخشب واحتاج الأمر إلى شيء آخر يعود به ما احترق، فقوله: (حتى إذا جعله ناراً) أي: جعل السد كله قطعة نار مشتعلة فيه، (قال آتوني أفرغ عليه قطراً) والقطر: النحاس المذاب، فقد أعد النحاس وأذابه كما يذاب الثلج، ثم أخذ يقول لهم: أعينوني بقوتكم وأبدانكم، فأخذ يصب هذا النحاس المذاب على السد فامتلأ المكان الذي كان فيه الفحم والخشب بالنحاس، إذ كان من فوق ومن خلف إلى أن ملأه يميناً وشمالاً، وهكذا إلى أن أصبح السد قطعة واحدة من فولاذ اختلط بها النحاس وهذا لا يكاد يؤثر فيه إلا بإرادة الله. قال تعالى بعد ذلك: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} [الكهف:97]. أي: أصبح وقطعة واحدة ملساء كالبلور، فلم يستطيعوا أن يصعدوا على الحائط ويصلوا للعلو؛ لأن التراب أصبح أملس ولا يستطيع إنسان أن يمسه بيده فضلاً عن رجله، فقوله: (فما اسطاعوا أن يظهروه) أي: أن يصعدوا ظهره، ويتمسكوا بجوانبه. قال تعالى: (وما استطاعوا له نقباً) أي: ما استطاعوا خرقه لا من تحت ولا من الوسط ولا من فوق، وهكذا فإن حضارة اليوم التي يدندنون حولها لم تصل إلى هذا قط، ولم نقرأ في تاريخنا الحاضر في الآثار سوى سد ذي القرنين، فإن حصون بابل من أيام النمرود عاشت قروناً ولكنها أصبحت خراباً ولم يؤثر فيها الحديد، فأبقوا من هذه الحصون جزءاً كمتحف وأثر من آثار الأولين.
تفسير قوله تعالى: (قال هذا رحمة من ربي)
تفسير قوله تعالى: (قال هذا رحمة من ربي) قال تعالى: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} [الكهف:98]. يقول ذو القرنين وقد نفعهم بنشر الإسلام بينهم، وبزوال الظلم عنهم، ونفعهم بإبعاد هاتين الأمتين الظالمتين المفسدتين يأجوج ومأجوج، وحال بينهما وبين الوصول إلى هؤلاء وغيرهم من أهل الأرض، (قال هذا) أي: هذا الصنع الذي صنعه وبناه وكأنه قطعة من فولاذ مختلط بالنحاس المذاب (رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي) أي: نعمة رحم بها المظلومين والعاجزين، ورحم بها المستضعفين، فهي رحمة لمن عاصر ذلك، ورحمة لمن يأتي بعدهم من سلالاتهم الذين طالما عذبوا الآباء والأجداد بظلم يأجوج ومأجوج، وسفك دمائهم، وأخذ أموالهم، وانتهاك أعراضهم، وأكل لحوم صبيانهم وشبابهم. ويصح أن يكون هذا من قول الله ويصح أن يكون من قول ذي القرنين وإن كان السياق في كونه من كلام الله أبلغ؛ لأنه خبر عن المستقبل ولا يعلم المستقبل والغيب إلا الله. قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف:98] هذا الآن على شدته وصلابته إذا جاء وعد ربي جعله دكاء، أي: أصبح مستوياً مع الأرض، أو أصبح هو والأرض في مستوىً واحد، ووعد ربي لا بد كائن، والمقصود بقوله: (وعد ربي) هو ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام: إن عيسى سينتصر على الدجال ويذوب الدجال كما يذوب الملح في الماء، ويتم الأمر لعيسى وتصبح الدنيا في أيامه آمنة، فيزول العداء بين البشر وبين الحيوان، بحيث يتآخى الذئب مع الشاة، والحية تتآخى مع الفئران، والوحوش الضارية تتآخى مع الوحوش غير الضارية، ويصبح الناس في مستوى واحد من الغنى. هذا ما أخبر عنه رسول الله عليه الصلاة والسلام تفسيراً لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح:28]. وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33]. آية تكررت ثلاث مرات في سور: التوبة والفتح والصف، وقد فسرها رسول الله عليه الصلاة والسلام كما روى ذلك أبو عبد الله الحاكم وأحمد في المسند وأصحاب السنن وغيرهم عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يبلغ هذا الدين مبلغ النجم، والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يبلغ هذا الدين مبلغ الليل، والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يبلغ هذا الدين مبلغ كل شجر وحجر ومدر). وكان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال الكلمة أعادها ثلاثاً، وليست هذه ألفاظ الرواة ولكنها ألفاظ رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيقسم بالله الذي نفس محمد بيده ونفوس كل الخلق أن الدنيا لا تنتهي حتى يصبح كل ما يظهر فيه الليل أو يصعد فيه النجم مسلماً، والنجم يطلع على جميع الأرض في جميع الكرة الأرضية، والليل يكون في جميع الكرة الأرضية، وما من بيت إلا وهو حجر ومدر، هم سكان الأرض الحاضرة، وأصحاب القرى البدوية، والبدو الرحل، ومعناه: جميع سكان الأرض من ذوي الحضارة ومن البدو الرحل، يقول عليه الصلاة والسلام مبيناً: (بعز عزيز أو بذل ذليل) إما أن يعزهم فيصبحون من أهله -أي: من أهل الإسلام- كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8] وإما أن يذلهم فيؤدوا الجزية له عن يد وهم صاغرون، وهذا يكون أيام المهدي، ويتجدد أيام عيسى، وبعد عيسى ينزل يأجوج ومأجوج فيفسدون في الأرض، فيدعو عيسى ربه بأن يهلكهم، فيصيب كل رجل منهم نغف في ظهره أو في عنقه، فيهلكون جميعاً نتيجة دعوة عيسى ربه سبحانه، فتجيف الأرض وتنجس من جيفهم وأرواحهم، فيدعو الله ليريحهم من ذلك، فيرسل الله طيراً على شكل أعناق الإبل، فيأخذونهم ويطيرون بهم إلى حيث لا يرونهم، وتنزل أمطار تنظف الأرض وتغسلها وكأنهم لم يكونوا.
الكهف [98 - 102]
تفسير سورة الكهف [98 - 102] إذا جاء وعد الله تعالى فإنه يصير السد الذي بناه ذو القرنين دكاً، ثم يموج يأجوج ومأجوج في الناس ويعيثون الفساد، وحينئذٍ تكون الساعة قد آن أوانها فليس لأحد من دون الله ولي.
تفسير قوله تعالى: (قال هذا رحمة من ربي)
تفسير قوله تعالى: (قال هذا رحمة من ربي) قال الله جل جلاله: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف:98]. عندما استجاب لأولئك الذين وجدهم بين السدين وهم لا يكادون يفقهون قولاً، وجاءوه راجين ضارعين أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سداً أو ردماً، وكان يأجوج ومأجوج ظالمين ومفسدين، فاستعان ذو القرنين بقوته وبماله وبمعرفته في البناء حتى إذا أتم ذلك وقد جعله كأنه قطعة واحدة من فولاذ، صب النحاس بين الجبلين وقطع الطريق ما بين هؤلاء وهؤلاء، قال تعالى: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} [الكهف:97]، فقد بلغ من الإتقان بحيث إنهم لا يستطيعون أن يعلوا ظهره ويتجاوزوه ويقفزوا عليه، ولم يستطيعوا له حفراً ولا نقباً ولا تدميراً ولا تخريباً. وعندما أتم ذو القرنين ذلك، شكر ربه وحمد نعمته وقال: {هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} [الكهف:98] أي: هذا فضل من فضله، ونعمة من نعمه، وكرامة من كراماته، وهذا يدل على إيمان ذي القرنين. وبهذا العمل الجيد حفظ هؤلاء عن الظلم والتسلط والفساد، ولم ينسب ذلك لنفسه ولكنه نسبه لربه وجعله نعمة من نعمه، ورحمة من رحماته، وهكذا شأن الصالحين. وهذا الذي فعله نبينا عليه الصلاة والسلام عندما دخل مكة فاتحاً بعد أن لقي من كفارها وصناديدها العنت والكفر والظلم والفساد في الأرض، فلما دخل لم ينسب لنفسه شيئاً، بل دخل مكة وهو يقول: (الحمد لله الذي أنجز وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده)، فدخلها مطأطئاً الرأس تواضعاً لله وخضوعاً لجلال الله، وهكذا كان الأنبياء فضلاً عن خاتمهم وإمامهم الذي كان يعمل العمل وينسبه لله ولفضله ولنعمته، وكذلك ذو القرنين وهو شأن الصالحين جميعاً. وقوله: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف:98] أي: فإذا جاء وعد الله في خروج يأجوج ومأجوج للأرض ونشرهم للفساد، وتجاوزهم أرضهم إلى مختلف بقاع الأرض جعل الله هذا السد أرضاً ملساء وكأنه لم يكن حديداً ولم يكن نحاساً ولم يكن هناك عمل. وقد ذكروا في الأخبار: أن يأجوج ومأجوج يحاولون يومياً أن ينقبوا هذا الجدار ويحفروه ويهدموه لكنهم يعجزون. وأنهم كانوا يقولون: غداً نتمم هذا العمل، وإذا بهم يعودون في الغد فيجدون كل ما نقبوا وحفروا قد عاد كما كان، وسيلهمون يوماً أن يقولوا: إن شاء الله فيجدون عملهم بقي كما كان وإذا بهم يتابعون عملهم، وإذا بهذا السد وكأنه لم يكن، ولكن كما قال ذو القرنين وكما قال ربنا: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ} [الكهف:98] فخروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى. وقوله: {جَعَلَهُ دَكَّاءَ} [الكهف:98] قرئ: (جعله دكاً) أي: جعله مسوى بالأرض كالأملس، لم يبق فيه أثر للسور ولا للسد ولا شيء يحول ويحجز بين يأجوج ومأجوج وبين هؤلاء الذين لا يكادون يفقهون قولاً. وقوله: {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف:98] أي: وعد الله سيحق وسيتم، فوعد الله لا مناص منه ولا محيد عنه ولا مفر ولا مهرب. وهذه الآية الكريمة تتعلق بخروج يأجوج ومأجوج لإتمام الفساد في الأرض، وقد ورد في الحديث الطويل أن عيسى عليه السلام سيقتل الدجال، فعندما يظهر عيسى وينزل من السماء يذوب الدجال كما يذوب الملح في الماء، فقد ورد في الصحيح: (أنه يبقى فيها أربعين يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وبقية الأيام كأيام الناس، فقيل له: يا رسول الله! اليوم الذي يكون كسنة كيف نصلي فيه خمس صلوات؟ قال: اقدروا له)، بمعنى: أن اليوم أربع وعشرون ساعة، والوقت ما بين الصبح والظهر بضع ساعات، وبين الظهر والعصر ساعتان أو ثلاث، وبين العصر والمغرب ثلاث ساعات أو ثلاث ونصف، وبين المغرب والعشاء ساعة ونصف وهكذا، وينطبق الحديث في عصرنا على أراض قريبة من القطب المتجمد، فاليوم هناك بسنة وهذا باستمرار، وقد وصلت قريباً من حدود هذه الأرض فكانت الليلة لا تزيد على ثلاث ساعات، وفي آخر الشهر القمري والليل أشبه بالمساء قبل المغرب وأشبه بالصباح قبل شروق الشمس، فاليوم عندهم بسنة: ستة أشهر ليل وستة أشهر نهار، وقد سئل أحد أقاربي وهو من شيوخ شيوخي أو من شيوخي وأنا صغير عن كيفية صلاة المسلمين في هذه الأرض؟ فأفتى لهم وكتب مؤلفاً بأن يقدروا للصلاة قدرهم للحياة والطعام والشراب وللإدارة والحكم، وهذا الحديث نص في هذا. وبعد ذلك يخرج يأجوج ومأجوج فيعيثون في الأرض الفساد، فيهتكون الحرم، ويسفكون الدماء، ويشربون مياه البحر والآبار والأنهار، ويأتون للشجر وللغابات ويقطعونها ويحرقونها، فيضيق عيسى بهم فيرفع يديه لله ضارعاً أن يريح الناس منهم فيسلط عليهم النغف، وهي الدود تكون في أعناقهم، فيموتون جميعاً ويهلكون، فتنتن أجسادهم وذواتهم فيضج عيسى من ذلك فيرفع يديه لله أن يريحه منهم، فتأتي طير تشبه أعناق الإبل أي: في ذلك القدر، فيأتي كل طائر فيحمل جثة من تلك الجثث فيبتعد بها إلى مكان يعلمه الله، ثم بعد ذلك ينزل الله مطراً لا يكن منه بناء ولا غطاء ولا سقف فينظف الأرض من تلك الأدران والنتن والأوساخ. وبعض شيوخنا من المغرب وهو القاضي العالم محمد سائح رحمه الله كتب كتاباً وأغرب فيه وأتى بالشاذ من القول، وهو أن يأجوج ومأجوج قد خرجوا، وهم التتر، وأخذ يذكر عن التتر وعن فسادهم وإجرامهم. فما قاله عن التتر صحيح، فالتتر كانوا أشبه بيأجوج ومأجوج فساداً، فقد دخلوا ديار الإسلام إلى أرض سمرقند إلى ما وراء النهر، ثم إلى أرض فارس فالعراق فالشام إلى أن وصلوا حدود مصر، وكانوا يرغبون أن يصلوا إلى أقصى المغرب العربي والأندلس، فكانوا لا يتركون بناء قائماً ولا نهراً جارياً ولا شجراً ولا دابة حية، فكانوا يقتلون الرجال والنساء، والدواب والمواشي، ويحرقون الدور والمدن والقرى، ويأتون للأنهار فيبعدون منابعها إلى البحر، وهكذا من أنواع الفساد التي وردت عن يأجوج ومأجوج. وقد لقي المسلمون من ظلم التتار وفسادهم الكثير، فقد قتلوا الخلفاء والملوك، وهدموا المساجد، وبقروا البطون، وقتلوا الأطفال، وفعلوا ما لم يفعل أحد في التاريخ، حتى كان الفساد ديدنهم وحضارتهم ودينهم، وكانوا يعلنون وعلى رأسهم جنكيز خان ويقولون: إننا سلطنا على البشر لقتلهم وللإضرار بهم، ولهدم دورهم ومدنهم عليهم، وقد ورد متواتراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأجوج ومأجوج سيخرجون من سدهم وسيصبح هذا السد يوماً وكأن لم يكن، وسيكونون من العلامات الكبرى قبل قيام الساعة ولا تكون بعدهم إلا الساعة. فيأجوج ومأجوج إن كانوا التتر كما زعم شيخنا هذا فقد مضى على التتر إلى اليوم ما يزيد على ثمانمائة عام أو قريب منها ومع ذلك فالعلامات الكبرى مثل: المهدي والدجال ونزول عيسى والريح الحمراء وغيرها من العلامات الكبرى لم يأت شيء منها، وإنما لا نزال نعيش في العلامات الصغرى التي كانت العلامة الأولى منها: بروز نبينا عليه الصلاة والسلام الذي قال عن نفسه: (بعثت والساعة كهاتين).
تفسير قوله تعالى: (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض)
تفسير قوله تعالى: (وتركنا بعضهم يومئذٍ يموج في بعض) قال تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} [الكهف:99]. يخرجون من السد بعد أن يهدم وينتهي ويفنى فلا بناء قائم، ولا خلق من خلق الله باق، سينتهي ويبقى الله الواحد القهار، كل شيء هالك إلا وجهه جل جلاله وعز مقامه. وهذان الشعبان الظالمان المخربان المفسدان يموج بعضهم في بعض مع بقية سكان الأرض من شعوب وأمم كأمواج البحار الهائجة، يختلط حابلهم بنابلهم، كبيرهم بصغيرهم، رجالهم بنسائهم، ضالهم بتقيهم، ويا ما أقل التقي في ذلك الوقت والزمان! وقوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} [الكهف:99] ليس بعد النفخ في الصور إلا قيام الساعة، وهذا يؤكد أن ما بعد خروج يأجوج ومأجوج إلا النفخ بالصور ومن بعده قيام الساعة، والمكلف بالصور إسرافيل من الملائكة، والصور عبارة عن بوق لا يعلم عظمته إلا الله. وحديثه متواتر مستفيض بالنطق النبوي الكريم، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنا بجبهته ينتظر الإذن). ويوم تقوم القيامة لم تبق حياة قط لأي حي كان، بل حتى الأراضي والسموات والجبال والبحار فإنها تتردى وتنهدم وتصبح الأرض كالعهن المنفوش وتتشقق السموات وتنتهي البحار وينتهي الكون بعد أن يتم النفخ في الصور، ومعنى هذا بصريح القول: أن يأجوج ومأجوج سيكونون آخر من على وجه الأرض من الأحياء، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)، وحديث: (لا تقوم الساعة على رجل يقول: لا إله إلا الله) ويكون الناس قد عاشوا عيشة دواب وبهائم لا يعلمون رباً من مربوب ولا خالقاً من مخلوق وينكح بعضهم بعضاً في الطرق والشوارع مثل الكلاب والقردة والخنازير. ويوم ينفخ في الصور يقومون لرب العالمين حفاة عراة غرلاً غير مختونين، تعود تلك الجلدة من الختان إلى مكانها، يأتون صفاً صفاً أمام ربهم ينتظرون الحساب إما إلى جنة وإما إلى نار، واليوم إذ ذاك كألف سنة مما نعد في أرضنا، قال تعالى: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:47]، ويكون يوماً شديداً وعظيماً، فيشتد فيه البلاء والمحنة، وهو اليوم الذي يعطى فيه نبينا عليه الصلاة والسلام المقام المحمود والشفاعة العظمى. وقوله: {فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} [الكهف:99] يجمع الله الخلائق كلها منذ خلق آدم إلى آخر إنسان في الأرض، ويعرضون على الله لا تخفى منهم خافية، وينفذهم البصر فلا جبل يسترهم، ولا شجرة، ولا غيرهما، ويأمرهم الله فيستجيبون، وبعد الشدة والبلاء يعطون كتابهم هذا بيمينه وهذا بيساره، ووضع الكتاب باليمين علامة الرضا، ووضعه باليسار علامة الغضب.
تفسير قوله تعالى: (وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا)
تفسير قوله تعالى: (وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً) قال تعالى: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} [الكهف:100]. يوم النفخ في الصور يقوم الناس إلى ربهم للعرض عليه وللحساب، في ذلك اليوم تعرض جهنم للكافرين وتبرز لهم فيرونها يأكل بعضها بعضاً، ويزدادون ألماً وتوجعاً وتحسراً، لأنهم عاشوا كل حياتهم وهم ينكرون البعث والنشور والحساب، وإذا بهم يرون أنفسهم واقعين فيما أنكروه وفيما جحدوه، وعندما تعرض الكتب في يسارهم يوقنون إذ ذاك باللعنة والغضب، فعندما تعرض جهنم عليهم وتبرز لهم يعلمون أنهم مواقعوها لا محالة، ساقطون فيها لا محيد ولا مفر. وقد برزت لهم، وتراها أعينهم، وتسمع نارها المتأججة آذانهم، ويشدد الحساب عليهم، فيعذبون قبل العذاب، وانتظار العذاب عذاب.
تفسير قوله تعالى: (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري)
تفسير قوله تعالى: (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري) قال الله تعالى: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف:101]. فالكافرون كانت أعينهم في غشاوة، فهي عمياء مع تفتحها لم تر في محمد العربي أنه نبي حقاً، ورسول حقاً، ما كانوا يرونه إلا إنساناً من الناس يتيم أبي طالب حفيد عبد المطلب العربي المولود في مكة، المهاجر للمدينة ذو المرقد فيها، أما أنه نبي الله وأنه رسول الله، وأنه أتى برسالة من ربه وأنه أنزل عليه القرآن خاتم الكتب من الله، فهذا عميت أبصارهم عنه. فكانت أعينهم في غطاء عن ذكر الله وتوحيده، عن أن يتذكروا أن هذا الكون في سمائه وأرضه لم يوجد عبثاً، ولم يوجد بلا موجد، ولم يخلق بلا خالق، فكان كل ذلك قد عموا عنه. وقوله: {وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف:101] ومن حقدهم على رسول الله، وبغضهم للتوحيد وللإيمان، وعدم البعد عن الشرك بكل أنواعه كانت آذانهم لا تستطيع السماع، وحتى إذا اجتمعوا قالوا لبعضهم: لا تسمعوا لهذا القرآن، ولا تقبلوا قوله فإن في قوله لبلاغة، وإن من البيان لسحراً، وإياكم أن يسحركم بفصاحته، وببلاغته، وبجماله، وبتأثيره، فكانوا بذلك لا يستطيعون السماع؛ لأن البغض والحقد والبعد عن الله وعن ذكره، وعن الإيمان بالله وما جاء به منعهم عن أن يسمعوا كلمة الحق، وأن يسمعوا آية من كتاب الله، وأن يسمعوا بياناً من رسول الله، هؤلاء الكافرون هم الذين تعرض لهم جهنم عرضاً، فتراها أعينهم، وتسمع ما فيها من البلاء آذانهم، فيتعذبون قبل العذاب ويتحسرون، وتباطؤ العذاب عذاب.
تفسير قوله تعالى: (أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء)
تفسير قوله تعالى: (أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء) قال تعالى عنهم وعن أمثالهم ممن مضى وممن يحضر وممن سيأتي تذكيراً وموعظة وهداية وإرشاداً: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا} [الكهف:102]. الآية فيها حذف مقدر يدل عليه السياق تقديره: أفحسبوا أن يفعلوا ذلك ولا نعاقبهم، ولا نحاسبهم، ولا نؤدبهم، ولا ننتقم منهم، هيهات هيهات! فالكفر شيء عظيم، والشرك ظلم عظيم، فهؤلاء توهموا لجهالة وضياع عقولهم وفساد دينهم أن يتخذوا من خلق الله أولياء ونصراء يفردونها بالعبادة أو يشركونها مع الله. اتخذوا عيسى -وهو عبد لله صالح- إلهاً، واتخذوا عزيراً -وهو عبد صالح- إلهاً من دون الله، واتخذوا مريم -وهي صديقة- إلهاً من دون الله، واتخذوا عباد الله المكرمين أولياء وآلهة وعبدوها من دون الله وأشركوها مع الله. والكلام هنا مع نوع من المشركين الذين اتخذوا العباد آلهة من دون الله، مع أن الشرك عام وهو من أشرك مع الله إنساناً أو ملكاً أو جناً أو جماداً أو حيواناً وكل ذلك من خلق الله، وكل ما في الأرض آتي الرحمن عبداً، والكل يوحد الله ويذكر الله وإن كنا لا نفقه ذلك، قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44] فهم يعبدون مع الله إنساناً وحيواناً وملكاً وجناً وجماداً وكل ما خلق الله. قال تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا} [الكهف:102]، أي: إنا هيأنا لهم وجعلنا منزلهم ومأواهم ومقامهم الخالد الدائم جهنم يصلونها ويعذبون فيها، جزاء كفرهم وشركهم، ومخالفتهم وعصيانهم.
الكهف [103 - 110]
تفسير سورة الكهف [103 - 110] يختم الله تعالى سورة الكهف بذكر صنفين من الناس، الأول: الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، والثاني: الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولم يشركوا بعبادة ربهم أحداً، وذكر سبحانه جزاء كل صنف منهما.
تفسير قوله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا)
تفسير قوله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً) قال الله تعالى لنبيه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:103 - 104]. أي: قل يا محمد لهؤلاء: هل نخبركم بمن فسد عمله وضل عقله وضاع كل ما صنعه من أعمال يظنها حسنات وعبادات؟ إن خسارتهم أشد من غيرهم، وفسادهم أطم من غيرهم، فإنهم خسروا أعمالهم في الآخرة، وخسروا حياتهم في الوقت الذي يظنون أنهم يحسنون صنعاً، أي: حال كونهم يعملون ويتعبدون وقد يتصدقون ويفعلون الطاعات والنوافل ولكن عملهم قد ضل وتاه وصار في ضلال ولم يكن في رشاد وفي هداية فخسروا أنفسهم وأعمالهم ولم يكن لهم إلا الخزي والدمار واللعنة والغضب. والآية تعني النصارى واليهود وأمثالهم من المبتدعة في الإسلام ومن مختلف الملل والنحل، فترى الذي يقول: إنه تبتل وترهب وقصر حياته على العبادة ولم يتزوج ليتفرغ للعبادة ولم يعمل عملاً لكيلا يشتغل عن العبادة، وقد يتتبع الجبال والكهوف والمغارات وفي هذه الحالة يضل يومه صائماً وليله قائماً وهو يتلو الكفريات المخزية، تارة يبكي على عيسى ويناديه بالألوهية، وتارة يقول: يا أبانا الذي في السماء، وهو لا يزداد بذلك إلا كفراً وشركاً! وكذلك الذي يعيش حياته وهو يظن أنه يعبد وأنه يطيع مثل المجوس الذين يدخلون إلى دور النار وأشكالها وأنواعها ويخرجون منها حفاة عراة مكشوفي الرءوس وهم يزعمون أنهم في عبادة وأنهم في زهد وأنهم في انقطاع، وقد يمدون أيديهم ويذلون أنفسهم ويزعمون أن ذلك لربهم، وأن ذلك ذل وخنوع لله لكيلا يكون لهم أي نوع من التكبر على الخلق وعلى ربهم، هؤلاء الذين يظنون أنهم يعملون عملاً صالحاً، وقس عليهم فئات زعمت في الأصل أنها مسلمة كالقاديانية التي زعمت عن الغلام القادياني الجاسوس البريطاني أنه نبي مرسل فأضلهم وأفسدهم واخترع لهم كتاباً زعم أنه أنزل عليه. وقل مثل ذلك عن البهائية التي هي فرع من اليهودية، وقل مثل ذلك عن الوجودية الذين يعيشون للوجود بشهواتهم ونزواتهم يعبدونها ويقولون: هكذا خلقهم الله وعلى ذلك يجب أن يعيشوا، وقل مثل ذلك عن الماثونية وعن الشيوعية وعن الاشتراكية وعن كل شيء خلا من قال الله وقال رسول الله. سئل الإمام البخاري رضي الله عنه: من المسلم؟ قال: المسلم الذي لم يكن له لقب آخر مع كلمة مسلم، لا يقول: مسلم قادياني، أو مسلم وجودي، أو مسلم ماثوني، أو مسلم شيوعي، فعندما يضم لكلمة مسلم كلمة من هذا النوع يكون مشركاً كافراً ضالاً مضلاً ادعى الإسلام وهو منه بريء. وقل مثل ذلك عمن تلاعب بالقرآن والسنة، فمن الضلال من أنكر السنة البتة، أو ألغى النصوص من القرآن والسنة وزعم أن ذلك للمصلحة العامة، وذاك رجل كان في القرن الثامن اسمه الطوفي ترجم له الحافظ في الدرر الكامنة وزعم أنه شيعي وما هو بمسلم، وكتابه طبع ونشر ووزع منه عشرات الآلاف، وكلما ينتشر منه يزداد الناس ضلالاً، يزعم ويقول: من المصلحة العامة للإنسان أن يلغي نصاً من القرآن والسنة، وهكذا أخذ ذلك من أئمة الكفر والضلال ممن زعموا الإسلام إلى أن تركوا حكم القرآن والسنة، ورجعوا لحكم اليهود والنصارى، وأبعدوا الإسلام من برامج ومناهج التعليم ومن تربية الأولاد، وهكذا نشروا الفساد في الأرض فكانوا سادة وكبراء مع فرعون وهامان وقارون، وهم مع ذلك لا يزالون يزعمون أنهم مسلمون وممن قال الله عنهم: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} [الكهف:103]، أي: بالذين هم أكثر خسارة في أعمالهم حين يزعمون أنها عبادة. {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:104] أي: الذين ضل عملهم وخدمتهم، وما كتبوه وأذاعوه ودرسوه ونشروه وبذلوا عليه من وقت ومال وجاه في حياتهم الدنيا، فهؤلاء الذين ضل سعيهم وأعمالهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً وما أحسنوا إلا الفساد، وما أتقنوا إلا عبادة الشيطان وعبادة أئمة الكفر. وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صفة الفئة الناجية في كلمة ما أبلغها وأفصحها! عندما قال عليه الصلاة والسلام: (افترقت اليهود على واحد وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي -أي: المسلمون ممن يدّعون ذلك عموماً- على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: يا رسول الله من هي؟! قال: ما أنا عليه وأصحابي). ومن هنا كانت السيرة النبوية التي يقول الله فيها: {لَقَدْ كَان لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21]، حيث يجب على كل مسلم كبير أو صغير طالب أو معلم رجل أو أنثى أن يتعلمها ويتدارسها ويعيش مع واقعها قصصاً وفقهاً وفهماً واستنباطاً؛ ليكون الرسول الأعظم إمامنا وهادينا ونبينا حقاً، فنأتسي به صلاة وصياماً وزكاة وحجاً وجهاداً وهدياً وسلوكاً، وما زاد على ذلك ففي النار، وهو من الفئة الضالة. والصحابة السابقون الأولون هم كما وصفهم الله من المهاجرين والأنصار والذين جاءوا من بعدهم، وأما الفئة الضالة فهي تلك التي ارتدت عندما مات نبي الله عليه الصلاة والسلام، والتي امتنعت عن أداء الزكاة، وأما الصحابي فهو من رأى رسول الله عليه الصلاة والسلام مسلماً وعاش ومات على ذلك، وأما أولئك الذين بدلوا وغيروا وارتدوا وكانوا يزعمون أنهم صحابة فهم الذين ورد فيهم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنهم يطردون ويدفعون عن حوضه في يوم القيامة، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: (أصحابي أصحابي! فيقال له عليه الصلاة والسلام: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول عليه الصلاة والسلام: سحقاً سحقاً)، والسحق: هو اللعنة والطرد من الجنة.
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين كفروا بآيات ربهم)
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين كفروا بآيات ربهم) قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف:105]. يصف الله المبتدعة الضالين من كل فئة ومن كل نوع سواء زعموا أنهم مسلمون، أو بقوا على النصرانية والوثنية واليهودية والمجوسية، الذين يظنون أنهم يحسنون صنعاً وهم الأخسرون أعمالاً، والذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا فكفروا بالقرآن وبمعجزات النبي عليه الصلاة والسلام وبما جاء عن الله مما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكفروا بلقائه وبيوم البعث والنشور، أما اليهود والنصارى فزعموا أنها تبعث الأرواح لا الأجساد، فكانوا أيضاً كافرين، وزعمت ذلك فئة تدعي الإسلام، ومن عجيب أمرها أنها تدعي كذلك العلم، ثم تزعم أن البعث يكون بالروح فقط، فهذا القول يدل على الشك والارتياب في البعث والشك في البعث والنشور كفر وشرك وخروج عن الإسلام. فقوله تعالى: {فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [الكهف:105]. أي: ذهبت هباء وكأنها لم تكن، وكأنها أصبحت أشباحاً لا ذوات، فلم يحسب لها حساب، ومعنى ذلك: أن الله تعالى لا ينظر إليها ولا يقبلها. فلابد في العبادة أن تكون لله وحده، فمن صرف شيئاً منها لغير الله يكون مشركاً، إما الشرك الظاهر وإما الشرك الخفي، وكل ذلك بلاء ومصيبة. قال تعالى: {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف:105]. أي: يوم القيامة لا يكون لهم شأن، ولا توزن أعمالهم؛ لأنهم لا أعمال لهم، وإنما توزن أعمال من يأتي بخير كالمسلمين المقصرين أو العابدين الأتقياء، وقد يثقل في الميزان، وتكون كافية لتكفير الذنوب ولدخول الجنان كما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صاحب البطاقة التي لا يمتلك سواها من الأعمال الصالحة، فعندما يأمر الله ملائكته بأخذه للنار لأن كفة السيئات غلبت كفة الحسنات يأمرهم الله بالعود به، قال: {لا ظُلْمَ الْيَوْمَ} [غافر:17] ويقول: لا تزال لك حسنة واحدة، فأتي ببطاقة أي: بورقة أو بقصاصة ورق فوضعت في كفة الحسنات فترجح الميزان وتطيش كفة السيئات، فيؤمر به إلى الجنة، وقد كان يعجب في أول أمره ويقول: ماذا عسى أن يكون في هذه البطاقة؟! والذي كان في البطاقة هو كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أنه عند فساد الزمان وعند رفع القرآن من الصدور يعيش أقوام في أزمان متطاولة لا يعلمون إلا كلمة: لا إله إلا الله، ويقولون: ورثناها عن آبائنا وأجدادنا ونحن نقولها، فلا يعملون صلاة ولا صياماً ولا زكاة ولا حجاً، ولا يعلمون لا حلالاً ولا حراماً، فسئل الراوي معاذ بن جبل: أيدخلون الجنة؟ فقال: من معه لا إله إلا الله دخل الجنة. وقد قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48] فمن قال: لا إله إلا الله ووحد الله، فاعترف لله بالوحدانية، وبما يليق بجلاله ومقامه وعظمته جل جلاله فهو على أي اعتبار مؤمن، وبعد ذلك إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له حتى ولو دخل النار. وقوله: {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف:105] من هنا يتأكد قول من يقول: لا توزن أعمال الكافرين؛ لأنهم لا أعمال لهم، وهذا معقول مع النص.
تفسير قوله تعالى: (ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا)
تفسير قوله تعالى: (ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا) قال تعالى: {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا} [الكهف:106]. أي: هؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم بما أصابهم من اللعنة والطرد جزاؤهم جهنم؛ لأنهم كفروا بالله وأشركوا به واتخذوا القرآن الكريم والمعجزات والآيات الواضحات التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هزواً وسخرية، فكان الجزاء جهنم جزاء وفاقاً، فهذا حال الكافرين ومآلهم.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً) قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} [الكهف:107 - 108]. يقرن الله تعالى في كتابه بين أهل النعيم وأهل الجحيم، وبين من رضي عنهم ومن غضب عليهم؛ لتكون المقارنة باستمرار بين الصالح والطالح، وبضدها تتميز الأشياء، كما تقول الحكمة العقلية. فقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الكهف:107]. يقتضي أنه لابد مع الإيمان من عمل الصالحات: من صلاة وصيام وحج وزكاة وأنواع العبادات، وأهم ذلك الأركان الخمسة. وقوله: {كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} [الكهف:107]. قد أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن الفردوس أعلى منازل الجنة، وهي منازل الأنبياء والمرسلين، وقد يكون المؤمن مع الأنبياء والمرسلين في منازلهم لحبه ولتعلقه بهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (أنت مع من أحببت)، وقال: (يحشر المرء مع من أحب)، فحب الله وحب رسوله والصالحين يرفع الإنسان إلى مقامهم. والجنان درجات كثيرة وما بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها وليس فوقها إلا عرش الرحمن، ومنه تتفجر أنهار الجنة. وكما كانت جهنم منزلاً ومكاناً للكافرين ينزلون فيه، فإن جنات الفردوس للمؤمنين منازل ومأوى دائماً أبداً سرمداً. وقوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} [الكهف:108]. كثيراً ما يتساءل الناس: ألا يمل الإنسان في الجنة، فيتخيلون الجنة كالنعيم في الأرض، فهم يأكلون اللحم باستمرار فيملونه، ويعيشون على البحار وشواطئها فيملونها، أما نعيم الجنة فلا يملون منه، فلهم فيها كل جديد في كل وقت وحين، وقد يتنقلون بين الدرجات في الجنان فيتزاورون مع المؤمنين وخاصة مع أرحامهم وإخوانهم الذين أكرموا معهم بالجنان، وقد يكون بعضهم أعلى درجة والآخر أنزل درجة فيزور هؤلاء هؤلاء، ومن هم في أعلى درجة يرفعون إليهم من هم في أدنى درجة، ولذلك فإنهم لا يتحولون عنها كما نتحول في الدنيا من دار إلى دار ثم نملها، ونسكن البلدة فيمضي عليها سنوات ثم نملها، وتتغير فصول السنة ثم نملها، فمن عاش في الصحاري ملها ويريد أن يعيش في شواطئ البحار أو في أعالي الجبال أو في محل الخضرة، فنعيم الدنيا زائل وهي فانية، ولم يكن كذلك في الجنان، فالمؤمن في الجنة في كل ساعة له شيء جديد، فلا يريد التحول عنها ولا يريد الخروج منها، فالمتعة فيها دائمة متنوعة لا تمنع ولا تنقطع مع التشكل ومع التجدد في كل ذلك، فأهل الجنة لا يريدون التحول منها بحال.
تفسير قوله تعالى: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي)
تفسير قوله تعالى: (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي) قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف:109]. أي: لو كانت بحار الأرض حبراً وأشجار الأرض كلها أقلاماً، وكان كل الناس يكتبون علوم الله ومعارفه، فإن هذه البحار تجف والأقلام تنتهي، والأيدي تكل، وكلمات الله لا تنقضي، وحتى لو انتهت البحار وأمدت ببحار أخرى فإن كلمات الله لا تحد ولا تنتهي، وقد قال تعالى في آية أخرى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان:27]. فكلمات الله لا تنتهي لأنها الخالدة الدائمة، وأما غير الدائم من شجر وبحر وإنسان فإنها ستنتهي، وكما قال الخضر لموسى عندما أخذ طائر الخطاف قطرة من البحر فقال: يا موسى! ما علمي وعلمك أمام علم الله إلا كهذا الطائر يأخذ بمنقاره هذه القطرة من البحر.
تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم)
تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم) قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110]. يخبرنا تعالى أن رسوله عليه الصلاة والسلام مستمر على مقامه وإمامته وجلالته، وكونه سيد ولد آدم، وصاحب الشفاعة العظمى، والأنبياء كلهم خلفه، مؤتمون بإمامته ليلة الإسراء، ومع ذلك فلا يقع كثير من الناس فيما وقع فيه من سبقهم كقوم عيسى عندما رأوا منه بعض المعجزات كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص فاتخذوه إلهاً وقالوا عنه: ابن الله، تعالى الله عن ذلك. فالقرآن يؤكد باستمرار ويعلم النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول عن نفسه إنه من البشر، ومن هنا تجدنا باستمرار نقول: عبد الله ورسوله وهكذا علمنا رسول الله عليه الصلاة والسلام. فالله تعالى يخاطب نبيه ويقول له: (قل) يا محمد! (إنما أنا بشر مثلكم) أي: لست ملكاً، ولا خلقاً من غير البشر ومن باب أولى لست إلهاً، فأنا بشر مثلكم لي أب اسمه عبد الله، وأم اسمها آمنة وتزاوجا كما يتزاوج الناس، واجتمعا كما يجتمع الذكر والأنثى فكنت وليدهم أجوع يوماً فأصبر، وأشبع يوماً فأشكر، أحارب وأقاوم، أنتصر يوماً وأمحص يوماً، أحزن وأسر. وقد جاءه عليه الصلاة والسلام رجل فعندما رآه أخذ يرتعد ويضطرب، فقال له عليه الصلاة والسلام: (هون عليك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد) أراد أن يقول عن نفسه: لست من الأباطرة ولا الأكاسرة ولا القياصرة، أنا ابن امرأة عادية فلم يحصل لك هذا معي؟ ولذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام مهما أحببناه ومهما عظمناه ومهما أكرمناه ومهما ذكرنا من صفاته السامية وسيرته العطرة فإنه يبقى في الدرجة الأولى أنه عبد لله من أبناء آدم وحواء، فهو مثلنا في البشرية من سلالة آدم وحواء، وما الميزة التي امتاز بها علينا إلا النبوة والرسالة وكذلك الأنبياء ممن أوحي إليهم، وإن كان كبيرهم وإمامهم محمداً عليه الصلاة والسلام. فالرسول عليه الصلاة والسلام ولد في مكة، وكفار قريش يعرفون حسبه ونسبه، وقد عاش معهم أربعين عاماً ثم فجأة قال لهم: إنه مرسل من عند الله، وقد كانوا يلقبونه بالصادق الأمين، فمن لم يكذب في طول هذه السنوات الأربعين أيتصور أن يكذب يوماً على ربه ويقول: أرسلني، وهو لم يرسله؟ حاشا لله! وهو مع كونه بشراً فهو نبي نبئ من الله وأوحي إليه بالقرآن الكريم، وبأن يدعو الخلق جميعاً: من في المشارق ومن في المغارب، من عاصره ومن يأتي بعده إلى يوم القيامة؛ يدعوهم إلى عبادة الله الواحد، وأنه رسول الله إلى الأبيض والأحمر والأسود، ألا تعبدوا إلا الله الخالق الرازق، الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية، فالكل خلقه، والأمر أمره، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]. وابتداء العبادة الاعتقاد بأن الله الخالق الواحد لا شريك له لا في ذات ولا في صفات ولا في أفعال، له الكمالات كلها وهو منزه عن النقائص كلها. فليس عيسى إلهاً ولا مريم إلهاً ولا العزير ولا مناة ولا هبل، ولا شيء مما يعبد الناس سوى الله، فقولنا: لا إله إلا الله ننفي جميع ما يعتقده الناس من ألوهية زائفة في خلق الله، ونثبت الألوهية لله الإله الحق. والدعوة للإيمان تبتدئ بأن الله واحد، ولذلك كانت الرسالة في مكة المكرمة لمدة اثني عشر عاماً على أن لا إله إلا الله ولم يؤمر فيها بالشرائع أو التكاليف، بل كانت في تزييف الأصنام والسخرية منها وممن يعبدها ويؤلهها من الأحياء والأموات، ومن هنا كان سفهاء قريش يقولون: إن محمداً شردنا، وشتت جمعنا، وسفه آباءنا وفرق بين أولادنا ونسائنا وعبيدنا، أي: دعاهم إلى الله، وهداهم باسم الله، وزيف لهم ما يعيشون عليه من ضلال وباطل، فجعلوا من انفرد دونهم بالإيمان بلا إله إلا الله قد خرج عنهم وسموه الصابئ. والتاريخ يعيد نفسه، فهكذا اليوم نسمع أن في المجتمعات والمؤتمرات التي تقام في ديار الفسق والكفر وفي جامعات الفساد والإلحاد، يقومون بنشر الإلحاد ويعتزون به ويجعلون أنفسهم تقدميين ومتجددين وحركيين، ويقولون عنا وعن أمثالنا: إننا رجعيون لأننا دعوناهم إلى الله، ورجعنا بهم إلى الله وإلى رسول الله وإلى الإسلام، ونبهناهم أنهم هم الرجعيون الذين رجعوا إلى عبادة الأوثان التي انتهى وقتها وزمنها، ورجعوا إلى عبادة اليهود والنصارى وعبادة الماثوني والبهائي وغيرهم من المؤلهين زيفاً وباطلاً. وسيبقى الحق دائماً في أخذ وعطاء، ومن ألهمه الله وشد أزره ووفقه ثبت على التوحيد إلى لقاء الله، ونرجو من الله أن يثبت أقدامنا، وينصرنا عليهم وعلى القوم الكافرين. وقوله: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110]. الرجاء يكون بالخوف ويكون بالأمل، فمن كان يخاف لقاء ربه يوم القيامة أو يؤمله بأن يغفر ذنبه، ويكشف كربه، ويستر عيبه، فلتكن أعماله أعمال الصالحين المؤمنين، ولا يشرك بعبادة ربه خلقاً من خلقه، لا شركاً خفياً ولا شركاً ظاهراً ولا شركاً قولياً ولا عملياً. ولله الحمد والشكر أننا قد ختمنا سورة الكهف. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، اللهم إنا نشكرك ونحمدك من خلايا أجسامنا جميعها على ما أكرمتنا به من عافية ومن صحة وإيمان ويقين ودعوة إليك، وعمل على نصر دينك، ومدارسة كتابك. اللهم أحينا على ذلك، وأمتنا على ذلك، واحشرنا تحت لواء سيد المرسلين، اللهم عليك باليهود والنصارى، شتت اللهم شملهم، خرب ديارهم، أغرق أساطيلهم، اللهم اقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً، اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارضنا وارض عنا، وأعز بنا الإسلام والمسلمين، والحمد لله رب العالمين.
مريم [1 - 11]
تفسير سورة مريم [1 - 11] في هذه الآيات يذكر الله تعالى بعض أنبيائه وهو نبي الله زكريا، فقد دعا ربه أن يرزقه الولد الصالح، مع أنه قد بلغ العتي من العمر، وكانت امرأته عاقراً، فاستجاب الله تعالى دعاءه ورزقه يحيى ليرث عنه العلم وكلمة النبوة.
قراءة جعفر بن أبي طالب صدر سورة مريم على النجاشي
قراءة جعفر بن أبي طالب صدر سورة مريم على النجاشي قال الله تعالى: {كهيعص} [مريم:1]. هذه سورة مريم الصديقة أم عيسى عليه السلام، وهي سورة مكية، آياتها ثمان وتسعون آية، وعندما ذهب قوم من المسلمين بإشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرين إلى الحبشة بدينهم؛ فراراً من قهر الكفار لهم، ومن الضغط عليهم، بقيادة جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخي علي رضي الله عنهما، بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد - وكان عمرو لم يسلم بعد - يطلبان من النجاشي أن يسلمهما هذه الفئة التي خرجت عن دين قومها، فقال عمرو للنجاشي: إن هؤلاء يدينون بدين جديد أتى به محمد بن عبد الله بن عبد المطلب في أرض مكة، ويقول عن ربك: ليس برب وإنما هو عبد، يعني: عيسى ابن مريم، فجمع النجاشي جعفراً والذين جاءوا معه من المهاجرين من مكة إليه فسألهم، فقال لهم: ما الذي أتى به هذا الذي يقول: إنه نبي؟ قال: يدعو إلى عبادة الله الواحد، وإلى أن عيسى عبد الله وابن الصديقة مريم، وإلى أن موسى نبي الله ورسوله، وأنه من أولي العزم من الرسل، وأن الله أنزل على أنبيائه السابقين كتباً وصحائف، وقد أنزل منها التوراة على موسى والإنجيل على عيسى، ثم قرأ عليه من سورة مريم ما يتعلق بالسيدة مريم. وإذا بـ النجاشي يقول: إن هذا الذي تتلوه والذي جاء به عيسى لمن مشكاة واحدة، وطرد هذين اللذين أتياه رسولين عن كفار قريش، ورد عليهما هديتهما.
بيان الخلاف في كون البسملة آية، والاختلاف في قراءتها في الصلاة
بيان الخلاف في كون البسملة آية، والاختلاف في قراءتها في الصلاة وبسم الله الرحمن الرحيم جزء من آية من سورة النمل، وهي: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل:30]، وأما ذكر البسملة والتعوذ في أول السورة فقد اختلف الأئمة هل ثبت بالوحي وفي التلاوة النبوية أو هي للتيمن والتبرك بها، وذكر اسم الله في بداية كل سورة؟ والقراءات في أكثرها تبتدئ السور بالبسملة إلا قراءة المغاربة الذين يقرءون بقراءة ورش، فيقولون: البسملة إنما هي آية في سورة النمل. والإمام مالك وأبو حنيفة وقول لـ أحمد لم يوجبوها، والشافعي أوجب قراءتها في الصلاة في أول الفاتحة وأول السورة، واستدل على ذلك بأحاديث مستفيضة ومتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها حديث: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج خداج خداج)، وحديث: (لا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، وفاتحة الكتاب كما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسيء صلاته عندما طلب من نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمه الصلاة كما يريد عليه الصلاة والسلام قال: (استقبل القبلة، وقل: الله أكبر، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين)، فنص على البسملة.
الكلام على الحروف المقطعة
الكلام على الحروف المقطعة قال تعالى: {كهيعص} [مريم:1]، اختلف المفسرون في معنى الحروف المقطعة، فقال قوم: كل حرف يدل على اسم من أسماء الله، فالكاف هنا بمعنى: يا كريم! أو يا كافي! والياء بمعنى: يا بديع! والهاء هو الله جل جلاله، وهكذا. وقال قوم: لكل حرف من هذه الحروف المقطعة عدد من الأعداد يستخرج به معنى من المعاني، وقد قيل هذا فهماً عن صحابة وتابعين، واختلفوا فيه كثيراً، ولم يثبت ذلك في آية من كتاب الله ولا في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أعجز الله البشر والخلق كلهم ملائكة وإنساً وجناً عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بسورة منه أو بآية، والتعجيز لا يزال قائماً منذ 1400 عام، وما زادت الأيام ومضي القرون هذا التعجيز إلا تأكيداً ويقيناً وقطعاً، فطوال هذه القرون لم يستطع أحد أن يأتي بمثل هذا القرآن لا سورة ولا آية، وسيبقى ذلك -على كثرة الكفار والملاحدة- المعجزة الدائمة المستمرة إلى يوم القيامة. ولعل قائلاً أن يقول: كيف هذا الإعجاز؟ ومن أي شيء القرآن؟ أليس عربياً والعربية يعلمها عشرات الملايين من العرب ومن غيرهم؟ فنقول: هو كذلك، ومع هذا أعجز كل هؤلاء فلم يستطيعوا أن يأتوا بشيء مثله أبداً، ومن هنا كان الإعجاز، أي: عجزوا واعترفوا بعجزهم بأن كلام الله لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله أو بشبيهه أو بقريب منه. يقول الزمخشري وتحمس لقوله أكثر المفسرين في عصرنا علماً وبياناً ويقيناً وأكدوه بالأدلة التي لا ترد: إن هذا القرآن الكريم صنع الله، تكلم الله به، وأوحى به إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم، وهو من حروف الهجاء العربية، وعليها كانت بنيته، وعليها قام قيامه، وعليها كان كتاباً جامعاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومع ذلك إن استطعتم أن تؤلفوا من هذه الحروف سورة أو آية فافعلوا، وقد حاول بعض الكفرة كـ المتنبي الكذاب ومسيلمة الكذاب وغيرهما ذلك، فما أتوا إلا بالباطل من القول، والهراء والغث مما لا تكاد تقبله أذن.
تفسير قوله تعالى: (ذكر رحمة ربك عبده زكريا)
تفسير قوله تعالى: (ذكر رحمة ربك عبده زكريا) قال تعالى: {كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [مريم:1 - 2]. تقدير الكلام: ذكر الله وذكر ربك عبده زكريا برحمته، أي: هذا اشتمل على ذكر الله رب زكريا لعبده زكريا برحمة منه، حيث استجاب دعاءه، وحقق طلبه، ورزقه الولد على عقر زوجته وكبر سنه، وعلى اشتعال رأسه شيباً، وعلى وهن عظمه، وعلى ذهاب أكثر ما يمكن أن يطمع فيه بالولد. ولقد رحم الله عبده زكريا بأن استجاب دعاءه ورزقه الولد على كبر منه، وعلى عقر امرأته وكبر منها كذلك. قال تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} أي: في هذه السورة ذكر الله رب زكريا عبدَه زكريا؛ رحمة منه ورضي عليه بأن حقق طلبه، وأجاب رغبته، فاستجاب لدعائه الخفي. وقد قرئ زكرياء بالمد وبالقصر، والقراءتان سبعيتان متواترتان، وزكريا أحد عظماء أنبياء ورسل بني إسرائيل، وكان من أعاظم أنبيائهم طاعة ووحياً وإشرافاً على التوراة، وعملاً بها، وتحقيقاً لأحكامها، ونشراً لها، ودعوة إلى الله في السر والعلن، وفي الصبا والشيخوخة. قال تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} [مريم:2 - 3]. أي: كانت الرحمة عندما نادى زكريا ربه نداء خفياً سراً في آخر الليل، حيث رفع يديه لله قائلاً: يا رب! وهو يضرع إليه ويكتم دعوته؛ إما لأن الدعاء كان في الليل في الثلث الأخير من الليل، حيث (ينزل الله جل جلاله إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من داع فاستجيب له، هل من مظلوم فأنصره)، إلى آخر الحديث المتواتر القدسي، أو دعا ربه دعاء أخفاه عن قومه وعن أتباعه؛ خوف أن يكون في هذا الطلب رعونة وشيء لا يليق بمثل زكريا في سنه أن يطلبه، إذ العادة تأبى ذلك، وقد رفع زكريا يديه ضارعاً لله، سائلاً له، راغباً في تحقيق طلبه ورغبته، بأن يكرمه بغلام يرثه ويرث نبوة آل يعقوب. وكان عندما طلب الولد - كما قال عن نفسه - قد انتشر الشيب فيه، والشيخوخة ظاهرة عليه، وقد رق عظمه، وأضعفت الشيخوخة باطنه، وكانت امرأته على كبر سنها عاقراً لا تلد، ومع كل هذا لم ييأس من ربه ومن دعوته ومن تحقيق الولد رحمة من الله له. قال تعالى: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} [مريم:3 - 4] أي: كان الذي قاله ونادى به ربه وضرع إليه أن قال: رب إني أدعوك لشيء أرجو تحقيقه ونواله على ما بي من هذه الحال، فأنت القادر على كل شيء، فامرأتي عاقر، والعاقر: هي التي لا تلد وهي صغيرة، ومن باب أولى إن كانت كبيرة، وقد رق حالي، فقد سقطت أسناني، ولصقت عظامي بجلدي، والشحم قد ذاب، واللحم أصبح هشاً، ومع هذا قد اشتعل رأسي شيباً، وأصبح مشتعلاً مضيئاً كما تضيء النار والأضواء؛ لكثرة الشيب، ولكثرة بياضه، وغلبته على السواد من شعره، فقوله تعالى: ((رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي)) أي: رق وضعف، وسقطت الأنياب، وزالت الأسنان، وأصبحت العظام لا تكاد تحمل الجسد إلا بمشقة، ولا تتحمله الرجلان إلا برجل ثالثه من عصا يتكئ عليها أو إنسان يعتمد على عاتقه، وأنا مع هذا السن والشيخوخة الفانية فإن امرأتي عاقر من الأصل لا تلد. {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [مريم:5] أي: أكرمني بولد يتولاني من بعدي، ويحمل اسمي وعلمي ونبوتي وعملي في الدعوة إلى الله.
تفسير قوله تعالى: (يرثن ويرث من آل يعقوب)
تفسير قوله تعالى: (يرثن ويرث من آل يعقوب) {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم:6]. لا يليق بالنبي أن يأسف ويهتم بالمال بعده، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)، فما تركه الأنبياء يعتبر صدقة على المؤمنين، فالمؤمنون كلهم له وارث، يرثون ماله وعلمه، ومن هنا كان العلماء ورثة الأنبياء كما قال ذلك صلى الله عليه وسلم. إذاً: فمعنى الآية: ((يَرِثُنِي)) أي: يرث نبوتي، أي: اجعله نبياً مثلي يرث علمي، واجعله عالماً مثلي يرث مني الدعوة إلى الله. قوله: ((وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)) أين يعقوب من زكريا؟! فيعقوب هو الجد الأعلى لسلالة أنبياء بني إسرائيل، وهو إسرائيل، وليس هناك مجال لكي يرثه، وإنما مقصوده: ارزقني ولداً صالحاً يقوم مقامي في النبوة والتبليغ للوحي، ودعوة الخلق إليه، ومحاربة الشرك والوثنية وفساد الأخلاق. ثم قال: ((وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)) أي: اجعله يرضيك في أمرك ونهيك، ويرضيني في البر والطاعة، ويرضي الناس برحمته وشفقته وخدمتهم ودعوتهم إلى الله، فيكون مرضياً عنه عند الله وعند الناس، فهو لا يطلب الولد فقط؛ لأنه قد يأتي الولد ولا يكون كذلك، وهو في هذه الحالة لا يريده ولا يسعى إليه ولا يحب مجيئه. وقال قبل ذلك: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} [مريم:4] أي: لم أكن يوماً بدعائك يا رب! شقياً، أي: مبعداً بائساً غير مستجاب الدعوة، أي: عودتني بكرمك وبرحمتك وبفضلك أن تجيب دعائي وتستجيب ندائي وتحقق دعواتي، فلا تغير علي عوائدك الطيبة في هذا الدعاء، حتى ولو كنت شيخاً فانياً، وكانت امرأتي عاقراً، فأنت القادر على كل شيء، فافعل ذلك يا رب! ثم عقب بعد ذلك بقوله: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي} [مريم:5] أي: خاف الموالي بعده، والموالي هم أبناء العم والعصبة والأنصار والإماء والعبيد؛ فهم الأقارب بالدم وبالصهر وبولاء العبودية والرق، فهو يقول عنهم كلهم: {إِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي} [مريم:5] أي: خاف بعد موته أن يخلفه هؤلاء، ولا يكون منهم نبي ولا رسول ولا داعية إلى الله، فهو يدعو الله ألا يخيب رجاءه وألا يرد دعاءه في أن يرزقه ولداً يرثه في النبوة والكتاب.
تفسير قوله تعالى: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى)
تفسير قوله تعالى: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى) قال تعالى: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى} [مريم:7]. هذا من بلاغة القرآن وفصاحته وإعجازه، فإن معنى الكلام: إنه دعانا فاستجبنا له وحققنا طلبه، وناديناه: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} [مريم:7] أي: أبشر يا زكريا! بغلام سميناه قبل خروجه، بل وقبل علوقه بالرحم، سميناه يحيى، ولم يكن لهذا الاسم من قبل سمياً، والمعنى يحتمل أمرين: إما أنه ليس له شبيه في العبودية والتقوى والطاعة والصلاح، وإما أن هذا الاسم (يحيى) لم يسبق أن سمي به إنسان من قبل قط. والمعنى الأول ليس صحيحاً ولا يمكن أن يتم، فلقد سبقه نوح وجده الأعلى إبراهيم، وكانا أفضل منه؛ لأنهما من أولي العزم، فلا يصح إلا المعنى الثاني، وهو أن: ((لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا)) أي: لم نسم أحداً قبل وليدك هذا الذي استجبنا لك به بهذا الاسم (يحيى). وقوله: ((يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ)) البشرى تكون بالوعد بالخير أو بزوال الوعيد من الشر، وقلما تستعمل في الشر، فإن استعملت كانت للهزء والسخرية. وقوله: ((إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ)) أي: بولد، وهو الطفل، ((اسْمُهُ يَحْيَى)) أي: العلَم الذي يحمله والسمة والعلامة التي سيعرف بها: هي يحيى. فإذا بزكريا لشدة فرحه وسروره يكاد تأخذه حالة المرتاب، إذ كيف يكون هذا وأنا شيخ وامرأتي عاقر؟! فأخذ يقول للملائكة المبشرين له عن الله: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} [مريم:8] أي: كيف يكون هذا الولد؟ وعن أي طريق سيأتيني؟ وهل سيكون مني ومن صلبي ومن امرأتي العاقر؟ وهل سيكون هذا وأنا في هذه الحال أو تزوجني زوجة صغيرة وتزيد في قواي وصحتي أو تصلح هذه العقيم أو ماذا؟ وهذا كقول إبراهيم لله تعالى: {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260]، وكذلك زكريا كان هو الطالب والراغب والداعي والراجي، وعندما بشرته الملائكة بتحقيق طلبه واستجابة دعائه أخذ يعجب ويتساءل: كيف سيتم ذلك؟ ((قَالَ رَبِّ أَنَّى)) أي: كيف ((قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا)) (كانت) هنا من أفعال الاستمرار، أي: كانت ولا تزال، كقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء:96] أي: كان ولا يزال، واسمها في لغة العرب فعل استمرار، وأفعال الاستمرار هي وأخواتها مادام وما يزال. وقوله: ((وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا)) عتي: جمع عات، يقال: عُت وعِتِ كصُلِ وصِلِ وكجُثي وجِثي. ((وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ)) أي: أصبحت أعظم وأكبر وأسن، فقد كان يكاد يمشي منحنياً، ويكاد يحمل نفسه حملاً، وكان قد تجاوز المئات من السنين، وكانوا في الزمان الأول يعمرون القرون، وقد ذكر هذا في التوراة وفي الإنجيل عن أنبياء بني إسرائيل، وقال القرآن المهيمن مثل ذلك، فأخبر عن نوح أنه لبث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فإذا كانت مدة الدعوة إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً فكم كانت سنه وكم عمر عاش؟
تفسير قوله تعالى: (قال كذلك قال ربك هو علي هين)
تفسير قوله تعالى: (قال كذلك قال ربك هو علي هين) قال تعالى: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم:9]. أي: أجابته الملائكة الذين أوحوا له بذلك عن الله: (كَذَلِكَ) أي: وأنت على هذه الحال من السن والعتي والكبر ومن عقر المرأة سيصلح الله صلبك، ويصلح رحم زوجتك، فتصب فيه نطفة صالحة، وسينشأ الولد غلاماً زكياً في رحم هذه العاقر، وسينتج ذلك وليداً نبياً صالحاً صديقاً براً تقياً. وقوله: ((قَالَ كَذَلِكَ)) إي: قال الملك الآتي بالوحي وهو جبريل عليه السلام: ((قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)) أي: قال الملك لزكريا: يقول لك ربك: ذلك عليه شيء هين، أي: أهون، والله جل جلاله إنما أتى بهذه التعابير بحسب اللغة التي نزل بها القرآن، وهي اللغة العربية، وإلا فالكل على الله هين سواء إيجاد الشيء من العدم أو إيجاده بعد ذلك من غير العدم ولذلك قال له ربه: ((قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)) أي: تذكر يا زكريا! أصل خلقتك وأصل أبيك الأول وأمك الأولى، وأمم خلقتهم؟ فهل كان لهم أب صغير أو كبير؟ وهل كانت لهم أم صغيرة أو كبيرة؟ فلقد خلقت آدم من التراب، وخلقت حواء من ضلع من آدم، وخلقت عيسى من أم بلا أب، فلا يعجزه شيء جل جلاله من أن يخلق من العاقر ومن الشيخ الذي بلغ من الكبر ومن السن عتياً وكبراً وفناء أن يخلق منهما الولد الصالح. ((قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)) فإن كنت ستعجب فاعجب من كونك خلقت من أصل خلق البشرية ولم تكن شيئاً موجوداً، فقد كانت عدماً وتراباً، ولم تكن حواء لا من تراب ولا من ذكر ونطفة ورحم، وإنما خلقت من ضلع من أضلاع آدم، كما قال تعالى: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء:1] أي: من النفس الأولى آدم. ثم إذ بزكريا من تشوقه للغلام ولظهوره أراد أن يعلم وقت صبه في الرحم وكينونته، ووقت مضغته وتحركه، فقال: {قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً} [مريم:10] أي: اجعل لي علامة أدرك بها وأفطن إلى أن الولد قد صب في الرحم وأخذ يتخلق وينتقل من طور إلى طور: من نطفة إلى علقة إلى مضغة مخلقة وغير مخلقة إلى جنين ذي روح إلى الولادة، فاجعل لي علامة استعلم بها وأميز بها وقت وجود هذا الجنين في رحم هذه العاقر. فقال الله: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} [مريم:10]، قال: علامتك أنك ستعجز عن النطق والكلام مع الناس ثلاثة أيام وأنت سوي، فلست أخرس ولا أعمى ولا أطرش، ولكنك تعجز عن النطق وعن الكلام من غير مرض ولا عيب فيك، فعندما تشعر بهذا فتلك هي العلامة على أن يحيى قد وجد في رحم زوجك. وقال بعض المفسرين: سوياً، أي: ثلاثة أيام متتابعات، ولكن الذي رجحه المفسرون والمعنى له أكثر قبولاً: إن الله أعجزه عن النطق فكانت تلك علامة، وأما كونه من نفسه يسكت ولا يجب ولا يتكلم إلا إشارة فهذا يحتاج أيضاً إلى علامة سابقة ليتصرف هكذا. وكون ذلك سيكون خلقة من الله فتلك العلامة لا تحتاج إلى علامة جديدة، ففي الصباح الذي يحاول فيه النطق والكلام فيجد نفسه عاجزاً عن النطق والكلام فتلك العلامة. ((قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا)) أي: لا تستطيع كلامهم وأنت سوي البدن والأعضاء من اللسان والسمع والبصر، فتعجز عند محادثة الناس وعن النطق، ولا تعجز عند الذكر والعبادة والطاعة. وفي الآية طي وحذف يدل عليه السياق: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ} [مريم:11] أي: دخل خلوته ومحراب عبادته، وأغلق عليه الباب يتعبد ويضرع شاكراً وحامداً وضارعاً إلى أن يتم هذا، ثم بعد ذلك خرج، كما قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم:11] أي: أشار إليهم، فبعد زمن تم الحمل وخرج من خلوته ومعبده وفتح الباب المغلق، فأشار إلى قومه وأتباعه: ((أَنْ سَبِّحُوا)) أي: أن اعبدوا الله ((بُكْرَةً)) أي: صباحاً ((وَعَشِيّاً)) أي: مساء، أي: سبحوه مهللين ومكبرين ومسبحين وقائمين وقاعدين، واعبدوه بأنواع العبادات وخاصة التسبيح والذكر والتنزيه والتعظيم، وزيدوا على ما أنتم عليه من العبادات والطاعات والقيام لله خالصاً له من غير رياء ولا سمعة ولا شرك. فقوله تعالى: ((فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)) أي: خرج مشيراً لهم وقد عجز لسانه عن النطق، فظهرت العلامة والأمارة التي بينه وبين ربه، فخرج وهو سوي اللسان لا يستطيع النطق، وإنما يشير إشارة.
مريم [12 - 15]
تفسير سورة مريم [12 - 15] أمر الله تعالى عبده ونبيه يحيى عليه السلام أن يتمسك بالكتاب بقوة، وأن يجتهد في الأخذ به، وذلك الكتاب هو توراة موسى. وقد آتى الله تعالى نبيه يحيى الحكم وهو لا يزال صبياً، فكان لا يلعب ولا يخالط الصبيان، ونشأ على الصلاح والجد في الأمور والتقوى منذ الصغر عليه السلام.
تفسير قوله تعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة)
تفسير قوله تعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) قال تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم:12]. هنا حذف يدل عليه السياق، وهذا كما قال ابن مالك في ألفيته النحوية: وحذف ما يعلم جائز ((يَا يَحْيَى)) أي: بعد أن ولد الوليد، وذلك بعد أن حملت به أمه تسعة أشهر وتحققت العلامة بالإشارة من زكريا لقومه فتم الحمل ثم ولد الوليد، وبعد أن بلغ ثلاث سنين خاطبه ربه وأوحي إليه وهو طفل فقال: ((يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)) أي: باجتهاد، والكتاب هو التوراة، أي: خذ الكتاب الذي أنزل على موسى ليكون له ولمن جاء بعده هادياً ودالاً ومرشداً، ((خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)) أي: خذ التوراة باجتهاد وبحرص على تعلمه، وعلى حفظه، وعلى معرفة أحكامه، وعلى معرفة خاصه وعامه، وكن قوياً في طلب العلم وفي حفظه وفي وعيه وفي العناية به، ولا تضع وقتك وزمنك في اللعب وفي النوم وفي ضياع الوقت. ولقد قيل عن يحيى: إنه طلبه الأطفال ليلعب معهم وهو ابن أربع سنوات فامتنع، وقال: لم أخلق لهذا، ومن هنا سماه الله الحكيم. {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم:12]. يقول جل جلاله: إنه قد آتاه الحكم والوحي والنبوة والرسالة والحكم بين قومه من بني إسرائيل وهو لا يزال صبياً، قالوا: كان ابن ثلاث سنين. قال تعالى: {وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا} [مريم:13] أي: كما آتاه الحكم وهو صبي فقد آتاه الحنان، وهو الحنو والشفقة على خلق الله من الفقراء والمساكين والمرضى والمحاويج، وآتاه الحنو في قلوب الناس، فكان لا يراه أحد إلا أحبه وأطاعه واحترمه. قال تعالى: ((وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً)) أي: آتاه الزكاة في قوته وفي دينه وفي ماله وفي طاعته بحيث زكى جميع أعماله المادية والمعنوية، فإن كان له مال زكى منه، وإن كان له قوة أعطى من قوته، وإن كان له جاه أعطى من جاهه، فمن جملة ما آتاه الله يحيى: الحكم والنبوة والكتاب والرسالة والحنو على الخلق والزكاة والتزكية والتنمية في جميع أعماله المالية والمعنوية. قال تعالى: ((وَكَانَ تَقِيًّا)) أي: كان صالحاً باراً مطيعاً لربه ولأنبيائه السابقين، فلا تعرف عنه معصية قط، وكان عبداً حصوراً لا يعرف النساء ولا يشتهيهن، وقد قيل عنه: إنه لم تعرف عنه زلة لا صغيرة ولا كبيرة، فقد كان من أنبياء الله الكبار الأربعة والعشرين الذين ذكرهم الله في كتابه. قال تعالى: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا} [مريم:14]، وكذلك كان زكريا، ثم كان يحيى بن زكريا، فالله يشيد به هنا ويثنى عليه ويرفع من ذكره؛ لنحترمه ونؤمن برسالته ونقدره، ولا نفعل كفعل بني إسرائيل من شتمهم لأنبيائهم، وقذفهم لهم، وطعنهم في أعراضهم وفي أديانهم وفي أخلاقهم، وجعلهم من ذلك كتاباً مقدساً للناس، ومن هنا كان الفساد والكفر والفاحشة ديناً يدعو إليه اليهود ويعيشون عليه ويدعون له، وحيث وجد اليهود وجد الكفر والفساد وكل سوء، فهم الجرثومة البشرية في الأرض. قال تعالى: ((وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ)) أي: كان باراً بأمه وبأبيه يطيعهما ويحقق رغباتهما ولا يعصيهما في معروف البتة، وكان أبوه زكريا نبياً من أنبياء الله، وكانت أمه من الصالحات القانتات، فكان براً بهما سمعاً وطاعة وخدمة وسعياً في كل ما يجلب الخير لهما. قال تعالى: ((وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا)) أي: لم يكن طاغية أو جباراً، إذا غضب قتل أو ظلم أو اعتدى أو شتم أو سعى في سوء، فلم يكن من جبابرة الأرض، بل كان براً رحيماً تقياً صالحاً، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، ولم يكن عاصياً، والعصي من أفعال المبالغة، أي: لم يكن عاصياً البتة، والمعنى: عاص، فهو لم يعص أباه ولا أمه البتة، ومن باب أولى لم يعص ربه ولا نبيه. وهكذا كان يحيى بن زكريا نبياً وابن نبي، فهو سليل الأنبياء إلى إبراهيم عليهم جميعاً سلام الله وصلاته. قال تعالى: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم:15]. رفع الله جل جلاله السلام والأمان ليحيى في ثلاث حالات يكون الإنسان فيها أحوج ما يكون للأمان والسلامة. الأولى: في قوله تعالى: ((سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ))، والوليد عندما يخرج من بطن أمه يخرج إلى عالم لا يعرفه ولا يشعر به، بل وهو في بطن أمه ورحمها يتخيل بعقله الصغير أن العالم كله هو الرحم، وعندما ينزل الوليد إلى الأرض وعالم الدنيا ينزل باك شاكياً متألماً متحسراً، فهو يحتاج إلى الأمان وإلى السلام، فتسعى أمه والمشرفون عليه إلى تهدئة نفسه وإسكاته عن هذا الضجيج والبكاء. فالله أمن يحيى عند ولادته، فلا يخاف سوءاً ولا مكروهاً، فهو آمن على صحته وعلى حواسه وعلى تحقيق ما دعا أبوه له من النبوة والعلم والتقوى والصلاح. والثانية: في قوله تعالى: ((يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ)) والإنسان عند الموت تراه في رعب وفي هلع: هل سينتقل إلى الجنة أم إلى النار، وهل سيكون إلى الرحمة أو إلى العذاب، وهل سيغفر له ربه أو يحاسبه، فتجده على منتهى ما يكون من الرعب والهلع، وفي هذا الموقف الشديد أمن الله نبيه يحيى بن زكريا؛ ليأمن من عذاب الحساب، فهو كما أمن عند خروجه للدنيا، يأمن بوعد الله الحق عند موته وذهابه للآخرة. قوله: {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم:15] أي: أمنه الله وبشره بالسلامة والأمان عندما يبعث فلا غضب ولا نار ولا حساب، ولا ما يكون عليه أهل المحشر من عذاب وشدة وقهر، في ذلك اليوم الذي يفر فيه المرء من أمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، في ذلك اليوم الذي ترى الناس فيه سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد يكون يحيى في أمن وسلام من الله جل جلاله، فلا يخاف عذابه ولا مقته ولا غضبه. قيل: اجتمع يحيى وعيسى وهما ابنا خالة، وكلاهما في السماء الدنيا، فقال يحيى لعيسى: أنت أفضل مني، وقال عيسى: بل أنت أفضل مني، قال: أنت خلقك الله بلا أب، قال: وأنت خلقك من شيخ هرم وامرأة عاقر لا يلدان عادة، ثم قال عيسى: بل أنت أفضل مني، أنا عندما خرجت للدنيا أمنت نفسي وسلمت عليها فقلت: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم:33]، وأما أنت فقد أمنك الله، ووعدك بالسلام والأمان، فلم يحوجك لأن تقول ذلك فقال: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم:15]، فسكت يحيى وحجه عيسى، ومع ذلك فعيسى أفضل، وهو من الخمسة أولي العزم من الرسل وليس يحيى منهم، وهما معاً من رسل الله الكرام الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون، فكلاهما إمامان صالحان، ونبيان معصومان.
مريم [16 - 21]
تفسير سورة مريم [16 - 21] ذكر الله تعالى قصة مريم حين اعتزلت قومها وتفرغت لعبادة ربها، فجاء رسول ربها يبشرها بغلام كريم، ففزعت من ذلك الرسول الذي يدخل عليها فجأة، فلما هدأت بشرها بغلام زكي، وهو عيسى عليه السلام.
تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم)
تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم) قال الله تبارك وتعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم:16 - 17]. كنا مع زكريا عليه السلام ومع ابنه يحيى حين استجاب الله دعاء الوالد على كبر سنه وعقر زوجته، ورزقه الله الولد كما طلبه، فكان ذلك من علامات قدرة الله في مخالفة العادة والإتيان بكل ما لا يخطر على بال، ولا يقدر على ذلك إلا الله جل وعلا. أما قصة عيسى فقد قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ} [مريم:16] أي: اذكر يا محمد! في القرآن مريم، ومريم قد مضت قصتها وتحرير خدمتها لبيت الله عندما ولدتها أمها وقالت: إنها نذرت ما في بطنها محرراً للخدمة وللعبادة ولتنظيف بيت الله، ولكنها عندما ولدتها بنتاً أخذت تتحسر وتقول: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران:36]. فأم مريم جدة عيسى دعت لابنتها ولحفيدها ولد مريم بأن يقيه الله، وبأن يحفظه من نفث الشيطان ووسواسه وإيذائه لبني آدم، فاستجاب الله دعاءها وحقق لها رغبتها، فكانت مريم من القانتات العابدات الصالحات، وآتاها الله ماطلبت حسب رغبتها ورجائها في ربها. قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} [مريم:16] أي: اذكر يا محمد! ما أنزل الله عليك في كتابه الموحى إليك من قصة مريم عندما انتبذت وابتعدت وانفردت عن قومها في مكان شرقي عن بلد أهلها، وعن مكان تجمعهم وتكتلهم، فاذكر ذلك يا محمد! واتبع ما يتلى عليك عن الأنبياء السابقين من فضائل ومزايا ومحاسن. قال تعالى: {فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا} [مريم:17]. أي: عندما اختلت دونهم وابتعدت عنهم واتخذت مكاناً تخلو فيه لعبادة ربها، وجعلت بينها وبين قومها حجاباً من ثوب أو من حائط، أو حجاب البعد عنهم فلا تجالسهم ولا تخوض في خوضهم ولا تشتغل بفسادهم، وإنما هي العبادة لله وحده قائمة راكعة ساجدة. قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم:17]، فعندما كانت مريم في خلوتها لعبادة ربها أرسل الله إليها شاباً جميلاً أمرد فدخل عليها، فإذا بها تفزع وتنزعج وأصبحت في غاية الهلع، فقالت: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا} [مريم:18] أي: يا هذا الذي دخلت علي خلوتي دون إذن مني ولا سابق حرمة أو صلة، لست من محارمي فكيف تبيح لنفسك أن تدخل علي خلوتي وأنا أنثى وأنت ذكر؟ وكان الذي دخل عليها هو روح الله جبريل عليه السلام جاء رسولاً من الله إليها، قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم:17]. أرسل إليها جبريل بالبشرى وبالأمر الغريب العجيب الذي لم تكن تتوقعه، أرسله إليها بما لم تطلبه ولم تتخذ له سبيلاً ولا طريقاً، فهي ليست كخالتها عقيماً، ولم تتزوج ولم تتشوق إلى ذلك، ومع ذلك رأت هذا الشاب الجميل الأمرد يدخل عليها منتهكاً خلوتها وحجابها. فجبريل هو روح الله كما سماه الله، فتمثل لها في صورة بشرٍ سوي تام التقاطيع والحواس، جميل الشكل كامل القامة، وإذا بها عندما رأته خافت وبادرته بالتعوذ بالله منه، فقالت: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا} [مريم:18] أي: أتحصن وأتوسل وأستغيث بالله وأجعله مرجعي ومآلي أن يحفظني منك ومما يمكن أن يحصل منك من سوء وشر، فظنته جاء لسوء، أي: ظنته جاء للفاحشة فأخذت تتعوذ بالرحمن منه وتقول: (إِنْ كُنتَ تَقِيًّا) أي: إن كنت ممن يقبل التعوذ والرجاء، وإن كنت صالحاً تؤمن بالله وتبتعد عن الفواحش وعن السوء وعن البلايا. قالوا: فعندما سمع جبريل ذلك التعوذ من هذه العابدة الصالحة القانتة اهتز اهتزازاً ارتجت له الأرض حتى عاد لصفته الملائكية، ثم أكد لـ مريم أنه ليس ببشر، فلا خوف من ذلك، والملائكة عباد الله المعصومون {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6]، فلا يأكلون ولا يشربون ولا يتزوجون، ولا يلدون ولا يتوالدون من باب أولى، فلما اطمأنت أخذت تعجب بعد ذلك: كيف ستلد وليس لها زوج، ولم تكن بغياً، أي: زانية في يوم من الأيام؟
تفسير قوله تعالى: (إنما أنا رسول ربك)
تفسير قوله تعالى: (إنما أنا رسول ربك) قال تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا} [مريم:19]. قال لها: لا تخافي ولا تتعوذي مني؛ فإنما جئت إليك رسولاً من ربك أبشرك بأنك ستلدين ولداً يكون نبياً ومعجزة، ويكون علامة من علامات قدرة الله على كل شيء، فأنا لم آت للهوى، ولست بشراً وما بي ذلك، وليس لي قدرة على ذلك، وإنما أنا عبد الله ورسول الملائكة إلى الرسل من الناس.
اختلاف العلماء في كون مريم وغيرها نبية
اختلاف العلماء في كون مريم وغيرها نبيةً من هذه الآية وأشباهها قال من قال بأن مريم كانت نبية؛ إذ جبريل لا يرسل إلا إلى الأنبياء والرسل، وهذا رأي طالما اختلف فيه الأئمة واختلفت فيه المذاهب، ولكن من يقول بأنه قد كان في النساء نبيات أدلتهم ظاهرة من القرآن وقصصه وآياته، ومريم قد جاءها جبريل رسولاً من عند الله، فخاطبها وخاطبته وكلمها وكلمته، وبلغها رسالة ربه فكانت بذلك نبية، وليس من النساء رسول، وفرق بين النبي والرسول، فالنبي عبد لله أمر بشرع في نفسه ولم يكلف بتبليغه للناس، والرسول نبي أمر بشرع وكلف بأن يبلغه لغيره. فعلى ذلك فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، ومريم نبية وليست برسول. قال تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ} [مريم:19] وفي القراءات السبع: ليهب لك، فسواء كان التعبير عنه أو عن ربه فالمعنى واحد، أي: ليهب لها ويعطيها ويكرمها، {لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا} [مريم:19] أي: تقياً صالحاً ونبياً مباركاً، زكت أخلاقه وأعماله وعباداته وطاعته، وكان من أكرم الناس وأتقاهم وأكملهم، فقالت مريم إذ ذاك بعد أن اطمأنت: {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} [مريم:20]. أي: يا أيها الرسول كيف سيكون لي ولد وأنا امرأة لستُ ذات زوج ولا بغيًّا فأزني، ولم يسبق أن مسني بشر لا بحلال ولا بحرام، والولد لا يتكون إلا من نطفة الرجل وأنا لا أعرف في حياتي زوجاً ولا خليلاً، والخليل لا يليق بي؟! فقوله تعالى: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [مريم:20] أي: لم يتصل بي ولم يجامعني رجل بزواج أو كتاب أو عقد، فأنا لا أزال عذراء بكراً (ولم أك بغياً)، ولا يليق بي ذلك، فكيف سيكون هذا الولد ومن أي شيء سيتكون؟! وإذا بجبريل يجيب: {قَالَ كَذَلِكِ} [مريم:21] أي: كما تعتقدين أن الله سيرزقك وسيهب لك غلاماً بلا مس من رجل ولا من حرام ولا حلال، كذلك ستلدين وأنت عذراء ومحسنة وصالحة وبريئة. قال تعالى: {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مريم:21] فكونك ستلدين بلا زوج ولا خليل ولا نطفة رجل فذاك الذي سيحصل، والله قادر على كل شيء وهو عليه هين، وهذا قد مضى في قصة زكريا عندما دعا ربه بأن يرزقه غلاماً على كبر سنه، وعلى بلوغ زوجته السن الفانية، بحيث رق عظمه ووهى، وتساقطت أسنانه، وأصبح جلداً على عظم، وامرأته مسنة عاقر، فلما دعا ربه استجاب له ربه فقال {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} [آل عمران:40]، فقال له جبريل: {كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم:9]. وكذلك يجب أن تعلمي يا مريم أن الله خلق آدم بلا أب ولا أم، وخلق حواء من أب بلا أم، وهو قادر على أن يخلق ولداً بلا أب، وذاك من قدرته وبديع صنعته وعالي أمره جل جلاله وعز مقامه، فإذا أراد شيئاً لا يكلفه أكثر من أن يقول له: كن فيكون. قوله: (كذلكَ) هذه الكاف ليست من اسم الإشارة، فاسم الإشارة ذا، لكن هذه الكاف تضاف إليها وتكون حسب المخاطب، فإن كان المخاطب ذكراً مفرداً فيقال: ذاكَ، وإن كان المخاطب مذكرين أو مؤنثين فيقال: ذاكما، وإن كان مؤنثاً مفرداً يقال: ذاكِ، وإن كان جمع ذكور يقال: ذالكم، وإن كان جمع إناث يقال: ذالكن، واسم الإشارة بحاله لا يتغير وهو (ذا). فهذا الذي تتعجبين منه يا مريم سيكون، فهو من قدرة الله، وأعجب منه أن أباك الأول آدم وأمك الأولى حواء قد كان آدم بلا أب ولا أم، وكانت حواء من أب بلا أم، وهذا سيكون من أم بلا أب، وقدرة الله صالحة لكل شيء جل جلاله، فهو الذي يصنع العادة. قال تعالى: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً} [مريم:21] أي: علامة على قدرة الله وبديع صنعه، ورحمة من الله للخلق، حيث سيأتيهم فيدعوهم إلى الله الواحد؛ ليفردوه بالعبادة، وليخصوه بالطاعة. قال تعالى: {وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} [مريم:21] أي: سبق ذلك في علم الله وقضائه أنه لا بد منه، وسبق أن قلنا في أكثر من مناسبة: إن اللوح المحفوظ لوحان: لوح من قبل الله لا يراه إلا هو، ولوح من قبل جند الله الملائكة يراه الله وملائكته، فما كان في اللوح الذي من قبل الملائكة فهو الذي يقول الله فيه: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد:39]، أما اللوح المحفوظ الذي لا يراه إلا هو فيقول عنه: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق:29]، فاللوح الذي من جهة الملائكة يعتريه المحو والإثبات، ويرد فيه الدعاءُ القضاءَ، ويرده البر والطاعة خاصة دعوة الأبوين عن ظهر غيب، فتزيد السن وتنقص، ويزيد الرفق وينقص، ويتغير ما في اللوح. أما اللوح الذي من قبل الله الذي لا يراه إلا هو فهو ما يقول عنه: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد:39]، وهو ما حدث في الإسراء النبوي عندما أمر صلى الله عليه وسلم بخمسين صلاة في اليوم والليلة، فعندما نزل إلى موسى قال له موسى: ما الذي أمرك به ربك وأمر أمتك؟ قال: أمرني بخمسين صلاة، قال: ارجع إليه فإن أمتك لا تستطيع ذلك، وبقي يصعد وينزل، والله ينقص له خمساً، ثم خمساً، ثم خمساً إلى أن أصبحت خمساً فقط من خمسين، فقال له عند ذاك: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق:29] أي: تلك الخمسة هي المكتوبة في أم الكتاب، فاللوح المحفوظ من قبل الله الذي لا يعتريه محو، ثم قال الله لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: هي خمس في الأداء وخمسون في الأجر والثواب، والحسنة بعشرة أمثالها. قال تعالى: {وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} [مريم:21]. أي: وكان هذا من القضاء الثابت: أن نفخ جبريل في جيب قميصها نفخة وصلت إلى فرجها ودخلت في رحمها، فكان من تلك النفخة الحمل.
مريم [22 - 34]
تفسير سورة مريم [22 - 34] عندما حملت مريم البتول بنبي الله عيسى عليه السلام، جاءها المخاض إلى جذع النخلة فولدته ثم جاءت به قومها فأخذوا يتهمونها ويقذفونها، فكانت تشير إلى هذا المولود، فإذا به يكلمهم بأنه مرسل وأن الله جعله مباركاً أينما كان.
تفسير قوله تعالى: (فحملته فانتبذت به مكانا قصيا)
تفسير قوله تعالى: (فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً) قال تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا} [مريم:22]. أي: شعرت مريم بالوحم وبتغير الحالة، وإذا بها تنتقل من غم وهم إلى غم وهم أكثر، إذ أخذت تتساءل: أنا منفردة في المعبد ولا أحد فيه إلا يوسف، فماذا سيقول الناس عندما يبلغهم الحمل؟ لعلهم سيقذفونها ويعيرونها ويرتابون في دينها، وهذا الذي خافت منه وقع، فأول من ارتاب وشك خادم المعبد يوسف النجار، فقال لها يوماً: يا مريم! هل تنبت شجرة بلا حب، ويكون ولد بلا أب؟ قالت: نعم، قد كان آدم بلا أب ولا أم، وكانت حواء بأب فقط، والله قادر على كل شيء، فسكت، وأدرك أنها فهمت عنه، ولم يزدها تصريحاً بما يشكك في دينها. فقوله تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا} [مريم:22] أي: ابتعدت وزادت خلوة في مكان بعيد، قالوا: إنه بيت لحم، وهناك روايات في السنة النبوية ليست بثابتة ولكن ذلك وافق ما في الكتابين التوراة والإنجيل: أن ذلك قد كان في بيت لحم. قال تعالى: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} [مريم:23]. قال البعض: كان الحمل لحظات، وقال البعض: ثمانية أشهر، وقالوا غير ذلك، ولكن من المؤكد أن الحمل كان كالحمل العادي تسعة أشهر كاملة، بالوحم وبالنطفة ثم العلقة ثم المضغة المخلقة وغير المخلقة إلى أن أصبح جنيناً يتحرك، ثم أصبح وليداً فخرج من رحمها. قال تعالى: {قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مريم:23] لما جد الجد أدركها الخوف والرعب من قومها، فجاءها المخاض، أي: حملها المخاض وألجأها وكأنه أسرع إليها وفاجأها إلى جذع النخلة، قد كانت قريبة من جذوع نخل قد يبست وماتت ولم يبق إلا غصونها لا تمر فيها، فجاءت إلى جذع من هذه الجذوع واستندت إليه، وليس معها إلا الله، ومع وجع ولادتها ومخاضها وآلام الطلق كانت تعتمد وتتكل على هذا الجذع فقالت: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ} [مريم:23] تتمنى لو أنها لم تكن حية لهذا اليوم الذي ستلد فيه بلا زوج، فما الذي سيقول عنها قومها وعشائرها وهي بنت الأنبياء الصالحين! وهي لم تعرف إلا بالعبادة والصلاح والتقوى! وكيف سيقولون عندما يرون الوليد معها، قال تعالى: {قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مريم:23] أي: كنت شيئاً هالكاً مهملاً لا يلفت نظراً ولا يهتم بوجوده أحد، ولأن أكون هذا الشيء المهمل الذي ينساه الناس ولا يهتمون به ولا يلتفتون إليه خير لي من هذا البلاء والفتنة في الولادة من غير فحل. قال تعالى: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مريم:24]. قال أكثر المفسرين: المنادي هو جبريل، فقد كانت هي عند جذع النخلة، وكان هو يشرف على ولادتها من بعيد في أسفل الوادي، وفي هذه الحالة الحرجة نادى جبريل من أسفل الوادي ليقوي معنوياتها ويثبتها ويؤكد لها البشرى التي جاء بها من الله؛ لأنها ستلد نبياً يكون علامة ورحمة ومرجعاً لبني إسرائيل. وقال مفسرون آخرون: الذي كان يناديها من تحتها هو وليدها عيسى وهو لا يزال طفلاً جميلاً، وإذا بها تسمع نداءه: {أَلَّا تَحْزَنِي} [مريم:24] أي: يجب أن تستبشري وتفرحي وتقابلي ربك بالسرور والفرحة لا بالحزن والآلام وتمني الموت، فمن سنة نبينا أنه لا يليق بالإنسان أن يطلب الموت من بلاء نزل به، ومع ذلك كثير من السلف الصالح عندما فتنوا في أنفسهم ودينهم دعوا الله بالموت. وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ندعو عند الفتنة بالدعاء النبوي الصحيح الثابت في الصحيحين وبقية الكتب الستة: (اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خير لي)، والخير والشر لا يعلم نهايته إلا الله، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن ندعو بالحياة ما دامت الحياة خيراً لنا في ديننا ودنيانا، ونطلب الممات إذا كان الموت خيراً لنا في ديننا ودنيانا، إذ الفتنة في الدين بلية ومصيبة، وقد يرتد الإنسان من أجلها عن دينه، فيكون الموت خيراً له في دينه ودنياه. وهكذا حصل للسيدة مريم حيث تمنت الموت من هذه الفتنة التي ابتليت بها، من كونها ولدت غلاماً ولا زوج لها، فماذا سيقول الناس؟ فلما ألجأها المخاض إلى جذع النخلة الميت الذي لا تمر فيه؛ تمنت الموت، فناداها من تحتها جبريل أو ناداها عيسى: {أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مريم:24]. فعيسى هو السري النبيل الكريم الشاب الصالح، الذي سيكون علامة وآية من آيات قدرة الله، ويكون رحمة للناس. فمن قال: إن جبريل هو الذي ناداها، فالمعنى: قد أكرمك بهذا السري، أي: السيد الجليل والنبي الكريم، ومن قال: إن المنادي ولدها عيسى قال: السري هو النهر الصغير، أي: الجدول الجاري من الماء، فقوله تعالى: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مريم:24] أي: قد جعل وادياً جارياً بالماء.
تفسير قوله تعالى: (وهزي إليك بجذع النخلة)
تفسير قوله تعالى: (وهزي إليك بجذع النخلة) قال تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم:25] تُساقِطْ أو تَسَّاقَطْ، وأصلها: تتساقط، وكلتا القراءتين سبعيتان متواترتان. والنخلة الحية ذات السعة والتمر لا يعبر عنها بالجذع، ولكن بقدرة الله جعل الله ذلك الجذع نخلة حية ذات تمر وثمر في غير وقته، وجعل الماء تحتها حتى لا تتعب ولا تتكلف وهي نفساء من ساعتها، فتبحث عن الماء وعن الطعام وهي في خلوتها ليس معها أحد إلا الله، فحول الله الجذع إلى نخلة حية تحمل لذيذ التمر وشهيه، وجعل تحتها نهراً جارياً عذباً سلسبيلاً، فقال: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم:25] أي: مجنياً يتساقط بين يديك شهي المطعم. قال تعالى: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا} [مريم:26] أي: كلي من الرطب واشربي من الجدول وقري عيناً ولا تحزني، يقال: فلان قرت عينه، أي: برد دمعها، ويكون ذلك عند الفرح والبشريات، ويقال: سخنت عينه، ولا يكون ذلك إلا عند الأحزان، إذ يكون الدمع ساخناً، فإذا قيل: قرت عينه فهو خبر عن أفراح ومسرات وبشائر، وإذا قيل: سخنت عينه فهو دعاء بالبلاء والامتحان، حتى يتساقط الدمع منه وهو ساخن لحزنه وألمه. وهنا قال الله لها أو قال جبريل عن الله: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا} [مريم:26] أي: لا تحزني ولا تقلقي، فهذا الطعام والشراب من الله، ومن المعلوم أنه قد مضى معنا في سورة آل عمران أن زكريا زوج أختها كان يدخل عليها المحراب فيجد عندها رزقاً، فيقول لها: {أَنَّى لَكِ هَذَا} [آل عمران:37] فتقول: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران:37]، فكان هذا قبل أن يأتيها الوحي، فكانت تأتيها فاكهة الصيف في وقت الشتاء، وفاكهة الشتاء في وقت الصيف كرامة من الله لها ورعاية، وهذا من باب أولى عندما أصبحت نبية أم رسول ونبي من أولي العزم. {فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} [مريم:26]؛ لتريح نفسها من كثرة السؤال والجواب، ومن كثرة الفضوليين: من أين لك هذا الوليد؟ وكيف ولدتيه؟ أزنيت يا مريم؟ أيليق هذا بك؟ من أبوه؟ أيليق بك أن تجعلي أباك وأمك موضع سوء وريب عند الناس؟ فقال الله لها: {فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} [مريم:26] ومعنى ذلك: أنها لم تمنع من كلام الملائكة، فكانت تكلم جبريل ويكلمها؛ لأنهم يعلمون قصتها وحقيقة ولادتها، ولكن البشر لا يعلمون ذلك، ولن يعلم الكثيرون ما داموا معرضين. فأمرها الله جل جلاله ألا تخاطب إنسياً قط، وتشير بأنها نذرت لله صوماً ألا تكلم اليوم إنسياً؛ والصوم: هو الإمساك، فيقال: صام عن الطعام، أي: أمسك عنه، وصام عن زيد، أي: أمسك عن مخاطبته، وصام عن الكلام، أي: لم يتكلم، فهي أشارت إليهم بأنها نذرت لله صوماً، وكان ذلك في شريعتها، أما في شريعتنا فإن ذلك لا يجوز. يروى أن أبا بكر جاءته امرأة ساكتة فكلمها فلم تجب، وألح عليها فلم تجب، ونهرها فلم تجب، فعندما أكثر عليها أخذت تشير فقال لهم: ما بالها؟ قالوا: إنها نذرت الإمساك عن الكلام، فهددها بالتعزير والضرب إن بقيت كذلك فتكلمت، فلا يوجد في شريعة الإسلام الصيام عن القول إلا ما كان عن القول الباطل وقول الزور، كما قال تعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء:114]، فالكلام الكثير لغو باطل لا خير فيه. فولدت مريم وهي عند جذع النخلة، وأخذت تهز إليها النخلة فتتساقط رطباًً، وتشرب من الجدول عند رجليها، ومن هنا قال علماؤنا: الرطب خير الطعام للنفساء، كما أن العسل خير الطعام للمرضى، فالله جل جلاله أمرها عن طريق جبريل ألا تنطق ولا تتكلم مهما رأت أحداً من البشر، وتشير بأنها قد نذرت الصيام عن الكلام. ولكن بعد ذلك حملت وليدها على كتفها: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} [مريم:27] جاءت قومها وهي تحمل وليدها، جاءت العابدة التقية الصديقة البكر العذراء التي لا زوج لها، جاءت تحمل وليدها وإذا بالقوم يقومون إليها كالأوباش فقالوا: {قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم:27 - 28]، نادوها وهي تحمل الوليد وقالوا لها: يا مريم! لقد جئت شيئاً عظيماً أتيت جرماً وذنباً جليلاً. قال تعالى: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ} [مريم:28] أي: لم يكن أبوك فاحشاً ولم يكن سيئاً ولا زانياً، قال تعالى: {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم:28] وكذلك أمك كانت صالحة قانتة لم تكن زانية ولم تكن مسافحة، فمن أين أتيت بهذا البلاء وبهذه الفرية العظيمة؟ قوله: {يَا أُخْتَ هَارُونَ} [مريم:28] زعم قوم وأبعدوا في ذلك أنها أخت هارون أخي موسى نبي الله، فالأخوان نبيان ورسولان: موسى وهارون، وهذا زعم من لم يعرف عن سير وتاريخ الأنبياء شيئاً، فلقد كان ما بين موسى وهارون وما بين أيام مريم القرون السحيقة. وقال قوم: {يَا أُخْتَ هَارُونَ} [مريم:28] أي: كان فيهم رجل يسمى هارون، وكان يضرب به المثل في صلاحه وتقواه وعبادته، فكانت تشبهه، فأخذوا يهزءون بها ويقولون: ما هذا الوليد الذي أتيت به على كتفك؟ وكلا القولين ليس بصحيح. والقرآن نزل بلغة العرب، فالعربي يقول للقرشي: يا أخا قريش! أي يا من أنت تنتسب إلى قريش، ويقول للتيمي: يا أخا تيم! ويقول للعربي عامة: يا أخا العرب! كذلك قوله تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء:27] أي: أن المبذرين كانوا إخوة للشياطين في أعمالهم؛ لأنهم انقلبت حقيقتهم من إنس إلى جن فأصبحوا إخوة لهم من الأب والأم، والشبه يكون في الخير والشر. فـ مريم عليها السلام معروف عنها أنها ابنة الأنبياء والرسل، وأنها من سلالات موسى وهارون إلى يعقوب فإسحاق فإبراهيم عليهم الصلاة والسلام. فقوله: {يَا أُخْتَ هَارُونَ} [مريم:28] أي: يا ابنة الأنبياء! يا من تنتسب إلى الصالحين من قومها، ما هذا البلاء الذي أتيت به؟ قال تعالى: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم:28]، والبغي: الزانية، وامرأ سوء أي: فاحش سيئ لا يصلح، بمعنى كانت بيئتك صالحة وأبواك صالحان، فمن أين هذا البلاء وهذه الفاحشة؟! قال تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} [مريم:29] أي: لم تجبهم، فقد أمرها الله ألا تكلم اليوم إنسياً، أي: تصوم عن الكلام وتنقطع عن الحديث مع أي إنسان. فقوله: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} [مريم:29] أي: إلى عيسى، وإذا بهم يصيحون: أتهزئين بنا؟ أتطلبين منا مخاطبة الأطفال، ألم يكفك ما أتيت به من فحشاء وبغي؟ وإذا بالمشار إليه عيسى يتكلم، وبذلك كان عيسى سلسلة معجزات وسلسلة غرائب وعجائب منذ أن خرج إلى أن رفع إلى السماء. قوله تعالى: {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} [مريم:29] إما أن يكون في المهد بجانبها في المكان الشرقي القصي من قومها، وإما أن يكون المهد حضنها، قالوا لها: أتهزئين بنا؟! كيف تطلبين منا أن نكلم صبياً لا يزال في المهد، ومتى كان الصبيان في المهد يتكلمون؟!
تفسير قوله تعالى: (قال إني عبد الله آتاني الكتاب)
تفسير قوله تعالى: (قال إني عبد الله آتاني الكتاب) قال الله تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم:30 - 33]. حاضرهم بمحاضرة وأعطاهم درساً، فوقفوا مندهشين: متى كان الأطفال في المهد يتكلمون؟ ففي هذه الآيات رد على اليهود الذين اتهموا أمه بالزنا، وقالوا عنه: هو ابن يوسف النجار، كذبوا وأفكوا لعنات الله عليهم تترى، وكذب النصارى عندما زعموا أنه الإله، وأنه الرب، وأنه ابن إله، وأنه ثالث ثلاثة، فكذبوا وفجروا، عليهم كذلك لعنات الله تترى. فكان أول ما قال من الدرس الذي أعلنه بين المحبين والمبغضين، وبين المؤمنين والكافرين أن قرر حقيقة من الحقائق: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم:30] فرغم ما رأيتم مني وما سترون بعد، فأنا عبد لله وخلق من خلقه، أرجو رحمته ومغفرته، وأعوذ من نقمته وعذابه. قال تعالى: {آتَانِيَ الْكِتَابَ} [مريم:30] أي: علمه التوراة، ومن هنا يقول النصارى: العهد القديم والعهد الجديد، ويعنون بالعهد القديم التوراة، وبالعهد الجديد الإنجيل، فهم يهود أولاً، ثم زادوا إفكاً وأكاذيب في الإنجيل عندما حرفوه وبدلوه وغيروه عما أنزل عليه. فقوله: {آتَانِيَ الْكِتَابَ} [مريم:30] أي: آتاني التوراة وأنا في هذا العمر، وعلمني وأقرأني وفهمني إياه. قوله: {وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مريم:30] أي: جعله نبياً وهو لا يزال طفلاً، ولا يتكلم بهذا إلا الأنبياء، ولا يتكلم الأطفال بهذه اللغة، فتلك معجزة وعلامة وآية من آيات الله. قال تعالى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ} [مريم:31] أي: جعله مبارك الطلعة، ومباركاً في بيته وقومه، ومباركاً في السماء وعند النزول إلى الأرض. قال تعالى: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ} [مريم:31] أي: أمره الله وأكد عليه في الوصية بأن يصلي لله صلاة كانت من شريعته، أي: أوصاه بالطاعة والعبادة والتهجد والسجود والركوع والابتهال إلى الله. {وَالزَّكَاةِ} [مريم:31] أي: أوصاه أن يزكي من ماله وقوته وقدرته، والزكاة: التنمية في كل شيء، فتكون الزكاة في المال والمواد، وتكون في المعاني كالشجاعة والنبل والغيرة والكفاح وكل ما يتعلق بذلك، فالآية تشمل كل هذه المعاني. قال تعالى: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم:31] أي: أوصاه ما دام حياً أن يصلي لله، وأن يزكي لله، ولا ينقطع عن ذلك مدة حياته، كما قال الله لخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99]، واليقين: هو الموت، أي: كن يا محمد! عابداً صالحاً زاهداً آمراً بالمعروف نهاءً عن المنكر، ودم على ذلك إلى أن يأتيك الموت. قال تعالى: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم:32] أوصاه بأن يكون براً بأمه لا يعصيها في معروف، بل يحسن معها القول والعمل والأدب. قال تعالى: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم:32] أي: لم يجعلني من جبابرة الأرض: أقتل عند الغضب، وآخذ المال عند الغضب، وأعتدي على أموال الناس ونسائهم وأرزاقهم، فلم يجعلني جباراً شقياً، ولا شك أن كل جبار شقي، والشقي: هو البعيد عن الرحمة، السيئ الفاسد الظالم الجائر، وأنبياء الله قد أكرمهم الله من ذلك. قال تعالى: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم:33] قال ما بلغه الله أن يقوله بأن السلام والأمان عليه يوم ولادته، إذاً: فعيسى ليس رباً، فالرب لا يولد، وهو القديم بلا بداية الآخر بلا نهاية، أما عيسى فقد كانت له بداية وستكون له نهاية. فقوله: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ} [مريم:33] أي: الأمان واليمن والسلامة من وسواس الشيطان وظلم الإنسان والفساد الحاصل بينهم، وسيموت كذلك، والإله لا يموت، فهذا كله مما يؤكد أنه ليس برب كما زعم النصارى، وإنما هو عبد لله ونبي رسول يولد ويموت، ويسلم كذلك من العذاب والنقمة والغضب. قوله تعالى: {وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم:33] أي: ويوم البعث عندما يحيا مرة ثانية عليه الأمان من الله، والأمان من الغضب واللعنة ودخول النار، فهو آمن من كل ذلك، فالله يرحمه ويرضى عنه ويدخله الجنة، ويكرمه بما يكرم به الأنبياء والمرسلين.
تفسير قوله تعالى: (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق)
تفسير قوله تعالى: (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق) قال تعالى: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} [مريم:34]. ذلك كل ما تعلق بـ مريم منذ ابتعادها عن أهلها في مكان قصي، ومنذ حملها لعيسى وولادتها له إلى أن جاءت به تحمله، فتكلم الصبي في المهد وقال عنها قومها ما قالوا. فذلك حال عيسى ابن مريم {قَوْلَ الْحَقِّ} [مريم:34] لا كما قال اليهود لعنهم الله: إنه من سفاح، ولا كما قال النصارى لعنهم الله: إنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، فكل ذلك كذب وفجور. فقوله تعالى: {قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} [مريم:34] قول الحق: مفعول مطلق، أي: ذلك القول مما قاله الله وقرره وبينه، فعيسى نبي رسول من الخمسة أولي العزم، وذلك بيان ما كانوا يمترون فيه ويتشككون ويرتابون، وليسوا على يقين مما يزعمون ويرتابون. فعيسى الذي يتشككون في حقيقته وهويته وإنسانيته وعبوديته لله ليس إلا عبداً لله، ولد كما يولدون، وسيموت كما يموتون، ويبعث كما يبعثون، ذلك الحق الذي يزيل الريب والشك من أنفس هؤلاء وكل الأحزاب.
مريم [35 - 40]
تفسير سورة مريم [35 - 40] كذب الله النصارى وغيرهم في زعم الولد لله تعالى، ونزه نفسه عن ذلك، وذكر أنه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون. ثم ذكر اختلاف النصارى واقترافهم من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم، ثم هدد وتوعد الذين كفروا وظلموا من مشهد يوم عظيم.
تفسير قوله تعالى: (ما كان لله أن يتخذ من ولد)
تفسير قوله تعالى: (ما كان لله أن يتخذ من ولد) قال الله جل جلاله: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [مريم:35 - 36]. بعد أن علمنا الله جل جلاله وقص علينا قصة زكريا وقصة ولده يحيى، وقصة خلق عيسى من غير أب، ختم الله ذلك بقوله: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ} [مريم:35] أي: لا يليق بجلاله ولا يليق بحق ألوهيته ولا بصفاته أن يكون الرب أباً كالمخلوقات. قال تعالى: {سُبْحَانَهُ} [مريم:35] فالله ينزه نفسه جل جلاله عن أن يشبه خلقه في ولد أو ولادة أو في شيء مما يتعلق بالمخلوق، فالله هو الخالق والرازق والذي أكسب هؤلاء قوة ليكون لهم أولاد وصواحب، وأما هو جل جلاله فهو منزه عن ذلك ومعظم عنه فلا يليق به ولا بألوهيته، قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:1 - 4]. قال تعالى: {إِذَا قَضَى أَمْرًا} [مريم:35] أي: إذا سبق في علمه وقضائه وإرادته أن يكون له أمر كأن يخلق شيئاً، فهو لا يحتاج لصاحبة ولا ولد، وإنما يقول للشيء: كن فيكون، فالله لا يريد ولداً ولا يليق بجلاله أن يكون له ولد من حمل أو من غير حمل. فعيسى عليه السلام كان من نفخة الروح، فحملته أمه تسعة أشهر ثمَّ ولدته كما يلد النساء حملاً ووحماً وعذاباً ومخاضاً وولادة، والله جل جلاله لا يحتاج لذلك ولا يليق به أن يكون له ولد، {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [مريم:35] أي: إذا تعلقت إرادته وقدرته بالشيء، فيكفي أن يقول له: كن فيكون، فكما خلق آدم من تراب وحواء من ضلع آدم، وخلق السماوات العلا والأرضين السفلى وما بينهما، فلم يحتج إلا إلى قوله: كن فكان ذلك، ولا يزال الخلق مستمراً، ولا يزال الله وسيبقى الخالق المدبر الرازق المعطي المانع المحيي المميت، فكل ما يريده جل جلاله لا يحتاج منه إلى أكثر من قوله له: كن فيكون. يقول عيسى عليه السلام: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [مريم:36]، وقرئ {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} [مريم:36] عطف على قول عيسى: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم:31] أي: وأوصاني بأن اتخذ الله رباً؛ لأن الخلق جميعاً مربوبون فما خلقنا إلا لعبادته، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]. فعيسى عندما ولد طفلاً رضيعاً أنطقه الله تعالى وآتاه الحكم والكتاب والنبوة صبياً، فكان أول ما قال: إنه عبد الله، وهنا يؤكد ذلك ويقول لنفسه وللناس: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} [مريم:36] أي: إن الله جل جلاله هو ربي وخالقي ورازقي، فهو يزيف بذلك ما زعمه النصارى عنه من أنه الرب أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً. فقوله: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} [مريم:36] أي: كما هو خالقي فهو خالقكم، وكما هو رازقي فهو رازقكم، والأمر بيده إحياءً وإماتةً. فالله جل جلاله أنطق عيسى عند الطفولة وهو لا يزال في المهد: أن يكذب ما سيكون بعد ذلك من اتهام اليهود له، وقذفهم له أنه ابن يوسف النجار، أو غلو ومبالغة النصارى عندما جعلوه الله وعبدوه، فعيسى قد قال عن نفسه: إنما أنا عبدٌ لله، وربي الله كما هو ربكم، فلا يعبد سواه، ولا ينزه سواه، ولا يعظم سواه جل جلاله. قال تعالى: {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [مريم:36] يقول عيسى: هذا الذي أتيتكم به صراط سوي واضح بين، ليس فيه عوج ولا أمت، وهو يدعو إلى عبادة الله الواحد، فالكل عبيد له ومخلوقون له، وأن دينه الذي أتى به دين سوي مستقيم لا يفسد على الناس عقولهم.
تفسير قوله تعالى: (فاختلف الأحزاب من بينهم)
تفسير قوله تعالى: (فاختلف الأحزاب من بينهم) قال تعالى: {فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [مريم:37]. مع هذا الذي أعلنه عيسى في بني إسرائيل من أتباع التوراة والإنجيل فقد اختلفوا، ولذلك فإن النصارى يقولون عن التوراة: العهد القديم، وعن الإنجيل: العهد الجديد، فلا تزال التوراة بالنسبة لهم غير منسوبة، والإنجيل مؤكد. ومن هنا نعلم أن النصارى كانوا يهوداً أولاً ثم صاروا نصارى، فزادوا على فساد اليهودية وخزعبلاتها، وحرفوا كتاب الله الإنجيل، وقد جمعوا بين الشرين كما جمعوا بين الكفرين. قال تعالى: {فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ} [مريم:37] أي: اختلف قوم عيسى إلى أحزاب وطوائف ومذاهب، فكانت النصرانية موضع خلاف عند المتمسكين بها والعابدين على أساسها، فشكل قسطنطين وهو من كبار ملوكهم مؤتمراً ليخرج منه بشيء خاص يدعو إليه جميع النصارى، فاجتمعت أحزاب النصارى كلها، فقال بعضهم: عيسى هو الله، وقد قص الله علينا ذلك في كتابه، وقال قوم: هو إله وابن إله، وقال قوم: هو ثالث ثلاثة، وقد كذبوا جميعاً وأفكوا، حاشى لله من هذا القول، فاختلفوا إلى طرائق قدد كفراً منهم وجحوداً. قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [مريم:37] أي: كفروا بما أنزل الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وأنه كمثل آدم خلقه الله من تراب، ثم قال له: كن فكان، فكان عيسى فرعاً من آدم، فكما خلق آدم بلا أب ولا أم خلق عيسى من أم بلا أب، وخلق حواء من ضلع آدم. فأحزاب النصارى كفروا بما أنزل الله، وأن عيسى عبد الله ونبيه، وابن الصديقة مريم، وأن الله واحد لا شريك له، ولا يليق أن يكون له ثان جل جلاله وعلا مقامه. فقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [مريم:37] أي: ويل للكافرين بالحق وبالوحدانية، والويل: نهر من قيح في النار، ومعناه: يا مصيبتهم، ويا بلاءهم يوم يدخلون النار فيكون شرابهم من قيح جهنم، ويخلدون فيها أبداً سرمداً إذا هم ماتوا على الشرك والوثنية. واليوم العظيم: هو يوم القيامة، يوم العرض على الله، ويوم الحساب يوم يكون فيه قوم إلى الجنة وقوم إلى السعير، ويوم يعرض الناس على ربهم في يوم كألف سنة مما تعدون، ويكون اليوم عظيماً شديداً يشتد فيه العرق على المعروضين على الله جل جلاله، فالبعض يصل عرقه إلى كعبيه، والبعض إلى ساقيه، والبعض إلى ركبتيه، والبعض إلى ثدييه، والبعض يلجمه العرق إلجاماًَ. ويكون في هذا اليوم من ميزة المؤذنين أن تكون أعناقهم طويلة، فمهما بلغهم العرق فإنه يبقى الرأس وما فيه من حواس بمنجى من الاختناق بماء العرق، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: (المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة)، ومن لم يعلم هذا لا يعلم معنى الحديث، فكونهم دعاةً إلى الله وإلى عبادته ويؤذنون لدخول الوقت أكرموا بذلك.
تفسير قوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا)
تفسير قوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) قال تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [مريم:38]. يقول الله عن هؤلاء الكافرين الذين لهم آذان لا يسمعون بها، وأبصار لا ينظرون بها، وقلوب لا يفقهون بها، وهكذا غفلوا وضاعوا، وضلوا عن سماع الحق ورؤيته وفقهه وعلمه، لكنهم لم يكونوا كذلك يوم العرض على الله، فالله يقول: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} [مريم:38] أي: ما أشد سمعهم وما أشد بصرهم، فلا تكاد تفوتهم كلمة تقال يوم القيامة، ولا يكاد يفوتهم منظر يوم القيامة، فهم حداد البصر شديدو السمع يوم القيامة، وهم إذ ذاك يرون ما أوعدهم الله به من عذاب أليم ومحنة دائمة، ومن الويل في نار جهنم، فتجدهم كلهم آذاناً وأسماعاً وقلوباً تفقه وتدرك، ولم يكونوا كذلك في دار الدنيا؛ لأنهم عاشوا شاكين مرتابين، ويوم القيامة أصبح الشك حقيقة والخيال واقعاً، وأصبح ما كانوا يكذبون به يعيشون في وقته وحاضره وواقعه. فقوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} [مريم:38] أي: ما اشد سمعهم وأقوى بصرهم يوم القيامة، وقد بعثوا من بعد الموت، وعرضوا على الله خالقهم؛ ليحاسب كل مخلوق على عمله إما إلى جنة وإما إلى نار. قال تعالى: {لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [مريم:38] أي: لكن الظالمون أنفسهم بالشرك والكفر والضلال هم اليوم -أي: في دار الدنيا- في ضلال مبين وضياع واضح وفساد بين، فلا يعرفون الحق ولا يريدون أن يعرفوه، فإذا قرئ عليهم كتاب الله أعرضوا عنه وتولوا، وإذا قال لهم رسول من رسل الله: أنا رسول الله إليكم كذبوه وآذوه، وفرقوا الناس عنه، وصدوا عن طاعته، فهكذا هم اليوم في دار الدنيا يعيشون في ضلال واضح وبلاء بين، ولكنهم إذا أتوا يوم القيامة فما اشد سمعهم وما أقوى أبصارهم!
تفسير قوله تعالى: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر)
تفسير قوله تعالى: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر) {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [مريم:39]. أي: وانذرهم يا محمد! على ضلالهم وعلى فسادهم وصم آذانهم وعمي أبصارهم، ومعنى: (أنذرهم): خوفهم مما سيكون عليهم إن بقوا هكذا إلى الموت؛ لتكون حجة الله البالغة، وليكون أمر الله هو النافذ، فإذا أتوا ربهم يوم القيامة، وسألتهم الملائكة: ألم يأتكم رسول وينذركم ويبشركم؟ ألم يأمركم وينهكم؟ لم يجرؤ أحد أن يكذب، ولو كذبوا شهد عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بأنهم كانوا كاذبين. ويوم الحسرة: هو يوم القيامة، يوم يتحسر المؤمنون ويتحسر الكافرون، والحسرة: هي الندم في شدته والألم في نهايته، يوم يندمون كلهم ولات حين مندم، فيندم المسلمون ويتحسرون؛ لأنهم لم يزدادوا طاعة وإيماناً وإيقاناً وعبادة. ويتحسر الكافر؛ لأنه طالما أنذر وذكر وهو حي يرزق، وقد يكون بعضهم عمر سنين وأعواماً وقارب المائة أو تجاوزها، ولم يزدد من الله إلا بعداً، وبالأنبياء كفراً، وبكتب الله الحق إبعاداً وتزييفاً وإفساداً، وصداً للناس عنها، ففي هذا اليوم يبعثون ويعرضون على الله، ويسمى بالنسبة لهم يوم الحسرة؛ إذ يتحسرون ويندمون ويتألمون ويتوجعون، ولو أنهم انتبهوا في دار الدنيا فآمنوا بالله على الأقل رباً، وبأنبيائه عبيداً مكرمين رسلاً لكان خيراً لهم، ولكن هيهات فقد سبق السيف العذل، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. فطالما أنذرهم كتاب الله، وأنذرهم الهادي رسول الله، وأنذرهم ورثة الأنبياء العلماء العارفون بالله مثل هذا اليوم، أنذروهم عذاباً وغضباً ولعنة، وما زادهم ذلك من الله إلا بعداً. قال تعالى: {إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ} [مريم:39] أي: الأمر الذي كانوا يرتابون فيه من بعث بعد الموت، وجنة ونار، فيكون قد قضي وتم وعلم أهل الجنة من أهل النار، وأهل الرحمة من أهل الغضب. ومن هنا يزدادون حسرةً وألماً وندماً، فيمنون أنفسهم بأن العذاب إذا اشتد سيموتون ويستريحون وهيهات أن يكون لهم ذلك، بل يؤتى بكبش فيقال لأهل النار: أتدرون ما هذا؟ فيقولون: نعم، هو الموت، ويقال لأهل الجنة: أتدرون ما هذا؟ فيقولون: نعم، هو الموت، فيذبح الموت، ويقال لأهل الجنة: خلود فلا موت، ويقال لأهل النار: خلود فلا موت، فيزدادون بذلك حسرةً وألماً وتوجعاً. وكما ورد في الآثار النبوية يفرح المؤمنون يوم ذاك فرحة لم يفرحوا مثلها قط، ويزداد الكافرون حسرة إلى حسرتهم، فمن في النار {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء:56]، ومن في الجنة لا يملون ولا يقنطون، فهم من درجة إلى درجة، ويتزاورون ويجتمعون ويتحدثون عن تاريخهم في الدنيا، ويبحث المؤمن عن أهله في الجنة، فإذا وجدوا أهاليهم زادوا بذلك فرحاً وشكراً لله على نعمه وآلائه. فقوله تعالى: {إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ} [مريم:39] أي: إذ تم الأمر الذي كانوا فيه شاكين مرتابين، فيوم القيامة الذي أنكروه سيعيشون في واقعه، والجنة والنار التي أنكروها كذلك سيعيشون في واقعها، فبعضهم في الجنة وبعضهم في السعير. فعندما يقضى الأمر تبدو حسرة الناس: حسرة المؤمنين أنهم لم يكونوا ازدادوا إيماناً وعبادة، وحسرة الكافرين أن لو كانوا آمنوا ولو باللسان: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48] بمعنى: لو أنهم آمنوا بالله لساناً وجناناً حتى ولو لم يعملوا فهم مؤمنون على كل حال ويطمعون، والإيمان كلٌ لا يتجزأ، فعندما يؤمن الجنان تنطق الحواس، وكل حاسة نطقها بحسبها، فعبادة اللسان بالذكر وبالتلاوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا لكل حاسة عبادة. قال تعالى: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [مريم:39]، فقد كانوا في دار الدنيا غافلين عن هذا القضاء، غافلين عن يوم القيامة لاهين ساهين رغم كونهم سمعوا ذلك أكثر من مرة، وحضروا ذلك أكثر من مرة، ولكنهم لم يستقبلوا ذلك إلا بالاستهزاء والسخرية بأنبياء الله وبالعلماء العارفين بالله، وما زادهم ذلك إلا خسراناً وكفراناً، وهكذا إلى أن وجدوا أنفسهم قد ماتوا ثمَّ بعثوا، عاشوا في الدنيا في غفلة وهم لا يؤمنون بالله رباً ولا بأنبيائه رسلاً.
تفسير قوله تعالى: (إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون)
تفسير قوله تعالى: (إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون) قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [مريم:40]. فيكون الكون قد ماتت فيه كل حركة ونسمة، وأصبح كل شيء تراباً، فمات الملك والسلطان، ومات النفوذ والأولاد، ومات الجند والعشيرة، وعادت الدنيا لما كانت عليه قبل خلقهم خراباً ليس فيها حركة ولا حياة، وفي هذه الحالة يقول الله: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر:16] فلا مجيب، فيجيب نفسه بنفسه: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر:16]. يوم يرث الله الأرض ومن عليها ويكون قد مات كل حي قبل البعث، فلا يبقى أحد في الكون: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27]، ففي هذه الحالة يكون الله هو الوارث، وهو من قبل الخالق، والكل له حتى في وقت ادعاء الملكية، فيرثهم الله ويأخذ ملكهم وقواهم وجيوشهم وجبروتهم وطغيانهم، فكل ذلك لا يبقى له مالك إلا هو، فهو ملك الملوك جل جلاله. قوله: {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [مريم:40] أي: هلكوا وماتوا ومرجعهم إلى الله، أي: أنهم يبعثون بعد الموت، وهناك الجميع يتحسرون على عبادة لم يقوموا بها، أو على إيمان لم يقوموا بواجبه، ولم يقوموا بحقيقته، فإن ماتوا وهلكوا لم يبق إلا الله وارث الكون، ثم إليه يرجعون ويبعثون للحساب وللعقاب وللعرض عليه.
مريم [41 - 50]
تفسير سورة مريم [41 - 50] ومن القصص التي ذكر الله في سورة مريم قصة إبراهيم مع أبيه، فقد دعاه إلى الحق فأبى وكان من الكافرين، فلما رأى سيدنا إبراهيم ذلك من أبيه وقومه اعتزلهم وتفرغ لعبادة ربه، ثم وهب الله له إسماعيل وإسحاق، وحفيده يعقوب.
تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم)
تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم) قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [مريم:41]. سميت السورة بسورة مريم من باب تسمية الكل بالبعض، فما قصة مريم في السورة إلا جزء منها، فهي قد تحدثت عن زكريا وعن يحيى وعن إبراهيم وعن موسى وعن أنبياء آخرين، ولكنها سميت بـ مريم، وهذه عادة الأسامي سواء في كتاب الله أو في واقع الحال في الدنيا، فنسمي القطر المصري مصر وما مصر إلا مدينة من القطر، ونسمي القطر الجزائري الجزائر وما الجزائر إلا مدينة من مدنها، ويسمي البعض المغرب مراصف وما مراصف إلا مدينة من مدائنها. قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ} [مريم:41] يقول الله لنبيه محمد العربي القرشي الهاشمي صلوات الله وسلامه عليه: كما ذكر لك من قبل في هذه السورة مريم وولدها عيسى وزكريا وولده يحيى، اذكر كذلك إبراهيم، وإبراهيم أحد الخمسة أولي العزم من الرسل، وقد كرمه الله تكريماً انفرد به من بين من جاء بعده من الأنبياء والرسل، فجعل في ذريته النبوءة والكتاب، فما من نبي جاء بعده إلا وهو من أولاده وسلالته، سواء كانوا من بني إسرائيل أو كانوا من العرب، فكان إبراهيم هو والد إسماعيل الجد الأعلى لنبينا العربي صلى الله وسلامه عليهم أجمعين. وكان هو والد إسحاق الجد الأعلى لجميع أنبياء بني إسرائيل إلى عيسى، فإبراهيم جد مريم، ومريم كذلك من بنات إسرائيل. وهو خليل الله، وأحد أولي العزم من الرسل، ولا نبي أفضل منه إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، فهو أشرف الأنبياء بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر). وإذا كان إبراهيم خليل الله فقد كان نبينا خليله وحبيبه، ولقد قال عن صديقه وصاحبه أبي بكر الصديق: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله عز وجل صاحبكم خليلاً). قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [مريم:41] كان صادق القول والوعد والإشارة، صادقاً في الحرب والسلام، صادقاً في دعوة أبيه وقومه إلى الله، ودعوة أعدائه وخصومه إلى الله، كل ذلك سواء، فلم تشغله حالة عن حالة. ويذكر الله لنا أنبياءه ورسله وعباده المكرمين ليكونوا أسوة لنا، ولنهتدي بهديهم ونجعلهم أئمة، وقد كانوا قبل ذلك أسوة رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما لم يشرعه الله خاصة لنبيه من شريعة وآداب وسلوك، ونحن أسوتنا رسول الله، ومن كان أسوته رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مقتدٍ بجميع الأنبياء قبله، قال تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90]. قوله تعالى: {نَبِيًّا} [مريم:41] أي: من أنبياء الله الذين أوحى الله إليهم بشريعته وأمرهم بتبليغها، فهو نبي ورسول، وسبق أن قلنا: إن النبي هو من أوحي إليه بشريعة ولم يؤمر بتبليغها، والرسول: من أوحي إليه بشريعة وأمر بتبليغها، فنبينا إبراهيم نبي ورسول معاً، فقد ذكر في هذه السورة بالنبوءة، وذكر في آيات أخر بالنبوءة والرسالة معاً. فقوله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ} [مريم:41] أي: في القرآن الكريم، {إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [مريم:41]، فالصديق صيغة مبالغة من كثرة الصدق والديمومة عليه، والبعد عن كل ما يشينه من الكذب إشارةً أو تلميحاًَ أو غير ذلك، كل ذلك قد برأ الله إبراهيم منه.
تفسير قوله تعالى: (إذ قال لأبيه يا أبت)
تفسير قوله تعالى: (إذ قال لأبيه يا أبت) قال تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم:42] أي: واذكر إبراهيم في حالة {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم:42]، فأول ما ابتدأ في دعوته دعوة أبيه آزر، وكون آزر هو الأب أو العم قد مضى هذا مفصلاً في مناسبة سابقة. والمعنى: واذكر إبراهيم في الحالة التي يدعو أباه فيها إلى التوحيد، ويقول له: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم:42] أي: لماذا يا أبي تعبد أحجاراً وأصناماً وأوثاناً لا تسمع، وإن دعوت بصرها إلى النظر لا تنظر، وإن احتجتها في فقر أو ذل أو نصرة لا تغني عنك شيئاً؛ لأنها جماد مخلوقة. فقوله تعالى: {مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم:42] أي: لا يفيدك في شيء، ولا يغني عنك في ستر ولا ذل ولا مرض، ولما كان الأمر كذلك فلم تعبدها؟ ولم تتعلق بها؟ أتترك الخالق الرازق السميع البصير الذي يغني عنك في كل شيء، فإذا سألته أجابك، وإذا استوهبته وهب لك، وإذا طلبت منه العافية عافاك؟! أتترك من بيده الأمر والنهي إلى أوثان وأصنام لا تغني عنك شيئاً؟! قال تعالى: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [مريم:43]. أي: يا أبت أنت أبي وأكبر مني بطبيعة الحال، وأنا ابنك والأصغر منك بطبيعة الحال، ولكن الله اختارني وعلمني وعرفني به، وأعطاني الأدلة على وحدانيته وعلى كونه المعبود الحق، وكل ما سواه سراب في سراب وباطل في باطل. قوله: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ} [مريم:43] أي: من العلم بالله والمعرفة به، والعلم بالتوحيد وبالدنيا ومن خلقها، والعلم بالحقائق والتمييز بين الحق والباطل ما لم يأتك منه شيء لا قليل ولا كثير، والعلم الذي جاءني وأكرمني الله به يؤكد أن الله وحده الخالق الرازق، وأن الله وحده المعطي، وأن الله وحده السميع البصير المغني في كل شيء عن كل شيء، وعلى ذلك اتبعني واجعلني أسوتك وقدوتك وإمامك. ومن العادة أن يفخر الآباء بالأبناء عندما يصلون إلى رتبة علية، فما هم إلا جزء منهم، وقد قال السيد المصطفى صلى الله عليه وسلم: (فاطمة بضعة مني يسرني ما سرها، ويسوءني ما ساءها)، فهي ابنته وباعتبارها كذلك فهي قطعة منه. فالفرع تابع للأصل، فكان ينبغي لـ آزر أن يسر ويفرح بكون الابن هو الذي يدعوه، وهو الذي خص بهذا وأكرم به، فلو اتخذ الولد إماماً وأسوة فإنه يكون كمن تبع جزءه، واتباع الجزء اتباع للكل. قال تعالى: {فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [مريم:43] أي: صراطاً سليماً وطريقاً بينة واضحة لا اعوجاج فيها ولا أمت. قال تعالى: {يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} [مريم:44] أي: يا أبي! فالتاء تقوم مقام الإضافة، وفيها نوع من التحبب والتعلق. فقوله: {يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} [مريم:44] أي: يا أبت! هذا الذي تعبده هو شيطان، فلا تطع أطعت الشيطان الذي عصى ربه وكفر بألوهيته عندما أمره بالسجود لآدم. وقوله: {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} [مريم:44] أي: إن الشيطان كان بالغ العصيان للرحمن، وذكر لفظ الرحمن رجاء أن يرحم أباه، فيحن أبوه لهذه الدعوة، ويوحد الله، ويؤمن برسالة ولده الذي أمر فيها بدعوة الناس إلى الله. فالمعنى: يا أبت! لا تعبد الشيطان الذي عصى ربه، ومن عصى ربه فهو لا ينتظر منه طاعة، وفاقد الشيء لا يعطيه، وما عند الشيطان إلا المعصية والخسران، فأنت بذلك تأخذ ما عنده وتتبعه وتكون بذلك عابداً له في الطاعة، فأنت قد عبدت الشيطان بذلك وعصيت ربك وخرجت عن التوحيد. قال تعالى: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم:45]. أخذ الولد يتحبب إلى أبيه ويقول: يا أبت! أنا خائف عليك أن يمسك عذاب من الرحمن؛ جزاء كفرك ومعصيتك ومخالفتك، كما سيجازي الشيطان وقد فعل، فلا تكن عبداً للشيطان، ولا يكن الشيطان إمامك، ولا تكن له تابعاً. فقوله: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} [مريم:45] أي: أخاف عليك إن دمت على عبادة الأوثان، وأبيت طاعتي وأنا أدعوك إلى عبادة الله السميع البصير المغني عنك وعني وعن كل الخلق أن تكون للشيطان ولياً، وتكون تابعاً ومرافقاً ونصيراً، ومآل الشيطان إلى النار وإلى اللعنة والغضب، ولا يليق ذلك بك وأنا أنزهك عنه، وأربأ بك عن أن تكون مثله، وإذا بـ آزر أبي إبراهيم لم تنفع معه دعوة ولا موعظة ولا ذكر لله فيجيب.
تفسير قوله تعالى: (قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم)
تفسير قوله تعالى: (قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) قال آزر: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم:46]. يقال: رغب فيه ورغب عنه، رغب فيه: أحبه واتبعه وعمل بمقتضاه، ورغب عنه: تركه وكفر به وجحده. فقوله: {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي} [مريم:46] أي: أمبغض أنت لآلهتي الأصنام؟ أتارك لها أمعرض عنها؟ قال: {لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم:46]. أي: لئن لم تنته عن هجرك وسبك وشتمك وصدك الناس عن عبادة هذه الأوثان لأرجمنك، أي: لأضربنك بالحجارة حتى الموت، ولكن الأبوة سبقت في نفس آزر وإذا به يخاف على ولده من نفسه، فقال: {وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم:46] أي: ابتعد عني، ولا حاجة لي إلى رجمك وتعذيبك. {وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم:46] ملي من الملوان، وهما الليل والنهار، يقال: (ملي) للحقبة الصغيرة أو الزمن القليل المعدود من الأيام، ويقال عن الزمن الطويل والهجران الأبدي، وأغلب الظن أن أبا إبراهيم طلب منه أن يهجره هجر الأبد ما دام أنه لم يرجع إلى عبادة الأوثان؛ لأنه قال له: لئن لم تنته، أي: إذا لم تنته عن صدك للناس عن عبادة آلهته من الأوثان، فعند ذلك سيرجمه. وأقسم على ذلك باللام الموطئة للقسم، وأكد ذلك بنون التوكيد الثقيلة، وكأنه يقول: والله لأقتلنك رجماً بالحجارة، ثم بادر رجاء أن يعود إبراهيم عن شتمه لآلهته، بأن يبتعد حتى لا يناله منه عذاب ولا رجم. فقوله: {وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم:46] أي: اهجرني الأبد، واخرج من بلدي وابتعد عن بيتي، ولا أريد أن أراك ولا أرغب في رؤيتك، فإذا بإبراهيم الولد المطيع يقول لوالده: {قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم:47] قال له: يا أبت! سلام عليك، سلام هاجِر محترم داع يؤمنك من عذابه وقتاله، فإبراهيم سيقاتل الكفرة ولكنه لم يفعل ذلك مع آزر؛ لأن آزر مات بعد فترة وجيزة. فقوله: {قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} [مريم:47] أي: سأدعو لك الله أن يغفر لك، فتسلم ما دمت حياً؛ لتأمن عذاب الله ولعنته وغضبه، قوله: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم:47] أي: كان بي لطيفاً براً، وعودني الإجابة والبر واللطف، وأرجو هذه المرة ألا يغير علي عوائده الطيبة ولطفه وبره؛ فيهديك للإيمان والتوحيد.
تفسير قوله تعالى: (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله)
تفسير قوله تعالى: (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله) ثم قال: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم:48]. قال هذا إبراهيم وزاد: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم:48] أي: سأبتعد عن مجتمعاتكم، وكان إبراهيم في العراق فهجرهم إلى الشام إلى الأرض المقدسة، وهي التي سماها النبي عليه الصلاة والسلام وهاجر إبراهيم، وقال: ستكون هجرة بعد هجرة، أي: هجرة أخرى في مستقبل الأيام بعد الهجرة الأولى من مكة إلى المدينة. فقوله: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: سأعتزلك يا أبي، وأعتزل أمثالك ممن يعبدون الأصنام والأوثان، (وَأَدْعُو رَبِّي) أي: يعبد ربه ويدعو لعبادة ربه، فتكون حياته قاصرة على هذا؛ امتثالاً لطاعة الله سبحانه. وهكذا وظيفة الأنبياء ووظيفة الورثة من العلماء: أن تكون حياتهم كلها دعوة إلى الله، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: من الجهاد باللسان والقلم إلى الجهاد بالسيف. قال تعالى: {عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم:48] عسى في القرآن تحقيق، وفي غير القرآن ترج، يقول إبراهيم: عسى أن يتحقق من ربي ألا أكون بالدعوة لعبادته شقياً أو مشركاً أو عاصياً.
تفسير قوله تعالى: (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله)
تفسير قوله تعالى: (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله) قال تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مريم:49]. أي: ما سلبه إلا ليعطيه الحكمة، فسلبه أباه وأهله وعشيرته وبلدته، وعوضه الله أرض الشام المقدسة. وكان قد بلغ عمر إبراهيم مائة وعشر سنين، وبلغ عمر زوجته تسعين سنة، فرزقه الله جل جلاله الولد والحفيد وهو لا يزال حياً، فرزقه أولاً من هاجر إسماعيل، ورزقه بعد ذلك إسحاق، ثم جعل يعقوب نافلة من إسحاق {وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مريم:49]. فالله أحاط إبراهيم بمجموعة من الأنبياء من سلالته، ففي حياته رزقه إسماعيل الجد الأعلى لنبينا صلى الله عليه وسلم، وشريكه ومعينه في بناء الكعبة المشرفة، ورزقه بعد ذلك إسحاق من زوجة أخرى، ثم رزقه حفيداً من إسحاق وسماه يعقوب، فعند اعتزالهم والبعد عنهم أكرمه الله بالذرية الصالحة وجعل فيها النبوة والكتاب. قوله: {وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مريم:49] التنوين في (كلاً) لغةً ونحواً يقال له: تنوين العوض، والمعنى: عوض عن كلمة، والمعنى: كل ذريته جعلهم الله أنبياء ورسلاً مكرمين.
تفسير قوله تعالى: (ووهبنا لهم من رحمتنا)
تفسير قوله تعالى: (ووهبنا لهم من رحمتنا) قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} [مريم:50]. أي: وهب للأب والولدين والحفيد من رحمته، وفسرت الرحمة هنا بالمال والنبوءة والأرزاق والحب والتعلق، وكل ذلك صالح في التفسير، فالذرية الصالحة التي لم تأكل حراماً ولم تأت بحرام رحمة. وكما قال نبي الله عليه الصلاة والسلام: (نعم المال الصالح للرجل الصالح)، والنبوءة والرسالة والعبادة وأنواع الخيرات الأخروية هي كلها بلا شك من رحمات الله. فقوله: {وَوَهَبْنَا لَهُمْ} [مريم:50] أي: للأب والولدين والحفيد، لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق. قوله: {مِنْ رَحْمَتِنَا} [مريم:50] أي: من أرزاقنا ونعمتنا. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} [مريم:50] أي: خلدناهم في الدهر وفيما سيأتي بعد ذلك إلى يوم القيامة، فكان لهم لسان صدق في كونهم أنبياء الله ورسله، فخلد ذكرهم في التوراة والإنجيل والزبور، مع تغير كل هذه الكتب وتبديلها وتحريفها، كذلك خلد ذكرهم في القرآن الكريم المهيمن على كل الكتب السماوية، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فخلدوا فيه خلوداً أبدياً، فكانوا لسان صدق للعالمين عالياً، وهكذا علا إبراهيم في السماوات، واجتمع به سبطه وحفيده ليلة الإسراء، فخلدوا حساً ومعنىً وذكراً في الصالحين، ونبراساً بين العابدين، وهداية بين كتب السماء التي يقتدى بها ويهتم بها.
مريم [51 - 57]
تفسير سورة مريم [51 - 57] كان سيدنا موسى عليه السلام مخلصاً لله تعالى ومطيعاً، وكان رسولاً نبياً، وقد ناداه ربه من جانب الطور كي يكلفه بتبليغ رسالته إلى بني إسرائيل، وكذلك سيدنا إدريس عليه السلام، وقد رفعه الله تعالى مكاناً عالياً في الدنيا والآخرة.
تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب موسى)
تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب موسى) قال الله جل جلاله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [مريم:51 - 53]. بعد أن ذكر الله لنا كيف ولد يحيى وكيف ولد عيسى، ثم ذكر لنا إبراهيم الخليل، يذكر لنا الله جل جلاله موسى، وهو أحد الخمسة من أولي العزم، وهو الذي أوحي إليه بالتوراة، ووصفه الله جل جلاله بعالي الصفات وزاكيها، فأثنى عليه ومجده. قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ} [مريم:51] أي: اذكر في القرآن الكريم موسى فهو كان نبياً رسولاً أوحي إليه بشريعة وأمر بتبليغها، فكان من أنبياء الله الكبار العظام أولي العزم. قوله: {إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا} [مريم:51] قرئ (مخلَصاً) و (مخلِصاً)، وكلتاهما قراءتان سبعيتان متواترتان، فـ (مخلَصاً) أي: مختاراً ومصطفىً، أي: مخلَصاً من الشوائب والإجرام والنقائص والعيوب. و (مخلِصاً) أي: أخلص العبادة لله جل جلاله من غير رياء ولا سمعة ولا شرك خفي، بل كان من عباد الله الدعاة إليه ومن الأنبياء الصادقين. وموسى مع النبوءة كان رسولاً، إذ لم يوح إليه بشرع فقط، ولكن أوحي إليه بشريعة وأمر بالبلاغ، وأنزل عليه التوراة، وكان كتاباً يجمع الحكم والأحكام والتوحيد والتعظيم والتنزيه وتقدير الأنبياء والرسل، ولكن بني إسرائيل بدلوا وحرفوا وغيروا. قال تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم:52]. أي: اذكر موسى في أعلى حالاته وأسماها وأعظمها: وذلك حال مجيئه إلى الطور وقد رأى ناراً، وقد خرج من عند صهره شعيب، واصطحب زوجته بعد أن وفى بالعهد الذي بينه وبينه، فأخذ موسى زوجته وتركه وأراد الذهاب إلى حيث يريد الاستقلال بنفسه، وبينما كان البرد شديداً رأى ناراً من جانب الطور {فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} [طه:10] أي: لعله يقتبس من النار قبساً ليصطلوا منه وليتدفئوا به، فيذهب عنهم هذا البرد والشدة، فلما وصل إلى الطور نودي من قبل الحق جل جلاله: أنا الله رب العالمين، فألق عصاك، واخلع نعليك. والله اصطفاه بذلك، وأوحى إليه برسالته وكلمه، وأمره بالذهاب إلى فرعون وقارون وهامان، وإلى قومه المستعبدين من بني إسرائيل في مصر؛ ليأمرهم بعبادة الله وحده، وبأن يصحبوه إلى أرض فلسطين، فعندما وجد ذلك قرت عينه وتمت بذلك صفته النبوية، فهو رسول الله وكليمه ونبيه، كليمه أي: كلمه، وهذه صفة خاصة بموسى. وقد كان ذلك قبل بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، وإلا فنبينا كذلك ليلة أسري به ورفع إلى السماوات العلى، ثم إلى سدرة المنتهى، ثم إلى حيث كان قاب قوسين أو أدنى، ما زاغ البصر وما طغى، كلمه ربه وأمره بخمسين صلاة، وبقي يتردد عليه بمشورة موسى، وهو يقول له عند كل نزلة: إن قومك لا يستطيعون ذلك، فاسأل الله التخفيف، حتى أصبحت خمساً في اليوم والليلة وخمسين في الأجر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم قد كلمه الله جل جلاله مرات عديدة حتى أصبحت خمساً. قال تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ} [مريم:52]. أي: جبل الطور، ويقال له: جبل زبير، وهو في أرض سيناء في مصر، وموسى عندما ناداه الله وكلمه كان الطور على جانبه الأيمن، فنودي من جانبه الأيمن من الطور، وليس موسى أيمن الطور، وإنما الطور أيمن موسى، حيث كان جبل الطور على يمينه. قال تعالى: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم:52] أي: قربه قرب معنىً ونبوءة وتشريف، وإلا فإن الله جل جلاله يسمعه موسى، وموسى سيجيب عن كلام ربه له، نجياً أي: مناجياً، كما تقول: جليس ونجي، ففلان نجي لفلان أي: يناجيه ويحادثه، فكان بذلك موسى نجي الله، كما تقول: جليس ونجي. فقوله: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم:52] قربه مناجياً ومتحدثاً معه، ومقرباً إليه بما أولاه من رتبة النبوة العالية والرسالة العظيمة. قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [مريم:53]. إن موسى عندما أصبح رسولاً كان بلسانه لكنة، فلا يكاد يفصح ولا يبين، وكان ذلك من أثر الجمرة التي وضعها في فمه وهو طفل صغير في قصر فرعون عندما أخذ يلعب ويعبث بلحية فرعون. فقال فرعون لزوجه: إن هذا الطفل من بني إسرائيل، ولا شك أنه يريد العبث بلحيتي مهانة ومذلة. فقالت له زوجه: إنه طفل صغير لا يميز بين الجمرة والتمرة، فاختبره إن شئت. فجاء بتمرة وجمرة، وأشار إليه ودفعه ليحمل إحداهما، فألهمه الله على أن يحمل الجمرة ورماها في فيه فحرقته في لسانه، وتركت آثارها على لسانه، فأثرت في فصاحته، وبذلك أنجاه الله من قتل فرعون، وكان فرعون يقتل كل ولد يولد لبني إسرائيل من الذكران، وكان يترك النساء والبنات على الحياة ليكن جواري وإماءً وخدماً في بيوت الفراعنة. وعندما اعتذر لربه للكنة لسانه رجاه أن يرسل معه أخاه هارون وزيراً، قال: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه:30 - 32] فقد كان هارون أسن منه في العمر، وأفصح منه في المنطق، وأسلم منه لساناً وأبلغ كلاماً. ولذلك يقول في آية أخرى: {فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ} [الشعراء:13] أي: أرسل له؛ ليكون رسولاً وزيراً معيناً معي، واستجاب الله دعاءه، وقد قيل: لم يكن أخ بركة على أخ له مثل موسى، فقد طلب له أعلى المقامات وأعظمها، طلب له من الله أن يشركه معه في النبوءة والرسالة، فاستجاب الله له. وقد قال عليه الصلاة والسلام لـ علي رضي الله عنه: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) كما في الصحيح، يعني: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لـ علي: أنت وزير من وزرائي ومعين من معيني وساعد من سواعدي، ولكنه لا نبي بعدي، أخوتك لي كأخوة هارون من موسى إلا أن هارون كان نبياً ولن يكون بعدي نبي. وهكذا كان علي مع النبي عليه الصلاة والسلام الوزير والمعين والمسدد والمحارب والمقاتل، والمتنقل بين أقطار الجزيرة يدعو لله ولرسوله بأمر رسول الله، ولم تكن هناك غزوة ولا معركة إلا وحضر فيها وبذل نفسه وحياته، ولكن الحياة كانت عنده أقوى من حضوره المعارك فجرح ولم يمت. فقال الله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [مريم:53] أي: من رحمته لموسى ومساعدته في الدعوة والكلام والبيان لـ فرعون وقارون وهامان وبني إسرائيل المستعبدين، أن أكرمه بأخيه شريكاً في الرسالة والنبوءة، فكان كما طلب ورجا، فكان ذلك من رحمة الله بموسى وهارون، وكانت هبة من الله وعطية ومنحة. {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [مريم:53] أي: حال كونه نبياً ورسولاً، فأمر بأن يؤدي مع موسى الكتاب المنزل عليه وهو التوراة والصحائف العشر، فيقوم مع موسى بدعوة قومه إلى الله وعبادته. وقصة موسى مفصلة قد مضت في غير ما سورة من السور الماضية في النصف الأول من كتاب الله، وهنا ذكرها اختصاراً وإشادةً ولفت نظر؛ لأنه كان من كبار الأنبياء والرسل، ومن أولي العزم منهم.
تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إدريس)
تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إدريس) قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم:56 - 57] يقول الله: واذكر يا محمد! في القرآن الكريم المنزل عليك إدريس، وإدريس هو جد والد نوح عليهما السلام، وهو أول من خط بالقلم، واخترع الكتاب، والكتابة وما تشمل من خزن المعاني هي في حد ذاتها تكاد تكون نبوءة قائمة بنفسها ورسالة مستقلة، فهذه الشرطات على الورق تشمل كل شرطة معطوفة وملتوية ومنحنية ومرتبطة بغيرها جميع المعاني التي كانت في الكون من قبل. فتجد الإنسان يولد في حقبة من الدهر، ثم يعمر بضع سنوات وتجده إذا أكرم بالتعلم والقراءة والكتابة يلازم قراءة الكتب ومطالعتها، وإذا به يعيش مع الأولين والآخرين، ومع الكون قبل أن يكون ومعه بعد فنائه، ومع أنبياء الله ورسله الصالحين، ومع الجبابرة والطغاة الجاحدين، كل ذلك وهو لم يجاوز مكانه ولم يخرج عنه. فكان إدريس أول من اختط بالقلم، وأول من عُني بعلم الحساب وعلم النجوم، وأول من عني بلبس الثياب الصوفية والقطنية وأول من خاطها، وكان الناس قبله شعوباً بدائية كالإفريقية اليوم، وكهؤلاء الأقزام الذين يوجدون في أشتات من الأرض يلبسون جلوداً على أبدانهم أو أجزاءً من أبدانهم أو على عورتهم: القبلية والدبرية فقط، وهكذا كانوا قديماً. ولكن إدريس حضرهم وعلمهم، فاخترع لهم القراءة والكتابة، ونبههم إلى أخذ الثياب من القطن والصوف، واخترع لهم خياطتها ولبسها، ونبههم إلى علم الحساب وإلى علم النجوم، وإدريس نبي من أنبياء الله العظام، وكان ما تعلمه توقيفياً، أي: بوحي من الله لتعليم خلقه وعباده ما يعود عليهم بالخير العميم في حياتهم ومستقبلها. قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [مريم:56] فصديق صيغة مبالغة من كثرة الصدق، أي: كان صادقاً في كل كلامه وإشاراته ومعاركه، وكان لا يخطر على باله أن يقول ما ليس بواقع لا إشارةً ولا تلميحاً، ولا تصريحاً من باب أولى.
اختلاف المفسرين في رفع إدريس هل هو حسي أم معنوي
اختلاف المفسرين في رفع إدريس هل هو حسي أم معنوي قال تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم:57]. قال البعض من المفسرين: إنه رفع معنوي وإن كان في الواقع حسياً، فقد رفع إلى الجنة حيث يعيش اليوم، ومنذ توفي وهو في الجنان. وقال قوم: ليس هو في الجنان، ولكن المقام العلي نبوءته ورسالته ورحمة الله له، وإلا فهو ميت في الأرض. ورويت هنا إسرائيليات مصدرها كعب الأحبار ووهب بن منبه، وقد تسللت هذه الإسرائيليات إلى كتب التفسير والعلوم مطلقاً. روى ابن عباس عن كعب بسند لم يصح: أن إدريس خرج مرة في يوم مشمس شديد حره، وإذا به يعود وقد وجد من تلك الشمس وشعاعها حراً وألماً ووجعاً، فقال: يا رب! إن كان يوماً لم أحتمل فيه شدة الشمس وشعاعها وحرارتها، فكيف بالملك المكلف بحملها وهو يحملها في يوم كان مقداره خمسمائة عام؟! فخفف الله على هذا الملك حامل الشمس، فشعر بذلك فقال: ربي! ما الذي حدث، شعرت اليوم بخفة حملي لهذه الشمس؟ قال: نبي من أنبيائي من البشر اسمه إدريس دعاني أن يُخفف عنك فاستجبت له. قال: يا رب! اجمعني به، فاجتمع به، وقال: يا إدريس! أنا ملك من ملائكة الله، أنا المكلف بحمل الشمس، ما حملك على الدعاء بالتخفيف لي؟ قال: شعرت بثقلها وحرها وشدة إشعاعها، فقلت: إذا عجزت أنا عن وجودي فيها اليوم فكيف بمن يحملها؟ فقال: لك عندي طلب، فاطلبه مني أفعله لك. قال: ألك صلة بملك الموت؟ قال: نعم. قال: اطلب لي من ملك الموت أن يؤخر أجلي؛ لأزداد طاعة وعبادة لربي وتقرباً، وعلى ذلك احملني من الأرض المكلف بها، وخذني إلى أعلى مكان. قال: آخذك إلى السماء الرابعة من السماوات فحمله، وبينما هو يستأذن الملائكة المكلفين بأبواب السماء الرابعة وجد ملك الموت، فقال: عنك أبحث، جئتك شفيعاً لإدريس نبي الله بأن تؤجل موته؛ حتى يزداد قرباً من الله وطاعة، فانظر متى يموت، فنظر في السجل الذي بين يديه. وقال: كان ينبغي أن يكون في هذه الساعة ميتاً، ولكن العجب عندي أنني مأمور بأن آخذ روحه في السماء الرابعة. فقال: هو ذا، وإذا به يلتفت إليه فيجده ميتاً، فيلقي به في السماء الرابعة حيث مات. وقال قوم: نبيان من أنبياء الله لا يزالان حيين في الأرض، ونبيان حيان في السماء، أما النبيان الحيان في الأرض: الخضر وإلياس، وأما النبيان الحيان في السماء: فعيسى وإدريس، فهذا قول بأنه استجيب له وبقي حياً، وسيبقى إلى يوم النفخ بالصور يوم لا تبقى نفس منفوسة. على أنه من الثابت في قصة الإسراء النبوية أن النبي عليه الصلاة والسلام عندما أسري به إلى السماوات السبع إلى سدرة المنتهي، ثم إنه كان قاب قوسين أو أدنى، فاجتمع بإدريس في السماء الرابعة، وهل اجتمع به حياً أو ميتاً، على كل اجتمع بروحه، والروح لا تموت. والأمر كما يقول الحسن البصري: خلقنا للأبد، وإنما هي نقلة من دار إلى دار، كمن يرتحل في الأرض من حي إلى آخر، ومن قطر إلى آخر، فنحن ننتقل من دار الدنيا إلى دار الآخرة إلى دار البقاء. {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم:56 - 57] فنقول: معنى العلو هنا: معنوي وهو حسي، أما المعنوي فهو قد رفع برتبته وبنبوءته وبرسالته إلى أن كان بها في المقام العلي بين الخلق، وهو علو حسي بأن رفع إلى السماء الرابعة ولقيه هناك نبينا عليه الصلاة والسلام، فهو رفع وعلو حسي ومعنوي معاً.
مريم [54 - 58]
تفسير سورة مريم [54 - 58] لقد كان إسماعيل عليه السلام من أنبياء الله الصادقين للوعد، وكان نبياً رسولاً، وقد كان إذا وعد لا يخلف وعده، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكان عند ربه مرضياً.
تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إسماعيل)
تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إسماعيل) قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم:54 - 55]. يقول الله لنبيه: واذكر في كتاب ربك إسماعيل جدك الأعلى ابن إبراهيم عليك وعليهما السلام، وقد خص الله جل جلاله إسماعيل بآيات خاصة ومقتطع خاص؛ لأنه أعظم من إسحاق ويعقوب وأشرف منهما. فقال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} [مريم:54]، فإسماعيل بن إبراهيم أتى به أبوه إبراهيم خليل الرحمن، وذلك لأن أم إسحاق غارت من هاجر فحمله وحملها معه بأمر من الله ووحي إلى مكان زمزم، وكانت الأرض خلاءً في جزيرة العرب، فوضع إبراهيم الوليد وأمه، ولم يكن في الأرض نبع ولا نبت ولا أنيس، لا من أنس ولا حيوان ولا طائر، وأخذ نفسه وعاد. وإذا بزوجه هاجر تسرع خلفه وتقول: يا رسول الله! إلى من تتركنا؟ فلا يجيبها، فتشتد وتناجي وتزأر خوفاً على طفلها ووليدها، وهو لا يجيب. وبعد مدة قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً: لا يضيعنا. فمكثت تناغي وليدها أياماً بلا حليب، فبحثت عن الماء فلم تجد، فكان الولد يتضور عطشاً وجوعاً، إذ لا حليب ترضعه ولا ماء يشربه، فتركته وذهبت إلى الصفا والمروة، ابتداءً من الصفا وصعدت على أعلاه، وأخذت تلتف بنفسها يميناً وشمالاً لعلها ترى رجلاً أو حياة سواء من حيوان أو دابة أو طائر فلم تجد، فنزلت وأخذت تسعى إلى المروة وتصعد إلى قمتها وتلتف يميناً وشمالاً، وتبحث في كل الجهات الست لعلها ترى من يؤنسها وتأتنس به، وتأخذ ماءً لوليدها حتى لا يموت عطشاً، وهكذا إلى المرة السابعة. وكان هذا سنة السعي بين الصفا والمروة شكراً لله أن أحيا الوليد إسماعيل الذي لولا حياته لما كان محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأن إسماعيل هو الجد الأعلى له، فلو مات طفلاً لمات محمد صلى الله عليه وسلم في صلبه ولم يدر به أحد. فلما أتمت هاجر من الأشواط سبعاً رأت في المكان الذي فيه ولدها طيراً تحلق، والطير لا يحلق إلا حيث الماء، فجاءت مسرعةً ثائرةً، وإذا بها تجد الماء نابعاً عند رجلي طفلها، وكان الماء خفيفاً قليلاً فأخذت تضمه لبعضه وتقول له: زمزم، أي: اجتمع وتضاءل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا أن هاجر فعلت ذلك لكانت زمزم نهراً جارياً إلى يوم القيامة). فنزلت وارتوت هي وطفلها، وبعد أيام رأى أقوام الطير يحلق حيث زمزم فقالوا: عهدنا بهذا المكان خراباً يباباً، صحراء لا ماء فيها ولا نسمة، وإذا بهم يجدون هاجر ووليدها إسماعيل، فاستأذنوها بأن ينزلوا معها، فاشترطت عليهم أن الماء ماؤها والأرض أرضها، ولهم أن ينتفعوا بالأرض والماء، وماذا يطلب الإنسان أكثر من ذلك، ولكنها احتاطت لوليدها وسلالته من أن يتغلبوا على الماء وعلى الأرض فيخرجوهم. فكبر الوليد وشب وأخذ يتردد عليه أبوه إبراهيم ويتعهد حاله، فوجده مرة قد تزوج، وكان قد أرسله الله سبحانه، قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} [مريم:54]. فهذا النبي الرسول الجليل أخذ يتعهده أبوه، فجاءه مرة فسأل عن بيته فأشير عليه به، فطرق الباب وخرجت زوجته. فقال: هل إسماعيل هنا؟ قالت: لا. قال: أين هو؟ قالت: ذهب ليتصيد ويأتينا برزق اليوم. قال: كيف طعامكم وشرابكم؟ قالت: في أسوأ حال. قال: إذا جاء إسماعيل فقولي له: يغير عتبة بيته. فجاء إسماعيل وكأنه شعر بأن إنساناً زائراً قد جاء، فقال: هل جاء أحد وسأل عني؟ فقالت: نعم. قال: من؟ قالت: لم يذكر اسمه، ولكن صفته كذا وكذا قال: ما الذي قال لك؟ قالت: قال لي: غير عتبة بيتك. قال: ذاك أبي رسول الله وخليله إبراهيم، وأنت عتبة بيتي، فقد أمرني بطلاقك فطلقها؛ لأنها لم تكن من الحامدات الشاكرات، فتزوج غيرها. ومضى وقت وجاء إبراهيم فطرق الباب، فوجد امرأة أخرى، فقال: من أنتِ؟ قالت: زوجة إسماعيل. قال: كيف حالكم؟ وكيف طعامكم وشرابكم؟ فقالت: نحن في أحسن نعمة، نحمد الله ونشكره ونطلبه المزيد. قال لها: إذا جاء إسماعيل قولي له: فليثبت عتبة بيته، فجاء إسماعيل وجرى الكلام معها كما كان مع الأولى. فقال: ذاك أبي خليل الله إبراهيم، وأنت عتبة البيت، فوالدي قد رضي بك وأمرني بتثبيتك وإبقائك. فأرسل الله إسماعيل إلى قبائل جرهم العربية العاربة، وإسماعيل جد الحجازيين؛ ولذلك يقال عن الحجازيين: العرب المستعربة، فإسماعيل لم يكن أصلاً من العرب، ولكنه جاء على الفطرة لا يعلم كلاماً ولم يسمع اللغة العربيَّة، فنشأ بين العرب العاربة الأصليين، فتعلم لغتهم وفصاحتهم وبلاغتهم، وهكذا كان أولاده من بعده. فقوله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} [مريم:54] فقد رأى إبراهيم -ورؤى الأنبياء وحي- رؤيا في المنام، فقال: يا إسماعيل! إني أرى في المنام أني أذبحك. وكان الغلام قد شب وبلغ معه السعي، فقال: يا أبت! افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين، ولن أعصي لك أمراً. فقد وعد إسماعيل بالصبر وصدق في وعده، وهل هناك وعد أكثر من أن يعد الإنسان برقبته أن تذبح؟! فتنفيذاً للوعد جاء إبراهيم وتله للجبين، أي: أماله لجانبه وأخذ السكين وتله للجبين، وإذا بالله جل جلاله يناديه: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات:105] {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات:107]. ومن هنا يقول علماء الكلام: السكين والنار والماء والطعام وكل شيء من هذه المعاني تشبع وتروي وتؤثر عندها لا بها، عند الابتداء بها والأثر من الله، والأمر أمر الله بدليل أن هذه السكين لم تذبح ولو أراد الله لها الذبح لذبحت، فكان بذلك صادق الوعد عليه السلام. ومن ذلك أيضاً لقي مرة صديقاً وعده بشيء، فقال له: انتظرني سآتيك قريباً، فانتظره إسماعيل عليه السلام ثلاثة أيام ولم يأت، ومر صديقه مروراً مصادفاً فوجده فقال: ما زلت في انتظاري؟ قال: ألم تعدني وقلت لي: أنتظرك؟ وقد شققت علي، وحدث هذا لنبينا صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} [مريم:54] كان رسولاً من الله، إذ أمر بالرسالة ليبلغها لجرهم، وأوحي إليه فهو نبي رسول، ونلاحظ أنه ذكر أخاه إسحاق بالنبوءة فقط، فقال: {ووَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مريم:49]، فلم يصف إسحاق ويعقوب إلا بالنبوءة، فكان إسماعيل أفضل منهما وأشرف منهما. وأكد هذا النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال: (واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل) فإسماعيل هو المصطفى المختار المميز من بقية الأنبياء الآخرين. ولليهود لعنهم الله كتاب يتجولون به في أقطار العالم الإسلامي أسموه التوراة، يشتمون فيه إسماعيل، ويفضلون عليه إسحاق جدهم ويعقوب أباهم المسمى بإسرائيل؛ كذباً على الله وافتراءً. قال تعالى: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم:55]، وكان من خصائصه حرصه على تبليغ الدعوة، فكان لا يأمر بها جرهماً فقط، بل يأمر أهله نساءً وأولاداً، غلماناً وإماءً، بنات وذكوراً. ويأمرهم كذلك بالزكاة إن وجد عندهم ما تم نصابه، فيزكون من مالهم للفقراء والمساكين، ويزكون معنى لجاههم وقوتهم ونفوذهم، ومما أكرمهم الله به، ومما هم أقدر عليه من غيرهم. قال تعالى: {وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم:55]. أي: كان رضياً عند الله، وكان عمله مقبولاً مرضياً عنه من صبر وصدق في الوعد، وأمر لأهله بالصلاة والزكاة، وقد فسر الأهل بالأمة والأتباع كلها، فكلهم أهله وأنصاره وأتباع دينه، فكان مثابراً على ذلك ليله ونهاره، لا يكل ولا يمل.
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين أنعم الله عليهم)
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين أنعم الله عليهم) قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم:58]. قوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ} [مريم:58] أي: الأنبياء الذين ذكروا ومن كانوا على صفتهم في النبوة والرسالة {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [مريم:58] أي: جعلهم يعيشون في نعم وخيرات وأرزاق متتابعة، وشرفهم ورفع أقدارهم، وجعلهم سادة الخلق. قال تعالى: {مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ} [مريم:58] ذكر الله هنا ذريات ونبوءات بعضها من ذرية آدم وبعضها من ذرية نوح، وبعضها من ذرية إبراهيم، وبعضها من ذرية إسرائيل (يعقوب). فقوله: {مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ} [مريم:58] فمن ذرية آدم: إدريس، وإدريس ليس ولداً لنوح، ومن باب أولى ليس ولداً لمن جاء بعده، فهو من سلالة آدم، ولا أبوة لنوح عليه، بل هو جد والد نوح. وقوله: {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} [مريم:58] فإبراهيم هو ابن سام بن نوح، وقد حمله نوح معه في السفينة، وكان ممن آمن وأنجاه الله في السفينة مع المؤمنين، فكان ممن حُمِل مع نوح سام، وهو الجد الأعلى لإبراهيم. وقوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ} [مريم:58] من ذرية إبراهيم: إسماعيل وإسحاق، فهما ولداه البكران وليس لمن بعدهم أبوةٌ عليهما. ومن ذرية إسرائيل: زكريا ويحيى، وعيسى من قبل أمه مريم، فكان هؤلاء أنبياء من ذريات هؤلاء الأنبياء جميعاً. قال تعالى: {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا} [مريم:58] أي: من القوم الذين هديناهم لطريق الحق وتوحيد الرب، وهديناهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاختارهم الله أنبياء وأصفياء ورسلاً له ومقربين عنده. قال تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم:58] هؤلاء الأنبياء جميعاً إذا سمعوا كتاباً، أو سمعوا آيات وعلامات من وحي الله ومن ومعجزاته، سجدوا لله عند ذكر آياته وتلاوتها. {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم:58] أي: بادروا إلى السجود بين يدي الرحمن، و (بكي): جمع باكٍ، أي: خروا ساجدين باكين، وعندما قرأت هذه الآية بمحضر أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قال: هؤلاء السجود فأين البكي؟ ويريد الباكين ممن حوله، ولكن من لم يبك فليتباك. وقد وجد عمر رضي الله عنه رسول صلى الله عليه وسلم وأبا بكر يبكيان، وذلك عندما نزلت آية فيها تأنيب لهما على ما أخذا من فداء على الأسرى، قال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} [الأنفال:67]، فقال: قصوا علي ما بكم فإن لم أجد بكاءً تباكيت؟ فقص عليه رسول الله، فقال: كان العذاب منا أقرب من هذه الشجرة -شجرة قريبة منهما-، ولو نزلت لعمت الناس إلا أنت؛ لأن عمر كان معارضاً في أخذ الفدية من الأسرى، فقد أشار على رسول الله بقتلهم، وهذه من الآيات الكريمة التي وافقت رأي عمر رضي الله عنه. ومن هنا كان يقول صلى الله عليه وسلم: (إن يكن في أمتي محدثون فـ عمر).
مريم [59 - 60]
تفسير سورة مريم [59 - 60] ذكر الله تعالى في هذه الآيات أنه يخلف الصالحين خلْف يتركون الصلاة، ويتبعون الشهوات، فمصيرهم جهنم وبئس المهاد، ثم استثنى الله تعالى من تاب من ذلك وآمن وعمل الصالحات فأولئك يتوب الله عليهم، ويدخلهم الجنات، ولا يظلمهم شيئاً.
تفسير قوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف)
تفسير قوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف) قال الله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا} [مريم:59 - 60]. بعد أن ذكر الله حزب الصالحين من الأنبياء والرسل وورثتهم، عقب ذلك بذكر حزب الشياطين الذين بدلوا وغيروا وخرجوا عن أمر الأنبياء وطاعتهم ورسالاتهم، فقال: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} [مريم:59] أي: خلف من بعد هؤلاء الأنبياء: زكريا ويحيى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل، خلف أضاعوا الصلاة، يقال لغةً: خَلْف وخَلَف، فَخلَف يقال للذرية الصالحة، وخَلْف يقال للذرية الطالحة، فيقال: فلان كان خير خلَف لخير سلف، ويقال: فلان كان شر خلْف لخير سلف. والله أخبر أنه قد جاء من بعد هؤلاء أقوام خلفوهم وكانوا على غير هديهم وطريقتهم، فبعد أن انتهوا ومضوا وهلكوا جاءت قرون تخلفها قرون وأجيال تخلفها أجيال، فهؤلاء خَلَف من بعدهم خَلْفٌ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. قال ابن عباس وجمهور من السلف الصالح: كان إضاعتهم للصلاة تركها، فهؤلاء تركوا الصلاة وكفروا وأشركوا، وخرجوا عن سبل الإسلام وعن هدي الأنبياء، وقيل: أضاعوا أوقاتها فذلك ضياعها، فمن أسباب الهلاك تضييع أوقاتها سهواً أو إغفالاً أو عدم اهتمام أو بعداً عن أمر الله وطاعته. وكون تارك الصلاة كافراً هو ما عليه الجمهور من السلف الصالح، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الفرق بين المؤمن والكافر ترك الصلاة)، وقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وذلك مذهب أحمد بن حنبل وقول للإمام الشافعي. وسواء فسرنا بضياعها تركها أو بالسهو عن أوقاتها وإغفالها، فبسبب ذلك حشرهم الله مع الذرية الضائعة الطالحة التي خلفت الأنبياء والرسل على غير ما يجب أن يخلفوا به من الطاعة لله والطاعة لرسله، والقيام بالعبادة كما أمر الله ورسله. فمن صلى الصلاة في غير أوقاتها فقد أهمل وسها وتهاون وتلاعب، وأما من تركها البتة فقد كفر، ويكون بذلك خَلْفَ سوء لسلف صالح من الأنبياء والمرسلين وورثتهم من العلماء الصالحين. ومن خصائص الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهؤلاء لم يبق عندهم ما يحصنهم ويردعهم ويبعدهم عن السوء والفحشاء. فعندما يتهاونون بالصلاة تركاً لها أو تركاً لأوقاتها فإنهم يتبعون الشهوات والمعاصي وشرب الخمور وأكل الربا وأكل السحت وظلم الناس والاعتداء على أعراضهم ظلماً وعدواناً وعلواً في الأرض وفساداً، فما كان تحصيناً وما كان سياجاً وحفاظاً على حياتهم الإسلامية وأعمالهم الدينية زالت عنهم بتركهم الصلاة، ولم يبق لهم ما يحصنهم ولا ما يحفظهم، فبسبب تركهم الصلاة وعدم القيام بها في أوقاتها اتبعوا الشهوات من فسق ودعارة وأكل للحرام وارتكاب للسوء بكل أنواعه. وقال عبد الله بن مسعود: هؤلاء فئة لم تأت بعد، يتركون الصلاة فينزو بعضهم على بعض في الشوارع والأزقة والطرقات نزو الكلاب والخنازير والدواب، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت). وهؤلاء قد ابتدأ عصرهم وآن أوانهم، فهم يرون في الكثير من ديار الإسلام، أما ديار الكفر فمن جاء على أصله فلا سؤال عليه، ولكن العجيب أن يكون ذلك في ديار الإسلام وأرض المسلمين، وهم لا يحللون حلالاً ولا يحرمون حراماً. قال تعالى: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم:59] السين للتسويف القريب، وسوف للتسويف البعيد، فهؤلاء الذين يضيعون الصلاة ويأتون الشهوات بأنواعها والموبقات بأشكالها، سيلاقون في مستقبل أيامهم عند هلاكهم غياً، والغي: الفساد والهلاك والتدمير والذل والهوان. فهؤلاء الذين أتوا الفواحش سيكون جزاؤهم الخزي من الله والخراب والدمار والفساد، فتفسد عليهم دنياهم وآخرتهم. وقال الجمع الغفير من المفسرين: إن الغي: واد في جهنم تسيل فيه دماء وقيح الكافرين من أهل النار، وهو في قعر جهنم، وكلما حاولت جهنم أن تنطفئ إذا بهذا الوادي يسعرها ويزيدها لهيباً واشتعالاً، وهي غذاء وشراب هؤلاء المفسدين التاركين للصلاة، والذين ارتكبوا الشهوات. وتارك الصلاة ليس بكافر على قول، ولكنه مع ذلك يعتبر وباءً يجب أن يزال من الأرض. فقال المالكية: يجب زوال تارك الصلاة من الأرض حتى لا يعدي غيره قريباً أو بعيداً من أسرته أو من طلابه أو من عموم الناس، فيجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقال بمثل ذلك الشافعية. وقال أبو حنيفة: لا يقتل، ولكن يسجن سجناً أبدياً، بحيث إذا خرج وقت الصلاة ولم يصل يدعى للصلاة فإن صلى فذاك وإلا بقي في السجن، وهكذا إلى أن يموت في السجن. وقال الظاهرية: لا يسجن ولا يقتل ولكن يجلد عشر ضربات، إلا أنه إذا جلد العشر فلم يصل تعاد عليه، فإن صلى فذاك وإلا سيعاد عليه الضرب عشراً فعشراً إلى أن يموت أو يصلي. إذاً: فكلهم اعتبروه شخصاً موبوءاً يجب أن يبعد عن الناس؛ لكي لا يعديهم بقلة دينه، وباستهتاره بطاعة ربه؛ ولكي لا ينشر بينهم ترك عبادة ربه وترك السجود له والصلاة.
تفسير قوله تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل صالحا)
تفسير قوله تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً) قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا} [مريم:60]. ربنا جل جلاله من رحمته بخلقه وعباده حتى بالعصاة المذنبين يقرر العذاب ونوعه وينذر ويتوعد، ثم يدعو خلقه وعبيده إليه: إن أنتم تبتم وتراجعتم فالله يتوب على من تاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، وقال أيضاً: (الإسلام يجب ما قبله) أي: يقطع ما سبق من الذنوب والآثام كما قال سيد البشر صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيستثني الله من هؤلاء التاركين للصلاة: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [مريم:60]، وشروط التوبة ثلاثة: ألا يعود للذنب الذي ارتكبه، وأن يندم على ما صدر منه، وأن يعطي عهداً بينه وبين نفسه لربه ألا يعود لذلك الذنب الذي تاب منه. فإن كان الذنب مع ربه فإنه يشترط في التوبة هذه الثلاثة الشروط، فإن خلا من التوبة شرط من هذه الشروط لم تقبل توبته، فتارك الصلاة إذا قال: تبت، فمن تمام التوبة أن يعود للصلاة، ويعوض ما فاته، ويندم على ما فات من الذنب، فيجد ألماً وحسرة ويتعهد ألا يعود لذلك، فإن غلبه الشيطان أو رفاق السوء فليجدد التوبة مرة أخرى. وأما إذا كان الحق للإنسان فيشترط هذه الشروط ويزاد رابعاً وهو: إن كان مالاً قد أخذه فيجب أن يعيده له، وإن كان حداً قد ارتكبه في حقه فيجب عليه أن يسلم نفسه لقيام الحد إلا أن يعفو صاحب الحد، وإن كان شتيمة أو سوءاً أو كان شيئاً دون ذلك فليذهب إلى من أساء إليه وليتحلل منه، وبعد ذلك يغفر الله ويتوب، وكما قال الشاعر: كن كيف شئت فإن الله ذو كرم وانسَ الهموم فما في الأمر من باسِ سوى اثنتين فلا تقربهما أبداً الشرك بالله والإضرار بالناس إذ الشرك لا مغفرة له، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء:48]، وحقوق الناس لا تغفر إلا إذا غفرها أصحابها وتنازلوا عنها، وإلا فسيدانون عليها، ويؤدونها بالوافر يوم القيامة، فإن لم يوجد عند أحدهم ما يؤديه فإنه يؤخذ من حسناته وتضاف إلى ميزان من ظلمه. {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ} [مريم:60] أي: آمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، قوله: {وَعَمِلَ صَالِحًا} [مريم:60] أي: لا بد مع الإيمان والتوبة أن يعمل الصالحات، والصالحات تجمعها الأركان الخمسة: الشهادتان، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام، فمن قام بما عليه من أركان فقد أفلح، إلا المال فإن وجد مالاً زكى وإلا فلا زكاة عليه، وكذلك الحج إن وجد زاداً وراحلة فليحج. قال تعالى: {فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا} [مريم:60]، فالتائبون من الذنوب كمن لا ذنوب لهم، فهم القائمون بالصلوات في أوقاتها، والصائمون شهر رمضان بما أمر الله به من واجبات وسنن ومستحبات وترك للمكروهات، والقائمون بما عليهم من حج بيت الله الحرام، والإتيان بكل حسنة وبكل شعيرة من الشعائر الطيبة، قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7]. وضابط ذلك ما قاله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، فإذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأمر فليأت المأمور بما استطاع، فأمرنا بالصلاة قياماً فمن عجز لمرض فليصل جالساً، وأمرنا بالوضوء للصلاة فمن عجز فليتيمم، وأمرنا بالحج فمن عجز فلا حج عليه، (فأتوا منه استطعتم). {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7] أي: فلا تفعل لزوماً، فلا زنا ولا سرقة ولا ربا ولا ظلم ولا شرك ولا كفر، إلى آخر ما هناك من المنهيات، فعلى المؤمن الحق أن يفعل من الخير ما استطاع ووجد إليه سبيلاً، وأن يترك جميع ما أمر بتركه. قال تعالى: {فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} [مريم:60] أولئك يكونون مع المؤمنين الصادقين في الجنان، وهي درجات ما بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، فأعلاها الفردوس، وهي مساكن الأنبياء والمرسلين. قال تعالى: {وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا} [مريم:60] أي: لا يظلمون في كل ما قدموه من طاعة وفعل خير، حتى ما سبق أن فعلوه قبل المعصية وقبل الذنب فإنه يعود لهم ويجازون عليه ولا يظلمون منه شيئاً، وما تابوا منه تاب الله عليهم، والإسلام يجب ما قبله، ومن تاب تاب الله عليه، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
مريم [61 - 68]
تفسير سورة مريم [61 - 68] يصف الله تعالى الجنة التي وعد بها عباده الصالحين، وأنها دار إقامة لا انتقال منها، ولا يسمع فيها اللغو ولا الإثم، ثم يصف الله ملائكته أنهم لا يتنزلون ولا يعلمون أي عمل إلا بإذنه وأمره سبحانه فهم لا يعصون الله أبداً، ويفعلون ما يؤمرون.
تفسير قوله تعالى: (جنات عدن التي وعد الرحمن)
تفسير قوله تعالى: (جنات عدن التي وعد الرحمن) قال تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} [مريم:61]. خلق الله الجنة وأكد أنها جنات عدن، أي: جنات إقامة دائمة، يقال: عَدِنَ في المقام في المكان إذا أقام فيه، فهؤلاء في الجنات سرمداً لا خروج ولا موت أبداً. والجنة جنات وليست جنة واحدة، وهي جنات عدن مقيمة باستمرار يمتع فيها أهلها وسكانها، تلك الجنة التي وعد الله سبحانه بها عباده بالغيب، والله خير من يوفي بوعده، فقد وعدهم غيباً وهم لم يروها، أي: وعدهم بشيء آمنوا به بالغيب، قال تعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة:1 - 3]. والإيمان بالغيب أصل الدين؛ لأن الذين أخبرونا بذلك عباد لله مكرمون صادقون مصدقون، لا تعرف عنهم كذبة في حياتهم فكيف بالكذب على الله؟! هذه الجنات التي وعد الله عباده غيباً قبل أن يراها أهلها وسكانها سيدخلونها مع الأنبياء والصديقين، وحتى العصاة والمذنبون إذا تابوا وأنابوا وعادوا للطاعة مستغفرين من ذنوبهم نادمين على ما سلف منهم. قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} [مريم:61] أي: كان موصولاً إليه، وذكر بصيغة اسم المفعول، وذلك أسلوب من أساليب العرب، يكون المفعول فاعلاً ويكون مفعولاً، فتقول: بلغت علي ستون سنة، وبلغت ستين سنة، ووصلني الخير من فلان، ووصلت الخير الذي لفلان، فسواء وصلك أو وصلته فأنت قد أتيته وأتاك، فأنت آت مأتي. وكذلك وعد الله بدخول الجنان هو آت، بحيث سيبلغك وستكون فيه، وستمتع بما فيه من متع أهل النعيم، من المرسلين والصديقين والشهداء، وستبلغ أنت له فتمتع به، والشيء واحد، أتيته أو أتاك المهم أنه قد بلغك، وبلغت ما وعدك الله به ولقد كان وعد ربنا مأتياً، أي: لا بد أن يؤتى ويأتي، أن يأتي عباد الله الصادقين التائبين ويأتونه.
تفسير قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما)
تفسير قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً) قال تعالى: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم:62]. هذه الجنان عندما يكرمون بالدخول إليها لا يسمعون فيها لغواً، أي: لا يكون فيها من قول الباطل شيء، ولا من الكلام الذي لا يفيد، فهم لا يسمعون لغواً إلا سلاماً، وهذا استثناء منقطع، فالمستثنى من غير جنس المستثنى منه، أي: لا يجدون فيها إلا الأمان والسلام واليقين والراحة والسعادة. كذلك يسلم عليهم الله جل جلاله فهو السلام ومنه السلام، وتسلم عليهم ملائكة الرحمة، وما السلام إلا العيش في سلام وأمان ويقين وكل ما يريد أن يعيش فيه المتنعم من سكان أهل الجنة. فقوله: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا} [مريم:62] أي: آذانهم لا تسمع إلا الحق والصواب، فلا تسمع اللغو ولا الباطل ولا ما لا يليق سماعه إلا سلاماً، فلا يسمعون إلا الأمان والسلام والتحية من الله ومن الملائكة من حين يصبحون وإلى أن يمسوا. قال تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم:62] فأهل الجنة يأتيهم رزقهم، ويأتيهم النعيم والطعام والشراب بكرة وعشياً، صباحاً ومساءً، ومع ذلك فالجنة لا بكرة فيها ولا عشي، أي: لا ليل ولا نهار، ولا حر ولا زمهرير، ولا ما يؤذي، إن هو إلا النور والإشراق. فإذا أرخيت السبل فهو وقت النهار في دار الدنيا، فإذا أرخيت الحجب فذلك معناه وقت الراحة، مع أنهم لا يتعبون ليستريحوا، فهم في راحة أبدية مستمرة، ولكن ذلك باعتبار الدنيا، فقد كان أهل النعيم في الدنيا يأكلون صباحاً ويأكلون مساءً. فالزمن الذي كانوا يأكلون فيه صباحاً ومساءً في الدنيا يرزقون فيه في الآخرة باعتبار زمن الدنيا، لا أن الآخرة فيها ليل أو نهار أو شمس. فقوله: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم:62] بحسب تقدير البكور والعشايا في دار الدنيا، وإلا فإن الآخرة لا بكرة فيها ولا عشي، فالوقت كله نور وإشراق.
تفسير قوله تعالى: (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا)
تفسير قوله تعالى: (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً) قال تعالى: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا} [مريم:63]. تلك الجنة التي لا لغو فيها ولا تأثيم، وتلك الجنة التي يأتي الرزق فيها بكرة وعشياً، وتلك الجنة الدائمة الخالدة التي لا موت فيها ولا صخب ولا غم ولا هم، تلك الجنة يرثها المتقون من عباد الله، فهم ورثتها وسكانها وأهلها والقائمون عليها وفيها. كما قال ربنا في تلك الصفات الكريمة النبيلة من سورة المؤمنين: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1]، حين قال: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون:9] إلى أن قال تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون:10 - 11]. فأولئك هم ورثة جنة النعيم، الذين يورثهم الله جنته وجنانه خالدة دائمة.
تفسير قوله تعالى: (وما نتنزل إلا بأمر ربك)
تفسير قوله تعالى: (وما نتنزل إلا بأمر ربك) قال تعالى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم:64]. هذه الآية سبب نزولها مجيء كفار قريش يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل الكهف من هم؟ وعن الروح ما هي؟ وعن قوم كانوا في أول الزمان فتاهوا فلم يعرف لهم مقام؟ فقال لهم عليه الصلاة والسلام: (غداً نخبركم)، ولم يستثن ولم يقل: إن شاء الله، فلم يأته جبريل إلا بعد خمسة عشر يوماً، وقيل: أربعين يوماً، حتى ظن الظانون من كفار قريش أن الله قد قلى محمداً. فعندما جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له النبي: (قد أطلت علي البعد حتى اشتقت إليك، قال: أنا لك أشوق، ولكننا عباد مأمورون، {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم:64]) أي: لا ننزل إليك من السماء ولا إلى خلق من خلق الله إلا بأمر من الله، فإن أمرنا نزلنا وإن لم يفعل بقينا. قال تعالى: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} [مريم:64] أي: له ما بين أيدينا من مستقبلنا ومستقبل العالم والكون، قوله: {وَمَا خَلْفَنَا} [مريم:64] أي: وما سبقنا من دهور وعصور منذ كانت السماء دخاناً، والعرش على الماء، إلى أن خلق الله السماوات السبع والأرضين السبع، ثم خلق ما خلق، ثم خلق آدم ومن جاء بعده من أولاده من الأنبياء والرسل، إلى أن جاء خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه. فهو سبحانه يملك المستقبل وعلمه، ولا يملكه أحد معه، ويملك الماضي وعلمه، ولا يملكه أحد معه، وله ما يستقبلنا من حياة وأعمال، فنحن لله بجسومنا وبأرواحنا وبتفاصيل أعمالنا، وبكوننا الذي نوجد فيه، ولذلك لا نأتي كمخبرين ولا معلنين ولا موحين إلا بشيء يوحيه إلينا، فإن أمرنا فعلنا. قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم:64] أي: لم ينسك ربك ولم يتركك، كقوله تعالى: {وَالضُّحَى} [الضحى:1] إلى قوله: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى:3] أي: لم يدعك ربك ولم يهملك ولم يقلك ولم يبغضك، ولكن ذاك شيء يقوله خصومك وأعداؤك من الكافرين. ولكل من الآيتين سبب في النزول، فسورة الضحى نزلت عندما تأخر الوحي سنتين أو ثلاثة سنين بعد نزول الوحي في غار حراء، بحيث إن النبي صلى الله عليه وسلم اشتاقت نفسه لتمام الوحي والرسالة، فكان المشركون من أهل مكة يقولون عنه: ولقد قلاك ربك وودعك، فنزل قوله تعالى: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى:1 - 5]، فدع هؤلاء في هذيانهم وهرائهم وباطلهم، فكل ثانية تمضي من وجود الكون إلا ولك فيها من الإفضال والأجر والثواب والخير والصلاح، بل وأكثر من ذلك. ثم قال: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى:5] أي: لا كما زعمت قريش بغضاً وكفراً وتمنياً في العداوة. وعن أبي الدرداء كما في مسند أحمد وكما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما حرم الله فهو حرام، وما أحله فهو حلال، وما سكت عنه فهو عفو، فخذوا من الله عافيته) أي: ما لم ينص على كونه حراماً فهو حلال، ثم تلا قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم:64]، فربك لا ينسى ولا تأخذه سنة ولا نوم، فالله جل جلاله لا ينسى خلقه ولا ينسى تدبيرهم ولا رزقهم ولا عطاءهم ولا عقوبة أهل العقوبة منهم.
تفسير قوله تعالى: (رب السماوات والأرض وما بينهما)
تفسير قوله تعالى: (رب السماوات والأرض وما بينهما) قال تعالى: {رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم:65] أي: ليس هو ربك وحدك، بل هو رب السماوات ورب الأرضين ورب ما بينهما من هذه النجوم التي نرى، والتي لا يحصي عددها إلا الله، ومن هذه المجرات التي تعد بالملايين، وما بين ذلك، فهو رب كل شيء سبحانه. فقوله تعالى: {رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [مريم:65] أي: رب كل سماء وكل أرض، ورب ما بين كل سماء وأرض. قال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} [مريم:65] أي: لا تكل ولا تمل، بل اعبد الله حتى يأتيك اليقين، واعبد الله ما دمت حياً، واعبده بما أمرك به، ولا تكون العبادة اختراعاً أو اجتهاداً، ولا تكون بالأماني والأحلام، فقد أمرنا بخمس صلوات في أوقاتها المعهودة، فمن نقص أو زاد أو صلاها قبل الوقت أو بعده يكون متلاعباً لا تقبل منه صلاة، وما كان كذلك هو بالجهالة أو بالمستهزئين أقرب إلى صفة المسلم. فقوله: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} [مريم:65] أي: لا تمل ولا تكل، بل قم بالعبادات والطاعات كلها، فأمر بالصلاة فعلينا أن نصلي، وأمرنا بالصيام فعلينا أن نصوم، وأمرنا بالحج فعلينا أن نحج، وأمرنا بالعطاء فعلينا أن نعطي، وأمرنا بالجهاد فعلينا أن نجاهد، وهكذا في جميع أبواب الخير. قال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم:65] أي: هل تعلم لله شبيهاً يخلق السموات والأرض كما خلقها سبحانه؟ A لا، لا نعلم ولا يوجد، فليس له شريك ولا شبيه ولا ند، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4].
تفسير قوله تعالى: (ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا)
تفسير قوله تعالى: (ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حياً) قال تعالى: {وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا} [مريم:66]. هذا الإنسان الطاغية المتجبر والضعيف الخلقة والنشأة مع ضعفه وهوانه وخلقه من ماء مهين، يأبى إلا الطغيان والكفر والشرك والخروج عن أمر الله. فقوله تعالى: {وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا} [مريم:66] أي: أيعقل أنني إذا مت وصرت فتاتاً في التراب سوف أرجع كما كنت؟! أيعقل أن أخلق مرة أخرى وأن أكون شيئاً مذكوراً؟! أيعقل أن أخرج من الأرض سميعاً بصيراً حياً متكلماً؟! وإذا بالله يقرعه ويوبخه بالدليل العقلي القطعي الذي لا يرده إلا مجنون. فيقول الله له: {أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} [مريم:67] أي: أنسي الإنسان أننا عندما خلقناه أخرجناه لهذا الوجود ولم يكن قبل البتة، فلم يكن له ذكر ولا وجود ولا كيان، ثم بعد ذلك كان وأخرجناه، فأيهما أصعب: الإيجاد من عدم أو تجديد الحياة بعد أن كانت؟ وذلك أهون عليه، والكل هين عليه جل جلاله. فالله يقول: ألا يذكر هذا المخلوق الضعيف أنا خلقناه وأبدعناه وكوناه وأوجدناه ولم يكن شيئاً مذكوراً، قال تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان:1]، نعم قد أتى.
تفسير قوله تعالى: (فوربك لنحشرنهم والشياطين)
تفسير قوله تعالى: (فوربك لنحشرنهم والشياطين) قال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} [مريم:68]. يقسم الله بذاته العليا أنه سيحضر يوم القيامة هؤلاء المنكرين للبعث وسيأتي بهم يوم القيامة مقرنين مع الشياطين، ثم يجمعهم معهم جمعاً. فقوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} [مريم:68] أي: يحشرون يوم القيامة، ثم يؤكد الله ذلك باللام الموطئة للقسم تأكيداً للقسم الأول ليحشرنهم مع الشياطين، ويقسم بأنه سيقذف بهم في جهنم مع الشياطين. قال تعالى: {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} [مريم:68] أي: ثم لنأتين بهم ليحضروا محاطين بجهنم جثياً، أي: قائمين على الركب، وهو جمع جاثٍ؛ لذلهم وهوانهم وكفرهم وإشراكهم، نعوذ بالله من أحوالهم.
مريم [68 - 72]
تفسير سورة مريم [68 - 72] يتوعد الله تعالى الكافرين والصادين عن سبيل الله تعالى بأن يحشرهم ويجمعهم مع الشياطين حول جهنم وهم جاثون على ركبهم من الخوف، ويذكر تعالى أن البشر كلهم واردون النار، وذلك هو المرور على الصراط، فينجو المؤمنون ويكب الكافرون في النار على وجوهم عمياً وبكماً وصماً.
تفسير قوله تعالى: (فوربك لنحشرنهم والشياطين)
تفسير قوله تعالى: (فوربك لنحشرنهم والشياطين) قال الله جل جلاله: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا} [مريم:68 - 70]. كنا مع الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين، وما أعد الله لهم من جنان وخيرات ونعيم ورضوان، وهانحن أولاء مع من أنذروا بكفرهم وخروجهم عن أمر الله، وهكذا فإن الله جل جلاله في كتابه الكريم يقابل بين نذارة وبشارة، كما هي وظائف الأنبياء فإنهم يبشرون الصالحين بالجنة والرضا، وينذرون الطالحين بالسعير والغضب من الله. يقول جل جلاله عن هؤلاء الذين عصوا وتمردوا وكفروا وأشركوا ويقسم الله بذاته العلية: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ} [مريم:68] أي: بعد أن يلعنهم ويبعثهم ويجدوا أنفسهم في يوم القيامة مع الشياطين الذين عبدوهم واتبعوهم في دار الدنيا، يحشرهم جميعاً إليه ويقذفهم في النار. قوله تعالى: {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} [مريم:68] أي: ثم ليكونن حاضرين موجودين مقيمين حول جهنم جثياً، والجثي: جمع جاث، وهو الواقف على ركبتيه؛ زيادة في الذل والهوان مع الازدحام الشديد من أهل النار، فلا يكادون يجدون مكاناً للجلوس إلا ما كان من الوقوف على الركب. قال الله تعالى: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} [مريم:69]. وبعد أن يحشر الله الكفرة الظالمين أئمةً وتابعين، يجمع الأئمة وينزعهم من بين أتباعهم، كما قال: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ} [مريم:69]، أي: يزيل هؤلاء الأئمة الذين كانوا يصدون عن سبيل الله، وكانوا يدعون للشرك والضلال، وكانوا يصدون عن النبوءات والرسالات، فينزعهم من بين جموعهم وأتباعهم. قال: {مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ} [مريم:69] أي: من كل أمة، أو من كل طائفة أو جماعة. قال: {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} [مريم:69]، (أيهم) هنا بمعنى: الذي، فهي تعامل معاملتها في أنها تبقى مبنية لا ترفع ولا تنصب ولا تجر، فتقول: رأيت أيُّهم أعلى مقاماً، ومررت بأيُّهم أحسن علماً، وجاء أيُّهم أرفع شأناً؛ حتى ضرب بها المثل فقيل في النحو: أي كذا خلقت، أي: خلقت مبنية على الضم أبداً، فلا تؤثر فيها المؤثرات من الإعراب. قوله: {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} [مريم:69] أي: أكثرهم ظلماً وطغياناً وعتواً وفساداً في الأرض، فهؤلاء يجمعهم الله ليكون عذابهم أشد ومحنتهم أنكى، فيتحملون عذابهم وعذاب أتباعهم بحيث لا ينقص من عذاب أتباعهم شيء. فقوله تعالى: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} [مريم:69] أي: ثم يخلع الله وينزع من كان أشد عتواً وظلماً وكفراً وغلواً من بين أتباعه، ليكون مزيد العذاب له؛ جزاء كفره وإمامته في الكفر، قال تعالى: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة:12]، وهكذا نبه الله على قتالهم بالذات. قال تعالى: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا} [مريم:70] أي: أعلم منك يا محمد! وأعلم من الخلق كلهم بمن يستحق العذاب والحريق والغضب واللعنة، قال: {بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا} [مريم:70] أي: حريقاً، وصلي جمع: صالٍ، أي: محترق في النار، وهو من التصلية أي: التحرقة بالنار، إذ تصلى وتشتعل وتلتهب، ويكون هو وقودها وأعوادها وفحمها. فقوله: {هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا} [مريم:70] أي: أولى بالنار من غيرهم؛ لشدة كفرهم وطغيانهم وتعديهم، ولشدة صدهم عن الله ورسالاته، فهؤلاء يكونون في قعر جهنم وينالون من العذاب ما لم ينله أحد، إذ يُزاد في عذابهم لإمامتهم وكفرهم، وبعدهم عن الله ورسالاته.
تفسير قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها)
تفسير قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها) قال تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم:71]. قوله: (وإن منكم) أي: ليس منكم من أحد برٍ أو فاجر، مسلم أو كافر إلا ويرد على النار ويمر عليها، ثم ينجي الله كل واحد بعمله، قال تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم:71]، فكان ورود هؤلاء أبراراً وفجاراً على ربك حتماً مقضياً، أي: أوجب ذلك على نفسه فأقسم عليه بذاته العلية، وكون كل إنسان سيدخل النار هي عقيدة المسلمين جميعاً، وينكرها الكثير من الطوائف المبتدعة من المسلمين، مثل نافع بن الأزرق وكان من الخوارج، وكان يسأل ابن عباس عن آيات القرآن وعن بيانها وتفسيرها من اللغة والسنة، فقال نافع: يا ابن عباس! قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم:71] من الوارد؟ قال: أنا وأنت، قال: لا؛ يردها الكافر، قال: أنا وأنت، أما أنا فسأخرج منها، وأما أنت فستبقى فيها لتكذيبك، فضحك نافع. ويعتقد هؤلاء أن الآية خاصة بالمشركين، ولكن الأحاديث الصحيحة المتظافرة تؤكد هذا المعنى، يقول عليه الصلاة والسلام: عندما يحشر الناس يوم القيامة: (يضرب ما بين الجنة وبين النار صراط، هو أحد من السيف، على جانبيه كلاليب تحملها الملائكة، وهذا الصراط مدحضة مزلة) أي: لا تكاد تقر عليه رجل الإنسان، فيجد نفسه أنه لا يستطيع أن يستقر عليه، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: (أما أنا فسأكون أسرعكم مروراً عنه، فسأمر عليه مرور الريح المرسلة، وتمر عليه الأنبياء كذلك، وسيمر عليه الصالحون وعباد الله المتقون: بعضهم كأجاويد الخيل، وبعضهم كالمسرع من الدواب، وبعضهم كالمسرع من الإنسان، وبعضهم يمشي عليه حبواً فيقف ويسقط، والبعض لا تكاد تقف رجلاه حتى يسقط في قعر جهنم، وتأخذه الملائكة بالكلاليب وتسحبه إلى النار، وتقول الملائكة والمؤمنون والأنبياء والصالحون والشهداء: اللهم سلم سلم) أي: يكون دعاء الملائكة ودعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يمشون على الصراط: اللهم سلم، اللهم سلم. فهذا الحديث متواتر، وقد تواترت الرواية فيه عن الجماهير من الصحابة، ومما يؤكد ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (ما من إنسان يموت له ثلاثة من الولد إلا وأنجاه الله من النار إلا تحلة القسم)، وتحلة القسم هي قسم الله أن يرد النار كل إنسان، ولتحليل يمينه جل جلاله يمر هؤلاء عليها مروراً لا تكاد تؤذيهم ولا تمسهم، ولكنهم مع ذلك يدخلونها ويمرون عليها. فقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم:71] أي: سبق في علمه السابق أنه من الحتم المقضي القائم الواقع أن يدخل كل إنسان براً كان أو فاجراً إلى النار، كما قال تعالى بعد في الآية: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم:71] أي: واجباً وقائماً واقعاً. والآية الثانية تؤكد هذا المعنى، إذ يرد النار كل إنسان سواء كان مؤمناً أو كافراً براً أو فاجراً، أما التقي الصالح فقال تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} [مريم:72]، ولا تكون النجاة إلا من الوقوع في تهلكة، ثم تقع النجاة، فهم قد وردوا النار ولكن الله نجاهم لتقواهم وصلاحهم. فقوله تعالى: {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم:72] أي: نترك وندع الظالمين لأنفسهم بالكفر والشرك جاثين على ركبهم، إذ لا يكادون يجدون مستقراً زيادةً في النقمة والعذاب والآلام، ولما في النار من الزحام الشديد لا تكاد تحمل من فيها وهي مع ذلك تطلب المزيد، فيضع عليها الرحمان قدمه، فتقول: قطني قطني. وأما الجنة فيبقى فيها فراغ كثير، فيخلق الله لها خلقاً ليتمتعوا ويؤنسوا المؤمنين.
مريم [73 - 84]
تفسير سورة مريم [73 - 84] إن الله تعالى يزيد من اهتدى وسعى في الخير خيراً ويوفقه إلى الصالحات، ومن تنكب طريق الخير واتبع الشر فإن الله يمد له في الشر حتى يستدرجه، ولا يبقى إلا الأعمال الصالحة التي تنفع العبد في الدنيا والآخرة، وغير ذلك يضمحل ويفنى.
تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات)
تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم:73]. ينزل الله جل جلاله آياته البينات ومعجزاته الواضحات وعلامات قدرته على الخلق، والإيجاد مما لا يستطيعه إلا هو جل جلاله وعز مقامه، {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ} [مريم:73] أي: إذا تتلى على الناس قصص الأنبياء، وقدرات الله تعالى على الخلق والإيجاد بما يعجز عنه الناس. قوله: {بَيِّنَاتٍ} [مريم:73] أي: واضحات معروفات لا ينكرها إلا أعمى البصيرة قبل أن يكون أعمى البصر، فعندما يحدث ذلك في دار الدنيا يقول الذين كفروا للذين آمنوا: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم:73] أي: فريق الكفر وفريق الإيمان أيهما أحسن مقاماً؟ والمقام: هو المنزل، والندي: هو المجلس، فهؤلاء السخفاء يظنون أنهم الأفضل؛ لأنهم أغنى من المؤمنين، وأكثر رفاهية، وأوسع دوراً، وأعظم قصوراً، وأحسن مجلساً، وأما الفقير المسكين فقد قال صلى الله عليه وسلم: (رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره)، فهؤلاء الطغاة والأغنياء والعتاة والمرفهون يجلسون مجالسهم في دار الدنيا بالحرام وأكل السحت، وأخذ أموال الناس ظلماً وعدواناً في الأرض، ويقولون للمؤمنين: انظروا أينا خير مقاماً؟ أنحن في بهاء وجوهنا، وجمال قصورنا، وسعة مرافقها؟ أم أنتم في ضيق عيشكم ومساكنكم التي لا تكاد تظلكم ولا تكاد تئويكم؟ ويقال عن المجلس: النادي. وكان قصي جد النبي صلى الله عليه وسلم قد بنى مجلساً وأسسه في مكان الصفا والمروة، وكان يجلس فيه مع كبار قريش والعرب عندما يفدون للعمرة أو الحج إلى مكة المكرمة، وكانت تسمى دار الندوة إلى أن أدخلت في المسجد، فكان نادي حفيده المصطفى صلى الله عليه وسلم أعلى شأناً من ناديه، فقد كان نادي قصي في شئون الدنيا، وكان نادي رسول الله بيت الله الحرام وبيوت الله بنيت للقيام فيها والركوع والطواف والسعي، والقيام بكل خير لصالح الإسلام والمسلمين، فضم النادي الأول إلى النادي الجديد وأصبح جزءاً من بيت الله الحرام. فقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم:73] يعني: أي الفريقين أعلى منزلة: فريقهم الكافر، أو فريق المؤمنين الصالح؟ وهكذا ضحكوا على أنفسهم، واستدرجوا بذلك استدراجاً، ومن الذي ملكهم إياه ونفعهم به؟ فبدلاً من أن يجعلوه سبباً للشكر والإيمان والحمد على النعم جعلوه زيادة في الكفر والمعصية. ويسخر الله منهم ويقول: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} [مريم:74]. فهؤلاء السخفاء قد سبق قبلهم من الأمم الضالة والعشائر الكافرة من كانوا أقوى سلطاناً، وأعظم مكاناً وقصوراً، وأوسع مرافق، وأجمل ندياً، ومع ذلك عندما كفروا وطغوا عاقبهم الله جل جلاله بالهلاك والدمار واللعنة والغضب، ونزع عنهم كل ذلك، وأورثه الذين جاءوا بعدهم من المؤمنين والمؤمنات، وعوضهم عن كل ذلك السعير والنار الدائمة المقيمة، ولعنة الله المحيطة بهم من كل جانب. قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ} [مريم:74] القرن يطلق على الزمان وعلى أهله، فيطلق على الفئة التي عاشت خلال مائة عام، والعصر الذي دام مائة عام، والكلمتان متلازمتين، فلا يأتي زمن إلا وله أهله، والزمن ملازماً لحياتهم ووجودهم، فالمآل واحد. قال تعالى: {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} [مريم:74] أي: أحسن رئاسةً ولباساً وزينة وفرشاً، فهم أحسن في كل ما يزين القصور ويعلي شأنها أمام أهل الدنيا، فهؤلاء لا يعبدون إلا الدينار والدرهم. الرئي: المرأى، أي: أحسن جمالاً ورؤية وصباحة وأشب أجساماً، وأطول قامات.
تفسير قوله تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا)
تفسير قوله تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً) قال تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا} [مريم:75]. يذكر تعالى هؤلاء الذين ما زادتهم الموعظة إلا كفراً، وما زادتهم دعوة الأنبياء إلا فراراً، وما زادهم حرص الأنبياء والعلماء على هدايتهم وصلاحهم إلا عناداً وكفراً. {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ} [مريم:75] قل يا محمد: إن هؤلاء الذين عاشوا في الضلالة والشرك والعصيان والخروج عن طاعة الله سيستدرجهم الله من حيث لا يعلمون، ويمد لهم الرحمن في الضلالة، بحيث يزيد أموالهم وجاههم وسلطانهم فيزدادون بها كفراً وطغياناً وصداً عن الله، وما ذلك إلا استدراج لهم للعذاب الأليم، قال تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم:75] أي: يمد له من الحياة والصحة والشباب ومن الجاه والمال والسلطان. قال تعالى: {حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ} [مريم:75] أي: حتى إذا وقعوا فيما أوعدهم به أنبياؤهم وعلماؤهم، قال: {إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ} [مريم:75] أي: إما عذاب الدنيا من نصر المؤمنين وأسر الكافرين واستعبادهم، وغنم أموالهم وتحقيرهم، وهو عذاب الدنيا على يد عباد الله الصالحين. وإما أن يمد الله لهم إلى أن يموتوا فيحشرون، وإذا بهم يعيشون في واقع القيامة، فيكون عذاب الله أشد وأنكى من عذاب المحشر وعذاب الويل في جهنم، وشرب القيح والصديد وما يخرج من فروج الزواني في النار والسعير، فيصرخون ويندمون ولات حين مندم. قال تعالى: {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا} [مريم:75]. وقد كانوا في الدنيا من قبل يتيهون بجمالهم وكثرة قصورهم وأموالهم، وكثرة جندهم وجاههم وسلطانهم، فعندما يكونون بين يدي العذاب الأليم فسيعلمون الحقيقة إذ ذاك، فقوله: {مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا} [مريم:75] أي: من هو الأشر والأقبح ألمؤمنون أم الكافرون؟ قوله: {وَأَضْعَفُ جُندًا} [مريم:75] أي: ومن جنده أذل وأضعف سلطاناً وأقل شأناً وأكثر هواناً، فلا يكادون ينفعون مواليهم لا بنقير ولا بقطمير، بل يزدادون عليهم لعنة وشتيمةً وتحقيراً.
تفسير قوله تعالى: (ويزيد الله الذي اهتدوا هدى)
تفسير قوله تعالى: (ويزيد الله الذي اهتدوا هدى) قال تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا} [مريم:76]. أي: كما زاد الله هؤلاء الكافرين استدراجاً للعذاب، فاستدرجهم نكايةً بهم وتأديباً ليكونوا مثلاً للآتين، كذلك يزيد أهل الصلاح والفلاح إيماناً، قال تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم:76] أي: الذين اتقوا الفواحش والمعاصي، والتقوى والطاعة: فعل أوامر الله ورسوله، وترك نواهي الله ورسوله. فقوله: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم:76] أي: صلاحاً وعافيةً وتقىً واستمساكاً بالدين وكثرة طاعات وبعداً عن المعصيات، قوله: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) أي: الهداية بالباقيات الصالحات، قوله: (خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا) أي: أكثر ثواباً من غيرها عند الله في دار الدنيا والآخرة، فتسجلها الملائكة وترفعها لله جل جلاله؛ ليحاسب بها ويجازي عليها، قوله: {وَخَيْرٌ مَرَدًّا} [مريم:76] أي: خير مردود، ومردودها: ربحها من الأجر والثواب وكثرة الرضا والرحمات.
معنى الباقيات الصالحات
معنى الباقيات الصالحات قال الجمهور: الباقيات مأخوذة من لفظها، أي: الصالحات الدائمات، فصالح المال ينتهي، وصالح اللباس ينتهي، وصالح السكن ينتهي، وصالح الجاه ينتهي، أما صالح العبادة وذكر الله قائماً وقاعداً وعلى جنب فهي الباقيات، وقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحواله، روي عن أبي سلمة وأبي الدرداء: أن الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أي: الذكر بالتهليل والتعظيم والتسبيح والتنزيه، فهو الذكر الدائم الخالد الصالح، وهو أكثر ثواباً من غيره، والصلاة أشرف العبادات، قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103]، ويقول عن الذكر: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45]، والصلاة مشتملة على الذكر وأنواع العبادات من قيام، وقعود، وجلوس، وتلاوة قرآن، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فهي عبادة جامعة. وقال أبو الدرداء: إني لأهلل ربي وأسبحه وأعظمه وأنزهه حتى يقول الرائي والمبصر لي: مجنون، وهذا تحقيق لقوله صلى الله عليه وسلم: (اذكر الله حتى يقال: مجنون)، ولم لا يجن الإنسان بذكر الله وقد جن البشر بالبشر، فـ مجنون ليلى جُن بـ ليلى وهي إنسانة من لحم ودم، وليست نبية ولا بنت نبي ولا صالحة، ولا بنت رجل صالح، ولكنها امرأة من عامة الناس جن بها وتاه، وضاع سنين طويلة، فكان لا يرى إلا مع الحيوانات في الفيافي والبراري، ولقد حكى أحد كبار العارفين أن ليلى بعد أن تزوجت قالت لزوجها: بلغني أن المجنون في هذا المحيط فهل تسمح لي أن أبحث عنه وأقف عند رأسه وأكلمه؟ قال: افعلي، فأخذت تبحث عنه فوجدته فقالت له: قيس! وهو لا يجيب، فقالت له: أنا ليلى، فعندما قالت ذلك رفع رأسه فصوبه وصعده ثم قال لها: إليك عني أنا مشغول بك عنك. وفسر هذا العارف الكبير قولته هذه: أن طريق حب مجنون ليلى لـ ليلى كان طريقه لحب الله والفناء فيه؛ لأنه عندما رفع بصره إليها وجدها قد تغيرت، إذ لم تكن على الصورة المعروفة عنها منذ أكثر من عشرين عاماً، فقال لها: أنا مشغول بك عنك، فمن الذي أعطاك ذلك الجمال الذي تيمني؟ ومن الذي أزاله عنك؟ إذاً: أنا مع الذي لا يزول ولا يحول، أنا مع الله جل جلاله، وهكذا تيم المجنون في الله، وأصبح شعره في الله جل جلاله. فقوله تعالى: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} [مريم:76] أي: ذكر الله وتسبيحه وتهليله وتمجيده، قوله: {خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا} [مريم:76] أكثر ثوابا، ً وأصل خير: أخير، ولكن خير صيغتها هكذا بلا ألف، قوله: {وَخَيْرٌ مَرَدًّا} [مريم:76] أي: في مردودها الأجر والثواب، ورضا الله ورحمته بالذاكرين الموحدين المهللين المسبحين، إذ يكون أجرهم في الدرجات العلى عند الله في جناته.
تفسير قوله تعالى: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا)
تفسير قوله تعالى: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا) قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا} [مريم:77 - 79]. هذه الآيات نزلت في العاص بن وائل، فقد كان له حداد يخدمه ويصنع له الأسلحة والسيوف والدروع، وهذا الحداد هو خباب بن الأرت من دراويش الصحابة، ومن كبار العارفين بالله منهم، فجاءه ذات يوم يريد أن يقبض ما عنده من دين له لسيوف صنعها له، فقال له العاص: لا أعطيك شيئاً حتى تكفر بمحمد، فقال خباب: والله لو مت ثم بعثت ثم مت ثم بعثت فلن أكفر بمحمد، فقال العاص: فإن بعثت أنا فسأكون أكثر مالاً وولداً، فتأتيني إذ ذاك وأقاضيك، فسخر الله منه لكلامه الذي يدل على صغار عقله وشدة كفره برسل الله. فقوله: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} [مريم:77] أي: كفر بالقرآن وبقدرة الله وتوحيده، وكفر برسوله، ومع كفره قال: (لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا) إن أنا بعثت يوم القيامة، وأقسم على ذلك بلام التوكيد للقسم، وبنون التوكيد الثقيلة، فقال الله له: {كَلَّا} [مريم:79] وهي تقال لردع ما قبلها، ولتأكيد ما بعدها، فقد ردع بها العاص بن الوائل لما تألى على الله وكذب، ومن يتألى على الله يكذبه، وجاءت (كلا) لتأكيد ما بعدها، فقال الله تعالى: {كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا} [مريم:79] أي: ستسجل عليه ملائكتنا كفره وهراءه، ويؤتي بكتابه يوم القيامة فيحمله بيساره، ونمد له مداً من العمر فيستدرج وتطول حياته ويكثر ماله وجاهه استدراجاً من الله له ليزداد عذابه؛ لأن كفره ليس ككفر الجاهلين، ولكنه كفر الصادين المعرضين.
تفسير قوله تعالى: (ونرثه ما يقول ويأتينا فردا)
تفسير قوله تعالى: (ونرثه ما يقول ويأتينا فرداً) قال تعالى: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا} [مريم:80]. فهو يتكبر بأن عنده مالاً وولداً وطغى بذلك في دار الدنيا، فسنكون الوارثين لماله ولولده، أي: نفقره ونميت أولاده، ونجعله أبتر لا مال ولا ولد، زيادةً في الإذلال، ويكون الوارث لهما هو الخالق لهما جل جلاله، والذي قاله العاص: إن له مالاً وولداً، ويريد أن يطغى به على النبوة والرسالات، ومع ذلك سيأتينا يوم القيامة فرداً لا مال له ولا ولد، فكلنا نخرج إلى لعالم فرادى ونعود إليه فرادى: ملوكنا وخلفاؤنا وكبراؤنا وأغنياؤنا وعلماؤنا، وكل من على وجه الأرض، فكما جئنا فرادى سنعود يوم القيامة فرادى، ولن يأتي أحد بمال ولا جاه ولا سلطان، إن هو إلا الجسد العاري قد انتهى كفنه، ونقف بين يدي الله حفاةً عراة غرلاً، قالت السيدة عائشة: يا رسول الله! أينظر بعضنا لبعض ونحن مكشوفو العورات؟ قال: (هيهات يا عائشة! الأمر أعظم من ذلك).
تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا)
تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً) قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا} [مريم:81 - 82]. يقول تعالى عن هؤلاء الكفار: سيكفرون يوم القيامة بعبادتهم، أي: المعبودون من الشياطين والإنس والملائكة والأحجار والأوثان كلهم سيتبرءون من هؤلاء العابدين، فيقولون: ما أمرناهم ولا طلبناهم ولسنا لأحد بآلهة، إنما نحن خلق الله وصنعه. فقوله: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً} [مريم:81] أي: أشركوا بالله في دار الدنيا، فمنهم من عبد الملائكة، ومن عبد الجن، ومن عبد الإنس، ومن عبد الحجارة، وكلُّ عبد ما شاء له هواه واتخذ إلهاً له. قوله: {ليَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم:81] أي: أرادوا أن يعتزوا بهم، وأن يأخذوا بهم سلطاناً، وأن يتعاظموا بهم على خلق الله وهيهات، إن هي إلا عقول أضلها بارئها، والشرك لا يحفظ للإنسان عقلاً؛ لأنهم عبدوا حجارة وخلقاً لا يضرون أنفسهم ولا ينفعونها، فكيف يريدون منها الاعتزاز؟! قال تعالى: {كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم:82] أي: سيكفرون يوم القيامة بعبادتهم، فيقولون لهم: ما طلبناكم في عبادة ولا كلفناكم بعبادة، ولسنا المعبودين، فالمعبود هو الله الخالق وحده، ونحن عباد من عباده، فقد أكرمنا سبحانه بالتوحيد، فكوننا نطلب أن يعبدنا أحد فهيهات هيهات، فتلك افتراءاتكم وأكاذيبكم وخزعبلاتكم ما أنزل الله بها من سلطان. قال تعالى: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم:82] أي: ويكون هؤلاء المعبودون من دون الله أضدادهم وأعداءهم وخصومهم المحاربين لهم المشوهين سيرتهم، وهكذا يوم القيامة يبين الله الحقائق بعد أن أنكر هؤلاء الكفار الإيمان بالغيب، ورسالات الرسل، وكتبه سبحانه التي أنزلها على عباده المصطفين الأخيار.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً) قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم:83]. أي: ألم تر يا محمد! أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين وهم أشد كفراً من كفار الإنس؛ لتؤزهم ولتحسن لهم كفرهم وتزين لهم ظلمهم، وليزدادوا كفراً على كفر ما داموا قد أشركوا بالله، وابتعدوا عن طاعة الله، وأبوا إلا أن يعيشوا كالحيوانات التي لا تكاد تصنع لنفسها أو لغيرها خيراً في دار الدنيا ولا في الدار الآخرة، فقوله: {تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم:83] أي: تقلقهم وتزعجهم وتزين لهم أعمالهم وكفرهم. قال تعالى: {فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} [مريم:84] أي: يا محمد! لا تعجل على هؤلاء الكفار، فما أنذورا به واقعون فيه لا محالة، وسيعذبون في النار، وسينكر معبودوهم عبادتهم، وسينكر عبادتهم شياطينهم ويكونون أضداداً لهم، أي: أعداءً لهم، فلا يهتمون بهم بل يحتقرونهم ويقللون من شأنهم ولا يلتفتون إليهم، فقوله تعالى: {فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} [مريم:84] أي: فالعذاب آت لا محالة، ولكل أجل كتاب. قوله تعالى: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} [مريم:84] أي: سيبلغ الكتاب أجله بعد سنين، وستنتهي أعمارهم فيقبلون على الله هلكى، ويدخلون القبور فيأتيهم منكر ونكير محاسبين لهم ومعزرين ومعذبين؛ لما صدر عنهم من معاصٍ وآثام.
طه [1 - 8]
تفسير سورة طه [1 - 8] افتتح الله سورة طه بخطاب نبيه صلى الله عليه وسلم أنه ما أنزل عليه القرآن ليشقى، ولكن تذكرة لمن يخشى، ثم ذكر سبحانه أنه لا إله إلا هو، وأنه مستو على عرشه، وله ملك السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى وأن له سبحانه الأسماء الحسنى.
تفسير قوله تعالى: (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)
تفسير قوله تعالى: (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) قال الله جل جلاله: {طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [طه:1 - 3]. طه: اختلف المفسرون في تفسيرها وبيانها أكثر مما اختلفوا في فواتح السور والحروف المقطعة، وقيل عنها: إنها من الحروف المقطعة الماضية، وحكمها حكمها. وقيل: طه: يا رجل، في لغة عكل وذبيان. وقيل: يا إنسان. وقيل: بأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما نزل عليه الوحي وأكرم بالنبوءة بالغ في العبادة حتى كان يقوم الليل كله، فاضطر بأن يراوح بين قدميه، ويقف على رجل ويرفع أخرى، كما روى عياض ذلك في الشفاء فقال الله له: {طه} [طه:1]. أي: طأ الأرض بقدميك، ولا تتعب نفسك، فلم ينزل عليك القرآن لشقاء ولا عناء ولا تعب. وروي: بأن طه اسم من أسماء الله جل جلاله. وروي: أنه اسم من أسماء السورة. وروي أنه اسم من أسماء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنا عند ربي قد سميت بعشرة أسماء، فذكر منها طه وياسين). وكما سبق أن قلنا: لا يمكن البت والقطع بمعنى من هذه المعاني؛ لأننا لم نرو حديثاً صحيحاً في ذلك نعتمده ونلغي جميع الروايات، ولم يحصل لنا إجماع من الصحابة أو ممن جاء بعدهم، فنحن نلقي كل ذلك، ونقول: يحتمل المعنى أن يكون واحداً من هذه المعاني. {طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه:1 - 2]: أي: لم ننزل عليك يا محمد هذا القرآن لتتعب به وتشقى منه، وقد قالت له كفار قريش عندما رأوا عناءه وتعبه وما يدخله على نفسه من مشقة السهر والقيام عابداً وقائماً وساجداً وراكعاً، قالوا له: لقد شقيت بهذا الكتاب يا محمد، فكذبهم الله وقال لنبيه: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه:2]. فلم يكن القرآن للشقاء لا لك ولا لأتباعك، بل كان للهناءة والراحة، والهداية والصلاح، ولسعادة الدنيا والآخرة، ولا يقلب من ذاك إلى غيره إلا إذا كان القارئ غير مسلم، أو مسلماً ناقصاً، كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه يقول: (رُبَّ قارئ يقرأ القرآن والقرآن يلعنه). فالقرآن يلعن الكاذبين، ويلعن الفاسقين، ويلعن الظالمين والكافرين. قوله: {إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [طه:3]. استثناء منقطع من غير جنس الأول، أي: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى الله والدار الآخرة، وما أنزلناه إلا عظة لمن يخاف الله، ويخاف عذابه ويخاف نقمته، وهو على ذلك ما أنزل إلا أمانة، وما أنزل إلا سعادة، وما أنزل إلا راحة، وليس كما زعم هؤلاء. وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28]. وفي معجم الطبراني عن ثعلبة بن الحكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله جل جلاله للعلماء يوم القيامة عندما يستوي على الكرسي للقضاء بين الخلائق: ما أعطيتكم من علمي ومن حكمتي إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي). قال الحافظ ابن كثير المفسر الجليل: هو حديث، جيد السند متصل الرواية، وثعلبة بن الحكم صحابي جليل ترجم له في كتب الصحابة. قوله: {إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [طه:3]. أي: ولكننا أنزلناه تذكيراً وتذكراً، وتفسيراً وتمعناً لمن يخشى الله والدار الآخرة، ويحسب حساب ما بعد الموت.
تفسير قوله تعالى: (تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى)
تفسير قوله تعالى: (تنزيلاً ممن خلق الأرض والسموات العلى) قال الله تعالى: {تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى} [طه:4]. (تنزيلاً) بدل من (تذكرة). أنزله الله جل جلاله على خاتم الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليكون خاتم كتب السماء، وليكون كتاب الحياة وكتاب الممات، وكتاب العظة والدرس، وكتاب الحكم والسلوك، كتاب ما يحيون من أجله، ويحيون له، وما يموتون على سلوكه والأدب معه. {تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى} [طه:4]. والذي خلقها هو الله جل جلاله، والذي أنزل القرآن على عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم هو الله جل جلاله، فمنزل القرآن هو خالق الأرض وخالق السموات السبع. والعلى جمع عالية، وهي عالية بالنسبة لمن في الأرض، والأرض سافلة بالنسبة لمن في السماء، والكل خلق الله، والكل من أمر الله، والكل تحت جلال الله وتدبيره. ولن يقدر على إنزاله، وعلى الوحي به إلا من قدر على خلق السموات السبع العلى، وخلق الأرضين السبع السافلة، وأوحى بالكتاب لنبينا عليه الصلاة والسلام.
تفسير قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)
تفسير قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5]. الرحمن هو الله جل جلاله، وهو من الأسماء التي لا يليق أن يسمى بها إلا هو جل جلاله، قد نسمي مالكاً، ونسمي عزيزاً، ونسمي رءوفاً، ويكون ذلك مجازاً، ولكن اسم الجلالة الله واسم الجلالة الرحمن من خواص أسماء الله جل جلاله، لا يسمى بهما غيره، ولا يليقان بسواه. وما العرش؟ وما الاستواء؟ العرش: خلق من خلق الله، كما في الصحاح والأحاديث المتواترة، يقول جل جلاله: (ما السموات العلى وما الأرضون السفلى أمام عظمة العرش إلا كحلقة ملقاة في صحراء من الأرض أو في فلاة من الأرض). لا يعلم عظمه، ولا يعلم كبره، ولا يعلم كم يصل إلا خالقه جل جلاله، وقد فسر هذه الآية سلف وخلف. أما الخلف: فزعموا أنهم يريدون بذلك أن يخضعوا قواعد التوحيد إلى الفلسفة اليونانية وإلى مذاهب علم الكلام من الأشعرية والماتريدية والمعتزلة وما إلى ذلك، فقالوا كلاماً عند فهمه وتحقيقه نخرج بأنا لا نعلم أين الله، فهم يقولون: لا في السماء ولا في الأرض، ولا خارجاً عنها، ولا داخلاً فيها، لأن كل شيء من ذلك إذا قلناه قلنا بالحيز، وذلك من صفات المخلوق. فقلنا لهم: ما حملكم على ذلك، ألا يكفيكم ما جاء عن الله، وعن رسول الله، فنثبته كما جاء ونؤمن به كما أنزل وكما فسره صلى الله عليه وسلم؟ ويقولون عن تفسير السلف: رأي الخلف أعلم، ورأي السلف أسلم. ونحن نقول: رأي السلف في هذا أعلم وأسلم معاً، أسلم لأننا نروي فيه آيات، ونروي فيه أحاديث، وما كان الاستدلال عليه بقال الله قال رسوله كان أعلم بالقطع واليقين، وما كان فيه آية كريمة وحديث نبوي صحيح كان أسلم عاقبة، وأسلم مسئولية، أمام السؤال في القبر، وأمام سؤال الله يوم الحشر، ويوم العرض عليه جل جلاله. ومن هنا عندما يقال في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5]، ونقول: إن هناك رأيين وتفسيرين أحدهما: وصفه بالأعلم، والثاني: وصفه بالأسلم، نقول نحن: الرأي الذي فسره السلف أسلم عاقبة، وهو أعلم دليلاً وبرهاناً. وقد سئل الإمام مالك رحمه الله وهو في المسجد النبوي: يا أبا عبد الله! ما معنى قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5]؟ فأطرق ملياً وفكر برهة ثم التفت إلى السائل قائلاً: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة، يا شرطي أخرج هذا من مسجد رسول الله. فاعتبره من المفسدين! وذلك لأن السلف لم يدققوا في هذا فقد فهموه بلغته العربية، وبالدلالة عليه عندما حصروا المعنى في قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، فقالوا: لا شبيه له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما ورد مما يشبه ذلك أو يتشابه فالله أعلم بحقيقته، وليس معناه على ظاهره، إذ الله جل جلاله لا يستوي استواء خلقه، ولا يجلس جلوس خلقه، ولكننا نقول كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5]، ونعتبر التدقيق في ذلك والنبش عليه من بدع علماء الكلام. ومن هنا كان السلف الصالح يكرهون علم الكلام، وقالوا: علم الكلام كلام بلا دليل، كلام بفلسفة تشبه الفلسفة اليونانية التي تعدم الحجة والدليل من قال الله وقال رسوله، ومن هنا كتب ابن تيمية كتاباً يذم فيه علم الكلام، وينفر عنه، وكتب بعده بأكثر من قرن السيوطي كتاباً زيفه وقبحه ونفر عنه، وكلا الكتابين مطبوعان منتشران. والقرآن منه متشابه وغير متشابه، {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران:7]. وكقاعدة عامة سلفاً وخلفاً: لا نكاد نجد طائفة ضالة مبتدعة إلا وتحتج على بدعتها بالآيات المتشابهات، وقد قال لنا نبينا صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم من يتبع المتشابه فذلك الذي حذر الله منه). خاصة إذا كان الاهتمام بالمتشابه قبل الاهتمام بالمحكم من الحلال والحرام، ومن القصص ومن ذكر الأنبياء، ومن ذكر الدنيا والآخرة، ومن ذكر الجنة والنار، ومن ذكر ما جرى على الضالين المكذبين، وما سيجري على الصادقين المتقين الأخيار من عباده.
تفسير قوله تعالى: (له ما في السموات وما في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (له ما في السموات وما في الأرض) قال تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [طه:6]. الله جل جلاله الذي وصف ذاته العلية بأنه على العرش استوى ذكر أن له السموات السبع والأرضين السبع، وما بين السموات والأرضين، وما بين كل سماء وسماء، وما بين كل أرض وأرض، {وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [طه:6]. يقول صلى الله عليه وسلم عن السموات: (ما بين كل سماء وسماء خمسمائة عام) ولم يحدد لنا هل هي من تقدير سنوات الأرض، أو مما قال الله عنه في كتابه: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:47]، أو كخمسين ألف سنة كما في مقدار العروج إليه، وبما أنه لم يفصل فإننا نمر ذلك كما ورد ونقول: الخمسمائة عام يحتمل أن تكون خمسمائة ألف عام، ويحتمل أن يكون اليوم بخمسين ألف سنة. وما بين سمك بداية السماء ونهايتها خمسمائة عام كذلك، والأرض التي نراها وما تحتها، وما نراه من المجرات والنجوم التي لا حصر لها هي ما بين السماء والأرض، فهي خلق الله، وتحت أمر الله وجلال الله. والثرى: التراب الندي، كالتراب الذي يصيبه طل وندى، وبهذا المعنى ورد في مسند أبي يعلى عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قفل من غزوة تبوك، وكان الوقت وقت حرارة شديدة، ففرق الناس وحداناً وجماعات، يقول جابر بن عبد الله: (كنت مع فرقة بين ثلاثة وأربعة، وإذا برجل يمر علينا ويقول: أفيكم محمد؟ قال: فيذهب رفاقي وأبقى أنا واقفاً، وأقول له: هو ذاك محمد الراكب الجمل الأحمر، فوقف ينتظر، فجاء صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، وهو على جمله الأحمر، مقنع بثوبه من حرارة الشمس، فتقدم هذا الرجل السائل عنه وقال له: أأنت محمد؟ قال: نعم. أنا محمد، وما تريد؟ قال: أريد أن أسألك أسئلة تجيبني عنها؟ قال: سل عما بدا لك. فأخذ يسأل: أينام الأنبياء؟ قال: تنام عيونهم ولا تنام قلوبهم. قال: مم يكون الشبه في الأولاد بين الآباء والأمهات؟ قال: للرجل ماء أبيض غليظ، وللمرأة ماء رقيق أصفر، متى امتزج الماءان وغلب أحدهما على الآخر كان الشبه. قال: ما للولد من الأب وما له من الأم؟ قال: له من الأب العظام والعصب والعروق، وله من الأم اللحم والدم والشعور. ثم قال له: ما هذه الأرض وما الذي تحتها؟ قال: خلق من خلق الله. قال: وماذا تحتهم؟ قال: أرض. قال: وما تحت الأرض؟ قال: الظلمة. قال: وما تحت الظلمة؟ قال: ماء. قال: وما تحت الماء؟ قال: الثرى. قال: وما تحت الثرى؟ ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم دمعاً وقال: هنا انقطعت علوم الخلائق إلى علم الخالق، وما المسئول أعلم من السائل، وإذا به لم ير، فقال للحاضرين صلى الله عليه وسلم: ذلك جبريل). هذا الحديث استغربه ابن كثير، واستغربه يحيى بن معين وقالا: إن فيه علة لأنه من رواية القاسم بن عبد الرحمن وقد تفرد به، ولا يحتمل تفرده بمثل هذه الأحاديث؛ ولكنه على أي حال أقرب لتفسير الثرى المذكور في الآية، ومجموع الآثار الواردة في ذلك من أحاديث وإسرائيليات فيها ما يشبه هذا المعنى، وأن بعد الثرى ثور، وبعد الثور نوناً، والنون كذا كذا في عظمه. أما هذا الحديث فمتصل السند معروف الرجال، وكون القاسم لم يحتمل لكنه يستأنس به في تفسير الثرى من الآية، ولا يغير لنا حكماً، ولا يغير لنا قاعدة في علم التوحيد وتفسير كتاب الله.
تفسير قوله تعالى: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى)
تفسير قوله تعالى: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) قال تعالى: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه:7]. أي: يا أيها الإنسان قد علم الله بحالك، وعلم بقولك، سواء جهرت به وأعلنته أم أسررته، أم كان أخفى من السر، فهو في علمه سواء. والسر: هو ما أسررت في نفسك، ولم ينطق به لسانك. وأخفى منه ما سيكون غداً أو بعد غد مما لا يعلمه إلا الله ولم تحدث به نفسك بعد، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غداً. ولما كان الأمر كذلك فأنت لم تتحدث بعد بما غاب عنك، وبما لا يعلمه إلا الله.
تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى)
تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى) قال تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه:8]. القرآن كله مبني على هذه الكلمة العظيمة كلمة التوحيد فهذه الكلمة الجليلة قامت عليها السموات والأرضون وما بينهن، وهذه الكلمة هي التي أرسل الله من أجلها رسله وأنبياءه؛ ليعلموا خلقه أن لا إله إلا هو ولا خالق غيره، ولا رازق سواه، ولا مدبر للخلق إلا هو جل جلاله، وهذا أكد في القرآن في غير ما سورة، والشيء إذا تكرر تقرر حتى يصبح ضبطاً ملزماً، وقضاءً مبرماً. وإلى كلمة (لا إله إلا الله) دعت الأنبياء منذ آدم أبي البشر إلى خاتمهم نبينا صلى الله عليه وسلم، وما اختلفوا في هذا، وإنما تختلف الشرائع والأحكام وأنواع العبادات، قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48]. وقال صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء أبناء علات، أبونا واحد وأمهاتنا شتى) والعلات هن الضرائر، بمعنى: أن شريعة الله لنا في الدعوة إليه، ولوحدانيته ولعبادته وحده لم نختلف فيها، ولكن شرائعنا وطرقنا متعددة، وكلها موصلة إلى الله. وقوله: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [طه:8]: أي: الله جل جلاله الذي انفرد بهذا الاسم العلي علماً على ذاته العلية، لا إله غيره، ولا رب سواه، انفرد بالخلق وبالرزق وبالتدبير، لا ثاني له في صفة ولا ذات ولا أفعال، فالكل لله ومن الله جل جلاله، فلم يحتج إلى معين، ولا مساعد، ولا شريك، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً. قوله تعالى: {لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه:8]. أي: أن الله واحد، والأسماء التي ندعوه بها، ونضرع إليه بها، ونتعبده بها كثيرة وقد ذكر بعضها في كتابه، وكلها حسنى، والحسنى مؤنث الأحسن، وقد مضت هذه الآية مفسرة في السور الماضية، ونعيد ملخص ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة). وكلها أسماء حسنى، وقد أمرنا أن ندعوه بها؛ ليستجيب لنا ربنا جل جلاله قال تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف:180].
طه [9 - 14]
تفسير سورة طه [9 - 14] كان أول أمر موسى حين بدأه الوحي أنه لما عاد من مدين ومعه أهله قد رأى في الطريق ناراً، وذلك في طور سيناء، فأراد أن يقتبس من النار ما يستدفئ به، وإذا بربه يناديه ويصطفيه بالرسالة.
تفسير قوله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى)
تفسير قوله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى)
معنى قوله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى)
معنى قوله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى) قال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} [طه:9]. هنا كان المدخل لقصة موسى وكيف بدأه الوحي، وكيف اختاره الله لكلامه حتى صار كليم الله، أي: كلمه الله جل جلاله، فقال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} [طه:9]. هل: استفهام تقريري، أي: وقد علمت ذلك وتقرر عندك، وتأكد علمه لك، وعلى ذلك فموسى فيما علمت وأوحي إليك نبي صادق، ومن أولي العزم الخمسة من بين الرسل، وهذه قصة بدء نبوءته وبدء الوحي له. فقوله: {حَدِيثُ مُوسَى} [طه:9]: أي: قصة موسى وما حدث بينه وبين ربه.
قصة بدء الوحي لسيدنا موسى عليه السلام
قصة بدء الوحي لسيدنا موسى عليه السلام قال تعالى: {إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} [طه:10]: وبيان ذلك: أن موسى بعد أن قتل الذي قتل من قوم فرعون نصرة لبعض قومه من بني إسرائيل، جاء بعض قومه في مصر فحذره قائلاً: {إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص:20] أي: كانوا يريدون قتله والثأر منه، فخرج موسى من مصر خائفاً يترقب الجواسيس الذين يتبعونه، ولما وصل ماء مدين وجد قوماً يستقون من بئر في ازدحام كبير، ووجد بعيداً من السقي امرأتين تدفعان غنمهما، {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص:23]. أي: نحن ضعيفات لا نحتمل الزحام، ولا يليق بنا ونحن نساء أن نزاحم الرجال، بل ننتظر إلى أن يذهب هؤلاء الأقوام الأقوياء فنسقي. وكان موسى قوياً شديد الشكيمة شاباً كامل الرجولة، فسقى لهما، وأوى إلى الظل، فجاءتا أباهما قبل وقتهما المعروف بزمن، فتساءل: ماذا حدث؟ فأخبرت بقصة الرجل الذي سقى لهما، وأنه قوي أمين؛ لأنه جاء إلى الصخرة التي يحملها عشرة من الناس وحملها بمفرده. وأما أمانته فإنه لما كان ذاهباً إلى شعيب كانت البنت أمامه تدله على الطريق، وكانت الريح تتلاعب بثوبها، وتحدد بدنها، فقال: تأخري، ودليني على الطريق برمي حصاة، فتلك أمانته. فلما أوى إلى الظل قال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص:24]. وكان جائعاً متعباً خائفاً، فلما وصل إلى شعيب قال له: بلغت الأمان فلا خوف عليك، فإنه لا حكم لفرعون في هذه الأرض، ودعا له بالطعام وبالشراب، ثم عرض عليه أن ينكحه إحدى ابنتيه على أن يأجره ثماني حجج، أي: ثمان سنوات، ثم طمع فيه وقال: وإن أتممتها عشراً فمن عندك. وسئل صلى الله عليه وسلم: (ما الذي فعل موسى مع شعيب؟ قال: فعل معه الأكرم والأوفى) أي: خدمه عشر سنين. ولما تمت العشر أخذ زوجته، وكان لا يخرج بها إلا في الليل؛ لشدة غيرته كي لا يراها أحد، وكانت حاملاً في شهرها التاسع، وكان البرد شديداً، وكان هذا عند طور سيناء، وتلك البلاد شديدة البرد كثيرة الثلج، فأخذها وقد ابتعد عن الطريق حتى لا تقع عليها عين، وإذا به يشعر أنه قد ضل الطريق، وهو يريد أن يعود لمصر ليزور أمه وأخته اللتين ابتعد عنهما عشر سنوات كاملة، وبينما هو في هذه الحيرة إذا به يبصر من بعيد ناراً في الجانب الأيمن من جبل الطور.
معنى قوله تعالى: (إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا)
معنى قوله تعالى: (إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا) قال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا} [طه:9 - 10] كانت معه زوجته فقال لها: أقيمي وانتظريني، {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا} [طه:10] أي: أبصرت ناراً، وهو يريد ناراً ليصطلي ويدفأ بها مع زوجته. {لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ} [طه:10] والقبس من النار جذوة كما عبر عنها في آية أخرى، وهي قطعة من جمر تؤخذ فتشعل لإيقاد نار أخرى، وأخذ ورقاً من الأرض يابسة يريد أن يشعلها، وعندما أتاها رأى عجباً؛ رأى شجرة سمر خضراء شديدة الخضرة والنار محيطة بها، وكانت النار على غاية ما يكون من الصفاء، كاللون الأبيض، فرأى أنه لا الشجرة احترقت، ولا النار تأثرت بماء الشجرة وخضرتها، وإذا به يدرك بعد ذلك أن هذه النار نور وليست ناراً، فهي نور الله جل جلاله الذي تجلى للجبل فجعله دكاً وخر موسى صعقاً، والذي كلم الله منه كليمه موسى صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا. وبهذا قال جمع من الصحابة والتابعين، أي: أنها نور وليست بنار، وإنما كانت ناراً في ظن موسى، ولكن الحسن البصري كان يقسم ما هي بالنور، وإنما هي نار، ومن حجب الله التي احتجب بها النار، ولو كشف عنها لأحرقت سبحات وجهه من انتهى إليه البصر من خلقه. وقد قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: (هل رأيت ربك عندما أسري بك إليه؟ قال: نور أنى أراه). قوله: {لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} [طه:10]. ففهمنا من (قبس): أنه كان في برد شديد، والوقت وقت برد شديد، فذهب ليصطلي ويأتي بجذوة من نار وقبس منها.
معنى قوله تعالى: (أو أجد على النار هدى)
معنى قوله تعالى: (أو أجد على النار هدى) قوله: {أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} [طه:10] أي: أنه ضال ضائع قد تاه عن الطريق فرجا أن يجد إنساناً هناك يهديه للطريق الذي يوصله إلى مصر، وقد كانت ولا تزال صحاري تتيه فيها القطا لا يعلم أولها من آخرها، وقد تاه قوم موسى فيها أربعين عاماً، لا يصل موسى للقدس، ولا يصل قومه في حياته للقدس، يقرب إلى مدينة أريحا على أميال منها، فيموت في أريحا ولا يدخلها، وقد قال عليه الصلاة والسلام في قصة الإسراء: (لقد رأيت موسى يصلي على الكثيب الأحمر عند أريحا، ولو كنت هناك لأريتكم مكانه). والذي وصل بعد أخوه هارون فقد عاش بعده، ثم خليفته على قومه يوشع بن نون. قوله: {أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} [طه:10] أي: من يهديني.
تفسير قوله تعالى: (فلما أتاها نودي يا موسى)
تفسير قوله تعالى: (فلما أتاها نودي يا موسى) قال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى} [طه:11]. أي: لما وصل إلى هذه النار، ورأى ما رأى كما ذكرنا، وإذا به يسمع اسمه ينادى به: يا موسى، يا موسى! فقال: من يناديني فإني أسمع الصوت ولا أرى المنادي؟ فقال: أنا فوقك، وأنا معك، وأنا أمامك، وأنا من خلفك، وأنا بين يديك! فقال: ذاك الله، ولا يليق هذا الوصف إلا به. وإذا بالله يقول له: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه:12]. وعندما سمع النداء كان كله آذاناً صاغية منتبهاً لمن يناديه، وما الذي يراد منه، فقول الله جل جلاله: {أَنَا رَبُّكَ} [طه:12] أي: المنادي هو الله ربك، {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه:12]. وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سبب أمره من الله بخلع نعليه أن نعليه كانتا من جلد حمار ميت لم يذكَّ. وقيل: لقدسية المكان وطهارته، ولذلك وصف الله المكان بعد ذلك: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه:12]. وذكر هذا بعد قوله: (اخلع نعليك) يدل على أن خلع النعلين لم يكن لأن النعلين لم تذكيا، ولا لأنهما من جلد حمار، ولكن لطهارة المكان، كما إذا دخلنا إلى جوف الكعبة يجب أن نخلع النعال. قوله: {طُوًى} [طه:12] هو اسم الوادي، قرئ: (طوىً) بالتنوين (وطوى) بلا تنوين على أنه ممنوع من الصرف؛ لأنه معدول عن (طاو)، كعمر عن عامر وزفر عن زافر.
تفسير قوله تعالى: (وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى)
تفسير قوله تعالى: (وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى) قال تعالى: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [طه:13]. أي: أنا اصطفيتك لرسالاتي واخترتك لنبوءتي على من في عصرك ومن في زمانك، فأنت مختارهم، وأنت مصطفاهم، ولا يلزم أن يكون ذلك دائماً، فنبينا أفضل منه، وهو المصطفى والمختار، وقد قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر). قوله: {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [طه:13]: أي: لما سأوحيه إليك، وأكلمك وأخاطبك به. قال تعالى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه:14]. فكان أول ما قال له من الوحي: إنه الله الواحد لا إله إلا هو. قوله: (فاعبدني) أي: أفردني بالعبادة ووحدني، فلا ثاني معي، ولا شريك لي، وما زعمه من زعم من أعداء الله السابقين واللاحقين كلها أكاذيب، وكلها أضاليل ما أنزل الله بها من سلطان. قوله: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه:14]. أقم الصلاة: أي: استعد لها، وجهز نفسك وأعضاءك وحواسك لذكري؛ لتكون بذلك ذاكراً لي وحدي، عابداً لي وحدي، متفرغاً لعبادتي وحدي، ولا يليق بالله الواحد أن يشرك به في شيء، لا في ذات ولا صفة ولا فعل، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال عمن نسي صلاة كما في مسند أحمد والصحيحين: (من نسي صلاة فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها). فقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه:14] أي: إذا نسيت وقتها وغفلت عنها فصلها عندما تذكرها، وذلك وقتها، وقد رفع القلم عن الناسي حتى يذكر.
طه [15 - 22]
تفسير سورة طه [15 - 22] يهيئ الله رسوله موسى عليه السلام للرسالة، فيخبره بأن الساعة آتية، ثم يحادثه في شأن العصا التي في يده ويأمره بإلقائها فتصير حية تلتهم كل ما تجده ثم يأخذها فإذا هي عصا، ويأمره بضم يده إلى جناحه لتخرج بيضاء من غير سوء، فهاتان معجزتان يرسل بهما موسى.
تفسير قوله تعالى: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها)
تفسير قوله تعالى: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها) قال تعالى: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [طه:15]. لا نزال مع ربنا جل جلاله وهو يكلم موسى عند جانب الطور الأيمن، ووصلنا إلى قوله: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه:15] فنقول: مما أتى به الأنبياء جميعاً ولم يختلفوا فيه، بل كان دينهم في ذلك واحداً: عبوديتهم لله وحده ووحدانيته وألوهيته والصلاة، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ولاشك. وقوله: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه:15]. أكاد: من أفعال المقاربة، أي: يكاد يخفيها جل جلاله حتى لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وهكذا حدث؛ (ثقلت في السموات والأرض لا يعلمها إلا هو) وكان هذا ما أنزل إلى موسى وما أنزل إلى من قبله، وهو كذلك ما حدث مع نبينا عليه الصلاة والسلام عندما جاءه جبريل في صورة رجل فسأله: (متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: لست أعلمها كما أنك لا تعلمها، ولا جديد عندي عليها كما لا جديد لك عنها إلا معرفة أماراتها. يقول هنا جل جلاله في مكالمته لموسى: {إَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ} [طه:15] أي: مقبلة لاشك فيها ولا ريب. {أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه:15]. أي: تكاد أن تخفى على القريب والبعيد، ولا يعرفها أحد قبل ولا بعد. وقرأ سعيد بن جبير: (أكاد أَخْفيها) أي: أظهرها، أي: آن أوانها وقرب زمانها بالنسبة لما مضى قبل، وقد جاء نبينا عليه الصلاة والسلام وكان من علامات الساعة فقال: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، فكان أقرب إلى الساعة وقيامها من السبابة إلى الوسطى، ولكن ما بقي من السنين لا يعلمه إلا الله، وسيبقى ذلك غيباً على كل الخلق. {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [طه:15]. فالله جل جلاله قضى بقيام الساعة وبالبعث بعد الموت؛ لتجزى كل نفس بما صنعت، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فيوم القيامة هو يوم الحكومة الكبرى والعرض على الله لأجل الحساب على كل ما صنعت يد الإنسان من خير أو شر، وذلك هو يوم العدل الأكبر، يوم معرفة الحق الأكبر، يوم مجازاة كل إنسان على عمله، إن خيراً فله الجنة، وإن شراً فله النار.
تفسير قوله تعالى: (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها)
تفسير قوله تعالى: (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها) ثم قال تعالى: {فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} [طه:16]. الخطاب للنبي موسى عليه السلام وهو خطاب للمؤمنين من أشياعه وأنصاره. قوله: {فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا} [طه:16]. أي: فإياك يا هذا المؤمن أن يصدك عنها صاد، وأن يردعك عنها رادع، أو يبعدك عنها مبعد كي لا تؤمن بوقوعها، ولا بإتيانها، بل آمن بها وبمجيئها، وإياك أن تفعل كما يفعل الكفرة الجاحدون. وقوله: {مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا} [طه:16]: أي: من لا يؤمن بيوم القيامة، ولا يؤمن بالبعث بعد الموت. {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} [طه:16]. أي: اتبع أهواءه، واتبع وساوسه، واتبع فساده، فلم يؤمن بالأنبياء ولا بالكتب المنزلة عليهم، فصدوا عن الحق، وابتعدوا عنه، فإن أنت فعلت ترد فتهلك وتخسر وتكون من أصحاب النار.
تفسير قوله تعالى: (وما تلك بيمينك يا موسى)
تفسير قوله تعالى: (وما تلك بيمينك يا موسى) قال تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه:17]. المكالمة بين الله وبين عبده ورسوله موسى كانت طويلة، وفيها ذكر الأحكام والتوحيد والعبادة والحض على الطاعة وغيرها من علم يوم القيامة وأنه آت لا محالة، وفيها هذه الفقرة: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه:17]. وهي مؤانسة من الله لنبيه موسى، ثم هي من المعجزات التي سيبعث بها إلى فرعون وهامان وقارون وبني إسرائيل، فابتدأ يسأله ويستفهمه استفهاماً تقريرياً: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه:17]. أي: ما التي تحمل يدك اليمنى؟ وكان يعلم أن موسى يعلم أنه يحمل عصا، ولكنه يريد منه أن يتأكد بأن هذه عصاً وبأنها جماد لا يتحرك، ولكنها بتلك الحالة ستنقلب إلى حية تسعى معجزة كبرى له مع فرعون، ولذا قال: {قَالَ هِيَ عَصَايَ} [طه:18]. والله يريد منه أن يقر بأنها عصاً وأنها ليست حية، وبأنها ليست شيئاً زائداً عن كونها جماداً لا يتحرك ولا روح فيه، ليعلم موسى أنها معجزته، وأنها الخارقة للعادة، وأنه بها سيرسل إلى فرعون.
تفسير قوله تعالى: (قال هي عصاي أتوكأ عليها)
تفسير قوله تعالى: (قال هي عصاي أتوكأ عليها) قال تعالى: {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه:18]. كان Q ما هي هذه؟ وكان يكفي أن يقول: هي عصاي. أي: هي عصا أملكها وليست عارية، ولكن موسى كان حريصاً على إطالة مكالمة ربه والبسط معه فلم يكتف بقوله: إنها عصاً، بل أخذ يقص على ربه جل جلاله فوائدها وما يصنع بها فقال: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه:18]. ومن هنا نعلم أن المسئول إذا أجاب أحياناً عن أكثر مما سئل عنه سواء كان تلميذاً، أو معلماً متبوعاً، وأن ذلك إن كان لحكمة ولسبب وعلة، فلا مانع منه. قوله: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [طه:18]. الاتكاء: الاعتماد، بمعنى: أنه يعتمد عليها في سفره، وفي سيره، وفي أعماله، ويتخذها رجلاً ثالثة يستعين بها على السير، ويستعين بها على الإسراع، ويستعين بها على الحركة. {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} [طه:18]. ومن المعلوم أن موسى آجره شعيب على مصاهرته بأن يرعى له شياهاً ثمان سنوات، وإن أتم عشراً فبفضل منه، فكان يهش بها على الغنم، والهش على الغنم أن يأتي إلى الأشجار عندما تيبس أوراقها فيضرب الغصن ضرباً خفيفاً لتتحات تلك الأوراق وتسقط للغنم فترعاها في وقت القحط والجدب. وهذه العصا كانت ذات لسانين وكان لها تعكيف يعتمد عليها، وكانت تصلح له حيث قال بعد ذلك: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه:18]. مآرب: جمع مأرب، أي: أشغال وأعمال أخرى، ومنها: أنه يحملها على عاتقه، ويضع القفة عند تعكيفها ولسانيها كما يفعل الناس ذلك عادة، ويضربها في الأرض ويضرب عليها خيمة من هنا ومن هنا، فيستظل بها من حر الشمس ووهجها، ويستعين بها على الدفاع والكفاح إن خرج له عدو إنسي أو حيواني، فيضربه بها، فينتصر بها عليه. والمآرب لا تقف ولا تنتهي، وهناك روايات إسرائيلية أنها كانت تضيء، وكانت تكلمه، وكانت وكانت، وهذه أشياء لم يأت وقتها بعد، وموسى لم يرسل بعد، ولم ير معجزة بعد، ولو كان معتاداً ذلك من عصاه لما خاف منها عندما انقلبت حية، ولما ولى هارباً.
تفسير قوله تعالى: (قال ألقها يا موسى)
تفسير قوله تعالى: (قال ألقها يا موسى) قال تعالى: {قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى} [طه:19]. قال الله له ذلك ليريه المعجزة، وليريه هذه العصا وما يمكن أن تصنع. {فَأَلْقَاهَا} [طه:20]. يظهر هنا أنها كانت في يده، {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه:20] أي: ما كاد يلقيها حتى انقلبت حية ساعية، تلتقم الحجارة وتلتقم ما تجده في طريقها، وفي بعض الآيات أنها انقلبت ثعباناً، والثعبان أعظم ما يكون، فهي ابتدأت صغيرة وتمت كبيرة، وإذا بموسى يخاف ويفر، فناداه ربه: {قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى} [طه:21]. أي: خذها يا موسى من غير خوف، وستعود عصاً كما كانت، وهكذا مد يده عليها وهي ثعبان يكاد يفترس كل ما يجد في طريقه، فما كاد يضع يده على خياشيمه حتى عاد المعقف الذي كان يعتمد عليه كما هو عصاً، فالله يصنع ما يشاء، وهو القادر على كل شيء. وسيرتها الأولى كونها كانت عصاً، فانقلبت حية، فعادت عصاً. ثم قال تعالى: {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى} [طه:22]. وجناحا الإنسان ما تحت إبطه إلى جانبه الأيمن كله وإلى الجانب الأيسر، فالجناحان هما الجانبان، أي: مكان الجناحين من الطائر. (واضمم يدك) أي: مد يدك إلى جناحك، وقال في آية أخرى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} [النمل:12] أي: في شق ثوبك من الجناح إلى الجانب. فوضع يده وسحبها وإذا هي كالشمس في رابعة النهار ضياءً ونوراً تأخذ بالأبصار، وقد قال الله له: {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [طه:22] أي: من غير برص ولا مرض، ولكنها معجزة من المعجزات. فخرجت كأنها الكوكب الدري يضيء في الظلام الحالك، وينير في الظلمات من غير سوء ولا مرض ولا عيب. قوله: {آيَةً أُخْرَى} [طه:22]. أي: معجزة وعلامة أخرى على صدقك مع فرعون، وكانت العلامة الأولى هي العصا التي تنقلب حية، وكانت العلامة الثانية والآية الثانية يده نفسها عندما يضمها إلى جانبه وإلى جناحه فتخرج بيضاء من غير سوء ولا علة، ولا مرض ولا عيب.
طه [23 - 36]
تفسير سورة طه [23 - 36] يأمر الله عبده موسى عليه السلام أن يذهب إلى فرعون لينذره، فطلب موسى من ربه أن يشرح صدره وييسر أمره، وأن يحلل عقدة من لسانه، ويرسل معه أخاه هارون ليؤازره.
تفسير قوله تعالى: (لنريك من آياتنا الكبرى)
تفسير قوله تعالى: (لنريك من آياتنا الكبرى) قال تعالى: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى} [طه:23]. أي: فعلنا هذا بك يا موسى لنرسلك إلى خلق من خلقنا، عتوا عن أمرنا، وادعوا ما ليس لهم، فادعوا أنهم الآلهة الأرباب، وقال فرعون لقومه وقد استخف بهم: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، وقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38]. فاستعبدهم واستذلهم وقتل شبابهم، واستحيا نساءهم، وأخذ يقول عن موسى وقومه: إننا فوقهم قاهرون، فأخذ يدعي لنفسه الذليلة الضعيفة الزائفة من القهر والقوة ما ليس لها. فقوله تعالى: {لِنُرِيَكَ} [طه:23] أي: لنعلمك ولنطلعك، {مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى} [طه:23] أي: من علامات صدقك، ومعجزات رسالتك الكبرى مما لا يقدر عليه إلا الله، ولا يأتي به أحد إلا وكان العلامة البينة على صدق من جاء به وأنه رسول من الله حقاً وصدقاً.
تفسير قوله تعالى: (اذهب إلى فرعون إنه طغى)
تفسير قوله تعالى: (اذهب إلى فرعون إنه طغى) قال تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [طه:24]: النتيجة كانت بعد الكلام، وبعد إظهار المعجزتين: معجزة العصا، ومعجزة اليد، فأمره بالرسالة بعد ذلك وأعده لها، فقال له: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [طه:24]. أي: اذهب إلى فرعون الذي طغى طغياناً، وتجبر جبروتاً، وظلم ظلماً، ونشر الفساد في الأرض، واستباح الأعراض، وسفك الدماء، واستقل بالأرزاق، وأذل الكرامات، هذا الذي حاول أن يشارك ربه في الأرض والسماء، اذهب إليه فأنت رسول الله، فادعه إلى الله ومره أن يعبد الله وحده، وأن يتوب عما صدر منه. ولم يكتف بذلك جل جلاله، بل استجاب له بتزكيته وتأييده بأخيه هارون، قال: {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:44]. فمع طغيان هذا الكافر، أمرهما أن يخاطباه بلين، ويخاطباه بيسر، فلا يغضبانه ولا يزعجانه؛ لعله يعود إلى الله، فليس القصد من الرسالة أن يذل ويخزى، فذاك ليس عمل الرسالة ولكنه عمل المرسل جل جلاله. وأرسل له رسولين كريمين عظيمين حتى لا تكون لفرعون حجة على الله، ويقول: لم أدر ولم أسمع ولم أعلم، أدركت آبائي يدعون الألوهية فادعيتها كادعائهم. قال تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [طه:24]. وإذا بموسى يرى المهمة صعبة والعمل شاقاً، ويرى أنه أعجز من أن يقوم به؛ لأنه نشأ في دار فرعون كولد من أولاده، وعلى فراشه ترعرع، وبطعامه تغذى، وفي صغره وهو لا يزال رضيعاً جر لحيته إليه فأذله الله بذلك، فغضب فرعون وكاد أن يقتله. ثم هو بعد ذلك قتل قبطياً من الأقباط انتصاراً لرجل من الإسرائيليين، وكان الأمر سراً ثم عرف وأعلن، وأرسل فرعون إلى موسى من يأتيه برأسه ويذبحه، ففر هارباً إلى أرض مدين فتعرف على ابنتي شعيب، وقد سقى لهما من البئر، فدعاه شعيب فأنكحه إحدى ابنتيه أجرة على رعاية الغنم عشر سنين، وفي هذه المدة الطويلة لم يأت مصر، لا لصلة رحمه بأمه، ولا لصلة رحمه بأخته. وعندما كان رضيعاً في بيت فرعون أصيب بعاهة دائمة، فعندما لعب بلحية فرعون غضب وكاد أن يذبحه، وقال: هذا من أعدائي أبناء بني إسرائيل، فأخذت زوجته تقول له: هو طفل صغير لا يفقه، وإن أردت اختباره فأعطه جمرة وتمرة، فإن أخذ التمرة فاقتله، وإن أخذ الجمرة فاتركه! فأخذ الجمرة ووضعها على لسانه فأحرقت لسانه فعقدته، فأصبح ألكن في الحديث يقول الكلمة ولا يتمها، فهو يقول: كيف أستطيع أن أفعل هذا ولساني لا يبين، ولفرعون معي حساب، فهو يريد أن يقتلني بالقبطي الذي قتلته، ولذلك طلب من ربه أن يعينه ويؤازره فقال: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي} [طه:25 - 26]. فكان موسى ضيق الصدر من هذا الطلب؛ لأنه خاف عواقبه، وخاف أن يعجز عن تبليغ هذه الرسالة إلى الطاغية الجبار فرعون، فطلب شرح الصدر؛ لتنشرح أعضاؤه وحواسه، ويشتغل بنفس قابلة راضية.
تفسير قوله تعالى: (قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري)
تفسير قوله تعالى: (قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري) قال تعالى: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي} [طه:25 - 26]. أي: يسر لي الأمور الصعبة، بحيث لا ينتقم مني فرعون، لا بقتلي للفرعوني الذي قتلته، ولا بما كنت صنعت به وأنا طفل عن غير قصد، ولا بالفرار الذي فررت منه عشر سنوات كاملة، وبأن تغفر لي أمي وقد غبت عنها وعن أختي عشر سنين، وأنا لا أعلم من مرض أو مات منهما. قوله: {وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي} [طه:26]. (أمر) مفرد ويراد به الجنس، أي: اجعل جميع أموري ميسرة منذ أن أبتدئ تنفيذ الرسالة وتبليغها لمن أمرتني، فيسر لي أموري ولا تصعبها علي يا رب، واشرح لي صدري. قال تعالى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه:27 - 28]. أي: احلل هذه العقدة التي في اللسان حتى أبلغ عنك ما يفهمني به فرعون وقومه، وما يفهمني به بنو إسرائيل، فأبلغ ما أمرت به أحسن بلاغ وأحسن بيان، وأحسن شرح وتفصيل. والمعنى: أفصح لساني وأزل اللكنة التي فيه مما كنت قد أصبت به عند وضع الجمرة في لساني. {يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه:28]. أي: يدركوا ما أريد من المعاني، وموسى كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يطلب أن تزول العقدة كلها، ولم يطلب الفصاحة كلها، وإنما طلب ما يستطيع أن يؤدي به عن ربه، وما عدا ذلك ففضل. وقيل عن ابن وهب: إنه كان عالماً بالحديث والتفسير وكان يلحن، فعيره بذلك أحد زملائه، فقال: أتفهمني؟ قال: نعم. قال: وأفهمك عندما تسألني؟ قال: نعم. قال: كذلك كان موسى ولم تمنعه لكنة لسانه من أن يكون رسولاً، بل كان رسولاً عظيماً، ومن الخمسة أولي العزم، وهو عندما طلب زوال العقدة لم يطلب الفصاحة كلها، ولا البيان كله، كفصاحة نبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما طلب ما يستطيع به أن يبين، وكان فرعون يذمه بذلك وينتقصه ويقول لقومه: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف:52]. أي: هذا الذي ادعى النبوءة وجاء يطلب أن أكون خلفه ووراءه، وهو مهين فلا يلبس الدمقس ولا الحرير، ولا هو مثلي في طوله وعرضه، ولا في قصوره وخدمه وحشمه، فعده بذلك مهيناً، وحاشا النبوءة من ذلك. {وَلا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف:52] أي: له لكنة وعقدة في لسانه، فإذا أراد البيان في القول لا يكاد يستطيع ذلك إلا بمشقة، وهو ما طلبه موسى من ربه فقال: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه:27 - 28].
تفسير قوله تعالى: (واجعل لي وزيرا من أهلي)
تفسير قوله تعالى: (واجعل لي وزيراً من أهلي) قال تعالى: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي} [طه:29]. وطلب من الله جل جلاله وهو لا يزال يخاطبه ويكلمه فقال: اجعل لي وزيراً من أهلي؛ لأن الأهل عندما يصدقون الحب، وعندما يصدقون الأخوة، تكون أخوتهم مفيدة، ولا يعدل عنها، وإن انتقلت إليهم العداوة تكون أشد من عداوة الأباعد. فطلب أن يكون المعين والوزير والمساعد والمؤيد من أهله يعينه على البلاغ لفرعون. ثم بادر فصرح به فقال: {هَارُونَ أَخِي} [طه:30]. هذا بدل من الكلمة السابقة، أي: واجعل هارون أخي وزيراً، فهارون أخي بدل من الوزير، ولذلك أعطي حكمه في النصب والمفعولية. وكان هارون أسن وأفصح وأجمل من أخيه موسى، كان إذا تكلم أفصح، وإذا رئي مقبلاً بهر، وإذا كان في المجلس يكون المنظور إليه دون الحاضرين جميعاً. تقول السيدة عائشة رضوان الله عليها: سمعت مرة بدوية تكلم بدوياً، فتقول له: ما رأيت أخاً لأخ أحسن عائدة وأحسن سعياً وأحسن إخلاصاً وسكتت، فانتظرت عائشة تسمع وقالت: من هذه المتألية على الله، كيف تجزم بأن يوجد أخ أحسن لأخيه من كل الخلق؟ وإذا بها تقول: ما رأيت كأخوة موسى لأخيه هارون! عند ذاك قالت عائشة: صدقت! ذاك الحق، وذاك الصواب، قد سعى لأخيه فلم يطلب له ملكاً، فالملك دون ذلك، ولم يطلب له مالاً، فالمال أحقر من ذلك، ولم يطلب له نساءً فالدنيا مليئة بالنساء، ولكنه طلب له النبوءة، لا أن يكون تابعاً وخليفة كالخلفاء الراشدين مع نبينا عليه الصلاة والسلام، بل أن يكون نبياً من الله في رتبته. وهكذا عندما عين صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وهو ذاهب إلى غزوة تبوك على إمارة المدينة ليخلفه في الناس والحكم والأهل والعيال قال المنافقون: خلفه مع النساء والأطفال استغناءً عنه. وكان علي لم يترك غزوة ولم يترك معركة حضرها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وكان من الأولين الذين حضروها فأبلوا فيها البلاء الحسن، وأتى الله بالنصر المبين على يده، فرجع للنبي صلى الله عليه وسلم يقول له ذلك، وكأنه يستقيله من إمارة المدينة، فقال له عليه الصلاة والسلام: (أما ترضى أن تكون مني كهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). أي: ألا ترضى أن تكون وزيري ومساعدي وخليفة بعدي مقيماً لهذا الإسلام بسيفك وقلمك كما كان هارون مع موسى، إلا أن هارون قد كان نبياً مع موسى وأنا لا نبي بعدي. قوله: {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} [طه:31]. أي: اشدد به ظهري وقوني به، وانصرني بإخلاصه وفصاحته ووجاهته وإيمانه ورسالته، والشد: التقوية والتأزير، والأصل: فقرات الظهر، ويطلق على القوة، أي: قوني به واشدد به ظهري حتى أكون مطمئناً من ورائي عن أن أغدر أو يهجم علي سواء الهجوم الحسي، أو المعنوي، أي: أن يؤتمر علي، وأن يسعى خلفي بالسوء وأنا لا أعلم. فقوله: {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه:32]. أي: ليست مجرد الوزارة، ولا المساعدة، ولا المؤازرة، ولكن أشركه معي واجعله نبياً كما أني نبي، واجعله رسولاً كما أني رسول، فاجعله شريكاً لي في الرسالة، {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} [طه:33 - 34].
تفسير قوله تعالى: (كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا)
تفسير قوله تعالى: (كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً) قال تعالى: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} [طه:33 - 34]. نسبحك أي: كي نصلي لك، ونعظمك ونمجدك وننزهك، ونعلي اسمك ونفخر به، ونبقى ذاكرين حامدين شاكرين عابدين، فأستعين به على عبادتك وذكرك وشكرك. قوله: {وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} [طه:34]. أي: في أوقات الصلاة وفي غير أوقات الصلاة، وفي غير أوقات العبادات الراتبة، فنذكرك على كل أحوالنا: نذكرك عند النوم، وعند الصحو، وفي الحضر وفي السفر، وبين الملأ وعلى خلوة، أي: كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام يذكر الله في جميع أحواله، وقد أشاد ربنا في كتابه بالذاكرين الذين يذكرونه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم وعلى كل الحالات، فلا يستغنون عن ذكر ربهم في حالة من الأحوال. وقوله: {إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا} [طه:35]. أي: إنك يا ربنا كنت بنا البصير العالم المدرك، فأنت عندما اخترتنا لنبوءتك أعلم بنا وبما يمكن أن نعمله، فأعنا وألهمنا الثناء عليك، وألهمنا دوام عبادتك، وأعنا على أن ننصر في الدعوة إليه.
تفسير قوله تعالى: (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى)
تفسير قوله تعالى: (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) قال الله جل جلاله: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} [طه:36]. أي: أجاب دعاءه فأزال العقدة التي على لسانه ليبين ويفصح، وأكرمه بنبوءة أخيه وألهمهما الشكر والذكر، وشد أزره وظهره بأخيه. فقوله: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ} [طه:36] أي: قد أعطاك ربك وأكرمك ووهب لك ما سألته، فاذهب أنت وهارون نبيين رسولين حبيبين قريبين إلى فرعون؛ لكن ذلك لم يفد فيه شيئاً وبقي على طغيانه.
طه [37 - 47]
تفسير سورة طه [37 - 47] يذكر الله تعالى مننه على عبده موسى عليه السلام إذ حفظه سبحانه منذ ولادته وقذفه في اليم إلى أن نجاه من فرعون بعد قتل القبطي، ثم بعودته رسولاً إلى فرعون وقومه.
تفسير قوله تعالى: (ولقد مننا عليك مرة أخرى)
تفسير قوله تعالى: (ولقد مننا عليك مرة أخرى) قال الله جل ذكره: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ} [طه:37 - 39]. يذكر الله جل جلاله مننه على نبيه ورسوله موسى عليه السلام، فكما أنه كلمه وشرفه واستجاب دعوته وحقق رغبته في جعل أخيه هارون نبياً معه ووزيراً، يقول الله له: ولقد فعلنا بك ذلك قبل أن تخرج لهذا الوجود، وقبل أن تلدك أمك، وبعدما ولدتك أمك وكنت رضيعاً، وعندما صرت غلاماً يافعاً، وعندما تركت مصر خائفاً، وعندما ذهبت إلى أرض مدين، فابتدأ الله بقوله: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى} [طه:37]. وهذه المرأة الأخرى كانت قبل سنين، وكانت هي الأصل من حيث العدد لا من حيث الترتيب الزمني. فقوله: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى} [طه:37 - 38]. كان المن والإكرام، وكان الحفاظ والرعاية والعناية وهو لا يزال في بطن أمه، ثم عند ولادته، وكيف كان ذلك؟ قيل لفرعون الطاغية: إن بني إسرائيل يعتقدون أن منقذاً سيولد لهم، وقد كانوا يظنونه يوسف، وإذا بهم ينتظرونه هذه الأيام ويقولون: سيكون هلاك ملكك وإزالة سلطانك على يده. فإذا بفرعون يقرر أن يقتل كل وليد يولد لبني إسرائيل منذ اليوم الأول، وإذا بقوم فرعون لا يقبلون ذلك منه، وردوه عليه وقالوا: إذاً يهلك بنو إسرائيل وهم عبيدنا وخدمنا، فمن يتولى خدمتنا بعد فنائهم؟ فاتفق معهم على أن يقتلهم عاماً ويتركهم عاماً، فولد قبل موسى هارون في العام الذي لا يقتل فيه الأطفال من بني إسرائيل، وإذا بموسى يولد في العام الذي يقتل فيه أطفال بني إسرائيل، فمنذ حملت أمه به واسمها مريم، وكانت من فضليات المؤمنات العابدات من بيت النبوءة من بني إسرائيل، فعندما حملته وتوقعته ولداً ركبها من الغم والهم ما الله به عليم. وإذا بالخوف الذي كانت تخافه أم موسى قد تحقق، فولدت ولداً، وكان الذباحون يتنقلون بين الأزقة والدروب لقتل كل من يبلغهم أنه ولد لبني إسرائيل. قوله: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى} [طه:38]. قال جمع من المفسرين: المعنى: إذ ألهمنا أم موسى ما ألهمناها، ووفقناها لما وفقناها. ولا حاجة لهذا التكلف، فنقول: أوحى الله لها وهي نبية وليست برسول، والعمل الذي عملته لا يكفي فيه الإلهام، فلو جاءنا إنسان وقال: سألقي هذا الولد في البحر، فلو مات الطفل لقتلناه به ولو ادعى أنه ألهم. إذاً الإلهام لا يصل إلى أن يهلك بسببه ويمات بسببه ويدمر بسببه، والذي منع الله منه أن تكون المرأة رسولاً، فإن الله جل جلاله لم يوح لامرأة أن تكون رسولاً إلى الناس، وأما النبوءة والوحي الذي لا رسالة فيه ولا تكليف معه فلا مانع يمنعه، وقال بذلك جمهور من علماء العقائد وعلماء الكلام وعلماء التفسير في شريعة الإسلام.
تفسير قوله تعالى: (أن اقذفيه في التابوت)
تفسير قوله تعالى: (أن اقذفيه في التابوت) قال تعالى: {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي} [طه:39]. أوحي إليها أن تأخذ طفلها ووليدها وأن تجعله في تابوت، وأن تغلق سداده وشقوقه بإحكام حتى لا يتسرب له الماء، وهو لا يطول بقاؤه في الماء. فأخذت الوليد وصنعت له تابوتاً وقذفته في بحر النيل، وما كادت تفعل حتى لم يبق لها فؤاد، وأصبح فؤادها فارغاً، حتى لقد كادت تبدي به وتظهر سرها من ولهها على وليدها، وأن تعلن أنها قتلت الوليد وقذفته في البحر، فألهمها الله الصبر، وأوحى إليها بأن تقذفه في التابوت وأن تقذف التابوت في اليم. قوله: {فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ} [طه:39]. هذا إخبار من الله أنه عندما أوحى إلى أم موسى أن تقذفه في التابوت وأن تقذف التابوت في البحر أنه سيقذفه بعد ذلك اليم في ساحل البحر، وكان قصر فرعون على ساحل بحر النيل، وإذا به على الشاطئ ومعه زوجه آسية بنت مزاحم وجوار من القصر، وإذا به يرى الماء آتياً بتابوت متجهاً إلى شاطئ قصره فأمر بفتحه، وإذا به يجد طفلاً جميلاً أحبه من أول نظرة إليه، وقد قال الله له: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} [طه:39]. قوله: {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ} [طه:39]. وكان العدو الذي أخذه هو فرعون، فهو عدو لله بكفره، وعدو لموسى بظلمه واعتدائه على قومه، قال تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي. } [طه:39]. لولا هذه المحبة لقتله فرعون عندما وصل إليه، لأنه يجد أنه من أطفال بني إسرائيل قذفوه لعله يقع في يد من يعتني به ويصونه عن القتل فيقتله، ولكن الحب الذي ألقي على موسى وهو لا يزال طفلاً كان سبباً في كف يد فرعون عن قتله وذبحه وإيذائه وظلمه وهو لا يزال طفلاً لا يستطيع الكفاح ولا الدفاع عن نفسه. {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه:39]. أي: ولتنشأ ولتكبر ولتربى ولتعيش طفلاً ورضيعاً وحابياً ويافعاً وشاباً وكهلاً وشيخاً على علم الله وعنايته ورعايته وحفظه، فكان من تمام رعاية الله أن ربي هذا الوليد وغذي في بيت عدوه الذي يخاف من قدومه، والذي أمر بذبح الأطفال بسببه، ولكن الله ساقه حيث سيحفظه عدوه بنفسه.
تفسير قوله تعالى: (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله)
تفسير قوله تعالى: (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله)
معنى قوله تعالى: (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله)
معنى قوله تعالى: (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله) قال تعالى: {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ} [طه:40]. وكيف كان ذلك؟ فموسى عندما تركه فرعون ولم يذبحه ألقيت محبته في نفس آسية بما يزيد أضعافاً على حب فرعون له، وكانت آسية عقيماً لا تلد، فاستلمت الولد وتبنته ورعته وأخدمته وبعثت له المرضعات وإذا به لم يقبل ثدي واحدة منهن حتى خافت هلاكه وموته، وإذا بالأم الحنون التي فرغ فؤادها من الصبر أرسلت أخته وقالت لها: تتبعي آثاره وانظري أين سيصل به النيل، وهكذا فعلت وأدركت أنه وصل إلى شاطئ الفرع الذي يكون باتجاه قصر فرعون، فأخذت تنتظر من بعيد ماذا ستكون النتيجة؟ وإذا بها تسمع الناس يدخلون ويخرجون والمرضعات يدخلن ويخرجن، وكل واحدة تخرج متأسفة متألمة لعدم قبولها في رعاية ابن فرعون التي كانت تنتظر خدمته، وإذا بأخت موسى تتقدم إليهم وتقول لهم: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص:12]. قالوا: وما أدراك بنصحهم؟ قالت: أليس الوليد رضيع فرعون؟ أليس كل الناس ترجو رعايته؟ فهؤلاء كذلك، فذهبوا معها إلى البيت وجاءوا بالأم فدخلت على آسية زوج فرعون فمدت إليه بثديها وإذا به يبادر لامتصاصه وأخذه بكلتا يديه، فقرت عين الأم، وسرت آسية كما سر فرعون، وبهذه الفرحة نسوا أن يتساءلوا: هذه التي ترضع ألها وليد ترضعه، وأين هو، ومن هي؟ فنسوا ذلك وأغفلوه ليحفظ الله موسى من بطشهم.
معنى قوله تعالى: (فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها)
معنى قوله تعالى: (فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها) قال تعالى: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ} [طه:40]. والحذف في القرآن يكون فيما يدل عليه السياق كما يقول إمام النحاة ابن مالك في الألفية: وحذف ما يعلم جائز. ومعنى ذلك: أنها عرضت عليهم من ترضع فوصلت فأرضعته فاكتفوا، وكان بذلك قد رجع الولد إلى أمه فزال حزنها وزال غمها، وجمع الله الشمل في أسرع وقت. قوله: {وَلا تَحْزَنَ} [طه:40]. أي: لا تحزن عليك، ولا تحزن كيف ستحفظك وتصونك وترضعك، ولو لم يكن الذي تم قد تم فستبقى خائفة من جواسيس فرعون أن يبلغوا عنها، فيرسل من يذبح الوليد. وقد رزق الله أم موسى فأعاد إليها ولدها وأعطاها أجرتها على إرضاع ولدها فهي التي ترضعه وتأخذ أجرة على إرضاعها له. قال تعالى: {وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ} [طه:40]. يذكر الله منَّه وإفضاله على موسى ليزداد شكراً لله، ويزداد عبادة لله، ويزداد طاعة لله، وهو يعدد عليه مننه وأياديه وإحسانه من مكالمته ونبوءته واستجابة دعوته في نبوءة أخيه وإنجائه من ذبح فرعون وعودته إلى أمه لترضعه، ثم قتل نفساً فاهتم وحزن وخاف من فرعون أن يقتله به، فقال: {وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ} [طه:40]. بأن فررت بنفسك وذهبت إلى أرض مدين فقابلك شعيب وقال: لقد أمنت فلا حكم لفرعون هنا، وأزال خوفك وهلعك، وعدت من الفقر إلى الغنى، ومن الانفراد إلى الزواج، ومن كونك لا ولد لك إلى الولادة والذرية؛ كل ذلك قد أكرمك الله به.
تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (وفتناك فتونا)
تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (وفتناك فتوناً) جاء سعيد بن جبير قبل المغرب فطرق باب حبر القرآن عبد الله بن عباس يسأله: ما معنى قوله تعالى: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه:40]. قال: استقبل اليوم يا ابن جبير، فإن حديثها طويل، ولا تكفي فيها هذه الفترة من العشي. ومع الصباح الباكر جاءه سعيد وقال: أنجز وعدك، والقصة رواها النسائي في سننه وحكم عليها بالغرابة وأن أكثرها إسرائيليات مروية عن كعب الأحبار، والمرفوع منها قليل وهو مذكور بنص القرآن. قال ابن عباس: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه:40] جمع فتنة، والفتنة الابتلاء والاختبار وكما تكون الفتنة بالشر تكون الفتنة بالخير، كما قال ربنا جل جلاله: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35]. فكل ذلك فتنة، وقد فتن أحمد بن حنبل رضوان الله عليه بالمحنة وفتن بالضرب والسجن فتقبل ذلك راضياً، وبعد ذلك فتن بالمال وبالجاه، وفتن بتقرب الخلفاء، فوجد في نفسه ألماً، ومال بعض أولاده للخلفاء فهجرهم وقاطعهم. والفتنة هنا كانت لموسى مجموعة من البلايا والمحن، فلا تكاد تنتهي فتنة حتى تأتي فتنة أخرى، وفي كل تلك الفتن ينجيه الله جل جلاله ويبعده عنها وينقذه منها. يقول ابن عباس: وكان أول ذلك عندما قيل لفرعون: إن بني إسرائيل ينتظرون منقذاً ينقذهم من طغيان فرعون فأمر فرعون بقتل كل من يولد لهم، وبعد ذلك اصطلح معه قومه على أن يقتلهم عاماً ويستحييهم عاماً، فولد موسى في العام الذي يقتلون فيه، وكانت فتنة للوليد وهو لما يخرج للدنيا بعد، فأنقذه الله وأزال فتنته، وأوحى إلى أمه أن تقذفه في التابوت وأن تقذف التابوت في البحر، وأن البحر سيقذف به إلى ساحل فرعون، وهكذا بقي عند فرعون زمناً. وذات يوم أراد فرعون أن يداعب الوليد فأجلسه على حضنه، فأخذ بلحيته وجره إليه حتى آلمه، وإذا بفرعون يقول: لاشك أن هذا من أعدائي بني إسرائيل، أين الذباحون؟ فنودي بهم وكادوا يذبحونه لولا تدخل زوجته آسية، وانتهت القصة بأن يمتحن على طفولته، فأتي بجمرة ولؤلؤة، فأخذ الجمرة فوضعها على رأس لسانه فأحرقت لسانه وجعلت فيه عقدة تدعه بذلك ذا عاهة دائمة، ولذا عندما كلمه ربه وأرسله إلى فرعون وهامان وقارون وقومه من بني إسرائيل: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه:25 - 28]. وكان قد وجد إسرائيلياً وقبطياً في خصومة ومضاربة، وإذا بالإسرائيلي يستنصره على القبطي فوكزه موسى فقضى عليه، أي: ضربه موسى ضربة كانت سبباً في موته والقضاء عليه. فجاء من بلغه أن القوم يأتمرون به ليقتلوه، ونصحو بأن يفر ويترك البلد، فذهب وهو خائف يترقب ويتحسس هل هناك من يتبعه أو يلحقه؟ إلى أن وجد نفسه في بئر يستقي الناس عليها في أرض مدين، ووجد امرأتين تذودان تريدان أن تسقيا غنمهما، فسقى لهما ثم أوى إلى الظل، {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص:24]. وبعد برهة جاءت إحدى البنتين اللتين سقى لهما: {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص:25]. وذهب موسى إلى شعيب وتعرف إليه فقال له: {نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:25]، فهذه الأرض ليست تحت حكم فرعون. ثم فاوضه على أن يكون أجيراً له لمدة ثمان سنوات يرعى له غنمه مقابل تزويجه بإحدى البنتين، وقال له: إن أتممت عشراً فمن عندك، فزاد العشر وأتمها، ثم خرج بزوجته، وضل الطريق وكان البرد شديداً، وكانت المرأة حاملاً، وإذا به يرى ناراً من بعيد في جبل الطور، فجاءها يريد جذوة يستدفئ بها وزوجته لتذهب عنهما شدة البرد، وإذا به ينادى: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه:12]. يقول ابن عباس: وهكذا كانت المحن والفتن آخذ بعضها برقاب بعض. وبعد ذلك فر من فرعون بقومه، وأوتي العلامات التسع والآيات التسع ودخول البحر وغرق فرعون، وامتناع أتباعه من أن يعملوا عملاً، ثم بعد ذلك ردة من ارتد من السامريين ومن أكثر قومه عندما ذهب لميقات ربه أربعين يوماً، وكانت في الأرض ثلاثين، فقالوا إن موسى أخلف وعده، وهكذا كانت أيام موسى كلها فتن آخذ بعضها برقاب بعض، ولكن العاقبة للمتقين والنصر لموسى.
معنى قوله تعالى: (فلبثت سنين في أهل مدين)
معنى قوله تعالى: (فلبثت سنين في أهل مدين) بعد كل ذلك قال تعالى: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} [طه:40]. أي: فلبثت بعد ذلك يا موسى سنين في أهل مدين، أي: أقمت إلى أن بلغت سن الأربعين، والنبوءة عادة تأتي الأنبياء وهم على رأس الأربعين. {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} [طه:40]، جئت على موعد بيني وبينك قدرته في الأزل، ولم يكن لموسى علم، ولكن القدر الذي قدره الله في تنبيء موسى وإرساله إلى فرعون كان موافقاً لخروجه من عند شعيب. قال تعالى: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه:41]. أي: اخترتك لتبلغ عني رسالتي وأوامري ونواهي، وأنشأتك وربيتك كما أريد أدباً وحسن سلوك وأخلاق ورسالة ونبوءة وعبادة وطاعة ودعوة إلى الله. فهيأه الله جل جلاله ليكون المبلغ عنه كما صنع بجميع الأنبياء، فكانوا رسلاً إلى الناس كل منهم إلى قومه، إلا نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه أرسل إلى الناس كافة، ولا نبي بعده.
تفسير قوله تعالى: (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري)
تفسير قوله تعالى: (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري) قال تعالى: {اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} [طه:42]. أي: وبما أني اصطنعتك لنفسي فاذهب أنت وأخوك لتبليغ رسالتي. وكانت آياتهما من آيات الله ودلائله وقدرته في العصا وفي اليد، وفي الضفادع والقمل والدم، وفيما سلط الله على فرعون وقومه منذ أرسل لهم موسى وهارون إلى أن غرق في النيل هو وقومه. فقوله: {اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي} [طه:42]. أي: بدلائلي ومعجزاتي على صدقكما. {وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} [طه:42]. أي: ولا تضعفا ولا تملا ولا تعجزا ولا تتراخيا عن ذكري.
تفسير قوله تعالى: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى)
تفسير قوله تعالى: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى) قال تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:43 - 44]. أي: قولا لفرعون قولاً ليناً لطيفاً ولا تعنفا عليه ولا تقولا له قولاً جارحاً مؤلماً، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل:125]. وقد قال يحيى بن معاذ: هذه رحمة الله لمن قال: أنا إله، فكيف برحمته لمن قال: أنت الإله وأنا العبد! أرسلهما نبيين كريمين إلى الطاغية المتأله، ومع ذلك وجههما أن يقولا له كلاماً ليناً مهذباً بأن يكنياه مثلاً: يا أبا فلان وأن يقولا له أنت لم تقصد سوءاً ولكنك جهلت الحق، فنحن رسولا ربك إليك جئنا لخيرك وجئنا لسعادتك وجئنا لتعليمك، فاقبل منا تسعد في الدنيا والآخرة. وقد قال المفسرون: وعد موسى فرعون بأن يحفظ الله عليه شبابه ما دام حياً، وأن يبقى ملكاً ما دام حياً، وأن يمتع بلذة الطعام ولذة الشراب ولذة المنكح، ومع ذلك أبى وتمرد وطغى ففقد دنياه وآخرته. قوله: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:44]. أي: لعله يفكر ويعود إلى نفسه فيراجعها في ادعاء الألوهية، فيخشى الله ويخشى العواقب، ويخشى النار التي أنذره بها موسى وهارون.
تفسير قوله تعالى: (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا)
تفسير قوله تعالى: (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا) قال تعالى: {قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى} [طه:45]. كان لا يزال خوف فرعون متمكناً من نفس موسى وهارون، {قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى} [طه:45]. أي: أن يفرط بأن يبادرهما بالعقوبة وبالبطش وأن يبادرهما بالقضاء عليهما بالقتل، أو أن يطغى بتجاوز الحد في عقوبتهما والتمثيل بهما بعد ذلك. فكان جواب الله لهما: {قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه:46]. أي: لا تخف يا موسى، ولا تخف يا هارون؛ إنني معكما بسمعي، إنني معكما بتسديدي لكما عندما تتكلمان وتسألان أو تجيبان، أو ترغبان أو تهددان، فأنا معكما بالتسديد ومعكما بالتوفيق ومعكما بالحفظ، فأنا أراكما وأرى الذين معكما فأحفظكما من طغيان وجبروت وإفراط وظلم وفرعون. قال تعالى: {فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} [طه:47]. قال الله لهما: اذهبا إليه وادعواه إلى الله وعبادته وقولا له: {إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [طه:47]. أي: جئناك رسولين عن ربك نبلغك أمره ونهيه، ونبلغك تهديدك بالبطش بك إن بقيت على عنادك وطغيانك.
طه [49 - 55]
تفسير سورة طه [49 - 55] عندما وصل موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون ودعواه إلى الله، إذا به يستنكر فيسألهما: من ربهما، فأجاباه إجابة مسددة وبينا له أن الذي خلق كل شيء وهداه وصوره وأنه الذي جعل الأرض مهاداً وأنبت فيها من كل زوج، وهذا ما لا يقدر فرعون على شيء منه لأنه عبد مخلوق.
تفسير قوله تعالى: (قال فمن ربكما يا موسى)
تفسير قوله تعالى: (قال فمن ربكما يا موسى) قال الله جل جلاله: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:49 - 50]. ما زلنا في قصة موسى وهارون مع فرعون وملئه، فقال تعالى: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى} [طه:49]. وهذا سؤال من فرعون، أي: قال فرعون لموسى وهارون: من ربكما؟ فكانا قد أرسلا من الله فما كان من فرعون إلا أن أخذ يتساءل، وكان المتكلم موسى وكان أخوه ومعززه ووزيره وشريكه في النبوءة والرسالة حاضراً، وهكذا الوفد إذا حضر يتكلم أحدهم ويسكت الآخرون، فيكونون جميعاً قد قالوا بقوله، ودعوا بدعوته. وخص موسى بالنداء؛ لأنه المتكلم عن نفسه وعن أخيه بالهداية والرسالة. وهذا السؤال من فرعون لأنه كان يعتبر نفسه رباً، ويقول لقومه: لا أعلم لكم من إله غيري، فعندما جاء موسى وهارون يكذبانه ويدعوانه عبداً لله الخالق الرازق أخذ يتساءل متعجباً متعاظماً: من هو هذا الرب الذي تدعواني إليه؟ {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50]. موسى لم يسم ربه، أراد أن يعرف فرعون وقومه به بنعوته وصفاته وأسمائه العليا التي يعجز عنها فرعون وقوم فرعون وكل متكبر جبار. {قَالَ} [طه:50] أي: موسى. {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50] ربنا الذي أعطى ما خلق صورهم وأشكالهم وصنوفهم، أعطى الإنسان والحيوان والطير، وما يمشي على رجليه، وما يمشي على أربع، وما يزحف على بطنه، أعطى من يعيش على الأرض واليابس ومن يطير في الأجواء محلقاً، وأعطى من يعيش داخل البحار عائماً وسابحاً. أعطى للإنسان صورته من يد ورجل وعين وفم وأذن، أعطاهم خلقهم وصورهم، ثم هداهم للتصرف فيها. أعطى اللسان للنطق، وألهمهم أن ينطقوا بلسانهم، ويفصحوا به عن ما في نفوسهم، أعطى الأذن للسمع، والعين للبصر، واليد للبطش، والرجل للمشي، والعقل للفكر والتذكر والاعتبار، كما أعطى لكل ذكر أنثى، ولكل أنثى ذكراً، وهداهما كيف يعيشان وكيف يتزاوجان، وكيف تحمل الأنثى فترضع وتحضن، وكيف يربي الأب فيهذب ويعلم. وقال موسى: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ} [طه:50] وقرئ: (كل شيء خَلَقَه ثم هدى) أي: أعطى الإنسان كل ما خلق، وجعله خليفته في الأرض يتصرف فيها كما يشاء بإذنه، وأعطى كل مخلوق صفته وصورته، ثم هداه وألهمه إلى ما يصنع بصورته وبحواسه. أي: يا فرعون، هذا هو الرب الذي ندعوك إليه، أتستطيع أن تأتي بمثل ذلك؟
تفسير قوله تعالى: (قال فما بال القرون الأولى)
تفسير قوله تعالى: (قال فما بال القرون الأولى) وإذا بفرعون المصر على الشرك وعلى الكفر أخذ يتساءل تساؤل الجاهلين قديماً وحديثاً، وما أشبه اليوم بالأمس: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى} [طه:51]. أي: ما هو حال القرون الأولى من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح، ما بالهم عاشوا كفرة منكرين للبعث وللقدرة وللنبوءات ومشركين مع الله غيره، ما بالهم لم يأتهم أنبياء ولم تأتهم رسل؟ وهذا الذي تساءل عنه فرعون من جهله ومن ضلاله، فكان جواب الله له فيما نطق به موسى وحياً عن ربه: {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} [طه:52]. أي: علم القرون الأولى، وعلم العصور الهالكة السابقة، {عِنْدَ رَبِّي} [طه:52]، فلم يرد موسى مجادلته، ولا الخروج عن القصد، بل جاء لدعوته للتوحيد، وإشعاره بأنه عبد وليس برب، وأن الرب واحد وهو الخالق القادر الرازق. والمعنى: علم تلك القرون عند ربي في اللوح المحفوظ، وفي كتاب الأعمال، أكانوا حقاً مشركين أو موحدين؟ قوله: {لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى} [طه:52] أي: لا يخطئ ربنا جل جلاله، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يغفل عن الشيء، فهو القادر المتصف بكل كمال، فليس الأمر كما زعم فرعون. وقد أرسل الله لقوم نوح نوحاً، وبقي بينهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الإسلام، وآمن معه قوم وإن كانوا قلة، {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]. وأرسل للأمم الأخرى هوداً، وأرسل صالحاً، وأرسل لوطاً، فلم يغفلهم ولم ينسهم، ولم يضيع العناية بهم والسعي في هدايتهم، لا كما زعم الضال المضل الذي حاول أن يحاجج موسى وهو أحد الخمسة أولي العزم من الرسل. ففرعون كانت حجته بعدما رأى الآيات البينات التي أتى بها موسى تقليد السابقين من مشركي قوم نوح، وكفرة قوم هود وقوم صالح. وهكذا اليوم أيضاً تجد أقواماً صفتهم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قيل: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن)؟ وهكذا اليوم تجد من ضل من المسلمين ومن أشرك ممن كان مؤمناً يوماً يقول: أفعل ما فعله المتحضرون المتقدمون، فهم يسعون ويجرون وراء كل ناعق من اليهود والنصارى وأضرابهم وأشباههم. {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى} [طه:51] يتساءل فرعون ويسأل موسى عليه السلام: فما حال القرون الأولى؟ كيف عاشوا مشركين ملحدين، زنادقة كافرين، لم لم ترسل إليهم رسل وأنبياء؟ فكان هذا الذي زعمه فرعون دالاً على جهله وإصراره في ضلاله، وإلا فالله جل جلاله كما يقول له موسى: {لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى} [طه:52].
تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض مهدا)
تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض مهداً) قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [طه:53]. أي: ربنا وربك يا فرعون ورب الخلق كلهم هو الذي جعل لنا من الأرض مهداً وفراشاً. مهداً: إما أن نعتبره مفرداً لمهاد، أو مصدراً بمعنى الفرش، والكل بمعنىً واحد. أي: جعل لنا الأرض نفترشها لأعمالنا ولراحتنا ولأشغالنا، ولحياتنا كلها، فمن الذي خلق الأرض، أأنت أم الله؟ ثم قال: {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا} [طه:53] يقال: سلك أي: أدخل شيئاً في شيء، ومنه السلك للخرزات تسلك فيه. فجعل في الأرض مسالك وطرقاً يميزون بها بين مشرق ومغرب، بين وهاد وجبال، بين تهامة وتلال، أي: لتميزوا بها مناكب الأرض للتجارة ولطلب العلم وللسياحة، فالذي خلق ذلك الله ربي وربك يا فرعون. {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا} [طه:53] أي: طرقاً، فالسبل: جمع سبيل. {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [طه:53]. الكلام إلى هنا من قول موسى لفرعون، وما يأتي فهو من كلام الله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} [طه:53]. يقول الله جل جلاله: وهذا الماء الذي أخبر موسى فرعون بأنه الذي أنزله من علو، الذي أنزله مطراً وغيثاً مغيثاً فأنبت الأصناف والأشكال من النبات، أحمر وأخضر وأصفر، حلواً وحامضاً ومراً، والطعوم مختلفة، والألوان مختلفة، والأزهار مختلفة، والماء واحد، والخالق واحد جل جلاله، فما أعظم قدرته وأعلى مكانه، وأقدره على كل ما يريد جل جلاله! قال تعالى: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} [طه:53] أي: بماء السماء. {أَزْوَاجًا} [طه:53] أي: أصنافاً، جمع زوج، وكل صنف فيه ذكر وأنثى، من الإنسان والحيوان والنبات والجن، إلا الملائكة فهم لا يتزاوجون ولا يتناكحون. قوله: {شَتَّى} [طه:53] أي: متفرقاً ومتنوعاً ومن كل صنف وشكل. وهذه الآية هي كقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء:30] أي: هذا الماء الذي ينزل من السماء جعل الله النبات به وجعل به الإنسان وغيره من الأحياء، وبه خلق كل شيء. {كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} [طه:54] أي: خلق الله ذلك لنا وللدواب ولمن يأكل على وجه الأرض. فقوله: {كُلُوا} [طه:54] أي: أيها الناس. {وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} [طه:54] الأنعام جمع جمع، ويشمل كل الدواب إبلاً وبقراً وأغناماً وماعزاً، وما يشبه ذلك. أي: كلوا ما ينفعكم ويصلح لكم من ذلك، وارعوا أنعامكم غيره، يقال: (رعى) لازم ومتعد، رعى نعمه ورعت نعمه، والكل بمعنى واحد، فرعت أي: أكلت وتعيشت بما على الأرض من نبات شتى، مما خلقه الله من الماء الذي ينزله من السماء.
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآيات لأولي النهى)
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآيات لأولي النهى) قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى} [طه:54]: أي: إن في هذه الصفات والنعوت وأسماء الله الحسنى من أن الرب جلاله هو الذي أعطى كل شيء خلقه وصورته، وألهمه كيف يتصرف بها وبحواسه، وهو الذي أنزل من السماء ماءً وخلق أزواجاً من نبات شتى، وهو الذي جعل من الأرض مهاداً وفراشاً لكل من عليها وما عليها، وهو الذي جعل في الأرض سبلاً وطرائق يهتدى بها للذهاب والإياب والتجارة وطلب العلم والسياحة وكل ما يحتاج إليه إنسان على وجه الأرض؛ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى} [طه:54] أي: لذوي العقول. النهى: جمع نهية، وسميت العقول نهى لأن العقل ينهى الإنسان عن الشرور وعن المعاصي وعن الظلم وعن الإيذاء، وعن الجهالة والضلالة. والمعنى: يعلم ذلك أصحاب العقول الناهية عن الشر والمعاصي، ويدرك ذلك ذو العقل السليم الذي ينهاه عن الشرك والكفر والذهاب طرائق قدداً في الكفر بالله.
تفسير قوله تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم)
تفسير قوله تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم) قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه:55]: هذه الأرض التي وصفها ربنا بأنها جعلت فراشاً لكل خلقه، وجعل فيها سبلاً ليذهب فيها ويسافر عليها؛ هذه الأرض منها كان خلق الإنسان، وإليها عودته بعد موته، ومنها خروجه للبعث والجزاء. وقوله: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} [طه:55] فقد خلق الله أبانا الأول بيديه من تراب، ثم نفخ فيه من روحه وقال له: كن بشراً سوياً فكان، وأسجد له ملائكته. ثم خلق زوجه من ضلع من أضلاعه، ثم تسلسل الخلق بعد ذلك من نطفة إذا تمنى، فكان الخلق الأول وكان الأب الأول أبو البشر آدم من تراب، وبما أن الأصل من تراب والفرع من الأصل فكلنا من تراب. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو يمنع الناس أن تتفاخر بالأحساب والأنساب: (كلكم من آدم وآدم من تراب). وقال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13]. فالتراب أصلنا ومنه خلقنا، ولا تفاضل في التراب إلا بخصب وإنبات ومعادن توجد هنا ولا توجد هناك، وذاك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيركم في الجاهلية خيركم في الإسلام). وكذلك الإنسان أفضليته في تقواه، وفي عبادته، وفي طاعته، وفيما يقدمه لأخيه المسلم من خير وهداية وابتعاد عن الضلال والجهالة. وقوله: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} [طه:55] الخلق إيجاد الشيء على غير مثال سابق، وليس ثم رب آخر ليكون لخلقه شبيه ومثال، فهو الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية، وهو في السماء إله وفي الأرض إله، هو الخالق للأولين والخالق للآخرين، لا شريك له ولا ثاني في صفة ولا فعل ولا قدرة ولا في ذات من باب أولى. {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} [طه:55] وذرأناكم وأنشأناكم. {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} [طه:55] وهذا نراه رأي العين لا ينكره إلا فاقد العقل، فلو أن موتانا منذ آدم إلى الآن على كر العصور والقرون جعلت على أديم الأرض وظاهرها لامتلأت الأرض من الأموات ولا يبقى مكان للأحياء، ولكن الله خلقنا من تراب وأعادنا إلى التراب. فالميت منا عندما يموت مهما كان عزيزاً على قومه، ومهما كان حبيباً لقومه، تجد قومه وأحبابه وأقرب الناس إليه يحفرون له في الأرض ويدسونه في التراب، وإذا به بعد أيام، أو أشهر، أو سنين طالت أو قصرت يصبح تراباً، فترجع تلك الجثة كلها لأصلها الأول، حيث كانت تراباً فعادت تراباً. {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه:55] فعند البعث بعد الموت سنخرج من التراب، وسيبقى في التراب جزء من جسدنا يسمى عجب الذنب كقدر العدسة في آخر سلسلة الظهر، فننبت بأمطار يرسلها الله جل جلاله، وإذا بنا قيام ننظر. فالله جل جلاله يصف قدرته ويصف خلقه، وأنهم خلقوا من تراب، ثم أماتهم فأعادهم إلى التراب، ثم سيحييهم مرة ثانية فيعودون بشراً سوياً خالدين مخلدين بعد العرض على الله وبعد الحساب، ثم إلى جنة أو نار، هؤلاء لأبد الآباد، وهؤلاء لأبد الآباد.
طه [56 - 63]
تفسير سورة طه [56 - 63] واجه موسى فرعون بالآيات البينات فاتهمه بالسحر والشعوذة وأنه يريد أن يفسد في مصر ويخرج منها أهلها، ثم تواعدا على أن يجمع فرعون سحرته ليناظروا موسى، وكان الموعد يوم الزينة، فحضرت الجموع وبدأت المناظرة.
تفسير قوله تعالى: (ولقد أريناه آياتنا كلها)
تفسير قوله تعالى: (ولقد أريناه آياتنا كلها) قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى} [طه:56]. يقول الله عن عناد فرعون: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ} [طه:56] أي: فرعون. (آيَاتِنَا كُلَّهَا) الآيات: المعجزات والعلامات على وحدانية الله وقدرته، وقد أتى بها موسى، والتي منها العصا تنقلب حية، واليد تدخل إلى الجيب فتخرج وكأنها الكوكب الدري، والدم والضفادع إلى آخر الآيات التسع. فكل ذلك لم يزد فرعون إلا كفراً وعناداً واستكباراً في الأرض ومكر السيئ، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ} [طه:56] رآها رأي العين وعاش في واقعها من أول آية، إلى آخر آية وهي شق البحر فرقين وجبلين عظيمين. {فَكَذَّبَ وَأَبَى} [طه:56] كذب كل ذلك، وأبى إلا تكذيب موسى في رسالته وفي نبوءته وفي وحيه. قال: {فَكَذَّبَ وَأَبَى} [طه:56] ولم يذكر المكذَّب، وأخذ من عموم اللفظ، أي: كذب الآيات التسع وكذب موسى وهارون في كل ما أتيا به من دعوة إلى الله، والأمر بطاعته، واتباع وحيه، والإيمان بالله الخالق، وبالبعث والنشور وبالجنة والنار. وتلك قضية جميع الرسل منذ آدم إلى خاتمهم نبينا عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فقد أتوا بها مبشرين المؤمن بالجنة، ومنذرين الجاحد بالنار. {فَكَذَّبَ وَأَبَى} [طه:56] أبى الإيمان والتصديق وامتنع عنه.
تفسير قوله تعالى: (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى)
تفسير قوله تعالى: (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى) قال تعالى: {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا} [طه:57]. وهذه عادة الكفرة عندما يعجزون عن البرهان والدليل، فموسى يجادل فرعون ويعلمه ويرشده بالمنطق ورؤيا العين وسماع الأذن وواقع الحال، وإذا بفرعون عندما يعجز عن الأخذ والعطاء والاستدلال بقضايا العقول، إذا به يبهت ويقول له: ما جئت إلا وأنت ساحر تريد الملك والسلطان وإخراجنا من أرضنا والتسلط عليها، واعتبار نفسك ملكاً ورئيساً وعظيماً. قال فرعون: {أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى} [طه:57]. يتساءل سؤال المستنكر الجاحد الكافر: يا موسى! هل مجيئك إلينا تريد منه إخراجنا من أرض مصر؟ وكان قد اتخذ نفسه فيها إلهاً من دون الله، وهو قد استغفل قومه، واستخف عقولهم، وما أشبه اليوم بالأمس. فعندما قال لهم: لا أعلم لكم إلهاً غيري كانت حجته أن قال: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف:51] وكأن مصر هي العالم كله، فلكونه جعل عليها سلطاناً وحاكماً فترة من الزمن تبعاً لمن سبقه من أب وجد اتخذ ذلك دليلاً على ربوبيته وعلى ألوهيته، وكان سخيف العقل، سخيف الفهم، معرقاً في الكفر والضلال. {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى} [طه:57]. أي: نحن علمنا وأدركنا ذلك، فما جئتنا إلا لتخرجنا من الأرض بالسحر، واعتبر كل ما جاء به موسى من عصاً وغيرها سحراً، ولم ذلك؟ لأن مصر اشتهرت منذ القدم بالسحرة، وخاصة في عصر الفراعنة، فقد كانوا يعدون بالآلاف، ولضلاله وذهاب عقله، ولإصراره على الكفر، والجحود عد المعجزات والنبوءات والرسالات الإلهية ضرباً من ضروب السحر والشعوذة.
تفسير قوله تعالى: (فلنأتينك بسحر مثله)
تفسير قوله تعالى: (فلنأتينك بسحر مثله) قوله: {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ} [طه:58]. اللام هنا لام القسم، ثم أكد القسم بنون التوكيد الثقيلة، فيحلف فرعون بما يحلف به، ولعله يحلف بنفسه. {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ} [طه:58] أي: سنأتي نحن كذلك بسحرنا ونرى من الغالب ومن المغلوب، وهل كل هؤلاء السحرة رسل وأنبياء؟! فما أنت إلا ساحر منهم، ولعلك كنت كبيرهم وشيخهم! أي: فالسحر مثل ما أتيت به من معجزات ورسالات ونبوءات، فشبه النور بالظلمة، والهداية بالضلالة، والكفر بالإيمان، وهذا شأن الكافرين قديماً وحديثاً. ثم عاد فطلب منه: {فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى} [طه:58]. أي: نحن نعلم أنك ساحر ماهر، وبالسحر تريد أن تخرجنا من أرضنا وتمتلكها، وها نحن سنأتيك بسحر كسحرك، فاضرب معنا موعداً لذلك لتراه بعينك. وذاك ليخزيه الله ويكسفه على رءوس الخلائق، وليميز قبل غيره بين السحر والوحي، وبين المعجزات والخزعبلات. والموعد مصدر واسم مكان الوعد والاجتماع الذي يتواعد فيه، وبكل ذلك يصح التفسير. {لا نُخْلِفُهُ} [طه:58] أي: لا نتجاوزه، ولا نخرج عنه. {مَكَانًا سُوًى} [طه:58] أي: حال كون الموعد مكاناً سواء، بيناً مستوياً لا تلال فيه ولا كدى، مبسوطاً مسطحاً قريباً منا ومنك بحيث إذا حضرته الخلائق يرون جميعاً ما سيحصل من فعلك وفعل السحرة، ليحكموا عن رؤية لا يحجبهم عنها جبل ولا شجر ولا حائط. يقال: سُوى وسِوى وسواء، والمعنى واحد، مثل: طُوى وطِوى بكسر السين وضمها مقصوراً، فإذا فتحت السين فلا بد من المد، يقال: سواء، أي: المكان الذي للموعد يكون أرضاً مستوية قريبة منا ومنك لا تبعد عنا ولا تبعد عنك، وتكون ظاهرة وواضحة يستطيع أن يرى فيها الرائي والحاضر كل ما يحدث فيها من سحرك وسحرنا. هكذا يريد فرعون، وإذا بموسى يجيبه لذلك، وقد طلب مهلة أربعين يوماً ليجمع مكره وحيله وسحرته، فوافقه موسى على الموعد والزمن.
تفسير قوله تعالى: (قال موعدكم يوم الزينة)
تفسير قوله تعالى: (قال موعدكم يوم الزينة) قال تعالى: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} [طه:59]. أراد موسى أن يكون اليوم يوم السحر في نظرهم، ويوم المعجزات في نظر نبي الله موسى ونبي الله هارون. ويوم الزينة هو يوم عيدهم الذي يتزينون فيه ويكونون عاطلين عن العمل ليحضر جميعهم، ولا يتأخر أحد عن حضور ذلك اليوم ليرى من سيفلح غالباً ومن سيخزى مغلوباً. وقد قال ابن عباس: كان اليوم يوم عاشوراء، أي: اليوم العاشر من محرم. وقد ثبت في الصحيح: أن يوم الغلبة كان هذا اليوم، وثبت في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام عندما ذهب للمدينة مهاجراً وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم: لم ذلك؟ قالوا: ذاك يوم نصر الله فيه موسى على فرعون. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (أنا أحق منكم بموسى)، فصامه وندب الناس إلى صيامه. وفي السنة التي سيموت فيها عليه الصلاة والسلام أراد مخالفة اليهود الذين يصومون اليوم العاشر فقال: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر) فأصبحت السنة صيام يوم عاشوراء مع صوم اليوم التاسع قبله مخالفة بذلك لليهود في ذلك العصر، وأما بعد ذلك فلا يعرف لليهود صوم في يوم عاشوراء. وانفرد المسلمون بصيام هذا اليوم، إذ هو يوم أعز الله فيه الحق وهزم الباطل وخذله، فكان صيامه رمزاً لنصرة الحق ورمزاً لهزيمة الباطل. قوله: {وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} [طه:59]. أي: وأن يحشر الناس ويجمعوا، بأن يجمعهم فرعون ويحشدهم ويكتلهم ضحىً، أي: عند طلوع النهار وبعد إشراق الشمس بزمن لتصح الرؤية، ولا يكون ليلاً، ولا تكون عتمة ولا ظلمة فتضيع على الناس الرؤية ويتيهون فلا يدرون هل انتصر نبيا الله الأكرمان موسى وهارون أم السحرة المشعوذون مع ساحرهم الأكبر المشعوذ فرعون؟
تفسير قوله تعالى: (فتولى فرعون فجمع كيده)
تفسير قوله تعالى: (فتولى فرعون فجمع كيده) قال تعالى: {فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى} [طه:60]. ذهب فرعون فشرع في جمع كيده، فجمع سحرته وجمع ضلاله، وجمع الأفاكين، وجمع المشعوذين والضالين ليحضروا في اليوم الذي عينه موسى، وليكون نصره -كما توهم- على رءوس الخلائق ليعلموا أنه هو الصادق، هكذا توهم وهكذا أوحى له شيطانه. فتولى فرعون فجمع كيده الذي ظن أنه سيكيد به موسى وهارون وأتباعهما. قوله: {ثُمَّ أَتَى} [طه:60]. أي: أتى الموعد، فأتى فرعون ليحضر يوم الموعد، ونُصب له كرسي عال وجاءه سحرته يتمنون عليه الأماني إذا هم انتصروا ماذا سيكون جزاؤهم ومكافأتهم، ووعدهم بأنهم سيكونون من المقربين مع ما سيأخذونه من مال وجاه ومناصب. فتولى: ذهب، والفاء للتفريع وللعطف المتقارب نسبياً، كان قد تم له جمع كيده وسحره وشعوذته، قيل: جمع اثنين وسبعين ساحراً مع كل ساحر عصي وحبال. وقيل: بل أربعمائة. وقال كعب الأحبار: اثنا عشر ألفاً. وقيل: آلاف لا تكاد تعد ولا تحصى. جاء كل واحد ومعه عصي وليست عصا واحدة، وحبال وليس حبلاً واحداً؛ ليقذفوها أمام موسى ليرهبوه وليرعبوه وليوهموه أن ما أتى به من آيات ومعجزات هم أيضاً يفعلون مثل ذلك. أتى فرعون يرأس حفله ومواكب شعوذته وسحره، ونصب له كرسي بحيث يرى الناس كلهم ويرونه، فعندما جاء وإذا بموسى نبي الله قد حضر فلم يخلف الموعد، وحضرت خلائق مصر إذ ذاك كلها بحيث ضاقت بهم الأرض، فلا يكاد يرى الناس على مد البصر إلا خلقاً، وبينهم السحرة المشعوذون، واصطفوا صفاً واحداً. وفي الجانب المقابل رسول الله موسى وأخوه هارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وإذا بموسى وهو نبي الله، وهو الداعية إلى الله، ولا يليق بنبي أن يحضر محضراً كهذا كله ظلمة وضلال وكفر إلا ويبتدئه بكلمة يدعو فيها إلى الله، ويحذر هؤلاء من الكذب والضلال ويحضهم على الصدق والإيمان.
تفسير قوله تعالى: (قال لهم موسى ويلكم)
تفسير قوله تعالى: (قال لهم موسى ويلكم) سكت موسى أولاً وقد تم الجمع، فلا تسمع بينهم إلا همساً، فكل كلمة تقال تسمعها الآذان وتسجلها القلوب والأفئدة، وترى الحواس كلها مشرئبة لترى من المنتصر ومن المنهزم. وإذا بموسى في مثل هذا الوقت يقول لهم: {وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [طه:61] دعا عليهم بالويل، والويل هو النهر من قيح وصديد في جهنم. أي: يا ويلكم يا هؤلاء السحرة ويا مصيبتكم إذا بقيتم على الكذب على أنفسكم وعلى الناس، فالويل في جهنم ينتظركم. والخطاب للسحرة ولمن جاء، وهو فرعون وهامان. قال تعالى: {قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} [طه:61]. {لا تَفْتَرُوا} [طه:61] لا تكذبوا، ولا تخترعوا القول عن غير وجود ثابت. {لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [طه:61] لا تسحروا الناس وتوهموهم باطلاً حقيقة، وتزعموا الحق باطلاً والباطل حقاً. {فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} [طه:61] فيسحقكم بعذابه ويستأصلكم، فيذهب فرعون وقومه في الأمم البائدة المنتهية كما حدث من بعد. وقيل: {فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} [طه:61] أي: يمكن منكم أعداءكم فيقتلون ويشردون ويصادرون ويستعبدون، ثم يمحقكم في النار كلما نضجت جلودكم بدلناها جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب. {وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} [طه:61] ليس للمفتري وللكاذب إلا الخيبة والرجوع بخفي حنين، أي: بالهزيمة الساحقة، وبالذل والهوان على رءوس الملأ ورءوس الخلائق. فموسى نبي الله ما أراد أن يبدأ عمله ويلقي عصاه إلا بعد أن ينصحهم ويدعوهم إلى الله، فإن أبوا فيكون ذلك عن علم، فيسحتون ويسحقون بالعذاب. وقرئ في السبع: (يسحتكم) ثلاثي ورباعي، والمعنى واحد، والسحت السحق والاستئصال. أي: يأتي عليهم من أصولهم بحيث لا يبقى أصل ولا فرع، فإذا ذهب من الشجرة أصلها واجتث ماتت فروعها وذبلت، وهكذا إذا قتل الرجال وقتل النساء واستعبد الأولاد فالنهاية الاستئصال والإبادة الكاملة، فهذا الذي حدث لهم بعد ذلك.
تفسير قوله تعالى: (فتنازعوا أمرهم بينهم)
تفسير قوله تعالى: (فتنازعوا أمرهم بينهم) قال تعالى: {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} [طه:62]. بعد أن قال لهم موسى هذا الكلام تنازعوا فيها بينهم وتشاجروا وتخاصموا، وأسروا النجوى لكيلا يسمعها فرعون خوفاً منه، ولكيلا يسمعها الناس فيفرون، فقالوا في ما قالوه في النزاع: ليس هذا الذي قاله موسى بكلام ساحر، وما السحر إلا الكذب والشعوذة، فما باله يتكلم عن الكذب والافتراء على الله، ما هذه إلا نبرة نبي ودعوة نبي وليس ذلك بكلام مشعوذ ولا ساحر. والنجوى اسم للمنجاة أو مصدر، والمعنى واحد، أي: تناجوا فيما بينهم سراً بحيث لا يسمعهم الناس وهم يتشاجرون ويتنازعون ويتخاصمون، يقول البعض: إن انتصر موسى كنا أتباعه وآمنا بدعوته. وبعضهم يقول: لن ينتصر، ما هو إلا ساحر مثلنا، وكيف يمكن ذلك؟ فيقول آخرون: ليس الأمر كما تقولون، فليس من شأن الساحر أن يدعو إلى الله وينفر من الكذب عليه ويخوفكم من عذاب الله وسوء العاقبة. وقد قيل: إن المناجاة التي كانت بينهم هي ما يقول الله في هذه الآية: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه:63] وكأن الله قد كشف نجواهم.
تفسير قوله تعالى: (قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم)
تفسير قوله تعالى: (قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم) فقولهم: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} [طه:63]. قالوا: وليس هذان -أي: موسى وهارون- إلا ساحران، أي: هما مثلنا في الشعوذة يرون الناس ما لم يروه ويسترهبونهم بما يأتون. فقولهم: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} [طه:63] تأكيد لما قال فرعون، والناس على دين ملوكهم. {مِنْ أَرْضِكُمْ} [طه:63] أي: من مصر، أي: أن يطردا من كان على دين فرعون وعبادة فرعون وتأليه فرعون. {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} [طه:63]. أي: ويذهبا بدينكم الأمثل، وأنث (المثلى) مراعاة للطريق، وهي مؤنثة من حيث اللفظ والمعنى، يقال: عمل أمثل، وطريقة مثلى، أي: أن يذهبوا بدينكم الأفضل من دينهم، وطريقتكم الأمثل والأفضل من طريقتهم. هكذا أوحى لهم شيطانهم، وهكذا أكدت لهم وثنيتهم، فهؤلاء تناجوا بذلك ليأخذوا به قوة وليردعوا من تردد وضعف. وقد قرئ في السبع، بل وهو المشهور في القراءة: (إنَّ هذان لساحران)، فإن: تنصب الاسم وترفع الخبر، ولكن هنا في الآية الكريمة لم تنصب المثنى, ولو نصبته لقيل فيه: إن هذين لساحران. وقد خرج بعضهم الآية على أن (إنّ) هنا ليست (إنّ) المؤكدة، بل معناها هنا: نعم. ومن عادة العرب في جاهليتها وإسلامها، وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا ابتدأ في الكلام يقول: نعم. ثم يتحدث. وفي زوائد عبد الله بن أحمد على مسند أبيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الكثيرين من الصحابة كان يخطب ويقول: إن الحمدُ لله) أي: نعم، الحمد لله. وجاء رجل إلى عبد الله بن الزبير وهو خليفة على الحجاز وأرض الإسلام كلها إلا الشام، فطلبه شيئاً فمنعه منه، فقال له هذا الشاعر: لعن الله راحلة نقلتني إليك، فأجابه ابن الزبير: إنّ وصاحبها. أي: نعم وصاحبها؛ لأنك جئت تطلب ما ليس لك وليس لي، حيث جئت تطلب مال غيرك من بيت مال المسلمين. وقد روي في الشعر العربي الفصيح: بكر العواذل في الصبا ح يلمنني وألومهنّهْ ويقلن شيئاً قد علا ك وقد كبرت فقلت إنّهْ والعواذل: من يتغزل بهن، فأخذ يلومهن ويلمنه، فهو يقول: لا زالت في بقية، وهن يقلن له: لا، لقد كبرت وأصبحت ذا شيب ولا يطلب مثل ذلك الغواني. قوله: (فقلت إنه) أي: نعم، ولم ينكر ذلك. فهذه رواية، ويصح المعنى بها. فتكلم هؤلاء السحرة وهم يتناجون ويقولون عن موسى: ما به إلا أن يخرجنا من أرضنا ويذهب بديننا، فنعم هذان لساحران، أي: كما يقول فرعون سيدهم ومربوبهم المزيف الباطل. وقيل: (إنَّ) إذا دخلت على المثنى تعطل عن العمل ويبقى المثنى مرفوعاً حالة النصب وحالة الرفع وحالة الجر، وهي لغة فصيحة عند الكثير من قبائل العرب، ورووا في ذلك قولهم: إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها وكان ينبغي أن يقال: إن أباها وأبا أبيها.
طه [63 - 70]
تفسير سورة طه [63 - 70] اجتمع سحرة فرعون وعزموا على الكيد بموسى وهزيمته، ثم ألقوا حبالهم وعصيهم فخيل إلى الناس أنها حيات تسعى، حتى أوجف في نفسه خيفة موسى، لكن الله ثبته وجعل عصاه تلقف ما يأفكون فألقي السحرة ساجدين.
تفسير قوله تعالى: (قالوا إن هذان لساحران)
تفسير قوله تعالى: (قالوا إن هذان لساحران) قال الله جل جلاله: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} [طه:63]. لا نزال مع موسى وهارون في دعوتهما فرعون وملئه إلى الله وهم يصرون ويعاندون، ويأبى الله إلا أن ينصر الحق ويزهق الباطل. فجمع فرعون سحرته في يوم اتفق فيه موسى وفرعون، وحضر السحرة ونظروا إلى رسولي الله ونبييه: موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. فأخذوا يتناجون خفية بعد أن وعظهم موسى بألا يفتروا على الله الكذب، وأن المفتري الكذب على الله له الدمار والبوار، وله الخسارة في الدنيا والآخرة. وإذا بهم يسرون النجوى قائلين: ما هذا الكلام من موسى بكلام ساحر مشعوذ، إن هو إلا كلام داعية لله، ولا يبعد أن يكون نبياً كما يقول. أسروا ذلك عن فرعون وملئه. ثم عادوا فقالوا ما قاله فرعون: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه:63] أي: ما هذان الشخصان موسى وهارون إلا ساحران، أرادا بسحرهما أن يخرجا هؤلاء السحرة عما لهم من رزق وما لهم من مقام، وأن يخرجا فرعون وملأه عن ملكهم وسلطانهم وأرضهم، هكذا سول لهم الشيطان، وهكذا قص الله علينا مناجاتهم. {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا} [طه:63] فطريقة الإخراج تكون بالسحر والغلبة فيه. {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} [طه:63] أي: الطريقة الفضلى، والدين الوثني الفاضل كما يتوهمون ويزعمون. وقد قلنا إنه قرئ في أكثر القراءات السبع: (إنَّ هذان لساحران) على خلاف المعروف من قواعد النحو والعربية في أن (إنَّ) تنصب الاسم وترفع الخبر. وقد زعم قوم من الصحابة وغيرهم أن هذا لحن كتبه الكتاب ونقلوه باطناً عن عثمان، وأن ذلك كان كذلك، ولكنه وقد طلب في أن يلغيه فقال: لا يحلل حراماً، ولا يحرم حلالاً، فاتركوه كما هو. وما أظن ذلك صحيحاً عن عثمان وعائشة كما نقل عنها هذا، وما أعتقد ذلك إلا خطأً تسرب ممن قال ذلك. القرآن عليه تتخذ القواعد، ومن قواعد قبائل كثيرة من العرب قبائل خثعم وغيرها كانت تعطل عمل إن، وإنما تدخل للتأكيد فلا ترفع ولا تنصب. وقد ورد بذلك النطق الفصيح لسيد العرب وفصيحهم نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ففي زوائد مسند أحمد عن ولده الإمام ابن الإمام عبد الله بن أحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما كان يبتدئ خطبه بقوله: إن الحمدُ لله. وفسروا ذلك بأن إن معناها: نعم، ليست للتأكيد، وبالتالي لا تعمل فيما تدخل عليه من الكلم لا نصباً ولا رفعاً. وقد ورد أعرابي على عبد الله بن الزبير وهو إذ ذاك أمير المؤمنين في جميع بلاد المسلمين إلا الشام فطلب رفده وقد مدحه كما يفعل الشعراء، فلم يعطه ما كان يؤمله فقال له: لعن الله ناقة نقلتني إليك، قال له ابن الزبير: إن وصاحبها. أي: نعم ولعن صاحب الناقة وراكبها كذلك. قيل: إن هنا بمعنى نعم. وفي ما قالوه هي بمعنى التأكيد لا نعم، وجاءت على لغة ولهجة الكثير من القبائل، ورووا في ذلك قول النجم: إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها قواعد النحو في غير هذه اللغة كان ينبغي أن تكون: إن أباها وأبا أبيها قد بلغا في المجد غايتيها ولكن إن والقائل بالحال، والقائل نطق بلغة فصيحة أكدها القرآن عندما نزلت به. وفي معنى نعم أيضاً ورد قول الشاعر: بكرا العواذل بالحديـ ـث يلمنني وألومهن ويقلن لي شيب علا ك وقد كبرت فقلت إنه العواذل من عذله ولامه من الشابات لمنه لم يتغزل ويشبب بهن وقد شاب شعره وعلاه البياض وكبرت سنه، ولا يليق بمن كان هكذا أن يفعل مثل هذا، فأقر عندما قلن له هذا القول فقال: إنه أي: نعم. وسواء فسرنا إن هنا بمعنى نعم أو بإن المؤكدة ولكنها لا تعمل، فالقرآن قد تواتر نزوله بإن في هذا المكان غير عاملة نصباً في اسم، ولا رفعاً في خبر، والقرآن هو الإمام المحتذى للغة العرب، وعلى أساس ما فيه نطق سيبويه وغير سيبويه من أئمة النحو. ولا مجال لقائل أن يقول: أخطأ كاتب في الكتابة، فالله قد تعهد بحفظ القرآن نحواً ولغة ولفظاً ومعنى. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] وحافظون عامة في نحوه وبلاغته ولغته ولفظه ومعناه. {قَالُوا} [طه:63] أي: السحرة. {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} [طه:63]. أي: يتخذا السحر والبراعة فيه طريقاً للاستيلاء على مصر وإخراج أهلها منها وترك دينهم الوثني وإحلال دين التوحيد، دين الحق إذ ذاك من موسى وهارون. وكما تقول العرب في أمثالها: وتلك شكاة ظاهر عنك عارها. ثم أخذوا يتعاونون ويقولون: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا} [طه:64] بعد أن قرروا مع أنفسهم وتناجوا في أنفسهم بالكيد، بالكذب، بالخزعبلات، بالسحر والشعوذة وقالوا لبعضهم: أجمعوا أي: اعزموا واحتموا أمركم، لا تترددوا ولا تتشككوا، ولا يصرفنكم ما سمعتم عن فرعون ودينه. {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا} [طه:64] ائتوا صفاً واحداً، رأياً واحداً، يداً واحدة، لا تختلفوا ففي الاختلاف الهزيمة والخسارة. {وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} [طه:64] وقالوا لبعضهم: قد أفلح وفاز وانتصر اليوم من استعلى، أي: من انتصر ونجح وغلب وقهر موسى وهارون، هكذا تناجوا، وهكذا تحدثوا، وهكذا سول لهم الشيطان. ثم عادوا فقالوا: {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى} [طه:65] أخذوا يشرعون في السحر وعمله وعرضوا على موسى متأدبين أو متحدين، ولا يظهر إلا أنهم يتحدون، أما الأدب فلم يأت وقته ولا مجاله بعد. {قَالُوا} [طه:65] أي: السحرة، {يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى} [طه:65] أي: يلقون ما أتوا به من حبال وعصي وأعواد وآلات للسحر، ويلقي هو عصاه التي كانت المعجزة الأولى التي أتى بها فرعون فأفزعه وأرعبه ثم انتكس على عقبه وقال: هذا سحر، وبلادي عامرة بالسحرة. {قَالَ بَلْ أَلْقُوا} [طه:66] أي: فقال لهم موسى: بل كونوا الأول فيمن يلقي ويشرع في سحره وشعوذته وكيده. {قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ} [طه:66]. هنا حذف دل على السياق، وهو من الفصاحة في القرآن، ويأتي في لغة العرب كذلك، وقد قال ابن مالك في أرجوزته: وحذف ما يعلم جائز والتقدير: فألقوا الحبال والعصي فإذا بها تتحرك. {قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه:66]. الحبال: جمع حبل، وهو معروف. والعصي: جمع عصاً، وهي كذلك معروفة. فكانوا قد أتوا بأحمال من الحبال وأحمال من العصي وهي أدوات سحرهم في يوم الزينة هذا، يوم نصر الله للحق في شخص موسى وهارون، وخذلانه الباطل في شخص فرعون وسحرته. فألقوا وهم على مستوىً من الأرض وكان اليوم يوم عيد، وأتوا متزينين.
تفسير قوله تعالى: (قال بل ألقوا فإذا حبالهم)
تفسير قوله تعالى: (قال بل ألقوا فإذا حبالهم) قال تعالى: {قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه:66]. فألقى السحرة أولاً كما قال لهم موسى، ألقوا في هذه الصحاري حبالهم وعصيهم وإذا بها أفاعي فيما تظن العين ويتراءى لها. {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ} [طه:66] أي: إلى موسى، {مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه:66] فكان هناك من الكيد ومن الشعوذة ما صنعوه في الحبال والعصي، فبدت وكأنها تتحرك وترتمي على بعضها، وأنها تزحف يمنة ويسرة حتى كأنها أفاعي حقاً. فأخذت تتحرك وتسعى وتجري وما كان إلا الزئبق قد لطخت به الحبال ولطخت به العصي، فحمي هذا الزئبق عند حر الشمس ضحى، والزئبق بطبيعته متحرك غير ثابت ولا مستقر، وبكثرة ما صنعوه بدت الحبال والعصي في عين الناظر تتحرك وتمشي وتسرع. {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه:66]، خيل: أي هي خيالات خادعة، وأوهام كاذبة لا حقيقة لها في نفس الأمر، فلو وضع شخص يده على أفعى منها لما وجدها إلا عصاً أو حبلاً. والسحر أقل وأحقر من أن يغير ذات الشيء إلى ذات أخرى، ولا يفعل ذلك إلا الله جل جلاله، ولكنها الخزعبلات والألاعيب والخفة في اليد توهم الإنسان، وهو متشكك النفس في أن هؤلاء يريدون مخادعته، ويريدون اللعب على إدراكه وفهمه. وقد كاد يحصل بعض ذلك لموسى، وهو بشر بعيد عن السحر، فلم يسبق له أن رآه فضلاً عن أن يقوم به، وهو نبي معصوم، يقول الله عنه: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} [طه:67]. أي: أن موسى أضمر الخوف، وقال: معي عصاً واحدة وهؤلاء أتوا بالآلاف، فما تصنع هذه العصا مع هذه العصي والحبال التي انقلبت حيات وأفاعي؟ وهذا من ضعف البشرية، ولكن الوحي يساند ويؤيد ويقوي. وقيل: لم يخف موسى في نفسه وهو مؤيد بالوحي، ولكنه خاف على الحاضرين أن يغرهم ذلك فيبعدهم عن الحق وعن الهدى، فيعتبروا هذا نصراً وفوزاً فيفروا عنه ويتركوه وحده، ولا يؤمنوا به.
تفسير قوله تعالى: (قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى)
تفسير قوله تعالى: (قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى) كان هذا رسول الله ومعه الوحي يشد أزره، ومعه الله يسنده ويعززه فلم يتركه وحده، قال تعالى: {قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى} [طه:68]. أي: أنت الفائز، وأنت المظفر، وأنت المنتصر. {قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى} [طه:68] أنت الذي ستعلوهم وتنتصر عليهم، وهم المهزومون على ملأ من الخلق بمحضر فرعون إلههم الكاذب. {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه:69]. أمر الله عبده ونبيه موسى بعد أن طمأنه وأزال خوفه وتردده بأن يلقي ما بيمينه وكانت العصا التي كانت المعجزة الأولى لموسى مع فرعون. {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ} [طه:69] وقرئ: (تلقَّف) أي: تتلقف، أي: تزدرد وتبتلع وتأكل، فعصاك تفعل ما يعجز عنه كل هؤلاء السحرة. {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ} [طه:69] الذي فعلوه ليس إلا كيداً وشعوذة وخزعبلات وسحراً، ولا وجود لها في نفس الواقع، وإنما هي تخيلات وتوهمات، فصنعهم ليس إلا صنع ساحر. {وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه:69] لم ينجح الساحر حيث حضر متحدياً أو منفرداً، وكيف يفلح والذي يتحداه نبيان ورسولان كريمان: موسى وهارون.
تفسير قوله تعالى: (فألقي السحرة سجدا)
تفسير قوله تعالى: (فألقي السحرة سجداً) قال تعالى: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا} [طه:70]. أيضاً حذفت كلمة دل عليها السياق، أي: فاستجاب موسى لربه وألقى ما في يمينه وهي عصاه، وكان هذا المنظر قد رأته عينا كل حاضر من فرعون وهامان وقارون وأتباعهم. وإذا بعصا موسى أفعى فاغرة فاها كأعظم ما تكون عرضاً وطولاً، ناباً وسماً يقطر، وإذا بها تجري وتسعى خلف هذه الحبال والعصي فازدردتها وابتلعتها وقضمتها حتى لم يبق في الساحة عصاً واحدة أو حية واحدة فيما يزعم السحرة. وإذا بالذين أصبحوا سحرة قد انقلبوا وأمسوا شهداء، أصبحوا وثنيين وأمسوا موحدين، أصبحوا من أهل النار وأمسوا من أهل الجنة، {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا} [طه:70]. والساحر هو الذي يعرف ما كان سحراً حقاً وما لم يكن كذلك، فهم أول من يعلم أن الحبال والعصي التي ألقوها لم يكن من شأنها أن تزدرد أو تبتلع لأنه لا حقيقة لها، فالحبل لا يزال حبلاً، والعصا لا تزال عصاً، فكيف ازدردت عصا موسى كل ذلك؟ هذا هو الدليل القاطع على أن موسى ليس ساحراً، وأن عصاه ليست من أنواع عصينا، ثم أين ذهب كل هذا في جوفها وهي لا تزال على حالها طولاً وعرضاً، وقد كانت هذه العصي والحبال جبالاً متراكمة؟ فتأكدوا وقطعوا في أنفسهم أن موسى نبي صادق، وأن هارون نبي صادق، فارتموا ساجدين لله، تائبين من ذنوبهم السابقة ومن السحر، متحدين في ذلك فرعون وملأه، متعرضين للابتلاء وللعذاب، ولكن الله قواهم وثبت أقدامهم ليتحملوا من فرعون ما يتحملون رضاً لله وإيماناً بالحق، ولينصر الله الحق في هذا اليوم العظيم، وفي هذا المشهد الشامل. وانتصر الحق في شخص موسى وهارون، وزهق الباطل المتمثل في شخص فرعون وسحرته، وقد تخلى عنه سحرته وآمنوا بالله الذي أرسل موسى وهارون. وقوله: {سُجَّدًا} [طه:70] جمع ساجد. وإذا بفرعون كعادة الظلمة الجبابرة الطغاة عاد للوعيد والتهديد بسلطانه وبطغيانه، مع أنه هو الذي جمعهم، وهو الذي طلب من موسى أن يعين له ميقاتاً ليعلم الكاذب من الصادق، لكنه أبى أن يعترف على عادته، وظل في الإصرار على الباطل والكفر.
طه [71 - 76]
تفسير سورة طه [71 - 76] لما آمن السحرة لموسى وما جاء به من الحق عاد فرعون لطغيانه وجبروته وكفره، فاتهم السحرة مهددهم بالقتل والصلب؛ لكنهم كانوا قد عرفوا الحق وخالطت قلوبهم بشاشة الإيمان ففضلوا القتل على الردة.
تفسير قوله تعالى: (قل آمنتم له قبل أن آذن لكم)
تفسير قوله تعالى: (قل آمنتم له قبل أن آذن لكم) قال تعالى: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} [طه:71]. جاء فرعون للتهديد والوعيد والإنذار بالهلاك والتقتيل والتعذيب، ومع كل ما صنع تحداه هؤلاء الصالحون التائبون. قال لهم فرعون: {آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} [طه:71] يستفهم في استنكار: كيف آمنتم به وصدقتموه: {قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} [طه:71]، وكأن الإيمان بالله ينتظر إذناً من أحد، عظيماً كان أو حقيراً، كبيراً أو صغيراً، ذكراً أو أنثى. ولكن كان قد فصل بينهم وبينه الحق والنور فلم يعد له مكان في قلوبهم وليصنع ما يصنع. ثم عاد فأنذر وهدد: {فَلَأُقَطِّعَنَّ} [طه:71] وكان يكفي أن يقول: فلأقطع؛ لكنه يؤكد ويقسم بنفسه وبوثنيته، واللام هي التي تدل على القسم، فيؤكد ذلك بنون التوكيد الثقيلة، ويقسم بأنه سيقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أي: يقطع يداً يمنى ورجلاً يسرى، أو يداً يسرى ورجلاً يمنى. {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه:71]. أي: وبعد أن يفعل ذلك بهم ودماؤهم تنزف لا يوقفها، بل يصلبهم أحياءً على جذوع النخل، أي: على سيقانها وأعوادها ودمهم ينزف حتى الموت. والجذوع جمع جذع، وهو أصل النخلة وعودها التي تقوم عليه. {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} [طه:71] أيضاً يقسم لهم ليعلمن من أشد عذاباً وأبقى، أي: من شديد العذاب أنا أو رب موسى؟ فهو يتحدى الله، وقد لقي جزاءه. قوله: (وأبقى) أي: أدوم، أي: هذا العذاب يبقى في التاريخ، ولقد علم هؤلاء الشهداء كما علمنا نحن ومن سبقنا ومن يأتي بعدنا أن الله أشد عذاباً، وأبقى وأخلد. وقد مات فرعون غريقاً كافراً وشرد وأخرج من أرضه ذليلاً حقيراً، وانتصر الحق وخذل الباطل. قالوا: ولم يسبق أن عذب أحد إنساناً بهذا بأن قطع منه رجلاً ويداً من خلاف.
تفسير قوله تعالى: (قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا)
تفسير قوله تعالى: (قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا) وإذا بهؤلاء الشهداء وقد أنذرهم وتوعدهم وتهددهم فرعون يتحدونه بكل صلابة وإيمان، فكانوا القدوة والأئمة لكل مظلوم يكره على الكفر وقد بان له الحق وأتته البينات، فيثبت متحدياً الأباطرة والظلمة والجبابرة. وإذا بهؤلاء السادة الموحدين التائبين العابدين يجيبون فرعون ويقولون: {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه:72]. أجابوا فرعون محتقرين له أمام هذه الجموع الحاشدة من أهل البلد. وقولهم: {لَنْ نُؤْثِرَكَ} [طه:72]: أي: لن نختارك، ولن نقدمك، ولن نعبدك بعد اليوم، ولن نرتكب سحراً حتى ولو عشنا. {لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} [طه:72]: أي: ما كان لنا أن نختارك ونقدمك بعد اليوم، وقد رأينا هذه البينات الفاضحات، والمعجزات الواضحات، وما أتى دليلاً على صدق موسى وهارون من أنهما نبيان رسولان جاءا ليبلغا الحق والهدى عن الله تعالى. وكانت البينات بالنسبة لهم هذه العصا التي ازدردت كل العصي والحبال التي جاءوا بها، وهم أعلم بالسحر من فرعون؛ فعرفوا أن هذا لم يكن سحراً أبداً، وأنه دلالة أكيدة صادعة من الله الخالق المحيي المميت، وليس ذلك سحراً، وليس ذلك شعوذة. وكانوا من قبل عندما حضهم موسى قبل الشروع في السحر ودعاهم إلى الله قائلاً: {لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} [طه:61]؛ أخذوا يترددون ويقولون: ليس هذا بقول ساحر، ليس هذا بقول مشعوذ، بل هذا الكلام لا يخرج إلا من في نبي، وخاصة في مثل هذه المواقف. قال هؤلاء التائبون لفرعون الكاذب: {لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا} [طه:72]: أي: لن نختارك ولن نقدمك على هذه البينات وعلى الله الذي خلقنا وأنشأنا، والذي أرسل لنا موسى وهارون لنعلم الحق من الباطل ونخرج من الوثنية إلى عبادة الله الواحد، ونترك الأصنام حية كانت أو ميتة، ونترك هذا الباطل الذي تعيشون فيه. وقد يكون قولهم: {وَالَّذِي فَطَرَنَا} [طه:72] قسماً؛ أي: ونقسم على ذلك بالله الذي أنشأنا على غير مثال سابق، وأوجدنا بلا مواد سابقة، وأوجد المواد التي كوننا منها كالتراب. أو: لن نؤثرك ولن نختارك على البينات الهاديات والمعجزات الواضحات، وربنا الذي فطرنا وخلقنا، فربنا هو المختار لنا والمعبود وحده بعد اليوم. قولهم: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} [طه:72]: أي: اصنع ما أنت صانعه، وافعل ما أنت فاعله، فاقتل واصلب وقطع. {إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه:72]: أي: لن يكون لك ذلك إلا في هذه الحياة غير الدائمة، هذه الحياة التي لم تكن ثم كانت، وهي إلى عدم بعد ذلك ويبقى الله الواحد القهار. فلن نؤثر الفاني على الدائم، ولن نؤثر الباطل على الحق، ولن نؤثر الإله الكاذب على الإله الحق فاطرنا وخالقنا جل جلاله. وقولهم: {إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه:72]: أي: لن تستطيع أن تفعل شيئاً إلا في هذه الأيام القليلة التي ابتلي بك قومك، وابتلينا نحن كذلك بك ليختبر الله صدقنا بعد أن أرسل لنا نبيين كريمين، وبعد أن بدت لنا العلامات والبينات على صدقه.
تفسير قوله تعالى: (إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا)
تفسير قوله تعالى: (إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا) ثم عادوا فقالوا بكل شجاعة وبكل يقين وإيمان بما بقوا به أئمة ورموزاً للحق والدعاة للحق مهما لقوا في سبيل الله من الجبابرة والطغاة، وما أكثرهم قبل وبعد، قالوا له بعد ذلك: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه:73]. فقالوا له: لن نخضع لموسى على أنه رب أو إله فيما تريد أن تزعم وتظن، فما جاء موسى إلا عبداً رسولاً لربه، وما جاء هارون إلا عبداً رسولاً مبلغاً عن ربه، وعندما آمنا لم نؤمن إلا بالله الفاطر الخالق وحده، المرسل لنا عبديه ونبييه موسى وهارون، فقد آمنا بهما رسولين وآمنا بالمرسل الحق خالقاً ورازقاً ومعبوداً وحده لا شريك له. وكان هذا على الملأ، فأذل الله فرعون وأحقره أمام أتباعه وملئه من الناس، ولم يجد هنا ما يفعله مع هؤلاء المؤمنين التائبين إلا الطغيان والظلم، وإلا التهديد وتقطيع الأيدي والأرجل والصلب، ولكن بقي الحق حقاً ولو صنع ما صنع، وهكذا يأبى الله إلا أن ينصر الحق ويبطل الباطل ولو كره المشركون، فللباطل جولة ثم يضمحل ولا يدوم إلا الحق. {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا} [طه:73]: أي: ولا تملك أنت ذلك، آمنا بالله رباً، وبموسى وهارون نبيين رسولين؛ عسى الله أن يغفر ذنوبنا وسيئاتنا الماضية في الشرك وعبادتك واتباعك في الباطل والوثنية. {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ} [طه:73]: أي: معنى هذا: أن هؤلاء أكرهوا على أن يكونوا سحرة، فقد أتى بهم صغاراً وأجبرهم على تعلم السحر تحت الحديد والنار، فمن عارض قتله، ومن وافق قبله، ولكنه مع ذلك ما وافقه إلا مكره خائف على نفسه وحياته. فيقولون: آمنا ليغفر الله ذنوبنا ويغفر لنا هذا السحر وهذه الشعوذة الباطلة التي لم تكن من ذواتنا، ولم نكن نعرفها قبل لولا أنك أكرهتنا عليها بالحديد والنار ظلماً وعتواً واستعلاءً في الأرض. قولهم: {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه:73]: هذا جواب على قوله: {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} [طه:71] فقالوا له: ربنا هو الأشد عذاباً لمن عصاه، وربنا هو الأبقى نعمة وجزاء وخلوداً في الجنة لمن أطاعه. كنت تغرينا بقربى منك وهي مضمحلة وفانية، ثم تهددنا بالتقطيع والصليب والتعذيب، وزعمت أن عذابك أشد من عذاب الله، وزعمت أن ثوابك أبقى من ثواب الله، ولكن هيهات، فعذاب الله في ناره أشد وأنكى وأخلد، وجزاء الله بالحسنى وبالجنان أدوم وأخلد وأبقى على مدى الدهور والأزمان.
تفسير قوله تعالى: (إنه من يأت ربه مجرما)
تفسير قوله تعالى: (إنه من يأت ربه مجرماً) قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا} [طه:74]. انقلبوا من وثنهم وعبادتهم لفرعون، إلى مؤمنين دعاة إلى الله يتحدون فرعون في طغيانه وألوهيته الكاذبة، ثم يدعونه ويدعون الملأ كله إلى الله وقد حشدوا جميعاً على رءوس الخلائق ضحىً بحيث يسمع الكل ويرى. قولهم: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا} [طه:74]: أي: يا فرعون! إذا أتيت ربك مجرماً مشركاً فإن لك جهنم. وأشد أنواع الإجرام الشرك بالله. {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ} [طه:74]: أي: جزاؤه هذه النار الخالدة التي من دخل فيها من المشركين يخلد أبد الآباد ودهر الداهرين، ولكنه مع خلوده لا يحيا حياة يستريح فيها، ولا يموت موتاً يستريح فيه من عذابها، فهو لا حي فيرتجى، ولا ميت فيستريح، بل هو أبداً في عذاب: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء:56]. وقد يخرج من النار من مات على التوحيد ولو بقوله عن يقين: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو الإيمان بأنبياء عصره. أما من مات مشركاً كافراً فقد حرم الله عليه الجنة: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48]. وجهنم درجات أيضاً كالجنة، ففي الدرجة العليا الضحلة من لا تمس النار إلا قدميه، ولكن يغلي من هذه النار دماغه، وهناك من هو في قاع النار: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء:145]. والبعض يهوون فيها سبعين خريفاً، هكذا عمق النار وعذابها لمن يستحق ذلك ممن استكبر على ربه وأبى إلا الإشراك والظلم والطغيان والاعتداء على الأرواح والأعراض والأموات، ذاك جزاء فرعون وجزاء كل من صار على دينه وعلى طريقته.
تفسير قوله تعالى: (ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات)
تفسير قوله تعالى: (ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات) قال تعالى: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى} [طه:75]: أي: الذي يأتي ربه مؤمناً أنه الله الواحد لا شريك له، وأنه أرسل عبيداً من عبيده اختارهم أنبياء ورسلاً مبلغين عنه دعوته لعبادته وتوحيده وطاعته فله الدرجات العلى في الجنة. قوله: {قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ} [طه:75] أي: لا يكفي أن يؤمن باللسان، ولا بد أن يؤكد ذلك بالأعمال. وعمل الصالحات من طاعة الله ورسوله حسب ما طلب الله وأمر، ولا اجتهاد في الطاعة. وقد قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} [العصر:1 - 3] كل خلق الله في الأرض من الجن والإنس خاسرون ضائعون، {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} [العصر:3] أي: إلا من آمن بالله رباً. {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [العصر:3] تأتي الدرجة الثانية وهي العمل الصالح. وهكذا لا يذكر الإيمان إلا ويذكر معه العمل الصالح. والرتبة الثالثة هي ما يفعله الآن هؤلاء التائبون من سحرة فرعون، {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3] أخذ يأمر بعضهم بعضاً بالحق، وما الحق إلا الإيمان، وما الحق إلا التوحيد، وما الحق إلا الإلهيات والنبوات، طاعة لله وطاعة لرسوله في كل ما أمرا به. والمؤمن يقول بعد الرسالة المحمدية: آمنت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبمحمد نبياًً، وبالمؤمنين إخوة، وبالكعبة قبلة. هذا هو الإيمان. ويأتي العمل الصالح من ترك المنكرات جميعها، وفعل الصالحات حسب القدرة والطاقة؛ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا). فالباطل والزيف والمنكر أعمال سلبية لا تحتاج إلا إلى إيقان وقوة إرادة في تركها. أما الفعل فحسب القدرة، فالقوي يفعل ما لا يستطيعه الضعيف، والضعيف يستطيع أن يفعل ما لا يفعله الأضعف، وكل حسب قدرته وطاقته. وأما الإيمان فلا هوداة فيه ولا تسامح، ومن آمن ببعض وكفر ببعض فذلك أيضاً كافر، الإيمان كل لا يقبل التجزئة. ومن يأت ربه مؤمناً قد عمل الصالحات فله الجنة، وما عمل الصالحات إلا القيام بالأركان الخمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلاً، وإيتاء الزكاة على من عنده نصابها، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولم يجعل علينا في الدين من حرج. قوله: {لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى} [طه:75]: العلى: جمع علياء، وهي مؤنث أعلى، والدرجات في الجنة، ويقال عن درجات النار دركات؛ لأنه ينزل إليها نزولاً إلى أسفل السافلين. وأما الجنة ففي العلو، وما يفعل بالعلو يقال عنه درج، فللجنة مقامات ودرجات. وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن للجنة مائة درجة، ما بين درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، ومن في الدرجة الثانية يتراءون من فوقهم كما تتراءون النجم الدري في أعلى السماء، وإن عمر لمنهم). فهذه الدرجات العلى أعلاها الفردوس، وبين كل درجة ودرجة مثل ما بين السماء والأرض. ويبشر صلى الله عليه وسلم الخليفتين الراشدين أبا بكر وعمر أنهما من هؤلاء الذي لهم الدرجات العلى، وأنعم بهما ما أكرمهما. وقد قال عليه الصلاة والسلام: (الجنة درجات وأعلاها الفردوس الأعلى وهي للمؤمنين، فقال بعض الحاضرين: تلك منازل الأنبياء يا رسول الله! قال: بلى، هي لمن آمن بالله وعمل صالحاً، وإن أبا بكر وعمر لمنهم، وأكرما وأنعما). {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى} [طه:75] أي: أعلى الدرجات في الجنة وليس الدرجة السفلى منها، وليس في الجنان أسفل، إنما درجة أعلى من درجة، ومقام أعلى من مقام، وإلا فكلهم مرضي عنهم مرحومون، يمتعون برضا الله والنعيم الخالد الدائم.
تفسير قوله تعالى: (جنات عدن تجري من تحتها الأنهار)
تفسير قوله تعالى: (جنات عدن تجري من تحتها الأنهار) قال تعالى: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى} [طه:75] ثم فسرها الله، فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} [طه:76]. فهذه الدرجات عُلى، ثم شرحها الله تعالى وبين أنها جنان: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} [طه:76] أي: جنات إقامة دائمة، ومنه المعدن، أي: النوع المقيم في الأرض قبل أن يستخلص ويؤخذ ويستفاد منه. فقوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} [طه:76] أي: جنات دائمة، جنات مقيمة، جنات جعلت للدوام والبقاء الخالد. {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} [طه:76]: أي: ومع كونها مقيمة خالدة أبداً سرمداً إلى يوم القيامة فإن الأنهار تجري من تحتها. وكما أن أهل النار كلما نضجت جلودهم أبدلهم الله غيرها، فالجنة تتجدد خلايا ساكنيها وشبيبتهم وحيويتهم وشهواتهم ورغباتهم وكأنهم لم يكونوا يوماً شيوخاً ولا مرضى ولا أمواتاً. وهم شباب في سن ثلاث وثلاثين على أجمل ما يكونون شكلاً وقوة ونفساً وراحة. هكذا يقول هؤلاء الشهداء قبل أن يستشهدوا، فيتحدون الباطل في شخص فرعون، ويتحدون الظلم في شخص قوم فرعون، ويأبون إلا أن يؤمنوا تائبين، عابدين دعاة إلى الله مذكرين. وكانوا يتحدون فرعون وهامان وموسى ينظر إلى ذلك وهارون وهما قريرا العين، بل في لذة النصر ولذة الاتباع في الإيمان، وأن فرعون الطاغية الظالم قد أخزاه الله وأذله على ملأ من قومه. وهؤلاء الذين أكرههم على السحر قد تحدوه، وقد حقروه، وقد ازدروه، بل وانقلبوا يقولون عنه فاجر ظالم كاذب. ثم أخذوا يدعونه إلى الله، وأن الله يقبل التوابين ويغفر للمذنبين إن استغفروا وتابوا وأنابوا، وأن من بقي على كفره إلى الموت لا مكان له في الجنة، بل مكانه جهنم خالداً فيها أبد الآبدين، ومن أتى ربه تائباً مستغفراً فمكانه الجنان والدرجات العلى منها منعماً، مكرماً.
طه [97 - 99]
تفسير سورة طه [97 - 99] عاقب الله تعالى السامري الذي أضل بني إسرائيل، وقد أمره موسى باعتزال الناس، وهدده بالموعد الذي سيأتيه فيحاسبه على ما أجرم وافترى.
تفسير قوله تعالى: (قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس)
تفسير قوله تعالى: (قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس) قال تعالى: {قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ} [طه:97]. أي: ابتعد واعتزل، وليبتعد الناس عنك وليعتزلوك. وقد استوحش وأصبح في الصحاري، وكأنه الحيوان الوحشي لا يألف ولا يؤلف، فإذا رأى إنساناً بعيداً صاح وفر. قال له موسى: {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ} [طه:97]: أي: لك موعد من ربك في عقوبتك وفي عذابك يوم القيامة لن تخلفه، ولن يتخلف هذا الموعد عنك ولا عن كل مذنب يوم الحساب والعقاب والعرض على الله. وهكذا أنذره موسى بعد أن عاقبه عقوبة الدنيا التي يملك، وترك عقوبة الله التي لا يملكها غيره، فله موعد من الله يوم القيامة لن يخلفه. ثم قال له: {وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} [طه:97]: ثم انظر إلى هذا العجل الذي زعمته إلهاً ماذا سنصنع به؟ والذي صنع أنه حرقه وأذابه وعاد به إلى أصله، ثم برده إلى أن أصبح برادة كالنخالة، وجاء في يوم عاصف إلى شاطئ البحر فنفثه ونسفه إلى أن تشتت في الهواء. {الَّذِي ظَلْتَ} [طه:97] أي: ظللت، حذفت إحدى اللامين للتخفيف، وهي من بلاغة القرآن الكريم، يقال: ظل فلان يومه يصنع، أي: اليوم كله، وكان ذلك عمله. ومعنى {ظَلْتَ عَلَيْهِ} [طه:97]: دمت على عبادته وزعمت أنه إله، فانظر ماذا سنصنع به؟ ثم أقسم موسى: (لنحرقنه) واللام هنا لام موطئة للقسم، وأكدت بنون التوكيد الثقيلة. وكان التحريق لهذا الذهب والمعدن بأن يذاب إلى أن يعود لأصله، ثم يبرد. {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ} [طه:97] النسف: الذر والتشتيت في الهواء، كمن يأتي إلى نخالة دقيق أو تراب فينفخه، فيبعثر ويذر على مختلف النواحي. {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ} [طه:97] واليم هو البحر.
تفسير قوله تعالى: (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو)
تفسير قوله تعالى: (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو) قال تعالى: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه:98]. ثم عاد موسى داعياً إلى الله مؤكداً دعوته لعبادة الله الواحد، وأنه هو ومن سبقه من الأنبياء ومن يأتي بعده كعيسى ونبينا عليهم جميعاً الصلاة والسلام؛ كلهم ما جاءوا إلا للدعوة إلى الله الواحد، فلا صنم ولا شريك لا من حي ولا من ميت، لا من ملك ولا إنسي ولا من جني، لا من صامت ولا متحرك، فالله الواحد هو المعبود الحق والإله الحق في الأولين والآخرين. قوله: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ} [طه:98] إنما: أداة حصر، أي: الألوهية والعبودية محصورة في الله الذي لا إله غيره، فلا ثاني له ولا شريك له لا في ذات ولا صفة ولا فعال. {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه:98]: علماً: منصوبة على التمييز، أي: وسع علمه كل شيء، وأحاط بعلم كل شيء، فلا تخفى عليه خافية لا في الضمائر ولا في النفوس، ولا في البر ولا في البحر، ما من غائبة إلا يعلمها، ما من ورقة تلقى في ليل أو نهار أو شرق أو غرب إلا وعلمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى. وبهذا تكون قصة موسى قد انتهت هنا في سورة طه، وقد كررت في القرآن في أكثر من مناسبة، وعند كل مناسبة يؤخذ منها معنى جديد، وقد تساءل الناس قبلنا: ما حكمة الإلحاح على قصة موسى وقصة النصارى بما صنعوا لعيسى. وما صنع معهم عيسى في القرآن؟ والأمر بين وواضح؛ فالأديان السابقة كلها انتهت بعد أن حرفت، ولم يبق آثار من وثنيات وعبوديات زائفة وباطلة تظهر في عبدة الفروج وعبدة القرود وعبدة البقر وعبدة الحيوانات، لكنهم لا يملكون كتاباً يقولون إنه من عند ربنا، انحرف أو لم ينحرف. ولم يبق من ذلك إلا ديانة موسى وعيسى بعد أن حرفتا وبعد أن بدلتا، وبعد أن غيرتا، وبعد أن انتقلتا من عبادة الله الواحد إلى الوثنية وعبادة من دون الله، فالنصارى عبدوا ثلاثة: الله وعيسى ومريم. واليهود عبدوا العجل مع الله، وعبدوا العزير مع الله، وزعموا أنهم جميعاً أبناء الله، فأعطوا لله صورة مخلوقة بشرية على حسب فساد عقولهم وفساد أديانهم، ولاقوا في حياتهم ولا يزالون يلاقون من عذاب الله ونكاله. فالله جل جلاله قال ذلك في الكتاب المنزل على نبينا، والذي أمرنا وغيرنا من سكان الأرض منذ الدعوة المحمدية وإلى قيام الساعة أن نلتزم ما فيه، وأن نحلل حلاله، ونحرم حرامه. فكان مما وعظنا به الله وأنذرنا، أن بشرنا وأنذرنا أنكم الآن على دين الحق، فإذا غيرتم أو بدلتم فمن بدل منكم عن علم كما بدل اليهود فستكون عقوبته في الدنيا عقوبة اليهود. ومن بدل منكم عن جهل ولم يكلف نفسه علماً ولا تعلماً فسيعاقب عقوبة النصارى الذين ضلوا عن جهل. وهكذا دواليك، ولكن مع هذا الوعظ الشديد والنذارة الشديدة والبشارة الدائمة ضل الكثيرون منا وجروا خلف اليهود، فاتبعوا ماركس ولينين وأمثالهما من اليهود، وإذا بالله الكريم يعاقبهم عقاب اليهود، بل ويسلط عليهم اليهود، وما تسليط اليهود علينا إلا لأننا خرجنا عن أمر الله وطاعته، وسعينا في أن نقتفي أثرهم، ونعبد العجل معهم، ونشرك شركهم، فكان ما ترون. ولا أحد أصبر من الله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه سبحانه يرزقنا ويعطينا ومنا من يدعو مع الله إلهاً، ومنا من يظل ليله ونهاره على المعصية والكفر والشرك والردة، ولن يرفع الله عقوبته ولا عذابه ما لم نتب إليه ونعود إليه تائبين وله حامدين في أن يرفع عنا ما ابتلينا به. وهكذا اليوم تجد الإنسان يزعم أنه متحضر، ومن تحضره في ما يزعمه ويعلنه أنه قَبِل الهوان والاستسلام، وقبل الكفران والبعد عن القرآن. يقول موسى كما قال الله عنه: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه:98]. أعطى عباده عقولاً يعقلون بها أنفسهم عن الباطل والفحشاء والسوء، ولكنه علم من سيفعل ذلك منهم ومن سيخالف ذلك، وهو العالم بكل شيء قبل أن يكون وبعد أن يكون، ولو لم يكن لو كان كيف سيكون.
تفسير قوله تعالى: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق)
تفسير قوله تعالى: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق) ثم قال تعالى ممتناً على رسوله ومعلناً لنا بأن ما يقصه الحق: {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه:99]. أي: وكما قصصنا عليك قصة موسى وفرعون ولم تكن تعلمها قبل، وكانت مشوشة عند الناس مبدلة محرفة، كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق. وقد قص الله علينا قصص خلق آدم، ونوح مع قومه، وصالح مع قومه، وهود مع قومه، ولوط مع قومه، وإبراهيم مع قومه، وقصص جميع أنبياء بني إسرائيل، وهكذا دواليك. وقص علينا قصص شعوب بائدة، وكان كل ما قصه لم يكن معلوماً عند العرب، فقد كانوا أمة أمية لا يحسبون ولا يكتبون، فمن أين جاءته هذه المعارف؟ أليست هذه معجزة المعجزات الخالدة إلى يوم القيامة؟ إنسان عاش بين قومه أربعين عاماً لا يعلم شيئاً، ففيه ذكاء ونبوغ، ولكنه لم يقرأ ولم يكتب ولم يتتلمذ على شيخ، وإذا به بعد الأربعين سنة يصبح وقد فاجأ قومه وفاجأ الخلق كلهم مشارق ومغارب بهذه العلوم التي وسعت الأولين والآخرين، بقصص السابقين واللاحقين، بما كانوا عليه وبما يكونون، من أين جاءه كل ذلك؟ وأتى به بكلام معجز على فصاحة العرب وبلاغتهم وما أعطوا من تفنن في القول، وقد عجزوا عن أن يأتوا بآية من مثله، بسورة من مثله، ولا يزال العجز قائماً، والتعجيز قائماً، لا أمة في الماضي، ولا أمة في الحاضر ولا في الآتي، ولا إنسان مهما بلغ من الفصاحة والبلاغة، لن يستطيع الإتيان بسورة من مثل سور القرآن، بل ولا بآية. فإن حاول أتى بالغث، أتى بالسخيف من القول، أتى بما يتضاحك به وتضحك منه الثكلى، فالله جل جلاله يقول لنبيه ولنعلم نحن ذلك: لو لم يكن محمد نبياً حقاً صلى الله عليه وآله فمن أين أتته هذه العلوم وهذه المعارف؟ على من درسها وكيف درسها وهو لم يعش إلا في أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب ولا تحسب. {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ} [طه:99] أي: من أنباء القوم السابقين كما لو عشت معهم. ومن هنا نعلم متأكدين قاطعين أن قصص القرآن هي قصص واقعية، هي قصص كانت ذات يوم لأشخاص وأعيان وأزمان وأجيال وأوقات، لا كما زعم من ارتد ممن يدعي العلم ويدعي المعرفة منذ مائة عام وهلك مع الهالكين. قال عن قصص القرآن: هي أشياء متخيلة، ذكرت لضرب الأمثال وأخذ العبرة، ولم يكن لها في التاريخ والواقع وجود. وضل هذا وأضل غيره، وجاء بعده من قال بذلك وكتب عنه أطروحات وكتباً، وهذا كله ضلال في ضلال، ردة في ردة، خروج عن كتاب الله وخروج عن أمر الله ومعصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالقصص كله حق. ومن هنا عندما ابتدأ الناس البحث عن الآثار في الأرض، هذه الآثار قد لفت الله نظرنا إليها فأمرنا أن نضرب في الأرض ونرى الآثار، وقد وجدنا آثار كل من قص الله قصصهم من قوم فرعون، ومن قوم لوط، ومن قوم إبراهيم، ومن جميع أنبياء بني إسرائيل. فكان ذلك مكذباً للواقع المحسوس الملموس باليد حتى للكافر، حتى لضائعي العقل، حتى للذي يعيش في الزيف والباطل. {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ} [طه:99] من أخبارهم. وقوله تعالى: {مِنْ} [طه:99] من هنا للتبعيض، أي: يذكر لنا بعض ما سبق من قصص هؤلاء، هذا القرآن الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن فيه خبر من قبلنا، وأن فيه خبر ما بعدنا، وأنه الحكم الفصل، ما تركه من جبار إلا وقصمه الله، ورأينا ذلك رأي العين، بل ولا نزال نعيش في واقعه. قال تعالى: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه:99] والذكر هنا القرآن، كما أن الذكر محمد عليه الصلاة والسلام، لأن لله عباداً إذا رؤوا ذكر الله، وكان في طليعة هؤلاء العباد نبينا صلى الله عليه وعلى آله، ما رئي إلا وذكر الله، وقيل ليس هذا بوجه كذاب، وقيل: هذا الناطق عن الله، وقيل: هذا المذكر لله وفي الله. وكثيراً ما جاء أعراب سذج لا يكادون يميزون فرأوا إشراق النبوءة، ورأوا النور النبوي على جبينه فقالوا: والله ما هذا بوجه كذاب، فآمنوا به دون أن يسمعوا معجزة ولا برهاناً ولا دليلاً، كان ذلك بالحدس، كان ذلك باليقين أن مثل هذا لا يكذب. ومن لا يكذب على البشر مدة أربعين عاماً وقد عاش بين قومه، عرفه الصغير والكبير، وهو ابن زعمائهم وابن قادتهم، ابن عبد الله بن عبد المطلب، أيكذب على الله بعد أن بلغ أربعين عاماً؟ حاشا الله ومعاذ الله. {وقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه:99] أي: من عندنا، ومعناه: أن الكتاب كتاب الله، والذكر ذكر الله، وما محمد عليه الصلاة والسلام إلا مبلغ عن ربه، قد خلت من قبله الرسل فهو خاتم الرسل. ومن أسماء القرآن: القرآن والفرقان والذكر، ما قرأه إنسان إلا وتفكر الحق وميز الباطل، وذكر ربه، وذكر بشراه، وذكر عقوبته فتذكر ورجع إلى الله، {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات:55].
طه [99 - 104]
تفسير سورة طه [99 - 104] القصص التي يذكرها الله في القرآن هي تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه قد آتاه من عنده ذكراً، وهو القرآن، فمن كذب به وأعرض عنه عوقب يوم القيامة بما يستحقه.
تفسير قوله تعالى: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق)
تفسير قوله تعالى: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق) قال الله تعالى: {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه:99]. يقول الله جل جلاله: كذلك يا محمد، قصصنا عليك قصة موسى وهارون مع فرعون وهامان وقارون وملئهم حتى كأنك حاضر فيها زمناً وشخصاً وحالاً وغضباً ورضاً وانتقاماً ووحياً ودعوة إلى الله. {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ} [طه:99]: أي: نقص عليك من أخبارهم، وأنباء: جمع نبأ، أي: من أخبار الأمم السابقة والعصور الماضية، وأنبياء الله السابقين، وبدء الخلق، وما جرى على العصاة والمتمردين المكذبين لرسلهم وأنبيائهم؛ ليكون لك من ذلك عبرة، ويشد ذلك ظهرك، وتتخذ الأنبياء والملائكة قدوة لك، لتجد السلوى في ما جرى لك من قومك عندما تعرف ما جرى لهم من أقوامهم. {مِنْ أَنْبَاءِ} [طه:99] من: للتبعيض، أي: قص الله تعالى على نبينا وعلينا بالتبع بعض أحوال من مضى لنأخذ منها العبرة والعظة والدرس، ونأخذ منها العلم والمعرفة. {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه:99] كما قصصنا عليك أنباء السابقين كذلك أنزلنا إليك من عندنا ذكراً. والذكر هنا هو القرآن الكريم، ففيه ذكر من قبلنا وذكر من بعدنا، وفصل ما بيننا، ما تركه من جبار إلا قصمه الله، فيه الحق بداية ونهاية، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه:99]: أي: وأوحينا إليك وأكرمناك بكتاب لم يسبق مثله في السابقين، ولم يأت بعده في اللاحقين، خاتم الكتب السماوية وجامع ما فيها والزائد عليها معرفة وذكراً وعلماً وقصصاً للذكرى وللعبرة والموعظة. وفي قوله: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه:99] أي: تذكر به، فهو شرف لك، كما قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف:44]. وهو شرف لك رفع اسمك في الخافقين، وخلد اسمك بين الخالدين، وكنت بذلك خاتم الأنبياء وإمامهم، وكان دينك دين العوالم كلها منذ أوحي إليك هذا الكتاب الكريم وإلى يوم النفخ في الصور، وهو للأبيض والأسود والأحمر والأصفر، للمشارق والمغارب، للعرب والعجم. فهو ذكر وتذكير لهم بما سيئول إليه أمرهم، وهو عظة لهم، بشير للمستقيم، ونذير للكافرين.
تفسير قوله تعالى: (من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا)
تفسير قوله تعالى: (من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً) قال تعالى: {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} [طه:100]. أي: من أعرض عن هذا الذكر فكذبه وتركه وراءه ظهرياً، وجعله في عرض الكلام وزائده، ولم يعتبره كلاماً من الله، ولم يعتبره كتاباً أنزل لتذكير الخلق ودعوتهم كلهم لعبادة الله الواحد، وإبعادهم عن الكفر والجحود والعصيان، فإنه يحمل يوم القيامة وزراً. وقوله: {مَنْ أَعْرَضَ} [طه:100]: أي: فهو كتاب أنزل على محمد سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم، ليكون الكتاب العام الشامل لجميع العوالم، لمن عاصره صلى الله عليه وسلم ولمن أتى بعده وإلى يوم النفخ في الصور. وعلى ذلك فمن بلغه كتاب الله المنزل على خاتم الأنبياء فلم يعمل به وأعرض عنه وتجنبه {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} [طه:100]. والوزر: الذنب الثقيل الذي ينوء بحمله الإنسان ويثقل ظهره. فمن أعرض عن القرآن وكفر به فإنه يأتي يوم القيامة ظالماً آثماً، حاملاً من الأوزار ثقيلها وعظيمها مما ينوء به حمله، ولا يكاد يطيقه زيادة في عذابه وآلامه. وهذه الآية من الآي التي تعتبر دليلاً على أن القرآن كتاب الله للبشر كلهم، فهي كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]، هكذا أمر صلى الله عليه وسلم أن يصدع بالحق وأن يصدع بالإسلام من تلك البطاح المقدسة (مكة المكرمة والمدينة المنورة)، وأن يبلغ من بلغه ممن يأتي بعده، وهكذا دواليك إلى يوم القيامة. ومن هنا كما في الحديث المتواتر يقول صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي، فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلَّغ أوعى من سامع). وفي الحديث: (تسمعون مني ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم). ومن هنا كان القرآن الكريم على خلاف الكتب السابقة المنزلة على الأنبياء السابقين، فتلك كلف بحفظها ربانيوها وعلماؤها، ولكنهم عجزوا عن حفظها ورعايتها وبقائها سالمة من التحريف والتبديل. أما القرآن الكريم فقد تعهد الله بحفظه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]. ومن حفظه أن ألهم أبا بكر أن يقبل مشورة عمر في أن يجمع القرآن، كما ألهم عثمان أن يجمع ما جمع أيام أبي بكر في كتاب واحد ويحرق ما عداه مما خلط به بعض كتاب التفاسير والشروح والبيانات، وقد خاف عثمان وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يختلط الأمر على من يأتي من المسلمين بعد، فيخلط ما ذكر شرحاً وبياناً مع الوحي، فيصبح القرآن كالتوراة والإنجيل، ولكن ذلك لا يتم؛ لأن الله الذي تعهد بحفظه، فجمعته الصدور، وكتب في السطور، وتلي في المحارب والمساجد والمعابد. وهكذا توارثناه لفظاً لفظاً، وآية آية عن آبائنا عن أجدادنا عن أجدادهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا تلوناه وحفظناه عن شيوخنا وعن أساتذتنا عن مشايخهم متواتراً، مطبقاً على ما فيه حركة وسكنة وسور وآي، وبكل ما بين دفتيه. قد يقرأ اليهودي من التوراة، ويقرأ النصراني من الإنجيل ممن يدعى أنهم علماؤهم فيبدل ويغير ويزيد وينقص، ولا يجد من يقول له أخطأت، ولكن كتاب الله إذا تلاه تال وسها عن كلمة وغلط في آية تجد الحاضرين جميعاً يصيحون في وجهه أن ليست التلاوة كذلك، وإنك قد أخطأت وغفلت وسهوت، دون حاجة للرجوع للمصاحف، على أن ما في المصاحف يؤيد كل ذلك ويزكيه ويعززه ويؤازره. ومن هنا كان نص الكلام في كتاب الله هو هو، كما كان يتلوه صلى الله عليه وسلم في بيت الله الحرام وفي مسجده النبوي، وحيثما انتقلت سفراً وحضراً، سلماً وحرباً.
تفسير قوله تعالى: (خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا)
تفسير قوله تعالى: (خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملاً) قال تعالى: {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً} [طه:100 - 101]: أي: هذا الذي يأتي كافراً به، مكذباً بما فيه يأتي يوم القيامة وهو يحمل الأوزار والآثام خالداً في ذلك، وهي ذنوب أهل الشرك والكفر في جهنم أبداً سرمداً. فمن لم يؤمن بالقرآن فقد كفر، ومن لم يؤمن بمحمد نبياً ورسولاً فقد كفر، ومن لم يعمل بما جاء في كتاب الله على أنه وحي الله فقد كفر، فهو يأتي يوم القيامة مثقلاً بالذنوب والآثام، ويكون بذلك خالداً في جهنم، خالداً في وزره، خالداً في ذنوبه وآثامه، وما ذاك إلا خلود في جهنم أبداً سرمداً إلى حيث لا نهاية. {خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} [طه:101]: أي: ساء ما يحملونه من ذنب يوم القيامة عندما يأتون، فإنها أثقال تحمل الأوزار وتحمل الذنوب والمعاصي وتقود حاملها إلى النار وإلى السوء. يا سوءتاه ويا ما كثرة السوء من حمل ذلك! يأتي سيئ العقيدة، يأتي سيئ الحظ، يأتي بالسوء بدخوله جهنم وهو يحمل أثقالاً وأوزراً وآثاماً.
تفسير قوله تعالى: (يوم ينفخ في الصور)
تفسير قوله تعالى: (يوم ينفخ في الصور) قال تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا} [طه:102 - 103]. يكون هذا المجيء وهذه الأثقال والأوزار التي يحملها على عاتقيه من مات وهو لا يؤمن بكتاب الله يوم القيامة. وذلك يوم ينفخ في الصور، ويوم النفخ في الصور هو يوم البعث، عندما يفنى الكل ويموت، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88]، {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27]. والصور قرن على قدر السماوات والأرض يكلف به ملك اسمه إسرافيل، وإذا كان هذا الصور قدره قدر السماوات والأرض، فالذي يحمله لينفخ فيه كم يكون طوله وعرضه وثقله، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص:68]. قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحاح: (كيف أسر وملك الصور فاتح فاه محن رأسه على الصور ينتظر الإذن لينفخ فيه)، وهما نفختان بين كل نفخة ونفخة أربعون عاماً. والعام من أعوام القيامة، أي: اليوم فيه كألف سنة مما تعدون. فينفخ النفخة الأولى فلا تبقى حياة في الأرض أبداً، ولا في السماوات ولا في البحار ولا في عمق الأرض. وبعد أربعين ينفخ ثانية فينتصب الخلق قياماً لله، زاحفين إلى الحشر، متخافتين لا يسمع لهم إلا الهمس ووقر أقدامهم على الأرض وهم يتخافتون ويتسارون: كم لبثنا وكم أقمنا في الأرض؟ {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} [طه:102] يأتي هؤلاء بأثقالهم، وبذنوبهم، وبمعاصيهم. والمقصود: النفخة الثانية عندما يقومون منتصبين للعرض على الله، وإسرافيل يقول: يا أيتها العظام النخرة، يا أيتها الجلود الممزقة، يا أيتها اللحوم المنتثرة في الرمال وفي الأرض وفي التراب استجيبي لله، فينتصب الكل قياماً ويلهمون المشي إلى أرض المحشر. وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أن أرض المحشر هي أرض الشام، والتي هي مهاجر إبراهيم، والتي دعا لها صلى الله عليه وسلم من بعد الهجرة إلى المدينة وإلى مكة وإلى الحجاز، والتي قال عنها صلى الله عليه وسلم: (في مدينة من خير مدائن الدنيا يقال لها دمشق). قوله: {وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} [طه:102]: أي: يحشر الله جل جلاله المجرمين ويسوق الناس إلى المحشر حفاة عراة غرلاً. وعندما سمعت ذلك أم المؤمنين عائشة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: (يا رسول الله، أنكون هكذا عراة ينظر بعضنا لبعض؟ فقال لها صلى الله عليه وسلم: هيهات، كل في ما يشغله). {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:34 - 37]. فلا فراغ لأن يرى أحد أحداً، وهيهات قد انتهى يوم ذلك، كل يقول: نفسي نفسي! {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} [طه:102] مبني للمجهول الذي بينه صلى الله عليه وسلم وأنه إسرافيل. {وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} [طه:102]: أي: المشركين الكافرين الظالمين، يحشر الكل، ولكن الذي يحشر أزرق على غاية ما يكون من الآلام البدنية والنفسية هم المجرمون، والإجرام هنا الشرك بالله، وليس بعد جريمة الشرك جريمة. زرقاً: جمع أزرق. قالوا: زرق العيون، هكذا فسرها ابن عباس حبر القرآن. قال: وشدة الغم، وشدة الهم، وشدة البلوى والمصيبة تجعل هذا المجرم المعذب في غاية ما يكون من الذهول بحيث لا تطبق عيناه ولا أهدابه، فيشتد ألمه حتى يصبح البياض أزرق، لا كالزرقة التي تكون بالفطرة فيمن يخلق الله فيه ذلك، ولكن زرقة الألم والوجع. وقيل: {وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} [طه:102] أي: عمياً، تزرق أعينهم فلا يقدرون على الإبصار. وقيل: عطاشاً، وإذا اشتد عطش الإنسان ولم يشرب تتأثر بذلك عيناه حتى تزرقا. والمقصود من الآية: أن هؤلاء المجرمين يحشرهم الله للعرض عليه على غاية ما يكونون من حمل الأوزار والأثقال والذنوب والآثام، وهم مجهدون في الأبدان وفي النفوس على غاية ما يكون من الألم والجهد.
تفسير قوله تعالى: (يتخافتون بينهم)
تفسير قوله تعالى: (يتخافتون بينهم) قال تعالى: {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا} [طه:103]: يتخافتون: يتسارون، والخفوت: الصوت الذي لا يكاد يرى منه إلا حركة الشفتين، فلا يكاد يسمعه من بجانبه. فهم يتساءلون: كم لبثنا؟ وكم أقمنا في قبورنا؟ وكم أقمنا ما بين النفخة الأولى والنفخة الثانية؟ ولكون الدنيا مهما طالت فهي قصيرة بالنسبة للآخرة، يقومون وكأنهم لم يعيشوا قط، وهذا ندركه في الحياة قبل الممات، فكل من زادت سنه عشر سنين يتصور أن السنين العشر لم تكن، وقل هذا على ابن العشرين فالثلاثين فالسبعين فالتسعين فالمائة. فلا يرى إلا أن هذه السنين كأنها لحظات، ولا يبقى له منها في نفسه إلا الصدى. فنحن الآن نقرأ أخبار هذه الأمم في كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مضت عليهم القرون والآلاف من السنين ومع كل ما أمضوه من ذلك أصبحوا كلمات على الأوراق، وقصصاً تحكى، والذي جاء من التراب عاد إلى التراب وكأنه لم يكن. {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا} [طه:103]: يقول بعضهم لبعض مبالغاً في تقدير الزمن الذي عاش فيه سواء بين النفختين أو في حياته: ما لبثنا وأقمنا في قبورنا أو ما بين النفختين إلا عشرة أيام. يقول تعالى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا} [طه:104]. فالله جل جلاله يقول: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} [طه:104] أي: رغم كونهم يتحدثون سراً حتى لا يكاد الكلام يسمع، ولكن الله جل جلاله يعلم ويسمع ما يتخافتون به وما يقولونه، فأخبرنا بما يقول المجرمون، ونرجو الله أن يجعلنا من أهل الجنة البعداء من النار. {أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} [طه:104]: أي: أعقلهم وأوسعهم فهماً وإدراكاً في نفسه. {إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا} [طه:104]: كل ما مضى من حياتهم وما بين النفختين لا يتجاوز اليوم.
طه [105 - 112]
تفسير سورة طه [105 - 112] عندما تقوم الساعة تزلزل الأرض وتنسف الجبال حتى تصير قاعاً صفصفاً، وحينئذٍ تخضع الرقاب وتذل الجبابرة لله الواحد القهار، فلا تنفع الشفاعة إلا بإذن الله لمن رضي له.
تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن الجبال)
تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن الجبال) قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ} [طه:105]: قيل: إن رجلاً من الطائف سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الجبال على سعتها وعرضها وطولها وثقلها، أين تكون إذ ذاك؟ فأنزل الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا} [طه:105 - 107]. يقول الله تعالى لنبيه: قل يا محمد عندما يسألونك عن هذه الجبال على طولها وعرضها وثقلها الذي استقرت به الأرض فلم تمل يميناً ولا شمالاً ولم تنقلب بأهلها: (ينسفها ربي نسفاً). قوله تعالى لنبيه: {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} [طه:105]: أي: يطيرها ويذرها في الهواء هباء وكأنها لم تكن، فتصبح هباءً منثوراً، فكما قال لها يوم خلقها: كوني فكانت، يعود فيقول لها يوم القيامة: اذهبي، فتذهب وتصبح ذرات وهباءً إلى ألا يبقى منها حتى الذر. {فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا} [طه:106] والقاع الأرض المستوية، والصفصف الملساء. وأكد الله فقال: {لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا} [طه:107]: أي: لا ترى فيها حفراً ولا وهاداً ولا ودياناً. والأمت: التلال والجبال الصغيرة. تصبح قاعاً صفصفاً، مستوية ملساء لا حفرة فيها ولا تل ولا اعوجاج، ولا ما يحول دون البصر لمن يريد أن يرى هؤلاء الخلائق واقفين معروضين على الله منذ آدم إلى آخر مخلوق على وجه الأرض. فالكل يقف معروضاً على الله، محشوراً إليه، ينتظر Q هل هو إلى جنة أو إلى نار، هل هو ممن يحمل كتابه بيمينه أو هو ممن يحمل الكتاب بشماله؟
تفسير قوله تعالى: (يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له)
تفسير قوله تعالى: (يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له) قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [طه:108]. والداعي هو إسرافيل يدعو بالصور في النفخة الثانية، يوم يدعو الكل إلى الذهاب والمشي إلى ساحة العرض على الله يوم الحساب. {يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ} [طه:108]: أي: من يدعونا بأمر الله للاستجابة إلى الله. {لا عِوَجَ لَهُ} [طه:108]: أي: لا اعوجاج ولا زوغان ولا فرار، ولا يستطيع أحد أن يختفي من هذا الداعي. {وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [طه:108]. أي: تخشع الأصوات فتخفض وتخضع بالقول، ولا تكون مرتفعة، فلا تسمع إلا همساً. وذكر الرحمن في هذا الموطن رحمة من الله وكرم، وإلا فهو يوم الجبروت، ولكنه جبروت على أهل الكفر والمعصية، ورحمة بالمؤمنين. {وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} [طه:108]. أي: أن هؤلاء عندما يتكلمون لا يتخافتون إلا همساً، والهمس لا يكاد يكون معه إلا حركة الشفتين، وهو ما يطلق على حركة الشجر، وما يطلق على حركة الماء دون أن يكون هناك أمواج. فيكون حديث هؤلاء وهم مشاة إلى الله جل جلاله ومتبعون الداعي إسرافيل، فيتحدثون: ما الموقف؟ وما المآل؟ وهل نحن من أهل الجنة أو من أهل النار؟ على أن الكلام هنا عن المجرمين، فهم الذين سيكون الحال شديداً عليهم، فلا يرون أمامهم -وهم أعلم بأنفسهم- إلا العذاب واللعنة والغضب. ومن أول يوم فإنهم يزعجون إزعاجاً، وذلك عندما ينفخ في الصور، فيدعون للاستجابة وللعرض على الله في اليوم الذي طالما أنكروه في حياتهم، فقد أنكروا البعث، وأنكروا الحياة بعد الموت، وأنكروا الجنة والنار، وأنكروا العرض على الله، وأشركوا مع الله غيره. فهؤلاء عندما يعيشون في واقع ما كانوا ينكرونه تجدهم بين الهمس والخفوت والتحدث بأصوات ذليلة خاشعة، فيتحدث أحدهم مع من بجانبه فلا يكاد يسمعه، ولا يكاد يفهمه إلا من حركة شفتيه. وكما في حديث السيدة عائشة: (من نوقش الحساب عذب). ولا يعذب إلا المجرمون الكافرون المشركون، وأما المؤمن فمهما صدر منه إذا مات على التوحيد، وعلى اليقين بالله واحداً وبمحمد نبياً ورسولاً، فإنه إما أن يغفر الله له إن شاء ذلك، وإما أن يعذب برهة -الله أعلم بقدرها- ثم يخرج بعد ذلك إلى الجنة بالشفاعة لمن يأذن الله تعالى له بأن يشفع.
تفسير قوله تعالى: (يومئذ لا تنفع الشفاعة)
تفسير قوله تعالى: (يومئذ لا تنفع الشفاعة) قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه:109]. في يوم الحشر، ويوم العرض على الله، ويوم البعث من الموت إلى الحياة الخالدة في الجنة لأهل الجنة، والخالدة في النار لأهل النار، فإن هؤلاء لا يطمعون في أن يشفع لهم أحد إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً. قال ابن عباس: هذا القول هو لا إله إلا الله، أي: لا يشفع إلا المؤمن، ولا يشفع إلا للمؤمن. وأما من مات مشركاً فهو يائس من الجنة، ويائس من الرحمة، والله لا يغفر لمشرك كافر أبد الآباد. فالمذنب إذا مات مؤمناً غير مشرك فإنه يطمع في رحمة ربه، وأما الكافر فلا يرحمه الله، ولا بد من عذابه خالداً مخلداً كخلود المؤمن في الجنة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48]. وإذا كان المشرك لا غفران له إذاً فلا شفاعة له، وإذا كانت الشفاعة بإذن الله ولا يشفع أحد إلا بإذنه، فإن الله لا يأذن إلا لمن رضي قوله شافعاً ومشفعاً، بأن يكون الشفيع موحداً مؤمناً، وأن يموت المشفوع له أيضاً مؤمناً، وقد رضي الله قوله، وهو يعلم أن لا إله إلا الله. والشفاعة لا تكون إلا من الأنبياء والصالحين، وهؤلاء أطوع لله من أن يكونوا فضوليين في الشفاعة بلا إذن. وليست الساعة ساعة معصية، وهم في الدنيا كانوا مطيعين فكيف يعصون يوم القيامة ويشفعون بلا إذن. {يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ} [طه:109]، فلا تنفع الشفاعة مجرماً، ولا تنفع عاصياً إلا لمن أذن الله له أن يشفع بخصوص هذا المشفوع فيه، ووصْف ذلك وعلامته وبيانه أن يرضى الله قول الشافع الذي سيشفع بعد إذن الله، وقول المشفع فيه الذي ستنفعه الشفاعة.
تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم)
تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه:110]. أي: يعلم ما قدموه من أعمال صالحة أو طالحة، وما صنعوه في دار الدنيا من طاعة لله ولرسل الله: من تحليل الحلال وتحريم الحرام، والله في هذه الساعة هو وحده العليم، فهو أعلم بأنفسنا من أنفسنا، فيعلم من الذي كان في الدنيا يعمل الصالحات، ومن الذي كان يعمل الطالحات، وماذا سيستقبلنا، فالصالح له الصلاح، وله الرحمة والرضا، والطالح له اللعنة والغضب. فيعلم ما بين أيديهم، أي: ما هو أمامهم، وما سيستقبلهم، ويعلم عرضهم على الله تعالى، وإلى أين يكون مآلهم إلى جنة أو نار، ويعلم ما خلفوه في دار الدنيا من معصية وكفر وجحود، فعلى أساس ذلك من يعمل الصالحات يلق صالحات، ومن يعمل الطالحات يلق طالحات. وفي هذه الساعة يحتاج الإنسان إلى الزاد، ولا زاد هنا إلا التقوى، والدنيا قد ذهبت بما فيها واندثرت، فخلّف الإنسان زوجته لغيره، وأولاده لأنفسهم، والأموال يقتسمونها، ولا يلحقه للآخرة إلا العمل الصالح، {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة:197]. قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه:110]: لا يحيط مخلوق بعلم الله، بل ولا يعلم إلا النزر القليل مما علمه الله إياه، فهي كلمات أفادته في الدنيا، وكلمات ستفيده في الآخرة، وأما علم الله الذي وسع كل شيء، فلا يحيط به ملك مقرب ولا نبي مرسل، فلا يحيط بعلم الله إلا الله الذي وسع علمه كل شيء، وأحاط بعلم كل شيء، وهيهات أن يعلم المخلوق من علم الخالق إلا ما لا يكاد يذكر. ونحن نعلم القصة التي قصها الله علينا في سورة الكهف بين موسى والخضر، والتي دلت على علم الله الواسع الذي لا يحاط به، فعندما سئل موسى كليم الله: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: لا، قال الله له مؤدباً: بلى! عبدي الخضر، قال: يا رب اجمعني به، فجمعه به بعد محنة وعذاب ومشي من المشرق إلى المغرب حتى وصل إلى مجمع البحرين: البحر الأبيض والبحر المحيط، فكان ما كان واجتمع به، وأراه من غرائبه وعجائبه، وموسى لم يتحمل ذلك لأنه لا يعلمه، وبعد أن أراه وأطلعه على ثلاثة من القضايا في العلم واستقرت نفس موسى رأيا طائراً صغيراً وقف يشرب من البحر بمنقاره فقال الخضر: يا موسى! ما علمي وعلمك أمام علم الله إلا كهذه القطرة التي يأخذها هذا الطائر من البحر، وماذا عسى أن تكون هذه القطرة من البحر! قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان:27]. يقرب لنا الله جل جلاله سعة علمه بأنه لو كانت بحار الأرض كلها حبراً ومداداً، وكانت جميع أشجار الأرض قد بريت أقلاماً، وأخذت هذه الأقلام تكتب وتستمد من هذه البحار لجفت البحار، وبعدها سبعة أبحر من أنواعها، وتبقى كلمات الله وعلم الله لا ينفد ولا ينتهي، فكيف يحيط بعلمه جل جلاله أحد من الخلق، وأين الخالق من المخلوق؟! قوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه:110]: أي: علمهم لا يحيط بالله ولا يعرفون له حقيقة، فكل ما يخطر ببالك فربنا مخالف لذلك، ولكن الذي نعلمه ونوقنه وأتى به كتاب ربنا، وزادته سنة نبينا بياناً وشرحاً وتفسيراً: أن الله هو المتصف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، ذو الصفات العلى، والأسماء الحسنى، الخالق الرازق، القيوم على خلقه، المحيي المميت، الذي لا أول له ولا نهاية، فكان الله ولا خلق، وسيفنى الخلق ويبقى الله، والله هو الخالق الرازق القادر على كل شيء.
تفسير قوله تعالى: (وعنت الوجوه للحي القيوم)
تفسير قوله تعالى: (وعنت الوجوه للحي القيوم) قال تعالى: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [طه:111]. أي: خضعت الوجوه وخنعت لله، خضعت وجوهنا وجباهنا ساجدين، ولنا الشرف بذلك. والحرية كل الحرية في العبودية لله، والعبودية كل العبودية في التأله على الله والكفر به، وهؤلاء المرتدون الكفار عندما يصفون أنفسهم بالتحرر والحرية ويكفرون بالله يكونون أذل نوع من العبيد، وأحقر من في الأرض، فقد استعبدتهم شهواتهم، ونزواتهم، وبطونهم، وفروجهم. وأما المتحرر فهو الذي علم لله حقه فخنع له وعنى وجهه له، ومن هنا يقال للأسير العاني، أي: الذليل بين يدي آسره، ذاك بالنسبة للخلق بعضهم مع بعض، أما الذل لله فهو أشرف وصف، ولذا وصف به نبينا في القرآن عندما سماه عبد الله، وأشرف صفة يتشرف بها مخلوق أن يكون عبداً لله، ومن هنا لا يجوز ولا يليق ولا ينبغي أن تحنى هذه الجباه التي خلقها الله بيده إلا لخالقها، ومن هنا كان مالك يسمى حني الرأس سجدة صغرى. ومن هنا كان السجود لغير الله حراماً، وقد حاول بعض الأصحاب وقد رأوا أتباع كسرى وقيصر ينحنون له، رأى ذلك معاذ بن جبل وغيره، فعندما عاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (يا رسول الله؛ أنسجد لك؟ قال: لا، لا يكون ذلك إلا لله، ولو كنت آمراً أن يسجد أحد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها)، لو: حرف امتناع لامتناع، منعت الزوجة من السجود للزوج؛ لأن السجود لا يكون إلا لله. {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه:111] أي: ذلت وخضعت فلا إله غيره، ومن هنا نسجد لله في الفرائض الخمس في كل ركعة، فنسجد على سبعة أعضاء: على الجبهة والرأس واليدين والركبتين وأصابع الرجلين، ولا يتم ذلك ما لم تكن الجبهة ملتصقة بالأرض، إلا إذا كان هناك مانع من مرض، فما جعل علينا في الدين من حرج، يقول صلى الله عليه وسلم: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم). ومن هنا كانت الصلاة جلوساً، ومن هنا كانت الصلاة إيماءً، ومن هنا كان الصلاة إشارة، فالصلاة لا تسقط إلا عن شخصين: لا تسقط إلا عن غير المكلفين، وإلا فهي واجبة على العبد ما دام حياً ولو في الغرغرة، إلا إذا فقد عقله فقد سقط ما وجب؛ لأنه أخذ ما أعطى، فلا تسقط الصلاة إلا لإغماء أو جنون، وللمرأة لحيض أو نفاس، وكذا الصغير لعدم البلوغ، على أن الصغير أمر وليه ومربوه أن يؤدبوه على الصلاة وهو ابن سبع؛ لأن الصلاة إذا لم يعتدها الإنسان من الصغر لا يكاد يثبت عليها ولا يلازمها. {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه:111]. الوجوه هي أشرف ما في الإنسان، لم تخضع ولم تضع جباهها على التراب، ولم تذل إلا لله الحي القيوم الحق الواجب الحياة، الحي الدائم، وأما حياتنا فهي حياة زائلة، لم تكن فكانت بإذن الله، وستعود للتراب بأمر الله. أما الحي الدائم واجب الحياة فهو الله القيوم القائم على كل شيء، والمقتدر على كل شيء، والرازق لكل شيء، والقائم بكل شيء، له حياتنا، وله مماتنا، وعليه رزقنا، منه العز ومنه المغفرة ومنه الرضا؛ لأننا خلقه وملكه، والمالك لا يلام إذا تصرف في ملكه بما يراه الصالح، والله جل جلاله الخالق المختار يصنع ويعامل خلقه كما يشاء، على أن الله جل جلاله حرم الظلم على نفسه كما حرمه على غيره. ففي الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا)، مع أن المتصرف في ملكه لا يعد ظالماً إن صنع به ما شاء. {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه:111]، الحي الذي لا ينام، الذي لا يغفل ولا ينسى، القيوم على كل شيء، الذي لا يغفله شيء عن شيء، ولا ينسيه شيء شيئاً، ولا يسهو ولا ينام، هو القائم بأرضه وبكونه وبخلقه وبملائكته وبإنسه وبجنه، وبجميع ما في العوالم، هو الذي خلق ذلك ودبره وقام عليه، القيوم المدبر للأشياء والقائم على الأشياء، والرازق للأشياء، والذي يرى لها ما ينفعها مآلاً، وما ينفعها حالاً. {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [طه:111]: والظلم الشرك، {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13]، أي: قد خاب وخسر، وذل وهان من حمل ظلماً، أي: من كان وزره الشرك وظلمه الشرك، وكان ظالماً لنفسه، بل لم يعط الله حقاً بأن يعبده وحده، وبأن يعتبره وحده الخالق القيوم الحي الدائم. وهذه حال المجرمين، وحال الكافرين، فإن الله جل جلاله لا يكاد يذكر بطشه وقدرته وجلاله حتى يصحب ذلك برحمته وبمغفرته، كما يذكر أهل النار، ويذكر بجانبهم الجنة ليرقق قلوب أهل النار فيعودون لله عابدين تائبين، ويخوف أهل الجنة ما داموا أحياء حتى يثبتوا ويلتزموا، ولا يغرهم الشيطان فيرتدوا على أعقابهم.
تفسير قوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن)
تفسير قوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن) قال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا} [طه:112]. (من) هنا للتبعيض، لم يطلب من الإنسان بأن يفعل جميع أنواع الصالحات، فهو أضعف من ذلك وأعجز، ولكن على الأقل يعمل من الصالحات بعضها حسب أمره، وهذا يفسره قول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم). أمرنا الله تعالى بالتطهر ماءً، فإن عجزنا عن الماء لمرض ونحوه ننتقل للصعيد الطيب، وأمرنا بالصلاة قياماً، فإن عجزنا لمرض أو لركوب طائرة صلينا جلوساً؛ لأنه لا يمكن للمريض وكذلك راكب الطائرة إلا ذلك. قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [طه:112]: أي: لا بد من شرط الإيمان، فلا صلاة ولا زكاة ولا عبادة إن لم يكن هناك إيمان.
طه [113 - 116]
تفسير سورة طه [113 - 116] أرسل الله سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم من العرب وأنزل عليه كتابه بلغته التي هي خير اللغات وأفصحها، حجة قائمة على الناس، فمن أعرض عنه فإنما يحمل يوم القيامة أوزاراً ويصلى ناراً.
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد)
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد)
معنى قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا)
معنى قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً) قال تعالى: {((وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه:113]: أنزل القرآن بلغة العرب وبأساليبهم وبقواعدهم وبمفرداتهم، ومن هنا لم تبق اللغة العربية لقوم من الناس خاصة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (من تعلم العربية فهو عربي، ليست العربية لكم بأب ولا أم، وإنما هي لسان). ومن هنا اعتبرت بلاد المغرب التي تتكلم العربية عربية، ومصر عربية، والعراق عربية، بل وكل شخص نطق العربية فهو عربي، والأصل آدم أباً وحواء أماً، وما اللغات واللهجات إلا أداة للتعبير عما يجول في النفس. قوله: {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ} [طه:113]. أي: بينا وأوضحنا وفصلنا، وهو الإيعاد والنذارة والتهديد لمن لم يؤمن بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وما كانت البشارة إلا بالقرآن العربي، وما كانت النذارة إلا بالقرآن العربي، بل وفي العصور الأولى الثلاثة الفاضلة نجد معارف الإسلام كان أكثر من قام بها وتخصص فيها من غير العرب، فنجد الكتب الستة التي أثبتت السنة مغربلة مصححة، بعيدة عن الكذبة والكاذبين، أعني: صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن ابن ماجة وسنن النسائي؛ إنما صنفها رجال من غير العرب. بل اللغة العربية اهتم بقواعدها وأحكامها سيبويه وألف كتابه (الكتاب)، وهو غير عربي، وتفسير محمد بن جرير الطبري يعتبر أعظم تفسير للقرآن، ومؤلفه ليس من العرب. وهكذا في علوم القرآن، وعلوم السنة، ونجد في المذاهب الأربعة مذهباً وسع الدنيا وحكمها قروناً بعد قرون، -أعني مذهب أبي حنيفة - وما كان في الأصل إلا فارسياً. ولم كل ذلك؟ لأنهم آمنوا بالله رباً وبكتابه وحياً؛ وقد نزل بالعربية، وأن الإسلام ينبغي أن يكون كذلك؛ لأنه لا يتم فهمه ولا تعلمه ولا دراسته إلا باللغة التي أنزله الله بها، فتعلموها منذ الصغر، وأصبحوا عرباً كبقية العرب؛ لأنه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن العربية ليست لكم بأب ولا أم وإنما هي لسان). بل إن إسماعيل الجد الأعلى لنبينا عليه الصلاة والسلام أتى به إبراهيم من العراق -أرض بابل- طفلاً صغيراً، وفي الأصل لم يكن عربياً، فجاء إلى مكة ونشأ بين جرهم من قبائل العرب، فاستعرب وأصبح من سادة العرب وفصحائهم، وبعد قرون أصبحت العربية لغة منتشرة واسعة، وصارت أوسع اللغات على الإطلاق، وما كتب فيها يعد بآلاف المجلدات، ولا يزال إلى الآن كتابٌ جامع في لغتها يسمى (السماء والعالم) لـ أحمد بن أبان في مائة مجلد، ولا يزال موجوداً في المكاتب وخاصة في مكاتب المغرب، وكله في لغة العرب ودقائقها وتعابيرها. وما لسان العرب المطبوع لـ ابن منظور الإفريقي الذي طبع في عشرين مجلداً ضخماً إلا دليل على أن هذه اللغة أوسع اللغات، ولا يضرها تنكر من تنكر لها من قومها أو غيرهم، فعندما يحارب شيئاً فإنما يحارب ما يتعلق به، فحرب العربية حرب للإسلام، ومجابهة العربية مجابهة للنبي العربي صلى الله عليه وسلم.
معنى قوله تعالى: (وصرفنا فيه من الوعيد)
معنى قوله تعالى: (وصرفنا فيه من الوعيد) وقوله: {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه:113]. بين الله هذا الكتاب العربي وفصله وأوضحه مجملاً ومفصلاً، وأوعد به من لم يؤمن به من جميع الناس، عربهم وعجمهم، وأنذرهم بالنار خالدين فيها، وأنذرهم باللعنة والطرد من الرحمة إن لم يؤمنوا بهذا الكتاب أنه وحي من الله، ويؤمنوا بهذا النبي العربي الهاشمي رسولاً. فقوله: {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [طه:113]. أي: صرف الله في القرآن للناس وبين وأوضح لعلهم يتقون الذنوب والمعاصي والفواحش فلا يرتكبونها ولا يقربونها بحال، ويجعلون بينهم وبين المعاصي وقاية وحاجزاً، ويقومون بما أمر الله به من توحيده وطاعته وطاعة نبيه، وما أمر به من عبادات، وحسن معاملة، ومن صلة أرحام، وإحسان للمسلمين، والوقوف يداً واحدة في وجوه أعداء الله وأعداء رسوله والإسلام. قوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه:113]. المعنى: لعلهم يرعوون ويعودون إلى الله تائبين منيبين، ويحدث لهم ذكر، والذكر الشرف، أي: يحدث لهم شرف الطاعة والإيمان، وشرف اليقين، وشرف العبودية لله والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، ومنه: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف:44] أي: شرف لك أن الله جل جلاله اختارك للرسالة العامة، ولقومك أنهم كانوا جندك وأنصارك والمهاجرين معك، والذين بذلوا أنفسهم لأجل الإسلام. مات صلى الله عليه وسلم والإسلام لم يخرج بعد من جزيرة العرب، وما خرج وفتحت الدنيا إلا على يد أصحابه من المهاجرين والأنصار، فكان محمد رسول الله إلى العرب والناس كافة، وكان أصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه رسل رسول الله إلى غير العرب. وما مات صلى الله عليه وسلم وذهب للرفيق الأعلى حتى كان العرب جميعاً قد أسلموا، ولم يبق منهم كافر، ومن جاء بعد وزعم أنه نصراني أو يهودي فقد كذب، لأن هؤلاء قوم كانوا من أجناس أخرى فتعلموا العربية وأصبحوا يقولون إنهم عرب بلا دين بلا إسلام، وهم كذابون. أما عمر فقد فتح الشام وفتح العراق وفتح مصر وفتح المغرب وفتح بلاد فارس، حيث بشر النبي صلى الله عليه وسلم في حياته عندما مزق كسرى رسالة النبي عليه الصلاة والسلام: (مزق الله ملكه كما مزقها، لا فارس بعد فارس، ولا كسرى بعد كسرى). وهكذا ما كادت تمضي سنوات على الوفاة النبوية ويأتي عبقري الخلفاء الفاروق عمر حتى خضعت فارس للإسلام، فلم يبق فيها إلا مسلم أو ذمي، وبقيت هكذا وإلى عصرنا، فهي ولاية من ولايات المسلمين، وجزء من العالم الإسلامي.
تفسير قوله تعالى: (فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن)
تفسير قوله تعالى: (فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن) قال تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114]. الله جل جلاله ينزه نفسه، ويعلمنا أن نقدسه ونعظمه، ونعرف مقامه وجلاله، بعد أن ذكر كفر الكافرين ممن أشرك مع الله وعبد العجل، وعبد الحيوان، وعبد الملك، وعبد الجن، وعبد الإنس، وجعل الآلهة ثلاثة، أو اثنين، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وقال الله بعد قصه لذلك: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [طه:114]. أي: تعالى عن شركهم، وتقدس عن كفرهم وجحودهم، فهو الملك الحق الذي لا ملك معه، وما الملك في الأرض إلا عارية تزول عما قريب، فالملوك جاءوا من التراب ويذهبون إلى التراب وكأنهم لم يكونوا، ولكن الله ملك الملوك الدائم الحق القيوم هو ملك الدنيا وملك الآخرة، ولذلك كان يقول صلى الله عليه وسلم: (أخنع الأسماء رجل تسمى ملك الملوك) أي: أذل الأسماء وأحقرها هذا العبد الذي يحاول أن يسمي نفسه باسم الله، فيكون ذليلاً في الدنيا، حقيراً في الآخرة معذباً. {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [طه:114]: هو جل جلاله الحق في ذاته، والحق في صفاته، والحق في أفعاله، والحق جل جلاله في أسمائه الحسنى، وما أتى به الحق، وما تكلم به الحق، فالنار حق، والجنة حق، وعذاب القبر حق، والعرض على الله حق، ولذلك كان من أسماء الله الحسنى الحق، فيتسمى العبد باسم: عبد الحق. قوله: {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه:114]: فقد كان عليه الصلاة والسلام عندما ينزل عليه جبريل بآية أو آيات يسابق جبريل فيتلو تلك الآية معه، كما قال الله: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة:16]. فكان يعجل عليه الصلاة والسلام حرصاً منه على عدم نسيان آية من الآيات، وحرصاً منه على حفظها منذ نزول الوحي عليه من جبريل عن الله، فقول الله: {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ} [طه:114]، معناه: لا تعجل بتلاوته حال نزول الوحي عليك. فالله جل جلاله نهاه عن ذلك، وتكفل وتعهد بأن ما يريد جمعه عليه الصلاة والسلام من القرآن وعدم نسيانه وتفلته وحفظه ووعيه أن مهمة ذلك على الله، أي: دع الأذن تسمع، ودع الحواس مع الوحي وقت نزوله، ولا تعد ذلك ولا تكرره إلا بعد أن ينتهي جبريل من بلاغك ما أمر بتبليغه، وفي هذه الحالة تعهد الله لك بجمعه في صدرك، وبقراءته من لسانك ليجمعه غيرك من أتباعك من المهاجرين والأنصار ومن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، وليحفظوه وليقرءوه، وقد قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]. قوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه:114]. أي: الوحي الذي أوحى الله إليك بواسطة جبريل عليه وعلى نبينا السلام. قوله: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114]. ومعنى ذلك: أن العبد لا يستغني عن طلب العلم مدة حياته، فقد كان نبينا أعلم الخلق على الإطلاق ملائكة ونبيين، إنساً وجناً، ومع ذلك لا يزال في حاجة إلى التعلم فيطلب ربه أن يقول له: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114]. وهكذا كان، فلقد روي في الأحاديث المستفيضة المتواترة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينزل عليه الوحي متتابعاً إلى وفاته، وهو يعي ويحفظ ويزداد علماً، وفي سنن الترمذي وابن ماجة ومسند البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو الله ويقول: (اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما لم أعلم، وزدني علماً، والحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار)، فكان يقول هذا امتثالاً لأمر ربه عندما قال له: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114]. وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام محتاجاً إلى أن يطلب المزيد من العلم إلى ساعة وفاته فكيف بنا نحن، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (طلب العلم من المهد إلى اللحد)، أي: لا نهاية لطلب العلم، بل الإنسان وهو عالم، وهو مؤلف، وهو كاتب، وهو خطيب يزداد بذلك علماً لم يطلبه ولم يتعلمه ساعة الطلب، فهو في كل يوم في جديد من المطالعة والفهم والاستنباط، وجديد من المذاكرة، وهكذا إلى لقاء الله، وليس للعلم حدود، فالنبي عليه الصلاة والسلام يعلمه ربه، وقد أمره بأن لا يعجل في قراءة القرآن قبل أن يقضى إليه وحيه؛ علمه أن يقول: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114]. وهكذا كان عليه الصلاة والسلام كل يوم في مزيد، بل كل ساعة في مزيد من العلم، ولذلك نحن نجد السنة النبوية في المدينة المنورة كانت أوسع وأشمل وأعم؛ لأن الوحي تتابع إلى المدينة وكثر وقوي فضم إلى علم مكة.
تفسير قوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل)
تفسير قوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل) قال تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه:115]: الله جل جلاله عاد فذكرنا بقصة آدم وقصة خلقه وإسجاد ملائكته له، ودخوله الجنة ثم خروجه ونزوله للأرض، وقد مضى ذلك مفصلاً مبيناً في سورة البقرة، وفي سورة الأنعام، وفي سورة الكهف. قول ربنا جل جلاله: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ} [طه:115]: أي: أمرنا آدم أمراً، وأوصيناه وصية من قبل الخلق كلهم، فما جاء الأنبياء إلا بعده وكلهم أولاده. ويمكن أن يكون ذلك العهد قبل نبوءته وقبل رسالته لتبقى النبوة محفوظة معصومة عن الذنوب والمعاصي، وسنجد في هذه الآي أن الذي كان من آدم مما كان قبل النبوة، فقوله: {مِنْ قَبْلُ} [طه:115]، أي: من قبل النبوة. وحاول بعض المفسرين أن يفسروها بما لا يليق بمقام آدم ومنزلته، ففسروا (من قبل) أي: وكما عصى هؤلاء وأخطئوا وزلوا أخطأ آدم وعصى وزل. ولا يقول هذا عالم محقق، ولا يجوز للواحد منا أن يقول: إن آدم عاص، لأنه لا يوصف الإنسان بالعصيان إلا مع التمرس عليه وتتابعه، كما لا يقال الخياط إلا لمن خاط حتى أصبح ذلك مهنته وعمله، ولا نقول للإنسان عاصياً إلا إذا عرف بالمعصية، وكل بني آدم خطاء سوى الأنبياء الذين عصمهم الله بحفظه. وقد قال الله بعد أن حكى قصة أكله من الشجرة: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ} [طه:122] أي: اجتباه نبياً ورسولاً، فلم يكن قبل ذلك نبياً ولا رسولاً، ووقوع الذنوب من الأنبياء قبل الرسالة قد قاله البعض، ولا يخدش في عصمتهم؛ لأن العصمة متلازمة مع النبوة والرسالة، فإذا كان ذلك قبل الرسالة فلا معصية؛ لأنه قبل الرسالة لم يكن قدوة، ولم يكن أسوة، ومع ذلك فمن تكريم الله لأنبيائه أن من أذنب قبل النبوة فإنما صدر منه ما يعبر عنه بخلاف الأولى. وقد صان الله نبينا صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها، وقد سئل عليه الصلاة والسلام: (هل صدر عنك مما كان يصنع قومك من شيء؟ قال: مرتين فقط) وذلك أنه كان في البادية وسمع أن في مكة عرساً في الليل فنزل ليحضر، فعندما نزل ليحضر الغناء ما كاد يدخل دار العرس حتى غلبه النوم؛ يقول عليه الصلاة والسلام: (ما صحوت إلا وحر الشمس في ظهري)، ثم أعاد ذلك مرة ثانية، فعاد الله لحفظه وصيانته قبل النبوة، فضربه النوم فلم يصح إلا والشمس على ظهره ولم ير شيئاً. ولذلك ألهم أخريات العام الأربعين الذي سيكرم فيه بالنبوة أن يصعد إلى غار حراء وينفرد ويتعبد الليالي ذوات العدد، وكان تعبده التفكر في هذه السموات العلا، وهذه الأرض السفلى، وهؤلاء الخلق بين عزيز وذليل، وكبير وصغير، وسعيد وشقي، أليس لهم خالق، أليس لهم مدبر؟ وهكذا بعد أن هيأه الله لقبول الوحي والرسالة الثقيلة، وقبل أن يزل عليه جبريل ويقول له كفاحاً مواجهة: اقرأ! قال تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} [طه:115]. أي: عهدنا إلى آدم قبل إرساله ونبوءته. وقد يقول قائل: إنه كان نبياً لأولاده ولأسباطه، وقد عاش بينهم دهراً طويلاً، فنسي وغفل، وكما قال ابن عباس: ما سمي الإنسان إنساناً إلا للنسيان، ويقول قوم: سمي بذلك لأنسه، وكل ذلك صحيح، فالإنسان لا يستطيع العيش منعزلاً منفرداً، وإن حدث قد يصيبه ذلك بصرع وجنون وألم نفسي بالغ. ولو ذهبنا نتفكر في كل ما مضى من أعوامنا لما وسعتنا سنوات أخرى، وإن كنا نجد بعضنا أكثر حضوراً وذاكرة من الغير، أما البعض فما أسرع ما ينسى، فقد ينسى ما صنعه في أمسه! قوله: {فَنَسِيَ} [طه:115]، أي: نسي وصيتنا وأمرنا الذي سيبينه بعد بأنه قال له: ادخل الجنة ولك ألا تجوع فيها ولا تعرى، ولا تظمأ فيها ولا تضحى، وكلها متعة لك إلا هذه الشجرة فدعها، ولكن آدم عليه السلام نسي هذه الوصية ونسي هذا الأمر. قوله: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه:115]: أي: لم تكن له إرادة قوية، ولم يكن له صمود على الحفاظ على الوصايا التي وصاه ربه بها، فغفل ونسي، ولأجل ذلك لم يكن من أولي العزم.
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم)
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى} [طه:116]: أجمل أولاً ثم فصل، فقد أخبرنا في آية ماضية أنه عهد إلى آدم عهداً، وأوصاه وصية فنسي تنفيذها والقيام بها، ولم تكن له عزيمة، ولم يكن له صبر، ولم يكن له تصميم وذاكرة ليحفظ، ثم أخذ يفصل هذا الذي تركه فقال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [طه:116]. والقصة أن الله جل جلاله أراد أن يخلق خلقاً ليعبدوه ويطيعوه، ولكن قضى أن يدخلوا الجنة أولاً، ثم ينسى آدم ويتسبب في نزولهم من الجنة مع زوجه حواء، ونبقى في الأرض للتعب والشقاء، وهي أيضاً مدرسة وابتلاء واختبار، وتكون بعدها إما جنة أو نار. فخلق آدم من تراب، جمع من مختلف تربة الأرض، من خصبها ومن صحرائها، ومن جبالها، ومن الأرض الرملية، ومن هنا خرجت ذريته بعضها أبيض ببياض التراب، وبعضها أسود بسواد التراب، بعضها ذكي لخصوبة الأرض، وبعضها بليد لعدم خصوبة الأرض، بعضها ناشف ويابس ومتحجر كالجزء الصحراوي من الأرض. وهكذا تغيرت الذرية وتشكلت بتشكل التراب الذي صنع منه آدم، وبقي آدم تمثالاً ترابياً (صلصالاً) أربعين عاماً، ثم نفخ الله فيه من روحه وقال له: كن بشراً سوياً فكان، وعندما وقف حياً ناطقاً متكلماً واعياً عاقلاً أمر الله الملائكة أن يسجدوا له، فسجدوا امتثالاً لأمر الله، ولا يليق بالعبد أن يتساءل في أمر ربه: لم؟ ويطلب الحكمة؛ ويوقف الطاعة إلى أن يعلم الحكمة، فهذا عمل الشيطان، وهو الكفر والجحود والعصيان. قوله: (فسجدوا) أي: فسجد الملائكة، وكان إبليس معهم في الجنة، ولم يكن منهم، فقد ذكر الله عنه في صريح القول أنه كان من الجن ففسق عن أمر ربه، فلم يكن من الملائكة، وقص الله عن إبليس السبب المبرر لعدم سجوده لآدم، فقال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [ص:76]. وأما الملائكة فليسوا من طين ولا من نار، ولكنهم مخلوقون من النور، فأصل الإنسان التراب، وأصل الملائكة النور، وأصل الشيطان وإبليس النار، وشتان بين النور والنار، فالنور مضيء والنار محرقة مدمرة، وقد تنفع ولكن عندما تكون في حدود النور، أما إذا جاوزت دمرت وخربت. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا} [طه:116] امتثلوا لأمر الله وسجدوا، {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى} [طه:116] أي: امتنع متعاظماً متكبراً، ولذلك كان التكبر من الأسباب الخطيرة لإفساد المرء ودخوله في الكافرين المشركين.
طه [123 - 129]
تفسير سورة طه [123 - 129] أخرج الله جل جلاله أبانا آدم وإبليس من الجنة جراء معصية، وأهلك كثيراً من القرون بسبب ذنوبهم وجحودهم، وهو يتوعد من أعرض عن ذكره سبحانه بالعيشة الضنك والعمى يوم القيامة.
تفسير قوله تعالى: (قال اهبطا منها جميعا)
تفسير قوله تعالى: (قال اهبطا منها جميعاً) قال الله عزت قدرته: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} [طه:123]. لا نزال مع أبينا الأعلى آدم وأمنا الأولى حواء وقد صنعا ما صنعا من أكل الشجرة المحرمة، ثم استغفرا ربهما فغفر لهما، ثم أرسل آدم بعد ذلك نبياً رسولاً إلى سلالته وإلى زوجته، ولكن مع ذلك أخرجهما من الجنة كما أخرج إبليس الذي كان مقامه بين الملائكة، {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا} [طه:123]. وقول الله: {اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا} [طه:123]، معناه: انزلا من الجنة إلى الأرض، والأمر لآدم وإبليس بدليل قوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [طه:123]، فكان الجن أعدل للإنسان، وكان الإنسان عدواً للجن. ونزول آدم يلزم منه نزول زوجته معه فهي داخلة في الهبوط معه، {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا} [طه:123]. وهناك يحصل أحياناً خلاف لا ينبغي أن يذكر؛ لأنه لا معنى له وليس إلا من هذيان الجهلة والمتلاعبين، أو من دس الدساسين والإسرائيليين، ولكن هناك سائل سألني: هل الجنة التي أهبط منها آدم هي الجنة المعهودة الموعود بها المتقون والمؤمنون أو هي جنة أخرى؟ وكأن هذا السائل سمع من زعم من المبتدعة والجهلة أن هذه الجنة هي بستان ورياض في أرض عدن! وهذا كلام لا يقال ولا يذكر لسقوطه في نفسه؛ وذلك لأن الله عندما ذكر الجنة لآدم مناه بها وبالمقام بها، وحذره من إبليس فقال له: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} [طه:118 - 119]. وهل عدن وجنانها -إن كانت لها جنان- فيها هذا الوصف؟ وهل الجنة التي في عدن أو البساتين التي في مختلف قارات الأرض؛ هل فيها بستان يوصف بأن من أقام فيه لا يجد غماً ولا هماً ولا جوعاً ولا عطشاً ولا شيئاً مما وصف الله به الجنان؟ إذاً فإنما يذكر هذا من لا يعلم ولا يعقل ويريد أن يتلاعب بالفهم في القرآن، ومن هنا كان قول النبي عليه الصلاة والسلام بأن التأويل بالرأي كفر، وهو أن الخروج بالتعابير العربية التي نزل القرآن عن معناها ومؤداها كفر وجحود لمعنى القرآن الحقيقي. ثم هنا يقول الله: {اهْبِطَا} [طه:123]، ولا يكون الهبوط والنزول إلا من علو، والأرض مهما كانت فهي قطعة واحدة بجبالها وأنهارها ووديانها وتلالها، ولذلك فإن هذا القول لا يلتفت له ولا معنى له وليس عليه دليل لا من كتاب ولا من سنة. قال الله جل جلاله لآدم ومن معه ولإبليس: {اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا} [طه:123]: أي: اهبطا من الجنة جزاء وفاقاً بما خالف وأكل الشجرة التي حرمت عليه، وجزاء وفاقاً لدس إبليس وقسمه بالله كاذباً لآدم بالغرور وبالبهتان. قوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [طه:123]، ومنذ قال الله هذا وأهبطوا من الجنة إلا وبعضهم لبعض عدو، وحتى من استسلم من الإنس للشيطان وعداوته لا يكاد يستسلم له إلا ليبطش به ويذله ويرده عن دينه ويعيش في حياة ضنك. {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} [طه:123]، أي: فإن أتاكم رسل وأنبياء يدعونكم إلى الله وعبادته وطاعته، وإن أنزلت على رسلكم كتب كالزبور والتوراة والإنجيل والقرآن، فأطيعوا ذلك واهتدوا بهديه واستمسكوا به. {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} [طه:123]: أي: فمن اتبع هداي فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، والمقصود من اتبعه إيماناً وطاعة وامتثالاً. وقوله: {وَلا يَشْقَى} [طه:123]، أي: لا يكون من حزب الأشقياء الكفار، حزب من طرد من رحمته ومن جنته ودخل النار مع الظالمين لأنفسهم، الأشقياء بكفرهم وشركهم وضلالتهم. وقد قال عبد الله بن عباس حبر القرآن رضي الله عنه: لقد ضمن الله بهذه الآية لمن آمن بالرسل وما أنزل عليهم ألا يضل في الدنيا، كما ضمن له في الآخرة ألا يشقى.
تفسير قوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري)
تفسير قوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري) قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:124]. من أعرض عن كتاب الله وهو الذكر الذي يذكر الإنسان بربه بمعاشه ومعاده، وعن رسل الله الذين جاءوا ليذكروا الخلق بالله؛ فله معيشة ضنك. والذكر يطلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطلق على القرآن الكريم، فالقرآن مذكر، والرسول صلى الله عليه وسلم مذكر. قوله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه:124]: من عاش مكذباً فإن الله جل جلاله يشقي حياته في الدنيا حتى ولو ملك الدنيا بمن فيها وما عليها، فسيشقى نفسياً، وسيشقى بأكل الحرام، وسيشقى بالأمراض، وسيشقى بالضلال، وسيعيش عيشة ضنكاً. والضنك هنا: الشقاء والعذاب والمحنة، ونحن نرى هؤلاء الأغنياء من الكفار وهؤلاء الكفار من الفقراء كيف يكثر بينهم الانتحار ويكثر بينهم الغم والهم، وكيف أنهم يعيشون سكارى حشاشين يعيشون بأكل الربا يعيشون بأكل السحت يعيشون بأكل الرشا يعيشون بأكل الحرام يأكلون حتى يمرضون فيعذبونه بعد ذلك بالأكل، ويأكلون بالحمية ولا يكادون يستسيغون شيئاً مع الهموم النفسية والغموم. وكذلك من اقتدى بهم ممن يصف نفسه بالإسلام عندما يستبيح الربا عندما يستبيح الرشا عندما يستبيح الأموال بالباطل سرقة واغتصاباً وتحايلاً عندما يرتكب من أنواع الحرام ما حرم ربه عليه ونزل الوحي في كتبه بتحريم ذلك. فتجد الذي صنع ذلك بالأصالة كافراً يعيش عيشة ضنكاً ولو كان غنياً يملك الدنيا وما عليها فنفسه في محنة، ونفسه في عذاب، وجسده كله أمراض وكله بلاء لا يكاد يجد شيئاً يرجع إليه مما يطمئن نفسه من يقين ومن إيمان ومن عودة إلى الله؛ لأنه لا يؤمن بالله. وهكذا تكون عيشة الضالين من عصاة المسلمين، هم يعلمون أن الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وإذا بهم يمعنون في ارتكابها، فتجد عيشتهم كعيشة اليهود والنصارى، عيشة شقية ضنكاً شقية بأكل السحت والحرام حتى ولو ملكوا ما عسى أن يملكوه. ونحن نرى المؤمن الفقير يعيش في راحة فيما إذا كان ملتزماً بطاعة ربه ولو لم يملك إلا قوت يومه، ونجد الذي يدعي الإسلام وهو من أغنى الناس عندما يرتكب الحرام تكون حياته مثل حياة الكافرين والجاحدين.
تفسير قوله تعالى: (ونحشره يوم القيامة أعمى)
تفسير قوله تعالى: (ونحشره يوم القيامة أعمى) قال تعالى: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:124]: يحشر يوم القيامة أعمى البصر لا يبصر، أعمى البصيرة لا يميز، وذلك نتيجة ضلاله في الدنيا وإعراضه عن الله، بمعنى: أن عذابه في الدنيا يكون بالضنك وبالشقاء، وأن عذابه في الآخرة أشد وأبقى بعمى البصر والبصيرة. ومن هنا قد يكون عاش حياته مبصراً بعينين ناظرتين مفتحتين، فتجده يتناسى فعلته ويتناسى ما قدمت يداه في الدنيا فيقول: {رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا} [طه:125]؟ يسأل ربه بكل جرأة: لم حشرتني أعمى وقد كنت أبصر في الدنيا. وقد يكون في الدنيا يبصر بالبصر ولكنه أعمى البصيرة، لم يقم بحجج الله عليه، ولم يصدق أنبياءه على كثرة ما أتوا به من معجزات وآيات بينات على صدق رسالتهم، ولم يوفق إلى طاعة ما أنزل على نبيه من وحي. لذلك أتى الله به يوم القيامة أعمى البصر كما هو أعمى البصيرة، {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا} [طه:125]، قال الله: {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه:126]. أجابه الله بذلك إما مباشرة أو على لسان ملائكته. قال الله: {كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه:126]، أي: ذلك جزاء وفاق، فكما أتتك الرسل وأتتك الكتب الموحى بها إليهم فنسيتها في الدنيا وأعرضت عنها ولم تهتم بها، فكذلك اليوم تنسى. {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا} [طه:126]. أي: علامات صدق رسلنا، وأن الكتب التي أنزلت عليهم كانت وحياً من الله حقاً، وقد كان ذلك بالآيات البينات والمعجزات الواضحات، وقد أعرضت عنها جميعاً، وما زادك ذلك إلا إمعاناً في الكفر وإصراراً على الجحود، وكما فعلت ذلك في دنياك ونسيت ذلك وتركته، {كَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه:126]، أي: تترك. والله تعالى لا ينسى ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولكن هذا من مشاكلة الكلام، وهو من بلاغة القرآن وبلاغة اللغة التي نزل بها القرآن، فإنه قال: {كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا} [طه:126]، أي: فتركتها، {وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه:126]، أي: كذلك اليوم تترك وكأنك قد نسيت فطرحت وأهملت، جزاء وفاقاً على فعلتك في الدنيا بالإعراض عن الرسل وعن كتب الله.
تفسير قوله تعالى: (وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه)
تفسير قوله تعالى: (وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه) قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه:127]. يقول الله جل جلاله: (وكذلك) أي: كما أعرضنا عن هذا في الآخرة وتركناه من رحمتنا وأتينا به أعمى البصر والبصيرة؛ كذلك نفعل بمن جاء يوم القيامة مسرفاً على نفسه بالشرك. قوله: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي} [طه:127]: أي: نعاقب جزاء وفاقاً. {مَنْ أَسْرَفَ} [طه:127]. أي: أسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي إلى أن وصل حد الكفر والشرك. {وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ} [طه:127]. أي: لم يؤمن بالله رباً واحداً، ولم يؤمن بالله مرسلاً لرسله وعباده المكرمين أنبياء ورسلاً إلى البشر، ولم يؤمن بآيات ربه على كثرتها وتتابعها، وبيان حقائقها بما يؤكد العقل صدق ذلك وقبوله. قوله: {وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه:127]: يقول الله جل جلاله: هؤلاء الذين عذبناهم بالشقاء بالحياة المتعبة المفجعة، وبعدم الراحة في الأبدان ولا في الأموال ولا في الأهل والأولاد حتى عاشوا عيشة الضنك والشقاء في الدنيا، وأتي بهم عمي البصر والبصيرة؛ عذاب الآخرة أشد عليهم من عذاب الدنيا وأبقى وأدوم وأخلد. فعذاب الدنيا مهما يكن فإنه سينتهي يوماً من الأيام، لكن عذاب الآخرة لا ينتهي، وعذاب الدنيا مهما يكن فعذاب الآخرة أشد وأشق وأكثر آلاماً على النفس. وفي الصحاح في حديث الملاعنة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يذكرهما عند الشهادة الخامسة بعذاب الآخرة، وقال لهما: إن عذاب الآخرة أشد وأبقى، ويحذرهم عقوبة ربهم إن هم أقسموا ولعنوا أنفسهم كاذبين، وهو قد أخذها صلى الله عليه وسلم من قوله تعالى: {وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه:127].
تفسير قوله تعالى: (أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم)
تفسير قوله تعالى: (أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم) قال تعالى: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى} [طه:128]. أي: ألم يروا ويتبين لهم ويتضح {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ} [طه:128]. أي: من الأجيال ومن الأمم السابقة الكافرة من قوم نوح وعاد وثمود، ومن قوم لوط ومن بني إسرائيل، أفلم يمشوا في مساكنهم فيعتبروا. والآية في الأصل خوطب بها كفار الجزيرة، وكان لهم رحلة إلى الشام في الشتاء، فكانوا يمرون على أراضي ثمود وعاد الذين أهلكهم الله لكفرهم، وبقيت آثار مساكنهم تدل عليهم، فرأوا آثار اللعنة عليهم وخراب دورهم، ونتيجة البلاء والعذاب الذي سلط عليهم؛ أفلم يخافوا يوماً أن يعاملوا مثل معاملتهم وقد فعلوا فعلهم فكفروا كما كفروا، وأشركوا كما أشركوا، وعصوا كما عصوا؟ وكيف أمنوا على أنفسهم وقد فعلوا أفعالهم ألا يعذبوا عذابهم، وألا ينتقم منهم كالانتقام من أولئك؟ والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فهذا سيبقى خطاباً لكل كافر في الأرض ولكل مؤمن منذ البعثة النبوية إلى يوم القيامة، فهؤلاء الذين كفروا بالله في جميع العصور: أفلم يروا آثار الأمم السابقة الذين كفروا كيف عاقبهم الله جل جلاله بالهلاك وبالغرق وبالعواصف وبالزلازل وبالصيحة، عاقبهم بأنواع العذاب مما لا تزال آثار ذلك ظاهرة فيما كانوا يسكنون فيه من الأرض. وهذه الحفريات التي ابتدأت هذا القرن في البحث عن آثار هؤلاء تزيد ذلك تأكيداً وبياناً، والله تعالى ينبه الكافر قبل وبعد حتى يفكر في العواقب؟ والمعنى: أفلم يفكر يوماً بأنه سيعذب عذابهم، ويعاقب عقوبتهم، فيتوب إلى الله ويعود للإسلام والصلاح والتقوى. {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا} [طه:128]، كم: للتكثير، أي: أهلكنا وعذبنا وقضينا وعاقبنا كثيراً من الأمم السابقة والأجيال الماضية. والقرن كما يطلق على الحقبة من الزمن يطلق على الأمة وعلى الجيل وعلى العمر، وهو هنا بمعنى الأجيال والأمم. قوله: {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} [طه:128]. أي: هاهم أولاء يرون أراضيهم والمساكن التي كانوا يسكنونها لم يبق بها حركة، وإنما آثارهم التي دلت على العذاب والهلاك الذي سلط الله عليهم في وقتهم. قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى} [طه:128]. أي: إن في حال الأمم الماضية وما عوقبوا به من هلاك وبوار وزلازل وصواعق وصيحات لآيات لأولي النهى. والنهى هي العقول التي تنهى عن السوء والفحشاء وعن العصيان، وهكذا الشأن في العقل يقال عنه: نهية؛ لأنه ينهى عن الفحشاء والمنكر ويدعوك للطاعة والصلاح والفلاح، وسمي في الأصل عقلاً؛ لأنه يعقل الإنسان عن السوء وعن الضرر في الدنيا والآخرة. ومن هنا كان من لم يطع ولم يستفد بعقله كمن لا عقل له، فهو أشبه بالمجنون. قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [طه:54]، أي: في هلاك الأمم السابقة والناس تمشي في مساكنهم ويرون آثارهم، {لَآيَاتٍ} [طه:54]، أي: لعلامات تدل على صدق الرسل وصدق الكتب المنزلة عليهم، {لِأُوْلِي النُّهَى} [طه:54]، أي: لأصحاب العقول التي تنهى عن السوء والمعصية، وللعقلاء الذين يدركون ويعقلون ما يقال لهم.
تفسير قوله تعالى: (ولولا كلمة سبقت من ربك)
تفسير قوله تعالى: (ولولا كلمة سبقت من ربك) قال تعالى: {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} [طه:129]. وهذا من فصاحة القرآن وبلاغته، وفصاحة لغة العرب التي نزل بها القرآن، وتقدير الكلام: لولا أنه سبق في حكمه وفي إرادته أنه يرسل رسلاً مبشرين ومنذرين، وألا يعذب إلا بعد إرسال الرسالات والهداية والتعليم والتربية، للزم العذاب. قوله: {وَلَوْلا كَلِمَةٌ} [طه:129]. أي: حكم وإرادة إلهية علية، فلولا حكم من الله سبق بأنه لا يعذب عباده قبل إرسال الرسل ولا يعذب عباده إلا بعد أن يمهلهم زمناً هو مدة أعمارهم وإلى يوم القيامة؛ لولا ذلك لعاقبهم الله في الدنيا قبل الآخرة، كما صنع جل جلاله مع السابقين حيث عوقبوا في الدنيا قبل الآخرة. ولكن تكرمة لنبينا صلى الله عليه وسلم رفع المقت والغضب في الدنيا بمثل ما كان تعذب به الأمم السابقة، فلا خسف ولا مسخ ولا غرق ولا صواعق ولا زلازل تأتي على الأمة كلها كما أتى الغرق لقوم نوح ولقوم فرعون، والزلازل والصيحات لعاد وثمود، والصواعق والرجم من السماء لقوم لوط بحيث كانت الأرض ترفع ويجعل عاليها سافلها حتى تسمع أصوات الديكة إلى السموات، ثم يرمى بها إلى الأرض لفعلهم. واليوم الناس يفعلون كل ذلك الذي أهلكت الأمم السابقة بسببه، ولكن سبق في علم الله أن هذه الأمة لا يقع عليها عذاب كالأمم السابقة. قوله: {لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} [طه:129]. أي: لولا الحكم ولولا الإرادة الإلهية العلية التي سبقت من الله بضربه الأجل في العذاب وبإعطاء المهلة مدة الحياة لكان العذاب لازماً، ولكان العذاب مفاجئاً، ولكان العذاب في الدنيا قبل الآخرة بمثل ما عوقبت به الأمم السابقة التي نمشي في مساكنها ونرى آثار اللعنة والهلاك والدمار والخراب عليها. ولولا: حرف امتناع لوجود، امتنع أن يعذب الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا بمثل ما كانت تعذب به الأمم السابقة، لوجود سبق عهده وحكمته وكلمته بذلك، فامتنع عذابها إلى حلول الأجل. ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يمهل ولا يهمل)، أي: يمهل العصاة المشركين ولكنه لا ينساهم ولا يهملهم، بل لهم أجل مفروض يوم يجمع الله الخلائق كلها فيأتون إلى الله حفاة حاسري الرءوس قلفاً، وإسرافيل ينفخ في الصور: يا أيتها العظام النخرة! يا أيتها الجلود الممزقة! يا أيتها اللحوم المبعثرة! أجيبوا داعي ربكم، فيأتون للعرض على الله وتراهم يتخافتون فلا تسمع إلا همساً. والأجل الذي سماه الله هو يوم القيامة، فهو مسمى عند الله، لكن لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، لا تأتيكم الساعة إلا بغتة، كما سأل جبريل نبينا عليه الصلاة والسلام عنها فقال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، ولكنها مع ذلك محددة بيوم وساعة. والله جل جلاله قد ذكر لنا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أماراتها الصغرى والكبرى، وقد ذهب من الصغرى الكثير ونكاد نبتدئ في الكبرى. وكان من العلامات الصغرى الرسالة المحمدية نفسها، قال فيها صلى الله عليه وسلم: (أرسلت والساعة كهاتين)، أي: كان قريباً من الساعة كقرب السبابة من الوسطى، ولكن كم مضى من الدنيا لنعلم كم بقي؟ لا يعلم ذلك إلا الله. فقوله: {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا} [طه:129]، أي: لكان العذاب لزاماً ملازماً قائماً مهلكاً.
طه [130 - 132]
تفسير سورة طه [130 - 132] يأمر الله تعالى عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يصبر على ما يقوله المشركون، وأن يسبح ربه بحمده ويصلي له الصلوات المفروضات، وأن يقنع بما آتاه الله من الدنيا ولا يطمع فيما عند الآخرين؛ لأنه قدوة للمؤمنين.
تفسير قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون)
تفسير قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون)
معنى قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون)
معنى قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون) قال تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه:130]. هذه الآية من الآيات التي جمعت الأمر والحث على الصلوات الخمس في كتاب الله. قوله: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} [طه:130]: الله جل جلاله يسلي نبيه عليه الصلاة والسلام ويدعوه للصبر على ما يسمع من قول الكافرين عنه إنه ساحر وكاذب وشاعر ومجنون؛ وحاشاه من كل ذلك، ولكنهم يرون وجوههم وأنفسهم في المرآة فيرون بذلك صورة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يصفونه إلا بصفاتهم القائمة فيهم، فدعاه الله جل جلاله للصبر، وكان هذا قبل الإذن بالقتال. ولا ننسى ونحن في خواتم السورة أن سورة طه مكية، وفي مكة لم يشرع القتال، فلم يكن إلا دعوته للصبر والتحمل إلى أن يبلغ دين الله ولو إلى جماعة، ولكن الواحد من هذه الجماعة كألف، والألف كمليون. وهكذا ثبت الإسلام عقيدة ونظاماً وحكماً وحلالاً وحراماً، ثبت بأصوله وفروعه عند المهاجرين في مكة، وما كادوا يذهبون إلى المدينة حتى وجدوا الأنصار قد سبقوهم بنصرة رسول الله بالقوة والسيف قبل اللسان، وأعدوا له المقام لينصروه بما ينصرون به أنفسهم وأهلهم وأموالهم وأولادهم، وأن يبذلوا الحياة والأرواح رخيصة في سبيله. وأما مكة فكان يدعوه الله إلى الصبر؛ ولذلك صبر على الأذى وعلى الشتائم وعلى الهجران، وكان بدوره عليه الصلاة والسلام يمر على أصحابه مثل عمار بن ياسر وأبيه ياسر وأمه سمية وهم يعذبون العذاب النكر، فلا يزيد على أن يقول لهم: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة). وما أذن بالقتال إلا في المدينة إذ نزل قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج:39]، إلى آخر الآيات.
معنى قوله تعالى: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)
معنى قوله تعالى: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) قوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه:130]: التسبيح هنا الصلاة؛ لأن الصلاة مشتملة على التسبيح عند السجود، وعند الجلوس، وعند القيام، وعند الوقوف، وعند الركوع، فنحن عندما نقول: الله أكبر فقد سبحنا الله وعظمناه، وجعلناه الأكبر من كل ما يخطر بالبال وتراه العين. وعندما نقول: الحمد لله رب العالمين نسبحه ونجعل الحمد المطلق الكامل له وحده لا أحد يستحقه معه. وعندما نركع نقول: سبحان ربي العظيم، فنسبح الله العظيم الأعظم. وعندما نسجد نقول: سبحان ربي الأعلى، فنسبحه جل جلاله. ومن هنا يقول تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه:130]، أي: صلاة الصبح، ووقتها قبل طلوع الشمس، والتسبيح قبل غروب الشمس صلاة العصر. فاشتملت هذه الفقرة من الآية الكريمة على صلاة الصبح وصلاة العصر، وفي صلاة الصبح وصلاة العصر يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحاح عن جرير بن عبد الله: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فمن استطاع أن يصلي صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل شروق الشمس فليفعل). وعن عمارة بن رؤيبة في صحيح مسلم ومسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لازم الصلاة قبل غروب الشمس وقبل طلوع الشمس دخل الجنة). ومن هنا قال المالكية: الصلاة الوسطى صلاة الصبح، وقال الشافعية: الصلاة الوسطى صلاة العصر، أخذاً من هذه الآية الكريمة، والصلاة الوسطى هي التي قال الله عنها مؤكداً مخصصاً بعد تعميم: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238]، فأمر بالصلوات كلها ومنها الوسطى، ثم زاد فخصصها وأكدها لمزيد فضلها ووقتها. وقال البعض: إنها الظهر، ولكن ثبت في صحيح مسلم بما لا يدع مجالاً للشك والريب أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى.
معنى قوله تعالى: (ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار)
معنى قوله تعالى: (ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار) قوله: {وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ} [طه:130]. آناء: جمع آن، أي: الساعات والأوقات، وساعات الليل هي صلاة المغرب وصلاة العشاء، فصلاة المغرب تكون بعد غروب الشمس ونهاية النهار فهي من صلوات الليل، وصلاة العشاء كذلك. ومن هنا يقال عن المغرب والعشاء إنها صلاة الليل، ويدخل في ذلك التهجد وإن كان الأصل هو الصلوات الخمس. قوله: {وَأَطْرَافَ النَّهَارِ} [طه:130]. أطراف النهار هي صلاة الظهر، لأن الأطراف: جمع طرف فوقت صلاة الظهر زوال، فتأخذ طرفاً من أول النهار وطرفاً من ثاني النهار. ومن هنا كانت الأوقات كلها عند الشروق وقبل الشروق وقبل الغروب وعند الزوال وفي بداية الليل وعند غروب الشمس، فعلينا أن نستقبل الكعبة متوجهين إليه جل جلاله نناجيه ونخاطبه جل جلاله بكاف الخطاب المفرد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5]، ونلتزم ذلك في كل ركعة ونحن نناجي الله، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. ولذلك قال أئمتنا وعلماؤنا: هذه الآية شملت الصلوات الخمس، والسنة النبوية هي شرح لكتاب الله وبيان وتفسير، فزادت هذه الآية بياناً عندما نزل جبريل من الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم مبيناً له أوقات الصلوات الخمس: الوقت في أوله وفي وسطه وفي آخره، فصلى بالنبي عليه الصلاة والسلام يومين، ففي اليوم صلى به الأول الصلوات الخمس في أول وقتها، وفي اليوم الثاني صلى به الصلوات الخمس في آخر وقتها، ثم قال له عن الله: (هذه أوقات وما بينها أوقات لهذه الصلوات)، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أول الوقت رضوان من الله، ووسطه رحمة من الله، وآخره عفو الله). وما كان رضاً فهو أكرم وأفضل من الرحمة، وما كان رحمة فهو أفضل وأكرم من العفو، والعفو فيه معنى المؤاخذة كقوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} [التوبة:43]، عفا الله عنك لم أخرت الصلاة إلى آخر الوقت؟ ومع ذلك يعتبر صلى الصلاة في الوقت. ولكن العلماء والأئمة من سلفنا الصالح كرهوا للإنسان أن يلتزم الصلاة باستمرار في آخر الوقت، وسماها الرسول عليه الصلاة والسلام بالنسبة لصلاة العصر صلاة المنافقين؛ وهي أن الإنسان ينتظر الشمس حتى إذا تضيفت للغروب قام فنقرها نقراً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً، أي: يسرع خوفاً من غروب الشمس.
معنى قوله تعالى: (لعلك ترضى)
معنى قوله تعالى: (لعلك ترضى) قوله: {لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه:130]. أي: سبح آناء الليل وساعاته في المغرب والعشاء، وسبح أطراف النهار أي: الظهر، {لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه:130]، وهذه كقوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى:5]. والمعنى: لعلك تجد من الله ثواباً وأجراً بما يرضيك ويقر عينك، فالتزم هذا في نفسك، وأمر به غيرك من أمتك ابتداء من أهلك إلى آخر مسلم ممن تلقاه وتجتمع به، وأوص بذلك من عايشك واجتمع بك على أن يبلغ ذلك لأهله وأولاده ولمن يدركه بعدك، وهكذا
تفسير قوله تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم)
تفسير قوله تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم) قال تعالى: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه:131]. هذه الآية أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أمر لأمته، وكما هي العادة في كتاب الله أن يؤمر النبي عليه الصلاة والسلام وهو أمر للناس جميعاً. قوله: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا} [طه:131]: مد العين: النظر مع التشوق وهو أزيد من النظر، فلا يقال: لا تنظر، ولكن يقال: لا تمد عينك، أي: لا تطمع لا تشتق لا تتمن أن يكون لك ما لأولئك مما أعجبك من نساء ودور وأموال وجاه وسلطان ونفوذ. قوله: (أزواجاً): أي: أصنافاً من الناس. وقد متعهم بذلك زينة وتفاخراً ومتعة، {زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه:131]، أي: ليكون ذلك فتنة واختباراً ليرى هل سيشكرون الله تعالى ويحمدونه على هذه النعم بأداء الحقوق فيزكون من جاههم وأموالهم ورفاهيتهم، ويشكرون الله بعد ذلك باللسان. والزهرة: الزينة والزخرف والمتعة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن زهرة الدنيا وزينتها). كان الناس في الحياة النبوية على غاية ما يكونون من الحاجة والفقر وشظف العيش، وكان يقول لهم عليه الصلاة والسلام وهم يشتكون الفقر ويطلبون منه أن يدعو الله لهم بالغنى: لا أخاف الفقر ولكن أخاف أن يغنيكم الله فتتنافسوا على الدنيا فيسفك بعضكم دماء بعض، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وهكذا حدث. والمقصود: أن الخطاب للنبي، وهو خطاب لأتباعه صلى الله عليه وسلم، وإلا فالنبي عليه الصلاة والسلام قد عرضت عليه الدنيا وعرضت عليه الجبال أن تكون ذهباً وفضة، وعرض عليه أن يكون ملكاً نبياً، فأبى كل ذلك وأعرض عنه، وطلب أن يكون عبداً رسولاً يجوع يوماً فيصبر، ويشبع يوماً فيشكر. والنبي عليه الصلاة والسلام أتته الدنيا غنائم وأموالاً، وكل ذلك كان يوزعه ويفرقه من ليلته ولا يدع عنده منها قليلاً ولا كثيراً. كان عليه الصلاة والسلام يلبس ما وجد، وينتعل ما وجد، فإذا لم يجد مشى حافياً، وكان صلى الله عليه وسلم أحياناً يلبس القلنسوة بلا عمامة، وأحياناً عمامة بلا قلنسوة، وأحياناً لا تكون عنده عمامة ولا قلنسوة، وكان يقول: (نهينا عن التكلف). كان يصبح فيقول: هل عندكم شيء يؤكل؟ فيقولون له: لا. فيصوم إلى المغرب، وقد يبقى ليالي وأياماً لا يذوق فيها طعاماً. وكان إذا اشتد به الجوع يربط على بطنه الحجر صلى الله عليه وعلى آله. وفي ذات مرة دخل عليه عمر وهو في المشربة بعد أن هجر أهله شهراً، فوجده على حصير من النخل قد أثر في جنبه صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله! كسرى في أمواله وقيصر في رفاهيته وأنت في هذه الحالة! وكان متكئاً فجلس وقال: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا). وهكذا عاش النبي عليه الصلاة والسلام عبداً نبياً برضا منه واختيار، وهكذا عاش بعده الخلفاء الراشدون، ومن هنا كان يقول عليه الصلاة والسلام: (تمسكوا بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ). وكانوا يلبسون الثياب المرقعة، وذات مرة جاءت عمر الغنائم فوزع على الكل ثوباً ثوباً، ثم خرج على المسلمين وعليه ثوبان اثنان فقال: يا أيها الناس! اسمعوا وأطيعوا. فصاح أحد الحاضرين وقال: يا ابن الخطاب لا سمع ولا طاعة، قال: ولم؟ قال: هل وزعت على المسلمين ثوباً وأعطيت لنفسك ثوبين؟ فقال عمر: أهنا عبد الله؟ قال: نعم، قال: قم فأجبه، قال: يا هذا! إن الثوب الذي رأيته على أمير المؤمنين هو ثوبي؛ لأن ثوبه لا يكفيه لطول قامته، فقال الآخر: الآن يا أمير المؤمنين! السمع والطاعة. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعيش صائماً في أكثر أوقاته، ومع ذلك ما كان يتم صيام شهر كامل سوى رمضان، وأكثر ما يصوم في شهر شعبان، وشهر محرم، وكان يصوم الإثنين والخميس، وكان يصوم الليالي النيرة بالقمر وهي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. وكان عليه الصلاة والسلام إذا أعطى يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكانت هذه سيرته وهي سيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن اهتدى بهديهم ممن بعدهم. قوله تعالى: {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه:131]، أي: لنبتليهم هل سيشكرون الله على هذه النعمة أم لا؟ ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول: (هلك المكثرون إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا)، أي: إلا من كان يوزع ماله وزكاته وصدقاته ونفقاته في القريب والبعيد. وكان يقول عليه الصلاة والسلام: (نعم المال الصالح للرجل الصالح). وكان يقول: (إن لله عباداً لا يصلحهم إلا الغنى ولو أفقرهم لأفسدهم، وإن لله عباداً لا يصلحهم إلا الفقر ولو أغناهم لأفسدهم). وهذا شاهدناه ولا نزال نشاهده، فقد كان معنا أطفال ونحن أطفال في المدارس على غاية من التقى والصلاح، فلما كبروا أصبح لهم جاه ومال وسلطان فنسوا الله وتركوا الصلوات وكادوا يتركون الدين كله، فالفقر أصلح لهؤلاء، فمن العصمة أن تجد الفاجر يريد أن يفجر فلا يجد المال فيكون هذا من نعمة الله عليه وكرامته، لأنه لو أعطاه المال وصرفه في ذلك لكانت عقوبته مضاعفة، حيث صرف هذا المال في غير حله، ولا يشكر نعمة الله عليه مع فعل الفاحشة والذنب والمعصية. قال تعالى: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه:131]: الرزق الحلال بالكسب الحلال خير من هذا المال الكثير الذي لا يزيد الغني إلا فتنة، وأبقى بما يقدمه من زكاة وصدقة ونفقة. ورزق ربك في الآخرة -يا هذا الذي زهد في الدنيا عن طواعية وإذا أغناه الله صرف الغنى في حله ولم يرتكب به الحرام ولم يوزعه في أنواع الفواحش بأشكالها- خير وأبقى من ذلك المال الفاسد الذي ابتلي به من لم يطع الله ولم يتقه، وأبقى وأدوم من حيث الأجر والثواب من ذلك المال الفاسد.
تفسير قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها)
تفسير قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:132]. بعد أن أمرنا الله بالصلوات الخمس في أنفسنا؛ وبأن نسبحه ونصلي له قبل طلوع الشمس وقبل الغروب وفي آناء الليل وأطراف النهار، عاد فأمرنا أن نأمر غيرنا بالصلاة ولا نكتفي بأنفسنا، فقال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ} [طه:132]، فالأمر لنبينا أولاً ثم هو لنا. ومنذ نزلت هذه الآية كان صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل فيطرق باب ابنته فاطمة وهي مع زوجها علي ويقول: الصلاة الصلاة، ويطرق أبواب زوجاته في غرفهن ويقول: الصلاة الصلاة، وكان يفعل ذلك أبو بكر، ويفعله عمر، ويفعله المسلمون ممن اهتدى وأطاع أمر ربه. فنحن مأمورون بالصلاة في أنفسنا، ومأمورون أن نأمر بها أهلنا الذين هم تحت سلطاننا، والأهل بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم جميع أمته مع أهله الأولين، وبالنسبة للحكام جميع رعاياهم بعد أهلهم، ومن له شريك أو صاحب يأمره بذلك، وقبل ذلك أهله وأولاده. والأهل هنا بداية من الزوجة إلى الولد إلى الأم إلى الأخت إلى بقية أفراد العشيرة، فيجب أن تأمرهم بالصلاة: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم:6]، أمرنا الله تعالى أن نقي ونحفظ أنفسنا من عذاب ناره، ونقي أهلنا هذه النار التي حطبها وفحمها الناس والحجارة. ولا عذر لزوج يقول: أمرتها فلم تمتثل، ولا عذر لأب يقول: أمرت ولدي فلم يمتثل. نعم، لا حق لك في القتل، وقد يكون أحياناً لك ولكن مع هذا هناك طرق في التأديب قد علمنا إياها النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لنا عن الصلاة وتعليمها للأطفال: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر). فمنذ السابعة وإلى العاشرة ثلاث سنوات تكون للتمرين وللتدريب؛ لأن من لم يتمرن على الصلاة من الطفولة حتى لو آمن بها فإنه لا يواظب عليها إذا كبر، ونعلم الكثير من أهل الخير الذين لم يمرنوا على الصلاة إلا بعد الكبر لا يصلون إلا وكأن الجبال على عواتقهم. ونعلم الكثير من الناس الذين مرنوا على الصلاة من آبائهم ومربيهم وهم في الطفولة إذا حاولوا ليلة نتيجة مرض أو تعب أو أي سبب أن يؤخروا الصلاة إلى آخر الليل يصيبهم الأرق، ولو كان أحدهم مجهداً متعباً، فإذا قام ليتوضأ ويصلي شعر وكأن حملاً ثقيلاً قد ألقاه عنه. ومن هنا كان عليه الصلاة والسلام يقول لـ بلال: (أرحنا بها يا بلال)، أي: كان يرتاح عليه الصلاة والسلام بالصلاة، وبها كان يجد اليقين، وفيها قرة عينه صلى الله عليه وعلى آله. والصلاة عماد الدين من تركها فقد كفر، والفرق بين المسلم والكافر ترك الصلاة. {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه:132]، أي: اصبر على الصلاة في نفسك وفي أهلك ولازمها في جميع الأوقات صحة ومرضاً، حضراً وسفراً، قائماً وقاعداً، ولا تتركها في حال من الأحوال، فما هي إلا أيام وتجد ذلك زادك الوحيد عند الله يوم القيامة.
طه [132 - 135]
تفسير سورة طه [132 - 135] المؤمن مأمور بالصلاة، ومأمور أن يأمر أهله بالصلاة، ثم الله يرزقه ويغنيه من فضله، ولكن الكافرين يتعنتون ويحتجون على الله، وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب ليقيم عليهم الحجة.
تفسير قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة)
تفسير قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة) قال الله جلت عزته: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:132]. الله جل جلاله لم يكتف منا بأن نصلي لأنفسنا فقط، فقال جل جلاله: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103]، وأمرنا في العشرات من الآيات: أن أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. ومن هنا نفهم أن الإسلام اجتماعي وليس انعزالياً لا في عبادته ولا في نظمه ولا في دولته، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110]. فالله كما أمرنا بالصلاة في أنفسنا أمرنا بأن نأمر أهلنا بالصلاة وأن نصطبر على ذلك، والأهل يشمل الزوجة والولد والقريب والبعيد الذي أنت على صلة به، وخادمك وصديقك ومن له بك صلة من الصلات. وهو بالنسبة لرسول الله عليه الصلاة والسلام كل أمته، أي: وأمر أمتك وفي الدرجة الأولى نساءك وأصهارك وأحفادك وبني عمك وعشيرتك، ثم بقية المسلمين، وهو أمر لازم فرضه الله على كل مسلم، أعني أن يأمر بالصلاة زوجته وولده وبنته ومن له بصلة ما، فإذا لم يفعل وكان هؤلاء متهاونين بالصلاة فسيكون مسئولاً عنهم. بل أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نأمر بالصلاة أطفالنا وأولادنا وهم أبناء سبع، فقال: (مروا أولدكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر). فأعطانا قيادة داخل الأسرة بأن ننشئ أطفالنا على الصلاة منذ السنة السابعة، وأن نبقى نأمرهم بذلك ليتدربوا وليعتادوا وليتمرنوا ثلاث سنوات، فإن هم بعد ذلك قصروا فليضربوا جزاءً وفاقاً، فإذا جاوز الأمر إلى حد البلوغ فيختلف الوضع. فتارك الصلاة كسلاً يقتل عند المذاهب الثلاثة: مذهب الشافعي، ومذهب مالك، ومذهب أحمد، ويسجن أبداً حتى يصلي عند الحنفية، ويجلد عشر ضربات عند الظاهرية، فإذا انتهى من الضربات وبقي ممتنعاً من الصلاة أعيدت عليه، وتكون عشراً ثم عشراً إلى الصلاة أو الموت، ومعنى ذلك: أن تارك الصلاة يعتبر جسماً موبوءاً في المجتمع، إما أن يصلي وإما أن يبعد عن المجتمع بأن يدفن تحت التراب أو يسجن أو يجلد حتى الموت، أو الصلاة، بل جاء عند الحنابلة أنه يقتل كافراً. وظواهر الأحاديث تدل على ذلك، وهو مذهب كثير من السلف صحابة وتابعين وأئمة مجتهدين، ومن هذه الأحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (الفرق بين المؤمن والكافر ترك الصلاة)، بمعنى: أن الصلاة عماد الدين فمن تركها فقد كفر. قوله: {وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه:132]، أي: اصطبر عليها في نفسك وأدها في وقت الحر ووقت البرد، وفي الليل والنهار، وفي الحضر والسفر، وفي الصحة والمرض، وفي البر وداخل البحر، وعلى الجبال والوهاد والصحاري. ولا يعذر أحد في ترك الصلاة إلا أن يفقد عقله أو يصبح في عداد الأموات. واصطبر عليها في دعوة أهلك لها، وفي دعوة ولدك فأدبهم عليها بحسب ما ترى من التأديب، والمرأة التي تمتنع من الصلاة مع الهجران والتأديب لا خير فيها، وعند الكثير من الأئمة تعتبر مرتدة، وعقد النكاح يعتبر مفسوخاً بردتها. قوله: {لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا} [طه:132]. أي: نحن لا نسألك أن ترزق نفسك ولا أن ترزق غيرك، وإنما نسألك العبادة، ونسألك الصلاة وتفاصيلها وأوقاتها وركعاتها من أركان وواجبات وسنن ومستحبات، وقد بينتها السنة المطهرة. قوله: {نَحْنُ نَرْزُقُكَ} [طه:132]. فهم الشراح والمفسرون أن من أسباب الرزق ودوامه الصلاة والملازمة لها، فقد كان نبينا صلوات الله وسلامه عليه إذا اشتدت به الضائقة صلى وأمر أهله بالصلاة، ولذلك من التزم الصلاة والتزم القيام بها في أوقاتها من ليل أو نهار أتته الدنيا وهي راغمة، وفي الحديث الصحيح: (من جعل الدنيا همه فرق الله عليه أمره، ومن جعل الآخرة همه رزقه الله من حيث لا يحتسب وأتته الدنيا وهي راغمة). والرزق مضمون للحي فكيف بالعابد المصلي وقد فرغ وقته لله، خاصة إذا رزق القناعة والشكر على ما أعطاه ربه ولم يمد عينيه إلى ما متع الله به أصنافاً من الناس زهرة الحياة الدنيا ليبتليهم بذلك. قوله: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:132]. العاقبة لأهل التقوى، ومهما رأيت أيها المؤمن من دنيا وجاه عند غيرك كافراً أو فاسقاً جاحداً أو مؤمناً عاصياً فالنهاية والعاقبة لمن كان مستقيماً، وعاقبة الأشرار البلاء والخزي والدمار في الدنيا والآخرة. في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (رأيت الليلة كأني في دار عقبة بن رافع وأتينا برطب من رطب ابن طاب فأولت ذلك، أن العاقبة لنا والرفعة في الدنيا، أن ديننا قد طاب). وهكذا الرؤيا الصالحة لها أصول في تأويلها، وهي جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوءة، ويقول ربنا جل جلاله: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [يونس:64]، وقيل: يا رسول الله! هذه البشرى في الآخرة فكيف هي البشرى في الدنيا؟ قال: (الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له).
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه)
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه) قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى} [طه:133]. يقول الكافرون الجاحدون: هلا أتانا محمد بآية من ربه، وما هي الآية التي يطلبون؟ وما هي المعجزة التي يريدونها؟ فقد جاء صلى الله عليه وسلم بالكثير من المعجزات مما لم يكن مثلها لنبي أو رسول، وإن كلم عيسى الأموات وأحياهم بإذن الله فقد كلم محمداً صلى الله عليه وسلم الجماد، وحن الجذع إليه وهو خشب ميت لا حراك به حين تركه وكان منبراً يخطب عليه، حن حنيناً بحيث سمعه جميع الحاضرين في المسجد، وكانت أنواع الحيوانات تأتي إليه مسلمة ومصلية وساجدة أحياناً، وكان الشجر يسلم عليه، ومعجزاته كثيرة، وقد جمعت في مجلدات بحيث أصبح مجمعاً عليها. وأعظم هذه المعجزات كتاب الله، ولكن هؤلاء مع ما يعلمون من تلك المعجزات وما رأوا يطلبون آية ومعجزة باقتراحهم، وما اقتراحهم إلا للتعنت، فقد طلبوا من نبي الله عليه الصلاة والسلام أن يجعل لهم الصفا والمروة ذهباً، أن يزيح عن مكة هذه الجبال، وأن يستأذن ربه بأن تفجر أنهاراً وعيوناً ومياهاً وأن تنتقل من كونها أرضاً صحراء إلى أرض خصبة ذات زراعة وذات شجر وفواكه. فهم إنما يتعنتون وإنما يقصدون التعجيز، وذلك لا يعجزه صلى الله عليه وسلم فإن ربه يعطيه حتى يرضيه، ولكن عندما يكون الطلب للتعنت لا يكون منه فائدة، وحتى لو استجيب هؤلاء لما طلبوا فيطلبون معجزات وآيات أخرى، وإذا جاءت المعجزة ولم يؤمنوا دمرهم الله وقضى عليهم ولم ينذرهم ولم يمهلهم، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام كان أرحم بقومه منهم بأنفسهم، لذلك كان ينتظر بهم أن يؤمنوا، أو يخرج الله من أصلابهم مؤمنين يعز الله بهم هذا الدين وينتشر في آفاق الأرض. قال الله جواباً لهم عندما قالوا: هلا يأتينا بآية من ربه: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى} [طه:133]. أي: أو لم يأتهم يا محمد بيان ما في الصحف الأولى من كتب الله السماوية السابقة بأن أنزل عليه القرآن مصدقاً لما بقي حقاً في هذه الكتب ومكذباً لما حرف وبدل وغير، أولم تكن لهم بينة أن يذكر نبيهم في التوراة والإنجيل باسمه أحمد وبصفته ونعته، أولم يكف كل ذلك؟ وهذا لقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت:51]، وهذا الكتاب معجزة المعجزات الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. هذا الكتاب الذي أعجز العرب وقد نزل بلغتهم، وكانوا أفصح الخلق وأبلغ الخلق، ولغتهم هي أوسع اللغات على الإطلاق بما تؤديه من معني يجري في النفس وتراه العين وتسمعه الأذن ولا يخطر على بال إنسان، وسعت كتاب الله بما فيه من أخبار الأولين والآتين، أخبار الدنيا الآخرة. هذا الكتاب الذي معجزته ما انتهت ولن تنتهي إلى النفخ في الصور، هذا الكتاب الذي مضى عليه أربعة عشر قرناً ولا يزال الإعجاز قائماً بأنه لم يستطع أحد من الخلق أن يأتي بمثله. هذا الكتاب الذي حوى علم الأولين وعلم الآخرين إلى أن يدخل الجنة من يدخلها ويدخل النار من يدخلها، أكل هذا لم يكفهم؟ فماذا يريدون؟ وقد اجتمعوا أكثر من مرة وأكثر من مجلس وفي أكثر من مدينة وهم يتفاوضون ويتخافتون ويتسارون: ما نوع هذا الكتاب؟ أهو شعر؟ فيجيب شاعرهم ويقول: علمنا الشعر قوافيه وبحوره وبدايته ونهايته، فما هو بالشعر. أهو النثر؟ فيقول خطيبهم: علمنا النثر وقوافيه وسكتاته ومقاطعه وما هو به. وإذا بأرباب العناد والكفر قالوا: هذا سحر، والسحر باطل وهباء لا يدوم ولا يبقى، وها نحن نرى القرآن قد أتى بهداية البشر أبيضهم وأسودهم، عربهم وعجمهم في جميع الدنيا مشارقها ومغاربها، ولا يزال هذا الكتاب الكريم يؤتي أكله وهدايته لكل من أكرمه الله بهدايته والإيمان به والعمل بما جاء فيه. قال تعالى: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى} [طه:133] أي: في الكتب الأولى السابقة والصحف المنزلة كصحائف إبراهيم وزبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى، وقد بشر بنبينا عليه الصلاة والسلام في أكثر الكتب السماوية، وباليقين في التوراة والإنجيل باسمه أحمد وبصفته كذلك.
تفسير قوله تعالى: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب)
تفسير قوله تعالى: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب) قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه:134]. أي: ولو أنا قضينا عليهم في الدنيا قبل الآخرة لجاءوا يوم القيامة وقالوا: يا ربنا أهلكتنا قبل إنذارنا، وقبل إرسال هذا الكتاب، وهاهم ينكرونه وقت نزوله، وكانوا قبل نزول القرآن عليهم يقولون: لولا أرسلت إلينا رسولاً يأتي بكتاب يدعونا ويهدينا، ويبشرنا وينذرنا، ويبعدنا عن شرنا في معاشنا ومعادنا. ولكن الحجة البالغة لله؛ فلم يترك لهم أن يقولوا هذا، ففي دار الدنيا أرسل رسلاً مبشرين ومنذرين، منذ آدم وبعده نوح فإدريس فإبراهيم، فسلالة إبراهيم إسماعيل وإسحاق وهكذا إلى خاتمهم نبينا عليه الصلاة والسلام، فلم تبق حجة لأحد أن يقول يوم القيامة: لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك. قوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه:134]. أي: قبل أن نذل في الدنيا بنعت الكفر والشرك والجحود والعصيان والعيشة الضنك، وأن نخزى يوم القيامة بعذاب الله وبناره وبلعنته وطرده من رحمته، ولكن هذا لم يدعهم الله يقولون، فقد أرسل لهم الرسل والأنبياء قال الله: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر:24]. وكان الأنبياء يبعثون إلى أقوامهم خاصة، وعندما ارتقت العقول البشرية أكرمها الله بأن أرسل لها خير الأديان وخاتم الأنبياء وسيد الرسل نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، وجعله الرسول الخاتم لمن سبقه، فلا كتاب بعده ولا رسالة ولا نبوءة. فالكل أصبح ملزماً بأن يؤمن به وبما جاء به عن الله، فمن دفن في قبره وأتاه الملكان منكر ونكير وهما يقولان له: من ربك من نبيك ما دينك؟ لن يستطيع أن يجيب ويقول: لا أعلم، ولم يبق أحد على وجه الأرض في عصرنا هذا وقبله بأزمان لم يسمع بأن هناك نبياً ظهر في البلاد العربية، وكانت رسالته عامة شاملة خالدة إلى يوم القيامة.
تفسير قوله تعالى: (قل كل متربص)
تفسير قوله تعالى: (قل كل متربص) قال تعالى: {قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى} [طه:135]. تبرص الكفار برسول الله الموت، وقد كانوا ينتظرون ذلك ويشتهونه ويتمنونه، ويتربصون أن ينتصروا عليه، فقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قل لهم: {كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا} [طه:135]. أي: كل منتظر فانتظروا، أي: كل مؤمن وكافر وكل فئة وطائفة متربصة بالأخرى ومنتظرة النتيجة. والتنوين في (كل) هو تنوين العوض، فهو عوض عن كلمة، وقد يكون عوضاً عن جملة. وهذا تهديد من الله ووعيد، فيقول لهم: تربصوا وانتظروا فستعلمون يوم العرض على الله من الذي تربص بالآخر؟ ومن منكم على الصراط المستقيم والحق الواضح الذي ليس فيه طرق ملتوية، وليس فيه عقد وليس فيه أباطيل ولا أضاليل، فهو على المحجة البيضاء كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يضل عنها إلا هالك). والصراط السوي هو الصراط المستقيم والطريق النير الواضح البين، أي: وستعلمون يا هؤلاء المشركون! من الذي على الصراط المستقيم أنحن أم أنتم؟ ومن الذي اهتدى للحق وظفر به؟ ومن سيفوز بالرضا والجنة يوم القيامة؟ ومن الذي سيعود بالخزي واللعنة والنار؟ وذاك تهديد من الله ووعيد. وفي آخر هذه الآية من سورة طه نكون قد ختمنا من القرآن الكريم ستة عشر جزءاً، وتجاوزنا النصف بجزء. والحمد لله من قبل ومن بعد، والمرجو من الله جل جلاله كما أعاننا على هذا في سبع سنوات مضت أن يعيننا على إتمامه في حياة طيبة وصحة كاملة للسامع والقائل، وللداعية والمدعو معاً، وأعظم شيء يكرم الله به الإنسان أن يتدارس كتاب الله، ولا مجلس أشرف من ذلك، خاصة إذا كان هذا التدارس في بيت الله الحرام منزل الوحي الأول، ومسقط رأس الرسول عليه الصلاة والسلام وتجاه الكعبة المشرفة.
الأنبياء [1 - 2]
تفسير سورة الأنبياء [1 - 2] يخبر الله تعالى في مطلع سورة الأنبياء عن اقتراب الحساب وقيام الساعة، منذراً من كان غافلاً عنها حتى ينتبه، ومهدداً للكفار الذين ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون.
بين يدي سورة الأنبياء
بين يدي سورة الأنبياء سورة الأنبياء عدد آياتها 112 آية، وهي من أوائل السور التي نزلت على نبينا عليه الصلاة والسلام. وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: الإسراء والكهف ومريم وطه والأنبياء هي من قدامى السور وأوائلها، يعني: من قدامى السور التي نزلت في أول الإسلام وصدره في مكة المكرمة. وكل هذه السور قد مضت مفسرة مبينة موضحة، وكلها مما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأرض المطهرة المقدسة، وفي هذه البقعة التي هي أشرف بقاع الأرض على الإطلاق والشمول والاستغراق. ثم قال شاكراً لربه، متفاخراً بذلك، معدداً نعم الله عليه فقال: وهي من تلادي. أي: من السور القديمة التي حفظتها وعلمت معانيها وأحكامها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وأخذت منه تأويلها وتفسيرها.
تفسير قوله تعالى: (اقترب للناس حسابهم)
تفسير قوله تعالى: (اقترب للناس حسابهم) قال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} [الأنبياء:1]. تكلمنا عن البسملة كثيراً في أوائل السور، وندخل الآن للموضوع رأساً فنقول: قال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} [الأنبياء:1]. استضاف سعد بن أبي وقاص استضاف رجلاً من العرب فأكرمه، ثم عرفه برسول الله عليه الصلاة والسلام ليؤمن به، واستقطع رسول الله أرضاً ووادياً، فجاء هذا الضيف إلى سعد، وقال: لقد أقطعني رسول الله أرضاً من وصفها ونعتها كذا وكذا، أريد أن أقطعك منها قطعة، قال: لا تفعل، ولا حاجة لي بها، فقد نزلت اليوم سورة ذهلت لها عقولنا، وكرهنا لها الحياة، وقد انتهت وقربت الساعة، قال: ما هي؟ قال: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:1]. هذه السورة ابتدأت بالكلام عن الساعة، وانتهت بالكلام عن قصص الأنبياء وما فيها من عبر وعظات تنذر الكافر وتبشر المؤمن. {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} [الأنبياء:1] أي: اقتربت الساعة وقرب وقتها وزمنها، (اقترب للناس) أي: اقترب من الناس، فاللام هنا بمعنى: من. والمعنى آن الأوان، وأصبحت الساعة قريبة، لأن الحساب لا يكون إلا يوم القيامة. {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:1]، هذه الواو يقال لها: واو الحال، أي: حال كونهم معرضين عنها وعن أهوالها وعن عذابها وعن اليوم الذي هو كألف سنة مما تعدون، الناجي من المعروضين على الله لا يكاد ينجو حتى يصل إلى ما لا تطيقه نفس بشرية، ولو كانت الدنيا لا تزال لمات موتات قبل أن يعلم النتيجة، وأنه من الذين رضي الله عنهم وسيدخلون الجنة. في هذا اليوم يشيب الرضيع، ويشتد البلاء على الناس، ويشتد العرق حتى يغرقوا في عرقهم، والبعض للركبة، والبعض للسرة، والبعض للثديين. ومن هنا كانت مزية في هذا اليوم للمؤذنين، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (المؤذنون يوم القيامة أطول الناس أعناقاً)، ومن لم يفهم ذلك لا يفهم الحديث، وما الجَمال في طول العنق أكثر من اللازم؟! فهنا يوم العرض على الله، يوم الشدة والكرب، من كان طويل العنق كما ذكره الله على المؤذنين، مهما غمر في العرق وفي المحنة والعذاب تبقى حواسه في منجاة من ذلك؛ العينان والأذنان والمنخران والفم. وقيامة كل إنسان موته، فهو بموته تكون قد انطوت صحيفته في الدنيا، ويبتدئ حسابه في القبر، يسأله الملكان: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فإن أجاب بما نجح به وفاز يريه عن يمينه ويقول له: هذا مكانك من الجنة، فيرى بعينه ما لا يحده البصر من أنواع النعيم بما تقر به عينه، وتلذ به نفسه، ويعيش بهذا النعيم ممتع الروح والنفس إلى البعث، ثم يقول له: انظر يسارك، هذا مكانك من النار فيما لو لم تكن جئت مؤمناً موحداً تائباً، فيزداد حمداً لله على أن أنجاه من النار، وأنقذه منها، والعكس بالعكس، يُرى ما على يساره للكافر وللعاصي فيزاد عذاباً في نفسه وروحه، ويزداد حسرة عندما يقال له: انظر على يمينك، لو أحسنت الجواب وعشت مؤمناً في دنياك أين كان سيكون مكانك ومقامك. والرسالة المحمدية نفسها هي العلامة الأولى على قرب الساعة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (بعثت والساعة كهاتين: وأشار بالسبابة والوسطى) أي: ما بين القيامة وبين ما مضى كقدر ما بين السبابة والوسطى، ولكننا لا نعلم كم مضى لنعلم ما يأتي. ومن هنا بقي يوم القيامة مجهولاً عند الخلق، فلا يعرفه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وفي حديث جبريل الذي جاء فيه نبي الله عليه الصلاة والسلام يسأله، كان فيما سأله: (متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، ثم أخذ يذكر علاماتها. ولها علامات صغرى وكبرى، وتكاد العلامات الصغرى كلها تكون قد مضت، ونحن ننتظر العلامات الكبرى، وهي من الهول بمكان، ومن الفتنة والبلاء بمكان، أنقذنا الله من فتنها وبلائها. {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:1] أي: حال كونهم معرضين غافلين عما يجب أن يكون عليهم من تقى، ومن تجديد توبة، ومن إيمان بالله وبرسله، ومن عمل بما جاء في كتب الله، وعن رسول الله بياناً وتفسيراً وشرحاً، فالله ينزل هذا على عبده محمد صلى الله عليه وسلم، ثم هو تنبيه لأتباعه من المؤمنين ليتعظوا ويبتعدوا عن الإعراض والغفلة، وقليل من يفعل ذلك.
تفسير قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم)
تفسير قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم) قال تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء:2] الذكر هنا قد يكون القرآن، وقد يكون محمداً عليه الصلاة والسلام. وعلى أي اعتبار إذا كان الذكر هو القرآن فالقرآن الذي نزل عليه ونطق به هو نبينا صلى الله عليه وسلم، وإن كان الذكر نبينا عليه الصلاة والسلام فالمعنى واحد. فهو الذي ذكّرنا وذكّر الأمم معنا والخلائق إلى يوم القيامة، فوعظهم، وأنذرهم، وبشرهم، وبين لهم ما ينفعهم مما يضرهم، ولم يذهب إلى الرفيق الأعلى حتى لم يترك شاذة ولا فاذة إلا بينها لأصحابه ليبينوها لمن يأتي بعدهم، كما في الحديث: (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم)، وفي الحديث الآخر: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها). فالإسلام بلغه النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه إلى أمته من الصحابة المهاجرين والأنصار، وهم بلغوا من بعدهم من التابعين، والتابعون بلغوا تابعي التابعين، وهكذا حدث في مشارق الأرض ومغاربها، الآباء والأجداد نقلوا إلينا هذا الكتاب الذي حفظ في الصدور. وليس هناك كتاب في الأرض -بما فيها التوراة والإنجيل- نقل هذا النقل المتواتر المستفيض المطبق عليه إلا القرآن، وليقرأ اليهودي من التوراة ويمكن أن يحرف زيادة على التحريف الماضي، ولا يجد من يقول له من قومه وجماعته وأحباره: أخطأت، قدمت أو أخرت! وقل مثل ذلك على النصراني في إنجيله. أما القرآن فرغم تقصير الناس اليوم في حفظه ووعيه لا يكاد يتلو تال، أو يقرأ قارئ آية من كتاب الله فيغلط في حركة إلا ويجد الناس منبهين له، مرشدين له، داليه على أنه أخطأ، ومن هنا كان تمام الحفظ للقرآن: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]. {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء:2]. إن كان وصف الحدوث للنبي صلى الله عليه وسلم فالأمر واضح، فهو قد حدث ولم يكن صلى الله عليه وعلى آله موجوداً، وإن كان وصف الحدوث للذكر -أي: القرآن- فليس معناه الخلق، ولكن معناه التجديد، فالقرآن ليس بحادث ولا مخلوق؛ لأن القرآن كلام الله، ولا يليق أن يوصف القديم بحادث، فيكون ذلك شركاً، ويكون ذلك فساداً في العقيدة والتوحيد، وإن كنت أميل أن الذكر هو النبي عليه الصلاة والسلام كما سيأتي في الآيتين بعد. (وما يأتيهم) أي: العباد: {مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ} [الأنبياء:2] والنبي صلى الله عليه وسلم جاء عن الله متكلماً، لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فالسنة المبينة المفسرة الشارحة لكتاب الله هي أيضاً وحي من وحي الله. {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء:2]، أي: جديد، والقرآن كان ينزل منجماً، وقد نزل دفعه واحدة في ليلة القدر من رمضان إلى سماء الدنيا، ثم كان ينزل به جبريل على قلب النبي عليه الصلاة والسلام منجماً، وقتاً بعد وقت، وزمناً بعد زمن، حسب الحاجة إلى ذلك، وكانت أول آية في غار حراء، عندما جاءه وقال له: اقرأ إلى أن قال له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1] إلى آخر الآيات. ثم أنزل قبل موت النبي عليه الصلاة والسلام بشهرين أو ثلاثة في حجة الوداع قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة:3] وكانت المسافة بين أول آية من القرآن وآخر آية من القرآن ما يزيد على عشرين عاماً، فهذا الذي ينزل آية بعد آية ما جاء منه متأخراً يكون جديداً بالنسبة لما جاء متقدماً، وكان أشد الآي في النزول هذه الآية المتممة، الخاتمة المنهية، وكان أقدمها في النزول: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1]، فمحدث هنا بمعنى: الجديد، لا بمعنى الحدوث والخلق، والمعنى: ما يأتي العباد من ذكر من ربهم جديد إلا استمعوه وهم يلعبون. وهكذا قيلت هذه وقت النزول على نبينا عليه الصلاة والسلام، وأعرضت قريش، ثم أعرض العرب، وبعد ذلك أخذ الله يكرم من أكرمه بهدايته فآمن، ومن كفر منهم: إما ذهب في حال كفره، أو أصر وشرد وعذب، وإلى اليوم ولا يزال الكفار أكثر سكان الأرض، بل ولا يزال كثير من المؤمنين معرضاً، يستمع كتاب الله وسنة نبيه وهو يتلاعب، تقول له: قال الله، فيقول لك: وماذا أيضاً؟ تقول: قال رسول الله، فيقول لك: قال فلان قال فلان فيذكر أسماء قذرة نصرانية ويهودية ومنافقة، تقول له: أقول لك: قال الله وتأتيني بهذه الأسماء؟ فيهز كتفه، وكأن الأمر لا يعنيه وهو متلاعب! وهذه هي الردة الجديدة التي قال عنها بعض العلماء المعاصرين: ردة ولا أبا بكر لها، الردة الأولى وجدت في عهد أبي بكر فزجر وأدب وسل سيفه إلى أن ردع أهلها وأصحابها، فأعاد للحق من أعاد، ودفن في التراب من سبقت عليه الضلالة في علم الله. ونحن اليوم نعيش في ردة جديدة، تحتاج إلى أبي بكر جديد، والله آت به، فنحن على رأس القرن الذي يقول عنه النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله ليبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) فبيننا وبين أصل القرن عامان، مع تمام هذا العام وهذه السنة. قال تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء:2] أنصتوا إليه غير موقنين ولا عازمين على العمل، ولا مشمرين الأيدي للعبادة والطاعة، ولتحليل الحلال وتحريم الحرام، والتزام ما أمر الله بفعله، وترك ما نهى الله عنه.
الأنبياء [3 - 5]
تفسير سورة الأنبياء [3 - 5] كان كفار قريش يستمعون الذكر لاهية قلوبهم، ولم يكتفوا بذلك، بل كانوا يتسارون ويتناجون فيما بينهم ويتهمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسحر والشعر والافتراء وغير ذلك.
تفسير قوله تعالى: (لاهية قلوبهم)
تفسير قوله تعالى: (لاهية قلوبهم) قال تعالى: {لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [الأنبياء:3]. حال كونهم تلهو قلوبهم وتلعب بما في الدنيا من زخارف: {إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [محمد:36] فهو يغلب الفاني ويترك الباقي، ينسى نفسه ولا يطلب ما ينفعها يوم القيامة يوم العرض على الله، ويشتغل بالخزعبلات والأباطيل، ويشتغل بما لا يليق بالرجل العاقل من المؤمن أن يشتغل به. {لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} [الأنبياء:3]. (لاهية قلوبهم) أي: لاهية عقولهم، أي: الجوهر منهم الذي يدرك ويعي ويعقل، فهم يلعبون معرضون عن سماع الحق! وبالتالي عن العمل به. قال تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء:3] أي: لم يكتفوا باللهو واللعب، بل أخذوا يتخافتون ويتسارون والقرآن ينزل: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الأنبياء:3]. فشككوا بالنبوءة وكذبوا بها، وأخذوا يتسارون بالنجوى. {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء:3] أي: الكفار والمشركون، والكفر أشد أنواع الظلم، وقالوا في هذه النجوى التي تخافتوا وتساروا بها: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الأنبياء:3] أي: كيف يكون بشراً مثلكم ومع ذلك يكون نبياً ورسولاً، ويختص من بينكم بهذا؟! وهم كان في تصورهم الأعوج أن يكون النبي جنياً أو ملكاً. ومع هذا كيف سيتلقنون الرسالة عن ملك لا يفهمونه ولا يفهمهم؟ وإذا أنزله الله ملكاً لجعله بشراً، ولجعله رجلاً، ولخاطبهم بالشيء الذي خاطبهم به نبي البشر فأنكروا وجحدوه. {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء:3] هذه الآية فيها تقديم وتأخير، والتقدير: الذين ظلموا أسروا النجوى، فـ (الذين ظلموا) مبتدأ، و (أسروا النجوى) خبر. أو يقال: واو الجماعة في (أسروا) فاعل، و (الذين ظلموا) بدل منها. أو يقال: (الذين ظلموا) فاعل، وتكون الواو في (أسروا) حرفاً يدل على الجماعة لا إعراب له، ولكن هذه اللغة يقول عنها النحاة لغة: أكلوني البراغيث؛ لأن الكلام -حسب ما يقولون في كتاب سيبويه وغيره من كتب النحو- كان ينبغي أن يقال: أكلني البراغيث، فسمعت بدوية صغيرة تصيح وتقول: أكلوني البراغيث، فصارت عربية فصحى واعتبروا هذا الكلام كلاماً معرباً لا لحن فيه، ولكن هذه لغة القرآن، وهذا في القرآن كثير، وقد تحمس له واستدل عليه ابن العربي المعافري الأندلسي في كتابه: أحكام القرآن، فقال: لغة أكلوني البراغيث ليست لغية، وليست لغة ضعيفة، بل هي لغة فصحى بليغة جاء بها القرآن في العشرات من الآي، ولذلك لا حاجة إلى تقدير. قال تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء:3] (أسروا) فعل ماض، والواو حرف يدل على الجماعة، (الذين ظلموا) هو الفاعل، ولكنهم مع ذلك حاولوا أن يجعلوا هناك متقدماً ومتأخراً، وقالوا: تقدير الكلام: (الذين ظلموا أسروا النجوى)، ولكن الله لم يقل هكذا، قال: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء:3] وهذه لغة فصيحة وبليغة، فلا نحتاج فيها إلى تأويل، ولا تقديم ولا تأخير، وليس هناك حاجة إلى أن نقول: بدل، ولا إلى أن نقول: خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم الذين ظلموا. القرآن بين واضح، والجملة لا تحتاج إلى بيان أكثر مما فيها، يقول الله فيها: الذين ظلموا أخذوا يتناجون بالكفر والشرك فيما بينهم، قالوا: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمَْ} [الأنبياء:3]، أي: وكيف تتصورون أن يكون البشر نبياً ورسولاً؟! لم لا يكون ملكاً؟! هكذا شاءت قريش أن تقول هذا بعد أن جاءتهم المعجزات، وطلبوا التأييد بالمعجزات متعنتين، وهم لا يريدون هداية ولا علماً، وإنما جحدوا وأرادوا أن يستمروا في هذا الجحود والإصرار. قوله: {أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [الأنبياء:3]، اعتبروا السحر هو القرآن الذي أتى به عليه الصلاة والسلام. والسحر في اللغة العربية: ما لا ظل له من الحقيقة، وهكذا أرادوا، وسيزيدون كفرهم بياناً وتوسعة بكل أنواعه كما فضحهم الله وكشفهم، فكان مما قالوه: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [الأنبياء:3] بنظر البصيرة، أي: وأنتم تعقلون وتعون، وأنتم تدركون، هكذا عقولهم الفاسدة! هكذا عيونهم التي أعماها الله وأعمى البصيرة قبل البصر! هكذا ينطقون وهكذا يتكلمون بعد المعجزات وبعد نزول الوحي! وبعد أن عاش بينهم نبينا صلى الله عليه وسلم أربعين سنة ما عرف فيها إلا بالأمين والصديق! لم تخرج منه كذبة قط حتى في الشئون الخاصة بين الناس، ما كان إلا العاقل والأمين والصديق، أفبعد بلوغ الأربعين سيكذب؟ لم يكذب على الناس أفيكذب على الله، حاشاه ومعاذ الله من ذلك. (أفتأتون السحر)، أي: الباطل، هذا الكلام يقولونه عن الذين آمنوا بالله واحداً، وبالنبي رسولاً، وبالقرآن كتاباً. وهذه الآية تدل على أن الذكر قصد به النبي صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (قال ربي يعلم القول في السماء والأرض)
تفسير قوله تعالى: (قال ربي يعلم القول في السماء والأرض) قال تعالى: {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأنبياء:4]. أي: النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال: {رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنبياء:4]، أي: ربي جل جلاله يعلم القول الصادر عنكم، وما جزاؤكم فيه، فهو يعلم الغيب في السماء والأرض، ويعلم أأنا صادق مرسل من قبله، وهل أنتم صادقون في تكذيبكم وجحودكم. {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنبياء:4] السميع لأقوالي وأقوالكم، العليم بباطني وباطنكم، وسيجازي كلاً منا حسب قلبه وقوله وادعائه، وهذا نذير ووعيد، وهذا مما يؤكد أن الذكر في قوله: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء:2] وهو النبي عليه الصلاة والسلام. {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ} [الأنبياء:5]. لم يكتفوا بهذا القول، بل أخذوا يزدادون في الكفر ويتنوعون في أقواله: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ} [الأنبياء:5] أخذ هؤلاء يقولون عن القرآن: ليس هو إلا أضغاث أحلام، والأضغاث جمع ضغث أي: التآويل والرؤى الباطلة، والتي لا ظل لها من الحقيقة، وأحلام: جمع حلم، وهو ما يرى في المنام، أي: إنما هذه منامات وأحلام رآها في المنام فيدونها وينطق بها. {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ} [الأنبياء:5] أي: بل زادوا على الكفر بما تجاوزوا فيه الحد فقَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ. (بل افتراه) أي: اخترعه ونسبه إلى الله كذباً. والنبي هو أفصح العرب على الإطلاق ومع ذلك نجد ما بين كلام النبي صلى الله عليه وسلم على فصاحته وبلاغته وما بين كلام الله في كتابه ما بين الخالق والمخلوق. وقد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم حقاً، ومع ذلك أين بلاغته من بلاغة القرآن؟! أين فصاحته من فصاحة القرآن؟! فإذا صدق نزلت درجة بلاغته إلى حد السنة دون القرآن، وإذا هو أفترى وحاشاه من ذلك ارتفعت فصاحته إلى درجة الإعجاز، ومن يقول هذا آثم! إنما يقوله فاقد العقل ممرور النفس. {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} [الأنبياء:5] حاروا ماذا يقولون، أخذوا يضربون أخماساً في أسداس، ويجددون التهمة بين الحين والحين، تارة هي أحلام، ومن قبل هو بشر، ثم افتراه، ثم هو شاعر. وهكذا عنادهم وجحودهم وكفرهم! إلى أن أدبوا يوم بدر، بين شريد وقتيل وأسير في المعركة، إلى أن أعز الله دينه، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يزال حياً بين ظهرانيهم، ومن هنا قال النبي في هذه الرؤيا: (رأيتني -رأيت الليلة- أننا في دار عقبة بن رافع وأتينا بتمر من تمر ابن طاب) فأولها صلى الله عليه وسلم وكانت المعارك لا تزال حامية الوطيس بينه وبين كفار العرب، فقال: (أولتها: أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة، وأن ديننا قد طاب). وهكذا كان الحال، رفع الله نبيه في الدنيا قبل الآخرة، ورفع المؤمنين، وكانت العاقبة لهم في الدنيا قبل الآخرة، وطاب دينهم واستوى وفرض وانتشر، وذل الكفر، وجئنا نحن بعد البعثة بألف وأربعمائة عام، ولا يزال الإسلام معلناً على المنابر والمآذن في مشارق الأرض ومغاربها: أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، رضي من رضي، أو كره من كره، ولا تزال بيوت الله في مختلف قارات الأرض عامرة، مع كثرة أعداء الله في الداخل والخارج من المنافقين والنصارى واليهود، ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرها من خذلها.
الأنبياء [5 - 9]
تفسير سورة الأنبياء [5 - 9] ينقم الكفار المشركون أن يكون رسول الله الذي أرسل إليهم بشراً، فهم يريدون ملكاً، وقد بين الله لهم بالحجة البالغة أنه ما أرسل قبله صلى الله عيه وسلم إلا رجالاً، وأمرهم أن يسألوا أهل الذكر فيما لا يعلمون.
تفسير قوله تعالى: (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون)
تفسير قوله تعالى: (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون) قال الله جلت قدرته: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} [الأنبياء:5]. هؤلاء الكفرة لا يزالون على كفراتهم الصلعاء، وعلى جحودهم، وعلى ضربهم أخماساً في أسداس يتساءلون: من هذا الذي جاء بهذه الرسالة؟ تارة يتهمونه بالافتراء، وتارة بالشعر، وتارة ينقمون أن يكون بشراً، وفي تصورهم أنه لا يكون النبي إلا ملكاً، وأخيراً يقولون: ما باله لا يأتينا بآية كما أتى بها الأنبياء السابقون، ويعنون بالآية: ما كانوا اقترحوه وطلبوه حسب نزواتهم وأهوائهم من أن تكون الصفا والمروة ذهباً، ومن أن تزاح جبال مكة ويكون مكانها أشجار وغابات ومنخفضات، وأن تفجر مكة عيوناً، وهم مع ذلك لا يطلبون ذلك للإيمان والتصديق، وإنما يطلبونه عناداً، ويقولون: ما بال الأولين قد اقترحوا الناقة على صالح فكانت، واقترحوا واقترحوا مما ذكروه عن نوح وهود وصالح وموسى وإبراهيم؟ فكان جواب الله لهم: {مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:6]. أي: إن الأمم السابقة عندما اقترحوا هذه الآيات، وطلبوا من أنبيائهم هذه المعجزات فما آمنوا، أهلكهم الله ودمرهم، ولم يمهلهم ولم ينظرهم، فلو استجبنا لكم وأتتكم هذه البينات، وأنتم لا تؤمنون؛ فسيكون ذلك سبباً لهلاككم ودماركم، ولكن الله -تكرمة لنبيه- رفع ما كان قبل على الأمم السابقة، وعلى أتباع الأنبياء من الهلاك في الدنيا بغرق وصعقة وزلازل، ورجوم من السماء، بل أمهلهم علهم يؤمنون ويراجعون أنفسهم، أو لعلهم يعيشون فيأتي من ذرياتهم من يؤمن، وهكذا حدث، فأكثر هؤلاء الذين أصروا على الكفر أولاً آمنوا بعد ذلك أو آمن أولادهم وأصبحوا للإسلام قادة، وللدعوة المحمدية جنداً ودعاة بالأنفس والأموال. وهكذا نصروا الإسلام في مختلف أقطار الأرض! {مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ} [الأنبياء:6]، أي: من أهل قرية أهلكناها، فما من أمة سبقت واقترحت على نبيها ما اقترحتم، ثم هي لم تؤمن إلا وأهلكت ودمرت، ولم يبق منها إلا الأحاديث والذكر، انتقلوا من جسوم ميتة إلى دروس متلوة، وكأنهم لم يكونوا. قال تعالى: {مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:6]. أي: يا هؤلاء! أهم سيؤمنون إذا بعث نبينا صلى الله عليه وسلم، وأذن له بهذه الآيات التي يطلبونها ويقترحونها؟! فهذا استفهام ولكن معناه أنهم لن يفعلوا ولن يقوموا، ولكن الله لا يريد هلاكهم دون إنذار وإمهال، لعلهم يرعوون يوماً، أو يلدون من سيصبح مؤمناً داعية إلى دين الله.
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم)
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم) قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء:7]. هذا جواب لهم عندما قالوا: إن أنت إلا بشر مثلنا، فكيف نؤمن بك وأنت واحد من بيننا تأكل الطعام وتمشي في الأسواق؟! فيقول الله جل جلاله لنبيه {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [الأنبياء:7] أي: لم يسبق أن أرسلنا لهؤلاء القوم والبشر منذ خلق أبيهم آدم إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم إلا بشراً من سلالة آدم وحواء، ولو أرسل الله لهم ملكاً للبس عليهم الأمر، إذ سيخاطبهم ويحاورهم وسيعاشرهم بشراً؛ لأنهم لا يستطيعون أن يعايشوه على صورته الملكية، فلا يفهمون، وقد يرعبون منه فيفرون. وتلك من رحمة الله بعباده أنه ما أرسل لهم إلا بشراً مثلهم؛ ليفهموا ويعوا عنه، ويمكنهم المحاورة والأخذ والعطاء والسؤال والجواب معه. {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا} [الأنبياء:7] أي: بشراً، وكلمة الرجال هنا لا يعنى بها استثناء من النساء، وإن كان ذلك لم يكن، فلم يرسل الله من البشر رسولاً إلا رجلاً، ولكن الصفة تعني الملك، والملك لا يوصف برجولة ولا أنوثة، ولا يقال رجل إلا لمن كان له ضد غير رجل، فتقول: رجل وامرأة، رجل وصبي، يا رجل، أي: لم يكن امرأة ولا صبي، وتقول: جاء رجل، لم يأت ملك؛ لأن الملك من جنس غير جنس الرجال، وذاك مقصود الآية، أن الله ما أرسل رسولاً إلا بشراً، ولم يرسل ملائكة. وهنا توجد بحوث للمفسرين في أن الله تعالى لم ينبئ امرأة، وهذا الفهم هنا لا مكان له؛ لأن الله تكلم عن الرسالة في الآية ولم يتكلم عن النبوءات. {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا} [الأنبياء:7] وكون الرسالة لا تكون إلا في الرجال هذا لا يختلف فيه مسلمان. أما أن تكون المرأة نبية فذاك اختلفوا فيه، ولطائفة من العلماء أن ذلك قد كان، ابتداءً من حواء أمنا، إلى مريم أم عيسى، وتعريف النبي: هو عبد أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فهو لم يرسل لأحد، والرسول: عبد أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه لغيره. وهذا معنى الرسالة، فالرسالة تعني رسولاً ومرسلاً، والنبي عبد نبئ بشيء وأخبر به لنفسه لا لغيره، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً. {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [الأنبياء:7] لم يرسل الله ملكاً للبشر، ولم يسبق أن كان ذلك في الرسالة الإلهية. ثم قال الله لهؤلاء الجهلة الذين يطلبون رسولاً ملكاً، {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء:7]. زعم قوم أن معنى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل:43]، أي: اسألوا أهل الكتابين السابقين من علماء اليهود والنصارى. وليس الأمر كذلك، فليس هؤلاء بموضع الحجة حتى يسألوا، ولا يحيل الله إليهم ليسألوا، ولكن أهل الذكر هم أهل العلم، أهل القرآن، هم الذين درسوا وعلموا من الإسلام ما أصبحوا به أئمة هداة معلمين، ولقد اختار هذا المعنى من الآية علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وقال: أنا من أهل الذكر، أي: يقول الله جل جلاله: اسألوا العلماء اسألوا من سبقكم إلى التمسك بهذا الدين والإيمان به، وقد درسوا القرآن ففهموه ووعوه وعلموا ما جاء فيه فاسألوهم هل سبق أن كان في أمة سابقة أن يكون الرسول ملكاً؟ فسيجيبونكم: لم يكن ذلك، ولم يكن الرسول بدعاً من بين الرسل، كانوا هم بشراً، وتريدون منه أن يكون ملكاً، ما كان ذلك ليكون. {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [الأنبياء:7]، يوحي إليهم بالرسالة والنبوءة، ودعوة الخلق إلى شريعة اختارها الله له، لكل جعلنا منكم شريعة ومنهاجاً: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء:7] والآية تصبح عامة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذه الفقرة من هذه الآية الكريمة يخاطب الله بها كل من لم يعلم مسألة في الإسلام، فما بالك بالعامي الذي لا يعلم من العلم شيئاً، فهؤلاء يقول لهم الله جل جلاله: إذا أنتم لم تعلموا قضية في الإسلام أو مسألة في الشريعة فإياكم أن تفتوا بالجهل والضلالة حسب الهوى! فلا يكون ذلك إلا جهلاً، ففاقد الشيء لا يعطيه، فإذا احتجتم إلى قضية أسرية أو اجتماعية أو غيرها فاسألوا أهل الذكر، أي: فاسألوا علماءكم، واسألوا من علمهم الله فهم كتابه، وشريعته، والكل يسأل من يطمئن إليه، ثقة بدينه وعلمه. ومن هنا نشأت المذاهب، فليس كل أحد يستطيع أن يدرس القرآن أو يدرس السنة أو الشريعة، وليس كل واحد يمكنه أن يتفرغ لذلك، وليس كل صغير اعتنى به أولياؤه وآباؤه ففرغوه للدراسة وقت الطلب صغيراً ووقت الكبر، فمن هنا جاءت المذاهب، فكان على كل عامي لم يستطع معرفة الحلال من الحرام أن يلتزم إماماً عالماً، وأن يسأل من يعلم. وليس لكل أحد مع جهله باللغة، وجهله بالقرآن والسنة، وجهله بالوسائل الموصلة لذلك من نحو ولغة وبلاغة وأصول أن يستقل بالفهم، ولو حاول فلن يأتي إلا بالطوام والكوارث مما لا يقره عقل قبل أن يقره علم، وما أكثر ما يحدث ذلك من جهلة لا يكادون يبينون الكوع من البوع! فيتخرج عنهم أقوام في تحليل الحرام وتحريم الحلال، والبهتان على الله بما لم يقله، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم بما لم يصدر عنه، ويقول: أنا مجتهد، فهو مجتهد في الجهل وبالهوى، مجتهد بما لا يعود على العقول إلا بالجنون والأوهام.
تفسير قوله تعالى: (وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام)
تفسير قوله تعالى: (وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام) قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} [الأنبياء:8]. يقول عن هؤلاء البشر الذين اختارهم أنبياء ورسلاً إنه ما جعلهم جسداً، والجسد هنا: الجنس الذي يعم الكل، أي: لم يجعلهم أجساداً وأبداناً لا يأكلون الطعام ولا يشربون، ولا يتناكحون ولا يلدون ولا يمرضون، وبالتالي: لا يموتون، وكان هذا جواباً أيضاً عن سخافات هؤلاء المشركين وما أكثر سخافاتهم قبل وبعد! وإلى عصرنا الحاضر وإلى يوم القيامة لا يزالون رجعيين في أنفسهم، يرجعون إلى الشبهة والمقولة التي كفر بها أسلافهم، وأئمة الكفر بينهم، فهم يتصورون أن الملك ينبغي أن يكون ملكاً، لا يأكل ولا يشرب، ولا يمرض ولا يموت، فأخذوا يتساءلون: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان:7] عجبوا! واستكثروا على نبيهم أن يأكل الطعام، ويتجول في الأسواق، ويكون بشراً مثلهم في كل خصائص البشرية، بل ومن تمام النعمة أن أرسل الله للبشر أنبياء منهم؛ ليستطيعوا أن يفهموا عنهم ويعوا، قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة:128] أي: من البشر، ومن نفس العشيرة والقوم، يعلمون جنسه، وأبوته وأمومته، ونشأته وتربيته، لو لم يكن كذلك لتساءلوا كما فعلوا، لم كان بشراً ولم يكن ملكاً؟ من هو هذا؟ نحن لا نعرفه، متى كان؟ ومن أين جاء؟ قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} [الأنبياء:8] أي: بل جعلناهم جسداً يجوع ويشبع، ويمرض ويصح، ويتزوج ويلد، فهو واحد من البشر، ولكن الله أكرمه بالعصمة وبالنبوة والرسالة: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} [الأنبياء:8] ولم يجعلهم الله أقواماً مخلدين، لا يموتون كما يموت كل حي، لا حي إلا الحي الدائم جل جلاله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27]. كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول الخلود لله، هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي لا نهاية له، ومن عداه ما هم إلا خلق كانوا عدماً فأوجدهم ربهم، وسيعودون إلى العدم، إلى أن يبعث الله يوم القيامة من يشاء من خلقه للعدل، حتى يقتص للجماء من القرناء.
تفسير قوله تعالى: (ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم)
تفسير قوله تعالى: (ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم) قال تعالى: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} [الأنبياء:9]. يخبر تعالى عن عباده المكرمين والرسل الطيبين أنه ابتلاهم ليزدادوا رفعة وكرامة، ولتتم البشرية بينهم وبين عشائرهم وأقوامهم، فابتلوا بهؤلاء الكفرة من أقوامهم، فجحدوهم، وكذبوهم، واتهموهم وآذوهم، ولكن العاقبة كانت لهم، فدمر الله أعداءهم، ونصرهم عليهم نصراً عزيزاً مؤزراً، والعاقبة للمتقين. قال تعالى: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ} [الأنبياء:9] والوعد الذي صدق الله به عباده المكرمين من رسله وأتباعه: أن يجعل العاقبة والنصر لهم. قال تعالى: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ} [الأنبياء:9] أنجينا هؤلاء الرسل الكرام من أعدائهم، مما بيتوا لهم من ذلاقة لسانهم، ومن وقاحة قولهم، ومؤامراتهم عليهم، وقد فعلوا كل ذلك بالخاتم عليه الصلاة والسلام، فشتموه وقذفوه وأدموا القدمين، وكسروا رباعيته، ثم تآمروا على القتل والنفي والسجن، وأبى الله إلا أن ينصره ويذل عدوه، وأن يمكنه من رقابهم يوم بدر، ثم دخل فاتحاً إلى القرية التي طالما وقفت في وجهه من بين عشيرته من قريش في مكة، فكان النصر له ولمن شاء الله من أتباعه المؤمنين. {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ} [الأنبياء:9] صدق رسله {فَأَنجَيْنَاهُمْ} [الأنبياء:9]، أنقذناهم من عداوة أعدائهم، وعداوة الجاحدين الكافرين ومن نشاء ممن تبعهم وآمن بهم، كما نص الله على أسمائهم في القرآن الكريم، وكان الإيمان الكامل لخاتم الأنبياء إيماناً به عبداً نبياً رسولاً، وبتصديقه في كل ما جاء به كتاباً وسنة وأمراً ونهياً، وإقراراً كذلك. {وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} [الأنبياء:9] والمسرف: المشرك الكافر الذي أسرف على نفسه، فلم يكتف بالجرائم والمعاصي الجزئية، بل أسرف على نفسه فكفر بالله الخالق، وكفر بصاحب الشريعة صل الله عليه وسلم، فهذا هو المسرف، وهذا الذي لا ينتظر رحمة ما لم يؤمن بالله، فيهلك على غير إيمان: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:116].
الأنبياء [10 - 22]
تفسير سورة الأنبياء [10 - 22] يرسل الله الرسل وينزل الكتب بياناً للناس، ولكن الناس يكذبون، وقد قصم الله كثيراً من القرى التي جحدت الرسالات وجعلها عبرة لمن بعدها.
تفسير قوله تعالى: (لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم)
تفسير قوله تعالى: (لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم) قال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء:10]. كان الخطاب في الجزيرة العربية أولاً للعرب قوم محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أصبح خطاباً لجميع من أكرمه الله بالإسلام والإيمان، فكانت النذارة للعشيرة الأقربين أولاً: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214] ثم لكل الناس في مشارق الأرض ومغاربها، عرباً وعجماً، فقال لهؤلاء: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء:10]، أي: فيه شرفكم وعزتكم ورفعتكم يا هؤلاء الذين حجدوا هذا القرآن الكريم أنه وحي من الله، وأنكروا أن يكون هذا الكتاب الكريم -بما فيه من قصص وعبر، وحلال وحرام، وبما فيه من إعجاز وعلوم ومعارف، ولم يؤت بمثله قبل وبعد، لا في كتاب منزل، ولا في كتاب مدون من بشر، ولن يأتي مثله أبداً، هذا الكتاب كان شرفاً وذكراً لكم، وفيه ذكر محاسن ومزاياكم، وذكركم فيما بشرتم به مهاجرين وأنصاراً، وبالتالي هو شرف لكل مسلم. فالقرآن شرف الله به المؤمنين عرباً وعجماً، وأكرم الله به المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، أكرمهم بما وعدهم به، وبشرهم من رضا ورحمة وجنان خالدة، أكرمهم بما هداهم إليه، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، فتركوا الضلال إلى الهداية، ومع هذا كانوا أشبه بمجنون يفقأ عينيه وينحر نفسه وهو لا يدري، تركوا النور إلى الظلام، والهداية إلى الضلال، والشرف إلى الذل والهوان، هل يصنع هذا عاقل؟! ولو كان الكافر عاقلاً لما صنع هذا بنفسه: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء:10] وبالتالي عمت الآية كل مؤمن، فقد شرفه الله، وأحسن ذكره وسيرته في هذا القرآن الكريم: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء:10] ألا عقل هنا؟! ألا ميزة يميز بها بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر، بين النور والظلمة؟!
تفسير قوله تعالى: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة)
تفسير قوله تعالى: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة) ثم عاد الله جل جلاله فأنذر -وهو هكذا بين بشارة ونذارة، وبين وعد ووعيد، بين تبشير بالجنة والرحمة، وتيئيس منها لمن مات ولم يؤمن- فقال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الأنبياء:11]. (قصمنا) أي: كسرنا، دمرنا، أهلكنا. وأصل القصم الكسر. (وكم) للتكثير. و (من) للتعميم في هذه الكثرة، وإن كان النحاة يقولون عنها: زائدة، وفي القرآن صلة، ولكن في المعنى واللغة والبلاغة هي ذات معنى كبير، أي: تعم وتشمل ما ذكر بعدها من نفي أو إثبات، فقوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ} [الأنبياء:11]، أي: دمرنا وأهلكنا قرى كثيرة (كانت ظالمة)، أي: كانت مشركة صنعت مع أنبيائها ورسلها ما يصنع اليوم قريش، وما يصنعه كل كافر في عصره عليه الصلاة والسلام، ومن بعد عصره إلى يوم القيامة ممن أصر على الكفر حتى الموت. ومعنى ذلك: التهديد والوعيد، أي: كما فعلنا ذلك بالأولين الظالمين، لا نزال كما كنا، لو شئنا لقصمناكم ودمرناكم، ولكن نمهل ولا نهمل، ونرجئكم علكم تعودون وتتوبون، وإن كانت النهاية ستكون تدميرهم وقصمهم وكسرهم إذا لم يؤمن منهم من يؤمن. قال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الأنبياء:11] أي: كما أنشأنا من بعد أولئك أقواماً وعشائر، أرسلنا كذلك لهم رسلاً مبشرين ومنذرين، ولم يحدث شيء في الأرض، لا انهدت سماء، ولا سقطت أرض، ولا بكت على ظالم مشرك لقي جزاءه وفاقاً. {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الأنبياء:11] أي: بعد إهلاك هذه القرية أنشأنا أمماً وشعوباً آخرين، فورثوا أرضهم، وحلوا مساكنهم.
تفسير قوله تعالى: (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون)
تفسير قوله تعالى: (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون) قال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ} [الأنبياء:12]. يذكر الله عن هؤلاء الظالمين، الذين بادرهم بالعقوبة بالدنيا قبل الآخرة: أنهم لما شعروا بالعذاب بواسطة الحس، وبنظر العين، وسماع الأذن إذا بهم يفرون من قراهم بعد أن جعل الله عاليها سافلها، وبعد أن أغرقهم، وبعد أن ضربهم بالقوارع من السماء، وبالزلازل من الأرض. قال تعالى: {لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} [الأنبياء:13]. يأمر الله ملائكته أن يقولوا لهم ذلك ساخرين منهم جزاءً وفاقاً لما كانوا يسخرون بأنبيائهم حالة الاطمئنان والحياة المترفة. (لا تركضوا) أي: لا تفروا، وإلى أين الفرار؟! {لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ} [الأنبياء:13] وارجعوا إلى الترف الذي عشتم فيه بالحرام، والفساد، والظلم، وبالاعتداء على الأعراض والأموال، وبسفك الدماء، ارجعوا إلى هذا الترف الذي عشتم فيه. {وَمَسَاكِنِكُمْ} [الأنبياء:13] أي: إلى قصوركم ودوركم، وما اعتدتموه من ترف وجبروت وكبرياء لعلكم تسألون، ربما سألتم عن ذلك، وربما طلب منكم بعض ذلك، ولكن هيهات! أين الفرار بعد نزول البلاء والبأس من الله؟ لا فرار منه إلا إليه، ولا منجى منه إلا إليه، ولكن في مثل هذه الساعة عند حلول النقمة، وبلوغ الروح إلى الحلقوم، لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، حلت العقوبة، وحلت لعنة الله، ولا مفر بعد ذلك من عقاب الله. قال تعالى: {لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ} [الأنبياء:13] ارجعوا للترف والقصور التي طالما تعاليتم على الناس بها، واستكبرتم وتجبرتم، ارجعوا لها إن استطعتم، وهيهات ولات حين مندم! ولات حين عودة ورجوع. (لعلكم تسألون) أي: عن ذلك، ولعلكم تعودون لما طلب منكم، ولكن هيهات! الوقت كالسيف إذا لم تقطعه قطعك.
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين)
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين) قال تعالى يصف لنا حالتهم في صورة تشخيصية، تمثيلية، وكأننا نراها رأي العين، وهم يركضون فارين، والبأس والعذاب يحيط بهم من كل جانب، وهم يقولون: {يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء:14]. قالوا وصاحوا: يا ويلهم، يا بلاءهم. (ويل): واد في جهنم فيه قيح أهل النار وصديدهم، فهم ينادون قذرهم، وينادون ما عاقبهم الله به ولعنهم به: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء:14]. قال تعالى: {فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} [الأنبياء:15]. وهم تحت البأس والنقمة والعذاب والصواعق والزلازل والغارات عوضاً عن أن يعودوا فيقولون: لا إله إلا الله، وهم يقولون: يا ويلهم! يا ويلهم! يا ويلهم! {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء:14]. {فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} [الأنبياء:15] أي: ما زالت تلك الكلمة نداءهم وقولتهم التي يقولونها (حتى جعلناهم حصيداً خامدين)، إلى أن استحصدوا واستؤصلوا كما يحصد المنجل الزرع، (خامدين) أي: ميتين هالكين، عاشوا في الويل، وماتوا وهم ينادون بالويل، وحلت عليهم اللعنة والبأس، لعنة الله وغضبه، فالله ينذرنا بهذا، ويقص علينا قصص من سبقنا من المشركين والظالمين، ويحذر من لم يؤمن به، وفعل فعلهم، وأصر إصرارهم على الكفر والشرك والظلم. قال تعالى: {فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} [الأنبياء:15 - 16]. يقول تعالى عن هؤلاء ولمن سمع ذكرهم بعد: هؤلاء قد حلت عليهم اللعنة، وبأس الله وعقوبته، ومع ذلك لم يهتدوا للتوبة؛ ولم يقولوا في أخريات أيامهم: لا إله إلا الله، ربنا إننا تبنا وأنبنا، بل أخذوا يضرعون وينادون: يا ويلهم! يا ويلهم! إنهم كانوا ظالمين، فما زالت تلك دعواهم، ونداءهم، وكلمتهم، والبلاء والعقوبة محيطة بهم من كل جانب إلى أن جعل الله عاليهم سافلهم، وهم ينادون بالويل إلى أن استحصدوا كما يحصد الزرع، وإلى أن خمدوا وانطفئوا كما تطفأ النار، وماتوا وهلكوا.
تفسير قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين)
تفسير قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) قال ربنا: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} [الأنبياء:16]. أي: يظنون أننا خلقنا هذه السموات العلى، وهذه الأرضين السفلى وما بينهما لعباً ولهواً؟ {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]. وهؤلاء أرادوا أن يزيلوا الحكمة من الخلق، ويعتبروننا لاعبين بهذا الخلق لاهين، وهيهات هيهات ما أصغر عقولهم! وأبعدها عن الوعي والحكمة، فليس الأمر كذلك. {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} [الأنبياء:16]، لم يكن ذلك لعباً، ومعاذ الله! لم يخلق سماءً ولا أرضاً وما بين السماء والأرض من الأفلاك والمجرات مما لا يعلم حقيقته ويحصيه إلا الله، لم يخلق ذلك عبثاً، وبعد ذلك النار لأهل النار من الجاحدين والظالمين، والجنة لأهل الجنة من المؤمنين الصادقين.
تفسير قوله تعالى: (لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه)
تفسير قوله تعالى: (لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه) قال تعالى: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:17]. (لو أردنا) لو: حرف امتناع لامتناع، امتنع أن نريد، فامتنع أن يكون لهواً. وقالوا عن اللهو: هي المرأة، وقيل: الولد، واللهو يسمى اللعب في الماضي أي: اعملوا كل ما فيه معنى اللهو، امرأة كان أو ولداً أو عبثاً بلا علة ولا سبب، كما يفعل هؤلاء، حيث إنهم عاثوا في الأرض ليأكلوا ويشربوا ويظلموا وظنوا أنهم جاءوا بلا معنى، وسيخرجون بلا معنى، وهيهات هيهات! {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا} [الأنبياء:17]. ومن هنا فسروا (اللهو) بالمرأة؛ لأنهم جعلوا لله امرأة بقيت معهم في الأرض، وجعلوها زوجة لله في زعمهم، فقالوا: مريم هي زوجة وصاحبة لله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فاتخذوا لله ولداً من الأرض وهو عيسى، وقالوا: الجن بنات الله، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً! وشأن الصاحبة والولد أن يكونا مع الإنسان، فنفى الله عن نفسه ذلك، ولا يليق بربوبيته ذلك، ولو شاء لاتخذ ذلك من عنده في السماوات العلى، ولكن ذلك لا يليق بألوهيته ولا بربوبيته، ولم يكن ذلك أبداً: إن صح هذا في المخلوق الحادث، فلا معنى له بالنسبة للإله الخالق الرب جل جلاله وعز مقامه، فهو لهو ولعب. قال تعالى: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:17]. (إن) هنا بمعنى: ما النافية، أي: لسنا بفاعلين، وقالوا (إن) بمعناها الشرطي: لو أردنا لفعلنا، والله لم يرد، وبالتالي لم يفعل، والمؤدى واحد، فهو منزه عن النقائص على كل حال، له الجلال والكمال جل جلاله، وعلا مقامه.
تفسير قوله تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه)
تفسير قوله تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه) قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ} [الأنبياء:18]. (بل) كلمة إضراب في لغة العرب، أي: اضربوا عن كل ما قيل منذ نقل الله وحكى قول الكافرين عن النبي عليه الصلاة والسلام: كيف يكون نبياً وهو بشر؟! ثم أخذوا يتهافتون ويسقط بعض على بعض بالهراء والصخب: إذا لم يكن نبياً فما هو؟ قالوا: رؤى ومنامات وخرافات، ثم قالوا: (افتراه) ثم قالوا بعد ذلك: بل هو شاعر. ثم ذهبوا في ظلمهم وعتوهم إلى أن بلغوا الذات العلية، ونسبوا له الولد، والصاحبة، فأنذر الله وأوعد، ثم أضرب عن كل ذلك، قال: (بل) أي: هذا كله اضربو عنه؛ فهو هراء في هراء، وما وعدناه هو أن نكشف حقائقهم لمن لم يعلم بعد، ولمن عاصر النبي صلى الله عليه وسلم في الرسالة، ولمن يأتي بعده: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء:18]. والحق: الله حق، ووعده الحق، وكتابه الحق، ونبيه حق، وما جاء من بعثته ومن جنة ومن نار، ومن حساب ومن عقاب، كل ذلك حق لا يشك فيه مسلم، والله يقذف بالحق على الباطل ويدمره. وما الباطل إلا كل ما جاء به هؤلاء الظلمة المشركون مما لم ينزل الله به من سلطان، ومما جعلوه على النبي عليه الصلاة والسلام كذباً وباطلاً وبهتاناً، ومما جعلوه على الذات العلية جهلاً بألوهيته وبوحدانيته، فالله يقذف بالحق، والحق هنا: الدليل والبرهان القاطع من كتاب الله، ومن سنة الرسول الله عليه الصلاة والسلام. (بل نقذف) بل نرمي ونطرح، نضرب بالحق الباطل، وكل ما ليس في كتاب الله ولم يأتِ في حديث رسول الله، ولم تقره العقول السليمة فهو باطل وهراء، لا ظل له من حقيقة، ولا واقع له من أمر. (فيدمغه) أصل الدمغ: الضرب حتى تصل الضربة إلى الدماغ، فتكون مهلكة وقاضية، وهكذا يقول الله في كتابه، {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} [الأنبياء:18] فيهلكه ويصيب منه الدماغ؛ فيهلكه ويدمره إلى أن يذهب وكأنه لم يكن، ولم يبقَ إلا ذكراً في صحائف، وقصصاً تتلى وتقص في ليالي السمر. ثم عاد فأنذرهم وتوعدهم بأن لهم الويل، أي: لهم جنهم، وويل: وادٍ في جنهم يجري فيه صديد ودماء المعذبين من أهل النار! (مما تصفون) مما تنعتون به أنبياءكم، وربكم الواحد جل جلاله، وعلت رفعته.
تفسير قوله تعالى: (وله من في السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (وله من في السماوات والأرض) قال تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الأنبياء:19]. أي: يا هؤلاء! الذين ظلموا أنفسهم قبل أن يظلموا غيرهم، والذين جعلتم لله شركاء، وتصورتم الله تصوركم لأنفسكم، فجعلتم له صاحبة وولداً: إن الله له من في السماوات ومن في الأرض خلقاً وتدبيراً ولم يكن المملوك يوماً شريكاً، {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم:93]، فلسنا إلا عبيداً، فإن أكرمنا بالعبودية فسنكون من قادة الناس بتحقيق تلك العبودية. فلا صاحبة ولا ولد ولا شريك له، وما كان له من أنبياء مكرمين صادقين فكلهم معصومون، لم يأتوا إلا بالحق، ولم ينطقوا إلا بالحق، أتوا بالآيات البينات المعجزات من الله جل جلاله علامة وأمارة لصدقهم قولاً، ولصدقهم فعلاً، ولصدقهم إقراراً. {وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء:19]. أي: ومن عنده من الملائكة في عليين، وفي الملأ الأعلى، هؤلاء الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولا يستنكفون عن عبادة الله كما يستنكف بعض الإنس والجن. {وَلا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء:19] لا يكلون ولا يملون ولا يتعبون، هم في عبادة دائماً صباح مساء، ليل نهار، قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحاح: (أتسمعون ما أسمع؟ قالوا: لا، يا رسول الله لا نسمع، قال: أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو ساجد). وهؤلاء يعبدون الله في كل أحوالهم، عبادتهم بالنسبة لهم كالنفس بالنسبة لنا، كما أننا لا نستطيع العيش بلا نفس، فكذلك الملك يعيش بالذكر، وبالتسبيح، والسجود، والركوع، وبتعظيم ربه، كل يذكر الله بما ألهمه، وكل يعبد الله بما ألهمه، فمن قائم وراكع وساجد، يقولون: لا إله إلا الله، بمختلف خلايا جسومهم وأبدانهم، لا يكلون ولا يملون ولا يستكبرون ولا يستحسرون، لا يتعبون. {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الأنبياء:19]. (من) في لغة العرب تطلق على العاقل وحده، و (ما) تطلق على غير العاقل وحده، تقول: جاء الرجل من كان عندنا بالأمس، وتقول: اشتريت دابة مما كان عندي نظيرها بالأمس، يقال: (ما) ولكن (من) قد تشترك مع العاقل ومع غير العاقل، كما أن (ما) كذلك. (لا يستحسرون) أي: لا يملون ولا يكلون، وأصل الحسر: الدابة إذا تعبت حسر بعض جلدها؛ نتيجة التعب وما تحمل، فأطلقت الكلمة على الكلل والملل في نجمها، فهؤلاء لا يكلون ولا يملون، {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء:20]، أي: بلا فترة ولا راحة، ولا زمن يهدءون فيه وقتاً، ويعودون إلى العبادة وقتاً، فالعبادة مستمرة دائمة، عبادتهم دائمة كالنفس لنا، كما أننا لا نعيش بلا نفس، لا يعيشون بلا عبادة، يسبحون الليل والنهار لا يفترون.
تفسير قوله تعالى: (أم اتخذوا آلهة من الأرض)
تفسير قوله تعالى: (أم اتخذوا آلهة من الأرض) قال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ} [الأنبياء:21]. يقول الله تعالى لهؤلاء وهو يسأل سؤال تقريع وتوبيخ، أهؤلاء الذين أشركوا بالله ونسبوا له ما نسبوه، أهؤلاء الذين اتخذوهم شركاء لله من الأرض: (هُمْ يُنشِرُونَ)، أي: يحيون الموتى، حتى يصبحوا منتشرين في الأرض أحياء يرزقون، متنقلين من سطح إلى سطح، ومن أرض إلى أرض، هل هم فعلوا ذلك؟ هل هذه الآلهة التي عبدوها من الأرض من الجن والإنس والحيوان والجماد، وتركوا خالق الأرض والسماء: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5]؛ هل هؤلاء الذين عبدوهم يحيون الموتى كما يحي الله؟ هل يرزقون كما يرزق الله؟ والجواب قائم في نفس الانتفاء: لا يحيون ولا يضرون ولا ينفعون، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً.
تفسير قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)
تفسير قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء:22]. فهذه أعظم آية قاطعة لدلالة العقل: على أن الله واحد، وعلى أن الله لا شريك له، وعلى أن الله لا ثاني له، لا في ذات، ولا في وصف، ولا في فعل. (لو كان فيهما) في السماء والأرض آلهة متعددة. (لفسدتا): أي السماء والأرض. ولعلا بعضهم على بعض فصار هذا آمراً وهذا ناهياً، فإذا التقى الأمران وكانا متناقضين وقع الفساد والدمار والخراب، وبما أن الأرض لم تفسد والسماء لم تفسد، والنظام الكوني الذي خلق الله به الدنيا منذ خلقها لا يزال ليلاً نهاراً كما هو، ولا زالت الأرض ببشرها بإنسها وجنها، بملكها بكل ما عليها من حي في نظام متكامل، الليل النهار يدخل هذا في هذا، ويغشى هذا هذا، ويكون النهار تارة أطول، ويكون الليل تارة أطول، بين شمس وقمر، وبين فصول العام الأربعة، شتاءً وخريفاً صيفاً وربيعاً، كل ذلك منذ خلق الله الكون لم يتزحزح أنملة، ولم ينقض ثانية، من الذي دبر هذا؟ لو كانوا آلهة لعلا بعضهم على بعض، ولطلب أحدهم ما يحدث من ملوك الأرض ودولها، فنحن نرى هؤلاء يعلو بعضهم على بعض، وتسفك الدماء، وتقوم الحروب، ويجوع البشر، ويكثر الفساد، وتدمر المدن، وينتشر الظلم ويحدث ويحدث. ولله المثل الأعلى: لو كان معه رب ثان، وخالق ثان، لطلب أحدهم الدنو على الآخر، ولطلب هذا الحياة وهذا الموت، وهذا البناء وهذا الهدم، وهذا القيام وهذا القعود، ولو كان ذلك كذلك لتدهور العالم، ولما بقي هناك نظام، والذي نراه خلاف ذلك. والذي نراه ورآه آباؤنا وقبلهم أجدادنا: أن الكون قائم على نظام بسيط، لا يزيد ولا ينقص، لا يزيد ثانية ولا يغير خلق البشر، ولا خلق الحيوان إلى ما نعلمه جميعاً، دارسنا وغير دارسنا، مؤمننا وكافرنا، عالمنا وجاهلنا، هل هذا إلا الدليل العقلي القاطع الذي لا ينكره إلا مجنون، فقد العقل قبل أن يفقد الإيمان. أما السماء والأرض لو كانت فيهما آلهة غير الله لفسدتا، ولاختل نظامهما، ولما بقي هناك نظام في سماء ولا أرض، فبما أن هذا لم يكن كذلك فهو الدليل القاطع العقلي على أن الله واحد ليس معه شريك، ولا صاحب، ولا محيي، ولا مطاع. وحتى ما يقوله اليهود والنصارى في عزير أو مريم وعيسى يقولون: هم ثلاثة في واحد، وواحد في ثلاثة يقولون: الأب الأكبر: روح القدس، ثم الابن، ثم الصاحبة، وهم في ذلك يزعمون بخزعبلات لا تقبلها إلا عقولهم، بلاء وإفك وعناد دون فهم ولا وعي ولا تعقل، يقولون: خلق الولد، وخلق الصاحبة، ثم اتخذها صاحبة، واتخذ منها ولداً. قال تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء:22] يسبح الله نفسه، ويعلمنا كيف نسبحه، وينزه نفسه عن هذا الباطل الذي افتراه، الجاحدون، واخترعه الكاذبون، ولا منطق لهم من عقولهم سليمة، ولا دليل عليه من كتب سابقة، ولا رسل مضت، إن هي إلا أكاذيب وأضاليل، أصروا على الكفر تلاعباً بأنفسهم، وتلاعباً بدينهم، وتحريفاً وتبديلاً وتغييراً في كتب الله، وفي آيات الله السابقة، فسبحان الله رب العرش.
الأنبياء [22 - 29]
تفسير سورة الأنبياء [22 - 29] الله تعالى فاطر السماوات والأرض وباريهما، وهو الإله المستحق للعبادة وحده، ولو كان فيهما آلهة إلا الله كما زعم الكافرون لفسدتا، فهو الواحد الأحد الذي أرسل جميع الرسل بكلمة التوحيد.
تفسير قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)
تفسير قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) قال الله جلت قدرته: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء:22]. يقول الله تعالى لهؤلاء المتخذين إلهاً معه، الظالمين لأنفسهم بالكفر والشرك: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا} [الأنبياء:22] أي: السماوات والأرض {آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء:22]، إذاً: لعلا بعضهم على بعض، ولخالف بعضهم بعضاً، فكان ذلك سبباً لخراب السماء والأرض، وبما أن الخراب غير قائم، ونظام الكون على غاية ما يكون من الدقة ليلاً ونهاراً، صيفاً وشتاءاً ربيعاً وخريفاً، فهذا دليل قاطع على أن خالق هذا الكون واحد، وعلى أن مدبر هذا الكون واحد، فهذا دليل قطعي عقلي على الوحدانية لا ينفيه إلا مجنون أو معاند جاحد. ثم ينزه الله جل جلاله نفسه عن أن يكون له شريك في الملك ذاتاً أو صفة ويعلمنا كيف ننزهه ونعظمه، قال تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء:22]. (سبحان الله): تعالى وتنزه وتقدس. (رب العرش) المنفرد بالربوبية للعرش والخلق تعالى وتقدس عما ينعته ويصفه به الظالمون المشركون.
تفسير قوله تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)
تفسير قوله تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) ثم قال تعالى: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23]. والله جل جلاله لا يسأل: لِم خلقت زيداً صغيراً، وأخذته كبيراً؟ لِمَ أخذت عمراً صغيراً وتركت غيره؟ لِمَ أفقرت؟ لِمَ أغنيت؟ لِم ملكت؟ ذاك أمر الله، وتلك إرادة الله، لا يسأل جل جلاله عن فعله وعمله، فهو الخالق المدبر الرازق، يصنع ما يشاء كيف يشاء، ولا يسأل عما يفعل، ونحن الذين نسأل، من ربنا؟ من نبينا؟ ما ديننا؟ هل قمنا بكل ذلك؟ نحن الذين نسأل من الله جل جلاله، ومن ملائكة القبر، وملائكة الحساب، وملائكة العرض على الله، عندما يدخل الميت قبره فيسأل: من ربك؟ من نبيك؟ فنسأل عن كل جليلة وصغيرة، وعن كل عمل قدمناه، تلك صفة المخلوق، والأولى صفة الخالق، هو الذي لا يسأل عما يفعل. وهذا لا يمنع المؤمن أن يسأل عن الحكمة في الأشياء والخلق، أما لِمَ؟ فلا يسأل هذا مسلم، وإذا سأله الكافر فذاك من عناده وإصراره على الكفر والجحود.
تفسير قوله تعالى: (أم اتخذوا من دونه آلهة)
تفسير قوله تعالى: (أم اتخذوا من دونه آلهة) ثم عاب الله فقال موبخاً ومقرعاً من اتخذ معه غيره: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} [الأنبياء:24]. وهذا استفهام تقريعي توبيخي أي: أمع كل ما علمتم ودريتم أنا ما تشركون من دون الله لا يضر ولا ينفع، لا يسمع ولا يعقل، فأنتم لفساد عقولكم، ولكفركم وجحودكم تتخذون ما لا يضر ولا ينفع إلهاً وشريكاً مع النافع والضار، مع الخالق والرازق المدبر، جل جلاله وتوحد سلطانه. قال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} [الأنبياء:24] أم اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونهم، ويشركونهم في عبادتهم لله، هذا الذي صنعوه أعندهم عليه دليل أم سلطان من الله: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [الأنبياء:24]، قل يا محمد لهؤلاء المشركين الجاحدين: هل لكم من الله برهان ودين من كتاب سماوي سابق، أو من نبي مرسل أو من دليل عقلي: أن لله جل جلاله شريكاً في ملكه تعالى الله عما يقول الظالمون؟ لا نشهد شهادة الباطل، بل نشهد أن الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، وهو الخالق الرازق المدبر. ((هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ)) هذا القرآن كتاب الله، هذا الكتاب المسمى الذكر لتذكير الخلق بالله، ولتذكير الخلق برسول الله عبداً نبياً، وبأن يفكروا ويتدبروا ويعوا ويعقلوا، من خالق السماوات؟ من خالق الأرض؟ من الرازق؟ من المحيي من المميت؟ (هذا ذكر من معي) هذا القرآن كتاب الله، الذي أرسلت به إليكم أيها الناس، مشارق ومغارب، عرباً وعجماً، ذكر من معي من الخلق ممن آمن بي، وآمن معي، وتبع ما أرسلت به، وعمل بما فيه حلالاً وحراماً وعقائد: {هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي} [الأنبياء:24] هذه الكتب السماوية السابقة التي ذكر بها الأولون في كتب الله المنزلة على إبراهيم، وعلى داود وعلى موسى وعيسى. انظروا هل تجدون في هذه الكتب: المنزلة عليّ ليتذكر من معي، والمنزلة على من قبلي ليتذكر من معهم، هل فيها أن لله شريكاً؟ هل فيها أن لله معيناً؟ أليس فيها أن الله واحد لا شريك له؟ إذاً: هؤلاء من النصارى واليهود، ومن المجوس والملاحدة والمعطلة، هذا الذي يشركوه مع الله من ملائكة ومن جن، ومن بشر ومن أحجار وأخشاب وأصنام ما برهانهم على ذلك؟ أين الكتاب المنزل على أنبيائهم بذلك؟ ألا يستحيون أن يفتروا على الله كذباً؟ ألا يخجلون من أنفسهم؟ ألا يخجلون يوم العرض على الله عندما يأتون مشركين كافرين، ظالمين لأنفسهم؟ {هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ} [الأنبياء:24] الله تعالى بعد أن أمر ووعظ أضرب عن ثابت، فـ (بل) حرف إضراب يضرب بها عما قبلها، فهؤلاء معاندون جاحدون، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:24] أكثر الذين كفروا وأشركوا وعطلوا وألحدوا، هؤلاء لا يعلمون الحق، ولا يتمسكون إلا بباطل وهراء وغثاء، وزيف من القول لا دليل عليه عقلاً، ولا سمعاً، وإنما هي مفتريات ومخترعات أوحى لهم بها الشيطان، واستمسكوا بها استمساكاً ببغاوياً فآمنوا بشيء لا يعونه ولا يفهمونه، وإنما هو كفر وشرك تقليدي، فهم معرضون عن معرفة الحق، وعن الإيمان بالله وبرسل الله، معرضون عن الكتب السماوية السابقة واللاحقة، معرضون عن الإيمان برسول الله وما جاء به من حق ونور وكتاب مبين.
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) قال تعالى: وفي فضل نبينا عليه الصلاة والسلام: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25]. ليست هذه الرسالة التي كلفت بها بدعاً من الرسل، ولم تأتِ وحدك بين الأنبياء والرسل تدعو إلى عبادة الله وحده، وإلى توحيد الله، وأنه لا شريك له، ولا معين ولا مساعد، بل انفرد بالخلق، وبإيجاد الحق، لا يحتاج أحداً بل الكل محتاج إليه. {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ} [الأنبياء:25] (من) لتعريف النكرة، أي: جميع الرسل المرسلة قبلك يا محمد. لم نوحِ إليهم إلا أن الله واحد: {إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25] لم يوحَ لرسول قبلك، ولم نرسله إلى بشر إلا ليوحدوا الله، فلا ثاني معه، هو الله المتفرد بالخلق والزرق والإيجاد، المدبر للخلائق، المحيي المميت، بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير، فجميع الرسالات السابقة التي أتى بها أبونا آدم ومن بعده من إدريس ونوح وإبراهيم أبي الأنبياء ومن سلالة إسماعيل وإسحاق إلى آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى، وإلى آخر الأنبياء والرسل جميعاً سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كل هؤلاء ما أرسلوا وما أوحي إليهم إلا بعبادة الله وحده، وبالدعوة له، بلا شريك ولا معين، وكل ما زعمه اليهود من عبادة عزير وأنه من أبناء الله، وكل ما زعمه النصارى من عبادة مريم وعيسى، كل ذلك هراء وافتراء، وكذب على الله، وكذب على رسله. لم يرسل الله أحداً من رسله منذ الأول إلى الأخير إلا بأن الله واحد، وبعبادة الله وترك ما سواه من الأوثان والأصنام والشركاء، سواء كانوا ملائكة أو جناً أو بشراً، أو كانوا غير ذلك من أي شيء اخترعه المشرك: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25].
تفسير قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا)
تفسير قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً) وقالوا: مع كل ذلك: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء:26]. وقال المشركون الكفرة: اتخذ الله الملائكة بنات وشركاء له، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً! {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء:26] كان ذلك في قبائل خزاعة في الجزيرة، وكان ذلك في شعوب وأمم سابقة ممن ابتلاهم الله بعبادة الملائكة، بفهمهم أن الملائكة بنات الله، وأنه ولدهم، تعالى الله عن كل ذلك علو كبيراً! فقال الله مبيناً حقيقتهم {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء:26] أي: بل هؤلاء الملائكة الذين يُعبدون هم عباد لله، أكرمهم الله بالعصمة، وأكرمهم بالعبادة الدائمة التي لا يفترون فيها ولا يستحسرون، ولا يملون ولا يكلون ولا يتعبون. وكما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (أطت السماء -صوتت- وحق لها أن تئط، ما من موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو ساجد، يدعو الله: سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، يقولون: لا إله إلا الله). وعبادتهم الدائمة هي كالنفس لنا، كما أننا لا نعيش بلا نفس، كذلك هؤلاء لا يعيشون بلا ذكر ولا عبادة، نطقاً باللسان وعملاً بالأركان.
تفسير قوله تعالى: (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون)
تفسير قوله تعالى: (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) قال تعالى: {لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء:27]. يقول عن هؤلاء الملائكة الذين اتخذوا شركاء لله وأولاداً فيما زعم هؤلاء الأفاكون: إنهم لا يسبقون الله بالقول، ولا يفعلون إلا ما أمروا، فلا يعصون الله قولاً، ولا يعصونه عملاً، بل هم: {عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء:26]، {لا يَسْبِقُونَهُ} [الأنبياء:27] أي: لا يسبقون الله: {بِالْقَوْلِ} [الأنبياء:27] ولا يسبقونه بالعمل {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء:27]. فهم بأمر الله يعملون، فمنهم ملائكة الموت، ومنهم ملائكة المطر، ومنهم ملائكة الرزق، ومنهم ملائكة النار، ومنهم ملائكة الجنة، ومنهم ملائكة التكوين، كل أولئك لا يقولون إلا ما أمرهم الله بقوله، ولا يعملون إلا ما أمرهم الله بعمله، فهم عباد لله مخلوقون له، تحت القهر والمشيئة. فالله منفرد بالقدرة وبالوحدانية والألوهية، وكل ما عداه مما علا أو سفل في السماوات والأرض إلا عباد لله تحت سلطانه وقهره: {لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء:27].
تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم)
تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:28]. الله جل جلاله أكرمهم بالعصمة وبالعبادة الدائمة وهو تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} [الأنبياء:28] فيعلم ما يستقبل من عملهم، وما يستقبل من قولهم، كما يعلم أعمالهم التي أصبحت خلفهم، فيعلم ماضيهم وحاضرهم، ويعلم مستقبلهم، وكل ذلك بأمره قولاً وعملاً، لا يقولون إلا ما يقال لهم، ولا يعملون إلا ما أمروا بعمله، علم أعمالهم السابقة واللاحقة عند الله خالقهم وآمرهم وإلههم: {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:28]، وهم مع ذلك من خشيتهم لربهم، وخوفهم من ربهم، مشفقون على أنفسهم ألا ينالوا رضاه ورحمته ألا يرضى عنهم وأن يعذبوا بما لا يكاد يخطر لهم في بالهم من قول أو عمل، فهم العباد الذين لا يأمنون مكر الله على كرامتهم وعصمتهم؛ ولذلك تجدهم كالبشر والجن يعبدون الله خوفاً وطمعاً، مشفقين وخائفين على أنفسهم من أن يمكر بهم، ومن أن يقال لهم يوماً: ادخلوا النار مع الداخلين.
تفسير قوله تعالى: (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم)
تفسير قوله تعالى: (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم) قال تعالى: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:29]. وهذا وجه الإشفاق والخشية من الملائكة على أنفسهم من أن يصدر عنهم شيء يعذبون من أجله. {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ} [الأنبياء:29] من يزعم من الملائكة أنه إله لتعبدوه، فإنا نجزيه ونعاقبه بالدخول إلى النار والخلود فيها، وهذا شرط، والشرط لا يلزم وقوعه، ولكن هذا جواب لمن زعم أن الملائكة بنات لله، وشركاء له، والله يقول عن هؤلاء: لو أنهم فكروا يوماً أن يكونوا آلهة، وأن يدعوا ذلك لذهبت الكرامة والعصمة، ولعوقبوا بالنار والخلود فيها، ولكن (إن) الشرطية لا يلزم وقوع جوابها، أي: فهم لا يفعلون، فلا يدَّعون ذلك، ولا يعملون ما يدعو إلى ذلك؛ تكريماً من الله لهم، وحرصاً منهم على العمل دواماً واستمراراً في عبادة الله قولاً وعملاً، وهذه كقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر:65]. الخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم، وهي (إن) شرطية، ولا يلزم منها الوقوع، فالنبي لا يشرك، وحاشاه من ذلك، والنبي معصوم، والعصمة تمنع الذنب فضلاً عن الشرك، ولكن هذا يقال من الله تخويفاً لخلقه، إذا كان الأنبياء والرسل على كرامة على الله، وإذا كانت الملائكة وهم العباد المكرمون إن فعلوا فعلكم، وأشركوا شرككم لا يفلتون من النقمة، ولا يفلتون من النار والعذاب، فكيف بكم ولستم بالمعصومين: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} [الأنبياء:29]، أي: نعاقبه بجنهم: {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:29]. (كذلك) كما نجزي من ادعى الألوهية، وقال: هو إله مع الله، أو إله من دون الله، كما نجزي من زعم ذلك، وادعاه في جنهم والخلود فيها: {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:29] أي: المشركين الذين زعموا لغيرهم الألوهية، أو زعموها لأنفسهم، كل أولئك مشركون وكافرون، كل أولئك لا يفلتون من عذاب الله ونقمته، والخلود في النار أبداً سرمداً.
الأنبياء [30 - 35]
تفسير سورة الأنبياء [30 - 35] يذكر الله تعالى حقيقة علمية اكتشفها العلم في العصر الحاضر، وهي أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففصلهما وجعل من الماء كل شيء حي، ثم يذكر كيف جعل السماء سقفاً والأرض مهداً وثبتها بالجبال الرواسي وأنه كتب الموت على كل مخلوق ولكنه سبحانه يبلونا بالشر والخير فتنة.
تفسير قوله تعالى: (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا)
تفسير قوله تعالى: (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً) قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:30]. هذه الآية من المعجزات التي لم يظهر إعجازها، ولم تظهر دلالتها على صدق نبينا صلى الله عليه وسلم إلا في عصرنا هذا، وكثيراً ما قلت وأقول: في مجالس العلم في الحرمين الشريفين، وفي مقاعد الجامعات، وللطلاب والمريدين: إن للقرآن والسنة معجزات أدركها الصحابة رضوان الله عليهم وآمنوا بها شهوداً، ومعجزات ذكرت أنها ستكون بعدهم فآمنوا بها تصديقاً. ونحن نزعم ذلك أيضاً لأنفسنا، وقد جئنا بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة عشر قرناً، وإنما شاهدنا في حياتنا وفي أيامنا مما جاء به القرآن والسنة معجزات شاهدناها وعاصرناها فوجدناها كما قالها القرآن الكريم، وكما نطق بها النبي المفسر لما أنزل عليه صلوات الله وسلامه عليه، فهذه منها، ومن تمام الإعجاز أن الخطاب كان للكافرين. قوله: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنبياء:30] استفهام تقريري، أي: أولم ينظروا ويطلعوا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً، أي: كانتا قطعة واحدة، وطبقة واحدة. (ففتقناهما): ففصلناهما، وفرقنا السماوات عن الأرض، وجعلنا السماوات سبعاً متفرقة، والأرضين كذلك، وما بين كل أرض وأرض وسماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، ولا ندري هذه الخمسمائة عام يكون أيامها يوم القيامة الذي هو كألف سنة مما تعدون، أو من نوع الخمسين ألف سنة الذي يعرج فيه إلى الله؟! كل ذلك ممكن ولا نعلم حقيقته، وقد يكون من أيام الدنيا. وقد تبارى الكفار في عصرنا من كل ملة ليصلوا إلى القمر، وزعموا أنهم يريدون أن يعلموا ما هي طبيعة القمر؟ وما تكوينه؟ وكيف حجارته؟ وكيف ترابه؟ وهل هو من نوع الأرض أو من طينة أخرى أو من عنصر آخر؟ بذلوا الملايين مما لو وزع على الخلق لما بقي جائع في الأرض. وكان بعضهم قد وصلوا إليه وأنزلوا منه حجارة وتراباً، وحللوه، وإذا به كما أخبر تعالى، وجدوا أن التراب نفس التراب، والحجر نفس الحجر، الكل من طينة واحدة، ومن عنصر واحد، وكما أخبر تعالى أن الأرض والسماء كانتا قطعة واحدة، ومن عنصر واحد، وحجر واحد، ورمل واحد، وتراب واحد، وبعد هذا جاروا وداروا، وغيروا وبدلوا، وتلاعبوا وأسرفوا، وأتوا إلى ما قاله لنا جل جلاله منذُ ألف وأربعمائة سنة. {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا} [الأنبياء:30] كانتا ملتصقتين، متصلتين لا يفرق بينهما شيء. (ففتقناهما): ففصل الله السماء عن الأرض، والأرض عن السماء، وجعل السماء سبعاً، والأرض سبعاً، وفتق كل جزء عن جزئه، وكان الكل من طينة واحدة وعنصر واحد. قوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:30] لا تكون حياة لما في الوجود من إنسان أو جن أو حيوان أو طائر أو حشرات أو نبات إلا بالماء، ينزل الماء جل جلاله فتحيا هذه الخلائق. وقد يكون المعنى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء:30] أي: ماء المني، فمنه يتكون الإنسان، ومنه تكون الجن، ومنه تكون الطير، ولكن المعنى الأول أشمل، فيدخل معه النبات، ويدخل معه أنواع الشجر ولا مني وإن كان هناك ذكورة وأنوثة، والله قد قال لنا: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} [الحجر:22] تلقحت وتزواجت واتصلت، وكثير من الأشجار إن لم تلقح بنوعها من الذكور لا تثمر كما في النخيل، وهذا يعلمه كل من رآه ومارسه وأشرف عليه أو اطلع عليه. {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:30] أي: هؤلاء الكفار الذين رءوا هذا رؤيا العين، وسماع الأذن، وإحساس البشرة، وأشرفوا عليه واطلعوا عليه، وعلموا بيقين: أفلا يؤمنون؟ ألا يكفيهم ذلك دلالة؟ ألا يكفيهم ذلك قدرة؟ ألا يكفيهم ذلك معجزة فيؤمنوا بأن خالق هذا هو الله، وأن الله خلق ذلك وحده بلا شريك من ولد، أو صاحبة أو معين، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً؟!
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم)
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم) قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء:31]. يريد الله لنا أن نتدبر ونتذكر خلق السماء والأرض، فقال لنا: {وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} [الأنبياء:31] أي: كي لا تضطرب ولا تميل، ولا تزعج من عليها. {وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ} [الأنبياء:31] أي: جبالاً ثوابت، ترسي الأرض لكي لا تميل، وهي محمولة على الماء، ثلاثة أرباع الأرض هو ماء، والربع الرابع هو الأرض؛ ولذلك أينما حفرنا لا نجد ماءً وقد نحفر ألف متر ولا نجد الماء. {وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ} [الأنبياء:31] أي: ثوابت راسخات: {وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} [الأنبياء:31] كي لا تميل وتضطرب، أي: كي لا تميل الأرض وتضطرب بمن عليها، فلو لم يكن فيها هذه الجبال الرواسي المثبتة لمالت، كما لو وضعنا سفينة على الماء، ولم نجعل لها رواسي من جوانبها لمالت وانقلبت بركابها، وغرقوا وهلكوا، فكذلك الأرض. {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء:31] أي: خرقنا فيها فجاجاً، وهو جمع فج، وهو الطريق بين الجبلين سبلاً: سابلاً، سالكاً، يوصل الإنسان في الأرض بما يريد من أقاليم وأقطار، ومن جهات في مشرق أو مغرب أو جنوب أو شمال، لم يفعل هذه الرواسي حاجزاً عن أن يسير الإنسان في هذا الكون، وفي هذه الأرض كما يشاء لطلب مصالحه من تجارة أو طلب للعلم، أو تدبير للأمر، أو حكم للرعايا، أو ما إلى ذلك مما يحتاج إليه الإنسان الحي على وجه الأرض. يلفت الله نظرنا لنفكر مع أنفسنا ساعة: من الذي خلق الأرض؟ من الذي خلق السماء؟ من الذي فتقهما وفصلهما عن بعضهما؟ من الذي خلق الجبال وما حكمة خلقها؟ من الذي شق فيها هذه الطرق الواسعة، والفجاج العميقة؟ من الذي جعلها سابلة وسالكة من المشارق والمغارب ومن الشمال ومن الجنوب؟ لو فكرنا قليلاً فسنجد أنفسنا نقول: الله الخالق، الله المدبر، الله الرازق، الله القائم بكل هذا والخالق له، والمدبر له. ((وَجَعَلْنَا فِيهَا)) أي: في الأرض {فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء:31]، أي: يهتدون إلى الطرق إلى الفجاج إلى السير إلى الرحلة إلى المصالح إلى ما يريدون، عندما يضربون في الأرض طلباً للعلم أو سياحة أو أي شيء يريدون.
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا السماء سقفا محفوظا)
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) قال تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} [الأنبياء:32]. جعل السماء بالنسبة للأرض كالسقف للبيت والغرفة، وحفظه عن أن يسقط، ولو سقط على من في الأرض لدمرهم، ولأهلكهم وسحقهم؛ ولذلك لفت نظرنا إلى السماء كيف رفعها بغير عمد نراها بأعيننا، ومن لم يكن يبصر فسيراها ببصيرته، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} [الأنبياء:32] أي: محفوظاً عن السقوط إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إلى أن تقوم الساعة إلى أن يزول كل ذلك إلى إن يدمر، ولا يبقى في الكون أحد إلا الله، كان ولا شيء معه، وسيبقى ولا شيء معه كما كان، ويصبح الكل كالعهن المنفوش، وكالقطن المتطاير. قوله: {وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:32] أي: وهؤلاء الكفار، بل أكثر الخلق عن آيات الله وقدرته في سمائه وأرضه، وفي خلقه وتدبيره معرضون، لا يعون ولا يفكرون فيه، ولا يتخذونه برهاناً على وحدانية الله وقدرته وانفراده بالخلق، والوحدانية، والتدبير والرزق، وهو الحي القيوم، القائم على كل شيء، والذي تحت قهره كل شيء جل جلاله وعز مقامه.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق الليل والنهار)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق الليل والنهار) قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء:33]. الله الذي خلق الليل وجعله سكناً وراحة للإنسان، وخلق النهار وجعله معاشاً وعملاً وسعياً للإنسان على نفسه، وعلى من يهمه أمره. ولولا الليل لما استراح إنسان في نهار أبدي سرمدي، ولولا النهار لمل الإنسان ولتقطعت أعضاؤه من كثرة النوم والجلوس؛ ولو كانت الأرض بلا شمس لأصابها الزمهرير، ولما نبت فيها نبات، ولما كبر فيها جسم. ولو لم يكن القمر بالليل لما كان مد وجزر من البحر، ولما كان ولما كان، والله قد خلق كل ذلك لحكمة، وخلق منه ما يريح الإنسان في ليله ونهاره، في معاشه وراحته، وفي حياته كلها، لو ذهب الله بليله فمن سيأتينا بليل غيره؟! لو ذهب الله بنهاره فمن سواه يأتينا بما نحن في حاجة إليه. قال تعالى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء:33] الأفلاك العلوية والسلفية كلها تدور وتسبح، كما يسبح الإنسان. والفلك لغة: هو الشيء المستدير، وقد مثل ذلك سعيد بن جبير بالمغزل عندما يكون له محور وهو يغزل مستديراً، ومثله عبد الله بن عباس بالرحى لها محور، والأفلاك تدور حولها. وهكذا الآن عندما نرى خرائط الأفلاك العلوية والسفلية نجدها مستديرة، ولها محور في الوسط، والكل يسبح، ولذلك عندما يخرج الإنسان عن غلاف الأرض، حيث تخف الأجسام والأوزان إلى حدٍ بعيد فسيجد نفسه سابحاً في الفضاء. وهذا معناه: أن الأرض كروية، والسماء كروية، والأفلاك كروية، وهذا ما أجمع عليه المسلمون قبل أن يفكر في هذا الكفار والمشركون. وقد قال تعالى: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ} [الزمر:5] والتكوير: دائرة، وقال النبي عليه الصلاة والسلام عن عرش الرحمن: (هو على الكون هكذا، وأشار كالقبة) أي: كل مستدير، ونص السلف على أن الأرض كروية بيضاوية على شكل البيضة، ونص عليه ابن تيمية، ونص عليه قبله ابن حزم، والغزالي , وغيرهم من علماء القرآن والسنة. وهذه الآية هي من الأدلة التي استدلوا بها أيضاً على كروية الأرض والأفلاك علواً وسفلاً، سماءً وأرضاً: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء:33]، والفلك: الدائرة، ويصبح الأمر أن كلاً يدور حوله كمن يسبح في النهر، أو يسبح في البحر. {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء:33] تسبح الشمس، ويسبح القمر؛ ولهذا يرى في أحيان ولا يرى في أحيان، تغرب الشمس تارة وتشرق تارة، وهي في دورانها، والقمر وما معه من أفلاك في دورانه.
تفسير قوله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد)
تفسير قوله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء:34]. قوم من الكفار تربصوا بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يموت، وتربصوا به المنون، قالوا: سيموت، فقال الله يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام وهو خطاب لنا مع هذا: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء:34]. أي: يا محمد! قل لأولئك الذين يتربصون وينتظرون موتك: نحن لم نجعل لبشر من قبلك الخلد، أي: البقاء دواماً واستمراراً. وأراد البعض أن يستدل بهذه الآية على أن الخضر قد مات، ولا دليل من هذه الآية، فلم يقل أحد من الناس مسلماً ولا كافراً أن الخضر سيخلد خلوداً أبدياً، كل من قال ببقائه قال: إنه سيعيش أزماناً طوالاً كما عاش نوح أكثر من ألف عام، ولبث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، كما ذكر القرآن الكريم. قوله: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ} [الأنبياء:34] استفهام تقريري: {فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء:34] أي: لو مت يا محمد أفيخلدون هم؟ هم يتربصون بك المنون، وهم ينتظرون موتك ليستريحوا منك وهيهات! فسيجدون العذاب دونك إن بقوا على شركهم، وسيجدون ما أنذرتهم به من عذاب أليم في الدنيا والآخرة، وسيلحقهم إلى قبورهم، وسيخلد معهم خلوداً سرمدياً أبداً في جنهم، بل حياتك خير لهم، يسمعون منك العبرة والموعظة، ويسمعون منك الحرص على هدايتهم، هذا لو كانوا يعقلون، فكيف بمن له أعين لا يبصر بها، وآذان لا يسمع بها، وقلوب لا يفقه بها؟! هم كالأنعام، بل هم أضل من الأنعام، وأضل من الدواب، الدواب نستفيد مما في بطونها، ومن أوبارها، ومن ظهورها. فالكافر والمنافق لا يستفاد منه في شيء، بل وجوده على الأرض دمار وخراب، فوجوده في باطنها خير من وجوده على ظهرها: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء:34].
تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت)
تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [الأنبياء:35]. أي: أخبر هؤلاء الذين تربصوا بك الموت، وانتظروا غيابك، أنه ليس الموت واجب عليك فقط، بل الموت حق على كل نفس، كل من له نفس يصعد ويهبط إلا ونهايته الموت. قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27]، وقال تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر:30] فلن يعيش أحد دواماً، ولن يخلد أحد دواماً، ولكن الحي الدائم هو الله جل جلاله، الواجب الوجود، والحي الذي لا يموت، وما سواه من ملك أو جني، أو إنسي يموت. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35] أخبر تعالى أن الموت حق لا بد منه على كل حي، إلا الله الحي الدائم، ثم قال: (ونبلوكم) أي: نختبركم ونفتنكم ونمتحنكم (بالشر والخير فتنة)، يبتلي خلقه ويفتنهم تارة بالشر وتارة بالخير، يبتلينا بالفقر، وهو فتنة وبلاء واختبار، ويبتلينا بالغنى، وهو فتنة وبلاء، ويبتلينا بالقوة والصحة كما يبتلينا بالمرض، ويبتلينا بالشبيبة والقوة كما يبتلينا بالشيخوخة، ويبتلينا بالعز والسلطان وبالحكم وبالأمر والنهي، ويبتلينا بالذل والهوان، والاستعمار، ولكل ذلك سبب, ولكل ذلك حكمة، وهو على كل اعتبار إن كان خيراً فهو ابتلاء وفتنة، وإن كان شراً فهو ابتلاء وفتنة، والكل من الله. ولذلك: لا خير يدوم، ولا شر يدوم، ولكن الله يبتلي بالخير من شاء ليرى: هل سيشكر على ذلك الخير أم يكفر؟! ويبتلي بالشر، ليرى عبده: هل سيصبر على ذلك الشر أو يكفر ويزداد عناداً ويتخذ من ذلك كفراً؟! ولذلك: فلا ييئس الفقير من رحمة الله ومن غناه، ولا ييئس المريض من عفو الله وعافيته وصحته، ولا الغني ولا القوي يجوز له أن يطغى ويتكبر، فمن أتاه بالمال قادر على أن يذهبه ويدمره، ويسلبه منه، ومن أتاه بصحة وبقوة قادر على أن يسلبه كل ذلك، ولكن الضابط في كل هذا: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7]. الشكر يديم النعم، فمن أغناه الله وأصحه وأعزه، فالشكر باللسان واجب، ولكن أوجب منه الشكر بالعمل، بأن يعطي من ماله، ويعطي من صحته، ويعطي من قوته، {وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص:77] أحسن بالعطاء وبالهبة، وبالنفقة وبالزكاة، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (هلك المكثرون، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا)، أي: هلك الأغنياء ذوو الكثرة، إلا من أتى إلى هذه الكثرة فوزعها بين نفقة على الأولاد، وصدقة على الفقراء، وزكاة لماله فيما أوجب الله عليه. (وللسائل حق ولو جاء على فرس)، فإن جاءك سائل فأعطه مما أعطاك الله ولو جاءك راكباً على فرس، والله قد وصف المؤمنين بأنهم: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج:24 - 25]. أي: حق للسائل إذا سأل، وحق للمحروم من العطاء ومن الصحة ومن العز؛ ولذلك الشكر في كل حال على حسيه، شكر باللسان: (ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله)، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام. والشكر بالعمل، فيما كان من الله عطاء ورزقاً وشيئاً ملموساً مرئياً محسوساً، أما أن تجمع الأموال وتقول: أشكر الله، أما تتمكن من القوة والنفوذ والسلطان وتقول: أشكر الله، وأنت لا تعطي فقيراً ولا تساعد ضعيفاً، ولا تسعى في عز ذليل، ولا تكون في عون محتاج أو فقير، فليس ذلك الشكر، وليس ذلك الحمد، ويوشك من لا يحمد الله على نعمه وآلائه أن يسلبها، قال تعالى: {وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7] أي لئن جحدتم النعمة ولم تشكروها {إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7]، أي: يسلبها وتزول عنه؟ ونعوذ بالله من السلب بعد العطاء. قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35]، أي: وبعد كل ذلك فـ (إلينا ترجعون)، فتعرضون على الله يوم القيامة، الشاكر والصابر، والكافر والمؤمن، والفقير والغني، والذليل والعزيز، والمبتلى بالشر والمبتلى بالخير؛ ليؤدي الحساب عن ماله فيم صرفه؟ وعن شبيبته فيم استعملها؟ وعن ماله فيم أنفق؟ وعن عزه من أعز به من الذليل والمقهور والمغلوب عن أمره؟! وقوله: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35] هو وعيد وتهديد لهؤلاء الجاحدين الكافرين، الذين ابتلوا بالخير فلم يحمدوا الله، وابتلوا بالشر فلم يصبروا على بلاء، وإن هي إلا أيام وتنقضي، إن كانت خيراً فلا يدوم، وإن كانت شراً فلا تدوم، ولا يدوم إلا الله الواحد جل جلاله وعلا مقامه. وهذه السورة الكريمة تسمى بالأنبياء ويعرض الله علينا فيها حال أنبيائه ورسله، وأنه ما أرسلهم إلا بالتوحيد، وما أرسلهم إلا بالعبادة، وما أوحى لهم إلا ذلك. وما حدث من تغيير وتبديل من أصحاب الأديان السابقة ممن زعموا أنفسهم يهوداً أو نصارى أو مجوساً، كل ما زعموا، أنه من الله، وعن أنبياء الله، وأنه جاء في كتب الله، كل ذلك الذي زعموه من جحود وكفر ومعصية كل ذلك افتراء على الله، وكذب على أنبياء الله، ما أنزل الله به من سلطان. وكون النبي عليه الصلاة والسلام أكرم الله به الخلق، وختم به الأنبياء؛ ليصحح ما صح في الكتب السابقة، وليزيف ما افتروه وكذبوه، وحرفوا فيه، وتزيدوا فيه من شرك وكفر، وقذف للأنبياء، وكذب على الله، كل ذلك ما جاء الله بخاتم أنبيائه رسولاً للناس كلهم إلا ليعود البشر إلى الطريق السوي إلى المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك. فالقرآن لم يغير، ولم يبدل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو أبداً حق وصدق، وهو أبداً يأمر بالخير، وينهى عن الشر، يحلل ما ينفعنا، ويحرم ما يضرنا، ويعلمنا الحقائق والعقائد، وذكر الله وتمجيد الله، وتسبيح الله، وتنزيه الله عما زعمه الأفاكون، وافترى به المشركون، وكذب به الكاذبون، وليعود الناس إلى الصدق والوفاء بالعهد، وإلى الرحمة بين الكبير والصغير، وبين القوي والضعيف، وبين العزيز والذليل، ليعود الناس إلى أصل خلقتهم، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]. يعبدون الله آناء الليل وأطراف النهار، بالصلوات الخمس التي أمرنا الله بها عند مطلع الفجر، وقبل شروق الشمس، وفي أطراف النهار عند الزوال، وقبل مغرب الشمس عندما يصير ظل كل شيء مثليه، وعند العصر، وفي أول الليل المغرب، وبعد ذلك بساعة ونصف إلى غياب الشفق، ثم التهجد في الثلث الأخير من الليل، فتلك ساعة كريمة وعظيمة لمن قام والناس نيام، في تلك الساعة ينزل ربنا إلى السماء فيقول: هل من داع فأستجيب له؟! هل من مريض فأشفيه؟! هل من عار فأكسوه؟! هل من جائع فأشبعه؟!. ينزل جل جلاله في تلك الساعة وقد نام الكسالى والضائعون، ونام المسرفون على أنفسهم، يقوم من فراشه ومن عند زوجته ليقف بين يدي ربه خانعاً، مستسلماً داعياً ضارعاً، وهو في كل ذلك يتبع سنن المرسلين السابقين التي جاءت هذه السورة لبيان سننهم وأخلاقهم وسلوكهم، يعيدها الله على نبيه صلوات الله وسلامه عليه، ولنسمعها نحن، ونتخذ أنبياء الله في الأسوة وخاتمهم صلوات الله عليه وعليهم، هو الأسوة والقدوة الأعظم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21]. وهكذا عندما ندرس ونتدارس سورة الأنبياء أي: سلوكهم وعبادتهم وأخلاقهم ودعوتهم، وما لقوا من الناس من جحود وكفران، وما تحملوه من هؤلاء الجاحدين وهم يدعونهم إلى الله، ويرشدونهم إليه، وينفرونهم من المعصية والظلم والطغيان، ومن الكفر والجحود، ويكونون في أنفسهم أئمة يقتدى بهم سلوكاً، ونطقاً وعملاً. وهكذا كانت تسمية السورة بالأنبياء لفتة لنظر من يتلو هذه السورة، ولمن يدرسها ويتتبع تفسيرها؛ ليعلم كيف كان عليه عباد الله المكرمون من الملائكة، والنبيين لكي يصلح الإنسان العادي غير المعصوم نفسه، وليتخذهم أسوة وقدوة وأئمة. والله بفضله وبكرمه أرسل لنا رسلاً مبشرين ومنذرين، ليعلمونا ويرشدونا ويعظونا، ويهدونا، ويبينوا لنا الحق لنتبعه، والباطل لنجتنبه، ومن هنا كانت الحياة فرصة للإيمان بالله، والعودة إلى الله، ولتبقى الحجة البالغة لله. إذاً: فهذه هي الدنيا التي ليست إلا كثوان، وعن قريب ستنقضي، فعلى الإنسان بقبول الرسالة وتصديق الأنبياء، واتباع خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، وانتهاج نهجه، واتباع طريقته، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: ومن هي هذه الواحدة يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي). فكل ما تسمعون من مذاهب وطرائق لقادة اليهود أو النصارى أو المنافقين أو الملحدين، أو المعطلين، تلك هي الفرق التي نص رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، ونبهنا من خطرها، لنكفر بها، ونبتعد عنها، ونزيفها، والطريق الحق يجب أن نبحث عنه في السيرة النبوية، وسيرة الأصحاب رضوان الله عليهم.
الأنبياء [36 - 41]
تفسير سورة الأنبياء [36 - 41] الكفار إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم اتخدوه هزواً وتآمروا بأنه الذي يذكر آلهتهم بالسوء، فيهددهم الله بما سيصيبهم من العذاب إن استمروا على ذلك، ويذكر أنه قد استهزئ بالرسل من قبل فحاق بالمستهزئين العذاب.
تفسير قوله تعالى: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا)
تفسير قوله تعالى: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً) قال الله جل جلاله: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ} [الأنبياء:36]. لا زال الله جل جلاله يصف لنا من حال الكفار وعنادهم، وأقوالهم الصلعاء التي لا منطق لها، ولا عقل فيها، ولا دليل عليها، إن هي إلا هراء وسخافة، وكذب على الله، وإصرار على الباطل، يقول الله جل جلاله: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} [الأنبياء:36]. أي: إذا رآك الكفار قائماً مصلياً لا يتخذونك إلا هزواً، فيستهزئون بدينك، وبرسالتك وكلامك، إصراراً على الباطل، وزيادة في الكفر والعناد، ولتصيبهم اللعنة في الدنيا قبل الآخرة. {إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} [الأنبياء:36] يهزءون بك، ويسخرون منك، ويقولون: أهذا الذي يذكر آلهتكم، دون أن يسموك، ودون أن يصفوك بما هو معروف عنك من الصدق والأمانة. قوله: {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء:36] أي: أهذا الذي يعيبها ويشتمها؟ لقد استكبروا على النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفر من الأحجار والأوثان، ومن الأباطيل والأضاليل، وينفي عنها العقل والحياة، والضر والنفع، قالوا عن هذا: عيب، وقالوا: شتيمة، وقالوا: تنقيص. قوله: {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء:36] أي: يعيبها في ذكره، ويتنقصها، ويعنون آلهتهم كهبل وغيره من الأصنام التي كانوا يضعونها في جوف الكعبة، وفي خارجها. والكلام عن هؤلاء وعن كل من يتخذ الأوثان والأصنام آلهة من دون الله، من اليهود الذين اتخذوا العزير والعجل إلهاً، ومن النصارى الذين عبدوا عيسى ومريم، والذين اتخذوا الأخشاب والأصنام والحجارة آلهة يعبدونها من دون الله، أو يعبدونها مع الله، فكانوا يهزءون بالنبي صلى الله عليه وسلم عندما يقول هذا عن آلهتهم، حتى إذا رأوه ماراً أو طائفاً بالكعبة أخذوا يقولون: {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء:36] أي: يعيبها ويتنقصها، يقول الله عنهم: {وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ} [الأنبياء:36]. هؤلاء الذين يكفرون بالرحمن، ويكفرون بالله، ويتخذون معه شريكاً يصفونه بما لا يليق أن يوصف به، لا يعدون ذلك عيباً، ولا يعدون ذلك تنقيصاً، فهم يأتون إلى سيد الخلق والبشر صلى الله عليه وسلم عندما يعظهم ويرشدهم، ويوجههم إلى اتباع الحق، واتباع الصراط المستقيم، وأنهم ليسوا على شيء، وأنهم لا يتبعون إلا باطلاً، وديناً كاذباً، فهم يأتون لهذه الدعوة الكريمة يهزءون بها، ويعتبرون من تنقص أوثانهم وأحجارهم وآلهتهم المزيفة كافراً، مع أنهم يكفرون بالرحمن ولا يؤمنون به إلهاً واحداً، ولا يؤمنون به رباً قادراً، أهناك شيء في العجب أكبر من ذلك!
تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل)
تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل) قال تعالى: {خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء:37]. هؤلاء يقولون: أين هذا الذي ذكرت يا محمد من نزول الصواعق، والغلبة، والعقاب، ومن الذل والهوان الذي ينزل علينا؟ إن كان هذا حقاً فعجل به، فقال الله عنهم: {خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء:37] أي: الإنسان جبل على العجلة والتسرع، لا يريد أن يهدأ وينتظر ويفكر فيما هو عليه أحق هو أو باطل؟ قبل أن يطلب لنفسه العذاب، ويستعجل العقوبة، فلا يفلت منها إذا جاءت، ولا يردها عنه راد. وقالوا هنا: إن أبانا آدم عليه السلام عندما خلقه الله، ونفخ فيه من روحه، جاءت الروح من رأسه، فوصلت عينيه ففتحهما، فوصلت إلى فيه فنطق، فوصلت إلى جوفه، فشعر بالشهوة، ورأت عيناه الثمر، وتكلم لسانه يطلبها، واشتهى ذوقه وبطنه أن يأكل من هذه الثمرة، فحاول أن يقف ليجنيها ويأخذها بيده، وإذا به يقع؛ لأن الروح لم تصل بعد إلى رجليه، ليستطيع القيام، فكانت هذه هي العجلة التي وصف بها، وأصبحت صفة لازمة للإنسان، قيل هذا، ولم ينسب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يؤكده؛ لكنه نقل عن بعض التابعين، وهذا أشبه ما يكون بالإسرائيليات. والقرآن نزل بلغة العرب، ومن عادة العرب أن تقول لمن أكثر من شيء وبالغ فيه: فلان خلق من الغضب، أي: كثير الغضب مثلاً، فلان خلق من عجل، أي: كثير العجلة، وكان الإنسان عجولاً. وما أكثر عجلة الإنسان وعدم تأنيه إلى أن يستوعب الأمور ويتدبرها! ومن هنا جاء في الآثار النبوية: (التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان) والعجلة قلما تأتي بخير. فقوله: {خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء:37] أي: ما أكثر عجلته، وعدم تأنيه! والإنسان لولا الوحي والرسل، ولولا الكتب السماوية لكان وحشاً ضارياً، وهذا ما أكده القرآن عندما قال: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:1 - 2]، أي: أن الإنسان خاسر هالك إلا من استثناه الله، فقال: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3]. الإنسان غير الخاسر هو من آمن، وأتى بعد الإيمان بالصالحات، وأتى بعد العمل بالصالحات: الأمر بالمعروف، والتواصي على الحق، ويأتي بعد ذلك في الدرجة العليا: الصبر على ما يصيب الداعية إلى الله عندما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء:37] أي: لا تستعجلوا لهؤلاء الكفار سيريهم الله آيته وقدرته، وعقابه وانتقامه، دون أن يستعجل فهو آت لا محالة، قال تعالى: {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود:81]. في هذه الحالة والنبي صلى الله عليه وسلم يعظهم على كفرهم، ويأمرهم بعدم العجلة، وأن عقاب الله لمن أقام على الكفر، واستمر عليه، فيأتيه لا محالة، ستأتيه قدرته وعقوبته؛ لكفره واستهزائه بسيد البشر صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)
تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) يقول تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأنبياء:38]. أي: يقولون للنبي صلوات الله عليه ولأتباعه من المسلمين متحدين مكذبين معاندين، يقولون: إن كنت يا محمد رسولاً حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب من ربك، لم يطلبوا العفو، ولم يطلبوا اليقين، ولم يطلبوا أن يشرح الله نفوسهم وقلوبهم للتمييز بين الحق والباطل، ولكنهم عجلوا وبادروا في طلب العقوبة. {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأنبياء:38] أي: متى هذا الوعد بالهلاك؟! متى هذا الوعيد بما زعمت يا محمد؟ ويا أتباع محمد! ائتونا بهذا إن كنتم صادقين، إن كنتم مؤمنين حقاً بنبيكم وإلهكم فاطلبوه أن ينزل على الكفار -على هؤلاء المستعجلين- عذاباً ونقمة وعقوبة. وقد فعل الله ذلك بهم أما في الدنيا فعوقبوا يوم بدر عقوبة مدمرة مهلكة، قتل فيها زعماؤهم، وأسر فيها سادتهم وكبراؤهم، وشرد الجيش ودمر، وقطع شذر مذر بما كان سبب الفتح أخيراً، وخروجهم من مكة، أو خضوعهم للإسلام صاغرين، وهم من يسمون مطلقة الفتح، أي: الذين عندما جمعهم صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وقال لهم: (يا معشر قريش! ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم! وابن أخ كريم! قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء). وما أكرم العفو بعد المقدرة! وهكذا فعل صلى الله عليه وسلم، ومنهم من حسن إسلامه، ومنهم مع الأيام من صار عظيماً فاتحاً، بقي مدة حياته يستغفر الله على عناده السابق، ومنهم من فر وقتل أو مات على الكفر. أما هؤلاء المستهزئون أمثال أبي جهل وأبي لهب وأضرابهما، فقد قال الله لنبيه: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر:95]. وقال ابن تيمية: ما من أحد عرف بالاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم -سواء في حياته، أو بعد مماته، أو على مدى العصور- إلا وعوقب بسوء الخاتمة، وبالهوان والذل في الدنيا، والموت على الكفر، والذهاب إلى جهنم خالداً مخلداً، وهكذا فسر قوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر:95]. وحكى بذلك أمثالاً شاهدها، وأمثالاً رواها، وقصصاً عاشرها وعايشها. {وَيَقُولُونَ} [الأنبياء:38]: أي: يقول هؤلاء الكفار مستهزئون ومستعجلون: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأنبياء:38]. إن كنتم يا معاشر المسلمين، فيما تروون عن ربكم، وتروون عن نبيكم، وأن الله القادر على كل شيء، وأن النبي المحبوب لربه لينتقم له من أعدائه، فأين هذا الذي ذكرتم؟ استعجلوا العقوبة، ومع الأيام قد حلت، ودمرت وأهلكت.
تفسير قوله تعالى: (لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار)
تفسير قوله تعالى: (لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار) قال تعالى: {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ} [الأنبياء:39]. قوله: (لو يعلم الذين كفروا) الجواب محذوف للعلم به، أي: لآمنوا، لأسلموا، لتابوا، أي: لندموا على ما هم عليه من شرك، وبادروا إلى التوبة والتوحيد الإيمان. أي: لو يعلمون عندما يدخلون النار، ويعاقبون، وتلفحهم في وجوههم، وتتبعهم من ظهورهم، وسياط ملائكة النار خلفهم، لو يرون العذاب ذلك الحين وهم لا يستطيعون كفاً ولا دفعاً، (ولا ينصرون) فلا يجدون من ينصرهم من ربهم، فلا تنفعهم آلهتهم المزيفة الباطلة، إنه يوم لا يجدون إلا أنفسهم مع العقاب والعذاب الذي أوعدوا به. يقول تعالى: {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنبياء:39] أي: لو يعلمون هذه الحالة، وبؤسها وألمها، وإيجاعها، لو يعلمون حين لا يكفون عن وجوههم النار، لو يعلمون عندما تلفحهم النار وتحرقهم، ويعذبون فيها، وهم لا يستطيعون ردها ولا دفعها، ولا يستطيعون أن يوقفوا لظاها، ولا عذابها، ولا يوقفوا نارها عن وجوههم ولا عن ظهورهم، حينما تحيط بهم إحاطة السوار بالمعصم. {وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ} [الأنبياء:39] لا يجدون ناصراً، ولا معيناً ومؤازراً. وجواب قوله: (لو يعلمون) هو: لما ارتدوا ولما كفروا، ولما استعجلوا العذاب، وحذف للعلم به، كما يقول ابن مالك في ألفيته النحوية: وحذف ما يعلم جائز. أي: ما يعلم من مضمون الكلام، وهو من البلاغة، والقرآن مليء بذلك.
تفسير قوله تعالى: (بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها)
تفسير قوله تعالى: (بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها) قال تعالى إضراباً عن الكلام السابق: {بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ} [الأنبياء:40]. (بل) حرف إضراب عن الماضي، عن هؤلاء الذين استهزءوا، وعن هؤلاء الذين لم يفكروا ويغتنموا فرصة حياتهم فيتوبوا إلى الله، ويعودوا للإيمان والطاعة، دعك من كل ذلك، فلم ينفعهم، ولم ينتهزوا شبابهم قبل شيخوختهم، ولا حياتهم قبل مماتهم، وبقوا هكذا إلى أن أحاط بهم عذاب الله وعقوبته ونقمته. {بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ} [الأنبياء:40] تأتيهم العقوبة تأتيهم النار يأتيهم عذاب الله يأتيهم ما استعجلوا به من العذاب والنقمة بغتة وفجأة، قد يأتيهم وهم نائمون، وقد يأتيهم وهم ضاحكون، وقد يأتيهم على حالة لا يكادون يتصورون وجود ذلك فيها، فتبهتهم، فيصبحون حيارى تائهين زائغي العيون، ضائعي النفوس، وهكذا كمن أصيب بمس، فلم يعرف ما يقدم ولا ما يؤخر. قوله: {بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ} [الأنبياء:40] أي: تحيرهم، وتذهلهم. قوله: {فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا} [الأنبياء:40] أي: فلا يستطيعون رد العذاب والعقوبة، ورد النقمة ودفعها وكفها عنهم. قوله: {وَلا هُمْ يُنظَرُونَ} [الأنبياء:40] أي: لا يتربص بهم، ولا ينتظر بهم وقتاً آخر لعلهم يرجعون؛ لأنهم قد مضت المدة التي سمى الله مع نفسه، وأرجعه فيها، وأمهله فيها، فلم ينتفعوا بها، وحينما تأتيهم -ويصبحون في العذاب- لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً.
تفسير قوله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك)
تفسير قوله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك) ثم قال تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} [الأنبياء:41]. هذه تسلية وتعزية للنبي صلى الله عليه وسلم، وتشجيع له، وتقوية لنفسه من ربه ومرسله وخالقه جل جلاله. قوله: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} [الأنبياء:41] أي: رسل أرسلناهم قبلك، منذ أبينا آدم إلى إدريس إلى نوح إلى إبراهيم إلى جماعة أنبياء بني إسرائيل إلى النبي الذي سبقك ببضع قرون وهو عيسى عليه وعلى نبينا وعليهم جميعاً السلام، تلك عادة الكفار، وسنة المرسلين؛ ليكونوا قدوة للمؤمنين بعدهم؛ حتى إذا استهزئ بهم لا يكلون ولا يملون، ولا يتراجعون، بل يمضون قدماً إلى النجاح أو الموت، وهكذا كان صلى الله عليه وسلم، فعندما جاء كفار قومه إلى عمه أبي طالب، وعرضوا عليه الملك والتزويج بمن شاء من بنات قريش، وعرضوا عليه الغنى حتى يصبح أغناهم على الإطلاق، وإذا بـ أبي طالب كأنه ظن أن هذا إنصاف من قومه، فعرض ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجيب النبي صلى الله عليه وسلم عمه بكلمته الصارمة، وهو الأسوة والقدوة لكل داعية بعده، فيقول: (والله يا عم! لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي -ومن ملك الشمس والقمر ملك الدنيا بحذافيرها؛ لأن الكون لا يعيش بلا شمس، ولا يعيش بلا قمر- على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه). وهكذا كان عليه الصلاة والسلام على كثرة ما آذوه وشتموه، وعلى كثرة ما تآمروا عليه، وأدموا قدميه الشريفتين، وكسروا رباعيته، وهجروه السنين حتى كان يأكل ورق الشجر، وحتى كان يربط على بطنه الحجر من الجوع، وهو في كل ذلك صامد صمود الجبال، راسٍ رسو الجبال الشوامخ، لا تأخذه في الله لومة لائم، يدعو إلى ربه ليلاً ونهاراً، حضراً وسفراً إلى أن حج بهم حجة الوداع، قبل أن يموت عليه الصلاة والسلام بأشهر، وهو يشهد الله ويشهد خلقه، قائلاً: (اللهم هل بلغت؟) فيقول الحاضرون: نعم قد بلغت، فيقول: (اللهم فاشهد، اللهم فاشهد). فقد أشهد ربه على أنه قد بلغ رسالته، وعلى أن من بلغهم يشهدون بذلك ويعترفون به؛ ولذلك لقي الله راضياً مرضياً، مطمئن النفس على أنه قد قام بما أرسل به، وبلغ أحسن بلاغ إلى أن هيأ للرسالة من يحملها بعده من أمثال الرعيل الأول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وجاء الرعيل الثاني من التابعين فحملوا الرسالة، وهكذا كل جيل يحملها إلى الجيل الذي بعده حتى عصرنا، رغم كفر الكافرين، ويهودية اليهود، ونصرانية النصارى، وفي الحديث المتواتر: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، وهم على ذلك إلى يوم القيامة)، ولكن الله يبتلي بالشر والخير فتنة، فمن بلي في نفسه، أو في جسمه وهو يدعو إلى الله، فإن صبر فله الجنة، والفوز أخيراً، فالله ناصر رسله وعبادة المؤمنين، والعاقبة للمتقين. فمعنى الآية: ولقد استهزئ برسل من قبلك يا محمد، فاحمل وصفه، واتخذ من الأنبياء قبلك أسوة، فلست بدعاً من الرسل، فكما استهزئ بك استهزئ بهم، فصبروا وتحملوا، وعاشوا على ذلك إلى لقاء الله، وقبل الموت كان الظفر والنصر لهم، سحق الله أعداءهم، وجعلهم خاضعين عند قدميه، وقد ذلوا، وشردوا وقتلوا، وأسروا وهدى الله من كتب له الهداية، وعلم في قلبه الخير، قال تعالى: {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا} [الأنفال:70]. قوله: {فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} [الأنبياء:41]. أي: فأحاط بالذين سخروا من هؤلاء الكفار عقوبة أخرى أشد من عقوبة الكافرين عموماً، فالكافر عن جهل ينتظر به لعل الله أن يهديه، والكافر المستهزئ العنيد لا يكتب الله له إلا سوء الخاتمة؛ نتيجة عناده وحرصه على الكفر واستهزائه بعباد الله المكرمين وبرسله صلوات الله عليهم أجمعين، فحاق العذاب بهؤلاء المستهزئين من بيننا، وحاقت بهم النقمة، وماتوا على سوء الخاتمة، وضلوا في الدنيا، وعوقبوا يوم القيامة بالسعير خالدين مخلدين أبداً: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء:56].
الأنبياء [42 - 48]
تفسير سورة الأنبياء [42 - 48] يمتن الله على عباده بأنه الذي يحفظهم بالليل والنهار، ويذكر الكفار بأن آلهتهم لا تستطيع ذلك، ثم يذكر تعالى أنه سينقص أرض الكفر من أطرافها بدخول الإسلام فيها، ويوم القيامة توضع الموازين فتوزن أعمال العباد.
تفسير قوله تعالى: (قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن)
تفسير قوله تعالى: (قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن) قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:42]. أي: قل يا محمد لهؤلاء الكفرة الجاحدين المستهزئين: من يكلؤكم بالليل من القوارع ومن الصواعق، ومن العذاب وأنتم نائمون؟ ومن يكلؤكم بالنهار ويحفظكم من العذاب والنقمة؟ وهأنتم تأكلون وتشربون وتتمتعون وتمرحون فمن غير الله يطعمكم ذلك؟ فقل لهؤلاء أن يراجعوا أنفسهم وعقولهم ويؤمنوا بربهم، ويقبلوا من نبيهم، فإن لم يفعلوا فالعذاب أقرب لأحدهم من شراك نعله. قوله: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ} [الأنبياء:42] أي: من الذي يحفظكم؟ وفسر أيضاً: من الذي يحفظكم ويكلؤكم بالليل والنهار دون الرحمن؟ أآلهتكم تستطيع ذلك وهي أعجز من أن تضر نفسها أو تنفعها فضلاً على أن تضر غيرها، وتنفعها؟! قوله: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ} [الأنبياء:42] أي: أضرب عن قوم سابق، ومفاوضة هؤلاء ومحاورتهم ومجادلتهم دع عنك هذا فهم لم يؤمنوا، ولعل المستهزئين منهم أن يؤمنوا ويقدر الله عليهم خيراً. قوله: {بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:42] أي: عن توحيده وعبادته وعن كتابه المنزل ونبيه المرسل، فهؤلاء قد أصروا على الكفران والجحود، فدعهم وما اختاروا أنفسهم له، وليتربصوا، فسينظرون من هو على الحق، ومن هو على الباطل، ومن المتقي الفاجر، ومن الذي ستناله رحمة ربه ومن سيناله عذاب ربه.
تفسير قوله تعالى: (أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا)
تفسير قوله تعالى: (أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا) قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا} [الأنبياء:43] أي: هؤلاء الذين ظلموا وتجبروا وعتوا، وظنوا أن عندهم من ينصرهم دون الله. {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا} [الأنبياء:43] أهذه الأصنام التي ألهوها منعتهم من دوننا، ومن عقوبتنا، ومن عذابنا وانتقامنا؟ أهذه آلهة حق يا أيها العقلاء؟ فنبينا عليه الصلاة والسلام بما أرسل به من كتاب مبين يدعو إلى الحق، ويعظ هؤلاء بأمر الله ويبشرهم وينذرهم، ويخاطبهم بلغة العقول لعلهم يعقلون أو يفهمون. قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء:43]. فهذه الآلهة التي اتخذتموها من دون الله ظناً على أن تنتظروا منها نفعاً أو ضراً، أو حماية أو دفعاً، هي تعجز عن نفسها فضلاً عن غيرها. قوله: {وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء:43] أي: لا يصحبون منا بخير، ولا يصحبون منا بما يدفع عنهم ضرهم على كفرهم وشركهم، فهم في العذاب خالدون -جزاءً وفاقاً- لشركهم بالله، وتكذيبهم لرسل الله صلوات الله وسلامه عليهم.
تفسير قوله تعالى: (بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر)
تفسير قوله تعالى: (بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر)
معنى قوله تعالى: (بل متعنا هؤلاء وآباءهم)
معنى قوله تعالى: (بل متعنا هؤلاء وآباءهم) قال تعالى: {بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ} [الأنبياء:44]. أي: متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر فاغتروا بفضل الله، وبما أكرمهم الله به من تمتع بالشباب والصحة، وبالمال والجاه والسلطان، مع طول الأعمار التي عمروها، فظنوا بذلك أنهم قد نالوا حقاً يجب لهم بما صنعوه وعملوه، وهكذا كل إنسان كافر يضحك على نفسه ويغتر بما صدر عنه، إن صنع حديدة وطار بها، أو حديدة وطرق بها، أو شيئاً انتقاه أو كلام لفقه يعد بذلك أن له الحق على الناس، وأنه أصبح متحضراً وكبيراً، وأنه أصبح يجب أن يتبع وهو على كفره وشركه، يريد أن يقود الناس على ذلك، وأن يخضعهم لذلك، وهكذا نتيجة ما متع به من مال وجاه وحطام، ومن عتاد وقوة، وصحة ومال. يقول تعالى: هؤلاء الذين زادوا كفراً وعناداً، لم يصنعوا ذلك لأنفسهم نتيجة ما أدركوه، ولكننا نحن الذين أمهلناهم وأنظرناهم، وبعثنا لهم رسلاً فأطلنا لهم الأعمار، فما اتخذوا ذلك إلا غروراً، وما اتخذوا ذلك إلا زيادة في الجحود والكفران، ومتعوا حتى نسوا الله فنسيهم، ومتعوا بكل الأعمال حتى نسوا الآخرة. {بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ} [الأنبياء:44] أي: هؤلاء الذين يحتجون بآبائهم وقد كانوا كفاراً مثلهم، هؤلاء متعناهم بالقوة وطول الأعمار، ومتعناهم بما يعيش به الصحيح القوي الغني، فهم بذلك زادوا اغتراراً وباطلاً وكفراناً، فقال تعالى: {حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} [الأنبياء:44]. متعوا إلى أن طال بهم العمر أزماناً، وكانوا يعيشون مئات السنين. وإلى الآن الخطاب للكافرين السابقين، وهو خطاب لكل مؤمن وكافر، المؤمن بشر بالجنة والنعيم، والكافر أنذر بعذاب الله والجحيم، فمن طال عمره وصح جسمه وكثر ماله، ومكنه الله في الأرض فما زاده ذلك إلا غروراً وطغياناً، لو فكر قليلاً لعلم أنه لم يشتر الحياة، فالحياة لا تباع، ومن مات لو صرف عليه كل ما على الأرض ليعود للحياة فإنه لا يعطي الحياة إلا واهبها، ولا يزيلها إلا واهبها، فالأعمار يمنحها الله، فإذا أخذها فلا يستطيع أحد في الكون أن يعود بها.
معنى قوله تعالى: (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها)
معنى قوله تعالى: (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) قال تعالى: {أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الأنبياء:44]. فسرت هذه الجملة بتفاسير أصحها ما تدل عليه الفقرة الخاتمة من الآية: أنه نقص الله أطراف أرض الكفر من الكفر، والآية نزلت والدنيا كلها كافرة، والإسلام لا يزال مضطهداً في مكة، والعالم كله كافر إلا من آمن مع رسول الله عليه الصلاة والسلام ممن لا يتجاوزون عدد الأصابع، وهكذا أثر هذا الكفر في الأرض كلها. وقد استمر وطال ما نقص الله أطراف الأرض عندما أكرم نبيه وأتباعه، بأن خرجوا من الجزيرة العربية وقد هداهم الله على أيديهم، فخرجوا دعاة إلى الله، وهداة للناس، وخرجوا فاتحين العالم، وبعد أن ذهب رسول الله صلوات الله عليه إلى الرفيق الأعلى ببضع سنوات في أيام عمر الفاروق رضوان الله عليه، خرج الإسلام وانتشر، وأنقص الله أرض الكفار فضمها إلى المسلمين، فنقص من أرض الكفر الشام، وضمها إلى أرض المسلمين، وانتقصت أرض العراق ومصر، والمغرب، وانتقصت أرض فارس، وهكذا تقلص العالم الكافر، وتقلصت أراضي الكفار بما زاد الله ذلك للعالم الإسلامي. {أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا} [الأنبياء:44] فأخذ من أطرافها يوم الفتح، يوم الدعوة والهداية مما قام به الأصحاب مبتدئاً بذلك، والذي ابتدأ ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك عندما ذهب بجيوشه في أيام حارة قائظة يقاتل الروم إلى حدود الشام، ولكنهم لم يحضروا، فأسروا من أسروا، وغنموا ما غنموا. ثم جاء أبو بكر بعد أن رتق الفتق، وحارب المرتدين، وقاتل مانعي الزكاة، وجند الجنود، وجيش الجيوش، وذهب بها إلى أرض الروم، أرض الشام إذ ذاك، ولكن أبا بكر اختاره الله إليه وجيوشه على أبواب دمشق من أرض الشام، فجاء بعد ذلك الفاروق رضوان الله عليه فذهب بجيوشه يزحف بها فاتحاً، ومظفراً ومنصوراً إلى أن انتقص الله من أرض الكفر ما بشر الله به في هذه الآية الكريمة، وأصبحت الشام من ذلك اليوم أرض إسلام كالعراق، ومصر وأرض فارس والمغرب. انتشر الإسلام حتى وصل إلى الصين شرقاً، وإلى قرب عاصمة فرنسا باريس بمائة كيلو متر غرباً، وأصبحت أسبانيا والبرتغال وأجزاء كبيرة من أرض فرنسا أرضاً إسلامية سميت الأندلس وعاشت ثمانمائة عام مسلمة عربية لا تعرف إلا الإسلام وإمامة محمد صلوات الله وسلامه عليه، وما غدت الأمور تتراجع إلا عندما أخذ الناس في الردة والعصيان، فعوقبوا بدمار ملكهم، وسلب دولتهم، ومع ذلك لا تزال أرض الإسلام ممتدة شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً بما تعد ملياراً من الخلق، حتى مع هذا العصر العصيب عصر الظلمات يأبى الله إلا أن ينصر دينه. {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33]. {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح:28]. ولذلك لا نزال ننتظر وعد الله، ونصر الله بانتشار الإسلام في القارات الخمس، ذاك وعد الله الحق، الذي نطق به كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. قال تعالى: {أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الأنبياء:44] وذكر الغلبة هي خاتم الآية دليل على أن هذا هو المعنى. {أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الأنبياء:44] استفهام إنكاري تقريري توبيخي للكافرين، أي: ليسوا الغالبين، بل هم المغلوبون المقهورون، وهم الأذلاء والعبيد، وقد فعل جل جلاله، فنصر عبده، وأنجز وعده، وهزم الأحزاب وحده، ولا نزال ننتظر نصراً ووعداً للمسلمين في هذا العصر كما أكرم المسلمون في العصور الماضية.
تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنذركم بالوحي)
تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنذركم بالوحي) قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ} [الأنبياء:45]. قل يا محمد لهؤلاء: إنما أنذركم بالوحي وأتهددكم وأتوعدكم وأخيفكم. وهو لا يفعل ذلك من قبل نفسه، ولكن بالوحي من الله، وبرسالة الله، وبأمر الله في كتابه، أي فقد أوحى إلي وأمرني أن أبلغكم وأدعوكم بالوحي وأنذركم به، فإن خالفتموني فقد خالفتم ربكم، وإن عصيتموني فقد عصيتم ربكم، والله جل جلاله لا يهمل، ولكن يمهل، وإذا أخذ الظالم لا يفلته جل جلاله. قل يا محمد: {إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} [الأنبياء:45] لا أنذركم إلا بما يوحى إلي من كتاب متلو مقروء، أو المعاني التي ينطق بها وهي السنة المطهرة. وقد قال الله عن نبيه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3 - 4] أي: لا ينطق نبينا بما ينطق به من سنته، من فعل أو قول، أو إقرار إلا بوحي الرب بياناً وتفسيراً للكتاب الكريم بالوحي العظيم. قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ} [الأنبياء:45]. يصف الله هؤلاء الكفار بأنهم صم، وهو جمع أصم، فلهم آذان لا يسمعون بها، أي: مع وجودها، وهم يسمعون الصوت والقول، ولكنهم لا يفقهون، قلوبهم عليها الران، وأسماعهم لا تسمع الخير، ولا تعيه، ولا تتفهمه، وهم بذلك كمن أعطي سمعاً وفقد نتيجته، وفقد عمله، فهو أصم. {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ} [الأنبياء:45] يا محمد! عندما تدعو العباد إلى ربك فإن الصم لا يسمعون دعاءك، فعندما تناديهم وتقول: يا أيها الناس! تكون آذانهم صماً {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [البقرة:171]. آذانهم لا تسمع، وعيونهم لا تبصر، وقلوبهم لا تفقه، فهم كالأنعام بل هم أضل. {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ} [الأنبياء:45] أي: إذا ما أنذرتهم ودعوتهم لله، وناديتهم لعبادة الله وتوحيده، وأنذرتهم جهنم والخلود فيها، واللعنة الدائمة السرمدية، فهم في هذه الحالة يصمون آذانهم عن السماع والوحي والفهم، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام مكلف بالبلاغ فيبقى يبلغ إلى لقاء ربه: {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [يونس:108]. هؤلاء مع وعيد الله لهم، ونذارة محمد صلى الله عليه وسلم لهم لو مستهم (نفحة) أي: قدر قريب لا يكاد يذكر (من عذاب الله) كما لو أصيبوا بمرض، أو طاعون، أو حمى، فضلاً عن عذاب الله، وليس ذلك إلا نفحة من نفحات العذاب لا تكاد تذكر ولا ينتبه لها؛ لو مسهم ذلك لرأيتهم يجأرون ويصيحون، وينادون: يا ويلهم! وتجدهم معترفين عندما يصيبهم قدر من العذاب: {لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء:46] ولوجدتهم يصيحون ويجأرون، ويرفعون أصواتهم معترفين بأنهم ظالمون مشركون، ينادون بالويل والثبور، والويل: نهر في جهنم من قيح أهل النار ودمائهم، فهم ينادون ويلهم ونارهم، وينادون سعيرهم، كلمة يلهمونها وتكون جزاءً وفاقاً لأعمالهم: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء:46].
تفسير قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة)
تفسير قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء:47]. يخبر تعالى عن هؤلاء أنهم مهما عاشوا فسيموتون، ومهما طال موتهم فسيحيون، وسيأتوننا للعرض على الله للحساب والعقاب. قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47] يعطينا صورة مشخصة كأننا ننظر إليها، أي: عاش الناس، ثم ماتوا وبعثوا، ووضعت الموازين لوزن أعمال العباد من خير أو شر، هذه الموازين التي تتصف بالعدل المطلق، لا تزاد فيها سيئة في ذنوب مسيء، ولا ينقص من حسنته شيء، بل قد تزيد الحسنات وتنقص السيئات. المعروف أن الميزان هو ميزان واحد، ولكن الله قال: (موازين)، فقد يكون المعنى: أن عند كل أمة ميزان، وقد يكون أطلق (موازين) باعتبار زنة أعمال الخلق كلهم، على أن الله قال هنا: الموازين، وإذا ذكر في السنة الميزان، فهو الميزان الأجمع الأكبر الأشمل. قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ} [الأنبياء:47] حاول بعض المفسرين أن يقول: الموازين إنما هي مثل في العدل، وعدم النقص، بل الزيادة في الخير، فلا موازين هناك، وروي هذا عن الضحاك وعن جماعة من كبار المفسرين، ولكن هذه زلة من هؤلاء؛ لأن الميزان ثابت بالنص في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، تفسيراً لما ورد من ذلك في كتاب الله، وإلغاء ذلك وجعله مثلاً لا يعني إلا النفي لما قد ثبت، وقد يأتي ضال آخر إلى الأشياء التي ذكرت ويقول: كلها أمثال، وقد حدث ذلك من كثير من المبتدعين. فالميزان ميزان، يسع السموات والأرض، له لسان، وله كفتان ترجح إحداهما بالخير أو بالشر. {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} [الأنبياء:47] أي: موازين العدل والحق والإنصاف ليوم القيامة، يوضع ذلك يوم العرض على الله، وجاء في الموازين حديث في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: (كلمتان ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم). وقد ورد في الصحاح عن جماعة من الصحابة أن مسلماً تعرض أعماله على الميزان في آخر الناس، وإذا بسيئاته تكتب في تسعة وتسعين سجلاً، وتوضع في الميزان، فتطيش كفة الحسنات، وتثقل كفة السيئات، فيؤخذ به إلى جهنم، فينادي مناد من الملائكة بأمر الرب جل جلاله: أرجعوه! أرجعوه! فيرجع، فيقول الله له: لا ظلم اليوم! إن لك حسنة لم تؤزن بعد، فيؤتى بالبطاقة فيراها هذا المحاسب، فيقول: يا رب! ماذا عسى أن تكون هذه البطاقة أمام هذه التسعة والتسعين من سجلات السوء؟ فتوضع البطاقة في كفه الحسنات وإذا بها تسقط كفة السيئات، وإذا به يقال: خذوه إلى الجنة، وفي البطاقة مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله. والحديث مشهور بحديث البطاقة، وهذه الكلمة: أشهد أن لا إله إلا الله التي قال عنها النبي عليه الصلاة والسلام: (أفضل ما قلته أنا والنبيون قبلي لا إله إلا الله) لا توضع في كفة ولا ميزان إلا ويثقل بها الميزان، وتخف السيئات، حتى ولو كانت تسعة وتسعين سجلاً. يقول تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} [الأنبياء:47] (شيئاً) يطلق على أقل شيء حتى الذرة. ثم قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} [الأنبياء:47]. وإن كان هذا الشيء يزن حبة الخردل، وحبة الخردل المعروفة لا تكاد ترى، فلو سقطت من يدك إلى الأرض فإنها تضيع ولا تراها، فلو كانت الحسنة بمقدار هذه الحبة من الخردل يقول الله: (أتينا بها)، أي: حسبناها ووضعناها في ميزان من يحاسب، ولهذا جاء في حديث البطاقة: (ثم تلا قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} [الأنبياء:47]) أي: عددناها، وحسبناها، فوضعناها في ميزان حسناتك. قوله: {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47] أي: يكفي بما يقوله جل جلاله، لا يحتاج إلى من يحسب ولا من يعد، و (حاسبين) أي: عادين وحاصرين، ويكفي الله محاسباً ولو كانت كلمة قالها اللسان، ولم تعمل بها الأركان، ولكنه مات على يقين وهو يعتقد بقلبه أن الله واحد لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، ومات على هذا يقيناً، ونطق به اللسان سواء عند الموت أو قبل الموت، ففي الأحاديث النبوية: (من مات وهو يقول: لا إله إلا الله، دخل الجنة)، (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة). ولكن هل سيدخل الجنة بمجرد قوله ذلك دون أن يحاسب على ما بدر منه؟ كل ذلك محتمل، ولا نبت بشيء بخصوصه، فهو لابد أن يدخل الجنة، ولكن قد يدخلها بعد أن يغفر الله له ذنوبه بلا حساب ولا عقاب، وخاصة من مات شهيداً، ومن مات ودفن في البقيع، وخاصة من عده الله تعالى من السبعين ألفاً الناجين من عذاب الله، وفضل الله كبير، وقد يدخل النار مدة الله أعلم بها، فيعذب على ما صدر منه، ثم يدخل الجنة، وهؤلاء يسمون في الجنة بالجهنميين زمناً، ثم يرفع الله عنهم تلك الصفة، وذلك بأن يستبقي أثر الحريق في جباههم، وفي بعض جلودهم، فينعتون من أهل الجنة القدامى بقول: هذا جهنمي، وهؤلاء جهنميون، فيتألمون بذلك، فيدعون الله تعالى أن يرفع عنهم ذلك لكي لا يعرفوا؛ فيزيل ذلك عنهم ويختلطوا بغيرهم من المؤمنين الساكنين في الجنة. ومن المعلوم بالضرورة: أن النار سيدخلها الكافرون خالدين مخلدين فيها أبداً، وسيدخلها بعض عصاة المسلمين والله أعلم بهم، ولكنهم لا يخلدون، فسيدخلون النار زمناً حسب الذنوب، ثم يخرجون بعد ذلك، وآخر من يدخل الجنة من أهل النار من الموحدين رجل يكثر الدعاء والتضرع على ربه، ويعيش في ذلك زمناً طويلاً وجسمه قد احترق، فيقول: يا رب! جعلتني مع هؤلاء المشركين بك، والله ما أشركت بك يوماً، فائذن لي أن أخرج من النار، ولا أطلب منك شيئاً بعد ذلك، فيقال له: أتعطي العهود والمواثيق على أن تكتفي بذلك؟! فيعطي المواثيق والعهود، فيخرج من النار، فيسمع نعيم الجنة من بعيد، فيتضرع إلى الله، ويأخذ في الدعاء أن يذهب به إلى باب الجنة ليتمتع بنعيمها على بعد، فيقول له الرب: ألست قد عاهدت وأقسمت ألا تطلب غير ما أخذت من خروجك من النار؟ يقول: يا رب، فيستجيب له، ويأخذه إلى باب الجنة، فيزداد طمعه، وهكذا يدعو ويبكي ويتذلل، فيقول: يا رب! أدخلني جنتك، لا تجعلني أذل القوم وأبعدهم، وأنا الذي لم أكفر بك يوماً، وإذا بالله الكريم يقول له: تمنّ تعط، فيقول: أريد قصراً، أريد حورية أريد أريد ويوسع الخيال في إرادته، فيقول الله له: لك ما طلبت وعشرة أمثاله، فإذا به يقول: أتسخر مني وأنت رب العالمين؟! فيضحك الله ويستجيب له، ويدخله الجنة، ويعطيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وقد روى هذا الحديث سيد التابعين الحسن البصري فقال: يا رب! اجعلني أنا هو، وكل رجائي أن تدخلني الجنة، وهكذا هؤلاء الكرام من السلف الصالح، ينتقصون أنفسهم، ويزداد خوفهم من ربهم، ويطلبون أقل شيء، ولكن الله الكريم عنده ما هو أكثر وأعظم، فالطمع قبيح من الإنسان، ولكن في الله ومن الله مطلوب أن نطمع في رحمته، ونرجوه ونضرع إليه، فذلك مقبول، والإلحاح غير مقبول من الإنسان إلى الإنسان، ولكن الله جل جلاله يحب من يلح عليه بالسؤال، ويكثر من الدعاء، بل قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (إن الله ليحب من عبده أن يطلب منه حتى ملح طعامه، وحتى شسع نعله) انقطع شسع النعل فأصبح يمشي حافياً يقول: يا رب! سشع النعل انقطع، لا أستطيع أن أمشي على نعل واحدة، إذا أراد الطعام وهو بلا ملح يقول: يا رب! ليس عندي ملح، ولم أجد ملحاً. أعطني ملحاً، وهكذا الله جل جلاله، هو خالقنا ورازقنا وربنا، مهما طلبنا منه هذه الأشياء قلت أو صغرت أو كثرت، إلا والله يريد ذلك، ويحضنا عليه نبيه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه دعاء، والدعاء مخ العبادة؛ لأن في معنى الدعاء أنه يقول: يا رب! أنا عاجز، والبشر عاجزون عن أن يعطوا، وهم يطلبون العطاء، ولكنك صاحب العطية، والمكرم، ولكنك الرازق والمعطي، فأنا أطلب منك، ولا أطلب من غيرك. فمن هنا يقول في الحديث القدسي: (فإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله). والله إذا أراد أن يحرك قلوب عباده، يكون لهم بما لا يخطر لهم على بال، وهكذا التقوى تأتي بالرزق والعلم، والتقوى فيها كل الخيرات والفضائل، أكرمنا الله بها، وأدامنا عليها إلى لقائه. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء:48]. كثيراً ما يقرن الله في كتابه بين ذكر نبينا وموسى عليهما السلام؛ لأن موسى كان من أنبياء الله ورسله، ومن أولي العزم، وقد لقي من قومه من العنت والجحود في مصر مع اضطهاد وقهر فرعون وملئه إلى أن أنقذهم موسى وهارون من فرعون، وخرج بهم عن مملكته، ثم لقي منهم بعد ذلك جحوداً وكفراناً، ونبينا عليه الصلاة والسلام لقي من قومه العنت والجحود، وكانت مقارنتهما تعطي نبينا السلوى.
الأنبياء [48 - 56]
تفسير سورة الأنبياء [48 - 56] يبدأ الله بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام، فذكر موسى وهارون وذكر أنه آتاهما الفرقان، وأرسلهما هداة لبني إسرائيل، ثم ذكر سيدنا إبراهيم ودعوته لقومه إلى ترك عبادة التماثيل، والانضمام إلى عبادة الله وحده.
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان)
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان) قال الله جلت قدرته: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:48 - 49]. هذه سورة الأنبياء، وقد ذكر فيها ما يتعلق بنبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، وسيذكر الآن ما يتعلق بموسى وهارون وهما من أنبياء بني إسرائيل المبجلين المعظمين، وسيذكر بعد ذلك إبراهيم أبا الأنبياء، وإسحاق ويعقوب وهكذا بالتوالي، فيذكر في هذه السورة أئمة الخير والهدى والصلاح. وكثيراً ما يقرن الله جل جلاله ذكر موسى بذكر نبينا عليه الصلاة والسلام؛ لأن قوم موسى قد كانوا أيام أنبيائهم خير العالمين، ولكنهم كفروا بعد ذلك فبدلوا وغيروا، وأفسدوا وقتلوا الأنبياء، وسفكوا الدم الحرام، وأشاعوا الفاحشة، وإذا بهم يسلبون كل ذلك، وتسجل عليهم اللعنة والغضب إلى يوم القيامة، والله يذكر ذلك لنا ولنبينا ليعظنا ويعلمنا وينذرنا من ذلك، وأن الأمة المحمدية -ولو كانت خير للناس- إذا بدلت وغيرت، وصنعت صنع بني إسرائيل، ستكون عاقبتها عاقبة بني إسرائيل في اللعن والطرد من رحمة الله، وهذا من أسرار المقارنة في ذكر القولين والدينين، والنبيين عليهما الصلاة والسلام. فقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ} [الأنبياء:48] أي: أنزل الله تعالى على نبيه موسى وأخيه هارون الفرقان، والفرقان هو: التوراة، عندما كانت كما أنزلها الله تدعو إلى الحق، وتفرق بين الحق والباطل، وتشيع النور بين الناس هدىً وصلاحاً. قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا} [الأنبياء:48] أي: أنزلنا وأوحينا على موسى وهارون التوراة، أنزلها مفرقة بين الحق والباطل، وكل كتب السماء هي كذلك يؤتيها الله للأنبياء ليفرقوا بها بين الحق والباطل، وبين الظلمة والنور، وبين الهداية والضلال. قوله: {وَضِيَاءً} [الأنبياء:48] كما هي التوراة، وكتب الله السماوية كلها أنزلت للتفريق بين الحق والباطل، فهي كذلك ضياء ونور تبدد ظلمات الشرك والفساد؛ ليعيش الناس في نور، وليعبدوا الله على نور، ولكي لا يعيشوا في ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج الرجل يده لم يكد يراها. قوله: {وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء:48] كما أن التوراة عندما أنزلت فأوتيها الأخوان الكريمان موسى وهارون كانت تفرق بين الحق والباطل، وكانت ضياءً ونوراً تبدد ظلمات الشرك، كذلك كانت ذكراً للمتقين وعظة، وعبرة، ودعوة إلى الله، دعوة من الله للمتقين الذين يصفهم الله بأنهم الذين يخشون ربهم بالغيب، هؤلاء هم المتقون الموحدون العابدون الذين جعلوا بينهم وبين الفواحش والسوء وقاية وحاجزاً من الطاعة والعبودية وامتثال أوامر الله وأوامر رسوله، هؤلاء المتقون من صفتهم أنهم يخافون عذابه ونقمته، ويخافون أن يطردهم من الجنة ومن الرحمة، ويخشونه بالغيب ولم يروه، ولكن أنبياءهم عرفوهم به جل جلاله، والعقل يدل عليه. وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فأنا الإنسان كأمثالي، من خلقني ورزقني الروح والحياة، من خلق الشفتين؟ من خلق السمعين؟ من خلق اليدين والرجلين؟ من خلقني وأعطاني العافية وأغناني عن الناس، وعلمني من علمه، وهداني لدين نبيه؟ من الذي خلق السموات العلى والأرضين السفلى، وهذا النظام الدقيق في الأرض من صيف وشتاء، وخريف وربيع، وليل ونهار، وجبال ووهاد، وأنهار وبحار؟! العقل هو الدليل عندما يفكر ويعي، ويقطع بأن هذا لم يكن بلا خالق، لم يكن بلا مدبر، لم يكن بلا موجد، وهكذا النفوس السليمة، والعقول المدركة تعبر عن الله بوعيها أنه الله الخالق الرازق، المحيي المميت، وجاء الأنبياء رسلاً من الله ليبشروا المؤمن المتقي بالرضا والجنة، ولينذروا الكافر العاصي بالنار واللعنة والغضب؛ لعل القوم يعون، لعل الناس يهتدون، وهكذا كانت التوراة وهي التي أنزلت على موسى وهارون، وكانت فرقاناً بين الحق والباطل، وكانت الضياء من الظلمات وكانت ذكراً وتذكيراً للمؤمنين المتقين، المطيعين الموحدين الذين يخافون ربهم بالغيب ويخشون عذابه إن هم عصوه، وخرجوا عن طاعته، وهم من الساعة مشفقون يؤمنون بيوم القيامة، وبالبعث والنشور، وبالحياة بعد الموت، وبالعرض على الله؛ ليجازى كل على عمله، المحسن بالجنة، والمسيء بالنار، هذا اليوم العظيم ينكره الكافرون والمتقون يؤمنون به، ويخشونه، يخشون ألا يرضى الله عنهم، يخشون أن يحاسبهم حساباً عسيراً، ويخافون ألا يدخلوا الجنة، فهم مشفقون وجلون خائفون من عذاب الله، وعدم رحمته. وهكذا يذكر الله تعالى موسى وهارون في كثير من السور والآيات؛ ليكونا القدوة والأسوة للمؤمنين بهم في عصرهم، وللمؤمنين بعدهم إلى الأمة المحمدية وإلى يوم البعث والنشور، أن نؤمن بأنهم أنبياء ورسل. أما الشريعة والديانة: فقد نسخت شريعتهما، ونسخ دينهما، وكانا نبيين لبني إسرائيل فقط، وأما الدين الذي ندين الله به، ونلتزم شرعته، ونتبعه فهو خاتم الأديان، وهو شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، وهو الإسلام الذي رضيه الله للناس بعد البعثة المحمدية قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:85]، وقال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران:19].
تفسير قوله تعالى: (وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون)
تفسير قوله تعالى: (وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون) ثم ذكر الله خاتم الكتب الذي أرسل به خاتم الأنبياء والرسل، فقال تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [الأنبياء:50]. تلك التوراة قد كانت، ثم بادت، وغيرت وبدلت، وحرفها بنو إسرائيل، وحولوها إلى كتب شرك ووثنية، فذكروا فيها أن عزيراً ابن الله، وعبدوا العجل وقذفوا الأنبياء المقدسين، وتهجموا على الله جل جلاله، وعلا مقامه، ولم نؤمن إلا أنه كان هناك كتاب هو التوراة أنزل على موسى. {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ} [الأنبياء:50] أي: القرآن الكريم الذي يقال له الذكر، ويقال له: الفرقان، هذا الكتاب الذي أرسله الله ذكراً للعالمين منذ البعثة المحمدية إلى الأبيض والأسود والأحمر إلى العربي والعجمي إلى المشارق والمغارب إلى يوم البعث والنشور، فلا نبي بعد محمد، ولا كتاب بعد القرآن، فصلوات الله على نبينا عليه الصلاة والسلام. (وهذا) الإشارة للكتاب الذي أنزل، والكتاب الذي ينذر به النبي صلى الله عليه وسلم الناس، والكتاب الذي نتشرف بأن نتدارسه تجاه الكعبة المشرفة، وفي بيت الله الحرام. قوله: (وهذا ذكر مبارك أنزلناه) أي: ومبارك القصص والعقائد، ومبارك الشفاء، فيه شفاء، ولمتبعه الرحمة والرضا من الله، ومبارك للناس ينشر الهدى والعدل بينهم، ويبدد الظلمات، ويزيل الضلال، ويهدي إلى الحق والنور، ويزيل الشرك، ويمحق الأصنام، ويعرف الناس بالحق، ويبعدهم عن الباطل، تلك بركات القرآن، وبركات الذكر الحكيم، يذكر الله تعالى ذلك ويؤكده، ويدلنا عليه، ويرشدنا إليه. قوله: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} [الأنبياء:50] أي: أنزله وحياً على نبينا، وأنزله كتاباً على خاتم الأنبياء، قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} [الشعراء:193] أي: جبريل، على قلب نبينا صلى الله عليه وسلم من الله جل جلاله: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:42]. هذا الكتاب الذي جاء ناسخاً للكتب قبله، وجاء تطبيقاً للحق الذي فيها إن وجد، ومهيمناً عليها ومبدداً ما فيها من تحريف وتبديل. قوله: {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [الأنبياء:50] يا هؤلاء المنصتون من البشر قبل وبعد وإلى يوم القيامة منذ العرب عندما قام بينهم نبي الله صلوات الله عليه، وهو يقول: إني بشير ونذير إني رسول إلى الناس كافة، منذ ذلك وإلى الآن، وإلى ما بعد الآن، يقول الله لنا وقد وصف القرآن بخير الصفات من الدعوة إلى الله، والقبول من الأنبياء، والبعد عن الظلمات، والاهتداء بالطريق المستقيم: {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [الأنبياء:50] استفهام تقريري بالنسبة لمن يؤمن، فهو قرار من الله لأن نؤمن به ونلتزم، ففيه صلاحنا في الدنيا والآخرة، وهو استفهام إنكاري توبيخي لمن جحده ولم يؤمن به. {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [الأنبياء:50] أي: أتنكرون أنه وحي؟ أتنكرون أنه ذكر حكيم؟ أتنكرون أنه مبارك؟ أتنكرون أنه الكتاب الذي لا كتاب بعده من السماء، وهو خيرها وأجلها وأعظمها؟
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل)
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل) وسيذكر لنا الله في هذه السورة إبراهيم وقصته مع قومه ومع النمرود، وشجاعته في الدعوة إلى ربه، ومع تآمرهم على تحريقه، ومع نصر الله أولاً وأخيراً؛ ليكون المثل المضروب لكل مؤمن داعية إلى الله مهما لقي في سبيل الله، فالعاقبة للمتقين. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء:51]. الله جل جلاله كما أرسل موسى وهارون، أرسل قبلهما إبراهيم أبا الأنبياء، والد النبيين الكريمين المعظمين المبجلين إسماعيل الأب الأعلى لنبينا عليه الصلاة والسلام وأبي العرب، وإسحاق أبي أنبياء بني إسرائيل وهو الولد الثاني لإبراهيم، فقد أكرمه الله بابنين، وأكرمه بالنبوة والحكم والكتاب، وجعل في ذريته النبوة ونزول الكتب كالتوراة والإنجيل والقرآن، وجعل الحكم في ذريته. ونبينا عليه الصلاة والسلام على أنه النبي الرسول الخاتم كان الحاكم، وكان القائم بدولة الإسلام، والمؤسس والمنظم لها، وكان يقود الجيوش، ويوظف الأعوان، ويقضي في الخصومات، وكان يرسل قواداً للفتح ولهدايتهم، وهكذا قامت دولة الإسلام، وجاء من حكم بعده كـ أبي بكر وعمر فمن بعدهما من الخلفاء الراشدين وغير الراشدين فسموا الخلفاء، أي: خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكمه، وفي تطبيق الشريعة والقيام عليها بالسيف والقلم، ولم يكتف بالقلم ولا بالعلم، ولم يكتف بالبيان، وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن كما قال الخليفتان الراشدان: عمر وعثمان رضي الله عنهما. {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ} [الأنبياء:51] فسروا (قبل) أي: قبل البلوغ وتحمل الرسالة، وكما قال الله عن يحيى عليه السلام: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم:12] ففسروا هنا {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ} [الأنبياء:51] أي: من قبل الوحي والرسالة، ومن قبل الصحف المرسلة المنزل بها على الناس. قوله: {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء:51] أي: عالمين أنه أهل للرسالة والإمامة، أهل لأن يدعو الناس إلى عبادة ربه، وإلى توحيده، وإلى نشر العدل، وهكذا كان، فإبراهيم عليه السلام دعا النمرود وقومه إلى عبادة الله، وامتهان الأصنام وكان سنه لا يزيد على ستة عشر عاماً، وتحمل وهو في هذه السن الصغيرة النمرود وعذابه، وتحريقه بالنار، ولكن الله نصره، ورد كيد النمرود على نفسه وقومه، فقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ} [الأنبياء:51] إما من قبل موسى وهارون اللذين ذكرا قبله بآية، أو قبل أن يوحى إليه، وهو لا يزال في سن صغيرة، كما آتى الله يحيى الحكمة وهو بعد صغير، وكما آتى عيسى المعجزة والنطق، وهو لا يزال في المهد. {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء:51] أي: عالمين أنه أهل للنبوة والرسالة وأهل لما أهلناه له من النبوة والرسالة والدعوة إلى الله، وإلى عبادة الله وتوحيده، وكيف كان ذلك وما تفسيره؟!
تفسير قوله تعالى: (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل)
تفسير قوله تعالى: (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل) قال تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء:52]. كان رشده، كانت هدايته، كان عقله، كان فهمه، كان إدراكه، كان ما ألهمه من منطق سليم ودعوة إلى الله وهو لا يزال بعد صغيراً فدعا قومه إلى عبادة الله، واستنكر عبادتهم للأصنام: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء:52]. التماثيل: جمع تمثال، والصنم سمي تمثالاً؛ لأنه مثل به خلق من خلق الله، مثل إنسان أو جن أو ملك تخيلوه، أو حيوان رأوه فصنعوا على شاكلته شبيهاً له، وسمي مثالاً وتمثالاً، ويصنعونه من الذهب والفضة، والصفر، ومن الحديد والأخشاب والأحجار، وغيرها من الجمادات التي لا تعقل. يا أبت! يا قوم! ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، وأنتم مقيمون عليها الليل والنهار، قائمون على عبادتها، والركوع لها، والسجود إليها، وعبادتها من دون الله؟ أليست لكم عقول تفكر وتعقل؟ ألهذه التماثيل تصرفون العبادة؟ ألها فهم؟ أتنفع أم تضر نفسها فضلاً عن أن تنفعكم أو تضركم؟! مر علي كرم الله وجهه على قوم يلعبون الشطرنج فقال لهم: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء:52] لأن يمس أحدكم جمرة حتى تحترق يده خير من اللعب بهذه التماثيل. وكان علي كرم الله وجهه يحرم اللعب بالشطرنج، وهو رأي كثير من الأئمة المجتهدين والمتبوعين من الأربعة وغيرهم، وأجازه البعض إذا كان لا يشغل عن صلاة، ولا يدعو إلى نزاع؛ لما فيه من امتحان الفكر والوعي، ولا يكون ذلك إلا لقلة من الناس، ومن هنا روي عن الشافعي هذا.
تفسير قوله تعالى: (قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين)
تفسير قوله تعالى: (قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين) {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ} [الأنبياء:51 - 52]. الرشد الذي أتاه وظهر وبرز عندما قال لأبيه وقومه: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ سألهم موبخاً ومقرعاً: ألكم عقول؟ كيف تعتكفون وتقيمون على هذه التماثيل ليلكم ونهاركم عابدين؟! وإذا بهم يجيبون {قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء:53]. فلم يجدوا دليلاً من عقل، ولا برهاناً من كتاب، وإنما التقليد الأعمى الذي لا يأتي إلا بشر، ولا يأتي إلا بفساد، فكان دليلهم أنهم وجدوا آباءهم قبلهم يعبدونها، ويعكفون عليها، ويتخذونها آلهة من دون الله: {قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء:53]. تلك حجتهم ولا حجة لهم غيرها، وقد دلت على سخافتهم، وفساد عقولهم! وأنهم في كفرهم مقلدون للآباء، يصنعون شيئاً لا يعونه ولا يعقلونه، وإنما رأوا الآباء على ضلالهم وشركهم، يشركونها بالله ويعبدونها من دون الله، فقلدوها عن عمى وضلال وفساد. وإذا بإبراهيم يجيب: {قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الأنبياء:54] أي: قال إبراهيم: لقد كنتم يا هؤلاء الذين عاصرهم من قومه، ورآهم يعبدونها ويعكفون عليها، وعندما سألهم مقرعاً احتجوا بأنهم رأوا الآباء يعبدونها فقلدوهم، وإذا بإبراهيم يقول لهم: {قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الأنبياء:54]. كنتم أنتم ولا تزالوا، وكان آباؤكم الذين قلدتموهم في ضياع، وظلمة، وضلال بين واضح، لا يكاد يثبت على قدميه عندما يناقش بالدليل والبرهان. {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} [الأنبياء:55] أي: هذا الذي تقول أصحيح هو، وأن آلهتنا ليست بآلهة، وأن عبادتها ضلال، وأن الآباء الذين عبدوها كانوا ضلالاً، وهل أنت جاد فيما تقول أم أنت من اللاعبين الهازلين، تريد أن تمزح معنا وتقول هذا الكلام الكبير؟ هكذا قالت لهم عقولهم، وظنوا أن إبراهيم يمازحهم ويلاعبهم، وهو أعظم من ذلك مقاماً، وهو أعظم من ذلك دعوة إلى الله.
تفسير قوله تعالى: (قال بل ربكم رب السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (قال بل ربكم رب السماوات والأرض) {قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [الأنبياء:56]. هنا بين لهم الحق، وأنه جاد كل الجد، وأنه لم يتكلم إلا بالحق، وأن آلهتهم التي يعبدون من أصنام وتماثيل ليست إلا آلهة مزيفة، وجمادات لا تنطق ولا تعي، ولا تنفع ولا تضر. (بل) إضراب عن الكلام الماضي، كل ما عبدوه فهو باطل، وكل ما اعتفكوا عليه فهو باطل، وكل ما قاموا عليه هو باطل هم وآباؤهم. {قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ} [الأنبياء:56] ربكم الذي هو أجدر بالعبادة، وهو ذو الحق في ذلك، الخالق الرازق الذي ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه جل جلاله، وعلا مقامه. (ربكم) صفته ونعته أنه خالق السموات التي ترونها بأعينكم، وهو خالق الأرض وما عليها، الذي فطرهن وخلقهن على غير مثال سابق، وأبدعهن إبداعاً، وأوجدها بعد أن لم تكن، ولم يكن لها نظير؛ إذ لا رب للكون إلا الله، وأنا على ذلكم من الشاهدين. يقول إبراهيم: {وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [الأنبياء:56]. كلمة (ذلك) بالإشارة، عندما تضاف يبقى اسم الإشارة مفرداً، ولكن من يخاطب يضم إليه، فيكون اسم الإشارة مثنى إذا خاطبت اثنين، ويكون جمعاً إذا خاطبت جماعة، فتقول إذا خاطبت اثنين: ذلكما. وهذه التماثيل ليست إلهاً لكم، إنما إلهكم من خلق هذه السماء، ورفعها بغير عمد وأنتم ترونها، من خلق الأرض وما عليها وأنتم ترونها، وهو الذي فطرها وأبدعها بلا مثال سابق. وأنا شاهد على ذلك أي: أشهد نفسي وأشهد سمعي وأشهد الله عليه أنني أؤمن وأعتقد جناناً، وأنطق لساناً أن هذه السماوات العلى والأرضين السفلى هي خلق الله، والفطرة التي أبدعها، وأن الله وحده الجدير بالعبادة، وأن الله وحده الذي انفرد بالخلق والربوبية والألوهية، وكل ما عداه باطل، فذاك معنى لا إله إلا الله، أي: لا إله بحق، لا إله مما يدعي الناس من صنم ووثن وملك وجن وإنس وحيوان وجماد، ليس الإله الحق إلا الله ذو الجلال والإكرام. {وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [الأنبياء:56] أي: أشهد أن الله هو الخالق، وأشهد أن الله هو الإله، وأشهد أن الله هو الجدير بالعبادة وحده، وأن كل ما تصنعون لا ما صنعتموه أنتم ولا ما قلدتم به آباءكم من عبادة للتماثيل والأصنام الباطلة المزيفة، التي لا حقيقة لها في نفس الأمر، وإنما هي مخترعة ومبتكرة من عقول ضاعت وزيفت وغرقت في الضلال.
الأنبياء [57 - 64]
تفسير سورة الأنبياء [57 - 64] أقسم إبراهيم بالله ليكيدن أصنام المشركين، ثم بر بيمينه فكسرها إلا كبيرها، ثم حاججهم على بطلانها بأن لم تستطع أن تدفع عن نفسها، فكيف تستحق العبادة.
تفسير قوله تعالى: (وتالله لأكيدن أصنامكم)
تفسير قوله تعالى: (وتالله لأكيدن أصنامكم) قال الله تعالى: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} [الأنبياء:57]. يقسم إبراهيم بالله الكريم، يقال: والله وتالله وبالله، والواو والباء تدخل على أسماء الله في الأيمان والأقسام كلها، تقول: والرحمن، وبالرحمن، والرزاق وبالرزاق. أما التاء لا تكون إلا في اسم الجلالة الله، فلا تقول: تالرحمن، ولا تقول: تالرزاق. يقسم إبراهيم بالله ربه وخالقه فاطر السماوات والأرض فيقول: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} [الأنبياء:57]. يقسم بأنه سيمكر بهذه الأصنام، وسيكسرها، وسيبطلها ويزيلها من مكانها. قوله: {بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} [الأنبياء:57] أي: بعد أن يبتعدوا عنها، وتأتيه فرصة وخلوة لينفرد بها ويصنع بها ما شاء. قال تعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء:58] أي: أدبروا، وتركوا الأصنام في المعبد مفردة دون حارس ولا رقيب، وإذا بإبراهيم يأتيها ويبر قسمه، فينزل عليها ضرباً باليمين. وتمام القصة في البيان والشرح: أنه كان لـ نمرود وقومه عيد سنوي يخرجون إليه كلهم وتبقى الأصنام وحدها ويضعون لها طعاماً، حتى إذا عادوا أكلوا من ذلك الطعام متبركين بها. فجاء إبراهيم وقد أدبروا عنها، فوجد الطعام فقال للأصنام: ألا تأكلون؟ فلما لم تجب قال لها: ألا تنطقون؟ ثم يحمل الفأس بيده ويأتي عليها ضرباً باليمين، وكانت سبعين صنماً، فنزل عليها وضربها ضرباً بحيث أصبحت قطعاً كما قال تعالى: (فجعلهم جذاذاً)، والجذاذ جمع مفرده: جذيذ كخفاف وخفيف. وحرف الجيم يثلث: وجُذاذاً وجَذاذاً وجِذاذاً، أي: قطعاً قطعاً وكسراً كسراً، وكل قطعة لا تكاد تبين من شدة التكسير والتحطيم. {فَجَعَلَهُمْ} [الأنبياء:58] والتعبير بالجمع باعتبارهم يعبدونها آلهة، وهي عندهم أعقل منهم، فسخر منهم فجعل ذلك كأنه لعاقل بحسب زعمهم. قوله: {إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء:58] أي: جاء إلى الصنم الكبير بعد أن كسر التسعة والستين صنماً، وكان الكبير وسطها، وصفوه أنه كان من ذهب، وكانت عيناه ياقوتتان، فجعل الفأس في عنقه وذهب. {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء:58] أي: لم يكسر الصنم الكبير، ووضع الفأس في عنقه لعلهم يرجعون إليه يسألونه: لم صنعت هذا؟ أو: لعلهم يرجعون لدينه ويؤمنون بربه ويصبحون مسلمين، ويرون أن هذه الآلهة التي عجزت عن حماية نفسها لا تستحق عبادة ولا أن يطلب منها الحياة والموت والرزق والعافية والصحة؟! لعلهم بعد أن يروا ذلك يرجعون إليه إما مؤمنين أو سائلين؛ ليزيدهم توبيخاً ودعوة وتعليماً.
تفسير قوله تعالى: (قالوا من فعل هذا بآلهتنا)
تفسير قوله تعالى: (قالوا من فعل هذا بآلهتنا) قال تعالى: {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:59]. أي: رجعوا من نزهتهم وعيدهم فذهبوا إلى الآلهة المزيفة وهم يريدون أن يتبركوا بالطعام الذي وضعوه إليها، وإذا بهم يجدونها مكسرة مقطعة؛ فذهلوا وانزعجوا وأخذوا يتساءلون: {مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:59] أي: إنه لمن المجرمين، المذنبين المسيئين. فبينما هم يتساءلون: من فعل هذا بآلهتهم؟ وإذا بقوم سمعوا إبراهيم وهو يقسم بالله: تالله لأكيدن أصنامهم بعد أن يولوا مدبرين، وسمعوه يعيب آلهتهم ويشتمها ويتنقصها، فأجاب هؤلاء القوم الذين تساءلوا: {مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:59]. قال آخرون: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء:60]. قال قوم يجيبون المتسائلين: {سَمِعْنَا فَتًى} [الأنبياء:60] شاباً صغيراً، يقال للصغير من الشباب: الفتى، ويقال للصغيرة من الشابات: الفتاة، ومعنى ذلك: أنه كان شاباً صغيراً عندما صنع ذلك ودعا إلى الله، وهذا يؤكد المعنى الذي قلناه من قبل: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ} [الأنبياء:51] آتى الله إبراهيم رشده، آتاه هدايته، آتاه العقل الكامل من قبل أن ينبأ ويرسل، {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء:51] أي: عالمين بأهليته للنبوات والرسالة. {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء:60] يسمونه إبراهيم، ومعنى ذلك: أنه لم يشتهر بعد الشهرة الكبيرة التي تجعلهم يلتفون حوله مؤمنين أو كافرين، فلا تزال دعوته في بدايتها وهو بعد شاب صغير، قالوا: لم يتجاوز ستة عشر عاماً، وقيل أربعة وعشرين عاماً. قال عبد الله بن عباس: ما أرسل الله نبياً إلا شاباً في الأربعين عند تمام النضج، وما تعلم العلم ويصبح عالماً إلا شاب، وأما بعد الشيب فلا سبيل إلى التعلم، إلا أن يتابع التعلم الذي ابتدأه صغيراً وشاباً. وطلب العلم من المهد إلى اللحد، والإنسان ما دام حياً يطلب العلم ويدعو الله أن يزيده علماً، والعالم أو طالب العلم الذي يقول: قد وصلت، معناه أنه قد جمد، وإلا فالعلم لا نهاية له، ومهما علمت فالله تعالى جعل فوق كل ذي علم عالماً {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف:76]. مهما كنت عالماً فغيرك أعلم منك، ومهما كنت إماماً فغيرك أكثر إمامة منك، وهكذا إلى أن ينتهي العلم في خاتم الأنبياء، وبالنسبة للعلوم البشرية إلى أن ينتهي العلم لصاحب العلم جل جلاله الذي لا يحيط بعلمه أحد من خلقه. فتى يذكرهم: أي: يعيبهم ويشتمهم ويتنقصهم وينفر منهم.
تفسير قوله تعالى: (قالوا فأتوا به على أعين الناس)
تفسير قوله تعالى: (قالوا فأتوا به على أعين الناس) {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء:61]. صدر أمر نمرودهم وجبارهم وطاغيتهم النمرود وأعوانه وأنصاره: {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء:61]. مروا به على الناس ليروه وليكونوا عليه من الشاهدين، أصحيح هذا الذي يذكرهم؟ أصحيح هذا الذي يعيبهم؟ يريد النمرود ألا يسرع بعقوبته؛ لأنه زور في نفسه عقوبة عظيمة لا يكاد يتحملها إنسان. وهذا يدل على أن إبراهيم كان من بيت كريم، وكان من أسرة لها سلطانها وجاهها، فعقوبته بأشد أنواع البطش لا يتم إذا كان هذا العمل متأكداً ومتيقناً، فقال لهم: مروا به على أعين الناس أي: على مرأى من الناس. لعلهم يكونون شاهدين على ظلمه، وشاهدين على عيبه الأصنام وكسرها وفعله به ما فعلها من جعلها جذاذاً وقطعاً.
تفسير قوله تعالى: (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا)
تفسير قوله تعالى: (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا) قال تعالى: {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء:61]. حضر إبراهيم وإذا بهم يسألونه: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء:62]. سألوه وكان من تمام الدعوة أن يحضر الناس من كل فج عميق ليشهدوا هذا، ولتكون المعجزة، ولتكون الدعوة إلى الله من إبراهيم كاملة يحضرها القوم، كما جمع فرعون السحرة والناس من البلاد قاصيها ودانيها؛ ليشهدوا ذله وخسارته، وإيمان السحرة بموسى. وهكذا هنا النمرود طلب أن يحضر الناس ليشهدوا عقوبته، ويشهدوا عمله، ويكونوا مع ذلك مقتنعين بما يريد أن يصنعه به، ولكن ذلك كان من السر الإلهي، وهو: أن تكون دعوة إبراهيم أمام هذا الملأ من الناس، ليبين ضعف أصنامهم ويعترف بأنه كسرها وقطعها، وإذا بالله الكريم ينصره على الجميع. ثم إن إبراهيم أراد أن يستخرج الحجة على فساد وبطلان آلهتهم منهم، وهذا في المحاورة والمذاكرة من أبلغ القول في إثبات الحجة بأن ينطق بها الخصم فتلزمه بها. {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:63] وهو قد جعل الفأس في عنق الكبير، ومعناه: أنهم أحضروه في مكان الأصنام وهي مكسرة قطعاً وجذاذاً، والصنم الكبير في عنقه الفأس، قال إبراهيم: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:63] لقد قال هذا القول وكما قلنا غير مرة: وجود الشرط لا يلزم منه الوقوع. نعم هذا الذي فعل فاسألوه إن كان ينطق، واسألوا مَن كُسر منها إن كانت تنطق. قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: كذبتين في ذات الله، وكذبة من أجل سارة، أما الكذبة الأولى فهي هذه كما يقول النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء:63]). والكذبة الثانية عندما ذهبوا لعيدهم وأتوه وقالوا له: يا إبراهيم! اذهب معنا وكانوا قد خافوا على آلهتهم وأصنامهم منه، فذهب قليلاً ثم توقف وقال: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات:89] إني مريض لا أستطيع الذهاب معكم، ولا يحملني بدني، فرجع ليبيت الأصنام ما عزم عليه. والثالثة: عندما هاجر من العراق إلى الشام، ثم إلى مصر، وعاد للشام، كان جبار مصر لا يكاد يسمع بامرأة حسناء إلا ويطلبها للفاحشة، فقيل لجبار مصر: رجل جاء من العراق معه أجمل النساء، فأرسل إليه وقال: من هذه منك؟ قال: أختي. قال: دعها عندي. وإذا بالجبار أراد أن يمسها فرآها بين عينيه ثوراً يكاد يفترسه، وشلت يده عندما حاول أن يمسها، وانزعج، ودارت به الأرض، حاول ثانية فوقع له مثل ذلك، وثالثة فوقع له مثل ذلك، وإذا بالجبار يقول لإبراهيم: ما هذه بإنسان ولكنها شيطان، أبعدوها عني. وفي حديث الشفاعة أيضاً عندما تأتي الأمم تمر على الأنبياء وقد اشتد بهم الكرب حال العرض على الله، فيأتون إلى إبراهيم فيقول: (نفسي نفسي، لقد كذبت كذبات لا أدري ما سيفعل الله بي منها). هذه كذبات في اللفظ، وليست كذبات في نفس الأمر، وهي من النوع الذي يقول عنه النبي عليه الصلاة والسلام: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب). فمثلاً: سئل صلى الله عليه وسلم وهو مهاجر من مكة إلى المدينة وقد نذرت قريش: أن من أتى به حياً أو ميتاً فله مائة من الإبل، دية قتيل. وإذا به يخرج في وجهه أعراب فيسألونه من أين أنت؟ فيقول: (من ماء) وماء كانت قبيلة من قبائل العرب. والنبي لا يقصد أنه من القبيلة، فهو هاشمي قرشي، ولكنه خدعهم، والحرب خدعة، والنبي في حرب عليه الصلاة والسلام، فعرض في كلامه، وهم فهموا أنه من قبائل ماء، وهو يقصد أنه خلق من ماء دافق كما يخلق كل إنسان. والنبي عليه الصلاة والسلام يصنع ذلك ويأمر به لمن اضطر ألا يقول الحقيقة؛ لكيلا يستغلها الأعداء فيصلوا إليه بعداوتهم، وكان هذا فعل إبراهيم عندما قال: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:63]. فهو أراد ذلك، وقد قال رسول الله: (كان ذلك في ذات الله) عليهما جميعاً الصلاة والسلام، فهو قصده من ذلك أن يأخذ الحجة منهم في ذاتهم. {إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:63] فنقول إنهم آلهة على الأقل في المناظرة، وإن كانوا حقاً فسينطقون، ويدافعون عن أنفسهم، أراد عندما يقولون ذلك أن يلزمهم: كيف تعبدون أحجاراً لا تضر ولا تنفع، ولم تدفع عن نفسها هذا القطع والكسر، ولم تستطع النطق وتكشف من فعل بها ذلك؟ فإذا قالوا ذلك قال لهم: وكيف تعبدون ما لا يضر ولا ينفع؟! وهذا الذي سيحدث عندما قال: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات:89] وليس إنسان في الأرض إلا وفيه نوع من أنواع السقم، لو جاء طبيب وحاول أن يفحصنا جميعاً ولا بد وأن يجد في كل واحد منا شيئاً من المرض منذ الولادة، منذ الطفولة فهو سقيم، ولو لم يكن سقيماً تلك الساعة سيسقم بعد، وهذه صفة الإنسان التي فطر عليها منذ الولادة. أما الثالثة فقوله: هذه أختي، فقد قال لها: أنت أختي في التوحيد والإيمان، وأخيراً أخته في البشرية، كلنا من آدم وحواء، فنحن البشر جميعاً إخوة بعضنا لبعض. فإذاً: هي كذبات باعتبارها معاريض، وليست كذبات في واقع الأمر، وهذا هو الذي أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول، وأما قول إبراهيم عن نفسه في يوم الشفاعة العظمى فذلك هضم لنفسه وتواضع. وقد رأى من نفسه هناك من هو أهم منه لأن يقوم بهذه الشفاعة، وهو يعني بذلك نبي الله عليه الصلاة والسلام الذي عندما أسكن إسماعيل وأمه في هذه الأرض المقدسة دعا الله تعالى أن يبعث لهذه الأمة -العرب- نبياً منهم بشيراً ونذيراً، يعلمهم آياته، ويرشدهم إلى هدايته، وقد كان كل ذلك. {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:63] وهو بذلك أراد إعجازهم وأخذ الحجة منهم، وكما قال: {فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} [الأنبياء:64].
الأنبياء [70 - 75]
تفسير سورة الأنبياء [70 - 75] اجتمع عبدة الأوثان من قوم إبراهيم وأرادوا الانتصار لأوثانهم، فعزموا على إحراقه فنجاه الله من كيدهم، ورزقه ذرية طيبة صالحة، وهاجر مع سيدنا لوط الذي أرسل إلى القوم الفاسقين فكذبوه فدمرهم الله بما هو معروف.
تفسير قوله تعالى: (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين)
تفسير قوله تعالى: (وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين) قال الله تعالى: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ} [الأنبياء:70]. لا نزال مع خليل الله إبراهيم أبي الأنبياء صلوات الله عليه وعلى نبينا، وهو بين أعدائه عندما دعاهم إلى الله، وإلى عبادته وحده، وإلى ترك التماثيل والأصنام وما يعبد من غير الله من الأباطيل والأضاليل والتهاويل، وقد قال لهم: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء:67]. عندما قال لهم ذلك وسبهم وشتمهم ولم يهتم بهم ولا بملكهم ولا بسلطانهم، وقد عجزوا عن الدليل والبرهان عادوا إلى تجبرهم واستغلال حكمهم وجاههم، فقالوا: {حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء:68]. فقال الله جل جلاله: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء:69]. كل هذا قد مضى، يقول ربنا: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا} [الأنبياء:70] أرادوا به مكراً، وأذية وظلماً انتصاراً لآلهتهم المزيفة، ولأحجارهم التي لا تعي ولا تعقل. قال تعالى: {فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ} [الأنبياء:70]. قد خسروا نفقتهم، وخسروا كيدهم وسلطانهم، وخسروا دنياهم وأخراهم، وكانوا الأذلين والمهزومين والخاسرين. والأخسر على صيغة أفعل أي: كانوا هم يريدون هذا بإبراهيم، فكانوا هم المهزومين الخاسرين، بل الأخسر والأظلم والأذل.
تفسير قوله تعالى: (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين)
تفسير قوله تعالى: (ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) قال تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:71]. نجى الله إبراهيم بعد أن صنعوا له الكيد في أن يحرقوه، وطالما اجتالوا بذلك ليالي وأياماً حتى اشتد اللهب وقذفوه بمنجنيق، وبقي أياماً في النار، ما كانوا يظنون إلا أنه أصبح رماداً مع الأحجار والوقود والأشجار، وإذا به يخرج وهو جالس يسبح الله ويحمد الله، ولم يحترق منه إلا الوثاق الذي وثقوا به يديه ورجليه. وعندما جاءه جبريل وهو يقذف قال له: (هل لك من حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى ربي فبلى). وقال عن ربه: (علمه بحالي يغني عن سؤالي. ثم قال: حسبنا الله ونعم الوكيل). فكان الله حسبه، وكان وكيله كما فعل مع خاتم الأنبياء من ذريته عندما قالوا له: إن القوم قد جمعوا لك وتآمروا عليك فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فكان هذا الذكر هو الواجب على كل من يقال له: إن أعداءك تآمروا عليك، إنهم أرادوا بك الكيد فليقل: حسبنا الله ونعم الوكيل، والله حسبه ووكيله، ومن كان الله وكيله لا يضره شيء لا من السماء ولا من الأرض. قال تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا} [الأنبياء:71] بعد أن صنع فيه هؤلاء ما صنعوا حرمهم الله بركة نبي الله بين ظهرانيهم، وأمره بالهجرة والخروج من بينهم، كما أمر بعد ذلك سليله محمداً صلى الله عليه وسلم عندما تألبوا عليه، فهجرهم وذهب إلى المدينة المنورة. وكذلك إبراهيم أنجاه الله من أرض العراق حيث نشأ وولد في مدينة الكوفة في عصر النمرود المتأله الجبار، الطاغية الكافر الذي حاول بطغيانه أن ينال من إبراهيم، فنصر الله إبراهيم عليه نصراً عزيزاً مؤزراً، وسلط على النمرود وقومه أحقر وأصغر خلقه، سلط عليهم البعوض، فكانت البعوضة تدخل الأذن، ثم الخياشيم، وتظل تتحرك إلى أن تصل إلى المخ والدماغ؛ فيموت هلاكاً. قال الله بعد ذلك: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا} [الأنبياء:71] أنجى إبراهيم وقريبه النبي لوطاً ابن أخيه، وكان قد آمن به كما آمنت به ابنة عمه سارة، وخرج مهاجراً من أرض العراق إلى الشام هو وابن أخيه لوط، وزوجته وابنة عمه سارة، وترك أرض الكفر فاراً إلى عبادة الله، حيث لا يظلم ولا يؤذى ولا يحال بينه وبين الدعوة إلى الله وإلى عبادته وتوحيده. فذهب إلى حوران من أرض الشام، وكانت بذلك نجاته من ظلم الظالمين، وبذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (أرض الشام هي أرض الهجرة بعد الهجرة، أرض مهجر إبراهيم عليه السلام). {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:71] يقول تعالى: إنه أنجى وأنقذ نبيه وخليله إبراهيم وابن أخيه نبي الله ورسوله لوطاً إلى الأرض المباركة التي بارك فيها للعالمين. وجمهور المفسرين يرون أن الأرض المباركة هنا هي أرض الشام، فهي مباركة بثمارها، وزروعها، مباركة حيث هي أرض المنشر والمحشر، وفيها ينزل عيسى عليه السلام، وحيث اختارها الله هجرة لخليله وأبي أنبيائه إبراهيم عليهم السلام. ولكن ابن عباس يقول: بل الأرض المباركة هي مكة، وتلا قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران:96 - 97] فقد سماه الله مباركاً، وقال الله عنها: (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ). وابن عباس كان يقول: المقام هي مكة كلها، وليس الحجر الذي تصلى فيه الركعتان فقط، وأن من طاف بالكعبة سبعاً، وصلى في البيت ركعتين فقد صلى في المقام، وقام بما طلب منه بعد الطواف. لا شك أن مكة مباركة، ولا شك أن مكة سيدة بلاد العالم على الإطلاق هي والمدينة المنورة، فهي منزل الوحي وخاتم الأنبياء، وهي مسقط رأس سيد البشر عليه الصلاة والسلام، وهي البقعة التي جعل الله الحج إليها فرضاً على كل إنسان، ولكن بشرط أن يكون مسلماً، فإن لم يكن مسلماً فالحج واجب عليه ولكن لا يقبل منه، ولا يجوز أن يدخل الأرض المباركة ما لم يؤمن بالله رباً، ونبيه محمداً نبياً ورسولاً صلوات الله وسلامه عليه. ولكن مع ذلك إبراهيم لم تكن سكناه مكة، وعندما أتى بإسماعيل قال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم:37] يقول: من ذريتي، أي: ببعض ذريتي. وعندما أتى به مع أمه تركه وعاد إلى الشام، وكان يتردد عليه ولم يأت بكل أهله ولا أولاده، ولم يأت بـ سارة ولا إسحاق ولا أحفاده. ولكن رأي ابن عباس له حرمته ومقامه، وهو حبر القرآن، وابن عباس المكي المدني. ولقائل أن يقول: هو أعلم بهذا. قال تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:71] والبركة: النماء والخير، بارك فيها للعالمين، وجعلها أرضاً مفتوحة لكل مسلم، وفيها من المياه أنهر عدة، وفيها من الغابات، وفيها من الزروع والثمار والفواكه، وفيها من الأنعام، وفيها من اعتدال الجو بالنسبة لغيرها صيفاً وشتاءً وربيعاً وخريفاً. {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:71] لكل الناس، كانت كذلك ولا تزال، ولذلك جاء في الأثر النبوي والحديث: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم). وهي الأرض المباركة، وفيها أرسل أكثر أنبياء الله، وما من نبي إلا كان منها أو ذهب إليها ورحل، ومن هؤلاء نبينا عليه الصلاة والسلام رحل صغيراً قبل النبوة مع عمه أبي طالب أولاً، ثم بعد ذلك مع مولاه زيد لتجارة خديجة بنت خويلد التي كانت بعد التجارة أم المؤمنين الأولى، وزوجته الأولى التي لم يتزوج عليها إلى أن ماتت رضوان الله عليها. قوله: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا} [الأنبياء:71] ولوط كذلك من أنبياء الله نبئ بعد هجرته مع عمه إبراهيم، وسكن إبراهيم حوران من أرض الشام، وسكن لوط سدوم على بعد مائة وعشرين ميلاً في ما ذكروا. وذهب إبراهيم إلى مصر فوجد حاكمها لا يقل طغياناً وجبروتاً عن حاكم العراق، فترك مصر مرة ثانية، وقد كان جبارها وطاغيتها يريد أن ينال من السيدة الجليلة سارة بسوء، ولكن الله تعالى أبعده عنها. وعندما اجتمع بها ما رآها إلا وحشاً كاسراً، لا يكاد يحاول مس يده إلا ويشل، ويرى في سارة وحشاً ضارياً يكاد يفترسه، وإذا به يصيح: أبعدوا عني هذا الشيطان، ليس هي بإنسان، وكان ذلك عندما قيل لهذا الطاغية: رجل جاء من العراق عنده أجمل النساء، وكان هذا الفاسق الفاجر إذا سمع بجمال امرأة ينالها على أية حال كان الأمر. وعندما أتي إليه بإبراهيم وقد طلبه قال له: من هذه منك؟ قال: أختي، يعني: أخته في الإنسانية، وأخته في الإسلام.
تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة)
تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة) قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ} [الأنبياء:72]. استجاب الله لطلب إبراهيم ودعائه وندائه، وكان قد تجاوز المائة عام، قال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات:100]. دعا أن تكون له ذرية صالحة، فاستجاب الله له بعد كبره وبعد عقم سارة، فولدت سارة بعد أن تجاوزت التسعين إسحاق، وولدت هاجر إسماعيل الأب الأعلى لنبينا صلوات الله وسلامه عليه. فقال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ} [الأنبياء:72] في هذا الوقت لم يكن إلا إسحاق، كان هبة من الله وعطية له من الله. قال تعالى: {وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء:72] والنافلة: الزيادة مثلما نقول: الفرائض والنوافل، والفرائض: حق لازم وفرض على كل مسلم، والنوافل: زوائد من صلاها أجر، ومن تركها لا يأثم ولا يعاقب، وإن أصر على ذلك قد يلام على تركه سنة لم يتركها رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنها على كل اعتبار ليست بفريضة، وكان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: التقوى إتيان الفرائض. ومن هنا يقول الشاعر: ولم أصل سوى فرض ولم أصم يقول عن نفسه: الذي أكرمني الله به أنني لم أترك الفرائض قط، أي: لم يترك الأركان ومتعلقاتها، وتلك التقوى عند السلف الصالح. {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ} [الأنبياء:72] أعطاه إسحاق منحة في غير وقت الولادة، وكانت سارة عقيمة، وكان إبراهيم مسناً قد رق عظمه، وكثر شيبه وضعف؛ ولذلك عندما جاءه الملائكة يبشرونه ضحكت سارة أيكون هذا وأنا عقيم! وهذا بعلي شيخاً؟ قالوا لها: أتعجبين من أمر الله! إن الله قادر على كل شيء. من ولد الصخر ناقة لم لا يولد إنساناً كان مسناً أو عقيماً أو لم يكن؟! فهو الذي أولد غير العقيم وهو القادر على زوال العقم من العقيم. قوله: {وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء:72] ويعقوب هو ابن إسحاق أي: حفيد إبراهيم، وإبراهيم قد أكرمه الله في حياته بأن كان في بيت واحد وسلالة واحدة أربعة أنبياء، إبراهيم خليل الله، وإسحاق وإسماعيل ولداه نبيا الله المكرمان، وحفيده يعقوب، كان الأربعة أنبياء في بيت واحد؛ ولذلك سأل صلى الله عليه وسلم مرة: (من الكريم فيكم) فأخذوا يفكرون ويتنقلون بأذهانهم أنه نبي، أو فلان فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (الكريم هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم نبي الله، وولد نبي الله، وحفيد نبي الله، وسبط نبي الله). أربعة في سلالة واحدة، كانوا يقولون لبعضهم: أبي وجدي وولدي وحفيدي وسبطي، وهذا هو الكرم الذي لا كرم بعده، والحسب الذي لا حسب بعده، ومع ذلك فنبينا سيد الكل، وإمام الأنبياء وسيد المرسلين عليه الصلاة والسلام. {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ} [الأنبياء:72] طلب إبراهيم أن يهبه الله من الصالحين ولداً، فالله تعالى وهب له الصالح وأكرمه، وجعله من سادات الصالحين، وأعطاه ولداً نبياً من الصالحين وحفيداً من الصالحين، وسبطاً ليوسف من الصالحين. قال تعالى: {وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ} [الأنبياء:72] لم نقصر الصلاح على ما طلب من الولد، بل جعلنا الأب والابن والحفيد والسبط كل واحد منهم صالحاً، وهذا التنوين في لغة العرب يقال له: تنوين العوض، فهو عوض عن كلمة، وقد يكون عوضاً عن جملة. وكل هؤلاء إبراهيم وإسحاق ويعقوب جعلنا من الصالحين، أكرمناهم، وخلقناهم، وفطرناهم ضمن الصالحين من عباد الله الأنبياء والرسل، وأتباعهم من المؤمنين الصالحين الصادقين.
تفسير قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا)
تفسير قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) قال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء:73]. يصف الله لنا هؤلاء الكرام السادة من الأنبياء ليكونوا قدوة لنا وأسوة. {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90] قالها لسيد الخلق، وهي لنا تبعاً لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه. قال عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً} [الأنبياء:73] أي: سادة، ورؤساء، وقادة، وأنبياء، ورسلاً. قوله: {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء:73] أي: بوحينا، يهدون الناس إلى الخير، ويهدونهم من الضلال إلى الهدى، ومن الظلمات إلى النور، ومن الشرك إلى التوحيد. قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء:73] فكانوا أنبياء موحى إليهم، ورسلاً كراماً دعاة إلى الله وتوحيده وعبادته. وما الخيرات إلا الطاعات، وما الخيرات إلا العبادة، وما الخيرات إلا التوحيد، وما الخيرات إلا الإيمان بالله وحده لا شريك له، وبرسله عبيداً مكرمين، ورسلاً مبشرين ومنذرين. أوحى لهؤلاء السادة الثلاثة الكرام، وجعلهم أئمة في الخير وسادة للناس، وجعلهم رسلاً وأنبياءً، وأوحى إليهم من الخيرات العبادة والتوحيد والطاعة وفعل الخيرات كلها، وترك المنكرات جميعها. قوله: {وَإِقَامَ الصَّلاةِ} [الأنبياء:73] وأوحى إلى هؤلاء أن يقيموا الصلاة، والإقامة: الإتيان بالصلاة بأركانها وواجباتها وسننها وشرائطها، وصلاة كل نبي حسب شريعته. قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48] أي: عبادة كالصلاة، وصلاتهم الله أعلم بها، ولكنها مع ذلك لا تخرج عن التسبيح، والتمجيد، والتعظيم، والدعاء، والتوجه لله بجميع الحواس. قوله: {وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} [الأنبياء:73] كما أوحى إليهم إقامة الصلاة والملازمة عليها، والقيام عليها أوحى إليهم أن يؤتوا الزكاة، ويعطوا قدراً معلوماً على كل مال وزراعة وتجارة، حسب شرائعه التي اندثرت ونسخت، وعوضت هذه الديانات بالدين الذي لم يقبل الله بعد الرسالة المحمدية غيره، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران:19]، وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:85]. وكل هذه الأمة أمة محمدية، المسلم واليهودي والنصراني، ولكن المستجيب من الناس يسمون أمة الإجابة، وغير المستجيب يسمى أمة الدعوة، ويعتبرون متمردين عصاة، وقد تمردوا على طاعة نبيهم أيضاً؛ ولذلك عندما يقال: نبي العرب أو نبي الإسلام من يقول هذا يكون جاهلاً، فليس هو نبي العرب وحدهم، ولم يأت النبي بهذا فقط، بل جاء بالإسلام لكل الخلق والبشر. وهكذا دواليك إلى قيام الساعة، فمنذ وقف في هذه البطاح المقدسة، وعلى هذه الجبال الشاهقة، وفي هذه الأرض المباركة وهو يقول: إني رسول الله إليكم جميعاً، لزم على كل من بلغته الدعوة أن يقول: سمعاً وطاعة، لبيك يا محمد، لبيك يا رسول الله، فإن لم يفعل اعتبر متمرداً كافراً مشركاً، إلا أن يتوب الله عليه قبل أن تصل روحه إلى الحلقوم. قوله: {وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء:73] هذا هو المدح والإطراء الذي لا يعلوه مدح، الله جل جلاله يثني على عباده هؤلاء الذين خلدوا إلى أبد الآباد في الدنيا، وسيخلدون كذلك مع المؤمنين في الآخرة، أشاد الله بهم أعظم إشادة هنا، وفي غير ما آية وما سورة. وقال خاتماً هذه الآية: {وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء:73] أي: موحدين، ومختصين بالعبادة، لم يشركوا معنا غيرنا، لم يطيعوا غيرنا، لم يعبدوا سوانا، وكانوا عابدين موحدين مطيعين لما أمروا به، وهكذا أثنى الله تعالى على هؤلاء السادة النجب.
تفسير قوله تعالى: (ولوطا آتيناه حكما وعلما)
تفسير قوله تعالى: (ولوطاً آتيناه حكماً وعلماً) ثم انتقل بنا إلى الكلام على لوط فقال تعالى: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} [الأنبياء:74]. أي: اذكر يا محمد لوطاً، فهو كذلك ممن أكرمناه واصطفيناه، وآتيناه الحكم والعلم، آتاه الله الحكم نبياً رسولاً يحكم في أتباعه والمؤمنين الذين آمنوا به، وآتاه الله علم الحقائق بمعرفة الله ومعرفة أنبيائه، ومعرفة أن هذا الكون بعلوه وسفله وشرقه وغربه وشماله وجنوبه وما بينها هي كلها خلق الله. والله هو الذي فطرها وابتدعها على غير مثال سابق، وكل ما على العالم خلق الله وعبد لله، والكل آتيه عبداً طائعاً إلى الجنة أو مكرهاً إلى النار. قوله: {وَلُوطًا} [الأنبياء:74] نصب على حذف الفعل، قال: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ} [الأنبياء:74] تقديم وتأخير، أي: آتينا لوطاً حكماً وعلماً، آتاه الله الحكم والنبوة، وأرسله إلى قوم سدوم من أرض فلسطين، من أرض الشام. وآتاه العلم الذي به دعا الخلائق، دعا قومه وعشيرته ومن أرسل إليهم إلى عبادة الله؛ فحورب، وكادوا يبطشون به، ولكن على عادة ربنا مع عباده المكرمين أن النصر لهم في النهاية. قوله: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ} [الأنبياء:74] أي: القرية التي كانت تعمل الخبائث التي لم تسبق لها، ولم يسبق أن كان مثلها قبلهم، فقد كانوا يأتون الذكران دون النساء، وكانوا يأتونهم في المجالس، وكانوا مشتملين على أنواع من المنكرات والفواحش يكاد يعجز عنها الشيطان إلى أن بلغ بهم الأمر عندما جاء ملائكة من الله رسلاً للوط، حيث جاءوا في صور الشباب الصغار المراهقين، والملك له من قوة التطور ما أعطاه الله، وإذا بهم جاءوا بتجسس من امرأة لوط التي كانت كافرة، والتي لم تكرم بالإيمان به رغم كونها زوجته، وكانت في بيته، ونشأت بين جناحيه وفي حضنه. فجاءوا مسرعين يريدون الفاحشة؛ فأنذرهم لوط ونصحهم، فلم يزدادوا إلا عتواً إلى أن خرج أحد هؤلاء فضربهم بيده فعموا جميعاً، ثم عوقبوا بأن جعل الله الأرض عاليها سافلها، وجاء جبريل ومن معه فحملوا أرض سدوم ورفعوها إلى السماء إلى أن سمعت ملائكة السماء صياح ديكتهم وحيواناتهم. ثم قلبوها على الأرض، فأصبح عاليها سافلها، وأتبعوا بالرجم والصواعق، فأصبحوا كأمس الدابر وكأنها لم يكن، وهكذا الذي يحاول أن يتجاوز الحرام، ويحاول أن يستمر في الكفر ويصمم عليه فإن الله يمهل ولا يهمل، فقال تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ} [الأنبياء:74] أي: كما أنجاه وهو في العراق مع عمه إبراهيم فأخرجه من العراق ونجاه من النمرود وقومه، كذلك عندما أتى إلى سدوم وأرسله الله نبياً إليهم فكانوا أفسق وأفجر الناس، أنجاه الله منهم مرة أخرى، بأن بددهم ودمرهم، وسحقهم سحقاً. قوله: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ} [الأنبياء:74] الخبائث: هي هذه المعاني التي أشرنا إليها ومضت لنا في السورة الماضية، وتأتي كذلك بعد. قوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} [الأنبياء:74]. قال تعالى عن أهل سدوم: إنهم كانوا قوم جريمة وسوء وفسق ومعصية، قوم منكرات وخبائث. فاسقين أي: خارجين عن الطاعة والإيمان، خارجين عن الأخلاق التي يجب أن تكون في الإنسان المؤمن المطيع. ثم انتقلنا من بعد ذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط إلى ذكر نوح، ومن هنا كانت السورة اسمها: سورة الأنبياء.
تفسير قوله تعالى: (وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين)
تفسير قوله تعالى: (وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين) قال تعالى عن لوط: {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء:75] أدخل لوطاً في رحمته وجنته ورضاه وكرمه. وهكذا عندما الله يرضى عن إنسان ويرحمه يعطيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويعطيه في الدنيا قبل الآخرة، وللآخرة خير وأكرم للمتقين الهداة الصالحين. قوله: {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا} [الأنبياء:75] أي: في رضانا وطاعتنا، وفي حسناتنا وأجورنا. قوله: {إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء:75] أي: إن لوطاً من الصالحين، فالله أثنى عليه بالصلاح، وهو من عباد الله الصالحين، ومن أنبيائه ورسله المصطفين من خلقه.
الأنبياء [76 - 79]
تفسير سورة الأنبياء [76 - 79] يذكر الله لنا قصص الأنبياء عليهم السلام، تسلية لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فذكر قصة نوح مع قومه، وكيف أهلكهم الله بالغرق عندما كذبوه، ثم ذكر قصة داود وسليمان وحكمهما في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم.
تفسير قوله تعالى: (ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له)
تفسير قوله تعالى: (ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له) قال تعالى: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} [الأنبياء:76]. أي: يا محمد! كما ذكرنا لك إبراهيم جدك، وإسحاق عمك، ويعقوب ابن عمك، ولوطاً، اذكر كذلك نوحاً؛ فإنه كان كذلك من عباد الله الصالحين، ومن المصطفين الأخيار. قوله: {وَنُوحًا} [الأنبياء:76] أي: اذكر نوحاً، وتصور حاله. وكل هذا أوحى الله به إلى نبيه ليثبت به فؤاده؛ لما لاقاه من قومه من جحود وعناد وكفران، فهو يقول له: لست بدعاً من الرسل، وقد سبق أن الرسل قبلك أوذوا وظلموا، وتمرد عليهم أقوامهم وأتباعهم، ومع ذلك صبروا وصمدوا فكانت العاقبة لهم، وكان الخسران لعدوهم، كذلك اصبر فإن العاقبة لك كما كانت للأنبياء قبلك، وإن أعداءك سيسحقون، ولكن لا بد من الصبر. وهكذا الله أمر نبيه وأمر أتباعه كذلك؛ ولذلك ذكر الصبر عشرات المرات في القرآن الكريم، وخصه الله بسورة العصر التي قال عنها الإمام الشافعي: لو عمل بها المسلم لكفته. {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1 - 3]. الصبر في الدعوة، والصبر في العبادة، والصبر في ترك المنكرات، والصبر على المأوى والشدائد إلى لقاء الله، فمن صبر نصر، وكانت العاقبة له. قال تعالى: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء:76] اذكر نوحاً إذ نادى أي: نادانا وتضرع إلينا، ودعانا لنصرته. {إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ} [الأنبياء:76] أي: قبل هؤلاء جميعاً، إذ نوح هو الأب الثاني للبشر بعد آدم، إذ الطوفان قد عم كل الأرض فأصبح من على وجه الأرض بعد نوح أولاد له، وللقلة القليلة التي آمنت معه وركبت السفينة، فكان بينه وبين آدم -زعموا- ألف سنة، وليس هناك شيء يؤكد ذلك من كتاب الله أو سنة رسوله، وقد قيل: إن إدريس سبقه، ولكن الجماهير على أن إدريس كان بعده. قوله: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ} [الأنبياء:76] أي: من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط، وكان أقدمهم وجوداً وحياة وعصراً. {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ} [الأنبياء:76] أي: أجبناه لرغبته، وهو ينادي ويضرع إلينا، ولمكان النداء والدعاء ولمكانة الضراعة، استجيب له؛ لأن نوحاً كانت نبوءته في قومه أفضل النبوءات على الإطلاق، لبث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولقي من الشدائد والعظائم والإيذاء ما لم ينله أحد من الأنبياء قط؛ لأنه طال الزمن وهو صامد صمود الجبال. وبعد هذه المدة الطويلة ما عاد يستطيع الصبر أكثر؛ فأخذ يدعو على قومه أن ينجيه الله منهم، وأن ينتقم منهم، فقال: {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح:26 - 27] نادى: يا رب! إني مغلوب فانتصر، وإذا بالله الكريم يستجيب له بعد المدة الطويلة. وهكذا أدب الدعوة، أن الإنسان عندما ينادي ربه ويدعوه لا يقول: لم يستجب لي؛ لأنه مضت سنة أو سنتان أو شهر أو شهران ولم يستجب، فيستجاب لك إن قدر لك ذلك، وكان في صالحك، وقد تكون الاستجابة ليست في صالحك، ولكن الأمر يكون حسب إرادة الله في الوقت المناسب، وفي الأصلح لك. وهكذا رأينا يوسف بعده، بعد أن تآمر عليه إخوته، وبعد أن بيع عبداً وقذف به في بئر، وبعد أن اتهم بما اتهم، وبعد أن رمي في السجن سنوات، بعد كل ذلك بأربعين سنة استجاب الله له فيما بشره به في الرؤيا الصالحة: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف:4] ففهمها أبوه يعقوب وقال: {يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} [يوسف:5]. وهكذا كل نبي له قصة مع قومه، وقد عرضها الله بالتوالي منجمة خلال ثلاث وعشرين سنة على عبده وحبيبه محمد صلوات الله وسلامه عليه؛ ليتأسى بذلك، وليتعزى بذلك، وليجد قوة في تجديد طاقاته على الدعوة والصبر على إيذاء قومه، وأن النهاية له بالنصر والغلبة على الأعداء، تثبيتاً للدعاة من أتباعه فيما مضى، وفيما حضر، وفيما هو آت إلى يوم القيامة، وهذه فائدة التاريخ، أنه يثبت القلوب ويعطي الإنسان قوة، ويجعله يعيش مع أقوام بينه وبينهم آلاف السنين، فيرى ما أدركوه وما قاسوه، وماذا جرى لهم. وكانت النتيجة: أن نصرهم الله، وفازوا بالربح، وفازوا بالرحمة، وآب أعداؤهم بالذل والخسران المبين. فقوله: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ} [الأنبياء:76] أي: نادى قبل هؤلاء الأنبياء، فاستجبنا له، فأجابه الله في دعائه وندائه عندما صبر عليهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فأغرقهم أجمعين، ودمرهم أجمعين وكأنههم لم يكونوا. وابتدأ نوح حياة جديدة بين هذه القلة الصالحة من أتباعه، وهكذا تجددت الدنيا، وتكاثر الأولاد والذرية، وخلد نوح كما خلد الأنبياء قبله وبعده. قوله: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} [الأنبياء:76] نجاه مع أهله وأتباعه، وخرج عن أهله وولده؛ لأنه كان عمله غير صالح، وأبى إلا الإصرار على الكفر حتى وقت الطوفان، ونزول الأمطار من السماء، وتفجير الأرض، ودعاه أبوه: اركب معنا! أي: آمن لتركب معنا قال: {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} [هود:43]. يرى البلاء بعينيه ويسمعه بأذنه، ويأبى إلا الإصرار وهكذا الخذلان عندما تطبع القلوب باللعنة والطرد من الرحمة، وحتى لا يعتمد الإنسان على أبيه وجده وحسبه ونسبه، فهذا ابن نبي عاش معه هذه المدة الطويلة، ولكنه ما استطاع أن ينفعه بقليل ولا بكثير. وهكذا كان يقول نبينا عليه الصلاة والسلام، وينادي زوجاته وأحفاده، وينادي بني هاشم: إياكم أن تأتوني تحملون على أكتافكم البعير والناقة وكذا وكذا، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، فلا ينفع مع الشرك شيء، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48]. فإن كانت هناك منفعة ففي الدنيا، بحيث يدعو النبي أو يدعو الصالح للإنسان الفاجر مادام حياً، فقد يستجاب له فيؤمن وتسبقه الهداية، كما دعا النبي عليه الصلاة والسلام ورجا من الله فقال: (اللهم اهد أحب العمرين إليك) فاستجاب الله دعاءه في عمر بن الخطاب؛ لأن عمر حتى في شدة كفره لم يستهزئ ولا سخر. أما المستهزئون الذين قال الله عنهم لنبيه: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر:95] لقد قال ابن تيمية: ما استهزأ أحد برسول الله في حياته أو بعد مماته إلا وختم الله له بسوء الخاتمة، لا تنفعه دعواه، ولا ينفعه شيء من عمله، لا صدقات ولا غيرها. فاستجاب الله دعوة نبينا في عمر بن الخطاب لأنه يكن من المستهزئين، وختم على أبي جهل بسوء الخاتمة والقتل والذل في بدر.
تفسير قوله تعالى: (ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا)
تفسير قوله تعالى: (ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا) تحمل نوح هذه المدة ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثم ما استطاع أن يصبر، فرفع يده إلى ربه يدعو على هؤلاء؛ فاستجاب الله دعاءه، وانتقم منهم، فقال تعالى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنبياء:77]. استجاب الله لنوح بعد هذه المدة القرون الطويلة، فأنجاه وأهله من سوء قومه وفجورهم وفسوقهم وأركبهم السفينة هو وأهله، ثم قال الله بعد ذلك: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ} [الأنبياء:77] تم النصر المؤبد المؤزر بأن ذل الأعداء فغرقوا، وانتصر نوح وفاز وكان مصيره (فأنجيناه). قوله: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ} [الأنبياء:77] أي: منعناه من القوم، و (من) حرف جر، وحروف الجر ينوب بعضها عن بعض، ويمكن أن تفسر: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ} [الأنبياء:77] أي: على القوم، والمعنى واحد. قوله: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأنبياء:77] أي: قوم نوح الذين كذبوا بآيات الله، وسخروا من نوح وهو يصنع السفينة، وكانوا يقولون له: أنت في صحراء لا بحر فيها، فلمن تصنع السفينة؟! فيمرون مستهزئين فيجيبهم: أنا أهزأ بكم كما تهزءون، ويظهر أنه اشتغل السفينة زمناً طويلاً، وكان نجاراً. قال تعالى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأنبياء:77] بقدرة الله ومعجزة لرسله على ما يريد جل جلاله. قوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ} [الأنبياء:77] أي: كانوا قوم منكر وفجور وفسوق، كانوا عصاة. {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنبياء:77] أي: كانت النتيجة أن غرقوا وماتوا خنقاً وغرقاً فخسروا دنياهم وآخرتهم؛ لأنه لا يغرق إلا المشرك. أما الذي آمن بربه وآمن بنوح نبيه فقد ركب مع نوح في السفينة، وأنجاه الله وأنقذه وملَّكه بعد ذلك الدنيا جميعها وقال الله عنه: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40] لم يتجاوزوا به العشرات، قيل: سبعون، وقيل: أقل، فكانت الدنيا كلها في ملك هؤلاء، وإن كان الماء قد أغرق كل شيء فأغرق القصور، والأرض، والنبات، وفاضت المياه إلى أن غمرت الجبال، وقد أركب معه من كل شيء زوجين ذكراً وأنثى، آمن به رجال ونساء فتوالدوا بعد ذلك، وأصعد معه الحيوانات من كل نوعٍ ذكراً وأنثى؛ لتتجدد الحياة مرة أخرى بعد الغرق.
تفسير قوله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث)
تفسير قوله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) قال تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء:78]. أي: يا محمد، كذلك كان فيمن ذكر لك من الأنبياء داود وولده سليمان النبيان الجليلان، واختص سليمان بالنبوة والملك الذي لم يكن لأحد من بعده. اذكر هذين النبيين الجليلين خاصة حال كونهم {يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} [الأنبياء:78] أي: يا محمد! اذكر داود وسليمان إذ أخذا يحكمان في الحرث كلاً على حدة، وكلاً بحكم جديد: {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} [الأنبياء:78] والنفش: الرعي ليلاً، والمعنى: اذكر داود عندما جاءه مزارع يشتكي إليه، وقد أتى بمن رعت غنمه في أرضه. قوله: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء:78]، والقصة: بينما كان داود جالس إذ جاءه رجلان مدعٍ ومدعى عليه، يقول المدعي: هذا رجل ترك غنمه في الليل سائمة، فدخلت إلى مزرعتي وأتت على جميع ما فيها، وكان الذي فيها حسب رأي بعض المفسرين الكرم، وكانت قد نضجت وتدلت منها عناقيد العنب. وقال قوم: هذه لا تسمى زراعة والله ذكر الحرث، فإذاً كان قمحاً وشعيراً وعلى هذا أكثر المفسرين، وإلى هذا نميل. قوله: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} [الأنبياء:78] والنفش: ترك الغنم ليلاً دون راعٍ، فدخلت إلى مزرعته فأتت على جميع ما فيها، وجد الغنم فقبضها وبحث عن صاحبها، فجاء فذهب يشتكيه إلى داود. {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء:78] أي: كنا حاضرين، فلا تخفى عليه جل جلاله خافية، فقد رأى حكم داود وسمعه ورأى حكم سليمان وهو يحكم بخلاف حكم أبيه.
تفسير قوله تعالى: (ففهمناها سليمان)
تفسير قوله تعالى: (ففهمناها سليمان) قال تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء:79]. بماذا حكم داود؟ قال: تعطي الغنم هذا الذي أكلت حرثه مقابل الخسارة التي خسرها في أرضه، والغنم كانت هي البديل والثمن، وكان سليمان ابن أحد عشر عاماً، فخرج المدعي والمدعى عليه على الولد وكان في باب محكمة أبيه، فسألهما عن حكم نبي الله داود؟ قالا: حكم أن الغنم لصاحب المزرعة مقابل خسارته قال: لو حكم بغير هذا كان أرفق له. فبلغت أباه هذه الكلمة فأرسل خلفه قال: بحق النبوة والبنوة -وكان نبياً- ما هذا الأرفق في الحكم الذي هو خلاف حكمي؟ قال: لو استحكمت لحكمت بغير هذا قال: بماذا تحكم؟ قال: أحكم بأن الغنم يأخذها من رعي زرعه، فتبقى عنده يستفيد من صوفها وألبانها ومن نسلها ومنافعها، وتسلم الأرض التي أكل زرعها لصاحب الغنم فيعتني بها ويجدد كرمها وزراعتها إلى أن يتم الزرع ويعود كما كان، ثم تعود المزرعة إلى صاحب الأرض، وتعود الغنم لصاحبها. وإذ بداود يقول: الحكم ما حكم، ورجع عن حكمه إلى حكم ولده، وهذا معنى قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء:79] حكم داود وحكم سليمان، ولكن الله تعالى أثنى على حكم الولد سليمان وجعله هو الفهم، وأن الله هو الذي ألهمه هذا الفهم، ولكنه لم يعد لحكم داود، وقال بعد ذلك: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء:79] أثنى على سليمان وداود، ولم يعنف داود ولم يرد حكمه، وأخبر أنه قد أتاهم من الحكمة والنبوءة ومن العلم معاً، ولكنه قال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء:79]. وهنا وقفات: أولاً: حكم سليمان وحكم داود في قضية واحدة كانا متغيرين، وهنا قال علماؤنا وفقهاؤنا: هل الحق يتعدد أو لا يتعدد؟ الجمهور على أن الحق واحد لا يتعدد، واحتجوا بهذه الآية مع غيرها، ودعنا نبقى مع الآية. الله أثنى عليهم معاً؟ نعم، ولكن جعل فهم الحكم للولد سليمان، وليس للأب، وأثنى على الأب وأنه آتاه الحكم؛ لأن داود حكم باجتهاده ولم يأل أن يحكم إلا بما أداه إليه اجتهاده، والمجتهد بعد بذله الجهد مأجور مثاب حتى مع خطئه، وهنا اختلف علماء الكلام أيجتهد النبي أو لا يجتهد؟ وإذا اجتهد هل يخطئ أو لا يخطئ؟ فحكم سليمان حكماً، وحكم داود حكماً، ونقضه سليمان، وعاد داود إلى حكم ولده، ولا شك أنه لو كان الحكم الذي حكم به داود عن وحي لما قال الله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء:79] ولكان داود قد نفذ وحياً، وبما أن الله قال (ففهمناها سليمان) ولم يقل إنه فهمها داود كان ذلك دليلاً على أن داود حكم باجتهاده. وهل النبي المجتهد يخطئ؟ نعم يخطئ، ولكن الفرق بينه وبين غيره: أن خطأ النبي في الاجتهاد لا يقره الله عليه، كما فعل ربنا، حيث قال عن الولد سيلمان: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء:79] وفي ضمن ذلك أن داود لم يوفق للحكم، لكن مع ذلك هو مثاب مأجور؛ لأنه بذل من نفسه الجهد بما يستطيع. الوقفة الثالثة: هل للحاكم أن يعود في الحكم بعد أن ظهر خطأ ما حكم به في الأول؟ إن كان لا يزال هو الحاكم فله أن يرجع إلى الحق، والرجوع للحق فضيلة، أما إذا مات القاضي أو عزل فالقاضي الذي يأتي بعده لا حق له في نقض الحكم إن كان مبنياً على الاجتهاد، أما إن كان اجتهاده مخالفاً لنص من كتاب أو سنة فلا حرمة لهذا الحكم. أما إن كان عن اجتهاد بلا نص، فحكمه يبقى كما هو ولا رجوع فيه إلا من القاضي نفسه إذا بقي في الحكم، يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحاح: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، وليس الأجر على الخطأ هيهات! وإنما الأجر على الاجتهاد: الأول له أجران: أجر في الاجتهاد وأجر في الإصابة التي وفق إليها. والثاني له أجر على اجتهاده: أما الحق فلم يوفق إليه، ولكنه لا يلام؛ لأنه بذل جهده، ومقدار قدرته، فهو مأجور على ما بذل من نفسه بالوصول إلى الحق حسب اجتهاده، وفي شريعتنا ما يؤكد هذا بقصتين كلتيهما في الصحيح حدثتا في الاجتهاد المختلف من الأصحاب في الحياة النبوية: القصة الأولى: كان هناك صحابيان في فلاة من الأرض، فدخل وقت الصلاة، فبحثا عن الماء فلما يجدا، فتيمما وصليا قبل خروج الوقت، ثم وجدا الماء فتوضأ أحدهما وأعاد الصلاة، أما الثاني فلم يصل قال: أنا قد صليت والفريضة لا تكرر مرتين في اليوم ولا في الوقت، فقال عليه الصلاة والسلام لمن لم يعد الصلاة: (أصبت السنة) وقال للآخر: (لك الأجر مرتين) من المخطئ ومن المصيب؟ لا شك أن المصيب من قال له رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أصبت السنة) ولم يقل للآخر: (أصبت السنة) وإنما قال له: (لك أجرك مرتين) لأنه صلى صلاتين، الصلاة الأولى أجر عليها وأداها، وهي الفريضة، والصلاة الثانية كانت اجتهاداً، فله أجر الاجتهاد. أما المصيب فله الأجر مضاعفاً، أجر الفريضة وأجر إصابته السنة، وإن كان اجتهاده سلبياً، ولكنه اجتهاد على أي حال، فله أجر بالاجتهاد، وأجر بإصابة الحق. القصة الثانية: لما انتهى النبي عليه الصلاة والسلام من غزوة الأحزاب جاءه جبريل ودخل عليه فقال له: أنزعت لأمة الحرب؟! أما نحن فلم ننزعها -يعني: الملائكة- وإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يدعو النفير إلى يهود بني قريظة الذين جاءوا من خلفه يريدون أن يحاربوه من الداخل مع غطفان وقريش. وقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) وكان هذا بعد الظهر، وإذا بالقوم بعضهم أدركته الصلاة فصلى في الطريق قبل الوصول إلى بني قريظة، وبعضهم لم يصل الصلاة إلا في بني قريظة، وبعضهم ما صلاها إلا بعد المغرب. فحضر رسول الله عليه الصلاة والسلام ولم يعنف أحداً، لا من صلى في الطريق ولا من أخر الصلاة إلى بني قريظة، وأقر اجتهادهم جميعاً. وهذا يعني أن الحق يتعدد، والحقيقة أنه لا يتعدد، والأجر لا يكون على الخطأ وإنما يكون على الاجتهاد، وسكوت النبي عليه الصلاة والسلام دليل على أن كل واحد من هؤلاء الذين اختلفوا اجتهد وبذل جهده، فلا يعنف بل يشكر ويثاب. وفي هذه القصة كيف فهم القوم النص؟ وهذا اجتهاد في فهم النص لا في النص، فالبعض فهم من قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) أن معناه أن يبذل كل ممكن ليصل إلى بني قريظة في أسرع وقت، فصلوا في الطريق مسرعين، وآخرون كانوا ظاهريين مثل الظاهرية، فقالوا: لا نصلي الصلاة إلا في بني قريظة حتى ولو وصلنا وقت الفجر. وقد قال ابن حزم بعدهم في القرن الخامس: لو كنت حياً ولم أصل إلى بني قريظة إلا بعد سنة لما صليتها إلا بعد سنة، لشدة تمسكه بالظاهر، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يعنف أحداً، والمحق هو من صلاها في الطريق واستعجل بها؛ لأنه كسب شيئين، أطاع النبي عليه الصلاة والسلام في الإسراع إلى بني قريظة، ولم يؤخر العصر عن وقتها، ولم يأت أمر بذلك، بل صلاة العصر مشدد فيها جداً، والعصر هي الصلاة الوسطى كما في صحيح مسلم، وقال عنها النبي عليه الصلاة والسلام: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) وقال عنها النبي عليه الصلاة والسلام: (من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله) وهذا تهديد ووعيد. ومن هنا كان المجتهد في فهم النص أو فيما لا نص فيه مثاباً على كل حال، فالمصيب له أجران، والمخطئ له أجر مقابل الاجتهاد.
الأنبياء [78 - 80]
تفسير سورة الأنبياء [78 - 80] لقد فضل الله بعض خلقه على بعض حتى الأنبياء، ومن ذلك أن سيدنا سليمان كان في القضاء أحكم من أبيه داود عليهما السلام، وقد جاء في الكتاب والسنة بقضايا من ذلك.
تفسير قوله تعالى: (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما)
تفسير قوله تعالى: (ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً)
تفهيم سليمان الحكم
تفهيم سليمان الحكم قال الله عزت قدرته: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:79]. لا نزال مع عباد الله المكرمين، وأنبيائه المرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولا نزال مع داود وولده سليمان وهما يحكمان في قضية حرث وزرع قد نفشت فيه غنم القوم، قال تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} [الأنبياء:78]. يقول الله: يا محمد! واذكر داود وسليمان النبيين الكريمين إذ يحكمان في الحرث. إذ نفشت فيه غنم القوم، والنفش: الرعي ليلاً، وقد قلنا بأن قوماً أطلقوا سبيل أغنامهم ليلاً بلا حارس ولا راع، فدخلت في مزارع أقوام، فأتت عليها وجعلتها أرضاً كأنها لم تزرع، وإذا بالقوم يأتون إلى نبي الله داود، فقالوا: يا نبي الله! إن هؤلاء قد أطلقوا أغنامهم ليلاً دون حراسة ولا رعاية، فدخلت الغنم على مزارعنا، فأتت عليها رعياً، ولم تبق منها ولا تذر، فاحكم بيننا بما علمك الله. وإذا بداود يحكم أن الأغنام تنزع ممن أطلقها من أصحابها دون رعاية ولا حراسة، ويملكها من دخلت مزرعته، ورعت أرضه، وخربت غرسه وزراعته. وإذا بهؤلاء المترافعين المتحاكمين يخرجون من محكمة داود، وإذا بسليمان -وهو لا يزال صبياً لم يتجاوز بعد السنة الحادية عشرة- يقول لهم: بماذا حكم عليكم نبي الله داود؟ فقصوا عليه الخبر، أنه حكم بأن تملك الأغنام لمن ذهبت مزرعته، فيقول سليمان: كان أرفق بهم أن يحكم لهم بغير هذا، ثم حكم بأن الغنم يأخذها صاحب المزرعة فيعتني بها ويرعاها ويكسب لبنها، ونسلها، وصوفها، ويسلم للغرماء الأرض التي أهلكتها أغنامهم فيزرعونها إلى أن تتم تلك المزرعة مثلما كانت من قبل، وتستصلح كما كانت قبل أن تفسدها الأغنام، وعند ذلك تعود الغنم لأصحابها، وتعود المزرعة لأصحابها، وإذا بداود يبلغه الخبر فيقول: نعم ما حكمت! ورجع عن حكمه، وحكم بينهم بذلك. قال الله تعالى: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء:78] كان الله عالماً وهما يصدران الحكم على أصحاب الأغنام لمصلحة صاحب المزرعة، ولكن الله جل جلاله أثنى على حكم سليمان، وما عاب حكم داود فقال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء:79] فهم القضية فحكم بالصواب، وحكم بالحق الصراح، وعاد أبوه داود إلى الحكم الذي حكم وارتأى، فذلك معنى قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء:79].
اجتهاد الحكام والمجتهدين
اجتهاد الحكام والمجتهدين ثم أثنى على الكل فقال: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء:79]. آتى الله كلاً من داود وسليمان حكماً وأكرمهما بالعلم، وجعلهما نبيين رسولين كريمين، وعلمهما ما لم يكونا يعلمانه، ولكن مع هذا اجتهد داود فأخطأ، واجتهد سليمان فأصاب، فكان الثناء على سليمان من قبل الله بقوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء:79]، لأنه كان المدرك لها، والفاهم لحقيقتها، ولكن مع ذلك أثنى على الأب والابن بالعلم والحكم، والمعرفة والحكمة. وهذا قريب من قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن، أنه عليه الصلاة والسلام قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد) فيثاب الحاكم حال اجتهاده وبذله من نفسه الجهد ليصل إلى الحق والصواب، ويؤجر على كل حال، إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وفي حين غلطه يؤجر للاجتهاد والبذل، أما إصابة الحكم فلا أجر له فيها، كما أنه لا يعاب فيها؛ لأنه لا يطالب بأكثر من أن يبذل من نفسه الجهد، ليصل إلى الحقيقة. قال الحسن البصري إمام التابعين: هذه الآية كانت بلسماً وشفاءً للحكام والقضاة، وأنهم لا يطالبون بأن يصيبوا الحقيقة؛ لأن الصواب من الله، ولكنهم يطالبون بأن يبذلوا الجهد من أنفسهم، للوصول إلى الحق والصواب في الحكم، فإن هم أخطئوا بعد الاجتهاد فلا ملام عليهم، ويثابون ويؤجرون على الجهد، وإن أصابوا فلهم أجران: أجر للصواب، وأجر للاجتهاد الذي بذلوه من أنفسهم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: (القضاة ثلاثة) كما في مسند أحمد والصحاح، وفي رواية: (قاض في الجنة وقاضيان في النار، قاض علم الحق وحكم به فهو في الجنة) علمه حسب اجتهاده وعلمه واطلاعه على نصوص القرآن والسنة والإجماع، فإن لم يجد فيقيس ويبذل الجهد ليصل إلى الحق بصفة عامة استنباطاً واستخراجاً من مفاهيم النصوص (وقاض علم الحق ولم يحكم به فهو في النار، وقاض لم يعلم الحق ولم يحكم به فهو في النار). وهكذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (قاض في الجنة وقاضيان في النار) وقد سبق أن سليمان -وهو لا يزال صغيراً- حكم أحكاماً نقض بها أحكام والده، وكلٌ أوتي الحكم والعلم.
حكم داود وسليمان في قضية المرأتين والطفل الذي أكله الذئب
حكم داود وسليمان في قضية المرأتين والطفل الذي أكله الذئب وفي الصحيحين أنه كان هناك امرأتان لهما ولدان، وإذا بذئب يعدو على أحد الولدين فيفترسه ويفر به، فذهبا إلى داود يحتكما إليه فقالت الكبرى: ولدي هو الحي الذي لم يأكله الذئب وقالت الصغرى: بل هو ولدي، فحكم به داود للكبرى، فخرجت المرأتان وكان سليمان عند الباب فقال: بم حكم لكما أبي؟ فقصا عليه أنه حكم للكبرى بأن الولد لها، فقال لهما: لو حكمت بينكما لحكمت بخلاف هذا، ائتوني بسكين، وأوهمهما أنه يريد ذبحه ولا دليل لواحدة منهما على صدق قولها، قال أبو هريرة: أول مرة أسمع أن المدية تسمى سكيناً، هكذا في الرواية، فجيء بالسكين فقال سليمان: سأقسمه شطرين شطراً للكبرى وشطراً للصغرى. فصاحت الصغرى: لا يا نبي الله، دعه للكبرى، وإذا بسليمان ينتزع الولد من الكبرى ويعطيه للصغرى. وقد جعل عنوان الحديث النسائي في السنن: باب حكم الحاكم بما يناقض الحكم ويوهم خلافه، إخراجاً للحكم واستخراجاً للحق، فسليمان لم يكن يريد أن يقسم الولد، ولكن يريد أن يكتشف ويختبر عاطفة الأمومة عند هاتين المرأتين، بأنه ستقول الأم الحقيقية: لا تقطعه، وستحرص على حياته، ولو لم يكن تحت حضانتها ولا بيدها، والأم غير الحقيقية ليس لها عليه عطف ولا بر، فتوافق على القطع؛ لأنه ليس ولدها. وهكذا استخرج سليمان الحق بإيهامهما أنه سيقطعه قسمين، وبهذا اكتشف الأم الحقيقية، فأقر حكمه أبوه داود.
حكم داود وسليمان في المرأة التي رميت بالزنا بالكلب
حكم داود وسليمان في المرأة التي رميت بالزنا بالكلب ولسليمان قصة ثالثة رواها أصحاب الصحاح والسنن عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيما ورد لنا من أحكام سليمان وداود: أنه جاء أربعة من رؤساء بني إسرائيل فقذفوا صالحة من صوالح نسائهم، وقالوا: إنهم رءوا كلباً يزني بهذه المرأة، دربته على ذلك، فحكم داود بقتل المرأة، وصدر الحكم، فلما خرجوا من المحكمة ومجلس داود لتنفيذه، وإذا بسليمان مرة أخرى عند الباب، فقال لهم: بم حكم لكم نبي الله داود؟ فقالوا: بقتل المرأة، قال: لو كنت مكان أبي لما حكمت بذلك، قالوا: فاحكم، وفي رواية: صنع (تمثيلية) كما يقال اليوم حيث أتى بأربعة من الصبيان وألبسهم لباس رؤساء بني إسرائيل، وأحضر معه صبيين آخرين كمساندين ومؤازرين، وألبس خامساً لبسة المرأة، وقال لهم: تحاكموا إلي واقذفوا هذه المرأة كحكومة أبي، فأتوا وقالوا ما قاله أولئك، إن هذه المرأة فعلت كذا بكلبها، وإذا بسليمان أبعد ثلاثة وأخفاهم، وأتى بالرابع، فقال له: ما لون الكلب؟ فقال: أبيض، فأمر بإخفائه، ثم أتي بالثاني فسأله: ما لون الكلب؟ قال: أسود، فأخفاه، وأتى بالثالث فقال: أغبر، فأخفاه، وسأل الرابع فقال: رمادي. ثم أتي بالمرأة فقال لها: ما قصتك؟ قالت: أنا بريئة، ولكن هؤلاء راودوني على نفسي فامتنعت، فأرادوا أن ينتقموا مني بالقذف؛ فحكم بقتل الأربعة وبراءة المرأة، فأبوه رأى هذه التمثيلية -كما يعبر عنها اليوم- فنقض حكمه وحكم بحكم ولده سليمان.
حكم جنايات البهائم في الإسلام
حكم جنايات البهائم في الإسلام أما مسألة الغنم والزرع فما حكم الإسلام في هذا؟ جاء عن البراء بن عازب -كما في مسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك - (أن ناقة للبراء بن عازب رعت ليلاً في حائط أقوام -بستان- فأتت عليه، فرفع الأمر صباحاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أفسدت الدواب ليلاً فالضمان على صاحب الدواب، وما أفسدته نهاراً فلا ضمان) أي: فحكمه عليه الصلاة والسلام أن حراسة الحيطان والبساتين ليلاً يجب أن تكون على أصحابها؛ لأن النهار ليس وقت رعي للأغنام، فإن خرجت الأغنام من مكانها فمعناه أنها أفلتت من أصحابها، ولم يكونوا معها؛ لأن الليل ليس وقتاً للرعي، وعلى أصحاب البساتين أن يحفظوا بساتينهم. والحكم إذا أفسدته في النهار أن الضمان على أصحاب الغنم؛ لأن الشأن في النهار أن يكون معها رعاتها، فهي محروسة، فإذا تركت لتفسد مزارع الغير فذلك بإهمال الرعاة وأصحاب الأغنام والإبل والدواب. ومن الأصول والقواعد فيها: أن المفرط أولى بالخسارة، فعندما فرط أصحاب البساتين ليلاً من رعاية بساتينهم فالخسارة عليهم ولا ضمان، وعندما يفرط أصحاب الدواب والأغنام نهاراً وكان ينبغي ألا يفعلوا فالخسارة عليهم، والضمان عليهم.
اجتهاد الأنبياء
اجتهاد الأنبياء {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء:79]، وكلاً من داود وسليمان آتاه الله الحكم، آتاه الله النبوة وآتاه العلم، وسبق أن قلنا بالأمس، هل يجتهد الأنبياء أو لا يجتهدون؟ المحققون من أهل العلم يقولون بالاجتهاد، ودليلهم هذه الآية الكريمة، فقد حكم داود مجتهداً، ولو حكم بالوحي لما مدح الله حكم سليمان وأغفل حكم داود، وجعل الفهم لسليمان لا لداود، وإذا اجتهدوا فقد يخطئون، ولكن خطأ الأنبياء لا يقرهم الله عليه، كما فعل ربنا هنا في هذا الحكم، فلم يقر داود وإن أثنى عليه بالاجتهاد، وأقر سليمان وأثنى عليه. وهذا ما حصل لنبينا عليه الصلاة والسلام في كثير من القضايا التي لا وحي فيها، ومن أشهرها ما كان في غزوة بدر، عندما وضع خيامه ومعسكره في جانب الماء، فجاء أحد الأنصار من جند رسول الله صلى الله عليه وسلم واسمه الحباب بن المنذر فقال: (يا رسول الله! هل هذا منزل أنزلك الله فيه، لا رأي لنا فيه، أم أنه الرأي والمكيدة والحرب؟ قال: بل الرأي والمكيدة، قال: ما أرى هذا بموقف، لنصعد الجبل ونمنع أعداءنا من أن يأتوا إليه فيمنعونا من الماء بنبالهم وسهامهم، فأقره رسول الله عليه الصلاة والسلام)، ولو كان هناك وحي لما رجع إلى رأي الحباب، وقد صرح: إنما هو الرأي، ويؤكد هذا قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران:159] ولا تكون المشاورة إلا في الاجتهاد، أما في أمر وحي إلهي فلا مجال للمشورة. ومن هنا كان الله تعالى قد أمر نبيه عليه الصلاة والسلام ليكون أسوة للخلفاء بعد استشارة أولي الرأي وأولي الفهم والعلم فيما لا نص فيه، فإن كان هناك نص فلا مجال للرأي، إلا إذا كان النص يحتمل ويحتمل، فتبقى المشورة قائمة. {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:79]. سخر الله وأخضع الجبال والطير مع داود تسبح، وهو يفهم تسبيحها وذكرها، ويفهم عبادتها وصلاتها، الله علمه ذلك وخصه به. وقد قال ربنا جل جلاله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء:44] يسبحه الجن والإنس والملك والدواب والطير وحيتان البحار والهوام وكل خلق الله، جماداً ومتحركاً، وهذا يؤكد ذاك: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ} [الأنبياء:79] فالجبال أيضاً كانت تسير مع داود وهي تسبح الله وتوحده وتعظمه، وكان إذا سبح سبحت معه، وإذا صلى صلت معه. كما سخر الطير، وكان ذلك بالنسبة للطير لجمال صوت داود الذي إذا تغنى بمزاميره التي أنزلها الله عليه، وأخذ يتلوها، ويعبد الله بها، لا يبقى طائر سمع الصوت إلا ويرتمي بين يديه أو يحلق فوقه، وهو يسبح معه بلغته وصوته. نبينا عليه الصلاة والسلام مر ليلة على دار أبي موسى الأشعري، وإذا به يسمعه يتلو القرآن فيتوقف ملتذاً عليه الصلاة والسلام ومتفاعلاً مع جمال صوت أبي موسى، وحسن تلاوته وتجويده، وإخراجه للحروف، فلما أصبح الصباح قال النبي عليه الصلاة والسلام لـ أبي موسى: (لقد أوتيت يا أبا موسى مزماراً من مزامير آل داود) أي: التي كان يتغنى بها بتلاوة الكتاب الموحى به، ويذكر ربه، ويوحده، ويمجده. قال أبو موسى عندما قال له هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو علمتك تنصت إلي لحبرته لك تحبيراً) أي: لجملت ذلك مترنماً متغنياً مجوداً، ولكن كان على طبيعته بالنسبة إلى سماع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليه، والله أعلم. وأدركنا أناساً في الشام عندما ينادون بذكر الله واسم الجلالة، وعندما يتلون كتاب الله مجوداً وبحروف يخرجونها كما أنزلت مع جمال الصوت، وتكون الليالي باردة على حال برد الشام، والشبابك مقفلة بالزجاج، لا تشعر إلا والطيور تترامى على هذا الزجاج بالعنف، وقد تقع في الأرض لشدة الصدمة ميتة، وقد يكسر الزجاج فيطير الطائر ويقف بين يديه وهو ينصت، وهو عادة متوحش لا يقبل أن يحضر مع الناس؛ ولذلك هذا الطير الذي خلقه الله هو أيضاً يذكر الله، وهو أيضاً له حاسة بالتمتع والتلذذ بذكر الله وجمال صوته به، وهذا من معجزات هؤلاء الأنبياء الكرام. {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} [الأنبياء:79] أي: وسخرنا له الطير تسبح معه، وتعظم معه، وتمجد معه. {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:79] أي: فاعلين تفهيم سليمان لحقيقة الحكم، فاعلين لتسخير الجبال والطير لداود، فاعلين لفهم داود لذكر الجبال وتوحيدها وعبادتها، وذكر الطير وعبادته وتغنيه كذلك بربه، كنا فاعلين كل ذلك، فهو صاحب الأمر والنهي، وهو الفاعل المختار جل جلاله وعز مقامه.
تفسير قوله تعالى: (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم)
تفسير قوله تعالى: (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم) قال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء:80]. ومما علمه داود وميزه بذلك على سليمان قبل أن يلي سليمان النبوة دون أبيه والملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده: أنه علمه صنعة لبوس، واللبوس: الملبوس. قال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ} [الأنبياء:80] أي: لبني إسرائيل، لقوم داود، وهي حكاية فيما قص الله علينا مما أوحى به لداود وسليمان، وهي أيضاً ذكر لنا للشكر بأن ذلك انتفع به الأولون، وانتفع به من كان معاصراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الآن وإلى يوم القيامة. قوله: {لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء:80] وهو لأمة الحرب، وألبسة الحرب، تلك اللأمة التي تلبس على الصدر والظهر والرأس؛ لتقي البدن من ضرب السهام ومن ضرب السيوف، هذه اللأمة كانت تصنع قديماً من الصفائح، وتكون ثقيلة على البدن، لا يكاد يحملها إلا بمشقة، وتصنع من الفولاذ الذي هو أقوى أنواع الحديد التي لا يؤثر فيها ضرب برصاص ولا ضرب بسيوف، وقد علَّم الله داود في حروبه مع أعدائه أن يصنع اللأمة من حلق، هذه الحلقات تتسع وتضيع على البدن حسب كل جسم وما يناسبه، وتكون أخف على البدن. {لِتُحْصِنَكُمْ} [الأنبياء:80] أي: لتدافع عنكم، ولتصونكم، وتدفع عدوكم وسيوفه وسهامه ونباله، فتكونون في حصن، وفي مأمن من أن تنالكم سهام الأعداء أو رصاصها أو سيوفها. (من بأسكم) أي: من حربكم لأعدائكم. قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء:80] قالوا: الخطاب حكاية عما قاله الله لداود ولقومه. وقال البعض: إن الخطاب للمسلمين من المهاجرين والأنصار عندما أذن لهم بالحرب والقتال، فهم أيضاً استفادوا من هذا الزرد، ومن هذه اللأمة التي أول من صنعها هو داود بنص القرآن الكريم، ودائماً الفضل للمخترع الأول.
الأنبياء [81 - 85]
تفسير سورة الأنبياء [81 - 85] ما من معجزة جعلها الله للأنبياء إلا وستصير أمراً عادياً، ومن ذلك الريح المسخرة لسيدنا سليمان عليه السلام، فإنه كان معجزة واليوم يماثلها الطيران.
تفسير قوله تعالى: (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره)
تفسير قوله تعالى: (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره) قال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} [الأنبياء:81]. المعنى: وسخرنا لسليمان الريح عاصفة، شديدة الهبوب، تجري وتتحرك وتتنقل بأمره كما يريد {إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأنبياء:81]. بكل بقعة من بقاع الأرض، والغاية والبداية التي باركنا فيها هي أرض الشام حيث سليمان، سخر الله له الريح العاصفة أي: الشديدة، وفيه آية أخرى: {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} [ص:36]، والرخاء: اللينة، ومعنى ذلك: أنها تكون عاصفة عندما يريد حسب أمره وإرادته، وتكون لينة رخاء عندما يريد ذلك ويراه من المصلحة، وكيف كان فهذا هو الطيران الذي نراه الآن، سخر الله ذلك لسليمان قبل أن يخطر هذا على خاطر بشر، وكان يأتي إلى بساط صنعه الجن ونسجوه، قالوا: كان عرضه فراسخ وطوله فراسخ، فكان ينتقل فوقه بسلاحه وبجيوشه ومؤنته، وبما يحتاج إليه، وينتقل إليه مسافة شهر ذهاباً وإياباً، والريح التي تنقله حسب ما يراه، إن كانت المسافة والغاية بعيدة تكون الريح عاصفة، شديدة، قوية، وإن كان المكان قريباً تكون رخاء لينة. وهذه الريح التي سخرها الله لسليمان هو ما سخر لنا في عصر الطائرة، فإنه لو وقف الهواء لسقطت، وهي تجري في الريح، وإذا وصلت إلى الغلاف الجوي من السماء لما أمكن نزولها إلا بآلات وصنعة جديدة، وقد تفجر وتبقى قطعها ضائعة في الهواء حيث لا ثقل للأبدان. وهذا البساط مصنوع قيل: صنع من خشب، ومن سود، فالطائرات صنعت من خشب، وصنعت من سود، وصنعت من حديد، وصنعت من أنواع أخرى، ولولا الهواء الذي سخره الله لما طارت الطائرات، ولكن هذا كان في عصر سليمان معجزة؛ لأنه لم يصنع له شيئاً، ولم يعد له شيئاً، فكان معجزة لسليمان من الله، صنعها الله له، وقديماً قال أحد العلماء العارفين من المشاهير: لا تقوم الساعة حتى لا تبقى معجزة من المعجزات التي ذكرها الله للأنبياء إلا وتصبح شيئاً عادياً، لأن النبوات انتهت، ولا حاجة إلى معجزات إلا إذا كانت كرامات، والكرامات لا يتحدى بها، وآخر الأنبياء نبينا عليه الصلاة والسلام، فمعجزته الخالدة الدائمة هي هذا الكتاب العظيم الكريم، فكونه لم يغير ولم يبدل، وكونه أعجز البشر عن الإتيان بمثله لفظاً وعبارة، وأعجزهم عن الإتيان بمثله بما فيه من علوم ومعارف صادقت العلم قديماً وحديثاً، حذو القذة بالقذة، فلم تبق هناك حاجة إلى معجزة، وإنما تقع كرامة الأولياء، ولكن لا تحدي فيها، وهذا الفرق بين المعجزة والكرامة، المعجزة أتت من الأنبياء للإعجاز والتحدي، والكرامة لا يتحدى بها. من هنا يقول: ما كان معجزة لن تنتهي الدنيا حتى يصبح شيئاً عادياً، ومن ذلك بساط سليمان، فنحن نطير الآن من قارة إلى قارة، بما لم يكد يخطر على بال الإنسان قبل أن يكون ذلك، لو رأى الطائرات آباؤنا وأجدادنا قد يصابون بمس في العقول، ويظنونها أولاً طائراً، فإذا أتوا إليها ورأوها حديداً وخشباً لم يقبلها تصورهم ألبتة، ونحن إنما قبلناها لأننا رأيناها وركبنا فيها، وامتطيناها، ورآها الجميع، ومنكرها يكون مجنوناً، هذا ما قال الله لنا: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ} [فصلت:53]، وهذه منها، وهذه كانت معجزة والآن شيئاً عادياً. من ذلك، أيضاً قصة سليمان عندما جاءه الهدهد، فأخبره أنه رأى قوماً معتكفين على عبادة الشمس، ولا يؤمنون بالله، وإذا به يأمر الجن: أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين {قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل:39 - 40]، أي: قبل أن تتحرك أجفانك يكون أمامك، وقد كان، فقيل لها: {أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} [النمل:42] وعندما دخلت الصرح كشفت عن ساقها وحسبته لجة، واضطرت للإيمان بالله إله سليمان. هذا الذي حكاه الله أيضاً معجزة، إن بين صنعاء وأرض الشام آلاف الكيلو مترات، لكن الصواريخ اليوم والطيران الذي وصل إلى الأعالي يقطع هذا في لحظات، وليس ذلك معجزة، والذي يصنعها ليس مؤمناً، وهذا تأكيد للمعنى الذي قاله هذا العالم، وكان قد ذكر ذلك ولم يذكر أمثلة؛ لأن الأمثلة لم تكن بعد، قال: (لا تقوم الساعة حتى يصبح ما كان معجزة أمراً عادياً). {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} [الأنبياء:81] بعلمه كان ذلك، بإذنه كان ذلك، وبتسخيره جل جلاله كان ذلك.
تفسير قوله تعالى: (ومن الشياطين من يغوصون له)
تفسير قوله تعالى: (ومن الشياطين من يغوصون له) قال تعالى: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [الأنبياء:82]. أي: كما سخر لسليمان الريح سخر له الجن، يغوصون في البحار فيأتونه بجواهرها ودررها. قوله: {وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ} [الأنبياء:82]. أي: من محاريب وتماثيل وجفان، وكل بناء وغواص، يبنون ما يريد، وكان سليمان إذا أمر الجن بأمر، أو كلف بهم أحداً من ولاته، وأمرائه، وحكامه يقول له: إذا انتهى من شغل فأشغله بآخر، وإلا فسيعود ليخرب ما شغل؛ ولذلك إذا لم يكن له شيء يصفدهم في الأصفاد، لأن الشيطان من عمله التخريب لا الإصلاح، وهم دائماً يعملون هيبة لسليمان وخوفاً من بطشه. قوله: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [الأنبياء:82]. أي: كان حافظاً لسليمان وجنده من فساد الشياطين وتخريبهم. وفسِّر أيضاً (حافظين) من أن يخربوا ويفسدوا، ومن ذلك تصفيدهم بالأغلال والحديد من قبل سليمان؛ لكي لا يخربوا، وما عادوا للخراب والإفساد حتى مات سليمان، فانتشروا فرحين لتمام إفسادهم وتخريبهم في الأرض.
تفسير قوله تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر)
تفسير قوله تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر) ذكر الله لنا الأنبياء الماضين آدم ونوحاً وموسى وهارون وداود وسليمان، وسنذكر أيوب وذا النون وزكريا، ثم مريم عليهم جميعاً وعلى نبينا الصلاة والسلام، ومن هنا سميت السورة بسورة الأنبياء. قال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء:83 - 84]. هاتان الآيتان في قصة أيوب مختصرة، وقد مضت قبل، وأيوب هو نبي الله ورسوله، ضُرب المثل بصبره على أنواع البلاء وقد كان يملك من الدنيا ما لا يملكه الملوك، وكان له من الزوجات والأولاد ما لا حصر له، وكان له من كل نعم الأرض الكثير والكثير، والله الفاعل المختار لا يسأل عما يفعل، وإذا به جل جلاله أراد أن يجعل من أيوب مثالاً للمبتلين، فأصابه في أمواله فذهبت وكأن لم تكن، ثم الأولاد والأهل جميعاً إلا امرأته، ثم ابتلي هو في جسده، ويقال بُلي بأنواع من الأمراض تساقط لها لحمه ورق عظمه إلى أن مله قومه ورموه على مزبلة، ولم يبق من المحيطين به إلا صديقان تابعان، وزوجته الحانية الوحيدة عليه. طال بلاؤه سنوات، وهو في كل ذلك يحمد الله أن حفظ عليه لسانه يسبح الله ويمجده ويعظمه، وحفظ له قلبه ليبقى حاضراً في الذكر والعبادة لله. طال البلاء فكانت زوجته تشتغل في البيوت لتأتيه بما يأكل، وامتنع الناس أن يعطوها، وإذا بيوم تأتي بظفائرها مقصوصة فقال لها: أين ظفائرك؟ قالت: بعتها لآتيك برغيف؛ فغضب في هذه الحالة عليها، وأقسم ليجلدنها مائة جلدة، فصبرت واحتسبت. وذات يوم جاء هذان الصاحبان وكانا يترددان عليه، فقال أحدهما للآخر وأيوب يسمع وما كان يظنان أنه يسمع: هذا البلاء الذي أصاب الله به عبده أيوب لا شك أنه صنع معصية مع الله فعذّبه عليها بهذا البلاء. فلما سمع ذلك آلمه أكثر مما هو فيه، وأخذ يجأر لربه: يا رب! لا أعلم أني ظلمت نفسي وأذنبت وأسأت، اللهم ارفع عني ما بي من ضر. قوله: {وَأَيُّوبَ} [الأنبياء:83] أي: اذكر أيوب يا محمد إن كنت قد صبرت على بلاء قومك حين شتموك، وكسروا رباعيتك، ورجموك بالحجارة في قدميك، وهجروك ثلاث سنوات في مكة إلى أن أكلت الشجر والنبات، اذكر ما كان بأيوب ومع ذلك صبر، ماذا أدركت؟ وماذا ابتليت مما ابتلي به أيوب؟ كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله، وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله؛ ليأخذ من ذلك قوة وطاقة للبقاء باستمرار يدعو ويقاتل، ولا يبالي بأي بلاء بلي به. وليبق أيوب مثالاً لكل مبتلى من المؤمنين؛ حتى لا تهتز عقيدته وإيمانه، ويعتقد أن الدنيا زائلة بما عليها وما فيها مهما كان، والعاقبة للمتقين. سمع أيوب ما سمع فصاح: يا رب! اكشف ما بي من ضر قال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء:83]. فأخذ أيوب ينادي ربه ويضرع على قدر ضعفه، ولكن كان لسانه لا يزال سليماً، وقلبه لا يزال حاضراً، فنادى ربه وتضرع إليه ودعاه: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء:83] فارحمني يا رب! وارفع ما بي يا رب!
تفسير قوله تعالى: (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر)
تفسير قوله تعالى: (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر) قال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ} [الأنبياء:84] كيف كان ذلك؟ عندما دعا أيوب وقد سمع ما سمعه من صاحبيه إذا بالله يقول له: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص:42] وجاء الفرج، فضرب الأرض فتفجرت عين فأخذ يغتسل بالماء الذي تفجّر عند قدميه، وما من غرفة ماء يصبها عليه إلا وتنزل بما فيها من أمراض من قيح وصديد ودم وضعف وهكذا إلى أن أصبح شاباً كما كان ابن عشرين سنة جمالاً وضياء وإشراقاً وقوة، وسواد شعر واكتمال قوة، فقد ذهبت الأمراض الظاهرة كلها وزالت، وأخذ يشرب، وإذا بالأمراض الباطنية جعلت تنزل من دبره، وإذا به يعود أصح ما كان قوة وشباباً، وكأنه لم يمرض يوماً. ومن هنا يأخذ المبتلى المؤمن أنه مهما ابتلي الإنسان لا تزال الرحمة قائمة، فالله أرحم الراحمين يسمع هو الذي يرفع الضر وينجي منه، ويعود بالمغفرة والعافية والصحة كما عاد على أيوب ظاهراً وباطناً.
تفسير قوله تعالى: (وآتيناه أهله ومثلهم معهم)
تفسير قوله تعالى: (وآتيناه أهله ومثلهم معهم) قال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [الأنبياء:84]. ظاهر الآية يدل -كما يقول جمهور المفسرين- على أن الله أحياهم كأشب ما كانوا والأهل يُطلق على الزوجات والأولاد، فعاد الأولاد والنساء كأشب وأقوى ما كانوا عندما كانوا في الحياة. قوله: {وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [الأنبياء:84] أكرمه الله بأن أعطاه ما كان، وضاعفه مثليه، وكيف كان الضعف؟ هؤلاء الزوجات أولدهن، وإذا بكل واحدة ولدت عشرين وثلاثين، فعوّض ما ضاع وازداد، وعوّضه ما ضاع من أراض وزروع وخيول، ومن كل ما كان عنده مضاعفاً. قوله: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} [الأنبياء:84] رحمه الله وأكرمه، واستجاب دعاءه، كما نرجو الله أن يرفع عن هذه الأمة وعنا هذا البلاء المبين، وتسلط اليهود والنصارى والمجرمين، وما كان ذلك إلا لعقوبة وذنب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لم تكن عقوبة إلا بذنب)، وإلا فالله لا يكرهه شيء. جاءت امرأة أيوب ووجدت شاباً جميلاً، ولم تجد المكان الذي كان فيه أيوب المبتلى المريض، وبحثت فكادت تتوله أين ذهب؟ هل جرته الكلاب؟ هل جرى له وجرى له؟ فسألت هذا الشاب الجالس القريب من المكان: أما رأيت أيوب المبتلى؟ فتبسم لها، فعندما تبسم قالت له: والله لكأنك هو وقت شبابه، وإن ابتسامتك ذكرتني بابتسامته، قال لها: أنا أيوب، فارتمت عليه معانقة: {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء:84]. هذا هو المغزى، وهذه دائماً خواتم الآي، فمعنى ذلك: قصصنا عليكم أيها المؤمنون قصة أيوب؛ لتكون ذكرى للعابدين إذا ابتلوا وامتحنوا وأصابهم ضر فلا ييئسوا من روح الله ورحمته: {إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ} [يوسف:87]. وهكذا تبقى قصة أيوب، وقد ذكرت في القرآن في غير ما آية وفي غير ما سورة، كما قال تعالى: {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء:84] أي: للمخلصين لله والقائمين على عبادة الله، والمؤمنين الصادقين الذين لا يشركون مع الله غيره، والذين لا يعبدونه رياء ولا سمعة؛ وهذا المغزى هو سر وروح الآية والقصة، ذكر ذلك لنبينا أولاً لتكون ذكرى له.
تفسير قوله تعالى: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل)
تفسير قوله تعالى: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل) ثم عاد الله فذكر لنا ثلاثة أنبياء في نسق فقال: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الأنبياء:85]. أي: واذكر يا محمد إسماعيل بن إبراهيم جدك الأعلى، وإدريس جد نوح و {وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الأنبياء:85] أي صبروا على البلاء، وإسماعيل قد مضت قصته في مريم، كما مضت قصة إدريس ونعيدها ملخصة. إسماعيل بن إبراهيم الولد البكر لإبراهيم، ومصطفى أولاد إبراهيم، وسيد أولاد إبراهيم، ما فوقه إلا أبوه إبراهيم وابنه محمد عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وهو ابن هاجر والد عرب الحجاز، إسماعيل الذي وهبه الله لإبراهيم على كبر من هاجر الحرة البتول، لا كما يقول بنو إسرائيل في أضاليلهم وأكاذيبهم إنها جارية ومملوكة، وسارة كانت ابنة عم إبراهيم، وكانت لها مكانتها؛ لأنها انفردت من النساء عند المحنة على إبراهيم عندما قُذف في النار، انفردت من بين النساء ممن آمن به؛ فبقي مكرماً لها، وكانت تتمنى هي الولادة قبل هاجر، فعندما ولدت هاجر وسبقتها غارت منها، وخاف إبراهيم على ولده إسماعيل؛ فأوحى الله إليه أن يأتي به إلى هذه البلاد المكرمة المقدّسة، وأتى به إلى مكان زمزم جاء به ومعه أمه، فجاءوا على البراق فتركهم وأراد الرجوع، فأخذت تصيح هاجر: إلى أين يا إبراهيم؟ فلم يجبها، إلى أين يا إبراهيم؟ فلم يجبها، وإذا بها تقول: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: إذاً لا يضيعنا الله. ذهب إبراهيم وكانت هذه الأرض بلقعاً خراباً لا ساكن فيها، ولا ماء ولا طائر، ولا هوام ولا حشرات عطش الوليد وهو لا يزال في شهوره الأولى، فذهلت أمه وكادت أن تجن، فلا يوجد من تستشيره ولا من تستغيث به من البشر، فذهبت إلى المكان الذي هو الآن الصفا والمروة، ووقفت على تلة الصفا، وأخذت تلتفت يميناً وشمالاً هل ترى من أحد؟! ثم نزلت مهرولة إلى أن وصلت المروة، وهكذا فعلت سبع مرات، ومن هنا كان أصل السعي بين الصفا والمروة ذكرى لهذا اليوم العظيم، وهذا اليوم العطر المعجز إرهاصاً لنبينا عليه الصلاة والسلام قبل كونه بآلاف السنين. عندما أتمت السبعة الأشواط -وهي على المروة- إذا بها ترى طيراً يحلّق على المكان الذي تركت فيه وليدها إسماعيل، وجاءت مهرولة وإذا بها تجد الماء عند قدميه؛ فإما أن جبريل ضربه بجناحه كما قالوا، أو الوليد إرهاصاً، وعلى عادة الأطفال تُحرك قدميها عند البكاء، وإذا بذلك التحريك يفجر الماء. ثم جاءت ووجدت الماء قليلاً فخافت عليه أن يضيع وتتشربه الرمال، وأخذت تجمعه وتقول له: زم زم! أي: تجمع تجمع، ومن ذلك الوقت سمي زمزم، وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: (لولا فعل هاجر للماء وقولها لها: زم زم لبقي نهراً سائحاً إلى يوم القيامة). وهكذا القبائل المحيطة بأرض مكة رأت الطير فقالت: عهدنا بالطير لا يحلق إلا عند الماء ولا ماء هنا، فجاءوا فوجدوا الماء فاستأذنوها أن يشربوا معها، قالت لهم: لا مانع، فقالوا: هل نسكن معكِ؟ فقالت: لا مانع بشرط الماء لي، ولا يشركني فيه أحد قالوا: وافقنا، فوجدت بهم أنساً وبهجة وابتعاداً عن العزلة والوحشة، فكبر الولد وتزوج واستعرب، ومن هنا يقال: عرب مستعربة، لا أريد أن أحكي القصة بطولها فستأتي مرة أخرى تردد أبوه عليه وقد تزوج عربية من الجزيرة من الحجاز، جاء فلم يجده فسأل زوجته: أين إسماعيل؟ قالت: ذهب للصيد ليرتزق، سألها: كيف حالكِ؟ وكيف عيشتك؟ قالت: في شر عيشة قال: قولي لإسماعيل إذا جاء أن يغير عتبة بيته، جاء إسماعيل ليلاً وقد ذهب أبوه وعاد إلى الشام، جاء على البراق ورجع بالبراق وهو دابة الأنبياء، ووجد تغيراً في المنزل فسأل: هل حضر أحد؟ قالت: نعم. قال: من؟ قالت: لا أعلم من هو، قال: ما صفته؟ فوصفته، فقال: ذاك أبي، ماذا قال لكِ؟ ومعنى (ذاك أبي) أنه كبر، وكان يتردد عليه ولا يعرف أباه لأنه لا يعرفه من زمن الطفولة وهو لا يزال رضيعاً في الأشهر الأولى، قالت: قال لي أقول لك: غيّر عتبة بيتك. قال لها: أنتِ عتبة بيتي وأنت طالق، قد أمرني أبي بذلك. ثم جاء سنة ثانية فوجد امرأة غيرها ولم يجد إسماعيل فسألها: كيف أنت؟ قالت: أنا بخير حال قال لها: كيف عيشك؟ قالت: على أحسن حال، قال: كيف زوجك؟ قالت: على أحسن عشرة، قال لها: قولي لإسماعيل: إذا أتى فليثبت عتبة بيته. وهكذا جاء فقال لها: أنتِ عتبة بيتي وقد أمرني والدي بتثبيتك، وهكذا كبر الغلام، وأمر الله إبراهيم ومعه ولده إسماعيل ببناء الكعبة، فبُنيت، ثم رأى إبراهيم رؤيا أنه يذبح ولده، ومن هنا كان: {كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الأنبياء:85]. قال لولده وأصبح غلاماً يسعى معه: {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فلَمَّا أسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات:102 - 103] أي: أماله ليذبحه، فأنقذه الله وفداه بذبح عظيم أي: بكبش، فصبر على البلاء، وصبر على بناء الكعبة، وصبر على تقشف مكة والصحراء، فاستحق من الله أن يشيد به ويخلد مع الخالدين. قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل) لا كما يزعم اليهود أن إسحاق أفضل من إسماعيل، وجعلوا يتنقصون إسماعيل؛ وفي هذه الأشهر الأخيرة يتجولون على بلاد المسلمين بفلم سينمائي تمثيلي يتنقصون إسماعيل، ويشيدون بإسحاق عليهم لعائن الله تترا، ونحن نقول: إسماعيل نبي الله ورسوله، وإسحاق نبي الله، ولكن إسماعيل نبي ورسول، أما إسحاق فنبي فقط، وقد ذكر الله في سورة مريم: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} [مريم:54]، أما إسحاق فذكره بالنبوة فقط، وقال عنه النبي عليه الصلاة والسلام بأن الله اصطفاه من أولاد إبراهيم، فهو سيد أولاد إبراهيم على الإطلاق. قوله: {وَإِدْرِيسَ} [الأنبياء:85] من إدريس؟ قيل إن اسمه: خنوخ، وإدريس هو جد والد نوح وأقدم منه، فإدريس أول من ألهم علم القلم والكتابة، وإدريس أول من أُلهم خياطة الثياب، وكان الناس قبله يلبسون الجلود، كالكثير من بلاد أفريقيا البدائية اليوم يأتون الجلد فيلبسونه، وقد لا يسترون إلا العورة إدريس أُلهم أن يخيط الثياب، فخاطها وعلمه أولاده وشعبه وأمته. وقد قال الله عنه: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم:57] رُفع إلى السماء الرابعة، حيث اجتمع به صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء، وهو ليس من أجداد الرسول عليه الصلاة والسلام، عندما قابله لم يقل له: مرحباً بالولد الصالح كما قال إبراهيم. وإدريس رفع مكاناً علياً حياً كما قال الجمهور، وقال آخرون رُفع ولكنه بروحه وليس ببدنه، وحكوا قصة لم تثبت عندنا في السنة النبوية والأحاديث، ولم تذكر في القرآن، وقيل: إنه مات في السماء، وإنه رأى ملك الموت ينظر إليه، فتساءل: ما هي نظرة عزرائيل هذه؟ فحكى لبعض من عاصره ممن كان على صلة به، ولعله من الملائكة أيضاً قال له: ما أرى ملك الموت إلا يريد روحي أبعدني عنه إلى الأعالي! أخذه وحلّق به في الأجواء ليرفعه إلى السماء الرابعة، وإذا بملك الموت يفاجئه محمولاً وقد كاد يصل إلى السماوات، فعجب وسأله من معه أن يرجئ موته إن كان مكلفاً بذلك، قال: أنا عندما رأيت إليه عجبت لأنني مكلف بأخذ روحه في السماء ورأيته في الأرض، وهذا بعد لحظات، وأين الأرض من السماء؟ ومتى سيصل إليها؟ فأخذ يرجوه أن يؤجله فالتفت فوجده ميتاً، هذا الكلام قد قيل: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ} [الأنبياء:85].
الأنبياء [85 - 88]
تفسير سورة الأنبياء [85 - 88] وممن يذكرهم الله للتأسي بهم إسماعيل وإدريس وذو الكفل، وفي كل منهم أسوة في الصبر على الطاعات والابتلاءات، وكذلك سيدنا يونس عليه السلام فإنه غاضب ربه فابتلاه فتاب ودعا وهو في الكرب العظيم.
تفسير قوله تعالى: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل)
تفسير قوله تعالى: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل) قال الله جل جلاله: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الأنبياء:85]. لا نزال مع أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، يعطّر الله تعالى مجالسنا بذكرهم وسيرهم وهديهم؛ ليكونوا لنا نعم الأسوة والقدوة. قوله: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ} [الأنبياء:85] أي: اذكر يا محمد مع ما ذُكر لك من أنبياء الله إسماعيل وإدريس وذا الكفل، فهم كذلك من أنبياء الله المكرمين الذين أكرمهم الله بالنبوة والرسالة والعصمة، وجعلهم الدعاة عنه إلى عبادته وتوحيده، ولخروج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى. قوله: (وإسماعيل وإدريس) قد ذكرنا عنهما بالأمس ما فيه كفاية. قوله: {وَذَا الْكِفْلِ} [الأنبياء:85] اختلف علماؤنا ومفسرونا هل هو صدّيق وولي من الصالحين، أم هو نبي من الأنبياء؟ وذكره مع الأنبياء يدل على أنه نبي، ولكن جمهور المفسرين يقولون عنه: لقد كان صالحاً وصدّيقاً، ولقد كان عبداً صابراً على عبادة ربه، ولم يكن نبياً، وأحد أنبياء بني إسرائيل الذين عاصروه وكانوا يحكمون قرب أجله، فأراد أن يوصي بالقيام على حكم عشائرهم وقبائلهم حسب أمر الله ديناً وطاعة ودعوة إليه، فحضر النبي وجمع حوله قومه وقال: من منكم يلتزم لي بثلاث أخلفه بعدي؟ فلم يستجب إلا رجل تزدريه العين وقال: أنا يا نبي الله! قال: أتصوم يومك ولا تفطر، وتصلي ليلك ولا تنام، وتحكم بين الناس ولا تغضب؟ قال: نعم، فسكت عنه، فأعاد في اليوم الثاني فلم يقم إلا هذا، واليوم الثالث فلم يقم إلا هذا، فعند ذلك خلّفه وأوصاه. وكان هذا الولي الصالح قد التزم بصدق وصبر على ما طلب منه نبيه، وما كاد يموت نبيه عليه السلام حتى حكم بعده بقسط وبإنصاف، ولم يغضب في خصومة. وقد كان يصلي ليله، ويصوم نهاره، ويصبر، ولا يكل ولا يمل، فسمي من أجل ذلك ذا الكفل، أي: تكفّل بشيء والتزمه وقام به، وذو الكفل أي: صاحب الكفالة والضمان الذي التزم بأشياء فقام بها أحسن قيام والتزام، فاستحق بذلك التنويه من الله جل جلاله، وذكره ضمن الأنبياء في هذه السورة الكريمة، وقد وصف الله إسماعيل وإدريس وذا الكفل، وقال عن الثلاثة: {كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الأنبياء:85]. صبر إسماعيل على الذبح عندما طلب منه أبوه ذلك، ولكن الله فداه بذبح عظيم، وصبر إدريس على ما صبر عليه من عنف قومه وصدهم، وخدمة قومه، ودعوتهم إلى الله ليله ونهاره ومدى حياته، حضراً وسفراً، فلم يكل ولم يمل ولم يضجر، وصبر ذو الكفل على ما أوصاه به نبيه من عبادة دائمة ليل نهار، ومن العدل بين الناس إذا ترافعوا إليه، فكانوا بذلك قد استحقوا فضلاً من ربهم أن ينوه بهم أبد الآباد وما دامت الدنيا، فقال عنهم: {كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الأنبياء:85].
تفسير قوله تعالى: (وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين)
تفسير قوله تعالى: (وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين) قال تعالى: {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء:86]. أدخلهم الله جل جلاله في رحمته بما أكرمهم به من نبوة ورسالة ودعوة إليه، فدخلوا في الرحمة، ودخلوا في الطاعة، ودخلوا في الرضا بما استحقوا من أجله الجنة والرضا والخلود الدائم بالجنان مع النبيين والمرسلين. {إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء:86] هم من الصالحين للنبوة، ومن الصالحين للرسالة، ومن الصالحين للرحمة، أي: هم أهل لذلك، ولذلك أهّلهم الله تعالى بما أكرمهم به، وأدخلهم في عباده الصالحين والصابرين.
تفسير قوله تعالى: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه)
تفسير قوله تعالى: (وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه) قال الله جل جلاله: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87]. واذكر يا محمد! واذكر يا تالي هذا الكتاب الكريم من المؤمنين والمسلمين، الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، اذكر مع الأنبياء الماضين ذا النون، وذو: صاحب، والنون: الحوت، وذو النون هو يونس بن متى، لقّبه الله تعالى بذي النون لقصته مع النون عندما ذهب مغاضباً، فجوزي بأن يزدرده الحوت، ويعيش في بطنه زمناً الله أعلم بتقديره: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} [الأنبياء:87] أي: يونس بن متى إذ ذهب مغاضباً، ما قصة ذي النون؟ ذو النون أرسله الله إلى مائة ألف أو يزيدون، أُرسل في نينوى في أرض العراق من أرض الموصل إلى أقوام كانوا يسكنون في هذه النواحي، أرسله إليهم نبياً رسولاً وداعياً إلى الله، دعاهم وأطال الدعوة، ومكث بينهم دهراً، وإذا بهم لا يستجيبون؛ فضجر وضاق وغضب منهم، وتركهم وأنذرهم بعذاب الله لمدة أيام ثلاثة، حيث لم يستجيبوا لرسالته ولا لدعوته، ذهب اليوم الأول ثم ذهب في اليوم الثاني، وإذا باليوم الثالث يجتمع قومه ويتفقون على أن يخرجوا إلى الصحاري ومعهم أطفالهم ودوابهم وكل حي يتحرك وينبس، وقد قال لهم حكماؤهم: إن كان يونس بن متى نبياً صدقاً فالنبي إذا دعا الله على أحد أو دعاه لأحد يستجيب الله دعاءه، فلنذهب إلى الله ونضرع إليه ألا يعاقبنا ويعذّبنا، ومضت الأيام الثلاثة واستجاب الله دعاء قوم يونس؛ فصرف عنهم العذاب والمقت، فلم يجر عليهم عذاب، فغضب منهم عندما لم يحدث ذلك، وظن أنهم سيعتبرونه مدّعياً كاذباً لا شأن له، ولم تستجب دعوته. وقيل: ذهب مغاضباً ربه، إن قلنا: مغاضباً لقومه، فالمغاضبة مفاعلة أي: ارتكبوا ما يُغضب؛ فغضب، فالغضب والمغاضبة منهم جميعاً، وإذا ذكرنا غاضب ربه فالكلمة ليست على تصريفها أي: غضب من ربه، ومعنى كونه (غضب) أي: عتب على ربه كيف يترك دعوته مع هؤلاء الذين عصوه وخالفوه؟! ثم بعد ذلك عندما دعوا وتضرعوا صرف الله عنهم العذاب الذي دعا به يونس، وعلى أي اعتبار فقد ذهب مغاضباً لربه، فهو عتاب منه لربه وللأنبياء، والرسل دالة على الله، وإن كان غضب على قومه فالأمر سهل والخطب يسير. ذهب وإذا به يجد نفسه على شاطئ بحر، وإذا بسفينة تأخذ الركاب فيصعد السفينة، وإذا بالأمواج تتلاطم بالسفينة، وتترنح بها يميناً وشمالاً، وأماماً وخلفاً، تكاد السفينة أن تغرق، فقال ربان السفينة: السفينة تحمل أثقالاً، ولا بد أن نخفف بعض أثقالها، ولا بد أن نُلقي في البحر بعض الركاب؛ لينجو الباقون، فضربوا القرعة، وإذا بالقرعة تخرج فيه أن يُلقى للبحر، فقال ركاب السفينة: هذا الرجل الصالح لا يليق أن يُقذف في البحر، فأعادوا القرعة مرة ثانية فخرجت عليه، فعادوا فقالوا: لا يجوز أن نقذف بهذا الرجل الصالح في البحر، فأعادوا وضربوا القرعة مرة ثالثة فخرجت في يونس بن متى، عند ذلك رأى أن أمر الله لا محيد عنه، فقذفوه للبحر، وإذا بحوت كبير يتلقفه ويزدرده. وقد روينا عن نبينا عليه الصلاة والسلام في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجة والحاكم أن الله قال للحوت: (لا تأكل له لحماً ولا تكسر له عظماً، وهو سجين في بطنك) فذهب به الحوت إلى قعر البحار، وإذا بيونس كان يظن أنه قد مات وإذا به يشعر أن رجله أخذت تتحرك، وأن يده أخذت تتحرك، وحينئذٍ أخذ يضرع إلى الله، وعلم أنه أتي من غضبه، فأخذ يستغيث ويعترف بخطيئته، وأخذ يضرع إلى الله أن ينجيه مما هو فيه، فقال تعالى: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنبياء:87] والقصة مطوية بين هاتين الفقرتين يدل عليها السياق، أي: إذ ذهب مغاضباً فركب السفينة، فضُربت القرعة، فقذف في البحر فأصبح في جوف الحوت في ظلمات ثلاث: ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، والظلمة الثالثة قالوا: حوت داخل حوت، الحوت الذي ابتلعه وازدرده جاء حوت أكبر منه فازدرده بيونس الذي في بطنه، فكانت الظلمات ثلاثاً. فأخذ يجأر إلى الله ويضرع، قال تعالى: {إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنبياء:87] ضرع ودعا ربه وهو في هذه الظلمات الثلاث في قعر البحار. ومعنى (ظن أن لن نقدر عليه) على ظاهرها: أنه ظن أن الله لا يقدر عليه، وهذه لا تكون من مسلم فضلاً عن نبي، ولكن المعنى ليس كذلك، بل المعنى: ظن أن لن نضيّق عليه، ولن نعاقبه، كقوله تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الرعد:26] أي: يبسط الرزق ويوسعه لمن شاء، ويقدره ويضيقه بالفقر والتقصير على من شاء؛ ومعنى (يقدر) هنا يضيق. فظن يونس النبي الرسول أنه لن يُضيّق عليه، ولن يُحبس، ولن يُعاقب، ولكنه لما كانت حسنات المقربين سيئات الأبرار لم تقبل هذه منه، لم يُغاضب ربه؟ ولم يُغاضب قومه؟ ولا بد أن يصبر. ولذلك قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف:35] {وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} [القلم:48] أي: كن حازماً، وذا عزيمة، وكن ذا صبر وإرادة، وإياك أن تفقد صبرك كما فقده يونس بن متى صاحب الحوت؛ فلم يكن من أولي العزم. قوله: {إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء:87] ظن ودخل بباله أن الله لن يضيّق عليه، ولن يحبسه ويعاقبه، فذهب مغاضباً وإذا به ضُيّق عليه وأُلقي في البحر، وقُذف وازدرده الحوت وبلعه، وإذا به يشعر بذلك فيعود للتوبة والدعاء والضراعة، وينادي ربه في هذه الظلمات الثلاث، فيقول: {لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87]. أي: أنزهك وأعظمك وأبجّلك، وأسجد وأضرع لك، فأنا العبد المفتقر إلى رحمتك ومغفرتك، أنت الرب الذي لا إله سواك، وأنت الذي صنعت بي هذا فارفعه عني، فأنا تائب إليك: {إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87] واعترف لربه أنه ظلم نفسه بالمغاضبة وعدم الصبر، وما كان ينبغي ذلك من نبي ورسول: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87].
تفسير قوله تعالى: (فاستجبنا له ونجيناه من الغم)
تفسير قوله تعالى: (فاستجبنا له ونجيناه من الغم) قال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء:88] استجبنا لدعائه وحققنا رغبته، وقبلنا ضراعته وتوبته. {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} [الأنبياء:88]. والغم أشد أنواع الهم والحزن والألم، فكان حزناً وغماً لندمه حزناً وغماً لقذفه في بطن الحوت في قعر ظلمات البحر والحيتان والليل، فنادى الله تعالى أن يصرف عنه غمه وكربه، وأنه معترف بظلمه، فقال الله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء:88]. وهذا مغزى القصة والآية أي: كما نجينا ذا النون من ظلمات البحر عندما تاب وأناب، {كَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء:88] الذين يقعون فيما وقع فيه ذو النون عندما يبتلون بمعصية، ثم يتوبون ويقولون ما قال ذو النون: {أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87]. أي: أنزهك وأعظمك وأسجد لك وأمجدك. وجاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من طريق سعد بن أبي وقاص كما في الصحيح والسنن: (إنه الاسم الذي إذا دُعي الله به أجاب، وإذا سئل أعطى). وقد قال الحسن البصري: اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل أعطى دُعاء ذي النون: {لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87]. وقد قال هذا نبي الله صلوات الله وسلامه عليه، ثم قرأ الآية: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء:88] عندما قال في الظلمات: {لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87]. هذه قصة يونس بن متى نبي الله المرسل إلى مائة ألف أو يزيدون في أرض العراق، والذي غاضب ربه وغاضب أمة دعوته فعوتب بهذا، ثم تاب وأناب. ولا نقول: الغضب جريمة بالنسبة للعموم، فالغضب: حالة تفاعلية نفسية، ولكن بما أن ذا النون نبي رسول عليه الصلاة والسلام كان ينبغي أن يصبر، وأن يعزم ولا يفعل ذلك، وعندما فعله عوتب؛ وهكذا كما يقول العارفون بالله: حسنات الأبرار سيئات المقربين، قد لا يحاسب عموم الناس على الغضب إذا لم يتجاوزوا حدهم وقت الغضب، فيسيئون أو يذنبون؛ أما الأنبياء فالأمر ليس كذلك، وطالما كان عليه الصلاة والسلام يأتيه المسلمون فيطلبون منه أن يدعو لهم وأن يوصيهم، وكان طبيباً نفسياً وروحياً صلوات الله وسلامه عليه، فقد أتاه يوماً من قال له: (يا رسول الله! أوصني وأوجز حتى لا أنسى، قال: لا تغضب) يطلبه ثلاثاً ويجيبه ثلاثاً بـ (لا تغضب)؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام علم من حال هذا الرجل أنه إذا أتي سيؤتى من الغضب، فقد كان يغضب لأي شيء، وقد يفعل ساعة الغضب ما لا يفعله ساعة الرضا، وإذا غضب وصنع ما صنع قد تقع الكارثة خلال ثانية واحدة، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى، فإنه إذا فعل المصيبة لا ينفعه بعد ذلك شيء، كمن يأتيك ويستشيرك ويكثر هذا: فلان طلّق ثلاثاً، فلاناً طلّق واحدة فيريد أن يلقنك فيقول: كنت غضبان فيكون A لم تغضب؟ وإذا غضبت تمالك نفسك وإرادتك، لم سمي العقل عقلاً؟ ليعقلك عن الضر والظلم، وعن الإيذاء، فإذا نحن سامحنا كل غاضب ضاعت الأحكام، وضاعت الأيمان فنقول له: جزاؤك لغضبك أن تُطلق عليك زوجتك. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء:88] وهكذا الله علمنا جل جلاله في مغزى هذه القصة إذا غضب أحدنا وصدر عنه ما صدر، ووقع في ورطة أو في غم أن يدعو بدعاء نبي الله يونس بن متى. وقبل سنة تقريباً حدثت جريمة في الجو، حيث صودرت طائرة تحمل مجموعة من المسئولين من بلاد المسلمين، وذاك المجرم قد أراد نسفها في الجو أو قتلهم بعد النزول في الأرض مع تواطئ بعض المسئولين المجرمين الذين لا يقدرون العواقب، فقص علينا القصة أحد هؤلاء المسئولين من المقربين لبلادنا أو منها، حيث قال: في تلك الساعة وأنا أشعر أنني بين يدي الوحش المفترس تذكرت دعاء ذي النون، وإذا بي أجد نفسي تقول ذلك بكل حواسي، وبكل خلايا جسمي، وأضرع وأقول: {لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87] وإذا الوضع كله يتغير، وإذا به يسلم ويسلم من معه ولا يحدث لهم شيء كما لم يحدث لذي النون. ثم أنقذ الله ذا النون وأتى الحوت به إلى الشاطئ وقذفه، وهكذا ألقي عرياناً كالفرخ الذي لم يكن له ريش، وهكذا حدث، وبعد ذلك كسي، وعاد إلى قومه ودعاهم إلى الله، ووجدهم قد أسلموا وتابوا وأنابوا، وعاش مدة حياته إلى أن لقي ربه وهو يضرع ويستغفر ويسبّح ويدعو الله تعالى، وتاب عن الغضب ألبتة إلى لقاء ربه.
الأنبياء [89 - 97]
تفسير سورة الأنبياء [89 - 97] كان سيدنا زكريا قد كبر ورق عظمه، فدعا ربه فأصلح له زوجه ووهب له يحيى ولداً صالحاً وسيداً وحصوراً، وهكذا السيدة مريم عليها السلام رزقها الله ولداً من غير أب وجعلها وابنها آية للعالمين.
تفسير قوله تعالى: (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا)
تفسير قوله تعالى: (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً) قال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ} [الأنبياء:89]. ذكر لنا بعد إسماعيل وإدريس وذي الكفل وذي النون زكريا، فقال تعالى: {وَزَكَرِيَّا} [الأنبياء:89] وفي قراءة سبعية {وَزَكَرِيَّاءَ} [الأنبياء:89]. {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء:89]. وقد مضت قصة زكريا في سورة مريم قريباً، حيث خاف الموالي من بعده أن يضيعوا رسالته ودعوته، وكان قد كبر سنه ورق عظمه، واشتعل الرأس منه شيباً، وكانت زوجته عقيمة منذ شبابها، ولكنه ارتأى بعد أن بلغ هذه السن أن يطلب الله وهو أعلم، وأن الله قادر على كل شيء. قوله: {وَزَكَرِيَّا} [الأنبياء:89]. أي: اذكر زكريا من بعد الأنبياء الذين كانوا من أهل الطاعة والبر والتزام الدعوة، ومن الخضوع لله والخشوع له، وممن دعوا ربهم فاستجاب لهم في شيء جرت العادة أنه قل أن يكون. قال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء:89]. زكريا عندما كبر سنه، ووجد أنه سيموت بلا أولاد، وهو يريد من يخلفه في النبوة والدعوة، ويخلفه في العبودية من سلالته ومن ذريته نادى ربه وضرع إليه: {رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا} [الأنبياء:89] أي: لا تذرني مفرداً أبتر لا ولد لي ولا سلالة ولا ذرية؛ {وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء:89]. ويضرع إليه بما شاء فليس بينه وبين ربه مانع، خاصة إذا كان في ظلمات الليل والناس نيام، وفي الثلث الأخير من الليل حين ينزل ربنا إلى السماء الدنيا فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من جائع فأشبعه؟ هل من عار فأكسوه؟ هل من مظلوم فأنصره؟ فليدع ربه تلك الساعة بما شاء فإنه ضامن أن يستجاب له.
تفسير قوله تعالى: (فاستجبنا له ووهبنا له يحيى)
تفسير قوله تعالى: (فاستجبنا له ووهبنا له يحيى) قال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء:90]. استجاب لزكريا وأجاب دعاءه وضراعته. {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى} [الأنبياء:90]. وهب له وليداً حقق رغبته، وكان ذكراً، وجعله صالحاً ونبياً وسيداً وحصوراً، وأوقف نسله في ولده، ولو طلب زكريا الذرية إلى الأبد لكانت، لكنه طلب ولداً فرزقه يحيى وجعله سيداً وحصوراً لا يأتي النساء، وهو بالتالي لن ينجب ولا يكون له أولاد، وهكذا كان. قوله: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء:90]. كانت عقيماً فأصبحت ولوداً، وكانت عجوزاً لا يلد مثلها فأعطاها من الشباب والاستعداد ما يكون للشباب والصغيرات، فولدت، وقيل: وكانت شرسة اللسان، بذيئة القول، فأصلحها الله له؛ لأن الشرسة تنفسر النفس منها عادة، وإن كانت بينهما صلة فتكون بنفور وقل ما يعلق الولد، بخلاف ما إذا كانت رضية خلوقة فإن ذلك يكون أدعى للتعلق وأدعى للولادة، فأصلحها الله لساناً وخلقاً ورحماً، وأزال عقمها وعجزها فأصبحت لينة هينة ذات أخلاق عالية، وأصلح شبابها فأصبحت تلد. ثم أخذ الله جل جلاله يثني على جميع الأنبياء الذين مضوا فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء:90]. أي: من عند آدم إلى نوح إلى موسى إلى هارون إلى زكريا إلى إسماعيل إلى إدريس إلى ذي الكفل إلى ذي النون ومن سيذكر بعد إلى مريم أشاد الله بالكل، وأثنى على الكل، ووصفهم فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء:90]. كان هؤلاء الأنبياء والرسل مدة أعمارهم وخلال رسالاتهم ونبواتهم {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء:90] ويتسابقون كالمباراة والمسابقة التي تكون للهو واللعب، وكانت مسارعتهم إلى عبادة الله وفعل الخيرات بشتى أنواع العبادات، قائمين ومصلين، وطائفين ومتصدقين، ومتهجدين ومجاهدين، وعاملين بجميع الخيرات التي كانوا متصفين بها ويسارعون للوصول إليها. {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء:90] كانوا يتسابقون للخير وفعله وللدعوة إليه، {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء:90]. رغباً: طمعاً بما عندنا من جنة ونعيم مقيم. ورهبة: مما عندنا من عذاب ونقمة وجحيم. كانوا يتقربون إلى ربهم بين الخوف والرجاء، وبين الطمع والخوف، وهكذا العبادة أن نعبد الله تارة طامعين برحمته، وتارة خائفين من عذابه: {فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف:99]. وقد قال علماؤنا: ينبغي للصحيح ما دام صحيحاً وللصغير ما دام صغيراً أن يغلِّب الخوف على الرجاء؛ ليزداد عبادة وطاعة، ويزداد حرصاً على فعل الخيرات، حتى إذا مرض أو شاخ فليغلب الرجاء على الخوف؛ لأن الله يقول كما في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء) ولا نظن بربنا إلا خيراً جل جلاله وعلا مقامه. وقد قال قوم (يعبدونني خوفاً وطمعاً) معناه: أنهم يدعونني عندما يريدون الخير بباطن أكفهم وعندما يريدون الشر بأعدائهم بظاهر أيديهم، ومن هنا شرع أن تكون الأيدي مفتوحة مبسوطة لرحمة الله ولعطاء الله ولفضل الله؛ وعندما يكون الدعاء بالنقمة على الأعداء والمنافقين والظالمين يكون الدعاء بظاهر الأكف ليدفع ذلك عن الداعي.
تفسير قوله تعالى: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا)
تفسير قوله تعالى: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا) قال تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:91]. والفرج: لغة الشق، ويطلق على كل شق في البدن والثياب والأرض، ولكن هذه الكلمة التي كانت في الأصل كناية ومجازاً لكثرة الاستعمال كادت تطلق على مكان العفة بالذات، وليست هكذا لغة {وَالَّتِيأَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [الأنبياء:91] وهي مريم الصدّيقة عليها سلام الله أم عيسى نبي الله وعبده عليه وعلى نبيا الصلاة والسلام. والمعنى: واذكر يا محمد المرأة التي أحصنت فرجها، وعفّت عن الفاحشة والسوء، وعاشت عفيفة حياتها إلى أن أكرمناها بالآيات؛ فرزقناها ولداً بلا فحل، وقصتها مضت في غير ما سورة من السور الماضية. قوله تعالى: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} [الأنبياء:91]. الروح: جبريل عليه السلام، نفخ فيها جبريل، ونسبت الروح إلى الله تشريفاً، فجبريل لله، والملائكة كلهم لله، وكلنا عبد خاضع مطيع لله، ولكن هذه النسبة والإضافة للذات العلية بهدف تشريف مريم وعيسى. وهكذا كان الولد نتيجة النفخ بالأمر الإلهي لجبريل كبير الملائكة، وإذا بها تحمل، فحملت حملاً عادياً تسعة أشهر بالوحم وبالكبر في البطن إلى أن ولدته وأتت به تحمله، فقام قومها وأخذوا يقولون: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} [مريم:28 - 29] وإذا به أخذ يتكلم -معجزة- بعد ولادته بيومين أو ثلاثة، وهي الأيام الثلاثة الرمزية التي صامت فيها، ثم تكلم {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مريم:30]. تكلم بالعبودية وبالطاعة، وأن الله جعله نبياً، وأنه باركه وقت الولادة والوفاة ويوم يبعث حياً. {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:91]. جعلها الله آية وعلامة على قدرته وأنه القادر على كل شيء كما يشاء جل جلاله، فهما آيتان: جعلناها آية، وجعلنا ابنها آية، وحُذفت إحدى الآيتين للعلم بها، ولفهمها من السياق، وكانت ولادتها آية كونها حملت بلا فحل.
تفسير قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة)
تفسير قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة) قال تعالى بعد أن سرد أسماء هؤلاء جميعاً في نسق واحد: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:92]. أي: إن الدين واحد والشريعة واحدة، والدعوة واحدة أتى بها الرسل والأنبياء عن الله منذ آدم إلى إدريس إلى نوح إلى إبراهيم إلى سلالته إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، كانت الدعوة واحدة: أن اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن قولوا جميعاً: لا إله إلا الله، ومن هنا كان يقول لنا نبينا صلوات الله وسلامه عليه: (أفضل ما قلته أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله). وكان يقول عليه الصلاة والسلام: (نحن معاشر الأنبياء أبناء لعلات، أمهاتنا شتى، وأبونا واحد) أي: شرائعنا مختلفة، قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48]. أما الدعوة فكلهم أرسلهم الله للدعوة إلى عبادته، وتوحيده، وعدم الشرك به، ولم يخرج عن ذلك أحد؛ فإن وجدنا في التوراة والزبور والإنجيل غير ذلك فذلك مما حرفه الأفّاكون والكذّابون والمفترون على الله، فقد افتروا على ربهم، ونسبوا له الشريك، تارة بشراً، وتارة جناً، وتارة ملكاً، وتارة جماداً، وكل ذلك ليس عليه من الله سلطان ولا دليل من عقل. قوله: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء:92] قيل: النصب على قطع الكلام. والمعنى: إن الأمة والديانة والشريعة والدعوة واحدة منذ أول الأنبياء إلى آخرهم عليهم جميعاً سلام الله وصلاته، لم تتغير ولم تتبدل من قبل الله جل جلاله. قوله: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:92] أولئك الرسل أرسلهم الله جل جلاله بعبادته وحده، وبعدم الشرك به، فكان الكل ديناً واحداً، ورسالة واحدة، ودعوة واحدة. قوله: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:92] الله أمرنا بعبادته وتوحيده، وأمرنا بمحض العبادة له، ولا نشرك به شيئاً.
تفسير قوله تعالى: (وتقطعوا أمرهم بينهم)
تفسير قوله تعالى: (وتقطعوا أمرهم بينهم) ثم قال تعالى: {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء:93]. كان الناس أمة واحدة، ولكنهم بعد ذلك تقطّعوا أمرهم بينهم، أي: قطّع بعضهم بعضاً، وجعلوا أنفسهم مللاً ونحلاً وأحزاباً وشيعاً، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:53]. النصارى عبدوا مع الله اثنين وأصبحوا يعبدون ثلاثة، واليهود أصبحوا يعبدون مع الله العجل وعزيراً، وكلهم يقول: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة:18] فكذبوا وأفكوا، وافتروا على الله، وقد عبد غيرهم أنواع العبادات، وكل ذلك لم يكن عليه سلطان من الله ولا من العقل. قوله: {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء:93] هذا وعيد من الله وتهديد، فهؤلاء الذين قطّعوا أديانهم مزّقوا الملل، وجعلوها أحزاباً وشيعاً كلهم إلينا راجعون، فسنحاسب كلاً حسب عمله، وحسب طاعته أو معصيته، قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} [الزلزلة:7 - 8] كل حسب عمله، إن عمل ما يدعو إلى الجنة دخلها، وإن عمل ما يستحق به النار دخلها. قوله: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء:93] أي: مبعوثون ليعرضوا على الله فيحاسبهم.
تفسير قوله تعالى: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن)
تفسير قوله تعالى: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن) ثم قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [الأنبياء:94]. بعد أن أخبر بأن الدين واحد، وأن المعبود واحد، وأن الرسالة التي أرسل بها الرسل واحدة في الدعوة إلى توحيد الله، وإلى عبادته وحده؛ وأنذر وتوعد من قطّع الدين وجعله أحزاباً وشيعاً بأنه سيرجع إلى ربه ويحاسب بذنبه عاد فبشر المؤمنين في هذه الآية فقال: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء:94]. ولم يطلب الله الصالحات كلها؛ لأن البشر يعجز عن أن يأتي بذلك كله؛ وهذا ما فسّره نبينا عليه الصلاة والسلام وقال: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) لم نكلف إلا بما نستطيع ونقدر عليه، ولم يجعل الله علينا في الدين من حرج. قوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ} [الأنبياء:94] أي: بعضها، فـ (من) للتبعيض. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [الأنبياء:94] أي: حالة كونه مؤمناً، وإلا فعمل غير المؤمن يكون هباءً منثوراً؛ لأنه يعمله للشركاء، فهي زيادة في الكفر والمعصية والتمرد والتحدي، ولا عبادة إلا بالنية، ولا نية إلا مع الإخلاص، وهذا لا يعبد الله الواحد، وبالتالي لا إخلاص له؛ لأنه يعبد أرباباً متفرقين. قوله: {فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} [الأنبياء:94] أي: لا جحود ولا إهمال لسعيه وعمله، والجحود من الله لعباده معناه العقاب والمكافأة، والجزاء بما صنعوا من سوء، واعتراف الله للعبد وقبوله لطاعته يكون ذلك بالرضا عنه وبقبولها. قوله: {فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} [الأنبياء:94] أي: لا يجحد الله سعيه، ولا عمله، بل يجازيه عليه ويحسن إليه من أجله، لا يجحده إياه {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49] يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا. قوله: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء:94] أي: إنا لسعيه وطاعته وعبادته حافظون وكاتبون، نكتب ذلك له، ونأمر الملائكة المصاحبين للإنسان من عن اليمين أن يكتبوا حسناته وسعيه الصالح، ونحن نحفظ له ذلك ونجمعه له، إلى أن يجازى عليه بدخول الجنان والرحمة والرضا من الله.
تفسير قوله تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها)
تفسير قوله تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها) ثم قال تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء:95]. حرام: أي واجب. {عَلَى قَرْيَةٍ} [الأنبياء:95] أي: على أهل قرية. فالمعنى: واجب على أهل القرية التي نهلكها وندمرها نتيجة كفرها ونتيجة عصيانها {أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء:95] أي: لا يرجعون إلى الدنيا ثانياً بعد أن يروا الحق حقاً، ويكون الوقت قد فات، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. فهؤلاء المجرمون المذنبون عندما يهلكهم الله نتيجة كفرهم وشركهم فإنه أوجب على نفسه -ولا يجب عليه شيء جل جلاله- أنهم لا يرجعون للدنيا بعد الموت إن هو إلا العودة يوم العرض على الله إما إلى الجنة وإما إلى النار؛ أما أن يطمعوا في العودة للحياة فلن يكون ذلك، ولو قدموا الدنيا وما فيها فداء لعقوبتهم هيهات هيهات! ضاع الزمن ولم ينتهزوا الشباب قبل الشيخوخة، والفراغ قبل الشغل، والصحة قبل المرض، فيعبدون ويطيعون، ويستجيبون لدعوة رسلهم، أما وقد بقوا هكذا إلى أن ماتوا ورأوا ما كان يجب أن يكون إيماناً بالغيب أصبح مشهوداً ومرئياً، وأصبح محسوساً، هيهات هيهات أن يعودوا للدنيا مرة ثانية بعد أن ماتوا. قوله: {لا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء:95] أي: لا يعودون للدنيا للتوبة ولا للعمل، ولو قُدّر أن يعودوا لا يفعلون إلا كما فعلوا أول مرة عند حياتهم الأولى.
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج)
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج) قال تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الأنبياء:96]. يقول جل جلاله: هؤلاء المخالفون العصاة المذنبون سيبقون في الأرض وفي الدنيا حتى خروج يأجوج ومأجوج، سيبقون مصرين على إجرامهم وذنوبهم، وقلة قليلة قال عنها النبي عليه الصلاة والسلام بياناً للقرآن الكريم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم وهم على ذلك إلى يوم القيامة) الكل سيبقى إلى أن يرى يأجوج ومأجوج من السلالة والذرية. {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} [الأنبياء:96]. أي: فتح السد الذي بناه ذو القرنين، هذا السد الذي حُبس فيه قوم يأجوج ومأجوج وهم جنس من البشر من أبناء آدم من ولد يافث بن نوح، هم مجرمون بفطرتهم، يفسدون ولا يصلحون، وصفهم رسول الله عليه الصلاة والسلام بأنهم صغار الأعين، غلاظ الوجوه، صهب الشعر، شقر، كأنهم المجان المطرقة، وكأنهم الترس المطرق بالجلد من أمام وخلف، هذا الذي يُتقى به ضرب السيوف أي: وجوههم غليظة غلظ المجان المطرقة بالجلود. ويأجوج ومأجوج هم من علامات الساعة الكبرى، وقد تواترت بهم الأحاديث، والأصل ذكر القرآن لهم، وقد فسّر ذلك عليه الصلاة والسلام، وذكر ترتيبهم في الخروج والبروز، وأنهم كل يوم يأتون إلى السد فيحاولون أن ينقبوه، فيحفرونه اليوم كله فيقولون: إلى الغد، فيعودون فيجدونه رجع كما كان، وهكذا يبقون على هذه الحال حتى يأذن الله تعالى بخروجهم لخراب بقية الدنيا، فيلهمون فيقولون: غداً نعود إليه إن شاء الله، فيأتون إليه ويجدونه كما حفروه، وأخذوا يسمعون الأصوات خلفه، وإذا بهم يكبرون النقب فيخرجون كالسيل المنتشر من كل حدب ينسلون، كما قال ربنا. ويأجوج ومأجوج يأتون بعد عيسى عليه السلام ولا يتركون نهراً إلا شربوه، ولا بئراً إلا طمروه، ولا شجرة إلا قلعوها، ولا إنساناً إلا أزهقوا حياته، ولا دابة إلا قتلوها وقد ظن بعض شيوخنا من علماء عصرنا أن هذه الصفة في التتار الذين فعلوا مثل هذا عندما جاءوا من أقاصي آسيا البعيدة، فخربوا العراق، وخربوا الشام وما بينها، وكل ما أتوا عليه من أقصى آسيا ما تركوا بحراً ولا شجراً ولا إنساناً، ولكن ذلك وقف وانتهى وعيسى لم يأت بعد، والمهدي لم يأت بعد، والدجال لم يأت بعد، والعلامات الكبرى للساعة لم تأت بعد، فيكفي هذا دليلاً على أن التتار لم يكونوا يأجوج ومأجوج. يأجوج ومأجوج بشر صغار الأجسام، تزدريهم العين في النظر إلى وجوههم، فيها جهامة وقتر أشبه ما يكونون بوجوه أهل النار: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} [عبس:40 - 41] هؤلاء عندما يفعلون ذلك سيخربون ويدمرون، وإذا بالله الكريم يأذن بهلاكهم، لأن المؤمنين يدعون الله بأن يكشف عنهم غمتهم، وإذا به يسلّط عليهم النغف تأخذهم في أعناقهم، فتكون سبب هلاكهم وتدميرهم، فيتراكمون ويتكتلون، فينتشر الوباء والروائح الكريهة والجثث والأمراض على أشكالها، فيدعو من يدعو الله تعالى، وإذا به يصب عليهم مطراً، ثم يسلّط عليهم طيوراً تأخذهم، فهذا المطر ينظف الأرض، والطيور ترفع الجثث وترميها إلى قعر البحار، فتنظف الأرض من أوساخهم وجيفهم، ومن روائحهم الكريهة، ولكن بعد ذلك كما ورد في الحديث الصحيح تصبح الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تصبحهم أو تمسيهم يقولون: صباحاً ستلد! مساءً ستلد! تصبح الساعة أقرب ما تكون، فينتظر الناس يقولون: صباحاً! ويقولون: مساءً! ولكنها لا تأتيهم إلا بغتة على توقعهم لها. فقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} [الأنبياء:96] فتحت عنهم أي: أزيل النقب وخرجوا {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الأنبياء:96] الحدب: التل من الأرض. والعلو من الأرض و (ينسلون): يجرون ويسرعون، فهم يأتون من كل تلة، ومن كل جبل، ومن كل ناحية، ومن كل جهة يتسارعون ويجرون للفساد، ولسفك الدماء، وإهلاك الحرث والنسل، لا يعلمون سوى ذلك، وهم يتسابقون في الشوارع كالبهائم، لا يدينون بدين، ولا يتخلقون بخلق ولا يكادون يفقهون من الكلام قولاً.
تفسير قوله تعالى: (واقترب الوعد الحق)
تفسير قوله تعالى: (واقترب الوعد الحق) قال تعالى: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} [الأنبياء:97]. أي: عندما يأتي يأجوج ومأجوج يكون الوعد بالبعث، والوعد بالقيامة قد اقترب، كما فسّر نبينا عليه الصلاة والسلام، تكون الساعة والوعد الحق كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفاجئهم بالولادة: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنبياء:97].
الأنبياء [96 - 104]
تفسير سورة الأنبياء [96 - 104] يأجوج ومأجوج من أكثر أمم الأرض، وأعظمها فساداً، وخروجهم من علامات الساعة الكبرى، وحينئذٍ يلقى كل إنسان جزاءه عند الله.
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج)
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج) قال تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء:96 - 97]. يقول جل جلاله عن هؤلاء الكفار العصاة المجرمين الذين طالما أنذرهم الرسل فلم يزدادوا إلا عتواً وتمرداً وعصياناً وخلافاً: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} [الأنبياء:96]. ومضى بالأمس الكلام على يأجوج ومأجوج، وأنهم بشر من نسل آدم من ولد يافث بن نوح، وأنهم عراض الوجوه، غلاظها صغار الأعين، تزدريهم العين، لا يكادون يفقهون حديثاً، ديدنهم الفساد والتخريب، وسفك الدماء منذ زمن طويل، حبسهم ذو القرنين بسد جعله دونهم، ولا يزالون كذلك ولا يخرجون إلا عند قرب قيام الساعة، وهم كل يوم يحاولون أن يحفروا نقباً في هذا السد؛ لينتشروا ويخرجوا للفساد والتخريب. وقد قيل: إنهم التتار، فلقد طالما خربوا وأهلكوا الحرث والنسل وسفكوا الدماء، ولكنهم ليسوا يأجوج ومأجوج، كما في كتاب الله الكريم، وكما أكدت ذلك السنة المطهرة أن يأجوج ومأجوج يكادون يتصلون بقيام الساعة، وقد قال عليه الصلاة والسلام عندما ذكر علامات الساعة الكبرى: (إن يأجوج ومأجوج يخرجون بعد نزول عيسى من السماء، ولا يكون بعدهم إلا قيام الساعة)، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (قد يشتري الإنسان فلواً -ولد الحصان- ولكنه لا يكاد ينتفع به وتقوم الساعة). {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} [الأنبياء:96]، أي: فتح السد الذي بيننا وبين يأجوج ومأجوج، وإذا بهم ينسلون من كل حدب، ومن كل تل ومرتفع من الأرض، والحدب: هو الارتفاع في الأرض، وهو التلال. {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الأنبياء:96]، أي: يأتون مسرعين يجرون جري الذئاب الخفاف من الحيوانات.
تفسير قوله تعالى: (واقترب الوعد الحق)
تفسير قوله تعالى: (واقترب الوعد الحق) قال تعالى: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} [الأنبياء:97]. أي: الوعد بالقيامة وبالبعث، الوعد بالحياة بعد الموت، عندما يكون خروج يأجوج ومأجوج، واقتراب الساعة حتى كأنها الحامل المتم يقول أهلها: تكاد تصبحنا أو تمسينا، في هذه الساعة يرى الكافرون الظالمون أن ما كانوا يكفرون به وينكرونه قد أتى وأصبح وعداً حقاً، وقد كان قبل ذلك، ولكنهم لم يؤمنوا به كفراً وعناداً ومخالفة وعصياناً. قوله: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنبياء:97]. وكأنها صورة تراها العين بالمشاهدة، عندما يقترب الوعد الحق ويقترب قيام الساعة، ويكون قبل ذلك بقليل قد فاض على الدنيا يأجوج ومأجوج، فخربوا وأهلكوا الحرث والنسل، إذا بالساعة يظهر قيامها، فينفخ إسرافيل في الصور وإذا بمن كان منكراً للبعث أبصارهم شاخصة، تفتح أعينهم وما كادوا يصرفونها ذهولاً وضياعاً وتيهاً، وإذا بهم ينادون ويجأرون: {يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} [الأنبياء:97]. هؤلاء يصيحون وينادون: يا ويلهم! يا خراب ديارهم! يا خسارتهم لدنياهم وأخراهم! ينادون: {يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} [الأنبياء:97] أي: عن هذا، وحروف الجر ينوب بعضها عن بعض. ينادون صائحين ذاهلين وأبصارهم شاخصة شأن المغمى عليه، المأخوذ، التائه الضائع العقل المفاجأ بما لا يعجبه، وعيونه تكاد تخرج من مكانها شخوصاً لا مظهراً ولا رؤيا يقولون يا ويلنا وحذفت (يقولون) كما هي فصاحة القرآن وبلاغته أن يحذف ما يعلم من السياق كما يقول ابن مالك في ألفيته: وحذف ما يعلم جائز. يقولون: {يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} [الأنبياء:97]. قد كانوا في دنياهم غافلين تائهين ضائعين، لا يكادون يفكرون في مثل هذه الساعة إلى أن فجأتهم بالبلاء والعذاب، وما كانوا قد طلبوا أن يؤمنوا به غيباً أصبح مشهوداً وحاضراً، ولا ينفع إيمان نفس لم تكن آمنت من قبل، فما كان إيماناً بالغيب يصبح شهوداً وحضوراً، وإذ ذاك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، حتى ارتبطت بهذا وتعلقت به عندما يحدث خروج يأجوج ومأجوج من السد، وتقترب الساعة قرباً واقعياً بما يذهلون له، وبما يرون أن الأرض قد طويت طي السجل للكتب، وأصبحت السماء كالعهن المنفوش. وهكذا وإذا بهم يصيحون: يا ويلهم! يا بلاءهم! يا خسارتهم! قد كانوا وهم أصحاء الأبدان حاضرو العقول في غفلة من هذا ولم يؤمنوا به، ولم يعترفوا به، وكذبوا أنبياءهم وكتاب ربهم، ثم أضربوا عن القول وقالوا: لم نكن غافلين بعد، بل كنا ظالمين، أي: ظالمين لأنفسهم بالكفر والعصيان، وهيهات أن ينفعهم عند هذا إيمان أو اعتراف أو توبة.
تفسير قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم)
تفسير قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) قال تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء:98]. وإذا بالله الكريم يتهددهم، بل ويعاقبهم فعلاً، وما كانوا قد أوعدوا به قد آن أوانه وحل زمانه. {حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء:98]، أي: حطبها ووقودها. قال تعالى: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم:6]، وقودها الكفرة وقودها العصاة وقودها المؤمن عندما يعصي فيؤدب زمناً ثم يكون مآله إلى الجنة، ووقودها الكافر المشرك، يبقى وقوداً لها أبد الآبدين، ولا خروج منها للكافر. فيقول تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء:98]. أي: يا هؤلاء الكفرة! الذين أشركتم بالله غيره، وعبدتم أصناماً وجمادات، وعبدتم ما لا يضر نفسه ولا ينفعها، فأنتم وما تعبدون من هذه الأصنام الوقود والحطب لجهنم؛ كي تتقد وتستمر تحريقاً ولهباً. {أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء:98] أي: داخلون مقيمون لابثون.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) سمع هذه الآية مشركو مكة فإذا بهم يقولون لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ويتولى كبر القول ابن الزبعري الشاعر، وكان لم يسلم بعد، ولكنه بعد ذلك أسلم وحسن إسلامه قال: يا محمد تقول: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء:98] كيف هذا واليهود يعبدون العزير، والنصارى يعبدون عيسى ومريم، وبنو مليح من العرب يعبدون الملائكة، هل سيدخل معنا إلى النار عيسى والعزير ومريم والملائكة؟ وإذا بالله الكريم يقول بعد ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء:101]، فالله استثنى هؤلاء، و (إن) في الآية معناها (إلا) ولا ثاني لها في القرآن بهذا المعنى. قال تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء:98] إلا من سبقت لهم منا الحسنى أي: سبقت لهم منا العافية والهداية، وسبق لهم منا التوفيق، وفي طليعة هؤلاء نبي الله عيسى والعزير ومريم والملائكة. والنبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول الآية احتج باللغة التي يعرفها هؤلاء، فقال لهم: (وما تعبدون) (ما) لا تقع إلا على غير العاقل، فأنتم وما تعبدون من أصنام وأحجار وجمادات، ولا تشتمل العاقل. وهنا استثني من يعبد من دون الله من الأنبياء وغيرهم كعزير وعيسى ومريم والملائكة، فهم لم يرتضوا ذلك ولم يقبلوه، وعندما علم بعضهم بداية ذلك تبرأ منه وأنكره، ونفر قومه وهددهم ووعدهم ممن فعلوا هذا. ومن المعلوم في لغة العرب أن (ما) اسم موصول يطلق على غير العاقلين، و (من) على العاقلين، والآية هنا في الأصل لا تحتاج إلى استثناء، وإن كان الاستثناء يعتبر تأكيداً وتوثيقاً: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنبياء:98] والخطاب للمشركين: {حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء:98]، أي: وقود وحطب جهنم، {أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء:98]، أي: داخلون.
تفسير قوله تعالى: (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها)
تفسير قوله تعالى: (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها) قال تعالى: {لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأنبياء:99]. يقول جل جلاله: لو كان هؤلاء المعبودون من دون الله من أصنام وأوثان وأحجار وجماد آلهة كما يزعم المشركون لما دخل عابدوها النار، ولأنقذوا عابديهم ودافعوا عنهم. ولما كانوا أعجز من أن يدافعوا عن أنفسهم فضلاً عن غيرهم كان ذلك من علامة أنها ليست بآلهة؛ لأن من يملك الدفاع عن نفسه يقاوم ولا يذل، فكيف به يذل ويذل غيره ويعجز أن ينجيه؟! وهكذا هذه الآلهة على أنها وعابديها في النار، فهم كذلك دخلوا في أنهم حصب جهنم كمن يعبد الجن ومن يعبد الفراعنة ومن يعبد حكامهم ومن يعبد زعماءهم ومن يعبد كبراءهم وما أكثرهم قبل وبعد! (إنكم وما) وهنا ينزلون منزلة الحيوان غير العاقل فيدخلون في (ما). يقول ربنا: {لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأنبياء:99]. أي: لو كان هؤلاء المعبودون من الأصنام والجن والبشر آلهة لما دخلوا هم وعابدوهم إلى النار، فهم فيها خالدون خلوداً أبدياً سرمدياً: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48].
تفسير قوله تعالى: (لهم فيها زفير وهم فيها خالدون)
تفسير قوله تعالى: (لهم فيها زفير وهم فيها خالدون) قال تعالى يصف هؤلاء ساعة دخلوهم النار: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ} [الأنبياء:100]. الزفير: دخول النفس من الخارج، والشهيق: خروجه من الداخل، وهذا نتيجة الغم والعذاب، ونتيجة ما هم فيه فتجدهم في زفير وشهيق دائمين لا تكاد تقف أنفاسهم وقوف الهادئ المستقر. {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} [الأنبياء:100]، أي: نفس قوي يهبط بهم ويصعد، خروجاً ودخولاً، زفيراً وشهيقاً. {وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ} [الأنبياء:100]. وهذا كناية عن شدة العذاب وعظم البلاء، قال ابن مسعود رضي الله عنه: عندما يخرج المسلمون الموحدون الذين امتحنوا بدخول النار ولا يبقى في النار إلا كافر مخلد أبداً، يوضع هؤلاء المخلدون في توابيت فتغلق عليهم بحيث يظن كل معذب منهم أنه وحده الذي بقي في النار، فلا يسمع ما يقال، ولا يسمع ما يجأر به، ويصيح له، ويضرع له من معه، يصبحون صماً بكماً عمياً لا يرون إلا ما هم فيه من تابوت وقد أغلق، فلا يسمعون ولا يرون الخارج عنه، وهكذا عذاب هؤلاء المشركين الذين أبوا إلا الجحود والكفران والتمرد على أنبيائهم وعصيان ربهم.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء:101]. يقرن الله جل جلاله في كتابه بين العذاب والرحمة، بين النار والجنة، بين المغفرة والعذاب؛ لتبقى النفس البشرية ترجو رحمة الله إن هي تابت وأنابت، وتخاف عذابه إن هي تمردت وأبت وعصت. ففي الآيات الماضية الوعيد والتهديد، وما يلاقيه المشركون من عذاب الله ولعنته، وهنا في الآية الآتية بشر الله المؤمنين الموحدين بنعيم مقيم ورحمة دائمة، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء:101]، أي: سبق لهم من الله تعالى الرضا والرحمة والحسنى نتيجة إحسانهم: {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ} [الرحمن:60]. المؤمنون الموحدون الذين سبق في علم الله في الأزل أنهم سيكونون مطيعين ومؤمنين، ومستجيبين لدعوات الرسل ولأمر الله ورسوله، هؤلاء يبعدون عن النار بعد السماء عن الأرض. {لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} [الأنبياء:102]. أي: ولا حركتها، ولا لهبها، ولا قرقعة نارها، وهكذا الله جل جلاله يقرن رحمته بعذابه؛ ليرجو المؤمن ويخاف التائب، ويوعد ويهدد المذنب عله يئوب ويعود إلى التوبة، فيغفر الله له ويكرمه برحمته وجنانه.
تفسير قوله تعالى: (لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون)
تفسير قوله تعالى: (لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون) قال تعالى: {لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} [الأنبياء:102]. أي: بعداء عنها، على كبر النار وشدة لهيبها، وقرقعة وقودها، ونداء المعذبين بويلهم وبعذابهم، وما يلاقون من شدة ومحنة وعذاب هم بعداء عنها. {لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} [الأنبياء:102]، أي: صوتها، وحركتها، ولهبها، وقرقعة وقودها وهي تحترق. {وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} [الأنبياء:102]. وهم والحالة هذه فيما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين كما قال ربنا في آية أخرى، وفيها كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر). قوله: {خَالِدُونَ} [الأنبياء:102]، أي: هم خالدون، ممتعون، مكرمون في كل ما تشتهي أنفسهم، وتلذ أعينهم، ويريدونه ويحرصون عليه مما لا يكاد يخطر لهم بخيال ولا بال.
تفسير قوله تعالى: (لا يحزنهم الفزع الأكبر)
تفسير قوله تعالى: (لا يحزنهم الفزع الأكبر) قال تعالى: {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُن} [الأنبياء:103]. وهم داخلون إلى الجنة من الأبواب تقف الملائكة يميناً وشمالاً شأن المضيف القائم على دار الضيافة في الدنيا، ولكن بما يتجاوز كل ذلك، ولا يخطر على بال، تتلقاهم وتستقبلهم الملائكة عن يمينهم وشمالهم، وأمامهم وخلفهم، ويطيعون كل واحد على قصوره وحوره العين، وعلى ما متع به وانفرد به: {وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ} [الأنبياء:103] وتقول لهم: {هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء:103]. أي: تقول لهم: يا أيها المؤمنون! يا أيها الذين رضي عنهم ربهم! ورحمهم بفضله وكرمه! هذا اليوم الذي طالما مناكم به ربكم، ووعدكم به ربكم من نعيم مقيم دائم، ومن مياه متدفقة، ومن حور عين، ومن قصور وثمرات وفواكه، ومن ماء أبيض من الحليب، وأحلى من العسل. هذا ما نطق به القرآن وكتبكم السماوية، وبشرتكم به أنبياؤكم ورسلكم عن الله تعالى، وها أنتم هؤلاء قد وجدتم ذلك حقاً في غزوة بدر، عندما انتصر النبي صلى الله عليه وسلم على أعدائه نصراً معززاً، وأمر برمي جيف أعدائه في البئر، ووقف على جثث أولئك وجيفهم قائلاً: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا} [الأعراف:44] فقد خاطب أرواحهم هل وجدوا ما توعدهم به على لسان رسوله. ثم عاد فقال لهم: أما أنا فوجدت وعد ربي حقاً، والوعد الذي وجده النبي صلى الله عليه وسلم هو أن العاقبة للمتقين، وأن النصر في الأخير لرسل الله وأتباعهم، وقال له الأصحاب وهو يخاطب هؤلاء: ما تحدث من أقوام موتى لا يسمعون ولا يعقلون؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون الجواب)؛ لأن الذي فني منهم وذهب الجسد وفيه أداة السمع والكلام، وأداة ما يمكن أن يأخذوا ويعطوا. أما الأرواح فتبقى وتعود للأجساد عندما يبعث الله تعالى الخلق والبشر يوم البعث للعرض عليه جل جلاله.
تفسير قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب)
تفسير قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب) قال تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:104]. متى يكون هذا؟ متى يكون عذاب المشركين الكافرين؟ ومتى يكون تنعيم المؤمنين وإكرامهم بالجنان حيث تستقبلهم الملائكة فرحين بهم مرحبين بهم، قائلين لهم: {هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء:103]؟ يكون هذا: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء:104]، أي: يوم القيامة، يوم فناء الدنيا بسمائها وأرضها، يوم لا يبقى إلا الله الأول بلا بداية، الآخر بلا نهاية، يوم يقول: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر:16]؟ فلا مجيب، فيجيب نفسه: أنا الملك! أنا ملك الملوك؛ جل جلاله وعلا مقامه. {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ} [الأنبياء:104]، أي: تطوى السماء كما يطوى الكتاب والصحيفة والورق، وتذهب السماء وكأنها لم تكن، والورقة يقرؤها الإنسان وعندما ينتهي منها في العادة يطويها ويرميها في سلة المهملات. كذلك السماء تطوى كطي السجل، والسجل: هو الورق، وأشبه ما يكون بغلاف الكتاب وجلده. {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء:104] وفي القراءات السبع: (للكتاب). والسجل: ورق. والكتاب هنا: المكتوب، أي: كما يطوى المكتوب ضمن هذا الورق، ومعناه أن السماء تنتهي وتصبح عهناً منفوشاً وكأنها لم تكن، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27] أي: يفنى كل ما على الكون، وكل ما في الخليقة، ويبقى الله الدائم الحي لا ملك ولا جن ولا إنس يكون هذا يوم ينفخ إسرافيل في الصور بأمر الله، وقديماً منذ (1400) عام قال لنا نبينا صلوات الله وسلامه عليه، عن إسرافيل أنه قال: كيف أضحك وقد انحنيت على الصور أنتظر أمراً من الله بالنفخ فيه؟! وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (بعثت والساعة كهاتين) فرسول الله عليه الصلاة والسلام كان من العلامات الصغرى ليوم القيامة، ونحن مقبلون على العلامات الكبرى، ولا يعلم الساعة بزمنها هل هي في نهار أو ليل إلا الله. وعندما سأل جبريل نبينا عليهما السلام: (متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، ولكن عاد فسأل: (ما أماراتها؟) فأخذ يجيب عن العلامة، ونحن في العلامات منذ ظهر في هذه البطاح المقدسة سيد البشر صلى الله عليه وعلى آله: {يَوْمَ نَطْوِي} [الأنبياء:104] أي: أولئك خالدون في النار، وهؤلاء خالدون في الجنة، يكون أولئك معذبون وهؤلاء منعمون. قوله: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء:104]. ثم بعد الفناء والذهاب، وبعد الموت يعيد الله الخلق الذي بدأه أول مرة، هو كما ابتدأه قادر على أن يعيد خلقه، وهذا هي حجج العقول لمن له عقل، نحن نرى أجسامنا وأنفسنا، ونرى غيرنا في الوجود من الذي أوجدنا؟ من الذي خلقنا؟ من الذي أعطانا هذه الحواس؟ لقد خرجنا أطفالاً من بطون أمهاتنا ومن أصلاب آبائنا، ثم كبرنا ثم ذهبنا كما ذهب الآباء والأجداد، وبعد مائة سنة أين من كان يسكن مكة ويسكن جزيرة العرب؟ بل ويسكن الأرض؟ ذهبوا في أمس الدابر، وسنصبح يوماً حديثاً في أمس الدابر كما كان الأولون. ويأتي بعدنا من يحتل أرضنا ويرث أملاكنا، ويفعل! ويفعل! وهكذا فكما أننا خلقنا من عدم لا شك أن لنا خالقاً موجداً، هو الله الخالق جل جلاله. فكما ابتدأنا الله بلا مثال سابق ولم نكن موجودين هو قادر جل جلاله على أن يعيدنا، {قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس:78 - 79] ذاك منطق العقول لمن {لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق:37]، {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء:104]. عندما يفعل ذلك بعد زمن الله أعلم به، ولكنه سيأتي لا محالة، فيعيد خلقنا كما كنا في دنيانا ونبعث كما متنا شيوخاً أو شباباً أو أطفالاً، نساءً أو رجالاً، أصحاء أو مرضى، ثم نعرض على الله حفاة عراة غرلاً، والسيدة عائشة رضوان الله عليها حين سمعت هذا من رسول الله عليه الصلاة والسلام قالت: أيرى بعضنا بعضاً؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: (هيهات يا عائشة! الناس ليس لهم هم في ذلك، كل في بلائه ومصيبته ويقول: نفسي! نفسي!)، قال تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:34 - 37]. قوله: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء:104]، أي: كما بدأ الله أول الخلق آدم من تراب ثم حواء منه، ثم سلالته من نطفة من ماء مهين، سيعيد خلقنا، وقد وصف لنا ذلك عليه الصلاة والسلام، فذكر أن في منتهى فقرات الظهر حبة كقدر العدسة اسمها: عجب الذنب، ستبقى كالبذرة للإنسان، فعندما يأمر الله بالبعث والنشور تنزل أمطار، وإذا بهذه الحبة تنبت كما ينبت النبات، وإذا بنا قياماً ننظر ونحن معروضون على الله نذهب زحفاً إلى أرض المحشر، وإن أرض المحشر هي أرض الشام. قوله: (وعداً علينا) أي: وعدنا ذلك وعداً، أو أوجبنا ذلك على أنفسنا، ولا يجب على الله شيء كما أوجبه على نفسه. قوله: {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:104]، أي: فاعلين لهذه الحياة بعد الموت؛ لعذاب المسيء ولرحمة المحسن، وعليه أرسلنا الرسل مبشرين مبشرين المؤمنين بالرحمة والجنة، ومنذرين العصاة بالغضب والنار.
الأنبياء [105 - 112]
تفسير سورة الأنبياء [105 - 112] الأرض أرض الله والملك ملكه، وقد كتب أن الأرض لعباده الصالحين، وقد أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، يدعو إلى التوحيد ويحذر من الشرك بالله، وينذر الكافرين العقوبة.
تفسير قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر)
تفسير قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء:105]. يقول جل جلاله: قد كتبنا في الزبور، وما الزبور هنا؟ فسر الزبور بزبور داود، وبما يلحقه من التوراة والإنجيل، وفسر الذكر بالقرآن الكريم، ولكن الله قال: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} [الأنبياء:105] ومعناه: أن ذاك كان مكتوباً بعد الذكر، والقرآن كان بعد الزبور لا قبل الزبور، وهو يطلق على كل الكتب، والتقدير: وكتبنا في الكتب السابقة التوراة والإنجيل والزبور وصحائف إبراهيم، من قبل الذكر، والذكر: اللوح المحفوظ الذي كتب فيه ما كان وما يكون إلى قيام الساعة. أي: الله جل جلاله منذ خلق الكون وكتب اللوح المحفوظ جعل الأرض للعباد الصالحين، جعل الأرض للموحدين المؤمنين، ومن هنا قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [الحشر:7]، أفاء: من الفيء، والفيء الرجوع. وكأن الله يقول لنا: هذه الدنيا التي خلقت للموحدين ستعود لكم، فأنتم اليوم الموحدون في الأرض، ومن هنا كان نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم يعدون الأرض كلها وطناً شاملاً عامة للمسلمين، ما ملكناه فهو ملكنا عملياً، وما لم نملكه بعد ولم نفتحه فهو مجالنا الحيوي الذي يجب أن يعود لأرض الإسلام. ومن هنا قسم فقهاؤنا الأرض إلى ثلاثة أقسام: أرض إسلام، وأرض عهد، وأرض حرب، فأرض الإسلام التي يقوم عليها الإسلام حاكماً، وأرض العهد ما عاهدنا عليه أقواماً مؤقتاً لمصالح اضطر إليها المسلمون، وأرض حرب ليس أهلها أهل ذمة ولا معاهدين لنا، وأرض الحرب ملك للمسلم متى وصلت يده إليها فهي له غنيمة. ولذلك هذه الوطنية الضيقة والإقليمية المعوجة مثل قولهم: هذا بلدي وهذا بلدك وهذا وطني وهذا وطنك هذه وثنية ما أنزل الله بها من سلطان، والنبي عليه الصلاة والسلام عندما سمع من ينادي: هذا فلان هذا فلان! مثل ما نقول الآن: يا عربي! يا هندي! يا عراقي! يا حجازي! قال: (دعوها فإنها منتنة) لها روائح كريهة؛ ولذلك كان ما ينادي عليه الصلاة والسلام إلا: يا أيها المؤمنون! يا أيها المسلمون!. وهكذا خاطبنا الله فلم نجد في القرآن: يا أيها العرب! ولا نجد: يا أيها العجم! ولكن نجد: يا أيها الناس! خطاب لكل مسلم وكافر؛ لكي يستقر المؤمن على إيمانه ويلازمه، ولكي يدخل الذين لم يؤمنوا من الناس في الإيمان. {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء:105]. قال علماؤنا: هذه الآية إشارة للمؤمنين وأمر لهم بأن ينتشروا في الأرض فاتحين، هداة داعين إلى الله وحده. وقد فعلوا، فخلال خمسين سنة كانت جيوش المسلمين قد توجهت شرقاً إلى السند، وغرباً إلى عمق أوربا، وهكذا كانت دولة الإسلام مدة ألف عام، ولكن عندما فرطوا وتنكروا لنبيهم وكتابهم وشريعتهم عوقبوا بأنواع من الاستعمار والاحتلال، ومن ضياع العقول، ومن الذل والهوان إلى أن بلغ الأمر أن يخضع المسلمون لليهود، ويسعوا في مصالحتهم ومتابعتهم، وما ذلك إلا عقوبة إلهية للمسلم عندما ترك ربه، وترك إمامه عليه الصلاة والسلام، وسعى وراء الشيوعية اليهودية، والاشتراكية اليهودية، والماسونية اليهودية، وكل مذاهب السوء الضالة، ولا يرفع غضبه ولا عقوبته ما لم نعد إلى الله تائبين منيبين؛ ليعود علينا بعوائده الطيبة، وهو فاعل جل جلاله كما وعدنا في كتابه بقوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47]. قوله: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ} [الأنبياء:105]، أي: في الكتب السابقة. قوله: {مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} [الأنبياء:105]، أي: من بعد اللوح المحفوظ الذي ذكر فيه كل شيء. قوله: {أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء:105] أي: أن الأرض بكل أقاليمها وأصقاعها وقاراتها هي للعباد الصالحين، وما العباد الصالحون إلا المؤمنون المسلمون، ولا إيمان لمشرك، ولن نقول على الكتابيين إنهم مؤمنون، فالذي يشرك مع الله عيسى أو مريم أو العزير أو العجل ليس بمؤمن، فلقد قال الله عنهم: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} [المائدة:73] وقال عن اليهود والنصارى مجتمعين: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة:18] وقال عن الكل: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} [التوبة:30]، كفروا كفر السابقين، وحتى في كفرهم كانوا مقلدين.
تفسير قوله تعالى: (إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين)
تفسير قوله تعالى: (إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين) قال تعالى: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء:106]. أي: إن في هذا القرآن الموحى به لمحمد خاتم الأنبياء وسيد الرسل صلوات الله وسلامه عليه لبلغة تكفي من يؤمن به، فمن آمن بالقرآن كفاه، ومن عمل بما في القرآن بلغه المقصود من عز الدنيا وعز الآخرة، ومن سيادة الدنيا ورحمة الله في الدنيا والآخرة. قوله: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء:106]، أي: خاشعين لله لا يعبدون معه غيره، يؤمنون به كما أراد وأوحى به إلى نبينا مما أمرنا به من صلوات وحج وصيام، ومن الأركان، ومما علمناه القرآن ونبينا عليه الصلاة والسلام.
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ثم قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]. أي: يا محمد! ما كانت رسالتك إلا رحمة لكل الناس برها وفاجرها، مؤمنها وكافرها. وقد استشكل قوم فقالوا: نبينا رحمة للمؤمن، فكيف هو رحمة للكافر وهو الذي أنذر وهدده بالنار خالداً مخالداً إذا دام على كفره ومات عليه؟ والجواب بين واضح: النبي رحمة للكافر قبل أن يكون رحمة للمؤمن؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتنى به ودعاه، وبلغه رسالته، وأنذره عذاب الله وبشره برحمته، أتعب نفسه التعب الكبير ليؤمن، حمله كفار قريش ما لم تحمله الجبال الرواسي من عناد، وشتيمة، وهجران، وإسالة دماء، وكسر أسنان، ومؤامرات، وتألب عليه بكل الأشكال، وهو مع كل ذلك يدعوهم، وعندما يقال له: ادع على أعدائك، يقول: لم أرسل سباباً، ولا لعاناً، ولكني أرسلت رحمة للعالمين. ومن هنا يقول الله له: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} [التوبة:128]، أي: كان صعباً على نفسه وعزيزاً عليها أن يتعنت قومه فلا يؤمنون، فكان رحمة لهم حيث دعاهم إلى الله، ورحمة لهم بما أرجأهم من عذاب مدة حياتهم؛ لعلهم يوماً يعودون إلى الله ويقولون: ربي الله، ويتوبون. فهو رحمة لهم بإرساله لكل الناس الكافرين والمؤمنين، عندما أرسل كان أول من آمن به خديجة، ثم أبو بكر، ثم علي رضي الله عن الثلاثة، وصلوات الله على نبينا وسلامه. من كرامة الله لرسوله أنه أوقف ما كان يعاقب به الأمم السابقة من خسف وقذف بالحجارة والصواعق، ومن مسخ إلى قردة وخنازير، فالأمة المحمدية لا تخسف بها الأرض، ولا تقذف بالحجارة من السماء، ولا تمسخ قردة ولا خنازير، وتبقى على حياتها وقد ترزق وقد رزقت، وقد تستغني وقد استغنت، وأرجئت في العذاب والمحنة إلى ساعة الغرغره، فإذا أناب وتاب ولو قبل الموت وقبل وصول الروح إلى الغرغرة فإن الله يقبل توبته. وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إنما أنا رحمة مهداة) وكفى في ذلك قول الله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، أي: لجميع العوالم منذ إرساله للعرب والعجم، للمشارق والمغارب، للبر والفاجر، للمؤمن والكافر، وما جزاء من يكون هكذا إلا أن يحب، وأن تدام الصلاة عليه، وأن يتبع ويجعل مثالاً وأسوة وقدوة صلوات الله وسلامه عليه ما دام الليل والنهار، وجزاه الله عنا أحسن الجزاء، وحشرنا تحت لوائه يوم القيامة.
تفسير قوله تعالى: (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد)
تفسير قوله تعالى: (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [الأنبياء:108]. يقول نبينا للناس: ما أوحي إلي من الله، وما أمرت عن الله إلا بدعوتكم للتوحيد، ولدعوتكم بأن الله واحد، وأنه الرازق الخالق المعبود لا شريك له، ولا يحتاج إلى معين ولا مساعد ولا مؤازر، ولا يحتاج إلى ولد، ولا إلى صاحبة، فهو جل وعلا غني عن كل ذلك: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ} [فاطر:15]، أي: الغنى المطلق، ونحن فقراء فقراً مطلقاً. قوله: {قُلْ إِنَّمَا} [الأنبياء:108]، أي: قل: يا محمد ((إنما)): أداة حصر، أي: حصرت رسالتي في الدعوة إلى التوحيد، وما سواه فهو تبع له، فإذا فسدت العقيدة ضاعت العبادة، وأصبح ذلك هباءً منثوراً. و (يوحى) فيه معنى الاستمرار، فهو فعل مضارع دال على الحال والاستقبال، أي: مدة حياة رسول الله عليه الصلاة والسلام، يوحى إليه بمختلف السور والآيات، والسنة القولية والفعلية والإقرارية قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3 - 4]. فالنبي صلى الله عليه وسلم معصوم عن الزلل والخطأ، وكل عمله إما وحي بالنص -باللفظ- ككتاب الله القرآن الكريم، أو وحي بالمعنى ويتصرف رسول الله عليه الصلاة والسلام في إبلاغه. قال تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [الأنبياء:108]، أي: فهل ستسلمون؟ وهذا استفهام تقريري، يقرر ألا مندوحة ولا منجى عن الإسلام، الإسلام أو الطوفان، الإسلام أو جهنم، ولا وسط، وسيبقى المسلمون ضائعين ضالين تائهين يتلاعب بهم الكفار كتلاعب الصبية بالكرة ما لم يعودوا إلى كتاب الله وإلى هدي نبيه عليه الصلاة والسلام، لا يفيدنا مال ولا قوة ولا وحدة ما لم تكن الوحدة أولاً بالله، وبالدعوة إلى الله الواحد، وطاعته في كتابه، وطاعة نبيه في سنته. قوله: ((فهل أنتم مسلمون))، أي: فهل أنتم مستسلمون مطيعون لهذه الدعوة ولتوحيد الله، ولقبول الرسالة، ولقبول القرآن الكريم، ولقبول السنة المطهرة.
تفسير قوله تعالى: (فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء)
تفسير قوله تعالى: (فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء) قال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ} [الأنبياء:109]. قوله: (وإن تولوا) أي: إن تولى الناس وأعرضوا عن رسالتك سواء آمنوا ثم ارتدوا أو لم يقبلوها من أول مرة. ((فقل آذنتكم على سواء)) أي: أعلن الحرب عليهم، وقل لهم: أخبركم وأعلمكم على سواء بيني وبينكم، علمي علمكم، حتى لا تكون غادراً ولا مفاجئاً، وأعلمهم بأنهم أعداؤك، وأنك بريء منهم وهم براء منك، وأنذرهم بالحرب والعداوة. ((فإن تولوا))، أي: فإن أعرضوا ورفضوا هذه الرسالة وهذا التوحيد وهذه الهداية: ((فقل آذنتكم على سواء))، أي: أعلمتكم بالحرب على مستوى واحد بيني وبينكم، فأعدوا ما استطعتم. قوله: ((وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون))، أي: لست أدري فـ (إن) نافية، أي: ما أوعدكم الله به من نار وعذاب وغضب، لست أدري هذا سيكون غداً أو بعد غد؟ هل سيكون في الدنيا بالذل والهوان والتحكم والأسر والإذلال، أو سيكون في الآخرة بالنار وعذاب الله المقيم السرمدي، هذا إنذار من الله، وهو إشارة إلى قيام الساعة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً لا يعلمها.
تفسير قوله تعالى: (إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون)
تفسير قوله تعالى: (إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون) قال تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} [الأنبياء:110]. أي: يا هؤلاء الذين تمردوا على ربهم، إن الله يعلم ما تجهرون به من القول، وتصدون به الناس عن الإيمان، وتجهرون به لنبيكم من كفر وعصيان، ومخالفة ومواجهة ومجابهة. قوله: ((ويعلم ما تكتمون))، أي: يعلم ما تكتمونه في أنفسكم من تآمر ورغبة في قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقتل أصحابه، وطردهم من مكة وعقوبتهم. وسبب هذه الآية كفار عصره، ثم أصبحت للعموم، يخاطب بها كل كافر كما يخاطب بها كل مؤمن، فمن كفر قبل أو بعد وفي عصرنا أو بعده كل ما ورد في القرآن عن الكفار فهو مخاطب به، ومن سيأتي بعدنا.
تفسير قوله تعالى: (وإن أدري لعله فتنة لكم)
تفسير قوله تعالى: (وإن أدري لعله فتنة لكم) قال تعالى: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأنبياء:111]، أي: ولست أدري ما أعطاكم الله في الدنيا من صحة وشباب، وملك وسلطان، وأعمار وأولاد ونساء، هل هذا من الله مكرمة لكم أنتم على كفركم؟ وما أظن ذلك! قوله: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ} [الأنبياء:111] أي: ابتلاء وزيادة في قيام الحجة، والحجة لله البالغة، ليقال ساعة الحساب ابتداءً من القبر وسؤال الملكين: فيم صرفت شبابك؟ وفيم صرفت صحتك؟ وفيم صرفت مالك؟ هل أحسنت؟ هل أطعت؟ هل زكيت؟ هل أعطيت من شبابك؟ هل أعطيت من حياتك؟ وقد أرجئت في الموت إلى دار طويل، هل تذكرت يوماً فقلت: ربي الله، رب اغفر لي؟! وسيكون جواب الكفار لله سلباً؛ ليشتد العذاب ويزداد، وتبقى الحجة لله البالغة. قوله: ((وإن أدري لعله فتنة لكم))، و (لعل) في القرآن ليست للرجاء، ولكنها للتحقيق. قوله: ((ومتاع)). أي: متعة في دنياهم من أزواج وأولاد وأرزاق ونعيم، متعوا بذلك ليسألوا عنه، فإذا كان المسلم يسأل عن النعيم فيم صرفه؟ ولم بذر؟ ولم أسرف؟ فكيف بالكافر الذي لا يصرف إلا في باطل وسوء؟ قوله: {وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأنبياء:111] أي: إلى وقت وزمن معين ومسمى عند الله، فلا يعلم ساعة الموت أحد: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان:34] كما لا ندري متى نموت؟!
تفسير قوله تعالى: (قال رب احكم بالحق)
تفسير قوله تعالى: (قال رب احكم بالحق) قال تعالى: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ ?بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء:112]. الذي قال هو نبينا عليه الصلاة والسلام، وحكى عنه الله ذلك، كما قال الأنبياء قبله: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:89]، وقرئ في القراءت السبع: ((قل)) وهل يحكم الله إلا بالحق، ولكنها بيان حقيقة وواقع، والله هو الذي أمر بذلك. قوله: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} [الأنبياء:112] وقرئ: ((قل رب احكم بالحق))، والحق هنا ليس مقابل الباطل، وإنما المعنى: قل رب احكم بعذابك الحق على هؤلاء الذين طالما تمردوا، وعصوا، وطالما كفروا وتألبوا على المسلمين وعلى أنبيائهم، وعلى العابدين المؤمنين. قوله: {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء:112]، ومع ذلك يبقى الله الرحيم حتى في وقت إيعاده وإنذاره، وذكر الرحمن هنا ولم يذكر الجبار ولا المنتقم. قوله: ((وربنا الرحمن))، أي: إشارة إلى تطميع الكافر نفسه برحمة الله؛ ولذلك قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (لو يعلم الكافر ما عند الله من رحمته لطمع في جنته، ولم ييئس منها)، وهكذا! فالكافر مهما كان إذا علم الله في قلبه خيراً هداه للإيمان والإسلام يجب ما قبله، وقال: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء:112]، أي: ربنا الرحيم بعباده، والرحمان لهم، والغافر لذنوبهم، والمنذر لهم، والموعد لهم، والمكرم لهم بأنبيائه ورسله، علهم يوماً ويعودون إليه فيقولون: ربي الله. {الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء:112]. أي: الذي يستعان به، ويستعين رسول الله بقدرته، وقد وصف الكفار الله تعالى بأن له صاحبة، وأن له شريكاً، وقال الكفار عموماً: له شريك وصاحبة وولد يحتاج إلى من يعينه، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً! كما قالوا عن نبي الله: كاذب، وقالوا: ساحر، وقالوا: مجنون، حاشاه من كل ذلك عليه الصلاة والسلام. وبهذا نختم اليوم ولله الحمد سورة الأنبياء، ونستقبل غداً بمشيئة الله سورة الحج.
الحج [1 - 4]
تفسير سورة الحج [1 - 4] يحذر الله تعالى وينبه إلى عظمة يوم القيامة، ذلك اليوم الذي تزلزل فيه السماوات والأرض، وتزلزل فيه القلوب والأفئدة لعظمته وهوله، فإذا رآه المولود شاب رأسه، وإذا رأته المرأة الحامل وضعت حملها، وإذا رأته المرضع ذهلت عن رضيعها، وترى الناس كالسكارى وليسوا بسكارى، ولكن عذاب الله شديد.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم) قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج:1]. نحن الآن في سورة الحج، وهي في النصف الثاني من الجزء السابع عشر، وسورة الحج فيها ثمان وسبعون آية، ووضعها عجيب، فهي مكية مدنية، أي: نزل بعضها في مكة ونزل بعضها في المدينة، وهي حضرية سفرية، أي: نزل بعضها في الحضر والنبي عليه الصلاة والسلام مقيم، وبعضها نزل والنبي عليه الصلاة والسلام مسافر ومتنقل بين مكة والمدينة، وفيها الناسخ والمنسوخ، وفيها المحكم والمتشابه. وهذه السورة تمتاز عن بقية السور الأخرى بأن فيها سجدتين، وهي تشتمل على أكثر أحكام الحج، وهو الركن الخامس من الأركان الخمسة في دين الإسلام. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} [الحج:1] النداء هنا يعم كل إنسان من سلالة آدم وحواء، وقوله: ((اتَّقُوا رَبَّكُمْ)) معناه: اجعلوا بينكم وبينه وقاية؛ لتنقذوا من غضبه، وتنقذوا من عذابه. والتقوى: هي فعل الأوامر قدر الاستطاعة، وترك النواهي البتة. قوله: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج:1]: الزلزلة: هي الاهتزاز والاضطراب والقلق النفسي، فالفتن يتبع بعضها بعضاً حتى تزلزل النفس وتزلزل الأرض، ويكاد يضيع الإنسان عن نفسه. {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ} [الحج:1] أي: هول الساعة، وقيام الساعة. قوله: {شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج:1] عظيم بخطره، عظيم بزلزلته، عظيم ببلائه، عظيم بهزة النفس التي تكاد تفقد كل شيء ذهولاً وغفلة، وتكاد تنسى نفسها وكل ما يتعلق بها، فهذه الزلزلة شيء عظيم فظيع كبير لا تكاد النفس تتصوره، ولا تقوم له. وقد قال تعالى: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة:214]، فقد زلزل المؤمنون وقت البعثة النبوية بكثرة البلاء، وكثرة الاضطهاد، وكثرة التآمر من أعداء الإسلام، فتزلزلت نفوسهم وقلقت خواطرهم، وأخذوا يتحدثون بما لو نطقوا به لكان كفراً، فقد أجاب الله بعد ذلك: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214]. وزلزلة الساعة يحتمل أنها ما ذكرناه، ويحتمل أنها الزلزلة التي تكون من علامات الساعة الكبرى قبل قيام الساعة عند النفخ في الصور، وقد تكون في قيام الساعة، وقد تكون يوم العرض على الله. والآية تدل على هذا وذاك، والأحاديث المفسرة تدل على هذا وذاك، ومعنى هذا: أن الزلزلة تكون عند آخر العلامات الكبرى بعد خروج يأجوج ومأجوج الذين يزيد الفساد انتشاراً عند خروجهم، ويهلكون الحرث والنسل، ولا يكون بعدهم إلا الساعة تقوم وهي كالحمل المسن لا يدري أهلها متى تفجأهم بالولادة والوضع أليلاً أم نهاراً؟ أصيفاً أم شتاءً؟ ويتبع ذلك من الأهوال العظام ومن البلابل والفتن ما لا تكاد النفس البشرية تتحملها مهما تحملت، ولكن مع ذلك لا بد من حملها كرهاً أو رضاء. والله ينذر الناس منذ أن أنزل هذه الآية، ومنذ أن أرسل نبينا صلوات الله عليه وسلم رسولاً للبشر كلهم، بأن الساعة قريبة، وأن الساعة آتية، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو من علامات قربها الأولى، ولذلك يدعو كل الناس إلى أن يجددوا التوبة ويجددوا التقوى، حتى إذا قامت القيامة قامت وهم مؤمنون، موحدون، تائبون لربهم ومنيبون. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ} [الحج:1] أي: إن قلاقلها، وإن اهتزازها للنفس وللعقل والبدن، وإن هولها لشيء عظيم لا يكاد يوصف ولكن يوصف ما يحدث معها.
تفسير قوله تعالى: (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت)
تفسير قوله تعالى: (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت) قال تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج:2]. يصف الله جل جلاله بعض أهوالها وعظائمها وزلازلها، وأن الإنسان يوم يراها، أي: يرى الزلزلة أو يرى الساعة ويعيش في واقعها ويكون معها فإنه: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} [الحج:2]. فيوم يراها الناس يقع ذهول للمرضعة، ويقع فيها ضياع عن نفسها، حتى إنها تترك الرضيع الذي ترضعه، فهي غافلة عنه، ناسية له، وليس هذه هي العادة بالنسبة للمرضع، ولكن الذهول الذي تكون فيه يشبه الجنون، ويشبه ضياع العقل، حتى تنسى نفسها وتنسى رضاعها، وتنسى رضيعها، وتنسى أحب الناس إليها وأعزهم فتتركه ذاهلة ضائعة تائهة. يقال: مرضعة إذا كانت ترضع في الحين، ولها ولد ترضعه، ويقال: مرضع إذا كانت ذات ولد وهي ترضعه ولكن ليس بالضروري أن تكون في تلك الساعة ترضعه. قال تعالى: {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} [الحج:2]، والحامل كذلك تجهض، وتضع حملها قبل وقته وقبل وصوله للشهر التاسع؛ لهول ما هي فيه من زلزلة الساعة وشدتها وعظم ألمها ووجعها وذهولها. وهذان الوصفان: أن المرضعة تذهل عن رضيعها، وأن الحامل تسقط حملها وتجهضه يدلان على أن هذا الزلزال في الدنيا عند قيام الساعة وليست في وقت الساعة؛ لأن يوم القيامة لا ولادة ولا رضاعة ولا حمل. وقد يكون المعنى شاملاً، فتكون الزلازل والأهوال العظيمة الشديدة عند قيام الساعة، وبطبيعة الحال تتصل إلى قيام الساعة، {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ} [عبس:34] إلى آخر ما يصف ربنا من الهول ومن الشدة ومن الزلازل وعظمتها وقوتها على النفس. وفي الأحاديث الثابتة عن نبي الله صلى الله عليه وسلم: (أن الله يقول لآدم: خذ بعث النار إلى النار، قال: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون). وقد نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في حروب اليهود: بني قريظة وبني النضير، وقد نزلت ليلاً فأصبح فتلاها على المؤمنين، وإذا بهم يبكون في ذهول وكأنهم يعيشون وقت الزلزلة ووقت القيامة، حتى إنهم كفئوا القدور وامتنعوا عن الأكل ولم يجدوا شهية لشيء من أمور الدنيا، فسأل سائل منهم: (ومن عسى أن يكون هذا الواحد يا رسول الله؟ قال: أبشروا فإن منكم واحداً، ومن يأجوج ومأجوج ألف، والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبر الصحابة فرحين، ثم أعاد فقال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فأعادوا فكبروا فرحاً وسروراً، ثم أعاد فقال: وإني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة). وفي رواية: (ثلثي أهل الجنة، فكبر المؤمنون وقرت نفوسهم فرحاً بوعد الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم أعاد فقال: إنكم بين الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، وإني لأرجو أن يدخل منكم الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، فاستقل هذا العدد عمر وقال: يا رسول الله! سبعون ألفاً! فقال عليه الصلاة والسلام: ومع كل واحد سبعون ألفاً)، فقرت أعينهم وسروا بذلك، وذهب حزنهم وفرحوا بوعد الله الحق. قال تعالى: {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى} [الحج:2] أي: لم يشربوا خمراً، وليس الوقت وقت شراب ولكنه كما قال تعالى: {وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج:2]، ولكن العذاب شديد حيث الزلزلة العظيمة الشديدة، فتذهل من أجلها المرضعات، وتجهض الحوامل، وترى العقلاء من الناس وكأنهم سكارى وليسوا بسكارى وما شربوا قط، وإنما هو الذهول، وإنما هو الضياع، وإنما هي الشدة والألم من هذه الزلازل عند قيام الساعة. قال تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج:2]، فالله جل جلاله يعلن هذا للناس وقت البعثة النبوية، ووقت نزول هذه الآية الكريمة ويدعو كل الناس إلى التقوى، وإلى عبادة الله، وإلى ترك الشرك، وإلى ترك المخالفة والمعاصي، فإذا عاشوا وعاصروا هذه الزلازل عند قيام الساعة كانوا على تقىً، وكانوا على توحيد، وكانوا على دين، ومن مات كذلك يحفظه الله جل جلاله من الكثير من الزلازل ومن البلايا والمحن نتيجة توحيده وإيمانه.
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم)
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم) قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج:4]. يقول الله عن بعض المشركين، وعن بعض اللسنين المجادلين، وهم مع كفرهم ومع ردتهم ومع شركهم فيهم عناد وجدال للحق بالباطل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الحج:3]. وكان سبب نزول هذه الآية ما قاله النضر بن الحارث وهو يلف المشركين حول رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو جالس عند الكعبة الشريفة، يقول لهم: هذا الذي يقوله محمد أنا أقول مثله، لقد سافرت ورأيت بلاد الروم وبلاد الفرس وأستطيع أن أقص عليكم أساطير الأولين كما يقصها محمد، فهو يجادل بالباطل، ويجادل بغير علم، فلم يحاج ويبرهن ويستدل ويبحث عن الحق بدلائل المعقول والمنقول، وبالدلائل التي يقبلها العقل السليم، وبالأدلة التي نزلت وحياً عن الله جل جلاله على رسله وعلى خاتم النبيين عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فالآية قد نزلت من أجل النضر، هذا وقد لقي جزاءه وقتل مع عقبة بن أبي معيط يوم بدر؛ يوم الفرقان، يوم نصر الله لنبيه وللمسلمين، وهذه صفة كل مشرك مضى أو سيأتي. وكثيراً ما نجالس بعض هؤلاء المشركين وبعض المرتدين ممن كان يوماً مسلماً، فيجادل بالباطل في كتاب الله وهو يجهل منه أي كلمة وأية آية، ويجادل في دين الله وهو لا يعلم عنه نقيراً ولا قطميراً. قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الحج:3] وما أكثرهم، فهو يجادل في الله بغير علم {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} [الحج:3] فإمامه الشيطان، ومصدر تلقيه هو الشيطان ووسوسته وأضاليله، ويتبع كل شيطان من الإنس والجن من أئمة الباطل ومن أئمة الشرك، ومن أئمة الفساد في الأرض، فتراه يتبع كل ناعق، وتراه مع كل شيطان مارد. قال تعالى: {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} [الحج:3] أي: متمرد، وفعيل: صيغة مبالغة، أي: شديد التمرد على الله، وشديد الإصرار والتمسك بالشرك والعناد والمخالفة للسنة ولكتاب الله الكريم: {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} [الحج:3]. قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ} [الحج:4] أي: قدر عليه، أي: قدر على الشيطان في الأزل منذ تعاظم على ربه وتكبر على السجود لآدم الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، وأبى أن يسجد له متعاظماً متكبراً مخالفاً لأمر الله، وأول ما عصي الله بالكبر، وما تعالى إنسان على الله إلا وقصمه وأماته بالذل والهوان حتى كأنه البعوض. قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ} [الحج:4] أي: كتب على الشيطان أن من تولاه، أي: من جعله ولياً، وجعله إماماً، وجعله متبوعاً، وجعله يوحي إليه بكفره وشركه. قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج:4] فمن تولاه واتبع قوله، واتبع وساوسه كانت نتيجته أنه يضل ويشرك ويتمرد تمرد الشيطان. قال تعالى: {وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج:4] أي: إلى أشد أنواع العذاب والحريق بحيث تتسعر به جهنم كأنه وقودها، وكأنه الحجر أو الحطب الذي به اشتعلت النار وتسعرت واشتد حريقها. وهداية الشيطان ليست إلى النور، ولا إلى الحق، ولا إلى التوحيد، ولكن إلى عذاب السعير، إلى جهنم وبئس المصير، إلى لعنة الله وغضبه، فلا يقوده ولا يهديه إلا إلى الشرك والكفر والضلال.
الحج [5 - 9]
تفسير سورة الحج [5 - 9] في هذه الآيات يذكر الله تعالى أطوار خلق الإنسان، ومراحل نشوئه منذ المرحلة الأولى إلى آخر المراحل، ويضرب الله الأمثال العقلية الواقعية التي تأسر القلوب، وتدخل اليقين إلى النفس، بأن البعث بعد الموت حق.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث) قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج:5]. هذه الآية من أعظم الآي على قلة ألفاظها وبديع جملها كالقرآن كله فصاحة وبلاغة وجمع كلم، فقد جمعت فأوعت أطوار الإنسان ومراحله منذ الخلق الأول؛ منذ خلق أبينا آدم من تراب وإلى أن نعود بعد ذلك إلى التراب، في كلمات قليلة ذات معان كثيرة، وتحتمل هذه الآية وحدها مجلدات في التفسير والبيان. والأطباء لهم فيها قول، والأدباء لهم فيها قول، والشريعة بأحكامها لها فيها قول كشأن القرآن الكريم، فيأخذ منه كل عالم بإحدى فنون علم الإسلام مما هو في حاجة إليه، وإلى معرفته، وإلى بيانه: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:38]. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ} [الحج:5] إذا قال الله: يا أيها الناس! فالخطاب والدعوة لكل بني آدم وبنات حواء، فكل البشر يعد بذلك مخاطباً، ويعد بذلك مبلّغاً، وتلزمه الحجة البالغة إذا هو تمرد وإذا هو عصى وإذا هو خالف. وإذا قال الله: يا أيها الذين آمنوا! كان الخطاب للمؤمنين، وعادة القرآن الكريم ينادى بيا أيها الناس! في أصول الخلق والشريعة والدعوة إلى التوحيد، وإلى الإيمان بالله ورسله في أصول الإسلام، وأصول الديانة. وإذا قال: يا أيها الذين آمنوا! فهو نداء للمؤمنين ليستجيبوا لفروع الشريعة ولأحكامها، أو يزدادوا إيماناً وتمسكاً بأمور عقائدهم. وهنا الخطاب للناس جميعاً: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ} [الحج:5] يا هؤلاء الناس! مؤمنهم وكافرهم، المؤمن بالبعث والكافر بالبعث، ويا هؤلاء! الذين لا يزالون في شك وفي ريب من البعث والخلق الثاني بعد الخلق الأول، والحياة الثانية بعد الموت والنشور والعرض على الله إما إلى جنة وإما إلى نار: إن كنتم لا تزالون في ريب وفي شك فاسمعوا قصة الإنسان وحياة الإنسان، والأطوار التي تطور فيها الإنسان منذ كان تراباً وقبل أن يخلق إلى أن عاد تراباً ثم حياً ثم يبعث بعد الموت. قال تعالى: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج:5] هذه هي الأطوار البشرية منذ التراب وإلى التراب وإلى البعث بعد الموت: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ} [الحج:5] فخلق أبانا الأول أصل مادتنا وكياننا ووجودنا، خلقه من تراب؛ من كل أنواع التراب في الأرض: خصبها وجافها، صحرائها ومنبتها، جبلها ووهادها، ومن هنا كانت أنواع السلالة والذرية أشكالاً وألواناً، فالذكي والبليد، والأبيض والأسود، والطويل والقصير، ومن يعيش مدة ومن يزيد على ذلك، ومن يجهض قبل الولادة. قال تعالى: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ} [الحج:5] خلق أبانا من تراب، ثم نفخ فيه من روحه فكان بشراً سوياً، ثم خلق زوجته أمنا الأولى حواء عليهما السلام وعلى نبينا. ثم كانت السلالة بعدهما من نطفة، والنطفة: هي القليل من الماء، فتطلق على الماء عموماً، وكان من ذلك المني أصل البذرة البشرية بعد الخلقة الأولى من التراب. قال تعالى: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} [الحج:5] (ثم) هنا على ترتيبها الزمني الوقتي، فكانت الخلقة الأولى من تراب، ثم الخلقة الثانية من نطفة من تزاوج بين ذكر وأنثى، فصب ماء من أصلاب الرجال إلى أرحام النساء فكون الوليد. وهكذا منذ آدم وحواء وإلى عصرنا وإلى آخر مخلوق إلى يوم النشر، وإلى يوم النفخ في الصور، هكذا الخلقة من ماء مهين. قال تعالى: {ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} [الحج:5] والعلقة: هي القليل من الدم إذا قسا وتجمع، ولكنه بقي طرياً أشبه بالعلقة وهي الحشرة المعروفة. {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ} [الحج:5] والمضغة: هي قطعة اللحم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب) وهكذا الإنسان يبتدئ تراباً، ثم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة، مخلقة أي: كاملة تامة بتخطيط حواسها وجوارحها من عين وشفتين ومنخرين وأذنين ولسان ويدين ورجلين ورأس وشعر وفرج، وهكذا يخطط الإنسان وهو في رحم أمه في الطور الثالث، هذه المضغة تكون مضغة غير مخلقة، ثم تتحول إلى مخلقة، أي: تصبح تامة الخلقة، تامة الحواس، إنساناً كاملاً ولكنه لا يزال جنيناً في الرحم. قال تعالى: {مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الحج:5] أي: تامة وغير تامة، فالتامة قد تأخذ سبيلها إلى التمام إلى أن تولد وتخرج للدنيا طفلاً، وغير المخلق: أن يسقط ويجهض وهو لم يتم خلقه بعد، ولم تبن حالته، ولم يظهر بعد أذكر هو أم أنثى: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الحج:5]. ثم قال تعالى: {لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} [الحج:5] أي: قدرة ربكم على فعل كل شيء وصنع كل شيء، وخلق كل شيء، كيف جعل من التراب الميت إنساناً سوياً، جميل الجوارح، جميل التقاطيع، فصيح اللسان، عاقل الفكر، متكلماً، وإذا به يخلفه ثم جعله الله خليفة في الأرض، كما قال عن داود: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ} [ص:26]، وقال: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30]. وإذا بهذا التراب يتحول بقدرة الله على كل شيء إنساناً كاملاً في أطوار من تراب إلى نطفة، إلى علقة، إلى مضغة، ثم بشراً طفلاً صغيراً سوياً، وقد خرج من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا. قال تعالى: {مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} [الحج:5] أي: نبين لكم قدرة ربكم على فعل كل شيء وخلق كل شيء، وكيف قد خلق من الميت الحيَّ، ومن الحي الميتَ، وصنع من التراب الهامد الذي لا يتحرك ولا حياة فيه بشراً سوياً، ونشره في الأرض فأصبح سيد الخلق، والمحكم في الخليقة، فيأمر وينهى، ويقتل ويحيي بإذن الله إن كان عادلاً، ويظلم ويسفك الدم الحرام إن كان ظالماً. قال تعالى: {وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الحج:5] أي: هذه المضغة غير المخلقة التي تسقط وتجهض قبل خروجها للعالم. وعلماؤنا وأطباؤنا جماهيرهم تقول: الجنين لا يبقى في رحم أمه أكثر من تسعة أشهر، ولكن الكثيرين يؤكدون ويقولون: قد يبقى الجنين في بطن أمه سنة كاملة وسنتين وأكثر. وكثيراً ما يقول الناس في تراجم علماء وأقوام ورجال وسادة: أنه عاش في بطن أمه كما أخبرته أمه سنة وسنتين. يذكر هذا عن أحياء، ويذكر هذا عن أموات، ويذكر عن كبار من الأئمة وعن صغار من الناس. ثم قال تعالى: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} [الحج:5] ثم يخرجنا من الأرحام طفلاً، وفي لغة العرب المفرد قد يطلق مذكراً على الجمع، أي: نخرجكم أطفالاً. قال تعالى: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} [الحج:5] لتصلوا وتبلغوا إلى الأشد، وإلى القوة وتمام الرجولة وتمام العقل، وتمام القوة، وتمام القدرة على الحياة بما ينفعك أو يضرك. قال تعالى: {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى} [الحج:5] أي: منكم من يموت عند الشبيبة وعندما يبلغ الأشد، ومنكم من يموت طفلاً، فقد يموت الإنسان شاباً، وقد يموت كهلاً، ومنهم من يزيد به العمر إلى أن يصير شيخاً حاضر الذهن، حاضر الوعي، وقد يصل إلى أرذل العمر. قال تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ} [الحج:5] فيرد إلى خلقه الأول ضعيفاً، فقد خلق عاجزاً عن النطق وعن الوعي فيعود للعجز عن النطق وعن الوعي، ولذلك سمى الله هذه السن الفانية: أرذل العمر، أي: أقبح العمر وأقبح الأيام، وقد استعاذ بالله نبينا من ذلك عليه الصلاة والسلام، استعاذ بالله من الفقر، ومن الجوع، ومن الكفر، ومن بلوغ أرذل العمر. وقد يصل الإنسان -ونشاهد هذا كثيراً وتشاهدونه- إلى مائة سنة وقد يتجاوز ذلك، وقد مات رجل صالح في أرض المغرب تجاوز المائة والعشرين سنة وهو على غاية ما يكون من الوعي والفهم والعقل، يسأل عن أحوال المسلمين في المشارق والمغارب، مما يدل على أنه مع هذه السن لا يزال واعياً، ذاكراً، متتبعاً أحوال المسلمين، يهتم بهمومهم، فيفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم. قال تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ} [الحج:5] اللام هنا هي لام العاقبة، أي: ليصل إلى درج
معنى قوله تعالى: (وترى الأرض هامدة)
معنى قوله تعالى: (وترى الأرض هامدة) ثم قال تعالى: {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج:5]. هذا يدل على أن ما يصنعه الله في الإنسان يصنعه في الأرض، وقد يكون هذا أعظم وأبلغ، وهو كالإحياء من التراب لأبينا الأول آدم. قال تعالى: {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً} [الحج:5] أي: ميتة لا حراك فيها، فهي تهمد همود الميت. فيخاطب الله تعالى أي إنسان يرى الأرض ببصره عندما لا تنبت هامدة ميتة لا حراك بها كالصحاري وكالصخور وكالأرض المتحجرة، وكالأرض المالحة، وكالأرض المجدبة، تجدها باستمرار هامدة لا تقبل نباتاً ولو أفضنا عليها بحار الأرض. {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج:5] فإذا سقاها الله وأغاثها بالمطر أخذت تهتز وتربو، أي: ترتفع؛ لأن الحياة دخلتها. ومن أين أتت هذه الحياة؟ نرى الأرض هامدة فإذا أنت وضعت فيها حبوباً ميتة، ورأيت جذر شجرة ميتاً، فتغيب عنه أياماً وإذا به ينمو ويعلو ويخضر؛ لأن الله جعل الحياة تدب فيه مرة أخرى، فقد سقاه الله وأحياه بالماء والمطر، {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء:30] إنساناً وحيواناً ونباتاً، وكل ما يطلق عليه شيء. قال تعالى: {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج:5] أخذت تهتز وتضطرب، ولو أردت أن تؤكده وتحققه -وخبر الله مؤكد، فهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- فازرع شيئاً وراعه ليلاً ونهاراً أو في أي وقت، فستجد أن ذلك التراب أخذ يربو ويهتز ويضطرب، وإذا بتلك البذرة انفلقت عن غصن، وانفلقت عن شيء فيه حياة، وهكذا من كونه غصناً صغيراً ليناً يكسر بأي شيء، وإذا به شجرة شامخة، فمن الذي أحياها؟ ومن الذي زرع فيها الحياة؟ وكيف كان ذلك؟ تلك قدرة الله التي انفرد بها جل جلاله، فهو المحيي والمميت، وهو الحي موجد الوجود والحياة، وهو الذي يحيي ويميت، فلا صنم ولا وثن ولا ملك ولا إنس ولا نبي ولا جن ولا غير الله يستطيع أن يفعل ذلك، فالطبيب يعالج العضو الفاسد ويرقعه، أما إذا فقد أو ذهبت منه الحياة فلا يعطي الحياة إلا الله، ولا يعطي العضو الحركة إلا واهبه ومحركه جل جلاله.
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق)
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق) ثم قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحج:6]. هذه إشارة للخلق وللإيجاد، ولوهب الحياة، ولجعل التراب إنساناً، ثم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم جنيناً سوياً، ثم طفلاً يخرج لهذا الوجود، ثم شاباً يافعاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، ثم شيخاً فانياً، ثم بعد كل ذلك الموت والتراب، ثم البعث بعد الموت. قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} [الحج:6] جل جلاله، ذلك بسبب أن الله وحده هو الحق، فلا صنم ولا شريك ولا وثن ولا ملك ولا نبي ولا إنس ولا جن ولا أي شيء في هذا الوجود، فليس الحق إلا الله. والله جل جلاله هو الذي يهب الحياة لمن شاء، فهو الذي وهب الموت والحياة، وهو الذي خلق الإنسان في هذه الأطوار، وهو الذي خلق الأرض بعد أن كانت ميتة فأخذت تهتز وتربو. {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى} [الحج:6] بعد الخلق الأول بهذه الأطوار التي ذكر جل جلاله، وبعد هذا فهو قادر على أن يحييها ويعيدها كما بدأها أول مرة. قال تعالى: {قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس:78 - 79]. قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحج:6]، فالله وحده هو القادر على كل ما يريد، والقادر على كل شيء، ولا يستطيع ذلك ولا يقدر عليه كل من نسب له شريكاً، ونسب له معيناً، ونسب له مؤازراً كذباً وزوراً وافتراءً من المشركين والكافرين، فالله هو المنفرد بالخلق وبالحياة وبالإيجاد، فإن كانت هناك حياة فمن خلقها؟ وإن كان هناك رزق فمن خلقه؟ وإن كان هناك بعث بعد الموت فمن قدره؟ قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحج:6]، فالله الذي يحيي ويميت هو الحق لا حق غيره، ولا حق سواه، وهو المنفرد بالقدرة على كل شيء. ثم قال تعالى: {وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا} [الحج:7]، فبعد أن عرض هذا العرض أخذ يخاطب العقول السليمة، ويخاطب المؤمنين بعد أن أكرمهم الله بالفهم وبالعقل وبالإدراك وبالإيمان، يقول عن الساعة: إنه سبق في علم الله كما أنه أوجد هؤلاء الخلق من العدم ثم أماتهم وأفناهم أنه سيعيدهم مرة ثانية، آمن من آمن أو كفر من كفر، فذلك حق لا ريب فيه ولا شك. قال تعالى: {وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا} [الحج:7] أي: وكل آت قريب، فستقوم الساعة وسيأتي يوم القيامة. قال تعالى: {لا رَيْبَ فِيهَا} [الحج:7] أي: لا شك ولا ارتياب، ومن شك فيها أو جحدها فهو كافر مرتد لا يؤمن بالله، ولا يؤمن بما جاء به الله، ولا يؤمن برسل الله، وبما أمروا بتبليغه للناس. قال: {وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج:7]، فيبعث الموتى من عهد آدم وحواء وإلى آخر ميت من الإنس والجن، وقد قبروا ودفنوا وعاد إلى التراب إلى التراب، وعاد الفناء إلى الفناء، ولكن الله تعالى بعد ذلك يبعثهم ليوم الساعة الذي لا ريب فيه، يبعثهم من القبور ويعيدهم ويحييهم كما بدأهم وخلقهم أول مرة. قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: من آمن بيوم البعث، وأن الله قادر على كل شيء، وأن الله يحيي الموتى، فهو مؤمن يدخل الجنة. ومن المعلوم: أن من آمن بهذا آمن بالله، ومن آمن بالله أطاعه، ومن أطاع الله آمن برسوله، ومن آمن برسوله أطاعه وعمل بما أمره به قدر جهده واستطاعته، وترك كل ما نهى عنه صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله)
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله) قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج:8]. وهذه مرة أخرى، فقد قال هذا عن الإنسان في الأول، ثم عرض هذه الأدلة العقلية القاطعة التي لا ينكرها إلا من فقد العقل أو عاند في هذا، وهو يعتبر أيضاً فاقداً للعقل، عاد الله فقال بعد هذا العرض العقلاني الذي لا يدفعه إلا مجنون أو من غطى الران على قلبه فلم تفد فيه موعظة ولا دعوة ولا هداية، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج:8]. قالوا: وسبب نزول هذه الآية كان في النضر بن الحارث، ثم هي عامة لكل الكفار ولكل الخلق: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الحج:8]. أخبرني بعض الأصدقاء العارفين المؤمنين من الأطباء: أنه دعي إلى مؤتمر في بلاد الشيوعية وهي تدين بالإلحاد والكفر بالله وبرسله، فاختار هذا الطبيب أن تكون محاضرته عن خلق الإنسان كما ورد في القرآن، فتلا هذه الآية وأخذ يفسرها ويترجمها للحاضرين، ثم أخذ يستدل فدهش الحاضرون أن يكون هذا في الوحي، وأن يكون القرآن قد نطق بذلك، وأن تكون الرسالة المحمدية قد ذكرت هذا وما وصل إليه ما يسمونه بالعلم الحديث، ولكنهم تنبهوا أن هذا سينقض أساس كفرهم وأساس دينهم الباطل وإذا بهم يسكتونه رغم كونه جاء مدعواً، جاء ضيفاً، وللضيف حرمته، وللضيف مقامه، ولكن كفرهم والران على قلوبهم أنساهم الأدب، وأنساهم كرم الضيافة وآدابها. وهكذا من لعنه الله تعالى، وسلب منه العقل، وأصعد الران على قلبه، فلا يفيد فيه قرآن ولا سنة ولا دعوة، وهم من هؤلاء: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الحج:8]. فيجادل في ذات الله، وفي قدرة الله، وفي وحدانية الله، وفي أن الله وحده الخالق، ووحده الرزاق، ووحده المحيي، ووحده المميت، وأن كل ما يعتقده يهود أو نصارى أو ملاحدة أو مرتدون باطل لا أساس له، وعلى ذلك فهم يجادلون فيما يعلمون فلم يجادلون فيما لا يعلمون؟ والجدال: هو الكلام على الحقائق بمجرد الهوى والباطل لا بدليل من عقل، ولا بسلطان من الله، ولا من سمع، ولا من نقل، لا من سمعيات عقلية، ولا من نقليات في كتب الله وسنن رسله. قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى} [الحج:8] فيعيش في ظلمة، ويعيش في باطل فهو يجادل بباطله، ويجادل بظلمته، ويجادل بضلاله، ويجادل في الله في جهل مركب ولا يعلم أنه جاهل، فلا هدي ولا نور، ولا يزداد إلا ظلماً وباطلاً. قال تعالى: {وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج:8] أي: ولا يجادل بكتاب بين، نير ينير العقل، ينير الدليل، وينير الاستدلال بما يزيل ظلام الشرك وظلام الجهل. وهو إذا استدل يستدل بكتاب عن كافر، وعن ملحد مثله، وعن داعية لا دين له، ولا علم له، ولا معرفة له، فاتخذه إلهه، واتخذه نبيه، واتخذه إمامه وقائده إلى النار: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج:8]. قال تعالى: {ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج:9] أي: ثاني عنقه، يتحرك بعنقه ويصعر خده تصعير المتعاظم عن سماع الحق، وقبول الدليل، فالظلمات ظاهرة على مذكراته وجدله، فهي ظلمات وباطل بعضه على بعض. فيجادل بالباطل بغير علم، وبغير نور، وبغير دليل من كتاب نير، وهو في هذا ثاني عطفه، والعطف: صفحة العنق، فهو يثني عنقه متعالياً متكبراً تكبر الشيطان يوم امتنع عن السجود لآدم، متعاظماً بجهله، متعاظماً بكفره، وهذا زيادة في ضلاله، وزيادة في حمقه، فإذا ابتلي إنسان به فجزاؤه الازدراء والتحقير، فإن استطاع المجادل بالحق أن يفعل به ذلك فيجب أن يسخر منه، وأن يهزأ به وبعقله وبهديه وبكتابه الذي استدل به بالباطل وبالظلمة. قال تعالى: {ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج:9] اللام: لام العاقبة، يثني عطفه، يتكبر ويتعاظم، وتكون العاقبة: {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج:9] أو: لام التعليل، وكل ذلك مقبول، وكل ذلك يمكن أن تفسر الآية به. يفعل ذلك ليضل عن علم؛ لأنه يضل عن باطل، عن نية مبيتة وقصد سيء، ليضل الناس ويفسدهم عن سبيل الله، عن الإسلام، عن القرآن، عن النبي عليه الصلاة والسلام، وما أكثر هؤلاء الداعين إلى الضلال، الداعين إلى الكفر، الداعين إلى الشرك، الداعين إلى المسخ. وهؤلاء الآن قد تولوا نشر البرامج في العالم الإسلامي وأبعدوا حرمة الشرائع في العالم الإسلامي، فذهبوا يتبعون الغرب في نظرياتهم، وفي كفرهم، وفي ما يسمونه: فلسفة وجدلاً وطرقاً للبحث والوصول إلى الحقائق، وما زادهم ذلك إلا كفراناً، فتركوا القيادة المحمدية إلى القيادة الشيطانية، وتركوا القرآن الكريم إلى كتب هؤلاء الأئمة الضالين، أئمة النار وأئمة الكفر، وذهبوا يتبعون كل ناعق -كما قال تعالى- عن غير علم أو هدى أو كتاب منير، وما ازدادوا بذلك إلا بعداً عن الله، وضلالاً وظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج الرجل يده لم يكد يراها. قال تعالى: {لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج:9]، فهذا الذي يدعو إلى الباطل، ويجادل بالباطل بغير علم، يجادل عن جهل، وينشر الجهل باسم العلم، ويقول لك: هذه أشياء علمية، فنحن نبحث عن الاشتراكية العلمية، ونبحث عن العقائد بالعلم، وهم بذلك جهلة، كذبة، ضالين مضلين، وهم يعلمون أنهم ضالون مضلون، وما أوصلهم ذلك إلا للخزي في الدنيا، ولعذاب الله المحرق الشديد يوم القيامة. {لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} [الحج:9] فأخزاهم الله أذلهم حقرهم وأذهب عقولهم، فعاشوا في فساد، وعاشوا في شرك، وعاشوا في ضلال، وعاش بعضهم على بعض كالكلاب والخنازير، وعاشوا لا يحترمون كبيراً، ولا يعطفون على صغير، ولا يحترمون مقدساً، ولا يؤمنون بنبي، ولا يوحدون ربهم، فهم قساة القلوب، غلاظ النفوس، لا يدعون إلا إلى الباطل والضلال، وهم لا يزدادون بذلك إلا خزياً وتحقيراً وتصغيراً. هذا جزاؤهم في الدنيا وإن لم يشعر بذلك المرتد والضائع والتائه، لكنهم يشعرون بذلك في خاصة أنفسهم، خاصة عندما يجادلون أصحاب الحق والبيان والدليل المشرق، فتجدهم يحتقرون أنفسهم، ويشعرون بالذل وبالهوان وبالجهل. قال تعالى: {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج:9] أي: مع خزيهم في الدنيا وهوانهم على الله والناس، فإنه يوم القيامة يذيقهم عذاب الحريق، أشد العذاب، ويدخلون جهنم فيحترقون وتسعر بهم النار جزاءً وفاقاً لشركهم وكفرهم وضلالهم.
الحج [8 - 16]
تفسير سورة الحج [8 - 16] يذكر الله تعالى حال بعض الناس ممن يجادل في الله وآياته بالباطل والهوى، فيريد أن يحق الباطل وأن يبطل الحق، ولكن هيهات. هؤلاء هم الذين يدعون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الأصنام والأحجار، بل يدعو لمن ضره أقرب من نفعه كما حصل من قوم فرعون.
تابع تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم)
تابع تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم) قال الله جل جلاله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الحج:8 - 10]. يذكر الله جل جلاله أن من الناس قوماً كفرة مشركين يجادلون في الله بغير علم ولا هداية ولا كتاب نير، ولا تكون مناقشتهم مناقشة علم ولا بحث في دليل، ولكنه السعي في الجدل بما لا طائل تحته. فقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الحج:8] أي: لا علم عنده ولا معرفة لديه ولا دراسة. قال تعالى: {وَلا هُدًى} [الحج:8] أي: ليس من الهداة الذين يستحقون أن يجادلوا أو يبحثوا أو يذاكروا في الله وعلمه وكتابه وشريعته. قال تعالى: {وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج:8] أي: لا كتاب عندهم يعتمدون عليه ويستدلون به، فهم يناقشون ويجادلون بغير عقل ولا فهم، ولا دليل ولا برهان من عقل أو نقل، لا بنقل من الله في كتابه، ولا ببيان من رسله، ولا بمنطق تقبله العقول، وإنما هو الجدال بالباطل في الخالق العظيم جنابه والعظيم مقامه جل جلاله. وليس هذا تكراراً للآية السابقة: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} [الحج:3]، فهناك نوعان من الناس: كفرة مقلدون، وكفرة يخترعون ويبتكرون ويكونون أئمة للكفر والفجور والجدال بغير حق، ففي الآية السابقة أولئك يجادلون في الله بغير علم، ولكنهم مع ذلك مقلدون قردة يتبعون كل شيطان وأفاك أثيم، فهم في كفرهم مقلدون، ويكررون ما لا يفهمون ولا يعون. وهؤلاء يبتكرون ويأفكون ويخترعون الكذب بحيث يكونون أئمة لأولئك، ولكن أيضاً بغير برهان من الله ولا دليل من عقل، ولا كتاب أنزل أو فسر به ما أنزل. قال تعالى: {ثَانِيَ عِطْفِهِ} [الحج:9] حال كونه لاوياً عنقه وجنبه، معرضاً عن الحق وعمن أتاه به؛ تعاظماً وتكبراً واستعلاءً عليه، وهذه سخافة عقل وضياع فهم وإدراك، فمع كفره وشركه تراه متكبراً بكفره يظن أنه على شيء وليس على شيء. قوله تعالى: {ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج:9] أي: يجادل في الله وهو لا يريد بذلك الجدال الخير، وإنما يجادل بلا دليل له من نقل ولا عقل، يريد به الصد عن الله وسبيله، وعن رسالة نبيه صلوات الله وسلامه عليه. {لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} [الحج:9] أي: له في الدنيا خزي: من السمعة السيئة، واللعنة، ومن استحقار الناس له، وإذا وقع في الأسر فإنه يقتل ويصادر ويعامل معاملة الدواب، والأعداء الذين يظفر بهم المؤمنون هذا عذابهم في الدنيا: الخزي والذل والهوان. قال تعالى: {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج:9] أي: يكونون يوم القيامة وقوداً للنار مع الحجارة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم:6]، فهذه النار التي يكون وقودها أمثال هؤلاء الناس من المجادلين في الله بغير علم يحرقون بها، ويكونون حطبها ووقودها. قال تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج:10] أي: يقول الله أو ملائكته لهذه الطبقة من الناس المشركة المجادلة بالباطل: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج:10] أي: ذاك الحريق والعذاب وذاك الهوان في الدنيا وعذاب الآخرة جزاءً وفاقاً لشركه وكفره، فهم يعذبون ويقال لهم: ذوقوا. فقوله: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج:10] أي: بما سبق أن صنعته وفعلته واكتسبته من شرك وكفر. ونسب ذلك لليد؛ لأن من شأن اللغة أن ما اكتسبه الإنسان وحصله ينسب ليده، فبيده يبطش، وبيده يتحرك، وبيده يرفع الكتب وينزل، وأصبحت الكلمة معناها أعم من ذلك، فذلك بما كسبت يداك، أي: ما صنعته واكتسبته وقمت به من باطل وكفر وشرك. قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الحج:10] أي: ما حصل لهم وعوقبوا عليه من هوان وذل في الدنيا ونار وحريق في الآخرة، كان ذلك جزاءً وفاقاً لما كسبت أيديهم، وما صنعوه من جدال بالباطل. والله ليس بظلام أي: ليس بظالم، وظلام صيغة مبالغة، قال الله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا). فهو لا يظلم أحداً شيئاً، فمن يأت بمثقال ذرة خير جوزي بها إحساناً، ومن يأت بمثلها الشر جوزي بها، وقد يغفرها الله، وقد يضاعف الله الحسنة أضعافاً كثيرة.
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف)
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف) قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج:11]. هذه طبقة أخرى من الناس مذبذبة منافقة، تسلم وتؤمن ولكن إسلامها يكون على الحاشية، فلا يكاد يصيبهم شيء إلا وتجدهم قد ارتدوا وكفروا وتنكروا للدين الذي دانوا له. قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج:11] الحرف: جانب الطريق، أو جانب الجبل، أو جانب الحائط، أو جانب الوادي، فهم يؤمنون ولا يدخل الإيمان في قلوبهم، ولما يدخل الإيمان في قلوبهم يؤمنون ولكن لا يخالط بشاشة الإسلام قلوبهم، بحيث يعتقدون ويتيقنون بالإسلام عقيدةً ونظاماً ودولةً. وإنما يؤمنون باللسان وهم على طرف من الإسلام والإيمان كمن يقف على حافة جبل، أو على حافة بئر، أو على حافة نهر أو بحر، وبأقل حركة منه يتدهده ويسقط إلى الحضيض. فهذا الذي يؤمن على حرف يقول في نفسه: سأرى إن أدركت خيراً من هذا الإسلام استمررت فيه، وإن لم يصبني منه خير تركته، فهو في الأصل متردد وغير متيقن. وهنا يكون معنى الآية: ومن الناس من يعبد الله على شك، وليس على يقين ولا إيمان ثابت آمن به الجنان، بحيث إذا نطق اللسان يصدق اللسان القلب والقلب اللسان. {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} [الحج:11] إن كان له خير بعد هذا الإيمان أو كسب أو ربح، إن تزوج أو ولد له ولد، إن زادت تجارته وربح فيها، وإن زادت زراعته وولدت أغنامه وولدت أبقاره يقول: لقد كان هذا الدين علي بركة، وكان ميموناً. وإن هو لم يتزوج أو ماتت زوجته، أو ولد له أنثى أو خسر في التجارة أو في الزراعة يقول: لا فائدة من هذا الدين، فهو شؤم علي. فقوله: {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} [الحج:11] أي: بعد إيمانه الذي هو إيمان شك وريبة، فإن أصابه خير واكتسب مالاً أو جاهاً أو مولوداً أو تجارة أو زراعة يطمئن ويقول: قد كان ديني هذا الذي دنت الله به دين بركة ويمن. قال تعالى: {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} [الحج:11] أي: إن فتن وابتلي بموت قريب، أو بخسارة مال، أو بفساد زرع انقلب على وجهه وارتد وانتكس وعاد للكفر والشرك، فيكفر بالإيمان ويقول: ما وجدت في هذا الإيمان خيراً. وهكذا إيمان المنافقين المتشككين، وهذا الذي يكون إيمانه كذلك لا إيمان له، بل إن إيمانه أشبه بإيمان أولئك السابقين الذين يجادلون في الله بغير حق ولا هدىً ولا كتاب منير. فقوله تعالى: {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} [الحج:11] أي: ارتد وانتكس وأصبح وجهه على التراب، وهي كناية على أنه أدبرت به الأيام فارتد وكفر، فعوضاً عن أن يكون صابراً معتزاً بدينه، يواجه الناس وهو مسرور فرح، إذا به يخجل فيغمر وجهه في التراب، حتى لو لم يفعل ذلك فحاله وانتكاسه وانقلابه وردته تقول ذلك بلسان الحال. {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ} [الحج:11] أي: خسر دنياه التي ما آمن إلا سعياً فيها وطمعاً في غنائم الحرب والزكاة وصدقات المسلمين والفيء، فلما لم يحصل له المراد ارتد وكفر وانقلب على وجهه فخسر دنياه. وكذلك سيخسر آخرته بأن يدخل النار ويحرم من الرحمة ومن دخول الجنة؛ لأنه لم يسلم، إذ إن إيمان الشك ليس بإيمان، وصاحب الإيمان الذي يكون على حرف إن وجد خيراً استمسك، وإن وجد سوى ذلك ارتد، فهذا إيمان المنافقين كما قال الحسن البصري. {ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج:11] هذا الذي يعبد الله ويوحده ويدين به على شك وريب لا يكون إيمانه تاماً إلا إذا وجد خيراً، وينتكس إذا لم يجد ذلك الخير، فيكون نتيجة هذا أن خسر دنياه بأن لم يتم فيها ما كان يريده، ويخسر آخرته بدخول النار وغضب الله. فقوله تعالى: {ذَلِكَ} [الحج:11] أي: هذا الذي نقول، {هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج:11] أي: الخسارة البينة الواضحة التي خسر فيها نفسه، وخسر فيها آخرته.
تفسير قوله تعالى: (يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه)
تفسير قوله تعالى: (يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه) هذا المتشكك المجادل في ربه {يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ} [الحج:12]. فهذا الصنف من الناس منافقاً ومشركاً يعبد من دون الله {مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ} [الحج:12] أي: يعبد الأصنام والأوثان التي إن لم يعبدها لم تضره، وإذا عبدها لم تنفعه، وهو في هذه الحالة في ضلال بعيد وكبير لا ضلال بعده ولا ضلال قبله، وخسر دنياه وآخرته بشركه بالله وعبادته ما لا يضر ولا ينفع، وتلك صفة المجادل في ربه عن غير هدى ولا علم، وتلك صفة المنافق الذي يعبد الله على حرف. ثم قال تعالى: {يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج:13] يدعو: يعبد، والدعاء مخ العبادة؛ لأن الإنسان عندما يقول: أعطني يا رب! يكون معنى ذلك: أنه يعترف بأن الله وحده المالك لما يعطيه، والمانع لما أعطاه، والمحيي المميت. وعندما يقول: يا رب! يكون قد خرج من حوله وقوته واستسلم لربه، وقال: أنت الغني وأنا الفقير، وأنت المعطي إن شئت وأنت المانع إن شئت، وحدك القادر على كل شيء وتفعل ما تريد. ومن هنا كان الدعاء مخ العبادة كما قال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك كثيراً ما تذكر كلمة الدعاء في القرآن بمعنى العبادة؛ لأنها هي العبادة وخلاصتها ومخها. {يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} [الحج:13] هذه اللام قالوا: زحزحت عن الكلمة الثانية (ضره)، والتقدير: (يدعو من لضره أقرب من نفعه) وهذا من بلاغة القرآن وفصاحته. {يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} [الحج:13] يدعو ويعبد الذي ضرره أقرب إليه من نفعه، لبئس مولاه. {لَبِئْسَ الْمَوْلَى} [الحج:13] الولاية هي الاتصال بأي سبب بأحد من الناس، يقال: هذا ولي هذا وهذا ولي هذا، وقد تكون الولاية ولاية قرابة: قرابة دم، أو قرابة صهر، أو صلة معرفة وأخوة وعمل. {لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج:13] أي: هذا العابد المشرك الذي اتخذ هذه الأصنام آلهة له بئست الأصنام والمعبودات الباطلة مولىً له، وبئست عشيرة. والعشير: الذي يعاشره ويواصله ويتصل به بأي صلة كانت. فهذا لملازمته المعبودات من دون الله، فهو عشريها وهي عشيره، ومن هنا سميت القبيلة والأسرة بالعشيرة، فهو يعاشرها وهي تعاشره، أي: هو يلازمها وهي تلازمه. فالله هنا يذم العشرة من العابد والمعبود، ومن الولاية من العابد والمعبود معاً، إذ ضرر هذا أقرب من نفعه لمن عبده ودعاه من دون الله. وقد يقول قائل: يقول الله في الآية السابقة: {يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ} [الحج:12]، وهنا يقول: {يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} [الحج:13] فقد نسب لهذا المعبود الضر، وأن ضرره أقرب من نفعه لعابديه فكيف ذلك؟ A لا إشكال في ذلك؛ فالله عندما يقول لنا: {يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ} [الحج:12] فالآية تدل على غير العاقل، فهي متصلة بمن يعبد الأوثان والأحجار والجمادات الميتة والتماثيل، أي: يعبد ما لا يعقل، ولذلك أطلقت (ما) على ما لا يعقل كما هي لغة العرب. فهذه الأصنام لا تضر ولا تنفع ولا تعي أن تضر أو تنفع، ولا تنفع نفسها أو تضرها فضلاً عن غيرها. النوع الثاني: من يعبد الأحياء التي يمكن أن تضره، ويمكن أن تنفعه، وهو قوله تعالى: {يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} [الحج:13] يعبدون عيسى وعزير ويعبدون السادة والقادة والفراعنة، ويعبدون من جاءهم بدين غير دين الله، فأطاعوه وعملوا بأمره وبدينه، فهؤلاء جميعاً معبودون من دون الله. ومن هنا قال فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24] وادعى الربوبية والألوهية، وهو قد يضر، فقد تهدد السحرة الذين آمنوا بموسى وهارون ورب موسى وهارون، وقطع أيديهم من خلاف وأرجلهم وصلبهم في جذوع النخل. فهؤلاء نوع من العباد يعبدون الأحياء من البشر من دون الله، وقد يعبدون الملائكة كما كانت بعض القبائل من العرب وغير العرب، وقد يعبدون الجن، وكل هؤلاء المعبودون عاقلون، وعبادتهم تضر ولا تنفع. ففرعون ما أصيب من آمن به منه إلا الضر والبلاء والخزي منه ومن الله في الدنيا والآخرة، وما أصابهم من عبادتهم لعيسى إلا الضر، لأن عيسى نهاهم عن ذلك وتبرأ منه، وقال: لم أدعكم لذلك، إنما دعوت الناس لما أمرني به ربي، والملائكة قالوا مثل ذلك. وأما الجن فتلاعبوا بهؤلاء العابدين لهم، فكانوا بذلك ضارين لهم غير نافعين، إذاً: هؤلاء المشركون عبدة الأوثان يعبدون هناك وثناً جامداً لا يتحرك، ووثناً متحركاً بشرياً، وكلا النوعين عبادتهما شرك وكفر وخروج عن أديان الله وكتبه، وعبادتها لا تزيد الإنسان إلا كفراً وبواراً وخسراناً في الدنيا والآخرة. قال تعالى: {لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج:13] حتى ولو قلنا: إن المولى هنا كان بشراً: نبياً أو ملكاً أو جناً؛ فهذه الولاية لا ينال عابدها منها إلا الضر والشهادة بأنه مشرك كافر، والجزاء بما هو أهل له من الكفر والشرك، فهو يضره ذلك ولا ينفعه. وقد لا يعاشر العابد معبوده، فعيسى رفع إلى السماء منذ ألفي سنة تقريباً، وفرعون انتهى منذ آلاف السنين، ولا نزال نجد من يعبد الفراعنة ويدين بدينهم، ويكفر إن كفروا، ويكون ملحداً وشيوعياً إن تشيعوا أو ارتدوا، فهو معهم على أي حال قاموا به شأن العابد مع المعبود أو المعبود مع العابد. فهؤلاء كذلك لا ينفعونهم، بل يضرونهم بالشهادة فيهم، أو يكونون وإياهم وقوداً للنار محرقين مسعرين.
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار)
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج:14]. هذه الآية الكريمة جاءت رحمة وبشرى، وجاءت عظة وعبرة لمن يريد أن يتوب ويئوب من المشركين أو المنافقين أو الهازلين في حياتهم الذين بلا دين، وكل سواء. يذكر الله بأن الذين آمنوا بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوة، هؤلاء يؤمنون بذلك، ويصدق ما في جنانهم ما قاله لسانهم، ويعملون الصالحات والأركان الخمسة: من الشهادتين، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وفعل الخيرات كل حسب طاقته وحسب قدرته، وأما المنكرات فيتركونها البتة. فقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [الحج:14] أي: يجازيهم يوم القيامة ويكافئهم جزاءً وفاقاً لدينهم وإيمانهم وتوحيدهم وعبادتهم للإله الحق بدخولهم الجنات التي تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبد الآبدين ودهر الداهرين. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج:14] والله جل جلاله لا يكره على عمل، بل يفعل ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ومع هذا ألزم نفسه جل جلاله وأوجب عليها ألا يخلد مؤمناً في النار، وألا يدخل كافراً الجنة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48].
تفسير قوله تعالى: (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا)
تفسير قوله تعالى: (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا) قال تعالى: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج:15]. يخبر الله جل جلاله عن قوم حسدوا رسول الله وأبغضوه، وتربصوا به الموت والدوائر، وتمنوا له السوء من اليهود في الدرجة الأولى، والنصارى والمشركين عموماً، وكان هذا في عصر النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو مستمر ما دام الكفر في الأرض بكل أنواعه. فتجدهم يتناولون النبي عليه الصلاة والسلام بكل سوء وحقد، وبما لا يفعله إلا عدو كافر مشرك حلال الدم. قال الله عن هؤلاء: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [الحج:15] أي: من كان يظن من المشركين أن الله لن ينصر نبيه، ولن يجعل العاقبة له، ولن يعزه ولن يكسبه الظفر والنصر في الدنيا، والجنة والشفاعة العظمى في الآخرة، {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} [الحج:15] أي: فليمدد سبباً من الأسباب إلى السماء كالحبل مثلاً، والسماء: ما علاك، أي: إلى سقف البيت. فهؤلاء تمنوا للنبي الغوائل، وتربصوا به الدوائر، وظنوا أنها أيام وستنقضي كما ظن الكثيرون من المعاصرين، وظنوا في أيام الصليبيين والتتار وأيام الاستعمار الأوروبي والأمريكي أن الإسلام انتهى، وعادت هذه الخرافة والأسطورة على أنفسهم. فهؤلاء الذين يظنون ذلك يظنون باطلاً من القول طالما سعوا في القضاء على الإسلام منذ ألف وأربعمائة سنة، بل ما كاد النبي عليه الصلاة والسلام يذهب إلى الرفيق الأعلى حتى تواطأ وتآمر على الإسلام متنبئون كذبة: كـ مسيلمة وسجاح والأسود العنسي يريدون القضاء على الإسلام وحربه، وارتد الكثيرون في جزيرة العرب حتى لم يكد يبق مسلم إلا في مكة والمدينة والبحرين وضواحيها. ومع ذلك خاب فأل هؤلاء منذ الساعة التي توفي فيها النبي عليه الصلاة والسلام، مع أن الأمر قد زاد سوءاً بين الصحابة على الخلافة، وعلى مكان دفن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى حرب مانعي الزكاة، وعلى الحرب التي ابتدأت في حروب الردة، وخروج الجيوش من المدينة المنورة لقتال الروم الذين جهزهم النبي عليه الصلاة والسلام وعقد اللواء لـ أسامة بن زيد رضي الله عنه. مع هذه الفتن الداخلية والخارجية طمعوا في نهاية الإسلام، لكن خابوا وخاب فألهم، وانتصر الإسلام وانتشر كالسيل المنهمر شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، فلم تمض خمسون سنة حتى وصل الإسلام شرقاً إلى بلاد الصين، وغرباً إلى بلاد فرنسا، وما بينهما شمالاً وجنوباً. وهكذا أتت فتن جديدة، إذ جاء الصليبيون واحتلوا الأرض التي احتلها اليوم اليهود في صليبية جديدة، وطمعوا أن يصلوا إلى الحجاز ونزلت جيوشهم في ينبع، فما كان يمضي على ذلك سنون حتى قدر الله لهم من يقضي عليهم ويرميهم لحيتان البحر، ويعود الإسلام أقوى مما كان وأعز. ثم عادت فتن جديدة بعد ذلك بقرون، فجاء التتار فقضوا على الخلافة الإسلامية العباسية، ودارت الدوائر على الإسلام وأهله، حتى قال الكثيرون: انتهى الإسلام. ولكن الله دمر هؤلاء الأعداء وسحقهم وأذلهم، وعاد الإسلام أقوى مما كان، ففتحت بعد ذلك أقطار في أرض أوروبا وفي المشارق والمغارب، وتدخل في الإسلام القسطنطينية فاتيكان الكنيسة الشرقية حينذاك، فتصبح دار إسلام وعاصمة الإسلام قروناً، ولا تزال دار إسلام ولله الحمد. ثم بعد ذلك جاء الاستعمار الأوروبي والاستعمار الأمريكي بكل أشكاله وانتهى، وعاد المسلمون إلى استقلالهم وعزتهم بعد استعمار طال في بعض هذه الأقطار ثلاثمائة سنة أو تزيد أو تنقص وما بين ذلك. وهكذا أصبح للمسلمين دول بالعشرات، وهذه مصيبة، فإن يد الله مع الجماعة، فيجب أن يعود الإسلام واحداً كما أن الرب واحد والنبي واحد والكتاب واحد واللغة واحدة، ويجب أن يكون القائد واحداً يلقب بالخليفة أمير المؤمنين. والله ناصر دينه ولو كره الكافرون، ولو كره المشركون، واليوم يطمعون أن يذلوا العرب والمسلمين وهيهات، فالله تكفل بدينه ونصرة عباده المؤمنين، والتاريخ يشهد بذلك. ولذلك فهؤلاء ومن استسلم وخضع لهم ستكون نهايتهم كنهاية الماضين من أولئك المتمردين على خلافة أبي بكر، وعلى الإسلام بعد ذهاب النبي إلى الرفيق الأعلى صلوات الله وسلامه عليه. وسينتهون كما انتهى الصليبيون والتتار والاستعمار الأوروبي والأمريكي بأشكاله، وسيذهب هؤلاء وسيصبحون كالأمس الدابر وكأنهم لم يكونوا. ولا تحدث هذه الفتن إلا عقوبة للمسلمين عندما يتركون الله وكتابه، والنبي ورسالته، ويذهبون يتسولون الأفكار والمبادئ والأديان والآراء الشيطانية، ويتركون ما عزوا به وسادوا في الأرض دهراً بعد دهر وقرناً بعد قرن. فقوله: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} [الحج:15] أي: ليمد حبلاً في سقف بيته ويربط به عنقه، ثم ليقطع الحبل وليشنق ولينظر بعد ذلك هل شنقه لنفسه وقتله لنفسه سيذهب غيظه الذي في نفسه على محمد وأتباع محمد والإسلام؟! يظن ذلك أنه سيمكر بغيره، وإذا به مكر بنفسه وانتحر إلى جهنم وبئس المصير، كما قال تعالى في آية أخرى: {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} [آل عمران:119]، وهذا معنى الآية. قال قوم: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ} [الحج:15] يمد الحبل في سماء غرفته، أي: سقفها، ثم يربط عنقه فيه. قال تعالى: {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} [الحج:15] وستكون النتيجة أنه شنق نفسه وانتحر وقتل، وسيبقى النصر لمحمد ولأصحابه ودينه، ولو كره هذا الكافرون الحاسدون. وفسر قوم الآية بشكل آخر: فسروا السماء بالسماء المعروفة، وقالوا: معنى الآية: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} [الحج:15] أي: ليمد سبباً إلى الصعود إلى السماء، كما طلب فرعون من هامان أن يبني له صرحاً إلى أسباب السماء؛ ليطلع إلى إله موسى. فقوله: (فليمدد بسبب) أي: فليعمل سلماً وصرحاً لا يخطر بباله، وليصعد إلى السماء ويوقف نصر السماء على محمد، وليمنع ذلك إن استطاع، وهذا منتهى الاستهزاء والسخرية بهؤلاء، فلا هؤلاء يستطيعون الوصول إلى السماء، ولا يملكون سبباً لذلك، ولو فعلوا لرجموا كما ترجم الشياطين عندما يريدون أن يسترقوا السمع من السماء من الملائكة. وقوله: {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} [الحج:15] أي: يقطع هذا السبب، واللام لام الأمر. وقال أكثر المفسرين: الأقرب للمعنى المعنى الأول: أن يربط حبلاً في سماء داره -أي: في سقفه- وليربط بذلك عنقه ثم ليقطع السبب، فسيسقط مخنوقاً مشنوقاً، ولينظر بعد ذلك {هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج:15] هل هذا الذي يظن أنه سيكيد لمحمد ودين محمد وأتباع محمد صلوات الله وسلامه عليه هل سيذهب ما يغيظه في نفسه، أي: ما يحرق فؤاده ويعض منه الأنامل؟ وليس هذا إلا هزؤ من الله بهؤلاء، ويعلمنا كيف نفعل عندما نريد أن نجادلهم كجدالهم بالسخرية بهم والهزء بما يقولونه، فيجب أن يجابوا أيضاً بمثل ذلك؛ سخريةً وهزءاً، قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40].
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه آيات بينات)
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه آيات بينات) قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ} [الحج:16]. وكما أنزلنا الآية السابقة والكتاب في أحكامه الماضية كذلك ننزل آيات أخرى منجمة حسب الحاجة، وحسب الدافع ومصالح المسلمين. ومن المعلوم أن القرآن الكريم نزل جميعه إلى سماء الدنيا في رمضان في ليلة القدر، ثم بعد ذلك أخذ ينزل به جبريل منجماً، أي: مجزأً وقتاً بعد وقت حسب المصلحة، وحسب ما يستجد للمسلمين مما يريدون أن يعلموا فيه الحلال والحرام والآداب والرقائق، فكما أنزل الماضي أنزل هذا. فقوله: {آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الحج:16] أي: آيات ظاهرات مفهومات مبينات لا غموض فيها ولا لبس فيها ولا تناقض. قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ} [الحج:16] أي: كما يفعل ذلك فإنه يهدي من يريد، إذ لا هداية إلا لمن يريد الله هدايته، ولا ضلال إلا لمن يريد الله ضلالته، ولكن إن علم الله في أنفسنا خيراً جازانا بالخير الذي في قلوبنا، قال تعالى: {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا} [الأنفال:70].
الحج [17 - 22]
تفسير سورة الحج [17 - 22] أخبر الله تعالى أنه سيفصل يوم القيامة بين اليهود والنصارى والصابئين والمشركين، فيما كانوا فيه يختلفون. وأخبر كذلك أنه يسجد له كل من في السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب وكثير حق عليه العذاب، ومن يهن الله فما له من مكرم.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا) قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج:17]. يخبر الله عن المؤمنين وعن هذه الطوائف من الكفر، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:17] أي: المسلمين الذين آمنوا بالله رباً وبمحمد نبياً صلوات الله وسلامه عليه. قوله: {وَالَّذِينَ هَادُوا} [الحج:17] أي: اليهود أتباع موسى وهارون في زعمهم، المنزل عليهم التوراة الذي حرفوه وبدلوه، والذي ملئوه قذفاً للأنبياء، وتهجماً على الله جل جلاله وعلى مقامه، وعبدوا عزيراً من دون الله. قوله: {وَالصَّابِئِينَ} [الحج:17] فئة بين النصارى واليهود، ولكنهم يعبدون نجوم السماء. قوله: {وَالنَّصَارَى} [الحج:17] الذين زعموا أنهم أتباع عيسى، ولكنهم عوضاً عن أن يؤمنوا به عبداً نبياً آمنوا به إلهاً، وجعلوه ابن الله، وثالث ثلاثة، وقالوا: هو الله، قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة:17]، ثم عبدوا مع الله عيسى ومريم. قوله: {وَالْمَجُوسَ} [الحج:17] الذين عبدوا النيران وما يدخل في معناهم ممن عبدوا الجمادات من قردة وفروج وفئران وأحجار. فكل هؤلاء -سوى المسلم- مشركون، فهؤلاء أشركوا مع الله عزيراً، وأولئك أشركوا مع الله النجوم، والآخرون أشركوا مع الله مريم وعيسى، وآخرون أشركوا مع الله النيران، ولا يزال هذا يتجدد. كما أشرك في هذا اليوم مع الله ماركس ولينين وأتباعهما من الاشتراكيين والشيوعيين والقاديانيين والبهائيين والماسونيين والوجوديين. وهذه الأشكال الضالة المضلة كلها فروع لليهودية، وفروع لإضلال الناس وإخراجهم عن دين الله الحق، وهؤلاء جميعاً يذكر الله عنهم: ممن لم يرد الإسلام، ولا الإيمان، فلم يؤمن بمحمد نبياً رسولاً، ولا بالقرآن كتاباً منزلاً، ولا بالإسلام الدين الحق ناسخاً للأديان الماضية، والذي لا دين بعده، وهو دين الخلائق كلها، دين العالم، ولا دين عالمي إلا الإسلام، فهؤلاء يفصل الله بينهم يوم القيامة. فالأديان السابقة أديان قومية أرسلت لبني إسرائيل وأمثالهم، ولقد قال عيسى كما في الإنجيل: إني أرسلت إلى خراف بني إسرائيل. وأكد هذا القرآن عندما قال الله تعالى عن عيسى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} [الصف:6]، وتقديم المعمول على العامل يفيد الحصر، أي: لم أرسل لسواكم، فمن آمن بعيسى من غير بني إسرائيل فقد آمن بدين لم يطلب منه، ولم يرسل إليه، عرباً زعموا أو غير ذلك من بقية الفئات. ويؤكد هذا المعنى رسول الله عليه الصلاة والسلام في الأحاديث المتواترة، قال: (خصصت بخمس: كان الأنبياء قبلي يرسلون إلى أقوامهم خاصة وأرسلت إلى الناس عامة). فمن زعم أن اليهودية عالمية فهذا من أباطيل اليهودية، ومن زعم أن النصرانية عالمية فهذا من أباطيل النصرانية، ولا دين عالمي إلا الإسلام والرسالة المحمدية. قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الحج:17] أي: إن الله يفصل بين هؤلاء الرافضين للإسلام، المصرين على الشرك والكفر، هؤلاء الذين يأبون إلا التكذيب سيردون وسيفصل الله بينهم، وسيعلمون إذ ذاك: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران:19]، {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:85]. ومن لم يأت بالإسلام فلا سبيل إلى دخوله الجنة، ولا طمع له في رحمة الله، وهو في النار خالداً مخلداً أبداً. قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج:17] أي: شهيد بعلمه وبأمره، وشهيد بإرادته جل جلاله وعلا مقامه.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض) قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج:18]. يقول الله لعبده ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويقول لجميع المسلمين من أتباعه كما هي نداءات ودعوات القرآن: ألم تر يا محمد بقلبك وبعلمك، وبإطلاع الله لك على ما هناك؛ أن هؤلاء الذين جحدوا من الناس وكفروا وأشركوا هل يجدون نظيراً لهم في خلق الله من الحيوانات والجمادات وكون الله الأعظم؟! قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ} [الحج:18] ففي السماوات الملائكة يسجدون أبداً، وكما قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه: (أطت السماء وحق لها أن تئط) أي: لثقل ما تحمل كما يصوت السقف المصنوع من خشب عندما يثقل بمن عليه، فيأخذ في التصويت، فيقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (أطت السماء) أي: صوتت، (وحق لها أن تئط) أي: ما أجدرها بذلك (ما من موضع قدم إلا وعليه ملك ساجد أو قائم)، وفي رواية: (يقول: لا إله إلا الله). والعبادة للملائكة كالنفَس للإنسان، فكما أن الإنسان لا يعيش بلا نفَس صاعد أو هابط، فكذلك الملك بالفطرة لا يستطيع أن يعيش بلا عبادة، فالعبادة للملك كالنفَس للإنسان. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ} [الحج:18] أي: يعبده، والسجود: هو أقوى العبادة ومخها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فادعوا ربكم في سجودكم؛ فقمن أن يستجاب لكم) أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وقد قال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فادعوا فيه). قوله: {يَسْجُدُ} [الحج:18] السجود هنا كناية وعبارة عن العبادة بكل أنواعها، وأعظمها السجود الذي لا يجوز ولا يحل لمخلوق حتى للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى للملك من باب أولى، {يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ} [الحج:18] فالشمس تسجد لربها، والقمر يسجد لربه، والنجوم تسجد لربها، والجبال تسجد لربها، والشجر تسجد لربها، والدواب على كل أنواعها تسجد لربها. قوله: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج:18] والكثير من الخلق ممن آمنوا بالأنبياء قبلنا، وممن آمن بخاتم الأنبياء معنا أو قبلنا أو من سيأتي بعدنا إلى يوم البعث والنشور كلهم سجدوا، وكذلك عبدوا، ولكن من الناس من لم يفعل، فقال الله عنهم: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج:18]. أي: وكثير ممن لم يسجد من الناس سيعذب؛ نتيجة تمرده في العبادة، وعدم سجوده لله؛ لأن الله ما خلق الإنسان والجن إلا للعبادة، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]. قوله: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج:18] أي: كثير من الناس ممن أشرك وكفر، وممن لم يعبد الله ولم يؤمن به وبأنبيائه. قوله: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحج:18] أي: من أهانه الله بالذل والخزي في الدنيا، وبالعذاب يوم القيامة فلن يعزه ملك، ولن تعزه دولة، ولن يعزه أولاد، ولن تعزه جيوش، بل لا يزيده كل ذلك إلا ذلاً وهواناً وعذاباً وخزياً. قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج:18] أي: يفعل الله جل جلاله ما تشاء إرادته، وما يشاء أمره، وما يريد في خلقه، فهو يملك الكل، والمالك يتصرف في ملكه كيف شاء وبما شاء، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وكيف سجود الدواب والشجر والقمر؟ قال قوم: فيئها وظلالها هو سجودها، وهذا كلام لا معنى له، سجودها وعبادتها كما قال الله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44]. والشيء يطلق على كل شيء مما سمى الله تعالى في كتابه من الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، على كل أصنافها وأنواعها، فالكل يعبد الله ويذكره ولكننا لا نفقه تسبيحهم. وقد فقه تسبيحهم بعض خلقه من الأنبياء، كما قص علينا فيما أعطاه لسليمان، فكان سليمان يفقه تسبيح الطير والنمل، وكان يكلمهم ويكلمونه. والنبي عليه الصلاة والسلام كان كذلك، ففي المعجزات الواردة المتواترة المقطوع بصحتها، المستفيضة استفاضاً، الواردة عن الجماهير من الصحابة: أنه كلمه الجمل. وجاءت شجرتان -وهو يريد قضاء حاجة في البرية- فاجتمعتا حتى ظللتاه، ثم ذهبتا إلى مكانهما، بل وأكثر من هذا حن الجذع المقطوع من الشجر، وهو الميت مرتين، والشجر لا نعلم أنه ينطق. فكان عليه الصلاة والسلام يخطب على المنبر المصنوع من هذه الأخشاب، وعندما غيّر منبره وترك الجذع الذي كان يقف عليه، حن هذا الجذع -جذع النخلة- حتى سمع حنينه وصوته كل من في المسجد، فنزل عليه الصلاة والسلام وضمه إليه فسكت. وشكا إليه الضب، والذئب، وشكت إليه حيوانات وفهم عنها وأجابها عليه الصلاة والسلام، وما من معجزة كانت للأنبياء قبل إلا وكانت لنبينا عليه الصلاة والسلام وزيادة. فإن كان إبراهيم خليل الرحمن فمحمد خليله وحبيبه، وإن كان موسى كليم الله فمحمد كلمه ورفعه إليه، فذهب في ليلة الإسراء إلى سدرة المنتهى إلى أن كان قاب قوسين أو أدنى، وأمره بالصلاة عليه الصلاة والسلام. فإذاً: هذا الإنسان العنيد، هذا الإنسان المشرك الذي انفرد من بين كون الله الأعظم، الذي تمرد تمرداً لم يتمرده شجر ولا حجر ولا دابة ولا شمس ولا قمر ولا نجوم، فكلها عبدت ووحدت الله وقدست الله وسجدت له إلا هذا الإنسان المشرك، إلا هذا الإنسان الكافر الذي تمرد على ربه ولم يسجد ولم يؤمن. ولذلك قال الله تعالى عن هذه الفئة التي حق عليها العذاب، وأصبح العذاب في حقها واجباً لا منحى عنه ولا مبعد له، وإن مات عليه خلد في النار إلى أبد الآباد في ذل وهوان، لم يرفعه عز عزيز، ولا ملك ملك، ولا قوة جيوش، فمن أذل الله فلا معز له، ومن أعز الله فلا مذل له، والله يفعل ما يشاء.
تفسير قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم)
تفسير قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم) قال تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج:19 - 22]. اللهم أعذنا من النار، اللهم أبعدنا منها، اللهم رحمتك، اللهم مغفرتك، اللهم رضاك، اللهم اكتب لنا الجنة وأبعدنا عن النار. هذا الوصف يذهل كل مرضعة، هذا الوصف يذهل كل حامل، هذا الوصف يذهل العقلاء! نقرأ هذا صباح مساء، يقرؤه المؤمن والكافر وإذا به ساهٍ غافل عن ذلك، إلى أن يصبح يوماً من الأيام وجهاً لوجه مع جند الله الذين لا يحصي عددهم إلا هو، يصبح في قبره وقد انضم عليه وذهب أهله: فلا امرأة ولا ولد ولا أتباع ولا جند ولا مال. فيأتيه به ملكان ويسألانه: من ربك؟ فإن أجاب فقد فاز ونجا، وإن لم يجب رسب الرسوب الأبدي والخذلان الأبدي، نعوذ بالله من عذابه! قوله: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج:19] أي: فئتان تخاصمتا في ربهما، فقالت فئة: الرب له شركاء، تعالى الله عن ذلك، وذهبت تترك الواحد الأحد الفرد الصمد وتعبد الأحجار، وتعبد الخلق معه وبدونه. {اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج:19] أي: في الله، فالموحد المؤمن يقول: الله ربي خالق كل شيء، الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية، والملك الحق، خلق الإنسان من عدم، وأذهبه للعدم، وسيعيده مرة ثانية بعد الموت، فجاء الكافر وخاصم الموحد المؤمن وجادله بغير حق، وبغير علم وهدىً، وبغير كتاب مبين. وكان الأولون يقولون: الله وشركاؤه، وجاء الكفرة المجددون للكفر والفساد، المتقدمون في الكفر، المفسدون للخلق وللبشر فقالوا: لا إله. ومعاذ الله وتعالى الله! مع أنه في كل شيء له آية تدل على أنه واحد، ولكن عميت بصيرتهم قبل أن يعمى بصرهم. فهذه السماوات العلى بنظامها، وبنجومها، وبمجراتها، وبليلها، ونهارها، وهذه الأرض بمن عليها ومن فيها من جبال ووهاد وتلال وشعوب وحيوانات وطير كل ذلك قال عقل هذا الأفاك الفاسد: وجد من غير موجد. ثم نازعه المشرك الآخر، فقال هذا، وعبد معه غيره، عبد زعماءه وأشركهم مع الله، وقال بالطبيعة، وهو يوصف الله بالطبيعة، فكل ما هو من صنع الله قال: هو من صنع الطبيعة، فسمى الله بغير اسمه زيادة في الضلال. وهكذا تخاصم مؤمن وكافر، وهي خصومة أبدية إلى يوم البعث والنشور، إلى اليوم الذي يعرض فيه هؤلاء على الله، فيدخل المؤمن الجنة والكافر النار. قوله: {هَذَانِ خَصْمَانِ} [الحج:19] الإشارة لمن ذكر الله من الذين أكرمهم بالجنات، خالدين فيها تجري من تحتها الأنهار، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ومن وصف من فئات الكفار والمنافقين، هذان اللذان أشار إليهما بأنهما خصمان اختصموا في ربهم، ثم أعاد الضمير للجمع؛ لأن كل فئة جماعة، والخصم جماعة وليس واحداً، {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج:19]. قوله: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا} [الحج:19] الفئة الثانية التي خاصمت الذين آمنوا هم الذين جادلوا بغير حق وبغير علم وهداية، وبغير كتاب بين واضح. قوله: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ} [الحج:19] نعوذ بالله! فهؤلاء عندما يدخلون النار فالله جل جلاله يجعل ألبستهم وأرديتهم وقمصانهم قطعاً من النار، وقطعاً من الصفر وهو أشد، فإذا النار علقت به يكون حرها أشد ما يكون. هذا الصفر وهذا النحاس عندما يلبسه الكافر ويجبر على لبسه، ولا يد له في المخالفة ولا يستطيع ذلك، يلبسه في جسده كله: من رأسه إلى قدميه، فيحرق ويمزق ويقطع جسمه كله، ولا سبيل إلى أن يفلت من ذلك: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء:56]، فتحترق الجلود والأمعاء والجسد، ثم يعيد الله ذلك ثانية بعد ثانية؛ ليزداد عذاباً وذلاً وهواناً. قال تعالى: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} [الحج:19] فيأتي ملائكة النار فيصبون على رءوسهم الحميم. قوله: {يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} [الحج:19] والحميم: هو الماء الحار إلى أغلى درجة الحرارة. قالوا: وهو نحاس مذاب، فيصب هذا النحاس وهو كالماء الحار في أشد غليان الحرارة يصب من رأسه إلى بدنه.
تفسير قوله تعالى: (يصهر به ما في بطونهم والجلود)
تفسير قوله تعالى: (يصهر به ما في بطونهم والجلود) قال تعالى: {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ} [الحج:20] يصهر: يذاب ويسحق. {مَا فِي بُطُونِهِمْ} [الحج:20] أي: من أمعاء وكرش، وكل ما في الجوف يصهر ويسحق ويصبح رميماً وفحماً ورماداً. قوله: {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ} [الحج:20] أي: تصهر جلودهم وتذاب مع ما في بطونهم من أمعاء وكرش، حتى يصبح فحماً ورماداً.
تفسير قوله تعالى: (ولهم مقامع من حديد)
تفسير قوله تعالى: (ولهم مقامع من حديد) قال تعالى: {وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} [الحج:21]. المقامع: جمع مقمع، وهي المرزبة تحملها الملائكة، قالوا: كل ضربة من هذه المقامع لو ضرب بها جبل لتفتت، فيضربون بها الرءوس والظهور والبطون والعظام جميع أعضاء الجسد. قوله: {وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} [الحج:21] أي: لملائكة النار مقامع يضربون بها هؤلاء الكفار!
تفسير قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها)
تفسير قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها) قال تعالى: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا} [الحج:22]. أي: هؤلاء في مثل هذه الحالة يحاولون أن يفروا من النار، ولكن كما قال الفضيل بن عياض: أين يفرون؟ فأيديهم مسلسلة، وأرجلهم مكبلة، وهم بين يدي ملائكة النار الغلاظ الشداد، الذي لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. {كُلَّمَا أَرَادُوا} [الحج:22] أي: في كل لحظة خطر ببالهم أو حاولوا ذلك، ولا يستطيعون فعل ذلك وهيهات! فهم أعجز وأذل من ذلك. {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا} [الحج:22] أي: من النار؛ من غمها وكربها وآلامها، ومن حميمها وسعيرها ومقامعها، ومن العذاب الذي فيها بكل أشكاله وألوانه. قوله: {أُعِيدُوا فِيهَا} [الحج:22] فبمجرد ما يريدون أو يخطر لهم هذا ببال فإنهم يؤخذون بعنف ويدفعون بعنف، ويضربون بالمقامع، ويصب الحميم على رءوسهم، وتشد الألبسة التي هي من نحاس على أجسادهم. قوله: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج:22] أي: يقال لهم: ذوقوا وتمتعوا، واخلدوا في هذا العذاب المحرق، في جهنم المحرقة نعوذ بالله من الخذلان!
الحج [23 - 25]
تفسير سورة الحج [23 - 25] وعد الله تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وسيحلون فيها بأساور من ذهب ولؤلؤاً، ولباسهم فيها حرير. وأوعد الذين كفروا وصدوا عن المسجد الحرام، أو أرادوا الإلحاد فيه بظلم؛ أوعدهم بعذاب أليم.
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار)
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) قال الله عزت قدرته: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج:23]. بعدما قص الله علينا، وأنذر وأوعد وتهدد المشركين بأليم العذاب، وشديد المحنة، والخلود في النار بالمقامع ومع حريق وأنواع البلاء لعلهم يتعظون ويئوبون ويتوبون من شركهم، ويقولون يوماً: ربي الله، وكما هي عادة القرآن الكريم، فإنه يقرن دائماً بين العذاب والرحمة، وبين البشارة والنذارة، وبين المؤمن والكافر، حتى إذا اشتد يأس الكافر والعاصي والمخالف فإذا بالرحمة تذكر بجانب ذلك، فيتذكر ويئوب ويعود ويقول: ربي الله. وكذلك المؤمن حتى لا يغتر ولا يستكين لمكر الله فيدخله الغرور والغلو، فيقصر في الطاعة والعبادة، فيجد من النذير والوعيد والتهديد ما يزيده طاعة وتعلقاً وإيماناً بالله. وهكذا الطاعة والعبادة بين الخوف والرجاء؛ الخوف من غضب الله، والرجاء في رحمته. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [الحج:23] أي: الذين آمنوا بالله رباً، وبمحمد نبياً، ثم التزموا القول بالعمل، فعملوا الصالحات، وقاموا بالأركان: شهادة وصلاة وزكاة وصياماً وحجاً، والتزموا فعل الخيرات قدر استطاعتهم، والتزموا ترك المنكرات ألبتة، ومن آمن بالله، ثم عمل الصالحات بما يصدق قوله فعله وفعله قوله، فهؤلاء يكرمهم الله بدخول الجنات التي تجري من تحتها الأنهار مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، والله جل جلاله دوماً يبشر المؤمنين الملتزمين المطيعين بكل رحمة ورضاً ودخول الجنان. ثم قال تعالى: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا} [الحج:23] أي: في الجنة يلبسون الحلية. {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا} [الحج:23] أساور: جمع سوار، كما هي عادة الملوك في هذا العصر، أو في القديم يلبسون التيجان والأساور واللآلئ، خاصة في أرض الهند وما إليها، ولا يزال بعض ذلك قائماً، ولا يزال ذلك يفعلونه في حفلاتهم وندواتهم ومهرجاناتهم، واستبدلوا ذلك بساعات وسلاسل الذهب، ونياشين الذهب وأوسمة اللؤلؤ وما إلى ذلك. فالمؤمنون الذين يكرمهم الله ويدخلهم الجنة يلبسهم في الجنة من أنواع الحلي والأساور من الذهب والفضة واللؤلؤ في الأيدي والأعناق والمعاصم، ويلبسون فيها الحرير. كذلك في الجنان لباسهم الحرير والديباج، وحليتهم الذهب والفضة واللؤلؤ، ومن هنا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرير على ذكور المسلمين، وقال: (من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة). فقال قوم: لا يدخلون الجنة لأن من دخلها يلبس الحلي، وقال قوم: بلى يدخلون الجنة ولكنهم لا يلبسون هذه الحلية الذهبية، وهذا جزاء من يخالف ويعصي، ويلبس الذهب والحرير في الدنيا. وقد حرم ذلك على ذكور الأمة المحمدية، وأحل ذلك للنساء، ويلبسه الرجال يوم القيامة في الجنان خالدين مخلدين. فهذا صفة الجنة وما فيها من حور عين. وأعظم من ذلك رؤية الله جل جلاله التي ما بعدها لذة ولا نشوة ولا متعة، جاء في الحديث الصحيح: (أن الله يتجلى لعباده في الجنة فيقول لهم: هل أعطيتكم؟ هل ملكتكم؟ هل متعتكم؟ فيقولون: نعم ربنا، فيقول: هل أزيدكم؟ فيقولون: وما تزيدنا يا رب وقد أمتعتنا بما لم تر عين، ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلوبنا؟ قال: بلى، أريكم وجهي، فيتجلى الله لهم ويرونه؛ فيزدادون نعمة ولذة، ويزدادون بهجة) وكيف سيكون ذلك؟ الله أعلم بما هناك. وكل ما يخطر في بالنا فربنا مخالف لذلك، ولكن الله يرى جل جلاله، وقد قال ذلك ربنا: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22 - 23]. وقال عليه الصلاة والسلام كما في الأحاديث المستفيضة المتواترة: (إنكم ترون ربكم يوم القيامة، قالوا: يا رسول الله! كيف نراه ونحن متعددون وهو واحد؟ قال: كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته). ولله المثل الأعلى، فالقمر واحد ونحن نراه في الدنيا مع أعدادنا في مشارق الأرض ومغاربها، ومع الملايين من سكان الأرض نراه جميعاً وهو واحد غير متعدد، أعني: قمر الأرض. وهكذا جل الله وعلا على سبيل المثال والشبيه: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} [النحل:60].
تفسير قوله تعالى: (وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد)
تفسير قوله تعالى: (وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد) قال تعالى: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} [الحج:24]. يهدى أهل الجنة المؤمنون عندما يدخلون الجنة، ويهيئون لها قبل الدخول. {إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} [الحج:24] والطيب من القول هو: لا إله إلا الله، والطيب من القول هو: محمد رسول الله، وذكر الله، وقول: والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وجميع الذكر بأسماء الله الحسنى. فهو الطيب من القول مع الطيب من العمل، والطيب من القول: إخلاص الشهادة لله، وإخلاص الوحدانية والعبودية والذكر، وقول لا إله إلا الله خالصة من قائلها لله، لا يشرك معه فيها أحداً. {وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} [الحج:24] والصراط: الطريق، والصراط: الإسلام، والصراط: القرآن الكريم، والحميد: الله المحمود جل جلاله، فنهدى بفضل الله وكرمه إلى طريق الله، وما طريقه المستقيم وصراطه الواضح إلا دينه الذي أرسل به محمداً سيد البشر صلى الله عليه وسلم. وما طريق ذلك إلا القول الطيب في ذكر الشهادتين لله جل جلاله، وما الطريق المستقيم -طريق الله- إلا عمل الصالحات مع القول الطيب والإيمان بالله.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس) قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:25]. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الحج:25] أي: هؤلاء الذين كفروا بالله قبل، ثم صدوا عن سبيل الله، ومن هنا صح عطف المضارع على الماضي. كان أهل الجزيرة قبل الرسالة كافرين بالله وبرسل الله، ثم بعد أن جاء الإسلام، وكان المؤمنون لا يزالون قلة، وأراد صلى الله عليه وسلم أن يأتي معتمراً لا محارباً ولا مقاتلاً بعد هجرته إلى المدينة المنورة، وإذا به يأتي ويقف عند الحديبية وإذا بأهل مكة يصدونه ويمنعونه من البيت، ويمنعونه من العمرة، وأدى الأمر إلى الحرب وسل السيوف، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يأتِ محارباً ولا مقاتلاً. وقد التزم من أول مرة أن يعتمر والسيوف في قرابها، وهي ما تسمى في التاريخ النبوي والسيرة النبوية بمعاهدة الحديبية، فصدوه وأصروا على الصد، ولم يكونوا قبل معروفين بذلك ولا مشهورين به، ما كانوا يصدون العرب عن المجيء إلى مكة لا معتمرين ولا حاجين، ولكنهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أتى بالرسالة التي أتى بها، وخافوا على سلطانهم وجاههم ونفوذهم، فظنوا أنهم بصده عن العمرة وعن قصد بيت الله الحرام سيقهرونه ويغلبونه، ولكن يأبى الله إلا نصرته، ويأبى الله إلا ذلهم وهزيمتهم. فالله يوبخهم ويقرعهم، ويصفهم بأنهم على كفرهم وشركهم بالله كذلك يصدون عن سبيل الله، فيصدون الناس عن بيت الله، وعن طريقه ودينه، وعن الاعتمار والطواف، وعن السعي بين الصفا والمروة، وعن القيام بشعائر الله، وعن تعظيم حرمات الله بما استحقوا به من الله التوبيخ والتقريع والتهديد بالعقوبة الأبدية، والدخول إلى النار إن لم يتوبوا ويئوبوا، وقد تاب الأكثر، وخضع للإسلام ولطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكثر، وإن كان الأكثر ما آمنوا إلا بعد فتح مكة. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج:25] أي: عن دين الله وعن البيت الحرام، وعن الكعبة والعمرة والسعي. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج:25] أي: عن دينه والدعوة إليه، وعن الرسالة المحمدية. قوله: {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الحج:25] أي: كما صدوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه والمؤمنين، ودفعوه، وقاوموه، ومنعوه من أن يدخل مكة معتمراً، طائفاً، ساعياً، ملبياً، محرماً، ذاكراً لربه بما استحقوا به من الله التوبيخ والتقريع والنذارة والتهديد والوعيد. قوله: {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج:25] يقول الله جل جلاله: هذا المسجد الحرام الذي جعله الله للناس جميعاً أهل مكة وغيرهم من كل مؤمن بالله ورسوله، جعله للناس سواءً العاكف فيه المقيم الساكن المستوطن، والباد، أي: الذي أتى من الخارج ومن الأقاليم، فبدا وظهر بعد أن لم يكن فيه، ومنه البادي، فبيت الله يقول الله عنه: هذا المسجد، هذا البيت الحرام جعله الله سواءً، أي: على سوية وشركة واحدة، واستفادة واحدة للطواف والذكر والعبادة والسعي، والوقوف بعرفات، والمبيت في منى ومزدلفة، وفي المشعر الحرام، كل ذلك جعله الله سوياً مشتركاً بين المقيم فيه والخارج عنه وغير المقيم، لا فضل لأحد على أحد، فليس للمقيم حق في أن يمنع من هو خارج مكة من أن يدخلها، ويستفيد من سكناها وما فيها. {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج:25] أي: جعل الله هذا المسجد لكل مسلم من آمن بالله وبرسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ولو جاء من أقاصي الدنيا. وهنا اختلف علماؤنا ومفسرو كتاب ربنا في معنى (سواء)؟ قال الرواة: لقد كان بيت الله الحرام أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيام أبي بكر وعمر جعلت دوره ومنازله للناس سواء -أي: مشتركة- في أن ينزلوها، ويقيموا فيها للعمرة والحج. وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهى في أيام المواسم أهل مكة أن يغلقوا أبواب دورهم، وأن يدعوها مشرعة لكل معتمر وحاج يجيء في الليل أو النهار؛ ليدخل البيت ويأخذ الغرفة، ويستفيد مما فيها على أنها بيته الذي يقيم فيه مدة العمرة والحج دون مقابل بتمليك الله له ملك انتفاع. وليس لسكان هذه الدور أن يبيعوها أو يؤجروها أو يتوارثوها أو يهدوها، فهي ملك مشترك لكل مسلم، ومن أقام فيها إنما أقام انتفاعاً، قال هذا عمر وأبو بكر، وكان هذا الأمر مدة مقامهما في الخلافة، ومدة النبوة وعصرها صلوات الله على نبينا ورضوان الله على أصحابه. وأكد هذا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وقال: من أكل مال بيوت مكة أو إيجارها -سواء إيجاراً موقوتاً أو إيجاراً- فقد أكل النار في بطنه. وهذا مذهب الإمام مالك وأبي حنيفة والأوزاعي، وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين وأئمة الاجتهاد رحمهم الله ورضي عنهم. وأكدوا ذلك بهذا النص، بقول الله تعالى: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج:25] قرئ: سواءً، وسواءَ؛ في القراءات السبع المتواترة. وقال الشافعي: دور مكة لأهلها، ويجوز تملكها وإيجارها. وأصل هذا الخلاف مبني على خلاف سابق، وهو: هل مكة فتحت عنوة؟ فإذا كانت كذلك فهي ملك مشترك للمسلمين، وغنيمة دائمة لهم كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أراضي السواد، وفي الأراضي التي فتحها أيام خلافته، واعتبرها ملكاً مشتركاً بين المسلمين لا تباع ولا تشترى، ولا توهب ولا تعطى ولا تورث، فهي مشترك بين المسلمين لموارد الدولة من رواتب وجيوش وإصلاح طرق، وما تحتاج إليه الدولة في جميع مرافقها. قالوا: ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندما فتح مكة عنوة تركها لأهلها فلم يقسمها، على ألا ينفردوا بها ملكاً للرقبة، ولكنه ملك انتفاع، وعلى ألا يمنعوا منها المقيم والبادي، من داخل مكة أو خارجها من كل عابد أو طائف ورد من الخارج لها. بل عمر رضي الله عنه كان يمنع أهلها أن يغلقوا أبواب دورهم أيام المواسم على المعتمر والحاج. وأما الشافعي فقال: فتحت صلحاً، وما كانت من دماء أريقت في الجانب الذي قاد جيوشه خالد بن الوليد فلم تكن حرباً بمعنى: الفتح والقهر، وإنما كانت مناوشات لردع هؤلاء الذين أبوا إلا أن يعارضوا الجيش النبوي. وأكد الإمام الشافعي ذلك بقول النبي عليه الصلاة والسلام عندما جاء فاتحاً وأسرت جيوشه كبير الكفر إذ ذاك وقائده أبا سفيان بن حرب، فجاءه العباس عمه عليه الصلاة والسلام وقد ترك عنده أبا سفيان أسيراً، فقال العباس: (يا رسول الله! إن أبا سفيان يحب الفخر، فلو جعلت له شيئاً، فبعث النبي عليه الصلاة والسلام أبا سفيان نفسه لينادي في طرق مكة وأزقتها وفي البيت الحرام وفي الدروب: أن من دخل داره فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن). قال الشافعي: وبذلك أعلن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يريد أن يدخل مكة وهي مفتوحة له دون مقاومة ولا معارضة ولا مجابهة. قال: فكان له ذلك في أكثرها. وما اعتبر المناوشات التي وقعت تحت قيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه إلا شيئاً لا يكاد يذكر كحرب كانت نتيجتها الغنائم، وأخذ الأرض، واستعباد من في البلدة. وعلى كل اعتبار: سواء قلنا بالرأي الذي قاله الصحابة أو أكثرهم رضي الله عنهم، وما دان به الإمامان الجليلان أو الأئمة الأجلاء مالك وأبو حنيفة والأوزاعي، أو قلنا برأي الشافعي ومن معه، فكل العلماء والفقهاء قالوا: يجب على أهل مكة أيام المواسم أن يكونوا كرماء نبلاء، وأن يكونوا فاتحين بيوتهم لهؤلاء الحجيج الذين أتوا عبادة لله، فيقوموا بمساعدتهم، وخفض الجناح لهم، وفتح دورهم لهم ليأجرهم الله على ذلك ويثيبهم، كيف وقد كان هذا مسترسلاً ومتواتراً أيام أهل مكة حتى في جاهليتها، وكانوا يتفاخرون بذلك. فكان منهم من له الرفادة ومن له السقاية ومن له الضيافة، وكانوا يجعلون ذلك عاماً شاملاً لكل وارد من الخريف للعمرة والحج. وقال بعضهم: تفسير الآية ليس هذا {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج:25] أي: من حيث الحرمة والقدسية، ومن حيث ترك المنكرات وفعل الخيرات كما يأتي في آيتين قريباً، وهما قوله: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج:30]، وقوله: {َمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32]. قال هؤلاء في تفسير الآية: معنى ذلك: أن القدسية والاحترام والتعظيم، وفعل الطاعات وترك المنكرات، والزيادة في العبادة، وترك ما يسيء وما يعصون فيه في مكة ليس هذا مطالباً به أهل مكة فقط، بل كل من دخلها سواء المقيم فيها أو الخارج عنها من الباد، فكلهم أمروا عند دخولهم مكة أن يحرصوا على ألا يفعلوا إلا الخيرات، وأن يبتعدوا عن المنكرات جهدهم؛ لأن الحسنة في مكة بمائة ألف، والسيئة كذلك بمائة ألف. وقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب
الحج [26 - 28]
تفسير سورة الحج [26 - 28] إن أول بيت وضع للناس في الأرض هو بيت الله الحرام، فقد بناه أبونا آدم عليه السلام بأمر الله سبحانه، ولما مرت على هذا البيت السنوات الطوال، واكتسحته السيول اختفى تحت التراب والرمال واندثر، فلما شاء الله تعالى أن يحييه وأن يظهره مرة أخرى أمر سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل ببناء هذا البيت مرة أخرى، فأظهر لهما مكان البيت وقاعدته الأولى، فبنيا عليها البيت الحرام.
تفسير قوله تعالى: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا)
تفسير قوله تعالى: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً) قال تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج:26]. هذه الآية وما يأتي بعدها بها سميت السورة بسورة الحج، وابتدأ الله جل جلاله الآية بذكر بناء هذا البيت المقدس، فقال: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} [الحج:26] (بوأنا) جعلناه متبوأً، وكشفنا لإبراهيم عندما أمرناه ببناء الكعبة هذه البنية المقدسة عن أساسه ومكانه حيث كان من أيام آدم. قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران:96] فليس لأهل مكة فقط، ولا للعرب فقط، ولا للعجم فقط، بل لكل العالمين: العوالم الماضية والعوالم الآتية وإلى يوم النفخ في الصور. ولكن لا يأتيه إلا مسلم؛ لأن الحج والعبادة والطاعة وفروع الشريعة لا تقبل إلا بعد الشهادتين، وهو الشرط الأول، فلا بد في كل عمل من نية، ومن لم يكن موحداً فإنه ينوي عبادة عيسى، أو ينوي عبادة العزير، وتلك نية فاسدة، وشرك قائم، فلا عبادة له ولا طاعة له، وبالتالي لا ثواب ولا جزاء ولا شكور. وكلمة (بوأنا مكان البيت) معناه: أن إبراهيم جدد البيت وبنى قواعده بعد أن اندثر ولم يبق له مكان، وطمس مكان الأساس وموقع البيت فما عاد يعرفه أحد، إلى أن كشف الله لعبده إبراهيم وإسماعيل مكان البيت وأساسه والبقعة التي كان فيها. قوله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} [الحج:26] أي: مكان بيت الله الحرام الذي ستجدد بنيته وتعلو الكعبة كما كانت أيام آدم، ولذلك من المعروف أنه ما من نبي من الأنبياء، ولا صالح من الصالحين منذ آدم أبينا وحواء أمنا إلا وطافوا بهذا البيت العتيق، وبهذا البيت الحرام الذي أكرم الله به العرب، وجعله في أرضهم وبلدهم، وفرض على كل الخلق أن يأتوا إلى هنا مرة في العمر طائفين، عابدين، محرمين، ينادون ويجأرون: لبيك اللهم لبيك. {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} [الحج:26] قالوا: جاءت ريح عاصفة كشفت عن الأساس حتى رآه إبراهيم وإسماعيل. وقال تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة:125] وبما أن إبراهيم الأب الأكبر فإن الله يقتصر أحياناً على ذكر اسمه في الآيات، كما في قصة موسى وهارون كثيراً ما يقتصر على اسم موسى، وكان أخوه هارون مؤازراً ووزيراً وشريكاً له. {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا} [الحج:26] أي: جعل العبادة عند الكعبة لتكون محوراً للقبلة ومحوراً للطواف، لهذا النوع الفريد من أنواع العبادة الذي لا يكون في مكان إلا فيها. فقوله: {أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا} [الحج:26] أول شرط: أن تبنى الكعبة على اسم الله وحده، وعلى عبادته وحده، وعلى توحيده وألا شريك به، فالله أمر نبيه إبراهيم بذلك ويأمر غيره بذلك. وقوله: {أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا} [الحج:26] أي: لا شركاً جلياً ولا خفياً، فالرياء والسمعة شرك خفي، فاحرص على أن تكون العبادة خالصة لله، فإن الله لا يقبل من العبادة إلا ما كان خالصاً له. وقوله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [الحج:26] جمع طائف، والطواف لا يعرفه إلا من جاء إلى مكة، فلا يعرف الناس في الخارج عبادة سوى الصلاة والصيام والصدقة فقط وما إليها من العبادات، وأما عبادة الطواف فلا تعرف إلا هنا، ولا تكون ولا تصح إلا هنا، والطواف بغير البيت يكون شركاً، وبعض الجهلة يطوف ببعض الأضرحة وهذا بلاء من البلاء لا يجوز، بل يكون شركاً، فنحن لم نؤمر بالطواف إلا عند الكعبة، والطواف بالبيت صلاة لا يكون إلا على طهارة ووضوء، وإن كان يحل فيه الكلام بقلة، وإلا فالطواف مشتمل على أذكار وتوحيد، وعلى ذكر وعبادة. إذاً: فالطواف بالبيت عبادة كالصلاة. وقوله: {وَالْقَائِمِينَ} [الحج:26] جاء تفسير القائمين بالعاكفين كما في سورة البقرة، والقرآن يفسر بعضه ببعض، قلنا: إن القائمين بمعنى العاكفين؛ لأن العاكف هو المقيم والقائم، والمقيم هو المنقطع للصلاة والصيام والطواف، والمعتكفون هم المقيمون للعبادة؛ لتفرغهم لها، ولما ألهمهم الله إياه وقدرهم عليه. وقوله: {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج:26] الركع: جمع راكع، والسجود: جمع ساجد، أي: للمصلين. ولا يكون الركوع والسجود إلا في الصلاة، ويؤكد هذه الآية ما جاء في سورة البقرة: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة:125]، والطهارة المطلوبة هي الطهارة الحسية والمعنوية. أما الطهارة الحسية فهي: أن يكون البيت دائماً نظيفاً من الروائح والأزبال وأوساخ الأطفال، وأن يحرص على ذلك في كل وقت، ونظيفاً من المقيمين فيه، فلا ينبغي أن يدخل المسلمون إليه بألبسة وسخة قذرة، والقضية ليست قضية فقر أو غنى، القضية قذارة أو وساخة، وكان ينبغي أن يمنع الوسخ من دخول بيت الله الحرام؛ لأن مؤسس البيت وبانيها بأمر الله إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت. والنبي عليه الصلاة والسلام أمر بأن من وجدت فيه رائحة الثوم والبصل أن يمنع من دخول المساجد عموماً، ومن بيت الله الحرام من باب أولى، ومن المسجد النبوي كذلك. فإذا كان هذا لمجرد رائحة من عشبة طاهرة حلال بتحليل رسول الله عليه الصلاة والسلام لها فكيف بمن يدخل قذراً وسخاً، وفيه روائح الدخان والأوساخ؟! مع أن الماء كثير، وعود الأراك يكاد يكون مجاناً. إذاً: فهذه القذارة ليست من أخلاق الإسلام، ولا من آداب الدخول لبيت الله الحرام.
تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا)
تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً) قال الله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج:27]. أمر الله إبراهيم بعد إتمامه لبناء بيت الله الحرام أن يؤذن بالحج في الناس، وبيت الله الحرام الكعبة، وهي هذه البنية التي نراها، وما يسمى بحجر إسماعيل هو من الكعبة، ولهذا يطاف عليه، وفي الجاهلية جاءت سيول جارفة فهدمت البيت فقلت بقريش النفقة فاقتصدوا، فلم يبنوا البيت على قواعد إبراهيم، ومن هنا كان الركنان الشاميان لا يمسان؛ لأن هذين الركنين من الكعبة، ولا يتم الطواف إلا من خلفهما. فقوله: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج:27] أي: يا إبراهيم أذن وأعلن بالحج، وليكن أذانك ودعوتك ونداؤك بالحج، وبالمجيء والقصد لهذا البيت الحرام، وليعبدوا الله عبادة خاصة عند البيت الحرام، طوافاً ووقوفاً بعرفة, وسعياً بين الصفا والمروة، ومبيتاً بمزدلفة، ووقوفاً عند المشعر الحرام، والبقاء يومين أو ثلاثة أيام أو أربعة أيام في منى، والكل يأتي متجرداً حاسر الرأس، لا يلبسون مخيطاً ولا محيطاً. قوله: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ} [الحج:27] فقال إبراهيم: يا رب! كيف أبلغهم صوتي؟ قال: أنت نادي وأنا أوصلهم صوتك، فصعد على جبل أبي قبيس -ولا يزال يسمى بهذا الاسم- وأخذ ينادي: يا أيها الناس! أطيعوا أمر ربكم: حجوا بيته الحرام، قال: فأسمع الله كل من وجد إذ ذاك، ومن لا يزال في أصلاب الرجال وفي أرحام النساء ممن سيعتمر أو يحج إلى يوم القيامة. ومن هنا: كان أول شيء نقوله بعد الإحرام والغسل والصلاة ركعتين: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وهذا جواب لنداء إبراهيم عليه السلام. وقد فعل إبراهيم ما أمر ربه، وقد سمعناه -ولله الحمد- ونحن في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، وجئنا نقول: لبيك اللهم لبيك، لا نريد إلا رضاك ولا نريد إلا رحمتك فتقبلنا، واقبل أعمالنا، وهكذا كل من يكرمه الله بأداء العمرة وأداء الحج أو بهما معاً. وقوله: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ} [الحج:27] جواب الأمر: أنهم سيستجيبون لك ويأتونك، وقد فعل، وقد أتوا والله أعلم بهم، فمنذ أذن إبراهيم بالحج وعند تجديد نبينا عليه الصلاة والسلام للحج كما كان أيام إبراهيم، والناس لا تنقطع عن الطواف بهذه البنية المقدسة لا ليلاً ولا نهاراً، فكل بيوت الله تغلق ليلاً وبعضها يغلق ما بين الصلوات إلا بيت الله الحرام، فلا تغلق أبوابه؛ لأن الطواف لا وقت له، فهو بالليل وبالنهار، وهو في الصيف وفي الشتاء، وهو في الصحة وفي المرض. وأذكر منذ بضع سنين أن سيولاً جاءت فارتفع الماء إلى أن وصل إلى أبواب الكعبة، فتوقفت الصلاة في الحرم يومين، وعز على الكثيرين أن يروا الكعبة لا يطوف بها أحد، فنزلوا يطوفون سابحين عائمين، وقد أغراهم بعض من أخذ يطوف وهو يحسن السباحة والعوم، فلما نزل بعضهم ممن لا يعرف السباحة غرقوا وماتوا، فاضطر المسئولون أن يمنعوا الطواف؛ لأن الناس تعرضوا للموت. وقوله: {يَأْتُوكَ رِجَالًا} [الحج:27] رجالاً: جمع راجل، كصيام: جمع صائم، وقيام: جمع قائم، أي: يأتون على أرجلهم مشاة. وقوله: {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج:27] الضامر: هو المضمر من الخيل والإبل والدواب، فهو يهيأ لذلك برياضة خاصة وسياسة خاصة؛ لتبقى البطن مرتفعة، ويبقى قوي الجلد وقوي الحركة؛ ليكون أسرع في المشي، وقطع المسافات بين المدن والأقاليم، فمعناه: يأتوك راجلين وركباناً. وقوله: {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج:27] الفج: هو الطريق، والعميق: هو البعيد.
أقوال العلماء في أفضلية الركوب أو المشي في الحج
أقوال العلماء في أفضلية الركوب أو المشي في الحج لقد اختلف أئمتنا وأعلامنا: هل الحج ماشياً أفضل أم الحج راكباً؟ فمذهب الشافعي: أن الحج راكباً أفضل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام حج راكباً، والفضل دائماً بالأسوة النبوية، وبما أن النبي عليه الصلاة والسلام حج راكباً فالحج راكباً أفضل. وقال المالكية: ليس الأمر كذلك؛ فالله قدم الرجال على الضامرين، فلما قدم رجالاً على كل ضامر دل ذلك على أن الحج ماشياً أفضل. وقالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال عند السعي: (أبدأ بما بدأ الله به)، وقال الله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة:158] فبدأ السعي من الصفا، وهو قد أعطى الأسبقية والأفضلية لما قدمه الله في الآية، وهذا حكمها كذلك. إذاً: الحج ماشياً له الأفضلية والأسبقية؛ لأن الفعل النبوي في السعي بدأ من الصفا، وأما كون النبي عليه الصلاة والسلام لم يحج ماشياً فهذا يجب أن يكون معروف المعنى؛ لأن من العادة النبوية والهدي النبوي إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما على أمته، فلو حج عليه الصلاة والسلام ماشياً في حجة الوداع التي حج فيها معه مائة وعشرون ألف حاج، وفيهم الشيخ الهرم، والعجوز الشمطاء، والطفل الصغير، وفيهم المريض، فلو حج ماشياً لما استطاع أحد ممن معه أن يحج راكباً، فكيف يحج راكباً ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحج ماشياً، فهذه قلة أدب، وقلة ذوق، فخير له ألا يحج راكباً ورسول الله على قدميه، ومن العادة النبوية أن يختار الأيسر على أمته، فركب عليه الصلاة والسلام تخفيفاً على من معه من الحجيج، والأمر واضح. وكان ابن عباس يفضل الركوب في الحج، وفي أخريات أيامه وكان قد أضر في بصره، وضعف في بدنه فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لحججت بيت الله ماشياً؛ لأنه تأكد له بعد ذلك أن من حج ماشياً أفضل. وحج الكثير من الصحابة والتابعين والصالحين مشاة، وأكثر من حج ماشياً هم المالكية، ونحن نرى الآن الأفارقة السود ومن يأتي من المغرب العربي من يأتي من هذه البلاد التي تدين بمذهب مالك يأتون مشاة؛ لأنهم يعتبرونه الأفضل. وليس من الضروري أن يمشوا مسرعين، وإنما يمشون يوماً وليلة ثم يستريحون، أو يمشي كل واحد منهم ما يستطيع ثم يستريح ساعة أو يستريح للأكل والقيلولة وغير ذلك، ومع الأيام يكسبه ذلك قوة ومراناً وصلابة في الأعضاء والعصب، وضموراً في البطن، ويجد راحته في المشي، ولكن الله تعالى لا يكلف أحداً أكثر من طاقته، فما جعل علينا في الدين من حرج.
تفسير قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)
تفسير قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) قال الله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:28]. قوله: (ليشهدوا) أي: ليحضروا منافع لهم، وما هي هذه المنافع؟ هي منافع دنيوية ومنافع دينية، فالمنافع دنيوية مثل: السياحة والاجتماع بالمسلمين ومعرفة ما يجري في الدنيا، والتجارة. ولا مانع للحاج أن يتجر إذا كانت التجارة عارضة زائدة لا أن يأتي للحج بقصد التجارة، فإن نوى ذلك فسد حجه وكان حجه للدنيا وللتجارة لا للعبادة. فقوله: {مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج:28] من تجارة وتعارف وسياحة، ومن صحة كما قيل: سافروا تصحوا وتغنموا وتزدادوا خيراً، فإن كان طالباً يتعرف على العلماء فيروي عنهم ويروون عنه، ويربط سنده بسندهم، ويعلم حكمة زائدة، ويعود وقد عرف أن الدنيا ليست البقعة التي يعيش فيها خاصة، فمن يأتي من بعيد من فج عميق كالشرق الأقصى والغرب الأقصى، فهؤلاء يحجون مرة ويبقون يتحدثون العمر كله عن هذه الحجة، رأيت فلاناً في مكة وفلاناً في المدينة، ومن عوائدهم كذا، ومن قولهم كذا، وحضرت درس كذا، واستفدت كذا، ورأيت عادة طيبة ينبغي أن نصنعها. والمنافع الدينية من عبادة لله، ومعلوم أن من خرج من فريضة الحج وقد أداها بأركانها وواجباتها وآدابها رجع منها كيوم ولدته أمه، ومحيت عنه كل سيئة مطلقاً، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، وأي منفعة وفائدة أعظم من هذه! وقوله: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:28] أي: ويذكر الله ذكراً مستمراً متتابعاً في أيام معلومات. والأيام المعلومات: هي العشر الأوائل من ذي الحجة، كما في قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر:1 - 2] أي: العشر الأول من شهر ذي الحجة، وهي من أول يوم إلى يوم النحر. وكان عليه الصلاة والسلام يصومها بما فيها يوم عرفة، ولكن الحاج لا يستحب له صيام يوم عرفة؛ ليكون أقوى للعبادة كالمجاهد، فالمجاهد في رمضان ينبغي أن يفطر؛ لأن ما هو فيه يحتاج للقوة والصلابة والصمود. وقال قوم: الأيام المعلومات هي يوم النحر، ويومان بعده. وقال قوم: الأيام المعلومات هي يوم النحر وثلاثة أيام بعده، أي: أيام التشريق وعلى أي اعتبار فكثرة العبادة فيها مطلوبة، وشأن الحاج أن يكون في العشر الأوائل من ذي الحجة بين طواف وذكر وتلاوة وصلاة وتهجد وصيام، فهو في عبادة مستمرة، ثم يأتي اليوم الثامن يوم التروية، ثم يوم عرفة، ثم يوم النحر، ثم يومان أو ثلاثة أيام منىً، فلكل يوم وظيفة، ولكل يوم عبادة. وفي الحج الحركة والنوم واليقظة والأكل والشرب عبادة، والجلوس في البيت والنظر إلى الكعبة المشرفة عبادة، ولقاؤك بالمسلمين وتعرفك عليهم والاهتمام بشئونهم وذكر ما يجري في بلادكم وبلادهم عبادة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم). فتصوروا أن هذا كان منذ ألف وأربعمائة عام، فلم تكن هناك صحافة ولا طيران ولا هاتف سلكي ولا لا سلكي، ولا بريد بهذا الشكل، ولا مواصلات، فليس هناك إلا الدابة والرجل، والبحر في السفن الشراعية، قد تركب وتقدر أن تصل في أسبوع وتجد نفسك في البحر شهرين، كما قال الشاعر: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن وما أكثر ما يحصل من اقتراب السفن من الشواطئ المرادة من المشرق العربي وإذا برياح شديدة تدفع بالسفينة إلى الغرب من حيث جاءت، ومن يقرأ رحلات ابن جبير، ورحلات ابن بطوطة وأمثالهما يجد الكثير الكثير من هذا. فكان الحج مؤتمراً سنوياً عالمياً، وجعله الله ركناً من أركان الإسلام الخمسة التي لا يتم إسلام المسلم إلا بها، فكان المسلمون يجتمعون ليتشاكوا ويتباكوا، ويعلموا ما يسرهم وما يضرهم.
الحج [27 - 28]
تفسير سورة الحج [27 - 28] لقد أمر الله تعالى عبده إبراهيم بأن يؤذن في الناس بالحج، فقام نبي الله تعالى بذلك فأبلغ الله صوته إلى كل من كان في الأرض في ذلك الزمان، ومن كان في أصلاب الآباء، فصار الناس في ذلك الزمان وما بعده يلبون هذه الدعوة من هذا النبي الكريم، فيأتون قائلين: لبيك اللهم لبيك. ولهم في هذا الحج منافع دينية ومنافع دنيوية، وهذا من فضل الله تعالى علينا أمة الإسلام.
تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا)
تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً) قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:27 - 28]. قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ} [الحج:27] الجمهور على أن معناها: أن الله أمر إبراهيم عندما بنى البيت بأمر الله أن يعلم الناس ويؤذن في الناس على جبل أبي قبيس ليدعوهم إلى حج بيت الله الحرام. وقال قوم: الكلام مستقل بعد الآية الماضية وهي قوله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} [الحج:26]. {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ} [الحج:27]: كلام جديد مستأنف، وهو أمر لرسولنا ونبينا صلوات الله وسلامه عليه، أي: يا محمد! أعلم الخلق بحج هذا البيت وزيارته والطواف حوله. واستجاب صلى الله عليه وسلم وقال فيما صح عنه وتواتر أنه قال عليه الصلاة والسلام: (ألا فحجوا فإن الله يأمركم بالحج). وهكذا أصبح الحج من شعائر الإسلام، وأحد أركانه الخمسة الرئيسية الأساسية، ولكن الجمهور على أن الخطاب كان للجد الأعلى أبي الأنبياء إبراهيم عليه صلاة الله وسلامه. {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج:27] أي: بالقصد والعبادة والزيارة لهذه البطاح المقدسة، وبالطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف في عرفات، والمبيت في مزدلفة، والوقوف في المشعر الحرام، والمبيت في منى يوم النحر ويومي منىً، ثم الطواف بالبيت بعد ذلك. {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا} [الحج:27] أي: يستجيبوا لك، فيأتوا لما أمرتهم به راجلين على الأقدام، وركباناً على الإبل والخيل والدواب. {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج:27] أي: على كل مضمر من الإبل ومن الدواب، ومعنى (ضامر) مهيأ ومضمر للرحلة والسياحة والتنقل بين الأقاليم والأقطار مشرقاً ومغرباً إلى قصد بيت الله الحرام في مكة المكرمة. {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج:27] رجالاً: جمع راجل، كقيام جمع قائم، وصيام جمع صائم، أي: يأتوك ماشين على الأرجل، وراكبين على الإبل المضمرة والخيل والدواب. واختلف علماؤنا هل الحج مشياً أفضل أو ركوباً؟ وقد قلت: إن الشافعي رحمه الله والجمهور على أن الحج راكباً أفضل، ائتساءً برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حج راكباً. وقال مالك وغيره من الأئمة: الحج مشياً أفضل، واحتجوا بفعل رسول الله عليه الصلاة والسلام عندما جاء للسعي بين الصفا والمروة فقال: (نبتدئ بما بدأ الله به) فقد بدأ الله بالذكر بالصفا ثم المروة، فابتدأ السعي من الصفا إلى المروة. وقياساً على هذا وأن ما قدمه الله له حق التقديم، قال مالك: قدم الله ذكر الماشين على الأقدام في قوله: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج:27] فالحج راجلاً أفضل. وبطبيعة الحال فإن ذلك على من استطاعه واحتمله، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]. وأما الاحتجاج بفعل رسول الله عليه الصلاة والسلام فالأمر هنا ليس كذلك، فقد كان من الهدي النبوي والسيرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما على أمته. والأيسر على أمته أن تحج ركباناً، وأيضاً لو حج رسول الله عليه الصلاة والسلام ماشياً في حجة الوداع وهي الحجة الوحيدة، وقد حج معه فيها مائة وعشرون ألفاً من الأصحاب فيهم الشيوخ الركع، وفيهم الأطفال الرضع، بل منهم من ولد في الطريق، فقد ولدت أسماء بنت أبي بكر وهي في الطريق. فلو حج الرسول عليه الصلاة والسلام ماشياً لأتعبهم، ولمنعهم من الركوب الحياء، فسيكون رسول الله ماشياً على قدميه وهم ركبان، فسيرى ذلك من قلة الأدب، ومن عدم الحرمة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ولو فعلوا كفعله لو حج ماشياً لأجهدهم ولأتعبهم، ولهلك الكثير في الطريق قبل الوصول. ولم يكن هذا من السيرة النبوية التي فيها الشفقة والرحمة بأمته وبأتباعه من المؤمنين، وعلى ذلك: فلقائل أن يقول كما قال مالك: ما ترك عليه الصلاة والسلام الحج ماشياً إلا رحمة بأمته، وشفقة من إجهادها وإتعابها. {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج:27] قال ربنا جل جلاله: يأتين، وقد ذكر ضامراً مفرداً، فكيف عاد الضمير جماعة؟ قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج:27] فكل دلت على أن الكثيرين سيأتونك على إبل ضامرة وخيل مضمرة ودواب مهيأة ومعدة لذلك، فبهذا الاعتبار عاد الضمير جماعة، وهو يعود على غير العاقل مؤنثاً كما في هذه الآية. {يَأْتِينَ} [الحج:27] أي: يأتي هؤلاء الضمار ومن يركبها من البشر. {مِنْ كُلِّ فَجٍّ} [الحج:27] أي: من كل طريق عميق بعيد، وهكذا الأمر ولا يزال منذ فجر الإسلام يأتي الحجيج إلى زيارة وإلى حج بيت الله الحرام من أقصى ديار الدنيا شرقاً من الصين، وأقصى ديار الدنيا غرباً من المغرب الأقصى وما خلفه. وهكذا استجاب الناس لدعاء ونداء النبي عليه الصلاة والسلام. وقد قلنا: إن النبي إبراهيم أو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد علم أن صوته لن يبلغ إلى كل أحد في الأرض ليستجيب لهذا النداء الكريم، ولكن الله قال: سأبلغ صوتك يا إبراهيم أو يا محمد عليه الصلاة والسلام. وقد قالوا: إن كل من حج منذ النداء النبوي والأمر الإلهي كان قد بلغه وسمع الصوت إلهاماً من الله وهم لا يزالون في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم. وهذا معنى كون الحاج عندما يغتسل ويصلي ركعتي الإحرام ثم يبتدئ بعد ذلك فيقول: لبيك اللهم لبيك. فهي استجابة للنداء الأزلي، للنداء الإلهي، للنداء النبوي عندما دعي وهو لا يزال في الرحم وفي الصلب، فعندما استطاع أن يتكلم وبرز للوجود بحواسه الباصرة والمتكلمة والسميعة، فخرج يقول: لبيك اللهم لبيك. ولا تكون لبيك إلا إجابة نداء، إلا نعم بأقصى أنواع الأدب، ولا يزال هذا في لغة ولهجة أهل الحجاز إذا نودي منادى فإنه من الأدب يجيب: لبيك لبيك. والتلبية: الاستجابة، ومعنى لبيك لبيك: الاستجابة والتكرار بالاستجابة مرة بعد مرة.
تفسير قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)
تفسير قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28]. قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج:28] المنافع جمع منفعة، أي: ليحضر هؤلاء المنادون والحجيج إلى الديار المقدسة وإلى بيت الله الحرام؛ ليشهدوا ويحضروا منافع لهم؛ منافع دنيوية ومنافع دينية، فمن المنافع الدنيوية: التعارف بين المسلمين، وإن كانت الغاية دينية إن أرادوا ذلك. ومن المنافع الدنيوية: التجارة والبيع والشراء. والدينية: عفو الله ومغفرته كما قال الإمام محمد الباقر. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال بأن الحاج الذي يخرج من الحج وقد قبل منه يخرج كيوم ولدته أمه لا ذنب ولا خطيئة، فكل ذلك يغفر، وكل ذلك يعفى عنه، ويبتدئ حياة جديدة بأعمال جديدة. {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج:28] أي: ليذكروا الله ذكراً متتابعاً متواصلاً بأنواع من العبادات: تالين ومصلين وذاكرين وطائفين بالبيت الحرام وبالكعبة المشرفة، وساعين بين الصفا والمروة، وواقفين في عرفة، إلى بقية مناسك الحج فكل ذلك عبادة. والحاج منذ أن يحرم ويصلي ركعتي الإحرام، ويغتسل قبلهما ويقول: لبيك لبيك، فهو في عبادة سواءً كان صاحياً أو كان نائماً، ومادام أنه أحرم من هناك كما استحب ذلك الكثير من الفقهاء والأئمة -وإن كان خلاف المنصوص وخلاف الوارد- فبمجرد ما يبتدئ الإحرام من مواقيته فهو في عبادة متصلة إلى أن يعود لبلده، والعبادة بكل أشكالها ذكر لله، ذكر باللسان وذكر بالجنان وذكر بجميع حواس الجسد. {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج:28] الأيام المعلومات عند الجمهور: هي العشر الأول من شهر ذي الحجة، وكان يصومها صلى الله عليه وسلم جميعاً سوى العيد، فإن العيد يحرم صيامه. وقد قالوا في تفسير قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر:1 - 2] أن الليالي العشر في الآية هي العشر الأول من شهر ذي الحجة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الأيام المعلومات هي: يوم عرفات، ويوم النحر، ويومان بعد يوم النحر. وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: الأيام المعلومات يوم النحر، وأيام التشريق بعد يوم النحر. وقال سعيد بن جبير: أيام التشريق. وعلى كل: فهذه الأيام التي أشار الله إليها تارة بمعلومات وتارة بمعدودات علمت ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة، فهي (معدودة) أي: قليلة. و (معلومة) قد عرفت ببيان رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي كلف بالبيان، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل:44]. أي: يذكرون الله شاكرين، حامدين، مثنين على الله جل جلاله. {عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:28] (البهائم) تدخل فيها البهائم المركوبة التي لا يحل أكلها من خيل وبغال وحمير، وإنما جعلت للركوب على خلاف في بعض ذلك. والإبل تؤكل باتفاق، والخيل بكراهة ومنهم من حرمها، وأما البغال والحمير فقد حرمت. فال الله: {بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:28] ليعلمنا ويشعرنا ويدعونا إلى أن نذكر الله، ونقدم الهدي ونقدم الذبائح في الحج ونحن نذكر الله، وألا تكون إلا من الأنعام، والأنعام هي: الإبل والبقر والغنم. ومن المعلوم في الضحايا أن الإبل أفضل ثم البقر ثم الغنم، ويشترك في البعير سواء كان ناقة أو جملاً يشترك فيه سبعة ويكون مجزياً عنهم، وكذلك البقرة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وقد أوتي للنبي عليه الصلاة والسلام من اليمن بمائة بدنة، أتى بها علي رضي الله عنه، فنحر منها بيده الكريمة عليه الصلاة والسلام ثلاثاً وستين بدنة، وذبح ونحر الباقي علي رضي الله عنه. فكان يقول عند الذبح: باسم الله، اللهم منك وإليك، عمن لم يهد من أمتي. وكان يذبح بعض ذلك عن أسرته وعائلته الشريفة. {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:28] أي: ما رزقهم منها للهدايا وللضحايا وللرزق وللأكل وللاستنفاع سواء في الحج أو في غير الحج، فالله قد خلقها لنا وأحلها لنا حضراً وسفراً، وفي الحج تعتبر هدايا وتطوعاً بالنسبة لمن لم يكن عليه جزاء فدية أو جزاء في شيء أفسد به حجه، أو خالف فيه بعض ما يجب ألا يخالف، أو كان متمتعاً أو قارناً فكذلك عليه ذنب. قال تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28] أمرنا أن نأكل منها، وقد اختلف العلماء في نوع هذا الأمر هل هو أمر وجوب أم أمر استحباب؟ وقد قال الظاهرية ومن يقول بقولهم: إنه أمر وجوب، وقال به من كان اجتهاده اجتهادهم ممن اعتبروا الأمر باستمرار هو للوجوب ما لم يأت ما يصرفه عن ذلك. ولكن الجمهور في ذلك فصلوا وقالوا: أما الهدايا وضحايا التطوع فيؤكل منها، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما نحره من الإبل أمر بأن يقتطع من كل بدنة قطعة لحم وطبخ ذلك فأكل من لحمها وشرب واحتسى من مرقها، وتصدق بالباقي؛ لأن الله أمر وقال: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28]. فنحن قد أمرنا أن نأكل من هدايانا وتطوعنا، وأن يأكل معنا منها البائس الفقير. وقال بعض أهل العلم: تقسم أنصافاً، نصف للمضحي، وللمهدي، وللمتطوع، والنصف الآخر للفقراء والمساكين. وقال البعض: تقسم أثلاثاً: ثلث لنفسه ولعياله، والثلث لطبقة من الناس الذين لا يطلبون ولا يسألون ولا يتسولون ممن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، كما سيأتي في تفسير القانع والمعتر، والثلث الآخر لمن يسأل؛ للبائس بالمرة، كما قال تعالى في هذه الآية الكريمة. وأما الأكل من الهدايا ومن التطوع فقد أجمع الفقهاء على حل ذلك وجوازه، وقالوا: الأكل في الآية هو متعلق ومرتبط بالهدايا والتطوع. وقالوا: ليس الأمر أمر وجوب، وإنما هو أمر إجازة وإباحة، فإن شئت أن تأكل فكل، وإن لم تشأ فلا تفعل، ولكن هذا مختلف ومخالف للأسوة النبوية؛ فقد أكل صلى الله عليه وسلم شيئاً سمي أكلاً، فهي قطعة لحم من كل ناقة طبخت مع بعضها وأكل منها بعضاً، واحتسى من مرقها، والباقي تصدق به جميعه، وهو أشبه بألا يكون أكل منها إلا لامتثال هذا الأمر في الآية. وهذا موضع إجماع من الأئمة الأربعة وغيرهم. وقال مالك: يباح الأكل من التطوع، ولا يباح الأكل من دم القران إذا كان حج مقرناً، ولا حج التمتع، ولا جزاء الصيد، ولا ما ذبح لفساد وقع بالحج؛ لأن هذا الذبح واجب لا يتم الحج إلا به. والأحناف قالوا: يؤكل من ذبائح التمتع ومن ذبائح القران، ولا يؤكل من ذبائح الجزاء وذبائح فساد الحج إن حدث نقص أو فساد بالمرة. والشافعية كذلك أباحوا بعض ذلك وحرموا بعض ذلك؛ أباحوا الجزاء ومنعوا من أن يؤكل من ذبيحة التمتع وذبيحة القران. {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28] البائس الفقير هو: الفقير الذي اشتد بؤسه وفقره، واشتدت حاجته، فينبغي لمثل هذا في مثل هذه الأيام أن يأكل كما يأكل الناس، وهي أيام عيد، وأعظم موسم في الإسلام، وهو الموسم الأعظم؛ موسم الحج. والأضحية يؤكل منها، ويعطى منها للفقير الذي لا يطلب فيحسبه الجاهل غنياً من التعفف، والفقير الذي يسأل وقد أضر به الفقر والحاجة.
الحج [29 - 32]
تفسير سورة الحج [29 - 32] من الآداب التي أمر الله تعالى بها عباده أنهم بعد انتهائهم من مناسك الحج أن يزيلو ما علق بهم من الأوساخ نتيجة الإحرام الذي طالت أيامه، وقد كان هذا واضحاً في الماضي، ثم أمر عباده المؤمنين بأن يوفوا نذورهم، وأن يطوفوا في البيت العتيق، ثم أمرهم بتعظيم شعائر الله تعالى، فإن ذلك من تقوى القلوب، وعلامة على صلاح الباطن.
تفسير قوله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم)
تفسير قوله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم) قال تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29]. {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج:29] التفث في اللغة العربية: القذارة والوسخ، أي: ليزيلوه، والمراد من الآية: زوال ما علق بالإحرام وكان يمنع زواله كحلق الشعر أو قصه، أو تقليم أظفار اليدين أو الرجلين، أو زوال شعر العانة، أو ما يدعو إلى التطيب وإلى التزين، أو يأخذ من شعره رأساً أو لحية. ومن المعلوم أنه في الماضي عندما كان يحج الحاج يأتي راجلاً أو يأتي على الدواب، وقد أدرك هذا الكثير من معاصرينا، ولو كنا هنا لأدركنا ما أدركه غيرنا، ولقد كانوا يحجون على الدواب من مكة إلى المدينة عشرة أيام أو تزيد، وراجلين في نحو شهر. وأما من الديار البعيدة، أما من الشرق الأقصى، أما من المغرب الأقصى فكان يستغرق ذلك عاماً أو يزيد، فعندما يبتدئ الإحرام من مواقيته خلال عشرة أيام وخاصة من أفرد إذا وصل إلى هنا قبل شهر الحجة تجده يبقى محرماً شهراً وشهرين متصلين، لا يقلم أظفاراً، ولا يقص شعراً، ولا يزيل شعر عانة، ولا يأخذ من شاربه، ولا من لحيته، ولا من رأسه، ولا يتطيب، فيتجمع هذا ويتكاثر وقال عنه الله تعالى: التفث. قال إمام اللغة الزجاج: هذه الكلمة لا أعرفها ذكرت في معاجم اللغة إلا في القرآن الكريم، فمن القرآن أخذناها، ومن القرآن علمنا معناها. معنى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج:29]: أي: يزيلون ما علق بهم بعد نهاية الحج وإتمام المناسك، عندما يزيلون الإحرام ويتمون طواف الإفاضة يقلمون أظفارهم، ويحلقون عاناتهم، ويحلقون رءوسهم أو يقصرونها، ويأخذون من الشارب، ويجملون اللحية في أطرافها ومن أطرافها، ويلبسون الثياب النظيفة. وهنا يكونون بهذا العمل قد أزالوا التفث، وأزالوا ما ارتبط بالإحرام من هذا الذي سماه التفث، وقالوا عنه: القذر والوساخة، وذاك زيادة في العبودية لله، وزيادة في أن يقف المالك والمملوك، الكبير والصغير، الغني والفقير حاسري الرءوس بألبسة أشبه ما تكون بأكفان الميت، فالكل يقف ويقول: لبيك اللهم لبيك، كلهم عبيد أمام المعبود الذي لا يعبد سواه، ولا يأله سواه، ولا يخلق غيره جل جلاله وعلا مقامه. هذا الموقف الذي يتذكر الإنسان فيه الموت ويوم العرض على الله، هذا اليوم الذي كان أول نوع من المؤتمرات في العالم، ولم يكن يتصور قبل المواصلات الجديدة وقبل الهواتف والصلات الجديدة من مركوبات شراعية بخارية، وبرية، وجوية. ومن قبل الهواتف بالسلك واللاسلك، فلو دعا إنسان إنساناً إلى تجمع في مؤتمر من الهند إلى المغرب الأقصى، وإلى مختلف أقطار الأرض لكان ذلك يحتاج إلى السنة والسنتين، ومن هنا لم يحدث هذا قط. وأول من أحدثه وأوجبه وجعله ركناً من أركان الإسلام هو الله جل جلاله في كتابه، ثم نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه في شرحه وسنته وبيانه، فكان من الأسرار المطوية في هذه العبادة اجتماع المسلمين من مختلف أقطار الأرض منذ 1400 عام؛ ليتبادلوا الشكوى، وليتبادلوا الآلام والآمال، وليعلم كل مسلم حال المسلمين من إخوانه في مشارق الأرض ومغاربها. فعندما يعود هؤلاء الناس مختلفي الألوان واللغات والآراء والأصقاع والأوطان، يعودون وقد زودوا بحال إخوانهم المسلمين: إن كانوا في ضيق وضر أعانوهم إن بالمال وإن بالسلاح، وإن بالتأييد القولي. وإن كانوا بخير فرحوا بفرحهم، وسروا بسرورهم، وقديماً جعل الله جل جلاله الأخوة بين المؤمنين فقط، وقسم العالم أرض حرب وأرض إسلام. والله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10] فلا إخوة إلا بين المؤمنين الذين يعبدون رباً واحداً، ويدينون بالولاء، ويؤمنون بنبوءة نبي واحد، ويؤمنون بكتاب واحد هو كتاب الله، والمفروض أن تكون اللغة واحدة هي لغة القرآن، لغة النبي المرسل والمنزل عليه القرآن عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. قال تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج:29] أي: يزيلوا ما علق بهم نتيجة الإحرام الذي طالت أيامه، وما ارتبط به من طول أظفار وطول شعر وقلة غسل وتطييب. {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج:29] أي: يقومون بالوفاء بالعمل الكامل للنذور، وهي: جمع نذر. وقالوا هنا في النذور: هي مناسك الحج: فضائله وأركانه وواجباته وآدابه؛ لأن الإنسان عندما يبتدئ النية بعمل واجب أو بعمل مرغوب يكون فيه متطوعاً، وبمجرد البداية فيه يصير لا بد من التمام، فالبداية موجبة للتمام، {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33]. فلا يجوز لنا -حتى ولو في النافلة- أن نكبر تكبيرة الإحرام، ونقرأ الفاتحة وسورة، ثم يبدو لنا فنترك الصلاة ونقول هي تطوع، فهذا لم يأذن به رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا في الصيام، وقال: (المتطوع أمير نفسه: إن شاء صام وإن شاء أفطر)، ولا يكون إلا إن دعته لذلك ضرورة كما قال الكثير من الأئمة، حتى إنه إن أفطر لهذه الضرورة ولو إرضاء ضيف أو إرضاء عزيز فعليه أن يعيد اليوم الذي ابتدأه؛ لأننا منعنا من أن نبطل أعمالنا عندما نبتدئها. وقالوا: النذور يدخل فيه نذر الضحايا، ونذر الهدايا، ونذر الذبائح التي نقدمها على اسم الله وذكر الله، نأخذ منها لذلك، ونتصدق بالباقي على الفقير الذي يحسب غنياً بمظهره وحاله، {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة:273]، أو السائل الذي يسأل ويقف على الأبواب ويطلب منك. هذه الضحايا تعتبر نذوراً، وهذا الحج بمجرد الإحرام ولو كان تطوعاً فلا بد من إتمامه، ومن قطعه فإنه يأثم، وعليه أن يعيده. {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29] البيت العتيق هو الكعبة المشرفة. {وَلْيَطَّوَّفُوا} [الحج:29] أمر من الله بلام الأمر بالطواف، وأجمعوا في تفسير الطواف هنا: أنه طواف الإفاضة، والذي يسمى كذلك طواف زيارة، وهو ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، ووقته وزمنه يوم النحر عندما نقص أو نحلق، وعندما ننحر أو نذبح، نأتي ننزل للكعبة فنطوف بها سبعاً، وعند ذلك نزيل الإحرام وما ارتبط بالإحرام ونتنظف ونتطيب ونخرج مما كنا سجناء فيه ونحن حجاج. نزيل الإحرام ولواحقه، ولا يمنع إلا النساء، لا يقربن إلا إذا انتهت أيام منىً.
أنواع الطواف
أنواع الطواف الطواف بالحج ثلاثة أنواع: الطواف الأول: عند دخول الحاج إلى مكة من خارجها، فعليه أن يطوف بالبيت سبع مرات: ثلاث منها تكون هرولة أو قريباً من الهرولة -تكون خبباً-، وأربع تكون مشياً عادياً، وهذا هو طواف القدوم. الطواف الثاني: طواف الإفاضة، وهو ركن بإجماع، وهو المقصود في قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29]. الطواف الثالث: قال بوجوبه المالكية، ومن لم يفعل فعليه دم، وعليه أن يعود إليه إذا تركه ولو كان قد وصل إلى بلده، ولكن الجمهور على سنيته، ولا خبب فيه ولا هرولة، كطواف الزيارة. وهذا الطواف الثالث يسمى طواف الوداع. والسر في الهرولة أو الخبب في طواف القدوم هي ذكرى لدخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء بعد معاهدة الحديبية، وذلك في السنة السابعة. فقد دخل صلى الله عليه وسلم والسيوف في أغمادها وقرابها، واختفى أهل مكة لكيلا يروا هذا المنظر من محمد صلوات الله وسلامه عليه، فقد أرادوا قتله، وأرادوا سجنه، وأرادوا منعه من الخروج، وقصدوا له الغوائل من كل جانب، فأنقذه الله منهم، وذهب إلى المدينة، فأصبح ذا أنصار وأعوان وجند، فامتنع عنهم، وما عادوا يطمعون في القضاء عليه إلا حرباً، اختفوا لكي لا يروه؛ عداوة وحقداً، وإذا بالأطفال وإذا بالغلمان والعبيد والأرقاء ذهبوا إلى سادتهم يقولون: انظروا إلى محمد ومن معه جاءوا يجرون أرجلهم فقراً وحاجة، وألبسة ممزقة، ووجوه ضعيفة هزيلة، ووجوه لشيوخ لا يكادون يستطيعون رفع الأقدام من الأرض، فخرجوا ليروا هذا المنظر، وليتشفوا فانتبه النبي عليه الصلاة والسلام لذلك أو سمعه أو قيل له، فأمر أصحابه وهو القائل عليه الصلاة والسلام: (رحم الله مؤمناً أظهر من نفسه قوة)، وهو القائل كذلك: (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)، وأمر بأن يطوفوا مظهرين القوة، فأخذوا يهرولون، والله تعالى ألبسهم لباس القوة ولباس الشباب، ولباس ما يسمى الآن الرياضة والفتوة، فرأى هؤلاء هذا المنظر فكبتوا به وتألموا له، وحزنوا من أجله، وقالوا: أهؤلاء الذين قلتم لنا إنهم ضعاف هزال ويكادون يجرون أرجلهم في الأرض جراً؟! والله! إنهم كالنمر وهم يقفزون، والله! إنهم كغزلان الغاب وهم يطوفون، وكان هذا هو المقصود عند النبي عليه الصلاة والسلام؛ ليغيظ عدوه، وإغاظة العدو مهما تكن قلتها فيها أجر وثواب للمؤمن المسلم، فبقي بعد ذلك لكل قادم، ولكل زائر لمكة طائفاً كان أو معتمراً أو حاجاً: أن يكون طوافه للقدوم بهذا النوع ذكرى لليوم الأول الذي دخل فيه صلى الله عليه وسلم على هذه الحالة. وأما الطواف الثالث وهو طواف الوداع فلا يحتاج لذلك، وأهل مكة ليس عليهم طواف قدوم؛ لأنهم مقيمون في مكة فليس هناك قدوم، ومن حج من مكة كذلك ليس عليه صلاة قدوم؛ لأنه قد قدم وأقام فليس هناك حاجة إلى طواف القدوم. قال تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ -يقومون بالوفاء بها كاملة- وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29]. قال العلماء في سبب تسمية الكعبة وبيت الله الحرام بالعتيق كلمات قد تكون جميعها صحيحة، وتصلح جميعها أن تكون تفسيراً لكلمة العتيق. فالعتيق هو: الكريم، التليد، المقبول والمحبوب، القديم الذي مضى عليه زمن الله أعلم كم مقداره. وقالوا: سمي العتيق؛ لأنه أول بيت بني، فهو أعتق بيت وأقدم بيت لله في الأرض، وهذا أكده القرآن، وزادته السنة بياناً، فقد قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} [آل عمران:96]. وسئل عليه الصلاة والسلام: (ما أول مسجد بني في الأرض؟ قال: بيت الله الحرام، ثم سئل: والمسجد الأقصى، قال: بني بعده بأربعين عاماً)، فهو بهذا الاعتبار عتيق والكلام صحيح قرآناً وسنة. وقالوا: العتيق الذي كرمه الله من أن يحتله ويستذله جبار من الجبابرة، أو عدو من الأعداء يهينه أو يذله، فلم يحدث لهذه البنية الكريمة، وهذه الديار المقدسة ما احتلها عدم لا في أيام الجاهلية ولا في أيام الإسلام. ومن هنا كان العرب وضعهم في الجاهلية والإسلام غريباً، فقد كان يوجد في أيام الجاهلية دولتان عظيمتان متسلطتان على الأرض: فارس والروم، وتقريباً أنهما قد احتلتا العالم، ولكنهما لم يحتلا جزيرة العرب، كان لهم شبه سيادة في اليمن، أما الحجاز فلا. ومن هنا لم يصل ولم يقدر الله جباراً من الجبابرة ولا طاغية من الطغاة على أن يحتل مكة أو يذلها وأن يذل أهلها، قد كان بعض ذلك من بعضهم لبعض، وهذا كلام آخر، ومع ذلك فهؤلاء لم يضربوا الكعبة، ولكن حدث ذلك أيام بني أمية؛ أيام عبد الملك بن مروان بتنفيذ الحجاج الظالم، وقد كان يحكم مكة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه فحاربه وقاومه ليذله ويخضعه لـ عبد الملك، فامتنع كل الامتناع وأبى كل الإباء، إلى أن تفرق عنه أصحابه، وبقي فريداً، وقال لأولاده أيضاً: اذهبوا عني، دعوني للقدر ولقضاء الله، وما أرى صبيان بني أمية إلا ممثلين بجسدي، ولعلهم يصلبونني على الكعبة، فقالت له أمه: أأنت على حق أم على باطل؟ قال: بل أنا على حق، قالت: والله! إن كنت على غير حق في حربك مع هؤلاء -وأنت تعلم أنك لست على حق- فإني أخشى أن يتلاعب بك صبيان بني أمية، وأما إن كنت على حق فلا تهتم بهم، فالشاة لا تعذب بعد السلخ -أي: بعد الموت- فالشاة عندما تموت ويذهب الجزار ليسلخ جلدها عنها فإنها لا تعذب وقد ماتت، فعش عزيزاً ومت عزيزاً، فإن أنت صلبت أو مثل بك فإنك لن تعذب جسداً، وتكون قد قدمت ما استطعت، والغلبة والنصر بيد الله، وليس ذلك بيد أحد، قال تعالى: {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [البقرة:165]. فحدث ما توقع، فـ الحجاج ضرب الكعبة بالمنجنيق، ولكن هذا كان ظلماً واعتداء منه، ولم يقصد به هوان الكعبة أو إذلالها وإلا لكان مرتداً، ولكان عبد الملك مرتداً، ولكان كل من صنع ذلك مرتداً، وهو قد فعل ما فعل وقال: إن ابن الزبير هو المسئول فهو الذي أحوجني لفعل هذا، وبمجرد ما انتهت المعركة عاد للبيت فجدد بناءه وجدد تنظيمه، وطاف به معتذراً، وأما إن كان محقاً أم مبطلاً فهذا كلام آخر. قال تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:25] فكل الأحكام في الشريعة لا تكون إلا بعد فعل الذنب إلا في مكة، فمجرد الإرادة بالظلم والاعتداء فإن الإنسان يأثم وقد يعاقب، وللشارع أن يؤدبه بما يراه مصلحة لتطهير مكة منه، ولإبعاد الظلمة منها بأي عمل من الأعمال. وقد جاء أبرهة وحاول أن يذل الكعبة وأن يهدمها حجراً حجراً، ولكن هيهات، فقد سلط الله عليه طيراً أبابيل كما قصصنا، فجاءت هذه الطيور السوداء يحمل كل واحد منها ثلاث حجرات بحجم حبة العدسة؛ واحدة في المنقار واثنتين في الرجلين، فرميت هذه الحجارة على رأس الفيال، فدخلت من الرأس إلى الأمعاء، ومنه إلى ظهر الفيل، ومنه إلى بطن الفيل فأصبح الفيل وراكبه عصفاً مأكولاً؛ أي: كالحشيش الذي تأكله الدواب، وأصبحوا كالبعر عندما يخرج من الدواب وأصبحوا كرجيعها، أي: كالحشيش الذي يؤكل فيخرج بعراً، وهكذا فإن الله طهرها من الجبابرة في الجاهلية وفي الإسلام. {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29] قالوا: لا يمسها جبار، وفسروا العتيق بأنه عندما فاضت المياه أيام نوح على قومه، فقد حفظ الله البيت، فلم يغرق في هذا الطوفان، وقيل: إنه رفع، وقيل بقي في مكانه، ولكن المياه بقيت بعيدة عنه. كما جعل الله طريقاً في البحر يبساً لموسى ومن معه، وتبعهم فرعون ومن معه من جنده، وأصبح البحر كالجبل عن اليمين من المياه وعلى اليسار من المياه، فدخل فرعون فالتقى الجبلان وغرق فرعون ومن معه، كان هذا الماء مفروزاً عن الكعبة فلم تغرق كما غرق الكون.
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه)
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه) قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج:30] (ذَلِكَ) أي: الذي حكاه الله جل جلاله وأمر به: من قصد البيت الحرام للحج، وذكر الله في الأيام المعلومات، وتقديم الذبائح والضحايا والهدايا على اسم الله وباسم الله. {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج:30]، أي: مع هذا مع الأجر والثواب فيما مضى بالذكر كذلك: ((وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ))، وحرمات الله كل شيء حرمه الله، فمن ابتعد عن المنكرات والكبائر وما إليها، ومن ابتعد عن الجرائم وما إليها، والحرمات: كل ما حرم الله فعلى المسلم أن يجتنب ويعظم انتهاك الحرمة، وارتكاب الحرام. ((وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)) خير له يوم القيامة، بل خير له في الدنيا كذلك، فالله يجازيه بالجنة، ويجازيه بالرضا والرحمة، ويعطيه مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وقال بعض المفسرين: الحرمات هنا حرمات المناسك، وحرمات مكة المكرمة، وقالوا: الحرمات: هي بيت الله الحرام، والبلد الحرام، فالكعبة هي بيت الله الحرام، ومكة هي بلد الحرام، وذو الحجة شهر حرام، فهذه كلها حرمات بعضها متصل ببعض عند من يدخل مكة، فهناك حرمة البيت، وحرمة المناسك، وحرمة البلدة. وأما في الحج فهناك حرمة المناسك كلها، بما فيها من طواف وسعي ووقوف بعرفات، إلى بقية المناسك، ومن عمم أدخل هذه وزاد عليها بقية الحرمات. ومن هنا فإن هذه الحرمات من حاول أن يتجاوزها بكلمة بذيئة، أو بمخالفة وعصيان، فإن عقابه عسير، وهي حرمات كتاب الله، وحرمات السنة المطهرة، وحرمات نبي الله عليه الصلاة والسلام والأصحاب والسلف الصالح والوالدين والإخوة والمشايخ والمسلمين عموماً، وكل ما دعا الله لحرمته ولتقديسه وللعمل به، فكل ما دعا الله إلى تركه من أنواع الحرام يدخل في الحرمات، إما تحريم الانتهاك للحرام، أو تحريم عدم احترام لهذه المقدسات. ((وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)) أي: هذا المعظم لحرمات الله خير له وأقدس وأكسب وأربح من رضا الله، والكسب الذي يأتيه عن الله ومن الله هو رضا وطاعة ورحمة. ثم قال تعالى: ((وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ)) أحل الله تعالى أكل الأنعام، وركوب ما يركب منها، والأنعام هي: الإبل والبقر والغنم بنوعيها؛ الماعز والضأن، فأحل الله أكل لحومها جميعاً، وأحل ركوب الإبل، وأحل ألبان الجميع، وأحل اللحوم والكسب الناتج عن البيع والتجارة فيها. والأنعام: جمع نَعم، والنَعم جمع لا مفرد له، ويفرد عندما تذكر كل نوع من الأنواع، تقول: جمال جمع جمل، أبقار جمع بقر، وهو جمع مفرده بقرة، أو غنم أيضاً جمع لا مفرد له، لكن تقول: شاة وتقول: خروف، وتقول: ماعز. ((وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ))، وقد تلا ربنا جل جلاله ما حرم علينا، فقال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة:3]، فهذه التي تلا الله تعالى علينا هي التي حرمها واستثناها، فلا تؤكل الأنعام إذا كانت ميتة، ولا يؤكل دمها، ولا تؤكل متردية، ولا تؤكل نطيحة، ولا تؤكل وقد أكل منها السبع إلا إذا استدركت وذبحت قبل أن تموت، وما دون ذلك من الأنعام حلال أكله وشرب حليبه، وأكل نتاجه، والتجارة فيه، وتقسيمه هدايا وأضحيات، سواء في الحج أو في أعياد الأضحى. قال تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج:30]. أمرنا الله جل جلاله أن نجتنب -أي: أن نبتعد-، وكلمة (اجتنب) أبلغ في التعبير وأشمل من كلمة: حرّم، فبعض الجهلة يقولون: تحريم الخمر في القرآن ليس صريحاً؛ فقد قال الله: اجتنبوا، والاجتناب ليس معناه التحريم، وهذا خطأ، فالاجتناب أبلغ من التحريم. (مِنَ الأَوْثَانِ)، و (من) هنا تعتبر للجنس، أي: كل التماثيل والأصنام، وكل الأوثان: الحجارة والجمادات والأخشاب التي عبدت دون الله اجتنبوها، واجتنابها يكون كالخمر، فلا يحل بيعها، ولا شراؤها ولا امتلاكها ولا إهداؤها ومن باب أولى لا يحل السجود إليها. كذلك الخمر لا يحل بيعها ولا شراؤها ولا التجارة فيها، ولا هبتها، ولا توريثها ولا شيء من هذه الأشياء، في حين حرم علينا بالنص: الحرير والذهب، وليس معنى التحريم هنا الاجتناب؛ فإنه يباح لنا امتلاك الذهب، وامتلاك الحرير والتجارة فيهما، وتملكهما واهداؤها والمعاوضة والمبادلة فيهما، وإنما حرم علينا اللبس، ولو قال لنا: اجتنبوا الذهب والحرير لكان الاجتناب كاملاً كاجتناب الأوثان واجتناب الخمر، لا بيعاً ولا شراء، ولا امتلاكاً ولا عطاء ولا مبادلة. ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ)) الرجس هو: القذر والوساخة، وهو الحرام، فكلمة الرجس جمعت جميع الأنواع القبيحة المسترذلة فيما يطلق عليه من معاني الأشياء، فالأوثان هي القذر والشرك، والأوثان معناها فاسد، فالتمسك بها يدل على ضياع العقول، والسجود لها يعد حماقة، وامتلاكها كذلك، وتزيين الدور بها كما أصبح يفعل الكثير من المسلمين؛ فإنهم يصنعون أصناماً كاملة، أحياناً لأناس، وأحياناً لحيوانات، فتلك تماثيل كذلك وأصنام، وقد حرمها الله جل جلاله. ((اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ)) أي: اجتنبوا الأوثان، فالأوثان كلها رجس وحرام، وكلها ممنوعة، وكلها قذر ووساخة، و (من) ليست للتبعيض، بل المقصود جنس التماثيل على كل أشكالها. ((وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)) والزور: هو الباطل، وله مصطلح شرعي وهو شهادة الزور، وهي أن يشهد الإنسان على شيء لم تره عينه ولم تسمعه أذنه، ولكنه كذب على الله وافترى فشهد الزور، والزور هنا الباطل بكل أشكاله: قول الشرك، وسباب المؤمن، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر) والزور كلمة تجمع كل الكلمات التي لا يليق بالمؤمن أن يقولها وأن يعمل بها. والله عز وجل قرن اجتناب الزور مع اجتناب الأوثان، وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام من الزور، فقال عليه الصلاة والسلام: (ألا وقول الزور وشهادة الزور) فظل صلى الله عليه وسلم يقول ذلك ويعيده حتى قال بعض الصحابة: تمنينا أن لو سكت، يعني: أنه أتعب نفسه وأجهدها وهم قد سمعوا وعلموا وأطاعوا.
تفسير قوله تعالى: (حنفاء لله غير مشركين به)
تفسير قوله تعالى: (حنفاء لله غير مشركين به) قال تعالى: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج:31]. أي: حال كونكم حنفاء لله عابدين مخلصين له، وقد كان قديماً في الجاهلية يقال: الحنيفي؛ لمن يحجوا ويتصدقوا ويعبدوا، ولكن عبادتهم كانت شركية، فهم يسجدون مع ذلك للأوثان، ويقولون: ما نعبدها إلا لتقربنا إلى الله زلفى. ويقولون كما تقول النصارى: الأب والابن وروح القدس، وقد اختلطت أديانهم ومذاهبهم في ذلك كما قص الله علينا، فقالوا عن أنفسهم أنهم أبناء الله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ} [المائدة:18] وكذبوا وافتروا. وقالت النصارى عن عيسى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة:17]، والكفر يضاهي بعضه بعضاً، ويقلد بعضهم بعضاً تقليد الببغاوات وتقليد القردة، كما قال الله عن النصارى وهم يعبدون الصليب والأوثان: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} [التوبة:30]، وقد سبقهم من فعل ذلك. ولقد ذكرت أكثر من مرة أني كنت في متحف نصراني في أرض لبنان، وإذا بالمشرف على هذه الآثار والحفريات يظهر لي صليباً، وقال: هذا الصليب كان قبل عيسى بقرون، فضحكت وقلت له -وهو نصراني-: صدق الله العظيم: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} [التوبة:30]، حتى في الصليب النصراني ليس خاصاً بهم، ولكنه تقليد وقدوة؛ تقليد شركي بلا عقل وبلا وعي وبلا فهم وبلا دليل من عقل ولا سلطان من الله، ولا برهان. ((حُنَفَاءَ لِلَّهِ)) أي: مخلصين عابدين له وحده، لا تشركوا به شيئاً في كل هذه الأعمال من حج وصلاة وطاعات وسعي إلى آخر أنواع العبادات. {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج:31] أي: حال كونكم لا تشركون بالله لا شركاً خفياً ولا ظاهراً، فالشرك الظاهر هو عبادة الأوثان والأشخاص وعبادة الملائكة والجن وعبادة الزعماء والرؤساء والقادة، والشرك الخفي أن تصلي أو تصوم أو تتعبد في الجلوة بما لا تفعله في الخلوة، فمع الناس تفعل ما لا تفعله في خلوتك، فهذه يسمى عبادة وتسميع، فتريد أن يقال عنك: عابد زاهد صالح متصدق، فهذا اسمه شرك خفي، ولكن المؤمن الصادق لا تختلف عبادته في الخلوة عن عبادته بين الناس، فهو يعبد الله جل جلاله، فإن اختلى بنفسه فإنه لا يزيد ولا ينقص كما هو، وإن كان القدوة من شيخ أو أب أو متبوع ينبغي أن يظهر عبادته وأعماله؛ ليكون قدوة للغير، وليتخذوا عنه سلوكه وسمته في العبادة؛ ليكون التعلم قولاً وعملاً، حالاً ومقالاً. ((حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ)) أي: غير مشركين بالله. قال تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج:31]. ضرب الله مثلاً وتشبيهاً بالمشرك بالله فذكر بأن مثل المشرك بالله كمن رفع إلى أعلى مكان في السماء -والعلو وكل ما علاك فهو سماء- فرفع إلى الأعالي ثم رمي، وإذا بالطيور المفترسة والجوارح تختطفه من الجو فتقطعه قطعاً وتفترسه قطعاً، وهكذا قبل أن يصل إلى الأرض، ولم يصل منه إلى الأرض إلا العظام. وأما التشبيه الثاني: ((أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)) أو إنسان رمي فجاءت عواصف وزعازع فأخذت تتلقفه من هنا إلى هناك إلى أن أوقعته في أعماق هوة وحفرة، وما كاد يصل إليها إلا مدهدهاً ممزقاً قطعاً. وهكذا قد فقد نفسه في الدنيا كمن تفترسه الطير، وكمن تتلاعب به الرياح العواصف فتمزقه وهو لا يزال في الجو، ثم يرمى به إلى سحيق من الأرض، وهي: المكان العميق من الهوة في الأرض، فلا يكاد يصل إلا ممزقاً، وهذا مثال من الله يبين أن المشرك يعيش هكذا ذليلاً حقيراً متدهدهاً مرمياً منبوذاً لا عقل له، ولا إدراك فيه، ولا فهم له. وأما الآخرة فعذاب الله أنكى وأشد.
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32]. ((ذَلِكَ)) أي: ما ذكره الله من اجتناب الأوثان، وقول الزور، وما حرم الله من الأنعام، وما ذكر من مناسك الحج كاملة، ((ذَلِكَ)) يحصل ويجب أن يكون، وأن يتمسك به المسلم، وترتب عنه: ((وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ))، والشعائر: جمع شعيرة ويدخل فيها كل أنواع العبادات؛ شعائر الصلاة والحج، ويأتي بعض الملاحدة والمرتدين أيام الحج ليشاهدوا المسلمين، فيرى الناس حاسري الرءوس، يلبسون هذه الإحرامات ويهرولون حول الكعبة، وبين الصفا والمروة، ويجلسون في عرفات، وينامون على أرض مزدلفة، فيسخرون من هذه الشعيرة العظيمة، وقد يقول بعض ضلالهم ومن ذهب الله بنورهم: هذه عبادة للكعبة. وهؤلاء الحمر المستنفرة التي فرت من قسورة، لم يشعروا بأنفسهم عندما عبدوا الشيطان، وعبدوا اليهودية والنصرانية، وعبدوا ماركس اليهودي، وعبدوا كل قذارة ووساخة في الأرض، وتركوا كتاب الله وراءهم ظهرياً، وعملوا بطاعة هؤلاء، وجدوا في إرضائهم، ثم يقال: إن أمثال هؤلاء لهم حضارة، وأنهم تقدميون وتكنولوجيون!! وهكذا ترى بعض الناس وقد مسخه الله، فالصورة صورة إنسان، والفكر والعقل عقل قرد وفكر قرد، قال تعالى: {تَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} [الأعراف:198]. وقال تعالى: {إِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46]، فهذا الذي يحاول أن يسخر من شعيرة من شعائر الدين والإسلام كمن يسخر بالعمامة أو باللحية، أومن يسخر بالزي الإسلامي، يعتبر مرتداً حلال الدم كذلك، وقد نص على هذا جميع فقهائنا بجميع مذاهبهم: أن من قال: الإسلام انتهى ولا ينبغي أن نرجع إلى قبل 1400 عام، فنقطع الأيدي، ونصلب الأشخاص، ونقطع اليد والرجل من خلاف، ونجلد الرجل الطويل العريض، وما هي إلا أشياء خاصة؛ ما دخلنا في شربه للخمر، وما دخلنا لزناه، وهكذا هؤلاء يشتمون الإسلام، ويمتهنون كرامته، ولا يعظمون حرمات الله ولا شعائره: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} [المنافقون:4]، وقد لعنهم الله. {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} [الحج:32]، الآية من آيات الحج وفي سورة الحج، أطلقها الكثيرون وهي مطلقة بدرجة الأولى على مناسك الحج وشعائره، ولكنها تعم الكل.
الحج [32 - 35]
تفسير سورة الحج [32 - 35] لقد جعل الله تعالى لكل أمة منسكاً هم ناسكوه؛ ليذكروا اسم الله تعالى على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فهو الرازق الخالق المستحق للعبادة وحده سبحانه. وقد بشر الله تعالى عباده المخبتين التائبين المقيمين للصلاة، والمؤتين للزكاة بالفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32]. (ذلك) أي: ما مضى من الكلام على الحج والمناسك: من الطواف والسعي والوقوف بعرفة وما إلى ذلك، فهذه الأشياء من المنافع هي من شعائر الله، ومن أحكامه، ومما فرضه الله جل وعلا في الحج. قال تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32] أي: ومن يحترمها ويقوم بها ويلتزمها أركاناً وواجبات وسنناً ومستحبات وما إلى ذلك فإنها من شعائر الله ومن أحكامه. وشعائر: جمع شعيرة، وفسرت بأنها الضحايا والهدي وما يقدم في الحج. وقال ابن عباس: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} [الحج:32] أي: من يستسلم ويستحسن ويجعل لذبائح والقربان من الهدي والضحايا أثمنها وأفضلها وأكثرها لحماً، فإن ذلك من تقوى القلوب. واستدلوا على هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم (ضحى بكبشين أملحين سمينين موجوءين -أي: معلوفين مخصيين- ينظران في سواد، ويأكلان في سواد، ويمشيان في سواد) لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يختار من الضحية أعجبها وأسمنها وأعظمها وأجملها. وقوله: (تنظر في سواد)، أي: شعر حدقاتها أسود. (وتأكل في سواد) أي: شعر فمها أسود. (وتمشي على سواد)، أي: أرجلها وأيديها سود. ونحر صلى الله عليه وسلم بيده في حجة الوداع ثلاثاً وستين بدنة من مائة بدنة، وكلما كانت الضحية والهدية أكثر لحماً وأعظم شحماً وأغلى ثمناً كانت أكثر أجراً وثواباً. قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32]، فتعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، ومن عمل القلب إضمار التقوى والطاعة والإخلاص، والعمل بالأوامر فعلاً وترك النواهي، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (التقوى هاهنا)، وأشار إلى قلبه أكثر من مرة، (التقوى هاهنا، التقوى هاهنا). فقوله: (من تقوى القلوب) أي: من التقوى المضمرة المخلصة التي لا يراد بها إلا الله والدار الآخرة، لا ليقال ويذكر عنه، ولكنه يريدها لله خالصة، ولا يريد في عمله وجه أحد من الناس إلا الله جل جلاله.
تفسير قوله تعالى: (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى)
تفسير قوله تعالى: (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى) قال تعالى: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:33]. وهذا مما يدل على أن الشعائر هنا هي الهدايا والضحايا. فقوله: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} [الحج:33] أي: لكم في الهدايا منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة، ولكم في المناسك منافع: من تجارة، ومن ثروة، ومن معاملة، ومن سياحة، ومن تعرف المسلمين بعضهم على بعض. ومنافع الآخرة: الأجر والثواب، وذلك أعظم وأكرم وأكثر أجراً وثواباً من الدنيا ومنافعها. وقيل أيضاً في تفسيرها: إن كانت هدايا فلكم منافع مما في بطونها ومما في ظهورها من شعور ووبر وركوب وإنتاج ولبن وسمن وما إلى ذلك. قوله: {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الحج:33] أي: تنتفعون بها إلى الأجل المسمى، وهو قبل أن تصبح هدايا تهدى ويتقرب بدمها إلى الله، أو قبل أن يضحى بها في عيد الأضحى في غير الحج. فهذه المنافع قال قوم: تنتهي عندما تصبح هدايا وتعين لذلك. فعندما تنتهي المنافع فلا تحلب، ولا تركب ولا يستفاد مما في بطنها، وكل ذلك يصبح هدياً معها، وقالوا: إن الهدي لا يركب ولا يحلب ولا يستفاد مما في بطنه، وإذا ولدت وهي هدي يذبح معها ما ولدت سواء كانت بدناً أو بقراً أو ضأناً أو ماعزاً. وليس الأمر هكذا؛ فإن قوله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الحج:33] أي: انتفعوا بها حتى ولو كانت هدياً، واستدلوا بما قاله صلى الله عليه وسلم عندما رأى حاجاً يمشي راجلاً ويسوق هديه أمامه، فقال له (اركبها، فقال: يا رسول الله! إنها هدي، قال: ويحك، اركبها) قال تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:33] أي: تحل وينتهي أجل المنفعة بها عندما تصل إلى الكعبة إلى بيت الله الحرام حيث المنحر والذبح، وحيث ما يقدم من الهدايا ومن الضحايا والقربات، وقد أذن صلى الله عليه وسلم بركوبها لمن احتاج ذلك وبشرب حليبها بعدما يقطع ذلك عن فصيلها ووليدها، وهذا أدل في الاستدلال، وهو قول المالكية والحنفية، وغيرهم منع من الاستفادة منها إلى أجل مسمى، والأجل المسمى هو وصولها إلى البيت العتيق، حيث يحل الحاج وينتقل من الإحرام إلى الحل، ويكون ذلك عند طواف الإفاضة وطواف الزيارة بعد نزوله من عرفات، أي: بعد الحلق أو التقصير والنحر والذبح يوم النحر في منى ينزل فيطوف طواف الإفاضة، وهو الركن الواجب من الثلاثة الأطوفة، وعند ذلك ينتهي الانتفاع بها؛ إذ تكون قد بلغت محلها، ويكون الإنسان قد حل وأزال الإحرام وانتهى من المناسك، ولم يبق إلا مكثه في أيام منى وهو حال غير محرم. فقوله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الحج:33] أي: منافع الدنيا والآخرة إلى الأجل المسمى وهو وصولها إلى البيت العتيق والحرم، والحرم كله منحر، ومنىً كلها منحر، وقد نحر صلى الله عليه وسلم بدناً وقال: (الحرم كله منحر)، وقال: (منى كلها منحر)، فينحر ويذبح في منى، وفي الحرم من بدايته إلى منتهاه، وكذلك منى.
تفسير قوله تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله)
تفسير قوله تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله) قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج:34]. يقول تعالى: هذه المناسك التي تقومون بها: من سعي وطواف وقيام ومبيت في منى وإحرام وهدي وضحايا وقربات ونحوها ليست محصورة عليكم، وقد سبق أن كلفت الأمم قبلكم بذلك، فقد كان لها هدايا تتقرب بدمها إلى الله، ثم يستفيد منها القانع والمعتر والفقير والمحتاج. قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا} [الحج:34] أي: لكل أمة سابقة من الأمم ولكل جيل سابق من الأجيال، فقد كلفوا به من قبل أنبيائهم عن الله جل جلاله، فلكل هؤلاء منافع وضحايا وهدايا {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48] فالعقيدة واحدة، والدعوة إلى الله واحدة، دعا إليها الأنبياء منذ آدم أبينا إلى نبينا عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فهم جميعاً دعوا إلى عبادة الله الواحد. قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:34] أي: ليذكروا اسم الله خالصاً له وحده، ولا يشركوا به أحداً من خلقه كما يفعل المشركون وعباد الصليب والوثنيون، وإنما يذكرون الله وحده، ويتقربوا بالهدايا له وحده. والبهيمة تشمل الأنعام، أي: الإبل والبقر والضأن، كما تشمل الدواب المركوبة من خيل ومن بغال ومن حمير، وهنا يراد بهما الأنعام فقط التي يؤكل لحمها، وتذبح ضحايا وقربات وهدايا. قال تعالى: {لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:34] أي: ليقدموها ويقربوا دمها هدايا لله، وليأكلوا من لحمها ويستفيدوا من ظهورها وينتفعوا بأشعارها وأوبارها، وليستنسلوا من ذكورها ففي كل ذلك منافع وخير لهم قبل أن يذبحوها وبعدما يذبحوها. ولا يجوز ذبح الذبيحة ولا نحرها إلا مع ذكر اسم الله، والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا ذبح قال: (بسم الله، الله أكبر، عن محمد وأمته ممن لم يضح)، فإذا ضحى الثانية قال: (بسم الله، الله أكبر، عن محمد وآل محمد)، فهذه الضحايا تذبح وتنحر على اسم الله وحده، ويكبر عليها اسم الله وحده، لا كما كانوا يصنعون في الجاهلية من الذبح على غير اسم الله، أو كانوا يشركون مع اسم الله غيره. فهذه المناسك والعبادات شرائع ومناهج، وقد جعل الله لكل نبي وأمة شريعة ومنهاجاً، كما قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48]، والدعوة إلى الله واحدة، قال تعالى: {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا} [الحج:34]، فالشعوب والأمم جميعاً دعاهم رسلهم وأنبياؤهم إلى عبادة الله الواحد وإلى نبذ الشرك وترك عبادة غير الله، وما من رسول إلا وبعث بالتوحيد وبعبادة الله ونبذ الشرك والشركاء كما قال تعالى: {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا} [الحج:34] أي: لله الواحد استسلموا، وله يكون إسلامكم وعبادتكم وطاعتكم، لا شريك له لا في ذات ولا في صفة ولا في فعل، فمن فعل ذلك فقد فعل ما سولت له نفسه، وأوحى له به شيطانه، والأنبياء والرسل ما جاءوا جميعاً إلا بعبادة الله الواحد، بهذا جاء نبينا وقبله عيسى وقبلهما موسى وهكذا إلى النبي الأول آدم عليهم جميعاً سلام الله وصلواته، فلم يقل عيسى: اعبدوني ومريم مع الله، ولم يقل موسى لليهود: اعبدوا العجل واعبدوا العزير مع الله، ولم يقل للوثنيين: اعبدوا مع الله النار ولا الهوام ولا الملائكة ولا الناس، وما ذلك إلا افتراء على الله وكذب، وما أوحى به إلا الشياطين. قوله: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج:34] أي: بشر المطيعين لك والمطيعين لربهم والمتواضعين لله ورسوله وللمؤمنين والمخلصين في عبادتهم، الذين لا يشركون بالله شركاً ظاهراً ولا خفياً، ومنه التظاهر أمام الناس ليروا العبادة، فذلك الشرك الخفي، بل لابد أن تكون عبادتهم في الظاهر وفي الخفاء لله الواحد، فلا يراءون ولا يتقربون إلا لله الواحد الأحد. وبكل ذلك فسر المخبتون، فالمخبتون جمع مخبت، وقد فسر بالمتواضعين وبالمخلصين وبالمطيعين، وبالعاملين لله بما أمرهم وبترك ما نهاهم عنه، وقد عرفهم الله فلا حاجة إلى نزاع المفسرين في معناها.
تفسير قوله تعالى: (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم)
تفسير قوله تعالى: (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) قال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الحج:34 - 35]. اتصلت هذه الآية بالكلمة السابقة اتصال المعنى الواحد واتصال الآية الواحدة وإن كانتا آيتين، قال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج:34] فكأنه قيل: ومن المخبتون؟ فقال: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحج:35] أي: إذا ذكر الله وقدر وعظم وذكر: بتلاوة كتابه، وقراءة سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبهدي سنة من أرسله، وجلت القلوب وخافت من عذاب الله ونقمته، فإن عصت هذه الروح، وخرجت عن الطاعة، وقلدت الكفار والمنافقين خافت ألا تقبل طاعتها وألا ترحم يوم القيامة، وخافت أن تكون عبادتها قد دخلها شيء من الرياء وعدم الإخلاص، فتجدها تعبد الله وهي تخشى وتخاف ألا تقبل عبادتها وإخلاصها، وتخاف ألا يكون ذلك خالصاً لوجه الله، وألا تكون تلك العبادة تامة الشروط كما شرطها ودعا إليها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. والصبر ذكر عشرات المرات في كتاب الله، وخصصت به سورة، وهي قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1 - 3]. ولا بد من الصبر على لأواء الحياة، وعلى ما يعرض للإنسان من مرض أو فقر أو حاجة، وعلى ما يصيبه من بلايا الدنيا في جسده ونفسه، وعلى ما يعرض له من ابتلاء من الله؛ ليختبر صدقه من كذبه، وإيمانه وإخلاصه من عدمها. قال تعالى: {وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ} [الحج:35] أي: يصبرون ولا يترددون ولا يشتكون، فهم صابرون على ما أصابهم الله به، مستشعرون الأجر منه، وما ذكر أيوب في سورة الأنبياء -السورة السابقة- إلا ليكون المثال الكامل الوافي لكل من أصيب في هذه الدنيا، وقد كانت العاقبة له، والعاقبة للمتقين على أي حال: رسلاً وأنبياء وأتباع الرسل والأنبياء، والمخبتون من تمام صفتهم أنهم الذين يخشون الله، ويصبرون على ما أصابهم، ويسألون الله أن يوفقهم. قال تعالى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} [النساء:162]، وإقامة الصلاة هي الإتيان بها بأركانها وبشرائطها وبفرائضها وبسننها خالصة لله، لا ينظر لأحد معه فيها، ومن هنا يقول عليه الصلاة والسلام: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، فالسجود عبادة لا تكون إلا لله، والركوع عبادة لا تكون إلا لله، فهم راكعون وساجدون، مكبرون وذاكرون، ويكون ذلك لله فقط. وإقامة الصلاة تشمل الصلاة في أوقاتها، والطمأنينة فيها، والقيام بأركانها: من تكبير وقيام وتلاوة وتسبيح وتعظيم وتكبير في جميع الحركات وتسليم عند النهاية، وإقامتها في أوقاتها، واستقبال الكعبة، والتطهر لها من تطهير المكان والأعضاء والملابس، فيتطهر حساً ومعنى، يتطهر حساً من الأوساخ والنجاسات إن كانت على بدنه أو في مكان صلاته، ويتطهر معنىً بالوضوء أو بالغسل إن كان هناك داع للغسل. والمخبتون: من خشوا الله في العبادة ولم يخشوا سواه، ومن خشوا ألا تقبل وأن يضرب بها وجوههم، ومن صبروا على اللأواء وأتعاب الحياة في البدن والنفس، وفي الرزق والحياة، ومن أقاموا الصلوات الخمس في أوقاتها بشرائطها وبأركانها وبواجباتها وبسننها، ومن تصدقوا لله مما رزقهم الله. قال تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الحج:35]، والنفقة تكون واجبة على العيال، وصدقة على المحتاجين والفقراء، وزكاة واجبة على من أمر الله تعالى من الأصناف الثمانية، وصلة للأرحام، واستجابة للسائل. وقد وصف الله المؤمنين فقال: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} [المعارج:24]، فالمحروم يعطيه من حق الله زكاة وصدقة، والسائل له حق ولو جاء على فرس، والأرحام لهم حق الصلة وحق الاتصال بالمال والزيارة والكلمة الطيبة، والأصناف الثمانية لهم زكاة واجبة، والآية شملت كل ذلك. {وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الحج:35] فهم ينفقون من مال الله لا من مال أتوا به ولا من مال خلقوه، وليس لهم ذلك، هذا تفسير المخبتين، {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الحج:34 - 35]، فلا يكون مخبتاً إلا بهذه الصفات الأربع: صفة الخشية عند ذكر الله. وصفة الصبر على بلاء الله. وصفة إقامة الصلاة والمحافظة عليها دائماً. وصفة الإنفاق من مال الله الذي أعطاه الله إياه، نفقة على العيال، وصلة للأرحام، وصدقة على الفقراء والسائلين، وزكاة واجبة لمن ذكر الله من أصحاب الأصناف الثمانية.
الحج [36 - 38]
تفسير سورة الحج [36 - 38] لقد جعل الله تعالى البدن من الإبل والبقر من شعائره التي تقدم قربات في المناسك، وجعل فيها الخير الكثير في الدنيا والآخرة، فخيرها في الدنيا: أنها ينتفع بها، وتتخذ للبيع والشراء والتجارة وغير ذلك. وخيرها في الآخرة: أنها وسيلة للقرب من الله تعالى، وفي ذلك الأجر الوفير عند الله تعالى.
تفسير قوله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله)
تفسير قوله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) قال تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج:36]. البدن جمع بدنة، والبدنة: الإبل والبقر، وفي هدايا الحج أكثرها ثواباً: أكثرها لحماً وغنى للفقير والمحتاج والعائلة، قال تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [الحج:36] أي: من مناسك الحج ومن أوامر الله وطاعته في أوقات الحج، وعند الصدقات والنفقات والضحية في عيد الأضحى. {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [الحج:36] أي: جعلها الله قربات في المناسك وهدايا في الذبائح، وقد جعل صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة وفي رواية: عن عشرة، بدنة إبل أو بدنة بقر، فالإبل البدنة الواحدة عن سبعة، بمعنى: أن يجتمع على شرائها ونحرها سبعة من الحجاج وتصح عنهم، كما جاء في الحديث وهو صحيح، وهدايا الحج أكثرها ثواباً: أكثرها لحماً، وأعلاها ثمناً، وفي ضحايا عيد الأضحى أكثرها أجراً: أطيبها لحماً أي: الضأن، والضأن يضحى بها الرأس عن واحد. قال تعالى: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} [الحج:36] أي: لكم في جعل البدن ضحايا وهدايا وقربات إلى الله في أوقات الحج خير، وخيرها أنكم أولاً تتقربون بها إلى الله، فيعطيكم من الأجر والثواب، ويحفظ لكم ذلك في صحائفكم، وتجدونه عند الله يوم القيامة مكتوباً في الصحائف، ولكم فيها خير في دنياكم في تداولها وبيعها وشرائها والانتفاع بها قبل أن تصل إلى البيت العتيق، وسمي العتيق لعتاقته؛ لأنه أول بيت بني في الأرض، وقد بني أيام آدم، وأما إبراهيم فإن الله ألهمه بأن يتبوأ مكانه، ويبحث عن متبوأ الكعبة، ووجده بعد أن حفر عن الأساس. وقد سئل صلى الله عليه وسلم: (أي بيت بني أولاً؟ قال: بيت الله الحرام، قيل: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى)، فك الله حصاره وأعاده للمسلمين. {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} [الحج:36] ففيها من خير الدنيا، فتستفيدون من حليبها، ومن شعورها وأوبارها، ومن إنتاجها وتكاثرها بيعاً وشراءً وفائدة، وتركبون ظهورها، ولكم فيها خير في الآخرة: بأن الله أمركم بنحرها وبذبحها، ولكم في ذلك الأجر والثواب، يحفظ لكم في الآخرة، فتنالون به الرحمة والأجر والثواب؛ نتيجة الطاعة والتقرب إلى الله بامتثال أمره. قال تعالى: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج:36] أي: عند نحرها أو ذبحها اذكروا اسم الله عليها صواف، وهي جمع صافة. والإبل تنحر بأن تعقل يدها اليسرى وتقام واقفة على رجلين ويد واحدة، واليد اليسرى مربوطة، ويقف ناحرها من جهة اليمين وينحرها من جهة اليسار. قال تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج:36] أي: اذكروا اسم الله وألزموا الصفة بأن يكون على قوائمها الثلاث لتنحر، وقولوا عند النحر: بسم الله، اللهم منك وإليك، الله أكبر، عني وعن أهلي، الله أكبر عن فلان، كما كان يقول عليه الصلاة والسلام، فقد كان ينحر تارة عن نفسه وعن أهله، فيقول في النحرة الأولى: (بسم الله، اللهم منك وإليك، الله أكبر، عن محمد وأمة محمد ممن لم يضح أو لم ينحر). قال تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج:36] أي: على البدن وهي مقيدة، وهي بمعنى صواف، وقرأ صوافي، أي: صافية خالصة لله، لا يراد بها التعاظم على الناس، ولا المراءاة، وإنما قربة إلى الله. قال تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج:36]، ومما يدل على أن معناها معقولة الرجلين واليد الواحدة قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا}، أي: سقطت، فهي إن نحرت وهي واقفة تكون النتيجة أنها تسقط، وعندما تسقط وتهدأ تموت، ولا يجوز الأكل منها إلا بعد موتها. ويقول عليه الصلاة والسلام: (إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة)، فمن تمام الإحسان ألا تقطع أوصالاً ما لم تمت البتة، وإذا كانت لا تزال تتحرك فلا، وما قطع منها وهي حية فهو ميتة. وكانوا في الجاهلية يأتون إلى الإبل ويقطعون من سنامها شحماً، ومن بعض أعضائها لحماً، ثم يعالجونها لتشفى، ويأكلون ذلك المقطوع؛ لأنهم يرون نحر البدنة كلها أكثر من طاقتهم، ويريدون أن يقروا الضيف، فيأخذون من البدنة وهي حية جزءاً من سنامها أو جزءاً من لحمها، فذاك يعتبر ميتة، والميتة لا تجوز بحال، وأكلها أكل للنجاسة، وأكل للميتة التي لم يحل الله أكلها. قال تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج:36] أي: إذا سقطت عن جنوبها، ولا تسقط إلا وقد تم موتها، فتتحرك قليلاً ثم تموت، وتربط يدها اليسرى؛ لأنها لو نحرت وهي مطلقة الأيدي والأرجل لتحركت إلى أن تموت وقد تؤذي وتبطش بالحاضرين. قال تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج:36] القانع هو من يقنع، وهو المحتاج الفقير الذي لا يسأل، قال تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة:273]، ولكنه يعرف من هيئته ومن لباسه أنه في حاجة، فالقانع من يقنع بأي شيء ولا يسأل، فإذا أعطيته القليل شكر، وإذا أعطيته الكثير شكر ولا يسأل. والمعتر: هو الذي يعتريه ويتعرض لصدقته وقد يسأل. فقال تعالى: (فكلوا منها) أي: كلوا منها أنتم، وأطعموا منها القانع، أي: ابحثوا عن الفقراء الذين لا يسألونكم ولا يأتونكم، والذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف وليسوا كذلك، وإنما العفة تركت الناس يظنون أنهم أغنياء وليسوا في حاجة، والمعتر من يعتريه، وقد فسر بعض اللغويين المعنى معكوساً، فقال: القانع هو: الذي يسأل، والمعتر هو: الذي يقنع، والمادة لا تظهر هكذا، فالقانع: المقتنع، من القناعة، والمعتر: الذي يعتريه، والذي يأتيك وأنت تذبح فيسألك أو يتعرض لك، فقسمها ثلاثاً؛ حتى تأكل منها أنت ويأكل منها من ليس بسائل من المحتاجين، ويأكل منها الفقير المدقع.
حكم تقسيم الهدي والأضحية
حكم تقسيم الهدي والأضحية ومن هنا اختلف الفقهاء في حكم تقسيمها، فقال الظاهرية والمالكية والحنفية: يجب أن يؤكل منها؛ لأن الله قال: {فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج:36]، وقال قبل ذلك: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28]، وأكد هنا هذا فقال: {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج:36]، أي: لوها أنتم وأطعموا القانع الذي لا يأتيكم، وقد يكون قريباً أو جاراً فقيراً وليس الفقر ظاهراً عليه، ولكنك تعلم من حاله وتسمع منه أنه محتاج ولكنه لا يسأل، فهذا أحوج لصدقتك وهديتك من الذي يتعرض لك، والمعتر: الفقير الذي يعتريك ويتعرض لصدقتك، فقالوا: تقسم أثلاثاً: ثلثاً لك ولأهلك، وثلثاً لجيرانك ولأقاربك، وثلثاً للصدقة، وقال البعض: لا تحديد في ذلك، كل منها أي شيء، وأعط الأقارب صلة، واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما نحر البدن في حجة الوداع أمر علياً أن يقطع من كل بدنة قطة لحم فأكل من هذه القطع، وشرب من مرقها، وتصدق وأعطى الباقي، وماذا عسى أن يكون أكل من هذا اللحم قطعة أو قطعتين أو ثلاثاً؟ وأين هذه الثلاث من مائة بدنة! وماذا عسى أن يكون شرب من المرق: كأساً أو كأسين؟! ولكن النبي عليه الصلاة والسلام أكل من هديه ومن ضحيته. ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج:36] أي: كما جعلناها لكم مآكل في لحومها، ومشارب في ألبانها، وملابس في صوفها وأوبارها، ومراكب في ظهورها كذلك ذللناها وسخرناها لكم وجعلناها ذليلة، فتجد القطار ذي 100 والـ 200 من البدن يقودها رجل واحد، ولو أن جملاً واحداً هجم على مجموعة من الرجال لقهرهم وأذلهم، وقد يجن أحياناً فلا يقدر عليه إلا بأن يضرب بالرصاص، أو ينحر في لبته، ولكن الله ذللها وسخرها لنا ملكاً ومراكب، وسخرها لنا لننتزع منها ما نلبسه. وهكذا جعلت مذللة ليستفيد منها الإنسان، ويقول الله: إنه كما سخرها للذبائح والأكل فقد سخرها لنا كذلك للاستعمال، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج:36] أي: لعلكم تشكرون نعم الله الظاهرة والباطنة {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [إبراهيم:34].
حكم أضحية العيد
حكم أضحية العيد وقد اختلف في الضحية يوم العيد هل هي واجبة أو سنة؟ فقال الشافعية والحنابلة: هي سنة، وقال المالكية والحنفية: هي واجبة على من ملك نصاباً، وقالوا: وما كانت أطيب لحماً كانت أكثر أجراً وثواباً في الضحية يوم العيد، وما كان ضحايا وهديا في الحج فما كان أكثرها لحماً وأغلاها ثمناً فهي أكثر أجراً؛ لأنه ينتفع منها أكبر مجموعة ممكنة من المقيمين والبادين الآتين للحج، والنبي عليه الصلاة والسلام ضحى بكبشين أو كان يضحي في العيد بكبشين، وكان يقول في الأول: (بسم الله، اللهم منك وإليك، عن محمد وأمة محمد ممن لم يضح)، ثم يذبح الثاني ويقول: (بسم الله، اللهم منك وإليك، عن محمد وآل محمد). وقال الشافعية والحنابلة: قد ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمته التي لم تضح، فلم تبق الضحية واجبة، وأصبحت سنة على من يريدها. والظاهرية قالوا: المطلوب دم، ولذلك فهم يجيزون حتى ذبح الديك، ويعدون من ضحى بالديك فقد ضحى، ومن جعل الديك للعقيقة فقد عق، والكثير من أهل الشام يضحون بالديك، ويجعلون للعقيقة كذلك الديك، والمذكور في الشريعة بالنص ليس إراقة الدم فقط، بل مذكور الأنعام، والأنعام: الإبل والبقر والغنم، وليس من جملتها الديك والطير. ومن حجة الشافعية: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الضحية فقال: (من استطاع أن يضحي فليضح). والمالكية والحنفية حددوه بمن يملك النصاب، والنصاب عشر دنانير، فكيف بما نملكه لباساً وأثاثاً! وقد يكون الإنسان لا يملك إلا لباسه وأثاثه، فلا يطالب ببيعهما إن لم يملك النصاب.
تفسير قوله تعالى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها)
تفسير قوله تعالى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها) قال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج:37]. كانوا في الجاهلية يضحون ويقدمون الهدي، ويأتون بالدم فيلطخون به الكعبة ويوسخونها، ويقتطعون من البدن ومن الضحايا لحوماً ويعلقونها على الكعبة؛ يزعمون بذلك القربى إلى الله باللحوم والدماء، فقال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا} [الحج:37] أي: لا يصل ذلك إلى الله، والله لا يريد لحماً ولا دماً، وهو غني عن ذلك، ولا يليق ذلك بألوهيته، ولكن يناله التقوى منكم، ومعنى التقوى: الامتثال، والامتثال هنا هو الأمر بهذه الهدايا منه لنأكل نحن منها، فيأكل منها القانع والمعتر والبائس الفقير. والذي ينال الله منها جل جلاله هو تقوانا، والتقوى: الطاعة، وفعل ما أمر الله به، فيفعل طاقته واستطاعته وترك منهياته البتة، والضابط في ذلك ما قاله صلى الله عليه وسلم: (ما أمرتكم به فاتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا). فالتقوى: امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وأما اللحوم فهي لكم، فكلوا منها، وليأكل الفقراء والأقارب والمحتاج والذي تظنه غنياً باستعفافه، والبائس الفقير، ومن يسال. قال تعالى: {كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج:37] أي: سخرها لكم ذبائح ومناحر؛ لتأكلوا منها، ويأكل منها البائس الفقير والمعتر والقانع، وسخرها لكم مراكب وملابس ومشارب وإنتاجاً، ومما ينتفع به من هذه الأنعام من كونها ضحايا وهدايا. {لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [الحج:37] فنقول: الحمد لله على هدايته، والحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، ولا نعمة أكثر من الإسلام، وكفى بها نعمة! وكما علمنا الله أن نقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف:43]، فرسل الله قد جاءت بالحق، ودعت إليه، وأمرت به، وأرسلت به. قال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج:37] الإحسان: الطاعة والإتيان بها كما أمر الله بفرائضها وأركانها وواجباتها وسننها، وترك المنهيات فيها، والمحسن: المطيع، مع الإخلاص واليقين، وعدم الإساءة في عمله لا بمنّ ولا بمراءاة.
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا)
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج:38]. يقول جل جلاله عن المؤمنين وقد أمروا بالجهاد: قوموا بما فرض الله عليكم، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة، وقد تكفل الله بالدفاع عن المؤمنين وبأن ينصرهم ويسخر لهم من يدافع عنهم، وقد يدافع عنهم الملائكة كما في غزوات النبي عليه الصلاة والسلام وخاصة غزوة بدر، فقد حضر الملائكة مؤيدين رسول الله صلى الله عليه وسلم ورافديه وناصريه بأمر الله، وقال المشركون الذين أسروا: رأينا خيلاً بيضاً بين السماء والأرض. وقال أحد المسلمين: رفعت السيف لأضرب عنق فلان وإذا بي أرى رقبته وقد دحرجت بين رجليه، ما أنا الذي قطعتها، وهكذا أدرك الصحابة مهاجرين وأنصاراً أنه كان هناك من يناصرهم ويدافع عنهم ويقاتل دونهم. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38]، وقرأ يدفع، والمعنى واحد، ودفع الله عن المؤمنين لها أشكال كما يريد الله، فقد يكون ذلك ريحاً عاصفاً تنفر الكفار وتدعوهم إلى الخوف والهرب، كما حصل في غزوة الأحزاب عندما جاءت ريح عاصف زعزعت ركن الأعداء المحاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، وهو خلف الخندق وهم بعيدين عنه، وقد يكون الدفع وباءً منتشراً في صفوف الأعداء، وقد يكون ملائكة، والله يدافع عن المؤمنين بما شاء وكيف شاء جل جلاله، والأمر كما قال الله: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج:38]، وإذا كان الله لا يحب شيئاً فهو حرام، فهو لا يحب كل خوان، أي: كثير الخيانة، والخيانة جريمة وكبيرة من الكبائر، وخوان صيغة مبالغة لفعال، أي: كثير الخيانة، فهو خائن في طاعة ربه، إما لأنه مشرك كافر لم يعط الحق لأهله، ولم يذكر الله خالقه ويعبده وهو المعطي والرازق، ولم يؤد الحقوق لأهلها، فلطالما خان ربه وخان عباده وخان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا اؤتمن على أمانة خانها، أو على حديث نشره وأذاعه وتلاعب بما فيه، أو على عرض هتكه، أو على مال أكله، فهو خوان مع ربه ومع الناس، والله يبغض هذا ولا يحبه. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج:38] الكفور: الجاحد كثير الجحود، فهو جاحد لنعم الله، ولوحدانيته وللنعم التي أنعم بها عليه من الرب جل جلاله، وجاحد لإفضال الناس، فإذا أحسنوا إليه جحد إحسانهم، وإذا أعطوه جحد عطاءهم، وإذا أكرموه جحد إكرامهم، وهكذا تجده كافراً جحوداً مع الله ومع الناس، وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (من لم يشكر الناس لا يشكر الله)، ونحن قد أمرنا أن نشكر الله أصالة، والحمد والشكر هو لله، وأن نشكر من أتانا خير الله وإكرامه على يده، وقد قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يشكر الناس لا يشكر الله)، فمن لم يشكر الوسائل والوسائط لا يشكر من أتاه ذلك على يده. وأما أن تقول له: هذا كان بلا فضل منك، والله هو الذي سخرك، فهذا حق، ولكن لا بد أن تشكر الواسطة (من لم يشكر الناس لا يشكر الله).
الحج [39 - 41]
تفسير سورة الحج [39 - 41] لقد كان المسلمون في أول الأمر مستضعفين ومعذبين من قبل المشركين، وكانوا يصبرون على ذلك، فلما هاجروا إلى المدينة وصار لهم كيانهم المستقل أذن الله لهم بأن يدافعوا عن أنفسهم بالقوة، ووعدهم بالنصر. ثم ذكر الله تعالى صفات أولئك المنصورين من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كانوا كذلك مكّن لهم في الأرض.
تفسير قوله تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا)
تفسير قوله تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) قال الله عزت قدرته: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج:39]. سبق هذه الآية قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38]، هذه الآية التي مضى ذكرها وبيانها فيها دفاع الله عن المؤمنين، فقد أذن الله لهم أن يقاتلوا وينتقموا لدينهم ولأنفسهم ولنبيهم، وأن يقاتلوا الذين ظلموهم وأخرجوهم بغير حق من ديارهم، وصدوهم عن سبيل الله وعن الإسلام، هذا من جملة دفاع الله عن المؤمنين، فأذن لهم، أي: أقرهم وأعلمهم بأن لهم الحق في الجهاد والكفاح والدفاع، فقد كانوا يعذبون في مكة المكرمة من قبل كفارها بأنواع من العذاب والصد والقتال، لماذا يسلمون؟ ولماذا يدعون إلى ترك عبادة الأصنام وكسر الأوثان، وعبادة الله وحده؟ فكانوا يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقاتلوا ويقاوموا ويحاربوا، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يأذن لهم، وحكمة ذلك أن المسلمين كانوا قلة والمشركين بالآلاف، إذاً: تكون النتيجة قتل هؤلاء المستضعفين واستئصالهم. ومن الحكمة أن يكون الإسلام قد انتشر بين القوم بالدليل والبرهان والحجة، فيكون قد تم ذلك دون حرب ولا قتال، لكي لا يقول عدو للإسلام يوماً: انتشر الإسلام بالسيف، ومع ذلك قالوا هذا، فالإسلام عاش في مكة في أيامه الأولى اثني عشر عاماً بالدليل العقلي والبرهان العملي على أن الإسلام حق جاء من عند الله، وأن محمداً كان رسولاً نبياً، وأنه أرسل للناس كافة صلوات الله وسلامه عليه، ولكن عندما بالغ كفار مكة في الحرب والمقاومة والصد عن سبيل الله، وأصبح للمسلمين موطئ قدم في المدينة، إذ أصبحت المدينة دار إسلام، أذن الله للمسلمين، وقد أصبحوا جماعة لا بأس بها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة)، فقد بلغوا هذا العدد؛ لذلك فإن الحرب والقتال واجب، فهذه الآية أول آية نزلت في القتال والدفاع وفي حرب أعداء الله ورسوله، أذن لهم لأول مرة، وكانت تلك رغبتهم وأمنيتهم، فقد كانوا يلحون على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ليأذن لهم في قتال هؤلاء الكفرة الظالمين. وبعد هذا أصبح القتال فرضاً واجباً كفائياً على المسلمين في جميع مشارق الأرض ومغاربها، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولكنهم منذ سنوات أوقفوا هذه الشعيرة، وأوقفوا هذه العز، فأصبح جهادهم إما لدفاع عن وطن، أو دفاع عن قوم، أو دفاع عن مثل ومعان ما أنزل الله بها من سلطان. وأما الجهاد لرفعة الإسلام، ولإعلاء كلمة المسلمين، وللدفاع عن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان فقد ترك هذا، وما تركه مسلمون إلا وذلوا، وقد تم هذا وحدث، ولن يرفع الذل ما لم يعد المسلمون للجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته، وللدفاع عن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، والمسلمون اليوم يقاتلون في كل رقعة من رقاع الأرض ويخذلون، ولا يجدون مدافعاً عنهم لا بمال ولا بأرواح ولا بكلمة صارخة تعلن بين الأعداء والخصوم في مجالسهم الدولية العامة، وقديماً قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (ما حورب قوم في عقر دارهم إلا وذلوا). فقال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج:39] أي: أذن الله جل جلاله وأقر ووافق وأعلم نبيه ليعلم المسلمين أنهم قد ظلموا بإخراجهم من ديارهم وبقتالهم ظلماً وعدواناً، قوتلوا لا لذنب قدموه، ولا لجريمة سلفت منهم، وإنما قوتلوا وأخرجوا من ديارهم؛ لأنهم قالوا: ربنا الله. إذاً: فالقتال شرع يوم أن نزلت فيه أول آية في هذه السورة الكريمة سورة الحج، وكانت دفاعاً لإزالة الظلم ودفاعاً عن الأوطان والعقائد، وقد أجبر هؤلاء المؤمنون على الخروج كما أجبر النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه بعد تقتيل وحرب وتعذيب واضطهاد، وبعد مؤامرة متواصلة متصلة لتصفية الإسلام والتخلص من نبينا صلوات الله وسلامه عليه. عند ذلك أذن الله له بالهجرة وللمؤمنين معه، وكانوا قبل ذلك بين مخف إسلامه في دار الأرقم، وبين مهاجر إلى أرض الحبشة، وبين معذب إلى أن قتلت سمية أم عمار وزوج ياسر؛ لأنها قالت: ربي الله، وقالت: إن محمداً رسول الله، قتلها الظالم اللعين أبو جهل، وقد لعنه الله وقتله شر قتلة في غزوة بدر، مع أمثاله من الظالمين الكافرين أعداء الله والإسلام. فالله أذن للمسلمين في أول آية بالقتال بأنهم ظلموا واضطهدوا، وحوربوا ظلماً وعدواناً، وما أوذوا وحوربوا إلا لأن الله هداهم للإسلام وأمرهم به، وأرسل لهم نبياً من أنفسهم، يعرفون أبوته وأمومته، ويعرفون أرضه وعشيرته صلى الله عليه وسلم، آمنوا به امتثالاً لأمر الله، وعملوا بدينه امتثالاً لطاعة الله، وامتثالاً لرسوله الذين صدقوه بما أتى به من معجزات باهرات، وأدلة واضحات. قال تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج:39] أقسم الله جل جلاله وأكد القسم باللام الموطئة للقسم، وبـ (إن) المؤكدة، بأنه سينصرهم، وأنه قادر على نصرهم، وأن الكفار الظالمين أذل من أن يغلبوا جند الله المؤمن، أو أن يقهروا رسل الله وأنبياءه، وقد فعل الله فنصر محمداً صلى الله عليه وسلم، ونصر دينه ونصر المسلمين، وشكراً لله تعالى على نعمائه وآلائه. قال تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ} [الحج:40] وهذا هو السبب الثاني للإذن بالقتال، فهم ظلموا في حربهم وفي العدوان عليهم، ثم ظلموا بإخراجهم من ديارهم، مساقط رءوسهم وبلدة آبائهم وأجدادهم، وبلدة نبيهم التي فيها ولد، وعليه فيها نزل الوحي صلى الله عليه وسلم، أخرجوهم من أرضهم من بين عشيرتهم وأولادهم وأرزاقهم، تركوا مكة مضطرين مقهورين على ذلك، إلى يثرب، فطابت يثرب بالهجرة النبوية فأصبحت طابة وطيبة، وأصبحت المدينة المنورة بالإسلام وبالدفاع عنه، وبكونها مأوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودار هجرته، وبكونها أصبحت دار الإسلام، وقاعدة لحرب أعداء الله في داخل جزيرة العرب وخارجها. قوله تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا} [الحج:40]، بدل من الذين في قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج:39]، و {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} [الحج:40] هم محمد سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه، والمهاجرون ممن آمنوا به في مكة وهاجروا معه، ومن هاجر قبلهم إلى أرض الحبشة، فقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج:40] أي: لأن ذنبهم وجريرتهم كونهم خرجوا عن دين هؤلاء المشركين من الشرك بالله، وعبادة الأوثان والأصنام وظلم المسكين، وأكل مال الفقير، فجريمة هؤلاء هي من النوع التي يقال فيها: عذر أقبح من ذنب. رمتني بدائها ثم انسلت فهؤلاء اعتبروا دين الله وتوحيد الله، وعبادة الله جريمة استحق عندهم من قام بها أن يضطهد، وأن يجرم، وأن يخرج من داره، وأن يقاتل بأنواع القتال. وقوله: {إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج:40] استنثاء منقطع، أي: كانت جريمتهم أنهم قالوا ربنا الله، لا عيسى ولا مريم ولا عزير ولا العجل، ولا مناة ولا هبل من الأصنام التي لا تنفع نفسها ولا تضر فضلاً عن أن تنفع عابديها دون الله، فكان القتال قد أذن به لثلاث معان: أذن به لرفع الظلم، وأذن به للخروج من الأوطان، وأذن به للدفاع عن لا إله إلا الله وعن الإسلام والمسلمين، وعندما اجتمعت هذه المثل الثلاثة العليا أذن الله بالقتال والدفاع والجهاد، فقاتلوا وجاهدوا، وكانت الحرب يوماً لهم ويوماً عليهم، وكانت العاقبة للمتقين المؤمنين، ونصر الله عبده، وأنجز وعده، وهزم الأحزاب وحده، كما كان النشيد النبوي عند فتح مكة، والنبي صلى الله عليه وسلم على رءوس المجاهدين المسلمين ينشد هذا النشيد مطأطئ الرأس؛ شكراً لله، وعبادة وخضوعاً له. قال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج:40]. وهكذا أذن الله بالقتال للأمم السابقة؛ دفاعاً عن المعبد، ودفاعاً عن الدين، ودفاعاً عن العقيدة، أذن لهم بالقتال فجاهدوا بهذه المعاني؛ رفعاً للظلم، ودفاعاً عن الأوطان والعقائد، وكان هذا في معابد الأديان السابقة، وكان كذلك عند الصابئين، وهو ما عبر الله عن معابدهم في ذلك. والصوامع: هنا جمع صومعة، وهي معبد الصابئين في أيامهم. قوله: {وَبِيَعٌ} [الحج:40] هي معابد اليهود في أيامهم. وقوله: {وَصَلَوَاتٌ} [الحج:40] أي: الكنائس، وهي معابد النصارى في أيامهم. والمساجد معابد المسلمين. فمضمون هذه الآية كما فهم جمهور المفسرين أن الله قد أذن في سابق الأزمان والأيام للرسل وأتباعهم أن يجاهدوا ويقاتلوا الكفار والمشركين؛ دفاعاً عن العبادة والمعبد، والله ما خلق العباد إلا لعبادته، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، فلولا أن الله دافع عن المؤمنين بجهادهم للكافرين حتى قتلوا وذلوا ولقوا مصارعهم، وانتصر الإسلام، وحفظت دور العبادة من صلوات وبيع وصوامع ومساجد، لهدمت هذه المعابد كلها، ولانتصر الشرك، ولم يبق في أرض الله شبر لعبادة مؤمن موحد يقول: ربي الله، وله أسجد وأركع، وله محياي ومماتي إلى يوم الدين. فالجهاد شرعه الله لنصر الإسلام والمسلمين، كما جاهد السابقون دفاعاً عن معابدهم، وكما جاهد الصابئون دفاعاً عن صلواتهم ومعابدهم، وكما قاتل اليهود في أيامهم دفاعاً عن بيعهم، وكما قاتل النصارى في أيامهم دفاعاً عن كنائسهم وصلواتهم، وكما دافع ويدافع ويجب أن يستمر ذلك ويستبسل المسلمون في الدفاع عن مساجدهم؛ لتبقى كلمة الله
تفسير قوله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة)
تفسير قوله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة) قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج:41]. هؤلاء هم الذين ينصرون الله، لا كل مدع للإسلام وهو على فراشه يتمرغ في رفاهيته مع نسائه ومطاعمه، ويقول: هذا الذي علي، وليطف الطوفان على كل المسلمين مادمت أنا مسلماً، فهو قد أدى الواجب عليه، هكذا يزعم. وعرض الله بهؤلاء الذين ينصرونه أنهم هم الذين إن مكنهم في الأرض أقاموا الصلاة، فقوله: (مكناهم في الأرض) أي: نصرناهم، وجعلنا لهم دولاً مستقلة يحكمونها بالأمر والنهي، والقتل والإحياء بإذن الله، فهؤلاء المسلمون الذين إذا مكنهم الله في الأرض حكاماً أو علماء أو أمماً وشعوباً إسلاميه يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. فهم إذا تمكنوا حكموا بإقامة الصلاة وإعلانها، وتشييد مساجدها، ونشر دينه وتعليمه: من رياض الأطفال، إلى الجامعات، إلى التخصص، فهؤلاء الذين إذا مكنوا في الأرض دولاً وملوكاً وحكاماً ورؤساء يؤتون الزكاة ويأمرون رعاياهم بأدائها، هؤلاء الممكنون في الأرض يأمرون بالمعروف كما عرفه الله في كتابه ورسوله في سنته، وينكرون المنكر كما أنكره الله في كتابه وأنكره رسوله في سنته، هؤلاء الذين إن فعلو ذلك كانوا قد نصروا الله حقاً بأن نصروا دينه ونصروا نبيه ونصروا كتابه. فهؤلاء الذين أقسم الله لهم وعليهم بأنهم إن فعلو ذلك لينصرنهم على أعداء الأرض كلها مشارقها ومغاربها، يهوداً ونصارى، ملاحدة وكفاراً ومنافقين، في داخل المجتمع الإسلامي وخارجه، العدو المكشوف الذي نعلمه جميعاً، والعدو الخفي المنافق الذي لا يكاد يعرف إلا بفلتات لسانه وفلتات قلمه، ونظراته الشزراء في عينيه للمؤمنين وشعائرهم ومناسكهم. وهنا نتساءل ويسأل الكثيرون: لماذا لم ينصر الله المسلمين؟ ولماذا سلط عليهم اليهود وهم أحقر الأمم والشعوب وأذلهم؟ فقد سجل الله عليهم أبد الآباد اللعنة والخزي إلى يوم القيامة، وجعلهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [الأعراف:167]، وكلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [الحشر:14]. فهل نحن حقاً مسلمون؟ وهل دولنا ومجتمعاتنا حكموا القرآن، وحكموا السنة، وجعلوا أحكامها مطبقة في مكاسبهم وأحكامهم وإداراتهم؟ أصحيح أنهم دعوا إلى الصلاة في أنفسهم، وأمروا الناس بها؟ أصحيح أنهم نشروا الإسلام تعليماً من رياض الأطفال إلى التخرج من الجامعات وإلى ما هو أعلى من الجامعات؛ إلى التخصص العلمي في كل فن من الفنون؟ هذا العالم الإسلامي بين أنظارنا وأسماعنا قد تركوا كتاب الله لتحكيم قوانين الكفر يهوداً ونصارى، وأخرجوا المرأة عارية في الشوارع لا حياء ولا خجل ولا دين ولا مروءة؟ ألم يحكموا حضارة الكفر من فسق ودعارة وسعي وراء الشيطان في كل ما يعمل؟ ألم يتبعوا اليهود والنصارى في كل ما يعجبهم ويسرهم ويقر أعينهم؟ وكلنا نعلم أنهم لم ينصروا الإسلام، ولم يقاتلوا من أجل ذلك، إلا من رحم ربك وقليل ما هم. لتبقى حكمة الله البالغة: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم وهم على ذلك إلى قيام الساعة). إذاً: كيف نطلب نحن المسلمين نصرة الله، ونقول قد قال الله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47]؟ هل نحن مؤمنون حقاً؟ هل نشرنا دين الله حقاً؟ هل دافعنا عن دين الله حقاً؟ إذاً: فالله قال ذلك واشترط، والشرط الذي اشترطه أنه إذا مكن لنا في الأرض وحكمنا أمماً وشعوباً أن نحكم بدينه. قوله: {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج:41]. لله عاقبتا، وإليه معادنا، وستكون حياة بعد هذه الحياة الدنيوية الفانية سنعرض على ربنا للحساب، فمن قام وفعل ما أمر الله به فإلى رحمة الله وجنته، ومن قصر وزعم الإسلام ولم ينصر دينه، ولم يقاتل عن المسلمين ولم يأمر بمعروف ولم ينه عن منكر، ولم يقم صلاته، ولم يؤد زكاته، هؤلاء سيكون حسابهم على الله عسيراً، فإن سلموا بالشهادة وماتوا عليها يرج لهم العفو والخروج من النار، وإن ماتوا على الكفر والشرك فخلود في عذاب الله، قال جل جلاله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة:45]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة:47]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44]. لقد حكم الله على من أضاع حكمه وأحكامه في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه ظالم وفاسق وكافر في حكمه، ومع ذلك يزعم ديناً وإسلاماً، وإن رفع سيفاً زعم أنه رفعه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلله عاقبتنا ومعادنا وحسابنا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، إما إلى جنة وإما إلى نار.
الحج [42 - 47]
تفسير سورة الحج [42 - 47] يسلي الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه إن كذِّب من قبل المشركين فقد كذَّب الأنبياء من قبله، وسخر منهم أقوامهم، ورموهم بأبشع الألقاب وأردأ العبارات، فصبروا فكانت لهم العاقبة. فصابر مثلهم يا محمد فإن العاقبة لك وللمؤمنين.
تفسير قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح)
تفسير قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح) قال تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الحج:42 - 44]. يسلي الله جل جلاله ويعزي نبينا عليه الصلاة والسلام، ويدعوه إلى الصبر، فإن العاقبة للصابرين، وإن النصر في العاقبة للمؤمنين ولرسل الله، يقول له: ((وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ)) أي: إن كذبك قومك، وأنكروا رسالتك، وأنكروا كون القرآن منزلاً عليك من ربك، وأنه كلام الله، فلست مفرداً بذلك، ولم تكن بدعاً من بين الرسل، فقوله: ((فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ)) أي: كُذِّب قبل قومك، وقبل أن يرسل إليك أقوام من الأمم السابقة؛ ابتداء من قوم نوح. قال تعالى: ((قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ)) فكذب قوم نوح، وكذب عاد نبيهم هوداً، وكذب ثمود نبيهم صالحاً، وكذب قوم إبراهيم إبراهيم، وكذب قوم لوط لوطاً، وكذب أصحاب مدين شعيباً، وكذب فرعون وقومه موسى عليه السلام. قال تعالى: ((وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ)) فالله يقول: إني أملي لقوم وأؤخرهم، وأعطيهم فرصة؛ لعلهم يرجعون ويئوبون ويقولون: ربنا الله، أو لعلهم يعيشون فيخرج الله من أصلابهم مؤمنين مصدقين موحدين لا كآبائهم مشركين، فهؤلاء أمليت لهم، وقد كذبوا أنبياءهم قبلك؛ كذبوا نوحاً وهوداً وصالحاً، وكذبوا إبراهيم وموسى، فهؤلاء الأقوام كذبوا الرسل الكرام قبلك، وصنعوا صنيع قومك حيث كذبوك. فقوله تعالى: ((فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ)) أي: أخرتهم وأمليت لهم زمناً وأعطيتهم مهلة؛ لتقوم الحجة البالغة عليهم، ولعلهم يوماً يتدبرون بعقولهم، ويسمعون الحق بآذانهم، ويعون الصحيح من الباطل بقلوبهم، ولعلهم يقولون: ربنا الله. قال تعالى: ((ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ)) أي: أخذهم أخذ عزيز مقتدر، أرسل الطوفان على قوم نوح، وأرسل الصواعق والرياح والعواصف على أقوام آخرين، بل وأرسل عليهم أضعف الحشرات؛ إذ أرسل البعوض على قوم نمرود الذين عذبوا إبراهيم وحرقوه والله لم يرد إحراقه، وأرسل على قوم لوط الصواعق من السماء، وجعل الأرض عاليها سافلها؛ لفعلتهم الشنيعة، مع تكذيبهم لرسولهم، وأغرق آل فرعون، فقد كذبوا موسى وأخاه هارون، ولم يؤمنوا بما جاءا به من معجزات وآيات، وأصروا على الكفران والجحود، فأخذهم الله إليه أخذ عزيز مقتدر، وكذلك يا محمد! اصبر وتمهل حتى تكون العاقبة لك كما كانت العاقبة للأنبياء قبلك، فسنعذب من يبقى من قومك، ممن أرسلت إليهم رسولاً وستكون العاقبة عليهم بتعذيبهم والمكر بهم وسحقهم وتدميرهم، وقد فعل ربنا جل جلاله؛ إذ نصر محمداً على قومه صلوات الله وسلامه عليه، ونصره على جزيرة العرب، ونصر أتباعه على فارس والروم والبربر، ونشر دينه في مشارق الأرض ومغاربها؛ وخلال خمسين عاماً انتشر دين الإسلام شرقاً إلى أرض الصين، وغرباً إلى بلاد فرنسا وأسبانيا في عمق أوروبا وما بينهما. ولذلك يعزي الله جل جلاله نبيه ليصبر ويتمهل، ويخبره أن النصر له في النهاية، وأن العاقبة بالسوء والتدمير على من كذبوه، وقد فعل جل جلاله وصدق وعده، وهنا قال عليه الصلاة والسلام وهو يدخل مكة منتصراً مظفراً: (الحمد الذي أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده) دخل مكة وهو على راحلة، ولم يركب جواداً ولا فرساً ليتراقص به تراقص العزيز المنصور المظفر، بل دخل يركب ناقة في مشيها الهون، وهو مطأطئ رأسه تواضعاً لله، وخنوعاً لعزه وجلاله، ولم ينسب لنفسه شيئاً، وقال عن ربه: (وهزم الأحزاب وحده)، فالله وحده جل جلاله هو الذي نصر عبده محمداً ودينه الإسلام وأتباعه المؤمنين، وأذل الكافرين وسحقهم ودمرهم، وأنجز ما كان قد وعد به نبينا عليه الصلاة والسلام في غير آية من آيات كتاب الله، وغير سورة من سور القرآن الكريم، {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة:111] لا أحد جل جلاله وعلا مقامه. قال تعالى: {فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} [الحج:44]. أي: أخذهم أخذ عزيز مقتدر، وجعلهم عبرة للمعتبر وجعلهم قصصاً تتلى لمن يأتي بعدهم؛ لتدبر آيات الله ووعده الحق، فيبادر بالعمل الصالح في حياته قبل مماته، فيؤمن ويقول: ربي الله، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى: {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الحج:44] يسأل موبخاً ومقرعاً لهؤلاء الكفار، وداعياً للاعتبار للمؤمنين المذبذبين، وسائلاً للمؤمنين الثابتين ثبوتاً ورسوخاً، ((فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ)) أي: كيف كان إنكاري على هؤلاء الذين طالما كذبوا وكفروا وآذوا رسل الله وأتباع رسل الله من الموحدين. فكيف كان نكيري؟ كان بالتدمير وبالتخريب، وكان بالموت صعقة ودهدهة وغرقاً، وبرفع الأرض وجعل عاليها سافلها، ومع هذا غضب الله ولعنته والخلود في النار أبد الآبدين.
تفسير قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة)
تفسير قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة) قال تعالى: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج:45]. لم يذكر في هذه الآية أنبياء الله جميعاً، ولم يذكر أتباعهم وأممهم الذين كذبوهم جميعاً، ولكنه عمم فقال: ((فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ)) أي: كم من أهل قرية أهلكناهم ودمرناهم وجعلناهم في الأمس الدابر، وجعلناهم أحاديث تقص في السمر، ويعتبر به المؤمن عند إيمانه ومدارسة الأديان، ومدارسة المؤمنين السابقين واللاحقين. فقوله تعالى: ((فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ)) أي: في حال ظلمها، أي: لم تكف عن الظلم ولم تتب عن الظلم بكل أنواعه، فأظلم الظلم وأشده كبيرة الشرك بالله، فقد ظلموا أنفسهم، وظلموا صاحب الحق حقه جل جلاله، إذ لم يوحدوا الله ويشكروه على ما رزقهم من حواس ونعم وصحة وأرزاق، وأبوا إلا الشرك والجحود إلى أن لقوا الله ظالمين مشركين. قال تعالى: ((فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)) العروش هنا: السقوف، فهذه القرية فارغة من سقوفها إلى الأرض، فقد خربت ودمرت وزلزلت، ولم يبق فيها ساكن ولا حي، فقد باد أهلها وأهلكوا وذهب نعيمهم وكفرهم، وذهبت رفاهيتهم من نساء وبنين وطيور وزينة، فجاءوا من التراب وعادوا للتراب، ودمروا تدميراً هم ومساكنهم، ولم يبق هناك قصر مرتفع أو مزخرف مطلي بأنواع الدهون، محفور بأنواع الزينة، مرتفع إلى أعلى الطبقات. ذهبت القصور وخربت، ولم تبق لها سقوف ولا حيطان ولا جدران، خلت من سكانها ونعيمها، وخلت من شبابها وشيوخها، وخلت من نسائها وفتياتها، وخلت من النعيم الذي كانوا يعيشون فيه مترفين مع شركهم وكفرهم، لم يقولوا يوماً عن هذه النعم المتوالية: نشكر الله ونحمد الله. قوله: ((وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ)) أي: كم من بئر جفت مياهها وخلت عن السواقي وعمن يجتلب منها بالدلاء، فقد عطلت وغار ماؤها كما عطلت القرية بقصورها المشيدة وبمصانعها القائمة على حضارتهم، وكأنه لم يكن فيها يوماً أنيس، ذهبوا بشركهم وكفرهم، ولعذاب الله يوم القيامة أشد. ومعنى ذلك: أيها الكافرون بمحمد خاتم الأنبياء خذوا العبرة والعظة ممن سبقكم من المشركين، ما الذي صنعناه بهم؟ وكيف دمرناهم؟ فهذه قراهم خالية، وآبارهم معطلة، وقصورهم خاوية على عروشها من سقوفها إلى جدرانها، كأن لم يكن فيها يوماً أنيس، أو حي يتكلم ويأخذ ويعطي. وهنا الله جل جلاله يخاطب الكافرين والمؤمنين، وإن كان الخطاب يشير إلى الكافرين، فإنه يخاطب الكافرين لعلهم يأخذون من ذلك العبرة والعظة، فيخشون الله يوماً ويعودون إلى الله وإلى رسله، ويخاطب المؤمنين ليزدادوا إيماناً ورسوخاً في يقينهم وإيمانهم بالله ورسوله.
تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب)
تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب) قال تعالى عن الكافرين: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46]. يقول تعالى لهؤلاء المكذبين: ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)) أي: ألم يسيحوا ويسافروا وينتقلوا فيروا هذه القرى المدمرة، وهذه الديار المخربة والآبار الجافة القاحلة، وهذه الأشجار التي كأنها قد أحرقت، ألم يقولوا يوماً من الذي دمر هذا؟ ومن الذي خرب هذا؟ ومن الذي عطل هذه القصور المشيدة المنحوتة في الجبال، والمنحوتة في الأرض، وعطل قصوراً شاهقة في أجواء السماء تكاد تناطح السحاب، أفلا يخافون يوماً أن تدمر قراهم وتخرب دورهم ويذهبون كما ذهب هؤلاء في الأمس الدابر؟! وأرض ثمود في الحدود بيننا وبين الأردن وبين أرض الشام، وآثار الأمم السابقة في كل مكان في الأرض، فهذه أهرامات مصر، وهذه القصور المشيدة في العراق من أرض فارس قديماً، وهذه الحفريات التي تحفر كثيراً في أسوان، وفي الأرض كلها في أراضي المسلمين وغيرهم، فتجد هناك الآثار المدمرة والمخربة، وستجد الآثار التي بلغت من الحضارة والصناعة والرفاهية ما لم تبلغها حضارة أوروبا اليوم وأمريكا، هذه الحضارة التي تسمى حضارة عصر النور، فنقول لهؤلاء الذين يكذبون: هذه أهرامات مصر كيف بنيت ومن أشادها؟ هذه قصور بغداد والعراق كيف بنيت وقد مر عليها الآلاف من السنين كما مر على أهرامات مصر؟ وكيف جاءت هذه الصخرة التي على الكعبة؟ وكيف قطعت من الجبل؟ وكيف نحتت؟ وكيف حملت إلى أن وضعت؟ وكيف جعلت صخرة على صخرة؟ لم ذلك؟ ومن كان يسكن؟ وما هي أسرار ذلك؟ وقل مثل ذلك على كل الحفريات في الأرض، ألا ينبغي ويجب على هؤلاء الذين يسيحون في الأرض أن يعتبروا؟ فقد كان لقريش رحلتان: رحلة الشتاء ورحلة الصيف، وكانوا يمرون على الكثير من هذه الآثار، ألم يفكروا يوماً أين ساكنوها؟ وأين ملوكها وحكامها الأقوياء؟ وبم دمروا وبم خربوا؟ ومن الذي دمرهم، ومن الذين خربهم؟ وكل هذه المنظورات والمرئيات مما تؤكد ما أتى به كتاب الله ونطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يزيد المؤمن إيماناً، ويعظ الكافر لعله يوماً يقول: آمنت بالله، وقد صدق الله وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما جاء به حق، وما جاء به واقع قد رأيناه رأي العين، وسمعناه سماع الأذن عن آبائنا وأجدادنا إلى اليوم الذي حدث ذلك، سمعناه في القرآن، وسمعناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعناه عن علمائنا. فقوله: ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)) أي: ألم يقطعوا الأرض يوماً سواحاً أو تجاراً؟ ولا شك أنهم قد فعلوا ذلك، قال تعالى: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} [قريش:1 - 2]، فكانت لهم رحلتان في السنة: رحلة شتوية ورحلة صيفية، وكانوا يمرون على هذه الآثار ويقولون: ومن الذي دمر؟ من الذي خرب؟ أليس هذا الذي جاء في القرآن الكريم ونطق به محمد صلى الله عليه وسلم؟ بلى. ولذلك قال الله لهم: هذه ذكرى لهم ولكل دعي للإيمان بالله وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ورسالته خوطب بها كل الناس لا العرب وحدهم، ولا العجم وحدهم، ولا أهل المشرق وحدهم، بل كل العالمين منذ البعثة المحمدية، ومنذ أن وقف محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الأرض المقدسة وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]، وقال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الحج:49]، ولذلك فكل ما خوطب به الكفار هو خطاب للناس كلهم، وكل ما خوطب به المؤمنين فللناس كلهم. قال تعالى: ((فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا)) أي: أليست لهم عقول يعقلون بها ويعون ويفهمون ويدركون ويعلمون؟ وإذا لم يسمعوا منك وعما أنزل إليك من القرآن الكريم، ألم يمروا على هذه الآثار وعلى هذه القرى والمدائن ويروا فيها ما قصصناه عليك من التدمير والتخريب لهؤلاء؟ أليست لهم عقول تعقل؟ أليست لهم قلوب تدرك؟ قال تعالى: ((أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا)) أليست لهم آذان يسمعون بها عن هذا، عندما يقفون في مشارف القرية ويبهر زوارها والساكنون حواليها متى حدث هذا؟ وما هي أسبابه؟ وتسمعون الكثير عن آبائهم وأجدادهم إلى العصر الذي حدث فيه ذلك. وأنتم إذا سمعتم ألا تعون وتستفيدون بالسمع؟ وإذا عقلتم ورأيتم ألا تستفيدون بالنظر والوعي؟ قال الله عنهم: ((فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ))، وليس البصر في عماه ضاراً بالمؤمن، ومع ذلك نسأل الله السلامة والعافية، فيمكن أن يعي ويعقل ويدرك، ولكن البلاء من عميت بصيرته وقلبه، فتجده ينظر إليك ولكنه لا يرى، ويسمع منك ولكنه لا يسمع، أي: لا يستفيد برؤيا ولا يستفيد بسمع ولا يستفيد بوعي ولا يستفيد بإدراك. فلهم آذان لا يسمعون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم قلوب لا يفقهون بها، فهم كالأنعام بل هم أضل؛ لأن الأنعام لها كلمات تفهمها عنك، فإن أردت للحمار أن يمشي، أو أردت أن يقف، أو أردت أن يأكل، أو أردت أن يشرب وهكذا، فإنه يفهم عنك ذلك. وأما هؤلاء فهم أضل من الأنعام وأقبح؛ لأن الأنعام يستفاد من بطونها ومن ظهورها، ومن أوبارها وأشعارها، أما هؤلاء فيكونون على الأرض ضياعاً وثقلاً، ضررهم أقرب من نفعهم ولا فائدة منهم لأحد، بل هم للشر وللفساد ولإضلال الصالحين ولإضلال الهادين المهديين. والذي عمي قلبه وعميت بصيرته هذا الذي يكون قد عمي العمى الحق، إذ لا يستفيد من بصر ولا سمع ولا قلب، ولا يستفيد في دنياه ولا في آخرته، قال تعالى: {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} [الأعراف:198] فهو عمى مسترسل قلبي، ومن كان كذلك فهو ميئوس منه ومن فائدته ومن مستقبله ومن خيره.
تفسير قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده)
تفسير قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده) قال الله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:47]. مع بلادة هؤلاء وسخافة عقولهم، وعدم الاستفادة من حواسهم أسماعاً وأبصاراً عقولاً وقلوباً يستعجلون بالعذاب، قال تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} [الحج:47]، فتجد قائلهم يقول: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال:32]، فبلغ من حمقهم وعمى بصائرهم قبل الأبصار أن دعوا على أنفسهم واستعجلوا العذاب، وقد أنذرهم الله وتهددهم وتوعدهم في كتابه، وأنذرهم رسوله صلى الله عليه وسلم بسنته وببيان كتاب الله المنزل عليه، وإذا بهم يتحدون مكذبين: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأنبياء:38]. قال تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} [الحج:47] فالعذاب آت، ولكن متى ما يريد سبحانه لا متى يريدون هم، فالله أرحم من أنفسهم لأنفسهم، وأرحم بهم من نفوسهم، فهو قد أمهلهم وأعطاهم فرصة لعلهم يوماً يتوبون، وإلى الله يئوبون، لعل الله أن يخرج من أصلابهم مؤمنين موحدين يقولون يوماً: لا إله إلا الله. قال تعالى: ((وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ))، فالله وعده لا يخلفه، بل لابد منه وهو آت، والوعد هنا يراد به الوعيد، فالوعد لا يخلف، والوعيد قد يخلف؛ لأنه قد يهدي الله من توعده وأنذره، فيتوب ويئوب فيغفر له، وقد يكون موحداً فيعود إلى الله ويغفر له كذلك، وفي لغة العرب وفي سجاياها: أن الوعد للخير لا يخلف، وإخلافه قلة مروءة، وأن الوعيد بالشر يخلف، وإخلاف الوعيد مكرمة ونبل وإحسان، ولذلك يقول شاعر العرب: وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي أي: إذا أوعدت إنساناً بالشر أو وعدته بالخير فإني مخلف إيعادي له بتهديده والشر له، أخلفه نبلاً وكرماً. وموف بموعدي، أي: وعدي له بالخير، والقرآن نزل بلغة العرب، وهنا قال الله: وعد ولم يقل: وعيده، ((وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ)) أي: لن يخلف الله وعده بنصرة المؤمنين، ولن يخلف الله وعده بالمغفرة والرحمة لهم، ولن يخلف الله وعده برحمته للكافرين بأن يمهلهم ويملي لهم؛ علهم يعودون ويتوبون، وإن لم يفعلوا فإنه يخرج من أصلابهم مؤمنين. وهكذا قال ربنا عن نبينا عندما أرسله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] وفي الحديث القدسي: (غلبت رحمتي غضبي) وهي أول ما كتب في اللوح المحفوظ، ومن رحمته حتى بالكافرين أنه يملي لهم ويمهلهم؛ ليعطيهم فرصة للتوبة وللأوبة، أو فرصة بأن يلدوا فيكون من أصلابهم المؤمنون. قال تعالى: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:47]. أي: يوم القيامة، فيوم من أيام يوم القيامة كألف سنة من عدد سنوات الأرض، فاليوم يطول والأيام تختلف بحسب الشروق والغروب، ويوم القيامة لا شمس فيه ولا زمهرير، ولا حر ولا قر. قال تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} [طه:118 - 119].
الحج [58 - 60]
تفسير سورة الحج [58 - 60] لقد وعد الله تعالى الذين يهاجرون في سبيله ثم يقتلون أو يموتون بالرزق الحسن في جنات النعيم، والله خير الرازقين، ثم تكفل الله تعالى للذين يعاقبون بمثل ما عوقبوا به ثم بغي عليهم أن ينصرهم.
تفسير قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا)
تفسير قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا) قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الحج:58]. هذه الآية الكريمة نزلت في الهجرة في سبيل الله، أي: فيمن هجر الأهل والأوطان والأموال ثم انقطع في هجرته فقتل مجاهداً ومحارباً أو مات حتف أنفه كل ذلك سواء، فمن كان هذا حاله فإن الله يرزقه. قال تعالى: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا} [الحج:58] اللام موطئة للقسم، فالله جل جلاله يقسم بذاته العلية، ويؤكد ذلك بلام القسم وبالنون الثقيلة: بأن هؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله فقتلوا وهم مهاجرون أو ماتوا حتف أنوفهم ميتة عادية، فالله يرزقهم الرزق الحسن، والرزق الحسن هو رزق الآخرة، رزق الجنة، وهو الرزق الدائم منذ قتلهم وموتهم إلى أن يبعثوا وإلى أن يدخلوا الجنة، كما قال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169] فهم يرزقون رزقاً الله أعلم بحاله، ترزق أرواحهم ونفوسهم الرزق الحسن الدائم الطيب، الذي فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، كما وصف الله جلا جلاله نعيم الآخرة.
عدم التفريق بين من قتل أو مات في سبيل الله
عدم التفريق بين من قتل أو مات في سبيل الله كان سلمان الفارسي رضي الله عنه مع جند من الأصحاب في حصن من حصون الروم يحاصرونه، وإذا بأحد الجند يموت ميتة طبيعية وآخر يقتل، فذهب سلمان في جنازة الذي مات ميتة طبيعية وترك الآخر، فقيل له: يا صاحب رسول الله! تركت الشهيد وذهبت لمن مات حتف أنفه، فقال لهم: ألا تقرءون القرآن! {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا} [الحج:58]، فالله لم يفرق فيمن هاجر في سبيل الله بين أن يكون مات قتيلاً أو مات ميتة طبيعية، فأولئك شهداء، وكل أولئك يرزقون في الجنة الرزق الحسن. وتكرر هذا في جزيرة روس وكان الأمير فضالة بن عبيد الأنصاري، فمضت جنازتان جنازة لجندي قتل وجنازة لميت مات من هؤلاء المرابطين في سبيل الله، فذهب الأمير لجنازة الميت وترك الجنازة الأخرى؛ لأن كليهما دفن في وقت واحد، هذا في جهة وهذا في أخرى، ولم يمكن جمعهما في مقبرة واحدة ولا من طريق واحدة، فقال فضالة: ألا تقرءون القرآن! كل من خرج في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد في سبيل الله، لا فرق بين قتيل وميت حتف أنفه، وتلا الآية: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا} [الحج:58]. وسبيل الله أبوابه كثيرة، وليس الجهاد والقتال بالسيف فقط، بل من خرج من بيته يريد الحج فهو سبيل الله، ومن خرج يريد طلب العلم فهو في سبيل الله، ومن خرج يدعو إلى الله فهو في سبيل الله، وأي تنقل وسياحة وسفر يريد صاحبها الله بعمله ومن أجل الله فهو في سبيل الله، دفاعاً بالسيف أو نشراً للإسلام بالقلب أو باللسان أو بعمل من الأعمال، فإن كان لا يريد هذا السائح والمسافر إلا وجه الله فإن مات كانت هجرته في سبيل الله، وله من الله الرزق الحسن، وكان مع الشهداء الذين تشهد جنازتهم الملائكة.
الهجرة صورها وفضلها
الهجرة صورها وفضلها والهجرة -أي: هجرة ديار الكفر والفسق والظلم- هي كذلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام عندما هاجر من مكة إلى المدينة كان مهاجراً في سبيل الله منذ خرج من بيته إلى أن مر على صاحبه أبي بكر، إلى أن اختفى في جبل ثور، إلى أن وصل للمدينة المنورة، إلى أن لقي ربه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن هنا عند فتح مكة ظن الأنصار أنه صلى الله عليه وسلم سيبقى في بلدته ومسقط رأسه ومدينة عشيرته، وإذا به يبقى مهاجراً إلى أن لقي ربه، وتبعه في ذلك أصحابه الذين هاجروا معه، والذين لقبوا من عملهم بالمهاجرين، فكان الذين هجروا دار الكفر إذ ذاك وهاجروا منها يسمون المهاجرين، ومن أسلم في بلدته من الأوس والخزرج في المدينة المنورة يسمى أنصارياً، والهجرة لا تنقطع إلى يوم القيامة، وهي هجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وهجرة من بلاد التقوى والصلاح رحلة إلى ديار التقوى والصلاح، ومن ديار الفسق والظلم والمعصية إلى ديار الدين والاستقامة. وهكذا وعد الله تعالى الذي يهاجر في سبيله إما بغضاً للكفر والمعصية، وإما للقتال بالسيف أو بالقلم أو باللسان أو بالمال، أو بأي نوع من أنواع القتال، إذا مات ولو مات ميتة طبيعية فميتته وقتلته شهادة، ولكن الشهادة تكون لكل من تغرب عن أهله في سبيل الله، لا يريد بذلك إلا وجه الله، فالأمر يرجع إلى النية. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه). ولذلك فالأمور جميعاً بالنية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، فمن هاجر إلى لله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) فمن هاجر إلى الله والدار الآخرة وترك الأهل والأوطان والأموال لأجل الله، فهذا هو الذي ثبتت له هجرته وصدقت نيته، فإن قتل أو مات فكل ذلك سواء، فسيرزقهم الله الرزق الحسن، والرزق الحسن هو نعيم الجنة الخالد. ثم قال تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الحج:58]. أي: الله جلا جلاله هو خير من يرزقك، وإن كان غيره لا يسمى رازقاً ولا معطياً ولا مضيفاً إلا مجازاً، وإلا فالرزق والعطاء الحق من الله، فهو الرزق الخالد الدائم، الذي فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ورزقه خير للإنسان من رزق أهله وحكامه والتجارة له، وخير من أرزاق الدنيا بكل أنواعها، وإن كان ذلك أيضاً يعتبر رزقاً من الله وكرماً وعطاءً منه، إن كان حلالاً نتيجة عرق جبين، ومن باب أولى إن كان رزقاً فيه هجرة صادقة، فيكون الرزق الخالد الدائم في الجنان، والله بذلك خير الرازقين والمكرمين جلا جلاله. ثم قال تعالى: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج:59]. رزق الله جلا جلاله يكون (بالمدخل الحسن) بالضم، أو (المدخل الحسن) بالفتح، وبكل ذلك قد قرئ في السبع. والمدخل الحسن: هو ما تدخل إليه وترتاح له، وفيه ما يسرك ويقر عينك، وهل هناك مدخل أحسن من المدخل للجنة وللنعيم الدائم؟ والذي أعظمه رؤية وجه الله الكريم. ذلك المدخل الذي يرضيهم فيه بما تقر له أعينهم، وتطيب له نفوسهم، بما يخلدون فيه الخلود الأبدي الدائم، وما ذلك إلا صفة لنعيم الجنة، ولرزق الله الخالد الذي في الجنة، والتي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر). ثم قال تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج:59]. أي: إن الله لعليم بأعمالنا وبنياتنا، وعليم بمن هاجر لا يريد إلا الله ورسوله، وبمن كانت سفرته وهجرته في الحقيقة لزواج أو لمال أو لجاه أو لأي شيء يرجع لشئون الدنيا فقط. ولذلك يعامل الله جلا جلاله العابد على نيته، فإن كانت نيته الهجرة فيجازى بما يجازى به المهاجرون، وإن كانت الدنيا فهو للدنيا: إن أصابها فذاك، وإن لم يصبها فقد خسر الدنيا والآخرة، وهذا فيما إذا تظاهر للناس بأنه خرج مهاجراً لله، وهو لم يهاجر إلا لدنيا يصيبها، ولكن الله مع ذلك على علمه هو حليم غفور رحيم، فحتى الذي هاجر لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها يغفر له حلماً منه ورحمة ورأفة جل جلاله إن غير نيته من الدنيا إلى النية الصالحة؛ نية الرغبة في الآخرة، والهجرة للخير في سبيل الله. ولقد قال سفيان بن عيينة: طلبنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يكون له، يقول سفيان ذلك عن نفسه، تعليماً وتربيه لغيره من الناس سيما طلاب العلم، فإن كنت طلبت العلم لتكون قاضياً، أو لتكون موظفاً أو حاكماً، أو ليقال عنك: عالم، أو ليكون معك كذا وكذا فإن كانت نيتك كذلك فتب إلى الله منها، وغيرها إلى نية صالحة، فتطلب العلم لتدعو الناس إلى الله على بصيرة، أو لتنصر الدين ولتكون خليفة من خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في نشر العلم. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء) العلماء الذين يدعون الخلق إلى الله، ويعرفون للناس الحلال من الحرام، ليحرصوا على أن يكونوا حيث أمرهم ربهم، وحيث أمرهم نبيهم صلى الله عليه وسلم، فيفعلون من الحسنات قدر طاقتهم، ويتركون المنكرات جميعاً، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا) فهذا هو الضابط فعلاً وتركاً، وإنما كان الفعل على قدر الاستطاعة؛ لأن الأعمال كثيرة، وطاقة البشر أضعف من ذلك، فالله أمرنا بالصلاة والوضوء بالماء، وبتلاوة القرآن، وباستقبال القبلة، فإن نحن عجزنا -جدلاً- عن معرفة القبلة لسبب ما، أو لم نستطع استعمال الماء أو فقدناه، أو مرضنا فلم نستطع الصلاة قياماً، فالله يقبل منا أن نصلي كما أمرنا في حال المرض، أي: أن نصلي جلوساً، فإن لم نستطع فعلى جنب، وإن لم نجد الماء نتيمم بالصعيد الطاهر، وهكذا. وهكذا سائر الواجبات، أي: جعلها الله قدر جهدك، وما جعل عليك في الدين من حرج، فلم يأمرنا بما لم نستطع، ولم يكلفنا بما لا تعيه العقول. وكما أنه عليم بأعمالنا وقدراتنا، فهو حليم بنا، فإذا نحن أسأنا النية أو العمل ثم استغفرنا فهو يغفر لمن تاب، والله غفور لمن يستغفره جلا جلاله وعلا مقامه.
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به)
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به) ثم قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج:60]. أي: كون الإنسان مهاجراً في سبيل الله، لا لدنيا يصيبها، ولا لامرأة ينكحها، بل بذل نفسه رخيصة في سبيل الله، فهجر ديار الكفر والفسق رغبة فيما عند الله، وليتعاون مع إخوانه المؤمنين على عبادة الله والدعوة إليه جل جلاله. وقوله: {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ} [الحج:60]. أي: الذي عاقب ظالماً وانتقم منه، فليس له أن يزيد في ظلمه أكبر مما أساء إليه، بل كما قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40]. وأما الكافر فجزاء حربه وقتاله الموت، أو يستقم ويؤدي الجزية عن يد وهو صاغر؛ لتصبح كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وستبقى كلمة الكافر ذليلة لا سلطان لها ولا ممتثل ولا عامل بها، وتبقى كلمة الله من كتابه ومن دينه ومن هدي الرسول هي العالية المعمول بها، التي تحكم والتي تأمر وتطاع.
سبب نزول قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب)
سبب نزول قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب) وقالوا: سبب نزول هذه الآية أن الكفار أرادوا أن يهجموا على مسلمين في شهر من الأشهر الحرم، وهو شهر محرم، فناشدوهم وقالوا: لا ترفعوا سيفاً ولا تقتلوا ولا تقاتلوا في شهر حرام، فالله حرم ذلك، وهم جاءوا ليحاربوا المسلمون في شهر حرام، ظناً منهم أن المسلمين في الشهر الحرام لن يقاتلوا، ولن يعاقبوا أو ينتقموا، ولكن الله أذن في القتال وقال: {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ} [الحج:60] فكان القتال سجالاً، والبغي هنا: هو الظلم الزائد، فالمشركون أبوا إلا القتال في الشهر الحرام. وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة فاتحاً -وكان بعضهم قد قتل، وكان هناك قتال في الجهة التي دخلها خالد بن الوليد -: (إن الله تعالى حرم مكة إلى يوم القيامة، ولم تبح لي إلا ساعة من نهار، ولم تحل بعد اليوم لأحد) هذا إذا كانت الحرب ابتداء كما صنع صلى الله عليه وسلم، فقد كانت الحرب في شهر رمضان شهر العبادة والطاعة، واسترسلت إلى إلى شوال وذي القعدة وذي الحجة ومحرم، الأشهر الحرم الأربعة، ومكة بلد حرام لا يباح القتال فيها في الأشهر الحرم وفي غيرها، وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لم يؤذن في القتال إلا ساعة من نهار) فالمراد: الابتداء، ولكن ذلك الابتداء كان جزاء لما سبق أن فعله كفار قريش من حرب رسول الله والمسلمين، وإخراج رسول الله، ثم ابتدأ المسلمين مع النبي صلى الله عليه وعلى آله بالقتال، وهذا الذي حرمه الله في مكة وفي المدينة في الأشهر الحرم إن كان ابتداء، لكن لم يكن فعل النبي وصحبه ابتداء، بل المشركون هم البادئون بالاعتداء، والدفاع والكفاح والجهاد واجب على كل من يستطيع حمل السلاح في داخل البلد المحرم وخارجه. إذاً: فالكفار كانوا قد هاجموا في شهر حرام؛ فقال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ} [الحج:60] فالكفار قاتلوا فقتلوا رداً على قتالهم. قوله: {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ} [الحج:60] أي: ظلم المسلمين زيادة على الحرب بأن قوتلوا في شهر حرام، والقتال في الشهر الحرام اعتبر عند المسلمين في دينهم بغياً وظلماً. فعندما ظلموا وطغوا على المسلمين أذن الله للمجاهدين من المؤمنين أن يعاقبوهم مرتين للقتال، ثم لما زادوه بغياً بأن كان ذلك في شهر الله الحرام، أذن الله لهم أن يقاتلوا في شهر الله الحرام. وقوله تعالى: {لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج:60] أقسم الله بأن الذي بغي عليه -ولو في شهر حرام وفي أرض حرام- ثم انتقم جزاء وفاقاً من ذلك الظالم الباغي أن الله سينصره، أي: ينصر المظلوم وقد فعل، فقد نصر الله هذه الفئة المظلومة المبغي عليها نصراً عزيزاً مؤزراً، وهزم أولئك الباغين الظالمين المنتهكين لشهر الله الحرام، فقوتلوا وأذلوا. وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج:60] أي: بعد ذلك قد عفا الله عن هؤلاء؛ لأنهم لم يقاتلوا بغياً وعدواناً في شهر الله الحرام، وإنما قاتلوا جزاءً وفاقاً وانتقاماً، أي: عقوبة لمن ظلمهم مقابل عقوبة. فالعقوبة الأولى هي: الظلم الأول الذي من المهاجم الكافر، فحق عليهم القتال، وأما لجزاء فهو في قوله: {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} [الحج:60]، وإنما سمي عقاباً أو عقوبة للمشاكلة في اللفظ، وهذا من أنواع البلاغة، وإلا فالمقابلة ليست عقوبة وذنباً، أي: من حيث الاسم، وإنما كانت تأديباً، وهي عقوبة نتيجة للعقاب السابق، كما قال الله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40] أي: المجازي للمسيء ليس مسيئاً، ولكن سميت إساءة في المقابلة والمشاكلة، وهذا نوع من أنواع البلاغة في لغة العرب التي بها نزل القرآن الكريم. وقديماً قالوا في قواعد الأصول: الضرورات تبيح المحظورات، فالشهر الحرام ليس فيه حرب، وبلد الله الحرام كذلك، ولكن إن ابتدأ الظالم الحرب في بيت الله الحرام، وكذا إن هاجم في الأشهر الحرم، فعند ذلك يباح للضرورة ولجزاء الظالم وعقوبة المسيء أن يقاتل في المدينة الحرام وفي الأشهر الحرم. وأما ابتداء القتال فيه فهو عظيمة من العظائم وكبيرة من الكبائر، بل إن بعض الفقهاء يرى أن إقامة الحدود يجب أن تكون خارج الحرم لا في داخله.
الحج [61 - 63]
تفسير سورة الحج [61 - 63] إن من آيات الله تعالى المرئية أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وأنه يحيي الأرض بعد موتها بهذا الماء الذي ينزله من السماء، فمن كان هو الخالق الرازق المتصرف في الكون فهو المستحق للعبادة وحده، ولا يستحقها من لا ينفع ولا يضر.
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار)
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار) ثم قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج:61]. (ذلك) أي: ومن قدرة الله ومن أحكامه وأوامره أنه جل جلاله: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} [الحج:61] هذا في قارات الأرض طبيعي إلا ما شذ منها كالقطب الشمالي المتجمد، فإن النهار فيه أربع وعشرون ساعة، وعندما يقول الله لنا: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} [الحج:61] يصبح الليل في ليالي الشتاء قصيراً، ويصبح الليل في الشتاء طويلاً ويصبح النهار قصيرً، وتم ذلك بإدخال وإيلاج الليل في النهار، نقص من الليل وزاده في النهار وأدخله، واليوم الطبيعي اثنا عشر ساعة، والليل مثله، وقد يزيد الليل عن أربع عشرة ساعة، وقد يصل إلى سبع عشرة ساعة، ويعكس في الصيف. وقوله سبحانه: (يولج) معناه: يدخل، فيدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، فينقص من النهار صيفاً ويدخله في الليل، فيصبح الليل في الشتاء طويلاً والنهار قصيراً، وفي الصيف تكون الليالي قصيرة والنهار طويلاً، ومن هنا يشق الصوم على بعض الناس إن كان رمضان في الصيف، ولكن الله جل جلاله يشاء أن يأتي رمضان تارة قصيراً وتارة طويلاً، حسب الفصل الذي يكون فيه من شتاء أو صيف، وذاك معنى الإيلاج والإدخال. ومع قصر الليالي والأيام وطولها فالصلاة هي الصلاة والصيام هو الصيام، فالصلوات تكون حسب الشمس، أي: يزيد وقتها أحياناً وينقص، والصيام أيضاً يكون حسب طلوع الفجر وغروب الشمس، ويزيد أيضاً وينقص، ولكن ذلك لا يخرج عن كون الصلاة في اليوم والليلة خمسة فروض، والصيام في السنة شهراً، ابتداء من طلوع الفجر، وانتهاء بغروب الشمس، ذاك حكم الله وأمره في النهار والليل. ثم قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج:61]. أي: سميع لمن دعاه، بصير بالمطيع وبالعاصي، وهذا في معنى التهديد والتبشير، أي: البشارة للمؤمن الملتزم بأن الله يعلم عمله ونيته وصدقه فيها، ويبصر عمله الخالص، كما يعلم ويسمع ويبصر عمل العاصي، فالأول يجازيه بالجنة، والآخر بالنار، فهي بشرى للمؤمن، ونذارة للكافر.
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق)
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق) ثم قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج:62]. أي: ذلك ليعلم المؤمن والكافر بأن الله هو الحق، فالله هو الحق جل جلاله ويأمر به، فأمر بعبادته، وبامتثال أمره واجتناب نهيه، وأرسل رسله مبشرين ومنذرين، وأمر الناس بطاعتهم، وجعل طاعتهم طاعته، ومخالفتهم مخالفته، كما قال سبحانه: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80]. فالحاصل: أن الله جل جلاله أرسل الحق نبياً، وأنزل الحق كتاباً، وجعل الحق ديناً، وما سوى الحق فهو الباطل. والباطل من الشيطان، وهو يوسوس ويزين الباطل؛ فتنة من الله جل جلاله لعباده، فابتلانا بالخير وبالشر، وابتلانا بالشيطان ليعلم صدق الصادق وكذب الكاذب. ولذلك فالله جل جلاله هو الحق، وهو من أسماء الله الحسنى، فلنا أن نسمي عبد الحق. والمؤمن باستمرار في حق منذ أن يخرج لهذا الوجود، وإلى أن يلقى الله، فهو عندما يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قد نطق بالحق، وعندما يقول: الله ربي، ومحمد نبيي، والإسلام ديني، والقرآن إمامي، والمؤمنون إخوتي، والكعبة قبلتي، يكون قد نطق كل هذا الكلمات والفقرات بالحق الملزم. والباطل هو ما عند غير المسلم، فاليهود في باطل، ودينهم قد نسخته الديانة المحمدية، فأصبح ديناً باطلاً، والتوراة أصلها من الله، ولكن عندما غيروها وبدلوها، وقذفوا فيها الأنبياء، وتهجموا فيها على الذات العلية، وقالوا عن أنفسهم أنهم أبناء الله، وقالوا عن عزير: هو ابن الله، وقالوا عن العجل كذلك، فأصبحوا يعيشون في باطل: كتاباً وديناً ودعوة ونطقاً، وهكذا قل عن كل كافر. فاليهود في باطل، والنصارى في باطل، والمشركون في باطل، وكل ما سوى الإسلام باطل، وكل ما سوى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم باطل، إلا ما مضى من نبوة الأنبياء السابقين، وقد أدوا مهمتهم وانتهت. وهم كانوا رسلاً لأقوام خاصة، ثم نسخت هذه الديانة القومية بالديانة المحمدية العالمية، التي أرسل بها إلى الناس جميعاً، في المشارق والمغارب بيضاً وسوداً وحمراً إلى يوم القيامة، فلا نبي ولا رسول بعده. وكل دعوة دون الدعوة لله وحده، ودون دعوة محمد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، النبي الخاتم إلى يوم القيامة، فهي دعوة لغير الله، ولغير دينه، ومن ثم فهي دعوة باطلة شيطانية، فما أوحى بها إلا شياطين الإنس والجن. ثم قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج:62]. الله أعلى من كل علي، وأكبر من كل كبير، لا أعلى منه مقاماً، ولا قدرة سبحانه، ولذلك شعار المسلم الذي ينطق به في اليوم عشرات المرات في صلاته: الله أكبر. وتعني كلمة (الله أكبر) ألا يجعل المسلم نفسه كبيراً، فلا كبير إلا الكبير المتعال، وألا يهاب أحداً من الخلق إلا الكبير سبحانه، فمهما هدد بالبشر والطغاة والجبابرة فهو عندما يقول: الله أكبر، يكون قد قال: ربي أكبر من كل طاغية وجبار، ومن كل من يريدني بسوء، أو يقف في طريقي وأنا أدعوا إلى الله، وهكذا المؤمن لا يعمر قلبه إلا بالله، ولا يكبر في نفسه ولا يهاب إلا الله، فحينها يكون مؤمناً حقاً. وأما عندما يكون ضعيف الإرادة والعقيدة، فتجده يخاف من أي شيء، وإذا أنذر بكلمة ارتعد ولم ينم، وينغص عمره وراحته من أجلها. وأما العامر قلبه بالله بجلاله وعظمته ففي كل شيء يقول: الله أكبر، والله هو العلي الكبير لا سواه، فليس أحد علياً أو كبيراً إلا الله، ومن يجعله الله علياً كبيراً تبعاً لعلوه وكبريائه وجلالته، فهو كبير عندنا. فالأنبياء والعلماء والصلحاء كبراء عندنا، ولكن ذلك لما أعطاهم الله، وهو من باب تعظيم شعائر الله الذي هو من تمام التقوى، وتعظيم ما عظمه الله وأكرمه، ولذلك علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقول: (اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك).
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً) ثم قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الحج:63]. أي: ألم تر أيها الإنسان، وإن كان الخطاب أولاً لنبينا خاتم أنبياء الله في الأصالة، لكن هو خطاب لجميع الناس، مؤمنهم وكافرهم، وكأن المعنى: ألم تر أيها الإنسان ممن له عين تبصر، وأذن تسمع، وقلب يعي، {أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً} [الحج:63]. أي: هذه الأرض الميتة الهامدة التي تراها صحراء قاحلة، وتظن أنها لن تنبت، قد أنبتت بإذن الله، وهذه الأشجار التي نرها الآن في مكة والمدينة وفي الكثير من صحاري الحجاز، بل وصحاري الجزيرة العربية، ما كانت تعرف قبل بضع سنوات ولا توجد، ثم نحن اليوم نرى الأشجار، فبعد نزول المطر بضع ساعات ترى الأرض في اليوم التالي مباشرة وأنت في السيارة أو في الطائرة قد أخذت بالاخضرار. وهذا معجزة إلهية، فالنبي عليه الصلاة السلام قد قال لنا: (لا تقوم الساعة حتى تصبح جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً، وحتى يخرج الرجل بزكاته فلا يجد من يقبلها، ويقول له: أعطها لغيري، أنا لست في حاجة إليها). وكلا الوصفين النبويين أخذنا نعيش فيهما، ففي الحجاز أصبح الماء يصعد إلى أعلى طبقات بنايات عالية، كأرض الشام والمغرب وتركيا وغيرها من البلاد ذات المياه الغزيرة الفياضة، فقد كان هنا شخص يسمى السقاء، فما عدنا نراه ولا يعرف، وأولادنا لا يعرفونه؛ لأنه مضى عليه أكثر من عشرين عاماً، فندخل البيت وإذا بالمياه تصعد من الأرض إلى أعلى دور، وهكذا وسيزداد ذلك، ولقد قال الخبراء الزراعيون: إن أرض الحجاز بل أرض صحراء الجزيرة يوجد الماء تحت جميع أرضها، فهي أرض على بحر من ماء، وحيثما حفرت تجد الماء. ويوشك إذا لم يفعل ذلك بها -أي: أن تحفر- أن تنفجر يوماً في كثير من النواحي والجبال، وفي كثير من الصحاري، وهذا شيء لا يكاد يوجد في خارج جزيرة العرب، وهو من إخبار النبي عليه الصلاة السلام بالغيب، ومن المعجزات النبوية التي أدركنها ولم يدركها سابقونا، فسابقونا آمنوا بها تصديقاً، ونحن نؤمن بها واقعاً ومعايشة ومعاصرة. وقوله سبحانه: {فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً} [الحج:63]. أي: أن الله ينزل الماء على الأرض الميتة التي لا حراك بها ولا تنبت، ولا يكاد يوجد فيها حتى حشرة -لأن الحشرات لا تعيش إلا بالماء- كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء:30]. فانظروا إلى الأرض الميتة وقد أمطر الله عليها غيثاً، كيف تصبح مخضرة، فتربو وتتحرك بما يخرج منها، وهذا الذي نراه.
كيفية إحياء الموتى
كيفية إحياء الموتى ونحن نتساءل كيف يعيش الإنسان بعد الموت؟ ونحن نرى مثاله في الأرض، أي: الأرض الجامدة التي لا حراك بها ولا روح، عندما تنزل عليها الأمطار تربو وتتحرك وتعلو، وتخرج منها خضرة ذات مياه، ويخرج الله منها حباً وزرعاً وثمرات نأكله نحن ودوابنا. فالماء واحد والفاكهة ألوان، فهذا أحمر وهذا أخضر مع أن المياه الساقية واحدة، فمن الذي صبغ هذا بالأحمر، وهذا بالأخضر وهذا بالأبيض؟! أليس الله جل جلاله، فإذا كان هذا نراه بأعيننا، ونحسه ببشرتنا، ونسمع ما يتعلق به بأسماعنا، وتعيه قلوبنا، فكيف ننكره بعد ذلك ونتشكك في الحياة بعد الموت، ونحن في الأصل قد جئنا من العدم، فإذا كنا شهدنا أولادنا ولم يكونوا، أي: جئنا بالمرأة بلا ولد، فأقامت عندنا بضع سنوات وإذا بمجموعة من الأبناء موجودون بإذن الله. وأين الآباء الذين كانوا يعمرون البيت، جاءوا من التراب، وذهبوا إلى التراب، وسنلحقهم كما يلحقهم أولادنا وأحفادنا، ويبقى الملك لله الواحد القهار. ولكن من أخذ الله بسمعه وببصره وبقلبه تجده كما قال تعالى: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46]. فمن نزع نور القلب عميت بصيرته، فتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون؛ لأن البصيرة قد عميت.
صور من اللطف الإلهي
صور من اللطف الإلهي وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الحج:63]. الله جل جلاله لطيف، فيخرج من الرمال والجمادات والأموات ما فيه حياة، أي: يخرج الحي من الميت، فالأرض الميتة أخرج منها حياة، ويخرج الميت من الحي كذلك، فتجد المرأة وهي في حركاتها ونشاطها يخرج منها ميت، وتجد الكافر وهو ميت في الحقيقة يخرج منه مؤمن صالح يدعو إلى الله، ويقول: ربي الله، والعكس بالعكس. وهو سبحانه خبير بما ينفع وبما يضر عباده، ولكنه يأمر وينهى ويرسل الرسل مبشرين ومنذرين؛ لتبقى الحجة البالغة لله، فإذا سئل العبد عندما يدخل القبر: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ فيقول: لا أعلم، لم يرسل إلي شيء، ولم أقرأ كتاباً، فكأنه يقال له: أسمعت؟ فيقول: نعم سمعت، فيقال: لماذا لم تبحث؟ ألم يخطر ببالك أن الله جعل هذا من أجلك وخلقت من أجل عبادته؟ أخطر ببالك أنك خلقت في هذه الدنيا سبهللا؟ ألم تسمع يوماً قول الله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]؟ فتبقى الحجة لله البالغة، وإذا بهذا تحت المرازب والمقامع والعذاب المقيم، في القبر روحاً، وفي الآخرة جسد وروحاً، أما من مات على لا إله إلا الله فيرجى له الخير على أي حال، ومن مات على الشرك فقد قال الله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48].
الحج [66 - 72]
تفسير سورة الحج [66 - 72] إن لله تعالى صفات الكمال ونعوت الجلال، فهو المحيي المميت، والخالق الرازق، والمتفضل بالنعم، ومع هذا تجد الإنسان يكفر هذه النعم ولا يشكر مسديها، بل وأشر من ذلك يتجه بالشكر والعبادة والتذلل والخضوع لمن لا يضره ولا ينفعه ولم ينعم عليه؛ من الأحجار والأشجار وغيرها.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) قال الله جلت قدرته: {وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ} [الحج:66]. هو الله جل جلاله الذي أنشأنا من العدم، وأحيانا بعد أن لم نكن، وأوجدنا على غير مثال سابق، وكانت هذه هي الحياة الأول، ثم بعد إنشائنا وإيجادنا سيميتنا، وبعد هذه الموته سيحيينا مرة أخرى؛ للبعث والنشور والعرض على الله والحساب على ما قدمت أيدينا من خير أو شر، ولا يقدر على هذا إلا الله جل جلاله. فهو الذي خلق، ثم هو الذي يميت، ثم هو الذي يعيد الحياة كما بدأها أول مرة للبعث والنشور، والله على كل شيء قدير. والله جل جلاله يلفت أنظارنا ويعلمنا ويهدينا وأنه وحده القادر على الحياة، القادر على البعث، القادر على العرض عليه، والحساب لكل من فعل خيراً أو شراً، فهذا إلى الجنة وهذا إلى السعير. {إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ} [الحج:66] أي: ولكن الإنسان يكفر نعم ربه، ويجحد ما آتاه الله من نعم ظاهرة وباطنة، ويشرك به، ويعبد معه غيره من الأحجار ومن الإنس ومن الجن، ومن كل من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً. والإنسان وهو يرى بعينه، ويسمع بأذنه، ويعي بقلبه، أن الله وحده القادر على كل شيء، وأن غيره ليس بيده حياة ولا موت ولا نشور، ومع ذلك يجحد نعم الله ويشرك به ظلماً لنفسه وعدواناً على الحق.
تفسير قوله تعالى: (لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه)
تفسير قوله تعالى: (لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه) قال تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ} [الحج:67]. يقول جل جلاله: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا} [الحج:67] أي لكل نبي أمة؛ إذ الوحي يكون للرسول وللنبي ولا يكون للأمة، ولكن الأمة تكون مجال دعوة هذا النبي ومجال شريعته وأمره ونهيه. {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} [الحج:67] المنسك هو الشريعة والعقيدة والدين والدعوة، يخبرنا ربنا جل جلاله أنه جعل لكل أمة من الناس نبياً، وأنه أرسل إليهم رسولاً دعاهم إلى عبادة الله الواحد، وجعل لهم شريعة تخصهم: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48]. أما الدعوة والعبادة فالكل جاء يدعو إلى عبادة الله الواحد لا شريك له، وبذلك أمر أنبياؤنا ورسلنا ليبلغونا ذلك عن الله، وكما قال المصطفى صلوات الله عليه وسلامه: (نحن معاشر الأنبياء أبناء علات، أبونا واحد وأمهاتنا شتى). فدعوة الأنبياء دعوة واحدة؛ دعوة إلى الله الواحد الذي لا شريك له، وإلى عبادته وتوحيده، وأما الشرائع والمناسك وأنواع العبادات فلكل نبي ولكل أمة جعل الله شريعة خاصة بها وبه. {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} [الحج:67] أي: هم تابعوه وسالكوه، يلتزمون ويعملون بهذا المنسك وبهذه الشريعة، فقد أمروا بالتزامها والعمل بها، وهذا أمر من الله ورسوله. وفسرت المناسك بالمواعد، بالأعياد، بالمواقع، ومنها مناسك الحج، فإن للحج مناسك تعرض في مكة وما يحيط بمكة، من طواف بالكعبة، ومن سعي بين الصفاء والمروة، ومن وقوف بعرفات، ومن مبيت بمزدلفة، ومن بيات ومقام بمنى ليلتين أو ثلاثاً، ومن إحرام وما إلى ذلك، وعلى هذا فسرت الآية: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا} [الحج:67] أي: معبداً وموعداً يتواعدون عليه لعبادة ربهم في أوقات مخصوصة، وأزمان معينة، وشهور معروفه، وليالي وأيام يعرفونها، كما نعرف مناسكنا: من صيام شهر في كل سنة، ومن صلوات خمس في اليوم والليلة، ومن المناسك التي سميت مناسك في الحج الذي فرضه الله على كل إنسان مرة في العمر، وانتدب إليه وسنه مرة كل خمس سنوات. وعلى كلا المعنيين فإن المعنى قائم وصحيح وواقع، {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} [الحج:67] وأرسل لكل أمة نبياً بموعد، وبشريعة من الشرائع ألزموا بسلوكها وباتباعها وبالعمل بها. قال تعالى: {فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ} [الحج:67] أي: لا تدع أهل الكتاب ومن هم على بقايا من أهل الكتاب، وقد بدلوا وغيروا، وقد نسخت أديانهم وشرائعهم، لا تدعهم ينازعونك، أي: يجادلونك في الحق بعد أن أرسل إليهم الحق الصريح، والدين الناسخ لبقية الأديان السابقة، والرسول الذي هو آخر الرسل والأنبياء، فلا شريعة بعد شريعته، ولا رسالة بعد رسالته، ولا نبي بعده ولا رسول، صلى الله عليه وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين. فلا تنازعنهم، والنزاع يكون بين اثنين، بمعنى: لا تجادلهم، وإنما مرهم أمراً، وعلمهم تعليماً، وربهم تربية، وأخبرهم بنسخ ما مضى، وأنهم قد حرفوه وبدلوه وغيروه. ونحن أولاء نرى أهل الكتاب السابقين قد بدلوا في توراتهم وفي زبورهم وفي إنجيلهم، وفي الشرائع التي أرسلت إليهم، وفيما يتعلق حتى بالعقيدة، فقد قذفوا الأنبياء، وقلوا من الأدب مع الله، وأشركوا معه غيره، وعبدوا عيسى ومريم، وعبدوا العزير والعجل، وجعلوا أنفسهم أبناء لله تعالى الله عن كفرتهم الصلعاء علواً كبيراً. قال تعالى: {فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ} [الحج:67] أي: لا تدعهم ينازعونك ويجادلونك؛ لأنهم إن فعلوا سيفعلون بباطل، وعلى باطل، فليس لهم من الله برهان على ذلك، ولا دليل يمكن أن يجادلوك وينازعوك ويخالفوك به. والنزاع يكون بين اثنين أو جماعتين، فكل يريد أن يشد الحبل لنفسه، وهنا كل يريد أن يقول: إن الحق معه، وإن الدين دينه، وإن الشريعة شريعته، مع أنك أرسلت إليهم وللناس جميعاً بشريعة مكان شريعتهم، فأنت الحق، وما جئت به الحق، والحق جل جلاله الذي صدر عنه ذلك، وأمر بالحق رسالة ورسولاً وشريعة. {فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} [الحج:67]. أي: لا تبال بهم، ولا تهتم لهم، ولا تقبل جدالهم، فإن استفسروك للعلم وللمعرفة فافعل، وأما أن يجادلوك بأن ديننا كذا، وبأن كتابنا كذا فلا، وإنما علمهم الحق وعرفهم به، ولا تقبل نزاعهم ولا جدالهم، وادع إلى ربك كما أمرك ربك، ادع إلى توحيد ربك وعبادته والعمل بشريعته، وادع لامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وبين ذلك بما أمرت به من البيان في قولك وفعلك وإقرارك. {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ} [الحج:67] أي: إنك يا محمد! صاحب الحق، والمحق في الدعوة، والرسول المرسل بالحق. (إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى) أي: لعلى هداية وطريق وشريعة ونور من ربك مستقيم لا اعوجاج فيه ولا أمت، ولا يقبل نزاعاً ولا جدلاً ولا خلافاً، وكل من حاول أن ينازعك، أو أن يجادلك، أو أن يجر النار لقرصه فهو مبطل ضال مضل، فلا تدعهم ينازعونك ولا يجادلونك، ولكن قم بالدعوة التي أمرك بها ربك من الدعوة إليه وإلى كتابه وإلى رسالته.
تفسير قوله تعالى: (وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون)
تفسير قوله تعالى: (وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون) قال تعالى: {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحج:68]. أي: فإن أبوا إلا الجدال والنزاع في الحق بالباطل، والجدال هو: الإصرار على المماحكة بباطل لا بحق، فيريد أن يفلح ويظهر للناس أن معه دليلاً وبرهاناً، وما هو إلا الجدال، وما هو إلا الباطل، ولا يريد حقاً ولا هداية. {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحج:68]، أي: دعهم في غيهم وقل كلمتك ولا تجعل لهم نزاعاً، ولا تفتح لهم جدالاً، فإن أبوا إلا جدالك فجادلهم فقط ولا تنازعهم. (فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) فستصلون له يوماً، ويحاسبكم حساباً عسيراً، ومعنى الآية: التهديد والوعيد والنذارة المخيفة المرعبة، ومعنى ذلك: أن أبيتم أن تقبلوا الحق وقد جئتكم به فانتظروا، فستردون على الله وتعلمون الحق، ويتولى الله حسابكم وعقابكم ما دمتم قد أصررتم على الباطل ومخالفة رسول الله وكتاب الله.
تفسير قوله تعالى: (الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون)
تفسير قوله تعالى: (الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون) قال تعالى: {اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الحج:69]. أي: ما دمتم لم تقبلوا رسالتي، ولا نذارتي ولا بشارتي، ولا بما أتيت به عن الله من الآيات البينات والمعجزات الواضحات، والأدلة الفاضحات، فسأدعكم لربكم، فالله يوم القيامة يحكم بيني وبينكم، فهناك ستردون فتعلمون أنكم على ضلال وباطل، وأن الحق قد جاءكم فأبيتم قبوله، وجادلتم فيه، وهكذا سأدعكم لأنفسكم منذراً مهدداً إلى أن يحاسبكم الله، وإلى أن يعاقبكم، وهو عليكم أقدر وبكم جل جلاله أعلم وأعرف. {اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الحج:69]. فإن أبوا إلا الجدال والمنازعة فدعهم وما اختاروا لأنفسهم، وقم بواجبك من الجهاد بالسيف، والجهاد باللسان، وعاملهم بما أمرت به من ربك، فمن أبى إلا الإصرار على ما هو عليه من جحود وكفر فدعه إلى أن يحاسبه ربه يوم الحياة الثانية؛ يوم البعثة والنشور.
تفسير قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض)
تفسير قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض) قال تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج:70]. أي: ألم تعلم يا محمد! -وقد علمت قبل- بأن الله يعلم ما في السماء والأرض قبل خلقهما، وهو العالم بالخفايا، العالم بالسر وأخفى، وقد علم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال ما حدثنا به من أحاديث صحاح وردت في الصحاح وفي السنن وفي المعاجم وفي المسانيد عن جماعة من الصحابة، تبين الآية وتفسرها، فمن ذلك ما قاله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (إن الله قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف عام كتب ما سيكون في اللوح المحفوظ). وعن جماعة من الصحابة قالوا: قال عليه الصلاة والسلام: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون إلى قيام الساعة). فجرى القلم بما أمره الله به، وكان ذلك قبل خلق السماء والأرض بخمسين ألف عام، حدثنا بهذا رسول الله عليه الصلاة السلام، وبه علمنا أنه علم ما قاله الله له. {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الحج:70] قد علم ذلك بتعليم الله له، فهو الذي علمه، {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن:26 - 27]. وفي الحديث المتواتر عن جمهور من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوماً بعد صلاة الصبح، أي: صلى صلاة الصبح وصعد المنبر، فخطب فظل يخطب إلى أذان الظهر، فنزل وصلى ثم صعد المنبر فظل يخطب إلى أذان العصر، فنزل وصلى العصر ثم صعد المنبر فظل يخطب إلى أذان المغرب، قال رواة الحديث: فحدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان وما سيكون منذ خلق الله السماوات والأرض، وإلى أن يبعث الله الناس إلى جنة أو إلى نار. وقال بعض الرواة الذين منهم عمر وعلي وأبو عبيدة عامر بن الجراح ومعاذ بن جبل، وكاتم أسرار رسول صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان وغيرهم، قال بعضهم: حدثنا بكل شيء حتى بالطائر يطير بجناحين في السماء، وحدثنا حتى بقائد الفتنة متى سيخرج وما اسمه واسم أبيه، ومن سيكون معه، ما ترك شيئاً إلا وذكرنا به. وهذه الأحاديث موجودة معلومة في الكتب الستة: عند البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وعند أحمد في المسند، وعند البزار في المسند، وعند أبي يعلى الموصلي في المسند، وفي معاجم الطبراني الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير، ولا يكاد يوجد كتاب من أمهات السنة إلا وفيه ذلك، ومنهم من خصص هذا بالتأليف، وهذا معنى قول الله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الحج:70]. قد علم وعلمنا -ونحن نعلم بعلم رسول الله في سنته- أن الله كتب كل ما خلقه قبل خلقه بخمسين ألف عام، وأن ذلك في اللوح المحفوظ. وكما سبق أن قلت في مناسبات: إن اللوح لوحان: لوح من قبل الحق، ولوح من قبل الملائكة جند الله، فاللوح الذي من قبل الحق لا يراه أحد لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وهو الذي قال الله عنه: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق:29]، وهذا لا يبدل ما فيه ولا يغير. واللوح المحفوظ الذي من قبل الملائكة؛ يأتي كل من كلف منهم بعمل فيرى عمله مكتوباً فينفذه ويمتثله، وهذا يقول الله عنه: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد:39]، فعنده اللوح الأم المحفوظ المرجع لهذا، وذاك لا يبدل القول لديه جل جلاله ولا يغير، وهذا يمحو الله ما يشاء فيه ويثبت. فالدعاء يمحو، وكل شيء إذا أراد الله جل جلاله أن يمحيه محاه، وذاك أصل الناسخ والمنسوخ، قال تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة:106]. {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ} [الحج:70] أي: أن علم الله -علم السماوات وعلم الأرض- في الكتاب وفي اللوح المحفوظ عند الله، كتبه القلم مأموراً من الله قبل خلق الخلق بخمسين ألف عام، ولا ندري هل الألف يوم هي من أيام الأرض: اليوم واحد أربع وعشرون ساعة، أو من أيام الآخرة الذي اليوم فيه كألف سنة مما تعدون؟ {إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج:70]. علم الأولين والآخرين، وعلم السماوات والأرضين، وعلم ما كان وما يكون إلى قيام الساعة وما بعد قيام الساعة، علم ذلك يسير على الله، والكل على الله يسير، فلا يصعب عليه شيء، ولا يعز عليه شيء جل جلاله وعلا مقامه.
تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا)
تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً) قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [الحج:71]. هؤلاء الكفرة والجاحدون يعبدون من دون الله أوثاناً لا دليل عندهم عليها لا من سلطان ولا من برهان، ولا من حق، ولا من كتاب سماوي، ولا من دعوة نبوية، ولا دليل يتصور، فيعبدون من دون الله ما ليس لهم به علم، ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً، وما لم ينزل الله به آية ودليلاً وبرهاناً وحجة على عبادتهم له، وإشراكهم الله فيه، فهم يعبدون ما دون الله جهلاً وإفكاً وافتراء، إن هي إلا أسماء سموها هم وآباؤهم، ما أنزل الله بها من سلطان من دليل ولا حجة. {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [الحج:71] أي: وليس للمشركين أمثال هؤلاء الذين يعبدون إفكاً وأصناماً، والذين يشركون مع الله غيره، والذين لا دليل ولا سلطان لهم من الله، ولا علم لهم بما يصنعون، هؤلاء الظلمة لأنفسهم، والذين لا يؤدون الحق هؤلاء ليس لهم نصير من الله عند حسابهم، وعند عذابهم، وعند عرضهم على الله يوم القيامة، فقد خرجوا للدنيا فرادى وسيأتون كذلك لا معين لهم ولا مساعد، ولا ولي ولا نصير من غضب الله. وهيهات! أن يتدخل أحد بين الرب والمربوب، وبين العابد والمعبود، فالناس تفر وتقول: نفسي ونفسي! ولا أحد يهتم بأحد لا زوجاً ولا أباً ولا ولداً ولا شيئاً من ذلك، فكما خرجنا من أرحام أمهاتنا فرادى فسنذهب إليه فرادى لا حول لنا ولا طول إلا حول الله وطوله، فينفع آنذاك الموحد الذي مات على التوحيد، وأما من مات على الكفر والشرك فلا نصير له ولا مساعد ولا ولي من الله.
تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر)
تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر) قال تعالى وهو يصف كفرهم، ويصف علامات حقدهم وبغضائهم لأهل الحق من الرسل والموحدين، قال عن هؤلاء: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحج:72]. يقول الله عن هؤلاء ليعرفهم النبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنين معه، وليعرفوهم بسيماهم وبلحظاتهم ونضرتهم الشزراء، ليعرفوهم بوجوههم المبتسرة العابسة المتجهمة التي تكاد يبدر منها الإيذاء والشر، عندما يرونك ويرون أدلتك واستدلالك وما تقرأه من آيات بينات، قال ربنا عن هؤلاء: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} [الحج:72]. أي: إذا قرأت عليهم أدلة قدرتنا، وآيات كتابنا، ومعجزات رسلنا، وبينات عندهم علموها، وتبينوها، وأدركوها وعلموا ما فيها، {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ} [الحج:72] أي: هؤلاء الذين إذا تليت عليهم آياتنا بينات تجد على وجوههم عبوساً جهاماً واكفهراراً، وتجد في نظراتهم شزراً، وتجد في نظراتهم حقداً وعداوة، وتجدهم متأففين متوجعين متبرمين. {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ} [الحج:72] أي: تعرف أنهم أنكروك، وأنكروا آياتك، وأنكروا أدلتك، أنكروك البتة بأدلتك وبراهينك قبل أن يتكلموا وقبل أن ينازعوا أو يجادلوا، فهؤلاء تعرفهم بسيماهم، وتعرفهم بنظراتهم. {يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} [الحج:72]. (يكاد) من أفعال المقاربة، أي: قاربوا أن يسطون بالتالي وبالداعية وبالرسول وبنائب الرسول، وكادوا يضربونه وكادوا يشتمونه ويسبونه وكادوا يثورون في وجهه. {يَكَادُونَ يَسْطُونَ} [الحج:72] يسطون من السطوة، ومن الطغيان والاعتداء والجبروت باليد أو باللسان أو بكليهما، فهؤلاء عندما يسمعون ذلك، وتقرأ في وجوههم المنكر وهو الاستنكار لما تقول، والحقد والبغضاء بما في نفوسهم عليك، ويكادون يسطون ويظلمون ويعتدون يتجبرون ويطغون بالذين يتلون عليهم آياتنا، وبمن سمعوه يقرأ الآيات، ويدعو إلى الله ويهديهم إليه، فتجدهم يكادون أن يفترسوه بالأعين والنظرات الشزراء قبل اليد وقبل اللسان، وهذه صفة للكفار المعاصرين للنبي عليه الصلاة والسلام، وهي صفة مستمرة لكل الكفار في كل زمان، فنرى هذا في الكفار المعاصرين، ونشعر بهم عندما نقف خطباء، أو مدرسين أو مذاكرين، أو داعين إلى الله، فتجدهم يتبرمون بك، وقد يمنعونك من الكلام، وقد يؤذونك إذا كانت السلطة بيدهم. فلطالما حدث هذا ولا يزال يحدث من أعداء الله المشركين ومن الطغاة الجبابرة مما يعلمه كل أحد، سواء من الكفرة المكشوفين، أو الكفرة المنافقين الذين يحملون أسماء إسلامية وجغرافية إسلامية، ويزعمون أنهم أبناء المسلمين والمسلمات، وما هم إلا كفرة فجرة يحقدون على الإسلام حقد اليهود والنصارى والمجوس. قال تعالى: قل لهؤلاء يا محمد: {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ} [الحج:72] أي: أتريدون يا أيها الحاقدون المشركون الذين تريدون أن تسطوا بمن يريد هدايتكم، وبمن يريد دعوتكم للحق، وبمن يريد لكم الخير، وأنتم تريدون لهم الشر، أؤنبئكم بما هو أشر من ذلك بالنسبة لكم؟ أتريدون أن أخبركم بشر من ذلكم؟ وليس هذا مقابلة؛ فإن أفعال التفضيل حسب اللغة العربية تقتضي المشاركة والزيادة، وشتان بين أن يقارن بين الخير والشر لنقول: هذا أخير، وهذا أصلح، ولكن باعتبارهم فإنهم رءوا للحق إلا شراً، وما رءوا للنور إلا ظلمة، وما رءوا في الهداية إلا ضلالاً. فهذا الذي اعتبروه شراً قال الله لنبيه: قل لهؤلاء، وليقل بذلك خلفاء رسول الله: خلفاء السيف أو القلم، من ورثته من العلماء: أخبروا هؤلاء الطغاة الكفرة الفجرة: {أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ} [الحج:72] أي: بشر من ذلك وبأقبح من ذلك، وبما شره أدوم، وبلاءه عليكم: النار التي ستقعون فيها وسيخلدون فيها، والتي سيبقون فيها، وكلما نضجت جلودهم أبدلهم الله جلوداً غيرها؛ ليذوقوا العذاب ويستمروا فيه. النار الخالدة التالدة التي لا تفنى وتبقى باستمرار، فقد ذبح الموت؛ ذبح في صورة كبش، فلا موت لأهل النار ولا موت لأهل الجنة، وقد قال الله لهؤلاء: خلود ولا موت، وقال لهؤلاء: خلود ولا موت. {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ} [الحج:72] هذا استفهام إنكاري تقريعي، أي: قل يا محمد: أفأنبئكم بشر من ذلك، أي: بما هو أشر من ذلك لكم، وأدوم بلاء عليكم: النار فهي أدوم بلاء. (وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (وعدها الله) من الإيعاد هنا، والوعد يكون للخير ويكون للشر، والإيعاد لا يكون إلا للشر، وعدهم الله إياها، وأوعدهم بسعيرها، وأوعدهم بعذاب النار وبئس المصير، بئس مصيرهم وعاقبتهم، فإنهم سيجدون عند العاقبة والمصير الشر والبلاء والعذاب والنقمة.
الحج [73 - 78]
تفسير سورة الحج [73 - 78] لقد كتب الله تعالى العجز والضعف على خلقه، وهنا جعل يعرف أولئك المشركين والكافرين بذلك، وأن ما يعبدون من دون الله تعالى لن يخلقوا أصغر مخلوقات الله وهو الذباب، بل وإذا سلبهم الذباب شيئاً فإنهم لا يستطيعون أن يستنقذوه منه، فضعف الطالب والمطلوب. فإذا كان حال هذه الآلهة المزعومة هكذا فكيف تستحق أن تجعل آلهة، وأن تعبد من دون الله؟!!
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له) قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73]. قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [الحج:73] الخطاب هنا للناس كلهم، وما كان خطاباً للناس فهو خطاب للمؤمن والكافر والمنافق، وهذه الآية أعظم آية في القرآن في إذلال المشركين وتحقيرهم، وضرب المثل والواضح نظراً وسمعاً ودليلاً وبرهاناً على سخف عقول الظالمين المشركين الضالين المضلين. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} [الحج:73] فالله يلفت الأنظار لسماع هذه الآية، فيبتدئها بنداء كل الناس، ثم يقول لهم: أعيروني آذانكم لتسمعوا ضرب الأمثال لهؤلاء المشركين الضالين المضلين. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} [الحج:73]. ضرب شبه بكم وبأصنامكم، بكم عابدين وبأصنامكم معبودين، انظروا إلى هذا المثل، يقول الله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73]. يا من له عقل أو لا عقل له ممن يتصرف بحواسه سمعاً وبصراً وقلباً وممن عميت منهم البصائر قبل الأبصار، انظروا واسمعوا وفكروا وعوا، لهذا المثل الذي يضرب بكم وبمعبوديكم. {ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج:73] أي: من تعبدونهم مع الله أو دون الله من ملك أو أنس أو جن، وما بالك بحجر وجماد وخشب وحيوان وما إلى ذلك، لو اجتمع هؤلاء كلهم ملائكة وإنساً وجناً متعاونين متكاتفين متواطئين متآمرين على أن يخلقوا ذباباً فلن يستطيعوا ذلك، فهم أعجز من ذلك. {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج:73] أي: لو اجتمعوا جناً وإنساً وملكاً، وكل ما على الأرض سوى الله ليخلقوا ذباباً وليوجدوه من العدم لما استطاعوا ولما قدروا. وأعظم من ذلك تحقيراً لهم عبدة وعابدين قوله: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} [الحج:73] أي: لو يأتي الذباب إلى فتات حبة ثم يأخذها ويذهب بها فلن يستطيعوا ملاحقته ليستنقذوا ذلك منه، ولن يستطيعوا إنقاذ شيء أخذه. {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73] أي: ضعف وعجز الطالب وهو العابد للأصنام، والمطلوب: المعبودات من الأصنام، سواء كانت الأصنام ملائكة أو بشراً أو جناً، والذباب جمع ذبابة، ويجمع جمع تصغير أذبة، وجمع تكسير ذبان، والذباب كذلك يطلق على الفرد وعلى الجماعة، والذبابة معروفة، ولو كان هناك ما هو أحقر من الذباب لذكره الله. ونحن نرى الآن في هذا العصر الذي يسمونه عصر الحضارة والمخترعات لم يستطيعوا أن يخلقوا ذبابة في حضارتهم، فالطيارة مثلاً وهي أعظم شيء وجد إذا نظرنا إلى مكوناتها: خشب لم يخلقوه، وحديد لم يخلقوه، وأكثر من ذلك هذه اليد البشرية، وهذا العقل البشري الذي فكر في صنع الطائرة، واليد التي صنعت الطائرة، هل هم الذين خلقوا الأيدي؟! وإذا ذهبت الأيادي فهل يستطيعون الإتيان بمثلها، وهذا العقل الذي به صنعت تلك الطائرة إذا أخذه الله فهل يستطيعون أن يأتون بعقل غيره ليصنع ذلك؟! ومع ذلك هذه الصناعة على ما تدهش الناس ويستغربها الناس وأشركوا بها دون الله، فهل هناك شيء أخترع وأوجد من عدم وكان غير موجود، إنما هو ترقيع، وهو جمع، كمن يأتي إلى حب، هذا الحب خلقه الله في الأرض التي لم نخلقها نحن، بالماء الذي لم نخلقه نحن، بالسماد الذي لم نخلقه نحن، فاستطعنا أن نصنع من هذا الحب حلوى، وأن نصنع منه خبزاً، وأن نصنع منه سميداً أو ما إلى ذلك، فهذا لا يعني أننا أوجدناه؛ لأن أصل الحب أوجده الله. إذاًَ البشر والخلق كلهم: ملائكة وبشراً وجناً وكل ما على الأرض من إنسان وحيوان وهوام كلها أعجز من أن تصنع ذباباً، أو أن توجد ذبابة، لم يكن لهم أن يوجدوها من العدم، وإن كان ضرب المثل بأذل شيء وأحقر شيء فما بالك بما هو أعظم. ومثل هذا الذي اغتر بحضارته لم يستطع أن يقضي على الموت ولا على الشيخوخة، ولا استطاع أن يخلد مع الخالدين. وهذا عندما يقوله الله جل جلاله في العصر الأول فهو يبقى في كل العصور إلى يوم قيام الساعة، فأي إنسان عبدوه، وأي ملك عبدوه، وأي جن عبدوه لا يستطيع أن يخلق شيئاً، ولا أن ينفع ولا يضر نفسه. ودليلهم وحجتهم في عبادتهم أن قالوا: {وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف:22]، {وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء:53]، وجدنا آبائنا كانوا يصنعون ذلك، فقلدوا آباءهم في الكفر، فزادوا بذلك ضلالاً، وزادوا بذلك كفراناً وجحوداً. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73]، أي: عجز الطالب العابد، وعجز المطلوب المعبود من الأصنام دون الله، فهؤلاء أضعف وأعجز وأقل وأذل من أن يخلقوا شيئاً، ولو كان ذباًباً، ولو تكاتفوا واجتمعوا جميعاً ليوجدوا ذلك، فقد ضعف العابد والمعبود، ولن يكون ذلك إلا صفة للخالق الذي يوجد الشيء من العدم، فهو الذي ينشئ الشيء ولم يكن ثم يصبح فيكون. قال تعالى: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:74]. فهؤلاء الضعفة والعجزة من العابدين المشركين، والمعبودين من الأصنام، كانوا أحياء أو كانوا جمادات: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الحج:74] أي: ما علموا قدرته ولا قدروها، وما قدروا وحدانيته ولا عرفوها، وما قدروا صفاته العلا وأسماءه الحسنى. {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40] قوي على كل شيء، قادر على كل شيء، ومن قوته معاقبته لهؤلاء الكفرة الجاحدين الذين يأبون إلا الشرك، ونزع الحق من أهله، والله عزيز لا يغالب، عظيم لا يبارى، ومن يتأله على الله يكذبه.
تفسير قوله تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير)
تفسير قوله تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير) قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج:75]. الله جل جلاله لا يسأل عما يفعل، فيصطفي ويختار رسلاً من الملائكة ورسلاً من الناس، اختار من الملائكة رسلاً الله أعلم بأعدادهم، منهم جبرائيل وهو كبيرهم، ومنهم عزرائيل أرسل لأخذ الأرواح، ومنهم إسرافيل كلف بالنفخ في الصور، وغيرهم. وهناك رسل الملائكة إلى الناس، فقد كان جبريل يرسل إلى نبينا وإلى الرسل كلهم منذ آدم وإلى خاتمهم نبينا صلوات الله وسلامه عليه. ومن الناس اصطفى الله آدم لأولاده وذريته، واصطفى إدريس بعده، واصطفى نوحاً وإبراهيم وذريته وسلالته: إسماعيل وإسحاق، واصطفى من سلالة إسحاق أنبياء بني إسرائيل، ومن سلالة إسماعيل نبينا صلى الله عليه وسلم إمام الأنبياء وسيد الخلق والبشر عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج:75] وليس الاصطفاء برأي الناس، ولا بهوى الناس ونزواتهم ومحباتهم، فالله يجعل رسالاته حيث شاء، فيرسل من يشاء وإليه عمل كل شيء، وهو القادر على كل شيء: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء:23]، {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام:124]. {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج:75] سميع بأعمالنا وأقوالنا، سميع لمن أعلن التوحيد ودعا إلى التوحيد، وسميع لمن أعلن الشرك ودعا إلى الشرك وعمل به، بصير بأعمالنا، فيجازي كلاً حسب عمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وفي ذكر هذين الاسمين في آخر الآية تهديد ووعيد لأهل الوعيد من أهل النار، وبشرى للمؤمنين المتقين بأن الله يسمع أقوالهم ويبصر أعمالهم، فيجازيهم عليها بالرضا والرحمة ودخول الجنان، قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} [الحج:76]. فالله جل جلاله يعلم ما بين أيدينا وما سيتقبل من أعمالنا، ويسمع ويعلم ما نصنعه حالاً، ويعلم ما سنفعله بعد حين ويسمعه ويبصره، يسمع أقوالنا ويعلم أعمالنا مما بين أيدينا ومما هو آت، وما خلفنا مما انتهى وقد عملناه وقلناه، فلا يخفى عليه شيء، فعلمه بالماضي كعلمه بالحاضر والمستقبل لا تخفى عليه خافية جل جلاله.
تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور)
تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور) قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} [الحج:76]. قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} [الحج:76] أي: ما بين أيديهم في الحاضر والمستقبل، وما خلفهم مما مضى وانقضى، وعلمه بالحاضر كعلمه بالماضي وكعلمه بالمستقبل. {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} [الحج:76] أي: أن أمورنا ترجع إليه، فيعامل كلاً حسب عمله، فإلى الله ترجع أمورنا الصالحة، وإلى الله ترجع أمورنا الطالحة، إلى الله خيرنا، وإلى الله ما صنعنا من شر، فيعاقب هذا على عصيانه، ويحسن لهذا على إحسانه، فلا تخفى عليه خافية، والآيات كلها على نسق واحد ونظام واحد: بأن الله جل جلاله دعا الناس إلى توحيده وإلى عبادته، فحبب إليهم الإيمان وكره إليهم الفسوق والعصيان، ودعاهم إلى عبادته وحده، وذم الأصنام والشرك والظلم، وأنذرهم بما حقر من معبوديهم من الأصنام التي يعبدونها دون الله، وأخبرهم بأنه يعلم كل شيء من ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، وإليه المصير، فإلى الله نرجع وإلى الله نصير: إما إلى جنة وإما إلى نار، فإن كان من أهل الخير فإلى الجنة، وإن كان من أهل الشر فإلى النار.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم) قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج:77]. سبق أن قلنا في أول السورة: إن من خصائص سورة الحج أن فيها سجدتين، ولا يوجد سورة فيها سجدتان، وهذه السجدة قال بها الشافعية والحنابلة ولم يقل بها المالكية والحنفية؛ لأنهم قالوا: إن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج:77] دعوة إلى الصلاة وليس أمراً بالسجود فقط، ولذلك ذكر الله حركات الصلاة، فذكر الركوع فيها وذكر السجود فيها، ثم عمم وذكر العبادة، وعلى أي حال لا معنى للمذهبية هنا. فنحن عندما نسجد لله، ونضع جباهنا والمواضع السبعة من عظامنا وجباهنا وما إلى ذلك، فنحن نعبد الله ذاتاً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد). فلا معنى هنا لأن يقول مالك: أنا لا أسجد، وأن يقول الحنفي: أنا لا أسجد، ونحن نسجد على أي حال وقد دعانا الله للركوع والسجود، والإمام مالك مع جمهور الأئمة يمنعون الصلاة بعد صلاة العصر بأمر رسول الله المتواتر، يقول عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تشرق الشمس). فالإمام مالك دخل مرة إلى المسجد النبوي بعد صلاة العصر فجلس، وإذا بطفل صغير بجانبه قال له: يا إمام! ألا تركع ألا تصلي؟ فذكره بتحية المسجد، فوقف مالك وركع وصلى تحية المسجد، وإذا بأصحابه يقولون له: يا أبا عبد الله رأيناك اليوم تصنع شيئاً ما سبق أن صنعته، بل دعوت لعدمه وأن الأمر النبوي بخلافه، قال الأمر كما تقولون، ولكن هذا الطفل دعاني للركوع، ودعاني للسجود فخفت أن أدخل في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} [المرسلات:48]، فإذا كان هذا قول طفل امتثله مالك على غير رأيه واجتهاده، فما بالك والله يقول لنا: اركعوا واسجدوا؟! فنركع. فقال الآخرون: فنحن نركع بأمر الله، ونسجد بأمر الله، ونقصد الامتثال في كل ما أمرنا به في ذلك. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:77] الخطاب هنا للمؤمنين؛ لأن الركوع والسجود لا يقبل إلا من إنسان قبل التوحيد، فقوله: (يا أيها الناس) كانت خطاباً للناس كلهم، وفروع الشريعة دائماً ينادى بها المؤمن؛ لأن الأصول قد أداها واعتقدها وتمسك بها، وهي التوحيد والإيمان بالرسالات. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [الحج:77] أي: لازموا الصلاة وأقيموها، وهي التي فيها ركوع وسجود. {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [الحج:77] بكل أنواع العبادات كما أتى ذلك مبيناً في القرآن، وفي السنة النبوية. {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [الحج:77] بحسب الأركان الخمسة: من صلاة وصيام وزكاة وحج، ومن أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وأنواع العبادات التي لا تكاد تحصى. {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج:77] ويدخل في الخير كل أخلاق الخير، وكل الحسنات، وكل مكارم الأخلاق، وكل السير الطيبة الصالحة، ولنا الأسوة في ذلك الأعظم نبينا صلى الله عليه وعلى آله، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21]. قوله: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج:77] أي: لازموا الركوع والسجود، ولازموا عبادة الله حسب أمر الله وأمر نبيه، ولازموا فعل الخيرات وترك المنكرات حسب أمر الله ونهيه، وحسب أمر رسوله ونهيه. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج:77] بعد كل ذلك ترجون الفلاح، ولكن أطلعنا علماؤنا ومفسرو كتاب ربنا بأن (لعل) في القرآن ليست للترجي ولكنها لليقين، أي: إن فعلتم ذلك ستفلحون، ونرجو الله الدوام على ذلك، وتحقيق الفلاح حقاً.
تفسير قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم)
تفسير قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم) قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج:78]. قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج:78]، الجهاد معناه بذل الجهد الإنساني البشري في عمل من الأعمال، والله عندما قال: جاهدوا في الله، لم يقل بسيف ولا بقلم، قال: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج:78]، فأمرنا بالجهاد فيه في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله يكون بما أمرنا الله به، وبينه رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى ذلك بذل الجهد جهاداً في سبيل الله عبادة ودعوة له بالسيف واللسان والقلم والمال والحياة وبكل ما يستطيعه الإنسان. فنجاهد بأنفسنا عندما نطالب بذلك؛ إعلاء لكلمة الله، وصداً للكافرين، وحرباً على المنافقين، ونجاهد في سيبل الله بألسنتنا عندما تكثر البدع وأنواع الشرك والضلالات والمذاهب الوافدة الضالة المضلة، فإننا نجاهد بألسنتنا فنبين الحق ونوضحه نصاً من كتاب الله ونصاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما تؤكده لغة العقول السليمة، والأنفس القابلة الواعية، ونجاهد بأموالنا عطاء للفقير وللمسكين وللقريب وللسائل والمحروم. فنجاهد في سبيل الله كل حسب استطاعته، فمن يملك المال فبالمال، ومن يملك السلطة والجاه والجيوش والجنود فبالجيوش والجنود والجاه، ومن يملك الولد فبالولد، ومن يملك اللسان فباللسان، ومن ملكه الله كل ذلك فبكل ذلك. فليكن الجهاد لساناً، وليكن الجهاد قلماً، وليكن الجهاد مالاً، وليكن الجهاد حياة، وهكذا الله قال: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج:78] أي جاهدوا الجهاد الحق، أي: استفرغوا كل جهدكم حسب قدرتكم وطاقتكم، وبعد ذلك لا نلام. (هو اجتباكم) أي: الله اصطفانا نحن أمة محمد، فكنا خير الأمم، ونبينا خير الأنبياء، وديننا أتم الأديان وأشملها وأدومها، فأديان الناس قبلنا كانت أدياناً قومية، والرسل قبلنا كانوا رسلاً قوميين لأقوامهم خاصة، وانتهت رسالاتهم بموتهم، ونبينا صلى الله عليه وسلم نبي العالمين لكل البشر بشيراً ونذيراً، فقد أرسل لكل من عاصروه ومن أتوا بعده إلى يوم القيامة، للعربي والعجمي، للأبيض والأسود والأحمر، في عصره وما بعد عصره، ودينه قد كمل فلن يأتي بعده دين ولن يكون دين مكانه في التمام، ونسخت به الأديان الأولى. فاجتبانا ربنا وقال لنا: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110]، فكنا خير الأمم للأمم، وخير الإنسان للإنسان، وخير البشر للبشر؛ لأننا أمرنا أن نأمر بالمعروف كما عرفه الله ورسوله، وأن ننهى عن المنكر كما أمره الله ورسوله، وأن ندعو إلى عبادة الله الواحد لا إله إلا الله، ومن لم يفعل ذلك من المؤمنين لا يكون ضمن الخيرية. {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} [الحج:78] أي: هو اصطفاكم واختاركم وانتخبكم من بين الأمم. {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78] هذا الدين الذي أمرنا به؛ دين الإسلام، ودين القرآن، ودين محمد عليه الصلاة السلام، لم يجعل فيه حرجاً علينا، فلم يضيق علينا، ولم يشدد علينا، وهكذا قال صلى الله عليه وسلم مبيناً: (بعثت بالحنيفية السمحة). وأرسل أميريه ليحكما اليمن، أرسل معاذ بن جبل، وأبا موسى الأشعري وقال لهما: (بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا). فكانت دعوتهما للناس بأن يكونوا مبشرين لا يخوفون الناس، وأن يكونوا منذرين دون أن ييأسون الناس، وأن يكونوا ميسرين ولا يكونوا معسرين، وهي دعوة لكل داعية إلى الله بكلمة أو بكلام، في مجلس أو مجالس أو في جميع الحياة. ومثال ذلك: أننا نصلي أربعاً في الحضر، ثم يسر الله علينا فنصلي ركعتين في السفر، ونحن نصلي بوضوء وقبلة وإذا بالمريض يسر عليه أن ينتقل من الماء إلى التيمم، وأن ينتقل من القيام إلى الجلوس، وإذا سافرنا عبر الطائرة نصلي ونحن في الطائرة على الرواحل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـ بلال وهو يؤذن في الطريق إلى أحد غزواته، وكانت ظلمة وكان طين ومطر، فقال لـ بلال وهو يؤذن أن يقول: (ألا صلوا في الرحال). وهذا من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم فالرحال جمع راحلة، فالطائرة راحلة، والراحلة كل ما يرحل عليها، فنحن نصلي على الرواحل النوافل كما قال الأئمة الثلاثة، وقال أحمد: نصلي الفرائض والنوافل إذا اقتضى الحال، وكان أحمد هنا أبعد نظراً، فنحن الآن عندما نكون في الطائرات لا بد من الصلاة، فقد نركبها لساعات متواصلة: قبل العصر وقبل الظهر إلى المغرب، فيجب أن نعلن كلمة التوحيد، وأن نؤذن ونصلي سواءً كان ذلك في الطائرة أو على الرواحل ونحن جلوس، ونستقبل القبلة عند التكبير ثم ندع الطائرة حيث ذهبت ونحن نصلي، وإلا كنا قد أخرنا الصلاة عن وقتها، وجمعنا الصلوات وهي كبيرة من الكبائر، وخاصة صلاة العصر التي قال عنها المصطفى صلى الله عليه وسلم (من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله). وقال: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله). فنصلي باستمرار، وندعو من معنا أن يصلي بنا، وأحياناً نأمر من يقف عند المكبر في الطائرة فيؤذن ويقيم ونصلي ونحن جلوس، فإن لم تجد ماء وكان الماء قليلاً للشرب فقط فيمكن أن يتيمم الإنسان بحجر، أو يمسح على الجورب إن كان قد لبسه وهو على طهارة كالخف، ويكتفي بغسل وجهه مرة، ويديه مرة، ومسح الرأس والمسح على الجورب، وهكذا يكون قد قام بدين الله ودعوة الله في الأرض، وفي البحر وفي الجبال، وفي الوهاد، وفي الأجواء، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف:84]. قال جل جلاله وعز مقامه: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج:78]. (ملة) أي: كملة، نصبت على حذف الخافض. {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ} [الحج:78]، والإسلام لم يرسل للعرب فقط، فقد أرسل للعرب والعجم وغيرهم، والقرآن أرسل به نبينا صلى الله عليه وسلم لكل الناس، وأبيكم هنا المقصود بها أبوة الحقيقة للعرب، وهي أبوة للمسلمين عموماً أبوة احترام، كما قال النبي عليه الصلاة السلام للمسلمين: (أنا لكم كالوالد للولد)، وكما قال عن نسائه: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6]. فأزواج رسول الله أمهات جميع المسلمين، وليست أمومة نسب أو دم، ولكنها أمومة احترام وتعظيم وإجلال، وهكذا أبوة إبراهيم فإنها لكل مسلم. {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ} [الحج:78] زعم بعض المفسرين أن المقصود بقوله: (هو سماكم المسلمين) أي: إبراهيم الذي سمانا، والآية لا تسمح بذلك، فالآية تقول: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا} [الحج:78] المقصود بقوله: (في هذا) أي في القرآن، وإبراهيم ما سمانا في القرآن، فإن القرآن لم ينزل أيام إبراهيم، ولكن المقصود هو الله جل جلاله، فهو الذي سماكم المسلمين من قبل، أي من قبل محمد، ومن قبل القرآن المنزل على محمد، وفي الأديان السابقة، وهذا من كرامة المسلمين على الله، وكرامة نبيهم على الله: أن ذكرنا الله في التوراة، وذكرنا في الإنجيل، وذكر نبينا محمد باسم أحمد في الكتب السابقة: {يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6]، وقد حكى الله عن شريعتنا، وعن ديننا، وعن أخلاق أصحاب نبينا، وعن الصالحين الزهاد العباد من المؤمنين. {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج:78] فالله جل جلاله تكلم عنا في التوراة والإنجيل وفي الأديان السابقة، إشادة بنبينا، وباتباع نبينا وهو إشادة بنا. {وَفِي هَذَا} [الحج:78] أي: القرآن، فالله سمانا المسلمين في القرآن، والله سمانا المسلمين من قبل، وليس معناها أن إبراهيم سمانا في القرآن، فإن هذا ليس صحيحاً؛ لأن القرآن لم يكن موجوداً أيام إبراهيم، والقرآن ما أنزل إلا بعد البعثة المحمدية، وهكذا أكد ابن جرير، وابن كثير، وجماهير المفسرين تخطئة من قال: إن من سماكم المسلمين هو إبراهيم. {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج:78] أي: قبل نزول القرآن، وقبل إسلامنا، وقبل بعثة نبينا، سمانا من قبل في الكتب السابقة المسلمين، (وفي هذا) أي: في القرآن الكريم. والنبي يقول عليه الصلاة والسلام: (دعوها فإنها منتنة) أي الدعوات القومية، وقولوا بما سماكم الله به أيها المسلمون! فالله سمانا مسلمين وسمانا مؤمنين وسمانا عباداً.
الحج [78]
تفسير سورة الحج [78] أمر الله تعالى عباده المسلمين بأن يجاهدوا فيه حق الجهاد، فيبذلوا المال والنفس والغالي والنفيس في سبيل نصرة دين الله. وهو تعالى هو الذي سمى المسلمين بهذا الاسم قبل أن يرسل رسوله، وقبل أن ينزل كتابه، ليكون الرسول شهيداً على هذه الأمة يوم القيامة بتبليغها الدين والرسالة، وتكون هذه الأمة شهيدة على الأمم السابقة بأن أنبياءها قد بلغوها ونصحوا لها.
تفسير قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده)
تفسير قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده) قال الله جلت قدرته: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج:78]. قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج:78] يأ مرنا الله جل جلاله فيه أن نجاهد ونبذل من أنفسنا الجهد في سبيل الله وطاعته وإعلاء كلمته، ويأمرنا أن نجاهد بالألسن والسيوف والأموال، وأن نجاهد أعداء الله الكافرين والمنافقين بكل ما نملك؛ لتكون كلمة الله هي العليا. قال تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} [الحج:78] أي: هو اصطفاكم واختاركم من بين الأمم، فخيرها وأشرفها وأكملها أمة خير نبي، وأمة خير دين وأشمله. قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110]. فأكثر الأمم دخولاً الجنة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ودينها أشمل الأديان وخيرها وأقربها يسراً وأبعدها عسراً. قوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) أي: لم يجعل في دين الإسلام ضيقاً ولا حرجاً ولا شدة، ولم يجعل فيه إصراً كما كان على الأمم من قبل، وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (بعثت بالحنيفية السمحة). وأرسل عليه الصلاة والسلام أميرين على اليمن: معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري، وقال لهما: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا). قال تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج:78] أي: كان دينكم الذي بعث به نبيكم محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم بما فيه من اليسر، وعدم الحرج والضيق، كملّة ودين أبيكم الأعلى إبراهيم، أبي عرب الحجاز وأبي المسلمين جميعاً أبوة احترام وإجلال، كما قال تعالى عن أمهات المؤمنين: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6]، فهن أمهات المسلمين جميعاً لا لنسب ولا دم، ولكنهن أمهات إجلال وإكبار واحترام، وهكذا أبوة إبراهيم لعامة المسلمين. قال تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا} [الحج:78]. فهم الكثيرون أن إبراهيم الخليل عليه السلام هو الذي سمانا المسلمين قبل خروجنا، وقبل ظهور نبينا صلى الله عليهما وسلم، ولكن المعنى لا يستقيم؛ لأن قوله: (وفي هذا) أي: في هذا القرآن، وإبراهيم لم يكن وقت نزول القرآن، إذ القرآن لم ينزل إلا على نبينا صلى الله عليه وسلم، فيبقى المعنى كما قال جمهور المفسرين: هو سماكم أي: الله جل جلاله. إذاً: سماكم الله مسلمين من قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم وبروزه نبياً ورسولاً للعالمين، ومن قبل مجيء عصركم، ومن قبل نزول القرآن الكريم، كذلك سماكم الله المسلمين في ملل الأنبياء المتقدمة، وفي الكتب السابقة: الزبور والتوراة والإنجيل، وبشر بنبيكم وسماه أحمد، وبشر برسالتكم وسماها الإسلام، وكان صلى الله عليه وسلم مذكوراً عنه في الكتب السابقة أنه يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويرفع الإصر والآثام، ويرفع ما كان من ثقل في الأديان السابقة، يرفع ذلك عن أمته. قال تعالى: {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ} [الحج:78]. سمانا الله جل جلاله المسلمين؛ ليشهد علينا يوم القيامة نبينا أمام الخلائق كلها عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم بأنه قد بلغنا رسالته، وأمرنا بدينه، وبلغنا ما أوحاه الله من كتابه، وبينه تبياناً كاملاً بحيث لم يترك فيه عوجاً ولا أمتاً ولا جهالة ولا غموضاً؛ ولنكون نحن كذلك، كما قال تعالى: {وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج:78] أي: وتكونوا أيها المسلمون شهداء على الأمم السابقة يوم القيامة: بأن أنبياءهم ورسلهم بلغوهم الوحي والدين، وبلغوهم ما أوحي في الكتب السابقة: من صحائف إبراهيم وزبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى. فالرسول يشهد علينا أنه قد بلغنا الرسالة، وأدى الأمانة، ونحن نشهد بذلك، كما شهد بذلك سلفنا الصالح يوم خطب فيهم عليه الصلاة والسلام خطبة الوداع، يوم ودع الناس وقال وهو يحج: (لعلكم لا تروني بعد عامي هذا) فكان خطيباً مودعاً صلى الله عليه وسلم، ثم قال لهم: (هل بلغتكم؟) فقالوا: نشهد أنك بلغت الأمانة، وأديت الرسالة، فأخذ يرفع صلى الله عليه وسلم سبابته إلى السماء ثم يشير إليهم وهو يقول: (اللهم اشهد اللهم اشهد). ونحن نشهد شهادة الحق بما بلغنا عنه وعن آبائنا وأجدادنا وشيوخنا، وما وصل إلى أيدينا من الكتاب المنزل عليه، ومن سنته المبينة المفسرة. قوله: {عَلَى النَّاسِ} [الحج:78] أي: على غيرنا من الأمم السابقة والشعوب الماضية من أتباع الأنبياء السابقين. قال تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ} [الحج:78]. اشكروا نعمة الله عليكم بما أكرمكم به، حيث كنتم خير الأمم لخير نبي، ولخير رسالة وأدومها وأشملها، فاشكروا الله بما أمركم به من عبادته، {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [الحج:78] أي: فلتكن عبادتكم وشكركم لله بإقامة الصلاة والمحافظة عليها في أوقاتها، والقيام بأركانها وواجباتها وسننها، وبالمحافظة على خشوعها وذكرها وحركاتها، فحافظوا عليها ليلاً ونهاراً؛ شكراً لله على ما اصطفاكم وأكرمكم به. قوله: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [الحج:78] أي: قوموا بحق الله شكراً لما أولاكم به، وأدوا حقوق عباد الله شكراً لله، لما أمركم الله به من القيام بحقوق الناس: الفقراء والمساكين والمحتاجين والسائلين والمحرومين، والزكاة لم تجب بحصصها وتفاصيلها إلا في السنة الثانية من الهجرة في المدينة المنورة، وهذه الآية مكية فإن قيل: كيف ذلك {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [الحج:78] والزكاة لم تفرض إلا بعد ذلك؟ ف A قال المفسرون: فرضت الزكاة في مكة ولم تقيد بأنصبة، ولا بحول ولا بنوع، وإنما هي صدقات ونفقات للسائل والمحروم، ولذي الرحم وللقريب وللفقير وللمحتاج وللعائل، فكانت أمراً بإحسان، وأمراً بإنفاق. وعندما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فرضت بحولها ونصابها. وكذلك تفسر الزكاة هنا بزكاة النفس وتطهيرها من الدنس والشرك والمعاصي، فيصير المعنى على هذا: {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الحج:78] أي: عبادة لله، ركوعاً وسجوداً وقياماً وتلاوةً وذكراً، وتكبيراً وتسليماً. {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [الحج:78] أي: آتوا زكاة أنفسكم: بتصفيتها عن الزلات، وعن الدنس والشرك والمعاصي، وكل ذلك صحيح، وكل ذلك تشمله الآية. قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ} [الحج:78] أي: اجعلوا الله عضدكم ووكيلكم واجعلوا الله من تصيرون إليه، ولا تبتغوا عزاً بغيره، ولا ملجئاً من سواه جل جلاله وعز مقامه. ولا يليق بالمسلم أن يعتز بغير الله، ومن اعتز بغير الله ذل. قال تعالى: {هُوَ مَوْلاكُمْ} [الحج:78] أي: الله ناصركم ووليكم وحافظكم، ومن كان الله مولاه فلا يخاف ذلاً ولا غلبةً ولا هواناً. قال تعالى: {فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج:78]. أي: فالله هو نعم الولي للمؤمنين والناصر والمرجع والمعاد والنصير لهم من كل ظلم ظالم وعداء عدو وكفر وكافر وشرك مشرك، و (نعم) أي: ما أنعمه وما أكرمه وما أجله، جل جلاله وعز مقامه. وبهذا نكون -ولله الحمد والشكر بكل جوارحنا وخلايا أجسامنا- قد ختمنا سورة الحج. زادنا الله علماً وعلمنا منه ما جهلناه. وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
المؤمنون [1 - 7]
تفسير سورة المؤمنون [1 - 7] سورة المؤمنون من السور المكية، سميت بهذا الاسم لما في بدايتها ونهايتها وخلالها من ذكر صفات المؤمنين. والآيات الأولى من هذه السورة ذكر الله تعالى فيها صفات المؤمنين المفلحين، فذكر من صفاتهم الخشوع في الصلاة، والإعراض عن اللغو، وأداء الزكاة، وحفظ الفروج عن الحرام، والمحافظة على الصلوات، فمن اتصف بذلك فهو من المؤمنين المفلحين الوارثين للفردوس.
بين يدي سورة المؤمنون
بين يدي سورة المؤمنون سورة المؤمنون سميت بهذا الاسم لما في بدايتها ونهايتها وخلالها من صفات المؤمنين حقاً، وأن الإيمان ليس قولاً يقال فقط، بل هو قول باللسان، وعقد بالجنان، وعمل بالأركان، فإن خلا عن الجنان كان نفاقاً، وإن خلا عن الأركان كان فسقاً، وإن خلا عن اللسان كان كفراً، والقلوب الله أعلم بها. ولا يتم إيمان المؤمن حتى يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يقولها لسانه، ويعتقدها بجنانه، ويصدق القلب اللسان واللسان القلب، وتعمل الجوارح بما يدل على صدقه ويقينه. {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [العصر:1 - 3]، وكثيراً ما وصف الله المؤمنين أنهم يعملون الصالحات، وهي القيام بالأركان والصفات الآتية التي سنقولها في العشر الآيات المتتاليات على نسق واحد. وهذه السورة مكية، أي: نزلت على نبينا عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة، وفيها مائة وتسع عشرة آية، وعرفت أنها مكية بما ثبت عن الأصحاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بها في مكة في صلاة الصبح، وإذا به وهو عند ذكر قصة فرعون مع موسى وهارون تأخذه سعلة، فيقطع بقية التلاوة في السورة ويركع. وهذه السورة الكريمة المكية قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء عن عمر بن الخطاب فيما رواه عنه أصحاب السنن، قال عمر: (كان إذا نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعنا عند وجهه الشريف دوياً كدوي النحل، فنزل عليه مرة فلبث ساعة ثم رفع رأسه وقرأ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون:1 - 11]. فتلا صلى الله عليه وسلم هذه الآيات العشر ثم قال: نزلت علي آيات عشر من قام عليها دخل الجنة). أي: من أقامها وتخلق بأخلاقها والتزم بها كان المؤمن حقاً، ومكافأته من الله وجزاؤه أن يدخل الجنة خالداً مخلداً فيها. وسئلت السيدة عائشة رضوان الله عليها: (ماذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت للسائل: ألم تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قالت: إن قرأت فأعد القراءة: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1] وإلى أن أتمت الآيات العشر، قالت: كان خلق رسول الله القرآن). أي: كان متصفاً بهذه الصفات النبيلة الكريمة التي وصف الله بها رسله وعباده المصطفين الأخيار، وكان كما قال الله عنه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4]، وكان كما قال الله عنه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح:29]، واذكر مع هذا كل ما ورد ونزل عن الله جل جلاله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم. وورد في السنن أن الله يقول في الحديث القدسي: (إني خلقت الجنة بيدي، جعلت لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك) أي: أن الطين الذين يجمع به كان مسكاً، (ثم قال للجنة بعد أن خلقها بيده: تكلمي، فقالت: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:1 - 2]).
تفسير قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون)
تفسير قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون) ووقع التنويه بالمؤمنين في سورة المؤمنين من البداية، وذكرت الآيات العشر صفات المؤمنين الذين هم مؤمنون حقاً منذ البداية، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1] (قد): حرف تحقيق وتأكيد، وكانت تكفي: {أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1] فأفلح: فعل ماضي دل على أن فلاح المؤمنين قد تم عندما يتخلقون ويتحلون بهذه الأخلاق والنعوت والصفات، ولكن الله جل جلاله أكد هذا المعنى من الفلاح والفوز والظفر بالجنة ودخولها حققه وأكده بأداة (قد)، وما دخلت (قد) على فعل ماضي إلا حققت معناه ومفهومه، ومعنى: قد قامت الصلاة، أي: قد فرض الله قيامها وأوجبه على كل إنسان، ولا تقبل إلا من مؤمن. فالإيمان شرط صحة في عمل العبادات والقيام بها، {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1] أي: حقاً وتأكيداً أن المؤمنين قد أفلحوا، والفلاح: هو الظفر والسعد والحظ والنجاح، أي: أن المؤمنين في دنياهم بعد أن تعبوا عبادة وسهراً وعملاً بالحلال وتركاً للحرام، وتعبوا التزاماً بما أمر الله به من أنواع العبادات، وقاموا لله متهجدين والناس نيام، ويقولون: يا رب وهم يسجدون ويركعون، ويضرعون ويخنعون، فهؤلاء عندما يذهبون إلى ربهم يكونون قد نجحوا في عملهم، وفازوا وسعدوا بوراثة الجنة خالصة لهم من دون الناس.
تفسير قوله تعالى: (الذين هم في صلاتهم خاشعون)
تفسير قوله تعالى: (الذين هم في صلاتهم خاشعون) قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:1 - 2]. أول صفة صلاح هي الخشوع في الصلاة، وقد جاءت بعد اتصافهم بالإيمان، ويوصف بالإيمان كل من نطق بشهادة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم يأتي بعدها الصلاة. وقد سئل صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (أي عمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قيل: ثم أي يا رسول الله؟! قال: بر الوالدين، قيل: ثم أي يا رسول الله؟! قال: الجهاد في سبيل الله). فالصلاة تأتي بعد الشهادتين، وبر الوالدين بعد الصلاة، والجهاد يأتي بعد التوحيد وبعد الصلاة وبعد بر الوالدين، ومن البر إذا كان الولد وحيد أبيه وأمه ألا يحج، وحجه خدمة أبيه وأمه، فقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاب يقول له: (يا رسول الله! أريد القتال والجهاد معك، قال: ألك أبوان؟ قال: لي أم، قال: إن الجنة عند قدميها) أي: الزمها، فجهادك وما تريد من شهادة وما تريد من فوز بالجنة هو في ملازمة قدميها خدمة وطاعة وبراً. {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:2] وصف المؤمنون بأول وصف بعد الإيمان وبعد النطق بالشهادتين واليقين بالجنان أن يكونوا مصلين، وهم خاشعون في صلاتهم، والخشوع: هو سكون الجوارح، والأدب، واستشعار الوقوف بين يدي الله. والكثير من البدو والأعراب وممن لا يعلم صلاته ولا دينه لا يتذكر لحيته، ولا يتذكر العقال، ولا يتذكر الهندام إلا وهو يصلي، فتجده يصلي وهو يتلاعب بيديه وبجسمه وبحركاته، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم مصلياً يصلي وهو يعبث بلحيته فقال عنه: (لو خشع قلب هذا لما عبثت يده بلحيته)، ومعنى ذلك أن الخشوع هو السكون. وكان الصحابة في الصلاة يرفعون أبصارهم إلى السماء، وينظرون يميناً وشمالاً ولو لم يلتفتوا، فورد المنع من ذلك، فالخشوع هو سكون الأعضاء جميعاً، والخشوع هو تفرغ القلب للصلاة وما تصنعه فيها، والخشوع هو النظر إلى مكان سجودك؛ حتى لا يشغل بصرك بغاد ولا رائح، والخشوع هو أن تخشع حواسك؛ لتفهم ما أنت داخل عليه وما أنت حال فيه، فعندما تقول: الله أكبر فإنك تصغر غير الله، فكل مخلوق صغير أمام جلال وعظمة الله، فتتفهم معناها وتتفهم معاني سورة الفاتحة، وهكذا في التسبيح والتعظيم والجلوس والاستغفار، وكل تلاوة الصلاة وذكرها وتكبيرها تخشع فيه؛ لتتفهم معناها، وأن تهدأ أعضاؤك خاشعاً ذليلاً بين يدي ربك، قاصراً نظرك إلى محل السجود.
تفسير قوله تعالى: (والذين هم عن اللغو معرضون)
تفسير قوله تعالى: (والذين هم عن اللغو معرضون) قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:3]. هذه هي الصفة الثانية، واللغو هو الباطل، فيشمل باطل الشرك، ويشمل باطل القول والعمل وكل المعاصي وكل المآثم التي صنعتها يدك أو نطق بها لسانك، فكل المعاصي تعتبر باطلاً، وكل عبث يعتبر باطلاً، وأبطل الباطل وأعظمه هو الشرك بالله، {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:2 - 3] أعرضوا عنه: تركوه خلفهم ظهرياً، ولم يتلبسوا به قولاً ولم يتلبسوا به عملاً، ولم يلتفتوا إليه وشغلوا أنفسهم بالحق، فالله هو الحق، وقوله الحق، وما أرسله الحق، وشريعته الحق، فيشغل نفسه بالحق عن الباطل، فكل ما سوى الله باطل، وليس الحق إلا ما أمر به عبادةً أو رسالةً أو رسولاً أو عملاً صالحاً.
تفسير قوله تعالى: (والذين هم للزكاة فاعلون)
تفسير قوله تعالى: (والذين هم للزكاة فاعلون) {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون:4]. وكذلك نقول في الزكاة هنا ما قلناه في الآية السابقة في ختم سورة الحج، وهذه الآية مكية كبقية السورة، والزكاة لم تجب في مكة، ولكن فقهاءنا وعلماءنا وسلفنا الصالح من مفسري كتاب الله قالوا: الزكاة كصدقة الزكاة كنفقة الزكاة كعطاء الزكاة كشفقة على الفقير والمسكين والسائل والمحروم وجبت أيضاً في مكة ولم تحد بحد، وما حددت بالنصاب وبالحول وما حددت أنواعها من ذهب وورق وحراثة وتجارة وما إلى ذلك إلا في السنة الثانية من الهجرة. ويمكن أن تفسر الآية مع ذلك أنهم الذين يزكون أنفسهم، أي: يطهرونها من الدنس ومن الشرك والآثام، ولنقل كلمة عامة تعم كل ذلك: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون:4] أي: فعلوا الزكاة مالاً وعطاء، وفعلوا الزكاة تطهيراً للنفس، وإزالة لأنجاسها وأرجاسها وآثامها، وذلك من صفات المؤمن التي نوه الله بها في هذه السورة في البداية.
تفسير قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون)
تفسير قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون) {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون:5]. الفروج: جمع فرج، وأصل الفرج الشق، يقال عن الشق في الثوب مثل الجيب أو نحوه، يقال عنه الفرج، والكلمة كانت في الأصل كناية عن سوءة الرجل والمرأة، ولكن مع طول الاستعمال أصبحت علماً بالغلبة. {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون:5] أي: حفظوا فروجهم عن الزنا واللواط، وحفظوا فروجهم عن أن يكشفوها إلا لما أحل الله من طلب الذرية، وحفظوها إلا في المكان الذي أمر الله وأذن الله فيه، فلا يجوز إلا في القبل ومن أي جهة شاء الزوج أو شاء السيد والمالك، وأما في الأدبار فلا يجوز في الزوجة ولا الأمة. وقد ورد في ذلك: (اقتلوا الفاعل والمفعول) إن كان ذلك في غير زوجة وفي غير أمة، وأما إذا كان عند الزوجة أو الأمة فلها الحق أن تمنعه، ولها الحق أن ترفع عليه قضية ليعزر، وما ينقل في جواز ذلك عن بعض الأئمة فهو كذب وزور وبهتان، وهو كذب على الأئمة والسلف الصالح، وما يذكرون من ذلك أن ثم كتاباً لأحد الأئمة اسمه كتاب السر أذن فيه بذلك وأحله، فليس الحلال لأحد، والإمام من الأئمة ومن نسبوه له كذبوا عليه فيه، وقد كذبوا على الأنبياء ألا يكذبون على العلماء! وأما قول الله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223] فتفسير هذه بالإطلاق في المرأة أن يأتيها الإنسان قبلاً ودبراً جهل وضلال في التفسير، وعدم معرفة بالقرآن ولا بكلمات العربية لا مفردات ولا جمل، قال الله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ} [البقرة:223] وهل الدبر يحرث ويزرع ليلد؟ أين الحرث من المرأة أليس في قبلها؟ أليس الماء والاتصال هو الحرث؟ أليس الولد هو الزرع لذلك الحرث؟ وماذا في الأدبار من حرث ومن زراعة ومن إنبات؟! {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223] أي: ائتوا الحراثة كما شئتم من خلف وأمام في مكان القبل؛ لأن اليهود كانوا يقولون في ذلك العصر: من أتى امرأته على هيئة خاصة فإن الولد يخرج أحول، فكان الأنصار: الأوس والخزرج يتأثرون بذلك ويتعبون زوجاتهم في بعض الحركات في ذلك، فبلغوا رسول الله بذلك وسألوه، فنزل قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223]. {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون:5] أي: يحفظونها ويصونونها عن الحرام ولوجاً أو سطحاً أو كشفاً أو بأي صفة من الصفات، ومن امتنع من ذلك فالجزاء في ذلك عظيم شديد، من أتى الفروج حراماً إن كان عزباً فمائة جلدة وتغريب عام، وإن كان محصناً متزوجاً وليس من الضروري وقت الفساد ووقت الزنا أن يكون متزوجاً، بل يكفي أن يكون قد تزوج يوماً ثم ماتت زوجته وأصبح أرمل أو طلق، ففي هذه الحالة يعتبر محصناً، وعندها يرجم بالحجارة حتى الموت ولا كرامة، وقد رجم صلى الله عليه وسلم نساء ورجالاً، ورجم الخلفاء الراشدون الأربعة، ورجم السلف الصالح، وقد أقيم الرجم في هذه الديار قريباً، ولعل هذا الحكم قد ألغي فيما ألغي من شريعة الله في بلاد المسلمين، وهو من جهلهم ومن ضياعهم ومن فساد محاكمهم وقضاتهم ومجتمعاتهم.
تفسير قوله تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين)
تفسير قوله تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون:5 - 6]. أي: إلا حفظ الفروج عن الزوجة التي استباحها المؤمن بكلمة الله ورسوله، وبشاهدي عدل، وبولي وبمهر، فحينذاك فالزواج والنكاح سنة الأنبياء والمرسلين، بل قد يكون الزواج واجباً عند الكثير من الأئمة. {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون:6] الأيمان جمع يمين وهي اليد، وهي كناية عن الإماء المملوكات نتيجة الغزو ضد الكفر فانتصر فيها المسلمون، وأخذوا بناتهم ونساءهم أسرى نتيجة الحرب التي انتصروا فيها، وهذا إن شاء رئيس الدولة والإمام المسلم ذلك ورأى المصلحة في ذلك، فإن لم ير ذلك فلا استعباد ولا أسر، واليوم قد اتفقوا على إلغاء الرقيق ونعم ما فعلوا؛ لأننا في ذلنا وهواننا مع أعدائنا إذا أسرنا منهم الألف فسيأسرون منا المليون، وتكون المصيبة كبيرة والبلية طامة وعظيمة. إذاً فالأمة تكون نتيجة حرب المسلمين ضد الكفار وليست ضد المسلمين، ولو كان باغياً وشاقاً للعصا فليس في حرب العصاة والبغاة استرقاق، فللمسلم أن يحارب أخاه المسلم ريثما يئوب ويخضع، فإذا خضع فلا يتبع جريح، ولا يغنم غنائم لا من ماله ولا من عياله من باب أولى، وإنما يتخذ الكراع والسلاح، أي: تؤخذ الدواب التي حارب عليها، ويؤخذ السلاح الذي حارب به، وأما المال فلا يؤخذ، وأما النساء فلا يؤسرن، ولا يكون ذلك إلا في القتال مع الكافرين، فإن لم يكن هذا كذلك فهن الحرائر قد أخذن واستبحن زناً وفساداً بما لا يرضي الله، وبما حرفوا فيه الكلم عن مواضعه كتحريف اليهود. {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون:5 - 6] أي: إلا حفظ الفروج على النساء الزوجات وعلى الجواري والإماء الرقيق فإنهم غير ملومين، فلا يلام الإنسان أن يأتي زوجته، بل هذا حق من حقوقها إن لم يفعل فإنها ترفع عليه قضية، فليست هي أخته ولا حريمه، وما جاءت إلا لذلك، وبذلك يتم النسل، وتتابع ذلك إلى يوم يريد الله القضاء على الدنيا وفنائها، فهم لا يلامون ولا يعاتبون ولا يمنعون، بل لهم الحق في ذلك. فالذي أذن الله به، والذي لا يلوم الله عليه أن تأتي زوجتك في مكان الحرث منها ومكان الولادة، وما سوى ذلك فهو اعتداء وظلم وفساد، عليه التعزير فيه، فتأتي زوجتك في المكان المشروع، والزوجات التي أباح الله هن إلى حدود الأربع. وأما المحارم فإتيانها جريمة مضاعفة يقتل الفاعل، سواء كان عزباً أو كان محصناً، فمن تجاوز الحرمتين، وقد تزوج رجل امرأة أبيه فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم له من أتاه برأسه؛ لأن الزواج بامرأة الأب حرام، فهي جريمتان، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من تجاوز الحرمتين فاقتلوه)، وبقي ذلك الشرع الواضح لمن تزوج حريمته عن علم بذلك لا عن جهل ولا عن شبهة، من تزوج حريمته فإنه يقتل، ومن أتاها فإنه يقتل؛ لأنه تجاوز أيضاً حرمتين: فالزنا حرام وإتيان الحريم حرام حرمة ثانية، أي: التي حرمت عليه دماً أو رضاعاً.
حرمة زواج المتعة
حرمة زواج المتعة قوله: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون:6] هنا قال فقهاؤنا: يحرم بنص هذه الآية زواج المتعة؛ لأن زوجة المتعة فيما قالوا: ليست زوجة، فالله أباح الزوجات والإماء، والمتمتع بها ليست زوجة، وزواج المتعة قد أبيح مرة ثم حرم، ثم أبيح ثم حرم، أبيح في غزوة خيبر ثم حرم بعد ذلك، وأبيح في غزوة الفتح ثم حرم بعد ذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (حرم زواج المتعة ولا يحل إلى يوم القيامة)، وعلى ذلك إجماع المسلمين من أهل السنة. وزواج المتعة: هو زواج موقوت، بمعنى أنه يتزوج لشهر أو لشهرين فإذا تمت تلك المدة المقدرة فإنه يفسخ النكاح بعد ذلك بلا حاجة إلى أن ينطق بطلاق، قالوا: ولا توارث بينهما، قالوا: ولا نفقة في ذلك إلا ما يعطيه من مهر، وفيما عدا ذلك هو كالزواج لابد من الاستبراء أولاً والاستبراء ثانياً، فالولد إذا حملت هو لمن متعها وتزوج بها زواج متعة، وأما الزواج فهو في الأصل للديمومة وللأبد، والله قد أحل الطلاق وإن كان قد قال عليه: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)، فما دام الطلاق في يده فله أن يطلق في أي وقت شاء، ولا يسأل لماذا طلق؟ فقد يكون طلاقه لشيء إذا ذكره قد يضر بالمرأة، وما يريد اليوم بعض الفسقة ممن يريدون أن يضيقوا الطلاق إلا بطلاق القاضي وإذنه فهذا باطل؟ فهؤلاء يرغبون في أن تكشف أعراض المسلمات، وأن يأتي الزوج ويقول: هو يتهم زوجته، ويقول عنها كذا وكذا فيكون قد قذفها وأفسدها على من يريد زواجها بعده، ويكون قد جعل أولادها سبة وعاراً للأبد أن أمهم طلقت لكذا من أمور الفساد، ومن أجل هذا المعنى فالله يحب الستر، فالطلاق طلاق ولا يسأل لماذا، فقد يكون -وهذا في الأغلب- سبب الطلاق عدم موافقة الأخلاق، وعدم موافقة السيرة، أو تعاظم المرأة على الرجل، أو تعاظم الرجل على المرأة فلا ينفق عليها، وهذا يسمى خلعاً إن هي طلبت الطلاق، ولها ذلك بشروطه وقيوده، وسيأتي تفصيله. فالزواج السني إذاً هو للديمومة، والطلاق بيد الرجل، وإتيان الجواري بملك اليمين، فالملك نفسه يعتبر محلاً للنكاح، وهو كالزوجة ماؤه خاص بها لابد من الاستبراء أولاً وأخيراً، ومعنى الاستبراء أن تستبرئ المرأة رحمها بأن تنتظر الجارية قرءاً، والمطلقة قرئين أو ثلاثة، والمتوفى عنها زوجها العدة التي تقضيها حداداً، فإن ظهر الحمل فإلى أن تلد؛ ليستبرئ رحمها ويكون بريئاً من ماء غيره ومن حمل غيره.
تفسير قوله تعالى: (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون)
تفسير قوله تعالى: (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) قال تعالى: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون:7]. فمن أراد ألا يحفظ فرجه، وأن يكشف فرجه، وأن يأتي فروج غير الزوجات وغير الإماء المملوكات له، فإنه يعتبر عادياً معتدياً ظالماً فاسقاً مرتكباً للحرام، وعلى فاعل ذلك ما قص الله في كتابه وما شرحه نبيه في سنته: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور:2]، وورد ما نسخ لفظه وبقي معناه: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، (الشيخ والشيخة) قال الإمام مالك: المحصن والمحصنة، المتزوج والمتزوجة، إذا هما زنيا فليرجما، فقد كانت هذه التي تلوتها الآن آية، فنسخ لفظها وبقي معناها. والمنسوخ في القرآن أنواع: فمنه ما نسخ لفظه ومعناه، ومنه ما نسخ معناه وبقي لفظه، ومنه ما نسخ لفظه وبقي معناه كهذا الذي قلته، وأكد هذا نطق رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم المحصن فيما تواتر عنه، ورجمه للمحصنات والمحصنين وهم مجموعة من النساء والرجال من المسلمين وأهل الكتاب، ورجم أبو بكر ورجم عمر ورجم عثمان ورجم علي، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)، فهي شريعة بالكتاب وبالنطق النبوي وبالعمل النبوي وبعمل الخلفاء الراشدين، وما أنكر ذلك إلا الضالون المبتدعون. {فَمَنِ ابْتَغَى} [المؤمنون:7] أي: فمن أراد ابتغاء، فهذه لغة حجازية: أبغي وما أبغي، {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ} [المؤمنون:7] أي: فمن أراد ما زاد على ذلك مما ليس بزوجة ولا أمة {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون:7] من عدا يعدو إذا ظلم واعتدى، فأولئك هم الظالمون المعتدون المرتكبون في فعلهم الحرام الذي استوجبوا به الحد، فحد العزب الجلد ونفي عام، وحد المحصن الرجم حتى الموت.
حكم الاستمناء
حكم الاستمناء وبهذا أخرج علماؤنا -كما قلت- زواج المتعة، وأخرجوا شيئاً آخر قذراً لو لم يكن ممنوعاً أو حراماً لكان دناءة وخسة، وهو ما يسمى بجلد عميرة، وهو بالاستمناء باليد، وقد حرمه مالك والشافعي وحرمة جماهير من العلماء، واستدلوا بهذه الآية، وإن كان البعض قد حاول أن يتساهل فيه فقالوا: هي جلدتك فالعب بها كما تشاء، وهذا كلام غير مستقيم، زيادة على ما في ذلك من الضرر على البدن والجسم، والعجب أن فعل ذلك قد يفسده في المستقبل على زوجته، وقد يفسده في صحته، وفاعل ذلك عادة يظهر في وجهه، وقد منعه علماء آخرون بقطع النظر عن النصوص، وقالوا: لا يفعل ذلك ذو مروءة، ولا يفعل ذلك إنسان يحترم نفسه ويحترم إنسانيته وآدميته، وسموه ناكح يده، {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون:7].
المؤمنون [8 - 12]
تفسير سورة المؤمنون [8 - 12] ذكر الله تعالى في هذه الآيات بعض صفات المؤمنين المفلحين، فذكر من صفاتهم أنهم يرعون الأمانة والعهد ويحفظونهما، ومعلوم أن ترك ذلك من صفات المنافقين. وذكر من صفاتهم أيضاً المحافظة على الصلوات، فمن قام بتلك الصفات كان من ورثة الفردوس هم فيها خالدون.
تفسير قوله تعالى: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون)
تفسير قوله تعالى: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون:8]. هذه الصفات النبيلة الكريمة وصف الله بها المؤمنين حقاً الذين إن فعلوها استوجبوا الجنة، ولا يجب على الله شيء، ولكنه هو الذي أوجب على نفسه ذلك جل جلاله وعز مقامه، {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ} [المؤمنون:8] الأمانات: جمع أمانة، وقرئ بالمفرد (والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون)، والأمانة تختلف فهناك أمانة إلهية، وأمانة بشرية، والأمانة الإلهية هي كل ما ائتمننا الله عليه، فقد ائتمننا على كلمة التوحيد، وائتمننا على ما أمرنا به من صلاة وزكاة ومن فعل الأركان الخمسة جميعها، وعندما نقول: أشهد أن لا إله إلا الله كان عهداً بيننا وبين ربنا والتزاماً بيننا وبين ربنا أن نقوم بالأمانة التي عرضها الله على السموات والأرض فأبينها وأشفقن من حملها وعجزن عن حملها، وحملها الإنسان، فالأمانة هي التوحيد، وهي العبادة والطاعة والعهد. وكذلك نحن عندما قلنا: لا إله إلا الله فإنها عهد مع الله، وأمانة احتفظنا بها كي نقوم بصفة المؤمن كما وصفه الله، وأن نفعل ذلك جهدنا، كما قال لنا: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج:78]، فنبذل الجهد من أنفسنا، ونقوم بذلك قدر طاقتنا وقدرتنا كما أمر الله، ونجتنب ما نهانا الله عنه جميعه دون استثناء، وللضرورات أحكام، والضرورات تبيح المحظورات، ولكل حال حالة، ولكل مقام مقال. {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ} [المؤمنون:8] أمانات الناس أمانات إلهية وأمانات بشرية، والأمانات البشرية كالائتمان على الأعراض، والائتمان على الأسرار، والائتمان على المعاملات، والائتمان بينك وبين أخيك المسلم ألا تكذبه وهو يصدقك، وألا تخون ماله وهو قد ائتمنك عليه، وألا تخون عرضه وهو قد وثق بك، وألا تخون ما بينك وبينه بحال من الأحوال، ومن لم يكن كذلك فإنه يكون فيه جزء من النفاق، وجزء من الكفر بكل مخالفات هذه الصفات الكريمة الصفات الإيمانية الإسلامية. {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون:8] فإذا عاهدت إنسان على شيء فلابد أن تفي به وإلا فإنك تكون قد نقضت العهد، وخرجت على العهد، وارتكبت ما لا يليق بالمسلم ارتكابه، وفعلت ما لا ينبغي للمسلم أن يفعله، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)، فتجده في وعوده وعهوده مخالفاً، وتجده في أماناته خائناً، وتجده في حديثه كاذباً، وتلك صفات المنافقين، ومن ارتكب منها واحدة كانت فيه خصلة من خصال النفاق، ومن ارتكبها جميعاً اعتبر منافقاً تاماً.
تفسير قوله تعالى: (والذين هم على صلواتهم يحافظون)
تفسير قوله تعالى: (والذين هم على صلواتهم يحافظون) ثم قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون:9]. فابتدأ بالصلاة وأتم بالصلاة، ابتدأ الصفة الأولى من صفات المؤمن بقوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:2]، وختم بهذه الصفات النبيلة الرفيعة العالية الشأن فقال: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون:9]، فتلك للخشوع في الصلاة، وسكون الحواس وسكون الأعضاء، وفراغ القلب للعبادة، وتصورك أنك بين يدي الله تناجيه، وتسجد له، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وتخاطبه بكاف المفرد، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5]، وتقديم العامل على المعمول يدل على الحصر، أي: لا أستعين بغيرك، ولا أعبد غيرك، وينبغي أن تكون صادقاً في ألا تخاف سواه، وألا تعبد مراءاة، وألا تعبد للتسميع وإلا كان بك جزء من الشرك الخفي شعرت أو لم تشعر، ولا يقبل الله إلا ما كان خالصاً له، وما أشرك فيه يضرب صاحبه به على وجهه. {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون:9] أي: يحافظون عليها، ويصونونها ويلتزمونها، والمحافظة على الصلوات إتيانها في أول أوقاتها، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال إلى الله جل جلاله الصلاة لأول وقتها)، وورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الصلاة في أول وقتها رضوان الله، وفي وسطها رحمة الله، وفي آخرها عفو الله)، وشتان بين الرضا والعفو، فالرضا هو الثناء والإعجاب بما فعلت، فيرضي ذلك المعبود جل جلاله، والعفو إذا كان هناك نوع من المخالفة كأن تأتي بالعبادة في آخر الوقت، ومع أنك قمت بها فقد عفا الله عنك، وأما خروجها عن وقتها فهو كبيرة من الكبائر, وخاصة إن كانت الصلاة التي يخرج عن وقتها هي صلاة العصر، فصلاة العصر هي الصلاة الوسطى كما نص عليها صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره، والذي فاتته صلاة العصر قال عنه عليه الصلاة والسلام: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)، فكأنه فقد أهله وماله، فقد كان ذا أهل ومال وأصبح وقد أفلس من المال، وتفرد وتغرب عن أهله، ومن يقبل ذلك ويرضاه! ومن فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله، وهذا من العظائم، وهذا يدل على أن هذه الصلاة أعظم الصلوات الخمس، فالصلوات الخمس كلها عظيمة ولكنها هي أعظم.
حكم تأخير الصلاة عن وقتها عمدا
حكم تأخير الصلاة عن وقتها عمداً لقد حضنا الله تعالى على الصلاة فقال: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] أي: فرضاً أبدياً لازماً موقوتاً بوقت، فلا تجب قبل وقتها، وبعد وقتها أصبحت قضاء، والكثير من الأئمة يقول: لا تصلى بعد خروج الوقت لا على أنه يعفى عنها، ولكنها جريمة تتابعه إلى القبر إلى أن يسأل عنها؛ لأن وقتها قد مضى، ويقولون: إن قضاء الصلاة بعد خروج وقتها عن عمد كمن يريد أن يحج ويقف في عرفات ويذهب لمنى في شهر محرم أو في شهر رمضان أو في غير وقته من شهر ذي الحجة، وهل الحج يقضى في غير وقته؟ إذا قضي لفساد كما في الحيض فمعناه أنه يعاد في وقته في ذي الحجة من أيامه المعروفة منذ اليوم الثامن وهو يوم التروية إلى يوم عرفة إلى يوم النحر إلى يومين أو ثلاثة من أيام منى، وهكذا فسروا قوله: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] أي: لها وقتها الواجب اللازم، فمن أخرجها عنه فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، وإذا أداها لا تقبل منه، كمن حج في محرم أو في ربيع أيكون حاجاً أو متلاعباً؟! يكون متلاعباً، ولكن مع ذلك نقول ما قال صلى الله عليه وسلم وما أكده الأئمة الأربعة وما قال به جمهور العلماء: إن الصلاة تقضى ولو بعد خروج وقتها، مع الإثم ومع المخالفة، فتقضى ويستغفر الذي قضاها ويطيل من الاستغفار، وحجة ذلك على من خالف هذا من الأئمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يسمى بحج البدل عندما جاءه نساء ورجال فقال بعضهم: يا رسول الله! أحج عن أبي فإنه لا يحتمل الركوب على الراحلة؟ وقال بعضهم: إن أبانا مات ولم يحج أنحج عنه، وقال بعضهم: إن أمنا ماتت ولم تحج أنحج عنها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، أو قالت: نعم، فقال: فدين الله أحق بالوفاء)، فسمى الله ذلك ديناً فأصبح ديناً في ذمتك لابد أن تؤديه لله المعبود الأزلي جل جلاله. فمن لم يحج في حياته وقد كان وجب عليه الحج يوماً بوجود الزاد والراحلة، وبالقدرة بدناً فلم يحج فهذا يحج عنه من ماله، يحج عليه أولاده، ومن يريد أن يتطوع عنه فله الأجر والثواب، وإن كان للأئمة هنا آراء لكن الأدلة تؤكد هذا جميعاً، فهذا دين الله. والرسول صلى الله عليه وسلم قد ضرب مثلاً وذلك إذا مات الإنسان وعليه دين لإنسان ألا يؤديه؟ فإذا كان البشر تؤدي ماله فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: (فدين الله أحق بالوفاء)، والدين الذي علينا لله هو ما سبق أن تركناه، ومن هنا تدخل الصلاة كما دخل الحج. {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون:9] أي: يحافظون عليها في أوقاتها، ويحافظون عليها بطهارتها، ويحافظون عليها باستقبال الكعبة المشرفة، فيحافظون عليها بالطهارة البدنية والطهارة المكانية والطهارة المائية، فإن لم يستطيعوا بالماء فبالصعيد الطيب، وهو ما صعد على وجه الأرض. وهكذا الله تعالى يصف المؤمن زيادة على خشوعه أنه يحافظ عليها في أول وقتها، وتجوز في وسط وقتها، وفي الأخير من الوسط، لكن لا ينبغي أن يكون تأخيرها عن أول الوقت دائماً. وقد ورد في الأحاديث أن المنافقين يجلسون إلى أن تصير الشمس مصفرة فيذهبون فيصلون صلاة العصر، فلا يذكرون الله إلا قليلاً، ويستعجلون لكي لا يفوتهم الوقت بأذان المغرب، ومن هنا فالأحناف كرهوا صلاة العصر والشمس صفراء وهي على رءوس النخيل ورءوس الجبال.
تفسير قوله تعالى: (أولئك هم الوارثون)
تفسير قوله تعالى: (أولئك هم الوارثون) {أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ} [المؤمنون:10]. {أُوْلَئِكَ} [المؤمنون:10] الذين وصف الله: أولئك الخاشعون في الصلاة، والمعرضون عن اللغو، والمؤدون للزكاة، والحافظون لفروجهم {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون:6]، والمحافظون على أمانات الله وأمانات البشر، والمحافظون على عهودهم ومواثيقهم، والمحافظون على الصلوات في أوقاتها وبأركانها وشروطها، هؤلاء الذين التزموا ذلك وتحلوا بهذه الأخلاق الفاضلة أولئك هم الوارثون، ثم زيادة في التنبيه والتنويه ولفت الأنظار والأسماع: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} [المؤمنون:10] يرثون ماذا؟ فالإنسان يتشوف لأول مرة، وعندما نزلت الآية وسمع المسلمون {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} [المؤمنون:10] أصبحوا كلهم آذاناً صاغية، فقال تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ} [المؤمنون:10 - 11]، فهم يرثون إرثاً عظيماً إرثاً خالداً إرثاً لا إرث مثله، فلا ملك ولا جاه ولا مال ولا أي شيء يساويه، إنه إرث الرضا الإلهي، وإرث النعيم الأبدي، وإرث النظر إلى وجه الله الكريم، فهو تنعم بما لم تره عين، ولا سمعته أذن، ولا خطر على قلب بشر، إرث ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} [المؤمنون:10] جمع وارث، والإرث معروف أنه يكون عندما يموت للإنسان قريب له فيرث ماله أو بعض ماله حسب الصلة وحسب الحصص إن وجد هناك ما يورث. {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون:11] الفردوس هي أعالي الجنة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (الفردوس أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس)، اللهم إنا نسألك الفردوس بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين! {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون:10 - 11] أنثت بمعناها لا بلفظها، فهي الجنة والجنة مؤنثة بلفظها، {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا} [المؤمنون:10 - 11] أي: في الجنة، {خَالِدُونَ} [المؤمنون:11] خلوداً أبدياً لا موت فيه ولا شيخوخة ولا فناء ولا عطش ولا زمهرير ولا مرض، ولا ما يخرج من الإنسان، إن هي إلا اللذائذ والنعم المتنوعة التي هي في كل لحظة تتغير وتتبدل، فينتقل الإنسان فيها من درجة إلى درجة، فيتزاور الأحباب في الدنيا إذا جمعتهم الجنان، ولا يكل ولا يمل ولا يبقى له فرصة للكلل ولا للملل، ويتجلى الله الكريم لعباده المتقين فينظرون إليه، ويكون هذا النظر الكريم ألذ وأنعم ما في الجنة من لذائذ الحور العين، ولذائذ الفواكه، ولذائذ الفرش، واللذائذ التي نتصورها في الدنيا، وكما قال الإمام حبر القرآن عبد الله بن عباس: ونعيم الجنة ليس منه مما في الدنيا إلا الأسماء، فما نسميه في الأرض بكل ما يخطر في البال إنما هي أسماء في الجنة تقرب المعنى، وأما الأشياء فليست كالأشياء، والنعيم ليس كالنعيم، فشتان بين نعيم فانٍ وبين نعيم باق، وشتان بين نعيم تحاسب عليه وبين نعيم تخلد فيه دون حساب ولا متابعة ولا مؤاخذة. والإرث في معنانا الدنيوي: أن مالاً أو جاهاً لأب أو قريب كان له فأخذناه، فلمن كانت الجنة لنرثها نحن منه؟ قال جمهور المفسرين -وإن كان لا حاجة لهذا التفسير-: إن لكل إنسان في الأرض منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فالمؤمن عندما يدخل الجنة فإنه يدخل منزله الذي أعده الله له، ومنزله من النار يرثه الكافر ويحل فيه، والكافر إذا دخل النار كان له منزل في الجنة لو مات على الإيمان، فيرث المسلمون منازل الكافرين فيكونوا بذلك ورثتهم، ولا حاجة لهذا التفسير؛ فلم يرد في سنة ولا في آية أخرى. {يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ} [المؤمنون:11] الفردوس خلقها الله ليرثها المؤمن، وقد خلقها الله بيده، وغرس شجرها بيده، وخلق نعيمها بيده، ولذلك عندما قال للجنة تكلمي قالت: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1] إلى {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} [المؤمنون:10]. وفي رواية قالت: طوبى لمن يدخلني، أنا منازل الملوك حقاً، فهؤلاء الذين سيكونون قد ملكوا ملكاً حقاً دائماً، ففيه من أنواع اللذائذ ومن أنواع النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون:10 - س11] أي: المؤمنون المتصفون بهذه الصفات هم خالدون في الفردوس وفي ذلك النعيم.
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين)
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون:12]، يقص الله علينا قصة خلق الإنسان، وكيف خلق هذا الإنسان ذا اللحم والدم، هذا الإنسان الضعيف، هذا الذي طغى وتجبر وتأله على الله، ونسي وجوده وأنه من تراب يدوسه الناس في أصله، وأنه من ماء مهين تسلسل بعد ذلك، ثم بعد ذلك تفرعن وتجبر {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24].
المؤمنون [12 - 16]
تفسير سورة المؤمنون [12 - 16] في هذه الآيات يذكر الله تعالى أطوار خلق الإنسان ووجوده حال كونه في بطن أمه وقبل ذلك وبعد ذلك، فذكر خلقه من سلالة من طين، ثم كونه نطفة في رحم الأم، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عندما يصير عظاماً، ثم عندما تكسى هذه العظام لحماً، ثم يصير خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين. ثم بعد ذلك يخرج إلى الدنيا طفلاً ثم يصير غلاماً ثم شاباً يافعاً، ثم كهلاً ثم شيخاً ثم يموت، ثم يبعث للحساب.
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين)
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) قال الله جلت قدرته: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:12 - 14]. علمنا الله في آيات مضت صفة المؤمن الواجبة: من كونه لابد أن يؤمن بالله لساناً، وأن يعتقد ذلك جناناً، وأن يعمل بذلك أركاناً، ومن الأركان الخشوع في الصلاة، وإيتاء الزكاة، وترك الباطل، واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والقيام بالعهود والأمانات، والمحافظة على الصلوات، وفي هذه الآيات يقص علينا قصة خلق الإنسان، وكيف تطور في أطوار مختلفة منذ خلقه الله من التراب إلى أن صار نطفة، ثم علقة، ثم مضغة. فقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون:12] السلالة تعني الماء المصفى، والسلالة تعني مني الإنسان، والسلالة تعني الذرية وما ينشأ عنها مسلسلة من تراب فمني فمضغة إلى آخر أطوار بني آدم. والألف واللام في الإنسان للجنس، أي: جنس الإنسان، أي: بني آدم، وآدم خلق من تراب، والإنسان بعد ذلك خلق من ماء مصفى يخرج من بين الصلب والترائب، أي: من صلب الرجل وترائب المرأة وهي عظام صدرها من الترقوة إلى السندوة، فيجتمعان معاً فينشئ الله منهما خلقاً جديداً، فهي نطفة تصير إنساناً، وفي النهاية تكون ذكراً أو أنثى. فأصل الخلقة التراب، ثم بعد التراب جاءت سلالة التراب وهو الماء المصفى -المني- الذي كون بعد ذلك من آدم وحواء فكنا جميعاً من ذلك الماء المهين كما قال الله جل جلاله. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون:12] أي: جنس الإنسان، فالإنسان المولد المسلسل من آدم وحواء خلقه من هذا الماء وهذا الماء الذي كون وخلق ونشأ نشأ عن الطين الذي منه خلقة آدم، ومن خلقة آدم خلقت حواء من ضلع أعوج كما قال تعالى بأنه خلق منها زوجها، وقد صرح بذلك صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن أنت أردت تقويمها كسرتها، وإن أنت صبرت عليها ففيها عوج)، والضلع الأعوج هي ضلوع الصدور، والله قادر على كل شيء وأرانا قدرته في خلق الإنسان، فخلق الإنسان الأول وهو آدم خلقه من تراب، وخلق الإنسان الثاني الأنثى حواء خلقها من جزء من آدم، ثم خلقنا من أب وأم من مضغة من ماء، ثم خلق بعد ذلك عيسى من امرأة بلا رجل، فكانت قدرة الله جل جلاله القادرة على كل شيء، كما خلق بقدرته ناقة صالح من حجر بلا ذكر ولا أنثى بلا فحل ولا ناقة. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ} [المؤمنون:12]، والسلالة ما يسل ويصفى من الشيء، فقد صفي ماء من التراب، وصفيت نطفة من الإنسان الأول، ثم تكون الإنسان من هذه السلالة، ويقال: فلان من سلالة فلان، أي: من ذريته ومن نطفته.
تفسير قوله تعالى: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين)
تفسير قوله تعالى: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) قال الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المؤمنون:13]. أي: هذا الماء وهو المني المخرج من الذكر والأنثى، من الذكر من الصلب ومن الأنثى من الترائب، جعله الله وخلقه ووضعه في مكان مكين، {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المؤمنون:13] أي: ثم جعلنا النطفة في قرار مكين، وهذه السلالة تكونت نطفة وتكونت ماء وتكونت قطرة، وهي بذرة الإنسان الثانية، وحفظها في قرار وفي مكان مكين حريز محفوظ وهو الرحم الذي تحمله الأنثى، فهذه النطفة جعل الله لها مركزاً وقراراً حريزاً محرزاً محفوظاً من أن تصاب بسوء إلى أن تتم هذه الخلقة، وتصير أطواراً، فمن الماء إلى النطفة إلى المضغة إلى العلقة إلى المضغة إلى الإنسان السوي، هذا القرار المكين هو رحم الأنثى يحفظ فيه أربعين يوماً ويصبح بعد ذلك علقة، ثم يصبح مضغة، ثم عظاماً بلا لحم، ثم عظاماً مكسوة، ثم طوراً آخر بأشكال وألوان وأطوار.
تفسير قوله تعالى: (ثم خلقنا النطفة علقة)
تفسير قوله تعالى: (ثم خلقنا النطفة علقة) قال الله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} [المؤمنون:14]. ثم هذه النطفة التي يتشربها رحم الأنثى لمدة أربعين يوماً خلالها تتخلق وتتكون وتصبح علقة مستطيلة أشبه شيء بالعلقة المعروفة، وتصبح قطعة من ماء فقير، وتصبح أقرب للمضغة ولما تتكون بعد مضغة، بل تكون دماً عبيطاً تكون أشبه ما تكون بالعلقة التي هي معروفة من هوام الأرض، وبذلك سماها الله، فتبقى أربعين يوماً كذلك علقة {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً} [المؤمنون:14] وبعد أربعين يوماً من تخليق النطفة علقة، وأربعين يوماً علقة ثم تصبح بعد ذلك مضغة، أي: قطعة لحم بمقدار اللقمة التي يمكن أن تمضغ ويحملها الإنسان بيده لفمه، سميت مضغة لصغرها، ولكونها أقرب ما يكون إلى اللقمة في صغرها وحيزها، وهي قطعة لحم. {فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا} [المؤمنون:14]، ثم ينقلها الله جل جلاله في الطور الرابع من قطعة لحم إلى عظام بلا لحم، فيبرز رأسها ويديها وعظامها: أضلاعها، وساقها، ويديها، ورجليها، فهي هيكل عظم أشبه ما يكون بهياكل العظام التي عليها الأطباء يتعلمون، وبها يشرحون. قال تعالى: {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} [المؤمنون:14]، هذه العظام التي هي في الطور الرابع تنتقل بعد أربعين يوماً إلى عظام قد كسيت لحماً كما يكسى بدن الإنسان ثياباً، وفي هذه الحالة تصبح هذه النطفة الأولى جنيناً كاملاً من عظم وعصب ولحم وروح، {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون:14] أي: انتقل من كونه جنيناً كاملاً في بطن أمه إلى وليد رضيع لا يكاد يستطيع أن يدفع عنه ذبابة ولا ناموساً، إلى طفل ينتقل من الرضاعة إلى الحبو، ثم إلى الوقوف، ثم إلى الطفولة، ثم إلى اليفوعة، ثم إلى مرحلة الشباب، ثم إلى الرجولة، ثم إلى الكهولة، ثم إلى الشيخوخة، ثم إلى الضعف الذي ابتدأ به ثم إلى الموت، وبعد ذلك إلى البعثة يوم القيامة. وفي الصحيحين: صحيح البخاري ومسلم وفي مسند أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثني الصادق المصدوق صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: (إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم يؤمر الملك بنفخ الروح فيه، ثم يؤمر بكتابة أربع كلمات: برزقه وعمله وأجله وشقي هو أم سعيد)، ويكون ذلك قبل قد كتب في اللوح المحفوظ، كما كتب كل الخلق ملكاً وجناً وإنساً وغير ذلك قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام كما سبق أن روينا وقلنا في مجالس سابقة وبمناسبات عديدة من تفسير آي الله الكريم وسور القرآن العظيم، وهذا الذي قصه الله جل جلاله قبل1400 عام على نبينا وعلينا هو ما أكده الطب قديماً وحديثاً، وتشريح الإنسان في جميع أطواره ومراحله، ومن هنا كان الإعجاز. ويتساءل الكثيرون فيقولون: تقولون إن القرآن معجز ومن يدري هذا الإعجاز إلا العرب، فهو معجز بفصاحته، ومعجز ببلاغته، ومعجز بمفرداته، ومعجز بتعابيره وجمله، أي: أعجز البشر عن أن يأتوا بمثله ولو آية ولو سورة ولو أقل شيء منه، وقد تحدى الله الخلق والبشر منذ نزول القرآن في مكة والمدينة على سيد البشر وخاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، وجئنا بعدهم بـ1400 عام وهذا الإعجاز لا يزال قائماً على كثرة بلغاء العرب وفصحائهم شعراً ونثراً ونطقاً ودراسة وكلاماً، ومع ذلك لم يستطع أحد، ولو تواطأ أهل السماء والأرض من الملك والجن والإنس لما استطاعوا. فأما الملك فلم يفعلوا، وأما الناس والجن فقد حاولوا كثيراً، فحاول مسيلمة الكذاب وحاول فلان وفلان من أدعياء الأدب وأدعياء الفصاحة فأتوا بالغث، وأتوا بغثاء القول، وأتوا بما يكاد الإنسان أن يقذف ما في بطنه بسبب سخافته. وقد سألنا من لا يعرف العربية وهم كل سكان الأرض باستثناء العرب وبعض المسلمين، والعرب لا يتجاوزون 150 مليوناً والمسلمون يصلون إلى المليار، ولكن القليل منهم من يتكلم العربية، وأقل القليل من يتقنها ويحسنها نطقاً وكتابة، فقالوا: كيف ندرك نحن الإعجاز؟ قلنا: ليس الإعجاز باللفظ فقط، وليس الإعجاز باللغة فقط، وليس الإعجاز لنسق القرآن ونظمه فقط، ولكن القرآن معجز بلفظه ومعجز بمعناه، وهذا من ذاك، فما قصه الله علينا في قصة خلق الإنسان منذ كان تراباً إلى أن أصبح إنساناً سوياً، إلى أن تسلسل وتوالد، إلى أن أصبح ذكراً وأنثى وذريات هذا الخلق ما بين كل أربعين يوماً إلى أربعين يوماً هو من طور إلى طور، من طور الماء العادي يصب من صلب الرجل ومن ترائب المرأة، فيبقى الماءان في الرحم أربعين يوماً فينقلب نطفة، ثم أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مضغة، ثم أربعين يوماً عظاماً، ثم يكسى بعد ذلك اللحم فيصبح بشراً سوياً صغيراً بجميع حواس الكبار، فتكون بما يناسبه في صغره وقلة جثته وصغر حواسه وخلاياه، وهكذا إلى أن يخرج للوجود طفلاً رضيعاً، إلى أن يصبح بشراً سوياً ذا ألوان مختلفة وذكاء مختلف ولسان مختلف ودين مختلف واعتبار مختلف، من خلق ذلك وسواه؟ إنه الله جل جلاله، وإذا اختل نظام بعض ذلك فمن الذي يصنعه؟! الطبيب يقول: أنا أرقع، وأما أن أوجد عضواً بعد تلفه أو أن أزرع روحاً خرجت، أو أن آتي بعين قد زالت فهذا لا يقدر عليه إلا خالق الإنسان إلا خالق الكون جل جلاله، والذين عرفوا بعد الآلاف من السنين نتيجة التجربة وتشريح الإنسان والطب المتتابع منذ الآلاف من السنين وإلى عصرنا إلى الأيام الأخيرة إلى عشرات السنين المتأخرة آمنوا بهذا لا على أن الله قال، ولكن على ما وصلوا إليه علماً وتجربة، وعندما وجدوا أن القرآن قد نطق بذلك مبيناً مفصلاً حسب أطواره وحسب ما يتقلب في بطن أمه من حال إلى حال إلى أن يخرج ذكراً سوياً، أدركهم العجب، وأما الإيمان فهداية وتوفيق، فمنهم من وفقه الله وهداه للدين الحق فوجد ذلك معجزة تدفعه للإيمان بالله، ومنهم من كان الران قد صعد على قلبه فما زاده ذلك إلا كفراً وما زاده إلا عناداً. ففي دولة شيوعية تتقاسم مع غيرها السيطرة على البشر والأرض في عصرنا هذا حضر طبيب مسلم في أحد المؤتمرات التي تعقد عادة في الدول والشعوب، فوقف هذا بين مجتمع ملحد كافر بالله عدو لله ولرسله وللأديان فوقف يتكلم على خلق الإنسان، فتكلم طبياً واستمعوا إليه وكلهم أسماع وكلهم حاضرون بالسمع والبصر والنظر إلى أن انتهى، فبعد أن انتهى أتى بهذه الآية وأشباهها من كتاب الله فقال: لم آخذ أنا هذا بعلمي ولا دراستي ولا بالتشريح ولا بما قاله الأطباء، بل هذا العلم لم يزد عليه شيئاً، بل ولم يصل إلى حقيقته إلى الآن، والحقيقة كاملة هذه نطق بها ربنا، وأنزله في كتاب على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فما كاد يذكر الدين والقرآن والإسلام ومحمد عليه الصلاة والسلام إلا والآخرون كمن أصابهم مس من الشيطان، فأخذوا يقولون له: يكفينا تخريفاً يكفينا رجعية، وعندما كان يتكلم بذلك من عند نفسه أخذوه وقبلوه وعدوه الذروة فيما وصل إليه علمه وبحثه. وعندما نسب ذلك لربه وخالقه وعندما نسب ذلك للقرآن العظيم المنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام إذا بأحقادهم وعداوتهم لله وكتبه ظهرت فيهم، وأخذوا يتخبطون تخبط من أصابه مس من الشيطان. {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون:14]، والخلق الآخر هو هذا، فبعد هذه الأطوار وهو لا يزال في بطن أمه خرج للدنيا رضيعاً طفلاً صغيراً، ثم بعد ذلك توالت عليه الأيام وتتابعت وانتقل من طور إلى طور إلى أن أصبح رجلاً سوياً، ثم رجع لضعفه الأول إذا طال به السن وإلا فالكثير يذهب طفلاً أو يافعاً أو شاباً وهكذا والأعمار بيد الله، والخلق كله بيد الله لا شريك معه ولا معين جل جلاله وعلت قدرته وعزته. {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون:14] أي: خلقاً متطوراً غير التطور الأول، وهو لا يزال جنيناً في بطن أمه، خلقاً آخر ونوعاً آخر مما يتصل عادة بالإنسان عندما يخرج لهذا الوجود من قوة وضعف، ومن ملك ورعية، ومن غنى وفقر، ومن ذكاء وبلاده، ومن بياض وسواد، ومن شرقية وغربية، ومن إسلام وكفر وهكذا. فهذا الخلق الآخر يبقى متطوراً: لساناً وجسداً وفكراً وقوة وضعفاً إلى أن يذهب الكل بعد ذلك حيث شاء الله وأراد. {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:14] تبارك الله وتعالى وجل، يستطيع ذلك غيره، ولا يفعل ذلك غيره، (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) أحسن في لغة العرب يقولون عنها أفعل تفضيل، وأفعل التفضيل تقتضي المشاركة والزيادة، ولكنها هنا على غير أصلها وحقيقتها، فمن الخالق غير الله ليكون الله أحسن خلقاً من غيره؟! ولكن الله هو الخالق المتفرد (أحسن الخالقين)، أي: حسن الخلق، بديع الخلق، عظيم الخلق، المنفرد بالخلق وحده، تبارك وتعالى وتعاظم جل جلاله وعلا سلطانه، وزعم بعض المفسرين فقال: (أحسن الخالقين) أي: أحسن المصورين، فبعض البشر صور حجراً أو صور شيئاً فالله أحسن الخالقين، وهذا كلام باطل من الأول؛ فهل صنع الحجر أو صنع الشجر أو رسم الحواس على ورق يعتبر تصويراً حتى نقول عنه خالق -أي: موجد- والله أحسن منه؟! لا وجود له ولا كيان، وهو إن صنع شيئاً لم يصنعه من نفسه، فلم يخلق ذبابة كما قال ربنا وضرب المثل متحدياً للخلق: {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73]، جل جلاله وعلا مقامه. فالإنسان الذي يريد أن يصور يأتي إلى حجر خلقه الله، وإلى إنسان يرسم حواسه خلقه الله، وإلى حبة فيطحنها ويجعل منها حلوى وخبراً وما شاء الله خلق ذلك، فلم يصنع هو شيئاً وكيف مع هذا يقارن خلقه بخلق الله ويقال:
تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم بعد ذلك لميتون)
تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم بعد ذلك لميتون) قال الله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون:15]. أي: بعد هذه الأطوار للجنين، ثم هذه الأطوار بعد أن يخرج للوجود وللعالم من طفولة إلى شيخوخة ثانية إن هو بقي، وبعد ذلك الموت، وهكذا منذ المخلوق الأول أبينا آدم عليه السلام جاءوا وذهبوا، ونحن نتكلم عن الماضي رسلاً وأنبياء وصالحين وطالحين ومؤمنين وكفار، فقد أصبحوا حديثاً وأصبحوا سمراً وأصبحوا أوراقاً معلقة، كانوا وبادوا وبقي الله الخالق المبدع الأول بلا بداية الله الآخر بلا نهاية، فكان كما كان ولا شيء معه سبحانه، {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون:15]، بعد هذه الأطوار المتسلسلة سنموت، فقد جئنا من التراب ونعود للتراب، ولكن الحسن البصري سيد التابعين يقول: خلقنا للأبد، وإنما هي نقلة من دار إلى دار.
تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم يوم القيامة تبعثون)
تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) قال الله بعد ذلك: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون:16]. فتلك الفترة بين الحياة الأولى والحياة الثانية ليست إلا رقاداً واستراحة ونوماً، ثم بعد ذلك نبعث ونحيا حياة ثانية، وتلك الحياة أبدية لا موت فيها، فمن دخل الجنة فإلى أبد الآبدين ودهر الداهرين، ومن دخل النار فإلى أبد الآبدين ودهر الداهرين، ثم مع ذلك يقولون: إن الروح لا تفنى، وإن في الإنسان في سلسلة فقرات ظهره ما يسمى بعجب الذنب، وهي قطعة من العظم على قدر العدسة، يقولون: هذه كذلك لا تفنى، وتبقى كالبذرة في التراب حتى إذا سقى الله الأرض عند إعادتها للحياة فإنه يعيد من ماتوا وبادوا وانتهوا عن طريق إنباتهم من عجب الذنب هذا، ومن أجل ذلك يقول الحسن البصري: خلقنا للأبد، وإنما هي نقلة من دار إلى دار: من دار الفناء إلى دار البقاء، من دار التكليف إلى دار الامتحان، وتشريف من شرفه الله وعقوبة من عاقبه الله ممن عصى أو مات على الشرك، {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون:16]. وهكذا منذ الماء من الصلب والترائب، ومنذ النطفة إلى الوجود إلى الرجولة إلى الموت، ثم إلى البعث والمحاسبة على ما قدمنا في دار الدنيا، فقد رزقنا الله عقلاً وتفكيراً نميز به بين الحق والباطل، وبعد أن أنصتنا إلى كتاب الله الذي يخاطبنا: يا أيها الناس! يا أيها الذين آمنوا! سنسأل بعد ذلك عما استجبنا له لربنا في كتابه، وعما استجبنا له في ذلك لنبينا صلى الله عليه وسلم في رسالته، فإن كان الجواب فوزاً ونجاحاً فسيكون كتابه بيمينه علامة فوزه وعلامة نجاحه بالرحمة والرضا ودخول الجنان، وإن قبض كتابه بيساره وشماله فسيكون ذلك علامة رسوبه وعلامة عدم نجاحه، فإلى النار وإلى غضب الله.
المؤمنون [17 - 23]
تفسير سورة المؤمنون [17 - 23] لقد امتن الله تعالى على عباده بأن أنزل لهم من السماء ماء يشربون منه، ويسقون به أنعامهم وزرعهم، وأنشأ لهم به جنات من نخيل وأعناب وفواكه شهية. ثم حذرهم بأنه كما امتن عليهم بذلك فهو قادر على أن يذهب هذا الماء: إما بأن يجعله يغور في الأرض أو غير ذلك فلا ينتفعون به.
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق)
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق) قال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} [المؤمنون:17]. كثيراً ما يجمع الله جل جلاله بين قصة خلق الإنسان وقصة خلق العالم، كيف خلق السماء والأرض وكيف خلق الإنسان هذا سيد الأرض، الذي جعله الله خليفة عنه، إذ قال ربنا يوم خلق آدم للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30]، فسماه خليفة، وقال: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ} [ص:26]، فسماه خليفة، والإنسان كله خليفة الله على الأرض، بمعنى أن الله رزق الإنسان عقلاً؛ ليفهم ويتدبر ليقبل أو يرفض، ليطيع أو يعصي، وهكذا الإنسان منذ خروجه إلى العالم ومنذ زرع الله فيه العقل والرشد فهو إما سيستجيب فيكون له الجنة والرضا، وإما أنه سيجحد ويشرك فتحل عليه اللعنة والغضب والخلود في النار. فذكر الله بعد قصة خلق الإنسان بأنه خلق فوقنا سبع طرائق، والطرائق هي السماوات السبع، وهي كالنعل عندما يطرق نعل على نعل، فهي هكذا طبقة على طبقة، فالسموات طباق كما قال تعالى، فهي طبقة على طبقة وسماء على سماء وهكذا إلى سبع سموات إلى سدرة المنتهى إلى العرش، وأشار سيدنا صلى الله عليه وسلم بيده هكذا وأشار كالقبة، وأن العالم هكذا كله كروي، وهذا ما أجمع عليه المسلمون قبل أن يخطر هذا في بال إنسان في الأرض، فخلق الله الأرض كروية والسموات كروية، والعرش فوق الكل كالكرة وأشار بيده هكذا كالكرة، وذكر الإجماع علماؤنا قديماً وحديثاً نص على ذلك ابن حزم وابن تيمية وغيرهما من أئمة المسلمين، ومن نفى ذلك وحاول أن يقول غيره فيكون قد خرج عن إجماع المسلمين. خلق فوقنا سبع سماوات وجعلها طبقاً على طبق، وطريق فوق طريق، وفسروا طرائق أنها طرائق للملائكة يطرقونها ويمرون فيها، ويجعلونها طرائق لهم لتلقي الأوامر الإلهية وللعبادة، وقد قال سيدنا صلى الله عليه وعلى آله: (أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما من موضع قدم إلا وعليه ملك ساجد أو راكع) أي: صوتت السماء بثقل الملائكة عليها كما يصوت السقف عندما يصنع من خشب ويكون عليه ثقل، فتجده يصوت، فكذا صوتت السماء لكثرة من تحمل من الملائكة التي العبادة لها كالنفس للإنسان، فتعيش ليلاً ونهاراً على الذكر والعبادة ولا تأكل ولا تشرب ولا تتناكح ولا تتوالد ولا تشتهي، فهي في عبادة دائمة مستمرة راكعة أو ساجدة أو تقول: لا إله إلا الله، أو سبوح قدوس إلى أنواع العبادات لساناً ويداً ورجلاً وحواساً وبكل ما يملك الملك، فهذه السموات السبع طرائق للملائكة، فقد كانت يوماً كذلك طرائق لنبينا سيدنا عليه الصلاة والسلام عندما أسري به إلى السموات، فتنقل فيها وسار إليها سماءً بعد سماء، ووجد أباه الأول آدم عليه الصلاة والسلام، كما وجد بعض إخوانه الأنبياء، ووجد أباه إبراهيم عليه السلام كذلك إلى أن وصل إلى سدرة المنتهى إلى أن كان قاب قوسين أو أدنى، {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم:17]، لم يذهله ذلك عن ربه، ولم يضعه عن ربه وعبادة ربه وتوحيد ربه، وكونه معه حساً وحواساً. قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} [المؤمنون:17] خلقنا السموات وخلقنا فيها ما يصلحها مما يرفعها بغير عمد كما ترونها، ومع ذلك لم نغفل الإنسان عن حاجته من مطر ونبات وطعام وشراب، ومن هداية ورسالة وكتب وأوامر ونواه، فلم يغفل الله البشر، فكان الحي القيوم عليهم يرزق الكل، ويحيي من شاء، ويميت من شاء، وجعل لهم ما ينفعهم في دنياهم، ثم أخذهم إليه، ثم عرضهم عليه سبحانه بعد أن ماتوا؛ ليسألوا ويحاسبوا على ما قدمت أيديهم في الدار الدنيا، فلم يغفلهم عن رسالة، ولم يغفلهم عن رزق، ولم يغفلهم عما هم بحاجة إليه، فقد وسعت قدرته جل جلاله جميع خلقه من ملك وجن وإنسان، ومن هوام ودواب وطير، فقد قام بالكل وقد رزق الكل جل جلاله من غير حاجة إلى معين ولا شريك جل وعز عن كل ذلك.
تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر)
تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر) قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون:18]. من جملة حفظ الله لخلقه وللإنسان في الأرض أن أنزل له الماء من السماء بقدر بما يكفيه وينفعه، فلو أنقص الماء عن ذلك لمات الناس عطشاً، ولجفت الأشجار وضاع ثمرها ونبتها وحبها وما تنتفع به، ولو زاد الماء بغير تقدير لغرق الناس كما غرق قوم نوح، ولكن الله جل جلاله أنزل الماء من السماء بقدر كاف بلا زيادة ولا نقصان، بما ينفعهم مدة حياتهم، بما ينفعهم مدة وجود الدنيا: ينفعهم في أنفسهم، وفي مزارعهم، وفي دوابهم، وفي شئونهم كلها بما لا يزيد على الحاجة ولا ينقص. {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ} [المؤمنون:18]، لو أن الأمطار التي تنزل من السماء والغيث لو تجف مع الرياح لو تجف مع السموم لو تجف مع الحر والصيف والشمس لضاعت تلك المياه في حينها، وعندما يحتاج الإنسان للماء في الأوقات التي لا مطر فيها أو الأشهر أو السنين جدباء لما وجد الماء، ولآل أمره إلى الموت والفناء، ولكن الله جعل لذلك الماء الذي أنزله مخازن في الأرض، وهو ما نستفيد منه بعد ذلك، وهي المياه الجوفية تحت الأرض، وذلك إما بآبار نحفرها، وإما بأنهر تتفجر وتبقى جارية، وهي تستقي ماءها من الماء المخزون في الأرض، وإما مياه البحار لنستفيد منها بالركوب في فلكها لنتقل بين مختلف قارات الأرض للتجارة، والسياحة، وطلب العلم، والدعوة إلى الله، والحكم بين البشر، وكف الظالم عن ظلمه، ونشر العدل بين الخلق، ونستفيد مما فيها من لحم طري ولؤلؤ ومجوهرات، وذلك من فضل الله وامتنانه على البشر، وذلك دليل على كونه لم يغفل عن الخلق، فقد أعطاهم من كل النعم، وكان الحي القيوم لمصالحهم ما داموا أحياء على وجه الأرض. {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون:18] ولو شاء الله أن يذهب به، وأن يجففه وأن ينشفه، وأن يدعه يتبخر في الجو وفي السماء لماتوا عطشاً: إنساناً وحيواناً وطيراً. فالله ينذر بهذا الكافرين الجاحدين، وينبه به المؤمنين ليزدادوا إيماناً، والكافرين ليتوبوا يوماً ويقولوا: ربنا الله، فالله الذي أعطى هو قادر على أن يمنع، وهكذا من قدر أن يعطي قدر أن يمنع، فالله وحده هو القادر على العطاء والقادر على المنع، ولو شاء الله أن يذهب بمائه وسيذهب به يوماً، وقد يحدث هذا كثيراً فتجد أنهار في مختلف القارات وإذا بها بعد أشهر أو سنوات تجدها قد جفت، وآباراً تجدها قد جفت، وأعيناً تجدها قد غارت، وهذا في التاريخ كثير، فقد حكوا أن أفريقيا وأوروبا كانت أرضاً واحدة متصلة، وإذا بزلازل -كما أراد الله بقدرته- تفجرها إلى أرضين، وجعل بينهما بحراً، ومن سنوات قريبة حدثت زعازع وزوابع في الدنيا الجديدة التي تسمى أمريكا، وإذا بجبال كانت موجودة غارت، وإذا بمدن كانت ودخلت في جوف الماء، وساخت في الأرض، وإذا ببحار عامت على أراضٍ وفاضت وغيرت خريطة تلك الأرض تغييراً كاملاً، وهذا يحدث في الدنيا كثيراً، وقد لا يحدث إلا في آلاف السنين، ولذلك فالتاريخ كثيراً ما يقص علينا العجائب والغرائب مما كان ثم تغير وتبدل، وسيأتي يوم عند فناء الدنيا يتغير الكل ويزول الكل، ويموت كل حي، {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27].
تفسير قوله تعالى: (فأنشأنا لكم به جنات من نخيل)
تفسير قوله تعالى: (فأنشأنا لكم به جنات من نخيل) قال تعالى: {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [المؤمنون:19]. أي: بذلك الماء أنشأ الله جل جلاله لنا جنات، فهو الذي جعل من الماء كل شيء حي، والإنشاء هو الإيجاد على غير مثال سابق، وهو الاختراع والابتكار والإيجاد من عدم، ولا يقدر على ذلك إلا الله، ومن يقول: اخترعت وابتكرت إما أن يكون متجاوزاً في لفظه، وإما أن يكون كاذباً على الله، فالله وحده هو المخترع والمبتكر، وهو الذي ينشئ ويوجد الشيء على غير مثال سابق. {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ} [المؤمنون:19] وليست جنة واحدة، أي: بساتين ورياضاً لنعيش بذلك ونتمتع ونحيا ونشكر الله عليه، فبذلك الماء سقى الأرض فأنبت من كل الأنواع والأشكال. {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} [المؤمنون:19] خص النخيل بالذكر؛ لأن التمر يكاد يشبه الحليب إلا أنه لا يغني عن الماء، فالتمر فيه من المواد الغذائية ما يغني عن اللحم وعن البيض وعن أنواع الفواكه، ففيه من أنواع التغذية الكاملة، وفي أكثر الأحيان لا فضول له إلا إذا كان الجسم مريضاً، فبكل ما فيه يتغذى بدن الإنسان، ولذلك كانت العرب قبل هذه الرفاهية المحدثة والتي لا تبقى أكثر من بضع سنوات وينتهي ذكرها، ويعود الناس إلى صحرائهم وإلى تمرهم وإلى حميرهم وإلى إبلهم، ولعل الناس بعد ذلك يعودون إلى ربهم تائبين. هذه الجنات أبرز الله ذكر ما يكون فيه من نخيل وأعناب، وهذه النخلة قد سماه النبي صلى الله عليه وسلم عمتنا، فمرة كان في مجلس فقال: (ما هو الشجر الذي هو كالمسلم ليس فيه فضول وكله خير في ظاهره وفي باطنه؟ فأخذ الحاضرون -وكانوا من كبار الصحابة- يتنقلون بين الأشجار وبين الفواكه وبين الثمار والحبوب، فلم يقع عليها أحد، وكان في المجلس عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو غلام صغير، وخطر بباله أنها النخلة واستحى أن يقول ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هي عمتكم النخلة). فالتمر يؤكل كاملاً بلا فضول، ونواه تعلف به الدواب، وشجره ينتفع به، وجريده تسوى به الأسقف، وجماره الذي في جذوره يؤكل حلوى شهية، وهكذا لا فضول فيها كلها، وقال عبد الله بن عمر لأبيه: والله يا أبت لقد خطرت ببالي واستحيت أن أقول ذلك، قال: لو قلت ذلك لكان أحب إلي من حمر النعم. والإنسان يسر بولده عندما ينبغ ويظهر ذكاؤه مبكراً؛ لأن الولد قطعة من أبيه، فحسنته حسنته وسيئته سيئته، كما قال الشاعر: وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض فالأبناء جزء من الإنسان وسلالة منه، وهي جزء من الأب وجزء من الأم، ولن يتم بلا أب ولن تتم بلا أم. {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [المؤمنون:19] والعنب كذلك كثير التغذية، فهو أعظم من كثير من الفواكه. ((فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ)) ثم عمم الله لنا في هذه الجنات سواء في الأشكال أو الألوان، ولكل قطر وإقليم شكل من الفواكه لا تجدها في قطر آخر، وهذه من عجائب صنع الله وقدرة الله، ونعيم الله الذي أكرم به البشر مؤمنهم وكافرهم. ((لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)) نأكل من حبها القمح والشعير وبقية الحبوب على أشكالها وألوانها، ونأكل من فواكهها ومن تمرها ومن أعنابها، ونأكل من جميع ما تزرع فيه، وبالدرجة الأولى الحب، وهذا الحب هو الذي قيل: بأن آدم عندما أسكنه الله الجنة أباح له أن يأكل من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة قالوا: هي حبة القمح، فكانت الحبة كبيرة كالكلية، زعموا ذلك، ولكن لا ذكر لهذا في القرآن ولا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (وشجرة تخرج من طور سيناء)
تفسير قوله تعالى: (وشجرة تخرج من طور سيناء) قال الله تعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ} [المؤمنون:20]. هي شجرة الزيتون، والطور: هو الجبل، وهو طور سيناء الذي في أرض مصر، رده الله للمسلمين مع العزة والكرامة بلا ذل ولا هوان. ((تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)) قيل: الباء صلة، أي: تنبت الدهن، ودهن شجرة الزيتون هو الزيت، وقد قال صلى الله عليه وسلم عن الزيت: (كلوه وادهنوا به)، وهي الشجرة المباركة التي ليست بشرقية ولا غربية، بمعنى: أن الله أنبتها في مشارق الأرض ومغاربها فلا أحد يستطيع أن يقول: هذا زيت المشرق بمعنى أنه لا وجود له في المغرب، أو هذا زيت المغرب بمعنى أنه لا وجود له في المشرق، فهو في كل الديار وفي كل الأرض إلا في الصحاري؛ لقلة الماء، وحتى هنا قال خبراء الزراعة: يمكن أن تنبت شجرة الزيتون وتعطي الخيرات وتعطي شيئاً لا يكاد يخطر ببال. ((وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ)) سيناء: هو الشجر الملتف، والطور الجبل، فالطور هو الجبل، وسيناء تلك الجهة المخصبة التي فيها الأشجار الملتفة والكثيرة. ((وَشَجَرَةً تَخْرُجُ)) أي: تنبت وتستزرع وتستنبت وتخرج من طور سيناء، ((تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)) أو تُنِبت الدهن، أي: تعطي الدهن، والدهن هو الزيت. ((وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ)) الصبغ: هو الإدام، والإدام هو ما يؤتدم به مع الخبز، وسمي صبغاً لكون الخبز عندما تضعه في الإدام يتغير بتغيره ويصطبغ بشكله، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (ائتدموا، نعم الإدام الخل)، فجعل الخل إداماً، وجعل الزيت إداماً، فالإدام هو ما يؤكل مع الخبز. وهذه الشجرة فيها من الدهن ما نحتاج إليه لقوام البدن، ولتمام تغذيته، والزيت أشرف شيء للإنسان، وإن كان لا يستغني كذلك عن دهن الحيوانات. ((وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ)) سِيناء فيها قراءتان: بفتح أولها وكسره، (تنبت بالدهن)، إما أن يكون معناها: تنبت مع الدهن، وفسروا الباء بمع، أو الباء صلة، أي: تبنت الدهن، أي: يستخرج منها الزيت، ((وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ)) أي: إدام للآكلين، فيجعل مع الخبز إداماً، ويختلط باللحم بأنواعه، ويختلط بالخضر بأنواعها، فهو إدام يؤتدم به مع الخبز. وبعد أن ذكر الفواكه والحبوب التي تستنبت من الأرض، والزيت والزيتون عقب بذكر الأنعام.
تفسير قوله تعالى: (وإن لكم في الأنعام لعبرة)
تفسير قوله تعالى: (وإن لكم في الأنعام لعبرة) قال الله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [المؤمنون:21]. الأنعام تطلق على الإبل والبقر والضأن والماعز، فهذه الأنعام خلقها الله لنا، وجعل لنا فيها من المنافع الكثير الطيب. ((وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً)) نعتبر بها، ومن عبرها أننا نعيش بألبانها وبإنتاجها، ونعيش بوبرها وشعرها، ونعيش بها ركوباً لنا ننتقل بها من أرض إلى أرض. ((وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً)) تعتبرون وتتفكرون بها، فيزداد شكركم وحمدكم لله جل جلاله على بديع صنعته، وعلى إكرامه لكم بما أكرمكم به من أنواع الزيوت والأدهان، ومن أنواع الفواكه والحبوب، ومن أنواع اللحوم. ((وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا)) يسقينا مما في بطونها من اللبن، وهذا اللبن أشكال وألوان، فمنه اللبن الحامض المخيض، ومنه الأجبان التي نستعملها منه، والزبدة أشكال وألوان كذلك، فكله يدخل في هذا الذي يخرج من الأنعام. وكل شيء نقول عندما نأكله ما علمنا صلى الله عليه وسلم أن نقول: (باسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وزدنا خيراً منه) إلا الحليب فإنا نقول فيه: (وزدنا منه) لأنه ليس هناك خير من الحليب، فبالحليب نعيش السنتين الأوليين، فهو الغذاء وهو الشراب، ويعيش المريض به، فيستطيع أن يعيش بالحليب بلا حاجة إلى خبز ولا إدام، فالحليب هو الخبز وهو الإدام، وفيه التغذية الكاملة التي في الشيء الآخر، ومن هنا قال الله تعالى: ((وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا)) أي: في الأنعام، ((مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ)) فننتفع بما فيها، ننتفع بأوبارها وأشعارها وبطونها وظهورها، فنركب الإبل، وفي الهند يركبون حتى البقر، ويروى في الأحاديث الماضية وبعض ذلك قد صح: (أن بقرة ركبها صاحبها أيام بني إسرائيل فإذا بها تنطق وتقول: لست لهذا خلقت، وإنما خلقت للحرث)، فقد خلقت للحليب وخلقت للولادة، ولذلك لا تكاد تجد هذا في بلاد المسلمين، فالإبل للركوب والبقر للحراثة وللحم وللحليب وللأدهان، وهكذا. ((وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا)) من السقي والشراب. ((وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)) نأكلها إبلاً، ونأكلها بقراً، ونأكلها ضأناً، ونأكلها ماعزاً، ونستفيد من كل ما فيها طعاماً وشراباً وكسوة وألبسة من الأوبار والأشعار.
تفسير قوله تعالى: (وعليها وعلى الفلك تحملون)
تفسير قوله تعالى: (وعليها وعلى الفلك تحملون) قال الله تعالى: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [المؤمنون:22]. فنسافر ونقطع البراري والقفار والجبال والوهاد ومشارق الأرض ومغاربها، ولم تكن قد وجدت المراكب الجديدة من المراكب البخارية، والمراكب الخشبية، فما كان الركوب إلا على الإبل أو الدواب أو المشي على الرجل، ولذلك كانت الإبل تسمى سفن الصحراء، ولا نزال في حاجة إليها إلى الآن، فلا تزال تركب في كثير من الأراضي القاصية في الجبال وفي الوهاد وفي الصحاري حيث يصعب أن تذهب إلى هناك السيارات وما إليها، وخاصة في الأراضي التي ترابها ورملها يغور فيه من يمشي عليه، فقد يبتلع السيارة كلها، وهذا موجود معنا في المملكة هنا، ففي خلق الله عجائب حتى في التراب وأنواع الأرض وترابها. ومن معجزات القرآن في هذا العصر أن الله تعالى يقول في كتابه: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} [التكوير:4]، والعشار هي الإبل، وأصل العشار النوق الحوامل، ولكن أصبح بعد ذلك يطلق على الإبل كلها عشار. وجميع المفسرين إلا قلة وهم معدودون على الأصابع ذكروا أن ذلك يوم القيامة، فهناك ستعطل الإبل عن الركوب، قالوا: وإذ ذاك ستقوم القيامة وتنتهي الدنيا، وفي تصورهم أن الإبل لا تعطل إلا إذا عطل الإنسان عن الرحلة وعن السفر، ولا يعطل الإنسان عن الرحلة والسفر إلا إذا فقد ومات، ونحن الآن نعيش وقد عطلت الإبل، فلا أذكر في حياتي أني ركبت إبلاً، وإنما ركبت مرة فرجة، في حين رواكب من سبقنا كانت جميعاً هي إبل، ولو سكنت هنا قديماً لركبت من مدينة إلى مكة في عشرة أيام واثني عشر يوماً كما ركب أبي وأمي، وكما ركب الكثيرون من الحاضرين والموجودين، ولكن اليوم الإبل عطلت، بل أنواع الدواب كلها، وكنا نرى البعض كانوا يخرجون من هنا في رجب على الحمير إلى المدينة المنورة، وقد أدركت هذا، وكان قريباً وأظنه لا يزال، وكنا نستغرب لهؤلاء الذين يركبون أياماً عدة ويتركون الطائرة في نصف ساعة ويتركون السيارة في بضع ساعات ما حملهم على أن يركبوا الحمير؟! قالوا: ولكن عادة لكن ذكرى لكن معنى يحترمونه، ولو رأينا الناس يسافرون في هذا العصر على الإبل لكان استغرابنا أعظم. ((وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ)) فقد عطلت ولم ينته الإنسان ولم تقم الساعة بعد، ولا نزال نرحل أكثر مما كنا بواسطة السيارات، وبواسطة البواخر البخارية، فأصبحت الدنيا صغيرة، وهكذا الدنيا تضيق يوماً عن يوم بسبب هذه المراكب وأنواعها وتشكلها. وقال لنا نبينا صلى الله عليه وسلم: (إن عيسى عندما ينزل من السماء سيحج على غير القلوص) يعني: سيحج ولكن ليس على الإبل وليس على البراق، فالنبوءة انتهت لعيسى مع قومه، فعندما سينزل للأرض فإنه سينزل إنساناً مؤمناً مسلماً من أتباع نبينا صلى الله عليه وسلم، وسيحج على غير القلوص؛ إشارة للطائرات، فيحج كما نحج وكما نتنقل اليوم في العالم على الطائرات، وقد مضى أن قلنا من قبل وفسرنا عندما ذكر الله أنواع المركوبات وقال: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [النحل:8] أن عبد الله بن عباس قال: ما عطف الله أنواع المركوبات -أي: ما عطف الله بقوله: ((وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ)) على أنواع المركوبات- حتى كانت من جنسها. ((وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ)) أي: من أنواع المركوبات: من الطائرات والسيارات والبواخر، وسنبقى نقول: ويخلق ما لا تعلمون في تفسير قوله تعالى: ((وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ))، ولم ذلك؟ لو قال النبي عليه الصلاة والسلام يوماً لإنسان: إن الحديد يوماً سيطير بقليل من الماء، وسيقطع الأجواء، وبساط سليمان سيصبح شيئاً عادياً للبشر، لقالوا: جن محمد صلى الله عليه وعلى آله، وقد قالوا عنه من غير شيء: مجنون صلى الله عليه، ومن هنا كان النبي يقول لنا عليه الصلاة والسلام: (خاطبوا الناس بما يفهمون)، فالإنسان إذا حاول أن يخاطب الصغار بلغة الكبار أفسدهم، ودفعهم ليقولوا عنه: مجنون، ولو خاطب الكبار بلغة الصغار لأضاعهم، ولقالوا: أستاذنا لا يزال يعيش معنا عيشة الأطفال، وهكذا لابد للإنسان أن يفرق بين وقت ووقت، وبين كبير وصغير، وبين رجل وأنثى. {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [المؤمنون:22] أي: على الإبل منها، والفلك هي السفن التي تمشي على الماء سابحة عائمة، وقد كانت قديماً بالشراع، وكانت تسير بالرياح، ولذلك قال الشاعر: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن وعندما نقرأ رحلات المغاربة والأندلسيين وقد اشتهروا بالرحلة والكتابة فيها دون أكثر بلاد الله، عندما نقرأ رحلة ابن جبير ورحلة ابن بطوطة وغيرهما من المغاربة والأندلسيين نجدهم جاءوا للحج على السفن الشراعية، وعندما كادوا يصلون إلى شواطئ الشام وقد رأوها، وكادوا يصلون إلى شواطئ مصر وقد رأوها إذا بريح معاكسه تعود بهم إلى المغرب، وهم يتغيظون ويكاد ينفجر دمهم، وقد يضيع عليهم الحج، ولو حاولوا أن يعاكسوا الريح لغرقت السفينة ولضاعوا البتة، وكثيراً ما وصلوا إلى الشواطئ فتأتي ريح معاكسة فيذهبون فيعودون مرتين وثلاثاً ولا ييأسون. وكم من نعم الله علينا في هذا العصر، والكفر في هذا العصر أكثر من كفر أمس، وما زادت هذه النعم الإنسان إلا كفراً وإلا جحوداً، فاليوم نفطر في المغرب ونتغدى في الحجاز، ونتغدى في الحجاز ونتعشى في الهند، وهو بساط سليمان بحاله، ولا يزال الأمر في تطور، فالطيران كما رأيناه كان كالحمار مع الفرس، وحمر الطيران انتهت اليوم، وأصبحنا نطير في أعظم طائرات، وهذه الطائرات تتغير يوماً عن يوم، والطائرة الآن لا تزال تجرب، فتختصر السفر ما بين المشارق والمغارب إلى النصف إلى خمسين في المائة، فإذا كنا نصل إلى المغرب في ست ساعات بالطائرة، فستصل هذه في ثلاث ساعات، ولعلها ستنزل قريباً في خلال هذه الأيام هنا في المملكة، ولا يزال الناس يفكرون، وكما قال ربنا جل جلاله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت:53]، فسيرينا الآيات والمعجزات والقدرة الإلهية في الكون وفي أنفسنا، وسنصنع هذا بأيدينا، ولكن من الذي رزقنا ذلك والقدرة عليه؟ ومن الذي رزقنا العلم وقد خرجنا جهالاً؟ ومن الذي رزقنا العلم وقد خرجنا فقراء من بطون أمهاتنا؟ ومن الذي أعطانا بعد ذلك العقل للفكر وللعمل؟ فنحن ليس إلا آلة في يد الله يصنع بها ما شاء، فهو الذي خلقها، وهو الذي يشغلها، فنحن عندما نزعم لأنفسنا الكثير الكثير نكون حمقى بعداء عن الحق والواقع، فالله هو الذي خلق لنا السمع والبصر والقدرة والفهم، وعندما ينسى الواحد منا هذا يزداد إغراقاً في الكفر والحمق والرعونة. {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [المؤمنون:22] والفلك اليوم كذلك تطورت تطوراً عجيباً، فقد كانت هناك السفن الشراعية ولم ندركها ولم نركب عليها، وهي توجد اليوم لصيد الحيتان، وأما اليوم فتوجد الباخرة، وتسير الباخرة بقوة البخار، وأيضاً تسير بالبترول وأنواعه، فهذه تعاكس الريح وتذهب، وتعاكس الأمواج، يا ما ركبنا البواخر من ثلاثين سنة فكنا نكون تارة كالريشة في أعلى الموجة، وتارة تنزل الموجة، فنكون بين جبلين من الماء، ونقول: قد ذهبنا، ولكن البواخر مع ذلك ازدادت سعة وعظمة وكبراً، فهي أصبحت تقطع هذه البحار التي كانت تقطع في الشهر والشهرين تقطعها في يومين وثلاثة، ولا يزالون يخترعون، وهذا العقل الذي خلقه الله لا يزال الله يعلمه ما لم يعلم، {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء:113] قالها للأنبياء وهي لنا كذلك.
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه)
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه) قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} [المؤمنون:23]. سيقص الله علينا قصة نوح مع قومه، وقد مضت معنا مرات، وفي كل مرة يذكر الله فيها زيادة حكمة، وزيادة فائدة، وزيادة درس وعبرة، وزيادة آية ومعجزة. فقد أرسل الله نوحاً إلى البشر وأمره بأن يدعوهم إلى عبادته وتوحيده والإيمان به، فاستجاب نوح، وقال: ((يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ))، فالله خلق الناس يوم خلقهم مؤمنين، فخلق آدم وجعله نبياً لأولاده وسلالته وذريته، وخلقنا مؤمنين، وأنزل أبانا آدم من الجنة إلى الأرض، وتركنا وأعطانا من الإلهام لنزرع ونبحث ونقوم بما يحتاج إليه الإنسان على وجه الأرض، وانتقل آدم من الراحة والنعيم إلى أن أصبح مزارعاً إلى أن أصبح كساراً يبني في داخل الجبال البيت؛ ليفر من الدواب والهوام، ويزرع الأرض ويستزرعها بالحبوب والفاكهة ليعيش، وهكذا مع الأيام عاش الناس مؤمنين، ومضت ألف سنة فيما زعموا ولا نستطيع البت في ذلك، فليس هناك نص في القرآن ولا نص عن نبي الله عليه الصلاة والسلام، وكل الذي نقوله هو الذي قاله القرآن، فأرسل الله نبيه نوحاً فلبث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وكم كان سنه؟ لنفرض أنه كان سنه خمسين فقط، فيكون قد أقام فيهم ألف سنة، وبعد قرون نسوا الإيمان والتوحيد، وأخذوا يعبدون غير الله مشركين معه وداً وسواعاً ويغوث.
المؤمنون [23 - 31]
تفسير سورة المؤمنون [23 - 31] يحكي الله تعالى لنا في هذه الآيات قصة نبيه عليه السلام مع قومه، فقد ظل فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فعصوه وأبوا إلا الشرك، واستهزئوا به، وسخروا منه، وما آمن منهم إلا القليل، فأهلكهم الله تعالى شر هلكة، وأبادهم عن بكرة أبيهم إلا من آمن مع نوح وقليل ما هم.
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه)
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه) قال الله جل جلاله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} [المؤمنون:23]. يقص الله جل جلاله علينا قصة نوح لنعتبر بما فيها من حكم وأمثال، ومن تشابه بين الكفر قديماً وحديثاً، وما جعله الله عقوبة ونقمة من المكذبين للرسل والمشركين بالله، فقال تعالى: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ)) أرسل نوحاً إلى قومه؛ ليبلغ عنه، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويرشدهم إلى عبادة الله، ويأمرهم بترك الأوثان والشرك بالله، وليتحلوا بالأخلاق الفاضلة في ظواهرهم وبواطنهم، ويكونوا مسلمين أنفسهم وعقائدهم وحياتهم لله الخالق الرازق. وقد كان الرسل قبل يرسلون إلى أقوامهم وإلى عشائرهم فقط، وما أرسل للناس كافة بشيراً ونذيراً حال حياته وبعد حياته إلى يوم القيامة إلا نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، فليست هناك ديانة عالمية إلا دين الإسلام، وليس هناك رسول عالمي إلا محمد خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، ونوح جاء بعد إدريس وآدم، وزعموا أن بينه وبين آدم ألف عام، والقطع بذلك الزمن الذي بينهما لا يتأتى، ولكنه كان أقرب الرسل إلى آدم، فما بينه وبينه إلا إدريس عليهم وعلى نبينا جميعاً السلام. ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ)) أي: امتثل نوح وأطاع وذهب يبشر وينذر قومه، ((فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ)) فقام نوح منذراً ومبشراً، مبشراً للمؤمنين إن هم آمنوا ووحدوا وتركوا الشرك والأوثان أن لهم الجنة، وبشرهم بأن الله يرضى عنهم ويرحمهم، وأنذر المشركين إن هم استمروا على الشرك والكفر بغضب الله وسعيره. ((فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)) دعاهم إلى عبادة الله الواحد لا إله إلا هو، ولا معبود بحق سواه. ((فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ)) ألا تتقون الله وتجعلون وقاية بينكم وبين عذابه ونقمته وتأديبه: فتؤمنون بالله الواحد، وتتركون عبادة الأصنام والأوثان، فكل ذلك ضلال وباطل ما أنزل الله به من سلطان؟
تفسير قوله تعالى: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم)
تفسير قوله تعالى: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم) قال الله تعالى: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} [المؤمنون:24]. فقام قومه مكذبين ومشركين ومصرين يقولون ويتنادرون مع بعضهم: ((فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ)) وكلهم قد كفر إلا قليل منهم مع كونه ظل في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعوهم إلى الله الواحد، فقال الكفار من قومه: ((مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)) وتصوروا بعقلهم السخيف وشركهم الضائع الضال أن البشر لن يكون نبياً ولن يكون رسولاً! فجعلوا من حججهم ومن دلائلهم على تكذيب نبيهم نوح أنه بشر. ((مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ)) أي: إنما يريد بكذبه -وحاشاه من ذلك- أن يكون أفضلهم، وأن يكون المتبوع لا التابع، وأن يتظاهر عليهم بالرفعة والسؤدد، وهكذا عقول الكافرين تملي عليهم هذا الشيء في الزمان القديم، ولا يزال هذا إلى عصرنا. ((يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً)) أي: لو شاء الله حقاً عبادته، ولو شاء الله حقاً إرسال رسول لما أرسله بشراً، ولما أرسله إلا ملكاً، كانت هذه حجة الكفار منذ عهد نوح إلى عهد نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد قالوا ذلك وكرروه أمة بعد أمة، وقالوه لرسلهم رسولاً بعد رسول إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، فكذلك قاله الكافرون الذين عاصروه، وقاله الذين جاءوا بعدهم؛ قالوا: لو أراد الله نبياً ورسولاً لجعله ملكاً. ((مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ)) قالوا مبهتين وكاذبين: ما سمعنا بهذا في عصر آبائنا ومن قبلهم إلى عهود أجدادنا أن الله أرسل نبياً بشراً إلا نوح الذي زعم ذلك لما به من جنة وافتراء، هكذا زعم الكافرون، وهذا الذي قاله قومه هم أول من يعلم أنهم كذبة، وأنهم مبهتون، وأنهم قالوا غير الحق، فلقد كان العهد بهم قريباً إلى إدريس نبي الله، وكان العهد به قريباً إلى آدم نبي الله وإلى أبنائه المعاصرين له، فهم عندما يزعمون بأنهم لم يسمعوا بنبي بشر ولم يسمعوا برسول بشر كذبوا وافتروا، وزادوا على تكذيب نبيهم وشركهم بالله أن استدلوا بالأكاذيب والأضاليل والافتراءات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وهكذا شأن الكافرين عندما يعجزون -وهم دائماً عجزة- عن الإتيان بالدليل ليحاجوا به الحق، فيبحثون عن الأكاذيب فيتخذونها أدلة، ولن تكون أدلة لا نقلية ولا عقلية.
تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين)
تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين) قال الله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون:25]. بعدما افتروا وقالوا إنه: لم يرسل الله في آبائنا السابقين رسولاً بشراً، وزعموا أنه إنما أراد السؤدد والزعامة والبروز عليهم، وزادوا فكذبوا وقالوا عنه: إنه ينطق بما يدل على جنونه وعلى عدم عقله، فتربصوا وانتظروا به إلى أن يموت، وما كانوا يظنون وهم يتمنون ويتربصون بنوح الدوائر أنهم هم سيموتون شر ميتة، فلا يبقى لهم بلد ولا اسم ولا ذكر إلا أحاديث يتحدث بها السمار في المجالس كقصص الأولين، فانتقلوا عن كونهم أناساً أحياء إلى قوم قد فنوا وقتلوا شر قتلة، وأصبح الناس يتخذونهم قصصاً وسمراً. ((إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ)) أي: به حمق وجنون. ((فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ)) أي: انتظروا به فسيموت يوماً وتبقى لكم أصنامكم وتبقى لكم دياناتكم وعقائدكم، ومن سخف المشركين وضياع عقولهم أنهم قبلوا أن يكون الحجر إلهاً ومعبوداً واستبعدوا عن بشر أن يكون نبياً رسولاً، فمن الذي يقبل هذا ويجعله حقيقة مسلمة يدافع ويقاتل من أجلها ولو ذهبوا مع الذاهبين وهلكوا مع الهالكين؟! أنكروا على نوح -وهو بشر- أن يكون نبياً رسولاً، وهم في ذات الوقت قد آمنوا واعتقدوا في الحجر أنه إله يعبدونه دون الله ومع الله، أهناك سخافات في العقول وضلال في النفوس أكثر من هذا؟!
تفسير قوله تعالى: (قال رب انصرني بما كذبون)
تفسير قوله تعالى: (قال رب انصرني بما كذبون) قال الله تعالى: {قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} [المؤمنون:26]. أي: قال نوح ذلك عندما بهته قومه، وبعد أن انتظر بهم القرون تتبعها القرون وهم بين مكذب ومستهزئ ومشرك مصر على الشرك. (فقال الملأ) الملأ: هم أشراف القوم وقادتهم وزعماؤهم، وهم الذين يكونون عادة أهل الكفر وأهل الشقاق وأهل الاستعلاء على أهل الحق من الأنبياء والرسل والدعاة إلى الله، فيأخذهم الغرور بما أكرمهم الله به من صحة وجاه وملك وسلطان ومال ورفاهية ونعمة، ويبقى هؤلاء المساكين الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، يبقون هم أهل الحق إلى أن يسودوا بعد ذلك، وكما قال نبينا عليه الصلاة والسلام عن دين الإسلام: (يرفع الله به قوماً ويضع به آخرين)، وكما هو وصف الحال في كل الأديان جميعاً فهؤلاء الذين اعتبروهم أقلهم واعتبروهم دونهم كانوا هم السادة والقادة، وكانوا هم الأئمة، وكانوا هم المبلغين عن الله وعن رسل الله، وذل أولئك وحقروا في الدنيا قبل الآخرة. ((قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ)) قال نوح: يا رب انصرني على هؤلاء؛ بسبب كذبهم وتكذيبهم، كذبهم علي فيما زعموه من جنة، وتكذيبهم للحق حين جاءهم، فانصرني عليهم، واكشف حالهم، وعاقبهم بما أنت أهل له، وأظهرني عليهم، ومكني من رقابهم بما أنت وحدك تقدر عليه؛ لأن الناس كلهم أبوا إلا الشرك والكفر والعصيان، وإذا بالله الكريم يستجيب له بعد اصطباره وبعد محنته مع قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً.
تفسير قوله تعالى: (فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا)
تفسير قوله تعالى: (فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا) قال الله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [المؤمنون:27]. بعد أن انتظر نوح ما انتظر، وبعد أن تحمل من قومه ما تحمل، أخذ يطلب من ربه النصرة، ويطلبه الفوز، ويطلبه النقمة على أعدائه، فاستجاب الله له وأوحى إليه أن اصنع الفلك -وهي السفينة- لتحملك أنت ومن آمن معك، فذهب يشتغل بها سنوات، وقال: يا رب لست نجاراً، كيف أصنع السفينة وأنا لا أعرف؟ وزعموا أن نوحاً كان نجاراً بذلك، ولم يكن، وقالوا: إن السفن قبله لم تكن معروفة، ولا شيء يدل على حقيقة ذلك، والذي ترك قومه يستغربون ويتعجبون لا من صنع السفينة نفسها، ولكنه عندما كان يصنعها في أرض ليس فيها بحر ولا شاطئ، فأخذوا يتعجبون وهم يمرون عليه هازئين وضاحكين: أتصنع سفينة وأنت على البر والتراب؟! ماذا تصنع بها؟! فكانوا وهم يهزءون يقول لهم نوح: ونحن كذلك سنستهزئ بكم في العاقبة. ((فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ)) أي: أن اصنع السفينة، فأخذ يصنعها بتعليم الملائكة له، وأخذ لها الأخشاب من كل جانب، وزعموا أن ذلك كان من جبال لبنان ومن غير جبال لبنان إلى أن أتم صنعها وأصبحت قائمة، وجعل لها أبواباً من جوانبها ومن فوقها، وجعل لها طبقات: طبقة للآدميين من المؤمنين أتباعه، وطبقة للحيوانات المفترسة، وطبقة للحيوانات الدواجن، وطبقة للطيور وهكذا، فقال الله له: ((اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا)) أي: تحت نظرنا وعوننا وإرادتنا وقدرتنا وتعليمنا، وقد كان ذلك، (ووحينا) أي: بما أوحاه الله إليه من صنعها. ((فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا)) إذا جاء أمر الله بالطوفان وتفجير العيون والأرض عيوناً ومياهاً ليغرق كل من عليها. ((فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ)) تفجرت المياه من التنور، والتنور قيل: هو سطح الأرض، وقيل: أعالي التلال والجبال، وقيل: هو التنور كما يطلق عليه اليوم، وهو مكان طبخ الخبز، وكان ذلك أعجز في التعبير، كما قالوا: إن مواضع النار التي يخبز عليها الخبز -وهي شأنها أن تكون نيراناً متصلة- تفجرت منها الأنهار، على أن الأنهار تفجرت من البراكين وتفجرت من مختلف أقطار الأرض، وفار التنور فوراناً وتفجرت الأرض جبالاً ووهاداً، تفجرت عيوناً وأنهاراً، وتفجرت بحاراً حتى غرق الكل وذهب الكل، وتفصيل ذلك قد مضى في سورة هود وسيأتي في مناسباته كذلك. ((فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا)) أي: أدخل في الفلك، يقال: سلك وأسلك بمعنى واحد، أي: دخل وأدخل، ((فَاسْلُكْ فِيهَا)) فأدخل في السفينة من كل ((زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)) أي: من كل ذكر وأنثى على وجه الأرض، فخذ معك زوجين ذكراً وأنثى وأدخلهما معك في السفينة؛ لتعاد الحياة بعد الطوفان على هؤلاء الكافرين الجاحدين، ((فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ)) أي: وخذ كذلك من آمن بك من أهلك ومن أتباعك، وقد قال الله عنه: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]. ((إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ)) إلا من سبق القول عليه بأنه يبقي على الكفر والشرك، فكفر الولد بأبيه، وكفرت الزوجة بزوجها نوح، وكان له أربعة أولاد أسلم ثلاثة منهم وأصر واحد على الكفر. ((فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا)) علم الله جل جلاله أن نوحاً ستأخذه الرأفة والرحمة بولده وهو يغرق، فيقول: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} [هود:45]، وكما قال الله عنه فقد طلب إنقاذ ابنه على شركه وكفره، وقد طلب نوح من ولده أن يلحق به، فأخذ يقول: إن الجبل سيعصمني من الماء، فقال له أبوه: {لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} [هود:43]، ولم يرحم الله إلا المؤمن الموحد التابع لنوح في نبوءته ورسالته. ((وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا)) أي: في الذين أشركوا وظلموا أنفسهم من هؤلاء سواء كانوا أهلاً، أو كانوا أتباعاً، أو على أي صفة كانت، ((إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)) سبق في علم الله وإرادته بعد أن دعاهم نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً، وبعد أن أمهلهم الله كل هذه القرون، فكانت إرادته التي لا ترد ولا يقف دونها خلق من خلقه أن يغرق كل هؤلاء، سواء كانوا أقارب أو أباعد لنوح، وكان ممن غرق زوجه وولده. هكذا قال الله لنوح بعد أن نصره في دعوته، حيث قال لربه: {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح:26]، فقد دعا نوح بعد أن صبر ما صبر ألا يدع كافراً على الأرض يملك داراً أو يسكن داراً أو يعيش من أجل ذلك. {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح:27] أي: لا خير فيهم ولا في ذريتهم وسلالاتهم، فاستجاب الله دعوته وأغرق الكل وعاقب الكل في الدنيا قبل الآخرة، ولعذاب الله أشد، وهذا قصه الله على قريش، وقصه الله على العرب، وقصه الله على من آمن بالإسلام وبنبي الإسلام بعد ذلك؛ لينبههم على أن الله عندما يأمر عباده بالإيمان به، وبتوحيده، وبعدم ظلم أنفسهم بالشرك وبالوثنية: أنه يمهلهم، ولكن الله يمهل ولا يهمل، فهو يصبر كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا أحد أصبر من الله، فهو يرزقهم وهم ينسبون له الولد)، ولكن الله يمهل ولا يهمل، ولا يترك من عقابه مشركاً؛ إذ المشرك لا مغفرة له ولا تقبل له دعوى.
تفسير قوله تعالى: (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك)
تفسير قوله تعالى: (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك) قال الله تعالى: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون:28]. فأنت يا نوح عندما تستوي على السفينة، وعندما تركبها ويركبها من آمن معك من قومك، وعندما تجد نفسك قد أنقذت من أهلك وأنقذت من قومك وطالما تربصوا بك الدوائر، وعندما يكونون غرقى وأنت قد أنقذت ونجيت فاحمد الله على أن نجاك وأنقذك من القوم الظالمين، الذين ما ضروا إلا أنفسهم ولم يضروا أحداً، وقد أركب نوح معه من كل ما على وجه الأرض من حيوان مفترس وغير مفترس، ومن دابة وطير، وأركب معه من كل نوع زوجين: ذكراً وأنثى، حتى إذا غرق الكافرون وعوقب المجرمون تجددت الحياة بعد ذلك بنوح، ولذلك يعتبر نوح أبانا الثاني بعد آدم. ((فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ)) أي: استقررت وأصبحت مستوياً وقائماً ومستقراً في الفلك وهي السفينة. ((فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ))، ولذلك ينبغي على كل مسلم عندما يدعو على أعدائه وأعداء الله ويستجيب الله دعاءه أن يحمد الله على ذلك، وأن يشكر الله على ذلك، وما أمر الله نبيه نوحاً بذلك، وأوحى ذلك إلى نبينا إلا ليكون ذلك لنا أسوة وقدوة، فبهداهم اهتده كما قال الله لنبيه، وهو قول لنا كذلك بالتبع لهم، فعندما يكرمنا الله بفضل، ويكرمنا بمكرمة فإننا نشكره ونحمده؛ لأن الشكر يديم النعم، {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7]، فجحود النعمة يوشك أن يسلبها المنعم عليه، وبالشكر عليها يزيدها الله ويضاعفها.
تفسير قوله تعالى: (وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين)
تفسير قوله تعالى: (وقل رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين) قال الله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} [المؤمنون:29]. أي: عندما تستوي على السفينة وتجد نفسك ومن معك قد أنقذك الله ونجاك ونصرك كما طلبت على عدوك الظالم لنفسه المشرك بربه، فاشكر نعمة الله عليك، فإذا غاضت المياه وغارت ونزلت إلى البر مرة ثانية فاطلب من ربك وادعه وقل: ((رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا)) أي نزولاً، وقرئ: (منزلاً) أي: مكاناً أنزل فيه، (مباركاً) أي: تبارك لي فيه وفي ذريتي وذرية من معي، وتبارك لي فيه بالخيرات والأرزاق المتوالية المتتابعة، فقد علمه الله أن يدعوه، واستجاب لدعائه جل جلاله وعلا مقامه، فالدنيا من بعد نوح جددت كما كانت أيام آدم، وزادها الله بركات ويمناً، وزادها خيرات ونماء، فقد أخذ زوجين اثنين من كل نوع وأصبحوا الآن بما لا يعد ولا يحصى عداً لا في البشر، ولا في الحيوان، ولا في الطير، ولا في كل ما خلق الله من قبل. ((وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ)) أي: أنت خير من ينزل، وخير من يكرم، وخير من يجعل للإنسان منزلاً مباركاً يبارك فيه، فالإنسان قد يستضيف والضيافة لا تكاد تكفي مهما كانت، ولكنك القادر على أن تضيف كل خلقك، وأن تنزل كل خلقك، وأن تبارك لهم في الذرية والرزق والعطاء وكل ما هم في حاجة إليه في الحياة الدنيا. ومن هنا استحب فقهاؤنا أن الإنسان عندما يركب مركباً يقول هذا الدعاء في الركوب، وعندما ينزل يقول: ((رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا))، وقريء: (منزلاً مباركاً) وكلها قراءات متواترة نزل بها الوحي القاطع. فعند الركوب دعوات منها: باسم الله مجراها ومرساها، ونوح أيضاً قد ذكر ذلك عندما ركب السفينة، وحمد الله على أن أنجاه كذلك، فقال: (باسم الله مجراها) أي: جريانها وسفرها وقطعها لهذه البحار والمياه، {بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود:41] باسم الله والتيمن به أركب وأسير، وباسم الله أنزل وأرسو على البر بعد أن غاضت المياه وظهر وجه الأرض.
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين)
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين) قال الله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} [المؤمنون:30]. ((إِنَّ فِي ذَلِكَ)) أي: في قصة نوح وكفر قومه به، وصبر نوح على قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وتحدي قومه له بالشتائم والنقائص والكذب والافتراء، واتهامه بالجنون وبأنه يريد العلو والسيادة عليهم، ثم بكون الله أنقذ نوحاً واستجاب دعوته في نصرته، فعلمه صنع السفينة، وأغرق كل الظالمين المشركين، وعاد فجدد الدنيا من جديد بذرية جديدة، ومنازل جديدة، وخيرات جديدة بما نسي به ما كان قبل نوح، وما كان وقت المشركين من قومه. ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ)) لعلامات على قدرة الله على كل شيء، فالله هو الذي يرزق، والله هو الذي يوقف رزقه، والله هو الذي يحيي وهو الذي يميت، والله هو الذي يأمر، فإذا عصي عاقب بالفناء والدمار وبالغرق وبما يريد جل جلاله. ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ)) ولقد كنا مبتلين، أي: مختبرين وممتحنين هل إذا أرسلنا لهم رسولاً منهم يعرفونه ويؤمنون به؟ وهل سيؤمنون بالرسالة والمرسل بها أو سيبقون على شركهم ويصرون على ذلك؟ فالله ابتلاهم، فلم ينجح في الابتلاء والاختبار إلا قلة قليلة، وهم في أكثر ما قال المفسرون لم يتجاوزوا السبعين رجلاً وامرأة، وقال قوم: اثنا عشر أو ثلاثة عشر، أي: دون العشرين، فعلى العموم كما قال الله: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]، فقد آمنت به قلة، ولكن الله زكاها وزادها، وهم الذين لا يزالون الآن الذين يعدون بالملايين في مختلف أقطار الأرض وفي القارات الخمس، ولكنهم عادوا بعد أزمان إلى الشرك والكفر، ونسوا ما عاقب الله به أجدادهم من الغرق والخسف والتدمير من السماء والأرض. ((وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ)) وما كنا إلا مبتلين، وقد كنا مبتلين، أي: مختبرين ممتحنين، وبكل ذلك قد فسر، وكل ذلك تشمله الآية ولفظها. قال تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [المؤمنون:31] يذكر الله جل جلاله أنه بعد دمار قوم نوح بالغرق وبعد قوم نوح الذين أنقذوا بآبائهم الذين آمنوا انتهوا كذلك وذهبوا في أمس الدابر، وبادوا مع من بادوا، أنشأ الله بعدهم قوماً آخرين، {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [المؤمنون:31] ثم أنشأ الله بعد هؤلاء الذين أنقذوا من الغرق وعاشوا ما قدر لهم ثم ماتوا، هؤلاء بعد موت نوح أرسل الله إليهم كذلك نبياً رسولاً، وقد أشركوا أيضاً وكفروا، وقد نسوا إفضال الله على آبائهم من قبل كما نسي قوم نوح إفضال الله على أجدادهم من قوم إدريس وقوم آدم الأولين. ((ثُمَّ أَنشَأْنَا)) وابتكرنا وأحدثنا، ((ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ)) أي: من بعد هؤلاء الذين أنقذوا من الغرق وماتوا مع من مات وبادوا مع من باد، أنشأ الله قرناً آخر، والقرن يطلق على العدد من السنين وهي مائة عام، ويطلق على الأمة من الناس.
المؤمنون [45 - 50]
تفسير سورة المؤمنون [45 - 50] لقد أرسل الله تعالى إلى فرعون وملائه نبيين كريمين وهما موسى وهارون، فما كان من فرعون وقومه إلا أن عصوا واستكبروا، وكان من حججهم على عدم الإيمان أن موسى وهارون بشران من البشر، وهذه حجة العاجزين والجاهلين.
تفسير قوله تعالى: (ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا)
تفسير قوله تعالى: (ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا) قال الله جلت قدرته: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ * فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} [المؤمنون:45 - 48]. بعد أن قص الله علينا قصص أمم وقرون مضت وأجمل القول في ذكر أنبيائهم ورسلهم ورسالاتهم والكتب المنزلة عليهم، فقد أبوا جميعاً إلا الكفر وتكذيب كتاب ربهم وتكذيب رسله، وكانت حجتهم التي يكادون يتواطئون عليها: كيف يؤمنون ببشر مثلهم؟ فلم لا يكون الرسل ملائكة يمشون على الأرض؟ ولو كانوا ملائكة لكانوا بشراً، ثم لكذبوهم ولما آمنوا بهم. ثم قص الله جل جلاله علينا باختصار سبق تفصيله وبيانه وسبقت جزئياته: قصة إرسال موسى وأخيه هارون إلى فرعون وقومه وقومهم من بني إسرائيل. فقال تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} ثم أرسل الله موسى وجعله رسولاً مبلغاً عنه لرسالته، ومبلغاً لكتابه، وعززه وجعل معه أخاه هارون وزيراً، وقد طلبه موسى للكنة كانت في لسانه، إذ كان هارون أفصح منه بياناً، وأقدر على التعبير عما في نفسه وما يريد قوله بفصيح العبارة وبليغها، فاستجاب الله له، وكانت أخوة موسى لهارون لم يسبق ولم يأت بعدها مثلها، فقد دعا لأخيه بأن يكون رسولاً، فاستجاب الله له، فارتفع هارون من كونه بشراً عادياً إلى رسول ونبي كريم. فأرسل الله موسى وهارون معاً بآياته لبيان الذي يمكن أن يقبله كل من وفق للخير وألهم الإيمان، ولكن فرعون الذي أرسل إليه هذان النبيان الكريمان كان من الكفر هو وقومه ومن الإصرار عليه بما تندى له الجباه، ولم يؤمنوا على كثرة ما رأوا من الآيات البينات والمعجزات الواضحات مما أتى به موسى وهارون، فقد أتيا بالآيات بقدرة الله جل جلاله على ما لم يقدر عليه سواه، مما أكد صدقهما، وأنهما الرسولان الصادقان الكريمان، وأنهما أتيا من الله رسولين بآيات واضحات، وسلطان مبين، ودليل وبرهان واضح بين ظاهر لمن ألقى السمع وهو شهيد، ولمن فتح أذنه، وشرح صدره لقبول الهداية والرسالة. وقد أرسلهما الله إلى فرعون المتأله الذي أبى إلا أن يستخف قومه ويدعي الألوهية عجزاً وسفهاً، محتجاً بأن له ملك مصر، وأن الأنهار تجري من تحته. {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} [المؤمنون:45 - 46]. أي: أرسلهما ليقولا لفرعون: {إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ} [طه:47]، وإذا به يأبى هو وقومه، واستعبد هو وقومه بني إسرائيل، فقتلوا الشباب واستحيوا النساء، واستخدموهن فيما لا يكاد يطيقه الحيوان الأعجم على ما له من قدرة ومن قوة، ومع هذا أبى فرعون وملؤه أن يستجيبوا لموسى وهارون. ((إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا)) أي: تعالوا على الحق، واستكبروا على موسى، وظنوا أن لهم شأناً وأن لهم قدراً وأن لهم مكانة، واغتروا بما معهم من سلطان زائل ومال ونشب غير باق، وهكذا غروا، وغر بعضهم بعضاً إلى أن عاقبهم الله، فدمرهم وأغرقهم، وملّك ديارهم وسلطانهم لموسى وهارون وملئهما. ((فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ)) استكبر فرعون وقومه وتعاظموا وتعالوا واستنكفوا (وكانوا قوماً عالين) طغاة جبابرة يأبون الحق والخضوع له، ويأبون قبول الهداية بدليلها وبسلطانها وببرهانها، وكانت حجتهم هي حجة من سبقهم من الأمم السابقة الكافرة المشركة التي أبت إلا كفوراً وأبت إلا عصياناً، فقال فرعون وملؤه: {فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} أي: كيف يتصور -وهذا في عقولهم الزائفة السخيفة- أن يرسل لهم بشراً مثلهم؟! ولو كان موسى أول رسول ولو كان هارون أول نبي لقلنا إن القوم جهلوا ولم يروا هذا في سابق الدهور والأزمان، ولكن الأمر ليس كذلك فقد أرسل الله قبلهم رسلاً وأرسل نبيئين، فبلغوا الرسالة، وهدوا القوم منذ آدم إلى إدريس فنوح فإبراهيم فسلالته من إسماعيل وإسحاق إلى موسى وهارون، فلم يكونا بدعاً من الرسل ولا بدعاً من الأنبياء. ولقد كان الكل بشراً يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويتزوج النساء، ويولدهن الذراري والأسباط والأولاد، فما العجب هنا أن يكونا بشرين؟ ولكنهم مع ذلك أصروا على هذا، وظنوه دليلاً وبرهاناً فقالوا: (أنؤمن)؟ فهم يستنكرون باستفهام استنكاري يعود عليهم وباله، ويعود عليهم جهله، ويعود عليهم ذله. ((أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا)) أي: يأكلون كما نأكل، ويتناكحون كما نتناكح، ويتوالدون كما نتوالد، أيمكن أن يكون هذا؟ واطمأنوا لهذا الدليل السخيف الذي يدل على أنهم عطلوا عقولهم عن الفهم والإدراك والوعي. ((أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ))، وزادوا هنا على قولهم السابق: أن هؤلاء هم من عشيرة ومن قوم هم لنا عبيد، فزادوا واحتجوا بما ظلموا به القوم فاستعبدوهم وجعلوا منهم السراري، وجعلوا منهم العبيد، ولم يكونوا قبل كذلك، وهذا من طغيان الفراعنة، ومن طغيان القبط، وهو من طغيان الكفرة المشركين، وموسى وهارون يتحملان ذلك منهم، والله يعززهم ويؤيدهم بالمعجزة بعد المعجزة، وبالقدرة بعد القدرة، وما يزدادون بذلك إلا عتواً وفساداً في الأرض.
تفسير قوله تعالى: (فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا)
تفسير قوله تعالى: (فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا) {فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون:47]. أي: مستخدمون مستعبدون، ((فَكَذَّبُوهُمَا)) بسبب الحجة الباطلة من كونهما بشرين، ومن كون قومهما لهم عابدين مستعبدين، ((فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ)) كذبوا موسى أن يكون نبياً رسولاً، وكذبوا هارون أن يكون نبياً ورسولاً، فكانوا بذلك مكذبين لرسالة إلههم وللكتاب المنزل عليهم، فازدادوا بذلك إثماً وعتواً وفساداً في الأرض، فحلت عليهم العقوبة وحلت عليهم النقمة، فدمرهم الله وأغرقهم وأصبحوا كأمس الدابر، وملك الله موسى وهارون وقومهما ديارهم، وملكهم جنانهم وخيراتهم وكنوزهم وما اشتغلوا له وعملوا من أجله قروناً تتبعها قرون. والله حين يعرض علينا هذا يعرضه على من عاصر النبوءة المحمدية، وعلى من جاء بعدهم، وفي معناه الإنذار والتهديد والوعيد، أي: إذا لم تؤمنوا ولم تصدقوا ولم تقبلوا الآيات البينات التي أتى بها محمد صلى الله عليه وعلى آله، فما عوقب له الأولون سيعاقب به الآخرون، فهو نذير ووعيد، وقد كان ذلك ولا يزال لكل أمة ولكل شعب إذا أبى الإيمان وأبى الهداية، وكذب الرسالة، وكذب الرسول فالله جل جلاله يدمره في الدنيا. ووقف تدمير الناس بعد خروج نبينا صلى الله عليه وسلم عن أن يمسخوا قردة، وعن أن يمسخوا خنازير، وعن أن يضربوا بما ضرب الله به من سبقهم من الصيحة والزلزلة والزعازع التي نزلت من السماء وقامت من الأرض، فكانوا كأن لم يعيشوا يوماً ولم ينبسوا ببنت شفة يوماً، فهذا لا يحدث بعد؛ تكرمة للنبي عليه الصلاة والسلام، ولكن هذا لا يمنع من أن يستعبدوا أصلاً، ومن أن تؤخذ منهم نساؤهم وأموالهم غنائم، وهكذا حصل فقد عذب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم من بقي منهم ولم يؤمن، وزلزلوا في غزوات وخاصة في غزوة بدر، وفي فتح مكة، فقتل من قتل، وأسر من أسر، وأخذت أموال من أخذت منه، واستعبد من استعبد، ولعذاب الله أشد وأنكى لمن أصر على كفره ولم يؤمن قبل أن يموت، ولم يقل يوماً: ربي الله. وهكذا رأينا الأمم بعد فقد أصاب الله الناس بالحروب الماضية من لدن الصليبيين، إلى التتر، إلى الاستعمار الأوربي، إلى الاستعمار الأمريكي إلى الاستعمار الصيني والروسي، إلى الاستعمار اليهودي، وإذا بقي المسلمون على عصيانهم والكافرون على شركهم فعند الله من أنواع العذاب والنكال ما تتزحزح له النفوس، وتزلزل له الأرواح، ولعذاب الله بعد ذلك أشد وأنكى. ((فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ)) فكانوا من المهلكين بالغرق، مهلكين في النيل بالخنق وبالإذلال وبالضياع وبالبوار بما ضاعت فيه ألوهيتهم الزائفة، وزعامتهم الكاذبة، وملكهم الفاني، وهكذا الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون)
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون) قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [المؤمنون:49]. بعد أن أنهي القول مختصراً ومضى قبل مفصلاً بتمام القصة بياناً منذ البداية إلى النهاية، فهنا أعاد الله ذلك لتذكير هؤلاء المصرين من قريش ومن العرب ومن الفرس والروم بعد ذلك، وجميع ملل الأرض وشعوبها على الإطلاق ممن أرسل لهم جميعاً محمد العربي صلوات الله وسلامه عليه. ذكر الله تعالى بعد هلاك فرعون وملئه أنه أرسل لبني إسرائيل الكتاب: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ))، فأنزل عليه التوراة ليبلغه إلى قومه من بني إسرائيل هادياً وداعياً إلى الله وتوحيده وعبادته، وإلى تصديق موسى وهارون في كل ما يبلغانه عن الله، وكانت النتيجة أيضاً أن بني إسرائيل على ما لقي منهم موسى، ولقي منهم هارون من عنت، وعلى ما ذاقوه من ذل واستعباد فرعون لهم، وقهر ملئه إلا أنهم أخذوهم وذهبوا بهم إلى القدس إلى فلسطين، فما كادوا يعبرون النهر ويتجاوزون النيل حتى أخذوا يصنعون الأصنام ويعبدون العجل، فعوقبوا به أربعين عاماً يتيهون في الأرض، فلم يصلوا إلى القدس إلا وهم في ذل، وأبوا الدخول على عادتهم قديماً وحديثاً، فقالوا لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة:24]، وأرادوا كما أرادوا اليوم أن تأتي دول الكفر على كل أشكالها ويعطوهم أرضاً بعد فراغها من سكانها وشعوبها، فيعطوها لهؤلاء الضائعين الذين لعنهم الله ومسخهم قردة وخنازير، ولعنوا لعنة الآباد، وإنما يستدرجهم الله بما هو أشد بلاء وأعظم جزاء، وهكذا إلى أن أخذوا الأرض كما أخذت قبل، فلم يحسنوا سابقاً ولم يحسنوا لاحقاً، وكانوا المصدر للفساد، وكانوا الأس لنشر الظلم، وسفك الدماء، وهتك الأعراض قبل وبعد. ((وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)) أنزل عليه التوراة فيها الهداية والنور، فأول ما صنعوا أنهم أخذوا يتلاعبون بكتاب ربهم، فبدلوه وغيروه وحرفوه، ونقلوه من كتاب يدعو إلى الله الواحد إلى عبادة العزير وإلى عبادة العجل، {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة:17]، وكفر اليهود إذ قالوا: العزير ابن الله، كما قال ذلك النصارى عن عيسى ابن مريم، فهم أمم كلما جاءت أمة لعنت أختها، وزادت وتبرت إياها كفراً وشركاً وطغياً وظلماً وعدواناً، وهكذا دمر الله الكل وأصبحوا أحاديث وقصصاً تتلى وعبراً؛ لعل الآتين بعدهم يتعظون بها، ويأخذون منها الحكمة والعبرة، فلا يفعلون فعلهم، ولكنهم مع هذا أبوا إلا أن يفعلوا فعلهم، فعوقبوا عقوبتهم، بل سلط عليهم هؤلاء الأذلون أنفسهم. {أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم:83]، والكل بعد ذلك إلى جنهم وبئس المصير.
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية)
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنون:50]. ثم لخص الله جل جلاله أيضاً لنا قصة مريم وقصة ابنها عيسى، وأنه جعلهما آيتين معجزتين يدلان على قدرته وعلى عظيم إرادته، وأنه يفعل ما شاء كيف شاء جل جلاله وعز ومقامه، وقد مضت القصة كذلك مفصلة في غير ما سورة، كما أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون وملئه وإلى بني إسرائيل، وكذلك جعل في الكون للنصارى وغير النصارى، لبني إسرائيل وغير بني إسرائيل، جعل ابن مريم وأمه آية. وما هي هذه الآية؟ العادة بعد آدم وحواء أن يولد الرجل من نطفة تختلط من ماء الرجل من صلبه، وماء المرأة من صدرها، فيختلط ذلك فينشأ عنه بشر سوي، فخلق الإنسان من تراب ثم من نطفة ثم سواه رجلاً، فخلق آدم من تراب بلا أب ولا أم، وخلق حواء من رجل بلا أم، وذلك من ضلع آدم، ثم بعد ذلك خلق عيسى من أم بلا أب، والقادر على خلق الإنسان من تراب هو قادر على أن يخلقه من أم بلا أب، كما خلق آدم بلا أبوين وحواء بلا أم خلق بعد ذلك عيسى ابن مريم بلا أب، خلقه من نفخة أمر بها جبريل رسول الملائكة إلى البشر، فنفخ في جيبها فحملت فولدت، فأتت به قومها تحمله، فأخذوا يسألونها ويتهمونها: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} [مريم:28 - 29]، وإذا بالطفل الرضيع ينطق ويقول: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم:30]، وإذا به يظهر لهم المعجزة منذ كان طفلاً رضيعاً، وهكذا آمن من آمن من بني إسرائيل، وأصر على الكفر من أصر، وهو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وكانت معجزة عيسى وأمه مريم في كونهما آيتين، فهي ولدت بلا فحل، وهو ولد بلا أب. ((وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ)) أي: عيسى ابن مريم وأمه مريم آية، ولم يقل: آيتين؛ إذ إنه عندما ينطق بها: (آية) فالمعنى: جعلنا عيسى آية وجعلنا أمه آية، أو جعلنا النشأة والشأن آية في كونها بلا فحل وبلا رجل ولدت عيسى. ((وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)) آواهما الله وأسكنهما وأنزلهما إلى ربوة، والربوة هي المكان المرتفع من الأرض. ((ذَاتِ قَرَارٍ)) أي: ليست بادية تحتاج إلى التنقل من مكان إلى مكان للكلأ وللخصب وللماء، ولكنها ربوة قارة لما فيها من خصب وخيرات وثمار وأرزاق وماء معين. ((ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)) أي: ماء جار، وأنهر جارية متدفقة، وهكذا كان، فبعد أن اتهم مريم قومها بما اتهموها به أكرمها الله تعالى وآواها وأسكنها في مكان مرتفع ذي أشجار وثمار وخصوبة ومياه جارية دافقة. واختلف المفسرون أين هذه الربوة وأين مكانها، فيقول الدجال غلام القادياني هذا الجاسوس الإنجليزي الذي تبعه الكثيرون: إن الربوة في أرض الهند، وادعى أنه هو عيسى الذي سينزل وأنه قد نزل، وقد كان دعياً وكان دجالاً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن بين يدي الساعة ثلاثين دجالاً) ولا عبرة بالعدد، فهو أحد الدجاجلة. وزعموا أن الربوة في أرض الهند، وأتوا إلى ربوة مرتفعة ذات خصوبة ومياه فعمروها وسكنوها، ولا تزال قائمة إلى اليوم، وهم يفجرون ويكذبون على الله، ولم يقل أحد من المفسرين بأن هذه الربوة في الهند، ولكنها من جملة أكاذيب الدعي الدجال. وأما المفسرون فقال بعضهم: الربوة هي دمشق، وقالوا: هي غوطة دمشق، وقالوا: في مصر، وقالوا: الرملة من أرض فلسطين، وقالوا: بيت المقدس، وقالوا: فلسطين، ولكن الآي يفسر بعضها بعضاً، فالربوة كانت على أميال من بيت المقدس، وقد ذكرت في القرآن وأنها ذات مياه وذات خصب، وأن الله قال لـ مريم عندما ولدت عيسى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم:25]، فالربوة قد ذكرت في القرآن، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، فكون في الشام أو في الغوطة قرية اسمها الربوة هذا لا يزيد ولا ينقص، وأما مصر فلم يذكر أن عيسى وصلها، وأما الشام ففلسطين ولبنان والأردن وما يسمى اليوم سوريا، فهي في أرض الشام ولكن على أميال من بيت المقدس، وقد ذكرت غير مرة. ((وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً)) أي: جعلناهما آيتين؛ جعلنا عيسى آية وجعلنا مريم آية، أو جعلنا الشأن فيهما آية دالة على القدرة الإلهية، وعلى المعجزة النبوية لعيسى ومريم، وآواهما وأسكنهما وأنزلهما في ربوة في أرض مرتفعة ذات مياه دافقة، وثمار وأشجار وخيرات متتابعة.
المؤمنون [51 - 62]
تفسير سورة المؤمنون [51 - 62] لقد أمر الله تعالى عباده بأن يأكلوا من الطيبات كما أمر بذلك الأنبياء والمرسلين، فالمؤمن طيب ولا ياكل إلا الطيب، وأنذر الكافرين بألا يفرحوا بما فتح عليهم من الخيرات، وألا يظنوا أن ذلك محبة لهم أو تفضيل، فإنما هو استدراج.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات) ثم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51]. يقول الله لنبيه وخاتم أنبيائه أنه قد سبق أن قال للأنبياء السابقين: ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ)) أي: كلوا الحلال الطيب ولا تقربوا الحرام بحال، فلا تتخذوه مشرباً، ولا تتخذوه مطعماً، ولا تتخذوه متجراً، ولا تتخذوه ملبساً، وفي الحديث النبوي: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ))، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة:172]، يقول الراوي وهو أبو هريرة: ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر) أي: أشعث في شعره، أغبر في ثيابه؛ لطول السفر ولطول العبادة ولطول السياحة، ولطول الدعوة، (ثم هو يقول: يا رب يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له!)، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، فالمال الحرام مهما بذله باذله ومهما صرفه صدقة أو عطاء أو هدية أو حجاً أو نفقة فلا يعود عليه إلا بالوبال، فالفاسد لا ينتج إلا فاسداً، والصالح هو الذي ينتج الصالح، فالله لا يقبل إلا طيباً، ولا يقبل من الأعمال إلا الصالح وإلا المال الصالح، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (نعم المال الصالح للرجل الصالح)، وما دون ذلك فهو ثقل يحمله الإنسان، فيتخفف منه من زال عنه، ويعذب به من ابتلي به. {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون:51] أي: وكما أمرنا من سبقك من الأنبياء نأمرك كذلك يا محمد، وقد ألهم الله عبده محمداً صلى الله عليه وسلم قبل النبوءة برعي الغنم، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم ذلك عن نفسه فقال كما في الصحيح: (ما نبي إلا ورعى الغنم، فقيل له: يا رسول الله وأنت؟ قال: نعم، وأنا رعيت لقومي على قراريط) أي: على هللات. فهو منذ الطفولة عاش بالحلال وبكد العمل وبعرق الجبين، ثم عندما شب شارك السيدة خديجة في مالها مضاربة، وذهب يتاجر لها في أرض الشام، وبعد ذلك جعل الله رزق محمد صلى الله عليه وسلم في سيفه في غنائم الكفار وفي غنائم المشركين مالاً وأرضاً وفي كل ما يملكون. {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} [الحشر:7] أي: من أهل القرى المشركة، فملك نبيه صلى الله عليه وسلم قراهم ونساءهم ورجالهم وأطفالهم، فامتن على من شاء منهم، واستعبد من استعبد، وقتل من قتل، وغنم ما غنم، كما عليه الصلاة والسلام: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي) أي: في الحرب والجهاد والدعوة إلى الله. ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا)) وهذا ما يؤمر به أتباعهم: أن يكون طعامهم حلالاً طيباً، وملبسهم كذلك، ومشربهم كذلك، وغذاؤهم كذلك، ومسكنهم ومأواهم كذلك، وأن يعملوا الصالحات، وما الصالحات إلا الطاعة للإله جل جلاله، والطاعة للنبي صلى الله عليه وسلم، (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا)، فافعل من الأوامر ما استطعت، واترك جميع ما نهيت عنه. ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)). هذه الفقرة من الآية الكريمة فيها وعيد وتهديد، وإن كان للأنبياء فمن باب أولى لغيرهم ممن ليس بمعصوم، أي: يقول جل جلاله لأنبيائه ويقول تبعاً لأتباعهم: كلوا الحلال، وكلوا الطيب واعملوا الصالح، فإني بما تعملون عليم. ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)) أي: رقيب عليكم وعلى أعمالكم، فآمر الملائكة المرافقين للإنسان أن يكتبوا الخير والشر، ولكن الرسل أكرمهم الله فعصمهم عن السوء، وعصمهم عن الذنوب، ولكن مع ذلك قال لهم الله بأني عليم بأعمالكم، فاصنعوا ما أمرتكم به ولا تخرجوا عنه، واعلموا أن عيني عليكم رقيبة، وملائكتي الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يكتبون كل شيء عليكم. ((إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)).
تفسير قوله تعالى: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون)
تفسير قوله تعالى: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) قال تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون:52]. قرئ (إن وأن)، (وأن) عطف على الآية قبل: ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا)) أي: ويا أيها الرسل! إن أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون، معناه: أن الدين واحد، وأن ما أرسلتم به من عبادة الله لم تختلف الرسالات في ذلك، فمنذ أرسل آدم إلى أولاده، وإلى أحفاده وأسباطه، أمرهم الله أن يدعوهم إلى الله الواحد، وإلى عبادته، وإلى عدم الشرك به، وهكذا كل من جاء بعده، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء ديننا واحد وأمهاتنا شتى) أي: الشرائع مختلفة، فلكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً، فتختلف الأوامر وتختلف الأحكام وتختلف النواهي، ولكن الدعوة العامة والدعوة الرئيسية الأساسية من كون الله الخالق، وأن الله واحد في ذاته وواحد في صفاته وواحد في أفعاله؛ هي دعوة الرسل جميعاً. {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون:52] إن الدين واحد، فلم يرسل نبي، ولم يرسل رسول، ولم ينزل كتاب من الله على بشر إلا ويدعو إلى عبادة الله الواحد، وعدم الشرك به. ((أُمَّةً وَاحِدَةً)) حال، أي: أرسل جميع رسله وأنبيائه، وأنزل الكتب المنزلة من الله: صحائف إبراهيم وزبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى وقرآن محمد عليهم الصلاة والسلام، كل هذه الكتب الإلهية السماوية ما جاءت إلا للتوحيد ولعبادة الله، وإن وجد فيها غير ذلك فبتحريف الكاذبين وبكذب المشركين وبتغييرهم لما أنزل الله على رسلهم وأنبيائهم. ((وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)) أنزلت حال كونها أمة وديناً واحداً، ورسالة واحدة، وكلها تدعو إلى الله وعبادته. ((وَأَنَا رَبُّكُمْ)) رب الأنبياء، ورب الأديان، ورب الخلق، ورب الملائكة والناس والجن وكل ما خلق الله، فهو ربهم وقاهرهم وخالقهم ورازقهم ومميتهم، ثم محييهم وموجدهم من العدم. ((فَاتَّقُونِ)) أي: اجعلوا وقاية بينكم وبيني من عذابي ومن نقمتي ومن النار والسعير، وما الوقاية إلا طاعة الله، وطاعة رسوله، وتصديق الأنبياء، وتصديق كتب الله، والعمل بما جاء فيها، ومن خرج عن ذلك خرج عن الإيمان إلى الكفر، ومن دخل في الكفر حلت عليه اللعنة في الدنيا، ودخل النار يوم القيامة خالداً مخلداً أبداً.
تفسير قوله تعالى: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا)
تفسير قوله تعالى: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً) فكانت النتيجة: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:53]. تقطعوا، أي: هذه الشعوب التي أرسلت إليها الرسل والأنبياء قطعوا الدين الواحد والملة الواحدة والدعوة إلى الله قطعوها قطعاً. وزبر: جمع زَبْر أو زبور، وهي القطعة من قطع الحديد والفرقة من الفرق، فجعلوا أنفسهم فرقاً، فهذا يعبد مريم، وهذا يعبد عيسى، وهذا يعبد عزيراً، وهذا يعبد العجل، وهذا يعبد الحيوان، وهذا يعبد الملك، وهذا يعبد الجماد. ((فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ)) قطعوا الأمر، وقطعوا الرسالة، وقطعوا الوحدة، وقطعوا الدين الواحد، والدعوة الإلهية الواحدة وجعلوها فرقاً وأحزاباً. {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي: كل طائفة من هؤلاء أشربوا الكفر، وانشرحت له صدروهم، ففرحوا بما لديهم، وزعموا أنهم وحدهم هم الذين على الحق، هكذا زعم اليهود، وهكذا زعم النصارى، وهكذا زعم المجوس، وهكذا زعم الضالون المبتدعون من المسلمين عندما فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، فميزان الدين الحق والفرقة الناجية التي هي على الحق: هو الأسوة النبوية، وهو السيرة الراشدة النبوية، وهو ما قال الله عنه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21]، فموضع الأسوة والهداية والاقتداء ما فعله صلى الله عليه وسلم أو قاله أو أقره، فهو الحق المبين الذي لا يختلف فيه مسلمان، ولا يعارض فيه إلا كافر مشرك، فمن ائتسى به كان على الحق، وكان مع محمد على الحوض في الحنة صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما سوى ذلك فباطل وهراء وكذب وزيغ. وإذا قلنا: الأمة المحمدية فالمراد الأمة التي أرسل لها النبي صلى الله عليه وسلم، والأمة التي أرسل إليها هي كل شعوب الأرض. {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]، فمنذ قالها وأرسل بها في هذه البقاع المقدسة وهذه الأرض الطاهرة لزمت كل من بلغته، فهو خاتم الأنبياء، وهو محمد المكي المدني صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن الدين الحق هو الإسلام: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران:19]، {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:85]، فكل من هو على الأرض فهو من الأمة المحمدية، ومن استجاب وكان مسلماً فهو من أمة الاستجابة، ومن أبى وتمرد فهو من أمة الدعوة، والحجة قد قامت عليه بكتاب الله المقروء بالألسنة، والمحفوظ في الصدور، والمكتوب في السطور، والمذاع في أجهزة الإعلام سماعاً وتدبراً، وهكذا في جميع بقاع الأرض: في أرض الكافر وأرض المؤمن وأرض المنافق كل ذلك سواء، فقد قامت الحجة وبلغت الجميع، لكن اليهود والنصارى حرفوا التوراة والإنجيل وغيروهما بأكاذيبهم وضلالهم وانحرافهم، وهكذا غيروا التوراة فهي غير التي أنزلت من قبل، فهذه فيها هجو الأنبياء وقذفهم، والتطاول على المقام الإلهي، وفيها الشرك، وفيها الكذب، وفيها الفسق، وفيها الفساد، وقل مثل ذلك على الإنجيل كما رأيناه، وكما كان وقت نزول القرآن، فقد ألهوا عيسى، وألهوا مريم، وجعلوا الرب ثلاثة، وهكذا غيروا وبدلوا، وجعلوا الزبور كذلك. وجاء بعدهم آخرون فوضعوا كتباً نسبوها لمن سموهم فلاسفة وسموهم هداة، وسموهم قادة، فغيروا كتاب الله، وغيروا دين الله، فكذبوا وفجروا وأشركوا كل حسب عقله وحسب شركه، وكانت كلها فرقاً باطلة كاذبة، كما قال ربنا جل جلاله: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:53] أي: يفرحون بالباطل، ويفرحون بالضلال، وفرحوا بتكذيب أصل الدعوة وأصل الكتاب: بأن الدعوة واحدة وهي عبادة الله وحده لا شريك له من ملك أو جن أو إنس أو جماد أو أي شيء، فالمعبود الواحد هو الله جل جلاله، وبذلك أتت الأنبياء من أولهم آدم إلى خاتمهم نبينا صلوات الله وسلامه.
تفسير قوله تعالى: (فذرهم في غمرتهم حتى حين)
تفسير قوله تعالى: (فذرهم في غمرتهم حتى حين) قال تعالى: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون:54]. أي: ذرهم يا محمد! وما على الرسول إلا البلاغ، فأنت بلغ وادعهم إلى ربك، واتل عليهم الكتاب المنزل عليك، وبين لهم الرسالة التي أرسلت بها، ومن هنا كان عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع حريصاً على أن يشهد هؤلاء الخلق الذين دعاهم، وأرسل رسله إلى جميع أقاليم جزيرة العرب، وكانت وحدها إذ ذاك التي أسلمت ولم يخرج الإسلام بعد عن حدود الجزيرة، فأعلموهم أن النبي محمداً سيحج هذا العام، فحضر مائة وعشرون ألف حاج بين رجل وامرأة، وبين شيخ وطفل، فخطب فيهم خطبة حجة الوداع عند جبل الرحمة في آخر يوم عرفة، وهو يشهد الله ويشهدهم، فقال لهم: (هل بلغت؟ قالوا: نعم، اللهم قد بلغت وأبررت وأحسنت)، فكان عليه الصلاة والسلام يرفع أصبعه السبابة إلى السماء ويقول: (اللهم فاشهد، اللهم فاشهد) أي: اشهد على هؤلاء أني قد بلغتهم ما أرسلتني به: من رسالة، ومن كتاب، ومن هداية، ومن دين، وأما الهداية فليست في يد أحد من الخلق، قال تعالى لخاتم الأنبياء: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:272]. وهكذا عرض الله جل جلاله على خاتم أنبيائه قصص الكافرين ومواقفهم من الشرك والإصرار على الشرك، والتكذيب لأنبيائهم، وهددهم وتوعدهم، ثم قال له بعد أن أمر بتبليغ الرسالة: ((فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ)) أي: دعهم واتركهم وتخل عنهم، ((فِي غَمْرَتِهِمْ)) في ضلالهم، وفي ضياعهم، وفي هرائهم، وفي ظلمتهم التي يعيشون فيها، ((حَتَّى حِينٍ)) أي: إلى وقت لا محالة في مجيئه، وهو يوم موتهم وهلاكهم، وهو يوم عرضهم على الله ليحاسب كل بما قدمت يداه: إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
تفسير قوله تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين)
تفسير قوله تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين) ثم قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون:55 - 56]. قال تعالى عن هؤلاء: أيظنون أن ما رزقناهم من أموال، ومن غنىً، ومن ترف، ومن خيل، ومن إبل، ومن قصور، ومن شباب، ومن قوة، أيظنون أننا بذلك نسارع لهم في الخيرات؟! قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ} أيظن هؤلاء المشركون الكافرون ((أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ)) نعطيهم إياه لبقاء حياتهم، أيظنون أنا نسارع لهم في الخيرات، ونبتليهم بالخيرات في الدنيا قبل الآخرة، وأنا يوم القيامة سنزيدهم من ذلك؟! قال تعالى عنهم: بل هؤلاء في غوايتهم وفي تيههم وفي ضلالهم، فلا يشعرون بأن هذا الذي أعطيناهم ليس إلا ابتلاء واختبار واستدراج، وسيحاسبون على ذلك بالنقير والقطمير يوم عرضهم على الله يوم البعث والنشور، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب، فمن أعطاه الدين فقد أحبه، وإن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم)، ولذلك فالمجنون الضال هو الذي إذا رزق ووسع عليه وقوي في شبابه وقوي في أولاده، وقوي في سلطانه، ظن ذلك لما له من يد عند الله، فالله تعالى أعطاه ذلك في الدنيا، وأنه سيعطيه غيرها يوم القيامة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة لما سقى منها كافراً شربة ماء). ونحن نرى اليهود أكثر غنىً، والنصارى أكثر سلطاناً ومالاً، ومع ذلك هم الأمم الخاسرة، والأمم الملعونة، والأمم الوثنية التي تعبد مع الله بشراً، وتجعل له آلهة مزيفة لم تكن يوماً كذلك، ولم يأتوا بالسلطان عليها، وما ذلك إلا ابتلاء واختبار، والمؤمن الصالح هو الذي لا يغتر، بل إذا كثرت عليه النعم يجب أن يستكثر من الصدقة، ومن العطاء ومن العبادة؛ حتى يقبل، وكيلا يكون ذلك ابتلاء واختباراً، {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35]، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (هلك المكثرون إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا) هلك: ضل. فهؤلاء الذين أكثروا من جمع النشب والمال ضالون إلا الذين أكثروا من العطاء يميناً وشمالاً، وأنفقوا على أهليهم وعيالهم وذوي رحمهم، وأخرجوا الزكاة لمن ذكر الله في كتابه: للفقراء والمساكين وبقية الأقسام الثمانية، فيعطون السائل ولو جاء على فرس، وكما وصف الله المؤمنين: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج:24 - 25]، للمحروم الفقير والمسكين وللسائل حتى ولو لم يكن محتاجاً، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (للسائل حق ولو جاء على فرس)، فهذا الذي بذل لك ماء وجهه حتى ولو كان عنده فهو يحرم عليه أن يسألك، ولكنك أنت إذا سألك لا يليق بك أن ترده وقد بذل لك ماء وجهه، وذل لك وقال: أعطني فأعطه، فإن كان فقيراً فقد كان المال في مكانه، وإن كان مستغنياً فقد أجبت السائل كما قال الله: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج:24 - 25] وابتدأ بالسائل، وقد الله لنبيه: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ} [الضحى:10]. فأنت إما أن تعطيه إن استطعت، وإما أن تقول له كلمة طيبة، مثلاً: غداً يأتيني مال وأعطيك، أو أعطاك الله ورزقك، ولا تنهره ولا تصح في وجهه، وما يدريك أن تنقلب الآية فتصبح يوماً أنت السائل وهو المسئول. {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون:55 - 56]. أي: أيظن هؤلاء النوكى والحمقى أن ما نعطيهم ونبتليهم ونختبرهم به من مال أن ذلك سرعة منا لخيرهم في الدنيا قبل الآخرة؟! ((بَل لا يَشْعُرُونَ)) أنه ابتلاء وأنه اختبار وأنه زيادة في النقمة وزيادة في المحاسبة؛ لأنهم عندما ابتلوا بذلك لم يعطوا فقيراً، ولم ينفقوا على من يحتاج نفقة، ولم يعطوا سائلاً، ولم يخرجوا حقوق الله في مالهم، وأول معركة وأول حرب أهلية في الإسلام كانت منذ الوفاة النبوة على من امتنعوا عن أن يؤدوا الزكاة، فحاربهم أبو بكر الصديق بعد مخالفة من بعض الصحابة، فقد احتج عليه عمر وقال: كيف نقاتل هؤلاء وهم يقولون: لا إله إلا الله؟ فقد أمرنا أن نقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وإذا بـ أبي بكر يعنفه ويصيح في وجهه ويقول له: يا ابن الخطاب أبطاش في الجاهلية خوار في الإسلام؟! أتمم حديث رسول الله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)، فأخذ يقول له: أليس من حق لا إله إلا الله أداء الزكاة؟ أليس من حق لا إله إلا الله القيام بالصلاة؟ فقال عمر: والله ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر بما شرحه له حتى شرح صدري، فكان إجماعاً من الصحابة على أنه إذا تواطأت فئة أو أهل مدينة على منع الزكاة فإنهم يحاربون ويقاتلون، فمن قتل منهم فإلى جهنم ودمه هدر، ومن بقي فإنه يجبر على إعطاء وأداء الزكاة رضي أو لم يرض، وكما في الحديث النبوي قال النبي عليه الصلاة والسلام عن الزكاة: (إنا آخذوها أمراً من أمر ربنا، فإن أعطوها عن طيب خاطر وعن رضاً كان لهم أجرها، وإلا أخذناها عن يد وهم مقهورون) أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وهذا مذهب الشافعي أن من امتنع من أداء الزكاة فإنها تؤخذ منه قهراً ولا أجر له ولا ثواب، بمعنى أنه تباح أملاكه وما عنده من نشب في أداء ذلك، وترى الضرائب التي تعطى في دول إسلامية غير دولتنا عندما لا يؤدون الضرائب للحكومة فإنهم يبيعون عليهم أملاكهم ونشبهم ودورهم، ويكون التمام إلى السجن والعذاب والمهانة، فحق الله هو في إعطاء الفقراء والمساكين ما ملكهم الله إياه: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة:60]، وقد أجمع مفسروا الآية على أن هذه اللام في الآية هي للتمليك، أي: ملك الله الفقراء والمساكين ومن ذكر الله قدراً من المال في مال الأغنياء.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون) قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون:57 - 59]. بعد أن قص الله علينا قصص الكافرين الجاحدين الذين يظنون أنهم بما ملكهم الله من أموال ونشب وعرض وقوة أولاد وكثرة خدم وحشم؛ أن ذلك يسارع لهم في الخيرات، فذكر الله: أن الذين يسارع لهم الله في الخيرات وهم يحرصون عليه هم من وصفهم الله فقال: ((إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ)) أي: الذين هم مع عبادتهم ودينهم يخشون الله ويخافون ألا يقبل الله عبادتهم وطاعتهم، وأن يرمى بها في وجوههم، ويقول لهم: قد أشركتم معي غيري مراءاة وتسميعاً، ولا تريدون بذلك الإخلاص ولا وجه الله، فهم يخافون من ذلك وإن كانوا ليسوا كذلك. وهم الذين لا يكفرون ولا يجحدون بقدرة الله، ولا بمعجزات أنبيائه، ولا بما أظهر الله على أيديهم، فيؤمنون بها ويصدقونها ويضعونها على الرأس، ويجعلونها من العقائد التي لا تقبل الشك ولا الميل. ((وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ)) فلا يشركون بالله ولا يتخذون معه إلهاً ثانياً لا في ذات ولا في صفة ولا في أفعال.
تفسير قوله تعالى: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة)
تفسير قوله تعالى: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون:60]. (والذين يؤتون ما أتوا) أي: الذين يعطون ويتصدقون ويعبدون ويطيعون وهم مع ذلك وجلون خائفون أنهم إلى ربهم راجعون، فعندما يرجعون إلى الله يوم القيامة يخافون أن يقال لهم: إن عبادتكم كانت مشوبة، وإن صدقتكم لم تكن من طيب ولا حلال، فتجدهم يبالغون في العبادات والطاعات وفي الصدقات والزكاة، ومع ذلك يخافون ألا تقبل منهم. وقد سألت السيدة عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله! ((وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)) أهؤلاء الذين يزنون ويسرقون ويشربون الخمر؟ قال: لا يا بنت الصديق! وإنما هؤلاء الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون ألا يقبل أعمالهم ولا عبادتهم). فهم لشدة حرصهم ورغبتهم في أن تقبل طاعتهم يخافون أن تكون هناك شائبة في هذه الطاعة فلا تقبل، أي: يعبدون الله بين خوف ورجاء كما أمر المؤمنين.
تفسير قوله تعالى: (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون)
تفسير قوله تعالى: (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) قال تعالى: {أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:61]. يذكر الله تعالى أن هؤلاء السابقين في الخيرات هم الذين يسبقون إليها لا أولئك الذين رزقوا مالاً ولم يصنعوا به شيئاً، ورزقوا ولداً فلم يصنعوا به شيئاً، فالله هو الذي رزقهم وأعطاهم ومتعهم بالعافية وبالأولاد وبالخدم والحشم، لا لكونهم سادة الناس، ولكن ابتلاء واختباراً، فإن هم عملوا بذلك وأطاعوا بذلك وأدوا الحقوق فذاك، وإلا كان ذلك ابتلاء ومزيداً في العذاب، ولا يظن هؤلاء أننا نسارع لهم في الخيرات، بل الذين نسارع لهم في الخيرات هم يسارعون في الخيرات، والإكثار من العبادات والطاعات، وهم مع ذلك يخافون ألا تقبل منهم، هم هؤلاء الذين يشفقون ويخافون من ربهم مع عبادتهم، والذين يؤمنون بكل آياته وقدرته ومعجزات أنبيائه، والذين لا يشركون مع الله أحداً، والذين يبالغون في العبادة والطاعة والصدقات ومع ذلك يخافون ألا تقبل منهم. ((أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)) فهؤلاء الذين وصف الله هم الذين يسارعون ويتسابقون: من الذي يسبق الآخر فيكون أكثر عبادة وأكثر صدقة وأكثر تهجداً. ((وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)) أي: هم بفعلهم ذلك واعتقادهم ذلك سابقون للناس في العبادة والطاعة والصدقة والخشية من ربهم، فهؤلاء هم الذين نسارع لهم في الخيرات لا أولئك.
تفسير قوله تعالى: (ولا نكلف نفسا إلا وسعها)
تفسير قوله تعالى: (ولا نكلف نفساً إلا وسعها) قال تعالى: {وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [المؤمنون:62]. يقول الله: مع كل هذا فنحن لا نكلف أحداً بما ليس في طاقته ولا في وسعه، وقد أمر الناس بعبادته والإيمان به وحده، والإيمان عمل عقدي يضمره الإنسان ويجمع جوانحه عليه، فيؤمن بأن الله واحد، وكل ما عبد الناس سواه من جن أو إنس أو ملك أو جماد كل ذلك باطل، بل على العبد أن يمتثل لربه فيما أمر به وما نهى عنه، ولنبيه فيما أمر به وما نهى عنه، وما يؤمرون به كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فلم يكلف الله عبداً إلا بما هو في وسعه وطاقته، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، فقد أمرنا بالصلاة قياماً، فإن لم يكن ذلك في وسعنا فنصلي جلوساً، وأمرنا بالصيام فإن لم يكن ذلك في وسعنا أفطرنا، وأمرنا بالحج فإن لم يكن ذلك في وسعنا لا زاداً ولا راحلة ولا قدرة لم نحج، وأمرنا بالزكاة فإن لم يكن عندنا مال نزكي ولم يكن ذلك في وسعنا أسقط الله عنا ذلك. إذاً: فالله لا يكلف مؤمناً شططاً، ولم يأمره بما يعجز عنه. لم يمتحنا بما تعيا العقول به حرصاً علينا فلم نرتب ولم نهم فلم يأمرنا إلا بما في قدرتنا عقيدة، وفي قدرتنا جناناً، وفي قدرتنا أعمالاً، وفي قدرتنا بما نملكه ونستطيعه، وما دون ذلك لم يأمرنا الله بشيء، بل من اعتاد عبادة وهو صحيح البدن كثير المال بحج أو عمرة أو صدقة أو زكاة بقوة من طواف وسعي وحج وأنواعها ثم مرض، فإن الله تعالى يتابع أجره وثوابه كما لو بقي على ذلك إلى لقاء الله إلى الموت؛ لأن الله هو الذي أعجزه وأشاخه، ولأن الله هو الذي أفقره فهو لم يستطع؛ لأن ما كان عنده قد أخذه الله، فهو بذلك معذور، بل وكما قال نبينا عليه الصلاة والسلام فإنه يجازى على ذلك ويكثر أجره وثوابه كما لو كان لا يزال صحيح البدن، مليء الجلد، كثير الحركة والنشاط، فيؤجر على ذلك ثواباً وأجراً مستمرين.
المؤمنون [62 - 67]
تفسير سورة المؤمنون [62 - 67] لم يكلف الله تعالى أحداً من عباده شططاً، وإنما كلفنا ما نطيق، وجعل هذا الدين يسراً وليس بعسر، ثم يحشر الناس يوم القيامة ويحاسبهم بما كانوا يعملون، فلا يظلم أحداً. وقد ذكر الله تعالى حال المترفين وأنهم إذا أصابهم العذاب إذا بهم يصيحون ويجأرون، ولكن لا ينفعهم ذلك، فقد فرطوا في زمن العمل والفراغ والصحة.
تفسير قوله تعالى: (ولا نكلف نفسا إلا وسعها)
تفسير قوله تعالى: (ولا نكلف نفساً إلا وسعها) قال الله جل جلاله: {وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [المؤمنون:62]. بعد أن قص الله علينا صفات المؤمنين من الإيمان بالله والإيمان بآيات الله وعدم الإشراك بالله جل جلاله، والعبادة مع الخوف ألا تقبل وأن تضرب بها الوجوه لنقصانها، ولما يخاف أن يكون فيها من رياء وتسميع، مع كل ذلك يقول الله جل جلاله: ((وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)) فلم يكلف الله أحداً من العباد بأن يأتي بأكثر مما تطيقه نفسه، قلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وما جعل عليكم في الدين من حرج. فالله جل جلاله أمرنا بما نقدر عليه وبما نطيقه، فإذا مرض أحدنا أو منعه مانع فإنه ينتقل من الوضوء بالماء إلى التيمم، ومن الصلاة قياماً إلى الجلوس، ومن الحج إلى عدم الحج، ومن الصيام إلى الإفطار، ومن الضيق إلى السعة مع الأجر والثواب في كل ما كان يصنعه هذا الذي مرض وحال مرضه دون ذلك، أو افتقر وحال فقره دون ذلك من زكاة وحج وما إلى ذلك. يقول الله جل جلاله: ((وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)) ما تسعه طاقتها، وما تسعه قدرتها، وما سوى ذلك لم يكلف ولم يطالب به أحد. قال الله تعالى: ((وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ)) لدى الله جل جلاله كتاب ينطق بالحق وينطق بأعمال العباد إن خيراً وإن شراً، والكتاب هو الذي يكتبه الملكان المكلفان عن يمين وشمال عن كل إنسان مكلف من الخلق في الأرض، فمن على اليمين يكتب الحسنات، ومن على اليسار يكتب السيئات، وذلك يحفظ إلى يوم الحشر والعرض على الله. ((وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ))، فهؤلاء عندما يأتون للحساب وللعقاب يأتون إما إلى جنة وإما إلى نار، فتنطق عليهم أعمالهم وكتبهم بالحق الذي صدر منهم وبالحق الذي علموه، فلا يظلم أحد في ذلك نقيراً، ولا تنقص الحسنات ولا تزيد السيئات، بل قد تكفر السيئات أو بعضها وتزداد الحسنات ويعظمها الله تعالى من حسنة إلى عشر إلى سبعمائة إلى ما يشاء الله جل جلاله. والله جل جلاله لا يظلم نفساً شيئاً لا يضيع على إنسان عمله خيراً كان أو شراً، قد يغفر الشر ويزيد في الخير.
تفسير قوله تعالى: (بل قلوبهم في غمرة من هذا)
تفسير قوله تعالى: (بل قلوبهم في غمرة من هذا) قال تعالى: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [المؤمنون:63]. يقول الله عن هؤلاء الكافرين والمشركين والجاحدين: ليس الأمر معصية وخلافاً فقط، بل قلوبهم لم يفتحوها للإيمان، ولم يعوا ما يقول لهم نبيهم، ولم يعوا ما يقول لهم كتاب ربهم، فقلوبهم في غمرة، وفي ضلال وفي عماية وفي غواية، فلهم قلوب لا يعقلون بها، فلا وعي ولا فهم ولا إدراك؛ لأنهم لا يريدون ذلك، فزادهم ذلك عماية وضلالة، وزادت قلوبهم ركساً وجهلاً وتعمقاً في الباطل. ((بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ)) غمرة وجهل، وغمرة عدم إدراك ووعي. ((بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا)) أي: من كتاب الله ومن نبي الله محمد صلى الله عليه وعلى آله، ومن الدين الحق هذا، فالإشارة هنا تتناول الإسلام والقرآن والنبي عليه الصلاة والسلام، والمعنى بكل ذلك صحيح، وبكل ذلك تتم الآية معنىً ومبنىً. ((بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ)) فهؤلاء الكفرة ليست ذنوبهم الكفر فقط، بل لهم أعمال أخرى سيئة زيادة على الكفر: من سرقة، وزنا وفساد، ورباً، وأكل أموال الناس بالباطل، وسفك الدماء، وهتك الأعراض، ونكران الحق، والوقوف في وجهه، وبهذه الفقرة في هذه الآية الكريمة نعلم أن الحق مع من قال بأن الشرائع كلياتها وجزئياتها يخاطب بها المؤمن والكافر. فأما المؤمن فتقبل منه إن أداها كما هي شرائط وواجبات وسنناً، وأما الكافر فالإيمان شرط في العمل وشرط في قبوله، فلا تقبل صلاة ولا زكاة ولا إحسان إلا ممن آمن بالله أولاً؛ لأن العمل هو لله، فمن أشرك فهو لمن يصلي، ولمن يزكي، ولمن يصوم، ومن يعبد، فهو لم يؤمن بالله الواحد، بل أشرك معه غيره، ومن أشرك بالله فعمله لشركاء الله، ولا يقبل الله من العبادة إلا ما كان خالصاً له. ((وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ)) أي: لهؤلاء الكفرة الجاحدين المشركين أعمال زيادة على الكفر: من سرقات وفجور وكذب وهتك أعراض واستباحة دماء، فهم يوم القيامة سيحاسبون على كل ذلك، فيحاسبون على الإيمان بالله الواحد، ثم يحاسبون على جزئيات الشريعة فيما أمر الله به ولم يقوموا به، أو قاموا به أو ببعضه لا لله ولكن لمعان أخرى في أنفسهم. وفي إحدى الغزوات رأى الصحابة رجلاً أظهر من الشجاعة ومن البلاء ومن الحرص على قتل أعداء الله من الكافرين الشيء العجيب، وإذا به يسقط جريحاً، فأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: (هو في النار، فعجبوا لذلك، فقالوا في أنفسهم: إن كان هذا مع جهاده ومع بلائه ومع قتاله ومع شجاعته نهاية إلى النار! فكيف يكون حالنا؟! ومن الذي سيدخل الجنة بعد ذلك؟! وإذا بهم يأتون إلى هذا الجريح وهو يحتضر ويجود بنفسه، فقالوا له: يا فلان هنيئاً لك الجنة، قال: أي جنة! والله لا أقاتل لدين، ولا أقاتل لنبي، وإنما أقاتل حمية عن العشيرة، وحمية عن البلد)، كما يقال اليوم: وطنية وقومية، وهناك علموا أن الرجل كافر لا يؤمن برب ولا يؤمن بنبي ولا يؤمن بكتاب، وإنما دفعه لما دفعه إليه معان أخرى لا صلة لها بإسلام، ولا صلة لها بطاعة، ولا صلة لها برب ولا نبي، وقد سئل صلى الله عليه وسلم: (عن الرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل للغنيمة، والرجل يقاتل ليقال شجاع، فقال: من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله)، وهكذا: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)، فمن نوى الشرك فلا عمل له سوى الشرك، ومن نوى الإيمان والإسلام فهو وعمله، فإن كانت النية صالحة وقام بالأعمال بشرائطها وواجباتها فله أجره وله ثوابه. ((وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)) أي: قائمون بها يعملونها زيادة على الشرك وزيادة على الكفر، فليسوا فقط كافرين في أنفسهم، ولكنهم عملوا بمقتضى كفرهم، فحاربوا نبي الله صلى الله عليه وسلم، وحاربوا الأصحاب، وحاربوا المؤمنين، وحاربوا الدعاة إلى الله، وارتكبوا من الآثام ومن الجرائم ومن المخاطر ما هو مكتوب في صحائفهم، ومسجل في الكتاب الذي عند الله، الذي سينشر يوم العرض عليه. ((وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)) أي: لهؤلاء المشركين سوى الشرك أعمال جاحدة وأعمال فاسقة سيحاسبون عليها، فهم قائمون بها وعاملون لها.
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب)
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب) قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} [المؤمنون:64]. فهؤلاء الذين يعيشون حياتهم كلها مصرين على الكفر ومصممين على الشرك، يأبون إلا الجحود وإلا حرب الله ورسوله والمؤمنين، فهؤلاء يبقون هكذا إلى أن يأخذ الله أغنياءهم وكبراءهم ومترفيهم في الدنيا قبل الآخرة، وقد كانوا في نعم وترف، فما زادهم الإنعام ولا زادهم الترف ولا زادهم الجاه إلا جحوداً وكفراناً، ومن يكفر بالنعمة جدير أن يسلبها، {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7]، والعذاب على الكفران بالنعمة سلبها وزوالها. وهكذا سلط الله على الأغنياء والمترفين والمنعمين عندما أكلوا أموال الفقراء والمساكين، ولم يؤدوا الزكاة الواجبة، ولم يؤدوا حق السائل ولا حق المحروم، فسلط عليهم من يأخذ أموالهم ويصادر أملاكهم، ويذلهم مع ذلك جزاء وفاقاً لما كفروا بالنعمة. حتى قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ} [المؤمنون:64] أي: حتى إذا أخذ الله هؤلاء المترفين -من الترف والعيشة في بذخ وفي غنى- حتى إذا أخذ الله هؤلاء المترفين والأغنياء بالعذاب: بأن نزع عنهم أموالهم، وأزال عنهم صحتهم، وأزال عزهم وجاههم وسلطانهم، {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} [المؤمنون:64] أي: يصيحون ويستغيثون، فحينئذٍ يتذكرون الرب، فيأخذون في الاستغاثة، فيستغيثون بالله إن كانت لا تزال عندهم بقية من إيمان، وقد لا يستغيثون إلا بالشيطان إذ كانوا كافرين في الأصل لا يؤمنون بدين، ولا برب، ولا بنبي، فيبقون على كفرهم. ((حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ)) ففي هذه الحالة ينسون كفرهم وشركهم وجرائمهم، وإذا بهم يصرخون ويجأرون ويستغيثون، ولا مغيث ولا صارخ إن هو إلا العذاب الذي حق عليهم جزاء أعمالهم وجزاء كفرهم.
تفسير قوله تعالى: (لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون)
تفسير قوله تعالى: (لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون) فقال الله لهم: {لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ} [المؤمنون:65]. وهذا يعم الدنيا والآخرة، ((لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ)) بعد أن كفرتم وبعد أن أشركتم وبعد أن حاربتم الله ورسوله، فلم تطيعوا كتاباً، ولم تطيعوا نبياً، ولم تستجيبوا لدعاتكم ولا لعلمائكم، ولم تشفقوا على فقير أو مسكين فتعطوه حقه وتعطوه نواله وتؤدون له ما أمركم الله بأدائه. فلا تصيحوا ولا تستغيثوا، فلا مغيث ولا صارخ، ((لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ)) أي: ليس لكم نصير دوننا، ولا يملك أحد من الخلق ملك أو جن أو إنس أن يغيثكم من عذاب الله، فذلك جزاء كفرهم وشركهم وعصيانهم. ((لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ)) أقرب ما يكون المعنى أن هذا يكون في الآخرة.
تفسير قوله تعالى: (قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون)
تفسير قوله تعالى: (قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون) قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون:66 - 67]. ففي حال الحياة وحال قبول الأعمال أو رفضها كانت آياتي تتلى عليكم وجاءكم أنبياء الله، ورأيتم معجزات الرسل وقدرة الله على الخلق والإيجاد والإحياء والإماتة ثم الإحياء والبعث، ((فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ)) كنتم تسمعون ذلك فتهزون أكتافكم وتسخرون بالتالي وبالقارئ وبالداعية، ثم تنقلبون متنكصين على أعقابكم القهقرى، فرجعتم إلى جاهليتكم الأولى وإلى شرككم الأول قبل أن يأتيكم أنبياؤكم، وقبل أن ترسل لكم رسلكم، وقبل أن تنزل كتب الله عليكم؛ لتعلموا الحق، وتميزوا بينه وبين الباطل. فآلآن وقد عشتم بعد الموت ووجدتم ما كنتم تنكرون وقد أصبح واقعاً، وهاأنتم الآن قد بعثتم بعد الموت لتعرضوا على الله إما إلى الجنة وإما إلى النار. {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ} [المؤمنون:66]، الأعقاب جمع عقب وهو آخر الرجل، والمعنى: كنتم ترجعون إلى الوراء وترجعون القهقرى، فرجعوا للكفر، ورجعوا للشرك، ورجعوا للباطل والضلالة، وهكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، فالرجعي هو الذي يرجع للكفر، ويرجع للشرك، ويرجع لحالات الجاهلية، ويرجع لحالات الفوضى حيث لا نبي ولا كتاب ولا رسول، فكانوا يرجعون القهقرى وتركوا التقدم، وتركوا التجدد، وما التقدم والتجدد إلا في التمسك بكتاب الله، والالتزام بدين الله، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر به ونهى عنه. ((مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ)) هذا الضمير لم يكن له ذكر ظاهر، ومن هنا قال البعض: (مستكبرين به) أي: مستكبرين متعالين متعاظمين على نبي الله، فالضمير يرجع على كتاب الله المتلو، وقيل: على البيت، وأقرب المعاني أنه يرجع على البيت، والخطاب يخص قريشاً خاصة. ((مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ)) أي: متعاظمين ببيت الله الحرام، فقد كانت قريش تزعم أنهم جوار زوار بيت الله لا يخافون أحداً ولا يخشون عذاباً، ولا يخشون نقمة، ويعتقدون أن ما هم فيه من شرك ومن أوثان ومن أصنام ومن تغيير دين إسماعيل ودين إبراهيم هو الحق الذي يعيشون عليه، ويرون بذلك أن لهم حقاً على جميع العرب وغير العرب؛ حيث حرسوا البيت وكانوا سدنته، وكانوا مستقبلين ضيوفه، وكانوا وكانوا، ولكن كل ذلك لم يفدهم شيئاً عندما بقوا على كفرهم وشركهم، فقد كانوا متعاظمين مستكبرين بالبيت، وقد حاولوا أن يضلوا البيت إلى أن جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأعزه، وكسر الأصنام ورمى بها ونبذها، وأقعد بلالاً على ظهر الكعبة يعلن كلمة الحق ويعلن شهادة الحق: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم أن يطوف بالكعبة حتى يزيل تلك الأصنام التي كانت على عدد الأيام (360) صنماً، فكسرها وجعلها شذر مذر ورماها، حتى لقد تمنى زنديق في هذا العصر ممن يقوم بالحفريات أن يخرج هذه الأصنام ويظهرها كأثر ويظهرها كتاريخ؛ شوقاً إلى عهد الوثنية، وشوقاً إلى عهد الأصنام، واقترح ذلك على الحكام قبل وبعد فخاب وخاب فأله. ((مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ)) (سامراً) ساهراً من السمر، وهي كلمة مفردة يراد بها الجمع، أي: كانوا سامرين ساهرين، ويراد بها الزمن، كأن تقول: سَمَراً، وهذا موجود في لغة العرب أن تذكر كلمة مفردة ويقصد بها الزمن، أي: مستكبرين به سَمَراً يهجرون. ((سَامِرًا تَهْجُرُونَ)) سامرين جميعاً ساهرين، و (تهجرون) قرئ يُهجرون ويهجرون من الهجر أو الهجران، أي: يسمرون حول الكعبة وحول البيت ويهجرون، أي: ينطقون بالهجر وبالفحش وبالسب، فكانوا يسبون نبي الله صلى الله عليه وسلم، ويتهمونه في صدق رسالته، وفي صدق الكتاب الذي أنزل عليه، وفي دعوته صلى الله عليه وسلم، فكانوا يسبون القرآن فيقولون عنه: شعر، ويقولون: سحر، كما يقولون هذا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم. أو يهجرون من الهجران، أي: يهجرون الرسالة، ويهجرون النبي صلى الله عليه وسلم، ويهجرون الحق ويبتعدون عنه، ويهجرون كتاب الله، أي: هؤلاء الذي استكبروا وتعالوا بالكعبة وببيت الله الحرام لم يكن ذلك عن حق ولا عن إيمان ولا عن هدى، وإنما كان ضلالاً، وكان كفراً وكان جهلاً وكان إصراراً على الكفر، ولهذا عندما لم يعرفوا قيمة البيت وجلال البيت في سدانته وفي القيام عليه نزعه الله من أيديهم ودخله صلى الله عليه وسلم فاتحاً عزيزاً سيداً مظفراً عليهم، وهو ينشد نشيد الفتح: (الحمد لله الذي نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده)، منكساً رأسه على بعيره بكل تواضع، وهو على جمل وليس على فرس، ومشية الجمل هوجاء ومشية الفرس تكون رقصاً، والنبي صلى الله عليه وسلم زيادة في التواضع لربه دخل على هذه الهيئة ولم ينسب لنفسه شيئاً، فالله هو الفاتح، والله هو الناصر، وهو قد أعاد الكل إلى الله، ولا شك أن كلاً منه جل جلاله، وهو يعلم بذلك المؤمنين والفاتحين والحاكمين؛ لأن الله يكرم المؤمن فتحاً وزيادة وغنىً وجاهاً؛ ليزداد بذلك تواضعاً وخنوعاً لله وطاعة لله، فالكل منه وإليه.
المؤمنون [68 - 76]
تفسير سورة المؤمنون [68 - 76] في هذه الآيات ينعي الله تعالى على الكافرين المشركين عدم تدبرهم لهذا الوحي، وعدم تفكرهم فيه وهو بلغتهم ولهجتهم، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، فهل يريدون أن يتبع الحق أهواءهم حتى يؤمنوا؟! فلو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيها، ولخربت البلاد وهلك العباد.
تفسير قوله تعالى: (أفلم يدبروا القول)
تفسير قوله تعالى: (أفلم يدبروا القول) قال تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ} [المؤمنون:68]. الكلام هنا لقريش، ولكن كما يقول علماء الأصول: العبرة بعموم اللفظ، فالخطاب كان وسيبقى إلى يوم البعث والنشور خطاباً لكل كافر كان على شكل أولئك الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكافرين، والكلام سوف يبقى كما أنزل خطاباً لكل مسلم، فللمؤمن الجنة وللكافر النار، فإذا قال ربنا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [البقرة:21] فهو خطاب للمؤمن والكافر، وإذا قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة:104] فهو خطاب للؤمن وحده. ((أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ)) أي: هل هؤلاء أصابتهم البلادة، وأصابهم العجز عن الفهم وتقدير المعنى وتدبره وفهمه؟ كيف لم يدبروا ولم يفهموا ولم يعوا ما أنزل عليهم من كتاب؟ فهو خير الكتب للناس، وخاتم الكتب للناس، فيه ذكرهم، وفيه تعليمهم، وفيه هدايتهم، وفيه ما يجعلهم سادة الدنيا وأئمتها وحكامها. أفلم يدبروا كلام نبيهم ويفهموا قوله وهو يخاطبهم بلغتهم ولهجتهم، وهو منهم وإليهم، حسباً ونسباً؟ كيف جهلوا كل ذلك؟ فهذا استفهام إنكاري توبيخي تقريعي، فيوبخهم الله ويقرعهم كيف مع فصاحتهم وبلاغتهم ومع ذكائهم جهلوا وتبلدوا؟ فقد صار حسهم مطبوعاً طبع الحمر التي لا تعي ولا تدرك. ((أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ)) أي: قول الله وقول رسوله، وقول الحق والمنطق. ((أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ)) أو لأنه قد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين من رسالة، ومن نبوءة، ومن كتاب، ومن وحي، أهذه علة للكفر، أو يجب أن تكون علة للإيمان في كونهم كرموا بين الآباء والأجداد بأن أرسل إليهم، وبأن شرفوا بذكرهم، وبأن شرفوا بالنبي منهم وإليهم، وبأن شرفوا بأن يقوموا برسالة ينشرونها في الأرض وهم سادتها ومعلموها وناشروها كما كان بعد؟ ((أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ)) ما لم يأت آباءهم من رسالة ومن نبوءة ومن كتاب، وقد فسروا (أم) هنا بمعنى بل، ((أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ)) بل جاءهم، ولا حاجة لهذا التأويل. فالله تعالى يمتن عليهم بأنهم قد جاءهم من الخصائص ومن التشريف ومن التكريم ما لم يكرم به الآباء ولم يشرف به الأجداد، فجعل منهم نبياً من أوساطهم، ومن أشرافهم، من أوسطهم وأعلاهم شرفاً، يعرفون صدقه وأمانته، ويعرفون نشأته وصباه وشبوبيته، وقد جاءهم برسالة عن الله فكيف جهلوه؟ وكيف أعرضوا عنه؟ وكيف ابتعدوا عنه؟ ((أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ)) وهذا الاستفهام إنكاري أن آباءهم لم تأتهم نبوءة ولم تأتهم رسالة، ولأول مرة أتى العرب رسول ونبي وكتاب. ومن هنا فأهل الجاهلية لا يعذبون، وقد قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15]، وما بعث رسولاً إلا محمداً صلى الله عليه وسلم، ولم يكن قبله للعرب رسول، ومن هنا يؤكد القرآن: ((أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ)) أي: عوضاً عن أن يشكروا هذه النعمة، وهذا الشرف، وهذه الخصيصة اتخذوها كفراً وجحوداً، وقد خصصوا بما لم يخص به الآباء والأجداد.
تفسير قوله تعالى: (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون)
تفسير قوله تعالى: (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون) قال تعالى: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [المؤمنون:69]. أي: ما بال هؤلاء أين ضاعت عقولهم؟ وأين ضاع ذكاؤهم؟ وأين ضاعت فطنتهم؟ ألم يعرفوا هذا الرسول؟! ((أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)) كيف أنكروه وجهلوه وهو منهم وإليهم؟ فقد علموا ولادته، وعرفوا صباه، ونشأ بينهم، واشتهر بينهم باسم الصادق الأمين، وعلموا صدقه، وعلموا أمانته، حتى إن أبا سفيان بن حرب وكان زعيم الكفر وزعيم الشرك في مكة ذهب إلى الشام في تجارة، فسأل هرقل ملك الروم عن هذا النبي العربي الذي يزعم أنه نبي وأنه رسول للناس كافة، فسأل أن يؤتى له بمن هو قريب من العرب إلى النبي صلى الله عليه، فوجدوا أبا سفيان الذي هو أيضاً من قريش ومن أهل مكة ومن بيوتاتهم الكبيرة، فأتي به ومعه جماعة من أصحابه أيضاً من قريش، فأوقف هرقل أبا سفيان أمام وأصحابه خلف، وقال لـ أبي سفيان: أنا سائلك أسئلة فأجبني بالصدق، وقال لمن خلفه: إذا كذب فأشيروا لي برءوسكم حتى لا يتحرجوا مع زعيمهم، ولكن من خصائص العرب أنها لا تكذب، هكذا كانت أخلاقها حتى في الجاهلية، فـ أبو سفيان على عداوته للرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى حربه له وحقده عليه، عندما سأله هرقل أجاب بالأجوبة التي يعتقدها الحق، فسأله أيصدق؟ وسأله أيخلص؟ وسأله إذا عاهدكم أيفي؟ قال: نعم، ونحن الآن على عهد، وكانت حينئذٍ غزوة الحديبية، ولا ندري ما هو فاعل، قال أبو سفيان: لم أجد كلمة أدخل فيها إلا هذه، قلت: هو يفي، ولكن العهد قد قام الآن فلا ندري هل سيفي مستقبلاً أم لا، فكان مما سأله: هل تعرفونه قبل؟ قال: نعم، قال: ماذا تعرفون؟ قال: نعرف ولادته، ونعرف أبوته، ونعرف أمومته، وعرف بيننا بالأمانة وبالصديق، قال: هل كان يكذب؟ قال: لا، قال: هل كان أحد من آبائه يدعي ذلك أو يزعمه؟ قال: لا، وإذا بـ هرقل يقول له: من عاش بينكم هذه المدة الطويلة ولم يكذب على الناس جدير ألا يكذب على الله، ومن ليس في آبائه وأجداده من ادعى هذه الدعوى فلا نقول عنه: قام ليطالب بشيء سبق أن طالب به آباؤه وأجداده، وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام عرف عند هدم الكعبة برأيه السديد، وعرف عند حلف الفضول برأيه السديد، وعرف عندما أراد أن يحضر ولا يزال شاباً صغيراً يافعاً إلى أحد أعراس مكة وإذا بالنوم يغلبه، فلا يرى مما يفعله الجاهلية شيئاً، يقول: (ولم أشعر إلا وحر الشمس على ظهري)، حدث هذا مرتين، وكانت له إرهاصات. وهكذا جعفر بن أبي طالب عندما هاجر للحبشة بزعامة المهاجرين الأول سأله النجاشي عن هذا الذي يقول إنه نبي: أتعرفونه؟ قال: نعم، نعرف أمانته ونعرف صدقه ونعرف نشأته ونعرف أبوته ونعرف أجداده، وهكذا قال المغيرة بن شعبة عندما ذهب للتفاوض في حرب الفرس مع نائب كسرى، فسأله: أتعرفون محمداً هذا الذي كان يدعوكم لنبوءته ورسالته؟ وقد حدث هذا في خلافة عمر، قال: نعم نعرف صدقه ونعرف أمانته. وهكذا يقول الله لهم: ((أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ))، أهؤلاء أنكروا نبوءة محمد وصدق محمد ورسالة محمد؛ لأنه رجل مجهول لديهم، ونكرة عندهم، فلا يعرفونه وظنوا فيه الظنون، وتوهموا فيه الأوهام؟! فهو استفهام إنكاري توبيخي بأن الأمر لم يكن كذلك، فهم جميعاً يعرفونه، فهو ابن وحفيد سيد مكة، وسيد جزيرة العرب عبد المطلب الذي كان موضع الإجلال، وموضع الإكرام، وموضع الاحترام من جميع أهل مكة، وكذلك كان والده الشاب عبد الله على صغره وعدم طول حياته ما كان يعرف إلا بالجد بينهم، وهكذا أمه آمنة، فلقد كان صلى الله عليه وسلم من بيئة صادقة، ومن بيئة معروفة بالصدق وبالأمانة وبالشرف وبالذكر، وعرفوا النبي صلى الله عليه وسلم خلال الأربعين عاماً قبل الهجرة بالصدق والأمانة، أفهذا الذي كان لا يكذب على الخلق وعلى الناس لمدة أربعين عاماً أبعد الأربعين سيكذب على الله؟! حاشى لله، هذا لا يقبله منطق العقل، ولا منطق الفهم، ولا منطق الناس. ((أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)) أي: جاهلون، وشأن المجهول أن ينكر، ولم يكن نبيهم مجهولاً. ومن هنا فعلماء الجرح والتعديل إذا وجدوا في السند مجهولاً عطلوا العمل به، وأوقفوه إلى أن يعرف، فإن بقي مجهولاً سقط السند والمتن والعمل به.
تفسير قوله تعالى: (أم يقولون به جنة)
تفسير قوله تعالى: (أم يقولون به جنة) قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [المؤمنون:70]. أو يعرفونه ولكنهم اتهموه بالجنون، فقالوا: تارة مجنون، وتارة شاعر، وتارة وتارة، أصحيح هذا؟ ليس الأمر كذلك، وإنما قالوها شتيمة، وقالوها انتقاصاً ولم يقولوها عن يقين، فهم كانوا يعلمون منه العاقبة النبيلة، فقد كان وهو في شبيبته سبباً لتوائمهم ولتآخيهم، فقد كادوا يتقاتلون عندما أرادوا وضع الحجر الأسود في مكانه بعد أن بنوه وقد خربته السيول، فأخذوا يتنازعون من الذي سيحصل على شرف رفعه من الأرض إلى مكانه من الركن، وإذا بواحد منهم يقول: مادمتم لم تتفقوا على واحد منكم فلنحكم أول آت، وإذا بالآتي هو محمد صلى الله عليه وعلى آله، فقالوا: حكمناك، وكل قد سروا لما يعلمون من عقله ومن فكره وحسن تدبيره، فقالوا: يا محمد إن قومك كادوا يشهرون السيوف في وجوه بعضهم؛ لشرف وضع هذا الحجر في مكانه فماذا تقترح؟ فقال: ائتوني بثوب، فأتوه بثوب، ورفعه بيده الشريفة ووضعه عليه، وقال: ليتقدم واحد من كل فخذ من كل قبيلة من قبائل قريش، ومن قبائل العرب الموجودة في مكة، فحضروا وحملوه معه، فنالوا جميعاً شرف رفع الحجر، وإذا به بعد ذلك يحمله بيده ويضعه في مكانه، وهدأت الناهرة، وسكتت الثائرة، وعادوا للإخوة والمودة. وحضر معهم صلى الله عليه وسلم حلف الفضول، وحلف الفضول: أنه جاء رجل من الخارج عرض تجارة فأخذت ولم يأخذ أثمانها، فوقف يصيح: يا لقريش، يا عبد المطلب يا لفلان يا لفلان، أأظلم بينكم وتؤخذ أموالي ولا آخذ ثمنها؟ وإذا بكبرائهم يتنادون ويجتمعون في دار الندوة التي هي الآن الصفا والمروة، وكان برلمانهم وموضع شوراهم، وموضع مفاوضاتهم وكلامهم، فحضروا واتفقوا جميعاً وكانوا في ذلك متفضلين، أي: اجتمعوا من غير أمر يأمرهم به أحد. وحضر معهم صلى الله عليه وسلم فزكى وأيد عملهم، وشجعهم عليه، وهو في العشرين أو تجاوزها بقليل، وقد قال في النبوءة عليه الصلاة والسلام: (لقد حضرت حلف الفضول ولو أدعى لمثله اليوم لأجبت) أي: لو يدعى إلى اجتماع الأمم، والاجتماع بين شعوب الأرض على نصرة الضعيف، والأخذ على يد الظالم الجائر البطاش لفعل ولأجاب صلى الله عليه وسلم، وكان بذلك قد شرع لنا أننا نتنادى ونتداعى لنصرة الضعيف مع أي إنسان يدعو إلى ذلك، فالإسلام يحرص على نصرة الضعيف، وزوال الظلم، وأداء الحقوق، وعدم أذية الخلق مؤمنين وغير مؤمنين، ولكن غير المؤمنين نطالبهم بالإسلام، فإن رفضوا فالجزية، فإن رفضوا فالسيف؛ لأن دين الله يجب أن يكون هو السيد وهو الشرع، وهو الحاكم في الأرض، ورايته هي الخفاقة دون سواها. {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ} [المؤمنون:70]. قال الله لهم: لم يكن به جنة، وهو أعلى من ذلك، وما كنا لنرسل رسولاً مجنوناً أو نبياً مجنوناً، فقد جاء بالحق ودحض به الباطل، وجاء بالقرآن وهو الحق من الحق، وجاء بالسنة بياناً للقرآن، وهي حق لشرح الحق، وجاء بدعوة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول، فقد جاء بالحق، ودعا إلى الحق، ونصر الحق، ورفع السيف لنصرة الحق ولمحاربة كل معاد للحق، ((بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ))، وأكثر هؤلاء الجاحدين والمسرفين والكافرين يكرهون الحق، ويبتعدون عن الحق، ويتمسكون بالباطل. والباطل هو كل ما سوى الحق، فكل ما سوى الإسلام باطل، وكل ما سوى الحقيقة الإلهية باطل، وكل ما سوى الحقيقة النبوية باطل، وكل ما ليس شرعاً وليس ديناً حقاً فهو باطل في باطل، وإنما الحق كتاب الله وسنة رسول الله، وإنما الحق ما دعا إليه الله ورسوله، ودان به المسلمون.
تفسير قوله تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم)
تفسير قوله تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم) قال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:71]. هؤلاء الذين لا يتبعون إلا الباطل، وسموا الباطل حقاً، والحق هنا هو اسم من أسماء الله، والحق هو كل ما دون الباطل، فلو اتبع الله تعالى أهواءهم ونزواتهم وأنزل القرآن حسب هواهم وحسب رغائبهم: ((لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ))، ولو كان فيهما آلهة لفسدتا، ولعلا بعضهم على بعض، ولو طلبوا أن يعطى الأغنياء وأن يذل الفقراء لفسدت الأرض، ولو نزل القرآن على حسب أهوائهم ونزواتهم لفسدت السماوات والأرض، وفسد نظام الكون، ونظام الحياة، ونظام الأحكام، ونظام الدولة، ولذلك فالحق لا ينطق به إلا الحق، والحق هو الله جل جلاله، وهو الذي أنزل الحق كتاباً، وأرسل الحق رسولاً، وزاد الحق بياناً بالسنة النبوية لصاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام، ولذلك لا ينبغي أبداً للغوغاء وللمبطلين من الناس أن يستشاروا، فهنا جاءت نظم برلمانية يدعون إليها باسم الديمقراطية، فيجتمع فيها كل من هب ودب. وقد حدث هذا في كثير من ديار الإسلام، فهم يتذاكرون: أنقول: دين الدولة الإسلام؟ فقال الأكثر: لا، فتركوا، وبهذا الاعتبار حلت الخمور، وحل الزنا، وانتشر الفساد، وكثر الربا، وكثرت معصية الله في الأرض، وعم الفساد البر والبحر؛ لأن هؤلاء أرادوا أن يخضعوا الحق لأهوائهم، والله لم يجعل الحق إلا إلى أهل الحق، والله لم يجعل الحق في الشورى إلا لأولي الأمر منكم، ومن هم أولوا الأمر؟ هم العلماء وحكام المسلمين العادلون. وقد قال الله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59]، ويقول: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83] وأولو الأمر هم الذين يستنبطون، ولا يستنبط إلا عالم، ولا يستنبط إلا حاكم عالم، وأما أن تترك الأمور سبهللاً لكل جاهل، ولكل حيوان، ولكل من لا يستطيع أن يحكم في بيته مع زوجته ومع أولاده، فكيف نحكمه في رقاب شعب وأمة ودين وشرع؟! إن هي إلا الأباطيل، وإن هي إلا الأضاليل، وبذلك ضحك الاستعمار اليهودي والنصراني والشيوعي على عقول المسلمين، فأفسد برامجهم، وأفسد مدارسهم، وأفسد جامعاتهم، وأصبحوا يجرون خلف هذا الباطل ويقولون: حرية وديمقراطية. وهكذا إذا كان هناك حيوان لا يكاد يميز بين كوعه من بوعه، وبين الحق والباطل، وبين المؤمن والكافر فإنهم يحضرونه فيما يسمونه بالبرلمان؛ ليعطي من الآراء ما هو ضد لله، وضد لرسول الله، وضد لكتاب الله، وضد لأحكام العدل وأحكام الحق، والله يقول عن هؤلاء وأمثالهم: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون:71]، وقد حدث، فأفسدوا الأرض وأفسدوا السماوات بطائراتها، فحتى في الأجواء يشربون الخمور ويفسدون مع الشابات ومع العجائز، فأفسدوا الأرض وأفسدوا السماء، ولكن هيهات فللباطل صولة ثم يضمحل، ويأبى الله إلا أن ينصر دينه وأن يرفع الحق وأعلامه، وهكذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرها من خذلها وهي على ذلك إلى يوم القيامة). ((وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)) (من) اسم موصول تطلق على العاقل بانفراده، يقال: جاء الرجال، فتسأل أنت: من؟ فيقال لك: أحمد وعلي وأبو بكر، و (ما) اسم موصول يطلق على غير العاقل بانفراده، ويقال: جاء قطعان من الدواب والماشية، فتقول أنت: ما هي؟ فيقال لك: هي بقر وغنم وماشية، ولكن (من وما) إذا عمت فإنها تشمل العاقل وغير العاقل فتطلق (من) عليهما (وما) عليهما، والقرآن بهذا صريح في كثير من الآيات: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [البقرة:284]، فما هنا تطلق على العاقل وغير العاقل. {أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ} [يونس:66] (من) هنا للعاقلين وغير العاقلين. ((وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)) (من) هنا للعاقل وغير عاقل، من مدرك وواع وغير مدرك وغير عاقل. قال تعالى: ((بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ)) الذكر هنا الشرف، يقول الله عن هؤلاء العرب الذين حاربوا نبي الله، وعن هؤلاء العرب الذين لا يزالون يعيشون بيننا ممن تنكروا لنبيهم ولدينهم ورجعوا القهقرى، فارتد من ارتد، وعصى من عصى، فألغوا الشريعة وألغوا الحكم وحكموا بغير ما أنزل الله. ((بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ)) أتيناهم بشرفهم، والذكر هنا الشرف، وهكذا قال الله: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء:10]، {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف:44]، وإنه لشرف لك يا محمد ولقومك؛ لأنهم هم الذين كلفوا بفهم الرسالة، وبنشر الرسالة، وببذل الأرواح رخيصة في سبيل الرسالة، وهذا واقع التاريخ، فالنبوات نزلت على العرب على محمد سيدهم صلى الله عليه وسلم، فالذين قاموا معه هم المهاجرون والأنصار في مكة والمدينة الحرمين الشريفين، ثم في بقية جزيرة العرب، وذهب صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى والإسلام لم يخرج بعد عن جزيرة العرب، فخرج على يد العرب ابتداء من أبي بكر، ثم لقي ربه، ثم قام عمر فنشر الإسلام في العراق وفي الشام وفي مصر وفي فارس وفي المغرب، وهكذا خلال نصف قرن عم الإسلام الأرض من أقصى بلاد الصين شرقاً إلى أقصى بلاد الغرب غرباً، وقال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110]، فمن لم يكن كذلك لم يأمر بمعروف، ولم ينه عن منكر أو فعله، ولم يكن ذلك بناءً على الإيمان بالله، بل كان بفلسفات فارغة وبآراء باطلة، وكان بمذاهب وافدة يسمونها الاشتراكية والماسونية والوجودية والشيوعية مما أتى به اليهود، ودعا إليه أفراخ اليهود، فاستمسك به كذلك من ذل وأذل معه غيره بذلك، وتركوا كتاب الله وراءهم ظهرياً، وتركوا القيادة المحمدية، وتركوا قيادة الأصحاب من الخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة، وتركوا قوانينهم التي أتت بالحق ودعت للحق وكان فيها شرفهم، وكان فيه ذكرهم، فالله تعالى قرع هؤلاء: كيف تركوا القرآن وفيه شرفهم، وتركوا الإسلام وفيه ذكرهم وعزهم؟! ((بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ)) أعرضوا عن شرفهم، وعن ذكرهم، وعن التنويه بهم؛ جهلاً وضلالاً، وانتحروا وذبحوا أنفسهم فخسروا الدنيا والآخرة، على أن المسلمين في الإسلام سواسية، (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ولكن يبقى الحق ويبقى الشرف للداعية الأول ومن خلفه، فقد قال صلى الله عليه وسلم لـ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (لأن يهدي الله على يديك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس)، فمن هدى الله على يده إنساناً من كفر إلى إيمان، ومن عصيان إلى طاعة، ومن زندقة إلى يقين وإلى إيمان صادق، فللمطيع الأجر والثواب، ولمن علمه ولمن وجهه أجره وثوابه، (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزورها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).
تفسير قوله تعالى: (أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير)
تفسير قوله تعالى: (أم تسألهم خرجاً فخراج ربك خير) {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [المؤمنون:72]. أي: يا محمد أم أكثرت عليهم وأثقلت كواهلهم وطلبت مالاً وأجراً على ما هديتهم إليه، فهو استفهام إنكاري قرعهم به وهو غير موجود، ولكن قال لهم: هل أنتم طولبتم بمال وبأجرة على كون محمد جاع من أجلكم وسهر من أجلكم وجرح من أجلكم وتحمل من أجلكم وكان حريصاً عليكم، وكان يحزنه ألا تؤمنوا، وكان عزيزاً عليه كفركم وجحودكم وبعدكم عن الإسلام؟ كلا، ومع كل هذا أبيتم إلا قتاله وإلا جحود هدى الله إلا من رحمه الله، وقد تم ذلك بعد ذلك: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف:128]. {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا} [الطور:40] وهذا لم يحدث، فهو أيضاً استفهام إنكاري يقرعهم الله به ويوبخهم، فهل فررتم من دنانير ودراهم وأجرة على هذا الدين؟ فهذا لم يكن كذلك. ((أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا)) أي: أجرة وشيئاً مضروباً عليكم كضريبة مقابل الهداية والإسلام. ((أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا)) أم تسألهم يا محمد خرجاً، ((فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ)) وأجرة ربك خير لك، وثواب ربك خير لك، ومن هنا حرم صلى الله عليه وسلم الصدقة والزكاة على أهل بيته؛ حتى لا يقول المشركون: قد شرع في دينه ما يغني أتباعه وأولاده وأسرته، كالأسر الحاكمة عادة، فالله لأجل ذلك حرم ذلك ألبتة، وما كانوا يأخذون إلا ما تأخذه سيوفهم حرباً ونصلاً وغلاباً من غنائم وفيء، وذاك ليس لأحد الحق أن يمتن فيه؛ فلم يؤخذ من المسلمين، وإنما أخذ من الكافرين بعد أن ذلوا، فوزعت أموالهم، وغنم فيؤهم لهؤلاء المجاهدين والمقاتلين والمحاربين. ((أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ)) قرئ: (أم تسألهم خراجاً) والمعنى واحد، وهي من القراءات السبع المتواترة، {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} فلست في حاجة إلى مالهم ولا أوساخ أيديهم، فجعل الله رزق نبيه قبل النبوءة بالعمل، ففي الطفولة برعاية الغنم، فقد رعى الأنبياء جميعاً، وعند شبابه كان تاجراً في مال خديجة مضاربة، ووجد حصته بعرق جبينه وبكد يمينه صلى الله عليه وسلم، وبعد النبوءة قاتل وجاهد وكان على رأس المحاربين، فغنم الغنائم التي حللها الله للمؤمنين والمجاهدين والمسلمين، وجعل الكافرين ليسوا أهلاً لا لبلد ولا لتملكهم، فملك أرضهم وأموالهم حتى نساءهم وبناتهم إلى الفاتحين والمجاهدين، ((وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)).
تفسير قوله تعالى: (وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم)
تفسير قوله تعالى: (وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم) قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المؤمنون:73]. أي: أنك لم تطلب منهم أجراً، ولم تطلب منهم مالاً، ولم تطلب منهم رياسة، {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [المؤمنون:72]. قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المؤمنون:73]. أي: دعوتهم إلى الحق الواضح المستقيم الذي لا عوج فيه، ودعوتهم إلى العز والشرف، ودعوتهم إلى الصلاح، ودعوتهم للأمن، ودعوتهم لرفع الظلم، ودعوتهم للإحسان إلى الفقير، والرحمة بالأهل والولد وذوي الأرحام، وما دعوتهم إلا إلى الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا اختلاف ولا نزاع، وما الطريق المستقيم إلا كتاب الله الكريم، والإسلام البين الواضح، والسنة المطهرة التي كانت شرحاً وبياناً لكتاب الله، كما يقول الإمام الشافعي: ما من سنة وردت عن نبينا صلى الله عليه وسلم إلا وكانت شرحاً وبياناً لكتاب الله. قال تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} [المؤمنون:74]. ولكن الناكبين عن الصراط، المنحرفين عنه، الزائغين أمامه، الضائعين الذين لم يتبعوا صراطاً مستقيماً، ولا هداية قيمة، هؤلاء الذين لا يؤمنون باليوم الآخر، والذين لا يؤمنون بالبعث بعد النشور، هؤلاء الكافرون المكذبون لأنبيائهم، الجاحدون لكتب ربهم، الناشرون للفساد بين الناس، السفاكون لدماء الناس، الذين لم يعيشوا وهم حال كفرهم إلا للفسق وللكفر ولنشر الظلم والباطل. وأما طريق المؤمن، وأما ما يدعو إليه محمد صلى الله عليه وعلى آله فهو الصراط المستقيم، والحق الأبلج الذي ليله كنهاره لا يزيغ عنه إلا هالك.
تفسير قوله تعالى: (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر)
تفسير قوله تعالى: (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر) قال تعالى: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [المؤمنون:75]. قال ابن عباس حبر القرآن رضي الله عنه: (ولو) هي لمنع ما بعدها البتة، فحيث جاءت (ولو) في القرآن أو في السنة المطهرة فهي للمنع الأبدي لما بعدها. ((وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ)) أي: هؤلاء المشركين الجاحدين وهم على شركهم، ((وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ)) أزلنا ضرهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حاربهم فانتصر عليهم، وجازاهم بالجريمة الواحدة عذاباً أليماً، فغزاهم في غزوة بدر، وقتل من قتل وأسر من أسر، وأخذ أموالهم، ودخل مكة ظافراً منتصراً عزيزاً سيداً، فأخذ البلد وجمع الكافرين وأنذرهم وتهددهم: (ماذا ترون أني فاعل بكم معاشر قريش؟ فقالوا له: أخ كريم وابن أخ كريم) وإذا به يرحمهم ويشفق عليهم، ويعفو عنهم عفو القادر، وترك لهم أجل الإيمان والإسلام، ففر من فر، وأسلم من أسلم، وحسن إسلام من حسن، وعاد من فر فأسلم وحسن إسلامه، وأباح دماء أربعة عشرة إنساناً: ست من النساء وثمانية من الرجال، وقال: (اقتلوهم ولو وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة)، فالحرم لا يجير عاصياً. وقد أكثروا من إيذاء المستضعفين من المؤمنين الذين بقوا تحت سلطانهم وأهلهم في مكة، فأذلوهم واستعبدوهم شيوخاً وشيخات وأطفالاً صغاراً وكباراً، حتى قتلوا من قتلوا، وأمرضوا من أمرضوا أمراضاً مزمنة، فدعا عليهم صلى الله عليه وسلم وقال: (اللهم سنين كسني يوسف)، فأصيبوا بالجدب سنوات حتى اضطروا إلى أكل الكلاب وأكل الجيف، حتى ذهب إليه أبو سفيان فقال له: يا محمد! إنك تقول: أرسلت رحمة للناس، ونحن أرحامك وأهل بلدك وسدنة بيت الحرام، ادع الله تعالى أن يرفع ما بنا من ضر، فدعا لهم، فما زادهم ذلك إلا جحوداً، حتى مكنه الله من رقابهم ومن بلادهم فطهرها من الشرك والأوثان. ((وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ))، والسورة مكية، وهكذا كانوا، فكشف عنهم بعض ذلك في الدنيا لا في الآخرة، {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48] ففي الدنيا قد يرحم الكافر إمهالاً؛ عساه أن يؤمن ويسلم، وعساه يوماً أن يقول: ربي الله. ((وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ)) أي: من قهر ومن جدب وقحط وذل واستعباد، ((لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ)) لتمادوا ولأصروا على كفرهم وطغيانهم وضلالهم وعمايتهم. ((يَعْمَهُونَ)) يتيهون في الأرض تيهاناً، فيفقدون البصيرة فلا يميزون حقاً من باطل، ولا ليلاً من نهار، ولا توحيداً من شرك، ولا إيماناً من كفر، وهكذا كان حالهم في الدنيا، فقد رحمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياناً وعاقبهم أحياناً، وما زادتهم رحمته إلا طغياناً وفساداً إلى أن مكنه الله من رقابهم، وأباد خضراء من بقي منهم على الكفر، وبعد ذلك بقيت جزيرة العرب كلها مسلمة. وقال صلى الله عليه وسلم: (لقد يئس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب بعد اليوم)، فهذه بشرى بشر بها المصطفى منذ 1400 عام أن الجزيرة العربية لن ترتد عن الإيمان، ولن تصبح يهودية ولا نصرانية، ولن تصبح مشركة يوماً من الأيام، وقد تكون هناك جهالات، وقد تكون هناك ضلالات، ولكن العلماء والدعاة ومن وفقهم الله يعلمونهم، ويرفعون جهلهم، ويزيلون ضلالهم تبعاً لأسوتهم الأعظم صلى الله عليه وسلم، والعلماء ورثة الأنبياء، وهذا واجبهم في جزيرة العرب وغيرها من ديار الإسلام عامة، بل في الأرض كلها. {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} [آل عمران:110]، ومن الأمر بالمعروف في الدرجة الأولى الدعوة إلى الإسلام، والدعوة إلى لا إله إلا الله وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله.
تفسير قوله تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون)
تفسير قوله تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون:76]. فهؤلاء عذبهم الله وانتقم منهم بالأسر والقتل والتشريد والطرد، وهذا في كل كافر وليس الأمر مقصوراً على العرب فضلاً عن قريش، فعل هذا باليهود في المدينة، فقتل في يوم واحد تسعة وخمسين واحداً، وأخرجهم من دورهم وأخذ دورهم، وطرد الكثير منهم، وأوصى بطرد الباقين، فما زادهم ذلك إلا كفراناً وجحوداً، ومن ذلك الوقت وإلى اليوم منذ 1400 عام ما زادهم ذلك إلا جحوداً وإلا حقداً على سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، وحين دخل هؤلاء القردة والخنازير إلى بيت المقدس أخذ منهم من كان يعيش في بلاد العرب يشتم محمداً صلى الله عليه وسلم باسمه، ويشتم المسلمين، وهذا استدراج من الله لهم، وسيخرجهم بعد ذلك في ذل وهوان مسحوقين بالأقدام، وصدق الله جل جلاله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [الأعراف:167]، فلا مندوحة ولا مفر من غضب الله عليهم الدائم، ولكن العلامة والإشارة بيننا وبين ربنا أن يدخلوا مرة ثانية إلى المقدس، وقد فعلوا وانتهوا، وسيأتي الله بمن يدمرهم ويذلهم وهم في ذل مع كل ذلك، ومن يسحقهم ويقضي عليهم، ومن يخرجهم لا من القدس فقط بل من جميع ديار المسلمين، ((وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) إلى يوم الحشر والنشر. قال تعالى: ((وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا)) أي: ما خشعوا لربهم، وما ذلوا لربهم، وما اعترفوا بعقوبته، ((وَمَا يَتَضَرَّعُونَ)) لم يتضرعوا لله، ولم يطلبوا الله، ولم يذلوا لله، ولم يقولوا: اللهم اغفر لنا فقد أسأنا واعترفنا بذنوبنا، بل ما زادهم العذاب إلا كفراً وإصراراً على الكفر، وعداء وحقداً على محمد، والكتاب المنزل على محمد، وأصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله.
المؤمنون [76 - 80]
تفسير سورة المؤمنون [76 - 80] يمتن الله تعالى على عباده بأنه هو الذي أحياهم وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وأنه الذي رزقهم وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة، إذاً فهو المستحق للعبادة، فلم عبد المشركون غيره، واستكانوا لغيره ممن لا يصنع شيئاً ولا يضر ولا ينفع؟!
تفسير قوله تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم)
تفسير قوله تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم) قال الله عزة قدرته: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [المؤمنون:76 - 77]. لا يزال الله جل جلاله في هذه الآيات يسوق عذابهم ووعيدهم وتهديدهم فيما إذا بقوا مصرين على الكفر، وسادرين في الشرك، والكلام لهم وهو لأمثالهم كذلك متجدداً إلى يوم الدين. ذكر جل جلاله أن هؤلاء بعد أن أرسل إليهم، وبعد أن بلغوا الدعوة، وبعد أن بقوا على الكفر والإصرار عليه، أخذهم الله بالعذاب الشديد، وأخذهم بالنقمة؛ لعلهم يرعوون، ولعلهم يتوبون، وإذا بهم يبقون على ما هم عليه، فلم يستكينوا ولم يذلوا لربهم، ولم يخشوا ربهم، ولم يمدوا أيديهم بالدعاء ضارعين داعين راجين، ولم يقولوا: ربنا اغفر لنا يوم الدين. وقد دعا عليهم صلى الله عليه وسلم بسنين كسني يوسف، فقحطت الأرض، وأمسكت السماء غيثها وخيراتها، فجاعوا حتى جاء أبو سفيان كبيرهم يقول: يا محمد! إنك تزعم أنك أرسلت رحمة للعالمين، وهؤلاء ذوو أرحام قد قتلت رجالهم، وأجعت نساءهم، فادعُ الله لهم ليرفع عنهم ما هم فيه من بلاء، فدعا لهم، فرزقوا غيثاً مغيثاً، وخيراً عميماً، وإذا بهم ما زاداهم ذلك إلا كفراً وعناداً، ثم أسلم كبير نجد بعد أن أسره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ثمامة بن أثال فربطه في المسجد النبوي ثلاثة أيام، فكان عند صباح كل يوم يقف عليه صلى الله عليه وسلم عندما يخرج لصلاة الصبح ويقول: (هيه يا ثمامة ما عندك؟ فيقول له: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تعف تعفُ على شاكر، وإن ترد المال فلك ما تريد)، وكرر ذلك في اليوم الثاني ثم اليوم الثالث، وهذا جواب ثمامة. وإذا به في اليوم الثالث يطلق سراحه صلى الله عليه وسلم ويعفو عنه، فيخرج الرجل فيغيب زمناً ثم يأتي إليه فيقول: مدّ يدك يا محمد! أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ولا والله يا رسول الله! لا يصل لقريش بعد اليوم حبة من القمح أو الحنطة من نجد، فأسلم ثمامة وأصبح من المجاهدين المنافحين المدافعين عن الإسلام ومن الصحابة المخلصين، وأمسك ميرته وأمسك حبه وأمسك حنطته على مكة، حتى ضاق بها المقام واشتد بها الجوع. وهكذا عادوا مرة ثانية يستعطفون ويتوسلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتوسط لهم إلى ثمامة، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام ثمامة بأن يسمح بأن تذهب الحنطة والحب إلى أهل مكة، فما زادتهم هذه الشفقة والرحمة إلا كفراً وعناداً، فما استكانوا وما خشعوا وما ذلوا لله ولا آمنوا به، ثم لم يتضرعوا، ولم يتوبوا، ولم يمدوا أيديهم لله راجين داعين تائبين من شركهم وكفرهم. قال تعالى: {حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [المؤمنون:77] بقي هذا الإصرار، فكان عذاب الدنيا، ثم ماتوا فهلكوا ففتح الله عليهم باباً في جنهم ذا عذاب شديد. هذا العذاب الذي كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلوداً غيرها؛ ليذوقوا العذاب، فتح عليهم باباً من نقمته وباباً من عذابه المقيم الأبدي؛ لشركهم ولكفرهم، {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [المؤمنون:77]، فبعد أن ابتلوا ووجدوا ما كانوا ينكرونه في حياتهم من البعث والنشور، ومن العذاب على الشرك والكفر، وجدوا أنفسهم في واقع ذلك، وإذا بهم يقذفون في جنهم مع العذاب المؤلم، ومع العذاب الشديد، وإذا بهم إذ ذاك يرون من ربهم ما لم يكن يخطر لهم ببال، وهم مشركون كافرون جاحدون، وإذا هم مبلسون من رحمة الله، أي: يائسون، فيئسوا من رحمته، ويئسوا من مغفرته؛ لأن الله يقول: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48]، فلا مغفرة للشرك، ولا مغفرة للكفر، ولا مغفرة للجحود، وبعد أن بعثوا هيهات الرجوع، فقد مضت الأيام في الدنيا، فلم ينتهزوا شبابهم، ولم ينتهزوا دنياهم فيتوبوا إلى الله يوماً، ويقولوا: ربنا اغفر لنا يوم الدين، وهكذا قد يئسوا من الرحمة، وسلموا لملائكة غلاظ شداد كالحي الوجوه، لا يعصون الله ما أمرهم، وهم مطيعون في كل ما أمر الله به؛ جزاءً وفاقاً للكفر والشرك الذي صنعه هؤلاء في دنياهم. {حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [المؤمنون:77] أي: إذا هم في ذلك الباب وذلك العذاب الشديد مبلسون، أبلسوا أي: يئسوا، ولم يعد يخطر لهم ببال أن يرحموا، أو أن يستغفروا، أو أن يتوبوا؛ لأن الأمر أصبح أمر شهود وحضور، والإيمان لا يتم إلا في الدنيا إيماناً بالغيب، وإيماناً بتصديق الرسل، وإيماناً بكتب الله المرسلة على رسله، وأما وقد أصبح الأمر واقعاً فلا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار) قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون:78]. اسأل هؤلاء من الكفرة والجاحدين، ومن أعداء الرسل والصالحين، ومن المكذبين بكتب الله التي جاءتهم، من الذي خلقكم من غير مثال سابق؟ ومن الذي خلق لكم الأسماع فأصبحتم تسمعون؟ ومن الذي خلق لكم الأبصار فأصبحتم تبصرون؟ ومن الذي خلق لكم القلوب فأصبحتم تعون وتفهمون؟ هل أولئك الذين جعلتموهم شركاء لله كمناة والعزى؟ أو مريم وعيسى؟ أو العزير والعجل؟ أو الملائكة الذين سميتموهم بنات الله؟ أو غير ذلك من جماد وحيوان وإنس وملك وجن؟ هل هم الذين أنشأوا وخلقوا لكم هذه الحواس فأصبحتم سامعين بعد إن لم تكونوا كذلك؟ فقد كنتم مضغة لحم، وكنتم نطفة، وكنتم جنيناً في أرحام أمهاتكم لا سمع ولا بصر ولا وعي لكم، ثم بعد ذلك رزقكم الله من الحواس ما تعيشون بها، وما تدركون بها، وتميزون بين الحق والباطل، فمن الذي أنشأ لكم ذلك واخترعه وخلقه وابتكره؟ (قليلاً ما تشكرون) قلما تشكرون الله على نعمه الظاهرة والباطنة، فالله أنزل وحياً وكتباً سماوية مع أنبيائه وعباده المكرمين من الرسل؛ لينذر خلقه، ولينذر عباده، فإذا جاءوه جاءوه متقين، وجاءوه سالمين من الشرك والكفر والمعصية والخلاف؛ لتبقى حجة الله البالغة، حتى إذا هلكوا وأصبحوا بأمس الدابر، ودخلوا قبورهم وجاء الملكان يسألان من في القبر: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما صلاتك وما زكاتك؟ فإنهم يجيبون بما علموه، وبما قاموا به، وعبدوا به ربهم، وأما إذا جاء وقت السؤال فأخذوا يقولون: لا نعلم، ولم ندرك، سمعناهم يقولون: جاءنا نبي فلم نؤمن به، فيا هلاك هذا، ويا بلاءه ويا عذابه الدائم. {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} [المؤمنون:78] الضمير يعود إلى الله تعالى، والضمير هنا للغائب ولكنه يكاد يكون أعرف من كل معرف، فهو أعرف حتى من (أنا) للمتكلم، ومن (أنت) للمخاطب، فعندما يطلق (هو) فلا يعنى به إلا الله جل جلاله، {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ} [المؤمنون:78] هو الله، {الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ} [المؤمنون:78] خلقه وابتكره، و (السمع) بالألف واللام هو للجنس، أي: الأسماع، أي: سمع كل واحد منا منذ خلق أبانا الأول آدم وأمنا الأولى حواء وإلى آخر إنسان في الأرض، وقد يبتلى الإنسان فلا يكون له سمع، ولا يكون له بصر، ويكون مجنوناً فلا يكون له وعي، ولكن هذا بالنسبة للمجموع يكون نادراً وقليلاً، والأصل في الأشياء العموم. {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} [المؤمنون:78] جمع بصر، والأفئدة: جمع فؤاد، وهو العقل، ويطلق على القلب، وبكليهما يعي الإنسان ويعقل، ولو أصيب قلبه لمات، ولو أصيب عقله لَجُنّ، فلا إدراك ولا وعي ولا فهم، {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون:78] يا أيها الناس! فلا تشكرون الله على نعمه الظاهرة والباطنة، ولا على ما أكرمكم به من مرسلين يأتونكم لتعلموا ولتؤمنوا، ولينذروكم يوم التلاق، يوم هم شاخصون، ويوم هم معروضون على الله.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون) {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المؤمنون:79]. (ذرأكم) أي: خلقكم، فهو الذي خلقنا على الأرض، وملكنا إياها ومنافعها، فنأكل من ثمراتها ومن حيواناتها، ونشرب من مياهها، ونعيش في أجوائها صيفاً وشتاءً وربيعاً وخريفاً، وجعلنا خلفاءه في الأرض، فقال ربنا للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30]، فجعلنا خلفاء لنحكم بالعدل، وندعو لعبادة الله، ونقاوم الشرك، ونقضي على الظلم، فإذا قام الإنسان بهذه المعاني كان خليفة حقاً، وقد قام بما خلفه الله عليه، فإذا لم يقم كان مشاكساً، وكان مخالفاً، وكان عبداً عاقاً، فيعاقب بما يعاقب به العققة والمخالفين لأمر الله من المشركين والعصاة. {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ} [المؤمنون:79] أي: خلقنا في الأرض ولم يخلقنا في السماء، وجعل لنا كل ما عليها بحاراً وجبالاً وأشجاراً، رجالاً ونساءً، أطفالاً وخدماً، وجعل الكل مسخراً يخدم بعضهم بعضاً، وكلنا فقراء إليه، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر:15]، فمهما استغنى الرجل منا، ومهما ملك الرجل منا فهو يحتاج لمن يخبز له، ولمن يبني له، ولمن يطبخ له، ولمن يخيط له، ولمن يعالجه إذا مرض ولمن ولمن، وهكذا سخر بعضنا لبعض، وخدم بعضنا بعضاً، والغني المطلق الذي لا يحتاج إلى مؤازرة ولا مشاركة هو الله جل جلاله، ربنا وإلهنا وخالقنا عز وجل وتعالى مقامه. {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المؤمنون:79]، فقد خلقنا مدة وزمناً معيناً له بداية وله نهاية، وأوجدنا من العدم، ثم سيميتنا، ثم سيحينا مرة ثانية، ويحشرنا إليه ونقف بين يديه لنحاسب على حياتنا وما صنعنا فيها: هل صدقنا رسلنا؟ وهل آمنا بربنا؟ وهل أطعناهم فيما أمرونا به وتركنا ما نهونا عنه؟ وهنا ذكر الحشر إنذاراً وتهديداً بأنه قد ذرأنا في الأرض ولم يتركنا عبثاً، ولم يخلقنا للعب والهوى، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، فهل هذه العبادة التي خلقنا الله لها ومن أجلها قد قمنا بها حق القيام أو بعض القيام؟ وهل استغفرنا الله على النقص وعملنا جهدنا في بعض، عسى الله أن يغفر ذنوبنا؟ وأعظم شيء أن يعيش الإنسان موحداً وأن يموت موحداً، فيعبد الله ولا يشرك به أحداً، ويصدق رسله، ويصدق كتبه فمهما كان فهو إلى مغفرة في النهاية، إما بعد أدب وعذاب في النار، وقد يغفر ذلك بلا عذاب ولا نار، والله تعالى لا يسأل عما يفعل.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار) قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [المؤمنون:80]. الله جل جلاله هو الذي أحيانا بعد أن لم نكن، وأوجدنا من العدم، فنحن نشعر بأنفسنا أحياءً ننطق ونتحدث، ونسمع ونبصر، ونلبس ونعرى، ونشبع ونجوع، ونشكر ونلغي الشكر، وهذا دليل على وجودنا، فنحن نتحرك ونعمل، ألم يفكر الكافر والمشرك يوماً: من أنا؟ ومن الذي خلقني؟ وما الفرق بيني وبين تلك الجثة التي فقدت الروح وهذا الجماد؟ ولِمَ كنت أتحرك قبل أن أموت؟ وما هي هذه الروح؟ وكيف تحركت يدي ونطق لساني؟ وكيف أبصرت عيني وسمعت أذني؟ وكيف وعى قلبي؟ وكيف حفظت ما حفظني الله إياه من علوم في الشريعة أو في الدنيا؟ ومن الذي أعطاني هذا العقل أفكر فيه؟ فالمؤمن يقول على كل شيء: الله الخالق الرازق المنشئ، مالك كل شيء، والكافر يذهب فيقول كلاماً قلد فيه الآباء والأجداد، فتكلم بما لم يعلم، وهرف بما لم يعرف، وأخذ يقول كلاماً هو كلام المغرورين والمجانين، وكأنه ظن أنه سيخلد أبداً، فلم ينظر إلى من سبقه من أبٍ أو جد أو كبير أو صغير وقد كانوا يوماً أعظم سلطاناً وأقوى شباباً وأغنى جاهاً وأكثر ترفاً ومقاماً، ومع ذلك ذهبوا مع الذاهبين، فقد جاءا من التراب ثم ذهبوا إلى التراب، أفيظن أن ذلك قد كان ثم لا عيشة ولا بعثة ثانية؟ هيهات، فالله ينبئنا في دار الدنيا أن نفكر يوماً ونعتبر، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [المؤمنون:80]، فأما الحياة فرأيناها، وسل الأولين والآخرين ومن يدعون العلم اليوم: ما هي الروح؟ وقد سأل هذا السؤال الآباء والأجداد ومن عاصروا الوحي وعايشوا محمداً صلى الله عليه وسلم، وقال له الله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85]، فإذا أخذنا نفسرها ونشرحها بأنها الحركة وبأنها الإدراك فيكون هذا شرح الجهلة وليس حتى شرح المبتدئين في رياض الأطفال، فالحركة ليست إلا أثراً لها، والنطق ليس إلا أثراً لها. ولكن ما هي الروح؟ ما هو هذا الشيء الذي دخل أجسامنا وحرك عروقنا وأجرى دمائنا وتركنا نعي ونسمع ونعقل مائة سنة أو عشر سنوات أو أقل أو أكثر هذا ما لم يبلغه الأطباء ولا علماء تشريح والجسد، فهم يدخلون فيه جهالاً ويخرجون منه ولو بعد ألف عام جهالاً، وقد قال الله لنا: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85]، وإياكم أن تطغوا وتتجبروا وتقولوا: قد علمنا، فلم تعلموا شيئاً، ولذلك علم الله نبينا صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الخلق على الإطلاق، فقال له: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114]، فالنبي صلى الله عليه وسلم الخليل المختار كان في حاجة دوماً إلى المزيد من العلم، وموسى عندما سئل وهو من أنبياء الله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: هل هناك أعلم منه، قال: لا، وإذا بالله الكريم يؤدبه على هذه الكلمة، فيقول له: بلى عبدنا خضر، فيتعبه ويسافر إليه ويذهب من المشرق إلى المغرب إلى مجمع البحرين والبحر المحيط في أرض طنجة كما قال الصحابة والتابعين، إلى أن وجد رجلاً عادياً في المنظر، يجلس على حشيش أخضر، يتعبد الله باكياً خاشعاً ذليلاً، ولا يزيد على أن يقول: رب اغفر لي يوم الدين، قال له: السلام عليكم، قال: من أنت؟ وأنى السلام في أرضك؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. فكان ما قص الله علينا في سورة الكهف. والشاهد: أنه جاء عصفور صغير فنقر نقرة وأخذ قطرة ماء من البحر، فالتفت الخضر إلى موسى وقال: يا موسى! أترى أن هذا العصفور نقط من هذا البحر شيئاً؟ قال: لا، قال: ما علمي وعلمك أمام علم الله إلا كهذه القطرة يأخذها هذا الطائر من هذا البحر! وهكذا سنقول دوماً ولو عشنا ما عاشه نوح وزدنا: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114]، فقد قالها لسيد الخلائق وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، فكيف بنا؟! قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [المؤمنون:80] فأحيانا وأوجدنا من العدم، وسيميتنا بعد، ثم يعيدنا في يوم البعث والنشور للحساب على الأعمال في الدنيا. قال تعالى: {وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [المؤمنون:80] لله الليل والنهار واختلافهما، فهذا أسود مظلم إذا مددت يدك وخاصة في الليالي التي لا قمر فيها ولا هلال لا تكاد تراها، والنهار أبيض مشرق، وتارة هذا قصير وهذا طويل وتارة العكس، وهكذا يتعاقبان، {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} [يس:40]، فهما يختلفان في الأوقات والأزمان، وفي الألوان، وفي الأحوال، فمن الذي جعل السواد سواداً، والنهار بياضاً، والليل ليلاً والنهار نهاراً، وجعل هذا بياتاً وراحة وجعل النهار معاشاً وجهاداً وسعياً في الرزق وما إليه؟ إنه الله جل جلاله. {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [المؤمنون:80] أليس لكم عقول تفكرون فيها يوماً؟ فمن أنت؟ وأين كنت قبل أن يتزوج أبوك بأمك؟ ومن كان يعلم بوجودك، ومن أين أتيت؟ ومن الذي أوجدك؟ وقل ذلك عن أبيك، ثم قله عن ولدك، ثم قله عن حفيدك، وما تقوله عن واحد هو الذي يقال عن جميع الخلق، ثم ترى الموتى ليلاً نهاراً في كل صلاة وفي كل صباح وفي كل مساء، فنصلي على الميتة، وعلى الطفل، ألم يخطر لك ببال أنه سيأتي دورك يوماً ويقول المؤذن: الصلاة على الجنازة؟ فماذا أعددت لهذه الساعة، وماذا أعددت لهذا الوقت، ثم بعد الدخول للقبر ماذا أعددت جواباً لسؤال الملكين الكريمين المكلفين من قبل الرب جل جلاله؟ فنحن ونحن أطفال ونحن كبار إذا هددت بسؤال أستاذ فإنك تخاف أن تجيب خطأ فستكون فضيحة، فتسهر وتذاكر حتى لا تفضح. فكيف إذا علمنا أننا يوماً ما سنسأل من رسل الله الملائكة، ثم يعطون الجواب لله جل جلاله، هل كنت على الإسلام أو الكفر؟ وينبني على ذلك: أن تدخل النار أو الجنة، وأن تعذب أو تنعم إلى يوم القيامة.
المؤمنون [81 - 95]
تفسير سورة المؤمنون [81 - 95] ذكر الله تعالى هنا بعض مقولات الكفار المشركين من حيث استبعادهم لقيام الساعة وحشر الأجساد، فجادلهم الله تعالى وأفحمهم بالحجج العقلية البينة الواضحة الدامغة على صحة ما أنكروا واستبعدوا. وهذه الحجج هي دامغة لكل مشرك كافر قال مقولتهم في أي زمان ومكان.
تفسير قوله تعالى: (بل قالوا مثل ما قال الأولون)
تفسير قوله تعالى: (بل قالوا مثل ما قال الأولون) قال تعالى: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [المؤمنون:81 - 82]. يذكر الله الكفرة الجدد الذين عاصرهم نبينا صلى الله عليه وسلم وقد أنكروا كل شيء: وأنكروا الوجود والخلق والربوبية والألوهية، وجعلوا لها شركاء من خلق الله، ومن الحيوانات ومن الجمادات، فالله جل جلاله قال لنبيه: قل لهم، وعلم نبيه ليعلمهم، وبلغه ليبلغهم، فما ازداد أكثرهم إلا إصراراً على الكفر، كان ذاك ولا يزال، فالقرآن نحن مخاطبون به كما خوطب به الآباء والأجداد منذ ألف وأربعمائة عام في مختلف بقاع الأرض، وليس محمد نبي العرب فقط، بل نبي الأبيض والأسود، والأحمر والأصفر، وهو خاتم الأنبياء، وقد أرسل للمشارق والمغارب، فجميع الأنبياء ذهبت نبوءاتهم بموتهم، وانتهت بتبليغ عشائرهم وأقوامهم، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فهو النبي المستمر، فلا نبوة ولا رسالة بعده، ورسالته قائمة، ومن أنكرها من الإنس والجان فعليه العذاب واللعنة والغضب. {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ} [المؤمنون:81] أي: كانوا رجعيين، فقد رجعوا إلى مقولة الكفار السابقين من قوم نوح وقوم إبراهيم، ومن زعموا أنهم نصارى، ومن الملاحدة والكفرة، فقال هؤلاء ما قال الأولون، فأنكروا أبرز شيء في الأديان وأظهر شيء في الأديان: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ} [المؤمنون:81]، وأعاد الله (قالوا) للتنويه والإشادة، وبدل الكلام السابق، {قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [المؤمنون:82]، فيفخرون ويستفهمون استفهاماً إنكارياً، ويقولون: اسمعوا يا جماعة! هل يتصور أننا بعد أن نصبح تراباً وعظاماً نخرة، وبعد أن تخرج منا الروح أن نعود إلى للحياة مرة أخرى؟ أنبعث بعد الموت؟ أيجتمع التراب ويعود بشراً سوياً كما كان؟ وقد ذكر الله في غير هذه الآية أنهم قالوا وهم يتساءلون: كيف يحيي الله الموتى؟ فقال الله: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس:79]، فالله الذي أوجدنا من عدم وابتكرنا على غير مثال سابق، أقدر عليه وأسهل أن يعيدنا من تراب، وكل شيء سهل عليه جل جلاله، فما دمنا قد آمنا بالواقع، وأنا قد أوجدنا، وأننا لم نكن، ونرى يومياً تزاوج ذكراً بأنثى لا ولد لهذا ولا ولد لهذه، وإذا بعد السنة يأتوننا بطفل، فمن صنعه؟ أشهوتهم صنعت ذلك المخلوق؟ وهل كان لهم علم به؟ هل سعوا في أجله؟ هيهات، ثم هكذا يكبر الطفل ويشب ويصبح كهلاً، ثم يصبح شيخاً، وهكذا يعود إلى التراب، فإذا خلقه الله من عدم أليس قادراً على أن يعيده بعد أن أوجده المرة الأولى؟ بلى، فأخذوا يتساءلون ساخرين مستفسرين. {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا} [المؤمنون:81 - 82] أي: هلكنا وانتهينا من الدنيا. {قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا} [المؤمنون:82] أي: أصبحنا فناءً.
تفسير قوله تعالى: (لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل)
تفسير قوله تعالى: (لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل) {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ} [المؤمنون:81]. أي: أنبعث مرة أخرى، وأيضاً يستفهمون مستنكرين: {أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [المؤمنون:82]، قالوا: {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [المؤمنون:83]. فهكذا جاء الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم وقد سمعوا بهم، فجاء موسى فقال ذلك، وجاء عيسى وقال ذلك، وجاء أنبياء بني إسرائيل فقالوا ذلك، وجاء الخليل إبراهيم فقال ذلك، قاله جميع الأنبياء لأقوامهم، وإذا بهؤلاء يقولون: أين الذي قالوه؟ ولماذا لم نبعث؟ فنقول: إن ذلك متى أراد الله لا متى أردتم أنتم، فهل انتهى الجسم البشري؟ وهل انتهت الحياة على الأرض؟ وهل دهدهت السماوات والأرض فأصبحت عهناً منفوشاً كأنها لم تكن؟ لم يكن هذا بعد، ولا يعلم الساعة ولا وقتها ولا زمنها إلا الله، وعندما جاء جبريل عليه وعلى نبينا السلام ليعلم الصحابة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، وسأله عن الإحسان، ثم أخذه يسأله: (متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل). فلا يعلم الساعة تعيينا ولا وقتاً إلا الله، نعم تعلم علاماتها وأشراطها، وقد أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام وأخبرنا الله عن ذلك في كتابه، ولها شرائط صغيرة، ولها شرائط كبيرة، ومن الشروط الأولى الصغرى: البعثة المحمدية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت أنا والساعة كهاتين؛ وأشار بسبابته وبالوسطى من أصابعه) أي: ما بيني وبين الساعة كما بين السبابة والوسطى، وكم مضى من السبابة؟ أيضاً لا نعلم، فلو علمنا كم مضى لعلمنا كم بقي، ولكن الذي نعلمه أن نبينا خاتم الأنبياء فلا نبي بعده، ولذلك كان وجوده وبروز نبوءته هو العلامة الأولى الصغرى لقيام الساعة، وأجدادنا في التاريخ تخاصموا وكتبوا الكتب، وتجادلوا في قيام الساعة، فقال بعضهم: إنه سيكون من البعثة المحمدية إلى قيام الساعة ألف عام، وقال البعض: ثلاثمائة عام، وقال البعض بعد مائة عام، وكتب السيوطي في ذلك كتاباً، واحتج على أولئك فقال: سنتمم ألف سنة، فتمت ألف سنة ومضى بعدها أربعمائة سنة وسنة أيضاً، وستبقى قرون للدنيا؛ لأن العلامات الكبرى لم تبدو بعد، فلن تقوم الساعة وعلى وجه الأرض أحد يقول: ربي الله، ولا تزال ربي الله تقال في مشارق الأرض ومغاربها حتى في بلاد الكفر، فما من رقعة من بلاد الكفر إلا وفيها مؤمنون يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولهم مساجد يصلون فيها، ويعتكفون، ويصومون، دعك من أرض الإسلام التي تعد ملياراً من البشر. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لن تقوم الساعة إلا على لكع ابن لكع) أي: على مشرك خبيث ابن مشرك خبيث، أي: سيطول الزمان في الشرك إلى أجيال: آباء وأبناء وأجداد. ونقول: قد ابتدأ هذا، ومع ذلك لا تزال المسافة طويلة جداً، ومهما قلنا: عصى آل فلان، أو الشعب الفلاني، أو الدولة الفلانية، فلا تزال بيوت الله ومساجد المسلمين في كل أرض، ونجد المصلين والعاكفين والعابدين، ونجد الزاهدين، وهيهات أن ينقضي هذا بجيل أو جيلين، أو قرن أو قرنين. {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [المؤمنون:81 - 82]، وإذا بالله الكريم يقول لنبيه: قل لهؤلاء وحاورهم: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون:84] أي: سلهم وقل لهم: هذه الأرض التي أنتم عليها، وما عليها من إنسان وحيوان وجن، ومن بحار وهضاب وخيرات وأرزاق لمن هي؟ ومن مالكها؟
تفسير قوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون)
تفسير قوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون) إذا ثبت أن الله مالكها إذاً: فهو خالقها، قل يا محمد: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون:84] أي: إن كنتم تدعون المعرفة كما تزعمون فلمن هذه؟ ومن خلقها؟ ومن ملكها؟ وإذا ملكها الله فهو إذاً خالقها. فكان A { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [المؤمنون:85]، فقد أجابوا اعترافاً بوجود الله، وملك الله، وقدرة الله، وخلق الله، {قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [المؤمنون:85] أي: قل يا محمد لهؤلاء وقد آمنوا بأن الأرض وما فيها لله، {قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [المؤمنون:85] أفلا تعتبرون؟ ألا تفكير ألا عقل ألا رأي؟ فما دمتم وقد اعترفتم بوجود الله، وبقدرة الله، وبخلق الله، وأنكم وجميع من على الأرض من عاقل وغير عاقل، من إنسي وجني وملك، من حيوان ودابة، وكل ما عليها، ما دمتم قد اعترفتم أنها لله أفلا تعون وتعقلون؟ فكيف جعلتم معه شريكاً؟ وكيف أنكرتم وهو الذي أخبركم: أن هناك بعثة، وأن هناك حياة ثانية؟! {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [المؤمنون:84 - 85]، أفلا تعون وتقفون يوماً وتتفكرون مع أنفسكم، وتعتبرون بهذا، وتقولون: ما دامت المقدمة صحيحة، وأن الأرض خالقها الله، وأن الأرض مالكها الله، وأن الأرض رازقها الله، فلم إذاً نكران ما جاء به الله؟! وقد أرسل الله أنبياء سابقين يخبرون بالبعث وبالتوحيد، وبالقدرة لله على كل شيء، فلِمَ إذاً تتناقضون؟ وهكذا الكفر قديماً وحديثاً لا منطق له، ولا عقل له، إن هم إلا قردة ببغاوات يقلدون ما وجدوا عليه آباءهم، فإن أنت سألتهم: ما دليلكم وما برهانكم؟ قالوا: هكذا وجدنا آباءنا، وإنا على آثارهم مقتدون. وأما المؤمن فتارة يخاطبك بدليل العقل، وتارة يخاطبك بدليل السمع، فيقول لك: قال الله، قال رسول الله، قال العلماء، فإن كان المخاطب لا يؤمن بشيء من هذا خاطبه بمنطق العقل، كما يخاطبهم القرآن، وكما يخاطبهم نبينا عليه الصلاة والسلام، وجميع الأنبياء السابقين قبله عليه وعليهم سلام الله وصلاته.
تفسير قوله تعالى: (قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم)
تفسير قوله تعالى: (قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم) ثم قال تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [المؤمنون:86 - 87]. سألهم مرة أخرى، فسألهم أولاً عن الأرض فاعترفوا بأن الله مالكها، وبأن الله خالقها، فقال الله لعبده ونبيه صلى الله عليه وسلم: سلهم مرة أخرى: من رب السماوات السبع؟ هذه المخلوقات العالية الشامخة لمن هي ومن خلقها؟ ومن رب العرش العظيم؟ ومن صاحبه ومن إلهه ومن خالقه؟ {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [المؤمنون:87]. فمرة أخرى اعترفوا وأقروا بأنه كما كانت الأرض ملكه، وما كانت ملكه حتى كانت خلقه، كذلك السماوات السبع وما فيهن، وكذلك أعظم خلق الله وهو العرش العظيم، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهن مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، وما الكرسي أمام العرش إلا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض). ولذلك قال الله: (العرش العظيم) أي: الكبير الذي لا تكاد العقول تصل إليه، وهو كالقبة بالنسبة للمخلوقات من كائنات الكون كله، وهو مستدير كبقية المخلوقات جميعاً، ككروية الأرض وكروية السماء، وهذا ما أجمع عليه المسلمون منذ العصور الأولى كما ذكره ابن حزم وابن تيمية والغزالي وابن القيم ونقلوا الإجماع على ذلك. فالنبي عليه الصلاة والسلام عندما ذكر العرش أشار بيده هكذا، قال الصحابة: أشار كالقبة فوق هذه الكائنات والمخلوقات، وهم يسمعون بالعرش، ومع ذلك لما سألهم نبينا صلى الله عليه وسلم كما أمره ربه: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [المؤمنون:86 - 87] فما دمتم تعترفون وتؤمنون بذلك ألا تخافون الله؟ ألا تتقونه من عذابه ومن نقمته ومن غضبه؟ ألا تصدقون نبيكم؟ ألا تصدقون كتاب ربكم؟ أتكذبون الأنبياء كما كذب من سبقكم أنبياءهم؟ أهذا منطق العقل ومنطق الفهم ومنطق الإدراك؟ هيهات، فهم كالأنعام بل هم أضل.
تفسير قوله تعالى: (قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه)
تفسير قوله تعالى: (قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه) ثم قال تعالى: {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون:88 - 89]. سلهم يا محمد مرة ثانية: من بيده ملكوت كل شيء؟ (ملكوت) أي: ملك، والتاء للمبالغة، كما يقال: بهموت وجبروت، قل من بيده التصرف في هذا الملك الأعظم؟ ومن الذي نظم هذا العالم: نظم ليله ونهاره، وصيفه وشتاءه، وربيعه وخريفه؟ ومن الذي رزق هؤلاء الخلق من إنسان ومن جن، ومن حيوان، ومن طير، ومن يمشي على أربع، أو يمشي على رجلين، أو يمشي على بطنه، ومنهم من يعيش فوق التراب، ومنهم من يعيش داخل البحار؟ فهذا التنظيم الدقيق في كل شيء من الذي صنعه؟ ومن الذي دبره؟ ومن الذي قام عليه؟ فكان A الله. قوله: (يجير) أي: يدفع ويحمي، فالذي يجير هو الله جل جلاله، فمن منعه الله من الناس فلا يخاف أحداً من الخلق، ومن حفظه الله لا يخاف مخلوقاً قط، فقد يقع من الأجواء وشاهق الجبال فتجده بقي حياً؛ لأن الله لا يزال يدافع عنه، ولم يأتِ وقت موته بعد، وقد يحصل الذي يحصل ويبقى حياً، ويبقى مرزوقاً، ويبقى قائماً، ويبقى مقتدراً بقدرة الله، وذكر التعبير هنا بما هو معروف في لغة العرب التي نزل بها القرآن. فقد كان عادة العرب أن يأتي إنسان فيدخل القبيلة الفلانية فيستجير بفلان فيكون في جواره وفي حمايته وفي وقايته وفي حفظه، فلا يجرؤ أحد أن يمسه بسوء، ولو فعل لبطش به وبكل ما يتصل به سيد القبيلة، ولا يمكن لغير سيدها أن يجير أحداً من الناس يدخل قبيلته؛ لأن ذلك فيه فضول عليه وعلى سلطانه وعلى رئاسته. فإن حماه الله احتمى، ومن لم يحم ولم يدافع عليه فهيهات أن يستطيع أحد أن يحميه دون الله، فلن يكون هذا وما كان قط. فلا يمكن أن يأتي إنسان مخلوق أياً كان إذا أراد الله عذاب شخص أو النقمة على شخص أن يأتي إنسان فيحمي ذاك من عذاب الله ويحميه من عقوبة الله، فلن يكون ذلك، ولا يفكر فيه مخلوق على الأرض لا كافر ولا مسلم، ولو فكروا فيه فليحموا أنفسهم من الموت. {وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون:88] أي: إن كنتم كما تزعمون أنكم ذوو عقول مدبرة وأفكار سديدة ورأي مقبول، فافعلوا. قوله: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون:89]. فهم يقولون: لله، مرة ثانية، أي عادوا فقالوا: صاحب الملكوت ورب الخلق والتصرف المطلق والرزق والتنظيم هو الله وحده لا أحد معه. {قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون:89]، والسحر في الأصل معناه: التخييل، أي: كيف تتخيل عليكم الحقائق فتصبح خيالات وأوهاماً؟ وكيف جئتم بالأباطيل فتوهمتم صحتها وأحقيتها وليست كذلك، فكيف خدعتم عن عقولكم؟ وكيف خدعتم عن دينكم؟
تفسير قوله تعالى: (بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون)
تفسير قوله تعالى: (بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون) قال الله: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [المؤمنون:90]. فهؤلاء هم الذين حاربهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله جل جلاله؛ لتكون الحجة البالغة لله، ولكي لا يقولون: ما أرسلت لنا رسولاً ولا بلغنا شيء، ولم نعلم هذا، وعقولنا في الأصل لم تبلغه ولم تصل إليه، فسيكذبون، بل جاءكم كتاب من السماء وحياً على نبيكم، وهو بشر منكم تعلمون حسبه ونسبه، وتعلمون بيته ونشأته، وتعلمون أبوته وتعلمون بلاده، فكيف تزعمون أنه لم يكن؟! قال الله تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ} [المؤمنون:90] أتاهم بالحق أتاهم بالقرآن الكريم وهو حق، وأتاهم بالنبي خاتم الأنبياء وهو حق صلى الله عليه وسلم، وأتاهم ببيان كتابه بالسنة المطهرة التي نطق بها صلى الله عليه وسلم، وأتاهم بالحقائق التي لا يجادل فيها إلا أرعن أحمق أخرق، أو من عطل الله حواسه فأنكر الحقائق وهو يسمع ويرى ويبصر ويعي ويدرك. {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [المؤمنون:90] اللام بعد إن المشددة يقال عنها: اللام الموطئة للقسم، ومعنى الكلام: أن الله يقسم بأنهم كاذبون في جحودهم، كاذبون في شركهم، كاذبون في عصيانهم، وكاذبون فيما ادعوه.
تفسير قوله تعالى: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله)
تفسير قوله تعالى: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله) {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون:91]. يقول تعالى بمنطق العقول لمن له عقل يسمع ويدرك ويعي: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ} [المؤمنون:91] يقول للنصارى: يا كذبة على الله، ويقول لمن قال: إن الملائكة بنات الله: يا كذبة على الله، ويقول لليهود الذين قالوا عن العزير: إنه ابن الله، ويقول للنصارى واليهود جميعاً الذين زعموا أنهم أبناء الله: يا كذبة لم يتخذ الله ولداً قط ولا يليق ذلك بألوهيته ولا بربوبيته، فهو الخالق الرازق، ولو اتخذ ولداً لكان إلهاً، ولدخل ذلك في عموم قوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء:22]. {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} [المؤمنون:91] أي: لا شريك له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فهذا جدل بمنطق العقل للكافر، والمفروض فيه أنه عاقل. إذاً لو كان هناك إله ولو كان هناك ولد لنازعه في الملك؛ لأن الولد يشارك أباه، فيكون ولي عهده، وقد ينازعه في الحياة في عرشه وسلطانه وماله، وهو شريك له في ماله وفي كل شيء، ويقول له: أنت الذي تسببت في خروجي لهذا العالم وتتركني عالة على الناس! وكذلك لو كان لله ولد سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. {إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} [المؤمنون:91] ولأصبحت المملكة والعالم كالممالك في الأرض، فهذا يملك السماء، وهذا يملك الأرض، وهذا يملك البحار، وهذا يملك الجبال، وكثير من اليونانيين القدماء الذين سموا أنفسهم فلاسفة يقولون: رب السماء، ورب الأرض، ورب النور، ورب الظلمة وهكذا، فهؤلاء المجانين وهؤلاء الكفرة المشركون لا يعقلون. {إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} [المؤمنون:91]) لأخذ كل إله من هذه الآلهة المزيفة جزءاً مما خلقه وقام عليه، ولو كان ذلك لعلى بعضهم على بعض كملوك الأرض ودول الأرض وحكام الأرض، فهذا يطمع في حدود هذا، وهذا في مخازن هذا وفي معادن هذا وفي أمواله وفي ثرواته، كما نرى الأرض كما كانت منذ آدم منذ أن تقاتل ابنا آدم، فأحدهما قتل الآخر وإلى الآن والناس تسفك دماء بعضها؛ حباً في المال والجاه والتسلط. فإذا ملك اثنان فإنه يطمع واحد منهما أن يغلب الثاني، وهذا ما يسمى في لغة الأصول والمنطق: التدافع، والتدافع ما دخل في شيء إلا وألغاه ألبتة، فقد زعم المشركون أن الدنيا فيها آلهة وأن الكون له آلهة، فإذا كان الأمر كذلك كما قال تعالى {إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون:91]، وحاول كل واحد من هذه الآلهة أن يكون أعلى وأقوى وأكثر بطشاً وأكثر أتباعاً وأكثر جاهاً وأكثر سلطاناً وأكثر تجبراً، ففي هذه الحالة إما أن يتدافعوا فلا يغلب أحدهم الآخر ولا يصل لغايته، إذاً فكلاهم عاجز، فإذا عجزوا فهم ليسوا بآلهة، وليس العجز من صفة الإله والرب، فسقطوا جميعاً، وإذا غلب أحدهم الآخر فالمغلوب ليس إلهاً، ومن هنا تجد عقول النصارى عقول سخيفة تداس بالأقدام بلا كرامة، فقد زعموا أن عيسى ابن الله، وأحياناً قالوا: هو الله، ثم زعموا أن اليهود تغلبوا عليه وصلبوه وقتلوه، إذاً يصبح اليهود أقوى من ربهم الذي زعموه رباً. وبذلك لم يكن عيسى إلهاً، ولو كان إلهاً لما تغلب عليه اليهود، وقد جاء في القرآن الكتاب المنزل خاتم الكتب والمهيمن على الحدود كلها: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ} [النساء:157] أي: كذبوا وافتروا وأفكوا، {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء:157] أي: قتلوا شبيهاً له، وهذا ما ثبت في إنجيل برنابا، وبرنابا أحد حواري عيسى، فيه أن عيسى لم يقتل، فيه: أن هذا الذي خانه، عندما دخل رفع الله عيسى إليه وشق السقف وإذا بهذا الذي تجسس عليه وباعه بثمن بخس دراهم معدودة إلى الروم من حكام القدس، وإذا بالله تعالى يلبس هذا الخائن يلبسه صورة عيسى، فقال الحاضرون لهم: هذا عيسى فأخذوه، هذا في إنجيل برنابا، أخذوه وجعلوا على كتفيه صليباً أكبر منه وأطول، وجعلوا على رأسه تاج شؤم؛ لأنهم قالوا للروم: إن عيسى يريد أن يأخذ عرشكم وملككم، ويتبعونه بالتفال وبالضرب وبالخزي وباللعنة، فكان يبكي ويقول: لست عيسى، أنا الذي بلغتكم على عيسى، فأخذ يفضح نفسه، فالمؤمنون بعيسى حقاً كانوا يهينونه ويضربونه؛ لخيانته التي اعترف بها، وأولئك كانوا يكذبونه؛ لأن الحواريين أصحاب عيسى قالوا لهم: هذا عيسى؛ لأن وجهه وصفته كانت صفة عيسى، وهو ما قاله الله جل جلاله: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ} [النساء:157]، وكان هؤلاء الذين قتلوه أو زعموا أنهم قتلوه في خلاف طويل: هل قتلناه أولم نقتله؟ وهل هو هو أوليس بهو؟ إلى قرون بعد ذلك. فراحت السلطة وكانت في يد الرومان، والروم كانوا تنصروا فأوجبوا على كل من ادعى النصرانية أن يؤمن بأن عيسى رب، وأن عيسى صلب، فطغى بذلك اليهود ولا يزالون يطغون، وأذلوا النصارى وجعلوهم تحت الأقدام، فقتلوا إلههم وتغلبوا عليه، {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء:22]. {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون:91]. في هذه الحالة لو كان هناك آلهة معه لذهب كل إله بما خلق، أي: لأخذ جزءه الذي خلقه: سماءه أرضه جبله بحره، وعندما يأخذ ذلك ويتسلط عليه لعلا بعضهم على بعض، فهذا يعلو على هذا، وهذا يقاتل هذا، وهذا النوع نفس جين اليونانيين الذين يسمونهم فلاسفة، فقد جعلوا بينهم حروباً، وجعلوا بينهم قصصاً، وجعلوا بينهم خرافات، فقالوا: الرب الأعظم، ورب الأرض، ورب النور، ورب الظلمة، وهذه خرافات ما أنزل الله بها من سلطان، وما نزلت الكتب على الأنبياء إلا لتزيفها ولتبين أنها خرافات وأوهام. {إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون:91]، فالله جل جلاله ينزه نفسه ويعظم نفسه ويعلي شأنه؛ ليعلمنا أنه أعظم وأعلى من ذلك، فليس بحاجة إلى ولد، وليس بحاجة إلى شريك، ولم يكون ذلك الشريك، وكلمنا بالعقول التي تفهم لو حدث ذلك -على أنه لم يحدث-، فالكون منذ وجد يمشي على غاية ما يكون من النظام بالثانية: الليل والنهار، الصيف والشتاء والربيع والخريف، والحياة والإنسان، ولم يوجد في يوم من الأيام أن ولد إنسان حماراً، أو حمار ولد إنساناً، وما يوم من الأيام اختلفت الفصول فكان الصيف ربيعاً، أو أصبحت مكة باردة كبرد الشام أو المغرب، لن يكون هذا في هذا النظام الدقيق الذي أقام الله عليه ملكه، وما كان متصرفاً فيه لم يزد ثانية ولم ينقص على نظامه كما خلقه الله جل جلاله، فمن دبر ذلك؟ ومن أشرف على ذلك؟ ولله ملائكة ولكنهم عبيد يفعلون ما يؤمرون لا يعصون الله ما أمرهم قط. ولذلك فهذا أعظم دليل منطقي، وعندما يقال: الكتب الدينية فإنهم يعنون كتب النصارى التي اختلفت وتغيرت وتبدلت، وأما نحن فلا نقول: القرآن كتاب ديني، وإنما هو كتاب ديني وكتاب دنيوي، وكتاب عسكري، وهو كتاب مدني، وهو كتاب قانون، وهو كتاب شريعة، وهو كتاب أدب وهو كل شيء، فماذا تقول في هذه المحاورات العقلية: أفلسفة هي، قل إن شئت: هي المنطق والعقل، وقل إن شئت هو محاورة في الأدب والبلاغة؟ ولكن ليس طقوساً كما يزعم النصارى والجهلة من أبناء المسلمين الذين تلقفهم النصارى واليهود وأفسدوا عقولهم، ودينهم، وعلومهم، وجعلوهم خلقاً لا مسلماً ولا كافراً في أكثرهم، إلا من حفظ الله.
تفسير قوله تعالى: (عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون)
تفسير قوله تعالى: (عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون) قال الله تعالى: {عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون:92]. (عالم الغيب) صفة لله جل جلاله، وقرئ (عالم الغيب) كلام مستقل، فالله يعلم ما غاب عن خلقه ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم الشهادة ويعلم حضورنا، ويعلم ما نحن عليه الآن ومن تدارس كتابه تجاه الكعبة المشرفة، ويعلم خلقه، ويعلم ما ينفعهم وما يضرهم، ويعلم ما تجري به الضمائر والنفوس، فلا تخفى عليه خافية جل وعلا وعز مقامه وعلا شأنه. {عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون:92] تعالى عن شركهم، نزه نفسه عن شركهم فلا ولد له ولا شريك له، ولا يحتاج إلى شيء من ذلك وإلا لتدهده هذا الكون وخرب وضاع ولا يبقى مستقيماً، كما نرى الدول عندما يختلف حكامها وزعماؤها تقوم الفوضى: فلا بيع ولا شراء ولا قيام ولا قعود إلى أن يغلب أحدهما الآخر، وتخرب معه البلاد والعباد، وهذا لم يحدث في الأرض؛ لأن مالك الأرض واحد، ومالك السماء واحد، وخالق الكل واحد وهو الله جل جلاله، فلا ابن له ولا ولد معه ولا شريك.
تفسير قوله تعالى: (قل رب إما تريني ما يوعدون)
تفسير قوله تعالى: (قل رب إما تريني ما يوعدون) قال تعالى: {قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون:93 - 94]. علم الله نبيه أن يدعو بذلك، قل يا محمد: رب لقد حققت وعيدك في هؤلاء الظالمين المشركين، وأنزلت بلاءك وعذابك ونقمتك وغضبك على هؤلاء، {رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون:94]، رب فلا تجعلني ضمنهم؛ فلم أظلم يوماً، فأنا عبدك الذليل بين يديك، الخانع لجلالك وقدرتك، فالكل منك وإليك يفعلون ما تشاء، ولا تسأل عما تفعل، ولكنني أرجوك. علمه الله أن يقول: {رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ} [المؤمنون:93] أي: إما أرأيتني ما وعدتهم به من عذاب، إذا أنزلت بهم عذابك ونقمتك وحضرت ذلك وشاهدته فلا تجعل ذلك العذاب مما يشملني، ولا تجعلني فيهم؛ لأن الله تعالى قال: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال:25]، فعلم نبيه أن يقول لربه: لا تجعلني يا رب إذا ما أوعدت وحققت وعيدك وعذابك ونقمتك لهؤلاء وعشت وأدركت ذلك فلا تجعلني بينهم، وقد استجاب الله له فلم تكن محنة ولا عذاب على الصحابة والمسلمين أيام الحياة النبوية، وبعد الحياة النبوية ارتد من ارتد، ومنع الزكاة من منعها، وقتل عمر، وسم أبو بكر، وقتل عثمان، وقتل علي، وتحاربوا فيما بينهم أربع سنوات متصلة أريق فيها الكثير من الدماء، وحدث ما حدث بين الكبار من القوم، وكان ذلك من الله امتحاناً وفتنة وبلاء. {وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون:95]، ولو أردنا أن نريك أن تعيش في واقع النقمة والعذاب والفتنة والبلاء فإننا على ذلك لقادرون، فيفعل الله ما يشاء، فيحسن للمسيء ويعاقب المحسن، فالله يفعل ما يشاء، والضمائر والقلوب بيد الله، فلا يشق القلوب إلا هو، ونحن نشهد للإنسان بحسب ما رأينا فنقول: فلان صالح، وأما ما في قلبه فلا يعلم هذا إلا الله. {وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون:95] يقول الله لنبيه ولعبده ورسوله صلى الله عليه وسلم: لو أردنا أن نريك ذلك وأن نعيشك في بلائهم وفي نقمتهم لفعلنا، ولكن الله لم يفعل؛ تكرمةً لنبيه صلى الله عليه وسلم، وتكريماً لأمة نبيه. والله تعالى منذ أرسل محمداً في الأقوام جميعاً -صلى الله عليه وسلم- حفظهم وصانهم من أن يبتليهم بما ابتلى به الأمم السابقة: من مسخ، وخسف، وصيحة، وبلاء مما كان يبتلى به الأولون، ومن غرق شامل كما كان أيام نوح، فالصيحة تأخذ الحي والميت والكبير والصغير والصالح والطالح، من قذف بحجارة من فوق كما حدث لقوم لوط، ومن قتل بعضهم لبعض؛ ليتوب الله عليهم كما فعل مع بني إسرائيل عندما أشركوا وعبدوا العجل في قصة السامري التي قصها الله علينا، وأما الأمة المحمدية فهي محفوظة من ذلك وإن كان ليست محفوظة من مسخ العقول، فقد مسخت عقول كثير ممن نعايشهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم مخبراً عن قوم: (ألسنتهم ألسنة العرب وقلوبهم قلوب الأعاجم) أي: ليس فيه من الإسلام إلا اللسان، وأما عقولهم فكعقول الكفار، وتفكيرهم كتفكير الكافرين، وما أصدق هذا الحديث على عصرنا! فترى الرجل الحافظ العالم المتكلم الفصيح البليغ فإذا به يفاجئك بأنه من اتباع ماركس اليهودي، ومن اتباع الشياطين، وقد ترك المذاهب والإسلام كله إلا المذاهب الضالة الباطلة الوافدة من خارج حدود ديار الإسلام. ويأخذ أحياناً يجادل ويحاور وهو يظن نفسه أنه على شيء، فيقول لك: بلى ما قال هذا صحيح، فالدنيا كانت في الأصل خلية واحدة ثم توالدت، ألا ترى الماء يكون راكداً وإذا بنا نجد فيه الديدان، فنقول لهذا: فالخلية الأولى التي تزعم من الذي أوجدها؟ وعندما يقف معناه أنه قد اعترف بعجزه وكفره وشركه، ونحن نقول: الخلية الأولى هي آدم، ولكن من الذي خلقه؟ وهل وجد هكذا سبهللا عبثاً؟ أليس الله هو الذي خلقه؟ أليس الله هو الذي نفخ فيه من روحه؟ والحشرة التي لا تكاد ترى إلا بالمجهر مكبرة على آلاف المرة تجدها في هذا الصغر فهي لا ترى بالعين المجردة، ومع ذلك لها قلب، ولها مصارين، ولها لسان، ولها سمع، ولها كل حركة!
المؤمنون [96 - 98]
تفسير سورة المؤمنون [96 - 98] لقد أرشد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقابل السيئة بالحسنة، وأن يدفعها بها، وهذا كان في أول الإسلام في العهد المكي، وهذه إذا كانت صادرة من الكفار، ففي ذلك العهد لم يأمر الشرع بمواجهتهم ومقاتلتهم. وأرشده أيضاً -وهو إرشاد للأمة- إلى الاستعاذة بالله تعالى والتحصن به من كيد الشيطان وحضوره، ومن وسوسته وشروره، فلا يجير من ذلك إلا الله تعالى.
تفسير قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة)
تفسير قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة) قال الله جلت قدرته: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون:96 - 98]. يقول الله جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} [المؤمنون:96] أي: قاوم السيئة وادفعها وردها على صاحبها بما هو أحسن نبلاً وأحسن فضلاً وأحسن مقابلة ومعاملة. ويحتمل أن يكون معنى هذه الآية: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} [المؤمنون:96] أي: سيئة الكافرين، وسيئة العصاة المؤمنين، والبدو الجفاة من الأعراب، لكن قول الله تعالى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون:96] دل على أن هذا الدفع هو دفع سيئة الكافرين؛ إذ لا يقول كلمة كفر أو كلمة شرك أو كلمة فيها قلة أدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من كان كافراً غير مسلم. أي: لا تقاوم هؤلاء الكافرين ولا تحاربهم ولا تشهر السيف في وجوههم، بل ادفع سيئتهم بالحسنة وبالكلمة الطيبة وبالصبر إلى حين. {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون:96]. أي: نحن أعلم بحال هؤلاء الكافرين وما يقولونه من تكذيب لك، وتكذيب لكتاب ربك، وشرك بإلههم، فالآية على ذلك كانت قبل آية السيف، وهكذا الأمر فالسورة مكية، ومكة لم يكن القتال فيها قد شرع بعد، فكان صلى الله عليه وسلم يمر على أصحابه وهم يعذبون وينكل بهم فلا يزيدهم على قوله: صبراً صبراً، فمر على ياسر وولده عمار وزوجته سمية وهم يعذبون العذاب الشديد فما زاد على قوله لهم: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة). وهكذا استشهدت سمية وهي تصر على كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، ولكن هذا كان في مكة فقط، وبعد أن رحل وهاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة نسخ كل ذلك، وشرع الجهاد والحرب والقتال، وقد صبر المسلمون على أعداء الله اثنتي عشرة سنة وهم يكذبون وهم يقاومون، فاضطر النبي صلى الله عليه وسلم لترك مكة المكرمة مسقط رأسه وكذلك أصحابه المهاجرون، وهي أحب ما تكون إليه وأعز ما تكون إليه، وكان يدعو قبل الهجرة فيقول: (رب كما أخرجتني من أحب البلاد إلي فأسكني أحب الديار إليك). فكانت المدينة هي المنتخبة، وهي المرادة، وهي التي اختارها الله جل جلاله لنبيه وعبده وحبيبه ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى ذلك نتلو هذه الآية ونحن نعتبرها قد نسخت بالقتال والجهاد والمقاومة، وقد كانت أول آية نزلت في شرع القتال هي قوله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج:39]، وببقية الآية الواردة في الحرب والقتال: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة:191]، وكقوله: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:36]. وقد شرع الحرب والقتال لقتال الوثنيين، وقتال الكتابيين، وحرب البغاة العصاة من المسلمين، وهذه الآية تشبه الآية الأخرى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت:34 - 35]، وهذه الآية تبقى مثالاً أبداً للنبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك كان من فضائل الأخلاق الإسلامية: الصبر، الذي طالما دعا الله إليه بالعشرات من الآيات وفي سورة خاصة، ولكن للصبر حدوداً فإذا تجاوزت المعقول إلى الظلم بسفك الدم، وهتك العرض، وأكل أموال الناس بالباطل، والرغبة في الاستيلاء على الأوطان وديار الإسلام فهنا يجب القتال ويجب الدفاع ويجب الحرب على كل قادر لحمل السلاح من رجل وامرأة وولد بلغ سن التمييز أو كان يافعاً، وكان صلى الله عليه وسلم يقبل الشباب للقتال وحمل السلاح عندما يبلغون أربع عشرة سنة. ثم قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} [المؤمنون:97] أي: في صبرك على هؤلاء، وفي دعوتك لربك، وفي تبليغك لرسالته تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقل يا محمد: أعوذ بك يا رب من همزات الشياطين، والقول له وهو لكل مسلم من أتباعه إلى يوم القيامة، فقل أيها المسلم! {أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} [المؤمنون:97] أي: أتعوذ وأتحصن بك، وأجعلك يا رب مرجعي ومآلي ومعاذي وحصني من همزات الشياطين. والهمزات: جمع همز، والهمز الدفع، والهمز الوسواس، والهمز الإفساد، والهمز ما يخطر ببال الإنسان من وساوس الشيطان، والتخلي عن العبادة، أو الإفساد بين المؤمنين، أو نشر ما لا يليق بخلق المسلم. وفي أول التفسير ذكرنا أنه يشرع أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: من همزه، ونفثه، ووسواسه، وقد قاله صلى الله عليه وسلم. واشتكى خالد بن الوليد رضي الله عنه لنبي الله عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله يصيبني الأرق عند النوم فلا أنام، فقال له عليه الصلاة والسلام قل عند النوم: (باسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون). فالشيطان يحرص على أن يشغل المؤمن عند النوم، وأن يؤرقه، وأن يخطر بباله أنواع الهواجس والوساوس والهمزات؛ لكي يسهر أكثر مدة ممكنة فينام عن صلاة الفجر، فلا يستيقظ إلا وحر الشمس قد مس ظهره وبدنه، فتفوت عليه صلاة الفجر في وقتها، هذه الصلاة التي تشهدها الملائكة، فالملائكة ينزلون متعاقبين عند بداية النهار وعند نهايته، فيشهدون عند ربهم: رب إننا نزلنا فوجدنا فلاناً يقرأ القرآن، وتركناه وهو يقرأ القرآن، فتكون شهادة الملائكة لها من الخير ولها من البر ولها من الأجر والثواب ما لها، وذاك معنى قوله تعالى: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78]. ومن هنا يبقى التعوذ بالله من الشيطان علاجاً نفسانياً وعلاجاً طبياً روحانياً من سيد البشر صلى الله عليه وسلم لكل من أرقه، ولكل من أصيب بما يخاف منه من الوساوس والهمزات وحضور الشيطان؛ لأن الشيطان إذا حضر فلا يحضر معه إلا الفساد والخصام والتخلف عن الطاعات. وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه يعلم أطفاله ويعلم تابعيه قراءة وتلاوة هذا الدعاء والتعوذ الكريم الذي دل عليه صلى الله عليه وسلم، وخالد بن الوليد عندما كان يصاب بالأرق كان يقول: (باسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة)، فكانوا يقرءونها صباحاً عند الصباح ومساء عند النوم وهم على الفراش. {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون:97 - 98] أي: أتعوذ بك يا رب، وأتحصن بجلالك، واستغيث بقوتك أن تدفع عني الشياطين صدوراً لأشخاصهم، وحضوراً لوساوسهم؛ لكي أتفرغ لعبادتك، وأتفرغ للدعوة لك، مبتعداً عنهم ومبتعداً عن حضورهم ووساوسهم، وإذا كان هذا لرسول الله المعصوم صلى الله عليه وسلم فكيف بنا نحن الذي يقول عنا صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم). ومن هنا أذن لنا وشرع لنا إذا قرأنا القرآن أن نتعوذ بالله؛ لكي نكون مع التلاوة حاضري الوعي والفهم والإدراك؛ لنفهم عن ربنا ما أمرنا بفعله وما نهانا عنه، ولنفهم عن ربنا ما يجب علينا أن نتحلى به من أخلاق فاضلة، ومن محاسن لا يليق سواها بالمسلم، {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون:98].
المؤمنون [99 - 118]
تفسير سورة المؤمنون [99 - 118] في هذه الآيات يذكر الله حال الكفار والمشركين إذا حضرهم الموت، فيطلبون من ربهم الرجوع إلى الدنيا كي يعملوا صالحاً، وهيهات فقد عاشوا وعمروا السنين التي يتذكر فيها المتذكر، ومع ذلك لم يعملوا خيراً، وذكر حالهم في النار وهم يصطرخون فيها ويطلبون الغوث والخروج منها، فيقال لهم: اخسئوا فيها ولا تكلمون.
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون)
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون) قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون:99 - 100]. الكلام لا يزال نسقاً في آيات متتابعات عن الكافرين وشركهم، والمشركين وعنادهم، والمتمردين على الله ورسله فيما يصرون عليه من معصية وخلاف وكفر وشرك، فهؤلاء يبقون كذلك حتى إذا حضر أحدهم الموت واحتضروا وحضرتهم ملائكة الموت: عزرائيل وأعوانه، وجاءوا ليأخذوا منهم الروح لينتزعوها من أعضائهم في هذه الحالة يرون مقامهم في الآخرة إن خيراً وإن شراً، فيرى ملائكة الرحمة إن كان مؤمناً وقد جاءوا إليه بكل لطف وبكل لين، فيقولون للروح: اذهبي عند ربك، وارتفعي للملأ الأعلى، بكل لطف وبكل لين وبكل عطف. وأما الروح الكافرة فينتزعونها انتزاعاً، ويذهبون بها إلى الجحيم، ويذهبون بها إلى أمثالها من الكفرة والعصاة والمتمردين، ولذلك عندما يصبح الإيمان شهوداً ولا يبقى غيباً لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، وهذا كان إيمان فرعون فعندما حضره الموت قال: آمنت بإله موسى وهارون، ولم يكن ذلك ينفعه، فقرعه الله وأذله فقال: (الآن) فلم تذكر الإيمان ولم تذكر الطاعة إلا وقد رأيت مقامك ورأيت عذابك ورأيت ملائكة النار وملائكة الجحيم، فالله حافظ على جسده؛ ليبقى آية لمن خلفه ممن كان يعتقد ألوهيته كي يرأوا جسده، وقد كانوا يظنون أنه لم يمت ولا يليق به أن يموت، وهو لا يزال إلى اليوم في الموميات محفوظ فيما تبقى من الفراعنة، وإن كانت الجثة بعينها ضائعة بين أمثالها فلا يدرى أيهم فرعون موسى؟ {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون:99 - 100]. عندما يرى تلك الحالة تجده يستغيث حيث لا يغاث، وتجده يجأر حيث لا يجيبه ولا يهتم به، وينادي ربه، ولم يذكر ربه إلا بعد أن انتهت الأيام وانتهت الأعمار وصنع ما صنع من كفر وخلاف وتمرد على نبي الله، فيأخذ بالاستغاثة ويأخذ بالجئير والصيحة: أن يرجع ولا يموت؛ وهو يظن أنه إذا أعيد سيعمل صالحاً فيما ترك، وسيؤمن بالله، وسيقول: لا إله إلا الله، وسيتدارك ما ترك وهو حي وهو قوي وهو مقتدر، فأراد عند سكرات الموت أن يوقف عنه الموت وأن تعود إليه الحياة؛ ليطيع ويفعل ما كان قد تركه من توحيد ومن شهادة ومن طاعة ومن عبادة، فيجاب إما أن الملائكة تقول له ذلك أو أن الله نفسه جل جلاله: كلا وهيهات، فالوقت سيف إن لم تقطعه قطعك. فقد أضعت شبابك، وأضعت حياتك، وأضعت الفرصة التي عشت فيها وقد كانت دهراً يشتمل على السنين وعلى الليالي والأيام، وكتاب الله يدعوك صباحاً ومساء، ونبيك يدعوك عليه الصلاة والسلام صباحاً ومساء، وأنت تأبى إلا الكفر والشرك والمخالفة، وتظن أنك ما خلقت إلا عبثاً وما خلقت إلا سدىً، وهيهات هيهات طالما أنذرك ربك وأنذرك نبيك بهذه الحالة وأنت صاد عن السمع وعن الطاعة وعن فعل الصالحات. {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون:100]، والكلمة التي يقولها المحتضر الذي جاءه الموت هي: {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون:99 - 100]. كلمة يقولها لا اهتمام بها، ولا يجاب لتحقيقها؛ لأن الوقت فات، وتبقى حجة الله البالغة، وهو قد عصى وهو قد تمرد وهو قد خالف وهو قد أبى إلا الشرك وإلا العصيان وإلا الكفران، فلا ينفعه وقد أصبح ما كان يجب أن يكون إيماناً بالغيب أصبح إيماناً بحضور، وقد رأى ملائكة الموت ورأى حاله من سعادة وشقاوة، {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون:100]، لا جواب عليها ولا اهتمام بها ولا يلتفت لها. {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون:100] يكون هذا عند الموت وعند الاحتضار، فوراءه بعد ذلك وأمامه وبين يديه زمان طويل وهو البرزخ، {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ} [المؤمنون:100] والبرزخ هو الحاجز ما بين الموت وبين البعث والنفخ في الصور، فنرجو الله أن يكون مآلنا إلى الجنة فضلاً منه وكرماً جل جلاله وعلا مقامه. {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون:100]، ومن أمامهم ومن خلفهم ومن بين أيديهم، وقد أنذروا قديماً بالموت، وأنذروا بالحساب، وأنذروا بالبعث والنشور، وأنذروا بالبرزخ والحاجز الذي سيكون بين الموت والقبر وبين القيام إلى رب العالمين، يوم النفخة الثانية يوم البعث والنشور. سيبقى هذا الحاجز وهذا البرزخ إلى يوم البعث، وهم مع ذلك تعذب أرواحهم، وينتقم منها ويعيشون في ألم نفساني، حيث يرى عن يمينه مكانه من الجنة فيما لو مات على خير، ويرى مكانه من النار عن يساره وقد حل فيه، فيزيده رؤية مكانه من الجنة حسرة على حسرة، وألم على ألم، وندم على ندم، ويرى مكانه من النار وهو حال بعذابها، وهذا هو البرزخ إلى يوم القيامة، فيجمع مع الأرواح الأشباح، ويكون العذاب جسدياً وروحانياً ونفسياً.
تفسير قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم)
تفسير قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم) قال تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون:101]. يبقى هذا الحاجز وهو في قبره وهو لا يزال في الدنيا ميتاً إلى يوم النفخ في الصور النفخة الثانية كما قال ابن عباس، وكما قال مجاهد، وكما قال مفسرون هذه الفقرة الكريمة من هذه الآية؛ لأن النفخة الأولى تكون للموت، فلا يبقى على الأرض نفس ولا روح متحركة، ويبقى الله جل جلاله كما كان، وهو يقول: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر:16]؟ فلا مجيب، فيجيب نفسه: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر:16]، وهذا يوم يفنى فيه كل ما عليها، ويوم تصبح السماء عهناً منفوشاً، ويوم تهدّ الجبال، وتغور المياه، وتتساقط السموات، ويوم لا يبقى إلا الله جل جلاله. والصور هو بوق الله أعلم بكبره وعظمته، والملك المكلف به حانٍ رأسه ينظر الأمر والإشارة لينفخ النفخة الأولى عند الموت، ثم يبقى كذلك بعد أن يفنى معها، ثم يبعث فينفخ النفخة الثانية، وهي المقصودة في هذه الآية، فيبقى الحاجز بين الموت وبين البعثة الثانية زمناً الله أعلم بقدره وأعلم بمدته، فإذا نفخ في الصور قاموا في هذه الحالة وكل يقول: نفسي نفسي، {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:34 - 37]، {وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا} [المعارج:10]، فلا يبحث أب عن ولد، ولا ولد عن أب ولا زوج عن زوجة ولا زوجة عن زوج، وإنما كل يقول: نفسي نفسي، ويقول ذلك حتى الأنبياء عندما تذهب الخلائق إليهم مستشفعين من آدم إلى خاتم أنبياء بني إسرائيل وكل يقول: نفسي نفسي، ثم يأتون إلى نبينا صلى الله عليه وسلم فيقوم ويسجد تحت ساق العرش ويقول: رب أمتي أمتي، فيكون له نصيب عظيم، والشفاعة العظمى ينفرد بها بين كل الخلائق. وهو -كما سماه الله تعالى-: موقف عظيم، يوم يقال للرجل: قم خذ حقك من ولدك، وخذ حقك من أخيك، وخذ حقك من حميمك وصديقك، فتجده يبادر ولا يتنازل ولا يتسامح، وكل ما يهمه أن ينجو هو من عذاب الله ومن ناره، وبعد أن يدخل المؤمنون الجنة وتطمئن نفوسهم عند ذلك يتساءلون: من أنت؟ من أنت؟ فيتعارف الآباء والأولاد والأقارب في الآخرة كما كانوا متعارفين في الدنيا، وقد يمرون على من كان يضلهم وهو في جهنم فيقولون له: كنا نظنك ونظنك، مما قص الله علينا في أكثر السور وأكثر الآيات. فالله ينذرنا ويحذرنا غضبه ويحذرنا عقوبته ما دمنا أحياء نملك أمر أنفسنا للتوبة والعودة. {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون:101] فلا ينفع نسب ولا سبب، ولا يسأل أحد عن أحد، فالكل يقول: نفسي نفسي، وهنا يقول ابن كثير في تفسيره وفي كتبه: إلا من مات على التوحيد وهو من السلالة النبوية، فقد ورد في الصحيح وورد في مسند أحمد عن جماعة من الأصحاب: عن المسور بن مخرمة، وعن أبي سعيد الخدري، وعن عمر بن الخطاب، وعن أبي هريرة رضي الله عنهم جميعاً يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل نسب وحسب ينقطعان يوم القيامة إلا نسبي وسببي)، وعمر خطب من علي ابنته أم كلثوم، فهنأه من هنأه بما تعاهدوا وتعارفوا عليه، وإذا به بعد أن تزف إليه يقول: ما هنأتموني، فيقولون: قد قلنا لك: بارك الله لها فيك وبارك لك فيها، فقال: والله ما بي إلا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل نسب وسبب ينقطعان يوم القيامة إلا نسبي وسببي)، فأرادت أن يرتبط نسبي وسببي بالنبي الله صلى الله عليه وسلم، والحديث أصله في البخاري، ورواه بأطول من ذلك أحمد في المسند، والبزار في المسند وأصحاب السنن. وقد فسر البعض السبب والنسب هنا أنه سبب الإسلام ونسب الإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم زوجاته أمهات المؤمنين، وفي قراءة: (وهو أبوهم)، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا لكم والا)، وقال لـ أنس وناداه: (يا ولدي) وقد كانت أحب إلى أنس من حمر النعم.
تفسير قوله تعالى: (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه)
تفسير قوله تعالى: (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه) قال تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المؤمنون:102]. ففي يوم القيامة ويوم البعث والوقوف أما الله للعرض والحساب، {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [المؤمنون:102] جمع ميزان، فللحسنات ميزان، وللسيئات ميزان، {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [المؤمنون:102] أي: ثقلت بالحسنات وخفت كفة السيئات، {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المؤمنون:102] أي: الذين فازوا وأفلحوا وسعدوا برضا ورحمة الله ودخول الجنان. {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون:103]، وأما أولئك الذين طاشت كفة الحسنات وثقلت كفة السيئات فأولئك هم الذين خسروا دنياهم وخسروا أخراهم، فكان خلودهم في جهنم، فهؤلاء الذين خسروا دنياهم حيث لم يستفيدوا منها، ولم يؤمنوا بربهم، ولم يؤمنوا بنبيهم، ولم يفعلوا الحسنات ويعبدوا الله.
تفسير قوله تعالى: (تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون)
تفسير قوله تعالى: (تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون) وهم في النار {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون:104]. (تلفح) أي: تصيب وتضرب وتحرق وتشوه، {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون:104] أي: عابسون مشوهو الخلقة، وقد وصفوا كما في آثار للصحابة وآثار نبوية وردت: أن الواحد منهم وهو وفي النار تتقلص شفته العليا إلى أن تكاد تغطي وجهه إلى رأسه، وشفته السفلى تتدلى إلى أن تصل إلى سرته، وتبرز أسنانه وأنيابه ويصبح في صورة مشوهه؛ بسبب غضب الله، وما صنعوه في دنياهم من شرك وكفر، فهم الآن يجازون عليه. {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون:104] أي: مقلصو الشفتين ومشوهو الخلقة، نعوذ بالله من حالهم، ونرجو الله تعالى رحمته ورضاه، وأن يعيذنا من ذلك كله، وأن يحيينا على الإسلام، وأن يميتنا على الإسلام رحمة منه وفضلاً وكرماً. وهم على هذه الحالة في جهنم كالحون، يقول الله جل جلاله لهم: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون:105]، فلا تلوموا إلا أنفسكم، فقد أحييتكم دهراً، وأعطيتكم وعياً، وأعطيتكم بصراً، وأعطيتكم سمعاً، وأعطيتكم قلباً لتفقهوا به ومع ذلك لم تستفيدوا من كل ذلك، فما زدتم إلا إصراراً على الشرك والكفر، والآن وجدتم نتيجة عملكم وكفركم، فلا تلوموا إلا أنفسكم. {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي} [المؤمنون:105] وهذا استفهام تقريعي توبيخي، أي: يا هؤلاء! وهم يوبخون: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي} [المؤمنون:105] كتابي وقدرتي، ومعجزات أنبيائي ترونها بالأبصار، وتسمعونها بالآذان، وتعون الحكمة منها، وتدركونها بقلوبكم، {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المؤمنون:105] تسمعونها بوعي وبفهم، ولكنكم عن كل ذلك معرضون، {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون:105]، فكذبتم بربكم وكتابه، وأشركتم به، وكذبتم بنبيكم ولم تؤمنوا به، وأنكرتم معجزاته، وأنكرتم ما جاءكم به عن الله.
تفسير قوله تعالى: (قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين)
تفسير قوله تعالى: (قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين) {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ} [المؤمنون:106]. فأخذوا يعترفون ولكن هيهات، فهذا الاعتراف لم يفدهم وهم في سكرات الموت وهم يحتضرون، وما كان ليفيدهم وما كان لينجيهم وهم الآن في قعر جهنم، فعندما قيل لهم ذلك وكوشفوا به طمعوا: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ} [المؤمنون:106]، فقد غلب عليهم شقاؤهم وبؤسهم وجحودهم، وشدة كفرهم وتكذيبهم، أي: كانوا أشقياء غير سعداء، {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ} [المؤمنون:106] أي: ضلوا الطريق وابتعدوا عن الهدى، وابتعدوا عن سبيل المؤمنين، وابتعدوا عن الطريق الحق: كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وسبيل المسلمين، ومن يتولى غير سبيل المؤمنين نوله ما تولاه ونصله جهنم.
تفسير قوله تعالى: (ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون)
تفسير قوله تعالى: (ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون) وهكذا كان حالهم عندما أصبحوا في جهنم، ثم عادوا فقالوا -وقد طمعوا وقد سكت عنهم في الجواب-: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون:107] أي: أخذوا يدعون ربهم وأخذوا يضيفونه لأنفسهم؛ طمعاً بأن يعودوا للحياة. أخذوا يطلبون وأخذوا يطمعون بأن يخرجوا من النار ويعودوا للدنيا وللحياة، وأنهم إن أعيدوا للحياة وأخرجوا من النار فإنهم سيعملون صالحاً، ولا يظلمون بشرك ولا غيره! وحيث قد اعترفتم بأنكم ضالون وبأنكم ظالمون فما عسى أن يفيدكم ذلك من بعد؟ وإذا بالله الكريم يأمر ملائكته أن يجيبوهم أو يجيبهم بنفسه جل جلاله والآية تدل على كلا المعنيين، قال تعالى: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108] أي: ابتعدوا، واخسأ كلمة زجر وردع في لغة العرب، فتردع وتزجر بها الكلاب، فقيل لهم: ابتعدوا واخسئوا واسكتوا فلا مجال للقول الآن منكم، فلا طمع ولا حياة أخرى بعد الحياة الفانية: الحياة الدنيا. فقد جاءكم الأنبياء، ونزلت عليكم كتب الله، وأعطيتم الحياة للتفكير وللعمل وللعبادة فلم تفعلوا، فحري بكم إن عدتم إلى الدنيا ألا تفعلوها أيضاً، وهم قالوا ذلك متشككين، فقالوا مع كل ذلك: لعل، وقالوا كلمات تشتمل التنفيذ وعدم التنفيذ، والله قد كذبهم وأبعدهم، {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108]، قال مفسرو الآية: كان بين قولهم وبين قوله: اخسئوا أربعون عاماً، هذا وردت فيه آثار عن بعض الصحابة والتابعين، وهي تحتمل الصدق، ولم يرد فيها حديث. فلما قيل لهم: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108] سكتوا البتة وما عادوا يطلبون، ويئسوا وخابوا، وأصبح كلامهم نباحاً لا يخرج منهم إلا كما يخرج النباح من الكلاب، حيث خاطبهم الله جل جلاله بما يردع به الكلاب ويزجر به الكلاب، {جَزَاءً وِفَاقًا} [النبأ:26]، فقد جاءتهم فرصة الحياة، وأرسلت إليهم الرسل، وأنزلت إليهم الكتب، وبين لهم، وأعطوا من النطق ومن السمع ومن البصر ومن القلب ما يمكن أن يفهموا وأن يعوا به، فأعرضوا عن كل ذلك، واستهزءوا بالصالحين، وكفروا برب العالمين، وكذبوا نبي الله ورسول رب العالمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الجمهور من مفسري الآية: يا أيها الذين آمنوا! يا أيها الناس! وأنتم لا تزالون في الحياة افعلوا ما تمناه الكفار وهم في النار، فما دمتم أحياء فاعبدوا ربكم، وأطيعوا نبيكم، وافعلوا الخير لعلكم ترحمون، ولا تكونوا حتى إذا خرجتم من الدنيا وأنتم مقصرون في العبادة والطاعة فتطلبون وتدعون ما دعا به الكفار ورجوه، ولات حين مندم، ولا سبيل إلى الحياة بعد ذلك في دار الدنيا، والوقت شيء قد قطعهم وكان يمكنهم أن يقطعوه، فلم يفعلوا وهم يملكون حياتهم، ولا يزالون في دنياهم وهم يقدرون على ذلك ولم يفعلوا.
تفسير قوله تعالى: (إنه كان فريق من عبادي يقولون)
تفسير قوله تعالى: (إنه كان فريق من عبادي يقولون) ثم أخذ الله تعالى يقرعهم ويوبخهم؛ لتزداد حسرتهم، وليزداد تذكرهم لذنوبهم وجرائمهم، وليوقنوا أن لله الحجة البالغة، قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} [المؤمنون:109 - 110]. قال تعالى: يا هؤلاء! أنتم ترجون العودة إلى الدنيا وقد كنتم فيها وما صنعتم شيئاً، وقد كنتم ترون فريقاً من عبادي المؤمنين في الدنيا وهم معترفون بأن الله ربهم، وبأن الله خالقهم، وبأنه الواحد الذي لا ثاني له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا} [المؤمنون:109] آمنا بك إلهاً واحداً، وآمنا بمحمد عبداً ونبياً ورسولاً لك، أرسلته لهداية البشر، وأرسلته لإخراجهم من الظلمات إلى النور. فهم يقولون: عافنا واغفر لنا ذنوبنا ما كان قبل الإسلام وما تخلل الإسلام من مخالفات ومن سوء، استغفرناك وطلبنا رحمتك وطلبنا مغفرتك، أي: أنهم كانوا أذلة لله خاضعين لجلاله وسلطانه، ويعلمون أنه إذا لم يغفر لهم هو فلن يغفر لهم أحد، وإذا لم يوفقهم هو فلن يوفقهم أحد، فهو الرازق وهو المحيي وهو المميت. {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي} [المؤمنون:109] أي: طائفة من عبادي وجماعة مؤمنة، {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} [المؤمنون:109] أي: ارحمنا بمغفرة الذنوب، وارحمنا بالإنقاذ من النار، وارحمنا بدخول الجنان، {وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون:109] أي: أنت خير من يرحم، وأنت خير من يكرم، وأنت خير من ينقذ، وأنت خير من يجيب الداعي إذا دعاه.
تفسير قوله تعالى: (فاتخذتموهم سخريا)
تفسير قوله تعالى: (فاتخذتموهم سخرياً) فهؤلاء -وهذا مقامهم- كنتم في الحياة الدنيا تتخذونهم سخرياً وتهزئون بهم، وتضحكون عليهم، {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} [المؤمنون:110]، قرئ سُخرياً وسِخرياً بضم السين وكسرها والمعنى واحد، أي: اتخذتموهم مساخر، وأخذتم تتضاحكون وتهزءون بهم وهم عباد الله الصالحون، وسيضحكون منكم يوماً وتندمون حين لا ندم. {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} [المؤمنون:110] أي: اشتغلتم بهم ليلاً ونهاراً، فتارة تقولون عنهم: رجعيون، وتارة تقول عنهم: متأخريون، وتارة تقول عنهم: خرافيون، فإذا مروا أمامكم تغامزتم عليهم وتضاحكتم بهم، وظننتم أنفسكم شيئاً وأنتم لستم بشيء، ومع كل هذا كانوا يدعونكم لربكم ويعظونكم ويرشدونكم وتأبون إلا الإصرار على الشرك والكفر والعصيان. {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} [المؤمنون:110] أي: اشتغلتم بذلك ليلكم ونهاركم حتى نسيتم ذكري وتوحيدي وعبادتي، وحتى نسيتم أن تذكروا أن هناك رباً خالقاً هو جل جلاله أحكم الحاكمين يوم لا حاكم إلا هو، فينتقم منكم لهم، ويحكم لهم عليكم، وتجازون الجزاء الأوفى خالدين في النار أبد الآبدين ودهر الداهرين. {وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} [المؤمنون:110]، فأخذتم تتضاحكون وتتغامزون منهم، وانظروا الآن العاقبة ومن هو الأجدر بأن يضحك عليه، ومن هو الأجدر بأن يسخر منه!!
تفسير قوله تعالى: (إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون)
تفسير قوله تعالى: (إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون) قال تعالى: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} [المؤمنون:111]. فهؤلاء هم الذين صمدوا على دين ربهم، والذين رسخوا في عبادة إلههم، والذين ثبتوا على الإيمان بنبيهم، فصلوا وصاموا، وزكوا وحجوا، وسامحوا وغفروا، وصبروا عن حقوقهم، وحرصوا على إيمانهم. فهؤلاء الذين صبروا في الحياة الدنيا على استهزائكم بهم وتضاحككم عليهم أنا اليوم أجازيهم وأكافئهم وأحسن إليهم، فأغفر ذنوبهم، وأرحم ضعفهم، وأنقذهم مما أنتم فيه، وأدخلهم الجنان خالدين مخلدين. {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا} [المؤمنون:111] أي: بسبب صبرهم على أذاكم وعلى كفركم بأنهم هم الفائزون، فقد فازوا برحمة الله، وفازوا برضا الله، وفازوا بالجنان، وفازوا بأن قبل الله منهم في الدنيا عبادتهم وطاعتهم وصبرهم لأجله، فلم يهتموا بكم، ولم يلتفوا إليكم، فكانوا الفائزين وكانوا الناجحين، وكنتم أنتم الخاسرين، وكانوا المرحومين، وكنتم الملعونين.
تفسير قوله تعالى: (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين)
تفسير قوله تعالى: (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين) {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} [المؤمنون:112]. أي: قالت لهم ملائكة الله بأمر الله: أنتم الذين ظننتم يوماً أنكم في الدنيا خالدون، وأنكم بالملك فائزون، وأنكم بالتسلط على الأرض انفردتم بذلك، فلا مسكيناً ولا مؤمناً ولا صالح يستحق منكم كلمة إعجاب أو ثناء، فطالما تجبرتم وطغيتم فيها وطالما ظلمتم وآذيتم المؤمنين، كم تظنون هذه الدنيا التي مضت في طغيانكم وتجبركم كم تظنون عددها؟ كم عشتم؟ {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} [المؤمنون:112]؟ أي: كم لبثتم وكم أقمتم في الدنيا عدد سنين؟ وإذا بهم يتركون السنة ويتركون العام بل ويتركون حتى الشهر، {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ} [المؤمنون:113]، فمنهم من عاش التسعين والثمانين والأقل والأكثر فانقضت وذهبت مع أمس الذاهب وكأنها لم تكن. فما قدروها إلا بيوم أو بعض يوم، ثم عادوا فتشككوا وقالوا للملائكة: {فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ} [المؤمنون:113]، ويعد ذلك من الملائكة المكلفين: ملك عن اليمين وملك عن الشمال، وهما اللذين يكتبان أعمال الخير وأعمال الشر، فيسألان كم مدة عشنا؟ وكم عام بقينا؟ وكم سنة ارتحنا فيها؟ ومعنى ذلك: أن تلك السنين لا تكاد تذكر بالنسبة لدوام الآخرة وخلودها، لكنكم مع ذلك عشتم أعواماً وعشرات السنين وفي كل تلك السنين لم تقولوا يوماً ولم تفكروا يوماً أن تقولوا: ربنا اغفر لنا يوم الدين، فعشتم كافرين ومتم كافرين. {فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ} [المؤمنون:113] أي: فاسأل الحاسبين واسأل المكلفين بنا فهم أدرى بنا وأعلم، فهم كانوا يعدون ونحن لم نكن نفعل ذلك، فيتكلمون عن ذهول ويتكلمون عن ضياع، {فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ} [المؤمنون:113].
تفسير قوله تعالى: (قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون)
تفسير قوله تعالى: (قال إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون) {قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون:114]. (قال إن لبثتم) أي: ما لبثتم إلا قليلاً، وهذا كما فهموا ولم يكن ذلك يوماً أو بعض يوم، ولكنه بانقضائه وبذهابه صار كأنه ساعة وكأن الإنسان يحلم وتظهر له الخيالات حتى إذا صحا وجد نفسه في المنام قد كبر وشاخ وتزوج وولد له وغير ذلك، وهو لم ينم إلا دقائق، فكان كل هذا المنظر الطويل في دقائق وهكذا الحياة، ولكن من جعلها للخير ربحها وكان الفائز، ومن خسرها كان الخائب وكان الضائع وكان المنبوذ والمطروح في جهنم. {قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون:114] أي: لو كنتم في دنياكم تعلمون ذلك وتعملون من أجله لما وقعتم فيما وقعتم فيه الآن من نار وعذاب ولعنة وغضب.
تفسير قوله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)
تفسير قوله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون) {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون:115]. أي: يا هؤلاء! أكنتم تظنون وأنتم قد خلقناكم ورزقناكم وأكرمناكم بالبصر وبالحواس وبالقدرة وبالشم وباللمس، ورزقناكم من أنواع الطيبات، وأنواع الزوجات، وأنواع الأولاد، وأنواع الخدم، أكنتم تظنون أن كل هذا خلقناه عبثاً لاعبين؟ أتتصورون هذا عن ربكم؟ أخطر هذا ببالكم حتى جعلتم دنياكم كلها عبثاً ولعباً وسخرية بالموحدين المؤمنين الصالحين؟! {أَفَحَسِبْتُمْ} [المؤمنون:115] هذا استفهام إنكاري توبيخي تقريعي، فيوبخهم الله ويقرعهم، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون:115] أي: لعباً، {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون:115] أظننتم أننا خلقناكم ورزقناكم ومع ذلك نترككم سداً ونترككم هباً لا مسئولية ولا حساب ولا بعث ولا نشور؟! ألم تنصحكم أنبياؤكم وتذكر لكم الكتب المنزلة عليكم، ويعلمكم ويفهمكم ورثة أنبيائكم ويدلوكم على الخير ويحذروكم الشر؟ أكل هذا قد نسيتموه وتركتموه وظننتم أن الحياة عبث، وأننا خلقناكم سداً وخلقناكم لاعبين؟ هيهات إنما هو ظنكم أرداكم وأهلككم وأوقعكم في هذه المهالك، فأنفسكم فلوموا وأنفسكم فذموا.
تفسير قوله تعالى: (فتعالى الله الملك الحق)
تفسير قوله تعالى: (فتعالى الله الملك الحق) {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون:116]. نزه الله نفسه عن اللعب، ورفع جلاله ومقامه عن اللهو والباطل، فلا يليق بالله لهو ولا يليق به لعب، وإنما ذلك من شأن المخلوق العابث الضائع، وليس المخلوق الصالح ولا المؤمن فضلاً على الأنبياء والصالحين. فالله بعد أن ذكر ذلك عنهم وأنهم ظنوا الدنيا لعباً ولهواً، وأن الله ما خلقهم إلا لذلك، نزه وقدس وعظم نفسه كي يعلمنا أن نعظمه ونرفع شأنه، فقال وهو الرفيع الجليل جل جلاله: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [المؤمنون:116]. فالله حق وهو الحق ولا يصدر عنه إلا حق، وحاشا لله أن يكون شيء من عمله لعباً، وحتى الحيوانات وإن كانت لا حساب ولا عقاب عليها لم تخلق عبثاً، بل خلقت من أجلكم؛ لتجعلوها غذاء، ولتتمتعوا بها، ولتعبدوا الله عند أكلها والشرب منها، فتقول في البداية: باسم الله، وفي النهاية تشكر الله وتحمده. قوله: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [المؤمنون:116] الحق في اسمه، والحق في فعله، والحق في رسالته، والحق في أنبيائه، والحق في كتبه، وكل ذلك قد تعالى عن العبث والباطل فيه. {لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [المؤمنون:116]، ونقول: لا إله إلا الله بنطقنا وجناننا وكل خلايا جسومنا، فنعيش عليها ونموت عليها فضلاً من الله وكرماً، ولا يليق بالله الواحد الذي لا ثاني له ولا شريك له أن يخلق شيئاً عبثاً، أو أن يلعب جل جلاله. {لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون:116] ذكر العرش هنا لأنه أعظم المخلوقات على الإطلاق، فذكره دال على القدرة الإلهية المفردة البديعة التي لا يتصور وجودها من مخلوق، والكرسي معلوم والكيف مجهول، وهو كالدرج إلى العرش، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن السموات السبع والأرضيين السبع وما بينهما بالنسبة للكرسي كحلقة مرماة في صحراء من الأرض، أي: هذا الملكوت كله كخاتم أمام عظم وكبر الكرسي، والكرسي كحلقة مرماة في فلاة من الأرض أمام العرش، وأشار صلى الله عليه وسلم بيده كالقبة وقال: (عرش الرحمن على خلقه هكذا)، وأشار بيده كالقبة. ولذلك يذكر في القرآن العرش لعظمته وكبره، {رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون:116]، قرئ الكريم بالكسر صفة للعرش، أي: الحسن البديع، وقرئ بالرفع صفة لله جل جلاله.
تفسير قوله تعالى: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به)
تفسير قوله تعالى: (ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به) قال تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ} [المؤمنون:117] أي: يقول: يا رب، ويدعو من يعبده مع الله، أي: أنه يشرك مع الله إلهاً ثانياً: ملكاً أو إنساً أو جناً، {لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون:117] أي: عند ربه ليس له عليه دليل ولا سلطان ولن يكون، وإنما هذا للتعجيز، والشرك كله لا برهان ولا منطق له، ولا يمكن أن يتم ذلك في منطق العقول ومنطق الوعي. {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [المؤمنون:117] فحساب هذا وعقوبته إنما تكون يوم العرض على الله، فيحاسب على شركه، ويحاسب على كفره، ويحاسب على ما اخترع من نفسه بلا دليل ولا برهان ولا سلطان، على ذلك الإله الذي لا وجود له إلا في مخيلته وفي وهمه، {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [المؤمنون:117]، فيحاسب على هذا الذي دعاه وعبده وأشرك به. {إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون:117] (إنه) أي: الشأن والأمر أن الكافرين لا يفلحون، فلا فلاح ولا نجاح لهم عند ربهم، فهم في النار دائماً خالدون فيها أبد الآبدين ودهر الداهرين، فهؤلاء هم الذين دعوا مع الله إلهاً آخر لا برهان لهم به فحسابهم إنما هو على ربهم، وهم بذلك لا يفلحون ولا ينجحون ولا يفوزون كما فاز المؤمنون.
تفسير قوله تعالى: (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين)
تفسير قوله تعالى: (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين) ثم قال تعالى لنبيه: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون:118]. أي: قل يا محمد وقل أيها المؤمن! رب اغفر، وأطلقت اغفر عن ذكر مفعولها ليدخل تحتها كل أنواع المعاصي، فاغفر ذنوبنا، واغفر سيئاتنا، واغفر جهلنا، واغفر سهونا، واغفر ما فعلناه عن قصد وما فعلناه عن غير قصد، وما أسأنا فيه غافلين وما أسأنا فيه متعمدين، اغفر كل ذلك يا رب فأنت وحدك القادر على المغفرة. {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ} [المؤمنون:118] أي: ارحمنا بهذه المغفرة، وارحم ضعفنا فإننا آمنا بك، ولم نشرك بك يوماً من الأيام، فاغفر لنا وارحمنا وعاملنا بما تعامل به عبادك المؤمنين الموحدين المسلمين. {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون:118] أي: وأنت يا ألله يا ذا الجلال والإكرام وحدك القادر على المغفرة، ووحدك القادر على الإنقاذ من النار، ووحدك القادر على جزائنا بدخول الجنان، ووحدك القادر على أن نخلد مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين فيها. وهكذا الله جل جلاله يدعونا منذ بداية كتابه إلى آخر هذه السورة من سورة المؤمنين وإلى بداية السورة الآتية سورة النور وإلى ما بعدها ألا نعبد سواه، وألا نتعلق بغيره، وأن ندعوه بالمغفرة، وأن ندعوه بالتوفيق، وأن ندعوه بالسداد، وأن نصر لساناً وجناناً وأركاناً على عبادة الله بالقول والعمل على قدر الاستطاعة والطاقة، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالضابط الكامل فقال: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا)، فمجهود الإنسان بالأعمال محدود، فما أمرت به فافعل منه ما استطعت، وأما ما نهيت عنه فهو عدم الفعل، وعدم الفعل سلب، فتستطيع أن تترك كل ما نهى الله عنه ونهى رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يكلفك هذا عملاً ولا جهداً، وإنما يكلفك عزيمة وإرادة. ونحن بهذه الآية الكريمة نكون قد ختمنا سورة المؤمنون وأتممناها، وننتقل بعدها بعون الله وقدرته إلى سورة النور.
النور [1 - 2]
تفسير سورة النور [1 - 2] الزنا جريمة تفسد المجتمع، وتنشر الرذيلة، وتؤدي إلى ضياع الأنساب واختلاطها، وتفتح الباب للأمراض والمصائب، وقد حذر الله منها، وجعل جزاء من يرتكبها الجلد أو الرجم.
أهمية سورة النور وما فيها من آداب وأحكام
أهمية سورة النور وما فيها من آداب وأحكام قال الله تعالى: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:1]. لقد أنهينا سورة المؤمنون، وقد فصل الله فيها حال المؤمنين وأخلاقهم، منذ ابتدأ السورة: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:1 - 2] إلى أن أنهيت بقوله: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون:117 - 118]. فابتدئت بصفات المؤمنين الذين هم أهل الجنة، والذين استحقوا من ربهم -فضلاً منه وكرماً- رحمته ورضاه والجنة، وختمت بالتنفير من الشرك، ومن اتخاذ الإله الذي لا برهان عليه، ثم ختمت بآخر آية بأن قال الله لنبيه: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ} [المؤمنون:118]. فطلب منه وأمره أن يستغفر لنفسه، وأن يستغفر لأمته، وأن يدعو لها بالرحمة، وأن يدعو لها بالسداد والهداية ليكون من أهل الجنة، وقد فعل صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وننتقل الآن إلى السورة التالية وهي سورة النور، وهي سورة مدنية بإجماع علماء التفسير، وفيها أربع وستون آية، وتكاد تكون كلها أحكاماً وحدوداً، وأوامر ونواهي، ومن المعلوم عند علماء القرآن أن القرآن الكريم كان في نزوله بمكة يقرر التوحيد، وكانت الآيات تنزل لتسفيه الشرك، وتزييف الشركاء، وقلما يوجد في السورة المكية أوامر ونواه وحدود وأحكام، وإنما كان أغلب ذلك في المدينة المنورة، وقد استقر فيها قدم الإسلام حاكماً وآمراً، وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم يتصرف تصرف الحاكم، فيقاتل ويجاهد، ويقيم الحدود من قتْل ورجم وجلد وقطع، ويعاقب الفئات والكتل المتمردة المخالفة: كما قاتل اليهود فقتل من قتل، وشرد من شرد، وصادر من صادر، وطرد من طرد، وأمر عند وفاته صلى الله عليه وسلم أن يطردوا جميعاً من جزيرة العرب نصارى ويهوداً، ولم يكن ذلك إلا أمر منه صلى الله عليه وسلم بطرد غير المسلمين من جميع ديار الإسلام، ومن العالم الإسلامي كله؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال: (لا تصلح قبلتان في أرض، ولا يصلح دينان في أرض). وعندما قال: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب) كان العالم الإسلامي هو جزيرة العرب لم يخرج بعد عنها. فهذه السورة مدنية بجميع آيتها الأربع والستين، وقد ابتدئت بحدود الزناة، وحدود القذفة، وباللعان، ثم بعد ذلك ذكرت قصة الإفك، وكان سبب نزولها قصة الإفك.
تفسير قوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها)
تفسير قوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها) {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} [النور:1]. ابتدأ الله جل جلاله بهذه البداية؛ ليلفت الأنظار إلى أهميتها، وإلى ما سيجيء فيها مما تعم بلواه كل البشر منذ نزول الرسالة المحمدية، ونزول كتاب الله الكريم، وإلى يوم النفخ في الصور، فأنزل له حدوداً وعقوبات لتكون زاجرة رادعة. قال: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} [النور:1] أي: أنزل الله تعالى هذه السورة بآياتها الأربع والستين على خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه. {وَفَرَضْنَاهَا} [النور:1]. وفرض أحكامها وجعلها حكماً لازماً لكل إنسان يخرج عن حدود ربه، ويرتكب ما عنه الله نهى، وفرض فيه العقوبات اللازمة. {وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [النور:1] واضحات مفسرات متلوات، فيها البداية والنهاية من ارتكاب الإثم والعقوبة عليه. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:1] لعلكم أيها المؤمنون تفكرون بأن الله هو الآمر والناهي، فلا ينبغي ولا يجوز أن يخالف ويعصى، فإذا خولف وعصي استوجب المخالف والعاصي غضب الله وعقوبته ونقمته في الدنيا، ولعذاب الله أشد وأنكأ.
تفسير قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)
تفسير قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)
معنى قوله تعالى: (الزانية والزاني)
معنى قوله تعالى: (الزانية والزاني) ثم دخل في الموضوع فقال جل جلاله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور:2]. هذه السورة كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أمته ورعيته ومن كان حاضراً معه في المدينة: أن يحفّظوا هذه السورة لنسائهم، وأن يتعلموها ويعوا ما فيها من أحكام وعقوبات، ومن لعنة وغضب؛ حتى يكونوا على بينة من أمرهم فيما أحل الله وحرم. وهذه السورة كان سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين كثيراً ما يبينون أحكامها، ويلزمون أولادهم -صغارهم وكبارهم- والنساء منهم خاصة -عواتق ومحصنات- بأن يحفظوها ويعوا ما فيها؛ ليعلموا أن الدنيا لم تخلق عبثاً، وأن من عصى وخالف فسيكشف نفسه، ويفضح على رءوس الخلائق مع اللعنة والغضب من الله. {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور:2]. والزانية والزاني هما: المرأة والرجل إذا أتيا حراماً مما يأتيه الزوج والزوجة حلالاً، فإذا تجامعا وأدخل أحدهما في الآخر فرجه من غير زواج ولا ملك يمين فإنه يعتبر في هذه الحالة زانياً، وهي تعتبر في هذه الحالة زانية. ومن صدر عنه ذلك جعل الله له حداً، فللعزب البكر حد، وللمحصن حد، وقد ذكر في هذه الآية بعض عقوبة الزناة الأبكار، والبكر هو من لم يتزوج ولم يجامع مرة حلالاً، فمن لم يفعل ذلك ولم يحصل منه ذلك في زوجة بعقد صحيح فهو بكر، ومن تم منه ذلك ولو مرة واحدة في عمره يعتبر محصناً، وحده وعقوبته غير هذه التي نذكرها الآن ونبينها ونفسرها.
معنى قوله تعالى: (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)
معنى قوله تعالى: (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) يقول الله جل جلاله: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور:2]. أي: اضربوهما وأدبوهما بأن يجلد كل واحد منهما مائة جلدة، وكيف يكون الجلد؟ يكون الجلد بعصاً أو بجلد لا يكسر عظماً، ولا يجرح لحماً، ولكن بما يؤلم وبما يوجع، والجمهور على أن يجلد الزناة قائمين، ويضربون على كل عضو إلا المقاتل، فيتقي الوجه والرأس ومكان العفة قبلاً ودبراً، وفيما عدا ذلك يضرب على الظهر، ويضرب على الألية، ويضرب على الأظفار ويضرب على السيقان، ويضرب على البطن بما يوجعه ويؤلمه دون أن يجرح أو يكسر. وجلد عمر مرة إنساناً على الرأس وكان يسأل أسئلة تتحول للشرك، واسمه صبيغ بن عسل، ولكن ذلك كان مبالغة في الزجر، ولم تكن الضربات إلا عدداً يسيراً لا مائة جلدة. وابن عمر أقام الحد يوماً على إحدى إمائه وقد زنت، وكان ابنه واقفاً يراه فقال له: يا أبت إنك لا تضرب؛ لقد أخذتك بها رأفة! قال: يا بني لم نؤمر بقتلهم، ولكن أمرنا بجلدهم. أي: فأنا أجلدها حتى الوجع والإيلام. قال تعالى: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور:2]. والمراد هنا بالرأفة: الشفقة والحنان على الزانية والزاني، والمراد: لا تضربوهما ضرباً خفيفاً كمن يلاعب ولداً أو يلاعب زوجة، ولكن اضربوهما ضرباً موجعاً، يتألمان منه الأيام المتوالية؛ غير ألا تجرحوا لحماً ولا تكسروا عظماً. وأما الشفقة الطبيعية فلا مانع منها، وليس في إمكان الإنسان أن يمنعها، فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال: (لك بذلك أجر). وليس معناه: أنه رحمها وأشفق عليها فلم يأكلها؛ لأن ذاك عمل المجوس، ولم يخلق الله هذه الأنعام إلا لنا لنتمتع بها، ولنأكل لحمها حلالاً طيباً إذا ذكر اسم الله عليها. وهكذا فما منعه الله هو: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور:2]. وليس معناه: ألا تضربوهما، بل اضربوهم ضرباً مؤلماً موجعاً، لا ضرب من يغازل ويلاعب، أي: لا تصل بكم الرأفة إلى ألا يكون هناك أثر لهذه العقوبة ولهذا الحد.
معنى قوله تعالى: (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)
معنى قوله تعالى: (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ثم قال تعالى: {إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النور:2]. أي: إن كنتم حقاً مؤمنين فيجب أن تلتزموا بأوامر الله، وبأن تتركوا نواهي الله، ولو كان الحد على ولد، وعلى قريب، وعلى أب، وعلى زوجة، وعلى أي كان فلابد أن تقام الحدود، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (حد يقام في الأرض خير من أربعين يوماً تمطر فيه الأرض). ولو أقيمت الحدود كما يجب لقلت الكثير من الجرائم، والكثير من الفساد في الأرض، وكمثل نضربه في بلدنا هذا المقدس الذي لا يزال يقيم الحدود في بعض أحكامها وأشكالها، نجد السرقة في جميع بلاد الله لا يكاد يخلو منها مكان صباحاً ومساءً، فلا يأمن الإنسان على مال في أرض، ولا في بيت ولا على عرض، وإذا عاقبوا لا يزيدون على أكثر من أن تسجنه الدولة مدة، وبهذا تضيع أموال المسلمين عبثاً، ولا يوجد السجن في الإسلام إلا بأشياء لا تكاد تذكر، كأن يوقف ليبحث عنه، ولا يتجاوز ذلك أياماً فإن طالت فأسابيع، ولا يكون السجن المؤبد إلا في حالتين وليس هو عند كل المذاهب: فعند الأحناف إذا امتنع المصلي المسلم من الصلاة فإنه يسجن إلى نهاية وقتها، فإن صلى أطلق سراحه، وإن لم يصل بقي في السجن إلى الصلاة أو الموت. وكذلك يكون السجن المؤبد في حال القتل فيما قال عنه صلى الله عليه وسلم: (اقتلوا القاتل وأمسكوا الممسك) فإذا اشترك شخصان أحدهما حبس القتيل أو أمسكه، والآخر نفذ القتل فالقاتل يقتل، والممسك يسجن إلى الأبد حتى الموت. وأما هذه الآلاف التي تعمر السجون في ديار الإسلام حتى تفسد أخلاقها، وينتشر بينهم ما لا يليق بين المسلمين من فسوق، وتصرف عليهم أموال طائلة وحراسة شديدة، فهذه كلها تنفق من بيت مال المسلمين ظلماً وعدواناً، وليس في ذلك أي حق إضافة إلى أنه مخالفة لأمر الله، وعصيان في ترك الحدود، ولا يليق ذلك بدولة إسلامية بحال من الأحوال. وأما الديون التي يسجن فيها الكثيرون فلا يخلو: إما أن يكون المدين عامر الذمة له مال، وإما ألا يكون له مال، فإن كان له مال فيجب أن يؤدي المال قهراً وغلاباً، فإن لم يفعل بيع ماله حتى مسكنه لأداء الدين، ولا حاجة للسجن، وإن كان لا مال له فقد قال الله جل جلاله: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280]، فينتظر به إلى أن يغنيه الله فيؤدي. قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور:2] أي: في حكم الله وفي حد الله. {إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النور:2] ولفظة (تؤمنون) لا تكاد تفهم إلا في عصرنا الفاسد، فنزعم أننا مسلمون ومع ذلك تبيح قوانيننا في أكثر ديار الإسلام أنواعاً من الزنا والفسوق والعصيان، بل تعطى الزانية رخصة للزنا، وهي تعيش بالزنا، فهناك قوانين كفر استوردت من بلاد الكفر فتبناها المسلمون، وامتلأت بها ما تسمى كليات الحقوق، ومجالس الدولة، ويقوم مدعي الدولة والمحامون وما إلى ذلك ليدافعوا عن هذا القانون المجرم، وعن هذه المواد القانونية الفاسدة التي تنشر الكفر والمخالفة والفساد والفجور في الأرض، فيقولون عن البنت إذا ملكت أمرها وبلغت سن الرشد إن عرضها لها تؤديه لمن شاءت، ويقولون عن الزوجة: لها أن تسلم عرضها لمن شاءت، ولا حق لأحد في المعارضة إلا زوجها، فإن لم يعارض فقد أذن لها. وللرجل أن يخالل من شاء وهو مسلم وهي مسلمة، فإذا رفعت به قضية يقول القاضي والوزير والحاكم في أكثر ديار الإسلام: أنت تخالف القانون الذي أعطاها حريتها وأعطاه حريته، ولذلك عندما نقرأ الآن: {إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النور:2] فما أشد وقعها، وما أصدق معناها، أي: هؤلاء يزعمون أنهم مسلمون ومع ذلك لا يقيمون حداً على زانية ولا زانٍ، ولو كانوا مؤمنين حقاً لكان كتاب الله واجب الطاعة في كل ما أمر به، واجب الطاعة في ترك كل ما نهى عنه، وعندما لم يفعلوا ذلك دخلوا في قوله تعالى: {إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النور:2] أي: إن لم يفعلوا فلا يكون إيمانهم صحيحاً، وبالتالي لا يكون تاماً ولا كاملاً بحال من الأحوال.
معنى قوله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين)
معنى قوله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) ثم قال تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور:2]. أي: وليحضر جلدهما وعقوبتهما طائفة من المؤمنين، والطائفة: قال البعض من الأئمة: تشمل الواحد فما فوق، وما أرى هذا صحيحاً، بل الطائفة: تشمل الجماعة، وقد حدد الإمام مالك والإمام الشافعي الطائفة بالأربعة فما زاد، قالوا: لأنه إذا لم يكن هناك اعتراف فإنه لا تتم إقامة الحد إلا بأربعة شهداء، ولذلك ينبغي أن يكون هؤلاء الأربع من الحاضرين، فإن كان عن اعتراف فليحضر أربعة. وحضور هؤلاء فيه زيادة العقوبة النفسية، وزيادة الزجر والردع لمن تحدثهم أنفسهم بهذه الجرائم، وبهذه اللصوصية على الأعراض، فإن الإنسان قد يقبل ألف جلدة ولا يفضح بتلك الفضيحة، ولكن هذا من تمام الحد، فلا يفلت منهم وجيه ولا غير وجيه، كبير ولا صغير، ذو جاه أو صعلوك من مساكين المسلمين، فالكل أمام الحق سواء. في هذه الآية بالنسبة للزناة ذكوراً وإناثاً: أن يجلدوا مائة جلدة، وأن تكون هذه الجلدات دون شفقة ولا رحمة تؤدي إلى النقص من الجلد، أو إلى ألا يكون جلداً موجعاً. الثالثة: أن يحضر عقوبتهما جماعة من المؤمنين، ولا يتم الحد في الآية الكريمة إلا بذلك.
التفريق بين حد الزاني البكر والزاني الثيب
التفريق بين حد الزاني البكر والزاني الثيب أنزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو المكلف بالبيان، فكان بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم التفريق في حدود الزنا بين البكر والثيب، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم). وكان هذا إجماعاً لم يختلف عليه أحد من الصحابة، فكان إجماعاً صحابياً حقيقياً، وأولى الإجماعات بالصحة والعمل إجماع الصحابة، وحدث بعد ذلك خلاف لا يعتبر؛ لأنه خروج على إجماع الصحابة، وإلغاء للنصوص المتواترة المفروضة الواجبة، فقال بعض الخوارج وبعض المعتزلة: ليس في كتاب الله في حد الزناة إلا مائة جلدة، فلا تغريب ولا رجم، والمحصن وغير المحصن سواء. وقد خطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يوماً على المنبر فقال رضي الله عنه: (يوشك أن يزعم زاعم وأن يقول قائل: ليس الرجم في كتاب الله، وقد نزلت آية فيه قرأتها وقرأها الناس، ولولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لألحقتها بالمصحف، ثم قال: وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجم أبو بكر). فأما النبي صلى الله عليه وسلم فلا يخالفه إلا كافر، وأما أبو بكر فلم يخالفه أحد، ولم يعترض على فعله أحد، فكان أيضاً أجماعاً صحابياً، ثم قال عمر: لم تنته الدنيا حتى يكذب الناس بالرجم، وبعذاب القبر، وبالشفاعة، وبكون الإنسان يخرج من الجحيم بعد أن يمتحن، وبعد أن تكون أعضاؤه فحمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: الرجم حق، وعذاب القبر حق، وسؤال القبر حق، والشفاعة حق، وبكل ذلك شهد عمر وشهد معه عبد الرحمن بن عوف وفلان وفلان من الصحابة. وعن زيد بن ثابت العالم بكتاب الله، قال: لقد قرأنا زمناً في القرآن الكريم آية هي من سورة الأحزاب: الشيخ والشيخة إذا زنيا فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، وارجموهما البتة. والقراءة الشهيرة: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، وهو حديث مالك في الموطأ. وقوله: (الشيخ والشيخة) أي: المحصن والمحصنة. ومن المعلوم من الدين بالضرورة عند علماء القرآن والسنة أن آيات القرآن ثلاثة أنواع: آية نسخت ورفعت حكماً كما رفعت تلاوة ووجوداً. وآية نسخ عملها وبقي لفظها، وآية نسخ لفظها وبقي حكمها، ومنها الشيخ والشيخة، وقد قال تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة:106]. وقد رجم صلى الله عليه وسلم في حياته رجالاً ونساءً، فرجم من النساء الغامدية، والجهنية، والسيدة التي زنت بعسيفها وأجيرها، واليهودية واليهودي اللذين جاءا يحتكمان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجمهما معاً صلى الله عليه وسلم. وماعز بن مالك الأسلمي رجمه صلى الله عليه وسلم حتى الموت، ورجم أبو بكر، ورجم عمر ورجم عثمان وجلد علي شراحة يوم الخميس مائة جلدة، ورجمها يوم الجمعة، فقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله. ولكن جمهور الفقهاء اعتبروا كقاعدة أصولية أنه إذا اجتمعت عقوبتان يعاقب بأشدهما، ويكتفى بها، فإذا اجتمعت عقوبتان: الرجم والجلد، فالرجم أشد من الجلد، فيكتفي بالرجم عن الجلد، وجاء أعرابيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله! إن ابني كان عسيفاً عند هذا فزنا بزوجته، وكنت قد فديت ولدي منه بمائة شاة وجارية، فاحكم بيننا بكتاب الله، فقال صلى الله عليه وسلم: (لأحكمن بينكما بكتاب الله، أما الشياه والوليدة فهي عليك رد، وأما ولدك فعليه مائة جلدة وتغريب عام، وقم يا أنيس إلى زوجة هذا فإن اعترفت فارجمها. فاعترفت فرجمت). وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله جعل للزناة سبيلاً: الثيب بالثيب مائة جلدة الرجم، والبكر بالبكر مائة جلدة وتغريب عام). وهذا متواتر عن جماهير الصحابة، وهذا ما قاله وأفتى به الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي وأحمد، وأنه لابد مع المائة جلدة من أن ينفى ويغرب عاماً. وقال الحنفية: التغريب بيد الحاكم إن شاء غرب وإن شاء ترك، واعتبروا ذلك تعزيراً زائداً، وقالوا عن التغريب: هو سجن لا يترك في البلدة قريباً، هكذا فهم أبو حنيفة وأصحابه، وعلى هذا فالآية بقيت غير منسوخ فيها حكم الأبكار، والتغريب أبانه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرجم كان يتلى قرآناً. لكن عندما نسخت ورفع نصها لم تبق آية معتبرة، فلا تتلى، ولا يصلى بها، ولا يعتبر القراءة بها كالقراءة بالقرآن على كل حرف عشر حسنات.
أضرار الزنا
أضرار الزنا حذر الشارع من الزنا لعدة أسباب ظاهرة معلومة قبل وبعد، يقول عليه الصلاة والسلام كما في الصحاح وعند أحمد في المسند وعند أصحاب السنن: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمرأة المسترجلة تتشبه بالرجال، والديوث). والديوث: هو الذي يرى المنكر في أهله فيقره ولا يغار، ولا يكاد يحرك ساكناً. وإذا كان التلصص على الأموال جزاؤه قطع اليد أولاً، ثم قطع الرجل ثانياً، ثم قطع اليد ثالثاً، ثم قطع الرجل الرابعة إلى أن يصبح لحماً على وضم، فالذي يتلصص على الأعراض ويفسد على الناس أنسابها، هل جزاؤه إلا الرجم، على أن الزنا قد حذر منه الشارع حفاظاً على الأنساب والأحساب، وحفظاً للصحة، وسلوا اليوم الأطباء جميعاً في بلاد الإسلام وبلاد غيرهم، فسيقولون: أكثر ما نعالج هي أمراض الفروج وأمراض الأدبار، وما ذلك إلا نتيجة للزنا، وذلك أن الإنسان مجمع القاذورات ومجمع الأوساخ، ومجمع الجراثيم حتى إذا زنى جمع جراثيمهما لبعضهما، ثم ذهب المتزوج فأفسد بذلك زوجته، وأفسد رحمها، وأفسد أولاده وهم في بطون أمهاتهم، ويحملون من الأمراض والجراثيم ما يصبح عدوى للأم، وعدوى للوليد، وعدوى لمن سيعاشر هذا الوليد. فهذا القيح والصديد الذي يتوالى من فروج النساء والرجال، وأدبار النساء والرجال، يفسد على الإنسان شبابه، ويفسد على الرجل رجولته، ويفسد على المرأة أنوثتها، ويفسد شهامتهم، ويفسد أخلاقهم، ويصبح كل عضو يحمل مرضاً دائماً مزمناً ينتشر بالمصافحة أحياناً. وهذا القيح وهذا الصديد الذي ينزل منها أماماً وخلفاً يعلق بالثياب، ويعلق بالمجالس، ويعلق بالحمامات، فيأتي الآخر وإذا به قد علق به، ثم قد يلزمه، فاسألوا الأطباء وقولوا لهم: لم هذه الأمراض؟ فسيجيبونك: هذا نتيجة نشر الزنا، ونشر الفساد، ونتيجة نشر التلصص على الأعراض، فكيف إذا أصبح ذلك في الدولة شيئاً رسمياً تفتح له الدور، وتقوم له بغايا تنتشر في الأحياء، وبين الشباب، وبين المتزوجين، وبين البنات، وبين المتزوجات، فماذا ستكون النتيجة؟ يصبح البلد كله ماخورة من المواخير، وبؤرة فساد، وخمارة من الخمارات، وعادة يضاف لذلك الخمرة والحشيش والبلاء من كل نوع. ومن هنا ضاعت الغيرة من الناس الذين يرتكبون مثل هذا، وضاع الشرف، وضاعت الرجولة، وضاعت الشخصية، وصاروا أشبه بالكلاب والخنازير؛ لأن هذه هي التي تفقد الغيرة، وتجد أحدهم ينزو على إحداهن والآخرون ينتظرون دورهم دون أن يحركوا ساكناً، ولا يقلدون الجمل في غيرته، ولا الديك على الأقل الذي يكاد يفترس الإنسان فيما إذا حاول أن يمس دجاجته، فتجده يثور ثورة الأسد الهصور، وليس إلا طائراً مسكيناً يذبحه الناس بالملايين يومياً، فلا هو تعلم غيرة الرجال ولا غير ذلك، فما بالك بغيرة المسلمين! وأما الجمل فمن المعلوم عنه أنه إذا رأى إنساناً يأتي ناقته فإنه يحقد عليه إلى أن يقتله، ولا يقبل حتى أن ينظر إليه، وطالما تقاتل فحلان من الجمال في سبيل ناقة فقتل أحدهما الآخر، ولا يفقد الشهامة، ولا يفقد الغيرة إلا إنسان فقد إنسانيته وآدميته بعد أن فقد دينه وإسلامه من قبل، وأصبح كالكلب والخنزير.
النور [3 - 5]
تفسير سورة النور [3 - 5] حفظ الله أعراض المسلمين من أن يتعرض لها بالكلام، فجعل حد القذف ثمانين جلدة، وحكم على القاذف بالفسق ورد الشهادة إلا أن يتوب.
تفسير قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة)
تفسير قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) قال تعالى: {الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور:3]. ينكح هنا معناها: الجماع لا الزواج، وأدخل بعض المفسرين فيها حتى الزواج، والمعنى: الزاني لا يزني إلا بزانية مثله، وهذا طبيعي، فإنها ما طاوعت حتى كانت زانية مثله، أو كانت مشركة تحلل ذلك ولا دين لها، فإذاً: لا يقع التطاوع بين زانٍ وزانية حتى يكون كلاهما زانياً ولصاً من لصوص الأعراض.
تفسير قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء)
تفسير قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4]. هذا هو ما يسمى بالقذف، فعندما يعف الرجل والمرأة ثم يأتيهما مجرم فيتهمهما ويقذفهما بالزنا، فقد جعل الله على القاذف إن قذف محصناً أو محصنة ثمانين جلدة. فمن كانت عفيفة متزوجة، أو سبق أن تزوجت، أو عفيفاً مسلماً تزوج أو سبق أن تزوج، ثم جاء هذا فقذفه وقال له: هو زان، أو قال له ما يشعر بذلك أو يؤكده، يقول تعالى: من قال ذلك وقذف به يجب أن يأتي بأربعة شهداء يشهدون في آن واحد، فيقولون: رأينا مرود فلان في مكحلة فلانة، أو رأينا الذكر في الفرج، وإذا لم تكن الشهادة في وقت واحد فإنها تسقط ولا تقبل بحال، وإن نقص عن الأربعة واحد فإنه يعتبرون قذفة، ويجلد الثلاثة ثمانين جلدة. قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ} [النور:4] جعله الله رمياً كمن يرمى بالرصاص، وجعله قذفاً كمن يقذف بالحجارة، فشرف الإنسان وعرض الإنسان وكرامة الإنسان عادة أشرف وأعظم من حياته، فكيف يقذف ويتهم في دينه وهو محصن وزوج وأب، وقد يكون جداً، فهذا الذي فعل ذلك أتى إثماً كبيراً، لكن إذا أتى بالشهداء الأربعة ليشهدوا بذلك فذاك زان، وحق عليه الردع والزجر بإقامة الحد، وهو الرجم، فإن لم يفعل فهو عند الله كاذب، فيجب أن يؤدي جزاء كذبه ثمانين جلدة، وليشهد عذابه أو عذابهم طائفة من المؤمنين، وحضور الطائفة في حدود الله رجماً أو قتلاً أو صلباً أو تقطيعاً أو جلداً لابد منه؛ لإتمام العقوبة وزجر الآخرين ممن تحدثه نفسه في أن يرتكب مثل ارتكابه، وأن يجرم مثل جرمه، ولو لم يكن ذلك لما أفاد حد ولما أفادت عقوبة، وفي مثل هذا يقول ربنا جل جلاله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:179]. وذلك أنك لو لم تقتل القاتل لفعل ذلك كثيرون ممن تحدثهم أنفسهم بإزهاق الأرواح وبالقتل، فعندما يرون القاتل يقتل تجدهم ينكصون على أعقابهم، وأما لو يعلمون أنهم سيسجنون وفي يوم من الأيام سيطلق سراحهم، أو يؤدون الغرامة فهذه ليست جزاءً وفاقاً، ومن هنا امتلأت الأرض جرائم، حيث جاء هؤلاء الذين يقولون بالشفقة والرحمة وأن السجن مدرسة. ونحن نقول: السجن خمّارة، والسجن مدرسة للفساد، فيدخل الرجل عفيفاً لسبب من الأسباب وقد يكون سياسياً، فيخرج من أخبث خلق الله في الغالب؛ حيث يفسده من معه، فيعلمونه الحشيش والخمر والفساد بكل أنواعه، ويتركون زوجته وهي في حاجة، وقد تضل وتفسد، ويتركون أطفاله في الشوارع يحتاجون ويجوعون، لم كل هذا؟ إن قتل فاقتلوه والله تعالى يعوض على الزوجة، والأولى أن تتزوج، ويشرف على الأولاد غيره، أما وهو حي فهذا لا يتم، وليس هناك إلا الفساد ونشر الفساد، ولذلك تجد جميع قوانين الأرض غير القوانين الإسلامية لا تدعو إلا للفساد وللظلم، وهذا معنى قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة:45]. {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة:47]. {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44]. ظالمون؛ لأن هذه الأحكام ليست عدلاً بل هي الظلم بعينه، وليست إيماناً بل هي الفسق بعينه، وليست إسلاماً بل هي الكفر بعينه؛ لأنه خالف كتاب الله، وخالف سنة رسول الله، وألغى الحدود، ولا يفعل ذلك إلا كافر ظالم فاسق، وهكذا حدث. وكما ورد عن نبي الله عليه الصلاة والسلام أن الناس في آخر الزمان كما دخلوا في دين الله أفواجاً فسيخرجون منه أفواجاً. وأحد المعاصرين من العلماء الأفاضل الدعاة إلى الله كتب بحثاً وألقى محاضرة ونشرها في غير ما قطر من أقطار الإسلام قال: ردة ولا أبا بكر لها، فالردة الأولى التي كانت عقب الموت النبوي عندما ذهب للرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم، وجد لتلك الردة الخليفة الأول أبو بكر فردعها وزجرها وقضى عليها، فإما العودة إلى الإسلام أو الموت والدفن في التراب، وهذه الردة لا رادع لها ولا زاجر عنها، ولا من يهتم بها، وفي أكثر هذا تجد الرجل قد ارتد وهو متزوج مسلمة صالحة، والزوجة قد ارتدت وتتزوج مسلماً صالحاً، والزواج بينهم مفسوخ لأنه لا يصح الزواج بين كافر ومسلم. فالمسلمة لا تتزوج إلا مسلم، والمسلم لا يتزوج إلا مسلمة أو كتابية تحت ذمة المسلمين وتحت أحكامهم وليس تحت ذمة غيرهم، فالمسلمون اليوم يعيشون تحت الذمة، فعندما يتزوج المسلم الكافرة يعرض أولاده للكفر وللردة وللذهاب للكنائس والابتلاء بالبيع، وكم رأينا ورأيتم من هذا الكثير في كل قطر من أقطار العالم الإسلامي. قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور:4]. رموهم وقذفوهم ولم يؤكدوا دعواهم وقذفهم للمحصنات بالشهداء، والمحصنات يدخل فيها المحصنون. قال تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور:4]. هذه هي العقوبة الأولى، وهي تقع على كل عضو من أعضائه سوى القبل والدبر والوجه كما تقدم في الزنا. قال تعالى: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور:4]. لأنهم أصبحوا قذفه، وأصبحوا فساقاً ولم يبقوا مزكيين ولم يبقوا عدولاً، فلا تقبلوا لهم أي شهادة، ولو شهد على بصلة فهو فاسق. فالعقوبة الأولى: الجلد، والعقوبة الثانية: أن تلغى شهادتهم وتزكيتهم. {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4]. حكم الله عليهم بأنهم فسقة، وأصبحوا فجاراً، ولذلك لا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وعمر رضي الله عنه في أيام خلافته جاءه أربعة شهود يشهدون على فلان من أمرائه أنه زنى بفلانة، فشهد ثلاثة أنهم رأوا فلاناً على فلانة وسموه -وأنا لم اسم احتراماً لمقام الصحبة- وأما الرابع فكان شاباً في حدود العشرين، وكان يظهر من ملامحه الذكاء، وكان له شأن بعد ذلك، قال: يا أمير المؤمنين، رأيت فلاناً يجهد فلانة، وهو بين شعبها الأربع، ولكنني لم أر مروداً في مكحلة، وإذا بـ عمر يقول: الله أكبر! ودعا بالسياط ودعا بالجلادين فجلد الثلاثة كل واحد ثمانين جلدة، وكان أحدهم من صالحي الصحابة ومن كرامهم ومن كبارهم، وكان يجلد وهو يقول: أشهد بالله لقد رأيته فاجلدوا أو لا تجلدوا، فجلده الثمانين، ثم بعد ذلك حاول أن يجلده مرة ثانية؛ لأنه أصر، وإذا بمن كان حاضراً من الصحابة قال: يا أمير المؤمنين التهمة واحدة، وإنما كرر القول، ولذلك لا يجلد مرتين.
تفسير قوله تعالى: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا)
تفسير قوله تعالى: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا) يقول الله بعد ذلك: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:5]. فهم فساق بحكم الله، فتمنع شهادتهم، وتزول تزكيتهم، {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور:5] لم يغلق الله باب رحمته على المؤمن مهما صدر منه، ومع هذا الحكم من الجلد ومن التفسيق ومن إلغاء الشهادة إذا هؤلاء تابوا إلى الله بعد ذلك وأنابوا وأصلحوا، ومعنى الإصلاح: ألا يعودوا لاتهام أحد، ولا لقذف محصنة ولا محصن، فهؤلاء يعتبرون قد تابوا، فإذا تابوا {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:5] يغفر الذنوب ويرحم العصاة، وباب رحمته مفتوح باستمرار، ويمد يده في النهار لمستغفري النهار، ويمد يده بالليل لمستغفري الليل، ولكن الناس يفرون ممن يرحمهم، ويغفر ذنوبهم، وإلا فالله يغفر الشرك ويغفر الكفر به، والإسلام يجب ما قبله فكيف بغير ذلك، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم مع عصمته وجلالته يقول: (إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة) يعلمنا بذلك أن نستغفر الله، ولذلك ورد في الأذكار والأوراد أن يستغفر الإنسان خلف كل صلاة، وأن يجدد الاستغفار عند كل وقت: عند النوم، وعند الصحو، وعند النهاية من الصلوات، وفي كل ما يصدر منه ويظنه معصية ولو وهماً ليستغفر الله؛ عسى الله أن يغفر ذنوبه، وعساه إن مات يموت على مغفرة، ويموت على رحمة. وهذه الآية للقذفة الذين يقذفون المحصنات، وأما الذي يقذف الحدث البكر العزب غير المحصن فهذا يعزر؛ لأن قذف المحصن ليس كقذف العزب المحصن، فهناك حق زوجته، وهناك حق أولاده؛ ولأن الجريمة لو ثبتت وقد أعلنها هؤلاء لكان جزاؤها الرجم وهي عقوبة شديدة، وأما العزب فالعقوبة الجلد، والتغريب عاماً، وشتان بين مائة جلدة وتغريب عام، وبين الرجم والنفي من الحياة كلها. لذلك فإن جزاء قذف المحصنين والمحصنات ثمانون جلدة، وقذف البكر والعزب أنثى كان أو ذكراً، جزاؤه التعزير، والتعزير لا يزيد عند بعض الأئمة على عشر جلدات، ولكن للحاكم أن يقدر مقدار ما صدر عنه من إيذائه لهذا الشاب أو لهذه الشابة، كأن يريد مصاهرة إنسان في ابنته فيأتي هذا ويقول: فلان أنا رأيته زانياً، فيفسد عليه المصاهرة التي كان يمكن أن تكون ربحاً له في الدنيا والآخرة، وقد يقذف البنت فيقول: تأخذ فلانة وأنا رأيتها مع فلان، وهو كاذب، فهذا ينظر الإمام فيه ويرى رأيه. وقد يكرر التعزير بمقدار ما تأذى به المقذوف، والعدل قامت عليه السموات والأرض، وبه جاء الإسلام، ولذلك كان القرآن والسنة المطهرة هما العدل المطلق بين كل البشر: مؤمنهم وكافرهم، صديقهم وعدوهم على حد سواء. {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [النور:5] أي: من بعد القذف ومن بعد قيام الجلد، ولو تاب قبل الجلد فذلك لا يعفيه من العقوبة، ولا يعفيه من الحد، والضابط في ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: (تعافوا قبل أن تأتوني) أي: فليعف أحدكم ذنب الآخر في حد قبل أن تصلوا إلي، أما إذا وصلت التهمة إلى الحاكم فلا عفو، فلابد من قيام الحد.
النور [6 - 10]
تفسير سورة النور [6 - 10] من الأحكام التي بينها الله تعالى في سورة النور حكم اللعان، وذلك أن الرجل قد يجد مع امرأته رجلاً ولا يجد أربعة شهداء يشهدون على ذلك، فيتحير فيما يفعله تجاه هذا الموقف الحرج، فشرع الله حد اللعان لذلك. وكذلك ذكر الله حادثة الإفك وكذب المنافقين والمغفلين فيها.
تفسير آيات اللعان
تفسير آيات اللعان
حد اللعان
حد اللعان قال الله جلت قدرته: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور:6 - 7]. هذا الحكم يتعلق بمن قذف زوجته ورماها بالفاحشة، أو تبرأ من حمل لها، أو من وليد لها، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ} [النور:6]. أي: الذين يقذفون زوجاتهم بالفاحشة ثم لم يأتوا بأربعة شهداء كما سبق، فهذا يعتبر قاذفاً يجلد على قذفه ثمانين جلدة، وإلا فاللعان. واللعان: هو أن يأتي بأربعة أيمان، والخامسة اللعنة، كما قال تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [النور:6]. فيأتي إلى الحاكم فيقذف زوجته بأنه رأى الفاحشة بعينه، وسمع بأذنه، ولم يكن له شهداء، فإذا لم يكن له شهداء، ولم يشهد بذلك إلا نفسه، ولم ينقل ذلك إلا عن رؤيته وعن سمعه، فهذا يشهد أربع شهادات، والخامسة اللعنة؛ فيقوم مقام الشهداء الأربعة، قال تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} [النور:6]. فيقف أمام ملأ من الناس في أشرف بقعة في البلدة، وإذا كان في مكة ففي بيت الله الحرام بين الركن والمقام، وبعد صلاة العصر، وإن كان في المدينة المنورة فبعد صلاة العصر وعند المنبر النبوي، وإن كان في غيرهما ففي المسجد الأعظم في الجامع الكبير من المدينة بعد صلاة العصر كذلك، ويحضر اللعان -لعان المرأة والرجل- جماعة كذلك؛ لقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور:2]. فيؤتى بالرجل أولاً فيقول للحاكم: رأيت بعيني وسمعت ببصري، فيأمره الحاكم بعد أن يعظه بألا يكذب وألا يفتري، فيقسم القسم الأول أنه يُشهد الله على أنه فلانة -ويسميها- زنت بفلان -ويسميه-، ويُشهد الله أنه صادق في قذفه، وصادق في اتهامه، وصادق فيما ادعى وزعم عليها، ثم يقسم ثانياً، ثم يقسم ثالثاً، ثم يقسم رابعاً، وعند الخامسة يوقفه الحاكم ويقول له: إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة، أي: الموجبة لعذاب الله، فعذاب الله مهما يكن أشد من ثمانين جلدة كان سيجلدها إذا كان كاذباً. وفي الخامسة يقول: إن لعنة الله عليه إن كان كاذباً، فإن فعل ذلك يدرأ عنه العذاب وهو الجلد، ويكتفى بذلك، ويبقى الأمر بينه وبين ربه، فإن كان صادقاً فلا شيء عليه، وإن كان كاذباً فقد أقسم كاذباً أربع مرات، ثم لعن نفسه إن كان كاذباً وهو كذلك. قال تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور:8]، ثم يؤتى بالزوجة المتهمة المقذوفة فتشهد أربع شهادات، وتشهد الله على أن زوجها فلاناً قد كذب عليها في اتهامها بالزنا مع فلان، وتسمي الزوج وتسمي الرجل المتهمة به. وعند الخامسة يقول لها الإمام أو القاضي أو نائبه: يا فلانة هذه الموجبة، أي: الموجبة لغضب الله ولعنته، إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل فيكما من تائب، فإن عذاب الدنيا مهما يكن أخف من عذاب الآخرة، فعندما تصر تقول في الخامسة: إن غضب الله عليها إن كان هو صادقاً في تهمته.
سبب كون اللعنة على الرجل والغضب على المرأة
سبب كون اللعنة على الرجل والغضب على المرأة ولم ذكر الزوج بالعذاب والزوجة بالغضب؟ لأن الغضب يكون على الجرم والإثم عن علم، وعن نية مبيتة وقصد سابق، ومن هنا عندما أمرنا الله جل جلاله بتلاوة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة فرائض ونوافل، علمنا أن ندعو الله فيها: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة:6 - 7] وهم اليهود، فقد غضب الله عليهم لأنهم ضلوا عن علم ومعرفة سابقة، وضلوا عن أنبياء كثر علموهم وهدوهم وأرشدوهم وبلغوهم رسالة الله، وقد وصف لهم نبينا عليه الصلاة والسلام الوصف البليغ الوافي، ومع علمهم بذلك حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم، وحسدوا العرب أن تكون النبوءة فيهم، فكانوا مغضوباً عليهم، وكان النصارى ضالين، لأنهم ضلوا عن جهل، فتلاعب بهم اليهود أيام عيسى، وتلاعبوا بهم بعد رفع عيسى حتى ضلوا. ومن هنا كانت اللعنة على الرجل إن كان كاذباً أي: الطرد من الرحمة، وأما هي فتدعو على نفسها بالغضب إن كان زوجها صادقاً. هذا الحكم -وهو اللعان- يرفع به الحد عنها وعنه، فهي لا ترجم وهو لا يجلد، فهذا حكم الله الواجب الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وأصبح حكماً مجمعاً عليه في جميع المذاهب دون خلاف من أحد.
سبب نزول آيات اللعان
سبب نزول آيات اللعان لما نزلت الآية جاء سعد بن معاذ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أهكذا نزلت الآية؟ أيرى أحدهم فاحشة في زوجته فيتركها إلى أن ينتهي الزاني منها، وهو يبحث عن أربعة شهود؟! ولا يكاد يجدهم حتى يكون الزاني قد أتم حاجته، وفي هذه الحالة إن سكت سكت عن بلاء عظيم، وإن قتل قُتِل، وإن اشتكى جلد حد القذف، فيقول له النبي عليه الصلاة والسلام وكان الأنصار حاضرين: ألا ترون يا أيها الأنصار إلى سيدكم كيف يقول؟ فقالوا له: يا رسول الله، اعذره ولا تؤاخذه فهو رجل عرف بيننا بالغيرة، فما تزوج في حياته إلا بكراً، وإن طلقها فلا يجرؤ أحد على الزواج منها، فقال سعد: والله إني يا رسول الله لأعلم أن هذا أنزل عليك، وأنه الحق من ربك، وآمنت وسلمت، ولكن كيف؟ إذا سكت الإنسان سكت على بلاء، وإذا قتل قتلتموه، وإذا قذف ضربتموه! قال هذا عند نزول آيات القذف. وكان سبب نزول هذه الآيات أن رجلين أحدهما يقال له: عويمر العجلاني، والثاني يقال له: هلال بن أمية وقع لكل منهما قصة، فأما هلال فهو أحد الثلاثة الذين خلفوا عن حضور معركة تبوك، وأدبوا بالهجران خمسين يوماً متصلة، وقد رجع هلال من صلاة العشاء مع رسول الله وإذا به وهو يدخل الدار يرى على بطن زوجته شريك بن سحماء، يقول هلال: رأيت ببصري، وسمعت بأذني. فكره النبي صلى الله عليه وسلم ما سمع من هلال، وبان ذلك في وجهه صلى الله عليه وسلم، وإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يقول له: (بينة أو حد في ظهرك) أي: إما أن تأتي بأربعة شهود تشهد لك بالذي زعمته من قذف امرأتك، وإلا فالحد ثمانون جلدة على ظهرك، فأخذ يقول هلال: والله لم أكذب يا رسول الله! فماذا أصنع؟ كيف آتي بالأربعة شهداء؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يكرر: (بينة أو حد في ظهرك). وإذا بنفس المجلس تأخذ البرحاء رسول الله صلى الله عليه الصلاة والسلام وينزل الوحي، فيظهر ذلك في وجهه من شدة ما تأخذه حتى يعرق وجهه صلى الله عليه وسلم، ويسيل منه مثل الجمان عرقاً، فانتظر الكل ساكتاً، وإذا برسول الله عليه الصلاة والسلام ينفك عنه جبريل، وينزل الوحي بما نزل: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [النور:6] إلى آخر الآيات. وإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يأمر أن تحضر زوجته واسمها خولة، ويأمر بحضور شريك المتهم به، فحضر الثلاثة، وكان ذلك بعد صلاة العصر، وكان القوم لا يزالون حاضرين، وإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يقول لـ هلال: (أتقسم بالله أربع شهادات؟ قال: نعم) فأخذ يقسم هلال بالله صادقاً، وأنه ما كذب على زوجته خولة، وما كذب على من اتهمه بها، وعند انتهائه من الشهادة واليمين الرابع قال له صلى الله عليه وسلم: هذه الموجبة، فاتق الله، وأخذ يعظه: إن عذاب الآخرة لأشد من عذاب الدنيا، وإذا بـ هلال يصر، فلعن نفسه وقال: إن لعنة الله عليه إن كان كاذباً على زوجته خولة، وعلى من اتهمها به وهو (شريك)، ثم أتي بالزوجة فأقسمت أربع شهادات والنبي يقول لهما معاً: (إن الله يعلم إن أحدكما كاذب، فهل فيكما تائب؟) فأشهدت الله مقسمة بأن زوجها هلالاً يكذب عليها، وأنا ما زنت لا مع شريك ولا مع غيره، قالت: إنما كان هلال غيوراً، وكان يسمر معنا شريك، فكان ذلك يؤذيه ويؤلمه، فأراد إبعاده بما اتهمها واتهمه به. وعند الخامسة قال لها رسول الله نفسه عليه الصلاة والسلام: (هذه الموجبة) أي: التي توجب الغضب والعذاب، ولعذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فتوقفت قليلاً حتى قال الرواة: كادت أن تنكل وتنكص عن أيمانها، وتعترف بما صنعت وبما فعلت، وإذا بها بعد لحظات وهي ساكتة قالت: لن أفضح قومي سائر اليوم، وإذا بها تقول إن غضب الله عليها إن كان زوجها هلال صادقاً. وكان مما اتهمها به هلال أنه لم يقربها من أربعة أشهر، وأنها حامل وهو ينتفي من الولد ومن الحمل زيادة على الاتهام، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتفريق بينهما وبفسخ النكاح لا بطلاق، ولم يجعل لها نفقة، ولم يجعل لها سكناً، وقال: (إن ولدت فولدها ينسب لها ولا ينسب لأبيه، ومن قذف الولد أو قذف المرأة بعد ذلك يحد حد القذف) أي: كما أن الأيمان التي أقسمت درأت ودفعت عنها الحد فيدفع عنها الاتهام والقذف والشتيمة، ويبقى الأمر بينها وبين الله، وأما الولد فينسب لأمه. ثم قال عليه الصلاة والسلام: (انظروا إن أتت به أورق جعداً حمش الساقين دقيقهما فهو لـ هلال، وإن أتت به أكحل العينين، سابغ الأليتين فهو لـ شريك). وإذا بأهل المدينة يرقبون ولادتها ليروا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام من صفة الوليد، وإذا بها تلد، قالوا: وحضر ولادتها أكثر ما يمكن من أهل المدينة، وإذا بالوليد أشبه ما يكون بـ شريك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لولا ما سبق من حكم الله، ولولا ما سبق من الأيمان لكان لي معها شأن). ولكن حكم الله كان هكذا، ويبقى الأمر بينها وبين ربها، وبينه وبين ربه، قال الرواة: كبر هذا الوليد وشب وكان من أنجب الناس، ثم كان أميراً على مصر بعد ذلك. أما عويمر العجلاني فإنه أرسل لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابن عمه عاصم، فقال لرسول الله: يا رسول الله! إن عويمراً يقول ويقول، فكره هذا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإذا بـ عاصم يرجع لابن عمه ويقول: ما لقيت منك اليوم من شر، لقد لقيت البلاء، وقد تجهم وجه رسول الله من سماع كلامي وكرهه، وإذا بـ عويمر يحضر بنفسه، فقال نفس ما قال هلال، واتهم زوجته كما اتهم هلال زوجته، وكان صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم معهما كصنعه مع هلال وزوجته خولة. وهذا ما يسميه الفقهاء باللعان، واللعان فعال، أي: تلاعن بين اثنين، وهي ملاعنة بين الزوج والزوجة، وهو يقوم مقام الشهود الأربعة. وهنا تكون السورة الكريمة قد بينت حكم ثلاث جرائم لها حدود ولها شهادات: حد الزنا، وحد القذف، وحد اللعان، وحكم اللعان يكاد لا نسمعه في الأرض منذ قرون، وإن كان بعض شيوخنا من قضاة العدل في المغرب حكم باللعان في قضية، فكان سبب عزله؛ لأن قرار الدولة وقانونها يمنع اللعان، ويقول: قد كثر الفساد وقلت الثقة؛ فهذا لم يبال بذلك، فحكم باللعان وأثبته وقام بحكم بحد من حدود الله، فكان سبب عزله فلم يبال. ثم بعد ذلك قال تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةُ} [النور:8 - 9] أي: الشهادة الخامسة، أي: اليمين والقسم الخامس: أن تشهد {أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [النور:9].
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته)
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) وقال الله بعد ذلك: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [النور:10]. أي: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لتحرجتم ولفسدت أسر، ولاتهم أشخاص بالفاحشة دون متابعة ولا عقاب، ولأدخل في الأسر من ليس منهم. فقوله: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} [النور:10] أي: لولا أن الله تفضل عليكم وما قرره من أربع شهادات ومن لعنة وغضب، لانتشرت الفاحشة بين الأزواج وعجزوا عن علاج ذلك؛ لأنهم إن قتلوا قتلوا، وإن قذفوا جلدوا، وإن أبقوهم حتى يأتوا بأربعة شهداء يكون الزاني والزانية قد انتهيا من الزنا، ويبقى الوليد منسوباً للأب؛ إذ الولد للفراش وللعاهر الحجر، فيجلد الزوج ويبقى الولد ولده؛ لأن معنى الجلد أنه كاذب، ولكن من فضل الله ورحمته بالناس أن جعل لهذا حكماً. قوله: {وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ} [النور:10] فيتوب على من تاب ولو كان ذلك بعد الجريمة وبعد اللعنة وبعد الغضب، وحتى بعد حد القذف وبعد حد الزنا. (حكيم) فيما أصدر من أحكام، وأمر به من أوامر، ونهى من نواه.
النور [11 - 13]
تفسير سورة النور [11 - 13] لقد خاض المنافقون في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم واتهموا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالإفك، وقد برأها الله تعالى من ذلك وأنزل في ذلك قرآناً يتلى.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:11]. هذه القصة -وهي في عشر آيات ابتداءً من هذه الآية- هي سبب نزول السورة كلها. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ} [النور:11]. الإفك: أشد أنواع الكذب، وهو قلب الحقائق، والافتراء على الله، والكذب على الناس بما لا يصدر عنهم، وبما لا يمكن أن يكون منهم. وكان هذا الافتراء على السيدة المطهرة أم المؤمنين عائشة، وهي أحب نساء الرسول صلى الله عليه وسلم إليه بعد السيدة خديجة رضي الله عنها، فافتري على أم المؤمنين عائشة واتهمت بالفاحشة وحاشاها من ذلك، ولولا أن الله ذكر هذا ليبرأها لما وجدنا لساناً ينطق به، ولما قدمنا الكلام به، ولكن شيئاً قد قيل، وكانت البداية سيئة، وكانت النهاية مكرمة ورفعة لأم المؤمنين، ورفعة لـ أبي بكر وآله وزوجته أم رومان، ورفعة للمتهم صفوان بن المعطل. {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ} [النور:11]. أي: جاءوا بالكذب والافتراء على السيدة عائشة أم المؤمنين. {عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور:11] جماعة منكم، فيهم نساء وفيهم رجال. {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ} [النور:11]. أي: لا تظنوه كان شراً لكم، بل كان طريقاً للرفعة، وكان طريقاً للخير، وقد يأتي الخير عن طريق الشر، وقديماً قال العرب في جاهليتهم: رب ضارة نافعة، وقال ربنا جل جلاله: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:216]. فكانت هذه التهمة القاسية التي تألم لها رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً كاملاً قبل البراءة، وتألمت لها عائشة شهراً كاملاً وهي تبكي، وتألم لها أبو بكر، وتألمت لها أم عائشة أم رومان، وكان الحزن مخيماً على البيت النبوي، وعلى بيت أبي بكر، وعلى آل محمد صلى الله عليه وعلى آله، وهم يعيشون في أحزاناً متوالية، ولم يستطيعوا أن يصنعوا شيئاً. {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ} [النور:11]. لكل كاذب من هؤلاء كان امرأة أو رجلاً إثمه وجرمه وعذابه ونقمة الله منه بمقدار ما اكتسبه من الافتراء والكذب على الله، والكذب على البيت الطاهر، والكذب على عرض سيد البشر وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم. {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:11]. وكبير هؤلاء الذي أفشى ووشى ذلك، وكذب في ذلك له العذاب العظيم، وما العذاب له إلا الخلود في النار والغضب واللعنة الدائمة في الدنيا والآخرة. والقصة كما وردت في السنن والمسانيد والصحاح عن عائشة رضي الله عنها نفسها، وعن أمها أم رومان، وعن ابن عباس وعن الجماهير من الصحابة، يدخل حديث بعضهم في بعض، مجموعه وملخصه كما في البخاري ومسلم ومسند أحمد تقول عائشة وهي صاحبة الشأن: كان من عادة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أنه إذا أراد غزاة أو خروجاً من المدينة أن يخرج معه أحد أزواجه، ولا يفضل واحدة على أخرى، ولكنه يصنع القرعة، فأيها خرج سهمها خرجت معه، وفي غزوة من الغزوات أقرع بين النساء وإذا بالقرعة تخرج لـ عائشة، فخرجت عائشة مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فغزا وجاهد وحارب، وأتم غزوته وحربه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تقول عائشة: وبينما نحن عائدون وقد قربنا من المدينة المنورة إذا بالجيش النبوي ينزل ويستريح ليلاً، قالت: فخرجت لقضاء حاجة فغبت قليلاً ثم عدت، وإذا بي أنتبه أن عقداً من عقيق ظفار قد ضل مني -وظفار مدينة مشهورة في دولة عمان- ففقدته من عنقها فلم تجده، وكان هذا العقد بمثابة عقد اللؤلؤ اليوم، فعادت لنفس الطريق الذي كانت فيه وهي تبحث إلى أن وجدته، وفي هذه المدة التي بحثت عن العقد كانت القافلة قد ذهبت، وكان هودجها قد كلف به من يحمله، ومن يقود بها جملها، فجاءوا وحملوا الهودج فوضعوه على جملها وهم يظنون أنها راكبة، وكانت لا تزال صغيرة خفيفة اللحم، كما تقول: لم نكن نأكل إلا العلقة من الطعام، فنحن خفاف الأجسام خفاف الأبدان. قالت: فحملوا الهودج وهم يظنونني فيه، وإذا بي أعود فلم أجد أحداً، وقد وجدت العقد ولم أجد الراحلة ولا الجمل ولا الهودج، فجلست في مكاني وأنا أعتقد أنهم سيفتقدونني ويبحثون عني، وإذا بالنوم يأخذني، وإذا بي أسمع عند رأسي رجلاً يسترجع ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! وكيف كان ذلك؟ كان من العادة في الجيوش النبوية المحمدية وجيوش المسلمين في العصر الأول، وفي كل وقت أنهم يدعون مؤخرة تتبع القافلة فيما إذا نسيت شيئاً، أو تركت مريضاً، أو غير ذلك فيأتون به، فكان خلف الجيش في هذه الرحلة صفوان بن المعطل السلمي، فجاء إلى مكان القافلة بعد ساعات، وإذا به يجد أم المؤمنين هي التي نسيت وتركت، تقول عائشة: وكان يعرفني قبل الحجاب، وإذا بي أستيقظ وأسمع الترجيع، والله لم أسمع منه كلمة سواها ولم يكلمني سواها، فأناخ جمله، فصعدت الجمل وذهبت، وأدركنا القافلة مع حر الظهيرة. وإذا بالجيش المحمدي كان فيه منافقون، وكان من عادة هؤلاء المنافقين ألا يجلسوا مع الجيش النبوي مباشرة، إنما ينتبذون في الأركان والأطراف ليتم لهم التكلم والاستهزاء والمسارة في الكيد للإسلام والمسلمين ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هؤلاء المنافقون معهم كبيرهم عبد الله بن أبي ابن سلول، فإذا به يقول: انظروا إلى زوجة نبيكم تبيت الليل كله مع رجل من أصحابه. تقول عائشة: ولما رجعت إلى البيت إذا بي أمرض، وطال مرضي شهراً، وما كنت أنكر شيئاً إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأتيني صباحاً على خلاف عادته عندما أشتكي. أي: أن من عادته إذا اشتكت ومرضت أن يلاطفها ويجالسها ويتكلم معها، ولكن في مدة هذا الشهر كله يأتي إلى الباب ويقول: كيف تيكم؟ أي: كيف تلك المرأة؟ قالت: فقدت منه اللطف الذي كنت أعرفه قبل، ولكن مع ذلك لم يخطر ببالي شيء. وبعد تمام الشهر أرادت حاجة فخرجت معها أم مسطح بن أثاثة، وبينا هي تذهب لحاجتها إذا بها تعثر فتقول: تعس مسطح! فتقول لها عائشة: بئس ما قلت، أتدعين على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر غزوة بدر! وإذا بها تقول لها: يا عائشة! أنت في غفلة مما يقول الناس، قالت: وماذا يقول الناس؟ قالت: يقولون كذا وكذا! قالت: وإذا بكل ما كان بي قد توقف، فعادت إلى البيت، ودخل عليها رسول الله على العادة فوقف عند الباب في صباح اليوم التالي فقال: كيف تيكم؟ قالت له: يا رسول الله، ائذن لي بالذهاب إلى أبوي، فأذن لها، فدخلت البيت وأبو بكر يسمع ما حدث، وأم رومان أمها تسمع ما حدث، فأخذت أم رومان تقول لها: ما الذي جاء بك؟ خطر ببالها أن تكون قد طلقت نتيجة ذلك، وسيكون الأمر عظيماً، وأبو بكر كان يقرأ في العلية في تلك الساعة التي دخلت فيها عائشة، فسمع صوت عائشة فنزل، فأخذت عائشة تسأل أمها: ماذا هناك يا أماه؟ قالت: تحدث الناس وتحدث، فقالت: أسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أسمع ذلك أبي؟ قالت: نعم. وإذا بها تبكي، ويشتد بكاؤها، فنزل أبو بكر على ذلك، فلم يستطع الأب ولا الأم أن يقولا شيئاً.
تبرئة الله تعالى لأم المؤمنين عائشة مما رميت به
تبرئة الله تعالى لأم المؤمنين عائشة مما رميت به وسأل رسول الله أسامة بن زيد مولاه ابن مولاه عما يعرفه عنها، وسأل علي بن أبي طالب، فقال لـ أسامة: ماذا تعلم يا أسامة عن عائشة؟ قال: يا رسول الله! والله ما سمعت إلا خيراً، والله ما رأيت إلا خيراً. وسأل علياً فقال له علي: يا رسول الله! النساء غيرها كثير، واسأل الجارية تصدق، فسأل رسول الله جاريتها وخادمتها وكان اسمها بريرة، وإذا بـ بريرة تقول: يا رسول الله! والله ما أعلم إلا خيراً، ولا رأيت إلا خيراً، وإن يكن شيء في عائشة فهو أنها كانت تعجن العجين فتأتي الداجن فتأكله. أي: هذا كل ذنبها. فسأل زوجاته أمهات المؤمنين الأخريات -أي: سأل الضرائر- سأل زينب بنت جحش، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من ضرائري، فقالت زينب: يا رسول الله! أحمي سمعي وبصري عن أن أقول نظرت سوءاً، وعن أن أقول: سمعت سوءاً، والله ما أعلم عليها إلا خيراً. ولكن تأتي أختها حمنة بنت جحش زوجة طلحة بن عبيد الله فأخذت تقذفها وأخذت تتهمها انتصاراً لأختها عليها. وكذلك مسطح بن أثاثة أخذ يتهمها، وأخذ يشيع ذلك، وحسان بن ثابت شاعر النبي عليه الصلاة والسلام أخذ يتهمها وأخذ يقذفها ويقول ما يقول الناس. وأما الذي تولى كبر المهمة وتولى إشاعتها والتشنيع بها فهو: عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، الذي قال الله عنه: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:11]، فقد عاش منافقاً ومات منافقاً وإلى لعنة الله والجحيم الدائم. تقول عائشة: كنت أبكي ليلي وأبكي نهاري، حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي، وإذا بأمي تريد أن تسليني فتقول لي: يا بنيتي ما كانت امرأة وضيئة حسناء عند زوج يحبها ولها ضرائر إلا وحسدنها، وشنعن عليها، فما يزيدني ذلك إلا بكاءً. وبينا هم على هذه الحال صعد النبي عليه الصلاة والسلام المنبر يوماً فقال للناس: (من عذيري في هؤلاء الذين يشتمون عرضي ويقذفون أمهات المؤمنين) فوقف سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله! إن كان هذا منا الأوس قتلناه، وإن كان من الخزرج فسنفعل به ما تأمر، فقام سعد بن عبادة وقال: والله لن تقتله إلا لأنه ليس من عشيرتك، فقام أسيد ين حضير وقال: إنك منافق تدافع عن المنافقين! وكادوا يقتتلون بالسيوف في المسجد النبوي والنبي على المنبر فأسكتهم. ثم ذهب إلى عائشة فدخل عليها فوجد عندها أباها وأمها في الغرفة التي هي فيها، فقال لها: (يا عائشة، إن كنت قد ألممت بذنب فاعترفي)، تقول عائشة: كانت الدموع جارية على عيني مدراراً، وإذا بي عندما أسمع رسول الله يقول لي: اعترفي، يرقأ دمعي وكأنني لم أدمع قط، والتفتت إلى أبيها فقالت: يا أبت، أجب عني رسول الله، فقال لها: وبماذا أجيبه؟ وسكت، فقالت لأمها: يا أمتاه، أجيبي عني رسول الله، قالت: بماذا أجيبه، وسكتت، فالتفتت هي تجيب فقالت: إنني إن قلت نعم -والله يعلم أني بريئة- سركم ذلك، وإن قلت: والله لم يكن ذلك لكذبتموني ولما صدقتموني، قالت: ولم أكن حافظة إذ ذاك من القرآن الكثير، ونسيت اسم يعقوب أبي يوسف فقلت: ولا أقول لك إلا كما قال أبو يوسف: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف:18]. قالت: بينما نحن كذلك وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذه رحضاء الوحي، وتأخذه الشدة التي تأتيه عادة عند الوحي، وإذا به يتفصد جبينه عن عرق كأنه الجمان واللؤلؤ، ثم يفيق ضاحكاً ويقول: (أبشري يا عائشة، قد نزلت براءتك من الله) ففرح أبوها وفرحت أمها، وقالا لها: اشكري رسول الله، قالت: والله لا أشكره ولا أشكركما، ولا أحمد إلا الله الذي برأني. قالت: والله ما كان ليخطر ببالي أن يتكلم الله عني بعشر آيات وحياً في كتابه، وإن كنت على يقين أن الله سيبرؤني، ولكن كنت أظن البراءة ستكون رؤيا نبوية، فيرى النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً في منامه فيقصه، وأما أن يقول الله عني ما قال فقد كنت أحقر في نفسي من أن يكون ذلك. وبهذا أصبحت عائشة بريئة بنص القرآن، ومن قذفها بعد ذلك يعتبر كافراً حلال الدم. ومن شتم أباها يعزر ولا يكفر؛ لأن الله لم يذكره في القرآن كما ذكر أم المؤمنين عائشة، وأما عائشة فقد برأها الله وطهرها وأشاد بها، فالذي يقذفها بعد ذلك يكون قد كذب الله، وكذب القرآن وكذب الوحي، وهنا يبقى معنى قوله تعالى: {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [النور:11].
عقوبة الذين خاضوا في حديث الإفك
عقوبة الذين خاضوا في حديث الإفك كانت عائشة امرأة من النساء، وكانت من أمهات المؤمنين، فكونها يعتنى بها، وينزل في شأنها عشر آيات متصلات، فهذا لم يكن يخطر ببال، قالت عائشة: وبعد ذلك أمر صلى الله عليه وسلم بكل من تكلم في هذا من نساء أو رجال أن يجلدوا حد القذف، فجلدوا ثمانين جلدة، جلد حسان مع مقامه عند النبي عليه الصلاة والسلام، وجلدت حمنة، وجلد مسطح بن أثاثة، وبذلك برئت عائشة وكرمت، وشرفت، وأصبحت بهذه المثابة، وبذلك سلم عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهذا هو الأهم-، وبقي عزيراً منيعاً كريماً سيداً مصاناً، والنبوءة أكرم على الله جل جلاله من أن تقذف في عرضها وفي شرفها وفي نسائها. ومن هنا جاء قول الله تعالى ونزلت هذه الآيات: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور:11] إلى آخر الآيات. فالله جل جلاله يعلن للخلق كلهم: أن الذين قذفوا وافتروا على الله وقالوا ما قالوه لم يقولوا ذلك عن شيء شاهدوه، ولا عن شيء سمعوه، ولكنهم أبوا إلا الفجور والكذب والبهتان.
براءة أم المؤمنين عائشة وبراءة مريم عليها السلام
براءة أم المؤمنين عائشة وبراءة مريم عليها السلام إن النصارى يحاولون أن يتهموا عرض رسول الله، فقال لهم بعض السلف: إن يقل النصارى هذا فقد اتهمت من يعتقدونها إلهاً وأم إله!! فأما أمنا فلم تحمل في بطن ولا تحمل على يد، وأما الأخرى فجاءت تحمله على يدها، ومع هذا فهي بريئة، وأم المؤمنين كذلك بريئة. ونحن عندما نكرر هذا لا نريد أن نقول شيئاً، فـ مريم عليها السلام هي البريئة المطهرة، وإنما يتهمها اليهود، وأم المؤمنين برأها الله من فوق سبع سموات، وكذلك مريم فإن الله جل جلاله هو الذي جبريل أمر بالنفخ، وكان ابنها آية من آيات الله، حيث خلق آدم بلا أب ولا أم، وخلق عيسى بأم بلا أب، كما خلق حواء بأب بلا أم، والله قادر على ما يشاء، فليس لأحد أن يسأله، وليس لأحد أن يقترح عليه، فهو وحده الفعال المختار، فلا يسأل عما يفعل، وقدرته صالحة لكل شيء، ولذلك نوع قدراته في خلق الإنسان، فخلق البعض -وهو الأب الأول للبشر- بلا أب ولا أم، وخلق حواء بأب بلا أم، وخلق مريم عيسى ابن مريم بأم بلا أب. فـ عائشة بريئة، ومريم بريئة مما اتهمتا به من قبل أولئك اليهود الكفرة، وهؤلاء المنافقين الكفرة، والمغفلين البله ممن اتهموها من الصحابة من مثل حسان، ومسطح، وحمنة، فهؤلاء لم يكونوا راسخين، فنطقوا بما قاله آخرون، وهذا يعتبر قذفاً. ومن كرر كلام الفاحشة في المحصنات من المؤمنات يجلد حد القذف، ويقال له: لماذا تقول ما لم تره وما لم تسمعه وما لم تشهد عليه؟ وقديماً قال صلى الله عليه وسلم: (ناقل الكذب أحد الكاذبين) ومن كذب لك كذب عليك.
معنى قوله تعالى: (عصبة منكم)
معنى قوله تعالى: (عصبة منكم) قوله: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور:11]. أي: لم يكونوا يهوداً ولا نصارى، ولكن كانوا جماعة منكم، ومن هذه الجماعة عبد الله بن أبي ابن سلول الذي تولى كبره، وكان من أهل المدينة، وممن كان يدعي الإسلام وهو كاذب منافق. وممن قال ذلك مسلمون صحابة، ولكن أخذتهم الغفلة والسذاجة والبلاهة، ونسوا مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقام عرضه، فذهبوا يكررون ما قاله المنافقون، وكان منهم حسان وحمنة ومسطح بن أثاثة. وقد دخل أحد التابعين الكبار على السيدة عائشة -وكان بينه وبينها حجاب- فوجد عندها حساناً، فقال: يا أم المؤمنين! أتسمحين لـ حسان أن يدخل عليك وهو الذي قذفك، وهو الذي جلد من أجلك حد القذف، وإذا بها تقول: إن حساناً كان ينافح عن رسول الله، إن حساناً كان ينصب له رسول الله صلى الله عليه وسلم منبراً ويقول له: (اهجهم -أي: الكفار- وروح القدس معك). إن حساناً كان فيما قال: وإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منك وقاء وقد حُدّ، وأرجو أن يكون الله قد تاب عليه، ومع ذلك ماذا تريد أن يكون أكثر من ذلك؟ أهناك عذاب أشد مما يعيش فيه -وكان قد عمي في آخر أيامه-، فقالت: ألا يكفي هذا العذاب والمحنة التي عاش فيها؟ دعوه لعل الله أن يكون قد تاب عليه. وأما مسطح فقد كان من أهل بدر، ومع ذلك جلده رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم يقل عنه ما قاله عن حاطب بن أبي بلتعة عندما خان المسلمين غفلة، وكتب يتجسس عن جيش النبي صلى الله عليه وسلم، وحاول عمر أن يقتله، فوقف على رأس رسول الله عليه الصلاة والسلام وسل سيفه من غمده، وقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: (لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اصنعوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فلم يقتله، ولم يحكم عليه بردة ولا بجاسوسية ولا بخيانة، وإنما اعتبرها غفلة وبلاهة. وأما هذا فجلده مع كونه من أهل بدر. وقوله: {عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور:11] العصبة: الجماعة، ولا مفرد لها من لفظها. {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ} [النور:11]. أي: لا تظن يا محمد أن هذا كان شراً لك، ولا تظني يا عائشة، ولا تظن يا أبا بكر، ولا تظني يا أم رومان، ولا تظنوا يا أيها المسلمون جميعاً أن هذا الذي حدث لمدة شهر كان شراً لكم بل هو خير لكم، حيث زيد فيه مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطهر الله عرضه، وبرأ ساحته، وطهر زوجته، وبرأ ساحتها، وطهر أبا بكر من أن تكون ابنته كذلك، وهو الذي سيكون الخليفة الأول بعد ذلك، وهكذا كان الخير شاملاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأهل بيته ولأمهات المؤمنين، ولـ أبي بكر صاحبه الأول، ولـ أم رومان زوجته، كما قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:216]. وقديماً قال العرب: رب ضارة نافعة! وقد يأتي الخير عن طريق الشر؛ {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [النور:11]. وهكذا كان الخير في التبرئة والتطهير الإلهي، وكان الخير في كذب أولئك وكشف عوارهم، ففضحوا على رءوس الخلائق، وجلدوا على رءوس الخلائق. {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ} [النور:11]. لكل منهم حده من الجلد في الدنيا، ولعذاب الله -إن شاء الله- أشد وأنكى وأبقى، وقد يكون قد تاب على المؤمنين لغفلتهم، وقد أوصى بعد ذلك بـ مسطح كما ستأتي به الآية. وأما المنافق ابن سلول فكان خزيه وعذابه وحده زيادة على عذاب الدنيا العذاب العظيم بالخلود في جهنم والسعير، وهو الذي تولى كبره كما قال تعالى: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:11].
تفسير قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا)
تفسير قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً) قال تعالى: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور:12]. يقرع ويوبخ أولئك الذين كرروا ما سمعوه عن جهل، وأعادوا ما قاله المنافقون عن سذاجة وبلادة وعدم فهم، فقال: (لولا) وهي كلمة تحريض وتحضيض على الفعل. قوله: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} [النور:12]. أي: هلا إذ سمعتم هذا البلاء يقوله المنافقون، ويقوله السذج ممن يكرر ويعيد كل ما يسمع. وهذا تأديب لعموم المؤمنين ألا يقولوا كل ما يسمعون، فلا يقولون إلا ما تأكدوا من صحته. وأيضاً فإن أعراض المؤمنين محرمة، وأعراضهم مصونة محفوظة، فمن حاول أن يتكلم عنها ولو بالإشاعة يعتبر قاذفاً ويحد، فهي حصانة كما تكون للقوم من كبار الناس في الدول هي كذلك لعرض كل مسلم ومسلمة، فمن تجاوزه وهتك هذه الحصانة فإنه يجلد ويهان ويذل، ويفضح على رءوس الخلائق. {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} [النور:12] فهذه أمنا، وهذا نبينا، وهذا هادينا، وهذا صاحب نبينا، وهذه صاحبة نبينا وزوجه وابنة الصاحب الأول، أفيكون هذا؟ هل رأيتم بأعينكم؟ هل سمعتم الفاحشة بآذانكم؟ كلا، ولم إذاً تكررون كل ما تسمعون ولو سمعتموه من الكفرة الفجرة الكذبة؟! {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} [النور:12] ولم أنفسهم؟ لأن المؤمن لا يكون مؤمناً إلا إذا كانت نفس رسول الله أحب إليه من نفسه، وأعز عليه من نفسه، وأعظم عليه من نفسه، ولذلك إذا أوذيت نفس رسول الله أوذينا، وإذا هتك عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم هتك عرضنا، وإذا ضاع شرف رسول الله -ومعاذ الله من ذلك- ضاع شرفنا، فكيف تأتي يا مغفل وأنت مسلم صالح؟! ويا مغفلة فلانة وأنت مسلمة صالحة؟! كيف تقولين مثل هذا عن رسول الله وعن عرضه؟ {وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور:12] الإفك: هو شر أنواع الكذب، ففيه البهت والمواجهة بالباطل وبالكذب، وفيه قلب الحقائق، يقال: فلان أفك على فلان، أي: قلب وجه الحق، وما وجه الحق هنا؟ أم المؤمنين لفضلها ولعلمها ولكونها زوجة رسول الله وحبيبته، ولكونها أم المؤمنين الثانية بعد خديجة، يجب أن يثنى عليها، وأن يشاد بها، وأن يترضى عليها، وأن يستفاد من علمها ومعرفتها وروايتها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا أن تقلب الحقائق فجأة وينتقل المدح إلى ذم، والإشادة إلى إشاعة، فهذا ما لا يقبله عقل، ولا يقبله منطق فضلاً عن دين وشريعة، وهذا بهتان مبين واضح ظاهر. وإذا كان كذلك فقد أوجب الله الحد على من اتهم وقذف وهو لم يسمع ولم ير، ولم يأت بشهود أربعة، فكيف بأن يكون ذلك في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها!!
تفسير قوله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء)
تفسير قوله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء) قال تعالى: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور:13]. أي: هلا أتوا على هذا الإفك والباطل بأربعة شهداء، فإن الله جل جلاله جعل نصاب شهود الزنا أربعة، فهل لكم شهود أو حتى شاهد واحد؟ لم يكن ذلك ومعاذ الله وحاشا الله أن يكون! وفي قوله: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور:13] هنا الله تعالى جعلها كبقية المؤمنات في أن الفاحشة تثبت بأربعة شهداء، فلم يأتوا بهم، فكيف إذاً: يقذفون سيدة جليلة مصانة هي أم لكل المؤمنين، فكيف يجوز ذلك؟ وكيف يقال هذا؟! {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور:13]. أي: هلا أتوا على هذا الإفك المبين الواضح الظاهر بأربعة شهداء، وهم لم يفعلوا، وليس عندهم ذلك، {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور:13]. فعندما لم يأتوا بالشهداء فهم الكذبة عند الله، وكذلك عند الناس، ولذلك فلهؤلاء اللعنة والخزي.
النور [14 - 20]
تفسير سورة النور [14 - 20] وبخ الله المؤمنين الذين خاضوا في حديث الإفك، وحذرهم من العودة إلى ذلك، وزجر المنافقين وحذر منهم، وتوعد الذين يحبون أن تشيع الفاحشة بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، ونهى المؤمنين عن اتباع خطوات الشيطان.
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة)
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة) قال الله جل جلاله: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:14]. لا نزال مع فرحة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حيث أكرمها الله بعد أسابيع قاسية شديدة من الاتهام والكلام الباطل من المغفلين والمنافقين، إلى أن برأها الله جل جلاله من فوق سبع سموات، وفرض على المنافقين وعلى المغفلين بأن يحدوا الحد اللازم؛ لأنهم قالوا ما لم تر أعينهم، ولم يحضره شهودهم، فاستحقوا بذلك ثمانين جلدة: {جَزَاءً وِفَاقًا} [النبأ:26]. مع فضيحتهم بذلك أمام المؤمنين، وبذلك يكون ما قالت عائشة: لقد كانت نفسي أقل علي وأحقر من أن أبرأ بوحي ينزل من السماء، وآيات تتلى في سبيلي إلى يوم البعث والنشور، وكل ما كنت أنتظر أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا يبرئني الله فيها، ويظهر حقي وعفتي وشرفي. فنحن لا نزال في سياق الآيات النازلة في تبرئة عرض الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمنا أم المؤمنين عائشة، وقدسية النبوءة والرسالة، وما أوجب الله في ذلك من حد وعقوبة وفضيحة. قال تعالى بعد ذلك: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:14]. أي: لولا فضل الله أنه اكتفى بأن يعاقب المؤمن المغفل منكم ثمانين جلدة، وأن يعلن ذلك بمحضر طائفة من المؤمنين؛ لولا ذلك {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:14]. قوله: (أفضتم فيه): أي: تجمعتم من أجله، وروى بعضكم عن بعض باطلاً، فروى ما لم ير، ونقل ما سمع من غير تثبت، ومن غير حقيقة، ومن غير واقع، فلولا فضل الله واكتفاؤه بالجلدات الثمانين لمسكم في هذا الحديث وهذا البهتان عذاب أليم في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا بالجلد ثمانين جلدة، وقد كان ذلك، وفي الآخرة بألا تغفر ذنوبهم، وبأن يعاقبوا بالنار والنكال، ولعذاب الله أشد وأنكى. هذا بالنسبة للمؤمنين، فإن الله رحمهم، وتفضل عليهم، وأما بالنسبة للمنافقين فلا فضل ولا رحمة ما لم يؤمنوا بالله، ويعلنوا توحيد الله، ويزيلوا النفاق من نفوسهم، فحُدَّ من حُدَّ من المؤمنين الذين استغفلوا، ثم تاب الله عليهم، وحد عبد الله بن أبي ابن سلول فكان عذاباً في الدنيا وفضيحة، ولعذاب الله أشد وأنكى يوم القيامة، إذ لا توبة لكافر يوم القيامة.
تفسير قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم)
تفسير قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم) قال تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور:15]. أي: تأتون إلى هذا الشيء العظيم من البهتان والكذب والافتراء، فتلقونه بألسنتكم، يلقي بعضكم لبعض قولاً، ويقول سمعت عن عائشة كذا، وسمعت عن صفوان كذا، وقال الناس كذا، وتحدثوا بكذا، فهذا التلقي بالألسنة دون رؤية بعين، ودون تثبت، وفي شيء عظيم. {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ} [النور:15]. والأفواه جمع فاه، وهذا الجمع لا مفرد له من لفظه، فالمفرد هو فم، والأفواه جمع (فو)، تقول: نطق فوك، ورأيت فاك يتحدث، ونظرت إلى فيك وهو يتكلم ويتحدث، وهو من الأسماء الخمسة التي ترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجر بالياء. {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [النور:15]. الألسنة تنطق بشيء لا علم لها بحقيقته، وهل توجد مصيبة أعظم من أن يأتي الإنسان ويسمر ويلهو بأعراض المؤمنين، فكيف بأعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأعراض أمهات المؤمنين! هؤلاء الذين قالوا ما قالوا لم يزعم أحد منهم أن عينه رأت، ولم يزعم أحد منهم أنه اشتبه فيما يشك فيه، ولكن أحدهم تلقى قولاً من الآخر فتبادلوا القول والسماع، يقول: سمعت فلاناً يقول فقلت، وقال فلان فقلت؛ {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [النور:15]. نطقت الأفواه بشيء لا علم لكم به ولا يقين ولا ظن، إن هي إلا أوهام أشاعها المنافقون أعداء الإسلام، وأعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبتم تعيدونه وتذكرونه من غير تثبت: كيف يحل هذا؟ وكيف يجوز؟ {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا} [النور:15]. تظنون أن القول سائغ، وأن القول لا يكاد يمس شيئاً، ولكنه عظيم جداً، فهو طعن في رسول كريم هو سيد الأنبياء وخاتمهم، وطعن في أم من أمهات المؤمنين وزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنطق بمثل هذا ليس هيناً في نفسه، بل هو عظيم عظيم، وهو كذلك عظيم عند الله. كيف يبعث الله رسولاً لا عرض له؟ وكيف يزوجه بنساء غير عفيفات ولا طاهرات؟ وكيف تقبلتم هذا وتحدثتم فيه؟ وكيف استسهلتم تبادل القول فيه؟! وهذه سياط إلهية يعظ الله بها المؤمنين الأول، كما يعظ المؤمنين الذين يأتون بعدهم بألا يتكلموا على الأعراض لمجرد السماع، أي: لكل من الناس أم وزوجة، ولكل من الناس بنت، فمن الذي يهون عليه أن يسمع الفاحشة تذكر عن أمه، فإن ذكرت فمعنى ذلك أنه لقيط لا أب له، فهذا الذي لا تريده لنفسك، فكيف يقبله المغفلون في حق السيدة البرة الطاهرة، العالمة الصالحة، الغافلة عما أريد بها؟ فهذه قوارع إلهية، وهذا توبيخ إلهي لمن قال هذا القول من هؤلاء. وأما النصارى والمنافقون فيقال: الشيء من معدنه لا يستغرب، فإن ما يعشون فيه من كفر وشرك هو أعظم بكثير مما زعموه، ولكن البلاء عندما يصدر مثل هذا من مثل حسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، ومن مثل ومسطح بن أثاثة، وكل هؤلاء رجال صالحون أطهار. وقد كان حسان لسان رسول الله وسيفه المدافع، وكان الأخر رجلاً صالحاً من المهاجرين الأول، وحمنة هي أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش، فكيف يا هؤلاء الثلاثة وأنتم على صحبتكم وعلى دينكم يغركم المنافقون، ويتلاعبون بكم حتى تنطقوا بما تنطقون به؟! قوله: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا} [النور:15] أي: شيئاً سهلاً لا يكاد يؤذي أحداً، ليتذكر كل إنسان في نفسه لو طعنت أمه في شرفها أو زوجته أو بنته كيف سيكون حاله، فكيف والشرف شرف رسول الله، والعرض عرض رسول الله، والمطعونة أم من أمهات المؤمنين، وهي أحب إلينا من أمهاتنا وجداتنا، وكل ما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون هكذا عند كل مؤمن. في مسند أحمد، وأخرجه البخاري ومسلم يقول صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم لينطق بالكلمة لا يلقي لها بالاً، فيهوي بها في جهنم سبعين خريفاً). أي: إن أحدكم يا أيها الناس! ينطق بالكلمة لا يفهم لها معنى، ولا يلقي لها بالاً، ولا يهتم بها، ولكنها في نفس الأمر كلمة عظيمة، فيكون جزاؤها أن يهوي الإنسان في قعر جهنم سبعين خريفاً، أي سبعين عاماً، إذ لكل سنة خريف واحد، فيبقى يهوي في قعر جهنم سبعين سنة، ويعذب فيها نتيجة هذه الكلمة. وطالما كان سلفنا الصالح يتحدثون متداعبين بكلام المزاح فيما يجوز فيه أن تكون المداعبة والمزاح، وإذا بأحدهم ينطق بكلمة يراها الحاضرون عظيمة وكبيرة، فمثلاً: كان جماعة من طلاب العلم يتجولون بين بساتين الأندلس ورياضها -أعادها الله دار إسلام بفضله وكرمه- وأخذت السماء تلقي رذاذاً ومطراً خفيفاً، فقال لهم أحدهم: إن الدباغ يرش جلوده، وهو يريد بذلك أن يتضاحك ويمزح، وإذا بالآخرين يقفون ويعبسون وجوههم، وقالوا: أتدري ما الذي قلت؟ لقد ارتددت عن الإسلام، فأصر على أنه كان يمزح، فاحتسبوا عليه، وما أتى الليل في ذلك اليوم إلا ورأسه مفصولة عن جسده. ومن هنا فإن الطعن في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس كالطعن في غيره، ومن رحمة الله أنه اكتفى بجلد هؤلاء ثمانين جلدة، وإلا فالعقوبة أصبحت بعد ذلك القتل والردة. وقد أجمع العلماء على هذا بعد أن نبه الله المؤمنين بهذا المسلسل من هذه الآيات الكريمة، ولذلك يقول الله بعد ذلك: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور:17].
تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا)
تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا) قال تعالى: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور:16]. قال لهؤلاء المتكلمين القاذفين ممن جمعوا وجلدوا: أين ذهبت عقولكم؟ كان ينبغي عليكم وأنتم المؤمنون الصالحون، وفيكم المهاجرون والأنصار، وفيكم من حضر عزوة بدر، أما كان يليق بكم والأجدر بدينكم: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا} [النور:16]. أي: لا يليق بنا ولا يجدر بنا ولا يجوز لنا أن نتكلم بهذه الفاحشة في عموم المسلمين، فكيف بأم المؤمنين!! فليس مما يليق بمؤمن ومسلم يجل نبيه، ويكرم أمهات المؤمنين أن يعيد كلاماً لم تره عينه، ولم تتأكد منه نفسه، فيذهب فيلقي الكلام على عواهنه، ويتلاعب بالأعراض الطاهرة والأعراض العفيفة البريئة. دخلت أم أيوب زوجة أبي أيوب الأنصاري على زوجها فقالت: أسمعت يا أبا أبوب ما يقول الناس في عائشة؟ فوضع يده على فيها وأسكتها، وقال: اسكتي! ولو ذكرت لكانت من القاذفات، ولجلدت. فسمع الكلام ولم يكرر، وقال: بمجرد ما أشارت: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور:16]. فكان من دينه ككل الصحابة الذين سمعوا هذا هو أنهم ظنوا خيراً. قوله: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ} [النور:16]. ينزه الله نفسه ويقدسها عن أن يكون له نبي ينتهك عرضه، هكذا فسر الآية أقوام، وقال البغوي: (سبحانك) هنا للتعجب، وهي تقال عادة في لغة العرب كذلك؛ يعجب الله كيف أن هؤلاء مع إيمانهم ودينهم وصلاحهم يتسلل إليهم مثل هذا القول، فيعيدونه ويسمرون عليه، ولا يتذكرون العاقبة من هذا القول فيقولون: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور:16]. والبهتان هو الافتراء على الله بالكذب الذي لا حقيقة له لا إشارة ولا تلويحاً ولا تصريحاً، لا من جهة عائشة، ولا من خلقها، ولا من بيتها، ولا من أمها، ولا من أبيها. فكان الأجدر أن تجل عائشة عند هؤلاء وتحترم، وتذكر بالصالحات، لمقامها في نفسها، ولمقامها من أبيها، ولمقامها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هؤلاء لبلاهتهم تكلموا في ذلك، ويوم يكثر هذا في الصالحين فيتكلمون بالقول ولا يلقون له بالا، ويحسبونه هيناً كما قال ربنا وهو عند الله عظيم، فإنه مفتاح شر عظيم.
تفسير قوله تعالى: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله)
تفسير قوله تعالى: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله) قال تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور:17]. وبخ الله وقرع، وهذب وعلم، وأصدر أحكاماً بالحدود على من قال ذلك من المؤمنين والمنافقين، فحد أربعة، وهم الذين قالوا ذلك وثبت عنهم، ورددوه وسمروا فيه. وكان كبيرهم في ذلك من قال الله عنه: {والذي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:11]. والذي تولى الكبر هو كبير المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول، فجلد ثمانين جلدة، وجلدت زوجة طلحة بن عبيد الله حمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش ثمانين جلدة، وجلد الشاعر حسان بن ثابت ثمانين جلدة، وجلد مسطح بن أثاثة المؤمن الصالح كذلك، وهو الذي حضر غزوة بدر، وهو المجاهد والمستشهد في سبيل الله، لكنهم قالوا ذلك غفلة وسذاجة، وقالوا ذلك ضعفاً. ولذلك وعظ الله هؤلاء وأوجب عليهم الحد، وقد حدوا، وحد ابن أبي، لكن ابن أبي لا رحمة له ولا مغفرة، ولا تقبل توبة من كافر حتى يؤمن بالله ويوحد الله، ويؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأن الإسلام حق، وأنه لا نبي بعد محمد، ولا دين بعد الإسلام، ولا رسالة، ولا نبوءة بعد النبي صلوات الله وسلامه عليه. قوله: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ} [النور:17] أي: يحرم عليكم {أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا} [النور:17] أي: أن تعودوا للقذف، والخوض في أعراض أمهات المؤمنين بالدرجة الأولى، وأعراض المؤمنات الغافلات المحصنات الصالحات، ولذلك، من عاد في طعن أمهات المؤمنين -وفي الدرجة الأولى عائشة - فإنه يقتل ولا يجلد فقط، وذلك لأمور: أولاً: لأنه اتهم من برأها الله تعالى من فوق سبع سموات. ثانياً: لأنه آذى رسول الله في عرضه. ثالثاً: لأنه افترى على الله الكذب. ولو رأينا منافقاً، أو مغفلاً من المسلمين أو يزعم أنه من المسلمين، ومن باب أولى إن كان منافقاً أو كافراً، فبمجرد ما يثبت عنه أنه نطق بذلك، فإنه يقتل ولا تقبل له توبة. فالمعنى: يحذركم الله أن تعودوا لمثله في أعراض المسلمات دون تثبت وأربعة شهود. {إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور:17] أي: هذا إن كنتم مؤمنين حقاً، أما إذا لم يكونوا مؤمنين فلا يقبلون موعظة، ولا يقبلون أمراً ولا يقبلون نهياً، وما هم فيه من شرك وكفر هو أعظم بكثير مما يتلقاه ألسنتهم وتنطق به أفواههم.
تفسير قوله تعالى: (ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم)
تفسير قوله تعالى: (ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم) قال تعالى: {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:18]. يبين لكم الله حلالاً وحراماً، ويوضح ويفسر الأحكام، وينزل فيها الآيات على عبده ونبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه، فلا يدعكم على جهل، ولا يأمركم بما لا يعلمكم، فقد علمكم أن القاذف لعرض محصن أو محصنة جزاؤه ثمانون جلدة، ويحضرها طائفة من المسلمين. ومن طعن بعد ذلك وقذف أماً من أمهات المؤمنين، وعرضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن برأ الله عرض محمد، وشرف محمداً وأمهات المؤمنين، صلى الله على نبينا ورضوان الله عليهم، من عاد لهذا بعد ذلك فإنه يقتل ولو قال: أنا تائب. ولـ ابن تيمية رحمه الله كتاب عظيم في مثل هذا المعنى اسمه (الصارم المسلول على شاتم الرسول)، طبع غير مرة، وهو يتجاوز سبعمائة صفحة، يقول على من مس رسول الله صلى الله عليه وسلم وآذاه في عرضه أو في رسالته، أو في شخصه، بكل نوع من أنواع الإيذاء: يقتل ولو قال: أنا تائب. واستشهد على ذلك بالعديد من النصوص الواقعية في الحياة النبوية، وحياة الخلفاء الراشدين، وبالأدلة المتضافرة المتواترة المتكاثرة: في أن من نال رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي نوع من أنواع الإيذاء، أو قل الأدب مع مقامه الكريم، فإنه يقتل ردة ولو قال: أنا تائب. وقوله: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور:17]. أي: فإن لم يكونوا كذلك فسيعاملون معاملة الكافر، ومعاملة الكافر أن تقام عليه الحدود في الدنيا، فإن أصر على الكفر فعذاب الله أشد وأنكى. قال تعالى: {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:18]. أي: يبين الحلال من الحرام، ويوضح الأوامر والنواهي، ويوضح الأحكام في ما يجب أن تقوموا به، وما يجب أن تتركوه. ((وَاللَّهُ عَلِيمٌ)) بالصادق في دينه، الصادق في حاله، وبالكاذب المنافق المتظاهر بالإسلام وهو كاذب. ((حكيم)) فيما أمر به ونهى عنه، حكيم في حدوده التي أمر ألا يتجاوزها مسلم، ومن فعل فعليه من الله العقوبة قتلاً أو صلباً أو تقطيعاً أو جلداً أو نفياً من الأرض، كل حسب جرمه وذنبه، وهو أيضاً حكيم بعباده فيما يصلحهم في دنياهم وأخراهم.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة) قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النور:19]. كان الكلام الأول مع القذفة جهلاً عن بلادة، وهذه تخص المنافقين، وتخص من لا يهمه دينه، فأشبه المنافقين والكافرين، فهؤلاء موقفهم أعظم من القاذف بلادة وغفله؛ لأن هؤلاء يقذفون ويحبون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين. فقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا} [النور:19] أي: إن الأشخاص الذين يشيعون الفاحشة فيتهمون فلاناً في دينه، وفلانة في شرفها، ويتهمون فلاناً في صدق بنوته لأبيه، وفي صدق أبوته لأولاده، ثم هم يحبون أن يشيع ذلك، وأن يعلنوه على الملا، ظناً منهم أنهم بذلك يذلونه ويحقرونه، فهم يحبون هذا، ولا يفعلونه غفلة، ولا سذاجة، ولا بلادة، بل حقداً على المسلمين، ونشراً للفواحش بين المسلمين، وتشهيراً بهم وبإيمانهم وإسلامهم، ولا يفعل هذا مسلم، فإن فعله فيكون أقرب إلى الكافرين منه إلى المؤمنين، ويدخل تحت عموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن أحدكم لينطق بالكلمة لا يلقي لها بالاً، فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً). وقوله: {أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} [النور:19] الإشاعة: الإذاعة، أي: يحب إشاعة الكلمة، يقولها في المجلس، ويقولها في السمر، ويقولها في السفر، ويقولها في الحضر، كما فعل ابن أبي المنافق؛ إشاعة للفساد، وإشاعة لانتهاك الأعراض، وأذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وللمقدسات والمكرمات والعفيفات من أمهاتنا أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن، وإشاعة للفواحش في المسلمات المؤمنات الغافلات المحصنات، فمن يكون هذا عمله وهذا حبه ورغبته فإن الله ينذرهم ويهددهم ويتوعدهم: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:19]. العذاب الأليم بالضرب الغير الكاسر لعظم، ولا الشاق للحم، ولكنه مع الذل والمهانة، بأن يحضر عذابهم وضربهم ومذلتهم طائفة من المؤمنين، وبأن يكون ذلك عقب صلاة الجمعة، والناس تخرج من بيت الله؛ تأديباً لهذا، ووعظاً له. وإن كان الأدب لا يفضي إلى الموت فذاك زجر له لكي لا يعود، وزجر للآخرين الذين قد تحدثهم أنفسهم بأن يفعلوا مثل فعله، فإن كان كافراً فهو سيقتل، فيكون زجراً لأمثاله، وعقوبة لأمثاله، ويفضي هو إلى ربه إن شاء غفر وإن شاء عذب. وإن كان من المعلوم في الفقه الإسلام وعند المذاهب أن الحدود كفارات، فمن أقيم عليه حد من الحدود يكون كفارة لعمله إن مات وهو غير مصر عليه، ومات وهو على التوحيد والإيمان. قوله: {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [النور:19]. وعذاب الله في الآخرة يكون بالنسبة للمنافق وللكافر، والعذاب هو الخلود في النار على كفره ونفاقه وعدم إيمانه. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النور:19] الله يعلم الصادق منكم من الكاذب، ويعلم المؤمن من الكافر، ويعلم من قال كلمة عن غلط وعدم فهم، ومن قالها عن رغبة وحب لإشاعة الفاحشة بين المؤمنين؛ إذلالاً للمؤمنين وللإسلام الذي تمسك به هؤلاء. ومما يجري في عصرنا أن يشتم الصالحون شتماً للإسلام، وأن يذم العلماء ذماً للإسلام، وأن يذم العابدون والزاهدون والصالحون ذماً للإسلام وطعناً في الإسلام، ومن يفعل ذلك يوشك أن يرتد وأن يخرج عن الإسلام؛ لأنه بذلك لم يطعن في شخص بعينه، وإنما طعن فيه لأنه رمز من رموز الإسلام، ومظهر من مظاهر الإسلام، ومن فعل ذلك يوشك أن يعذب في الدنيا بإقامة الحد، وفي الآخرة بعذاب الله الخالد في النار.
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم)
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم) قال تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النور:20]. جواب الشرط مفهوم من الكلام، أي: لولا فضل الله عليكم أيها المؤمنون ورحمته بكم، لما اكتفى بالحد، ولما ما قبل منكم توبة، ولما غفر لكم ذنباً، ولكن بما أنكم أذنبتم، وبما أنكم أسأتم مع الصلاح في الداخل وسلامة العقيدة والتوحيد رحمكم الله، فاكتفى منكم بثمانين جلدة، وقبل منكم توبتكم. (والله رءوف) بعبادة، مشفق بهم، يغفر الذنب ويقيل العثرة، فهو رحيم بضعاف عباده الذين يذنبون عن جهل، أو عن عمد قد ضاع فيه عقلهم، فعادوا وتابوا وأنابوا، واستغفروا ربهم، والله تواب لمن تاب، وباب رحمته مفتوح باستمرار، فيمد الله يده بالليل لتائب الليل، وفي النار لتائب النهار: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60]. والله جل جلاله يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب وأناب، والإسلام يجب ما قبله و: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له). فمهما عظم الذنب، فالله الكريم العظيم، الرحيم الرءوف، رءوف بعباده، وبمن تاب منهم حتى ولو بعد كفر.
النور] 21 - 23 [
تفسير سورة النور] 21 - 23 [ بعد أن ذكر الله حادثة الإفك، وبرأ عرض رسول الله وزوجه، نهى أبا بكر رضي الله عنه عن أن يمتنع من الإنفاق على مسطح الذي خاض في الإفك، وبين الله أن عدم الامتناع سبب للمغفرة والرحمة.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان) قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور:21]. هذه هي العبرة والنتيجة، وهذا هو الدرس الذي يستفاد من قصة الإفك، وهو أن كل ذلك كان نتيجة اتباع الشيطان وتهاويل الشيطان، ولذلك أمر الله المؤمنين جميعاً ألا يتبعوه. ومنذ أن قام صلى الله عليه وسلم في هذه البطاح المقدسة وهو يدعو الناس جميعاً ويقول لهم: إني رسول الله إليكم جميعاً، ومنذ كانت قصة الإفك، وما نزل فيها من توبيخ وتقريع وتأديب، فكان رمزها وكان نتيجتها أن الإنسان لا يتخذ الشيطان صديقاً ولا حبيباً، فهو عدو لنا، فيجب أن نتخذه عدواً. يقول الله جل جلاله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النور:21]. كان الخطاب لمن أدب وعوقب نتيجة قذفه ونتيجة استسهاله للعرض الذي قذفه وقال عنه الباطل، فأمر هؤلاء وقد تاب عليهم، ونبه المؤمنين جميعاً من مضى ومن يأتي بعد ذلك فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [النور:21]. الخطوات جمع خطوة، والخطوة السبيل والطريق، أي: لا تتبعوا الشيطان في معاصيه، وفي وساوسه فيما ينزغ به بينكم وبين ربكم، ومع كتابكم، وبين المؤمنين عامة. يا أيها الذين آمنوا بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن كتاباً، إياكم والشيطان، فلا تتبعوه، ولا تتخذوه إماما، فإن إمامكم القرآن ودينكم الإسلام، ولا يليق بمسلم أن يتخذ الشيطان ولياً وإماماً ومتبوعاً وقائداً. والخطوة تعني: أن تذهب معه خطوة بخطوة، هو يسبقك فتتبع خطواته، أي تتبع سيرته وعمله، كمن يتبع خطوات من سبقه خطوة خطوة، وقدماً قدماً، وطريقاً طريقاً. والمعنى: لا تتخذوا الشيطان إماماً فسيقودكم إلى النار وإلى الكفر والنفاق، وإلى الذل والمهانة، فهو الذي أخرج أبويكم من الجنة، فاتخذوه عدواً، ولا تتخذوه مولىً، فلو فعلتم لأخرجكم عن دينكم، ولأذلكم في الدنيا والآخرة. ولا تتبعوا طريقه وسننه وأخلاقه ودينه، ودين الشيطان كل أنواع الفواحش والمعاصي والمخالفات لله، والمخالفة لرسول الله، والمخالفة لكتاب الله، واكتساب الحرام، وترك الطاعات بكل أنواعها. وهكذا فاتباع خطوات الشيطان لا تقود إلا للعنة وللردة وللكفر. قوله: {وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [النور:21]. الذي يفعل ذلك ويتبع خطوات الشيطان ويجعله قدوته، ويجعله القائد له في مسيرته، فإن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر، فيأمر بالزنا وتوابعه، ويأمر بكل ما لا يحبه الله، وبكل ما نهى الله عنه ورسوله، وبكل ما حرمه الإسلام، تلك طريقته، وذاك دينه، وتلك خطواته، وكيف يليق بالمؤمن اتباعه والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النور:21]. فالمؤمن المفروض فيه أن يكون تابعاً ومؤتسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون مؤمناً بربه، تابعاً لكتابه، ممتثلاً لأمره، تاركاً لما نهى عنه، فأنتم عندما تتبعون خطوات الشيطان فالشيطان لا يأمر بمعروف قط، بل يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، ويأمر بالفواحش على كل أشكالها، وأي مؤمن لا يرضى ذلك ولا يقبله. وكيف يليق ذلك بكم وهاأنتم هؤلاء عندما اتبعتم نزغات الشيطان، ووساوس الشيطان، قمتم وأنتم مؤمنون صالحون مجاهدون فقذفتم أم المؤمنين، وارتكبتم ما كانت نتيجته ذُلكم وجلدكم ومهانتكم، ولولا الرحمة والفضل من الله فقد قبل توبتكم، واكتفى بجلدكم، واكتفى بهذا الحد، ولولا ذلك لنكل الله بكم في الدنيا والآخرة، ولما قبل توبة، ولما اكتفى بالجلدات فقط، لذلك فهو لم يكتف من المنافقين بذلك، فقد جلدوا في الدنيا وحدوا، ولعذاب الآخرة أنكى وأشد. قال تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} [النور:21]. لولا الرحمة الإلهية، ولولا الفضل والجود والكرم الإلهي، {مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} [النور:21] أي: ما آمن ولا أسلم، والمعنى: أن الذين لم يخوضوا في الإفك، ولم يخوضوا في الباطل، ولم يكرروا ما قاله المنافقون في قذف أم المؤمنين، وقذف عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله هو الذي طهرهم من ذلك، وزكاهم بذلك، وأكرمهم بذلك ولولا فضل الله في ذلك لم يزكوا ولم يتطهر منهم أحد أبداً، ولكن فضل الله كبير. قال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} [النور:21] أي: ولكن الله يزكي من يشاء فضلاً منه ورحمة وكرماً، وقد زكّى الكثيرين، وطهر الكثيرين، فلم يدخلوا في هذه الوساخة، وهذه القذارة، وهذا القذف للأعراض الطاهرة الشريفة، فكانوا بذلك مطهرين، وكانوا بذلك صالحين قد زكاهم الله فطهرهم، وحفظ ألسنتهم، من قول السوء، ومن تكرار ما قاله المغفلون والمنافقون. {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} [النور:21] سميع لأقوالكم، ناظر لأعمالكم، حكيم في أوامره ونواهيه، يسمع منكم ما تقولون، (عليم) يعلم الصادق منكم من الكاذب، عليم بأحوالكم، عليم بالمؤمن الصادق، وبالمؤمن المذبذب الضعيف، عليم بالمؤمن المخلص كما هو عليم بالمنافق، فلا تظنوا يوماً ولا لحظة ولا ساعة أنكم يمكن أن تعملوا عملاً لا يعلمه الله.
تفسير قوله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة)
تفسير قوله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة) قال تعالى: {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:22]. هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، والعشر الآيات السابقة نزلت في ابنته أم المؤمنين عائشة. وذلك أنه كان لـ أبي بكر ابن خالة اسمه مسطح بن أثاثة، وكان مسطح من المهاجرين الأول، وممن شارك في معركة بدر، والمشاركون في معركة بدر لهم فضل كبير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اصنعوا ما شئتم). وكان مسطح قد تكلم في هذا القذف، وجلد مع من جلد، والذين جلدوا أربعة: ثلاثة رجال وامرأة، هم مسطح وحسان بن ثابت، وعبد الله بن أبي ابن سلول، وحمنة بن جحش. وكان مسطح فقيراً، وكان الذي ينفق عليه أبو بكر، فلما خاض في حديث الإفك وبلغ ذلك أبا بكر أقسم بالله ألا ينفعه، وأن يوقف النفقة عليه، ولكن الله جل جلاله أكرم من عباده، وأرحم بعباده منهم بأنفسهم، والله جل جلاله جعل لكل شيء حداً، والعقوبة لها حد لا ينبغي تجاوزه. والله رأى في الجلد كفاية، لكن أبا بكر بقي معاقباً له وهو فقير مدقع، فاجتمع على مسطح الفقر والبؤس مع الجلد والمهانة، وأصبح لا يجد قوت يومه، ونفر منه الناس كما نفروا ممن قذفوا أم المؤمنين، وعندما رأوا أبا بكر قد نفر منه، وفعل ما فعل، قالوا: هذا لا خير فيه، فقد غدر بفضل أبي بكر عليه، وغدر برسول الله في عرضه، ولم يعرف لقيمة الإحسان والإفضال فائدة، وإذا بالله الكريم ينهى أبا بكر رحمة منه وفضلاً، فقال: {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى} [النور:22]. وأولو الفضل: هم أصحاب الفضل والإحسان. (لا يأتل): من الإيلاء، وهو اليمين والحلف، أي: لا يقسم أحدكم ممن تفضل بالإحسان وبالصدقة وبالعطاء ممن أوسع الله عليهم وكانوا ذوي غنىً وذوي سعة في الحياة، لا يأتل ولا يحلف على ألا يفعل خيراً، وألا ينفق على المحاويج وعلى الأقارب، {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ} [النور:22]. قوله: {وَالسَّعَةِ} [النور:22] أي: ممن وسع الله عليهم، وإذا أوسع الله فأوسعوا. {أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى} [النور:22] أن يعطوهم من إفضالهم وسعتهم وخيرهم، ومما رزقهم الله به ووسع عليهم، وكان مسطح من ذوي القربى له، فقد كان ابن خالة له، ولذا قال: {أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ} [النور:22]، وكان مسطح مسكيناً. {وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النور:22]، وكان مسطح مهاجراً في سبيل الله، بمعنى أنه لم يهاجر لمال، ولا لجاه، ولا ليخدمه أو ينفق عليه قريبه وابن خالته أبو بكر، ولكنه هاجر في سيبل الله، فترك الأهل في مكة، وترك المال، وترك السعة، وجاء للمدينة بنفسه، مهاجراً لله ولرسوله، فاراً بدينه ممن اضطهده من كفار مكة، فقال الله لـ أبي بكر: {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا} [النور:22]. فهم قد أذنبوا حقيقة، ولكن أين مزية العفو؟ {وَلْيَصْفَحُوا} [النور:22] أي: ليصفحوا عنهم ويتجاوزوا عن سيئاتهم. {أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور:22] كان يتحدث بضمير الغيبة، وإذا بالكريم عندما أراد أن يتفضل على أبي بكر بالمغفرة أصبح الخطاب خطاب مواجهة: {أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور:22]. وإذا بـ أبي بكر يتلو عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات ساعة نزولها عليه، فكان جوابه: بلى يا رب! أحب أن تغفر لي، ومن اليوم وإلى لقاء الله سأنفق على مسطح، وسأعود عليه بإحساني ونفقتي، والله إني أحب أن تغفر لي. {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:22]، فالله يغفر الذنوب جميعاً، ويغفر الشرك والكفر، فالإسلام يجب ما قبله، ألا تغفرون أنتم كلمة قد قيلت كانت في الأصل فساداً وكانت نتيجتها إفضالاً كبيراً، فقد كانت إشادة بآل أبي بكر وبيت أبي بكر وبنت أبي بكر، إلا يكفي أبو بكر ما نزل في حق ابنته من تبرئة ومن تطهير وتزكية أصبحت وحياً يتلى إلى يوم القيامة، وفيم إذاً إيقاف النفقة وإيقاف الإحسان؟! سئلت السيدة عائشة: ماذا كان خلق رسول الله؟ قالت: القرآن. فالله غفور فكان محمد غفوراً، والله رحيم فكان نبينا رحيماً، فكان يرحم أعداءه، ويعفو عن أعدائه، وحسان مع ما صدر عنه كان ينصب له رسول الله منبراً في المسجد، ويقول له: اهج الكفار فداك أبي وأمي. وكان يقول له: (اهجهم وروح القدس معك) أي: جبريل، وكان يقول: (والله لكلامك أشد عليهم من وقع النبال) مع كون حسان صنع ما صنع، وكان جباناً لا يستطيع القتال، فقد كانت المعركة شديدة في غزوة الخندق، فكان حسان مع الضعاف من الشيوخ والأطفال والنساء فوق حصن، وإذا بيهودي أخذ يحيط بالحصن عله يجد غرة فيدخل الحصن، ويأسر ويقتل ويسرق، وإذا بـ صفية عمة النبي صلى الله عليه وسلم تراه فقالت: يا حسان! هذا يهودي يطوف بالحصن وما أراه إلا يريد أن يجد غرة، أو يجد منفذاً ليدخل، قم على السطح وارمه بهذه الصخرة، فقال لها: لو كنت أصلح لذلك لما بقيت معكم! وإذا بها تقف على السطح وتأخذ الصخرة وترميها على اليهودي، فقتل، فقالت له: يا حسان اذهب فخذ سلبه، فالنبي يقول (من قتل قتيلاً فله سلبه). قال لها: أتعلمين حالي، أنا لا أستطيع أن أمد يدي إليه وهو ميت، قالت: أنا لم أتركه إلا لأني امرأة وهو رجل، قال: لا أريد سلبه! لكن مع ذلك كان لسانه -رضي الله عنه وعفا عنه- كما قال صلى الله عليه وسلم عنه: (أشد عليهم من النبال)، وله ديوان شعر مطبوع منتشر كله من غرر الشعر وفصيحه وبليغه. هذه الآية الكريمة تزيدنا طمعاً في الله وطمعاً في رحمته وفي مغفرته، وتدل على العناية الإلهية بعباده الموحدين المؤمنين، فإنه مع شدته ومع قوارعه لهؤلاء الذين قذفوا وقالوا ما قالوا، عاد فرحمهم، ودعا عباده لرحمتهم، وبقي قابلاً ومعترفاً لـ مسطح بجهاده وسماه مجاهداً في سبيل الله، وحض أبا بكر على الإحسان إليه، وعلى العفو عنه، وعلى الصفح عن ذنوبه، وهكذا ينبغي، فهذا أدب لنا، ونحن كثيراً ما نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فكان سبب نزول الآية أبا بكر، أما بعد ذلك فهي خطاب لكل المسلمين، وكثيراً ما يسيء إلينا أقارب وأباعد، وبعضهم يبالغ في الأذية، ولكن مهما تكن الأذية فليس هناك أبلغ من أذية مسطح لـ أبي بكر، وطعنه في شرف ابنته وعرضها، فينبغي الاقتداء بـ أبي بكر في العفو والصفح. وقد كان غفرانه وصفحه عن مسطح سبب مغفرة الله له، ووعد الله بالمغفرة، ومن أوفى بعهده من الله، فبهذه الآية وصريحها أن الله قد وعد أبا بكر بالمغفرة. والرسول قد بشر أبا بكر بالجنة، وهو في طليعة العشرة المبشرين بالجنة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، ومعنى ذلك أن الله يدعو كل المؤمنين ممن قطعوا رفداً، أو أوقفوا إحساناً، أو ظلوا على حقد وعداوة لشخص ما، في أي ذنب ما، أنه إذا أدب وإذا عذب، وإذا لقي جزاءه من السماء أو الأرض، أن يعفى عنه. فلنكن أيضاً غفورين رحيمين بأعدائنا، ولكن لكل شيء حد، فإذا تجاوز في الأمر خرج عن معناه، فالمغفرة للتائبين، والرحمة للنادمين، والصفح عن المسلمين، وأما أن تأتي إلى كافر أو منافق استذلك، وأخذ بلدك وقتلك، وهتك عرضك، وحرص على أن يأخذ بلادك، فتأتي أنت وتقف على قبره وتحني رأسك، وتقبل خده، وتقبل يده، وترفع رايته في بلدك، وتجري حول الاستسلام له، وتقول: هذا صفح، فإننا نقول: حاش الله، ليس بذاك، ولا صله له بهذا البتة. ولكن الصفح عن المؤمنين، والعفو عن التائبين، وعن النادمين كما حصل من أبي بكر الصديق رضي الله عنه لـ مسطح. وأيضاً هذا قد علم من القرآن والسنة، يقول صلى الله عليه وسلم: (من حلف يميناً ورأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير). أي: من أقسم على خير ألا يفعله، أو على قطع رحم، فهذه اليمين في الأصل لا تجوز، فهذا يجب عليه أن يحنث في يمينه، ويكفر عنها بصيام ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين، ويأتي الذي هو خير، فيأتي صلة رحمه، وينفق على من أقسم ألا يحسن إليه. فـ أبو بكر كان قد أقسم، والله تعالى أمره أن يعود عن يمينه، وأن يعود عن قسمه، وأن يغفر لـ مسطح، وأن يصفح عن مسطح ويعود للإنفاق عليه، فحنث أبو بكر في يمينه وكفر عنها، وأتى الذي هو خير بأمر الله، بل وبتحريض الله له، وتشجيعه له ووعده بالمغفرة: {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّع
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات) قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:23]. كانت هذه أيضاً مغزى القصة ونتيجتها، فالله عمم: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ} [النور:23] أي: يقذفون، وجعل القذف بالفاحشة كالقذف بالرصاص والنبال؛ فعبر بالرماية: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور:23]، وهن العفيفات الطاهرات المتزوجات المسلمات. {الْغَافِلاتِ} [النور:23] أي: غافلات عن ذلك لا يخطر لهن ببال، فتجدها من العفة بالمقام الأعلى، ومن الطهارة في الذروة العليا، فلا يخطر لها ببال يوماً أن تفعل هذا أو تتكلم فيه، وإذا بها فجأة تتهم، كما اتهمت السيدة عائشة رضي الله عنها ولم يكن هذا يخطر لها ببال، ولم تفكر فيه، وهي بعيدة عنه، ونبي الله أكرم من أن يكون هذا في زوجته، وفي عرضه، وفي أم من أمهات المؤمنين. وقد جعله الله قاعدة عامة: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [النور:23].
النور [23 - 26]
تفسير سورة النور [23 - 26] بين الله تعالى في هذه الآيات أن الذين يرمون المؤمنات المحصنات الغافلات ملعونون في الدنيا والآخرة، وأن لهم عذاباً عظيماً. ثم بين أن النساء الخبيثات إنما يكن للرجال الخبثاء فقط، ولا يكن للرجال الطيبين المطيبين وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن النساء الطيبات هن للرجال الطيبين المطيبين.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات) قال الله جلت قدرته: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:23]. هنا آيتان: آية لمن قذف المحصنات من المؤمنات عموماً، وقد مضت، وهذه الآية لمن يرمي المؤمنات المحصنات الغافلات من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن. فالآية الخاصة برمي المؤمنات أمهات المؤمنين هي: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ} [النور:23]. أي: الذين يفذفونهن بالفاحشة ويتهمونهن، كما فعلت فئة من مغفلي القوم ومن المنافقين الذين تظاهروا بالإسلام، وكان ذلك لأول مرة، فاكتفي بجلدهم وإقامة الحد عليهم، وكشفهم أمام الملأ، وضربهم بمحضر جماعة من المسلمين. وأنذر الله من يفعل مثل ذلك مرة أخرى بالقتل؛ وذلك لأنه يقذف عرض سيد البشر صلى الله عليه وسلم، وأعراض أمهات المؤمنين، فلهن من القداسة والحرمة ما للأم زيادة على كونها زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ} [النور:23]، والمحصنات: هن العفيفات الطاهرات البريئات الغافلات عن معنى الفاحشة، فذلك لم يخطر لهن على بال يوماً من الأيام ولا ساعة من الساعات، فهؤلاء المؤمنات الصالحات القانتات من يقذفهن يلعنه الله في الدنيا والآخرة، يلعن في الدنيا بإقامة الحد عليه قتلاً، وقد كان الجلد أولاً، وأما بعد الفعلة الأولى فقاذف أم المؤمنين عائشة وبقية أمهات المؤمنين عذابه في الدنيا القتل، وله في الآخرة عذاب عظيم. فإن قيل: كيف فهم ذلك؟ وكيف أدركنا ذلك؟ ف A أن المفسرين رحمهم الله وجدوا في ذلك آيتين: آية ذكرت فيها التوبة بعد إقامة الحد مع عقوبة الفسق، وعقوبة إلغاء الشهادة البتة، وآية ذكر فيها العقوبة في الدنيا والآخرة، ولم تذكر فيها توبة. فالتي ذكرت فيها التوبة هي: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:4 - 5]. فمن قذف المؤمنات الغافلات المحصنات من غير أمهات المؤمنين فله عقوبات ثلاث: يجلد ثمانين جلدة، وتلغى شهادته، ويفسق، {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور:4]. ولكنه بعد إقامة الحد، وإلغاء شهادته، وإعلان فسقه، إذا تاب وأناب وأصلح بأن لم يعد إلى قذف المؤمنات، تاب الله عليه: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:5]. وأما الآية الثانية فلم تذكر فيها توبة، بل ذكرت بعد الوعيد والتهديد، وبعد أن أمر الله ألا يعود الناس لمثل هذا أبداً، وبعد أن استفظع الله ذلك واستعظمه، وقال للمؤمنين: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور:15]. قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:23]، فلم يذكر توبة لهم، ثم عاد فقال جل جلاله: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ} [النور:24]. وهكذا دفعوا دفعاً لعذاب الآخرة، وحسابهم على قذفهم لأمهات المؤمنين الحساب العسير: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور:24]، ولا يكون ذلك إلا يوم القيامة؛ يوم العرض على الله، فلم تذكر في هذه الآية توبة. فهؤلاء يحاسبون وهم ناكسو الرءوس، وفي غاية الشدة والبلاء، ويُسألون: ألم تفعلوا كذا وكذا؟ فيحاولون أن يجحدوا ويكذبوا وإذا بالله الكريم يخرس ألسنتهم أولاً، فتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم، فينطق الله -الذي أنطق اللسان في الدنيا- جوارح الإنسان في الآخرة، من يد ورجل وجلد، فتشهد اليدان عليه بأنه صنع كذا وكذا، وتشهد الرجلان عليه، يشهدن عليه بما قدم، ويشهدن عليه بأنه كذب وقذف، وأنه ارتكب وأساء، وعند ذلك ينطق اللسان ويقول للأيدي والأرجل: كيف تشهدن علي وأنا ما كنت أناضل إلا عنكن؛ لكيلا تدخلوا النار ولا تعذبوا؟! فيقلن: {أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت:21]. وهكذا يضطر بعد ذلك أن يشهد عليه لسانه كما شهدت يداه ورجلاه عليه، وكما يشهد الرقباء عن اليمين والشمال من ملائكة الله المكلفين بتسجيل الخير وتسجيل الشر. قال تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ} [النور:24] وهي جمع لسان، {وَأَيْدِيهِمْ} [النور:24] جمع يد، {وَأَرْجُلُهُمْ} [النور:24] جمع رجل {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور:24] في دار الدنيا من سوء وإجرام وقذف للمحصنات العفيفات الغافلات عن السوء والفحشاء، المؤمنات بالله ورسوله من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.
تفسير قوله تعالى: (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق)
تفسير قوله تعالى: (يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق) قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور:25]. يومئذ: أي: يوم حسابهم، يوم شهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم عليهم. {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ} [النور:25] أي: يحاسبهم بالوفاء والتمام والكمال، فإن كانت حسنة حفظها لهم، وإن كانت سيئة حفظها لهم وقد يغفرها. لكن هؤلاء الذين يقذفون أمهات المؤمنين ويؤذون رسول الله في عرضه وفي كرامته وشرفه، لا مغفرة لهم، بل يعذبون. قوله: {دِينَهُمُ الْحَقَّ} [النور:25]. حسابهم، فالدين هنا: الحساب، أي: حسابهم الحق الذي لا ظلم فيه ولا جور، إن كان لهم خير حُسِبَ لهم، وإن كان لهم شر حسب لهم، ويغفر الله ما دون الشرك. وفي هذه الآية يتوعد الله من يقذف أمهات المؤمنين بعد أن صدر عنهم ما صدر، فقد استعظم الله ذلك جداً واستفظعه، وقال عنه: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور:15]. فقوله: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحق} [النور:25] أي: حسابهم الذي لا باطل فيها ولا ظلم ولا جور، يحاسبهم بما قدموا بالوفاء والكمال والتمام حساباً حقاً، لا ريب فيه ولا ميل ولا شك ولا زيف. قوله: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور:25] أي: يعلم هؤلاء المتشككون من المنافقين، وقد فسر البعض هذه الآية أنها خاصة بالقذفة المنافقين وحدهم، وإلا فالتوبة بابها مفتوح عموماً، حتى الكافر إذا تاب ثم أصلح بعد ذلك تاب الله عليه، فقالوا: هذه الآية في المنافقين الذين ماتوا على ذلك، وقذفوا عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، كـ عبد الله بن أبي بن سلول ومن آزره وقال بقوله، فهؤلاء يعلمون أن الله هو الحق، ولا يأتي ولا ينطق إلا بالحق، وما كانت شريعته إلا حقاً، وما كان رسوله إلى الناس إلا حقاً أتى بالحق ونطق به، جل ربنا وصلى على نبينا.
تفسير قوله تعالى: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات)
تفسير قوله تعالى: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات) قال تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور:26]. لا يزال الله جل جلاله يقرّع أولئك ويوبخهم، ويحذرهم نفسه وينذرهم؛ حتى لا يعود إنسان لمثل ذلك، فكان هذا أمراً ووحياً نزل على نبينا صلى الله عليه وسلم لمن عاصر حادثة الإفك، وبقي حكماً مستمراً إلى يوم القيامة لمن يجيء بعد حادثة الإفك ويأفك ويكذب ويزور ويقول ما لم يكن له حق، مما لم تره له عين بل ولم يعاصره البتة. يقول جل جلاله: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} [النور:26] أي: النساء الخبيثات والنساء الفاحشات الزواني لا يكن زوجات إلا لأمثالهن من الخبيثين من الرجال، وهذه السيدة الجليلة زوجة لسيد الخلق والبشر، وزوجة للطيب المطيب صلى الله عليه وعلى آله، فكيف تظنون في الزوجات الخبيثات أن يتزوجهن الطيب المطيب المبرأ المعصوم سيد الخلق والبشر، وإمام الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم؟! هذا ما لا يقبله منطق، ولم ينزل به وحي، ولم يجعل الله للطيبين من الرسل والأنبياء إلا الطيبات القانتات الصالحات المحصنات العفيفات الطاهرات، فقال جل جلاله: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} [النور:26]. فلا يليق بالطيب المطيب والطاهر المطهر صلى الله عليه وسلم، أن تكون له زوجة خبيثة، يصدر عنها ما قاله هؤلاء الأفاكون الكذابون عندما قالوا ما قالوا وهم لا يلقون بالاً لما قالوه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أحدكم لينطق بالكلمة لا يلقي لها بالاً، فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً)، يقول هذا للمؤمنين؛ ليحفظوا ألسنتهم من السوء من إيذاء أعراض المسلمين عموماً، فكيف بعرض سيد البشر صلى الله عليه وسلم! قال تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ} [النور:26]، ولا يليق بالخبيثة من النساء إلا خبيث مثلها، وإن لم يكن خبثاً في الأصل لكنه إذا رأى الخبث وسكت عنه يصبح خبيثاً، فهو إذا كان مؤهلاً للخبث قبل ذلك -وهي الدياثة التي عبر بها صلى الله عليه وسلم من يرى السوء في أهله ويسكت عنه- لا يطلق ولا يؤدب ولا يلاعن، هذه هي الدياثة التي لا تقبلها رجولة، فكيف برجولة مؤمن صادق؟ قال تعالى: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور:26]. فسيد الرسل هو الطيب المطيب، وهذه حقيقة مسلمة ومفروغ منها عند كل مؤمن ومسلم، والكلام هنا للمسلمين الذين قالوا ما لم تر أعينهم، فكيف يتصور أن يكون للطيب غير طيبة؟ وما دام قد ثبت أنه النبي المعصوم، وأنه الطيب الطاهر صلوات الله وسلامه عليه، إذاً: فكل نسائه طيبات وطاهرات، وكلهن عفيفات صالحات قانتات، وعلى ذلك فمجرد كون السيدة أماً للمؤمنين وزوجةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كان ينبغي ألا يخطر هذا ببال مسلم، فضلاً عن أن ينطق به. قال تعالى: {أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور:26]. أي: أولئك المطيبون من الأنبياء والرسل، وأولئك المطيبون من الصحابة من الرعيل الأول ومن الصالحين المؤمنين، هم مبرءون مما يقول السفهاء والمنافقون والبله المغفلون. وقد برأ جل جلاله عرض النبي صلى الله عليه وسلم، وبرأ السيدة عائشة أم المؤمنين مما قذفها به المنافقون والبله المغفلون، فقال: {أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور:26]. فبرأهم الله في سلسلة منسقة من الآيات آخرها هذه الآية: {أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور:26]. فهؤلاء الطيبون الطاهرون غفر الله ذنوبهم، وحتى الخواطر التي خطرت في أنفسهم غفرها لهم، وعوض ذلك رزقاً كريماً، وهو الرزق الخالد في الجنة. ومعنى ذلك: أن الله بشر السيدة عائشة في الدنيا قبل الآخرة بأنها طيبة مطيبة، وأنها زوجة الطيب المطيب، وهي مغفور ذنوبها والخواطر التي تخطر بنفسها، وأن الله عوضها بهذا الذي قذفت به رزقاً كريماً في الجنان. وعندما أخطأت عائشة رضي الله عنها وقامت تقاتل علي بن أبي طالب في فتنة الهودج، وحدث الذي حدث حاول بعض المنافقين أن يلعب دوراً في ذلك، فإذا بـ علي يقول: والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، وإنها لحبيبة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولو صح أن تكون امرأة خليفة لكانت عائشة، وبذلك قطع لسان كل أفاك، وقطع لسان كل من أراد أن يصطاد في الماء العكر، فهذه فتنة كانت وانتهت، فُتِنَ بها من فتن، وآب بالمغفرة من آب.
النور [27 - 31]
تفسير سورة النور [27 - 31] لقد أدب الله تعالى المؤمنين بآداب الاستئذان: من حيث دخول البيوت، والسلام على أهلها، وعدم الكشف على عورات الأقارب من الأم والأب والأخت ونحوهم. ثم أدب الله تعالى المؤمنين بأن يغضوا أبصارهم فذلك أزكى لهم ذكوراً وإناثاً.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم) بعد ذكر أحكام الزناة وما أمر الله به من جلدهم مائة جلدة، وتغريب عام إن كانوا أبكاراً، وبالرجم حتى الموت إن كانوا محصنين رجالاً ونساء، وبعد أن أصدر حكمه جل جلاله على القذفة بثمانين جلدة، وأن يحضر عذاب الجميع طائفة من المؤمنين، وبعد ذكر حكم اللعان فيما إذا وقع الاتهام من الرجل لزوجته وليس هناك شهود، فيلاعنها وتلاعنه، ويدرأ اللعانُ الحدَّ عن الرجل وعن المرأة، ثم ذكر بعد سلسلة من الآيات في تقريع الله لمن قذف السيدة عائشة أم المؤمنين، ثم تأتي هذه الآيات التي يعلم الله فيها المسلمين ويؤدبهم بآداب المنازل ودخولها: فكيف يستأنسون؟ وكيف يُسَلِّمون؟ وكيف يكونون بشراً لهم خلق وحضارة، ولهم نبل، فلا يكونون كالحيوانات يدخل هذا على هذا، فقد يجد في الدار زوجته أو أمه أو أخته وهي على حالة لا تريد أن يراها عليها ابنها ولا أخوها ولا أي قريب لها، فقال جل جلاله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:27]. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النور:27] الخطاب للمؤمنين، وعلى عادة كتاب الله أن فروع الشريعة يخاطب بها المؤمنون، لأن الأصل وهو من الإيمان قد تم، وبعد الأصول تأتي الفروع، فإذا كان الخطاب في الأصول هو في الدعوة للتوحيد وللإيمان بالله ورسله وكتابه فإنه يقال: يا أيها الناس، لكن الخطاب هنا للمؤمنين بعد أن آمنوا بنبيهم، وامتثلوا ما أمر به من أركان الإسلام: من شهادة، وصلاة، وزكاة، وصيام، وحج. وهنا يعلمهم الله الآداب والرقائق، ويعلمهم كيف يتصلون ويتعاشرون ويتآخون ويتعارفون، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور:27] أي: إذا دخلتم بيوتاً -جمع بيت ومسكن- ليست ببيوت لكم فلا تدخلوها بلا إذن ولا استئذان ولا سلام ولا كلام؛ فهذا ليس من آداب المسلمين، وليس ذلك خلقاً لائقاً بهم، ولا يعرف هذا الخلق إلا اليهود ورعاع الناس، فتجد الرجل منهم يدخل على بيت الرجل وعلى عياله، حاضراً كان أو غائباً بلا استئذان ولا سلام، ولا يفعل هذا مؤمن، ولا يفعله ذوو خلق، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} [النور:27]. ومعناه: إذا كانت البيوت بيوتكم فلا حاجة إلى الاستئذان، وإن كان هذا بالغالب الأعم، ولكن مع ذلك أمروا إذا دخلوا بيوتهم أن يقولوا كلمة تشعر بدخولهم، كالتكبير والنحنحة أو كلمة تشعر بدخوله؛ لأنه قد تكون في البيت أمه أو أخته أو ابنته على حالة لا يليق بالأب أن يراها ولا بالولد ولا بالأخ، أيريد أن يرى الولد أمه عريانة؟ أيريد أن يرى الأخ أخته عريانة؟ أيليق ذلك في دين المسلمين وفي أخلاقهم؟! إذاً: الأذن والاستئذان لا بد منه. بل أكثر من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حتى في بيته كان إذا غاب في غزاة أو معركة أو سفر أو حج أو عمرة، ورجع في تلك الليلة فإنه لا يدخل البيت، بل يبقى في ضاحية البلدة، ويأمر من معه ألا يطرقوا نساءهم ليلاً، ويقول: ليعلموا ذلك ولكي لا تتخونوهن. وقد يخطر بالبال أنه جاء مفتشاً ليرى ماذا صنعت، فإذا حصل سوء الظن بين الزوج والزوجة شقيت الحياة وما سعدت. وكان يقول (حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة). فقوله: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} [النور:27] أي: تستأذنوا، ثم بعد الإذن تقول: السلام عليكم، أأدخل؟ وبّين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه مرة طارق يريد الدخول للبيت دون سلام، وإذا بالنبي يأمر خادمه أن يقول له: استأنس أولاً، قل: أأدخل؟ ثم بعد أن يؤذن لك قل: السلام عليكم، فعمل ذلك فأذن له، ودخل وقال: السلام عليكم.
استئذان رسول الله صلى الله عليه وسلم على سعد بن عبادة
استئذان رسول الله صلى الله عليه وسلم على سعد بن عبادة واستأذن صلى الله عليه وسلم مرة على سعد فقال (السلام عليكم، فلم يسمع جواباً ثم ثانية، ثم ثالثة فرجع). وإذا بـ سعد خرج مسرعاً، وقال: يا رسول الله! سمعت سلامك، وأجبتك خفيةً ولم أسمعك؛ لأنني أريد أن تبلغني سلامك مرة وثانية وثالثة، لعل ذلك يدخل علي البركة واليمن والسلام والأمن، وإذا به يأذن له ويدخل بيته معززاً مكرماً.
استئذان أبي موسى الأشعري على عمر
استئذان أبي موسى الأشعري على عمر استأذن أبو موسى الأشعري على عمر رضي الله عنه ثلاث مرات فلم يؤذن له، فرجع، فإذا بـ عمر -وكان منشغلاً بأمور المسلمين- يقول لمن حضر: ألم أسمع صوت أبي موسى؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين! قال: وما باله؟ قالوا: سلم مرات ثم رجع، فأرسل عليه فقال له: لم ذهبت؟ قال: استأذنتك بالدخول وسلمت ثلاث مرات فلم تأذن لي، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من استأذن ثلاث مرات فلم يؤذن له فليرجع). فإذا بـ عمر يقول له: لتأتيني بشاهدي عدل وإلا أوجعتك ضرباً، وكان عمر شديداً فيما يُروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا بـ أبي موسى يذهب منزعجاً إلى المهاجرين والأنصار ويقول لهم: لقد لقيت اليوم بلاءً من أمير المؤمنين: استأذنته ثلاثاً فلم يأذن فذهبت، ثم أرسل خلفي، فقال: لم ذهبت؟ فقلت له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من استأذن ثلاث مرات فلم يؤذن له فليرجع). فقال لي: إما أن تأتي بشاهدي عدل أو جلدتك، فقال له جماعة -وكلهم كانوا قد سمعوا هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم-: والله لا يقوم معك إلا أصغرنا، فذهب شابان وقد سمعا هذا الحديث، فقالا: يا أمير المؤمنين! نحن نشهد، والأنصار يشهدون والمهاجرون يشهدون، حينئذٍ انبسط عمر له، وأظهر بشره له وترحيبه وأدخله. فقوله: {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} [النور:27]. أي: حتى تسأذنوا، وفي قراءة: (تستأذنوا) هكذا، ولكنها ليست سبعية، وتستأنسوا من الأنس، وهذه كلمه يقولها أهل مكة، آنسكم فلانٌ وأنستم فلاناً، أي: رأيتموه ورآكم وسلمتم عليه وسلم عليكم، ووقع الأذن بينكم زائرين ومزورين، وعندما يحصل الأذن يحصل الأنس والتأنس والمؤانسة. ثم قال: {وَتُسَلِّمُوا} [النور:27]. أي: بعد أن تقول: أنا فلان، أألج: أأدخل؟ فإن قيل: نعم، فادخل وقل: السلام عليكم.
ذكر بعض آداب الاستئذان
ذكر بعض آداب الاستئذان طرق النبي صلى الله عليه وسلم مرة طارق، فقال من؟ وإذا بالرجل يقول: أنا، وإذا بالنبي عليه الصلاة السلام يعيد عليه كلمة أنا أنا، أي: كره قوله: أنا، صلى الله عليه وسلم. فكان ينبغي له أن يقول: أنا فلان، فيجب أن يعرف بنفسه، وقد يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان دون إنسان، ولا لوم ولا عتاب في ذلك، إذ أصبح من الواجب والأدب الاتصال والمعاشرة والمصادقة. ومرة طرق طارق عليه الباب، وإذا به عليه الصلاة السلام ينتبه والرجل ينظر من شق الباب، وعندما علم الطارق أن النبي صلى الله عليه وسلم يراه ابتعد برأسه، فقال: (لو بقيت في مكانك لجئت بما يفقأ عينك، وهل جعل الإذن إلا للنظر؟). لماذا الاستئذان؟ لكي لا يرى الإنسان عورة البيت ومن فيه، فإذا استمر هكذا يسرق النظر فإنه يكون بذلك قد خان وخرج عن العهد، وتلصص على أعراض المسلمين، فكيف بأعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإما أن يكون فاعل ذلك مغفلاً من أمثال هؤلاء الذين قذفوا عن غفلة، وإما أن يكون منافقاً، بل قال النبي عليه الصلاة السلام: (من رأى إنساناً يسترق النظر لداخل بيته ففقأ عينيه فلا جناح عليه). فقد أهدر تلك العين بفقئها، وهذا مذهب الظاهرية والكثير من السلف. قال تعالى: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ} [النور:27]. أي: هذا الفعل منكم والاستئناس والاستئذان والسلام خير لكم؛ لدوام المحبة والأخوة، ولصيانة الأعراض. قوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:27] أي: لعلكم تتذكرون فيما يجب أن تقوموا به من آداب ورقائق في دوام الأخوة بين هؤلاء المسلمين، فقد آخى الله بينهم فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]. فلو جاء هذا الزائر فدخل ولم يستأذن فقد يطرد، وقد يضرب، وقد تفقأ عينه كذلك، وقد يتهم باللصوصية، وبأنه جاء للفاحشة، وقد يتعرض للرصاص، والفقهاء يعتبرون من دخل البيت بلا إذن صائلاً، والصائل يقتل. وما جعلت الأبواب إلا لذلك، وما جعلت الستور إلا لذلك، وهذا أدب الله الذي أدب به المؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:27]. تتذكرون أن هذا في صالحكم، وتتذكرون أن هذا من آداب نبيكم وآداب دينكم، والآداب التي أعلنها الله وأمركم بها في كتابه.
تفسير قوله تعالى: (فإن لم تجدوا فيها أحدا)
تفسير قوله تعالى: (فإن لم تجدوا فيها أحداً) قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ} [النور:28]. إذا أردت دخول بيت غيرك فاطرق الباب، فإن لم يجب أحد صحت بالصوت: أنا فلان، فإن لم يجب سلمت، فإن لم يجبك أحد فمعناه: أنه لا أحد في البيت، فإياك أن تدخل بيتاً وأصحابه ليسوا فيه فيكون هذا مما يفسد الأخوة، ومما يؤدي بالفاعل إلى التهمة، وقد يكون في البيت نساء، فلا يليق أن يفتح من بالباب الباب للرجال. فإذا كان البيت لا رجل فيه فلا ينبغي ولا يجوز بحال من الأحوال أن يدخله أجنبي، ولذلك لا تجيب المرأة التي في البيت، وإذا دخل فإنه يكون قد دخل في مكان غير مكانه، وتسور حرمة ليست حرمته، وفضح عرضاً ليس عرضه، فينتقل الأمر من فقء العين إلى الاتهام بالفاحشة، وإلى السرقة واللصوصية، وقد يكون الرجل في البيت ولم يرد الفتح له، فالأمر أمره والشأن شأنه. وقد يخرج له في هذه الحالة ويقتله، وقد يضربه، لذلك قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا} [النور:28] أي: لا تدخلوا هذا البيت حتى يؤذن لكم، فإذا لم يكن في البيت من يأذن فلا تدخلوا، قال تعالى: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} [النور:28] أي: إذا لم يأذن لكم من في البيت وقيل لك: ارجع فارجع ولا تغضب، {هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} [النور:28] أي: أطهر لقلوبكم ولنفوسكم، وأزكى لأخوتكم، فقد يكون للرجل مانع من الموانع، أو سبب من الأسباب، فقد يقوله وقد لا يجد مصلحة في قوله. فلا تدخل ولا تغضب فالحرم حرمه، والمكان مكانه، وقد يكون له عذر وأنت تلومه، ولكل صاحب بيت الحق في ذلك، وأما في هذه الأيام فإنك تجد الأجراس التي تكون في البيوت وهي نوع من الاستئناس والاستئذان، فإذا فتح الباب فهذا إذن، وقل: السلام عليكم، فإن قيل لك: ادخل فهو إذن بالدخول، وإن لم يقل لك ذلك فمعناه: أنه لم يأذن، وقد لا يستطيع أن يخرج حتى يقول لك: ارجع؛ فقد يكون له مانع من الموانع أو سبب من الأسباب، والمؤمن يقبل عذر إخوانه المؤمنين. قال تعالى: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور:28] أي: والله عليم بأعمالكم، وبمن يتخلق بأخلاق المؤمنين منكم، فامتثلوا لما تؤمرون به، فهو عليم بالصالح من أعمالكم، وبالطالح منها، ولذلك اعلموا وتيقنوا أنه يعلم السر وأخفى. فما أمركم به من أمر فامتثلوه وقوموا به، فلا يأمركم إلا بما يعود عليكم بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة، ولا ينهاكم إلا عما يضركم في الدنيا والآخرة، فامتثلوا واسمعوا وأطيعوا، فهو عليم بكم، وعليم بمطيعكم، عليم بمسيئكم وعاصيكم.
تفسير قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة)
تفسير قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة) قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [النور:29]. هذا نوع آخر: فهي بيوت غير مسكونة فيها متاع لكم، مثل فنادق النزول والدكاكين والمتاجر والمكاتب والإدارات، وفي كل هذا متاع، أي: شيء تستمتعون به بيعاً أو شراء، أو نزولاً أو أخذاً وعطاء، وهي ليست مسكونة، وليس فيها نساء، وعادة تكون الأبواب مشرعة ومفتوحة، ومجرد فتح الأبواب إذن بالدخول، خاصة وأنت تعلم أنه ليس هناك نساء، فإذا كان المكان فتح للتجارة أو الفندق فتح للنزول، أو فتح المكان لعمل من الأعمال كمصنع أو معمل أو متجر أو أي شيء من هذا القبيل فـ ((لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا))، وكلمة (بيت) تشمل كل ما تقيم فيه وتجلس، (غير مسكونة) أي: ليست للسكنى وإنما أعدت لشيء آخر غير السكنى، كأن تكون أعدت للصناعة أو التجارة أو المتاع.
تفسير قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)
تفسير قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور:30]. لا تنظر إلى شيء لا يجوز لك أن تنظر إليه، فغض بصرك عنه، وغضّ البصر يكون بإبعاد بصرك عما رأيته فجاءً أو من أول مرة فلا تنظر إليه البتة، وغض البصر ليس معناه: أن تغمض عينك، ولكن أبعد بصرك عما لا يجوز لك النظر إليه من العورات، فقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ} [النور:30] يدخل فيه النساء والرجال، ولكن خص النساء بآيتين. قوله: (من أبصارهم) (من) قال البعض: هي صلة وزائدة، أي: غضوا أبصاركم. وقال بعض المفسرين: (من) للتبعيض، أي: غضوا بعض أبصاركم. فالله تعالى لم يقل: واحفظوا من فروجكم؛ لأن حفظ الفرج ليس فيه تبعيض إلا على الأزواج، وقد مضى ذلك في أول سورة المؤمنون، قال النبي عليه الصلاة السلام: (يا علي! لا تتبع النظرة النظرة؛ فلك الأولى وعليك الثانية). أي: إذا وقع بصرك على امرأة لا تحل لك فأبعد نظرك عنها، ولا تعد النظرة الثانية؛ لأن النظرة الأولى نظرة فجاء معفو عنها؛ لأنك لم تقصدها، ولكن النظرة الثانية إذا أعدتها وقد علمتها من قبل فإنك تكون آثماً، ومن هنا قال: (يغضوا من أبصاركم). فالنظرة الثانية محاسب عليها، وتزداد المحاسبة بكثرة الازدياد، فقوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور:30] أي: لا ينظر إلى عورات النساء: لا وجهاً ولا جسداً فضلاً عن بقية المحاسن. قوله: {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور:30] الفرج في الأصل: الشق، ولكنه صار يطلق على قبل الذكر والأنثى، ومع كثرة الاستعمال أصبح علماً بالغلبة، فأمر الله المؤمنين أن يحفظوا فروجهم نظراً ورؤيةً وجماعاً واحتكاكاً وأي نوع من أنواع الحفظ. وقد وصف الله المؤمنين بأنهم يحفظون فروجهم فقال: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون:6]، فلا ينظر إلى الفرج ويتصل به إلا الزوج مع زوجته فقط، أو ملك اليمين مع سيدها ومولاها. فمن آداب المؤمنين ومن الواجب عليهم أن يحفظوا أبصارهم عن رؤية ما لا يحل لهم من غير المحارم، فلا ينظرون إلى أي شيء من محاسن المرأة، كذلك عليهم أن يحفظوا فروجهم في أنفسهم فلا يراها منهم أحد، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم: (لعن الله الناظر والمنظور إليه)، وهذا إن كان ذلك بعلم منه ومطاوعة، فبمجرد أن ينظر الرجل إلى فرج غير الزوجة فهو ملعون، وملعون من وافق على أن ينظر في ذلك، واللعن: هو الطرد من رحمة الله، ولا يقبل هذا مسلم. قال تعالى: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} [النور:30] أي: أطهر لدينهم ولأخلاقهم ولصلاتهم، وأحفظ لعشرتهم وإسلامهم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور:30]، فالله خبير بعمل كل الخلق: هل سيحفظون ذلك أم لا؟ فهو خبير بالصادق منهم والكاذب، خبير بمن نظر عن قصد وأعاد النظرة ثانية، وبمن نظر فجاءً ثم غض بصره وأبعده، خبير بالمطيع من المؤمنين وبالعاصي منهم، فهو خبير بما يصنعونه من شر أو خير.
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) قال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور:31]. قل للمؤمنات كذلك يغضضن من أبصارهن، فلا ينظرن لعورة رجل لا وجهاً ولا غير وجه، فإن رأين النظرة الأولى الفجائية غير المقصودة فلا يعدن الثانية. وقد دخل مرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أم مكتوم، وكان ضريراً لا يبصر، وكان بمجلسه صلى الله عليه وسلم زوجتان من أمهات المؤمنين، فبقيتا جالستين، فأمرهما صلى الله عليه وسلم بالخروج، فقالتا: أليس هو أعمى يا رسول الله؟! قال (أوعمياوان أنتما؟!). أي: كما لا يجوز له أن ينظر إليكما فلا يجوز لكما أن تنظرا إليه. فكما حرم الله نظر الرجل إلى المرأة حرم نظر المرأة إلى الرجل، وكما يتمتع الرجل بالمرأة تتمتع المرأة بالرجل، فالعمل واحد، والحسنى واحدة، والجريمة واحدة، وكما أمر الرجل بغض البصر أمرت المرأة بغض البصر، وكما أمر الرجل بحفظ فرجه أمرت المرأة بحفظ فرجها، وألا يراه منها أحد قط إلا زوجها. ومن هنا كان دخول الحمامات حيث كشف العورات شيء نهى عنه السلف، وشددوا فيه ولعنوا فاعله، لأن الشأن في الحمامات أن يدخلن للحمامات كاشفات عوراتهن لبعضهن، وهذا مما حرمه الإسلام وعده كبيرة من الكبائر، وفجوراً من الفجور. قال تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31]. أي: لا يظهرن من زينتهن إلا ما ظهر، وزينة النساء: ما عفا الله عما ظهر منها، وأذن في بدوها، قال ابن عباس رضي الله عنه: زينة المرأة وجهها وكفاها، وقال بقول ابن عباس جمهور من المؤمنين: صحابةً وتابعين وأئمةً مجتهدين. وقال ابن مسعود: زينة المرأة ثيابها الخارجة، وإلا فكل بدنها عورة، فلا يجوز لها أن تظهر إلا عيناً واحدة لتنظر الطريق. والنظر بعين واحدة لا يزال إلى الآن في بلاد المغرب، فالكثيرات على هذه الحالة، وبعضهن ينظرن بعينين معاً. كذلك كل بلاد الإسلام ما زالت على هذه الطريقة: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31]. قال ابن مسعود: الذي ظهر منها هي الثياب الخارجية، فهذا لا مانع من أن يظهر، واستدل عليه بقوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31]. ومعناه: البسوا أحسن ثيابكم عندما تكونون ذاهبين للمساجد؛ خاصة يوم الجمعة، فالله أطلق في آية أخرى، والقرآن يفسر بعضه بعضاً. فالزينة الثياب، وبهذه الآية احتج ابن مسعود أن المرأة كلها عورة، فلا يجوز أن يظهر منها إلا عينها أو عيناها بما ترى به الطريق، وقال غيرهما: زينة المرأة الكحل والقرط والسوار والخلخال إذا ظهرت من غير قصد، كأن مدت يدها لشراء أو بيع وظهر الخاتم أو السوار، أو جاءت لتصلح شيئاً فظهر القرط، فهذا عفا الله عنه وسمح. وجمهور الفقهاء: على أن الوجه واليدين ليسا بعورة، ولكنهم قالوا: إذا خافت على نفسها الفتنة في عصر كثر فيه الفساد، وكثر فيه الفجار والفساق؛ ففي هذه الحالة يجب الرجوع لمذهب ابن مسعود ولكثير من السلف في أن المرأة كلها عورة، وذلك من باب سد الذرائع، ونحن نرى الفجور قد عم وطم، واليوم يكشف المسلمات النحر والصدر والفخذ والساق والشعر، فترى اليهودية والنصرانية والمسلمة لا فرق بينهن قط، ولا تستطيع أن تميز المسلمة من الكافرة. وعلى هذا فإن الله جل جلاله ستراً وحفظاً للأنساب ومحافظة على الأعراض أمر النساء كما أمر الرجال بغض الأبصار، وبحفظ الفروج، وألا يظهر النساء من زينتهن إلا الوجه واليدين، فإن لم تأمن الفتنة، فلتستر بدنها جميعاً، وكم من نساء اليوم يلبسن الثياب الفضفاضة الحريرية، ويلبسن فوقها شيئاً لا يكاد يذكر، أو يلبسن ألبسةً قصيرة يظهر بها الساق والفخذ، وهذا مالا يجوز بحال من الأحوال، فقد حرمه الشارع في كتابه الكريم. دخلت مرة أسماء على أختها عائشة ورسول الله صلى الله عليه وسلم حاضر، وإذا به يخرج، فقالت عائشة لأختها أسماء: (ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأى عليك ما يكره، وإذا بالنبي يعود ويقول لها: يا أسماء! المرأة إذا بلغت المحيض لا يجوز أن يظهر منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه) واعتمد ابن عباس هذا الحديث، وقال ابن كثير في تفسيره: وهذا الذي عليه الجمهور من المسلمين. وليت المسلمين اقتصروا على هذا، فإنه لا ينبغي للمرأة أن تتزين بكحل ولا حمرة ولا تطيب ولا تفعل أي شيء يلفت الأنظار، ومن خرجت من بيتها متطيبة لعنتها الملائكة حتى تعود. فقد رأى أبو هريرة رضي الله عنه مرة امرأة آتية فقال لها: أين كنت يا أمة الجبار؟! قالت: جئت من المسجد، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم، قال: اذهبي لبيتك واغسلي بدنك غسل الجنابة، وإلا فلا صلاة لك، والملائكة تلعنك ما دمت في هذه الحالة حتى تعودي. وهذا هو الواجب على الزوج مع زوجته، والأب مع بناته، والأخ مع أخواته، وكبير القوم مع قومه، فإذا لم يقم الزوج بالواجب عليه، ولم يقم الأب بالواجب عليه، ولم يقم الأخ بالواجب عليه، ولم يقم المدرس بواجب تدريسه، والداعية إلى الله سكت أثم الجميع، ويوشك إذا اتفق الناس على الباطل أن يعاقب الله البر والفاجر معاً، كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال:25]. والله تعالى لعن اليهود، قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [المائدة:78]؛ لأن من جملة أفعالهم: {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة:79]. فكان هؤلاء اليهود لا يأتمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، وكان بعضهم يأمر بالمعروف كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم ولكنه يصبح الصباح وهو مع أولئك الذين نهاهم يؤاكلهم ويشاربهم ويجالسهم، فيكون كمن لم يأمر، فلا بد للآمر إذا أمر بالمعروف ولم يُطع فيه أن يهجر في الله؛ لأن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان. وقد هجر عبد الله بن عمر ولده مدة حياته، لأنه قال له: يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله بيوت الله)، فأجابه: والله لنمنعنها، وإذا به يلعنه ويشتمه ويهجره إلى الأبد، ولم يعد لكلامه البتة. وأما هجر المسلم أخاه ثلاثة أيام في شئون الدنيا فهو المقصود بالحديث: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) لكن عندما تكون خصومة لله وفي دين الله، فإن الواجب أن يهجره إلى الأبد كما فعل ابن عمر ما لم يرجع عما كان عليه من مخالفة لدين الله. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام (سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله) فكان من السبعة: (رجلان تحابا في الله: اجتمعا عليه وافترقا عليه). فهما أخوان في الله تآخيا يأتمران بالمعروف، ويتناهيان عن المنكر، ويتعاونان على طاعة الله ومدارسة دين الله، فإذا أحدهما أمر الآخر فعصاه، ولم يمتثل لما أمر الله به ورسوله، فارقه لله وقاطعه، وهي مشروعة أبداً. قال تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور:31]. الخُمُر: جمع خمار، وهو غطاء الرأس، أمر الله تعالى أن يُغطى الشعر بهذا الخمار، ويضرب به على الجيوب، والجيوب: هي الشقوق في ثياب الإنسان، والمرأة تزيده إلى أسفل، فيظهر نحرها وعنقها وصدرها وقرطاها، فالله أمرهن بأن يضربن بالخمر التي تستر الرءوس ليسترن العنق، فلا يظهر العنق ولا الأقراط ولا الصدر ولا النحر بحال من الأحوال. (وليضربن بخمرهن) أي: وليضعن خمرهن. والجيوب: جمع جيب، فيقال للشق: جيب، وقد يكون للنساء جيوب للساق فإذا تحركت ظهر لحم الساق، وقد يظهر لحم الفخذ، وقد يكون لها جيوب في الظهر فيظهر ظهرها. وهذه الجيوب جميعاً أمر الله بسترها وتغطيتها، وحرم كشفها إلا لمن سيذكره من الزوج والمحارم. قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: إن نساء الأنصار كن من أطوع المؤمنين لأوامر الله، فعندما نزل قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور:31] قالت أصبحن وقد صلين الفجر مع المؤمنين والمؤمنات، وإذا بهن وكأنما على رءوسهن الغربان؛ من تخمير رءوسهن وأعناقهن وجيوبهن وما يظهر من أبدانهن. والآية تدل في ظاهرها على أن الخمار يضرب على الجيوب لا على الوجه، ومن هنا كان فهم ابن عباس وفهم الجمهور، ولكن ذلك إذا أمنت الفتنة، وأنى لها أن تأمن الفتنة.
النور [31]
تفسير سورة النور [31] لقد أدب الله تعالى المؤمنات بعدة آداب من حيث غض البصر، وحفظ الفرج، وعدم إبداء الزينة وإظهارها، ثم أمرهن بالتوبة إليه مما بدر منهن من أخطاء ومعاص، فإن الفلاح والنجاح يكون مع التوبة.
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) قال الله عزت قدرته: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31]. فالله جل جلاله كما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر الرجال بغض الأبصار، وحفظ الفروج، والستر والعفة والحياء، أمره أن يأمر النساء بذلك؛ إذ إن الإسلام جاء للنساء كما جاء للرجال، (النساء شقائق الرجال) أي: إخوتهم الشقائق في الأحكام والحلال والحرام وجميع ما أمر الله به ونهى عنه، إلا ما صرح فيه مما يخصهن وحدهن، فقال تعالى: (وقل للمؤمنات) أي: قل: يا محمد! للمؤمنات وللمسلمات، (يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) أي: قل لهن وهن مؤمنات: لا يليق بهن إلا أن يعشن كذلك في غض الأبصار، وحفظ الفروج، والعفة والستر والحشمة والحياء، فكما أن الرجال لا يحل لهم أن ينظروا إلى النساء وزينتهن، فكذلك لا يحل للنساء أن ينظرن إلى الرجال بشهوة، ولا أن ينظرن إلى محاسنهم وما يدعو إلى الفتنة منهم، فكل ذلك سواء، وفي عصر الصحابة عندما نزلت الآية ظن النساء أن غض البصر إنما هو خاص بالرجال وليس عاماً للنساء كذلك، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أم مكتوم وهو ضرير البصر، وكان في مجلس رسول الله بعض نسائه من أمهات المؤمنين فضللن في المجلس، وإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يأمرهن بأن يتركن المجلس ويخرجن، فقلن: يا رسول الله! أليس بأعمى لا ينظر؟ فقال لهما: (أفعمياوان أنتما؟) فقمن إذ ذاك من المجلس. فكما حرم النظر إلى النساء من الرجال فكذلك حرم النظر من النساء إلى الرجال. قال تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهم) (من) هنا قلنا: للتبعيض، أي: بعض النظر لا يجوز، وحد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لـ علي رضي الله عنه: (لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وعليك الثانية)، ونظر الفجاءة هو الذي يحدث من الرجال للنساء فجاءة فتلك النظرة الأولى هي المعفو عنها، وهي المرادة بالآية، ولكن النظرة الثانية هي المحرمة والممنوعة، وفيها الإثم والوزر. قال: (ويحفظن فروجهن) أي: يصن فروجهن، والفروج: جمع فرج وهو مكان العفة من النساء، فأمرن بأن يحفظن فروجهن عن النظر وعن الزنا والفاحشة، وكما مضى في سورة المؤمنون أنه لا يجوز ذلك إلا للأزواج، وفي صفة المؤمنين الذين يحفظون الفروج إلا من الأزواج، قال تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون:6 - 7]، فمن ابتغى غير الزوجات وملك اليمين كان معتدياً وظالماً. فالأمر للنساء كالأمر للرجال بغض البصر، وبألا يرين الرجال بشهوة، وألا يرين محاسنهم، وأن يحفظن فروجهن عن النظر إليها أو الزنا من باب أولى.
اختلاف العلماء في الزينة الظاهرة للمرأة
اختلاف العلماء في الزينة الظاهرة للمرأة قال تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) وائمرهن يا محمد! بألا يظهرن من زينتهن إلا ما ظهر منها، فلا يجوز أن تظهر المرأة من محاسنها ومن زينتها إلا ما ظهر منها، واختلف الأصحاب ثم التابعون ثم الأئمة المجتهدون في ذلك، فقال ابن عباس: المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وقال ابن مسعود: المرأة كلها عورة لا يجوز لها أن تظهر إلا عيناً أو عينين للبصر ورؤية الطريق، فإذا كان الأمر كذلك فما هي الزينة الظاهرة عند ابن عباس؟ قال: الزينة الظاهرة الوجه والكفان بلا كحل ولا دهن ولا حمرة، ولا ما يزيد ذلك زينةً وبهاءً، وقال ابن مسعود: زينة المرأة ثيابها الخارجية فقط وإلا فكلهن عورة، واستدل بقوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31]، فقد سمى الله تعالى الألبسة الخارجية زينة، فأمر الرجال أن يلبسوها عندما يأتون المساجد خاصة يوم الجمعة، والآيات يفسر بعضها بعضاً، إذاً: زينة المرأة من خارجها من قوام وشكل ومن لباس، ومع ذلك أمر الله الرجال أن يغضوا من أبصارهم خاصة إذا كانت النظرة الثانية، وأخص من ذلك إذا كانت بنية سيئة من شهوة وتمني سوء وفاحشة. وقال ابن كثير: جمهور الأئمة على أن عورة المرأة هي عورتها في الصلاة والطواف والحج والإحرام، وعورتها كذلك هي الوجه والكفان، وإحرام المرأة في وجهها، ولكن علماءنا مع ذلك قالوا: إذا خيفت الفتنة وانتشر الفساد فيجب الأخذ برأي ابن مسعود، خاصة وأن ابن مسعود استدل بآية واستدل بما كان في عصر الصحابة، فقد كان بعضهن متنقبات باللثام بحيث كان لا يرى منهن إلا العين، وعلى هذا عاش المسلمون قروناً في مشارق الأرض ومغاربها، وما كان ذلك يتغير إلا في العجائز والبدو، وفيما لا يكاد يكون له خطر من زينة أو محاسن. فـ ابن مسعود احتج بالآية، وابن عباس احتج بالآية وما يفسرها من حديث أسماء أخت عائشة ابنتي أبي بكر الصديق رضي الله عنهم، فقد دخلت على رسول الله البيت صلى الله عليه وسلم بألبسة شفافة تكاد تظهر لون اللحم من خلفها، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وأعرض وترك المكان ثم عاد، فوجدها لا تزال، وقد قالت لها أختها عائشة: لقد كره منك صلى الله عليه وسلم شيئاً، وإذا به يقول لها: (يا أسماء! إذا بلغت المرأة المحيض -إذا بلغت سن الرشد بالحيض- فلا يحل أن يرى منها إلا هذا وهذا) وأشار إلى كفيه وإلى وجهه الشريف صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن مع هذا فـ ابن عباس ومن قال هذا معه من الأصحاب والأتباع والتابعين والمجتهدين ألزموا أن يكون ذلك دون المزيد من الزينة بما يعتبر تبرجاً، والتبرج حرمه الله جل جلاله وقال للمؤمنات: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب:33]، أي: لا تفعلن أيتها المؤمنات وأيتها المسلمات بعد أن أسلمتن وأكرمكن الله بالتوحيد فعل الجاهلية الأولى من التبرج وإظهار محاسن المرأة مما لا يليق بالمؤمنة، فإن كان الوجه مكشوفاً وأمنت الفتنة فذلك قد أمضاه الفقهاء والعلماء، ولكن الفتنة قلّما تخفى وقلما تؤمن، وعلى هذا كان المسلمون قروناً مضت وتلتها قرون، فكان حالهم في مشارق الأرض ومغاربها على ستر المرأة في كل بدنها، وما نعيش فيه اليوم من فسوق وفجور وتبرج زاد على فعل الجاهلية الأولى بما لا يكاد يقبله حتى أهل الكتاب، فكيف بالمسلمين؟ وكيف بأتباع نبينا خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه؟! قال تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) الخمر: جمع خمار، والخمار: ما يستر شعر المرأة، وكانت المرأة تستعمله حتى في الجاهلية، ولكنهن كن يكشفن نحورهن وأجيادهن وأذرعهن وظهورهن، فأمر الله جل جلاله في كتابه بأن خمار الرأس يجب أن يضرب على العنق وعلى الجيوب كلها، والجيوب: جمع جيب: وهو الشق، ومن هنا سميت الشقوق في القمصان والثياب جيوباً، وهناك جيب العنق، وجيب القفا، وجيب الآباط، كل هذه الجيوب يجب أن تستر وتغطى بالخمر، فلا يجوز أن تظهر المرأة منها شيئاً لا عنقها ولا شعرها ولا أقراطها ولا عقودها ولا أساور يدها ولا خلاخل رجلها ولا شيئاً من ذلك، كل ذلك قد حرمه الشارع وشدد فيه ونهى عنه، وأمر بالعفة والستر والمروءة والحشمة والحياء. كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59] أي: قل يا محمد! لزوجاتك أمهات المؤمنين ولبناتك: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة والأحفاد منها، وقل للمؤمنين ولنساء المؤمنين عامة يدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب: ما يستر جميع بدن المرأة، ولا يزال يسمى في المغرب بالجلابية ويسمى هنا بالعباءة، ويسمى في كل قطر من الأقطار الإسلامية باسم، فقال الله لنبيه: قل لجميع المسلمات من أمهات المؤمنين وبنات آل البيت وعموم المسلمات أن يدنين ويقربن عليهن الجلابيب بحيث يكون البدن جميعه مستوراً.
عورة الرجل وعورة المرأة
عورة الرجل وعورة المرأة عورة الرجل مع الرجل جميع ما بين السرة والركبة وما سوى ذلك ليس بعورة، وعورة المرأة جميع بدنها مع الأجانب سوى العينين والوجه والكفين كما نقلنا في الرواية عن الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب، ولكن حتى الرجل لا يليق به أن يجلس بدون سبب مكشوف الصدر والظهر من السرة فما فوق، وأن يصلي كذلك، وأن يخرج للأسواق كذلك، فلو فعل لشُكَّ فيه أن في عقله شيئاً، والمرأة كذلك لو جلست مع النساء وعورتها هكذا لقيل عنها: جنَّت. أما المحارم فقد أباح الشارع أن تظهر المرأة بمحاسنها الخارجية والخفية، والمحاسن الخفية: الأقراط والعنق واليدان والرجلان وبقية الزينة، وليس كشف اللحم وكشف الصدر وكشف الظهر وكشف السيقان وما إلى هذا، فقال تعالى: (ولا يبدين زينتهن) فعمم ثم خصص وفصل، فقال: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن) البعولة: جمع بعل: وهو الزوج، فلا يظهرن زينتهن إلا للأزواج، وللرجل أن يرى جميع بدن امرأته ولو عريانة، لكن الفقهاء مع ذلك كرهوا منه ومنها أن ينظر بعضهم لفرج بعض. و (زينتهن) التي حرم الله إظهارها أمام الأجنبي. ((وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)) فمع المحارم لا حاجة لذلك، فكشف شعر الرأس والعنق والصدر وما إلى ذلك إلى أحد من المحارم لا مانع من هذا. قال: {أَوْ آبَائِهِنَّ} [النور:31] آباء البنات يحل له أن يرى الزينة من ابنته، وأن تري البنت زينتها لأبيها فهو محرم لها وهي محرم له، وليست المحارم ما لا يخطر على البال مما يكون عادة مع الأجانب، قال تعالى: (أو آباء بعولتهن) أي: آباء الأزواج، وهو ما يسمى في اصطلاح بعض ديار المشرق بالعم، فأبو الزوج كذلك محرم حرمة أبدية، فإن بقيت المرأة زوجة أو طلقت فإنه يبقى محرماً لها كما لو كان أباها نفسه. قال: (أو أبنائهن) والمرأة كذلك مع أبنائها، والأبناء كذلك مع أمهم، قال: (أو أبناء بعولتهن) أو الربائب، فابن الزوج بالنسبة للزوجة هو كولدها؛ لأنه محرم عليها حرمة أبدية. قال: (أو إخوانهن) جمع أخ، وهو أخوها الشقيق أو غير الشقيق أي: الأخ لأب ولأم، أو الأخ لأب فقط أو الأخ لأم فقط، فكل أولئك محارم، فلها أن تظهر زينتها لهم، ولهم أن يروها كذلك. (أو بني إخوانهن) أو أبناء الإخوة وهم من ينادونها بالعمة، فهم كذلك محارم وهي محرم لهم. (أو بني أخواتهن) من يناديها من الأبناء بالخالة، فالخالة والعمة والزوج والأب والربيب والإخوة كل أولئك محارم لمن هذه صلتهم بها، ولمن صلتها بهم كذلك. (أو نسائهن) النساء: جمع لا مفرد له باللفظ، ومفردها امرأة، والمعنى: المؤمنات مع المؤمنات؛ لأن الأمر بهذا للمؤمنات: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن)، فالمؤمنات مع المؤمنات والمسلمات مع المسلمات كذلك لهن جميعاً أن يظهرن محاسنهن وزينتهن لبعضهن، وخرج من هذا من لسن بمسلمات فهن لسن بنساء مؤمنات، أي: لسن بالنساء اللائي لهن صلة دين أو أخوة إسلامية، ومن هنا يقول جمهور العلماء بأن المرأة غير المسلمة هي من المسلمة كالأجنبي من المرأة، فلا يجوز أن تظهر لها إلا كما تظهر للأجنبي إما مستورة كاملة أو تظهر الوجه والكفين فقط. فإن قيل: ولم ذلك؟ قالوا: لما يمكن أن تصف تلك النصرانية أو اليهودية الصفة التامة لتلك المؤمنة لأزواجهن من الكفار يهوداً ونصارى وغيرهم، وهذا قد حرمه الشارع، فإن عمر رضي الله عنه كتب لعامل الشام أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه فقال له: بلغني أن النساء المسلمات يدخلن في الشام للحمامات ومعهن النصارى واليهود، فامنعهن من ذلك، فقد منع الله ذلك ولم يبح إلا للمؤمنات فقط، أما أن يدخلن هكذا عرايا على النساء غير المسلمات فلا، فمنعهن أبو عبيدة من ذلك. وقال بعض الأئمة: (نسائهن) أراد أن يفهم منها كل النساء، وأن الكافرة كذلك لا مانع منها، ولكن الآية تكاد تكون صريحة وليس هناك ما يؤكد هذا، ومن هنا ننتبه أن الآية تدل على مسلمين آخرين من الأقارب فلم يذكر الخال ولم يذكر العم؛ ليس لأن الخال والعم ليسا بمحرم، قالوا ولكن السبب: أنه لا يجوز للمرأة أن تظهر زينتها ومحاسنها للعم والخال، لأنه يمكن أن العم يتحدث بذلك لأولاده وهم أجانب، ويتحدث الخال لأولاده وهم أجانب، وقد كان صلى الله عليه وسلم ينهى الزوجات من أن يصفن النساء لأزواجهن كما لو أنهم يرونهن رأي العين، فمنع الزوجات أن يخبرن أزواجهن بأن فلانة طولها وعرضها وعينها وخدها كذا حرم الشارع ذلك؛ لأنه يمكن أن يشهي مثل هذا الوصف لزوجها، ويدعوه لما لا يليق به مما يكون خطراً على دينها ودينه، فإن كان هذا مع العم والخال وهما محرمان مؤمنان، فمع المرأة الكافرة من باب أولى. قال: (أو ما ملكت أيمانهن) الكلمة في ظاهرها تدل على أن ملك اليمين عبيداً وإماءً إن كانوا ملكاً للمرأة بأنه لا مانع من أن يكونوا معها كالمحارم، ولكن المفسرين زيفوا هذا الفهم لبعض المفسرين وقالوا: ليس الأمر كذلك، فإن العبيد قد دخلوا من أول مرة على أنهم أجانب، ولا يدخل هنا إلا المرأة الكتابية الكافرة إن كانت أمة للسيدة المؤمنة، فلا مانع من أن تظهر زينتها لها، ولا مانع من أن تعيش معها كما يعيش المحرم مع محرمه؛ لأنها وهي تحت ملكها وتصرفها وملك يمينها كونها تصف لزوجها الكافر أو لأولاده محاسنها وزينتها مأمون هذا فهي أمتها، والشأن ألا تزوجها بكافر، وألا يكون عندها أولاد كفرة، ومن هنا قالوا: إن ملك اليمين يخص الأمة، أي: المرأة المملوكة لا العبد. قال: (أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال) أو من عادةً يملئون البيت ممن لم يأت إلا لأجل الطعام والشراب والمتاع، وأخذ الصدقة والعطاء ممن ليس له حاجة في النساء، ولا رغبة له فيهن، وهؤلاء كالرجال المغفلين الذين عادة يتصلون ببعض البيوت والأشخاص ولا يشتهون النساء ولا يفكرون فيهن، وليست لهم الرغبة التي تكون عند الآخرين، أو الشيخ الهرم المسن الذي لا رغبة له في النساء ولا النساء لهن رغبة فيه، أو الرجال الذين هم عادة منعوا من الزواج إما لأنهم جبت فروجهم أو دقت أنثياهم فأصبحوا أشبه بالنساء، وهذا ما يسمى بالخصي، وهؤلاء لا يبقون رجالاً، بل يبقون خلقاً لا هم رجال ولا هم نساء، وتذهب منهم الرغبة بالنساء مطلقاً، فدخول هؤلاء كذلك على النساء لا مانع منه بأن يكونوا في البيوت خدماً، أو أن يكونوا ممن يتبعون الناس في البيوت لطعام أو شراب أو خدمة أو ما إلى ذلك، فإذا ظُنَّ إنسان يوماً أنه أبله أو مغفل أو مجبوب أو عنين ثم أخذ يتكلم عن محاسن النساء فإنه يمنع من الدخول عليهن، كما حصل ذلك مرة من مخنث كان يظن أنه من المغفلين، وكان يدخل البيت النبوي، وكان اسمه هيت، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فوجده وبعض أمهات المؤمنين حاضرات وهو يقول لأحد أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو ذهبت إلى الطائف ورأيت فلانة فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، وأنها وأنها فقال صلى الله عليه وسلم: (أراك تفهم هذا؟ أخرجوه عنكم، فطرد) وأخرج من المدينة ألبتة، وأبعد عن سكن الناس بالمرة؛ لأنه أظهر من بلاهته وغفلته ما غر الناس فعوقب بالنفي المؤبد، وبقي منفياً حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان إلى أواسط أيامه رضي الله عنهم، فأذن له أن ينزل يوم الجمعة ليسعى فيما يتعيش به هو ومن في خارج المدينة. فقوله: (أو التابعين غير أولي الإربة) أي: التابعين للأسر أزواجاً وزوجات ممن يخدمونهم وممن يطلبون رفدهم وصدقتهم وعطاءهم وسقط متاعهم، فهؤلاء إن كانوا لا إربة لهم ولا غرض ولا شهوة، ولا يعرفون مما يتعلق بالنساء شيئاً أذن لهم في الدخول على النساء. قال تعالى: (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) (الطفل) هنا: الأطفال، فهو اسم جنس للجميع، فهؤلاء الأطفال الذين لم يطلعوا على عورات النساء بحيث لو رأوا شوهاء أو جميلة عريانة أو لابسة لا يدركون ذلك بالمرة ولا يفكرون فيه، كأبناء خمس سنوات أو ست سنوات أو أقل، أما الولد المميز الذي يستطيع أن يقول: هذه جميلة وهذه شوهاء، وهذه من صفتها كذا وهذه من صفتها كذا فهؤلاء أيضاً لا يجوز لهم أن يدخلوا على النساء، ويجب أن يمنعوا ما داموا يعرفون من النساء محاسنهن ويعرفون منهن صفاتهن، وأما أولئك الأطفال الذين لا يميزون فلا مانع، وعورة المرأة زينتها، وهكذا أعيدت الكلمة باسم (عورات) وهو ما قاله الأئمة ومفسروا الآية، فقوله: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) أي: هي عورة لا يجوز أن تظهر؛ ولذلك نرى لم يذكر العم وهو محرم، ولم يذكر الخال وهو محرم وهو قول الشعبي والضحاك والأئمة من المفسرين، قالوا: منعهم أن يروا زينة المرأة أو محاسنها كيلا لا يصفوها لأولادهم فيكون بذلك كشف للعورة وهذا لا يجوز، وأما الأخ فأبناؤه محارم، والأب كذلك أبناؤه إخوة، والأخت أبناؤها محارم، وأولاد الزوج من الرضاعة فهم محارم، وكل ما ذكر الله من الآباء والأبناء في هذه الآية هم جميعاً من المحارم، ولكن لم يذكر الخال والعم لأن أولادهما ليسوا من المحارم؛ واتقاء أن يذهب العم والخال فيصف للأولاد زينة المرأة ومحاسنها، كما لو كان يراها مباشرة، فمنع من ذلك لهذا المعنى، كما منعت المرأة الكتابية والمرأة غير المسلمة من أن ترى محاسن المسلمة وزينتها؛ كيلا يتحدثن عنها لأزواجهن أو لأولادهن وهم كفار. قال تعالى: (ولا يضربن بأرجلهن) أي: لا يضربن بأرجلهن ليبدين ما يخفين من زينتهن، وهذا لا يزال إلى الآن في بعض الأقطار، فمن حلية المرأة أن تلبس في رجليها ما يسمى بالخلاخل، فتجد المرأة تلبس ذلك في رجلها إذ تكون متسترة هكذا الشأن في المسلمات، ولكن المرأة بفطرتها تريد أن تشعر المارة بأنها تخفي من الحلية في الرجل واليد والأذنين والعنق ما يدل على رفاهيتها وعزتها على زوجها وعلى أبيها، فتفعل حركة برجليها وتضرب رجلاً برجل ليسمع صوت الخلخال وتلفت أنظار الماشين من الرجال، فإن فعلته لمجرد هذا فهو ممنوع وحرمه القرآ
النور [32 - 34]
تفسير سورة النور [32 - 34] أمر الله تعالى هنا الأولياء بأن يزوجوا أولادهم وبناتهم، وأن يزوجوا الصالحين من عبيدهم وإماهم، وقد تكفل الله تعالى بأن يغني الفقير من فضله، فلا يكن الفقر حجر عثرة أمام الزواج. كما أمر الله تعالى الذين لا يستطيعون النكاح لعذر من الأعذار أن يستعففوا إلى أن يغنيهم الله تعالى من فضله.
تفسير قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم)
تفسير قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم) قال الله جل جلاله: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور:32]. يأمر الله جل جلاله الآباء والأولياء والسادة والموالي بأن يزوجوا أولادهم وبناتهم، والأيامى: جمع أيم، والأيم: كل رجل وامرأة لا زوجة له ولا زوج لها، سواء كانا من قبل قد تزوجا أم لا، فكل ذلك يوصف لغةً بالأيم. فالله يأمر الأولياء والآباء المشرفين والمنفقين والمكلّفين والمسئولين عن أولادهم وبناتهم أن يزوجوهم ولا يتركوهم عزّاباً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (مسكين رجل لا امرأة له) أي: لا زوجة له (ومسكينة امرأة لا زوج لها). ويأمر الله جل جلاله السادة والأولياء أن يزوجوا الصالحين من العباد: من غلمانهم وفتياتهم وإمائهم الصالحين، حيث لا علة فيهم ولا ضرر يمنعهم من الزواج؛ كأن يكون هناك ما يمنعهم من صحة الزواج: كخصاء أو جباء أو ليس فيهم ما يدعو للزواج وللرغبة في النساء مرضاً أو خلقة، فلا تتركوهم بغير أزواج، وأكثر ما يتعلل به العزّاب والعذارى والأولياء المشرفون عليهم بأنهم فقراء لا يملكون مالاً لزواجهم، وهذا الأمر يتعهد الله جل جلاله بوجوده وبكينونته فيقول: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:32] أي: إن كانت العلة في عدم الزواج هي الفقر فالله تعالى يضمن لهم ويتعهد لهم بأن يغنيهم من فضله ومن واسع كرمه ورزقه جل جلاله، وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً على خاتم من حديد، ولكنه لم يجد خاتماً فزوجه على أن يعلم زوجته سوراً مما يحفظ من كتاب الله الكريم. وقد قال أبو بكر وعمر وجمهور من الصحابة رضي الله عنهم: أيها الناس! إن الله رغّبكم في الزواج وحضكم عليه، وضمن لكم الغنى من أجله، فإذا كان الأمر كذلك فعلة الفقر والتعلل والعذر به ليس عذراً. والله يقول: أنكحوا، وهو فعل أمر، والأمر في أصول الفقه وأصول تفسير كتاب الله إذا أُطلق من غير أن يصرف عن ظاهره فإنه للوجوب. وقد أوجب الزواج -بأمر الله- الكثير من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، ولا عُذر في تركه إلا لمن كانت فيه علة بدنية تصرفه عن ذلك؛ وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد عن عبد الله بن مسعود وغيره من الأصحاب رضوان الله عليهم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحفظ للفرج، ومن لم يجد فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء). فنادى صلى الله عليه وسلم الشباب ولم ينادِ الكهول ولا الشيوخ؛ إذ قد تزوجوا منذ صباهم، فقال للشباب رجالاً ونساء ذكوراً وإناثاً: (من استطاع منكم الباءة) أي: من استطاع منكم النكاح فليتزوج، فإن الزواج أغض لبصره عن المحارم ورؤية محاسن ما لا يجوز له أن يراه، وأحفظ للفرج من الزنا والفاحشة، وقد أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يأمر أتباعه، فقال له: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور:30]، وقال: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور:31]، ومن أجل ذلك قال: (فإنه أغض للبصر، وأحفظ للفرج)، فمن لم يجد ولم يستطع الزواج لعلة من العلل كأن كان طالباً يخاف أن يشغله الزواج والولادة عن الدراسة وطلب العلم الواجب، قال له في هذه الحالة: فليصم، والصيام له علاج ووجاء، فهو يدفع الشهوة، ويزيل القلق نوعاً ما، على أن الطالب إذا تعهد له والده أو وليه أو حكومته بالإنفاق عليه وعلى زوجته وأولاده زال عذره من عدم الزواج، كما قد يكون عذراً كون الجندي في ساحة القتال، وقد يكون مجنداً لسنتين أو ثلاث أو أكثر، فقد يكون هذا عذراً ريثما يسرح من الجيش، وفيما عدا ذلك فالزواج واجب، ولو أوجبته الحكومات الإسلامية لدفعت الكثير من الفواحش ومن الفساد المنتشر في المجلات وفي الأفلام، وما إلى ذلك من أنواع الفسوق والعصيان المنتشر في أرض الإسلام، ولو فعلوا ذلك لما بقي في بيت عذراء ولا عزب، ولتزوج الجميع، وإذا تزوجوا كان ذلك سبباً للقضاء على الفواحش وما يدفع إليها، والشبعان لا يطلب طعاماً، والغني لا يتسول مالاً، ولكن عندما لا يتم ذلك يحصل ما نراه وترونه جميعاً في بلاد الإسلام مشارقه ومغاربه. ((إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)) وهذا أمر الله ووعد الله الذي لا يخلف الميعاد، وقد جُرّب ذلك في المسلمين قديماً وحديثاً فكان الزواج سبب الغنى والكفاية، وسبب الرزق والعطاء والاستغناء عن الناس. قال تعالى: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور:32] أي: واسع الجود وواسع الكرم والعطاء جل جلاله، ولذلك فالطريق إلى الغنى لمن لم يجده أن يتزوج إن كان عزباً أو كان أيّماً، وتتزوج المرأة إن كانت عذراء عزباء ليغنيها الله من فضله وعداً من الله حقاً، فقوله: ((وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم)) أي: واسع الكرم عليم بعباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويطيعون الله، ويخرجون عن المعصية وعن المخالفة، ويكونون من أولياء الله المتقين المتعبدين بالطاعة لله ولرسوله.
تفسير قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا)
تفسير قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً) قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:33]. فإن كان ولا بد وكان العذر لهؤلاء هو الفقر، فمن لم يكن كذلك مكفياً فليستعفف وليطلب العفة بألا يزني ولا يفسق: لا بعينه، ولا بأذنه، ولا بيده، ولا بفرجه، وقد كتب الله الزنا في العين، فإذا ما رأت ما لا يحل لها فقد زنت، والأذن إذا أنصتت لما لا يحل لها فقد زنت، واليد إذا باشرت ما لا يحل لها من بشرة محرمة فقد زنت، وهكذا تجد هذا الذي لا يتزوج تعللاً بالفقر لا يكاد يخلو من الزنا يومه كله، فينظر لأعراض الناس في الطرق والأزقة، ويسمع لغناء النساء ورخامة أصواتهن وفحش قولهن، ويمد يده مصافحاً لمن لا يجوز له أن يصافحها، وهكذا تجده يومه كله في مخالفة وعصيان لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، وابتعاد عن أخلاق المؤمنين. فقوله تعالى: ((وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)) السين والتاء إذا دخلت الفعل فهو للطلب، أي: ليطلب العفة، فهؤلاء الفقراء إن أصروا على عدم الزواج للفقر فليكونوا عفيفين عن النظر والسمع والزنا والفرج فيما لا يحل لهم؛ عسى الله أن يغنيهم ويكفيهم، فإن الله قد تعهد بذلك من قبل، وكلمة النكاح إذا أُطلقت تعني الزواج، وقل ما تعني الجماع. قال تعالى: ((وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)) هذه الفقرة من الآية تتعلق بحكم آخر كبير الشأن، هذا الحكم يتعلق بتحرير العبيد الأرقاء قبل أن يدّعي هؤلاء الأعداء اليوم أنهم قد أعتقوهم وأوجبوا ذلك، فأعتقوهم أفراداً واستعبدوهم شعوباً وأمماً، استعبدوهم للبطش والذل والهوان والاسترقاق، وأنتم ترون وتسمعون كل حين كيف أن أمم الكفر أطلقت كلب الصيد اليهود فكانوا كلاباً وقردة وخنازير، لضرب المسلمين براً وبحراً وجواً، فيريقون الدم الحرام، وينتهكون العرض الحرام ويستذلون ويقتلون ويستعبدون، وكأن الدنيا لم يبق فيها مسلم، ولم يبق فيها من يدّعي ويزعم الدفاع عن ما يسمونه إنسانية أو آدمية أو بشرية، وهكذا لا نزال نجد أمم الكفر قد تواطأت وتآمرت على إذلال الإسلام والمسلمين، بل حتى المسلمين تواطئوا على أنفسهم ليذلوا أنفسهم ويستعبدوها، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة:51]، فنحن قد رأينا ولا نزال نرى جميع أمم الكفر والنصرانية في الأرض كيف والوا اليهود وناصروهم وعزّزوهم وعزّروهم وملّكوهم من الأسلحة والأموال والدفاع والكفاح؛ ليذلوا المسلمين، وليذهبوا وجودهم من المشرق العربي؛ إعادةً للصليبية الأولى، وحقداً على المسلمين وعلى دين الإسلام. قال تعالى: ((وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ)) (والذين يبتغون) أي: الذين يريدون، والكتاب: المكاتبة، (مما ملكت أيمانكم) من عبيدكم وأرقّائكم رجالاً ونساء، ((فَكَاتِبُوهُمْ))، ومعنى الكلام: إذا جاءكم أيها السادة والموالي عبيدكم وأرقاؤكم وجواريكم وفتياتكم فطلبوا منكم أن يعقدوا معكم مكاتبة في تحريرهم وشراء أنفسهم فافعلوا وكاتبوهم، والمكاتبة في لغة الرق والأرقّاء: أن يأتي الرقيق ذكراً كان أو أنثى فيقول لمولاه: كاتبني، أي اكتب بيني وبينك عقداً أؤدي لك قدراً من ثمن، أو أؤدي لك ما يمكن أن أتفق وإياك عليه خلال فترة معينة. وهذه الفقرة من الآية الكريمة تدعو إلى تحرير العبيد منذ 1400 عام نزل بها الوحي الكريم على سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك قبل أن يدّعي هؤلاء الأرذال إخوان القردة والخنازير أنهم حرروا العبيد، فحرروهم أفراداً فيما زعموا واستعبدوهم شعوباً وأمماً. ومعنى ذلك: أن العبد إذا أراد حريته والجارية إذا أرادت حريتها فأعطوها إياه مقابل ما صرفتم من مال يؤدونه إليكم، يقول عمر: يجب على كل مولى وسيد إذا رغب مولاه -عبده أو جاريته- في المكاتبة على قدر من المال من ثمنهما، إن يفعل.
ذكر إجبار عمر بن الخطاب لأنس بن مالك أن يعتق سيرين
ذكر إجبار عمر بن الخطاب لأنس بن مالك أن يعتق سيرين كان سيرين غلام أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووالد الإمام العالم الربّاني محمد بن سيرين مولى لـ أنس، فجاء إليه وقال: يا مولاي! كاتبني، أي: اعتق رقبتي من الرق مقابل شيء أتفق وإياك عليه، وإذا بـ أنس يمتنع، فيذهب سيرين إلى عمر وكان إذ ذاك أميراً للمؤمنين فيشتكي بـ أنس، فدعا عمر أنساً وقال له: كاتبه وأجبه لرغبته، وإذا بـ أنس يمتنع، فيضربه عمر بالدرة كما يفعل عادة مع كل مخالف لما يعتقده أمراً من الله وأمراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك أجبر أنساً على مكاتبة سيرين وعتقه مقابل مال يؤديه منجّماً، أي: زمناً بعد زمن ووقتاً بعد وقت. وما فعله عمر إلا لأنه يعتقد أن قوله تعالى: ((فَكَاتِبُوهُمْ)) أمر ليس للاستحباب ولا للانتداب، وقد قال بهذا عالم مكة عطاء بن رباح، وعالم بغداد الإمام المجتهد داود الظاهري، وعالم الأندلس أبو محمد بن حزم وقال بهذا الكثير من الأئمة المجتهدين سلفاً وخلفاً: إن المكاتِب إذا جاء يطلب حريته فإنه يجاب لرغبته بقيد الله الذي قيّد، حيث قال الله تعالى: ((إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)) أي: إن علمتم في هؤلاء الأرقاء خيراً. واختلف المفسّرون في هذا الخير ماذا يعني؟ فقال بعضهم: المال، ولكن هذا كلام غير مقبول؛ لأن العبد لا يملك، وما يملك فهو لسيده ومولاه، فالفرض أنه لا مال له حتى يُقال: ((إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا))، وقالوا: الخير هو الأمانة والصدق والصلاة، ويجمع كل ذلك: إذا علمتم فيهم إسلاماً، بمعنى أن الرقيق كان غير مسلم، ثم أسلم وجاء يريد مكاتبة مولاه على حريته وعتقه في هذه الحالة، فيجب على سيده أن يستجيب لحريته وأن يكاتبه، وبهذا يُصبح الأمر أن كل من أراد حريته ممن مُلكوا رجالاً أو نساءً في أسر في معركة مع الكافرين ثم أسلموا، أو توالدوا مسلمين عن أرقاء ليسوا بمسلمين، إن جاء هؤلاء وأرادوا حريتهم فاستجيبوا لهم، ويُكتب عادة عقد فيه: أن فلاناً مولى فلان الرقيق استجاب لرغبة مولاه فلان أو فلانة من الأرقاء في عتق رقبته وحرية بدنه، مقابل قدر من المال أو عمل من الأعمال يعمله مؤقتاً زمناً بعد زمن لشهر أو سنة أو سنتين أو أكثر أو أقل، فإذا كُتب كتاب عقد الحرية وأعطى الرقيق قدراً من ثمنه ثم عجز عن تسديد الباقي فإنه يصبح مديناً لمولاه، وقد قال تعالى عن المدين: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280]، فيُصبح ذا عسرة، وذو العسرة من المدينين يُنتظر غناه فيسد ما عليه. إذاً: المسلم بمجرد طلب حريته -إن كان رقيقاً- فإنه يجب على مولاه أن يستجيب للمكاتبة، وبمجرد أن يبتدئ بالمكاتبة ويُعطي بعضها يُصبح بعد ذلك مديناً، فإن استطاع أن يؤدي فذاك، وإن أعسر فيُنتظر غناه، وهو حر معتق، قال بالذي أقول الكثير من الأئمة سلفاً وخلفاً. وقال آخرون: المكاتب رقيق ما لم يؤد آخر ما اتفق عليه مع مولاه، والرقيق ليس واجباً على المولى أن يُعتقه أو يُكاتبه، وإنما ذلك شيء مندوب إليه ومستحب؛ وهكذا اختلفوا، ولكن الآية بالأمر الصادر لا يمنع من كونه واجباً، والذي قال أمير المؤمنين عمر عنه إنه واجب، وسُنة عمر في ذاتها تعتبر سُنة نبوية؛ لحديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ). ثم قال تعالى: ((وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)) ومعنى هذه الفقرة من الآية الكريمة: إن أراد أرقاؤكم وعبيدكم الحرية والعتق فاستجيبوا لهم، وأعينوهم على عتقهم بأن تُسقطوا لهم وتتنازلوا لهم عن بعض ما اتفقتم عليه معهم، كأن تكونوا قد اتفقتم على أداء عشرين ألفاً فقال البعض: يجب أن تتنازل له على نصف هذا القدر، وبعضهم قال: الربع، وبعضهم قال: الثلث وهكذا، فالآية خطاب للأولياء والسادة. فقوله: ((وَآتُوهُمْ)) أي: آتوا الموالي المُكاتبين في حريتهم وعتقهم مساعدة وعطاءً، ((مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)) أي: من هذا المال الذي ملككم الله إياه ورزقكم، وهو في الأصل مال الله رزقكم إياه وأعطاكم إياه، وفرض فيه فرائض وألزم فيه لوازم: من النفقة على العيال، ومن الزكاة الواجبة للفقراء والمساكين، ومن إعطاء كل سائل، قال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج:24 - 25]، فهذا المال خرجت أنت من بطن أمك ولا تملك منه نقيراً، وقد رزقك الله إياه بعد ولادتك، فمال الله هذا لا تبخل به على مستحقيه نفقةً وزكاةً وصدقةً وعطاءً، ولا تبخل به على مكاتبيك من أرقائك، بل ساعدهم وأعطهم منه. وقال مفسّرون: ((وَآتُوهُمْ)) الخطاب لكل المسلمين بأن يؤتوا هؤلاء المساكين، سادة وغير سادة، ممن كاتبوهم أو من المسلمين ممن لم يكاتبوهم، يقول: أعينوا هؤلاء المكاتبين الطالبين لحريتهم والطالبين لعتقهم، وساعدوهم على ما اتفقوا عليه من عطاء وأداء مقابل حريتهم وعتقهم، وأعطوهم السهم الذي أوجبه الله في الزكاة وفي الرقاب، قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة:60] فثمن الزكاة والعطاء جعله الله قسمة بين ثمانية، وأحد هؤلاء الثمانية: عتق الرقاب وإعفاء هؤلاء عن رقّهم. ويبقى المعنى بذلك: أن الله يخاطب جميع المسلمين أن يُساعدوا في عتق الرقيق، وفي تحريره، وفي ألا يكون رقيقاً بعد هذا، والله جعل مع ذلك في كثير من الكفّارات عتق رقبة. واستعباد الناس لم يكن شيئاً من الإسلام، بل جاء الإسلام فوجد الأمم السابقة والأديان السابقة أن هذا من جملة عملهم وتقاليد مجتمعهم، فالله عندما أنزل كتابه وأرسل محمداً برسالته صلى الله عليه وسلم دعا للتخفيف من قيود ذلك، مع الإحسان إليهم فيما إذا بقوا كذلك، واعتبارهم إخوةً وأولاداً لأوليائهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إخوانكم خولكم -أي: عبيدكم إخوانكم- أطعموهم مما تطعمون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإن كلّفتموهم فأعينوهم) وهؤلاء الذين يزعمون اليوم من أدعياء الحضارة والمدنية كذبة فجرة، فقد دعوا إلى ذلك أفراداً وعملوه شعوباً وأمماً، فاستعبدوا الشعوب والأمم وأزالوا عنهم كل حرية واختيار: من سفك دم، وهتك عرض، وزوال مال، وإذلال كرامة، ونحن نعلم أن في هذه الديار المقدّسة قد أُعتق العبيد لسنتين أو أربع مضت، ولما أعتقهم أسيادهم رفض الأرقاء وقالوا: إلى أين نذهب؟ فلا نعرف لنا والداً سواكم، ولا أُسرة غيركم، وإذا كان كذلك إما أن تبقونا أرقاء وإما نحن خدمكم؛ ولذلك فإن الرقيق إذا وجد راحته ووجد سعادته في أن يبقى رقيقاً فالأمر له، فقد يكون ذلك أربح له، وقد يكون ذلك أسعد له، والكثيرون منهم يجدون من مواليهم وساداتهم عطفاً وبراً وعناية، وإذا أُطلقوا سيعجزون حتى عن النفقة على أنفسهم أكلاً وسكناً وشرباً، وفي هذه الآية نرى الله جل جلاله قد ذكر المال منسوباً إليه، فأموالنا وكل ما في السماوات والأرض هو لله، فيجب أن يعتقد الإنسان المسلم أن ماله الذي بيده هو لله، فرض الله فيه فرائض من النفقة، وفرائض من الزكاة، وفرائض من المعاملات، فإن لم يفعلها انتزع منه المال على أنه مال الله ولم يحسن استعماله، بل اتخذ الحلال حراماً وآذى به الناس، والله شرع التملك بما تقدر وتستطيع من تجارة وزراعة وصناعة، ولكنه حد حدوداً فمن تجاوزها أزال الكرامة عما يملك، فمن ملك المال بواسطة ما حرّم الله: بواسطة الربا أو الرشوة أو الفساد أو ما لا يليق مما حرّم الشارع، فلا يُعتبر هذا المال مالاً حلالاً، وما لم يكن مالاً حلالاً فإنه يُنزع، ولا يُقال عنه: نزع الملكية، ولا يُقال عنه: التأمين، ولكن يقال عنه: رد المظالم.
رد المظالم إلى أهلها في عهد عمر بن عبد العزيز
رد المظالم إلى أهلها في عهد عمر بن عبد العزيز إن أول من أقام هذه الإدارات بهذا النوع هو عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس، فقد جاء بين عهدين ظالمين، وخليفتين ظالمين، فوجد الفساد قد انتشر في البر والبحر والسهول والجبال، ففتح دائرة وأسماها دائرة رد المظالم، وابتدأ بزوجته وهي فاطمة بنت عبد الملك بن مروان الخليفة بن الخليفة، فقال لها: يا فاطمة! كل ما تملكين من حلي وأرض وعقار قد أخذه أبوكِ وجدكِ من المسلمين من غير حق، وأنا سآخذه منكِ قهراً وأُعيده إلى بيت المال، فإن كان ذلك برضاكِ فأنت زوجتي في الدنيا والآخرة، وإن لم يكن فالمال سأعيده لأصحابه من المسلمين، وبعد ذلك لن تكوني لي زوجة لا في الدنيا ولا في الآخرة، وبعد ذلك سنّها بنفسه فأزال عنه كل ما كان يسمى ملكاً للدولة وأعاده إلى بيت المال؛ وهكذا تسلل إلى أولاد عمه وإلى أُسرته الحاكمة فنزع عنهم كل ما كان لهم، ثم الأمثل فالأمثل، وفي سنتين أعاد سنة الخلفاء الراشدين التي هي سنة محمد صلى الله عليه وسلم في المال وتملكه، ولكن بني عمه وأُسرته الحاكمة لم تتحمل ذلك فغدروا به وسمموه وقتلوه بالسم. وهكذا سيبقى إلى أبد الآباد أن كل مال أُخذ بغير حق لا يُعترف بملكيته يجب أن يعود لأصحابه، فإن عُلم أصحابه رد إليهم، وإن لم يُعلم فإنه يعود إلى بيت المال، ولا يسمى تأميناً كما يقول لصوص اليوم الذين يسمون أنفسهم الاشتراكيين والشيوعيين، فيذهبون إلى أخذ مال الناس ظلماً وباطلاً لتوزيعه في أباطيلهم وأضاليلهم وحرب الإسلام والمسلمين، ولكن نسميه مظلمة، فيجب أن تزول ويعود الحق لأصحابه مهما طال الزمن، ولا نقول بالقانون الباطل أنه إذا مضى على الحق عشرون سنة فإنه يسقط طلب حقه، بل ما ضاع حق وراءه مطالب، وهكذا يقول الله عن هذا المال: ((وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ))، فالمال في أيدينا عارية لله، فاليوم هو بيدنا وبالأمس كان بيد غيرنا، وبعد فترة هو في يد آخرين.
معنى قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء)
معنى قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) قال تعالى: ((وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)) الفتيات: الإماء، جمع فتاة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يقل أحدكم: عبدي ولا أمتي، ولكن فليقل: فتاي وفتاتي)، فهذا من أدب النبوة وأدب الإسلام مع الأرقاء ألا نسميهم عبيداً ولا نسميهن إماءً، فنحن جميعاً عبيد لله المالك والمملوك سواء، ولذلك علمنا أن نقول كلمة تدل على الأخوة الإنسانية البشرية فتقول: فتاي وفتاتي، وهذا تعبير القرآن: ((وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا))، والبغاء هنا: الزنا، والتحصّن: العفّة.
سبب نزول قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء)
سبب نزول قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) كان الناس في الجاهلية يشترون الإماء ويتملكونهن ويجبرونهن على الزنا، فيجلبن لهم المال، وإذا حملن وولدن اعتبروا أولادهن كذلك رقيقاً، فيولَّدونهن كما يولد الإنسان حماره وبغلته، فجاء الإسلام فحرّم ذلك واستنكره، وبقي المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبي يفعل ذلك، وأسلم إماؤه، فعندما أراد إكراههن على ما اعتاد في الجاهلية قبل الإسلام وقبل هجرة محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة امتنعن، فضربهن مولاهن، فذهبن يشتكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى: ((وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)) أي: لا تجبروهن على الزنا إن أردن العفة، والكثير ممن لم ينتبه لتفسير الآية قال: لا تكرهوهن إن أردن تحصناً، فإرادة التحصن خرج فخرج الغالب، وليس الكلام كذلك، فإنهن إن لم يردن التحصن فمعناه: أنهن زانيات من غير أن يكون مولاهن آمراً أو ناهياً، فإذا كانت الفتاة لا تريد التحصّن ولا تريد العفة ولا الكرامة والشرف، فما الحاجة إلى أن يكرهها سيدها! فهي من نفسها تذهب وترغب في الفاحشة. نقول: هذا له حكم آخر، وعلى سيدها أن يقيم عليها الحد، وحدود الإماء والعبيد نصف حد الأحرار، فحد الزنا بالنسبة للعزب الحر مائة جلدة، وهو للإماء خمسون، وحد القذف للحر ثمانون جلدة، هو للإماء وللعبيد الأرقاء أربعون جلدة، فعليهم نصف ما على الأحرار من العذاب كما قال جل جلاله، ولا يُتصور القول بالإكراه إلا بالنسبة لمن أرادت العفة والتحصّن، وأما من لم ترده منهن فلا حاجة للإكراه، ولذلك فالكلام خرج كواقعه ولم يخرج على أنه فعل الغالب والكثير. ونحن اليوم في عصر سوء؛ وعصر اليهود والتبرّج والفاحشة وأنواع البلاء، هذا العصر الذي يسمونه عصر الحضارة والنور، ما هو إلا عصر الكفر والفساد وعصر الحيوانية والبعد عن الله ورسوله وعن النبل والكرامة، فمن البلاء أن أصبحت هناك جمعيات يشارك فيه مسلمون فتجلب هذه الجمعيات من أوروبا وغيرها من بلاد الكفر ما يسمونه بالرقيق الأبيض، فيأتون بهن للزنا والفاحشة، ويأتون بهن لدور اللهو والرقص والسينما وما إلى ذلك، ويعطونهن قدراً ضئيلاً من المال، ويجبرونهن بأنواع الإيذاء ليكسبن من وراء زناهن وفسقهن ورقصهن وفاحشتهن، وأصبح هذا على الشكل القانوني المقبول في أكثر دول الأرض؛ وهذا من البلاء ومن العودة للجاهلية الأولى والعودة للكفر، فقد قال الله تعالى: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب:33] فبالنسبة للمرأة المكرهة (فإن الله غفور رحيم) يغفر لها؛ لأنها مجبرة، ويرحمها لأنها لا إرادة لها في ذلك. قوله تعالى: ((وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ)) أي: من يحاول منكم أن يكره هؤلاء الضعيفات على أعراضهن وشرفهن وإسلامهن، فالله من بعد أن تكرهوهن غفور لهن رحيم بهن. وأما أولئك فقد دخلوا في جملة من المعاصي والآثام، إذ نشروا الفاحشة والفساد وأكلوا به مالاً حراماً، فكانوا بذلك مستحقين لأنواع من الحساب والعقاب في الدنيا فضلاً عن الآخرة، ويعدون ممن دخلوا في الدياثة؛ لأن من يرى الفاحشة في أهله ويرضى بها فهو ديوث، فالجارية أهله ومكان عفّته إن أراد، فهو يذهب لعرضه فيبيعه للناس، ومن كان كذلك فإنه يستوجب عليه العقاب والنفي من الأرض، وقد يوصل ذلك إلى القتل إن كان فساداً في الأرض، وقد قال تعالى عن هؤلاء: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة:33]. ونشر الفساد في الأرض يكون بنشر الفاحشة والمنكرات بأنواعها، ونشر الحرام وترك الحلال، وسفك الدم الحرام، والتعرض للحرم وللنساء، والتعرض للولدان، وهم بذلك يحاربون الله فيما أمر به، ويحاربون رسوله فيما أمر به، وجزاء هؤلاء وعقوبتهم أن يخيّر الحاكم في واحدة من ثلاث: إما أن ينفيهم من الأرض، أي: يسجنون، وهو النفي التام إلى الأبد، وإما أن يبعدوا إلى صحارٍ لا يراهم الناس ولا يرونهم، أو تقطّع الأيدي والأرجل من خلاف: اليد اليمنى والرجل اليسرى أو العكس، أو يصلّبون أحياءً حتى الموت. وقول الله تعالى: {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} [المائدة:33] قال العلماء: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى في لغة العرب، فلم يقل: يُقْتلون ولم يقل: يُصْلبون، بل قال: يُقتّلوا أو يصلّبوا، فهذا التشديد والتأكيد زيادة في المبنى للتأكيد، فتدل على أن القتل يكون في أشد أنواعه، وعلى أن الصلب يكون في أشد أنواعه، وما ذاك إلا أن يصلبوا أحياءً حتى الموت. قال تعالى: ((وَمَنْ يُكْرِهُّهنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) هذه الآية الكريمة من جوامع الكلم في كتاب الله، وكل كتاب الله بليغ معجز، وهذه الآية من أبلغها وأفصحها وأجمعها للمعاني، إذ جمعت الدعوة إلى الكرامة والعفة، والصبر إلى أن يُغني الله هذا الفقير المستعفف، وفيها الأمر بتحرير الرقيق، وفيها الأمر بإعطاء الناس من مال الله، وأن يساعدوا على تحرير العبيد، وفيها منع وتحريم المتاجرة بالأعراض وبالشرف وبالمروءة، كل ذلك في آية كثيرة المعاني.
تفسير قوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات)
تفسير قوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات) قال تعالى: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [النور:34]. يخاطب الله في هذه الآية المؤمنين والكافرين، فيخاطب المؤمنين ليزدادوا إيماناً وعلماً وطاعة، ويخاطب الكافرين ليعلموا حق الله الواجب عليهم، حتى إذا احتجوا قمعتهم حجة الله البالغة، فلا يقولون: لم نسمع ولم نرَ ولم يبلغنا كتاب ولم نسمع رسالة. قال تعالى: ((وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ)) أي: أنزل أحكاماً مبيّنة ومفسّرة واضحة فيها بيان الحلال والحرام، ومبينّات للكبير والصغير، فهي بيّنة ظاهرة مفسّرة، والتي لم تفسر في القرآن فسّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم المكلّف بالبيان والإيضاح، قال الشافعي رحمه الله: السنة كلها بيان وتفسير لكتاب الله. فقوله تعالى: ((وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ)) أي: مبيّنة للحلال، ومبيّنة للحرام، ومفسِّرة للأحكام، ظاهرة وواضحة لا غموض فيها ولا لبس. قال تعالى: ((وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ)) ضرب لنا أمثالاً وتشبيهات في الأمم السابقة عندما عصت أمر ربها، وخرجت عن طاعة نبيها، وارتكبت من أنواع الفواحش ومن أنواع الموبقات ما الله به عليم، فعاقبهم بها في الدنيا قبل الآخرة، ودمّرهم، وأغرق من أغرق، وأذهب بالصيحة من أذهب، ورمى بالحجارة من رمى، وأغرق بالنيل وبأنواع البلاء من أغرق عندما فعلوا ذلك، والله لم يقص علينا هذا إلا لنأخذ العبرة والحكمة، ولنعلم عن يقين أننا إن صنعنا صنيع أمثالنا ممن سبقنا من بني آدم في مخالفة الله، والخروج عن طاعة رسول الله، فإنه يوشك أن يعمه الله بعقاب، وأن يعذّبهم الله في الدنيا قبل الآخرة، ولذلك يحذرنا الله نفسه في أكثر من آية وسورة؛ علّنا نهتدي ونقول يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. قوله: ((وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ)) أي: مضوا واندثروا وماتوا وهلكوا، ذكر الله قصصهم وأعمالهم وذكر ما عاملهم به ليعتبر الناس قبل الإسلام وأيام رسول الله وإلى يوم القيامة، ومنه ما يفعل الناس اليوم مما أشبهوا به الأمم السابقة والأمم الكافرة الخارجة عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينذر الله بذلك الناس ويتهددهم بذلك ويعظهم فيقول: ((وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)) أي: نصيحة وتنبيهاً لعل المتقي من الناس يخاف الله، ويترك ما حرّم الله، ويمتثل طاعته، ويفعل الصالحات ويترك الطالحات، ويقول: اللهم أعني على ذلك، ووفقني لكل خير.
النور [32]
تفسير سورة النور [32] لقد حث الشرع على الزواج وأمر به؛ وذلك لما له من أهمية عظيمة، فهو حصن منيع في وجه الفتن والرذائل والفواحش، وخصوصاً في هذا الزمن الذي كثر فيه الفسوق ونشر الرذيلة المسموعة والمرئية.
تفسير قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم)
تفسير قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم) قال الله تعالى: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور:32]. قوله: (أنكحوا) الأمر هنا للأولياء بالإنكاح -أي: بالتزويج-، ولو كان الأمر للإنسان أن يزوج نفسه لقال: انكحوا، أي: تزوجوا، لكنه قال: أنكحوا أيها الآباء، أي: زوجوا أولادكم وبناتكم، و (الأيامى): جمع أيم، والأيم: كل رجل وامرأة غير متزوجين سواء سبق أن تزوجا أو لم يتزوجا أصلاً، فكل رجل ليس بمتزوج فهو أيم، سواء كان متزوجاً وطلق، أو ماتت زوجته، أو لا يزال عزباً، هذه لغتهم التي بها تعبدنا الله في كتابه سبحانه، وبها نزل وحيه، فعندما يقول الله لنا: (أنكحوا الأيامى منكم) أي: زوجوا العزاب والعذارى، وزوجوا الأرامل، والأرمل والأرملة: هما اللذين كانا متزوجين يوماً فطلقا أو مات أزواجهما. وأمر الله الأولياء بتزويجهم جميعاً فالرجل والمرأة التي مات زوجها أو طلقها لا تدعوهما بلا أزواج، وأولادكم وبناتكم الذين لم يتزوجوا بعد لا تتركوهم بلا أزواج، والأمر في لغة العرب وفي أصول الفقه إذا أطلق يكون للوجوب، وهكذا فهم هذه الآية الكثير من الصحابة والكثير من الأئمة، مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأبي بكر رضي الله عنه، يقول رسول الله عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الخليفتين الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجد)، فيصبح الامتثال لهذه الآية امتثالاً لأمر الله، ويصبح الأخذ بفهم عمر ورأيه أخذاً بالسنة وبأمر رسول الله؛ لأن سنة عمر وأبي بكر رضي الله عنهما هي سنة لرسول الله صلى الله عليه. فـ عمر بن الخطاب كان يرى في تفسير الآية: (أنكحوا) للوجوب، والأئمة من بعد اختلفوا: فالجمهور قالوا: الزواج سنة وليس أمراً واجباً، والشافعية قالوا: مباح فقط، ولكن عمر وابن عباس قالا: (وأنكحوا) للوجوب؛ لأنه أمر، فالذي يستطيع أن يتزوج فلم يفعل يكون عاصياً لله ولرسوله، والأمر يختلف. وقول الله تعالى: (أنكحوا) ولم يقل: انكحوا، فهو أمر للآباء بأن يزوجوا الأولاد والبنات، ومن هنا جاء الولي للزواج والنكاح، والولي أوجبه جمهور الأئمة سوى شيء نقل عن الأحناف في ذلك، والمرأة التي لا ولي لها فإن وليها السلطان الحاكم المسلم، فهو الذي يتولى زواجها، وأما المرأة التي تزوج نفسها بلا ولي فعند الجمهور أن هذا الزواج غير قائم ويعتبر مفسوخاً، والآية تشهد بهذا: (أنكحوا)، فلو كان الأمر لكل واحدة في نفسها لزوجت نفسها بلا ولي، والآية لم تقل: انكحوا، وإنما قالت: (أنكحوا)، أي: زوجوا، ولو قال: انكحوا لكان معناها: تزوجوا، وقد قال عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى فيما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم: (يا معاشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء). فقد أمر صلى الله عليه وسلم بالزواج، وعلق عدم الزواج على عدم القدرة، وكون الرجل في نفسه لا يصلح للزواج كأن يكون عنيناً أو خنثى، والعنين: هو الذي لا يستقيم ذكره ولا يقف، أو يكون خصياً أزيلت منه الأنثيان -البيضتان-، أو يكون في طبيعته -لسبب ما- ما جعله أشبه بالنساء، فهذا غير مستطيع للزواج، وقد يكون أحياناً لسبب آخر بأن يكون الولد طالباً وهو يتنقل في أرض الله، وقد يكون جندياً وهو يتنقل للجهاد وللقتال، فعلى ذلك قد يكون عدم زواجه عذراً، فإذا وجد من يزوجه وينفق عليه من أب أو غيره أو من دولة أو من حاكم، ففي هذه الحالة يعتبر مستطيعاً. والباءة: هي النكاح وإتيان النساء، ومن لم يستطع لعلة من العلل فعليه بالصوم؛ لأن الصوم له وجاء، أي: قيد، وإيقاف للشهوة، وهو دواء مؤقت وليس دائماً، وقال عليه الصلاة والسلام: (تناكحوا تناسلوا؛ فإني مفاخر بكم الأمم يوم القيامة)، وقال: (أفضلكم أكثركم أزواجاً)، وأفضلنا هو نبينا صلى الله عليه وسلم.
الحث على الزواج بأكثر من واحدة
الحث على الزواج بأكثر من واحدة قال بعض الأئمة في قوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء:3]: إن الزواج بواحدة رخصة، والعزيمة أن يتزوج باثنتين إلى أربع؛ لأن الله ابتدأ باثنتين فقال: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى} [النساء:3] ولم يبدأ بالواحدة، وإنما ذكر الواحدة للضعاف العجزة الذين يخافون نساءهم، أو الذين لا يستطيعون التصرف، قال: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء:3]، فليست لهم رجولة كاملة، أي: يعجزون عن الإشراف على النساء وعن إعطائهن حقوقهن، فالأصل مثنى وثلاث ورباع. وفي حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره ليتبتلوا، فقال أحدهم: لا أتزوج النساء، وقال الآخر: أقوم كل الليل، وقال آخر: نصوم النهار، وكان بين عمرو بن العاص وبين ولده عبد الله اثنا عشر عاماً فقط، معناه: أن عمراً تزوج وهو ابن إحدى عشرة سنة، فولد له وهو ابن اثنتي عشرة سنة ولد سماه عبد الله، فزوجه بكريمة من كريمات وعقائل قريش، وإذا به يغيب، فدخل عمرو بن العاص على زوجة ولده فسألها: كيف وجدت زوجك؟ قال: نعم الرجل! ما كشف لنا ستراً، أي: لم يدخل الخدر ولم يسألها قط ولم يبحث عنها، فشتمه أبوه شتماً قاسياً، ثم ذهب يشتكيه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وقال له: يا رسول الله! إن ولدي عبد الله أراد أن يترهب ويتبتل فأجبرته على الزواج فترك زوجته، وقد زوجته بكريمة من كريمات قريش فتركها أياماً لم يلتفت إليها، وهو يقول: إني أريد أن أصوم ولا أفطر، وأن أقوم الليل ولا أنام، وألا أتزوج النساء، فأرسل خلفه صلى الله عليه وسلم وقال له: (ما بال كلام سمعته عنك؟) فكررها عليه فقال: نعم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ولمن كان معه على هذا العمل يقول: (إني أصوم وأفطر، وأنام وأصلي، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). فقد جعل صلى الله عليه وسلم ترك الزواج والهروب من تحمل مسئوليات الزوجات والأولاد ليس من سنته صلى الله عليه وسلم، وكفى بذلك توبيخاً وتقريعاً وتنكيراً، كيف والله يأمر {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور:32]. فقوله: (منكم) أي: من الأحرار المؤمنين. وقوله: (والصالحين من عبادكم وإمائكم) أمر للرجال أحراراً وعبيداً، وأمر به النساء حرات وإماءً، أي: زوجوا الصالحين للزواج من غلمانكم، والصالحات للزواج من إمائكم وفتياتكم، ومن هنا كان عمر وابن عباس وجمهور من الأئمة وهو مذهب الظاهرية وداود وآراء الكثير من الأئمة الأربعة يقولون: إذا كان الولد والأيم والأرملة لا يستطيعون الصبر على عدم الزواج فهؤلاء الزواج في حقهم واجب، ومن فتن هذا العصر وفساد اليهود وإفسادهم وفساد النصارى وإفسادهم أن أشاعوا عدم الزواج، وتبعهم المسلمون في ذلك، فلا تكاد تجد في مشارق الأرض ومغاربها مسلمين إلا والدور فيها فرد أو فردان أو أفراد من النساء والرجال الذين بلغوا الثلاثين وهم بلا زواج، وأخذوا يغرونهم بأنواع الفواحش وبالروايات الداعرة، والصور الفاجرة، والأفلام الفاسدة، وتعليق الصور على أبواب هذه الدور الفاسدة ويسمونها سينما؛ ليزيدوا هؤلاء إغراءً، فلو أن هؤلاء تزوجوا لما وجدوا سوقاً رائجاً لرواياتهم الداعرة، ولا لصورهم الفاسدة، ولا لأفلامهم المتحللة، ولكن اليهودي شيطان الأرض ما عاش إلا لينشر الفساد في الأرض، حتى أفسد النصارى ومزقهم وحلل أشخاصهم وأصبحوا هباءً منثوراً، واستعمر النصارى المسلمين وأمروهم ووجهوهم، وأفسدوهم بدورهم بالمذاهب الوافدة من شيوعية وماسونية ووجودية واشتراكية، وغيرها من الأسماء القذرة التي نشرت الفواحش على أشكالها والكفر على أنواعه، فأفسدوا البلاد والعباد، ونشروا الفساد في البر والبحر والسهول والجبال، بل حتى الأجواء لم تفلت منهم. فقوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) أي: لا تتركوا أحداً بلا زواج. يقول أبو بكر رضي الله عنه: عجبت لمن ليس بمتزوج، ومن كان فقيراً كيف لا يتزوج، وقد ضمن الله له الغنى في الزواج! وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحاح والسنن: (ثلاثة حق على الله تعالى أن يعينهم: الناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله، والمكاتب يريد الأداء)، فالزواج أمرك الله تعالى به وأعانك عليه، وضمن لمن يريد الزواج تحصيناً لنفسه، وطاعة لربه، والفقر ليس بعلة، فقد جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض نفسها عليه فقالت له: يا رسول الله! أعرض نفسي عليك، وكان هناك رجل مسكين تظهر عليه ملامح الفقر، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم لم يجبها قال له: يا رسول الله! زوجنيها، قال له: هل معك شيء؟ قال له: لا شيء، قال له: اذهب وابحث، فغاب ورجع وقال له: يا رسول الله! لم أجد شيئاً إلا هذا الرداء وهذا الإزار، هل أعطيها واحداً منهما؟ قال: لا، هذا الرداء تلبسه والإزار تلبسه، التمس ولو خاتماً من حديد، فرجع وقال: يا رسول الله! ولا خاتماً من حديد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا عندك من قرآن؟ قال له: سور صغيرة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1]، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق:1]، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس:1]، قال له: زوجتكها بما معك من القرآن. يعني: علمها هذه السور لتصلي بها وتعليمك عمل يحتاج لأجرة، والأجرة التي ستعطيك هذه المرأة مقابل تعليمها هو المهر. إن هذا الغلاء في المهور وخاصة في هذه البلاد منكر وبدعة يجب أن تزول بالعنف والسجن؛ لأن البنات أصبحن من غير زواج، والأولاد أصبحوا من غير زواج، فإن سألت الشباب لماذا لا تتزوجون؟ يقول أحدهم: ذهبنا نخطب فلانة فطلب أبوها منا عشرين ألف ريال، ومنهم من يقول: أربعين ألف ريال، ثم يشترط عليه سيارة و (فلة)، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يمنع هذا الشاب الذي طلب منه أن يزوجه كونه لم يملك حتى خاتماً من حديد، فلم يقل له: أنت لست قادراً على الزواج، وأمثالك لا يتزوجون، وهذا دليل على أن عدم القدرة على الزواج ليس في المال؛ لأن الله قد تعهد لمن يريد أن يتزوج ويرجو العفاف بالمال، قال تعالى: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:32]. إذاً: قوله عليه الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج) معناه: القدرة البشرية، فلا يكون عنيناً ولا مجبوباً ولا ضعيفاً ولا مشغولاً بقتال ولا طالب علم، بل إن طالب العلم إذا وجد أباً أو ولياً أو دولة تساعده وجب عليه الزواج، فلا عذر للطالب الجامعي إطلاقاً بألا يتزوج، فالدولة تعطيه المسكن والراتب، فماذا يريد الإنسان أكثر من هذا؟ ولذلك لو تقبل الشعوب والدول الإسلامية مشورتي لأوجبت الدول الإسلامية الزواج، ولأصدرت قراراً أنه لا يجوز للشاب أن يعمل في الدولة إلا بعد أن يكون متزوجاً، وبذلك لن يبقى في البيت عزباً ولا عزبة، كذلك لا يباح للطالب أن يأخذ شهادة بكالوريوس إلا بعد أن يكون محصناً، ومن لم يفعل أحرم من هذه الشهادة، وبالتالي أحرم من دخول الجامعة، ولكن لا حول ولا قوة، فإن هذا البلاء منتشر في الأرض، فقد تركنا النساء للأعداء كما ترون في أكثر بلاد العالم الإسلامي، يخرجن في الشوارع متبرجات عرايا يتزين للدعارة أكثر مما يتزين لأزواجهن، فإن كنا نترك الشابات بلا زواج والشبان بلا زواج حدثت الفواحش والمنكرات، وكل هذا حرمه الشارع. وأنا أعرف شباباً تزوجوا وأغناهم الله غنىً كبيراً، وهم تزوجوا قصد التعفف والتحصين، والله تعالى استجاب لهم، وصدق الله إذ قال: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت:42].
النور [35]
تفسير سورة النور [35] إن الله تعالى هو منور السماوات والأرض وهادي من فيهما، وشارح صدور من فيهما، ومنور قلوبهم بهداه وبدينه وشرعه، وقد ضرب الله تعالى هنا مثلاً لنوره، وهذا المثل اختلف فيه المفسرون قديماً وحديثاً اختلافاً كثيراً.
تفسير قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض) قال تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور:35] هذه الآية من أعظم آي كتاب الله، ومن أبهرها، ومن أعمرها معانياً وأمثالاً وحكماً ونوراً، فإن سلفنا الصالح من عصر الصحابة فمن بعدهم قد اختلفوا في أمثالها وفي متشابهها اختلافاً طويلاً عريضاً، ولم يكد نقف عند شيء اتفقوا عليه لنتمسك به، والله يؤتي الحكمة من يشاء. قال تعالى: ((اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) فالله هو الذي نوّر السماوات والأرض، وأشرقت بنوره، وأشرقت السماوات بالملائكة والشمس والقمر والنجوم وأشرقت الأرض بالأنبياء وبالعلماء وبالمؤمنين وذاك من نور الله، وزالت الظلمات وزال الكفر والفسوق والعصيان وعم النور الأرض والسماء، وكل ذلك من نور الله، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت ربك يا رسول الله؟ قال: (نور أنى أراه) أي: هو نور فكيف يرى النور؟! والنبي صلى الله عليه وسلم عندما ذهب للطائف يدعو أهلها لدين الله فسلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم وصنعوا ما صنعوه، دخل بستاناً يشكو لربه غربته، وكان هذا في السنوات الأولى من النبوة، ثم صاح وهو يدعو الله: (اللهم يا من أشرقت السماوات والأرض بسبحات وجهه الكريم) وطلب نوراً لعباد الله وللناس جميعاً، طلب نوراً ليقويه على رسالته، ويشد أزره إلى أن يتمها، ويهتدي به من الناس من قدّر الله له الهداية والنور. ((اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) ممن نور الله تعالى أشرقت الشمس وأشرق القمر وتلألأت النجوم، ومن نور الله تعالى تنورت قلوب الأنبياء فدعوا إلى النور والهداية، ومن ذلك تنورت قلوب العلماء فدعوا إلى عبادة الله، وإلى بيان كتاب الله وبيان سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى وضوح الحلال الحرام، والمؤمنون الذين يعبدون الله قائمين وراكعين وساجدين أشرقت قلوبهم بمعرفة الله ودينه. ((اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) فبنوره اهتدى المهتدون، وآمن المؤمنون، ودعا الأنبياء والمرسلون، وأطاعت الملائكة التي لا تعصي الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، والله جل جلاله الخالق الرازق بنوره علم الإنسان كينونته وعلم وجوده، وعلم ما لله عليه وما له على الله جل جلاله، والله لا يجب في حقه شيء وإنما ذلك من فضله وكرمه وجوده. {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ} وفي المثل هذا اختلف المختلفون وتنازع المتنازعون وحق لهم ذلك، فيضرب الله مثلاً لنوره وهو ما ختم به الآية: ((وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ)). قال تعالى: ((اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ)) ضرب مثلاً لنوره جل جلاله كالنور في الكوة أو في تلك التعاليق التي يكون فيها القنديل، وفي القنديل المصباح، والمصباح: السراج، والسراج هذا في زجاجة، والضوء في الزجاجة أضوء ما يكون، وأكثر إنارة مما لو كان في غير الزجاجة، ((الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)) الزجاجة من إضاءتها يكاد سنا برقها يأخذ بالأبصار؛ لشدة نورها كأنها الكوكب الدري، والكواكب الكبار خمسة: منها: المشتري وعطارد والزهرة، وتكون هذه عادة أكثر ضياء، وأعم نوراً، ويعم ضياؤها الخلق والناس وخاصة بالليل، ولا يكاد نورها يظهر في النهار، والشمس والنجوم والكواكب مضيئة باستمرار، تُرى في الليل ولا ترى في النهار، ولكن ليس ذلك لكسوف؛ بل لأن ضوء الشمس أقوى منها فيختفي ضوءها.
اختلاف المفسرين في قوله تعالى: (مثل نوره)
اختلاف المفسرين في قوله تعالى: (مثل نوره) {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ} [النور:35] إن قلنا: مثل نور الله كمثل مشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة، فكل ما ذكرنا ليس إلا جزءاً صغيراً من خلق الله، والنور قد عمّ من أول الآية بقوله تعالى: ((اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) فكيف هذا النور أصبح أشبه ما يكون بالمشكاة وبالمصباح وبالكوكب، وليس ذلك إلا جزءاً صغيراً من نور الله الأعظم؟! ومن هنا اختلف المفسرون في قوله: ((مَثَلُ نُورِهِ)) هذا الضمير يعود لمن؟ فقال جماعة: ((مَثَلُ نُورِهِ)) أي: نور هدايته الذي يصيب المؤمن نبياً وملكاً وعالماً ومؤمناً بصفة عامة، والبعض قال: ((مَثَلُ نُورِهِ)) أي: نور محمد صلى الله عليه وسلم، ويبقى هذا الضمير لغير مذكور، والنبي لم يذكر في هذه الآية ولا في قبلها، وكيف تعود الضمائر لغير مذكور! والبعض قال: عبد المطلب، ثم عبد الله، ثم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن هذه أضواء تسلسلت من مشكاة، إلى مصباح، إلى زجاجة، إلى كوكب دري. وقال البعض: الضمير يرجع إلى إبراهيم، فإبراهيم كان المشكاة، وإسماعيل كان المصباح، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان السراج وكان الكوكب وكان الضوء الذي يشتعل ويوقد من الزجاجة؛ ولكن كل هذا لا ذكر له في الآية قبل، وكلها ضمائر تعود لغير مذكور، وجاء ابن العربي المعافري الأندلسي وقال في كتابه (أحكام القرآن): لا يصح أن تعود هذه الضمائر إلى غير مذكور، والضمير يرجع لله، ونور الله: هدايته، ونور الله ما أرسله للبشر من أنبياء ومرسلين؛ هدايةً للضالين، ونوراً لزوال الظلمات وتبديدها، أي: مثل نور الله أعاد الضمير إلى الله جل جلاله، فقوله: ((مَثَلُ نُورِهِ)) أي: مثل ما هدى به البشر ودعاهم للتوحيد ولعبادة الله وللإيمان برسل الله ((كَمِشْكَاةٍ)) فالنور أصبح مشتعلاً وهاجاً كأنه القنديل المعلّق، والقنديل المعلّق فيه سراج ومصباح ينير ما حواليه، وهذا المصباح من زجاجة، والزجاجة عندما يكون فيها الضوء تكون أكثر ضياء وإنارةً وإشعاعاً، وهذه الزجاجة في ضيائها وقوتها كأنها الكوكب الدري، أي: شديدة النور واللمعان والضياء، وبهذا نفسّر وهكذا نعتقد: أن مثل نور الله، أي: مثل هدايته للبشر: بأن هدى به عباداً للنبوة وللرسالة، وأنزل عليهم رسول الملائكة جبريل عليهم السلام، فهداهم ودعاهم إليه، وهم بدورهم دعوا البشر لذلك، فكانوا مشكاة ومصابيح وسرجاً، وكانوا كواكب نيّرة، وبهذا تبقى المعاني صالحة وطيبة، ويؤكد هذا أن الله وصف نبيه في كتابه بأنه سراج منير، أي: سراج مشع وهاج منير للخلائق، ولا نزال نعيش في نور هدايته ونور رسالته ونور الكتاب المنزل عليه ونور سيرته الزكية الطيبة العطرة صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ((يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ)) أي: يوقد من شجرة كثيرة النماء والخيرات، وهي الزيتون، قال تعالى: ((شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ))، والزيتونة كلها نفع: ورقها وجذورها وأخشابها، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام عن الزيت: (الزيت ادهنوا به وكلوه) وهو زيت الزيتون، فهو يعتبر إداماً وطعاماً ودواءً وإضاءةً ونوراً، فما كان أسلافنا قبل اختراع الكهرباء يستضيئون إلا بالزيت. قال تعالى: ((لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ)) وكذلك في كلمة شرقية وغربية اختلفوا اختلافاً طويلاً عريضاً، فقالوا: ((لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ)) نبتت في مكان لا تحتجب عنها الشمس لا صباحاً ولا مساءً، فهي بهذا ليست شرقية وليست غربية، وقال بعضهم: زيتونة شامية، والشام تعتبر لا من الشرق ولا من الغرب. قال تعالى: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} [النور:35] من صفاء زيته وشدة نوره وصلاحه يستخدم وقوداً للإنارة، فيكاد هذا الزيت ينير قبل أن يوقد. قال تعالى: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} [النور:35] أي: أنوار المصباح إلى أنوار الزجاجة إلى أنوار الكوكب الدري إلى أنوار الزيت الصافي كله نور على نور، ومن قال: إن النور نور نبينا عليه الصلاة والسلام قال: هو من إسماعيل، وإسماعيل نور، وإسماعيل بن إبراهيم وإبراهيم نور، فهو نور من نور إلى نور، ثم هم جميعاً أنبياء، والنبوءة نور مشرق على الناس تبدد ظلماتها. ومن قال: إن الضمير عائد إلى الهداية إلى الله، فالله جل جلاله هدى قلوب المؤمنين، فكان النطق نوراً والقلوب نوراً والأعمال نوراً، فيعيشون من نور الهداية، ويدعون بنور الهداية، ويذهبون إلى ربهم إلى نور رضاه ومغفرته ورحمته، فالله ضرب هذا المثل؛ ليكون أكثر إنارة في الهداية. ولذلك لم يبق إلا ضرب المثل بالهداية، وبكتاب الله وبما يصدر عن نبينا من نور ينير قلوب العباد جناً وإنساً، وكون الشجرة لا شرقية ولا غربية، قالوا: هي في أرض تشرق عليها الشمس صباحاً ومساءً قالوا: هي الشام فلا هي بالشرقية ولا هي بالغربية. ولكن سيد التابعين الحسن البصري قال: لا توجد في الأرض إلا شجرة شرقية أو شجرة غربية، وما أظن إلا أن هذه الشجرة التي ضرب الله بها المثل هي من شجر الآخرة. ونقول اعتماداً على أن القرآن فيه نبأ ما قبلكم ونبأ ما بعدكم: ذكرت هذه الآية وهذا النور نور الكهرباء الذي لم يكن معروفاً يوماً ولم يخطر ببال أحد، إذ كان مجهولاً والكلام عليه سابق لأوانه، والحكم على الشيء فرع عن تصوره. وهكذا الآي الكريمة والأحاديث النبوية ما نزل منها لمستقبل الأيام وما نطق به النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه بما يستقبل من الأيام لا تكاد تفهم إلا وقت وجودها، ونحن عندما نقول: نور في مشكاة في مصباح في زجاجة نرى هذا الضوء الكهربائي، فنجد هذا المثال مطابقاً له تمام المطابقة، فنحن نصف هذا ونقول: هو نور ليس شرقياً ولا غربياً يوقد من شيء لا من شجر شرقي ولا من شجر غربي، {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ} [النور:43]. ولو أن هذه الأضواء ونحن في بيت الله الحرام أطفئت لكنا جميعاً في ظلمات، إذا أخرج أحدنا يده لم يكد يراها، فإذا هي أشرقت عمَّ المسجد بالأنوار وكذلك البلدة، فالله ضرب مثل نور هدايته ودينه ومثل النور الذي أرسل به أنبياءه كمثل نور ضياء مصباح لم يكن قد ظهر بعد، ولكنه سيأتي في مستقبل الأيام. والحسن البصري صدق حين قال: هذه الشجرة لا توجد في الأرض، إذ عندما قال ذلك لم تكن الكهرباء بعد معروفة، ولم يكن يخطر ببال أحد قط ذلك، وهذا الضوء يشتعل وينير ولو لم تمسسه نار، فهانحن نراه قد أنار بلا زيت ولا إيقاد، إنما هي أشياء عنصرها الزيت: سالب وموجب، ماء وحرارة، وكان من أعظم مخترعات هذا العصر ومبتكراته هذه الكهرباء، فلو سلطنا على المسجد الآن أو أي مكان أكثر اللمبات ضياءً ونوراً لما كاد البصر أن يراها، خاصة أن (اللمبة) تشتمل على 1000، ومن اللمبات ما تشتمل على 5000 إلى 10000، ونحن نرى الضياء الذي إذا سلط على العين لا تكاد تبصر، ويكاد السنا يذهب بالبصر، والآية قد نزلت منذ 1400 عام، والأمر كما قال تعالى: لا هي بالشرقية ولا هي بالغربية، زيتها وضياؤها يكاد يشتعل بدون وقود.
المعجزات العلمية لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
المعجزات العلمية لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أنزل القرآن بياناً للناس، وضياءً وتبشيراً لما يعلمونه ويدركونه، فكان هذا المثال تشبيهاً بشيء يحصل من بعد، والقرآن مليء بهذه المعاني، وقد سبق من قبل ونحن نفسر قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [النحل:8] أن ابن عباس قال: سيخلق الله بعد فيما يستقبل من المراكب ليست بغالاً ولا حميراً ولا إبلاً ولا نوعاً مما يرى، وها نحن أولاء الآن نعيش في هذا، وقد صدق في تفسيره، وكان ملهماً. وقد بين الله لنا ذلك قبل أن يكون؛ إذ لا وحي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، فنحن الآن نقرأ ونتلو تفسيراً وبياناً لا لفظاً وقرآناً، فنقول: والخيل والبغال والحمير والطائرة والدبابة والسيارة والقطار والصاروخ لتركبوها، وفي كل عصر يخلق الله ما لا يعلمه أحد إلا هو، وكلها من أنواع المراكب مما ينتقل عليه الناس في مشارق الأرض ومغاربها. ومن ذلك أيضاً قول الله تعالى: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} [التكوير:4] العشار: النوق الحوامل، والعشار تطلق على الإبل جميعاً، ويخبرنا الله أن من علامات الساعة أن تعطل الإبل وقد عطلت. وكان يظن المفسرون قبل ذلك أنها لا تعطل وفي الأرض نفس تتحرك أو عرق ينبض إلا إذا قامت الساعة، ولكن عطلت الإبل في أرضها ومنبتها وموطنها فنحن لا نركبها قط، ولعل جيلنا جميعاً لم يركبها ولم يعرفها، إلا أنها أثر من الآثار تجدها شاردة في صحاري الله وفي أرضه، فلا تركب في داخل المدن فضلاً عن القارات البعيدة، وقد كان يقال لها من قبل: سفن الصحراء، واليوم قد عطلت والساعة لم تقم بعد بما خلق الله من أنواع المراكب الأخرى، ولو قيل لسلفنا: إن المراكب الآتية ستطير في الهواء وستسبح في البحار وستجري على الأرض زحفاً لما صدقوا ذلك ولما قبلوه، ولولا أننا رأينا ذلك وركبناه وعاصرناه وعشنا في واقعه لما تصورناه، والقرآن مليء بهذه المعاني وسنة رسول الله مليئة بهذه المعاني. وكثيراً ما قلت في الحرمين الشريفين وفي قاعات الدراسة في الجامعات مشرقاً ومغرباً: إن الأصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنوا برسول الله لمعجزات رأوها وشاهدوها فآمنوا بها، ونحن أيضاً آمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم ليس تقليداً لآبائنا فقط، بل رأينا من المعجزات في كتاب الله مما أخبر به الله ولم تكن قبل موجودة، وقد كان في عصرنا مما أخبر به الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه مما لم يكن قبل موجوداً، فآمنا بمعجزات شاهدناها وعايشناها مما زادنا إيماناً، ونقل إيماننا عن تقليد للآباء والأجداد إلى إيمان عن يقين وقناعة وبرهان، وكأن القرآن نزل علينا في عصرنا، والنبي صلى الله عليه وسلم يعيش بين أظهرنا. وما ذلك إلا كتاب الله الذي ينطق بالحق، وسيبقى كذلك إلى يوم القيامة، وسيبقى النبي بيننا صلى الله عليه وسلم بسنته وببيانه وبنبوءته التي لا تنقطع، فهو آخر الأنبياء والرسل، ورسالته ستبقى عامة شاملة عالمية إلى يوم النفخ في الصور. وأعظم معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ما من الأنبياء نبي إلا أوتي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي). فهناك معجزات كانت قبل القرآن الكريم أدت مهمتها وآمن من أجلها من آمن، ولكن القرآن سيبقى المعجزة المستمرة الدائمة التي يراها كل من عاصرها، فالقرآن معجز بلفظه ومعناه، وقد تحدى الله الخلق كلهم على أن يأتوا بآية من مثله أو بسورة من مثله، ومن قبل 1400 عام والإعجاز لا يزال قائماً والتحدي لا يزال قائماً، فلم يستطع أحد في الأرض قبل ولا بعد ولا في عصرنا أن يأتي بآية من مثله أو بسورة من مثله، وسيبقى الأمر هكذا دواماً واستمراراً على كثرة البلغاء والفصحاء والخطباء والعلماء والمتكلمين، ويبقى الإعجاز قائماً، وصدق الله جل جلاله حيث قال: {نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور:35]. فالله يفعل في خلقه ما يشاء، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ونحمده جل جلاله ونشكره بكل خلايا أجسامنا على أن هدانا وجعلنا ممن هداه وأنار قلبه، فآمنا به إلهاً واحداً، وآمنا بمحمد عبده نبياً ورسولاً، وآمنا بالقرآن كتاباً، وآمنا بالرسالة المحمدية رسالةً خاتمة لا رسالة بعدها أبداً، فهذه أنوار وإشراقات، فهي نور على نور أكرم الله به المؤمن، فأصغر مؤمن بل أفجر مؤمن وهو لا يزال يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ أشرف من جميع الخلائق غير المؤمنة، تلك دواب وأنعام خير لها أن تكون في باطن الأرض من أن تكون على ظاهرها، والمؤمن على خير على كل حال، والله جل جلاله لا يغفر الكفر ولا يغفر الجحود، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48]. قال تعالى: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} [النور:35] هذه الأمثال جمع مثل ضربها الله جل جلاله لما فيها من تشابيه تقرب المعاني للإنسان؛ لأن المعاني العلوية والمعاني الأزلية الإلهية لا يكاد العقل يتحملها، والنفس لا تكاد تطيقها، فالله يأتي بتشابيه تراها العين وتسمعها الأذن؛ ليقرب لنا المعنى. قال تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور:35] عليم بضمائرنا وقلوبنا وما يجري في أنفسنا، عليم بالصادق منا والمنافق، عليم بالمؤمن منا والكافر، ولذلك فإن العليم جل جلاله يعطي عباده المؤمنين من علمه، قال تعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف:76]، ومن هذه المعاني السامية ما هو موجود في هذه الآية الكريمة.
النور [36 - 40]
تفسير سورة النور [36 - 40] لقد اهتم الإسلام ببيوت الله تعالى فأمر برفعها، وذلك يشمل الرفع الحسي والرفع المعنوي، فأما الرفع الحسي فهو ببنائها وتنظيفها والاعتناء بها، وأما الرفع المعنوي فهو بعمارتها بالصلوات والذكر، وحلقات العلم. وهذه البيوت لم تبن للبيع ولا للشراء ولا للصخب وهيشات الأسواق، وإنما بنيت لذكر الله وما والاه.
تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع)
تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع) قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ} [النور:36 - 37]. ارتباط هذه الآية بما قبلها أن هذه الأنوار وهذه المصابيح والأضواء المشرقة، وهذه الهداية العامة مكانها بيوت الله، وأعظمها وأكملها وأشرفها وأسماها البيت الذي بناه وأقام قواعده نبيان كريمان: أب وابن؛ إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وأشرف بيوت الله بعد المسجد الحرام المسجد النبوي الذي بناه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بيده، وحمل الحجارة بيده، وأعانه عليه أصحابه من المهاجرين والأنصار، وأشرف بيت بعد المسجد النبوي المسجد الأقصى الذي بناه داود وسليمان، وهما نبيان كريمان، وكذلك ما سوى هذه المساجد هي مساجد فاضلة، ولذلك شرع لنا إذا دخلنا بيت الله أن نستقبله بتحية إلهية، فهي مكان عبادته، وأمرنا الله بتقديسها واحترامها ورفع شأنها فقال: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور:36] أي: أن تقدس وتحترم وتطهر وتجمر وتبخر وتعطر، وأن تصان من المجانين والأطفال القذرين، وأن تصان من إقامة الحدود فيها، ومن اللغو والعبث والبيع والشراء، وما لا يليق أن يكون في بيت الله.
اهتمام الإسلام ببيوت الرحمان وباجتماع المسلمين فيها
اهتمام الإسلام ببيوت الرحمان وباجتماع المسلمين فيها قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور:36] أي: أن تحترم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بكنس مسجده، وقال لنا: (من أنشد ضالة في المسجد فقولوا له: لا ردها الله عليك، ومن باع فيها واشترى فقولوا له: لا أربح الله تجارتك) وهكذا صلى الله عليه وسلم فسر لنا الآية قولاً وعملاً وقال: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم)، وهكذا صلى الله عليه وسلم علمنا وأدبنا وفسر لنا هذه الآية الكريمة في احترام المساجد ورفع شأنها وتقديرها، وألا ندخلها ونحن جنب، وألا تدخلها حائض ولا نفساء، وألا يدخلها مشرك. وإن قال بعض الأئمة بدخول المشركين فيها بإذن مسلم أو بإذن حاكم، وذلك لا دليل عليه، فالله جل جلاله يقول: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة:28]، فاعتبرهم عين النجاسة فقال: نَجَس، ولم يقل نَجِس، والنجاسة لا تطهر إلا بزوالها، فلو أن المشرك اغتسل في البحر طوال عمره ما زالت نجاسته، كما أن العذرة لا يطهر من نجاستها إلا بزوالها، وأما أن تطهرها نفسها فإنك كمن يريد أن يطهر الخنزير والجيفة ولن تطهر أبداً؛ لأنها عين النجس، ولما كان المشرك عين النجس أمر الله ألا يدخل مسجداً، وأن يصان المسجد من دخوله. ومنه قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور:36] أي: أمر وأوصى وأوجب أن تطهر، ويرفع شأنها وتقدس، والمساجد حث الله ورسوله عليها وعلى بنائها وعمارتها، وقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (من رأيتموه يتعهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان)، واعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الجالس في المسجد -حتى ولو لم يكن يصلي وإنما ينتظر الصلاة- في صلاة، فكيف إذا ضم للجلوس في المسجد ذكراً وتلاوةً وصلاةً ومذاكرةً وتعليماً وبياناً لكتاب الله وبياناً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم! فإن ذلك نور على نور. وحث الله ورسوله على بنائها، والأحاديث في ذلك مستفيضة وقد وصلت إلى حد التواتر، منها: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة)، ومنها: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) أي: ولو كعش طائر. ولكن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، فينبغي أن تكون هذه الأموال من حلال، ومع ذلك هناك نوع من المساجد حرمه الله وهي مساجد الضرار، وقد ذكر في القرآن الكريم، وهو أن يؤتى إلى مسجد كبيت الله الحرام فيبنى بجواره مساجد أخرى بلا سبب؛ لأن صلاة الجماعة على كثرة ما تعددت على ما كانت الصلاة أكثر أجراً وثواباً من صلاة الفرد، مع أن صلاة الجماعة وصلاة الفرد سواء في ركعاتها وذكرها وتلاوتها وحركاتها، لكن الله تعالى أعطى ثواباً وأجراً لصلاة الجماعة على مقدار سبع وعشرين درجة من صلاة الفرد، مع أن فعلها وقولها شيء واحد، فالجماعة مطلوبة عند الشارع. ولذلك فإن الشارع جعل للمسلمين جماعات تكون في مسجد الحي، وفي المسجد الجامع للصلاة، وفي مصلى الأعياد، فجعل المسلمين يجتمع بعضهم ببعض خمس مرات في اليوم، وإن شغل شاغل فصلاتان أو صلاة واحدة، ولكن في يوم الجمعة لابد أن يجتمع المسلمون في المساجد الجامعة؛ ليرى المسلم المسلم الآخر الذين عقد الله أخوتهما، فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، ولا توجد دار تجمع عموم المسلمين في الأرض كقصر واسع المرافق مثلاً فلا يجمع عموم المسلمين إلا بيوت الله. وفرض على المسلمين أن يجتمعوا في السنة مرتين في عيدي الفطر والأضحى، ويكون ذلك في الصحراء لا في المساجد ولا في الدور، فيجتمع فيها كل أهل البلدة، وهذه من السنن والشعائر التي تكاد تكون قد تركت في الشرق، ولا نزال نحتفظ بها في المغرب. وفرض الله حقاً واجباً على جميع مسلمي الأرض أن يجتمعوا مرة في العمر في بيت الله الحرام في المناسك في عرفات ومنى؛ ليرى المسلم أخاه المسلم فيواسيه إن احتاج لذلك، ويتعرف على أمراضه وعلى آلامه، وليعينه إن استطاع باليد، فإن لم يستطع فبكلمة طيبة، وهذه اللغة التي أصبحت في هذا العصر لغة مؤتمرات والتي لا تكاد تنتهي منه مدينة، والإسلام من جملة عقيدته وأعماله أن يجتمعوا لإغاثة رجل واحد على الدواب، فلا طائرات ولا سيارات ولا بواخر، إن هي إلا سفن شراعية، فقد يتنقل الإنسان شهراً وشهرين ولا يكاد يصل إلى الشاطئ إلا وتأتي رياح معاكسة فتعيده إلى المكان الذي جاء منه وكأنه لم يأته. ولهذا يقول الشاعر: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. وكان المسلمون مع ذلك حريصين على أداء هذا الركن الخامس؛ ركن حج بيت الله الحرام، فيجتمعون ويكتبون الراحلات: وجدنا إخواننا في المشرق، واجتمعنا بمغارب وهنود وصينيين وسود وبيض، واجتمعنا بصالحين وعلماء، والكل قد جمعهم حب الله، ونشر دينه، والقيام بعبادته وطاعة كتابه وطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهكذا فإن الاجتماع في حد ذاته مطلوب، {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور:36]. وشعار اسم الله في المساجد أن ينادى باسمه واسم نبيه وعبده ورسوله صلى الله عليه وسلم في الأذان خمس مرات في اليوم والليلة، فيؤذن المؤذن فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ويختم بالله أكبر، ثم يعيد هذا في الإقامة، ويدخل المصلي المسجد فيذكر الله بما شاء من أنواع الأذكار، وبالصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم وهو من ذكر الله، فهذه المساجد يتلى فيها كتاب الله، ويصلى فيها الفرائض والنوافل، والمقام في المسجد نفسه يعتبر عبادة قائمة بنفسها انتظاراً للصلاة واعتكافاً. ولذلك قال فقهاؤنا: من دخل المسجد فنوى أنه معتكف مدة مقامه في المسجد فإنه يؤجر أجر المعتكف، على أن يحرص على التلاوة وعلى الذكر، وأن يكون دائم الطهارة وهو جالس في المسجد، ويزداد بيت الله الحرام على المساجد الأخرى بالطواف بالكعبة المقدسة، وبالسعي بين الصفا والمروة. ولذلك لا يوجد مسجد في الأرض سوى بيت الله الحرام يفعل فيه ذلك، لذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تبقى أبوابه شارعة ليلاً ونهاراً، وقال: (يا بني عبد مناف لا تغلقوا باب الكعبة المشرفة)، فالصلوات الخمس لها أوقات، وأما السعي والعمرة والطواف فلا وقت لهن، فيطوف الإنسان ليلاً ويطوف نهاراً، وفي جميع الفصول صيفاً وشتاءً ربيعاً وخريفاً، فهذه عبادة دائمة مستمرة، وقد قال العلماء: إن الكعبة هي سرة الأرض وتعلو إلى سرة السماوات السبع التي تحاذيها، ويكون فيها الملائكة، كما قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما من موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع يقول: سبوح قدوس)، ويذكرون الله بأنواع الأذكار، ففي الوقت الذي يكون فيه المؤمنون يطوفون بهذه البنية المقدسة كذلك في السماء الأولى فالثانية إلى السماء السابعة ملائكة يفعلون هذا الفعل ساجدين وراكعين وذاكرين وتالين، يرجون رحمة ربهم، نفسهم الذكر، لا يأكلون ولا يشربون. قال تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ} [النور:36 - 37]، والتسبيح يشمل الصلاة والذكر والتلاوة، ويشمل السعي والطواف، ويشمل جميع أنواع العبادات القولية والعملية، ويشمل نشر علم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشمل العلوم الموصلة لذلك من علوم عربية وبلاغية تؤدي إلى فهم كتاب الله الذي نزل عربياً على النبي العربي صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. والغدو: جمع غداة، وهو الصبح والبكور، والآصال: جمع أصيل، وهو العشاء والمساء، فبالغدو صلاة الصبح، ومن الظهر إلى العصر إلى المغرب إلى العشاء كلها صلاة الآصال، فبمجرد ميلان الشمس عن كبد السماء يدخل المساء؛ لأنها مالت إلى الغروب وانتهى إشراقها إلى كبد السماء، وهو ما يسمى بالزوال، ومنه سميت المزولة، والساعة الزوالية هي الساعة التي تقدر بالزوال، والمزولة: ساعة كانت عند العرب من أسلافنا، وبها تعرف الأوقات، وهي موجودة في جميع المساجد الكبيرة في الأرض، وبها كان يعرف الزمان والوقت بالثانية، وأضبط شيء للأوقات هي المزولة. قال تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ} [النور:36 - 37]، ولم يقل: نساء، ومعنى ذلك: أن المساجد وصلاة الجماعة تجب على الرجال، ولا يحل لهم أن يتركوا الجماعة إلا لعذر شرعي قاهر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، والجيرة للمسجد هي قريب من ميل، (وجاءه يوماً عبد الله بن أم مكتوم وكان أعمى فقال: يا رسول الله! أيجب علي أن أحضر صلاة الجماعة وأنا كما ترى؟ قال: أتسمع الأذان؟ قال: نعم، قال: لا أرى لك عذراً)، فكان يأتي على مرضه وزمانته الصلاة مع الجماعة، (ومرة أذن المؤذن، وأقام المقيم، وقام صلى الله عليه وسلم ليستقبل القبلة، فبينما هو يسوي الصفوف افتقد فلاناً وفلاناً وأفراداً لم يأتوا للجماعة، فقال صلى الله عليه وسلم: لقد هممت أن آتي لأقوام لم يحضروا الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم، وأنيب عني من يصلي إماماً بالناس)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ولم يقل: نساءً؛ لأن النساء لا تجب عليهن جمعة ولا جماعة، وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحاح: (لا تمنعوا إماء الله من بيوت الله، وبيوتهن أفضل لهن)، وقال صلى الله عليه وسلم: (صلاة المرأة في بيتها خير لها من الصلاة في المسجد، وصلاتها في مخدعها خير لها من الصلاة في البيت، والصلاة في قعر البيت أفضل لها من صلاتها في المخدع وفي البيت). لكن مع ذلك نهى عليه الصلاة والسلام الرجال عن منع النساء من حضور صلاة الجماعة، وعبد الله بن عمر اشتكى له نساء أولاده بأن أولاده يمنعونهن من حضور الجماعة في المسجد ال
تفسير قوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع)
تفسير قوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع) قال الله تعالى: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور:37]. أثنى الله على رجال يلزمون المساجد، ويصلون فيها الصلوات الخمس وإن شغلهم شاغل، وإذا تركوا صلاة الجماعة في المسجد صلوها جماعة في أي مكان؛ لعذر أو لمرض أو لسبب ما، ولكنهم يحرصون على ألا يتركوا المساجد ولا صلاة الجماعة فيها، فالله أشاد بهؤلاء وأثنى عليهم وقال: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور:37]، وهؤلاء على شغلهم بالتجارة وشغلهم بالبيع والشراء لا يقدمون دنياهم على دينهم، ولا تشغلهم مادتهم عن روحانيتهم، ولا يظهرون الشدة على جمع الدنيا، بل يريدون أن يتاجروا كذلك ويتزودوا للآخرة بصلاة في جماعة، وبعبادة الله ذكراً وصلاةً وزكاةً وحضوراً في بيوت الله. وذات مرة رأى ابن عمر المؤذن يؤذن وإذا بأصحاب الدكاكين يغلقون دكاكينهم ويذهبون للمسجد، فقال لهم: فيكم نزل قوله تعالى: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور:37]. وكثيراً ما يستفتينا أشخاص ويقولون: وقت الأذان والصلاة نكون منشغلين بالتجارة أو بعمل في الدائرة أو نكون في اجتماع، فنقول لهم: كل ذلك اجعلوه في هذه الساعة هباءً، فقد دعاكم الله على لسان المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح، أي: أقبل أيها المسلم للصلاة وللفلاح والعبادة والذكر والاجتماع في بيت الله، فكيف إذا كان النداء من بيت الله الحرام أو من المسجد النبوي أو من المسجد الأقصى فك الله أسره، وأعاده للمسلمين وأنوف اليهود في التراب راغمة. قال: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ} [النور:37] أي: لا يلتهون ولا يلعبون ولا يضيعون أوقاتهم في التجارة، {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور:37] (ذكر الله) كلمة عامة فتشمل الصلاة، والتلاوة، والذكر بأنواعه: ذكر اللسان وذكر القلب. وقوله: (وإقام الصلاة) أكثر من إتيان الصلاة، والإقامة: هي المحافظة عليها في أول أوقاتها بشروطها وأركانها وواجباتها وأدائها، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أول الوقت رضوان الله، ووسطه رحمة الله، وآخره عفو الله)، وشتان بين الرضا والعفو، فالعفو يكون عمن صدر منه خطأ أو ما لا يليق، فيعفو الله عنه؛ إذ كان ينبغي أن تكون في أول وقتها، وأما الصلاة في أول وقتها فهو رضا الله، فقبل الصلاة وجازى فاعلها عليها، والوسط رحمة الله، ولكن الرضا أفضل وأكمل. وكذلك لا تشغلهم تجارة ولا بيع، وفرّق هنا بين البيع والتجارة؛ لأن الجالس في الدكان أو المخزن يسمى بائع، وأما الذي يشتري ويبيع فهو تاجر. وكذلك عندما يحل وقت الزكاة ويتم النصاب في الزرع وفي المواشي وفي الدراهم وفي الذهب والفضة بمجرد تمام سنة، فلا ينشغل عن أدائها ويقول: غداً أزكي، أو بعد غد أزكي؛ لأنه قد حل الفرض والركن وحلت ملكية الفقراء والمساكين، قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة:60]، وعلماؤنا يقولون: إن هذه اللام في الآية للملكية، ولا يجوز للإنسان أن يمنع المالك من ملكه، ولا أن يتصرف فيه بعد تملكه له، فإن فعل فإنه يكون ظالماً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لي الظالم يوجب عقوبته وأدبه) أي: عليَّ أدبه وعقوبته. فمن وجب عليه حق للإنسان وحل وقت أدائه ولم يفعل، كأن يؤخر ويقول: لو أتيتني غداً، لو أتيتني بعد غد، لو جئتني وأنا غير مشغول، فإن هذا يوجب عقوبته وعرضه، أما عرضه فتقول عنه: آكل أموال الناس بالباطل، ولا تعد هذه شتيمة ولا سباً؛ لأنه ارتكب ذلك واستحقه. وأما العقوبة فيباع عليه ماله؛ ليؤدى الحق ويؤخذ منه غلاباً وقهراً، وقد يعزر على تأخيره واتجاره في مال ليس له، فمن أبقى عنده الزكاة أكثر من وقتها بعد تمام نصابها فإنه يكون كمن أخذ مالاً لإنسان بغير حق، فأخذ يتاجر فيه ويربح به، فيجب عليه أن يؤدي المال لأصحابه، وإذا أراد أن يرفع عنه الأخذ فإنه يعطيه إما مناصفة أو يعطي الربح لأصحاب الزكاة؛ لأنه اتجر في مال لا يملكه. قال تعالى: {يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور:37]، فهؤلاء يلازمون وقت الأذان والذكر والصلاة وأداء الزكاة، وهم في هذه الحالة يخافون في يوم القيامة ألا تقبل صلاتهم ولا زكاتهم، ولذلك تجدهم في خوف ووجل من يوم القيامة، فهذا اليوم تتقلب فيه القلوب وتصعد من مكانها إلى الحناجر، وتكاد قلوبهم تخرج من مكانها رعباً وفزعاً وهلعاً، والأبصار تزيغ وترى: هل سيأخذون كتابهم بأيمانهم أو بشمائلهم، وهل سيدخلون الجنة أو النار، وهل سيرحمهم الله أو لا، وهل سيقبل الله أعمالهم أو يرمي بها على وجوههم. ولذلك يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة وخائفة ألا تقبل منهم، وقد سألت السيدة عائشة رضي الله عنها نبي الله صلى الله عليه وسلم: هل هؤلاء الذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة خائفة مرتعبة هم الزناة وشاربو الخمر والسارقون؟ قال: (لا يا عائشة، لا يا ابنة الصديق! ولكن هؤلاء قوم صلوا وتصدقوا وعبدوا، ولكنهم يخافون يوم القيامة ألا يقبل منهم ذلك).
تفسير قوله تعالى: (ليجزيهم الله أحسن ما عملوا)
تفسير قوله تعالى: (ليجزيهم الله أحسن ما عملوا) قال تعالى: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:38]. يتركون التجارة والبيع والشراء، ويؤدون الصلاة، ويزكون ومع ذلك يخافون، فمن رحمة الله ومجازاته لهم أن يغفر ذنوبهم، ويرفع درجاتهم، ويرحمهم بالجنة، قال تعالى: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} [النور:38] أي: يجازيهم على حسناتهم ويغفر لهم سيئاتهم جل جلاله، {وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:38]، أي: يجعل الحسنة عشراً، والعشر يضاعفها أضعافاً مضاعفة، فيجازيهم على العمل القليل بالجزاء الكثير، والحسنة بعشر أمثالها ويضاعفها سبحانه إلى ما يشاء، فعطاء الله كثير فهو يعطي بغير حساب جل جلاله. قال تعالى: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور:38] ولا حصر للضعف ولا حصر للأجر والثواب، فقد يجازي على الحسنة أضعافاً مضاعفة، وقد يجازي على كلمة يوم القيامة بدخول الجنان ولم يقل سواها، وحديث البطاقة معروف، وذلك أن رجلاً يأتي يوم القيامة ليحاسب، وإذا به لا يجد حسنات فتوزن أعماله فتطيش كفة الحسنات وتثقل كفة السيئات، فيؤمر به إلى النار، وبينما الملائكة تأخذه إلى النار إذ يقول الله جل جلاله: (ردوه لا ظلم اليوم، فيؤتى ببطاقة، ويقول الله لملائكته: ضعوها في ميزانه، فيقول: ماذا عسى أن تكون هذه البطاقة مع كثرة ذنوبي وآثامي؟! وإذا بهذه البطاقة توضع في الكفة الطائشة فتثقل للأرض وتطيش كفة السيئات)، وهذه البطاقة كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: فيها لا إله إلا الله، ولذلك يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (من مات وهو يقول: لا إله إلا الله دخل الجنة)، ومن مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة، ومعنى ذلك أنه قد يدخل الجنة دون أن يدخل النار، ويغفر الله له ذنوبه كصاحب هذه البطاقة، وقد يعذب على ذنوبه بما شاء الله، ولكن العبرة بالخواتيم، أي: الخروج من النار والدخول للجنة. قال تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور:38] هذا جزاء المؤمنين الصالحين، من أنار الله أقوالهم وأعمالهم وقلوبهم، أنارها الله بالقرآن والإسلام والهداية الإلهية وبدين محمد صلى الله عليه وسلم، هؤلاء الذين أنار الله قلوبهم فعمروا بيوته ذاكرين ومصلين ومزكين ووجلين ألا تقبل أعمالهم، جزاؤهم من الله أضعاف مضاعفة من الحسنات، قال تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور:38].
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة)
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة) هذه آيات وعيد وتهديد للكافرين المقصرين الذين ماتوا على الكفر والشرك، ضرب الله فيها لهم أمثالاً معنوية وأمثالاً حسية، فقال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور:39]. هذا الكافر الذي يصف نفسه بالحضارة والعلم والمعرفة والفهم والإدراك، وقد يقول: أنا تصدقت وأحسنت وأعطيت، فمثل هذا أعماله كسراب تذهب هباء منثوراً لا تقبل ولو كانت صالحاً؛ لأن الشرك قد غطى على كل حسنة، ولأن الكفر بالله أعظم أنواع الظلم، فكل عمل صالح وصدقة وتعليم وغيره أمام كفره وجحوده {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً} [النور:39]، والسراب معروف وهو ذلك الشعاع الذي يكون عند شدة الشمس في الأراضي المستوية، والقيعة: جمع قاع: وهي الأرض الفسيحة المتسعة. فعند اشتداد الحر وضياء النهار ترى من بعد كما لو كانت نهراً أو نبعاً أو مياهاً، فيراها الظمآن بعينه فيأتي مسرعاً ومهرولاً إلى ذلك المكان لشدة عطشه يريد أن يشرب، فإذا أتاه وجده سراباً ولم يجد ماءً ولا شراباً. قال تعالى: {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً} [النور:39] يظنه العطشان ماءً، كذلك هؤلاء يأتون يوم القيامة ويظنون أن أعمالهم حسنة، وأنهم يعاملون عليها معاملة الموحدين المؤمنين، وإذا بهم عندما يحاسبون ويسألون: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ لا يحسنون جواباً، وهكذا يجدون أنفسهم بلا عقيدة ولا إيمان بالله ولا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفجأة يجدون أعمالهم هباءً لا نفع لها، وهم يظنون أنها أعمال صالحة، وأنها أعمال حضارية وتقدمية، وأنهم أحسنوا للشعوب بنشر الحضارة وأنواع المخترعات، وأعانوا الإنسان على كذا وكذا. فعقولهم ونفوسهم مليئة بالسراب والخواء، ومليئة بما لا معنى له، إن هي إلا الجهالات والضلالات حسبوها علماً ومعرفة ويوم القيامة عرفوا أنها سراب، وقد جاءوا إلى أعمالهم عطشى فلم يجدوا شيئاً، هذا مثل ضربه الله لهؤلاء الكفار. قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} [النور:39] أي: حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده بالمرصاد لمحاسبته وعقوبته وعذابه: {جَزَاءً وِفَاقًا} [النبأ:26]، فقد كان في دار الدنيا يملك نفسه، ويستطيع أن يستغل حياته، ويستفيد من شبابه ومن قوته ورزقه، فيؤمن بالله ورسوله، ويصلي مع المصلين، ويزكي مع المزكين، ويحج مع الحاجين، ويصوم مع الصائمين، لكنه في دنياه كان يسخر من الصالحين ويلمزهم بالألقاب: رجعيون خرافيون متأخرون، ويقول: إن هي إلا أرحام تدفع وقبور تبلع، ولا قيامة ولا آخرة ولا حساب ولا عقاب، فهذه عقول ضائعة، ونفوس هزيلة، وعلم كاذب، ودعوى عريضة، وعند الموت تنكشف لهم الحقائق ولكن هيهات ولات حين مندم، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وهكذا يُقطعون. فقوله تعالى: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ} [النور:39] أي: وجد الله له بالمرصاد يرصد أعماله، فقد كلف لرصدها ملكين عن يمينه ويساره؛ ليشهدا عليه بالنقير والقطمير، حتى إذا جاء يوم القيامة فإنه يستلم كتابه بشماله، ومعنى ذلك: الخسارة والخزي والعار، وعند الامتحان يعز المرء أو يهان. قال تعالى: {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور:39] أي: والله جل جلاله يسرع في حساب هؤلاء، وعقوبتهم، والنكال بهم، وإدخالهم النار خزايا مغضوباً عليهم أبد الآباد؛ جزاء ما جحدوا من النعم الإلهية الظاهرة والباطنة، وجزاء سخريتهم بأنبيائهم والمؤمنين من أتباعهم، فهذا مثل معنوي ضربه الله لهم.
تفسير قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي)
تفسير قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي) قال تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور:40]. إن الأنوار التي وصف الله بها المؤمنين أنهم {نُورٌ عَلَى نُورٍ} [النور:35]، وأن هؤلاء الكافرين يعيشون في ظلمات بعضها فوق بعض، قال عنهم الله تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} [النور:40] أي: بحر كثير الماء والأمواج المتلاطمة، ومع هذه الأمواج ظلمات الليل.
النور [40 - 43]
تفسير سورة النور [40 - 43] ضرب الله تعالى هنا مثالاً لما يعيش فيه الكافرون من ظلمات في العقيدة والأخلاق والمعاملات، فشبه حاله وظلماته بالبحر اللجي العميق الذي تغشاه الأمواج العظيمة المتراكمة في الليلة الظلماء، والليلة الملبدة بالغيوم والسحب السوداء، فذلك ظلام في ظلام في ظلام، وهكذا حال الكافر، فهو لا يرى نور الحق ولا نور الهدى، ولا يشم رائحة الهدى الزكية.
تفسير قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج)
تفسير قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج) قال الله جل جلاله: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور:40]. يضرب الله جل جلاله في الآية السابقة مثلاً لنور هدايته، ونور رسالته، ونور ما أرسله من أنبياء وكتب إلى الناس كافة، ضرب لذلك مثلاً بمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، إلى أن قال جل جلاله: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور:35]، فالله يهدي لهذا النور من يشاء من عباده، فقد هدى في الأمم السابقة واللاحقة ثلة من الأولين، وقليلاً من الآخرين. وهنا يضرب جل جلاله مثلاً لظلمات الشرك، وسواد الشرك وريبه وضلاله، يقول سبحانه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور:39]، فشبه ظلمات الشرك والكفر بالسراب الذي لا ظل له ولا حقيقة له، وإنما هو خداع للنظر والرؤية، فليس هو ماء حقاً، ولا غياثاً حقاً، وإنما هو سراب وشعاع تأتي به الشمس فيظهر في الأرض المتسعة وكأنه ماء، فيأتيه الصادون فلا يجدون شيئاً. وفي الآية الثانية: ضرب الله لهم مثلاً آخر، فقال عنهم: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ} [النور:40] مثال ظلمات الكفر، وسراب الشرك، وضلال من لم يؤمن بالله، ولم يعمر قلبه بذكر الله ورسوله، والإيمان بهما، والامتثال لأمر الله ورسله، فوق السراب الذي لا حقيقة له، مثاله كظلمات في بحر لجي، واللجي: البحر العميق المتلاطم الأمواج، الكثير المياه، وهو مع ذلك يغشاه موج، أي: يركبه موج ويغطيه، (يغشاه موج من فوقه موج) فهي أمواج متلاطمة متضاربة وكأنها الجبال، فحتى الأمواج نفسها تتلاطم فتعلوها أمواج (يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب) فهي أمواج متراكبة متلاطمة كأنها الجبال، يغشى بعضها بعضاً، ويركب بعضها بعضاً، ثم فوق الكل سحاب وغمام، كما قال جل جلاله: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} [النور:40] أي: ظلمات البحر، وظلمات الموج، وظلمات السحب، وظلمات الليل، فهي ظلمات بعضها فوق بعض، ومن شدة هذا الظلام: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور:40] و (يكد): من أفعال المقاربة، أي: يقارب ولا يصل، كما نقول: كاد النعام أن يطير، وهو لا يطير ولكنه قارب ذلك؛ إذ هو من أنواع الطيور وله جناحان، ولكن جسمه أثقل من جناحيه، وجناحاه أقصر من جسمه، حتى ولو حاول الطيران فلن يستطيع، وهكذا هذه الظلمات، فهو يحاول أن يمد يده لشدة الظلمة المتراكبة ليراها لكنه لا يستطيع؛ لشدة الظلمة، فهو تشبيه وضرب مثل من الله تعالى لظلمات الكافر، فقوله ظلمة، وعمله ظلمة، وسيرته ظلمة، ويعتقد الظلم والظلام، فهو في ظلمات الشرك، وظلمات الفواحش، وظلمات العقائد، وظلمات الظلم والإيذاء، ومعاكسة أوامر المؤمنين والمسلمين، والصد عن الله وكتابه، وعن الرسول وسنته، فهو ظلمة مركبة، ظلام متراكب، ومن هنا يحذرنا الله من الاتصال بأمثال هؤلاء قبل أن يعدوا المؤمنين، فإن لم يعدوهم بالقول كانت العدوى بالفعل أو بالعقائد أو بظلمة من هذه الظلم، فإنه لا تكاد ظلمة تصيب مؤمناً إلا وسرت فيه بقية الظلمات كما نرى في واقع الحال الذي نراه في عصرنا. فترى الطالب أو العامي أو الرحالة العالم يبتدئ لأول مرة في قراءة كتاب معين أو مقالة أو محاضرة أو محاورة إنسان، هكذا يبتدئ وهو مصمم على عقائده وعمله، ولكنه لا يكاد يتصل بهم بشكل من الأشكال وإذا بآرائهم، وإذا بظلمتهم تتسرب إليه، وإذا بك تفاجأ بهؤلاء يقولون بعض ذلك في دروسهم، وفي كتابتهم، وفي محاضراتهم، وهكذا عم الفساد وطم في البحر والجو، والأرض والسهل والجبل، والله ما أعلن لنا ذلك إلا ليحضنا على تركه، وينفرنا منهم، فالضياء لا يليق أن يضيع نوره وشعاعه بسبب هذه الظلمات المتراكبة. وضياع هؤلاء إما سراب لا حقيقة له، وأوهام باطلة لا وجود لحقيقتها، أو ظلمات بعضها فوق بعض: كلاماً وعملاً وعقيدة وسلوكاً وكلما يصدر عنهم، فهم في ظلمات بعضها فوق بعض، ومن شدة هذا الظلام وتراكمه، والتفافه، وتجمع بعضه ببعض يكاد الكافر إذا أخرج يده لم يراها، فإذا أراد أن يتلو آية، أو أن يسمع حكمة، أو أن يجالس مؤمناً فشدة الظلام التي هو فيها تبعده عن أن يفهم ذلك، ولذلك كان يقول الإمام مالك رحمه الله: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. فيبعد عن الفساق، ومن باب أولى عن المنافقين والكفار، أن يتخذهم الإنسان شيوخاً، وأن يتخذهم دعاةً، وأن يهتم بأقوالهم وبكتبهم وبرسائلهم وما إلى ذلك. {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور:40]، من لم يهده الله ويعطه من نوره، وهو نور السماوات والأرض، (مثل نوره) مثل هدايته التي يهدي بها من شاء، ولمن شاء وكيف شاء جل جلاله، ومن يهده الله فلا مضل له، {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور:40]، من لم يهده الله ويعطه من نوره وهدايته وحكمته، ومن كتابه المقدس المعجز، ومن نبوءة أنبيائه، ومن هدايتهم، ومن سنتهم، فسيبقى ضالاً مضلاً يخبط في ضلاله خبط عشواء.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض) قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور:41]. ألم ترَ يا محمد! وهو المكلف بالأصل، وهو أول المسلمين، وأول المؤمنين برسالته، وذلك قبل أن يؤمن بها غيره، ألم ترَ يا محمد! والرؤية هنا رؤية علم ورؤية بصيرة، ورؤية عقيدة، وفي معنى ذلك: ألم ترَ أيها المسلم! ألم ترَ أيها المؤمن! أن الله يسبح له ويدعوه ويعبده ويوحده السماوات ومن فيها، والأرضون السبع ومن فيها، حتى الطير المصطف في الأجواء وفي السماء، ولذا كان الجماد خيراً من هؤلاء الكفار، وكان الطير خيراً منهم، وكان الحيوان خيراً منهم، فهم كالأنعام، بل قال الله وأضرب عن الكلام الأول: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف:179]، أي: أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام تسبح الله، وتوحد الله، ويوحد الله الملك والجن والإنس ممن أنار الله بصائرهم، والحيوان والطير، وحتى الجماد والجبال، فتسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ} [الإسراء:44] كما قال ربنا وكرر وأعاد ليستقر في الأذهان: أنها تسبح له السماوات السبع ومن فيها، والأرضون السبع ومن فيها، يسبح له كل مخلوق عاقل ملكاً وجناً وإنساً، وكل الطير، وكل الحيوانات، وحتى الجماد: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ} [الإسراء:44] (من) إذا دخلت على النكرة على قواعد اللغة العربية فإنها تدل على العموم، أي: كل شيء، وهو ما في هذه الآية: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ} [النور:41]، فالسماوات ومن فيها، وفيها الملائكة، وفيها كثير من خلق الله، والله أعلم بحقائقهم، وتسبح له الأرض، الأرضون السبع ومن فيها: من إنس وجن، وبهائم وحشرات، لكن هنا نجد الكافر، ونجد الإنسي والجني عندما يشرك بربه فكل شيء أشرف منه، وكل شيء أكرم منه، حتى الجماد وحتى الحيوان وحتى الطير: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ} [النور:41]، فيسبح له من في السماء ومن في الأرض، ومن بين السماء والأرض كالطير، فالطير عندما تكون أجنحتها مصطفة في الأجواء هي كذلك تسبح ربها، وهي إذ ذاك ليست في الأرض، وليست في السماء، ولكنها في الأجواء والفضاء، فهي تذكر الله، ومن هنا ينبغي للمسلم عندما يركب الطائرات في الأجواء إذا دخلت أوقات الصلاة أن يصليها وهو في الأجواء، والطائرة تعتبر مدينة مستقرة في مكانها، فليؤذن للصلاة، وليقم الصلاة، وليصلها جمع تقديم أو جمع تأخير، حسب الأوقات التي هو فيها، وينبغي أن يتلو كتاب الله، وأن يذكر الله بكل ما ألهمه الله، وبكل ما فتح عليه به، ولا يليق أن يعتبر الطير خيراً منه عبادة، وخيراً منه طاعة، فالطير تعبد الله وهي في الأجواء، فالإنسان أولى منها بذلك، وهو الذي خلقت له السماوات والأرض ليعبد ربه، وليتمتع بما متعه الله به، فإن كان عن إيمان فذلك له حق حلال، ولنعم الله يوم القيامة أجمل له وأكمل وأدوم. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور:41] وإذا كنا لا نعلمها فالله يعلمها، فيعلم صلاة المصلي من خلقه وعباده: من ملائكته وجنه وإنسه، ويعلم تسبيح الطير، وتسبيح كل شيء، وكل يسبح بما ألهمه الله، فالطير وهو صاف جناحه في السماء هو في هذه الساعة أيضاً يسبح الله، وتسبيحه عبادته، وتسبيحه تقديسه، وتسبيحه تمجيده، وتسبيحه توحيده، فهو إلهام ألهمه الله إياه، ومن هنا كان الكل أشرف وأكمل وأصلح وأتم من الإنسان الكافر والجني الكافر. قال تعالى: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ} [النور:41] التنوين هنا تنوين عوض عن كلمة، والتقدير: كل موجود، فكل من في السماء ومن في الأرض قد علم الله جل جلاله صلاته وعبادته له، وتسبيحه له، وذكره له جل جلاله، و (من) في لغة العرب تطلق عادة على العاقل، و (ما) في لغة العرب تطلق عادة على غير العاقل، تقول: من في الدار؟ أي: من الرجال أو النساء العقلاء الذين في البيت؟ فإن كان في البيت هوام ودواب وطير قلت: ماذا في البيت؟ فإذا اجتمعا غلب أحياناً العاقل على غير العاقل، وأحياناً غير العاقل على العاقل، وهنا في الآية هذه وما بعدها غلب العاقل على غير العاقل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [النور:41]، وفي الأرض عاقل وغير عاقل، فغلب العاقل على غيره. {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور:41] عليم بفعل عباده، عليم بفعل خلقه: أناسي وملائكة وجناً وطيراً وحيواناً ودواباً وحشرات، علم عبادتهم، وأدرك عبادتهم، وجازاهم عليها، فجازى المؤمن بإيمانه، وجازى الكافر بكفره، وأحسن إلى هؤلاء بأن متعهم زمناً؛ متعهم بالعيش وبالعافية، لكن هؤلاء لم يخلقوا إلا للدنيا وانتهوا.
تفسير قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير)
تفسير قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير) قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [النور:42]. كل هؤلاء عبيد من خلق الله، وهم ملك من أملاك الله، فالسماوات ومن فيها وما فيها، والسبع الأرضون من فيها وما فيها، ما في الكل وما بينهما من ملك وإنس وجن، وما سوى ذلك من أنواع المخلوقات كلهم يأتي الله يوم القيامة عبداً، وهم في الدنيا كذلك عبيد ومماليك لله، فلا أمر لأحد منهم ولا نهي مع الله، فالكل عبد لله سواء كان مطيعاً مؤمناً، أو عاصياً متمرداً كافراً، فمنذ وقف صلى الله عليه وسلم في هذه الأرض المقدسة وقال: (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) كانت هذه الأمم منذ دعا لذلك أمماً محمدية، فمن أطاع فهو من أمة الاستجابة، ومن تمرد كان من أمة الدعوة. {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [النور:42] فمصيرنا بعد ذلك إلى الله، حيث نموت ثم نحيا ونبعث ونحاسب على ما قدمناه في حياتنا، فمن كان مؤمناً فقد فاز وأفلح، وسيعيش العيشة الأبدية في نعيم من الله ورضوان، ومن حشر وعرض كافراً فله الخزي والغضب والخلود في النار، ولذلك فكلمة المصير هنا فيها نذارة وتهديد ووعيد، والمعنى: يا هؤلاء الذين تمردوا على الله وعصوه وعصوا رسله! مصيركم مهما طالت حياتكم، وامتدت أزمانكم إلى البعث والنشور، فسيبعثون ليحاسبوا على ما قدمت أيديهم: إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. ثم قال تعالى في بيان قدرته على كل شيء ليفكر المفكر، ويتدبر المتدبر، ويزداد المؤمن بذلك إيماناً، وتعود إلى الكافر يوماً بصيرته، ويعود إليه فهمه، فيؤمن ويقول: رب اغفر لي يوم الدين.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحابا)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحاباً) قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ} [النور:43]. يرشد الله في هذه الآية الكريمة عباده على أن يقفوا عندها قليلاً ويفكرون، فقال تعالى مرة أخرى: (ألم ترَ) أي: يا محمد! ألم ترَ أيها المؤمن! أيها المسلم! ألا ترى بصيرتك ويرى بصرك: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا} [النور:43] يسوق ويدفع، والسحاب: هي هذه السحب التي نراها في السماء، فترى السماء صافية، وتراها زرقاء وكأنها قطعة من ماء البحر عند صفاء الجو، وإذا بها تصعدها سحابة هنا وسحابة هناك، وإذا بها تتصل ببعضها، وتتجمع وتتراكم، وإذا بها يعلو بعضها بعضاً، وإذا بالأمطار تخرج منها، وإذا بالبروق والرعود تسمعها تكاد تهز الأرض، ويكاد سنا هذه البروق يأخذ بالأبصار: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا} [النور:43] أي: يجمعه: {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} [النور:43] هذا السحاب الذي يرتفع إلى الأجواء متفرقاً يجمعه الله تعالى ويؤلفه، فتجتمع هذه السحابة إلى هذه، وهذه إلى هذه، ثم يجعله متراكماً متجمعاً يعلو بعضه بعضاً، ويركب بعضه بعضاً، ولما ركبنا الطائرات الساعات الطوال ونحن بين السحب من فوقنا، والسحب من تحتنا، والسحب أمامنا، والسحب خلفنا، متراكمة بعضها على بعض، والطائرات عادة تتعب في مثل هذه السحب، وتعرض للهز وللاضطراب وقد يصيبها ما يصيب إن تزايد ذلك، ولكن الله يحفظ ويصون جل جلاله، وهكذا يؤلف بينه، ثم يجعله ركاماً بعضه على بعض. {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ} [النور:43] فترى المطر يخرج من خلاله، وينزل {مِنْ خِلالِهِ} [النور:43] جمع خلل، أي من ثناياه ووسطه، {فَتَرَى الْوَدْقَ} [النور:43] ترى المطر ينزل من هذه الغيوم المتراكمة والسحب المتراكبة، هذه الأمطار التي تنزل تنتقل بعد ذلك إلى نوع آخر فتصبح برداً، فقال تعالى: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ} من العلو {مِنْ جِبَالٍ} هذه السحب تتراكم حتى تصبح كالجبال، حتى تصبح وكأنها جبال، ثم هذه الأمطار وهذا البرد يتراكم ويعلو ويصبح متجمعاً مع هذه السحب وكأنها الجبال: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} [النور:43] فيصيب بهذا البرد من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، ونزول البرد يعتبر رجماً، فإذا نزل كسر الأشجار، وأسقط الثمار، وأضاعها قبل نضجها، ويكون نزوله بلاءً من الله جل جلاله، فمن أراد إصابته وأراد عقوبته أنزله عليه كالحجارة، فيفسد الزرع، وقد يفسد الضرع، وقد يضرب الرءوس فيميتها، وقد ينزل كالحجارة من السماء. {فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور:43] يصاب به فيصبح في مصيبة، {وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ} [النور:43] يدفعه فلا يمسه ولا يضره. {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ} [النور:43] هذه السحب المتراكمة، وهذا المطر الوافر الذي يخرج من بينها، يخرج معه برق، هذا البرق من شدة ضوئه وإشعاعه ونوره يكاد يأخذ الأبصار، (يكاد سنا برقه) السناء: هو الضياء، والسنا: شدة الضوء، وشدة الشعاع وكثرته، والإنسان بعادته لا يستطيع النظر إلى الأضواء الكثيرة؛ لأنها تؤذيه في بصره، وإن هو زاول ذلك مرة بعد مرة فقد يصاب بالعمى أو بالمرض. {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} [النور:43] هكذا يقول تعالى: (يكاد) من أفعال المقاربة، أي: يكاد البصر يذهب، ويكاد ضوءه ينحل ويتحلل فيصبح الناس عمياً، فمن الذي صنع هذه النتيجة؟ ومن الذي رفع هذه السحب، ثم جمعها، ثم أخرج منها الأمطار، ثم أخرج من الأمطار هذا البرد، ثم أنزله فأصاب قوماً فأضاع زروعهم وضروعهم، وصرفه عن أقوام فحفظهم وصانهم؟! هل فعل هذا الشركاء؟! حاشاه ومعاذ الله فهم أعجز من ذلك، سواء كانوا إنساً أو ملائكة أو جناً، فضلاً عن الجمادات. أليس للإنسان عقل يدرك ويعي ويفهم، وبصيرة تعي وتفهم وتدرك؟ وإذا كان الأمر كذلك أين هؤلاء الكفار مع أبصارهم، ومع أسماعهم، ومع قلوبهم؟ كيف لا يبصرون بعين، ولا يسمعون بأذن، ولا يعون بقلب؟! وهذا يعرضه الله علينا، ويلفت إلى تدبره أنظارنا، وهو بذلك يرشدنا وينصحنا في دار الدنيا والإنسان لا يزال يملك أمر نفسه، فليفكر يوماً من الذي خلق هذه السماوات العلى؟ ومن الذي بسط هذه الأراضي؟ ومن الذي أخرج ماءها ومرعاها؟ وثمارها وأشجارها؟ ومن الذي خلق هؤلاء الخلق: أبيض وأسود وطويلاً وقصيراً وصغيراً وكبيراً وامرأة ورجلاً؟ أليس الله جل جلاله؟ وإذا كان الأمر كذلك -وهو كذلك- فمن الذي يستحق منا العبادة؟ ومن الذي يستحق منا التسبيح والتعظيم والتمجيد والطاعة أليس الله جل جلاله؟ أليس الله هو واجب الطاعة، وأن يعبده خلقه على كل نوع وشكل. هذه الفقرة من الآية ذكرت فيها (من) ثلاث مرات: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ} [النور:43] (من) الأولى {مِنْ جِبَالٍ} [النور:43] (من) الثانية، {فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} [النور:43] (من) الثالثة، وكل حرف من هذه الأحرف لها معنى قائم بنفسه، وليست مكررة. {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ} [النور:43] (من) الأولى بداية الغاية، أي: إنزال هذه الأمطار وهذا البرد من هذه السحب التي يجمعها ويؤلفها ويخلقها قبل ذلك، ثم تتراكم بخلقه وإرادته، ثم يخرج المطر من بينها بقدرة الله، ثم بعد ذلك يخرج البرق والرعود منها، ثم يصيب بذلك من شاء من عباده، ويصرفه عمن يشاء من عباده، فـ (من) الأولى ((وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ)) هي لبداية الغاية. ((مِنْ جِبَالٍ)) هذه تبعيضية، فليس الجبال كلها ينزلها، فلو نزلت لأصبحت الأرض قاعاً صفصفاً، ولصار للناس ما صار لأهل لوط عندما رفع الأرض عاليها ورماها إلى الأرض رأساً على عقب، وأصبح القوم كالعصف المأكول، كما يخرج من بطون الدواب عندما تأكل العصف، ولكن الله قد رحم أمة محمد خاصة، وأما الأمم الأخرى فعاقبها في الدنيا قبل الآخرة: عاقبها بالغرق، وعاقبها بالريح، وعاقبها بالرجم، وعاقبها بالمسخ، وأما أمة محمد فمرحومة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أرسله الله إلا رحمة للعالمين: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، فإنما هو رحمة مهداة كما يقول نبينا عليه صلوات الله وسلامه، ورحمته عمت المؤمن والكافر، فأما المؤمن فيزيد إيماناً وطاعة وعملاً يكافأ بذلك ويجازى يوم القيامة، وأما الكافر فيمتع بحياته وسمعه وحواسه جميعها، ويعطى فرصة من عمره، ولا يمسخ قرداً كما كان يمسخ أسلافه، ولا ترسل عليه صواعق من السماء، ولا تخسف به الأرض، بل يعطى فرصة في حياته لعله يوماً يفكر في ربه، ويفكر في قدرته، ويفكر في إرادته، ويفكر فيما أنزل على أنبيائه من كتب، وما نطق به الأنبياء من بيان وشرح لهذه الكتب من السنة المطهرة، فهو رحمة مهداة كما قال عليه الصلاة والسلام، وهو رحمة للعالمين: عالم الإنس والجن، عالم المرأة والرجل، عالم المؤمن والكافر معاً. ثم قال: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} [النور:43] و (من) الثالثة للتبيين، أي: لا ينزل من الجبال حجارة ولكن من جنس الماء، فقد جمد وأصبح كالحجارة يرجم به من شاء من عباده، ويصرفه عمن يشاء من عباده، أولئك لعقوبتهم، وهؤلاء رحمة بهم، وقد يحصل ذلك للمؤمن فيكون كفارة للمؤمن التقي، ويكون عقوبة للمؤمن الفاجر، قال تعالى: {مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ} [النور:43]، يكاد سنا برقه يذهب بالبصر، فيخطف البصر، ويعمي العين ويذهب ضوءها، كل هذا خلقه الله، وكونه الله سبحانه.
النور [44 - 50]
تفسير سورة النور [44 - 50] لقد خلق الله كل دابة من ماء، ثم جعلها أصنافاً وأنواعاً، فمنها من يمشي على رجليه، ومنها من يمشي على أربع، ومنها من يمشي على بطنه، ويخلق ما يشاء سبحانه وهو على كل شيء قدير.
تفسير قوله تعالى: (يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
تفسير قوله تعالى: (يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار قال تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ} [النور:44]. يقلب الليل والنهار، وينوع فيهما، ويشكل فيهما، فتارة يطول النهار ويقصر الليل، وتارة يطول الليل ويقصر النهار، وتارة الليل يشتد حره، وتارة يشتد برده، ويشتد ما فيه من رياح وعواصف، حتى إنها تكاد تذهب بالبيت كله، حتى لا يكاد الإنسان ينام خوفاً، وهذه التقلبات من فعل الله وخلق الله، والليل والنهار لا يتجاوزان أربعاً وعشرين ساعة، ولكن يكون البعض على حساب البعض الآخر، ويقصر على حساب الآخر: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [النور:44]، فهو الذي يقلبه لا سواه، وهو وحده القادر على ذلك. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ} [النور:44] إن في إنزال الأمطار، وفي تراكم السحب، وفي خروج الودق والمطر من خلالها، وصور الرعود والبروق، وفي تقليب الليل والنهار أنواعاً وأشكالاً: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً} [النور:44] أي: لمدعاة للتفكير والتدبر، فيقول الإنسان يوماً: من الذي فعل ذلك؟ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ} [النور:44] لأصحاب البصائر، و (أبصار) جمع بصيرة، وقد تجمع على البصر، وهنا معناها: البصيرة، فهؤلاء بصيرتهم تتبع أبصارهم وما رأوه، وفكروا فيه، واعتبروا منه، ليقولوا يوماً: الله وحده القادر على هذا، والله وحده الخالق لهذا، وما يشركون به مع الله مما سوى الله لا يقدر على شيء من ذلك.
تفسير قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء)
تفسير قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء) قال الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور:45]. وهذا أيضاً من مدعاة الاعتبار والتفكير، فنحن نرى -هذا يراه المؤمن والكافر بالبصر، وينبغي أن يؤمن به ببصيرته- أن الله خلق الخلق كلهم من ماء، وعلى الأقل الخلق الذين نراهم من إنس، ومن دواب، ومن طير، ومن حشرات، فكلها خلقها من ماء: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النور:45]، فنحن خلقنا من الماء، قالوا: ولكن الملك خلق من نور، وخلق الجن من نار، لكنهم أيضاً تفرعوا عن الماء وخلقوا من الماء؛ لأن الله تعالى خلق الماء أولاً قبل السماء والأرض وكان عرشه على الماء كما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله، ولم يكن بعد قد خلقت حياة أخرى مع الله، فلم يخلق بعد لا ملكاً ولا إنساً ولا جناً، ثم بعد ذلك خلق من الماء كل شيء، {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء:30]، وهذه الآية تؤكد: أن الملك كذلك، وأن الجن كذلك، وأن النار من الماء، وأن النور من الماء، فالله قال: (كل شيء حي) وشيء: يطلق على كل ما سوى الله، والحي أيضاً كذلك كل خلق الله، فالله جل جلاله خالق الكل من ماء وأكد هنا ذلك وفي التلاوات السبع. {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النور:45] والدابة: ما يدب على وجه الأرض، ثم ذكر هذه الأنواع من الدواب فقال: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} [النور:45] وهي الزواحف: الحيتان والحيات والديدان، فكلها تزحف وتمشي على بطنها، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ} [النور:45] كالإنسان والطير. قال: {وَمِنْهُم مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} [النور:45] كجميع الدواب والأنعام، فأغلب الخلق يمشون على أربع، قالوا: وهناك من يمشي على أكثر من أربع كبعض الحشرات، ولكنها تمشي على الأربع، وهناك قراءة تعتبر شاذة خارجة عن القراءات السبع: (ومنهم من يمشي على أربع ومنهم من يمشي على أكثر) ولكنها ليست تلاوة متواترة، وليست من السبع، والأمر كذلك، وكأنها تفسير وبيان، وهذا الذي جاء عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، فعندما جمع القرآن الكريم وجده هكذا مفسراً يشبه الآي على من جاء بعده، فأحرقه وأتلفه. وعائشة كانت تزيد بعض الكلمات شرحاً وبياناً، وابن مسعود كان يفعل ذلك، كما زادت السيدة عائشة شرحاً وبياناً عند قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238] زادت بخط يدها: وصلاة العصر، تريد بذلك الشرح، وأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وذلك ثابت في صحيح مسلم لا شك فيه، وفيه نزاع بين الأئمة. قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [النور:45]، ومن خلق الله فيما شاء: أن جعل الحديد والأخشاب تطير وتتحرك بقدرته، وبما أقدر عليه خلقه من الإنسان: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الذاريات:21]، فقد أعطى الله للإنسان قدرة ليصنع هذه الأشياء، ولكن ماذا صنعنا؟ لم نخلق ولم نبتكر، وإنما جئنا لحديد خلقه الله، وإلى أخشاب خلقها الله، وإلى مياه سميناها: النفط والبترول وأنواعه، والله خلقها، ثم جئنا لهذه الأجواء، والله جعل فيها من الأثير ما يمكن أن يحمل الأجسام الثقيلة فتطير كما يطير الطائر، فقلدوا الطير في طيرانه، وقد أصبح ذا جناحين، قالوا: لِمَ يطير الطير ولا يطير غيره، وهكذا صنع الإنسان هذه الصناعات من الحديد والأخشاب، وبالمياه التي هي من خلق الله، فأصبحت تطير وهي من خلق الله، حتى إن أحدهم جعل لنفسه جناحين وهو عباس بن فرناس الأندلسي، فبعد أن فكر وأطال الفكر، وعاش بين الطيور زمناً وهو يرى كيف تطير وتحلق وكيف تنزل، وإذا به يصنع لنفسه جناحين وطار بهما في الجو، وإذا به وهو يحلق ويطير يريد أن يهبط فيعجز؛ لأن تفكيره كان مفرداً، ويد الله مع الجماعة، فقد فكر في التحليق ولم يفكر في كيفية نزوله، والله خلق للطائر ذيلاً يساعده على النزول. ونحن نرى الطير وهو ينزل كيف يأتي إلى ذيله وينزله بما يصادم الهواء ويواجهه في النزول، لذلك فإن الطائرات والبواخر يوجد لها خلفها ما يشبه ذيل الطائر؛ ليساعدها عند النزول، وليقاوم شدة الأجواء والأثير والهواء، فهو عندما لم ينتبه لذلك وهو في الأرض تأكد أنه فقد حياته وانتهى، فحاول الاندفاع فعجز، فبقي يلف ويدور ويطير إلى أن تعب فسقط جريحاً مكسراً، وقال: فكرت في طيراني ولم أفكر في نزولي، ثم مات نتيجة عدم تدبره. ثم جاء الذين بعده فما أرادوا أن يجعلوا التجربة في الإنسان نفسه فجعلوها في الأخشاب والحديد، ولكنهم لم يفكروا أن يجعلوا للبشر أجنحة كما صنع عباس بن فرناس، ولا يبعد أن يتم هذا ويقع، وقد حصلت تجارب لا تتجاوز مئات الأمتار طار فيها الإنسان ونزل، ولكن حصول مثل هذا من الخطر بمكان، فلا يأمن الإنسان أن يطير إليه إنسان من النوافذ. {يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور:45]. ودائماً هذه الآية الكريمة يبقى مغزاها في خواتمها، فقد قص الله علينا خلقه، وقد رأيناه بالبصر وفكرنا فيه بالبصيرة، وأتم الله ذلك بأنه على كل شيء قدير، وهكذا جل جلاله على كل شيء قدير ويخلق ما يشاء، (ويخلق ما يشاء) فعل مضارع يدل على الحال والمستقبل، أي: وهو قادر جل جلاله كما خلق ما مضى من أشكال عرفها الماضون وعرفها الآتون قادر على أن يخلق شكلاً آخر وأنواعاً أخرى ليست كما مضى في الخلق، ومن ذلك هذه المخترعات التي نراها من أنواع الطائرات والصواريخ والسفن والقطارات والسيارات. ونبقى دائماً نقول: ويخلق الله ما يشاء، ونبقى نقول ونحن نعطف على أنواع المركوبات، قال تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [النحل:8]، وقد سبق أن قلت: بأن ابن عباس حبر القرآن قال: ما عطف الله قوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [النحل:8] على أنواع المركوبات حتى كان من جنسها، وتم هذا الفهم لـ ابن عباس بعده بألف وأربعمائة عام.
تفسير قوله تعالى: (لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)
تفسير قوله تعالى: (لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) قال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النور:46]. فالله أرسل محمداً صلى الله عليه وعلى آله بالكتاب الكريم، وبما فيه من آيات مبينات، مفسرات، موضحات، شارحات، تبين الحلال والحرام، والآداب والرقائق، وتبين القدرة الإلهية، وتبين خلق السماء وما فيها من عجائب، وخلق الأرض وما فيها من عجائب، تلك الآيات المبينات، المفسرات، الشارحات، الواضحات أنزلها الله تعليماً لعباده، وتعليماً لخلقه، تعليماً للناس علهم يؤمنون به، علهم يؤمنون بنبيه، علهم يؤمنون بالكتاب المنزل إليه، علهم يعيشون مؤمنين، ويموتون مؤمنين، ويبعثون مؤمنين، وذلك من رحمة الله بعباده. ولذلك إن ضل من ضل فستبقى الحجة البالغة لله وحده، وسيقال للإنسان في القبر بسؤال الملكين: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ كيف أنت مع صلاتك؟ كيف أنت مع بقية الأركان؟ فإذا قال: لا أدري فسيسأل: ألم يأتك نبي؟ فيقول: نعم ولا سبيل للإنكار، وإن أنكر شهد عليه جلده ولسانه وجوارحه، ولا سبيل للإنكار قط، وبعد ذلك يعترف الإنسان أحب ذلك أم كرهه.
تفسير قوله تعالى: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وما أولئك بالمؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وما أولئك بالمؤمنين) {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور:47]. يتكلم الله عن قوم كان منهم في العصر الأول منافقون، والكلام عندما يكون له سبب فذلك السبب ليس إلا سبباً للنزول وإلا فالعبرة دوماً واستمراراً في كتاب الله وسنة رسوله العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وما أشد تطبيق هذه الآية علينا، فاليوم وما قبل اليوم وإلى ما بعد اليوم يقول تعالى عن طائفة من أدعياء الإسلام: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} [النور:47] يقول: نحن مسلمون آمنا بالله رباً وإلهاً، وآمنا بمحمد نبياً ورسولاً، وماذا يكون بعد ذلك؟ {ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [النور:47] يتولى فريق -من هؤلاء الذين يقولون: آمنا بالله وبرسوله وأطعنا- ويعرضون ويبتعدون ويستنكفون عن الإيمان حقاً وعن الطاعة حقاً، فالله تعالى يقول عن هؤلاء: {وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور:47]. ونحن اليوم نجد أن الشعوب الإسلامية والدول الإسلامية يقولون: نحن مسلمون جميعاً، وإذا قلت له: اسكت يا كافر! أو يا زنديق! لقام في وجهك قيام الضواري والحيوانات المفترسة، وهم مع ذلك يتحاكمون بغير كتاب الله ويتحاكمون بغير سنة رسول الله، فأنت تقول لهم: كيف تقولون: نحن مؤمنون بالله ومؤمنون برسول الله، ثم لا تطيعون بعد ذلك؟! فالإيمان بالله له فرع والإيمان بالرسول له أثر، فالإيمان بالله يلزم من ادعاه أن يكون مطيعاً لكتاب الله، ممتثلاً للأوامر، مجتنباً للنواهي، والمدعي للإيمان برسول الله يجب أن يكون مطيعاً له فيما أمر، ومجتنباً لما نهى عنه وزجر، وإذا زعم أنه مطيع لله ورسوله، فقل له: أين الطاعة؟ أنت تهمل كتاب الله حكماً وقانوناً: في الشارع في الدولة في الجيش في المعاملة في جميع شئون الحياة، وتحكم بغير ما أنزل الله، وتعمل بغير ما أنزل الله، وتنشر الكفر أشكالاً وألواناً، فالله تعالى يقول عن هؤلاء الذين يصنعون ذلك بعد أن ادعوا الإسلام وقالوا: إنهم مؤمنون بالله وبالرسول صلى الله عليه وسلم ومطيعون لهما، قال الله عنهم: {ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [النور:47]، بعد دعواهم الإيمان والطاعة، قال تعالى مكذباً لهم: {وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور:47] أي: هؤلاء الذين يدعون الإيمان والطاعة ليسوا من المؤمنين؛ لأن الإيمان له شروط، والإسلام له قواعد وله ضوابط، وقد قال تعالى في كتابه: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44]، {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة:47]، {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة:45] وهل بعد كلام الله كلام لأحد؟ وهذا من ذاك، فتجده يدعي الإسلام والإيمان والطاعة وقد يصلي وقد يصوم، وإذا به عند الحكم وإذا به عند التعليم وإذا به عند التصرف تجده قد أباح الزنا بأنواعه، وأباح الربا بأنواعه، وأباح إلغاء الحدود بأنواعها، وكشف الأعراض، وأخرج النساء عراة في الشوارع، وملأ المدارس والجامعات بغير كتاب الله، وبغير سنة رسول الله، وبغير القرآن الكريم، وبغير مذاهب الأئمة الذين استنبطوا فقههم من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين، فكيف بهؤلاء أن يدعوا بأنهم مطيعون مؤمنون؟! ولذلك أكد الله فقال عنهم: {وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور:47]. وليس بعد كلام الله كلام، وإذا أرادوا أن يكونوا مؤمنين فليتوبوا إلى الله من كذبهم، ومن عملهم للباطل، وتركهم لكتاب الله وسنته، وليس هذا خاصاً بالمنافقين وإن كانوا سبباً في نزول الآية، بل إن الكفار في عصرنا هم السواد الأعظم ممن ألغوا كتاب الله عملاً وحكماً وآداباً، وألغوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حكماً وتعليماً وآداباً، إلا قلة أبعدت عن الحكم وأبعدت عن القضاء وأبعدت عن التوجيه والتفسير، وهذه القلة مع ذلك لا تزال موضع الأمل وموضع الرجاء، وهي الدليل الناطق لتحقيق قول نبي الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم إلى يوم القيامة).
تفسير قوله تعالى: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون)
تفسير قوله تعالى: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون) سيبقى الحق حقاً إلى أبد الآباد، ولن يضره خذلان المنخذلين أو كفر الكافرين، وسيبقى الباطل باطلاً ولو تكاثر المتمسكون به، والدعاة إليه، والعاملون به، فهو هباء منثور، والباطل باطل لا يفيد بل يضر، وهؤلاء من خصائصهم: أنهم إذا دعاهم علماؤهم الصادقون ورثة النبي صلى الله عليه وعلى آله صاروا كما قال الله: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} [النور:48]. أي: إذا دعي هؤلاء من قبل العلماء أو بعض المؤمنين الصالحين إلى الإيمان بالله عملاً لا مجرد القول، أو إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وعلى آله عملاً لا قولاً، وليحكم بينهم كتاب الله، ولتحكم بينهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتكون دعواهم صادقة، كانت النتيجة الإعراض: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} [النور:48]. ولماذا قال: ليحكم؟ أي: ليحكم الله بكتابه، فهو يرجع لهما معاً: ليحكم الله بكتابه وليحكم رسوله بسنته صلى الله عليه وعلى آله، فإذا فريق منهم وطائفة يعرضون عن ذلك، أي: الحكم بكتاب الله، أو الحكم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرضوا عن الفقه والعمل به. وقول الله صريح ودليل على أن الإسلام سيبقى خالداً إلى يوم القيامة، فإن الكل لم يعرضوا عن كتاب الله، ولم يعرض الكل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يترك الإسلام كل الناس، بل إن دين الله سيبقى وإلى أبد الآباد خذله من خذله وحاربه من حاربه، وسيبقى الحق منصوراً مبصراً، وستبقى هذه المصابيح والسرج التي تنير أوساط المسلمين وتنير بلادهم، فالمسلمون الآن في ضعف وغداً في قوة، وليس شيء يدوم سوى الله، وهكذا علمنا تاريخ الإسلام في أحقاب ودهور مضت، فكم من حروب طاحنة مرت على المسلمين ثم كانت العاقبة لجند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وقد حاولوا في عصر الصحابة أن يقتل من الصحابة الكثير، وأن يوقف الزحف الإسلامي في فتح العالم، وطال ذلك واستطال وتولاهم منافقون ادعوا الإسلام، وكاد الإسلام يذهب، وأخذ الرومان في الزحف حتى أوشكوا على الوصول إلى العواصم، وإذا بالله ينصر دينه، ويذهب من فعل ذلك، ويزيد الإسلام انتشاراً، ثم بعد وقت تأتي الصليبية فتحتل نفس الأرض المحتلة اليوم ويبقون فيها أكثر من مائة سنة، وتنزل الجيوش إلى ينبع، وتنزل في الحجاز، وتأخذ طريقها إلى المدينة المنورة، وإذا بالله الكريم ينصر دينه، فيسحق أولئك ويرمون في البحار في بطون الحيتان والمقابر، ويعود الإسلام أقوى مما كان، وينتشر أكثر مما كان. وهكذا في القرن التاسع الهجري يزحف بالإسلام وينتشر ويدخل أقطاراً ما سبق له أن دخلها، فقد فتحوا القسطنطينية التي كانت مكمن النصرانية في الشرق، ويتحقق بذلك ما أخبر به المصطفى عليه الصلاة والسلام في قوله: (رأيت أمتي ملوكاً على الأسرة أو كالملوك على الأسرة، يفتحون مدينة نصفها في البر ونصفها في البحر يقال لها: القسطنطينية)، وتصبح بعد ذلك عاصمة للإسلام سبعمائة عام إلى أن ارتد من ارتد وخزي من خزي وتزندق من تزندق، وأخذ الإسلام يتقلص، فسلط عليهم الاستعمار الأوروبي والاستعمار الأمريكي والاستعمار الروسي، ولكن بعد أن استقل المسلمون لم يحمدوا الله على نعمه، ولم يشكروه على آلائه، وإذا بهم يسلط عليهم الاستعمار اليهودي، وقد قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم:83]، وما ذاك إلا عقاب الله تعالى، وكأنها لطمة سكران عندما يشتد سكره لعله يفيق ويعود، وسيعود المسلمون وسيسحق اليهود سحقاً هم وأنصارهم ومن خلفهم من المنافقين الذين يتخللون أوساطنا، أو من اليهودية الدولية أو الصليبية العالمية، وقد قال بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (تقاتلكم يهود فتقاتلونهم فتنتصرون عليهم، حتى يقول الشجر والحجر والمدر: يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله). ولم يكن هؤلاء يوماً أقوى ولا أشمل ولا أكثر من الصليبيين قبلهم، ثم هم لا يتجاوزون كلاب الصيد اصطادت بهم الصليبية في هذا العصر بعد أن وجدت المسلمين في ضعف وتشتت، وكذلك ما هم فيه من ترك لكتاب الله وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، فسلطوا عليهم لا لقوتهم ولكن لشتات المسلمين وضياعهم، وستكون هذا تربية صعبة رادعة، وسيكون العود بعد ذلك لله ولكتاب الله، ولقيادة سيد البشر محمد صلوات الله وسلامه عليه. {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} [النور:48]، وهكذا يبقى دائماً الذي يعرض ويكذب، فهو فريق من الناس وليس كل الناس، فالإسلام كان وما يزال شمساً مشرقة في رابعة النهار، وقد قال الله بشأن حفظ دستور الأمة: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]، ومن حفظ القرآن حفظ بيانه وهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والمستنبطات كذلك من الفقه الإسلامي، واللغة التي بها نزل القرآن، بل إنه يوجد في هذا العصر حركات في جامعات وفي أقطار عربية شرقية تجمع فقه الصحابة، وفقه آل البيت، وفقه التابعين، وقد صدر من ذلك الكثير الطيب بما يعد ميزة لهذا العصر، وإن كان هذا قد حصل في التاريخ، فقد ذكر: أن ابن مفوز من أعلام الأندلس جمع فقه الحسن البصري، وجمع فقه ابن شهاب الزهري، ولكنه ضاع مع ما ضاع من تراث الأندلس وعلوم الأندلس وخزائن الأندلس.
تفسير قوله تعالى: (وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين)
تفسير قوله تعالى: (وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين) ثم يقول الله عن هؤلاء المنافقين القدماء والمحدثين: {وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} [النور:49] يعني: إذا وجدوا في الشريعة ما يتفق مع مصالحهم بادروا إليه مذعنين خاضعين مستسلمين، فتجدهم ملتزمين بما يخص مصالحهم كالمواريث والسياحة والمعاملة وغيرها. فإذا أتت الحدود بالرجم والصلب وتقطيع الأيدي والأرجل وبالجلد أمام الشهود، إذا بهم يصيحون ويستنكرون ويقولون بوحشية هذه الحدود، ولم يروا إفكهم ودعارتهم وضلالهم، ومن قتل القاتل وظلم الظالم وفسق الفاسق، فلم يفكروا في ذلك، وهكذا هم في كل زمان ومكان، فإنهم إذا دعوا لما يرون فيه مصلحة في الإسلام قبلوه وأذعنوا إليه وخضعوا له، ومن هنا كان المنافقون في العصر النبوي -وما أشبه اليوم بالأمس- إذا علموا أن رسول الله سيحكم لهم ذهبوا إليه وتحاكموا إليه، وإذا رأوا أن الحكم عليهم نفروا منه وحكموا بعضهم، وقد يحكمون اليهود كـ كعب بن الأشرف وأمثاله، وهكذا هم اليوم، فقد ألغوا الشريعة وتركوا منها آثاراً أشبه بآثار الوشم في اليد.
تفسير قوله تعالى: (أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا)
تفسير قوله تعالى: (أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا) ثم قال تعالى عن هؤلاء موبخاً ومقرعاً ومسفهاً: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [النور:50]. يقول الله موبخاً على طريقة الاستفهام في لغة العرب وفصاحتها: أفي قلوب هؤلاء مرض؟ فهؤلاء الذين يصنعون ذلك ويقولون: سمعنا وأطعنا ثم لا يصنعون شيئاً، ويؤمنون ببعض الحق في تصورهم ثم يتنكرون له وينقلبون عليه: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [النور:50] أي: أفي قلوبهم كفر؟ إذا قيل في الإنسان: قلبه مريض فيعني: أنه منافق مخادع يظهر خلاف ما يبطن، أهؤلاء مسلمون حقاً أم هم منافقون؟! {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا} [النور:50] أي: أم شكوا في ربهم من جديد وعادوا للكفر صراحة؟ أم شكوا في صدق نبيهم؟! أم شكوا في صدق الكتاب المنزل على نبيهم وهو القرآن الكريم؟ {أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} [النور:50] أي: أن يجور عليهم الله ورسوله، فيخافون أن يكون في أحكام الله جور عليهم وظلم لهم، وهل هذا يخطر في بال مسلم؟!
النور [51 - 54]
تفسير سورة النور [51 - 54] ذكر الله تعالى أن من صفات المؤمنين حقاً أنهم إذا دعوا إلى التحاكم إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإنهم يذعنون لذلك، ويقولون: سمعنا وأطعنا، فمن فعل ذلك كان من المفلحين. ثم ذكر بعض صفات المنافقين، وذلك أنهم يحلفون بالله لئن أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج للجهاد والقتال فإنهم سيطيعون وسيخرجون، وهم كاذبون في ذلك، فحالهم معروف، ونفاقهم بيّن.
تفسير قوله تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله)
تفسير قوله تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله) قال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور:51]. أي: أنه يجب أن تظهر أمارات حب الله ورسوله على زاعمها قولاً وعملاً واعتقاداً؛ ليكون مؤمناً حقاً، فليس الإيمان قولاً يقال باللسان فقط، بل هو قول باللسان، وعقد بالجنان، وعمل بالأركان. فإذا خلت هذه الصفة من إيمان المؤمن انقلب منافقاً كذاباً مشركاً يزعم الإيمان وما هو بمؤمن، قال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور:51] وهذا الذي يليق بالمؤمنين، وهنا تقدم خبر كان على اسمها وهذا كثير في لغة العرب، والقرآن نزل بلغة العرب فكان البليغ والمعجز والفصيح، وفائدة تقديم الخبر على الاسم هنا الدلالة على الحصر: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النور:51] أي: إذا طولبوا بتحكيم شرع الله فليس لهم إلا أن يقولوا: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور:51] أي: سمعنا قول الله وأطعناه، وسمعنا قول رسوله صلى الله عليه وسلم وأطعناه، فهذه هي الصفة الواجبة واللازمة واللائقة بالمؤمن، وأما أن يقول: سمعت وهو عاصٍ فهذا ليس بمؤمن حقاً، وإنما هو ظالم لنفسه بشركه وعصيانه. قال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور:51] إنما كان قول المؤمن الحق إذا دعي إلى تحكيم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: سمعت وأطعت في المنشط والمكره، فيما يريد وما لا يريد، فيما يعجبه وما لا يعجبه، وليس القرآن وليست السنة وليس الإسلام خاصاً لنزوات الناس، ولا لشهواتهم، ولا لما يتفق مع أغراضهم وألاعيبهم، وإنما جاء بالحق الصراح والعدل المطلق، وإنما جاء لردع الظالم وإعطاء المظلوم حقوقه رضي بذلك الظالم أم لم يرض، بل يجب عليه إن كان مؤمناً حقاً أن يتقبل ذلك بالرضا والسمع والطاعة وإلا كان منافقاً كذاباً. قال تعالى: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور:51] أي: هذا المفلح الذي حصل على الفلاح والنجاح والرحمة والرضا من الله على دخول الجنان، والبعد عن النار وسعيرها وعذابها، وعن النفاق وباطله، وهؤلاء الذي ينبغي لهم -وهم يقولون إنهم مؤمنون- أن يسارعوا إذا دعوا للحكم بكتاب الله والحكم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولوا: سمعنا ووعينا وأدركنا، ويقولوا: أطعنا طاعة مطلقة سواء كان الحكم لنا أو كان علينا، وذلك ما يقول الله فيه: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة:45]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة:47]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44]. فالحكم بغير كتاب الله وبغير سنة رسوله صلى الله عليه وسلم إنما هو الظلم والفسق والكفر، وما سوى ذلك فهراء لا طائل تحته، فليس هناك إلا حق وباطل، والحق ما جاء به الإسلام، والباطل ما جاء به غيره، والعدل ما أتى به الإسلام، والظلم ما جاء به غيره من الكتب المنسوخة المحرفة، ومن الأديان الباطلة، ومن الفلسفات التي أدت مهمتها يوماً إن كانت صالحة ثم عادت إلى الظلم وإلى الفسق وإلى العصيان وإلى نشر الفواحش بكل أشكالها وألوانها.
تفسير قوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله)
تفسير قوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله) {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور:52]. يقول ربنا جل جلاله: من يطع الله فيما أمر به في كتابه ونهى عنه في كتابه، ومن يطع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمر به في سنته ونهى عنه في سنته، ويخش الله ويخافه على ما سبق منه من معصية ومن كفر ومن ظلم ومن ذنوب، مع توبته ومع استغفاره ومع ندمه على ما فات منه، فيجب أن يخاف أن يكون الله لم يقبل توبته ولن يرحمه بذلك؛ لأنه كان كاذباً، فهو يقول: أنا تائب وهو لا يزال يرتكب ذلك الذنب، والتوبة لا تتم إلا بالعدول عنه، والندم على فعله، والعزم على ألا يعود إليه، فإن حدث بعد هذا شيء فليجدد التوبة وهو يصر على هذه المعاني الثلاثة، ثم بعد ذلك عليه أن يلتزم التقوى، والتقوى: فعل الأوامر وترك النواهي، فالحل ما أحل الله، والحرام ما حرم الله، والتقوى: أن تجعل وقاية بينك وبين الباطل، بينك وبين المعصية، بينك وبين الذنوب، ولا تكون تلك الوقاية إلا بالعمل بكتاب الله والعمل بحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، فمن أطاع الله، وأطاع الرسول، وخشي من ذنوبه أن يحاسب عليها، وألا تكون توبته قد قبلت منه، ثم اتقى الله فيما يعمله بعد أن التزم الفعل كما أمر الله ورسوله، أو ترك الفعل كما نهى الله عنه ورسوله، فهؤلاء عندها يكونون مطيعين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، خائفين على أنفسهم من ذنوبهم، متقين فيما يعملونه من أعمالهم، وأولئك هم الفائزون الناجحون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون، وهؤلاء هم الفائزون برحمة الله ورضاه، ففازوا بخير الدنيا ونعيم الآخرة. وهكذا الله جل جلاله يدلنا على الطريق المستقيم لنسلكه، وينفرنا من الطريق المعوج لنبتعد عنه، ويرشدنا إلى طريق أهل الاستقامة وإلى المؤمنين الصادقين لنفعل فعلهم ونسلك طريقهم، وينفرنا من الطريق المعوج طريق الظالمين لأنفسهم، طريق المنافقين والمشركين والكاذبين؛ لنبتعد عنها وننفر منها، هذا إذا كنا نريد الفوز ورضا الله ورحمته حقاً.
تفسير قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم)
تفسير قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [النور:53]. المنافقون الذين تسللوا بين الصحابة من أمثال عبد الله بن أبي بن سلول، والمنافقون الذين تسللوا في عهد الخلفاء الراشدين وانكشفوا بألسنتهم وبمخالفتهم، والمنافقون الذين تتابعوا وإلى عصرنا الذين يدعون إلى إلغاء كتاب الله والحكم به، وإلغاء السنة المطهرة والحكم بها، والتعلق بأحكام الكافرين، والارتباط بحضارة المنافقين، هؤلاء يظهرون الإسلام ويبطنون سواه، فإذا دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم أو ورثته من أئمة الحق -ومنهم العلماء الصادقون- إذا دعوهم للخروج للجهاد والقتال فإنهم يقولون لهم: إذا أمرتمونا بالخروج للقتال وللجهاد سنخرج معكم، ويقسمون بالله على ذلك وهم كاذبون، فأقسموا ولم يفعلوا، فخرجوا وتراجعوا وزلزلوا الجيوش كما كان في غزوة أحد التي زلزلت بالمسلمين، وأوذي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إنه كاد يستشهد فيها بعد أن ذهب المنافق ابن أبي وأخذ طوائف معه حتى إذا التقى الجيشان وتقابلت الفئتان نكص على عقبيه، فتزلزل المسلمون وظنوا الهزيمة قد أحيطت بهم، والهزيمة بعد لم تحن ولكنه كان سبباً فيها، فقد قتل بسببه الكثير من المسلمين في هذه المعركة، ولكن الله تدارك المؤمنين بلطفه وبرحمته، وأولئك لم يأخذوا نتيجة ظفرهم ونصرهم من الكفار فعادوا لمكة، وهم الذين ظفروا بالجيش النبوي، ولو دخلوا المدينة ولو ذهبوا يجهزون على جرحى المسلمين لكان الموقف أصعب، وكانت الهزيمة أشد وأكبر. كان هذا فعل المنافقين، فقد أقسموا بالله جهد أيمانهم، أخذوا يقسمون ويبالغون بجهدهم كله، يقسمون بالله وبصفاته ويؤكدون ويكررون الأقسام والأيمان: {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} [النور:53]، إن أمرتهم بالخروج للجهاد فسيخرجون معك، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: {لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} [النور:53] لا تقسموا بالله فقد علمنا طاعتكم وعرفنا حقيقتها فهي طاعة كاذبة مزورة منافقة ملغومة، تقولون هذا بأفواهكم ويكذب ذلك قلوبكم بما كتمتم المسلمين وزعزعتم جيوشهم، وكنتم السبب في هزيمة المسلمين في الكثير من الغزوات، ولكن الله ناصر نبيه صلى الله عليه وسلم وناصر دينه وناصر كل صادق من المؤمنين، صلى الله على نبينا، ورحم الله سلفنا، وثبتنا على دينه. قال تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} [النور:53] أي: إن أمرتهم بالخروج للقتال فسيفعلون ذلك، وقد أكدوا ذلك بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وقد كشفهم: {قُلْ لا تُقْسِمُوا} [النور:53] أي: قل لهم يا محمد! لا تقسموا {طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} [النور:53] أي: قد علمنا طاعتكم ونفاقكم وكذبكم، فلن تخرجوا وإن خرجتم، فلن تقاتلوا، وإن قاتلتم تراجعتم واستؤسرتم وكنتم السبب في هزيمة المسلمين كما وقع في غزوة أحد وغيرها: {قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [النور:53]، إن الله خبير عالم بما تضمره قلوبكم، وتنطوي عليه أجنحتكم، وما تعملون مما لا تقوله ألسنتكم، ومما تقولونه مما لا تعمله جوارحكم، وهؤلاء هم المنافقون. والله عندما أعلمنا ذلك، وأرشدنا إليه، أعلمنا ذلك لنعلم المنافق من المخلص، ولنحذر المنافق عندما نراه يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول.
تفسير قوله تعالى: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)
تفسير قوله تعالى: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) ثم قال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النور:54]. يقول تعالى لمحمد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، أي: أطيعوا الله في كتابه بما أمر به ونهى عنه، وأطيعوا النبي إن كان بين أظهركم، هذا في عصر الصحابة وفي الحياة النبوية، وإن كان بعد ذلك فإلى يوم القيامة: أطيعوا نبيكم ورسولكم بطاعة سنته؛ لتكونوا بذلك مؤمنين صادقين، وفي هذه الحالة: {فَإِنْ تَوَلَّوا} [النور:54] أي: فإن أعرضوا، وصدوا عن الإسلام، ونافقوا، وأظهروا الطاعة لساناً، وأظهروا الإيمان قولاً، وكانوا في حقيقة الأمر ليسوا كذلك: {فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ} [النور:54] فإن على الرسول صلى الله عليه وسلم ما كلف وأمر به والذي أمر به: هو البلاغ: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النور:54] كما ختم الله الآية الكريمة، فعلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلغ دين الله مبيناً الحلال والحرام، وأن يأمر بالجهاد، وأن يكشف المنافقين؛ لينفر عنهم المؤمنون، وأن يعرفنا الصادق من الكاذب؛ ليكون الصادق قدوة، وليكون المنافق نفرة ينفر الناس عنه، ويبتعدون عن مجالسه، وعن قبول قوله، وعن ظاهر عمله، فهو منافق كذاب، ففي هذه الحالة يكون قد أدى ما حمل به من رسالة وأمانة. {وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ} [النور:54] أي: عليكم يا هؤلاء! الذين أمرهم الله بطاعته وبطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ما حملتم، والذي حملنا وأمرنا به: هو أن نطيع الله في قوله، وأن نطيع الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله، فما حلله الله حللناه، وما حرمه حرمناه، لنكون مؤمنين صادقين ملتزمين بكل ما ورد في كتاب الله من الأركان الخمسة وواجباتها وآدابها وسننها، وهكذا في بقية الأعمال من الصدق في القول، والإحسان للمؤمن، وجهاد الكافر، وعمل ذلك ما دمنا أحياء حتى لقاء الله. فالذي حملناه الطاعة، وتصديق الرسالة، وقبول ما جاء في كتاب الله على أنه من الله حقاً، وقبول ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه النبي الصادق المصدوق المبلغ عن الله، والمعصوم صلى الله عليه وعلى آله، والذي حمل نبينا هو تبليغ الرسالة، والذي حملناه طاعته، والتزام هذه الرسالة، والقيام عليها مدة حياتنا إلى أن نلقى الله، وأن نأمر بها غيرنا: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110]، فهذه رسالة بلغنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله جل جلاله، فعلى رسولنا البلاغ، وعليه كذلك أن يعمل بالرسالة التي أرسل بها، فهو رسول إلى نفسه وهو أول المسلمين، وقد كان يصلي كما نصلي، ويصوم كما نصوم، ويزكي كما نزكي، ويحج كما نحج، بل كان أول مصل وأول حاج وأول مزك وأول صائم، بل إنه كان يتنفل فوق هذه الفرائض، فقد كان يتهجد حتى تتورم قدماه صلى الله عليه وسلم، وكان يجوع ويبتعد ويتزهد في الطعام حتى يربط الحجرة على بطنه الشريف، وكان صلى الله عليه وسلم يعمر جميع وقته بعبادة الله من أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، وصلاة، وزكاة، وتهجد، وتدريس، وتعليم، وجهاد، فقد جاهد بسيفه، وجاهد بلسانه، وجاهد بحاله، وجاهد بمقاله. وكان عليه الصلاة والسلام المثل الإنساني الكامل للمسلم، ولذلك فالله تعالى يقول لنا عنه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21]، فهو أسوتنا وهو قدوتنا وهو نبينا صلى الله عليه وسلم، نهتدي بهديه، ونعمل بقوله، ونطيع أمره، ونفعل فعله، ومن هنا عندما كان يقول لنا عليه الصلاة والسلام: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة)، وقال عن أمته: (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: ما هي يا رسول الله؟! قال: ما أنا عليه وأصحابي). ولذلك الاطلاع على السيرة النبوية والبحث عن ظواهرها وبواطنها وحفظها ووعيها واجب على كل مسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان القدوة في فعله، وكان القدوة في قوله، وما السنة إلا قول وفعل وإقرار، وهي السيرة النبوية كلها، فكل ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم يعتبر شريعة، وكل ما يقوله شريعة، وكل ما يقره شريعة، فوجب إذاً على كل إنسان في الأرض أن يحكم بها، وأن يعمل لها، وإلا كان كافراً أو منافقاً أو عاصياً، ولذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام يصف هذه الفرقة التي هي على الحق: بأنها التي تأتسي به، وتعمل بعمله، وتجعله القدوة وتجعله الأسوة صلى الله عليه وعلى آله، وقل مثل ذلك عن أصحابه رضوان الله عليهم: السابقين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، فهؤلاء رضي الله عنهم: فرضي قولهم، ورضي عملهم، كما رضي من اتبعهم في أعمالهم وفي أقوالهم، والذين اتبعوهم من جاء بعدهم وإلى يوم القيامة، وما سوى ذلك فباطل وضلال، ومهما زعم من زعم أن ذلك هو الإسلام وذلك هو الدين وذلك هو الرسالة إذا لم يكن ذلك حسب الشريعة المحمدية والقدوة المحمدية وأسوة الصحابة رضوان الله عليهم، مهما زعم الزاعم وقال القائل فإنه يكون كذباً ونفاقاً. {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور:54]، إذاً: على الرسول صلى الله عليه وسلم ما حمله الله من أمانة، وأمره بها، وما هذا الذي حمله إلا الرسالة والنبوة، فهو الذي لا ينطق عن الهوى، فما هو إلا وحي يوحى. {وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ} [النور:54] أي: وعليكم الطاعة في كل ذلك، وضابط ذلك ورابطه: ما قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا)، ففعل الحرام يجب أن يترك كله، ولا تقل: سأترك هذه دون هذه، فلا يحتاج منك ترك الحرام أكثر من إرادة ومن عزيمة ومن قوة يقين وإيمان، وأما الفعل فقدرة الإنسان لا تسعه كله، فقد أمرنا بالصلاة قياماً لكن من مرض فليصل جالساً، فإن لم يستطع فليصل ممدداً، وأمرنا بالوضوء بالماء فمن لم يجده أو عجز عنه فليتيمم بالصعيد الطيب، وأمرنا بالصيام في شهر رمضان فمن كان مسافراً أو كان مريضاً، ومن كانت حائضة أو نفساء فليقضوا إذا زال هذا العرض. وهكذا أمرنا الله تعالى بالأمر عزيمة ثم رخص لنا للأعذار وللضرورات، والضرورات تبيح المحظورات، وهذا أصل من أصول الشريعة. {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور:54] أي: إن أطعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره، وأطعتم نهيه: اهتديتم إلى الطريق الحق، فصرتم الموحدين المؤمنين حقاً، فطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الربح وهي الفلاح وهي الفوز، ومن حاد عنها فقد حاد عن الإيمان وحاد عن الإسلام، ويوشك أن يكون منافقاً أو كافراً، {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور:54] فعلق الهداية على الطاعة، قال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النور:54] أي: ليس على الرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا أن يبلغ كل الناس في المشارق والمغارب، ففي حياته بما سمعوه منه، أو سمعوه عمن سمع منه، وبعد موته لمن قرأ حديثه وتلا سنته، أو سمع من ورثة الأنبياء وهم علماء الشريعة، فكل ذلك يوجب الطاعة على كل إنسان، فهو مرسل إلى الأبيض والأحمر والأسود، إلى المشارق والمغارب، فلا نبي بعده، وقد انفردت ديانته بأنها عالمية، فهي مرسلة لكل الخلق، وليست الرسالات السابقة إلا رسالات قومية محلية، فعيسى كان نبياً لبني إسرائيل، وموسى كان نبياً لبني إسرائيل، ولم يؤمر أحد بالإيمان به من غير بني إسرائيل، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (كان الأنبياء قبلي يرسلون إلى أقوامهم خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)، وهذا من الخصائص المحمدية. وفي الإنجيل عن عيسى بأنه قال لهم: إنما أرسلت إلى خراف بني إسرائيل فلم يرسل لعرب، وإنما أرسل لبني إسرائيل فقط. والقرآن أكد هذا وهو المهيمن على الكتب السابقة فقال: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} [الصف:6]، وتقديم المعمول على العامل في لغة العرب يدل على الحصر، أي: إنما كانت رسالته لبني إسرائيل خاصة وليست لغيرهم، وهذا ما صرح به الإنجيل وأكده من البداية إلى النهاية، وقد بقيت فيه دلالات أكدها القرآن المهيمن عليه. إذاً: فعلى رسولنا البلاغ المبين البين الواضح، وقد بين صلى الله عليه وسلم رسالته ووضحها، فقد كان يقول الكلمة ثلاثاً لتفهم عنه، وكان ربما يقول القول الواحد في عدة مجالس، فإننا نجد الكثير من السنة نطق بها بألفاظ مختلفة، وليس ذلك من تصرف الرواة، ولكن نبي الله عليه الصلاة والسلام كان إذا قال القول -وهو سيد العرب فصاحة وقد أعطي جوامع الكلم- كان يقول القول في المرة الأولى بلفظ، وفي الثانية بلفظ، وفي الثالثة بلفظ، لكن المؤدى واحد؛ ليفهم عنه، وكان كثيراً ما يقول: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع)، وقال: (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم). وهكذا انتشر الإسلام، فالصحابة سمعوا من نبي الله عليه الصلاة والسلام، وبعد ذهاب النبي للرفيق الأعلى صلوات الله وسلامه عليه قاموا بنشر رسالته وتبيينها بالسيف والقلم، وخرجوا بها عن جزيرة العرب فنشروها في مختلف أصقاع الأرض، وهكذا ذهبوا إلى ربهم راضين مرضيين، فجاء
النور [55]
تفسير سورة النور [55] لقد وعد الله تعالى عباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالاستخلاف في الأرض كما استخلف الصالحين من الأمم السابقة، ووعدهم بأن يمكِّن لهم دينهم المرتضى لهم، وأن يبدلهم بعد الخوف أمناً، وذلك بشرط: أن يعبدوا الله تعالى وحده لا شريك له.
تفسير قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات)
تفسير قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:55]. هذه الآية من معجزات القرآن، وكثيراً ما قلت وأقول: لقد آمن الصحب بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم على معجزات عاصروها ورأوها وسمعوها شهوداً وحضوراً، وآمنا نحن بها إيماناً وتصديقاً ولم ندركها، ولكن القرآن الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه معجزته الخالدة الباقية هو معجزة بعمومه؛ إذ تحدى الله البشر على أن يأتوا بسورة مثله، أو بسورة مثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، ومضى على هذا التحدي 1400 سنة وإلى الآن وهم عاجزون، وسيبقون عاجزين إلى يوم القيامة على أن يأتوا بسورة مثله. وهذا سيد البشر صلى الله عليه وعلى آله وهو فصيح العرب وبليغهم قد أوتي جوامع الكلم، ومع ذلك عندما تقرأ كلامه في سنته وكلام الله في كتابه تجد بين قول النبي عليه الصلاة والسلام وقول الله من الإعجاز ومن البلاغة ومن الفصاحة ما لا يصل إليه القول النبوي ولا لقريب منه، فبينه وبينه ما بين الخالق والمخلوق. والعجب أن الكافرين يقولون عن نبينا صلى الله عليه وسلم: إنه الذي اخترع القرآن ونطقه، مع أنه كلام الله جاء بالإعجاز، وإذا قال كلامه الذي من نفسه نزل كلامه عن الإعجاز بمراحل ودرجات كبيرة، فليس هناك أي تشابه لا في البلاغة ولا في الفصاحة ولا في الإعجاز بين القول الإلهي والقول النبوي، فالقول النبوي تسمعه فتجده كلاماً فصيحاً يقاربه وقد يشبهه غيره من الكلام الفصيح، ولكن كلام الله لن يكون ذلك ولو في أصغر السور، {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:1 - 2]، {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر:1]، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1] فتقرؤها وتشعر بالإعجاز في لفظها، والإعجاز في سبكها، إعجاز في معناها، ولن يستطيع إنسان أن يأتي بمثل ذلك، وقد أتى بعض الكفرة ببعض الترهات كـ مسيلمة الكذاب وغيره، ونسبوا لبعض الشعراء كذلك، وهؤلاء حاولوا أن يقلدوا القرآن ويأتوا بمثله فأتوا بخزعبلات تحس النفس بركاكة ألفاظها، فهي لا تكاد تفهم، بل إنها تضحك الثكلى التي فقدت ولدها، ومن هنا كان الإعجاز. وهذه الآية هي إحدى المعجزات الخاصة بنفسها، القائمة بذاتها، مضافة إلى المعجزة العامة في كتاب الله، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ} [النور:55] فالله وعد ووعده الحق، ومن أوفى بعهده من الله؟! وعد المؤمنين منكم -أيها الناس الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات- أي: آمنوا بالله قولاً وعملاً، وما الصالحات إلا الطاعة، وما الصالحات إلا القيام بالأركان الخمسة، وما الصالحات إلا التقوى، فعل الصالحات وترك المنكرات، وعدهم الله ليستخلفنهم في الأرض، أي: يجعلهم خلفاء ويحكمهم في الأرض، ويصبحون أئمتها المحكمين فيها، يقتلون بأمر الله، ويحيون بأمر الله، وينشرون بين الناس الحكم والعدل، كلمتهم الكلمة، وأمرهم الأمر، بأيديهم مقاليد الأرض. هذه الآية مدنية كما قلنا في بدايتها، والنبي عليه الصلاة والسلام قد تحمل الشدائد في مكة، ثم تحمل الشدائد في المدينة، ولكن في المدينة أذن له بالجهاد والكفاح والقتال، فكان يوم له ويوم عليه، وإن كانت العاقبة له وللمؤمنين، فالله يقول هنا له وللمؤمنين عموماً، وهو أول المؤمنين صلوات الله عليه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ} [النور:55] اللام: لام القسم، أو اللام الموطئة للقسم، كأن الله يقول: بذاتي العلية لأجعلنكم خلفائي في الأرض، وأكد القسم بنون التوكيد الثقيلة، على أن تكونوا خلفاء الله في القيام بما يأمر الله به وينهى عنه، {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ} [ص:26]، {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30]، وهم كانوا خلفاء بأن يحيوا بالله، ويميتوا بالله، وأن يعطوا العطاء من مال الله، فيعطون هذا ويفقرون هذا، ويأخذون مال الكافر ويغنمونه في الحروب والمعارك ويعطونه للفقراء المسلمين المجاهدين.
نور الهداية يسطع بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم
نور الهداية يسطع بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم لنرى تحقيق هذه الآية، لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام في غاية ما يكون من الضنك في العيش في مكة والمدينة معاً، فكان في مكة لا يستطيع أن يأمر بما يريد، ولا أن ينهى عما يريد، بل كانوا يتعرضون له بالأذى وبالشتائم وبقتل أصحابه وباضطهادهم إلى أن اضطروه إلى ترك مكة، فهاجر إلى المدينة وإذا بيهودها يقومون متكاتفين متآمرين على إيذائه وعلى شتمه وعلى الصد عنه، وكان معهم المنافقون من الأوس والخزرج، ولكن الله تعالى نصره بالأنصار من الأوس والخزرج، ولكن ماذا كان بعد ذلك، لم يمت النبي عليه الصلاة والسلام بعد 23 سنة منها 12 سنة في مكة، و11 سنة في المدينة المنورة، ما انتهت هذه السنوات حتى كانت جزيرة العرب جميعها تحت سلطان محمد وسيادة محمد وأمر ونهي محمد صلوات الله وسلامه عليه، فكان الحاكم عن الله يأمر وينهى، وكان رئيس الدولة، ولا نقول عنه رئيس دولة؛ لأن الإنسان يلقب بأشرف ألقابه، وأشرف ألقاب محمد: نبي الله، وقد أمرنا الله تعالى عنه بقوله: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور:63]، نقول للبعض: ملك، ونقول: رئيس دولة، ونبينا كان أعظم من ملك، فكان ملكاً، وهو رئيس دولة، ولكن الملوك تقبل قدميه، والرؤساء يحملون أحذيته إن قبلهم، لا كما تسمعون في بعض القصص أن الملوك لم تكن تهابه، فهذه ليست صفة من يعرف النبي ويعرف حياته ويعرف مقامه صلى الله عليه وسلم. لقد كانت ترتعد فرائص أصحابه عندما يقف أمامهم، بل كانت ترتعد فرائص علوج الروم إذا قيل لهم: هذا عمر بن الخطاب مثلاً، فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم! ولكن الله تعالى حفظ ذلك؛ لأنه لو أرعب كل من يجلس بين يديه لعدمت الفائدة من اجتماعهم به والاستفادة من كلامه وأخلاقه، ولكن النبي كان لطيفاً وديعاً، فكان عليه الصلاة والسلام يألف ويؤلف، وكان كما قال الله فيه: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159]، فكان عليه الصلاة والسلام مع أصحابه يزورهم ويتردد عليهم، ويبدؤهم بالسلام، ويحضر جنائزهم، ويسمع كلام المرأة وكلام الخادم، فيقف معها في الشارع والطريق زمناً، وكان صلى الله عليه وسلم المثال العالي في الخلق البشري، فهو بشر ليس بملك، ولكن أخلاقه صلى الله عليه وسلم كانت الفذة الفريدة، فما مات عليه الصلاة والسلام حتى كانت جزيرة العرب جميعها تحت يديه: يقتل من يقتل، ويحيي من يحيي بإذن الله، فتصرف في كنوزها وفي أموالها، وولى عليها المناصب من القواد والمجاهدين والقضاة والسفراء المتنقلين، فكان المطاع الذي لا يخالف، وكان إذا خولف خاصة فيما يتعلق بنبوءته ومقامه كان عليه الصلاة والسلام في هذه الحالة يكون صارماً، فقد قتل المنافقين، واغتال الكثير من اليهود، والكثير من الأعداء. وقد ألف ابن تيمية كتاباً من أعظم كتبه على الإطلاق وهو (الصارم المسلول على شاتم الرسول) ذكر فيه من صفات النبي عليه الصلاة والسلام، والمقامات العلية، والهيبة التي أكرمه الله بها، واللطف في التعامل، وكل المعاني السامية التي انفرد بها صلى الله عليه وسلم، فقد كان في بيته المثال العالي للزوج وللأب وللجد، وكان لأصحابه الصاحب الصافي الطيب، يقبل الهدية ويجازي بأعظم منها، ويستجيب لدعوة العبد والفقير والمسكين والمرأة والرجل صلوات الله وسلامه عليه، فجزاه الله على ذلك بأن ملكه جزيرة العرب التي لم تخضع قبله لا لفرس ولا لروم، فقد كان العرب يتقاتلون على بصلة أربعين سنة، وحروبهم كانت دائمة، إلى أن جاء النبي عليه الصلاة والسلام فوحد كلمتهم، وجعلهم أمة المستقبل وسادة الأرض وحكامها. قال ابن تيمية: كانت العرب أرضاً خصبة تحتاج إلى الزرع والزارع، فكان الزرع الإسلام وكان الزارع محمداً عليه الصلاة والسلام، فقد نشر دين الله خلال نصف قرن في الأرض كلها ما بين الصين إلى بلاد فرنسا إلى عمق أوروبا وما بين ذلك جنوباً وشمالاً، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما مات حتى كانت جزيرة العرب كلها تحت سلطانه، ثم ولي أبو بكر فـ عمر فـ عثمان فـ علي، ولم تمض سنوات حتى كان العرب الذين يتقاتلون على أقل شيء، كحروب داحس والغبراء، وحروب كليب التي دامت أربعين سنة؛ لأن أحد العرب ضرب كلباً وكان محمياً لواحد من الجبابرة الطغاة من نسل العرب، فهؤلاء أصبحت قوتهم وذكاؤهم وشجاعتهم ورجولتهم للإسلام، فنشروا الإسلام في مختلف أقطار الأرض. وكان محمد رسول الله إلى العرب والناس كافة، وكان العرب رسل رسول الله إلى الناس كافة، وما كاد يذهب للرفيق الأعلى حتى جاء أبو بكر فأدب المرتدين وغيرهم من مانعي الزكاة وخلال سنتين، وإذا به يسوق جيوشه خلال سنتين، ففتح بعض أرض الشام وبعض أرض العراق، ثم جاء عمر وكان قد هيأ له أبو بكر الدولة، وإذا بـ عمر يفتح الشام والعراق ومصر وفارس والمغرب، وإذا بالإسلام ينتشر، ثم جاء عثمان وإذا بالإسلام في أيامه يدخل المغرب ويتجاوزه إلى أوروبا فيفتح الأندلس ويفتح كثيراً من الأرض إلى أن يصل إلى حدود جبال برينيه في فرنسا، ثم جاء علي وإذا به يعاقب البغاة، وعن علي عرفت أحكام البغاة، وإلا ففي حياة رسول الله لا يتصور وجود بغاة؛ لأن الذي سيبغي على نبينا يكون مرتداً، ولذلك قال علماؤنا: علي بن أبي طالب أكثر من قاسى من الشدائد، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الحديث المتواتر عنه وعن عمار الذي قتل في جيشه: (ويح عمار! تقتله الفئة الباغية - سماها الباغية - يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار)، وكان قد أعلن أحكام البغاة وما يجب في حقهم وما يجوز، فما كان يأسر منهم، ولا يأكل أموالهم غنائم، وإنما كان يأخذ السلاح ويؤدبهم: فمن قتل قتل، ومن جرح جرح، من أخذ مالاً من غيره أخذ منه، وأخضعهم إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وهكذا جعل الله تعالى المؤمنين خلفاءه في الأرض، وهذا الحديث يؤكد خلافة صادقة للخلفاء الراشدين، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تصبح ملكاً عاضاً)، يقول سفينة مولى رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يروي الحديث ورفع يده وقال: سنتا أبي بكر، ثم عشر سنوات عمر، واثنتا عشرة سنة لـ عثمان، وست سنوات لـ علي، وليست ستاً كاملة، بل كانت خمس سنوات وستة أشهر، والستة الأشهر التي كان فيها الحسن، فهي ثلاثون سنة من الخلافة الراشدة، وبذلك تتبين أحقية الخلفاء الراشدين في تسميتهم: خلفاء الحق، والخلفاء الذين أوصى بهم رسول الله إشارة، وهم أوصى بعضهم ببعض، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله يؤيد هذا الدين على يد أقوام ليسوا منا، يكونون خلف الجيوش النبوية)، وكما قال: (لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً ما حكمه اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش). إذاً: فالخلفاء الراشدون ليسوا فقط الذين كانوا بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، فقد ذكر علماؤنا أن الخلافة نوعان: خلافة نبوة وخلافة ملك، فالخلفاء الراشدون كانوا خلفاء نبوة، فقد لقب أبو بكر بخليفة النبي، وعمر بأمير المؤمنين، وهو خليفة النبي، وعثمان كذلك، وعلي كذلك، والحسن كذلك، ولكن النبي يحصر الخلافة الراشدة في اثني عشر خليفة كلهم من قريش، وعلماؤنا ضموا إلى هؤلاء عمر بن عبد العزيز من بني أمية، وهو جدير بذلك، واختلفوا في اثنين من بني العباس: المهدي والظاهر، والمغاربة يزيدون إدريس بن عبد الله بن الحسن، ومثنى بن الحسن بن علي وفاطمة، وولده إدريس، فببركة هؤلاء عاش المغرب مسلماً إلى اليوم، وإلا فعندما ضاعت الأندلس وأجبروها على الردة والنصرانية احتلوا شواطئ المغرب لمدة مائتي عام، وكانوا ينتظرون الأقليات من غير المسلمين ليجهزوا على المسلمين، ولكن الأدارسة سنوا في دولتهم سنة الخلفاء الراشدين هنا، والنبي وهو يموت عليه الصلاة والسلام يوصي: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب) فلا تصلح قبلتان في أرض، ولا يصلح دينان في أرض، وبهذا القول عم ذلك الكل.
النور [55 - 57]
تفسير سورة النور [55 - 57] لقد وعد المؤمنين بالاستخلاف في الأرض والتمكين إن هم عبدوا الله تعالى ولم يشركوا به شيئاً، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وسيبدل خوفهم أمناً، وقد حدث هذا في تلك العصور عندما كان أصحابها على هذه الصفات والشرائط، فلما بدل من بعدهم بدل الله عليهم، فسلط عليهم أعداءهم، ورماهم بالخوف والذل.
تفسير قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات)
تفسير قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) قال الله جل وعلا: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:55]. هذه الآية الكريمة تعتبر من آيات الله المعجزات التي أخبر الله وبشر بها نبيه والصحابة والمؤمنين بأن ينصرهم ويملكهم الأرض، ويجعلهم خلفاء فيها، ويزيل خوفهم، وقد كان ذلك كله بعد ما كان في مكة من الخوف والاضطهاد والظلم والإيذاء وسفك الدماء والصد عن الله والإسلام. فالله وعد ووعده الحق، وعد الذين آمنوا من الناس وعملوا الصالحات، وكان إيمانهم لساناً وجناناً وأركاناً، فيفعلون ما يقولون، وعدهم وأقسم بذاته العلية (ليستخلفنهم) اللام موطئة للقسم، أي: سيجعلهم خلفاء يحيون بإذنه، ويقتلون بإذنه، ويتصرفون في العباد بما يروه صالحاً عدلاً حقاً، وهكذا كان سلفنا الصالح، فالنبي عليه الصلاة والسلام بعد سنين كانت كلها ظلم واضطهاد، إذا بالله الكريم لم يذهب بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى حتى مكنه من رقاب العباد في جزيرة العرب، فأصبح الحاكم والقاضي والموجه.
استخلاف الصحابة وتمكينهم بعد نبيهم
استخلاف الصحابة وتمكينهم بعد نبيهم وما كاد ليذهب للرفيق حتى مكن أصحابه الخلفاء الراشدين، ففتحوا البلاد والعباد، وزادوا على الجزيرة العربية أرض الشام والعراق وفارس ومصر وغيرها، فكانوا المتحكمين والآمرين والناهين في العباد، واستخلفهم الله في الأرض وجعلهم الملوك والقادة، والمعلمين والموجهين، جعلهم يأمرون بأمره وينهون بنهيه، ويتصرفون في عباده بما يرونه الحق، وقد كان كل ذلك. قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور:55] كما استخلف موسى وهارون، وكما استخلف نوحاً وإبراهيم عليهم وعلى نبينا السلام، وكما حكم الإسكندر المقدوني دولتي فارس والروم، وغيرهم ممن سبقوا وحكموا، فكان بعضهم يحكم بالعدل كالأنبياء وخلفائهم، وكان بعضهم يحكم بالباطل كمن كفر من الروم والفرس وأشكالهم وأنواعهم. ثم قال تعالى: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} [النور:55] وهكذا مكن الله للخلفاء الراشدين وللخلفاء بعدهم، مكن لهم دينهم فنشروه في مشارق الأرض ومغاربها، فأصبحت المآذن وبيوت الله والمدائن والقرى والأصقاع والأقاليم تشهد شهادة الحق: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وكلهم يدينون بالإسلام دين الله، دين الحق، دين خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم. فأصبح الإسلام متيناً ثابتاً راسخاً رسوخ الجبال الرواسي في الأرض، نشروه مشارق الأرض ومغاربها، وإلى يوم الناس هذا لا تكاد ترى رقعة في الأرض ولا مدينة كبيرة ولا صغيرة إلا وفيها جماعة من المسلمين، يعلنون شهادة الحق ويدينون بها، ويشهدون لنبي الله وخاتم رسله بالرسالة والنبوة الإمامة على الخلق كلهم. قال تعالى: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ} [النور:55] أقسم الله بذلك، واللام هي الموطئة للقسم، والتمكين: هو الثبات والنصر والتأييد.
الدين الذي ارتضاه الله لعباده
الدين الذي ارتضاه الله لعباده ثم قال تعالى: {دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} [النور:55] فالدين الذي ارتضى لهم هو دين الإسلام، دين محمد عليه الصلاة والسلام، الذي لا يرتضى سواه ولا يقبل غيره، الدين الذي نسخ الأديان السابقة، وقد كانت قبل ذلك ثم بدلت وغيرت وحرفت، هذا هو الدين الذي لا يرتضى غيره. ومنذ أن ظهر نبينا في بطاح هذه الديار المقدسة، وقال: (إني رسول الله إليكم جميعاً) لا يسع أحداً لا جناً ولا إنساً إلا أن يدين به، ويعمل بمقتضاه، وإلا كان كافراً من أهل النار. فهذا الدين هو الذي وعد الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وأتباعه بأنه سينصرهم به، وينشره ويجعله المكين في الأرض، فهو المعمول به لا دين غيره، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:85]، وقال سبحانه: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران:19] فلا دين غيره من الأديان السماوية أو من الأديان التي اخترعت وافتريت يقبله الله جل جلاله، إنما يقبل الإسلام الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام.
نزول الأمن بعد الخوف
نزول الأمن بعد الخوف ثم قال تعالى: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور:55] فكانوا يقولون: يا رسول الله! إلى متى ونحن خائفون؟ إلى متى ونحن مسلحون؟ لا نكاد نلقي السلاح لا ليلاً ولا نهاراً، لا سفراً ولا حضراً، إلى متى ونحن غير آمنين على الحياة والأعراض والأموال ولا على دوام ديننا، وإذا بالله الكريم يتولى الجواب عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وينزل هذه الآية الكريمة في هذه السورة الشريفة سورة النور، فيعدهم بنصرهم واستخلافهم في الأرض، حكاماً ودولاً، وأنه سيمكن لهم دينهم الذي رضيه لهم، ويبق الدين الحق وحده، وكل الأديان السابقة تحت الجزية، وتحت حكم وتصرف الإسلام وأهله، ووعدهم كذلك أنه سيبدلهم بعد خوفهم أمناً، ويعيشون آمنين في أوطانهم لا يخافون إلا الله، فلا سرقة ولا اغتيال، ولا من يحاول أن يسيطر على بلادهم ويتمكن منها. أسلم عدي بن حاتم سيد قبائل طيء فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (يوشك يا عدي! أن ترى المرأة تخرج من الحيرة إلى مكة حاجة بيت الله الحرام، فلا تخاف إلا الذئب) والحيرة بلدة في العراق، (ويوشكن يا عدي! إن مد الله في حياتك أن تفتح كنوز كسرى، فقال له عدي: كسرى بن هرمزان؟! قال: نعم كسرى بن هرمزان، وليوشك أن تخرج بملء يدك ذهباً لتتصدق به على الفقراء والمساكين فلا تجد من يقبله منك). قال عدي: وقد رأيت بعيني المسلمات يخرجن ليس معهن إلا الله، من الحيرة إلى مكة وفي جميع ديار الإسلام التي فتحت على المسلمين، لا تخاف أحداً من الناس، فتأتي إلى الحج وإلى العمرة، وتتجول في هذه الصحاري الواسعة، وتعود لبيتها ولأهلها فلا يمسها سوء ولا ينالها رعب، وقد شاركت في الاستيلاء على فارس وأخذ كنوز كسرى بن هرمز، وحكمت فيها مع المسلمين، وإن مدت بي حياة فسيكون الثالث مما أخبرني به النبي صلى الله عليه وسلم، أي: أن يخرج أحدنا بالذهب في يده يمده للفقراء والمساكين فلا يجد فقيراً ولا محتاجاً، فقد استغنى المسلمون جميعاً فلم يبق فيهم فقير ولا مسكين. وهكذا كان في الصدر الأول، كان هذا في أيام عمر بن عبد العزيز، وغيره، في أيام عز الإسلام في مختلف الأقطار والأصقاع، في المشارق والمغارب، ولم يغير ذلك، ولم يعد الخوف بعد الأمن، والفقر بعد الغنى، والذل بعد العز، إلا بعد أن غير الناس ما في نفوسهم، فعصوا وخالفوا، فقتلوا عثمان وعلياً، وتمردوا على خلافة الحق فأغرقت الدماء أنهاراً، وإذا بالله الكريم يعاقبهم ويخيفهم ويفقرهم، ويستولي أعداؤهم على أرضهم، فكان ما كان من تلك الحروب الطاحنة، والصليبين والتتر والاستعمار الأخير، ومن البلاء الذي لا نزال نراه إلى اليوم، حتى إن ألعن الخلق وأشدهم غضباً -إخوان القردة والخنازير اليهود- تسلطهم على المسلمين لا يخفى، فيستبيحون دماءهم، وينتهكون أعراضهم، ويأكلون أموالهم، ويستحلون أرضهم، وهم مع ذلك لم ينتبهوا لما ابتلوا بسببه وعوقبوا؛ لمخالفتهم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لذا قال الله جل وعلا: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [النور:55] فلا يكفي أن يزعم الزاعم منا أنه مسلم، وقد وعد الله المسلمين بالنصر، ولكنهم لا يعملون بالإسلام، فإذا دعوا لحكم الله أبوا وصدوا، وقد قال الله عن أمثال هؤلاء: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة:8] فلم يبق من الإسلام إلا رسمه عند كثير من الناس إلا من رحم ربك، فعاقب الله عباده عندما تركوا دينه، ونشروا الفواحش والمعاصي على كل أشكالها، وغيروا الإمامة المحمدية، وقيادة الخلفاء الراشدين، إلى إمامة اليهود والنصارى، وتركوا كتاب الله وراءهم ظهرياً، ولن يرفع الله ذلك حتى يعود المؤمنون لدينهم، لكتاب ربهم وسنة نبينهم. وهكذا علمنا التاريخ والواقع، فعندما حدثت الفتن بين الصحابة لم يرفع الله عنهم البلاء والدم والفقر إلا بعد أن تابوا إلى الله وأنابوا، ثم بعد ذلك غير الناس وبدلوا؛ فسلط عليهم الصليبيون، فتابوا وأنابوا فرفع الله ذلك عنهم، ثم بعد ذلك مد لهم الملك والسلطان، وأعطاهم ما عودهم من خير وعز وغنىً، ولكنهم بعد ذلك كما قال الله: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم:59]، وما أنذر الله به قد حدث مرات تلو مرات في التاريخ، فسلط على المسلمين بعد الصليبين التتر، فاستباحوا ديار المسلمين، وشربوا مياه أنهارهم، واسقطوا الدور عليهم، وقتلوهم إلى أن جرت أنهر وبحار دماً عبيطاً من دماء المسلمين، ثم تابوا وأنابوا وتضرعوا إلى الله أن يرفع ما بهم من ذلة وهوان، فنصرهم وعاد بأفضاله عليهم، ففتحوا القسطنطينية، وأصبحت تسمى دار الإسلام، تسمى: إسلام بول، أي: مدينة الإسلام، وهكذا انتصر الإسلام إلى أراض أخرى لم تكن دخلت في الإسلام ولا في عصر الصحابة، ولا في عصر التابعين، وهكذا انتشر الدين وامتد.
التغيير سبب تسلط الأعداء
التغيير سبب تسلط الأعداء ولكنهم بعد ذلك أيضاً بدلوا وغيروا وعصوا وخالفوا فسلط الله عليهم الاستعمار الأوروبي، فلم يتوبوا فسلط عليهم الاحتلال اليهودي، وهانحن نعيش اليوم في بلاء ومحنة وفتنة، ولن ترفع حتى نعاود ديننا، وإذا لم نفعل يوشك أن يغير الله هذه الأجيال بأجيال غيرها أصلح منها. وقد قال ربنا جل جلاله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} [المائدة:54]. فهؤلاء -أي: الصليبيون وأذنابهم- لم يأتوا المسلمين إلا لإذلالهم، وسفك دمائهم، وانتهاك أعراضهم، ونحن نتفرج عليهم، ونحن كأن الأمر لا يعنينا، مزقنا ديار الإسلام إلى وطنيات ضيقة، وقوميات فاجرة، ووثنيات ما أنزل الله بها من سلطان. وهكذا وعد الله المؤمنين الصادقين بقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور:55]. أي: يعيشون عابدين لله موحدين له، ممتثلين لكتابه ولسنة نبيه، فكانوا السادة وكانوا القادة قروناً بعدها قرون، حتى بدلوا وغيروا، وهو ما قاله الله في ختام الآية: {وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:55] فمن جحد النعمة، وخرج على الدين الحق، واستبدل النعمة بالنكران وبالجحود، وخالف أمر الله وأمر نبيه المعصوم صلى الله عليه وسلم، فالأمر كما قال الله: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11]، فغيرنا ما بأنفسنا فغير الله عنا نعمه، فنرجو الله أن يرفع عنا ذلك، ويعيدنا لدينه وينصرنا بنصره، ويطلقنا لطاعته، وللجري وراء من يجدد أمر هذا الدين بفضل الله وكرمه. وهذا كله قد حدث، كان أيام الخلفاء الراشدين، وأيام الدول الأموية والعباسية والعثمانية، كانت الكثير من أصقاع الأرض مغارب ومشارق تحت حكمهم، ولكن عندما بدلوا ابتداءً من قتل عثمان بن عفان ذي النورين صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى قتل علي بن أبي طالب الخليفة الراشد الرابع رضي الله عنه، ذل الإسلام بذلهم، وهان المسلمون على الناس، وهكذا دواليك يغيرون فيغير الله عليهم، ويتوبون فيتوب الله عليهم. ونعيش نحن اليوم ومن زمن طويل في أوضاع تزداد سوءاً، فيعيش المسلمون في ذل وهوان على غناهم وترفهم، وعلى سلاحهم وكثرتهم، ولكنهم غثاء كغثاء السيل، كما قال صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قيل: يا رسول الله! أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: لا، بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل)، فمن كفر بعد ذلك، ومن كفر بعد هذه النعمة وبعد هذا العز والشرف، وبعد هذه الخلافة الإلهية التي كانت بفضل الله وبنصره، {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:55] أي: العصاة المخالفون الذين خرجوا عن الحق، وخرجوا عن الدين؛ فلم يشكروا النعمة، وقديماً قيل: من لم يشكر النعمة سلبها، وقد قال الله في ذلك جل جلاله: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7]، والعذاب الشديد هو سلب تلك النعمة، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء.
تفسير قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول)
تفسير قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول) قال الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور:56]. دلنا الله على الخير الذي قاله في أول الآية: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [النور:55] فكان من هذه الصالحات إقامة الصلاة، والإتيان بالفروض الخمسة وإقامتها، والمحافظة عليها في أول أوقاتها بطهارتها، وباستقبال قبلتها، وبالمحافظة على أركانها وواجباتها وآدابها وسننها، وأن تكون لله ليس فيها رياء ولا سمعة. وفي هذه الآية الأمر بالقيام بحق الله وحق العباد، فحق الله تعالى عبادته ليلاً ونهاراً، والسجود له، ولا يليق أن توضع الجباه في الأرض إلا لله، ولا أن تطأطأ الرءوس إلا لله. وحق العباد هو في قوله: (آتوا الزكاة) أي: آتوهم من مال الله الذي آتاكم، وأعطوا الفقراء حقوقهم، وأعطوا المساكين واجباتهم، أعطوهم من مال الله الذي أعطاكم، وقد خرجنا لهذه الدنيا لا نملك مالاً ولا نسباً، فهو الذي أعطانا من فضله وخيره، وأوجب علينا أن نؤدي من ذلك المال قدراً منه، وقد بينه صلى الله عليه وسلم في سنته، فللفقراء حقوقهم وما ملكهم الله في أموالنا، قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة:60] فاللام هنا للتمليك، فقد ملك الله الفقراء جزءاً من مال الأغنياء، فللفقراء مالهم وحقوقهم في الذهب والفضة والزراعة والتجارة وفي غيرها، ومن لم يفعل ذلك أفقره الله في الدنيا، وسلط عليه من يأخذ ماله وغناه، وهذا الذي حدث، وما سلطت الشيوعية والاشتراكية وأعداء الله على المسلمين إلا عندما منعوا الفقراء حقوقهم، فسلط عليهم من أخذها وصادرها منهم، وهكذا عندما لا يشكر المسلم المنعَم عليه النعمة الإلهية فإنه يسلبها مع الذل والهوان والعقوبة. قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النور:56] أجمل الله تعالى فعل الخيرات والصالحات بطاعة الرسول، والرسول عليه الصلاة والسلام وجدناه مبيناً للقرآن مفسراً له، فأمرنا بالصلاة، وبالزكاة، وبالصيام، وبالحج، وبتعلم العلم، وبترك المنكرات، وبحب المسلمين وخدمتهم واعتبارهم إخوة، وأمرنا أيضاً ببغض الكافرين والمنافقين وجهادهم بالمال والنفس، وبكل ما نملك من عزيز علينا، وإذا ترك المسلمون الجهاد ذلوا، وهذا الذي حدث، وقد قال علماؤنا -بجميع مذاهبهم- ما ترك المسلمون الجهاد في عام إلا وسلط عليهم أعداؤهم، فالجهاد يجب أن يبقى دائماً وإلى أبد الآباد ما دام في الأرض مؤمن وكافر، وفي الأرض مؤمن وكافر دواماً واستمراراً. وعلماؤنا وفقهاؤنا قسموا الأرض إلى قسمين: أرض إسلام، وهي ما يحكمها المسلمون بكتاب ربهم وسنة نبيهم، وأرض حرب وهي ما يحكمها الكفار بكل مللهم وأشكالهم، وبقوانينهم الجائرة وآرائهم الفاسدة، فما كان من أرض الكفار وأرض الحرب فهو للمسلمين مجال حيوي للقتال فيه، والاستيلاء عليه، فإن لم يفعلوا فبمعصية منهم لربهم ولنبيهم، وسيكونون في ذل يسلط عليهم.
حكم طاعة الرسول
حكم طاعة الرسول وطاعة الرسول واجبة وجوباً عينياً على كل مسلم، ومن يطع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله، فطاعة الرسول طاعة لله؛ لأنه يأمرنا بأمر الله وينهانا بنهيه، ويبلغنا دينه، فنحن في طاعته نطيع الله جل جلاله. وقد ذكر تعالى عن طاعة النبي عليه الصلاة والسلام الكثير من الآيات والكثير من السور، وقد أمر الله بذلك في غير ما آية، وقال سبحانه عند الخلاف والنزاع: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [النساء:59]، فالرد إلى الله هو رد إلى كتابه، والرد إلى الرسول رد إلى سنته، فعندما نتنازع مذاهب وأفكاراً وآراء فالمحكم هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهكذا فطاعة الرسول من طاعة الله، ومن يبايع الرسول فقد بايع الله، وقال الله في البيع: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح:10] وكانت البيعة لرسول الله، وكانت اليد يد رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ولكن الله اعتبر أن البيعة والطاعة كانت له، والإيمان كان بالله؛ لأن النبي مبلغ ومبايع عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ثم قال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور:56] أي: لعل الله يرحمكم بفعل الخيرات، وإيتاء الزكاة، وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام في كل ما أمر به، وترك كل ما نهى عنه، فيرحمنا من ذل حكم الأعداء، ويرحمنا من غضبه تعالى ومن لعنته، ويرحمنا بأن نكون سادة الأرض وقادتها، والمحكمين في الرقاب، وخلفاءه في الأرض، ولا يليق بالمسلم إلا ذلك، فإن حدث خلاف هذا فبمعصية منا، وبعقوبة من الله لنا.
تفسير قوله تعالى: (لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض) ثم قال الله تعالى: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [النور:57] أي: لا تحسبن أيها القارئ ولا تحسبن يا محمد يا رسول الله! أن ما تراه في يد الكفار من حكم ومن مال ومن جاه ظاهر، هو فضل لهم وعناية بهم، ولكنه استدراج وفتنة من الله لهم؛ لتبقى الحجة لله البالغة، عساهم أن يعودوا إليه يوماً، عندما يسألون بعد الموت: ماذا صنعتم فيما رزقكم الله فيه؟ هل آمنتم بربكم الذي رزقكم وأحياكم؟ هل آمنتم بنبيكم الذي أمركم عن الله ونهاكم؟ فعندما يقولون: لا، ستكون الحجة البالغة لله وحده، فيعذبون وتسجر بهم النار، ولا يكونون ظالمين إلا أنفسهم، كما قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران:182]. إذاً: فمعنى قوله تعالى: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ} [النور:57] أي: لا تظن أن الكفار الذين تراهم والكلمة كلمتهم كفارس والروم في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغيرهم بعده، أنهم يعجزون أو يفوقون ربهم، ولا يستطيعون أن يقولوا: بلغنا من القوة ومن السلطان ما لا يقدر علينا أحد، وإذا بالله الكريم قد وعد المؤمنين أن يجعلهم خلفاء الأرض وقد فعل، فحكموا فارس وحولوها من دار مجوسية ووثنية إلى دار إسلام إلى يومنا هذا، وقلصوا الروم وطردوهم عن الشام وطرد كثير منهم عن أرضهم فذلوا وأهينوا، والأمر سيبقى، والآية كذلك، ونحن نعيش اليوم فارس والروم القديمة، وهي أوروبا وأمريكا. فلا تحسبن أيها المؤمن وأنت تتلو هذه الآية أن هؤلاء بما زعموه من قوة، ومن قنابل ذرية فتاكة، ومن أسلحة مدمرة، أنهم يعجزون الله فلا ينالهم عذابه ولا عقابه، وأن المسلمين لا يمكن أن يسلطوا عليهم أو يحكموهم يوماً، فلقد كانت الأمم قبلهم أعظم سلطاناً منهم، وأقوى شأناً وأغنى مالاً، فلم يعجزوا ربهم، وقد أدركنا بريطانيا في هذا العصر التي كان يقال عنها: لا تغرب عن رايتها الشمس، أين هي الآن؟! وكذلك فرنسا، ويوشك عن قريب إذا عاد المسلمون لربهم أن تجد هذه الدول الكبرى بسلطانها وجبروتها وطغيانها وظلمها حديث أمس الدابر، وكأنها لم تكن، ولن يعجز الله شيء جل جلاله، ولكن الأمر يرجع للمسلمين أنفسهم، أي: هل سيطيعون ربهم؟ وهل سيمتثلون أمره أمر نبيه؟ ويقومون بما وجب عليهم؟ أو يبقون هكذا دائماً في المؤخرة وراء الكافرين يهوداً ونصارى ومنافقين؟ فالكفار لا يعجزون ربهم ولا يحسبون أنه يقدر عليهم، أو على البطش بهم وإفنائهم، هيهات، لقد كانت الأمم والتي طال ما حدثنا الله عنها من عاد وثمود والفراعنة وفارس والروم وغير ذلك، كانوا أعظم سلطاناً، ومع ذلك دمرهم الله وأصبحوا كأن لم يكونوا، ورجعوا رمماً بالية، وملك الله أرضهم ورقابهم وأموالهم للمؤمنين، عندما كانوا مؤمنين حقاً، ومع ذلك لو يعودون إلى الله إلى دينه وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم، لعاد الله عليهم بأفضاله وبعزه وبنصره، فالقوة لله جميعاً وليست لأحد من الخلق، فهو القادر على كل شيء جل جلاله، ولكنه من حكمته يعز المؤمن عندما يعز المؤمن نفسه بطاعة ربه وطاعة نبيه، فإذا خرج عنه عاقبه، وما من عقوبة إلا بذنب ويعفو عن كثير جل جلاله وعلا مقامه. فليسوا بمعجزين في الأرض وسينالهم الخراب والدمار والذل والهوان، وقد فعل ربنا، ولن يرفع يده عليهم جل جلاله، ومع هذا في الآخرة مأواهم النار هي مسكنهم ومنزلهم ومرجعهم، فيعذبون أبد الآباد, لا موت لهم فيها ولا فناء، وكلما نضجت جلودهم بدلهم الله سبحانه جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب. ثم قال تعالى: {وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [النور:57] أي: بئس المصير النار، فما أقبح وأشد بؤس من كانت نهايته ومصيره الذي سيصير إليه النار وغضب الله. والله يحذرنا نفسه في الدنيا لعلنا ندرك حياتنا، ونستفيد من وجودنا ونعود إلى ربنا، يخاطب الله الناس كلهم في المشارق والمغارب، منذ نزل القرآن ونزل به جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وعلى آله، يدعو الله إليه الخلق كلهم عربهم وعجمهم، بيضهم وسودهم؛ ليعبدوا رباً واحداً، وليطيعوا نبياً واحداً، وليمتثلوا لكتاب واحد بلغة واحدة هي لغة محمد صلى الله عليه وسلم، وقومه الذين نشروا الإسلام بدمائهم وبأولادهم وبحياتهم وبكل ما يملكون من عزيز.
النور [58 - 61]
تفسير سورة النور [58 - 61] إن ديننا هو دين الأدب والأخلاق والتحضر، ومن الآداب التي أمرنا الله تعالى بها: آداب الاستئذان عند الدخول على الغير، وفي ذلك من الحكم الشيء الكثير، فذلك حتى لا تنكشف العورات، ولا يطلع على ما يكره الاطلاع عليه. ومن الآداب أن القواعد من النساء يجوز لهن أن يضعن من ثيابهن الخارجية غير متبرجات بزينة.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم) ثم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:58]. هذه الآية الكريمة من آداب الإسلام، يعلمنا الله كيف نكون في بيوتنا مع خدمنا وأولادنا ونسائنا، وأن لا نعيش داخل بيوتنا هملاً رعاعاً، بلا أدب ولا حياء، كما اشتملت السورة جميعها على هذه الحكم والأحكام. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور:58] يخاطب سبحانه المؤمنين ويأمرهم بلام الأمر في قوله تعالى: (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) أي: عبيدكم وإماؤكم وخدمكم وصبيانكم، ليستأذنوكم في ثلاث حالات وثلاث مرات. ثم قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ٌ} [النور:58] أي: وأطفالكم المميزون الذين لم يبلغوا الحلم، ولم يصبحوا بالغين، فلم تفرض عليهم صلاة ولا صيام، فهم لا يزالون قبل البلوغ، ولكنهم مع ذلك مميزون مدركون، وتكون هذه لمن كانوا بين السادسة والعاشرة من أعمارهم إلى وقت البلوغ، وكل بلد حسب طبيعته وحالته من حرارة وبرودة، ففي هذه البلاد الحارة يسرع البلوغ للأطفال وللبنات الصغار، وفي البلاد الباردة يتأخرون في بلوغهم سنوات عما يكون في البلاد الحارة. فأمر الله تعالى أن نأمر خدمنا وعبيدنا وإماءنا وأطفالنا قبل البلوغ بالاستئذان في الثلاثة الأوقات، كأن يقف على الباب فيطرق فإن أجيب بالدخول فليفعل، وإن كان بلا فلا يدخل، وإن لم يجب فمعناه أنه لم يؤذن له، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ} [النور:58].
أمارات البلوغ
أمارات البلوغ الحلم: هو البلوغ، والبلوغ يكون بالمني أو بالإنبات في العانة، أو بعلامات أخرى، أو بالحيض بالنسبة للبنت، أو ببلوغ الثامنة عشرة بالنسبة للبلاد الباردة، إذا لم يكن هناك مني ولا إنبات ولا غلظ صوت ولا ما يشبه هذا، وأما البلاد الحارة فتبلغ البنت بين الثامنة والتاسعة إلى العاشرة، والولد بين العاشرة والثانية عشرة، هذا يعلم من القديم والحديث، وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص بينه وبين أبيه أحد عشر عاماً، فقد حملت به أمه وأبوه عمرو سنه لا تتجاوز الحادية عشرة. وتزوج النبي عليه الصلاة والسلام السيدة عائشة وكانت بالغة، وهذا الموضوع قد تعلق به الكفرة وتعلق به المنافقون، أي: كيف يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم طفلة صغيرة بسن عائشة؟! فهؤلاء قالوا ذلك لأنهم يعيشون في بلاد باردة، فلا يكاد يبلغ الولد في تلك البلاد إلا بعد أن يصل إلى الثامنة عشرة، ولا تبلغ البنت إلا بعد أن تتجاوز الخامسة أو السادسة عشرة. والنساء هنا في المدينة منهن من يبلغن في العاشرة، ومنهن من يبلغن في التاسعة أو الحادية أو الثانية عشرة، وهناك من أولاد المدينة المنورة من بلغوا وهم في الحادية عشرة وشهور، فإذاً ليس هناك استغراب ولا تعجب من أن النبي تزوج طفلة، وهو لم يتزوج طفلة، بل كانت عائشة في سن التاسعة، وهي على غاية ما يكون من النضج والفهم والعقل والإدراك. وهذا معلوم في البلاد الحارة، وكم أخبرتنا الصحف اليوم عن بلاد أمريكا وبلاد الهند في صحاريها الحارة، فقد ذكروا من فسوقهم وفسادهم أن وجدت بنات قد ولدن بلا أزواج، يعني هناك فساد في سن مبكرة، فذلك يأبون أن تزوج الفتاة؛ ليزداد الفساد انتشار، واللقطاء كثرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال تعالى: {لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور:58]. هذا أمر من الله بلام الأمر، فيأمرنا أن نأمر غلماننا وخدمنا أن يستأذنونا، والغلمان هم الأطفال قبل بلوغ سن التميز بين الخامسة والعاشرة، وقوله: {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} [النور:58] قوله: (منكم) أي: من الأحرار فيستأذنونكم ثلاث مرات.
أوقات الاستئذان الواجب
أوقات الاستئذان الواجب ثم فصل الله تعالى وذكر هذه المرات الثلاث في اليوم والليلة، فقال تعالى: {مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ} [النور:58]، فعادة الإنسان أن يكون نائماً قبل صلاة الصبح، وأن يكون في غرفته مع زوجته أو وحده، وقد يكون عرياناً أو نصف عريان، وقد يتعرى وهو نائم ولا يشعر، فلو دخل عليه طفله أو دخل عليه غلامه فسيراه في حالة لا يرضى أن يكون عليها. وقد حدث من الصحابة من عمر ومن غيره، ومن النساء والرجال أن قالوا: يا رسول الله! يدخل علينا خدمنا وأولادنا ونحن في حالة نكره أن يرونا عليها، وبعضهم قد يكون مع المرأة في الحالة التي يكون عليها الزوج والزوجة عادة، وإذا بالآية تنزل كما أمر الله تعالى بالاستئذان ثلاث مرات. والمراد بقوله: (ومن قبل صلاة الفجر) يعني: قبل أذان الفجر، ويكون الإنسان عادة نائماً، أو في وقت خلوة وعورة له. ثم قال تعالى: {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ} [النور:58] أي: عند القيلولة، وذلك عندما يعود الإنسان من عمله، أو من متجره أو مزرعته أو مكتبه أو مدرسته، فيعود فيأكل لقمة أو لقمتين ثم يقيل، وفي الحديث النبوي: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل)، فيدخل غرفته أو بيته ويغلق عليه الباب ويرخي الستور، ويضع الثياب لينام في وقت الظهيرة، أي: وقت الظهر أو وقت الزوال أو وقت وقوف شمس في كبدء السماء. ثم قال تعالى: {وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ} [النور:58]، فالعادة أن الإنسان عندما يصلي العشاء فإنه يذهب للنوم؛ ليأخذ راحته، وليستعين بالنوم باكراً على الاستيقاظ لصلاة الصبح في وقتها. واستدل بالآية على أن الإنسان ينبغي له أن ينام بعد صلاة العشاء، وأما العشاء فيجب أن يكون قبل ذلك؛ حتى لا تمرض معدته، فلا يملأ معدته ثم يذهب للنوم فهذا ضار بالبدن. ويكره النوم قبل صلاة العشاء والصحو بعدها، وقد ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسمر أحياناً في بيت أبي بكر، ولكن لمصالح المسلمين، والعمل لمصالح المسلمين هو عبادة في حد ذاته، ولا يجوز السهر إلا في هذه الحالة ونحوها، وما عدا ذلك فلا بل ينام مبكراً. والآن مع وجود التلفزيون الذي قد دخل البيوت، وانتشر في الأرض، ولا يمكن الفرار منه بحال، يخالف كثير من الناس ما تقدم، لكن يجب على رب البيت أن يكون رجلاً، وألا يكون ضعيف الإرادة، أو خائراً، فيجعله في وقت محدود عندما يكون فيما ينبغي أن يرى، وأما ما لا ينبغي أن يرى فيجب أن يمنع منه نساءه وأولاده، ولو أن يزيله البتة، أو يكسره بيده أو بآلة حادة، أو يجعله في مكان فيغلق عليه، لكان حسناً. وأما إذا كان ضعيف الإرادة خائراً في بيته، فالأمر يصبح مصيبة، ويبقى من البلاء المنتشر ما الله به عليم، وليس التلفزيون فقط، بل تكون السهرات من غير تلفزيون فيما لا يرضي الله، ولا يرضي رسوله عليه الصلاة والسلام، وكل ذلك بلاء ومحنة وفتنة للإنسان؛ ليختبر هل هو مؤمن حقاً يأمر أولاده بما يجب أن يأمرهم به، وهل يلزم امرأته بما يجب أن تلتزم به من الإسلام وأخلاقه وطاعاته.
علة وجوب الاستئذان في الأوقات الثلاثة
علة وجوب الاستئذان في الأوقات الثلاثة هذه المرات الثلاث هي عورات، لماذا؟ لأن الرجل أو المرأة عندما تدخل غرفتها وتغلقها عليها، سواء كانا معاً أو كان كل واحد منهما في مكان مستقل، فقد تتقلب وتتكشف عندما تزيل ثيابها الخارجية، والرجل كذلك، فإذا دخل عليها طفلها أو خادمها فقد يرى عورتها، أو ما لا يسرها أن تراه. ففي هذه الحالة من الأدب الواجب أن يعلم الخادم والطفل ألا يفعل ذلك، وأما الكبار فالأمر في حقهم من باب أولى، فلماذا الخدم والصغار؟ لأن الله تعالى قال: {ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} [النور:58] فهذه الأوقات الثلاثة تعتبر عورة لما ينكشف فيها من العورة. وقال الله بعدها: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} [النور:58] أي: لا مانع ولا جناح ولا متابعة ولا مسئولية عليكم أو عليهم -عليكم يا أصحاب البيوت من أب وأم، وعليهم أي: يا من في البيوت من الخدم والأطفال- بعد هذه الأوقات الثلاث الدخول بغير أذن؛ لأن العورة لا تكون إلا هنا، والاستئذان لا يكون إلا هنا؛ لأن الله تعالى قال: {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} [النور:58] أي: أن خدمنا يدخلون في غرفة ويخرجون من أخرى للخدمة، والأطفال كذلك لا يفترقون عن أمهم ولا يبتعدون عن أبيهم، طوافين خارجين داخلين ملتزمين بيوتهم؛ لأنهم يسكنون معك، فيريدون مرة من أمهم أكلاً أو شرباً، ومن أبيهم درهماً أو ديناراً أو كلمة، أو شيئاً يتعلق بهم من دراسة أو لباس أو نحو ذلك. فقال تعالى: {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النور:58] أي: يطوف بعضكم على بعض، فأنتم تسألونهم ذلك وهم يسألون ذلك، وأنتم تطوفون بهم وهم يطوفون بكم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام عندما سأل عن الهرة تشرب من الإناء ثم نتوضأ منه، فقال: (هن من الطوافين عليكم والطوافات) يعني: ملازمات للإنسان في البيت، وكانت تأتي القطة والنبي عليه الصلاة والسلام يتوضأ فيصغي لها الإناء لتشرب، ثم يتوضأ من نفس الماء؛ لأن الشأن فيها أنها نظيفة، إلا إذا رأيناها تأكل نجاسة أو جيفة ميتة، فعند ذاك نتحفظ منها. ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ} [النور:58] أي: كذلك يبين الله لكم آياته من أحكام وأوامر ونواه، حتى تصبح بينة واضحة مفسرة مفهومة. ثم قال تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:58] الله جل جلاله عليم بكل شيء، فيريد أن يعطينا من علمه ويؤدبنا ويعلمنا ويوجهنا، وهو حكيم في أفعاله وأوامره ونواهيه، وحكمة هذه الأوامر والاستئذانات ألا يكون هناك كشف للعورات. وكل هذا من الآداب العامة، وإذا لم يكن هذا فيدل على فساد في الأدب وفي الدين وفي الأخلاق، ويبقى من لا يفعل هذه الآداب ولا يراعيها همل في همل.
تفسير قوله تعالى: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم)
تفسير قوله تعالى: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم) ثم قال تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:59]. الآية الماضية في الخدم والأطفال الذين هم دون البلوغ، وهذه الآية في الكبار، قال تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ} [النور:59] أي: من الأحرار، والحلم: البلوغ، إذاً: فالكبار يستأذنون في جميع الأوقات؛ لأن الشأن في الكبار ألا يكونوا معكم دوماً، فكل له أدبه وعادته وبيته، وليسوا عادة كالأطفال الصغار ولا كالخدم، أي: ليسوا من الطوافين ولا الطوافات. قال تعالى: {فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور:59] أي: من الخدم والأطفال، ولكن استئذان الكبار دون قيد، فليس محظوراً فقط في هذه المرات الثلاث فقط، ولكن يجب أن يكون عاماً في كل الأوقات والأزمان، فما دامت الغرفة مغلقة أو الستور مرخاة فلا يجوز للكبير أن يفتح الباب ويزيل الستار دون أذن، ولا يدخل إلا بعد أن يؤذن له بالدخول، فإن لم يؤذن فلا يفعل. وأما الأطفال والخدم الطوافون والطوافات فيستأذنون في أوقات ثلاثة فقط، وما عدا ذلك فلا حاجة للاستئذان. ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} [النور:59] أي: يفسر ويوضح آياته وأحكامه وأوامره نواهيه. ثم قال سبحانه: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:59] أي: عليم بكل شيء، فلذا يعطينا ويعلمنا من علمه، ويزيل عنا الجهل في أدبنا داخل البيت وخارجه، مع النساء والأطفال والخدم والناس جميعهم، وهو حكيم أيضاً في أوامره ونواهيه، فليس هناك أمر ولا نهي لا حكمة فيه، والحكمة واضحة هنا، فمن الذي يقبل أن يرى عورة أمه، أو أن ترى عورته من أولاده أو خدمه أو أي إنسان سوى الزوجة، فالزوجة فقط هي التي لم تؤمر بالاستئذان، ومع ذلك فلا بد من السلام عند الدخول عليها، وكذلك لا بد لها عند دخولها على زوجها من السلام، وهو يكون أيضاً استئذان.
تفسير قوله تعالى: (والقواعد من النساء)
تفسير قوله تعالى: (والقواعد من النساء) ثم قال تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور:60]. هذه الآية خاصة بالعجائز، يقول تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ} [النور:60] القواعد جمع قاعد، كحائضات وحائض. وقوله: {اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا} [النور:60] هن النساء اللاتي انقطع حيضهن، وما عدن يردن الأزواج، فأصبحن أرامل بموت أو طلاق، أو لأي سبب من الأسباب، وهؤلاء القواعد أكثر حياتهن جلوساً، فلهن الأولاد والنساء يخدمنهن، وهن {اللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} [الطلاق:4] أي: اللائي لم يعدن يلدن. ووصفهن الله بقوله: {اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا} [النور:60] أي: لا يرجون ولا يرغبن ولا يشتهين النكاح، وهذا ليس للتي انقطع حيضها فقط، فقد ينقطع الحيض عند الأربعين أو قبلها أو بعدها بقليل، ويبقى فيها آثار الجمال، وتكون مرغوبة، ولكن هذه الآية تطلق على العجائز اللاتي لم يعدن يرغبن لا في زواج ولا في جماع، ولو وقع لها فلا تلد؛ لأنها يئست من المحيض، وهؤلاء في هذه الحالة لا يرغب فيهن، فرخص الله تعالى لهن أن يخففن من سترهن دون الشواب. فقال تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور:60] أي: لا جناح عليهن ولا مانع ولا ذم ولا مسئولية أن يضعن ثيابهن في بيوت الأجانب، أو مع وجودهم إذا دخلوا عليهن بإذن منهن. وما الثياب التي توضع؟ ليس المراد أن تجلس معهم عريانة، ولا كاشفة شعرها، ولكن هذا الجلباب الخارجي الذي يجب أن تلبسه الشواب ومن لا يزال فيهن أثر من الجمال والرغبة في الرجال.
شروط وضع الثياب للقواعد
شروط وضع الثياب للقواعد ثم قال تعالى: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور:60] أي: إذا لم يكن متزينات متشببات بكحل ودهن وحمرة وحلي، ونحو ذلك، فيجوز لهن الوضع من ثيابهن، وكثير من النساء يتزين ويضعن ثيابهن؛ للتغرير بالناس، ولكن هيهات أن يصلح العطار ما أفسد الدهر، وإن فعلت -أي: التزين- فالشرع لم يمنعها، ولكن في هذه الحالة منعها أن تزيل ثيابها عند الأجانب؛ لأنها غيرت شكلها، وقد تغر من لا يعرف أنها عجوز، فقد يغتر بها بعض الناس ويظن أنها ترغب في الاتصال؛ بدليل التزين. ومعنى: (غير متبرجات بزينة) أي: ألا يكن قد تزين إلى أن أصبحن كالبرج ظاهرة في الزينة، وبما يعتبر فتنة إن هي كشفت ذلك وأزالت ثيابها عنها. الحاصل: أنه يباح للعجائز أن يخلعن الثياب الخارجية، أي: الرداء أو اللباس الأسود الذين يلبس، مع ستر الشعر والعنق، ولكن بشرط ألا يكن متبرجات متزينات لا بحمرة ولا بعطر ولا بثياب شفافة، ولا بشيء من ذلك. ولعل عجائز اليوم يتزين أكثر من الشواب، وفي هذه الحالة لا يجوز لهن أن يضعن ثيابهن؛ لأنهن تبرجن بزينتهن، ووضع الثياب مشروط بعدم التبرج بزينة. ثم قال تعالى: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} [النور:60] أي: إن يستعففن عن وضع الثياب -أي: الجلباب الخارجي والرداء- إذا دخل عليهن أجنبي فهو خير لهن، وأعظم في الأجر والثواب من الله. ثم قال تعالى: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور:60] أي: سميع لهؤلاء فيما يقلن، فمن قالت خيراً فلها الخير، ومن قالت غير ذلك فلها ما قالت، والله يعلم كل ذلك ويسمعه، وهو أيضاً عليم بنياتهن وضمائرهن، فإن تبرجن رغبة في الرجال، وتشبباً فلا يجوز لهن ذلك، ويعتبرن صغيرات العقل، وقد عرضن أنفسهن لمن لا يشتهيهن ولا يخطرن بباله، ولذلك كثيراً ما قالوا: إن العجوز للشاب هي سبب مرضه ودائه وسرعة موته، {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق:3] ولكل شيء أجل وأدب وقاعدة.
تفسير قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج)
تفسير قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج) ثم قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} [النور:61] إلى آخر الآية. قال بعض المفسرين: هذه الفقرات من أول الآية -أي: قوله: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) - في ألا يقاتل ويحارب، وهو معذور بمرضه أو بعرجه أو بعماه، وإن كان قد قال بهذا كثير من السلف لكن الآية لا تدل على هذا المعنى هنا، وهذا المعنى مذكور عند آيات الجهاد، والآية تدل على أدب وذوق آخر، وهو في الأكل في الأسرة والعشيرة والأقارب بإذن وبغير أذن. وأما على المعنى الأول فما علاقة الأعمى والأعرج والمريض في هذه الآية بالحرب والقتال؟! فالحرب والقتال لم يذكرا في السورة كلها منذ البداية، إذاً فما المعنى؟! والمعنى ما قاله بعض الصحابة والتابعين: وهو أنه يأتي المريض والأعمى والأعرج ليأكل أو يشرب في بيت أحد من أقاربه كأبيه أو أمه، أو أخيه أو أخته، أو عمته أو عمه، أو خاله أو خالته، أو صديقه، فالأعمى قد يتحرج ويقول: أنا جئت إليك يا قريبي فلان فكيف تأخذني عند العشيرة! فقال الله له: لا حرج في ذلك، أي: إذ ذهب بك إلى عشيرتك وأقاربك، فبيوت الأقارب بيوت مشتركة للكل، وبهذا المعنى تبقى الآية مفهومة مفسرة.
النور [61]
تفسير سورة النور [61] في هذه الآيات يعلمنا الله تعالى آداب الأسرة واتصال بعضها ببعض، وآداب الأصدقاء ودخول بعضهم على بعض، وأكل بعضهم عند بعض، بإذن وبغير إذن، للأصحاء والمرضى، فتأكلون جميعاً أو أشتاتاً، وكذلك آداب السلام إذا دخلنا على أهلنا، والآداب إذا دخلنا بيوتنا وليس فيها أحد.
تفسير قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج)
تفسير قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج) قال الله جلت قدرته: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [النور:61]. هذه الآية الكريمة من هذا السورة العظيمة التي كلها أحكام وحكم، وآداب ورقائق، وذوق وحضارة، يعلمنا الله فيها آداب الأسرة واتصال بعضها ببعض، وآداب الأصدقاء ودخول بعضهم على بعض، وأكل بعضهم عند بعض بإذن أو بغير إذن، للأصحاء والمرضى، يأكلون جميعاً أو أشتاتا، وآداب السلام إذا دخلنا على أهلنا، والآداب إذا دخلنا بيوتاً وليس فيها أحد، أي: كيف نسلم على أنفسنا تحية من الله مباركة طيبة. قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ} [النور:61] جمع الله كل هؤلاء هنا، والمرضى جمع مريض، والأعمى مفرد عميان، والأعرج مفرد عرجان، فهؤلاء كصاحب البيت نفسه، أي: لا حرج عليهم أن يأكلوا جميعاً أو أشتاتا عند من دعاهم، أو طلب دخولهم، أو حضروا مع من حضر من أقاربهم، أي: أقارب الأمومة من جهة الأم، وأقارب الأبوة من جهة الأب، فلا حرج أن يأكلوا ويشربوا ويدخلوا البيوت على المحارم، كان أرباب البيوت حاضرين أو غائبين. وقد تقدم أن بعض المفسرين قال: إن هذه الفقرة الأولى من الآية لا علاقة لها بطعام ولا شراب، وإنما علاقتها بالحرب والقتال، وأن الله تعالى أزال الحرج والشدة، وأسقط التكليف بالقتال والحرب عن الأعمى والأعرج والمريض، وهذا المعنى هو كذلك، لكن له آيات وأماكن أخر من كتاب الله في سور القرآن وآياته.
المراد بنفي الحرج عن المعذورين
المراد بنفي الحرج عن المعذورين أما في هذه الآية فالمعنى ليس كذلك، والمعنى: المريض أو الأعرج أو الأعمى يريد أن يأكل عندي في البيت من تلقاء نفسه فأرحب به، ولكن قد يتفق لسبب من الأسباب بألا يكون الأهل في البيت، وألا يكون في البيت أحد، فلا يأخذه المضيف من بيت أبيه أو أمه أو عمه أو عمته -إلى آخر من ذكر الله- إلى مكان آخر، فكان هؤلاء المعذورون يتحرجون ويتأسفون ويقولون في أنفسهم: جئنا إليك، وعندما سنأكل من طعامك أو ندخل دارك فذلك بإذن منك وترحيب، وأما هؤلاء فلا نعرفهم، وكيف ندخل بيوتهم بغير إذن منهم، ونأكل طعامهم ولا ندري هل يرضون أم لا، فقال الله لهؤلاء: لا تتحرجوا ولا تتأسفوا؛ إذ الابن أو ابن الأخ أو ابن الخالة أو ابن العم ونحوهم، إن أخذك إلى بيته فأنت حر التصرف في ذلك؛ لأن الله فتح لك هذه البيوت جميعاً، وصرت كعضو من أعضاء الأسرة، فلتدخل ولتأكل ولتشرب ولتصنع ما يصنعه عضو البيت، فلا يتحرج هؤلاء، وكانوا يتحرجون أيام الحياة النبوية من مثل هذا، ويظنون أن ذلك ليس لهم بحق، فأعلمهم الله هنا: أن هؤلاء إذا جاءوكم وأردتم أن تأخذوهم لمن ذكر من هؤلاء الأقارب فلا مانع ولا حرج ولا إثم عليهم. هذا هو المعنى الأقرب للمقصود بالآية، أي: الذي يزيل الحرج والتأثيم عنهم.
معنى قوله تعالى: (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم)
معنى قوله تعالى: (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم) ثم قال تعالى: {وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ} [النور:61] أي: ولا حرج على أنفسكم أيضاً {أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} [النور:61] أي: كون الحرج مرفوعاً في بيتي وطعامي ليس هذا هو المقصود، ولكن المقصود ما بعده؛ لأن بيت أمي وأبي وعمي وعمتي وخالي وخالتي وأخي وأختي كلها كبيتي، فكما يباح لي أن آكل في بيتي فكذلك يباح لي أن آكل في بيوت هؤلاء، سواء أكانوا حاضرين أم غائبين، والصديق كذلك. فكل هؤلاء قد أباح الله تعالى لهم أن يأكلوا مع بعض بلا حرج ولا إثم، حضروا أم غابوا. وابتدأ الله بذكر بيوتنا لأنفسنا ليضم لها بيوت غيرنا من أقاربنا وأصدقائنا، فيكون المعنى: بيتنا في هذا كبيوت هؤلاء من حيث الطعام والشراب والدخول إليهم. وذكر الله الصديق، والصديق: من صدقك في وده، وإذا صدقك في وده فيكون قد فتح لك بيته، فإذا جئت رحب بك حضر أم لم يحضر، فإذا أكلت أو شربت فمعناه: أنك أزلت الفوارق بينك وبينه، واعتبرت بيته بيتك، ويوماً سيفعل فعلك نفسه. وهذه من آداب الأسر، وآداب الطعام والشراب بين أعضاء الأسر، والله تعالى قد ربط وعقد الأخوة بين المسلمين جميعاً، فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، فزادت الصلة وثاقاً، وزادها ربطاً بين أفراد الأسرة الواحدة بإباحة الأكل في أي بيت من بيوتها؛ لأنهم كما يقولون في القواعد الأصولية: الغنم بالغرم، فإذا مت قبل هؤلاء فهم يرثونني، وإذا ماتوا قبلي ورثتهم، ثم هؤلاء من افتقر منهم تصبح نفقته واجبة على أقاربه الأدنين في فضول الرزق والمال وهكذا، وهو مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة وجماعة من المحققين من الأئمة والفقهاء. فهذا التضامن والترابط الذي علمنا الله فيه الآداب، وأن تكون بيوتهم بيوتنا وبيوتنا بيوتهم، هو لهذا المعنى، أي: الغنم بالغرم، فكما أن الغنائم مشتركة بين الأسرة الواحدة، فكذلك الغرم والتكليف. وقوله سبحانه: {مِنْ بُيُوتِكُمْ} [النور:61] أي: بيوت الشخص نفسه، وذكر الله بيوتاً أخرى ليجعلها كبيوت الإنسان نفسه، فقال: {أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النور:61] وهكذا أيضاً أخذ هؤلاء المرضى وإدخالهم معي لهذه الدار من دور الأقارب لا حرج فيه، فذلك شيء أباحه الله، وفتح الأبواب في وجه الأسرة بعضها لبعض؛ لما جعل بينهم من ترابط ومن مشاركة في الغنم والغرم.
من يباح الأكل في بيوتهم بلا استئذان
من يباح الأكل في بيوتهم بلا استئذان ثم قال تعالى: {وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ} [النور:61] فكل هؤلاء معلومون، ولا نزال نستعمل نفس التعبير الأب أب، والأم أم، والخالة خالة، والعمة عمه، والخال خال، والعم عم، وهؤلاء الذين هم أقاربك من أبيك أو من أمك بيوتهم كبيتك، فلك كل الحق أن تدخل بيوتهم، وجدتهم أو لم تجدهم، فتضع يدك على طعامهم وعلى شرابهم، وتدخل معك من شئت من صديق وقريب، سواء أكان مريضاً أم صحيحاً، فهذا حق جعله الله تعالى لأفراد الأسرة بعضها لبعض، وكما يكون يوماً هو حقاً لي فإنه يكون يوماً آخر حقاً لأقاربي، فيدخلون بيوتي وأدخل بيوتهم، والممتنع من ذلك لئيم خسيس، ومع ذلك يجبر على أن يدخل أقاربه بيته؛ لأن الله هو الذي فتح ذلك بإذن وبلا إذن. فجعل الأب والأم والأخ والأخت والعم والعمة والخال والخالة، دخولنا لبيوتهم ودخلوهم لبيوتنا حاضرين وغائبين إذ هم محارم مباح، فنأكل طعامهم ويأكلون طعامنا، بإذن وبغير إذن، وندخل من شئنا من الأصدقاء أصحاء ومرضى. ثم زاد الله وقال: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} [النور:61] المفاتح للمخازن، فلا يكون المفتاح إلا وهناك شيء مخزون، فلو أن هناك خادماً قريباً لي أو صديقاً وغبت عن البلد فأعطيته مفاتح البيت، وفيه مؤن وطعام، فله الحق بإعطاء الله له أن يأكل ويشرب بما لا يضر ولا يخرج من البيت، فلك أن تأكل وتشرب دون أن تملئ الجيوب وتخرج الطعام معك، فهذا لم يأذن الله به، ولم يذكره الله فيما يجوز؛ لما فيه من الإيذاء لأعضاء الأسرة، أما إذا أراد الإنسان ذلك من تلقاء نفسه فهذا كلام آخر لا علاقة له بالآية، وإلا فالأصل: أن من أعطي المفاتيح فما في البيت أمانة وضمانة عنده، ويتصرف في البيت طعاماً وشراباً بما يكفيه دون أن يخرج من البيت شيئاً، وله أن يأتي بصديق لكن بالمعروف، فلا يأتي بخمسين شخصاً، ونحو ذلك. فلو جاءني ضيف ولم يجد عندي في البيت شيئاً، أو لم يجد ربة البيت فآخذه لأخي أو لعمي أو لخالي، ولا مانع من ذلك. ثم قال تعالى: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} [النور:61] كذلك الصديق، أي: يجوز للصديق أن يأكل في بيت صديقه، بإذن وبلا إذن، وأن تأتي معك أيضاً بصديق آخر إن شئت. هذا من آداب الأسرة وآداب العشرة وآداب الزيارة وآداب الضيافة وآداب الأكل والشراب بين أعضاء الأسرة بعضهم مع بعض.
إباحة الأكل اجتماعا أو انفرادا
إباحة الأكل اجتماعاً أو انفراداً ثم قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا} [النور:61]. أي: لا جناح عليك إن ذهبت للبيت وصديقك قد تأخر لسبب من الأسباب وأنت جائع، أو الوقت الذي ستقيم فيه في بيته قليل، أن تأكل وحدك، فإذا جاء صديقك فليأكل وحده، ولك أن تنتظر لتأكل وإياه سواء. وكقاعدة عامة: أباح الله تعالى للناس أن يأكلوا مجتمعين، أو يأكل كل واحد منهم على حده، وإن كان الأفضل والأكرم أن يأكل الإنسان مع جماعة. ولم نزلت هذه الآية؟ كان من عادة العرب في جاهليتها -وهي من الأخلاق الكريمة- الكرم والنبل، لكن فيها شدة وكلفه، وليس كل أحد يستطيعها، ولا تزال هذه العادة عند الكثيرين من بلاد العرب في كثير من ديار الإسلام، أي: أن من عادتهم أن أحدهم لا يأكل وحده قط، فهو في كل الأوقات لا يأكل إلا إذا أتى أحد، فإن جاء زائر رحب به، وإن لم يكن بحث عنه ليأتي. وقد كان العربي قديماً -مع كثرة الرزق في البيت والطعام- قد يبقى منتظراً من الصباح إلى الليل ليطرق عليه طارق، وليزوره زائر ليأكل معه على مائدته، فلا يريد الأكل وحده إلا إذا يئس، ويأكل وهو متأثم حرج، ويصف نفسه بالبخل وبالشره وبالاستئثار على غيره. فالله تعالى منع هذا وقال: كل وحدك أو مع غيرك مجتمعين ومتفرقين حسب الحالة والحاجة والرغبة، وإن كان الطعام مع جماعة أبرك وأكرم، وفي مسند أحمد والسنن: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! آكل ولا أشبع، فقال له عليه الصلاة والسلام: (كل مع الجماعة، وسم الله، فذلك أبرك وأزكى) أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وفي حديث آخر: (طعام الجماعة أكثر زكاة وبركة نماء وبركة، وخير الطعام ما كان على ضفاف) أي: ما كان عليه جماعة تجتمع عليه أيديهم، ولكن ليس هذا فرضاً واجباً، وإنما هو من المندوب إليه والمستحسن. فالحاصل: أنه لا مانع من أن نأكل مع أعضاء الأسرة من الأقارب الذين سمى الله أو الأصدقاء، ولا مانع أيضاً ولا حرج من أن نأكل أشتاتا، أي: مشتتين كلاً على حده.
حكم التسليم عند دخول المنزل
حكم التسليم عند دخول المنزل ثم قال تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور:61]. أي: إذا دخلت بيتك ودارك وفيه زوجتك وأولادك أو أقاربك، فلا تدخل إلا بعد السلام، قائلاً: السلام عليكم! وهم يجيبونك، وإن جئت بيتك ولا أحد فيه فسلم أيضاً وقل: السلام علينا من ربنا؛ لأن الله يقول: {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النور:61]، ولا شيء أبرك وأكرم من ذلك: السلام علينا من ربنا، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، والملائكة ترد عليك وتجيبك قائلة: وعليك السلام. قال تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا} [النور:61] أي: بيوتكم {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ} [النور:61] يدخل في ذلك زوجتك وابنتك وأعضاء الأسرة إذا كانوا داخل البيت، فسلم عليهم عندما تدخل ولو دخلت في اليوم مرات، فإن لم تجد أحداً وكنت فيه وحدك لسبب من الأسباب فسلم أيضاً قائلاً: السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأراد البعض أن يفسر (بيوتكم) ببيوت الله، قال: إذا دخلتم بيوت الله فقولوا: السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعض السلف يفعل ذلك، لكن الآية في الأقارب وليست في المساجد، والبيوت بيوت الأقارب وليست بيوت الله، على أن بيوت الله نحييها عند دخولها بأن نصلي ركعتين لله تعالى، وإذا دخلنا بيت الله الحرام ونظرنا الكعبة نقول: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)، والتحية في بيت الله الحرام إن كان من الساكن في البلد فصلاة ركعتين، وإن كان من الآتي من الخارج فالتحية بالطواف بالبيت. وعند الدخول للمسجد النبوي لا بد أن تقول: السلام عليك يا رسول الله! ثم تستقبل القبلة أولاً، وتصلي ركعتين، وبعد ذلك تسلم على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذه الآداب الرقيقة آداب الإسلام لم يتركها الله لنبيه ولا للعلماء، وإنما تولاها بنفسه جل جلاله، وعلمها لعباده، وترك التفاصيل لنبيه وخلفائه من العلماء، وهذه الآداب الإسلامية الدالة على نبل الإسلام وحضارته، ولم يقل كثير من الأئمة: هذه آداب فقط بل هي واجبة؛ لأن الله أمر بها، والأمر إذا صدر عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم وليس هناك ما يدل على كونه سنة أو مستحباً فالأمر حينها إذا أطلق لا يراد به إلا الفرضية والوجوب، ففي قوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ} [النور:61] أمر من الله بالسلام. ثم قال تعالى: {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النور:61] فهي تحية من الله جل جلاله وعلا مقامه، فيأمرنا أن نحي أنفسنا ونسلم عليها. ثم قال تعالى: {مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور:61] (مباركة) أي: جميله، و (طيبة) أي: حسنة، فيها النماء والزيادة والخير، وهذه التحية التي من الله جل جلاله هي طيبة ومن خير التحيات؛ لأنها من عند الله، ولا يترك هذه الآداب والرقائق إلا جاهل أو منتكس؛ لأنها من الله، وما كان من الله ففيه الخير والبركة والأجر والثواب، وفي الطاعة والامتثال كل الخير.
توضيح الله لأحكامه للناس
توضيح الله لأحكامه للناس ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [النور:61]. فقوله: {كَذَلِكَ} [النور:61] أي: كما بينا ما مضى من الآداب، {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ} [النور:61] أي: يوضحها ويفسرها، ويبين حلالها من حرامها، حتى تصبح واضحة للكبير والصغير، للرجل والمرأة، وكان هذا الأمر كذلك، فقد بين الله لنا بعض ما أوضحته الآية، ومن لم يكن متعلماً لا يعرف العربية كما ينبغي فقد بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضح ذلك خلفاءه من العلماء الذين لا يزالون يتوارثون ذلك وينشرونه ويوضحونه إلى يوم القيامة. ثم قال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [النور:61] أي: لعلكم تكونون عقلاء مدركين، تفهمون مقدار هذه الآداب والرقائق واللطف الذي أراده الله تعالى لعباده المؤمنين والموحدين، وقد سئلت السيدة عائشة رضوان الله عليها كيف كان خلق رسول الله؟ فكان جوابها: كان خلقه القرآن. أي: ما ورد عن الله في كتابه كان هو خلق رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالخلق الكامل ما أتى به القرآن العظيم: في الآداب والواجبات والرقائق والحلال والحرام، ومن ذلك: كان رسولنا هو الأسوة الأعظم كما قال الله: {لَقدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21]، فمن كان متبعاً للسيرة النبوية ومتخلقاً فيكون من الفرقة الناجية، الناجية من عذاب الله، والفائزة بدخول الجنة.
النور [62 - 64]
تفسير سورة النور [62 - 64] ذكر الله تعالى من صفات المؤمنين أنهم إذا كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر جامع لم ينصرفوا حتى يستأذنوه، فإذا أذن لهم انصرفوا، وإذا لم يأذن لهم للحاجة إليهم فإنهم لا ينصرفون. ثم أدب الله تعالى المؤمنين بأنهم لا يجعلوا دعاء الرسول ومناداته كدعائهم لبعضهم البعض، وإنما يجلونه ويوقرونه.
تفسير قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله)
تفسير قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله) قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:62]. علمنا الله في الآية السابقة أدب الاستئذان عند الدخول فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} [النور:58]، وقال في الكبار: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور:59]، فذاك الاستئذان عند الدخول، وهذا عند الخروج. وفي الحديث النبوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في مسند أحمد والسنن يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا دخل أحدكم على جماعة فليستأذن، فإذا دخل فليسلم وإذا خرج فليسلم، والسلام استئذان، فليست الأولى بأحق من الثانية) وهكذا يبين لنا النبي عليه الصلاة والسلام كتاب الله، ويكون الأسوة قولاً وعملاً وتقريراً عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} [النور:62] أي: المؤمنون منحصرون في هذا؛ لأن (إنما) أداة حصر، {الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النور:62] أي: كان إيمانهم بالله عن قول وعمل في الطاعة والامتثال.
الاستئذان عند الأمر الجامع
الاستئذان عند الأمر الجامع ثم قال تعالى: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} [النور:62] وصف الله هؤلاء المؤمنين إن كانوا مؤمنين حقاً وصدقاً، أنهم إذا كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر جامع، والأمر الجامع: أن يجمعوا مصالح المسلمين في صلاة جمعة أو مجلس ذكر أو علم، أو معارك وجهاد وغيرها مما يتعلق بمصالح المسلمين عموماً، فهؤلاء لا يكون إيمانهم إيماناً صادقاً وحقاً إذا حضروا في مثل هذه الاجتماعات النبوية، ألا يتركوها ولا يذهبوا عنها إلا إذا استأذنوا رسول الله، وقالوا: يا رسول الله! ائذن لنا عندنا عمل ونحوه، فإن أذن فذاك وإلا فلا. ثم قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النور:62] أي: الذين لا يستأذنونك يا محمد! عندما يكونون معك في أمر جامع أو مصلحة جامعة من مصالح المسلمين: من علم أو مشورة أو مدارسة أو جهاد أو أي عمل يحتاجه رسول الله عليه الصلاة والسلام لمصالح المسلمون عموما ولمصالح دينهم، فهؤلاء الذين لا يتركون المجلس إلا بعد الاستئذان، فهو هم المؤمنون حقاً، والمؤمنون بالله وبرسوله. وفي معنى النبي عليه الصلاة والسلام إمام المسلمين، وورثة رسول الله عليه الصلاة والسلام من الدعاة إلى الله والعلماء بالشريعة والصالحين، فإذا اجتمعوا فلا ينبغي للقوم أن يتركوا مجلساً أو معركة أو أعمالاً جامعة لمصالح المسلمين إلا إذا استأذنوا الكبير أو القائد من إمام المسلمين، أو نوابه من العلماء ورثة الأنبياء، فمن دونهم من المعلمين. والأمر بالاستئذان سببه هو المصلحة العامة، والعمل الجامع لمصالح المسلمين، فإن كان من رسول الله فذاك الأصل، وإن كان الأمر الجامع من نوابه بعد وفاته عليه الصلاة والسلام فهو استأذن من الإمام ومن برتبته من العلماء والدعاة إلى الله. ثم قال تعالى: {فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} [النور:62] أي: إذا استأذنك المؤمنون والصادقون ممن يؤمنون بالله وبرسوله. {لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} [النور:62]، أي: لبعض مصالحهم لسبب ما، كمرض أو مصلحة خاصة لا يقوم بها سواه، {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} [النور:62] ولماذا لمن شئت؟ لأنه قد يكون النبي عليه الصلاة والسلام محتاج لبعض هؤلاء الذين استأذنوه، فإذا لم يأذن لهم فمعناه: أن مصلحة المسلمين هي في بقائهم وعدم ذهابهم. فهنا ترك الأمر في المشيئة لرسول الله، فإن رأى ألا مانع من ذلك أذن لهم، وإن رأى بقاءهم لمصلحة المسلمين لم يأذن. ثم قال تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ} [النور:62]. أي: ادعو الله أن يغفر لهم، واستغفار رسول الله للمؤمنين يستجاب، ففي بعض الآثار: ادعوني بلسان لم تعصوني به ومن هنا كانت هذه الآداب، فيطلب المعاصر لرسول الله أن يستغفر له، وكذا يطلب العادي من العلماء والصالحين والأطفال الذين لم يعصوا الله بعد أن يدعوا له، فيكون قد دعا بلسان لم يعص به، ويكون هذا أقرب إلى التقوى وإلى الطاعة وإلى الامتثال من الداعي. ثم قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:62] أمر نبيه وعبده صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهؤلاء إن ظهر منهم شيئاً، وليست العصمة إلا للرسل والأنبياء، فليس أحد منا من كبارنا وصغارنا سلفنا وخلفنا إلا وهم في حاجة إلى الاستغفار وإلى التوبة، فالله يغفر الذنوب جميعاً، ويرحم عباده المؤمنين الصادقين اللاجئين إليه؛ لينالوا رحمته ومغفرته.
تفسير قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم)
تفسير قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم) ثم قال تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63]. أي: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً، يعلمنا الله تعالى في الآيات الماضية الأدب مع بعضنا من أقاربنا وأهلنا وأصدقائنا، وهنا يعلمنا الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، ولا يترك هذا الأدب إلا مخذول قد غضب الله عليه ولم يرد به خيراً، فقال تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور:63] أي: لا تدعوا رسول الله دعاءكم مع بعضكم، فنحن نقول لبعضنا: يا سيد فلان، أو يا فلان بلا كلمة معها، لكن من الأدب مع رسول الله ألا تقل: يا محمد! ولا يا أبا القاسم، ولا يا سيد محمد، ولا تذكره بلا صلاة عليه، كما يفعل الكثير من سفهاء العصر، يقفون متكلمين أو كاتبين أو دارسين لا يقولون قال: محمد، وإنما يقولون أحياناً: قال رسول الله، وهذا هو الواجب، لكن لا يختمون الكلمة بالصلاة على رسول الله، وقد قال الله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب:56]، ثم أمر المؤمنين فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56]. فالصلاة على رسول الله كلما ذكر هي من آداب النبوة والرسالة، ومن الآداب التي حث عليها كتاب الله، فقال: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور:63] أي: لا تقولوا: يا محمد، وكان يأتي بعض البدو والأعراب ومن لم يدخل الأدب النبوي قلوبهم فينادون من رواء الحجرات: يا أبا القاسم! اخرج لنا، يا محمد! تعال، أو وهم جالسون معه، ويرفعون أصواتهم في ذلك، فحرم الله كل ذلك، وقال: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور:63] أي: لا ننادي الرسول كما ننادي بعضنا، ولا ندعوه كما ندعو بعضنا: يا فلان أو يا أبا فلان، بل نناديه ونقول: يا نبي الله يا رسول الله، وقد يذكر اسمه وتقول: محمد عليه الصلاة والسلام، فإذا ناديته باسمه فلابد أن توصل بها (صلى الله عليه وسلم)، وهذا من الدعاء الذي ليس لبعضنا مع بعض، فلا نصلي على أحد إذا ذكرناه مهما كان، ولا أبي بكر ولا عمر، فلا نقول: قال أبو بكر صلى الله عليه وسلم، ولا قالت فاطمة: صلى الله عليها وسلم، بل نترضى على الصحابة؛ لأن الله رضي عنهم، فنقول: قال أبو بكر رضي الله عنه، وقال مالك رحمه الله. وأما الصلاة فقد انفرد بها سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه، فالأدب أن نقول: قال رسول الله، أو قال نبي الله ونختمها بصلى الله عليه وسلم.
مكانة الصلاة على رسول الله
مكانة الصلاة على رسول الله قال عليه الصلاة والسلام: (البخيل كل البخيل من إذا ذكرت عنده لم يصل علي)، فلا يكفي أن نقول نحن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كل من سمع خطيباً أو مدرساً أو متكلماً يذكر رسول الله يجب عليه أن يقول: صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن هنا إذا قلنا: قال أبو القاسم -وقد فعل هذا بعض الصحابة والسلف- ينبغي أن نقول معها: صلى الله عليه وسلم، وإذا قلنا: قال محمد، ينبغي أن نقول معها: صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الله قد حرم أن ندعو نبينا كما ندعو بعضنا، فإننا ندعو بعضنا بيا فلان! أو يا أبا فلان! ولا نصلي عليه، ولا تكون الصلاة إلا على رسول الله، فإذا قلنا: يا محمد، أو يا رسول الله، أو يا نبي الله فيجب أن نختمها بقولنا: صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهل لا بد أن نقول: سيدنا محمد، أو سيدنا أحمد أو سيدنا أبو القاسم أم لا؟ نقول: السيادة في حد ذاتها لا تشرف النبي، وإنما تشرفنا نحن، وكون الرسول سيدنا معناه: نحن الذين شرفنا بسيادته، فلا يكفي أن تقول: سيدنا محمد دون أن تصلي عليه. وأما التبجيل والتعظيم فهو أن تقول عنه: رسول الله، أو نبي الله صلى الله عليه وعلى آله، وإذا قلت: سيدنا النبي، فهو سيدنا وسيد الكل، ولكنه شرف لنا نحن، ولقد قال عن نفسه عليه الصلاة والسلام: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) وهو إمام الأنبياء والمتقين، وأين نحن من سيادته علينا نحن؟ ولكن الشيء الذي لا بد منه ولا يجوز التفريط فيه أنه إذا ذكرناه أو ذكر ونحن نسمع أن نقول: صلى الله عليه وسلم. وحاول البعض أن يقول: الدعاء هنا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، أي: لا تظنوا أن دعاء النبي على أحدكم أو أن دعاءه لواحد منكم هو كدعائكم، بل دعوة النبي مستجابة إذا دعا عليكم أيها المنافقون، وقد مضت الآيات وفيها وجوب أن تعتقد أن ما دعا به واقعاً لا محالة، وإذا دعا لكم أيها المؤمنون الصادقون فتأكدوا من أنفسكم أن دعوته لكم مستجابة، ولكن الموضوع ليس هذا، الموضوع الأدب مع النبوة والرسالة، وفيه ما مضى من قبل ألا نترك أمراً جامعاً أو مجلساً نبوياً للنبي صلى الله عليه وسلم، فنترك مجلسه وأمره الجامع دون أن نستأذنه، فالأدب هو هذا. وقوله: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ} [النور:63] ومن هذا كذلك لا تقولوا: يا محمد! أو يا أبا القاسم! بل قولوا: يا رسول! أو يا نبي الله! هذا في عصره، وبعد عصره وإذا ذكرناه نذكره برسول الله ونبي الله، ونختمها بصلى الله عليه وسلم. وقد أمرنا الله بذلك في الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56] و (تسليما) مفعول مطلق، أي: كثير السلام كثير الصلاة، كيف والله جل جلاله ابتدأ بنفسه بالصلاة عليه فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب:56]، وهل احتاج بعد ذلك إلى صلاتنا؟! وإنما أمرنا الله بذلك، فكيف وقد صلى الله عليه، وصلت عليه الملائكة، أفناتي نحن ونجمل بكلمة نقولها عند ذكره صلى الله عليه وسلم؟! ومن الأدب مع رسول الله الصلاة عليه عند ذكره، وإلا فنكون قد عصينا أمر الله المتمثل في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56]، وفي هذه الآية يقول الله: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور:63]، فليس الأمر مع الرسول كالأمر بيننا لا في الآداب ولا في المعاملة ولا في النداء، بل في كل ذلك يجب أن يكون مع النبي عليه الصلاة والسلام في الذروة والقمة. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يكونون جالسين بين يدي رسول الله كالميت بين يدي المغسل، ويكونون جالسين وكأنما على رءوسهم الطير لا يتحركون، ولا يبتدئونه بكلام إلا إذا هو ابتدأ به صلى الله عليه وسلم، ولا يرفعون أصواتهم إذا تحدثوا على صوته، وقد هدد الله من يفعل ذلك بأن يحبط عمله وهو لا يشعر. وكانوا يتبادرون إليه صلى الله عليه وسلم إذا قص شعره في الحي، فيأخذون شعره ليتبركوا به، وكان إذا توضأ يكادون أن يتقاتلوا على أخذ شيء من مائه، وإذا نادى أحداً يبادر بالجواب لبيك وسعديك يا رسول الله، ولأصحابه من ذلك غرائب وعجائب. ففي ذات مرة كان يخطب على المنبر وكان ابن مسعود في الشارع لم يصل بعد، فقال النبي: اجلس، وإذا بـ ابن مسعود يجلس في الأرض في الشارع بعد الصلاة، فيخرج النبي صلى الله عليه وسلم فيجد ابن مسعود جالساً، فيقول له: ما بالك؟ فيقول ابن مسعود: يا رسول الله! سمعتك تقول: اجلس، فجلست. والنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال: اجلس لمن دخل وهو يخطب وأراد أن يصلي ركعتين، فمنعه من ذلك ليسمع الخطبة، وقال له: اجلس فليس هذا وقت صلاة؛ لأن من تمام صلاة الجمعة أن ينصت الإنسان للخطيب، وألا يلهو ساعة الخطبة، وإلا فمن لغى فلا جمعة له. ونرى كثيراً من الناس اليوم يخطب الخطيب وهم يطوفون، فيجب أن يمنعوا بالعصي، والشرطة لا يقومون بذلك؛ لأن الخطبة إذا ذاك هي الواجبة، وصلاة الجمعة واجبة أيضاً، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من فاتته صلاة الجمعة ثلاث مرات طبع الله على قلبه)، فهؤلاء الذين لا يذكرون الطواف إلا وقت الخطبة جهلة مقصرون، ويرجعون بالوزر لا بالأجر في تلك الساعة؛ لأنهم مأمورون بسماع ما يقوله الخطيب، ويجب أن يمنعوا من ذلك، وكذلك صلاة التحية أو صلاة ركعتين والإمام يخطب، بل ينبغي أن ينصت الإنسان. وقد أمر عليه الصلاة والسلام من يأتي لصلاة يوم الجمعة أن ينصت ويسمع، ولا يتخطى الرقاب، ومن فعل سوى ذلك فقد قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام: (فليرجع مأزوراً غير مأجور) أي: يرجع بالوزر وبالإثم لا بالأجر.
تفسير قوله تعالى: (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا)
تفسير قوله تعالى: (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً) قال تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} [النور:63]. (قد) هنا للتحقيق، أي: يعلم الله حقاً الذين يتسللون، والتسلل: هو الخروج خفية، و (لواذاً) أي: يحاولون أن يختفوا وراء بعضهم؛ ليتركوا الصلاة والاجتماع، وليخرجوا بغير أذن، فقال الله عنهم: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} [النور:63]، ومعنى: (قد يعلم الله) أي: قد علم، فهم يخرجون بلا إذن مختفين يلوذ بعضهم ببعض؛ حتى لا يراه رسول الله ويوبخه، ولكن الله قد رأى، وهو قادر أن يُري نبيه ذلك ويعلمه بذلك، وقد فعل. وقد علمنا الله كيف نتأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً، فالله يعلم هؤلاء المنافقين المتسللين التاركين مجالس رسول الله، ومن ذلك: مجالس علمه وسنته، ومجالس كتاب الله ونشر العلم الموصل إلى معرفة الله ومعرفة نبيه صلى الله عليه وسلم. وفي هذه الفقرة من الآية التهديد والنذارة لمن يفعل ذلك؛ لأن الله عالم به.
تفسير قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره)
تفسير قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) ولذا قال الله بعدها: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور:63]. أي: عن أمر رسول الله، فيحذر الله جل جلاله ويهدد ويوعد ويخوف من يخالف ويعصي أمر رسوله، {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} [النور:63] أي: أن تصيبهم فتنة في الحياة في الدنيا من نفاق أو كفر وردة، أو من مصائب وبلايا وكوارث. ثم في الآخرة: {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63] في الآخرة عذاب أليم إضافة إلى هذا الذي في الدنيا، ففي الدنيا هدد بالنفاق وبالكوارث، في الآخرة هدد بعذاب النار الأليم الموجع المهلك. وهذا في مخالفة رسول الله حياً وميتاً، فهو رسول الله في حياته وبعد مماته، فلا نبي ولا رسول بعده، ودينه باق إلى يوم النفخ في الصور، وقد أمر بالإيمان به كل إنسان في مشارق ومغاربها، سواء أكان أبيض أم أسود، رجلاً أم امرأة، وهذه الآية -أي: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور:63]- تعم كل مخالف. و (عن) في قوله: (عن أمره) صلة، وفسرت (عن) هنا بأنها ليست صلة وإنما هي كلمة أصلية، (يخالفون عن أمره) أي: يختلفون في طاعته ويخرجون عنها. {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} [النور:63] أي: ليحذروا من أن يصابوا بفتنة في حياتهم الدنيا: من شرك، أو بلاء، أو أي نوع من أنواع المصائب والكوارث. {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63] أي: مع هذا فيوم القيامة يصابون بمصائب العذاب الموجع، والعذاب المؤلم في الآخرة بالنار في يوم العرض على الله، وهذا جزاء المخالف لرسول الله وطاعة رسول الله، ومن قال: نطيع القرآن وأما السنة فلا حاجة إليها، فقد قال بهذا زنادقة، وهم بهذا مرتدون، فلا يتصور الإسلام بغير طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالله قد قال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80]، وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7]، فما أتانا رسول الله وأمرنا به فقد أمرنا الله به أيضاً؛ لأن الله أمرنا بطاعته والامتثال لأمره صلى الله عليه وسلم. وكذلك النهي، فقد أمرنا الله أن نمتثل أمره ونجتنب نهيه، ومن خرج عن ذلك فقد خرج عن القرآن، ومن خرج عن القرآن أصبح مرتداً حلال الدم والمال.
تفسير قوله تعالى: (ألا إن لله ما في السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (ألا إن لله ما في السماوات والأرض) ثم قال تعالى: {أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور:64]. قدس الله جل جلاله نفسه، وعلمنا أن نقدسه ونعظمه ونجله؛ فله السماوات وما فيها، والأرض وما عليها وما تحتها، وله كل شيء خلقاً وملكاً وتدبيراً وأمراً ونهياً، ومادام الأمر كذلك أيليق بالعبد أن يخالف سيده؟ وهل يصلح أن يعصي خالقه ويخرج عن طاعته؟ هذا في لغة العقول لا يليق، وهو في لغة الشريعة كفر وردة وخروج عن الإسلام. وقوله: (ألا إن لله) (ألا) حرف تنبيه، وكأن المعنى: ألا انتبهوا أيها الناس، وانتبهوا أيها المنافقون، ويا هؤلاء الذين عصوا وخالفوا وخرجوا عن أمره! ألا اعلموا وانتبهوا أنكم لله بأرضكم وسمائكم، وكل ما في الكون ملك وخلق له، أفيليق بالمخلوق المملوك أن يخالف مالكه وخالقه؟ لا يليق هذا في لغة العقول، وهي لغة الشرع والإسلام كذلك. وقوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} [النور:64] (قد) هنا للتحقيق، أي: قد علم الله ما أنتم عليه، وعلم حالكم من صدق وكذب، ومن إيمان وكفر، ومن صدق ونفاق، وهذا إنذار بأن الله لا تخفى عليه خافية، فهو يعلم السر وأخفى، والسر: هو ما ساررته مع أحد، والأخفى: هو الذي تخفيه ولا تقوله لأحد. فالله يعلم ما في الضمائر، وما تنطوي عليه النفوس، وما يحدث به الإنسان نفسه ولا يخرج على لسانه. إذاً: فكيف يخرج هذا العبد عن أمر الله وطاعته والله يعلم كل حاله ما نطق وما أضمر!! وقوله سبحانه: {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا} [النور:64] أي: ويوم يرجع الخلق إليه يوم البعث والنشور، يوم الحياة الثانية، يعلم أولئك أن الله تعالى علم ما عملوا في دنياهم ظاهره وباطنه، سره وعلنه، وعند ذا يصيح الكفار والعصاة والمنافقون {وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا} [الكهف:49]، ينطق بذلك كتاب الله، وينطق بذلك المكلفان عن اليمين والشمال، فإن وجد خير فهو في كتاب اليمين، وإن وجد شر فهو في كتاب اليسار. وقوله سبحانه: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور:64]. ربنا عليم بكل شيء، والشيء: كل ما سوى الله، فالله يعلم أعمالنا ظاهرها وباطنها، وصدقها وكذبها، فهو عالم بكل شيء جل جلاله، وهذا تهديد ونذارة ووعيد للإنسان أن يخفي ما يظن أن الله لا يعلمه، فإذا ظن ذلك معناه أنه ازداد ضلالة وإفكاً وكفراً، ولما كان الله عالماً بكل شيء، ولا تخفى عليه خافية، فلا يليق بالمسلم إلا أن يكون صادق الإيمان، عاملاً بالأركان، مطيعاً لربه فيما به أمر، تاركاً لما عنه نهى، مطيعاً لرسوله كذلك، ومادام أنه يعلم -وهذا من عقائد المسلمين الأساسية- أن الله مطلع على كل شيء ففيما المخالفة والعصيان إذاً. وهكذا ننتهي بسورة النور المباركة، ذات الأحكام العجيبة والحكم البليغة، وعلى صغر آياتها كانت عظيمة الأحكام والآداب والأذواق والرقائق، قد علمنا الله فيها ما يجب عن المسلم أن يكون عليه مع ربه، ومع نبيه ومع نفسه، ومع أهله وأصدقائه، وأن يتجنب النفاق والعصيان، وأن يتجنب مخالفة الشرع، فالله عالم بكل شيء ومطلع عليه.
الفرقان [1 - 3]
تفسير سورة الفرقان [1 - 3] لقد فرق الله تعالى في هذه السورة بين الحق والباطل، وأبان عن شبه المشركين وفندها بالطريقة العقلية المقنعة، والأسلوب الراقي الدامغ لشبههم، وأحق الحق بكلماته ولو كره المشركون.
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا)
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً) قال الله جلت قدرته: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان:1 - 2]. سورة الفرقان هذه فرق الله بها بين الحق والباطل، وفيها الكلام على كتاب الله المنزل على نبيه وعبده صلى الله عليه وسلم، وما قاله المبطلون عنه، وعن رسول الله المنزل عليه، ولكن الله دحض باطلهم وكذبهم في هذا الكتاب، وفي هذا النبي صلى الله عليه وسلم، فساق كل كفرياتهم الصلعاء، وأكاذيبهم وافتراءاتهم، وكما يقال: ما أشبه اليوم بالأمس، فهذه الكفريات التي قيلت منذ ألف وأربعمائة عام هي الكفر والظلم والافتراء الذي لا يزال يذكره الكفار اليوم بنفسه وشكله، والكفار منبعهم ومرجعهم واحد، وهو الجحود بالله ورسالاته، والكفر بالكتب السماوية، وما أوحى الله به إلى رسله. قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ} [الفرقان:1] أي: تعاظم وتقدس، وزاد إنعامه على خلقه وعباده مؤمنين ليشكروا النعمة، وليزيدهم الله من فضله، وكافرين لتقوم عليهم الحجة البالغة، ولا يجدون عند العرض على الله ما يبرر كفرهم وجحودهم. قوله: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ} [الفرقان:1] أي: تبارك الله أحسن الخالقين، وتبارك الله منزل الكتاب على عبده، وتبارك الله الخالق الرازق المحيي المميت. والفرقان: هو القرآن الكريم الذي أنزله على عبده محمد سيد الخلق صلى الله عليه وعلى آله؛ ليكون كتابه الذي به يفرق بين الحق والباطل، والذي به يعلم هو قبل غيره ما الإسلام عقائد، وما الإسلام أحكاماً، وما الإسلام آداباً، وما الإسلام مآلاً وحالاً ودنياً وآخرة. قوله: (على عبده) أشرف صفة يوصف بها نبي هي كونه عبداً لله، والله قد ذكر العبودية في أشرف حالة أكرم بها نبيه صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء، إذ قال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء:1]، هذه الحالة التي لم تكن لنبي قبل ولا لرسول، حيث أسري به إلى البيت المقدس، ثم عرج به إلى السموات العلى إلى أن سمع صريف الأقلام، وصار قاب قوسين أو أدنى، ومع ذلك ما زاغ منه البصر وما طغى، وفي هذه الليلة صلى إماماً بالأنبياء منذ آدم وإلى آخر الأنبياء قبله وهو عيسى ابن مريم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فالله عندما يصف عبده ونبيه ورسوله بالعبودية له فذلك تشريف ورفعة، وذلك مقام لا يكاد يحله غيره. قوله: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1] هذا الكتاب أنزله عليه وجعله به رسولاً، وجعله به بشيراً ونذيراً. (ليكون للعالمين) أي: عالم الإنس والجن، منذ ظهر في هذه البقاع المقدسة وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158] فكان رسولاً للإنس وللجن، قال تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} [الجن:1]، فقد استمع نفر من الجن القرآن واهتدوا به، فمنهم المسلمون كذلك، ومنهم الجاحدون كذلك، ولا يزال يسمى في مدينتنا هذه المقدسة مسجد باسم الجن؛ لأنهم قالوا: في ذلك المكان أوحي إلى نبينا عليه الصلاة والسلام سورة الجن، وفي ذلك المكان جاءه الجن مؤمنين به، سائلين عن الكتاب المنزل عليه، طالبين البيان والإيضاح لهذه الرسالة الجديدة؛ الرسالة المحمدية الخالدة، وهذه الآية {لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1]، وهي كقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]. فأمر الله نبيه وعبده وخاتم أنبيائه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقف فينادي في الناس كلهم من عاصره ومن لم يعاصره، ومن سمع فليحدث من لم يسمع، وهكذا إلى أن قامت علينا حجة الله، فسمعنا نحن كذلك النداء عن آبائنا وشيوخنا، وهم سمعوه عن آبائهم وشيوخهم إلى المرسل إليه إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم إلى الروح جبريل رسول الملائكة إلى الرسل من الناس إلى الله جل جلاله وعلا مقامه. قوله: (نذيراً) أي: مخوفاً، ومنذراً، ومهدداً، وموعداً، إذ عندما برز صلى الله عليه وسلم ونزل عند أم المؤمنين الأولى بعد نزول الوحي عليه في غار حراء في هذه المدينة الطاهرة المقدسة نزل إلى زوجه يرجف فؤاده، وترعد نفسه، وهو يقول: (زملوني زملوني!) أي: غطوني، فأخذته قشعريرة نتيجة هذا الحمل الثقيل الذي كلف به، ثم قص قصته على خديجة ومنذ أعلم ذلك لم يكن في الأرض مهتد واحد، وكان الوحي ينزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بين كل الخلائق؛ ولذلك أنزل عليه القرآن ليكون لجميع العوالم عالم الإنس والجن، فمن أدركه من هؤلاء ومن سيأتي بعده إلى يوم القيامة يكون مخوفاً لهم من عذاب النار، ومن البقاء على الشرك وعلى النصرانية التي بدلت وحرفت ثم نسخت، ومن اليهودية التي بدلت وحرفت ثم نسخت، فقد نسخت التوراة والإنجيل بالقرآن الكريم المهيمن عليهما، ونسخت رسالة صاحبيها برسالة محمد صلوات الله وسلامه عليه إلى الناس كافة الأبيض والأسود، كما قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت إلى الأحمر والأسود) وكما قال صلى الله عليه وسلم: (كان النبي قبلي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة) وذاك من خصائصه، وما يزعم من يزعم بأن الأديان الثلاثة عالمية: الديانة اليهودية، والنصرانية، ثم الإسلام فهذا كذب وزور، ومن التحريف الذي حرف به النصارى واليهود دينهم، وتبعهم بعض من لا يعلمه من أفراخ المسلمين الذين تلقوا علومهم عنهم، فهم اسمهم في القرآن وفي التواريخ القديمة: أنبياء بني إسرائيل، وخاتمهم عيسى، وقد جاء في الإنجيل عنه: (إنما أرسلت إلى خراف بني إسرائيل). قلت: وقد أكد القرآن المهيمن على الكتب السماوية هذا المعنى فقال: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} [الصف:6]، فجاء مصدقاً لتوراة موسى، وأنه مرسل لليهود فقط، ولبني إسرائيل فقط لا غيرهم، ولو كانت ديانته في أيامها لم تحرف بعد، ولم يحرف الإنجيل والتوراة بعد، ولو آمن بها غير اليهودي لكان آمن بما لم يكلف به ولم يبعث إليه، فنبينا وحده صلى الله عليه وعلى آله هو الذي اختص بذلك، وذاك من خصائصه كما قال في بداية هذا الحديث: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: كان الأنبياء يبعثون إلى أقوامهم خاصة وبعثت إلى الناس عامة) ومصداق ذلك هذه الآية، ونظائرها في القرآن كثير، وهو مما هو معلوم من الدين بالضرورة، يعلمه العالم والجاهل، ويعلمه الكبير والصغير، والرجل والمرأة، والمؤمن والكافر، وأن محمداً عندما ظهر -وهو خاتم الأنبياء والرسل- دعا الناس كافة إلى دينه، وكتب قبل أن يموت عليه الصلاة والسلام إلى القياصرة والأباطرة وإلى كسرى وأمثاله، وإلى جميع ملوك الأرض وأمرائه يدعوهم إلى الإسلام؛ لتكون حجة الله البالغة، وليقوم صلى الله عليه وسلم بما كلف به من البلاغ ودعوة الناس كافة عربهم وعجمهم، مؤمنهم وكافرهم، وثنيهم وكتابيهم، يدعوهم إلى الله وحده وإلى رسالته، وأنها نسخت ما سبق قبل: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:85]، {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران:19]. وكما قال عليه الصلاة والسلام: (لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي) وعيسى في السماء الأولى، وسينزل في آخر الدنيا عند قرب الساعة، سينزل إلى الأرض وهو على دين نبينا، فيصلي صلاتنا، ويصوم صيامنا، ويستقبل قبلتنا، ويحج حجنا، وهو يكون بذلك من أتباعه وأصحابه صلى الله عليه وعلى آله، إذ تعريف الصحابي انطبق على عيسى، وهو: من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وآمن به ومات على ذلك، وعيسى اجتمع بنبينا ليلة الإسراء والمعراج في السماء الأولى، وقال عيسى لنبينا: مرحباً بنبي الله أخي، فهو قد اعترف به نبياً، ثم نزل معه، ونزل كل أرواح الأنبياء من في الأرض ومن في السماء وصلوا خلفه في المسجد الأقصى، صلى بهم إماماً، وقد تواترت بذلك الأحاديث والأنباء فلا ينكر ذلك إلا جاهل.
تفسير قوله تعالى: (الذي له ملك السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (الذي له ملك السماوات والأرض) قال تعالى: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان:2]. الذي أنزل الكتاب على عبده هو الله تعالى فهو قائله، والقرآن كلامه، وليس كما زعم الأعداء من الكفرة والجاحدين والمشركين، وسيقص الله كفرهم وجحودهم، وسيرد ذلك ويدحضه بالحجة التي لا تنازع ولا تراجع، هذا الله الذي زكى وعظم نفسه؛ ليعلمنا مقامه، ولنتخذ ذلك ديناً بأن الله جل جلاله له ملك السموات والأرض، وهو خالق السموات ومالكها وما بينها، وهو خالق الأراضين السبع وما بينها، وهو مالكها، يدبر أمره من سماواته جل جلاله وعلا مقامه، الذي له ملك السموات والأرض ملك عبودية وخلق. قال تعالى ينزه نفسه ويعظمها، ويرد على كل مختلف ألوان كفر الكافرين: {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} [الفرقان:2] أي: لم يتخذ ولداً كما زعم من قال: إن الملائكة بنات الله، وزعم ذلك طوائف من العرب وغيرهم، (ولم يتخذ ولداً) كما زعم اليهود والنصارى عندما قالوا عن أنفسهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة:18]، ولم يتخذ ولداً كما زعم اليهود عندما قالوا: العزير ابن الله، ولم يتخذ ولداً كما زعم النصارى بأن المسيح ابن الله، ذلك أفكهم، وذلك قولهم بأفواههم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولولا أن الله ذكر ذلك لما أبحنا لأنفسنا أن نقوله، ولكن نقوله حكاية لنرد ولندفع ولنكفر أصحابه، ولندعوهم إلى الله كما دعاهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. قوله: {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} [الفرقان:2] أي: ليس له ولد، ولم يخلقه، ولم يكن قط يوماً من الأيام، وإنما هي افتراءات وأكاذيب وأضاليل كذبها من زعم ذلك عن الملائكة، وافتراها من زعم ذلك من اليهود، وافتراها من زعم ذلك من النصارى، فالله جل جلاله لا تليق به صاحبة، ولا يليق له ولد، فهو خالق ورازق الكل، والكل له عبد، وليس الولد عبداً. قوله: {لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} [الإسراء:111] أي: ليس في ملكه شريك، فقد خلقه وحده، ولم يحتج إلى عون أحد: لا من ملك، ولا من إنس، ولا من جن، بل هو خالق الملك، وخالق الإنس والجن، وقادر على كل شيء جل جلاله، وكل ما زعمه المشركون من أصنام جعلوها شريكة، ومن بشر جعلوهم شركاء، ومن جن جعلوهم شركاء إن كل ذلك إلا كذب وافتراء على الله، ما أنزل الله بذلك من سلطان، ولم ينزل بذلك دليلاً سماوياً، ولا يقبله دليل عقلي، إن هو إلا السخافات والأكاذيب والأضاليل التي عاش عليها هؤلاء الكفرة، ولا يزال هؤلاء المشركون الضالون من مختلف الملل والمحل من الكافرين يهوداً ونصارى ومجوساً مشركين وملاحدة ووثنيين يعيشون عليها، حتى الذي قال: إنه يعطل ولا يؤمن بشيء، كذب وافترى، فقد جعل الطبيعة شريكاً لربه، وقال: هي التي خلقت، وهي التي صنعت، وقد جعل الإنسان شريكاً لربه فقال: الإنسان هو الذي صنع واخترع، ولا شيء سوى ذلك، فهو قد جاء إلى الإنسان الضعيف الذي كان نطفة، ثم بعد ذلك تسلسل في أطوار الخلق إلى أن عاد للضعف مرة أخرى إلى أن عاد للفناء وكأنه لم يكن، فكيف يشرك الله في ملكه من لم يكن يوماً موجوداً، ومن هو بعد ذلك فان، وسيفنى يوماً ما، فجاء من التراب وسيعود إلى التراب. فكيف يزعم أنه شريك لله؟ ولكن العقول عندما تضل، ويذهب نورها، وعندما تبتعد عن نور الله ونور دين الله الحق، ونور محمد صلى الله عليه وسلم فإنها تعمى، وصدق الله العظيم: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [النور:35] فيهدي لنوره من يشاء، فنوره هدايته، ونوره كتابه، ونوره رسالته، وعندما يخرج النور من بين قلوبهم وصدورهم فإنهم يظلون في ظلام وضلال إذا أخرج الرجل يده لم يكد يراها، ظلمات بعضها فوق بعض كما ضرب الله تعالى مثلاً فيما مضى. {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} [الإسراء:111] أي: ليس هناك شريك قط، وكل ما قد قيل في ذلك كذب وهراء وافتراء على الله، وكيف يتصور في العقول أن أحجاراً نحتها إنسان وسماها مناة أو العزى أو هبل، ثم يجعلها شريكة لله في ملكه وهي لا تضر ولا تنفع، ولا تعي ولا تسمع، كيف يأتي إنسان إلى ملك خلقه الله من نور فيجعله شريكاً لله وإلهاً مع الله أو دونه؟ كيف تقبل لغة العقول أن يؤتى إلى بشر كعيسى لم يكن قبل موجوداً، ثم كان بعد ذلك، ثم سوف يموت ثم يجعلونه عبداً لله وشريكاً لله؟! كيف يكون ال عزير إلهاً وهو عبد من أب وأم، من أم تحيض كما تحيض النساء، وتلد كما تلد النساء بنطفة وجماع؟ إن هي إلا افتراءات وأكاذيب وأضاليل يجب على المسلم عندما يتعقل ذلك ويفهمه أن يكثر الشكر لله على أن أنار قلبه وطهر عقله من أن يعتقد مثل هذه الأضاليل والأكاذيب، ومن هنا جاء قول النبي عليه الصلاة والسلام: (الحمد لله على نعمة الإسلام) وكفى بها نعمة! فنحن نشكر الله من كل خلايا أجسامنا، ومن كل حواسنا على أن خلقنا مسلمين، وطهر عقولنا من مثل هذه الأضاليل والأباطيل، من أن نعبد حجراً، أو بشراً، أو جناً، أو ملكاً، أو نعبد أي شيء كان خلقاً لله ولم يكن يوماً موجوداً، وسيفنى يوماً ويفنيه الله ويعيده يوم القيامة للسؤال والحساب والعرض على الله. قوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان:2] هذه الفقرة من الآية الكريمة (فقدره تقديراً) فيها رد على فلاسفة وملاحدة مجانين، والفلسفة تعني الجنون، يأتي الإنسان فيفكر في الأقاويل التي لا دليل عليها، ولا منطق فيها، ولا يقبلها عقل؛ فيسمى بذلك -وهو مجنون- فيلسوف، وهؤلاء الفلاسفة لا يكادون يتفقون على حقيقة من حقائق الكون، فقد اختلفوا في كل شيء حتى في الذات العلية، اختلفوا في الصفات الإلهية، واختلفوا في الأنبياء والملائكة، وكل مجنون منهم يقول ما شاء له هواه، ويسمي ذلك ذكراً، ويسمي ذلك فلسفة وإن هو إلا الهراء والجنون والباطل بعينه، فمن جملة ما قالوه: إن هذا الكون أو الطبيعة الإلهية بفطرتها خلقت دون علم صاحبها تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! وقالوا: هذا الخلق تسلسل من الخلية الأولى، وهكذا تكاثرت فتوالدت كما يثبت ذلك بطبيعة الماء، وطبيعة القمر، وطبيعة الشمس، وطبيعة التراب، فلم يكن هناك تقدير من قبل، فالله رد على هؤلاء السفهاء فقال: (فقدره تقديراً)، قدر الأجل والزمن، وقدر الحياة، والرزق، والهداية والضلالة، كل ذلك بقدر، وكل ذلك سبق في علم الله، وكتبه القلم باللوح المحفوظ، ولم يدع من ذلك ربنا قليلاً ولا كثيراً، وكل ما نقوله وما يخطر ببالنا وما نعمله منذ آدم أبي البشر الأول إلى الإنسان الأخير الذي ستقوم عليه الساعة كل ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ بعلم الله وتقديره، وبالأجل المسمى الذي ضرب لذلك، ثم هؤلاء السخفاء المجانين عندما يقولون: الخلية الأولى نقول لهم: الخلية الأولى من الذي أوجدها؟ نعم، الخلية الأولى هي آدم، والله هو الذي خلق آدم، ثم خلق من آدم زوجته، ثم خلق منهما السلالة والذرية والأولاد، وهو عندما يريد أن يغير العادة فقد غيرها كما فعل في عيسى، حيث خلقه من أم بلا أب، وقد خالف العادة في خلق ناقة من حجر صلب، خلق منه ناقة بطولها وعرضها، فالله تعالى يخلق ما يشاء، ويفعل ما يشاء، لا يكرهه أحد جل جلاله وعلا مقامه، وهكذا الله تعالى عندما يعلمنا، وينور بصائرنا، ويرسل لنا السيد الكريم سيد الأولين والآخرين نبينا صلى الله عليه وسلم بكتابه هذا المنزل عليه، أنزله ليكون لنا نذيراً ومخوفاً من النار وعذاب الله، وبشيراً مبشراً بالجنة ورضا الله، ولذلك من أعرض عنه كما يفعل الكثيرون حيث يعرضون عن دروس العلم وعن سماع العلم، وعن تفسير القرآن، والكلام عليه في هراء وضياع، وإذا سألتهم: ما كيفية الوضوء؟ ما فرائضه؟ ما هي كيفية الصلاة؟ إذا سألتك زوجتك عن حيضها ونفاسها ما حكمه؟ يعيش معك حيواناً أعجم، وكأن الإسلام لم ينزل عليه ولم يطالب به، وهو مسلم وتجده في بيت الله: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46]، وأخبث من هذا أن تجده قريباً منك وهو مدير لك ظهره كأنه مستغن عنك وعن كتابك، وعن دينك، وعن نبيك، وعن ربك، يقول لسان حاله: أنا لا أحتاج لكل هذا، وهكذا أنت ترى الجهل والنفاق! وهكذا أنت ترى الكفر! وهذه إرادة الله لا راد لقضائه. قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الفرقان:2] أي: لم يخلقه ولده، ولم يخلقه شريك؛ إذ لا ولد ولا شريك، فهو المنفرد بالخلق والرزق، ومنفرد في التدبير والعطاء، وقدر كل ذلك بإرادته حسب أمره وإرادته، لا يكرهه أحد، وليس هناك من يكرهه.
تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون)
تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون) قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا} [الفرقان:3]. هذه الأوثان التي عبدوها، والأوثان التي جعلوها شريكة لله وأبناءً لله من ملك أو جن أو إنس أو جماد هذه الآلهة هم اتخذوها ولم يتخذها الله ولداً، وليس لها في واقع الحال وجود ولا كيان، اتخذوها هم كذباً وزوراً على الله؛ ليعيشوا عبيداً من تلقاء أنفسهم للجمادات، ولمن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، هذه الآلهة التي خلقوها في أذهانهم، وزوروها وكونوها ولا وجود لها، فهي كالخيالات التي ترى في الأفلام والتي تكتب في الرواية، وهي لم توجد يوماً، ولم تكن يوماً، وإنما الأوهام كونتها، وهي في حد ذاتها لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً. قوله: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم:81] هذه الآلهة الزائفة الضائعة لم تخلق شيئاً في حياتها، ولم تستطع ذلك، ولا يليق بها، بل هي مخلوقة، فاتخذوا الملائكة آلهة والله هو الذي خلقها، واتخذوا الجن آلهة والله هو الذي خلقهم، واتخذوا الإنس آلهة والله هو الذي خلقهم، فهم لا يستطيعون أن يخلقوا شيئاً، وقد ضرب الله مثلاً لكل الخلق ملكاً وإنساً وجناً على أن يخلقوا ذباباً، بل على أن يستنقذوا من الذباب شيئاً، فقال الله عنهم: {لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73] أي: ضعف الملك والجن، والإنس والذبابة، ولو كان هناك شيء أقل من ذبابة لضرب الله به المثل، وهكذا كان وسيبقى وإلى الأبد، فكل ما يذكر الله لنا الآن قد قيل لمن قبلنا، وكأنه يوحى به جديداً على النبي عليه الصلاة والسلام، فبالنسبة لنا هو إيحاء جديد؛ لأننا نسمعه بعد أن خلقنا، وبعد أن أوجدنا، وبعد أن تأهلنا لذلك، ومن هنا جاء الحديث النبوي: (هو الذي لا يخلق على كثرة الرد، ولا يبلى على كثرة التلاوة) فيبقى جديداً باستمرار، فنستنبط ويستنبط العلماء منه الأحكام والآداب والرقائق، فيه خبر من قبلكم، ونبأ من بعدكم، هو الفصل الذي يفصل بين الحق والباطل، والفرقان كما سماه الله تعالى، ما تركه من جبار إلا قصمه الله، وما تركه من حاكم أو ملك أو طاغية إلا وقصمه الله في الدنيا قبل الآخرة {وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه:127]. {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الفرقان:3] هذه الآلهة التي اتخذوها ولا وجود لها هي أعجز من أن تخلق شيئاً، بل هي مخلوقة موجودة، بل هي التي أوجدها الله عن غير رغبة منها أو إرادة، هكذا خلقت كما أن الله لم يستفتنا في ولادتنا ولا في أي عصر نكون، ولا من يكون آباؤنا، ولا من تكون أمهاتنا، فهذا عمل الله المنفرد به جل جلاله، فيخلق ما يشاء كيف شاء في الزمن الذي يشاء. قوله: {وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا} [الفرقان:3] أي: هذه الآلهة فوق أنها مخلوقة ولا تخلق شيئاً ولن تستطيع: لا تملك لنفسها أن تدفع عنها الضر، أو تجلب لنفسها المنفعة، إن ضرت فهي عاجزة أن تدفع هذا الضر، وإن نفعت فهي عاجزة عن أن تأتي بالنفع لها، ولكن الله هو النافع والضار، ولكن الله هو خالق كل شيء جل جلاله وعز مقامه، أما هي في حد ذاتها فلا تملك نفسها، ولا قدرة لها على جلب منفعة أو دفع ضر كشأن العباد والخلق كلهم، وما نفعله هو بقدرة الله وإرادته، لولا أن الله خلق لنا الأيدي لما استطعنا أن نحمل، ولا أن نبطش، ولولا أن الله خلق لنا أعيناً لما استطعنا أن ننظر، ولولا أن الله خلق لنا عقولاً لما استطعنا أن نفكر، فهؤلاء الذين قالوا: الإنسان هو الله، أو هو شريك الله، ومن الذي خلق الإنسان؟ لو أن هذا الإنسان سلبه الله عقله وحواسه ماذا يستطيع أن يفعل؟ أين قدرته؟ أين استنباطه؟ أين عمله؟ ولكن الضلال والظلام إذا خيم على قلب إنسان أو عقله ضاعت معه كل الحقائق بالنسبة له. قال تعالى: {وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا} [الفرقان:3]. أي: لا يملكون حياة فيحيوا، أو يعطوا الحياة لأحد، ولا يملكون الموت فيميتوا أحداً، وكم حاول أناس أن يقتلوا فعجزوا، فإن مات فالله هو الذي أماته؛ لأن هذا لم يتجاوز أكثر من ضرب بالرصاص أو بالسيف، أما الروح فلا يعلم ما هي، وقد يضربه ولا يموت وكم حدث هذا! {وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا} [الفرقان:3] فبعد أن نموت نحيا وسننتشر في الأرض، وهذه هي الحياة الثانية، وهذا هو النشور، وهذا البعث الله وحده قادر عليه، وهذه الآلهة المزيفة المخترعة لا تملك من ذلك قليلاً ولا كثيراً، فهؤلاء على كفرهم وظلمهم وضلالهم لم يكتفوا بذلك، بل أصبحوا دعاة للكفر بكل جهل وحماقة.
الفرقان [5 - 8]
تفسير سورة الفرقان [5 - 8] ذكر الله تعالى في هذه الآيات بعض شبه وتلبيسات وأضاليل المشركين تجاه كتابه ونبيه، ثم فند تلك الشبه وردها بما لا يدع لمجادل جدلاً، ولا لعاقل متمسكاً إلا أن يؤمن ويصدق.
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه)
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه) قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان:4 - 5]. هذا أول طعن في كتاب الله قاله الكفرة الأولون، ولا يزال يقوله الكفرة الجدد في كل عصر، (وقال الذين كفروا) أي: المشركون الكافرون الجاحدون، قال هؤلاء: (إن هذا إلا إفك)، (هذا) إشارة للقرآن، و (إن) بمعنى: ما النافية، أي: ما هذا القرآن (إلا إفك) أي: إلا كذب ليس من الله، ولم ينزله الله؛ لأنهم لا يؤمنون بالله، ومن هنا كان الله ابتدأ السورة: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان:1] هو الذي أنزله ولم يخترعه محمد، ولم يخترعه معه أحد صلى الله عليه وعلى آله، بل هو كلام الله الواحد. قوله: {إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ} [الفرقان:4] أي: ليس إلا كذباً افتراه وولده واخترعه وأعانه عليه قوم آخرون، ومن الذي أعانه؟ قالوا: كان في هذه البلدة حداد أعجمي لا يكاد يبين، وكان في الطائف عبد رومي لـ عتبة وعتيبة ابني شيبة، كذلك كان لا يكاد يستطيع الكلام بالعربية فضلاً عن أن يأتي بقرآن بمثل هذه البلاغة والإعجاز، وقالوا: هؤلاء أعانوه، ثم قالوا: اليهود الذين كانوا في المدينة أعانوه، واليهود حاربوا النبي وألبوا على النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك هم أعجز من أن يقولوا هذا، وكيف يعينونه ولا يؤمنون به ويحاربونه عليه؟ وقد رأينا شعر الشعراء منهم، وقول الكاتبين منهم، هيهات أن يقولوا مثل هذا من قريب أو بعيد! ولكنه الكفر عندما يستولي على النفوس والقلوب، وينطق اللسان بالظلم والكفر والإفك، وهذا الكلام هو الذي لا يزال يقال إلى الآن، فلا تجتمع بيهودي إلا ويقول هذا، ولا بنصراني إلا ويقول هذا، أو بمرتد يزعم أنه مسلم إلا ويقول هذا، من استولى على عقولهم الكفرة من اليهود والنصارى وجامعاتهم، فيشككون المسلمين في صدق القرآن وصدق نبوات نبينا صلى الله عليه وسلم، ويقولون عن أنفسهم: تقدميون، وهم رجعيون! هذا الكفر قد ذكر منذ ألف وأربعمائة سنة، فهم يرجعون إلى هذا الكفر، ويكررون هذا الكفر، فمن المجدد إذاً؟ المجدد هو المسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يقول: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على كل رأس مائة سنة من يجدد لها دينها) فسماه المجدد، وهكذا التجديد: هو الإسلام، والمجدد هو المسلم، والرجعي: هو الكافر، والداعي إلى الكفر هو الرجعي! {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [الفرقان:4] أي: إن هو إلا كلام ولده النبي واختلقه، (وأعانه عليه قوم آخرون) أي: من رومي ويهودي ونصراني، فالله أتى بهذا الكلام ليدحضه، ولينشر كل كلام الكافرين؛ ليكون الرد عليه، وقد قيل: يؤمن الناس عن يقين وعقيدة، وعن دليل وبرهان قاطع، ماذا عسى أن يقول الكافر في القرآن أكثر مما قاله الكفرة، وقد ذكره الله كله؟! ولكن من الذي يخاف من الرد والنقد؟! قديماً قيل: من كان بيته من زجاج لا يرمي بيوت الناس بالحجارة، فالإسلام كالجبال الرواسي، وكالفولاذ الذي لا يؤثر فيه إلا الله، وهو الذي أتى به وقواه وناصره وثبته وخلده إلى أبد الآبدين، فمنذ ألف وأربعمائة والكفار المعاصرون لنبينا ومن جاء بعدهم وإلى يوم القيامة يقولون عن القرآن ويقولون عن النبي المنزل عليه القرآن ما شاءوا من كذب وافتراء وأضاليل وأباطيل، وما زال القرآن هو القرآن. كناطح جبلاً يوماً ليوهنه فلم يضره وأعيى قرنه الوعل فذهبوا إلى جهنم، وسيذهب من جاء بعدهم، وسيبقى القرآن هو القرآن منذ ألف وأربعمائة عام على كثرة الكافرين والجاحدين، فما نقرؤه نحن اليوم ويقرؤه غيرنا حتى من الكفرة عندما يريدون مجرد المطالعة هو القرآن الذي أنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام سورة وآية، وحركة ومدة، بنفس اللغة والمنطق، وبنفس التجويد والحركات فيما كان يقرؤه هنا تجاه الكعبة المشرفة، وفي مسجده النبوي في المدينة، وقل جميع من جاء بعده كذلك وإلى عصرنا، هؤلاء حاولوا أن يغيروا وأن يبدلوا على الأقل، وأن يصنعوا بالقرآن ما صنعوه في توراتهم وإنجيلهم، وهذه من المعجزة الخالدة التالدة؛ لأن الله قد تعهد بذلك، وهذه من المعجزات الأبدية التي يكفي أن تذكر، ويكون فيها الرد البليغ على كل كافر: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] وهذا واضح حيث لا نزال نراه، فالنبي كذبوا عليه وافتروا عليه والأحاديث المكذوبة كثيرة ومعروفة، ولكن الله تعالى حفظاً للقرآن وصيانة للإسلام وللبلاغ النبوي هيأ من الأئمة من مثل مالك وأحمد والشافعي وسفيان بن عيينة وعلي بن المديني والمئات ممن نافحوا عن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فميزوا وغربلوا، وأسقطوا المكذوب، وأثبتوا الصحيح، حتى إنه ما من إنسان قال يوماً: حدثني فلان عن فلان قال رسول الله إلا وسألوه من أنت؟ من أبوك؟ من أسرتك؟ من شيوخك؟ ما هي دراستك؟ فيقبلونه إن ثبت صدقه، وثبتت أمانته، وذكر شيوخه في هذا الحديث، وهؤلاء الشيوخ أيضاً يجب أن يكونوا معلومين معروفين بالعلم والضبط والصدق والأمانة، وهكذا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن لم يكونوا كذلك خلدوا مع الكاذبين، وقالوا عنه: فلان كذاب! فلان ضعيف! فلان وضاع! وهكذا كتب السلف؛ فصحت السنة، وأمنت من الزيغ، وأما القرآن فـ {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت:42]؛ لأن الله هو الذي تعهد بحفظه جل جلاله، وهذه أكبر معجزة للإسلام، فقد غيرت التوراة مع أنها من عند الله، وغير الإنجيل مع أنه من عند الله؛ لأن الله لم يتعهد بحفظهما، ووكل حفظهما إلى علمائهم، فلم يستطيعوا الحفظ فضلوا وأضلوا، وحرفوا وبدلوا وغيروا، وكل ما يذكرونه في دينهم وعن أئمتهم الضالين في التوراة والإنجيل أكاذيب وأضاليل يجري بعضها خلف بعض، ولا يؤخذ من ذلك إلا ما هيمن عليه القرآن وأكده. قوله: {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} [الفرقان:4] أي: جاء هؤلاء الكفرة بالظلم فظلموا أقوامهم، وستروا عنهم الحق، مع أن أولئك الذين قالوها كانوا في أنفسهم من أعرف الناس بصدق النبي، وأن ما قاله ليس إلا الحق، ولكنهم حسدوه وبغوا عليه، ولما عاش بينهم أربعين سنة ما كانوا يلقبونه إلا بالأمين والصديق، فهذا الذي لم يكذب على الناس مدة أربعين سنة أيكذب على الله بعد أن بلغ أربعين عاماً! كلا. ثم هم يعلمون من أين له هذه المعارف والعلوم التي كانت مجهولة للعوالم كلها وإلى الآن؟! فالقرآن ليس معجزاً باللفظ فقط، فهو معجز باللفظ والمعنى، وفي كل ما أتى به من معارف سماوية وأرضية، وما كان وما يكون إلى قيام الساعة على كثرة الأعداء، وعلى كثرة الكفار لم يستطع أحد أن يثبت يوماً نقصاً في القرآن: لا في اللفظ، ولا في التعبير، ولا في المعنى، ومن أيام قريبة كتب فرنسي كتاباً يقارن فيه بين القرآن والتوراة والإنجيل، وقد أتى بالآيات التكنولوجية، أي: العلوم التطبيقية من علوم سماء وأرض، وطب وهندسة، وصيدلة وما إلى ذلك، جاء بالآيات التي تكلمت في هذا، وجعل يقارنها بما ذكر في التوراة والإنجيل، فقال: كل ما ذكر من ذلك في التوراة والإنجيل لم يكن صحيحاً من قبل، ولا يؤكده العلم اليوم، ثم جاء إلى ما يسمى بالعلم الحديث، فقال: كل ما وصل إليه العلم الحديث الآن -وهم يزعمون أنهم قد وصلوا من العلم إلى الدرجة القصوى- قد قاله القرآن منذ ألف وأربعمائة سنة، والكثير منهم لا يزالون مترددين ومتشككين فيه، ولكن القرآن قد أخبر وأكد وأثبت سواء آمنوا أم لم يؤمنوا، فالإيمان والهداية بيد الله، وليس على الرسول إلا البلاغ، والله قد قال: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [العنكبوت:18]، وقال: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} [البقرة:272] فليس على رسول الله الهداية، فذاك أمره بيد الله، ومن باب أولى ليس على الدعاة إلى الله ولا على العلماء ورثة الأنبياء أن يهدوا الناس، ولكن عليهم أن يبلغوا رسالة نبيهم وكتاب ربهم، ويكونوا بذلك قد أزالوا العهدة عن أنفسهم، وأما الهداية فهي توفيق من الله، ونور يقذفه الله في قلب الإنسان، فإن اهتدى فهو المطلوب، ويعين على نفسه بالإكثار من الضراعة والدعاء إلى الله بأن يعلمه وينير بصيرته. قوله: (فقد جاءوا ظلماً وزوراً) أي: ظلموا الناس، وظلموا أنفسهم بالافتراء والكذب على الحق، (وزوراً) أي: شهدوا شهادة الزور التي ما سمعتها أذن، ولا رأتها عين، ولا تأكدتها نفس، ولا علمتها معرفة، وإن هي إلا الأضاليل! وهكذا إلى عصرنا جاء من يزعم أنه فيلسوف كبير، وعالم كبير، وصرح بالكفر، فقال مثل ما قال الأميون قبل، ومثل ما قال الجهلة قبل، ومثل ما قال الكفار قبل. ثم زادوا فقالوا شيئاً آخر:
تفسير قوله تعالى: (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها)
تفسير قوله تعالى: (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها) قال تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان:5]. وقال هؤلاء الكفار أيضاً، وهم أنواع وأشكال، فهذا الذي قالوه قديماً هو الذي يقال حديثاً، وكأن هذه الآيات أنزلت الآن لتكون رداً على هؤلاء، قالوا: اكتتبها، أي: طلب كتابتها، وهو أمي لا يكتب، وأساطير الأولين جمع أسطورة، كأحاديث وأحدوثة، وهو من التسطير والكتابة، قال تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم:1]، فهي كتابة طلب تسطيرها وكتابتها ممن يكتب، ومن كان يكتب؟ من هم هؤلاء الذين كانوا يكتبون فكتبوا للنبي هذا عليه الصلاة والسلام؟! أكتبها هذا الرومي أو هذا النصراني أو هذا اليهودي؟ ثلاثة من البسطاء السذج وهم لا يعلمون الكتابة لا بالعربية ولا بغيرها، ولا يعلمون معرفة، ولا يكادون يبينون بالفهم والمنطق والسماع. قوله: (وقالوا أساطير الأولين) فهذه أخبار الأولين، وأين الأخبار الجديدة؟ القرآن ليس فيه أخبار الأولين فقط، بل فيه أخبار الأولين وأخبار الآخرين، وفيه الحكم والمعارف والآداب والحقائق، وفيه الحلال والحرام والعلوم، وليس فيه فقط علم السماء، وعلم الأرض، وعلم خلق البشر، وإنما في القرآن كل شيء، قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:38]. قالوا: هذه أساطير وأقاصيص الأولين اكتتبها، وما سوى ذلك من الذي كتبه؟ ومن كان له هذا العلم بالغيب بكل هذه الدرجة؟ ومن كانت له هذه المعارف التي أعجزت الأولين والآخرين؟! ولكن هذا فعل المجانين عندما يعجزون تجدهم تارة يضربون باللسان شتماً، وتارة باليد ضرباً. {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان:5] أي: يكتتبها، ثم (تملى عليه) أي: تقرأ وتتلى عليه، من الإملاء. (بكرة وأصيلاً) صباحاً وعشياً، هكذا زعموا.
تفسير قوله تعالى: (قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض) قال تعالى: {قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:6]. أي: قل يا محمد لهؤلاء وأمثالهم: (أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض)، وهذا القرآن كله أسرار، وقد ذكر الله فيه غيباً لم يكن يعرفه أحد، ولكن الذي أملاه وأوحى به، والذي أنزله هو من يعلم السر في السموات والأرض، وأما هؤلاء فمن أين لهم علم السر أو علم الجهر؟ من أين لهم العلوم والمعارف التي لم تحدث بعد، ولم تكن بعد، ولم تخطر على بال بشر بعد، وما صحت إلا بعد ذلك بألف عام، ولا يزال يصح بعضها مع مرور الزمن؟ فالقرآن فيه ذكر اختراع السيارة، والوصول إلى القمر، وكل ما يحدث إلى الآن، كل ذلك أخذ من كتاب الله، وأخذ بياناً من حديث رسول الله، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام (فيه خبر من قبلكم، ونبأ من بعدكم، هو الفصل ليس بالهزل) هو الذي يفصل بين الحق والباطل، وهو الذي يبين الحقائق من الأكاذيب، وهو الذي يبدد الظلمات ليحل محلها النور، وهو الذي يعلم الجاهل فيزيل جهله، وهو الذي ما إن تركه جبار إلا وقصمه الله وقضى عليه في الدنيا قبل الآخرة، وعذب عذاب الدنيا ونحن نرى هذا، فمن سبقنا من الأباطرة المسلمين ممن يشبهون الأكاسرة والقياصرة، وتركوا القرآن حاكماً ماذا جرى لهم؟ الكثير عذب في حياته، فسملت عيناه بالنار إلى أن سالتا، وأصبح يتسول على أبواب المساجد ويقول: خليفتكم لا طعام له ولا خبز، وقد كان أيام حكمه طاغية من الطغاة، جبار من الجبابرة، فرعون من الفراعنة، قد كان هذا كثيراً في أيام بني أمية وأيام بني العباس وأيام آل عثمان، وأين ذهبوا؟ وما الذي جرى لهم؟ من الذي يذكر بخير؟ من الذي خلد مع الخالدين؟ الخلفاء الراشدون الذين لا يذكر أحدهم إلا ويقال مع ذكره: رضي الله عنه، ولم يذكر إلا الصالحون فنقول: عمر بن عبد العزيز: رحمه الله ورضي الله عنه، ونقول هكذا عن الحكام العادلين، وأما أولئك فلا يذكرون إلا ويذكر الظلم معهم، واللعنة تتبعهم، وقد قصمهم الله في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى. قال تعالى: {قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الفرقان:6] وماذا تعلمون أنتم؟ والذي يعلم السر هو يعلم الجهر، أنزله الله جل جلاله خالق السموات والأرضين لا كما يزعم هؤلاء الكاذبون المشركون. قوله: {إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:6] قال الحسن البصري: أرأيتم أكرم من الله؟ أرأيتم أكثر جوداً من الله؟ أرأيتم أكثر رحمة من الله حتى مع الكافرين؟ قال الله عن هؤلاء الكافرين وقد طعنوا في كتابه وكذبوه سبحانه، وطعنوا في نبيه وكذبوه، ومع ذلك قال عنهم إن رجعوا عن ذلك فتابوا وأنابوا فإنه يغفر لمن تاب، ويرحم من تاب، ويغفر ذنوب من تاب، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام شرحاً لذلك: (الإسلام يجب ما قبله) أي: يقطع ما قبله. وهكذا تجد الله في الوقت الذي ينذر ويتوعد ويهدد يعود فيذكر الرحمة؛ لأن الله قال عن نبينا: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: (إنما أنا رحمة مهداة)، ففي وقت العنف والشدة والبطش يعود فيذكر رحمته ومغفرته؛ لعله يعود إلى الله ويتوب، وقد قاله البعض ورجع وتاب وأناب، وأصبح من كبار الفاتحين وكبار الصحابة، فلا يذكرون إلا ومعهم الرضا. والنبي عليه الصلاة والسلام أخرج من مدينة وحيه ومسقط رأسه الشريف بعد أن تحمل الشدائد من كفار مكة، وخرج وهو لا يريد الخروج، خرج فراراً بدينه، وفراراً برسالته إلى أن يتمها ولم تتم بعد، ومع ذلك عندما نصره الله وأظفره الله بمكة وأعداؤه من الكافرين فيها ماذا صنع بهم؟ إنه لم يأمر إلا بأربعة عشر فرداً منهم، حيث قال: اقتلوهم ولو وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة، ومع ذلك بعض هؤلاء جاء مختفياً مستغفراً، فتاب عليه واستغفر له، وبعضهم فر منه، فتاب عليه واستغفر له، والبعض قتل، أما الآلاف فقد تجمعوا بين يديه وأخذ يسألهم: ماذا ترون يا معاشر قريش أني فاعل بكم؟! فنسوا طغيانهم وظلمهم وتآمرهم في كل وقت بقتله وبسجنه وتعذيبه فيما كانوا يريدون، فأخذوا يتملقون ويتمسحون فقالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، وإذا بالنبي الكريم الذي كان حريصاً على هداية قومه لم يزد على أن قال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) فسامحهم عليه الصلاة والسلام، وضرب لهم في الإسلام أجلاً أربعة أشهر، والعرب ما كان يقبل رسول الله منهم إلا الإسلام أو السيف، ولذلك فكل من يزعم أنه عربي وليس بمسلم كذاب، وانظروا الآن هؤلاء النصارى الذين يقتلون المسلمين، واليهود الذين كانوا في بلادنا وخرجوا وهم الآن يقتلون المسلمين؛ أول ما يفعلون أنهم يتبرءون من العربية، ويقولون: لم نكن عرباً يوماً! هكذا يجري الآن في لبنان وفي فلسطين، وهكذا أقباط مصر، وهو الواقع، وقد نص المؤرخون على أن النبي عليه الصلاة والسلام ثم الخلفاء الراشدين بعد أن فتحوا العراق والشام لم يبق عربي إلا وأسلم، فكل من يزعم العربية من غير المسلمين فهو كاذب مفتر ليس بعربي. قال تعالى: {قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:6]. فإن كان غفوراً للظلمة للكافرين فهو أولى بأن يغفر للمؤمنين في بعض عصيانهم ومخالفاتهم، وهم منطوون على التوحيد والإيمان بالله، وبرسول الله، وبكتاب الله الحق، فالله غفور رحيم، ولكن لا يغتر الإنسان، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لو يعلم الكافر ما عند الله من مغفرة لطمع فيها، ولو يعلم المؤمن ما عند الله من عذاب ليئس من رحمة الله)، ومعنى ذلك: يجب على المؤمن ألا يغتر، فعليه أن يستمر على العبادة والطاعة ولا يقول: الله غفور رحيم، ومن قال لك: إنه سيغفر لك أنت بالذات؟ ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن النار تجمع مؤمنين عصاة ثم يخرجون، وتجمع كافرين أبداً ولا مغفرة ولا رحمة، فمن يدرينا أن أحد هؤلاء الذين يكونون في النار واحد منا؟ إذاً: ماذا نصنع؟ نكثر من الطاعة والتوبة والاستغفار، ونقول ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام: (خيركم من مات على رقعه) أي: ثوبه، أي: أنه أذنب ثم رقعه -أي: تاب-، ثم انقطع ثوبه وتمزق -أي: أذنب- ثم خاطه -أي: تاب-، وهكذا خير الناس من مات على التوبة والمغفرة، والله يحب التوابين ويحب المتطهرين.
تفسير قوله تعالى: (وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام)
تفسير قوله تعالى: (وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام) قال تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ} [الفرقان:7]. انتقلوا من القرآن إلى النبي نفسه عليه الصلاة والسلام، فقالوا على القرآن ما سمعتم هذه المرة، وأرادوا أن ينتقصوا النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، وهذا جنون آخر، فقالوا: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} [الفرقان:7]. قالوا: هذا النبي يقول: إنه نبي، وهو يأكل كما نأكل، وبطبيعة الحال من يأكل يذهب إلى الخلاء، فأرادوا أن يتنقصوه بذلك، وتصوروا أن النبي لابد أن يكون ملكاً، أو يكون نوعاً من البشر لا يأكل ولا يشرب ولا يتزوج ولا يلد! وهذه صفات الله وليست صفات البشر، وصفات الملائكة، فالله الذي لا يأكل ولا يشرب، والملائكة خلقهم من نور وأغناهم بالذكر عن الطعام والشراب، وقد قال النبي عن الملائكة بأن طعامهم وشرابهم هو الذكر؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع) وهم يخرج الذكر منهم كما يخرج النفس منا، كما أن الإنسان منا إذا انقطع نفسه مات الملك كذلك لا يستطيع أن يقطع الذكر، فالذكر له كالنفس فإذا وقف مات، وهو لا يموت إلى آخر الدهر إلى يوم القيامة ثم الكل {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27]. فهؤلاء عابوا على النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يأكل ويمشي في الأسواق، فهم قد رأوا القياصرة والأباطرة من الملوك لا يرونهم في الشوارع، ولا يأتي أحدهم ليشتري خبزاً أو يشتري الزيت، ولا يفعل ما يفعله بقية الناس، هم كانوا يريدون من النبي هذا الفعل، فإذا كان بشراً لابد أن يكون مثل كسرى وهرقل، يترفع عن أن ينزل في الأسواق، والنبي لابد له من النزول إلى الأسواق، ولابد له من أن يتكسب، ولابد له من أن يبيع ويشتري، وكان النبي عليه الصلاة والسلام في بيته يذبح شاته ويسلخها، ويعين أهله في شئون البيت، وباع واشترى عليه الصلاة والسلام بما يعيش به، فهو إنسان، وعلى إنسانيته هو رسول ونبي، فقد فعل الله هذا بالأنبياء المرسلين قبله.
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام)
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام) قال الله تعالى: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان:20]. قوله: {لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان:20] فهم آمنوا بأنبياء سبقوا، فالنصارى وآمنوا بعيسى وبأنبياء بني إسرائيل، واليهود آمنوا بموسى وهارون وهم يعلمون كلهم أن موسى تزوج وولد، وأن هارون تزوج وولد وأكل وشرب، وذهب إلى الأسواق، ورضي وغضب، ومرض وارتاح، وأخيراً مات وفني. {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ} [الفرقان:7] لماذا لا يكون معه ملك فيكون معه نذيراً؟ فلو جاء معه ملك ومشى معه في السوق وجعل يقول: يا جماعة! أنا ملك، ولو قال: أنا ملك لكذبوه وقالوا: أنت لست ملكاً؛ لأنهم سيتصورون أن الملك لا يرى، ولو نزل عليهم بأجنحته التي تغطي الأفق لفزعوا، ولربما جنوا، ولو نزل عليهم في سورة بشر كما حدث لجبريل حيث نزل في صورة أعرابي، ونزل كثيراً في صورة دحية الكلبي لو رأوه لقالوا: هذا دحية الكلبي أين جبريل؟ هذا بدوي أعرابي أين جبريل؟ أين الملك؟ ولذلك فهؤلاء لا يسألون عن الحقائق، وإنما هم متعنتون، هم افترضوا من الأصل أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس صادقاً، وأن القرآن ليس كلام الله، فهم كلما وصلوا إلى هذه الأكاذيب والأضاليل وعندما يطلبونها لا يقصدون الطلب، وإنما يقصدون التعنت بحيث لو أجيبوا لما طلبوا لما آمنوا، ولعلهم يزدادون كفراً، وإصراراً على الكفر. {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ} [الفرقان:7] لو أنزل الله ملكاً يعاونه، ولم يحتج إلى ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فمن هؤلاء الكفار من آمن وكانوا معه أعواناً ووزراء ومعزرين ومؤازرين، وقد توفي عليه الصلاة والسلام كما يتوفى كل الخلق والبشر، وقام بالرسالة بعده وبدولته وبأحكامه بعده خلفاؤه الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والصحب الكرام من الرعيل الأول، ولم يحتج الإسلام إلى ملك، ويكفي أن ينزل الملك بكتاب الله وحياً على نبيه عليه الصلاة والسلام، وفي هذا كفاية. قوله: {فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} [الفرقان:7] أي: فيعينه على النذارة والدعوة إلى الدين والإسلام، (لولا أنزل) أي: هلا نزل، فهم يطلبون ذلك ويحضون عليه. {لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} [الفرقان:7] ينذر ويبشر معه، ويهدد معه، إذاً لأصبح رسول البشر ملكاً، ولو كان ملكاً لجعله الله رجلاً لنفهم عنه ويفهم عنا، ولو جاءنا إنسان من الأفق له من الأجنحة مثنى وثلاث ورباع كما وصف الله الملائكة بأجنحتهم فكيف سنستفيد منه؟ ولو نزل أمامنا لغطانا، ولكدنا نسحق تحت أجنحته وبدنه، ولو جاءنا بشراً لقلنا: هذا بشر، فما الفرق بينه وبين بشر محمد وموسى وعيسى عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه؟! ثم قالوا كلام آخر: {أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ} [الفرقان:8] أي: يرمي له الله من السماء بكنوز. قال تعالى: {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الفرقان:8]. أي: هؤلاء بقوا على ضلالهم وأكاذيبهم بجملة ما قالوا، حيث قالوا: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} [الفرقان:7 - 8] قالوا: لماذا لا ينزل عليه كنز من السماء يستغني به عن المشي في الأسواق وعن البيع والشراء؟! ولو حدث هذا لقلتم: تأتيه الأموال من كسرى وهرقل، وهكذا يفعل هؤلاء المتعنتون الكفرة!
الفرقان [9 - 16]
تفسير سورة الفرقان [9 - 16] لقد ضرب المشركون الأمثال لرسول الله، وهي أمثال باطلة ضالة لا تستند إلى حقيقة ولا يراد بها اتباع الحق، فقالوا: إن النبي من صنعته أنه لا يأكل الطعام، ولا يمشي في الأسواق، وأنه يكون معه كنز يستغني به عن الناس وعن السعي في طلب الرزق. ثم اتهموه عليه الصلاة والسلام بأنه رجل مسحور، وهذه سخافة منهم، فهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وليسوا بمسحرين، فهذه الصفات التي ذكروها لا تنافي النبوة والرسالة.
تفسير قوله تعالى: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال)
تفسير قوله تعالى: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال) قال الله تعالى: {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} [الفرقان:9]. والأمثال التي ضربوها هي قولهم: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الفرقان:7 - 8]. أي: ضربوا له الأمثال والأشباه والنظائر، فقالوا: ليس هذا الرسول إلا رجلاً مثلنا ليس بمَلِك ولا مَلَك، وليس بكبير بيننا ولا ميزة له، فهو يأكل كما نأكل، ويشرب كما نشرب، ويدخل الأسواق كما ندخل، فيتكسب ويبيع ويشتري ويتبذل، ويظهر في الأسواق والشوارع والأزقة كما يظهر أحدنا، وقد تصور المشركون في النبي أن يكون ملكاً لا تبصره عين، ويستغني عن الطعام، وبالتالي لا يدخل الأسواق كما يدخل من يأكل ويشرب، ويتصورون منه أن ينزل معه ملك من السماء فيصدقه ويقول للناس: صدقوه، فإنه رسول من ربكم. ويقولون عنه: لو كان كذلك لاستغنى عن الأسواق والكسب والبيع والشراء والتجارة، ولأنزل إليه كنز من السماء يستغني به عن البيع والشراء والتكسب. وقالوا: لو كان رسولاً لأنزل الله إليه جنة، أو صنعها له في الأرض فيأكل منها ويستغني بها عن البيع والشراء، أو أنزل معه ملكاً يصدقه فيكون معه نذيراً، مهدداً وموعداً ومبشراً للناس أن يتبعوه، فإن لم يفعلوا عذبوا وعوقبوا بغضب الله ولعنته، وعلى ذلك أخذوا جواباً لأنفسهم، قال تعالى عنهم: ((وقال الظالمون)) أي: وقال الكافرون، والظلم هنا: الكفر. قالوا: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الفرقان:8] أي: رجلاً صرف عن العقل والفهم وغر في نفسه، وزعم ما ليس له، وهكذا أوحت إليهم شياطينهم من الهراء والغث من القول ومما لا دليل عليه، فالمشركون لهم عقول سخيفة لم ينرها نور الإسلام، ولم يهدها علمه، ولم يشرق عليها التوحيد يوماً. ومتى قال لهم النبي: أنا ملك، أو قال لهم: أنا مستغن عن الطعام والشراب؟ لم يقل هذا قط، فهم يعلمون أنه نشأ بينهم كما ينشأ الناس من أم وأب، وعاش بينهم أربعين سنة يفعل ما يفعله عموم الناس، ولم يقل يوماً: أنا نبي ولا رسول، ولا ادعى دعوى. وما كان يعرف بينهم إلا بالصديق والأمين، وقد وصل إلى الأربعين وهو لم يكذب مدة حياته، وحاشاه من ذلك على الناس، أبعد الأربعين سيكذب على الله؟! حاشا الله ومعاذ الله. هذا وقد أتاهم بالمعجزات فعجزوا أن يصنعوا مثلها، وأعظمها ما رأوه وعرفوه أنه منذ كان صغيراً وشاباً إلى أن بلغ الأربعين وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا يخطب ولا يقول شعراً. وكما قال العارف: كفاك بالعلم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم فكفى معجزة بعد نزول القرآن بأن هذا الأمي لم يقرأ ولم يكتب، ولم يجلس يوماً لشيخ، ولم يسمع من شيخ، ولم يكن في عصره من يمكن أن يجلس إليه، فكلهم كانوا أمة أمية، وقد قال عليه الصلاة والسلام عن العرب: (نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب). فهذا الأمي بعد الأربعين عاماً أتى بعلوم الأولين والآخرين، وأتى بما أعجز الآخرين واللاحقين، وما لم يكد يعرفه المعاصرون، ولم يأت بنظيره من سبقه حتى من الأنبياء والمرسلين، فضلاً عن الفلاسفة والعلماء والمثقفين ومن إليهم. قد رأوا كل هذا رأي العين، وسمعوه سماع الأذن، وعاشروه عشرة القرابة والعمومة والسكن، ومع ذلك أبى كفرهم وأبى ضلالهم إلا أن يضربوا له النظائر والأشباه والأمثال. فقوله: {انظُرْ} [الفرقان:9] أي: انظر يا محمد! قوله: {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا} [الفرقان:9] أي: كيف زاغوا وضلوا عن الحق والهدى، وكيف زادت البصائر منهم عمىً وضلالاً وظلماً، وكيف أخذوا يشبهونك بغيرهم وبأنفسهم، لم؟ لأنك تأكل وتشرب وتتكسب وتستغني عنهم وعما عندهم، فتعيش كما يعيش الإنسان الشريف الفاضل بعرق جبينه، وتعيش بالأخذ والعطاء وكسب الحلال حتى في السنوات التي كانت قبل النبوءة. فهم يعيرونك بشيء عاره ظاهر عليهم، كيف وقد قالوا: إن الله ما أرسل من المرسلين أحداً إلا وهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. قال تعالى: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان:20] أي: لم تكن يا محمد! بدعاً من الرسل، ولم يُقَل لك إلا ما قد قيل لهم، ولكن هؤلاء شياطينهم توحي إليهم ما لا يقبله عقل سليم ولا نفس منيرة، ولا رجل اهتدى يوماً بكلمة حق وكلمة نور وكلمة هداية وتوحيد. فقوله: {الأَمْثَالَ} [الفرقان:9] أي: النظائر والأشباه، فشبهوك بعموم الناس بأنك تأكل وتشرب مثلهم. ثم أخذوا يزعمون أنك بعملك هذا مسحور وساحر، وأنك مفتر وكاذب، وأنك وأنك، وحاشا الله ومعاذ الله.
ذكر رفض النبي عرض قريش عليه، وتحقيق الله له النصر والتمكين
ذكر رفض النبي عرض قريش عليه، وتحقيق الله له النصر والتمكين لقد عجز المشركون أن يوقفوا دعوته وأن يسكتوا لسانه، وأن يرعبوه ويخيفوه عن تتمة عمله وما أرسله الله به من بلاغ، فقد اجتمعوا إلى عمه أبي طالب وهو على دينهم وقالوا: يا أبا طالب! إن ابن أخيك قد أكثر علينا، وشتم آلهتنا، وسفه عقولنا، وذم الآباء والأجداد، ونسبنا إلى كل باطل، ونحن نريد أن تدعوه لنعرض عليه كل ما يمكن أن يريده ويسعى إليه، فحضر صلى الله عليه وسلم ووجد أبا جهل وشيبة وعتبة وعقبة بن أبي معيط، وصناديد من طغاة مكة وجبابرتها وكفارها وأعداء الله ورسوله. وإذا بهم يقولون له بمحضر أبي طالب: يا محمد! لقد جاوزت الحد معنا، سفهت أحلامنا، وشتمت آباءنا، وجعلت الآلهة إلهاً واحداً، ولم يصبر أحد على ما صبرنا نحن عليه، ونحن نعرض عليك ما تسمع، إن كنت تريد بهذا أن تكون ملكاً علينا ملكناك، وإن كنت تريد المال جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنانا، وإن كنت تريد النساء زوجناك ببناتنا وبنسائنا، إن شئت طلقناهن لك فتزوج منهن من شئت. وإن كنت مريضاً جئناك بالأطباء من مختلف أصقاع الأرض ليعالجوك، وكان أبو طالب لا يزال ينظر نظرتهم ويدين دينهم، فقال له -وهذا ما أثار النبي عليه الصلاة والسلام-: يا ابن أخي! لقد أنصفوك، لقد أعطوك ما لم يعطوه لأحد. وإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (والله يا عم! لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه). وإذا بهم يقومون وهم يحيصون حمر الوجوه ويقولون: ماذا يريد محمد؟ قد أعطيناه كل ما يمكن أن نعطيه، ملكناه وأغنيناه وأعطيناه نساءنا فماذا يريد؟! وهذا الذي لم يهتدوا إليه، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يريد ملكاً فهو أعظم من الملوك، وللملوك الشرف في أن يكون أتباعه. فإن المال قد استغنى عنه ولا حاجة له به، فقد عرض عليه أن تكون جبال مكة ذهباً وفضة، فأبى إلا أن يعيش نبياً عبداً. وأما النساء فقد تزوج بعد ذلك تسع نساء، ولم يكن إذ ذاك متزوجاً إلا خديجة، فقد قنع بها ولم يتزوج عليها قط حتى ماتت، وقد تجاوزت الستين من عمرها، وكانت قبله أرملة من زوجين آخرين، ولدت من كل واحد منهما. وتزوجها صلى الله عليه وسلم وهي تزيد عليه في السن خمسة عشر عاماً، إذ كان عمره إذ ذاك خمسة وعشرين عاماً، ولو كان يريد النساء فمن ذلك الوقت لأخذ منهن من شاء ولكنه لم يفعل. فأخذ خديجة لعقلها وفهمها، وأخذ خديجة لأن الله قضى أنها ستكون أول مؤمن به في الأرض، وأنها ستكون المؤازرة المؤيدة والمساعدة والمصدقة، وهكذا لم يتزوج عليها قط إلا بعد أن ماتت. تزوج وقد كان عمره بعد موتها قد تجاوز الخمسين حيث يرغب الناس عن النساء، ولم يكن متفرغاً لذلك، لم يكن متفرغاً إلا لرسالة ربه وللدين الذي أرسل به، ولكنه تزوج كما يقال بلغة السياسة اليوم: زواجاً سياسياً. فقد كان الزواج عند العرب يقرب الأرحام ويقوي الصلة بين العشائر والقبائل، والزواج بالنسبة للقبيلة يكون لحمة وحلفاً، ويكون سنداً وقوة. وهكذا عندما تزوج بنت أبي سفيان عدوه الألد الذي قاد الجيوش في مكة في داخلها وخرج بها إلى المدينة حيث هاجر صلى الله عليه وسلم، وفعل معه الأفاعيل، وقاسى منه النبي عليه الصلاة والسلام الشدائد والبلايا والفتن، ومع ذلك فإن أم حبيبة ابنته كانت صالحة وكانت من الرعيل الأول الذي أسلم، فأسلمت قبل أبيها وإخوتها، وهاجرت الهجرة الأولى للحبشة، وارتد زوجها عبيد الله بن جحش في الحبشة، وبقيت ثابتة راسخة مؤمنة بالله وبرسوله على العداوة التي بينه وبين أبيها. وعندما علم بذلك صلى الله عليه وسلم وكان النجاشي أصحمة ملك الحبشة قد أسلم وآمن، فخطبها منه فزوجه إياها، وأصدقها أربعمائة درهم. وعندما بلغ الخبر أباها أبا سفيان ارتاحت نفسه وقرت عينه، وكاد يترك من العداوة والحرب، بل وقال للملأ من الناس عندما قيل له: محمد تزوج ابنتك، قال: ذلك الفحل الذي لا يجدع أنفه. ومن تلك الساعة ضعفت المقاومة في نفس أبي سفيان، وأصبح يحارب كما يقال: بغير موضوع، فكان هذا الزواج وأمثاله مما جعل للنبي صلى الله عليه وسلم حلفاء وأنصاراً، وجميعاً تزوجهن أرامل ليس فيهن بكر عذراء إلا السيدة عائشة رضي الله عنها. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام عندما أخذوا يضربون له الأمثال ويقولون: ساحر، ويقولون: يريد الملك، فقد كذبهم بذلك وسحقهم سحقاً، وتركهم يعتقدون في أنفسهم على الأقل أنهم يجهلون ماذا يريد. سمعوه يقول النبوءة فلم يتصوروها، وقد أسر أبو سفيان والنبي زاحف على مكة فاتحاً ومقاتلاً ومجاهداً ومكافحاً، وجيء به إلى النبي عليه الصلاة والسلام فسلمه لشريكه في الجاهلية عمه العباس، وإذا به يوقفه والجيوش المؤمنة تدخل مكة وهي لا تزال في الضاحية تزحف زحفاً، فيسأل أبو سفيان العباس ويقول: من هؤلاء؟ فيقول العباس: قبيلة فلان، وقبيلة فلان، وقبيلة كذا، فيقول: ما لنا ولها، ما قاتلناها لتقاتلنا، إلى أن جاء القلب، إلى أن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمامه الجيوش وخلفه الجيوش وعن يمينه ويساره من الرجال والخيل والسيوف والرماح المشرعة ما لا يحصى، وهم في لامة الحرب الكاملة لا تكاد تظهر منهم إلا أعينهم. فقال أبو سفيان للعباس: ومن هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله، وإذا بـ أبي سفيان يقول للعباس: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً، حتى في هذه الساعة لم ير في هذا المظهر كله إلا أنه طلب الملك فوصل إليه، وهو لو كان يريده فإنهم قد عرضوه عليه من قبل. ولقد وفروا عليه لو شاء زمناً ووقتاً ودماءً وحروباً، وإذا بـ العباس يصيح فيه موبخاً: إنها النبوة يا أبا سفيان، فيقول أبو سفيان: والله يا أبا الفضل! لا يزال في نفسي من هذا شيء، ومع ذلك استسلم وخضع، لم؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم من قبل تزوج ابنته. قال تعالى: {فَضَلُّوا} [الفرقان:9] أي: لم يهتدوا بل تاهوا عن الحق، وجهلوا الذي حدث، ولم يعلموا النبي صلى الله عليه وسلم وهو بينهم إلا أنه يتيم أبي طالب، وحفيد عبد المطلب وابن عبد الله. أما أنه سيد الخلائق وخاتم الأنبياء، وأنه المرسل إلى الناس كافة لا نبي بعده ولا نبوءة ولا رسول ولا رسالة، فهذا ما عمي القلب عنه، وما عميت البصائر عن معرفته والنظر إليه. فقوله تعالى: {فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} [الفرقان:9] أي: عجزوا عن الطريق القويم الذي يوصلهم لمعرفة من أنت يا محمد! فبغضهم لك وعداوتهم وحسدهم وفتنتهم مع أنفسهم وكفرهم بالله وباليوم الآخر جعلهم يجهلون من أنت، وماذا تريد، فضلوا في أنفسهم ولم يستطيعوا الطريق السوي الذي يوصلهم لمعرفة من أنت.
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك)
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك) قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} [الفرقان:10]. يقول الله لنبيه: إن هذا القول لا يقوله إلا سخيف العقل مظلم القلب، فأنت أعظم من كل ذلك، فلك البلاد ومن عليها بل ولك الدنيا، ولك الآخرة كذلك، وستقف يوم القيامة موقفاً لن يقفه ملك ولا نبي، يوم تشفع في الخلائق كلها، وتكون كما أخبرت عن نفسك: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر). وإن عرضوا عليك ما عرضوه، وقالوا عنك ما قالوه، فأنت سيد الأرض، والعوالم كلها جعلت لك رعية وأمة، فمن آمن بك اهتدى، ومن كفر بك ضل، وعليه الخزي والدمار إلى يوم القيامة. فقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي} [الفرقان:10] أي: تقدس الذي، كأول السورة: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان:1] أي: تقدس الذي إن شاء، والأمر بمشيئة الله فما شاء فعل. قوله: {جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ} [الفرقان:10] أي: خيراً منه، فالبستان الذي عرضوه عليك فيه قليل من النخيل والماعز والضأن والبقر، فسيجعل لك خيراً من ذلك الكثير الكثير في الدنيا إن شئت. قوله: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [الفرقان:10] أي: في الدنيا. قوله: {وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} [الفرقان:10] وليس قصراً واحداً، بل قصور لا يملكها ملك في الأرض، وفعلاً قد جاء ملك إلى النبي عليه الصلاة والسلام وعنده جبريل ولم ينزل إلا تلك الساعة، فقال له: يا محمد! جئتك من ربك يعرض عليك مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعدك، يعرض عليك جبال مكة وبطحاءها أن تكون لك ذهباً وفضة، ومكة أنهراً جارية. وإذا به يقول: (يا رب! أجوع يوماً وأشبع يوماً، أجوع يوماً فأذكر ربي وأتضرع إليه، وأشبع يوماً فأحمد ربي وأشكره). هذه عبادة النبي صلى الله عليه وسلم يعيش بين صبر وشكر، وكل من الصابر والشاكر له الدرجات العلا عند الله في الدنيا والآخرة. ومن هنا كان سيد البشر صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة لكل الخلق، ولذلك فإن المتتبع لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً وتقريراً فهو الناجي بين البشر، وبين الفرق التي تمزقت من المسلمين وستتمزق، فإن الفرقة الناجية هي ما كان عليه صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه الأول من المهاجرين والأنصار. إن الحياة رحلة قصيرة، كما شبه صلى الله عليه وسلم الحياة كلها كراكب استظل بظل شجرة عند شدة القيظ والحرارة، وإذا بالشمس تزول عن كبد السماء فيأخذ الظل طريقه ويذهب، فهذه هي الدنيا كلها في الأولين والآخرين.
تفسير قوله تعالى: (بل كذبوا بالساعة)
تفسير قوله تعالى: (بل كذبوا بالساعة) وكذبهم الله بقوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} [الفرقان:11]. أي: هؤلاء كفرة مشركون، وما أملوه عليك من نظائر وأشباه وأمثال إن هو إلا الكفر والجحود والحقد على الله ورسوله والمؤمنين. {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ} [الفرقان:11] أي: كذبوا بيوم الحشر والنشر، وكذبوا بيوم الحساب والعقاب، والجنة والنار. قال تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} [الفرقان:11] أي: هؤلاء الكفرة الذين كذبوا بيوم البعث والنشور أعد الله لهم وهيأ لهم ناراً مسعرة ملتهبة تحرق من بعد مائة عام أو أكثر. وزاد الله فوصف هذه النار المتسعرة الملتهبة بقوله: {إِذَا رَأَتْهُم} [الفرقان:12] أي: جهنم، {مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} [الفرقان:12] أي: من بعد مائة عام وأكثر كما قال المفسرون. فعندما يقربون إليها تراهم زبانيتها، وهم الملائكة المكلفون بعذاب أهل النار ممن شاء الله عذابه ونقمته. وقد ورد في مسند أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من انتسب لغير والديه، أو انتسب لغير مواليه، أو كذب على الله، أو افترى على نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فليتبوأ مقعداً في النار ذات العينين، قالوا: يا رسول الله! وللنار عينان؟ قال: نعم). فالذي خلق العينين للإنسان وجعل البشرة والحواس كلها تتكلم وتشهد على المذنب بفعل الشر، وتشهد للصالح بفعل الخير، هو قادر على أن يخلق عينين للنار كذلك. فعندما تراهم النار من بعيد يسمعون لها قبل الوصول إليها بمائة عام تغيظاً وزفيراً، وما تغيظها إلا صوت ما فيها من نار ووقود، فإن النار عندما نشعل بها حطباً في بدايتها نسمع لها زفيراً، ومعناه: أن النار تلتهب التهاباً وتشتعل اشتعالاً، حتى يأكل بعضها بعضاً إن لم تجد الوقود، قال تعالى: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة:24]. قوله: {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} [الفرقان:12] أي سمعوا لهبها وصوت نارها وحريقها، وسمعوا شوقها لهم لتعذبهم جزاءً وفاقاً لكفرهم بالله، وطعنهم في أنبياء الله. قال تعالى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [الفرقان:13] أي: وإذا ألقوا في ركن منها ضيق، ووصفوا المكان الذي يدخله المعذب ككوة، فيدخل وعظامه تكاد تتكسر من الضيق الذي يدخل فيه، فمن شدة المحنة يدخل المكان الضيق حتى يسمع لعظامه صوت. قوله: {مُقَرَّنِينَ} [الفرقان:13] أي: مصفدين مكتفين، فالأيدي إلى الأعناق والأرجل مع الأيدي، مقرنين بالشياطين، فيد من الشيطان ويد من الإنسان الذي اتخذ الشيطان إلهاً واتبع هواه. قوله: {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [الفرقان:13] أي: صاحوا: يا ويلهم! ويا هلاكهم! والثبور: الهلاك وجميع أنواع الفساد والبلاء من كفر وغيظ وويل ومحنة وهلاك، كمن يصيح في حياته يقول: يا ويلاه! يا مصيبتاه! يا غوثاه! لمن يغيثه. فأخذوا يدعون ثبوراً، أي: يا هلاكهم! يا فسادهم! يا خسرانهم! هكذا يدعون على أنفسهم، فتقول لهم ملائكة النار: {لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} [الفرقان:14] أي: لا نجاة ولا خروج من النار، فيستمرون في الدعاء يا ويلهم! يا هلاكهم! يا خسارهم! يا مصيبتهم! إلى أن يسمعوا صوتاً: اخسئوا، فيسكتون إذ ذاك، ولا سبيل إلى الكلام والنطق، ولا أمل هناك في خروجهم.
تفسير قوله تعالى: (قل أذلك خير أم جنة الخلد)
تفسير قوله تعالى: (قل أذلك خير أم جنة الخلد) قال تعالى: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا} [الفرقان:15]. يقص الله علينا ما سيحدث يوم القيامة؛ لعل المجرم منا يقول يوماً: تبت إلى الله، ويقول: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، ويقص الله ذلك للمؤمن ليزداد بذلك فرحاً كونه على الخط المستقيم. يقول الله: قل يا محمد! {أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} [الفرقان:15] فأيهما أحسن بالنسبة للصالحين والطالحين: هل هذا الذي ذكره الله من السعير والخلود في النار والسلاسل والأغلال والضيق في جهنم والدعاء بالويل والثبور، أو جنة الخلود والإقامة والسعادة، وأن لهم فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟ وكلمة (خير) هنا ليست على بابها، فخير في لغة العرب تقتضي المشاركة والزيادة، ولا يقال: هذا خير من هذا في معنى الزيادة، إلا إذا كان اثنان أو عملان فيهما خير ولكن أحدهما أكثر خيراً، فالمعنى هنا: أذلك خير في وجهة نظرهم؟ فهؤلاء عن طواعية منهم ورضاً قبلوا أن يكونوا في صف المشركين، وقبلوا أن يكونوا من أهل السعير، ويكونوا مقرنين مع الشياطين في جهنم، وقبلوا أن ينادوا يا ويلهم! ويا هلاكهم! ويا خسارتهم! هل هذا الذي سيصيرون إليه إن أبوا إلا ذلك وأصروا عليه خير أم الجنة الخالدة؟ قال تعالى: {أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا} [الفرقان:15] أي: هذه الجنة الخالدة كانت للمتقين جزاءً مكافأةً وأجراً وثواباً، وإليها يصيرون بعد الموت. وقد قال الله في تمام وصف الجنة: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ} [الفرقان:16] أي: لهم فيها ما يشاءون من مآكل ومشارب ومناكح ومساكن ولذائذ ونظرة كريمة لله العظيم، لهم فيها كل ما اشتهت أنفسهم، ولهم فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قال تعالى: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} [الفرقان:16] أي: وعداً واجباً، فقد أوجب الله ذلك على نفسه ولا يجب عليه شيء، ولكنه أوجبه على نفسه للمتقين الذين يموتون على التقوى، وللموحدين الذين يموتون على التوحيد، وللصالحين الذين يموتون على الصلاح، وهكذا جزاء الله لهؤلاء الصالحين ومكافأته لهم. وبياناً لمعنى مسئول يقول الله تعالى: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23]، فتلك إشارة لقولنا في الدنيا كما علمنا الله وكذلك في الآخرة بفضل الله وكرمه: {وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} [آل عمران:194]، أي: نسأله الذي وعدنا إياه من الجنان ومن النعيم ومن الرحمة والرضا. وما يدعو به الملائكة للمؤمنين: بأن يؤتيهم الله ما وعدهم من الرحمة والجنان والخيرات والرزق الدائم الحسن الطيب بما لا يكاد يحلم به إنسان في الأرض. فالله قارن -وهذه سنة القرآن- بين الأتقياء وما أعد الله لهم من خير، وبين الأشرار وما أعد الله لهم من شر؛ نكالاً نتيجة أعمالهم. وهكذا يقارن الله في هذه الآية، فالعادة في القرآن في كل الآي أن يذكر الله أهل النار وبلاءهم وخزيهم ودمارهم، ويذكر مقابل ذلك أهل الجنة وجزاءهم وخيرهم وما أعد الله لهم من نعيم دائم.
الفرقان [17 - 22]
تفسير سورة الفرقان [17 - 22] في هذه الآيات يذكر سبحانه حشره للعباد والمعبودين من دونه يوم القيامة، فيسأل المعبودين هل هم الذي أمروا هؤلاء العبّاد بعبادتهم، فيتبرأ الملائكة من ذلك، ويتبرأ عيسى وأمه من ذلك، وهنا يندم أولئك المبطلون. وذكر أيضاً حال المشركين في أسئلتهم الاستكبارية والتعجيزية، فقد طلبوا من الرسول حتى يصدقوا رسالته أن يأتي معه بالملائكة، وأن يأتي بالله تعالى، وكل ذلك لا ليؤمنوا، ولكن ذلك على سبيل التعجيز والاستكبار.
تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله)
تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله) قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان:17]. يوم يحشرهم الله يوم القيامة ويحييهم بعد الموت ويجمعهم إليه للحساب والعقاب، يجمع العابد والمعبود ولا يخفون عليه جل جلاله. يوم يحشر العابدين والمعبودين من هؤلاء المشركين، فيقول الله للمعبودين: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ} [الفرقان:17] أي: هل أنتم قلتم لعبادي هؤلاء: اعبدونا واجعلونا شركاء مع الله {أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان:17] أم ضلوا من أنفسهم؟ ويقال هذا للملائكة الذين عبدهم بعض الناس وقالوا عنهم: بنات الله، ويقال هذا لعيسى الذي عبده النصارى، ويقال هذا لعزير الذي عبده اليهود. وهكذا يجمع الله هؤلاء ويقول لعيسى وللملائكة ولعزيز ولكل من عبد من دون الله من الجمادات والأصنام والتماثيل، إذ يحشرها الله معهم، ويرزقها النطق واللسان للكلام: {أَأَنْتُمْ} [الفرقان:17] استفهام تقريعي توبيخي للعبدة للمشركين. {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ} [الفرقان:17] يعني: هل أنتم الذين أزغتموهم عن الطريق السوي، وأبعدتموهم عن التوحيد والإيمان؟ قال تعالى: {أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان:17] أي: من قبل أنفسهم، إذ إن عقولهم لم توصلهم للخير، فلم يقبلوا دعوة العلماء ورثة الأنبياء، ومن قبلهم لم يقبلوا دعوة الرسل والأنبياء والأصحاب الكرام والأتباع التابعين لهم بإحسان. فأول ما يبتدئون به A سبحانك، فينزهون الله عن أن يكون له شريك، أو أن يكونوا هم شركاء، فهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وليس بيدهم شيء. قال تعالى: {قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [الفرقان:18] أي: لا ينبغي لنا ولا يليق، فنحن خلق من خلقك وعبيد من عبيدك، فكيف العبد يعبد؟ وكيف المخلوق يعبد؟ وكيف المخلوق الذي لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً يكون إلهاً معك؟ ننزهك عن هذا ونعظم شأنك ونقدسك، فلا يليق هذا ولا ينبغي لنا وليس من حقنا، فأنت يا رب أعظم من ذلك كله. فقوله: {مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [الفرقان:18]. أي: لا يليق بنا وليس من حقنا ولا هو من شأننا أن نتخذ من دونك من أولياء، أنت ولينا ومولانا وخالقنا، وأنت المتفرد بالألوهية والربوبية والخلق والرزق، والمنفرد بالإماتة والإحياء، فكيف ونحن أعجز من أن ننفع أنفسنا أو نضرها فضلاً عن أن نكون آلهة معك كيف نقبل ذلك؟ كيف يعجبنا؟ كيف نوافق عليه؟ قال تعالى: {وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} [الفرقان:18] أي: ولكن الذي حدث يا ربنا! أنك متعتهم بالحياة والرزق والصحة، ومتعتهم بالملك والسلطان، وبطول الأعمار، وهكذا نسوا الذكر، ونسوك ونسوا توحيدك، ونسوا نبيك وكتابك، ونسوا دينك، فضلوا وأضلوا. قوله: {وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} [الفرقان:18] أي: كانوا هلكى، تقول: بارت السلعة إذا فسدت ولم تجد مشترياً، وتقول: بارت الأرملة ولم تتزوج إذا لم تصلح للزواج، أو لم يطلبها أحد. وتقول عن من لم يتزوج من الرجال والنساء: قد بار وهلك في نفسه فلم يتزوج، أي: هلك وكان بائراً. فهؤلاء كانوا قوماً هلكى، وكانوا قوماً فاسدين لا يصلحون، ولا يميزون بين الحق والباطل، أما أن نقول لهم نحن ذلك فمعاذ الله وحاشى الله. والله سيقول لعيسى يوم القيامة: {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة:116]، فيقول: {قَالَ سُبْحَانَكَ} [المائدة:116] أي: أنزهك يا رب! عن ذلك وأعظمك أن أقول ذلك، قال: {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} [المائدة:116] أي: لا يليق بي ولا يحق لي. ثم عاد فقال: {إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة:116]، {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} [المائدة:117] أي: أنا لم أدعهم إلا لعبادتك وتوحيدك وطاعتك، فهم من أنفسهم كذبوا وافتروا، وزعم اليهود أنهم قتلوني وصلبوني، وزعم هؤلاء الأفاكون أني إله ورب، وليس شيء من ذلك واقعاً، فأنا عبد من عبيدك وخلق من خلقك، لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً. ولكن هؤلاء طالت بهم الأعمار حتى نسوك ونسوا النبوات السابقة، ونسوا أن الله واحد، وأنه نزل الكتاب على أنبيائهم ليعملوا به، {وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} [الفرقان:18] أي: كانوا هلكى فاسدين لا يصلحون لنور ولا لحق ولا لدين، ونحن ما قلنا ذلك وما كان لنا أن نقوله. قال تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا} [الفرقان:19] يقول الله أو ملائكته لهؤلاء المشركين: قلتم: إن عزيزاً دعاكم لعبادته وللشرك بالله، وقلتم: إن عيسى دعاكم، وإن الملائكة دعتكم، فأين ما كنتم تزعمون؟ وأين ما كنتم تقولون؟ وإذا بهم يبلسون ويخسئون وييأسون من الرحمة، ولات حين مناص. وفي تلك الساعة بعد أن كذبهم من كانوا يشركون بهم مع الله، قال الله عنهم: لا يملكون لأنفسهم صرفاً ولا نصراً، أي: لا يستطيعون أن يصرفوا العذاب، ولا يستطيعون ما هو أقل من ذلك وأحقر. قوله: {وَلا نَصْرًا} [الفرقان:19] أي: لا ينصرون أنفسهم ولا يعينونها بشيء وقد تخلى عنهم من كانوا يعبدونهم من دون الله، ومن كانوا يشركونهم مع الله، فصاروا حيارى ضائعين هلكى تائهين لا يملكون صرف العذاب عنهم، ولا يملكون نصر أنفسهم، وهكذا دارت الدائرة عليهم، ولقوا جزاء الشرك والكفر.
تفسير قوله تعالى: (ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا)
تفسير قوله تعالى: (ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً) قال تعالى: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} [الفرقان:19]. هذا خطاب الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن عرض عليهم ما فعله بالأمم قبلنا، فعوقب من عوقب وأحسن إلى من أحسن، فقد لقي الكافر جزاءه من النار والسعير، ولقي المؤمن الرحمة والرضا والجنات الدائمة. فقال تعالى: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} [الفرقان:19] أي: ومن يظلم منكم يا أمة محمد بأن يشرك بالله، ويظلم نفسه، ويبتعد عن النور والهداية والإيمان بربه، ويبتعد عن الإيمان برسوله وبكتاب ربه، {نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} [الفرقان:19] أي: نعذبه حتى يذوق ويتمتع ويهلك، والذواق هنا معكوس من نوع السخرية، كمن يذوق طعاماً لذيذاً وحلواً، كما قال تعالى لفرعون: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان:49]. فالذواق: العذاب والشدة والمحنة والسعير.
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام)
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام) قال الله تعالى: {((وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان:20]. هذا جواب قولهم الأول: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان:7]، فقال الله لنبيه وأسمع أولئك: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان:20]. يقول تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: لم تكن بدعاً من الرسل، ولم ترسل بشيء لم يرسل به الأولون، فمن سبقك من الأنبياء كانوا جميعاً بشراً. فالأنبياء كانوا يأكلون الطعام، وكانوا يتناكحون ويتزاوجون، وكانوا يمرضون ويصحون، وكانوا يحاربون يوماً لهم ويوماً عليهم، وكانوا يتكسبون في الشوارع يبيعون ويشترون، وكانوا يقومون بالمهن وبالصنائع، فكان منهم الحداد، ومنهم الزراع، ومنهم النجار، ومنهم البحار، فكانوا يتكسبون في الأسواق عارضين سلعة وشارين سلعة ومع ذلك يدعون إلى الله. وفي هذه الآية مشروعية العمل، وأنه لا يليق بالإنسان أن يعيش عالة على الناس، وأن العمل ليس عاراً، والتكسب ليس منقصة. وكان عمر رضي الله عنه يقول: إني لأرى الرجل فيعجبني، فإذا سألته ما تعمل ووجدته لا يعمل سقط من عيني. وهكذا الإنسان إذا لم يكن له عمل يعيش به من حرفة أو تجارة أو زراعة أو قلم أو فكر أو أي شيء يستغني به عما في أيدي الناس فإنه يكون ناقص الهمة ضعيف النفس، ويكون غيره الذي ينفق عليه ويتصدق عليه ويعطيه أشرف منه وأكرم وأنبل، إلا إذا كان عاجزاً، فإذ ذاك جعل الله رزقه وجعل حياته في بيت المال بعد أن يكون أولياؤه لا يملكون النفقة عليه ولا يملكون رزقه. فالأسرة متضامنة، والغرم إذا التزم به إنسان لزم بقية الأقارب إعانته، فالإسلام هو الذي أتى بهذا كاملاً غير منقوص: زكاة وصدقة ونفقة، بحيث لو كانت الزكوات والنفقات تؤدى كما أمر الله ورسوله لما وجد فقير بين المسلمين قط. ولكن انتشر الظلم، وأكل أموال الناس، فالزكاة في مالك ليست لك، قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة:60] واللام هنا هي للتمليك، أي: ملك لهم، وللفقراء إذا منعوا حقوقهم وزكاتهم أن يقاتلوا عليها بحد السلاح، فمن مات من الممتنعين فإلى سقر ودمه هدر، وإذا قيل أحد الطالبين للحق فيقتل قاتله. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} [الفرقان:20] فتن الله الفقير بالغني والغني بالفقير، فالفقير يقول: ما بال هذا أنا أذكى منه وأعلم منه وهو أغنى مني؟ ويقول الغني: ما بال الفقير يحسدني وأنا عملت أكثر؟ وتجد الرعية تفتن بملوكها وحكامها لمكانتهم، فيفتن هؤلاء بهؤلاء، ويفتن الصحيح بالمريض، فيقول المريض: لم هذا صحيح وأنا مريض؟ ويقول الصحيح: لم المريض يحسدني؟ أنا أعالج نفسي، أنا أبذل لها، وأنا لا أستهتر بصحتي، وهكذا دواليك في كل شيء. وهكذا فتن الله الناس بعضهم ببعض وابتلاهم في الدنيا؛ اختباراً وامتحاناً ليرى هل سيصبرون ويعتقدون أن كل ذلك من الله أو لا، {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الزخرف:32] أي: أن الله هو الذي قسم المعيشة بين الناس، كما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله قسم بينكم عقولكم كما قسم بينكم أرزاقكم). ومع ذلك يعمل إنسان من الصباح إلى المساء ولا يكاد يحصل شيئاً، ويعمل إنسان آخر ساعة أو ساعتين فيحصل الكثير والكثير، ولذلك ليس للإنسان أن يحسد أو يغار، وليس للإنسان أن يطالب بزوال ما عند غيره، بل عليك أن تعمل واحمد الله على ما رزقك. فإن لم تكن لك قدرة على العمل أو لم تجد عملاً، فحياتك ورزقك من بيت مال المسلمين وفي أموال الأغنياء، فإن الله فرض في أموال الأغنياء ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عزوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله أن يعذبهم على ذلك ويحاسبهم عليه. إن انتشار الشيوعية والاشتراكية في الأرض عقوبة سماوية من الله؛ لمنع الأغنياء حقوق الفقراء، فاستبدوا بها وتركوهم جياعاً وعرايا ومرضى، وتركوهم جهلة، وإذا بالله الكريم يسلط عليهم من يأخذ أموالهم ويذلهم ويحتقرهم وينقصهم، ويقول عنهم: لصوص، وإقطاعيون وغير ذلك. ولو كان المسلمون يؤدون زكاة المال وما أوجب الله في ذلك لوجدت الفقير يحرص على الغني، ويدعو له بالخير والسعة وطول العمر؛ لأنه يعيش من ذلك. وهكذا دائماً فإن العقوبة من جنس العمل، فالله رزقه إذ خرج للدنيا ولا يملك شيئاً، وما هذا المال إلا مال الله، فقد قال تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33]. فعندما لم يعطوا مال الله للمستحقين من عباد الله سلط الله عليهم من يذلهم ويهينهم، ويزيل عنهم أملاكهم، ولعذاب الله أنكى وأشد إن ماتوا على ذلك. قال تعالى: {أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان:20] أي: هل يصبر الفقير على فقره، والغني على إعطاء الزكاة والنفقة وإعطاء السائل ما سأل؟ فقد جعل الله من صفات المؤمنين {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج:24 - 25]. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (للسائل حق ولو جاء على فرس). فقوله: {أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان:20] أي: أيصبر هؤلاء ويضرعون ويشكرون؟ أيصبر أولئك على شكر نعم الله ويؤدون من مالهم ما فرض الله؟ وكما قال القدوة الأعظم صلى الله عليه وسلم عندما عرضت عليه مكة وجبالها وبطحاؤها ذهباً وفضة: (بل أجوع يوماً فأصبر وأضرع، وأشبع يوماً فأحمد الله وأشكره)، وهكذا المؤمن فلا غنى يدوم ولا فقر يدوم، فهو مال الله يجعله الله دولة بين أيدي عباده، والغنى ابتلاء والفقر ابتلاء. قال تعالى: {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان:20] أي: بصيراً بالصابر من الشاكر، بصيراً بالمؤمن من الكافر، بصيراً بالصالح من الطالح، يعلم كل شيء، وقد أمر بما أمر به، وابتلى بما ابتلى به، فمن أطاع وامتثل فله الجنة والرحمة والرضا والحياة الطيبة في الدنيا، وله في الآخرة الرضا والرحمة والخلود في الجنان. ومن كفر ولم يشكر ولم يصبر فله العذاب في الدنيا وأنواع البلاء، ولعذاب الله يوم القيامة أشد، والله بصير بكل ذلك.
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا)
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا) قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} [الفرقان:21]. لقد تمادى هؤلاء المجانين في كفرهم، فقد طلبوا نزول الملائكة مع النبي ليؤيدوه، فهذه المرة طلبوا الملائكة أن تأتيهم، وطلبوا الرب نفسه أن ينزل إليهم ويقول لهم: صدق عبدي محمد، وتقول الملائكة: صدق محمد فقد أرسله الله. فعندما تنزل الملائكة وتقول: نعم، صدق محمد، كيف سيعلمون أنهم ملائكة؟ وكيف سيصدقونهم؟ وإن كذبوهم فستنزل عليهم عقوبة الأرض والسماء، وقد قال الله لنبيه: إن شاء فعل ذلك، ولكن إن فعله ولم يؤمنوا فإنه سيعاقبهم بما عاقب به الأمم السابقة عندما طلبوا مثل ذلك وأعطاهم الله إياه. فدمر قوم نوح بالغرق، ودمر ثمود وعاداً وقوم لوط وقوم فرعون بالغرق والسحق والرجم من السماء والعواصف وبكل أنواع البلاء في الدنيا قبل الآخرة. فقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [الفرقان:21] أي: لا يخافون لقاءنا ولا يؤمنون به، أي: لقاء الله يوم القيامة، فهؤلاء الكافرون الذين لا يؤمنون باليوم الآخر لا يؤمنون بالله، قالوا: يا محمد! إن شئت أن نؤمن بك فلتنزل معك الملائكة علينا. فقوله: {لَوْلا} [الفرقان:21] أي: هلا. {لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} [الفرقان:21] أي: هلا نزل ربنا فقال لنا: هذا عبدي فصدقوه وأنا أرسلته نبياً. ولو خاطبهم الله بذلك لأصبحوا رسلاً أيضاً، ولو خاطبهم الملائكة لأصبحوا رسلاً أيضاً، فالله تعالى لا يكلم أحداً من خلقه إلا من وراء حجاب. وعندما طلب موسى ما يشبه هذا {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف:143] قال له الله: {قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} [الأعراف:143]، وموسى من أولي العزم من الرسل، ومع ذلك لما اندك الجبل وحدث له صوت كالرعد إذا بموسى يغمى عليه. وطلب إبراهيم أبو الأنبياء من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، قال تعالى: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260]، فهذا لم يطلب الرؤية، وإنما طلب أن يرى كيف يعيش الإنسان بعد الموت، {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} [البقرة:260] وقد فعل، إذ جاء بأربعة من الطيور في قرية برزة من أرض الشام في الغوطة، فقطعها وخلطها عظاماً وريشاً ولحماً، وجعل في رأس هذا الجبل شيئاً وفي هذا شيئاً، ثم دعاها كما أمره الله، فأخذ الريش والأعضاء تطير حتى صار كل عضو في مكانه، وهكذا رأى ما أراد به الاطمئنان واليقين، أما أن يرى ربه فلم يطلب ذلك. قال تعالى عن هؤلاء: {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ} [الفرقان:21] أي: تعالوا وتعاظموا وظنوا أنفسهم شيئاً، وهم على كفرهم وشركهم أرادوا أن يؤكد الله أن هذا نبيه ولم يكتفوا بالمعجزات، ولم يكتفوا بالسيرة النبوية في حد ذاتها، ولم يكتفوا بنزول القرآن، فقال الله عنهم: {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ} [الفرقان:21] أي: تعاظموا حتى ذهبت عقولهم، فاستعملوا الكبرياء والعظمة التي لا تليق إلا به جل جلاله. قال تعالى: {وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا} [الفرقان:21] العتو: هو شدة الطغيان والكفر، والإغراق في الكفر والإصرار عليه، فهؤلاء الكافرون لم يكتفوا بالكفر والشرك، بل زادوا فعتوا وطغوا وتجبروا واستكبروا استكباراً، وقوله: (عتواً) مفعول مطلق، أي: ازدادوا في الطغيان والجحود والكفران حتى تجاوزوا الحد في ذلك. فهؤلاء المشركون أنكروا الساعة وكفروا بالله، فهم ليسوا سائلين حقاً ولا مستدلين بمعجزة، ولكنه التعنت والجحود والكفران، فلا يكاد النبي يظهر لهم معجزة أو آيةً أو عملاً إلا تركوا ذلك وطلبوا غيرها. وهكذا إلى أن وصلوا ليطلبوا الملائكة تنزل عليهم، والرب نفسه ينزل عليهم -تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً- ليقول لهم: صدق عبدي، ولم يكتفوا بأن يقول: صدق عبدي بما أنزل عليه من وحي وكتب وعلم وأدب وسيرة انفرد بها دون الخلق، وكانت هي المثال الأعلى. قال تعالى: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ} [الفرقان:22] أي: اليوم الذي سيرون فيه الملائكة لن يبشروا فيه بخير، فإنهم لن يروا الملائكة إلا في حالتين: عند الاحتضار، أو يوم القيامة. فمن احتضر وهو مشرك كافر تأتيه الملائكة وتنتزع روحه وتضربه من أمامه ومن خلفه؛ لينتزعوا الروح، وإذ ذاك لا يبشرون ولا سبيل إلى البشرى، بل يبشرون بالغضب واللعنة، وإذا أتاهم منكر ونكير وسألوهم: من ربك؟ من نبيك؟ فإنهم لا يحسنون جواباً؛ لأنهم كانوا مشركين في الدنيا، فينزلون عليهم بالمقارع وبالمرازب، إلى أن ينزل الإنسان إلى الأرض السابعة، ثم يصعد، وهكذا العذاب إلى يوم البعث والنشور، وبعد ذلك نار الله المتسعرة ونقمته الدائمة.
الفرقان [21 - 26]
تفسير سورة الفرقان [21 - 26] ذكر الله تعالى في هذه الآيات مآل أعمال الكافرين المشركين في الآخرة، فهو سبحانه يجعلها هباء منثوراً؛ لأنها لا تقوم على التوحيد ولا على الإخلاص. ثم ذكر مقارنة بين حال المؤمنين الفائزين بالجنة والكافرين المغضوب عليهم بالنيران، فأصحاب الجنة خير مستقراً وموئلاً وعاقبة، والآخرون شر مكاناً. ثم ذكر ما يحصل يوم القيامة من تشقق السماء بالغمام، ونزول الله تعالى لفصل القضاء في ذلك اليوم العظيم.
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا)
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا) قال الله جلت قدرته: {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:21 - 22]. يقول الله جل جلاله عن هؤلاء الكفرة الذين لا يؤمنون بيوم البعث والنشور، ولا يخافون قدومهم على الله ولقاءهم له يوم العرض عليه، إنهم قالوا: {لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} [الفرقان:21]. أي: قالوا لنبيهم: لم لا يرسل إلينا معك -إن كنت رسولاً حقاً- ملائكة من السماء يظهرون لنا ويبرزون ويصدقون نبوتك ورسالتك، ويشهدون لك بأنك الرسول حقاً. وإذا لم تأت الملائكة ولم تنزل علينا فليأت ربك بنفسه وليشهد لك بالصدق؛ لنصدقك ولنؤمن بك. فهؤلاء الذين كفروا وازدادوا كفراً طلبوا مطالب من لا يعلم من ربه، ولا يعلم صدق نبيه بكثرة ما أنزل معه من معجزات ومن آيات بينات، وأخذوا يتعنتون ويطلبون شيئاً لا يقصدون به معرفة حق، ولا إظهار معجزة، وإنما يريدون التعنت على نبيهم، والإصرار على كفرهم، فقال الله عن هؤلاء: {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ} [الفرقان:21] أي: لقد تعاظموا وتكبروا وطلبوا ما لا يليق بهم وهم أحقر من أن يخطر ببالهم فضلاً عن أن يطلبوه. {وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا} [الفرقان:21] العتو: هو شدة الظلم والكفر والطغيان، فقد طغى هؤلاء واعتدوا وظلموا وقالوا كفراً وزوراً، وأتوا بما لم يأت به مؤمن. ثم قال الله لهم: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ} [الفرقان:22] أي: يوم يرون الملائكة -وهم سيرونهم- لا تكون رؤيتهم لهم بشرى لهم، بل يكون خزياً ودماراً وخراباً. والوقت الذي يمكن أن ترى فيه الملائكة هو ساعة الاحتضار وخروج الروح، وإذ ذاك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً. فمن احتضر وهو كافر ونزعت منه الروح فسيرى ملائكة العذاب يبشرونه بالويل والثبور واللعنة والغضب، لا يبشرونه بخير ولا بجنة، ثم يرون يوم القيامة ملائكة العذاب الذين يسوقونهم إلى النار وإلى اللعنة والدمار والخزي. وأيضاً يرون الملائكة في القبر حين يسألونهم عما صنعوه في حياتهم، فيسألونهم: من ربكم؟ ومن نبيكم؟ وما دينكم؟ ولشركهم فإنهم يجيبون جواب الكافرين الذين لم يؤمنوا يوماً برب ولا نبي، ولم يدينوا يوماً بدين حق قط، فهؤلاء ستكون رؤيتهم للملائكة رؤية ذل وهوان وبشرى بالخزي والدمار والعذاب. {وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:22] أي: يقول لهم الملائكة: حراماً محرماً أن تدخلوا الجنة قط، أو ترحموا قط، فقد حجرت الجنة عليكم، وأمسكت أبوابها عن دخولكم؛ جزاءً وفاقاً لشرككم ولكفركم. والحجر: المنع، ومنه سمي حجر إسماعيل، أي: منع من أن يطوف الطائفون داخله وإنما يطوفون خارجه، ومنه قولهم: حجر القاضي على الصبي لسفهه، وعلى المفلس لعجزه عن أداء الديون والحقوق، فحجر ماله؛ لتؤدى الحقوق. ومنه: الحجر على السفيه الغني الذي يبذل ويصرف ماله في الباطل، ويحرم منه أهله وأولاده، ويصرفه في ما لا يليق بالإنسان أن يصرفه فيه، ويترك أهله وأولاده عالة على الناس، ويصرف ذلك في الليالي الحمراء وفي الفسق والجريمة والعصيان. {وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:22] أي: يوم يرى هؤلاء الملائكة يبشرونهم بالويل وبالثبور وبالنار وبالدمار ويقولون: لهم حجراً محجوراً، أي: حراماً محرماً عليكم دخول الجنة، ورحمة الله ورضوانه؛ لكفركم وشرككم إلى أن متم على ذلك.
تفسير قوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل)
تفسير قوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل) قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:23]. أي: عمدنا وجئنا، فهؤلاء الذين عاشوا مشركين وماتوا مشركين يعمد الله جل جلاله إلى أعمالهم التي قاموا بها في الحياة الدنيا والتي يظنون بها أنهم أحسنوا بها صنعاً، وأنها أعمال خير وفلاح وصلاح فيجعلها هباءً منثوراً مشتتاً ضائعاً. والهباء هو ذلك الغبار الذي يكون في الكوة عندما تشرق عليها الشمس، فيرى غبار منثور لا يمس باليد ولا يرى في الظلام، فهو لا يذكر ولا حساب له ولا عبرة به. أي: إن الله يذر أعمالهم ويشتتها حتى تصبح هباءً موزعة منثورة، كذلك الهباء الذي يرى في الكوة وفي النافذة عندما تشرق عليها الشمس فيرى متناثراً، ولا يرى في الظل ولا يمسك باليد، ولو فرضنا أنهم تصدقوا وأعطوا وأحسنوا فهم لا يفعلون ذلك إخلاصاً لله، ولا إيماناً برسل الله، ولا طاعة لأوامر ربهم ونبيهم، فهم لا يفعلون ذلك ديناً ولا امتثالاً، وإنما يفعلونه ليقال وليتظاهروا به رياءً، وقصدهم من ذل الذكر والرياء والسمعة، وها قد سمع ذلك ورئي منهم. وأما أن يجازوا عليه بالجنة وبالرحمة فهم في الأصل لا يؤمنون بجنة ولا برب الجنة، ولا يؤمنون بيوم البعث والنشور.
تفسير قوله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا)
تفسير قوله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً) قال تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان:24]. يقول جل جلاله: (يومئذ) أي: يوم القيامة، ورؤية الملائكة، ويوم البعث والنشور، والعرض على الله يكون أصحاب الجنة المتقون المؤمنون المسلمون الموحدون أحسن مستقراً، وأجمل حالاً، أحسن قراراً، فيستقرون بأعمالهم في الجنة وفي رحمة الله ورضاه وهم قريروا العين برحمة الله، وبما أكرمهم به من جنان ومن رحمة. قال تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا} [الفرقان:24] (خير) هنا على غير بابها، فخير أفعل تفضيل، وأفعل التفضيل يقتضي المشاركة والزيادة، وليست هنا للمشاركة بين مستقر النار لأهل النار وبين مستقر الجنة لأهل الجنة فضلاً عن الزيادة، وإنما معنى الكلام: أصحاب الجنة في مستقرهم في خير ونعمة وسعادة واستقرار ورضاً بما هم فيه، وأما أهل النار فهم في الغضب وفي العذاب وفي اللعنة الدائمة المستمرة. وقوله: {وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان:24] المقيل من القيلولة، يقال: قال فلان يقيل إذا استراح وقت القيلولة، وهو وقت الزوال وشدة الحر ووقوف الشمس في كبد السماء. وتكون القيلولة بنوم خفيف أشبه بالنعاس، ويكون راحة ولا حاجة للنوم فيه، والنوم لا يكون في الجنة؛ إذ ليس فيها تعب ولا نصب، ولكن فيها الراحة والاستقرار، والقيلولة هي من باب الحديث الوارد: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل)، وفي سنده مقال. قال تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان:24] (يومئذ) أي: يوم يرى الناس الملائكة الذين كان الكفار والمشركون يريدون أن يروهم في دار الدنيا؛ ليصدقوا لهم رسالة النبي ونبوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يكون أصحاب الجنة {خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان:24] أي: استقرارهم خير ورضا، وإقامتهم دائمة، وهم مغتبطون بالرحمة وبالجنة وبرضا الله. فهم عندما ينتهي الحساب والعرض على الله يقيلون في الجنة، ويوم الآخرة يعد بألف سنة مما تعدون من أيام الدنيا، وهذا اليوم الذي هو ألف سنة يقصره الله تعالى على المؤمن حتى كأنه صلى فريضة واحدة، أو كأنه من شروق الشمس إلى القيلولة، فلا يشعر بطول ولا بشقاء ولا بتعب، فما هي إلا مدة وبرهة يقضيها ثم تكون قيلولته في الجنة. فيقيل فيها ويستريح، ويكون بذلك أحسن مستقراً وقراراً وقيلولة من الكافرين المشركين، فهو في خير ورضاً ورحمة، والكافرون في عذاب وفي محنة وغضب.
تفسير قوله تعالى: (ويوم تشقق السماء بالغمام)
تفسير قوله تعالى: (ويوم تشقق السماء بالغمام) قال تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} [الفرقان:25 - 26]. هذا اليوم يوم البعث والنشور هو يوم تتشقق فيه السماء وتزول وتتناثر، وتنزل ملائكة السماء الدنيا إلى الأرض، ويكون عددهم أكثر من عدد الإنس والجن في الأرض، فالسماء الأولى تتشقق وتتناثر وتتطاير وتزول وتفنى، وينزل ملائكتها للعرض على الله وللحساب. قال تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} [الفرقان:25] أي: تتشقق ويظهر منها نور وشعاع أشبه بالغمام، وهو نور من نور الله، فلله نور السماوات والأرض، ونوره جل جلاله ظاهر في الكون، وبه أشرقت السماء والأرض، وبه هدى الله القلوب، وبه أشرقت نفوس المسلمين للحق والهداية، ويهدي الله لنوره من يشاء. وهذا النور الذي ينزل كالغمام ينزل منثوراً يراه من في الأرض ومن في السماء، ثم تنزل ملائكة السماء الدنيا إلى الأرض، ثم تتشقق السماء الثانية وينزل كذلك من فيها، وهم أكثر عدداً، وأكثر ملائكة وجموعاً، وأكثر من ملائكة السماء الأولى. وهكذا قل عن الثالثة والرابعة والخامسة فالسادسة فالسابعة. وينزل من السابعة الملائكة الكروبيون، أي: قادة الملائكة ورؤساؤهم كجبريل وكإسرافيل وكعزرائيل وبقية قادة الملائكة، واسمهم الكروبيون. وهؤلاء سكان السماء السابعة أكثر من جميع سكان السماوات الأخر وسكان الأرض، وينزلون كلهم فزعين، منتظرين أمر الله في الحساب والعرض عليه، في يوم كان مقداره كألف سنة مما تعدون. فيكون حساب المؤمن يسيراً هيناً، فلا يكاد يشعر به إلا كضحوة نهار إلى القيلولة، وتتم قيلولته على الأسرة في الجنان مع إخوانه المسلمين، {إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر:47]. وأما الكافرون والعصاة المذنبون ممن يريد الله عذابهم وتأديبهم وعقوبتهم فيكون عليهم العذاب والحساب عسيراً. قال تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} [الفرقان:25] أي: تتشقق ويظهر منها هذا الغمام والنور، وتكون قد زالت عن أماكنها. قال تعالى: {وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا} [الفرقان:25] أي: ينزلون بأمر الله، وينزل كل الملائكة الذين في السماوات جميعاً، وينزل بعد ذلك ربنا جل جلاله يحمل عرشه ثمانية من الملائكة، وكل ملك من هؤلاء الملائكة من طوله ومن عرضه ومن عظمته ومن كبره ما لا يكاد يقبله عقل ولا تتصوره نفس حتى يرى ذلك رؤيا العين. وينزل ربنا نزولاً يليق بجلاله وبألوهيته، وكلما يخطر ببالك فربنا مخالف لذلك، وليس في ذلك شيء يشبه الخلق نزولاً وحركة، وإنما هو نزول كقولنا عن الله جل جلاله: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح:10]، وقوله: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة:116]، وقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5]. ونقول ما قاله ربنا، ونثبت ما أثبته نبينا صلى الله عليه وسلم، ونقرأ مع ذلك قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، ونتلو مع ذلك: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4]. فهو سبحانه لا كفؤ له في ذات، ولا شبيه له في فعال ولا ذات، وهو ربنا جل جلاله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار. ونثبت ما قاله صلى الله عليه وسلم: (ينزل الله جل جلاله يوم القيامة للحساب وللقضاء وللفصل بين الناس). وتجتمع الملائكة الذي لا يحصي عددها إلا الله، وعددهم كعدد الحصى والرمل سماءً بعد سماء إلى السابعة، وهذا مضاف إلى ملائكة الأرض، فمع كل واحد منا ملكان، الملك الأول الذي عن اليمين يكتب الخير، والذي عن اليسار يكتب الشر. فهؤلاء جميعاً يجتمعون ويقفون إجلالاً وعظمة لربهم مع المتقين والمؤمنين كذلك. وأما المشركون والعصاة فقلوبهم تصل إلى حلاقيمهم رعباً وفزعاً وهلعاً مما هم فيه، والملائكة يقولون: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، فيسبحون ربهم ويقدسونه ويعظمونه، ولا ينقطع لسانهم ونطقهم عن الذكر والتكبير والتهليل والتقديس والتعظيم لربنا جل وعلا. قال تعالى: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ} [الفرقان:26] أي: الملك الحق هو للرحمن وحده، يوم أن يقول: أين الملوك؟ أين الجبابرة؟ أين الطغاة؟ فلا مجيب، فيجب الله نفسه جل جلاله ويقول: أنا الملك، أنا الديان، أنا الخالق. وإذ ذاك لا ملك ولا سلطان ولا جبار ولا طاغية ولا من يقول: أنا، فالكل عبد مطأطئ رأسه؛ ينتظر نتيجة حسابه إما إلى جنة وإما إلى نار. ويكون الملك يوم ذاك الملك الحق الرازق الخالق، المنفرد بالملك وبالرزق وبالإحياء وبالإماتة، ويكون قد أمات من أمات وأحيا من أحيا، ثم أعاد الكل إلى الحياة الثانية وإلى البعث والنشور؛ ليحاسب كلاً على عمله. قال تعالى: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ} [الفرقان:26] أي: يوم القيامة، وهو يوم تتشقق فيه السماوات السبع، ويبرز منها الغمام والنور الإلهي، وهذا الذي يظهر كأنه الغمام ما هو إلا نور الله جل جلاله، وهو يوم تندثر فيه السماوات وتتوزع وتصبح هباءً وعهناً منفوشاً، وينزل الكل إلى الأرض؛ ليحاسبوا على أعمالهم، فأهل الجنة المؤمنون بالله إلى الجنة، والكفرة العصاة إلى النار. قال تعالى: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ} [الفرقان:26] أي: الملك الحق ليس لأحد، وأما الملك الذي نراه اليوم فهو ملك زائف معار، لو دام لدام للذي سبقه ولما فني الأول، وما فني الأول إلا ليفنى الثاني، فلا ملك إلا ملك الله، فالله جل جلاله المالك المنفرد بالملك وبالخلق. قال تعالى: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} [الفرقان:26]. وهذا اليوم يكون عسيراً على الكافرين, كما قال تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:35 - 37]. وكما قال تعالى: {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج:2]، وهو يوم يشتد العرق بالناس فيه فيأخذ البعض إلى ركبته، والبعض إلى سرته، والبعض إلى صدره، والبعض يغرق في ذلك ولا يموت، ويختنق ولا يموت وهو في العذاب المقيم. وهذا اليوم يكون فيه للمؤذنين ميزة، ففي الحديث الصحيح: (المؤذنون يوم القيامة أطول الناس أعناقاً). ومعنى كون أعناقهم أطول أي: إنهم في هذا اليوم مهما غرقوا في عرقهم فأعناقهم طويلة فلا يصل العرق إلى حواسهم، فلا يصل إلى أعينهم ولا إلى أذانهم ولا إلى مناخرهم ولا إلى شفاههم، فيكونون بذلك في منجى عن الاختناق. فهذا اليوم يكون عسيراً على الكافرين وصعباً وشديداً، وتتعثر بهم الحياة إذ ذاك ويتعثر حسابهم، ثم يسحبون على وجوههم بعد الوقوف، وهم قد أتوا مفلسين من الإيمان ومن الصلاح ومن طاعة الله وطاعة أنبيائه، فيسحبون على وجوههم إلى النار، وهذا بعد أن يكون اليوم كألف سنة مما تعدون. وليس يوم القيامة يوماً واحداً بل هو أيام، ولكن الله يقصر ذلك على المؤمنين الأتقياء الصالحين فيكون كما بين الضحوة والقيلولة، وتكون قيلولتهم في الجنة، ولذا قال ربنا: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان:24].
الفرقان [27 - 32]
تفسير سورة الفرقان [27 - 32] يحكي الله تعالى في هذه الآيات حال الكافر يوم القيامة حين يعض على يديه ندماً وحسرة على عدم اتباع هذا الكتاب، وهذا الرسول، وحسرة على طاعته لأئمة الكفر والضلال حتى ألقوا به في نار جهنم وبئس المصير.
تفسير قوله تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه)
تفسير قوله تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه) قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان:27]. أي: هذا اليوم الذي يكون عسيراً على الكافرين في حسابهم وفي عذابهم وفي شدة محنتهم هو يوم يعض الظالم على يديه؛ {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان:27]، ففي هذا اليوم يندم الكافر، والظلم هنا هو الكفر، والظالم هو الكافر، والكفر أشد أنواع الظلم. أي: يوم يعض الظالم والكافر في هذا اليوم يديه، وذاك كناية عن الندم، فالإنسان عندما يندم ويتحسر ويشتد ندمه تجده يعض أصبعيه، وقد ورد أنه يعض أصبعيه حتى يأكلهما ولا يشعر، وهو يقول: يا ويلتاه! يا ثبوراه! يا بلاياه! قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} [الفرقان:27]، وليس على يد واحدة، وإنما يعض هذه إلى أن يأكلها والثانية إلى أن يأكلها. {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان:27] و (يا ليتني) كلمة تمن فات وقتها، فلم ينتهز حياته قبل موته، ولا شبابه قبل شيخوخته، ولا صحته قبل مرضه، فندم ولات حين مندم، فيعض يديه وهو يقول: يا ليتني! فيتمنى ويتحسر في ألم وفي بكاء وفي حسرة، ولا نفع من ذلك كله. {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان:27]، ليتني اتخذت مع الرسول طريقاً توصلني إلى الهداية وإلى الإيمان، وتنقذني مما أنا فيه، ولكن هيهات فقد انتهت الدنيا ولن يعود ما فات. والوقت سيف إن لم تقطعه قطعك، والإنسان عند الاحتضار ورؤية الملائكة يصبح الغيب بالنسبة له شهوداً وحضوراً، فلا تنفعه توبة ولا استغفار ولا شيء، و {لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام:158]. وهذا كما حصل لـ فرعون عندما أخذ في الغرق والاختناق، فصاح وقال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، وهيهات، فقال الله له: {آلآنَ} [يونس:91] أي: هل هذا وقت الإيمان؟ فقد كفر يوم طلب منه الإيمان، وأشرك يوم طلب منه الهداية، وكذب نبيين صديقين رسولين كريمين، وما آمن حتى رأى ملائكة العذاب تنزع روحه من جميع جسده وخلايا بدنه، وهكذا هنا يفعل الظالم. قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان:27] أي: لا تنفعه ليت وقد انتهى وقت أخذ الطريق والسبيل والإيمان والهداية مع الرسول، فقد كان مكذباً له منتقصاً لمنزلته مشركاً بربه، ثم بعد التمني ينادي بالويل والثبور ويقول: يا ويلتي! يا ويلتى! كل تلك قراءات، {لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان:27]، فينادي بويله، والويل واد في جهنم كله قيح وصديد، فينادي بالنهر وبالوادي هذا، وبالقيح والصديد من النار، وينادي بويله وثبوره، ويتمنى لو لم يتخذ فلاناً خليلاً، ولكل إنسان خليل. والآية عامة في جميع الكفار، وسبب نزولها أن عقبة بن أبي معيط وأبا جهل وشيبة وأمية وخلف وعتبة وعتيبة هؤلاء الضالون المضلون كانوا يضللون الناس الذين يدعوهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخير والهداية، فكانوا يتبعون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون لهؤلاء: لا تثقوا به ولا تصدقوه، نحن قومه وعشيرته، ونحن أعرف الناس به. فأضلوا أولئك الذين يقولون هذا يوم العرض على الله ويوم الحساب والنشور، وينادون بالويل والثبور ويقولون: يا ويلتنا أو يا مصيبتنا! ويقولون: {لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان:27]، وهذا نشاهده الآن وفي كل ساعة، فلا تكاد تجد كافراً سواء كان شيوعياً أو اشتراكياً أو ماسونياً أو وجودياً أو من عباد الصليب من النصارى أو من عباد العجل والعزير من اليهود أو من عباد الطبيعة أو من عباد الشمس أو عباد النار أو عباد الفروج أو عباد الأصنام والأحجار إلا ووجدته ضالاً مضلاً، تجده قد أضل شخصاً بعد أن هداه عالم أو داعية أو صالح أو مؤمن أو مسلم إلى عبادة الله، وحذره وأنذره وقال له: يا فلان! أقول لك الحق: من الذي خلقني وخلقك؟ ومن الذي خلق هذه السماوات العلى؟ ومن الذي خلق هذه الأرض وما عليها؟ أليس الله؟ هل كنت أنا وإياك قبل؟ وهل سندوم؟ وهل دام آباؤنا وأجدادنا؟ إلى أن كاد يؤمن، فيأتيه مجنون أو شيوعي أو مرتد أو نصراني أو يهودي ويقول له: أتقبل هذا الكلام من هذا؟ هذا رجعي متأخر يؤمن بالأديان وبالأنبياء وبالأكاذيب وبالأضاليل، وهكذا يضله ثم عندما يبعث يبعث معه، فتجده يصيح ويتمنى وهيهات، ولات حين مندم، ولا ينفع التمني إذ ذاك إلا زيادة في الحسرة وفي التوجع والألم، وتجده يصيح ويقول: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا} [الفرقان:27 - 28]. أي: لم أتخذه أخاً يخالل مني الجسم والروح، أي: خالله إلى أن سلمه حياته ومستقبله، فأضله وأوصله إلى لما توصل إليه الشياطين الإنسان، ولم يعتذر إلا بعد أن أصبح في السعير والجحيم الدائم الخالد، قال: {يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا} [الفرقان:28]. ويقال: خليل وصديق وأخ. وأما الأخوة العامة فهي الأخوة بين المسلمين، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، وليس غير المسلم أخاً لك. ولا تغتر بما يسمى بالإنسانية، فهي تعاليم وأضاليل يهودية، ولا بقولهم: الوحدة، فإنهم يعنون الوحدة مع اليهود، ولا الحرية؛ فإنما يعنون حرية اليهود. والإنسان ضال مضل، كما قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:1 - 2]، فالإنسان كله خاسر، وهو أشد من الحيوان ضراوة وحيوانية ووحشية إلا من استثنى الله بقوله: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} [العصر:3]، والإنسان غير المؤمن حيوان أعجم كالأنعام، بل هو أضل، فالأنعام تستفيد من بطونها ومن ظهورها ومن أوبارها وأشعارها، وهذا الكافر الحيوان الأعجم إنما ضيق على الخلق ظاهر الأرض، فبطن الأرض خير له ولك من وجوده عليها. قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} [العصر:1 - 3]، ويكفي الإنسان أن يموت وهو يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويكفي أن يموت وهو يعتقد ذلك جناناً وإن لم ينطق به عند الموت. وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (من مات وهو يقول: لا إله إلا الله دخل الجنة)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا لله دخل الجنة). فهذا المؤمن ولو فعل كل أنواع الفسق فإن نعله وحذاءه وما يقع من رجليه أشرف من أكبر إنسان وفيلسوف وإمبراطور في الأرض إذا كان كافراً، والمؤمن هو سيد الخليقة بعد الأنبياء والرسل. ثم قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [العصر:3] أي: المؤمن الذي يعمل الصالحات، والصالحات قيامه بالأركان الخمسة بعد الشهادتين: الصلاة والزكاة والصيام وحج بيت الله الحرام إن استطاع إليه سبيلاً. ثم الرتبة الثالثة: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3]، فهؤلاء الذين دعوا إلى الله، وتحملوا في سبيل دعوتهم ما يتحمله كل داع إلى الله كما تحمل الأنبياء: هم في أعلى الرتب، وأما الإنسان غير المؤمن فليس إلا حيواناً أعجم، فلا كرامة له ولا شرف، ونحن اليوم في جامعاتنا نقول: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، والعلوم الإنسانية هي الاتفاق مع اليهود والاتحاد مع الملحدين والتعاون مع النصارى، وهذا ما قاله القرآن ولا دعا إليه ولا حض عليه، ولا يقبله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فالله لم يقل إلا: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، وما عدا ذلك فليس بأخ لنا، فإن كان كافراً يقول على سيد البشر الكذب ولا يؤمن بالله الخالق فلا يزيد على أنه حيوان أعجم. والله قد أخبرنا في كتابه بأن كل ما على الكون من جماد وحيوان يذكر الله، قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44]. وهذا الكافر الإنسان لا يسبح، وإنما يكفر ويشرك رغم كونه من الأمة المحمدية، وهو من أمة الدعوة المحمدية، وأما أمة الاستجابة فهي الأمة المؤمنة. قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا} [الفرقان:27 - 28]، والخلة أعلى رتب الأخوة، ومن هنا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لولا أن الله اتخذني خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) ومن هنا قيل عن إبراهيم: خليل الرحمن، ونبينا كذلك خليل الرحمن، والخليل هو من خاللت محبته جميع خلايا الجسم، وهذه رتبة لا تليق إلا بالله، ولذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يتخذ خليلاً إلا ربه وخالقه، وقال عن أبي بكر: (ولكن أخوة الإسلام) أي: أفضل بالنسبة للأخوة البشرية.
تفسير قوله تعالى: (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني)
تفسير قوله تعالى: (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني) قال تعالى: {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا} [الفرقان:29]. يقول هذا الكافر: {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا} [الفرقان:29]، وأين كان يوم كان يكذب النبي ويسخر به ويقول: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ ويقول: لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا، فأين كان عقله وفهمه ووعيه؟ فالآن أخذ يبكي ويتحسر ويأكل يديه تحسراً وندماً ويقول: {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ} [الفرقان:29] أي: يقول عن خليله هذا: إنه أضله ولم يهده وأضاعه عن الطريق السوي الذي دعاه إليه سيد البشر وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وترك الطريق السوي المستقيم وخرج عنه إلى طرق الضلال، وترك القيادة المحمدية إلى قيادة الشيطان، وترك قيادة الخلفاء الراشدين إلى قيادة ماركس ولينين، وغيرهما من الأسماء القذرة الوسخة، وترك الحق والنور إلى الباطل والظلمة، وأخذ يبكي الآن ويتحسر بعد أن فاته الوقت. {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي} [الفرقان:29] أي: عن ذكر ربه وتوحيده ودينه ونبيه، وكل ذلك ذكر، فهو قد ضل عن معرفة الله والإيمان به، وعن الإيمان بكتاب الله وأنه كلام الله وقوله وكذب به، وعن كون محمد خاتم الأنبياء وسيد الرسل والخليقة، فهو الآن يتحسر ويبكي ويأكل يديه ندماً، وبدلاً من أن يرى محمداً صباحاً ومساءً، ويجالسه صباحاً ومساءً فإنه لعمى قلبه وضلال فكره ولظلمة التي أحاطت به ضاع عن النور المشرق من النبي صلى الله عليه وسلم الذي أشرق على كل البشر منذ قام في هذه البقاع المقدسة، ودعا الناس جميعاً وقال لهم: إني رسول الله إليكم جميعاً، وبقي هذا الإشراق للكل إلا عليه؛ بسبب عمى بصره. ثم قال تعالى: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا} [الفرقان:29]، والشيطان شيطان الإنس وشيطان الجن، فالآن انقلب على خليله فأصبح يسميه الشيطان، ويقول: إن الشيطان قد خذله، أي: لم يؤازره ويؤيده ويساعده في ما سمع من القرآن من نبي الله صلى الله عليه وسلم، وفي الهداية من نبي الله صلى الله عليه وسلم، وفي النور الذي سمعه من الخلفاء الراشدين والصحابة الأكرمين، ومن جاء بعدهم من العلماء الوارثين لدين الله والداعين إليه. يقال: فلان خذل فلاناً، أي: لم ينصره ويؤيده ويساعده، فقد ضاع عن الحق وخذل عنه ولم ينصر ويؤيد، هكذا يقول الآن عن هذا الشيطان؛ شيطانه الإنسي قبل أن يكون شيطان الجن.
تفسير قوله تعالى: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)
تفسير قوله تعالى: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً) قال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30]. يتأسف عليهم صلى الله عليه وسلم الذي كان في الحياة الدنيا حريصاً على إيمانهم، وعزيزاً عليه ألا يؤمنوا، وشديداً عليه أن يكفروا، فهو مع كل هذا والدنيا قد انتهت وأصبح الناس واقفين بين يدي الله للحساب وللقضاء يقول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30] أي: أمتي. وهي من أرسل إليهم، وهم الجن والإنس، والأبيض والأحمر والأصفر، وكل عجمي وعربي، ومن في المشارق والمغارب والشمال والجنوب، وسكان المعمورة منذ برز صلى الله عليه وسلم وهو يقول: إني بشير ونذير، وإنما أرسلت رحمة، وكنت رحمة مهداة، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]. ومنذ ذلك الوقت وإلى يوم البعث والنشور فكل هؤلاء قومه وأمته، فمن استجاب فهو من أمة الإجابة، ومن تمرد فهو من أمة الكفر والعصيان والتخلف. قال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30]، فهم هجروه فلم يحكموا به، فهجروا أحكامه وحكموا بأحكام اليهود والنصارى، وهجروه فلم يدرسوه، ولا يدرس اليوم في جامعات الدنيا إلا الكلام والحرف والصنائع وما إلى ذلك، وأما كتاب الله وما فيه من علوم علوية وسفلية، من معارف فيها خبر من قبلنا ونبأ من بعدنا وحاضر ما بيننا كل هذا قد ترك، وحتى إن درس في كليات فقد أبعدوه عن الحياة العامة، وعندما أبعدوا الإسلام أبعدوا كذلك علماءه وحفاظه، وأبعدوا علماء القرآن والسنة، وعلماء الإسلام وهجروهم بهجرانهم لله ولكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن فعل هذا فسيكون جزاؤه ما قص الله علينا من هؤلاء، يوم يعض الظالم على يديه وهو يبكي ويصيح ويقول: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان:27]، وينادي بالويل والثبور ويقول: {يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا} [الفرقان:28 - 29]. وسيقول هذا يوم لا ينفعه هذا القول ولا هذا الاعتراف، وهو يسمع الآن ماذا يقول في كتابه، ويسمع النبي ما يقول في سنته صلى الله عليه وسلم، وإذا به يصعر الخد ويعرض عن ذلك ويصد ويقول: قراءته انتهت، ودراسته رجعية. وهكذا ليزداد اليهود طغياناً على المسلمين، ودوساً بأقدامهم على كراماتهم. وما يجري اليوم هو عقوبة إلهية للمسلمين لما طالبوا بـ ماركس أن يكون لهم إماماً ونبياً، وهو يهودي قذر، ابن حاخام أقذر وألعن، وأصبحت تسمع بعض المسلمين يقولون: أنا مسلم ماركسي، أنا اشتراكي إسلامي، وهكذا يعلن خزيته ولعنته على لسانه قبل لسان غيره، فمتى كان اليهودي مسلماً؟! ومتى كان المسلم يهودياً؟! ويقول آخرون بعد ذلك: لم سلط الله علينا اليهود؟ ولم سلط علينا الشيوعية؟ سلطهم علينا لموقفنا هذا الذليل، ولبعدنا عن الله وكفرنا وإشراكنا به وإعراضنا عن كتابه. وهكذا يتحسر نبينا عليه الصلاة والسلام على أمته مؤمنها وكافرها يوم القيامة، ويجأر ويضرع بصوته ويقول: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30]، فقد هجروه حكماً ودراسة وتعليماً وتلاوة وتبياناً، وهجروه في كل شيء يتعلق به قولاً وعملاً، فكان ما نرى. وقد ذل المسلمون بهجرانهم لكتاب الله الذي أعزهم ورفع شأنهم وجعلهم سادة الأرض لمدة ألف عام، وصبر الله عليهم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا أحد أصبر على الأذى من الله)، فقد كفروا به ورزقهم، وقالوا عنه وأعطاهم العينين والشفتين والصحة والشباب والقوة والمال، وهم لا يزدادون بذلك إلا كفراً، كما يقول الملائكة وعيسى والعزير والصالحون لربهم يوم القيامة عندما يسألهم عن ضلال من ضل وأشرك بهم فيقولون: {وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ} [الفرقان:18]، فقد متع الله هؤلاء بالحياة وبالأرزاق وبطول الأعمار حتى نسوا ذكر ربهم ودينه. وهكذا أمهلهم الله ورزقهم وما زادهم ذلك إلا عتواً وفساداً في الأرض، ولكن الله جل جلاله يمهل ولا يهمل، فإذا أخذ الظالم أخذه أخذ عزيز مقتدر ولن يفلته.
تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين)
تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين) قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان:31]. يعزيه ربه ويسليه بألا تبأس ولا تحزن فإن العاقبة لك، فإن رأيت هؤلاء المجرمين في عصرك يشتمونك ويكذبونك ويؤلبون الناس عليك من أمثال أبي لهب وأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف وشيبة بن خلف وعتبة بن ربيعة وأمثالهم من الجبابرة الطغاة؛ فهكذا كان الأنبياء قبلك، فقد كان لكل نبي أعداء مجرمون يؤذونهم ويشتمونهم ويتعرضون لهم بالسوء، كما قص الله جل جلاله علينا ذلك في قصص نوح وهود وصالح وإبراهيم والأنبياء قبل نبينا جميعاً على نبينا وعليهم سلام الله وصلاته. يقول الله جل جلاله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} [الفرقان:31] أي: كما جعلنا لك عدواً فكذلك كان للأنبياء قبلك، فقد كان هناك مجرمون يجرمون في حقهم، ويكذبونهم ويشنعون عليهم ولكنهم صبروا وثبتوا، فكانت العاقبة لهم، وكذلك أنت يا محمد! اصبر واثبت فالعاقبة لك. وقد كان ذلك، فعندما دخل مكة فاتحاً وقد ذلت الجزيرة لسلطانه ولأمره ونهيه جمعهم كما تجمع العصافير في ركن من أركان غرفة، وقال لهم: (ماذا ترون أني فاعل بكم؟) فأخذوا يتملقونه ويقولون: (أخ كريم وابن أخ كريم)، وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد قدرته وعزته وسلطانه يعفو عنهم ويقول: (اذهبوا فأنتم الطلقاء). ومنذ تلك الساعة لم يبق في الجزيرة ولا خارجها من يتعرض له، بل إنه هو صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت عليه الصلاة والسلام وجه جيوشه في غزوة مؤتة وغزوة تبوك لحرب الروم المجاورين المهددين للإسلام ولنبي الله عليه الصلاة والسلام. وما كاد يذهب إلى الرفيق الأعلى حتى جاء خليفتاه العظيمان، بل الخلفاء الراشدون الأربعة فنشروا الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، فأخذوا الشام والعراق ومصر وفارس والمغرب، ودان الكل بدعوة الله وبدين محمد عليه الصلاة والسلام. وهكذا خلال نصف قرن كان العالم من أقصاه شرقاً من الصين إلى جبال الألب في أرض فرنسا غرباً، وما بين ذلك شمالاً وجنوباً يدينون بدين الإسلام، وكلهم يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، والمآذن في جميع هذه البقاع مدناً وقرىً وجبالاً ووهاداً وبحاراً وفي كل مكان تؤذن الأوقات الخمسة بكلمة التوحيد. وهكذا كانت العاقبة والنصر والتأييد له صلى الله عليه وسلم، وهكذا عاقبة كل الدعاة إذا صبروا وأخلصوا وأنابوا، فالعاقبة للمتقين. قال تعالى: {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان:31] أي: يا محمد! إن أعرض عنك جماعة وأجرموا في حقك وخذلوك وكذبوك وعادوك وأصبحوا مجرمين بالتكذيب وبتكفير المؤمنين بك، وقولهم عنهم: بأنهم صابئون -كما نقول اليوم: خائنون- تركوا دينهم الوثني وعبادة الأصنام إلى عبادة الله فيكفيك الله هادياً ونصيراً، فالله هاديك إلى الطريق الحق، وإلى الطريق المستقيم، وإلى وسائل النصر وغايته ونصره، وقد فعل جل جلاله، فهداه إلى الطريق الحق الموصل إلى الجنة وإلى الرحمة وإلى الرضا، وكذلك كل من تبعه ودان بدينه وقال بقوله، وهو وحده النصير والمؤازر والمؤيد جل جلاله، ومن كان الله معه وناصره فلا يحسب لأحد في الأرض حساباً، ولا يخاف أحداً إلا الله. ولذلك كان شعار المؤمن هو الكلمة التي نقولها عشرات المرات في كل يوم في بداية الصلاة، وفي كل حركة من حركات الصلاة، وفي الأذان وفي الإقامة، وفي صلوات الفرض النافلة: الله أكبر. فالله أكبر تعني: لا كبير مع الله، وكل ما خطر بالبال من طاغية أو فاجر أو ظالم أو جبار فالله أعظم وأقوى منه، وهو الذي يسلطه علينا إن شاء. وما من جريمة أو ذنب أو عقوبة إلا نتيجة ذنب وجريمة، ولذلك فالمؤمن الحق إذا ضاقت به الأرض، وكثرت عليه الأعداء وتألبوا من مختلف بقاع الدنيا رفع يديه إلى الله وتضرع إليه قائلاً: يا رب! يا رب! ليس غيرك هادياً، وليس غيرك ناصراً، وخاصة في الثلث الأخير من الليل عندما ينزل ربنا إلى سماء الدنيا ويقول: (هل من داع فأستجيب له؟ هل من شاك فأشكيه؟ هل من جائع فأشبعه؟ هل من عار فأكسوه؟ هل من مظلوم فأنصره؟). وتلك الساعة والناس نيام إذا رفع الناس أيديهم لربهم وهم قائمون راكعون ساجدون فقمن أن يستجيب الله دعاءهم ويقبل ضراعتهم. فالله جل جلاله القادر على كل شيء أمرنا بالدعاء وضمن لنا الإجابة، قال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60]. وقال العارف: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من فيض جودك ما علمتني الطلبا أي: ما ألهمك الدعاء حتى ضمن لك الإجابة، وكل ذلك شرح لقوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60].
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن)
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن) قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان:32]. فهؤلاء الكافرون لا ينتهون عن الغث من القول، وعن سخافة المنطق ورذالة العقول، فقالوا هذه المرة: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان:32] أي: بعد أن طلبوا أن الملائكة تنزل إلى الأرض لتصدقه، وطلبوا الرب لينزل بنفسه ويصدقه، وبعد أن قالوا: لم هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ قالوا هذه المرة: ولم هذا القرآن ينزل آية آية وسورة سورة؟ لماذا لم ينزل دفعة واحدة؟ قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان:32] أي: لم لا ينزل القرآن جملة واحدة؟ في ساعة واحدة؟ ولو كانت لهم عقول تفهم وتدرك لفهموا لماذا. فالقرآن نزل خلال ثلاث وعشرين سنة من نبوة النبي عليه الصلاة والسلام منجماً مرتلاً رتلاً بعد رتل، وآية بعد آية، حسب المصالح والنوازل والأحداث وما يحتاج إليه، فكانت تحدث الحادثة مع يهود فينزل قول الله تعالى يبين الحق في ذلك، وتحدث حادثة مع الوثنيين وعباد الأصنام فتنزل آية تبين الحق في ذلك. وقد أنزل الله في مكة المكرمة من الآيات ما يدعو للتوحيد، وترك الأوثان، والتخلق بالأخلاق الفاضلة، والتخلي عن الأخلاق الرذيلة الفاسدة فقط، والآيات المكية والسور المكية كانت في أغلبها وفي عمومها آيات تزيف الشرك والوثنية، وتبعد الناس عن عبادة الأصنام والأحجار، وتدعو إلى عبادة الله الواحد، وإلى التصديق بمحمد نبياً ورسولاً وخاتماً للأنبياء صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت ذلك خلال اثني عشر عاماً مع الشدة والتحمل وإيذاء قريش للنبي صلى الله عليه وسلم والأصحاب المكرمين المبجلين، حيث كانوا يعذبون وينكل بهم إلى أن يموت من يموت، فقد ماتت سمية أم عمار وزوجة ياسر، وقد كان أبو جهل يعذبها ويدعوها للكفر بالله وبرسالة محمد، وهي تأبى وتقول: لا إله إلا الله، إلى أن توتر عصبه وفقد صبره وجن جنونه فطعنها في قبلها بحربة، فماتت شهيدة وهي تقول: لا إله إلا الله. وقد مر سيدنا صلى الله عليه وسلم عليها وهي تعذب هي وزوجها وولدها عمار فلم يقل لهم أكثر من: (صبراً آل ياسر! إن موعدكم الجنة). وكان بلال يربط بحبال ويسلم للأطفال فيتلاعبون به في أزقة مكة، ويؤتى به في الحر الشديد وقت الظهيرة فيلقى عليه الحجارة وكأنها جمر متقد، فيقول له أبو جهل وأبو سفيان وعقبة بن أبي معيط: اكفر بالواحد، فكان يقول: أحد أحد. وهو عبد أسود مشترىً بالمال، فلم يقتلوه؛ خوفاً من أن يضيعوا مالهم الذي اشتروه به. وبعد أن عذب هذا العذاب اشتراه أبو بكر وأعتقه، فقد مر أبو بكر عليهم وهم يعذبونه وقال لهم: ماذا صنع هذا الغلام؟ لم كل هذا العذاب؟ أتبيعونه لي؟ ففرحوا؛ لأنه لم يضع مالهم فيه، فاشتراه ثم أعتقه. ثم أصبح بلال هذا داعياً بكلمة التوحيد، ولما دخل مكة فاتحاً صلى الله عليه وسلم أصعده على ظهر الكعبة يؤذن: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكان شيوخ الكفر لا يزالون موجودين، فأخذوا يصيحون بالويل والثبور ويذكرون آباءهم وأجدادهم ويحمدون لهم أن ماتوا ولم يروا هذا الذل، وهو أن يصعد هذا العبد الأسود على ظهر الكعبة ويدوسها بقدميه، ويعلن عن محمد أنه نبي، ويبطل الأصنام المتعددة ويدعو للإله الواحد. ولكن بلالاً كان سيدهم وأشرفهم وأكرمهم، فقد كان مؤمناً لله موحداً، وكانوا هم مشركين وثنيين عباداً للشيطان وللأصنام. قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان:32] أي: لم لم ينزل عليه القرآن جملة واحدة؟ وما هذا الفضول؟ وماذا يعنيكم ذلك ما دمتم كافرين؟ فإن أسلمتم فتعالوا فاسمعوا لماذا، وإن بقيتم على الكفر فماذا يعنيكم ذلك؟ والله لم يقل الجواب، ولكنه فهم من خلال الآية، قال الله تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان:32] أي: أنزلناه كذلك منجماً على مدة ثلاث وعشرين سنة {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان:32]، فالوحي ثقيل، والأمانة بحمل القرآن أثقل، ولو حمله الله لنبيه صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة لما حملتها ذاته الضعيفة، ولكن الله أنزله عليه شيئاً شيئاً وزمناً زمناً؛ ليتثبت وليتيقن وليزداد إيماناً ويقيناً ومعرفة، وليثبت به فؤادك وقلبك على الدعوة، وعلى القرآن، وعلى الوحي، وعلى الدعوة إلى الله ونشر هذا الإسلام.
الفرقان [32 - 38]
تفسير سورة الفرقان [32 - 38] لقد استغرب المشركون من نزول القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم مفرقاً، وقالوا هلا نزل جملة واحدة، وزعموا أن الكتب السماوية السابقة نزلت على الأنبياء جملة واحدة. ولم يفقهوا أن نزول القرآن مفرقاً منجماً فيه من الحكم والفوائد الشيء الكثير.
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة)
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) قال الله جل جلاله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان:32]. يقول هؤلاء الذين كفروا على كثرة ما قالوا من حماقات شنعاء لا معنى لها في دين ولا دنيا، وإن هو إلا الحقد والبغضاء للحق وللدين ولنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم. فقالوا: {لَوْلا نُزِّلَ} [الفرقان:32] أي: هلا نزل عليه القرآن، {جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان:32] أي: دفعة واحدة، وإنما نزل عليه منجماً يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وسنة بعد سنة. فيقول الله تعالى: {كَذَلِكَ} [الفرقان:32] أي: كذلك أنزلناه منجماً مفرقاً خلال ثلاث وعشرين سنة للمصالح التي تتجدد، ولما هناك من ناسخ ومنسوخ، وأحكام وقصص، وأسئلة يسأل عليها كافرون ومؤمنون. فلو نزلت الآية التي فيها سؤال قبل السؤال لكانت قد نزلت في غير موضعها، وفي غير وقتها، فلا تؤدي المعنى الذي أدته وقت الحاجة لذلك، وكانت الحاجة في مكة إلى الدعوة إلى الله وتوحيده، وإلى تزييف الأصنام، والتعريف بأن الشرك بالله ضلال وباطل، وإلى أن الله لا ثاني معه لا في ذات ولا في صفات ولا في أفعال. وبعد أن مر على الإسلام والمسلمين اثنا عشر عاماً، وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة أخذت الأسباب تدعو لأن يكون ثم آيات أخر ووحي آخر ينزل بأحكام الحلال والحرام، وينزل بالآداب، وينزل أجوبة للأسئلة. وكثيراً ما قال تعالى في كتابه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة:219]. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة:222]. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85]، فهذه الأسئلة لو نزلت أجوبتها قبل سؤالها وقبل الحاجة إليها لما أدت المعنى المطلوب. أما الثانية: فالوحي شيء ثقيل ومهمة لا تكاد تحملها الجبال الرواسي، فعندما نزل الوحي في غار حراء على نبينا عليه الصلاة والسلام رجع إلى زوجه أم المؤمنين خديجة وهو متزعزع النفس، يقول لها: (زملوني زملوني) أي: غطوني، وهو لا يعلم ما الذي حدث إلا ساعة نزول جبريل، وقد ضمه إليه ضمة كادت أضلاعه أن يدخل بعضها في بعض، وهو يقول له عند كل مرة: (اقرأ، فيجيبه: ما أنا بقارئ) هكذا ثلاث مرات، إلى أن قال له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:1 - 5]. ثم انقطع الوحي قيل: ثلاث سنوات، وقيل: بضعة أشهر، حتى اشتاقت النفس النبوية الكريمة لتلقي الوحي، وقد أعدت روحه ونفسه لذلك، ثم أخذ الوحي ينزل متقطعاً ثم متتابعاً، وقبل أن يموت بقليل صلى الله عليه وسلم صار ينزل عليه الوحي في كل حين وفي كل وقت، سفراً كان أو حضراً، ليلاً أو نهاراً، ينزل عليه وهو مع الناس، أو في بيته، وهكذا إلى أن نزلت آخر آية على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة:3]. فعندما أخبر بكمال الإسلام، وبتمام النعمة والرحمة إذ ذاك كان الوحي قد نزل متتابعاً. أما سبب سؤال الكفار للنبي أن ينزل عليه القرآن دفعة واحدة فهو زعمهم أن التوراة والإنجيل والزبور نزلت على أنبيائها دفعة واحدة. فنزلت التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، ولكن هذا لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبقى كلاماً قد قيل، ولعله قد بلغنا عن علماء أهل الكتاب، ونحن لا نصدق ذلك منهم ما لم يؤكده آية من كتاب الله، أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالقرآن نزل جملة واحدة للسماء الدنيا، ثم أخذ جبريل ينزل به منجماً، مرتلاً رتلاً بعد رتل، وأرسالاً بعد أرسال على نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد قال تعالى في سورة القدر: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1]. أي: أنزل الله كتابه القرآن الكريم إلى السماء الدنيا ليلة القدر؛ ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان، ثم تكفل جبريل بأن ينزل به على نبينا عليه الصلاة والسلام بالمناسبات، وعند الحاجة، وعندما يسأله سائل أو تحدث قصة أو حدث، وهكذا. وسؤال الكفار بأن ينزل القرآن على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم جملة واحدة ودفعة واحدة، أو ينزل وقتاً بعد وقت وزمن بعد زمن ماذا يفيدهم ذلك وهم لا يزالون على كفرهم؟ إن هو إلا الفضول، والكفر والقول بغير علم وبغير فهم وبغير إدراك. قال تعالى: {كَذَلِكَ} [الفرقان:32] أي: كذلك لم ننزله جملة واحدة، ولا في زمن واحد، ولا مرة واحدة، بل نزلناه في مكة وفي المدينة وما بينهما، والنبي مسافر أو حاضر أو كان بين قومه وهكذا؛ ليتقبل ذلك بنفس قوية، ويكون استعداده لذلك استعداد الرجال المتحملين لثقل المهمة والرسالة. فكان صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي وكان بجانبه أحد ووقعت ركبته عليه فإنه يحس بثقل شديد، وتكاد عظامه تتكسر لثقل ما يشعر من الركبة النبوية عندما يتنزل عليه الوحي. وكان ينزل الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو على ناقته فتشعر بأن الناقة تحمل أطناناً من الثقل، حتى تكاد أن تعجز عن حمل ذلك وتقع؛ لثقل ما تحمله من الوحي. ولذلك فإن هذا الوحي لو نزل جملة واحدة لما تحملته الذات البشرية التي هي من عصب ولحم ودم، فكان الله ينزله زمناً بعد زمن؛ إعداداً للنفس النبوية لتستطيع تحمله. قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان:32] أي: ليثبت قلبك، وترسخ نفسك، وتستقر على قبول ذلك، وتلقيه، ووعيه، وفهمه، وحفظه؛ ليؤديه بدوره للناس حلالاً وحراماً، عقائد وقصصاً، آداباً ومعاملات. وقوله تعالى: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان:32] أي: نزلناه شيئاً بعد شيء، ورتلاً بعد رتل، ووقتاً بعد وقت، وزمناً بعد زمن، مرتلاً مفهماً؛ ليستطيع صلى الله عليه وسلم تقبل ذلك بوعي كامل وفهم كامل وحفظ كامل. ولذلك كان عليه الصلاة والسلام والوحي ينزل عليه يخاف أن يفلت منه، فتجده يعيده مع نفسه، فأمر ألا يعيد الآية ويكررها، بل يستمع ويعي إلى أن ينتهي، فالله قد تكفل له بذلك، وقد تم له كما يريده.
تفسير قوله تعالى: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا)
تفسير قوله تعالى: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً) قال تعالى: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان:33]. أي: لا يأتيك هؤلاء الكفار بمثل من الأمثال التي يضربونها لك بالمتشابهة من الأضاليل والأباطيل إلا جئناك بالحق الذي يزيفها، ويدحضها، ويكشف باطلها، مما يصلح حقاً تدركه النفوس السليمة والعقول المدركة، أما التي لا علم عندها ولا نور ولا إيمان معها فتلك كالأنعام بل هي أضل. فقوله: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان:33] أي: بضرب مثل أو تشبيه، فقد كانوا يقولون فيه تارة بأنه افترى، وتارة بأنه بشر من الناس يأكل ويشرب، ويتنقل في الأسواق، ويتزوج كما نتزوج، ويتألم كما نتألم، ويسر كما نسر، فهذه الأمثال التي يأتون بها يأتي الله عليها بالحق وبما هو أحسن تفسيراً، وأبين وضوحاً، وأكمل وعياً وأداءً. وأصل التفسير: الفسْر، والفسْر معناه: الكشف، ويقال: نحن نفسر كتاب الله، أي: نكشف حقائقه، ونبين معانيه، ووقت نزوله، وماذا يراد به مما فسره به المصطفى صلى الله عليه وسلم والصحابة الأكرمون والتابعون لهم بإحسان، وما ورد في ذلك من إجماع، وما تؤديه اللغة العربية بلاغة ونحواً ولغة. فالتفسير: التبيين والكشف والفسر عن الشيء حتى يبين ويوضح، فيقول تعالى: ما ضرب هؤلاء الكفار أمثالاً لك لضلالهم وزيغهم ما أنزل الله بها من سلطان إلا وأجبناك عليها بالحق، وبالواقع، وبما ليس فيه زيف ولا باطل، وهو أحسن تفسيراً، وأحسن بياناً، وأحسن كشفاً. وكلمة (أحسن) هنا ليست على بابها، فمعنى القرآن حسن التفسير، أي: حسن الإيضاح والبيان، أما أمثالهم فلا حسن فيها، ولا بيان معها، ولا كشف لحقيقة تؤخذ منها.
تفسير قوله تعالى: (الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم)
تفسير قوله تعالى: (الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم) قال تعالى: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:34]. هؤلاء الكافرون الذين يهرفون بما لا يعرفون، والذين يضربون لك الأمثال الضالة الباطلة؛ زيغاً وفساداً وصداً عن الله وعن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيحشرون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم. وسئل النبي عليه الصلاة والسلام كيف يكون ذلك؟ فكان A ( الذي جعله يمشي على قدميه قادر على أن يجعله يمشي على وجهه) وقد فعل جل جلاله ما أخبر؛ لكفرهم في الدنيا، ولطغيانهم، ولكبريائهم على الله ورسوله، ولتعاظمهم على عباد الله، وعلى العارفين بالله، وعلى الداعين إلى الله. فهؤلاء الكافرون الذين لم يؤمنوا بالحق عندما يحشرون فإنهم يحشرون على وجوههم، فتكون وجوههم إلى الأسفل، فقد كانوا في الدنيا يمشون على أقدامهم، ففي يوم المحشر يمشون على وجوههم زاحفين، ويبقون في المحشر كذلك إلى أن يصدر الأمر الإلهي للملائكة بأن يجروهم كذلك إلى جهنم وبئس المصير. وقوله: {أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا} [الفرقان:34] أي: الذين ضربوا الأمثال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واتهموه في صدقه، وفي علمه، وفي الكتاب المنزل عليه، وفي عقله وإدراكه وقالوا وقالوا، هم شر مكاناً. والشر أيضاً على غير بابها، فهم الأشرار، وهم المبطلون، وهم الفاسقون، وهم الكذبة الفجرة. وأما سيد البشر صلى الله عليه وسلم فهو في الذروة العليا: مكاناً وصلاحاً، وتقىً، وصدق رسالة، ونبوءة تبليغ وبلاغ بما كلفه الله به أن يبلغه. وأما أولئك الكفرة الفجرة فأولئك في مكان شر وفاسد، في جهنم وساءت مصيراً. وقوله: {وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:34] أي: هم الأضل طريقاً، وأيضاً معنى (أضل) هنا على غير بابها، أي: هم الضالون في طريقهم وفي سبيلهم، فليست الطريق التي يسلكونها إلا طريق الكفار والمغضوب عليهم، والضالين والمشركين. وأما طريق النبي صلى الله عليه وسلم فهو الطريق المستقيم، وطريق الأنبياء والمرسلين، وهو الطريق الذي أمر الله به، ودل عليه كتاب الله، وهو الطريق الذي فسره وبينه بوحي من ربه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. ولذلك فإن الدنيا فيها ظلمة ونور، وحق وباطل، فللمؤمن النور والحق، ولمن سوى ذلك الضلال والظلمة والفساد والزيغ عن الحق {أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:34].
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا)
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً) قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا * فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} [الفرقان:35 - 36]. قد بينا وفصلنا في غير ما سورة من السور قصة موسى وهارون مع فرعون وبني إسرائيل، وقصة نوح مع قومه، وقصة هود مع عاد، وقصة صالح مع ثمود، وقصة لوط مع قومه. فالله كرر هذا إشارة وتلويحاً مختصراً؛ ليهدد وينذر هؤلاء الكافرين بمثل العذاب الذي لقيه أولئك الكفار الجاحدون، ألم يأخذوا منهم عبرة وآية ودرساً؟ ألا يزالون مصرين على كفرهم وقد سمعوا ما جاء به الكتاب وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن فعل فعلهم من الأمم السابقة كيف لعنوا ودمروا وانتهوا، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى؟! فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [الفرقان:35] وهو التوراة. {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا} [الفرقان:35] أي: جعل موسى نبياً وعززه وأيده بأخيه هارون، فكان نبياً له مؤيداً ومؤزراً ومعيناً، والوزير: المعين والمساند والمؤيد. فقد طلب موسى من ربه أن يرسل معه أخاه هارون، فاستجاب الله له فأرسلهما معاً إلى فرعون وهامان وقارون، وإلى القبط وبني إسرائيل. فجعله الله نبياً ووزيراً، مساعداً ومؤيداً ومعضداً ومسانداً، فكان كلاهما نبياً رسولاً، وكلاهما ذهب إلى هؤلاء فدعواهما إلى الله، وأتيا عن الله بالآيات البينات التي أعجزتهم، والتي ما زادتهم مع ذلك إلا الكفر والإصرار على الكفر. ونبينا عليه الصلاة والسلام يدعو قومه إلى الله وإذا بهم يقفون في وجهه كما وقف الكفار في وجوه الأنبياء السابقين. فقال تعالى لموسى وهارون معاً: {فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} [الفرقان:36]، فذهب موسى وهارون إلى فرعون فقالا: إنا رسولا ربك. وذهبا إلى قارون وهو من بني إسرائيل، وقد كانت خزائن ملكه وأمواله تعجز عنها العصبة أولوا القوة، كانوا يعجزون عن حمل تلك المفاتيح لكثرة ما تمول، ولكثرة ما استغنى، حتى أصبح يضرب به المثل بالغني فيقال عنه: مال قارون. أي: أنه رجل يملك من المال الكثير. فدعوا بني إسرائيل فكذب من كذب وآمن من آمن، وأما القبط فقد كذبوا جميعاً إلا من رحم ربك، ولا يكاد يذكرون إلا على الأصابع. وبنو إسرائيل قد كانوا آمنوا أولاً، ثم ضل منهم من ضل عندما صنع لهم السامري عجلاً له خوار، وصنعه من الذهب وقال لقومه وقد ذهب موسى لميعاد ربه في الطور: {هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} [طه:88]. فدعاهم إلى الوثنية من جديد بعد أن أراهم موسى العز والحرية ورفع شأنهم، فأزال عبودية قارون وهامان وفرعون عنهم، ولكن بني إسرائيل هم بنو إسرائيل في القديم والحديث. فعذب الله الأقباط بأن أغرقهم، وعذب بني إسرائيل بالتيه في الصحراء أربعين عاماً، ومن أراد منهم التوبة فلن تقبل منه حتى قتل بعضهم بعضاً؛ وذلك لأنهما أمراهم بالتوحيد، وبالطاعة، وبعبادة الله الواحد، والكفر بالأصنام والأوثان جميعاً، وإذا بهم يكذبونهما، ولم يؤمنوا بآية ولا بمعجزة، فكانت النتيجة بالنسبة للأقباط أن أغرقهم الله ودمرهم تدميراً. قال تعالى: {فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} [الفرقان:36]، فدمرهم الله وأهلكهم وسحقهم، وأنهى وجودهم كأنهم لم يكونوا، وأصبحوا ورقة معلقة وخبراً وقصصاً في الكتب، فذهبت الأرواح والأولاد والبلاد والأملاك، وأصبحوا وكأن لم يكونوا في أمس الدابر. والطوائف الكافرة من بني إسرائيل كذلك دمرهم الله تدميراً، وأهلكهم حتى أصبحوا عبرة للمعتبر، وأصبحوا يذكرون لمن يأتي بعدهم ويكفر كفرهم، فيهددون وينذرون بعاقبة كعاقبة الأقباط وبني إسرائيل. ونبينا عليه الصلاة والسلام يدعو الناس للإيمان به، فمن كذبه كان جزاؤه في الدنيا عذاب الله وخزيه.
تفسير قوله تعالى: (فقلنا اذهبا إلى القوم)
تفسير قوله تعالى: (فقلنا اذهبا إلى القوم) فقال تعالى لموسى وهارون معاً: {فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} [الفرقان:36] فذهب موسى وهارون إلى فرعون فقالا: إنا رسولا ربك. وذهبا إلى قارون وهو من بني إسرائيل، ممن كانت خزائن ملكه وأمواله تعجز عنها العصبة أولوا القوة، كانوا يعجزون عن حمل تلك المفاتيح لكثرة ما تمول، ولكثرة ما استغنى، حتى أصبح يضرب به المثل بالغني فيقال عنه: مال قارون. أي: أنه رجل يملك من المال الكثير. ودعوا بني إسرائيل فكذب من كذب وآمن من آمن، أما القبط فقد كذبوا جميعاً إلا من رحم ربك ولا يكاد يذكرون إلا على الأصابع. وبنو إسرائيل قد كانوا آمنوا أولاً، ثم ضل منهم من ضل، عندما صنع لهم السامري عجلاً له خواراً، وصنعه من الذهب وقال لقومه وقد ذهب موسى لميعاد ربه في الطور: {هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} [طه:88]. فدعاهم إلى الوثنية من جديد بعد أن أراهم موسى العز والحرية ورفع شأنهم، فأزال عبودية قارون وهامان وفرعون عنهم، ولكن بني إسرائيل هم بنو إسرائيل في القديم والحديث. فعذب الله الأقباط بأن أغرقهم، وعذب بني إسرائيل بالتيه في الصحراء أربعين عاماً، ومن أراد منهم التوبة فلن تقبل منه حتى قتل بعضهم بعضاً. وذلك لأنهما أمراهم بالتوحيد، وبالطاعة، وبعبادة الله الواحد والكفر بالأصنام والأوثان جميعاً، وإذا بهم كذبوهما، ولم يؤمنوا بآية ولا بمعجزة فكانت النتيجة بالنسبة للأقباط أن أغرقهم الله ودمرهم تدميراً. قال تعالى: {فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} [الفرقان:36] فدمرهم الله وأهلكهم، وسحقهم، وأنهى وجودهم كأنهم لم يكونوا، وأصبحوا ورقة معلقة وخبراً وقصصاً في الكتب، ذهبت الأرواح والأولاد، والبلاد، والأملاك، وأصبحوا وكأن لم يكونوا في أمس الدابر. والطوائف الكافرة من بني إسرائيل كذلك دمرهم الله تدميراً، وأهلكهم حتى أصبحوا عبرة للمعتبر، وأصبحوا يذكرون لمن يأتي بعدهم ويكفر كفرهم، فيهددون وينذرون بعاقبة كعاقبة الأقباط وبني إسرائيل. ونبينا عليه الصلاة والسلام يدعو الناس للإيمان به، فمن كذبه كان جزاؤه في الدنيا عذاب الله وخزيه.
تفسير قوله تعالى: (وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم)
تفسير قوله تعالى: (وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم) قال تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفرقان:37]. أي: واذكر كذلك يا محمد قوم نوح عندما بعثنا لهم نوحاً، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعوهم إلى الله صباحاً ومساءً، حضراً وسفراً، ليلاً ونهاراً، وفي كل وقت وحين ونوح متحمل وصابر، فقد صبر أكثر من نبي الله أيوب، فأيوب صبر بضع سنوات. أما نوح فصبر ألف عام إلا خمسين عاماً، إلى أن قال له الله: {لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود:36]، وقال: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]. فأخبره الله بأن الذين قد آمنوا لن يزيدوا، وهم قليل، فرفع يديه متضرعاً وقد صبر صبر الكرام، وقال: {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح:26 - 27]. فدعا على الكبار والصغار؛ لأن الآباء والأمهات لا يلدون إلا أمثالهم، ويقبلون على الكفر، ولا ينصتون إلى نوح، ويصدون من آمن منهم عن نوح. فقوله: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ} [الفرقان:37] ولم يرسل الله إلى قوم نوح إلا نوح ومع ذلك ذكر تكذيبهم للرسل، ومعنى ذلك: تكذيب المبدأ، فمن كذب رسولاً واحداً فإنه يكون قد كذب جميع الرسل، ومن يعبد وثناً أو خلقاً أو حيواناً لم يؤمن برسول من الرسل؛ لأن دعوتهم واحدة، والوحي واحد، والمعبود واحد، والمنزل للكتاب واحد. فكان هؤلاء بتكذيبهم للرسول الواحد نوح كمن كذب جميع الرسل، وقص الله علينا قصة قابيل وهابيل عندما قتل أحدهما الآخر، فكان من قتل نفساً كأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً. فمن أزهق روح إنسان فهو بنفسه الشريرة، وبخلقه القاسي، وبعدم خوفه من الله وعقابه كمن أزهق أرواحاً، ومن سعى في إحياء روح بالإحسان إليها، وبدفع الضر عنها، يكون كمن أحيا الناس جميعاً، وهذا باعتبار مراعاة المبدأ أو عدم مراعاته. وهكذا قوم نوح عندما كذبوا نبياً واحداً كانوا كمن كذب الرسل كلهم، والرسالات جميعاً، فكفروا بالنبوءة والرسالة، وكفروا بالمرسل لها كذلك. فقال الله عنهم: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ} [الفرقان:37] أي: عاقبهم الله بالغرق، وهذا فيه تحذير وإنذار للذين يكفرون بمحمد خاتم الأنبياء وسيد الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً} [الفرقان:37] جعل الله قوم نوح عبرة للناس، ومثالاً وتحذيراً، حتى إذا حاول أحد من الناس أن يصنع صنع قوم نوح من التكذيب برسل الله، والصد لرسل الله، والوقوف في وجه الدعاة إلى الله، كان عقابه ومآله وخاتمته هي خاتمة قوم نوح، فكانوا آية وعبرة. وقوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفرقان:37] أي: اعتدنا وهيأنا لكل ظالم كافر، ولكل مشرك لا يؤمن بيوم الحساب عذاباً أليماً، كالعذاب الذي قابله وبلي به قوم موسى وهارون وقوم نوح كذلك. فمن لم يؤمن من أمة محمد وكفر بالله ورسوله، فليحذر عاقبة كعاقبة المكذبين السابقين من أقوام الأنبياء السابقين.
تفسير قوله تعالى: (وعادا وثمود وأصحاب الرس)
تفسير قوله تعالى: (وعاداً وثمود وأصحاب الرس) قال تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} [الفرقان:38]. أي: اذكر يا محمد! عاداً وموقفهم من نبيهم هود، وثمود وموقفهم من نبيهم صالح، وأصحاب الرس مع نبيهم. أما قوم عاد فقد كفروا بالله، وجددوا كفر قوم نوح من قبل، فعندما أغرقت أمة نوح جميعها لم ينج من الخلق إذ ذاك إلا أصحاب السفينة، وهم بضعة عشر فرداً. فكان نوح ومن معه آدم الثاني للبشر والخليقة كلها، فقد نجحوا من الغرق لإيمانهم ولدينهم، وبعدما مضت قرون أخرى عاد بعض أبنائهم إلى الكفر والعصيان ونسوا الذكر؛ لما متعوا به من طول الأعمار وقوة الأبدان، وكانوا يسمون العمالقة؛ للطول والعرض، والقوة في البدن وفي المال وفي العمل. وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً وكانوا وكانوا، فتفرعنوا وطغوا وجددوا الكفر السابق من قوم نوح، وإذا بالله الكريم يرسل عليهم الصيحة والزلزلة، فزلزلت بهم الأرض زلزلاً، وصاح بهم جبريل صيحة صرع الكل. ومن دخل إلى أرض ثمود يجد الإنسان هيكلاً عظمياً قائماً أو ممتداً أو جالساً، يحلب بقرة أو يدير رحى أو يركب حماراً، وهو على هذه الحالة. وهذا أيضاً قد حصل لبعض الشعوب هناك، والله لم يذكر لنا الكل، وإنما ذكر لنا أمثلة، وسيلخص ذلك ويقوله بعد هؤلاء. وقوله: {وَعَادًا وَثَمُودَ} [الفرقان:38] عندما كفروا بأنبيائهم هود وصالح، وشتموهما، وهددوهما، وكذبوهما، ولم يؤمن بهما إلا قليل من الناس، كذلك الله تعالى أذهبهم بالصيحة وبالزلزلة وأصبحوا كأمس الدابر أيضاً، فالله يهدد من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم بعاقبة كعاقبة هؤلاء. ثم قال: {وَأَصْحَابَ الرَّسِّ} [الفرقان:38] قال بعض المفسرين: هم ما تبقى من قبائل عاد وثمود. والرس: بئر، فكانوا هؤلاء قد نسبوا لها، وهم فئة جاءت من بعد وكفروا ككفر أسلافهم. وقال البعض: بل هي قبيلة من قبائل شعيب كذبوا شعيباً، ونسبوا لهذه البئر. وقال البعض: بل هو نبي جديد أرسل إلى أرض اليمامة في نجد، وكان قومه مجاورين لبئر يستقون ويشربون منها، فأرسل الله لهم نبياً فلم يؤمن به إلا عبد أسود، وكلهم كذبوه، ورسوه في الرس، أي: رموه في البئر وغطوا البئر بصخرة، وتركوه ليموت جوعاً، ولكن هذا العبد الأسود الذي آمن به كان يأتيه خفية بالطعام وبالشراب، وأعانه الله على رفع تلك الصخرة عندما كان يقدم له طعاماً وشراباً. وعاش هذا النبي زمناً حياً في هذا البئر المغلق عليه بهذه الصخرة، ثم بعد ذلك أخذت سنة لهذا العبد فنام بها سبع سنوات، ثم صحا وتقلب على الجانب الآخر، ثم نام نومة ثانية فدام فيها سبع سنوات بما يشبه حالة أصحاب الكهف، ثم قام ولا يظن أنه نام إلا أياماً، فذهب إلى البئر فلم يجد النبي، وإذا به يسمع أن القوم قد أسلموا له ودانوا له وتابوا من ما مضى. وقال قوم: أصحاب الرس كانوا في أرض أذربيجان، وليس في بلاد العرب. وقال قوم: كانوا في أنطاكية. وقال قوم: هم أصحاب الأخدود الذين ذكر الله لنا قصتهم مطولة وستأتينا بإذن الله، فقد حفر لهم حفائر وقتلوا. وقال البعض: هو صاحب ياسين الذي دعاهم للإسلام وكان مؤمناً بينهم، ولا نستطيع أن نخرج بشيء من ذلك بيقين؛ لأنه لم يرد في ذلك حديث صحيح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكننا نقول: إن أصحاب الرس جماعة، والرس معناه: البئر. فأصحاب البئر أيضاً كذبوا نبيهم، فعاقبهم الله ودمرهم، وقد ذكرهم مع المدمرين والمهلكين من قوم نوح وهود وصالح، وقوم موسى وهارون. وقوله تعالى: {وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} [الفرقان:38] أي: عصوراً أخرى لم يذكرها الله، والقرن مائة سنة عند الجمهور، وقيل: مائة وعشرون، وقيل: أربعون عاماً. وقيل: ثمانون عاماً. ولكن المعلوم في بيان الحديث النبوي الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). زاد في رواية: (ثم الذين يلونهم)، فقد ذكر أربعة قرون، وهي ما نسميها بالعصور الفاضلة، والجمهور على أنها ثلاثة: وهي: قرن النبي الذي عاش فيه ومعه أصحابه. والقرن الثاني: قرن التابعين الذي يبتدئ بـ عمر بن عبد العزيز رحمه الله. ومضى قوله تعالى: {وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} [الفرقان:38] أي: بين قوم نوح وقوم موسى وهارون وقوم هود وقوم صالح وأصحاب الرس قرون كثيرة، وعصور ودهور تقدر بآلاف السنين ومئات الأنبياء، وكلهم كذبوا أنبياءهم فدمرهم الله وأهلكهم بين صواعق من السماء، وزلازل من الأرض، وصرع، وخسف، وغرق، وحروب تقوم بينهم تفنيهم جميعاً. والله ذكر كل ذلك مفصلاً ومجملاً، وسمى البعض كقوم نوح ومن معه، ولخص اسم الباقي لكن جمعهم مع هؤلاء في التكذيب والإهلاك والتدمير. فالله تعالى هدد الكفار بأن يدمرهم، ويهلكهم، ويقضي عليهم، ويتبرهم تتبيراً؛ نتيجة كفرهم وتكذيبهم للأنبياء. وهذا التهديد لا يزال قائماً لساعتنا هذه وإلى يوم القيامة، فالعصر الذي برز فيه صلى الله عليه وسلم وهو يدعو الناس إلى عبادة الله والإيمان به نبياً هو نفس العصر الذي نعيش فيه، فنحن مطالبون باتباع شريعة محمد والكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله، الذي يخاطب كل الخلق إلى يوم القيامة: بأن يؤمنوا بالله واحداً، وبمحمد نبياً وخاتماً للأنبياء والمرسلين، فمن لم يفعل ومن كذب وتهاون فهو مهدد بمثل ذلك، وما هذه الحروب، وهذا البلاء، وهذا الجوع والوباء أحياناً، وهذا الذي يجري في العالم الإسلامي قبل وبعد وفي حاضرنا إلا لما كذبوا أنبياءهم، وخرجوا عن دينهم، وارتدوا، وعصوا، واختلفوا، وخالفوا، ومن باب أولى الذين لم يؤمنوا بالمرة. وفي عصرنا وما سيأتي فإن الكفار سيبقون دائماً مدمرين، هالكين، متبرين بالأنواع التي يريدها الله، ولعذاب الله أخيراً أشد وأنكى.
الفرقان [40 - 44]
تفسير سورة الفرقان [40 - 44] لقد ذكر الله تعالى حال الكفار في مرورهم على القرى التي دمرها الله وجعلها عبرة لمن بعدها، ومع ذلك لم يتعظ هؤلاء المارون عليها، بل زادت قلوبهم قسوة وإعراضاً. ثم ذكر حال الذي اتخذ هواه إلهاً يعبده من دون الله، فهو ينفذ كل ما تمليه عليه أهواؤه وشهواته، ولا يعرف رباً ولا ديناً.
تفسير قوله تعالى: (ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء)
تفسير قوله تعالى: (ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء) قال تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا} [الفرقان:40]. يقول تعالى عن هؤلاء الذين عصوا النبي صلى الله عليه وسلم وكانت لهم رحلة الصيف والشتاء للتجارة إلى اليمن والشام، هؤلاء الذين قال الله عنهم: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} [الفرقان:40] أي: أنزل الله عليها حجارة، وقوارع، وصواعق من السماء، وقلبها رأساً على عقب، وجعل عاليها سافلها ثم أمطر عليها حجارة من سجيل. هذه القرية التي أتى هؤلاء عليها ومروا عليها وهم يرونها في طريقهم إلى الشام هي: سدوم وخمس قريات من أرض فلسطين، وهي القرى التي أرسل فيها لوط نبياً لهم ورسولاً عليهم، وقد كانوا يأتون الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين، فاكتفى الرجال بالرجال، إلى أن طمعوا في رسل الله الملائكة الذين جاءوا إلى لوط يخبرونه بأن يترك القرية، وفي الصباح سيجعلون عاليها سافلها، ثم سيمطرون بحجارة من سجيل من السماء، وقد قالوا: {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود:81]. وكان لوط قد انزعج عندما جاءه أنبياء الله من الملائكة في صورة أحداث وشباب مرد، وكانت زوجة لوط تخبر قومها أصحاب الفاحشة عن كل من يأتي زائراً إلى لوط، وتقول لهم: لقد جاء لوطاً فلان وفلان وفلان؛ ليأتوا إليه فيطلبون أولئك الشبان، فلما جاءته الملائكة في صورة أحداث انزعج لوط، فطمأنه هؤلاء الملائكة. فعندما خرجوا إليهم ضربوهم بأجنحتهم وإذا بأعينهم تطمس، ليست تعمى فقط، إنما أصبحت لحماً كالجبهة والخد، ثم أمر الله جل جلاله هؤلاء الملائكة فأتوا إلى الأرض التي كانوا فيها فأخذوها من أطرافها ورفعوها حتى سمع سكان السماء أصوات الديكة وأصوات الحمير، ثم قلبوها عاليها سافلها، ثم رجموهم بالحجارة. ويقول الكثير من الأئمة من الصحابة والتابعين وأئمة الاجتهاد: بأن مرتكب هذه الفاحشة يرجم بالحجارة عزباً كان أو متزوجاً. والبعض قال: يجعل على أعلى جبل ويدهده، أي: يرمى ويقذف إلى أن يصير في الحضيض ويتقطع إرباً إرباً، وأجزاء أجزاء؛ لأن الله عاقب هؤلاء بهذا، فجعل الأرض عاليها سافلها ثم قذفهم بالحجارة من السماء. وكانت قريش في تجارتها في الجاهلية تمر على قرى قوم لوط في أرض فلسطين، وترى آثار الخسف والرجم، وبقي هذا لأزمان، ولعله إلى الآن لا يزال يرى هذا. فالله يقول لهؤلاء: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} [الفرقان:40] أي: قد جاءوا لهذه القرية التي أنزلت عليها أمطار ليست بالماء ولكن بالحجارة، والحجارة كانت من سجيل، فمطروا مطر سوء، ومطر هلاك، ومطر قضاء، ومطر خسف ومسخ ورجم. وقوله: {أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} [الفرقان:40] أي: أليسوا يرونها في ذهابهم وإيابهم في رحلاتهم التجارية صيفاً وشتاءً، ألا يتخذون من ذلك عبرة؟ ألا يتخذون من ذلك ما يعيدهم للدين والإيمان والتوحيد. وقوله: {بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا} [الفرقان:40] أي: بل كانوا كفرة لا يخافون النشور والبعث، ولا يؤمنون بيوم القيامة، ومن كان كذلك فهو لا يخاف الله؛ لأنه يعتقد أن الدنيا إنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع، ولا حياة ثانية، فهم كبقية الكفار بناء على هذا الرأي الفاسد وهذه العقيدة الضالة، فيشكرون ويظلمون ويقطعون الأرحام ويهتكون الأعراض ويكفرون بالله وينشرون الفساد، ويقولون: إن هو إلا الدهر، وهم من نسميهم بالدهريين وبالملاحدة وبمن لا دين لهم. وكل من في الأرض على هذه العقيدة وعلى هذا الدين إلا المسلمين الذين لا يزالون متمسكين بدينهم، والكثير منهم قد ضلوا وآمنوا بأفكار وآراء ضالة وفلسفات وافدة لم تأتهم إلا بالشرك، والإلحاد والبعد عن الله ودينه وكتابه ونبيه صلى الله عليه وعلى آله. فالله يقول عن هؤلاء: ليس لك بهم أن يفهموا أو يدركوا أو يؤمنوا، فإذا مروا على هذه القرية التي أمطرت مطر السوء فيرون بأعينهم ما نزل بهم، ولكن لكفرهم بالله وعدم إيمانهم بيوم البعث والنشور فهم لا يخافون بعثاً ولا نشوراً، ولا يخافون يوم القيامة، يوم يعرضون فيه على الله إما إلى جنة وإما إلى نار. ونتيجة هذه العقيدة ازداد كفرهم وصدهم، وأصروا على الكفر وأنواع الدعارات والفسوق، كما ورد عن أصحاب الرس أنهم انفردوا ببلاء آخر، فقد كانت النساء يستغنين بالنساء، وهو ما يسمى بالمساحقة، كما كان الرجال يستغنون بالرجال عن النساء من قوم لوط، وهذا فعل شنيع، ونسبته إلى نبي الله لوط نسبة فظيعة، فصارت هذه الفاحشة تسمى باللوطية، وهو شيء ما كان ينبغي أن يكون، ولكن هذا الذي كان. فأصبح علماً لهؤلاء الرجال الذين يستغنون بالرجال والنساء اللاتي يستغنين بالنساء، وهذا بلاء قد عم وطم، وأنذر الناس به قديماً وحديثاً، وما كان في قوم إلا وعمهم الله بعذاب، وعمهم بالمحنة، وعمهم بالذل وبالهوان وبالسحق وبالدمار وبالهلاك.
تفسير قوله تعالى: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا)
تفسير قوله تعالى: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزواً) قال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} [الفرقان:41]. أي: يا محمد! إذا رآك قومك وكل من جاء بعدك وعاصرك وإن لم يرك، فإنهم يهزئون بك ويشتمونك، ويقولون فيك الأقاويل كما قص الله علينا في هذه السورة. فكان الكفار من نوع أبي لهب وأبي جهل وأمثالهما من قومه إذا رأوه يهزئون به ويسخرون منه ويقولون: أهذا الذي بعث الله رسولاً؟! ولم لا؟ وقد كان أجمل الرجال، وأعلم الرجال، وأبهى الرجال، وأصدق الرجال، وقد كان الناس إذا رأوه لا يستطيعون أن يحدوا البصر إليه. ولكن لصعود الران على قلوبهم لم يروا كل هذا، وإلا فلماذا يستهزئون برسول الله عليه الصلاة والسلام وهو فارسهم، وأجودهم وخطيبهم، والمبلغ عن ربه لهم، وقد كانوا في الأربعين السنة التي عاشها معهم قبل الوحي والنبوءة ما يذكرونه إلا بالتقدير وبالإجلال وبالاحترام، ولم ينادوه باسمه محمد وإنما يقولون: الصادق الأمين. فيصفونه بالأمانة وبالصدق، ولكن هؤلاء عندما ران الكفر على قلوبهم وأصبحوا أتباعاً للشيطان انقلبت هذه الصور التي كانت عندهم في أيام الجاهلية، وأصبحوا يهزئون به، ويسخرون منه، ويتغامزون فيما بينهم ويشيرون إليه ويقولون: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} [الفرقان:41]. وهذا لعنتهم وخزيهم وشديد كفرهم ومزيد إصرارهم على هذا البلاء، وقد قال الله لنبيه: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر:95] وقد كفى الله نبيه هؤلاء المستهزئين. يقول ابن تيمية: من خصائص النبوءة المحمدية أنه ما استهزأ به أحد في حياته أو بعد حياته إلا وختم الله عليه بسوء الخاتمة، فمات على الكفر والشرك. وقص قصصاً للأولين، وقصصاً للمعاصرين. وما رأينا كافراً ومنافقاً لعيناً يذكر النبي صلى الله عليه وسلم بما يؤدي إلى الاستهزاء والسخرية إلا ولعنه الله في الدنيا فدمره وأذله، وخرب قلبه، فأصيب بتشويه الوجه وبالإفلاس وبالذل والهوان، وأصبح القرد أجمل منه وأبهى منه، فيصير أخس من قرد وأذل من خنزير، ويموت على الكفر، وينطق في سكرات الموت بكلمات الكفر، ويعلن: بيا ويلاه! ويا ثبوره! ويا هلاكه!
تفسير قوله تعالى: (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا)
تفسير قوله تعالى: (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا) قال الله تعالى: {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:42]. فالكفار يسرون ويفرحون لأنهم لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولم يتركوا عبادة الأصنام والأوثان، فيستهزئون ويقولون: {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا} [الفرقان:42] أي: لقد كاد، وكاد من أفعال المقاربة أي: قرب أن يردنا إلى الإسلام، وهكذا يزعمون، فيسمون الهداية ضلالاً. وقوله: {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا} [الفرقان:42] أي: كادوا أن يهتدوا وكادوا أن يصبحوا مسلمين، ولكن أحد شياطينهم فيمن سيقولون عنه يوم القيامة وهم ينادون: {يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا} [الفرقان:28]. فهذا الذي اتخذوه خليلاً بعد أن كادوا أن يسلموا ويؤمنوا ردعهم، وأبعدهم فلم يسلموا ولم يؤمنوا، وهم في الدنيا لا يزالون يفرحون بذلك، ومتى سيعرفون الحق وقد ابتعدوا عنه كل هذا البعد، وهانوا كل هذا الهوان! قال تعالى: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ} [الفرقان:42] والتسويف بالسين للقريب، وبسوف للبعيد، أي: بعد الموت. وسوف يرون، أي: سيرون قريباً عندما يرون العذاب، وسيرون العذاب عند الاحتضار، وعند سؤال القبر، وسيرون العذاب الخالد يوم القيامة يوم العرض على الله، وإذ ذاك سيعلمون ويندمون وهيهات، ولات حين مندم، ولا ينفعهم علم ولا معرفة عند ذاك وسيدركون من هو أضل سبيلاً. و (أضل) هنا أيضاً ليست على بابها، وليس فيها المشاركة وزيادة، أي: سيدركون أنهم الضالون المشركون المجرمون الأعداء الكفرة الفجرة، وأن النبي هو الحق، فقد آتاه الله الحق، ورزقه بالحق، ودعا للحق، وما كان الباطل إلا منهم، فقد دعوا بالباطل وحاربوا الحق إلى أن ماتوا على الباطل، وبعثوا مع أهل الباطل في جهنم مع المبطلين والمشركين والكافرين. {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:42] أي: سيعلمون عند ذلك من طريقه وسبيله أكثر ضلالاً وفساداً وظلمة وضياعاً، فهم الضالون المفسدون وحدهم، وهم الذين اتبعوا السبيل الفاسد الجائر الموصل للكفر وللشرك وللظلم وللضلال.
تفسير قوله تعالى: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه)
تفسير قوله تعالى: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) قال الله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان:43]. أي: أرأيت يا محمد ببصيرتك وببصرك، فهذا خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام وهو خطاب لكل المؤمنين ولكل الناس ممن يرى ذلك ببصره وببصيرته إن كانت له بصيرة. فقوله: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان:43] هذا استفهام تقريعي توبيخي، فيقرع الله جل جلاله فيه قلوب هؤلاء، ويعجب نبيه من هؤلاء الذين كفروا بربهم ولم يؤمنوا برازقهم كيف اتخذوا من هواهم إلهاً؟ وما الهوى إلا اتباع النزوات والشهوات مما تهواه الأنفس. فمن هوى الفساد اتخذه إلهاً، ومن هوى الشرك اتخذه إلهاً، ومن هوى الفجور اتخذه إلهاً، وهكذا كان الكفرة، فقد كانوا يهوون الأحجار فيصنعون منها تمثالاً فيسجدون له ويركعون، ثم يملونه فيرمونه ويأتون بخشبة أو بحجر آخر فينحتونه ويتخذونه إلهاً، وقد يعطونه اسماً من الأسماء. ويوجد في الكنائس والمتاحف أصناماً كثيرة، ويسمونها بـ مريم، وعيسى، وبإلههم الأكبر، حاشا الله من ذلك وتعالى علواً كبيراً. وهذه الأحجار لا تدوم الآلاف من السنين، فهم في كل مرة يجددون حجراً ووثناً وصنماً، وتجدهم في كنائسهم يقفون أذلاء خاضعين متبذلين لعبادة هذا الصنم، فتقول لهم: هذا حجر قد يكون بال عليه كلب أو خنزير أو ثعلب فكيف تعبدون هذا؟ ولكن من اتخذ إلهه هواه، ومن صار الران على قلبه كيف تهديه؟ هكذا يقول الله لنبيه: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان:43] أي: أتكون حافظاً وضامناً وكافلاً له حتى لا يفعل ذلك، فلا يكون هذا، قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:272]. فليس على الرسل إلا البلاغ، وهو إبلاغ الرسالة التي كلف بها أنبياء الله أن يدعوا الناس إليها؛ حتى يسمعوهم بآذانهم، ويروهم بأعينهم المثال الكامل في سيرتهم أنفسهم، أما أن يجبروهم على الإسلام فلا، قال تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56]، فالهداية ليست لك هي لله، فالله يهدي من يشاء، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف شاء جل جلاله.
تفسير قوله تعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون)
تفسير قوله تعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون) قال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:44]. أي: أتظن يا محمد! أن هؤلاء الكفار الذين اتخذوا إلههم أهواءهم عندما تخاطبهم يسمعون أو يعقلون؟ فهم يسمعون منك ولا يعون، فلا يسمعون إلا الصوت. وعندما تتلو كتاب ربك وبيانه من سنتك، وتشرح لهم ذلك أتظن أنهم يسمعون أو يعقلون؟ فلا سمع لهم ولا عقل، إنما هي الأصوات يسمعونها كما نسمع الدواب عندما تتكلم، ولا ندرك إلا أصواتاً أو لغة لا نفهمها، فكان هؤلاء لفسادهم وضلالهم واتخاذهم أهواءهم آلهة يسمعون الصوت ولا يعون المعنى، ويسمعون الكلام ولا يعقلونه، ولا يدركونه، ولا يعونه. قال الله عنهم: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ} [الفرقان:44] أي: ليس هؤلاء إلا كالدواب والحيوانات، كحمارك، وكبغلتك، وكبعيرك، وكشاتك. فمعنى: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ} [الفرقان:44] أي: ليسوا إلا كالأنعام. وقوله: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:44] أي: أبعد طريقاً في الكفر والضلال والجهل وعدم السمع وعدم العقل وعدم الوعي، فهم أقبح من الدواب والأنعام؛ لأن الأنعام عندما يحسن إليها ربها وصاحبها ومالكها فيطعمها ويشربها ويعطيها الكلأ ويحفظها من الذئاب ومن الضواري، فإنها تعتاده وتتبعه وتحبه، وتحرص على أن تكون معه. ثم هي تفيده بولادتها من بطونها، وتفيده بأوبارها وأشعارها من ظهورها، أما هؤلاء فربهم الرازق المعطي المحيي، الذي رزقهم أعيناً وألسنة، ورزقهم شباباً وصحة، وأحياهم، فكفروا به، وأعرضوا عنه، واتخذوا الآلهة أرباباً من دون الله، فهم على ذلك أضل سبيلاً. وهذا ما يقوله القرآن يجب على المسلم أن يسمعه، ويقوم به، ويعتقده اعتقاداً جازماً: أن كل كافر في الأرض، وكل مرتد من المسلمين هو والحيوانات سواء، بل إن الحيوانات أشرف منه وأكرم. ولا تغتر بمن قالوا عنه: مثقف أو دارس أو فيلسوف أو رئيس أو يدرك شيئاً، فهم كالأنعام بل هم أضل، وهم لا يسمعون ولا يعقلون، فكل من يكفر بالله الخالق ويجعل له ثانياً ويعبد هوى نفسه ويعبد أوثانه وحجارته، إن أسمعته كتاب الله لا يسمع منك إلا الصوت، فلا يعقل ولا يدرك ولا يفهم، وهو بهذا الاعتبار حيوان أعجم، بل الحيوان أشرف منه وأكرم منه. وإذا كان بينك وبينه معاملة دنيوية فقم بها، وما سوى ذلك لا تعامله ولا تصاحبه ولا تقل يوماً عنه: إنه مدرك أو عاقل أو يفهم، ومن كفر بربه يوشك أن يكفر بك يوماً، وأن يغدر عليك، وأن يجور عليك، وأن يأكل مالك، ويبطش بك. وهكذا يفعل الكفار اليوم في الأرض، فقد تواطئوا وتآمروا على المسلمين يهوداً ونصارى وملاحدة، ومنافقين من الداخل كذلك.
الفرقان [45 - 47]
تفسير سورة الفرقان [45 - 47] في هذه الآيات يذكر الله تعالى بديع خلقه وصنعه من مدّ الظل ثم قبضه، ومن خلقه الليل والنهار خلفة يخلف أحدهما الآخر، ومن إرساله للرياح بشراً بين يدي رحمته، وغير ذلك.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) قال الله جلت قدرته: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} [الفرقان:45 - 46]. بقيت آية في الأمس لم يذكرها المعيد ولم تفسر، وهي قوله تعالى: {وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} [الفرقان:39]. فهؤلاء الجاحدون الكافرون والمنافقون الضالون قد ضرب الله لهم أمثالاً وحججاً وبراهين وأدلة تدحض شبههم وأباطيلهم وضلالاتهم، فمن أصر منهم على الكفر والشرك والنفاق والخلاف فقد تبّرهم الله تتبيراً، والتتبير: التدمير والتخريب، فكلهم دمرهم الله وقضى عليهم بالغرق، أو بالصيحة، أو بالزلزلة، أو بجعل الأرض عاليها سافلها، فكلهم قد دُمّر وتُبّر؛ لما في ذلك من صلاح للناس، وعقوبة لأمثال هؤلاء العصاة. يقول تعالى يخاطب نبيه عليه الصلاة والسلام -وهو خطاب لكل الناس-: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} [الفرقان:45] الرؤية هنا تفسّر برؤية البصر ورؤية العلم والبصيرة، أي: ألم تر -يا رسولنا- بعلمك وبصيرتك وفهمك وإدراكك هذا الظل كيف مده الله! ومن يقدر عليه غير الله؟! فالظل هو ما يكون عادة من طلوع الفجر إلى شروق الشمس، ففي هذا الوقت يكون الظل ممدوداً على الأرض، وهو أحسن ما يكون وقتاً وزماناً، وأكثر ما يكون راحة للمرضى وللنائم بعد النوم حين يصبح الإنسان مع هذا الظل الممدود الذي لا شمس معه ولا شعاع ولا ما يؤذي، حتى إذا أشرقت الشمس أخذ الظل يزول شيئاً فشيئاً إلى أن تُصبح الشمس قد قضت على الظل، وقد وصف الله الجنة بأنها ظل ممدود {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الواقعة:30] أي: لا شمس فيها ولا ما يؤذي النظر والبدن، وإنما حالها كحال هذا الوقت منذ طلوع الفجر إلى شروق الشمس، فهو ظل ممدود متصل، فالظل في هذا الوقت أشبه ما يكون بظلال الجنة. يقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} [الفرقان:45]. أي: لو شاء ربك -يا محمد- لجعل هذا الظل دائماً، فلا تكون شمس ولا شعاع، ويكون الجو في الدنيا أشبه بجو الجنة، ولكن الشمس فيها مصلحة للأحياء، ومصلحة للنبات، ومصلحة للمياه والبحار، وكل شيء مما خلق الله له فيها منفعة ينتفع بها الخلق. قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} [الفرقان:45] أي: جعلنا الشمس دليلاً على الظل الذي كان قبله، ولو لم تكن شمس لما انتبهنا للظل، ولما وصفناه بالظل، ولظننا أن الجو والوقت والزمن كذلك باستمرار، وقديماً قيل: (وبضدها تتميز الأشياء)، فعرف الظل بشروق الشمس، وعُرفت الشمس بالظل قبلها.
تفسير قوله تعالى: (ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا)
تفسير قوله تعالى: (ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً) قال تعالى: {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} [الفرقان:46]. فبشروق الشمس يأخذ الظل في الانقباض شيئاً فشيئاً، وزمناً بعد زمن ليضمه إليه ضماً خفيفاً، حتى إذا أشرقت الشمس لم يبق ثم ظل. وهذا الظل يكون عادة أكثر راحة للبدن وللنفس، وأكثر اطمئناناً للإنسان القلق والمريض، وأما الشمس فيختفي منها الإنسان عادة، ويستظل بظلالها مع حاجة إليها. يقول تعالى: {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} [الفرقان:46] فُسّر قوله (يسيراً) هنا بأن ذلك يسير على الله لا يعجزه ولا يتعبه، وكل شيء يسير على الله وهيّن، وهو القادر على كل شيء، ولكن الأقرب هنا أن المعنى أنه تعالى يجمعه إليه شيئاً فشيئاً في وقت قريب، فلا تكاد ترى قرص الشمس قد بدا ظهوره حتى تضم الظلال بعضها إلى بعض، إلى أن ينتهي وتصبح الشمس وقد أشرقت في الأرض كلها جبالها ووهادها، وبرها وبحرها. وهكذا عندما تزول وتأخذ تميل إلى الغروب يعود الظل، ويسمى فيئاً، أي: يفيء الظل الذي كان في الصباح، فيعود مساءً من جهة المشرق عندما تذهب الشمس لجهة المغرب. فهذا الذي يلفت الأنظار: من الذي قدر عليه؟ ومن الذي صنعه؟ إنه ربنا جل جلاله القادر على كل شيء. وهذه الآية وما يأتي بعدها من آي من هذه السورة المكية الكريمة فيها الأدلة المقنعة التي يؤمن بها كل من خلق الله له عقلاً سليماً على قدرة الله وعلى آيات الله في كونه، وعلى أنه القادر على كل شيء وحده، فلا يحتاج إلى شريك ولا إلى معين ولا إلى مؤازر جل جلاله وعزّ مقامه.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي جعل الليل لباسا والنوم سباتا)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي جعل الليل لباساً والنوم سباتاً) قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان:47]. فالله جل جلاله هو الذي جعل الليل لباساً يلبس كل الخليقة، ويلبس كل الكون ويغمره ويغشاه، فلا يرى من الأرض شيء، وشبهه تعالى لستره وغشيانه وتغطيته باللباس، فالنهار نراه بيّناً عند شروق الشمس، وعندما يأتي الليل ويغشي النهار ويلج فيه لا يُرى من الأرض شيء، فتُصبح الأرض وقد كُسيت لباساً سترها فلا يُرى منها بحرها ولا برها، ولا وهادها ولا جبالها، كالإنسان الذي يكون عرياناً فيستره لباسه عندما يلبسه، فمن الذي خلق ذلك؟ يقول تعالى: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا} [النبأ:9] أي: قاطعاً يقطع العمل، ويقطع الفكر، ويريح البدن، ويقطع شغله، فيريح الروح والبدن، وينقطع به الجسد عن الأشغال والأتعاب، وتنقطع به الروح عن التفكير بما يشغلها ويهمها، فيكون الليل لباساً، ويكون النوم سباتاً. فالذي يمرض لا ينام، ويصيبه الأرق كثيراً، فيمرض جسده وتمرض روحه، ولا يكاد يستطيع العمل إذا هو أرق وسهر الليالي المتصلة؛ لأن هذا البدن الضعيف يحتاج إلى أن ينقطع عن العمل والحركة، وهذه الروح التي تجري فينا تحتاج كذلك إلى ما يقطعها عن التفكير، وعن الهم، وعن الاشتغال بما يخطر في البال أو بما يحرّك الجسد، فلو لم يكرم الإنسان بالنوم لينقطع عن العمل لمرض جسده، ولأشرف على التلف والهلاك، فمن الذي قدر على ذلك؟ ومن الذي خلق ذلك؟ ومن الذي أكرم الإنسان بذلك؟ إنه الله جل جلاله. فلو جعل الله الدنيا نهاراً كلها أو ليلاً كلها، أو يقظة كلها أو نوماً كلها لاضطرب نظامها، ولتعب خلقها، ولعجزوا عن العمل وعن التفكير، ولكن الله جل جلاله جعل لعباده الليل لباساً يسترهم كما يستر البدن من العري، وجعل النوم سباتاً يقطع به أعمالهم وأفكارهم؛ ليجدوا راحة يستقبلون بها النهار بعد ذلك بنشاط وهمّة وقدرة جديدة. قال تعالى: {وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان:47] فهو الذي جعله نشوراً تنتشر فيه الخلائق في الأرض، فهذا إلى مصنعه، وهذا إلى متجره، وهذا إلى مكتبه، وهذا إلى مزرعته، وهكذا ننتشر بعد النوم وبعد السبات وبعد الليل وبعد السكون، فحين تشرق الشمس ويصبح النهار نأخذ في الانتشار؛ لنرتزق ولنتكسب ولنعمل لديننا ودنيانا، فلو كان الليل سرمداً لتعب الناس كثيراً، ولشقّت عليهم الحياة، وقد وجد بعض هذا في الأرض، ففي الشمال عند القطب المتجمد يكون اليوم سنة كاملة، فستة أشهر هي ليل لا شمس فيها ولا نهار، والستة الأشهر الثانية نهار لا ليل فيها، فيرتب الساكنون بقرب ذلك المكان يومهم على أنه اثنتا عشرة ساعة، فينامون بعضها ويعملون في بعضها، ولكنك تجدهم منهكين أجساداً وفكراً وروحاً. فالله تعالى جعل أغلب الأرض على الليل والنهار في الساعات المحدودة. فهذا الخلق من ليل ونهار، وظل وشمس، ونوم ويقظة، وظلام ونور، كل ذلك خلقه الله لهذا العبد ليشكر نعم الله عليه، ويأخذ من ذلك أدلة واضحة قاطعة على قدرة الله على كل شيء.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته) ثم قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]. هذه الريح التي نحس بها ونشعر بكيانها -وإن كانت العين لا تراها- تحتاج إليها الأرض والإنسان حاجة شديدة، فالله خلقها وأرسلها لتكون بشرى بين يدي رحمة الله، لتكون مبشرة بالغيث والمطر والرزق النازل من السماء والقدرة الإلهية القادرة على كل شيء، حيث ترى الجو ساكناً فإذا بالرياح تبتدئ فتكون هذا السحاب وتجمعه وتكثّفه، وتسوقه لينزل منه المطر فيغيث الأرض، وتكثر المياه الجوفية، فتمتلئ الآبار، وتجري الأنهار، وتنبت الأشجار، ويزرع الزارع، ويشرب الشارب، وهكذا خلق الله هذه الرياح لتكون مبشرة بما بين يديها من رحمة الله ورزقه وغيثه وأمطاره التي يرسلها لتكون أسباباً للرزق والنبات ولحياة الإنسان الذي لا يستطيع أن يعيش بغير مياه. يقول تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الفرقان:48] وقرئ في السبع: ((نُشْرًا)) أي: تنتشر في السماء لينزل بعدها الغيث والأمطار والأرزاق التي هي نتيجة هذا المطر والغيث. قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] هذه السحب جعلها الله أسباباً لإنزال الأمطار، فهي تنزل من السماء، وكل علو سماء، فهذه السحب تجمع قطرات الماء، فيرسلها الله تعالى فيحيي بها الأرض بعد موتها؛ ليغيث الخلق، فالله جعل من الماء كل شيء حي، فلا يستغني عنه حي مطلقاً.
معنى قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا)
معنى قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً) قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] أنزل الله من العلو ماء طهوراً، أي: ماء آلة وأداة للطهارة والتطهير، فلا تكون الطهارة في البدن والثوب، ولا يكون الغسل والوضوء للصلاة والاعتكاف والطواف والسعي إلا بهذا الماء، وطهور: فعول، كقولك سحور: أي طعام السحور، وفطور: أي طعام الفطور. وقد فهم جمهور الفقهاء من ذلك أن الماء الذي لا تجوز الطهارة إلا به هو الماء الصافي غير المختلط ولا الممتزج بشيء معه، فهو أداة الطهارة وأداة النظافة وأداة ما يتعبد الإنسان به في وضوئه وغسله؛ ليصلي لله، وليطوف بالكعبة المشرفة، وليسعى بين الصفا والمروة، وليقوم بما لا يتم إلا بالطهارة بالماء من العبادات. ومن هنا يقول الفقهاء الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، وعليه جماهير الفقهاء من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين: إن الماء الذي يصلح للطهارة هو الماء الذي لم يختلط بشيء، وزادوا على ذلك فاستدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام عندما سئل عن ماء البحر، فقال: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) فهو الطاهر ماءاً، وهو الأداة التي تصلح للطهارة، وهو مثال للماء الذي قال عنه عليه الصلاة والسلام: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فعند الأئمة الثلاثة وجماهير الفقهاء من الصحابة فمن بعدهم أن الطهارة لا تحصل إلا بهذا الماء. وفسّر الحنفية الطهور بالطاهر، فقالوا: كل مائع تصح الطهارة به، فصححوا الوضوء بالنبيذ وبالخل وبالعصير وبماء الورد وبماء الزهر، وهذا الذي قالوه هو فهم استدلوا عليه بآثار لم يصححها الجمهور، وقالوا: إن كلمة (الطهور) في القرآن المراد بها آلة الطهور، أي: آلة ما يتطهر به الإنسان، وليس معناها الطاهر فقط. وقالوا: قليل الماء ينجّسه قليل النجاسة، وكثيره لا ينجسّه شيء إن لم يتغير به، فإن كان الماء كثيراً فاختلط به شيء فإنه إن غيّر أحد أوصافه الثلاثة -أي: اللون أو الطعم أو الريح- فعند ذاك لا يتوضأ به، ويُعتبر غير صالح للتطهير. والماء طهور لا ينجسه إلا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه، إن كان هذا التغيير بشيء ليس من أصل الماء، كأن يمر الماء على معدن كبريت أو حديد أو زئبق فنجد طعم ذلك المعدن في الماء فهذا لا يضره، وكأن نجده قد تغير بالتراب نتيجة سيل أو أمطار غزيرة، فهذا لا يضره؛ لأنه تغيّر بالتراب الذي يمر عليه. وأما إذا تغير بشيء ألقي فيه فتغير أحد أوصافه الثلاثة فإنه لا يصلح ولا يجزئ للطهارة. وقال الشافعية: ينجس الماء إذا لم يبلغ القلتين بمجرد وقوع النجاسة فيه، واستشهدوا ببئر بضاعة في الحياة النبوية، فهذه البئر كانت تلقى فيها الأزبال، وتلقى فيها الأقذار مما يغير أحياناً لوناً وطعماً وريحاً، ومع ذلك كان الأصحاب يتوضئون منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الماء الطهور لا ينجسه شيء) أي: هذا الماء رغم ذلك لا ينجس ولا يغير، قال الشافعي: لأنه بلغ القلتين، وقالوا: القلتان من قلال هجر، ثم قدّروهما بالوزن فقالوا: وزنهما خمسمائة رطل. واستدلوا بمفهوم حديث (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وهذا الحديث ينازعهم فيه أصحاب المذاهب الأخرى فيقولون: قد اضطرب سنداً ومتناً، وبذلك ألغوا الاحتجاج به واكتفوا بكون الماء لا ينجّسه شيء ما لم يغيّر لوناً أو طعماً أو ريحاً، وقالوا: إذ تغير أحد أوصافه ففي هذه الحالة لا يبقى ماءاً، ونحن قد تُعبّدنا بالتطهر بالماء، فإذا أصبح الماء ماء الزهر أو الخل أو النبيذ فلا يكون ماءاً، بل يقال عنه: خل ونبيذ وعصير، والشارع لم يتعبدنا إلا بالماء، والماء هو الماء المعروف عندنا النازل من السماء، والنابع من الآبار ومن الأعين والكائن في الأنهار، فهذا هو الماء كما ذكره الله ووصفه، وهو الذي ينزل من السماء وينبع من الأرض ويوجد بأصل الخلقة في البحار، فإن تغير بشيء لوناً أو طعماً أو ريحاً ولو بالطاهر لم يصلح التطهر به، خلافاً لقول الأحناف بأنه يجوز الوضوء بالنبيذ وبالعصير وبالخل وبالشاي وما إلى ذلك، وهذا خروج عن النص؛ لأن الله قد قال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]، فالماء أداة للطهارة، وهذا لا يُسمى ماءاً، بل نُسميه خلاً ونُسميه نبيذاً، ونُسميه ماء زهر وورد.
الفرقان [48 - 55]
تفسير سورة الفرقان [48 - 55] ذكر الله تعالى من نعمه على عباده إنزال المطر، فهو بذلك يسقي الأنعام والناس، ويحيي الأرض الميتة، وهو يصرفه بين عباده وأرضه، فيمطر هذه حيناً وهذه حيناً آخر، وقد يمطر الكافر استدراجاً وزيادة في العذاب في الآخرة على عدم شكر هذه النعم.
تفسير قوله تعالى: (لنحيي به بلدة ميتا)
تفسير قوله تعالى: (لنحيي به بلدة ميتاً) قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} [الفرقان:48 - 49]. أنزل الله تعالى هذا الماء من السماء ليتطهر به من ليس على وضوء للصلاة وللطواف ونحوهما، ويقول تعالى: {لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} [الفرقان:49] أي: وليحيي الله به بلدة ميتاً، ولم يقل: (بلدة ميّتة) على اعتبار أن البلدة مكان، أي: مكاناً ميتاً، وموضعاً ميتاً. ومعنى موتها أن تجدها قاحلة وجافة لا تنبت شيئاً، أو فيها نبت وشجر وقد ذبل وأخذ ييبس ويضعف، فلو ترك على حاله لكان ميتاً، فإذا بنا نرى الماء قد نزل من السماء وإذا بالأرض تهتز، وإذا بالأرض التي قد كانت قاحلة جدباء قد أخذت تخضر وتينع بأنواع الثمار والفواكه والزهور والورود، فمن الذي أحيا ذلك؟! إنه الله جل جلاله، وبم أحياه جل جلاله؟! أحياه بهذا الماء الذي أنزله من السماء. والإشارة بهذا إلى الإنسان الذي يتساءل: كيف سنحيا بعد أن نموت؟ فنحن نرى ذلك كل سنة، نرى الشجرة قد يبست وسقطت أوراقها ولم يبق إلا أغصان لا ورق فيها، ونرى الأرض قد أجدبت، وإذا بالمطر ينزل يغيثها فنرى الأرض -كما وصفها الله- تهتز وتربو، فنرى آثار الحياة في هذه النبتة وهذه الزهرة وهذه الثمرة وهذه الشجرة. وهكذا الإنسان، فنحن نموت، ولابد من أن نموت، ولكن الله جل جلاله سيحيينا بعد الموت كما أحيا النبتة وأحيا الشجرة وأحيا الأرض الميتة وأحيا الثمرة والأوراق التي تحاتت، فهو جل جلاله الذي أحيا الأرض من بعد موت، وسيحيي الإنسان بعد الموت.
معنى قوله تعالى: (ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا)
معنى قوله تعالى: (ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً) قال تعالى: {لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} [الفرقان:49]. يسقي الله بهذا الماء من خلقه أنعاماً كثيرين وأناساً كثيرين، والأناسي: جمع إنسان وإنسي، وهو كالناس، فالله تعالى يسقي بهذا الماء من لا يستطيع أن يعيش بلا ماء من الأنعام الكثيرة التي خلقها الله على كثرة أنواعها وكثرة أشكالها، وكذلك الإنسان، فالإنسان في الأرض منذ خلق آدم إلى يوم النفخ في الصور لولا هذا الماء لمات، وقد يصبر الإنسان على الطعام أياماً، ولا يصبر على العطش إن اشتد، فإذا جفّ الحلق وقف الريق، وانقطع النفس ومات، ولذلك نجد بعض الأعراب والبدو يحرصون في رمضان على الصيام، وهم يزرعون أو يحرثون، وهم يسكنون في الصحاري، فتقول للواحد منهم: أنت الآن في عمل مهدد به بالموت، فأفطر إن كان لا غنى لك عن هذا العمل في شهر رمضان، فيصر على أن يصوم، وإذا به يعطش ويشتد عطشه عند الظهيرة، فلا يكاد يصله الماء حتى يموت. وقد حدث هذا كثيراً؛ لأن الإنسان لا يصبر على الماء ويصبر على الجوع؛ لأن البدن فيه شحم، فهذا الشحم عند الجوع ينقلب إلى غذاء داخلي يتغذى به الإنسان، ولذلك إذا جاع يضعف ويهزل، فهذا الهزال والضعف يكون نتيجة ذوبان الشحم الذي فيه، فهو سيغذيه في تلك الأيام. وأما الماء إذا نفد وجفّ حلقه ودمه فذلك الموت المحقق، ولذلك نحتاج في العطش إلى الماء الكثير، فنشرب صباحاً وظهراً ومساءاً، وعندما يكون الصوم في الأيام الحارة يشتد ويصعب، ولكن المؤمن يرتب حاله، فيتم صومه بإذن الله. يقول تعالى: {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا} [الفرقان:49] أي: من خلق الله، و (من) هذه ليست التبعيضية، يعني: لكل خلقه. وقوله: {أَنْعَامًا} [الفرقان:49] جمع نعم، والنعم جمع لا مفرد له، ويصدق على البقر وعلى الغنم وعلى بقية المخلوقات من الحيوانات مطلقاً. يقول تعالى: {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} [الفرقان:49] فهذا الماء يحتاج إليه كل حي، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء:30]، والأرض لا تنبت إلا به. فمن الذي أكرم الإنسان بكل ذلك؟! إنه الله جل جلاله، ومع هذه النعم المستفيضة المتتابعة في كل حياتنا تجد الكافر يكفر بالله ويصر على الكفر، فلا يشكر الله على نعمة، ولا يؤمن بربه، ولذا كان الكفرة كالأنعام، بل هم أضل كما وصفهم الله جل جلاله.
تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفناه بينهم ليذكروا)
تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفناه بينهم ليذكروا) قال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الفرقان:50]. قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} [الفرقان:50] أي: قسمناه ووزّعناه، فتجد السحب وهي في السماء تمطر هذه الجهة ولا تُمطر الأخرى، وتُمطر هذه البلدة ولا تُمطر الأخرى، وتجد هذا البستان قد أُمطر والذي بجانبه لم يُمطر، وحين تسافر ترى ذلك، حيث تجد أرضاً لا مطر فيها، وتذهب يسيراً فتجد أرضاً قد أُمطرت. وقد قالوا: هذا يكون من صنع الله جل جلاله عقوبة لذاك الذي لم يُمطر، حيث لم يزك ماله، ولم ينفق منه، ولم يعبد ربه، بل عصى ربه وأذنب في حقه، وقد يُمطر الكافر أكثر من المسلم أحياناً؛ ليكون ذلك حجة عليه ومحنة له واختباراً وابتلاء، حتى إذا حوسب يوماً عندما يموت فقيل له: ألم يرزقك ربك؟ ألم يرسل لك نبياً؟ ألم ينزل معه كتاباً؟ فلم لم تؤمن؟ فلا يستطيع جواباً، وإذا به تحل عليه نقمة الله وعذابه. والمؤمن قد يحصل له الجفاف، ولكنه إذا ابتلي صبر، وإذا أُنعم عليه شكر، وهو على كلتا الحالتين في خير، ففي صبره هو لله عابد، وفي شكره هو لله عابد، ويؤجر على كل الأحوال. يقول تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} [الفرقان:50] أي: ليأخذوا من ذلك ذكرى وعبرة، إذ السماء واحدة، والسحب واحدة، وتمطر هذه الأرض ولا تُمطر الأخرى، فما السبب؟ إن الله قسم بيننا الأرزاق كما قسم بيننا العقول، والله جل جلاله قد يبتلي الكافر؛ ليستدرجه بكثرة النعم، وليزداد عذابه وعقابه، وقد يبتلي المؤمن؛ ليزيده رفعة، وليكفّر عنه سيئاته، وقد يكون ذلك من الله جل جلاله لمنفعة للبشر والخلق، فهذه الأرض تُسقى بالآبار وتُسقى بالعيون الجارية، فلو نزل المطر في هذا الحالة لأفسد زرعها، فيكفيها ما تسقى به، وتلك علوية لا يصل إليها الماء إلا إذا نزل من السماء، فمن مصلحتها أن ينزل عليها المطر، وهكذا يرزق الله تعالى من شاء كيف شاء جل جلاله، فلا مكره له ولا معقّب لأمره. قال تعالى: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الفرقان:50] مع هذا الرزق والنعم المتوالية المتتابعة أبى أكثر الناس إلا الكفور، والكفور: صيغة مبالغة من كثرة الكفر وكثرة الشرك والجحود. وقد نزل النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية حين منعه كفار مكة من دخول مكة، وفي ليلة من الليالي أصبحت الأرض كلها غيثاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للصحب الذين كانوا معه: (أتدرون ماذا يقول ربنا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فمن قال: أمطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب). أي: قال كما يقول الطبائعيون والملاحدة: تحصل الأمطار نتيجة بخار يخرج من البحر فيتكثف في شكل سحب، فلا علاقة لها بأمر ولا نهي، ولا خلق ولا قدرة! فهذا كان نتيجة هذا الكوكب، وذاك كان نتيجة ذاك الكوكب! وهذا ما كان يقوله الجاهليون في جاهليتهم، حيث يقولون: مطرنا اليوم بنوء كذا وكوكب كذا، فمن قال ذلك فهو كافر بالله مؤمن بالكوكب، فقد اتخذ الكوكب إلهه من دون الله. ومن قال: مطرنا برحمة الله وبإكرام الله فقد أصبح مؤمناً بالله كافراً بالكوكب، وفسّر به النبي عليه الصلاة والسلام هذه الآية: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الفرقان:50].
تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا)
تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً) قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا} [الفرقان:51]. أي: لو شئنا أن نخفف عنك ثقل الرسالة والمهمة والنبوة فنرسل لكل قرية وكل مدينة وكل قطر رسولاً يتولى شئونهم ودعوتهم وهدايتهم لفعلنا، ولكنا أردنا تشريفك، وأردنا تخصيصك وتكليفك بكل المدن والقرى، وبكل الأقاليم، وبجميع العالم شرقه وغربه، وشماله وجنوبه، وعربيه وعجميه، فذلك تشريف لك لتقوم بالمهمة مختصاً بها دون غيرك. وفي الصحيح (بُعثت إلى الأحمر والأسود)، وقال عليه الصلاة والسلام: (وكان الأنبياء يبعثون إلى أقوامهم، وبُعثت إلى الناس كافة)، وقال الله له: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]، وقال له: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]. فكان جميع الأنبياء السابقين يرسلون إلى عشائرهم وإلى أقومهم، وأما محمد عليه الصلاة والسلام فقد كان رسولاً إلى الإنس والجن منذ أن بُعث إلى قيام الساعة، ولذلك يقول الله له: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا} [الفرقان:51] والنذير: المنذر، أي: الرسول والنبي الذي ينذر قومه، فيخوفهم من أن يكفروا، ويخوفهم من أن يجحدوا، ويخوفهم من أن يعصوا ربهم ونبيهم، ويدعوهم إلى الإيمان بالله وحده، فهو نذير بذلك ومخوّف لهم بين يدي عذاب شديد، ويبشّر المطيع المؤمن بالرضا والجنة، ويبشّره برضوان الله.
تفسير قوله تعالى: (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا)
تفسير قوله تعالى: (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً) قال تعالى: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان:52]. يقول تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: قد أرسلتك وحدك إلى الناس، ولو شئت لأرسلت إلى كل قرية رسولاً ونبياً وخففت عنك من ثقل المهمة والرسالة. فالله شاء تشريفه وتكريمه وتعظيمه، فأرسله إلى كل القرى وكل المكلفين من البشر والجن منذ أُرسل وإلى يوم القيامة، ولذلك يقول الله له: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ} [الفرقان:52] أي: لا تقبل من الكافرين قولاً في خلاف هذا، ولقد قال له اليهود: إنما أُرسلت إلى الوثنيين، ولم تُرسل إلى أهل الكتاب، فنحن على دين، وقال له النصارى مثل ذلك، ولا يزال البعض يقول هذا إلى الآن، وقال له البعض من الكفار: لم تُرسل إلا إلى العرب، ودينك لم يصلح عليه إلا العرب، فظن هؤلاء الكفار أن دين الإسلام هو دين البشر وليس دين الله ورسالة الله وأمر الله، ولذا بدل الحاخامات والأحبار والرُهبان وغيروا إلى أن كانت النتيجة تحريف الديانة اليهودية، فحُرّفت ثم نُسخت، وهكذا الديانة النصرانية يُكثر تلاعب علمائها بها، فقد بُدّلت وحُرّفت ثم نُسخت، وجاء على أنقاضها دين الإسلام دين محمد عليه الصلاة والسلام للناس كافة، فتحولت الديانتان إلى الوثنية، فهؤلاء يعبدون عيسى ومريم، وأولئك يعبدون عزيزاً كما عبدوا العجل، ومن يقل منهم: إنه لا يعبد ذلك فإنه يعبد ذواتاً، فيعبد الطبيعة ويعبد الإنسان. وبذلك انتقلت التوراة والإنجيل عن التوحيد والدعوة إلى الله إلى الدعوة إلى الوثنية وعبادة البشر، على ما فيهما من افتراء على الأنبياء وقذف لهم، وافتراء على الله وقلة أدب معه جل جلاله.
معنى قوله تعالى: (وجاهدهم به جهادا كبيرا)
معنى قوله تعالى: (وجاهدهم به جهاداً كبيراً) يقول تعالى: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ} [الفرقان:52] في كل ما يقولونه لك بخلاف ما أوحيناه إليك وأنزلناه عليك، {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان:52] أي: جاهد الكفار بهذا القرآن، واجعل القرآن أداة جهادك، وأداة كفاحك، وأداة حربك، فحرّم حرامه، وأحل حلاله، والتزم أوامره فالقرآن يأمرك بأن تجاهد الكفار وتُقاتلهم حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ولا تتأخر في ذلك، وأجر على المسلمين حدوده من قطع ورجم وجلد وغير ذلك، وحكّم فيهم كتاب الله، فمن خرج عنه من الكفار فليس له إلا السيف بعد ذلك، فإن أبى إلا الكفر والإصرار على الكفر فلا إكراه في الدين، وحينئذ لابد من أن يُعطي الجزية عن يد وهو صاغر، فيعيش ذليلاً، كما قال عمر: (أذلّوهم ولا تظلموهم). يعني: أهل الذمة. فالله أمر نبيه ويأمر أتباعه تبعاً له عليه الصلاة والسلام بأن يكون القرآن أداة للجهاد، فعلى أساسه يكون الأمر والنهي والحرب والدعوة، وعلى أساسه تكون الحضارة، وعلى أساسه يكون المكسب، وتكون الدولة، ويكون التعليم، ويكون المجتمع، فإذا خرج الناس عن ذاك فإن كانوا مسلمين فمعناه أنهم ارتدوا، وإن كانوا كافرين فلا يجوز أن تُبقيهم على ذلك. أما المرتد فليس له إلا مراجعة الإسلام أو القتل، وهذا هو الذي حصل عندما مات النبي عليه الصلاة والسلام وذهب إلى الرفيق الأعلى، وولي الخلافة أبو بكر الصديق، فقد ارتد قوم في أول خلافته، وامتنع قوم عن أداء الزكاة، فذهب ينفذ قوله تعالى لنبيه: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ} [الفرقان:52]، فذهب يجاهد بالقرآن، فجاهد المرتدين إلى أن عادوا إلى الإسلام ومات من مات منهم على الكفر، وجاهد الممتنعين عن الزكاة إلى أن أدوا الزكاة صاغرين راغمين، وبعد تمام ذلك جمعهم وأخرجهم عن حدود البلاد لنشر الإسلام في خارج جزيرة العرب في أرض فارس وأرض الروم. ثم جاء عمر الفاروق فتمم المهمة، وقد كانت خلافته عشر سنوات، فما كاد يموت رضوان الله عليه حتى ضم بلاداً كثيرة إلى الرقعة الإسلامية، فهدى الناس إلى ربهم، وأما القتال الذي لا يكون للقرآن ولا لإعلاء كلمة الله، بل لوطنية وثنية، أو لقومية وثنية؛ فليس بجهاد، وليس هو إلا نزاعاً دنيوياً على مناصب وعلى أموال، وقد جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام من سأله عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه، ويقاتل لإعلاء كلمة الله، فأي ذلك في سبيل الله؟! قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)، أما من قاتل للدنيا فإنه إن حصل عليها فله ما حصله، وإن لم يحصّل عليها فقد خسر دينه ودنياه، والأعمال بالنيات، وقد وجد من هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مسلم، وكان في ظاهر أمره أنه هاجر رغبة في دين الله، وابتعاداً عن أرض الكفر، إذ كانت مكة لم تحرر بعد، حيث كانت في وثنية وجاهلية، فعلم النبي بحال هذا المهاجر، وكان النبي عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله على غاية ما يكون من اللطف والنبل، فلا يفضح أحداً، ولا يشوه ويشهّر بأحد، فلا يقول: يا فلان! لم فعلت كذا وكذا؟! ولكن يقول وهو في المجلس: ما بال أقوام يقولون؟ وما بال أقوام يفعلون؟ ومن فعل أو قال ذلك علم أنه المقصود، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه). وكان الذين هاجروا إلى المدينة قد خرج بعضهم مع المهاجرين للزواج، وخرج بعضهم للتجارة، فليس لهم إلا ما خرجوا له إن حصلوه، وأما الهجرة لله فليست نيتهم، وإذا لم تكن هناك نية فليس هناك أجر ولا ثواب. يقول تعالى: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان:52]، كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:36]، والقتال فرض على كل مسلم ومسلمة فيما إذا هجم العدو على ديار الإسلام، وكان العدو على رمي حجرة منا، كما هو حال اليهود في فلسطين، فحمل السلاح والقتال في هذه الساعة فرض على كل قادر على حمل السلاح، فإن لم نفعل أثمنا جميعاً، ومن هنا ذل المسلمون على كثرة أموالهم وسعة أرضهم، وفي الحديث: (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا)، فإذا جاء العدو إلى جزء من الأرض الإسلامية واستولى عليه فالجهاد العيني يجب على من جاوره، فإن استطاعوا قتاله فذاك، وإلا فيجب على من يليهم إلى أن يجب على كل المسلمين. فالعدو اليوم قد استباح حرمات الله، وأخذ المسجد الفاضل الثالث، والمسلمون يذلون، ويقتّلون، وتُهتك أعراضهم، وتُزهق أرواحهم، وتسيل الدماء منهم أنهاراً، وإخوانهم المسلمون ينظرون، وذلك هو البلاء، وذلك هو الخزي والعار، ويوشك أن يزيد الله في البلاء والمحنة إذا بقي المسلمون على هذه الحالة.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج) قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [الفرقان:53]. من عجيب قدرة ربنا خلق الماء في الأرض، ثم جعل من الماء ماءاً عذباً فراتاً، أي: ماءاً حلواً عذباً، وماءاً آخر ملحاً لا يُشرب، ولا تستطيع أن تغسل به بدنك، وإلا أصبح بدنك كله كما لو ذر عليه شيء من الملح. ومع ذلك أرسل تعالى المياه العذبة آباراً وأنهراً جارية وأمطاراً وغيثاً، كما أرسل مياه البحر، فلا المياه البحرية اختلطت بالمياه الحلوة العذبة، ولا المياه العذبة الحلوة اختلطت بالمياه الملحة. يقول تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} [الفرقان:53] والمرج يتضح معناه في قولنا: قد أرسل فلان دوابه في المرج، أي: أعطاها ساحة كبيرة تسرح فيها وترعى، وترك لها الحرية في الرعي، فهي ترعى هنا وهناك، وهكذا أطلق الله تعالى المياه وأرسلها في الأرض، ومرجها في الأرض، فبعضها داخل التراب، وهو المياه الجوفية، وبعضها على سطح الأرض، والأرض يتصل بعضها ببعض، فلا هذه فسدت وأصبحت ملحة، ولا تلك زال عنها ملحها بهذا الاختلاط والمرج، فذاك من قدر الله وإرادة الله التي انفرد بها جل جلاله وعز مقامه.
معنى قوله تعالى: (وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا)
معنى قوله تعالى: (وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً) قال تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:53] هذا هو المغزى وهذه هي التتمة، حيث جعل تعالى بين هذا الماء والآخر حاجزاً، ومنع هذا أن يفسده ملح البحر، ومنع الآخر أن يُفسده حلاوة الماء وفراته، ذلك لأن الإنسان في الأرض يحتاج إلى هذا وذاك، فالماء الحلو لشرابنا ولزرعنا وطبخنا وحوائجنا -نحن الأحياء- على الأرض، وأما مياه البحر المالحة فلولا وجودها في الأرض لأنتن الكون، ولمات الناس اختناقاً بالجيف الكثيرة المتراكم بعضها على بعض. وكثيراً ما نسمع أن الأجواء في المحلات الفلانية اختلطت وفسدت، لكثرة المعامل وكثرة المداخن، فيتسمم الجو، فيحتاج الإنسان إلى الانتقال عن ذلك المكان أو يمرض، وكثيراً ما تنتشر الأمراض في العاملين في تلك الأماكن نتيجة هذا الذي يحدث في الجو. فمياه البحر كثيرة، وهي محيطة بالأرض بملوحتها، فتنقي الأرض من نتنها وأوساخها وقاذوراتها، فالإنسان في حاجة شديدة إليها، وكذلك سائر خلق الله. يقول تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا} [الفرقان:53] البرزخ: الحاجز والمانع، فهو يمنعهما من الاختلاط {وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:53] أي: مانعاً وحاجزاً يمنع اختلاط هذا بهذا، فهذا في عذوبته إلى الأبد، وذاك في ملوحته إلى الأبد، وذاك من قدرة الله التي انفرد بها وحده جل جلاله.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً) قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} [الفرقان:54]. جعل الله جل جلاله من الماء الإنسان، وجعل منه الخلق، فالإنسان مخلوق من النطفة، والنطفة ماء، وهو المني، فالمني ماء خلق منه البشر، وقد كان أول خلق الإنسان من تراب، ثم خلقت حواء من ضلع من أضلاع آدم، وخلق عيسى من أم بلا أب، وخلق سائر الخلق من نطفة لا بد من صبها من الذكر في رحم الأنثى، فيختلط ماؤه وماؤها فيخرج هذا الجنين وهذا الخلق البديع الذي هو أنا وأنت وكل خلق الله من أولاد آدم. يقول تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} [الفرقان:54] فيربط بعض الخلق ببعض، فأنا ابن أبي، وتزوجت من أسرة أخرى، فصارت مصاهرة، ونشأ عن ذلك السلالة، فبنتك لذاك وبنت ذاك لك، وهكذا انتشر الخلق وتوزّع بين نسب وصهر. والنسب: هو الذي يرث اسمك واسم أبيك وأسرتك، والصهر: ما لا يتصّل بك بذلك، فأبناؤها يرثون أسماءنا وأسماء أسرتنا، وبناتنا تتصل أسماء أولادهن بأزواجهن، فهذا صهر وذاك نسب، يقول الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد فهذا نسب وهذا صهر، وحرّم الله بالنسب سبعاً، وحرّم بالصهر سبعاً، وذلك في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء:23] إلى آخر الآية. يقول تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} [الفرقان:54]، فمن الذي يقدر على ذلك؟ إنه الله خالق الأكوان، وخالق كل شيء. فما من سماء ولا أرض ولا ليل ولا نهار ولا حركة ولا سكون إلا وهو من خلق الله، ومع كل هذه الدلائل العقلية القاطعة يعرض الكافر ويستكبر.
تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم)
تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم) قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} [الفرقان:55]. مع كل هذه الآيات البيّنات الواضحات لا تزال تجد على مر الدهور والأزمان كفّاراً مشركين يعبدون ما لا ينفعهم ولا يضرهم، بل إن المعبودات من إنس أو جن أو جماد أعجز من أن تنفع نفسها أو تضر {لا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا} [الرعد:16]، فلا يملكون لأنفسهم أي شيء يمكن أن يعود بالفائدة عليهم فضلاً عن غيرهم. يقول تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الفرقان:55] أي: يعبدون غير الله مع الله {مَا لا يَنفَعُهُمْ} [الفرقان:55] ما لو عبدوه فلا نفع فيه، ولو تركوه فلا ضرر منه، فيعبدون حيوانات ويعبدون أناسي وجناً وملائكة لا تضرهم لو تركوا عبادتها، ولا تنفعهم لو بقوا على عبادتها، ولكن يزيدون بذلك كفراً وجحوداً وضلالاً ولعنة وبُعداً عن الله. قال تعالى: {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} [الفرقان:55] أي: مساعداً في عصيان ربه للشيطان ومتعاوناً مع الشيطان.
الفرقان [56 - 59]
تفسير سورة الفرقان [56 - 59] يذكر الله تعالى في هذه الآيات أنه أرسل رسوله مبشراً ونذيراً، وأنه لا يسأل الأجر على دعوتهم إلى الله، وإنما يطلب أجره من الله تعالى. ثم أمره الله تعالى بأن يتوكل عليه سبحانه، فهو مالك كل شيء، وخالق كل شيء، فمن توكل عليه كفاه ووفقه، ومن توكل على غيره خذله، وعذَّب به.
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا)
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً) قال الله جلت قدرته: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الفرقان:56]. أي: ما أرسلناك -يا محمد- إلا مبشراً ونذيراً، أي: مبشراً أهل الطاعة بالجنة والرحمة والرضا، ومنذراً أهل المعصية والخلاف بالعذاب الهون وبالنار خالدين فيها أبداً. ومعنى ذلك أن الهداية ليست بيده، كما قال تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56]، وكما قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:272]، فما على الرسول إلا البلاغ المبين، فيبين ويبلغ عن ربه ما أمر به من طاعته ووحدانيته والعمل بدينه والخوف من عذابه، ويبين حقيقة الحياة بعد الموت، والجنة والنار، وكل ما أمر الله بأن يعتقد ويعمل به من أمور الدين، وكذلك كل ما يجب تركه.
تفسير قوله تعالى: (قل ما أسألكم عليه من أجر)
تفسير قوله تعالى: (قل ما أسألكم عليه من أجر) قال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [الفرقان:57]. أي: قل يا رسولنا لهؤلاء بأن الذي تدعو إليه من بشارة ونذارة، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، لا تطلب عليه شيئاً من أموالهم، ولا تطلب على ذلك أجرة من مال أو غيره، فأجرك على الله، بل إنك تسعى لأن يمتلكوا ويستغنوا ويأخذوا الغنائم والفيء من أعداء الله عند حربهم وقتالهم والظفر بهم. وقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [الفرقان:57] وهذا استثناء منقطع، أي: ولكن من شاء أن ينفق من تلقاء نفسه في سبيل الله، كالإنفاق على المجاهدين والمحتاجين من غير الصدقات والنفقات الواجبة فذلك له، ولا تصده عن عمله، ولا تقطعه عما يريد من أجر أو ثواب، على أن ذلك ليس لك، ولكنه في سبيل الله، وسبل الله كثيرة كما قال الإمام مالك، فهؤلاء الذين يريدون أن ينفقوا من أموالهم للجهاد وللدعوة وعلى الفقراء لهم أجر ما أنفقوا، فليس ذلك المال لك؛ إذ لا حاجة لك إليهم ولا إلى أموالهم، وإنما تعمل ما تعمل طاعة لله، وتنفيذاً لأمر الله، وثوابك وأجرك على الله. فهؤلاء الذين ظنوا يوماً أنك تريد الملك عليهم وتريد الأموال لتكون أغناهم قد جربوا ذلك وعرضوه عليك فأبيت إلا أن تكون عبداً لله، فلا تطلب الأجر والثواب إلا منه، فقد عرضوا عليه صلى الله عليه وسلم أموالهم، وعرضوا عليه سلطانهم، وعرضوا عليه بناتهم، وعرضوا عليه أطباءهم وكل ذلك قد أباه وامتنع عنه، وقال: (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه). فالله يقول له: قل لهؤلاء المشركين: إنك لا تريد بعملك ولا بدعوتهم إلى الله مالاً ولا تريد منهم سلطاناً ولا تريد منهم جاهاً، وإنما أجرك وثوابك على الله، ولكن من آمن منهم إن أراد أن ينفق في سبيل الله في جهاد أو علم أو دعوة أو غير ذلك فله ذلك، وليس لك من ذلك شيء إلا دعوتهم إلى الله وتبليغهم دين الله.
تفسير قوله تعالى: (وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده)
تفسير قوله تعالى: (وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده) قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [الفرقان:58]. يقول الله لنبيه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ} [الفرقان:58] في عملك هذا، وفي مثابرتك على دعوة الناس إلى دين الله، وإلى توحيد الله، وإلى ترك الأوثان والأصنام والشرك، فتوكل على الله خالقك الحي الذي لا يموت. {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} [الفرقان:58]، احمده واشكره واذكره آناء الليل وأطراف النهار، فليكن توكلك عليه لا على أحد غيره، فأنت في غنى عن أولئك كلهم: عن أموالهم، وعن دنياهم، وعن سلطانهم، وتوكل في عملك، فاجعل الله وكيلك ومرجعك تئوب إليه وتنيب، فإليه المآب وإليه المرجع، فليكن توكلك عليه لا على أحد غيره مهما كان عظيماً، وسبح بحمد ربك واحمده واشكره على ما أولاك إياه وما أكرمك به، حيث علمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيماً. وقد ختم البخاري صحيحه بهاتين الكلمتين العظيمتين، حيث روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فالنبي عليه الصلاة والسلام يحظ الخلق على أن يحمدوا ربهم، وعلى أن يسبحوا بحمده، ويشكروه على نعمه الظاهرة والباطنة التي لا يحصيها إلا هو، ويسبحوه، وينزهوه، ويقدسوه، ويعظموه، فهو أهل لكل ذلك جل جلاله وعز مقامه. فهاتان الكلمتان خفيفتان على اللسان، فلا تحملان اللسان شططاً ولا تعباً، ولكنهما مع ذلك ثقيلتان في الميزان يوم القيامة بأجرهما وثوابهما وما أعد الله لقائلهما؛ لأن معناهما: توحيد الله وتعظيم الله. وعندما نحمده تعالى نحمده على آلائه، ونشكره على ما أعطانا إياه، وأعظم عطائه لنا وأعظم نعمه علينا هو الإسلام، وكفى بها نعمة. والخطاب في الآية للنبي عليه الصلاة والسلام، وهو خطاب لكل الخلق من أتباعه من المؤمنين والمسلمين، وحض لهم على أن يكثروا من ذكر الله، ويكثروا من حمد الله، ويكثروا من تسبيح الله آناء الليل وأطراف النهار، فقد كان صلى الله عليه وسلم يذكر الله على جميع أحواله، وبذلك أمره ربه. يقول تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ} [الفرقان:58]، فهو الحي الدائم، وهو الذي يحيي وهو الذي يميت، وهو موجد الحياة وواجب الوجود، وكل حياة لسواه إنما هي حياة محدثة من خلقه ومن عطائه، فهو الحي الأبدي وحده جل جلاله. والتوكل على الله يكون بعد العزم وبعد اليقين، فيعمل المرء عمله ولا يعتمد فيه على أحد من الخلق، وهكذا أمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وأمر بأمره المؤمنين جميعاً، ومن يرجع إلى الذي لا يموت يجد دائماً حصناً حصيناً مرجعاً وناصراً ومعيناً. أما من توكل على الخلق فلن يحصل له ذلك، فمهما كان المخلوق قوياً وذا سلطان وذا جاه فإنه ميت يوماً، ومن اعتمد على من يموت فقد اعتمد على باطل، وتوكل على ميت، والتوكل على الميت موت في نفسه، وليس كذلك التوكل على الحي الذي لا يموت جل جلاله. يقول تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} [الفرقان:58] أي: نزه ربك، وأكثر من حمده، فالحمد له وحده، وهو الذي نقوله في كل ركعة من صلاتنا في الفرائض منها والنوافل، فأول ما نبتدئ صلاتنا بقولنا: (الحمد لله رب العالمين) أي: الحمد كله الذي لا يستحقه غيره، فالحمد بكل أنواعه هو لله رب العالمين ومدبرهم جل جلاله وعلا مقامه.
معنى قوله تعالى: (وكفى به بذنوب عباده خبيرا)
معنى قوله تعالى: (وكفى به بذنوب عباده خبيراً) قال تعالى: {وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [الفرقان:58]. أي: كفى به محصياً، وكفى به محيطاً بذنوب خلقه وعباده، وكفى به خبيراً، فهو يعلم كل أعمالنا، وكل ما يصدر عنا، فيحاسبنا على ذلك يوم القيامة، فإن كانت هناك ذنوب مع التوحيد فإنه تعالى إن شاء غفر وإن شاء عذب بقدر الذنوب، وإن كانت هناك ذنوب مع الشرك فالله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وهذا تحذير من الله، يحذرنا نفسه جل جلاله وعلا مقامه، وذلك أن جميع ذنوبنا هو خبير بها مطلع عليها، يعلم جليلها وحقيرها، وكبائرها وصغائرها، فإذا نحن علمنا ذلك علم يقين اتخذنا لذلك عدته، فأقلعنا عن الذنوب، واستغفرنا ربنا مما مضى، وتبنا لما هو آت، ورجونا أن يغفر الله ذنوبنا وألا نعود إليها قط بمقدار طاقتنا وجهدنا. فهذا تحذير من الله لنا بأنه يعلم كل ما يصدر عنا، والكلام هنا في الذنوب والآثام والمعاصي، فهو تحذير من الله تعالى لكل المشركين وعصاة الموحدين. قال تعالى: {وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [الفرقان:58] (خبيراً) منصوب على التمييز، أي: كفى بالله خبيراً، وكفى بالله عليماً، وكفى بالله مطلعاً على جميع ما يصدر عنا، حتى إذا علمنا ذلك وتيقناه عملنا بمقتضى ذلك، فتبنا إليه وأنبنا، وجددنا التوبة، وعملنا عملاً صالحاً، عسى الله أن يغفر لنا ما مضى.
تفسير قوله تعالى: (الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام)
تفسير قوله تعالى: (الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام) قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان:59]. هذه صفة الذي يعلم ويطلع على ذنوبنا كبارها وصغارها، فالله جل جلاله هو الخالق لهذه السماوات السبع العلى وخالق الأرضين السبع وما بينهما من كواكب ونجوم وغيرها مما يعلمه الله تعالى. وهو تعالى خالق الملائكة في السماوات، قال صلى الله عليه وسلم: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو قائم) ومعنى ذلك أن السماوات العلى في كل بقعة منها بمقدار قدم عليها ملك يعبد الله، فهو في عبادته قائم أو ساجد يذكر الله تعالى بأنواع ذكره، وأكثر ما يقولون: (سبوح قدوس، رب الملائكة والروح). وقد خلق الله تعالى كواكب لا يحصي عددها إلا هو، وهي تعد بملايين الملايين. والسماء في اللغة: ما علاك، وهي في القرآن بهذا المعنى، وبمعنى السماء التي هي جرم من الأجرام، فلها باب وعليه بوابون وحراس، ولذلك فإن نبينا عليه الصلاة والسلام حين عرج به إلى ربه وقف به جبريل عند باب كل سماء يستفتح، فيقول له الملك المكلف: من؟ فيقول: جبريل. فيقول: أمعك أحد؟ فيقول: نعم، محمد. فيقول: قد أذن له؟ فيقول: نعم، فيفتح له الباب. وما بين كل سماء وسماء مقدار خمسمائة عام، ولا ندري أهذه الأعوام من أعوام الدنيا أم من أعوام الآخرة، فالله ذكر لنا من أنواع الأيام اليوم من أيام الدنيا، فالسنة فيها اثنا عشر شهراً، وكل شهر ثلاثون يوماً، وكل يوم أربع وعشرون ساعة. وفي الأرض نفسها أقطار يصل اليوم فيها إلى ستة أشهر لا ليل فيها، والليلة إلى ستة أشهر لا نهار فيها، كما في القطب المتجمد الشمالي. وذكر تعالى لنا اليوم في الآخرة، فهو كألف سنة من أيام الدنيا، واليوم في العروج إلى الله مقداره خمسون ألف سنة. فالأعوام التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام فيما بين كل سماء وسماء لا ندري أهي من أعوام الدنيا، أم من أعوام الآخرة، أم من الأعوام التي يعرج فيها الملائكة إلى الله، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وفي علم النجوم وعلم الأفلاك يذكرون السنة الضوئية، أي: يحسبون المسافة بين الأفلاك بسرعة الضوء في الثانية، فبعض النجوم تشع نوراً لا يصل إلى الأرض إلا بعد كذا وكذا سنة، ويحسبون في ذلك المليارات من السنوات الضوئية أحياناً، ولا يعلم جنود ربك إلا هو، ولا يحصي الأنجم إلا هو، وخلق الله الواسع وفضاء الله المتسع لا يعلمه إلا خالقه جل جلاله، فالله هو الخالق لكل ذلك، وقد خلق كل ذلك في ستة أيام. وكل الكواكب غير الأرض مخلوقة من نوع ما كونت منه الأرض، وما فوق ذلك الله أعلم به، وكل ذلك خلق الله.
معنى قوله تعالى: (ثم استوى على العرش)
معنى قوله تعالى: (ثم استوى على العرش) قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الفرقان:59]. فما هو هذا الاستواء؟ وما هو هذا العرش؟ طالما أكثر في ذلك المكثرون، وطالما حكى الحاكون، وكل ما يقال في ذلك مما هو غير مستند لآية أو لحديث هو ضرب من القول ومن الفلسفات التي لم يأت عليها من الله سلطان، كتفسير الاستواء بالتمكن والتسلط، وتفسير الكرسي بالقدرة والإرادة. والعرش ثابت ذكره في الكتاب، وثابت ذكره في الأحاديث المتواترة المستفيضة. وعرش الرحمن هو أعلى شيء من خلق الله، فالسماوات العلى فوقهن الكرسي، وفوق الكرسي العرش، والسماء الأولى أكبر من الأرض، والثانية أكبر من الأولى، والسابعة أكبر مما قبلها، والكرسي أكبر من السموات، فما السماوات السبع أمام الكرسي إلا كسبعة دراهم ملقاة في ترس، وما الكرسي بالنسبة إلى العرش إلا كحلقة ملقاة في صحراء كما قال صلى الله عليه وسلم، ثم أشار النبي عليه الصلاة والسلام بيده إلى أن عرش الرحمن كالقبة فوق مخلوقاته. وهذا يشير إلى أن الأرض كروية، وقد قال ذلك علماء المسلمين قبل أن يقوله هؤلاء، وقد نقل فيه الإجماع عن المسلمين لنصوص الكتاب والسنة، قال ذلك ابن حزم، وقاله الغزالي، وقاله الرازي. وذكروا من نصوص القرآن قوله تعالى: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ} [الزمر:5]، فكلمة (يكور) تدل على ذلك، وكذلك الحديث الصحيح الذي فيه أن عرش الرحمن على سماواته كالقبة، وعلى هذا أجمع علماؤنا، فنفي ذلك وإنكاره إنكار للإجماع وخروج عن الإجماع، والنصوص تؤكد ذلك، وما أخذ هذا إلا من النصوص. وأما الاستواء فلا نقول فيه ما قاله علماء الكلام من فلاسفة المسلمين كالأشاعرة والماتوريدية والمعتزلة وسائر فرق علم الكلام، ولكننا نقول ما قال الإمام مالك، ونقل ذلك عن بعض السلف، من التابعين والصحابة رضوان الله عليهم، فقد جاء إلى الإمام مالك رجل فسأله فقال: يا أبا عبد الله! ما معنى (الرحمن على العرش استوى). فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال له: الاستواء معلوم -أي: لغة-، والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. ونادى: يا شرطي! أخرج هذا من المسجد. وكان هذا السؤال في المسجد النبوي، فعد مجرد السؤال عن هذا بدعة؛ لأن هذا شيء لم يبحث فيه السلف؛ لأننا أمرنا بأن نعلم عن الله صفاته العالية، ونعلم عن الله أسماءه ونعوته المقدسة، وكل أسمائه جل جلاله حسنة عالية، أما كيفية الله وكيفية علوه وكلامه واستوائه فذلك أمر لم يشرع البحث فيه. والباحث فيه نقرأ عليه قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، ونقرأ عليه قوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4]، فلا يشبه خلقه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما خطر ببالك فالله بخلافه، ولكننا نثبت له تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه، وما أثبته نبينا في سنته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما الكيف فغير وارد، فإن سألت عن الكيف فكأنك تسأل ماذا يشبه؟ فالسؤال في الأصل فاسد، وما كانت مقدمته فاسدة كانت نتيجته فاسدة، ولغتنا أضيق من أن تتسع للمعاني العلوية السماوية، وما كانت الألفاظ الإلهية إلا قوالب لتقريب المعاني للإنسان، أما كيف ذلك فالله أعلم به، حتى قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ما ذكر في الآخرة ليس منه في الدنيا إلا الأسماء. أي: أن كيفية ما فيها لا يعلمها إلا الله تعالى. فالأسماء تقريب للمعاني، فنسمي ما فيها بالأسماء التي سماها الله في كتابه ونبيه عليه الصلاة والسلام في سنته، وتحقيق ذلك الله أعلم به. فإذا كان هذا في خلق الله مما في الجنة ومما في النار، فكيف بما يتعلق بذات الله؟! ولا نقول كما قال أقوام: الله جل جلاله ليس داخل العالم ولا خارج العالم، ولا فوق العالم ولا تحت العالم، إذاً أين هو؟! فهذه صفة المعدوم. وهذا كلام ما أنزل الله به من سلطان، وهو كلام لا يقبل بحال من الأحوال، فالذي ليس في السماء ولا فوقها، ولا في الأرض ولا تحتها، ولا في الأكوان ولا خارجها إنما هو العدم. ولكننا نقول ما قال الله، فقد قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد:4]، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف:84]، وقال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5]. وهكذا نثبت لذاته العلية ما أثبته، ونقول ما قاله الإمام مالك: الاستواء معلوم، أي: في اللغة العربية، وباللغة العربية نزل كتاب الله، أما الكيفية فنجعلها، وهذا ما لم يبينه الله لنا ولا نبيه عليه الصلاة والسلام، فالكلام في هذا عبث قد يوصل إلى الكفر من حيث لا يشعر الإنسان.
معنى قوله تعالى: (الرحمن فاسأل به خبيرا)
معنى قوله تعالى: (الرحمن فاسأل به خبيراً) يقول تعالى: {الرَّحْمَنُ} [الفرقان:59]، أي: الله هو الرحمن. {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان:59]، فاسأل عن الله خبيراً، والخبير المسئول عن الرحمن هو الله تعالى، فكأن الله يقول لنبيه: إن شئت زيادة البيان فسلني، والقرآن مليء بهذه المعاني. وقد يكون المعنى كما قال بعض المفسرين: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان:59] أي: القرآن، فالقرآن فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وفصل ما بينكم، فالله جل جلاله هو الخبير وهو العليم، فهو الذي أخبرنا، وهو الذي علمنا أن أسماءه الحسنى كثيرة، وقد حصرها النبي صلى الله عليه وسلم في تسعة وتسعين، وورد أنها تتجاوز الألف، ولا يحصيها إلا الله، {أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء:110]، فبأي اسم دعوناه كقولنا: يا الله، يا رحمن، يا لطيف، يا خبير، يا عفو، يا قادر فإنه يحصل المقصود، فكل ذلك من أسماء الله وصفاته. واسم الجلالة هو (الله)، والأسماء الأخرى يسمى الناس ببعضها، وقد وصف ببعض ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، ومعلوم أن من الأئمة الأربعة الإمام مالكاً، والمالك هو الله، ولكننا قد نصف بالملك المخلوق، فنقول: هو مالك، وأقول: أنا مالك هذا، أي: ملكته الآن وقد كان مملوكاً لغيري، وسيكون مملوكاً لغيري، فأنا وما أملك لله فجرت العادة بذلك وذلك كان بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبإقراره.
الفرقان [60 - 67]
تفسير سورة الفرقان [60 - 67] لقد خلق الله الخلق، وزين السماء بمصابيح ليرينا قدرته، وأنه القادر على كل شيء، وما تفكر أحد في ذلك إلا وقاده إلى الهدى والتبصر. وهؤلاء المهتدون المتبصرون هم عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً.
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن)
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن) قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان:60]. هذه السجدة اتفق عليها جميع العلماء، والرحمن اسم من أسماء الله جل جلاله، وفي صلح الحديبية أمر صلى الله عليه وسلم بكتابة الصلح مع أعدائه، فأمر علياً -وكان الكاتب لهذا الصلح- فقال: (اكتب باسم الله الرحمن الرحيم) فقال سفير قريش: ما الرحمن؟! لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. اكتب ما كنت تكتب قبل: باسمك اللهم. وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد قال قبل ذلك: (لا يسألونني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) و (باسمك اللهم) معناها: باسمك يا الله، فليس فيها وثنية، فأمر علياً بكتابتها. وكانوا يقولون لـ مسيلمة الكذاب: رحمان اليمامة، ولا أدري ما هذه الكلمة؛ فقد عرفت في أيام دعوى النبوة، ولذلك قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: لا نعلم ما الرحمن، لا نعلم إلا رحمان اليمامة. وكانوا لذلك يشنعون عليه، فيقولون: كان محمد يدعونا إلى إله واحد، فأصبح يدعونا إلى إلهين: الله والرحمن، فنزل قوله تعالى منكراً ذلك ومزيلاً لجهالاتهم: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف:180]، وقوله: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء:110]. فأسماء الله كلها حسنة، وكلها تدل على الله جل جلاله، فإذا قلنا: يا رحمن، يا رحيم، فذلك يعني: يا الله، وإذا قلنا: يا مجيب، أو يا عفو، أو يا غفور، فمعنى ذلك: يا الله. يقول تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ} [الفرقان:60] أي: اعبدوا الرحمن، ومن تمام العبادة السجود؛ لأنه جزء من الصلاة، وهو وضع الجبهة والأنف واليدين والركبتين وأصابع الرجلين على الأرض لله، وهي صفة لا يجوز أن تكون لأحد إلا لله، بل الركوع وطأطأة الرءوس لا يجوز إلا لله وحده. يقول تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} [الفرقان:60]، فهم لا يزالون على كفرهم، حيث قالوا لرسول الله: أنطيعك بالسجود لهذا؟! قال تعالى: {وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان:60] أي: ازدادوا نفوراً لكفرهم، ولإصرارهم، وازدادوا بهذا كفراً على كفر، فقد عصوا الله، ثم عصوا نبيه، ثم أنكروا أسماء الله الحسنى، ثم امتنعوا عن السجود. ولذلك اتفق الفقهاء الأربعة على مشروعية السجود عند هذا الموضع، لأن هذه الآية دعي فيها الكفار إلى السجود لله فأبوا، فكيف يدعى المؤمن ولا يسجد؟!
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي جعل في السماء بروجا)
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي جعل في السماء بروجاً) قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان:61]. يلفت الله جل جلاله أنظارنا ويرينا قدرته، ويرينا خلقه، ويرينا أنه القادر والخالق لكل شيء، ويعمم ثم يخصص، فهو تعالى الذي خلق السماوات العلى، وخلق الأرضين، وخلق مابين ذلك. ثم عاد فقال: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} [الفرقان:61]، فعظم نفسه، ونزه نفسه، وقدس نفسه، وهو الأهل لذلك، وهو الجدير بذلك، وبذلك يأمرنا، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]. والبروج: هي هذه الكواكب الكبيرة: كعطارد، والقمر، والمشتري، والزهرة. وقال البعض: البروج هي منازل الكواكب، وذكروا الجدي والعقرب والحمل، وقالوا: هي اثنا عشر برجاً، ولكن لا شيء يدل على هذا من كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} [الفرقان:61] أي: في العلو، وإلا فهذه البروج هي خلق الله بين السماء والأرض وليست داخل السماء كالقمر، ليس داخل السماء ونحن نراه، بل هي ما قال الله عنه: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [الملك:5]، فهذه المصابيح التي نرى مصابيح زين بها السقف، والسقف هو السماء، فزينها الله بذلك، وجعلها علامات الاهتداء في الذهاب والإياب. وكان بدو الجزيرة العربية أعلم الناس بذلك، فهم يستطيعون السير في الصحاري التي لا علامة فيها على شرق ولا غرب ولا جنوب ولا شمال، فبالأنجم يعلمون الطرق شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ومن لا يعلم ذلك يهلك في الصحاري عطشاً أو ضلالاً. وقل مثل هذا الآن في الطائرات وفي السفن، إذ السماء لا علامة فيها، والبحار عندما تدخلها السفن لا علامة فيها، فيهتدون بإشارات الرادار ونحوه، ولكن كل ذلك مبني على النجوم، فهذه الإشارة تكون في الشرق، وهذه تكون في الغرب، وهذه تكون في الشمال، وهذه تكون في الجنوب، وهكذا. قال تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا} [الفرقان:61] أي: شمساً سراجاً، والسراج: المصباح، وهي كما قال تعالى: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} [نوح:16]، فجعل الشمس سراجاً أضاء الدنيا، فالضوء الذي نراه في النهار ناشئ عن الشمس، والعتمة التي تأتي في الليل نتيجة غيبوبة ضياء الشمس، فإذا أشرقت أو قاربت تجد الضياء قد شع والنهار قد سطع والأنوار ظهرت. كذلك أنار الله تعالى القمر، وقد قالوا: إن نور القمر من غير نور الشمس، وذلك يحتمل، والآية لا تؤكده، فقد يكون نور القمر مستمداً من الشمس، وقد يكون للقمر نور خاص به، فالله ذكر القمر منيراً، ونحن نراه كذلك عندما يصبح بدراً، أما إذا كان هلالاً فإن نوره يتضاءل، ولكنه نور على كل حال، وإنما يكون أضوء ما يكون عندما يصبح بدراً منيراً في الليالي الإضحيانية كما سمتها السنة المطهرة، والليالي الإضحيانية هي ليلة الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر) قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان:62]. جعل الله الليل والنهار خلفة، وقد اختلفوا في تفسير الخلفة، وكل ما قالوه يصح في تفسيرها. فقد قيل: (خلفة): أي: عوضاً وبدلاً، فالنهار عوض عن الليل، والليل عوض عن النهار في العبادة والطاعة، ولذلك روي عن عمر رضي الله عنه أنه صلى يوماً في الضحى بركعات أطالهن، فقيل له: يا أمير المؤمنين! رأيناك تصلي صلاة ما رأيناك تصلي مثلها! قال: فاتتني ركعات من الليل، فأنا أريد أن أخلفها. ومعناه: أن من فاتته عبادته في النهار أخلفها في الليل، ومن فاتته عبادته في الليل أخلفها في النهار، وهذا يؤكد قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن لله تعالى مغفرة يغفرها لتائب النهار في الليل، ومغفرة يغفرها لتائب الليل في النهار) أي: أن يقوم عبد في الليل فيتهجد، ويبكي ويتضرع، ويقول: يا رب! أذنبت، يا رب! أسأت، يا رب! ندمت على ما صدر مني، يا رب! اغفر ذنوبي، ويكون قد أذنب في النهار وتاب في الليل، فيغفر الله ذنوبه، فيكون قد عوض ذنوب النهار بالطاعة والدعاء في الليل. وكذلك العكس، فحيث يذنب في الليل يصبح في النهار وقد ندم، وقد تاب، فيقول: يا رب! اغفر لي، يا رب! ارحمني. فيغفر الله له، فيتوب على ماد يده بالليل، فيغفر ذنبه في النهار، وماد يده بالنهار يغفر ذنبه بالليل. وقيل: المراد بقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} [الفرقان:62] أن الله تعالى أدخل الليل في النهار وأدخل النهار في الليل، فالليل عتمة لا ضياء فيه، والنهار نور لا ظلمة فيه، وكلاهما متعاقبان يخلف أحدهما الآخر في نظام وترتيب، فهذا للنشور والمعاش والعمل، وهذا للسكون والنوم والراحة، فمن الذي خلق ذلك؟! ومن الذي نظم ذلك؟! ومن الذي رتب ذلك؟! إنه الله جل جلاله. يقول تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان:62]. فالله جعل للإنسان في اليوم أربعاً وعشرين ساعة، منها نهار ومنها ليل، فقد يطول النهار إلى ست عشرة ساعة، وقد يقصر إلى بضع ساعات، والليل والنهار أربع وعشرون ساعة، فجعل الله تعالى كل ذلك زمناً ووقتاً للاستغفار، وللشكر، وللذكر، وللعبادة. وختم الآية بقوله: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان:62] وهذا يؤكد المعنى الأول، وهو أن من فاتته عبادة الليل قضاها في النهار، ومن فاتته عبادة النهار قضاها في الليل. وقوله تعالى: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ} [الفرقان:62] أي: أن يعتبر، وقرئ في السبع: (أن يَذْكُر) أي: أن يذكر الله قائماً وقاعداً وساجداً باللسان وبالجنان وبالأركان. وقوله تعالى: {أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان:62] أي: أراد أن يشكر الله على كثرة ما أنعم عليه، فيقول: أشكرك يا رب! على نعمك وآلائك التي لا تحصى، وأول ما يشكر عليه تعالى هو هذه الهداية التي هدانا بها إلى دينه، واتباع نبيه، وإلى القيام بالإسلام. ثم بعد ذلك الهداية إلى عمل الخير والطاعة، ثم يأتي الشكر بعد ذلك على الطعام والشراب، ومن جعل شكره مقصوراً على الطعام والشراب فهو كما قال الحسن البصري: لا يعد من النعم إلا الطعام والشراب، فهو كالدابة، فأعظم من الطعام والشراب الدين، والطاعة، والأخلاق، والامتثال، والدعوة إلى الله، والتحلي بمكارم الأخلاق، والتخلي عن مساوئها، فكل ذلك يشكر الله تعالى عليه {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [النحل:18].
تفسير قوله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا)
تفسير قوله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً) قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان:63]. هذه بداية سلسلة من الآيات الكريمة في صفة عباد الله المؤمنين التي يجب أن يطيل الاعتبار بها المؤمن، فيزن نفسه بميزانها، فإن وجد نفسه متخلقاً بها فهو مؤمن، وإذا وجد نفسه غير متخلق بها فهو مؤمن ناقص الإيمان بمقدار ما نقص من هذه الصفات. قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان:63 - 64]. إن عباد الرحمن هم جميع خلقه، ولكن المراد هنا عباد الرحمن الذين يعبدونه بصدق، فهم عباد في الخلقة، وهم عباد كذلك في العمل، وهي صفة لا تكون إلا للمؤمنين. يقول تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان:63] فهؤلاء تجد صفتهم في مشيتهم، وبعضنا تجده يمشي في الطريق وهو يترنح يميناً وشمالاً، فيمشي وكأن الأرض لا تحمله، ويكاد يشق الأرض والجبال، وهو أعجز عن ذلك، فيرفع رأسه كأنما يريد أن يطير! فإن قيل له: لم كل ذلك؟ يقول: أنا غني، أنا شاب، أنا جميل، أنا ابن فلان، وهذه صفة الكفار وليست صفة المسلمين. وقوله تعالى: (الذين يمشون) أي: يعيشون، فحياتهم تمشي على هذا الأساس، وليس المراد المشي فقط. وقوله تعالى: {يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان:63] الهون: الرفق واللين، فيعاملون الناس برفق، ويعاملونهم بلين، وإذا مشوا مشوا وعليهم السكينة والوقار، لا بالذل؛ إذ لا يليق الذل بمؤمن، فقد رأى عمر بن الخطاب يوماً شاباً يمشي متباطئاً، فقال له: ما بالك، أمريض أنت؟ قال: لا. فقال: ولم تمشي هكذا؟! ارفع رأسك؛ فإن الإسلام عزيز منيع، وضربه بالدرة. وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا مشى فكأنما ينحط من صبب، وكأنما يقلع من الأرض قلعاً، فإذا رفع رجله رفعها كلها بقوة، ولا يمشي وهو يسحب برجله على الأرض كما يفعل كثير من الناس، فإذا رفعها رفعها باقتلاع، وإذا وضعها فكأنما ينزل من صبب، وهذه هي مشية الرجولة. وكان صلى الله عليه وسلم إذا مشى أسرع في خطاه، وهذا كله مع الوقار ومع السكينة ومع التواضع لله جل جلاله. وقد قص الله علينا قصة لقمان مع ولده وهو يأمره وينهاه، حيث قال له: {وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا} [لقمان:18]، ثم قال له: {إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء:37]، فلا الأرض ستخرقها ولا الجبال ستدخل فيها، فيجب أن تمشي برفق وبلين وتواضع وعبودية، أما مشية الخيلاء فهي مشية من لا يؤمن بالله. ولما دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة معتمراً بعد صلح الحديبية كان معه الشيخ والمرأة والمريض والصحيح، وقد قطعوا الطريق ومنهم الراجل ومنهم الراكب، فلما دخلوها قال الكفار: جاءكم محمد وأصحابه قد وهنتهم حمى يثرب، وهم عجزة يجرون أرجلهم جراً لا يكادوا يتحركون، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: (رحم الله امرءاً أراهم من نفسه قوة)، وأمرهم بالرمل، وهذا سبب مشروعية الرمل عند الطواف، فلما رأى ذلك كفار قريش أسقط في أيديهم. وبقي ذلك مشروعاً، ولذا جاء عمر حاجاً أو معتمراً في خلافته، فقال: كان الرمل لإظهار القوة على الكفار، وليس هنا كافر، ثم عاد فرمل وقال: شيء صنعناه مع رسول الله لا نتركه. فالرمل بقي ذكرى لذلك اليوم، وهو اليوم الذي دخل فيه الإسلام ضعيفاً، وكانت مكة بيد الكفار، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغيض الكفار ولو بهذا، فانتهت بعد ذلك تلك العلة، ولكن بقي الرمل، كالسعي بين الصفاء والمروة، وكرمي الجمار، فلكل ذلك معنىً ولكل ذلك مغزىً ولكل ذلك سبب سبق وقته. يقول تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان:63]، فعباد الرحمن الصادقون هم الذين يمشون على الأرض هوناً برفق ولين، فيمشون بالأقدام، ويمشون في السيرة مع الناس برفق وبلين، بلا عنف وجبروت، ولا طغيان وتكبر؛ إذ لا يليق ذلك بالمؤمن، ومن نازع الله كبرياءه كسره، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
معنى قوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)
معنى قوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً) قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63]. فمن نبلهم ومن رفعة أخلاقهم أنهم إذا جاء الجاهل إلى أحدهم فشتمه وصاح في وجهه قال له: سلام، أي: سداداً فيقولون قولاً لا شتم فيه، ولا سب فيه، ولا خبث فيه، فيجب على المسلم أن يعيش بلين المعاملة، وطيب اللسان، فلا ينطق بلسانه ما يقوله السفيه، حتى ولو قال له ذلك، فلا يقول إلا سلاماً، أي: سداداً. وقد قال الله تعالى في مثل هذا: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34]، فذاك العدو عندما يشتمك، وعندما يقول عنك ما يقول ادفعه بالكلمة الطيبة اللطيفة، وبالحركة البشوشة، فيصبح وكأنه أخ حميم وصديق مخلص. قال تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت:35]، فلا يتحمل هذا ولا يطيقه ولا يصبر عليه المؤمن الصادق الواعي القوي الإرادة، أما عامة الناس فالواحد منهم بأقل حركة يثور، وبأقل حركة يشتعل. وهكذا كانت سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد كانت قريش تشتمه وتهجره وتقول فيه وتقول، ومع ذلك لم يكن صلى الله عليه وسلم سباباً ولا صخاباً في الأسواق، ولا رافعاً صوته، ولا يجيب هؤلاء على شتائمهم، وقد كانوا يقولون عنه: مذمم، وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيقول: (انظروا كيف يصرف الله عني شتائم قريش ولعنهم، يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً وأنا محمد) أي: أنا لست مذمماً، فليبحثوا عن المذمم الذي يشتمونه، بل أنا محمد، وسماني الله محمداً، فصلى الله عليه وعلى آله.
تفسير قوله تعالى: (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما)
تفسير قوله تعالى: (والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً) قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان:64]. قال الحسن البصري: تلك صفتهم في النهار، يعيشون مع الناس هوناً لا يشتمون ولا يسبون، وأما في الليل فيبيتون لربهم سجداً وقياماً. ومعنى (بات): دخل عليه وقت البيات، وليس من الضروري أن يكون نائماً، أي: إذا جاء الليل كانوا بين قائم وساجد، فتجد الواحد منهم قائماً ثم راكعاً ثم ساجداً، أي: تجده عابداً لله متهجداً يرجو رحمة ربه، ويستغفر من ذنبه، ويشكر إلهه، ويذكر أسماءه الحسنى ويدعوه بها، فهذه صفة المؤمن. و (سجداً) جمع ساجد، و (قياماً) جمع قائم، و (سجداً) صيغة مبالغة، أي: كثيروا السجود، فيبيتون يقومون ويركعون ويسجدون، متضرعين إلى ربهم ينادون في جوف الليل والناس نيام: يا رب! سجد لك جبهتي وأنفي ويداي وقدماي وجميع أعضائي، عبادة لك خالصة لا تصرف لغيرك، فاغفر ذنبي واكشف كربي، واستر عني عوراتي وآمن روعاتي، وهذه صفة المؤمن.
تفسير قوله تعالى: (والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم)
تفسير قوله تعالى: (والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم) قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان:65]. يبيتون لربهم سجداً وقياماً وهم يدعون ربهم فيقولون: يا ربنا! اصرف عنا عذاب جهنم، وأبعدها عنا، ولا تقربنا منها ولا تقربها منا، واجعل بيننا وبينها حجاباً، ولا تجعلنا من سكانها. وقوله تعالى: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان:65] أي: إن عذابها كان ملازماً، يقولون: فلان غريم فلان، أي: ملازمه لا يتركه حتى يعطيه حقه. وقيل: شديداً، وقيل: دائماً. فعذاب جهنم كان ملازم دائم ومقيم، ثم هو ثقيل لا تحتمله جسومنا، فنحن قد آمنا بك، فنطقت ألسنتنا بتوحيدك، واعتقدت قلوبنا بالإيمان بك والتوحيد، فلا تعذبنا واصرف عنا جهنم، واصرف عنا عذابها. فالمؤمن باستمرار داع لربه قائماً وراكعاً وساجداً. قال تعالى: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان:66] أي: جهنم، فما أسوأها مقاماً، وما أشد سوءها ومحنتها وقبحها للمقيم فمقامها سيء، والاستقرار فيها سيء. فهؤلاء يدعون ربهم قائلين: أبعدها عن أن تكون مستقراً لنا ومنزلاً، وعن أن تكون لنا مقاماً وموئلا، وأبعد عنا عذابها. فهؤلاء يبيتون الليل ركعاً وسجداً وهم يدعون ربهم بما يوصلهم إلى الجنة ويدفع النار عنهم، وإنما يكون دفع النار بتوالي الطاعات، وبفعل الحسنات، وبترك السيئات، وبالدعاء في الليل والناس نيام بأن يوفق الله العبد المؤمن ويلهمه الله العمل الصالح الذي يبعده عن جهنم ويصرفها عنه.
تفسير قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا)
تفسير قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67]. هؤلاء المؤمنون عباد الرحمن إذا أنفقوا لا يسرفون ولا يقترون، والإسراف: هو إعطاء المال في غير ما يجب له، قال تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء:27]، والتقتير: هو البخل وإمساك اليد. فهؤلاء لا ينفقون أموالهم إلى حد التبذير والإسراف وضياع المال، ولا يقبضون أيديهم إلى درجة البخل ومنع أهل الحقوق حقوقهم. وقد فسر الآية الحسن البصري فقال: لا يقبضون أيديهم فيجيعون أهلهم وأولادهم في النفقة، ولا يسرفون بصرف مالهم كله لهم فيصبحون وقد افتقروا، فلا يستطيعون شراءً ولا بيعاً ولا معاملة. وقال غيره: الإسراف لا يكون إلا في باطل، بحيث ينفق أكثر مما يحتاج إليه، أما في سبيل الله فمهما أنفق في ذلك فإنه لا يعاب ولا يلام، ولا يقال: هذا مسرف ولا مبذر. والتقتير أيضاً لا يسمى كذلك إلا إذا أمسك المرء يده عن حسنة أو عن عمل في سبيل الله. وقد قال الله تعالى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء:29]، فلا تغل يدك إلى عنقك -وهذه كناية عن البخل الشديد- حتى إذا حاولت أن تتصرف بها وجدتها مربوطة مغلولة إلى العنق، (ولا تبسطها كل البسط) فتبذر.
الفرقان [67 - 71]
تفسير سورة الفرقان [67 - 71] يذكر الله تعالى بعض صفات عباد الرحمن التي يتميزون بها، فهم لا بخلاء ولا مبذرون، وهم أيضاً يوحدون الله تعالى ويدعونه وحده لا شريك له، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن صفاتهم أيضاً كثرة التوبة والإنابة إلى الله تعالى.
تفسير قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا)
تفسير قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) قال الله جل جلاله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67]. لا نزال مع المؤمنين من عباد الله الصالحين فيما وصفهم الله تعالى به من التحلي بالأخلاق الكريمة، والتخلي عن الأخلاق السافلة، فكان من ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان:67]. فهؤلاء من عباد الله حقاً، فهم الذين لا يكون إنفاقهم إسرافاً وتبذيراًَ وضياعاً، ولا يكون تقتيراً وبخلاً ونقصاً وإضاعة حقوق، فلا يصل بهم الأمر إلى أن يجيعوا ويعروا من هم في حاجة إلى نفقتهم، ولا يصل بهم الأمر إلى أن يسرفوا ويبذروا ويصرفوا أكثر مما كان يجب أن يكون، وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ما عال من اقتصد)، أي: لم يفتقر المقتصد. وهذا كبيان الله في آية أخرى في قوله: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء:29]، فلا تجعل يديك من البخل كما لو عقدتها وربطتها وقيدتها في عنقك، فلا تستطيع نفقةً، ولا تجعلها مبسوطة كل البسط فتقعد ملوماً بعد أن تبذر، وتضيع وتسرف في النفقة على من كان يجب عليك نفقته. وقد قال قوم: النفقة في سبيل الله ولو كانت بكل مالك لا تعد إسرافاً ولا تبذيراً، واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما طلب الأصحاب في غزوة تبوك أن يعينوا الجيش، وأن يعطوا كل ما يستطيعون جاء أبو بكر رضي الله عنه بكل ماله، وجاء عمر بنصف ماله. ولكن هذا في حالة خاصة، وأبو بكر عندما فعل ذلك لم يضيع أهله، ولم يحوجهم ولم يجعهم، وكذلك فعل عمر. فعندما أعطوا أموالهم كانوا معتمدين على تجارتهم، ومعتمدين على الصفق في الأسواق والأخذ والعطاء، فلم يعطوا كل ما عندهم ليصبحوا في اليوم التالي في حاجة إلى طعام وشراب وكساء. وهذه الآية تصف المؤمن بأنه إذا أنفق لا يكون مبذراً، ولا يكون مسرفاً، فالمبذرون كانوا إخوان الشياطين، والمسرفون لا يحبهم الله، إذ قد أفرطوا في تجاوز الحد بالنفقة على من كان يجب أن ينفق عليه من عيال وأولاد. قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان:67]، قرئ: (يُقتِروا) و (يَقتُروا) و (يَقتِروا)، وكل ذلك بمعنى واحد، وبكل ذلك وردت القراءات السبع المتواترات. قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا} [الفرقان:67] أي: ومن صفاتهم الكاملة أنهم إذا انفقوا لم يكونوا مسرفين ولا مبذرين، ولا بخلاء ولا مقترين، يعطون الأهل في نفقاتهم ما يحتاجون إليه من سكن ولباس وطعام وشراب، ولا ينفقون عليهم في اليوم كنفقة أسبوع أو شهر أو سنة، حتى إذا نفد المال وجد المرء منهم نفسه قد افتقر وقد أضاع ما عنده، فليست هذه صفة المسلم العابد الذي وصفه الله تعالى بهذه النعوت الكريمة. وقوله تعالى: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67] أي: وكان الإنفاق بين ذلك وسطاً بين الإسراف والتقتير، وكان الإنفاق بين هاتين الحالتين من الإسراف والتقتير، وهو العدل والوسط في الأمور.
تفسير قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر)
تفسير قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر) قال تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان:68]. ذكر الله جل جلاله في هذه الآية الكريمة أن من صفات هؤلاء العابدين الصادقين أنهم لا يدعون مع الله إلهاً غيره، فلا يشركون بالله، ولا يعبدون غير الله، وليس لهم إله إلا الله، ولا رب ولا خالق ولا معبود غيره، فهم المؤمنون بالله حقاً، وهم الموحدون لربهم ذاتاً وصفات وأفعالاً، فهم الذين إذا استعانوا استعانوا بالله، وإذا سألوا سألوا الله، وإذا خافوا خافوا من الله، وعلموا أن الله أكبر من كل كبير، فهو الله الخالق الرازق الجدير وصاحب الحق في العبادة، وكل من عداه من الشركاء إنما عبدهم من لم يعبد الله حقاً، وزعمهم شركاء من لم يوحد الله حقاً، فمن تمام صفة المؤمن أن يكون عابداً لله وحده، فلا يتخذ إلهاً غيره ولا معبوداً سواه. ثم هو لا يقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، فلا يعتدي على الأرواح، ولا يسفك الدماء إلا بحقها، وحق سفك الدم يرجع إلى الحاكم لا إلى عامة الناس، فالروح عصمها الله تعالى عن أن تزهق، إلا إذا زلت في أعمالها، وارتكبت ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زناً بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس). فإن كان مسلماً فارتد فأمر بالعودة إلى الإسلام وبالتوبة فأبى، فإنه يقتل حداً لردته، وإن تزوج يوماً -ولو بقي بعد ذلك بلا زوجة- فإنه يعتبر محصناً، فإذا زنى يرجم حتى الموت، وإن أزهق نفس مسلم بغير حق فإنه يقتل به قصاصاً جزاء إزهاقه لروح غيره ظلماً وعدواناً. وهذا معنى الآية الحق: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان:68]. فالنفس المؤمنة معصومة محصنة لا يجوز إزهاقها ولا يجوز قتلها ما لم يكن ذلك بحق، والقتل بالحق هو ما سبق ذكره، ومع ذلك لا يكون للإنسان أن يأخذ حقه بيده، ولكن الحاكم المسلم هو الذي يتولى ذلك.
معنى قوله تعالى: (ولا يزنون)
معنى قوله تعالى: (ولا يزنون) قال تعالى: {وَلا يَزْنُونَ} [الفرقان:68]، فعباد الرحمن لا يزنون، والزنا انتهاك الأعراض، وهو إتيان فرج لا يحل كما يأتي الزوج زوجته حلالاً، فلا يفعل ذلك بعقد وزوجية صحيحة، ولا يفعل ذلك بملك يمين، ومن يفعل ذلك يكون قد اعتدى، وعدوانه هذا جزاؤه في الشرع إن كان عزباً مائة جلدة وتغريب عام، وإن كان محصناً فالرجم حتى الموت. والمؤمن يبتعد عن هذه الأشياء كلها ابتعاد السليم من الأجرب، فالمؤمن لا يكفر بالله، ولا يشرك به شركاً خفياً ولا جلياً، ولا يزهق نفس المؤمن ظلماً وعدواناً إلا بحق، والحق يرفع إلى من ينفذه، وهو الحاكم المؤمن، ولا يعتدي على الأعراض المحرمة عليه، ومن اعتدى بعد ذلك فهو الظالم الذي يستحق العقوبة، وهو الذي لا يوصف بصفات المؤمنين العابدين. وقد سأل ابن مسعود رضي الله عنه نبي الله صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح- فقال له: (يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل الله نداً وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل وليدك مخافة أن يطعم معك)، كما كان يفعل في الجاهلية قبل، وكما يفعل اليوم في مختلف بقاع الأرض، فيزهقون الأرواح أجنة لا تزال في الأرحام وقد نفخت فيها الأرواح، ويقتلونهم وهم أطفال ليبتعدوا عن مسئولية النفقة عليهم، ولا تزال الصحف وأجهزة الإعلام في مشارق الأرض ومغاربها تقص من ذلك العجائب والغرائب، وذلك يدل على أن قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} [التكوير:8] لا يعنى به أهل الجاهلية فحسب، فهذا الذنب وهذا الإجرام لا يزال قائماً بين الناس في جاهليتهم الجديدة، على أن الكافر يعيش في جاهلية مستمرة قبل وجوده وبعد وجوده إلا أن يؤمن بالله، ويعترف بالله جل جلاله خالقاً ورازقاً وواحداً، وبمحمد عبداً ونبياً ورسولاً وخاتم الأنبياء والرسل، وإلا فهو جاهلي لا يزال يعيش في الجهالة والضلالة. والزنا من أقبح ما يبتلى به مجتمع، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (ما انتشرت الفاحشة في قوم إلا وبلوا بأمراض لم يكن يبتلى بها آباءهم وأجدادهم). ونحن نرى اليوم في هذا العصر أمراضاً بين الناس في المشارق والمغارب هي نتيجة الزنا، ونتيجة الفساد، وهي أمراض ما كان الناس في القرون الأولى يعرفونها، وهذا جزاء في الدار الدنيا قبل جزاء دار الآخرة. وسل أي طبيب فقل له: ما هي الأمراض التي يحملها أكثر المرضى عند علاجك لهم؟ فسيقول لك: أكثر أمراضهم أمراض الجنس، أمراض القبل والدبر، أمراض الفساد والفاحشة والزنا. فالجراثيم والأقذار والأوساخ لا تكون في موضع كما تكون في موضع القبل والدبر، فإذا اتصل سليم بمريض عن طريق الفرج الحرام انتقل ذلك من الفرج الحرام إلى فروج أخرى، ومن كان متزوجاً ينقل ذلك إلى أهله، فيخرج الأولاد مرضى منذ الطفولة، بل منذ كانوا في أرحام أمهاتهم وهم أجنة، والمرض إذا خرج مع الجنين فقلما يسلم صاحبه، فيعيش مريضاً مدة حياته، وينتشر ذلك منه إذا كبر في أولاده. وكثير من الأمراض التي ترى اليوم في الأطفال والنساء والرجال إن بحثت عنها فستجد أن البيئة ليست بيئة صالحة، وليس أهلها قوماً متقين ولا خائفين من الله، فهم يتصلون بكل فرج حرام، حتى إذا أفلتوا من الحد وقعوا في قبضة تلك الأمراض. وكثيراً ما يفلتون من الحد، بل قد أسقطت الحدود في ديار الإسلام إلا شيء لا يزال في بلدنا هذه.
ذكر عقاب مرتكبي الشرك والقتل والزنا
ذكر عقاب مرتكبي الشرك والقتل والزنا يقول تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان:68] أي: ومن يفعل ذلك من المؤمنين، والمراد الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله بغير حق، والاعتداء على الأعراض والفروج التي لا تحل له، فإنه يقابل ويجازى في الدنيا والآخرة بعقوبة، فقوله تعالى: (يلق أثاماً) أي: يلقى عقوبة، ويلقى نكالاً، ويلقى جزاءً وفاقاً، ففي دار الدنيا يعذب بإقامة الحد، وبهذا المرض المضني المهلك الملازم لهؤلاء الزناة والفسقة من الرجال والنساء، وفي الآخرة عذاب الله أشد إذا لم يقم على فاعل ذلك الحد جلداً أو رجماً، أو لم يتب مما صدر منه. قال تعالى: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان:69]، فهو في الدنيا يلقى العقوبة بالجلد، ويلقى العقوبة بالرجم، ويلقى العقوبة بالأمراض، فإن مات مع هذا مشركاً فإنه يخلد في العقوبة مهاناً ذليلاً حقيراً، فيكون خالداً في جهنم تحت غضب الله ولعنته مع الذل والهوان على الله وملائكة العذاب في جهنم وبئس المصير. فالمؤمن لا يفعل ذلك، فإن فعل فقد خرج عن صفات المؤمنين، وكان مرتكباً لصفات المشركين ولنعوت الظالمين الفاسقين.
تفسير قوله تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا)
تفسير قوله تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً) قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:70]. إلا من سبق أن أجرم أو أذنب وكان كافراً، ثم تاب إلى الله توبة نصوحاً، ومن تاب تاب الله عليه، والإسلام يجب ويقطع ما قبله إذا كان مشتملاً على صفات التوبة من الندم على ما سبق، والعزم على ألا يعود، وارتكاب حسنة مكان سيئة صنعها كما قال صلى الله عليه وسلم، وقد أمرنا بأن نفعل حسنة مكان السيئة لتمحوها وتزيلها وتقضي عليها. ومعنى ذلك أن جميع الجرائم من الكفر بالله وإزهاق النفس التي حرم الله وبقية الجرائم على مختلف أنواعها إذا أقيم على فاعلها الحد ثم تاب إلى الله بعد ذلك وعمل صالحاً فعوض سيئاته بأن أكثر من الحسنات، ومن الطاعات، ومن العبادات، فإن الله يبدل سيئاته حسنات. وهذه الآية متعلقة بتوبة الكفار، فقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ} [الفرقان:70] أي: تاب من ذنوبه، وآمن بعد كفره، وعمل عملاً صالحاً بعد ذلك، والعمل الصالح هو القيام بالأركان الخمسة فرائضها وسننها وآدابها، والتحلي بالأخلاق الكريمة والتخلي عن الأخلاق الرذيلة، وفعل الطاعات بقدر المستطاع، وترك السيئات جميعها. فمن تاب وآمن ثم عمل الصالحات فإن الله لا يتوب عليه فحسب، بل يبدل سيئاته حسنات. وقد فسر الآية علماؤنا وصحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: يلهمهم وهم في الدنيا أن يجعلوا مكان السيئة الحسنة، فيفعلون الحسنات، وفي مكان كل سيئة يعملون حسنة، فتمحوا السيئة الأولى. وقال قوم: بل إنه في الآخرة يبدل الله سيئات المذنب بحسنات، فيعفو عنها، ويضع مكانها حسنات ويجازيه عليها ويدخله الجنة. واستدلوا بحديث يدل على أن ذلك يكون بعد عذابه وبعد عقوبته، وهو إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بآخر رجل يخرج من النار، فيعرض على ربه للحساب فتعرض عليه صغائر ذنوبه، وإذا بالله الكريم يعوض ذنوبه وسيئاته حسنات، فعندما يرى فضل الله وعفو الله وكرم الله فإنه يطمع بعد نجاته من النار فيقول: يا رب! إن لي سيئات كباراً ما رأيتها ذكرت، فيذكر ذنوبه الكبار، قال راوي الحديث: فضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه. والقول الأول: أن تغير الحسنات في الدنيا بأن يلهم الله المؤمن ويعطيه العون في تبديل السيئة بالحسنة، كأن يكون قد قاتل قتالاً أزهق فيه أرواحاً وهو ظالم، فهو بعد ذلك يقاتل في سبيل الله فيقتل أرواحاً كافرة إعلاءً لكلمة الله. وكأن يكون قد منع حقوقاً لأناس، فيعود فيؤدي تلك الحقوق لأصحابها إن استطاع، وإلا طلب من أولئك العفو والسماح إن كان يعرفهم، وإلا تصدق وأكثر من الصدقات وأكثر من النفقات وأكثر من العطاء، ليبدل الله بذلك سيئاته حسنات. أما يوم القيامة فالله جل جلاله يعطي من شاء ما شاء إن مات على التوحيد، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48]. وقوله تعالى: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ} [الفرقان:69] معناه أن عذابه يكون مضاعفاً مكرراً، فيجازى بالسيئة سيئة وبالعذاب عذاباً إن مات على الشرك، أما إذا تاب، وآمن، وعمل العمل الصالح فالله يبدل سيئاته حسنات. قال تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:70] (غفوراً) صيغة مبالغة، أي: كثير المغفرة لذنوب عباده التائبين النادمين على ما صدر عنهم، الآتين بالحسنات مكان السيئات، الرحيم بعباده بعد ذلك، فيرحم ضعفهم ويرحم ذلهم، فيعود عليهم بالتوبة، ويعود عليهم بالرحمة، ويبدل السيئات حسنات، فيدخلهم الجنة وقد كانوا في النار أولاً، وقد يدخلون الجنة ولا يدخلون النار البتة رحمة من الله وغفراناً.
تفسير قوله تعالى: (ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا)
تفسير قوله تعالى: (ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً) قال تعالى: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان:71]. هذه التوبة خاصة بالمؤمنين، ولذلك لم يذكر فيها الإيمان، وفي الآية الأولى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} [الفرقان:70]، فهي في حق من كان مشركاً كافراً، ثم تاب من الشرك وتاب من الكفر، وعمل الصالحات، فالله تعالى يقبل توبته إن كان صادقاً فيها. وفي هذه الآية مؤمن لم يشرك ولم يكفر، ولكنه ارتكب مخالفات وأتى بسيئات، فإن تاب هذا العبد وعمل صالحاً مكان ما صنعه من قبل من سيئات، وتاب إلى الله فإنه يتوب إلى الله متاباً، و (متاباً) مفعول مطلق، أي: توبة نصوحاً، أي: يتوب وهو نادم على ما صدر عنه، نادم على ما كان منه، عازم على ألا يعود إليه، وقرر في نفسه بعزم وثبات وحزم أن يعوض كل سيئة بحسنة مكانها. فهذه الآية لم تكرر عبثاً، وإنما هي للتائبين المؤمنين، والآيات السابقة في توبة الكافرين من الكفر والشرك. وعلى كل اعتبار فإن الله يتوب على من تاب، سواء أتاب من الشرك، أم تاب من العصيان والمخالفة، إن تاب توبة نصوحاً، فتاب وهو عازم في نفسه على ألا يأتي بالسيئة التي تاب منها، فالله يغفر الذنب ويعفو عن المسيء، وقد جاء قوم إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا رسول الله! قوم أشركوا وقتلوا وزنوا، وما من سيئة إلا ارتكبوها، ألهم توبة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتكلم -وكان اسمه أبا طويل الكندي -: أأسلمت؟ فأسلم في الحال فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبد الله ورسوله، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (نعم، قد قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:70])، وإذا بالرجل يخرج وهو يصيح ويقول: الله أكبر، الحمد لله، الله أكبر، الحمد لله. يحمد الله على أن غفر ذنبه، وكشف كربه، وستر عيبه بعد أن شهد شهادة الحق، فباب الله مفتوح لكل تائب. وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل). ونزل في مثل هذه المعاني أيضاً قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر:53]. قالوا: هذه أرجى آية في كتاب الله، فهي أكثر رجاءً، وأكثر طمعاً، وأكثر أملاً، فعباد الله المذنبين -وأضافهم الله إلى نفسه- إن هم تابوا وأنابوا وعملوا الصالحات مكان السيئات غفر الله لهم الذنوب جميعاً. وما الصحابة في الرعيل الأول إلا هكذا، فقد سجدوا للأصنام في الجاهلية، وارتكبوا المنكرات، وما إن هداهم الله وصرف قلوبهم عن الشرك وعن الكفر وعن تكذيب النبوة وتكذيب كتاب الله حتى انقلب حالهم، وأصبحوا قادة الدنيا، فكان منهم أبو بكر، وكان منهم عمر، وكان منهم عثمان، وكان منهم علي، وكان منهم من لا يحصي عددهم إلا الله، وأصبحوا خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله، وفي هداية البشر من الضلال إلى الهدى، ومن الظلمة إلى النور، وهكذا حكموا العالم ونشروا دين الله في مشارق الأرض ومغاربها. وأصبح اسم الرجل منهم إذا ذكر تهتز له العوالم احتراماً وحباً وتقديراً واعترافاً بفضله، وما تخرجوا إلا من المدرسة المحمدية، فخلدوا في التاريخ إلى أبد الآباد، فكما صاحبوا نبينا في الدنيا فسيصاحبونه كذلك في الآخرة، أولئك الذين أشاد الله بهم ونوه بهم فقال: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة:100]، فالله رضي عنهم، وأدخلهم الجنة، ورحمهم، وأكرمهم، وجعلهم سادة الناس في الدنيا، وسيكونون كذلك في الآخرة يوم القيامة، وقد رضوا عن ربهم في رحمته بهم وتوبته عليهم ومغفرته لهم، وفيما ألهمهم من التوبة، والدعوة إلى الله، والإيمان برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الفرقان [72 - 77]
تفسير سورة الفرقان [72 - 77] في هذه المادة ذكر بعض صفات عباد الرحمن الصالحين، فمن صفاتهم: أنهم لا يحضرون مجالس الزور، وإذا مروا باللغو مروا كراماً، فلا يردون السب بالسب، ولا يردون الشتم بالشتم، ومن صفاتهم أنهم إذا ذكّروا بآيات الله تعالى لم يتغافلوا عنها، بل يتعظون بها، ويتدبرونها، ويقفون عندها وقفات تأمر وتفكر.
تفسير قوله تعالى: (والذين لا يشهدون الزور)
تفسير قوله تعالى: (والذين لا يشهدون الزور) قال تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان:72]. هذه من صفات المؤمنين العابدين، حيث يقول تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان:72]، والزور هنا فسر بالباطل، وهو كل أنواع الآثام، وكل أنواع الذنوب، وكل أنواع الباطل، وكل أنواع اللغو. وأصل الزور: تلبيس الباطل بلباس الحق المزخرف بالقول أو بالعمل، كما تزور المرأة القرعاء شعرها أمام الناس، فتأتي بالشعر فتضعه على رأسها، وكما يزور الأشيب ذو اللحية البيضاء لحيته فيسودها ليوهم الناس أو من يريد الزواج بها إن كانت امرأة أنه لا يزال صغيراً، وهكذا قل عن كل شيء زخرف وغير عن أصله تضليلاً وتزويراً وزخرفة، فكل ذلك يسمى زوراً. فوصف الله هؤلاء المؤمنين بأنهم لا يحضرون الزور، فلا يحضرون مجالس الفسق، ولا مجالس الغناء، ولا مجالس اللهو، ولا مجالس الباطل. وأيضاً لا يشهدون شهادة الزور، بأن يري المرء عينه ما لم ترى، ويسمع أذنه ما لم تسمع، فيشهد لزيد أو لعمر مقابل دريهمات وهو لم يسمع ذلك قط، ولم يره قط. وشهادة الزور من أعظم الكبائر، ولذا عد النبي عليه الصلاة والسلام الكبائر، فذكر الشرك بالله أولاً، ثم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ثم عقوق الوالدين، ثم ذكر شهادة الزور، وكان صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس، فقال: (ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور)، وكرر ذلك حتى قال الصحابة: ليته سكت.
معنى قوله تعالى: (وإذا مروا باللغو مروا كراما)
معنى قوله تعالى: (وإذا مروا باللغو مروا كراماً) قال تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان:72]. أي: إذا سمعوا شخصاً شتم أو سب أو استهزأ أو نطق بالسوء أو نطق بما لا يليق (مروا كراماً). و (كراماً) حال، وهي جمع كريم، وذلك مأخوذ من قول العربي: فلان مر على فلان فشتمه فتكرم عليه فتركه وأعرض عنه. أي: كان أكرم منه قولاً، وأكرم منه خلقاً، وأكرم منه سيرة، وأكرم منه ديناً. فإذا سمعوا سيئاً من القول لا يجيبون بمثله، بل يعرضون عنه ويمرون عليه مرور الكرام، قيل: ومن اللغو: الغناء.
تفسير قوله تعالى: (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا)
تفسير قوله تعالى: (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً) قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان:73]. إن المؤمن خطاء وغير معصوم، ولكنه إذا أخطأ بذنب أو صنع شيئاً أو غفل عن شيء، فإن من تمام صفة الإيمان فيه أنه إذا ذكر بالله تذكر، كما قال ربنا: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات:55]. المؤمن إذا سمع تذكير الله بآية من كتابه، وتذكير رسول الله بكلمة من سنته، وتذكير عباد الله الصالحين بنصيحة تجده إذا سمع ذلك ألقى سمعه واهتم به وعمل بمقتضاه. وأما المنافقون والفساق فإنهم إذا سمعوا كلمة عن ربهم أمراً أو نهياً كانوا صماً وعمياناً، و (صماً) جمع أصم، و (عمياناً) جمع أعمى. فالفساق كالأصم، يسمعون ولا يعون، ولا يفهمون، ولا يريدون أن يمتثلوا ولا أن يتذكروا، يرون المذكر، ويرون الداعية، ويرون العالم وهو يأمر وينهى ويذكرهم بالله من كتابه ويذكرهم برسول الله من سنته صلى الله عليه وسلم فلا يتعظون، بل إن سمعوا لا يريدون أن يدركوا ولا أن يعوا، وإن نظروا كانوا عمياناً لا يهتدون ولا يعتبرون، فهم صم بكم عمي كما وصفهم الله. يقول تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} [الفرقان:73]، فهم لم يتركوها، ولكن نسوا في عمل من الأعمال أو قول من الأقوال، فإذا نصحوا فسرعان ما يتذكرون، فإذا ذكروا بآيات ربهم، وبسنة نبيهم لم يكونوا صماً ولا عمياناً، بل يكونون سامعين متعظين، ولا يكونوا عمياناً، بل يبصرون الداعي والعالم فيتأثرون بقوله ويعزمون على تنفيذ أمره طاعة لله وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يكبر عن التذكير أحد في الأرض، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة؟ فقيل له: لمن؟ فقال: لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم) فتنصح أخاك المؤمن، وتنصح أبويك وأبناءك، وإخوتك وأقاربك، وتلاميذك وطلابك، وإخوانك في الله وعموم الخلق، وكما تنصح المؤمن تنصح الكافر إن وجدت عنده أذناً صاغية أو عيناً مبصرة، وقلما يكون ذلك عند الكافر، بل وقلما يكون ذلك عند الظالم وعند المخالف. فالمؤمن إن رأى تقصيراً في أخيه نبهه عليه، فإن رآه يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها نبهه، وإن رآه يصنع شيئاً لا يليق به نبهه، فإذا نبهه وكرر التنبيه فأعرض فله أن يقاطعه في الله وأن يهجره في الله، والهجران في الله لا يقتصر على ثلاثة أيام، بل قد يكون إلى الأبد. وأما حديث: (لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث) فالمراد به في شئون الدنيا، أما في أمور الآخرة فلا، فالحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وقد هجر عبد الله بن عمر رضي الله عنه ولده في الله هجرة الأبد إلى الموت؛ لأنه أمره بألا يمنع نساءه من حضور بيت الله، وذكر له حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تمنعوا إماء الله بيوت الله)، فقال: والله لنمنعنهن، وإذا بـ ابن عمر يثور في وجهه ويقول له: أقول لك: قال رسول الله، وتقول: بلى والله لأفعلن! وهجره إلى أن مات ولقي الله وهو هاجر له. قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان:73]، فالمؤمن شأنه أن يخر لله راكعاً وساجداً! وهؤلاء الكفار يستكبرون عن أن يخروا لله سجداً وركعاً، وإذا بهم يخرون سجداً لأهوائهم، فيصمون آذانهم عن كلمة الحق، ويعمون أبصارهم عن رؤية الداعي إلى الحق، ولا يقبلون موعظة ولا ينصتون للحكمة.
تفسير قوله تعالى: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين)
تفسير قوله تعالى: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74]. فهم الذين يدعون الله بألا يقصر الخير والصلاح عليهم، فيكون مع صلاحهم صلاح بيوتهم وأسرهم، فتكون زوجة الواحد منهم أو زوجاته مثله في عبادته، وفي طاعته، وفي تذكيره، وفي امتثال أمر الله، ويكون أولاده وبناته كذلك جميعاً، يطيعون الله في أمره، ويحافظون على أوامر الله من صلاة وزكاة وصيام وحج، ويمتثلون أمر الله إذا سمعوا (قال الله) وإذا سمعوا (قال رسول الله)، ويكونون مثل هؤلاء عبادة وتواضعاً وأخلاقاً وعملاً للصالحات وابتعاداً عن الباطل. فعباد الرحمن يقولون: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا} [الفرقان:74] أي: أعطنا وتفضل علينا، {هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا} [الفرقان:74] جمع ذرية، وهي الأولاد، أي: فاجعل لنا من أولادنا ذكوراً وإناثاً، واجعل لنا من زوجاتنا قرة أعين، و (أعين) جمع عين، فتكون الزوجة قرة عين لزوجها ولأولادها، والأولاد قرة عين لأبيهم وأمهم، فذكرت الأعين هنا والإنسان ليس له إلا عينان. وقرة العين: ما يسرك ويفرحك ويشرح صدرك، ويدعك بذلك مسروراً مبتهجاً. وأصل القرة: البرود، والعرب تحب الشيء البارد، وتبتعد عن الشيء الحار. وأيضاً يقولون عن العين: إنها إذا التهبت فاشتدت حرارتها فمعنى ذلك مرضها، ولذلك يقولون: الدمع الناتج عن السرور يكون بارداً، والدمع الناتج عن الحزن يكون حاراً. فكون الزوجات والذرية قرة أعين معناه أنهم لا يجعلون في العين التهاباً ولا حرارة، وتلك كناية عما يسر وعما يطرب وعما يبهج وعما يشرح النفس، ولذلك كثيراً ما يقال للآباء في أولادهم: (جعله الله قرة عين لك)، وأصعب شيء على الإنسان أن يضطر إلى عشرة من لا يكون كذلك. وتنصيص الله تعالى بآية خاصة في صفات عباد الرحمن على ذلك لعلو شأن هذا المعنى، وهو أن يكون الإنسان بين زوجته وأولاده على هذه الأخلاق والسمات الصالحة.
معنى قوله تعالى: (واجعلنا للمتقين إماما)
معنى قوله تعالى: (واجعلنا للمتقين إماما) قال تعالى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74]. أي: اجعلنا أئمة للمتقين العابدين الصالحين في الطاعة وفي الامتثال بالخير. ومعنى ذلك: يا رب! لا تجعل عبادتي قاصرة على نفسي، بل اجعل غيري يهتدي بي، ويمتثل أمري فيما آمره به من طاعتك وطاعة نبيك؛ لأن النبي يقول عليه الصلاة والسلام لـ علي رضي الله عنه: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس). ومن أصلحه الله على يدك، ومن آمن على يدك فلك أجره إلى يوم القيامة، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. والله نوه بالمسلمين وأشاد بهم فقال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران:110]، فالمؤمن اجتماعي بالطبع وليس انعزالياً، وليست عبادته قاصرة على نفسه، ومن هنا كانت الصلاة في الجماعة تعدل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة؛ لأن الاجتماع على العبادة والاجتماع على الطاعة فيه معنى التأسي، فيأتسي بك ولدك، ويأتسي بك تلميذك وأخوك في الله، وكما تكون قدوة حسنة لغيرك، فهنا تكون إماماً يؤتم بك في الخير كما يؤتم بالإمام في الصلاة، وكما يؤتم بالحاكم المسلم والإمام المسلم الذي يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويشرع لهم القوانين التي تتفق مع كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا)
تفسير قوله تعالى: (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) قال تعالى: {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا} [الفرقان:75]. قوله تعالى: (أولئك) أي: عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً، والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، ولا يشركون بالله، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، والذين لا يشهدون الزور، والذين لا يحضرون الباطل، والذين يضرعون إلى الله في كل أعمالهم، ويدعون الله أن يرزقهم زوجات صالحات وأولاداً صالحين يكونون لهم قرة أعين، هؤلاء الذين هم على هذه الصفة {يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا} [الفرقان:75]، فيكافئون بالغرفة، والغرفة أعلى منازل الجنة في الفردوس الأعلى. وقوله تعالى: (بما صبروا) الباء باء السببية، أي: بسبب صبرهم على ترك الحرام وفعل الطاعات، وصبرهم على عبادة الله والدعوة إليه، وصبرهم على ترك مجالس اللغو ومجالس اللئام، وصبرهم على بذل نفوسهم رخيصة في سبيل الله، فقد بذلوا الأنفس، وبذلوا الأموال، وبذلوا الأولاد لإعلاء كلمة الله، وصبروا على طاعته تهجداً وصلاة في النهار، وإعطاء للنفقة والزكاة، وجعلوا أنفسهم تمتثل أمر الله في كل ما به أمر بقدر طاقتهم، وتركوا كل ما عنه نهى، فهؤلاء الذين صبروا على ذلك والتزموه وكانوا عباد الرحمن حقاً في جميع هذه الصفات، جزاؤهم الجنة بصبرهم على ذلك، وقيامهم به إلى لقاء الله. قال تعالى: {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا} [الفرقان:75]، فيستقبلون بالتحية من الله جل جلاله، ويقال لهم السلام، والله هو السلام ومنه السلام، ويلقون السلام من ملائكة الجنة مرحبين ومسلمين على الكبار والصغار والنساء والرجال عندما يدخلون الجنة. فقوله: (ويلقون) أي: يجدون ويستقبلون في الجنان بتحية وسلام.
تفسير قوله تعالى: (خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما)
تفسير قوله تعالى: (خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاماً) قال تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان:76]. أي: خالدين في الجنة خلوداً أبدياً لا موت بعده. وقوله تعالى: {حَسُنَتْ} [الفرقان:76] أي: حسنت الجنة، وحسنت الغرفة، وحسن الفردوس. وقوله: (مستقراً ومقاماً) أي: قراراً لهم ومأوىً ومنزلاً أبدياً، فهي موضع إقامتهم الدائمة، وموضع نزولهم الدائم. فالله يحض المسلمين ويبشر المؤمنين ويحرضهم على طاعته وعلى عبادته، وعلى أن يتصفوا بهذه الصفات من صفات عباد الرحمن؛ لعل الله يكرمهم بما قال. ونحن بعد لا نزال نملك أمرنا، فمن كان ذا ذنب فليتب، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يستغفر الله مائة مرة في اليوم، فإذا كان النبي المعصوم يستغفر كذلك فماذا نقول نحن المذنبون الخطاءون؟! وما ذلك إلا تشريع لنا لأن نستغفر الله من ذنوبنا ما علمنا منها وما لم نعلم، وما أخطأنا فيه وما تعمدنا.
تفسير قوله تعالى: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم)
تفسير قوله تعالى: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم) قال تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} [الفرقان:77]. أي: قل يا رسولنا: {مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان:77] فلا يهتم بكم ربنا، ولا يعطيكم وزناً، (لولا دعاؤكم) والدعاء هنا العبادة، ودعاء الله عبادة، بل هو مخ العبادة كما قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه. فالله تعالى يقول لكل البشر -وإن كان ختام الآية يدل على أن الخطاب للكفار-: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان:77] فالله لا يهتم بكم لولا تضرعكم، فلا وزن لكم عنده، إذا هم كفروا، والله ما خلق الجن والإنس إلا للعبادة، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، فإذا خرجوا عما خلقوا من أجله أصبحوا حيوانات، بل الله تعالى وصفهم بأنهم أضل من الأنعام، فالأنعام نستفيد من ظهورها، ومن بطونها، ومن أشعارها وأوبارها، ومن صوفها، والكافر الذي لا دين له يكون كلاً على الخلق، فضرره أكثر من نفعه، ووجوده في باطن الأرض خير لكل الناس من وجوده على ظهرها. يقول تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان:77]، فما يعبأ بنا ربنا لولا عبادتنا، ولولا دعاؤنا وضراعتنا بأن يغفر ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا.
معنى قوله تعالى: (فقد كذبتم فسوف يكون لزاما)
معنى قوله تعالى: (فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً) قال تعالى: {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} [الفرقان:77] فالكافرون كذبوا بعبادة الله، وكذبوا بقدرة الله، وكذبوا بوحدانية الله، وكذبوا بكتابه ورسالته {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} [الفرقان:77] اللزام هنا الهلاك، والعذاب الملازم، والغضب الملازم، واللعنة الملازمة. و (سوف) للتنفيس البعيد. أي: سيلقون -إن داموا على ذلك وماتوا على الشرك والكفر- يوم القيامة عذاباً لازماً، ومحنة ملازمة، وغضباً ولعنة لا تنفك عنهم أبداً سرمداً. وهكذا النار يعذب بها الكافرون أبداً، وهكذا الجنة ينعم بها المؤمنون أبداً، فلا موت، بل الموت إذ ذاك يموت، فيجاء به على شكل كبش يذبح.
النمل [1 - 5]
تفسير سورة النمل [1 - 5] أنزل الله هذا القرآن هداية للمتقين، يسترشدون به في دروب الحياة فيتعلمون كيف يؤدون حق الله وحق الخلق، وأما من أعرض عنه فإن الله يزين له عمله ابتلاء واستدراجاً.
تفسير قوله تعالى: (طس)
تفسير قوله تعالى: (طس) سورة النمل سورة مكية اشتملت على ثلاث وتسعين آية. قال الله تعالى: {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:1]. الحروف المقطعة اختلف الناس فيها اختلاف طويلاً، ولا يوجد في القرآن ما يقطع بتفسيرها، ولم يصح عن نبي الله صلى الله عليه وسلم تفسير لها، وكثير مما قيل قيل بغير دليل، كقول بعضهم: اسم الله الأعظم، وقول بعضهم: هي تدل على رموز وأرقام، وقال ابن عباس: لقد أعجز العلماء تفسير هذه الحروف المقطعة في فواتح السور. ولكن الإمام الزمخشري في تفسيره يقول: معنى هذه الحروف واضح بين، وقد استقرأ في فواتح السور وخرج بتفسير يقطع به ويتأسى به، وأكد تفسيره هذا صديقنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسيره الذي يعتبر أعظم تفسير في هذا الوقت، وهو أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن، وقد مات قبل أن يتمه، وقد أيد ما ذهب إليه صاحب الكشاف، وقد قبلت ذلك وآمنت به عن قناعة قبل أن أقرأ ذلك للشيخ الشنقيطي رحمه الله. فنحن نجد من استعراض هذه الحروف أنه يذكر معها القرآن، كقوله تعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ} [البقرة:1 - 2]، وقوله: {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:1]، وقوله تعالى: {حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الأحقاف:1 - 2]، وهكذا، فلا تكاد تذكر هذه الأحرف إلا ويذكر معها القرآن. وهي حروف الهجاء التي منها تتركب اللغة العربية، كقوله تعالى: {الم} [البقرة:1]، {طس} [النمل:1]، {حم} [الأحقاف:1]. فهذه الأحرف منها كان القرآن الكريم المعجز الذي تحدى الله الخلق منذ أنزله إلى يوم القيامة في أن يأتوا بسورة من مثله، أو أن يأتوا بآية مثله، ولم يستطيعوا على كثرة البلغاء وكثرة الفصحاء، وسيدهم وإمامهم نبينا صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فإننا عندما نقرأ السنة النبوية على فصاحتها وعلى بلاغتها ثم نقرأ القرآن الكريم نجد الفرق شاسعاً وعظيماً بين كلام الله في كتابه وبين قول نبيه في سنته صلى الله عليه وسلم. فالمعنى: أن هذا القرآن الذي أعجزكم فلم يستطع أحد أن يأتي بمثله ما خرج عن حروف اللغة العربية. وعندما أنزل القرآن كانت قريش والعرب تتكلم باللغة العربية سلاقة، وما كانت تحتاج إلى سيبويه ولا إلى الكسائي ولا إلى أحد من علماء النحو وعلماء اللغة، فالقرآن نزل بلغتهم. فكانوا يفهمونه كما نفهم اللغات الدارجة بيننا اليوم، وطالما استمعوا إلى القرآن خفية وعلناً فلم يجدوه شعراً، ولم يجدوه نثراً، بل أخذوا يعجبون ويقولون: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق. وما جاءوا بمثله، وما استطاع ذلك أحد، وقد حاول الكذاب مسيلمة معارضة القرآن فأتى بخزعبلات وأتى بهذيان وأتى بركيك القول الذي يضحك الثكلى، فأصبح موضع سخرية وهزء به وبنبوته وبقرآنه وبقوله أبد الآباد. فنحن هنا نؤكد ما قاله الزمخشري وأكده الشنقيطي، فالقرآن عندما يأتي بهذه الحروف المقطعة فمعنى ذلك أن هذا القرآن المبين، كتاب الأولين والآخرين، دستور المسلمين وقانونهم ومجمع آدابهم ومجمع قصص من سبقهم ومن سيلحقهم وإلى يوم القيامة، نظم وجمع وقاله الله جل جلاله من هذه الأحرف بلا زيادة ولا نقصان، فما زاد فيها حرفاً ولا نقص منها حرفاً.
تفسير قوله تعالى: (تلك آيات القرآن وكتاب مبين)
تفسير قوله تعالى: (تلك آيات القرآن وكتاب مبين) قال تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:1]. آيات القرآن: معجزاته. فمعجزاته وبيناته قد جمعت وألفت ونظمت من هذه الأحرف بلا زيادة ولا نقصان، فهي كلغة العرب لم تخرج عن أحرف الهجاء التي تبتدئ بالألف وتنتهي الياء. والقرآن والكتاب كلمتان مترادفتان، فالقرآن دل على قراءة وتلاوة هذه الآيات، والكتاب دل على كتابتها بهذه الأحرف التي أنزلها الله تعالى على محمد سيد البشر صلى الله عليه وعلى آله، ومما يؤكد الترابط بينهما قوله تعالى في سورة أخرى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ} [الحجر:1]، فحلت هذه محل هذه. فالقرآن ما يقرأ ويتلى، والكتاب يدل على كتابة هذه الأحرف بهذه اللغة التي كانت شريفة في نفسها؛ لأنها لغة نبي الإسلام وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وزادها الله شرفاً ورفعة فأصبحت سيدة اللغات على الإطلاق؛ لأن الله اختارها لغة كلامه في كتابه المهيمن على الكتب السابقة، وهو القرآن الكريم المبين الواضح الذي لا عيوب فيه ولا بعد فيه عن الحقائق.
تفسير قوله تعالى: (هدى وبشرى للمؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (هدىً وبشرى للمؤمنين) قال تعالى: {هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل:2]. أنزل هذا القرآن على محمد صلى الله عليه وعلى آله حال كونه هدى، وليكون هداية للناس، فيخرجهم من الضلال ومن الظلام ومن الخزعبلات ومن عبادة الأصنام والأوثان ومن التعلق بالباطل إلى النور والحق والتوحيد والإيمان بالله الواحد الذي لا ثاني له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم عبداً ونبياً وخاتماً للرسل صلى الله عليه وسلم. فقوله تعالى: {هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل:2]. أي: حال كونه يبشر المؤمنين بالجنة، ويبشرهم بالرحمة، ويبشرهم بالهداية، ويبشرهم بالسؤدد، ويبشرهم بالسيادة على العالم، وقد كان كل ذلك، فقد سادوا الدنيا قروناً، وحكموا العوالم قروناً، وبشروا بخيري الدنيا والآخرة وعز الدنيا والآخرة، فما مضى على نزول القرآن خمسون عاماً حتى كان الإسلام ضارباً بين السند شرقاً إلى عمق أوروبا غرباً، تلك الأمم التي تموج في بعضها كانت تتعبد الله بشعائر الإسلام، ورفعت كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) على جميع منابرها، وعلم فيها القرآن، ودُرِّست السنة المحمدية. قال تعالى: {هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل:2]، هذا في الدنيا، أما بشرى الآخرة فالخلود في الجنان والنظر إلى وجه الله الكريم.
تفسير قوله تعالى: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة)
تفسير قوله تعالى: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) ثم وصف تعالى المؤمنين فقال: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [النمل:3]. فالمؤمنون حقاً هم الذين يقيمون الصلاة في أول أوقاتها بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها ومستحباتها، من طهارة واستقبال قبلة وقيام وركوع وجلوس وذكر وخشوع وحضور قلب، فيؤدون حق الله من صلاة ونحوها، ويؤدون حق العباد فيما أمرهم الله به من أموالهم عندما تبلغ النصاب. وكثيراً ما يقرن الله بين حقه وحق العباد، ومما يدل على مكانة الزكاة في الإسلام أن أول حرب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت من أجل حقوق العباد، وهي أول حرب قام بها أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث حارب المرتدين الذين امتنعوا عن أداء حق الله وحق عباد الله لاعتقاد بعضهم أنها وجبت في حياة رسول الله لا بعده، فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه. وعندما حاول الأصحاب أن يعترضوا على ذلك قال: والله لو منعوني عناقاً -أو عقال بعير- كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه. قال تعالى: {وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [النمل:3] أي: يؤمنون بيوم البعث، ويؤمنون بالحياة الثانية، ويؤمنون بيوم الحساب والعقاب إما إلى جنة وإما إلى نار. ولا يؤمنون بذلك مع شك وريب، ولا يؤمنون به صباحاً ويجحدونه مساء، بل يوقنون إيقاناً باتاً لا ريب فيه ولا شك بأننا بعد الموت سنعيش مرة ثانية.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم) وتلك الحياة الدائمة وجد من أنكرها فكفر بيوم البعث والنشور، ولذا قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ} [النمل:4]. وهذه عادة القرآن الكريم، ليبقى المؤمن بين الخوف والرجاء، فيجمع الله بين عمل المؤمنين وعمل الكافرين، وبين عذاب الكافرين وبين الرحمة للمؤمنين. يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ} [النمل:4]، فالذين لا يؤمنون بالآخرة ولا يؤمنون بيوم القيامة ولا يؤمنون بالحياة بعد الموت ولا يؤمنون بالبعث، وأصروا على شركهم؛ يزين الله تعالى لهم أعمالهم عذاباً ومحنة. ((فَهُمْ يَعْمَهُونَ)) أي: يعيشون في أمان وفي حيرة وفي تردد وفي ضياع، فيحاولون أن يؤمنوا بذلك ثم يشكون. ولذلك فهم عمي صم بكم يعيشون عيشة الأعمى، الذي لا يعرف طريقاً أمامه أو خلفه.
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون)
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون) قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ} [النمل:5]. عدلوا عن الطريق السوي فعاشوا في التردد وفي الضلال {لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ} [النمل:5]. أي: العذاب السيئ. {وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ} [النمل:5] فهؤلاء في الآخرة هم الأخسرون. والحمد لله رب العالمين.
النمل [6 - 12]
تفسير سورة النمل [6 - 12] يذكر الله تعالى قصة سيدنا موسى في القرآن كثيراً، وقد كان من أولي العزم الذين فضلهم الله على غيرهم، وفي قصصه ورسالته إلى فرعون وملئه الكثير من العبر والعظات.
تفسير قوله تعالى: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم)
تفسير قوله تعالى: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) قال الله جل جلاله: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل:6]. سورة النمل المكية تتحدث عن قصة موسى إذ خرج من عند صهره في أرض مدين، فكلمه الله وفاجأه بهذا الشرف العظيم. وفيها قصة داود وسليمان نبيي الله ورسوليه الكريمين كذلك، وفيها قصة ملكة سبأ، وفيها قصص وأخبار وعقائد وأحكام وغير ذلك. وسميت سورة النمل لذكر النملة فيها وإدراك سليمان ذلك منها. وذكر النمل لا يكاد يتجاوز آية، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سمى السور، وهو الذي رتبها بأمر من ربه، والكل وحي من الله جل جلاله. يقول تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل:6]، أي: إنك لتتلقى هذا الذكر وينزل عليك وحياً من لدن الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها أمراً ونهياً، العليم بكل ما خفي وما ظهر وما بطن، فكل ذلك يعلمه ربنا وهو أعلم حيث يجعل رسالاته، فاختار محمداً العربي صلوات الله وسلامه عليه لأن يكون خاتم الأنبياء، واختار تعالى أن يكون هذا الكتاب الكريم خاتم الكتب المنزلة على الرسل، وأن يكون منزلاً على خاتم الرسل كذلك، فهو من الله لفظاً ومعنى وتنظيماً، وكل ذلك وحي من الله نزل به الروح الأمين جبريل على قلب نبينا صلى الله عليه وسلم فوعاه وأدركه.
تفسير قوله تعالى: (إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا)
تفسير قوله تعالى: (إذ قال موسى لأهله إني آنست ناراً) قال تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [النمل:7] كانت تلك الآيات الخمس الأولى كالديباجة والمقدمة لهذه السورة الجليلة، ومنها اتخذ العلماء والمؤلفون المقدمات والديباجات لمؤلفاتهم. قال تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ} [النمل:7]، وقصة موسى تتكرر، وفي كل سورة يكون فيها معنى زائد، ومجموعها يعطي الحكمة والعلم والمعرفة. وقد خص الله موسى بكثير من الخصائص، أما نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه فما من آية خص بها نبي متقدم إلا وأكرمه الله بها وزاده عليها. يقول تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ} [النمل:7] قال ذلك عندما خرج من أرض مدين من عند صهره شعيب، وليس هو شعيباً النبي، فشعيب النبي كان قبل ذلك، كان بعد قوم نوح وبعد قوم عاد وبعد قوم ثمود، فخرج موسى عليه السلام بعد أن أقام عنده السنوات التي اتفق عليها، وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الذي قضاه موسى مع صهره شعيب، فأخبر بأنه قضى الأكمل، أي: عشر سنين، ثم أخذ أهله في ليلة باردة مطيرة وقصد أرض مصر حيث ولد وحيث توجد أمه وحيث يوجد أخوه هارون وحيث يوجد قومه من بني إسرائيل المستعبدون لفرعون وقومه. فما كان يقصد سوى ذلك، ولا يعلم الغيب إلا الله، ولم يرسل بعد ولم ينبأ، وحين خرج من عند صهره من أرض مدين ضل الطريق، وكانت الليلة مظلمة مع شدة البرد وشدة المطر، فما درى أين يقصد، وإذا بنار تظهر من بعد في جبل الطور في أرض سيناء، فقال لأهله: انتظروني. يقول تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ} [النمل:7]. أي: اذكر -يا رسولنا- حين قال موسى لأهله -أي: لزوجته، والأهل لفظ يشمل الزوجة والولد- {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [النمل:7]. رأى موسى ناراً تشتعل من بعيد في شجرة خضراء عند جبل الطور في أرض سيناء، فآنس خيراً ورجا خيراً في أن يعلم الطريق التي توصله لمصر، أو أن يأتي بما يتدفأ به هو وأهله بعد أن قرصهم البرد وأضر بهم، وأمرها أن تنتظره قليلاً، فانتظرته وذهب، وإذا به يرى ناراً متأججة في شجرة خضراء شديدة الخضرة، فلا الشجرة الخضراء يبست، ولا لونها تغير، ولا النار انطفأت، فوقف مندهشاً متعجباً. وكان قد آنس النار، أي: أبصرها ورآها وفيها معنى الأنس، كما يقال في اللهجة المكية الحجازية: آنسكم فلان، أي: أنستم به ووجدتم به زوال الوحشة، ووجدتم به الصلة والقربة. وكذلك موسى كان غريباً منفرداً منقطعاً في هذه الصحاري والفيافي، وكان في الليل لا يبصر الطريق، وكان في برد شديد، فعندما رأى النار استأنس بها وطمع في أن يجد هناك من يدله على سواء الطريق، أو لعله أن يأتي منها بجذوة نار يصطلي بها من هذا البرد الشديد هو وأهله. وأتى موسى بخبر أي خبر! أتى بالخبر العظيم، فموسى الطريد الشريد من مصر الخائف على حياته المضطهد من فرعون وقومه كانت هذه الليلة بالنسبة له ليلة شرف وكرامة، وهي ليلة رسالته ونبوءته، وإدخاله في الخمسة من أولي العزم من الرسل، وكان له ما لم يكن لمن قبله من الأنبياء والرسل. قال تعالى: {سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [النمل:7]. أي: إما أن يأتي بخبر ممن يدله على الطريق، أو -على الأقل- يأخذ من هذه النار شهاباً، والشهاب هو القبس، فنعت الشهاب بصفة هي منه وإليه، وقرئ في السبع: ((بِشِهَابِ قَبَسٍ))، من باب إضافة الشيء إلى مثله وإلى نظيره، على أن الشهاب هو عود اشتعلت النار في طرف منه فقط، ويمكن قبضه من الجهة التي لا نار فيها، والجذوة من النار القطعة من النار، فهي بذلك جذوة وهي قبس وهي شهاب، وكل هذه المعاني تؤدي معنى وجود نار يمكن أن يجد بها دفئاً له ولزوجته. فلما وصل ورأى هذا المنظر المدهش العجيب وقف مشدوهاً ذاهلاً، وقد جاء في تسمية هذه الشجرة أشياء هي من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن نبي الله صلى الله عليه وسلم شيء ولا عن الصحابة، وقد يذكرها بعض الصحابة نقلاً عن كعب الأحبار، وهو من علماء اليهود الذين أسلموا وبقوا يروون من كتبهم ما صح وما لم يصححه كتاب الله ولم يصححه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو عندنا كلام لا نقبله ولا نعتمده ولا نلتفت إليه.
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار)
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار) {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:8]. فلما جاء النار وهو يراها من بعيد {نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:8]، أي: قيل له: يا موسى! بورك من في النار. يقال: باركه الله وبارك فيه وبارك عليه، وكلها بمعنى، والبركة: النماء والزيادة والفضل، فإن كان من الله فهي سلام وهي أمان وهي إكرام. قال تعالى: {نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:8]، ووقف موسى وهو يكاد يصرع، إذ لا يدري ما الذي جرى، ومن المنادي ومن المتكلم، ولكنه بعد قليل أدرك أن المتكلم هو الله جل جلاله وأن المنادي الله جل جلاله. وقوله تعالى: {وَمَنْ حَوْلَهَا} [النمل:8]، قيل: الملائكة، وقال سعيد بن جبير وابن عباس: هو الله جل جلاله، فهو يبارك نفسه وينزه نفسه ويسبح نفسه جل جلاله، وقالوا: النار: النور، ولكن الآية فيها النار. فالله جل جلاله نادى عبده موسى، ومنذ ذلك الوقت سمي الكليم، أي: الذي كلمه الله وشرفه بكلامه. ثم نزه الله نفسه عن أن يشبه أحداً من خلقه أو أن يشبهه أحد من خلقه، فسبح نفسه ونزه نفسه عن كل ما لا يليق بجلاله وكل ما لا يليق بإلهيته فقال تعالى: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:8]، يسبح الله ذاته العلية، ويعلمنا لنسبحه. فالله يكلم موسى، ولكن بكلام ليس ككلام البشر، وفي حال ليس كحال الخلق، ومن جهة ليست كجهة الخلق، ومن نار ليست كنار الخلق. فالله جل جلاله هو المنزه عن كل عيب والمنزه عن كل نقص، فهو رب العالمين {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4]، وكل ما يخطر ببالك فربنا مخالف لذلك، ولكننا نقول ما قال ربنا ونثبت ما أثبته نبينا صلى الله عليه وسلم من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف، ونقول بعد ذلك ما قال الله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:8]، تنزه الله عن كل نقص وعيب، لا يشبه خلقه ولا يشبهه خلقه. وفي الحديث الصحيح: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) جل جلاله وعز مقامه.
تفسير قوله تعالى: (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم)
تفسير قوله تعالى: (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم) وصل موسى إلى هذه النار التي رآها تتلألأ من بعيد، فلما وصل إليها وجدها ناراً ليست كالنار، فلم تحرق الشجرة ولم تتغير خضرتها، وإذا به وهو في هذا العجب ينادى {أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النمل:8 - 9]. فنودي موسى باسمه أن الأمر والشأن الذي جئت إليه ليس النار وليس الشهاب وليس القبس وليس من يدلك على الطريق لمصر فقط، بل ما يدلك على ربك برسالتك وبنبوءتك لتهدي قوماً ضلالاً، ولتدعو فرعون وقومه إلى عبادة الله الواحد، ولتبين لهم أنهم عبيد من خلق الله ليس لهم ضر ولا نفع. يقول تعالى: {يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النمل:9]. العزيز الذي لا يغالب، فلن يستطيع فرعون الكاذب المتأله الكذاب أن يغلب ربك، فالله هو الغالب، والله هو القاهر، والله هو القادر على كل شيء والخالق لكل شيء. وكان ذلك مقدمة لرسالته حتى لا يخاف من فرعون ومن تألهه الكاذب ومن قومه مهما طغوا وبغوا وتجبروا وتكبروا. والله هو الحكيم الذي يضع الأمور في مكانها حيث شاء أمراً وحيث شاء نهياً، فاختارك لرسالته دون غيرك؛ إذ هو العليم بما ينفع الناس والعليم بما يضر الناس، وهو العليم بأنك العبد المؤهل لذلك.
تفسير قوله تعالى: (وألق عصاك)
تفسير قوله تعالى: (وألق عصاك) قال تعالى: {وَأَلْقِ عَصَاكَ} [النمل:10]. وكانت عصاه بيده، وفي سورة أخرى {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه:17 - 18]، فما اتخذها إلا كما يتخذ الناس العصي لرعي الأغنام وليحمل بها على عاتقه أحماله وأثقاله، وليضرب بها ما يمكن أن يؤذيه، وليضع عليها ما يتقي به من الشمس وحرها ومن المطر والبرد وما إلى ذلك، فقال الله له: {وَأَلْقِ عَصَاكَ} [النمل:10]، فألقاها وهو لا يعلم الحكمة من ذلك. قال تعالى: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النمل:10]، ألقى العصا وإذا بها حية صغيرة كثيرة الحركة، وذلك ما يسمى بالجان في لغة العرب التي بها نزل القرآن، فانقلبت العصا حية شديدة الحركة شديدة القفز، وموسى حديث العهد بمثل ذلك، فإذا به يترك العصا ويفر ولم يعقب ولم يلتفت ولم يرجع إلى أن ناداه ربه: {يَا مُوسَى لا تَخَفْ} [النمل:10] ليستأنس وليستطيع تلقي الكلام الأقدس والوحي العظيم والرسالة المكلف بها. قال تعالى: {يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} [النمل:10] فالمرسلون لا يخافون مني؛ لأنني ما أكرمتهم بالرسالة حتى أمنتهم بالرضا عنهم ورحمتهم، وهذا الخوف غير الخوف من النار ومن الغضب واللعنة، فالخوف الملازم للإيمان لا يفارق مسلماً، ولا يليق أن يفارق مؤمناً، وكان سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم يقول: (أنا أخشاكم لله)، فهو أشد الناس خشية وخوفاً من الله جل جلاله، فإذا كان هو أخوف الخلق فغيره من باب أولى أن يخاف ويهاب.
تفسير قوله تعالى: (إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء)
تفسير قوله تعالى: (إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء) استثنى الله جل جلاله -وهو استثناء منقطع كما قال المفسرون- فقال: {إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النمل:11]. والظلم هو الشرك، وهو المعصية، وإن أطلق فالمراد به الكفر. فغير المرسلين إن ظلموا وأشركوا ثم تابوا وأنابوا فالله غفور رحيم يغفر للمسيء إذا تاب، ويغفر للمشرك إذا وحد، ويغفر للمسيء إذا أزال سيئته وعاد إلى الطاعة والعبادة، وهذا استثناء منقطع؛ لأن الرسل لا تشرك ولا تعصي، فهي في عصمة من ذلك. ولذلك لا تتصور المعصية بالظلم والشرك من المرسلين ليحتاجوا إلى التوبة وعمل الخير بعد السوء، ومن هنا كان هذا استثناء منقطعاً عمَّا ما قبله.
تفسير قوله تعالى: (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء)
تفسير قوله تعالى: (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) قال تعالى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ} [النمل:12]. هذه هي المعجزة الثانية والآية الثانية والعلامة الثانية التي سيذهب بها الكليم موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه، حيث أمره الله تعالى بكلامه فقال له بكلامه جل جلاله بلا واسطة ملك: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [النمل:12]، أمره بأن يدخل يده في جيبه، قيل: وكان لابساً مدرعة صوف لا أكمام لها، ولعل هذا القول فهم من برودة الجو، ومن شأن الذي يعيش في فصل البرد أن يلبس الصوف، هذا إذا كان موسى قد وجد الصوف. فأمره تعالى بأن يدخل يده في جيبه فقال: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ} [النمل:12]، فأدخلها ثم أخرجها فإذا بها كالكوكب الدري تبرق كالبرق الذي يكاد يأخذ الأبصار سناه ونوره. (من غير سوء): فليس ذلك النور برصاً ولا مرضاً ولا بياضاً ضاراً للون البشرة، فأعطاه الله هاتين المعجزتين والعلامتين والآيتين ليذهب بهما إلى من أمره بالذهاب إليهم. قال تعالى: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} [النمل:12] من القمل والضفادع والدم وغير ذلك، وما زادهم ذلك إلا طغياناً واستعلاء وتكبراً وتجبراً إلى أن أخذهم الله جزاء وفاقاً لكفرهم. قال تعالى: {إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} [النمل:12]. أمره أن يذهب إلى فرعون وأن يقول له: إني رسول رب العالمين إليك، وإن هذه آيتي وهذه علامتي. ثم قال الله عنهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [النمل:12] فقد كان فرعون فاسقاً متألهاً كاذباً، ومن قبلوا منه دعوى الإلهية الكاذبة كانوا فسقة مثله، وكذبة مثله، وضلالاً مثله.
النمل [13 - 17]
تفسير سورة النمل [13 - 17] أرسل الله تعالى سيدنا موسى عليه السلام إلى فرعون وملئه فكذبوه، فآتاه الله آيات مبصرة يعلمون بها صدقه؛ لكنهم جحدوها بعد علمهم بصدقها، ومن رسل الله المكرمين داود وسليمان عليهما السلام، وقد آتاهما الله الملك والنبوة، وأعطاهما من فضله، حتى علمهما منطق الطير.
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة)
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة) قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [النمل:13]. لقد جاءت فرعون وقومه آيات الله ومعجزات نبييه الكريمين موسى وهارون مبصرة بينة واضحة، فمن رآها يبصر بها النور ويبصر بها الحق ويميز بها بين الكذب والصدق، وبين الهدى والضلال، فكأنها في حد ذاتها منيرة مبصرة، فما زاد ذلك فرعون وقومه إلا طغياناً وكفراً وعلواً واستكباراً في الأرض، ومع كل هذا الطغيان {قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [النمل:13]. أي: ليست هذه الآيات إلا سحراً وشعوذة ودجلاً مبيناً واضحاً، وذلك في قلوب هؤلاء الكفرة المظلمة، وعند هؤلاء الذين اشتروا الخير بالشر، واشتروا الظلام بالنور، والضلال بالهدى، فما زادهم ذلك إلا إيغالاً في الكفران والجحود.
تفسير قوله تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم)
تفسير قوله تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل:14]. يخبر تعالى عن هؤلاء أنهم جحدوا بهذه الآيات التسع، وجحدوا برسالة موسى وهارون، وجحدوا بالحق البين المنير، فجحدوا بهذه الآيات وكفروا بها وأنكروها ولم يؤمنوا بها، على أن أنفسهم قد استيقنتها، فكانوا على يقين ثابت من أنها من الله وليست سحراً، وأنها نور وليست ظلاماً، وأنها هداية وليست ضلالاً، فأنكروا الحق الصراح وحاولوا أن يغلفوه بالأباطيل والأضاليل، فكان ذلك ظلماً لأجل الشرك الذي ابتلوا به وران على قلوبهم فأبصروا الباطل ولم يبصروا الحق. فهؤلاء قوم استعبدوا بني إسرائيل وتصرفوا فيهم بالبيع والشراء، واتخذوهم لأعمالهم القاسية التي لا يكاد يطيقها العصبة أولو القوة ظلماً وعلواً وطغياناً. قال الله: {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل:14]. فانظر نظر القلب، فهؤلاء بظلمهم وباستعلائهم وبجحودهم للحق وقد تيقنت به نفوسهم كانت عاقبتهم أن أذلهم الله وأغرقهم في اليم، وأورث أرضهم وأموالهم ونعيمهم وجنانهم وكنوزهم لمن كانوا يستعبدونهم ويحتقرونهم ويبيعونهم بيع الدواب بدراهم قليلة معدودة. فنصر الله الحق في شخص موسى وقومه، وأذل الباطل في شخص فرعون وقومه. وعندما هاجر نبينا عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم نجى الله فيه موسى من فرعون، فنحن نصومه شكراً لله، فقال: (نحن أولى بموسى منكم، فصامه صلى الله عليه وسلم وأمر بصومه)، وفي سنة وفاته عليه الصلاة والسلام قال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر)، رغبة في مخالفة الكفار واليهود. فكان صيام ذلك اليوم ذكرى، وكان شكراً من نبي الله ومن أمته المسلمة الموحدة. وهكذا كان للحق أنصار ورموز، وكان للباطل أنصار ورموز، فإذا ذكر موسى ذكر معه الحق منتصراً، وإذا ذكر فرعون ذكر معه الباطل منهزماً. فالله جل جلاله أعاد ذكر هذه القصة بهذا الاختصار وفيها وصف لموسى عبده وكليمه، ففي ذلك إجلال له وإجلال للبشرية في شخصه. كما أن الله تعالى أكرم بني آدم بأن خلق أباهم آدم بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وهكذا اختار عبداً من سلالة آدم فكرمه وشرفه بالكلام، ثم شرف وكرم بعده خاتم الأنبياء بما لم ينله ملك مقرب ولا نبي مرسل في ليلة الإسراء والمعراج، فما كان الناس يؤمنون به غيباً آمن به النبي صلى الله عليه وسلم شهوداً وحضوراً.
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا داود وسليمان علما)
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا داود وسليمان علماً) قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل:15]. وهكذا ننتقل بعد اختصار قصة موسى كما ذكرها الله في سورة النمل إلى قصة داود وولده سليمان، فالله جل جلاله يخبر بأنه آتى داود وسليمان علماً، وداود نبي من أنبياء الله وملك، وسليمان ابنه نبي من أنبياء الله وملك، فهذان ممن جمع الله لهم بين النبوءة والملك، ونبينا عليه الصلاة والسلام خير بين أن يكون عبداً رسولاً وملكاً نبياً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً، أي: لا يعيش عيشة الملوك ولا ترف الملوك ولا بأوامر ونواهي الملوك، بل عاش عبداً في أوامره وفي نواهيه وإن كانت ولاية الدولة لنبينا عليه الصلاة والسلام، فلا يد أعلى من يده، يولي ويعزل، ويقيم الحدود فيرجم ويقتل ويقطع ويجلد، ويولي الرسل، ويولي القادة، ويولي الأمراء على النواحي والمدن والأقاليم، ويرسل السفراء إلى الأباطرة والقياصرة ليأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويدعوهم إلى الله. وهذه وظيفة الملك، ولكنه مع ذلك كان يفعل فعل العبد المتواضع لله بلا حشم ولا أتباع على كثرتهم، فكان صلى الله عليه وسلم لا يحب أن يقام له، ولا يسمح أن يكون قاعداً وهم قائمون على رأسه، فكان يعيش عيشة العبد المتواضع لله على أن أوامره ونواهيه وأحكامه تشمل جميع جزيرة العرب جيوشاً ومدناً وقرى، وكل ما يفعله رئيس الدولة قد فعله، وكل ما يفعله ملك قد فعله. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا} [النمل:15]، آتى نبييه ورسوليه الكريمين الملكين علماً. والعلم هنا نكرة يشمل كل نوع من أنواع العلوم، ومع ذلك قد حدده البعض بأنه علم القضاء، وسياق الآية لا يحمل ذلك، بل آتاهما الله علماً في القضاء، وعلماً في الأحكام، وعلماً في الحقيقة، وعلماً في المعرفة، وعلماً في تجنيد الجيوش، وعلماً في تسيير شئون الدولة، وسخر سليمان الرياح، حتى طلب سليمان ألا يكون ذلك الملك لأحد بعده، فكان سليمان أوسع ملكاً وأعظم جاهاً وسلطاناً. وبعد أن أكرمهما الله بما أكرمهما به شكرا الله على عطائه وعلى ما منحهما به، وعلى ما خصّهما به، قال تعالى: {وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ} [النمل:15] والذي يبقي النعم هو شكر الله على كل ما أنعم به من النعم الظاهرة والباطنة، والشكر يزيد النعم، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7]. وعذاب كفر النعمة أن يُسلبها من أُنعم بها عليه، ولا يفعل هذا إلا بمخذول. قال تعالى: {وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل:15] فحمد الله على أنه فضّلهما على كثير من المؤمنين، ولو قالا: (فضّلنا على جميع عباده المؤمنين) لما بقيت هناك رُتبة لنبينا خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن سليمان مر في إحدى سفراته وهو على بساطه في الجو على مكة، وطاف بالبيت، وحج كفعل جميع الأنبياء قبله وبعده، وقال لمن معه: في هذه البلدة سيولد خاتم الأنبياء وسيد الأنبياء، وحضّ على من عاش وأدركه على أن يؤمن به كما أُخذ عليهم العهد بذلك. فلو قالا: (فضّلنا على العالمين) لكانا قد فُضِّلا حتى على محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يفضّل على محمد صلى الله عليه وسلم أحد، فهو سيد العبيد وإمامهم.
تفسير قوله تعالى: (وورث سليمان داود)
تفسير قوله تعالى: (وورث سليمان داود) قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل:16]. ذُكر داود في هذه الآية ليذكر سليمان، وستبقى القصة لسليمان وانتهى الكلام في هذه الآية عن داود عليه السلام. قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} [النمل:16] أورث الله سليمان ما تركه داود، والذي تركه داود هو النبوة والرسالة والعلم والمعرفة. ولم يكن لداود من الأولاد سليمان فقط، بل كان له سبعة عشر رجلاً كلهم من الأفاضل المؤمنين، ولكن لم يكن منهم نبي إلا سليمان، والإرث ليس إرث مال؛ لأن الأنبياء لا يورثون المال، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة). فمات داود وورث سليمان نبوة أبيه ورسالة أبيه وعلم أبيه، وكان أهلاً لذلك، فقد أهّله الله لذلك جل جلاله، ومن أهّله الله لشيء كان هو الجدير به.
معنى قوله تعالى: (وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير)
معنى قوله تعالى: (وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير) قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل:16]. يخبر سليمان بأن الله زاده على ما أعطى أباه شيئاً آخر، فقد علّم الله تعالى سليمان منطق الطير، أي: فهم لغة الطير والكلام معه، والألف واللام للجنس، أي: جميع أجناس الطيور، فكان يفهم لغاتها وتفهم عنه كذلك لتتلقى منه الأمر والنهي، فقد كانت جنداً من جنده، وكان ذلك مما أكرم الله به سليمان وخصّه به دون الأنبياء السابقين، وأما نبينا عليه الصلاة والسلام فقد كلّمه الحيوان وكلّمته الأشجار وكلّمته الأخشاب وهي ميتة، ففهم عنها وفهمت عنه، وحصل له ما لم يحصل لمن سبق، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يخطب على جذع في مسجده النبوي، فأرادوا أن يصنعوا له منبراً، فلما صنعوه ترك صلى الله عليه وسلم الخطبة على الجذع، فأخذ يحن حنين الناقة عندما تفقد فصيلها، وسمع حنين هذا الجذع كل من كان في صلاة الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار والرجال والنساء. فما من معجزة أُعطيها نبي من الأنبياء قبل إلا وأُعطيها نبينا عليه الصلاة والسلام وزيد عليها، كما قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة:253]. قال المفسّرون: الذي رفعه الله درجات هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، رفعه الله درجات فوق موسى وفوق سليمان وفوق داود وفوق إبراهيم وفوق نوح وفوق أبيه آدم كذلك، ومن هنا اختص يوم القيامة بالشفاعة العظمى دون جميع الأنبياء والمرسلين، حيث يذهب الناس يوم القيامة إلى أولي العزم يريدون منهم أن يشفعوا لهم عند ربهم لفصل القضاء، وكل منهم يقول: نفسي نفسي، إلى أن يصلوا إلى عيسى، فيقول لهم: اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيأتونه فيقول: (أنا لها، أنا لها) ثم يذهب فيخر ساجداً تحت ساق العرش، وهو المقام المحمود الذي سمّاه الله، وجعله له على رءوس الخلائق، وقد أخذ الله من جميع الأنبياء السابقين العهد على أن من أدركه وعاصره منهم أن يؤمن به، ولذلك كان يقول صلى الله عليه وسلم: (لو كان موسى حياً لما وسعه إلا أن يتبعني) وموسى كليم الله، ومع هذه الرتبة العلية والمنصب الرفيع لو عاش لما وسعه إلا أن يكون تابعاً من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. ومن المعلوم أن عيسى -وهو آخر أنبياء بني إسرائيل- سينزل في آخر الدنيا، وهو من علامات الساعة الكبرى، فسينزل إلى الأرض من السماء وهو على دين محمد صلى الله عليه وسلم، وسيصلي صلاته ويحج حجه ويزكي زكاته ويصوم صيامه ويصلي خلف أئمة المسلمين، وبذلك أصبح صحابياً، ومن هنا ترجم له من كتب في تراجم الصحابة، كالإمام الحافظ العسقلاني في كتاب الإصابة؛ لأن تعريف الصحابي يشمله، فالصحابي هو من آمن برسول الله حياً ورآه ومات على ذلك، فقد رأى عيسى نبينا ليلة الإسراء في سماء الدنيا، ورحّب به أخاً، وسينزل عيسى بعد ذلك وسيبقى على دين محمد ويموت على دين محمد صلى الله عليهما وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. قال تعالى عن سليمان: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ} [النمل:16] يُذيع في الناس قائلاً: قد أكرمنا الله بأن علمنا منطق الطير، وذكر صوت الطير بأنه منطق لأنه لغة فهمها سليمان. قال تعالى عنه: {وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل:16] آتى الله سليمان من كل ما يحتاج إليه الملوك، أعطاه من القوة، وأعطاه من الجيوش، ومن السلطان، وأعطاه من الذهب والفضة، وأعطاه من البُسُط التي يطير بها في الهواء، وأعطاه من الجند الذين يخضعون له جناً وإنساً وحيواناً وطيراً، وهو أحد الملوك من الأنبياء الكبار، فشكر سليمان الله معترفاً بأن هذا هو الفضل المبين الظاهر.
تفسير قوله تعالى: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير)
تفسير قوله تعالى: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير) قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل:17]. قوله تعالى: (حُشر) أي: جُمع. فسليمان كان يريد سفراً، فاجتمع له مواكب الجند من الجن والإنس والطير، وكانت وظيفة الطير وظيفة كبيرة يعلمها من يسكن الصحاري، فقد كانت تظلله في مدة سفره، بحيث تحجبه عن الشمس وحرّها، وكانت تحرّك أجنحتها بطبيعة الحال وهي تطير، فكانت كالمكيفات والمراوح. أما جند الجن فكانوا مكبلين بالسلاسل والأغلال، لأنهم لا يؤتمنون، إذ يسرعون بالأذى للإنس، فهم لا يعملون إلا تحت القهر وتحت القوة، والإنس منهم القادة ومنهم الوزراء ومنهم المستشارون، ومنهم المبلّغون، والجن كانوا يشهدون المكان إن احتاج سليمان للنزول أو المقام. وقد سخّر الله تعالى لسليمان الريح، وكان يضع فوق هذه الريح ما يشبه اليوم أعظم طائرات الأرض، وهو البساط الذي يحمل الآلاف، وكانت هذه الريح تطير رخاء بالشكل الذي يرغب فيه، وبلا إزعاج ولا إقلاق كطائرات اليوم. قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ} [النمل:17] أي: من جنس الجن، وجنس الإنس، وجنس الطير، وهذا ما لم يكن لأحد ممن سبقه من الأنبياء، وإن كان سليمان طار في الأجواء فقد طار نبينا صلى الله عليه وسلم فيما لم يصل إليه سليمان ولا من سبقه، فقد طار في ثوان إلى بيت المقدس، واجتمع بالأنبياء فصلى بهم إماماً، ثم عُرج به إلى السماوات العُلى، إلى أن كان قاب قوسين أو أدنى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا ما لم يصل إليه سليمان بريحه ولا بجنه ولا بطيره ولا بإنسه. يقول تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل:17] أي: يرتبون وينظمون كما تنظم المواكب في جيوش الدولة وجيوش القتال، فقوله تعالى: (يوزعون) أي: يُمنعون من أن يتقدم أحد عن رتبته، أو يتأخر عن رتبته، ومن كل أو مل أو مرض يُخرج ليقف حيث يكون أمثاله ويجلس حيث يجلس أمثاله. فكانوا يلزمون بأن يكونوا مصطفين منظمين كل في مكانه وكل في رتبته، وفي الدرجة العليا نبي الله سليمان، وكان هذا الترتيب يحصل في الأرض وفي الجو وعلى البحار وفي الفيافي، وهو ملك خصّ الله به سليمان من بين جميع أنبياء الأرض، بل ومن بين جميع ملوك الأرض، فـ فرعون على فرعنته وطُغيانه لم يكن له أن يأمر ماء أو رياحاً أو جناً أو حيواناً أو طائراً.
النمل [17 - 27]
تفسير سورة النمل [17 - 27] لقد أعطى الله سيدنا سليمان ملكاً عظيماً وعلمه منطق الحيوانات وجعل جنوده من الجن والإنس والطير وغيرها، وقد خرج يوماً بجنوده حتى أتى وادي النمل فتكلمت النملة ففهمها سيدنا سليمان عليه السلام، فحمد الله على ما أولاه من النعم، ثم تفقد الطير يريد الهدهد فكان ما كان من قصته مع بلقيس بنت شراحيل اليمانية.
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أتوا على واد النمل)
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أتوا على واد النمل) قال الله جل جلاله: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل:17 - 18]. لا نزال مع سليمان عليه السلام في قصته مع جنده من الجن والإنس والحيوان والطير، وما خصه الله به دون الأنبياء السابقين من الجمع بين الملك والنبوة. فهنا أخبر الله جل جلاله بأن سليمان جمع له وحُشد له وحُشر له جيوشه من الجن والإنس والطير، ((فَهُمْ يُوزَعُونَ)) أي أن النقباء والقادة من جيشه كانوا يكفّونهم وينظمونهم ويرتبونهم كما تُرتب الجيوش، فهذا أمام هذا وهذا خلف هذا، وهذا عن اليمين وهذا عن اليسار. وذكر أن جنده بلغوا مئات الآلاف، ويظن أن ذلك مبالغ فيه وأنه من الإسرائيليات. ومما ذكروه أنه كان ملكاً على كل الأرض، وهذا لا يُعرف؛ إذ كان سليمان نبياً أُرسل إلى قومه من بني إسرائيل خاصة كبقية أنبياء بني إسرائيل، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (وكان الأنبياء يبعثون إلى أقوامهم خاصة، وبعثت إلى الناس كافة) وكون الدين عالمياً لا يُعرف إلا في دين الإسلام الخاتم وفي رسالة نبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. فقوله تعالى: ((فَهُمْ يُوزَعُونَ)) أي: ينظمون ويكفّون، ومنه قول عثمان رضي الله عنه: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) أي: يدفع ويكف، فكثير من الناس لا يؤثر فيهم وحي الله ولا أمر الله ولا أمر نبيه، فإذا هُددوا بالسياط وبالسيوف تجدهم قد رُعبوا وذلوا وخضعوا خوفاً من القوة لا خوفاً من الله، والناس ليسوا سواء. قوله: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ} [النمل:18]. أي: حتى إذا أتى هذا الجيش المحشود من الجن والإنس إلى واد النمل. وقد قال قوم: وادي النمل في الشام، وهذا هو الأقرب إلى الواقع، وقال كعب: في الطائف، ومن المعلوم أنه لا يزال إلى اليوم في أرض الطائف على بعد ثلاثة أميال منها واد يسمى وادي النمل، وقد قيل: إن نمل هذا الوادي يكاد يكون قدر الأنملة أو يزيد، ويعلم هذا كل من وصل إلى هناك من أهل البلاد والسائحين والمارين، والوادي: هو الطريق بين جبلين. فالنملة رأت الجيش اللجب الكثير المتراص من الجن والإنس والطير، فإذا بها تصيح في بقية النمل: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} [النمل:18] كي لا يسحقكم سليمان بأقدامه مع جنده ((وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)) لصغر النمل وحقارته، وكثرة الجيش. وكان من خصائص سليمان إدراكه قول النمل وفهمه له، وقيل: إن الله سخّر لسليمان الريح، فتارة تحمله وجنده على بسط يتنقل بها حيث شاء من أرض الله، وتارة تحمل له الريح ما يقوله عنه الجن والإنس والدواب والطير، وكان مما حملته الريح إليه كلام هذه النملة، فسمع ذلك سليمان. قال تعالى عنها: ((لا يَحْطِمَنَّكُمْ)) أي: لا يسحقنكم ولا يدوسنكم، فتذهبون تكسيراً وتحطيماً بين أرجله وجيوشه ((وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)) أي: حال كونهم لا يشعرون بما جرى لكم ولم قالت كذلك؟ لقد علمت أن سليمان نبي من أنبياء الله لا يظلم، وأنه إن حدث شيء من ذلك يحدث بغير علم منه وبغير شعور منه، ولو أدرك ذلك وشعر به لحرّمه ومنعه وعاقب عليه، ولكن هذه النملة كبقية النمل والدواب والطير أيام سليمان، علمت بأن ذلك لن يكون؛ لأن سليمان نبي عادل، ولا يليق بأنبياء الله ورسله إلا العدل، ولذلك لم تتصور أن يسحقها ويسحق النمل إلا إذا كان ذلك بغير شعور منه ومن جنده.
تفسير قوله تعالى: (فتبسم ضاحكا من قولها)
تفسير قوله تعالى: (فتبسم ضاحكاً من قولها) {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل:19]. قال تعالى: ((فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا)) أي: سمع كلامها وصوتها فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا، وكان ضحك الأنبياء التبسم، وهكذا نبينا صلى الله عليه وسلم فيما روته عنه السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ورواه غيرها من الصحابة رضي الله عنهم، فقد كان عليه الصلاة والسلام جل ضحكه التبسّم، ولا تُرى لهوات لسانه، فإذا تبسّم لا يكون ذلك إلى أن تفتر شفتاه وتظهر صلى الله عليه وسلم. وهكذا قص الله عن سليمان، وذلك يدل على أنه من أدب الأنبياء ومن أدب المرسلين أنهم إذا ضحكوا تبسّموا، ولا يصل ذلك إلى القهقهة وظهور النواجذ، وقد كان هذا في الحياة المحمدية النبوية يُعد على الأصابع، حيث تبسّم حتى ظهرت نواجذه صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا} [النمل:19] عجباً من جانب وشكراً لله من جانب آخر على ما أولاه من نعمه وإفضاله وخصّه به من إكرامه. وذهب يشكر الله، قال تعالى: {وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} [النمل:19]. قوله تعالى: (أوزعني) أي: ألهمني شكرك وألهمني حمدك، وألهمني الاعتراف بإفضالك والحمد على كل إحسانك. {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} [النمل:19] أي: أكرمتني بها من الإيمان بك ومن النبوة التي أكرمتني بها والرسالة، وأنعمت بمثل ذلك على والديَّ من قبل بأن جعلتهما مسلمين مؤمنين، وجعلت أبي داود نبياً ورسولاً، وأكرمته بما أكرمته به من النبوة والملك كذلك، وأشكرك على ما ألهمتني إياه من فهم لغات الطير ولغات الهوام ولغات الحيوان، وما سخّرت لي من الجن والإنس ما لم تسخّر مثله لأحد قبلي، فهو يشكر نعمة الله عليه وعلى أبيه وأمه. قال تعالى: ((وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ)) أي: ووفقني للعمل الصالح الذي يُرضيك من طاعتك والدعوة إليك والقتال في سبيلك، وإجبار أعدائك الكافرين على توحيدك والإيمان بك، وإذلال الكافرين وسحق المنافقين. ولا بد من الرضا عن العمل، وإلا فقد يفعل الإنسان ما يظنه صالحاً في وهمه وهو باطل وضلال، فلا بد من أن يكون هذا الصلاح مما يُرضي الله جل جلاله لا ما يُرضي من يُسمون بالفلاسفة وبالمفكّرين وهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. ثم قال تعالى عن سليمان: {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل:19] اجعلني من جملة الصالحين من عبادك برحمة منك لا بشيء أستحقه ولا بعمل عملته، فأنا وعملي منك وإليك يا ربي وخالقي، خلقتني وألهمتني العمل الصالح، وجعلتني من عبادك الصالحين وابن نبيك داود، وأكرمتني كذلك بالرسالة والملك، فاجعلني من جملة عبادك الصالحين، وأدخلني في جملتهم واذكرني بينهم، واجعلني ممن صلح في دينه وصلح في عمله وصلُح في طاعته وقد استجاب الله له كل ذلك، كيف وهو نبيه المعظّم ورسوله المكرم؟! فعندما اختاره للنبوة والرسالة استجاب دعوته وزاده من أنواع النعم والإفضال ما لم يصنع مثله إلا مع مثله من الأنبياء والمرسلين.
تفسير قوله تعالى: (وتفقد الطير)
تفسير قوله تعالى: (وتفقد الطير) {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} [النمل:20]. قال تعالى: ((وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ)). يقال: تفقد فلان كذا، أي: بحث عنه حين شعر بأنه مفقود غير موجود، وتفقّد فلان عمله: ذهب ليرى العمل هل يسير كما هو مطلوب، وهل العاملون يعملون كما خطط لهم. قال تعالى: ((وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ)) تفقّد سليمان الطير، وما سبب تفقُّد الطير وهو بين جنده في سياحته وفي تنقله؟! قيل: كان سليمان إذا خرج سائراً ماشياً على الأرض تظلله الطير بأجنحتها من حر الشمس، وتحرّك أجنحتها لتخفف عنه حرها وأذاها، وكان إذا نزل نزلت معه وانتظرت أمره، فكان إذا نزل في الصحاري والقفار يبحث أول شيء عن الماء، وكان الهدهد من خصائصه أنه يرى الماء في تخوم الأرض كما نرى نحن الماء في الزجاجة، فقد أعطاه الله من قوة البصر ما يشق به الأرض نظراً إلى تخومها فيرى المياه في أعماق الأرض، فيشير على سليمان أن: انزل هنا، فهنا الماء. فيأمر الجن بحفر الأرض مهما كانت المياه بعيدة. وفي ذلك اليوم احتاج إلى الماء فبحث عن الهدهد فلم يجده. قال تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} [النمل:20] ولم يقل تعالى: وتفقد الهدهد، وذلك أنه كان على الطير كذلك وازع ونقيب مسئول ومكلّف، قالوا: وكان وازعها والمكلّف بها هو الصقر، والصقر قوي البصر كذلك، يعلو إلى أجواء الفضاء بحيث تصبح الأرض بين عينيه كالصحن بين يدي الآكل والشارب، فالصقور كانت تحرس الطيور في طيرانها وذهابها وإيابها، فتأمر من يتقدم ومن يتأخر. فتفقد سليمان الطير فسأل عن الصقر فحضر، وسأل عن الهدهد فلم يحضر {فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} [النمل:20] والهدهد طائر معروف موجود في كل مكان لطيف المنظر ذو عرف من شعيرات مرتفع القدمين والرجلين ذو عينين حادتين تظهر حدتهما من قرب لمن يراه. وقوله: {مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ} [النمل:20] يقال في اللغة: مالي لا أرى فلاناً، أي: ما باله لا يرى. وقوله: {أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} [النمل:20] أي: أم كان غائباً فلم يحضر. وعدم حضوره وسليمان وجنده بحاجة إلى الماء يُعتبر جريمة يستحق المخالف عليها كل عذاب وكل عقاب وكل محنة؛ لأن هذا الجند على كثرته معرض للعطش ومعرض للعطب، والعطش في الصحاري -خاصة في الأيام الحارة الشديدة- يُسرع بالموت إلى العطاش الذين تجف حلوقهم من الريق، فقد يصبر الإنسان على الطعام أياماً ولا يصبر على الماء إذا اشتد الحر.
تفسير قوله تعالى: (لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه)
تفسير قوله تعالى: (لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه) ولما لم يجب الهدهد بحضوره علم سليمان أن الهدهد غائب ليس بحاضر، فأخذ ينذر ويتوعد ويقول: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [النمل:21]. تهدد هذا الهدهد لغيبته بأنه سيعذبه، وأقسم على ذلك، ودليل القسم اللام الموطئة للقسم مع نون التوكيد الثقيلة {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ} [النمل:21] أي: أشد الذبح وآلمه ((أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)) أو يأتي بدليل يدل على أن غيابه كان لمصلحة الجيش ولمصلحة سليمان. قالوا: والعذاب الذي تهدده به هو أن ينتف ريشه ويتركه للنمل حتى يموت، وقيل غير ذلك، وعلى كل فهو عذاب يليق بالهدهد. وذبحه أن يفقده الحياة، والهدهد لا يُذبح، فقد روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه فيما أخرجه الإمام أحمد في المسند وأبو داود في السنن وابن ماجة في السنن (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل أربع: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد)، والصرد هو ذلك الذي يصيح صيحة مسترسلة متتابعة. وفي رواية أيضاً (وعن قتل الضفدع)، فلا تقتل الضفادع، ولا يُقتل الصُرد ولا النملة ولا النحلة، نهى صلى الله عليه وسلم عن كل ذلك. فسليمان كان يريد تعذيب الهدهد وقتله عقوبة لغيبته عنه دون إذن مسبق إن كانت غيبته فراراً من المسئولية، وقد أُمر بأن يكون معه لخدمة الجيش في شيء هام جداً، وهو الماء، فلم يكن سليمان يحمل ماءً، وما عسى أن يكفيه من الماء لمئات آلاف من الجن والإنس.
تفسير قوله تعالى: (فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به)
تفسير قوله تعالى: (فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به) قال تعالى: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل:22]. قوله: ((فَمَكَثَ)) قرئ في السبع: ((مكُثَ))، أي: أقام مدة قصيرة. قوله تعالى: ((فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ)) أي: جاء إلى نبي الله سليمان متعالياً عليه على صغره وحقارته يقول له: ((أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ)) أي: جئتك بعلم لا تعلمه أحطت بحذافيره، وعلمت ما يجمعه ويُحيط بقصته بداية. والإحاطة: العلم بالشيء من جميع جوانبه. فجاء وهو يقول: قد أحطت بعلم ما سأقوله لك إحاطة كاملة، بحيث جعلت من العلم حوائط تُحيط بما سأقوله لك. قوله: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل:23] لست متردداً فيه ولا شاكاً فيه. وسبأ في أرض اليمن، وهي قبيلة من قبائل العرب تنتسب إلى قحطان، سكنت اليمن في أرض مأرب على مقربة من مدينة صنعاء، ولا تزال تلك الأرض تسمى إلى الآن بمأرب، وسد مأرب الذي ذُكر في القرآن الكريم لا تزال آثاره في اليمن قائمة إلى اليوم، وهو من دقة الصنعة ومن بديع العمل.
تفسير قوله تعالى: (إني وجدت امرأة تملكهم)
تفسير قوله تعالى: (إني وجدت امرأة تملكهم) ثم انطلق يتكلم فقال: {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل:23]. قال: وجدت في سبأ امرأة تملكهم، أي: ملكة عليهم تحكمهم وتصدر أوامرها ونواهيها فيهم، لها من كل شيء مما يحتاجه الملوك، أي: لست وحدك -يا سليمان- ملكاً عندك من أدوات الملك ما تحتاج إليه، فهذه المرأة وجدتها كذلك، فعندها جميع أدوات الملك من قصور ورفاهية وجند وسلاح وقوة وحضارة. ((وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ)) وهو الكرسي الذي تجلس عليه، وقد قيل: طوله كذا وكذا، وعرضه كذا وكذا، وهذه التفاصيل تحتاج إلى نقل، ولكن ذكر الله جل جلاله وصف الهدهد العرش بذلك يدل على أنه كان عظيماً، قالوا: كان ذهباً خالصاً مرصّعاً بأنواع الياقوت والجواهر واللآلئ والحجارة الكريمة مما لا ثمن له، وكان طوله ثمانين ذراعاً وعرضه تسعين ذراعاً.
تفسير قوله تعالى: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله)
تفسير قوله تعالى: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله) فقال: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل:24 - 25]. قوله: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ} [النمل:24] فأتى بهذا الخبر المفجع المثير لسليمان نبي الله الداعي إلى التوحيد، فقال: وجدت هذه المرأة مشركة وثنية تسجد للشمس من دون الله، وتعبد الشمس كما يعبدها قومها، فهي وقومها يعبدون الشمس من دون الله، ويفردون الشمس بالعبادة، ويفردون الشمس بالطاعة، ويفردون الشمس بالتأليه. قال: ((وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)) فهؤلاء يظنون أنهم على خير، وأنهم على عمل صالح، فالشيطان وسوس لهم في خواطرهم بعبادتهم للشمس من دون الله، فهم يتيهون بذلك، ويتفاخرون بذلك، وينشرون ذلك ويذيعونه، ويبنون معابد لعبادة الشمس. قال تعالى: ((وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ)) أي: زيّن لهم الشيطان عبادتهم للشمس ووثنيتهم وكفرهم وجحودهم، فكان بذلك قد صدّهم عن السبيل، أي: عن السبيل المستقيم وعن الحق اليقين، وعن الواحد المعبود الحق جل جلاله. قوله: {فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ} [النمل:24 - 25] فهؤلاء لا يهتدون فلا يجدون الهداية، ولا يجدون النور، ولا يجدون المعرفة ليتركوا عبادة الشمس وعبادة الوثن وعبادة الصنم وعبادة المخلوق من دون الله. {فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا} [النمل:24 - 25] أي: كي لا يسجدوا لله، فصدّهم لكي لا يسجدوا لله ولكي لا يوحدوه، وذكروا هنا تلاوة، وهي: ((أَلَّا يَا سْجُدُوا)) فجعلوا (يا) ياء النداء، والمنادى محذوف، و (اسجدوا) فعل أمر، وهذا تكلُّف، وقدّروا القول: {فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} [النمل:24]، ((أَلَّا)) يا هؤلاء اسجدوا لله، فيا هؤلاء، أو: يا قومنا، أو: يا سُكان مأرب، أو: يا أهل سبأ! ما الذي صدّكم عن عبادة الله؟ ألا فاسجدوا لله. ولا حاجة لهذا الكلف في التلاوة، والتلاوة لا تكون إلا بما ورد تواتراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست هذه التلاوة كذلك. والمعنى: فزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّوا بذلك عن الطريق الحق ودفعوا عنه وأبعدوا عنه كي لا يهتدوا إلى عبادة الله والسجود لله. قال تعالى: ((الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) أي: الذي يُخرج الغائب غير المنظور في السماء الذي لا يعلمه إلا هو جل جلاله، وكذلك ما غاب في الأرض من أعمال العباد، ومن كل ما اختبأ واختفى عن أعين الناس مما لا يعمله إلا الله، فلا يعلم الغيب في السماء والأرض إلا الله {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن:26 - 27]. قال تعالى: {الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل:25]. فهو يعلم جل جلاله ما نُخفي في أنفسنا وما نكتم في ضمائرنا، وما نعلنه كذلك قولاً وعملاً وكتابة وإشارة، فكل المعلن وكل المخفي لا يعلمه إلا الله. فقوم سبأ بدلاً من أن يعبدوا الله العالم بكل شيء والمنفرد بعلم الغيب وبما تكنه الضمائر عبدوا خلقاً من خلقه، وهو الشمس، فقد استعظموا كبرها فذهبوا يعبدونها.
تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم)
تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) ثم قال: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل:26]. فهو رب العرش الذي لا يقاس به عرش هذه المرأة، كل هذا من قول الهدهد، وكان الهدهد داعياً، وكان الهدهد جندياً مؤمناً، فقد قام بما لم يكلّف به وهو من جند سليمان، فدعا بما كان يدعو إليه سليمان من عبادة الله وتوحيده، ومكافحة الشرك وأهله، فجاء يكشف حال هؤلاء لنبي الله الملك سليمان. قال تعالى: ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)) أي: الذي لا ثاني له ولا إله معبود معه بحق، ولكن الله وحده هو المعبود، وهو الخالق والمحيي والمميت. قال تعالى: ((هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)) دعك من عرش هذه المرأة، فهو عرش مصنوع ومخلوق، ومهما يكن فهو من مواد أرضية خلقها الله، فأين يكون من عرش الله المحيط بالسماوات والأرض؟! فالكرسي فقط قال لنا عنه نبي الله صلى الله عليه وسلم: (إن السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة له كسبعة دراهم ألقيت في ترس والكرسي بالنسبة للعرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة). فلما قال الهدهد ذلك كان سليمان قد أنصت للهدهد وأعطاه أُذنه وأعطاه سمعه إلى أن وعى عنه كل ما قال من خبر عن هذه المرأة. وهذه المرأة قيل: هي بلقيس بنت شراحيل، وهي قحطانية من سبأ، وكان أبوها ملكاً من الملوك العظام في أرض اليمن، ولم يخلّف سواها، وزعموا أن أمها جنية، وأن قدميها كانتا أشبه بقدمي الدابة، وهذا زعم لم يؤكده شيء من إجماع الصحابة ولا حديث نبوي، وهو أشبه ما يكون بما يروى في الإسرائيليات عن كعب الأحبار وعن نوف البكالي وعن وهب بن منبه وغيرهم من الذين أسلموا عن يهودية سابقة وحملوا بعض إسرائيلياتهم ورووها وأذاعوها ونقلوها، ودخل الكثير منها في الكتب، وهي مع ذلك مقطوعة الجذور لا سند لها ولا صحة. فهذه المرأة قيل: اسمها بلقيس، وهي مشهورة في التاريخ به، وذكرها القرآن، وكفاها ذاك شرفاً، وقد كانت على غاية ما يكون من الدهاء والحكم والإتقان في إدارة الدولة وفي تسييرها على كثرة رجالها وكثرة أتباعها. قالوا: كان لها من الأقيال والأمراء والحكام ما عد بعشرات الآلاف، ولا شك في أن في ذلك مبالغة، ولكنها كانت عظيمة الشأن كبيرة السلطان، ولعل بعض ما كان عندها لم يصل إليه الناس إلى يومنا هذا، كانت إذا أمرت ارتعدت الفرائس منها، وإذا نهت ارتعدت الفرائس منها، وسيقص الله علينا بعض محاورتها لجندها وأقيالها وكبار موظفيها.
تفسير قوله تعالى: (قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين)
تفسير قوله تعالى: (قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين) قال تعالى عن سليمان: {قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النمل:27]. فالهدهد نطق، ويحتمل قوله الكذب والصدق، ولكن سليمان سيحقق في قوله وسيبعث من يؤكد له ذلك أو ينفيه ليحق على الهدهد العذاب أو ليستحق المكافأة والجزاء إن كان صادقاً. ((قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ)) والسين للمستقبل القريب، و (سوف) للمستقبل البعيد، فقال سليمان: ((سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ)) أي: هل كنت صادقاً في خبرك فلم تبالغ ولم تقل ما ليس بواقع، أم كنت من الكاذبين، فسنرى إن كنت صادقاً أم كاذباً بعد فترة طالت أو قصرت.
النمل [28 - 33]
تفسير سورة النمل [28 - 33] لقد جاء الهدهد إلى سيدنا سليمان عليه السلام بخبر يقين عن مملكة سبأ، وأنهم يعبدون الشمس من دون الله، فأرسله بكتابه إلى ملكتهم ودعاها وقومها أن يأتوه مسلمين، فاستشارت الأقيال والأعيان فأظهروا لها أنهم مستعدون لحربه والأمر ما تأمر به.
تفسير قوله تعالى: (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم)
تفسير قوله تعالى: (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم) قال تعالى: {اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل:28]. نادى سليمان أحد كتبته وأملى عليه سطرين أو ثلاثة، ثم أعطى الكتاب للهدهد وقال له: {اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ} [النمل:28]، أي: ارمه إلى هؤلاء القوم الذين ذكرت، فأعطه لملكتهم التي تحكمهم وتملكهم. {ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ} [النمل:28] أي: ابتعد قليلاً {فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل:28] أي: اسمع قولهم في هذا الكتاب، فما هو جوابهم وبم يعلقون عليه، وكيف سيستقبلونه، فهل سيستقبلونه مطيعين مستسلمين، أم عصاة مخالفين، كل ذلك أجبني عنه، وإنه لغريب في الدنيا أن يكون الهدهد سفير ملك إلى ملك، وسفير دولة إلى دولة، ولكن هذا من معجزات الأنبياء ومن خصائص سليمان، ومما خصه الله به من تسخير الدواب والجن والإنس والرياح، فهذا من عجائب قدرة الله، ولا عجب في قدرة الله التي أعطاها لسليمان. وقد كان سليمان أعظم سلطاناً، وأدوم ملكاً وأوسعه، وكان داود أكثر عبادة، وكان كل منهما رسولاً كريماً على الله جل جلاله. فذهب الهدهد بالكتاب يصل الوقت بالوقت إلى أن أصبح على رمية حجر من الغرفة الخاصة بـ بلقيس، وكانت مستلقية على قفاها منفردة بنفسها في خلوتها، فرمى بالرسالة كما أمره سليمان، على صدرها، ثم رجع إلى النافذة ينتظر ما ستفعله ليبلغ مولاه الملك النبي سليمان عليه السلام. قال تعالى: {اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ} [النمل:28] إلقاء، ولم يسلمه؛ إذ قد يقبض على الهدهد، ويعتبر طائراً غريباً، ويسجن في قفص، فلو سجن لمات، ولما احتمل القيد بعد الحرية. قال تعالى: {اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل:28].
تفسير قوله تعالى: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم)
تفسير قوله تعالى: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم) وتأخذ بلقيس الكتاب، وتتعجب من الرسول، ومن حمله للرسالة، وتتعجب من كون الكتاب من سليمان، وكان اسم سليمان قد طبق الشرق والغرب في عجائبه وفي غرائبه وفي تنوع جيشه، وفي تسخير الهواء له، وفي تسخير الطير له والدواب والجن، فكيف ستجيب هذا الملك العظيم الذي يقول: إنه نبي؟! فدهشت وذهلت. ونادت قومها، ودعت من يدعو الملأ، والملأ: أشراف القوم وقادتهم ورؤساؤهم، فاجتمعوا، وإذا بها تخبرهم بما حدث، {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:29 - 31]. رسالة في سطرين، ولكن لدهشتها وذهولها وصفت الكتاب بأنه كريم، وما وجه كرامته؟! وما وجه شرفه؟! و A كونه من سليمان، فسليمان كلمها وكتب إليها، وإن كان أمرها بأن تأتي مستسلمة، وإلا فسيفتك بها وبجندها وببلادها، ومن الذي يستطيع أن يحارب سليمان ليحارب الجن والإنس والدواب والطير، وهو مع ملكه نبي لله ورسول من الله إلى الخلق؟! {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل:29] أي: وصلني كتاب ألقي إلي إلقاءً وما أخبرتهم بالهدهد، ولو فعلت لتلقوا الخبر بالاستغراب والتبسم، ولرأوا أن الأمر ليس بجد، وإنما هو إلى المزاح أقرب، ولكن دخلت في الموضوع من أول مرة؛ لأن الكتاب بيدها، فقالت: ((يَا أَيُّهَا المَلَأُ)) يا أيها الأشراف، يا أيها السادة، يا قوم، يا كبار عشيرتي وكبار دولتي: {إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل:29]. وهي بذلك تلفت أنظارهم، فكل واحد سيفكر قائلاً: من أين جاء الكتاب؟ وما النتيجة من هذا الكتاب؟ وما الذي أزعج الملكة؟ ولا شك في أنها كانت تكلمهم وتخبرهم بهذا الخبر وهي على غاية ما يكون من الانزعاج والقلق، مهددة في ملكها، ومهددة في سلطانها ممن لا تستطيع أن تقاتله ولا تحاربه ولا تقابل قوته بقوتها مهما كانت قوية.
معنى قوله تعالى: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)
معنى قوله تعالى: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) قال تعالى: {قَالَتْ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل:29] ممن؟ {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} [النمل:30]. قال جمهور المفسرين: إن سليمان كتب: (من سليمان إلى ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم)، والأولى أن يقال: بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان إلى بلقيس ملكة سبأ. أما أن يقال: (من سليمان إلى ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم) فليس هذا شأن الرسائل النبوية، ولا كانت رسائل الخلفاء الراشدين على هذه الطريقة، ولا كان ذلك معروفاً من المراسلة بين كبار القوم صحابة وتابعين. والذي يظهر أنها أخبرتهم بعد أن وصفت الكتاب وشرفته فقالت: {يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} [النمل:29 - 30] تخبرهم وتقول لهم: هذا الكتاب كريم؛ لأنه من سليمان، فهو الذي كتب إلي، وهو الذي تحدث إلي، وهو الذي قال ما سأمليه عليكم بالنص، فنصه: (بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين). أمرهم أن لا يعلوا عليه، وألا يتكبروا، وأن لا يتجبروا، وأن يأتوه مستسلمين خاضعين، لا مسلمين بمعنى الإسلام، ولكن أمرهم بأن يأتوه ليحقق معهم، وليعلم قصتهم، إذ كيف يمكن أن يوجد قريباً منه من يعبد الشمس من دون الله، ويدعوا لها قومه، ويدعوا لها الناس، وهو نبي الله بين ظهرانيهم، أيجوز له أن يقرهم على ذلك، وأن يقبل ذلك منهم؟! كلا.
أهمية الاستفتاح بالبسملة
أهمية الاستفتاح بالبسملة قال تعالى: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل:30]. فالبسملة الكريمة التي عرفت في شريعتنا سبق أن استعملها سليمان الملك نبي الله ابن داود الملك نبي الله. وهذه البسملة في القرآن الكريم ليست محلاً للريب ولا الشك، فهي البسملة المؤكدة، وما عداها في أول السور ابتداءً من الفاتحة إلى {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس:1] ففيها خلاف، فالجمهور على أن تلك البسملات للتيمن، وللتبرك، ولافتتاح تلاوة كلام الله وذكره ووحيه، وفي الحديث النبوي الصحيح: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر)، وفي رواية: (أقطع)، وفي رواية: (أجذم)، والمعنى واحد. فكل كلام، وكل خطبة، وكل رسالة، وكل محاورة، وكل درس لا يبتدأ فيه بذكر الله و (بسم الله الرحمن الرحيم) أبتر ناقص، ممحوق البركة، لا يكون كاملاً، فإذا قال المرء: (باسم الله) أي: أتيمن بذكر اسم الله جل جلاله، وأستعين باسمه وبعونه وبإرادته على أن أتم قولي، وأتم كلامي، وأتم دروسي، وأتم تفكيري، فإنه يوشك لأجل هذا أن يستجيب الله له، وأن يمكنه من تحقيق رغبته وأمنيته، وأن يكون عمله مباركاً ناجزاً تاماً، فهذا من بركة (بسم الله الرحمن الرحيم). ولذلك كانت الرسائل المحمدية النبوية التي كان يرسل بها كبار أمراء وسفراء وضباط وقادة جيوشه، كلها كان يبتدئها بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، كتبت لمسلمين أو كتبت لكافرين. والفرق بين الرسائل المرسلة للمؤمنين والرسائل المرسلة للكافرين أن الرسائل المرسلة للمسلمين تبتدئ بـ (السلام عليكم)، والمرسلة للكافرين يكون القول فيها: (السلام على من اتبع الهدى)؛ لأنه لا سلام على وثني مشرك، أو كافر، ومن باب أولى على اليهود ألعن خلق الله على الإطلاق، فلا يقال لهم: (السلام عليكم) بحال، فمن فعل ذلك كان جاهلاً جهلاً مركباً ومؤدياً ما لا يليق لكافر، وما لا يصح إلا لمسلم، فضلاً عن أن يكون ذلك لأذل الخلق وأشدهم لعنة وغضباً، إخوان القردة والخنازير وعبدة الطاغوت. فالبدء بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، كان شأن رسائل الخلفاء الراشدين، وهكذا كانت رسائل من بعدهم من التابعين والصالحين، وهكذا الكتب، وهكذا المؤلفات، وهكذا المجالس، كلها تبتدأ بـ (باسم الله)، أولاً اقتداءً بما ورد في القرآن عندما ذكر الله لنا رسالة سليمان دون اعتراض، وأي اعتراض على (بسم الله الرحمن الرحيم) والنبي عليه الصلاة والسلام قد اتبع ذلك؟! فما ترك رسالة من رسائله إلا وافتتحها بـ (بسم الله الرحمن الرحيم). وفي عصرنا هذا عصر الفجور والنفاق والخلاعة وما إلى ذلك من أنواع الفسق والفجور، أخذ الناس يبتعدون عن أن يبتدءوا المجالس باسم الله، أو الكتب باسم الله، ويعدون ذلك من المخلفات، ومن الرجعيات، ليمحق الله تعالى عملهم، ويزيل عنه البركة، واليُمن، والتمام، فيبقى العمل أشبه بالتبن، فلو أكل الإنسان التبن لكاد أن يغص به، والمرء بذلك يبتعد عن آداب القرآن، والآداب النبوية، وآداب السلف الصالح. قال تعالى: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل:30] أي: إن الشأن -يا بلقيس - أن أبتدئ قولي وعملي وكتابي إليك بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) الخالق، الذي لا أول له، ولا آخر له، ولا معبود معه. {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل:30] فهو الرحمن يرحم من تاب إليه واستغفر من ذنوبه وخرج من الشرك إلى الإيمان، الرحيم بعباده، حيث يقبل التوبة من كل من تاب. ثم دخل في الموضوع فقال: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ} [النمل:31] فلا تتعاظموا ولا تتكبروا، {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:31]، فلا تقولي: إني ملكة، وإن لي دولة، وإن لي شأناً، فكيف أستجيب لملك بمجرد كونه دعاني؟! لا تفعلوا ذلك، {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:31].
تفسير قوله تعالى: (قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري)
تفسير قوله تعالى: (قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري) فوضعت الكتاب ثم التفتت إليهم بعد أن أخبرتهم بالكتاب، فقالت لهم: {يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} [النمل:32]. فهذا الكتاب قد سمعتموه يا قوم سبأ، ويا أهل مأرب، فأنا أعرض الأمر مرة ثانية عليكم، فماذا ترون؟ وما هو الرأي في الجواب وفي العمل؟ {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي} [النمل:32]، فاذكروا لي فتواكم، ومشورتكم، ورأيكم في هذا الأمر الذي ابتليت به، وكاتبني فيه سليمان القوي بملكه، والقوي بجنده، والقوي بنبوءته ورسالته. {مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} [النمل:32]، فما كان ينبغي لي وأنتم رعيتي وأعيان دولتي ووزرائي ومستشاري أن أقطع أمراً، وأبت في أمر، وأنهي أمراً، ويصدر عني ما لم تحضروه وتشهدوه وتشيروا علي فيه، فاذكروا لي آراءكم لأستعين بها، ولم كل ذلك؟! لأن شأن الملوك إذا دخلوا قرية حاكمين قاهرين أن يفسدوا فيها، ولذا قال تعالى عنها: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل:34]، فلو جاءني سليمان وأخذ ملكي وأرضي، فالبلاء لا يخصني، بل سيعم الدولة برجالاتها وكبار موظفيها وكبار مستشاريها، ولذلك أجيبوني بما يمكن أن تجيبوا به أنفسكم، فلو تمت الغلبة وتم القهر وأخذ سليمان الدولة سيكون بلاؤه وإذلاله وسحقه للملكة وأعوانها من وزراء ومستشارين. قال تعالى: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل:34]، فلن أقطع أمراً، ولن أبت فيه إلا بعد حضوركم وشهودكم، وأخذ آرائكم.
تفسير قوله تعالى: (قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك)
تفسير قوله تعالى: (قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك) وإذا بهم يجيبونها جواب التابع للمتبوع، وجواب الرعية للراعي {قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النمل:33]. فتكلموا بكلام المتأدب مع رئيسه وسلطانه، ومن إليه الأمر والنهي، {قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ} [النمل:33] فابتدءوا كلامهم بأنهم مستعدون لو طلبت منهم المقاومة، وطلب منهم الحرب والقتال، فقالوا: {نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ} [النمل:33] فأعدادنا متوافرة، نعد بعشرات الآلاف، بل ذكروا أنهم كانوا مئات الآلاف، {وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ} [النمل:33]، ولنا قوة من مجانيق وسيوف ونبال وحراب وخيل وأنواع آلات القتال الموجودة آنذاك بما نستطيع به الحرب والقتال والمقاومة لكل من حاول أن يدخل أرضنا، ويحارب قومنا، ويذل ملكتنا، ويستذل سكاننا، فنحن أولو قوة شديدة وسلطان قوي. (والأمر إليك) فنحن قد أخبرناك أننا على استعداد، وأنت الآمرة، وأنت الناهية، وأنت الملكة. {فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النمل:33]، فمرينا بما رأيت، فإن أمرت بالحرب فنحن أولو قوة وأولو بأس شديد، وإن أمرت بالسلام فالأمر إليك ولن نخالفك في أمر. وقد كانت تميل إلى المسالمة وترك الحرب والقتال، ولعلها حدثت نفسها -وهي امرأة على كل حال، ولم تكن متزوجة- بأن تضم مملكتها إلى مملكة سليمان، فتصبح الملكة الأولى في مملكة سليمان، وما يمنعها أن تتزوج، فعندما فكرت في ذلك مالت إلى المسالمة وعدم الحرب والقتال، وستجعل من نفسها الهدية الأولى لسليمان، وهذا ما لم تذكره هي، وهو ما سيحدث. فبعد قولهم بأنهم أولو قوة وأولو بأس شديد، وأن الأمر لها فلتنظر ماذا تريد وبماذا تأمر، عادت فقالت قولاً يدل أنها لا تريد حرباً، قالت: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} [النمل:34] أي: إذا دخلوا فاتحين ودخلوا متملكين ودخلوا قاهرين.
النمل [34 - 44]
تفسير سورة النمل [34 - 44] كانت بلقيس تميل إلى مسالمة سيدنا سليمان عليه السلام وترك حربه، فأرسلت إليه بهدية لتختبر مقصده هل هو الدنيا أم الدين، فرد عليها هديتها متوعداً، ثم أمر بعرشها أن يحضر إليه، فلما رأته بلقيس دهشت، فلما دخلت الصرح الممرد رأته فأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.
تفسير قوله تعالى: (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها)
تفسير قوله تعالى: (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها) قال الله جل جلاله: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل:34]. لا نزال في محاورة بلقيس ملكة سبأ مع مستشاريها وقادتها ووزرائها وأقيال دولتها عندما أرسل لها سليمان عليه السلام رسالة مع الهدهد، يأمرها بأن تأتي وقومها صاغرة مستسلمة، أخبرتهم بذلك، ثم بعد ذلك قالت: {يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} [النمل:32]، فأجابوها {قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النمل:33]. تميل إلى المسالمة باعتبارها المسئولة الأولى عن مملكة سبأ، فعندما جاءتها رسالة سليمان كانت تسمع عن سليمان نبوءة ورسالة وملكاً عظيماً لم يسبق له نظير، فعرضت الأمر على كبار رجالها واستشارتهم، فتأدبوا معها وقالوا: إن شئت القتال فنحن ذوو قوة، وذوو عدد، وذوو بأس شديد، وذوو أسلحة وقوة وبطش، ولكن الأمر إليك، فما تأمريننا به صنعناه ونفذناه وامتثلنا له، فنبهتهم وهي لا تريد الحرب ولا تريد القتال فقالت: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} [النمل:34]. تقول لهؤلاء الذين أظهروا استعدادهم للحرب والقتال ومقاومة سليمان وجنده: ليس الأمر كما تظنون، فمن عادة الملوك أنهم إذا احتلوا أرضاً، أو استعمروا كياناً، يفسدون في الأرض، فالحرب من طبيعتها ذلك، فهم يخربون البلدة، ويهدمون القصور، يرملون النساء، وييتمون الأطفال، ويأخذون أموال البلدة التي يستولون عليها. {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} [النمل:34]، والأعزة: جمع عزيز، والأذلة: جمع ذليل، أي: حولوا السادة والأعزة والقادة والكبار في القرية والبلدة التي يدخلونها إلى أذلاء، فيجعلون عاليها سافلها، فيعزون الذليل ويذلون العزيز. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل:34]. قال بعض المفسرين: هذا قول الله جل جلاله، فما توقعته هو الذي سيكون، على أن سياق القصة لا يقتضي هذا، فهي لا تزال تحاور قادتها ويحاورونها، وتقول لهم ويقولون لها، والكلام قبلها والكلام بعدها هو من قولها وكلامها، ولذلك قالت بعد ذلك: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} [النمل:35]. فأرادت المصانعة وأرادت السياسة، فلم ترد حرباً ولا قتالاً، ولا هي قادرة على حرب سليمان ذي الطول والحول فيما ملكه الله إياه من جند من الجن ومن الإنس ومن الطير. فجملة {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء:74] من قولها، ولو كانت من قول الله لتم الأمر، على أن سليمان لم يدخل إلى اليمن، ولم يحتل أرضها، ولم تجبره على ذلك، بل جاءت مستسلمة، موافقة على أمر سليمان لها بأن تأتي هي وقومها، فلم تبق حاجة هناك إلى احتلال بلدها، فقد وافقت واستسلمت، بل وآمنت وأسلمت، ولم تبق على عبادة الشمس كما جاء الهدهد يخبر ويعلن.
تفسير قوله تعالى: (وإني مرسلة إليهم بهدية)
تفسير قوله تعالى: (وإني مرسلة إليهم بهدية) فكان جوابها: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل:35]. قالت لهم -لتستخبرهم وتستشيرهم، هل سيوافقون أو يعارضون- بأنها رأت أن ترسل هدية تليق بمقام سليمان ملكاً ونبياً، لتنظر بعد ذلك عندما يرجع مرسلوها ماذا سيقولون، فهل سيقبل سليمان الهدية أم لن يقبلها، فإن قبلها كان ذلك علامة الموافقة والمسالمة، وإن رفضها كان ذلك علامة الحرب. قال تعالى عنها: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} [النمل:35] إلى سليمان وجنده {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل:35]، بأي شيء سيعود رسلي الذين أرسلتهم بهذه الهدية إلى سليمان. قالوا: وكانت الهدية من الشيء العظيم، الذي يليق بملكين كبيرين، وقد قال الله عنها فيما أخبر به الهدهد: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل:23]، وقال عنها: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل:23]، ويكفي أن يوصف عرشها في القرآن بالعظمة، وقد كان ذا مكانة عظيمة، كان ذهباً مرصعاً بالجواهر والزبرجد وأنواع اليواقيت، وأنواع اللآلئ، وكان مفروشاً بالحرير والديباج، وإذا نصبته ووقف جنودها بجانبه يمنة ويسرة تلقي الرعب والهلع والهيبة والاحترام بين رعاياها وأعدائها. قالوا: فكانت الهدية التي أرسلت لسليمان كذا وكذا جارية، ومائة غلام، ومن أنواع الذهب والفضة والجواهر واللآلئ ما يعد ثمنه بمئات الملايين بتقديرنا في العصر الحاضر.
تفسير قوله تعالى: (فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال)
تفسير قوله تعالى: (فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال) {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل:36]. قال تعالى عن سليمان عندما جاءته الهدية: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} [النمل:36]، فلما جاء الرسل سليمان بهذه الهدية الكبيرة العظيمة سخر منهم ومن هديتهم، وقال: {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} [النمل:36] والمدد: العطاء والزيادة، أي: أتريدون أن تعطوني مالاً مع ما عندي من كثرته وتنوعه، ومع ما عندي من أدوات الملك. هكذا كان حال سليمان، وإنما أمرها بالإتيان لتكرم من الله رب العالمين، ولتترك هي وقومها عبادة الشمس من دون الله، لا ليأخذ مالاً، على أنه لو أراد فهي ومملكتها وعرشها بين يديه، وهذا الذي سيحصل بلا حرب ولا قتال. قال تعالى عنه: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ} [النمل:36]. أي: ما أعطاني الله من أنواع الأموال، ومن أدوات الملك عظمة وقوة وسلطاناً لم يعط لكم منه إلا ما لا يكاد يذكر، فهو خير مما آتاكم، فأنا أعظم شأناً، وأقوى سلطاناً، وأكثر ملكاً لما يحتاج إليه ملوك الأرض. مع ما وهبه الله من بسط الريح وتسخيرها ونقلها له شهراً في الغدو وشهراً في الرواح، وما سخر له من الجن والشياطين والدواب والطير بكل أنواعها. وقد قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل:17]، فكان ذلك مما لم يخطر ببال ملك، ولا ببال إمبراطور، ولا ببال قيل من أقيال الأرض، فالهدية -مهما عظم شأنها في نظر بلقيس ملكة اليمن- لا تملأ عين سليمان، وهو عبد الله ورسوله المعصوم، الذي أخذ الملك لإعلاء كلمة الله، لا للتعالي به، ولا للتفاخر به، فهو أعظم من ذلك كثيراً. قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل:36]، فأنتم الذين تفرحون بهداياكم، قدمتموها أو قدمت لكم، فأنتم الذين تفرحون بالذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، والجواري والغلمان، سواء أقدمتم ذلك أم قدم لكم، أما أنا فلست كذلك على كثرة ما أعطاني الله وأكرمني به.
تفسير قوله تعالى: (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها)
تفسير قوله تعالى: (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها) {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل:37]. قال الله جل جلاله عن سليمان: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ} [النمل:37] قال للمرسلين: ارجعوا إليهم، فارجعوا إلى ملكة سبأ وإلى قومها وأقيالها، وإنما جمع الضمير والحديث عن بلقيس لأن شأن الملوك والقادة والرؤساء أن يشركوا معهم مستشاريهم، فيكون عمل الملك وعمل الرئيس بما اتفقوا عليه وتبادلوا الرأي والمشورة فيه، فكان الكلام موجهاً لمن نفذ ولمن خطط وأشار. قال تعالى: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل:37]. انتقل سليمان ليهدد وينذر ويتوعد توعد الملوك، وتوعد الأقوياء، وليهدد تهديد القادة ومن يقدرون على العقاب والبطش. وقد كان سليمان وداود ملكين نبيين رسولين، فقال سليمان: ارجع إليهم بهديتك، فلا حاجة لي فيها، فليفرحوا هم بها، وليتيهوا بعددها، وأخبرهم أني سأرسل لهم جيشاً لا طاقة لهم به، وسأخرجهم، وأكد ذلك باللام الموطئة للقسم، وبنون التوكيد الثقيلة، أي: لأخرجنهم من بلدتهم، فهددت بنفس ما خافت منه وأنذرت به قومها، حيث قالت: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل:34]. فتوعدهم سليمان بجيشه القوي اللجب من الجن والإنس والطير والدواب، قائلاً: إذا لم تأت صاغرة مستسلمة خاضعة لأمري وسلطاني فسآتي بها مقهورة مجبرة ذليلة، وسأرسل لها جنداً لا طاقة لها بهم ولا بمقاومتهم، ولأخرجنها هي وقومها من أرضهم ودولتهم أذلة لا عزة لهم ولا سلطان ولا مال ولا جاه، فلن يأتوا راكبين الخيول المطهمة، ولا الإبل المرفهة، ولكن سيؤتى بهم في السلاسل، حفاة عراة، وهذا معنى قوله: (أذلة وهم صاغرون) أي: في ذل وهوان، لا يليق بالملوك عندما يكونون مالكين أمر أنفسهم. وكان الرسل إليها هم رسلها إليه بتلك الهدية العظيمة عندها، فأرجعها لها وردها في وجهها، وبعث ينذرها مع هذا الوفد بأنه إن لم تأت سيبعث لها جيشاً يأتي بها وبقومها أذلاء صاغرين.
تفسير قوله تعالى: (قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها)
تفسير قوله تعالى: (قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها) ثم بدا لسليمان وفكر تفكيراً آخر يليق بالأنبياء لا بالملوك، ولكنه يقهر الملوك أكثر، ويذل الملوك أكثر، ويعلم الملوك أن ملوك الأنبياء والرسل لهم من القوة والسلطان ما ليس لملوك الأرض، مهما كانوا أكاسرة أو أباطرة، أو ملوكاً عظماء في الأرض، وإذا بسليمان يلتفت إلى كبار قادته: ((قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:38]. فأراد سليمان هذه المرة أن يأتي بذلك العرش العظيم، الذي طالما تاهت به، وتفاخرت به، وتعاظمت به، وجاء الهدهد يحكي من قصصه وغرائبه وذهبه وزبرجده وأنواع حجارته الكريمة ما لا يكاد يكون مثله عند أحد. فقال: ((يَا أَيُّهَا المَلَأُ)) أيها الأشراف، أيها الأمراء والكبراء من دولتي ومن رعيتي ومن أتباعي: ((أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)) وقد توقع بما هددها به أنها لن تقاومه، ولا طاقة لها بمقاومته ومحاربته، وأنها آتية إليه لا محالة، قال المفسرون: وقد علم سليمان ذلك. فعندما جاء الرسل فقالوا عن سليمان ما قالوا قررت المجيء إليه هي وكبار قومها، وأعظم ما كانت تخاف عليه هو عرشها، ففككته وجعلته في عدة غرف من القصر، وتركت عليه حرساً شديداً، وجعلت نائباً لها في إدارة المملكة، كشأن الملوك عندما يخرجون عن حدود دولتهم وأرضهم، فبلغ الخبر سليمان، فأراد أن يفاجئها بأن تجد عرشها قد سبقها إليه، فقال: {يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:38]، قبل أن يأتوني مستسلمين، خاضعين، أذلاء صاغرين.
تفسير قوله تعالى: (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك)
تفسير قوله تعالى: (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) فاستجاب له عفريت، قال تعالى: {قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل:39]. قوله تعالى: (قال عفريت): أي: شيطان مقتدر بوسائله، كشأن عفاريت الشياطين، {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} [النمل:39]، أي: في ثوان، فالإنسان إذا جلس وقام لا يستغرق قيامه من جلوسه الثواني فضلاً عن الدقائق. {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ} [النمل:39]، أي: ذو قدرة على أن آتيك به على ثقله وكثرة ذهبه، ثم إني أمين، فلن أخونك في جوهرة ولا زبرجدة ولا لؤلؤة ولا في أي شيء يتعلق به، فسآتيك به بين يديك، مع قوة، وأمانة كاملة في حليه وفي حلله وفي جميع ما عليه دون أن أخونك في شيء.
تفسير قوله تعالى: (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به)
تفسير قوله تعالى: (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به) {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل:40]. فلم يكتف سليمان بذلك، بل أراد من يأتي به في زمن أقرب، وفي زمن أسرع من هذا الذي قاله العفريت، وإذا بآخر يجيب، كما قال تعالى: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل:40]. فما كاد ينتهي من الكلمة حتى أحضره بين يديه، ما كاد يأمر حتى أصبح العرش مستقراً بين يدي سليمان. فقال سليمان شاكراً لله: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي} [النمل:40]. وقد اختلف العلماء في هذا الذي عنده علم من الكتاب اختلافاً كثيراً، فقال الأكثر: إنه جني، وكان يعلم اسم الله الأعظم، وقال البعض: إنه إنسي، وهو كاتب سليمان الخاص، وذكروا له أسماء، وكل ذلك لا معنى له، والحكمة ليست في الأسماء، وتفاصيل القصة لا نجدها إلا في قصص بني إسرائيل وإسرائيلياتهم، والحق ما قاله الله، وما زاده بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاسم الهدهد، واسم النملة، واسم العفريت، كل ذلك زيادات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا حاجة إلى هذه التفاصيل، ولذلك لم يذكرها الله، ولم يذكرها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد اختلفوا في المراد بالعلم في قوله تعالى: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} [النمل:40]، فقال الجمهور: هو اسم الله الأعظم. وينبغي أن يعلم أن للتفسير أصولاً، وهي أن تفسر الآية بالآية أولاً، فإن لم توجد فبما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يوجد فبما أجمع عليه الصحابة، فإذا لم يوجد فبما جاء في اللغة العربية المنزل بها الكتاب. فكون ذلك العلم اسم الله الأعظم ليس له مستند، ولا يمكن الاعتماد عليه بغير دليل، والله سمى ذلك علماً فقال: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} [النمل:40]، فنسب إليه علماً، وهذا العلم مأخوذ من الكتب المنزلة على الأنبياء، فعلمها هذا الشخص. والآية ليس فيها ذكر كونه عفريتاً أو إنساناً. والعلم يعطاه المؤمن ويعطاه الكافر. وقد قال الحاتمي: كل ما ذكر في القرآن من المعجزات لن تنتهي الدنيا حتى يصبح شيئاً عادياً، فلا يبقى معجزاً، وإنما هو معجز في وقته لمن أرسل إليهم. فهذا العرش كان في مأرب في اليمن، وكان سليمان في بيت المقدس، والمسافة بين بيت المقدس وبين مأرب آلاف من الكيلو مترات. ونحن نرى اليوم كفاراً وملاحدة استعملوا الصواريخ التي وصلت إلى أعلى الفضاء، والصاروخ يقطع في الثانية الواحدة الآلاف من الكيلو مترات، وهم لم يؤمنوا بالله يوماً، وبعضهم ملحد لا يؤمن برب ولا بنبي، والبعض يؤمن بعيسى ويؤمن بـ مريم، فهو مشرك بالله يعبد مع الله البشر والخلق والناس، ويعتقد الإلهية في الإنسان، ولا يعرف الله كما يعرفه المسلم، وهو أنه المنزه عن كل نقص، المتصف بكل كمال، القادر على كل شيء، فقد تصوروا ربهم قد تكيف في صورة رجل، ونزل إلى الأرض، وصلبه اليهود في زعمهم ليكفر عن سيئات خلقه، فكان ما يسمى عندهم بالصلب والفداء، حيث فداهم بما فعل بنفسه. فزعم هذا اليهود واستمسكوا به، وزعمه النصارى واستمسكوا به، فكانوا جميعاً بين مغضوب عليه وضال، ومن هنا ركب الجنون اليهود، حيث قالوا: قدرنا على الرب والإله فصلبناه، وأذللنا النصارى، وما أذلوا إلا أنفسهم، فما النصارى إلا جزء من بني إسرائيل، فعيسى خاتم أنبياء بني إسرائيل، وهو لم يرسل إلا إلى بني إسرائيل. فالله تعالى يقول عن ذلك الذي عنده علم من الكتاب: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل:40] الطرف: الأجفان، أي: قبل أن تحرك طرفك وتنظر أمامك أو خلفك أكون قد أحضرت العرش لك، وفعل هذا، فإذا به يجده بين يديه، قبل أن يرد الكلمة بعد. فالإتيان بالعرش أو بشيء من صنعاء إلى بيت المقدس لا يعتبر اليوم معجزة ولا يعتبر شيئاً عظيماً، فكل ما ذكر في القرآن أنه معجزة لا تنتهي الأيام حتى يصبح شيئاً عادياً. فهذا العلم قد يكون هو العلم الذي بين أيدينا من كتاب الله، وقد يكون علماً لدنياً كالعلم الذي أكرم الله به الخضر صاحب موسى، وكالعلم الذي أكرم الله به خاتم الأنبياء محمداً صلى الله عليه وسلم، وهو الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، وكان سيد العلماء وإمام العارفين، علم ما لم يعلمه أحد في الخلق، ولا يعلم ما يعلمه هو إلا الله، وكل ذلك من علم الله، وكل ذلك من فضل الله. ويبقى أن نقول: هذا علم لا نستطيع أن نقطع بأنه كان اسم الله الأعظم، على أن أقواماً قالوا أغرب من ذلك، قالوا: كان سليمان نفسه قد جاء إليه هذا الرجل وقال له: يا نبي الله! من أكرم منك؟! ومن أشرف منك؟! فإذاً أنت الذي تستطيع ذلك، فمد يديك واضرع إليه وقل: (يا رب) فسيستجيب لك. فدعا فاستجاب الله له فجاء العرش، ولكن سياق الآية لا يدل على هذا بحال. فعندما عرض ذلك العفريت على سليمان أن يأتي به قبل أن يقوم من مقامه، التفت إلى الحاضرين وقال: أريد زمناً أقرب من ذلك، وأسرع من ذلك، قال تعالى: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} [النمل:40]، فوصفه بأن عنده علم من الكتاب، ولا شك في أن هذا لا يكون إلا في كتاب من كتب الله، وفي وحي من وحي الله.
معنى قوله تعالى: (فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي)
معنى قوله تعالى: (فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي) فذهب هذا الذي عنده علم من الكتاب ففتح تلك الغرف بمغالقها، وأعاد تركيب العرش قطعة قطعة، وأعاد إليه جواهره ولآلئه، إلى أن أتى به على شكله كما تجلس عليه بلقيس ووضعه بين يديه، وإذا بسليمان يريد أن يفاجئ بلقيس بما لا يخطر لها على بال، ويفاجئ قومها، فأمر الجن بأن يبنوا له قصراً من الزجاج تتخلله المياه، وأن تخلط المياه بأنواع الحيتان والأحياء البحرية، فأتموا ذلك خلال أيام، فقال: {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي} [النمل:40] فقام شاكراً لله على أنعمه، حامداً لله على ما أكرمه به، ثم قال: {لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [النمل:40]، فنبي الله لا يطغيه جاه ولا مال، فقوله: (ليبلوني) أي: ليختبرني، وليفتنني، هل سأشكر النعم أم سأكفرها وأجحدها؟! وهذه القصة تلقى على أتباع النبي في أيامه عليه الصلاة والسلام، وعلى من بقي على كفره، فالله يصنع ما يشاء. وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم أقدر من سليمان وأقوى من سليمان، وكانت مملكته ودولته تعم العالم كله. أما سليمان فلم يكن إلا نبياً من أنبياء بني إسرائيل، ونبينا أرسل إلى الأبيض والأسود، وإلى العربي والعجمي، وبقيت رسالته إلى يوم القيامة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لو كان موسى حياً لما وسعه إلا أن يتبعني)، ولم يكن هذا لسليمان. وانتهت نبوءة سليمان بموته، كما انتهت نبوءات من مضى بموتهم، وأصبحوا أعلاماً في التاريخ، ولو لم يذكرهم الله في كتابه لما علمنا عنهم ولما قبلنا الكلام عنهم من بني إسرائيل، ولعددناهم كبقية قصص بني إسرائيل، ولكن الله كرمهم وذكرهم في كتابه الخاتم القرآن الكريم، فآمنا بهم، ولكن رسالاتهم ونبوءاتهم انتهت ونسخت، فلم تبق إلا الرسالة المحمدية، فختمت الرسالات السابقة والنبوءات السابقة ولم تأت بعدها نبوءة ولا رسالة قط، ومن زعم الإيمان بنبي جديد كان كاذباً كافراً، كما زعم ذلك كذبة قديماً وحديثاً، وآخر هؤلاء الكذبة الخبيث القادياني العميل الإنجليزي، المجرم الخائن المرتد هو وجميع أتباعه. يقول تعالى عن سليمان: {لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [النمل:40]، فالله غني عن الخلق وعن إيمانهم، كما في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً). فسليمان يقول كما حكى جل وعلا ذلك عنه: {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [النمل:40]، أي: هو الذي أكرم نفسه، وهو الذي جدد شكره وحمده، وهو الذي عبد الله بشكره وحمده والثناء عليه، فالله تعالى هو كما أثنى على نفسه، لا نحصي ثناءً عليه جل جلاله. قال تعالى عن سليمان: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل:40]، فمن كفر وجحد النعمة فالله غني عن شكره، وغني عن حمده، وغني عن ثنائه، فمن شكر فقد شكر لنفسه، وقدم الخير والثناء لنفسه، ومن كفر فإنما يكفر لنفسه، فهذا له الجنة، وذاك له النار واللعنة والخلود في جهنم.
تفسير قوله تعالى: (قال نكروا لها عرشها)
تفسير قوله تعالى: (قال نكروا لها عرشها) ثم قال تعالى عن سليمان: {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ} [النمل:41]. لقد أتي بالعرش، والأيام تمضي، وبلقيس آتية، وجندها معها، ونفسها تحدثها عما سيكون، ولا شك في أنه خطر ببالها الكثير، أما أن تجد عرشها قد سبقها فلن يخطر لها هذا على بال. فقال سليمان: {نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا} [النمل:41] أي: غيروه وبدلوه، وزيدوا فيه وانقصوا منه حتى يصبح كأنه ليس عرشها، فتستنكر شكله. ففعلوا، فسودوا ما كان أخضر، وخضروا ما كان أسود، وحمروا ما كان أبيض، وبيضوا ما كان أحمر، ونقلوا الجواهر من جهة ووضعوها في جهة، وهكذا إلى أن أصبح عرشاً غير عرشها الذي يعرف. قال تعالى عنه: {نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ} [النمل:41]، أي: هل تهتدي لهذا التنكير؟! وهل تنتبه لكون العرش عرشها، فأراد سليمان امتحانها كما يمتحن الأستاذ التلميذ، فنجحت وفهمت وأدركت وأجابت القوم بجواب حكيم، وكأنها شعرت به أنه عرشها، ثم أدركت أن عرشها ليس له نظير في الأرض، ولا عند سليمان، وكان الأمر كذلك.
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو)
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو) {فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} [النمل:42]. فجاءت بلقيس وقد نكر العرش وغير وبدل، فزيد فيه ونقص، قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} [النمل:42]. فجاءت بلقيس، فأدخلوها المكان الذي فيه عرشها، فقيل لها: يا بلقيس! أهكذا عرشك؟! {قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} [النمل:42]، ما استطاعت أن تقول: هو؛ لأن هذا لا يخطر لها ببال، فما الذي أخذه من هناك وأتى به بهذه السرعة؟! وما الذي فتح المغاليق والغرف؟! ومن الذي جمعه بعد أن تركته قطعاً صغيرة؟! وكيف أخذوه من الحرس وهم مسلحون أقوياء أشداء في حراسته ليلاً ونهاراً؟! ولكنها مع ذلك كانت تعرف ملك سليمان العظيم، فقد يكون هو، فقالت: {كَأَنَّهُ هُوَ} [النمل:42] فلم تقل: ليس هو، ولم تقل: إنه هو بالقطع. فقال سليمان يشكر الله، ويعترف بإحسانه: {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} [النمل:42] أي: أعطانا الله من العلم والمعرفة بالملك والحضارة وصنع العروش، وكنا مسلمين زيادة على العلم الذي سبقناها به، وكانت هي مشركة تعبد الشمس، فما الذي حدث لها؟ ولماذا لم تكن موحدة؟ قال تعالى: {وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} [النمل:43]. فالذي صدها عن التوحيد، وعن الإيمان بالله، وعن الإسلام أنها نشأت في قوم كفرة مشركين يعبدون الشمس ولا يعبدون الله، فكان ذلك الذي صدها ودفعها وأبعدها عن الإيمان، وأبعدها عن التوحيد، فظنت الناس جميعاً مشركين عبدة للشمس وللأوثان ولخلق الله دون الله.
تفسير قوله تعالى: (قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة)
تفسير قوله تعالى: (قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة) {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:44]. قال تعالى: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ} [النمل:44]، وكان سليمان قد أعد لها قصراً مشيداً كله من زجاج، وأدخل فيه المياه تتخللها الحيتان ودواب البحر بأنواعها، قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا} [النمل:44] أرادت الدخول كما أمرت بذلك، وظنت أن سليمان يريد أن يقتلها بالماء غرقاً وهي أسيرة بين يديه يفعل بها ما شاء لو شاء، فلما رأت الصرح وأرادت المشي في ساحاته حسبته ماءً جارياً، ورأت بعينيها الحيتان والضفادع تقفز، فتقدمت وكشفت عن ساقيها حتى لا تبتل ثيابها، أو إذا ابتل ما تلبسه لا يزيد في نكبتها فتغرق لثقله، وجاءت بألبسة الملوك من الحرير والديباج والحلي، ولعلها ظنت أنها ستأسر سليمان بذلك، وستؤثر في سليمان بذلك. فلما رأت الصرح -والصرح القصر- أعظم ما يكون، وأعلى ما يكون، وأوسع ما يكون؛ حسبته لجة، {وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا} [النمل:44]، والساق هو ما تحت الركبة وهنا وجدنا طرائق للإسرائيليات للتلاعب بهذا النص، فقد زعم الكثير من المفسرين دون عودة إلى دليل من آية، أو حديث، أو إجماع من الصحابة أن أباها كان إنسياً، وأن أمها كانت جنية، قالوا: وكان أثر ذلك يظهر في ساقيها وفي قدميها، كانت قدماها أشبه بقدمي حمار، هكذا زعموا، وقالوا: لأن قدمي الشيطان وأقدام الجن هكذا، وكان على ساقيها من الشعر كما على رجلي الحمار كذلك، وأن سليمان عندما سمع عنها أراد الزواج بها، ولكن أزعجه أن تكون رجلاها كرجلي حمار، وأن يكون شعر ساقيها كشعر ساقي حمار، فاحتال فبنى هذا القصر فكشفت عن ساقيها فرأى الساقين. وهذا لا يليق بنبي الله سليمان، ولكن اليهود لعنهم الله يشتمون أنبياءهم، فقالوا عن سليمان: إنه كفر، واتهموا لوطاً في عرضه مع بناته، واتهموا داود أبا سليمان بأنه رأى جارة له فأرسل زوجها للموت ليأخذ زوجته، وهذا مثبت في التوراة، ويزعمون أن الله أوحى به وأنزله، ونحن أكرم لأنبيائهم منهم، وأكثر احتراماً لأنبيائهم منهم، وأكثر إجلالاً لأنبيائهم منهم. وقد تجاوز اليهود -لعنهم الله- ذلك إلى أن تكلموا عن الله جل جلاله بكلام كافر مشرك مرتد قذر، وبعض ذلك قد قصه القرآن، حيث قالوا عن الله جل جلاله: إنه فقير ونحن أغنياء، لعنهم الله وأخزاهم. فسليمان عليه السلام تخيلوه ملكاً من غير الملوك الصالحين الأتقياء، بل من الفسقة، فكل ما فعله معها لا يرغب به في إيمان ولا في إسلام، وإنما أراد أن يجر إليه بلقيس ليتزوجها وليتملكها، وليأخذ عرشها ويستولي على أرضها، كشأن الملوك عندما يريدون توسعة دولهم وغناء خزائنهم، وليس هذا فعل الأنبياء ولا فعل الرسل، ولكن اليهود قوم إفساد وقوم فاحشة، وقوم كفر، فيجعلون الفساد والكفر والفاحشة ديناً، وجعلوا أئمة ذلك أنبياءهم، فوصفوهم بذلك ليكونوا قدوة لهم ولأمثالهم، أخزاهم الله وجدد عليهم لعناته وقد فعل. قال تعالى: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ} [النمل:44]، قال لها سليمان: ليس هو لجة ولا جدولاً، ولكنه صرح ممرد مملس مبني مشيد من الزجاج، والقوارير: جمع قارورة. فإذا بملكة اليمن بلقيس ترى ذلك، وهي المرأة المشركة، فرأت القصر على حالة لم تكن تخطر لها ببال، ويظهر أن سليمان استقبلها بتكريم؛ لأنها جاءت مستسلمة دون حرب ولا قتال. فما أن دخلت القصر ورأت ما فيه من أنواع الرفاهية وأنواع النعيم، ورأت سعته وجماله حتى صاحت، فقالت: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:44]، وإذا بها تعترف بأنها كانت ظالمة لنفسها، أي: مشركة ظلمت نفسها، حيث أشركت بالله الرازق الخالق المعطي المانع، المحيي المميت جل جلاله، فاعترفت بأن سجودها للشمس وعبادة قومها للشمس كانت شركاً وظلماً وعدواناً، وهي لذلك تتوب إلى الله، وتؤمن مع سليمان، وتعلن إيمانها برب سليمان رب العالمين، ربها ورب الأولين ورب الآخرين ورب أرضها وقومها.
ذكر بعض ما قيل زيادة على ما أورده القرآن بشأن بلقيس
ذكر بعض ما قيل زيادة على ما أورده القرآن بشأن بلقيس وقد أنهى الله القصة هنا، فقال القصاص الإسرائيليون، عندما رأى سليمان رجليها رآها شابة فارعة على أجمل ما تكون، ولكن ساءه أن يجد في ساقيها شعراً، فنادى الجن ليزيلوا هذا الشعر فأتوا بالموسى، فامتنعت هي من استعمال الموسى، وقالت: لا أستعملها. فقال سليمان للجن: ائتوني بشيء غير الموسى، فأتوا بالنورة، وهي مادة توضع على الشعر فيسقط ويزول، فعادت ساقاها من أجمل ما يرى. قالوا: وبعد ذلك تزوجها وأولدها وأصبحت ذات شأن عند سليمان. أمر لم يقله القرآن، ولا النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يرو عن الصحابة إجماعاً، وإنما روي عن بعضهم، وهم الذين كانوا يروون عن وهب بن منبه وكعب الأحبار ونوف البكالي، وهؤلاء كانوا يهوداً فأسلموا، وملئوا صحائف التفسير -كما قال ابن كثير - بالغرائب والعجائب والأكاذيب والأباطيل التي لا حقيقة لها. وبعضهم يقولون عن ذلك: هكذا في الكتب القديمة، وقرأنا في التوراة وقرأنا في الإنجيل، وهم يكذبون، فلا يوجد ذلك في التوراة وهي معلومة بين الناس، ولا في الإنجيل وهو معلوم بين الناس، ولكن أرادوا أن يغربوا، وأكثر هؤلاء الذين زعموا الإسلام كانوا منافقين كذبة، ادعوا الإسلام وهو منهم بريء. وقال قوم -وهو الأشبه بفعل الأنبياء والمرسلين-: إن سليمان لم يلتفت إليها، ولكن عرض عليها أن يزوجها بمن تشاء من قومها، فقالت: يا نبي الله! أملكة تتزوج رجلاً؟! قال: نعم. ولا بد من الزواج، ولا يصح أن تعيش امرأة بلا زوج، قالت: إذا كان هذا لا بد منه فبـ ذي يزن أحد ملوك اليمن المستقل بمقاطعة وإقليم، فأرسل إليه سليمان وزوجه بها، وأعادها لأرضها، وسلمها عرشها، وآمن قومها، وأصبحت أرضها على يد سليمان أرض إيمان وتوحيد لله، فلم يطمع في عرش، ولم يطمع في امرأة، وقد كانت له مائة زوجة حرة، ومئات من الإماء، فما عسى أن تكون بلقيس؟ فسليمان في مقام نبوته ومقام رسالته لم يطمع بها، ولم يتزوجها، ولم يأخذ عرشها، ولم يأخذ بلدها.
النمل [45 - 53]
تفسير سورة النمل [45 - 53] أرسل الله سبحانه وتعالى سيدنا صالحاً عليه السلام إلى قومه ثمود يدعوهم إلى التوحيد وينذرهم عقوبة الله، فكذبوا وطلبوا منه أن يخرج لهم من الصخرة الصماء ناقة عشراء دليلاً على صدقه، فلما جاءتهم عقروها وتآمروا على قتل نبيهم فأهلكهم الله وكذلك جزاء الكافرين.
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا)
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً) قال الله جل جلاله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [النمل:45]. يخبرنا الله جل جلاله بأنه أرسل إلى قبائل ثمود أخاهم صالحاً، أي: أخاهم نسباً وعشيرة وقد كانوا ذوي حضارة وذوي بأس وذوي قوة، ولكنهم مع ذلك كانوا أهل شرك، وأهل ظلم، وأهل إفساد فأرسل الله إليهم نبيه صالحاً يأمرهم بعبادة الله وحده وتركهم لعبادة الأوثان والأصنام، فطلبوا معجزة، وهي أن يخلق الله لهم ناقة طولها كذا وعرضها كذا، وأن تكون حاملة في شهرها العاشر، وأن ينفجر بها صخر فتخرج كما لو عاشت قبل ذلك سنين، فكان ذلك، فما زادهم ذلك إلا عتواً واستكباراً وظلماً في الأرض. لقد أمرهم الله تعالى بواسطة نبيهم صالح أن يعبدوا الله وحده ويتركوا الأوثان والأصنام {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [النمل:45] فأصبحوا فريقين: فريق آمن بالله وترك الأوثان والأصنام، وفريق بقي على شركه وبقي على وثنيته، فضاروا يختصمون: هذا ينصر دينه الباطل، والمؤمنون ينصرون دينهم ويستدلون على صحته بما ورد عن صالح من المعجزات، وبما عرفته نفوسهم وآمنت به عقولهم مما لا ينكره ذو عقل سليم.
تفسير قوله تعالى: (قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة)
تفسير قوله تعالى: (قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة) {قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النمل:46]. وعندما دعاهم صالح إلى عبادة الله وهددهم وأنذرهم بعقوبة الله أخذ أهل الكفر يستعجلون هذه العقوبة، وأخذوا يقولون له: إن كنت صادقاً فأرنا ما عندك، فقال لهم: {قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} [النمل:46]. أي: (قال) صالح: (يَا قَوْمِ) وهم قومه وأبناء عشيرته (لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) تطلبون العجلة بالسيئة والعقوبة والبطش والعقاب قبل الحسنة؟ وقال لهم: {لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النمل:46] أي: أما كان الواجب عليكم عوضاً عن أن تطلبوا السيئة والعقوبة أن تستغفروا الله من ذنوبكم لعله يرحمكم، ولعله ينجيكم من عذابه وعقوبته. (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي: لعل الله ينقذكم وينجيكم من عذابه ومن عقوبته ويرحمكم بذلك. وتلك عادة الكافرين قديماً وحديثاً، وهكذا قال كفار العرب أيضاً، وهكذا قال الكفار الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يزالون يقولون ذلك ويتحدون الحق ويطلبون أن يحل بهم العذاب والنقمة، وهو حال لا محالة.
تفسير قوله تعالى: (قالوا اطيرنا بك وبمن معك)
تفسير قوله تعالى: (قالوا اطيرنا بك وبمن معك) وإذا بهم يجيبونه جواب الكافرين المعهود منهم قديماً وحديثاً: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النمل:47]. قوله: (اطيرنا) أي: تطيرنا، أي: تشاءموا بصالح ورسالته وبمن آمنوا به وتركوا عبادة الأوثان والأصنام، وهذا من فساد عقولهم، إذ عندما حدث ما حدث عاقبهم الله بالجدب، فقل الزرع وجاعوا، فأصبح هذا يدافع عن دينه الحق، وذاك يدافع عن باطله، فمن أجل ذلك قالوا: لو لم يكن صالح ولو لم تكن دعوته لكنا في غير خصام ولا نزاع، أي: سيبقون متوحدين بالوثنية، وما أدراهم بذلك؟! فالله يمهل ولا يهمل جل جلاله. فقال لهم صالح: (طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ)، والتطير كان من عادة العرب، حيث كانوا إذا أرادوا عملاً يأتون إلى الطير وهي في أعشاشها، فيزجرونها لتطير، فإن طارت يميناً تفاءلوا بخير، وإن طارت شمالاً تشاءموا بشر. تطيرنا أي: وجدوا طائر الشؤم في صالح وفي رسالته ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يقول: (لا طيرة ولا هامة ولا صفر)، فالله فاعل الخير، وهو فاعل كل شيء، فما من خير إلا برحمته، وما من شر إلا بعقابه، فهو خالق الخير وخالق الشر. وهنا يقول صالح لقومه: (طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ) أي: الله جل جلاله هو الخالق للخير والخالق للشر، خلق الخير برحمته وجعل الشر عقوبة لأهل الشر، وما من عقوبة إلا بذنب. قال تعالى: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ) تشاءموا بصالح وبمن آمن معه وبمن أسلموا ودعوا إلى الله وتركوا عبادة الأوثان والأصنام، فقال لهم صالح: (طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ) فهو خالق الخير وخالق الشر، يخلق الخير رحمة بعباده، والشر عقوبة لأهل الشر من الكفرة والمخالفين. ثم عاد صالح فقال لهم: (بل أنتم قوم تفتنون) أي: بل أنتم -يا هؤلاء- قوم فتنكم الله واختبركم وابتلاكم بالخير والشر، كما قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35]، فالخير يكون فتنة والشر كذلك، أي: ابتلاء من الله ليرى عبده هل سيصبر على البلاء أم سيكفر؟ وهل سيشكر الله ويحمده على الخير أم سيطغى ويتجبر، فالشر ابتلاء وفتنة، والخير ابتلاء وفتنة والكل من الله جل جلاله.
تفسير قوله تعالى: (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض) ثم قال الله عن قادة الكفر والفساد: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} [النمل:48]. كان في أرض ثمود في الحجر بين حدود الحجاز والشام تسعة رهط، والرهط: الجماعة، ومعنى ذلك أنهم تسعة رجال يتزعمون تسع جماعات بأنواع الفساد، وأنواع الفتنة، وأنواع الكفر، يؤلبون على رسول الله صالح عليه السلام، ويؤلبون على من آمنوا به من أقوامهم وعشائرهم، وهؤلاء التسعة هم من كبرائهم وزعمائهم، وذكروا لهم أسماء، وما تلك الأسماء إلا عن مثل وهب بن منبه وكعب الأحبار وأمثالهما، والقول بذلك لا يسانده آية من كتاب الله ولم تؤيده سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسماء هؤلاء الرهط التسعة لا يزيدون ولا ينقصون، وإنما ضربوا مثلاً في أعمالهم لا في أسمائهم، ولو كان في أسمائهم مغزى وفائدة لذكرت أسماؤهم في القرآن أو لذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقوله تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ} [النمل:48] أي: في مدينة الحجر -مدينة قوم ثمود- تسعة أشخاص من زعمائهم وكبرائهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون، حيث يخالفون، ويؤلبون على أهل الحق، ويدعون لعبادة الأوثان والأصنام، فما قال صالح من دعوة إلى الله إلا وأتى هؤلاء التسعة فخالفوه ودعوا قومهم إلى عدم طاعته وعدم امتثال أمره. قال سعيد بن المسيب: كان يأتون إلى الدنانير والدراهم فيقطعونها ويكسرونها، وينقصون من وزنها، فيأخذون حقوق الناس في هذه الدنيا، وهذا أمر قد حرمته الشريعة، وحرمته الشرائع السابقة. هذا وقد كان جرمهم وإفسادهم أكبر من ذلك، وليس بعد الكفر ذنب، فهم يدعون إلى الكفر وإلى الشرك وإلى البقاء على عبادة الأصنام وترك الإيمان بالله، ومخالفة رسول الله صالح نبيهم، فهم مفسدون بكل نوع من أنواع الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فالله وصفهم بالإفساد وعدم الإصلاح.
تفسير قوله تعالى: (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله)
تفسير قوله تعالى: (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله) ثم قال الله تعالى عن هؤلاء المفسدين التسعة: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [النمل:49]. أي: تآمروا وتحالفوا بالله، فليذهب كل واحد منا حالفاً بالله ومقسماً به، ومعناه: أنهم كانوا يؤمنون بالله ويشركون به أوثانهم وأصنامهم. قال تعالى: (قالوا) أي: هؤلاء الرهط التسعة (تقاسموا) يأمر بعضهم بعضاً، أي: ليقسم كل واحد منا وليحلف بالله، (لنبيتنه وأهله) أي: سنذهب إليه بياتاً، وأكدوا ذلك بلام القسم وبنون التوكيد الثقيلة، أي: سنقتله غدراً ليلاً، ونقتل معه أهله، ليبقي عملنا سراً لا يطلع عليه أحد ولا يخبر به أحد أحداً، فنحن سنقتل صالحا ًومن نجده معه من أهله، ((ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ)) ويقصدون بأهله الذين أسلموا وآمنوا به، ويقصدون بالولي هنا الورثة أولياء الدم. أي: سيقسمون للوارث لصالح ولأهل صالح على أنهم ما شهدوا وما حضروا مهلكه ولا مهلك أهله، مؤكدين ذلك بلام القسم وبنون التوكيد. قال تعالى عنهم: (وإنا لصادقون) أي: أقسموا بالله على غدره وقتله وقتل أهله، وبعد قتله في زعمهم سيقسمون لوليه ولوارثه قائلين: ما شهدنا مقتلاً وما شهدنا هلاكاً، وإننا لصادقون ما كذبنا. وهكذا الغدر، وهكذا الوثنية والكفر.
تفسير قوله تعالى: (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون)
تفسير قوله تعالى: (ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون) قال تعالى عنهم: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل:50]. مكر هؤلاء التسعة الرهط، أي: غدروا وخانوا، واتخذوا الغدر حيلة في زعمهم، فسيتسترون بالظلام ليلاً ليقتلوا صالحاً وهو نائم حيث لا يشعر بهم، وليقتلوا أهله حيث لا يشعرون بهم، ثم يقسمون لأوليائهم على أنهم لم يشهدوا ولم يحضروا ولم يعلموا ولم يسمعوا مقتلهم، وإنهم لصادقون. قال تعالى: ((وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا)) فمكرهم غدر وخيانة، ومكر الله بهم جزاء على مكرهم، وإنما التعبير بالمكر من باب المشاكلة والمشابهة في اللفظ، أي: هذا المكر الذي مكروه كانوا يمكرونه بأنفسهم وهم لا يشعرون، فما كانوا ليشعروا بجزاء الله على مكرهم، وبأن مكر الله أتم وأكبر، وسيكون المدمر والمهلك أبداً لهم ولأقوامهم، كشأن كل كافر غادر وكل عدو متربص بالدعاة إلى الله من أنبياء وورثة الأنبياء. قال تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل:50] فلم يشعروا بمكر الله بهم.
تفسير قوله تعالى: (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم)
تفسير قوله تعالى: (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم) قال تعالى: {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} [النمل:51]. لقد جاءوا ليلاً ودخلوا مغارة ليهيئوا عدة سلاحهم وكانوا قريبين من صالح وأهله، وإذا بهذا الكهف الذي دخلوه تسقط عليهم الحجارة منه فأصبحوا هلكى جميعاً. وكان هذا العذاب بعدما قتل هؤلاء التسعة الرهط الناقة بعد أن طلبوها لتكون معجزة لصالح داعية إلى إيمانهم وإسلامهم، وقد اشترطوا أن تخرج من صخرة، وأن تكون عشراء، أي: في شهرها العاشر من الحمل، فكان الأمر كما طلبوا، فما زادتهم هذه المعجزة التي طلبوا إلا إصراراً على الكفر، وتعالياً وتكبراً على نبي الله صالح وعلى من آمنوا به واتبعوه، فذهبوا فقتلوا الناقة، فأنذرهم صالح ثلاثة أيام ليحل بهم في اليوم الثالث الهلاك والدمار، ولذلك قال هؤلاء الثلاثة بعد قتل الناقة وإنذار صالح لهم خلال ثلاثة أيام: سنستبقه فنقتله في اليوم الأول قبل الوصول إلى اليوم الثالث من الهلاك، فنقتله وأهله جميعاً، فمكروا مكراً، وكان مكر الله وعقوبته أسرع من مكرهم السوء، ومن استعلائهم واستكبارهم في الأرض، فما كادوا يصلون إلى باب منزل صالح حتى استقبلتهم الحجارة من كل جانب، وكان الذي يضربهم بها ملائكة الله، فكانوا يرون الضرب ولا يرون الضارب، وسالت دماؤهم ثم هلكوا، فجاء قومهم صباحاً وقالوا لصالح: أنت الذي قتلتهم. وعندما أنذرهم ظهر في اليوم الأول خراج أحمر في كل شخص من الكافرين، وفي اليوم الثاني صار أصفر، وفي اليوم الثالث ضربوا حتى أصبحوا كالعهن المنفوش، وأصبحوا كالعصف المأكول، كما وصف الله الذين جاءوا لتدمير الكعبة في السنة التي ولد فيها المصطفى صلى الله عليه وسلم، فرموا بتلك الحجارة فجعلتهم كعصف مأكول. ففي اليوم الثاني من تلك الأيام الثلاثة جاء جبريل فصاح بهم صيحة فقئت منها مراراتهم، وتمزقت منها أكبادهم، وأصبحوا جاثمين كأن لم يغنوا بالأمس، وأصحبوا كأنهم أعجاز نخل خاوية، فلا ترى لهم من باقية، قال تعالى: {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} [النمل:51]، فكانت العاقبة والنهاية لمكرهم وعصيان صالح ومحاولة قتله أن دمرهم الله تدميراً، وأهلكهم إهلاكاً، ومزقهم تمزيقاً، فأصبحوا وكأن لم يكونوا يوماً.
تفسير قوله تعالى: (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا)
تفسير قوله تعالى: (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا) قال تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل:52]. وقد كان هذا في عصر نزول القرآن، حيث بقيت آثار ديارهم، وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك مر على الحجر، فأخذ الجيش من ماء الحجر وعجنوا به وجعلوه للشرب والسقاية، وعندما علم ذلك صلى الله عليه وسلم أمرهم بأن يعلفوا العجين الدواب، وأمرهم بالخروج منها، وكانت آثارهم لا تزال باقية، كما قال الله تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} [النمل:52]، (أي): حال كونها خاوية. أي: انظروا إليها، فالحجر في حدود البلاد المجاورة لكم، فقوله تعالى: (فتلك بيوتهم) إشارة قريبة إلى بيوتهم ومساكنهم وحضارتهم ومنازلهم. (خاوية): خالية من حركاتهم ومن طغيانهم وجبروتهم. (بما ظلموا) أي: بسبب ظلمهم، والظلم مدمر، والظلم ظلمات في الدنيا والآخرة. ومن هنا جاء في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، والظلم يدع الديار بلاقع، وكما يدين الفتى يدان، وكما يفعل بغيره يسلط الله عليه من يجازيه بمثل فعله في الدنيا، ولعذاب الله في الآخرة أشد وأنكى. قال تعالى: (إن في ذلك) أي: في قصة صالح وثمود وعقوبة الله لهم وتدمير الله لظالميهم، وقصة التسعة الرهط من قادتهم وزعمائهم. (لآية) أي: لعلامة على قدرة الله وعظمة الله وبطش الله بالظالمين الكافرين، ومعنى ذلك أن من يفعل فعلهم ممن عاصروا نبيهم أو أتوا بعد نبيهم من أمته فكذلك يجازون وكذلك يعاقبون وكذلك يدمرون. قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل:52] أي: يعلمون هذا ويقرءونه، ويطلعون عليه، ويعلمون سير الرسل والأنبياء مع أقوامهم، وكيف كان العقاب وكيف كان الجزاء بهلاكهم وتدميرهم والقضاء عليهم.
تفسير قوله تعالى: (وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون)
تفسير قوله تعالى: (وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) قال تعالى: {وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [النمل:53]. أنجى الله الذين آمنوا بصالح من قوم ثمود، وكانوا يتقون الله بعدم معصيته، وعدم المخالفة لنبيه صالح، فهؤلاء لم يدمرهم الله ولم يهلكهم، بل أورثهم الأرض التي كانت لهؤلاء الكافرين، وجعلهم سادة الأرض وملوكها وقادتها والمحكمين فيها، وهي سنة الله جل جلاله في المؤمنين مع الكافرين، كما أورث نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم أرض الكافرين في جزيرة العرب وأرض فارس والروم وأرض كل كافر بالله، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (زويت لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها). فهذه هي قصة صالح بما فيها من معانٍ وعبر لكل مؤمن. ثم ننتقل منها حيث نقلنا الله جل جلاله إلى قصة لوط، وتأتي قصة لوط باستمرار بعد ذكر قصة صالح.
النمل [54 - 61]
تفسير سورة النمل [54 - 61] كان أهل سدوم قد اخترعوا من الفاحشة ما لم يسبقهم إليها أحد من العالمين، وذلك أنهم كانوا يأتون الرجال من دون النساء، فلما جاءهم سيدنا لوط عليه السلام ينهاهم عن ذلك أرادوا إخراجه ورجمه، فعاقبهم الله ودمر قراهم فجعل عاليها سافلها، ونصر رسوله والمؤمنين.
تفسير قوله تعالى: (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون)
تفسير قوله تعالى: (ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون) قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل:54 - 55]. أي: واذكر -يا رسولنا- لوطاً إذ قال لقومه. وقد أرسل لوط إلى أهل سدوم من أرض فلسطين عند البحر الميت الآن. فالله تعالى يقول: واذكر -يا رسولنا- قصة لوط مع قومه الذين أتوا من المنكرات ما لم يسبقهم إليه أحد قبلهم قط، فكانوا الأئمة للفساق، فمن فعل ذلك بعدهم فعليهم مثل وزره إلى يوم القيامة. قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل:54] هذا استفهام تقريعي توبيخي، حيث يقول لوط: (أتأتون) يوبخههم ويقرعهم بهذا الاستفهام الإنكاري. (أتأتون الفاحشة)، وقد قال في بعض السور عنها {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:80]، وهنا قال: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل:54] فمعناه أنهم كانوا يفعلون فعل الكلاب والخنازير على مرأى من بعضهم لبعض، وكما وصفهم الله بأنهم يأتون المنكر في ناديهم، فهذا المنكر الذي يأتونه في مجالسهم هو أنهم كانوا يفعلون فعل الخنازير والكلاب والدواب بصفة عامة. وكل ما حدث في الأمم الماضية سيحدث في الأمة المحمدية، وقد حدث هذا الأمر اليوم في الكثير من أرض الله، فيفعل علناً، وأصبح بعض الناس يتجر بهذه الفاحشة، فيضعون لها الأفلام التي تدخل البيوت وتدخل الدور وتدخل الأسواق بما لم يسبق له مثيل حتى في عصر لوط، فلم يوصلهم الشيطان إلى ما أوصل إليه الناس اليوم، فقد كانوا يفعلون ذلك فيما بينهم، أما أن يصور ذلك ويسجل بالفعل والنظر لتراه المرأة ويراه الرجل، ويراه العزب والأرملة والأيم، فذلك لم يسبق له حدوث في الماضي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل:54] أي: يا هؤلاء! أين عقولكم؟! يرى بعضكم بعضاً كالكلاب والخنازير تعملون ذلك وترونه رأي العين! أتتركون نساءكم وتذهبون إلى الرجال فيستغني الرجال بالرجال والنساء بالنساء؟!
تفسير قوله تعالى: (أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء)
تفسير قوله تعالى: (أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء) {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل:55]. ثم عاد فقال موبخاً مقرعاً مستفظعاً ذلك ومستعظماً له: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} [النمل:55] وهذا استفهام إنكاري للتأكيد، أي: هل أنتم الذين يفعلون هذا؟! أين عقولكم؟! وقوله: (لتأتون) مؤكد بلام القسم للدلالة على إصرارهم على الفاحشة وبلائها ومصيبتها، أي: يا هؤلاء! {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ} [النمل:55]. أتتركون نساءكم وهن موضع الشهوة الطبيعية والمكان الذي جعله الله لذلك، وتأتون إلى الأدبار وما فيها من أوساخ وقاذورات لتنشروا بذلك أمراضاً وبلاء عظيماً تنقلونه لزوجاتكم ولغيركم من الفساق؟! فهل يصنع ذلك إنسان؟! ومن أين تعلمتم ذلك؟! فلم يسبقكم إليه أحد من جميع الأمم، فما فعل ذلك قوم هود، ولا قوم صالح، ولا قوم نوح الذين بقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعوهم إلى الإسلام والتوحيد، فما فعلوا شيئاً من هذا قط. وقوله تعالى: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ} [النمل:55] أي: يقتصرون في هذا البلاء على الرجال دون النساء، فلا يأتون النساء، فأتم الله دمارهم وهلاكهم عقوبة لهم على صنيعهم. قوله: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل:55] أي: تجهلون الحق، وتجهلون مكان الشهوة، حيث نقلتموها من النساء إلى الرجال، فأنتم أهل جاهلية لا دين لكم ولا عقل ولا شرف ولا فهم ولا إدراك.
تفسير قوله تعالى: (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم)
تفسير قوله تعالى: (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم) قال تعالى: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [الأعراف:82]. أصبحت الطهارة جريمة، وأصبحت القذارة والوساخة هي الحسنة. أي: ما كان جواب قوم لوط للوط عن هذا الذي استنكره من فعلهم، ومن فواحشهم، ومن بلائهم الذي لم يسبقوا إليه، إلا أن اتفقوا وتآمروا وقال بعضهم لبعض: أخرجوا لوطاً وآله من قريتكم، وما جريمتهم؟! {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل:56]؛ لأنهم طاهرون أتقياء مؤمنون، ولأنهم ابتعدوا عن الفحشاء والمنكر. فجعلوا النجس الطاهر والمتطهر هو النجس، وجعلوا نجاستهم طهارة، وهكذا هو الكبر في كل وقت، وطالما شهدنا الفسقة يدعون لكفرهم وشيوعيتهم واشتراكيتهم وإباحيتهم فيجعلون المنكر هو المعروف، والمعروف هو المنكر، ويجعلون ذلك أشياء شخصية لا يملكها إلا صاحب الشأن، فالرجل يسلم نفسه أو لا يسلمها، والمرأة إن كانت متزوجة أو بلغت سن الرشد فالحق حقها، فلها أن تتصرف بما تريد وبما تشاء. وقد سمعنا أشخاصاً كباراً ورؤساء محاكم يدافعون عن هذا، فيدعون إلى القذارة والوساخة والحقارة، وكنا ننظر إليهم نظرتنا إلى خنزير وكلب، فيسقط المرء منهم من أعيننا سقوطاً، لا يذكر معه في فصيلة الإنسان ولا في فصيلة الحيوان، إلا الكلب والخنزير. قال تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ} [النمل:56]. قوله تعالى: (آل لوط) يشمل لوطاً وأهله، (إنهم أناس يتطهرون) (أناس) جمع لا مفرد له من لفظه.
تفسير قوله تعالى: (فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين)
تفسير قوله تعالى: (فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين) قال تعالى: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ} [النمل:57]. أي: عاقبهم الله ودمرهم وسحقهم وقضى عليهم، وأنجى لوطاً وأهله إلا زوجته، أنجاهم من بلائهم، ومن تدميرهم، ومن لعنة الله عليهم، ولم يهلك من أهله إلا زوجته، قال تعالى: (قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ). فسبق في قدر الله وقضائه المبرم أنها من الغابرين الهالكين، ومن الباقين في البلدة غير الناجين، لا لأنها كانت فاسدة في نفسها، فأنبياء الله أكرم على الله من ذلك، ولكنها كانت تدل قومها إذا جاء لوطاً شاب أو رجل، كما فعلت عندما جاء ملائكة الرحمن، حيث جاءوا يخبرونه بأن يترك البلد خلال ثلاثة أيام، وبأنه سبق في علم الله تدمير قرية سدوم والقضاء عليها وسحقها، وجعل عاليها سافلها وإمطارها بحجارة من سجيل. فجاء جبريل في اليوم الموعود فحمل قرى قوم لوط كما يحمل الشيء إلى أن سمع نباح كلابهم وأصواتهم في السماء الدنيا، ثم قلب بهم الأرض فهووا إلى الأرض ممزقين مقطعين مبعثرين، وقد رماهم الله كذلك بحجارة من سجيل كانوا يرجمون بها رجماً، وكان من أصيب وقلب به يذوب ذوباناً. قال تعالى: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ} [النمل:57] فكانت في قدر الله السابق وإرادته المحكمة من الباقين في الهلاك، ومن المقضي عليهم؛ لأنها كانت تساعد قومها على هذه الفاحشة.
تفسير قوله تعالى: (وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين)
تفسير قوله تعالى: (وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المنذرين) قال تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ} [النمل:58]. أمطر عليهم ما يشبه المطر، والمطر عندما ينزل ينزل بالآلاف بل بالملايين، وهكذا كان الرجم بالحجارة ينزل نزول المطر، فسحقهم ودمرهم، وجعل الله عالي بلادهم سافلها، وفنيت معهم الأرض إلى الآن، وأصبحت موضع بحيرة سميت بالبحر الميت، فهذا البحر الميت لا ينبت وليس فيه حياة، فليس فيه سمك ولا غيره من أنواع الأحياء البحرية، ويطمع اليهود اليوم في أن يجدوا فيه شيئاً، ولكنهم لن يجدوا إلا اللعنة والخراب والدمار، وذلك شأنهم، فاللعنة منهم خرجت وإليهم تعود، وما يحصل لهم إنما هو استدراج للقضاء عليهم، وذلك وعد الحق، قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [الأعراف:167]. قوله: {فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ} [النمل:58]، أي: فما أسوأ وأقبح مطر المنذرين الذين أنذرهم رسولهم العاقبة، وأنذرهم النهاية، وأمرهم بأن يتوبوا إلى الله، ويعودوا إلى رحمته، ويتوبوا مما صنعوا، ويكفوا عما هم فيه، وإلا فسيحل عليهم عذاب لم يحل مثله على أحد ممن سبق، ولكنهم مع ذلك ما زادوا إلا عصياناً واستكباراً في الأرض واستعلاء على نبي الله لوط، وقد سبق أن قلنا: إن لوطاً ابن أخي إبراهيم، وكان في عصره إبراهيم خليل الرحمن وأبو الأنبياء. فما أسوأ وأقبح مطر قوم أنذروا قبل ولم يقبلوا النذارة ولم يقبلوا النصيحة، فكيف تكون العاقبة؟! ستكون تدميراً وهلاكاً ولعنة مستمرة.
تفسير قوله تعالى: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى)
تفسير قوله تعالى: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) قال تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل:59]. قال الله لنبيه بعد أن قص عليه تدمير هؤلاء العصاة الكفار وجعلهم مثلاً لقومه فيما إذا استمروا على كفرهم وعصيانهم: (قل الحمد لله) أي: على نصر عباده ونصر رسله وأنبيائه وورثتهم من المؤمنين المتقين الصالحين، والحمد لله الذي عاقب أعداءه، فعاقب من كفر بالله، وخرج عن أمر الله، وعصى رسول الله، وخرج عن طاعة رسول الله، فالحمد كثيراً. فالله علم نبيه أن يقول ذلك، ولقد أصبح هذا شعار المؤمنين من ذلك الوقت، فلا يلقي المؤمن خطبة ولا محاضرة ولا يكتب كتاباً ولا رسالة إلا ابتدأها بالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ولا نزال نعيش في هذا إلى الآن، وقد تستبدل الحمد لله بـ (باسم الله) كما فعل سليمان عندما كتب إلى بلقيس ملكة اليمن: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل:30]. قال تعالى: (وسلام على عباده الذين اصطفى) فمن هؤلاء العباد الذين اصطفى؟ قال جمهور المفسرين: هم رسل الله وأنبياء الله. واستدلوا بقوله تعالى: {وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} [الصافات:181]. وقال ابن عباس: {وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل:59] أي: الصحابة الذين اصطفاهم الله تعالى لدينه، وللإيمان برسالته، ولاتباع نبيه وخاتم أنبيائه وأشرفهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقال بعض العلماء: الآية تعم كل المؤمنين ممن اصطفاهم الله للإيمان به، ولتقواه، وللبعد عن فعل الكافرين والوثنيين والعصاة من المخالفين. أما كون الذين اصطفاهم واختارهم هم الأنبياء والمرسلين فهذا لا شك فيه، فقد كانوا هم المصطفين، وصفوتهم نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد أدبنا القرآن وأدبنا المنزل عليه صلى الله عليه وسلم إذا ذكرنا نبينا أن نصلي عليه، وقد أمرنا الله بذلك فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56]، وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يقول: (من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً)، وكان يقول عليه الصلاة والسلام: (البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي). وأما الصحابة رضوان الله عليهم فلم يكن في عصرهم ولا بعد عصرهم ذكرهم بالسلام، فنقول: أبو بكر عليه السلام، أو: عمر عليه السلام، وإنما نخصهم بالرضا؛ وكان جماعة من سلفنا وجماعة من المفسرين والمحدثين وكبار العلماء المجتهدين يخصون بالسلام آل البيت بعد الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، صنع هذا البخاري، وصنع هذا المحدثون الأئمة، ووجد في كتبهم. وأما السلام على الصحابة لصحبتهم فلم يذكر قبل ولا بعد، فمن المعروف أنه إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم نقول: صلى الله عليه وسلم، وإذا ذكر الصاحب نقول: رضي الله عنه، وإذا ذكر التابعي فمن بعده نقول: رحمه الله؛ لأن الله تعالى يقول لنا: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [الحشر:10]، والرحمة دعوة بالمغفرة ودعوة والعفو ورفع الدرجة، وهكذا أمرنا أن ندعو لهم، ولا نصلي ولا نسلم. وقوله تعالى: {وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل:59] أي: اختار. {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل:59] يقول الله مقرعاً أولئك بقول يقوله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقوله كل مؤمن وكل مسلم وكل داع إلى الله، يقول لهؤلاء المشركين: الله الذي خلقكم، ورزقكم، وأعطاكم، وهو الذي صنع بالمخالفين من أقوام نوح وهود وصالح ولوط ما صنع، فهل يستطيع أولئك الذين عُبِدوا من دون الله أن يفعلوا كما يفعل الله؟ A لا. والخيرية هنا ليست على بابها؛ لأن كلمة (خير) أصلها (أخير) وأفعل التفضيل تقتضي المشاركة وزيادة، فالخير كله في طاعة الله، وفي الإيمان به، والشر كله في الأوثان والأصنام والكفر والمخالفة.
تفسير قوله تعالى: (أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء)
تفسير قوله تعالى: (أمّن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً) يعود الله ليعدد ويمتن على عباده بقدرته على كل شيء، فيقول تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل:60]. يقول الله جل جلاله: أم من خلق السموات والأرض؟! هل الله أو تلك الأوثان؟! هل الله القادر على كل شيء، أم تلك الأصنام؟! قال تعالى: (أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة) أنزل علينا من السماء أمطاراً وغيثاً مدراراً فأنبت حدائق -جمع حديقة- ذات بهجة، أي: ذات جمال وذات منظر حسن، والحديقة: البستان المسور المحدق به السور، فإذا لم يكن له سور يحدق به كان بستاناً، والحديقة تكون مسورة عادة؛ لأنها أكثر أشجاراً وأكثر ثمرة وأكثر مياها وأكثر بهجة وجمالاً، ولذلك يحافظ عليها بوضع سور خلفها يحيط بها. فمن الذي خلق السموات بعلوها، وأفلاكها، وبأنجمها السيارة، وبما فيها، وخلق الأرض بما عليها من جبال وأشجار وأنهار جاريات ونبات يعيش به الإنسان ويعيش به الطير ويعيش به الحيوان؟! من الذي أنزل هذه الأمطار فسقى بها وأنبت بها الحدائق والبساتين ذات البهجة وذات الجمال الذي يسر العين، ويسر القلب، ويبهج النفس. قال تعالى: {فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} [النمل:60] فلا ينبغي لنا، وليس في قدرتنا ولا في طاقتنا أن ننبت هذه الأشجار التي في الأرض، ولا نستطيع أن ننبت نبتة واحدة، فنحن أعجز من ذلك وأضعف من ذلك، بل نحن ومالنا خلق الله، وكلنا فعل الله، وكلنا من قدر الله، وإذا وقف مدد الله للإنسان أصبح جماداً كما كان. يقول تعالى: {مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} [النمل:60] فما كان لنا وما ينبغي لنا، ولا نستطيع أن ننبت شجر هذه الحدائق ذات البهجة والجمال والأشكال والألوان من ورود وزهور وثمار، فلا يفعل ذلك إلا الله، ولا يقدر عليه غيره. ولكثرة ما في الأرض من ذلك يظن أصحابها أنهم انفردوا بها، وليس لهم خلق شيء، فالذبابة التي ضرب الله بها المثل لا نستطيع خلقها، وإن أخذت الذباب منا شيئاً عجزنا عن أن نستنقذه، وكما قال تعالى: {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73]. قال تعالى: {أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل:60]. أي: هل يوجد مع الله إله يعينه على هذا الخلق؟! وهل يوجد معه إله يستحق العبادة كما يستحقها الله؟! حاشا وكلا ومعاذ الله، ونبرأ إلى الله من كفر الكافرين، فلا إله بحق إلا الله الخالق الرازق، المعطي المانع، المحيي المميت جل جلاله وعز مقامه. قال تعالى: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل:60]. أي: بل هؤلاء المشركون قوم يعدلون بربهم غيره، فيجعلون له نظيراً، ويجعلون له نداً، ويجعلون له مثيلاً، تعالى الله عن ذلك {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4]، فلا شبيه له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهو الواحد الأحد جل جلاله وعلا مقامه.
تفسير قوله تعالى: (أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا)
تفسير قوله تعالى: (أمّن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً) ثم قال تعالى: {أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [النمل:61]. يقول تعالى وهو يتكلم جل جلاله عما تراه عين الكافر والمؤمن والكبير والصغير، والرجل والمرأة: ((أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا)) أي: من الذي جعل الأرض قراراً نستقر عليها، ونقيم عليها، وننتقل عليها من قطر إلى قطر وقارة إلى قارة براً وبحراً وجواً؟! فهذه الأرض التي جعلها الله تعالى قراراً لنا ومستقراً ومقاماً وداراً وسكناً ما دمنا أحياء من الذي جعلها كذلك؟! ومن الذي خلقها كذلك؟! هل جعل ذلك هؤلاء الذين زعموهم شركاء أم الله؟! والجواب معلوم، وهو أن الله وحده لا شريك له، إلا في أذهان هؤلاء السخيفة المريضة، وما لهم على ذلك من برهان ولا دليل ولا سلطان. يقول تعالى: {أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا} [النمل:61] أي: تخللتها في ترابها، وفي رمالها، وفي جبالها، أنهار عذبة للشرب ولمنفعة الإنسان والطير والحيوان ولا يستطيع الإنسان أن يحيا بدون ماء، ولا يأتي بالماء إلا الله، ولو أصبح هذا الماء غائراً في الأرض فمن الذي سيأتي به غير الله تعالى القادر على كل شيء؟! قال تعالى: ((وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ))، أي: جعل فوقها جبالاً لتستقر كيلا تميد بنا، ولو لم يثبت الله الأرض بهذه الجبال لمالت بنا يميناً وشمالاً، ولأصبح عاليها سافلها، ولكن الله ثبتها بالجبال، ولولا ذلك لما استقرت، فامتن علينا بأن جعلها قراراً لنا ومقاماً ومستقراً، وثبتها بالجبال. قال تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا} [النمل:61]. أي: بين البحر الحلو والبحر المالح، والكل من الأرض وفي الأرض، ومع ذلك حجز الله تعالى الماء الحلو عن أن يتغير بماء البحر فيصبح مالحاً لا يشرب، ولا يصلح لطبخ، ولا لسقي، فمياه البحر لو سقي بها لمات النبات ولما أدرك ولما أثمر، ولكن الله جل جلاله جعل الأرض واحدة يتصل بعضها ببعض، وجعل هناك حواجز بين الماء الحلو الذي لا يعيش حي إلا به، والماء المالح الذي نحتاج إليه كذلك؛ لأن الأرض لو لم يكن فيها البحر المالح لفسدت الحياة بسبب الأوساخ والقاذورات التي تنشأ عن الموتى والأحياء، فلولا ملوحة البحر لمات الناس منذ زمن. فالله جل جلاله يخبرنا عن وصف السموات، ووصف الأرض وخلقها وما جعل فيها من فوائد ومصالح لهذا الإنسان الذي يعيش على الأرض، ثم هو مع ذلك يعبد مع الله غيره، فهل له عقل؟!
النمل [62 - 64]
تفسير سورة النمل [62 - 64] يذكر الله جل جلاله جملة من آياته الكريمات دلالة على قدرته وأنه الخالق الرازق الذي سخر للإنسان السماوات والأرض وأنزل له الأمطار وأنبت له الأشجار وأجرى له الأنهار، وهو الذي يجيبه عند الاضطرار ويهديه في دروب الأرض وظلمات البحار، وليس معه سبحانه من شريك في ذلك، أفيستحق العبادة معه أحد؟ تعالى الله عما يقول الظالمون.
تفسير قوله تعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء)
تفسير قوله تعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) قال الله جل جلاله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل:62]. يذكر ربنا جل جلاله جملة من آياته الكريمات في كلامه الشريف الكريم دلالة على قدرته، ودلالة على وحدانيته، ودلالة على أنه الواحد لا شريك له، ولا أحد يستحق عبادة أو إلهية أو ربوبية غيره جل جلاله، فيقول جل جلاله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل:62]. فيا أيها الناس من مؤمنين ومشركين! من الذي يستجيب للمضطر إذا دعاه، وكان في بلاء، أو كان في قهر، أو كان في ذل، ويكشف ما ابتلي به الإنسان من قهر ومرض وذل واستعباد إذا رفع يديه إلى الله ضارعاً وقال: (يا رب)؟! فمن الذي يستجيب له؟! ومن الذي يكشف عنه ضره؟! وهل يفعل هذا غير الله؟! هل تفعله تلك الأصنام وتلك الأوثان؟! وكل خلق الله هل يقدرون على أن يزيلوا كرب الناس وسوءهم؟! وهل يستطيعون أن يزيلوا ما يعيشون فيه من ضر وبلاء وسوء؟! فتعالى الله القادر على كل شيء، ملجأ كل فقير، وكل مريض، وكل مقهور، وكل مضطر لرحمته، ولا غنى بأحد من الخلق عن رحمته جل جلاله. ولا ينكر ذلك إلا من ذهب عقله، وكثر الران على قلبه، فلا يميز بين نهار وليل، وبين حق وباطل، وبين نور وضلال. وطالما ابتلي الناس بأضرار، فما زادوا عند دعاء ربهم على أن نادوا: (يا من يجيب المضطر إذا دعاه)، فاستجاب الله جل جلاله. وتحضرني هنا قصة حكاها ابن كثير في التفسير، وهي أن رجلاً كان يكاري على بغل له بين مدينة دمشق إلى بلدة الزبداني، فركب معه رجل ذات مرة، فمرا على طريق غير مسلوكة، فقال له الراكب: خذ هذا الطريق فهو أيسر وأقرب، فقال له: هذه طريق مجهولة. فقال: بل هي أقرب، فتبعه ودخل إلى أن وصلا إلى مكان وعر وواد عميق، فرأى جثث موتى، وعظاماً لبشر، فنزل ذلك الراكب وأخذ سكيناً ليقتل الرجل، فقال له: خذ هذا البغل ودعني، فقال: البغل قد أصبح ملكي، ولابد من قتلك. فاستسلم له ثم قال: إن كان ولابد فدعني أصلي لله ركعتين. فقال: عجل، قال: فقلت: الله أكبر، فأرتج عليّ القرآن فلم يحضرني منه حرف، وهو يعجلني، وإذا بي أتذكر هذه الآية الكريمة، فأخذت أضرع إلى الله، وأقول: (يا من يجيب المضطر إذا دعاه)، وإذا بفارس يظهر وبيده حربة، فيأتي إلى هذا الظالم ويطعنه بها فيصرعه على الأرض، فلما قضيت صلاتي التفت فرأيت ذلك فقلت للفارس: يا عبد الله! قل لي من أنت؟ فقال: أنا رسول الذي تضرعت إليه ودعوته! وهكذا أنقذه الله وأنجاه، فالله جل جلاله عليه الإجابة وعلينا الدعاء، كما قال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60]. وهنا يقول جل جلاله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل:62]. فيا من تعبدون غير الله وتشركون به سواه! إن وقعتم في بلاء وضر وذلّ، فمن ذا الذي إذا دعوتموه استجاب لكم، وكشف ما بكم من ضر؟! هل آلهتكم هذه الميتة الجامدة التي لا تضر ولا تنفع، وتُخلق ولا تَخلق، ولا تعي ولا تسمع، أم الله الذي يقدر على رفع الضر وكشف السوء سواه؟!
معنى قوله تعالى: (ويجعلكم خلفاء الأرض)
معنى قوله تعالى: (ويجعلكم خلفاء الأرض) يقول تعالى: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ} [النمل:62]. أي: فمن الذي يجعلكم خلفاء يخلف بعضكم بعضاً، حيث يكون الأجداد، ثم يخلف الأجدادَ الأبناء، ثم يأتي بعدهم الأسباط والأحفاد، وهكذا خلف من بعد سلف، يخلف بعضنا بعضاً. فقد كانت الدنيا لأجدادنا فخلفهم آباؤنا، وهي اليوم لنا، وستكون بعدنا لأبنائنا، وهكذا يذهب عصر ويأتي عصر، ويفنى جيل ويأتي جيل، ويبقى الله الواحد القهار: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27]. فمن الذي جعل بعضنا يخلف بعضاً، ويجعل من الماء بشراً سوياً كاملاً، ثم يجعل من الرجل الكامل تراباً وكأنه لم يكن؟! فهل يقدر على ذلك الآلهة الباطلة والأصنام الحجرية؟! لا أحد يقدر على ذلك إلا الله، فهو القادر على كل ذلك. {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل:62]، فربنا جل جلاله يذكر لنا بعض أنواع قدرته، وأنواع خلقه، وأنواع رزقه، ثم يقول لنا: هل مع الله إله سواه يقدر على ذلك؟!
باسم الله الأعظم
باسم الله الأعظم وطالما تساءل الناس: ما هو اسم الله الأعظم؟! وقد ورد في الحديث المتواتر: (إن لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة)، ومن هذه الأسماء اسم ما دعي به الله جل جلاله إلا وأجاب الداعي، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وقد ذكر العلماء كثيراً من الأسماء كل يرى أن ما ذكره هو الاسم الأعظم. ولكن الذي قاله المحققون، والذي قاله العلماء العارفون هو أن اسم الله الأعظم هو الذي يقال ساعة الاضطرار عندما يكون الإنسان في ضر وفي ضيق وفي بلاء، فيرفع يده إلى الله جل جلاله قائلاً: يا رب! أنت القادر على كل شيء، فلا أحد يستطيع كشف ما بي إلا أنت، ولا ينصرني سواك. فهذا الاضطرار الذي يخرج من الأعماق، والذي يقوله الداعي وهو في حالة لهفة وحالة ضرورة، فيكون دعاؤه دعاء الصادق، ودعاء الراجي، ودعاء من يعترف بأنه لا أحد يقدر على إنقاذه وكشف ضره من سلاطين الأرض وجبابرتها وطغاتها، ومن ملائكة السماء، سوى الله جل جلاله، فلا ملك ولا رسول يقدر على ذلك، والذي يقدر عليه الرسول والملك هو ما أقدره الله عليه، أو ما دعا به الله كما تدعوه أنت، وما هو إلا عبد من عبيد الله، كما أننا وكل الخلق عبيد لله جل جلاله.
معنى قوله تعالى: (قليلا ما تذكرون)
معنى قوله تعالى: (قليلاً ما تذكرون) قال تعالى: {أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل:62]. أي: فما أقل ما تتذكرون وتتفكرون وتعقلون الأمور! وما أقلّ ما تنفردون بأنفسكم، وتختلون خلوة تعيدون فيها النظر، قائلين: هل لهذا الكون من مكون ومن موجد؟! فمن الذي خلق هذه السماوات العلى وما فيها من نجوم وكواكب ثابتة؟! ومن الذي خلق هذه الأرض وما عليها من جبال راسيات، وبحار متلاطمات، وخلق يموج بعضهم في بعض، بلغات مختلفة وملل مختلفة وأشكال متباينة؟! فهل يفعل ذلك أحد إلا الله؟! وهل خلق ذلك غير الله؟! وقد فكر المؤمن فآمن واعتقد ذلك، ولكن غير المؤمن لم يفكر، ولم يتذكر، ولم يعِ، وإنما عاش مقلداً لآبائه الكفرة، وأجداده الفسقة، ومن اتخذهم أئمة في الكفر والشرك، فما زادوه إلا وبالاً، وما زادوه إلا مصائب، وما زادوه إلا شركاً وكفراً.
تفسير قوله تعالى: (أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر)
تفسير قوله تعالى: (أمّن يهديكم في ظلمات البر والبحر) ثم قال تعالى: {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل:63]. إن الله تعالى خلق هذا العالم وهذا الكون، وهذا الكوكب الأرضي بما فيه من جبال ووهاد ورمال وسهول وبرار وقفار وبحار، فحين نريد التنقل من مشرق إلى مغرب، ومن جبال إلى وهاد، فإننا نهتدي في طريقنا في الليل أو النهار، فمن الذي يهدينا، ومن الذي يدلنا، ومن الذين خلق هذه الأنجم التي نهتدي بها كما يهتدى بالمصابيح التي تكون علامات على الطريق مشرقاً ومغرباً؟! فمن الذي خلقها لتكون كذلك، وليستفيد منها الإنسان؟! وقد كان العرب في هذا أئمة، يخرج البدوي في هذه الصحاري التي ليس فيها علم ولا دلالة على شرق أو غرب أو شمال أو جنوب، ولكنه يرفع عينه إلى السماء إن كانت مصحية، فيقول لك: الطريق هكذا أو هكذا، أو: قد ضللت الطريق، فذاك أمر علمه بفطرته، وبعيشه السنين الطوال في هذه الصحاري حتى أصبح عارفاً بها. يقول تعالى: {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [النمل:63] فمن يهديكم وأنتم تشقون البحار التي لا علامة فيها لشرق أو غرب؟! ومن الذي يهديكم في البر وأنتم صاعدين وهابطين؟! ومن الذي يدلكم ويهديكم إلى الطريق حتى لا تضلوا؟! والضلال في الصحاري والبراري يعني الموت المحقق، فمن الذي يهدينا ويرشدنا ويدلنا على الطريق غير الله؟! قال تعالى: {وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [النمل:63]. فهذه الرياح التي تأتي مبشرة بالغيث، ومبشرة بالرحمة، من الذي يرسلها لتكون مبشرة بذلك، ثم يأتي وبعدها الغيث الغزير والمطر والرزق والخير العميم؟! ومن الذي يرسل مطره وغيثه لأهل الأرض إذا أجدبوا وأمسكت السماء قطرها؟! من الذي يرسل هذه الرياح حال كونها بشراً بين يدي رحمته يرحم بها خلقه ويرحم بها عباده؟! فيرحم بها المؤمن والكافر سواء، يرحم بها المؤمن ليزداد شكراً وحمداً لربه، والكافر ليستدرج، ولتبقى حجة الله عليه بالغة، ولعله يرحم فينتبه يوماً ويعي، ويقول: يا رب! كنت ظالماً، فاغفر لي خطيئتي يوم الدين. ومن هنا كان الإمهال للكافر من الرحمة، وقد أرسل النبي عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين للمؤمنين والكافرين سواء، فالكافرون يمهلون لعلهم يتذكرون يوماً فيتوبون ويوحدون، والمؤمن كلما عاش يوماً ويزداد بذلك عبادة وأجراً وثواباً ورفعة، وذاك مما يحفظه الله له، ويجمعه له، فيجده يوم القيامة غيثاً ورحمة ورضى ورفع درجات مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين. قال تعالى: {أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل:63]. هذا إنكار توبيخي تقريعي، فهل هناك إله يفعل فعل ربنا، فيرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته، ويهدي في ظلمات البر والبحر، ويكشف السوء، ويرسل الخير، ويرسل الرزق، ويرسل الغيث؟! الجواب باستمرار: لا أحد يفعل ذلك إلا الله، ولا قادر على ذلك إلا الله، وليس ذلك بيد أحد غير الله جل جلاله، فقد انفرد بالخلق وبالأمر وبالتدبير وبالزرق وبكل شيء. قال تعالى: {تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل:63]. تعالى الله ربنا وعز، وعلا مقامه وعلا شأنه وتنزه عن النقص والعيب الكائن في قول هؤلاء المشركين بأن لله شريكاً يعينه، وبأن لله صاحبة وولداً، فتعالى الله عن كل ذلك، ونعوذ بالله من أن نذكر ذلك إلا للتعلم والتعليم، وحاكي الكفر ليس بكافر، ولنزداد إيماناً بربنا، وكفراً بهؤلاء المشركين الكفرة الذين لا يعتقدون ديناً ولا يملكون فهماً ولا إدراكاً، فتعالى الله عما يشركون، وتنزه ربنا عن كل عيب ونقص.
تفسير قوله تعالى: (أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض)
تفسير قوله تعالى: (أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض) قال تعالى: {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:64]. أي: هل هناك غير الله يبدأ الخلق ثم يعيده؟! أما البدء فقد رأيناه، فقد بدأ خلقنا ربنا جل جلاله، ورأينا ذلك في أنفسنا، ورأيناه في غيرنا من خلق الله على وجه الأرض، فهو الذي بدأ خلقنا، وأوجدنا من عدم، وأوجدنا على غير مثال سابق، ومن استطاع بدء الخلق استطاع إعادته، كما قال تعالى: {قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس:78 - 79]. فإذا كان الخلق قد وجد، فمن الذي أوجده؟! ومن الذي كونه؟! ومن الذي حركنا بهذه الروح التي نعيش بها، بحسب ما قدر الله لنا من حياة ومن أجل؟! وما هي هذه الروح التي إذا نزعت أصبح الإنسان جيفة، يبادر أحب الناس إليه بأخذه وغمره في التراب حتى لا يؤذى الناس برائحته، وهو الذي كان في حال الحياة يتقرب إليه بالسمع والجلوس والأخذ والعطاء؟! فمن الذي أوجدها؟! ومن الذي خلقها؟! ومن الذي قدر على زرعها في جميع خلايا أجسامنا؟! ولطالما تساءل الناس عن الروح قبل نبينا وبعد نبينا وإلى الآن، وقد سأل الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فقال الله جل جلاله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85]، فالله جل جلاله انفرد بعلم الروح، ومعرفة الروح، ولم يجب نبيه ولا من سألوه عنها. وقد ظن المجانين السخفاء المشركون الضائعون أن في إمكانهم أن يصنعوا الروح، فبذلوا الملايين وما خرجوا إلا بخفي حنين، فقد ذهبوا إلى الأفلاك والأنجم والكواكب لينظروا كيف كان ابتداء الحياة، فما زادوا بذلك إلا ضلالاً، ولو آمنوا بالله، وطلبوا من أهل العلم أن يعلموهم بما نزل في كتاب الله من ذلك لعلموا الكثير، ولاهتدت نفوسهم وأرواحهم إلى الإيمان بالله ورسول الله وبدين الحق الذي هو الإسلام خاتم الرسالات، بعد أن جاء به رسولنا صلى الله عليه وعلى آله. يقول تعالى: {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [النمل:64] فمن الذي يبدأُ الخلق، ومن يعيده؟! ومن الذي يحيينا بعد الموت؟! ومن الذي يبعثنا يوم القيامة بعد أن نموت من أول مخلوق إلى آخر مخلوق في الأرض؟! فالناس عندما يبعثون وتزرع أرواحهم في أجسامهم، سيقفون بين يدي الله يوم العرض على الله في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون، ليحسن إلى المحسن ويعاقب المسيء {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} [الزلزلة:7 - 8]، فذلك اليوم العظيم سنعود إليه، ونحيا فيه حياة ثانية، فتكون الحياة الباقية والحياة الدائمة التي لا موت بعدها أبداً، ولا تكليف فيها، والقوم بين مخلد في النار ومخلد في الجنة، ولا وسط بين ذلك. قال تعالى: {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [النمل:64] فمن الذي يرزقنا من السماء بالغيث المدرار، وبالأمطار التي يكون بها الاستنبات، وبها تكون الخيرات في الأرض؛ بحيث لو أجدبت الأرض لما أعطت قليلاً ولا كثيراً، ولما أعطت زرعاً ولا أعطت ضرعاً؟! فمن الذي رزقنا من السماء بالغيث المدرار؟! ومن الذي رزقنا من الأرض بما أكرمنا به من نبات وطير وحيوان؟! هل هؤلاء الشركاء الذين أشرك بهم من لا عقول لهم ولا إدراك لديهم ولا فهم، أم الله الواحد القهار؟! فهذه أدلة عقلية لا يدفعها إلا مجنون أرعن، وتقبلها كل النفوس السليمة، وتقبلها كل النفوس التي لم يبعها الآباء بكفرهم وبتقليدهم وبضلالاتهم، فالإنسان بالفطرة يدرك أن السماء والأرض لا بد من أن يكون لهما خالق، ولا خالق لهما إلا الله جل جلاله، الواحد المنفرد بالأمر والخلق. قال تعالى: {أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل:64]. فهل ثَمّ إله أعانه على هذا؟! وهل ثَمّ إله مما يعبد هؤلاء الأفاكون المجانين السخفاء يستطيع فعل ذلك؟! قال تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:64] فهؤلاء يزعمون أن لديهم علماً على عبادتهم لغير الله، فقال الله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:64]، وهيهات أن يأتوا بالبرهان، وأن يأتوا بالدليل، وأن يأتوا بما يقبله ذو عقل سليم. فهم عن الآخرة معرضون، وجاهلون، ومشركون كفرة.
النمل [65 - 75]
تفسير سورة النمل [65 - 75] الله تعالى عالم الغيب والشهادة يعلم ما في السماوات والأرض، ويعلم ما تكن الصدور وما يعلنه الإنسان، وهو الذي يعلم الآخرة حين إدراك علمها على الناس، ولكن الذين كفروا يتساءلون عن الآخرة وعن قيام الساعة ويستعجلونها، ولعلها تبغتهم وهم لا يشعرون.
تفسير قوله تعالى: (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله)
تفسير قوله تعالى: (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) قال تعالى: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل:65]. أي: قل -يا رسولنا-: لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله. والسماء: ما علاك، وهي تلك السماوات التي هي طبق عن طبق، وبين الأولى منها وبين الأرض خمسمائة عام، كما قال صلى الله عليه وسلم. فهذه السماوات فيها الملائكة وكبيرهم جبريل عليه وعليهم السلام، فكل من في السماوات وكل من في الأرض جميعاً لا يعلمون الغيب، فلا يعلم الغيب إلا الله، ولا يعلم الغيب ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وما ورد عن الأنبياء من الغيوب فليس ذلك إليهم ولا من تلقاء أنفسهم، ولكن الله علمهم، كما قال ربنا: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن:26 - 27]، كما أعلم نبينا صلى الله عليه وسلم بما كان ويكون إلى قيام الساعة، وما يؤمن به المرء غيباً آمن به نبينا شهوداً، كما في ليلة الإسراء عندما أسري به إلى بيت المقدس، طرد الله عنه القردة والخنازير وعبد الطاغوت، وقد صلى بجميع الأنبياء والمرسلين إماماً، وكان ذلك إشارة لإمامته ورئاسته وسيادته عليهم صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك ما كان صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب بغير تعليم الله له، فقد عاش بين قومه أربعين عاماً، وكان كما قال الله له: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت:48] أي: ما كنت تقرأ كتاباً ولا تخطه بيمينك، ولا تدري ما الإيمان ولا الكتاب، ولكن الله علمك وهداك بعد ذلك، ونبهك وأرسلك بعد ذلك، {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء:113]. وكان ذلك أعظم معجزة له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد عاشره قومه أربعين سنة، وهو لا يعلم شيئاً، وإذا به يصبح يوماً وقد عَلم علم الأولين والآخرين كما علمه الله جل جلاله، وكان ذلك من علم الله.
معنى قوله تعالى: (وما يشعرون أيان يبعثون)
معنى قوله تعالى: (وما يشعرون أيان يبعثون) قال تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل:65]. فهؤلاء المشركون لا يشعرون ولا يدركون كيف سيبعثون، بل والمؤمنون كذلك لا يدرون ولا يشعرون كيف سيبعثون، كالنائم عندما ينام، فهو يحرص على أن يتابع نومه ليدرك ذلك، فلا يشعر إلا وقد استيقظ مع الصباح، ولا يعلم كيف نام. وهكذا الإنسان لا يشعر بأنه كان نطفة في رحم أمه، وأنه كان قبل ذلك في صلب أبيه، ولا يذكر كيف ولد ولا كيف رضع، ولا كيف حبا، ولا كيف مات، وهكذا يوم القيامة لا نشعر إلا ونحن وقوف بين يدي رب العزة جل جلاله حفاة عراة غرلاً، وقد دهشت عائشة فقالت: (الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: يا عائشة! الأمر أشد من ذلك)، {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} [عبس:34 - 36]. يوم يقول كل واحد من الأنبياء والرسل: نفسي نفسي! حينما يستشفع، فما بالك بغيرهم، والذي لا يقول: نفسي نفسي هو خاتمهم صلى الله عليه وسلم وحده، فهو الذي يجيب ويقول: (أنا لها، أنا لها)، ويذهب فيخر ساجداً بين يدي العرش، ويلهم إذ ذاك بما يلهمه الله إياه. وكما لا نشعر كيف خلقنا فإننا سنبعث بعد ذلك، ولا نشعر كيف بعثنا، ولكنا نعلم ذلك علماً كما أخبرنا به الله في كتابه، وأخبرنا به رسوله في سنته صلى الله عليه وسلم، فصدقنا ذلك وعلمناه علم يقين، وآمنت به جوارحنا وجميع خلايا أجسامنا، ولو كشف لنا الغطاء لما ازددنا إلا يقينا بما علمناه عن ربنا، وتعلمناه من نبينا.
تفسير قوله تعالى: (بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها)
تفسير قوله تعالى: (بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها) قال تعالى: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} [النمل:66]. ادارك علمهم في الآخرة، وهو العلم الذي أضاعوه في الدنيا، ومما يدل أن الآية متعلقة بالمشركين وحدهم قوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ} [النمل:21 - 66]، فهذا العلم كان يجب عليهم أن يعلموه في دار الدنيا، بأن يعلموا بأن هناك بعثاً ونشوراً، وبأن هناك عودة إلى الحياة بعد الموت دائمة للمؤمن والكافر، وما جهلوه في الدنيا سيعلمونه في الآخرة. يقول تعالى: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ} [النمل:66]، أي: تدارك علمهم وتتابع، واتصل، وأصبحوا يعلمون أن الآخرة حق، بعد أن عاشوا في واقعها، وبعد أن عاشوا فيما كانوا ينكرونه، فأصبح علمهم متداركاً، وأصبح علماً يقينياً، ولكن هذا العلم جاء بعد فوات الأوان، ولن يفيدهم، فلا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، فهؤلاء آمنوا بعد أن بعثوا، وبعد أن زال التكليف، فأخذوا يتمنون الأماني بأن يعودوا إلى الدنيا مرة أخرى، ولكن هيهات هيهات، فعقارب الساعة لا ترجع إلى الخلف، واليوم الذي يذهب لن يعود. قال تعالى: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا} [النمل:66] بل هم لا يزالون -وهم في الحياة الدنيا- في شك من الآخرة، فما أبلغتهم به أنبياؤهم، ونزلت به كتب ربهم، ورأوا عليه الأدلة القاطعة لم يزدهم إلا كفوراً وجحوداً وتكذيباً. قال تعالى: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} [النمل:66]، فهم لا يزالون في شأن الآخرة عمياً لا يبصرون ولا يدركون ولا يعون، فقلوبهم لم تعِ الحق، فهم -كما وصف الله تعالى- كالأنعام، بل هم أضل؛ إذ الأنعام تفيد بما في بطونها وبظهورها وبألبانها وبأشعارها وأوبارها وأصوافها.
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون)
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون) قال الله جل جلاله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ} [النمل:67]. لا يزال الكفار على إصرارهم، وليس المراد بهم كفار قريش، ولا كفار العرب فحسب، بل الكفار الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم، والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة، فكلهم على دين واحد، وملة الكفر واحدة، فكلهم يقولون هذا، ويشكون في البعث، ويسخرون إذا سمعوا بأن مؤمناً يعتقد بأن الإنسان بعد الموت سيبعث مرة أخرى، وسيقوم مرة أخرى، وسينطق مرة أخرى، وعندما تخاطبهم بالمنطق ولغة العقول يعرضون ويهزون الأكتاف جهلاً وتقليداً. يقول تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ} [النمل:67] قالوا هذا لنبينا وقالوه للأنبياء قبله عليهم الصلاة والسلام، فلم تتصور عقولهم السخيفة أننا إذا متنا سنبعث كما كنا، فقالوا: {أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ} [النمل:67].
تفسير قوله تعالى: (لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل)
تفسير قوله تعالى: (لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل) ثم عادوا فأصروا على الكفر فقالوا: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [النمل:68]. قال لهم ذلك اليهود والنصارى بعد أن بدلوا وغيروا كتابيهم، فقال الوثنيون عباد الأحجار والمخلوقات: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا} [النمل:68]، وهو أننا سنعيش بعد الموت، وسنعود بعد التراب إلى ما كنا عليه من قبل في دار الدنيا، وعدنا هذا نحن وآباؤنا من أنبياء سابقين، وسمعنا هذا عن آبائنا كذلك، قبل أن يقوله النبي عليه الصلاة والسلام، وينزل به القرآن الكريم. ثم عادوا فقالوا: {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [النمل:68]، فهذه عقيدتهم، وهذا إصرارهم على الشرك والكفر. يقولون: {إِنْ هَذَا} [النمل:68] أي: ما هذا، فـ (إن) نافية، أي: ليس هذا إلا أساطير، فما هو إلا خرافة وحكاية سطرت وكتبت في القصص وأحاديث الأولين، رواها الآباء عن الأجداد والأبناء عن الآباء، وليس هذا الذي يقرأ في الكتاب المنزل عليك كما تقول إلا ترداداً لذلك، وهذا ما لا يزال يقوله الكفار إلى اليوم من يهود ونصارى ومجوس. فمن النصارى واليهود من لا يزال يقول: إنما البعث بعث الأرواح، والأرواح عندهم شيء لا وجود له.
تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين)
تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين) ثم قال الله لنبيه: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [النمل:69] يقول لنبينا: قل -يا رسولنا- لهؤلاء: ((سِيرُوا فِي الأَرْضِ)) فتنقلوا وسيحوا وانظروا في آثار من سبقكم من أمثالكم من المجرمين، كقوم نوح، فلا تزال آثارهم في الأرض، والحفريات التي تتجدد في كل قطر وفي كل إقليم فيها من العجائب والغرائب ما يؤكد ذلك، ونحن لا نحتاج إلى تأكيد، ولكن هذا دليل لهؤلاء الجاحدين الكافرين المنكرين. وقد كنت في متحف حكومي في لبنان، وإذا بصاحب المتحف يخرج لي صليباً ويقول: هذا الصليب مضى عليه قرون، فقلت: كم؟ قال: أكثر من عشرة قرون، والصليب شعار النصارى، فقلت له: صدق الله، وصدق نبينا صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا به عن الله؛ إذ قال الله عن عبدة الأوثان: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} [التوبة:30] فهم في كفرهم كانوا مقلدين قردة، والصلب هو الفداء فيما يزعمونه، وقد وجد الصليب في وثنيين سبقوهم، وكفار تقدموهم. فالله تعالى يقول: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [النمل:69]، فانظروا كيف كانت عاقبة قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط الذين عاشوا على أرض سدوم التي هي جزء من فلسطين، ومكانها يسمى اليوم بالبحر الميت، فهذا البحر ميت لا يعيش فيه سمك ولا دواب، ورائحته كريهة. فأرض قوم لوط قد قذفت ورميت بالحجارة المنضدة من جنهم وبئس المصير. وقبل سنوات قريبة أرسل ملاحدة مرتدون من الشيوعيين في أرض روسيا بعثة استكشافية، فقالت هذه البعثة: لقد ظهرت القنبلة الذرية قديماً، فلابد من أن قوم لوط ضربوا بقنبلة ذرية، فأصبحت الأرض هكذا. وهذا صحيح، ولكن الضارب لهم هو ربنا جل جلاله. وهكذا فعل بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وبـ فرعون وقومه، وإذا جاء فعل الله لا يبقى للبشر فعل ولا عمل.
تفسير قوله تعالى: (ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون)
تفسير قوله تعالى: (ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون) ثم قال تعالى يخاطب نبينا صلى الله عليه وسلم: {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النمل:70]. ومن المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان حريصاً على إيمان قومه، وعلى إسلام من يدعوهم إلى الإسلام، ولذلك قال الله له: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:3]، أي: لعلك مهلكها، ولعلك مفنيها، وقال له: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر:8] فلا تُضع نفسك تحسراً وتؤلماً وتوجعاً عليهم، وهنا يقول له: {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [النمل:70] إن عوملوا بما عوملت به الأمم السابقة التي كفرت بالله وبأنعمه، وتلك سنة، فكل من فعل ذلك يعاقب بما عوقب به المشركون قبل. فالله يقول لنبيه: قد صدر أمر الله في عقوبة هؤلاء والبطش بهم، والقضاء عليهم، كما فعلنا بمن سبقهم من الأمم الكافرة، فلا يأخذك حزن من أجلهم. ((وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)) أي: فلا تضق نفسك، ولا تتبرم بمكرهم وشركهم وكفرهم، وقد كانوا يتآمرون عليه، فتارة بالقتل، وتارة بالسجن، وتارة بالنفي، وتارة بالشتائم والتكذيب واتهامه بالرغبة في الحكم والسلطان والنساء والجاه وجمع الأموال، ولكن الله ناصر عبده، والعاقبة كانت له، ومع ذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يحزنه ذلك، وكان يتمنى إيمانهم بعد أن فعلوا معه الأفاعيل، وقالوا الأقاويل، ونصره الله عليهم نصراً عزيزاً مؤزراً، فجمعهم ثم قال: ما ترون أني فاعل بكم؟ فقالوا له: أخ كريم وابن أخ كريم. نسوا شتائمهم، ونسوا كلامهم وكفرهم وجحودهم، فقال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، فأطلقهم مما كان ينبغي أن يكون؛ إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يقول له الله جل جلاله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، وقال عن نفسه بأمر الله: (إنما أنا رحمة مهداة)، فما كان يريد عذاب قومه، ولا البطش بقومه، ولكنه إذا أمر فلابد من أن ينفذ أمر الله وإرادة الله، فقاتل من قاتل، وقتل من قتل، ونفى من نفى، وصادر من صادر، وقطع رءوس من أمره الله بقطع رءوسهم، وقد قال الله له: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ} [النور:54]، وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:272]، فالنبي مأمور بأن يبلغ رسالة ربه، وكتاب ربه، ودين ربه، أما أن يهديهم ويجبرهم على الإسلام فلا، فالهداية بيد الله وحده.
تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)
تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) قال تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:71]. يقول هذا الكفار وقد أشركوا بالله، واستبعدوا أن يعودوا بعد التراب والفناء إلى ما كانوا عليه من أجسام كاملة، وأرواح متحركة، فهددوا بالويل وبالثبور، بعد أن فهموا قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم بأمر الله: {سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [النمل:69]، فستعاملون معاملتهم، وسيبطش بكم بطشهم، فأخذوا يستعجلون العذاب ويقولون: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:71]. وقد قال هذا قومه صلى الله عليه وسلم، وقاله الأقوام السابقون للأنبياء الذين سبقوه، حيث قالوا: ((مَتَى هَذَا الْوَعْدُ)) أي: الوعيد بالضرب وبالبطش وبالسحق وبالعقوبة وبالنقمة. فقال الله لهم: {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} [النمل:72]. و (عسى) في القرآن للتحقيق، أي: قد تحقق وسيتم بعض ما تستعجلون، فقوله تعالى: (ردف) أي: قرب وأتى، وأصل الرديف من هو وراءك، يقال: أردف فلان فلاناً، أي: أركبه خلفه، أو جاء له تابعاً.
تفسير قوله تعالى: (قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون)
تفسير قوله تعالى: (قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون) يقول تعالى: ((قُلْ)) أي: قل -يا رسولنا- لهم: {عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} [النمل:72]. أي: عسى أن يكون قريباً ما استعجلتموه من عذاب ونقمة وبطش، فلا تستعجلوه، فهو آت لا محالة، ومصيبكم في الدنيا قبل الآخرة لا محالة، فقد حدث هذا بالسابقين، أخذوا بغزوة بدر بين قتيل وشريد وأسير، وطردوا من مكة المكرمة بعد أن دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن آمن أطلق من العقوبة، ومن أبى إلا الكفر أجل أربعة أشهر، ثم بعد ذلك طوردوا، ونزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة:28] بعد أن كانوا سادة البلد وقادتها وموجهيها، وهم الذين حاولوا إبعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، ومنعوه من أن يدخلها معتمراً إلا بعد سنة، فإذا بهم أذلاء بين يديه، ففعل بهم كما شاء، ولعذاب الله أشد وأنكى.
تفسير قوله تعالى: (وإن ربك لذو فضل على الناس)
تفسير قوله تعالى: (وإن ربك لذو فضل على الناس) قال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ} [النمل:73]. يقول ربنا وهو يمتن ويتفضل ويتكرم على عباده: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ} [النمل:73]. إن ربك -يا رسولنا- ذو إفضال وذو امتنان وذو إحسان إلى عباده المؤمنين وغيرهم، ولكن أكثر هؤلاء الخلق، وأكثر هؤلاء البشر، وأكثر هؤلاء المتفضل عليهم لا يشكرون النعمة، ولا يجعلون لها قيمة، ولا يرفعون بها رأساً، ولا يحمدون الله، وهكذا الجحود والكفر.
تفسير قوله تعالى: (وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون)
تفسير قوله تعالى: (وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون) قال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [النمل:74]. أي: إن ربك وخالقك جل جلاله يعلم أحوال هؤلاء الذين معك، فيعلم منافقهم وكافرهم، وصادقهم وكاذبهم، يعلم ما يكنون في أنفسهم ويجعلونه مكنوناً مستوراً مخفياً. ويعلم ما يعلنون، أي: وما يظهرونه ويتجاهرون به هل هو كما يظهرونه ويعلنونه، هو النفاق والكذب والدجل، فالله تعالى محيط بهم، محيط بأعمالهم، سميع لأقوالهم، وهذا في مقام التهديد والوعيد، فالله يعلم كل أحوالهم هما أخفوا وما أعلنوا، فلا يطمعوا يوماً في أن يظهروا لك شيئاً لا وجود له لتعتقده؛ لأن الله الخالق يعلم منهم ما خفي وما أعلن.
تفسير قوله تعالى: (وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين)
تفسير قوله تعالى: (وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين) قال تعالى: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:75]. فما من قضية، وما من مسألة، وما من شيء غائب عن النفس لا يعلمه أحد، غائب عن تصورنا، وعن علمنا، وعن معرفتنا، إلا يعلمه الله، فلا شيء غائب عنه، فهو تعالى يعلم الغائب، ويعلم الحاضر، وكل ذلك مدون في كتاب مبين في اللوح المحفوظ، جفت الأقلام، ورفعت الصحف بما كان ويكون إلى قيام الساعة. فالذي أعلنوه، والذي أخفوه، وما غابوا عنه ولم يعلموه، أو تظاهروا بالغيبة عنه هو عند الله في اللوح المحفوظ مكتوب مبين واضح، وعلى أساسه يتصرف جند الله من الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
النمل [76 - 81]
تفسير سورة النمل [76 - 81] أنزل الله كتابه الكريم على سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم وهو يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وهو هدى ورحمة للمؤمنين، وفيه القضاء الفصل والحكم الحق لمن توكل على الله ورجع إلى أحكام كتابه الكريم، وبه ينذر الكافرون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ليس مكلفاً باستجابتهم إن عليه إلا البلاغ، وليس هو بمسمع الموتى ولا الصم ولا بهادي العمي، إن يسمع إلا من يؤمن بآيات الله.
تفسير قوله تعالى: (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون)
تفسير قوله تعالى: (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون) قال الله جلت قدرته: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل:76]. كتاب الله هو القرآن الكريم خاتم الكتب السماوية المنزل على خاتم أنبياء الله ورسله نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فهذا الكتاب هدى للناس، ونور يبدل الظلمات ويدعو إلى التوحيد وعبادة الله الواحد الخالق، ويمنع الناس من عبادة الأوثان والأصنام، وهو مع ذلك يقص على بني إسرائيل ويعلمهم ويبين لهم حقيقة ما اختلفوا فيه فيما بينهم، ويبين لهم ما نقلوا فيه الحق إلى الباطل، وما حرفوا فيه كتاب ربهم إلى خزعبلات وأباطيل ما أنزل الله بها من سلطان. فكتاب الله القرآن الكريم يذكر قصصاً وأحكاماً، ويذكر حقائق بينات يعلم فيها بني إسرائيل ما اختلفوا فيه وتنازعوا فيه، فبين لهم أكثر خلافهم، وأكثر ما تنازعوا فيه باللسان والسيف، والعداوة بينهم دائمة منذ آلاف من السنين إلى يوم الناس هذا. وبنو إسرائيل هم اليهود والنصارى؛ لأن التوراة أنزلت على موسى وهو من أنبياء بني إسرائيل، والإنجيل أنزل على عيسى وهو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وكلاهما لم يؤمرا إلا بتبليغ بني إسرائيل، ولم يرسلا إلا إلى بني إسرائيل، وقد بعث موسى أولاً، وبعد دهور جاء عيسى قبل نبينا عليه الصلاة والسلام بقرابة ستمائة عام، فبنو إسرائيل من أتباع موسى وأتباع عيسى قد اختلفوا اختلافاً بيناً، وتنازعوا في اختلافهم بكل ما يملكون من أنواع العداوة والحرب والقتال. وعيسى لم يرسل إلى غير اليهود من بني إسرائيل، فلقد قال في الإنجيل: (إنما أرسلت إلى خراف بني إسرائيل خاصة)، وأكد هذا المعنى كتاب الله في قوله: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} [الصف:6]. فهو لم يرسل إلا إليهم، ولذلك يقول ربنا هنا في شأن بني إسرائيل أتباع موسى وعيسى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل:76]. فهم قد اختلفوا وغووا في عيسى، فقال بعضهم: إن عيسى ليس ابن طاهرة وليس نبياً ولا رسولاً، فأفكوا وكذبوا وافتروا على الله، وشتموا نبياً من كبار الأنبياء ومن أولي العزم منهم. وبعضهم فرطوا وتجاوزوا الحد، وزادوا ما لم يؤمروا به، ولم يقل لهم على لسان عيسى ولا على ألسنة علمائهم، فزعموا أن عيسى هو الله، وزعموا أن عيسى ابن الله، وزعموا أن عيسى ثالث ثلاثة، وكذبوا على الله وتجاوزوا الحد في مقامه وفي رتبته. فهؤلاء غلوا وضلوا وأولئك غووا وضلوا، هؤلاء غلوا فزعموا الإلهية في عيسى، وأولئك غووا فزعموا عن عيسى ليس ابن طاهرة عفيفة، فجاء كتاب الله جاء القرآن الكريم فبين هذا الخلاف وقال الحق، وقال: زعم اليهود أنهم صلبوا عيسى، وزعم النصارى بأنه فعل ذلك عن اختيار منه بما سموه الفداء والصلب، وأنه فدى البشرية من ظلمها وعتوها، فكذبوا وافتروا، فجاء القرآن الكريم حاكماً بينهم مبيناً الحقائق بوضوح، ومبيناً الحق الذي لا يقبل غيره، فقال: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء:157]، وقال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران:59]. فكان بأمر الله، وبقول الله: (كن)، فبين الله جل جلاله الحقيقتين اللتين طالما تخاصم فيهما بنو إسرائيل من أتباع موسى وأتباع عيسى، فقال رداً على من زعم عيسى إلهاً أو زعم كونه ابن غير عفيفة: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران:59]. فكما خلق آدم بلا أب ولا أم، خلق عيسى من دون أب، وتلك قدرة الله، فليس بينه وبين أن يكون الشيء إلا أن يقول: (كن) فيكون. وقال عن الصلب والفداء: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء:157] فقتلوا شبيهاً زعموه عيسى، وعيسى لم يقتل، فلم يكن ثم فداء ولا صلب، وإنما هي أباطيل وأكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان، اشتغلت بها آراؤهم وضلت بها عقولهم، فجاء القرآن يبين لهم الحقائق، فهدى الله بعضهم، كـ عبد الله بن سلام الذي أسلم وحسن إسلامه، وقلة معدودة على الأصابع، فكانوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادقين في إيمانهم، والصادقين في صحبتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [النمل:76] أي: يذكر من القصص ومن الأحكام ومن الحقائق والبراهين {أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل:76]، فيزيل حيرتهم، ويزيل خلافهم وأباطيلهم، وذاك لمن قبل الهدى، وأنار الله بصيرته، وإلا فأكثرهم بقوا على غوايتهم، وعلى ظلمة الشرك وظلمة الكفر والوثنية والتكذيب، فحرفوا كتب الله السابقة، ولم يؤمنوا بكتاب الله اللاحق.
تفسير قوله تعالى: (وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين) قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل:77]. أي: هذا القرآن الكريم كما قص الله فيه ما اختلف فيه بنو إسرائيل فاهتدى من اهتدى، وبقي ضالاً من بقي ضالاً ممن سبق في علم الله كفره وشركه وخلوده في النار، هو كذلك هدى ورحمة، هدى الله به المؤمنين الذين آمنوا بحقائقه، ثم هو رحمة لمن آمن به من العذاب، ومن ظلمات الشرك والكفر، ومن الخلاف الذي ما أنزل الله به من سلطان. وهذه هي صفة القرآن، فالله يهدي به المؤمنين ويرحم به المؤمنين بتلاوته وبالعمل بأحكامه.
تفسير قوله تعالى: (إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم)
تفسير قوله تعالى: (إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم) قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [النمل:78]. إن ربك -يا رسولنا- يقضي بين هؤلاء المتنازعين الكفار من بني إسرائيل بحكمه الحق يوم القيامة، يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، يوم يقفون بين يدي الله يوم القيامة، فيفصل بينهم فيما اختلفوا فيه وتنازعوا، وفيما لم يؤمنوا به مما جاء به محمد سيد البشر صلى الله عليه وسلم، فزادوا ضلالاً على ضلال، وكفراً على كفر، فهو يحكم بين من آمن بما جاء به كتاب الله فيقضي له بالرحمة والجنان، وبين من أبى إلا الكفر والعناد فيقضي عليه بالنار والغضب. يقول تعالى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [النمل:78] هو العزيز الذي لا يطاول ولا ينال، وهو القاضي على المخالفين والمعاندين بالذل والعقوبة والنار خالدين فيها أبداً. وهو العليم بأحوال عباده، عليم بكفر الكافر، فيجازيه عليه بالنار والغضب، وعليم بإيمان المؤمن، فيجازيه على الإيمان بالرحمة والجنة.
تفسير قوله تعالى: (فتوكل على الله إنك على الحق المبين)
تفسير قوله تعالى: (فتوكل على الله إنك على الحق المبين) قال تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل:79]. أي: اجعل الله وكيلك -يا رسولنا- واجعله مآلك ونصيرك ومؤازرك ومعينك، فأنت على الحق الذي لاشك فيه، وكل من سواك على الباطل والضلال، إلا من آمن بما جئت به، وصدق الكتاب الذي أنزل عليك، وآمن بالله واحداً وآمن بك نبياً عبداً خاتماً للأنبياء، فاجعل الله وكيلك، فهو الذي لا يكلك إلى غيرك، ويتولى أمورك وينصرك على من عاداك. {إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل:79] أي: فأنت -يا رسولنا- بالنور الذي أنزل عليك، وبما بعثت به من رسالة على الحق البين الواضح المشرق المنير، فلا تتردد في بلاغ الرسالة، ولا تتردد في دعوة الناس إلى دينك، وإلى الكتاب المنزل عليك، فأنت ذو الحق المبين المشرق المنير الذي لا حق سواه، ولذلك لا يقبل الله تعالى من الناس بعد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلا الإسلام، {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:85]. فلا يقبل غير الإيمان بالقرآن كلام الله الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يقبل غير الإيمان برسالة محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، فكل رسالة بعده باطلة، فكل من ادعى النبوءة أو ادعى أنه أوحي إليه بعد ذلك فهو ضال مضل. والنبوءات والرسالات السابقة نؤمن بها على أنها كانت حقاً يوماً وأرسل أصحابها إلى أقوامهم خاصة، ثم بعد ذلك انتهت نبواتهم واقتصرت على أقوامهم، فلم تبق خالدة دائمة إلى يوم القيامة إلا الديانة الإسلامية والرسالة المحمدية، وما سوى ذلك قد انتهى ونسخ، وما بقي من كتبها قد غير وبدل ونسخ.
تفسير قوله تعالى: (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء)
تفسير قوله تعالى: (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء) قال تعالى: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل:80]. فهؤلاء في كفرهم وابتعادهم عن الحق كالموتى، فكما أن الموتى لا يسمعون ولا يعون ولا يدركون فكذلك هؤلاء، ولو أن لهم آذاناً، فهم لا يسمعون بها، ولو أن لهم أعيناً، فهم لا يبصرون بها، ولو أن لهم قلوباً، فهم لا يفقهون بها، فهم كالأنعام، بل هم أضل، لأنهم موتى العقول والقلوب، فحياتهم أشبه بموت، وموتهم أشبه بحياة، فالميت لا يسمع ولا يعقل ولا يدرك، فقد غطى الران قلوبهم وابتعدوا عن الحق فهم كالصم، فكما أن الأصم لا يسمع لأن الله أفقده السمع، فكذلك هؤلاء لا يسمعون ولو أن لهم أسماعاً؛ لأن أسماعهم لا يستفيدون منها، فلا يسمعون الحق، ولا يؤمنون به. يقول تعالى: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل:80]. والصُمّ: جمع (أصم)، وهو من يفقد السمع فلا يسمع، فهؤلاء موتى لا حياة لهم، وهم صم لا سمع لهم. وقد يقول قائل: إن الأصم لا يسمع، سواء أكان مقبلاً أم مدبراً، والله يخبر هنا أن نبيه لا يسمع الصم إذا أدبروا، فهل معنى ذلك سماعهم حال الإقبال؟! و A أن الأصم قد يفهم منك بالإشارة عندما يكون مقبلاً عليك، وقد يسمعك إذا صحت فيفهم من إشارات صوتك ما تريد أن تقول له، ولكن هذا الأصم عندما يدبر عنك ويوليك قفاه وظهره لا يرى إشارات ولا يسمع صوتك مهما علا، فهو لا يسمع. وهكذا شبه الله الكفار من بني إسرائيل وغيرهم بأنهم موتى، والموتى لا يسمعون، وبأنهم صم مدبرون، فهم أبعد ما يكونون عن السمع وعن الوعي وعن الإدراك، فالرسالة لم ينتفعوا بها، فأبوا إلا الضلال والبقاء على الكفر والوثنية، فهم موتى لم يستفيدوا من الحياة، وهم صم قد فقدوا الفائدة من السمع، ومع ذلك فالأنبياء جميعاً رسالتهم التبليغ، قال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النور:54]. فالنبي صلى الله عليه وسلم ليس عليه الهداية، قال تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56]، وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} [البقرة:272]. فالهداية من الله، وأما البلاغ ونشر الدعوة فتلك وظائف الأنبياء، وتلك أعمال الأنبياء، وذلك ما يجب عليهم، فمن آمن فلنفسه اهتدى، ومن كفر فعلى نفسها جنت براقش، والنبي ليس عليه إلا البلاغ المبين الواضح، فالله يقول لنبيه: إنك قد بلغت وأمرت ونهيت، فليس عليك هداهم، فالهداية ليست بيدك، وإنما عليك البلاغ وقد فعلت، فتبين أنهم موتى لا يسمعون ولا يهتدون، وأنهم صم لا يستفيدون من سمع.
تفسير قوله تعالى: (وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم)
تفسير قوله تعالى: (وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم) قال تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل:81]. أي: لست -يا رسولنا- بهاد للعمي، فالأعمى لا يستطيع أن يهتدي في طريقه ولا يرى محجته، ولا يعلم ما بين قدميه؛ لأنه يفقد النور ويفقد البصر، فلست بهاد للعمي إذ أبوا إلا العمى، فهم -إذاً- عمي صم موتى، فيصف الله الكافرين بأنهم عمي بقوا في الظلام، فلم يستنيروا بهذا النور المشرق، نور القرآن ونور الإسلام وهدايته. يقول تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ} [النمل:81] فلست بهاديهم، وليس ذلك من وظيفتك، وإنما الهداية على الله، كيف وهم عمي، والأعمى لا يقبل الهداية إذ لا بصر له، فلابد من أن يؤخذ بيده ليعلم موطئ قدمه، ولكن هؤلاء يأبون أن يضعوا أيديهم في يد الهادي المبلغ الموحى إليه صلى الله عليه وسلم، فلم يقبلوا هداية من الضلال القائمين فيه والشرك والكفر والوثنية. قال تعالى: {إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل:81]. أي: فلست -يا رسولنا- بهادي العمي عن ضلالتهم، وإنما أنت تهدي من آمن بآياتنا وبقدرتنا وبكتابنا، فالمؤمنون بالله قلباً والناطقون بالإسلام لساناً هم الذين يستفيدون من رسالتك، ومن القرآن المنزل عليك، فهم الذين كانوا أحياءً وليسوا بموتى، وكانوا سامعين وليسوا بصم، وكانوا مبصرين وليسوا بعمي. فالمؤمنون الذين آمنوا بكتاب الله وآمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا بالنور الذي أتى به هم الذين استفادوا وأنار الله بصائرهم، فاهتدوا وتركوا الضلال، ورأوا الهدى وعلموا موطئ أقدامهم فلم يحيدوا عن الحق، ولم يقعوا في حفر الطريق، ولم تلههم بنياتها يمنة ويسرة، فهؤلاء هم المؤمنون بآياتنا، المسلمون الذين آمن جنانهم، ونطق لسانهم، قالوا باللسان ما اعتقده الجنان، فكانوا مؤمنين حقاً، مؤمنين بالقلب، ناطقين باللسان، فهؤلاء هم أتباعك وشيعتك وأنصارك، أما أولئك فدعهم، فهم موتى عمي صم.
النمل [82 - 87]
تفسير سورة النمل [82 - 87] إذا قربت الساعة وانتشر الكفر والفسوق والعصيان، يخرج الله تعالى دابة تكلم الناس فتقول هذا مؤمن وهذا كافر، ثم تتابع العلامات الكبرى فتقوم الساعة ويحشر الناس إلى ربهم فيسألهم عن تكذيبهم بآياته، فيحق على المكذبين القول، فحينئذٍ تخرس ألسنتهم فلا ينطقون.
تفسير قوله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض)
تفسير قوله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض) قال تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ} [النمل:82]. يقول تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ} [النمل:82] إذا وقع القول باللعنة وبالغضب وبالعذاب وبالمحنة ((أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ))، يخرج لهم دابة من الأرض (تكلِّمهم)) وفي قراءة: (تَكْلُمُهُمْ) أي: تجرحهم، وتقول بالكلام إن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، فأكثر الناس لم يكونوا موقنين، حتى بعض المسلمين، فهم مسلمون باللسان شاكون ومرتابون في آيات الله ودينه غير موقنين به، ولا راسخين في الإيمان به. يقول تعالى في هذه الآية الكريمة: إذا حل غضب الله وبعد أن أمهل الله عباده دهوراً الله أعلم بمددها وأزمانها -والله يمهل ولا يهمل- أخرج لهم من الأرض دابة تكلمهم وتقول لهم: إن أكثر الناس كانوا لا يوقنون، فهم مؤمنون بالألسن غير متيقنين، وغير مخلصين في الإيمان، فهم يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، يقرءون في كتاب الله تحريم الكذب، والزنا، والسرقة، والربا، والظلم، ولكنهم يرتكبون كل ذلك، فيكذبون ويزنون ويسرقون ويرابون ويأكلون أموال اليتامى ظلماً. والقرآن يأمرهم بخمس صلوات في اليوم والليلة، وبصيام شهر رمضان، وبزكاة الأموال، وبحج بيت الله الحرام، وبالصدق، وباليقين، وبحسن المعاملة، ويحذرهم من موالاة اليهود والنصارى، فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:51]، ومع ذلك يخالفون كل ذلك، فتجد بعض الذين يزعمون الإيمان والإسلام يوالون اليهود والنصارى ويجرون خلفهم. فعندما تصل الحالة إلى هذا في آخر الزمان يخرج الله للناس دابة تتكلم بفصيح الكلام باللغة العربية كما قيل، وتقول للناس: هذا كافر، وهذا مؤمن، وتخبر عن أكثر الناس بأنهم كانوا لا يوقنون، فإيمانهم ليس عن يقين، ولا عن ثبات، ولا عن صدق وإخلاص، والدابة قد تكلم بها القرآن كما نرى، وجاءت بها السنة النبوية، والنطق المحمدي يزيد الآية بياناً.
ذكر ما قيل في وصف الدابة ومخرجها
ذكر ما قيل في وصف الدابة ومخرجها وهذه الدابة هي دابة على أي حال، ولكن قال بعض السلف: وجهها وجه إنسان بلحية رجل، وسائرها جسد دابة، ووصفوها على غير المعلوم في الدواب، ومن ذلك أنها كلها شعر، لا تكاد تظهر عينها ولا أنفها ولا فمها، وأنها ستخرج في مكة المكرمة عند الصفا، وقيل: ستخرج في أجياد. وقد نقل أنها ستخرج ثلاث خرجات: خرجة باليمن ولا تدري بها مكة ولا بقية العالم الإسلامي. والخرجة الثانية: في بادية قريبة من مكة، وتدري بها مكة، عاصمة الإسلام، وإذا درت مكة درى العالم كله. والخرجة الثالثة: تخرج والناس في الحرم بين الركن الذي فيه الحجر الأسود، وبين مقام إبراهيم، فيحاول الناس أن يفروا منها ويبقى المؤمنون، فتضع يدها على وجه المؤمن فيشرق كأنه الكوكب الدري. أما الكافر فيحاول أن يفر، ولا يفلت منها هارب، فتلحقهم فيصعقون ويقفون، فتسمهم في جباههم بالكفر، ويتعارف الناس في أسواقهم إذ ذاك والكتابة على الجبين، فيقول المؤمن: يا كافر! بعني واشتر مني، ويقول الكافر: يا مؤمن! أريد مبايعتك. فينكشف نفقات المنافق المظهر للإيمان. ومن المعلوم أن مكة لا يقيم بها إلا مؤمن، ولكن الإخلاص في القلب لا يعلمه إلا الله، فالدابة تأتي وتكشف عمل القلب، فتكتب على جبين المنافق: هذا كافر، وعلى جبين المؤمن الصادق: هذا مؤمن، وتظهر تلك الكتابة على جبين المؤمن وكأنها الكوكب الدري المضيء، وتقرأ جبين الكافر من بعيد، وتجول الدابة في مختلف أقطار الأرض تسم الناس: هذا مؤمن وهذا كافر، فيميز إذ ذاك المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، ويكون الناس إذ ذاك -كما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام- مشتركين في أموالهم، وهذا خبر معجز من النبي صلى الله عليه وسلم، أي: تكون إذ ذاك الشيوعية والاشتراكية في الأموال قد انتشرت بين الناس، وهذا الأمر أخذ الآن ينتشر في مشارق الأرض ومغاربها، ويكاد أهل الكفر من يهود ونصارى ومنافقين يجمعون على ذلك، والكثير ممن يدعي الإسلام من داخل بلاد العرب وداخل بلاد الإسلام يطلبون ذلك، ويسعون لذلك؛ وما في ذلك إلا لعنتهم وخزيهم وغضب الله عليهم.
ذكر علامات الساعة الكبرى
ذكر علامات الساعة الكبرى وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص وأنس بن مالك وجماهير من الصحابة، وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي في سننه، وقال: حديث حسن صحيح، وهو حديث متواتر يقول الصحابي أبو الطفيل عامر بن واثلة أصغر الصحابة وآخرهم موتاً عن الصحابي حذيفة بن أسيد الغفاري قال: أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة من علية، ونحن نتذاكر شئون الساعة، فقال لنا: (إن بين يدي الساعة لعشر آيات). وهذه العشر هي من الآيات الكبرى، ولم تظهر منها إلى الآن واحدة، وهذه العلامات هي: أن تشرق الشمس من مغربها، ويكون دخان، وتخرج الدابة، وينزل عيسى بن مريم، ويخرج الدجال، وتكون ثلاثة خسوفات: خسوف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، وتخرج نار من قعر عدن تبيت مع الناس إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، أي: تكون مع الناس في نهارهم، وتكون معهم في المبيت، وتخرج الدابة. وفي رواية عن عبد الله بن عمرو بن العاص: (بادروا ستاً: شروق الشمس من مغربها، والدخان، وخروج الدابة، ونزول عيسى، وخروج الدجال، وعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة إذ العامة قد فسدوا). وفي رواية أن هذه العلامات كالعقد تنفرط حباته، فبعد خروج الدابة ينزل عيسى، ثم يخرج الدجال، ثم تكون الخسوف، وتكون الفتن حتى لا تقوم الساعة على رجل يقول: ربي الله. وفي رواية أنه تأتي ريح فتأتي على كل مؤمن، ويرتفع القرآن من الصدور، وترفع مصاحفه، ويموت من يموت من المؤمنين، ويرتد من يرتد، ولا يبقى في الأرض إلا لكع ابن لكع، أي: كافر خسيس قذر قد سبق الكفر في أبيه وجده. فقصة الدابة أتى بها القرآن، فلا ينكرها إلا كافر منكر لكتاب الله، وأكدت ذلك السنة النبوية. كما أن الشمس يوماً ستقف وتستأذن ربها في أن تطلع من المشرق فلا يؤذن لها، فتطلع من المغرب، ويكون يوماً عظيماً على الناس، وعندما تظهر هذه العلامات وهذه الآيات الكبرى لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
ذكر بعض صنيع الدابة
ذكر بعض صنيع الدابة وجاء في وصف الدابة أن امرأً يحاول أن يتعوذ منها بالصلاة من أجلها وهو لا يصلي، وإذا بها تأتيه من خلفه وتكلمه وتجرحه، وتقول له: الآن ذكرت الصلاة! فتجرحه في جبينه، وتكتب عليه: كافر؛ لأن تلك الصلاة لم تكن صلاة مؤمن مخلص، وإنما كانت صلاة منافق كاذب، ظن أن الدابة ستتركه، ولكن الدابة معلمة مرسلة مكلفة من ربها بأن تصنع ما تصنع. ومهما قلنا في وصفها وفي مكان خروجها فهي دابة على أي حال، تكلم الناس بصريح الكلام، وتقول: إن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون ولا يخلصون في إيمانهم، فيميز الله الكافر من المؤمن، ويبرز المؤمن بين الكافرين. يقول تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ} [النمل:82] وقرئ: (تَكْلُمُهُمْ) من الكلم، وهو الجرح. قال ابن عباس: تُكَلّمَهم وتَكْلمُهُم، تُكَلمِّهم بقولها -كما قال القرآن-: {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ} [النمل:82]. ثم هي تكلمهم وتجرحهم على جباههم بأن هذا كافر وهذا مؤمن، ويبقى ذلك علامة، والمؤمنون إذ ذاك قلة.
تفسير قوله تعالى: (ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا)
تفسير قوله تعالى: (ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا) قال تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل:83]. يوم يحشر الناس وقد قامت القيامة، فيحشر من كل أمة فوج ممن كذب بالقرآن وكتب الله السماوية وكذب بوحدانية الله، وممن أشرك مع الله غيره، وممن لم يؤمن بأنبياء الله. يقول تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا} [النمل:83] أي: طائفة وفريقاً ممن يكذب بآيتنا. قالوا: (من) هنا ليست تبعيضية، وإنما هي بيانية، فكل من كذب بآت الله من الأمم السابقة، ومن الأمم اللاحقة إلى الأمة المحمدية يحشرون إلى العرض والعذاب، والحشر يكون للمؤمن والكافر، ولكن هذا الحشر هو حشر المغضوب عليهم من الكفار. {فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل:83]: يدفع بعضهم ببعض، ويلحق آخرهم أولهم، فيدفعون إلى غضب الله وإلى النيران خالدين فيها أبداً {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء:56]. يقول تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا} [النمل:83]. أي: ممن يكفر بالله ويكفر بآيات الله ويكذب بها، فهؤلاء جميعاً يوزعون فيدفع بعضهم خلف بعض، ويساقون سوقاً يلحق فيه أولهم آخرهم، وآخرهم أولهم إلى جهنم وبئس المصير.
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي)
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي) قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:84]. إذا جاء هؤلاء المكذبون الكفرة من أمة نوح إلى أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله؛ إذا جاءوا للحساب والعقاب قال الله لهم: {قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا} [النمل:84]. أكذبتم -يا هؤلاء- بآياتي حال كونكم لم تحيطوا بها علماً، ولم تنتظروا أن تفكروا فيها وتبحثوا، فتسألوا شيخاً أو عالماً، أو تبحثوا عن داعية يعلمكم دينكم؟! يقول تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا} [النمل:84]، فلم تحيطوا بها علماً ولا معرفة، بل قيل لكم: آمنوا بالله واحداً فقلتم: لا نؤمن، وقيل: آمنوا بمحمد عبداً ونبياً فقلتم: لا نؤمن، وقيل: آمنوا بالقرآن أنه كلام الله، فقلتم: لا نؤمن، وما بحثتم ولا درستم، ولا حققتم، بمنطق عقل، ولا بمنطق نقل، ولا بسماع من محقق عالم عارف. قال تعالى: {أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:84] في هذه المدد الطويلة التي عشتموها من أعماركم، فلم تفكروا يوماً لعلكم تعودون إلى الله، ولعلكم ترجعون إليه فتسألون عن دينكم، وعن كتاب ربكم ورسوله، ولكنكم عشتم في الباطل وفي ضلال وفي فسوق وعصيان، والآن قد جئتم ورأيتم ما كذبتم به، وعشتم في واقعه، فتحملوا نتيجة عصيانكم ونتيجة كفركم.
تفسير قوله تعالى: (ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون)
تفسير قوله تعالى: (ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون) قال تعالى: {وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ} [النمل:85]. وقع عليهم القول باللعنة وبالغضب وبدخول النار، بسبب كذبهم على الله وتكذيبهم بالله وبرسول الله صلى الله عليه وسلم. والظلم هنا: الكفر والشرك والبعد عن الله وكتاب الله ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله. يقول تعالى: {وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ} [النمل:85]. وقفوا مبهوتين وهم يسمعون ما صنعوا في حياتهم مما كتبه الملك المكلف من كفر وشرك ومعصيته، فعندما بدا بذلك وعلموا أن كل ذلك حرام -وما ربك بظلام للعبيد- بهتوا ولم ينطقوا بشيء، وماذا يقولون؟! أيكذبون ربهم وهم الكذبة؟! أيكذبون الملائكة وهم الكذبة؟! أيكذبون الحق وهم في يوم القيامة الذي لا ينطق فيه إلا بحق، ولا يعمل فيه إلا حق؟! هيهات هيهات، ذهبت الدنيا بأكاذيبها ولعبها ولهوها وكفرها ونفاقها، فلم يبق يوم القيامة إلا الحق، فحق على الكافر العذاب، وحق للمؤمن الجنة ورحمة الله.
تفسير قوله تعالى: (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا)
تفسير قوله تعالى: (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً) قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النمل:86]. يقول تعالى عن هؤلاء الكفار: ألم يعلموا أن الله جعل الليل مظلماً ليسكن الناس فيه فيجدون فيه السكينة من المتاعب والمشاق من أعمال النهار ومن مشاكلهم البدنية والذهنية، فبالليل تسكن أعضاؤهم بضع ساعات ليشرق النهار وقد وجدوا في أرواحهم وفي أبدانهم طاقة جديدة في العمل في ذلك اليوم بما ينفعهم، ويعود عليهم نفعه في الدنيا والآخرة بما يكون لهم سبب الهداية إن شاءوا ذلك، وإلا ازدادوا كفراً على كفر، وغضباً على غضب. يقول تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ} [النمل:86]. ألم يروا رؤية القلب ورؤية العلم أن الليل الذي جعلناه مظلماً جعلناه كذلك ((لِيَسْكُنُوا فِيهِ))، أي: ليجدوا فيه السكينة والطمأنينة والراحة من عمل اليوم. (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) مشرقاً نيراً ليكتسبوا فيه بالتجارة وبالزراعة وبالضرب في الأرض وبالسياحة وبالأعمال التي تعود عليهم بخير في دنياهم وأخراهم إن شاءوا. قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [النمل:86] في جعل الليل للسكون والهدوء والطمأنينة، وجعل النهار مشرقاً نيراً للعمل الدءوب للدنيا، والعمل للآخرة لمن وفقه الله {لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النمل:86] جعل الله في ذلك آيات وعلامات ودلائل على قدرته، وعلى وحدانيته، وعلى أنه القادر على كل شيء والخالق لكل شيء. فتلك علامات بينات، وآيات واضحات لمن آمنوا بالله واحداً، وبمحمد نبياً وعبداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما غير أولئك فهم موتى لا يحسون، صم لا يسمعون، عمي لا يرون.
تفسير قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور)
تفسير قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور) قال تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل:87]، وفي قراءة سبعية: (وكل آتوه داخرين). والصور: قرن ينفخ فيه، والنفخة يصعق لها ويفزع لها من في السموات ومن في الأرض لشدتها وشدة انتشارها، وقد سأل أبو هريرة الراوي للحديث رسول الله عن الصور، فقال: (قرن، خلق إسرافيل ملك الله فكلف به). وفي الحديث الصحيح أن إسرافيل منذ استلم القرن وضع فمه عليه ينتظر الأمر بالنفخ فيه. والنفخ في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث. فنفخة الفزع هي التي يذكرها الله هنا في قوله: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ} [النمل:87] أي: اذكر -يا رسولنا- وذكر غيرك، يوم ينفخ في الصور في آخر يوم من أيام الدنيا، يوم يؤمر إسرافيل بأن ينفخ في الصور فيفزع ويهلع ويرتعب من في الأرض ومن في السماء، وتكاد تخرج القلوب من الصدور، ويقفون مبهوتين منتظرين إرادة الله راضين أم كارهين. والنفخة الثانية: نفخة الصعق، فينفخ إسرافيل فإذا بالكل يصعق ويخر ميتاً وكأنه لم يكن، كما قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ} [الزمر:68] فهذه نفخة الصعق، والتي في الآية نفخة الفزع. والنفخة الثالثة: بعد الموت، والله أعلم كم بين الأولى والثانية والثالثة. وبعد النفخة الثالثة يقفون جميعاً قياماً بين يدي ربهم يوم القيامة، يوم العرض عليه، {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:34 - 37] يوم ترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله عظيم. في هذا اليوم -يوم النفخة الثالثة في الصور- يقف الناس لرب العالمين.
المراد بمن استثناهم الله من الفزع
المراد بمن استثناهم الله من الفزع استثنى الله من نفخة الفزع فأخبر بأنه يفزع من في السموات ويفزع من في الأرض ((إلا من شاء الله))، فقيل: الذين شاء الله ألا يفزعوا ولا يرعبوا هم الشهداء الذين سقطوا في معارك الجهاد، فهؤلاء الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [آل عمران:170]. فيرزقون رزقاً الله أعلم بحقيقته، ويحيون حياة الله أعلم بحقيقتها. وعلى كل فالشهداء -كما نص النبي عليه الصلاة والسلام- لا يجدون فزعاً ولا رعباً ولا هلعاً من النفخة الأولى في الصور، بل يكونون على غاية ما يكون من السكينة والاطمئنان والراحة، ولا يفزع إلا غيرهم. وأنبياء الله في طليعة الشهداء، فأنبياء الله لا يفزعون، والشهداء لا يفزعون والملائكة لا يفزعون. ومن فسر الفزع هنا بالموت قال: يموت الكل إلا من شاء الله إلى حين، فيفنى الكل فلا يبقى إذ ذاك إلا جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت، فيميت الله تعالى أحدهم فلا يبقى إلا ثلاثة، فيميت الله الثاني ثم الثالث، فلا يبقى إلا جبريل، فيقول جبريل: يا حي يا قيوم مات الكل، وأنت الحي الدائم، فيقول له: مت أنت كذلك. فيموت ويبقى الله الواحد، فلا إنس ولا جن ولا ملائكة، فيقول إذ ذاك: لمن الملك اليوم؟! فلا مجيب، فيجيب نفسه بنفسه فيقول: لله الواحد القهار. وذاك قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن:26] فكل من على الكون فان ميت هالك {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:27]. فهو الذي كان ولا أولية لكونه، وهو الباقي ولا آخرية لبقائه، كنا عدماً فأحيانا من العدم، ونحن بعد ذلك تحت المشيئة الربانية، فإذا قال لنا: موتوا متنا، وسنموت لا محالة، فكما جئنا من عدم سنذهب مرة ثانية إلى العدم، وتبقى الأرواح، ثم ستعود بعد ذلك في الحياة الثانية يوم العرض على الله حيث الحياة الدائمة، فالجنة ولا موت، أو النار ولا موت. يقول تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [النمل:87] فلا يفزعون أو لا يصعقون من تلك النفخة، ولكن يموتون بعد ذلك، ويصعقون بعد ذلك، وآخر من يبقى أولئك الملائكة، ثم يموت الواحد منهم خلف الآخر ولا يبقى إلا جبريل، فيقول الله له: مت فيموت، فيبقى الله وحده.
معنى قوله تعالى: (وكل أتوه داخرين)
معنى قوله تعالى: (وكلٌ أتوه داخرين) قال تعالى: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل:87] وقرئ (آتوه) أي: جاءوه داخرين صاغرين مستجيبين بلا عصيان، فالكل يأتون إليه للحساب والعرض عليه جل جلاله. يأتيه المؤمن ويأتيه الكافر، يأتيه من يدخل الجنة ومن يدخل النار، يأتيه من كان في الدنيا مسرفاً على نفسه، ويأتيه من أكرمه الله بالإيمان والإيقان. والتنوين في (كل) تنوين عوض، أي: كل مخلوق، فكل مخلوق يأتيه يوم القيامة صاغراً مستجيباً ليعرض عليه حسابه إما إلى جنة وإما إلى نار. وجميع المفسرين القدامى في العصور الفاضلة وما بعدها قالوا: يكون ذلك يوم القيامة، حيث تزول الجبال عن أماكنها وتصبح كالعهن المنفوش.
النمل [88 - 93]
تفسير سورة النمل [88 - 93] إذا أذن الله بقيام الساعة تغيرت ظواهر الكون، فترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب، فتكون كالعهن المنفوش، وفي هذا اليوم تنجلي الحقائق فمن جاء بالحسنة فله خير منها، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار.
تفسير قوله تعالى: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب)
تفسير قوله تعالى: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) قال الله جلت قدرته: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل:88]. الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خطاب لكل سامع ولكل إنسان ولكل مسلم ولكل من يبلغه ويسمعه. يقول تعالى: ((وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً))، ترى الجبال -أيها الإنسان المبلغ المكلّف المدعو إلى الإيمان برسالة الإسلام ورسالة محمد عليه الصلاة والسلام- تظنها وتحسبها جامدة لا تتحرك، قائمة بمكانها وهي في نفس الوقت تجري جريان السحاب في الأجواء. قالوا: يكون ذلك يوم القيامة عندما يُنفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض، فيحدث ذلك عند ذهاب الدنيا وقيام الساعة، يوم لا يبقى إلا وجهه، قال تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88]، وقال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27]. قالوا: وهي في معنى قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} [طه:105] تُنسف نسفاً فلا يبقى إلا القاع حيث لا يوجد هناك أمت ولا اعوجاج، هكذا قالوا، والسياق يتعلق بقيام الساعة وبهلاك الدنيا وموت الخلق وذهابهم كالعهن المنفوش، فكل جاء من العدم وينتهي إلى العدم، ولا يبقى إلا الله الواحد عندما يقول: ((لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ))؟ فلا مجيب، فيجيب نفسه بنفسه: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر:16]. قال تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل:88] (صُنع) منصوب على الإغراء، أي: انظر صنع الله، أو أنه منصوب على المفعولية المطلقة، أي: صنع الله ذلك صنعاً. يقول تعالى: ((صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)) أتقن خلقه وأتقن وجوده وأتقن حياته وأتقن نظامه، فكل مخلوق من ملك وإنسان وجن وحيوان، وصامت وجامد، كل ذلك صُنع الله، وكل ذلك قد أتقنه جل جلاله. قال تعالى: ((إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ)) فالله جل جلاله هو الخبير والمطّلع على الضمائر وعلى الغيب، يعلم ما تُخفي الأنفس، ويعلم ما تُعلن، وهو الذي لا تخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض. هذا تفسير السلف لهذه الآية، وكذلك قال ابن جرير شيخ المفسّرين القديم ومرجعهم، وكذلك قال القرطبي وابن العربي وابن عطية من المغاربة، وكذلك قال ابن كثير والبغوي من المشارقة، وقال ذلك كل من فسّر الآية الكريمة من السلف.
ذكر ما قاله المفسرون المحدثون وعلماء الإعجاز في الآية الكريمة
ذكر ما قاله المفسرون المحدثون وعلماء الإعجاز في الآية الكريمة وقال المفسّرون المحدثون: إن الآية جاءت في سياق آيات متعلقة بيوم القيامة ومتعلقة بالصعق والنفخ في الصور، ولكن شأن القرآن في هذا أن يأتي بالآي في غير السياق العام تنبيهاً على قدرته تعالى وتقريراً لها. فهذه الآية ليست متعلقة بيوم القيامة، ولكنها متعلقة بعلم الفلك، فالأرض تتحرك، وتمر مر السحاب شعرنا أم لم نشعر، وذلك ليس بغريب على الله، فالله قد حمل الأفلاك على غير عمد، فالسماء في الفضاء والأرض في الفضاء، والأفلاك أعلاها وأسفلها في الفضاء. ثم إن الله تعالى قال لنا: ((وَتَرَى الْجِبَالَ))، ويوم القيامة فيه أهوال عظام، ولذلك فالناس في فزع عظيم من العرض على الله، وهم لا يدرون أيدخلون الجنة أو النار، فليس الوقت وقت رؤية ولا وقت تمعّن كما أن من بقي حياً إلى أن يُصرع ويُصعق يرى الدنيا تخرب ويرى السماوات تنشق ويرى الأرض تذهب وكأنها العهن المنفوش وكأنها لم تكن يوماً، والله تعالى يقول هنا: ((وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً))، وأما ذلك الرائي فيراها متحركة، كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} [طه:105] فهي تنسف نسفاً وتتدهده ويتبع بعضها بعضاً في الفناء. ثم إن قوله تعالى: ((صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)) يراد به الصنع الذي كان في الخلق الأول، والإتقان الذي كان في خلق الدنيا وتنظيمها ليلاً ونهاراً وخلقها على نظام لا يزيد ثانية ولا ينقص ثانية. ولكن هذا الذي قاله المفسّرون المحدثون لم يشر إلى شيء منه القرطبي على سعة تفسيره، ولا شيخ المفسّرين ابن جرير الإمام في الفقه والإمام في التفسير والإمام في التاريخ، وقد نقلوا تفسيرها عن صحابة وعن تابعين وعن مجتهدين فلم يُنقل عن واحد منهم ما ذكره علماء الإعجاز المتأخرون والمفسرون المحدثون كـ المرجاني وجمال الدين القاسمي في تفسيره الواسع محاسن التأويل. فكلام السلف على أن ذلك يوم القيامة، ولا يسعنا إلا أن نعتمد على السلف، وقد أتوا بنقول عن الأصحاب ونقول عن الأتباع ونقول عن الأئمة. ولا نقول: إن الذي قاله المحدثون غريب، فأمر الله أعجب من حركة الأرض، فهي مرفوعة على غير عمد كما قال لنا ربنا، فالكوكب الأرضي والسماوات العلى كلها محمولة في الفضاء بقدرة الله وبإرادة الله، ومتى أذن الله بزوال ذلك تدهده كل ذلك، وزال كل ذلك ونسف نسفاً.
تفسير قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها)
تفسير قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها) قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} [النمل:89]. من جاء يوم القيامة وعُرض على ربه فجاء بالحسنة -والحسنة هنا لا إله إلا الله-، أي: من جاء مؤمناً موحداً من الأمة المحمدية أو الأمم السابقة، ومعه (لا إله إلا الله) فله خير منها، وليس هناك خير من (لا إله إلا الله) إلا رضا الله، وأما غير ذلك فلا يعلو على (لا إله إلا الله)، يدل على ذلك حديث ذاك الرجل الذي يجيء يوم القيامة وكله آثام وذنوب ومخالفات، فأمر بطرحه في النار، فقال الله جل جلاله: ردّوه، لا ظلم اليوم، وإذا ببطاقة صغيرة فيها (لا إله إلا الله) توضع في كفة الميزان، فيقول هذا الذي أُمر به للنار: فما عسى أن تصنع هذه البطاقة؟! لكثرة ذنوبه وكثرة كبائره وكثرة معاصيه، وإذا بكفة الحسنات تثقل، لأن (لا إله إلا الله) لا يقف لها شيء. فمن مات وهو يقول: (لا إله إلا الله) دخل الجنة، وهل سيدخلها بعد العذاب في النار، أو يغفر الله له؟ ذاك غيب لا يعلمه إلا الله، ولكن الذي ندين الله به هو قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48]. ومن العقائد الثابتة أن النار سيدخلها الكافرون وسيدخلها مؤمنون عصاة، الله أعلم بهم، وأعلم بإقامتهم فيها، ولكن لن يخلد في النار ولن يدوم في النار من مات وهو يقول: (لا إله إلا الله). يقول تعالى: ((مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا)) وفُسِّرت الحسنة بالحسنة مطلقاً من صلاة وصيام وصدقة وسائر أنواع الطاعات. ((فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا)) وفي آية أخرى: {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام:160] فذاك خير من واحدة، ذاك تضعيف الله وتكريم الله للمؤمن المُحسن. ولكن السياق في المؤمن والكافر، فمن فسّر الحسنة هنا بالتوحيد وبـ (لا إله إلا الله) فالسياق يؤكد قوله. قوله تعالى: {وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} [النمل:89]. ولا يكون هذا إلا للموحد المغفور له، فالذي أتى بهذه الحسنة لا يُفزع ولا يخاف ولا يُرعب، ولا يحصل له ما يحصل للمقصرين والمذنبين والعصاة، وما ذلك إلا لأنه أتى موحّداً مطيعاً، أتى ومعه (لا إله إلا الله) اعتقدها جنانه ونطق بها لسانه، فكان جزاؤه من ربه المغفرة والرضا، وكان جزاؤه أن أمّنه من الفزع والرعب والخوف من أن يدخل النار ومن أن يُغضب عليه. وقرئ في السبع: ((وَهُمْ مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ آمِنُونَ)) بالإضافية، فيكون المراد فزع العرض على الله والحساب. وقراءة ((فَزَعٍ)) بالتنوين على التنكير تدل على العموم، وهي أبلغ، فيكون آمناً من الفزع بكل أشكاله، فيأمن من فزع الحساب، وفزع العقاب، وفزع دخول النار، وفزع ما يحصل للناس عموماً يوم العرض على الله {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى} [الحج:2]، فالذي يحدث للناس لا يحدث لهذا البتة، جزاء طاعته وعمله في الدنيا، فعند العرض على الله وجد جزاء عمله وطاعته وإيمانه، جعلنا الله منهم.
تفسير قوله تعالى: (ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار)
تفسير قوله تعالى: (ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار) قال تعالى: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:90]. (من جاء بالسيئة) أي: سيئة الشرك، فمن جاء كافراً بالله مشركاً بالله كافراً بالأنبياء جاحداً للإسلام، كافراً بكتاب الله القرآن الكريم وما أمر به وما نهى عنه كُب على وجهه في النار، فطُرح وقُذِف وجُر جراً على وجهه إلى النار. يقول تعالى: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ} [النمل:90] فطرحوا على وجوههم وسحبوا سحباً إلى النار وإلى غضب الله جزاءً وفاقاً على كفرهم برسول الله محمد سيد البشر صلى الله عليه وسلم، وعلى شركهم بالله الواحد، وعلى كفرهم بالقرآن كلام الله الحق الذي أنزل لهداية البشرية عامّة وللجن. قال تعالى: {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:90] يقال لهم: هذا الكب في النار وهذا السحب على الوجوه إلى جهنم جزاء ونتيجة ما كنتم تعملون في دار الدنيا، عندما دعاكم رسولكم وكتاب الله المنزل على نبيكم، وهو الذي طالما نادى: (يا أيها الناس). (يا أيها الذين آمنوا). فلم تعيروا ذلك آذانكم، ولم تستجيبوا لدعوة القرآن أمراً ولا نهياً، والآن جاء وقت الجزاء، فللمحسن الجنة ورضا الله، وللمسيء الغضب ولعنة الله والخلود في الجحيم والنيران.
تفسير قوله تعالى: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة)
تفسير قوله تعالى: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة)
شرف العبودية لله تعالى
شرف العبودية لله تعالى قال تعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [النمل:91]. قال الله لعبده ونبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: قل: إنما أُمرت أن أعبد رب هذه البلدة، فكما أمرتكم بعبادة الله أُمرت أنا بأن أمتثل رسالتي وأن أُطيع إلهي وأن أعمل بالكتاب المُنزل عليّ، فكُنت أول مسلم وكُنت أول مستجيب لما جئت به للناس كافة. و (إِنَّمَا) أداة حصر، ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، وإنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله) فأطرت النصارى عيسى فقالوا عنه: هو الله، وقالوا عنه: هو ابن الله، وقالوا: ثالث ثلاثة. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يؤكد ويُلح سفراً وحضراً على أنكم مهما مجّدتم فلن تخرجوني عن كوني عبداً لله أولاً، ثم أنا بعد ذلك نبي. فأشرف صفة شرف بها المصطفى صلى الله عليه وسلم أن كان عبداً لله، وفي المناسبات الكبيرة عندما رفع الله شأن عبده محمد صلى الله عليه وسلم كان من أعلى الصفات وأزكى الصفات وأسماها أن يوسم بالعبد، كما قال تعالى عند ذكر الإسراء والمعراج، ولم يكن ذلك لأحد من الأنبياء قبل، ولم يكن ذلك لملك مقرّب ولا لنبي مرسل غير رسولنا وحده صلى الله عليه وسلم، حيث حصل له الإيمان شهوداً بما ذكر الله للخلق منذ آدم إلى خاتم الأنبياء نبينا صلى الله عليه وسلم، فعُرج به إلى السماوات العُلى سماء فسماء إلى سدرة المنتهى حتى كان قاب قوسين أو أدنى {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم:17] فقال عن ذلك ربنا: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء:1] فوصفه بالعبودية، وتلك أسمى صفة وأشرف صفة يوصف بها خاتم الأنبياء؛ لأن عبودية الله حُرّية، ولأن عبودية الله شرف، ولأن عبودية الله لا تتم بحقها إلا للمقربين من الملائكة والمرسلين وأتباع المرسلين من الأتقياء والصالحين. يقول تعالى: ((إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ)) وهذه البلدة هي مكة المكرمة التي فيها الكعبة المشرفة التي شرفت بأن جُعلت قبلة للمؤمنين وطاف بها المؤمنون منذ أيام آدم إلى أن جُددت وأُعيدت أيام إبراهيم إلى أن عادت إلى التوحيد والإيمان أيام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، فشرفها الله وأدام التوحيد المحيط بها، وأكثر الناس الذين يعبدون الله متجهين إليها وطائفين بها، ونسبة الرب إليها تشريف لها. قال تعالى: (وله كل شيء)، فهو رب كل شيء، وكل شيء خاضع لجلاله مؤتمر بأمره، وهو خالق كل شيء ومعبود كل شيء جل جلاله وعزّ مقامه. وقد فرض الله على كل إنسان في الأرض مرة في العمر أن يأتي إلى البلدة المكرّمة المقدسة طائفاً بالكعبة المشرفة، ساعياً بين الصفا والمروة، قائماً في عرفات، بائتاً في منى، قائماً بالمشاعر، مرة في العمر على أقل تقدير، ويُسن تجديد ذلك عند كل تمام خمس سنوات.
عدم سقوط تكاليف العبودية عن الأنبياء والصالحين
عدم سقوط تكاليف العبودية عن الأنبياء والصالحين يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّمَا أُمِرْتُ)) ولو تركت الشريعة لأحد لتركت للنبي، فما زعمته الفئات الضالة من أن الإنسان عندما يعلو في الطاعة والمعرفة تسقط عنه الواجبات كذب وضلال، وهيهات هيهات! إنما أسقطها الشيطان، والشيطان عندما يمتثل الإنسان لأمره يكون قد أشرك بربه واتخذ الشيطان إلهاً. والنبي عليه الصلاة والسلام على رفعة مقامه وأفضليته على كل الخلق كان أعبد الناس، وكان أتقى الناس، وكان أخوف الناس من ربه، ولذلك عندما اجتمع نفر من الصحابة فقال بعضهم: أصوم الدهر ولا أفطر، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: أقوم الليل ولا أنام، فبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام قام خطيباً فقال: (أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأُفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). فمن رغب عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وسلوكه في دين الله الذي أتى داعياً إليه لا يكون من المسلمين ولا يكون من أتباع النبي حقاً، وقد نهى عن صيام الدهر فقال: (لا صام من صام الدهر). قال ابن العربي: إن كانت هذه دعوة من رسول الله عليه الصلاة والسلام على من صام الدهر فيا ويل من دعا عليه عليه الصلاة والسلام! والمعنى أن من صام الدهر لا أصحه الله ولا أمتعه بالعافية ليصوم. وإن كان ذلك خبراً، كان معناه: لم يُعتبر صائماً، فليس له إلا الجوع والعطش، فلا أجر ولا ثواب. فيقول ابن العربي مرة أخرى: فمن أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم عن عبادته وعن صيامه بأنه ليس صائماً وأنه لا أجر له ولا ثواب فإصراره بعد ذلك على صيام الدهر إصرار على المخالفة وعلى الخروج عن السنة النبوية المحمدية. فالله جعلنا أرواحاً وأجساماً نأكل ونشرب ونتزوج ونتمتع في حدود الشريعة الإسلامية، ولا نخرج عن أمر الله بمقدار طاقتنا وقدرتنا، فإن حصل شيء منا فإنا نكثر الاستغفار ونُكثر التوبة، فالمؤمن خطاء.
معنى قوله تعالى: (الذي حرمها)
معنى قوله تعالى: (الذي حرمها) يقول تعالى لنبيه: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} [النمل:91]. أي: جعلها حراماً، فحرّم فيها القتل والقتال، وحرّم فيها الصيد. ولذلك جاء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فيما رواه البخاري في الصحيح ومسلم في الصحيح وأصحاب السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن الله حرّم مكة يوم خلق الله السماوات والأرض). فلم يحرّمها النبي صلى الله عليه وسلم ولا جده الأعلى إبراهيم، ولكن حُرّمت -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- يوم خلقت السماوات والأرض، فإن صح أنه كان هناك خلق قبل آدم فقد كانت محرمة أيضاً عليه، لا يرتكبون فيها معاصي ولا يصيدون صيدها ولا يختلون خلاها؛ فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُقطع شجرها، ولا يُختلى خلاها، ولا ينفّر صيدها، ولا تُلتقط لقطتها إلا لمعرّف بها. وقد أكد عليه الصلاة والسلام التحريم الأزلي منذ خلق السماوات والأرض كما فعل جده الأعلى خليل الله إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، والتحريم قد نص الله عليه وصرّح به في هذه الآية الكريمة {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} [النمل:91] فجعلها حراماً لا يصاد صيدها، بل ولا ينفّر، وتنفيره: إبعاده، فيحرم على الإنسان أن يفعله، أما إذا اصطاد فعليه هدي زيادة على الإثم والحرام، بل إن لقطتها لا تُحمل من الأرض إلا لمن يريد أن يعرّف بها، وإلا فاتركها في مكانها ولا شأن لك بها، فدع اللقطة في مكانها إلى أن يأتي صاحبها.
معنى قوله تعالى: (وله كل شيء)
معنى قوله تعالى: (وله كل شيء) قال تعالى: ((وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ)). فهو تعالى رب كل شيء، ومالك كل شيء، وله السماوات العلى وله الأرضون، وله ما كان وما يكون، وله الإنس والجن والملائكة، وله الكون كله، فهو خلقه، وهو أنشأه ودبّره وقام عليه جل جلاله بإرادته ومشيئته. قال تعالى: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} أُمر سيد البشر عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يكون من المسلمين لربه المستسلمين لطاعته والممتثلين لأوامره والتاركين لنواهيه، الداعي إلى الله والمبلّغ عنه كتابه الكريم القرآن الجامع، وسنته النبوية التي تشرح الوحي وتبيّن الوحي، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] فكان نبينا أول المسلمين وأول المطيعين لما جاء به من رسالة.
تفسير قوله تعالى: (وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن)
تفسير قوله تعالى: (وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن) قال تعالى: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} [النمل:91 - 92]. والقرآن الكريم هو الكائن بين دفتي المصحف من {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] إلى {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس:1] كل ذلك كلام الله ووحي الله باللفظ والمعنى، وبتنظيم السور وتنظيم الآي، أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يتلوه، وأن يتهجد به، وأن يصلي به الصلوات الفرائض والنوافل، وأن يتلوه على الناس ببيان حرامه وحلاله وعقائده وقصصه وآدابه، فذاك أمر الله له، فلا يخرج عن أمره، وقد عصمه الله كما عصم الأنبياء من المخالفة ومن المعصية، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو المسلم الأول- قد أُمر بالإسلام فامتثل وأطاع، كما أُمر بتلاوة القرآن وهو المعصوم والمغفور له ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر، فما يقول المسلمون أمثالنا؟! إذاً: ذاك أمر لنا كذلك بتلاوة القرآن وبالتهجد به والصلاة والعبادة. قال تعالى: {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} [النمل:92]. يقول الله لنبيه: افعل ما أُمرت به {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ} [النور:54] فمن اهتدى بعد أن بلغته ودعوته وتلوت عليه كتاب الله وقرعت به أذنيه فلنفسه اهتدى، فصلاح ذلك وثواب ذلك وجزاء ذلك سيعود عليه، فالهداية عائدة إليه لا إليك، وثوابه لنفسه ودخوله الجنة لنفسه ورضا الله لنفسه. وإن خالف فقد قال تعالى: {وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ} [النمل:92] فإن ضل فلم يقبل الدعوة والبلاغ، ولم يقبل كتاب الله، ولم يقبل رسالتك، ولم يهتد بهديك، ولم يمتثل لأمرك، فهذا ضال، وقل عن نفسك: ((إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ)). وكل نبي من الأنبياء جاء للنذارة وتخويف الناس من معصية الله ولتبشيرهم بطاعة الله، فمن استسلم لربه وأطاع رسله فقد اهتدى ودخل في زمرة الهادين المهتدين، فلنفسه اهتدى، ولها قدّم الحسنات وقدّم الأجر والثواب. وإن هو ضل بمعصيته وبكفران ربه وبجحود الكتاب المنزل عليه ((فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ)) أي: إنما أُمرت أن أُنذرك وأخوفك وأن أهددك وأبلغك أمر الله؛ لأن من لم يطعه وخرج عن الكتاب وعن سنة محمد صلى الله عليه وسلم فالنار مأواه وهي جزاؤه، وأنا لست إلا منذراً مبشّراً للمؤمنين ومنذراً للكفار العصاة المخالفين، وبعد ذلك لا يلومن إلا نفسه، وإنما هي أعماله تقدّم إليه، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، كما في الحديث القدسي.
تفسير قوله تعالى: (وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها)
تفسير قوله تعالى: (وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها) قال تعالى: {وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [النمل:93]. معناه: ابتدئ أعمالك بالحمد وأنهها بالحمد، فقد ابتدأ الله كتابه بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2]، وختم دخول الجنان بالحمد لله رب العالمين. وهنا يقول الله لنبيه: قد بلّغت رسالة ربك، وقد تلوت كتابه، وقد أنذرت من يُنذر وبشّرت من يُبشّر، فقل بعد ذلك: (الحمد لله رب العالمين)، فالحمد لله على ما ألهم نبينا من طاعة لربه ومن نذارة ومن بشارة ومن تبليغ لكتاب ربه، وقام بذلك خير قيام صلى الله عليه وسلم، ولذلك خطب قبل موته بأشهر في حجة الوداع في الأرض المقدسة عند جبل الرحمة خُطبة الوداع، وكان يودع الخلق ويودع البشر، وقد قال تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر:30]، فكان يقول: (هل بلغت؟ هل بلغت؟) فيقولون: نعم يا رسول الله. فيرفع أصبعه السبابة إلى السماء ويقول: (اللهم اشهد). وهنا يقول الله له وقد بلّغ: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} [النمل:93]. أي: يا أيها الذين كذّبتم نبيكم وكفرتم بربكم! غداً ستردون فتعلمون، وفي الدنيا سترون الآيات. قال هذا ربنا فبلغه إيانا نبينا قبل ألف وأربعمائة عام، وقد رأينا هذه الآيات، رآها الآباء ورآها الأجداد وأدركناها نحن، وسيراها من يأتي بعدنا إلى يوم القيامة، ومنها كل ما أخبر به صلى الله عليه وسلم مما سيكون بعده من فتن وفجور ومعصية، وعز وشرف ونشر للإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، فستخاض بحار في سبيل الله. فالعرب الذين كانوا يأكل قويهم ضعيفهم، ويصنعون الصنم من الحلوى ثم يجوعون فيأكلونه، جاءهم الإسلام فأصبحوا سادة الأرض وأئمة الأرض ومعلمي الأرض وأئمة الكون، نشروا الهدى والتوحيد، وأبطلوا الكفر وقضوا على الأوثان من الصين إلى أوروبا. فعندما كانوا مطيعين لربهم قائمين بكتابهم يحكمون في الخلق بأحكام الله حلالها وحرامها، عندما كانوا كذلك سادوا الأرض كما أخبر المصطفى عليه الصلاة والسلام. وكذلك أخبر بأنهم عندما يعصون ويخالفون ويتمردون على ربهم سينتكسون ويذلون ويحكمون من قبل أحقر الخلق وألعن البشر، وما يجري اليوم بيننا وبين اليهود والنصارى والمنافقين ما هو إلا عقوبة إلهية نتيجة تمردنا ونتيجة بعدنا عن الله وكتاب الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم، ولن يعود الله بنا إلى ما كنا فيه من خير ومن عز وشرف ونصر إلا إذا عدنا إلى ربنا مرة أخرى فحكمنا كتاب ربنا وسنة نبينا.
القصص [1 - 3]
تفسير سورة القصص [1 - 3] سورة القصص من السور العظيمة التي ابتدأت بالحروف المقطعة (طسم)، وفيها يتلو رب العزة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من نبأ موسى وفرعون بالتفصيل منذ ولادة موسى عليه السلام.
تفسير قوله تعالى: (طسم)
تفسير قوله تعالى: (طسم) بسم الله الرحمن الرحيم {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [القصص:1 - 3]. هذه السورة مكية إلا آيتين أو ثلاثاً وعدد آياتها (88) آية. وهناك آية واحدة نزلت بين مكة والمدينة عندما كان نبينا عليه الصلاة والسلام مهاجراً من مكة مسقط رأسه وبلد قومه وعشيرته، عندما اضطره كفارها إلى تركها والخروج عنها خروجاً أبدياً إلى يوم القيامة، فحُرموا بركته ورسالته، ولكن الله بعد ذلك أكرم كثيراً منهم بالإيمان، فتم الشرف لأهل مكة والمدينة بالإيمان برسول الله ثم حرّمها على الكافرين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة:28]. خرج الكفر منها خروجاً أبدياً، ولن يعود بحكم الله، على أن يكون له الشأن ما دامت الدنيا ودام الإسلام، أما في أُخريات الزمان وعند قيام الساعة فتلك لها حكم، وتأتي في كتاب الله، وقد أتت مرة. أما الآية التي نزلت في الطريق بين مكة والمدينة فإنها نزلت في الجحفة ميقات أهل المغرب، وهي ما تسمى اليوم (رابغ)، وهو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [القصص:85] فكانت هذه الآية وحدها تُعتبر مدنية مكية، لا مكية خالصة، ولا مدنية خالصة، ولكن تُعتبر بينهما، فقد نزلت في الطريق بين مكة والمدينة. قال تعالى: {طسم} [القصص:1] أي: طاء سين ميم، هذه الأحرف الهجائية التي طالما تحدثنا عنها وقلنا: إن المفسرين قديماً وحديثاً تنازعوا واختلفوا في معناها؟ فقال البعض: هي أرقام حسابية، ولا دليل لهم، وقال البعض: هي أسماء إلهية ورموز، ولا دليل لهم إلى غير ذلك من الأقوال. والأقرب للحق والصواب ما قاله الزمخشري في كشافه وسانده وأيده مفسِّر مُعاصر - أعني الشيخ الشنقيطي، وتفسيره بين التفاسير المعاصرة من أحسنها ومن أكملها دليلاً وبرهاناً - حيث قالوا: القرآن مُعجز وهذا معلوم من الدين بالضرورة علمناه علماً واقعاً تحدى الله البشر والخلق أيام نزول القرآن على سيد البشر وسيد العرب صلى الله عليه وسلم وعلى أقوامه، وكانوا الفصحاء والبلغاء، وكانوا أمراء الكلام شعراً ونثراً، وكان القرآن قد نزل بلغتهم. فالقرآن تحداهم وأعجزهم على بلاغتهم أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، أو يأتوا بآية من مثله. نبي الله أُعطي جوامع الكلم عليه الصلاة والسلام، وهو أفصح العرب على الإطلاق، ومع ذلك إذا تكلم النبي صلى الله عليه وسلم من قِبل نفسه قلت: هذا كلام بليغ فصيح؛ ولكنك إذا قرأت القرآن تجد الكلام المعجز، والكلام الأبلغ والأفصح. فهو عندما يتكلم بالقرآن يكون في رتبة المتكلم بكلام الله والتالي لكلام الله؛ فإذا تكلم وتحدث عن نفسه وبقوله ينزل رتبة عن ذلك، ومعناه أن القرآن فيه تعجيز للخلق أنبياء ورسلاً وملائكة وبلغاء. ومعنى معجز: أي: أعجز البشر، ومسيلمة الكذاب عندما ادعى النبوة في الحياة النبوية ذهب يقول: أنا كذلك أوحي إلي، وأخذ يتلو على الناس كلاماً يقول هو قرآنه، وكان من الهراء والسخف، ومما يضحك الثكلى ما كان يقول: أوحي إليّ، فتارة كان يقول: قسمت الأرض بيني وبين قريش، ولكن قريشاً قوم لا يعدلون، الطاووس وما الطاووس؟! والذبابة وما الذبابة؟! لها شعر ولها ريش! وأخذ يهذي هذا الهذيان؛ ولا يزال ذلك مسجلاً في الكتب ليضحك به الثكلى. وقالوا عن المعري الشامي أنه حاول كذلك في اللزوميات أن يعارض القرآن، وقد دافع عنه قومه، وعلى كل اعتبار قصد ذلك أو لم يقصده أين اللزوميات في فصاحتها وبلاغتها، وأين فصاحة النبي عليه الصلاة والسلام؟ بل أين فصاحة القرآن وبلاغة كلام الله المعجز؟ وهنا سيقول قائل: القرآن نزل بلغة العرب، وإذا كان الأمر كذلك فما معنى الإعجاز؟ فإن الله زيادة في التحدي ابتدأ الكثير من السور: {الر} [الحجر:1] {الم} [البقرة:1] {حم} [غافر:1] {يس} [يس:1] {طسم} [القصص:1] الأحرف هي أحرف الهجاء الثمانية والعشرين، وكأن الله يقول: هذا القرآن حروفه المتكونة منه، القائمة على جمله وتعابيره، هذه هي الحروف العربية: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف:2] لكن أتستطيعون أن تفعلوا ذلك، والحروف أمامكم واللغة طوع يدكم؟ ولذلك لا تكاد تجد هذه الأحرف إلا وذُكر القرآن بعدها: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ} [البقرة:1 - 2] وهنا: {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [القصص:1 - 2].
تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب المبين)
تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب المبين) قال تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [القصص:2]. معناه: الله تعالى تكلم بالقرآن وأنزله على نبيه بواسطة الروح الأمين جبريل عليه وعلى نبينا السلام، كان هذا من هذه الأحرف، أتستطيعون أن تأتوا بمثلها؟ هيهات لا مؤمن ولا كافر! {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [القصص:1 - 2]. الإشارة إلى هذه الأحرف، وهذه الأحرف منها كان القرآن، ومنها كانت جمله ومفرداته وتعابيره، ومع ذلك أتستطيعون أن تفعلوا مثل ذلك؟ هيهات هيهات! التحدي كان منذ (1400) عام، وكان في عصرنا منذ عشرين سنة أو أكثر بقليل رجل لم يمض له مثيل في البلاغة والفصاحة منذ (1000) عام في العرب، وأعني به مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في كتابه الذي جمع بعد ذلك ومقالاته، وسميت: وحي القلم مع بلاغته وفصاحته، عندما تقرؤها تقول: فصاحة وبلاغة! ولكن عندما تقرأ الفصاحة النبوية تجد بين كلامه والفصاحة النبوية ما بين السماء والأرض، أما إذا وازنت بينه وبين بلاغة القرآن وإعجازه فالفرق هو ما بين الخالق والمخلوق؛ هذا على أنه لا نظير له ليس في عصره فقط بل من قبل عصره بأكثر من ألف عام، مع أنه عمر مقالاته وكلامه بروح الإسلام، وأخلاقه وآدابه في أبلغ عبارة وكلمة ومفردة، ولكن الإعجاز للقرآن يبقى دائماً الصفة الكاشفة المفردة المعرّفة. {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [القصص:2] تلك: هذا الكلام أكّده صاحب الكشاف الزمخشري وأيده بتحمس وبأدلة أخذها من الاستقراء في كتاب الله، كما فعل الزمخشري وكذلك صديقنا المرحوم الشيخ الشنقيطي في كتابه أضواء البيان. {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [القصص:2] (تلك) أي: وهذه الأحرف منها، (آيات الكتاب المبين) أي: القرآن المبين الواضح، البيّن المنير المشرق، الذي مهما لم يفهمه زيد من الناس أو عمرو من الناس فقد فهمه آخرون، فلا بد من بيانه ومعرفته إذا لم يفهمه الكل لعدم دراستهم ولجهلهم بلغة العرب، وبشريعة الإسلام، فمن أكرمه الله باللغة العربية والإمامة فيها ودراسة الشريعة الإسلامية فالقرآن له بيّن، بل هو بيّن لعموم من يعرف العربية حتى الدارجة، يستطيع أن يفهم من ذلك الدعوة إلى عبادة الله، وترك الحرام والمنكرات على قدر لغته الدارجة، أما الذي لا يعرف من العربية شيئاً فهذا أصم وأبكم، فيجب عليه تعلم العربية؛ ليعلم كتاب ربه وسنة نبيه. والإسلام فريضة على كل مسلم، ولا يتوصل إلى ذلك إلا باللغة التي أنزل بها، وما أُنزل القرآن إلا بلغة العرب، وما أُنزل إلا على سيد العرب بلغته صلى الله عليه وسلم وفصاحته وبيانه. (المبين) أي: النير الواضح الذي يفهمه كل من أكرمه الله للتعلم من العربية والشريعة ما يدرك به المعنى والأحكام.
تفسير قوله تعالى: (نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق)
تفسير قوله تعالى: (نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق) قوله: {نَتْلُوا عَلَيْكَ} [القصص:3] كان هذا كالديباج؛ لما في داخل السورة من أحكام وفصول. يقول تعالى مخاطباً نبينا عليه الصلاة والسلام: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [القصص:3] أي: نتلو عليك يا محمد، ونقرأ عليك وننزل عليك ونبيّن لك. (مِنْ نَبَإِ) (من) للتبعيض أي: بعض أنباء وأخبار موسى نبي الله، أحد أولي العزم من الرسل، المنزلة عليه التوراة، من أنبياء بني إسرائيل. (نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ) أي: تلك الأكاذيب والأضاليل التي يقصها اليهود والنصارى في كتبهم المحرفة وتوراتهم بعد تبديلها وتغييرها، وفي إنجيلهم بعد تبديله وتغييره، وفي كلام علمائهم وهم أكذب وأفجر الخلق، ومن أضلهم الله على علم، نحن سنتلو ونقص عليك ونملي عليك من أنباء هؤلاء وأخبارهم (بالحق) أي: بالصدق البيّن الذي لا شك فيه، ولا مين ولا تردد ولا احتمال. ((لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [القصص:3]. أي: الذي آمن بالقرآن وآمن بالمرسل إليه نبينا صلى الله عليه وسلم، فهو الذي سيؤمن بما يتلو ويقص القرآن، أما أولئك الكفرة الفجرة الذين لم يؤمنوا بالله في الأصل ولا بكتابه ولا بنبيه هؤلاء لا يؤمنون لا بقصص القرآن، ولا بأحكام القرآن، فهم كفروا بالأصل فكيف بما جاء بعد ذلك؟! ولذلك يخاطب الله هنا المؤمنين الذين سيصدقون ما يُقال لهم إذا آمنوا، فهو يتلو علينا ذلك لنأخذ الحكمة والعبرة والفائدة لما يستقبل حياتنا ومجتمعنا وأحكامنا، وقد ذُكرت قصة موسى وبني إسرائيل في القرآن كثيراً من المرات، فما الحكمة في ذلك؟ سبقنا في الديانة عيسى، وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، بينه وبين نبينا عليه الصلاة والسلام ستة قرون وثلث قرن وسنوات، وليس بينه وبين نبينا رسالة ولا نبوة، وقبله سبق موسى وكان من أولي العزم، وهو الذي أُنزلت عليه التوراة، ثم أُنزل الإنجيل على عيسى، فالله يذكر لنا قصص بني إسرائيل من أتباع موسى وأتباع عيسى، وهو قد فضّلهم يوماً على العالمين، ومكّنهم في الأرض، وأرى فرعون وهامان منهما ما أراهم، ثم لُعنوا بعد ذلك وغُضب عليهم، وذلوا واستعبدوا، وأصبحوا أذل من شسع النعل، لم ذلك؟ لأنهم خرجوا عن أمر الله، وقتلوا الأنبياء، ونشروا الفواحش والفساد، وكانوا قساة القلوب. ولا تغتر أيها المسلم بما يجري اليوم فليس هو إلا استدراجاً، فعن قريب وعن قليل تقشّع، فيعودون إلى السحق بالأقدام، وإلى الطرد من جميع ديار المسلمين، ولن تقوم لهم بعد ذلك قائمة؛ لأن القرآن الكريم حدثنا بذلك، وأعطاهم فرصتين وزمنين للإفساد في الأرض، وبعد الإفساد الثاني لن تقوم لهم قائمة، وسيكون هذا الإفساد استدراجاً للقضاء عليهم وتشريدهم وطردهم. ولكن القرآن عندما يقص علينا أخبارهم يقول لنا: يا هؤلاء المسلمون الذين فضّلهم الله على كل البشر من اليهود والنصارى وغيرهم، وجميع الأمم السابقة، وجعل نبيهم أفضل وأكرم الأنبياء، ولا نبي بعده، ولا رسول بعده ودينه عالمي لكل الخلق في حين أن نبوة عيسى قومية مقصورة على بني إسرائيل. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (اختصصت بخمس: كان الأنبياء قبلي يرسلون إلى أقوامهم خاصة وبعثت إلى الناس عامّة) فالإسلام وحده هو الدين العالمي، وقد قلت: وأكّد هذا ما وجد في الإنجيل من قول الله تعالى نقلاً عن عيسى: إنما أُرسلت إلى بني إسرائيل خاصة، عيسى نفسه يقول: جئت إلى كباش هؤلاء اليهود ولم يرسل لغيرهم. أكّد ذلك القرآن الكريم فقال: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} [الصف:6] ليس رسولاً إلا لنبي إسرائيل، لم يرسل لعرب ولا أوروبيين، ولا لأمريكيين، ولا لأحد من الخلق إلا لبني إسرائيل، فلم يؤمر غيرهم بأن يكونوا أتباعه ولا أن يؤمنوا به، ولكن عندما جاء الإسلام نُسخت هذه الأديان، وانتهت نبوءات رسلهم، ثم هي كانت قد نُسخت وبدّلت وغيرت، بعد ذلك نسخت للإسلام، وأصبح بعد ذلك من لم يدخل الإسلام ولم يدن بالإسلام لا دين له؛ ولذلك يقول تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران:19] {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:85]. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: (والله لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي). وعيسى سينزل في آخر الدنيا من السماء، وسيكون من أتباع نبينا عليهما الصلاة والسلام، وما فعله صلى الله عليه وسلم بأمر ربه ليلة الإسراء في المسجد الأقصى أعاده الله للمسلمين، وطرد منه القردة والخنازير وعبد الطاغوت من اليهود، حيث صلى إماماً بالأنبياء بأرواحهم، وما كانت تلك الإمامة إلا إشارة إلى أنه سيدهم وكبيرهم، والذين أُخذ عليهم العهد أن من أدرك الحياة المحمدية ليؤمنن به وليدينن بدينه ولينصرنه، ذاك أمر الله.
القصص [4 - 8]
تفسير سورة القصص [4 - 8] كان فرعون قد طغى وتجبر وتكبر واستعمل سياسة (فرق تسد) ليتم له استضعاف شعبه واستعباده، وقد أذل بني إسرائيل غاية الذل، وحينئذٍ أذن الله بأن يولد من بني إسرائيل من تكون نهاية فرعون وملكه على يديه.
تفسير قوله تعالى: (إن فرعون علا في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (إن فرعون علا في الأرض) قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4]. يخبرنا ربنا جل جلاله عن فرعون حاكم مصر مدّعي الألوهية الظالم الغشوم الذي عوقب على ظلمه ودعواه الألوهية بالغرق مع جنده وملئه وقومه، وأنه علا في الأرض وتجبّر وطغى وتكبّر وتعالى على عباد الله، وجعل أهل مصر شيعاً وأحزاباً وفرقاً، فهو من النوع الذي يطبق المثل الدارج: فرّق تسُد، وهذا مبدأ استعماري ظالم اتخذه فرعون مصر الأول وغيره من فراعنة العصر الذين طالما طغوا وعلوا في الأرض استعباداً واستصراخاً وإفساداً، فكان أول ما صنع فرعون حتى لا تجتمع عليه شعوب الأمة فيقضون عليه ويثورون في وجهه ويخلعونه عن ألوهيته الكاذبة، أن جعل أهل مصر فرقاً وشيعاً وطوائف يضرب بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً ويتآمر بعضها على بعض ليبقى وحده الحاكم المتسلط. وجاء إلى فئة من شعبه وهم بنو إسرائيل ووجدهم ضعافاً أذلاء فاستضعفهم، فاستعبد رجالهم ونساءهم وحمّلهم ما لا تطيقه الجبال ذلاً وهواناً وخدمة، فكانوا يقومون بالمشاق والمتاعب من صناعة وزراعة وإصلاح شوارع والقيام بالدور، أما الأقباط قوم فرعون فهم وحدهم المرفّهون المنعّمون بما خلق الله في الأرض من خصب ومن نعم ومن زروع ومن ثمار. ولم يكفه ذلك الاستضعاف والاستعباد والاستذلال لبني إسرائيل، فذبّح أبناءهم الذكور عندما يولدون، وترك البنات أحياء فلا يقتلهن؛ وذلك لأنه رأى في المنام أن هلاك ملك الفراعنة الأقباط في مصر سيكون على يد وليد من بني إسرائيل، فاتصل بالكهان وبمن يعبّر الرؤيا فعبّروها بأن طفلاً من بني إسرائيل ممن استذلوا واستعبدوا للفراعنة والأقباط سيولد وسيكون سبب هلاك فرعون وخلفائه وقومه من الأقباط على يده، فيغضب غضباً شديداً فيأمر بقتل كل وليد ذكر لإسرائيلية عبرانية فبقي على ذلك زمناً يرسل الذبّاحين والقوابل، عندما يعلمون بحمل امرأة من بنات بني إسرائيل، فيرقبونها إلى وقت المخاض فتدخل القوابل من الأقباط فيقمن بتوليدها، وبعد ذلك يدخل الذبّاحون فيذبحون ذلك الوليد إن كان ذكراً. ومضى على هذا سنوات وإذا بالأقباط يضجّون ويرفعون شكوى لـ فرعون قائلين: يوشك أن يموت شيوخ بني إسرائيل ولا يشب بينهم شاب لأن الصبيان يقتلون عند ولادتهم، وإذ ذلك يفقد العبيد من بني إسرائيل، فيضطرّون للقيام بما كان يفعله عبيدهم من صناعة وزراعة والقيام ببناء الدور وما عليها، وإذا بـ فرعون يأمر بأن يُترك أولاد بني إسرائيل عاماً ويذبّحون عاماً، وكان هذا من أمر الله الذي خطر بباله ليحصل ما يحصل لموسى. فولدت أم موسى وليداً وهو هارون في العام الذي لا ذبح فيه لأولاد بني إسرائيل، فكشفته للقوابل والذبّاحين من الأقباط فتركوه، وإذا بالسنة التالية تلد موسى فكان فزع أمه بولادته ذكراً فزعاً عظيماً إذ هي السنة التي يُقتل فيها ما يولد لبني إسرائيل من الذُكران، فاشتد الحال بأم موسى وحارت ما تصنع، وسيقص الله علينا في سياق القصة ما أوحى به لها وما أمرها به. فقوله تعالى: ((يُذَبِّحُ)) هذا من زيادة المبنى التي تدل على زيادة المعنى، ولو كان الذبح عادياً لقال: يذبح أبناءهم بدون تشديد، ولكن الذبح كان كاملاً ومكتملاً، وكان فرعون حريصاً عليه أشد الحرص، وكان الذبح شديداً إلى أن تُفصل الرؤوس عن الأجساد، وكان لكل حامل إسرائيلية جاسوس إذا هي ولدت ذكراً ولم يُذبح وليدها. وقوله تعالى: ((إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)) أي: كان فرعون من المفسدين في الأرض، وكان من العتاة والطغاة الظالمين، وكان ممن تأله وزعم الألوهية.
تفسير قوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص:5 - 6]. هاتان الآيتان الكريمتان فيهما مقدمة لما يريد الله تعالى أن يجعله لبني إسرائيل إذ أكثر فيهم الأنبياء، وكانوا خير الأمم بصلاتهم وعبادتهم ودينهم، ولكنهم خرجوا عن أمر الله فبغوا وطغوا، فتركوا الأمر بالمعروف وقاموا بالأمر بالمنكر، وانتشر الفساد بينهم فعاقبهم الله بالتشريد والتدمير وعبّدهم لـ فرعون وخلفائه، وللأقباط من قبله وسلالاتهم وذريّاتهم، جزاءً وفاقاً على كفرهم بنعم الله، وعلى الكفر بعد الإيمان، وعلى الظلم بعد العدل والإيقان. ولكن بعد أن عذّبهم الله وعبّدهم وحمّلهم الشدائد التي لا يكاد يحملها إنسان إلا مرغماً ذليلاً مستضعفاً مستعبداً، أراد الله بعد ذلك أن يرحمهم ويجدد الرسالة لهم ويبعث لهم موسى وهارون فقال تعالى: ((وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ)): يذكر ربنا أنه يريد ولا راد لإرادته، وإرادته أمر وخلق، وإرادته من ذاته جل جلاله يفعل ما يشاء وينفّذ ما يشاء له الخلق وله الأمر. والآية نزلت من أجل بني إسرائيل المستضعفين عند أقباط مصر، فمنّ الله عليهم وأكرمهم وأنقذهم من طغيان الفراعنة ومن ذل الأقباط؛ فنقلهم من العبودية إلى السيادة، ومن الخدمة إلى المخدومية، ومن الرعية إلى الحكام والملوك. فقد كانوا مستضعفين محتقرين لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم ذلاً ولا ضيماً من فرعون وملئه، فكانوا يذبّحون أطفالهم ويتركون بناتهم، ويستعبدون شبابهم وشيوخهم ونساءهم في أذل عمل وأقساه وأصعبه، وقد استجاب الله دعوة الصالحين من بني إسرائيل أيام فرعون المتأله وأيام حكم الأقباط، وكان هذا قبل الإسلام بآلاف السنين، فجعلهم ربنا أئمة: جمع إمام، أي: حكّاماً وملوكاً ومتحكمين في أرضهم وفي شعوبهم وفي أمورهم لا يبقي للفراعنة عليهم حكم ولا سلطان، وأورثهم أرض مصر، وما كان فيه فرعون من نعم وخيرات، ومن زروع وأنعام وخصب، ومن أمر ونهي، ويعيد الكرة لهم على الأقباط الفراعنة كما سيقص الله علينا في بقية القصة إلى آخر السورة.
تفسير قوله تعالى: (ونمكن لهم في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (ونمكن لهم في الأرض) قال الله تعالى: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص:6] أي: نجعلهم الممكنين المحكمين المستقلين بأرض مصر وما حولها من حكم وسيادة وسلطان وأرزاق وأنعام. ونُري فرعون المتأله الظالم المدّعي للألوهية، ونُري وزيره هامان الذي آزره وساعده على دعوى الإلوهية وعلى ظلم الخلق وذبح المستضعفين واستحياء النساء، وعلى أكل أموال الناس بالباطل، وعلى الشرك بالله ولو بنفسه، ونري جنودهما وحكومتهما وأشياعهما وأنصارهما وجيشهما. فكل من وافق فرعون على كفره وعلى تألهه سيعاقبه الله وينتقم منه انتقامه من فرعون؛ لأن من أعان ظالماً سُلّط عليه، وقد حرم الله تعالى أن يعان الظالم على ظلمه، وأن يعان الكافر على كفره، فمن فعل ذلك فهم في الظلم والكفر سواء، وقد قال تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2] وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: (من أعان ظالماً سُلِّط عليه). فمساعدة الظالمين ظلم، ومساعدة الكافرين كفر، وموافقتهم على ظلمهم وكفرهم تجعلك مثلهم؛ ولذلك فإن الله تعالى قال للمؤمنين من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:51]. فمن يوالي اليهود والنصارى، ومن يؤيدهم على كفرهم، ومن يجري خلفهم ويذل نفسه لهم ويحرص على استعبادهم؛ يكون يهودياً ونصرانياً مثلهم، ذاك صريح قول الله تعالى الذي لا مين فيه ولا شك ولا ريب؛ ولذلك فإن الله تعالى عاقب فرعون بمثل ما عاقب أشياعه وأنصاره من وزراء وكتّاب وأعوان وجنود، وكل من سانده على عمله من أمته ورعيته فأغرقهم الله في البحر جميعاً، وأورث الله الأرض والأنعام والخيرات لعبيدهم من بني إسرائيل فصاروا سادتهم وحكّامهم. فأرى الله فرعون وقومه ما كانوا يخافون منه، وهو ما قاله الكهنة في رؤيا فرعون أو ما ذكر من العلم القديم عن إبراهيم الخليل، بأن هلاك فرعون وأقباط مصر سيكون على يد رجل من بني إسرائيل، فما حذروا منه وخافوا منه لن يفيدهم، وما أفاد حذر من قدر، وما قدّره الله كائن مهما حذروا وخافوا وأعدوا ومهما هيئوا فلن يكون ذلك في نتيجته إلا وبالاً عليهم. وهذا الذي حدث، فكان موسى عليه الصلاة والسلام السبب في القضاء على فرعون بالغرق وإذلال الأقباط، فقد نشأ في دار فرعون، وأكل طعامه ولبس لباسه ونشأ على فراشه وقيل عنه زمناً من الأزمان موسى بن فرعون، وهكذا ما قدّره الله كان، ولا يفيد حذر من قدر، وما أراده الله كائن، لا راد لقضائه ولا مدافع لسلطانه جل وعزّ وعلا.
تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه)
تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص:7]. معنى ذلك: أن أم موسى حملت بموسى تسعة أشهر كاملة، فعندما ولدت به وجدت نفسها عوضاً أن تُسر به لأنه ذكر كعادة الناس، فإن ولادة موسى كانت عليها خوفاً وهلعاً ورعباً، خاصة لما رأت من إشراق النور عليه فدخل حبه في قلبها أكثر من حب الأم للأطفال؛ لأن الله ألقى عليه محبته فلا يكاد يراه إنسان إلا أحبه ومن ذلك فرعون، ولولا ذلك لقتله ولما سمح لامرأته أن تتركه في البيت وأن تنشئه على فراشه ونعيمه. فقوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) ظاهر كلمة أوحينا أن أم موسى نبية وأن الله أوحى لها، وهل تكون امرأة نبية؟ وسنجد أن الآية جمعت بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. وجمهور المفسرين قالوا: لم يكن وحياً من جبريل إليها كما يوحى إلى الأنبياء ولكنه كان وحي إلهام، فقد أُلهمت أن تفعل ذلك. ولكن المحققين من العلماء أبوا ذلك وقالوا: أيمكن للإنسان يوماً أن يأتي إلى وليده فيقتله أو يقذفه في البحر ويقول: أُلهمت أن أفعل ذلك؟! والإلقاء في اليم موت وقتل، ولن يكون هذا ولن يتم إلا بوحي من الله، وإلا لكانت صنعت شيئاً يتجاوز الخواطر، والخواطر قد تكون شيطانية وقلما تكون ملائكية. ثم في الآية وعد من الله أنه سينقذه وأنه سيرد وليدها لها، وأن وليدها سيصبح نبياً رسولاً، وهل الإلهامات والخواطر تصل لهذه الدرجة من الصحة ومن الحقيقة ومن الوعد؟ وقد كان الأمر كذلك، فقد رد الله لها ولدها بأحسن عيش وأسعد حالة، ثم جُعل ولدها نبياً رسولاً سيداً من سادات الأنبياء ومن الخمسة أولي العزم. فالذين قالوا إن ذلك إلهام لئلا تكون المرأة نبيةً، ونحن نقول: ذكر الله بأن الرسول لا يكون امرأة، أما أن تكون نبياً فلا مانع، فقد ذكر الله إيحاءه لـ حواء وامرأة إبراهيم، وهذا من ذاك. وتعريف النبي في العقائد هو: عبد أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فذاك مقصور عليها فلم يجعل لها سيادة على أحد ولا يدخل ذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فهي لم تتول أمر أحد، ولم تكلف بهداية أحد، ولم تؤمر بتبليغ رسالة ولا بنزول كتاب عليها، وإنما هو شيء أوحاه الله إليها فكانت بذلك نبية بالوحي، فالأعمال التي قامت بها والوعود التي وعدت بها لا يكفي أن تكون إلهاماً، ولو قلنا هذا لفتحنا أبواباً، وقد ادعى ذلك بعض من أضلها الله وقالت: أوحي إلي، فعندما قلنا لها كيف أوحي إليك؟ قالت: كما أُوحي إلى حواء وإلى أم موسى وإلى امرأة إبراهيم وإلى أم عيسى. قلنا لها: فماذا تقصدين بالوحي؟ قالت: الإلهام والخواطر، وهذا يضل فيه الإنسان، وقد يفعل الأفعال المخالفة للشريعة ويقول: أُلهمت وأوتيت خواطر ملائكية، فيضل الضال وينتشر البلاء، وهيهات هيهات أن نُعامل الإلهامات أو الخواطر معاملة الوحي! وهذه الآية الكريمة فيها أمران ونهيان وبشارتان وخبران، وهي بذلك من أبلغ آي الكتاب الكريم ومن أفصحها ومن أجمعها للكلم في ألفاظ قليلة. ((وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ)) هذا الأمر الأول، والأمر الثاني: ((فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)) أي: البحر، وهو نهر النيل. والنهي الأول والثاني ((وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي)). والخبر الأول والثاني ((إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)) أخبرها الله في وحيه أنه سيرده عليها ولن يهلك في البحر ولن يغرق، وأنه سيجعله من المرسلين، فهما خبران وبشارتان، فسّرت من أن وليدها سيعود إليها وسيكون نبياً رسولاً من أولي العزم. فقوله تعالى: ((وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)) أرضعته إلى أن جرى حليبها ودر دره ولكنها مع ذلك خافت عليه الذبّاحين. بل قالوا: دخل الذبّاحون وقوابل الأقباط عليها يريدون قتله فبادرت وجعلته في تابوت مغلق وقذفت به إلى اليم فلم يجدوا شيئاً ورأوا ثدييها يدر الحليب فقالت: أنا أرضع هارون منذ أشهر فقد ولدته في السنة التي كان فرعون لا يذبح فيها الأطفال فحليبي من وليدي، فوجدوا العلامات فتركوها. فلما ألقته في نهر النيل كادت أن تُجن ويذهب عقلها كما سيصف الله لنا، ولم تعد تفكّر إلا في الوليد الذي زاد حبه بقلبها كسائر الأولاد، ولكنه زاد لما رأت على جبينه من إشراق ومن نور وما بُشّرت به من الحضرة الإلهية أنه سيكون له شأن وسيكون نبياً ورسولاً من أولي العزم من الرسل، ولا تخافي من إلقاءه في اليم أن يغرق أو أن يختنق أو أن يموت، ولا تحزني على فراقه فإنه سيفارقك يوماً أو يومين أو أقل وسيعود وليدك إليك علناً، وسترضعينه بعز وشرف وستأخذين أجرة على إرضاع ولدك، وبعد ذلك عندما يكبر ويبلغ الأشد ويستوي في عمره وجسمه وعقله سيكون رسولاً نبياً.
تفسير قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون)
تفسير قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون) قال تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص:8]. معنى ذلك أنها ألقته، وأن الأمواج أخذته إلى جوار قصر فرعون وكان على شواطئ النيل، فخرجت جواريه وخدمه على الشواطئ للعب أو الصيد أو للنزهة وإذا بهم يرون صندوقاً ترفعه موجة وتضعه موجة، فترقبوه إلى أن وصل إليهم فأخذوه ولم يفتحوه، فذهبوا به إلى الملكة آسية بنت مزاحم زوجة فرعون فقالوا: وجدنا هذا التابوت في البحر. وإذا به يفتح على وليد جميل أخّاذ جذّاب ما كادت تقع عين زوجة فرعون عليه حتى شغفها حباً وحتى أصبح كأنه خرج من رحمها. وجاء فرعون فبادرته قبل أن يبادرها فقالت له: يا فرعون هذا الوليد وجدناه في البحر ولا شك أنه جاء من بعيد. قال لها: لا بد أن يكون عبرانياً إسرائيلياً ولا بد من ذبحه، فأخذت ترجوه تستعطفه وتجادله حتى تركه. فقوله تعالى: ((فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ)) أي: التقطوا هذا الوليد موسى، واللقيط أو اللقطة معناهما: وجود شيء في الأرض وأخذه بلا إرادة ولا طلب معد من قبل، وإنما الله هو الذي أتى به لما يراد بهذا الوليد مما سيقصه الله علينا بالتفصيل في هذه السورة الكريمة. وبعد إلحاح ورجاء وافق فرعون، فسُرّت زوجته وفرحت وأعدت نفسها وكأنها ملكت الدنيا وما فيها ليتم ما يُريده الله من موسى. وآلك: أولادك وعيالك وخدمك وشيعتك، وقد قيل: كان لـ فرعون بنت ولم يكن له ولد، ولم تكن البنت من آسية بنت مزاحم وقد يكون هذا صحيحاً وقد لا يكون صحيحاً، فالآل كما يطلق على الأولاد يُطلق على الخدم والحشم والأنصار والشيعة. وقوله تعالى: ((ليَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)) أصل اللام أن تكون للتعليل، فهل التقطوا هذا الوليد وهم يريدون أن يكون لهم يوماً عدواً، أو يكون لهم أداة حزن وألم وذل وهوان؟ A لا، ولكن هذه اللام قالوا عنها في لغة العرب: هي لام العاقبة والصيرورة، أي: هذا الوليد الذي أخذوه ستكون عاقبته في بيتهم عداوة وحزناً وأوجاعاً وآلاماً، فيربون على فراشهم عدواً لهم، وسيكون السبب في القضاء على ملكهم وسلطانهم، والسبب في تحرير العبيد من بني إسرائيل. وقال ابن كثير: وإن كانت هذه اللام ظاهرها أنها لام العاقبة أو لام الصيرورة ولكنها في الحقيقة هي لام التعليل من قبل الله، أي: أن الله تعالى هو الذي ألهم آل فرعون ليلتقطوه ليكون لهم عدواً وعقوبة وجزاء على ظلمهم وطغيانهم وعلوهم في الأرض بالفساد والاستكبار واستضعاف الضعاف والمساكين، والسبب في ذلك ((إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)). وجعل الله هذا الوليد في دار عدوه ليكون سبباً في القضاء عليه؛ لأن فرعون علا في الأرض فطغى وتجبّر وكفر بالله وجعل نفسه إلهاً على الأرض، وصانعه في ذلك وتابعه هامان وزيره وأيده وسانده بالأرواح والأعمار والأجساد والأموال، وكذلك جنده وأنصاره وقومه، وأن هذه الطائفة كلها من ملك ووزراء وحكومة وجيش كانوا خاطئين، وآثمين، ومجرمين، وظالمين، فحق هؤلاء لظلمهم وعتوهم وجرمهم أن يُعاقبوا بما عاقبهم الله به وأعده لهم وهيأه لهم مع الزمن البعيد بعد سنوات.
القصص [9 - 17]
تفسير سورة القصص [9 - 17] عندما ولدت أم موسى خافت على رضيعها فألهمها الله فألقته في البحر، فسخر الله له امرأة فرعون فاستبقته لنفسها وبحثوا عن مرضع حتى عاد إلى أمه، ثم تربى في بيت فرعون حتى شب وبلغ أشده.
تفسير قوله تعالى: (وقالت امرأة فرعون)
تفسير قوله تعالى: (وقالت امرأة فرعون) قال تعالى: {وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} [القصص:9]. التقط آل فرعون هذا الوليد، وإذا بامرأة فرعون جاءت إلى فرعون واستعطفته وتمسحت به وقالت له: لا ولد لنا، هذا الوليد قد يكون قرة عين لي ولك، وسبب فرح وسعادة وسيادة وينشر ذريتنا وسلالتنا، ويرث عرشنا وملكنا. وأصل قرة العين هدوءها وبردها، ويكون ذلك عند الفرح بما يسر القلب ويطمئن النفس. وقيل إنه وافق وقال لها: أما لكِ فنعم، وأما أنا فلا حاجة لي به. ورووا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو قال فرعون قرة عين لي ولكِ لكان قرة عين له ولها أيضاً) ولكنه رفض ذلك ليتم وعيد الله، ولتتم عقوبة الله على هذا الظالم المتأله الكاذب. وقوله تعالى: (لا تَقْتُلُوهُ) باعتبار قتله لكل عبراني، وهو ولد في السنة التي يقتل فيها أطفال بني إسرائيل فأخذت ترجوه وتستعطفه ألا تقتلوه؛ (عَسَى) إن تُرك بلا قتل (أَنْ يَنفَعَنَا) أي: أنا وأنت ومملكتنا ودولتنا (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) أي: نتبناه، عسى أن يصدر لنا منه نفع في المستقبل، أو يكون ولداً لنا حيث لا أولاد لنا. وكل ذلك رفضه فرعون فقال: لا حاجة لي بنفعه ولا ببنوته فهو قرة عين لكِ فقط، وقد كان هذا كذلك، فقد هداها الله على يده فأسلمت وآمنت وكانت من الصدّيقات، قال النبي عليه الصلاة والسلام لـ خديجة أم المؤمنين الأولى رضي الله عنها: (ألا تدري يا خديجة أن الله سيزوجني يوم القيامة آسية امرأة فرعون ومريم أم عيسى؟) والحديث صحيح؛ وعلى هذا الاعتبار يجب أن تُعتبر آسية أماً من أمهات المؤمنين ولو في الآخرة، ومريم أماً من أمهات المؤمنين ولو في الآخرة. وهكذا من خلد ذكره في الصالحين فإنه يذكر ولو بعد حين، فخلدت آسية على لسان خاتم الأنبياء، وعلى لسان أتباعه من ورثته من العلماء إلى كل المؤمنين، فقد قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد). فالله عز وجل ألهمها أن تقول: (قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) فلقد نفعها النفع الجزيل فآمنت وأسلمت وأخلصت لله، وامتثلت أمر موسى عندما جاء نبياً يدعو فرعون إلى توحيد الله، فنفعها وكان قرة عين لها، ورفض ذلك فرعون وبقي على كفره واستحق عقوبة الله له. وقوله تعالى: (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) كل هذا الذي يقوله الله، ويوحي به إلى أم موسى والقوم لا يشعرون بهذا، ولو شعر فرعون بأن موسى سيكون سبب هلاكه لمزّقه تمزيقاً، ولو شعر الذبّاحون والأقباط أنه سيكون سبب هلاكهم وسبب عقوبة الله لهم لذبحوه. فقوله تعالى: {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [القصص:9]. أي: ولو شعر فرعون بأن موسى سيكون سبب هلاكه لمزّقه تمزيقاً، ولو شعر الذبّاحون والأقباط جميعاً أن هذا الوليد الذي ينشأ على عين فرعون وفي بيت فرعون ولا يُعرف إلا بموسى بن فرعون سيكون سبب هلاكهم وسبب عقوبة الله لهم، لقتلوه منذ أزمان. فهم لا يَشْعُرُونَ بحكم الله وبالعاقبة التي يريد الله عقوبتهم بها؛ وهؤلاء الذين طالما حذروا وذبحوا الآلاف بل عشرات الآلاف لكي لا يُقتل فرعون ولا يُطرد فرعون ولا يُمحق الأقباط ولا يذهب الكهان؛ ولكن هيهات أن ينفع حذر من قدر!
تفسير قوله تعالى: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا)
تفسير قوله تعالى: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً) قال تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص:10]. قذفت أم موسى وليدها في البحر، وعندما قذفته أصبح فؤادها ضائعاً هواء، لأنها مولهة به فهي كالمجنونة الضائعة، وتصور أماً اضطرّت إلى قذف ولدها في البحر أو في النار أو ليُذبح! كيف سيكون حالها؟ وكانت قد غلبت ذاتيتها وبشريتها على ما أوحي لها به، فقد قال الله عن الأنبياء جميعاً: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} [يوسف:110] كان يشتد البلاء بالأنبياء، وبرسل الله حتى تضيق عليهم الأرض بما رحبت وتخطر ببالهم الخواطر التي لا تليق ولكن لا يملكون صرفها إلى أن يظنوا ويتوهموا أنهم قد كذبوا، عند ذلك يأتي النصر والفرج مع الصبر، وكذلك يأتي نصر الله ووعده الحق بالأنبياء وأتباع الأنبياء من الصادقين المؤمنين. فقوله تعالى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) أي: فارغاً من كل شيء في الكون إلا من موسى. (إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ) أي: كادت لتخرج من الدار وتمشي في الشوارع وتقول: واموساه! أين ولدي؟ فهذا الذي أخذته امرأة فرعون هو ولدي؟ أتحرمونني منه وأنا في الحياة وتجعلونه بلا أم؟ ألا يكفي في ذلك أن يكون يتيم الأب فيكون مرة ثانية يتيم الأم في ما ذكروا؟ وإلا فالسياق يدل على أن أباه كان لا يزال حياً ولكن لم يُذكر. وكاد في لغة العرب من أفعال المقاربة، فقوله تعالى: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} [القصص:10] أي: قاربت أن تُظهره، ولو فعلت لكان ذلك سبب ذبحه والقضاء عليه، ولكن الله ثبتها بالصبر كما ثبّتها بالوحي. وقوله تعالى: (لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا) أي: لولا أن الله صبّرها وشد على قلبها الذي ضاع وتاه، وأصبح فارغاً هواء، فثبّتها وصبّرها لكي لا تخرج من الدار وتُعلن أن هذا الوليد ولدها. وقوله تعالى: (لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: لتكون أم موسى مؤمنة بالوحي الذي أوحى الله إليها، ولو لم تكن من المؤمنين لكانت من المكذبين، ولا يليق بنبية أن تكون من المكذّبين. فهي من المصدقات بوعد الله، وهو أن الله راده عليها، وأنها ستنعم به وأنه سيكون عند الكبر نبياً رسولاً.
تفسير قوله تعالى: (وقالت لأخته قصيه)
تفسير قوله تعالى: (وقالت لأخته قصيه) قال الله تعالى: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} [القصص:11]. وقالت أم موسى لأخته: يا فلانة! قصيه أي: اتبعي أثره، وفي مكة يسمون من يتبع آثار السارق والفار والهارب القاص، وهي لغة عربية فصيحة. وقوله تعالى: {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [القصص:11]: أي: فاتبعت أثره من جنب: أي: من جانب بعيد بحيث لا يشعرون بأنها تتبع الوليد، وتترسم خطاه ونهايته، فرأته ببصرها لا بعلم قلبه ولا بإخبار أحد أنه في الشاطئ، وأن جواري فرعون نزلن للشاطئ وأخذنه، فاطمأنت أنه لم يمت وبشّرت أمها بأن موسى لم يغرق ولم يضع ولم تأكله هوام البحر، ولكنها زادت رُعباً عندما دخل قصر فرعون، فإنه سيذبحه لأنه لم يكن هذا إلا لأنه كان عبرانياً إسرائيلياً. وقوله تعالى: (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) أي: لا يشعرون بأنها تتبع أثره وتترسم خطاه، وتريد أن تعلم ماذا جرى له، ولو انتُبه لها لضغطوا عليها وهي صبية ولعذّبوها إلى أن تقول الحقيقة فيضيع موسى، ولكن الله لطيف لما يشاء كما قال يوسف في قصته مع إخوته.
تفسير قوله تعالى: (وحرمنا عليه المراضع من قبل)
تفسير قوله تعالى: (وحرمنا عليه المراضع من قبل) قال تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص:12]. أي: أتوا بالمرضعات في القصر وخارج القصر فامتنع أن يرضع من أي امرأة، وهذا تنفيذ وعد الله. (وَحَرَّمْنَا عَلَيْه) أي: تحريماً قدرياً بمعنى: منعنا. (الْمَرَاضِعَ) جمع مرضعة، فكانوا يتجولون بالطفل في الطرق وزوجة فرعون تكاد تُجن أكثر من أمه الحقيقية، وإذا بأخت موسى تقف عندهم وتقول لهم: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) فقالوا لها: ما يُدريك؟ هل الولد وليدكم؟ هل أنتم الذين قذفتموه في البحر؟ فقالت: إن أُمي مسكينة وتحتاج إلى مساعدة الملك، ثم هي تنصح الملك فيما ينالها من سروره وبهجته وقرة عينه، وقد ولدت في السنة الماضية وليداً حيث كان لا يُذبح أولاد بني إسرائيل، فهي لا تزال ترضعه ولا يزال ثدياها يجريان بالحليب. وكان كلام أخت موسى كلاماً ظاهراً مقبولاً، فلو لم يكن لها وليد ووجدوها تُرضع لقالوا لها: من أين الرضاع ولا رضيع؟ ولكن الأمور كلها جاءت طبيعية ليتم وعد الله بالحق. فقوله تعالى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل أن يصل إلى أمه وهم يتجولون به ثلاثة أيام أو أربعة أيام حتى كاد أن يموت، وأمه التي تريد أن تتبناه وهي زوجة فرعون كادت أن تُجن عليه أكثر من أم موسى. ومعنى قوله: (يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ) أي: يحضنونه ويحفظونه ويضمنون حياته وصحته وإشباعه وريّه. (وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) أي: ينصحونه ويخلصون له ويبرّون له رجاء خدمة الملك ومعروف الملك ومسرة الملك، وهي مرضعة لها وليد تُرضعه. فكان الكلام مقبولاً فاستجابوا لها، فذهبوا به إلى أمه.
تفسير قوله تعالى: (فرددناه إلى أمه)
تفسير قوله تعالى: (فرددناه إلى أمه) قال تعالى: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [القصص:13]. كان ذلك سبباً في أن يأتي الطفل إلى أمه، وجاءوا بالوليد فسلّمته الثدي مع العطف والشوق، وإذا بالحليب يدر من أول مرة كأنه نافورة، وإذا بالطفل يشم رائحة أمه فيلتقم ثديها ولو توسع فمه الصغير لارتضعه جميعاً، فسرّت أم موسى وبلغ ذلك زوجة فرعون، فسرّت وفرحت وقرّت عينها وطلبت منها أن تأتي إلى قصرها فجاءت، فقالت لها: أنت في بيتي وواحدة من أهلي فاخدميه وأرضعيه هنا. فقالت لها أم موسى: هذا يسرني ولكنني زوجة لرجل وأم لأولاد ومكلّفة ببيت، فلمن أترك الزوج والأولاد، فدعيه عندي فأنا سأخدمه بعيني وأنصح لكم فيه، فوافقت. وذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الرجل يعمل العمل فيحتسب به على الله فيؤجر عليه كما أُجرت أم موسى على وليدها، أرضعت ولدها وأخذت أجرة. ووعد الله كان بأسرع وقت، وعدها الله بأن يرده إليها فرده خلال يومين أو ثلاثة أيام بالأكثر، قال تعالى: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا): أي: تزداد فرحاً وسروراً وارتياحاً وبهجة بوليدها حيث سترضعه أمام الملأ دون خوف ولا وجل ولا رُعب؛ لأنه لو بقي عندها لأرضعت ولداً من أولاد بني إسرائيل، ومهما حاولت أن تُخفيه فهي في رعب مستمر، ويقع عليها رعب أشد من الرعب الأول عندما ألقته في اليم، أما الآن فهي تُرضع ولد الملك بإجلال وباحترام وبإعزاز، وهكذا وعد الله الحق إذا وعد أحداً بأن يفعل له وأن يكرمه كان وعده الحق جل جلاله، قال تعالى: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة:111] أي: لا أحد. وقوله تعالى: (وَلا تَحْزَنَ) فقد ذهب حزنها وانتهى بأسرع وقت. (وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ولتزداد أم موسى علماً وإيماناً ويقيناً بأن وعد الله حق، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ولكن أكثر الناس لا يثقون بعهد الله ولا بوعده ولا يؤمنون بذلك فهم كفرة فجرة، وقد يكونون مسلمين يعلمون وعد الله الحق بنصرة المسلمين ومع ذلك لا يطمئنون، وذاك من ضعف إيمانهم وقلة يقينهم.
تفسير قوله تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى)
تفسير قوله تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى) ولما ذكر الله تعالى ولادته وطفولته ورضاعه، ذكر بعد ذلك نشأته من بداية شبابه إلى اكتماله ونضوجه، فقال تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [القصص:14]. لما بلغ موسى الحلم والأشد: ما بين الثامنة عشرة إلى الثالثة والثلاثين من بداية الشبيبة إلى اكتمالها ونضجها (وَاسْتَوَى) أي: أتم الأربعين، لا يكون استواء الرجولية إلا عند الأربعين عاماً من عمر الإنسان، فهو العمر القابل لإرسال الرسالات ووحي الله تعالى لعبيده من البشر كما أرسل نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة. وقوله تعالى: (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) أي: آتاه الله الحكمة والعلم والفهم، أما النبوة فلم تأت له إلا بعد أن يترك البلد ويهدد بحياته ويصبح في أرض مدين، وتلك مرحلة ثالثة وليست المرحلة الأخيرة من المراحل التي قص الله علينا من سيرة موسى. فعندما بلغ موسى هذا السن وهو ما دون الأربعين سنة أكرمه الله بالفهم والحكمة، ومن ذلك أنه كان على دين آبائه، كان موحداً ومؤمناً بما تبقى من رسالات بني إسرائيل. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) كل من عاش محسناً في حياته مطيعاً لربه مصدّقاً بوعده غير مخالف ولا عاص فإن الله يحسن إليه كما أحسن إلى موسى عليه الصلاة والسلام؛ فالله القديم الأزلي الذي لا أول له ولا آخر له وهو على ما كان عليه كائن، وكما أكرم الأولين فهو يُكرم الآخرين وفضل الله تعالى لا يحجّر ولن يحجّر، من أحسن في دينه وطاعته وأكرم مثوى نفسه وأخلص الخدمة لعباد الله المؤمنين؛ فلم يسرق ولم يزن ولم يخالف فإن الله تعالى يجزيه أحسن ما يجازي به عباده الصالحين، كما أحسن لموسى يحسن لمن فعل فعله من الطاعة والامتثال فزاده العلم والحكمة.
تفسير قوله تعالى: (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها)
تفسير قوله تعالى: (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها) قال تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} [القصص:15]. بعدما أصبح موسى في هذه الدرجة من الوعي والفهم والعلم، بينما هو في يوم من الأيام قد دخل المدينة واسمها عين الشمس، وهي المدينة التي نشأ فيها، ولكن كان وهو كرئيس وابن الملك قلما يخرج للشوارع، فبدا له أن يخرج يوماً في وقت خلاء الشوارع وليس فيها أحد كشأن الكبراء عندما يريدون أن يتنقلوا ويسيحوا في البلاد. فخرج في وقت القيلولة والراحة أو ما بين المغرب والعشاء، وهو وقت نهاية عمل اليوم والعودة إلى البيت للعشاء والراحة، فخرج في هذا الوقت وكانت الطرق خالية ليس فيها أحد، وإذا به وهو يتجوّل يجد رجلين يقتتلان ويتخاصمان ويتنازعان ويضرب بعضهما بعضاً، ويكاد يقتل أحدهما الآخر أو يُقتلان معاً، (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِه) أي: الإسرائيلي فهو من قومه (عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّه) أي: القبطي، وكان موسى قوي الجسم متين العضلات فجمع أصابع يده فوكز القبطي بضربة فألقاه ميتاً، وهو لا يريد قتله ولكن يريد الانتقام منه نصرة للذي من شيعته وقومه. فقوله: (فَوَكَزَهُ مُوسَى) الوكز الضرب بجمع اليد عند الصدر. (فَقَضَى عَلَيْه) أي: كانت القاضية على حياته، فعندما رآه موسى يُصرع ميتاً (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان) أي: أنا لم أرد قتله ولم أفعل ما يكون سبباً لقتله، فالشيطان هو الذي تدخل في الموضوع فدفع موسى وحمسه إلى أن قتله. (إِنَّهُ عَدُوٌّ) أي: إن الشيطان عدو للإنسان منذ امتنع من السجود لأبيه آدم، و (مُضِلٌّ مُبِينٌ) فهو لا يسعى إلا في ضلال الناس وفي إفسادهم، فهو مضل ظاهر بيّن واضح لمن عمي قلبه قبل أن يعمي بصره، إذ ذاك موسى وقد أوتي الحكمة والعلم والفهم والدين ولم يوح إليه بعد فقال كما ذكر تعالى:
تفسير قوله تعالى: (قال رب إني ظلمت نفسي)
تفسير قوله تعالى: (قال رب إني ظلمت نفسي) {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} [القصص:16]. اعترف أنه ظلم نفسه بقتله من لا يستحق القتل ولغير سبب من أسباب القتل {فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص:16]. ولكن موسى لا يدري أن الله قد غفر له فذاك يحتاج إلى وحي، والوحي لم يأته بعد، فالله غفر الله لأنه قتل من يستحق القتل، لأنه كان كافراً، والكافر والكلب سواء فلا حرمة لدم الكافر ولا لماله ولا لعرضه؛ وهذا معروف من الدين بالضرورة، وإن كان موسى قد رأى أنه قد تسبب بقتل إنسان لا يستحق القتل فقال: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) فهذا الموضوع يحتاج إلى استغفار، فرفع يديه بالاستغفار، (فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). فالله هو الغفور وهو الرحيم يغفر عن زلات الزال وعن ذنوب المذنب وعن سيئات المسيء، يرحم ضعفه ويرحم ما قام به في حالة ضعف وغلط وفتنة.
تفسير قوله تعالى: (قال رب بما أنعمت علي)
تفسير قوله تعالى: (قال رب بما أنعمت علي) ثم وعد موسى ربه وعداً حقاً فقال: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص:17]. أي: رب بسبب إنعامك عليّ من الحكمة والعلم والفهم والدين فلن أكون بعد اليوم ظهيراً ومعيناً ومساعداً للظالمين والمجرمين، ودخل في هذا الوعد فرعون وقومه والكفرة من بني إسرائيل، وكأن هذا الإسرائيلي الذي تعصّب له موسى وقتل القبطي من أجله لم يكن مؤمناً، فقد ناصر مجرماً كما ناصر فرعون ببقائه معه في قصره بعد العقل والفهم والإدراك وهو لا يستحق ذلك؛ فموسى مؤمن أوتي العلم والحكمة وفرعون يدّعي الإلوهية، ولذلك كم من ذنب تنشأ عنه حسنة وهذا من ذاك. ومعنى ذلك أن مساعدة المجرم حاكماً كان أو تاجراً ظلم وإجرام وهكذا؛ وهو سبب في العقوبة كما قال ربنا: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام:129] فالظلمة يسلّطهم الله على بعض، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم:83] ثم يُقذف بالكل إلى قعر جهنم، فمن أعان ظالماً سُلّط عليه، قال تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2] فكل هذا قد حرّمه الله ورسوله، وحرّمته شريعة الإسلام. قال تعالى: {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص:18]. بعد هذا الموقف ترك موسى دار فرعون ولم يعد إليها، لأنه قد قتل نفساً قبطية بغير نفس فخاف من المتابعة وإن كان لم يراه أحد، ولكن خاف من الإسرائيلي أن يبلّغ عنه فهو قد كان كافراً وقد يحمله الكفر والرعب والهلع من طُغيان فرعون أن يبلّغ عن طغيان موسى.
القصص [18 - 22]
تفسير سورة القصص [18 - 22] كان سيدنا موسى عليه السلام قد قتل قبطياً وجده يختصم مع أحد بني إسرائيل، ثم ندم على فعلته واستغفر ربه فغفر له؛ لكنه ظل خائفاً يترقب، ثم جاء في اليوم الثاني فوجد ذلك الإسرائيلي يختصم مع قبطي آخر فاستصرخه فهب لنصرته ففضحه، وخاف موسى على نفسه فخرج من مصر وتوجه تلقاء مدين.
تفسير قوله تعالى: (فأصبح في المدينة خائفا يترقب)
تفسير قوله تعالى: (فأصبح في المدينة خائفاً يترقب) قال الله جل جلاله: {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص:18]. لا نزال مع موسى عليه السلام، حيث خرج إلى المدينة فاستغاثه إسرائيلي من قومه على قبطي من أعدائه فوكزه فقتله، وكان الوقت وقت غفلة وفراغ من الناس في الأزقة والدروب، حيث كان وقت القيلولة والزوال أو وقت المغرب والعشاء وما بينهما، وإذا بموسى يُصبح خائفاً مترقباً متوقعاً شيئاً من فرعون وملئه لإيذائه والبطش به: (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ). وإذا باليوم التالي لم يرجع موسى إلى فرعون ولا إلى بيته، وأصبح الصباح وهو في خوف وترقب، وفي انتظار طلبه وكشف فعلته لقتله القبطي. قوله: (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) أي: يجول في الأسواق ويقطع الدروب وهو وجل خائف من قوم فرعون الأقباط. (فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ) أي: وإذا بصاحبه الذي من أجله قتل النفس القبطية بالأمس يستصرخه ويناديه لينصره مرة أخرى على قبطي آخر: يا موسى أغثني! وإذا بموسى يقول له: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ). أي: فقال له موسى: إنك غوي تدعو للضلالة، وبسببك أزهقت روحاً بالأمس، إن ضلالتك وغوايتك بيّنة، فماذا تريد اليوم وأنا لا أزال أفكّر في فعلتي بالأمس، يا هذا! إنك ضال مضل، غوايتك وفسادك بيّن ظاهر فكلمة الأمس تعني أي يوم سابق ليومه، فإذا لم تدخلها الألف واللام فهي معرفة مبنية على الكسر وإذا دخلت عليها الألف واللام نكرت كما هنا.
تفسير قوله تعالى: (فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما)
تفسير قوله تعالى: (فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما) قال تعالى: {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا} [القصص:19]. أي: فلما أراد موسى أن يضرب قبطياً آخر نصرة لقومه ولهذا الإسرائيلي من جماعته وعشيرته، وإذا بالإسرائيلي يصيح في موسى ويقول له: {يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} [القصص:19]. هذا الإسرائيلي عندما رأى موسى مقبلاً عليه، هاجماً إليه وهو قد قابله بهذه الكلمة: إنك غاو مضل بيّن الغواية والضلالة، فعندما أقبل موسى ظن هذا الإسرائيلي أن موسى يريد البطش به لا بالقبطي، ففزع، وكما قال ربنا: (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا) والذي هو عدو لموسى ولهذا الإسرائيلي هو قبطي. (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى) قال ذلك الإسرائيلي ونادى موسى وسمّاه وكشفه أمام هذا القبطي: (يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْس) وناداه باسمه يا موسى، فكان بذلك قد أعلن جريمته في نظر القبطي، وكشف حادثته، وكان الأقباط مع فرعون يبحثون عن قاتل هذا القتيل الذي وجد ملقىً في الشوارع ولم يعرف من القاتل، ولم يوجد شاهد ولا دليل، إذ قتله في وقت غفلة من الناس ولم يكن في الشارع أحد إلا موسى وهذا الإسرائيلي والقبطي. ولكن هنا عندما كادت تتكرر الحادثة مع الإسرائيلي السابق نفسه ووبّخه موسى وقال: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) ثم أراد البطش بالقبطي ظن الإسرائيلي أنه سيبطش به لا بالقبطي، فصاح فيه مسمياً له: (يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْس) وبهذا سمع القبطي الذي كان يريد موسى أن يبطش به مرة ثانية أن القاتل بالأمس هو موسى. قوله: (إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْض) أخذ يشتم موسى ويصفه بالجبروت والطغيان، وبالاستعلاء والظلم، والجبّار من الناس هو الظالم المتكبّر، وهو المؤذي، هو الذي إن قتل لا يبالي وإن شتم لا يبالي؛ فذهب هذا الإسرائيلي يشتم موسى بوصفه جبّاراً في الأرض. (إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ) أي: لست تريد إلا أن تكون جبّاراً من الجبابرة. (وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) ولا تريد الخير ولا الصلاح ولا الإحسان، فأنت ظالم بين الظالمين. وإذا بالقبطي يفر ويذهب مسرعاً إلى فرعون قائلاً: لقد اكتشفت قاتل القبطي بالأمس، إنه موسى الذي نشأ في بيتك وعلى فراشك، وتغذى بنعمتك، وكان موسى قد ترك قصر فرعون وقال عن نفسه: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص:17] فكان من ذلك أن ترك فرعون وقومه واستقل بنفسه على خوفه ووجله من أن يُحاسب بالقتيل ويُكشف أمره، وهذا ما حذر منه.
تفسير قوله تعالى: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى)
تفسير قوله تعالى: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) وإذا باليوم الثاني، قال تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص:20]. أي: بلغ الخبر فرعون، وجاء رجل من قصر فرعون (يَسْعَى) أي: يهرول ويجري، ويبادر ليبلّغ موسى قبل حبسه وقتله وتوصل فرعون لإيذائه والبطش به. قالوا: هذا المبلّغ كان مؤمن آل فرعون، الذي أخبر الله جل جلاله عنه في سورة غافر، ويقال: اسمه شمعون، وقيل: شميع، وهذه أسماء لا أصل لها ولم تُذكر في القرآن، ولم تثبت في السنة؛ وإنما هي أشبه بالإسرائيلية. (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) أي: من أبعد المدينة حيث يسكن فرعون على ثلاثة أميال من مصر كما قالوا، وأقصى المدينة تدل على ذلك، وسرعته وسعيه وجريه للوصول إليه يؤكّد ذلك. (قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ) أي: يتآمرون عليك ويتباحثون في الانتقام منك جزاءً لما صنعت بالقبطي من قومهم وجماعتهم، ومن رجالهم. (فَاخْرُجْ) أي: اترك البلد واخرج منه (إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) أي: أنا أنصحك يا موسى إن كنت تريد حياتك والحفاظ عليها، فإن القوم تجمّعت لهم عنك مؤاخذات في شتمك وتسفيهك لـ فرعون، وعدم اعتقادك بألوهيته، وبقتلك للقبطي، وبدفاعك عن قومك، هذا الذي يريد الآن فرعون أن يبطش بك وينتقم لجماعته منك ولنفسه. (فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) أي: أمحضك النصح وأحثك على خير نفسك، وألا ينالك من الجماعة مكروه.
تفسير قوله تعالى: (فخرج منها خائفا يترقب)
تفسير قوله تعالى: (فخرج منها خائفاً يترقب) فبلغ الخبر موسى وكان خائفاً مترقباً ينتظر ما يسمع وينتظر ما يبلغه، وإذا بما كان يخاف منه قد بلغه، قال تعالى: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص:21]. ترك المدينة ترك مصر، وخرج من الأرض هارباً بنفسه وبحياته من ظلم فرعون، وحقد الأقباط وتآمرهم على قتله وعلى البطش به. {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:21] خاف أن يُدركوه فأصبح بكل خلايا بدنه يسمع لعله يُصرخ عليه من هنا! لعله يلاحق من هنا! لعله لا يستطيع الخروج عن حدود مصر وحكم فرعون! خرج هائماً لا يعرف طريقاً، ولا يعرف سبيلاً، ولكن فعل ما فعل اعتماداً على ربه أن يهديه سواء السبيل، وأن يُنجيه من فرعون وقومه. (قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) نجّني منهم احفظني من بطشهم احفظ حياتي من إيذائهم ومن مكرهم وتآمرهم.
تفسير قوله تعالى: (ولما توجه تلقاء مدين)
تفسير قوله تعالى: (ولما توجه تلقاء مدين) قال تعالى: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص:22]. ترك مصر وأخذ الطريق إلى أرض مدين وهو لا يعرف طريقاً أقبل بوجهه سائراً إليها لا يعرف طريقاً، ولا يعرف مسلكاً، وهو خائف من أن يراه أحد يعرفه فيقبض عليه ويسلّمه لـ فرعون، فهو مع هذا مترقّب ومتخوف ومتوجس شراً من هؤلاء. قوله: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ) أي: تلقاء أرض مدين. (قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) يرجو ربه ويدعو إلهه جل جلاله أن يهديه للطريق السواء المستقيم، حتى يصل إلى قبائل مدين وأرض مدين، وهي على بعد ثلاثة أيام من مصر بسير الإبل. فاستجاب ربه له، وقطع الطريق خلال أيام ليس معه إلا ربه، قالوا: خرج جائعاً عطشان في مثل هذه الصحاري، ما تجرأ أن يطلب طعاماً، وخاف من أن يتكلم، أو أن يطلب ماءً، والحذاء كذلك قد تآكل، فأخذ يمشي في هذه الصحاري مع شدة الحر، يصل الليل بالنهار إلى أن وصل إلى بئر يستقي منها الناس، قال تعالى: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ) ولم مدين؟ مدين أرض أجداده، ومدين هو ابن إبراهيم عليه السلام، وموسى من سلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، أراد أن يذهب إلى أرض فيها آثار عشائره، وفيها آثار آبائه ليس فيها حكم فرعون ولا حكم الأقباط أخذ الطريق ودعا ربه أن يهديه الطريق المستقيم إلى مدين، ووصل مدين وهدي إلى الطريق.
القصص [23 - 30]
تفسير سورة القصص [23 - 30] ولما خرج موسى من مصر توجه تلقاء مدين وهو جائع عطشان، فوصل إلى ماء مدين وكان ما حدث من قصته مع البنتين وأبيهما وزواجه بإحداهما، ثم عودته بعد عشر سنين إلى بلده فرأى في الطريق نوراً في الجانب الأيمن من وادي الطور عند الشجرة.
تفسير قوله تعالى: (ولما بلغ ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون)
تفسير قوله تعالى: (ولما بلغ ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون) قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص:23]. جاء وهو عطشان محتاج للماء والطعام، ولكن الطعام قد يصبر عليه الإنسان أياماً، أما الماء فلا يستطيع أن يصبر عليه ساعات عند اشتداد العطش واشتداد الحر. قوله: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ) الورود: الدخول، والمراد البلوغ، أي: بلغ البئر التي تستقي منها قبائل مدين في أرض مدين. لما وصل إلى البئر أخذ كفايته من الماء، ورأى ازدحاماً من الشباب الأقوياء من الرعاة للغنم في سقي غنمهم وقطعانهم، وأخذهم الماء لبيوتهم، ورأى امرأتين خلف الناس، بعيدتين عن الناس، تذودان غنمهما وتدفعانها وتحبسانها؛ لكي لا تختلط بغنم الغير فتضيع عليهما، ولا تستطيعان المزاحمة مع الرجال، أولاً: لأنهما أضعف من الرجال ثانياً: لأنه لا يليق بالمرأة أن تُزاحم الرجال، فهما تنتظران أن يذهب هؤلاء ثم تستقيان، وقد يطول ذلك اليوم بكماله إلى العصر أو المغرب. قوله: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاس) أي: وجد على ماء مدين جماعة من الناس. قوله: (يَسْقُونَ) أي: يشربون ويسقون أغنامهم، ويأخذون الماء لدورهم للسقيا. قوله: (وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَان) ووجد خلف الناس امرأتين تدفعان وتحبسان أغنامهما على ألا تختلط بأغنام أولئك. فوقف ونظر ذلك المنظر، وكأنه أشفق على هاتين المرأتين أن تكونا في هذا العذاب أمام هذه الجماعة من الرجال الذين لا يهتمون إلا بأنفسهم، ولا يقدّمونهما لا شفقة لأنوثتهما، ولا خشية على ضعفهما، وإذا بموسى يتقدم ويسألهما: ما خطبكما؟ لم أنتما خلف هؤلاء؟ ولم أنتما في هذه المشقة؟ (قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ) أي: لا نستطيع السعي لسقي أغنامنا (حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ) أي: حتى يذهب الرعاء وينتهوا من السقي، ونبقى وحدنا دون زحام، ودون مقاتلة مع الرجال والشباب. والرعاء: جمع راع كتاجر جمعه تجار، والمعنى: لا نستطيع سقي أغنامنا حتى يذهب هؤلاء، ويرجعوا عن السقي ويعودوا إلى مكانهم، عند ذلك نجد المكان فارغاً، والبئر ليس عليها ازدحام، فنسقي أغنامنا. واعتذرا فقالا: (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) بمعنى: هما ليستا بمتزوجتين، ولا رجال لهما يقومون مقامهما، وليس لهما أخ يقوم بمثل هذا، وأبوهما الذي سيفعل هذا رجل كبير عاجز عن السقي والرعي، وعاجز عن خدمة داره وبناته. وإذا بموسى عليه السلام يشفق عليهما ويسعى لخدمتهما طلباً للأجر والثواب، وشفقة ذاتية من شخصه، وهذه المرحلة الثالثة من حياة موسى؛ وكانت المرحلة الأولى التي قصها الله علينا مرحلة ولادته ورضاعه ونشأته عند فرعون، وكانت المرحلة الثانية كبره وخروجه للشوارع والأسواق، وقتله للقبطي، والمحاولة الثانية لقتل قبطي آخر، وإذا به يترك القصر ويقول: لن أكون ظهيراً ولا مساعداً للمجرمين بعد اليوم، فينذر ويخوّف من مؤمن آل فرعون بأن يترك البلد ويخرج، وإلا فـ فرعون والأقباط قاتلوه، فترك مصر وخرج هائماً على وجهه لم يسبق قبل أنه ترك أمه وترك أخواته وقومه، وخرج على وجهه لا يدري أين يذهب. ولكن من أول مرة قصد أن يذهب إلى أرض مدين وهو لا يعرفها، فسأل ربه جل جلاله أن يهديه إليها، ففعل، وهدي إليها ووصل، وكان أول ما وجد القوم على ماء مدين يسقون الأغنام ووجد بين هؤلاء الرجال امرأتين بكرين لم تتزوجا بعد، ولا أخ لهما، وأبوهما رجل كبير يعجز عن السقي والرعي، وعن خدمة البيت، فالبنتان هاتان هما اللتان تقومان بعمل الرجال، وهي عادة بدوية لا يستغني البدوي عنها وهم في حاجة إليها، وكان هؤلاء في البدو.
تفسير قوله تعالى: (فسقى لهما ثم تولى إلى الظل)
تفسير قوله تعالى: (فسقى لهما ثم تولى إلى الظل) وإذا بالله يقول عن موسى: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص:24]. قالوا: لم يأكل أياماً وهو على غاية ما يكون من الجوع والحاجة للطعام، كان يأكل أوراق الشجر في الطريق حتى اخضر وجهه، وتعب بدنه، فسقى لهاتين المرأتين حسبة وخدمة. (ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) أي: ذهب إلى تحت شجرة يستظل بظلها من حر الشمس والصحراء، وللراحة من الكلل والتعب. وقيل: إنه عندما ذهب للسقي أخذ يدافع الرجال بقوته، ووجد صخرة على فم البئر لا يكاد يُسقى إلا بقلة، وهم يحتفظون بذلك، فجاء إلى الصخرة فحملها قالوا: ويعجز عن حملها الرجال الكثيرون، فحملها كمن يحمل بيده شيئاً خفيفاً، ورمى بها ثم سقى لأغنامهما، ثم صرفهما وعاد مستريحاً تحت الظل، فاستظل بظل الشجرة وقال: يا رب! إني لما أنزلت إليّ من خير، أي: مما أكرمتني من خير وبما أكرمتني من فضل وعلم وحكمة، وأنجيتني من فرعون وظلمه وسلطانه وطغيانه، مع ذلك فأنا فقير يقول: أنا جائع فأطعمني يا رب.
تفسير قوله تعالى: (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء)
تفسير قوله تعالى: (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء) يقول تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} [القصص:25]. معناه: ذهبتا وقصّتا على أبيهما قصة هذا الرجل الغريب، واستنكر أبوهما أن تأتياه مسرعتين على خلاف عادتهما؛ لأن وقت السقي كان يستغرق منهما اليوم كله، وإذا بهما لم يكادا يغيبان أكثر من ساعة أو ساعتين فعادا والأغنام شاربة ومكتفية، والمياه معهما لسقي البيت فقال لبنتيه: ما خطبكما؟ فأخبرتاه أن رجلاً غريباً صادفنا على فم البئر فسقى لنا وحمل من الصخر ما حمل إلى أن اكتفينا، وذهب يستظل تحت ظل شجرة وهو في أسمال بالية، وفي نعل ممزقة، فصاح لربه يدعوه ويقول: على ما أكرمتني من خير وسعادة أنا فقير يا رب. وإذا بأبيهما يرسل إحداهما إلى موسى يدعوه: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:25]. بلّغت البنتان أباهما، فأرسل أبوهما إحداهما فجاءت إلى موسى على حياء وخجل قال عمر بن الخطاب: جاءت وعيناها في الأرض، وكمها يستر وجهها قال هذا عمر من أين؟ لعله سمعه من أحد ولم يروه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكن نحترم قول عمر ونقول: جاءته إحداهما تمشي على استحياء، فالشأن فيها أن تكون هكذا، جاءت في حياء النساء كما وصفها عمر قال: ليست بولّاجة وخراجة، وليست من النساء اللاتي يتجرأن على الرجال في كلامهم، وفي الأخذ معهم، وفي المفاوضة لهم، جاءت وهي بكر عذراء يغلبها حياؤها، أخذ هذا من قوله تعالى: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا). وكانت مهذّبة فلو قالت له: اذهب معي أنا أدعوك لظن بها السوء ولما استجاب لها، ولكن من أول مرة ذكرت الدعوة وسببها، وإلا كيف يدعوني هذا الرجل وأنا لا أعرفه وهو لا يعرفني وأنا رجل غريب؟! إذاً هذه حيلة من البنت تُريد أن تختلي بالشاب، ولكن لذكائها ذكرت الدعوة وسببها: (قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا). قوله: (فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ) جاء موسى ودخل بيت والد هاتين البنتين، وقص عليه قصته مع فرعون، وقتله للقبطي وقذفه للنيل وهو لا يزال رضيعاً في أيامه الأولى، وقتل فرعون لفتيان وأطفال بني إسرائيل، وهأنذا بعد ذلك كله قد جئتك (فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَص) قال والد البنتين: (لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). أي: أنت الآن في غير حكم فرعون، ولست في أرض مصر، ولا سلطان لهم عليك ولا علينا هنا، ولا على هذه الأرض، فقد نجّاك الله واستجاب دعاءك. وإذا بالبنتان وقد أراحهما موسى بالأمس عزّ عليهما أن يُترك هذا الغريب جائعاً محتاجاً، وأن تبقيا على سقيهما للأغنام، وهذا الشاب القوي غريب شريد طريد لا أهل له، فلم لا يكون معهما في البيت ومع أبيهما؟
تفسير قوله تعالى: (قالت إحداهما يا أبت استأجره)
تفسير قوله تعالى: (قالت إحداهما يا أبت استأجره) عندما قال ذلك أبوهما لموسى: {لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:25] وإذا بإحداهما تقول: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا} [القصص:26]. أي: اقترحت إحداهما: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص:26]. خافتا أن يذهب عنهما ولا يخدمهما بعد ذلك، وليس في الدار شاب يشتغل ويرعى ويخدم ويسقي، ويقوم بالوالد وبالبنتين، فاقترحت إحداهما على الوالد، وكان هذا من ذكائها وفراستها (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ)، أي: خذه أجيراً ودعه يعمل عندك يسقي غنمك، ويخدم بيتك، ويقوم بدارك، ويكفيك مئونة أهلك، أما نحن فبنتان نعجز عن أن نقوم بما نضطر إليه من رعي وسقي. (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ): أحسن صفة في الأجير والخادم أن يكون قوياً وأميناً. وإذا بالوالد يسأل هذه البنت التي عرفت الرجل ووصفته بالقوة والأمانة فقال لها: ومن أين عرفت قوته؟ ومن أين عرفت أمانته؟ قالت: يا أبت عندما أراد أن يسقي لنا دخل في الجموع من الرجال فتفرقعوا وفروا من أمامه وعجزوا أن يجادلوه، وجاء إلى صخرة لا يحملها إلا العشرون من الرجال فأخذها بيد واحدة ورماها بعيداً فهذه قوته، وسقى أغنامنا بأسرع وقت. قال: والأمانة؟ قالت: عندما أرسلتني إليه وأخذت أقوده لك تقدّمته وإذا بالرياح تلعب بثوبي، فقال لي: يا أمة الله! تعالي خلفي وأشيري إلي بالطريق بصوتكِ أو بأصبعكِ وهذه أمانة ومروءة وعفّة وشهامة. إذ ذاك اطمأن شعيب واستراحت نفسه، وسُر لاقتراح هذه البنت وأراد من يريحه ويريح بنتيه، وأراد أن يزوج البنتين كذلك ويستريح من مشكلتهما، فيكون قد ضرب عصفورين بحجر، فزوج موسى إحدى البنتين، وأتى بمن يخدمه مع أمانة وقوة، وماذا يريد الإنسان أكثر من ذلك؟ قال كثيرون: هو شعيب نبي الله الذي ذُكر في القرآن، وأنه أُرسل لأهل مدين، ولكن هذا القول أنكره ابن تيمية وجهّل من قاله، وقال المحققون من المفسّرين مثل قول ابن تيمية ومن بعده - والأمر كما قالوا - شعيب كان بعد لوط بقليل، وموسى كان بعد ذلك بقرون، ولذلك قصص الأنبياء في القرآن تذكر أولاً قصة آدم فقصة نوح فقصة هود فقصة صالح فقصة لوط، ولوط ابن أخي إبراهيم وفي عصره، تنبأ في عصره وكان ما كان من تدمير أرض سدوم في فلسطين، وجعل عاليها سافلها، لما اختصوا به من فواحش ومنكرات والجري وراء الذكران دون النساء، بلية لم تسبق أن كانت قبلهم، كما قص الله تفاصيل ذلك ومضى أكثر من مرة. أما موسى فقد جاء بعدهم بأكثر من أربعمائة عام وتزيد، فادعى بعضهم أن شعيباً بقي حياً هذه المدة الطويلة، وهذه دعوى لا دليل عليها ولا برهان لها، والله هنا ذكر البنتين ولم يذكر أن شعيباً أبوهما، وذكر من قبل شعيباً ولم يذكر أنه صهر موسى، ولا صاحب موسى، ولا شيء من ذلك؛ ولذلك ابن تيمية عندما يذكر ذلك يقول: لا كما تقول الجهلة إن شعيباً نبي الله هو صاحب موسى وهو والد البنتين في قصة فرار موسى من فرعون وطغيانه وزواجه بإحدى بنتيه، والأمر كما قال. وقيل: هو ابن أخي شعيب وأيضاً هناك كلام آخر. وقيل: اسمه ترتون، وقالوا أسماء أخرى. وعلى كل اعتبار فالقرآن لم يذكر شيئاً من هذا، وفي السنة النبوية لم يصح شيء من هذا، يبقى هذا كلاماً ذُكر من أخبار الإسرائيليات، ولا ثقة بها ولا دليل لقبولها، نقول البنتان وأبوهما ولا نزيد (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) خذه أجيراً، واستخدمه عندك خادماً بأجرة (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ).
تفسير قوله تعالى: (قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين)
تفسير قوله تعالى: (قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين) قال تعالى: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص:27]. كانت هذه البنت المقترحة لهذا الاقتراح قد ضربت على الوتر الذي في نفس أبيها، فبادر أبوها بكل إسراع في الحين، وعرض البنتين معاً على موسى ليختار إحداهما كما يريد، فلم يلزمه بالكبيرة قبل الصغيرة ولم يدعه للصغيرة قبل الكبيرة وخيّره قال: هاتان بنتاي أريد أن أزوجك فاختر إحداهما إن شئت، وكانت الأجرة التي طلب ليست مالاً ولكن كانت عملاً، فطلب أن يخدمه ثمان سنوات، فيقوم برعي غنمه وبالخدمة الكاملة له ولزوجه ولبنتيه، ولما تحتاجه الدار. ثم قال له: أنا أطلب ذلك لمدة ثمان سنين فإن أتممتها عشراً فمن عندك. (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) ستجدني صهراً صالحاً، وستجد مني ما تقر به عينك، وستجد مالي مالك وداري دارك، وإحدى ابنتي زوجتك، وأنت ستكون كابني. وماذا يريد موسى الغريب أكثر من ذلك؟ فهو لا يعرف أهلاً ولا داراً، وهو يحتاج إلى الخبز والماء، وعندما وصل إلى والد البنتين عرض طعاماً للأكل قال: لا، نحن قوم لا نبيع ديننا بالدنيا، أنا لا أريد أجراً على ما سقيته لابنتيك، وإنما ذلك احتساب، قال: لم أفعل ذلك أجرة وإنما أفعله كرماً على عادتي وعادة آبائي وأجدادي، وكان أيضاً من بني إسرائيل؛ عند ذلك قال: ألست بجائع؟ قال: بلى، أنا جائع قال: كل إذاً، فأكل، فوجد المنزل والصهر الصالح، وكان من المؤمنين الصالحين.
تفسير قوله تعالى: (قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين)
تفسير قوله تعالى: (قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين) وإذا بموسى يستجيب بسرعة ويقول: {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ} [القصص:28] أي: قد استجبت وقبلت، فالأمر بيني وبينك في أن أتم ثمان سنين كما طلبت أو أزيد عليها سنتين، وسأنتظر عون الله وأنظر ما يفعل الله، ولكل إرادة ويفعل الله ما يشاء. قوله: {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ} [القصص:28] أي: فلا معاتبة ولا محاسبة إن قضيت الثماني حجج فذاك الشرط، وإن زدت سنتين فأصبحت عشراً فذلك فضل مني وليس شرطاً، أيّما الأجلين: أجل الثماني سنوات أو العشر سنوات قوله: (قَضَيْتُ) أي: أتممت. (فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ) أي: لا يعتدى عليّ بمساءلة ولا بمتابعة ولا بمحاسبة، ثم أشهد الله على النكاح فقال: {وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [القصص:28] أي: الله وكيل عليك في تزويجك إحدى ابنتيك لي، والله وكيل علي أني قبلت واستجبت لخدمتك واستئجارك لي على الثمان سنين أو العشر؛ هذا التزويج والنكاح في الآية أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم من أئمة الاجتهاد تنازعوا في أحكامه نزاعاً طويلاً عريضاً. هل يصح أن يأتي إنسان فيزوج إنساناً بهذه الطريقة؟ يأتي ببناته ويقول زوجتك بإحداهن، أليس من الضروري تعيين إحداهن ليقع الزواج عليها؟ وهل يمكن أن يتم الاختيار في النكاح ويتم العقد بذلك؟ قالوا جميعاً: لا يتم ذلك، وإن كان يوجد من صنعه وهو أبو البنتين فشريعة من قبلنا ليست شريعة لنا، ولا شرع لنا إلا ما أقرّه الشرع وأكده القرآن، وأكده رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم قالوا: المهر يكون أجراً للبنت أو لأبيها؟ ماذا استفادت البنت؟ ولا بد من المهر للبنت، فالأجرة كانت للأب، وهو سيكون أجيراً للأب، أيصح هذا أو لا يصح؟ وقالوا لم يكن في هذا النكاح شهود، بل كان التزويج بين والد البنتين وبين موسى، لم يحضر في ذلك شهود فيشهدون عليه ويؤكدونه، وإنما أشهدوا الله على ذلك، وجعلوه وكيلاً فهل يصح هذا في شريعة الإسلام؟ نبتدئ بالمؤخرة، قال الشافعي: لا يجوز، وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يتم زواج بغير عدلين، وقال مالك: يجوز أن يكون ذلك كما فعل والد البنتين؛ لأن هذه معاوضة، والمعاوضة يكفي فيها التسليم فلا حاجة للإشهاد. لم تذكر الآية هل استشار البنت أم زوجها جبراً؟! وظاهر الآية أنه زوجها بلا اختيار منها ولا موافقة منها؟ قال مالك والشافعي: يجوز تزويج البنت جبراً ولو قالت: لست أرضى، وإن كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (البكر تستأمر وإذنها صماتها، والثيب تُعرب عن نفسها) فلا بد من إذن البنات الأبكار التي لم يسبق لهن زواج، يقال لها: فلان يخطبكِ وصفته كذا وكذا؟ ويقال لها: سكوتك رضاً إن أنتِ سكت اعتبرنا سكوتك موافقة، فإن سكتت فالزواج قد تم، وإن عارضت فلا زواج. والنبي عليه الصلاة والسلام فسخ نكاح ابنة من الصحابيات أجبرها أبوها على الزواج من شخص بغير رضاها؛ فكان ذلك توكيداً لهذا الحكم مع القول العمل، لكن قالوا: هذا في الصغيرة غير البالغة؛ لأن غير البالغة لا تُعرب ولا رأي لها، والموضوع الكلام فيه طويل كل هذا الذي قالوا لا موضوع له ولا معنى، أولاً: الله قص علينا قصتهما وليست قصة كما تحكى الروايات، وإنما أعطانا منها العبرة، فذكر منها ما نحتاج إليه، وألغى الباقي، وفي أول السور ماذا قال تعالى؟ {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ} [القصص:3] أي: من بعض قصصه، ومن بعض أخباره، لا أن يحكي لنا القرآن كل الحكايات، ذكر القرآن للقصص لا لأنها قصص، ولكن لأخذ العبرة منها، وهنا لا حاجة إلى التفاصيل ولا إلى ذكر اسم البنتين، حتى سموهما صفوراً وصفراء وأسماء أخرى ما أنزل الله بها من سلطان، وسموا الأب عدة أسماء لا حاجة لذلك. فنقول: ليس هذا الفعل من والد البنتين يعد تزويجاً، وإنما هذا عرض، ثم ماذا حدث بعد ذلك لم يذكره الله، وإنما ذكر نعمته وإفضاله وتمننه على موسى أنه لم يتركه، وأنه آواه وهيأ له داراً وبيتاً، وهيأ له زواجاً، وهيأ له بيتاً سيكون سيده بعد هذا الرجل العجوز، أما التفاصيل فلم يذكرها، وهنا العبرة في تحقيق وعد الله لأم موسى: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7]. ثم هذا الكلام الذي دار بينهما إنما هو عرض، وليس معناه التزويج، فلو جاء إنسان إلى آخر في لغة إسلامنا وشريعتنا وقال: أنا أريد أن أزوجك ابنتي، هل يعتبر هذا زواجاً؟ هل إذا أشهد عليه يعتبر زواجاً؟ هي إرادة لكن هل نفذ هذه الإرادة أم لم ينفّذها؟ هذا ليس إلا عرضاً، عرض والد البنتين على موسى أن يزوجه إحدى البنتين، وبعد موافقة موسى واختياره لإحداهما سيكون التزويج إذ ذاك بالعين، فليس هناك تزويج بالاختيار، وليس هناك تزويج بلا شهود، وليس هناك تزويج بلا مهر، كل ما ذكر الله أنه ختنه، أما كونه أعطى مهر البنت أو لم يعط فلم يذكر القرآن هذا، والحكم بشيء لم يذكر افتئات على القرآن وما جاء فيه. وعرض البنت على الرجل الصالح هي سنة المرسلين والسلف الصالحين، وقد عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء أن يتزوجنه فلم يوبّخهن، ولم يلمهن، ولم يتزوجهن. وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة عندما تأيّمت من زوجها على أبي بكر فسكت، ثم عرضها على عثمان فأباها وامتنع، فلم يكن العرض تزويجاً، وإلا لأصبحت زوجة لـ عثمان، فتبيّن بعد أن أبا بكر لم يجب لأنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يخطب من عمر ابنته الأيّم، وبعد الزواج قال هذا لـ عمر قال: يا عمر! قد أخبرني رسول الله برغبته بالتزويج ببنتك، وما كنت لأقول ذلك فأفشي سر رسول الله، ولو تركها لأخذتها. أما الزواج بالأجرة فنعم هو وارد في الإسلام، لكن الأجرة للزوجة لا لأبيها، الرجل الذي حضر مجلس رسول الله عليه الصلاة والسلام مع المرأة التي عرضت نفسها على الرسول عليه الصلاة والسلام، فأباها، كان جالساً بمحضره رجل، فلما رأى أن النبي عليه الصلاة والسلام رفضها قال: يا رسول الله! إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها قال: (ما معك؟) قال: لا شيء والقصة لها كلام، وليس هذا موضعها، وموضع الشاهد أنه بعد أن عجز حتى عن خاتم من حديد قال: (ما معك من القرآن؟) قال: كذا وكذا وعدَّ سوراً من سور القرآن الصغيرة: (قل أعوذ برب الفلق) و (قل هو الله أحد) و (إنا أعطيناك الكوثر) قال: (زوجتكها بما معك من القرآن) أي: يكون مستأجراً لزوجته مقابل تعليمه لها هذه السور. فإذاً: هو أجير للمرأة، وهنا في هذه القصة هو أجير لأبيها، والمهور لا يأخذها الآباء ولا الأولياء، وهي منحة للبنت نفسها، فكيف يكون المهر بالأجرة للغير؟ نقول: كذلك هذا شيء والتزويج شيء آخر، ولكن أبا البنتين استأجر موسى أو عرض عليه استئجار واشترط: على أن تأجرني ثماني حجج، لن أزوجك إن وافقت إلا بعد أن تخدمني، هذه الخدمة وهو يريد أن يساكنه، ماذا حدث من بعد؟ ماذا أعطاه من مهر؟ أخذ الكبيرة أو أخذ الصغيرة؟ أيأخذهما معاً؟ لا يمكن، وهو لم يعرضهما عليه معاً: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} [القصص:27] الله لم يقل لنا أنه زوجه كلتيهما! وهذا لا يكون، لأن الأختين لا يجتمعان في عقد واحد، ولا في عصمة واحدة؛ إذاً: لا يمكن الاستدلال بفعل والد البنتين من ختن موسى بحال من الأحوال؛ فهذا الذي ذكره الله عرض وليس تزويجاً. ووافق موسى على العرض، هذا كل ما حدث، لكن هل أخذ الكبيرة أم الصغيرة؟ القرآن لم يذكره، ولا حاجة لذلك، إذ الحكمة بما أكرم الله به موسى لا في كونه أخذ صغيرة أو كبيرة، على أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الذي فعله موسى مع ختنه؟ هل خدمه ثمان سنين أو عشراً؟ قال صلى الله عليه وسلم: (آجره أوفاهما وأكملهما) أي: عشر سنوات. ثم سأله: أتزوج الصغرى أم الكبرى؟ قال: (الصغرى) سألوه صلى الله عليه وسلم، وهذا عن أبي ذر وأبي هريرة وجماعة من الصحابة، من التي أرسلها أبوها إليه عندما جاءته تمشي على استحياء وتقول له: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص:25]؟ في هذه الحالة قالوا: إنها الصغيرة هي التي أرسلها، فرأته فأُعجبت به ووصفته بالقوة والأمانة، ورأى هو منها طاعة وحياءً، فهو تزوج بعد المعرفة والرؤية، النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك، والقرآن لم يقله، ولو رواه أحد غير رسول الله عليه الصلاة والسلام لاعتبرناه من الإسرائيليات، على أن الأسانيد في ذلك يصححها البعض، ويطعن فيها البعض. يقول ربنا جل جلاله حاكياً عن موسى: {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ} [القصص:28] أي: هذا النكاح بالثمان سنين والعشر (أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ) أي الأجلين، قالوا: (ما) صلة، وهي في الحقيقة تأكيد لهذا (أَيَّمَا الأَجَلَيْن) أي: أجل الثمانية والعشرة (قَضَيْتُ) أي: آجرت نفسي لك (فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ) أي: لا معاتبة، ولا محاسبة، ولا مسئولية، فالثمان لا بد منها، والعشر إفضال وتكرّم، وأنا سأترك هذا من بعد ولا أعد بشيء. (وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) وكّل الله موسى لا في الزواج وإنما في التأجير؛ لأن الكلام الذي تكلم به موسى هو عن التأجير، وإن كان التأجير شرطاً للنكاح، الله وكيل على أن أفعل معك كل ما أستطيعه، وسأخدمك خدمتي لأبي، وقد وفّى موسى وأحسن.
تفسير قوله تعالى: (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله)
تفسير قوله تعالى: (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله) قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [القصص:29]. خرج موسى سائحاً، أيرجع مصر ومنها فر؟ أيذهب إلى دار مستقلة لم يهيئها الله بعد، كل ما هنالك: قبل أن يذهب أعطاه والد البنتين قطيعاً من الأغنام ليعيش بها، ويجعلها رأس مال للعمل، وذهب في ليلة مظلمة باردة، وأرض مدين وأرض الأردن وفلسطين شديدة البرودة خاصة أيام الشتاء. (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ) أي الأجل قضى موسى؟ القرآن لم يذكر؛ لأن الموضوع ليس موضوع قصة بتفاصيلها، العبرة أخذت، والحكمة أخذت، وهذه التفاصيل والزوائد لا حاجة إليها، وإن كان النبي - زيادة في العلم - عليه الصلاة والسلام قال: (قضى أكمل الأجل) وأوفى الأجل: عشر سنوات. قوله: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِه) أي: أخرج أهله معه، ومعنى هذا: أن الزوج له الحق أن يذهب بزوجته حيث شاء، لا حق لها في الامتناع، ولا حق لأوليائها أن يمنعوها، فهو قد ترك ختنه وداره، وليس ملزماً بخدمته إلى الأبد. قوله: (آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا) آنس: انتبه واستأنس وشعر (مِنْ جَانِبِ الطُّور) أي: جبل الطور في سيناء أو قرب سيناء، ماذا وجد؟ شعر بنار من بعيد، وكان موسى ضالاً، ضاعت عليه الطريق، وهو لا يعرفها، وكانت امرأته في غاية ما يكون من البرد والقشعريرة، وكان هو كذلك، لكن الرجل يصبر أكثر مما تصبر المرأة؛ فعندما رأى النار شعر بها واستأنس. (قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا) أي: أقيموا وانتظروني، (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) أنا رأيت ناراً من بعيد (لَعَلِّي) يرجو ويطمع (آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) أي: من يدلني على الطريق، ويدلني على أي الدروب سأسلك، أأقيم هنا أو أقيم بعيداً؟ ضائع! (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّار) جمرة من النار مشتعلة (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) وتصطلون: تستدفئون فيذهب ما بكم من برد وقشعريرة، وهذه المرحلة الثالثة والأخيرة، مرحلة الانتقال من بيت ختنه بعد أن تزوج وولد له، فهو الآن يذهب لسعادته ولتحقيق وعد الله لأمه، فرأى هذه النار، وهو في الحقيقة رأى نوراً فاختلط عليه النار بالنور.
تفسير قوله تعالى: (فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة)
تفسير قوله تعالى: (فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة) قال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص:30]. ذهب موسى إلى النار ليأتي بها أو بخبر منها، وإذا به عندما وصل إلى شاطئ الوادي الأيمن، أي: الذي على يمينه والوادي: الطريق بين الجبلين، والشاطئ: الجانب، لما وصل إلى هذا الجانب في البقعة المباركة التي تباركت بكلام الله لموسى، وتجلي الله عليها لموسى، وبكون موسى فيها نبئ وأُرسل، وفيها كُلّم ومنها أخذ لقب كليم الله. قوله: (فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَة) كان النداء من الشجرة، وقالوا عن الشجرة: هي سمرة، وهي عوسج، وكل هذا أيضاً كلام لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم، والقرآن لم يذكره، ونقول ما قال ربنا: هي شجرة، نودي من هذه الشجرة التي هي على الشاطئ الأيمن في البقعة المقدّسة. قوله: (أَنْ يَا مُوسَى) نودي باسمه (إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) قالوا: هذه الشجرة كانت خضراء يانعة، وهي تشتعل نوراً بما ظنه موسى ناراً؛ وليس هو ناراً ولكنه النور، كيف سمع هذا الكلام؟ فعلماء الكلام والأشاعرة والماتريدية والمعتزلة أكثرهم قال فلسفات يونانية ما أنزل الله بها من سلطان، ولا دليل عليها من قرآن، ولا حجة عليها من سنة الرسول سيد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم، ونحن نقول ما قال الإمام مالك عندما جاءه من يسأله في مثل هذه الآيات المتشابهة فقال له: يا أبا عبد الله! يقول ربنا: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] كيف استوى؟ فأطرق مالك ملياً وعدّ هذا السؤال غير وارد، ثم رفع رأسه وقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، أين أنت يا شرطي؟ أخرج هذا من المسجد. سأل سؤال البدعة؛ لأن ربنا في ذاته لا يُعلم، فكل ما خطر ببالك فربنا مخالف له، عقولنا لا تتصور ذلك، عقولنا الحادثة لا تتكيف ولا تتصور ذات الله، فالحادث لن يستطيع أن يعيش بتصور القديم الذي لا أول له.
القصص [29 - 35]
تفسير سورة القصص [29 - 35] لقد قضى سيدنا موسى عليه السلام في ديار مدين عشر سنين، وعند عودته إلى وطنه أخذ أهله معه، وحدث له ما حدث من الاصطفاء والتكليم قبل أن يصل إلى دياره.
تفسير قوله تعالى: (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا)
تفسير قوله تعالى: (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً) قال الله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [القصص:29]. هذه المرحلة الثالثة من مراحل موسى عليه السلام في قصته المفصلة في هذه السورة من كتاب الله، ففي المرحلة الأولى فسّرنا الآيات الواردة في ولادة موسى ورضاعه وعودته لأمه بعد أن كاد يُذبح أو يغرق في النيل، ثم نشأته في بيت فرعون إلى أن أصبح شاباً يافعاً لا يُعرف إلا بموسى بن فرعون، إلى أن صار يخرج للأسواق، فقتل قبطياً انتصاراً وإغاثة لإسرائيلي من عشيرته وأتباعه وأنصاره، كان بعد ذلك أن خرج من مصر خائفاً يترقب، فيذهب إلى مدين على بعد ثلاثة أيام من مصر، إلى بلد آبائه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ومدين هو ابن إبراهيم. ذهب موسى تائهاً لا يعرف طريقاً فطلب من ربه أن يهديه سواء السبيل، فهدي إلى مدين، وبعد أن خدم من سمي شعيباً وسمي بغير ذلك من الأسماء، فزوجه إحدى ابنتيه وأقام عنده عشر سنين كاملات، ثم بعد تمام هذه السنين أراد أن يخرج من عنده مستقلاً بنفسه مخرجاً لأهله معه وقد أصبح أباً، فهو خارج لا يدري أين يذهب؟ أيعود إلى مصر وقد خرج منها خائفاً من فرعون وملئه أن يقتلوه بالقبطي أو يذهب إلى جهة أخرى؟ وما هي؟ وبينما هو خارج في ليلة شديدة البرد خرج وهو لا يعرف طريقاً ولا يهتدي لمسلك من المسالك؛ وهذه ابتداء المرحلة الرابعة. قال تعالى: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَل) لقد شارط موسى شعيباً أن يبقى عنده ثمان سنين أو عشر سنين، وبقاء السنتين تكملة العشر فضل من عنده، وقد سئل صلى الله عليه وسلم: (ما الأجل الذي قضى موسى؟ فقال: قضى أوفاهما وأكرمهما) أي: أتم عشراً، قضى موسى عشر سنوات من رعيه لغنم صاحب مدين، ومن القيام بحاجته رعياً وزراعة وما يحتاج إليه. وقوله: (وَسَارَ بِأَهْلِه) أي: أن موسى ترك ختنه وصهره وصحب زوجته وأهله، والأهل كلمة أول ما تُطلق على الزوجة وتشمل مع الزوجة الأولاد والخدم والحشم، ومن تجمعه دارك من أقارب. وقوله: (آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا) أي: أبصر نوراً من بعيد، ولا شك أن الوقت كان ليلاً، وإلا قلما تُرى النار من بعيد في النهار المنير المشرق، فموسى لما رأى النار ومعه أهله وهم على غاية ما يكونون من البرد والزمهرير، (قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا) أي: أقيموا وانتظروني، (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) أي: لقد رأيت ناراً من بعيد. (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) أي: انتظروني وارتقبوا عودتي، سأذهب إلى هذه النار لعلي أجد عليها قوماً أو أي إنسان يرشدني إلى الطريق، وإلا جئتكم من هذه النار بجذوة وبقطعة وبجمرة، وفي اللغة: جَذوة وجُذوة وجِذوة مثلثة الجيم، (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) أي: لعلكم تستدفئون بها فيزول عنكم الزمهرير وشدة البرد، فذهب موسى وإذا به وجد شجرة تشتعل على شدة اخضرارها والنار لا لهب لها ولا دخان ولا خشب ولا شجر يحترق، ولكنه النور. عندما طلب موسى رؤية ربه ماذا قال له ربه؟ {قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف:143] فلم يستقر الجبل وتجلى ربه له فجعله قاعاً صفصفاً ولم يبق هناك جبل لم تبق إلا أرض لا أمت فيها ولا عوجاً {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} [الأعراف:143]. فموسى عليه السلام وجد النور بدل النار.
تفسير قوله تعالى: (فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن)
تفسير قوله تعالى: (فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن) قال الله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص:30] لما وصل موسى إلى الشجرة إذا به يُنادى من جانب الطور الأيمن ومن شاطئ الوادي، والوادي هو الطريق بين جبلين. وقوله: (فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَة) أي: البقعة المقدسة التي تجلى الله فيها لموسى، والتي أشرقت أنواره سبحانه فيها، {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [النور:35] فموسى عندما وصل هناك يفاجأ بما سيكون به قرير العين وبما ترتفع رتبته من مجرد إنسان عادي إلى نبي ورسول كريم، وإلى رسول من أولي العزم الخمسة من الرسل، وإلى أن خُص بكلام الله، فأصبح يلقب بكليم الله، أي: الذي شرّفه الله بكلامه، فناداه من عند الشجرة من الشاطئ الأيمن من الوادي في البقعة المباركة المقدسة من الطور: (أَنْ يَا مُوسَى) ناداه باسمه جل جلاله. ثم قال: (إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) أي: أنا ربك ورب فرعون وملئه ورب بني إسرائيل، ورب العوالم كلها علويها وسفليها بجميع أنواعها ملائكة وإنساً وجناً، وكل ما وجد على الكون فالله ربه وخالقه ومولاه والقائم به جل جلاله. وقوله: (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ) وكانت في يد موسى عصا، وفي آية أخرى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه:17 - 18] أراد الله أن يسليه ويقوي قلبه ويبين له أن هذه العصا ليست كبقية العصي وإنما هي معجزة وستكون آيته الكبرى إلى فرعون وملئه، فقال الله له: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} [القصص:31] فامتثل وفعل وقذفها، {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} [القصص:31] أي: لما ألقى العصا انقلبت حية تسعى، فلما رأى موسى هذه العصا تهتز وتلتوي التواء الأفعى، إذا به يفر ويهرب منها خائفاً، (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ) أي: تضطرب. (كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا) أي: أدبر على عقبه وذهب فاراً خوفاً من هذه الأفعى. (وَلَمْ يُعَقِّبْ) أي: ولم يلتفت خلفه ليرى ماذا هناك، هو يظن أن هذه الأفعى تتبعه تريد افتراسه وتريد إيذاءه. فقال تعالى له: {يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ} [القصص:31] ناداه الله مرة أخرى وكلمه وقال: (يَا مُوسَى أَقْبِلْ) أي: عد إلي وتعال إلي (وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ) لن تؤذى، وأنت آمن على نفسك وعلى حياتك وعلى مستقبلك، فلم الخوف والهرب والله هو الذي يكلمك؟!
تفسير قوله تعالى: (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء)
تفسير قوله تعالى: (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) قال الله تعالى له: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [القصص:32]. أراه الله وأطلعه على الآية الأولى لتكون علامة صدقه ومعجزة نبوته ورسالته إلى فرعون الكاذب المتأله، وإلى قومه بني إسرائيل المستعبدين في مصر كذلك، فأراه الآية الأولى والمعجزة الأولى وهي العصا، ثم أراه المعجزة الثانية وقال له تعالى: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) أي: أدخل يدك في شق قميصك، قالوا: الشق يكون عند الصدر، وقالوا: الشق يكون في اليمين أو اليسار وليس هذا مهماً المهم أن الله تعالى قال له: أدخل يدك في جيبك (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ) فأدخل يده في جيبه وفي شق قميصه ثم أخرجها كما أمره ربه، وإذا يده كأنها الكوكب الدري، كأنها اللمبة الكهربائية ذات الإضاءة والإنارة القوية. وقوله: (مِنْ غَيْرِ سُوء) أي: من غير مرض ولا برص، تخرج بيضاء لا بياض مرض ولا بياض برص، ولكن بياض معجزة وإنارة، ويكون ذلك متى تريده ويزول متى تريد، فلما أدخل موسى يده في جيبه رأى يده تشتعل كما رأى الشجرة من بعيد وقد حسبها ناراً، ولكنه مع ذلك لم يفزع، فقد استأنس من المرة الأولى عندما قال له ربه: {أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ} [القصص:31] فأمن على نفسه وزال قلقه واضطراب بشريته، ووقف لأمر ربه ليتلقى الآيات والمعجزات التي سيذهب بها إلى فرعون وملئه. ثم قال الله له: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) قرئ: (الرّهْب) و (الرهَب)، أي: الرُعب، وجناح الإنسان يداه. فقوله: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْب) أي: إذا أنت رُعبت وخفت عند استقبالك فرعون فضم يدك إلى صدرك، فيزول عنك هذا الرُعب. وقد قال مفسّرو الآية الكريمة كذلك: من ارتُعب من شيء يراه أو شيء يسمعه أو خواطر سوء تخطر بباله فليضم يده إلى صدره وليتل وليذكر فيزيل الله بإذنه رُعبه وخوفه وهلعه، كما أزال خوف موسى ورعبه وقلقه. وقوله: (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ) أي: إلقاء العصا وصيرورتها حية، وإدخال يدك في جيبك تخرج بيضاء كأنها الكوكب الدري، تانك علامتان ودليلان وبرهانان ومعجزتان سترسل بهما إلى فرعون وملئه، وهما آيتان دالتان على صدقك، ومعجزتان من جملة معجزات الأنبياء. وقوله: (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِه) أي: إلى وزرائه وجماعته وكبراء قومه وأشرافهم، والملأ كبراء القوم وأشرافهم وزعماؤهم. وقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) أي: كان قوم فرعون جماعة فاسقين، فسقوا عن أمر ربهم، وخرجوا عن التوحيد، وكفروا بالله وأشركوا به، فألهوا فرعون وزعموه إلهاً ورباً من دون الله، فاذهب إلى هؤلاء الفاسقين وادعهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فإن هم كذّبوك فأظهر هاتين العلامتين وهذين البرهانين الدالين على تصديقك، وإذا بموسى عليه السلام بعد أن وعى الرسالة وحفظ المهمة وعرف ما أُريد به يذهب متجهاً إلى فرعون وقومه.
تفسير قوله تعالى: (قال رب إني قتلت منهم نفسا)
تفسير قوله تعالى: (قال رب إني قتلت منهم نفساً) قال الله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} [القصص:33]. أي: يا رب هؤلاء الذين ترسلني إليهم من فرعون وملئه لهم عندي جريرة فإني قتلت منهم فرعونياً، فأخاف إن هم رأوني أن يقتلوني مقابل قتلي لذلك الفرعوني. ثم طلب من ربه أن يعينه بأخيه فقال: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} [القصص:34] أُمر ببلاغ رسالة وبأدائها! ولكنه اعتل بعلتين: العلة الأولى: أن هؤلاء الذين سيُرسل لهم قد قتل منهم نفساً فيخاف أن يقتلوه، ثم بعد ذلك هو عيي اللسان ليس فصيحاً في القول، فكان في لسانه لثغة فيخاف إن ذهب إليهم ألا يستطيع البلاغ ولا أداء الرسالة ولا أن يُفهمهم، ولربما لم يدعوه لإتمام القول فتكون القاضية عليه، فطلب ورجا ربه أن يرسل معه أخاه هارون، فقال: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا). لقد سبق أن ذكرنا هارون وقلنا: إنه أسن من موسى بعام، وهو لا يزال حياً في مصر مع أمه، وأخوه موسى هنا في أرض مدين، فموسى عليه السلام طلب من ربه لأخيه ما لم يطلبه بشر منذ عصر آدم إلى عصر نبينا عليه الصلاة والسلام، طلب لأخيه النبوة والرسالة، ولم يحدث أن كان هذا قط في القرون الماضية ولا التالية إلى ختم نبوة نبينا صلوات الله وسلامه عليه. فقوله: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا) أي: معيناً ومساعداً ووزيراً ومؤازراً. وقال في سورة أخرى: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي} [طه:25 - 27] يدعو موسى ربه عندما أرسله أن يحلل العقدة التي في لسانه، {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه:27 - 32]. وطلب موسى من ربه أن يشرك أخاه هارون معه في أمر الرسالة والنبوة، وأن يزيل العقدة أو يخفف لكنته وعيّه، فاستجاب الله جل جلاله له، قال نبينا عليه الصلاة والسلام كما في الصحاح لـ علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). فنبينا صلى الله عليه وسلم جعل علياً منه بمنزلة هارون من موسى؛ أخوة وتقديراً وإشادة ورفعة، ولكنه استثنى من هذه الأخوة أن يكون علي نبياً بعد محمد صلى الله عليه وسلم، كما كان هارون نبياً في حياة موسى وبعد موسى؛ إذ لا نبي بعد محمد فهو خاتم الأنبياء وخاتم الرسل الكرام صلى الله عليه وعلى آله. وقوله: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا) أي: هارون هو أفصح من موسى؛ لأن موسى أخذه فرعون في السنتين الأوليين وأجلسه على فخذه، وأخذ يداعبه، وإذا بموسى يمسكه من لحيته وينتف منها شعرتين أو ثلاثاً، وإذا بـ فرعون ينزعج ويقول: هذا لا شك أنه عبراني إسرائيلي، أين الذبّاحون؟ يريد قتله، وإذا بمربيته وحاضنته زوجة فرعون آسية بنت مزاحم تقول له: يا فرعون! هو طفل رضيع لا يفهم ولا يعي، ائته بجمرة وائته معها بدرة، وانظر ماذا سيختار؟ ففعل فرعون وأتاه بدرة تتلألأ وأتى معها بجمرة تشتعل، ولكي ينقذه الله من الذبح جعله يأخذ الجمرة ويضعها في لسانه، فتحرق لسانه فتصبح فيها عقدة، عند ذاك تركه فرعون؛ وكان هذا الذي حصل له من العقدة في اللسان فدى لحياته، وهكذا بقيت هذه العقدة معه إلى أن مات، ولذلك عندما جاء إلى فرعون قال لقومه: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف:52] (مهين) أي: لم يلبس ألبسة الملوك من حرير وديباج وأساور ذهب على الأيدي والأعناق والتيجان على الرءوس، (وَلا يَكَادُ يُبِينُ) للثغة التي في لسانه، يقول الكلمة وينعقد لسانه، فهو يحتاج إلى زمن حتى تخرج الكلمة، ولذلك أول ما كلّفه الله بالرسالة فكّر في شيئين: الأول: أنه قتل نفساً من آل فرعون وقومه فهل سيتركونه. الثاني: أن في لسانه عقدة ولكنة فكيف سيبيّن ويؤدي الرسالة إلى فرعون، فطلب من ربه أن يجعل معه أخاه هارون رسولاً؛ لأنه كان فصيحاً بليغاً ولم تكن فيه هذه العلة في لسانه. قال: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا) أي: اجعله معي رسولاً وردءاً ووزيراً معيناً ومساعداً مؤازراً ومؤيداً. (يُصَدِّقُنِي) لم يصدّقه فرعون ولا الملأ، فهو لم يقل: يصدّقونني، وإنما قال: (يصدقني) أي: يصدّقه هارون فيما يقوله ويكرره هارون مصدقاً لكلام موسى، وأن موسى نبي الله المبلّغ عن الله حقاً، وهذا معنى المؤازرة والتأييد، ثم قال: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا) وقرئ: (رِدَاً) على عادة قراءة نافع في زوال الهمز. وقوله: (فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) أي: يصدّقني هارون أمام فرعون، وقد يمكن وهو ليس بالسياق: ليصدّقني فرعون، إذ سيسمع الرسالة وبيانها بالأدلة والبراهين، وموسى لم تكن معجزته فصاحته وبلاغته، ولكن معجزته كانت شيئاً يُرى بالعين ويُسمع بالأذن، فهو سيرى الحية وتلاعبها وقد تحولت من عصا، وسيرى اليد وقد انقلبت من يد إلى كوكب دري يكاد يأخذ بالأبصار. وقوله: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُون) أي: بسبب العجز عن البلاغة والفصاحة مع اللكنة والعقدة التي في لساني، فأخاف أن يكذّبني فرعون وملؤه وقومه، فأنا أطلب أن تُرسل معي هارون لأبين ولأُبلّغ، فهو أفصح مني وأبلغ في أداء الرسالة.
تفسير قوله تعالى: (قال سنشد عضدك بأخيك)
تفسير قوله تعالى: (قال سنشد عضدك بأخيك) وإذا بالله الكريم يستجيب دعاءه وطلبه فيقول جل جلاله: {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [القصص:35]. فوعده الله وقال له: سنشد عضدك ونؤيدك ونقويك ونساندك، والعضد هو كناية عن المعاونة والمؤازرة والوزارة والتأييد والتصديق. فقوله: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ) أي: سنقويك ونجعل أمرك شديداً بإسعافك في إرسال هارون رسولاً معك وشريكاً ووزيراً. وقوله: (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا) أي: هيبة وجاهاً ومقاماً وعزة ورفعة، فسيراكما فرعون وتنقلب الآية، فعوضاً من أن تخاف يا موسى منه فهو الذي سيخاف منك، وهو الذي سترتعد فرائصه منك. وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يُنصر بالرُعب مسيرة شهر من الجهات الست شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ومن الأطراف، فقد كان إذا سمع به الأعداء من فارس والروم والأحباش وغيرهم ترتعد فرائصهم منه ويخافونه، وكان إذا رئي صلى الله عليه وسلم ترتعد فرائص من يراه ممن لم يكن مؤمناً به؛ ولذلك جاءه رجل وطلب منه شيئاً وأخذ يرتعد، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد) يعني: لم تنزعج؟ هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام تسلية له، وإزالة لخوفه واضطرابه، وهو في هذا عليه الصلاة والسلام لم يصنع شيئاً مما يجعله الملوك من جيوش وحُراس من الأمام والخلف، ومن أسلحة تحرسه عن اليمين والشمال، ومن مظاهر الملك والسلطان، بل كان النبي عليه الصلاة والسلام نبياً عبداً، وإن كان قائد جيش ولكن ذلك كان أصغر ألقابه وأصغر أوصافه، والوصف الذي يوصف به هو رسول الله ونبي الله؛ وإن كان قد قاد الجيوش وأسس الدولة وأقام النظام، وولى وعزل من المدنيين والعسكريين، وجند الجيوش وخرجت تكتسح العالم، ابتدأها فأتم ذلك خلفاؤه الراشدون من بعده، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. وقوله: (فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا) أي: لن يستطيعوا الوصول إليكما ولن يستطيعوا أن يؤذوكما في شيء. وقوله: (بِآيَاتِنَا) أي: بمعجزاتنا وبعلاماتنا وبراهيننا، بل هم الذين سيرعبون منكم ويخافون. وقوله: (أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) أي: أنت يا موسى وأخوك هارون ومن اتبعكما من المؤمنين، سواء من قوم فرعون ولم يكن ذلك إلا قلة لا تكاد تُذكر ولا تعد على الأصابع، ومن اتبعك من عشائرك من بني إسرائيل، أنتم الذين ستكونون الغالبين القاهرين وهم الأذلاء المغلوبون.
القصص [36 - 43]
تفسير سورة القصص [36 - 43] أيد الله رسوله موسى عليه السلام بالمعجزات الواضحات التي تدل على أنه رسول الله حقاً، فلما جاء فرعون وقومه يدعوهم إلى الله اتهموه بالسحر والافتراء واستكبروا عليه تيهاً وضلالاً، فأخذهم الله بالعذاب ولم يبال بهم.
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات)
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات) قال الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} [القصص:36]. أي: جاء موسى إلى مصر بعد غيبة عشر سنوات، خرج فاراً بحياته وفاراً من فتنة فرعون وملئه، ترك أمه وأخاه هارون، وترك أخته التي قصت أثره عندما أرسلتها أمها لتتبع أثره عندما قذفته في النيل. جاء إلى أمه على قدر، وهي تنتظر تنفيذ وتحقيق وعد الله عندما وعدها عند الولادة: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7] عندما أمرها الله جل جلاله وأوحى إليها بأن تُرضعه فإن خافت عليه فلتقذفه في اليم ولا تخف عليه غرقاً ولا موتاً؛ لأن الله سيرده، بل وسيجعله من المرسلين. فقد تحقق الوعد الأول فرده الله إليها مع عز وكرامة وأمن، والآن سيعود إليها نبياً رسولاً كريماً، {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة:111]. قال الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} [القصص:36]. أي: ولما رجع موسى إلى مصر دخل على أمه وأقر عينها بعودته وأقر عينها برسالته، وبلغ هارون رسالة ربه وأمره بالذهاب معه، وذهبا إلى فرعون. فوجئ فرعون بأن موسى قد حضر ولم يكن خائفاً ولا راجياً، ولم يحضر على أنه ابنه الذي تبناه وعاش في بيته، ولكنه جاءه مسفهاً لدينه ومكذّباً بألوهيته، وداعياً له إلى ربه ومنذراً له إذا لم يؤمن، وإذا لم يسلِّم له بني إسرائيل ويترك الاستعباد والاضطهاد والآلام والتذبيح للذكور والاستحياء للنساء منهم، فلا يلومن إلا نفسه بغضب من الله في الدنيا وغرق، وبغضب وعذاب يوم القيامة أشد وأنكى. فلما جاءه موسى وقابله دعاه إلى الله الواحد القهار، وبين له أنه رسول من الله يدعوه إلى رب العالمين؛ فأخذ فرعون يقول: وما رب العالمين؟ فهو يتساءل في ذلك هازئاً جاهلاً. وقوله: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَات) أي: جاءهم بالعلامات والبراهين البيّنة الواضحة المشرقة، إذ عندما قال لـ فرعون: أنا رسول ربك إليك، قال فرعون للملأ معه: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، جاء بما لم تعرفوه ولم تدركوه. فقال موسى: عندي ما يصدقني، قال: أبن ذلك وأظهره إن كنت من الصادقين! وإذا به يلقي العصا ويقذفها بينه وبين فرعون، وإذا بـ فرعون يُرعب ويرجع إلى الخلف، ويرجوه أن يُعيدها كما كانت، فيأخذ موسى الحية فتعود عصا. ثم يدخل موسى يده ويخرجها وهي شعلة من نار، لم ير فرعون في ذلك إلا ناراً ولم ير نوراً، فزاد رعبه وزاد هلعه وزاد فزعه، فأدخلها موسى في جيبه وخرجت كما كانت، لما رأى فرعون وملؤه وجماعته وكبراء دولته وأتباعه من الفجرة الفسقة هذه الآيات البينات ماذا كان جوابهم؟ (قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى) أي: ليس هذا إلا سحراً كاذباً مخترعاً ولا رسالة ولا نبوة؛ لأن السحر كان إذ ذاك في مصر وعند فرعون هو العلامة الكاشفة للأمة المصرية للأقباط والفراعنة، فعندما جاءهم بشيء يشبه ما هم عليه من السحر وتغيير الأجناس وتغيير الطبائع قالوا: هذا شيء، نعرفه وبلدنا فيها الكثير من هذا ليس هذا إلا سحراً مفترى. قوله: (وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ) أي: لم نسمع عن آبائنا ولا أجدادنا أن هناك رباً غير فرعون أو إلهاً خالقاً غير فرعون. وهؤلاء البقر يرون فرعون يشيب ويمرض ويعجز ثم يموت، فكيف لرب أن يموت؟ وكيف لإله يعجز؟ ولكنها هكذا العقول إذا ابتُليت بالشرك وبالكفر ذهب نورها وفهمها، وذهب وعيها فكانت كالأنعام، بل الأنعام أشرف وأكمل منهم، بل هم أضل من الأنعام كما وصف الله جل جلاله. فقولهم: (وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ) كذب وافتراء، بل قد سمعوا بأخبار الأنبياء قبل، فهذا يوسف كانت نبوته في مصر، وكان ملكاً عليها، وكان يوسف يتصرف في مصر وسمعوا به، وسمعوا بأبيه يعقوب، وسمعوا بجده إسحاق، وسمعوا بجد الكل إبراهيم، وسمعوا بنوح، وبالتالي سمعوا بجد البشرية وأبيها الأول آدم عليه وعليهم جميعاً سلام الله، ولكن الفراعنة حكام مصر لا يعلمون إلا أنهم آلهة وأرباب، يقول فرعون وهو يضحك على قومه ويستخف عقولهم: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف:51] من يملك هذا الجزء الصغير الحقير من الدنيا كيف يكون رباً وإلهاً؟! هذا أحد خلفاء بني العباس يتذكر قصة فرعون فقال: أنا أملك الدنيا وأتمدد على ظهري وأقول للسحب: صبي هنا أو هنا فخراجكِ سيصل إليّ، ومع ذلك أبيت أبكي ساجداً ممرغاً جبيني ووجهي على التراب أطلب رحمة ربي ومغفرته، ومصر ليست إلا جزءاً صغيراً من مملكتي وأرضي، فيدّعي هذا المجنون الألوهية لذلك، والله لن أولي على مصر إلا عبداً وخادماً من خدمي، فولى كافور الأخشيدي وكان مسلسل الشعر، مشقوق القدمين، إلى آخر الصفات، ومع ذلك فقد كان ملك كافور وحكمه وولايته من أحسن ما يكون عدلاً وإدارة وإتقاناً، فأين فرعون وما تركه من شرك؟!
تفسير قوله تعالى: (وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده)
تفسير قوله تعالى: (وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده) قال الله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [القصص:37]. قال موسى بعد أن جاء بالبينات: (رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى) أي: فكيف تدعون الألوهية وأنتم أعجز ما يكون عن خدمة أنفسكم، وعن جلب الخير لكم ودفع الضر عنكم، هل أنتم الذين جئتم بالخير أم الله سبحانه؟! فقوله: {وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ} [القصص:37]، أي: جاء بما يهدي الخلق ويهدي الفراعنة الأقباط، جاء بالهداية من الله وجاء بالتوراة وبالحكم وبالصلاح، وبالنور بعد الظلام. وقوله: {وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} [القصص:37] أي: لمن ستكون عاقبة دارنا الآن، والعاقبة يوم القيامة، وسترون بعد ذلك إن أنتم كذبتم هل ستكون العاقبة لي أو لكم؟ وهل سأنتصر أنا أو أنتم؟ وهل سينتصر الله جل جلاله القاهر فوق عباده، أم أنتم معاشر الكفرة الفجرة الذين أنتم أعجز من حيوان صغير فضلاً عن أن تدعوا الألوهية والربوبية؟! وقوله: {إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [القصص:37]. الظالمون الكافرون المشركون لا فلاح ولا نجاح لهم، ولا سعادة لهم في الدنيا ولا في الآخرة.
تفسير قوله تعالى: (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري)
تفسير قوله تعالى: (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري) قال الله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص:38]. قال قولته الفاجرة التي تهتز لها الأرض استنكاراً واستقباحاً واستهجاناً، وقال في آية أخرى: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24] ليس إلهاً فقط بل الإله الأعلى، وهو عندما يستدل على ألوهيته يقول: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف:51] ليس العالم كله، وإنما له شيء من الماء اسمه النيل، فأين هو من البحر الأبيض ومن البحر المحيط؟! إذا قيس النيل بالبحار فما هو إلا قليل، أما إذا قيس بالمحيط فلا قياس. وقال فرعون لملئه ولقادة دولته ولضباطه ووزرائه وهم بمحضر موسى وهارون: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38] و (من) إذا دخلت على النكرة عمت، أي: ليس هناك إله ألبتة إلا هو، وكما قال تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف:54]. استخفهم وأضاع عقولهم وأذهب وعيهم، فأطاعوه على أنه رب وإله، قال: لا أعلم لكم من إله غيري، ثم التفت إلى وزيره هامان فقال له: {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص:38]. أي: يا هامان اصنع لي آجراً بالنار واجعل آجرة على آجرة، ثم بعد ذلك اجعل لي صرحاً أي: قصراً ومنارة عالية لأصعدها، وأطلع إلى إله موسى أين هو؟! ثم قال: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص:38]. ومن أول مرة قال: سأصعد وسوف لا أجده، مع أن الله معه: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد من الذي أحياني وأحياكم؟ من الذي أمدني بالحركة وبالقوة وأمدكم؟ من الذي جعل الليل سكناً والنهار مبصراً؟ من الذي خلق السماوات؟ من ومن؟ سنبقى نقول: من إلى يوم القيامة ولم تنته من! فالله تراه في كل شيء، فالكل خلقه، والكل أمره، والكل أثر من آثاره، وكان الله ولا شيء معه، وهذا الكون لم يكن موجوداً، ولم يكن هناك أحد، فخلق أبانا الأول من تراب، وأمنا من ضلع آدم، ثم خلقنا من ماء دافق، من صلب الأب ومن رحم الأم، واختص عيسى بأن خلقه من الأم بلا أب. من الغريب أن يخطر ببال إنسان في الأرض أن يدعي الألوهية، نعم، قد يدعي المرء الملك أو الجاه فهذا ممكن، أو يدعي العلم أمام الجهال فيظنونه عالماً، أو يدعي المال والغنى فقد يسرق ويخطف ويأخذ أموال الناس، أما أن يدعي الألوهية وأنه يحيي ويميت فلا!! وقد سبقه نمرود عندما ذهب إليه إبراهيم يدعوه لعبادة الله وقال عن ربه: إنه يحيي ويميت، فقال نمرود: أنا أحيي وأميت، كيف ذلك؟! يأتي بالإنسان فيقتله فيقول: أنا أمته، ويأتي بآخر يريد قتله فيتركه من القتل فيقول: أحييته، فقال إبراهيم: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة:258] أي: أن الله يخرج الشمس من المشرق فائت أنت بها من المغرب، {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة:258] صار كالأبله والمجنون. إذاً: أرسل الله الرسل إلى البشر؛ ليعلموهم عبادة ربهم وتوحيده، وأنه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله.
تفسير قوله تعالى: (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق)
تفسير قوله تعالى: (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق) قال الله تعالى: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ} [القصص:39]. كان فرعون جباراً مفسداً كما وصفه الله من قبل، واستكبر وتعالى على ربه وظن أنه يستطيع أن يفعل شيئاً. فقوله: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [القصص:39] هل لـ فرعون حق في هذا الاستكبار؟ هل خلق كخلق الله؟ هل أحيا كإحياء الله؟! هل أمات كإماتة الله؟! كل ذلك لم يكن. وقوله: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ} [القصص:39]، أي: خطر ببالهم وظنوا أنهم لا يموتون ولا يعودون إلينا، ولا يحاسبون على شركهم ولا على كفرهم، ولا على تألههم، ولا على ظلمهم، ولا على ما يصدر منهم، فكانت النتيجة كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (من يتأله على الله يكذب). وتكذيبه في إذلاله وتحقيره ليراه من عبده بغير حق، وأنه بئس العابد والمعبود من كل بشر، ومن كل كاذب ومدع مفتر على الله.
تفسير قوله تعالى: (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم)
تفسير قوله تعالى: (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم) قال الله تعالى: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [القصص:40]. كانت العاقبة الوخيمة لـ فرعون المتأله الكاذب أن أخذناه هو وجنوده من ملئه وكبرائه وأتباعه وأشياعه ومناصريه، فقذفناهم في البحر كما يقذف الشيء الذي لا قيمة له ولا شأن له، قذفهم الله في اليم فغرقوا وضاعوا وكأن لم يكن، وأبقى جثة فرعون على حالها؛ لتكون لمن خلفه آية؛ لأنهم زعموا أن الرب انتقل إلى مكان آخر، وأن فرعون لا يموت ولا يقتل، فعندما غرق في النيل أخرج الله جثته من النيل ليصبح جيفة تحتقرها النفوس، وإذا بها بقيت على حالها تعرض على الملأ يراها من يرى فرعون ويعرفه ويعلمه، بحيث تحققوا أن هذا الإله كاذب ليس إلا إنساناً كالناس أحياه الله فأماته، وهذه الجثة لا تزال إلى اليوم في متاحف مصر في الموميات، ولكن لا تعرف بعينها، ويقولون لك: هذه الجثث العشر أو العشرين هي لفراعنة مصر، هذا فلان، وهذا فلان، وهذا فلان، ولكن بالتأكيد القاطع: أن هذا فرعون موسى يحتاج ذلك إلى دليل، وأين الدليل؟ وأين البرهان؟ ولكن لاشك أنه واحد منهم، لأن الله أخبر بأنه سيجعله آية لمن يأتي بعده ولمن يأتي خلفه، وهو آية لا تزال إلى يومنا. ذهب فرعون كما يذهب البشر وهلك وذهبت دعواه، وذهب قومه، وأورث الله الأرض موسى ومن معه، وأذل أولئك وسحقهم، وكانت العاقبة للمؤمنين، {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات:173]. وقوله: {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [القصص:40]، أي: انظر يا محمد وانظر يا من آمن بمحمد، ومن جاء بعده وإلى يوم القيامة كيف كانت عاقبة المشركين الظالمين لأنفسهم والظالمين للناس، والكاذبين على الله المدعين ما ليس لهم.
تفسير قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار)
تفسير قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ} [القصص:41]. هم أئمة نعم، هم حكام وملوك وسادة وزعماء، ولكن زعماء إلى النار، وأئمة الكفر لا يكتفون بالكفر في أنفسهم، بل يأبون إلا أن يكفروا ويدعوا غيرهم للكفر، وأن يشركوا ويدعوا غيرهم للشرك، وأن يظلموا ويدعوا للظلم. وقوله: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ} [القصص:41]. أي: لم ينصروا في الدنيا، وكذلك يوم القيامة في الآخرة لا ينصرون؛ لا ينصر الله كافراً ولا يرحمه؛ لأنه ليس للكافر إلا الذل والهوان والغضب، والخلود في النار أبد الآبدين ودهر الداهرين، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48]. قال الله تعالى: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} [القصص:42]. معنى ذلك أنه يشرع لمن ذكر هذا الكاذب المتأله وأمثاله أن يتبع ذكره باللعنة، فيقول: قال فرعون لعنه الله، وقال الأقباط لعنهم الله، فهم متبوعون باللعنة وبالخزي وبسوء الذكر وبالاحتقار؛ نتيجة دعواهم ما ليس لهم به حق، فهؤلاء تتبعهم اللعنة في الدنيا، وهم يوم القيامة من المقبوحين الخزايا الملعونين الخالدين في النار، الذين لا يكاد يذكرهم أحد إلا بالخزي والبراءة من أعمالهم. وليس فرعون إلا مثالاً لمن فعل فعله، وليس هو شخصاً بعينه، بل كان مثالاً لكل من جاء بعده إلى يوم القيامة، فكل من ادعى دعوى فرعون وقال: لا إله أو أنه الإله، أو ظلم وسفك وأكل المال الحرام، وجعل من نفسه رباً دون الله، فإن له اللعنة والخزي في الدنيا، وله القبح والتقبيح والخزي يوم القيامة، والخلود في النار أبد الآبدين.
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى)
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى) قال الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص:43]. بعد ذلك أنزل الله على موسى التوراة فيها الهدى والنور، وفيها التوحيد، وفيها ما في الكتب السماوية السابقة، فهذه هي صفة التوراة عندما نزلت، ولكنّ العبرانيين أتباع موسى بعد ذلك غيروا وبدلوا وحرفوا، فالتوراة التي بين أيدينا والتي كانت منذ عصر الوحي المحمدي قام علماؤهم وكبراؤهم فبدلوا فيها وغيروا وحرفوا وزادوا ونقصوا، وأدخلوا فيها الشرك بعد ذلك، فلقد قال تعالى عنهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة:18]. فزعموا أنهم أبناء الله، فلم يشركوا بالله واحداً بل أشركوا كل البشر؛ لأن ابن الإله إله إن صح أنه ابن ولا ابن لله، ولا يليق بالله سبحانه أن يكون له ابن، قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} [الإخلاص:1 - 3]. ولكن لشركهم قالوا ذلك، والتوراة بين أيدينا فيها الطعن في جلال الله، وفيها اتهام الأنبياء بالكبائر: بالسكر وبالزنا وبالفساد، وبإتيان المحارم، وفيها ما لم يكد يخطر على بال. ومن هنا كان اليهودي في دمه وفي عرقه وفي نشأته وفي بيئته عنصراً للفساد، فهم يدينون بشتم الله، ويدينون بقذف الأنبياء، ويدينون بسفك الدماء، ويدينون بنشر الفاحشة ونشر السوء بين البشر، ولذلك هؤلاء الذين يسعون من الحكام إلى فتح الحدود معهم، إنما يزيدون شعوبهم فساداً وفاحشة وكفراً وبلاءً، فإن هذا لبلاء مبين، فأرجو الله تعالى أن يزيله وألا يتمه، وأن يخيب آراءهم، وأن يرد كيدهم في نحورهم جميعاً هم وأنصارهم ومن يريد أن يفعل ذلك منهم. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى} [القصص:43]. أرسل الله موسى بالتوراة من بعد قرون سابقة عنه هلكت وبادت وانتهت، والقرون هم قوم نوح، وقوم هود وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم إبراهيم، وقد قص الله علينا قصصهم. والقرن هو المائة من السنين، والقرن هو الجيل بعد الجيل. وموسى جاء متأخراً بعد ذلك، وقد سبقه هؤلاء كلهم، فـ شعيب أرسل إلى مدين، وإبراهيم إلى نمرود، ولوط إلى أهل سدوم في فلسطين، وهود وصالح إلى عاد وثمود، ونوح إلى البشرية، وكانت لا تزال قريبة العهد بآدم، ليس بينها وبين آدم إلا ألف عام، ولبث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فقص الله علينا ما قص مما مضى جميعه بعد هذه القرون الطويلة، وهذه الأجيال المتتابعة التي أهلكها الله وذهبت في أمس الغابر. وأرسل الله بعد ذلك موسى، وسبقه من بني إسرائيل يوسف وأيوب ويعقوب وإسحاق، بل يعقوب هو إسرائيل وهو كبير أنبياء بني إسرائيل، أما إبراهيم وإن كان أباً لهم فهو كذلك أبو العرب الأول، وهو الذي مكن للعرب هنا، وأتى بولده إسماعيل وأسكنه هنا في هذه الأرض المقدسة، فكان إسماعيل نبي الله ورسول الله الجد الأعلى لنبينا عليه الصلاة والسلام، والجد العالي لجميع عرب اليوم، أما الذين كانوا قبله فيسمون بلغة الأنساب والأحساب: العرب العاربة، وهؤلاء انتهوا ولم يبق منهم أحد، ولذلك الله عندما ذكر إبراهيم قال: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج:78] والخطاب للعرب، فهو أبو العرب، وهم نسله، ولذلك دعا إبراهيم ربه لإسماعيل أن يجعل رسولاً من سلالته، ولذلك كان يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وأنا بشرى أخي عيسى، هو الذي بشر الناس باسمي، وقال لهم في الإنجيل: يأتي من بعدي رسول اسمه أحمد) ومحمد وأحمد اسمان كريمان للكريم خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام.
القصص [43 - 46]
تفسير سورة القصص [43 - 46] آتى الله سيدنا موسى الكتاب هدى لبني إسرائيل؛ لكنهم عاندوا وطلبوا ما ليس لهم أن يطلبوه، وقد أقام الله عليهم الحجة وأثبت صدق رسله وأنبيائه.
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب)
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب) قال الله ربنا جل جلاله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص:43]. لا نزال مع موسى وما أكرمه الله به من إشادة وذكر في العالمين منذ طفولته، بل منذ ولدته أمه إلى أن أصبح نبياً كريماً، قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [القصص:43]. فبعد أن كلم الله موسى عليه السلام وشرفه أنزل عليه التوراة فيها هدى ونور، وفيها الصلاح والفلاح والدعوة إلى الله، وهكذا كان هذا الكتاب يوم نزوله، ووقت وجود موسى وهارون عليهما السلام، ثم بدلوه وغيروه من كتاب توحيد إلى كتاب شرك ووثنية، فجعلوا لله شركاء وجعلوا أنفسهم أبناءً لله، وقذفوا الأنبياء واتهموهم بالكبائر، وقالوا عن الله ما لا يقوله إلا كافر أرعن أحمق. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ} [القصص:43]. فقد جاء موسى عليه السلام وأرسل بالكتاب إلى بني إسرائيل بعد القرون الماضية والأجيال السابقة، قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم إبراهيم، فجاء بعدما هلكوا وبادوا. وفسر بعض المفسرين الآية: أن الأمم والأنبياء من قبل موسى لم يشرع لهم القتال والجهاد، فإذا كفرت أمة وأشركت بادرها الله بالعقوبة في الدنيا بأمر منه، فحين عصى قوم نوح نوحاً أفاض الله عليهم الماء فأغرقهم، وأهلك عاداً بما أهلكهم به من الصيحة والفزع، وأهلك قوم صالح كذلك، وأهلك قوم لوط بأن جعل عالي الأرض سافلها، وأهلك قوم فرعون بالغرق والضياع، ثم لما جاء موسى شرع القتال والحرب، فلم تبق الفتنة ولا العذاب ولا القضاء شاملاً عاماً لكل الأمة ممن كفر بالله وأشرك به، ولكن الله تعالى شرع للمؤمنين أن يقاتلوا الكافرين؛ ليذلوا ويسحقوا ويؤدبوا على يدهم، ومنذ موسى عليه السلام رفع الخسف والصعق والغرق والبلاء على الأمم عامة، إلا ما كان من القتال والجهاد، يكرم الله به المؤمنين، وهم يبذلون أرواحهم وأموالهم وأولادهم رخيصة لإعلاء كلمة الله. ومع ذلك فإن قرية من القرى أيام موسى عليه السلام عندما تحايلوا على الصيد في يوم السبت وحاصروا الحيتان وحجزوها إلى يوم الأحد مسخوا قردة، قالوا: ولم يحدث بعد ذلك أن كان شيء من هذا، وإنما الهلاك يكون على يد الأمم بعضها بعضاً، فيسلط الله قوماً على قوم، وأمة على أمة، فقد يكون المسلمون - وهو هذا الشأن - هم المظفرون المنصورون، ولكن إذا بدلوا كذلك وغيروا كما صنع اليهود والنصارى قبلهم سلط الله عليهم شعوباً أخرى أذلوهم واستعبدوهم واستعمروهم، كما نعيش منذ قرون، ولا يزيد الأمر إلا شدة؛ لأن المؤمنين زادوا كفراً وخلافاً وعصياناً، وبقدر ما يزيدون يزيد الله عذابه ونقمته وتأديبه. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى} [القصص:43]. القرون جمع: قرن، تطلق على المائة سنة، وعلى الجيل، وهنا أطلقت على الأجيال والأمم والشعوب ما مضى منها وما تلا، وإلى عصر موسى وما بعد عصره، ثم أوقف الله عذابه الشامل للأمم، واكتفى بأن أمرهم بالجهاد، ليقاتل المسلمون الكافرين، وأرسل موسى بالتوراة والكتاب بصائر للناس، أي: للتبصر والتنور والوعي والإدراك والإيمان عن بصيرة، فكان بصائر للناس وهدى؛ ليهتدوا بذلك ويزول ما هم فيه من ظلمات بعضها فوق بعض، ثم هو هداية يهديهم من الضلال إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد، ورحمة ومغفرة ودخولاً للجنان وقبولاً لتوبة من آمن به والإيمان والإسلام يجب ما قبله. {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص:43]. فأرسل الله موسى عليه السلام بالتوراة؛ ليتبصر بها بنو إسرائيل، ويخرجوا من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، وأرسل هداية؛ ليتركوا الضلال إلى الهدى، ثم رحمة لمن آمن به، وصنع ذلك بهم لعلهم يتذكرون ويعون ويفكرون، ولعلهم يقولون يوماً: ربي الله، ويدعون الكفر والظلام والضلال إلى الإيمان والهداية والنور.
تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي)
تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي) قال تعالى: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [القصص:44]. هذا من ظواهر المعجزات التي أتى بها نبينا عليه الصلاة والسلام التي ينص عليها الله في كتابه؛ ليعيها الشاك والمرتاب والمتردد، وليزداد بها المؤمن إيماناً وإيقاناً وثباتاً في الله وفي دينه. قال تعالى: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ} [القصص:44]. أي: يا محمد! لم تكن حاضراً في الجانب الغربي جانب الطور وجانب الشجرة والبقعة المقدسة المباركة التي نادى فيها الرب جل جلاله عبده موسى، فكلمه وشرفه وأرسله، فأنت لم تكن حاضراً، ولم تكن من الشاهدين ولا من الحاضرين، ومع ذلك أنت الآن علمت ذلك كما لو كنت شاهداً وحاضراً، وأمتك لم تكن أمة قارئة، بل كانت أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، ولم ينزل على أمتك وشعبك قبلك نبي ولا كتاب، وها أنت ذا تتكلم بالحقائق، وتتحدث عن الأنبياء السابقين منذ آدم إلى نوح إلى موسى وعيسى عليهم السلام، بما كانوا عليه من حقائق، وبما عاشوا فيه من واقع، وتتحدث عن الدنيا منذ كانت، إلى أن وصلت إليك، إلى ما بعدك وإلى يوم القيامة، وأنت لم تكن حاضراً هذا مع موسى؛ لأنك لم تكن خلقت بعد، فبينك وبينه الآلاف من السنين، فلم يكن ذلك إلا وحياً وإنباء وإخباراً من الله؛ لتعلمها أنت وتعلمها لهم ولغيرهم. أفلا يكفي الكافرين من العرب والعجم من السابقين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ومن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة أن يروا هذا الرجل الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب يأتيه الوحي في غار حراء، فإذا به ينطق بالحكمة ويقول الحقائق والعلوم التي لم يعلمها سابق ولا لاحق؟ فمن أين ذاك؟ أعلمه الناس كما زعم بعض الكافرين قديماً وحديثاً، فقد زعموا أن حداداً كان في مكة هو الذي علمه، وهو لا يكاد يبين بالعربية، ونبينا لا يعرف سواها، وهذا الحداد ما عسى أن يعرف أو يعلم، فهو جاهل ولا يكاد يعلم ما في يومه فضلاً عن أمسه وعن مستقبله، وهذا الذي أتى به من المعارف والحقائق وما فرض على الناس يؤمن به من أصلح الله قلبه وغسله من الشرك والظلمات والكفر والعناد على الكفر. وفي عصرنا هذا كتب أحد النصارى الفرنسيين كتاباً قارن فيه بين القرآن والتوراة والإنجيل، وقال: كل ما جاء في التوراة فقد حرف، والإنجيل قد حرف، وكل ما أتى به هذان الكتابان التوراة والإنجيل يخالف الحقائق والعلوم والواقع، إلا القرآن فما نطق القرآن بشيء عن السماوات والأرض وأنباء الأنبياء السابقين والأديان السابقة إلا وهو حق وصدق أيدته الكتب السابقة والعلم الحديث والحفريات على الآثار التي اكتشف بها الكثير مما كان يجهله الناس، وهكذا الله جل جلاله يلفت أنظار العقلاء والذين يبحثون عن الحقائق؛ ليعيشوا مع الحق والواقع، لا مع الأوهام، والأكاذيب والأباطيل والأضاليل. وفكر يوماً أيها المشرك الكافر! من أين لمحمد العربي الأمي هذه العلوم والحقائق، وهذه القصص عن موسى منذ الولادة إلى النهاية، وهو لم يكن شاهداً ولا حاضراً، وهذا ما يلفت إليه القرآن أذهان الناس وعقولهم، فقال: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ} [القصص:44]، أي: لم تكن بجانب الجهة الغربية من الشجرة المباركة في البقعة المقدسة عندما أوحى الله إلى موسى عليه السلام ما أوحى وكلمه بما كلمه، وقضى الله جل جلاله الأمر والرسالة والنبوة، والهداية والتكليف منه جل جلاله إلى موسى، وهو الأمر الذي يشار إليه بالأمر، فلم تكن حاضراً إذ ذاك، فمن أين لك هذا لولا أن الله أكرمك بالوحي، وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيماً؟ كما أن له الفضل على أتباعه المؤمنين به وبجميع ما جاء به ففضل الله عليه وعلى أتباعه عظيم. قال تعالى: {وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [القصص:44]، أي: لم تكن بجانب الغربي مع موسى عندما كلمه الله، ولا من الحاضرين في عصره، المشاهدين لحياته، كيف ولد، وكيف قذف في اليم، وكيف أخذ إلى فرعون، وكيف كبر، وكيف قتل الفرعوني، وكيف خرج من مصر، وكيف بقي في مدين إلى أن تزوج وأصبح زوجاً وأباً، وكيف رحل بعد ذلك إلى أن كلم بالوحي، ثم كيف عاد إلى مصر، فمن أين لك كل هذه الحقائق لولا إنعام الله عليك بالوحي وبالعلم وبما علمك به؟
تفسير قوله تعالى: (ولكنا أنشأنا قرونا)
تفسير قوله تعالى: (ولكنا أنشأنا قرونا) قال تعالى: {وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} [القصص:45]. الكلام هنا مع اليهود والنصارى أولاً، ثم مع الكفار عموماً من كفار مكة والجزيرة إلى كفار الأرض بكل مللهم وأجناسهم ونحلهم. قال تعالى: {وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} [القصص:45]، أي: ولكن الله بعد موسى والتوراة أنشأ وخلق قروناً وأجيالاً وشعوباً وأمماً أخرى طويلة في مئات وآلاف من السنين. {فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} [القصص:45]، أي: طال على أهل الكتاب نصارى ويهوداً، وعلى المشركين الذين لم يؤمنوا بكتاب قبل ولم يرسل إليهم نبي ولا كتاب، فطال عليهم العمر والزمن من قبل ومن بعد إلى نسوا الكتاب فحرفوه وبدلوه وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتسافدوا تسافد البهائم في الشوارع، وأصبح القوي يأكل الضعيف، والغني المتجبر الطاغي يستعبد الخلق والبشر. قال تعالى: {وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} [القصص:45]. ومعناه: لكن هؤلاء بدلوا وغيروا وأنكروا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في التوراة والإنجيل، وأبوا إلا الكفران والجحود كما كفروا قبل ذلك بشريعتهم، فغيروها وحرفوها وبدلوها، وغيروا كتب الله ورسالاته، حتى إذا جاءهم سيد البشر صلى الله عليه وسلم مبيناً لهم الحقائق مصححاً لهم الوقائع والأحداث أبوا إلا العناد والجحود والكفران والتألب والتواطؤ والتآمر على هذا الدين الجديد وعلى نبيه المرسل إليه صلوات الله وسلامه عليه.
تفسير قوله تعالى: (وما كنت ثاويا في أهل مدين)
تفسير قوله تعالى: (وما كنت ثاوياً في أهل مدين) قال تعالى: {وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [القصص:45]. أي: لم تكن حاضراً بين قوم شعيب، ولم تكن ثاوياً مقيماً بينهم، حتى تعلم عنهم وتدرك حالهم وتعرف أخبارهم بنفسك وتتلو عليهم آياتنا، ولم تكن نبياً إذا ذاك ولا معلماً ولم يظهر شخصك بعد، ولكن ذكرك واسمك سبقاك، فذكرت في توراة موسى وإنجيل عيسى عليهما السلام، وبشرت بك الخلائق من قبل جيلاً بعد جيل، وديناً بعد دين، وقرناً بعد قرن، ولكن هؤلاء أبوا إلا التغيير والتبديل والانحراف. قال تعالى: {وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} [القصص:45]، أي: وما علمناك وأخبرناك من قصص شعيب ومن قبله ومن بعده لم تكن بينهم ولا حاضراً معهم، ولا تلوت عليهم كتابك، فلم تكن بعد لا أنت ولا كتابك ولا رسالتك. قال تعالى: {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [القصص:45]، أي: ولكننا بعد ذلك شرفناك ورفعنا ذكرك، وقرناه باسمنا في الشهادتين وفي الإقامة وفي مفاتيح الإسلام، فلا تتم شهادة الدخول في الإسلام إلا بقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ولا يتم أذان ولا إقامة إلا إذا قرن اسم محمد صلى الله عليه وسلم باسم الله خالقه ومرسله، صلى الله عليه وسلم، وتعالى ربنا وعز. قال تعالى: {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [القصص:45]، أي: ولكن سبب مجيئك بهذه الأخبار مع أنك لم تكن حاضراً هو أننا أرسلناك فعلمناك وهديناك وأنزلنا عليك القرآن خاتم الكتب السماوية والمهيمن عليها والمتحكم فيها والمبين لحقائقها والمزيف لأباطيلها، فعند ذلك تكلمت بالحق والصدق وبالوحي من الله، فكان كلامك عن الله، سواء القرآن الذي هو كلام الله باللفظ والمعنى، أو السنة التي هي بيان وتفسير وشرح للكتاب. قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3 - 4] ومن هنا كان قول النبي عليه الصلاة والسلام شرعاً، وفعله شرعاً، وإقراره شرعاً في الغضب والرضا، في السفر والحضر. ولذلك عندما كان يكتب عبد الله بن عمرو بن العاص كل ما يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم قال له بعض الجهلة من قريش: أتكتب عن رسول الله كل شيء، وهو بشر يغضب ويرضى؟! فكف، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: لم ذاك؟ فقال: قال لي فلان وفلان من قريش كذا وكذا، فقال: اكتب، فوالله لا يخرج منه إلا الحق في الغضب والرضاء. فلا هوى له صلى الله عليه وسلم، وما هو إلا الوحي والحق والدعوة إلى الله، ولم يكن يعتبر لنفسه كياناً ولا وجوداً، بل كان يتسامح فيما يتعلق بشخصه إلا إذا انتهكت محارم الله فهو الأسد الهصور، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الطور)
تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الطور) قال تعالى: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} [القصص:46]. أي: كذلك لم تكن مع موسى عندما جاء يبحث عن هذه النار التي رآها وهو لا يريد منها إلا جذوة أو خبراً من أي أحد من الناس يهديه الطريق ويعرفه كيف يذهب في مسالك الأرض، ولم تكن معه عندما نودي من الشجرة المباركة: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص:30]. فلم تكن بجانب الطور إذ نادينا وقلنا: يا موسى! ومع ذلك علمت ما لم يعلم غيرك ممن مضى أو حضر، ومن باب أولى ممن يأتي إذ لا نبي بعده ولا رسول. وهذا تأكيد لقوله في الآية الأولى: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ} [القصص:44] أي: بالجانب الغربي من الشجرة المباركة من البقعة المقدسة، أي: لم تكن بجانب الطور وجبل سيناء عندما نادى الله موسى وكلمه، وقال: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص:30] ومع ذلك علمت ذلك وتحققته وأمرت بمعرفته، وذلك لتعرف به الناس وتصحح أغاليطهم التي حرفوها وأتوا بها منحرفة في التوراة والإنجيل والزبور. قال تعالى: {وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [القصص:46]. رحمة: مفعول مطلق، أي: ولكن رحمك ربك رحمة. {لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص:46] فقد أرسلناك وبعثناك نذيراً لقوم لا يعرفون من قبل نذيراً، ولم يرسل إليهم رسول، ولم يبعث إليهم هاد، ولم يأتهم كتاب، فقد جئتهم على قدر يا محمد! فرحمه الله وأكرمه بالوحي وبالرسالة وبختم الأنبياء والرسل، وأرسل لقوم ابتداءً، وإلا فهو قد أرسل لكل البشر. قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]. وقال صلى الله عليه وسلم: (أرسلت إلى الأبيض والأحمر، لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي). وليس هذا موضع نزاع من أحد، ومن هنا كانت القاديانية وكل ملة وفرقة تزعم أن لها نبياً بعد محمد صلى الله عليه وسلم هي أديان كاذبة باطلة، ومعتقد ذلك كافر، فإن كان قبل مسلماً فقد ارتد، فإما أن يعود إلى الإسلام، وإما أن يقتل بسيف الإسلام. والله أرسل النبي عليه الصلاة والسلام على ثلاث مراحل، فقيل له أولاً: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214] فأنذر عشيرته الأقربين، وأخذ ينادي: يا صفية بنت عبد المطلب! يا فاطمة بنت محمد! يا فلان! يا فلانة! وقال لهم: إني نذير من الله لكم بين يدي عذاب أليم. ثم بعد ذلك دعا الأبيض والأسود، ودعا المشرك واليهودي والنصراني، ودعا كفرة الأرض جميعاً بكل أشكالهم، ومن كان في الأصل صاحب كتاب ثم أشرك فحرف وبدل، ومن لم يكن له كتاب أو كان يؤمن بخزعبلات من الاعتقاد في الحجارة وفي البشر، وقد كان بعضهم يعبد النار، وبعضهم يعبد عزيراً والمسيح، وبعضهم يعبد الشيطان، وبعضهم يعبد الأحجار، وبعضهم يعبد غير هؤلاء، فكل هؤلاء كفرة مشركون، وكلهم إما أن يدخلوا الإسلام، وإما أن يجاهدوا، بل يجب جهادهم حتى يؤمنوا، ومن لم يفعل يؤدي الجزية عن يد وهو صاغر. قال تعالى: {وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص:46] أي: لتنذر وتدعو قوماً لم يرسل لهم قبلك نذير، وهكذا كانت الرسالة في الشهور الأولى، ثم عمت، وشملت الشرقي والغربي، والكتابي والوثني والمشارق والمغارب، وجميع أمم الدنيا، وقال الله له: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]، أي: لعلهم يتذكرون وبرحمة من ربك أرسلك نذيراً إلى العرب الذين لم يرسل لهم قبلك نذير ولا رسول ولا كتاب؛ لعلهم يتذكرون ويذكرون أن هذه نعمة من الله لم ينعم بها على أحد قبلهم، إذ الأديان قبلهم كانت قومية خاصة بالأقوام. وأما الرسالة التي أرسل بها نبينا صلى الله عليه وسلم فهي رسالة شاملة عامة، تعم كل الكون الجن والإنس.
القصص [47 - 54]
تفسير سورة القصص [47 - 54] إن من عادة أهل الكفر والجحود أن يتعنتوا أنبياءهم ورسلهم بالمطالبة بالآيات التي لو استجيب لهم فيها ما آمنوا بها، ولو عذبوا لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك، فإذا جاءهم الرسول اتهموه بالسحر والأباطيل.
تفسير قوله تعالى: (ولولا أن تصيبهم مصيبة)
تفسير قوله تعالى: (ولولا أن تصيبهم مصيبة) قال تعالى: {وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص:47]. أي: لولا أنه لم يسبق أن أرسلنا للعرب رسولاً ونذيراً نتيجة ما قدمت أيديهم من معاص وذنوب وشرك وكفر وظلم لعاجلناهم بالعقوبة، هذا هو جواب (لولا) المفهوم من سياق الكلام. أي: لولا أن يصيب العرب ممن لم ينذروا قبل برسالة أو هداية مصيبة أو بلية أو كارثة تجعلهم كمثل السابقين من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم هود. وذكر الأيدي لأن أغلب الظلم والطغيان والجبروت يكون باليد، وليس المقصود بما قدمت أيديهم فقط، وإنما بما قدمت أنفسهم نطقاً باللسان أو اعتقاداً بالجنان أو عملاً بالجوارح. قال تعالى: {وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [القصص:47]. فيعاجلوا بالعقوبة فيصيحوا: {فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} [القصص:47] أي: يا ربنا عجلت لنا العقوبة في شيء نجهله ولا نعلمه، فنحن لا نعرف كيف نعبدك وندين لك؟ ومن الذي يعلمنا؟ فلم ترسل لنا نبياً، ولله الحجة البالغة، وما أرسل الرسل مبشرين ومنذرين إلا لتكون الحجة له على البشر، وقد قال ربنا: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15]. قال تعالى: {فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص:47]. وهذا لو أن الله عجل لهم العقوبة، ولكنه لم يفعل؛ لتبقى الحجة له جل جلاله، ولكي لا يقولوا هذا ويعتذروا به، فإذا عوقبوا لا يقولون: هلا يا ربنا! أرسلت لنا رسولاً كما أرسلته للأمم السابقة والقرون الماضية.
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم الحق من عندنا)
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم الحق من عندنا) قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا} [القصص:48]. أي: فلما جاءهم الحق من الله جل جلاله وأرسل لهم آخر الأنبياء النبي الخاتم الشامل العام بشيراً ونذيراً، كما قال الله: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} [القصص:48] وفي قراءة: (وقالوا ساحران تظاهرا)، وهما قراءتان سبعيتان. فالله أرسل لهم ما طلبوا وتمنوا بقولهم: هلا أرسلت إلينا رسولاً، {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا} [القصص:48] والحق هنا: هو النبي صلى الله عليه وسلم، أخذوا يعترضون ويصرون على الكفر، فقالوا: {لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} [القصص:48]، أي: لم لم يأت محمد بالمعجزات كما أتى بها موسى؟ ولم لم ينزل عليه القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى جملة واحدة؟ ولم لم يأتي بمعجزة العصا ومعجزة اليد ولم يفعل ما فعل موسى؟ فإذا بالقوم متنطعون معاندون لا يريدون إيماناً، وإنما يريدون الهزل والحجاج بالباطل والعناد والدوام على الكفر. فقال لهم ربنا: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} [القصص:48]. فالآن يقولون: موسى، وهل آمنوا بموسى من قبل؟ وعرب مكة والجزيرة لا يعرفون عن اليهودية والنصرانية شيئاً، وأنبياء بني إسرائيل لم يرسلوا إليهم، ولكن أرسلوا إلى بني إسرائيل، ولكن عندما ظهر النبي عليه الصلاة والسلام في هذه البطاح المقدسة أرسلوا إلى يهود المدينة، ولم يكن بمكة يهود ولا نصارى، فقالوا: أبلغكم ما يزعم هذا الرجل؟ قالوا: نعم. وقد قرأنا في التوراة وفي الإنجيل أنه سيبعث نبي يكون آخر الأنبياء في آخر الزمان، فعندما سمعوا ذلك وقالوا لهم بأن موسى عليه نزل كتاب عليه، وكان وكان، فأخذوا يقولون: جاءنا محمد بغير ما جاء به موسى، فلم يأت بمعجزة كمعجزة موسى، فقال الله لهم: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} [القصص:48]. فما أوتيه موسى من التوراة، هل آمنوا بها؟ وكيف لم يتذكروا الإيمان بالتوراة إلا الآن؟ قال تعالى: {قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} [القصص:48] أي: سحر التوراة وسحر القرآن، واعتبروا جواب اليهود تواطؤاً وتعاوناً مع النبي ورسالته عليه الصلاة والسلام، وكان اليهود قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كثرة متضافرين، وكانت لهم السيادة العلمية على الأوس والخزرج في المدينة، ففرحوا بمبعثه، وكانوا يظنون أنه لا يطلبهم أن يؤمنوا به، وأنه إنما جاء لمن لا كتاب له ولم يرسل له نبي من قبل، وقالوا: سنتعاون معه على احتلال الجزيرة وامتلاك العالم، فعاشوا سخفاء إلى أن سبقهم الحق ونبذهم وطردهم وألزمهم بالإيمان، فما آمن منهم مع النبي عليه الصلاة والسلام إلا ما لا يكاد يعد إلا على الأصابع. فعندما قال اليهود لقريش ذلك {قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} [القصص:48]. أي: القرآن سحر، والتوراة سحر، والقراءة التي فيها: (ساحران تظاهرا) وهي قراءة نافع، أي: الساحر موسى كما قال عنه الكفرة من الفراعنة، ومحمد ساحر، كما كذبوا وزعموا، وحاشا نبينا وموسى من كل ذلك. قوله: {تَظَاهَرَا}. أي: كان بعضهم ظهيراً ومساعداً ومؤيداً ومؤازراً لبعض، فقالوا سحران تظاهرا ثم زادوا فأصروا، {وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} [القصص:48] أي: بالتوراة والقرآن وبموسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. وزعمهم وقولهم: لم لا يكون عند محمد من المعجزات ما عند موسى قول سخيف من عقول سخيفة، وإلا فقد أتى نبينا عليه الصلاة والسلام من المعجزات بما تجاوز وسبق كل الأنبياء السابقين، فما من معجزة أتوا بها إلا وأتى النبي عليه الصلاة والسلام بمثلها وزيادة، وبأكثر منها صلى الله عليه وسلم، فالنبي عليه الصلاة والسلام حدثته الدواب والحيوانات، وشكت إليه الجمال، وشكى إليه الذئب، وحن لفراقه الخشب وهو جامد يابس عندما ترك المنبر الذي كان يخطب عليه في المسجد النبوي، وكثر القليل في يده الذي لم يكن يكفي شخصين أو ثلاثة، فكفى الجيش بما فيهم العشرات والمئات، ونصره الله على عدوه نصراً عزيزاً مؤزراً، وموسى لم يأت من المعجزات إلا بالعصا واليد. وأما نبينا عليه الصلاة والسلام فقد خصصت كتب في معجزاته وخصائصه، ولقد كتب الإمام السيوطي رحمه الله كتاب الخصائص، فتجاوز بها مائتي خصيصة، كلها مما اختص به نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ولم يأت نبي قبل موسى أو بعده بالمعجزة الخالدة العروج إلى السماء من بيت المقدس سماءً سماء إلى سدرة المنتهى إلى أن كان قاب قوسين أو أدنى، ثم صلى صلى الله عليه وسلم بأرواح جميع الأنبياء، فكان ذلك إشارة بأنه إمامهم وكبيرهم وسيدهم صلى الله عليه وسلم، وهل تحدث موسى وكتابه عن العلوم والمعارف والحقائق الكونية والشرعية والحكمية كما تحدث عنها القرآن الكريم الذي أنزل على نبينا صلوات الله وسلامه عليه؟ ولكن العناد وصعود الران على القلب والخذلان من الله ترك هؤلاء يقولون ذلك. على أن هذا الذي قالوه قد ذكره أكثر المفسرين عن كفار مكة، وقاله في عصرنا هذا المستشرقون من كفرة اليهود والنصارى والمجوس، وقبل ذلك قالوا: إن محمداً لم تكن معه معجزة، وكرروا كل ما ذكره القرآن عن الكافرين السابقين، وقد قال ذلك الفرس والروم والأحباش وكل ملل الكفر قديماً وحديثاً، والكفر ملة واحدة كما يقال، والواقع ينفي ذلك، والتاريخ المتواتر يذكر من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم ما لم يسبق له نظير من أحد من الأنبياء قط، لا الخليل إبراهيم، ولا الكليم موسى، ولا عيسى، ولا أولي العزم الخمسة من الرسل عليهم جميعاً سلام الله وصلاته.
تفسير قوله تعالى: (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما)
تفسير قوله تعالى: (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما) قال تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا} [القصص:49]. عندما قالوا هذا وتحدوا النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم في الحقيقة تحدوا ربهم وأساءوا الأدب معه وأنكروا كتابه ونبيه، بل والكتب والأنبياء السابقين جميعاً، فعندما قالوا: التوراة والقرآن سحران، وقالوا: موسى ومحمد ساحران، قال الله لنبيه: قل لهم يا محمد! {فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [القصص:49]. أي: يا هؤلاء! إن كانت التوراة والقرآن سحرين ونبياهما ساحرين فأتوا أنتم بكتاب من عند الله وادعوه أن يرسل لكم نبياً {إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [القصص:49]، أي: في أنكم تريدون البحث والنقاش والمجادلة لمعرفة الحقائق والوصول إلى التوحيد والإيمان، ولكنهم كذبة فجرة.
تفسير قوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم)
تفسير قوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم) قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص:50]. أي: إن لم يأتوا بكتاب من عند الله هو أكثر هداية ونوراً وبصائر من التوراة والقرآن وأهدى من محمد وموسى عليهما السلام (فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ) أي: اعلم إنما يتبعون الأهواء، وهي جمع هوىً، أي: النزوات والأغراض والكلام بلا دليل ولا برهان ولا معنىً من عقل ولا نقل، وإنما يحملهم على ذلك الجهل والعناد والإصرار على الكفر. قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص:50]، هل هناك أضل وأكثر ضلالاً وكفراً وشؤماً وعناداً في الكفر والشرك ممن أضله هواه ونطق وسعى به وعاش بالنزوات وبالشهوات وبالباطل والضلال، وكل من ليس مسلماً في الأرض هو هكذا، فكلهم حيوانات عجماء، يعيشون بقراً، والبقر أشرف منهم، وحتى أولئك الذي يوسمون بالعلم والاختراع والفهم والتأليف، قال تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:7]، فهم في غفلة وضلال وكفر وفسوق، والدواب والحيوانات أعقل منهم وأفهم. قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص:50]، أي: اتبع الهوى بغير هاد من كتاب سماوي، أو هاد من نبي مرسل. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص:50] الذين لا يريدون الهداية ولا الإيمان، ويأبون إلا الشرك والكفر والعصيان، فيصعد الران على قلوبهم، وينقلب النور الذي في نفوسهم إلى ظلمة، إذا أخرج أحدنا يده لم يكد يراها من ظلمة هؤلاء وكفرهم وشركهم.
تفسير قوله تعالى: (ولقد وصلنا لهم القول)
تفسير قوله تعالى: (ولقد وصلنا لهم القول) قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص:51]. الله جل جلاله كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (لا أحد أصبر على الأذى من الله)، فهو يرزقهم وهم يكفرون به، ويمهلهم وينظرهم السنوات وعشرات السنين، والله يمهل ولا يهمل، فإذا أخذ الكافر لم يفلته، فيأخذ أخذ عزيز مقتدر، قال ربنا في هذه الآية: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ} [القصص:51]، وصلنا: تابعنا، فهو أرسل الرسل من قبل على هؤلاء البشر منذ آدم إلى نبينا عليهم الصلاة والسلام، فقد أنزلنا القرآن وتابعنا فيه القول آية بعد آية، وسورة بعد سورة، وكلفنا نبينا وعبدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بالبلاغ، فهو يأتي للآية فيفسرها ويؤولها ويشرحها بلغات مختلفة، ويقولها تارة بعبارة، وأخرى بعبارة، وكان عليه الصلاة والسلام إذا قال الكلمة أعادها ثلاثاً؛ لتفهم عنه، وقد يقرأ الآية ويشرحها سواء في حضر أو في سفر أو في مجلس خاص أو في المسجد النبوي أو في ليل أو في نهار، لا يمل ولا يكل، وكان يقول: (إنما علي البلاغ وليس علي الهداية)، فالهداية بيد الله والبلاغ علي، فكان لا يكل ولا يمل، والله يقول جل جلاله: {وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ} [القصص:51]، فوصل القول لكل الخلق والبشر، وتابعه آية بعد آية، ونبياً بعد نبي، وكتاباً بعد كتاب. قال تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص:51]، لعلهم يوماً يعون ويفهمون ويدركون ويقولون: لقد ظلمنا يوماً، وينتهزون حياتهم قبل مماتهم، وشبابهم قبل شيخوختهم، وغناهم قبل فقرهم، وبالتالي حياتهم قبل موتهم، وإلا فإذا وصلت الروح إلى الحلقوم، فلن ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً. قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص:51]، أي: تابع ووصل بعضه ببعض، وجعل بعضه في ذيل بعض، في كل وقت وزمن وعصر، وفي كل كتاب نزل من السماء، ومع كل نبي أرسل من قبل الله جل جلاله، ونبينا صلى الله عليه وسلم كلف بأن يزيد البلاغ والشرح والبيان، وقد فعل صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله)
تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله) قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} [القصص:52]. فطائفة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبأنبيائهم من قبل، وآمنوا بالتوراة والإنجيل، ثم آمنوا بالقرآن، قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} [القصص:52]، وهذا يشمل اليهود والنصارى وكلهم بنو إسرائيل. {هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} [القصص:52]، أي: يؤمنون بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم كذلك.
تفسير قوله تعالى: (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به)
تفسير قوله تعالى: (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به) قال تعالى: {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص:53]. وإذا يتلى عليهم القرآن وقد تلاه عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم آمنوا به وأعلنوا إيمانهم وقالوا: قد كنا مؤمنين به من قبل أن نراك ونسمعك، وقبل رسالتك والكتاب المنزل عليك وقد آمن من اليهود عبد الله بن سلام وجماعة معدودين على اليد، وآمن سلمان الفارسي وتميم الداري وكانا نصرانيين، وآمن جماعة من أرض جيزان، وآمن ملك الحبشة فأسلم هؤلاء، وكانوا من أهل الكتاب، وقالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: وجدنا صفتك، وكنا مؤمنين بك من قبل، وكنا مسلمين من قبل، ووجدنا اسمك يا محمد! وكتابك في كتبنا، وتحدثت إلينا أنبياؤنا عنك، وبشرونا بظهورك وبالوقت الذي ستظهر فيه في جبال مكة، وأنك ستظهر في آخر الزمان، ولذلك بمجرد أن ظهرت وطابقنا صفتك مع ما نعلمه من التوراة والإنجيل وجدنا الصفة تامة منطبقة عليك، فآمنا، وكنا من قبل نؤمن بأنك آت، وأنك مرسل، فآمنا بك وبالكتاب الذي سينزل إليك. ولذلك عندما سمعوا القرآن وسمعوا عيسى يقول كما تلا القرآن: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6]، فهذا الوصف وجد في الإنجيل وفي التوراة، وبعض العلماء من الهنود له كتاب طبع أكثر من مرة جمع فيه النصوص من التوراة ومن الإنجيل ومن الزبور كما هي اليوم، وهي كلها تؤكد بشارة الله للقوم من قبل بظهور نبي في آخر الزمان، وصف بالحمد وبراكب الجمل، ولا يوجد في الأنبياء من اسمه محمد، أو أحمد، أو محمود إلا نبينا عليه الصلاة والسلام، على أن عيسى قد سماه وقال: أحمد، وأولئك حاولوا التحريف والتغيير، ولكن هيهات، فقد كانت الآيات في ذلك كثيرة، فحرفوا البعض وبقي الكثير مما يؤكد رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم في هذه الديار المقدسة. وجاء في الإنجيل وفي التوراة: أنه سيظهر في جبال فاران، وجبال فاران هي جبال مكة، وقد وصف براكب الجمل، ولم يركب الجمل إلا هو عليه الصلاة والسلام، فلم يكن في بني إسرائيل ولا في أرض بابل والعراق التي ظهر فيها إبراهيم خليل الله عليه السلام جمال، ولكن الجمال عرفت في جزيرة العرب، وعرف العرب بها فهي صفة لازمة، فلم تكن هناك طيارات ولا سيارات ولا صواريخ ولا بواخر بحرية، وما كان إلا الجمل، ولذلك كان يسمى سفينة الصحراء، فكما يسافر الناس في البحار على السفن فإنهم يرحلون في البراري على الجمال.
تفسير قوله تعالى: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين)
تفسير قوله تعالى: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين) قال تعالى: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [القصص:54]. فهؤلاء الذين آمنوا بالقرآن وبالمنزل عليه نبينا عليه الصلاة والسلام قبل بروزه وبما جاء به كانوا في حقيقتهم قد آمنوا بكتابهم، وكتابهم اشتمل على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبالقرآن، ولذلك قالوا: كنا من قبله مسلمين، أي: قبل ظهور القرآن وظهور نبينا عليه الصلاة والسلام؛ لأن التوراة والإنجيل بشرا به. ولذلك يقول نبينا عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى). وعندما بشر الأقوام به قال: يأتي من بعدي رسول اسمه أحمد، {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف:157] وهي صفات ونعوت لا تنطبق إلا على نبينا عليه الصلاة والسلام، وتلك الشدائد والحديد والأغلال الذي كان في شريعة موسى وعيسى عليهما السلام، أزيل ورفع كله، وجاء الإسلام بالجسد والروح، وجاء بالمادة كما جاء بالروح، وقال لنا: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف:32]. وعلمنا أن نقول: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة:201]، فلم يحرم دنيا، ولكنه جمع لنا بين الدين والدنيا، وأمرنا أن نطلبهما معاً، بما لا يفسد خلقاً ولا ديناً، ولا يهتك عرضاً، ولا يأكل مالاً، والدين لا بد منه، وهو معنا، ففي الصباح وفي الزوال وفي العصر وفي المغرب وفي العشاء نصلي لله، ونناجيه ونسجد بين يديه، ونخاطبه في الصلاة خطاب المفرد الذي زالت بيننا وبينه الكلف، فنقول له: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5]، ونقول له: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:6]. وكما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من السجود، فقمن أن يستجاب لكم). فأقرب حالة بين العبد ومولاه هو هذا السجود، الذي نضع فيه الجباه والأنوف والركب والكفين ذليلة لله، وخضوعاً وتوحيداً له، ولا يليق أن يكون شيء من ذلك لأحد من الخلق، لا لنبي مرسل ولا لصحابي ولا تابعي. ولما أراد معاذ بن جبل أن يسجد للنبي صلى الله عليه وسلم حيث رأى الروم تسجد لأباطرتهم منعه وقال: (لا يجوز السجود إلا الله، ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها)، فلم يأمره ولم يأذن له. وقال: (لو كنت آمراًَ لأمرت المرأة)، ولو حرف امتناع لامتناع، فهو لم يأمر وبالتالي فلا سجود، وهكذا شريعتنا جاءت بالتوحيد الخالص وبالعبادة الخالصة لله، التي لا تجوز أن تكون لعبد بشراً كان أو إنساً أو جناً. قال تعالى: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [القصص:54]. (أولئك) أي: الطائفة من أهل الكتاب التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة ودخلت عليه إلى مكة المكرمة - والسورة مكية - فجاءت إلى مكة فسمعت الحق والوحي وكلام الله وبيان رسول الله عليه الصلاة والسلام، وآمنت بمجرد السماع، ودمعت عيناها، وفاض قلبها إيماناً ورحمة، فأخبروا النبي عليه الصلاة والسلام: إننا قبل لقائك كنا مؤمنين بك؛ لأن كتبنا التوراة والإنجيل بشرت بك ووصفتك وذكرتك، كما جاء في الكتاب المرسل إليك، فنحن قبل ذلك كنا مسلمين ومؤمنين، فقال تعالى: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} [القصص:54] المرة الأولى لإيمانهم بكتبهم ودينهم السابق، والمرة الثانية لإيمانهم بالنبي اللاحق صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي الصحيحين قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: كتابي آمن فهو يؤجر لإيمانه بكتابه ونبيه السابق، ويؤجر لإيمانه بي وبالقرآن الكريم وبالإسلام، وعبد عبد ربه وأطاع سيده يؤجر مرتين، لعبادته لله، ولطاعته لسيده)، حتى لقد قال أبو هريرة: والله لولا أمي وبرها، ولولا الجهاد وأجره، ولولا الحج وكون الإنسان يخرج منه كيوم ولدته أمه، لعبدت نفسي ولتمنيت أن أكون عبداً؛ لأوجر مرتين، ولكنه لم يفعل؛ لأنه يريد أن يبر بأمه وكان باراً بها، ويريد الحج ويريد ويريد. قال صلى الله عليه وسلم: (ورجل كانت له أمة فعلمها وأدبها وغذاها وأحسن تربيتها، ثم أعتقها وتزوجها)، فله أجر على كونه أعتقها وأدبها ورباها، وله الأجر الثاني على كونه بعد ذلك لم يتركها سبهللاً ضائعة، فتزوجها وصانها وحفظها. قال تعالى: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [القصص:54]، صبروا على الدين الأول بما فيه من شدة وبلوى وأغلال وصعوبة، وصبروا على الإيمان بالدين الجديد من جهاد وبذل روح وعطاء وزكاة واجبة ومستحبة ونفقة واجبة، فهم مأجورون أجرين؛ لأنهم صبروا مرتين على الدين القديم والجديد. قال تعالى: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} [القصص:54] أي: يدفعون، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (ادرءوا الحدود بالشبهات)، أي: ادفعوا الحدود. قال تعالى: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} [الرعد:22]، أي: يدفعون بالحسنة فيفعلونها ويقومون بها ويمحون السيئة والمعصية السابقة والشرك السابق، وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)، أي: إن ارتكبت السيئة عمداً أو جهلاً فحتى تتوب ويغفر لك فأسرع بحسنة بعدها، فعسى تلك الحسنة أن تمحو السيئة، وخالق الناس بخلق حسن، أي: كن معهم خلوقاً ومهذباً ومتحملاً. قال تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [القصص:54]، فينفقون من أموالهم فرائض وزكوات ونفقات وإحساناًً وصدقات.
القصص [55 - 57]
تفسير سورة القصص [55 - 57] لما أنزل القرآن على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبعث رحمة للعالمين كان قد بشر به في كتب الأقدمين، وقد جاء وفد النجاشي من الحبشة فآمنوا به وصدقوه وأقروا له بالرسالة وأنه صاحب البشارة، فآتاهم الله أجرهم مرتين، وكفر به أقرباؤه من قريش، والهدى بيد الله.
تفسير قوله تعالى: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه)
تفسير قوله تعالى: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) قال جل وعز: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص:55]. يشهد الله سبحانه لمن آمن من أهل الكتاب بنبيه وبالكتاب المنزل عليه، ثم آمن بخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وبالكتاب المنزل عليه، وأخبر أن له أجرين ومقامين، وأثنى عليه الله بأنه مع إيمانه ينفق مما رزقه فيؤدي الزكوات الواجبة وزكوات التطوع، ويؤدي النفقات الملزمة، والنفقات السنة. ثم يقول الله جل جلاله عنهم كذلك: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) واللغو: الباطل، وما ليس بحق، وهو السفه والكلام الذي لا يقوله مؤمن مهذب صالح. سبب نزول هذه الآيات التي جاءت في نسق واحد: أن النبي عليه الصلاة والسلام جاءه إلى مكة المكرمة وفد من عند النجاشي الذي آمن بنبي الله وبدينه وبالكتاب المنزل عليه، ويقول له: لولا عملي في دولتي لجئت فغسلت رجليك ولأقمت بين قدميك، ودخل وفد النجاشي مكة، ووجد النبي عليه الصلاة والسلام في المسجد الحرام، وفي المسجد جماعة من الكفار كـ عبد الله بن أمية بن المغيرة وأبي جهل بن هشام وآخرين. فجاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وسألوه عن هذا الدين الجديد وعن فرائضه وسننه وعما يدعو إليه، فدعاهم لعبادة الله الواحد، ودعاهم لبقية الفرائض والأحكام وأن يكونوا عند طاعة الله في كتابه، وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام، فدمعت أعينهم وقبلوا ذلك، وأعلنوا إيمانهم، وقالوا: لقد كنا من قبل مسلمين، إذ وجدنا صفتك ونعتك في الإنجيل، وحيث قال الله عنهم: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6]. فكانوا قد آمنوا بما في الإنجيل وبما فيه من ذكر أحمد والتبشير به، وأنه سيكون آخر الأنبياء والرسل، فما كانوا يحتاجون إن أدركوا عصره إلا أن يعرفوا عينه ويسمعوا رسالته، فيؤكدوا إيمانهم به، وكما آمنوا به عندما بشر به عيسى في الإنجيل آمنوا به كفاحاً ووجاهاً، وأصبحوا مجددين للدين الحق الخالد دين الإسلام، وإذا بـ أبي جهل يقوم إليهم ويقول لهم: يا خيبة لكم من وفد جئتم رواداً لقومكم، سائلين عن هذا النبي وعما يقول، وإذا بكم تركتم دين آبائكم وصدقتموه لأول مرة، فيا قبح ما جئتم به! فقالوا له: {لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص:55] أي: لا نسافهكم ولا نشاتمكم، نحن أعلم بمصالحنا وأعلم بما يجب علينا، ولن نكون سفهاء مثلكم، فأثنى الله عليهم لهذا، وقال عنهم: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ} [القصص:55] أي: لم يجيبوا عنه، ولم يكونوا سفهاء كأولئك الذين تسفهوا وجهلوا، وقالوا الباطل ظلماً وعدواناً تنفيراً عن الإسلام والإيمان وتنفيراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [القصص:55]. أي: لا تسألون عنا ولا نسأل عنكم، لكم دينكم ولنا ديننا، أعمالنا نحن أعلم بما نفعل منها وما ندع وأعلم بما ينفعنا، وأنتم أعلم بدينكم وشرككم ووثنيتكم. ثم قالوا: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ} [القصص:55] أي: ليس سلام تحية، ولكن سلام ترك وهجران وبعد، وقالوا لهم في ذلك: لكم منا السلام والأمان، لن نشتمكم ولن نطاردكم، ولن نكون سفهاء مثلكم، فقد هذبنا الدين وعلمنا الإسلام، وكنا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، إذ رأينا العلامات التي ذكرها الإنجيل والتوراة وذكرها الأنبياء السابقون فصدقناه وآمنا به، ونحن بذلك مغتبطون، ولله حامدون وشاكرون. قوله: {لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص:55] أي: لا نريد الجهلة السفهاء، الذين يأبون إلا شتم الناس وسبابهم، فإن كنا ضيوفاً في بلدكم في بيت الله الحرام، وأبيتم إلا الشتم والسباب فلن نشتمكم ولن نخرج عن آداب ديننا الذي دعا إليه محمد صلوات الله وسلامه عليه. وهذه الإشادة من الله بهؤلاء معناها: أنه هكذا ينبغي للمسلم ألا يشاتم ولا يتسفه، وكان من صفة النبي عليه الصلاة والسلام في التوراة والإنجيل أنه ليس بسباب ولا صخاب في الأسواق، وهكذا فإن قريشاً تشتمه وتقول وتقول، وهو لا يجيبها، بل استمر في طريقه إلى أن نصره الله النصر العزيز المؤزر ففتح مكة، وطرد كفارها ومشركيها ونشر الإسلام في جميع جزيرة العرب، فمن أسلم فالخير له، ومن أبى إلا الكفران عرض للسبي وللقتل والطرد، وباء في الدنيا بالذل والهوان، ولعذاب الآخرة يوم القيامة أشد وأنكى. وهذه الآية مثل قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان:72] يصف الله المؤمنين الصالحين الذين يأبون إلا الفضل والنطق بالصلاح والعمل للخير، ولا يريدون أن يكونوا سبابين شتامين. فقوله تعالى: {لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص:55] أي: ابتعدوا عنا، قد شتمتمونا فهنيئاً لكم ذلك وهنيئاً لنا ديننا وإيماننا بمحمد، واكفروا أنتم بما شئتم، فنحن قد آمنا في غبطة وسرور وحمد لله وشكر.
تفسير قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت)
تفسير قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت) {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص:56]. ليست وظيفة النبي والرسول الهداية، إن الهداية بيد الله يهدي من يشاء، وإنما وظيفة الرسل البلاغ والدعوة وتلاوة القرآن عليهم ونشر الأحكام كما شرعها الله جل جلاله، فعليهم بيانها وتفسيرها بحاله ومقاله؛ بأن يفعل ذلك أولاً في نفسه وهو أول المسلمين وأول المرسلين، فهو أول ما أرسل أرسل لنفسه، فهو رسول للناس ولنفسه، فجميع ما أمر الناس به من فرائض ونوافل وأركان وأحكام كان هو المأمور بها أولاً، ثم بعد ذلك أمر بها الناس، ولذلك كان المصطفى عليه الصلاة والسلام رسول نفسه أولاً، ثم هو رسول الناس جميعاً. قال الله له: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56]. أي: ليست الهداية بحبك ولا بإرادتك، وليست بوظيفتك، وإنما على الرسل البلاغ، وأنت منهم يا محمد لم تطالب بالهداية، ولكنك طولبت بالبلاغ والبيان وإسماعهم القرآن حتى يعلموه ويدركوه. وقد ذكر الله في هذه الآية المنطوق والمفهوم، فالمفهوم من الفقرة الأولى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56] أي: ليست الهداية لك، بل هي لله، ثم صرح بالمفهوم فأصبح منطوقاً، فقال: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56]، وهذا كقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:272]. والإيمان هداية القلب، فمن أكرمه الله وأسعده وفتح قلبه لسماع الحق، ولدخول النور اهتدى، ومن أصم أذنيه وأعمى قلبه وأتبع ذلك بصيرته ضاع عن الإيمان والإسلام وعاش سبهللاً كافراً. فقوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص:56]. أي: الله أعلم بمن يهديهم ويصلحهم، فهذا يستحق الكفر لفجوره وفسوقه، لم يرد حتى الحوار ولا السؤال، ولم يفتح أذنيه لكلمة الحق، وهكذا كان حال من دعاهم في مكة وجزيرة العرب، وهكذا كان حال رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما نشروا الإسلام خارج حدود الجزيرة، فعم الإسلام الكون مشارقه ومغاربه، ولم يطل ذلك أكثر من نصف قرن حتى كانت أعظم دولة في الأرض هي دولة الإسلام، فقد كانت شرقاً من بلاد السند، وغرباً إلى عمق أوروبا وأسبانيا والبرتغال وفرنسا وما بينهما شمالاً وجنوباً، ولم يتجاوز ذلك نصف قرن، فأصبحوا أئمة الناس ومعلميهم وحكامهم، والآمرين لهم والناهين، يقتلون من شاءوا بأمر الله، ويحيون من شاءوا بإذن الله، فنصر الله بهم الحق والإيمان، فالهداية لله وليست لأحد، والأنبياء خلفاؤهم هم الخلفاء الراشدون؛ وخلفاؤهم كذلك العلماء، فالعلماء ورثة الأنبياء، وما كان الخلفاء الراشدون إلا علماء بالله عارفين بكتابه وبنبيه وسنته. قال تعالى: (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) أي: أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه، وأعلم بمن لا يستحقها وليس أهلاً لها، ولذلك فإن الكفار الأول في مكة المكرمة سمعوا القرآن فاستنكروه؛ لأنهم لا يعرفونه لجهالة وضلالة سابقة، ولكنهم لم يعادوا نبي الله، ولم ينصبوا من أنفسهم أعداءً لله ولرسوله، فهؤلاء مع الأيام آمنوا وأسلموا، أما من كان عدواً لرسوله كـ أبي لهب وأبي جهل وأمثالهما من صناديد كفار مكة فهؤلاء آذوا وعتوا ونفروا عنه، فلم يختم الله لهم الحياة إلا بسوء الخاتمة، ولذلك يقول ابن تيمية عن كل من تعرض للإسلام ولمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلة الأدب قولاً أو حالاً أو نفساً: لا يختم له إلا بشر، ولا يختم له إلا بسوء الخاتمة، وفسر بذلك قوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر:95]. وحكى من ذلك قصصاً وروايات وأحداثاً في أعظم كتبه على الإطلاق الذي طبع أكثر من مرة وهو كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول) فقد قال: شاتم الرسول -أي: قليل الأدب مع الرسول بالقول أو بالإشارة أو بالتعريض- يقتل إجماعاً، ولو قال: أنا تائب، فـ أبو لهب وأبو جهل وهؤلاء الذين تصدوا بعداوتهم لله ولرسوله وللإسلام ختم الله لهم بسوء الخاتمة، وهكذا كل من يتعرض للإسلام ويتعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يختم له إلا بالشرك وسوء الخاتمة، ونعوذ بالله من الخذلان.
سبب نزول قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت)
سبب نزول قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت) هذه الآية كان سبب نزولها عم النبي عليه الصلاة والسلام أبا طالب، ولله الأمر من قبل ومن بعد، فقد كان أبو طالب شديد الحب للنبي عليه الصلاة والسلام وشديد الخدمة له مدة سنوات النبوءة في مكة المكرمة، وهي اثنتا عشرة سنة وأشهر، كان مع النبي عليه الصلاة والسلام المنافح والمدافع والحريص على حياته وعلى ألا يؤذيه أحد من كفار قريش، وبذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام محفوظاً من كفار قريش حرمة لعمه أبي طالب الذي بقي على دينهم، وطالما أشاد بالنبي في قصائد بليغات، هي من عيون الشعر ومن عيون اللغة تدرس في المدارس والجامعات، ويتعلم منها البلاغة والفصاحة ومفردات اللغة العربية وجملها، ومقام النبي صلى الله عليه وسلم حتى عند من لم يسلم بعد. وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على أن يسلم عمُّه ويهتدي، ولطالما دعاه وألح عليه، وأبو طالب يأبى أو لا يجيب، إلى أن احتضر أبو طالب فدخل عليه ابن أخيه صلى الله عليه وسلم، فقال له: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها يوم القيامة عند الله) أي: يشهد له بأنه موحد وبأنه مات مسلماً، وكان بحضرته الشيطان المفسد الخبيث أبو جهل، وكان عنده كذلك عبد الله بن أمية بن المغيرة وكلاهما من أعداء الإسلام وأعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أكل الحقد قلوبهم والعداوة نفوسهم. فعندما أخذ يقول هذا لـ أبي طالب، أخذا يقولان له: يا أبا طالب! أتتبع دين ابن أخيك أتترك دينك ودين آبائك أتترك دين قريش؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول له في حرقة وألم: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله يوم القيامة)، وإذا بآخر كلمة يقولها أبو طالب: يا محمد! والله لولا أن تقول قريش أني قلتها جزعاً من الموت لأقررت بها عينك، ومات. وإذا بالنبي يقول له: (والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك)، فأنزل الله في شأنه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى} [التوبة:113]، فأوقف الاستغفار، والأمر أمر الله، والخلق خلق الله ما شاء فعل، ثم نزل قوله تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56] والقصة في صحيح البخاري ومسلم، ولولا قداسة الصحيحين وثقة رجالهم لحاولنا البحث في الأسانيد، ولكن البخاري له جلالته، ولـ مسلم كذلك جلالته، ورجال أسانيدهما قد تجاوزا العقبة ثقةً وعدالةً وضبطاً وإيماناً ودعوةً إلى الله، فلو حاولنا أن نطعن في أسانيدها بلا دليل ولا برهان لكنا كبعض الفرق الضالة؛ لأننا إذا حاولنا أن نهدم البخاري ومسلم لتوصلنا بذلك للقرآن، ولا يفعل ذلك مسلم، ولكننا نعيد ونقول ما قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص:56]. توفي أبو طالب في السنة الثامنة من البعثة النبوية، وفي نفس السنة كذلك توفيت أم المؤمنين خديجة رضوان الله عليها، فاشتد حزن رسول الله عليه الصلاة والسلام، اشتد حزنه ثلاث مرات: مرتين على أبي طالب، ومرة على خديجة، وسمى هذا العام عام الحزن؛ مرتين: على أبي طالب وعلى موته، وكان باراً به، وقد نشأ في بيته وفي حضانته، وكان الأب الثاني له بعد أبيه عبد الله، وجده الثاني بعد جده عبد المطلب براً وعنايةً وتنشئةً وعطفاً واهتماماً. ثم بعد أن دعاه للإسلام لم يسلم، ولكنه كان باراً به حريصاً على راحته، ينافح عنه ويدافع عنه، ولما قاطعته قريش ثلاث سنوات كان أبو طالب مع الصباح والمساء يأبى هجرانه والابتعاد عنه، ويأبى إلا أن يدافع عنه، فحزن لموته عليه الصلاة والسلام؛ لأنه عمه، والعم: صنو الأب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وزاد حزنه أكثر حيث لم يهتد للإسلام، ولم يقل بالكلمة التي أمر بها الخلق كلهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكان حب أبي طالب للنبي عليه الصلاة والسلام ليس حباً شرعياً، ولكن كان حباً طبعياً، كما يحب الإنسان ابنه وابن أخيه، والبار به وتلميذه ومحبه والحريص على خدمته، وهذا لا يكفي، إذ لابد أن يكون حب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدرجة الأولى. ولذلك نحن أيضاً نحزن لحزن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا نستطيع أن نفعل أكثر من ذلك، وأكد هذا مرة أخرى، إذ سئل عليه الصلاة والسلام فقيل له: حب أبي طالب لك وخدمته لك ومنافحته عنك أتنفعه يوم القيامة؟ قال: (نعم، هو الآن في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه، ولولا ذلك لكان في قعر النار)، ومعنى هذا: أنه وإن خفف عنه فهو في النار. ولذلك يقول ربنا جل جلاله: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56]. ويقول جل جلاله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48]، ومجال القول ضيق أمام الأدلة والنصوص.
تفسير قوله تعالى: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا)
تفسير قوله تعالى: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) قال تعالى: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [القصص:57] وقرئت: (تجبى إليه) فهي قراءتان سبعيتان متواترتان، قال كفار مكة -والسورة مكية- كنا نؤمن بك يا محمد! ونحن نعلم أنك جئت بالحق ولم نجرب عليك كذباً حتى في شئون الدنيا، فلا يمكن أن تكذب على ربك، ولكن إيماننا بك ليس فيه مصلحة لنا. وهكذا تقول العقول السخيفة الضالة، يقولون ما لا يعقلون وما لا يفهمون، فقد خافوا أن يطردوا من مكة وهو خوف لا محل له وكذب وبهتان، ولم يخافوا لعنة الله وغضبه، ولم يخافوا خلودهم في النار، {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} [القصص:57] أي: إن نؤمن بدينك ونتبع دعوتك ونقل قولك نتخطف من أرضنا. وقولهم: (مَعَكَ)، يعني: أنهم على هدى، ولكنهم تركوا هداية محمد، وهذا من تمام السخافات والضلالات. قولهم: (نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) أي: نخطف ونخرج ونطرد وتحتل بلادنا، ومعنى الذي يقولون: أن جميع جزيرة العرب والعالم كله لن يؤمنوا بك ولن يصدقوك ولن يعتبروك نبياً ولن يعتبروا ما جئت به كتاباً لله وكلاماً له، فنحن لو تحدينا العالم جميعاً وآمنا بك لقاتلونا عن قوس واحدة، ولاختطفونا من أرضنا وأخرجونا من بلادنا ونحن أعجز من أن نقاتل جميع العرب، بل جميع الناس في الأرض، فالله كذبهم وسخف عقولهم فقال: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا} [القصص:57]. فهؤلاء في الوقت الذين يقولون لك ذلك مكنا لهم، أي: أسكناهم في مكة، وهي الحرم الذي يحرم به السفه والجرم والسرقة والاختطاف والإيذاء، وكان هذا في أيام الجاهلية، فجميع العرب تحترم مكة وتحترم سكانها، فلا سرقة فيها ولا فساد، ولا أكل مال بباطل، فكيف يدعون هذا؟ وهل يكونون آمنين وهم على جهالة وكفر بالله وضلال عن دينه، حتى إذا وحدوا وأسلموا واهتدوا ينقلب الأمان خوفاً، وينقلب الحرم أرضاً مفتوحةً لكل غاز؟ وهذا الكذب بعينه. فقوله تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ} [القصص:57] أي: نجعلهم متمكنين من مكة، سكاناً وحكاماً وسادة وقادة، وبذلك هم سادة العرب وحكامهم، والمرجع لهم جميعهم، فكيف مع هذا يدعون أنهم يمكن أن يختطفوا أو يهجم على مدينتهم أو تحتل أرضهم؟ فقوله: (أَوَلَمْ) استفهام إنكاري توبيخي تقريعي، ينكر الله عليهم دعواهم أنهم لم يؤمنوا خوفاً من أن تهجم عليهم العرب ويختطفوهم ويسرعوا بالقضاء عليهم ويحتلوا مكة بلدتهم، فكان A ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ) أي: قل لهم يا محمد! (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا) أي: آمناً من السوء ومن السرقة ومن الاعتداء، وهم في الجاهلية على شركهم لا يعبدون إلا الأصنام. قوله تعالى: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا} [القصص:57] تجبى إليهم أي: تجمع وتصدر وتورث، فيأتيهم ثمرات كل شيء من كل الأرض من المشارق والمغارب، من رحلات الصيف والشتاء، من أرض الشام الخصبة ومن الجزيرة نفسها، ومن الطائف ومن اليمن، وهي أرض خصبة، ومن المدينة المنورة إذ هي أخصب من مكة ببساتينها وزروعها وثمارها، ومن جميع الأرض أيضاً. وهذه الفقرة في هذه الآية من المعجزات التي في عصرنا، فقد كان ذلك خبراً لأولئك، ولكن نحن جئنا بعد نزولها بألف وأربعمائة عام، ولا تزال هي هي، ونعلم وكل ساكن في هذه البلاد أن منافع الأرض الملبوسة والمفروشة والمأكولة والمترفة بها توجد في هذه الديار المقدسة في أرض الحجاز الشريف، ويؤتى بها من مشارق الأرض ومغاربها، والحجازي جالس ولا يتكلف لها بكبير شيء حتى تصبح بين يديه، وتصله فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، وتأتيه أفضل الألبسة كان ذلك في الجاهلية واستمر الأمر في الإسلام وإلى الآن، وقد مضى على القرآن 1400 سنة، والأمر لا يزال هو نفسه؛ إذ تجبى إلى مكة ثمرات كل شيء من كل أرض وبقعة. فقوله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا): أي: أولم نسكنهم ونملكهم أولم يتمكنوا تمكن التملك والسلطان والمقام، فهذا الحرم الآمن مكة المكرمة حرم الله صيدها وقطع شجرها، والفسق والظلم فيها، والظلم يعتبر ظلماً خارج مكة، أما في مكة المكرمة فالظلم ظلمان والجريمة جريمتان، حتى لقد قال علماؤنا: إن الصلاة في بيت الله الحرام بمائة ألف صلاة، والغرم بلغ مائة ألف غرم، وكذلك السيئة بمائة ألف سيئة، وهذا قول ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما، وخوفاً من أن تأتي السيئة فتجرف معها الحسنة بكل أعدادها ومئات آلافها، أبوا إلا أن يسكنوا الطائف بعيدين عن الحرم حتى تبقى السيئة سيئة واحدة، فيأتون إلى مكة كل جمعة لصلاة الجمعة وهم لا يتكلمون، قال تعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء:114]، فلا يأتون إلا للذكر والمذاكرة، وتلاوة قرآن والصلاة، ثم يعودون إلى بلدتهم، وكل يعرف مقام عبد الله بن عباس حبر القرآن الصحابي الجليل، الواسع العلم، مرجع جميع المفسرين ممن أتى بعده، وكل تفسير إذا لم يقل عن ابن عباس فهو تفسير لا مرجع له ولا سند له، وهكذا قل عن عبد الله بن عمرو بن العاص الذي اختص بمزية لم يسبق إليها قط، وهو أنه كان يكتب كل ما يسمع من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وجمع ذلك في كتاب سماه الصادقة، فيه ألفا حديث، وقد أكدت فيما كتبته عن ذلك في تخرجي لأحاديث فقه الحنفية وهو مشهور ومتداول، بأن التدوين كان في عصر النبي عليه الصلاة والسلام وفي حياته، وذكر الصادقة ورد اسمها في كتاب سنن الدارمي الذي قيل عنه: هو سابع الكتب الستة، وعند جماعة من الأئمة يعدونه سادس الكتب الستة ويقدمونه على سنن ابن ماجه، هذا مع صلاح ابن عمرو بن العاص وعلمه وجلالته، ومع ذلك خاف على نفسه من المقام في مكة كثرة السوء والذنوب والمعاصي، وخوفاً من أن الحسنات تنهار كلها. قال تعالى: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص:57]، ذكرت الياء بمناسبة كل، مع أن الثمرات مؤنثة بالتاء، وكل ما كان كذلك فليس التأنيث فيه حقيقة، ولذلك نزل الوحي في القراءات السبع: بيجبى وتجبى، تجبى لمراعاة الثمرات وتاء التأنيث، ويجبى لذكر كل شيء، أي: يجبى كل شيء ويجمع ويورث وأهل مكة جالسون وأهل الحجاز ينتظرون إفضال الله عليهم. قال تعالى: (رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا) أي: نرزق ذلك أهل مكة والحجاز، فقوله: (رزقاً): مفعول مطلق منصوب. قوله: (مِنْ لَدُنَّا) أي: من لدن الله، ومن عند الله كرماً وفضلاً منه، لمقام مكة في الإسلام، حيث كانت مسقط رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت المنزل الأول للوحي، وحيث كانت فيها هذه البنية المقدسة الكعبة المشرفة، التي طاف بها جميع الأنبياء؛ من آدم أبي البشر وأول الأنبياء إلى خاتمهم نبينا عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه. قال تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [القصص:57] أي: أكثر الناس لم يؤمنوا بالله، بل كفروا به ولم يعلموا هذا الحق، ولم يؤمنوا به، ولم يؤمنوا برسول ولا بكتاب ولا بآيات القرآن وما فيه من دلائل وبراهين قاطعة، ومعجزات تصدق المنزل عليه محمداً صلى الله عليه وسلم في كل ما قال.
القصص [58 - 63]
تفسير سورة القصص [58 - 63] إن العتاة والمجرمين عادة ما يقابلون الرسل بالتكذيب والإعراض فيكونون سبباً لهلاك قراهم وأقوامهم الذين يضلونهم بغير علم، والله تعالى لا يهلك قرية حتى يقيم عليها الحجة، ثم يوم القيامة يجمع الأتباع والمتبوعين فيعذب الجميع.
تفسير قوله تعالى: (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها)
تفسير قوله تعالى: (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها) قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص:58]. هنا النذير والتهديد والوعيد لكفار مكة. يقول تعالى: يا كفار مكة وغيرها من الكفار السابقين واللاحقين! لا تطغوا ولا تتجبروا، فكم من قرية بطرت معيشتها فأهلكناها، وبطر المعيشة: كفر النعمة، والتعاظم بها والتكبر بما أنعم الله به على الإنسان. والإنسان عندما يغنى ويكون صغير العقل ضعيف الدين يطغى بماله وبما رزقه الله وأنعم عليه، فكان من الواجب عليه أن يشكر الله على ذلك ويزداد شكراً وحمداً ونشراً للنعمه التي أنعمها الله عليه، فيعطي منها المستحقين من آل وفقراء ومحتاجين وسائلين، فالله وصف المؤمنين فقال عنهم: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} [المعارج:24]، وقال أيضاً: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات:19]. أما الذين إذا أغناهم الله ورزقهم وأوسع الله عليهم يبطرون ويحصل لهم تيه بالمال وعلو وفساد في الأرض، وكبرياء وجبروت، تكون نهايتهم أن المال لم يكن إلا فتنة وابتلاء، فلم يشكروا الله عليه، فحري أن يسلبوه في الدنيا ويعاقبون على ذلك يوم القيامة، وقد قال ربنا جل جلاله: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7]، فمن يشكر النعمة تزدد عنده وتكثر لديه، ومن يجحدها ويكفر بها ولا يعط المستحقين منها ويمنع حقوق الله من زكاة ونفقات في ماله فقمن بأن يسلب النعمة وتزول وكأنها لم تكن، ونعوذ بالله من السلب بعد العطاء. فقوله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا)، أي: تعاظمت بها وتاهت وتجبرت ودخلها طغيان بمالها والنعم المحيطة بها، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق:6 - 7]. فالإنسان يطغى إذا رأى نفسه قد استغنت، وذلك عندما يكون ضعيف العقل قليل الدين. قال تعالى: {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا} [القصص:58]، ماذا صنع الله بها؟ أهلك أهلها فماتوا وانتهوا، قطعت سلالاتهم وخربت دورهم وسلبوا النعمة في الدنيا، فلا ذرية ولا أحد يأتي بعدهم يقول: كان أبي كذا رحمه الله، أما الصالح والمتصدق والمنفق مما أعطاه الله، يطلب من الفقراء والمساكين، وممن استفادوا بماله، أن يذكروه بخير وأن يترحموا عليه، ماداموا في الوجود ويتسلسل ذلك. ومن بقاء وتمام النعمة والشكر عليها أن يرزقه الله أولاداً صالحين، وابن آدم إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث، منها: ولد صالح يدعو له، فيقول: كان أبي، وعلمني أبي، وأنفق علي أبي، فيترحم عليه بعد موته، ويكون ذلك من عمله وفي صحائفه. ومن ذلك أيضاً: العلم ونشره لساناً وكتاباً، ونحن الآن نذكر الأئمة الأربعة والسلف الصالح وشيوخنا ونترحم عليهم وندعو لهم؛ لأنهم خلفوا العلم ونشروه وتركوه في الكتب والصحائف، فتعلمناه منهم أباً عن جد، وشيخاً عن شيخ، فترحمنا على السابقين، وذكرناهم بخير؛ وكان ذلك نتيجة إحسانهم، ونتيجة إيمانهم وعدم بطرهم، لا بعيش من حيث المال ولا بعيش من حيث العلم، فلم يبطروا لا بهذا ولا بهذا. والمسكن: الدار، فمساكن جمع مسكن، فهذه المساكن الموجودة في جميع بقاع الأرض قد خربت وبادت، وقد كانت يوماً مساكن لملوك ومترفين ولنساء ولرجال ولشباب ولقوة ولمال ولرفاهية، أين هي؟ ذهبت في أمس الدابر وكأنها لم تكن، وصب الله عليهم العذاب، بالزلازل والصواعق الإغراق. وتلك المساكن سُكنت قليلاً؛ لأنه قد يكون المسافر والرحالة إذا مر عليها يحتاج إلى ماء وراحة واستظلال بسقف أو حائط أو شجرة، فيجد هذه البيوت الخاوية فيدخلها ساعة أو ساعتين من اليوم، وإن أطال بات ليلة ثم ذهب، فكانت السكنة قليلة لعابري السبيل، ولمن لم يجعلوها سكناً ولم يتملكوها ولا حاجة لهم بها؛ لأنها مساكن من غضب الله عليهم وقضى عليهم وقطع دابرهم. قال تعالى: {وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص:58] أي: خربت ولم تسكن ولم تورث. ومعنى كونها لم تورث: لم يخلفوا أولاداً، وإن خلفوهم هلكوا معهم؛ فانقطعت الذرية والسلالة، فلو أنهم خلّفوا أولاداً لورث تلك المساكن الأولاد وأولاد الأولاد والأسباط والأحفاد ولكن انقطع الكل وكأنهم لم يكونوا، إذ كانوا فبادوا وأصبحوا ورقاً معلقاً يقص عنهم القاص: كان وكان وليس أكثر من ذلك. فهذه الآية نذير ووعيد من الله جل جلاله لهؤلاء الكفار ولأمثالهم من كفار كل عصر وجيل، وكفّار كل جنس إذا بطروا النعمة واتخذوا منها تيهاً وجبروتاً وطغياناً على الخلق، فيوشك أن يسلبهم الله تلك النعمة فيذهبوا وتذهب دورهم ومساكنهم وما كانوا يتمتعون فيه، ويرث ذلك الله وحده ولا يبقى لهم ولد ولا سبط ولا حفيد. وهكذا حدث لهؤلاء الذين ماتوا على الكفر انتهوا وبادوا وزالت الأملاك وأُعطيها غيرهم، ومع الأيام لم يذكروا إلا باللعنة والخزي، وفي الفتوح الإسلامية كم من مدن بأكملها وقرىً بتمامها ذهبت وخربت وبادت؛ نتيجة الكفر والعصيان وحرب الله ورسوله والمسلمين.
تفسير قوله تعالى: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا)
تفسير قوله تعالى: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً) قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص:59] يقول الله كرماً منه وفضلاً وعدلاً: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا} [القصص:59] وهذه كقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15]. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى} [القصص:59] أي: أهلها وسكانها من الكفار؛ ما كان الله ليهلكهم وهم صالحون مؤمنون، حتى ولو كانوا ضالين كافرين لا يفعل ذلك ما لم يرسل في أمها -أي: في أم تلك القرى- رسولاً، فالله ذكر القرى وأمها، فأم القرى هي مكة المكرمة، فهي أم الدنيا منها كانت الدعوة للهداية، ومنها برز سيد الخلق، وفيها ترعرع ونشأ صلى الله عليه وسلم، وفيها دعا الناس للإيمان به وبرسالته، قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158] ولها أوجب على كل إنسان في الحياة أن يأتيها مرة في العمر حاجاً وطائفاً وساعياً وواقفاً في عرفات وبائتاً في منى ليلتين أو ثلاثة، ومن لم يفعل ذلك وقد قدر عليه وأُعطي الزاد والراحلة يقول النبي عليه الصلاة والسلام عنه: (إن شاء مات يهودياً أو مات نصرانياً) ويكون قد ترك ركناً من الأركان الخمسة، ويُستحب إن استطاع أن يُعيد الحج مرة عند كل خمس سنوات، للحديث الوارد في مسند الإمام أحمد. قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى} [القصص:59] أي: لم يكن ربك يا محمد! ليهلك أهل القرى والمدن والناس، وتُذكر دائماً المدن؛ لأن شأن سكان المدن هم الأشراف والكبار، وهم الذين يعلمون البدو والأعراب، وهم الذين يستطيعون تلقي الوحي والرسالة ليعلّموها بدورهم من هو أصغر منهم عقلاً وأقل منهم علماً وفهماً، وخاصة أولئك البدو والأعراب. أما لو نزل الإسلام بين البدو والأعراب لما فهموا ولما أدركوا، وقلما يحصّلون، فهم يحتاجون إلى التعليم من كبرائهم وكبراء بلدتهم وكبراء الدنيا من المؤمنين، وهكذا فعل الله، ومن هنا سُميت أم القرى، فهي أم المدن ومعناه: عاصمة الدنيا، ولا شك أنها عاصمة الدنيا، إذ لا يتم إيمان مؤمن ما لم يأت إليها طائفاً ساعياً واقفاً نائماً في منى، فإن كان قادراً فقد أخل بركن من الأركان وأنذره النبي عليه الصلاة والسلام إن ترك ذلك وهو قادر عليه بأنه: إن شاء مات يهودياً أو نصرانياً، أي: ليس بمسلم. فقوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا} [القصص:59] كقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15] ولذلك فإن العرب الذين لم يُرسل إليهم نبي لا يعذبون إلا من أدرك الرسالة المحمدية والدعوة النبوية، فأبى الإيمان وأبى إلا الجحود فهذا عصى عن علم وسابق تقدير؛ فهذا هو الذي يُعتبر كافراً ويُعذّب؛ لأن الله قد أرسل إليه؛ والعرب لم يُرسل إليهم أحد إلا نبينا عليه الصلاة والسلام والذين سبقوه بقرون وآلاف من السنين لم يُرسل إليهم ولم يبعث لهم ولم ينطق بلغتهم، فكان أنبياء بني إسرائيل لا يخاطبون بالإيمان إلا بني إسرائيل؛ وهكذا قل عن جميع الأمم والشعوب الذين أُرسلت إليهم رسل وأنبياء، قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر:24]. قال تعالى: {يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} [القصص:59] أي: يبلّغهم كتابه وأحكامه وآياته ودلائله وبراهينه، والمعجزات التي تُصدِّق ذلك الداعي بأنه نبي من الله. ثم قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص:59] وقد أكّد الله هذا المعنى في الآية مرتين: ما كنا لنهلك أهل قرية لم يُرسل إليهم، فنحن نُرسل إليهم ومع ذلك لا نُهلكهم إلا إذا كانوا ظالمين أي: مشركين كافرين، ومن سوى ذلك لا يُهلك؛ لأنه لم يُرسل إليه. ولذلك في سؤال القبر يأتي منكر ونكير ويُلقى الميت في قبره فيسألانه: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ فإذا قال: لا أعلم يقال له: ألم يُرسل لك رسول؟ يقول: قد قالوا ذلك، إذاً: لم لا تؤمن به؟ فتكون حجة الله البالغة عليه، ويكون قد كفر عن علم وبلاغ فاستحق العذاب، فيُعذّب روحاً في قبره إلى أن يُعذّب بعد ذلك يوم القيامة جسداً وروحاً. فقوله: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص:59] أي: إلا وهم مشركون كافرون، والظلم إذا أُطلق لا يُطلق في القرآن إلا على الشرك.
تفسير قوله تعالى: (وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا)
تفسير قوله تعالى: (وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا) قال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ} [القصص:60]. يخاطب الله الكافرين والجاحدين والعصاة بقوله: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ} [القصص:60] أي: من مال ورفاهية وشباب وقوة، ليس كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا وزينتها تتمتعون به متاعاً مؤقتاً، كأكلة أكلتها صباحاً فقذفتها مساء، كشباب كان بالأمس كذلك مضت عليه سنوات ثمَّ انتهى بالشيخوخة وانتهى سواد الشعر بالشيب، وانتهت الحياة بالموت، ولا يبقى إلا الله، فالدنيا دار زوال وفناء بما فيها وبما عليها. قال تعالى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ} [القصص:60] أي: ما عند الله يوم القيامة من جنان خالدات وحور عين ورؤية لله جل وعزّ؛ فذلك أبقى وأدوم ولا يفنى. فيقول الله: (أفلا تعقلون؟) أي: أليست هناك عقول؟ {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة:61] خير لأنه أدوم وأبقى وألذ، ولذائذه كما وصفها القرآن، والنبي عليه الصلاة والسلام: فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. يقول ابن عباس: كل ما ذُكر من سمة للحور العين والفواكه والأطعمة والطير واللحم ليس فيه من الدنيا إلا الأسماء، فما عند الله يوم القيامة هو فوق ما يظن الظّان ويخطر على باله، من متع دائمة ولذائذ باقية وسعادة لا تنتهي ليلاً ولا نهاراً، فهي الظل الممدود وهي الحياة الدائمة التي لا موت بعدها أبداً. فقوله تعالى: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} [القصص:60] أي: أليس لكم عقول تفكرون بها؟
تفسير قوله تعالى: (أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه)
تفسير قوله تعالى: (أفمن وعدناه وعداً حسنا فهو لاقيه) قال تعالى: {أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} [القصص:61]. استفهام إنكاري تقريعي أي: أيهما أحسن؟ هذا الذي وعدناه منا وعداً حسناً، وعدناه إن أنت آمنت وأسلمت وأصلحت فيوم القيامة لك من الخير والرضا والجنان والقصور والحور العين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أهذا خير أم ذاك الذي متّعنا متاع الحياة الدنيا وعاش في الدنيا ليأكل ويشرب كما يأكل ويشرب الحيوان؟ فشأن المؤمن والعاقل في الأرض أن يأكل ليعيش، والحيوان يعيش ليأكل؛ ولذلك وصف النبي عليه الصلاة والسلام بأن الكافر يأكل بسبعة أمعاء، إذ لا يكتفون بمرتين في اليوم أو ثلاث مرات، لكنهم يأكلون خمس مرات ولا تكاد تجدهم إلا يأكلون، وما دامت المعدة صالحة فهو يأكل، حتى إذا فسدت وخربت وما عادت تهضم إذ ذاك يأكل بالحمية والجوع، فإذا زاد على الأكل بما لم يسمح له به الطبيب أضر بنفسه وقد يتعرض للموت، وأخطر من الموت أن يعيش سنوات مريضاً مهملاً مشلولاً أو لا يكاد يتحرك، نسأل الله اللطف والسلامة. قوله تعالى: {فَهُوَ لاقِيهِ} [القصص:61] أي: سيلقى ما وعدناه به، وسنفي له بالوعد ونحقق له المبتغى، قال تعالى: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة:111] فهو مستقبله ومحصّل له وسيكون له يوماً. قال تعالى: {كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [القصص:61] أي: هل هذا أحسن أو ذاك الذي متّعناه في الحياة الدنيا بطعام وشراب ثم انتهى طعامه وشرابه وانتهى هو أيضاً؟ {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} [القصص:61] فبعد هذه المتعة غير الدائمة وهذا الطعام الذي لا يفيد سيفنى ويموت، ويكون يوم القيامة من المحضرين للحساب والعقاب ولعذاب الله ودخول النيران؛ فهو يحضر ليُعذَّب وليُحاسب: لمَ لم تؤمن؟ لم أصررت على الشرك؟ ألم يرسل إليك رسل؟ ألم يقُل لك علماؤك؟ ألم تقرأ كتاب ربك؟ ألم ألم، فيجد نفسه عاجزاً عن الجواب؛ لأنه قد رأى النبي أو سمع به وأبى إلا التكذيب والكفران، واغتر بجاهه وسلطانه وماله ومتع فرجه وبطنه وظهره، فما أوصله ذلك إلا للعنة والخراب ولعذاب الله يوم القيامة.
تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون)
تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) قال تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص:62]. يؤتى بهم يوم القيامة ويناديهم الله، أو يكلّم الله من يناديهم من الملائكة، فيقال لهم: أين ما كنتم تزعمون وأنتم في دار الدنيا من شركاء لي؟ لماذا لم يدافعوا عنكم؟ ولماذا لم يحموكم؟ ولماذا لم يرزقوكم الجنة؟ ولماذا لم يزيلوكم من بين أيدينا؟ أي: يحاسبون حساباً عسيراً. وتقول السيدة عائشة رضوان الله عليها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن نوقش الحساب عُذِّب) فإذا حوسب المرء يوم القيامة يُحاسب عن النقير والقطمير، وعلى ما أكل وشرب ونطق، والله قد قال: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} [الزلزلة:7 - 8]. فالكافر يُحاسب على الذرة من شره وبلائه وكفره، والمؤمن يغفر الله له الكثير، وذلك أنه إذا توضأ ذهبت ذنوبه مع الماء، وإذا مضت الجمعة إلى جمعة أخرى وجدد التوبة تاب الله عليه ما سبق منه في تلك الجمعة، فإن ارتكب ما عسى أن يرتكب ثم تاب إلى الله وأناب وأوفى الوعد مع ربه ولم يعد لتلك الذنوب غفر الله له. أما الكافر مهما استغفر فلن يُغفر له؛ لأنه لا مغفرة لكافر، ولذلك فإن الذنوب تزداد والآثام تزداد فيُحاسب يوم القيامة على النقير والقطمير وعلى الذرة. قال تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} [القصص:62] أي: يوم القيامة ينادى الله هؤلاء ويدعوهم ويحاسبهم، وتدعوهم الملائكة بأمر الله، وما أمر الله به فهو قوله وفعله جل جلاله. قال تعالى: {فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص:62]. أي: أين أولئك الشركاء؟ أين مناة؟ أين اللات؟ أين من كنتم تعبدونه من الجن والحشرات والبشر كـ ماركس ولينين، وأمثال هؤلاء الأقذار الأوساخ المشركين، الذين يجب أن تُقدّس الأماكن المحترمة عن ذكرهم؟ ولكن الله ذكر الكثير من هذه الأسماء عظة وعبرة؛ لكي يتلافى الناس ذلك ويبتعدوا عنه.
تفسير قوله تعالى: (قال الذين حق عليهم القول)
تفسير قوله تعالى: (قال الذين حق عليهم القول) قال تعالى: {قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} [القصص:63]. أي: أولئك الذين كانوا يعبدون الشياطين والإنس وأئمة الضلالة وزعماء النار. فقوله: {قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ} [القصص:63] أي: وجب عليهم العذاب، فإذا بهم يتبرءون، فتسوقهم الملائكة مسحوبين على وجوههم إلى النار، فيقول هؤلاء: {رَبَّنَا} [القصص:63] أي: يا ربنا {هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا} [القصص:63] أي: أضللنا وأفسدنا، وأبعدناهم عن الأنبياء والإيمان بهم، فهؤلاء {أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا} [القصص:63] فلن يستطيعوا الانتقام من الله، ولكنهم ينتقمون من أمثالهم، فكما ضلوا وغووا وأفسدوا وكفروا يقولون: لم نُعذب وحدنا؟ فينطلقون إلى البشر فيغوون ويضللون ويكفرون، وهكذا شأن أئمة الضلالة زعماء النار الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. يقولون: {رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا} [القصص:63] أي: هؤلاء الذين نحن أغويناهم وأضللناهم، لم أغويتموهم؟ قالوا: {أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا} [القصص:63] لأنهم هم غووا وضلوا وكفروا وفسدوا وأرادوا أن ينتقموا من هؤلاء؛ لأنهم لن يستطيعوا أكثر من ذلك فأغووهم وأضلوهم وكفّروهم وأفسدوهم، قالوا: {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ} [القصص:63] أي: تبرءوا منهم كما قال ربنا في آية أخرى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} [البقرة:166] فالذين اتُّبعوا هم أئمة الضلالة يتبرءون من الذين اتبعوهم، وهكذا قول الله أيضاً: {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} [القصص:63]. أي: كانوا ضلالاً وكفّاراً يعبدون أهواءهم ويعبدون فروجهم وبطونهم وظهورهم، إنما نحن دفعناهم للفساد والضلال والكفر {مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} [القصص:63].
القصص [64 - 73]
تفسير سورة القصص [64 - 73] إن المشركين الذين يتخذون من دون الله شركاء قد خسروا أنفسهم، فإن الله يسألهم يوم القيامة ويكلفهم أن يدعوا شركاءهم فلا يستجيبون لهم، ثم يسألهم ماذا أجبتم المرسلين فلا يستطيعون الجواب، حينئذ يعلمون أن الله هو الخالق المتصرف يخلق ما يشاء ويختار.
تفسير قوله تعالى: (وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم)
تفسير قوله تعالى: (وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم) قال الله جلت قدرته: {وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ} [القصص:64]. الكلام لا يزال على هؤلاء الكفرة الذين أصروا على العصيان والجحود والنكران، إذ يقال لهم يوم القيامة: أين شركاؤكم الذين كنتم تدعون في دنياكم من دون الله؟ ادعوهم لينصروكم، ادعوهم ليؤازروكم ويخرجوكم من عذاب الله وغضبه ولعنته. قوله: (قيل) أي: تقول الملائكة لهم ذلك عن أمر الله. قال تعالى: {فَدَعَوْهُمْ} [القصص:64] أي: دعوا الشركاء، وإذا بالشركاء يتبرءون منهم ويكفرون بشركهم ويقولون لله: إنا برآء منهم، فقوله: {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} [القصص:64] أي: لم يجيبوهم ولم يلتفتوا لهم. {وَرَأَوُا الْعَذَابَ} [القصص:64] وهنا رأوا عذاب الله ولعنته في دخولهم للنار جزاءً وفاقاً على شركهم. قال تعالى: {وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ} [القصص:64]. أي: ودّوا إذ ذاك لو أنهم اهتدوا في دار الدنيا كي لا يروا عذاباً ولا يدعوا شركاء، وودوا لو يحصل لهم ما يحصل للمؤمنين التائبين. والجواب مقدّر، أي: ولو أنهم كانوا يهتدون لما رأوا عذاباً ولما دخلوا ناراً ولا عوملوا معاملة الجاحدين الكافرين، فالله يقص علينا حال الكفار يوم القيامة عندما يقومون للعرض عليه جل جلاله، ماذا سيكون لهم ويقص ذلك على الكافرين لعلهم يتوبون ويئوبون، ويقص ذلك على المؤمنين ليزدادوا إيماناً.
تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم) إلى قوله: (فهم لا يتساءلون)
تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم) إلى قوله: (فهم لا يتساءلون) قال تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:65]. أي: يوم يأمر الله الملائكة فتدعو كل واحد باسمه، فيقال لهم: {مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:65] أي: عندما جاءت رسلكم وأنبياؤكم ودعوكم للإيمان بالله وعدم الشرك والكفران، ودعوكم إلى الإيمان بما جاءت به كتب الله من أوامر ونواهٍ، وحلال وحرام، ماذا كان جوابكم لهم؟ وسبق أن قال ربنا في الآية السابقة: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص:62] فالسؤال هنا سؤالان، كسؤال الملائكة للميت في القبر، إذ يكون السؤال أولاً عن الله ووحدانيته: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص:62] ثم يسألون ثانية: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:65] أي: وماذا كان جوابكم للرسل عندما جاءوكم؟ هل استجبتم وأطعتم وحللتم ما أحلوا وحرمتم ما حرموا؟ وهكذا الميت عندما يُدفن في القبر يأتيه الملكان فيسألانه، فأول سؤال يسألانه: من ربك؟ ثم بعد ذلك يسأل: من نبيك؟ فإن أجاب جواب المؤمنين المسلمين سئل بعد ذلك عن الصلاة والزكاة وبقية الواجبات، فإن لم يجب رأى العذاب والمحنة، وإن أجاب رأى الرحمة والرضا؛ وهكذا يوم القيامة يُعاد Q أين ما كنتم تزعمون من دون الله؟ ثم يسألون مرة أخرى: {مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:65]. فيكون الكافر أخرس لا جواب له؛ لأنه لم يوحد الله بل أشرك به ولم يستجب للرسل في دعوتهم، بل كفر بهم. قال تعالى: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ} [القصص:66]. فالجواب عن السؤال يوم القيامة عن الله وعن الإيمان برسل الله تعمى عليهم وتضيع، والأنباء: الأخبار، أي: لا يستطيعون خبراً ولا نبأً ولا جواباً؛ لأنه لا جواب عندهم، فإنهم سيذهلون عن السؤال، إذ لو أجابوا فلن يكون جوابهم إلا أنهم أشركوا بالله ولم يستجيبوا لرسل الله. قال تعالى: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ} [القصص:66] أي: ضلوا إلى أن أصبحوا عمياً، وأصبحت الأنباء والأخبار عنهم في عمى وضياع فلا جوا ب منهم ولا خبر يستطيعون الجواب فيه لله أو لملائكة الله. قوله: {يَوْمَئِذٍ} [القصص:66] أي: يوم القيامة، يوم العرض على الله. قوله: {فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ} [القصص:66] أي: فلا يسأل بعضهم بعضاً، ولا يستخبر بعضهم بعضاً إذ ليسوا في موضع جواب ولا موضع سؤال، وإذا سُئلوا لم يجيبوا لما هم فيه من ذهول الكفر والمحنة والغضب واللعنة من الله، فالله يقص هذا في حال الدنيا على الكافرين لعلهم يتوبون ويذكرون حال الكافرين السابقين لمن لا يزال حياً؛ ليستدرك حياته قبل موته فيتوب إلى الله ويئوب.
تفسير قوله تعالى: (فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين)
تفسير قوله تعالى: (فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين) قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} [القصص:67]. أي: من تاب في دنياه من الشرك وعمل صالحاً وقام بالأركان والواجبات فصلى وصام وحج وزكى وقام بما عليه من أوامر وترك ما نُهي عنه من نواهٍ، وتاب من الكفر وصدّق بالله وبرسله وبكتبه، فمن جاء هكذا يوم القيامة فهو من المفلحين كما قال تعالى: {فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} [القصص:67]. و (عسى) من الله موجبة وللتحقيق، أي: يكون يومئذ مفلحاً وفائزاً، ويكون يومئذ من القوم الذين يرضى الله عنهم ويقبل توبتهم في الدنيا، حتى إذا أقبلوا عليه جازاهم برحمته وجنته.
تفسير قوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار)
تفسير قوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار) قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص:68]. يقول جل جلاله عن هؤلاء الذين أشركوا من دون الله إنه ليس لهم خلق ولا أمر ولا اختيار، فالرب هو الذي انفرد بالخلق والحياة والرزق فالخيرة له والأمر له والخلق له، ولا يحتاج لشريك ولا معين ولا مؤازر، والكل عبد لله صاغر في الدنيا والآخرة، لا شريك له في صفات سبحانه ولا في أفعال ولا في ذات، جل عن أن يوصف بما يوصف به الخلق، وجل عن أن يُشبّه بخلقٍ من خلقه، هو الله الواحد الذي لا شبيه له في ذات ولا صفة ولا فعل. قال تعالى: {مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ} [القصص:68]. والخيرة: اسم للاختيار، فليس لهم أن يخلقوا وليس لهم أن يختاروا بين الخلق، فلله الاختيار ولله الخلق والأمر، والله قد توحّد وتنزّه وتعالى عمن أشركه به اليهود والنصارى والوثنيون والمعطّلون، فكلهم كفرة فجرة فسقة. ويكاد جميع التلاوات السبع في القرآن تقف على قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص:68] ثم تستأنف: {مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ} [القصص:68] وقلة أيدها شيخ المفسّرين محمد بن جرير الطبري، فوقف على قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ} [القصص:68] فجعل (ما): اسماً موصولاً مفعولاً به، أي وربك يختار لهم ما فيه خيرهم؛ وهذا كلام جعلوه هكذا، فتأيد به مذهب الاعتزال الذي يقول بالأصلح والأكمل، وهو كلام في الأصل لا حقيقة له ولا وجود له وليس له علاقة بالعقائد، فرسول الله فضلاً عن الله جل جلاله يقول تعالى عنه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36]. إذ لا خيرة لأحد مع رسول الله فهو صاحب الأمر والنهي، والحلال والحرام المبلّغ عن الله جل جلاله، فإذا كان ذلك من رسول الله العبد المخلوق النبي الرسول الكريم فما بالك من الله؟ فالله يخلق ما يشاء، فليس لأحد اختيار قط، فما هنا: نافية وليست باسم موصول ولا تُعرب مفعولاً. فنقول كما قال ربنا: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) قف إذ تم الكلام، ثم استأنف الكلام: {مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ} [القصص:68] أي: لم يكن الاختيار لمن أشركوا به من دون الله ولا لهؤلاء الذين يُشركون، لا لملك مقرب ولا لنبي مُرسل، فالكل لله انفرد بالخلق والأمر والاختيار؛ وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي التلاوة كما وردت في القراءات السبع. ومن هنا سبّح الله نفسه ونزّهها وعظّمها، فهو يعلمنا كيف نعرف الله ونمجده فقال: {سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص:68] أي: تنزّه ربنا وتعالى وانفرد بالخلق والاختيار والأمر، وتنزّه وتعظّم عن شرك المشركين وكفر الكافرين وغثاء الجاهلين. فقوله: {سُبْحَانَ اللَّهِ} [القصص:68] أي: أنزِّه الله والله ينزِّه نفسه عن أن يُشبه أحداً من خلقه أو يُشبهه أحد من خلقه، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، وقال تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4]. قوله: {وَتَعَالَى} [القصص:68] أي: تعاظم وتقدّس وتنزّه {عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص:68] أي: عن شركهم وشركائهم ملائكةً كانوا أو أنبياء، شياطين كانوا أو إنساً، جمادات كانوا أو حيوانات؛ فكل أولئك الذين أشركوهم المشركون مع الله هم أقل من أن يكون لهم خلق أو أمر أو اختيار، فالله الواحد الذي انفرد بالخلق والأمر والاختيار؛ ومن هنا علّمنا صلى الله عليه وسلم أننا إذا أقدمنا على شيء ونحن لا نعلم الخيرة في شيء - هل يكون ذلك لخيرنا وصالحنا؟ أو يكون ضرراً علينا - أن نستخير الله تعالى، ونطلب منه أن يختار لنا ما فيه خيرنا وصلاحنا! وفي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلّمنا الاستخارة كما يعلّمنا السورة من القرآن، أي: أن نستخير ونطلب خيرة الله واختياره لنا، فالغيب لا يعلمه إلا هو، والمستقبل لا يعلمه إلا هو، يقول جابر: كان يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن ويقول - أي: النبي عليه الصلاة والسلام - (من هم بأمر فليصل ركعتين سوى ركعات الفريضة وليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم إنك أنت علّام الغيوب، اللهم إن كان هذا الأمر (ويسميه) خيراً لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري عاجله وآجله فاقدره لي ويسّره لي ثم بارك لي فيه، وإن كان هذا الأمر شراً لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري آجله وعاجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ورضّني به). وقال علماؤنا: والاستخارة ينبغي أن تكون في كل شيء فيما أنت متردد فيه، أتفعل أو لا تفعل! أتصاهر أو لا تصاهر! أتشارك أو لا تشارك! أتعمل أو لا تعمل! أما ما وجدته في نفسك إقبالاً وميلاناً وعزماً {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران:159] ولا تكون الخيرة والاستخارة إلا عند التردد والحيرة. وقالت عائشة رضوان الله عليها: كان نبي الله عليه الصلاة والسلام يُكثر أن يقول عند كل أمر: (اللهم خر لي واختر لي). وقال أنس رضي الله عنه: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من هم بأمر فليستخر الله سبع مرات، حتى إذا وجد من قلبه انشراحاً للأمر فليفعله) وليس الأمر متوقفاً على رؤيا أو ما أشبه ذلك، وإنما هو متوقف على الانشراح القلبي، فما انشرح له قلبك فذاك، وما لم ينشرح فاتركه، وقد تكون رؤيا ولكن ليس ذلك ضرورياً، ولا الاستخارة متوقفة عليها، وقالوا: يصلي ركعتين فيقرأ في الأولى الفاتحة وسورة {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون:1]، وفي الثانية يقرأ الفاتحة و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1]. وقال قوم: يقرأ في الأولى الفاتحة وهذه الآية الكريمة: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص:68] ويقرأ في الثانية الفاتحة وقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36] ألا يكون لهم خيار ولا أمر، هذا مقبول وهذا مقبول، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد ماذا تقرأ وإنما هذا استحبه العلماء، وإنما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ليصل المستخير ركعتين من غير الفرائض) وعقب الركعتين يدعو الله بهذا الدعاء وينتظر الانشراح الذي سيلهمه الله إياه وينشرح به خاطره، وقد تكون رؤيا ولكن ليس هذا من اللازم.
تفسير قوله تعالى: (وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون)
تفسير قوله تعالى: (وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون) قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [القصص:69]. هؤلاء الكفرة يعلم الله جل جلاله ما تكنه صدورهم وتكتمه، وما يتكلمون به من كفر ونفاق وانطواء على شر، كما يعلم ربنا جل جلاله ما تنطوي عليه السرائر والضمائر من خير وإيمان، إذ يعلم كل ذلك من المؤمن وغيره والكافر وغيره، قوله: {وَمَا يُعْلِنُونَ} [القصص:69] أي: يعلم الذي يُعلنونه مع غيرهم في المجالس العامة أو في كتابة أو خطابة أو أي نوع من أنواع الإعلان.
تفسير قوله تعالى: (وهو الله لا إله إلا هو)
تفسير قوله تعالى: (وهو الله لا إله إلا هو) قال تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [القصص:70]. أي: لا شريك له ولا ثاني له، وكل من أشرك به أتى بالزور والباطل والكذب والبهتان، وليس له على ما أتى سلطان ولا دليل لا من عقل ولا من منطق ولا من نقل، إن هي إلا خزعبلات وأباطيل، أتوا إلى حجارة لا تضر نفسها ولا تنفعها فضلاً عن أن تضر غيرها أو تنفعها، أتوا إلى خلق من خلق الله ملائكةً أو رسلاً أو بشراً أو جناً أو حيوانات، فجعلوها شركاء لله وهي جميعها لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً، والكل عبد لله خاضع لجلاله تحت أمره ونهيه، ومن أحياه عاش ومن أماته ذهب إلى أمس الدابر. فقوله: {وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [القصص:70] أي: هو المعبود بحق، الواحد الذي لا ثاني له وكل ما عداه مما قال الكاذبون وافترى المبطلون وكرره المشركون ليس ذلك إلا باطلاً وكذباً وزوراً وبُهتاناً، فلا إله معبود بحق إلا هو المنفرد بالألوهية والربوبية له الخلق وله الأمر والاختيار، وهو المحيي والمميت. قال تعالى: {لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ} [القصص:70] أي: له الحمد المطلق في الأولى: في الدنيا، يحمده الناس على ما رزقهم سبحانه فالمؤمن يحمده ويشكر على حمده، والكافر يأبى ونعمة الله متجلية عليه ظاهرة وباطنة من صحة وشباب وحواس ورزق وحياة وعطاء، والواجب أن يُحمد الله الفاعل لكل ذلك المتمنن والمتفضّل بكل ذلك. قال تعالى: {لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ} [القصص:70] أي: وله الحمد يوم القيامة كذلك على ما أعطى عباده المؤمنين الصادقين من جزاء بدخول الجنة ورحمة ورضا حتى إنه ابتدأ الأمر بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] وانتهى بقوله: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس:10] فنبتدئ الحياة منذ أن ندرك ونحس بوجودنا ونستشعر بأنه جل جلاله الخالق الرازق المحيي المميت؛ وهكذا نبقى مدة حياتنا، حتى إذا عُرضنا عليه مرة ثانية وأكرمنا الله برحمته ورضاه تكون آخر دعوانا مرة أخرى: الحمد لله رب العالمين. ومن هنا فرض علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون الفاتحة المبتدأ بها كتاب الله والمبتدئة بالحمد، وتقرأ باستمرار في جميع الركعات فرائض ونوافل، للإمام والمأموم والفذ، فأول ما نقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] أي: الحمد الكامل لله رب العالمين، فهو ربهم وإلههم وخالقهم وذو الفضل والمن عليهم. قال تعالى: {وَلَهُ الْحُكْمُ} [القصص:70] فهو الذي يفصل بين العباد يوم القيامة إما إلى جنة وإما إلى نار، وهو الذي يفصل بين الأديان والأحزاب والملل والنحل، فيقول لهذا: أصبت ويقول لهذا: لم تصب، على أن ذلك قد أرسل به الرسل وأنزل عليهم الكتاب بذلك، ولكن المتشككين الكافرين الذين لا يؤمنون بالغيب ويأبون إلا الجحود والكفران عندما يرون ما كان إيماناً بالغيب شهوداً وحضوراً، ويرون العرض على الله يوم القيامة، وقد كانوا في دنياهم يُنكرون ذلك، ويرون الجنة والنار بأعينهم وكانوا في الدنيا منكرين لذلك، يعلمون أنه له الحكم إذ ذاك، فهو الحاكم الذي سيفصل بينهم، ويحكم لهذا بالجنة ولهذا بالنار. قال تعالى: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:70] أي: رجوعنا لله، فقد جاء بنا الله جل جلاله خلقاً من خلقه وسنموت دهراً ثم نعود إليه يوم القيامة؛ ليحاسب المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته.
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا)
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً) قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ} [القصص:71]. يعيد الله ويذكر لنا علامات ودلائل وبيّنات وجلال قدرته، وأنه القادر على كل شيء، فيقول: يا محمد! قل لهؤلاء: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القصص:71] أي: إذا جعل الدنيا كلها والزمن كله ليالي لا نهار فيها ولا ضياء ولا شمس، إذا جعل الكون كله ظلاماً لا شمس ولا ضياء ولا نور ولا نهار. {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ} [القصص:71] يعني: هل هؤلاء الذين أشركتموهم بي يستطيعون أن يأتوكم بالنهار أو يأتوكم بالشمس، أو يستطيعون أن يأتوكم بالنور والضياء؟ A لا، وكلهم أقل من ذلك وأعجز، فالذبابة لا يستطيعون خلقها، بل إذا أخذت الذبابة منهم شيئاً لا يستطيعون أن يختطفوها منها، وكما قال ربنا جل جلاله: {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73] فالمطلوب هو المشرك به من دون الله وهو ضعيف ضائع، والطالب ذلك من غير الله ضعيف ضائع، وإذا سألت فاسأل الله، فوحده القادر على كل شيء جل جلاله وعلا مقامه، فلو أن الله جعل سنيَّ الدنيا كلها ليلاً، لا ضياء فيها ولا نهار ولا شمس ولا نور، فهل هذه الآلهة المزيّفة الباطلة تستطيع أن تُنجزكم وتغيثكم وتجعل لكم ضياء ونوراً؟ A لا، وكلهم أعجز من ذلك. قال تعالى: {أَفَلا تَسْمَعُونَ} [القصص:71] سماع فهم وقبول وإدراك، فقد عدّهم الله كما وصفهم أكثر من مرة بأن لهم آذاناً لا يسمعون بها، وإذا سمعوا لا يعقلون ولا يدركون ولا يعون.
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا)
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً) قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [القصص:72] أي: قل لهؤلاء المشركين الذين يعبدون الأحجار: لو أن الله جل جلاله جعل الدنيا والسنوات كلها نهاراً وضياءً وشمساً فهل آلهتهم المزيّفة تستطيع أن تأتيهم بليل يسكنون فيه ويجدون راحتهم وهدوءهم واستقرارهم من عذاب النهار وتعبه ومشاقِّه؟ الجواب باستمرار: لا، وليس ذلك إلا لله وحده القادر على كل شيء. قال تعالى: {أَفَلا تُبْصِرُونَ} [القصص:72] أي: أليس لكم بصائر! لم يقل: (أعين) هذه المرة؛ لأن العمى عمى البصر {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46] وقد تجد الإنسان مفتّح العينين، لكنه أشد عمى من الأعمى؛ لأن البصيرة عمياء لا تُبصر ولا تُدرك ولا تفهم ولا تعي ما يقال لها، لا بما رأته عيناً ولا بما سمعته أذناً ولا بما أحسّته ببشرتها. فقوله: {أَفَلا تُبْصِرُونَ} [القصص:72] استفهام إنكاري توبيخي تقريعي؛ لأن الليل جُعل للسكن والراحة، لتهدأ الروح والحواس، وجُعل النهار للأعمال فتتعب الروح والحواس وتتعب الأيدي والأرجل، فلو لم تسترح هذه الحواس وهذا الجسد وهذه الروح فإنها مع الأيام تهلك وتموت؛ وهكذا لو كان الليل باستمرار ولم تُشرق الشمس فسيكثر أمراض البيت، وتكثر أوبئته، ويكثر فساده، والجسد إذا لم ير الشمس ويسطع عليه نورها وتمسه شعاعاتها يمرض ويكل، والنبات كذلك إذا لم ير الشمس وتشرق عليه فإنه يذبل ولا يكاد يُعطي ثمرة، والليل كذلك، فإن ضياء القمر به يرى الإنسان نفسه ويرى النبات، وهكذا نرى البحار بين مد وجزر تأثراً بالقمر.
تفسير قوله تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله)
تفسير قوله تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) جمع ذلك كله ربنا في آية ثالثة فقال: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص:73]. فمن رحمة الله بكم أيها الناس مؤمنين وكافرين! أن جعل لكم الليل وجعل النهار، وجمع بينهما ثم قضى عليهما معاً؛ لتسكنوا إليه ولتبتغوا من فضله، وهذا يقال له في علم البلاغة: الطي والنشر، وهو أن يُقال الكلام مسلسلاً ثم يأتي ما يناسبه. قوله: {لِتَسْكُنُوا فِيهِ} [القصص:73] أي: لتسكنوا لليل وتستريحوا فيه. وقوله: {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [القصص:73] وفضل الله هنا: الضرب في الأرض من تجارة وسياحة وزراعة وأعمال، ويكون ذلك في النهار، فالله جعل الليل للسكون والراحة ولاطمئنان الجسد واستقراره، ولاطمئنان الروح واستقرارها، وجعل النهار للأعمال والمشاقّ والتجارة والزراعة والضرب في أرض الله الواسعة جبالاً ووهاداً بحاراً وأجواء، والله عندما يذكر لنا ذلك ويعدده ويمتن علينا به، والشيء إذا تكرر تقرر، يعني: هل تكرار ذلك سيجعلنا نفهمه ونعي ونُدرك؟ ولعل الكافر منا يتوب إلى الله ويعود للإسلام، ولعل العاصي منا يتوب من معصيته، ويتذكر إفضال الله عليه فيتوب ويئوب ويعلم ذلك ويفهمه ويعمل بمقتضاه.
القصص [74 - 78]
تفسير سورة القصص [74 - 78] يوم القيامة يكون الحساب ويخرج الأنبياء شهداء على أممهم ببلاغ الرسالات. وإن الذين لم يؤمنوا باليوم الآخر قد بطروا وتكبروا، ومنهم قارون ذو الكنوز والأموال الطائلة، لكن ذلك لا ينفعهم شيئاً ولا يغني عنهم من عذاب الله.
تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي)
تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي) قال تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص:74]. هذه الآية بنفسها تقدّمت معنا بالأمس قبل آيات مضت، وكررت هنا لزيادة التوبيخ والتقريع، وجاءت بعد تعداد نعم الله وقدرته من خلق الليل والنهار، واستراحة الناس في الليل وسكونهم، وضرب الناس في النهار وعملهم وتجارتهم وزراعتهم، فعاد فقال لهؤلاء المشركين عقب كل ذلك: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} [القصص:74] أي: ينادي الله أو تنادي ملائكته عن أمر الله. قال تعالى: {فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص:74]. أي: أين الذين زعمتموهم شركاء لله في ملكه وفي قدرته، هل يستطيعون خلقاً أو ملكاً أو اختياراً؟ هل يستطيعون خلق ليل أو خلق نهار؟ كلهم أعجز من ذلك! إذاً: لماذا لم يغيثوكم ولم ينقذوكم من عذاب الله ولعنته؟ فكل هذا يُقال في الدنيا لمن يسمع من الكفار علّه يتوب ويئوب، ويقول: رب اغفر لي قبل أن يموت. وفي هذا المعنى يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شُغلك، وحياتك قبل موتك). وإلا ضاعت على الإنسان حياته في البرزخ، فهي الطريق للآخرة، والمدرسة التي من نجح فيها أخذ كتابه وشهادته بيمينه يوم القيامة فكان من الناجحين والفائزين، والذي لم ينجح فيها إذ لم يوحّد الله ويعبده يأخذ يوم القيامة شهادة الخسران والرسوب بشماله فيدخل النار مع الداخلين.
تفسير قوله تعالى: (ونزعنا من كل أمة شهيدا)
تفسير قوله تعالى: (ونزعنا من كل أمة شهيداً) قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [القصص:75]. أي: أخذ من كل أمة شهيداً؛ وشهداء الأمم رسلهم وأنبياؤهم، قال تعالى: {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} [النساء:41]. يُخاطب الله نبينا بهذه الآية، وعندما تلا هذه الآية ذرفت عيناه صلى الله عليه وسلم، فالله يوم القيامة عند مُحاسبة كل أمة وعند عرض أعمالها عليها يدعو نبيها وينزعه من بين أمته ويقول: اشهد، هل بلّغتهم؟ فلا يستطيعون النكران. قال تعالى: {فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [القصص:75]. أي: دليلكم على الشرك وسلطانكم على الكفر وبرهانكم على أن ما عشتم فيه في دنياكم كان حقاً وصواباً، قال تعالى: {فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ} [القصص:75]. أي: علموا بعد فوات الأوان أن التوحيد هو الحق وأن الرسل هم الحق، أن الله هو الحق، وأن الكتب هي الحق، فاعترفوا بعد فوات الأوان يوم {لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} [الأنعام:158]. قال تعالى: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [القصص:75]. أي: غاب عنهم افتراؤهم وكذبهم وضلالهم وشركهم وكفرهم ومعاصيهم، فكل هذا يعرضه الله علينا في الدنيا ولم يحدث بعد، ولكن لنعلم ونأخذ منه العبرة والدروس، حتى إذا جئنا إليه جل جلاله جئنا ونحن نعلم ما سيكون بعلم الله ووحيه وبلاغ رسله عليهم الصلاة والسلام، ولتكون الحجة البالغة لله، فلا يقول قائل منا: لم يأتني رسول! لم أسمع كتاباً! لم أسمع وحياً! بل سيكون أول Q من نبيك؟ هل آمنت بنبيك؟ فلن يستطيع أن يقول: لم أسمع بنبي، ولم أدرك نبياً، ولم يبلغني أحد عن نبي؛ وهنا يضيع عنهم كفرهم وكذبهم وبُهتانهم في الدنيا.
تفسير قوله تعالى: (إن قارون كان من قوم موسى)
تفسير قوله تعالى: (إن قارون كان من قوم موسى) قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص:76]. هذه آيات استطرادية قيلت لكفر فرعون وملئه وكفر من كفر كفرهم وأشرك شركهم، فقد قص الله علينا قصة موسى مع فرعون صغيراً وكبيراً، نبياً وغير نبي، إلى أن ذهب فرعون مع الذاهبين وأخذه اليم وابتلعه مع جنوده جميعاً. أما قارون فقد عوقب عقوبةً أخرى، وقارون لم يكن قبطياً ولا فرعونياً، بل هو إسرائيلي من قوم موسى، بل هو ابن عم موسى، إذ إن أبا موسى وأبا قارون أخوان شقيقان، وزعم قوم أنه عمه، وأجمعوا جميعاً أنه من بني إسرائيل، والقرآن يؤكد ذلك كما قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ} [القصص:76]. فرغم كونه من قومهم وانتصر بانتصارهم بغى على بني عمه، وظلمهم وتكبّر عليهم، وتعالى بنفسه وأمواله وأرزاقه وسلطانه وبنفوذه وجاهه، وزعم قوم أن قارون آمن ثم أصبح منافقاً وهذا لا يدل عليه القرآن بحال، فالله أخبرنا أنه خسف به وبداره الأرض، ووصفه وصف الكافرين المشركين، ولم يخبر بأنه آمن يوماً حتى نقول: إنه آمن ثم نافق. والمعلوم من سيرته أنه حسد موسى وهارون، وقال لموسى: يا ابن عم! أخذت النبوءة وسلكت معك أخاك هارون فما تركت لي؟ وكأن موسى هو الذي نبأ نفسه، وهو الذي أرسل نفسه! قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ} [القصص:76] أي: رغم كونه من قومهم لكنه كان باغياً، والبغي: الظلم، فقد كان ظالماً متعالياً، ولم يكن أقل من فرعون طغياناً وجبروتاً. وللمال طغيان وجبروت وبطر، وهكذا كان قارون يتكبر على قومه قبل غيرهم، بل كان متألباً مع فرعون وهامان على موسى وأخيه وقومه. قال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ} [القصص:76] (ما) في موضع مفعول به، والتقدير: وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ الذي تعجز وتثقل حتى تتمايل يميناً وشمالاً العصبة أولو القوة، وهم الجماعة القوية الشابة المتكاثرة. وقالوا: (العصبة): بين الثلاثة والعشرة، وبين العشرة والثلاثين، وبين الثلاثين والأربعين. وقوله: {الْكُنُوزِ} [القصص:76] جمع كنز من الأموال بجميع أشكالها، ذهباً وفضةً وجواهر ولآلئ، وألبسةً وثياباً وحبوباً وأرزاقاً ومطاعم، قالوا: وقد كانت. والمفاتح: جمع مفتح، وإذا قلنا: مفتاح، فالجمع مفاتيح. قال تعالى: {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ} [القصص:76] (ما) اسم موصول يطلق على المذكر والمؤنث، فلو حملتها جماعة ذات قوة واقتدار لناءت ولأخذت تتمايل، ويثقل عليها حمل المفاتيح فقط، قالوا: وكان المفتاح في قدر إصبع، وكان من الحديد ثم حوله إلى الخشب، ومع ذلك كان في هذا الثقل، قالوا: وكان إذا خرج في زينته وجماعته، تبعه ستون بغلاً يحملون هذه المفاتيح للكنوز خاصة. فقوله: {فَبَغَى عَلَيْهِمْ} [القصص:76] أي: ظلم وتكبر وتعالى على أنبياء الله، ومن يتكبر على أنبياء الله يكفر مع أن قارون لم يدخل في الدين قط. قال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ} [القصص:76] أي: لا يدخلك بطر ولا تتكبر علينا ولا تظلم ولا تظن نفسك شيئاً، لا مالك دائم، ولا حياتك باقية. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص:76] أي: لا يحب الفرحين بالباطل والبغي والطغيان والفرحين بجمع المال من حله وحرامه، فذاك ما يكرهه الله ولا يحبه.
تفسير قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة)
تفسير قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة) ثم قالوا له: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:77]. وهذا كلام المؤمنين الموحدين قالوا له: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ} [القصص:77] أي: هذه الكنوز والأموال التي أكرمك الله بها وأعطاك، ابتغ فيها وفي عملها وتوزيعها الدار الآخرة، فاجعل هذه الأموال للفقراء والمساكين والمحتاجين، ولأسرك وأقاربك ورحمك، ولأداء الحقوق الواجبة من زكوات، ولإجابة السائل الفقير المحتاج، واتخذها طريقاً للآخرة. قال تعالى: {وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77] ولم نقل لك: وزعها على الناس وانسَ نفسك، بل خذ حصتك منها حلالاً ليس حراماً، خذ من الحلال والطيبات ومما أباح لك الشارع. وهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام رغم زهده في الدنيا، فقد كان يأكل الحلوى، ويأكل أنواع اللحوم، ويلبس من الثياب ما وجد، ومرة اشتريَ له ثوبٌ بمائة ناقة، وكان يستقبل به الضيوف والوفود، وكان له جوار وغلمان وزوجات ولكن كل ذلك كان نفقة لهؤلاء، وما فضل منها يكون للفقراء والمساكين وذوي الأرحام، فهو لم يحرم حلالاً، قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف:32]. وإنما منع نفسه من أكل الضب، وقال: ليس بحرام؛ لأنه عافه وكرهه؛ ولأن قومه بمكة لم يكونوا يأكلونه. وإنما منع نفسه من البصل والثوم لكراهته في رائحته، وقال: ليس بحرام: (ولكني أناجي من لا تناجون)، أي: يستقبل الوحي ويناجي ملائكة الرحمة وجبريل رسول الله إليه، أما غير ذلك فقد كان يأكل ما وجد، إن وجد اللحم أكله، وإن وجد التمر أكله، وإن لم يجد شيئاً صبر وصام عليه الصلاة والسلام. وكان ينهى عن التكلف، كما قال سلمان رضي الله عنه: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نتكلف للضيف) أي: لا يتكلف لإيجاد مفقود، ولا يبخل بموجود. فقوله تعالى: {وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77] أي: خذ سهمك وحصتك من الحلال تزوج وكل واشرب من غير سرف ولا تبذير، ولا تشرب خمراً ولا تأكل خنزيراً، ولا تأكل حراماً، فقد أباح الله من المناكح والمآكل والمشارب والطيبات ما كان حلالاً طيباً، وما سوى ذلك فحرمه الشارع لمصلحة الإنسان نفسه، لما فيه من الضرر والأذية، ولما فيه من فساد هذا الجسم البشري. قال تعالى: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص:77]. فقد أحسن الله إليك بهذا الغنى الواسع، فأحسن كذلك، أعط السائل والفقير، وأعطِ المحتاج والقريب والبعيد، وشارك في بناء المعابد والمساجد والمعاهد، واكسُ العريان وأطعم الجائع، واسق العطشان، وأعز الفقير بعطائك، وهكذا أحسن، وترك المفعول في قوله: أحسن لشموله وعمومه، أي: أحسن للخلق إنساناً وحيواناً، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (في كل ذات كبد حرى صدقة)، حتى إطعام الحيوان وإطعام الطير فيهما أجر وثواب، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (دخلت امرأة النار في هرة، فلا هي أطعمتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)، فهذا حيوان مستأنس داجن حبسته فجاع حتى مات فعوقبت بسبب ذلك بالنار. وقال: (رحم الله بغياً رأت كلباً يلهث على رأس بئر في صحراء ما استطاع أن ينزل إلى الماء، ولا وجد الماء عالياً فيشرب منه، فجاءت وأخذت نعلها، وأخذت قطعة من ثوبها، وفتلتها حبلاً ثم سقت في تلك النعل ماء وأشربته إلى أن ارتوى، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: فغفر الله لها)، ولذلك كان يقول عليه الصلاة والسلام: (من لا يرحم لا يرحم). ورحمة الله سبقت غضبه سبحانه، يقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: (سبقت رحمتي غضبي). ولذلك نبتدئ القرآن، ونبتدئ السورة بقولنا: (بسم الله الرحمن الرحيم) وهي آية في سورة النمل: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل:30]، فهو الرحمن، وهو الرحيم، وهو من سبقت رحمته غضبه. قال تعالى: {وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ} [القصص:77]. أي: لا تفسد في الأرض ولا تزهق الأرواح ظلماً ولا تأكل أموال الناس باطلاً ولا تأت على شجر فتقطعه للفساد، ولا تفسد على الناس مياهها وآبارها، ولا تنشر الفساد كأنه مذهب ودين، بل كن براً عطوفاً محسناً متصدقاً، كن لين العريكة، واخفض جناح الذل من الرحمة للمؤمنين وعباد الله الصالحين، هذا يقوله المؤمنون، ويكرره الله إشادة به، ومعناه أيضاً: المخاطب به، ولكل من كان له مال كـ قارون وغيره أن يتمتع بالطيبات والحلال، وأن يحسن كما أحسن الله إليه، وأن يأخذ نصيبه من الطيبات، ولا يجعل نعمة الله عليه وبالاً، ولا يفسد بها في الأرض، فيوشك أن يعاقبه الله عليها، وأن ينزعها منه كما فعل مع قارون. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:77]، وإذا قال الله: (لا يحب) فمعناه: حرم وكره، ومعناه: نهى ومنع.
تفسير قوله تعالى: (قال إنما أوتيته على علم عندي)
تفسير قوله تعالى: (قال إنما أوتيته على علم عندي) أجاب قارون قومه: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص:78]. فقال الله مخبراً موسى ونبيه صلى الله عليه وسلم: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص:78]. أي: أهلك من كان أشد منه قوة وأكثر منه جمعاً - أي: لهذا المال - فلم يكن المال فقط لـ قارون وانفرد به في الكون، فقد سبق قبله الكثيرون ممن كانوا أغنى منه وأقوى، وفي عصرنا الكثيرون يملكون ما لم يكن يملكه قارون، ويفعلون ما كان يفعله قارون، يطغون بذلك المال ويبطرون، فلا يحسنون كما أحسن الله إليهم وتكون النتيجة بعد ذلك، أن ذهبوا وبادوا، ويبقى المال لمن لا يرحمهم عليه، أو تأتي الشيوعية فتنزعه عنهم عقوبة سماوية، والجزاء من جنس العمل، وهكذا وقع في كثير من بلاد المسلمين، قال تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:46]. فقوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص:78] معناه: لم أعط هذا المال هكذا بلا سبب، بل أنا رجل نشيط، ولي علم بأنواع التجارة والزراعة وتنمية المال، فأنا أخذته بعرق جبيني وبعلمي ومعرفتي. وقال الكثيرون من المفسرين: إنه كان يستعمل الكيمياء والإنس والجن، وكل هذا كلام إسرائيلي لا معنى له، والآية لا تدل عليه، فنحن نرى الكثيرين في عصرنا هذا يملكون ما لم يكن يملكه قارون، ولم يقل أحد منهم: جمعت ذلك المال بالكيمياء، فقد يكون لعمل من الأعمال كانتهاز منصب واستغلال بيئة ومعرفة بالتجارة أو بالزراعة، أو معرفة بالصناعة، ولا حاجة إلى أن يكون هناك كيمياء أو تحويل للأصل، ولا أن يكون خدمة من جن ولا شيء من ذلك. فقوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص:78] أي: كان ذلك بمعرفتي وبنشاطي ومسارعتي لمعرفة الأسواق، والتجارات وما إليها، فلم يقل: رزقته بعون الله وفضله ومنه، حتى لو قلنا أوتيتها بمعرفتك فمن الذي أعطاك المعرفة؟ من الذي هيأ لك الجو؟ والكثيرون ممن أخذوا الشهادات وأنواع الدراسات، ومن أعلم الناس بأنواع التجارة والزراعة والصناعة لم يملكوا شيئاً، فكانوا فقراء ولا يزالون قديماً وحديثاً، ولِمَ هؤلاء لم يرزقوا، ورزق هؤلاء؟ A هؤلاء أراد الله رزقهم، إما إفضالاً عليهم وإما امتحاناً لهم واختباراً، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35]، وكما يكون البلاء والاختبار بالشر كذلك يكون بالخير. إن تعذيب الإمام أحمد رضي الله عنه وفتنته من المأمون والعباسيين كان شراًّ امتحن به، بعد ذلك جاء المتوكل فأطلق سراحه، وحاول أن يقربه ويعطيه، فكان يقول: شرطت عليكم ألا يكون إلا ما أريد، فلا أريد زيارتكم، ولا هداياكم، ولا أن تأتوا إليّ، فكلما أتوه بشيء امتنع، وكان يقول: هذا فتنة، فقد افتتنت بالشر، وأنا الآن أفتن بالخير، فتركوه وذهبوا لأولاده وولوهم القضاء وأعطوهم الأموال فهجر أولاده، لكي لا يكون هذا الإحسان للأولاد طريقاً إليه، وقال: اصنعوا ما شئتم، هذا المال مشبوه، وهذا العطاء مشبوه، وأراد بذلك الدنيا لا الآخرة. قال تعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ} [القصص:78] أي: قد أهلك الله قبل قارون من القرون الماضية والأجيال السالفة: {مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا} [القصص:78] أي: أهلك من كان أكثر قوة وحشماً وخدماً وأتباعاً، وقد قالوا عن قارون: كان إذا خرج خرج بألف من الرجال من أمامه، وألف من الرجال من خلفه، وكذا وكذا من الجواري، وكذا كذا من العبيد، وكذا كذا من الخيام، وكذا كذا من الخيل والبغال، وكانوا يصفون البغال والجمال بأن عليها الذهب والفضة وأنواع الجواهر، فهم لم يروا ذلك ولم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكره القرآن، ولكن فهموا ذلك من وصف الله غناه ورفاهيته، قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} [القصص:79] فتصوروا أن هذه الزينة لا تكون إلا بذلك، وليس ذلك ببعيد، وظاهر القرآن يدل عليه. فقال الله عنه: ألم يفكر ويعتبر، ألم يبلغه ويسمع أن الكثيرين ممن سبقوه، ممن كانوا قبله من الأجيال الماضية، أهلكناهم ودمرناهم وعاقبناهم لكفرهم ككفره وبطرهم كبطره، وكانوا أشد منه قوة وأكثر منه جمعاً. قال تعالى: {وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص:78]. إذ يعرف المجرمون يومئذ بسيماهم ويأت الملائكة للمجرمين بلا سؤال، كما أن الكثيرين يدخلهم الله الجنة بلا سؤال ولا حساب. فالكثيرون من المجرمين يعرفون بسيماهم ويجرون على وجوههم إلى النار بلا سؤال؛ لأن كفرهم وشركهم وطغيانهم وجرائمهم ظاهرة على جباههم تقرأها الملائكة فهم عرفوا بسيماهم وحالتهم وبأوصافهم فدخلوا النار، وهكذا وصف قارون بالبطر والبغي والظلم والاعتداء والتعالي على الله.
القصص [79 - 84]
تفسير سورة القصص [79 - 84] لقد بطر قارون بماله وطغى بجماله واستكبر على قومه، وخرج في زينته، فتمنى ضعفاء النفوس لو كانوا أمثاله، فلما خسف الله به وبداره أشفقوا على حاله ومآله، وحمدوا الله أن لم يكونوا في سلطانه وماله، وعلموا أن الدار الآخرة خير للمؤمن وأبقى.
تفسير قوله تعالى: (قال الذين يريدون الحياة الدنيا)
تفسير قوله تعالى: (قال الذين يريدون الحياة الدنيا) قال الله جلت قدرته: {قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص:79]. قارون الذي طغى على قومه واتخذ نعم الله وآلائه، وخيراته وأرزاقه كفراً ومساعدة في الشر، وعوناً على العصيان والكفر، فقد ضرب الله به مثلاً للذين يريدون الحياة الدنيا ولا يريدون الآخرة. وذات يوم خرج على قومه بني إسرائيل في زينته، في مهرجانه، وصولجانه، فقد خرج معه كذا وكذا ألفاً من الرجال والشباب والغلمان، والجواري على أنواع من الخيول والبغال في حرير وديباج وذهب وفضة وأنواع من الطرب والموسيقى، وهو يتيه بنفسه، ويأشر بماله، ويطغى بما يكسب، ويتعالى بذلك على قومه، وإذا بضعاف النفوس من قومه ممن يريدون الحياة الدنيا ولا يريدون الآخرة يقولون: {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ} [القصص:79]، فلما رأوا هذا المنظر تمنوا على ربهم أن يكون لهم ما لـ قارون من المال والجاه والزينة والنشب، وأنواع ما يتيه به ذوو المال والجاه العريض في الأرض. وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص:79]. أي: إنه لذو مال وجاه عظيم فقد أدركه الحظ والذكر الحسن بين قومه.
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم)
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم) هكذا كان ضعاف النفوس عندما رأوا قارون في هذه الزينة الفاتنة وإذا بقوم آخرين وهم قلة ينكرون عليهم كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ} [القصص:80]. أي: قال الذين أوتوا العلم والمعرفة بالله ممن رأوا قارون وهو في هذا التيه والخيلاء، ورأوا أولئك الذين يتمنون زينته وماله وجاهه، فقال هؤلاء العلماء بالله، والعارفون بالدنيا وزوالها، والمدركون لخلود الآخرة وما فيها من نعيم دائم. فقالوا لهؤلاء: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [القصص:80] وكلمة الويل تقال إشفاقاً، وتقال طعناً وشتماً. والويل: واد في جنهم، فهم قالوا لهؤلاء: يا ويلهم، وسوء تدبيرهم وأفكارهم، عندما يتمنون هذه الدنيا الزائلة، وهذه الزينة الباطلة، ولم يتمنوا ما عند الله من خير، ومن إفضال، ومن نعمة دائمة ورضاً يفوزون به في الدنيا والآخرة. وعبادة الله في الدنيا يترتب عنها الثواب في الآخرة، وهو خير من كنوز قارون ومال قارون وزينة قارون، فثواب الله خير لمن آمن بالله رباً وعمل الأعمال الصالحة من الفرائض والنوافل، أما الفرائض فقد قام بها جميعها، وأما النوافل فقد قام بما يستطيع منها جهد طاقته. ثم قالوا لهم: {وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [القصص:80]، أي: لا يلقى ولا يجازى ولا يصل هذا المقام من رضا الله وكرمه وإفضاله الله إلا الصابرون على طاعة الله، وامتثال أمر الله، وطاعة رسول الله وامتثال أمره صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه. وصدق بجنانه، وعمل بأركانه، ولا يلقى مثل هذا إلا الصابرون على الطاعات، والفرائض، والنوافل.
تفسير قوله تعالى: (فخسفنا به وبداره الأرض)
تفسير قوله تعالى: (فخسفنا به وبداره الأرض) قال تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ} [القصص:81]. هذا الذي تمنوا مكانه، وقالوا إنه ذو حظ عظيم، وتمنوا أن يكون لهم من الزينة والكنوز والأموال، وإذا به وهو في زينته، وهو يطأ الأرض يتيه في خيلاء، وتعاظم وتعالى على خلق الله، وإذا بالله الكريم يخسف به الأرض، فتغيب به الأرض وتزول من تحت قدميه، وإذا به يهبط إلى أن يصبح داخلها، وكأنه لم يكن يوماً في هذه الدنيا. فالله تعالى أخسف به الأرض، فانشقت، وأصبحت ذا هوة سحيقة وإذا به يدهده ويغيب فيها ثم تغيب داره، وكنوزه وأمواله وزينته وكل ما كان عنده. فهذا الذي تعاظم على الله وعلا على خلق الله، وطغى بما ملكه الله من زينة وأموال وجاه، فعوضاً عن أن يشكر الله عليها، ويأتيه مما آتاه الله، ويحسن كما أحسن الله إليه، طغى وبغى في الأرض، فكان جزاؤه أن عذبه الله على ذلك في الدنيا، وسلبه تلك النعمة، بل وغيبه في الأرض ودفنه فيها حياً، هو وداره وجميع ما فيها من كنوز وزينة ونشب وأموال، وإذا بتلك الطائفتين: الطائفة التي كانت تريد الدنيا، وتريد مثل ما أوتي قارون، وغاروا منه، واغتبطوا بحاله، بل وحسدوه على أمواله. وأولئك الذين قالوا لهم: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [القصص:80]، وإذا بالطائفتين معاً تريان هذا المنظر، وأن قارون الذي كان قبل ساعات مضت ذا حول وطول وسلطان وعلو وطغيان في الأرض، وإذا بالأرض تخسف به، وإذا به يغيب في الأرض والتراب، فيذهب في أمس الدابر، ويذهب قصره وتذهب كنوزه، وكأنه لم يكن يوماً من الأيام متعالياً بكنوزه وجاهه. وعندما خسف الله به الأرض لم تكن له جماعة، ولا أنصار، من أولئك الذين يصحبونه في الذهاب والإياب، فيكثرون جموعه، ويتقدمونه ويتأخرون عنه، ويكونون عن اليمين وعن الشمال، فكل أولئك لم يستطيعوا نصرته، ولا إغاثته، ولا إنقاذه من هذا الخسف، وهذا التغييب في الأرض، وهذا البوار وهذه اللعنة. ولم يجد أحداً ينصره من دون الله، إذ كان مخذولاً هافتاً ضائعاً، ومن الذي يجير على الله؟ ومن الذي يتطاول على أن يغيث أحداً من غضب الله ولعنته؟ إن كل من في الأرض والسماء ومن في الكون إلا آتي الله عبداً، فليس في قدرة أحد أن ينصر من غضب الله عليه. وقوله: {وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ} [القصص:81]. أي: لم يكن من الذين انتصروا، وأنقذوا، وتعالوا، وقد حلّ عليه قول الله وغضبه ولعنته، وإذا بالطائفتين: الدنيوية والأخروية اللتين رأتا أعماله وزينته، فتمنى ذلك البعض ممن يريد الدنيا، وقالت الأخرى العارفة بالله: إن الإيمان بالله وطاعته خير من قارون وجميع أمواله.
تفسير قوله تعالى: (وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس)
تفسير قوله تعالى: (وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس) قال تعالى: {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [القصص:82]. (أصبح) يمعنى: صار، يقال: أصبح إذا صار وانتقل من حال إلى حال، وليس من الضروري أن يكون ذلك في وقت الصباح، يقال: أصبح فلان عالماً، فليس معناه عندما أصبح الصباح صار عالماً، فقد يكون ذلك في الصباح أو في المساء ويفهم ذلك من سياق الكلام، تقول: أصبح وأمسى بمعنى بمعنى: الصيرورة والتحول. وإذا بهؤلاء الذين تمنوا مكانه، فقالوا: {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ} [القصص:79] عندما رأوا ذلك فزعوا ورعبوا وندموا على ما صدر عنهم، وحمدوا الله وشكروه أن لم يكونوا مكان قارون ليعذبوا ويعاقبوا عقاب قارون بسبب اغتراره بماله وكنوزه وجاهه. وقوله: {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ} [القصص:82] كان هذا بالأمس الدابر، والأمس المبني على الكسر يعني به اليوم الذي قبل يومك. ففي اليوم الماضي رأوه وهو على عزه وسلطانه قد خرج في زينته الكاملة، حتى تمنوا مكانه وأعلنوا ذلك، وإذا بهم بعد ذلك يرون قارون وقد خسف الله به الأرض بنفسه وزينته وقصره وكنوزه، فقالوا متعجبين لذلك: {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ} [القصص:82]. وي: كلمة تعجب، والمعنى: نظن ونعلم أن الله هو الذي يرزق من يشاء بلا حساب ويضيق على من يشاء، يفعل ما يشاء كيف يشاء جل جلاله، فليس الرزق بسبب علم العالم ومعرفة العارف من التجار أو الحكام أو الزراع أو الصناع كما قال قارون وزعم: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص:78]. فليس ذلك بعلمه ولا بقدرته، ولا بسلطانه، ولكن الله ابتلاه وفتنه واختبره، فلم يفز عند هذا الابتلاء، ولم ينجح بل رسب وخسر، فلم يشكر الله على هذه النعمة، ولم يصرفها في نعم الله، ولم يحسن للفقير واليتيم والأرملة، كما أحسن الله إليه، وإذا بالله الكريم الذي أنعم عليه وابتلاه، نزع ذلك عنه، وسلبه إياه، وقضى عليه وعلى ما يملك، وكأنه لم يكن، فعلم هؤلاء المتعجبين أن الله يغني من يشاء من عباده بلا حساب، ويقدر على من شاء من عباده، أي: يجعل رزقه بقدر وحساب، فهو المغني والمفقر، جل جلاله يفعل ما يشاء، له الأمر والخلق، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وقوله تعالى: {لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا} [القصص:82]، ندموا على التمني السابق، وعجبوا مرة أخرى، فقالوا: يا عجباً! لولا أن منّ الله علينا، وكان هذا المنّ والإفضال في أن الله لم يرزقهم ما رزق قارون، فندموا فيما كانوا قد تمنوه من زينة قارون وكنوزه، ثم حمدوا الله على أن أبقاهم فقراء، ولم يعطهم ما أعطى قارون، ولم يخسف بهم وبدورهم الأرض، ولم ينزع نعمته عليهم، من شباب وقوة وحواس، ومن إيمان بالله كذلك. فهؤلاء إنما كانوا يريدون الحياة الدنيا، وهم ممن آمنوا بموسى من بني إسرائيل الذين نصرهم الله على فرعون، بعد أن عاشوا عبيداً أرقاء له ولقومه قروناً تتبعها قرون، فحمدوا الله على الفقر والمسكنة، ولم يجر بهم ما جرى لـ قارون من خسف الأرض به، وبداره وبكنوزه وبجاهه، وبكل ما أتى به وطغى، أن لو كان لهم ذلك بعد أن تمنوه على الله. وقوله تعالى: {لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا} [القصص:82] جواب (لولا) لخسف بنا، أي: لو لم يبقهم الله فقراء، ولم يعطهم ما تمنوا عليه من ملك قارون وجاهه لخسف بهم الأرض كما خسف بـ قارون. وقوله: {وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [القصص:82]، وهذا مما يزيد التأكيد أن قارون لم يسلم ولم يؤمن بموسى، فلم يكن مؤمناً كما ادعت الروايات الإسرائيليات التي نقلت في أكثر التفاسير أنه كان مؤمناً، وكان إذا تلا التوراة يكون من جمال صوته ما يتأثر به كل سامع مؤمن بالتوراة إذ ذاك، ثم نافق بعد ذلك، وليس في آيات القرآن ما يدل عليه. فالذين تمنوا مكانه بالأمس قالوا عنه كافر، وأيقنوا أن الكافر لا يفلح ولا ينجو ولا يفوز لا في الدنيا ولا في الآخرة، فكانت هذه الكنوز والأموال ابتلاء واختباراً له، فما تمتع بها، بل كانت سبب هلاكه ولعنته وعقابه في الدنيا، ومات مع الكافرين، ولعذاب الله أشد. فالكافر لا يفلح إن عاش كافراً ومات على ذلك. والله قص علينا هذه القصة للعظة وللاعتبار، لنأخذ منها الدروس والحكم حتى إذا رأينا في عصرنا قوارين، لا نأبه لهم ولا نحسدهم على ذلك، ولا نطمع في أموالهم، فنحن لا ندري هل هذه الأموال والكنوز ستكون عليهم وبالاً كما كانت على قارون الذي قص الله علينا، فإذا كان كذلك فما الفائدة من مال وكنوز لا تدوم، ويكون نهايتها الذل والغضب واللعنة والموت على سوء الخاتمة، نسأل الله السلامة والعافية. والمسلم إذا دعا الله يدعوه من خيره وإفضاله ما يكون خيراً له في الدنيا والآخرة، لا فتنة وابتلاءً له في دينه، ولا ضرراً عليه، وصدق رسول الله القائل عليه الصلاة والسلام: (هلك المكثرون، -أي: هلك ذوو الأموال الكثيرة- إلا من قال: هكذا وهكذا، وهكذا)، أي: إلا من صرف الفاضل من أمواله، في كل جهة من جهات الخير، في الزكوات، والنفقات للسائلين وللمحاويج، لما يعود على الناس بالخير، وليحسن كما أحسن الله إليه. والله تعالى لم يمنع عباده مما أخرج لهم من الطيبات من الرزق، ولم يمنعهم أن يتركوا نصيبهم من الدنيا، فإن كان حلالاً طيباً فليحسنوا كما أحسن الله إليهم، فهذه بعض العبر والحكم من هذه القصة، ولم يؤتَ بها للحكاية والرواية. فقد أوتي بها ليعتبر بها المؤمن والكافر، فالمؤمن يزداد إيماناً ويعيش في حياته عابداً مطيعاً، والكافر تقام حجة الله عليه، وأنه قد ضربت له الأمثال، وذكرت له القصص ليتخذ منها العبر والحكم، لتكون الحجة لله بالغة يوم القيامة، ولا يجد لنفسه عذراً ولا جواباً عندما يسأل عما قدم.
تفسير قوله تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض) قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83]. (تلك الدار) الإشارة للتنويه والتهويل، أي: تلك الدار التي وصفها الله تعالى في كتابه المبين ووصفها نبيه عليه الصلاة والسلام فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ما لم تره عين ولا سمعت به أذن، ولا خطر من ذلك على قلب بشر. وهي الجنة ذات الأرزاق والنعم الدائمة الخالدة السائدة بفضل الله ورحمته. والدار الباقية لم يجعلها الله لمن كان في الدنيا ذا سلطان ولا حاكماً ولا غنياً ولا ذا أرزاق وكنوز، ولكن جعلها للأتقياء الصالحين الأبرار، كانوا ملوكاً أو خلفاء أو مساكين، أو محاويج، أو ذوي أنساب وأحساب، فتلك الدار جعلها الله تعالى لمن قال فيهم: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ} [القصص:83] أي: لا يريدون التكبر على خلق الله، ولا الاستعلاء على عباد الله، ولا يتيهون بأحسابهم ولا بأنسابهم ولا بأمومتهم أو أبوتهم، ولا بأموالهم ولا بما ملكهم الله في هذه الدنيا، وإلا لكان ذلك ابتلاءً وفتنة، كما كانت كنوز قارون لـ قارون، فقد فتن بها وعذب في الدنيا، ولعذاب يوم القيامة أشد. والدار الآخرة إنما جعلها الله للذين لا يستعلون على عباد الله، ولا يتكبرون على الإيمان والمؤمنين، إذا قيل لهم: قال الله، قال رسول الله، قالوا: السمع والطاعة، على الرأس وسواد العين، وإذا قيل: هذا مؤمن أخوك، قال: أخي وهو أكرم مني، ولا يعلم الأكرم يوم القيامة إلا الله، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13] ومن كان في ظاهره متقياً لله سواء في الصلاة وبقية العبادات ومع ذلك حتى لو لم يكن كذلك، فهو لا يدري كيف سيختم له؟ كثيراً ما يكون الخصوص من اللصوص، فقد يتوبون ويغفر الله لهم، ويصبحون في أعلى الدرجات والمقامات، ويكونون خياراً، وما المؤمنون الأُول من الصحابة الأوَل إلا ممن كانوا يعبدون الأوثان والأحجار في أيامهم الأولى، فلما شملتهم العناية الإلهية، والرحمة الربانية، عندما ظهر فيهم سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الإيمان بالله وبه، وبما جاء به من عند الله، آمنوا واستسلموا فأذهب الله عنهم نخوة الجاهلية ومعصيتها، وصاروا سادات الدنيا وأئمتها، لم يسبقهم في الفضل والخير إلا الأنبياء، فهم أفضل الخلق بعد الأنبياء فكانوا من الخصوص بعدما كان مما لم يذكر، ولا حاجة لذكره بعد أن ذهب، والإسلام يجب ما قبله. الدار الآخرة وجنتها ورضاها ورحمتها مقصورة على الذين لا يتكبرون، ومن ينازع الله في كبريائه أذله وحقره. وقوله: {لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا} [القصص:83]. أي: لا يريدون الفساد في الأرض، وكلمة (فساد) تشمل كل أنواع الفساد من كبرياء وجبروت وعلو على البشر ومعصية لله وإعلانها، من ظلم للخلق وأخذ أموالهم بالباطل، ومن كل ما يطلق عليه إفساد، فمن كان كذلك لا حظ له في الآخرة، ولا في رحمة الله ولا في رضاه. والعلو في الأرض والكبرياء هو الذي أفسد الكافر الأول، ما كان إبليس إلا مع الملائكة، وإن كان جنياً بينهم، فقد كان من العابدين العارفين، ثم ارتد وكفر، وكان ارتداده بسبب كبريائه وطغيانه، وتعاليه على آدم، عندما أمره الله بالسجود إليه أبى واستكبر، وكان من الكافرين كما وصفه الله جل جلاله، وعندما قيل له: لِمَ لم تسجد؟ {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف:12]، وجعل نفسه خيراً من آدم، مع أنه رأى وعلم وسمع أن آدم خصه الله بأن خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له جميع الملائكة، سجود احترام وتقدير، لا سجود عبادة، ومع ذلك تعالى إبليس، فكان بكبريائه على آدم كافراً مرتداً، وقلما يتكبر أحد على خلق الله، وعلى عباد الله المؤمنين فيفلح، وقد تنتهي أيامه بسوء الخاتمة والردة كما انتهت أيام قارون، وتتبعه اللعنة إلى يوم القيامة، كما تبعت قارون في كتاب الله وفي كل ما يذكر فيه عندما يذكر التاريخ الأول وقصص الأولين. وقوله تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83]، ليست للأغنياء ولا للحكام، ولا للطغاة، ولا للجبابرة، ولكن للمتقين، والمتقي قد يكون حاكماً وقد يكون سلطاناً، وقد يكون خليفة، فالرابط هي التقوى وليس سواها، والتقوى أن تجعل بينك وبين ربك وقاية من غضبه ولعنته، ولا تكون هذه الوقاية إلا بطاعته وامتثال أمره، والخضوع لكتابه والامتثال لنبيه، وما جاء به من أمر ونهي، تمتثل أمره وتجتنب نهيه.
تفسير قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها)
تفسير قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها) قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص:84]. {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} [القصص:84] كما قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام:160]. أي: من جاء بالحسنة جزي عنها بعشر إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله. {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} [الأنعام:160] أي: سيئة بسيئة، وقد يغفرها الله ويرحم مرتكبها إن كان موحداً ثم تاب منها. والحسنة هنا: هي كلمة التوحيد، وهي لا إله إلا الله، ولا شيء أعلى وأخير من (لا إله إلا الله) إلا رؤية الله في الآخرة، فمن مات موحداً يعتقد أن لا إله إلا الله بالجنان ونطق بها اللسان وعملت بها الأركان، يكرمه الله يوم القيامة بدخول الجنان، وبرؤية الله جل جلاله، قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22 - 23]، عليها نضرة النعيم، وفيها جمال النعمة، وراحة النعمة، ثم تكرم بالنظر إلى وجه الله الكريم. ومعنى آخر للحسنة أنها بعشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى ولا يكافأ ولا يعاقب ولا يقابل إلا بما عمله، أي: سيئة بسيئة إذا لم يغفرها الله، ولا تغفر السيئة إن كانت كفراً أو شركاً.
القصص [85 - 88]
تفسير سورة القصص [85 - 88] لما هاجر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة كان قد خرج من أحب البلاد إليه، فوعده الله تعالى بالرجوع إليها حتى رجع فاتحاً بعد ثمان سنين، وهو صلى الله عليه وسلم مثابر على الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالله، ونبذ الشرك والأوثان.
تفسير قوله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد)
تفسير قوله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) قال تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [القصص:85]. هذه الآية وحدها في السورة لم تنزل بمكة ولا بالمدينة، فأكثر سور القرآن ما يزيد على (90%) منها إما مكي وإما مدني، إي: ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، أو نزل عليه بالمدينة، وهناك آي من القرآن نزلت عليه وهو في الطريق ما بين مكة والمدينة، في سياحة أو غزوة أو تعليم وتربية لأتباعه. وهذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج من مكة المكرمة مهاجراً إلى المدينة المنورة، عندما اضطره قومه كفار مكة لهجرانها وتركها، وما هجرها إلا وهو متألم، ويود أن لا يتركها، وأن يبقى فيها، فكان حنينه إلى الأرض التي ولد فيها، والتي خرج منها إلى الوجود، والتي هي مسقط رأسه الشريف ومنبت آبائه وأجداده ومرتع صباه، والمنزل الأول للوحي، فخرج مضطراً بعد أن تواطأت قريش على قتله واغتياله. وقد خرج معه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد سبقهما إلى المدينة المؤمنون المهاجرون، ولم يبقَ في مكة إلا المستضعفون من الصبيان والعجزة ومن حبسهم العذر، وتسلط عليهم قادات مكة ظلماً وطغياناً وعلواً في الأرض وفساداً. خرج عليه الصلاة والسلام واختفى في غار ثور ثلاثة أيام، ثم سار في طريق غير معروفة إلى أن وصل للجحفة وهي اليوم جزء من رابغ، والجحفة ميقات أهل مصر وأهل الشام وأهل المغرب وأهل إفريقيا ومن جاء عليها ولم يمر على المدينة، ومن مر على المدينة فميقاته ميقات أهل المدينة، وكل من مر على ميقات قوم لإحرامه يصير ذلك الميقات ميقاته. وهذه الجحفة وردت كثيراً في السيرة النبوية وهي هنا يشار إليها في هذه الآية، والكلام عليها وحدها قد سبق، والكلام فيها يحتاج لدرس أو درسين، وبالمناسبة يأتي ذلك، وقد مضى بعضه. فبينما هو في الجحفة، وإذا بهذه الآية الكريمة تنزل عليه: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ} [القصص:85]، أي: إن الذي أنزل عليك القرآن، وجعله فرضاً عليك لتبلغه للناس، ولتعلمهم حلاله وحرامه، وقصصه وآدابه، وعقائده وجميع ما فيه، فالذي أنزل عليك القرآن وفرضه هو الله جل جلاله. وقوله تعالى: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص:85]. (لرادك) اللام موطئة للقسم، كأن الله جل جلاله يقسم للنبي عليه الصلاة والسلام مسلياً له، ومقوياً له ومشجعاً. لقد خرج صلى الله عليه وسلم حزيناً حيث خرج من أرضه وبلاده مضطراً عن غير رضا منه، خرج بإخراج أهل مكة له كفراً به وبدينه وبربه، فلما وصل للجحفة نزلت عليه هذه الآية تبشره. أي: يا محمد! يقسم الذي أنزل عليك القرآن، وجعله فرضاً عليك لتبلغ الناس أوامره ونواهيه، حلاله وحرامه، بأنه سيردك إلى الأرض التي خرجت منها وسيعيدك إليها. وقد فعل جل جلاله، ومن أوفى بعهده من الله، قد عاد إليها عزيزاً منتصراً سيداً آمراً ناهياً محكماً في أعدائه، دخل صلى الله عليه وسلم مكة على غاية ما يكون من التواضع والأدب مع الله، راكباً ناقته، فالإبل ليست هوجاء وليس فيها تيه، ولا رقص، ومع ذلك دخل عليه الصلاة والسلام مكة ورأسه منحن، ولم ينسب لنفسه شيئاً، بل الكل نسبه لله أدباً مع ربه، وهو ينشد نشيد الفتح على خلاف أناشيد الملوك والأباطرة وجبابرة الأرض عندما يدخلون فاتحين، فإنهم يتيهون بأنفسهم وبأقوامهم وبقوتهم وبسلطانهم وبما لهم، ويهددون وينذرون بأنهم سيسحقون الأعداء، وسيدوسون عليهم بالأقدام، وسيحيون كذا ويميتون كذا. دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة وهو السيد العزيز المنتصر نصراً عزيزاً مؤزراً، وهو مطأطئ الرأس على جمل وهو يقول: (الحمد لله الذي نصر عبده وأعز جنده، وأنجز وعده وهزم الأحزاب وحده)، لم ينسب لنفسه شيئاً عليه الصلاة والسلام على ما قاسى من قومه من شدائد، فقد أخرج من بلده مضطراً من غير رضا وأجاعوه ثلاث سنوات حتى كان يعيش على ورق الشجر، وقالوا عنه كذا كذا، وكان عليه الصلاة والسلام يعرض عن ذلك ويأبى إلا الدعوة إلى الله والظهور يومياً عند بيت الله الحرام، وعند الكعبة المشرفة، يدعو إلى الله، ويسفه أحلام المشركين ويزيف آلهتهم، إلى أن دخل إليهم بعد ثمان عشرة سنة من النبوءة، في السنة الثامنة من الهجرة، دخل بهذا النشيد النبوي، فكسر الأصنام وأزالها، وكانت ثلاثمائة وستين صنماً على عدد أيام السنة، وأمر بلالاً الذي كانوا يعذبونه ويضربونه وهو يقول: أحد أحد، أن يصعد على ظهر الكعبة إلى أن جنّ جنون قريش، لِمَ هذا الأسود يصعد على ظهر الكعبة؟ وهو الذي كانوا يحتقرونه ويؤذونه ويظلمونه، فنادى بكلمة التوحيد وأذن الأذان: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله إلى آخر الأذان. فقال الكثير من الكفار، وهم يحمدون أنفسهم ذلاً وهواناً وكفراً، قالوا: الحمد لله أن أبا فلان مات ولم يرَ هذا المنظر، وأن أخا فلان مات ولم يرَ هذا المنظر، ثم دخل فتجمعوا بين يديه، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: (ماذا ترون يا معاشر قريش أني فاعل بكم اليوم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم)، فما قالوا عنه ساحر ولا مجنون ولا قالوا إنه يطلب الملك والمال والسلطان كما كانوا يقولون بل أخذوا يتمسحون به ويطلبون منه العفو والسلام والأمان. فقال لهم عليه الصلاة والسلام: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) فعفا عن مقدرة، ويسمى هؤلاء في السيرة النبوية الطلقاء، ولذلك فإن عمر عندما طعن وترك الخلافة لستة من الصحابة مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، قال رضي الله عنه: لا يصلح هذا للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء. هؤلاء الذين لم يسلموا إلا متأخرين بعد أن أتعبوا النبي عليه الصلاة والسلام الكثير والكثير، وبعد ثمان سنين من نزول الآية دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة عزيزاً سيداً، ثم بعد ذلك نزل قوله تعالى في حجة الوداع: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة:28]. جاء أمر الله بأن المشرك عين النجاسة لأن المتنجس يغسل، أما عين النجاسة فلا تغسل ولو بجميع ماء البحر، والعذرة عذرة لا تطهر، والبول بول، وهكذا المشرك، والكافر، والمنافق. فطهرت هذه الأرض المقدسة وأصبح المحكم فيها سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم الذي أخرج من داره وهو مضطر حزين عليه الصلاة والسلام، فعوضه الله جل جلاله المدينة المنورة. وقد ورد في الحديث النبوي في صحيح الحاكم وهو حجة الإمام مالك وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن شهاب الزهري، وعمر بن عبد العزيز في الأفضلية بين مكة والمدينة، قال: (اللهم كما أخرجتني من أحب البلاد إلي فأسكني أحب البلاد إليك) وما كان أحب لله فهو أفضل، فأنزله المدينة المنورة، فالمدينة المنورة أفضل من مكة لدلالة هذا الحديث، الذي في صحيح الحاكم وهو المستدرك على صحيحي البخاري ومسلم، وهو على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه. فما كان أحب لله فهو أفضل، وهذا رأي الخليفتين الراشدين العمرين ابن الخطاب وابن عبد العزيز، والإمامين البرين العالمين عالمي الحجاز بل عالمي الدنيا ابن شهاب الزهري وتلميذه الإمام مالك بن أنس رحمهم الله جميعاً. والوعد الذي وعده في كتابه وهو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص:85] وقد أقسم الله به وبشره ووعده فقرت عينه، وانشرحت نفسه وبشر بذلك المؤمنين وتلا عليهم الآية، وهو لا يزال في الطريق قبل أن يصل إلى المدينة المنورة، فبعد أن أنجز الله وعده في فتح مكة قال عليه الصلاة والسلام: (الحمد لله الذي أنجز وعده). وقوله تعالى: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [القصص:85] كان كفار قريش يقولون عن محمد عليه الصلاة والسلام إنه ضال، بل وقالوا أكثر من ذلك، وفضلوا دين اليهود على دين الإسلام، وفضّل اليهود دين الوثنيين على دين الإسلام. فتركهم النبي عليه الصلاة والسلام استغناءً عنهم، قال الله له قل لهم: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى} [القصص:85] فالله أعلم وستعلمون بعد ذلك من هو في ضلال مبين. فالله أعلم بالحقائق، هل أنا الذي على ضلال مبين أو أنتم؟ هل أنا الذي على هدىً من الله وطريق مستقيم ونور بين مشرق أم أنتم؟ وقد بان الأمر بعد ذلك، فسرعان ما أسلم الكثير وذل الكثير وأسر الكثير، وكانت المعركة القاصمة النهائية الفاصلة معركة بدر التي فيها أعز الله الإسلام والمسلمين، وذل كفار قريش، ومن ذلك اليوم لم يرفع لهم رأس.
تفسير قوله تعالى: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك)
تفسير قوله تعالى: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك) قال تعالى: {وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} [القصص:86]. يقول الله للنبي ممتناً عليه، مظهراً كبير إفضاله عليه: {وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ} [القصص:86]. أي: ما كنت تتمنى يوماً ولا خطر لك ببال أن يوحى إليك بالقرآن، ولا أن تكون نبياً ورسولاً، ولكن عناية الله اختارتك من بين البشر، ومن بين العرب، ومن بين قريش، ومن بني هاشم. وبهذا فإن شرف مكة مضاعف ومكرر كالمدينة المنورة، فمنها رسول الله وفيها نزل عليه الوحي، وفيها الكعبة المشرفة وهي منزل أبيه الأعلى إسماعيل، ومدفن أبيه إسماعيل، وهي التي أعز الله بها الإسلام وأعزها بالإسلام. وقل مثل ذلك عن المدينة - مع الخلاف الموجود في الأفضلية - وكلتاهما أشرف بلاد الله على الإطلاق، ومكة أم القرى عاصمة الدنيا، أحب من أحب وكره من كره. فيجب على كل مسلم في الأرض أن يأتي ولو مرة في العمر ليتشرف بالدخول لهذه الديار المقدسة، فيطوف بالكعبة المشرفة، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقف في عرفات، ويبيت في منى. فقوله: {وَمَا كُنتَ تَرْجُوا} [القصص:86] أي: وما كنت ترجو يوماً، وما كنت تطلب، وما كان يخطر لك ببال. وكما قال الله له: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ} [الشورى:52] أي: ما كان يدري ما معنى الكتاب، فهو أمي عليه الصلاة والسلام، وما كان يدري ما الإيمان الذي نزل عليه من الله جل جلاله، وإن كان لم يسجد لصنم قط ولم يعبد وثناً قط، ولم يعجبه ما كان يجد عليه قومه قط. وكان يصعد إلى حراء فيتعبد الله بالفكر ويقول في نفسه: هل هذه العوالم كلها صنعتها هذه الأحجار التي يسجد لها قومي؟ ويعجب من ذلك ويدعو الله ويرجوه في نفسه أن يعرفه الحقيقة، وأن يبين له الطريق السوي، إلى أن فوجئ بجبريل رسول الملائكة إلى الأنبياء والمرسلين وآخرهم نبينا عليه الصلاة والسلام. {وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [القصص:86] الاستثناء هنا منقطع، والتقدير: ولكن الله رحمك رحمة، فرحمة مفعول مطلق، أي: رحمك الرحمة الشاملة الكاملة، واختارك لهذا الكتاب ولهذه الرسالة الشاملة الخاتمة، إن فضل الله كان عليك عظيماً، ولا شك ولا ريب. وقوله: {فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} [القصص:86] أي: وبهذه الرحمة، وبهذا الإفضال من الله فيا محمد! لا تعن الكافرين، ولا تكن لهم ظهراً وظهيراً ومعيناً، فالعنهم وقاتلهم وذلهم فإن لم يستسلموا لك فافرض عليهم الجزية حتى يؤدوها عن يد وهم صاغرون. ولا تتخذ منهم قريباً ولا صديقاً ولا ولياً، ومن يتول الكافرين يكن منهم، وهذا نهي لنبينا وهو في الحقيقة نهي لنا، لأن الأنبياء معصومون، فكيف بسيد الأنبياء عليه الصلاة والسلام؟
تفسير قوله تعالى: (ولا يصدنك عن آيات الله)
تفسير قوله تعالى: (ولا يصدنك عن آيات الله) قال تعالى: {وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [القصص:87]. فقوله تعالى: {وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ} [القصص:87] فعل مضارع مؤكد بنون التوكيد الثقيلة، أي: لا يبعدونك، أو لا يجعلونك بعيداً عن الدعوة لله والإيمان بالله والرسالة التي أنزلت إليك وكتاب الله الذي أنزل إليك، والآيات البينات الواضحات التي أنزلت إليك التي ظهر إعجازها وقدرة الله على كل شيء، فإياك أن يغرك هؤلاء المشركون، وأن يصدوك عن الله والدعوة إليه. وقوله تعالى: {وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [القصص:87] وهذا النهي الموجه للنبي عليه الصلاة والسلام هو نهي لنا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام معصوم. وقوله تعالى: {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} [القصص:87] أي: فلتكن دعوتك باستمرار مدة حياتك الدعوة إلى الله الواحد، الرازق، المحيي المميت لا أول له ولا ثاني له لا في ذات ولا في صفات ولا في أفعال. فلتكن كل حياتك دعوة لله، ولتوحيد الله، ولعبادة الله، وإياك أن يتلاعب بك كفار قريش فيصدونك ويبعدونك عن هذه الدعوة لله ولكتابه، وإلى دين الإسلام. والله يأمر نبيه بما شاء، يقول له: لا تكفر، ولا تشرك، فالرب رب والعبد عبد، والنبي عليه الصلاة والسلام يزداد بذلك إيماناً وإيقاناً وثباتاً، والمؤمنون يقولون: إن كان نبينا المعصوم يخاطب بهذا الخطاب فكيف نحن؟ فنحن الذين نؤمر من الله ألا نكون ظهراء ولا معينين على الكافرين، وألا نصد عن طاعة الله وعبادته، وألا نكون مع المشركين، وألا نترك الدعوة إلى الله قائمين وجالسين ومسافرين ومقيمين وفي كل حياتنا. وهذا شأن المسلم.
تفسير قوله تعالى: (ولا تدع مع الله إلها آخر)
تفسير قوله تعالى: (ولا تدع مع الله إلهاً آخر) قال تعالى: {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:88]. قال الله لعبده ونبيه وسيد خلقه صلى الله عليه وعلى آله، إياك يا محمد! أن تدعو لإله آخر غير الله، فلا تدع هبل ولا مناة ولا العزى ولا ما يدعو إليه قومك، ولا أحد من الشركاء مما أشرك به الذين لا يملكون عقلاً ولا نوراً ولا هداية. فلا إله إلا الله، فهو الإله الواحد، والرب الواحد، وهو الله الفرد الصمد، وهو الذي لا شريك له، هو الذي لا يشبه أحداً من خلقه ولا يشبهه أحد من خلقه، فعش على لا إله إلا الله ومت على لا إله إلا الله. وعض على ذلك بالنواجذ، وهو أمر لرسول الله وهو أمر لنا كذلك، فمن غير أو بدل فإنه يوشك أن يخرج عن دين الإسلام، ونرجو الله أن يثبت أقدامنا، وأن يديم إيماننا، وأن يحيينا مسلمين ويميتنا مسلمين، ويحشرنا تحت لواء سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وعلى آله. ولا إله إلا الله مفتاح الإسلام، وهي أول كلمة في الأذان، وأول كلمة في الإقامة التي لا يتم إيمان المؤمن إلا بها، والتي من قالها حفظ ماله ونفسه وعصما، ومن لم يقلها حل دمه وماله وأهله وعياله. يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله). وقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88] أي: كل شيء هالك إلا ذاته، فيطلق الوجه في كتاب الله ويراد به الذات العلية، وهنا أيضاً استثناء، فهو جل وعلا يستثني وجهه، أي: ذاته من أن تهلك. ومعناه: ليس هناك في الأرض شريك، وإن أشركوا به فهو هراء وباطل. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل). فكل ما خلا الله وكل ما سوى الله باطل، فان، زائل، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27]. فقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88] أي: كل شيء ميت، فان، باطل، ضائع، ولو عبدت شركاء من دون الله، ولو زعمت الألوهية لخلق من الخلق ملائكة وإنساً وجناً وجمادات وحيوانات وكل ما فعله الحقير في هؤلاء الذين ذهب الله بنورهم، وقد رزقهم العقل والسمع والبصر فلم يستفيدوا منه، وكانوا كالأنعام بل هم أضل. وقوله تعالى: {لَهُ الْحُكْمُ} [القصص:88] أي: الفصل، والحكم لله وحده، فهو الذي يفصل بين العباد يوم القيامة، فيفصل بين النصراني واليهودي والمسلم والوثني. وهو جل جلاله يحكم بين عباده، ولن يحكم معه أحد، وبعد أن تفنى الدنيا ينادي الله جل جلاله فيقول: أنا الملك، أين الملوك؟ فلا مجيب، فيجيب نفسه بنفسه: أنا الملك، جل جلاله وعز مقامه. فهو الحاكم الذي يفصل بين الخلق يوم العرض على الله، فيعلم الناس إذ ذاك الحق من الباطل، ولا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، هيهات! وسيتمنى الكفار على الله ولو ملكوا الدنيا لافتدوا بها على أن يعودوا للدنيا ليعبدوا الله وليؤمنوا به وليوحدوه، ولكن هيهات! ولو عادوا إليها لما فعلوا إلا كما كانوا يفعلون من قبل، هكذا قالت لهم الملائكة، وهكذا حكم الله الحاكم الفرد جل جلاله. وقوله تعالى: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:88] يا هؤلاء البشر! يا من كفر بالله! يا من خرج عن دين الله! يا من ضل وأضل وعلا في الأرض طغياناً وفساداً! عما قريب ستهلكون جميعاً، وتموتون جميعاً ولا يبقى إلا وجه الله الكريم، وترجعون إليه ليحكم بينكم إما إلى جنة وإما إلى نار. فمن مات مؤمناً موحداً يرجو الخير ولو عذب ودخل النار، ومهما أقام فيها فنهايته للخروج منها ودخول الجنة، وقد يغفر الله له من أول مرة فلا يدخلها، أو يدخلها شيئاً قليلاً. وأما الكافر الذي مات على الشرك ولم يقل يوماً: ربي الله فهذا لا مغفرة له ولا رحمة له، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48]. وبهذا نكون قد أتممنا سورة القصص ولله الحمد والنعمة والشكر والمنة، ولم نقطع دراستها يوماً، ولم نتأخر عن تدريسها لا يوم خميس ولا يوم جمعة ولا حتى أيام الانتقال للمدينة المنورة التي أتابع فيها دروساً أخرى في الحديث في مسند أحمد، وقد أعان الله عليها ودرسناها وفسرناها متتابعة، وأعنتم أنتم بالحضور وبالسمع، وأعانني الله بمتابعتها وشرحها وبيانها، وهذا بعلم الله وفضله.
العنكبوت [1]
تفسير سورة العنكبوت [1] سورة العنكبوت من السور العظيمة التي أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسميت بذلك لأن الله ضرب المثل فيها بالعنكبوت.
سبب تسمية السورة بهذا الاسم
سبب تسمية السورة بهذا الاسم قال تعالى: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:1 - 2]. هذه هي سورة العنكبوت، وسميت بسورة العنكبوت لذكر العنكبوت فيها، قال تعالى: {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ} [العنكبوت:41]. وكان النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يسمي السور، وينظمها، ويضع هذه الآية هنا وهذه السورة هنا، ولم يترك ذلك لأحد ولا حتى لـ أبي بكر ولا عمر؛ من أجل الحفاظ على القرآن، وكل ما يدعيه المستشرقون من يهود أو نصارى أو منافقين من أن ترتيب الآيات والسور هو من فعل الصحابة، ومن فعل أبي بكر وعمر وعثمان كله كذب على الله، ومع هذا فيدعي هؤلاء أكثر من ذلك، فيقولون عن القرآن: إنه ليس كلام الله، وهم يرون المعجزات المرئية، وبإجماعهم أن هذا القرآن هو الذي نطق به النبي عليه الصلاة والسلام منذ 1400عام لم يتغير كلمة، ومع ذلك يقولون: افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، وقد قص الله علينا كفرهم، وقول هؤلاء القردة والببغاوات هو نفس ما سبق أن قاله الكفار السابقون، وذكر الله كفرهم في القرآن. والبيت المبني من فولاذ لا يخاف من ضرب الحجارة، ولكن بيوت الورق تؤثر فيها أقل نسمة، وهكذا دينهم وفلسفاتهم وعلومهم الباطلة التي لا دليل عليها من منطق ولا من علم ولا من نقل صحيح ولا فاسد، وهم مع ذلك متضاربون ومتشاكسون لم يتفقوا حتى على باطلهم. وسورة العنكبوت اختلف فيها العلماء منذ عصر الصحابة أهي مكية أم مدنية؟ فقال جماعة: مكية، أي: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة، وقال جماعة من الصحابة: بل هي مدنية، أي: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، وقال قوم: لا مكية ولا مدنية، وإنما هي كقوله تعالى في سورة القصص: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص:85]، التي نزلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو بين مكة والمدينة.
العنكبوت [1 - 7]
تفسير سورة العنكبوت [1 - 7] سورة العنكبوت سورة عظيمة ابتدأها الله تعالى بذكر أنه يختبر الناس ويبتليهم، حتى يعلم الصادق من الكاذب، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بسيئاته.
تفسير قوله تعالى: (الم)
تفسير قوله تعالى: (الم) قال الله تعالى: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:1 - 2]. هذه السورة اختلف فيها الصحابة هل هي مدينة أو مكية اختلافاً قل أن يوجد في غيرها من السور، فقال قوم: هي مدنية نزلت بالمدينة المنورة. وقال قوم: هي مكية، أي: نزلت على نبينا عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة. وقال الإمام علي رضي الله عنه: بل نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما بين مكة والمدينة. وهي 69 آية. وسميت بالعنكبوت لذكر العنكبوت فيها، قال تعالى: {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:41]، وهذا من باب تسمية الكل باسم البعض، وجميع سور القرآن على هذا المنوال وعلى هذا الطريق. والحروف المقطّعة {الم} فيها خلاف طويل عريض منذ عصر الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ونحن نرجح ما قاله الإمام الزمخشري رحمه الله وأكده الإمام الشنقيطي المتوفى حديثاً رحمه الله: إن هذه الحروف تعني أن هذا الكتاب آخر الكتب المنزلة من الله على خاتم أنبيائه رسولنا ونبينا محمد صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، وهو المهيمن عليها جميعاً، وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ونحن اليوم نعيش معجزته، فهو بعد نزوله بألف وأربعمائة عام لم تزد فيه كلمة ولم تنقص كلمة، بل ولم تُنقص منه حركة من ضمة وفتحة وكسرة وسكون ولم تزد، بل أكثر من ذلك فلم تقدم سورة ولم تؤخر، ولم يختلف في وقت من الأوقات في آياته، وذلك كله من الأدلة القاطعة على صدق نبينا ورسالته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى أن هذا الكتاب هو كتاب الله الذي لم يغير ولم يبدّل. وأما الكتب السابقة جميعاً فبدّلت وغيّرت؛ لأن الله لم يتعهد بحفظها، وإنما عهد بحفظها للعلماء فلم يحفظوها ولم يراعوها، وأما القرآن الكريم فهو الذي تعهد بحفظه ولم يتركه لنبي ولا لصحابي ولا لأحد من الخلق، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]. ونحن بعد نزوله بألف وأربعمائة عام نراه واقعاً ومطابقاً للواقع من الإعجاز والصدق والدليل القاطع على حفظ الله له. فنحن نقرؤه اليوم كما أنزله الله في الوقت الذي آمن به الأولون في عصر الصحابة والتابعين، فهم آمنوا به إيمان تصديق ونحن آمنا به إيمان شهود وواقع. قال تعالى: {الم} [العنكبوت:1] فهذا القرآن معجز أعجز الخلائق أولها وآخرها منذ نزوله، فهو معجز بلفظه وبمعناه، وقد تحدى الله الخلق أن يأتوا بمثله أو بسورة منه أو بآية فعجزوا كلهم رغم فصاحتهم. بل إن نبينا وهو سيد الفصحاء والبلغاء والمتكلم البليغ الأول بالعربية وقد أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم عندما توازن بين كلامه في السنة النبوية على فصاحتها وبلاغتها وبين كتاب الله وبلاغته وفصاحته تجد الفرق والبون شاسعين، وهو فرق ما بين الخالق والمخلوق، وبين كلام الله وكلام عباده. فقوله تعالى: {الم} [العنكبوت:1] كأنه يقول: هذا القرآن المعجز على إعجازه إنما نُظم ونزل باللغة العربية على محمد عليه الصلاة والسلام بواسطة جبريل عليه السلام، وهكذا يقال في جميع المواضع التي تذكر فيها الحروف المقطعة، مثل قوله: {الم}، وقوله: {كهيعص} [مريم:1]، وقوله: {ص} [ص:1]، وقوله: {الر} [يونس:1]، إلى جميع تلك الحروف في فواتح السور. ومن هذا كان نظم القرآن وكلامه، فاصنعوا إن قدرتم مثله، وهذه الحروف الهجائية هي بينكم، ولكن هيهات هيهات أن يفعل ذلك أحد أو أن يستطيعه. ولقد حاول الكذاب المتنبئ مسيلمة أن يأتي بشيء سماه قرآناً فأتى بما تضحك منه الثكلى، وأتى بما يستهزأ به وبمثله، وقالوا: إن المعري كذلك حاول أن يفعل مثل ذلك، فأتى بالهراء والسقط من القول.
تفسير قوله تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)
تفسير قوله تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا} [العنكبوت:2]. أظن الناس أن يتركوا وقد زعموا أنهم آمنوا بالله؟ والإيمان يكون بالتصديق بالجنان -بالقلب- وبالقول باللسان وبالعمل بالأركان. أي: أظن الناس أن يُتركوا وقد زعموا الإيمان وزعموا الإسلام وزعموا تصديق محمد في رسالته صلوات الله وسلامه عليه؟ أفظنوا أو حسبوا أن يقولوا ذلك ويعتقدوه ثم يتركوا بلا فتنة؟ أي: بلا اختبار ولا امتحان؟ وهكذا يُبتلى الأطفال ويختبرون ويمتحنون في المدارس هل درسوا؟ وهل لازموا المدرسين والشيوخ؟ فإن أدوا الامتحان فعند الامتحان يُعز المرء أو يهان، إما أن يُعز فينجح، وإما أن يهان ويذِّل فيرسب. وهكذا من كان في الابتدائي أو الإعدادي أو الثانوي أو الجامعات أو التخصص، وهكذا البشر كلهم في الأرض، وهكذا الخلق كلهم، جنهم وإنسهم المكلفون منهم غير المعصومين، حاشا الملائكة فهم معصومون.
الحكمة من ابتلاء الأنبياء
الحكمة من ابتلاء الأنبياء وهكذا يُفتن الأنبياء ويُبتلى الرسل؛ ليُعلم صدق المؤمن في قوله: أشهد أن لا إله إلا الله أصادق هو في دعواه الإيمان أو كاذب؟ قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا} [العنكبوت:2]، أي: وقد قالوا: لا إله إلا الله وادّعوا الإيمان بالله، أيحسبون أن يقولوا ذلك وهم لا يُفتنون؟ والفتنة: هي الامتحان والابتلاء والاختبار فلابد من الابتلاء؛ ليعلم الله الصادق من الكاذب، وهو يعلم جل جلاله، ولكن ليدرك الناس ذلك، وليتأكد المبتلى والمُفتتن بهذا حتى إذا أُحسن إليه علم أنه قدّم طاعة، وإذا أُسيئ إليه نتيجة إساءته فإنما نفسه هي التي أساءت إليه، وليعلم أن حجة الله بالغة، فلم يبتل بمحنة ولم يُبتل بعذاب إلا بعد أن أتته الرسل وأتته كتب الله تأمره وتنهاه. ولقد ابتلي الرسل والأنبياء بما فيهم أولو العزم الخمسة، فقد ابتلي إبراهيم خليل الله وأبو الأنبياء عندما قذف به النمرود في النار، ثم أُخرج من بلده وعُذّب العذاب النكر فصبر لذلك، وكان من أولي العزم، وبقي مبتلى إلى أن لقي الله ولم يوجد منه إلا الصدق، وكان مكان الأسوة لبنيه وسلالته والناس أجمعين. وابتلي موسى واستُعبد قومه وأُنذر وهُدد بالقتل وشُرّد وأُخرج من بلده وكان ما كان، فخرج من المحنة والفتنة مضفّراً منصوراً. وهكذا ابتلي خاتمهم نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد قام قومه في وجهه قومة رجل واحد، فكذّبوه وقالوا: مجنون وساحر، وقاطعوه وهجروه ورموه بالحجارة وفعلوا به الأفاعيل إلى أن أخرجوه من بلده ومسقط رأسه، ثم اضطروه للحرب والقتال، فكُسِرت رباعيته صلى الله عليه وسلم ولقي ما لقي، فداه نفسي وأبي وأمي وولدي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فخرج من كل ذلك كالذهب الإبريز، وخرج القدوة البشرية العالمية لكل الخلق أجمعين، فإن كان هذا بالأنبياء وأفضل الخلق فكيف بغيرهم؟
سنة الله في ابتلاء المؤمنين
سنة الله في ابتلاء المؤمنين وهكذا كل من يزعم الإيمان أو الصلاح لن يُترك هكذا دون أن يُبتلى، وعند الابتلاء والصبر على الاختبار والامتحان يخرج وقد صُدِّق، ويخرج وقد أصبح على سنن المرسلين والصالحين، وهذا ما أكده النبي عليه الصلاة والسلام بقوله في الحديث الصحيح: (أشدكم بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل)، أي: الأصلح فالأصلح والأقرب إلى الدين والصدق وهكذا؛ فإن ابتلي وفتن واختبر فنجح وظفر وصبر كان من أولي العزم، سواء كان من عموم الناس أو من الأنبياء.
ابتلاء الصحابة رضي الله عنهم
ابتلاء الصحابة رضي الله عنهم وقد امتحن الصحابة في حياتهم بالقتال وبالقتل، وبالفقر وبالبؤس، وبالخروج من أرضهم وأموالهم، وبتخلل المنافقين بين أوساطهم، فمن ثبت نال وظفر وأصبح مع محمد صلى الله عليه وسلم في الآخرة كما كان معه في الدنيا، ومن لم يصبر فقد نافق وارتد، فمنهم من نافق في الحياة النبوية، ومنهم من ارتد بعد الوفاة النبوية فخسر الدنيا والآخرة، وذلك الذي اضطّر الخليفة الأول أبا بكر رضي الله عنه لقتال هؤلاء الذين ارتدوا وغيّروا وبدّلوا، ولقتال أولئك الذين بقوا على الإسلام ولكنهم حاولوا أن يمنعوا الزكاة، فقاتلهم قتالاً لا هوادة فيه إلى أن انتصر عليهم، فآمن من آمن تائباً عائداً، وقُتل من قُتل، فكان دمه هدراً وقتله سيف الإسلام. {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2]، أي: أظن الناس أن يُتركوا بلا امتحان ولا اختبار ولا ابتلاء ولا فتنة وقد قالوا: إنا مؤمنون؟ والإيمان عمل بالقلب، والقلب لا يعلم دواخله وحقائقه إلا الله؛ ولذلك اختُبر وابتُلي، فمن صدّق بالجنان، وقال باللسان، وعمل الصالحات بالأركان وما إليها، وصبر على الفتنة والبلاء فذاك هو المؤمن الصادق، ومن لم يصبر فقد ذهب بخزي الدنيا والآخرة.
تفسير قوله تعالى: (ولقد فتنا الذين من قبلهم)
تفسير قوله تعالى: (ولقد فتنا الذين من قبلهم) قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:3]. أي: وليس هذا مما انفردتم به يا أتباع محمد، بل: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [العنكبوت:3]. أي: لقد فتنت الأمم من قبل، وأعظم من فُتن بما لم يُفتن به نبي من الأنبياء نوح عليه السلام، فلم يبتل أحد مثل ابتلائه، فقد بقي ألف سنة إلا خمسين عاماً في غاية الفتنة والبلاء من قومه، وهو صابر يدعو إلى الله صباح مساء، حضراً وسفراً، فكانوا تارة يهزءون به، وتارة يكذبونه، وتارة يشتمونه، وهو مع كل ذلك صابر داع إلى الله، ومع هذه المدة الطويلة ما آمن به من قومه إلا قليل. قال تعالى: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ} [العنكبوت:3]. يعلم الله الشيء قبل أن يكون وبعد أن يكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، فهو العالم بكل شيء. والعلم هنا الرؤية، أي: سيرى الله من خلقه من الذي سيكون بعد الفتنة صادقاً، ومن الذي سيكون كاذباً، ومن الذي سيثبُت على الإيمان بالله جناناً ولساناً، ومن الذي ستتلاعب به الأهواء ويكون كريشة في مهب الريح، والسماء لا تكاد تستقر على حال. {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا} [العنكبوت:3]. أي: في إيمانهم؛ ليرى الصادق في إيمانه، وليرى الكاذب في إيمانه، وليجازي الصادق على صدقه، وليجازي الكاذب على كذبه، وما خُلقت النار والجنة إلا لأمثال هؤلاء؛ فللمطيع الصادق الجنة، وللكاذب المنافق المرتد المتردد النار. والعياذ بالله.
تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين يعملون السيئات)
تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين يعملون السيئات) قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت:4]. أي: أم ظن هؤلاء المرتكبون للمعاصي والآثام والذين يعملونها أنهم يسبقونا ويفلتون من عقابنا وعذابنا لهم وامتحاننا لهم؟ إن كان ذلك كذلك {أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل:59]، أي: ما أسوأ أحكامهم، وما أسوأ ظلمهم، وما أشد بلادتهم وإعراضهم، فالله جل جلاله لن يترك أحداً من غير أن يُفتن؛ ليُعلم صدقه من كذبه. والله جل جلاله طالما ضرب لنا الأمثال وأعاد هذه المعاني في القرآن الكريم، قال تعالى: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:3]، وقال تعالى: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة:214] فقد زلزل بالفتن والبلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه حتى أخذهم ضيق وتبرم وقالوا: متى نصر الله؟ أي: لقد طال البلاء. قال تعالى: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214] وإن مع الصبر الفرج، ومع الفرج النصر، وهذه سنة الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر:43]. قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا} [العنكبوت:4]، أي: أظن هؤلاء المسيئون الآثمون أن يسبقوا نقمتنا وغضبنا عليهم؟ وهل ظنوا أنهم سيُفلتون من عذابنا؟ هيهات، {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت:4]، أي: ما أسوأ حكمهم وأسوأ فهمهم وبعدهم عن الحق وعن الفهم والإدراك.
تفسير قوله تعالى: (من كان يرجو لقاء الله)
تفسير قوله تعالى: (من كان يرجو لقاء الله) قال تعالى: {مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت:5]. أي: من كان يخاف لقاء الله وينتظر الموت، ويخاف العرض على الله يوم القيامة، ويخاف السؤال في القبر من منكر ونكير {فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} [العنكبوت:5]، أي: الأجل الذي ضربه الله لوفاة كل إنسان هو في نفسه آت عما قريب لا محالة، وكأن الدنيا لم تكن، فيسأل كل فرد عن نفسه، فقد خرج من الرحم وحده، وسيدخل القبر وحده، لا أب معه ولا أم ولا قريب ولا خدم ولا حشم سواء كان سلطاناً أو مسكيناً، وسواء كان ذا جاه في الدنيا أو كان مجهولاً لا يعرفه أحد، فقد جاء وحده وسيعود وحده. فهذا الذي يرجو لقاء الله والعرض عليه بمجرد موته وبسؤال الملكين عن دينه وعقيدته، وعن حياته كيف قضاها؟ وعن إيمانه بالله وبنبي الله صلى الله عليه وسلم كيف هو؟ وعن عمله وما أمره الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم أقام به أم لم يقم؟ فهو عند الموت يلاقي الله ويلاقي الحقائق، فما كان إيماناً بالغيب يُصبح واقعاً ومشهوداً، ويُصبح وجهاً لوجه مع الحق ومع العرض على الله يوم القيامة ولقائه؛ ومن يرجو الآخرة ويرجو لقاء الله يجب أن يعمل لذلك اليوم. قال تعالى: {مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} [العنكبوت:5]، وقال تعالى: {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود:81]. وأجل الله أي: من الوفاة ومن القيامة والعرض يوم الحساب على الله، فذلك اليوم هو آت لا محالة، ولا يشك فيه إلا منافق أو كافر. قال تعالى: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت:5] فالله يسمع، وهذه تتمة كما هي في كل الآيات، وهذه التتمة في كل آية تكون تارة لتمام المعنى وتمكينه ومطابقة له، وتكون تارة بشرى، وتارة نذارة، وهنا تشتملهما معاً، فالله سميع للمؤمن عندما يعلن إيمانه ويصدّق الجنان اللسان، فيسمع عبادته وتوحيده وما يصنعه من طاعات، وهو عليم بحاله إن كان من أهل الخير أو إن كان من أهل الشر، ويسمع من كل إنسان ما يقوله من شر، فيُجازى على الخير خيراً وعلى الشر شراً.
تفسير قوله تعالى: (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه)
تفسير قوله تعالى: (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه) قال تعالى: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت:6]. ومعنى ذلك: كل شيء يحتاج إلى جهاد. والجهاد يعني: أن تبذل من نفسك جهدها وطاقتها، فإن كان بالسيف فهو القتال، وإن كان باللسان فهو الجهاد باللسان، وإن كان بالعبادة فهو الجهاد بالعبادة، وإن كان بالدعوة إلى الله فهو بالدعوة إلى الله، وإن كان بالشكر فهو كذلك، وإن كان بالصبر على الفتن والبلاء فهو كذلك. والجهاد كما يقول الحسن البصري: لا يكون إلا بالسيف. فالجهاد كما قص الله وكما بين رسول الله عليه الصلاة والسلام يكون بالسيف، ويكون باللسان، ويكون بالعمل، ويكون بالمال، ويكون بالرأي، ويكون بكل ما يملكه الإنسان؛ فالطالب عندما يبذل من نفسه الجهد ويتعب في التعليم والدراسة؛ ليصل إلى درجة ينتقل بها من الجهل والأمية إلى درجة القراءة والعلم فما يبذله من نفسه من سهر وملازمة فذاك جهاده، والمدرس والعالم ما يدعو به إلى الله ويكتب به ويخطب به ويؤلفه؛ لنشر العلم ومعرفة الحقائق وتزييف الأباطيل ومحاربة الشرك والأوثان وإذلال الكفر والكافرين والنفاق والمنافقين فذلك جهاده، ومن هنا جاء الحديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) وقد يصبر الإنسان على الجهاد الأصغر الذي هو بذل الحياة رخيصة في سبيل الله ولا يطيق الجهاد باللسان وبالعبادة وبالطاعات. فالجهاد هنا يعم كل أنواعه، فتجاهد في الله بأن تترك الفواحش جميعها ما ظهر منها وما بطن، وتبذل الجهد من نفسك لتلتزم طاعة الله وطاعة نبيه عليه الصلاة والسلام في جميع الأوامر والنواهي جهد طاقتك، وتبذل من نفسك الجهد لأن تكون مؤمناً حقاً ولأن تكون مسلماً صادقاً. فالمسلم مدة حياته إلى لقاء الله في جهاد، وهذا الجهاد قال الله عنه: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} [العنكبوت:6]، فمآله وثوابه وأجره لن يعود إلى الله ولن يعود إلا للإنسان ولنفسه، كما قال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج:37]، وكما في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم لما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم لما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أجمعهما لكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). وقال تعالى هنا: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت:6]، فهو الغني المطلق ونحن الفقراء إليه، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر:15]. فحياتنا ومعاشنا وقيامنا ووجودنا لولا الله ومدده لما كان لها أثر، ولولا الله لما بقيت حياة، فالله غني عن عبادتنا وعن كل ما نفعله في هذه الدنيا، ولا يضره كفرنا كما لا ينفعه إيماننا، ولكن مآل جهادنا في أنواع الطاعات والعبادات إلينا، وثوابها راجع لنا، وخيرها نحن الذين نتمتع به، كما قال هنا: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ} [العنكبوت:6]، واللام هنا لام التوكيد في الكلام، وهي تقوم مقام القسم، فالله غني عن العوالم الماضية ملائكة وجناً وإنساً، والعوالم الباقية واللاحقة ملائكة وجناً وإنساً وغير ذلك، فالله غني عن الكل غنىً مطلقاً، ونحن الفقراء إليه فقراً مطلقاً، ولا يستغني أحد عن الله في شيء، فهو الذي أوجدنا، وهو الذي أحيانا، وهو الذي يرزقنا، وهو الذي أصحنا، فإن شاء أبقى ذلك وإن شاء رفعه، لا يزيد ذلك في ملكه ولا ينقص منه، فهو الغني الغنى المطلق عن الكل.
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات)
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [العنكبوت:7]. في الآية الماضية كان الكلام على الكافرين والمترددين والمنافقين، وسنة الله في كتابه أنه يتكلم عن الكفر بعد الإيمان، وعن الإيمان بعد الكفر، وعن العذاب بعد الرحمة، وعن الرحمة بعد العذاب؛ ليبقى الإنسان بين خوف ورجاء، وبين طاعة دائمة وتردد فيما إذا كان من المنافقين. فلأهل الجنة وللمطيعين آيات الرحمة والوعد بالجنة والرضا، وللكافرين والمنافقين التهديد والوعيد بالنقمة والعذاب والنار، قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [العنكبوت:7] فلابد مع الإيمان من عمل الصالحات. والإيمان: التصديق بالقلب والقول باللسان وعمل الصالحات بالأركان؛ ليؤكد الخُبر الخبر. قال تعالى: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [العنكبوت:7] أي: من القيام بالأركان الخمسة جميعها بالتزام الشهادتين وآدابها، والتزام الصلوات الخمس في اليوم والليلة، والتزام صيام شهر رمضان من كل عام، والتزام الحج مرة في العمر لمن وجد زاداً وراحلة، وأداء الزكاة لمن رزقه الله مالاً يؤدي زكاته، ويتبع ذلك ترك المنكرات والمحرمات جميعها، وفعل الطاعات حسب جهده وطاقته، وضابط ذلك وجامعه قوله عليه الصلاة والسلام: (ما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه) وقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]. فلا تزن ولا تسرق ولا تنافق ولا تكذب ولا ترتش ولا تراب ولا تظلم، فهذه النواهي جميعها لا بد منها؛ لأن السلب لا يتعلق إلا بالإرادة، بأن تكون إرادتك قوية وإيمانك صحيحاً، وأما الأفعال فعلى قدر الطاقة، مثل الأمر بالصلاة قياماً، فإذا عجز المريض فقد قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، ومثل الأمر بالصيام فإن كانت حائضاً أو نفساء أو وجد مسافر أو مريض فـ {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]. ومثل الأمر بالحج فإن لم يجد هذا المأمور زاداً ولا راحلة فـ {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]. أما ما لا تفعل فهي في إمكان كل أحد امرأة كانت أو رجلاً؛ لأنها لا تحتاج إلى قدرة، وإنما تحتاج إلى إرادة قوية وإيمان صادق يحقق هذه الإرادة القوية. قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} [العنكبوت:7]، فهنا يخبر الله جل جلاله ويتعهد باللام الموطئة للقسم ويؤكده بالنون الثقيلة: {لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} [العنكبوت:7] والتكفير: الستر، أي: تستر وتزال، أي: لا يحاسب عليها المؤمن الذي يأتي بالصالحات. {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [العنكبوت:7]: أي: يجازيهم الله عن الذي كانوا يعملون بأحسنه، والحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا حد له مما أراد الله، وقد تكون الحسنة الواحدة سبباً في دخول الجنة، وقد تكون السيئة الواحدة نوعاً من الكفر، قال صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم لينطق بالكلمة لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في النار سبعين خريفاً)، أي: ولا يصل إلى القعر، كأن يقول كلمة يمزح بها وهي تتعلق بالذات العلية أو تتعلق بالنبوة الكريمة فيرتد بها ويكفر. وأما المسلم المؤمن الذي يقوم بالصالحات فمهما كان منه من سيئة فإنه يكفّر عنه سيئاته بهذا الشرط، ويجازيه على الحسنات أحسنها وأكرمها وأتمها وأسبقها، والحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. هذا جزاء المؤمن الصادق العامل للصالحات والقائم بها: أن تكفّر سيئاته، وتسجّل حسناته بأحسنها. قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [العنكبوت:7]، أي: يجازيهم الله ويكافئهم على أعمالهم بأعلى الحسنات والأجر والثواب.
العنكبوت [8 - 11]
تفسير سورة العنكبوت [8 - 11] يوصي الله تعالى الإنسان بالإحسان لوالديه، وألا يسيء إليهما وإن كانا كافرين، وذكر أنه سيدخل المؤمنين في الصالحين، وأن المنافقين سيبتليهم الله حتى يظهر نفاقهم ويفتضحون.
تفسير قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا)
تفسير قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً) قال الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت:8]. أي: كما أمر الله بطاعته وبتوحيده وصى بالوالدين، ويكثر في القرآن الكريم أن يقرن الله بر الوالدين بطاعته وتوحيده؛ وذلك لأنه الخالق الرازق، وقد أعطاهم الإيمان وأكرمهم بالرزق وأنعم عليهم بالحسنات، وأما الوالدان فقد كانا سبباً لخروج الابن إلى هذه الدنيا، فإن كان مؤمناً ففي صحيفتهما، وإن دخل الجنة ففي صحيفتهما، وإن عمل في دنياه وفي خدمة العباد، ونشر الإسلام، وقتال الكافرين ففي صحيفتهما، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، فكيف إذا لم يشكر أباه وأمه!! {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت:8] التوصية من الله فرض وأمر، قال تعالى في الآية: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ} [العنكبوت:8] ولم يقل: المسلم؛ لأن الأوامر والنواهي الإلهية والنبوية يخاطب بها كل إنسان على الأرض، ولكن شرط قبولها أن يكون الإنسان مؤمناً، فهو أول شرط في صحة قيام الطاعات، وأما المخاطبة بها فإن الله يخاطب كل الناس، ونبينا الخاتم نبي لجميع الناس وجميع البشر: أبيضهم وأسودهم، في مشارق الأرض ومغاربها، بل والإنس والجن. والبر قد يكون من الكافر ويكون من المؤمن، فإن الكافر يبر أباه ويبر أمه، وقد يقبل بره أو لا يقبل، ويفرض ذلك على المسلم الذي يأتي بذلك بعد الشهادتين، قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت:8]، أي: أمرناه بالإحسان إليهما، والإحسان كلمة شاملة بأن يكون مطيعاً مؤدباً، وألا يقول لأحدهما أقل كلمة وأحقرها: أف، فحتى التأفف لا يجوز أن يتأفف من أحدهما، وألا يعبس في وجوههما، وألا يرد أوامرهما إلا في حالة واحدة، ذكرها الله في قوله: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا} [العنكبوت:8]. فالوالدان إن كانا مشركين أيضاً فأنت مأمور بالإحسان إليهما وببرهما وبالقيام على طاعتهما والأدب معهما على كل حال، ولا يعصيان أو يعصى أحدهما إلا في حالة واحدة، وهي ما إذا أمرا الأبناء أو أحدهم بالشرك بالله، قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا} [العنكبوت:8]. وقال في آية أخرى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15]. فما يتعلق بالإيمان والإسلام وبطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلابد أن تقوم بذلك، ولا تطع أمر الوالدين إن حاولا أن يرداك عن الإيمان، ولكن صاحبهما بالمعروف، ومعروف الدنيا السكن والنفقة والكسوة وكل ما يدخل تحت البر وتحت الإحسان؛ فهذا أمر إلهي فرضه الله على الإنسان مع والديه؛ فإن خرج الأولاد عن ذلك انتقلوا من البر إلى العقوق بلا واسطة. وعظم جرم العقوق بينه النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل: أي ذنب أعظم بعد الشرك بالله؟ قال: (عقوق الوالدين). فكما أن بر الوالدين يأتي في الدرجة الثانية بعد التوحيد والإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم فكذلك مخالفة الوالدين وعقوقهما يأتي في الدرجة الثانية بعد الكفر بالله، وليس هناك مصيبة أعظم من هذا البلاء. وطاعة الوالدين معلوم من دين الإسلام بالضرورة، وكتب السنة عامرة بذلك، والقرآن فيه آيات تتحدث عن ذلك وليست واحدة، وكلها تلح وتؤكد هذا المعنى، ومن باب القاعدة: الشيء إذا تكرر تقرر. أي: عندما يكرر الأمر والنهي فإنه يصبح قراراً وأمراً لا هوادة فيه. وقد نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص أحد الستة الذين اختارهم عمر للشورى في أمر الخلافة، وهو أحد القادة الفاتحين، وأحد الرعيل الأول من الأصحاب المهاجرين، قال رضي الله عنه: نزلت في أربع آيات من كتاب الله وذكر منها هذه الآية. وذلك أنه اشتهر ببر أمه، فلما أسلم قالت له: والله يا بني! لن أطعم ولن أشرب ولن يظل رأسي ظل بيت ما لم تعد لديني وتترك هذا الدين المبتدع. فسكت عنها، فمر اليوم الأول فلم تأكل ولم تشرب ولم تستظل، فسكت عنها، ثم مر اليوم الثاني والثالث وهي كذلك، وقد أخذت تضعف وتتدهور صحتها فقال لها: يا أماه! إنك لتعلمين طاعتي لك وبري بك، والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً على أن أترك دين محمد لم أفعل، فانظري لنفسك: كلي أو لا تأكلي، واشربي أو لا تشربي! فعندما رأت الجد والصرامة في قوله دخلت الغرفة فأكلت وشربت. وبسبب إرادته القوية وإيمانه الثابت انضمت إليه فآمنت بإيمانه وأسلمت بإسلامه، وذلك نتيجة شخصيته وقوة عزيمته وقوة إيمانه وإسلامه. ولقد ابتلي المسلمون في مكة أشد البلاء من الجوع والتعذيب والضرب ووضع الحجارة عليهم في وقت شدة الحر عندما تكون الشمس في كبد السماء، ومعلومة شدة الشمس في أيام الحر هنا في مكة، فقد كانوا يضعون الحجارة على بطونهم وظهورهم، ويربطونهم بالحبال ويسلمونهم لعبيدهم وغلمانهم ليجروهم في أزقة مكة ودروبها؛ ليكفروا بالله وليرتدوا عن دين الله، وهم لا يقولون إلا أحد أحد، فمات من مات منهم، وكان أول من مات في سبيل الله سمية أم عمار زوجة ياسر رضي الله عنها، ودخلت في عموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة). فأول من آمن بهذا الإسلام وبمحمد عليه الصلاة والسلام امرأة، وهي أم المؤمنين الأولى السيدة خديجة رضوان الله عليها، وأول من استشهدت في سبيل الله امرأة، وهي سمية أم عمار، فكان لـ خديجة أجرها وأجر من آمن بعدها، ولـ سمية فيما استشهدت به أجرها وأجر من استشهد في سبيل الله بعدها باستمرار. وأول من هاجرت في سبيل الله البكر العذراء عاتكة بنت عقبة بن أبي معيط، وأبوها الكافر المرتد عقبة كان من أشد أعداء الله على رسول الله، وقد أسر في غزوة بدر فقتله النبي عليه الصلاة والسلام كما قتل ذاك الشاعر الذي كان يهزأ بالقرآن وبنبي الله عليه الصلاة والسلام، الذي كان يقول: أنا أستطيع أن أقول كما يقول محمد، إن هي إلا أساطير الأولين. وعندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة والد السيدة الجليلة عاتكة قال له: يا محمد! لم خصصتني بالقتل؟ فلم يجبه، ثم قال: لمن تترك الصبية؟ قال: للنار، وكان ولده مع دعواه الصحبة منافقاً أو أشبه بالمنافقين، وهو الوليد بن عقبة المشهور في التاريخ الأول في الإسلام، أما عاتكة فقد كانت من أنبل المؤمنين وأول من هاجرت من مكة إلى المدينة، هجرت أباها الكافر وأهلها الكفار، وهاجرت قبل الرجال جميعاً، وعندما اشتد البلاء على المسلمين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! ألا ترى هذا البلاء الذي نعيش فيه؟ فادع الله أن يرفعه عنا، فأخبرهم أن من قبلهم كانوا ينشرون بالمناشير حتى تُقسم رءوسهم، وتمشط أجسادهم بأمشاط من حديد ما بين لحمهم وعظمهم، وهم يأبون إلا الإيمان والصمود على الإسلام والثبات على توحيد الله، ثم قال لهم: (ولكنكم قوم تستعجلون)، ومعناه: أن النصر سيأتي، والعزة ستأتي، ومكة ستنفردون بحكمها وستخرجون كفّارها ومشركيها، ولكن الأمر مرهون بوقته، فمن استعجل الأمر قبل أوانه عوقب بحرمانه كما قال الحكيم المسلم الفيلسوف. قال الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت:8] أي: يا آباء ويا أبناء! ستعودون إليّ وأُحاسب المحسن وأجازيه على إحسانه، وأُحاسب المسيء وأجازيه على إساءته، والله يعلم الصادق من الكاذب، والأعمال الظاهرة تدل على الأعمال الباطنة، وهذه بشرى لفاعلي الخير، وهو نذير لمرتكبي الشر، فهم يرجعون إلى الله جميعاً، وسنرجع جميعنا إلى الله، والله يعلم أعمالنا، وسيجازي كلاً منا على عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين)
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين) قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ} [العنكبوت:9]. ومعنى ذلك أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كفّر الله عنهم سيئاتهم وجازاهم بأحسن أعمالهم؛ وأدخلهم في عداد الصالحين، فالرسل أولاً فالأنبياء فالصالحون، فهم مع الصحابة في صلاحهم، ومع التابعين في صلاحهم، ومع الأخيار العبّاد في صلاحهم، فهم في طبقة الصالحين الخالدين إذا صدق إسلامهم وبان صدقهم، ومن أسر سريرة ألبسه الله ردائها وأصبح في عداد الصالحين. وفي طبقات الرجال في كتب التراجم يقولون عن فلان: كان صالحاً، وعن فلان: كان منافقاً، وعن فلان: كان صدّيقاً ومنذ عصر الصحابة، فنحن نقول: المهاجرون الأول والأنصار الأول، ونقول: المنافقون والمرتدّون، ونقول: مانعوا الزكاة، إن كان هذا في العصر النبوي فما بالك بما بعده؟ وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً). وكون المسلم دخل في طبقة من طبقات الصالحين تلك رتبة عالية، فقد أكثر من تكفير السيئات والمجازاة بالحسنات، كما أن الصادق باستمرار يكتب مع الصادقين والله مع الصادقين، وكذلك الكاذب الذي اعتاد الكذب دوماً واستمراراً يكتب مع الكاذبين الذين لا يصدقون. والذي فعله علماء الأمة من السلف الصالح عند تلقيهم وقبولهم للأحكام عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنهم سجّلوا الرواة من بعد عصر الصحابة، وبينوا الصادق من الكاذب، أما الصحابة فكلهم عدول، فمن ارتد أو نافق خرج من الإسلام، ومن بقي صادقاً في دينه فهو ثقة، والتابعون يطرأ عليهم الصدق والكذب وإن كان يغلب عليهم الصدق، ومن جاء بعدهم لا بد من معرفة الصدق والكذب، وصدق الصادق، وكذب الكاذب. وطريقة رجال الجرح والتعديل أنهم إذا قبضوا على راو كذبة واحدة لم يؤاخذوه بها فإن زاد كُتب مع الكاذبين وأدخل في سجل الكاذبين، مثل ميزان الاعتدال للذهبي ولسان الميزان للحافظ ابن حجر العسقلاني وكتب الضعاف في أعلام الجرح والتعديل، ومهما صدق بعد ذلك لا تُقبل له رواية، فيقولون عنه: قد اختلط كذبه بصدقه، وصدقه بكذبه، ولا يستطيعون أن يميزوا ما قاله صدقاً وما قاله كذباً، فيستغنون عنه وعن كلامه، ويبقى الكذب في سنده باستمرار، ويصبح الحديث موضوعاً لوجود فلان فيه وهو كذّاب. ولذا قيل: إن راعياً للأغنام كان يصيح ويقول: الذئب الذئب! فخرج أهله لينقذوه فوجدوه قد كذب عليهم، ثم كررها مرتين أو ثلاثاً، ومرة جاء الذئب حقيقة فصاح بأعلى صوته: الذئب الذئب، فما صدّقه أحد، وإذا بهم يجدونه بعد ذلك قد افترسه الذئب ولم يترك منه شيئاً، فكان ضحية كذبه، فهو على كل حال عبرة للكثير من تلاميذنا وغيرهم. وقوله سبحانه وتعالى: {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ} [العنكبوت:9] أكد الفعل المضارع باللام، وبنون التوكيد الثقيلة أنهم سيكونون مع الذين امتحنوا فنجحوا وفازوا وأصبحوا صالحين صادقين مؤمنين حقاً.
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله)
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله) قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت:10]. أي: من الناس طبقة مترددة بين الكفر والإيمان لا تكاد تُبتلى أو تختبر أو تفتن بشيء إلا وضاع إيمانها ونافقت، وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ} [العنكبوت:10] ولم يقل: ومن المؤمنين؛ لأن من نافق ليس مؤمناً، ودعواه الإيمان دعوى كاذبة، وإنما يقول بلسانه. قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت:10] أي: إذا امتحن أو اختبر لأجل دينه وصدقه، وطاعته وإعلانه إسلامه؛ أو أصابه الإيذاء البشري عندما يؤذى به يجعل فتنة الناس كعذاب الله، فيضطرب ويرتد عن الإسلام ويترك الإيمان وصار شيوعياً أو اشتراكياً أو ماسونياً! وهذه الأديان اليهودية الجديدة ابتلي بها المسلمون في أقطارهم وفي بلادهم، فعندما يمتحن هذا الامتحان يترك الدين فلا يصلي. فالمنافق إذا أوذي لأجل دينه وإذا امتحن لأجل إسلامه، إذا قيل له: دع الإيمان وكن مع الكافرين، فإنه يضطرب حيناً ويرتد حيناً ويجعل فتنة الناس وعذابهم كعذاب الله، لا يفكّر أنه مهما امتحن ومهما عُذِّب في الدنيا إن هو ضاع إيمانه واستجاب لكلام أئمة الشياطين والكافرين لم يقارن بين عذابهم وعذاب الله فيما إذا ارتد أو نافق أو اضطرب في إسلامه ودينه؛ وهذا لضعف إسلامه من الأصل ولعدم رسوخه في الإيمان من أصله. إذا أوذي في الله لأجل دينه وامتحن لأجل إسلامه يسرع إلى الكفر فيرتد ويجعل عذاب الناس من المصيبة والبلاء يعادل عذاب الله، فلا يخاف من عذاب الله المنتظر له، وإنما يخاف من عذاب الناس له فيرتد ويكفر ويقول للناس: ألا تعذروني! قال تعالى: {جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} [العنكبوت:10]. والخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين الصادقين وقد كان معهم جماعة من المنافقين كـ عبد الله بن أبي ابن سلول كبير المنافقين فقد كان المنافقون من المدينة ومن اليهود ادعوا الإسلام وكانوا كذبة فجرة، فإذا كان النبي في عز ونصر يقولون للنبي وللمسلمين: إنا كنا معكم، قال تعالى: {وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} [العنكبوت:10] أي: لم لا تقاسموننا الغنائم؟ ولم لا تشركونا معكم في العز والنصر؟ ألم نحضر المعركة؟ وقد حضروا وألبوا على رسول الله، وحضر في غزوة أحد عبد الله بن أبي ابن سلول ومعه المئات من المنافقين أمثاله في عزّ المعركة، فانسحب هو ومن معه فانتقلت المعركة من نصر إلى هزيمة لفعل هذا المنافق، والنبي عليه الصلاة والسلام لاقى الشدائد في المعركة، فقد سقط في حفرة وانكسرت ثناياه عليه الصلاة والسلام، ودخلت حلقتا المغفر -وهو من الحديد الذي كان لابساً له في الحرب- في خده إلى أن وصلت إلى أسنانه، إلى أن جاء الصحابة بعد ذلك فأخذوا هذا الحديد بأسنانهم إلى أن طارت الأسنان والثنايا، ولما أخذوا بيده لم يستطع عليه الصلاة والسلام لكثرة ما نزفت دماؤه في الحفرة أن يصعد منها، فوضع الصحابة ظهورهم فصعدوا به بعد بلاء وجهد. وفي غزوة الأحزاب لاقى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أشد المعاناة، وما كاد أن يصل إلى البيت حتى جاءه جبريل وقال: إنا لم ننزع لأمة الحرب بعد، فاغز بني قريظة، فذهب إلى بني قريظة، وقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة)، وذهب معه الكثير من الصادقين من المهاجرين والأنصار إلى بني قريظة وهم جرحى تسيل دماءهم. وقد لقي النبي عليه الصلاة والسلام من المنافقين الشدائد، فكان هؤلاء المنافقون إذا كانت المعركة هزيمة أظهروا الكفر وأظهروا التشنيع، وإذا انتصر النبي عليه الصلاة والسلام كما انتصر في غزوة بدر جاء المنافقون مسرعين وقالوا: ألم نكن معكم؟ قال تعالى: {وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} [العنكبوت:10] أي: في النصر. فهم {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ} [النساء:143]، فالمنافق ذو وجهين: وجه مع المؤمنين ووجه مع المنافقين، وهؤلاء طبقة لم تنته قط من الدنيا، فقد كانت ولا تزال كما كانت أيام نبي الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضوان الله على أصحابه، فهذه الطبقة ملازمة لكل عصر. وإذا ظن المؤمن أنه سيكون مؤمناً ولا يختبر في دينه ولا يُفتن في دعواه ليُعلم هل هو صادق أو كاذب، فإنه يكون ضعيف الإيمان، ويكاد في أول امتحان يفقد دينه وإسلامه، وقد حصل هذا كثيراً، فيظهر البعض على غاية من التقوى والصلاح فإذا به يُبتلى يوماً إما ببلاء سماوي أو بلاء بشري، وإذا به يتزعزع، وإذا به يترك الصلاة وقد كان يصلي، فكان مؤمناً فأصبح من المنافقين، وهذا إيمانه في الأصل غير ثابت وغير مستقر؛ لأن الإسلام لم يخالط بشاشة قلبه بعد ولم يذق حلاوته. قال تعالى: {أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت:10]. يقول الله لنبيه: قل لهؤلاء: إن الله جل جلاله أعلم بما في صدور العوالم كلها والخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم، فالمنافقون الذين يزعمون الإيمان ويظنون أنهم يخفون على الله، هذا من سخافة عقولهم وضياع إيمانهم، وهذا يدل على أنهم لا عقل ولا دين لهم.
تفسير قوله تعالى: (وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين)
تفسير قوله تعالى: (وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين) قال الله تعالى: {وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} [العنكبوت:11]. أي: ليرى ذلك، وإلا فالله يعلم الشيء قبل كونه، ويعلمه بعد كونه، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون. {وَلَيَعْلَمَنَّ} [العنكبوت:11] أي: ليري ذلك في أنفسهم، وليراه غيرهم، وليكونوا على قناعة أنهم اكتشفوا وفضحوا. وأكد الفعل المضارع (يعلم) بلام التوكيد للقسم، وبالنون الثقيلة، فالمؤمنون يعلمون حتى يظهر إيمانهم ويراه الناس ويكونوا على ثقة بأنفسهم، والمنافقون ليتأكدوا بأنفسهم، وليعلموا أن الله يعلمهم.
العنكبوت [12 - 17]
تفسير سورة العنكبوت [12 - 17] الكافرون المجرمون يدعون الناس إلى باطلهم وكفرهم، ويذكرون لهم أنهم مستعدون أن يحملوا أوزارهم وخطاياهم، وهم كاذبون في ذلك، وقد ذكر الله تعالى قصة نوح مع قومه وصبره على الدعوة، وكذلك سيدنا إبراهيم؛ ليكون فيهما تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا)
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا) قال الله جل جلاله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [العنكبوت:12]. إن الكفر أنواع كما أن الإيمان أنواع، فهناك الكافر الداعي إلى النار وإلى الكفر، ولا يكتفي بصد الناس عن الإيمان، ولكنه في وقاحة يدعو المؤمنين إلى الردة، وترك الإيمان واتباع الكفر والشرك، وعصيان الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الذي يحكيه الله جل جلاله هنا عن أقوام من الكفار عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة والجزيرة العربية، وهذا النوع يوجد في كل عصر وفي كل أمة، وهؤلاء نموذج لهم ومثال عنهم، فلم يكتفوا بكفرهم، بل قال هؤلاء الكفار للذين آمنوا بالله وبرسوله وبكتابه: دعوا دينكم ودعوا الإيمان ودعوا الناس، واتبعوا طريقنا وانصروا كفرنا، ونحن نلتزم لكم بأن نحمل خطاياكم وجرائمكم وآثامكم، قال الله عنهم: {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [العنكبوت:12]. وصناديد قريش ما كانوا إلا مثالاً للكفار الصادين عن الله ورسله وكتبه، وكانوا قد قالوا للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا وطريقنا في الكفر ودعوا الإيمان وعودوا إلى دين الشرك والكفر ونحن نلتزم لكم بأن نجعل آثامكم في أعناقنا، فيتحملون أوزار أنفسهم وأوزار هؤلاء الذين يضلونهم، قال الله عنهم: {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [العنكبوت:12] أي: كذبوا وافتروا، بل كما قال الله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت:13] أي: أن هؤلاء الذين كذبوا وافتروا: سيحملون أوزار غيرهم. وهنا يقسم الله جل جلاله، ولام الابتداء هي الموطئة للقسم، وأكد ذلك بنون التوكيد الثقيلة، أي: إن هؤلاء الدعاة إلى الكفر، والذين زعموا للمؤمنين بأنهم سيحملون أوزارهم وآثامهم، سيحملون يوم القيامة أوزار أنفسهم وأثقالهم، وهي جمع ثَقل وثِقل، أي: ثقل الجرم وثقل الشرك والإثم وثقل الجريمة، فيحملونها عن أنفسهم؛ لكفرهم ولشركهم ولصدهم عن الله، وليحملن مع أثقالهم وأوزارهم أثقالاً أخرى زائدة على ذلك، كما قال تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [العنكبوت:13]، أي: وسيسألون يوم البعث، ويوم العرض على الله عن هذا الكذب والافتراء: من الذي قاله لهم؟ وفي أي كتاب وجدوه من كتب السماء؟ وفي أي منطق من العقل؟ إن هم إلا كاذبون في ذلك، وسيحملون أثقال أنفسهم وأثقال الذين أضلوهم بغير علم. وهذا المعنى زاده النبي عليه الصلاة والسلام بياناً فذكر أن قوماً يأتون يوم القيامة ومعهم حسنات كثيرة، ولكن صاحبها يأتي وقد ظلم هذا وشتم هذا وأكل مال هذا، فيعرض يوم القيامة على الله وأصحاب الحقوق يطلبون حقوقهم، وإذا كان لا حقوق هناك وليست إلا حسناته فإنه يؤخذ من حسناته وتعطى لأولئك المظلومين، فلا يزال يؤخذ من حسنات هذا الظالم الشاتم حتى لا يبقى له شيء منها، فيقول الله لملائكته: خذوا من أوزار أولئك المظلومين واجعلوها في ميزان هذا الظالم، أي: أنه تضم أثقال هؤلاء إلى أثقاله، وأوزار هؤلاء إلى أوزاره، وآثامهم إلى آثامه. وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أصحابه يوماً: (من المفلس فيكم؟ فقالوا: الذي لا مال له ولا متاع، فقال: المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات كأمثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا وأكل مال هذا وشتم هذا، فيؤخذ من حسناته وتضم لحسناتهم، حتى إذا فنيت حسناته، أخذ من آثامهم فطرحت عليه، ثم يقال: خذوه فاسحبوه إلى النار). وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ما من قتل أو إثم يحدث إلا كان على ابن آدم الأول كفل من وزره؛ لأنه أول من سن القتل)، أي: لأنه كان أول من ارتكب جريمة القتل، فكان وزر القتل عليه حيث قتل فيه نفساً ظلماً وعدواناً، ويبقى عليه وزر من ارتكب هذه الآثام وقتل النفس المؤمنة بغير حق، فيحمل أوزاره وأوزار الآخرين الذين ارتكبوا عمله وتأسوا به. ويقول عليه الصلاة والسلام: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) وهكذا. فهؤلاء دُعاة النار وهؤلاء الكفار المشركون الصادّون عن الله ودينه قالوا كما حكى الله عنهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا} [العنكبوت:12]. فطلب الكفار من المؤمنين بعد إيمانهم أن يتبعوا سبيل الكفر والشرك وسبيل التهود والتنصر وقالوا لهم نحن نحمل أوزاركم وآثامكم ويكون ذلك في أعناقنا وفي رقابنا، فقال الله عنهم: {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت:12 - 13]، أي: بل سيحملون أثقال أنفسهم وجرائمهم وآثامهم وعظائمهم وكبائرهم، ويحملون كبائر غيرهم من الذنوب والآثام الذين أضلوهم بغير علم. {وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [العنكبوت:13]، أي: وسيؤتى بهم يوم القيامة فيسألهم الله جل جلاله عن هذا الإفك والكذب الذي كذبوه والباطل الذي زعموه، وذهبوا يضلون الناس به بغير علم ويقولون لهم: نحن نتحمل عنكم آثامكم، وهذا ديدن كل ضال يريد أن يغري غيره بضلاله وبكفره، سواء كان حاكماً أو محكوماً، أو زعيماً أو رعية، أو عالماً أو جاهلاً، وسواء كان داعية للكفر أو للتهود أو للتنصر، فإنه عندما يدعو غيره إلى كفره ونفاقه وبعده عن الله يحاول أن يذكر له أعماله ويفتخر بها، ويلتزم بتحمل وزر أولئك. والله يكذبهم ويقول: {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [العنكبوت:12]، أي: بل سيحملون أثقالهم وجرائمهم وجرائم الذين أضلوهم بغير علم. وعلى هذا قامت النصرانية، فقد جعلوا مبدأهم الصلب والفداء، وذلك عندما زعموا أن عيسى الذي صلبه اليهود رباً، فقيل لهم: كيف يكون عيسى رباً وقد صلبه اليهود وقتلوه؟ فاضطربوا وقالوا تارة عنه: هو الله، وتارة: هو ابن الله، وجعلوا الله ثالث ثلاثة، قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} [المائدة:73]، وقال: {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة:30]. وهكذا تعددت أقوالهم الكفرية الصلعاء، ثم زعموا أن عيسى إنما فعل ذلك ليفدي عباده ويفدي خلقه من الإثم والجريمة والخطيئة، فجعلوا شعار دينهم ومبدئه الصلب، أي: إن ربهم صلب نفسه وفعل ذلك عن طواعية، ثم قالوا: الفداء، أي: فداهم بنفسه وتحمل آثامهم وجرائمهم؛ وبهذا كانت النصرانية جزءاً من اليهودية، ولن يكون النصراني نصرانياً إلا بعد أن يكون يهودياً؛ فهم يؤمنون بما يسمونه العهد القديم وهو التوراة، ويزعمون أنها كذلك، ثم بالعهد الجديد وهو الإنجيل. وعيسى عليه السلام لم يُرسل إلا إلى اليهود ولم يُرسل لأحد غيرهم، وقد روي عنه في الإنجيل أنه قال: إنما أرسلت إلى خراف بني إسرائيل الضالة. وأكّد القرآن هذا الكلام وهو المهيمن عليه، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} [الصف:6] فعيسى عليه السلام يقول لليهود: لست إلا رسولاً إليكم ومرسلاً لكم ولم أُرسل لغيركم، ولذلك إذا ذُكر في الكتب السماوية وفي الكتاب المهيمن عليها بنو إسرائيل فإنما يُقصد بذلك اليهود والنصارى معاً؛ لأن عيسى عليه السلام آخر أنبياء بني إسرائيل، والنصرانية ليست إلا ديناً إسرائيلياً حُرّف وبُدّل كما حُرّفت العقيدة فيه من توحيد إلى وثنية، وإلى جعل الله الواحد ثلاثة وعبادة الله وعيسى ومريم، فكذبوا وأفكوا وقالوا على الله بغير علم. فهؤلاء عندما جعلوا من دينهم ومبدأ شأنهم شعار الصلب والفداء، قصدوا أنه فدى البشرية بصلبه نفسه، وبذلك فتحوا الأبواب على مصارعها للفواحش والخطايا والجرائم، وقد قالوا لبعضهم: إن عيسى قد تحمّل عنهم وزرهم وخطيئتهم لما سلّم نفسه للصلب، فكان بذلك قد افتداهم وتحمّل خطيئاتهم؛ وهذا يكذّبه القرآن بقوله: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164] وهذا هو المبدأ الإسلامي المنطقي والعقلي. وكرر الله هذا المعنى هنا بأوسع عبارة فقال: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا} [العنكبوت:12]، أي: اتبعوا طريق الكفر والوثنية وعبادة عيسى ومريم وقولوا بالفداء والصلب واجعلوا ذلك شعاراً، {اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت:12] فكذّبهم الله فقال: {وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ} [العنكبوت:12] و (شيء) نكرة في سياق النفي فتعم جزئيها وكليها، وصغيرها وكبيرها، ثم أكد الله هذا التكذيب فقال: {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [العنكبوت:12]، أي: كذبوا على الحق وكذبوا على أنفسهم وكذبوا على الناس. ثم زاد الله فقال: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت:13]، أي: عقيدة الصلب والفداء في زعمهم، فلم يكن صلب ولا فداء، وإنما هي خزعبلات وأباطيل وضلالات، فقد لعبت اليهودية بهم فتلقفوها وجعلوها عقيدة، عاشوا عليها وماتوا عليها منذ ألفي سنة أو قريب من ذلك، فكذّبهم الله وقال عنهم: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [العنكبوت:13]. أي: وسيبعثون بعد الموت يوم القيامة للحساب وللعرض على الله يوم الفصل بين الخلق، فيسألون عن هذا الكذب الذي كذبوه والذي افتروه، وكيف يكون رب قد صُلب و
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه)
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه) قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت:14]. هنا يسلي الله جل جلاله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ويعزيه ويقول له: يا محمد! ما لقيت من قومك في مكة أنت وأتباعك من شطط ومن اعتداء وتكذيب فنوح قد سبقكم إلى هذا الصبر والبلاء، فقد بقي مدة ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعو قومه إلى الله وإلى عبادته، وبعد هذا العمر الطويل وهذه القرون الممتدة ما آمن معه إلا قليل. قال بعض المفسرين: لم يؤمن معه إلا اثنا عشر شخصاً، وبالغ من بالغ فقال: آمن معه سبعون شخصاً، وقد قال الله عنه: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]. وأخبره بأنه لن يؤمن معه إلا من قد آمن، وعندما أخُبر من الله بذلك يئس، وعند ذلك دعا على قومه كما قال تعالى حاكياً عنه: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح:26 - 27]، فاستجاب الله له وكان ما سيذكره الله. وقصة نوح عليه السلام قد مضت في سورة هود مفصّلة بعض الشيء، وإنما أعيد ذكر نوح هنا للتسلية والعزاء لنبينا عليه الصلاة والسلام فيما لقي من قومه من تكذيب وصد، ومن إصرار على إخراجه من بلدته وهي عزيزة عليه، وما تركها -وهي أحب البلاد إليه- إلا مرغماً طاعة لله وثقة في وعده على أنه سيعود إليها فاتحاً مظفّراً منصوراً، وقد نزل عليه عليه الصلاة والسلام وهو مهاجر إلى ربه في الجحفة -رابغ- قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص:85]، أي: سيُعيدك إلى مكة عزيزاً مظفّراً منتصراً على أعدائك، وكذلك كان، {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة:111]. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (بُعث نوح لقومه وهو ابن خمسين ومائتي سنة، ثم عاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة) أي: أنه عاش ألفاً وأربعمائة وخمسين سنة. وورد أن ملك الموت عندما جاءه لأخذ روحه قال: يا نوح! ويا أطول الأنبياء عمراً! يا مجاب الدعوة! -وكان قد دعا على قومه- كيف وجدت الدنيا؟ قال: كمن بنى بيتاً وجعل له بابين دخل من باب وخرج من الآخر، فكانت هذه السنون وهذه القرون عند الموت وكأنها لم تكن. وقد مثّل النبي عليه الصلاة والسلام الدنيا كلها كمسافر آذاه حر الشمس فاستظل تحت ظل شجرة منتظراً الفيء ثم مضى، أي: إن الحياة كلها منذ الخلق الأول إلى يوم القيامة ليست عند نهايتها إلا كإنسان آذاه حر الشمس فاستظل تحت ظل شجرة حتى إذا زالت الشمس تابع طريقه، وكأن الدنيا لم تكن. قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت:14]. فهؤلاء الذين عذّبوا وأتعبوا وكذّبوا نوحاً نبي الله طوال هذه القرون الطويلة أغرقهم الله بالطوفان، فقال للسماء: أمطري وقال للأرض: أخرجي، وهكذا. وقد كُلّف نوح قبل ذلك بأن يبني سفينة ويصنعها، فصنعها وركب معه من آمن، وجاء الطوفان على الخلق كلهم رجالهم ونسائهم، صغارهم وكبارهم، إنسهم وجنّهم، طيرهم وحيوانهم، ولذلك حمل نوح معه من كل شيء زوجين من كل أنواع الدواب ومن كل أنواع الطير إلى أن عادت الحياة مرة أخرى عندما قال الله للأرض وللسماء: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي} [هود:44]. وكانت النتيجة ذهاب العقاب وترك أثره عبرة للمعتبرين ما دامت الدنيا وما دام الإنسان على وجه الأرض. قال تعالى: {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت:14]، أي: أخذهم عذاب الله بطوفان الماء عليهم فماتوا غرقاً وهم ظالمون، وحل عليهم ظلمهم لأنفسهم، والظلم إذا أُطلق لا ينصرف إلا إلى الكفر، أي: وهم كافرون بالله وبنبي الله وبالحق الذي جاء من الله، فعوقبوا في الدنيا بالطوفان والغرق، ولعذاب الله يوم القيامة أشد وأنكى.
تفسير قوله تعالى: (فأنجيناه وأصحاب السفينة)
تفسير قوله تعالى: (فأنجيناه وأصحاب السفينة) قال تعالى: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [العنكبوت:15] فطاف الطوفان على الأرض فلم ينج الله منه إلا نوحاً ومن آمن معه، بل إن أحد أولاده لم يؤمن به وأبى إلا الكفر وقال سأستعصم بجبل من الماء، وقال له والده: {لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} [هود:43] وهكذا حال الموج بينه وبين ولده، {فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود:43]، وهو كافر بالله. فتجددت الحياة بعد ذلك وأنقذ الله نوحاً ومن آمن معه من الغرق، وما آمن معه إلا قليل، وترك الله ذلك آية وعبرة ودرساً للعالمين ولكل العوالم التي ستأتي بعد نوح وتسمع قصته. وقد ذُكرت هذه القصة في جميع الكتب السماوية: التوراة والإنجيل والزبور على ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير إلى أن نزل الكتاب الخاتم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فبيّن وفصّل وأظهر ما زاده أولئك الذين انحرفوا وتركوا الدين الحق، وعندما نسخت أديانهم بكتاب الله القرآن وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم بقوا على ضلالاتهم وأوهامهم وشركهم، لا تزيدهم الأيام إلا إصراراً على الكفر وظلمة وضلالاً. والضمير في (جعلناها) قال قوم: يعود للعقوبة، أي: تركنا هذه العقوبة التي كانت بالطوفان والغرق عبرة ودرساً للعالمين بكل أنواعهم إلى يوم القيامة. وقال بعضهم: (وجعلناها) أي: السفينة نفسها بما حملت وأنجت من الذين ركبوها. وسواء عاد الضمير للعقوبة أو للسفينة أو للنجاة فالمعنى واحد، فقد كان الطوفان عبرة، وكانت نجاة نوح ومن آمن معه عبرة، وكل ذلك تركه الله في كتابه عبرة للمعتبرين وفكراً للمفكّرين ودرساً للدارسين؛ ليتخذوا منه العبر في حياتهم ومستقبل أيامهم، حتى إذا حدّثت الإنسان نفسه بالكفر والشقاق فيجب أن يعلم أن الذي عاقب الأولين بعضهم بالغرق وبعضهم بالخسف وبعضهم بجعل الأرض عاليها سافلها هو الله الذي كان ولا يزال، والذي لا أول له ولا آخر، وهو على ما كان لا يزال جل جلاله. وذلك درس وتهديد ووعيد للكفرة والمنافقين الذين يأبون إلا الإصرار على الكفر والشرك.
تفسير قوله تعالى: (وإبراهيم إذ قال لقومه)
تفسير قوله تعالى: (وإبراهيم إذ قال لقومه) قال تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [العنكبوت:16]. إبراهيم مفعول منصوب لأرسلنا المتقدمة، ويحتمل أن يكون المعنى: واذكر يا محمد! إبراهيم، أي: اذكر قصته وطالما تُليت وكررت في القرآن الكريم عند كل مناسبة لحكمة جدت ولواقعة نزلت ولعبرة دعت إليها، وكذلك هي تسلية وتعزية له صلى الله عليه وسلم؛ لأن نوحاً تحمّل من قومه الشدائد ألف سنة إلا خمسين عاماً، وتحمل إبراهيم من ذلك ما يقاربه أو يزيد، فقد ابتلي في سبيل الدعوة إلى الله من قومه منذ اليوم الأول بأن أُخذ أخذاً وطُرح في النار للحرق وللعذاب والمحنة، ولكن يأبى الله إلا نصرة رسله وأوليائه والعاقبة للمتقين. فأنت يا محمد! مهما كذّبك قومك وقالوا: إنك ساحر ومجنون، ومهما هجروك وأدموك وأخرجوك من بلدك فلم يحصل لك ما حصل لنوح مع قومه ولا لإبراهيم مع قومه، فكان ذلك من الله جل جلاله تقوية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم ليزداد نشاطاً وحركة ودواماً واستمراراً في الدعاء إلى الله وتبليغ الرسالة والأمر بها بلسانه وبسيفه وفي حياته كلها حاضراً ومسافراً. وإبراهيم عليه السلام دعا قومه إلى ترك الأوثان وإلى نبذها، وإلى أن المعبود هو الله الحق، فهو الخالق وهو الرازق وهو الواحد الذي لا ثاني له {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ} [العنكبوت:16]، أي: اجعلوا وقاية وشيئاً يقيكم من عذاب الله ولعنته وغضبه وعقابه، وهذه الوقاية هي عبادته وطاعته وامتثال أمر نبيهم. فقال لهم: يا قومي! إيمانكم بالله وعبادتكم له وحده خير لكم حالاً ومآلاً، وخير لكم في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا ينصركم الله ويملككم رقاب الخلق حُكّاماً عليهم وناشرين للتوحيد والعدل، وفي الآخرة يجازيكم الله ويكافئكم برحمته ورضاه وبدخول الجنان. {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [العنكبوت:16]، أي: إن كانت لكم عقول تفهم وآذان تسمع، وعيون تُبصر، وأما إن كانوا كما وصفهم الله بأنهم كالأنعام بل هم أضل فسيصرون على كفرهم وعلى شركهم وعلى عنادهم. فبعد أن دعاهم إلى الله وبين لهم ما يجب أن يفعلوه وما يجب أن يتركوه ذكر لهم أن ذلك خير لهم لو كان عندهم علم ومعرفة.
تفسير قوله تعالى: (إنما تعبدون من دون الله أوثانا)
تفسير قوله تعالى: (إنما تعبدون من دون الله أوثاناً) قال تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت:17]. أي: قال إبراهيم لقومه: هذا الذي تعبدونه من دون الله وتخصونه بالعبادة من دون الله ليس إلا أوثاناً، وهنا أتى بأسلوب الحصر. والأوثان جمع وثن، والوثن: الصنم والحجر والخشب يصنعه الإنسان ثم يسجد له، وأنواع الأوثان في الأرض كثيرة، فمن الناس من عبد الملائكة، ومن الناس من عبد الجن، ومن الناس من عبد الأنبياء والصالحين كعيسى ومريم، ومن الناس من عبد الأحجار، ومن الناس من عبد ما يسمونه الطبيعة، ومن الناس من عبد اليهود، ومن الناس من عبد ماركس ولينين وتركوا دين الله وقالوا بالشيوعية والاشتراكية كفراً بالله، وابتعاداً عن دينه، وتغييراً لإمام الهداة وإمام الأنبياء إلى أسماء قذرة وسخة عوضاً عن هذا الدين الحق والإمام الحق محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذه الأوثان قال إبراهيم عنها لقومه: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} [العنكبوت:17]. أي: إنما تعبدون أوثاناً وأصناماً لا تضر ولا تنفع، فهي لا تنفع نفسها ولا تضرها، فكيف تنفعكم أو تضركم؟ أتركتم الله الخالق الرازق الذي يرزق ويعطي ويمنع وعبدتم المخلوق العاجز!! {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا} [العنكبوت:17] وكيفما كان شكلها فهي أصنام لا تضر ولا تنفع سواء كانت جامدة أو متحركة، فهي لا تضر ولا تنفع نفسها فكيف بغيرها؟ {وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} [العنكبوت:17]. أي: تصنعون كذباً وزوراً وتأتون إلى هذه الأصنام فتسمونها آلهة، {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم:23]. فلا سلطان علم، ولا دليل عقل، ولا دليل نقل، وإنما هي أمراض وعلل أُصيبت به عقولكم، وتركتم الله الخالق، وتركتم الأنبياء على عصمتهم وعلى رسالتهم، وتركتم خاتم الأنبياء والرسل الذين أُرسل لكل الخلق منذ بعثته كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]، فكان رسولاً للخلق جميعاً إلى يوم القيامة، ولا دين عالمي جاء لكل الخلق إلا الإسلام. وأما الأديان الأخر فهي أديان محصورة في أقوام وعصور، ولو ادعى بعضهم أو جميعهم أن أديانهم عالمية، فمثلاً موسى لم يرسل إلا لبني إسرائيل، وعيسى قد ذكرنا قوله في الإنجيل والقرآن، وأما نبينا عليه الصلاة والسلام فقد قال: (خصصت بخمس) فذكر منها: (كان الأنبياء قبلي يُرسلون إلى أقوامهم خاصة، وأرسلت للناس عامة). وقال عليه الصلاة والسلام: (لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتّباعي) وعيسى عليه السلام كذلك، وهو لا يزال في السماء فقد رفعه الله إليه، {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ} [النساء:157] وإنما تلك فرية افتراها اليهود وصدقتها النصارى؛ لفساد عقولهم ولسخافة نفوسهم. وإنجيل برنابا يصرّح بهذا المعنى الذي قاله القرآن الكريم من أن عيسى لم يُصلب ولم يُقتل، وإنما قُتل شبيه له من حوارييه كان منافقاً باعه بدراهم معدودة إلى حاكم القدس إذ ذاك، وقد قال الله تعالى في كتابه: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء:157]، أي: قتلوا شبيهاً له وهم يعلمون أنه ليس بعيسى. وفي إنجيل برنابا: أن هذا الذي حملوه على الصليب وألبسوه تاج الشوكي كان وهو في الطريق إلى الصلب يبكي ويصيح: لست عيسى، أنا شكوت عيسى وأغريت الروم بعيسى، وهم يلعنونه ويتفلون في وجهه، ولكن الله رفع إليه عيسى! وقد اجتمع به نبينا عليه الصلاة والسلام عند المعراج في السماء الأولى، وسينزل في آخر الزمان بنص القرآن ونص السنة المتواترة وإجماع المسلمين، وما أنكر ذلك إلا ضال أو جاهل أن يتعلم، وليس الجهل بعذر، فسينزل عيسى ويكون من أتباع نبينا، وسيحج حجة الإسلام، ويصلي صلاة المسلمين وسيأتم بالمسلمين، وقد ترجم له من كتب في الصحابة، فترجم له الحافظ في الإصابة على أنه من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن تعريف الصحابي ينطبق عليه، فالصحابي هو من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً وآمن به ومات على ذلك، وعيسى اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو حي، وسينزل للأرض وهو على دين محمد صلى الله عليه وسلم وعلى دين الإسلام، وسيموت على ذلك، فهو إذاً صحابي كما ترجم له من كتب في تراجم الصحابة كـ ابن الأثير وكـ ابن عبد البر والحافظ، وهذا إجماع بين المسلمين. وقوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} [العنكبوت:17]، أي: تخترعون وتختلقون وتصنعون الكذب إفكاً وكذباً وتزعمون أنها آلهة، وأنها معبودات من دون الله، وليس ذلك إلا في عقولكم السخيفة الضائعة، قال الله تعالى عن إبراهيم فيما قاله لقومه: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا} [العنكبوت:17]. أي: هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله لا يملكون أن يطعموكم إذا جعتم، أو يسقوكم إذا عطشتم، أو يشفوكم إذا مرضتم، أو يحيوكم إذا متم، فكيف تعبدون من لا يضر ولا ينفع؟ {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ} [العنكبوت:17]، أي: من أراد الرزق فليطلبه من الله، ولا يستغني مخلوق عن الرزق وإلا لمات جوعاً وهلك عطشاً، ولو طلبوا ذلك من الأوثان لما فعلت، فهم يعبدون من لا يعطيهم ويتركون من يعطيهم، فهل هناك سخافة وضياع عقول أقبح من هذا؟ {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ} [العنكبوت:17]، أي: ابتغوا الرزق عنده، فهو جل جلاله قادر على رزق هؤلاء العباد بكل أشكالهم وأنواعهم ولا يعجزه عن ذلك شيء، وهو القادر على كل شيء. قال تعالى: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت:17] فالله وحده الذي يجب أن يُعبد فاعبدوه، وهو الذي يجب أن يُطلب منه الرزق ويُبتغى ويُراد فهو القادر، فالشكر له والحمد له. {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت:17]، أي: إلى الله الرجوع وإليه المعاد والبعث، وعندما نحيا ونبعث مرة ثانية إلى الله فهو الذي سيحاسبنا على من فعل خيراً فخير ومن فعل شراً فشر، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} [الزلزلة:7 - 8]. فكيف تتركون الخالق الرازق، وتجرون خلف من لا يضر ولا ينفع، ومن لا يرزق ولا يحيي؟!
العنكبوت [18 - 22]
تفسير سورة العنكبوت [18 - 22] ينذر سيدنا إبراهيم عليه السلام قومه، ويخبرهم أن ما عليه إلا البلاغ، وأن عليهم أن يسيروا في الأرض فينظروا الدلائل على ربوبية الله وألوهيته، ويعلموا أنهم ليسوا معجزين.
تفسير قوله تعالى: (وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم)
تفسير قوله تعالى: (وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم) قال تعالى: {وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [العنكبوت:18]: لا يزال إبراهيم يتكلم مع قومه ويقص الله علينا محاورته ودعوته لقومه، وأنه قال لهم: قد كذبت أمم من قبلكم، وكذب الكثيرون منهم، فلم تزيدوا أكثر من أن تلحقوا بهم، وتعاقبوا عقوبتهم. ولذلك فليس من وظيفة النبي الهداية والتوفيق، وليس من وظيفة النبي أن يدخل الإسلام في قلوبكم وعقولكم. قال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [العنكبوت:18] فوظيفتي ووظيفة الأنبياء قبلي وبعدي أن أبلغكم دين الله، وأن أعلن دين التوحيد، وأن أدعوكم إلى عبادة الله الواحد، وأن تتركوا الأصنام والأوثان وما لا يضر ولا ينفع، وأما الهداية فليس عليَّ هداهم ولكن الله يهدي الله من يشاء، {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56]. قال الله تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:3] أي: لعلك يا محمد! مهلك نفسك على أن يؤمن بك قومك، فلم يطلب منك هذا وإنما طلب منك البلاغ كما طلب من الأنبياء قبلك. فأمر أن يقول لقومه: إن كذبتموني وقلتم إنني كاذب ولست رسولاً من الله، فقد سبق أن كذبت الأمم قبلكم أنبياءهم، وليست وظيفتي الهداية ولكن وظيفتي أن أدعو الناس إلى الله بما أمرني به، وأن تتركوا عبادة الأوثان، وأن تتقوه وحده، فهو المحيي المميت، وهو الخالق الرازق.
تفسير قوله تعالى: (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق)
تفسير قوله تعالى: (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق) قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [العنكبوت:19]. هذه الآيات تخللت محاورة إبراهيم لقومه، وقال البعض: إنها من قول إبراهيم. قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [العنكبوت:19]. أي: أليست لهؤلاء أعين تبصر وترى؟ ألم يتجولوا ويسيحوا في الأرض وينظروا بأبصارهم كيف ابتدأ الله الخلق أول مرة من العدم؟ وكيف كرره وأعاده؟ ألم يروا إنساناً قد مات وترك ذرية ضعافاً صغاراً فتزوجوا فكبروا وإذا بهم يلدون أولاداً، وأولئك الصغار أصبحوا كباراً، فمن الذي أمات الكبير؟ ومن الذي خلق الصغير؟ وكيف تم هذا التوالي؟ وكل يوم نرى الصلاة على الجنائز، فقوم يذهبون وقوم يأتون. فالله بدأنا من نطفة نراها، والبنت قبل أن تتزوج وقبل أن تتصل بذكر وفحل لا تلد ولو عاشت عمر نوح، فإذا تزوجت ولدت من السنة الأولى، وقد تلد في السنة الثانية إن قدر لها، فمن الذي خلق ذلك الوليد؟ ومن خلق تلك النطفة في صلب الرجل، وتلك النطفة في رحم المرأة؟ ثم يكبر هذا المولود ثم يذهب إلى ما ذهب إليه آباؤه. وفي هذه الأرض تأتي الشمس ويأتي الصيف، وإذا بالأرض قد يبست أوراقها وذهبت ثمارها، وأصبحت الأرض بلقعاً ليس فيها شيء، وإذا بالأمطار تأتي وإذا بالربيع يعود بعد ذلك، وإذا بالأرض تهتز بالأشجار وبالأوراق وبالثمار وبالأرزاق والخيرات، فمن الذي أتى بالأول ثم ذهب به؟ ومن الذي جدد هذا؟ فنحن نرى هذه البداية في خلق الله بأعيننا، فمن لم ير ذلك فإن بصره لا يبصر، وسمعه لا يسمع، وقلبه لا يفقه، كما قال ربنا {هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الفرقان:44]. هذا في الدنيا، أما إذا حاولنا أن نستدل على الآتي بالماضي فليفكر كل إنسان في نفسه: أين كنت قبل تلك السموات؟ ومن الذي أتى بي؟ وهل كان أبي يعلم أنني سأكون له؟ وهل كنت أعلم أن ولدي سيكون لي؟ فإذا كنا نرى هذا ونعيش في واقعه ونحس به فلم نستبعد البعث يوم القيامة وقد كنا مخلوقين من قبل. والبعث أهون من الإيجاد من العدم مع أن كل شيء هين على الله ولا يعجزه شيء. وهذا كله سهل على الله، ولا يكلفه شيء، ويكفي أن يقول: كن فيكون، فقد خلق سبحانه هؤلاء الخلق المعدودين وقام بهم وبرزقهم، وبكسوتهم، وبما يحتاجون إليه مدة حياتهم، ولو كلفت بذلك دولة لعجزت عن ذلك، وهي نفسها تحتاج لما تحتاج إليه من طعام وسكن وكسوة وصحة.
تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)
تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) أكد الله تعالى المعنى السابق ليلفت أنظار الخلق لترك الوثنية والشرك والكفر فقال سبحانه: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} [العنكبوت:20]. أي: قل يا محمد لهؤلاء: سيروا في الأرض وانظروا إلى الآثار القديمة، هذه الحفريات، هذه القصور، هذه الأهرامات كيف صنعت؟ وكيف قطعت تلك الأحجار العظيمة الطويلة من مسافات بعيدة؟ وكيف قطعت على نفس الشكل؟ وكيف وضع بعضها على بعض؟ قصور بابل كيف بنيت؟ وكيف بقيت خرائبها؟ كل هذا صنعته عقول البشرية، والله هو الذي خلقها. فلماذا الطغيان؟ ولماذا يظن إنسان هذا القرن أنه أعلم الناس وأقوى الناس وأعرف الناس؟ يجب على الإنسان أن يعتبر وأن يفكر، ولذلك اعتبر الفكر نوع من العبادات. فإذا تفكر: من خلقني؟ كيف صنعت؟ من خلق هذه السموات؟ من خلق هذه الآثار؟ تكون النتيجة إن كان سليم العقل وكان مؤمناً هو أنه سيقول بغير شعور: الله، ولن ينكر ذلك إلا من لا عقل له، لأنه لا دليل على الكفر لا من منطق عقل ولا من برهان نقل، لا من القديم ولا من الحديث. قال تعالى: {ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ} [العنكبوت:20]. الذي أنشأ الخلق وابتدأه لأول مرة قادر على أن يعيده مرة ثانية، فالذي قدر على الأول يقدر على الثاني، والذي قدر على أن يوجدنا من العدم وعلى غير مثال سابق ألا يقدر على أن يوجدنا مرة ثانية؟ إن القرآن ليس كبقية الكتب التي يجب الاستسلام لها دون دليل ولا عقل ولا فكر فيما يزعمون، ومن قال ذلك فقد كذب على الله، فكتاب الله هو الإسلام، والله يخاطبنا في كتابه ونبيه عليه الصلاة والسلام في سنته بمنطق العقل، ولذلك تجد في القرآن: (أفلا يعقلون)، (أفلا يذكرون)، (أفلا يبصرون)، ويذكر آيات في خلق الأرض والسماء: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [البقرة:164] إلى آخرها، يقول النبي بعد تلاوة مثل هذه الآيات: (ويل لمن قرأها ولم يتدبرها)، يدعو بالويل على من يقرأ ذلك بغير تدبر، وبغير تفهم وتعقل. فديننا ليس كدين الرهبان الدجاجلة الذين أضلهم الله، والله إذا أراد ضلال إنسان كان ذلك لفساد ما في نفسه {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا} [الأنفال:70]. قال تعالى: {ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ} [العنكبوت:20] أي: النشأة الثانية يوم القيامة. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت:20]. أي: ليس شيء إلا والله قادر عليه، يفعل ما يشاء، ويقدر على ما يشاء، خلق هذه السموات والأرض، وخلق ما في الكون من عجائب وغرائب، ومن أعجب ذلك خلق الإنسان، وأعجب من الإنسان هذه الحشرة الصغيرة التي لا تكاد ترى إلا بالمكبر خلقت بلسان وأمعاء وسمع، ورزقها وزوجها وجعل لها جنساً، وجعل لها إحساساً، فمن يستطيع أن يصنع ذلك؟ وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد ومع ذلك فالإنسان ينكر، وكفار العصر أكثر من كفار الماضي، فالكفار الماضون لم يكونوا ينكرون وجود الله، إنما يدعون له شركاء، أما كفرة اليوم كالشيوعية والاشتراكية والوجودية فتنكر وجود الله. وبهذا الفكر عاشت بعض دول العالم في فساد وضياع، وحاولت أن تدخل هذا الضياع إلى جامعات المسلمين ومدارسهم، حتى مسخت بعض عقول المسلمين فأصبحوا أشد عداء للإسلام وهم يحملون اسم المسلمين، ويصنعون بالإسلام والمسلمين ما لا يفعله أعداؤه من اليهود والنصارى وغيرهم.
تفسير قوله تعالى: (يعذب من يشاء ويرحم من يشاء)
تفسير قوله تعالى: (يعذب من يشاء ويرحم من يشاء) قال الله تعالى: {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} [العنكبوت:21]. فالخلق خلق الله، والكون كونه، والظالم لا يكون ظالماً إلا إذا تصرف في ملك الغير، والله لا شريك له في ملكه، ومع ذلك لا يظلم. يقول تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا)، وقال تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:46]. ولكن الله عندما يعذب يعذب بحق، وعندما يرحم يرحم بحق، ومع ذلك يغفر الذنوب جميعاً إن شاء، إلا الشرك والكفر بالله، {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48]. ومن عذبه وقد مات موحداً مؤمناً إنما يمحصه ويطهره من الآثام، ثم تكون النتيجة إخراجه من النار ودخوله الجنة، أما الكافر فلا يخرج أبداً، لأن الله حرم الجنة على الكافرين، ومن مات وهو يشرك بالله ولم يقل في حياته: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين، فهو المشرك الكافر. قوله: {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} [العنكبوت:21]. أي: إليه المصير، والمعاد، وسنقلب وتعود حياتنا، وسيكون مصيرنا إليه، ليحاسب المحسن على إحسانه فيغفر له ويدخله الجنان، ويحاسب المسيء على إساءته فيغفر له إن شاء إن لم يكن كافراً، ويعذبه بالخلود في النار إن كان كافراً.
تفسير قوله تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء)
تفسير قوله تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء) قال تعالى: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [العنكبوت:22]. أي: يا هؤلاء! مهما ظننتم أنكم من القوة والحول والطول والقنابل الذرية والهيدروجينية، واذكر ما شئت من آلات السحق والمحق وفناء الأرض فهيهات أن يعجزوا الله خالقهم، هو القادر متى شاء أن يفنيهم وأن يسحقهم، والأمم التي سبقتهم لم تكن بأضعف منهم، فأين دولة الفرس؟ وأين دولة الرومان؟ وأين من قبلهم؟ وأين الكثير من الدول التي عاصرناها؟ وأين المملكة التي كانت لا تغرب عنها الشمس؟ أصحبت أذل من شسع النعل تسعى إلى العرب والمسلمين لتعيش على فتات موائدهم. واذكر غيرهم وغيرهم، ويوشك عن قريب أن يذهب الكل، نتيجة غضب الله عليهم، ونتيجة ارتباط مستقبلهم بمن أذلهم الله وكتب عليهم الذل واللعنة إلى الأبد، {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ} [المائدة:82]، {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [الأعراف:167]، فذاك وعيد الله ولن تقف قوة في وجهه، ومن حاول فلا يزيد على أكثر من أن يذل نفسه، ويربط مصيره بمصير هؤلاء الأذلاء، وهؤلاء القردة والخنازير وعبدة الطاغوت. وهؤلاء ليسوا أعداءنا نحن فقط، ولكنهم أعداء الله، ولقد لعنوا في كتبهم وعلى لسان أنبيائهم، وجدد اللعن القرآن الكريم فقال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [المائدة:78]، فمن أول أنبيائهم إلى آخر أنبيائهم وهم يلعنونهم، ونزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم فأمر بطردهم من ديار المسلمين، ولكن دولاً متأخرة، ودولاً جاءت بعد عهد الخلفاء الراشدين لم يطبقوا دين الله، ولا حكم الله فأبقوهم، فكان ما كان عقوبة للمسلمين؛ لبعدهم عن الله، وكفرهم به وردتهم، ورحم الله من قال: ردة ولا أبا بكر لها، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (كما دخلتم في دين الله أفواجاً ستخرجون من دين الله أفواجاً). ومن هنا ونحن نتلو قصة خروج الدابة، فستخرج في مكة قبل غيرها، عندما تكلم الناس {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ} [النمل:82] ثم هي تجرحهم وتكلمهم وتكتب في جبين كل كافر ومؤمن، فالكافر يفضحه الله ويكشفه أنه مسلم في المظهر وكافر في المخبر، ومنطو على الكفر، وعلى إعزاز اليهودية والنصرانية، وإعزاز النفاق، والله لم يقل: العزة لغير المؤمنين، وإنما العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون، وقد ذكر الله عن هؤلاء الذين لا يعلمون: أنهم منافقون، وإسلامهم كذب، وليس لهؤلاء أن يعايشوا إلا وهم أذلاء حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وأما أن يكونوا سادة وقادة فلا يقبل ذلك، ولا يسعى فيه إلا كاذب منافق ربط مصيره باليهود وذُلّ اليهود ولعنة اليهود.
العنكبوت [22 - 27]
تفسير سورة العنكبوت [22 - 27] إن الناس مهما طغوا وتجبروا وبلغوا من العلم فليسوا بمعجزي الله، فإنما أمره بين الكاف والنون، وقد حاور سيدنا إبراهيم عليه السلام قومه بذلك، وبين بطلان وثنيتهم، فأرادوا إحراقه، فأنجاه الله من النار، ونصره على قومه.
تفسير قوله تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض) قال الله تعالى: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [العنكبوت:22]. لا نزال مع إبراهيم خليل الله وأبي الأنبياء عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهو يزيف الأوثان والأصنام وعبادتها، ويدعو إلى توحيد الله وعبادته وحده، ثم ينذر ويهدد هؤلاء الكفرة بأنهم مهما كانوا من القوة والسلطان والجبروت والطغيان فلن يستطيعوا بحال من الأحوال أن يفروا أو يفلتوا من عذاب الله، حتى ولو صعدوا إلى السماء، ولم يكن إذ ذاك عند نزول هذه الآيات الكريمات طيران ولا تحليق ولا صواريخ ولا ما قد عاصرناه وأدركناه، وقد قيل: إن هذه الآية معترضة في محاورة إبراهيم لقومه، فهي من كلام الله سبحانه وتعالى الموجه لهم، وقيل: هي من قوله لهم. قوله: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} [العنكبوت:22] أي: يا هؤلاء الذين أشركوا بالله وخرجوا عن أمر الله لستم بحال من الأحوال بمعجزين، بل أنتم أقل وأحقر من أن تعجزوا الله، أو أن تفوتوا عن أمر الله، أو أن تفلتوا من عقوبته ونقمته وعذابه، سواء كنتم في الأرض أو استطعتم التحليق في أجواء السماء. وكل ما علا فهو سماء، وأما السماء التي بيننا وبينها خمسمائة عام فهي مساكن الملائكة، وأما السماء في الآية فهي ما علا الإنسان. والأفلاك فيها من الحيوان وفيها من الخلق، وفيها من الدواب التي تدب عليها، وكل ما يدب على الأرض سواء كان داباً على رجلين أو على أربع أو على بطنه فهو خلق من خلق الله. وقد قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ} [الشورى:29]، فقد بث ونشر في الأفلاك العليا وفي الأفلاك السفلى خلقاً من خلقه تدب على أرضه على رجلين أو أربع، أو تزحف على البطون. فهؤلاء المشركون حيث كانوا من أفلاك الأرض أو أفلاك السماء لن يعجزوا الله طلباً، ولن يعجزوه إن شاء عقوبتهم والنقمة منهم؛ نتيجة كفرهم وعصيانهم. قوله: {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [العنكبوت:22]. أي: وليس لكم من يتولى عنكم ظلمكم، أو يقف دون الله وعقابه لكم، إذ الكل خلقه، والكل تحت أمره وقهره، ولن يجرؤ أحد على معصيته فضلاً عن عداوته، ولا شريك له مما تزعمون وتفترون وتأفكون. قوله: (من ولي)، أي: من معين ومساعد ومؤازر. (ولا نصير): ينصركم على ظلمكم، ومن باب أولى ينصركم على الله، فلن يكون ذلك ولن يوجد وإنما هي خزعبلات نطقت بها ألسنتكم فسميتم الأوثان والأصنام آلهة، وذلك من إفككم ومن اختراعكم، ومن كذبكم على أنفسكم وعلى الحق.
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا بآيات الله ولقائه)
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا بآيات الله ولقائه) قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [العنكبوت:23]. قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ} [العنكبوت:23]: أي: بكتابه، وبرسله، وبالأدلة القاطعة على أنه الواحد المعبود لا شريك له في ذات ولا صفة ولا فعل، فهؤلاء الذين يكفرون بآيات الله وبلقائه ويكفرون بيوم البعث لا يؤمنون بأن الخلق سيبعثون بعد الموت، وأنهم يحشرون يوم القيامة للحساب والعقاب، ويكون مصيرهم إما إلى جنة وإما إلى نار، فهؤلاء قد كفروا بالله وكفروا بكتبه، وكفروا برسله، وكفروا بلقائه وباليوم الآخر وبالعرض على الله وبيوم القيامة. {أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي} [العنكبوت:23]: يقول الله عن هؤلاء الكافرين: إنهم قد يئسوا من رحمة الله، فقد يئسوا من الجنة، ويئسوا من أن يغفر الله لهم أو يرحمهم، {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48] فلا يغفر لمن كفر به، ولا يغفر لمن جعل مع الله إلهاً آخر، ولا يغفر لكل من لم يؤمن بالله وبرسوله وباليوم الآخر، وهو معنى اليأس في الآية، فإنهم قد يئسوا من الرحمة، ويئسوا من الجنة، ويئسوا من مغفرة الذنوب. قوله: {أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [العنكبوت:23]: الإشارة في قوله: (أولئك) لهؤلاء الذين كفروا بالله، وجحدوا الله ورسله وكتبه، وكفروا بيوم البعث -اليوم الآخر يوم القيامة- فهؤلاء الذين هذه صفتهم وهذه حالهم لهم عذاب أليم موجع، وقد يئسوا من الرحمة في الدنيا ما لم يتوبوا وينيبوا ويئوبوا إلى الحق، وهم في الآخرة أشد يأساً من الرحمة ومن المغفرة، ولهم مع ذلك العذاب الأليم الموجع المؤلم المذل المهين.
تفسير قوله تعالى: (فما كان جواب قومه)
تفسير قوله تعالى: (فما كان جواب قومه) قال تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت:24]. بعد هذا العرض والمحاورة من إبراهيم عليه وعلى نبينا السلام، وهو يدعو قومه إلى ترك الأوثان والأصنام، ويدعوهم إلى عبادة الله الواحد الخالق الرازق الذي لا ثاني له ولا شريك، وبعد أن بين لهم وأنذرهم وبشرهم وأوعدهم كان نتيجة ذلك أن أجابوا إبراهيم. وقوله: {فَمَا كَانَ جَوَابَ} [العنكبوت:24] نصب الجواب على أنه خبر كان المقدم، وتقدير القول: كان هؤلاء في جوابهم أن هددوه وأنذروه وأخذوا يختلفون بماذا يعاقبونه، فكان فعلهم ومداولتهم لقتله أو لحرقه هو الجواب، وهم بذلك تركوا المنطق والعقل، وتركوا الحوار بالدليل والبرهان، وعادوا إلى استخدام جاههم وقوتهم وسلطانهم، وظنوا أنه لا آخرة، وأن الدنيا بما فيها من جاه وسلطان وقوة لأصحابها تنجيهم من عذاب الله، وتنقذهم من نقمته وغضبه ولعنته. قوله: (قالوا)، أي: تداولوا بينهم، واختلفوا هل يحرق أم يقتل؟ فقال قوم: اقتلوه، وقال قوم: حرقوه، ثم اتفق رأيهم بعد ذلك على حرقه؛ زيادة في الحقد والنقمة، كافرين بنبوته جاحدين لنعمته رادين لإرشاده وهدايته مصرين على الكفر والشرك. والضمير في قوله: (قومه) عائد على إبراهيم، (إلا أن قالوا) أي: لم يشاركوه القول في الدليل والبرهان، ولم يردوا أدلته وبراهينه، بل تركوا كل ذلك وأعرضوا عنه، وهذا فعل الجهلة الأغبياء، ومن على شاكلتهم ممن لا دليل له ولا برهان من منطق عقل أو منطق دليل وإنما الإصرار على ما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم من الشرك وتكديسه ومن الكفر وبقائه. قوله: {قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} [العنكبوت:24] أي: فكان ما وصلوا إليه أخيراً أن قالوا: ابنوا له بنياناً فألقوه في النار، فاتفقوا بعد ذلك على حرقه زيادة في الانتقام منه والحقد عليه، فاتخذوا مكاناً جمعوا له الأحطاب من كل جانب، وجمعوا له الحجارة التي تكون وقوداً من الفحم الحجري الذي تدوم فيه النار أكثر من الخشب، فأشعلوه وتركوا ذلك أياماً إلى أن أصبح ناراً بيضاء، حتى أنها من العلو إذا حلق الطير فوقها احترق وسقط، ثم جعلوه في كفة المنجنيق وقذفوه إلى داخل النار انتقاماً وتحفظاً ونصرة لهذه الأصنام التي لا تعي ولا تعقل، وهذه الأوثان التي صنعوها بأيديهم وأسموها آلهة وأرباباً كذباً على الله وعلى رسل الله. قوله: {فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ} [العنكبوت:24] أي: بعد أن ألقي في النار وبقي أياماً إلى أن همدت النار وإذا بإبراهيم قائم لم تمسه النار بشيء، وكأنه لم يلق فيها ولم ينبذ، وذلك قول الله جل جلاله: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء:69]، ولو قال: كوني برداً فقط لمات من الزمهرير وشدة البرد. ولكن قال: (برداً وسلاماً) لتكون برداً عليه مع السلامة في حياته، والسلامة على صحته، والسلامة على بدنه وجسده، وهكذا كان، بعد أن انتهت الأيام والأسابيع وانطفأت النار وهدأت، فقد رئي إبراهيم في مكانه يعبد الله ويسبحه ويهلله ويكبره، وعاد كيد الأعداء في نحورهم، وغصوا بظلمهم، إذا كان كل ما استطاعوا أن يفعلوه هذا، فلم ينفعهم وبقي إبراهيم على حياته وعلى دعوته في رسالته. قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت:24]: أي: إن في إنجاء الله وإنقاذه لإبراهيم من نار الكفار الوثنيين لآيات ودلائل وبراهين لقوم يصدقون بالحق يؤمنون بالله يؤمنون بالرسل وما جاء عن الله وما بلغته الرسل. وجمع الله الكلام بين قصة نوح وإبراهيم ليقوي قلب محمد صلى الله عليه وسلم، وليعزيه وليسليه وينشط في تحركاته وبذله لدعوة ربه، وليعطيه نشاطاً إلهياً وحيوية جديدة ليستمر ويثابر على دعاء قومه لله، فلا يمل ولا يقنط، بل يتخذ من أبيه إبراهيم وأبيه الأعلى نوح مثالاً يحتذى، وعبرة يأخذ منها الحكم والدروس فيزداد قوة في الدعوة إلى الله، وإلى التوحيد، محتسباً ما عامله به قومه من التكذيب والتسفيه والقطيعة والاتهام بالباطل، ثم اضطراره لترك بلده وخروجه عنها. فالله يقول له: كما يقول لأتباعه من المؤمنين الدعاة إلى الله: انظروا كيف كان صبر من قبلكم على الدعوة إلى الله، مع ما لاقوه من أقوامهم طوال هذه القرون من تكذيب، وهجران، وسباب وشتائم، وانظروا كيف عومل الأولون من قذف في النار، وتحريق للأبدان على أن يتركوا الدعوة إلى الله، وليدعوا تزييف الأوثان والأصنام فما تركوا ذلك، بل بقوا على ذلك إلى أن لقوا الله. فمهما أصابك يا محمد فلن يكون كما أصاب نوحاً أو إبراهيم، فاصبر والعاقبة للمتقين، وهكذا كان صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم صبر الرجال الأشداء، وصبر الجبال الراسيات، فكانت العاقبة والنصر له، وكان أن أورثه الله ديار هؤلاء الكفرة المشركين من قومه وغير قومه، ونشر دينه وسلطانه في مشارق الأرض ومغاربها خلال خمسين سنة لا أكثر، فأصبح حكم الله الواحد يعلن في جميع بقاع الأرض ولا يزال، وأصبحت الشهادة بتوحيد الله: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، تدور على شفة كل مسلم، وفي جميع بقاع الأرض مشارق ومغارب، فلا تكاد تجد بقعة في الأرض يسكنها رجل وامرأة إلا وبينهم من يدعو إلى الله ويؤمن به، ويعترف لمحمد بالرسالة الخاتمة، وأن لا نبي بعده، وأنه الرسول النبي الخاتم إلى يوم القيامة.
تفسير قوله تعالى: (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا)
تفسير قوله تعالى: (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً) قال تعالى: {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [العنكبوت:25]. بقي إبراهيم بعد هذا العذاب، وبعد القذف في النار على دعوته لله، وقال لهؤلاء الكفرة الفجرة: يا هؤلاء! لم تكن عبادتكم للأوثان من دون الله إلا مودة بينكم -أي: إلا بالمودة والمصادقة والمؤاخاة- فما وجدتم شيئاً يجمع إخوتكم ومودتكم وصحبتكم إلا الشرك بالله والكفر به، وعبادة أوثان لا تضر ولا تنفع نفسها فضلاً عن غيرها، أما كان الأجمل بكم والأليق بعقولكم أن تكون المودة الرابطة هي الأة في الله، والحب في الله ذاك الحب الدائم، وتلك المحبة الدائمة؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -وذكر منهم-: ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه). ويقول الله عن أخوة الكافرين: {الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف:67]، وقد جمع بين الأخوة في الله والأخوة في الشيطان، ثم بين أن الأخوة الشيطانية تنقلب إلى عداء وبغضاء يوم القيامة، فيتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ويلعن بعضهم بعضاً، ويكفر بعضهم ببعض، (إلا المتقين) أي: إلا أخوة التقوى فهي الباقية الدائمة، فكما كانت في الدنيا هي كذلك في الآخرة يوم يجمعهم رضوان الله، وتجمعهم رحمة الله، وتجمعهم الجنان وهم إخوان على سرر متقابلين. قوله: {قَال} [العنكبوت:25] أي: إبراهيم. {إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا} [العنكبوت:25] أي: جعلتموها أرباباً من دون الله. {مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ} [العنكبوت:25] أي: لأجل المودة والصحبة والأخوة، وليرضى بعضكم عن بعض، ويصاحب بعضكم بعضاً. {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ} [العنكبوت:25]: فليس اتخاذكم ذلك إلا في الدنيا ولمن أصر على الكفر، أما يوم القيامة فسيكفر بعضكم ببعض، {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} [البقرة:166]. فكل أسباب الصحبة والمودة تنقطع، ويقول الأئمة عن تابعيهم: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الممتحنة:4]، ويقول الأتباع: أنتم الذين أضللتمونا فنحن نتبرأ منكم، ربنا زدهم عذاباً ضعفاً من النار، فكان A { لِكُلٍّ ضِعْفٌ} [الأعراف:38]، {اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108]، فأنتم أحقر من أن يطلب أو يتكلم أو يرجو. وهنا يقول تعالى: {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [العنكبوت:25]: أي: فشأنكم يوم القيامة التلاعن والشتائم والسباب، يتبرأ بعضهم من بعض، فيتبرأ التابع من المتبوع، والمتبوع من التابع. قوله: {وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ} [العنكبوت:25]: المأوى: المنزل والمسكن، فيجمع أئمة النار وتابعيهم، ويجمع كبراء الكفر وأتباعهم في النار، فيجادل بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، ويكفر بعضهم بعضاً. قوله: {وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [العنكبوت:25]: أي: ليس لكم سلطان ولا جاه، ولا مال ولا قوة، ولا جيوش ولا حشم، فلا ناصر من دون الله، يوم يخذلون من القريب والبعيد من التابع والمتبوع، يوم يأتون فرادى كما خلقوا وينادي الجبار: {لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر:16]؟ فلا يجيب أحد، ثم يجيب الله نفسه بنفسه: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر:16].
تفسير قوله تعالى: (فآمن له لوط)
تفسير قوله تعالى: (فآمن له لوط) قال تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت:26]. وبعد هذه المدة الطويلة، وما لقي إبراهيم من عنت قومه، وقذفه في النار لم يؤمنوا له حتى الأقارب إلا لوط عليه السلام وزوجته ابنة عمه سارة، وكان لوط ابن أخيه قد آمن بنبوته ورسالته، وعندما آمن قال: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} [العنكبوت:26]، أي: سأهجر دار الكفر التي يسكنها الظالمون وأهاجر إلى حيث أعبد الله حراً كما شئت وكما يأمرني ربي دون أن أجد معترضاً أو مانعاً أو متسلطاً قهاراً جباراً. قوله: (فآمن له لوط) أي: آمن به، ومعنى: آمن له، أي: صدقه وقبل رسالته فعبد الله وحده، ونبذ الأوثان والأصنام، وبعد إيمانه قال: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} [العنكبوت:26]. وقد اختلف في قائل ذلك، فقال بعضهم: الذي قال ذلك هو إبراهيم، والكلام لا يزال عن إبراهيم ولم ينته بعد. وقال قوم: الضمير يرجع إلى أقرب مذكور كما هي قواعد لغة العرب التي نزل بها القرآن، والذي ذكر قبل ذلك بقرب هو لوط في قوله: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ُ} [العنكبوت:26]. وسواء قلنا إن المهاجر هو لوط أو قلنا: إبراهيم، فقد هاجر إبراهيم وهاجر لوط، فهاجر إبراهيم إلى الشام، وهاجر معه ابن أخيه لوط إلى الشام، ثم استقل لوط بالهجرة إلى إقليم سدوم من أرض الشام، وهي اليوم أرض الغور في الأردن. والهجرة إلى الله لا تنقطع إلى يوم القيامة كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام، وأما قوله لمن حاول أن يهاجر من مكة إلى المدينة بعد أن صارت مكة دار إسلام وفتحتها كلمة التوحيد: (لا هجرة بعد الفتح) فإن الكلام مقيد، وقواعد الأصول تقول: إن الكلام إذا قيد بقيد فروح الكلام هو ذلك القيد، وإليه يتوجه النفي والإثبات، فقوله: (لا هجرة بعد الفتح) الفتح هنا هو الفتح المعهود للسامع وهو فتح مكة، فالألف واللام في قوله: الفتح، للعهد الذهني الموجود في ذهن الطالب للهجرة وفي أذهان الحاضرين السامعين لذلك، فقال لأهل مكة: (لا هجرة بعد الفتح) أي: فقد أصبحت مكة دار إسلام فلا حاجة للهجرة منها؛ لأن الهجرة تكون من دار الكفر أو دار الفسق إلى دار الإيمان والتقوى والصلاح، وأما الهجرة من دار إيمان إلى دار إيمان بلا سبب فلا داعي لها ولا مرغب فيها. ويسنثنى من ذلك إذا كان هناك سبب؛ كالهجرة لمكة المكرمة مثلاً رجاء الأجر في أن تكون الصلاة بمائة ألف صلاة، أو كالهجرة إلى المدينة المنورة رجاء أن تكون الصلاة بخمسين ألف صلاة، أو كالهجرة إلى القدس -وهي دار إسلام وأنوف اليهود وأنصارهم في الرغام- رجاء أن تكون الصلاة بخمسمائة صلاة، وهذا هو معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تنقطع الهجرة إلى يوم القيامة). والمعنى: إذا كانت دار الإسلام فالأندلس مثلاً عاشت مسلمة 800 عام، ثم انقلبت إلى الكفر والتنصير -أعادها الله للمسلمين- فإن بقي فيهم مسلم يجب عليه الهجرة منها. كذلك الهجرة من دار الفاسقين، فقد تكون البلد بلد إسلام ولكن الحكام أصبحوا يتحاكمون بأحكام اليهود والنصارى ويتأدبون بآدابهم، وانتشر الفسق والدعارة علناً، وتكشفت الأعراض وتعرت النساء، وشربت الخمور، وانتشرت الفواحش بكل أنواعها وألوانها، فإن وجدت داراً وأرضاً ليس فيها ذلك، وهي أقرب للإيمان والطاعة فيستحسن بالمؤمن الهجرة إليها إن استطاع فراراً بدينه، وحفاظاً على دين أهله وأولاده، وأسوته في ذلك لوط وإبراهيم، وأصلهما معاً من ضواحي الكوفة، ولم تكن الكوفة إذ ذاك ولكن أرضها وبقعتها في أرض العراق، فأرسل إبراهيم إلى العراق وكان معه لوط في العراق أيضاً، وهم أبناء أسرة واحدة في مدينة الكوفة، ومكانها اليوم، ولا تزال تسمى بهذا الاسم، وهي أشبه بقرية منها بمدينة لها مقامها وسلطانها، فلما كانت الدار لا تزال دار كفر، ولا يزال النمرود سلطاناً عليها هاجر منها إبراهيم إلى الشام ومعه لوط، إلا أن لوطاً هاجر على حدة وهاجر إبراهيم على حدة، وكان مهاجر لوط أرض سدوم من أرض فلسطين في أرض الغور فيما يسمى اليوم بالبحر الميت، وكانت تسمى في التاريخ بالبحيرة المنتنة. وذكر الهجرة من بلاد الكفر هنا يفيد أنها ستبقى مشروعة لكل المؤمنين، وأن هجران المؤمن بلاد الكفار أو بلاد الفاسقين ماض إلى يوم القيامة، ولكل إنسان نيته، وإنما الأعمال بالنيات. قوله: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت:26]. إن ربي هو العزيز يعز من يشاء ويذل من يشاء، إنما العزة لله ولرسوله وللمؤمنين وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ. ترك لوط وإبراهيم أرض الكفر والشرك في العراق طلباً لعزة التوحيد والإسلام والطاعة، ورغبة في عزة عبادة الله في حرية من غير مضايقة من حاكم ولا محكوم؛ ولذلك ختمت الآية بذكر العزة وبكون الله هو العزيز الحكيم، فهو العزيز الذي لا يقاوم وما من عزة إلا منه وإليه، إذ العزة لله، وهو الحكيم الذي يضع الأمور مواضعها أمراً ونهياً، فهو الحكيم في أفعاله، وفي أوامره، وفي نواهيه، وفي عقابه، وفي رحمته ومغفرته.
تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب)
تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [العنكبوت:27]. قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ} [العنكبوت:27]، مما يؤكد أن الضمير في قوله: {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} [العنكبوت:26] عائد على إبراهيم وأنه هو المهاجر؛ إذ الموهوب له إسحاق ويعقوب هو إبراهيم عليه السلام، فالكلام لا يزال عاماً والآيات في نسقها وتسلسلها كلها عن إبراهيم، وما ذكر لوط معه إلا استطراداً في أنه مع طول هذه الأوقات والأزمان لم يؤمن به أحد إلا لوط ابن أخيه. قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [العنكبوت:27] إسحاق هو الولد الثاني لإبراهيم، وقد وهبه من زوجته سارة، وقبله وهب الله تعالى لإبراهيم إسماعيل، كانت سارة أم إسحاق قد غارت من إسماعيل وأمه أن كان لها ولد وهي عقيم، فأدرك ذلك إبراهيم عليه السلام، فخاف على ولده إسماعيل منها وهو النبي الكريم والرسول الذي في ذريته النبوة والكتاب، فنقله إلى موضع مكة المكرمة -المكان الذي فيه ماء زمزم- كما مضى ذلك وسيعود في الكلام على ذكر إسماعيل ورسالة إسماعيل ونبوة إسماعيل. وقد كان إسحاق نبياً فقط، وكان إسماعيل نبياً رسولاً، ولا شك أن النبي الرسول أفضل وأكرم، إذ إن النبوة وحي إلى رجل ليعلمها في نفسه ولم يكلف بأن يبلغها غيره، فمصلحته هو دينه، وعبادته مقصورة عليه فقط، أما الرسول فهو رجل أوحي إليه بشرع، وأمر به في نفسه وأن يبلغه لغيره، وكان كذلك إسماعيل. وقد وهب الله تعالى لإبراهيم زيادة على أن وهب له قبل ذلك إسماعيل إسحاق، ثم في حياته وهبه حفيداً نبياً كذلك وهو يعقوب بن إسحاق، فما مات إبراهيم حتى كان له من سلالته ثلاثة أنبياء: ولدان وحفيد، والحفيد ولد، فالأب عندما يولد له ولد يكون قد وهب ذلك، فإذا جاء الحفيد كان ولداً مرتين: مرة لأبيه ومرة له. وقد حاول بعضهم ألا يفهم سياق قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) ولا يقابل الآي بعضها ببعض ويدع بعضها يفسر بعضاً فقال: إن إسحاق ويعقوب كليهما ولدا إبراهيم من صلبه وليس أحدهما ولداً والآخر حفيداً، وهذا كلام مرجوح يدل على غفلة ووهم، وإلا فذاك مذكور ومعروف بالتواتر قرآناً وسنة وفي جميع كتب التأريخ القديمة التي تقص تأريخ الأنبياء وحياتهم. فمعنى الآلة: {وَوَهَبْنَا لَهُ} [العنكبوت:27]، أي: لإبراهيم، {إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [العنكبوت:27]، أي: وهب له إسحاق ومن بعد إسحاق يعقوب، فبعد أن يصبح إسحاق رجلاً بالغاً متزوجاً سيولد له كذلك، فولد له يعقوب، ولذلك يقول تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [الحديد:26] أي: في ذرية إبراهيم وإسحاق، فكل نبي جاء بعد إبراهيم فهو من سلالته وذريته، والذرية: الأولاد والسلالة -ولا تزال هذه الكلمة في لهجة المغرب إلى اليوم فيقولون عن الأولاد: ذراري- وكما جعل الله كل من جاء من الأنبياء بعد إبراهيم من أولاده وسلالته جعل كل كتاب كان بعد إبراهيم في ذريته وسلالته، فإبراهيم ولد إسماعيل وولد إسحاق، وإسحاق ولد يعقوب، ويعقوب ولد يوسف، وكل من جاء بعد ذلك فهم من سلالة يعقوب من أنبياء بني إسرائيل إلى خاتمهم عيسى، فهو ابن إبراهيم من أمه ولا أب له. فكان يعقوب أبا أمه كما نقول: الحسن ابن رسول الله والحسين ابن رسول الله صلى الله عليه وعليهما وسلم، فهما ولداه لأنهما من ذريته من بنته فاطمة، ثم هما من عشيرته بني عبد المطلب، فهو يجمع الكل أبوة وهو يجمع الكل أمومة. فـ الحسن والحسين ابنا علي وعلي ابن عبد المطلب وعبد المطلب كما هو جد علي هو جد النبي صلى الله عليه وسلم. فيعقوب هنا هو حفيد إبراهيم، وجميع من جاء بعده من سلالته هم من بني إسرائيل، فهم جميعاً ذرية إبراهيم، ونبينا عليه الصلاة والسلام، كذلك فجده الأعلى هو إسماعيل، وإسماعيل هو ابن إبراهيم، فكان من الخصائص التي خص الله إبراهيم عليه السلام بها كما خص نوحاً من قبل أن جعل الأنبياء من أبنائه، إذ إن نوحاً انفرد بالأبوة لأن الطوفان غمر كل الأرض، فكان الأب الثاني للبشرية بعد آدم، وكان أبا الأنبياء من بعده إلى إبراهيم، وكان إبراهيم الوالد الأعلى لمن جاء بعده من الأنبياء، فهو والد إسحاق وإسماعيل، وإسماعيل أبو نبينا عليه الصلاة والسلام الأعلى، وإسحاق أبو أنبياء بني إسرائيل الأعلى. أما الكتب فإن التوراة نزلت على موسى وهو من أنبياء بني إسرائيل من سلالة إبراهيم، والزبور نزل على داود وهو من أنبياء بني إسرائيل من سلالة إبراهيم، والإنجيل نزل على عيسى وهو من سلالة إبراهيم، والقرآن الكريم نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو ولد إبراهيم من ولده إسماعيل، فكانت كل الكتب السماوية وكل النبوات والرسالات بعد إبراهيم في سلالته، ولا أشرف ولا أكرم ولا أعظم من ذلك، وليس ذلك فحسب بل إن الله خص إبراهيم بالخلة فكان خليل الله، ثم كان نبينا بعد ذلك خليل الله. قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [الحديد:26]، فالكتاب جنس، أي: كتاب الإله المنزل زبوراً وتوراة وإنجيلاً وقرآناً، فكلها نزلت على الأنبياء والرسل من سلالته ومن ذريته. قوله: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} [العنكبوت:27]. وقد أكرم الله إبراهيم حيث وفى بالوعد، وقام بجميع ما أمره ربه به، وكان المثال الذي يحتذى به من أولي العزم من الرسل في جميع ما أمره الله به أو نهاه عنه. وقد أكرمه الله بإكرامات لم يكن لها نظير أو شبيه، ونبينا عليه الصلاة والسلام لم يكن في ذريته النبوة والكتاب، ولكن كان الأمر أعظم من ذلك، فكان هو النبي والرسول لكل الأمم من البشر بعد مبعثه، وأما أولئك الماضون فلم تكن نبوءتهم إلا مقصورة على أقوامهم وتنتهي بوفاتهم، أما نبوة نبينا فلقومه ولمن كان في عصره ولمن جاء بعده إلى عصرنا، ولمن يأتي بعدنا إلى يوم القيامة، فكتابه المنزل عليه هو كتابنا وكتاب الأولين والآخرين، كل ما فيه: (يا أيها الناس!) فنحن الناس المخاطبون، وكل ما فيه (يا أيها الذين آمنوا!) فنحن الذين آمنوا المخاطبون فيه، وكل ما فيه من أوامر ونواه فنحن الذين نؤمر بها وننهى عنها كما أمر الأولون ونهوا، وكما سيظهر التالون وينهون. فهو الرسول العالمي لكل الأمم والعصور مشارق ومغارب، بيضاً وسوداً، حمراً وصفراً، ولم يكن هذا في إبراهيم؛ ولذلك طلب من الله أن تسترسل النبوءة بعده إلى أن تكون في ذريته. {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} [العنكبوت:27]: والأجر الذي أعطاه وهو لا يزال في الدنيا كونه أولاً وهب له الأنبياء والمرسلين في حياته، وهب له ولدين جميلين نبيين كريمين إسماعيل وإسحاق، ووهب له في حياته يعقوب من ولده إسحاق، ثم جعل النبوءة في سلالته إلى نبينا صلى الله عليه وعليهم أجمعين، ثم أكرمه كذلك فجعل الكتب السماوية جميعها تنزل على سلالته وأولاده: داود وموسى وعيسى ومحمد عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه، ثم جعله محترماً مقدراً عند جميع الأديان. فالنصارى يدعونه ويقولون: هو نبينا الأول، فيجلونه ويكرمونه ويذكرونه بالخير، واليهود يقولون ذلك فيجلونه ويكرمونه، والمجوس منهم من يسمون بالبراهمة نسبة إليه، وعبدوا النار قالوا: لأنها أطفئت على إبراهيم؛ فعوضاً عن أن يعبدوا خالق النار والذي أطفأ النار، والذي أنقذ إبراهيم من النار، تركوا المسبب وعبدوا السبب لجهلهم وسخافة عقولهم. فإبراهيم كان مقدساً محترماً عند المجوس وعند اليهود والنصارى والمسلمين، وبذلك آتاه الله أجره في الدنيا. {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت:27]: أي: وفي الآخرة سيكون في زمرة الصالحين زمرة أبيه الأعلى آدم وأبيه الثاني نوح، ومع سلالته من الأنبياء والرسل الكرام، فهو أيضاً من جملتهم وينال منالهم ويكرم كرامتهم، ويكون في الفردوس الأعلى من الجنان حيث منازل الأنبياء والمرسلين.
العنكبوت [28 - 33]
تفسير سورة العنكبوت [28 - 33] ذكر الله تعالى قصة لوط وما كان عليه قومه من الفحشاء وفعل السوء الذي لم يسبقهم إليه أحد من العالمين، وما عاقبهم الله به من عذاب، وكأن الله يحذر من يصنع صنعهم ممن مسخ الله فطرتهم ونكست قلوبهم.
تفسير قوله تعالى: (ولوطا إذ قال لقومه)
تفسير قوله تعالى: (ولوطاً إذ قال لقومه) قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت:28]. قصة لوط مضت قريباً، لكن كررها لأن الشيء إذا تكرر تقرر، وذلك لتنفير الناس من مثل فواحش وبلايا قومه. فالقرآن الكريم وحي الله وكلامه، فالله أنذر من سيأتي بعد هؤلاء أن يفعلوا فعلهم، وقد فعلوا فعل جميع قوم لوط بتفاصيل ذلك وكلياته فأنذروا بذلك، لكنهم أبوا إلا الكفران، وأبوا إلا اتباع أهل الفواحش والمنكرات، عاصين ربهم، خارجين عن دينه، يفعل ذلك من لا يزال كافراً، وفعل ذلك من يزعم أنه مؤمن في دعواه. وقوله: (ولوطاً) أي: وأرسلنا لوطاً، فهو منصوب على المفعولية. ويمكن أن يكون التقدير: اذكر يا محمد! لوطاً، وخذ العبرة والحكمة منه لقومك، عندما تدعوهم إلى محاسن الأخلاق وتنفرهم من مساوئها وفواحشها وقبائحها. {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} [العنكبوت:28]. يؤكد ذلك بلام التوكيد، يقسم على أنها فاحشة، ويؤكدها بإن المؤكدة أول الكلام. قوله: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت:28]. أتيتم بفاحشة لم تكن قبلكم قط، لم تعرف في الأنبياء السابقين في أقوامهم، لم تعرف في عهود آدم إلى نوح إلى إدريس إلى شعيب إلى إبراهيم إلى أن قام قوم لوط في سدوم. هذا وليست الفاحشة فقط هي الجريمة، بل هي علاوة وزيادة على الشرك بالله والكفر وأنواع المناكر، انفردوا بفاحشة من دون العوالم، وهي الاستغناء بالرجال عن النساء بلية وشذوذاً وبعداً عن طبيعة الأشياء، في الأرض العقيم التي لا يصدر عنها ولد ولا إنتاج ولا زراعة، في المكان الذي لا يكون إلا للقذر والوسخ، فتركوا نساءهم التي ينتجون منهن ذرية وأولاداً تعبد الله يوماً، وتخدم المسلمين يوماً، وتنشر الدعوة إلى الله يوماً، وذهبوا إلى أرض جدباء مع القذر والوسخ وعلقوا بذلك وعشقوا وعاشوا فيه مضافاً إلى الكفر والشرك، وإلى الفواحش بأنواعها.
تفسير قوله تعالى: (أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل)
تفسير قوله تعالى: (أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل) ثم قال لوط لقومه: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [العنكبوت:29]. كانوا كقوم نمرود، فعندما هاجر لوط إلى سدوم نبهه الله وأرسله إلى قبائل سدوم وإقليمها ومدنها وكان ذلك في حياة إبراهيم، وكان هذا في أيام بني إسرائيل كثيراً. وهنا كان إبراهيم نبياً ورسولاً، وكان لوطاً بعد ذلك نبياً ورسولاً، وقد آمن قبل رسالته بعمه إبراهيم ورسالته، فكان شكر الله له وجزاؤه بأن أرسله هو كذلك نبياً ورسولاً إلى سدوم. (أئنكم): استفهام استنكاري تقريعي توبيخي يقرر عليهم ويؤكد، أي: هذه الفواحش التي تأتونها من إتيان الرجال دون النساء ومن قطع الطريق العامة متلصصين منتهكين للأعراض قائمين بالفواحش، قائمين بالظلم، قائمين بالاعتداء مضافاً إلى بليتهم ومصائبهم. {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ} [العنكبوت:29]. ناديهم: أي مجلسهم ومجتمعاتهم يأتون فيها بالمنكرات يباري بعضهم بعضاً يقلد بعضهم بعضاً، وتجري بينهم بعض هذه المنكرات التي ينكرها العقل والطبع والدين والأخلاق الفاضلة، وأما قطع السبيل: فهو اللصوصية والسرقة والقيام في وجه الناس في الأمن العام الذي يستفيد منه سكان البلد. فكان من خرج على بلده أو في ضواحيها قطعوا عليه طريقه وسبيله، فسرقوا عرضه إن كان رجلاً، وسرقوا ماله إن كان ذا مال، وشتموه وأذلوه وقد يقتلونه. {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ} [العنكبوت:29] ما هو هذا المنكر الذي كانوا يأتونه في مجالسهم؟ كانوا يتسافدون ويركب بعضهم على بعض، وينزل بعضهم على بعض، كانوا شباباً أو كهولاً أو شيوخاً وهم يتضاحكون وكأنهم يأتون بشيء يسير، وكانوا يفتحون أزرار قمصانهم كما يفعل السفهاء في هذا العصر مرة أخرى، وكان يتشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، يطيل الرجال شعورهم كهيئة النساء، وتقص النساء شعورهن كهيئة الرجال، كانوا يلبسون الأصفر والأحمر والأخضر وما إلى ذلك كما يفعل اليوم هؤلاء المخنثون. فالله جل جلاله عندما يعيد علينا قصة لوط، وقصة غيره من أنبياء الله فإنما ذلك ليقرع الأسماع ليزدادوا بعداً عن الفواحش إن وفقوا لذلك، ولتلزمهم حجة الله ودين الله والرسالات التي أتى بها نبينا عليه الصلاة والسلام، حتى إذا دخل قبره يوم يهلك ويأتيه الملكان يسألانه: من ربك؟ من نبيك؟ لا يقول: لم أعرف نبياً، لم يأتني نبي، لم أسمع بكتاب، بل سيضطر للجواب، وهكذا اللعنة تبتدئ من تلك اللحظة فيبقى في العذاب المستمر إلى أن يبعث فيبقى في عذاب النار خالداً فيها إلى الأبد.
تفسير قوله تعالى: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله)
تفسير قوله تعالى: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله) قال: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ} [العنكبوت:29]؟ فما كان جواب هؤلاء؟ {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا} [العنكبوت:29]، لم يناقشوه، لم يحاسبوه، لم يجيبوه، وبماذا يجيبونه؟ لا منطق ولا عقل معهم، ولا بشرية معهم، إن هم إلا حيوانات، بل الحيوانات أكرم وأشرف، الحيوانات يكتفي الذكر بالأنثى، ولا يتصل الذكر بالذكر، ولا الأنثى بالأنثى، ولا يفعلون هذا. فالحيوان الحقيقي: هو الإنسان عندما يكون مرتكباً هذه العظائم وهذه المناكر، ويبقى الحيوان أشرف منه وأكرم منه، كما قال تعالى: {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف:179]. قوله: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [العنكبوت:29]: طلبوا العذاب تكذيباً له وإصراراً، وثقة بأنفسهم أنه ليس رسولاً، وأن لا رب ولا آخرة، ولا حساب ولا عقاب، هكذا خرجوا للوجود عبثاً وسبهللاً، هكذا تحدثهم عقولهم الفاسدة، والفواحش هي التي طبعت قلوبهم فصعد عليها الران، فما عادوا يميزون بين صدق وكذب، بين ظلمة ونور. وعندما تحدوا لوطاً أجابهم لوط: {قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ} [العنكبوت:30]: طلب لوط من ربه أن ينصره على هؤلاء المفسدين في الأرض بالفحشاء، بقطع السبيل، بأنواع المنكرات، فما عادوا يعرفون رباً ولا نبياً ولا خلقاً ولا أدباً. فأخذ الله يقص علينا كيف نصره، قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} [العنكبوت:31]. بينما إبراهيم في داره إذا بشباب طرقوا بابه فرحب بهم ودخلوا، فذهب سريعاً وجاء بعجل سمين محنوذ ووضعه بين أيديهم، وإذا بهم لم يأكلوا فخاف منهم؛ لأن الملائكة لا تأكل، ولا تشرب. {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى} [العنكبوت:31]، وما هي البشرى؟ كانت امرأته واقفة عند دخولهم فبشروا إبراهيم بنصر لوط على قومه المفسدين، وبشروا امرأته سارة بأنها ستلد فصكت وجهها كما تفعل النساء الآن: أيكون هذا وأنا امرأة عقيم كبيرة؟ وكانت قد تجاوزت المائة عام، قال زوجها: الله أكبر، فأكدوا لها أن هذه بشرى الله، وأن أمر الله لا بد منه. ووضع إبراهيم الطعام فما أكلوا، فأنكر عملهم فكشفوا عن حقيقتهم، {قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} [العنكبوت:31]، وإبراهيم كان رحمة، وكان حريصاً على أن يهتدي قومه وقوم ابن أخيه لوط، فأراد أن ينذرهم قليلاً لعلهم يؤمنون، فما قبلوا ذلك، بل جاءوا بوعد الله، وبعقوبة الله، وبنقمة الله، فهي واقعة لا محالة، فعندما لم يقبلوا ذلك منه قال: {إِنَّ فِيهَا لُوطًا} [العنكبوت:32] أي: كيف ستأتون بالقرية وتهلكونها وفيها نبي الله ورسول الله لوط؟ قال: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} [العنكبوت:31]، سيأتون لقرية سدوم يهلكونها ويدمرونها، ويفعلون ما أمرهم ربهم فيها من سحق ومحق وزلازل من الأرض وصواعق من السماء، وجعل عاليها سافلها؛ لأنهم كانوا ظالمين، كانوا مشركين، كانوا فاسقين، كانوا مرتكبين للفواحش بكل أنواعها، فعندما حاول إبراهيم أن يثنيهم أو يدعهم وقتاً ما لعلهم يعودون إلى الله لم يقبلوا، عند ذلك قال إبراهيم لرسل الله: {إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا} [العنكبوت:32]، أي: نحن نعلم بأن فيها لوطاً، {لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت:32]، فقر عيناً، فلن يصل لوطاً العذاب، ولن يمس أهله كذلك باستثناء زوجته من بين أهله: {كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت:32]، التي غبرت وسبقت أن كانت كافرة مشركة. وكانت تساعد قومها على الفواحش، وتتجسس على لوط ومن جاء عنده من الشباب، ومن جاء عنده من الرجال، وقد تجسست عندما أتى هؤلاء لوطاً، وبلغت قومها، وكان بينها وبينهم إشارة. فقوله: {إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت:32]، أي: إلا امرأته لن ننجيها فيصيبها ما أصاب قومها لكفرها، ولخيانتها في دينها، ولتواطئها مع قومها في الفحشاء والمنكر.
تفسير قوله تعالى: (ولما أن جاءت رسلنا لوطا)
تفسير قوله تعالى: (ولما أن جاءت رسلنا لوطاً) قال تعالى: {وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ} [العنكبوت:33]. المحاورة السابقة كانت مع إبراهيم، والكلام كان مع إبراهيم نبي الله وخليله، والآن سيذهبون إلى لوط ليبلغوه الرسالة: {وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} [العنكبوت:33]. معنى ذلك: أن هؤلاء جاءوا في صورة شباب حسان كاملين، فلما جاءوا استاء من مجيئهم واغتم وتألم وتوجع وضاق بهم ذرعاً، فماذا سيصنع؟ إن هو أدخلهم للدار وأضافهم وأكرمهم خاف من أن يأتي قومه إليهم فيؤذونه فيهم، ويفعلون ما يفعلونه عادة بالرجال، وإن هو رفض ضيافتهم ودخولهم للبيت خاف إن وجدوهم أن يأخذوهم بالقوة وبالعنف وبالإيذاء. فهو على العموم استاء منهم، واغتم من مجيئهم، وحمل هماً كبيراً، وضاق بهم ذرعاً، وتبرم وتحير، وإذا بهم يشعرون بذلك فيجيبونه قائلين له: {وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت:33]. أشعروه بأنهم ملائكة، ولم يشعر بهم لأول مرة، كما لم يشعر بهم عمه إبراهيم، فعندما أشعروه بأنهم ملائكة علم أنهم ناجون وأن قومه أحقر وأقل وأذل من أن يصلوا إليهم بسوء، وقد قالت القصة: جاء القوم وبلغت امرأته القوم بإشارة بينه وبينها، فعندما جاءوا وزاد لوط تبرماً، وزاد ضيقاً وإساءة، خرج أحدهم وإذا به يظهر جناحه، فضرب هؤلاء فطمست أعينهم وذهبت، أي: أصبحت لا شيء ولم تبق سوى الجبهة فقط، فأخذوا يصيحون فجاء من ينقذهم فأصيبوا بمثل تلك الإصابة. قوله: {وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ} [العنكبوت:33]. أي: لا تخف يا لوط! فلن يمسوك بسوء، ولا تحزن على نفسك، ولا تحزن عليهم، ولا تحزن على أهلك، {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ} [العنكبوت:33]، أنت ستنجو وستنقذ منهم، وسنمهلك إلى الصباح للخروج عنهم وعن حدود أرضهم: {وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت:33]، سننقذك وأهلك من هذا البلاء، من هذا الذي أمرنا بأن نصنعه بهذه المذنبة وقومها.
العنكبوت [33 - 40]
تفسير سورة العنكبوت [33 - 40] بعدما قص الله علينا قصة قوم لوط وكيف كان هلاكهم، قص علينا قصص غيرهم من الأمم ممن كذبوا الرسل كأهل مدين وقوم هود وصالح وقارون وفرعون وهامان، وقص علينا سبحانه وتعالى هلاك كل أمة من الأمم التي كفرت وكذبت الرسل.
تفسير قوله تعالى: (ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم)
تفسير قوله تعالى: (ولما أن جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم) قال الله جل جلاله: {وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت:33]. يقول ربنا جل جلاله: لما أن جاءت ملائكته إلى لوط اغتم وحزن من أجلهم، وأخذه هم وكرب، وضاق بوجودهم ذرعاً، وخاف عليهم من فسقة قومه إن آواهم، وإن تركهم خاف عليهم كذلك من أن يصلوا إليهم بما اعتادوه من فحشاء وبلاء مما لم يسبقوا له في الأمم السابقة. ولم يشعر أول مرة بهؤلاء الرسل الكرام، فقد ظنهم بشراً من الناس؛ لأنهم أتوا إليه في صورة شباب حسان، ولم يدر أنهم في الأصل ملائكة، وإذا بهم يشعرونه بحالهم وأنفسهم ويقولون: يا لوط لا تخف من قومك أن يصنعوا شيئاً، فأنت في حفظ متين، ولا تحزن عليهم فسيصيبهم ما أصاب الفسقة الفاجرين أمثالهم، فلا تخف ولا تحزن فإنا قد جئنا لعقابهم أمراً من الله جل جلاله، وإنا منقذوك ومبعدوك عن البلاء الذي سيصيبهم، وكذلك أهلك وأسرتك وبنتيك ومن معك من آل وأقارب وأتباع مؤمنين. وقوله تعالى: {إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت:33]. أي: إلا زوجتك فإنها كانت ممن غبر في الخيانة والكفر والإجرام والتواطؤ مع قومك على فعل الفاحشة والبلاء، فكانت تدلهم على الشباب الأحداث الذين يحاولون المجيء إلى لوط عليه الصلاة والسلام، فإنها لن تنجو وستعاقب عقابهم، وتضرب ضربهم.
تفسير قوله تعالى: (إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء)
تفسير قوله تعالى: (إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء) قال الله تعالى: {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [العنكبوت:34]. أي: أمر الله جل جلاله الملائكة بأن تنزل عليهم الرجز من السماء، والرجز هو البلاء والعذاب، والرجم بالحجارة، وخسف الأرض بهم. فقد جاء جبريل عليه الصلاة والسلام ومعه جمع من الملائكة الكرام إلى أرض سدوم التي كان يسكنها قوم لوط، فأخذوها واقتلعوها من جذورها ومن أعماقها، وصعدوا بها إلى أعلى الأجواء حتى سمع من في السماء نباح كلابهم، ونهيق حميرهم، وصياح رجالهم، وعويل نسائهم، ثم قلبوا عاليها سافلها، ثم أتبعوهم حجارة من سجيل تضربهم ذات اليمين وذات الشمال، وفي كل جانب يمكن أن يهلكوا به إلى أن هلكوا ودمروا وأصبحوا حديث أمس الدابر. وقوله تعالى: {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [العنكبوت:34] الباء هنا باء السببية، أي: بسبب فسقهم وفحشائهم وفسادهم ومنكرهم.
تفسير قوله تعالى: (ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون)
تفسير قوله تعالى: (ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون) قال تعالى: {وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [العنكبوت:35]. أي: وتركنا من هذه الأرض -أرض لوط- آية وعلامة واضحة ظاهرة (لقوم يعقلون) الأمور، ويعون الأشياء ويفهمونها، وكانت تلك العلامة والبينة عندما أخذت الأرض من قعرها ومن جذورها، وجعل عاليها سافلها، ثم قذف بها في الأرض، وهذه علامة للعرب وهم ينتقلون بين مكة والشام، أصحاب رحلة الشتاء والصيف، فكانوا يمرون على أرض سدوم وإذا بالأرض تصبح بحيرة سوداء الماء منتنة، لا تنبت ولا يصلح فيها نبات، وأصبحت حجارة سوداء وذات مياه سوداء علامة بينة على هؤلاء الذين عوقبوا ورجموا من السماء، وقلبت بهم الأرض عاليها سافلها، وأصبحت أرضاً عقيمة لا تنبت، ولا تنفع، ولا يشرب ماؤها. كان هذا بين جداً في صدر الإسلام، ولا يزال هذا إلى اليوم، فالقرية تقع في أرض الأردن وهي البحر الميت، وماؤه لا يصلح للنبات، ولا يشرب ولا يسقي شجراً ولا دواب، بل شربه فيه ضرر وأذى لمن شربه من إنسان وحيوان. فكانت تلك آية بينة، وعلامة واضحة لقوم يعقلون الأمور، ويملكون الفهم والوعي. وهذا جزاء كل من ارتكب مثل هذه الفاحشة، والعرب لم يكونوا وقت نزول القرآن والبعثة المحمدية يعلمون هذه الفاحشة، ولم يسمعوا بها قط، حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله لولا أن القرآن ذكر أن هناك أقواماً يأتون الرجال لما قبلت ذلك ولما صدقته، أيخالفون الشيء في طبيعته؟ أيكونون شواذ في خلقتهم؟ يدعون ما خلق الله لهم من أزواجهم، ويأتون هذه الفواحش والمنكرات. وفي خلافة أبي بكر رضي الله عنه حدث هذا البلاء فرفعت إليه قضية، أن رجلاً أتى رجلاً كما يأتي الرجل زوجته، وإذا به يجمع الصحابة ويستشيرهم في عقوبة الفاعل والمفعول به، فقال قوم: نرميهم من أعلى جبل كما صنع الله تعالى بأهل لوط، عندما رفع أرضهم إلى السماء وجعل عاليها سافلها. وقال بعضهم: بل نرجمهم بالحجارة كما يرجم المحصن أي: الذي تزوج رجلاً كان أو امرأة. وقال بعضهم: نحرقهم بالنار؛ لأنهم رموا بحجارة من سجيل، وهي من جهنم فحرقتهم، فاختار أبو بكر رضي الله عنه من هذه المقترحات أن يكشفهم عراة إلا ما يستر العورتين ووضعهم في أعلى الجبل، ثم رماهم من أعلاه إلى أن وصلوا إلى أسفله ممزقين أشلاء وقطعاً. كان هذا حكم أبي بكر رضي الله عنه لمن صنع هذا الفعل، واختلف الفقهاء في ذلك فقال البعض: يرجم الفاعل والمفعول محصناً كان أو غير محصن. وقال البعض الآخر: يفتلان معاً. وقال البعض: بحرقهما. وقال البعض: يصنع بهما ما صنعه أبو بكر. وأجمعوا جميعاً على أن فعل ذلك فحشاء ومنكر. فعقاب الفاعل والمفعول به بما يراه الإمام ردعاً لأمثالهما وزجراً من عودة هذا بين الناس، وعقاباًَ لهما بأن يكونا في باطن الأرض، إذ وجودهما على ظهرها يكون سبباً لنشر هذه الفحشاء، ولعدوى الناس بها. قال تعالى: {وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [العنكبوت:35]، هكذا قال الله، وهذا صنيعه بهم، بسبب كفرهم وما كانوا يرتكبونه من المنكرات من كل لون ونوع في مجالسهم وفي ندواتهم.
تفسير قوله تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيبا)
تفسير قوله تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيباً) قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [العنكبوت:36]. أي: كما أرسلنا نوحاً إلى قومه، وأرسلنا لوطاًَ إلى قومه، وأرسلنا إبراهيم إلى قومه، أرسلنا شعيباً إلى أهل مدين نبياً ورسولاً، فجاء يدعوهم إلى الله قائلاً لهم: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [العنكبوت:36]. أي: يا أهلي وعشيرتي! إليكم أرسلت، أن آمركم بالمعروف وأنهاكم عن المنكر، وأدعوكم إلى عبادة الله الواحد، وأن تتركوا عبادة الأوثان والأصنام. واعتقدوا أن اليوم الآخر آت لا محالة، وهو يوم البعث، فهو اليوم الذي يحاسب الله فيه الناس، من أتى بالخير فله الجنة، ومن جاء بالشر فله النار، فخافوا من عذاب الله وحسابه يوم القيامة، وتوقعوا المجيء واحسبوا حسابه وأعدوا له ما تصنعون من خير، فإن ارتكبتم سوى ذلك فاستغفروا الله وتوبوا إليه، فهو يغفر لمن تاب. وقوله تعالى: {وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [العنكبوت:36]. العثو أشد أنواع الفساد، ويشمل الكفر بالله وقطع السبيل، وأنواع المناكر، وقوم شعيب كان فيهم من المنكرات ما كان في أمثالهم من الكفار والمشركين وعبدة الأوثان، فكانوا يقطعون السبيل، ويأتون المنكر، ويشركون بالله، فأمرهم نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام بعدم الفساد في الأرض، لعل الله يغفر لهم، ويجازيهم بخير.
تفسير قوله تعالى: (فكذبوه فأخذتهم الرجفة)
تفسير قوله تعالى: (فكذبوه فأخذتهم الرجفة) قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [العنكبوت:37]. أهل مدين عندما جاءهم نبيهم شعيب برسالة الله وبعبادة الله وحده، كذبوا رسالته، فعاقبهم الله بالرجفة، فرجفت بهم الأرض، وتطايرت حجارها وحصاها ورفعوا إلى عليين، فكان يسقط الرجل منهم إلى الأرض مقطوع الرأس، حتى كأنهم أعجاز نخل خاوية، أي: كأنهم النخل وقد أزيل سعفها، وهكذا بقوا أجساماً بلا رءوس جاثمين، أي: موتى، بما أرسل عليهم من الرجفة التي رجفت بهم الأرض فهلكوا، هلكوا بريح عاصف فيه حصباء وحجارة، رفعتهم الريح إلى أعلى عليين، ثم هووا على أم رءوسهم، وقد فصلت الرءوس من الأجساد، فأصبحوا كما وصفهم الله {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} [الحاقة:7 - 8]، ذهبوا إلى أمس الدابر، وأصبحوا صحائف تتلى، وأخباراً تقص، وكأنهم لم يعيشوا يوماً.
تفسير قوله تعالى: (وعادا وثمود وقد تبين لكم)
تفسير قوله تعالى: (وعاداً وثمود وقد تبين لكم) قال تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} [العنكبوت:38]. أي: وعاد وثمود أرسل إليهم رسلاً مبلغين، مبشرين ومنذرين، كما أرسل نوحاً وإبراهيم وشعيباً ولوطاً إلى أقوامهم، أرسل إلى قبائل عاد هوداً، وإلى قبائل ثمود صالحاً، وكانت قبائل عاد في الأحقاف قريباً من حضرموت في أرض اليمن، وكان قوم صالح بالحجر في المدائن، في أرض الحجاز، في الحدود بين الحجاز والشام. وإذا بهم كذبوا وكفروا وقاموا على أنبيائهم بالصد والمعارضة والمقاومة، فقال الله عنهم: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ} [العنكبوت:38]. أي: وعاداً وثمود قد تبين لكم أيها السامعون كيف كانت عاقبتهم، قد تبين للناس في عصر النبوة عندما ذهب صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك ومروا على الحجر، فأخذوا ماءها فطبخوا وعجنوا به، وإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يأمرهم برمي ذلك العجين وعدم أكل الخبز، وبطرح ذلك الطعام وعدم أكله، وأن يخرجوا من هذه الديار التي غضب الله على أهلها، وألا يدخلوها إلا باكين أو متباكين، حتى لا يصيبهم ما أصابهم من لعنة وطرد من الرحمة، إذ كانوا كفرة بالله، متمردين على الله، وقد رزقهم عقولاً مستبصرة، وأجساماً قوية، فبنوا حضارات سبقوا بها الناس، فكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً، وكانوا عمالقة الأجسام أقوياء، وكانوا من أتقن الناس للصناعات وللبناء وللمزارع، وكانوا على غاية ما يكون من الشدة والبأس، ولكنهم لم يشكروا النعمة، ومن يكفر بالنعمة تزال عنه وتسلب منه، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7]. والله تعالى لفت أنظار الناس أن يروا آثار اللعنة والغضب عليهم، وما أصابهم من صيحات ورجفات بحيث أصبحوا كأنهم جذوع نخل خاوية، وقد ذهب بهم الهلاك كل مذهب، فلم يبق منهم أحد، فبعضهم كان في البيوت والغرف، وبعضهم في الأزقة، وبعضهم بين الشجر، وعندما جاء هذا العذاب والبلاء ذهبوا وهلك كل واحد منهم على ما كان عليه في نفس الوقت والحال، وتركوا آثارهم، تركوا الخراب في دورهم، وتركوا المياه متغيرة بالسواد، وتركوا شجرهم وقد احترق وذهب، وذلك في الأحقاف في أرض اليمن قرب حضرموت، وذاك بالحجر من أرض الحجاز قرب تبوك، في الحدود بين الحجاز والأردن من أرض الشام. فالله يقول: يا هؤلاء الذين كفروا بمحمد ورسالة محمد تفكروا قليلاً، وانظروا ماذا حل بالأمم السابقة من قوم نوح وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقوم هود، وقوم صالح، وكانت نتائج كفرهم وعنادهم، أن عاقبهم الله وأهلكهم وأنهى ذكرهم ووجودهم، وكأنهم لم يعيشوا يوماً. وقوله تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ} [العنكبوت:38]، أي: تبين لكم آثار دورهم بعد خرابها ودمارها، وآثار ما بقي بعدهم، وما صنع الله بهم من لعنة وغضب. وقوله تعالى: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} [العنكبوت:38] أي: فقد زين لهم الشيطان أعمالهم، فأخذوا يعتبرونها أعمالاً حسنة وصالحة ومجيدة ينبغي أن يجازوا عليها، وهذا من سخافة العقول، وظلمة الكفر، وضلال الدين، وهكذا صنع بهم، قلبوا الحقائق واعتبروا الهدى فساداً، والظلمة نوراً، إلى أن تربصت بهم الأيام والشيطان يغريهم، ويزين لهم أعمالهم، إلى أن هلكوا وكأنهم لم يعيشوا يوماً. وقوله تعالى: {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} [العنكبوت:38]. أي: دفعهم، وأبعدهم عن الطريق الحق، وعن السبيل المستقيم، وعن طريق الهدى والتوحيد والإيمان بالله ورسالاته وكتبه. وقوله تعالى: {وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} [العنكبوت:38]. أي: كانوا قبل ذلك ذوي عقول مفكرة، ولكن ذلك في شئون الدنيا لا الآخرة، فكانوا يتمتعون بالقوة أبداناً، وعقولاً، وحرباً وقتالاً، بنوا الأبنية والقصور فوق الجبال وداخل الجبال، فنحتوا من الجبال صخوراً فبنوها قصوراً، ونحتوا داخل الجبال بيوتاً، فأقاموا فيها، فهم في فصل الصيف يشعرون بالبرد، وهم في البرد في حرارة، وكأنها المكيفات في عصرنا هذا، ومع ذلك علموا من الدنيا ظواهرها وهم عن الآخرة غافلون، وبها كافرون، لم يفكروا يوماً من أين جئنا؟ وإلى أين نذهب؟ ومن الذي أتى بنا؟ لم يفكروا في الخالق، هل سيعيشون سبهللا؟ هل خرجوا للدنيا عبثا؟ فكانوا غافلين وضالين، إلى أن انتهت حياتهم ووجودهم، وإذا بهم قد أصبحوا عبرة ومثلاً للمعتبر.
تفسير قوله تعالى: (وقارون وفرعون وهامان)
تفسير قوله تعالى: (وقارون وفرعون وهامان) قال تعالى: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ} [العنكبوت:39]. أي: وكذلك أرسل الله تعالى إلى قارون وفرعون موسى عليه الصلاة والسلام بالآيات البينات، والمعجزات الواضحات، يدعوهم إلى الله، إلى ترك الأوثان. والمعنى: اذكر يا محمد! قارون الذي أوتي من الأموال ما إن العصابة والجماعة من الناس لا تستطيع حمل مفاتيح خزائنها لثقل تلك المفاتيح، وكان في تلك الخزائن الذهب والفضة والمجوهرات التي لم يكد يملكها إلا القليل من الناس قبل وبعد، فإذا به يتيه بهذا المال على الخلق، ويجعل ذلك حقاً من حقوقه، ولا يكاد يهتم بأحد، تعاظماً وتكبراً وطغياناً وجبروتاً. ومن يتأله على الله يكذبه، والكفر بالقدر بلاء في الدنيا وبلاء في الآخرة، وأول كفر في الأرض كان من إبليس بسبب القدر، وقارون كان من قوم موسى فبغى عليهم، وفرعون الذي قال لقومه: لا أعلم لكم إلهاً غيري، وقال عن نفسه: أنا ربكم الأعلى، واستدل على ذلك بسخافات وحقارات، فمنها ما قاله الله تعالى: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف:51]، اتخذ ملكه لجزء من الأرض سبباً لتألهه، وملكه لا يكاد يعتبر نقطة في مياه الأرض العذبة، ونصب نفسه على الناس إلهاً، فكان كاذباً فاجراً سخيفاً. وهامان كان وزيراً لفرعون وناصره على ذلك وواطأه، وقد أرسل الله لهم موسى يدعوهم إلى الله بالآيات البينات، فقد جاء بتسع آيات، جاء بالعصا، وباليد تخرج من الجيب بيضاء كأنها اللؤلؤ الدري، وبالضفادع، وبالدم إلى أن جاء بأن ينفلق له البحر، فكان كل فرق كالطود العظيم، فكان جواب هؤلاء أنهم كفروا بالله، وخرجوا عن أمر الله، فجوزوا على ذلك. وقوله تعالى: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ} [العنكبوت:39]. هؤلاء الثلاثة جاءهم موسى عليه الصلاة والسلام برسالة الله وآياته البينات، فاستكبروا في الأرض، وكذبوا بالآيات التي أتى بها موسى، وجحدوا الحق وأبوا إلا الكفران والجحود، وعاشوا على ذلك، إلى أن عاقبهم الله بما نعلمه وبما سيقصه علينا مجدداً. اتخذوا الكبرياء رداءً وديناً، وتكبروا على موسى وهارون، وتكبروا على المؤمنين من عباد الله واتخذوهم خولاً وعبيداً. وقوله تعالى: {وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ} [العنكبوت:39]. أي: لم يسبقوا غيرهم إلى الإيمان بالله، أو لم يفلتوا منا عن عقوبتهم، فعاقبهم الله ودمرهم واحداً واحداً. ولم يكونوا على ما كانوا عليه من شئون الدنيا سباقين للإيمان بموسى وهارون، وللإيمان بما أنزل عليهم من توراة، بل كانوا سباقين للكفر حريصين على الشرك، متكبرين على الله ومتعاظمين عليه.
تفسير قوله تعالى: (فكلا أخذنا بذنبه)
تفسير قوله تعالى: (فكلاً أخذنا بذنبه) قال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت:40]. يقول جل جلاله: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت:40] التنوين هذا هو تنوين العوض، أي: كل قبيلة، وكل أمة، وكل طاغية وجبار ممن ذكر الله من قوم هود وقوم صالح، وقارون، وفرعون وهامان؛ كل واحد منهم لقي عذابه نتيجة كفره وجرائمه وذنوبه، فكل واحد منهم أخذه الله وأهلكه وعذبه بسبب ذنبه والجرم الذي قام به، وبسبب الشرك الذي عمله. يقول تعالى: {َفَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا} [العنكبوت:40] وهم عاد قوم هود، وذلك عندما كفروا بالله فأرسل الله عليهم الحصباء والريح العقيم، فكانت تضرب هذا وتصيب هذا وتقتل هذا، وتفصل رءوسهم عن أجسادهم، إلى أن أصبحوا كأعجاز نخل خاوية. وهذه الآية فيها أسلوب اللف والنشر كما هو معلوم في كتب البلاغة، أي: أن كل حكم يعود للأول المذكور على الترتيب، فالمذكور أولاً هم عاد قوم هود، فكان عقابهم أن حصبوا بالحصباء إلى أن طارت الرءوس عن الأجساد. ومنهم من أخذته الصيحة، فصاح بهم جبريل عليه السلام، وهؤلاء هم ثمود قوم صالح، وذلك عندما خالفوه، وخرجوا عن أمره، وطلبوا معجزة الناقة أن تخلق من الصخر بطول كذا وعرض كذا، فدعا صالح ربه فكانت الناقة كما طلبوا، فقتلوها عتواً على الله، وكفراً بأنبياء الله، وظلماً لهذا الحيوان الذي لم يصنع شيئاً، وإنما خلق إظهاراً للمعجزة، وإذا بالله الكريم يصيبهم بالصيحة، فصاح بهم جبريل صيحة ارتجت لها الأرض بحيث خرجت قلوبهم من حلاقيمهم وصرعوا جميعاً، وهلكوا حيث هم، وآثارهم لا تزال في أرض الحجر من المدائن، في حدود الحجاز والشام، وتلك آثار من غضب الله عليهم ولعنهم؛ نتيجة كفرهم وشركهم. وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ} [العنكبوت:40] وهو قارون، خرج في زينته يتيه ويتعالى على القوم، وقد خرج في كذا ألف راكب، وكذا ألف حصان وجواد، فتمنى القوم زينته وحليته، ويقولون: {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص:79]. وهكذا ظنهم وتوهمهم حتى خسف الله به وبداره وبجميع كنوزه الأرض، فأصبح في قعرها وكأنه لم يكن يوماً على وجه الأرض؛ عقوبة لكبريائه، فقد أذله الله. وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا} [العنكبوت:40]، والذي أغرق فرعون وهامان وقومهما، عندما كذبوا نبوة ورسالة موسى وهارون، على كثرة ما جاءهم من آيات بينات، ومعجزات واضحات، لكنهم أبوا إلا الكفران. بعد ذلك أمر الله موسى وقومه بأن يتركوا أرض مصر، فجاوزوا البحر، وإذا بهؤلاء يلحقونهم، فيدخل فرعون وهامان وجنودهما البحر، وأصبحت الأرض قبل ذلك يبساً لا ماء فيها، وأصبح الماء يميناً وشمالاً كالجبلين العظيمين، فدخل موسى وهارون وقومهما المؤمنون، فلحقهم فرعون وهامان، وهما يظنان أن الأرض بطبيعتها وجدت كذلك، ثم دخل جميع الجيش البحر، ولم يبق أحد على الشاطئ، وإذا بالبحر ينطبق عليهم، ويصبحون طعماً للحيتان وهوام البحر، إلا فرعون، فقد حفظ الله جسده ليبقى آية لمن بعده، ولا يزال محفوظاً إلى اليوم في متاحف مصر، وهو من الأجسام المومياء، ولكن لا يعرف بالقطع، هل هذا أو ذاك؟ ولكنه واحد منهم؛ لأن قومه أو البعض الذين لم يلحقوا ممن لم يكونوا جنداً كذبوا أن يكون فرعون قد هلك، وزعموا أنه إله سيعود، إلى أن رأوا جسده جثة هامدة لا تتحرك. وبعدما رأت الأعين، آمنوا بأن فرعون لم يكن إلهاً، وإنما كان كذاباً دجالاً. فكما أغرق الله قوم نوح، أغرق قوم فرعون، وكما رجم قوم عاد، كذلك أصيب بالرجم قوم لوط، فقد قال الله عن قوم نوح: {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت:14] فأخبرنا تعالى بأنه عاقبهم بالطوفان فغرقوا وذهبوا. وقال لنا عن قوم لوط عندما جاءه رسل الله من الملائكة: {إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} [العنكبوت:31]، إلى أن قال: {وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [العنكبوت:35]، فقد دمرها الله بالحاصب. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت:40] أي: أن الله جل جلاله لم يظلم ولا يظلم أحداً {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:46]. وقال في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا). فعندما أغرق الله من أغرق، وخسف بمن خسف، وأصابت الرجفة من أصابت، وحصب بالحجارة من حصب، كان ذلك جزاءً على جرمهم وذنبهم وكفرهم بالله، فأنفسهم ظلموا، وعلى أنفسهم تعدوا، وهل هناك أشد ظلماً من الشرك بالله والكفر به، وجحود آياته وأنبيائه ورسله وكتبه السماوية، {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت:40]، فهم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك، وبالكفر، وبالجحود، وبالخروج عن أمر الله، وعن طاعة رسل الله بما ارتكبوه من ذنوب ومعاص وآثام.
العنكبوت [41 - 45]
تفسير سورة العنكبوت [41 - 45] ضرب الله للذين كفروا واتخذوا من دون الله أولياء مثلاً بالعنكبوت اتخذت بيتاً، وهو أوهن البيوت، ثم حذر الله سبحانه من الشرك وأمر بإقامة الصلاة على وجهها حتى تنهى عن الفحشاء والمنكر.
تفسير قوله تعالى: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت)
تفسير قوله تعالى: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت) قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:41]. في هذه الآية ذكر العنكبوت لذا سميت هذه السورة بسورة العنكبوت، وضرب الله فيها مثلاً لكفر هؤلاء ولما يعتمدون عليه من دون الله، فمثلهم مثل العنكبوت اتخذت بيتاً تأوي إليه وتعتمد عليه وهو من أوهن البيوت. قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:41]. أي: مثل هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أوثاناً وجعلوها آلهة استمسكوا بها وتعلقوا بها، كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً. والعنكبوت تتخذ بيتها لتحفظ نفسها من الحشرات أمثالها، فهي تنفع نفسها، ولا ينتفع ببيتها البشر، فهؤلاء الكفار وما اتخذوه من أولياء وأصنام كمن يتخذ من البشر بيوت العنكبوت وما يتصل به، ويجعلها عمدة وغوثاً ومرجعاً، وإذا بنسمة خفيفة من الريح تذهب بهذا البيت، وبمن التجأ إليه، وبمن قام عليه. وهكذا كان تمسكهم وتشبثهم بأوهام لا أصل لها ولا وجود، فقد عبدوا من دون الله أولياء، فهم أشبه بالعنكبوت اتخذت بيتاً تتحصن به، وتختفي فيه وهو من أوهن البيوت وأضعفها، وأكثرها امتهاناً، وأبعدها عن أن تحصن وأن تحفظ وأن تصون، والمراد ببيت العنكبوت هنا الجنس، أي: بيوت العنكبوت أياً كان شكلها ونوعها. {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:41]. أي: لو كان لهم علم ومعرفة لما اتخذوا من دون الله أنداداً وأصناماً لا تضر ولا تنفع، فالله هو المعبود وحده، وهو الذي يجب أن يعبد ويطاع، وهو الخالق، الرازق، الضار، النافع، فخف منه قبل أن يرميك في العذاب، فاعبده ليجازيك بالخير خيراً برحمته، وأما ما دونه من المعبودات من ملك أو بشر أو جن أو جماد، فهي أشبه ببيت العنكبوت، وإن من أضعف البيوت أوهاها وأقلها وأذلها بيت العنكبوت، لو كانت لهم معرفة وعلم بالأشياء. فالذين اتخذوا من دون الله أولياء عاشوا ضالين، وماتوا ضالين، وكانت استغاثتهم بهؤلاء الأنداد والأوثان والأصنام من دون الله أشبه بالعنكبوت اتخذت البيوت لتحصنها وتحفظها، وماذا عسى أن تصنع هذه البيوت!
تفسير قوله تعالى: (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم)
تفسير قوله تعالى: (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم) قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت:42]. أي: أن الله جل جلاله هو العالم بالخفايا، والعالم بالسر والعلن، والعالم بالسر وما هو أخفى، فهو يعلم ما يدعو هؤلاء من دون الله ويعبدونه من مخلوقات الله مما لا تضرهم ولا تنفعهم، وليست إلا أشبه ببيوت العناكب، فمن فعل ذلك كان ضائع العقل، ذاهب الفهم، حريصاً على الجنون في الدنيا وعدم المعرفة، وما ينور العقل إلا الإيمان بالله وبرسله وكتبه. وقوله تعالى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت:42]. أي: وهو العزيز الذي لا يمانع ولا يغالب ولا ينال؛ فإن العزة لله جميعاً، فلا يعز إلا من أعزه الله، ولا عز إلا للمؤمنين، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8]. والعنكبوت حرم الشارع قتلها، فهي التي نسجت على باب غار ثور الذي اختفى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه من كفار مكة عندما تواطئوا وتآمروا على قتله ومنعه من الهجرة إلى المدينة المنورة، فلما خرجا من مكة تبعهما الكفار فتلمسوا آثار المشي حتى وصلوا إلى فم الغار، فقالوا: هنا انقطع الأثر، فقال قائل: ادخلوا الغار، فقالوا: لو دخله أحد لتمزق بيت العنكبوت ولما عشعش فيه، وهذا الطائر قد باض وفرخ. فالعنكبوت دافعت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي أضعف ما يكون، وكذلك الحمام دافع عن نبينا وهو من أضعف ما يكون، فقد حمى الله به النبي صلى الله عليه وسلم، وصانه من أعدائه، ولذلك أعطي الحرمة. وقالوا: إن الحمام المعروف يعتبر من نسل تلك الحمامتين، فحرم الله صيد الحمام وإزعاجه وقتله، وحرم أكل فراخه وبيضه. وحرم قتل العنكبوت أيضاً احتراماً لذلك، وهذا من خصائصها ومما جعل الله على يدها في الحفاظ على حياة رسول الله، وصيانته من أعدائه.
تفسير قوله تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون)
تفسير قوله تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) قال تعالى: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت:43]. أي: وتلك الأمثال والذي منها ضرب المثل للمشركين المتخذين من دون الله أنداداً بالعنكبوت اتخذت بيتاً. والمثل بمعنى الشبه، والله عز وجل يضرب الشبه بما تراه العين وتحسه، وبما لم تره، أو بما ذكر في الذهن أو مضى في التاريخ لتقريب المعنى، والقرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب مليئة بالأمثال، حتى إن الدارج من لغاتها ولهجاتها في بلاد المشرق والمغرب العربي، فلا يكادون يتكلمون إلا والأمثال تتخلل كلامهم، ومحاوراتهم وصلحهم وجدالهم ونزاعهم تبعاً للغة العرب الأصلية التي نزل بها القرآن، فلقد قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من ألف مثل. فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم سيد الفصحاء، وأعطي جوامع الكلم، فـ عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه وكلامه ومحاوراته أكثر من ألف مثل، وقد كتب علماؤنا وسلفنا الصالح في أمثال رسول الله الذي تكلم بها، وتوجد هذه الأمثال في عموم كتب السنة، فتوجد في كتب الصحاح، والسنن، والمعاجم، والمسانيد؛ في أبواب العبادات، والمعاملات، والعقائد، والقصص، والآداب والرقائق، صلى الله على نبينا وسلم.
تفسير قوله تعالى: (خلق الله السماوات والأرض بالحق)
تفسير قوله تعالى: (خلق الله السماوات والأرض بالحق) قال تعالى: {خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} [العنكبوت:44]. يقول الله لهؤلاء الكفار: أتظنون أن الله خلق الدنيا عبثا؟ ما خلقها سبهللا لتعيشوا وتأكلوا وتشربوا وتتكاثروا فقط، ما خلق الله السماوات السبع، والأرضين السبع إلا بالحق وللحق والعدل، وهذا الذي يعلمه المؤمنون. وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} [العنكبوت:44]. أي: لعبرة، ومعجزة، وعلامة بينة للمؤمنين بالله، والمصدقين لرسل الله، والعاملين بكتب الله أمراً ونهياً، فلم تخلق السموات والأرض عبثاً، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]. والعبادة أصل خلقة الإنسان، فإذا ابتعد عنها كان كمن جعل حياته حياة حيوان، بل أقبح وألعن، قال تعالى: {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف:179].
تفسير قوله تعالى: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب)
تفسير قوله تعالى: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب) قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت:45]. والكتاب هو القرآن، والألف واللام للعهد أي: للمعهود ذهنا، فالكتاب الموحى إليك كلام الله، ناسخ الكتب السابقة، والمهيمن عليها. فالله يأمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقرأ هذا القرآن ويدعو الناس إليه، ويعرفهم بحلاله وبحرامه وبعقائده، وبآدابه، وبقصصه، وبرقائقه، والعمل بما فيه من أوامر، واجتناب ما فيه من نواهي، وأن يتلوه عبادة، صلاة، وتهجداً، وذكراً، وكذلك المؤمنون من مشارق الأرض ومغاربها. والأمر الموجه للنبي صلى الله عليه وسلم أمر لعموم الناس، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، ولكن لا يقبل ذلك إلا ممن آمن بالله، ولو فعله الكافر وهو على كفره لم يقبل منه، وهو مطالب بالإسلام، لأنه من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. ومنذ برز النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الديار المقدسة وقال: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً، وجب على كل الخلق في مشارق الأرض ومغاربها، أن يطيعوه ويمتثلوا أمره، وهم أمته؛ إلا أنه من استجاب منهم فهو من أمة الإجابة، ومن لم يستجب فهو من أمة الدعوة، أي: الأمة التي دعاها النبي عليه الصلاة والسلام للإيمان بالله وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم. والتلاوة بمعنى القراءة، والدرس، والشرح والبيان، وكل ذلك تشمله هذه الفقرة الكريمة.
أهمية الصلاة المفروضة
أهمية الصلاة المفروضة وقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ} [العنكبوت:45]. أي: أقم الصلاة المعروفة، ذات الركعات وذات التهجد، وذات الركوع، وذات التلاوة، وذات الأذكار والقيام والركوع والسجود، المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم. وإقامة الصلاة هو الإتيان بها في أوقاتها، بأركانها وشرائطها وواجباتها وآدابها، فمن أخرها عن وقتها، أو لم يطمئن فيها، أو صنع فيها ما لا يجوز أن يصنعه، لم يقم الصلاة. قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45] ومن خصائص الصلاة على من داوم عليها، وأتم أركانها، وقام بالطمأنينة فيها، وبالتدبر لما يذكر فيها من قرآن وأذكار، أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. والفحشاء هو كل ما حرم الله، ويكون كبيرة أو صغيرة، والمنكر كل ما أنكره الشرع، وحرمه وكرهه ومنعه. ومن خصائص الصلاة أن من واظب عليها جماعة في المساجد فهو مؤمن، قال عليه الصلاة والسلام: (من رأيتموه يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان). وجاء قوم إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: (إن فلاناً يصلي دائماً ويقوم الليل، لكنه يسرق ويفسد -وذكروا جرائمه- فقال لهم: دعوه ستنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر)، وليس معنى ذلك ترك إقامة الحدود، إذ لم تتم الشهادة عليه، وإلا لقطعت يده، وإن كان زانياً لجلد أو رجم، ولكن كلاماً يقوله الناس، فكان يقول عليه الصلاة والسلام: (دعوه إن الصلاة ستنهاه عن ذلك، وتلا: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45]). وفي السنن: عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لا نهاه الله). ومعناه: أن الذي لا يتدبر في الصلاة، ولا يتفكر في معناها، ولا يطمئن فيها، ولا يقوم بأركانها وبواجباتها، إن هي إلا حركات أشبه بنقر الديكة، وحركات الثعلب، فليست صلاة القانتين العابدين، ومن لا يلتزم الوقت، ولا يلتزم آدابها، فإنها ترد عليه، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر كأنه لم يصل؛ لأن صلاته ليست بصحيحة.
أهمية الذكر
أهمية الذكر قال تعالى: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت:45]. ذكر الله: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أكبر من كل أنواع الأذكار، والصلاة فيها كل ذلك، ففيها ذكر الله: فيها الله أكبر، وفيها سبحان الله، وفيها سبحان ربي الأعلى، وفيها سبحان ربي العظيم، وفيها قراءة الفاتحة وسورة، وفيها السجود، ولقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم)، أي: جدير للساجد وقد سجد بجبهته، وبأنفه، وبكفيه، وبركبتيه، وبرءوس قدميه وهو بهذا الموقف الجليل الذي لا يليق إلا بالله، جدير أن يستجيب الله له دعاءه، فالصلاة مشتملة على الذكر. قال تعالى: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45]، ويقول الله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152] أي: ذكر الله لك أيها العبد أعظم من ذكرك له، وأكبر من ذكرك له، وأشرف من ذكرك له، ودليله الآية السابقة، وقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: (من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) أي: من ذكر الله وحده ذكره الله وحده، وإن ذكره في جماعة ذكره الله في جماعة خير منها وأفضل، وهم جماعة الملائكة. إذاً: فذكر العبد لله شيء عظيم، وكون الذكر في الصلاة فهو أعظم، وأعظم من ذلك أن يذكرنا الله عندما نذكره، فيذكرنا بالرحمة، وبالرضا، وبالجنة. وذكر الله عبده أكبر من كل كبير، فالله الأكبر والأعظم، فإن ذكرك الله كان ذكره لك أعظم من ذكرك له، سواء كنت مصلياً، أو ذاكراً فقط، أو تالياً فقط، أو ذاكراً بأي نوع من أنواع الذكر، فذكر الله لك وحده لأنك ذكرته وحدك، أو في ملأ؛ لأنك ذكرته في ملأ، فذكر الله أعظم من ذلك؛ لأنه يذكرك كما ذكرته. قال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت:45]. هذه فيها بشرى ووعيد وإنذار، فالله يعلم ما تصنعون أيها الناس، فمن كان صنعته الطاعة والعبادة، وكانت صلاته تامة في أوقاتها وبأركانها، فالله عليم بصنعه، وبعمله، فيجازيه بالخير إحسانا، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، من غير إكراه. والله يعلم ما يصنع الكافر والعاصي، فيعامل الكافر على الكفر ناراً ومحنة وعذاباً، والعاصي يعامله تأديباً ومحنة ودخول النار، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه. قال تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت:46]، بذكر هذه الآية نكون قد ختمنا عشرين جزءاً أي: ثلثي القرآن الكريم، ومن أول هذه الآية نكون قد شرعنا في الثلث الثالث، أعاننا الله على تمامه كما أعاننا على تمام الثلثين السابقين، وقبل الله ذلك منا.
العنكبوت [46 - 47]
تفسير سورة العنكبوت [46 - 47] من آداب المجادلة مع أهل الكتاب أن يجادلوا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، وقد أنزل الله الكتاب على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فآمن به بعض أهل الكتاب لأنهم وجدوه مطابقاً لما عندهم.
تفسير قوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)
تفسير قوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) قال الله جلت قدرته: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت:46]. يعلمنا الله ربنا جل جلاله كيف ندعو الوثنيين والمشركين إليه، وكيف ندعو من كان من أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، فلهؤلاء حكم, ولهؤلاء حكم، ويجمع الكل أنهم كفرة لا يؤمنون بالله، وأنهم اتخذوا معه أولياء وشركاء من دونه، فقال جل جلاله: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت:46]. الجدال: هو الخصام، أي: لا تخاصموهم، ولا تناقشوهم، ولا تحاوروهم إلا بالكلمة الطيبة، فلا تعنيف، ولا شتيمة، ولا صراخ، ولا تقبيح، ولا شتم وذم. وقد أرسل الله نبيين كريمين -وهما موسى وهارون- إلى من ادعى الألوهية كذباً وطغياناً وجنوناً وحمقاً، ومع ذلك قال لهما: {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:44]، وهما النبيان الكريمان، والمدعو رجل طغى عليه حمقه ورعونته، فلم يدع النبوة، بل ادعى ما هو أكبر منها؛ ادعى أنه إله معبود من دون الله، ومع ذلك فإن الله جل جلاله أمر النبيين الكريمين بأن يكون كلامهما له ودعوتهما إياه باللين والكلمة الطيبة، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل:125]. وهنا أجدر أن تقبل الدعوة، وأجدر أن ينصتوا للحق ولدليله وبرهانه. وهكذا هنا فإن الله جل جلاله أمرنا عند محاورة أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن نجادلهم وأن نستدل عليهم بالتي هي أحسن، أي: بالكلمة الحسنة والطيبة من غير أن يكون هناك خصام ولا شتيمة. وأهل الكتاب قوم يظنون أنفسهم مؤمنين، وقد حرفوا وبدلوا التوراة والإنجيل، وأمروا أن يعبدوا إلهاً واحداً فعبدوا ثلاثة آلهة: عبدوا الله، ومريم، وعيسى، وسموها الأقانيم الثلاثة، قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} [المائدة:73]. وازداد اليهود كفراً فعبدوا العجل من دون الله، واتخذوه شريكاً وإلها، ثم زعموا لأنفسهم أنهم أبناء الله، ثم زعم ذلك النصارى بعدهم، وقد حكى الله ذلك عنهم، ثم قالوا كما قال الله عنهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة:18]. فكان شركهم قد تجاوز شرك السابقين؛ إذ جعلوا الخلق كله من أصل إلهي، وفيهم جزء إلهي، فكانت الآلهة عندهم بعدد الخلق، فضلوا وأضلوا. والله جل جلاله سماهم الكفار والمشركين من أهل الكتاب، فهم في الأصل أهل كتاب، اتبعوا موسى في زعمهم، وأنزلت عليه التوراة، واتبعوا عيسى في زعمهم، وأنزل عليه الإنجيل، فهم بهذا الاعتبار أهل كتاب، ثم إنهم حرفوا وبدلوا وغيروا ما في الكتب السماوية. وفي التوراة المحرفة الغرائب والعجائب، ففيها الاستهزاء بالله، وقذف الأنبياء والرسل بكل طامة وكبيرة من المحارم ومن أنواع الفواحش. وكذلك الإنجيل المحرف فيه عقيدة التثليث، وفيه تأليه البشر: عيسى ومريم، وفيه أن النصارى أبناء لله، وينادون ربهم ويقولون: يا أبانا الذي في السماء! هكذا يكفرون ويشركون. فالله جل جلاله يأمرنا أن ندعوهم إلى القرآن وإلى الإسلام وإلى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بالكلمة الطيبة. وقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت:46] أي: إلا الظالمين من هؤلاء الكتابيين، فعاملوهم بمعاملتهم، وأجيبوهم بمثل قولهم، وارفعوا السيف في وجوههم، لأنهم كانوا ظالمين، والظلم يعنى به هنا: تجاوز حدهم بالهجوم على الرسالة المحمدية، وعلى محمد صلى الله عليه وسلم. لأن الكفر أظلم الظلم، فكل من كان كافراً كان ظالماً، والكفر ظلم أخص، وهؤلاء منهم من إذا جادلك أو إذا خاصمك، تعرض لنبيك صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسوء، وتعرض لكتاب الله بكل قلة أدب، وقذف وشتم وكذب، وقال ما يقوله كل كافر وقح. إذا بلغ بهؤلاء وقد ظلموا المسلمين بأقوالهم، وأفعالهم، فلا يكفي فيهم المجادلة بالكلمة الطيبة، ولا بالتي هي أحسن، فمن احتاج السيف فاضربه بالسيف، ومن يكفي فيه الضرب بالعصا، أو السجن وما إلى ذلك، يعامل بمثل ذلك، لا للجدال في الحق، ولكن لتأديبه على ظلمه، وتعديه لسلطانه، وهذا كله مع أهل الذمة، الذين هم تحت سلطاننا وذمتنا من اليهود والنصارى. أما الحربيون فإنهم يدعون إلى الإسلام، وإلا فالجزية، وإلا فالحرب. والله أمرنا أن ندعو الخلق كلهم إلى الإسلام، فإن فعلوا فذاك، وإلا فتعرض عليهم الجزية. والجزية تعني: أن يخضعوا لكتاب الله حكماً، وأن يصبحوا تحت راية الإسلام، فالحكم للمسلمين وهم تحت تصرفهم، مع إبقاء البالغين منهم على دينهم، قال تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256]. ومن دخل الإسلام أرضه، وأصبح الحاكم فيها، ووجد صغار لم يبلغوا الحلم، فالصغار يعتبرون مسلمين إذا بلغوا وهم تحت حكم الإسلام. قال النبي عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). والفطرة هي الإسلام، وقد أجمع على ذلك شراح هذا الحديث، فإن بلغ الأولاد وهم في بلاد الإسلام فهم مسلمون، ولا يحق لأب أو أم أو لكليهما أن يغيروا دين أولادهم من الإسلام إلى الكفر، ولا يجوز لنا أن نأذن لهم ونتركهم لأن ينصروهم أو يهودوهم، أو يمجسوهم. وقد كان عمر رضي الله عنه يكتب لولاته وأمرائه وقواده: ألا تدعوا النصارى ينصروا أولادهم، وألا تدعوا اليهود يهودوا أولادهم، وألا تدعوا المجوس يمجسوا أولادهم. وقوله تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت:46]. هذا خطاب لأهل الذمة الذين هم تحت ذمة المسلمين وحكمهم وسلطانهم، أما الحربيون فالإسلام أو الجزية أو السيف، أي: الحرب، وقد زعم بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، وليس الأمر كذلك. وقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} [العنكبوت:46]، أي: الذميون الذين تجاوزوا حدودهم من قلة الأدب مع الإسلام ونبي الإسلام وكتاب الإسلام، فليس لهم ذمة. أما الحربيون إن رفضوا الإسلام والجزية، فليس لهم منا إلا السيف، قال تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29].
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب)
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب) قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ} [العنكبوت:47]. أي: كما أنزلنا الزبور على داود، والتوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، وكما جعلناهم أنبياء ورسلاً, وأوحينا إليهم بدين وكتاب، كذلك أرسلناك رسولاً بوحي وكتاب، فأرسلناك بالإسلام للناس عامة، وأوحينا إليك القرآن الكريم المهيمن على ما سبقه من الكتب، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالله جل جلاله حفظه وتعهد بحفظه، ولم يكل حفظه لأحد من خلقه. وأكبر معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم، فهو بعد نزوله بألف وأربعمائة عام لم يغير ولم يبدل لا في سورة، ولا في آية، ولا في حركة حرف أو سكونه، وما ذلك إلا لأن الله تعهد بحفظه. وأما الكتب السماوية السابقة فلم يتعهد الله بحفظها، وإنما عهد بحفظها لعلماء اليهود والنصارى، قال تعالى: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} [المائدة:44]، فعجزوا عن حفظها، ورعايتها، فبدلوا وغيروا. وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ} [العنكبوت:47]. أي: القرآن، وهو هدى ونور للمؤمنين بل وللناس كافة، فمن اهتدى به نفع نفسه، ومن جحده أضر بها وما ضر أحداً. وقوله تعالى: {فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ} [العنكبوت:47]. أي: والذين آتيناهم الكتاب منهم من آمن بك وصدقك كـ عبد الله بن سلام وقد كان يهودياً، وسلمان الفارسي الذي أسلم وقد كان نصرانياً، فهؤلاء آمنوا بالكتب السابقة، وآمنوا كذلك الكتاب اللاحق وهو القرآن الكريم المنزل إليك. فهم آمنوا أولاً، وآمنوا أخيراً، لأنهم وجدوا في التوراة والإنجيل اسمك وصفتك ونعتك. فكان إيمانهم بالكتب السابقة إيماناً بك، لأنهم وجدوا الصفات التي ذكرت في الكتب السابقة منطبقة عليك عندما رأوك وجالسوك، وسمعوا قولك، وسمعوا من القرآن المنزل عليك، فكان ذلك دليلاً وشاهداً وسلطاناً وبرهاناً فآمنوا. وقوله تعالى: {وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ} [العنكبوت:47]. أي: ومن المشركين الوثنيين من يؤمن بمحمد صلى الله عليه وعلى آله، ويؤمن بالكتاب المنزل إليه، وأنه كلام الله، وأنه الوحي الحق جاء به جبريل عليه السلام من الله إلى قلبك لتكون للعالمين نذيراً. وقوله تعالى: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ} [العنكبوت:47]. الجحود هو معرفة الحق ونكرانه، فأهل الكتاب وجدوا في النبي عليه الصلاة والسلام الصفات التي في التوراة والإنجيل فآمنوا به وصدقوه. ومن العرب من آمن به كذلك، وكان هذا في صدر الإسلام، وهذه السورة مكية، على خلاف في ذلك، كما قررنا ذلك في أول السورة. فكفار العرب رأوا من أمانة النبي عليه الصلاة والسلام، وصدقة وكونه لم يكذب قط على الناس إلى أن صار عمره أربعين عاماً، فعلموا أنه لا يكذب على الله بعد الأربعين عاماً، حاشا الله ومعاذ الله، فمن لا يكذب على الناس لا يكذب على الله. وقد بقي النبي عليه الصلاة والسلام صادق القول لمدة أربعين سنة، وقد عرفه بذلك الصغير والكبير، والرجل والمرأة، فلا يخطر ببال أنه بعد ما أتم من الأربعين سنة يكذب على الله، جل الله عن ذلك، وجل نبينا عليه الصلاة والسلام عن أن يكذب على الله. وكان كفار مكة يلقبون النبي عليه الصلاة والسلام قبل النبوة بالأمين والصديق، والصديق صيغة مبالغة، وهي تدل على كثرة الصدق، وعدم الكذب قط، لا تلويحاً ولا تصريحاً. فالكفار آمنوا به بما علموا من خلقه، ومن عشرته الطويلة معهم قبل الإسلام، وأهل الكتاب آمنوا به لما وجدوا من صفته، ومن نعته في كتبهم السماوية التوراة والإنجيل، استناداً على ما عندهم من حق وسلطان ودليل، على أن محمداً النبي الخاتم والرسول الصادق، صلى الله عليه وعلى آله.
العنكبوت [48 - 51]
تفسير سورة العنكبوت [48 - 51] القرآن العظيم كلام الله أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وتحدى به العرب فلم يقدروا على الإتيان بمثله، فهو المعجزة الخالدة للنبي الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب.
تفسير قوله تعالى: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك)
تفسير قوله تعالى: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك) قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48]. يقول الله لمحمد عليه الصلاة والسلام: إنك يا محمد كما تعلم أنت ويعلم قومك، ويعلم كل من رآك وعرفك، أنك قبل نزول الكتاب إليك، لم تكن تتلو شيئاً من الكتاب، فقد كنت أمياً لا تقرأ كتاباً ولا تكتبه بيمينك، فأعظم معجزة أنك لم تتعلم، ولم تجلس بين يدي شيخ، ولم تقرأ كتابا ولم تكتب بيدك شيئاً. ومع ذلك وبعد الأربعين من السنين أصبحت محيطاً بعلم الأوائل والأواخر، علم الأنبياء وعلم الكتب السابقة، بل جئت فصححت ما كان عندهم من كذب، وتحريف، وتغيير، فعلمت علم خلق الدنيا، وخلق السموات والأرض. وعلمت الله جل جلاله بنعوته وصفاته وبمقامه جل وعلا وأنه الخالق الواحد الذي لا شريك له، وعلمت ما كان بعلم الله لك وما سيكون، وعلمت من شأن الأمم قبلك والأمم بعدك ما علمكه الله بما أنزل إليك من هذا الكتاب الكريم، الذي {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت:42]. هذا الكتاب المعجز في لفظه، والمعجز في معناه، جئت به وأنت الأمي، كما يقول العارف: كفاك بالعلم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم فيكفي معجزة لنبينا عليه الصلاة والسلام أنه وهو الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب جاء بعلم لم يأت به أحد قبله: لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وكل ذلك قد صادق خبره الخبر، سواء فيما مضى أو فيما هو آت. فقد جاءكم بكتاب فيه خبر من قبلكم، ونبأ من بعدكم، والفصل فيما بينكم، هو الجد ليس بالهزل، ما تركه من جبار إلا وقصمه الله، فيه الحق الصراح في الخبر والنبأ والحكم، والعقائد والقصص والآداب والرقائق. قوله: {إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48]. أي: لو كان النبي يكتب ويقرأ لقال أهل الباطل من أهل الشرك ومن يهود ونصارى: لا غرابة فيما جاء به محمد، فهو قد قرأ كما يقرأ الناس، وكتب كما يكتب الناس، وحضر مجالس العلماء، فهو يقرأ ويكتب. ولكن لما كان الأمر ليس كذلك كانت المعجزة مما ظهر في عقول العقلاء قبل غيرهم، وكانت أعظم معجزة أتى بها هي القرآن، فلم يأت من قبله إلا بمعجزة قد انتهى زمانها، كعصا موسى وناقة صالح وما إلى ذلك، ولكن المعجزة الدائمة الباقية ما بقيت الدنيا هي هذا الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فأعظم المعجزات التي كانت والباقية إلى يوم القيامة هي هذا الكتاب الذي تحدى الله الخلق جنهم وإنسهم أن يأتوا بمثله، أو بسورة منه، أو بعشر آيات منه، فعجزوا وما استطاعوا. والتحدي لا يزال قائماً منذ ألف وأربعمائة عام، فلم يستطع أحد أن يجاري القرآن في فصاحته وبلاغته وإعجازه، لا القريب من اللغة العربية، ولا البعيد عنها. قال الله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ} [العنكبوت:48]. أي: لم تكن تتلو كتاباً وتقرؤه من قبل القرآن الكريم المنزل إليك. {وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت:48]. أي: ولم تكن تكتب بيمينك، وذكر اليمين هنا هو في الأغلب وإلا فبعض الشواذ يكتب باليسار، والمقصود أن النبي لم يكن يكتب قط. والخط باليمين هنا المراد به الكتابة، بمعنى أنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وكونه لا يقرأ ولا يكتب هو ما جاء ذكره في القرآن الكريم، وجاء في التوراة والإنجيل قبل ذلك، وأجمع عليه المسلمون قاطبة، حتى لقد قالوا: من زعم أن محمداً يقرأ ويكتب فهو كافر بالله، إما أن يتوب إلى الله وإما أن يقتل على الردة. وقد زعم أبو الوليد الباجي من علماء الأندلس في القرن الخامس أن النبي عليه الصلاة السلام كان يقرأ ويكتب، وقال هذا الكلام وهذا الهراء وهذا الجهل على جلالته وعلمه ومكانته بين المفسرين والمحدثين والعلماء والفقهاء. وقد أخذ ذلك من كلمة ذكرت في صحيح البخاري، وذلك عندما اتفق النبي صلى الله عليه وسلم مع خصومه وأعدائه من كفار مكة أن يكتبوا معاهدة الحديبية، وكان الكاتب للرسالة هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له النبي: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله، وإذا بسفير قريش يقول: اكتب: باسمك اللهم كما كان يكتب سلفك وقومك، ثم قالوا له: اكتب اسمك واسم أبيك كما يكتب الناس، ولو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، وكان علي قد كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فغيرها باسمك اللهم، فقال له النبي: امح رسول الله واكتب: هذا ما عاهد عليه محمد بن عبد الله، فامتنع علي وقال: والله يا رسول الله لن أمحو رسالتك لا في قول ولا في عمل. في رواية عند البخاري: فمحاها النبي صلى الله عليه وسلم وكتب: محمد بن عبد الله، وفي الرواية الثانية في البخاري: فأمر رسول الله غير علي بأن يمحوها ويكتب اسمه واسم أبيه، فجاء الباجي فقال: قد كتب رسول الله: محمد بن عبد الله، فنسب الكتابة للنبي، وقال: كانت تلك معجزة لرسول الله. وهذا فهم أعوج لأمرين: أولاً: أن المعجزات لا تتضارب، فالمعجزة كانت في كونه أمياً، لا في كونه قارئاً، فلو اعتبرنا المعجزة انقلبت من أمي إلى قارئ وكاتب لكان هناك تضارب، والمعجزات لا تتضارب. ثانياً: أنه لو كان يكتب لدخل في عموم الآية: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48]. إذاً: لو كان يقرأ ويكتب لتشكك وارتاب في صدق رسالته ونبوءته المبطلون البعداء عن الحق من أهل مكة وغيرهم من الوثنيين ومن الكتابيين، ولذلك قامت ضجة على هذا الرجل في المشارق والمغارب، وخطب الناس على المنابر في تكفيره وفي شتمه، وقال بقوله اثنان أو ثلاثة، وذكروا حديثاً: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ما مات حتى تعلم القراءة والكتابة). وهذا حديث باطل لا أصل له ولا سند له، ولا مخرج له، وهو من الأكاذيب التي كذبها الزنادقة أو الجهلة، وفي هذه النتائج دائماً يلتقي الجهلة مع الزنادقة. وعلى ذلك فالقرآن صرح هنا بأنه لم يكن يقرأ كتاباً، ولم يكن يكتب كتاباً قبل نزول القرآن عليه. وهو بذلك عندما جاءه الوحي بلغ الرسالة، ونشر علوم الأولين والآخرين، ونطق بما جاء به القرآن عن الله، وكان له أكثر من عشرين كاتباً يكتبون الوحي عندما ينزل عليه، ويكتبون الرسائل بينه وبين أمراء الأقاليم والملوك يدعوهم إلى الله الواحد الذي لا شريك له. أما أنه يكتب ويقرأ فالقرآن صريح في عدم ذلك، وقد وصفة الله في التوراة والإنجيل من قبل أنه أمي، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف:157]. وجاءت صفة رسول الله في التوراة والإنجيل كما يقول الله: إنه النبي الأمي، والأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، ومع أميته وصفه القرآن بأنه رسول ونبي، وأنه جاء ليأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، وينهاهم عن الخبائث، ويرفع عنهم إصرهم، أي: ما كان في دينهم مما لا تكاد تحتمله الناس من شدة وقسوة في عبادتهم. والأغلال التي كانت عليهم: كانوا عبيداً للملوك مستذلين، قويهم يأكل ضعيفهم، وغنيهم يستبيح مال فقيرهم، إلى أن جاء النبي عليه الصلاة السلام، فرفع هذا من الكون كله، ورفع الظلم الذي كان في ديار العرب، وأمر برفعه من ديار الروم والفرس، فامتثل أمره الخلفاء الراشدون عندما ذهبوا فاتحين في أقطار الأرض، ناشرين رسالته وأمره ونهيه صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم)
تفسير قوله تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) قال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} [العنكبوت:49]. الجحود: نكران الحق بعد العلم به، وقد كان هكذا كفر اليهود والنصارى، بعد أن وجدوا صفته في التوراة والإنجيل كما ذكر القرآن. والعرب علموا حياته، وقد عاش عمراً من حياته بينهم، وما كان يعرف بينهم إلا بالصادق الأمين، وفجأة أخذوا يشتمونه ويكذبونه، عتواً في الأرض وفسادا. وقد آمنوا بصدقه واعترفوا به، ولكنهم جحدوا الحق، فكفروا به وبما أتى به، قال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} [العنكبوت:49]. بل: للإضراب، بمعنى: بل علم محمد والرسالة المحمدية، والقرآن الكريم بما فيه: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت:49]. أي: آيات بينات ظاهرات واضحات: {فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت:49]. فهذا القرآن وهذه الرسالة المحمدية هي بالنسبة للمسلمين أتباع محمد لا يحتاجون فيها إلى كتاب ولا ورق، بل هي في صدورهم، يحفظونها حفظاً عن ظهر قلب. فهكذا كان العرب المسلمون، فقد عرفوا بأن القرآن الكريم يحفظه الكبار والصغار، وحتى مع فساد الزمن ونشر الكفر، وإذاعة النفاق لا يزال في جميع العوالم، ولا تخلو بقعة من أرض إلا وفيها مسلمون يحفظون القرآن الكريم، أو فيهم من يحفظ القران الكريم، هذا على ما أصيب به المسلمون من جهل وكفر ونفاق. فتجدهم يحفظون كتاب الله في صدورهم. وهناك من الآثار والأحاديث ما يزيد هذا بيانا، ففي الحديث النبوي: (أناجيل أمتي في صدورها). الإنجيل الذي عرف عند النصارى أنه كتاب ربهم، هو بالنسبة للمسلمين في صدورهم، يحفظونه غيباً ويتلونه صباحاً ومساء، يحفظون لفظه، ويحفظون معناه، وشرحه وبيانه. يحفظون شرحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سنته، ويحفظون شرحه وتفسيره من الآيات التي يفسر بعضها بعضا. ويحفظون تفسيره من لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم. يعلمون أفعاله ومصادره، أسماءه وحروفه، فيستنبطون المعنى حلالاً وحراماً، قصصاً وعقائد وآداباً ورقائق، ولا يعرف هذا في غير الأمة المحمدية، وفي العرب بصفة خاصة قبل غيرهم، فلقد كان سلفنا الصالح يحفظون كتاب الله عن ظهر قلب، ويحفظون مع كتاب الله مئات الآلاف من الأحاديث النبوية. كان مالك بن أنس يحفظ السنة النبوية، وكان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، وكان الشافعي يحفظ مئات الآلاف من الأحاديث. كان أبو حنيفة على طعن أعدائه في حفظه للسنة يحفظ الآلاف من الأحاديث، وعليها بنى فقهه واستنباطه واجتهاده، لا كما زعم ابن خلدون الدخيل في دينه وإسلامه بأن أبا حنيفة لم يكن يحفظ من السنة إلا سبعة عشر حديثاً. قال: وعليها بنى فقه وحديثه وإسلامه، وبذلك زعم وأفسح المجال لمن جاء بعده بأن قالوا: فقه الأحناف كله الرأي، وليس معتمداً على السنة، والإمام أبو حنيفة لم يكن يعرف السنة، وفقهه اجتهادات واستنباطات لا ترجع لدليل من السنة قط، فجاء الكفرة والمنافقون في عصرنا فقالوا: فقه أبي حنيفة فقه الرومان، وهو فقه حمورابي، وخرجوا به عن الدائرة الإسلامية الفقهية جميعها، فكذبوا على الله وافتروا! الزيلعي الإمام الحجة العلم المرجع، وهو حنفي المذهب، بل إمام من أئمة الحنفية، خرج فقه الأحناف في عصره، وإذا به يأتي بعشرات الآلاف من الأدلة مما استدل بها أبو حنيفة وأصحابه، وذلك في كتابه المسمى بنصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، وهو في أربعة مجلدات، مطبوع أجمل الطبعات، حرفاً وورقاً، والمحقق له أحد أصدقائنا من علماء الحديث في باكستان: محمد يوسف البنوري الذي توفي حديثا، رحمه الله وجزاه عن مذهبه وعن المسلمين خيرا. وقبله الإمام الطحاوي، فقد جاء إلى كتابه شرح معاني الآثار، وإلى غيره، فخرج واستنبط وشرح وفسر من فقه الأحناف ما استدل به الإمام في عشرات الآلاف من الأحاديث. ومما أكرمت به منذ ثماني عشرة سنة وأنا في جامعة دمشق أن خرجت أحاديث الأحناف في كتاب التحفة السمرقندية: تحفة الفقهاء للسمرقندي، فطبعت في أربعة مجلدات، طبعتها جامعة دمشق، وعلى ذلك فالأئمة الأربعة يحفظون كتاب الله عن ظهر قلب، ويحفظون السنة النبوية، وكان كذلك السلف الصالح منذ عصر الصحابة والتابعين. فـ أبو هريرة راوية الصحابة كان يحفظ سبعة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثا، وهو أروى الصحابة على الإطلاق. لا تجد كتاباً في السنة من الصحاح إلى السنن إلى المعاجم إلى المصنفات إلا وتروي عن أبي هريرة. واعترف له الكبار من الصحابة بأنه لزم رسول الله، وجالس رسول الله، وتعلم من رسول الله، وما اشتغل بتجارة ولا زراعة، فكان ليله ونهاره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب كل ما سمع، بل ويحفظه عن ظهر قلب، وكانت الكتابة طارئة. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يحفظ عن رسول الله كذلك كل ما يسمعه، فكتب ما سماه الصادق، وهو أول كتاب دون في الإسلام، في حياة النبي عليه الصلاة السلام. وكان مشتملاً على ألفي حديث، ولا نجد كتاباً بهذا الاسم، ولكنها أحاديث وزعت ورويت في الصحيحين: البخاري ومسلم، وبقية الكتب الستة، وجميع أمهات السنة، لم يضع منها حديث واحد. بل أكثر من هذا أن أدباء العرب ورواة العرب يحفظون من الشعر، ومن اللغة ما يتجاوز عشرات الآلاف من القصائد والمقطعات، والأراجيز والأبيات. جاء مرة بدوي إلى عبد الملك بن مروان، فدخل عليه، فوجده في هيئة زريئة كالأعراب خاصة إذا كانوا مدقعين فقراء، فقال: من أنت؟ قال أنا راوية العرب، قال: أنت راوية العرب؟ قال: نعم أنا روايتهم، قال: ما تحفظ؟ قال: ما الذي تريد، أشعر قريش أم شعر العرب؟ وإذا به يأمر بأن يحضر الأصمعي، وأن يحضر رواة العرب الكبار، وبأن يسمعوا منه. فقال له: أريد أراجيز بني تميم خاصة، وهم أهل نجد آنذاك، فأخذوا يحصون عليه وإذا به يروي من حفظه، فهماً وإدراكاً وشرحاً للمفردات اللغوية، وللتعابير اللغوية، ويعلم اسم شاعر كل قصيدة، وما هي حياته، وفي أي عصر كان، وكيف كان، ومتى مات، وفي أي بلدة مات، إلى أن سمعوا منه عشرات المئات بل الآلاف من أراجيز العرب وحدها. هذه صفة أكرم الله بها العرب، ثم أكرم بها المسلمين كافة ممن درس العربية، ودرس الإسلام جيدا، قال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت:49]. أي: هو آيات واضحات بينات في صدورهم يحفظونها، ويحفظون أحكامها، ويحفظون ألفاظها، ويحفظونها لمن يأتي بعدهم، وهكذا حفظ القرآن في الصدور جيلاً بعد جيل إلى عصرنا. يحكون عن يهودي أراد أن يختبر صحة سماع الأجيال التوراة والإنجيل والقرآن، فجاء إلى عالم يهودي فأخبره، وحضر معه جماعة من أمثالة، قال: اقرأ علي من التوراة، فقرأ من التوراة نفسها، وأخذ يتلكأ ويزيد وينقص، والحاضرون لا يرد عليه منهم أحد، مما يدل على أنهم لم يحفظوا شيئاً من التوراة. ثم اتصل بعالم نصراني، ومعه جماعة مثله، فقال: اقرأ علي من الإنجيل، فأخذ يقرأ متلكئاً والحاضرون لا يزيدون على قوله ولا ينقصون، مما يدل على أنهم لم يحفظوا شيئاً، ثم جاء إلى مسلم عامي بين مجموعة من الناس، فقال: اقرأ علي من المصحف، قال: لا حاجة للمصحف، فمصحفي صدري، وأخذ يقرأ وإذا أخطأ في كلمة إذا بالحاضرين جميعاً يردون عليه، وإذا باليهودي يقول: أشهد أن الإسلام حق، وأن القرآن حق، وأنه لم يستطع أحد على مر القرون أن يغير في القرآن كلمة واحدة، أما التوراة والإنجيل فقد غيرت في العصور الأولى في العصر الثالث بعد موسى وعيسى، حتى غيرت وبدلت في أصولها وجوهرها، بدلت من التوحيد إلى الشرك، من الأخلاق الفاضلة إلى الأخلاق الزائفة، من احترام الأنبياء وتقديرهم إلى شتمهم وسبهم. فالتوراة والإنجيل قد غيرتا وبدلتا في الجوهر وفي الكم والكيف. أما القرآن الكريم فنحن الآن في أواخر القرن الرابع عشر، وما زال يقرأ في التراويح في كل بقاع الأرض. باللفظ الواحد وبالحركة وبالمدة، وكما كان يقرؤه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، وفي مسجده، وبما كان يتلوه ويقرؤه بعده خلفاؤه الراشدون، وأصحابه الأكرمون، والتابعون فمن جاء بعدهم إلى عصرنا. تلك معجزة المعجزات الخالدة التالدة في الإسلام، وكل معجزة سواها فهي خاصة بزمن نزولها، وقد ماتت مع أصحابها، ولم تبق إلا كسيرة نبوية. وأما المعجزة التي رأوها، ورأيناها، ويراها أسباطنا وأولادنا بعدنا وإلى يوم القيامة فهي القرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت:49]. فهؤلاء لا يحتاجون إلى كتابة. والكتابة ليست إلا لمن لا يحفظ، والقرآن محفوظ في الصدور، وحفظه في السطور وفي التفسير، وفي البيان، ولذلك حفظ القرآن لفظاً وبيانا لغة وحركات ووقفات، ولم يلغ منه شيء، ولم ينقص منه شيء، ولم يزد عليه شيء، ومن حاول أن يقرأ ما لا يقرأه الناس قام الناس في وجهه معترضين عليه سواء كانوا صغاراً أو كباراً؛ لأنه لا يمكن للقرآن أن يخطأ فيه أو أن يغير، وجل من لا يسهو، وليست كذلك الكتب الأخرى. {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت:49]. أي في صدور العلماء. والله هنا استشهد بالعلماء، ومن أجل ذلك قال عليه الصلاة والسلام: (العلماء ورثة الأنبياء). النبي عليه
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه)
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه) بعد أن علم المشركون ما علموا، وأدركوا ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم أخذوا ينتقدون، قال الله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [العنكبوت:50]. أخذوا يقولون: إن كان محمد رسولاً فأين معجزاته؟ أين العصا التي أوتيها موسى؟ وأين الناقة التي أوتيها صالح؟ أين الناقة التي تشبهها؟ وهكذا أخذوا يزيفون ويقلبون الحقائق، ويقولون ما لا أصل له مما أوحى إليهم به شياطينهم. قال الله له: يا محمد! {قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ} [العنكبوت:50]. أي: لست أنا الذي آتي بالآيات، فالآيات والمعجزات والمكرمات الواضحات، والتي تعجز الخلق والبشر هي من الله، {وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [العنكبوت:50]. لست إلا نذيراً لكم ولأمثالكم ممن كفر بالله، وجحد دين الله، وأبى إلا الكفر، أنذركم يوم القيامة، وأنذركم عذاب الله الخالد الدائم.
تفسير قوله تعالى: (أولم يكفهم أنا أنزلنا إليك الكتاب يتلى عليهم)
تفسير قوله تعالى: (أولم يكفهم أنا أنزلنا إليك الكتاب يتلى عليهم) قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت:51]. قال الله: قل لهم يا محمد: أولم يكفهم؟ وهذا استفهام إنكاري توبيخي تقريعي، بمعنى: ألم يكتفوا بنزول القرآن الكريم الذي أنزلناه عليك، يتلى عليهم؟ يسمعون كلامه، ويسمعون وحيه، ويسمعون حلاله وحرامه، ويقرأ عليهم صباحاً وعشياً، ويدعون به إلى الله. هذا القرآن المعجز الخالد الذي لم يستطع الجن والإنس -وقد تحداهم الله- أن يأتوا بمثله، أو بسورة من مثله، أو بعشر آيات من مثله، فلم يستطيعوا. هذا القرآن الذي جاء به محمد النبي الأمي، الذي لا يقرأ ولا يكتب فيه علم من قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم، ما تركه من جبار إلا وقصمه الله، من أين أتاه هذا العلم، وأنتم تعلمون أنه لم يقرأ، ولم يكتب، وعاش أربعين عاما ولا يعرف إلا ما يعرفه قومه، وقومه كذلك أميون؟ يقول النبي عليه الصلاة السلام عن العرب: (إنا أمة أمية، لا نقرأ ولا نكتب). هؤلاء الذين في مكة جميعهم أميون لا يقرءون ولا يكتبون، ومن تعلم منهم بعد أن خرج للخارج لن يكتب إلا سطراً أو سطرين، وأشبه بكتابة الأمي. ومرة قالوا: هناك قين رومي كان يجلس إليه، ويستكتب ما يقوله، ولكن هذا الرجل لا يكاد يبين، فليس بعربي، ولا يفهم القول، وهو جاهل، وبعيد عن المعرفة، ولا ينطق بالعربية. فهذا الكتاب الكريم كيف أتى به؟ وهنا قال النبي عليه الصلاة السلام -فيما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم في صحيحيهما-: (ما من نبي من الأنبياء إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر -أي: من المعجزات- وإنما كان الذي أوتيته وحياً، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة). وهذا القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو المعجزة الشاهدة في كل عصر وأوان على أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أتى بالمعجزات الكثيرات، خاطبه الدواب وفهم عن الدواب، وسجدت له الدواب، واشتكى له الجمل، واشتكى له الذئب، بل إن المنبر الذي كان يخطب عليه في المدينة المنورة عندما حاولوا أن يزيلوه ويأتوا بغيره حن حنين الناقة التي يفصل عنها فصيلها حتى سمع حنينه كل من في المسجد. النبي عليه الصلاة السلام حضر مغازي وحروبا، فلم يجدوا أكلا، ولم يجدوا شراباً فدعا بما عندهم، فأتوا بكسر قليلة، والجيش فيه المئات، فوضع يده وقال: باسم الله، فأكل جميع الحاضرين، وبقي الكثير من الخير. ولم يجدوا الماء، وكادون يموتوا عطشاً، فوضع يده وسمى الله، وإذا بالماء يفور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، كما تفور العيون من الأرض، فشرب الجميع. النبي صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح البخاري، وهو متواتر عن أكثر من عشرة من الصحابة- (صلى الصبح ثم صعد المنبر، فبقي يخطب إلى أذان الظهر، فنزل فصلى الظهر، ثم عاد إلى المنبر، فبقي يخطب إلى أذان العصر، فنزل فصلى العصر، ثم صعد المنبر، فبقي يخطب إلى أذان المغرب، فنزل وصلى المغرب واكتفى)، قال عمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وسعد بن معاذ، وحذيفة بن اليمان، قالوا: لقد حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان ويكون إلى قيام الساعة، ومنذ بدأ الخلق، إلى نهاية الدنيا، إلى حساب الناس، إلى أن دخل من دخل الجنة، ودخل من دخل النار. لقد حدثنا بما يكون بعده، وما من قائد فتنة ومعه رجل أو رجلين أو أكثر إلا وحدثنا باسمه، وبنسبه، ومتى كان. كان ذلك من رسول الله وحياً وإخباراً من الله: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن:26 - 27]. وتكررت مثل هذه الخطبة، وحدث بالفتن الحادثة بعده، من قتل عثمان إلى استشهاد علي إلى الفتن التي كانت أيام الصحابة، إلى استشهاد آل البيت، إلى ما صدر عن بني أمية، إلى ما حدث بعد ذلك في بني العباس، إلى أن أخبر عليه الصلاة والسلام بأنه: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة على قصعتها، قيل: يا رسول الله، أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: لا، بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت). قال هذا والمسلمون في إقبال، ولم يمض على قوله بضع سنوات إلا وأصبح الإسلام يحكم العالم، من أقصى الصين إلى أقصى ديار الغرب، وما بينهما. فكان هذا عندما يذكر لا يكاد يخطر ببال، كيف سيصل بنا الحال إلى ما نحن فيه، تداعت علينا الأمم من كل جانب، حتى اليهود وهم أذل الخلق وعبدة الطاغوت، لماذا؟ A لبعدنا عن الله، ولكراهيتنا للموت، ولعدم حربنا وقتالنا لأعدائنا، ولخروجنا عن أمر الله وطاعته، فهي عقوبة لا نخرج عنها إلا إذا تبنا إلى الله وعدنا إليه. قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت:51]. أي: ألم يكفهم من هذه المعجزات هذا الكتاب الكريم، وهذا القرآن العظيم، وهم أفصح الناس، وأبلغ الناس، وأشعر الناس، وأخطب الناس، وهم أدرى الناس بالبلاغة، وأدرى الناس بالفصاحة؛ من أين لمحمد هذا؟ لقد عاش بينهم أربعين عاما، فلم يكن خطيباً، ولم يكن شاعراً، ولم يعلم الشعر حتى بعد ذلك: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس:69]. فإذا به فجأة ينزل عليه الوحي، ويأتيه جبريل إلى غار حراء، وينزل عليه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1]. ثم يتتابع الوحي، ويظهر النور، والعلم، والمعارف في كل حركاته وسكناته من فعله وقوله وإقراره. وكانوا يحاولون سماع القرآن، ولا يريدون أن يسمعوه من النبي وهو يراهم، فكانوا يذهبون إلى داره وهو يتهجد به ليلاً، ويرفع به صوته كما هي صلاة التهجد ليلاً، فيتجمعون وينصتون، إلى أن افتضحوا. فكان يأتي أبو سفيان، وأمية بن خلف، وأبو جهل وآخرون، وإذا بهم يلتقون صدفة واتفاقاً، ويعرف كل منهم أن الآخر يأتي لسماع القرآن، فأخذوا يقولون: والله لقد قرأنا الشعر، وما هو به، وقرأنا أراجيز العرب وما هو بها، وقرأنا خطب الخطباء، وما هو بها، والله إن عليه لحلاوة، وإن له لطلاوة، ولو سمعته الجن لآمنت به. وهذا الذي حدث. فقالوا للوليد: إذاً ماذا ترى؟ قال: أقول: هذا سحر، وهكذا الضلال والغواية، وهكذا إذا لعن الله قوماً طرد النور من قلوبهم بعد معرفته، ولذلك عبر الله بالجحود: {َمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ} [العنكبوت:47]، {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} [العنكبوت:49]. ولقد قال بعد ذلك عليه الصلاة السلام (إن من البيان لسحراً). أي: من البيان وشدة الإيضاح ما يسحر عقول الناس، فلا يميزون بين حق وباطل، ولا بين نور وظلمة. قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت:51]. أي: في القرآن الكريم، وفي هذا الوحي الكريم، لمن آمن به، فيخرجه من الظلمات إلى النور، ومن الباطل إلى الحق، ومن الوثنية إلى التوحيد. قوله: ((وَذِكْرَى)) أي: تذكيراً لما فيه من وعيد وتهديد. ((لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) يذكرهم بأنهم لو لم يؤمنوا، ولو لم يصدقوا أن محمداً رسول الله وخاتم الأنبياء، وأن القرآن الذي أتى به هو من عند الله؛ لعاشوا في الظلمات. فهو رحمة وذكرى لقوم آمنوا بالحق عندما سمعوه، وشهدوا بالأدلة العقلية الواضحة، وهكذا كان القرآن أكبر المعجزات، وأعظم المعجزات، وأخلد المعجزات.
العنكبوت [52 - 60]
تفسير سورة العنكبوت [52 - 60] عادة الكفار أن يتعنتوا رسلهم فيطلبون منهم الآيات بقصد التعجيز والتضييق، ولكن الله لا يجيبهم إلى ما يريدون، بل يخبرهم أنهم إنما يستعجلون ما هو آتيهم لا محالة من العذاب، وذلك جزاء كفرهم واضطهادهم للمؤمنين، حتى هاجروا بدينهم وتركوا أرضهم.
تفسير قوله تعالى: (قل كفى بالله شهيدا يعلم ما في السموات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (قل كفى بالله شهيداً يعلم ما في السموات والأرض) قال الله جل جلاله:: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [العنكبوت:52]. هؤلاء عندما كذبوا الرسل، وكذبوا كتب الله التي أنزلت عليهم، وطلبوا المعجزات، ولم يكتفوا بمعجزة القرآن الخالدة التالدة، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله: {كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا} [العنكبوت:52]. أي: يكفي أن يكون الله شهيداً بيني وبينكم على قولي وقولكم، وعلى حالي وحالكم، فهو يشهد بأني رسوله الحق، وأن ما جئت به كلامه الحق، وأن القرآن موحى به من عنده. ويشهد إنكم لكذابون، ويشهد إنكم لفجرة جاحدون خارجون عن أمر الله ودينه. قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [العنكبوت:52]. أي: هو الذي لا تخفى عليه خافية في السماء والأرض، يعلم السر وأخفى، ولو أخفيت كذباً في الرسالة لعلمه، ولجازاني على ذلك، ولكنكم تعلمون كذبكم وكفركم وجحودكم، فانتظروا عقاب الله، فهو شهيد بيني وبينكم. وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [العنكبوت:52]. أي: أمثالكم الذين آمنوا بالباطل، وآمنوا بالشيطان، وآمنوا بالكفر والعصيان، وكفروا بالله خالقاً، ومرسلاً لرسوله محمد خاتم الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليه. فهؤلاء الكافرون بالله، المؤمنون بالباطل: {هُمُ الْخَاسِرُونَ} [العنكبوت:52]. أي: هم الذين خسروا دنياهم، وخسروا آخرتهم، وذهبوا يجرون خلف الباطل، ويعارضون الحق، ويكفرون به، عن غير علم ولا دليل ولا سلطان من الله، ثم هم بعد ذلك يستعجلونك بالعذاب. هؤلاء على كفرهم وجحودهم يقولون: {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال:32]. هذا قول الكفار الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة، فالكفر ملة واحدة، ولسانه واحد، وجحوده واحد، وملل الكفر واحدة، يقولون ذلك متحدين لرسول الله، فهم لا يؤمنون إلا بالباطل.
تفسير قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى)
تفسير قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى) قال الله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [العنكبوت:53]. هؤلاء طلبوا العجلة بنزول العذاب، والسين والتاء في الفعل للطلب، فطلبوا الإسراع بالعذاب، والمعنى: ما سيكون يوم القيامة فليكن الآن في الدنيا. يقول ربنا: {وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ} [العنكبوت:53]. أي: لولا أن الله سبق أن وعد نبيه أنه لن يعذب أمته في الدنيا، وسيمهلهم بالعذاب إلى يوم القيامة، علهم يؤمنون، لجاءهم العذاب. ولولا أن الله ضرب لذلك أجلاً مسمى عنده، وهو موت كل حي، لجاءهم العذاب، ولكن كل حي عند موته يدخل قبره، ويسأله ملائكة القبر: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ ومن ساعتها يبدأ العذاب، ويوم القيامة يجمع بين عذاب النفس والروح، عذاب البدن والجسد: {وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ} [العنكبوت:53]. فلولا الأجل الذي ضربه الله للأمة المحمدية بأنهم لا يعذبون إلا بعد موتهم، لعجل لهم العذاب، ولجاءهم العذاب، كما جاء الأمم السابقة، فمنهم من أغرق كقوم نوح، ومنهم من أصابته رجفة وصيحة كقوم هود وصالح، ومنهم من جعلت عليهم الأرض عاليها سافلها، كقوم لوط، ومنهم من عذبوا بالخسف وبالرجز من السماء، وبالمسخ قردة وخنازير. ولولا أن الله قال لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن العذاب يؤجل على أمته لجاءهم العذاب كما طلبوا وكما استعجلوا. وقال تعالى: {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [العنكبوت:53]. أي: وسيأتيهم عذاب الله فجأة وهم لا يشعرون، فيفجأهم العذاب من فوقهم، ومن تحت أرجلهم.
تفسير قوله تعالى: (يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين)
تفسير قوله تعالى: (يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) ثم أكد الله ذلك وكرره فقال: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [العنكبوت:54]. هؤلاء الكفرة الصادون عن الله، وعن بيت الله ودين الله، وعن الحق، لم يكفهم كفرهم، بل أبوا إلا الجحود، والتحدي واستعجال العذاب، فلينتظروا فسوف يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [العنكبوت:54]. أي: ستحيط بهم جهنم من كل جانب، من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وسيذوقون العذاب الذي تمنوه يوماً، واستعجلوه يوماً آخر. وهم قد أبوا إلا الكفر، والجحود، والصد عن الله وعن دين الله.
تفسير قوله تعالى: (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم)
تفسير قوله تعالى: (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم) ويصف الله كيف أحاطت بهم جهنم فقال: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت:55]. يوم يغشاهم العذاب، أي: يغمرهم ويغطيهم، ويحيط بهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء:56]. {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ} [العنكبوت:55]، وقرئ: (ونقول). يقول ملائكة العذاب، أو يقول مالك حارس النار مع أعوانه: تذوقوا هذه النار التي أنكرتم، وهذا العذاب الذي استعجلتم، هو جزاء ما كنتم تعملون من كفر، ومن جحود وتحد وصد عن الله، ورسالات الله، ودين الأنبياء الحق، ودين محمد خاتم الأديان.
تفسير قوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة)
تفسير قوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة) قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت:56]. نحن لم نهتم كثيراً بأسباب نزول الآيات؛ لأن سبب النزول قد مضى وقته، وعوقب من نزل من أجله، وتبقى الآية عامة شاملة لمن عاصر النبوءة، ومن جاء بعدها، وكما تقول قواعد المفسرين: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أمر من أسلم من أهل مكة بالرحلة، وبالهجرة، وبترك دار الكفر ودار المعاصي، حيث يجدون حرية الدين، وحرية العمل به من غير نكير ولا تحجير ولا معارضة: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [العنكبوت:56]. فكان المؤمنون في صبر في الأيام الأولى من النبوءة، قد لقوا عنتاً واضطهاد وظلماً من كفار قريش، مما تنهد له الجبال، ولا يكاد جسد يتحمل ذلك، فقد قتلوا من قتلوا، وأجاعوا من أجاعوا، وهجروا من هجروا لمدة من السنوات. كانوا يأكلون من الأطعمة أشهاها وهم لا يجدون من يبيعهم أو يعطيهم، فعاشوا مدة ثلاث سنوات على أوراق الشجر، بما فيهم صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله، عند ذلك أمرهم الله تعالى بترك مكة. فكل بلاد يصبح الكفر فيها متغلباً، بحيث لا يباح للمؤمن أن يعبد الله كما يريد، بحيث يعلن ذلك، صلاة وصياماً وزكاة وذكراً لله، وابتعاداً عن الأوثان والأصنام، فلابد من الهجرة منها: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [العنكبوت:56]. قوله: (يا عبادي): يا هؤلاء الذين آمنوا بي وآمنوا بالرسالة التي أرسلت بها محمداً وآمنوا بالقرآن الذي أنزلته عليه. ليس هناك ما يجبركم على المقام بديار الكفر، وديار المعاصي، فاتركوها واهجروها واخرجوا منها، وهو أمر إلهي. {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [العنكبوت:56]. أي: أرض الله واسعة، وهي لخلق الله، يتبوأ منها المؤمن حيث وجد الحرية في عبادته، والتصرف كما يريد، عبادة لله وطاعة له، سواء في شئونه الدينية، أو شئونه الدنيوية. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، عن الزبير بن العوام رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيث ما وجدت خيراً فأقم). يقول النبي عليه الصلاة السلام: الأرض أرض الله خلقها للبشر كلهم، فكل من على وجه الأرض عبد لله، فأقم حيث وجدت خيراً، ووجدت راحتك لدينك ودنياك، فلا تلزم نفسك أرضاً تجد نفسك فيها ذليلاً مستعبداً مضطهداً، لا تستطيع أن تظهر دينك وعبادة ربك، كما أمرك الله تعالى. فالأرض واسعة، ولله المشارق والمغارب، جبالاً وتهامة، براري وبحاراً، غابات ورمالاً، فحيث ما وجدت نفسك تمتلك حريتك في دينك ودنياك فاهجر البلد الذي تذل فيه وتضطهد فيه، والذي تمنع فيه من أن تظهر دينك، وحرية تصرفك في دينك ودنياك. قوله: {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت:56]. أي: لا تعبدوا غيري، وتقديم المعمول على العامل يفيد الحصر، أي: اعبدوا الله وحده، لا تشركوا به غيره، لا إنساً ولا ملكاً ولا جناً، لا حيواناً ولا جماداً، ولكن اعبدوا الله وحده، خالقكم ورازقكم، ومحييكم ومميتكم، فإذا اضطررتم في أرض لتغير الدين الحق فاهجروها واتركوا قومها، واذهبوا حيث وجدتم من أرض الله الواسعة حرية التصرف، وإعلان الدين كما أمركم الله به. فلم يلزم الله أحداً بأرض دون غيرها، وكل من على وجه الأرض هم من أصول مختلفة حتى وإن لم تقلها ألسنتهم أو الأوراق التي يحملونها فسوف تقولها ألوانهم، وتقولها جباههم، وتقولها حركتهم وحواسهم: إن هذا من كذا، وهذا من كذا هذا من المشرق، وهذا من المغرب، والأرض أرض الله، والعباد عباد الله، فلم يلزم أحد بالمقام في أرض دون غيرها خاصة إذا كانت هذه الأرض تضطهدك في دينك ودنياك، وتمنعك من التصرف بما تراه مصلحة لك، وبما تعلن به الدين الذي أمرك الله به صلاة وصياماً وزكاة وما إلى ذلك.
تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت)
تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) فعندما أمروا بالهجرة، وبأن يتركوا مكة لغيرها، أخذوا يقولون: كيف نترك أوطاننا، وأرزاقنا، وعيالنا إلى بلاد غريبة عنا، قد نهلك ونموت؟ فكان جواب الله لهم: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [العنكبوت:57]. الموت الذي تخافون منه هو ملاقيكم، وسيموت من هاجر ومن لم يهاجر، وليس الموت بالهجرة أو بعدمها، وليس الموت بغنى ولا بفقر، وليس الموت بسلطان أو بغير سلطان، إنما الموت بالآجال: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف:34] فانتظروا الموت حيث كنتم: {وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء:78]. والموت لاقيكم لا محالة، خوطب بذلك الأنبياء قبل غيرهم، وخوطب به خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام فقيل له: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر:30]. فلن يدوم أحد: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [العنكبوت:57]. {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27]. إنما الحياة الدائمة والباقية هي الحياة الآخرة، فهي التي لا موت فيها، فمن دخل النار فهو خالد فيها أبدا، ومن دخل الجنة فهو خالد فيها أبداً. فأما الدنيا فللموت وجدت، وللفناء كانت، وهي برزخ للآخرة، فمن عمل خيراً فليحمد الله، ومن عمل غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [العنكبوت:57]. ثم بعد الموت سيرجع الكل إلى الله جل جلاله، للعرض عليه، فيحاسب كل على عمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا)
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفاً) قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [العنكبوت:58]. فالعاملون هم الذين صبروا، وعلى ربهم يتوكلون، وفي الآية الماضية حكى الله تعالى عن الكافرين أن مأواهم النار خالدين فيها، تغشاهم النار من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وتحيط بهم من جميع جهاتهم، وتقول لهم ملائكة العذاب: {ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت:55] أي: ذوقوا نتيجة عملكم وكفركم فقد جاءكم الأنبياء، وجاءتكم كتب الله، وجاءكم خلفاء الأنبياء من الدعاة والعلماء يأمرونكم بطاعة الله ورسوله، والعمل لمثل هذا اليوم، فابتعدتم وصددتم عن الله، أما وقد كان ما كان، فانتظروا ما يكون. وفي هذه الآية ذكر الله حالة المؤمنين وسنة الله في كتابه أن يجمع دوماً بين الكلام على المؤمنين ثم الكافرين، وبين الرحمة والعذاب؛ ليعيش الإنسان بين الرغبة والرهبة، وبين الخوف والطمع، وبين أن يرهب ويرجو ويتمنى. وعبادة الله هكذا بين الخوف والرجاء، فيخاف المؤمن عذاب الله، ويرجو رحمته، يرى صفة الكافرين فيبتعد عنها، وصفة المؤمنين فيسعى إليها. فقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا} [العنكبوت:58] أي: الذين آمنوا بالله عقيدة وقلباً ولساناً، ثم بعد الإيمان جاء منهم عمل الصالحات. فلابد في الإيمان من قول وعمل، القول باللسان مع مطابقة الجنان، والعمل بالطاعات صلاة وصياماً وغيرها من الأركان الخمسة، كما يقول نبينا عليه الصلاة والسلام (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه). فعليك ترك المنكرات بكل أشكالها، وأنواعها، ظاهرها، وباطنها، وفعل الخيرات ما بلغته طاقتك وقدرتك فالصيام مثلاً إن استطعت صحة وبدنا ومقاماً فصم، وإن منعك مانع كالمرض، أو كنت في سفر، أو حاضت المرأة أو نفست، أو كانت حاملاً متماً تعجز عن متابعة الصيام، فتلك رخص أذن الله فيها بالفطر، على أن تعوض الأيام بعد ذلك عند الحضور من السفر، وعند الصحة من المرض، وعند انقطاع دم الحيض والنفاس، وهكذا كل الأوامر، جعل الله أقصاها كما أمر، وأدناها حسب استطاعتك. أمرنا بالصلاة قياماً، وبالوضوء بالماء، فإن عجز المسلم عن الماء فليتيمم بالصعيد الطاهر، فإن عجز عن القيام فليصل جالساً، فإن لم يستطع فعلى جنب، فكل ذلك صلاة صحيحة، لأن المسلم أمر بأن يقوم بها حسب قدرته وطاقته، ولا يكلف الله نفس إلا وسعها. قوله تعالى: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا} [العنكبوت:58]. فيه معنى القسم، يقسم الله للمؤمنين العاملين بالصالحات ليسكننهم في الغرف العالية من الجنان. فوعد المؤمنين العاملين للصالحات المهتدين بهدي الأنبياء، القائمين بما أمروا به، والتاركين ما نهوا عنه؛ ليسكننهم وليجعلن لهم مساكن وقصوراً في الغرف العليا من الجنة. وغرف: جمع غرفة، وهو المكان العالي من المنزل، والطبقة العالية في الدار. {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [العنكبوت:58] أي: أن المياه متدفقة بين أيدهم وأرجلهم، يعطون جمال المنظر، ويعطون رطوبة الجو ومع الماء يكون كل خير تكون الفواكه والثمرات والخضرة والطير وكل ما إلى ذلك.
تفسير قوله تعالى: (الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون)
تفسير قوله تعالى: (الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون) قال تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [العنكبوت:58]. ثم بين صفات (العاملين) فقال: {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [العنكبوت:59]. أي: صبروا على طاعة الله، وصبروا على الجهاد، ولو ببذل الأنفس والأموال والأولاد، وصبروا على ترك المنكرات بكل أنواعها، وصبروا على العبادة بكل أشكالها، فصلوا والناس نيام في أيام البرد، وصاموا مع الحر وشدة القيظ، وحجوا بيت الله الحرام من أقاصي الدنيا ومشارق الأرض ومغاربها. وأدوا الزكاة بحسب القيود والشروط المفترضة، من بلوغ الحول، وتمام النصاب. صبروا على أنواع الطاعات كما صبروا على ترك أنواع المنكرات. فهذا الذي يصبر هو العامل الذي يسكنه الله ويبوؤه الغرف العالية في الجنان التي تجري الأنهار من تحتها، وهو خالد فيها أبد الأبدين. {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [العنكبوت:59]. أي: توكلوا في أعمالهم على الله. والتوكل أن تقدم على ما أنت مقدم عليه، وليس معناه أن تدع العمل وتتواكل، أو تتردد فتقول: أفعل أو لا أفعل؟ أصنع أو لا أصنع؟ فإن التردد خلق قبيح في الإنسان، ولكن التوكل على الله: أن تعزم على تنفيذ الشيء، ثم دع أمره إلى الله. فلنتوكل على الله لنجد قوة على العمل، وقوة على الترك، فلا توهينا الشهوات، ولا توهينا النزوات بكل أشكالها وأنوعها. فهؤلاء العاملون المتوكلون على الله الصابرون في طاعة الله، هم الذين نعم عملهم، ونعم ما يأجرون عليه من الغرف العالية في الجنان التي جعلها الله متبوأ للمؤمنين العاملين.
تفسير قوله تعالى: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم)
تفسير قوله تعالى: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم) قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت:60]. لا نزال مع الهجرة وترك أرض الكفر والمعاصي، حتى ولو كان الحكام فيها يزعمون الإسلام، ولكن قد يقال: كيف ندع بلدنا وفيه رزقنا، وفيه مسكننا، وفيه عيالنا، إلى بلد ليس لنا فيه رزق ولا زوجة؟ A إن كثيراً ممن هاجر هاجر بمفردة، لم تسلم امرأته ولم يسلم أولاده، فذهب وحيداً مهاجراً لا يريد إلا الله والدار الآخرة. وصل إلى المدينة وإلى الحبشة ليس معه قوت ساعته. وقال الله لهؤلاء المهاجرين مشجعاً لهم ودافعاً لهم إلى الهجرة: {وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمُْ} [العنكبوت:60]. كأين: تكثيرية، أي كم من دابة لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ. فكل البهائم والطيور على كل أشكالها تنتقل في أرض الله، لا تحمل غداءً ولا مؤنة، فتعيش ويدوم عيشها إلى أن يأتي أجلها، لا تحرص على الرزق، ولا تخاف جوعاً ولا عطشاً. وليس من الخلق من يحمل زاده إلا الإنسان، والنملة والفأرة، فالفأرة تجمع ما تتمون به، والنمل يجمع ما يتمون به لأيام الشتاء، وشدة الزمهرير، أما بقية الدواب والحيوانات فإنها لا تحمل رزقها، ولا تحمل مؤنتها، والله يرزقها. وكذلك أنتم خرجتم لا مؤنة لكم، ولا مسكن ولا طعام ولا شراب، ولكن الخالق لم يترككم، بل رزقكم وأشبعكم وسقاكم وألبسكم، وهيأ لكم ما تعيشون به مادمتم أحياء. وهذا كقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود:6]. كل ذلك أحصاه اللوح المحفوظ، فأحصى أرزاق الخلق كلهم، جناً وإنساً، طيراً وحيواناً، دواب وحشرات. وكذلك يقول الله لهؤلاء المهاجرين: اتركوا كل ما عندكم، واذهبوا بأجسامكم، فالذي رزقكم من قبل سيرزقكم من بعد. وهكذا أمر رسول الله بعد أن نزل أمر الله في الآية: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [العنكبوت:56]. أي: يا هؤلاء اتركوا أرض الكفر، وأرض المعاصي ووحدوا الله وحده، لا تعبدوا معه غيره، إن خفتم الموت فالموت لاحق بكل غريب، وكل من هو بين أهله، وإن خفتم الرزق فرزق العباد على الله، كما يرزق الطير والحيوان وهو ضعيف عن حمل رزقه ومؤنته، ومع ذلك تعهد الله له بكل شيء: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود:6]. فأمر رسول الله الأصحاب، فهاجروا إلى الحبشة مرتين، وإذا بهم يجدون الأرض الرحبة، ويجدون الأهل المرحبين، فعاشوا خير عيشة، وأسلم ملك البلاد، فساندهم وأيدهم وحماهم، وأسكنهم أحسن المساكن، ورزقهم أحسن الأرزاق، ثم بعد ذلك هاجروا للمدينة، وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم، وذهبوا إليها، لا يملكون غداءهم ولا عشاءهم، ولم تكد تمض أيام حتى رزقهم الله الرزق الذي لم يخطر ببالهم، ولم يملكوه يوماً في أرضهم، فـ الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وكثيرون غيرهم كانوا لا يعدون الذهب والفضة عداً، ولكنهم يكيلونها بالمكيال، كما تكال الحبوب، وعندما مات الزبير أرادوا أن يصالحوا زوجه والتي سبق أن طلقت، ولم تنته عدتها، فقالت: هي لا تزال على عصمته، فورثوها وكالوا لها الذهب والفضة، بالمكاييل، هذا دون الأرض. ذهبوا للمدينة، فتاجروا وزرعوا وتنقلوا، فأغناهم الله من فضله، حتى لقد قالوا: لو أنا إذا تاجرنا بالحجارة والرمال لانقلبت ذهباً وفضة، مبالغة في كثرة الغنى الذي أغناهم الله به، وهذا مصداق قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} [العنكبوت:60] أي: كما رزقها الله، سيرزقكم. {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت:60]. أي: هو السميع لأقوالكم، العليم بأحوالكم، السميع لما قلتم من خوف الموت، وخوف الحاجة والفقر، العليم بصدق بواطنكم، من سيخرج مؤمناً بالله، مصدقاً بوعد الله، ومن سيخرج لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، والله يعامل الناس على نياتهم، وعلى ما في قلوبهم: (إنما الأعمال بالنيات)، فهو سميع للقول عليم بالعمل، لا تخفى عليه خافية، جل شأنه وعز مقامه!
العنكبوت [61 - 69]
تفسير سورة العنكبوت [61 - 69] كثير من الكفار يقرون بتوحيد الربوبية وينكرون الألوهية، فهم يقرون بأن الله خالق السماوات والأرض باسط الرزق لمن يشاء من عباده محيي الأرض بعد موتها؛ هو الله، ولذلك يذكرهم الله بذلك ويعلمهم أن ما عنده من الجزاء خير لهم وأبقى.
تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض) قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت:61]. أي: يا محمد هؤلاء كفرهم من نوع عجيب غريب، فلئن سألت كفار قريش ولئن سألت الكثيرين ممن يدّعون التوحيد، فاليهودي يدعيه، والنصراني يدعيه، والوثني يدعيه في حجارة، وإذا قلت له: من الذي خلق السموات والأرض؟ فسيقول لك: الله. من خلقها وسخرها للعباد: لمصالحهم، ولأعمالهم، ولمزارعهم، ولحياتهم؟ لأجابوك جميعاً: الله، فكيف يوحدون الربوبية، ويشركون في الألوهية؟ ولا بد من توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فالرب واحد، وهو الإله الذي لا ثاني له، ولا شريك له في ذات، ولا صفات ولا أفعال. فكيف تعترفون بأن الله خالق الكون ثم مع ذلك تعبدون غيره، وتعيشون لغيره، وتشركون معه غيره، أهذا عقل العقلاء، وتدبير المدبرين؟!! أين ذهبت عقولكم وفهومكم وأديانكم؟ وقوله: (فأنى يؤفكون) أي: يفترون على الله، ويجعلون معه ثانياً ويشركون به فيفترون الإفك والكذب في خلق الأوثان والأصنام، وخلق الشركاء من دون الله. يدعون ذلك زوراً وكذباً، وإفكاً وبهتاناً، ولا حقيقة لذلك ولا أصل له ولا وجود.
تفسير قوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له)
تفسير قوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له) قال تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [العنكبوت:62]. وعندما جرى الكلام على الفقر والغنى ظنوا الغنى في بلدهم وليس الأمر كذلك، وطنوا الفقر في بلد الغربة، وليس الأمر كذلك، فليس كل من بقي في أرضه أغنياء، فمنهم الغني، ومنهم المستور، ومنهم الفقير، وقل مثل ذلك عن الذين هاجروا، فمنهم الغني، ومنهم الفقير، ومنهم المعدم البتة. فالغنى والفقر من الله، والله هو الذي يبسط الرزق، فيغني من شاء من عباده، ويعطيه من الأموال ما شاء كيف شاء، {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء:23]. فأغنى من شاء بغير حساب، وأفقر من شاء بغير حساب، وجعل بعضهم وسطاً بين الغنى والفقر. قوله: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [العنكبوت:62]. أي: أن الله جل جلاله عليم بعباده، فهو أعلم بمن يصلحه الفقر، ويفسده الغنى، وبمن يصلحه الغنى ويفسده الفقر. وفي الحديث: (إن لله عباداً لا يصلحهم إلا الفقر، ولو أغناهم لأفسدهم، وإن لله عباداً لا يصلحهم إلا الغنى، ولو أفقرهم لأفسدهم). وكم من الخلق ممن عشنا معهم وعاشوا معنا كانوا فقراء، وكانوا على غاية من التقى والصلاح، وأداء الصلاة، وأداء القيم والأركان، حتى إذا اغتنوا وأخذوا السلطة والجاه تنكروا لله، ولعبادته، وتركوا الصلاة، وتركوا الصيام، وظلموا الخلق، واعتدوا على البشر، وتكبروا على عباد الله. فقد كان الفقر أصلح لهم، ولكن الله ابتلاهم واختبرهم هل سيصبرون، وإذا بهم لم يصبروا. وكم من فقراء عشنا معهم وكانت حياتهم على حال وسط، فإذا بالله الكريم يغنيهم، وأصبح لهم جاه وسلطان، فكثرت صلاتهم، وصيامهم، وصلاحهم، وتصدقوا في السر والعلن، وأصبحوا منفعة لعباد الله، فكان هذا وأمثاله ممن لا يصلحهم إلا الغنى، ولا يعلم هذا إلا الله خالقهم. أما لم كان فلان غنياً وفلان فقيراً؟ فهذا سؤال غير وارد، ولا يسأله مؤمن، قال تعالى: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء:23]، والبواطن والعواقب والنهايات لا يعلمها إلا الله، والعبرة بالخواتم، فهل سيختم لهذا الغني بخير؟ وهل سيختم لهذا الفقير بخير؟ فقد يفسد الغنى وقد يفسد الفقر؟ ولذلك يقول الله ويجدد القول: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} [العنكبوت:62]. فالبعض يبسط له بالرزق، ويعطيه من الأموال ما لا يحصى كما أعطي قارون، وكم من قارون في عصرنا ولكن اسألهم: ماذا فعلتم بمال الله؟ هل أعطيتموه للفقراء؟ هل زكيتم؟ هل أديتم حق الله في مالكم؟ فستسمع A لا، وقد يكذبون ويقولون: نعم، فإذا بحثت وجدتهم ضموا مع منع الزكاة ومنع حق الله الكذب على الله. إن الزكاة لا تقل عن الصلاة، وقد كان أبو بكر رضي الله عنه، وابن مسعود رضي الله عنه، والجماهير من الصحابة يقولون: من لا يزكي فلا صلاة له، وأول حرب أهلية كانت بين المسلمين كانت على مانعي الزكاة وذلك عندما منعوا الزكاة، فوقف أبو بكر وقفة الأسد الهصور في إصرار وثبات، حتى لقد حاول عمر وبعض الصحابة أن يستدلوا بأدلة غير كاملة على عدم قتالهم، فأرشدهم أبو بكر وأفهمهم، وإذا بهم يفهمون ويرشدون، قال عمر: ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر حتى شرح صدري لما شرح له صدر أبي بكر، وكان إجماعاً على أنه إذا منع قوم الزكاة وحق الفقراء فإنهم يقاتلون على ذلك، فمن قتل فقد قتله سيف الإسلام، ودمه هدر، ومن قتل من يقاتلهم من أجل ذلك فقد احتمل إثماً عظيماً وكبيرة من كبائر الذنوب. وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [العنكبوت:62]. أي: عليم بكل أحوال خلقه، فيعلم من الذي يصلحه الغنى ومن الذي يفسده، ومن الذي يصلحه الفقر ومن الذي يفسده، ولهذا تجد النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن الأغنياء. (هلك المكثرون، إلا من قال هكذا وهكذا)، أي: بذل ماله لجميع النواحي. والله وصف المؤمنين فقال عنهم: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج:24 - 25]. وجعل في جمله صفة المؤمنين الذي لا يتم إيمانهم إلا به، أن في أموالهم حقوقاً لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، فالسائل: من يسأل حقه، وللمحروم من رزقه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن للسائل حقاً ولو جاء على فرس). وقال: (لو صدق السائل لما أفلح المسئول). حتى ولو كان عنده ما عنده، فأنت ينبغي لك إن وجدت سائلاً وكان عندك ما تعطيه أن تعطيه من القليل القليل، ومن الكثير الكثير، حسب قدرتك وطاقتك.
تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء)
تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء) قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت:63]. يقول الله لنبيه: اسأل يا محمد هؤلاء الكفار، كما سألتهم من خلق السموات والأرض؟ فأجابوك: الله، وكما سألتهم من سخر الشمس والقمر للخلق؟ فأجابوك: الله؛ سلهم كذلك: هذه الأمطار التي تنزل إلى الأرض، وكانت جدباء غير منبتة، وكانت في حاجة إلى الماء، من الذي أنزل هذا المطر؟ من الذي أحيا هذه الأرض وأغاثها فأنبتت فيها من كل زوج بهيج؟ قوله: {فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا} [العنكبوت:63]. أي: من بعد أن ماتت، بمعنى مات ما عليها من خضرة وثمرة، فهي لا تنبت، ولكن الله أمطرها، وأغاثها بالمطر، وإذا بها تهتز وتربو، وإذا بالبنات الأخضر ينبت من جديد، وإذا بالشجر يورق، وتشتد خضرته، ويعطي من الثمرات أنواعاً، ومن الفواكه أنواعاً، ومن كل ما يبهج ويحيي الناس والحيوان والطير. {لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت:63] وقد أجابوا وقالوا: الله. {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} [العنكبوت:63] أي: على أن الله هو خالق الكل، قل الحمد لله على أن اعترف هؤلاء بالحقيقة، رغم كونهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وحدوا الربوبية وكفروا بالألوهية، قالوا: الله رب كل شيء، وخالق كل شيء، ولكن جعلوا مع الله آلهة، ذكروا أصناماً، وأوثاناً، وذكروا أوليا من الملائكة والجن والناس، فافتروا على الله، وكانوا متناقضين، كيف والله هو الخالق وحده فتركتموه، وذهبتم لعبادة غيره، وللتعلق بغيره، وأشركتم معه غيره، مما لا يستطيع خلقاً ولا يستطيع رزقاً، ولا يستطيع حياة ولا موتاً. قل الحمد لله الذي اضطر هؤلاء الكفرة لأن يعترفوا بالحق ولو كان ذلك اعترافاً جزئياً. قوله تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت:63]. بل حرف إضراب وهو إضراب عن الماضي، أي مع اعترافهم بتوحيد الربوبية، وبأن الله هو الخالق للسماء، والخالق للأرض، وللشمس والقمر، والمنزل للأمطار، والمحيي للأرض بعد موتها، ثم مع ذلك يشركون معه غيره، والحمد لله على أنهم اعترفوا بأن الخالق الرازق هو الواحد، ولكن أكثرهم لا يعقلون، فهم جميعاً ليس لهم عقول تميز، ولا تدرك، ولا تعي، ولا تفهم. وهكذا فكل كافر لا عقل له، مهما نسبت له الفلسفة، والعلم والمعرفة، فهي ظواهر من الحياة الدنيا، {وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:7]. لا يعرفون حقيقة الحقائق، وهي وحدانية الله، فكيف يوصف هؤلاء بالعقل والعلم والفهم؟ فعلمهم أقل من علم الحيوان؛ لأن الحيوان يدرك ويفهم، ويوحد {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44]. فكل شيء في الخلق يسبح بحمد الله، بلهجاتهم، وبلغاتهم، وبما يدركون ويفهمون، إلا الكافر من بني الإنس والجن، فتجد الحيوان أشرف منه، وأعقل منه، وأقرب للتوحيد منه.
تفسير قوله تعالى: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب)
تفسير قوله تعالى: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب) قال تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:64]. يقول تعالى: قل إنما هذه الحياة الدنيا لهو ولعب، فالحياة الدنيا هي الحياة الأولى القريبة منا وليست إلا لهواً ولعباً، واللهو الباطل، فنومنا ويقظتنا، وتنقلنا وتكسبنا، كل ذلك لهو إن لم يكن لعبادة الله، وللعمل للآخرة: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة:197]. فميزة الدنيا أنها برزخ الآخرة، وهي القنطرة للآخرة، فمن عبد الله فيها، ومن وحد الله فيها، فذاك، ومن لم يوحده فحياته كلها من مبتدئها إلى آخرها لهو ولعب، لهو باطل في التصرف في المنام في اليقظة لعب في المعاملة لعب في المناكحة لعب في الأولاد لعب في التجارة لعب في الزراعة، فما دام لم يعبد الله، ويعمل لما بعد الموت، فحياته كلها لهو ولعب، فالدنيا جميعها لهو وباطل ولعب. فهذا يخاصم هذا ليكون كبيراً يأمر وينهى ويطاع، وهذا يحرص على أن يأكل مال هذا، ليملك أكثر وأكثر، ومع ذلك كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم (ليس لك من دنياك إلا ما لبست فأبليت، وأكلت فأفنيت) وما سوى ذلك يحاسب عليه ويكون ثقلاً يوم القيامة. وهذا الغني كم سيأكل؟ وكم سيلبس من الأثواب؟ فطعامه أقل من طعام الفقير، لأنه أسرف على نفسه وأكل بتخمة أيام الشباب، وإذا به يمرض، وإذا بمعدته لا تستطيع الهضم، وإذا به يعيش بالحمية، يعيش بالجوع مضطراً، ولباسه لا يتجاوز لباس الفقراء، إذاً: لمن يجمع؟ يا من تبيت للخراب تبني ويا من تلد فللموت تلد ولكن الباقي الخالد ما قدمته في دنياك وجعلته برزخاً لأخرتك، من تلك الركيعات، وتلك الدريهمات التي تصدقت بها، سواء كانت زكاة واجبة، أو صدقة تطوع، أو نفقة على أولادك، أو السائلين والمحرومين، وما عدا ذلك فستأتي به ثقلاًً يوم القيامة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هلك المكثرون). وقال النبي عليه الصلاة السلام عن الأغنياء الصالحين: (فيدخلون الجنة زحفاً وسيسبقهم الفقراء بنصف يوم)، {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:47]. أي يسبقونهم بخمسمائة عام، وهؤلاء الذين عملوا صالحاً سيدخلون الجنة، ومع ذلك سيدخلون زحفاً متأخرين عن الفقراء والمساكين الذين لا مال لهم يسألون عن زكاته، ولا جاه لهم يسألون عن جاههم، ولا سلطان لهم ولا نفوذ، بخمسمائة عام. ونحن نرى الرجل الغني صاحب السلطان والنفوذ يعيش ثمانين سنة أو أقل أو أكثر ثم يهلك، فإذا بالأموال تقسم بعده لمن لا يرحمه، وإذا بالزوجات يتزوجن غيره، وإذا بالأولاد أخذوا تلك الأموال وصرفوها فيما لا يحل، والذي قذف في القبر يحاسب على ذلك، فهو الذي جمعه لهم، وهو يعلم أنهم سيصرفونه فيما لا يجوز وفيما يجعلهم للشيطان عوناً وقوة. {وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت:64]. إن: للتوكيد. وقوله: (لهي): اللام لام القسم، يقسم الله جل جلاله بأن الحياة الحق، والحياة الدائمة، هي حياة الآخرة، حياة من مات مؤمناً مطيعاً مسلماً، فهي الحياة الدائمة، في نعيم وجنان وحور عين: {وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:64]. هؤلاء الكفرة العصاة المشركون بالله، لو كانوا يعلمون حقاً، ولو كانوا يعلمون ديناً، ويميزون بين الحق والباطل، لعلموا أن الدنيا ذاهبة بخيرها وشرها إن كان فيها خير، وأن الحياة الحق، والحياة الدائمة هي حياة الآخرة، هي حياة الجنان، والرحمة والرضا، فلو كانوا يعلمون ذلك لما فعلوا ما فعلوه من معاص وذنوب وآثام.
تفسير قوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين)
تفسير قوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين) قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت:65]. هؤلاء الذين سئلوا: {مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ} [العنكبوت:61]. من: {سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} [العنكبوت:61] من: {نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا} [العنكبوت:63] فأجابوا جميعاً: الله، هؤلاء كذلك إذا كانوا في البحر، فركبوا الفلك، وركبوا البواخر، تأتي الأمواج تتلاعب بهذه المراكب، فإذا بهم يجدون أنفسهم لا يدعون إلا الله، ولا يلتجئون إلا إلى الله، ولا يستغيثون إلا بالله. قوله: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [العنكبوت:65]. أي: أخلصوا الدين لله فلم يدعوا مع الله شريكاً ولا ولياً، ولا صنماً ولا وثناً، وإنما دعوا الله وحده، مخلصين له دينهم وعبادتهم، والدين هنا العبادة والطاعة والدعاء. {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت:65]. حكوا أن روسيا عندما أرسلت الصواريخ إلى أعلى الفضاء، ووصلوا للقمر، بعثوا شاباً ملحداً منهم شيوعياً، فعندما أصبح بعيداً عن الأرض بآلاف الكيلو مترات، ورأى هذه الأفلاك مرفوعة، ورأى القمر يكاد يمسه بيده، ورأى الأرض ككرة؛ وجد نفسه يناجي الله بغير شعور! وعندما نزل سألوه، فقال: لما رأيت ذلك قلت: من رفع هذه ومن خلقها؟ فأجاب نفسه بنفسه: الله، وإذا بهم يعاقبونه ويسجنونه ويعذبونه، ولو أنه مع إيمانه بالله آمن بمحمد رسول الله لمات شهيداً حين مات. ونعرف ملاحدة وشيوعيين واشتراكيين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، فإذا أصابهم بلاء في بدنهم، أو مالهم، أو مناصبهم، تجدهم فجأة يقولون: يا الله! يا رب! وإذا رفع البلاء إذا بهم يعودون للشرك أقبح مما كانوا، وللشيوعية وللإلحاد أكثر ما كانوا، ولذلك ما يحكيه الله عن أولئك ليسوا إلا أمثلة من هؤلاء، فالكفر ملة واحدة وشكل واحد، ولم يكن كفار مكة أو كفار العرب إلا مثلاً لكفار الدنيا بكل أشكالها وأنواعها، وإلى يوم القيامة. قال تعالى: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت:65]. أي: فلما نجاهم وأنقذهم من هول البحر، وأنزلهم للبر، فإذا بهم يعودون للأصنام والأوثان. يحكي محمد بن إسحاق بن يسار، صاحب السيرة، بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، فر منه من فر من كفار قريش، فكان ممن فر عكرمة بن أبي جهل، وبقيت زوجته لم تفر، بل آمنت، فسألت رسول الله العفو له إن جاء مسلماً، فأعطاها ذلك. وخرج عكرمة ووصل إلى شواطئ الجزيرة، فوجد سفينة مسافرة إلى الحبشة فركبها، فبعد أن أصبحت السفينة في عرض البحر، أخذت تتلاعب بها الأمواج، والكل يصيح، وإذا بربان السفينة وسائقها وقائدها يقول للراكبين: لن ينفع دعاء اليوم إلا دعاء الله وحده، فادعوا الله جمعياً بأن ينقذكم! فإذا بـ عكرمة يقول: إن كان الله هو الذي سينقذنا من البحر، إذاً فهو الذي سينقذنا من البر، علي عهد الله إن أنقذني الله، وأصبحت في البر، أن أضع يدي في يد محمد وأن أومن به وبرسالته وبالكتاب الذي أنزل إليه، فأنجاه الله، ونزل إلى البر مسرعاً ودخل مكة، وفاجأ النبي عليه الصلاة السلام بالسلام عليه، وقال: جئتك مؤمناً مسلماً، يا رسول الله: مرني أمرك، واعف عما مضى، فقبل منه صلى الله عليه وسلم، وكان عكرمة ممن أسلم وحسن أسلامه وشارك في الفتوح أيام أبي بكر وعمر، فشارك في فتوح الشام، وفتوح العراق، وفتوح فارس، وكان البطل الذي لا يجارى، وقتل على يده المئات من أعداء الله الكفار. ورزق الله المسلمين على يده من الغنائم الملايين، ومن الأرض ما لا يعد ولا يحصى، وذلك ابتداء من خلافة أبي بكر، إلى نهاية أيام عمر رضي الله عنهما وعن المسلمين، وعن الصحابة والفاتحين جميعاً.
تفسير قوله تعالى: (ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا)
تفسير قوله تعالى: (ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا) قال تعالى: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:66]. لما رجعوا إلى البر وأنقذوا من هول البحر، عادوا للشرك، فكفروا بما أنزل الله من كتاب ومن نبي ومن رسالة، فتمتعوا بباطل الدنيا وبلهوها. قد أصبحوا يجرون وراء الباطل، ووراء متع الدنيا، من أكل لأموال الناس بالباطل، ومن غنى وسرقة، وربا، ورشا، ومن كل أنواع الفساد بأشكالها، فقال الله عنهم: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:66]. ينذرهم ويتهددهم، وأنهم ميتون لا محالة، وسيعلمون الحق آنذاك، وسيعلمون ما وعدوا به من عذاب، وقد استعجلوه في دنياهم قبل آخرتهم، فأرجأناهم لما سبق من وعدنا لمحمد صلى الله عليه وسلم ألا نعذب أمته في الدنيا، وأن ذلك يؤجله إلى يوم القيامة. وهكذا يقول الله لهؤلاء: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:66].
تفسير قوله تعالى: (أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا)
تفسير قوله تعالى: (أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً) قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [العنكبوت:67]. قال الله لكفار مكة -وهذا خاص بهم وعام فيمن بعدهم-: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت:67]. أي: ألم ير هؤلاء أنا جعلنا مكة حرماً آمنا، حرمنا فيها الظلم، والسرقة، والقتل، وحرمنا فيها جميع الفواحش مما يقلق الأمن ويزيله، ويتخطف الناس من حولهم قتلاً وأسراً سرقة وطغياناً. ألم ير هؤلاء -سكان مكة- كيف أن الله جعل بلده بلداً آمناً، وحرماً حرمه على أن يساء فيه! وكان هذا وقت نزول الإسلام. ويتخطف الناس حول الحرم فيقتلون، ويؤسرن، ويستعبدون، ويمتهنون، وتؤخذ أموالهم. فأهل مكة آمنون في أرضهم، وجميع جزيرة العرب، بل وجميع الدنيا لا آمان فيها، ولا راحة، ولا استقرار، ولا أمان على بيت، ولا على مال، ولا على عرض، وهم مع ذلك يأبون إلا الكفر والشرك. {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [العنكبوت:67]. أي: أهؤلاء بعد كل هذه النعم التي أنعمنا عليهم، يؤمنون بالشرك، ويؤمنون بالشيطان. {وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [العنكبوت:67]. فجحدوا نعمة الله في جعل هذا بلداً آمناً، وجعله حرماً، وهذا كقوله فيما مضى في سورة القصص: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} [القصص:57]. وكقوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران:97]. وكقوله تعالى: {أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش:4]. أمنهم من الخوف: من القتل، وأطعمهم من جوع، فكانت لهم رحلتان، في الصيف والشتاء إلى أرض الشام واليمن.
تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا)
تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً) قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت:68]. يقول جل جلاله: من أعظم جرماً وأكبر ذنباً، ومن أطغى نفساً ممن افترى على الله الكذب، وزعم أن الله أرسله ولم يرسله، كما زعم مسيلمة، وكما زعمت سجاح، وكما زعم الأسود العنسي، فقد كذبوا على الله وافتروا بأن الله أرسلهم وهم كاذبون. فمن ادعى علماً ولم يكن كذلك، أو معرفة ولم تكن كذلك، يكون جرمه وذنبه من أعظم الذنوب. قوله: {أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ} [العنكبوت:68]: وهذا يأتي في الدرجة الثانية في عظم الجرم والذنب. فهؤلاء الذين كذبوا بالحق، وكذبوا القرآن الكريم، وكذبوا محمداً صلى الله عليه وعلى آله، وكذبوا الرسالة؛ هؤلاء هم الذين افتروا على الله الكذب، وكذبوا الحق لما جاءهم، فمن أعظم كذباً وافتراءً منهم؟ A لا أحد! فهؤلاء جمعوا دين الكفر والشرك والتحدي لجلال الله ولمقامه. قوله: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت:68]. هذا استفهام تقريري، أي: بلى في جهنم مأوىً ومقام ومنزل للكافرين، ولهؤلاء الذين كذبوا على الله افتراء، وادعوا ما ليس لهم، وهؤلاء الذين عندما جاء الحق كذبوه ولم يؤمنوا به، وازدادوا حرصاً وعناداً في الكفر، وصداً عن دين الله.
تفسير قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)
تفسير قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69]. إن الجهاد يكون بالسيف، ويكون بالقلم، ويكون بالعبادة، ويكون بكسب الحلال، ويكون بطلب العلم، فطالب العلم المجد مجاهد، والعالم الناصر للعلم مجاهد، والداعية إلى الله بكل شكل مجاهد، والحامل للسيف في ساحات الوغى والحرب مجاهد، والصابر على الطاعات مجاهد، والتارك للمعاصي بأنواعها مجاهد. وقد فسر الصحابة والتابعون قول الله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:69]، بأن الله يُقسم أن الذين جاهدوا في الله حق جهاده وحق طاقته، بأي نوع من أنواع الجهاد: بالسيف أو بالقلم ليهديهم سبله، أي: يهديهم إلى طرق الحق. وسبل: جمع سبيل، أي: سبل الله، وهو السبيل الحق في الفهم، والحق في العلم، والنصر في الجهاد، والدعوة إلى الله، وهذه كما قال عمر بن عبد العزيز في تفسيرها: ومن عمل بما علم علمه الله علم ما لم يعلم! وكل من كان في طاعة الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، يدخل تحت هذه الآية، والآية تذكر أن الله سوف يهديه السبل التي جهلها، والتي لم يعلمها، ويعرفه الحق حقّاً ويعينه على اتباعه، ويعرفه بالباطل باطلاً ويعينه على اجتنابه. قال تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69]. الله جل جلاله مع المحسن بالعون وبالتأييد، وبالنصر، وبالمغفرة، وبالرحمة والرضا. والنبي عليه الصلاة السلام في حديث عمر عندما سئل عن الإيمان، ثم عن الإسلام، ثم عن الإحسان قال: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
الروم [1 - 6]
تفسير سورة الروم [1 - 6] لقد أيد الله سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بالمعجزات الباهرات الدائمات، ومن ذلك ما أخبر به في مطلع سورة الروم من أن الروم أهل الكتاب من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين، وقد تحقق ذلك كما أخبر الله.
تفسير قوله تعالى: (الم)
تفسير قوله تعالى: (الم) قال الله تعالى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم:1 - 4]. هذه السورة مكية، نزل بها الروح الأمين جبريل على قلب نبينا صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، وهي مشتملة على ستين آية، وتكاد تكون جميع آيها الأول معجزات، وكأنها أنزلت في عصرنا هذا. ومعجزاتها: أن الله جل جلاله أخبرنا عما سيكون في عصرنا هذا قبل ألف وأربعمائة عام حتى كأن النبي صلى الله عليه وسلم يرى ذلك رأي العين، فهذا هو الوحي الذي أوحى الله به، فكان الأصل معجزة له، وكان بعد ذلك وإلى عصرنا تظهر معجزاته بأتم وأكمل وأشمل وجه بعد مضي هذه القرون الطوال، قال تعالى: {الم} [الروم:1]. وقد سبق أن تكلمنا في السور الماضية عن هذه الحروف المقطعة التي افتتحت بها السور، وأن الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين طالما اختلفوا في تأويلها وبيانها وتفسيرها، وانتصروا غير مرة لما قاله الزمخشري وأيده معاصرون، فالقرآن هذا معجز بلفظه ومعناه، وقد تحدى الله به الخلق إنسهم وجنهم على أن يأتوا بمثله، وعلى أن يأتوا بسورة من مثله، وعلى أن يأتوا بعشر آيات من مثله، فعجزوا أجمعين أبتعين أبصعين، والتحدي لا يزال قائماً إلى يوم الناس هذا، فهذا القرآن المعجز إنما تركب من هذه الحروف الأبجدية العربية، ومع ذلك يقول لهم: يا هؤلاء الذين لم تؤمنوا بعد بالله إن استطعتم أن تأتوا بمثله، فهذه الحروف بين يديكم تسمعون منها ما يقاربه أو يشابهه، فإن استطعتم فافعلوا، ولن تستطيعوا ولو كان بعضكم لبعض ظهيراً.
تفسير قوله تعالى: (غلبت الروم)
تفسير قوله تعالى: (غلبت الروم) {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم:1 - 2]. هذا كان خبراً ووحياً عن شيء غائب عن العرب، وذلك بأن الروم حاربت الفرس فغُلبت وذلت، وأُخذت أراضيها وأقاليمها، وقد غلبها الفرس الوثنيون عباد النار. غلبوا الروم الكتابيين الذين يرجعون لكتاب في الأصل وهو الإنجيل المنزل على عيسى من الله، وأهل الكتاب اسم يشمل اليهود والنصارى، فكلاهما أنزل على نبيه كتاب، فالإنجيل على عيسى، والتوراة على موسى عليهما الصلاة والسلام. فكانوا قد غلبوا وذلوا وقهرهم عباد النار الوثنيون الفرس، والروم هم في الأصل وثنيون، وفي نهاية القرن الثالث الميلادي دانوا بالنصرانية، ولكن يوم دانوا بها كانت محرفة مبدلة مغيرة، وعقدوا أول مؤتمر لهم ويسمى بالمؤتمر المسكوني، أي: العالمي المنسوب إلى المسكونة، أي: إلى الأرض المسكونة، فاجتمعوا واختلفوا اختلافاً طويلاً عريضاً: ما هو دينهم في عيسى أبشر هو أم إله؟ أو هو ابن إله؟ أمات حقاً وقتله اليهود أم لم يمت؟ وإذا لم يمت فأين هو، وكيف كان حاله؟ ومن هي مريم؟ وكيف ولدته بلا أب؟ وإذا بهم بعد هذا النزاع الطويل العريض يؤمنون بكفر مضاعف، يؤمنون بوثنية مجددة، فاعتقدوا الآلهة ثلاثة، وانفصلوا على ذلك، وهددوا كل من لم يؤمن إيمانهم بالقتل والحرق، فحرقوا كل من لم يؤمن بأن الله ثلاثة، وأن الثلاثة هي: الله وعيسى ومريم حاشا الله وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وأخذوا يعتقدون أن عيسى قتل وصلب كما لعب بهم وهزأ اليهود فاعتقدوا ذلك، ولكن اختلفوا في تفسيره وتأويله تآويل مضحكة وتفاسير تدعو إلى الهزء بهم والسخرية من جديد، فقالوا: عيسى رب، وهو عن طواعية قَبِل أن يصلب، وقَبِل أن يقتل؛ ليفدي قومه وأتباعه من العذاب والآثام، والذنوب والمعاصي، فازداد كفرهم كفراً، ووثنيتهم وثنية. وهكذا أباحوا الفواحش والمنكرات بأن اصنعوا يا أيها النصارى واليهود ما شئتم فقد تحمل عنكم ربكم عيسى، وحاشا الله من القول هذا، فمهما صنعتم فهو قد تحمل عنكم ذلك، ولكن هؤلاء -وقد اعتقدوا بشعار الصلب والفداء- لم يدينوا دين الحق، ولم يكونوا موحدين، ولم يكونوا من أتباع عيسى الذي هو عبد ابن أمة صديقة، أرسل نبياً ورسولاً إلى الناس، كما أرسل الجد الأعلى آدم بلا أب ولا أم، فأرسل هو بأم بلا أب، وهم قالوا إنهم من أبناء يافث بن نوح، أي: لا نلتقي بهم إلا في نوح، فالعرب والكثير معهم أبناء سام، فنحن أبناء سام بن نوح، وهم زعموا أنهم أبناء يافث بن نوح، والروم هي أرض أوروبا، وما يسكنها من شعوب وملل، وأمريكا لم تكن معروفة في ذلك الزمن ولم تكتشف بعدُ، ولكن الذين رحلوا إليها هم من روميّة وأوروبا وطردوا سكانها الهنود الحمر، وأبعدوهم إلى القفار والصحاري، واستباحوا دماءهم وكادوا يستأصلونهم قتلاً وحرقاً وإبعاداً، فلم تبق منهم إلا شرذمة معدودة يعيشون في هوان واضطهاد منذ أكثر من خمسمائة عام منذ اكتشفت أرض أمريكا، فالروم هم هؤلاء الذين هجروا أوروبا إلى أمريكا. وإذا قيل الروم عند العرب فالمراد سكان أوروبا جميعاً وإن كان قد تشعبوا فرقاً، ومللاً، ومذاهب وأجناساً ولغات، ولكن هذا الاسم لا يزال جامعاً لهم.
تفسير قوله تعالى: (في أدنى الأرض)
تفسير قوله تعالى: (في أدنى الأرض) {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ} [الروم:2 - 3] أي: في أقرب الأرض. أي: في أرض بصرى ودمشق من أرض الشام، وكانت هذه الأراضي للروم منذ قرون قبل فارس، ثم تقاتلوا فغلبت فارس الروم، وأخذت أدنى الأرض إلى أرض العرب وإلى جزيرتهم، وأصبحت أراضي فارسية، هذا الخبر كان وحياً أخبر القرآن به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فسمعته قريش ثم تأكدت منه، فسرها ذلك السرور البالغ؛ لأن الفرس وثنيون وعبدة للنار، فهم على مذهبهم وطريقتهم، فسروا بنصر من يشبههم، وقالوا للمسلمين: هاهم إخواننا الذين يشبهوننا في الدين، والذين لم يؤمنوا بكتاب ولا بنبي ولا ببعث ولا بآخرة قد انتصروا، فذاك دليل على صدق دينهم وصدق طريقتهم، وإخوانكم الذين يشبهونكم وهم أهل كتاب مثلكم يؤمنون بعيسى وبالإنجيل قد غلبوا، فأحزن ذلك المسلمين، وسر قريشاً والكفار من الوثنيين عباد الأصنام.
تفسير قوله تعالى: (وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين)
تفسير قوله تعالى: (وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) قوله: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم:3 - 4]. جعل فرحة كفار قريش لم تتم، فقد أخبر الله نبيه والمؤمنين أن هؤلاء الروم الذين غلبوا الآن سيَغلبون بعدَ بضع سنين. وكان أبو بكر رضي الله عنه قد جاءه أمية بن خلف وغيره من كفار قريش وقالوا: يا أبا فصيل! يسخرون ويهزءون، والفصيل: ابن الناقة، فهو أبو بكر والبكر هو ابن الناقة وقد اكتمل، فسموه وكنوه بوليد الناقة وهو لا يزال في أيامه الأولى؛ استهزاء. قالوا: أما ترى هذا الكذب الذي تكذبون، فقد أخبر نبيكم بأن الروم بعد بضع سنين ستغلب الفرس، فقال له أبو بكر: أنت أكذب وأخبث، نعم ستغلب الروم بعد بضع سنين، قال: أتراهنني؟ قال: فعلتُ، قال: كم المدة؟ قال أبو بكر: خمس سنوات، قال: قبلت، وكان ذلك على بضع من الإبل بين العشر والعشرين، وقص أبو بكر قصته على النبي عليه الصلاة والسلام فقال له: (راهنته؟ قال: نعم. وكان الرهان إذ ذاك لم يحرم، قال: على كم من الزمن؟ قال: على خمس سنوات، قال: ألا تعرف لغة قومك، فالبضع من واحد إلى تسع، فكيف راهنتهم على خمس، والقرآن الكريم الذي أوحاه الله يقول: {فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم:4] اذهب إليه وزده في الرهان وزده في الوقت). فذهب إليه أبو بكر وقد قال له أمية ما قال فقال: أتريد أن تعيد ونزيد؟ قال: أفعل، قال: أراهنك إلى ثمان سنين، قال: أقبل، قال: وإلى مائة ناقة، قال: أقبل، وإذا به بعد سبع سنوات وقبل تمام الثمان ينتصر الروم على فارس انتصاراً ساحقاً ماحقاً، فحزن كفار الجزيرة وسرّ به المسلمون، لكون المسلمين أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، فاعتُبروا أقرب إليهم من المجوس عباد النار، وحزن كفار الجزيرة لكون الذي انهزم هو أقرب إليهم وإلى دينهم ووثنيتهم، وذاك معنى قوله تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم:2 - 3] أي: من بعد أن غلبوا وقهروا وانتصر عليهم الفرس. {فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ} [الروم:4] أي: سيغلبون الفرس بعد بضع سنوات، أي: بعد سنوات معدودات على الأصابع، والبضع -كما قلت- لغة: هي من الواحد إلى التسعة، والرهان كان مرة ثانية إلى ثمان، وتم النصر كما أخبر الله قبل تمام البضع في السنة السابعة، فكانت الهزيمة وقت معاهدة الحديبية هزيمة الفرس ونصر الروم، وكانت هزيمة الروم قبل سبع سنين في غزوة بدر، فاجتمع النصر للمسلمين من الداخل والخارج، فمن الداخل انتصروا على قريش والكفار انتصاراً ساحقاً، فقد كانت معركة بدر المعركة الفاصلة التي ذل فيها الكفر وعز بها الإسلام، ولم يرفع الكفر بعد هذه المعركة رأساً، وما ذل المسلمون بعد معركة بدر، بل من نصر إلى نصر إلى فتح مكة إلى انتشار الإسلام خارج الجزيرة.
تفسير قوله تعالى: (لله الأمر من قبل ومن بعد)
تفسير قوله تعالى: (لله الأمر من قبل ومن بعد) {لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم:4]. الأمر لله من قبل نصر الروم وبعد نصرها، ومن قبل نصر فارس وبعد ذلها، فالأمر كله بيد الله، فبه انتصروا وبأمره ذلوا، والله الكريم المتعال الكل منه وإليه، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون. إن العزة لله جميعاً، فما من شيء يحدث في الكون إلا وهو بأمر الله، وبإرادة الله، وإن كان عزاً فقد يكون ابتلاءً واختباراً، وقد يكون مكافأة، وقد يكون ثواباً، وقد يكون رفعة كانتصارات المسلمين في جميع عهودهم وأعصارهم. وقد يكون النصر ابتلاءً واختباراً كانتصار الكفار على المسلمين، فليس ذلك إلا اختباراً وابتلاءً وفتنة، ليزدادوا إثماً على إثم، وتبقى الحجة البالغة لله، وليمحَّص المسلمون ويعودوا إلى الله في أعمالهم، ويعلموا أن ما حدث لم يكن إلا بإذن الله، ولعلة المخالفة، وعلة المعصية، فكان ذلك أدباً من الله لهم، كي لا يعودوا لمثل ذلك الذنب. قال تعالى: {لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ} [الروم:4] حين انتصر الفرس، ومن بعد هزيمتهم وذلهم، ومن قبل هزيمة الروم، ومن بعد نصرهم، فالأمر لله دواماً واستمراراً قبل خلق الخلق وبعد خلق الخلق، وما بين ذلك لم يكن في ملكه إلا ما يريد جل جلاله وعلا مقامه.
تفسير قوله تعالى: (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله)
تفسير قوله تعالى: (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) قال تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم:4 - 5]. التنوين في (يومئذ) تنوين عوض عن جملة، أي: يوم نصر الروم على الفرس، والإدالة لهم منهم، يوم ذاك يفرح المؤمنون؛ لأنهم قد حزنوا قبل، فهم فرحوا بنصرة أهل الكتاب على الوثنيين، والوثنيون الذين هم خصومهم أشكال أضراب، فأعدائهم من كفار مكة والجزيرة، وبقية المجوس في مختلف أصقاع الأرض، وقد آمن الكثير من كفار الجزيرة عندما أحق الله ذلك، وانتصر الروم بعد الهزيمة. {فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم:4]. فاتخذوا من ذلك دليلاً وبرهاناً على صدق الرسالة المحمدية، وصدق القرآن، وأنه كلام الله الحق الذي نزل به الروح الأمين على قلب نبينا صلى الله عليه وعلى آله. وفسر قوم قوله: {لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم:4] أي: قبل النصر وبعده، وقبل الهزيمة وبعدها، فكما ذل الفرس فسيذل الروم، ويوم ذلهم جميعاً يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، أي: سيقهرون ويغلبون الفرس والروم معاً، وقد حدث هذا فعلاً فقد انتصر المسلمون على الروم وعلى الفرس ومحقوهم وأنهوا دولتهم، وكما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم عنهم: (لا كسرى بعد اليوم ولا فارس بعد اليوم)، فانتهت دولة الروم البتة وأصبحت جزءاً من بلاد الإسلام وولاية من ولاياتها، وذهب كسرى إلى جهنم وبئس المصير ولم يجئ بعده كسرى آخر، وكسرى لقب كل ملك فارسي وثني ملك الفرس، وهرقل لقب لملوك الروم، والنجاشي لقب لملوك الحبشة، والمقوقس لقب لملوك مصر، وتبع لقب لملوك اليمن. فهذا المعنى صحيح ولكن سياق الآية لا يدل عليه، فالآية تتكلم عن الفرس والروم وقتالهم، وكون الفرس انتصروا أولاً على الروم في أدنى الأرض وهي جزيرة العرب، وهي أرض الشام بصرى وأذرعات ودمشق، ثم بعد ذلك أديل للروم من الفرس فانتصروا عليهم خلال بضع سنوات انتصاراً ساحقاً، فأرجعوا هذه الديار كلها، وعندما أخذ النبي عليه الصلاة والسلام يكتب الرسائل إلى ملوك الأرض وأجيالها كتب إلى هرقل وكان في القدس، والقدس كانت من الأراضي التي تغلب فيها الفرس على الروم، ولكن بعد أن أخذ يكتب النبي عليه الصلاة والسلام الرسائل إلى الملوك والأجيال كان الروم قد انتصروا، وكان ذلك بعد غزوة بدر، فكان كتابه إليه وهو في بيت المقدس، فعندما جاءه رسول رسول الله عليه الصلاة والسلام نادى هرقل: هل هنا من هو قريب إلى هذا الذي يزعم أنه نبي من أرض مكة، فأجاب أبو سفيان وكان قرشياً وأقرب العرب هناك نسباً لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فجاء به وأخذ يسأله عن وصف النبي وأصحابه خلفه وقال لهم: إني سائله فإن كذب فحركوا لي رءوسكم أعلم إذا خفتم منه ولن يراكم، وما دام قد قال الصدق فاثبتوا ولا تتحركوا، فسأله أسئلة فيها: هل كان في أجداد النبي صلى الله عليه وسلم من ملك؟ هل ادعى هذه الدعوة أحد من أجداد النبي؟ وهل اتبعه الفقراء أو الأغنياء؟ وهل يغدر إذا قاتل؟ وهل كان يكذب وهو صغير؟ وهل كان يعرف بغير الحق مدة حياته بينكم قبل النبوءة؟ والعرب حتى في جاهليتها كانت أشرف من كثير من مسلمي هذا العصر عرباً وعجماً، فكان الجاهلي يستحي أن يكذب، ويجد ذلك مخلاً بمروءته، ومخلاً بشرفه، فمع العداوة والجاهلية التي كان عليها أبو سفيان استحيا أن يكذب، وقال: لم أجد مدخلاً إلى تنقيصه إلا عندما قال لي: أيغدر؟ قلت: بيننا وبينه الآن عهد ولا ندري ما هو فاعل بعدها، يعني: يعرض أنه قد يغدر، وهذه علامة ليس فيها شتيمة، فهو لا يدري الغيب، ولا يدري المستقبل إلا الله، وهكذا عندما أخذ النبي يكتب الرسائل بالدعوة إلى الإسلام كان ملك الروم قد انتصر على كسرى واسترجع دمشق وأذرعات وبصرى والقدس. {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم:4 - 5]. ونصر الله يؤتيه من يشاء. فيعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويؤتي الملك من يشاء، وينزعه عمن يشاء، وفي كل ذلك سواء كان ذلك لمؤمن أو كافر فهو ابتلاء واختبار؛ ليرى -وهو راءٍ وعالم- هل هذا الذي ابتلي بالملك وبالجاه، وبالسلطان، وهل هذه الأمة التي انتصرت وعزت وسادت هل ستحمد الله على ذلك، وهل ستتخذ ذلك نعمة فتكثر الشكر، وتكثر عمل الصالحات؛ ليديم الله نعمه على من أكرمه بذلك، وهكذا ربنا يقول: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7]. والعذاب الشديد هو سلب النعمة وزوالها، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء. {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ} [الروم:4 - 5]. فالنصر له والعزة له، والأمر له من قبل ومن بعد، فقد نصر المجوس على الكتابيين ابتلاءً للكتابيين لما غيروا وبدلوا لعلهم يتوبون، ونصر المجوس على أهل الكتاب لتزداد النقمة عليهم، ولتبقى الحجة البالغة عليهم على كثرة ما أعطاهم من نعم وعطايا، فما زادهم ذلك إلا كفراً بالله وإصراراً على الجحود. {يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم:5]. فهو العزيز الذي لا يغالب، هو العزيز الذي لا يحارب، فله العز انفرد به، وله الكبرياء، ومن يتألى على الله يكذبه، وهو الرحيم بعباده، فهو يرحم المؤمن من الذل ومن الهزيمة ومن الضعف ومن البلاء عندما يتوب ويئوب إلى الله ويقول: رب اغفر لي خطيئتي. وهكذا الله جل جلاله يختم آياته في كتابه الكريم بكلمات تكون جوامع لمعنى الآية صغيرة كانت أو كبيرة، مختصرة كانت أو مطولة، وهذا من ذاك.
تفسير قوله تعالى: (وعد الله لا يخلف الله وعده)
تفسير قوله تعالى: (وعد الله لا يخلف الله وعده) قال تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم:6]. هذا وعد من الله لنبيه وللمؤمنين بعد أن أخبرهم بنصر الفرس على الروم فقال: {غُلِبَتِ الرُّومُ * وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم:2 - 4]. ووعد الله هنا منصوب على المفعولية المطلقة، أي: وعد الله وعداً، فهو مفعول مطلق لفعل محذوف وهو وعد، أي: وعد وعداً حقاً لا تأخير فيه ولا تراجع. فقوله: {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ} [الروم:6]. زاد الله كلامه بياناً، فقد وعد بنصر الروم وقد انتصروا بعد بضع سنين. {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم:6] أي: أكثر الكفار، {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116]. فهؤلاء لا يعلمون لله قدرة ولا إرادة ولا وحدانية، وهؤلاء لا يعلمون لله وعداً ولا وفاءً بوعد، وهؤلاء الضالون المضلون -وهم أكثر الناس- لا يعلمون توحيداً، ولا يعلمون إلهاً، ولا يعلمون وعداً بحق، ولا يصدقون نبياً، ولا كتاباً سماوياً، فهم في ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج الرجل يده لم يكد يراها، فقد أصبح القلب مظلماً لا يستنير بنور دين، ولا بنور نبي، ولا بنور كتاب سماوي، بل لا يزدادون عند الأنوار إلا عمىً؛ فتعمي الأنوار أبصارهم، ويصعد الران على قلوبهم، فلا يعلمون عن الحق شيئاً.
الروم [7 - 8]
تفسير سورة الروم [7 - 8] إن الكافر الفاسق ليهتم بأمور دنياه ويغفل عن آخرته، وقد وصف الله الكفار بأنهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، وهذا تراه متحققاً في كفار اليوم وكأن القرآن نزل ليحدثنا عنهم، فهم متقدمون في علوم الدنيا وتكنولوجيا المعلومات والصناعات؛ لكنهم غافلون عن الآخرة، وقد دعاهم الله تعالى أن يتفكروا في أنفسهم وفي المخلوقات العلوية والسفلية لعلهم يؤمنون.
تفسير قوله تعالى: (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا)
تفسير قوله تعالى: (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا) قال تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:7] الكلام هنا على أكثر الناس وهم الكفار، على الروم المتحدث عنهم في أول السورة المسماة باسمهم، قال تعالى عنهم: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:7]. وهذه الآية من أكبر معجزات القرآن في عصرنا لمن عاش عصرنا، ولمن رأى رؤيتنا، ولمن رأى هذه المخترعات الطويلة العريضة في مختلف أقطار الأرض عند الروم، فغرتهم، وذهبت بفهمهم وإدراكهم، فأضاعت دينهم أو كادت، وزلزلت عقيدتهم أو كادت، والكثيرون خرجوا من دين الله أفواجاً كما دخلوا فيه في عصر النبوة أفواجاً؛ اغتراراً وضلالاً بذلك، وذهاباً بعقولهم إليهم وهم لا يعلمون. قوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم:6] يعدل: ولكن الكافرين لا يعلمون، فعاد بالضمير لأكثر الناس فقال: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم:7]. وكيف نسب لهم العلم ثانياً وقد نفاه عنهم أولاً فقال: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم:6 - 7]. هنا نكتة وحكمة انتبه لها الزمخشري ونقلها عنه المفسرون بعده قاطبة، فقال: كيف نسب لهم العلم أخيراً ونفاه عنهم أولاً؟ قال: هو علم أقرب للجهل، قال تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم:7]. و (ظاهراً) نكرة مطلقة، أي: شيئاً حقيراً وشيئاً قليلاً من هذه الدنيا، ولا يعلمون باطنها، ولا يحرصون على معرفة باطنها، فحتى الحياة الدنيا جهلوها فضلاً عما يجب أن يعلموه، ويدينوا به، ويقوموا على أساسه، وبه كانوا بشراً ذوي عقول، وذوي رسالات، وذوي كتب سماوية. {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم:7] أي: يعلمون الظواهر من الدنيا، فيعلمون كيف يزرعون، وكيف يحرثون، وكيف يتجرون، وكيف يصنعون الباخرة، وكيف يصنعون الطائرة، وكيف يصنعون سلماً، وكيف يتفننون في الأبنية فما هو مكون من طابق واثنين إلى سبعين وثمانين طابقاً، ولا يعلمون أكثر من ذلك. فهم يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، ولكنهم يجهلون باطنها، فلم يكلفوا أنفسهم أن يسألوا أنفسهم: من أنا؟ وكيف خرجت لهذا العالم؟ ولماذا جئت؟ وإلى أين المعاد؟ وما الحياة وما الممات؟ ومن الذي خلق هذه السموات؟ وسينبه الله عن هذا في الآية الثانية، وسنشرحه هناك. فالدنيا نفسها لا يعلمون إلا جزءاً من ظاهرها وليس جميع الظواهر، فلا يعلمون بواطن الدنيا، ولا يعلمون كيف صعدوا بالطائرات إلى الأجواء، ولا كيف مخروا البحار بالبواخر؟ وكيف قامت هذه الأبنية ذات السبعين والثمانين والمائة طبقة في أجواء الفضاء؟ وكيف عاشوا هم في هذه الدنيا؟ وهل الطعام والشراب يعطي روحاً؟ وما هو العقل؟ وما هي هذه الجوهرة التي بها يكون التدبير، ويكون الوعي، ويكون التذكير، ومن إذا فقدها لا يستطيع شراءها ولو بملء الأرض ذهباً؟ فتلك عطية الله إذا أخذها لا يستطيع أحد أن يأتي بها أو بمثلها، كل ذلك عن الروح، وقل ذلك عن العقل، وقل ذلك عن النفس، وقل ذلك عن البصر، وقل ذلك عن الكلام. والأطباء كل ما يفعلونه أنهم إذا وجدوا في العين عروقا تالفة فإنهم يربطونها كما يربط الكهربائي الأسلاك إذا انقطعت وذهب الضوء، وأما إذا ذهبت الأسلاك وليست عنده أسلاك فلا سبيل إلى أن يأتي بالنور، وطبيب العيون إذا ذهبت العروق التي خلقها الله فلا يستطيع أن يأتي بالنور، ولا بالإبصار، وإذا ذهبت عروق الصوت من الحلق لم يستطع أن يعطيك صوتاً، ولن يستطيع أن يعطيك كلاماً، وهكذا قل عن كل ظاهر، فلم يعلموا من الدنيا إلا ظاهرها، وأما باطنها فهم أبعد الناس عن علمه، ومعرفة حقيقته وكنهه، فهم جهلاء بكل شيء، وعلمهم لا يتجاوز علم القطة وعلم الكلب وعلم الخنزير، فيهمه أن يأكل وأن ينكح وأن يشرب وأن يفر من عدو، وأن يضرب عدواً، وأما ماذا وراء ذلك فهيهات هيهات. {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [النور:35]، فإذا لم يعط الله أحداً من نوره لم تزدد القلوب إلا ظلمة على ظلمة، فالله يهب نوره لمن يشاء، فإذا وهب نوره وهب علمه ووهب هدايته، ولا يكون ذلك إلا بالرسل والكتب المنزلة عليهم. وأما الخواطر والأفكار والفلسفات وما يخطر على بال الإنسان فغير محفوظ، فهو لا يزيد على أنه كلام أقرب إلى الهذيان أقرب، وفساد دليل الفلسفة وجميع الفلاسفة لا يخفى، فلا تكاد تجد فيلسوفين من القدامى أو المحدثين اتفقوا على حقيقة الحقائق -الذات العلية- على العطاء الدائم، على الحقيقة التي لا أول لها ولا آخر، عن الله الحق خالق كل شيء، ورازق كل شيء، ومعطي الحياة ومعطي الممات. {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم:7]. هذا الذي يعرفونه لا يتجاوز الظاهر، منذ سنين قالوا: نريد الصعود للقمر، لنرى كيف بدأ الخلق في الأرض وما هي الخلية الأولى؟ وما هي المادة الأولى؟ وكيف كان ذلك؟ فملاحدة العصر وكل الملل سوى ملة الإسلام كفرة ملاحدة لا دين لهم، فالكتابيون أصبحوا وثنيين يعبدون اثنين وثلاثة، والذين يعبدون الأحجار هم على حالهم، فليس إلا المؤمن الموحد المسلم، ومع هذا فهؤلاء المسلمون قد ضل الكثيرون منهم عندما دانوا بدينهم، وأخذوا حضارتهم، ودانوا بفلسفاتهم وأخذوا يطبقون ذلك على دينهم، فضلوا وأضلوا وخرجوا عن الإسلام. {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم:7]. فمنذ سنوات قالوا: نريد أن نصل إلى فلك من هذه الأفلاك التي نراها في الأجواء، فوصلوا للقمر فوجدوه كجزء من الأرض لا يختلف عن صحاريها وعن جبالها وعن وهادها، فأنزلوا منه حجارة وتراباً ووزعوه على معامل الدنيا فحلل ذلك فوجدوه من نفس مادة حجارة الأرض وترابها، وقد بذلوا في هذا الملايين من المال، وأجاعوا الكثير من الخلق، ونشروا الفتنة بين الكثير من الخلق، وكل ذلك قد علمه المسلمون منذ ألف وأربعمائة عام، ونطق به الوحي الذي لا يأتي بباطل، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء:30]. يخاطب الكفار -وكأن الآية أنزلت الآن- أن السموات والأرض كانتا رتقاً، أي: متصلة وجزءاً واحداً وقطعة واحدة، ثم شاء الله في عصر من العصور وزمن من الأزمان فتق بعض هذه عن هذه، فتق هذه الأفلاك التي نراها فوق فتقها من الأرض التي هي جزء منها، فهي حجارة وتراب وجبال ووهاد، وجدوا الهواء هو الهواء على أنهم لم يجدوا هواءً، والشيء الموجود لا يكاد يذكر، وقالوا: لا حياة فيه، ولا يزالون يبحثون في أفلاك أخر هل يجدونه، ولا تظنوا أنهم وصلوا إلى السماء فهيهات ذلك، فالمصباح المعلق في السقف ليس هو السقف، وقد قال الله عن هذه الأفلاك: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [الملك:5]. فهي زينة السماء الدنيا، وأما السماء التي يسري إليها خاتم الأنبياء نبينا صلى الله عليه وسلم فبيننا وبينها خمسمائة عام، وهي مغلقة، وهي طبق على طبق، وهيهات أن يستطيع أحد أن يصل إليها، فالشياطين يحاولون أن يقتربوا ليسترقوا السمع من الملائكة، فيسمعون كلمة واحدة يعطونها للسحرة وللكهنة، ويزيدون في الكذبات عليها تسعة وتسعين كذبة، فتضيع هذه الكلمة إن صحت بين تلك الكذبات، ولكن لا يكادون يقتربون من ذلك المكان إلا وتأتيهم شهب حارقة تحرقهم جميعاً وكأنهم لم يكونوا ولم يولدوا ولم يخلقوا. {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:7]. أكد الله ذلك بـ (هم) مرتين، وبالجملة الاسمية مرتين، فهم غافلون عن الآخرة ولا يعلمون شيئاً عن الآخرة، ولا يكلفون أنفسهم بمعرفة شيء عن الآخرة، وهذا شأن الكافرين الضالين والعصاة المتمردين، والآخرة لا تعرف إلا عن طريق الوحي وعن طريق كتب السماء، وعن طريق الرسالات، فكان الله يرسل في كل أمة رسولاً فضلاً منه وكرماً، {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر:24]. ولكن الله لم يذكر في الكتاب المنزل إلا أربعة وعشرين أو خمسة وعشرين من الأنبياء، وقد قال وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم: {مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر:78]. فمنهم من قصه وذكره في الكتب كآدم وإدريس ونوح ومن بعدهم. {وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر:78] فلم نذكره ولا بكلمة عنه، وقد أشير إلى البعض. وقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام بأن الرسل والأنبياء ثلاثمائة وثلاثة عشر نبياً ورسولاً، ولم يذكر الله ويتكلم إلا عن خمسة وعشرين حيث أخْذ العبرة والحكمة بما يهدي المؤمنين، ويهدي الناس أجمعين، ومن حجرت عنه الهداية، فستكون حجة الله عليه بالغة، فقد أرسلت إليه الرسالات، وجاءه الأنبياء، وأعلن له من الحق ما أعلن.
تفسير قوله تعالى: (أولم يتفكروا في أنفسهم)
تفسير قوله تعالى: (أولم يتفكروا في أنفسهم)
معنى قوله تعالى: (أولم يتفكروا)
معنى قوله تعالى: (أولم يتفكروا) ثم فصل الله تعالى فقال: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم:8]. يحكي الله عن هؤلاء الذين لا يؤمنون إلا بظاهر الحياة الدنيا، فتجد الرجل الطويل العريض منهم يسمونه بالأستاذ الكبير، ويسمونه بالعالم الكبير، ويكتبون له من المؤلفات العشرات والمئات، وإذا أخذ يحدثك عن الله والدار الآخرة حدثك حديث حيوان أعجم، ولذلك نفى الله عنهم العلم البتة، فقال: ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فأكثر الكفار لا يعلمون، ثم عاد فنسب لهم علماً هو إلى الجهل أقرب. {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم:7]، فيعلمون كما تعلم الدابة: كيف يأكلون، وكيف يشربون، وكيف يخزنون هذا الطعام، وكيف يخزنون هذا الشراب، ومع ذلك كم عجزوا فتمضي سنوات ويموت مئات الملايين من الخلق جوعاً، فلم يستطيعوا توفير الطعام والشراب لهم على كثرة خيرات الأرض، وكثرة الغيث من السماء على الأرض، وما في البحار من حيتان ولحوم وأرزاق، وما في الأجواء والغابات من أنواع الطيور، وما فيها من أنواع الحيوانات والصيد، ومع ذلك الناس يموتون جوعاً. ففي إفريقيا يموت ملايين من الخلق جوعاً، وفي الهند يموت كل سنة ما يزيد على عشرة إلى خمسين مليون جوعاً، وفي الصين كل سنة يموت ما بين خمسين إلى مائة مليون جوعاً، وهذا ما يقول الله عنه: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم:7]، فلا ينبغي لمؤمن أن يكبروا في عينه، وأن يحسب لهم حساباً، فهم لا يزيدون فهماً على ما تفهمه الدابة من السعي لطعامها، وعلى ما يفهمه الكلب من السعي وراء فريسته، وعلى ما يعلمه الخنزير من البحث عن طعامه في المزابل والقاذورات والأوساخ، ومن يحاول أن يأخذ علمه وهدايته وحضارته منهم فقد ترك النور الحق وذهب إلى الضلال، وترك الرحمن وذهب للشيطان، وترك الدين الحق دين التوحيد وذهب إلى هؤلاء الذين لا يعلمون شيئاً، وحتى ما يعلمونه من الحياة ظاهراً لا يكاد يذكر، ولا تكاد يعتبر، فلا تجاوز طعاماً في بطن، وشراباً، ولبسة على الظهر، وليس ذلك لكل الخلق والبشر في الأرض.
معنى قوله تعالى: (في أنفسهم)
معنى قوله تعالى: (في أنفسهم) ثم عاد الله فقال: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ} [الروم:8]، وهذا استفهام معناه التقرير والأمر، أي: أما كان الواجب على هؤلاء أن يفكروا في أنفسهم يوماً فيقولون: من أنا؟ من أين جئت؟ من خلقني؟ وكيف خلقت؟ وما الغاية من حياتي؟ وما وظيفتي في حياتي؟ وعندما أموت فما معنى الموت؟ وإلى أين أنا ذاهب؟ وماذا بعد الموت؟ فقد خلقنا لهم عقولاً، وجعلناهم بشراً، وميزناهم عن الحيوانات وأن يفكر يوماً ويقول: ألا أراجع ما ذكره هؤلاء الذين زعموا أنهم أنبياء؟ فيراجع ما ورد في الكتب السماوية، وما ورد عن الأنبياء السابقين، فإذا كذبهم فليأت إلى القرآن الذي لم يغيَّر ولم يبدل، وإلى الإسلام الذي لم يبدل ولم يغير، فيبحث بعقله ويبحث بنفسه ليعود إلى التفكير في نفسه: أنا حي فما هي الروح؟ وكيف أعيش؟ وما الذي يحرك حواسي؟ وما الذي يدعني أسمع؟ وما الذي يدعني أبصر، وما الذي يدعني أحس وأتذوق؟ وما الذي يدعني أكبر يوماً بعد يوم وأصل إلى سن معينة ولا زيادة في أكثر الخلق؟ ثم بعد ذلك: كيف الإبصار؟ وكيف الذوق؟ وكيف الهضم؟ وكيف الإنسان ما دام حياً يبقى كما هو، فإذا مات ففي اللحظات الأولى يتفطر وتخرج روائحه، فأقرب الناس إليه يذهبون به مسرعين ويخفون جيفته في الأرض وإلا فر منها الناس جميعاً؛ لشدة كراهتها؟ فمن الذي أمسك الروائح الكريهة عن الخروج والإنسان حي، فإذا لم يستطيعوا الجواب عن ذلك وسكتوا، فهم {حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [المدثر:50 - 51] وهم كذلك إذ لم يكلفوا أنفسهم التفكير في ذلك. فالله يلفت أنظارهم ويقول لهم: أولم يفكر هؤلاء الذين لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، فهم لا يعلمون، وهم بلقاء ربهم كافرون، هؤلاء لِمَ لا يفكرون في ذواتهم، فلم نطلب منهم أن يضربوا في الأرض، ويسافروا الآلاف من الأميال جواً أو بحراً أو براً، ولكن يفكروا في أنفسهم.
معنى قوله تعالى: (خلق الله السماوات والأرض وما بينهما)
معنى قوله تعالى: (خلق الله السماوات والأرض وما بينهما) قوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى} [الروم:8]. ولن يستطيعوا الوصول إلى الحقيقة إلا بدلالة نبي ورسول، ولم يكن دليل الخلق إلا محمداً صلى الله عليه وعلى آله، والكتاب المرشد الهادي خاتم الكتب، وبسوى القرآن الكريم ومحمد صلى الله عليه وسلم لن يصل أحد للحق لا فرد ولا جماعة، وسيبقون في ضلال يتبعه ضلال إلى الهلاك إلى أن يصبحوا يوماً بين يدي الملكين السائلين في القبر وهما يسألانهم بإزعاج وقلق: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ حتى إذا عجز عن الجواب أخذته المرازب، فيضربه الملك ضربة إلى أن يصل إلى الأرض السابعة، ثم يأخذونه بعنف. وهكذا يبقى إلى يوم العرض على الله يوم القيامة وروحه تعذب ويزداد عذابها وتمتحن ويزداد امتحانها، وهكذا كل كافر عاش كافراً ومات كافراً. {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى} [الروم:8]، فليتفكروا بعد أنفسهم في هذه السموات ما هي؟ وكيف رفعت بغير عمد؟ وما الذي فيها؟ ولم كانت؟ وكيف كونت؟ ومن خلقها؟ وهذه الأرض التي نحن عليها من حملها؟ وكيف حملت؟ وأين العمد التي حملت عليها؟ وكيف جاء هذا الخلق الكثير من الإنس والجن والطير والحيوانات؟ وما هو البر؟ وما البحر؟ وما في البحر من غرائب وعجائب من أشكال زاحفة وماشية ومفترسة وصغيرة وكبير يأكل الصغير فمن خلقها؟ وما الحكمة من خلقها؟ وكيف هذه المياه لا تفيض على اليابسة وتغرقها كلها كما غرقت أيام طوفان نوح؟ وكيف تسير هذه السفن الصغيرة في البحر وهي كالرياش في مهب الرياح؟ وكيف تقطع المسافات الطويلة من شرق إلى غرب ومن شمال إلى جنوب؟ وما بين السماء والأرض خلق لا يحصيهم إلا الله، كهذه الكواكب وهذه المجرات التي تعد بالملايين. {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ} [الشورى:29]، فمن آيات قدرة الله ووحدانية الله وجلال الله خلق السموات والأرض، وكل ما علاك فهو سماء، فالأفلاك العلوية سماء بهذا المعنى، وما سفل فهو أرض، فما تحتنا هو أرض إلى سبع أرضين، {وَمَا بَثَّ فِيهِمَا} [الشورى:29] أي: في الأفلاك العلوية وفي الأفلاك السفلية من دابة، والدابة: هي كل ما يدب على وجه الأرض برجلين أو أربع أو يزحف على بطنه، وحتى الطائر الذي يطير فهو في البر يمشي على رجليه، ومعنى ذلك: أن في الأفلاك العلوية كذلك دواب تمشي كما تمشي دواب الأرض، لأنه قال: {وَمَا بَثَّ فِيهِمَا} [الشورى:29] أي: في الأفلاك العلوية وفي الأفلاك السفلية. {وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ} [الشورى:29] وأعاد الضمير جمع عقلاء مما يدل أن من بين هذه الدواب دواب عاقلة كعقلاء بشر الأرض. {وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ} [الشورى:29] (إذا) عندما تدخل على المضارع يصبح بمعنى الماضي، وإذا دخلت على الماضي حولته مضارعاً مثل: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} [الواقعة:1] فمعناه: عندما تقع، فهي لم تقع بعد، والواقعة: القيامة. (إذا يشاء) إذا شاء، أي: سبق في علم الله أنه مقدر ذلك وأراده وشاءه، وسيكون يوماً من الأيام، هل نحن الذين سنلتقي بهم عندهم أم هم عندنا؟ أم أولادنا أم أسباطنا؟ الله وحده العليم بذلك. والله يلفت أنظارنا في الكثير من آيات القرآن عند ذكره للسماء والأرض، فعلينا أن نتدبر السموات والأرض وما بينهما من هذه النجوم وهذه الأفلاك كالشمس، والقمر، والمشتري، والزهرة، وعطارد وغيرها، وهي ملايين الملايين لا يحصي عددها إلا الله، فكيف حملت في الفضاء؟ ومن حملها؟ كل هذا لم يفكروا فيه. فالطائرة التي نركبها لو ذكرت قصتها لأجدادنا الذين لم يروها لما صدقوها، ولقالوا: إنك مجنون كيف يطير الحديد في الهواء؟ وكيف يطير بقليل من الماء؟ فهذا لا تقبله العقول ولكنه حدث، فآمنا به لرؤيتنا له. وإذا سألتهم: كيف كان ذلك؟ فإنهم يذكرون لك خزعبلات وفلسفات، فيقال لهم: وكيف أحياناً تقع الطائرة ما دام الأمر كذلك؟ فهو كلام اخترعوه وحاولوا أن يذكروا فيه جهلهم، وما زادهم الجهل إلا عماية وضلالة على ضلال.
معنى قوله تعالى: (إلا بالحق)
معنى قوله تعالى: (إلا بالحق) قوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الروم:8]. فلم يخلق ذلك إلا بحق وعلى حق، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، فالعبرة والغاية من خلق هذا العالم أن نعبد الله، فإذا خرجنا ولم نعبده فلم حياتنا؟ ولم وجودنا؟ ولم نضيّق على عباد الله المحتاجين؟ فموت هذا الذي لا يعبد خير من حياته، فعيشته في الأرض سبهللاً، فحياته إنما تكون حجة عليه في عذابه ومحنته وانتقام الله منه. وما سخر الله هذه الأكوان إلا لهذا الإنسان العاقل، فأباح له ما في الأجواء وما في البحار وما على البراري وما بينهما، فكان سيد الأرض وخليفة الله في الأرض، والله عندما أراد خلق آدم أبينا قال لملائكته: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30]، وقال لداود نبي الله: {إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ} [ص:26]. فالإنسان خليفة الله في الأرض يحكم بحكمه، فإذا خرج عن العدل زاغ وضل واستحق العقوبة، وما هذه الأرزاق التي يمتع بها إلا له، فإن حمد الله عليها زيدت عليه وزاده الله الجنة، وإن كفر بها انتزعها فعذبه الله في النار دواماً وسرمداً، فلم يخلقه إلا بالحق وللحق وللعدل، وبالحق نزل القرآن، وبالحق أرسلت الرسل، وبالحق خلق الإنسان، ولعبادة الله خلق.
معنى قوله تعالى: (وأجل مسمى)
معنى قوله تعالى: (وأجل مسمى) قوله: {مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى} [الروم:8]، ومع ذلك لم تدم سماء ولا أرض ولا ما بينهما، ولا إنس ولا جن ولا ملك، ولا النفس التي لفت نظرنا لمعرفتها ومعرفة كنهها ودخائلها، وإنما ذلك لأجل مسمى عنده وإلا فستنتهي هي والدنيا كلها فلا يبقى على الأرض شيء، فالسموات تدهده والأراضي تدهده ويصبح الكل كالعهن المنفوش، {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27]. فلا يبقى إلا وجهه جل جلاله، فالكل ميت والموت لا بد منه، وقد خاطب الله سيد الخلق فقال له: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر:30]، البر والفاجر، والصالح والطالح، والنبي والرسول، {إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى} [الروم:8].
معنى قوله تعالى: (وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون)
معنى قوله تعالى: (وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون) قوله: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم:8]. كثير من الناس، أي: الكفار كلهم، وأكثر الناس كافرون بلقاء ربهم وبالبعث بعد الموت وبالجنة والنار، وبالحساب والعقاب، وبالعرض على الله. فهؤلاء الذين علموا ظاهراً من الحياة الدنيا كفروا بكل ما سوى الدنيا، فكفروا بالآخرة، وهم غافلون عنها وعن علومها ومعارفها، والدنيا لم يعلموا إلا شيئاً من ظاهرها، وسيقص الله علينا بعدُ أن الأمم التي مضت كانت أشد قوة من هذه الأمم، وأعظم سلطاناً، وأكثر حضارة، وأكثر قوة، وأكثر زراعة، وأكثر بناء. فهم يريدون اليوم أن يقولوا للناس: بلغت الدنيا اليوم ما لم تبلغ بعصر من العصور، كذبوا على الله وأفكوا، بلغت اليهودية في ظلمها وطغيانها منتهاها، بلغت الصليبية بلغت الشيوعية بلغ الكفر بكل أشكاله وملله ونحله، أقصى ما يمكن أن يصل إليه هو ما ادعوه من حضارة ومن مخترعات ومن مستحدثات كل ذلك ليس إلا جزءاً قليلاً مما كان عليه الأمم السابقة والشعوب الماضية من حيث قوة البدن، وقوة العمل، وسلطان السلاح، والتغلب على الخلق والبشر. فالله تعالى في هذه الآية يأمرنا بالتفكير في أنفسنا وبالتفكير في هذه السموات العلا، وذلك رحمة بنا لعلنا نؤمن ولعلنا نصْدُق مع أنفسنا، فليس في الدنيا كل شيء، فهناك علوم أخر لا يعلم هؤلاء عنها شيئاً، فيمرون عليها وهم عنها غافلون، {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} [الأعراف:198]، {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا} [الأعراف:179]، ولهم قلوب لا يعقلون ولا يفقهون بها، فهم كالأنعام بل هم أضل، فالأنعام تستفيد من حليبها ومن أولادها ومن شعرها، ويركب على ظهورها للسفر وقطع الآفاق، وأما الإنسان الكافر والإنسان الضال فموته خير من حياته، فهو يضيق على الناس أرزاقها، ويضيق على الناس مساكنها، فلا يظهر من دون الخلق إلا الشر والأذى، وإلا الطغيان والجبروت وإعلان الكفر ومحاربة الإسلام وأحباء الله من الدعاة إلى الله.
الروم [9 - 15]
تفسير سورة الروم [9 - 15] يلفت الله تعالى أنظار الكفار ليتفكروا فيما خلق، ويسيروا في الأرض فينظروا في آثار من سبقهم من الأمم ممن كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالاً، لكن لم ينفعهم شيء من ذلك، بل كان عاقبة الذين أساءوا السوأى، ويوم القيامة يدخل المؤمنون الجنة والكافرون النار.
تفسير قوله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم)
تفسير قوله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) قال تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم:9]. يكشف الله جل جلاله عن هؤلاء الذين يعاصروننا ممن لم يعلم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، والسورة تسمى سورة الروم. والقضية متعلقة بالروم وهم سكان أوروبا وسكان أمريكا بعد ذلك، فهؤلاء الروم النصارى وصفهم الله بأنهم لا يعلمون، وإذا علموا فعلمهم سخيف تافه ليس إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، وأما الباطن من الدنيا فلا يعلمونه، فهم لا يعلمون أسرار هذا الكون سماء وأرضاً، بشراً وخلقاً، طيراً وجناً، وحيوانات ودواب، وهم وإن كانوا يرون ذلك ويمرون عليه، فإن مرورهم مرور الغافلين. أما من أين أتينا؟ ولماذا خلقنا؟ وإلى أين نسير بعد الموت؟ فهذا مما غفلوا ويغفلون عنه، فهم لا يعلمون ظاهره ولا باطنه، ولا يعلمون اسمه ولا حقيقته. ثم أخبر سبحانه عن هؤلاء الذين لا يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، فقال: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الروم:9] أي: لماذا لم يسيروا بأنفسهم سائحين ومنتقلين ومتعلمين، ومطلعين عن أحوال تلك الأمم السابقة والشعوب البائدة، وأنها حين كفرت بالله وكذبت رسله ولم تؤمن بما أنزل الله من كتب من السماء دمروا ولم تبق إلا خرائبهم ودورهم التي لم تعمر إلا قليلاً، وأهلكهم الله نتيجة كفرهم، ونتيجة إبائهم الإيمان والإسلام والعلم بما يجب أن يكون عليه الإنسان الذي خلقه الله في الأرض، وأن الله ما خلقه إلا لعبادته، ولا تكون العبادة إلا بالعلم. وما العلم إلا علوم الآخرة وعلوم الدنيا التي تكون موصلة للآخرة نعلم منها أسرارها وبواطنها، كما أن العلوم الأخرى قد تكون علوماً موصلة للأخرى إذا قصد بها الله والدار الآخرة، وإذا علم منها ومن حقيقتها ومن باطنها أنها من الله، وأنها لخدمة عباد الله، فإن تكلمنا عن الطب مثلاً وقلنا: إن الله الخالق لهذه الجوارح وأن الطبيب ليس بيده خلق قطعة قد زالت، ولكن بيده الترقيع، فهذا لا بأس به، وقل نفس ذلك عن المهندس: إنه لا يعلم إلا خطوط البناء والعلو وما يحتاج إلى عمق الأرض، وقل مثل ذلك عن الصيادلة، وأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (ما خلق الله داء وإلا وخلق له دواء إلا السام). ففي كل عشبة من هذه الأعشاب، وفي كل نبتة من هذه النباتات التي خلقها الله بقدرته دواء من أدواء أمراض الناس، علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم الله ينذر هؤلاء الكفرة ويأمرهم أن يأخذوا الحقائق وما يمكن أن يستفيدوا منه، وذلك بالضرب في الأرض، فينظروا عواقب من مضى من الأمم والخلق كيف كانت نتائج كفرهم، كانت خراباً ودماراً، ولم تبق إلا خرائبهم لتدل عليهم، وإلا البوم والغراب ينعق في خرائبهم، وهم بين يدي الله يحاسبون على الشاذة والفاذة بسبب خلافهم وكفرهم. والاستفهام في قوله: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الروم:9] جوابه المقدر: هو أنهم كانوا كفرة، فكانت العاقبة دمارهم وخرابهم واندثارهم وبوارهم. ثم أخبر الله عن أولئك الماضين فقال: {كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} [الروم:9]، أي: كانوا أكثر قوة في أبدانهم، وأطول أعماراً في سنيهم، وأكثر ذكاء في أعمالهم وصنائعهم، وأكثر شدة في بأسهم وسلطانهم، وتغلبوا على الشعوب من أمثالهم، واستطاعوا التصرف في الأرض والحضارات، وأثاروا الأرض وعمروها وزرعوها وحرثوها واستنبتوها، وغرسوا فيها الأشجار والبساتين والرياض، وشقوا فيها الأنهر والغدران، وصنعوا على البحار الموانئ التي يستطيعون الوقوف بالبواخر والبوارج والسفن عليها. فقوله: {وَأَثَارُوا الأَرْضَ} [الروم:9] أي: استخرجوا معادنها وخيراتها وذهبها وفضتها، وما فيها من ثروات وكنوز، كل ذلك عملوه بقوتهم وبذكائهم، فكان لهم من القصور ما لا نزال نرى آثاره إلى اليوم، فهذه أهرامات مصر شاهدة على ذلك، وقد مضى عليها الآلاف من السنين، والصخرة الواحدة من هذه الأهرامات تزن الآلاف من الأطنان، فكيف قطعت من جبال سيناء وجبال الطور؟ وكيف قطعت على هذا الشكل؟ وعلى أي الآلات حملت؟ وكيف رفعت بعد ذلك على هذه البنية؟!! وكذلك قل عن آثار بابل في أرض العراق، وقد أراد هارون الرشيد يوماً أن يبني قصوراً في مكانها، فقال له وزراؤه من البرامكة: يا أمير المؤمنين! هي خرائب لا تخرب ولا يؤثر فيها الحديد والفولاذ، قد تهدمها سنوات ولم تهدم، ويصعب علينا أن يقال: بنى الأولون ما عجزنا عن تخريبه، والخراب أيسر من البناء. فلم يلتفت الرشيد إلى كلامهم وأمر بهدم ذلك، وبعد سنتين من الهدم والتخريب لم يكادوا يخربون إلا جزءاً لا يتجاوز الأمتار من الجدران، فاضطر لأن يترك ذلك، وهو إلى الآن لا يزال كذلك، أما كيف بنوه، ومن أي مادة صنعوه؟ فلا نعلم حقيقة ذلك، فتلك من الآثار التي يشير إليها القرآن الكريم. وينبغي أن يعلم هؤلاء المعجبون بأنفسهم وبقوتهم وبحضاراتهم أن من مضى من الأمم كانوا أكثر منهم وأشد قوة، ومع ذلك قد بادوا وذهبوا واضمحلوا. وقوله: {وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} [الروم:9] أي: زرعوها وغرسوها ونبشوا عن المعادن واستفادوا منها، وبنوا على الصخور الآثار والقصور الرفيعة والمدن والقرى. فهم صنعوا كل ذلك مما جعل المعاصرين يعجبون من ذلك ويعجزون أن يصنعوا مثل ذلك أو ما يقاربه. وقوله: {وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} [الروم:9] فهؤلاء مع شدتهم وقوتهم وحضارتهم ومدائنهم وسلطانهم عندما جاءتهم الرسل بالبينات وبالدلائل الواضحات على صدق رسالتهم غفلوا وتغافلوا أو كذبوا، فكانوا لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، وإنما جاءهم أنبياؤهم المرسلون إليهم ليعلموهم وليرشدوهم ويعطوهم من بواطن الدنيا كما علموا من ظواهرها، ومن علوم الآخرة التي جهلوها، لكنهم أبوا إلا الجحود والكفران والمخالفة والعصيان. وإذا بالله الكريم يعاقبهم في الدنيا والآخرة، وكان عذاب الآخرة أشد وأنكى، أما عذاب الدنيا فقد ظهر جلياً بما تركوا من آثار وخرائب تدل على ما أصابهم من غرق وصعق وقلب الأرض عاليها سافلها، وصيحات وزلازل وصواعق من الأرض والسماء لا تزال آثارها في مختلف بقاع الأرض. قال تعالى: {وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم:9]، أي: لا يليق بعدل الله وجلاله أن يظلم أحداً، قال تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:46]. وفي الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، وهؤلاء ظلموا أنفسهم بكفرهم وبكونهم لم يصدقوا أنبياءهم وما جاءوا به من رسالات وكتب، فكانوا ظالمين لأنفسهم بما أصابها من لعنة وخراب ودمار.
تفسير قوله تعالى: (ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى)
تفسير قوله تعالى: (ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى) قال تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون} [الروم:10]. (عاقبة) بالضم على أنها اسم كان، وقرئت: (عاقبة) بالفتح على أنها خبر كان مقدم، والسوأى: هو المبتدأ. فقوله: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى} [الروم:10] أي: الذين أساءوا وكفروا، وما ظهر منهم إلا السوء والإجرام والكبر والكفر والعصيان، والسوأى تأنيث الأسوأ، كالحسنى تأنيث الأحسن، أي: أتوا جرماً أعظم ما يكون سوءاً وهو الكفر بالله وبرسل الله، فكان عاقبة هؤلاء الكافرين أن أصيبوا بذلك البلاء وتلك العقوبة؛ نتيجة كفرهم وجحودهم وعصيانهم، وكان ذلك عاقبة أمرهم ونهاية حياتهم، والقضاء المبرم على وجودهم. وليست (السوأى) مفعولاً لأساءوا. وقوله: {وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون} [الروم:10]، أي: كانوا يستهزئون بأنبياء الله، ويستهزئون بالكتب المنزلة من السماء عصياناً وتمرداً. وهذا تهديد ووعيد للكفار الذين لم يؤمنوا برسول الله عندما جاءهم، سواء كانوا من كفار العرب أو غيرهم، فقد هددوا وأنذروا وأوعدوا بعاقبة كعاقبة الذين سبقوهم، وبنهاية كنهاية تلك الأمم التي عوقبت في الدنيا قبل الآخرة غرقاً وتدميراً وصعقاً وزلازل وقلباً للأرض عاليها سافلها، مما لا تزال الآثار في الأرض بعضها ظاهر وبعضها يظهر بالحفريات والكشف عن الأثريات.
تفسير قوله تعالى: (الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون)
تفسير قوله تعالى: (الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون) قال الله تعالى: {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الروم:11]. يقول الله لخلقه وعباده: يا هؤلاء لقد رأيتم أنفسكم وقد خلقت وأوجدت من العدم من غير أي شيء سابق، ألا تأخذون ذلك دليلاً وبرهاناً على أن من بدأ الخلق قادر على أن يعيده وهو أهون عليه؟ والكل هين عليه جل جلاله فهو لا يحتاج لأكثر من أن يقول: كن فيكون، ولا يحتاج لأكثر من إرادة، فيكون ما يريد جل جلاله. فقوله: {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ} [الروم:11]، أي: هو الذي أنشأ الخلق على غير مثال سابق، أوجدنا من العدم، ونحن نرى أنفسنا ونعيش في واقعنا، ونرى الخلق في كل أشكاله وأنواعه، فمن خلقهم؟ من دبرهم؟ من رزقهم؟ من أحياهم وأماتهم؟ من أحياهم وأماتهم قادر على إعادتهم ونشأتهم النشأة الثانية في الحياة الآخرة. عندما يضرب الله للناس الأمثال والأشباه والنظائر؛ ليتعلموا بالمعلوم المجهول، وبالواقع المستقبل، وبالدنيا الآخرة، {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46]. وقوله: {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [الروم:11]، أي: هو الذي يعيد الخلق مرة أخرى فينهي الدنيا ويفنيها، ويعيد الحياة الثانية يوم البعث والنشور، فيوم العرض على الله في الآخرة التي لا فناء لها ولا موت، فمن دخل الجنة فهو خالد فيها أبد الآبدين، ومن دخل النار فهو خالد فيها دهر الداهرين، لا موت ولا فناء، وإنما الموت والفناء لدار الدنيا وما فيها ومن عليها. إذاً: نحن نرى أن الله قد بدأنا بواقعنا وحياتنا، ومن قدر على ذلك قدر على الإعادة، فهو كما ابتدأنا سيعيدنا إعادة ثانية، وهذه دعوة للإيمان بالبعث، فمن لم يؤمن بالبعث بقي على كفره، ويكون قد كذب الأنبياء جميعاً السابقين واللاحقين وخاتمهم صلى الله عليه وسلم، ويكون قد كذب بالرسالات والنبوءات والكتب السماوية جميعها، فالبعث حق والحياة الثانية حق، كما أن الإنسان حق أن يعاد يوم القيامة مرة ثانية؛ ليعرض على الله ويحاسب على عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وقوله: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الروم:11]، أي: إلى الله يرجع الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، رجالهم ونساؤهم، إنسهم وجنهم.
تفسير قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون)
تفسير قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) قال الله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ} [الروم:12]. أي: عند قيام الساعة يوم القيامة في الدار الآخرة يبلس المجرمون، والإبلاس هو السكوت في ذهول وتيه وضياع، فهم يجدون أنفسهم في واقع لا ينكرونه وذلك عندما يسألون: أليس هذا الذي وعدتم في الدار الآخرة، كيف كذبتم به في الدنيا، ها أنتم الآن قد بعثتم بعد الموت؟ فلا يحيرون جواباً، ولا يتحركون ولا ينبس أحدهم ببنت شفة. وفسروا الإبلاس باليأس من رحمة الله ومنه سمي إبليس، فهو يئس من رحمة الله، والإبلاس الكفر، والإبلاس الشرك والجريمة، وبكل هذه المعاني تفسر هذه الفقرة من الآية الكريمة، فيوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ويخرسون فلا يحيرون جواباً؛ لعجزهم عن إيجاد الدليل والبرهان، فهم لا يجدون برهاناً ولا دليلاً يعتذرون به عن سابق كفرهم وشركهم.
تفسير قوله تعالى: (ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء)
تفسير قوله تعالى: (ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء) قال الله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ} [الروم:13]. أي: عند ذلك يتركهم الشركاء الذين عبدوهم جهلاً وفساداً في الأرض، وقالوا: ثالث ثلاثة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ومنهم من جعل العجل إلهاً، ومنهم من جعل مريم وعيسى إلهين، ومنهم من جعل الأخشاب والأحجار آلهة، ومنهم من جعل من الجن والملائكة والبشر آلهة، وكل أولئك سيتخلون عنهم يوم القيامة، ولا يشفعون لهم عند الله بعدم دخولهم النار وإطلاق سراحهم من اللعنة والغضب، هيهات هيهات، {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48]، ولن تكون شفاعة إلا لمن أذن له، ولن يأذن للشفاعة إلا لمن رضي عنه من الملائكة والرسل وصالحي الناس. أما أن يشفع كافر فلن يكون ذلك ألبتة، ومعاذ الله أن يكون لله شريك ومعه شريك، {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم:23]. وقوله: {وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ} [الروم:13] أي: وكان هؤلاء الشركاء والأصنام كافرين بعبادتهم، كما يكفر المتبوع بالتابع ويتبرأ منه، {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} [البقرة:166]، أي: تقطعت أسباب المودة التي كانت في الدنيا، والصلة التي كانت بينهم المبنية على الكفر والشرك، ولن يدوم في الآخرة إلا الود في الله والحب في الله، قال الله تعالى: {الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف:67]، لن تدوم خلة ولا صداقة ولا مودة إلا مودة الأتقياء، أما من كانت مودتهم مبنية على الفسق والعصيان والشرك والجحود فهؤلاء ينقلبون أعداء لبعضهم يوم القيامة، ويلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض.
تفسير قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون)
تفسير قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون) قال الله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} [الروم:14]. أي: يوم تقوم الساعة يوم القيامة في ذلك اليوم يتفرق المؤمنون والكافرون، يصبح المؤمنون في أعلى عليين، والكافرون في أسفل سافلين، وتجمع النار الكافرين كما تجمع الجنة المؤمنين، ولا تصبح هناك صلة ولا اجتماع بينهم، بل تكون فرقة أبدية كما قال الحسن البصري بياناً وتفسيراً لكلام الله: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} [الروم:14]، قال: يتفرق المؤمنون إلى الجنة، والكافرون إلى النار، ويفترقون عن المؤمنين فرقة أبدية. ويميز المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، وتحشر كل طائفة وكل ملة مع نظيرها ومثيلها في نار جهنم، فلا يجتمع مسلم بكافر ولا كافر بمسلم، وإن كان أهل الجنة يحاورون أهل النار ممن حاول أن يضلهم في الدنيا، فيحمد الله أن أنقذه الله من فسق هذا الكافر ومن دعوته الباطلة، ومن شركه المزيف، وأن فرق بينه وبينه.
تفسير قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات)
تفسير قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} [الروم:15]. (أما) أي: اضرب عن القول السابق في عذاب الكافرين وعقباهم من لعنة في الدنيا ونار دائمة يوم القيامة ومن فرقة بين المؤمنين والكافرين هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار. {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الروم:15]، يعني: أما الذين آمنوا بالله رباً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبالمؤمنين إخوة وبالكعبة قبلة، ثم بعد هذا الإيمان القولي صدق الخُبر الخبر، فصدق الجنان اللسان، وصدقت الأركان الجنان، فصلوا لله جل جلاله خمس صلوات في اليوم والليلة، وصاموا شهر رمضان، وحجوا بيت الله الحرام إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وأدوا زكاة أموالهم إن كانوا يملكون النصاب ومضى عليه الحول، وتركوا المنكرات بكل أشكالها، قال صلى الله عليه وسلم: (ما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه). والفعل يفعل قدر الطاقة والاستطاعة، وأما النهي فيكون باتاً كاملاً، فيتركون المنكرات والفواحش ظاهرها وباطنها، فهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات {فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} [الروم:15]. والحبور: السرور وحضور النعمة. والروضة مفرد الرياض، أي: الجنة والجنان. فهم في الجنان مسرورون منعمون مكرمون، قد رحمهم ربهم لعبادتهم ولتوحيدهم ولعملهم الصالح، وفرق بينهم وبين أولئك الذين كانوا في دار الدنيا يهزءون بهم وبدينهم وبكتابهم وبنبيهم، وكان نتيجة كفر أولئك النار وغضب الله، وكان نتيجة صبر هؤلاء واستمساكهم بالدين الحق والإيمان والعمل الصالح أن أنعم عليهم وكرمهم في سرور وحبور ونعم دائمة، كما قال تعالى: {لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة:33]، وقال: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ} [الزخرف:71]، وقال صلى الله عليه وسلم: (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر). وسنة الله في كتابه أنه يذكر رحمته مع غضبه، وغضبه مع رحمته، ويذكر الجنة ثم النار، والنار ثم الجنة، ويذكر المؤمنين وأعمالهم، ثم الكافرين وأعمالهم، بين الرجاء والخوف؛ حتى إذا رجا كثرت طاعته وابتعد عن الشرك، وإذا خاف ترك المنكرات ظواهرها وبواطنها، فتارة يصنع ذلك، وتارة يعرض عليه صور كأنه يراها رأي العين، وضرب الأمثال سنة الله في كتابه.
الروم [16 - 22]
تفسير سورة الروم [16 - 22] خلق الله الخلق ليبتليهم وبين لهم طريق الخير والشر، فمن كفر وكذب فجزاؤه النار خالداً فيها، وقد ذكر الله لعباده في كتابه العزيز آيات وبينات تدلهم على كمال قدرته واستحقاقه للعبادة كخلق السماوات والأرض وخلق الأزواج، وجعل المودة والرحمة بينهم، واختلاف الألوان والألسن وغير ذلك.
تفسير قوله تعالى: (وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا)
تفسير قوله تعالى: (وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا) قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} [الروم:16]. أي: الذين كفروا بالله رباً، وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، وكفروا بكون القرآن كلام الله، وكفروا بالمؤمنين إخوة، وبالكعبة قبلة، ثم كذبوا آيات الله وكذبوا قدرته وكتابه ودلائل وحدانيته والمعجزات التي أتى بها أنبياؤه، وكذبوا بيوم القيامة ولقاء الآخرة ولقاء الخلق مع الله يوم القيامة ويوم العرض عليه -مع أن الإيمان به أصل من أصول كل دين سماوي حق- فهم لم يؤمنوا بيوم البعث والقيامة وأننا نبعث بعد الموت بأجسامنا وأرواحنا بأعمالنا الصالحة وغيرها؛ ليرحم من عمل الصالحات وآمن بالله، ويعاقب ويعذب من كفر بالله وعمل الطالحات، قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} [الروم:16]، فهؤلاء الذين أشار إليهم من الكافرين والمكذبين والمنكرين ليوم البعث يحضرون للعذاب يوم القيامة ويجمعون للعذاب في النار، ومن هنا قيل عن الميت وقت موته: المحتضر، أي: يحتضر للموت، ويحتضر لحقائق الأشياء، وتحضره ملائكة الموت؛ لينقل إما إلى الرحمة وإما إلى العذاب، فإن كان في الجنة فقد أحضر للنعيم، وإن كان في النار فقد أحضر لعذابه.
تفسير قوله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون)
تفسير قوله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) قال تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم:17]. فالله جل جلاله يسبح نفسه ويعظمها، وهنا يعلمنا جل جلاله كيف نسبحه ونقدسه ونعبده ونمجده، فهو سبحانه له الملك والألوهية والربوبية، وهو خالق كل شيء والمنفرد بالعبادة جل جلاله، وهذا خبر في معنى الأمر، فهو يسبح نفسه ويمجدها وينزهها عن كل النقائص ويعزها ويجلها، وهو العزيز الجليل جل جلاله وعز مقامه؛ لنتعلم كيف نعزه ونمجده، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل والترمذي وقال: حسن صحيح عن جماعة من الصحابة: (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بمثل ما أتى إلا أحد قال مثل قوله أو زاد عليه). وقال النبي عليه الصلاة والسلام -وهو آخر حديث من صحيح البخاري -: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم). فسبحان الله وبحمده أي: إنه يحمد نفسه في السموات وفي الأرض وعشية وحين نظهر، فهو يحمد نفسه ويعلمنا كيف نحمده، ويسبح نفسه ويعلمنا كيف نسبحه، وقد روي: (أنه خرج يوماً صباحاً صلى الله عليه وسلم وترك أم المؤمنين جويرية بنت الحارث تسبح الله وتذكره، ثم عاد ضحى فوجدها لا تزال في مجلسها وهي تذكر الله وتسبحه، فقال لها: ألا تزالين في مسجدك؟ -أي: مكان سجودك وتسبيحك وتحميدك- قالت: نعم، قال: لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلت لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، ثلاث مرات)، وسبحان: اسم مبني على الفتح، وهو اسم مفعول ومعناه: أسبح الله. وكتب نافع الأزرق الخارجي إلى ترجمان القرآن عبد الله بن عباس يسأله: يا ابن عباس! هل الصلوات الخمس مذكورة في القرآن؟ قال: نعم، ثم تلا قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم:17]، قال: حين تمسون: صلاة المغرب، وحين تصبحون: صلاة الفجر.
تفسير قوله تعالى: (وله الحمد في السموات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (وله الحمد في السموات والأرض) قال تعالى: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم:18]. وعشياً: صلاة العصر، وتظهرون: صلاة الظهر، وصلاة العشاء مذكورة في آية ذكر العورات وإخفائها، في قوله تعالى: {وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ} [النور:58] فالصلوات الخمس مذكورة في القرآن إجمالاً ومذكورة تفصيلاً، وقد أجملها الله في آيات أخرى مثل قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238]، فالصلوات الخمس أمر بحفظها وبرعايتها وبالقيام بأركانها. واختلف الأئمة في الصلاة الوسطى من الصبح إلى الظهر إلى العصر إلى المغرب إلى العشاء، وقال الشافعية: هي العصر، والنص معهم ولا عبرة ببقية الآراء؛ لأنه جاء في صحيح مسلم في غزوة بني قريظة قوله صلى الله عليه وسلم عن اليهود: (ملأ الله قبورهم ناراً، شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر). وإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم قولاً فليس لأحد معه قول من صحابي فمن دونه، وثبت في صحيح مسلم: (أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر). فقوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} [الروم:17]، أي: وقت المساء، {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم:17]، أي: وقت الصباح، والمساء من المغرب إلى الليل، ولذلك بعض الأئمة أدخل في المساء المغرب والعشاء، وأما الإصباح فقد ذكره الله في قوله: {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم:17]، أي: حين الصباح ويكون ذلك في الذكر والمذاكرة والصلاة، ولما كان التسبيح صلاة سمى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة: (سبحة)؛ لأنها تشتمل على التسبيح والتحميد والذكر والتلاوة، وعلى الحركات من قيام وركوع وسجود وجلوس وقيام، وعلى التكبير في الحركات، وعلى الذكر في كل حالات، فهي تسبيح لله ثم هيئة المصلي هي تسبيح بلا خلاف. وقد صلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوماً فلم يقرأ فاتحة ولم يقرأ سورة، فقيل له: كيف ذلك يا أمير المؤمنين؟! فقال: ألا يستكفى في العبادة أني سبحت فقد قمت وركعت وسجدت وجلست فتلك في حد ذاتها تسبيح لله؛ لأن الركوع والسجود لا يليقان إلا بالله، فلا يركع ولا يسجد إلا لله، ولا توضع الجباه ولا الأنامل ولا الركب ولا الأيدي ولا أصابع الرجلين وخاصة إن وضعت مجتمعة إلا لله الواحد. قال تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم:17 - 18]. وتقديم المعمول على العامل يفيد أن الحمد الكامل المطلق الحقيقي له تعالى، ولذلك نقرأ الفاتحة في كل ركعة أئمة ومأمومين كما هو المذهب الحق، ولا تجوز الصلاة إلا بفاتحة الكتاب، فمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج خداج خداج، أي: ناقصة غير كاملة، ولا تجزي ولا تكفي ولا تصح ولا تقبل إلا بفاتحة الكتاب. وأيضاً في تقديم المعمول على العامل إفادة الحصر، أي: حصر الحمد في الله وانفراده به؛ إذ هو صاحب النعم الظاهرة والباطنة وليس لغيره نعمة. إذاً: ففي قوله سبحانه: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ} [الروم:18] يحمد نفسه جل جلاله وهو على عرشه استوى، وتحمده ملائكته وأنبياؤه في السموات كما يحمده كل من على الأرض جناً وبشراً وحيواناً وطيراً، فالكل يسبحه ويحمده ويعبده، كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44]. وقال النبي عليه الصلاة والسلام عن الملائكة في السماء: (أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وعليه ملك ساجد أو قائم). ولله الحمد في السموات والأرض فلا تخلو الأرض مشارقها ومغاربها من مخلوق من إنسان أو جن أو ملك إلا وهو يعبد الله، وتجده إما مسبح باللسان أو عابد بالأركان. {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا} [الروم:18] والعشي: ما بعد الظهر إلى غروب الشمس، والمساء: ما بعد المغرب إلى الشفق. {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم:18] والإظهار هو: وسط النهار، ونحن نسميه الظهر، ووقت الظهر يسمى عشياً، وقالوا: هو صلاة العصر، وتظهرون قالوا: صلاة الظهر، وهي كذلك، ولكن المعنى أعم؛ والعبادة لله تستحب فيه وتكون أقرب للقبول سواء التسبيح باللسان أو التسبيح بالطواف أو التسبيح بالسعي أو التسبيح بالصدقات أو التسبيح بكل أنواع العبادات، فهي في حد ذاتها مطلوبة ومستحبة، ويزداد استحبابها عشياً وآصالاً وصباحاً وعشياً وفي الأوقات التي ذكر الله، وهي أوقات الصلوات الخمس، ولله الحمد.
تفسير قوله تعالى: (يخرج الحي من الميت)
تفسير قوله تعالى: (يخرج الحي من الميت) قال تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} [الروم:19]. فقوله: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} [الروم:19]. أي: ومن يقدر على ذلك إلا هو، فهو الذي يخرج الإنسان من النطفة وهي ميتة، ويخرج الدجاجة من البيضة وهي ميتة، ويخرج النبت والشجر من الأرض وهي ميتة. {وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [الروم:19]، أي: ويخرج الجنين ميتاً من رحم أمه وهي حية، ويخرج الكافر من بطن أمه وهي مسلمة وهو كافر، ويخرج البيضة من الدجاجة، ويخرج الحبة من السنبلة، ويخرج الزرع والحبة والقمح من السنابل ومن الأشجار والنباتات وكلها حية. فالله وحده القادر على ذلك، هذا من حيث المحسوس، ومن حيث المعنى: خرج أنبياء الله الصالحون وخرج الصحابة الكرام والتابعون من بطون كانت في جاهليتها غير مؤمنة، وخرج كفار من أرحام مؤمنة. ومن قدر له الله الخير أدركه، سواء كان البطن الذي احتواه بطن مؤمن أو بطن كافر، قال تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الروم:19]، فتجد الأرض وقت الشتاء قد يبس نبتها وتحات شجرها وأصبحت جدباء، فإذا بالله الكريم يمطرها ويغيثها بالمطر، فإذا بها تهتز وتربو وتنبت أشكالاً وألواناً ومن كل زوج بهيج، فهذا أخضر وهذا أحمر وهذا أصفر وهذا أبيض، ومع أن الماء واحد إلا أن الزهر ألوان، ولو كان ذلك من الطبيعة فكيف يخرج من ماء واحدة وتربة واحدة أنواعاً من الثمار والأشجار والنباتات والطبيعة من خلقها؟ ولكن الكفر ألوان وأنواع. {وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} [الروم:19]. أي: كما أخرج الحياة من الأرض الميتة وجعلها تربو وتهتز حياة، فبعد أن كانت يابسة وجدباء إذا بها تدخلها الحياة فتنبت أشجاراً ونباتات وبراعم وزهوراً وثمرات خضراء، وكما أخرج من الحبة الميتة الحياة فسيخرجكم ويبعثكم بعد موتكم أحياء كذلك مرة ثانية لتعرضوا عليه للحساب إما إلى جنة وإما إلى نار.
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن خلقكم من تراب)
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن خلقكم من تراب) قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} [الروم:20]. أي: ومن آياته ودلائل قدرته ومعجزاته ووحدانيته وعلامة إرادته ووحدانيته بالإرادة. قوله: {أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ} [الروم:20]. فقد خلق آدم من تراب وهو أصلنا وأبونا الأعلى، ثم جعلنا منه، فكنا في الأصل تراباً، ثم خلق منها زوجها، وخلق منهما نطفة ومن النطفة علقة ومن العلقة مضغة ومن المضغة عظاماً ثم كساها لحماً، ثم أخرجها بشراً سوياً إلى هذه الدنيا، وكان جسماً ضعيفاً لا يعقل ولا يعي ولا يبصر ولا يدرك، ثم إذا بهذا الإنسان الذي أصله تراب وماء مهين يتجبر على الله ولا يذكره ويسفك الدماء الحرام ويستبيح الأعراض الحرام، ويقول: أنا ربكم الأعلى، وينسى أنه بعد ذلك سيعود إلى شيب وضعف، ثم إلى تراب، ثم يحيا مرة أخرى ويعرض للحساب فيعاقب أو يكرم حسب عمله من الصالحات أو الطالحات. وقوله: {ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} [الروم:20]، ونحن قد انتشرناها في الأرض مشارق ومغارب، جبالاً ووهاداً، أجواء وتراباً، ونحن على ما نحن عليه، فمن أكرمه الله عاش مؤمناً ومن سبق عليه كتاب الله في الأزل وغضب عليه كفر بكل ذلك وأشرك.
خلق الإنسان من جميع تربة الأرض
خلق الإنسان من جميع تربة الأرض وفي صحيح مسلم ومسند أحمد والسنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع تراب الأرض، فجاء بنوه على قدر ذلك، منهم الأبيض والأسود والأحمر وما بين ذلك، وكان منهم الطيب الخبيث، وكان منهم السهل والحزن). ومعنى الحديث: إن التراب الذي خلق منه آدم صنعه الله جل جلاله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وجعل تربته وطينته من تراب جميع الأرض، أي: من تربة خصبة منبتة وتربة جدباء لا تنبت، وتربة نتنة، وتربة صحراوية لا تكاد تبنت شيئاً، وتربة حمراء، وتربة سوداء، وحين ولد لآدم خرج أولاده على مقدار ذلك الجنس، فما كان من جنس التراب الأسود كان أسود، ومن كان من جنس التراب الأجدب الذي لا ينبت بليداً، ومن كان من جنس الأرض الخصبة المنبتة كان زكياً، وهكذا، فاختلاف بني آدم في ألوانهم وألسنتهم وعقولهم وفهومهم وذكائهم حسب التربة التي ورثوها عن أبيهم آدم، فآدم جمع في تربة خلقه وقيامه ووجوده جميع أنواع تربة الأرض، وقال في هذا المعنى صلى الله عليه وسلم أيضاً: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، فخيرهم في الجاهلية خيرهم في الإسلام إذا فقهوا)، فالأرض التي فيها المعادن من الذهب والفضة من ملكها ملك الثروات الأموال الطائلة، وأرض ليس فيها معدن ولا نبات لا خير فيها.
قيمة الإنسان بحسب إيمانه
قيمة الإنسان بحسب إيمانه وهكذا الإنسان لا قيمة له إلا إذا كان مؤمناً عالماً داعياً إلى الله في خدمة إخوانه المسلمين، وأما ماله فليس له منه إلا ما لبس فأبلى أو أكل فأفنى أو تصدق فأمضى. وإما إن كان قارون عصره يجمع أنواع الزكوات والكنوز والثروات والأموال ثم يتخذ طغياناً وجبروتاً وتألهاً على الله ويأكل مال هذا زيادة على ماله ويطغى على ذاك وماله لا يستفيد منه فقير ولا قريب ولا محتاج ولا سائل فإنه عند الله لا وزن له أمام ذاك، والنبي صلى الله عليه وسلم مر أمامه في المسجد مسلم مروراً عابراً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحاضرين: إذا طلب هذا الصهر أتصاهرونه؟ وكان يملك قامة وشكلاً ولوناً وهيئة ولباساً حسناً، قال: إذا طلب المعاملة أتعاملونه؟ قالوا: نعم، ثم مر غيره رجل مسكين عليه آثار الوهن والاحتياج في ملابس بالية لا يكاد يرفع رجله من الأرض إلا زحفاً فقال لهم: وهذا؟ قالوا: إذا حضر لم يعرف، وإذا غاب لم يفتقد، وإذا طلب الصهر لم يصاهر، فقال لهم نبي الله عليه الصلاة والسلام: (لهذا خير من ملء الأرض من مثل ذاك)، وهذا كما يقال في المثل: واحد كألف وألف كواحد. إذاً: فهؤلاء الكفار المشركون بالله بأجمعهم لا يساوون قدم مسلم أسود مصل يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، بل قدمه أشرف منهم كلهم بملايينهم وملياراتهم. وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم، وقد يكون هذا الذي أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام منافقاً.
معنى قيمة الإنسان الحقيقية في هذه الأرض
معنى قيمة الإنسان الحقيقية في هذه الأرض إذا نسينا أصلنا الترابي أخذنا نتعاظم ونتكبر على بعضنا. وقد حضرت مرة محاضرة لطبيب كيماوي قال فيها: إنه حلل إنساناً تحليلاً كيماوياً بعد أن وزنه وأتى بوزنه تراباً، ثم حلل ذلك التراب، فوجد ذلك الجسم الذي وزن ذلك التراب نفس المعادن التي في التراب من مياه وكبريت وملح وسكر وماء. إذاً: فنحن تراب وإنما تغيرنا فقط، وهذا كما يأتي شخص إلى حب القمح فيطحنه فيصبح القمح دقيقاً ثم يعجنه فيصبح عجيناً ثم يخبزه فيصبح خبزاً أو حلوى أو غيره على ما يريد، وأصله تلك الحبة وتلك الزرعة وليس سواها، وهكذا الإنسان، ومن هنا قال الحكيم العربي: خفف الوطء يا صاح ما أظن أديم الـ أرض إلا من هذه الأجساد أي: يا من تتعاظم على الله وتمشي في الأرض خيلاء متعاظماً خفف وطأك وامش قليلاً قليلاً ولا تتكبر وتتعاظم؛ فإن هذه الأرض التي تدوسها وتمشي عليها بقدمك هي من تراب آبائك وأجدادك، وكم فيها لك من أب وأم أصبحوا تراباً؟ يوشك أن تصبح أنت تراباً مثلهم، ويأتي أولادك بعدك فيدوسون عليك في خيلاء وتعاظم، فلم التعاظم وأنت من تراب وعائد إلى التراب. وفي هذه الآية تتجلى القدرة الإلهية المفردة، فهذا التراب قد أصبح إنساناً سوياً وبشراً عاقلاً ورسولاً كريماً وعالماً صالحاً وصاحباً تابعاً وإماماً مرجحاً مرفوعاً إليه، وقد يكون العكس، فيصبح بطاشاً فرعون الأرض متكبراً خائناً، والكل من أصل واحد ومن تراب واحد.
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا)
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً) قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21]. أي: ومن آيات الله وقدرته أن خلق لنا من أنفسنا زوجة لنجد السكون والطمأنينة والراحة بعد الشغل والتعب والعمل في الخارج، وجعل بين المرأة وزوجها مودة وهي: المحبة، ورحمة وهي الشفقة والرأفة، بعد أن لم يكن بينه وبينها نسب ولا صلة، ولا يسمح بوجودها قبل أن يتزوجها، ولا تسمح بوجوده قبل أن تتزوجه، ثم أصبحت له سكناً ومطمأناً ومرجعاً يجد عندها راحته وموضع أسراره وموضع شكواه ولا يحل محلها أحد على عظمة الأب وحرمة الأم وما يقال لها لا يقال للأب ولا للأم ولا للولد، فهي موضع السكن والمودة، فيودها وتوده، ويرحمها وترحمه، ويرؤف بها وترؤف به، ويشفق عليها وتشفق عليه. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [الروم:21]، أي: في هذا، {لَآيَاتٍ} [الروم:21] وعلامات على قدرة الله الواحد، {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21]، أي: لهم عقول يديرونها في الفكر، ويفكرون بها ويخمنون ويحدثون ولا يعيشون سبهللاً كالدواب، بل يسألون أنفسهم: من خلقنا وأخرجنا إلى هذا العالم؟ وما هو أصلنا؟ وإلى أين نذهب؟ وهذا التفكر والاعتبار فرضه الله على كل إنسان، فهو في حق المؤمن واجب، وأما الكافر فلا يقبل منه إلا بعد أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد خلق الله حواء يوم خلق آدم من ضلعه الأيسر، كما في الصحيحين: (إن الله أخذ ضلعاً من أضلاع آدم وقال له: كن أنثى فكان أنثى على صورة آدم)، ولكن يفترق عنها بأنها لا لحية لها ولا شارب، وأن آلة الأنوثة غير آلة الذكورة، وما سوى ذلك فالذكر والأنثى خلقة واحدة، فلكل واحد منهما عينان وشفتان وأذنان وعقل وسمع وبصر، ثم هذا الذي خلقه من أنفسنا جعل بيننا وبينه مودة ورحمة، وكل ذلك من علامات قدرة الله وآياته الدالة على ألوهيته ووحدانيته، وأنه القادر على كل شيء.
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته خلق السموات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته خلق السموات والأرض) قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} [الروم:22]. أي: ومن علامات قدرة الله والدلائل القاطعة على وحدانيته وقدرته خلق السماوات والأرض وما بينهما، ومن الذي يستطيع أن يخلق مثل هذه السماء ويرفعها بغير عمد؟ أو مثل هذه الأرض بجبالها وأنهارها وبحارها وما عليها من إنس وجن وطير وحيوان، فمن خلقها وكونها غير الله جل جلاله؟ وهؤلاء البشر الذي كان أصلهم واحداً اختلفت ألسنتهم وألوانهم، ولا يشبه فيهم لون لوناً ولا لسان لساناً، فالألوان على تعدد البشر بالمليارات لا تجد أحدهم يشبه الآخر شبهاً كاملاً، بل لا بد أن يكون هناك فرق، وكذلك اللغات والألسن، فهذا عربي وهذا أعجمي وهذا فارسي وهذا أفغاني إلى غير ذلك، بل حتى اللسان الواحد في اللغة الواحدة في الأسرة الواحدة في الأب والأم والأولاد، تجد لصوت هذا لهجة خاصة ولصوت هذا لهجة خاصة، فإذا نادت الأم أو البنت دون أن تقول: أنا فلانة تعرفها بنبرة لسانها. وهذا الاختلاف من يقدر عليه إلا الله، فنحن نصنع مصنعاً ونخرج منه ثياباً وأشياء بالملايين، وهذه الملايين كلها يشبه بعضها بعضها، بحيث إن الإنسان الخبير إذا أخذ ثوباً قال: هذا صنع إنجلترا، وهذا صنع فرنسا، وهذا صنع الشام وبلاد العرب، وهو لا يختلف عن بعضه بشيء، وفي الإنسان هذه الخطوط الموجودة في الأصابع لا تشبه أصبع أصبعاً، حتى أصبحوا يعتقدون أن التوقيع بالأصبع أصدق توقيع؛ لأن التوقيع يزور، وأما توقيع الإبهام فلا يزور. لذلك بعض الدول أخيراً زورت جوازاتها وهوياتها فجددتها، وجعلت للقارئ ولغير القارئ أن يضع في ملفه بصمات الأصابع العشرة مع اسمه وصورته؛ حتى لا يدخلها التزوير بحال، فقد تزور الصورة ويدخلها تعديل، وقد يزور الاسم والتوقيع، وأما هذه البصمات فلا تزور.
الروم [22 - 27]
تفسير سورة الروم [22 - 27] يذكر الله تعالى دلائل قدرته ووحدانيته تباعاً، وذلك حتى يعبده الناس وحده فيدخلهم جنته، ومن ذلك آية النوم بالليل والسعي بالنهار وخلق السماوات والأرض وأنه يبدأ الخلق ثم يعيده، وكل شيء قانت له سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم)
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم) قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} [الروم:22]. لا نزال نتتبع آيات الله جل جلاله في دلائل قدرته ووحدانيته، وفي نسق الآيات الكريمات خطاب للعقل والفهم والوعي، ولا يعرض عنها إلا من فقد دينه وعقله وفهمه ووعيه وإدراكه. ومن آيات الله وعلامات قدرته ومعجزات بيانه ومخاطبته لقوم عالمين سامعين أن الله جل جلاله خاطب الناس بلغة عقولهم وبفهمهم، فلفت الأنظار بقوله: (ومن آياته) أي: ألا يرون هذه الآيات فيتساءلون: من خلق السماوات والأرض؟ ومن الذي يستطيع خلق هذا؟ فهذه السماء في علوها، والكواكب وأفلاكها وما فيها من خلق، أطت السماء من أجل ذلك وحق لها أن تئط، ومن الذي يستطيع خلق هذه الأرض بما عليها من جبال راسيات، وبحار جاريات، وخلق الخلق من كل لون وشكل جناً وإنساً، وطيراً وحيواناً؟ فمن الذي يستطيع رزقهم والقيام عليهم، وإحياء من يحيا وإماتة من يموت؟ وهذه الألسن المختلفات من عرب وعجم إلى مختلف لغات الأرض ولهجاتها، كيف لا يشبه بعضها بعضاً؟ واختلاف الألوان من أبيض وأصفر وأحمر وأسود، من خلقها ونوعها؟ إنه الله جل جلاله. هذا خلق الله فأروني ماذا خلق العباد؟ وهم يكادون يعجزون حتى عن فهم خلق الله وقدرة الله وآياته المنوعة. وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} [الروم:22]، قرئ (العالَمين) والعالِم من علم ما جهل، وعمل بما علم، والعالِمون هم العارفون بالله وبقدرته وآياته ومعجزاته وأنبيائه ورسله وكتبه.
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته منامكم بالليل والنهار)
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته منامكم بالليل والنهار) قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [الروم:23]. لو لم يخلق الله جل جلاله هذا الليل لينام الإنسان فيه ويستريح، ويسكن من أشغال النهار وتعبه جسداً وأعضاء وروحاً ونفساً، لعجز عن الحياة بعد بضع سنوات، وبالتالي لكف عن العمل، ولما قدر أن يقوم بما يجب عليه أن يقوم به عياءً وجهداً وتعباً، ولكن الله جل وعلا خلق الليل للمنام والراحة، وخلق النهار للتجارة والعمل والسعي والضرب في الأرض. فمن آياته الدالة على قدرته أن خلق لكم الليل لتناموا وتستريحوا فيه، قالوا: وفي الآية تقديم وتأخير، {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [الروم:23]، أي: يكون النهار للتجارة، والعمل والسعي والضرب في الأرض، فجعل النهار ليبتغي الإنسان فيه ما يرجوه من فضل الله من نماء ومال وعمل وحياة، فكان النهار معاشاً وكان الليل لباساً سباتاً، ذكر النهار عن ابتغاء الفضل لفهم ذلك من خلال الكلام، ويصح التقديم والتأخير إذا لم يحدث لبس في المعاني، والتقدير: وابتغاؤكم من فضل الله بالنهار. وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [الروم:23]، (لآيات) أي: لدلائل وبراهين قاطعة لقوم يعون ويتفكرون ويسمعون، يعني: السمع الذي يكون معه وعي وفهم وإدراك.
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا)
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً) قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم:24]. أي: من قدرة الله وآيات وحدانيته ودلائل ألوهيته فيما خلق وذكر من نسق هذه الآي المتتابعات: البرق الذي يرى في أجواء السماء، الذي خلقه خوفاً وطمعاً. فالإنسان حين يرى البرق يخاف أن يكون بداية لصواعق، أو زلازل ومصائب، فتجده يخاف ويرهب من شكله ووميضه، كما يكون هذا البرق رجاء وطمعاً حيث يكون بداية مطر وغيث، يكسو الأرض بالخضرة بعد جدبها وجفافها، فيحيي الله به بلدة ميتاً قاحلاً، فتصبح الأرض وقد اهتزت بأنواع الأرزاق والحبوب والفواكه والثمرات. وهكذا يلفت الله جل جلاله أنظار من له عقل وسمع وفهم وإدراك بالنظر في هذه الطبيعة، التي هي من خلق الله ليلاً ونهاراً، سماء وأرضاً، برقاً ومطراً، حياة للأرض بعد الجدب، ثم هي بعد ذلك تؤتي أكلها من كل زوج بهيج. إذاً: الله سبحانه يخاطب من يدرك ويعقل ويعي بعرض هذه الآيات منسقة متتابعة، لعل السامع يكون ممن يعي ويدرك، ويؤمن ويأخذ العبر، فهذه الأمطار تنزل إلى الأرض وقد أجدبت ويبست ولا نبات فيها ولا خضرة ولا ماء، وإذا بها حية بأمر الله، وإذا بالشجر يورق ويخضر، وإذا بالثمار تزهر، وإذا بها تبدو أشكالاً وأنواعاً وألواناً من الحب الذي نأكله والحيوان والطير، ومن الفواكه أشكالاً وأنواعاً، ومع أن الماء واحد إلا أن الزهر والثمرات أنواع. وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم:24]، أي: إن في ما أراد الله مما تراه العين وتسمعه الأذن ويعيه القلب لآيات بينات لمن رزق العقل والوعي والفهم، أما من مشى في الأرض بعين لا يرى بها، أو سمع لا يسمع به، أو قلب لا يفقه به فهو كالأنعام، بل هو أضل.
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره)
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم:25]. أي: ومن آيات الله وعلامات قدرته ووحدانيته وأنه القادر على كل شيء وحده هذه السماء التي نراها فوقنا، وهذه الأرض التي نحن عليها، فمن الذي أمر بقيام هذه السماء بلا عمد تحملها وتتكئ عليها وتعتمد عليها؟ إنه الله جل جلاله القادر على حملها وخلقها وبقائها بغير عمد، ما دام يريد ذلك إلى أن تنتهي السماء والأرض بالقيامة، بأن تصبح كالعهن المنفوش، ويفنى كل شيء إلا وجه ربنا ذو الجلال والإكرام، فيفنى الخلق ويبقى الخالق وحده. وهذه الأرض وما عليها من جبال راسيات، وبحور جاريات، وأرزاق متتابعة، وخلق فيها من كل شكل ونوع، ومن إنس وجن، وطير وحشرات، من الذي قام بذلك؟ وبأمر من قام كل ذلك؟ وكيف بقي ذلك كل هذه القرون وإلى أن تفنى الدنيا؟ إنه الله جل جلاله الذي خلق ذلك ودبره ونظمه جل جلاله، فلا يقدر أحد أن يفعل ذلك سواه، فكل ذلك يدل على وحدانيته وقدرته وإرادته، وصور هذه الحقيقة ذلك الشاعر العربي الحكيم: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد في كل شيء من إنسان وحيوان، ومن جماد سماء وجماد أرض، ومن فصول مختلفة، ومن أمطار وجدب، ومن غيث وصواعق وزلازل، وكل ما تراه العين وتسمعه الأذن ويعيه القلب، كل ذلك يدل على قدرة الواحد الأحد الذي لا شبيه له في ذات ولا في صفة ولا في فعل، تعالى الله وجل، فهو القادر على كل شيء. وقوله: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم:25]، أي: ثم بعد الموت والفناء والذهاب والاضمحلال يدعو الله الخلق بما فيهم عباده، فيأمرهم بالعودة بعد الموت، وبأن يخرجوا من الأرض التي عاشوا عليها وخلقوا منها ثم رجعوا لها تراباً، ثم إذا بهم يخرجون منها كما ماتوا في حال الدنيا قوة وضعفاً، وذكورة وأنوثة، وصغراً وكبراً، فيمتثل الكل أمام الله للعرض عليه، فيجازي المحسن على إحسانه بالجنة، والمسيء على إساءته بالسوء والعذاب والنقمة.
تفسير قوله تعالى: (وله من في السماوات والأرض كل له قانتون)
تفسير قوله تعالى: (وله من في السماوات والأرض كل له قانتون) قال الله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [الروم:26]. أي: أن الخلق كلهم لله، و (من) اسم موصول يطلق على العاقل فقط، ويطلق على العاقل ومعه غير العاقل، كما أن (ما) تختص بغير العاقل وقد تطلق على غير العاقل مع العاقل، فالله عندما يقول لنا: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الروم:26] أي: من عاقل وغير عاقل، من ملك وإنس وجن وحيوان وطير وحشرات ودواب، الكل لله، فالأرض والسماء وما بينهما وما عليهما وما فيهما لله وحده، الكل آت عبداً له وملكاً من أملاكه وخلقاً من خلقه وعبيداً من عبيده، يتصرف فيها كما يتصرف المالك في ملكه فلا يسأل عما يفعل، فكل ذلك لله، وهو الذي ما في الكون لعباده المؤمنين، بل لبني آدم جميعهم كافرهم ومؤمنهم، فيجازي المؤمن على شكره وحمده، ويجازي الكافر على جحوده وكفره بهذه النعم المتتالية، ولتبقى حجة الله عليه هي البالغة. وقوله: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [الروم:26]. (كل) هذا التنوين يسمى في لغة العرب تنوين العوض، ويعوض به عن كلمة مفردة أو عن جملة، والمعنى: كل خلقه المذكورين من سماء وأرض ومن فيهما قانت لله، والقانت: هو المطيع، فكل خلق الله مطيع له سبحانه طاعة كونية، وإنما تكون معصية الكافر في الطاعة الشرعية، وإلا ففي سوى ذلك يكون الكل مطيعاً، المؤمن والكافر، فإذا قيل للكافر: مت فإنه يموت، وإذا قيل للكافر: قم بإذن الله فإنه يقوم، وحين ينزل الكافر نطفة من صلب أبيه إلى رحم أمه وأمر أن يتخلق بعد النطفة مضغة فعلقة فعظاماً فلحماً فجنيناً كاملاً فوليداً ثم يخرج للوجود ثم يكون شاباً، ثم يكون شيخاً، ثم يعود إلى الأرض ليكون تراباً، ثم يقوم مرة ثانية كان في كل ذلك سميعاً مطيعاً. وهذه الكلمة (قانتون) إذا وردت في القرآن فهي بمعنى (مطيعون)، سواء كانت مفردة أو جمعاً أو مصدراً، والآية تحمل على أن كل من في السماوات والأرض هم ملك عبيد له، وأن الكل طائع له، وأنهم تحت أمره ونهيه وتحت جلاله وقهره.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم:27]. أي: هو الذي أنشأنا وأنشأ أمثالنا من خلقه وعباده على غير مثال سابق، بل أخرجهم للوجود من العدم، فالذي بدأهم سيعيدهم تارة أخرى، فلا يعجزه أن يعيد حياتنا بأشباحنا وذواتنا وأجسامنا وأرواحنا. وقوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم:27]، أي: أهون بالنسبة لله جل جلاله، وأهون بمعنى: هين، فالبدء عليه هين، و (أفعل) هنا ليست على بابها؛ لأن (أفعل التفضيل) في لغة العرب تقتضي المشاركة والزيادة، أي: بدء الخلق هين على الله ويسير وسهل، وعودته بعد الفناء أهون وأيسر عليه، فقد يكون بالنسبة لعمل الخلق هذا هين وهذا أهون، وهذا صعب وهذا أصعب، وهذا كبير وهذا أكبر، أما بالنسبة للخالق الكبير المتعال، فإن خلق كل شيء هين عليه بداية وإعادة. وقد تكلم قوم فقالوا: (أهون عليه) أي: الخلق، فالمعنى: خلقنا مرة ثانية أهون علينا من المشقة الأولى والتعب، ويعنون بذلك: ما لقيناه في الخلقة الأولى من كوننا خلقنا في أصلاب الآباء وتسلسل ذلك إلى الأب المباشر، ثم نزول النطفة في رحم الأم، ثم تخلق بعد ذلك في أطوار ومراحل فكان علقة فمضغة فعظاماً، ثم خلقاً سوياً كاملاً، فذلك أصعب على الإنسان ولكن في الحياة الثانية سيكون أسهل على الخلق، فما أن يأمر الله الأرض بأن تخرج ما في بطونها ويأمر الخلق أن يعودوا مرة ثانية إلا قاموا مستجيبين لله دون حاجة لتلك الأطوار الأولى من نطفة فعلقة، ومن حياة صلب فرحم فحمل فبيت فأسرة مستقلة، فعودة إلى التراب، ولكن هذا الذي قالوه نحن لا نشعر به سواء كان هيناً أو كان أهون، أو كان صعباً أو كان أصعب، والمعنى هنا كما قال ابن عباس: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم:27] الكلام متعلق بالله جل جلاله. وقوله: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [الروم:27]، أي: هو خالق الخلق وخالق كل شيء من الليل، والنهار، والنوم في الليل، والسعي في النهار، والمطر، والرعود والبروق، والسماء والأرض، ومختلف الألوان واللغات، ومما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، وهو الله الموصوف بالخلق والإيجاد والإعادة سبحانه وتعالى. وقوله: {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الروم:27]. المثل: الشبه، ولا شبه لله، وإنما المعنى: (وله المثل الأعلى)، أي: له الصفة العالية في أنه الواحد في ألوهيته وربوبيته وصفاته، وهو المثل الأعلى الذي لا يصل إليه خلق من خلقه، ومنه قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]. وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4]، والمعنى: لا كفء له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وقوله: {فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الروم:27]، أي: هو الله في السماء، وهو الله في الأرض لا إله إلا هو، له خلق السماوات كما له خلق الأرض، وهو المنفرد بتدبير السماوات كما انفرد بتدبير الأرض، وإلا فهو مستوٍ على عرشه، كما قال سبحانه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] وقوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم:27]، أي: العزيز الذي لا يغالب ولا ينازع، وهو ذو العزة والجبروت، الخاضع لعزته ولجلاله كل من في السماوات ومن في الأرض، الحكيم في خلقه وأمره ونهيه، والحكيم هو من يضع الأمور في مواضعها، فالله هو الحكيم جل جلاله في سماواته وفي أرضه، وفي أوامره ونواهيه جل جلاله.
الروم [28 - 32]
تفسير سورة الروم [28 - 32] يثبت الله لنا وحدانيته لا شريك له بطرق متعددة، ومن ذلك ضرب الأمثال التي تقرب المعنى، وقد ضرب لنا مثلاً فيما ملكت أيماننا وأننا لا نجعلهم شركاء في أرزاقنا، ولذا يجب في حقه تعالى أن نقيم وجوهنا للدين حنفاء ولا نكون من المشركين الذين فرقوا دينهم.
تفسير قوله تعالى: (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء)
تفسير قوله تعالى: (ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء) قال تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم:28]. يضرب الله لنا الأمثال والأشباه والنظائر ليقرب لنا المعنى وييسر لنا الفهم، كما أن القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب من تمام بلاغتها وبيانها وفصاحتها أنها كلها أمثال، وقد نقل عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: (حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل). فقوله: (ضرب لكم مثلاً من أنفسكم)، أي: ضرب الله لنا شبيهاً ومثيلاً من نوع أنفسنا ومن خلق كخلقنا، وهذا الشبه والمثال فيما ملكت أيمانكم. والمراد بقوله: (من ما ملكت أيمانكم) أي: العبيد والإماء الذين تملكونهم، فهل تعتبرون عبيدكم شركاء في أرزاقكم وأموالكم، فأنتم في هذا المال سواء تتصرفون منه تصرفاً واحداً، وتملكون ملكاً واحداً؟ وقوله: {تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} [الروم:28]. أي: تخافون عبيدكم ومواليكم وإماءكم كما تخافون أنفسكم أيها الأحرار في أن ينازعوكم الشركة في مال، أو تجارة أو زراعة، أو ينازعوكم الشركة في إرث، هل عبيدكم كذلك. وإذا لم يكن الأمر كذلك فلم تجعلون لله ما تكرهون، فجعلتم لله البنات سبحانه، فقلتم عن الملائكة: بنات الله، في حين أنكم إذا بشر أحدكم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على ظلم وهوان ومذلة، أم يدسه في التراب ويدفنه حياً؟ فأنتم تريدون الأولاد وتنصبون لله البنات، ولكم عبيد لا يملكون معكم شيئاً، بل أنتم تملكونهم وأملاكهم، وإذا رزقتم رزقاً فلو حاول أحدهم أن ينازعكم ملككم أو يشارككم فيه لغضبتم من ذلك، ولو حاولوا أن يجعلوا أنفسهم معكم في الرزق لأغضبكم ذلك ولكرهتموه، فكيف تقبلون وأنتم خلق الله وعبيد الله وإماء الله أن تكونوا شركاء مع الله في ملكه أو في وحدانيته أو في إرادته؟! وقوله: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم:28]. أي: نبينها ونوضحها، فنذكر مجملها وتفاصيلها، ونبين مفرداتها وجملها؛ لعلكم تعون وتعقلون، فتقولون يوماً: ربنا الله، فتموتون موحدين، فتفوزون بالرضا وبالرحمة والجنان.
تفسير قوله تعالى: (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم)
تفسير قوله تعالى: (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم) قال الله تعالى: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [الروم:29]. (بل) إضراب، أي: اضربوا عن الكلام الماضي، فمن فهم من ضرب أمثاله واعتبر فقد فاز، ومن وقف أمامها أعمى لا يبصر، أصم لا يسمع، مغمى القلب لا يفقه، كان كالأنعام، بل هو أضل. {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [الروم:29]. فقوله: (الذين ظلموا) الظلم هنا الشرك، والمعنى: بل هؤلاء ظلموا أنفسهم فأشركوا بالله، وتجاوزوا حق الله في أن يوحدوه، فالله غني عن خلقه، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ} [فاطر:15]، أي: الغني عن العباد وعبادتهم. قال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج:37]. فقوله: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الروم:29]، أي: بل هؤلاء الكافرون الظالمون اتبعوا أهواءهم ونزعاتهم ومعتقداتهم التي ليس الدافع لها إلا الهوى والغرور، ولا حامل لهم عليها إلا النزوة والشهوة بلا منطق من عقل، ولا كتاب من الله، ولا رسالة من نبي، وإنما بدا لهم أن يقولوا ما لم يعملوا، فقالوا الظلم والباطل، وقالوا ما لا يقبله عقل سليم؛ اتباعاً لأهوائهم، وامتداداً لظلمهم وشركهم بالله. وقوله: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الروم:29]. أي: لا علم لهم من سماء ولا من أرض، ولا دليل لهم من كتاب ولا سنة ولا عقل. وقوله: {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} [الروم:29]. أي: هؤلاء الذين أبوا إلا الضلالة فضلوا وأضلوا، من الذي يقدر على هدايتهم وقد أضلهم الله؟ يقول الله لنبيه ولأتباعه وللعلماء بالله وبالسنة: إن من أضله الله لن يصلحه ولن يهديه أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا صالح من الصالحين، وليست الهداية على الرسل ولا غيرهم، إنما على الرسل إلا البلاغ، {أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [المائدة:92]، وقال سبحانه: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56]، وقال عز وجل: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} [البقرة:272]، لكن على الرسل والعلماء أن ينشروا علم الكتاب والسنة، ويبينوا ذلك ويشرحوه ويفسروه للناس، فمن قبل فذاك، ومن لا فقد قاموا بما عليهم، وتبقى الحجة البالغة على هؤلاء الضالين المضلين. وقوله: {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [الروم:29]، أي: لا ناصر لهم غير الله، ولا لهم منقذ من الضلال إلا الله، ولو علم الله في أنفسهم خيراً لآتاهم خيراً، ولكنهم أبوا إلا الضلالة والإصرار عليها، فزادهم الله ضلالاً على ضلال؛ لأنهم أرادوا ذلك، فأصموا آذانهم عن الوحي وأعرضوا عن الإسلام.
تفسير قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها)
تفسير قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها) قال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم:30]. فقوله: (فأقم وجهك للدين حنيفاً)، أي: أقم وجهك يا محمد! فاجعله متفرغاً مسدداً إلى الدين، والحنيف المائل للحق، والمائل عن الباطل، والحنيفية ملة أبيكم إبراهيم، وأتمها الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فرائض وأركاناً، وواجبات وسنناً. والخطاب للنبي تدخل فيه أمته، والمعنى: ولتقم أمتك معك وجهها ودينها وطاعتها وعبادتها لله، فتتجه للدين الحنيف، دين الإسلام، دين الحنيفية السمحة، هذا الدين الذي خص الله به أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله فقم عليه أنت مدة حياتك، فاجعل نفسك ووجهك واتجاهك لله وحده مخلصاً له الدين، دون مراءات ولا تسميع، وكما أنه أمر للنبي صلى الله عليه وسلم فهو أمر للناس جميعاً، فمن آمن فقد آمن ونفسه هدى، ومن لم يؤمن فنفسه أضل وما أضل غيرها. فقوله: {لِلدِّينِ حَنِيفًا} [الروم:30]. الدين هو ما دان به الإنسان، وخضع له، وتمسك بحقائقه، وجعله معتقداً ينطوي عليه قلبه وجنانه، ولذلك لا يقال عن الأمور الدينية: نظريات أو صور أو دراسات لا يقول ذلك إلا شاك أو مرتاب، ولكن الدين ما أدان الإنسان به قلبه ونفسه، واتجه إليه بكليته ولم يشرك به أحداً، بل كان خالصاً لله وحده بقلبه ظاهراً وباطناً، واستمر على ذلك حياته كلها. وقوله: {فِطْرَةَ اللَّهِ} [الروم:30]. أي: هذا الدين فطرة الله، و (فطرة) مفعول مطلق من فطر، ومعناها: أن الله فطر الخلق على الإيمان، فخلقهم بفطرتهم مؤمنين موحدين، يوم خلق آدم وذريته في صلبه، وقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف:172]. ثم عندما نفخت الأرواح في الأجسام فمن كان مؤمناً طائعاً آمن جسمه كما آمنت روحه، ومن كان كافراً بقيت روحه على فطرتها وأبى إلا الكفور والجحود والعصيان. قال تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم:30] أي: فطر الخلق كلهم، وفي الحديث الوارد عن جابر بن عبد الله وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم وغيرهم كما عند أحمد في المسند وفي الصحيحين والسنن الأربع: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يوم خلق الخلق خلقهم وفطرهم على الإيمان فاجتالتهم الشياطين). وفي الحديث القدسي: (خلقت الخلق وفطرتهم على الإيمان فاجتالتهم الشياطين فبدلوا أديانهم)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام ومعنى اجتالتهم: أبعدتهم، فغيرت وبدلت. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: (فطرة الله التي فطر الناس عليها هي الإسلام)، أي: هي الدين، فالله فطر العباد يوم فطرهم على الإيمان. وقال صلى الله عليه وسلم: (كل مولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء ليس فيها جدعاء)، أي: كما تلد البهيمة فصيلها سالماً من الجدع، وهو: قطع الأذن أو قطع الأنف، كما كان أهل الجاهلية يفعلونه في الحيوانات، ويجعلون لله ما يكرهونه، ويقولون: هذا لله في زعمهم، وهذا لشركائهم، والله خلقها يوم خلقها سالمة ليست جدعاء. وهكذا خلق الخلق جميعاً موحدين ليس فيهم يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، فإذا كبر الوليد فأبواه ينصرانه أو يكفرانه أو يهودانه أو يمجسانه، وكان عمر رضي الله عنه أيام خلافته يكتب لسفرائه وأمرائه وقواد جيوشه بألا يدعوا النصارى ينصرون أولادهم، وألا يدعوا اليهود يهودون أولادهم، وألا يدعوا المجوس يمجسون أولادهم، فكل مولود يولد على الفطرة -والفطرة: الإسلام- ولكن الوالدة والبيئة والنشأة هي التي تغيره، فتجد أن الولد يولد مؤمناً، ويعيش معك في البيت مؤمناً، فإذا أرسلته إلى أمريكا أو أوروبا أو إلى اليهود أو النصارى أو الشيوعيين أو الاشتراكيين إذا بهم يغيرون دينه من إيمان بالله إلى إيمان بشياطين الدنيا والآلهة الكذبة والمتنبئين الكذبة مثل: ماركس ولينين وأمثالهما من الطواغيت أعداء الله والرسل الكرام وأعداء الأديان كلها وخاصة دين الإسلام. فالإسلام هو فطرة الله التي فطر الله الناس عليها جميعاً مؤمنهم وكافرهم، ولكن الكافر أضله أبواه، والمؤمن بقي على إيمانه، فإن وجد أباً وأماً صالحين فذلك من حسن حظه وسعادته، وإن كان غير ذلك فمن شقاوته ومما قدر الله عليه في سابق أجله في اللوح المحفوظ. وقوله تعالى: {لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم:30]، (لا تبديل) خبر بمعنى الأمر، أي: لا تبدلوا خلق الله، ولا تغيروا التوحيد إلى الشرك، ولا تغيروا الإسلام إلى النصرانية أو اليهودية أو المجوسية أو الشيوعية التي تعبد ماركس ولينين. وجميع هذه الأديان المستوردة باطلة، وهي مجوسية جديدة وفساد وباطل جديدين، فقد كانوا يعبدون النار والظلمة، وما زالوا كذلك، ولكن في كل عصر يجعلون لذلك مظهراً، فجعلوا في هذا العصر مظهر الظلم والكفر والشرك وتبرج المرأة والبعد عن الله، حتى أصبح هذا العصر عصر الذين يخرجون من دين الله أفواجاً وعصر المجوسية الجديدة في الشرك بالله وعبادة أناس جمعوا الأقذار والأوساخ والظلمات، مثل: ظلمة الشرك والعقل والحياة وظلمة الإنسانية والكرامة والشرف، وهؤلاء هم آلهتهم الجديدة التي عكفوا على عبادتها من دون الله. قال تعالى: {لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم:30]، أي: لا تغيروا خلق الله من الإيمان والتوحيد الذي خلقكم عليه، ومن يفعل ذلك فلا يلومن إلا نفسه، وما هي إلا أعمالكم يجمعها الله لكم يوم القيامة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. وقال ابن عباس في قوله تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم:30]: بقيت دهراً لا أفهم هذه الكلمة (فطرة)، إلى أن سمعت بدوياً يقول لآخر مثله: أنا الذي فطرتها، يعني بذلك: هو الذي زرعها، وهو الذي وقف على قيامها إلى أن أينعت وأثمرت وأنتجت، قال: ففهمت المقصود بقوله: (فطرة الله)، أي: الذي ابتدأ خلقها من غير مثال سابق، فهو الذي أنشأها أول نشوئها، فهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده. قال تعالى: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم:30]. أي: ذلك دين الحنيفية والفطرة التي فطر الله الناس عليها يوم خلقهم وفطرهم وأنشأهم، وهو الدين الذي يجب أن يدين به كل إنسان. و (القيم): ذو القيمة والسداد والحق والصواب، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:85]. فالإسلام هو الدين الذي نسخ الأديان السابقة وكانت قد غيرت وبدلت دخلتها الوثنية وعبد فيها عيسى ومريم والعجل، وقال اليهود عن أنفسهم: إنهم أبناء الله، فأصبحت اليهودية والنصرانية وثنيتين كبقية الأوثان، ثم صنفت طبقات الكفار إلى وثنيين من أصل كتابي، ووثنيين من أصل أصيل كالمجوسية. قال تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم:30]. وهم جميع الكفار وهم أكثر الناس، وأكثر الناس لا يعلمون أن الإسلام هو الدين الحق، وأنه الدين القيم الحنيفي، وأنه دين إبراهيم الذي ارتضاه الله للناس عندما أرسل له مجدداً خاتم الأنبياء محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهم لا يعلمون ذلك، بل قال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116]، وقال: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103]. فأكثر الناس لا يعلمون، وأكثرهم كافرون ومترددون وشاكون ومرتابون في الإسلام، والشك في الإسلام كفر؛ لأنه يشك بأن الإسلام ليس ديناً صحيحاً، فهو يعيش ضالاً وإن بقي كذلك فسيموت ضالاً.
تفسير قوله تعالى: (منيبين إليه واتقوه)
تفسير قوله تعالى: (منيبين إليه واتقوه) قال تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم:31 - 32]. يأمر تعالى خلقه وعباده بالتعلق بهذا الدين القيم الحنيفي دين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فقال تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} [الروم:31]، أي: راجعين إلى الله. فهؤلاء الذين آمنوا بالدين القيم وبالحنيفية السمحة وبالفطرة التي خلق الله الناس عليها يوم فطرهم وخلقهم وأنشأهم هم منيبون إليه راجعون تائبون خارجون عما عندهم من شكوك وأوهام، ومن باب أولى عما عندهم من شرك وكفر، فهم راجعون إلى الله، وإلى دينه الحق، تائبون مما كانوا عليه من وثنية وشرك. وقوله: (منيبين إليه) من الإنابة، وهي: العودة والرجوع، أي: العود إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها وهي الإسلام، فهو خلقهم يوم خلقهم مؤمنين مسلمين، ثم بدلها الآباء والأمهات والبيئات فأفسدت دين الإسلام والإيمان في نفوس الكافرين ممن رضوا الكفر، وأما الدين في نفسه فهيهات هيهات، لقد صانه الله عن كفر الكافرين ونفاق المنافقين، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]. فحفظه الله في الصدور والكتب، وحفظه قرآناً وسنة وشريعة ولغة، ونحن نجده اليوم وبعد مضي ألف وأربعمائة عام وكأنه لا يزال غضاً طرياً، فالقرآن الذي كان يتهجد به صلى الله عليه وسلم ويدعو قومه إليه نتهجد به نحن، وندعو إليه، والسنة التي كان بها يأمر صلى الله عليه وسلم الخلق كذلك نحن ندعو إليها اليوم، فما بدل شيء ولا غير، وحتى اللغة هي هي لغة القرآن الكريم، ولغة محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: (واتقوه) أي: اتقوا الله من الكفر به، أو من الكفر بكتابه أو بنبيه، واجعلوا بينكم وبينه وقاية من الطاعة تقون بها أنفسكم من النار ومن عذاب الله ومن المخالفة والمعصية، كما قال تعالى: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم:6]. ثم قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الروم:31]. أي: بعد التقوى التي هي التزام باللسان، يأتي الالتزام بالعمل بعد الشهادتين، وهو إقامة الصلاة والمحافظة عليها في أوقاتها بأركانها وبشرائطها وبواجباتها وبسننها وبتلاوتها وبأذكارها وبقيامها وبركوعها وبجلوسها وبسجودها وبتكبيراتها وبالسلام منها، فحافظوا عليها دواماً وأبداً إلى لقاء الله، فلا عذر في تركها إلا للمجنون أو الصغير غير البالغ، وغير البالغ أيضاً يلزم بها من قبل أوليائه إذا بلغ سبع سنين، ويضرب على تركها وهو ابن عشر. وهذه الصلاة إن استطاع صلاها قائماً، فإن لم يستطع فجالساً، فإن لم يستطع فعلى جنب، وإن لم يستطع بالماء فبالتراب، فإن لم يستطع ماء ولا تراباً فبلا ماء ولا تراب ولا تترك. ولو سمح الله بترك الصلاة لأحد لسمح بتركها للمجاهدين وهم مقبلون على الموت، وعلى بذل أرواحهم رخيصة لله، ومع ذلك أمروا بأن يصلوا صلاة الخوف، بأن تقوم جماعة ثم تتلوها جماعة، فيقاتل هؤلاء ويصلي هؤلاء، فتؤدى الصلاة ولو بتكبيرة أو بتسبيحة أو بالعين كما يصلي المريض والمشلول الذي لا يستطيع حركة، فإنه يحرك عينه ويصلي بقلبه ولا تترك الصلاة بحال من الأحوال، فلا يتركها إلا كافر أو معتوه أو صغير غير بالغ. ثم قال تعالى: {وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الروم:31]. أي: ولا تكونوا يا أيها الناس! ممن أشركوا بالله في وحدانيته وفي ألوهيته وفي ربوبيته وعبوديته، بل وحدوا عبادته. قال تعالى: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ} [الروم:32]. فالدين واحد كما أن النبي واحد، وكما أن الرب واحد، فمن حاول أن يجعل من الدين دينين فقد أشرك بالله، فلا تتفرقوا في الدين، ولا تكونوا كالنصارى واليهود والمجوس وبقية ملل الكفر، ولا تفرقوا دينكم الإسلامي فتنقسمون إلى سنة وشيعة وخوارج ومعتزلة وقاديانية وبهائية، وإلى كل تلك الفرق الضالة، بل كونوا على ما كان عليه المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (افترقت النصارى على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت اليهود على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: يا رسول الله! ومن هي؟! قال: ما أنا عليه وأصحابي). ومن هنا كانت دراسة السيرة النبوية هي الحل للاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في المنام واليقظة وفي الجهاد والسلم، منذ خرج صلى الله عليه وسلم من هذه البطاح المقدسة وهو يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]، فمنذ ذلك الوقت فما دعا إليه صلى الله عليه وسلم وكان عليه أصحابه من المهاجرين والأنصار فهو الدين الحق، فيجب دراسة سيرته النبوية، ليعلم الإنسان ما كان عليه صلى الله عليه وسلم ودراسة تراجم الصحابة الكرام، ليعلم الإنسان كيف يهتدي بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21]، ويعلم هدي الصحابة؛ ليكون على طريقتهم ومنهجهم، وهذا هو من أطلق عليه منذ العصور الأولى أهل السنة والجماعة ونحن منهم، ونرجو الله أن يجعلنا معهم ويحشرنا على دينهم، دين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه الأول. فقوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} [الروم:31 - 32]، أي: كانوا أحزاباً وأنواعاً، مثل قولهم: هذا خارجي، وهذا يهودي، وهذا نصراني، وهذا شيعي، بل وهذا شيوعي، وهذا ناصري، وهذا اشتراكي، وهذا وجودي، وكلها ملل باطلة ومذاهب ضائعة، فهي مذاهب للشيطان ولتفريق الدين، والدين الحق هو القرآن الكريم والسنة المحمدية المطهرة التي طبقها صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين الأولين والأنصار السابقين، والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين. ثم قال تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم:32]. فهذه الأحزاب والملل الكافرة المكشوفة والمذاهب التي تدعي الإسلام وهي ضالة مضلة الإسلام؛ بريء منها، وهي كلها فرحة بطرة تائهة ضائعة ضالة، تظن نفسها على شيء، فكل حزب من هؤلاء وكل شيعة منهم وكل طائفة منهم تظن أنها على شيء، فتفرح بطراً وتيهاً وتشتم غيرها وتذمه وتنتقصه؛ في حين أن النقص والضلال هو الذي هي فيه وتعيش على أساسه وأصوله.
الروم [33 - 39]
تفسير سورة الروم [33 - 39] الإنسان محتاج إلى ربه مفتقر إليه؛ لكن المشرك إذا أصابه ضر وبلاء أناب إلى الله وحده، فإذا كشف البلاء تذكر أوثانه وعاد إلى شركه، والله تعالى يعالج هذه المعضلة في كتابه، فيدعو إلى الرجوع إليه، فإنه الباسط للرزق، الضار النافع وحده.
تفسير قوله تعالى: (وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم)
تفسير قوله تعالى: (وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم) قال الله جلت قدرته: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [الروم:33]. يقول الله تعالى عن هؤلاء المشركين الضائعين: إنهم إذا أصابهم ضر وبلاء نسوا شركاءهم وأصنامهم وأوثانهم ودعوا ربهم راجعين إليه منيبين إليه وضارعين راجين له. {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً} [الروم:33]، أي: أصابهم بالرحمة وأجاب دعاءهم وأزال ما بهم من ضر، {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [الروم:33]، أي: إذا طائفة وجماعة منهم يشركون بربهم، وكأنه لم يصبهم يوماً بلاء أو فتنة، ونسوا ما كانوا فيه من ضر وبلاء، وعادوا إلى الشرك والكفر، فهذا شأن الناس في جحودهم وكفرهم، إذا أصابهم الضر والبلاء تضرعوا إلى الله ودعوه راجين رحمته وإنقاذه، حتى إذا أنقذهم واستجاب لهم إذا فريق منهم -وهم الكافرون بالله- يعودون بعد ذلك إلى الشرك والكفر والجحود وعلى ما تربوا عليه ونشئوا عليه.
تفسير قوله تعالى: (ليكفروا بما آتيناهم)
تفسير قوله تعالى: (ليكفروا بما آتيناهم) قال تعالى: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الروم:34]. أي: جعلوا ذلك ليكفروا، وهذه اللام عند النحاة هي: لام العاقبة، أي: لتكون عاقبتهم الشرك والكفر والجحود، أي: أنهم بعد أن أنقذوا استجيب لهم فبدلاً من أن يشكروا الله تعالى ويحمدوه على ما أعطاهم إذا هم يشركون بربهم ويكفرون بما آتاهم من إنقاذهم. فتوعدهم الله وتهددهم بقوله: {فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [النحل:55]. أي: مهما عشتم وطالت أعماركم فمآلكم إلى الله ورجوعكم إليه، فسوف تعلمون ما سيصيبكم إذ ذاك مما أنذركم به رسلكم وأنبياؤكم وما تهددوكم به من عقاب ربكم الأليم. فقوله تعالى: (فتمتعوا) أي: اصنعوا ما شئتم، فليس هو أمراً بأن يتمتعوا بالخير، ولكنه وعيد وتهديد بعد أن لم يستجيبوا، فمآلهم إلى الله، وسيعلمون ما هيئ وأعد لهم من نار وعذاب أليم.
تفسير قوله تعالى: (أم أنزلنا عليهم سلطانا)
تفسير قوله تعالى: (أم أنزلنا عليهم سلطاناً) قال تعالى: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} [الروم:35]. أي: هؤلاء الذين أشركوا بالله هل لهم دليل على ذلك الشرك من عقل أونقل؟ فهؤلاء الكفار يتصرفون كما لو أنزل عليهم سلطان ودليل وبرهان من ربهم، والسلطان: الدليل والبرهان. فهم يفعلون ذلك وكأن الله أمرهم بذلك، ومعاذ الله له أن يأمر بالفواحش والمناكر، أو أن يأتي عنه ما يدعو إلى الكفر والشرك به، ولكن ضياع عقولهم أفهمتهم ذلك بدون دليل أو برهان يتكلم على لسانهم بكفرهم وبشركهم.
تفسير قوله تعالى: (وإذا أذقنا الناس رحمة)
تفسير قوله تعالى: (وإذا أذقنا الناس رحمة) قال تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم:36]. فهؤلاء الناس أمرهم عجب، إذا أصابتهم رحمة الله وذاقوها، وذاقوا الخصب والرفاهية، فرحوا بذلك وبطروا، وأخذهم التيه والخيلاء والتعاظم على الله؛ لما أعطاهم من الأعمار وقوة الأبدان والأرزاق والرفاهية. {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [الروم:36]. أي: إذا أصيبوا ببعض أعمالهم وذنوبهم وجرائمهم، {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم:36]. وإذا: للفجاءة، أي: إذا بهم يفاجئون أنفسهم والناس بأنهم قد قنطوا ويئسوا من رحمة الله ومن الرجوع إليه، فتجدهم دائمي التشتت واليأس والتبرم من الحياة والقنوط مما هم فيه، فإذا جاءت الرحمة والخصب والغنى والجاه والرخاء فرحوا وبطروا وتكبروا وأخذتهم الخيلاء على الناس، وإن أصابتهم مصيبة ببعض ما قدمت أيديهم -والباء للسببية، أي: بسبب ذنوبهم ومعاصيهم- إذا بهم يفاجئونك بالقنوط واليأس.
تفسير قوله تعالى: (أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء)
تفسير قوله تعالى: (أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء) قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الروم:37]. أي: ألم يعلم هؤلاء من ذواتهم وعقولهم وفهومهم وواقع حياتهم: أن الله رزق أقواماً وأغناهم وبسط لهم الرزق والنعم والخيرات، وآخرين قدر عليهم رزقهم فعاشوا في ضيق وفقر، وقد فعل ذلك لحكمة هو يعلمها، ويعلمها من أكرمه بالفهم والوعي والإدراك. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [الروم:37]، أي: في غنى الغني وفقر الفقير، {لَآيَاتٍ} [الروم:37] ودلائل وبراهين على معجزة الله وقدرته ووحدانيته لقوم آمنوا به وأسلموا وجوههم له. وفي الأثر النبوي: (إن لله عباداً لا يصلحهم إلا الفقر، ولو أغناهم لأفسدهم، وإن لله عباداً لا يصلحهم إلا الغنى، ولو أفقرهم لأفسدهم) وكثيرون هم الذين يكونون على حالة طيبة مرضية على فقرهم، فإذا استغنوا تعاظموا وتكبروا على خلق الله، وقد يتركون الأوامر والواجبات، بل وقد يشركون إن لم يكونوا قد أشركوا فعلاً، فكان الغنى بالنسبة لهم ضرراً عليهم وعلى إيمانهم ومستقبلهم. وكثير من الناس الآخرين الذين في غاية الفقر والضيق وقلة الدين إذ أغناهم الله تعالى إذا بهم بعد ذلك يئوبون إلى الله ويعودون إليه، فيكثرون من الصدقات ومن العبادات ومن فعل الخيرات، ولكن هؤلاء قليل ما هم، والمعروف ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام: (هلك المكثرون إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا)، أي: وزع ماله وفرق فضول أمواله للقريب والبعيد والسائل والمحروم في صدقات ونفقات واجبات، وصدقات تطوع ونوافل، وأما غير ذلك ممن كثرت أموالهم فقد أمسكوا أيديهم عن العطاء والبذل، فهؤلاء يا ويلهم! فقد هلكوا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (هلكت أديانهم، هلكت حياتهم، هلكت سعادتهم)، فقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الروم:37]، أي: ألم يروا واقع الناس رجلاً غنياً وآخر فقيراً، ودولة غنية وأخرى فقيرة، وإذا كانت في فقرها تكون إلى المسكنة والطاعة أقرب، وإذا استغنت تتكبر على خلق الله وتستعمر البشر وتأخذ أموالهم بغير حق، فالله الذي يبسط الرزق والعطاء والخيرات يرزق بعضهم كثرة وبعضهم قلة، ولا يعطي بعضهم إلا القليل القليل مما يسد الرمق، وفي ذلك آيات بينات لمن آمن بالله.
تفسير قوله تعالى: (فآت ذات القربى حقه)
تفسير قوله تعالى: (فآت ذات القربى حقه) قال تعالى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الروم:38]. يقول تعالى آمراً: آت ذا القرابة من أرحامك وأقربائك الأقرب فالأقرب، أمك وأباك، ثم أختك وأخاك، ثم أدناك أدناك ممن هم في حاجة لك فآته من العطاء والنفقات والزكوات والصدقات ما يكفيه ويغنيه عن الناس، وعن مد اليد إليهم، وذاك حق من حقوقه، فحق على القريب ألا يدعه يمد يده للناس إذا احتاج، فإن أحوج أقاربه وأرحامه بأن يمد يده للغير وكان غنياً ساءت حاله وهلك دينه، وعليه أن ينتظر العذاب والنقمة من الله؛ لأنه قد أذنب وأساء. والمسكين هو: الذي لا يجد ما ينفق، والمحتاج هو: من ليس له طعام يومه ولا كفايته فيما يطعم ويشرب ويلبس ويسكن، فهذا المسكين له حق على أغنياء الناس بأن يعطوه حقه، فـ (إن في المال حقاً سوى الزكاة)، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وقد وصف الله تعالى المؤمنين بقوله: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات:19]. فمن صفة المؤمن حقاً أن في ماله حقاً للسائلين المحتاجين وللمحرومين المساكين، فإن لم يكن كذلك فإما أن يكون ناقص الإيمان، أو عديمه البتة. وأما ابن السبيل فهو: ابن الطريق العابر الذي ليس من أهل البلد، وإنما هو سائح لمصلحة من المصالح فاحتاج ولو كان غنياً في بلده، ولكن بلده بعيدة عنه وماله ليس تحت يده، فله حق على من كان عنده غنى وفضول مال، فيجب أن يعطى ما يغنيه عن الناس طعاماً وشراباً وسكناً ولباساً إلى أن يعود إلى بلده. وبعضهم فسر ابن السبيل: بالضيف الذي نزل عليك، فهو ابن سبيل؛ لأنه ليس مقيماً البتة ولا فرداً من العائلة، وإنما هو عابر، وللضيف حقوق، وقد كان ذلك عند العرب في الجاهلية، وكان ذلك من محاسنهم ومن مكارم أخلاقهم، فجاء الإسلام بتأكيد ذلك والإلزام على التمسك به ديناً وخلقاً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وهذه من مكارم الأخلاق التي أتى النبي عليه الصلاة والسلام ليتممها ويكملها؛ حتى تصبح ديناً وخلقاً للمسلم. وحق الضيف ثلاثة أيام بلياليها، وعلى المضيف في الثلاثة الأيام ألا يسأل الضيف عن اسمه ولا عن عشيرته، وإنما ذلك للضيافة في حقها، وأما السؤال فيأتي بعد ذلك، فإن وجده -ولم يكن قد ذكر له اسمه قبل- ذا عشيرة ماسة ورحم قريبة زاد من صلته، وكذلك يزيد من صلته إن كان ذا جوار سابق أو ذا صلة بالآباء والأجداد. ومن الود أن يكرم الرجل أهل ود أبيه، فالضيف وعابر السبيل لهما حقوق مضاعفة وواجبات مترادفة، والله يعلمنا في هذه الآية الكريمة وأمثالها مكارم الأخلاق ومحاسن المعاملات مع القريب والبعيد، وقد أخبر تعالى بأن الرزق رزقه في قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الروم:37]. والذي بسط له رزقه أوجب عليه فيه واجبات من صلة الأرحام والمساكين والصدقات لعابري السبيل، وأوجب في ماله حقاً للقريب. {ذَلِكَ خَيْرٌ} [الروم:38]، أي: لا يريد بذلك إلا الدار الآخرة والثواب من عند الله، لا رياء ولا سمعة، ولا للصلة الماسة فقط، ولكنه يفعل ذلك لأن الله أمر به ودعا إليه وحض عليه، فهذا خير له، والخيرية المقصودة هي رضا الله عنه، وهي رحمته التي هي دخول الجنان يوم القيامة. {ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الروم:38]، أي: لأولئك الذين يريدون بأعمالهم وجه الله والإخلاص له دون رياء أو سمعة أو ثواب هدية أو مبادلة ومقارضة في الهدايا والعطايا والصدقات، فهم لا يريدون بأعمالهم إلا الله والدار الآخرة وامتثال أمر الله. {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الروم:38]، أي: الذين أفلحت وجوههم بالرضا الإلهي وبالرحمة الإلهية وبالدخول إلى الجنان، خالدين فيها أبداً سرمداً.
تفسير قوله تعالى: (وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس)
تفسير قوله تعالى: (وما آتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس) قال تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم:39]. وهذا الربا هو الربا الحلال، وقد قال السلف: الربا ربوان: رباً حلال، ورباً حرام، والربا الحلال هو: أن تهدي لأحد هدية وتقصد بذلك ثوابه، ومقارضته، وتسمى في الفقه: هدية الثواب، وعطية الثواب، وهذا يسمى بأسامٍ مختلفة في كل قطر من الأقطار العربية والإسلامية بحسب لهجاتهم الخاصة، فبعضهم يقولون له: نقود، وبعضهم: صواف، وبعضهم: هدية مناسبة، وهو: أنه إذا تزوج صديق أو قريب لك ذهبت تهدي له وتعطيه ولا تريد بذلك إلا ثوابك في المستقبل بأن يهدي لك في هذه المناسبة مثل ما أهديت له، وأن يعطيك مثل ما أعطيته، فهذه تسمى هدية الثواب والفضل، تريد بذلك مجاملته، ليجاملك في المستقبل بهدية أكثر وعطاء أكبر، وقالوا: إن هذا العطاء ليس حراماً ولا حلالاً، ولا ثواب فيه ولا إثم؛ لأنك أعطيته من أجل شخص من الأشخاص ولم ترد بذلك الله والدار الآخرة، فإن أعطاك مثله فذاك، وإلا فتلك على نفسك. وبعض الفقهاء يقولون: هذه حقوق وعطايا مرجوعة، بمعنى: أن من أهدى هدية ثواب وكان من أعراف وتقاليد البلد إنك أهديت له ثم جاءتك مناسبة ولم يعطك مثلها أن لك أن ترفع ضده قضية بأن يعيد لك الهدية التي أهديتها له فهذه حقوق مرجوعة، ولكن الفقه المالكي يقول: لا يحكم له برد الهدية إلا بليد، ولكن يحكم له بأنه ذميم إن كان ذلك عرفاً، وهو عرف في الأوساط العربية والإسلامية، فتجد الشخص يعطي هذا وهذا إلى المناسبات، ويتوق أن تأتيه مناسبة عرس أو ولادة أو عقيقة أو ما أشبه ذلك؛ حتى تتجمع له تلك العطايا؛ لأنها تكفيه وزيادة. وبعض هؤلاء قد يعطون مثل هذه العطايا ولا ترجع لهم ولا يثابون عليها، فإن أرادوا رفع قضية فبعض الفقهاء يحكمون لهم بها مع دناءة، وليس لهم أجر من الله؛ لأنهم لا يفعلون ذلك لله، ويسمى ذلك ربا الثواب، وقالوا: إنه رباً حلال، فهو يعطيك عشرة مثلاً وينتظر منك غداً أو بعد غد عشرين، وليس هذا بيعاً، والربا الحرام إنما هو في البيوع، وأما المعاملات كأن يكون عليك عشرة ديناً وترد أحد عشر أو أكثر من ذلك فليس هو من الربا الذي تهدد الله فاعله بحرب منه. قال ابن عباس: حرب الله للمرابي أن يقتل، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى. وفي قوله تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا} [الروم:39] سماه الله رباً ولم يحرمه ولم يذكر عليه ثواباً ولا أجراً، ومن هنا قال السلف: الربا ربوان: رباً حلال، وهو الذي يسمى في الفقه بعطية الثواب، وبهدية الثواب، ورباً حرام. وقوله: {وَمَا آتَيْتُمْ} [الروم:39] قرئت هكذا، وقرئت: (وما أتيتم)، والمعنى واحد. وقوله: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} [الروم:39]. أي: مهما أعطيتم من مال تريدون بذلك أن تزداد أموالكم، {فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ} [الروم:39]. أي: فلا ثواب عليه عند الله، ولا يزداد عنده شيئاً ما دام الذي فعله لم يرد بذلك إلا ثواب الناس ووجههم، ولم يرد بذلك الله ولا الدار الآخرة ولا وجهه الكريم. وقوله: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} [الروم:39] قرئت هكذا، وقرئت: (لتِرْبُوا في أموال الناس)، والمعنى واحد، أي: لتكثروا أموالكم بذلك، فهذا الذي يكون أساسه ذلك، {فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ} [الروم:39] أي: لا ثواب عليه، كما لم يذكر عليه إثماً وعقوبة. قال تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم:39]. أي: وما أعطيتم من عطية، والعطية تسمى زكاة وهبة وصدقة وهدية، فإذا أراد بزكاته وجه الله الكريم وثوابه وأجره وامتثال أمره في النفقة والإنفاق والعطاء، (فأولئك هم المضعفون) أي: هم الذين يضعف الله أموالهم وحسناتهم، بمعنى: يضاعف لهم العطاء الواحد إلى عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله من الأضعاف، وهو الربا الذي يقبله الله ويثيب معطيه، فمن أعطى عطية لا يريد بها إلا الله والدار الآخرة فذاك الذي يقبل الله منه، ويكثر أمواله وينميها ويكون من المضعفين ومن الذين يثيبهم الله على زكاتهم وعطاياهم رحمات وبركات من عنده في الدنيا والآخرة بما لا يعد ولا يحصى كما يريد الله ويعلم من نية المعطي، وهل أعطى ذلك راجياً فضل الله وكرمه وامتثال أمره، أو قصد بذلك الرياء والسمعة؟ فلا يقبل الله إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم.
الروم [40 - 45]
تفسير سورة الروم [40 - 45] الله تعالى هو الخالق الرازق المحيي المميت المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ لكن الناس يعملون بخلاف ذلك فتجد الفساد قد ظهر في البر والبحر، ولذا ينبغي أن يتمسك المرء بالدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله.
تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلقكم ثم رزقكم)
تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلقكم ثم رزقكم) قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الروم:40]. يقول ربنا جل جلاله: الله رب الأرباب وإله الخلق، وهو الذي انفرد بهذا الاسم الكريم وانفرد بالوحدانية والقدرة والإرادة، وهو الذي خلقنا يوم خلقنا وليس لنا من الدنيا ولا من الفهم شيء، بل خلقنا كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (إن الله يخلق الوليد من بطن أمه يوم تلده وهو أحمر لا كسوة عليه ولا رزق له)، ثم بعد خلقه وخروجه إلى الدنيا يرزقه ويكسوه ويعطيه. وفي الأحاديث النبوية: إن الله يخلقنا في بطون أمهاتنا خلقاً بعد خلق، فبعد أربعين يوماً تنفخ الروح، ثم بعد ذلك يأتيه الملك فيسأل ربه: أشقي أم سعيد؟ ويسأله عن رزقه وحياته وأجله، فيكتب رزقه قبل خروجه إلى الدنيا، فهو يخرج عارياً فيكسوه الله، ويخرج جائعاً فيرزقه الله وينعم عليه، فالله هو الذي انفرد بخلقنا، فقد خلقنا من تراب، ثم من ضلع أعوج من صدر أبينا آدم حين خلق أمنا حواء، ثم بعد ذلك من نطفة من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم من عظام، ثم كسا العظام لحماً، ثم أخرجنا بشراً سوياً، وبعد أن نخرج إلى الدنيا فإنه هو الذي ينفرد برزقنا وعطائنا، فيبسط الرزق لمن يشاء منا ويقدره على من يشاء، ثم بعد الحياة طالت أم قصرت، وبعد الغنى والفقر طال أم قصر يميتنا بآجالنا، كما قال تعالى: {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس:49]. ثم بعد الموت يبعثنا بعثة أخرى، ويحيينا حياة ثانية، وهي حياة الآخرة والعرض على الله، فهذه أطوار ثلاثة من الخلق: الأول: من العدم إلى الوجود، والثاني: من الحياة إلى الموت، والثالث: من الموت إلى الحياة. ثم قال الله للمشركين: {هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ} [الروم:40]. أي: هل يوجد أحد ممن أشركتموه واتخذتموه إلهاً ورباً بلا دليل ولا منطق من يفعل كفعل الله من خلقكم ورزقكم وإماتتكم وإحيائكم؟! والجواب واضح في تسبيح الله وتنزيهه لجلاله وعظمته في قوله تعالى: {سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص:68]. أي: تعالى الله عن شركائهم، وتنزه وتمجد وتقدس وتعظم من أن يكون له شريك أو وزير أو معين، فهو القادر على كل شيء وحده، وليس محتاجاً إلى معين أو شريك، فسبح نفسه ومجدها وعظمها عن هذا القول، وتعالى الله عن قول المشركين والكافرين. وهو يعلمنا أن نقول كذلك: سبحان الله وتعالى الله عن الشركاء وعن كذب الكاذبين وشرك المشركين وفجور الفاجرين!
تفسير قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر)
تفسير قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر) قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41]. يقول ربنا جل جلاله: الفساد لم يبق خفياً أو مضمراً أو بين الإنسان وبين نفسه، بل تكاثر وظهر في البر والبحر. والآية بينة لا تحتاج إلى بيان، ومع ذلك اختلفوا في معناها خلافاً طويلاً لا معنى له، فقالوا: ظهر الفساد في البر: نزل القحط والجدب فلم تعد الأرض تعطي من خيراتها ومعادنها وأرزاقها. وقالوا: البر: الصحاري والفيافي، والبحر: المدن والقرى المشرفة على البحار، أي: الموانئ والمرافئ، وتركوا البحر مع أن الله ذكر البحر، ولم يذكر شاطئاً ولا مرفأ، والشاطئ هو: المدينة نفسها، وهي البر، فكلمة البر شملت الشواطئ والجبال والصحاري والأرض الخصبة والجدبة سواء، وكل ما يطلق عليه بر، وذلك ظاهر لا يحتاج بيان، وليس هو من عصرنا والعصور الماضية فقط، بل هو من أيام آدم عليه السلام، عندما قتل قابيل هابيل وأزهق حياته ظلماً وعدواناً وحسداً؛ لأن الله قبل من هابيل ولم يقبل من قابيل، فهو عندما قتل أخاه من أبيه وأمه ظلماً وعدواناً وحسداً من نفسه كان قد ظهر فساده ولم يبق سراً، وبقي أخوه مقتولاً على الأرض إلى أن جاف وانبعثت منه الروائح الكريهة حتى بعث الله غراباً يبحث في الأرض؛ ليري ذلك الظالم كيف يواري أخاه ويدفنه. فمنذ ذلك الوقت ظهر الفساد في البر، ثم توالى بعد ذلك إلى أن جاء نوح وبقي في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش بينهم بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة أخرى، وكان قد بعث وهو ابن خمس وأربعين عاماً، فعاش بينهم نحواً من ألف وخمسمائة عام. وانتشر الفساد بينهم وطال وامتد إلى أن استحقوا بجرائمهم أن يفيض الله عليهم البحار فتغمرهم وتقتلهم غرقاً، وما ذلك إلا لظهور الفساد. وقد قص الله علينا قصص عاد وثمود وقوم لوط وقوم إبراهيم وقوم موسى وهارون وفرق بني إسرائيل مع جميع أنبيائهم، وفي كل ذلك كان الفساد ظاهراً واضحاً يراه القريب والبعيد، ويراه الصغير والكبير، ويراه من يعلم ومن لا يعلم، وقد ظهر الفساد في البحر، فالبحار فيها السفن التي تقطع الشواطئ والقارات مشارق ومغارب، وقد حكى الله لنا في ذلك قصة موسى عليه السلام مع الرجل الصالح الذي قيل عنه: نبي، وقيل عنه: ولي، وذلك عندما خرق السفينة فاستنكر ذلك موسى عليه السلام وقال له: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} [الكهف:71]، وبعد أن غضب ولم يصبر وحكم على نفسه إن سأله بعد ذلك فلا يعود إلى مصاحبته وقد فعل، أخذ يحكي له حكم ما صنع، فقال عن هذه السفينة: إنه كان في البحر ملك يأخذ كل سفينة غصباً، فإذاً: كان الغصب واللصوصية وقتل الأرواح في البحر، وكان هذا منذ العهد الساحق، ثم تطاول ذلك وامتد، وهو في عصرنا أكثر مما كان في عصر نوح. والله عز وجل وعد نبينا صلى الله عليه وسلم بأن لا يهلك أمته بما كان يهلك به الأمم السابقة من الغرق والمسخ والصرع والزلازل والصواعق، على الرغم من أن الأرض قد استحقت ذلك منذ زمن سحيق؛ لكثرة ما عليها في براريها وأقطارها وبحارها من الظلم والفساد، ومنه فساد الشرك بالله وفساد إزهاق الأرواح ظلماً وعدواناً وفساد أكل أموال الناس بالباطل وفساد تكبر الجبابرة والطغاة على عباد الله المؤمنين من أكل أموالهم وسفك دمائهم وقتل شبابهم واستحياء نسائهم، إلى غير ذلك من أنواع الفساد من كل شر. وهو في البحر كما هو في البر، فمن الفساد في البحر أنه عندما يركب الناس في هذه السفن الماخرة ويقطعون البحار مشارق ومغارب فإنهم في البواخر وعلى ظهر البحار يمارسون أنواعاً من الفساد، فتجد السفن ممتلئة بالخمور والحشيش والزنا وكل أنواع الباطل، وفي الأجواء كذلك فإنهم وهم في الطائرات يشربون الخمور ويأكلون الحشيش ويظلمون ويعتدون ويفعلون من المنكرات ما الله به عليم. فالله يفسد عليهم دنياهم وأجواءها وبراريها وبحارها ومشارقها ومغاربها، حتى إن الإنسان لا يكاد يجد رقعة في الأرض فيها عدل وحكم للشريعة ودين يرجع إليه ويستكين له، وما ذلك إلا عقوبة للخلق؛ ليعاقبوا ببعض الذي عملوا، ومع ذلك فإن فيها فئة صالحة لم تنقرض ولن تنته ما دامت الدنيا، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم وهم على ذلك إلى قيام الساعة). والطائفة أفراد، وقد تكون جماعة متكتلة باسم دولة، وقد تكون جماعة متفرقة باسم أفراد وجماعات أحدهم في المشرق والآخر في المغرب، ولكنهم على كل حال حجج الله في الأرض على أن الحق قائم، وأن حجة الله دائمة، وبأن كلام الله يتلى على البر والفاجر؛ لتبقى حجة الله البالغة يوم القيامة، ولا يدعي أحد عندما يسأل في القبر: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ أنه لا يعلم ولم يسمع بدينه ولا برسوله ولا بكتابه؛ لأنه يكون قد سمعه سواء كان في المشرق أو في المغرب وفي أي مكان من أرض الله من برار وبحار وأجواء. والباء في قوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ} [الروم:41] للسببية. وقوله: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا} [الروم:41]. أي: لينزل بهم بعض أعمالهم وليس كل أعمالهم من ظلم وكفر وشرك، مثل عذاب الله لقوم نوح وقوم هود وقوم صالح، فإن الله تعالى لم يعاقبهم إلا ببعض أعمالهم لا بها كلها، وهذا العذاب إنما هو في الحقيقة نقمة لمن يفهم عن الله. قال تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41]. أي: يفعل ذلك بالناس لعلهم يوماً يتفكرون ويقولون: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ومن الغافر والراحم والمتجاوز عن سيئات عبيده وخلقه غيره سبحانه، وهذه فيها التهديد والوعيد لعلهم ينتبهون ويتيقظون ويعودون عما هم فيه، فهي لطمات ولكمات إلهية للناس؛ لعلهم يعودون إلى الله ويقولون: ربنا اغفر لنا وتب علينا، إننا إليك راجعون وإليك منيبون، ولكن مع كل ذلك طالت الجرائم وطال الكفر والفساد، ولا يزيدهم الله عذاباً وامتحاناً إلا وزادوا كفراً وفسقاً وعصياناً، فعندما كنا مستعمرين للنصارى في مشارق الأرض ومغاربها بكى من بكى وتضرع من تضرع وجاهد من جاهد، فإذا بالله الكريم يستجيب لدعوة داع وصلاح صالح؛ رحمة منه. ثم بعد أن استقلينا من عدونا وملكنا المال والسلاح والجيوش والدول وغير ذلك وعدنا القهقرى إلى أقبح ما كنا أيام الاستعمار كفراً وشركاً بالله ونشراً للمنكرات بكل أنواعها من زناً وفساد وحكم بغير ما أنزل الله، وتركنا كتاب الله وراء ظهورنا، وعدنا لأحكام الكفار وقوانينهم وأخلاقهم ولغاتهم، وكل ما كنا نفعله قهراً في وجودهم أصبحنا نفعله عن ارتياح وبهجة وسرور، وظننا أننا قد تحضرنا وارتقينا وتجددنا وأصبحنا كذا وكذا بعد أن لعب بنا الشيطان وسخر منا، فأصبحنا عبيداً له. ثم كان البلاء الأخير استعمار ألعن الأمم وأذلها، وهو استعمار اليهود، يقتلون من يقتلون، ويستبيحون أعراض من يستبيحون، ويهدمون البيوت على ساكنيها، ويدوسون المسلمين بسياراتهم ودباباتهم، والعالم كله معهم يصفق لهم ويساعدهم حتى العرب، أفليس هذا ذلاً وهواناً وعقوبة سماوية جعلها الله على أيدينا مكراً بنا وعقوبة لنا؟ والقرآن الكريم ما ترك شيئاً يعود علينا نفعه إلا ولفت أنظارنا إليه ونبهنا عليه، وما من شيء يضرنا في حاضرنا ومستقبلنا إلا وبينه لنا وكشف لنا حقائقه، ولكننا نعيش بأذان صماء وبقلوب غلف، مثل عيشة البهائم أو أقبح وأذل. وفي قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم:41]. أي: بسبب كسب الناس وبسبب جرائمهم، والكلام صريح ولا يحتاج إلى بيان أكثر من هذا البيان، أي: بسبب ظلم الناس وفجورهم وفسقهم وكفرهم بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي قادهم إلى العز ألف عام متصلة متوالية، فلما تركوا قيادته وإمامته وذهبوا يجرون خلف كل يهودي ونصراني ومنافق، بدل الله حالهم إلى غفلة وضياع وزيغ وضلال، وإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! اللهم لا تعاملنا بما فعل السفهاء منا، اللهم أعدنا إليك، اللهم وعليك بكل ظالم زائغ، أنهه واقض عليه، واسلبه حياته وأخلده في النار. إذاً: فقوله: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41]. أي: ليصيبهم ببعض ذنوبهم، وببعض الذي فعلوه من المعاصي، لا نقمة منهم، ولكن لعلهم يرجعون إلى الله، فعندما لم يرجعوا بالبيان وبالبلاغ وبدعوة الرسل والعلماء فليأتوا قهراً بتسلسل العذاب والآلام والمصائب والفتن من الأرض والسماء ومن كل جهة من جهات الأرض ومن كل البشر من يهود ونصارى ومنافقين، بل ومسلمين كذلك، و (لعل) في القرآن للتحقيق.
تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا)
تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا) قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ} [الروم:42]. يقول تعالى: اسمعوا بآذانكم، فإن لم تكن لكم آذان فانظروا بأعينكم، وسيروا في الأرض وسيحوا وابتغوا من فضل الله، واعلموا أن هذه الأرض قد كان عليها قبلكم خلق من خلق الله، أشد أبداناً وأقوى سلطاناً وأطول أعماراً، لهم من الحول ومن الطول ومن القوة ما ليس عندكم جزء منه، فانظروا إلى آثارهم وإلى مساكنهم وأين هم؟ فقد ذهبوا بجمالهم وبحطامهم وبقوتهم وأصبحوا تراباً، وعادوا إلى التراب كما كانوا، فأصبحوا وكأنه لم يكن هناك جاه ولا سلطان ولا مال ولا تيه ولا جبروت ولا طغيان. فانظروا إلى ذلك وخذوا منه العظة والعبرة، واعلموا أن الذي فعل ذلك بأولئك هو الله، وهو لا يزال قادراً على أن يعذبكم ويعاملكم معاملة أولئك، فتوبوا إلى الله ما دمتم أحياء، وانتهزوا حياتكم قبل موتكم. وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الروم:9]. أي: عاقبة السابقين الأولين الذين كانوا قبلكم وما الذي جرى عليهم؟ وما هي الزلازل التي زلزلت أقدامهم؟ فقد نزلت عليهم الصواعق من فوقهم وجاءتهم الصيحات من كل جهة فأصبحوا في مكانهم جاثمين، وكأن لم يغنوا بالأمس، فقد عم البلاء البر والفاجر، {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:25]، أي: إن هناك قلة ليست بمشركة، ولكن عمهم البلاء لمجاورتهم ومساكنتهم ومخاللتهم. وقوله: {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ} [الروم:42]، أي: كفرة بالله متخذين مع الله الشريك.
تفسير قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين القيم)
تفسير قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين القيم) قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} [الروم:43]. أي: اجعل وجهك لله وأقبل به وبنفسك وبروحك له. والدين القيم: الدين المستقيم، وهو الإسلام دين العوالم كلها الذي اختاره الله للبشر، منذ ظهر نبينا في هذه البطاح المقدسة يدعو الناس للإيمان بالله خالقاً، وبه عبداً ورسولاً وخاتماً، فمنذ ذلك الحين والخلق كلهم إنسهم وجنهم مكلفون ومأمورون من الله أن يدينوا بالإسلام ويتخلقوا بأخلاقه، وأن يعبدوا الله الواحد ويدينوا بالدين الذي أرسله إلى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:85]، وقال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران:19]. وأما ما سوى ذلك من يهودية ونصرانية ومجوسية ومختلف ملل الأرض فإنها قد غيرت وبدلت وحرفت من قبل ظهور النبي عليه الصلاة والسلام بدين الإسلام، ثم أصبح كل الخلق إنساً وجناً مأمورين باتباعه، والله يقول لهم: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ} [الروم:43]. واليوم الذي لا مرد له هو يوم الآخرة، يوم يدعونا من الأرض فننتصب قياماً حفاة عراة غرلاً، أي: حتى الجلدة التي قطعت عند الختان تعود، فنقف أمام الله ننتظر الأمر والنهي والحساب، في يوم عند ربك كألف سنة مما تعدون، وقد قال الله عن ذلك اليوم: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:34 - 37]. فهذا اليوم الذي لا مرد له إذا وصلناه وكان منا المقصر ومنا المشرك ومنا العاصي ومنا الكافر فلا ينتظر أن يرد ويعود إلى الدنيا؛ لعله يتدارك ما ضيع وما عصى فيه وخالف، ولن يكون ذلك أبداً، وإذا قامت الآخرة وكان العرض على الله فذلك اليوم الآخر، الذي لا مرد له من الله، وهو يوم يحاسب فيه كل إنسان على عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر. قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} [الروم:43]. أي: يفترقون، فريق في الجنة وفريق في السعير، فلا يبقى مؤمن مع كافر، ولا كافر مع مؤمن، ولكنهم يفترقون كل طائفة مع جنسها ومثيلها، ومنه الصداع الذي هو نوع من المرض يكون في الرأس في جانب منه فقط وليس فيه كله، ويكون أشد أنواع صداع الرأس وألمه، فهم هكذا يصدعون ويتفرقون ويوزعون، فيميز المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى:7].
تفسير قوله تعالى: (من كفر فعليه كفره)
تفسير قوله تعالى: (من كفر فعليه كفره) قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم:44]. فالكافر الذي سيأتي يوم القيامة في اليوم الذي لا مرد له من الله يكون كفره عليه، فيحاسب عليه وحده ويخلد في النار وحده. وقوله تعالى: {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم:44]. أي: والذين جاءوا بالصالحات فلأنفسهم يمهدون، أي: يفرشون ويتبوءون المنازل ذات الفرش العاليات والأرائك المتقابلة في روضات الجنة الدائمة، دواماً مستمراً دهر الداهرين وأبد الآبدين، ولا موت في الحياة الآخرة، بل حياة دائمة خالصة، فمن كفر فكفره يحاسب عليه وحده، ومن آمن فإيمانه ورضاه ومغفرة ربه تعود عليه، فهو بإيمانه وبصلاح أعماله يكرس لنفسه القصور العلا في الجنان.
تفسير قوله تعالى: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات)
تفسير قوله تعالى: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [الروم:45]. أي: يفعل ذلك ربنا بالمؤمنين الذين لأنفسهم وبعملهم الصالح يمهدون؛ ليجازيهم ويكافئهم من فضله، بمعنى: أنه سيعطيهم جزاء أعمالهم، ويفضل عليهم الكثير الكثير، الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا حد له مما يشاء الله من الإضعاف. وقوله: (إنه لا يحب الكافرين)، وما لا يحبه الله ملعون محرم، وما لا يحبه الله فله اللعنة والعذاب والنار خالداً فيها أبداً دائماً.
الروم [46 - 50]
تفسير سورة الروم [46 - 50] نعم الله على الناس متوالية، وآيات قدرته متكاثرة، ودلائل وحدانيته ونصره لرسله والمؤمنين عظيمة باهرة، فمن ينظر في آثار رحمة الله تدله على ذلك.
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات)
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات) كان أسلافنا في السنوات الماضية لا يسافرون إلا بواسطة الرياح، ولا يبتغون الرزق والتجارة إلا بها. فإن جاءت الرياح موافقة حيث شاء الركبان والمسافرون فهي المباركة، وإن وقفت الرياح وقفت السفن، فلا رحلة ولا سفر ولا تنقل. وإن جاءت معاكسة لاتجاه السفن جاء البلاء، فقد تعود بالسفينة من حيث خرجت، وقد تكون قد قطعت شهراً أو أكثر في البحار وإذا بها وقد أتتها الرياح معاكسة تعود بها من حيث بدأت، وخرجت من حيث كانت. ومن هنا يقول الشاعر: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. والرياح تجري عادة بمشتهاها ومبتغاها، فقد تكون مشرقية أو مغربية، جنوبية أو شمالية، فإذا جاءت معاكسة لخط السير وجريان السفن فهو البلاء والخطر على السفينة، وأقل ذلك البلاء أن تعود السفن من حيث خرجت. وأشد البلاء أن تقف بها الرياح فتتلاعب بها الأمواج وتتلاطم، وإذا هو الغرق أو الخطر والإنذار بالغرق. وقوله تعالى: {وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ} [الروم:46] الله تعالى يرسل الرياح ليذيق الناس من رحمته، وهي خيره وبركته ورزقه. ويرسل الرياح لتجري الفلك بأمره، وإذنه وإرادته حيث شاء من مشرق أو مغرب. وقوله تعالى: {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [الروم:46] أي: بواسطة هذه الرياح المبشرة تبتغون من فضل الله؛ من تجارة، وزراعة، وكل ما يكون الإنسان محتاجاً فيه إلى الرحلة والسفر، والجري في الأرض، والسفر يكون براً وبحراً، وقد أصبح جواً كذلك. والبحار لا بد من قطعها للسفر لما وراءها لبغية التجارة وللكسب وللمعاش وللحياة، فعندما تأتي الرياح موافقة لسير السفن تكون مبشرات بإذن الله وبأمره. فالرياح تأتي لخير الناس وخصبها، لإنبات الأرض بالزرع، ولسقيها بالأمطار، ولتجري الفلك بأمر الله، وليبتغي الناس من فضله. وقوله تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الروم:46]. أي: ولعلكم يا هؤلاء العباد تشكرون الله على نعمه، وأرزاقه، وعلى ما أكرمكم به من مختلف ما خلق لكم على وجه الأرض وفي السماء وما بين السماء والأرض. والذي من ذلك الرياح، فهي تأتي مبشرات بالغيث والمطر، وبجريان السفن، وبابتغاء الفضل، وهو التجارة والأرزاق والأرباح لعلكم بعد ذلك تشكرون الله على نعمه الظاهرة والباطنة، ما لو ظللتم كل حياتكم ساجدين وراكعين لله لما أديتم جزءاً من شكر نعم الله.
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم)
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم) قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47]. أي: ولقد أرسلنا -يا محمد- من قبلك رسلاً إلى قومهم وعشائرهم. وهذه الآية تعزية وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام في أنه إذا وجد من بعض قومه أو من بعض أمته من لم يطعه لم يؤمن به، بل وعاكسه وقاومه وكفر بما جاء به، فلقد أرسل قبله أنبياء، فكذبهم أقوامهم وكفروا برسالتهم، فعاقب الله من عاقب، ورحم من رحم، وقليل هم الذين آمنوا وأسلموا، قال تعالى: {ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ} [الواقعة:13 - 14]. وكان الأنبياء قبل البعثة المحمدية يرسلون إلى أقوامهم خاصة، فأديانهم قومية وليست بعامة عالمية، أما الرسالة المحمدية فقد اختصت بكونها عامة وعالمية للخلق كلهم في مشارق الأرض ومغاربها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد مماته. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في بيان هذه المعاني التي جاء فيها آيات كثر: (كان الأنبياء قبلي يرسلون إلى أقوامهم خاصة وأرسلت إلى الناس عامة). فليست اليهودية والنصرانية ديانتين عالميتين، إنما هما ديانتان إسرائيليتان خاصتان باليهود والنصارى من بني إسرائيل، فمن آمن بأحدهما في عصرها لم يطلب منه إلا ذلك، ولم يرسل الرسل الآخرين إليه، وبموت الرسل انتهت رسالاتهم. وبظهور النبي عليه الصلاة والسلام كانت هاتان الرسالتان قد بدلتا وغيرتا وحرفتا وبالظهور المحمدي نسختا برسالة الإسلام فأصبح الدين الحق والمقبول عند الله هو الدين الذي أتى به نبينا عليه الصلاة والسلام وحده. قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:85]، وقال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران:19]. أي: إن الدين الحق والمقبول عند الله هو الإسلام لا سواه ولا غيره. وقوله تعالى: {فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} [الروم:47]. أي: فجاء هؤلاء الرسل قومهم بالبينات والمعجزات والدلائل القاطعات على صدق رسالتهم، وصدق ما بعثوا به من وحي حق، ومن كتب سماوية حق، فآمن من آمن وهم قليل. ولذلك قال الله بعد ذلك: {فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} [الروم:47]. أي: آمن قلة ولكن الكثير أجرموا، فارتكبوا أعمال المجرمين، فكذبوا رسلهم وكذبوا الوحي الذي جاءوا به، وكذبوا الكتب السماوية المنزلة عليهم فكانوا مجرمين بذلك، فانتقم الله منهم وسلط عليهم أنواع العذاب والنقمة والشدة بما نسوا به ما كانوا عليه، حتى إذا بعثوا يوم القيامة كان عذاب الله أشد وأكثر نقمة، وأدوم عذاباً ومقاماً. وقوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47]. جعل الله على نفسه حقاً واجباً أوجبه على نفسه، ولا يجب عليه شيء جل جلاله، فالملك ملكه والخلق خلقه، يتصرف فيه كيف يشاء، ولا يقال للمالك: لم تصرفت في ملكك؟ ولكن الله جل جلاله حرم الظلم على نفسه كما حرمه على عباده، ففي الحديث القدسي: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا). فكان من ذلك أنه أوجب على نفسه حقاً هو نصر الرسل والمؤمنين، فقد كان الرسل مبلغين عن الله، ناطقين بالوحي عن الله، وأتوا برسالات وكتب سماوية ومعهم آيات ومعجزات تؤيد صدقهم عما جاءوا به من عند الله وعدم كذبهم. فجازى الله من آمن بالثواب وبالنصر على الأعداء وبالخلود في الجنان بعد ذلك، وانتقم من المكذبين المجرمين بالعذاب في الدنيا وفي الآخرة. عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يذب عن عرض أخيه المسلم إلا دافع الله عنه أو ذب الله عنه يوم القيامة عذاب النار. ثم تلا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47]). فالمؤمنون الصادقون من آمن جنانهم وصدق، ونطق لسانهم بما يحقق ذلك الإيمان بالقلب، وعملت الجوارح والأركان حسب الاعتقاد والقول، فعملت الصالحات والواجبات من شهادتين وصلاة وزكاة وحج وصيام. فهؤلاء هم المؤمنون حقاً إن كانوا كذلك، والله جل جلاله جعل عليه حقاً واجباً نصرهم على أعدائهم، والعاقبة للمتقين.
تفسير قوله تعالى: (الله الذي يرسل الرياح)
تفسير قوله تعالى: (الله الذي يرسل الرياح) قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الروم:48]. أي: أن الله يرسل الرياح فتثير السحاب، أي: تزيله من مكانه، وتبعثه ليجتمع في السماء. قال غير واحد من أعلامنا القدامى، وقال المحدثون تقريباً: إن الرياح تثير السحاب من البحار، فعندما تتبخر من البحار تأخذها هذه السحب فتصفيها كالمصفاة من ملحها وأجاجها، وتصعد بها إلى الأجواء العالية فيصفيها الله تعالى فينزلها كما ينزل الحليب من ثدي النوق والبقر والأغنام. وتنزل الأمطار على شكل قطرات، تسقي الأرض بكل أجزائها، فالأرض الخصبة التي تنبت والتي يصلح الزرع فيها فتأتي من كل زوج بهيج، من أنواع الحبوب والخضر والثمار وغير ذلك، مما يتغذى به الإنس والحيوان والطير. وهذا السحاب الذي نراه داكناً أحياناً، وأسود حالكاً أحياناً، وأصفر أحياناً يشبه الزرع الأصفر الذي ابتدأ يحترق، أو ييبس، وأعظمه وأكثره غيثاً هو السحاب الأسود الغدق لكثرة الماء فيه، ولثقله بالماء الذي يحمله. أما إذا كان أصفر فهو الريح العقيم الذي ما أتى على زرع إلا وأيبسه، ولا على أرض إلا وأجدبها حتى ولو كانت ذات فواكه ونبات فإنه ييبس كذلك ويصفر، ولا يأتي الريح العقيم إلا بالهلاك والعذاب، والقحط والجدب. قال تعالى: {فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ} [الروم:48] أي: أن الله جل جلاله يبسط السحاب، ويكون مقدار ذراع، وإذا به يتمدد ويستطيل حتى يكاد يغطي المدينة كلها وأحياناً القطر كله. وإذا اشتد واسود وعم يرسل الله منه غيثه ورحمته، فيسقي الأرض بعد جدب ويغيثها بالمطر، فيسقي الإنسان وهو أول ما يحتاج إليه الإنسان، ثم يسقي الأرض وما عليها من الدواب والطيور وكل ما خلق. ولذلك عندما يشتد الجدب والقحط بالناس يستغيث المسلمون ويستسقون الله تعالى، يستحب لهم أن يخرجوا جميعاً نسائهم ورجالهم وأطفالهم، حفاة كاشفي الرءوس وبألبسة مقلوبة، ويخرج معهم أهل الذمة، ويخرجون دوابهم وحيواناتهم، فالكل في حاجة إلى رحمة الله، وغيث الله، وبركات الله. فتجد الجمال والغنم والبقر وغير ذلك تصيح، كل يدعو بلغته، والإنس كذلك مؤمنهم وكافرهم، ولا يستغني عن رحمة الله مخلوق، فالكل في حاجة لذلك، فإذا جاء الجدب والقحط جاء البلاء والعذاب وعم كل الخلق. وقوله تعالى: {فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ} [الروم:48] أي: يمدده ويطيله ويكثره حتى يعم الإقليم كله. وقوله تعالى: {وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا} [الروم:48]. كسفاً: جمع كسفة، أي: قطعاً، قطعة هنا وقطعة هناك، يسقي البساتين والفيافي والغابات، فما لم يستفد من على سطح الأرض يستفيد منه الماء في جوفها، لتكثر مياه الآبار وتجري الأنهار وتزداد بعد أن كادت تيبس. وكثيراً ما حصل ذلك فجفت الآبار، ونشفت المياه في الأنهار، فإذا وصل الحال لذلك اشتد العذاب بالناس فهو الموت، إلا أن يغيثهم. وقد زرنا أقطاراً مضت عليها سنون عديدة لم تسق قط، فوجدنا الدواب ميتة، والبحار قد جفت، والأنهار قد وقفت، والأشجار قد يبست، والناس إلى الموت أقرب. والماء الذي يشربونه لا يكادون يجدونه، ثم أتى الله بالغيث بعد ذلك، فعوضاً عن أن يشكروا الله على نعمه كفروا وارتدوا ووقع فيهم انقلابي ماركسي، شيوعي، إلحادي. وطردوا اللغة العربية والمدارس الإسلامية من البلاد، وذهبوا لعبادة هؤلاء الأشخاص القذرين الوسخين، واتخذوهم أرباباً من دون الله. ومن عجيب أمر الله في عباده، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من استعان بظالم سلط عليه). وإذا بهؤلاء الذين دانوا بدينهم، وارتدوا بردتهم، وكفروا بكفرهم سلطهم الله عليهم، فضربوهم من السماء بأنواع العذاب من طائرات وصواريخ، وبدبابات وبأسلحة فتاكة مدمرة من الأرض، وهم يستغيثون منذ دهر فلا يغاثون؛ لأن الله لم يغثهم، لأنهم كفروا بأنعمه وأبوا إلا الجحود والعصيان والردة، مع أن الله وحده الذي أغاثهم، ولن يستطيع مخلوق إذا أجدبت الأرض أن يأتي بالماء من السماء. وقوله تعالى: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ} [الروم:48] أي: ترى المطر يخرج من وسطه وأثنائه، وأركانه، ومن نواحيه كلها، وكأنه ثدي الناقة أو ثدي الأم ينزل قطرة قطرة بما يكفي الوليد وما يعيشه بهذا الحليب. ولو نزل المطر على غير شكل قطرات لخرب الأرض، ولقلع الأشجار، ولكنه ينزل خفيفاً قطرة قطرة فيأخذ كل عرق وكل جذر وكل نبتة وكل شجرة كانت كبيرة أو صغيرة حاجتها من الري، وحاجتها من الغيث، فيسقي الله ويغيث العباد بذلك. وقوله تعالى: {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الروم:48]. فمن عجيب صنع الله أن تجد أرضاً قد أحاط المطر بجوانبها الست ولم ينزل عليها المطر، فإذا بحثت عن سبب ذلك وجدت صاحب تلك الأرض أو تلك المزرعة لا ينفق من ماله، ولا يؤدي حق الله فيها، وإذا بالله الكريم قد جعل لما عمله من سنوات هباءً منثوراً، وجعل عمله كأن لم يكن. فإذا أصاب الله بهذا المطر الذي ينزله من السحب من شاء من عباده، إذا بهم يفاجئون برحمة الله وغيثه فيستبشرون ويفرحون ويسرون. وبعض هؤلاء الذين فرحوا واستبشروا يؤدون شكر ذلك من نفقات وزكوات، والبعض الآخر اتخذوا فرح ذلك بطراً وتيهاً وخيلاء وطغياناً في ما ملكوا وما زرعوا، فهؤلاء لا تفرح لهم، ويوشك أن يأتيهم الله بعذاب من عنده. قال تعالى: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} [الروم:49]. أي: وإن كان هؤلاء الذين أمطروا وأغيثوا من قبل أن ينزل عليهم هذا المطر كانوا من قبله آيسين، قانطين، متألمين، باكين أو كالباكين، ما صرفوه في الأرض من عمل ومن زمن لم يأت بشيء، بل كل ما زرعوه وما حرثوه ضاع زيادة على الجدب والقحط في أصله. فإذا جاء هذا الغيث فجأة وأصابهم الله برحمته إذا بهم يفاجئون بالرحمة ويسرون بما أصابهم، إذ جاءهم على قدر من غير انتظار، وإن كانوا من قبل ذلك لآيسين قانطين من الرحمة. و (قبل) في الآية كررت مرتين وذلك للتأكيد. وقراءة ابن عباس بقبل الأولى فقط: (وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم لمبلسين) إنما كررت الثانية: {مِنْ قَبْلِهِ} [الروم:49] تأكيداً لقنوطهم الأول وما كانوا عليه من أحزان، وإذا بهم يفاجئون بالاستبشار والفرح بنزول المطر، فذكرت قبل مرتين لتأتي بالاستبشار وتأتي باليأس قبل ذلك.
تفسير قوله تعالى: (فانظر إلى آثار رحمة الله)
تفسير قوله تعالى: (فانظر إلى آثار رحمة الله) قال تعالى: {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم:50]. أي: فانظر يا محمد ولتنظر معك أمتك نظر تدبر، ونظر اعتبار، ونظر قلب إلى آثار رحمة الله، فرحمة الله هنا الغيث والمطر، وآثار ذلك أن الأرض التي كانت يابسة أينعت واخضرت وأثمرت ورعى فيها الدواب والطير، وأكل من نبتها وحبها الإنسان، وأتت بالثمرات من كل زوج بهيج، فعاشوا على ذلك، وصحوا على ذلك، وانتشر الخصب والخير. ولا يستطيع أن يفعل ذلك إلا الله، وهو وحده المشكور على ذلك، والمحمود عليه. وقوله تعالى: {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الروم:50]. أي: انظر كيف كانت الأرض يابسة قد سقط شجرها، وثمارها قد يبست، وأوراقها قد تحاتت، وإذا بها أصبحت ميتة، فما كاد ينزل هذا الغيث إلا وظهر أثر رحمة الله فيها، فاخضرت الأرض وأينعت وأتت من حبها وثمراتها ما أغيث به كل حي إنساناً وحيواناً وطيراً. وقوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى} [الروم:50]. ضرب الله ذلك مثلاً لمنكري البعث، يقول لهم: خذوا الدليل على الغائب بالشاهد، قد رأيتم الأرض ماتت ويبست وأجدبت وتحات شجرها فتساقط ثمرها، وجاع الخلق إنساناً وحيواناً وطيراً، وإذا الأرض بأثر رحمة الله من مطره وغيثه آتت من كل زوج بهيج، فاهتزت وربت وحيت، وعادت حية بعد أن كانت ميتة. فالذي أحياها بعد الموت هو محيي الموتى بعد كذلك، فانظروا الشاهد فخذوا منه المثال للغائب. فيا هؤلاء الذين تتعجبون وتكادون تنكرون بأن الإنسان بعد أن يصبح رمة، وتراباً كما كان، كيف يعود؟ قال تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس:78 - 79]. فالذي أوجد الإنسان من العدم أهون عليه - والكل عليه هين - أن يعيده تارة أخرى كما كان وأكمل وأصح. وكذلك الذي أحيا الأرض وقد أصبحت ميتة قادر على أن يحيي الموتى من الناس ومن غيرهم من خلق الله. وقوله تعالى: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم:50] أي: الله الخالق لذلك، ذو الآيات البينات والبراهين القاطعات، هو القادر على كل شيء، القادر على أن يحيي الموتى، كما أوجدهم من العدم بعد أن لم يكونوا. وقد مضى دهر من الزمن لم يكن الإنسان فيه شيئاً مذكوراً، لا وجود له لا شبحاً ولا روحاً، وإذا به قد وجد على غير مثال سابق، الذي أوجده على غير مثال سابق وأحيا الأرض بعد موتها، قادر على أن يعيد حياة الإنسان للحياة مرة ثانية، فهو القادر على كل شيء جل جلاله.
الروم [51 - 60]
تفسير سورة الروم [51 - 60] مهما رأى المجرمون من آيات بينات فهم لا يزالون على عنادهم، ولو تفكروا في الظواهر المناخية وما يرسل الله من رياح تسوق السحب بالأمطار ولها منافع كثيرة كالإبحار بالسفن ونحو ذلك؛ لكان ذلك دافعاً لهم إلى الإيمان.
تفسير قوله تعالى: (ولئن أرسلنا ريحا)
تفسير قوله تعالى: (ولئن أرسلنا ريحاً) قال تعالى: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} [الروم:51]. قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا} [الروم:51] ذكر الريح مفرداً في القرآن للعذاب وللجدب وللعقوبة. وإذا ذكر مجموعاً فهو للخيرات، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} [الروم:46]، فالرياح مبشرات بالخصب والبركات. وقوله تعالى: {فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا} [الروم:51] أي: أثر هذا الريح رأوه مصفراً، وما أثره إلا الشجر والنباتات وأوراق الشجر القائم بنفسه. فإذا رأوه مصفراً فيعني ذلك يبسه وموته وعدم إثماره ونهاية حياته، فإذا رأوا ذلك كفروا بالنعم السابقة، وضلوا من بعد هذا الريح الذي اصفر له الأشجار والنباتات والزروع والثمار والخضروات بجميع أشكالها، وزادهم كفراً وزادهم معصية وجحوداً وضلوا من بعده يكفرون، أي: ضلوا من بعد إرسال هذه الريح الصفراء التي كان من أثرها أن اصفرت الأشجار وكل شيء أخضر على وجه الأرض. فلما رأوا هذا المنظر لم يحمدوا الله ولم يصبروا ولم يرجوا رحمته ويخافوا عذابه، بل أعلنوا بالكفر والجحود ونسوا ما سبق ذلك من خيرات وبركات، ومن أمطار مغيثات. وهذا شأن الكافر يؤمن على حرف، فإن آتاه الله خيراً وجد ذلك وكأنه من نفسه، وإن وجد غير ذلك تجده يائساً مبلساً، يعلن الكفر بلسانه وحاله، وهذا بخلاف المؤمن. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له). فهو على كل الأحوال صابراً وشاكر، شاكر على نعمه، وصابر على بلائه، إن ابتلي رجى الله ودعاه أن يرفع عنه بلاءه وهو مع ذلك صابر، وإن أنعم عليه شكر الله بلسانه وزاد الشكر بالعمل والنفقات وكثرة الصدقات للعائل وللمحروم وللسائل وللقريب في الدرجة الأولى.
تفسير قوله تعالى: (فإنك لا تسمع الموتى)
تفسير قوله تعالى: (فإنك لا تسمع الموتى) قال تعالى: {فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [الروم:52]. أي: يا محمد! هؤلاء موتى فحياتهم لم يستفيدوا منها، وأسماعهم لم يسمعوا بها، وأعينهم لم يبصروا بها، وقلوبهم لم يفقهوا بها فكانوا أمواتاً، ولو أنهم على شكل أحياء. والميت لا يسمع ولا يفهم، وعلى ذلك فأنت لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء، أي: النداء، إذا ناديت ودعوت لم يسمعوك، ولم يستجيبوا لك؛ لأن لهم قلوباً لا يفقهون بها، وآذاناً لا يسمعون بها، وأعيناً لا يبصرون بها، فهم كالأنعام بل هم أضل. والأنعام تستفيد من بطنها حملاً ومن ظهرها ركوباً ورحلة، ومن ضرعها حليباً. وأما هذا الميت فيضيق على الحي من الناس بطعامه ولباسه وسكنه وقد لا يكتفي بذلك، فيؤذي الناس الصالحين الأخيار، فموته خير من حياته، وأصلح للبشر من وجوده. وقوله تعالى: {فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [الروم:52] الموتى جمع ميت. فقوله تعالى: {وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} [الروم:52] أي: إذا دعوت الموتى لم يسمعوك، والصم جمع أصم، وإذا دعوتهم فلم يسمعوك. فقوله تعالى: {فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [الروم:52] الصم يتفاهمون بالإشارة، والأصم إذا ولى لا يرى إشارتك ولا يسمع نداءك، فهو في ضياع وخراب، وهو في إعراض عن الحق وعن سماعه البتة. ولذلك كان الكفار إذا سمعوا رسول الله يتلو القرآن ويدعوهم إليه، يدعو بعضهم بعضاً ويقولون: الغوا فيه ولا تسمعوا إليه. فكان البعض يغلق آذانه عن السماع، والبعض يصيح ويفر كما يفر الشيطان إذا سمع الأذان وله ضراط حتى لا يسمع الله أكبر، ولا يسمع الشهادتين. وكون الميت لا يسمع هذا الشأن المعروف، ولكن مع ذلك فإن سماع الميت قد ثبت بالتواتر، ففي غزوة بدر بعد أن هلك من هلك من الكفار والأعداء، تركهم النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام على التراب إلى أن جيفوا، ثم أمر بقذفهم في القليب وهو بئر، ثم وقف على شفير البئر فنادى: (يا أمية بن خلف، يا عتبة بن أمية، يا عمرو بن هشام، وإذا بـ عمر يقول له: يا رسول الله! أتدعو أقواماً قد جيفوا؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يستطيعون الجواب، وأخذ يقول لهم: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ أما نحن فقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً). والحديث اشتهر بحديث عبد الله بن عمر عن عمر، ولكن عائشة رضوان الله عليها الشابة العالمة كانت تحاول أن تجتهد في كل شيء حتى في الرواية المسموعة، فهي ترد على الكثير من الصحابة، فقد ردت على عبد الله بن عمر وقالت: لم يقل رسول الله: لستم بأسمع منهم، وإنما قال: هم الآن يعلمون ما أوعدوا به. وهذا الذي قالته ليس بصحيح، فلم يرو هذا الحديث عبد الله بن عمر فقط، فقد رواه الكثير من الصحابة، فقد سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم أهل بدر وكان عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر مجاهداً، فكلهم سمعوا قوله، إذ كان يرفع صوته في مخاطبتهم، والأحاديث بذلك في الصحاح والسنن وفي جميع أمهات السنة وغير ذلك. وعندما نسلم على رسول الله فإننا نقول: السلام عليك، إذ نخاطبه بكاف الخطاب، وقد أمرنا صلى الله عليه وسلم عندما نزور الموتى أن نقول لهم: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، رحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، وأسأل الله العافية لي ولكم). وهذا الخطاب لكل ميت ولرسول الله صلى الله عليه وسلم في الدرجة الأولى، فقد تواترت الأحاديث بأن الميت يسمعنا ولكنه لا يجيبنا، لأن الشبح الذي سيجيب قد فني وصار إلى التراب. أما الروح فباقية، وقد ثبت بالتواتر أن الأرواح تسر بسرور أهلها في دار الدنيا، وتتألم بألمهم في دار الدنيا، وترد السلام على المسلم عليها، ومن ذلك: تلقين الميت عندما ندفنه ونقول له: يا فلان ابن فلان، إذا سألك الملكان: من ربك؟ فقل: الله. ومن نبيك؟ فقل: محمد رسول الله. وهذا التلقين كذلك ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإذا كان الميت لا يسمع فما الفائدة من التلقين ولكن الآية معناها أنهم موتى في الحياة لم يموتوا بعد، وموتهم في الحياة أنهم عطلوا أسماعهم وأبصارهم وأعينهم، عطلوا حواسهم عن السمع والرؤية والفقه، فكانوا كالموتى الذي كان الشأن فيهم ألا يسمعوا ولا يعقلوا ولا يروا. فروح كل ميت تسمع وتجيب، واختص النبي عليه الصلاة والسلام بأن كلف الله له ملكاً يرد السلام على من مسلم عليه. ويستحب استحباباً مؤكداً وخاصة يوم الجمعة أن نكثر الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه عشراً. فمعنى قوله تعالى: {فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} [الروم:52] أي: لا تسمع الدعاء الموتى والصم. وقوله تعالى: {وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [الروم:52] أي: لا تسمع الدعاء إذا قد أدبروا، فلا يرون إشارة وبالتالي لا يفهمونها لأنهم لم يروها.
تفسير قوله تعالى: (وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم)
تفسير قوله تعالى: (وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم) قال تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [الروم:53]. أي: إنك يا محمد! لن تهدي العمي ولن تهدي الصم وإنما تهدي من يبصر ويسمع، والذي يسمع هو من يؤمن بآياتنا، هو الذي ألقى السمع وهو شهيد، أي: سمعه لما تدعو إليه من كتاب ربك المنزل عليك، ومن حديثك المفسر لذلك، ومن هديك الذي يبين حقائق ذلك. والذين آمنوا بالله فنظروا واستفادوا بالنظر، وسمعوا واستفادوا بالسمع، وعقلوا واستفادوا بالقلب، هؤلاء هم المؤمنون وحدهم الذين يسمعون دعاءك، ويسمعون دعوتك فيستجيبون لها، ويؤمنون بها. وهم مسلمون قد أسلموا وجوههم لله واستسلموا لدين الله ولأمر الله، فلا يخرجون عنه، فإن خرجوا استعاذوا بالله وتابوا من السيئات وعادوا بالشكر، وبالتوبة إلى الله. هؤلاء المؤمنون التائبون المسلمون هم الذين يسمعونك، أما أولئك فلا سمع لهم ولا بصر ولا فقه ولا رؤية.
تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلقكم من ضعف)
تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلقكم من ضعف) قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم:54]. الله جل جلاله يدلنا بمنطق العقل والوعي والإدراك على قدرته وعلى الأطوار التي خلقنا فيها. وتقديم العامل وهو لفظ الجلالة (الله) على المعمول -أي المفعول به- يفيد الحصر، أي: الله وحده هو الذي خلقنا في جميع هذه الأطوار، فلا الأوثان ولا الشركاء ولا الآلهة المزيفة الكاذبة شاركت أو أعانت بشيء من ذلك. فقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ} [الروم:54] أي: الله خلقنا ضعافاً يوم خلقنا، خلق الأصل وهو آدم من تراب -وما عسى أن يفعل التراب؟ - ثم خلقنا من ماء مهين فهو أضعف من ضعيف، ثم خلقنا بعد ذلك من أضعاف متتالية. وأطوار خلق الإنسان: النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم العظام ثم يكسى لحماً ثم ينشأ خلقاً آخر، ثم يخرج إلى الدنيا وهو ضعيف لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ذباباً، ولا حشرة صغيرة. قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} [الروم:54]. أي: ثم جعل بعد الضعف قوة وهو سن الشباب، فابتدأ الله بالبداية، ثم سن المراهقة، ثم سن الشباب، ثم إلى أن أصبح الشاب رجلاً قد بلغ أشده في القوة العضلية والفكرية والعملية. وقال تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم:54]. أي: ثم عاد بنا للبداية، من القوة إلى الضعف في الظواهر والبواطن، ضعفت الحواس عن وظائفها، وضعفت حركة المعدة في الهضم، وهكذا في جميع أعضاء الإنسان، فصارت بعد القوة ضعفاً وشيبة، وشيباً وشيبة بمعنىً واحد. فانتقل سواد الشعر إلى البياض، وقوة البدن إلى ضعف، وشيخوخة ثم إلى موت وفناء، كان الله ولا شيء معه وهو على ما كان عليه. قال تعالى: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم:54]. فالله جل جلاله الخالق لما يشاء، فهذا خلقه قوياً، وهذا خلقه ضعيفاً، وأدام ضعفه إلى الموت. وهذا خلقه ضعيفاً ثم قواه وأدام قوته إلى الموت، كم من شيوخ شابت شعورهم ولا يزالون أقوى من الشباب؟ وكما لا يزالون شباباً. وكثير من الأصحاب والمعاصرين تجاوزوا المائة فلم تشب منهم إلا شعرة أو شعرات، ولم تسقط لهم سن، ولا يزالون يذهبون الأميال على أرجلهم، ويحملون الأثقال التي يعجز عن حملها الشباب، ويعملون في كل الأوقات بما يعجز عنه الشباب، يخلق الله ما يشاء، والله انفرد بالخلق والقدرة، يفعل ما شاء كيف يشاء، لا يسأل عن ما يفعل. وقوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم:54]. أي: العليم بخلقه وما ينفعهم من الضعف أو القوة، يعلم أن هذا ينفعه الضعف والآخر ينفعه القوة، ويعلم أن من منفعة هذا أن يميته صغيراً وينفع الآخر أن يميته كبيراً، وهو القادر على كل شيء، لا يعجزه شيء جل جلاله وعز مقامه.
تفسير قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة)
تفسير قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة) قال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} [الروم:55]. يخبرنا ربنا جل جلاله عن هؤلاء الكفار المكذبين للآخرة، أنه يكذبهم في الدنيا والآخرة. فقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ} [الروم:55] أي: يوم القيامة. وقوله تعالى: {يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ} [الروم:55] أي: المشركون الكافرون الذين مضت حياتهم وكلها جرائم، فهم يقسمون أنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة، أي: لم يعيشوا دنياهم وسنواتهم وأعمارهم إلا مدة ساعة، فهم بذلك أنكروا الرسالات والرسل والكتب، وأنكروا الأوامر والنواهي، وقالوا: عشنا ساعة وماذا عسى أن تكفي ساعة للعبادة وللعمل؟ وقوله تعالى: {كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} [الروم:55]. الإفك: الكذب، أي: أنهم يصرفون عن الحق إلى الكذب. وقوله تعالى: {كَذَلِكَ} [الروم:55] أي: كما كانوا في الدنيا كذبة، فجرة، لا ينطقون بالحق ولا يعرفونه، كذلك عندما بعثوا وعادوا للحياة الثانية عادوا كذبة فجرة، فكان الكذب خلقهم في الدنيا والآخرة، ولكن هيهات أن يتركوا لحالهم ولأنفسهم.
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان)
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان) قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الروم:56]. يجيب العلماء والمؤمنون المجرمين ويكذبونهم، هؤلاء المؤمنون الذين آمنوا بربهم ونبيهم في الدنيا، وعندما بعثوا علموا أنهم قد عاشوا دهراً، وأنهم بعثوا من جديد، وأن هذا اليوم يوم البعث والنشور والحياة الثانية. وقال أهل العلم: العلماء أيضاً من الملائكة والرسل وعموم المؤمنين. وقوله تعالى: {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الروم:56]. أي: في ما كتبه الله وقدره، أي: في جنس الكتاب، وهو الكتب السماوية المنزلة على أنبيائكم من صحائف إبراهيم، ومن زبور داود، ومن توراة موسى، ومن إنجيل عيسى، ومن القرآن المنزل على خاتمهم محمد صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين، فأنتم قد بلغتم وعلمنا ذلك في كتاب الله وقدره السابق أننا سنعيش دهراً ونحن نبعث بعد ذلك. ومعنى: {لَبِثْتُمْ} [الروم:56]: أقمتم. وقوله تعالى: {إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ} [الروم:56]. أي: عشتم في دنياكم زمناً ثم متم بعد ذلك، وبقيتم في قبوركم إلى يوم البعث. وقوله تعالى: {فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ} [الروم:56]. أي: هذا الذي أنتم فيه هو يوم البعث الذي كنتم تنكرونه، فأنتم تعيشون في واقعة حقيقية، وما كنتم تنكرونه قد رأيتموه رأي العين وسمعتموه بالآذان وعشتم في واقعه. وقوله تعالى: {وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الروم:56]. أي: كنتم في حياتكم الدنيا مشركين كفرة لم تعلموا علماً، ولم تعلموا إيماناً، ولم تدركوا يقيناً، عشتم كفرة كذبة وبعثتم كفرة كذبة، ولا تزالون تكذبون إلى الآن عندما تقسمون أنكم ما لبثتم في دنياكم إلا لحظات لا تكاد تدرك. وقال البعض من العلماء: معنى قوله تعالى: {يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} [الروم:55] بأنهم أقسموا أنهم ما أقاموا في قبورهم إلا ساعة. وقال من قال تعليقاً على هذا الفهم: إن كانوا قد أقسموا على أنهم لم يقيموا في القبور إلا ساعة فأين عذاب القبر وهو حق؟ وتواترت به الأحاديث، فكيف لم يشعروا وهو عليهم وفي أرواحهم؟ فكان جواب البعض ممن حاول أن يقر هذا الفهم وهذا المعنى بقوله: عذبت الأرواح والآن قد بعثت الأشباح. والأشباح لم تكن ذات روح لم تشعر بالعذاب، ولكن الذي شعر بالعذاب هي الروح، فلو أنهم شعروا بالعذاب وعلموا به ثم كذبوا، فإنهم كذبة في الدنيا ثم كذبوا في الآخرة مرة ثانية. وهذا المعنى في القرآن في غير ما آية، من أنهم أقسموا على أنهم ما لبثوا في الدنيا غير ساعة، وأن عذاب القبر حق، والعذاب للروح لا للشبح.
تفسير قوله تعالى: (فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون)
تفسير قوله تعالى: (فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون) قال تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [الروم:57]. معنى قوله تعالى: (يومئذ) أي: يوم القيامة. و {لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الروم:57] أي: لا ينفع الذين كفروا. و {مَعْذِرَتُهُمْ} [الروم:57] أي: أنهم أخذوا يعتذرون ويقولون: لم نعش في الدنيا إلا ساعة، ولم تكفنا للإيمان ولا العلم بالإيمان، فقد كنا جهلة، لم نعلم الحقيقة إلا الآن، ولكن الله لم يقبل عذرهم، فقد قامت عليهم الحجج المتوالية والمتظافرة من أنبيائهم ورسلهم، ومن علمائهم، ومن كتب الله التي أنزلت على رسلهم وأنبيائهم. وقوله تعالى: {وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [الروم:57]. أي: لا يقبل عتابهم، يقال: فلان استعتب فلاناً إذا طلب منه أن يزيل عتبه عليه، ويعذره، ويسامحه، ويغفر له. فالكفار ما هم بمستعتبين، فعتابهم يضرب به على وجوههم ولم يقبل منهم، وعتاب الله لهم كان عذاباً، ونقمة، وناراً خالدة دائمة أبدية لكل من مات ظالماً لنفسه بالشرك والكفر. لا يقبل زوال عتبهم، ولا تقبل معذرتهم، ولا يقبل قولهم الكاذب أنهم لم يقيموا في الدنيا غير ساعة.
تفسير قوله تعالى: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن للناس من كل مثل)
تفسير قوله تعالى: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن للناس من كل مثل) قال تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ} [الروم:58]. أي: ضرب الله للناس مسلمين وكافرين الأمثال، والأشباه والنظائر ليعلموا، وليدركوا، وليفهموا. فبين الله لهم في القرآن الكريم الحلال والحرام ليتركوا الحرام كله، وليفعلوا من الحلال ما يطيقونه حسب قدرتهم ورغبتهم، وضرب به الأمثال للعلم والمعرفة والإيمان. وقوله تعالى: {مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الروم:58]. أي: من كل شبيه ونظير، لعل الناس يدركون ويعون. وقوله تعالى: {وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ} [الروم:58]. أي: ولو جئتهم يا محمد مع هذا القرآن الذي ضربنا فيه للناس كلهم أمثالاً وأشباهاً ونظائر مما تراه أعينهم على الغائب، وما تسمعه أذنهم مما لا يسمعونه، ليعلم الغائب بالحاضر والحاضر بالماضي والمستقبل بالحاضر. ومع ذلك مهما أتيتهم به من آية ومن معجزة ومن بينة تدل على صدقك، قالوا: بل أعانك عليه قوم آخرون كما زعم الكافرون الضالون، وقالوا: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ} [الروم:58]. أي: تعيشون في باطل، فما تزعمونه باطل وما أتيتم به باطل، فكذبوا الصدق إذا جاءهم، وافتروا على الله بما ليس واقعاً فما ازدادوا إلا كفراً وجحوداً.
تفسير قوله تعالى: (كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون)
تفسير قوله تعالى: (كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون) قال تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الروم:59]. أي: كما طبع على قلوب هؤلاء الكافرين فلا يفهمون، وطبع على أسماعهم وعلى أبصارهم، فأغلقت عن السماع وعن الرؤية وعن الفهم بإغراقهم في الكفر والظلم، ولجحودهم المتواصل أصبحوا كالحجر الأصم الذي لا يعي ولا يعقل. وقوله تعالى: {كَذَلِكَ} [الروم:59] أي: كما فعل بأولئك. وقوله تعالى: {يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الروم:59]. أي: يطبع على قلوب الجاهلين الذين لا يريدون علماً بالله، ولا بكتاب الله، ولا برسول الله، ولا بسنة رسول الله، ولا علماً بالحقائق ليميزوا بينها وبين الباطل. طبع الله عليهم وأبعدهم عن الفهم؛ لأنهم لم يريدوا فهماً ولا علماً ولا إيماناً.
تفسير قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق)
تفسير قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق) قال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} [الروم:60]. أي: فاصبر يا محمد على كفر هؤلاء وعلى شتمهم وجحودهم، وذلك قبل أن يفرض الجهاد. فهذه السورة مكية، والجهاد لم يؤذن به في مكة، إن هو إلا الصبر، يأمر الله به رسوله، ويأمر به رسوله الناس، فكان رسوله عليه الصلاة والسلام يمر على أتباعه وهم يعذبون، ولا يجد لهم أكثر من أن يقول: (صبراً آل ياسر؛ إن موعدكم الجنة). يأتون إليه يريدون الحرب والقتال فيقول لهم: (لم أومر بهذا بعد)، ولم يؤذن بالقتال إلا في المدينة المنورة عند نزول أول آية في الأمر بالقتال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج:39]. فعندما استأذن المؤمنون رسول الله للقتال وكرروا ذلك أذن الله لهؤلاء الذين شهد بأنهم قد ظلموا، وأخرجوا من ديارهم بغير حق، وقوطعوا، وأخذت أموالهم وأولادهم وأملاكهم وطردوا من بيوتهم إلى بيوت غريبة وأرض غريبة، إذ ذاك أذن الله لهؤلاء المظلومين أن يقاتلوا فنصرهم. فقوله تعالى: {فَاصْبِرْ} [الروم:60] وقد فعل صلى الله عليه وسلم ذلك. وقوله تعالى: {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} [الروم:60]. أي: ما وعدك الله به يا محمد من نصر، وتفوق، وسحق للأعداء، وعودتك لمكة فاتحاً منتصراً معززاً، إذ أنزل عليك وأنت لا تزال في الطريق إلى المدينة مهاجراً: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص:85] فهو رادك لا محالة، وستحكم فيها كيف شئت، وتتصرف في رقابهم كيف شئت. فما وعدك الله به من نصر ونشر للإسلام في مختلف بقاع الأرض مشارق ومغارب، شمالاً وجنوباً، كل ذلك واقع لا محالة، فالذي وعد بذلك الله الذي لا يخلف الميعاد. وقوله تعالى: {وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} [الروم:60]. الأمر له لأمته كذلك، أي: لا يدعوك للخفة: خفة العقل والعمل والقرار المتسرع، وإياك أن تتبعهم أو أن تسايرهم في سلوك أو في دعوة أو في عمل. وقوله تعالى: {وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} [الروم:60]. أي: الذين لا يوقنون بيوم البعث، ولا يوقنون بك نبياً رسولاً، ولا يوقنون بأن الإسلام دين حق، وبأن القرآن كلام الله الحق، هؤلاء لا تهتم بهم ولا تلتفت إليهم، وإياك أن يستخفوك بأن تكون خفيف العقل، والسمع، أو تغتر أمتك بالكافرين، ويتبعون أعمالهم ويقولون بفلسفتهم ويتأثرون بدينهم. وبهذا نكون ولله الحمد قد ختمنا سورة الروم، ودخلنا في سورة لقمان.
لقمان [1 - 7]
تفسير سورة لقمان [1 - 7] أنزل الله القرآن الحكيم هدى ورحمة للمحسنين؛ أما الجاحدون الكافرون فإنهم يعرضون عنه ويعارضونه باللهو واللغو والمزامير وغيرها من لهو الحديث الباطل الذي يجعلهم خاسرين في دنياهم وأخراهم.
تفسير قوله تعالى: (آلم)
تفسير قوله تعالى: (آلم) قال الله تعالى: {الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ} [لقمان:1 - 3]. هذه سورة لقمان الحكيم رحمه الله ورضي عنه، آياتها (34) آية، نزلت آياتها على قلب نبينا صلى الله عليه وسلم وهو بمكة المكرمة، فهي بذلك سورة مكية. قال تعالى: {الم} [لقمان:1]، هذه الحروف المقطعة هي حروف الهجاء في لغة العرب، فمنها ركب القرآن وانتظم، وعليها قام، وهو مع ذلك معجز، أعجز الخلائق منذ نزوله وإلى يوم القيامة، وتحدى الله الخلق يوم نزوله أن يأتوا بمثله أو بسورة منه أو بآية فقط، فعجز الكل، ولم يستطع أحد من ذلك العصر إلى يومنا وإلى يوم القيامة. وأتى السخفاء بكلام يضحك الثكلى ويحمل على الهزء والسخرية وأرادوا به معارضة القرآن، فأتوا بالسخيف من القول وبالسقط من الكلام مما لا معنى له قط. وفي الغالب أنه عندما تذكر هذه الحروف تختم بالإشارة إلى آيات الله، فقال تعالى هنا: {الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [لقمان:1 - 2]، والضمير يرجع عادة إلى أقرب مذكور، ولا أقرب من {الم} [لقمان:1]، أي: تلك الأحرف الألف واللام والميم آيات الكتاب الحكيم. وقال تعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ} [البقرة:1 - 2]، والإشارة كذلك تعود إلى أقرب مذكور، وهي الألف واللام والميم. وبعض السور لم تعقب بهذا كما في سورة الروم: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم:1 - 3]. فإن الأمر يتم بالكلمة الواحدة، فإذا تكرر مرتين وثلاثاً وأربعاً وما فوق ذلك فقد تقرر، وكما يقولون في الأمثال: الشيء إذا تكرر تقرر، وقد تكرر ذكر الإشارة بتلك وبذلك عقب هذه الحروف، فكان ذلك تقريراً بحيث أصبح مثل القاعدة العامة، فإذا لم يذكر في بعض فمعنى ذلك أنه قد مضى وتقرر، والتكرار بعد أن يكرر مرات ومرات يصبح لا حاجة إليه.
تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب الحكيم)
تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب الحكيم) قال تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [لقمان:2 - 4]. قال تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [لقمان:2]. تلك الآيات الكتابية والأحرف الهجائية التي ترتب منها كتاب الله وكلامه المعجز هي بينات الله وأحكامه في الحلال والحرام وفي الإعجاز وبيان القدرة والآيات الدالات على الوحدانية والقدرة الإلهية. الحكيم: في أوامره ونواهيه، والحكمة: وضع الشيء في محله، والقرآن كذلك، فلا يضع أوامره ونواهيه إلا في محلها، فكان في ذلك البلسم الشافي لهداية الخلق إلى مصالحهم وإلى معاشهم ومعادهم وفي دنياهم وآخرتهم. قال تعالى: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ} [لقمان:3]. أي: حال كون تلك الآيات نزلت هداية ورحمة من الضلال ومن العذاب إلى طريق الحق المستقيم، والطريق الحق هي الإسلام ودين محمد عليه الصلاة والسلام، والقرآن الكريم هو الذي بين ذلك وأوضحه؛ فلذلك وصف بذلك على أنه حال له. وقرئ: (هدى ورحمة) بالرفع على أنه كلام مستأنف، أي: هذا الكتاب الكريم الحكيم هو هدى للناس ورحمة لهم، يهديهم من الضلال ويرحمهم من العذاب. وقوله: (لِلْمُحْسِنِينَ)، أي: للمؤمنين الذين أحسنوا طاعة ربهم والقيام بدينه، والإحسان يأتي في المرتبة الثالثة في بيان الإيمان والإسلام، وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فذكر المعتقدات فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر)، وسئل عن الإسلام فذكر الشريعة المطهرة: أن تصلي خمس صلوات في اليوم والليلة، وأن تصوم شهراً من كل عام، وأن تزكي مالك، وأن تحج بيت الله الحرام ثم سئل عن الإحسان فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). فالإحسان هو: أن تعبد ربك العبادة الخالصة له كأنك تراه ببصرك، فإن لم يمكن ذلك ببصرك فليكن ذلك في ضميرك ونفسك، وما تصل له بيقينك فعلى الأقل أن تعتقد اعتقاداً جازماً قاطعاً بأنك إن لم تره فإنه يراك، فإذا كان العبد يعبد الله تعالى ويعلم بأن الله يرى عبادته وقيامه وقعوده ويراه في ليله ونهاره ويستحضر هذا في نفسه فإن عبادته تكون خالصة من أن ينالها رياء أو سمعة أو إشراك بغير الله، وذاك المراد. قال تعالى: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [لقمان:3 - 4]. فهؤلاء المحسنون هم الذين يقيمون الصلاة، ونرى ذكر الصلاة يأتي دائماً بعد الشهادتين والعقائد والإيمان بالله وبكتابه وبرسله. وإقامتها: إتيانها في أوقاتها بأركانها وواجباتها وشرائطها مع الخشوع والاطمئنان والأذكار المذكورة والمطلوبة في الصلاة، تلاوة وتسبيحاً وتعظيماً وتكبيراً وقياماً وركوعاً وجلوساً وسجوداً، والصلاة هي: أفعال مخصوصة مبتدأة بالتكبير منتهية بالتسليم. فالمقيم لهذه الصلاة بكل أركانها وآدابها هو من المحسنين. قال تعالى: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [لقمان:4]، أي: يزكون أموالهم، والزكاة في لغة العرب: التنمية والنماء والزيادة، وظاهر الفعل أن الزكاة: النقص، أي: أنك ستنقص من مالك قدراً تؤديه لمن ذكر الله من الفقراء والمساكين ومن إليهم، ولكن هذا النقص هو زيادة في الحقيقية، قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة:276]. فالزكاة تنمي المال وتضاعفه وتكثره ما دمت تؤدي حق الله فيه، وحق الفقراء والمساكين، وحق القرابة وذوي الأرحام كما أمر الله جل جلاله. قال تعالى: {وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [لقمان:4]، كررت (هم) للتأكيد، أي: هم يوقنون بالآخرة دواماً واستمراراً، وإيمانهم بالآخرة وبيوم القيامة والبعث وعودة الأرواح إلى أجسادها يوم عودة الحياة ثانية لا شك فيه ولا ريب ولا تردد، وذلك يقين في القلب، وهذه عقيدة يوقن ويؤمن بها المسلم وإلا لكان شاكا ًمرتاباً متردداً، والشك والارتياب كفر، وقد بنيت عقيدة المسلمين على اليقين القاطع الذي ليس فيه شك ولا ارتياب. فهؤلاء المحسنون الذين يقيمون الصلاة ويؤدون الزكاة مع إيقان ذلك في أنفسهم عقيدتهم ثابتة بأنهم فعلوا ذلك لله ولما أمر به، وما نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام من وحي ورسالة، وهم يوقنون بأن يوم الآخرة يوم حق، فهم يعملون لذلك، حتى إذا عرضوا على الله وسئلوا عن أعمالهم كانوا موقنين متأكدين غير شاكين ولا مرتابين في يوم البعث.
تفسير قوله تعالى: (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون)
تفسير قوله تعالى: (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) قال تعالى: {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة:5]. أي: أولئك الموقنون بيوم القيامة المصلون المزكون المحسنون في عبادة ربهم على هدى من ربهم، فهم على هداية وعلى بيان وحق وعلى نور من أمرهم. قال تعالى: (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، الذين أفلحت وجوههم وطابت أعمالهم وزكت عبادتهم فقبلها الله منهم، فكانوا مفلحين بالفوز والنجاة من النار، وبالنجاح يوم القيامة عند العرض على الله يوم الحساب، وبالانتقال من النار ومن غضب الله إلى الجنة خاتمة المطاف. فهؤلاء المحسنون المصلون المزكون الموقنون على هداية وعلى فلاح، وهم الذين يقبل الله أعمالهم وعقائدهم، ويجعلهم من الفائزين يوم القيامة حقاً.
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله)
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله) قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [لقمان:6]. يقول ربنا جل جلاله: من الناس ناس يشترون لهو الحديث ويدعون الحق في حديثهم، ويتركون كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم يذهبون يبذلون مالهم ووقتهم يشترون به اللهو والباطل؛ (ليضل عن سبيل الله بغير علم) أي: لتكون عاقبة عملهم ونهاية مطافهم فاللام للعاقبة، أو يفعلوا ذلك من أجل أن يضلوا، وتكون اللام لام العلة. وإن كانت للعاقبة فإن ذلك بالنسبة للمسلمين، أي: إن فعلوا ذلك فإنما يفعلون ما تكون عاقبته ضلالاً ومعصية وباطلاً. وإن كانت اللام للتعليل فالمعنى أنهم فعلوا ذلك لعلة شراء الباطل واللهو؛ وليضلوا بذلك عن سبيل الله، أي: فعلوه عن نية سابقة وقصد ثابت؛ ليتخذوا من الضلالة هداية مستهزئين بدين الله وبكتابه، أي: ليتخذوا ذلك هزواً ولعباً. قال تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [لقمان:6]، فالله يعذبهم العذاب المذل المهين؛ جزاء ما لعبوا في الدنيا واستهزءوا بالحق واشتروا اللهو والباطل. وعن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وجماهير التابعين والأئمة وأقسم ابن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات بأن اللهو هنا هو الغناء والمزامير وما يلهيك عن الله وكتابه وعبادته، واستشهدوا على ذلك بقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام) أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فالقينات والمغنيات والجواري لا يجوز شراؤهن لهذا المعنى، قال ذلك الصحابة، وممن قال ذلك من التابعين سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب في طائفة من كبارهم وجماهيرهم، فقالوا: إن اللهو هو المزمار وآلات الغناء، وهو الغناء المشغل عن الله الذي تشغل به زمانك وحياتك كلها من الصباح إلى المساء ومن الليل إلى النهار، وتشتريه ببعض المال؛ لتضل عن سبيل الله، ولتنتقل من الهداية إلى الضلال، وتتخذ ذلك هزواً بالآيات وبالإسلام وبالحق الذي جاء عن الله، فهذا الغناء والمجون إذا اشتريتها بمالك فقد اشتريت اللهو بمال وثمن، وعندما تعكف عليهما ليلك ونهارك والناس يعبدون الله ويصلون ويصومون ويتلون ويتهجدون، وأنت من رواية فاسقة إلى مغنية داعرة إلى كلام يدعو إلى الباطل والفحشاء إلى أنواع من الخنا ومن الفحش، ومما لا يجوز من هتك الأعراض وذكر المرأة ومداخلها وبواطنها فقد اشتريت اللهو الباطل بالمال وبالزمن، تركت الحق والعمل بالحق، وذاك باطل ولهو يشغلك عن الله وآياته والدين الحق. والله عندما يقول: (ومن الناس) أي: من الناس الذين يزعمون الإسلام ومن الناس الكافرين كذلك من يتخذ الغناء والطرب وآلاتهما بكل أشكالها مع المغنيات وكشف أعراضهن وأصواتهن المتخنثة المتكسرة وكلامهن الفاحش، من ذكر محاسن المرأة التي لا تربطك بها رابطة، ورؤيتك لشعرها وخصرها وهتكها لبطنها ولعبها بجسدها، وذاك الباطل الذي لا يجوز أن تشغل به نفسك، زيادة على أنك تدفع فيه المال وتشتريه، فالمال في ذلك حرام أخذه أو دفعه، مع ضياع المال والوقت، وترك عبادة الله وتلاوة القرآن والصلاة والصيام والزكاة والذكر والتهجد والاعتكاف وكل أنواع العبادات، فيدع هؤلاء الناس الذين قال الله عنهم: (ومن الناس) كل ذلك، ويشترون الباطل بالمال، ويضيعون الزمن في سبيل ذلك. ولهو الحديث هو: الحديث الباطل والذي ليست نتيجته ونهايته إلا الإفساد، من إفساد الرجال والصبيان والنساء والبنات والخدم عن الحق، وشغلهم بالباطل، وتهييج أفكارهم وما في نفوسهم للفاحشة وما يرتبط بها قولاً وعملاً. قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [لقمان:6] فهو يفعل ذلك وهو لا يعلم أن الله حرم ذلك، ومنع منه، مع أن العقل السليم يأمرك ألا تبذل المال فيما يضر فكرك ومالك وزمانك وما يضيع عليك ما ينبغي أن تشتغل فيه بالحق لتدخره ليوم القيامة عند الله، كما قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة:197]، وهذا الزاد الذي ستقدمه بين يديك يجب أن يكون عبادة وتلاوة وذكراً وأنواعاً من العبادات منوعة ومشكلة، فلا تذهب فتتزود بالباطل وباللهو، فإنك بذلك تجهد نفسك يوم القيامة؛ لأنك قد تزودت بكل غث وباطل وزهيد بما لا تعود عليك نتائجه إلا بالكفر والإفساد والباطل الذي لا حق فيه ولا نور ولا ضياء. قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [لقمان:6]. أي: ليكون ضلالة، فاللام لام العاقبة في تفسير وقول، أي: لتكون العاقبة والنتيجة لمشتري الباطل والضلال والفساد والظلمات بعضها فوق بعض بغير علم من الله ولا دليل له ولا برهان من عقل أو نقل، فهو يتصرف تصرف الجاهل البعيد عن الحق عملاً وقلباً، والبعيد دليلاً عقلياً ونقلياً من الكتاب والسنة. قال تعالى: {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} [لقمان:6]، أي: يتخذ آيات الله ودينه ورسالته هزواً يهزأ بها ويشتغل بالباطل، ويهزأ بالعبادة الدائمة ليلاً ونهاراً، وفي كون الإنسان يركع ويصلي، فمن وصل إلى هذا فقد وصل إلى الكفر والشرك، وليس بعد الكفر ذنب، وقد يكون ذلك عن جهالة، ولكن العاقبة تكون انتقاله من الهداية إلى الضلال ومن النور إلى الظلام. قال تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [لقمان:6]، أولئك الذين يشترون اللهو الباطل بالمال؛ ليكونوا مستهزئين بالحق وبالنور لهم عذاب مهين، أي: يهينهم الله بعذابه ويذلهم، فيتحملون أنواع المهانة؛ جزاء ما كانوا يظنون أنهم في دار الدنيا يشترون السرور والعزة والراحة وما ظنوه حقاً وسلواً وإذا به العذاب المهين يوم القيامة. ويدخل في ذلك كل ما يلهي عن الحق وعن الصلاة والتلاوة وعن العبادة، فما شغل الإنسان عن وقت الصلاة وكان حاملاً على السباب والشتائم وكان سبباً إلى القطيعة بين الأرحام والأصدقاء يدخل في الآية، وما آل للباطل فهو باطل، وما آل للحرام فهو حرام، فقطيعة الأرحام وما يوصل إليها حرام، ومقاطعتك المسلم لدنيا ولباطل حرام، فما يوصل إلى ذلك فهو حرام، ومن ذلك الشطرنج. وبعض السلف أباح لعب الشطرنج وهم قلة قليلة، وروي ذلك عن الإمام الشافعي وإبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن أبي وقاص من علماء المدينة وأئمتها وعن الكثيرين، وقالوا عن الشطرنج: يعلم الرأي والفكر والسداد، ولكن ذلك إذا كان لا يشغلك عن الصلاة والعبادة وتعلم العلم وما يكفيك في حياتك للمعيشة ولا يحوجك للناس ولا يبذل ماء وجهك للناس. على أن أكثر الذي ولعوا بلعب الشطرنج يشتغلون به الليل والنهار، ويشغلهم عن الصلوات، فيصلونها جميعاً وينقرونها نقراً، ولا يفكرون بعد ذلك في مصلحة دينية ولا دنيوية، ونعلم من ذلك الكثير الكثير مما كان سبباً لخصامه مع أهله والافتراق بعد ذلك والطلاق، وأحدهم كان يغيب عن زوجته الليالي ذوات العدد، فإذا عاتبته ولامته صاح في وجهها، فنشأ عن ذلك الخصومة والغث من القول، وكانت النتيجة الطلاق. فإذا كان الشطرنج أداة باطل ولهو وتمزيق الأسرة وقطيعة الرحم فهو مما حرمه الله وأجمعت عليه الكتب السماوية والرسل في جميع رسالاتهم، وزاد ذلك بياناً خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم في كتابه الخاتم للكتب، فهو يدخل في هذه الآية.
سبب نزول الآية
سبب نزول الآية وقال قوم: إن سبب نزول هذه الآية أن النضر بن الحارث أحد المشركين من كفار مكة الذين عاندوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وقد خرج أخيراً في غزوة بدر يقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فأسر، فقتله صلى الله عليه وسلم صبراً كما قتل عقبة بن أبي معيط. كان يرحل إلى فارس والروم فيأتي بقصص عن ملوك الروم وأكاسرة الفرس وخرافاتهم وحكاياتهم إلى مكة، فإذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الكعبة وهو يعلن للناس كتاب الله ويقرأ عليهم من آياته يقول لهم: لا تذهبوا إلى محمد، وائتوا إلي فأنا كذلك أحفظ من القصص، وقد أتيتكم بقصص الفرس والروم وفيها من الغرائب والقصص ما يسليكم أكثر من ذلك، فكانوا يجتمعون إليه، وكان أحياناً يبذل على ذلك مالاً، وكان يأتي بالقينات والمغنيات، ويدعو إليه هؤلاء الذين يريدون الإسلام فيقص عليهم من تلك القصص، ويأمر الجواري بأن يغنين له، ويعارض بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلاوته للقرآن وذكره القصص التي أتى بها عن الأنبياء والأمم السابقة، ويقول لهم: إن حدثكم محمد عن عاد وثمود فأنا أحدثكم عن فارس والروم. وهذا السبب والنقل لو كانا صحيحين فقد قال علماؤنا في جميع آيات القرآن والأحاديث النبوية: العبرة في عموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالعبرة من الآيات ومن القرآن والسنة بما يؤديه اللفظ، وأما السبب ومن نزلت الآية فيه فذلك تاريخ لا دخل له في المعنى، إلا إذا احتيج لمعرفة البيئة والوقت الذي قيل فيه ذلك، ولعله يفيدك فائدة لم تكن في العموم، فتبقى الآية عامة.
من أنواع لهو الحديث في هذا الزمان
من أنواع لهو الحديث في هذا الزمان ومن لهو الحديث هذه الأفلام ودور السينما وأنواع الإذاعات والمسلسلات والروايات الضالة الباطلة التي تنشر الفاحشة والكذب والباطل. وهذه الأفلام العارية الداعرة الفاسدة ينفق عليها المال، وهذه الصحف والمجلات ما أكثرها! وما أقل أن ترى جريدة أو مجلة منها في أرض العرب والمسلمين لا تنشر من الفاحشة ومن الضلال ومن الكفر ومن المعصية ما تحارب به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم! وهناك صحف ومجلات خصصت لهذا فقط، وفيها ما فيها من أنواع الفاحشة والدعوة إليها والسعي عليها، ويقرؤها فتياننا وفتياتنا، وفي ذلك من نشر الفاحشة والسوء والباطل ما تكون هذه الآية في شرحها وبيانها كأنها أنزلت من أجلها وهي كذلك. قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [لقمان:6] فذاك لهو الحديث يشتريه وقد يبالغ فيسافر من أجله ويشتري تلك الأفلام ويجعل لها عرضاً في بيته، ويدعو الناس للتفرج والسهر عليها، وعباد الله المؤمنون في بيت الله يتهجدون لله قائمين وساجدين وذاكرين وعابدين وأولئك مع الشيطان، يهنيهم بفحشهم، وهكذا ليلهم ونهارهم، ويزداد هذا في شهر رمضان، ويجعلون ذلك من السرور واللهو، ويقولون عنه: اللهو البريء، وليس من البراءة في شيء، وإنما هو اللهو الباطل الفاحش الداعر الذي حرمه الله وتضيع فيه الأوقات. {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} [لقمان:6] حتى إذا جاءه مؤمن في تلك الحالة وقال له: يا فلان! إلى متى وأنت تعتكف على هذه الأصوات، ومتى تتزود للآخرة؟ سخر منه وقال له: خذ أنت ذلك الزاد، واربح أنت ذلك الرزق، فلا حاجة لي فيه، فهذا هو الهزء بآيات الله وكتابه، وقائل ذلك مرتد كافر، قد خرج عن الإسلام بذلك. أما الكافر من أصله فلا يستغرب ذلك منه، إذ ليس بعد الكفر ذنب، وهو بكفره فعل ذلك أو لم يفعله خالد مخلد في النار أبداً سرمداً.
حكم الألعاب الرياضية
حكم الألعاب الرياضية والألعاب الرياضية إن قصدت للجندية؛ لتقوية البدن وإعداد النفس للجهاد في سبيل الله، ومن ذلك الكرة واللعب بالسيف والفروسية على الخيل وضرب الإشارة والأهداف والجري عدواً، فكل ذلك مطلوب شرعاً، بشرط ألا يشغلك ذلك عن وقت الصلاة، ولا يكون فيها باطل من سباب وشتائم وخصومات قد تصل إلى الضرب أو إلى القتل، فإن وصل إلى ذلك فهو مما حرم الله ونهى عنه. ولكل شيء بداية ونهاية، فلا يجوز تجاوز الإنسان معاني الرياضة من الألعاب الرياضية التي تقوي البدن وتعين الشخص على الجهاد والقتال، وقديماً قالوا: العقل السليم في الجسم السليم، فإذا فعلتها ليسلم بدنك وتكون أعضاؤك لينة قابلة لحمل السلاح براً وبحراً وجواً مستطيعاً للركوب على الخيل إن احتجت إلى ذلك للجهاد وللقتال، فهو بهذه النية لمن يفعله يعتبر عبادة وأجراً وثواباً، وأما أن يشغلك عن الصلاة حتى يخرج وقتها فهذه كبيرة من الكبائر، ولقد قال علماؤنا وسلفنا الصالح: من ترك الصلاة كفر، وتركها أن تخرج فرضاً واحداً عن وقته بلا عذر شرعي، ففاعل ذلك يعتبر متهاوناً في الصلاة وتاركاً لها، فإن أداها فقد ارتكب كبيرة فليستغفر الله ولا شيء عليه غير ذلك، فإن كرر ذلك عزر، والتعزير عند بعض الأئمة عشر جلدات، وقد تزيد على ذلك إن أصبح ذلك سمة وعادة وخلقاً لهذا المتهاون بالصلاة المخرج لها عن أوقاتها.
تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها)
تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها) قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [لقمان:7]. وإذا تتلى على هذا الإنسان الذي يشتري لهو الحديث والباطل بماله {وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [لقمان:7]. أي: هؤلاء الذين يشترون الباطل ولهو الحديث بالمال إذا ذكرتهم بالله وتلوت عليهم كتاب الله وذكرتهم بالحلال والحرام قاموا في وجهك وابتعدوا عنك كأنهم لم يسمعوا، ولغوا في كلامك واستهتروا بك وولوا وابتعدوا وأدبروا عن سماع كلامك. قال تعالى: {كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا} [لقمان:7]. أي: كأن ثقلاً وصمماً في آذانهم، فهم يهزون أكتافهم مستهترين لاهين متلاعبين، وكأنك لم تقل وكأنهم لم يسمعوا. قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا} [لقمان:7]، أي: أعرض في حال تكبره وتعاظمه عن سماع الآية والدعوة الحق والموعظة الحسنة وأنه خلق للعبادة لا للهو، ولكل شيء قدر، وحتى اللهو، فإن كان فيكون بمقدار لا يبعدك عن العبادة بعد ذلك، ولا يكون الوقت والزمن كله لهواً وباطلاً. قال تعالى: {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [لقمان:7] فهؤلاء الذين يصنعون هذا يرفضون أن يسمعوا الكلمة والموعظة الحسنة، وإذا قيلت لهم أعرضوا عنها مستكبرين متعاظمين، وإذا سمعوها أظهروا أنهم لم يسمعوها، وكأن في أذنهم ثقلاً وصمماً وأنهم لا يسمعون بشرهم بعذاب أليم.
لقمان [8 - 11]
تفسير سورة لقمان [8 - 11] وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات النعيم، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وذلك من فضل الله الذي خلق هذا الكون بسماواته وأرضيه، فيجازي المؤمنين من فضله، والكافرون لهم عذاب شديد.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [لقمان:8 - 9]. يقرن الله العذاب بالرحمة ويقرن الرحمة بالعذاب، حتى تسمع الأذن في آن واحد عذابها ونذارتها إن هي عصت، وتسمع نعيمها وبشرياتها إن هي أطاعت وعبدت حقاً بلا رياء وكبر وشرك، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [لقمان:8]. الذين آمنوا بالله رباً وبالقرآن كتاباً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، وعملوا الصالحات، فأقاموا الصلوات الخمس في أوقاتها بأركانها وشرائطها، وصاموا شهر رمضان من كل عام، وأدوا الزكاة التي عليهم، وتركوا الباطل والمعاصي بكل أشكالها تركاً تاماً، فهؤلاء {لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ} [لقمان:8]، أي: يملكهم الله يوم القيامة الجنة، وليست جنة واحدة، بل جنات يتنعمون فيها، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فيها كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين خالدين فيها خلوداً أبدياً. قال تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا} [لقمان:9] وعد الله ذلك وعداً حقاً، فهو منصوب على المفعولية المطلقة، أي: قد وعد الله ذلك المؤمنين، فوعدهم بجنات النعيم الخالدة الدائمة أبداً، لا موت فيها ولا انقراض ولا نهاية لنعيمها ولذائذها وسعادتها، وذاك وعد الله الحق الذي ليس بالباطل ولا بالكذب، {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة:111]؟ لا أحد. قال تعالى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [لقمان:9] الله العزيز الذي لا يغالب ولا يقاوم، وليس لأحد في الأرض ولا في السماء أن يغالب ربه، لا من المؤمنين ولا من الكفار، فالجبابرة الطغاة لا يمكنهم ولا يستطيعون ذلك. والحكيم هو: الذي يضع الأمور في مواضعها، فما أحل أو حرم فكل ذلك بحكمته لصالح العباد، وكما قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: إن هذه العبادات التي قد نتعب فيها ونبذل لها من أوقاتنا وأزماننا وصحتنا لا ينال الله منها شيء، قال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج:37]، فهي كلها لكم أيها الناس! فلكم أجرها وثوابها، وأنفسكم خدمتم ولها قدمتم، فإن كفرتم فإن الله غني عن العالمين، فلا يضر الله كفر الكافرين ولا ينفعه إسلام المسلمين.
تفسير قوله تعالى: (خلق السماوات بغير عمد ترونها)
تفسير قوله تعالى: (خلق السماوات بغير عمد ترونها) قال تعالى: {خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [لقمان:10]. يقول جل جلاله: هذه السماوات التي ترونها الله هو الذي خلقها جميعاً بغير عمد، وهي قائمة بقدرته وبإرادته، وأنتم ترونها بأعينكم بغير عمد، فمن الذي حملها على ثقل جرمها وأطباقها طبقاً عن طبق؟ ومن الذي حملها في هذا الفضاء الواسع؟ ومن حمل ما بين السماء والأرض وحمل هذه الأرض وهي بغير عمد نراها؟ قوله: {وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} [لقمان:10]. الرواسي جمع راسية، والراسية هنا الجبل، أي: ألقى فيها وثبت جبالاً في مختلف قارات الأرض وبقاع العالم في مشارق الأرض ومغاربها في جميع القارات، فهذه الجبال كانت لحكمة إرساء الأرض أن تميد بكم، أي: كي لا تميد بكم ولا تضطرب وتميل براكبيها والمقيمين عليها، فتصير تارة بطناً وتارة ظهراً، فلا تكاد تقيم بناء بل ولا يستطيع أحد القيام على رجليه، فأرسى الله الأرض بالجبال؛ لكي لا تميد ولا تضطرب ولا تميل بساكنيها وبالمقيمين عليها، فالله خلق الجبال لحكمة، وهو قد وصف نفسه بالحكيم، والحكيم هو: الذي يضع الأمور في مواضعها. والعمد: جمع عمود، وهو الذي بناها فلم يحتج فيها إلى عمد، ونحن كذلك نراها محمولة بغير عمد، وهذه لا تحتاج إلى دليل لا من عقل ولا من كتاب، ونحن نراها رأي العين، ومثل ذلك الأفلاك العلوية جميعها والتي لا يحصي عددها إلا الله، ومثل ذلك الأرضين من الأولى إلى السابعة حملها ثم خلق عليها الجبال وأرساها بها كي لا تميل ولا تضطرب وإلا لمادت بنا واضطربت ولما حملت بناء ولا قائماً على رجليه، فالأرض تحتاج إلى من يرسيها، وقد خلق الله لها الجبال فأرستها وأقامتها حتى لا تضطرب. قال تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} [لقمان:10]. أي: بعثر وشتت ووزع في مختلف بقاع الأرض من جميع ما يدب على وجه الأرض ممن يمشي على رجلين وعلى أربع وعلى بطنه، ولم يذكر الطائر؛ لأنه قبل أن يطير كان يمشي على رجليه، ولا يبقى طائراً دوماً، بل يمشي على رجلين ثم يطير فينزل، ثم يطير، وهذه الدواب التي تدب على وجه الأرض من كل شكل ومن كل نوع لا يحصي عددها إلا الله، ولا يعلم أنواعها وأشكالها من الطير والحيوانات والحشرات إلا الله. وقد ذكروا في الصحف أنه اكتشف في أرض الفلبين تسعة آلاف جزيرة، وأكثر هذه الجزر خالية لا يذهب إليها أحد، ولا حياة فيها، فنزلوا في جزيرة فوجدوا فيها براكين قد طفئت ووجدوا في فوهتها حفرة حفرها بعض البشر من العصور الحجرية، وهم أناس يلبسون جلوداً من جلود النمور والضباع، ولا يفهمون لهم قولاً ولا كلاماً، وهم أشبه بالحيوان منهم بالإنسان وإن كانوا أجساداً كاملة بيدين ورجلين وسمع وبصر، ويعيشون على ما يصطادونه من البحر ومن الطير وحشرات الأرض، وقد حاولوا بكل ما يملكون أن يتفاهموا معهم فلم يتفاهموا، وذكروا أن أعدادهم عشرات وليسوا بالكثير وهذا أشبه بما قص الله علينا من قصة ذي القرنين الذي بنى السد، وذكر الله أنه وصل إلى أقوام لا يكادون يجيدون القول ولا الكلام، ولا يكاد يتفاهمون. ولا تزال أرض الله فيها من الغرائب والعجائب، وكل مرة يقولون: قد علمنا، ثم يجدون أنفسهم لا يعلمون شيئاً، وهذا كما قال تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:7]، فقد علموا بعض الظواهر وخفيت عنهم جميع البواطن والكثير الكثير من الظواهر كذلك. وأما إذا جئنا إلى البحار وما في أعماقها وإلى الأجواء وما بين الأفلاك والأنجم والكواكب فهم أجهل بذلك، وأما معرفتها فكما قال الله: {وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:7] فما الذي أغفلهم وأبعدهم عن العلم الحق والمعرفة بالله وإلى ما تئول بهم الحياة؟ قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [لقمان:10]. أي: وأنزل تعالى من السماء غيثاً مطراً فأنبت بهذا المطر من كل زوج كريم، ومن كل شيء زوجين. وهكذا خلق الله الخلق ذكراً وأنثى، لا يدومون إلا إذا كان الذكر مع الأنثى، الذكر يلقح والأنثى تتلقى، وهكذا يدوم النوع باللقاح وباللقاء بين الذكر والأنثى، وهكذا قل في النبات وفي الحيوان وفي الحشرات وفي الإنسان، فإذا اندثر فرع فمعناه لم يبق ذكر وأنثى بسبب انقراضهما، وكما يذكرون فقد انقرضت أنواع كثيرة من الحيوانات التي وجدوا آثارها قديماً في الحفريات التي حفروها، وهي لا تعرف اليوم، ويتخوفون أن يندثر الكثير الكثير من أنواع الحيوانات التي كانت بكثرة في الأرض، ثم قلت نتيجة الصيد والتجارة والحيوانات التي يصادونها في اللعب والفرجة وجمع المال بذلك. {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [لقمان:10]. قال الشعبي: {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [لقمان:10] إنسان وحيوان ونبات، فالإنسان أيضاً من الأرض، وخلق من الأرض، وأصلنا من التراب، ومن التراب تكونا بعد ذلك، وخلقت أمنا حواء من ضلع أبينا آدم كما أخبر القرآن وبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجميع النباتات والحيوانات وما يدب على الأرض خلق الله منه زوجاً، أي: اثنين ذكراً وأنثى، ونوح أخذ معه في السفينة من كل شيء زوجين، ذكراً وأنثى من أنواع الدواب والحيوانات وغيرهما؛ حتى تعود الحياة بعده مرة ثانية على وجه الأرض. وكريم أي: مبهج، كما قال تعالى: {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج:5]، أي: يبهج النظر، وهو الأحسن في النظر والأكرم في نفسه حسناً وبهاء وبهجة.
تفسير قوله تعالى: (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه)
تفسير قوله تعالى: (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه) قال تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [لقمان:11]. أي: يا هؤلاء! ويا أيها المشركون! ويا أيها الكافرون! هذا خلق الله، فهذه السماوات مرفوعة بغير عمد، والدواب المبثوثة في مختلف بقاع الأرض والأمطار التي تنزل غيثاً لكل زوج كريم بهيج في الأرض هي خلق الله، خلقها بقوله: (كن) فكانت. قال تعالى: {فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [لقمان:11]، أي: هؤلاء الذين تشركونهم مع الله وتجعلونهم شركاء معه أخلقوا خلقاً مثل خلقه؟ أم لهم سماوات انفردوا بخلقها أو أعانوا في خلقها؟ وهل هناك إنسان خلقوه؟ وهل أنتم ممن خلقوه؟ وهل رزقوكم أو أطعموكم أو أحيوكم أو شفوكم من مرض؟ وهل نفعوكم أو ضروكم؟ فإذا كان الأمر كذلك {فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [لقمان:11]، فهؤلاء الشركاء الذين جعلتموهم شركاء مع الله ماذا خلقوا؟ ودع عنك هذا الكلام أيها السامع! فهو إنما يجادل به هؤلاء ليقفوا على جهلهم، وليقف المؤمنون ويزدادوا إيماناً ويقيناً بأن هؤلاء كفرة لا منطق لهم من عقل ولا من نقل ولا من فهم ولا من رسالات سماوية ولا من فلسفات أرضية، وإنما هي جهالات لا يقولها إلا مجنون ذاهب العقل والفهم. قال تعالى: {بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [لقمان:11]. أي: بل المشركون، والظلم هنا: الشرك، والمعنى: بل الكافرون في ضلال وضياع وظلام، في كفر وشرك مبين ظاهر لذي عينين وعقل وفهم وإدراك، فهم لا دليل لهم على شركهم ولا برهان لهم على أعمالهم ولا شركائهم، فهم لم يخلقوا خلقاً كخلق الله أو يعينوا في خلق الله، فهم أبعد وأذل وأجهل من ذلك، وهم خلق من خلق الله، ولكن هؤلاء ضلوا فأضلوا، واتخذوا من الحجارة ومن خلق الله شركاء: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم:23].
لقمان [12 - 15]
تفسير سورة لقمان [12 - 15] من عباد الله الصالحين لقمان عليه السلام، فقد آتاه الله الحكمة فكانت تتفجر من بين ثناياه، وله وصايا عظيمة كثيرة، ومنها ما ذكر في القرآن من موعظته لولده بالتوحيد والحذر من الشرك، ثم طاعة الوالدين.
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله)
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله) قال الله جل جلاله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان:12]. لقد نوه الله بذكر لقمان وأشاد باسمه وخلده مع الخالدين وكأنه نبي من الأنبياء، وما هو عند الجماهير إلا ولي من الأولياء وصالح من الصالحين وحكيم من الحكماء. فـ لقمان جعل الله منه مثلاً لمحاسن الأخلاق والحكمة، ولنشرها وإذاعتها بين من يجب عليه أن يتحلى بمكارم الأخلاق التي جاء بها الإسلام، وجاءت بها قبل الإسلام الأديان السابقة، ولكن الإسلام أتمها وأكملها، وقال صاحب الرسالة المحمدية: (إنما بعث لأتمم مكارم الأخلاق). اختلف العلماء في حقيقة لقمان: من هو؟ وفي أي عصر كان؟ وهل هو نبي أو ولي؟ فجماهير العلماء على أنه صالح من الصالحين، وحكيم من الحكماء. وهناك رواية عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس أنه قال عنه: إنه نبي، والطريق إليه لا تصح، ولو صحت لكان قد انفرد بقول لم يقل به غيره. ولم يذكر الله عنه نبوة ولا رسالة، وإنما ذكر أنه آتاه الحكمة. وقيل: إن لقمان حفيد ابن عم إبراهيم خليل الرحمن وأبي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقيل: هو ابن أخت أيوب نبي الله، وقيل: هو ابن خالته. وعلى هذا فهو حر من الأحرار ذو نسب معلوم، إما من عشيرة إبراهيم، أو هو من حكماء بني إسرائيل، وكل هذا قد نقل عن بني إسرائيل ولا يعتمد، ولم يأت فيه شيء صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما الذي صح هو ما في الآية الكريمة، وأنه حكيم من الحكماء أنطقه الله بالحكمة فتفجر بها لسانه، وأصبح ينطق بها بما لو جمع لملأ مجلدات ضخمة منذ العصور الساحقة إلى يوم الناس هذا. وقال قوم: هو حبشي، وقيل: نوبي. وقيل: هو عبد كان لبني حسحاس يرعى إبلهم ويخدمهم خدمة الموالي لساداتهم، ووصفوه بالسواد وبالمشافر وبالشعر المفلفل وبشق القدمين وبالفطس. ولو كان كذلك لم ينقصه ذلك شيئاً في مقامه وفي حكمته، فالإسلام لم يفرق بين الألوان والأجناس: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم)، وقال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13]، وقد كان المولى من سادات الصحابة كـ بلال مؤذن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذلك جهجاه أجير عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان هكذا الكثير من السلف، وما زادهم ذلك إلا ذكراً وصلاحاً واتباعاً وقدوة بين المؤمنين. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} [لقمان:12] يقول ربنا جل جلاله بأنه آتى لقمان ومنحه وأكرمه بالحكمة. والحكمة هي: الفقه والفهم والعلم، وإصابة المحز في القول والفعل، ولقد كان لقمان حكيم اللسان والقلب، حكيم النصائح والمواعظ، والله جل جلاله سيقص علينا في هذه السورة التي سميت به نصائح منه ومواعظ لولده. فقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان:12] أي: آتيناه العلم والفهم والإصابة فيما يقوله ويفعله ويدعو له، قالوا: رآه مرة عبد زنجي فقال له: ألست كنت معي راعياً لأغنام بني فلان، قال: بلى، قال: بم نلت ما نلت؟ قال: لأني لم أشتغل إلا بما يعنيني، ولم أر يوماً فيما يعتبر لهواً وباطلاً، وأقول القول إذا علمته، وأسكت عما لا أعلم، وأحترم من سبقني بالعلم والسن والفضل، ومع ذلك أعترف لله بالفضل وبالإكرام، فهذا الذي أنزلني ما تراه! وهكذا: العلم يرفع بيتاً لا عماد له والجهل يخفض بيت العز والنسب {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} [لقمان:12] أي: أن تشكر لله على ما أعطاك يا لقمان، والشكر يكون باللسان وبالجنان وبالأركان، فالشكر على المال الإعطاء منه نفقات وصدقات وزكوات واجبات ونوافل، والشكر على الحكمة أن تؤديها كما ملكتها لمن لا يعلمها، فتعلم الناس الحكمة وتوجههم إلى الخير، تلك زكاتها وذلك شكرها، مع القول باللسان: أشكر الله على ما تفضل به. وقوله: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [لقمان:12] أي: من شكر ربه وحمده على ما أعطاه فهو في الحقيقة يشكر نفسه، ولها قدم، ومن أجلها عمل، فثمرة الشكر أن يكون صاحبه من أهل الخير ومن أهل الجنة، ممن رحمهم ربهم ورضي عنهم، ورفعهم إلى درجات الصالحين والصديقين والحكماء. إذاً: الشكر على الحكمة والشكر على المحاسن والمزايا والمكارم هو شكر الإنسان لنفسه، وأجره وثوابه له، والعاقبة للمتقين. وقوله: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان:12] أي: ومن جحد النعمة وكفرها ولم يعترف بها ولم يشكر الله عليها فإن الله غني عنه، وهو المحمود في السماوات والأرض، وهو صاحب الحمد المطلق على ما أولى به وأنعم وما خلق ورزق وهدى. فكفر الكافرين لا ينقص من ملك الله شيئاً، وإيمان المؤمنين لا يزيد في ملك الله شيئاً، وإنما من كفر فنفسه أضر ومن شكر فنفسه نفع.
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله)
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله) قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13]. أي: اذكر يا محمد وتذكر لقمان عندما أخذ يعظ ولده بالحكمة ويعلمه إياها، وكان أول ما قال له: {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13]. فأول حكمة علمها لولده بألا يجعل مع الله شريكاً ولا نداً، وإنما يعبد الله الواحد الذي لا ثاني له في ذات أو صفات أو فعال، وبأن يمحص الله الوحدانية وأنه الرب والإله الواحد الخالق الرازق، لا ثاني معه ولا مؤازر ولا شريك، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً. قال وهو يعظ ويعلم ويرشد ولده: {لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13]، أي: الشرك أعظم أنواع الظلم، ولا ظلم أكبر ولا أعظم منه؛ لأنك ظلمت الحق فأزلته عن مكانه وأعطيته باطلاً لما ليس له ولا يستحقه، ونزعت الألوهية برأيك الضال وأعطيتها مخلوقاً مرزوقاً، وأعطيتها من لا يضر نفسه ولا ينفعها، وأعطيتها لمن خلقه الله، ثم أنت ظلمت نفسك بابتعادك عن الحقائق، بأن جعلتها وصنفتها مع المشركين الكافرين، ومن صنع ذلك بنفسه فقد أهلكها وأوردها المهالك، وقد أخلدها مع المشركين والكافرين وابتعد عن عباد الله الصالحين. ومن أجل ذلك كان الشرك ظلماً، بل كان أشد أنواع الظلم، والله تعالى عندما يقص علينا قصة لقمان الحكيم بمواعظه وحكمه لولده إنما يرشدنا لأن نتخذ من تلك المواعظ حكمة وعلماً وفهماً، وأن لقمان قد وصفه الله بالحكمة وآتاه الحكمة، وأن ما علمه ولده يجب أن يتعلمه كل الناس كباراً وصغاراً رجالاً ونساء، فحكمته هذه التي قصها الله علينا في كتابه ينبغي أن نتخذها حكمة لنا، ونتخذ لقمان في ذلك أستاذاً ومرجعاً في مثل هذه المحاسن من الأخلاق والإيمان بالله، والكفر بالمشركين ممن لا وجود لهم ولا حقيقة لهم ولا ثبات. {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ} [لقمان:13] (يا بني) قرئت: (يا بنيي) وقرئت مسكنة (يا بنيْ) وكلها في القراءات السبع المتواترة، وكلها بمعنى واحد. فهو ينادي ولده متحبباً مدللاً له بالتصغير: (يا بني)، وبني تصغير ابن، فقد يكون صغيراً، وهو صغير على أي اعتبار بالنسبة لوالده، وقد يكون شاباً كبيراً ولكنه يصغره تدليلاً له وتحبباً، لينقل عنه الحكمة ويعمل بما جاء فيها، والولد بدوره ينقلها لأولاده عندما يكونون، وهكذا تتسلسل الحكمة في سلالة لقمان ومن يسمعها فيتعظ بها. وقوله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] من الشرك بالله ما زعم اليهود والنصارى عندما قالت اليهود: عزير ابن الله، وعندما قالت النصارى: الله ثالث ثلاثة، فهؤلاء أشركوا بالله وجعلوه ثلاثة، وأولئك أشركوا بالله وجعلوه اثنين، تعالى الله عن شركهم علواً كبيراً.
تفسير قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن)
تفسير قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن)
معنى قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه)
معنى قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه) قال الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان:14]. قيل: إن هذه الوصية هي من الله تعالى ذكرها بين وصايا لقمان لابنه وموعظته له، وقيل: هي من مواعظ لقمان، والسياق يقتضي ذلك وإن لم يكن التعبير مما يؤكده. قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ} [لقمان:14] أي: أي إنسان من سلالة آدم وحواء ابتداء من أولاده لصلبه وأولاد حواء لرحمها. فالله أوصى وأمر وفرض ووجه وأرشد بقوله: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ} [لقمان:14] أي: أوصى الله الإنسان بوالديه حسناً، أمر ببرهما وطاعتهما فيما لم يكن فيه معصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وأمر بالإحسان إليهما بالقول وبالعمل، وبخفض الجناح والصوت الهادئ، وبالكلمة اللطيفة، وبالإنصات والامتثال لكل ما أمرا به، حتى لقد قال فقهاؤنا: لو نادى الأب أو الأم الولد وهو في صلاته يجب أن يقطع الصلاة ويجيب الأب المنادي أو الأم المنادية، وقصة جريج العابد الصالح العارف مع أمه معروفه، قد قصها علينا النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك أنه جاءته أمه تناديه وهو يصلي، وكان يقول في نفسه: اللهم أمي وصلاتي، فلم يجبها، فدعت عليه بألا يموت حتى يرى وجوه الفواجر والعواهر. وإذا بدعوتها قد استجيبت، وإذا بـ جريج على صلاحه وعلى اعتزاله الناس للعبادة في برج من الأبراج في مكان منفرد به يتهم بالفاحشة، حيث تأتي امرأة حامل وتقول: زنى بها هذا الصالح. فيجر الصالح إلى الحاكم مسبوباً ملعوناً مضروباً، وتهدم صومعته، وهم يسألونه: كيف تدعي الصلاح وتزني ببنات الناس، وعندما شددوا عليه قال: اسألوا الطفل الوليد، فقالوا له: أتسخر بنا؟ قال: ائتوا به، وإذا به يقول للطفل: من أبوك؟ فيقول: فلان الراعي. في هذه القصة كرامة للأم حيث دعته فلم يجبها، وعقوبة له حيث لم يجب أمه التي أوصى الله بها وبالأب، وجعل درجتهما تأتي بعد التوحيد، ولذلك يكثر الله في الكتاب الكريم ذكر التوحيد والدعوة إليه، ويعقب ذلك مباشرة بذكر البر والطاعة والإحسان بالوالدين: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان:14]. قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ} [لقمان:14] ثم أكد على الأم فقال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} [لقمان:14] أي: حملته ضعفاً على ضعف ومشقة على مشقة، كان الضعف الأول والوهن عندما حملت به في أيام الأشهر الأولى، ثم كلما ازداد وكبر في بطن أمه ازداد وهنها وازدادت مشقتها، حتى ولدته بألم ومشقة وضعف، ثم أرضعته بضعف ووهن إلى أن يتم رضاعه، وتبقى ضعيفة وقتاً بعد وقت وزمناً بعد زمن، حال الحمل وحال الرضاع وحال الحضانة، إلى أن يشب ويقف على رجليه، وحتى بعد أن يشب تشب معه المشقة والتعب وتكبر مع جميع الأولاد، فهم عندما يكبرون لا تنقضي مشاقهم ومتاعبهم، ولكنها تكبر بكبرهم.
معنى قوله تعالى: (حملته أمه وهنا على وهن)
معنى قوله تعالى: (حملته أمه وهناً على وهن) فقوله: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} [لقمان:14] أي: حملته في بطنها وفي رحمها ضعفاً مضاعفاً وزمناً بعد آخر ووقتاً بعد آخر؛ ولذلك جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سئل: (من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك)، فأوصى بالأم ثلاث مرات وبالأب مرة واحدة، لأنها من جنس ضعيف ومن ضلع أعوج كما يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام، فهي في بنيتها وفي فكرها ضعيفة، وجعل الله الوهن والضعف في الحمل عليها، فهي التي تحمل وهي التي تلد وهي التي ترضع وهي التي تحضن وهي التي تنشئ وتربي، فكان للوالدة على الوالد مزية في هذا؛ لأن الرجل قائم بنفسه، ومهما يكن من الولد فيجب أن يكون باراً بأبيه، ولكن الأب في الغالب هو مستغن عن الأولاد وليس كذلك الأمهات؛ لأنهن يتنقلن من ضعف إلى ضعف إلى ضعف إلى آخر أعمارهن. فالأم محتاجة إلى بر الأولاد وإلى رعاية الزوج، بل ومحتاجة إلى رعاية الأب إن بقي؛ فأوصى الله تعالى بالوالدين، وجعل الوصاية بهما بعد الدعوة لتوحيده والإيمان به، ومن هنا نعلم أن البر يأتي في الدرجة الثانية بعد التوحيد، والعقوق يأتي في الدرجة الثانية بعد الكفر والشرك بالله، (وسئل النبي عليه الصلاة والسلام: أي العمل أعظم؟ قال: لا إله إلا الله، قيل: ثم أي؟ قال: برك بوالديك). وظواهر الآي المتكررة بمختلف المعاني في كتاب الله تؤكد ذلك وتحض عليه، قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان:14] هي متعبة بحمل وكبر بطن ومشقة تتبعها أخرى إلى أن تضعه، وقد تموت قبل أن تضع، وقد تموت عند الولادة.
معنى قوله تعالى: (وفصاله في عامين)
معنى قوله تعالى: (وفصاله في عامين) وقوله: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان:14]، أي: فطامه عندما يفصل عن رضاع أمه وثدي أمه يكون تمام ذلك عامين. وخلال العامين تتعب الأم فهي تأكل لنفسها وتأكل لولدها؛ لكي يكون في ثديها لبن؛ ليتغذى الوليد ويعيش، فهي إنسان مكون من إنسانين، وقد يكون الحمل توأماً، فهي تتكون من ثلاثة، فتراها تأكل لتطعم نفسها ولتطعم وليدها معاً. وفطامه في عامين كما قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة:233]، وفي هذه الفقرة من الآية الكريمة يقول: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان:14]، أي: فطامه، وفي الآية الأخرى يقول: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة:233]. فالرضاع نهايته عامان لمن أراد أن يرضع وليده عامين، وإلا فمن لم يرد لسبب أو بغير سبب أن يكتفي بأكثر من عام أو أقل منه فله ذلك، ولكن رضاع الطفولة يعتبر في هاتين السنتين السنة الأولى والثانية، فبناء على ذلك يقول تعالى في آية ثالثة: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف:15]. مر علي كرم الله وجهه يوماً على عثمان في مجلس تحاكم فيه امرأة ولدت من ستة أشهر، يقولون: لم تتزوج إلا منذ ستة أشهر فكيف تلد لستة أشهر؟ وكانت تبكي وتصيح وتقول: والله ما كشف علي إلا زوجي وما عرفت الفاحشة في حياتي، وإذا بـ عثمان يأمر برجمها. فقال علي بن أبي طالب لـ عثمان: ألا تقرءون القرآن؟ قال: بلى، قال: إن المرأة تحمل لستة أشهر، قال تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف:15]، وقال عن فصاله: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان:14]، فالعامان أربعة وعشرون شهراً فبقي إلى الثلاثين ستة أشهر، فإذا بـ عثمان يقول: قضية ولا أبا حسن لها فأصبحت مثلاً. وعلي رضي الله عنه أوتي العلم، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، وهناك من يحاول أن يطعن في الحديث مع أنه قد ورد عن عشرات من الصحابة.
معنى قوله تعالى: (أن اشكر لي ولوالديك)
معنى قوله تعالى: (أن اشكر لي ولوالديك) وقوله: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان:14]، لقد قرن الله شكره بشكرهما، وشكر الله توحيده، وشكر الله في الدرجة الأولى النطق بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وقد شكر الله من وحده، وشكر الله من عبده، وشكر الله يكون باللسان وبالجنان وبالأركان، وكل ذلك شكر لله. وشكر الوالدين طاعتهما وخفض الجناح لهما وبرهما في كل ما يقر أعينهما، وكذلك فيما يتعلق بسكناهما وبمعيشتهما، وفيما يتعلق بالأدب معهما، ذاك شكرهما الواجب الذي لا يجوز لإنسان ما أن يقصر فيه. وقوله: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان:14]، أي: إلي النهاية وإلي ستصيرون وتعودون في الحياة الثانية، وهذا فيه معنى الوعيد ومعنى البشرى، فمن صار إلى الله وبعث وهو موحد لله كافر بالطواغيت بار بوالديه فالله يجازيه بالخير، ومن جاء مشركاً عاقاً لوالديه أو جاء مؤمناً ولكنه عاق لوالديه فسيجزى الجزاء الأوفى يوم القيامة بعذاب السعير وبالآلام، إلا أن يغفر الله له أو يتغمده الله برحمته ويعفو الأب والأم عنه، فذاك موقوف عليهما. وقيل للنبي عليه الصلاة والسلام: (إن شاباً يحتضر للموت ويريد أن ينطق بالشهادة فيعجز، فسأل: لم؟ فقيل له: كان عاقاً لأمه، وطلب الناس منها أن تسامحه وهو الآن يموت فترفض، فجاء عليه الصلاة والسلام إلى الشاب، وقال لأمه: سامحيه لعل الله ينقذه بك من النار، فقالت: لا أفعل، فكرر ذلك مراراً، فقالت: لا أفعل، فقال: إذاً نحرقه في الدنيا؛ فذاك أهون عليه من حريق النار يوم القيامة، فعندما رأت النار تشتعل وحمل ولدها بما أوهمت بأنه سيلقى في النار منعتهم، وقالت: أغفر له وأسامحه، فانطلق لسانه وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله). انظروا البر بالوالدين أخرس من أجله اللسان فلم ينطق بالشهادتين والتوحيد! وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله) وأول الناس الواجب شكرهم أبوك الذي كان سبباً في خروجك إلى هذه الدنيا، وأمك التي حملتك في بطنها تسعة أشهر وأرضعتك سنتين، وتحملت الكثير من أجلك، فيجب أن تُشكر الأم ويجب أن يُشكر الوالد، ويأتي شكرهما بعد شكر الله.
تفسير قوله تعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما)
تفسير قوله تعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) قال الله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان:15]. أي: إذا أمرك الوالدان بمعصية الله وأمراك بالكفر والشرك فلا تطعهما، حتى وإن جاهداك وأجهدا أنفسهما وبذلا كل قدرة وطاقة على أن تشرك بربك وتكفر بدينك وتتنكر لنبيك فهنا لا يطاعان، بل يجب أن يعصيا؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، هذا أصل ودستور من دساتير المسلمين الذي هو في المادة الأولى من دستور المسلمين العام، فلا يطاع حاكم ولا ملك ولا رئيس ولا أب ولا أم فيما إذا أمروك بالكفر بالله، أو بشرب الخمر، أو بإلغاء أحكام الله وبجعل القرآن خلفك ظهرياً، وبعدم الاهتمام بدينك. وعلى ذلك فهؤلاء الحكام والدول التي تسمي نفسها دولاً إسلاميه وهي تبيح الربا وتبيح الخمر وتبيح المعاصي وتبيح الفواحش وتلغي أحكام الله أمراً ونهياً في محاكمها لا تطاع ولا كرامة، وإن أحلفوك بأن كنت قاضياً مثلاً -فإنهم يحلفون القضاة على القرآن وبالله بطاعة أحكامهم والخضوع لأحكامهم- فلا يمين ولا طاعة لمكره، على أن القضاء لأمثال هؤلاء حكم بالباطل، وتعاون على الشر والكفر، وتعاون على معصية الله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فقوله: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا} [لقمان:15] أي: إن بذل الوالدان الجهد من أنفسهما على أن تشرك بالله وتكفر به فلا تطعهما ألبتة، فإن أنت فعلت كنت في النار وبئس المصير؛ لأن الطاعة هنا تقف، الطاعة لا تكون إلا في معروف من شئون الدنيا، أما إذا بلغت أن تكون الطاعة في معصية الله فلا، فالله المطاع أولاً، والواجب أن يطاع الله في كل ما أمر به، وأن يترك كل ما نهى عنه. وسبب نزول هذه الآية كما قال سعد بن أبي وقاص: إنها من أجله نزلت هذه الآية، فقد آمن سعد وهو من الرعيل الأول من قريش من أهل مكة، وكان باراً بأمه في الجاهلية، فعندما أسلم وآمن امتنعت أمه عن الطعام حتى يعود إلى دين آبائه، فأبى ذلك، ثم عادت أمه فأكلت.
لقمان [20 - 26]
تفسير سورة لقمان [20 - 26] من نعم الله على ابن آدم أن سخر له ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليه نعمه الظاهرة والباطنة، فكان عليه أن يعبد الله وحده، خاصة أنه يعلم أن خالق ذلك هو الله، لكن من الناس من يجادل في الله ويعبد غيره.
تفسير قوله تعالى: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض) قال الله جلت قدرته: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [لقمان:20]. لا نزال مع ربنا جل جلاله وهو يعلمنا من حكمة لقمان، ومن مواعظه، وما تخلل ذلك من آيات الله وبيناته، فمن ذلك قوله تعالى: (ألم تروا) والرؤية هنا المقصود بها رؤية القلب، التي تساعد على التدبر والتمعن. {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [لقمان:20] أي: يا أيها الخلق! ويا أيها الناس! من مؤمنين وكافرين، (ألم تروا). والاستفهام في الآية استفهام تقريري للبيان والتأكيد، أي: ألم تروا هذه السماوات السبع العلا، وهذه الأرضين السبع، وأن الله سخر ما فيها لكم، فسخر الأمطار لتنبت ما في الأرض والقمر والشمس يشعان على الناس وعلى النبات والأشجار، وسخر لكم الأجواء فأنتم تطيرون من إقليم إلى إقليم، ومن قارة إلى قارة، فتقطعون الأجواء، وتقطعون القارات من مكان إلى مكان، وسخر لكم الأرض بنبتها وزرعها وشجرها ومياهها وبحارها ودوابها، فكل ذلك مذلل ومسخر لك أيها الإنسان! ألا يكفيك ذلك دلالة على ربك، وعلى قدرته ووحدانيته وجلاله جل جلاله وعز مقامه؟! ألا يحملك ذلك على شكر الله آناء الله وأطراف النهار. قوله: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان:20]، أي: أن الله جل جلاله أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة بمعنى أنه أتمها، ومنه إسباغ الوضوء، أي إتمامه أركاناً وأعضاءً واجبات ووسنناً. وكذلك أسبغ الله عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، فالظاهرة نراها، والباطنة نحس بها ونشعر بها، تلك التي سخرها لنا في السماوات والأرض، وسخر لنا ما عليها وما بينها على أن نعم الله لا تحصى، ألا يدعونا ذلك إلى شكر الله وحمده؟ وألا يدلنا ذلك على أن الله جل جلاله هو الواحد القادر على ذلك، ولا أحد غيره؟ قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ} [لقمان:20]، أي: مع كل هذا يوجد من الناس من يجادل في ربه، ويقول القول بغير دليل ولا برهان، ولذا قال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [لقمان:20] أي: يجادل في ربه جاهلاً، لا علم عنده، سواء كان علم دنيا أو علم آخرة، فيجادل في الله بلا هدى، فهو لم يكن مؤمناً ولا مهدياً وإنما ضلاله وظلماته هي التي أوحت له أن يقول ما قال، وأن يجادل بما يجادل. فلا كتاب عنده يوضح الحقائق وينير البصائر، ويبعده عن الباطل، فالذين يجادلون في الله -وما أكثرهم- يجادلون في علم الله وقدرة الله ووحدانية الله، وهم مع ذلك في جهل وظلام وكفر، وفي إصرار على الجهل والباطل، ومعنى هذا أن الله جل جلاله يحذرنا ويعلمنا ألا نفعل ذلك، وإلا كنا من الضالين المبعدين، وكنا ممن يرى ولا يبصر، ويسمع ولا يدرك، وممن لا يعي بقلب ولا بفهم ولا بإدراك.
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله)
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله) قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [لقمان:21]. أي: ومن الناس فئة أخرى، إذا وعظوا بأن يتبعوا ما أنزل الله في كتابه، وبينه رسوله من حلال وحرام، وآداب ورقائق، وعقائد وقصص، رفضوا ذلك بحجة تقليد الآباء وقالوا: {بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [لقمان:21]. أي: إنما نتبع ونقلد ما وجد عليه آباؤنا من ضلال وكفر، ومن خروج عن الحق، ويفعلون ذلك بلا دليل ولا كتاب ولا إنارة قلب ولا علم ولا معرفة، وهذا هو التقليد الباطل للآباء وإن كانوا يعملون عمل الشيطان، ولو كان الشيطان هو الموحي لهم والذي يدلهم، وقد تركوا بذلك كتاب الله وسنة رسوله إلى الشيطان وإلى سنن الآباء غير المؤمنين. يقول ربنا جل جلاله: {أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [لقمان:21]. أي: حتى لو كان يدعوهم الشيطان إلى الضلال والباطل، ويدعوهم ليفعلوا ذلك، ويتركوا الكتاب المنزل، ويتركوا النبي المرسل صلى الله عليه وعلى آله، حتى ولو كان الشيطان إمامهم والداعي لهم، ولا يدعوهم الشيطان إلا إلى عذاب السعير، أي: العذاب المسعر الذي يحرقهم في جهنم وبئس المصير. تلك نتيجة اتباع دعوة الشيطان، وما يوحي إليهم به الشيطان، وهؤلاء استبدلوا الهدى والحق بالباطل، وأبوا اتباع الرحمن وما يوحي به.
تفسير قوله تعالى: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن)
تفسير قوله تعالى: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن) قال تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [لقمان:22]. يقول الله جل جلاله: أما أولئك الذين يجادلون ويخاصمون في ربهم بلا علم ولا كتاب ولا دليل ولا برهان، ولا نور من الله، فإنهم مع ذلك إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله، وما أوحى به الله، وما أرسلت به الأنبياء وخاتمهم صلوات الله وسلامه عليه أعرضوا، فتلك فئة الشيطان. قوله: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [لقمان:22] أي: من أسلم واستسلم لله مطيعاً له مؤمناً به، فاستسلم له في فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان:22]. وهذا الذي أسلم وجهه لربه كان ذلك حال كونه محسناً، والإحسان الدرجة الثالثة بعد الإسلام والإيمان، والإيمان أن تؤمن بربك وبالدار الآخرة وبيوم البعث، وأن تؤمن بالرسل، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى، وأن تؤمن بالجنة والنار. والإسلام: أن تصلي خمس صلوات في اليوم والليلة، وأن تصوم شهراً من كل عام وهو شهر رمضان، وأن تؤدي زكاة مالك إذا بلغ الحول، وأن تحج مرة في عمرك إلى بيت الله الحرام، وأن تترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن تمتثل أمر ربك جهد طاقتك وجهد قدرتك، والضابط في ذلك ما قاله عليه الصلاة والسلام: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا)، فالباطل يترك كله، والخير يفعل منه ما في قدرة الإنسان. فالذين يسلمون وجوههم لله، وهو الإسلام ومنه اشتق اسم المسلم، فالمسلم من أسلم وجهه لله سميعاً مطيعاً، لا يخرج عن أمره، ولا يخرج عن نهيه، يمتثل أوامر ربه وأوامر نبيه حال كونه محسناً عاملاً بالصالحات، وأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. أي: أن نعبد الله مخلصين له وكأننا نراه، وإن لم نكن نراه فهو يرانا، فإن كانت العبادة كذلك فستكون أكثر إخلاصاً وأكثر اطمئناناً وخشوعاً. {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان:22]، العروة: الحلقة التي يدخل فيها العقد، ثم أصبح معنى الاستمساك بالعروة الوثقى: أن يستمسك بعهد الله الوثيق، وبدينه الكامل، وبالعهد الذي تركه لنبيه وما أمر نبيه الناس به من الإيمان بالله وبرسل الله وبعمل الصالحات في خشوع واطمئنان وإخلاص، فمن فعل هذا فقد استمسك بالعهد الوثيق، وبالدين المتين، وبعهد الله جل جلاله وبالإسلام والعمل به، إلى لقاء الله ليفي الله بوعده وبعهده، قال تعالى: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة:111] وعهد الله أن يجازي بالجنة وبالرحمة من أطاعه، وأن يعذب من عصاه وخالفه. {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [لقمان:22]، أي: إلى الله العاقبة، وإلى الله النهاية في أمرنا كله، وفي أمر الله وخلق الله، وقدر الله وما أمر به، فيوم القيامة عندما نكون عنده يجازي المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته، فله العاقبة والمعاد، ولله الرجوع والمآب، فمن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها.
تفسير قوله تعالى: (ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم)
تفسير قوله تعالى: (ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم) قال تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [لقمان:23]. فنبينا عليه الصلاة والسلام كان حريصاً على هداية الناس، ولكن الله لم يكلفه بالهداية، وليست الهداية هي رسالة الأنبياء والرسل، وإنما رسالتهم أن يبلغوا الناس ما أمرهم الله بتبليغه. وأما الهداية فهي على الله، قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:272]، وقال تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56]. وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يجهد نفسه أحياناً في سبيل هداية الناس، فقال الله له: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:3]، أي: لعلك مهلكها ومؤذيها، وهذا لم يكن الأمر ولا الرسالة التي ابتعثت بها، وهذه الآية كتلك، {وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ} [لقمان:23]. أي: من كفر بعد البلاغ والرسالة، وبعد وحي الله الذي سمعه، وبلغه حلالاً وحراماً، وعقائد وآداباً، وقصصاً ورقائق، في هذه الحالة إن بقوا على كفرهم، وأصروا على شركهم، فلا يحزنك ذلك، فلهم عذابهم، ولهم كفرهم، وهم لم يضروا أحداً إلا أنفسهم، وليس عليك الهداية وإنما عليك البلاغ. {وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ} [لقمان:23]، أي: من كفر بعد البلاغ والتبليغ وبعد إسماعه كتاب الله وما أرسلت به فلا تحزن عليه، ولا تكرب من أجله، ولا تحمل نفسك ما لم تؤمر به مما لا طاقة لها به. {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا} [لقمان:23]، أي: إلينا مرجع هؤلاء ومآبهم، فهم سيحيون بعد الموت، ويبعثون إلى الله، ويعرضون عليه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وسيعلمون عند ذاك ما قدمت أيديهم، وما أسوأ فعالهم، فلكل نفس عملها وما سعت إليه، فسيعلمون عند ذلك من المحق من المبطل، وماذا كنت تأمرهم به، وهل كنت تدعوهم إلى صلاحهم وإلى جنتهم وإلى رحمة الله بهم أم إلى غير ذلك. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [لقمان:23]، الله جل جلاله العليم بما تخفي الصدور، وهو عليم بالضمائر، وبما لم ينطق به لسان، وبما ينوي به إنسان، فالله يعلم المعلن ويعلم السر وأخفى من السر، فالسر هو ما أسررت به لواحد، والأخفى من ذلك ما لم تنطق به وأضمرته فالله يعلم ما أسررت به لواحد أو أكثر أو أعلنت به بين الملأ، أو كتمته في نفسك فلم يسمع به أحد. وهذا إنذار من الله وتهديد ووعيد للذين كفروا، وأن مآلهم إلى الله، ورجوعهم إلى الله، فسيعلمون أن أعمالهم قد سجلت عليهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فقد اهتدى، ومن أوتي كتابه بيساره فقد ضل، وكان قد أبى الهداية وهو لا يزال حياً في دار الدنيا، والله عالم بأسرارهم، وعالم بضمائرهم، وعالم بما تخفي الصدور وبذوات الصدور.
تفسير قوله تعالى: (نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ)
تفسير قوله تعالى: (نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) قال تعالى: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لقمان:24]. وهذا التمتع القليل هو هذه الحياة الفانية، ومهما عاش فهي متعة قليلة، ولو عاش عمر نوح، فأين نوح وأين عمره؟ وأين الألف سنة والنيف التي عاشها، فقد مضى بعدها الآلاف والآلاف من القرون، وقد انتهى وكأنه لم يكن، وقد سبق أن قلنا: إنه عندما جاءه ملك الموت وسأله: كيف ترى حياتك هذه الطويلة؟ قال: كرجل له دار لها بابان، دخل عندما عاش من باب، ثم خرج عند الموت من الباب الآخر، وليس أكثر من ذلك. فمتعة الحياة التي يعيشها الإنسان قليلة مهما عاش منعماً، ومهما عاش في عز وسلطان وصحة وخدم وحشم وجاه ومال، فإن بعد ذلك الموت والقبر، فمن التراب أتينا وإلى التراب نصير، وهي متعة بين ذلك لا تكاد تذكر. وقد شبه صلى الله عليه وسلم الدنيا كلها كمسافر آذاه حر الشمس فاستظل تحت ظل شجرة، حتى إذا زالت الشمس أخذ طريقه وذهب في سبيله، هكذا الدنيا كلها. وهكذا عندما يبعث الكفار الضالون يوم القيامة، ويسألون: {كَمْ لَبِثْتُمْ} [الكهف:19] فيجيبون: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [الكهف:19] فيحسبون الدنيا كلها بما مضى فيها من القرون كيوم أو كبعض يوم. قوله: {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لقمان:24]، يضطرهم أي: يكرههم ويدعوهم بالضرورة إلى العذاب الغليظ، وإلى العذاب المؤلم الذي لا يطاق وإلى العذاب المهين الموجع، وهي جهنم، أعاذنا الله من حرها وعذابها.
تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)
تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [لقمان:25]. وهؤلاء على كفرهم آمنوا بالله، ولكنهم أشركوا معه غيره، فلئن سألتهم عن السماوات المرفوعة بغير عمد، وعن هذه الأرض التي أرسيت بالجبال، والتي يعيش عليها من كل دابة: إنساناً وجناً وحيواناً وطيراً، فإن سألتهم من خلق ذلك ليقولن الله: أي: ليقولن مقسمين؛ فاللام لام التوطئة للقسم، ومؤكدين ذلك بالنون المؤكدة، فليقولن: الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وخلق ما بين ذلك. {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} [لقمان:25]، أي: الحمد لله على أنه المنفرد بالخلق، الحمد لله على أن الله لم يكن له شريك في الملك، ولا في الخلق ولا في الأمر، فالحمد لله الذي جعل المشركين والأعداء، والذين جحدوا دينهم، وجحدوا وحدانية ربهم، يعترفون أن الله وحده الذي انفرد بخلق السماوات والأرض. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [لقمان:25]، أكثر الناس -وهم المشركون- لا يعلمون أن الله واحد لا ثاني له، ومع اعتقادهم، ومع اعترفاهم بأن الله الخالق للسماوات والأرض تجدهم يشركون مع الله غيره، ممن لم يخلق أرضاً ولا سماءً، ولم يخلق خلقاً كخلق الله ولا قريباً من خلق الله. إذاً فلم تعبدون ما لا يخلق وما لا يضر ولا ينفع، ومن ليس بيده حياة ولا موت؟! ليس هذا فعل العقلاء ولا فعل من خلق الله له هذه الدنيا، وسخر له السماوات والأرض، وسخر له الشمس والقمر، فهو مع هذا يسوس كل ما خلق وسخر له، فيأبى إلا الشرك بالله، وعبادة ما لا يضر وما لا ينفع، وهذا فعل من لا عقل له ولا سمع ولا بصر، وهؤلاء كما وصفهم الله: {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف:179]. قوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [لقمان:25] فأكثر الناس كافر مشرك، والمؤمنون ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، وقد قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103]، وقال: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116]، فأكثر الناس ما بين مشرك وكافر. ومن هنا نعلم بطلان تلك القاعدة التي يجعلونها في البرلمانات وفي المجالس الدولية، وفي المجالس الحكومية وهي: القول بالأكثرية، فليست الأكثرية مصيبة دائماً، بل الأكثر أن الأكثرية ضالة ومبطلة، وأن الحق ليس بقلة ولا بكثرة، إنما الحق بالدليل والبرهان، وقد ظهر نبينا عليه الصلاة والسلام في هذه البقاع المقدسة وهو يدعو الخلق إلى عبادة الله الواحد ويقول بما أمره الله به: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]. قام وهو وحده الموحد المؤمن في الأرض وهو الذي جاء بالحق ومعه الحق، وبعد أن جاء بالتوحيد وأنزلت عليه الرسالة، آمنت معه امرأة ورجل وغلام، آمنت خديجة، وآمن أبو بكر، وآمن علي رضي الله عنه، فكان هؤلاء وحدهم هم أهل الحق والثواب الأعظم، ومن يجب على الخلق كلهم أن يهتدوا بهديهم، ويؤمنوا إيمانهم، ويسلموا إسلامهم، وينيبوا إلى الله إنابتهم، والإنابة إلى الله الرجوع إليه عبادة وديناً، والرجوع إليه في الأوامر والنواهي، وفي الآداب والرقائق. فالله جل جلاله عندما يأمرنا بطاعته، وعندما يدلنا على دلائل وحدانيته، ودلائل قدرته إنما يدلنا لخيرنا ولمستقبلنا، ولكي نأتي الله يوم القيامة مؤمنين منقذين من عذابه؛ ولكي لا نصنف مع الكفرة والمشركين.
تفسير قوله تعالى: (لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد)
تفسير قوله تعالى: (لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد) قال تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [لقمان:26]. وهل غير الله في الأرض، فلله ما في السماوات والأرض ملكاً وخلقاً وقدراً، وله ما في السماء وما عليها وما فيها، ولله الأرض وما فيها وما عليها وما في باطنها، وما بين السماوات والأرض، قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم:93]، فالكل عبد وملك لله فكيف يصبح المملوك شريكاً للمالك؟! تلك خصلة لا يؤمن بها من رزق عقلاً وفهماً، فهؤلاء الذين يجعلون مع الله شركاء إنما يجعلون عباد الله وخلق الله الذين لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، بل هم عبيد الله وخلقه. قوله: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [لقمان:26]، أي: إن الله هو الغني عن عبادة خلقه، وعن أعمالهم، وهو المحمود الذي يحمده الكل بحق، طائعين ومكرهين بما رزقهم وخلقهم، ودبرهم وأعطاهم. فالله جل جلاله هو المنفرد بالحمد والمنفرد بالخلق، وهو الغني عما سواه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر:15]. فلا يوجد مخلوق على الأرض إلا وهو فقير لغيره، فالملك -على سبيل المثال- فقير للخباز، وفقير للبناء، وفقير للمرأة لكي تلد له، والفقير محتاج لكل شيء، فلا غني إلا الله، والكل فقير إليه. خرجنا من أرحام أمهاتنا لا نملك شيئاً فكسانا بعد عري، وأشبعنا بعد جوع، وملكنا بعد عوز، وعلمنا بعد جهل، وأعطانا بعد منع، جل جلاله وعز مقامه، هو الله الغني الحميد.
لقمان [27 - 31]
تفسير سورة لقمان [27 - 31] الله جل جلاله المتفرد بالخلق والرزق، لا يحيط الإنسان بعلمه ولا يدرك عظمته وجلاله، ومن ذلك أن كلماته لا تنفد ولو كتبت بماء البحار وأغصان الأشجار، ومن ذلك أن خلق الناس وبعثهم ليس إلا كنفس واحدة، ومن ذلك أنه يولج الليل في النهار والنهار في الليل.
تفسير قوله تعالى: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر)
تفسير قوله تعالى: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر) قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان:27]. نبينا عليه الصلاة والسلام هو الذي أوتي جوامع الكلم، وهو أفصح العرب وأبلغهم، وقد حمد الله بمحامد لا يقدر أحد من الخلق أن يحمده مثلها، ومع ذلك اعترف بالعجز والقصور أمام نعم الله، وأمام مقام وآلاء الله فقال: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، أي: فأنت وحدك القادر على أن تثني على نفسك، أما الخلق فهم عاجزون مقصرون. ولذلك عدد الله جل جلاله آلاءه، فذكر إجمال نعمه الظاهرة والباطنة، من تسخير السماوات والأرض للإنسان وتسخير الشمس والقمر، ثم بعد ذلك عمم فذكر ما لا يجمعه قلم، ولا يكتبه قرطاس، ولا يحفظه صدر فقال: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ} [لقمان:27]. يقول الله للناس: مهما علمتم عن الله فأنتم به جاهلون، فلو أن شجر الأرض جميعها بريت أقلاماً ثم جعلت البحور التي في الأرض عموماً -ولا مفهوم للعدد هل هي البحور المحيطة أو غيرها- فكل بحار الأرض لو كانت مداداً لهذه الأقلام، وكتبت الأقلام ثناءً على الله وصفاته وجلاله وعزته ومقامه لجفت الأقلام وانتهت الشجر من الأرض ولانتهت البحار مداداً، ولو صب بعضها في بعض سبع مرات، مرة بعد مرة إلى السابعة. وليس معناه أنه إذا أصبحت أكثر من سبع استطاعت أن تحصي كلمات الله، وعلم وجلال الله، فلا مفهوم للعدد، ولن يتم ذلك ولن يحصيه إلا هو. {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ} [لقمان:27]. أي: يزيده ويمدده من خلفه (سبعة أبحر)، وكما تقول لغة العرب التي بها نزل القرآن: إنه لا مفهوم للعدد، فلو انتهت وجفت وحفيت الأقلام لما نفدت ولا انتهت كلمات الله وعلوم الله وجلال الله جل جلاله وعز مقامه. وفي قصة موسى والخضر، أراد الله تعالى تعليم موسى وتأديبه عندما سئل: من أعلم الناس؟ قال: أنا، فقال الله له: الخضر أعلم منك، والخضر ليس نبياً عند الكثيرين، وإنما هو صالح من الصالحين، وولي من العارفين، فعجب موسى ورجا ربه أن يجمعه به ليراه ويتعلم من علمه، فتعب ورحل من المشرق إلى طنجة وهي مجمع البحرين، كما يقول أبو هريرة وغيره من الصحابة ومن التابعين، فلقي عناءً وتعباً أثناء رحلته إليه إلى أن كانت الأمارة فوجد الخضر وتعلم منه، وكان مغزى القصة: التأديب والعلم من الله لموسى عليه السلام. ومما تعلمه موسى من الخضر أنه ذات مرة وقف طائر صغير على البحر فأخذ بمنقاره قطرة، فقال الخضر: يا موسى! والله ما علمي وعلمك أمام علم الله إلا كهذه القطرة التي أخذها هذا الطائر من البحر. ولذلك يقول الله عن علم الخق: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:7]، فما علم كل الناس من الدنيا إلا ظاهراً منها والقليل القليل، وبواطنها وأسرارها ومعارفها المستتمة التي لا تراها عين، لم يعلم منها شيء. أما علم الآخرة فعلم منه الرسل، وعلم منه الصحابة، وعلم منه العلماء كل حسب درجته، وكل حسب مقامه، أما كلمات الله فلا تحصى، ولا يحصيها أحد؛ قال تعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف:76]، إلى أن يصل العلم إلى الله جل جلاله المنفرد بالعلم المطلق. {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان:27]، العزيز الذي لا يغالب ولا ينازع، له الأمر وهو القاهر فوق عباده، والحكيم في أمره ونهيه، الذي يضع الأمور في مواضعها، وهو الحكيم جل جلاله الحكمة المطلقة، وما الحكمة بالنسبة للناس، إلا صفة مقربة للمعاني.
تفسير قوله تعالى: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة)
تفسير قوله تعالى: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) قال تعالى: {مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [لقمان:28]، يخاطب الله الذين جهلوا جلاله ومقامه، ولم يعرفوا قدرة الله ولا برهان الله ولا آيات الله فجعلوا له شركاء وجعلوا له آلهة من دونه، قال تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم:23]. فالخلق كلهم منذ آدم إلى آخر إنسان تقوم عليه الساعة، فخلق الله لهم ثم بعثه لهم مرة ثانية ليس إلا كنفس واحدة، أي: كما يقول للنفس الواحدة: كوني، فتكون. فيوم القيامة يقول للخلق كلهم: قوموا لله، فيقومون جميعاً، فالحياة الثانية لن تكون كالحياة الأولى فإنه في الحياة الأولى خلقنا أطواراً، وخلقنا مراحل، فقد كنا تراباً، ثم كنا ضلعاً من ضلع آدم والذي خلق الله منه أمنا حواء، ثم كون الخلق بعد ذلك من ماء مهين، ثم من نطفة فعلقة فمضغة فعظام بلا لحم فعظام مكسوة لحماً، فخلق سوي في بطن الأم، ثم بعد ذلك طفل يرضع ثم يحبو ثم يفطم، ثم يصبح غلاماً مميزاً، ثم يافعاً، ثم مراهقاً، ثم شاباً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، ثم يموت. أما يوم القيامة فستطوى هذه المراحل كلها، وإنما يأمر الله إسرافيل الذي نفخ في الصور أول مرة فمات كل من على الأرض، وكل من على السماء، ولم يبق إلا هو وملك الموت، فأمر الله الكل أن يموتوا فماتوا، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27]، سيفنى الجن والإنس والملك ولن يبقى إلا الله. وعندما يأمر الله بالبعث في الحياة الثانية يأمر إسرافيل بالنفخة الثانية وإذا بهم قيام ينتظرون أمر الله، ولا حاجة لما كان في التطور الأول، بل إننا نبعث كما متنا، صغاراً أو كباراً، أصحاء أو مرضى، عراة حفاة حاسري الرءوس غرلاً أي: أن تلك الجلدة التي تزال عند الختان والتطهير تعود وترجع. سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، عندما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا، قالت: (يا رسول الله! أنكون عراة يرى بعضنا بعضاً؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: الأمر أفظع من ذلك) لن يرى أحد أحداً، لانشغالهم بأهوال يوم القيامة. وعندما تذهب الأمم كلها مبتدئين بأبيهم آدم أول الأنبياء وأبي البشر قاطبة يقولون له: يا نبي الله يا أبانا! استشفع لنا فيقول: نفسي نفسي، ويقال ذلك لنوح فيقول: نفسي نفسي، ويقال ذلك لإبراهيم فيقول: نفسي نفسي، إلى أن يصل الأمر إلى نبي الله محمد عليه الصلاة والسلام فيقولون: يا رسول الله! اشفع لنا عند ربك. فيقول: أنا لها أنا لها! فيخر ساجداً تحت العرش ويدعو ربه بدعوات يلهمه بها ربه إذ ذاك، أي: أنه لم يكن يعلمها في دار الدنيا، فيدعو الله ما يشاء، ثم يقال له: ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، وهو المقام المحمود الذي يحمد به على رءوس الخلائق يوم القيامة، فيشفع حتى في الأمم الماضية لفصل القضاء. قوله: (إن الله سميع بصير): أي: سميع لأقوالكم سواء كنتم مؤمنين أو كافرين، بصير بأحوالكم سواء كنتم محسنين أو مسيئين، فهو السميع لكل شيء، البصير بكل شيء جل جلاله وعز مقامه.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [لقمان:29]. لا يزال الله جل جلاله يلفت أنظار خلقه: ألم تروا إلى قدرة الله المتنوعة العجيبة التي لا يقدر قدرها، ولا يستطيع مثلها إلا هو جل جلاله. وقوله: (ألم تر) المقصود: رؤية البصيرة ورؤية القلب، فهي رؤية علمية إدراكية. {أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} [لقمان:29] أي: يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، ويتضح ذلك: أن اليوم والنهار في معتدل الأرض أربع وعشرون ساعة، والشهر تسعة وعشرون أو ثلاثون يوماً، والسنة اثنا عشر شهراً، وهذا في أكثر بقاع الأرض، وليس فيها كلها، ففي جزء منها في الشمال عند الجزء المتجمد تكون السنة ستة أشهر ليلاً وستة أشهر نهاراً، وجاء سكان هذه المناطق حجاجاً -فإن هناك مسلمين- قالوا: كيف نصوم ونصلي؟ فقيل لهم: قدروا الشهر، وقدروا اليوم، وقدروا العام بأقرب الأراضي والأقاليم إليكم، وليس هذا اجتهاداً، ولكنه تنفيذ للنص النبوي، فالنبي عليه الصلاة والسلام عندما قال لنا عن الصيام: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له)، وهناك يغم في السنة كلها على أنها يوم، فيقدر بأقرب الأقاليم وهكذا وأكثر من ذلك. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام في علامات الساعة الكبرى أنه سيكون عندما ينزل الدجال اليوم كالسنة، واليوم كالشهر، واليوم كالجمعة، واليوم كالومضة من النهار، قيل: يا رسول الله! كيف نصلي عندما يكون اليوم كالسنة وكالشهر؟ قال: اقدروا له، أي: قدروا الصلوات كما تقدر في البلاد الطبيعية بالنسبة للشروق وللغروب، والمعتاد من الأرض أن اليوم -الليل والنهار- أربع وعشرون ساعة، ولكن اليوم في الشتاء يقصر حتى يصبح النهار أقل من سبع عشرة ساعة، بين ثلاث عشرة وأقل، ويصبح اليوم في الصيف سبع عشرة ساعة وقد تزيد، وإن كان اليوم أخذ ينقص قليلاً، فالإيلاج: هو نقصان الليل من أجل النهار، وزيادة الليل لأجل النهار. {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} [لقمان:29]، يطيل الليل ويقصر النهار، ويكون ذلك شتاءً، ويقصر الليل ويكون النهار طويلاً، ويكون ذلك في صدر الصيف، والذي يفعل ذلك هو الله جل جلاله الخالق المدبر، وكل ذلك لأجل الناس ومصالح الناس، ولزراعة وراحة الناس، وكل ذلك قد مضى مفصلاً، ويأتي بمناسباته كذلك. فهل الذي أولج الليل في النهار وأولج النهار في الليل الشركاء الذين زعموهم من دون الله؟! وهل هم الوثنيون الجدد من عبدة ماركس ولينين وأمثالهم من الشيوعيين والاشتراكيين والماسونيين والوجوديين، وما إلى ذلك من الملل الكافرة، والنحل الباطلة المعبودة من دون الله، والمشركين لها مع الله؟! فهل هم الذين يولجون الليل في النهار، ويولجون النهار في الليل ويسخرون الشمس والقمر؟! A بكل تأكيد إنه الله الذي سخر للناس ما في السماوات وما في الأرض، وما بينهما، فسخرها وذللها للناس، وللعمل بما في منافعها ومزاياها. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [لقمان:29]. فعندما تغيب الشمس تكون قد طلعت في جانب من الأرض، وهي لا تغيب على الأرض كلها، وإنما تغيب في جانب وتظهر في جانب، وتشرق في جانب وتغرب عن جانب، ولذلك يقال عن العالم الإسلامي: لا تغرب عنه الشمس لحظة ولا ثانية، فالعالم الإسلامي يعد ملياراً من الخلق، وإن كان كغثاء السيل لنزع الشجاعة وحب الموت وقذف الوهن في قلوبنا، مما جعل الأعداء يتشجعون على حساب رجولتنا وشجاعتنا، وعلى حساب ديننا. والشمس والقمر آيات تمور فتختفي تارة وتظهر تارة في رقعة من الأرض، ولم تختف من الأرض كلها، فالقمر باستمرار يوجد في جزء من العالم الإسلامي، وكذلك الشمس، ويجري ذلك لأجل مسمى وهو يوم القيامة إلى أن يفنى الكل، وإلى أن تصبح الجبال كالعهن المنفوش، إلى أن تبدل السماوات والأرض، ويموت كل من فيها، ويبقى الله وحده ذو الجلال والإكرام. قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [لقمان:29] أي: ألم تروا أن الله خبير بأعمالكم، فيجازي المحسن يوم القيامة على إحسانه جنة، ويجازي المسيء على إساءته ناراً. فالله جل جلاله عندما يلفت أنظارنا للبعث إليه، وللحياة بعد الموت، فذلك لنتعظ ونعتبر، ونعلم أننا لم نعش سبهللاً، وأن الحساب والبعث بعد ذلك، وأنه لابد لكل حي أن يعود مرة ثانية.
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل)
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل) قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [لقمان:30]. أي: أن الله هو الحق وما سواه الباطل، فالله هو الذي جاء بالحق، وأمر به وأنزل كتابه وأرسل رسله بالحق، ودعا الناس للحق، فالمؤمن يعيش بحق، ويموت بحق، ويبعث على حق، ويؤمن بالحق الذي هو الله جل جلاله، فالله هو الحق لا سواه، وكل ما عداه باطل في باطل، كان عدماً ثم أصبح في الوجود ثم سيعود للعدم مرة ثانية، ويبقى الله وحده ذو الجلال والإكرام، ثم سيعود المخلوق ثانية بقدرة الله، لا بوجوده ولا بشركائه، فلا شريك له ولا ثاني معه. قوله: {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [لقمان:30]. أي: أن الله هو العلي فلا أعلى منه، وأن الله الكبير فلا أكبر منه، وشعار المؤمن: الله أكبر، يقولها في اليوم عشرات المرات، يقولها في الأذان خمس مرات وفي الإقامة كذلك، وفي ركعات الصلاة يتنقل بالله أكبر، وندخل الصلاة بالله أكبر، فالله أكبر من كل كبير، فهو الكبير الذي لا كبير معه فضلاً على أنه الأكبر، فالأكبر صيغة تفضيل فلا كبير مع الله، هو الكبير المتعال، هو الأكبر الذي لا كبير معه.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله) قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [لقمان:31]. أي: ألم تر يا محمد! وكل تابع له بل وكل إنسان، ألم ير بقلبه ويعتبر ويفكر ويعي كيف أن هذه الفلك تجري في البحر، وهذا الاستفهام استفهام تقريري يقرر الله تعالى به أن هذه الأفعال لا يستطيع أحد غيره أن يفعل منها شيئاً. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ} [لقمان:31]. أي: هذا البحر المتلاطم الأمواج، وقد كان عمر بن الخطاب يتهيب البحر، وقد فتح الأمصار، وبلغت مملكته إلى الشام وإلى العراق وإلى فارس وإلى مصر وإلى المغرب، وزادت بعد ذلك، فطلب جنده أن يغزوا ما بعد البحار فتوقف عمر وتخوف عليهم من البحر، فكتب يسأل من ركب البحر، وهو عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين! راكبه مقصود، والخارج منه مولود، والموجود فيه دود على عود، فقال: والله لن يركبوا فيه ما دمت حياً! فتهيب عمر ولم ينشئ أساطيل بحرية، وكان في انتشاره في البر وفي فتحه ما يكفي ويكفي، لقد فتح كل ما اتصل به، وذهب إلى أعماق أرض الروم وقضى على فارس ألبتة حتى أصبحت كما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام: (لا فارس بعد فارس ولا كسرى بعد كسرى) وذهبت أرض مصر، فلم يبق قبط، ولم يبق مقوقس بعد ذلك، وأصبحت جزءاً من أرض الإسلام، وما حدث بعد ذلك كان من خلاف الخلفاء، وإبقائهم الأقليات بغير دليل ولا سلطان من الله. ثم ذهب إلى أرض البربر إلى المغرب، وكل ذلك يحتاج فيه إلى بحر، فلم يركب بحراً أحمر، ولا بحراً أبيض، ولم يصل إلى المحيط، وإنما كان ذلك بعده في أيام عثمان، ثم بعد ذلك تتابع الفتح واسترسل. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ} [لقمان:31]. ألم تر أيها الإنسان هذا الدود الذي يركب العود في أعماق البحار، والأمواج تتلاطم به، وكأنها الجبال، ومع ذلك تمشي هويناً، ومهما قطعت من أشهر، ومن أسابيع، ومن أيام هي واصلة لبر السلامة أي: واصلة لمبتغاها وهدفها، في عالم الأحياء بأمر الله وقدرة الله، وإرادة الله، ذلك من نعم الله على الناس، فكما سخر لهم البر سخر لهم البحر ليريهم من آياته، وليطلعوا على آيات الله وقدرته، وآيات وحدانيته، وآيات جلاله، وآيات انفراده بالألوهية وبالربوبية جل جلاله وعلا مقامه. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [لقمان:31]. إن في كل ما مضى ذكره من تسخير الشمس والقمر، وإيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وخلق الله الخلق كلهم، وأنهم عنده ليسوا إلا كنفس واحدة إذا قال لها: كوني، كانت، فالكل عليه هين، لا يعجزه شيء جل جلاله، وجري السفن والفلك في البحر؛ كل ذلك آيات ودلائل بينات، ومعجزات واضحات لكل صبار شكور. والصبار هو: المؤمن يصبر على أمر الله في أداء الواجبات والطاعات والعبادات، لا يعجزه عن القيام بالصلاة برد ولا مرض، ولا علة، إن استطاع قائماً فقائم، أو جالساً فجالس، متوضئاً إن وجد الماء أو بالتيمم إذا لم يوجد. فهو يصبر على أداء الصلوات، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام، وزكاة أمواله. ويصبر عن الباطل والشهوات والفحشاء كلها، فلا يقربها على قدر طاقته، وهو يذكر الله باستمرار. وصبار: صيغة مبالغة، على وزن: فعال أي: كثير الصبر. وشكور: صيغة مبالغة، أي: كثير الشكر، فهو يشكر الله على كل شيء، حتى على ملح طعامه، حتى على شسع نعله، يشكره صباحاً ومساءً. ونحن نشكره في كل صلاة من خلال قراءتنا سورة الفاتحة فعندما نقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2]، هو الشكر المنفرد الله به، ونقول عقب الصلوات: الحمد لله الحمد لله، ونقول عند النوم ثلاثاً وثلاثين: الحمد لله، ونحمده آكلين وشاربين، وأصحاء وعلى كل ما أنعم به علينا، فتلك هي صفة المؤمن، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (عجبت لأمر المؤمن، كل أمره له خير، إن أصابه ضر صبر فكان خيراً له، وإن أصابه خير شكر فكان خيراً له) فهو بين صبر وشكر، فكل حياته في خير.
لقمان [32 - 34]
تفسير سورة لقمان [32 - 34] نعم الله كثيرة لا تحصى، وهي أدلة قاطعة على قدرته ووحدانيته واستحقاقه العبادة، لكن المشركين يأبون إلا الكفر به وعبادة الأصنام معه، حتى إذا غشيهم الموج في البحر وحدوا وأخلصوا فإذا أنجاهم عادوا للشرك، مع علمهم أن الله هو الذي ينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما سيكون غداً.
تفسير قوله تعالى: (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين)
تفسير قوله تعالى: (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين) قال الله تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [لقمان:32]. أظهر الله جل جلاله امتنانه ونعمته على خلقه فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [لقمان:31]. وقد ذكر الله الفلك والسفن البحرية وكيف تجري في البحار بأمره، وهذه نعمة من الله، ترى السفن كيف تطوف بين القارات والأقاليم، ويعلم ذلك كل صبار على دينه، شكور لنعمة ربه، فهؤلاء الذين يركبون السفن والفلك منهم مقتصد مؤمن، ومنهم كافر ختار غدار. قال تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [لقمان:32] فهؤلاء إذا ركبوا البحر وتلاعبت بهم أمواجه حتى أصبحت كالجبال علواً، وكأنها الظلل التي تظل من الشمس، دعوا الله وأخلصوا فإذا غشي الإنسان الموج وغمره وستره حتى يكاد يشعر أنه سيغرق وسيموت دعا الله مخلصاً له الدين، فيخلص في الدعاء ويرجو ربه ويطلب منه أن ينجيه من هذه الأمواج التي هي كالظلل وكالجبال تكاد تغشاه وتغرقه، ولا يذكر إذ ذاك صنماً ولا شريكاً، وإنما يذكر الله مخلصاً له دعاءه ودينه، فهو عند الشدة وعند الضرورة ينسى الشركاء، حتى إذا أكرمه الله وأنجاه إلى البر تجد منهم مقتصداً. وفسروا كلمة (مقتصد) بأنها كفر دون كفر، أو ومنهم من يقتصد في الكفر يقول بلسانه كلمة الإسلام ويعتقد الكفر بقلبه. ولكن كلمة (مقتصد) جاءت في القرآن الكريم صفة للمؤمن الذي يقتصد في الذنوب والآثام؛ أي: يخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فهو مؤمن موحد. فأما المؤمن الموحد فيشكر الله على ما أنجاه وأنقذه من الغرق وجبال الموج. وقوله: ((وَمَا يَجْحَدُ)) أي: ولا يكفر، والجحود: هو كفر النعمة بعد العلم بها، فهو يجحد الحق وقد عرفه، ويجحد النعمة وقد عاش فيها. وقوله: ((وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ)) الختر: منتهى الغدر وعدم الوفاء بالعهد والذمة؛ والإنسان إذا كان كلما عاهدته وواعدته خدعك فغدر عهدك ووعدك يقال له: ختار، من ختر الذمم وختر العهود والمواثيق. وختار صيغة مبالغة، أي: كثير الختر والغدر، وعدم الوفاء بالعهد، فمن كان كذلك فالله جل جلاله يعامله معاملة المشركين الغادرين، ويعاقبه بما هو أهل له من عذاب السعير. وقوله: ((كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ)) أي: يكفر بالنعمة ويجحد بها، وقد دعا الله مخلصاً له دينه عندما كانت الأمواج تتلاطم في سفينته، حتى إذا أنجاه الله إلى البر إذا به يأبى إلا الجحود والكفر، ونكران ما أكرمه الله به.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده) قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان:33]. يخاطب الله ويدعو الناس مؤمنهم وكافرهم: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ)) أي: آمنوا وأسلموا واجعلوا بينكم وبين الله وقاية بطاعته والإيمان به، تقيكم عذابه ونقمته وغضبه. وقوله: ((وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ)) أي: خافوا يوماً وهو يوم القيامة، اليوم الذي يبعث فيه كل الخلق، اليوم الذي يقول فيه كل إنسان: نفسي نفسي، فلا والد يجزي عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً، يقول الولد: نفسي، ويقول الوالد: نفسي، حتى لو حاول الولد أن يفدي والده بنفسه لا يستطيع ولا يقبل ذلك منه. في يوم القيامة لا يتكلم أحد ولا يشفع إلا بإذن ربه، على أن الولد والوالد كل واحد منهما في غم وفي كرب، وكل يقول: رب رب، كل يدعو لنفسه فقط، فلا الولد يجزي ويغني عن الوالد، ولا الوالد يجزي ويغني عن الولد، كل مشغول بنفسه وبمحنته، وبالكرب الذي يجد نفسه فيه. فالله جل جلاله يقول لعباده وخلقه: اخشوا يوم القيامة، هذا اليوم الذي يأتي فيه كل إنسان ويقول: نفسي، {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:34 - 37] يوم لا يغني الوالد عن ولده، والولد يغني عن والده، كل مشتغل بنفسه. وقوله: ((وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا)) أي: ولا شيء، حتى كلمة شفقة وكلمة حنو وكلمة شفاعة، إذ لا يشفع أحد عنده في هذا اليوم العصيب الشديد إلا بإذنه. يقول تعالى: ((إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)) أي: وعد الله باليوم الآخر ووعده يوم القيامة، ووعد الله بالبعث بعد الموت، والعرض على الله يوم الحساب إما إلى جنة وإما إلى نار، وعد الله حق لا مرية فيه. قال تعالى: ((فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)) أي: لا تغتروا ولا تعيشوا في غرور، يقول سعيد بن جبير: لا تذنبوا وتعصوا وتقولوا: سيغفر لنا، المغفرة تكون بالعمل، والسماح يكون بالطاعة، ثم بعد ذلك اطلب من الله المغفرة، أما لا طاعة ولا دين وأنت تنتظر المغفرة وتنتظر الجنة، فهيهات هيهات!! والغرور أن يمني الإنسان نفسه بشيء هو هباء وباطل وخيال لا حقيقة له في نفس الأمر والواقع. والغرور هو الشيطان الذي اغتر في نفسه وغر غيره من الخلق. فلا تغتر بالحياة الدنيا، ولا يغرك الشيطان فتأتي المعصية ثم أنت مع ذلك تنتظر مغفرة وتنتظر جنة لا يكون ذلك إلا بالطاعة، ولا يكون ذلك إلا بقيامك بالأوامر واجتنابك للنواهي، ثم بعد ذلك تب إلى الله مما عسى أن يكون منك بغير قصد، أو قصدته ثم ندمت فتبت إلى الله، فالله يتوب على من تاب.
تفسير قوله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث)
تفسير قوله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث) قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان:34]. هذه الخمس هي مفاتيح الغيب التي لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما هي مما انفرد الله بعلمه فلا يعلمها إلا من يعلمه، وقد أعلم بعضها، فهو عالم الغيب لا يطلع على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول، فقد ارتضى محمداً صلى الله عليه وسلم، فأعلمه كثيراً مما قد أخبرنا عليه الصلاة والسلام بما يكون في غده؛ كما أخبر بالفتن الحادثة بعده؛ فأخبر باستشهاد عمر، وعثمان وعلي وباستشهاد الحسين عليهم رضوان الله جميعاً. وأخبر بالفتن الحادثة إلى قيام الساعة، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام خطب يوماً عقب صلاة الصبح إلى صلاة الظهر فنزل فصلى، ثم صعد المنبر وخطب إلى أذان العصر، فنزل فصلى، ثم عاد فصعد المنبر وبقي إلى أذان المغرب، فقال في خطبته كل ما كان وما يكون إلى قيام الساعة، يقول حذيفة: علمه من علمه ونسيه من نسيه، حتى إنه أخبرنا بالطائر يطير في السماء، حتى إنه أخبرنا بكل قائد فتنة متى يكون وما اسمه وما اسم أبيه، وفي أي عصر سيكون ومن معه. والنبي عليه الصلاة والسلام كذلك أخبرنا بأن موته في المدينة وأنه سيدفن حيث يموت، وذلك عندما أعطى الأموال المؤلفة قلوبهم بعد غزوة حنين، وكان في نفس الأنصار شيء من ذلك، وقالوا: (لا تزال سيوفنا تقطر من دماء هؤلاء وهو يعطيهم ويدعنا، فبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فجمعهم في مكان وحدهم وقال لهم: ما كلام بلغني عنكم؟ ثم قال لهم: ألا ترضون أن يعود هؤلاء بالشاء والبعير وتعودون بمحمد صلى الله عليه وسلم في رحالكم، المحيا محياكم والممات مماتكم، ولو لم أكن من قريش لكنت امرأً من الأنصار)، فهو قد أخبر عليه الصلاة والسلام أن بقية حياته سيقضيها في المدينة، وأن موته سيكون في المدينة صلى الله عليه وعلى آله، وكذلك كان. وقبل أن يموت قال: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، فكانت الروضة هي قبره عليه الصلاة والسلام، فهو قد أخبر وحدد المكان الذي سيدفن فيه، وأنه بين منبره وبيته، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (القبر إما حفرة من حفر النار، وإما روضة من رياض الجنة)، ولا يزالون في المغرب اليوم يسمون المقبرة الروضة؛ تفاؤلاً أن تكون روضة وجنة على المسلمين. قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ))، وأما علم الساعة فلم يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أنه لا يعلمه، وفي حديث عمر عندما جاءه جبريل فسأله عن الإيمان فأجابه، وسأله عن الإسلام فأجابه، وسأله عن الإحسان فأجابه، وسأله عن الساعة فقال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: لست بأعلم بها منك، وسأله عن أشراطها، فذكرها، فهذا يدل على أن الله تعالى استأثر بعلمها، ولم يخبر بها ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً. قال تعالى: ((وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ)) لا يعلم أحد متى ينزل الغيث ومتى ينزل المطر الذي يغيث العباد، فهو سبحانه الذي يرسل الغيث رحمة بعباده، يغيثهم من محنتهم وجوعهم وعطشهم، أما متى سيكون ذلك، ومتى سينزل فلا يعلم ذلك إلا الله جل جلاله. قال تعالى: ((وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ)) أي: لا يعلم ذلك إلا الله، والملك المكلف عندما يأمره الله بنفخ الروح في الجنين يقول لربه: أشقي أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ فهو عند ذلك يعلمه ربه بما أمره به. قال تعالى: ((وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا)) أي: لا يعلم أحد عن الغد ماذا سيكون فيه من خير أو شر، حياة أو موت، فالغد غيب استأثر الله بعلمه جل جلاله. قال تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} فالإنسان لا يعلم متى يموت، ولا في أي أرض يموت، لا يعلم الإنسان هل سيموت حال الشباب أو حال الشيخوخة؟ انفرد الله بذلك، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحاح والسنن: (إذا قدر الله للإنسان موتاً في أرض جعل له إليها حاجة)، وإذا به تجده ينتقل لتلك الأرض لتكون وفاته فيها. ويحكى عن أحد الصالحين من بني إسرائيل، أنه أدرك ملك الموت ورآه بعينه الباصرة ورآه ينظر إليه شزراً، وإذا به يأتي لأحد أنبياء بني إسرائيل وكان هذا في المشرق فقال له: يا نبي الله! رأيت ملك الموت ينظر إلي وكأنه يريدني، فادع الله أن يحملني إلى الهند، وفي لحظات كان في الهند، فجاءه ملك الموت إلى الهند وقال: عجيب أمرك، أمرت بموتك وأخذ روحك في الهند، فقلت في نفسي: ما الذي سيأتي بك إلى الهند لآخذ روحك كما أمرني ربي وأنت هناك. قال تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان:34]، وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن والمسانيد عن جابر بن عبد الله، وعن أبي هريرة، وعن عبد الله بن عباس، وعن عبد الله بن مسعود، وعن بريدة قال النبي عليه الصلاة والسلام: (مفاتيح الغيب خمس لا يعملها إلا هو، ثم تلا هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان:34])، فهذه الخمس لا يعلمها مع الله ملك مقرب ولا نبي مرسل، والآية لا تدل على الحصر. ولا تزال عادة المنجمين والكهنة في ادعاء معرفة الغيب والاطلاع عليه جارية، ويتخذون حركات يزعمون أنهم يعلمون بها الغيب، فيقولون: سيكون غداً كذا ويكون بعد غد كذا، وقد ينظرون في خطوط الكف، وقد ينظرون في الرمل، وقد ينظرون في النجوم، وكل ذلك كهانة ورجم بالغيب وكذب على الله، فلا علم لأحد بما في الغد، ولا علم لأحد بما في الغيب، والله وحده عالم الغيب والشهادة، ولكن الله جل جلاله إذا أراد إطلاع نبيه على غيبه أطلعه، فهو عالم الغيب لا يطلع على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول، وقد أطلع أنبياءه، وأطلع إمامهم وخاتمهم صلى الله عليه وسلم على الكثير من الغيوب مما أخبر به ودون في كتب الصحاح، وكتب السنن، وكتب المسانيد، وسائر كتب السنة التي دونت ما أخبر به عليه الصلاة والسلام مما كان ويكون إلى قيام الساعة. وقد خطب النبي عليه الصلاة والسلام مرة من طلوع الفجر إلى أذان المغرب لم يقطع خطبته إلا بصلاة الظهر وصلاة العصر، فحدث بما كان وما سيكون، روى ذلك عنه عمر، ورواه حذيفة، ورواه ابن عمر، ورواه الجم الغفير من الصحابة رضوان الله عليهم، والأحاديث في ذلك تواترت واستفاضت وأيد بعضها بعضاً حتى أصبح ذلك علماً يقينياً، فتلك الغيوب هي من الله أطلع عليها عبده، وإلا فليس أحد من الخلق يعلم شيئاً من الغيب، ولكنه الغيب الذي يطلع الله عليه من شاء من ملائكته ورسله وأنبيائه ومن تبعهم من صالحين وعلماء. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان:34]، فالله هو العليم بكل شيء، الذي يعلم دبيب النملة السوداء في الصخرة الصماء في الليلة الظلماء حيث لا قمر ولا نجوم، يعلم ما كان ويكون، وكل كائن هو خلقه وهو أمره، يعلم ما خلق وهو اللطيف الخبير. فالله خبير بما يصلح عباده، وعليم بما يصلح خلقه، وبما ينبغي أن يجازى به المحسن ويجازى به المسيء، فمن آمن بالله إلى أن لقي ربه مؤمناً فله الرضا والجنة، ومن بقي جاحداً كافراً بالله فعليه اللعنة وغضب الله، فإذا تاب تاب الله عليه، والإسلام يجب ما قبله. وبهذا نكون قد ختمنا سورة لقمان، ولله الحمد والمنة!
السجدة [1 - 3]
تفسير سورة السجدة [1 - 3] سورة السجدة سورة مكية، ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ بها في الركعة الأولى من صلاة الفجر من يوم الجمعة، وقد افتتحت السورة بذكر الحروف المقطعة التي استفتح الله سبحانه بها بعض السور ليبين لمشركي العرب أن هذا القرآن المعجز من جنس الحروف التي يتكلمون بها.
بيان فضل سورة السجدة
بيان فضل سورة السجدة سورة السجدة سورة مكية اشتملت على ثلاثين آية، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ بسورة السجدة في فجر يوم الجمعة في الركعة الأولى، ويقرأ في الركعة الثانية بسورة الإنسان. وروى الإمام أحمد في المسند عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يديم كل ليلة عند إرادته النوم قراءة السجدة وقراءة سورة الملك، فكان يلتزم -حسب رواية الإمام أحمد - قراءة هاتين السورتين على فراش النوم. والسورة مكية، أي: نزلت على نبينا عليه الصلاة والسلام وهو في مكة المكرمة، وقيل: إن فيها ثلاث آيات -سيأتي بيانها- نزلت في المدينة المنورة، قال تعالى: {الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [السجدة:1 - 2].
حكم قراءة البسملة مع الفاتحة
حكم قراءة البسملة مع الفاتحة قد سبق الحديث عن البسملة ومشروعيتها عند كل سورة، وأن البسملة المقطوع بها هي البسملة المذكورة في سورة النمل في قوله تعالى: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل:30]، وفي غير ذلك تذكر البسملة في أول كل سورة تيمناً وتبركاً واستفتاحاً بذكر رحمة الله الرحمن الرحيم. وقراءة البسملة في أول الفاتحة مذهب الشافعي، والأحاديث بذلك ثابتة، وحصل خلاف: أيجهر بها أو يسر؟ وقد ثبت الجهر كما ثبت الإسرار، والمثبت مقدم على النافي. وبعض الأئمة يقولون: تقرأ الفاتحة بغير بسملة، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأها في فريضة ونافلة، جهراً وسهراً، حتى إن الإمام الشافعي وغيره يعدون قراءة الفاتحة بلا بسملة في الصلاة كنقص آية من الفاتحة، والصلاة بذلك باطلة.
قراءة الفاتحة في الصلاة
قراءة الفاتحة في الصلاة وأما قراءة الفاتحة فواجبة على المصلي، سواء كان إماماً أم مؤتماً أم منفرداً، ففي الحديث المتواتر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج خداج خداج) أي: ناقصة، وأمر أبا هريرة بأن يخرج إلى أسواق المدينة وينادي: (ألا لا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب). ومن أصول الفقهاء العمل بما يخرج من الخلاف إلى الاحتياط، وهو مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة وأكثر الفقهاء المجتهدين.
حكم الاستعاذة في الصلاة
حكم الاستعاذة في الصلاة وأما التعوذ فقد أوجبه قوم، ودليلهم قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98]، فعمم ليشمل ذلك القرآن في صلاة وفي غير صلاة، والخروج من الخلاف والاحتياط لصحة الصلاة عند كل المذاهب أن يتعوذ الإنسان في صلاته ويبسمل ويقرأ الفاتحة، سواء كان إماماً أم مؤتماً أم منفرداً.
تفسير قوله تعالى: (الم)
تفسير قوله تعالى: (الم) قال تعالى: {الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [السجدة:1 - 2] إن أكثر السور التي ابتدأت بهذه الحروف المقطعة يذكر فيها بعد تلك الحروف كتاب الله، كقوله تعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ} [البقرة:1 - 2]. فقوله تعالى: {الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [السجدة:1 - 2]، أي: تنزيل الكتاب الذي اشتمل على (الم) وأخواتها من حروف الهجاء التي بنيت عليها اللغة العربية في مفرداتها وجملها وبني عليها كتاب الله في سوره وآياته منظوماً ومنسقاً وقائماً على هذه الحروف الهجائية لم يخرج عنها قط. والله قد تحدى الخلق جناً وإنساً في أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ثم عاد فتحداهم في الإتيان بسورة من القرآن، وقد مضى على هذا التحدي ألف وأربعمائة عام والخلق لا يزالون عاجزين وسيبقون عاجزين إلى يوم النفخ في الصور، فهو معجز في اللفظ ومعجز في المعنى، فإعجازه في اللفظ يدركه المتكلمون بالعربية، وإعجازه في المعنى يدركه كل الناس، وقد كتب أحد الفرنسيين بعد أن آمن كتاباً سماه (العلوم في التوراة والإنجيل والقرآن)، ويعني بالعلوم العلوم التطبيقية التي يسمونها التكنولوجية، يقول: كل ما ورد في التوراة والإنجيل ليس صحيحاً ولا مطابقاً للعلم، مما يدل على أن التوراة غيرت وأن الإنجيل غير، ولكن ما جاء من ذلك في القرآن الكريم قد أكده العلم الحديث، كالكلام على السموات، وعلى النجوم، وعلى البحار، وعلى الطبيعة، وعلى الجبال، وعلى الطب، فالعلم الحديث على تحقيقه لذلك وتأكيده له قد سبقه القرآن، وسبق إلى الكثير مما لم يصلوا إليه بعد، وذاك هو الإعجاز، فشيء لم يكتشف ولم يعرف إلا منذ سنوات قد تحدث القرآن عنه وتكلم عنه منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، فذلك هو الإعجاز، وذلك من علامات صدق النبي عليه الصلاة والسلام في رسالته، وتلك الآيات التي طالما لفت القرآن الكريم إليها أنظارنا وبصائرنا مما يؤكد كونه كلام الله لم يأته باطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو الحق، والله هو الحق وما دونه الباطل، فالحقائق والمعجزات إنما نزلت وحياً على قلب محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الحروف المرتبة، وذكرت مفردة في أوائل السور إشارة إليها، أي: إن استطعتم الإتيان بمثله فهذه الحروف تعلمونها، وأنتم -أيها العرب- أفصح الناس وأكثر الناس بياناً وشعراً ونثراً، فاصنعوا مثله إن شئتم، وقد حاولوا، ولكن هيهات هيهات، فقد أتى بعضهم بالكلام المضحك الذي لا يكاد يسمع إلا ويهزأ الإنسان به وبقائله ويعقبه بالضحك لسخافة قائله ولغرابة قوله، وما خطر بباله أنه لا يستطيع أن يضاهي القرآن إعجازاً وبلاغة، قال هذا الزمخشري متحمساً له، وأكده من المعاصرين بالأدلة اليقينية التي تتبعها واستقرأها في جميع السور التي ذكرت فيها، وهو الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى، كما في كتابه في التفسير (أضواء البيان).
تفسير قوله تعالى: (تنزيل الكتاب لا ريب فيه)
تفسير قوله تعالى: (تنزيل الكتاب لا ريب فيه) قال تعالى: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [السجدة:2] كلمة (تنزيل) في كل القراءات السبع مرفوعة، وفي غير القرآن لو شئت لقلت: (تنزيلَ)، أي: بالنصب على الحال، أي: حال كونه تنزيل الله، ولكن القراءات أجمعت وتواطأت واستفاضت على رفع تنزيل. يقول تعالى: {الم} [السجدة:1]، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام بأن كل حرف في تلاوة القارئ بعشر حسنات، وقال: (لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، أي: القارئ للقرآن والتالي لكتاب الله له بكل حرف عشر حسنات، وأتى بهذه الحروف الثلاثة المقطعة فقال: للألف عشر، وللام عشر، وللميم عشر، أي: من قال: {الم} [السجدة:1] فله ثلاثون حسنة، وكم في القرآن من حرف! وكم يترتب على ذلك من حسنات! ولا يترك مثل هذه الحسنات إلا محروم، ولو اعتبر القرآن تجارة مادية وانتقل لأجلها المرء إلى مختلف أقطار الأرض لكان الرابح دون غيره، فكيف بالربح في التجارة مع الله والتزود ليوم الآخرة؟! قال تعالى: {الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [السجدة:1 - 2] نزل هذا الكتاب من الله الذي استوى على عرشه، أمر به جبريل الذي يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما نعد، فنزل به على قلب نبينا عليه الصلاة والسلام. وقوله تعالى: (لا ريب فيه) أي: لا ريب في أنه كتاب الله، ولا شك فيه أنه الحق، وأنه الصدق، وأنه الوحي، وأنه كلام الله ليس كلام أحد من البشر، ولا كلام ملك من الملائكة، ولا رسول من الرسل، ولكنه كلام الله المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. قال تعالى: (من رب العالمين) أي: تنزيل من رب العوالم ومدبرها وسيدها ومولاها وإلهها وخالقها، والعالمين: ما سوى الله، كعالم السماء والأرض والملائكة والجن والإنس والطير وكل ما تراه العين وتسمعه الأذن، فهو رب الكل جل جلاله لا شريك له ولا ثاني له في إرادة، ولا في قدرة، ولا في خلق، ولا في حياة، ولا في ممات، وتعالى الله عن قول الكاذبين، وشرك المشركين، وكفر الكافرين.
تفسير قوله تعالى: (أم يقولون افتراه)
تفسير قوله تعالى: (أم يقولون افتراه) قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [السجدة:3]، (أم) بمعنى: (بل)، أي: أن الكفار الجاحدين أعداء الله المعاندين مع هذا البيان وهذه الحقائق التي دل عليها العقل ودل عليها المنطق وفطر عليها الخلق يقولون: هذا القرآن مفترى افتراه محمداً، حاشاه عن ذلك، وتعالى الله عن ذلك. يقول تعالى: (أم يقولون افتراه) هذا استفهام تقريعي توبيخي، أي: أيقول هؤلاء الكذبة المفترون على الله: افتراه محمد صلى الله عليه وسلم؟! وكلمات الكفر التي نسمعها والتي نقرأها ليست جديدة قالها يهود أو قالها نصارى أو قالها منافقون ومرتدون بين أوساطنا، بل لقد قالها الكفار قبل، وذكرها القرآن في آياته ليرد عليها بمنطق العقل، وبمنطق البيان، وبمنطق الوحي، فكفر الكافرين المعاصرين ليس إلا تقليداً بغبغائياً قردياً، حيث أعادوا كفر من سبقهم بالقول، فقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه، وقالوا: أعانه عليه حداد وجد في مكة لا يكاد يبين نطقاً ولا فهماً، والقرآن في غاية الفصاحة والبيان، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال: قال الله يكون كلامه معجزاً، ويكون كلامه في منتهى ما يكون من الفصاحة والبلاغة، حتى إذا قال كلامه نزل عن درجة ذلك البيان، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يقول مثله، مع أنه خاتم الأنبياء وسيد الفصحاء وأوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن الرب رب والعبد عبد، فكلام الله كلامه بينه وبين كلام المخلوقين كما بين الخالق والمخلوق.
معنى قوله تعالى: (بل هو الحق من ربك لتنذر قوما)
معنى قوله تعالى: (بل هو الحق من ربك لتنذر قوماً) قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} [السجدة:3] أي: أعرض عن قولهم وأضرب عنه، ولذا يقولون: (بل) حرف إضراب، أي: عودة ورجوع عن القول، فدع هراءهم وأكاذيبهم (بل هو الحق من ربك) بل هو الحق، وجاء بالحق، وجاء من الحق، بل هو الكلام الموحى به، بل هو كلام الله الذي لا شك فيه ولا ريب ولا ميل. قال تعالى: {لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [السجدة:3] أي: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتنذر وتخوف وتوعد قوماً لم يأتهم قبلك نذير، أي: نبي ولا رسول، (لتنذر قوماً) أي: لتنذر العرب أولاً ثم لتنذر العالم، وقد انتهت نبوة الأنبياء قبله؛ لأن الأنبياء السابقين كانوا أنبياء لأقوامهم فحسب، وبعد رفع عيسى عليه السلام بقي العالم كله في فترة لا نبي له فيها ولا رسول؛ إذ الرسل السابقون كانوا رسلاً لبني إسرائيل، وكانوا رسلاً مدة حياتهم، فانتهت نبوآتهم في أقوامهم، وانتهت نبوآتهم بموتهم، ولذلك انفرد نبينا عليه الصلاة والسلام من بينهم بأن كانت نبوءته في حياته وبعد مماته وإلى يوم القيامة، وبأن نبوءته للأبيض والأسمر والأحمر، وفي المشارق والمغارب منذ ظهر في الديار المقدسة وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]، فلزم البشر كلهم بجميع لغاتهم ومللهم وألوانهم وأوطانهم وأعصرهم أن يؤمنوا بالله واحداً وبمحمد عبداً ورسولاً وخاتماً للرسل صلى الله عليه وعلى آله. يقول تعالى: {لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [السجدة:3]، فكانت الرسالة أولاً لهم، كما قال تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214] ثم أمر بأن ينذر الناس كلهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي) وذكر من الخمس أن الأنبياء السابقين أرسلوا إلى أقوامهم خاصة وأرسل هو إلى الناس كافة، وقال: (ولو كان موسى حياً لما وسعه إلا أن يتبعني)، وعيسى سينزل في آخر الزمان وهو على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ومن مات على الفطرة فإنه لا يعذب ولا يحاسب، يقول تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15]، فإذا لم تكن بعثة فلا عذاب، ولا يعذب الله إلا بعد أن يبين للناس ما نزل إليهم، وما يجتنبون، وما يفعلون، وما يقولون، وما يدعون.
السجدة [4 - 6]
تفسير سورة السجدة [4 - 6] يخبرنا الله سبحانه وتعالى في سورة السجدة أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام من أيام الله، وقد خلقها في هذه المدة لحكمة أرادها سبحانه، وإلا فهو إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: (كن) فيكون.
تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما)
تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما) قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} [السجدة:4]. يخبرنا الله جل جلاله في هذه الآية من سورة السجدة المباركة المكرمة كيف خلق الخلق، فقال: (الله) أي: وحده، (الله الذي خلق السموات) أي: الأولى والثانية إلى السابعة وما بينهما، (والأرض) الأولى والثانية إلى السابعة وما بينها، وما بين السموات والأرض من أنجم وكواكب وأقمار وشموس، مما لا يحصي عدده إلا الله. وبيننا وبين السماء خمسمائة عام، وهي أطباق، ولها أبواب، فعندما أسري بنبينا عليه الصلاة والسلام كان جبريل يطرق كل باب في كل سماء، فيقال: من؟ فيقول: جبريل، فيقال: ومن معك؟ فيقول: محمد، فيقال: هل أذن له؟ فيقول: نعم. فيفتح الباب، والوصول إلى السماء لا يقوله عاقل ولم يدعه أحد، وما وصل الناس اليوم إلا إلى بعض الأفلاك التي هي مصابيح في سماء الدنيا، وإن كان كل ما علا فهو سماء في لغة العرب.
المراد بالستة الأيام
المراد بالستة الأيام يقول تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [السجدة:4] خلق ذلك في ستة أيام ولم يعنه أحد، ولم يستشر أحداً، ولم يكن معه في ذلك شريك ولا وزير ولا مساعد، تعالى الله عن كل ذلك، وكان كل ذلك هيناً عليه، لا يحتاج لأكثر من (كن) فكان، وكونه خلق ذلك في ستة أيام لإرادته، وليس ذلك لكثرة العمل أو كثرة الخلق، فلا يحتاج الله إلى ذلك، ولا يحتاج لأكثر من (كن) فيكون بإرادة الله جل جلاله. يقول تعالى: (في ستة أيام) قال ابن عباس: اليوم عند ربك كألف سنة مما تعدون، وسيأتي في الآية التالية: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:47] أي: خلقها في ستة آلاف عام بعدد أعوام الأرض، فهي ستة أيام من أيام الله التي عنده، أما يوم الأرض في حسابنا فهو أربع وعشرون ساعة مشتمل على ليل ونهار، والشهر مشتمل على تسعة وعشرين أو ثلاثين يوماً، والسنة مشتملة على اثني عشر شهراً، ولكن اليوم عند ربك ليس كذلك، والكل خلقه والكل أمره والكل بإرادته، فاليوم عند ربك كألف سنة مما تعدون، أي: خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة آلاف سنة من سنوات الأرض التي نعد بها، هكذا قال ابن عباس، واستدل بقوله تعالى: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:47] والدليل ظاهر واضح.
معنى قوله تعالى: (ثم استوى على العرش)
معنى قوله تعالى: (ثم استوى على العرش) قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [السجدة:4] قالوا: (ثم) ليست للترتيب، ولكن معناها الواو، أي: واستوى على العرش أما الاستواء فلا نقول فيه إلا ما قاله سلفنا الصالح وأئمتنا رضوان الله عليهم؛ إذ القرآن نزل بلغة العرب، واللغة العربية وسعت كل شيء في الكلام، ولكن الحقائق الأزلية الإلهية تعجز عن جمعها جميع لغات الأرض. سئل الإمام مالك رضي الله عنه فقيل له: يا أبا عبد الله! {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] ما معنى استوى؟ فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة، يا شرطي خذ بهذا إلى خارج المسجد؛ لأنه اعتبر سؤاله بدعة، فالصحابة ما كانوا يسألون مثل هذه الأسئلة؛ لأن الجواب عنها لا يمكن أن تجمعه كلمة ولا لغة، فكلمة (استوى) كيفيتها؟ الله أعلم بها، ولذلك قال له: الاستواء كما في لغة العرب معلوم، والكيف مجهول، فمن اعتقد تكييفه كفر، ولذلك قال: والكيف مجهول، فكيفية ذلك لا يعلمها إلا الله، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4]، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فلا يشبه الله أحد من خلقه. ولذلك يقول علماؤنا: تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله. فالعقول لا تقبل ذلك ولا يمكن أن تتصوره، فإن حاولت أشركت وضلت وكفرت، وقد حاول النصارى أن يفعلوا ذلك، فتصوروا إلههم إنساناً صلبوه وتغلبوا عليه، فضاعت عقولهم وانحرف دينهم. وعلماء الكلام المتأخرون يؤولون، فيقولون: الاستواء الاستيلاء، وهذا تحريف للكلام عن مواضعه؛ لأن (استوى) لغة ليس بمعنى (استولى)، ثم إن معنى استولى أنه كان بينه وبين غيره نزاع فتغلب فانتصر فاستولى، ولا يقول بهذا مسلم، فقول السلف في هذا أحكم وأسلم وأقرب إلى ما يريده الله جل جلاله، ولم نكلف بسوى ذلك، ومن هنا قال مالك: السؤال عن هذا بدعة، وأمر شرطياً في المسجد بأن يخرج ذلك السائل من المسجد حتى لا يؤذي الناس بضلالاته وجهالاته.
معنى قوله تعالى: (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع)
معنى قوله تعالى: (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع) قال تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ} [السجدة:4] أي: ما لكم أيها الناس وأيها الخلق مهما طلبتم وسعيتم وراء الشريك والكفر بالله ولي من دون الله، فلا ناصر لكم ولا راحم لكم من دونه، فليس لكم من دون الله من يتولاكم، ولا من ينصركم، ولا من يأخذ بأيديكم، ولا من يغفر ذنوبكم، فلا نصير إلا الله، ولا ولي إلا الله، فأسلموا تسلموا. فقوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} [السجدة:4]. أي: ليس لهم ولي ولا ناصر غير الله، ولن يشفع فيهم أحد بغير إذن الله، بأن يأذن لخلقه ملائكة أو رسلاً أو صالحين بالشفاعة، فيشفع الملائكة، ويشفع النبي، ويشفع الأب، ويشفع الولد، ويشفع الصالح، ويشفع الشيخ والتلميذ، ولكن بعد إذن الله، وبعد إرادة الله، وبعد أن يأذن الله لمن شاء أن يشفع أو يتكلم، وإلا فلا شفيع بغير إذنه. قال تعالى: (أفلا تتذكرون) هذا استفهام تقريري.
تفسير قوله تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض)
تفسير قوله تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض) قال تعالى: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة:5]. قوله تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض)، أي: يأمر ملائكته، فملك الموت للموت، وملك الرياح للرياح، وملك الأجنة للأجنة، وملك الأنهر للأنهر، وقد جعل الله لكل عمل جنوداً قائمين به وجعل عليهم جندياً كبيراً مسئولاً، كما كلف بعض البشر بدعوة الناس إليه ودفع الشرك والأوثان، والإيمان بالله وباليوم الآخر، فالله يدبر أمر السماء وأمر الأرض خلقاً ورزقاً، وحياة ومماتاً، من السماء إلى الأرض.
معنى قوله تعالى: (ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة)
معنى قوله تعالى: (ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة) وقوله تعالى: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة:5] أي: ثم بعد تدبير الأمر في السموات والأرض تعرج الملائكة إليه جل جلاله إلى سدرة المنتهى. قال تعالى: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة:5]، فالصعود إلى السماء خمسمائة عام، والهبوط منها خمسمائة عام، وهذا بالنسبة إلى البشر، أما بالنسبة للملائكة فهذه الألف سنة تكون كيوم من أيامنا، فيقطعون ألف عام في يوم. فالملائكة تصعد إليه جل جلاله لتبلغه عملها وما كلفت به، ومن المعلوم أن لكل إنسان ملكين عن اليمين وعن الشمال، يحصي من عن اليمين الحسنات ويحصي من عن اليسار السيئات، وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، فهؤلاء يذهبون إلى ربهم بما كتبوا خلال ذلك اليوم في ليله ونهاره ثم يأتي غيرهم، ولذلك قال تعالى: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78]، فقرآن الفجر تشهده الملائكة، فالملائكة عندما يصعدون إلى ربهم في يوم كان مقداره ألف سنة من أيامنا يذهبون من عندنا ونحن نتلو القرآن، ويأتي الفوج الثاني عند الفجر ونحن نقرأ القرآن، فيشهدون لنا عند ربهم، فيقولون: أتينا فلان ابن فلان وهو يقرأ القرآن، وتركناه وهو يقرأ القرآن، فهي شهادة ما أزكاها من شهادة وما أعلاها من شهادة! فهو يقرأ القرآن بين طرفي النهار، فتلك شهادة يفوز بها من شهد له بها.
تفسير قوله تعالى: (ذلك عالم الغيب والشهادة)
تفسير قوله تعالى: (ذلك عالم الغيب والشهادة) قال تعالى: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [السجدة:6]. أي: أن خالق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، الذي يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما نعد في أيامنا، والذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض (عالم الغيب والشهادة)، أي: هو عالم الغيب والشهادة، والإشارة إليه جل جلاله بأنه هو عالم الغيب يعلم ما غاب عن الخلق، ويعلم الشهادة، ولا فرق عنده بين الشهادة والغيب، يعلم كل ذلك علماً يقينياً، علم الخالق الرازق المدبر، في الوقت الذي لا يعلم ذلك سواه.
معنى قوله تعالى: (العزيز الرحيم)
معنى قوله تعالى: (العزيز الرحيم) قال تعالى: {الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [السجدة:6] العزيز الذي لا يذل ولا يغلب، القاهر في كل شيء جل جلاله، الرحيم بمن لا يحاول أن يغالبه أو يشرك به أو يعاند رسله، أو يخرج عن طاعته، رحيم به يدخله الجنة، ويغفر ذنبه، ويرضى عنه.
السجدة [6 - 11]
تفسير سورة السجدة [6 - 11] بعد أن أخبرنا الله سبحانه وتعالى في سورة السجدة أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام أخبرنا عن خلقه للإنسان وبدايته ومراحله وإنكار الكافرين للبعث، وشبهتهم في ذلك، وليس هذا الإنكار إلا كفراً بالله سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه)
تفسير قوله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه) قال الله جل جلاله: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة:6 - 7]. قوله تعالى: (ذلك)، الإشارة إلى خالق السموات والأرض، الذي على العرش استوى، الذي يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون. أي: أنا الله عالم الغيب والشهادة، عالم ما غاب عن الخلق، وما شهدوه، المنفرد بالخلق، العزيز الذي لا يقام له، الرحيم بخلقه وعباده المؤمنين، الذي أحسن كل شيء خلقه. فهذه الصفات كلها صفات لله تعالى، فهو خالق السموات والأرض، وهو عالم الغيب والشهادة، وهو العزيز الرحيم، الذي أحسن كل شيء خلقه، أي: الذي أحسن خلق كل شيء وأتقنه على حسب مراده، وحسب أمره، مهما اختلفت الألوان، واختلفت الأنواع من جن وأنس وحيوان ودابة وطائر، قد أتقن خلقهم جميعاً طعاماً وشراباً، وبصراً وسمعاً، وأدوات يعيش عليها ويعيش بها، حتى تلك الحشرة التي لا تكاد ترى بالعين الباصرة خلقها وأتقن خلقها وأحسنه، فجعل لها لساناً، وسمعاً وبصراً ومعدة، وخصها بذكورة وأنوثة للتوالد والتناسل، كل ذلك أتقنه، وكل ذلك أحسنه، وكل ذلك انفرد الله جل جلاله بخلقه.
معنى قوله تعالى: (وبدأ خلق الإنسان من طين)
معنى قوله تعالى: (وبدأ خلق الإنسان من طين) فالله كما أخبر بخلقه للسموات والأرض يخبرنا هنا جل جلاله كيف بدأ خلق الإنسان، فقال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة:7]. فبدأ خلقه للإنسان من طين أخذه من مختلف بقاع الأرض، أسودها وأحمرها، ومجدبها، ولهذا خرج الإنسان متلوناً بين أبيض وأسود، ومتنوعاً بين بليد وذكي، وقصير العمر وطويله، وكل ذلك يرجع إلى الطينة الأولى. فبدأ خلق الإنسان من طين جمعه من أنواع أتربة الأرض وطينها جل جلاله، وبقي بعد ذلك زمناً الله أعلم بقدره، وكان الشيطان يرى ذلك ويدور حوله ويدخل في جوفه ويقول: لأمر ما خلق هذا! فمن اليوم الأول أنكره، وانتظر منه شراً عليه، ووبالاً على حياته ومستقبله، وهكذا كان. فكان الأصل الأول والبداية الأولى في خلق الإنسان الطين، فكذلك خلق أبونا الأول آدم، وبعد ذلك خلقت منه زوجه من ضلع من أضلاعه أعوج كما قال النبي عليه الصلاة السلام كما في الصحاح، فلذلك قال عليه الصلاة السلام عن المرأة: (إن استمتعت به استمتعت به على عوج، وأن أنت ذهب تقيمه كسرته).
تفسير قوله تعالى: (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين)
تفسير قوله تعالى: (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [السجدة:8] أي: ذريته وأولاده {مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [السجدة:8]. أي: من ماء مهين يخرج من صلبه، ومن ترائب حواء بعد ذلك، فأخرج منه ماء مهيناً لا يأبه به، أي: نطفة ضعيفة لا تكاد تلفت نظراً، فهي من الضعف في المكان الذي قال الله عنها: {مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ} [السجدة:8 - 9]. أي: ثم سوى هذا الخلق، وهذه النطفة التي خرجت من صلب آدم وترائب حواء وتسلسلت بعد ذلك، فكانت السلالة والذرية، سلالة آدم وحواء، وذرية آدم وحواء، فهذه النطفة سواها الله تعالى بشراً سويا، وسواها خلقاً كاملا، من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام غير مكسوة لحماً ثم إلى عظام كسيت لحماً، إلى أن نفخ فيه الروح، إلى أن أصبح جنيناً تاماً إلى أن خرج إلى الوجود بشراً كاملاً له ما للكبار من حواس ومن أدوات حياة، وهكذا من طور إلى طور، فهذا خلق الله للإنسان وذاك خلقه للسموات والأرض.
تفسير قوله تعالى: (ثم سواه ونفخ فيه من روحه)
تفسير قوله تعالى: (ثم سواه ونفخ فيه من روحه) قال تعالى: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَِ} [السجدة:9]. كما نفخ في آدم من روحه تشريفاً له نفخ في هذا الماء، فعندما تنتهي تلك الأطوار كلها يأمر الملك فينفخ فيه الروح، فيصبح بشراً سوياً كاملاً لا فرق بينه وبين الكبير، إلا أن هذا لا يزال ضعيفاً ولا تزال أمامه أطوار يتنقل فيها ليصبح رجلاً أو امرأة كاملة. يقول تعالى: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة:9] فما الروح؟ يقول ربنا جل جلاله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85]. فالروح مما استأثر الله بعلمه مع مفاتح الغيب، فلا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم بأي أرض يموت الإنسان إلا الله، ولا يعلم ما في الأرحام إلا خالق ما فيها، ولا يدري الإنسان متى تقوم الساعة إلا الله، فتلك علوم استأثر الله بها لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل. وكذلك الروح، لا يعلمها إلا خالقها، فنحن نرى آثارها ولا نراها هي، ولا ترى، نرى الجسم يتحرك كلاماً ونظراً وسمعاً وبصراً وذوقاً ومشياً وما إلى ذلك من الفهم والعقل والتدبر، ثم يخرج منه شيء وإذا به يصبح جثة هامدة لا حراك بها، وإن تركناه مكشوفاً جيف، ولذلك يسرع أقرب الأحباء إليه إلى دفنه، وإلى تغييبه في الأرض. فالروح إذا دخلت الجسم وعاشت حسب إرادة الله لا يجيف الجسد ذلك، ولا يخرج منه ما يكره، إلا إذا كان المرء قذراً لا يتنظف. أما الميت فمهما غسلته لا بد من أن يجيف؛ لأن الروح قد خرجت عنه. يقول تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء:85] فاستأثر بعلمها. والإنسان في هذا العصر وفي العصور الماضية طالما أغرى نفسه بمعرفة الروح، وهناك طوائف من الكفار زعموا أنه في قدرتهم أن يصنعوا الروح كما صنعوا الطائرة والدبابة، ولكنهم يضربون في حديد بارد، ويفكرون تفكير المجانين، وتفكير من لا عقل له ولا إدراك. فذهب بعضهم فأخذ النطفة البشرية وجعلها في قارورة، وانتظر بها الأيام وإذا بالنطفة تكبر فتصبح مضغة، ثم تصبح قطعة لحم، ثم مضى عليها الشهور فلم تتغير ولم تشكل ولم تسو، فقامت قيامتهم في الأرض، فقالوا: ها نحن استطعنا أن نبتدئ خلق الإنسان، وإن أخطأنا الآن أو فشلنا فسنصيب مستقبلاً، وسيزول فشلنا. وهم بهذا مجانين، إذ لو فرضنا أن هذه البذرة استطاعوا أن يكونوها؛ فإنها ليست خلقهم، وليست من إيجادهم، فهي كالحبة من النبت نزرعها في الأرض فإذا بها شجرة، وإذا بها نخلة في أجواء السماء، فمن الذي خلق تلك البذرة، وجعل لها التراب والسماد والشمس والقمر والمياه التي كانت بها تتغذى؟! لا جواب إلا أن فاعل ذلك هو الله، فما الذي صنعه الإنسان؟ فلو جاءنا إنسان معه سنبلة قمح أو جريدة من نخل، فقال: أنا خلقت هذه، فسألناه: كيف خلقتها؟ فقال: جئت إلى النواة فوضعتها في تراب خصب، وسقيتها فأشرقت عليها الشمس، وأضاء عليها القمر، وهكذا إلى أن نمت، لأخذناه إلى مستشفى المجانين وقلنا: قد فقد عقله مع فقده لدينه، فما الذي صنعه؟! وقد تحدى الله الخلق في أن يخلقوا ذبابة، ولو اجتمعوا على خلقها من أقطار السموات والأرض لعجزوا ولما استطاعوا، بل لو سلبهم الذباب شيئاً لما استنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب. فالله هو الخالق وحده، وما صنعناه من طائرات وسفن وما إلى هذا من المخترعات التي رآها الإنسان، فطغى بها وتجبر وأشرك بالله ليس له فيه غير التركيب. فالطائرة -وهي أعظم ما يتفاخر به- هي عبارة عن شيء من الحديد والأخشاب تطير بشيء من السوائل خلقه الله نسميه النفط، والأجواء هي خلق الله، تحمل الجسم إذا طار فيها. والعقل الذي جاء بهذه الأشياء من حديد وخشب ونفط وضم بعضها إلى بعض لم نخلقه نحن، ولكن الله الذي خلقه، وما أصدق عبارة القائل: إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق ونسب إليك.
معنى قوله تعالى: (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة)
معنى قوله تعالى: (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) قال تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} [السجدة:9]. فنحن كلنا على اختلاف ألواننا وأشكالنا ولغاتنا وأدياننا، والأصقاع التي نعيش فيها، كلنا فينا ما في أحدنا، حيث جعل الله لنا السمع لنسمع، وخلق لنا الأبصار. والإبصار: جمع بصر، والأفئدة: جمع فؤاد، وهو العقل، فهو الذي خلق لنا العقل لنفهم به، وعلى أساسه يجعل الحساب والعقاب، والتكليف قبل ذلك، فمن أطاع فله الجنة، ومن عصى فله النار. فهذا الإنسان الذي يطغى ويشرك مع الله غيره، ويؤذي الناس بأنواع من الطغيان والجبروت، كسفك دم، وأكل مال، وهتك عرض، لا يزيد في الخلقة عن غيره ولا ينقص شيئاً، وقد يكون هذا الظالم -في أغلب الأحيان- أقبح من المظلوم، وأذل منه وأشقى، وذلك المظلوم أشرف منه بما لا يعد ولا يحصى. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في نفر من أصحابه، فمر بهم رجل، فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فقالوا: هذا حري إن خطب لا ينكح، وإن قال لا يسمع، وإن شفع لا يشفع. ثم مر آخر فسألهم عنه فقالوا: هذا حري إن خطب أن ينكح، وإن قال أن يسمع، وإن شفع أن يشفع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاك خير عند الله من ملء الأرض من مثل هذا). ومعنى ذلك أن ذاك الذي كان يدل شكله وظاهره على إنه إنسان عاقل مؤمن كان منافقاً، وأن ذلك المسكين الذي ازدرته العين كان صالحاً، وكان مؤمناً صادقاً، ولكنه كان من الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، كان من عباد الله الصالحين الذين إذا لم يعرفهم الناس كفاهم أن الله خالقهم يعرفهم، ويرزقهم, وأكرمهم بالمعرفة، وأكرمهم بالصلاح، وفي الحديث: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). وقال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13]، فالكريم على الله التقي المتقرب إليه بأنواع الطاعات والعبادات.
معنى قوله تعالى: (قليلا ما تشكرون)
معنى قوله تعالى: (قليلاً ما تشكرون) قال تعالى: {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة:9]. أي: قلما تشكرون ربكم على هذه النعم الظاهرة والباطنة، فقد خلقكم الله ليكرمكم بالجنة وبالرحمة وبالرضا، ولكنكم كفرتم بهذه النعمة، ففقد من فعل ذلك مستقبل دنياه وآخرته. فالله تعالى خلق لنا الأسماع والأبصار والأفئدة والحواس، وخلق العوالم مسخرة ومذللة لهذا المؤمن الذي يقول: (لا إله إلا الله)، فإن هو قام بما وجب عليه من أداء حقوقها، وعاش على ذلك إلى أن لقي ربه؛ كان من المؤمنين القانتين الذي يرجى لهم الخير والرحمة والرضا، وإن أهدر حياته فلم يستفد منها، ولا من شبابه، وأضاع كل ذلك فقد خسر، فيفجأ بالملكين يسألانه في القبر: ما دينك؟ من ربك؟ من نبيك؟ وإذا به يقول: قال الناس قولاً فقلت قولهم، قالوا الصليب فقال الصليب، كان إمعة حتى في الكفر، يقول ما قاله الناس بلا علم ولا معرفة ولا كتاب من الله منير. فالخلق أكثرهم كفرة، والكافر لو شكر الله لآمن به، فهو جاحد دوماً، كافر بنعم الله، قال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116] ولهذا كان الشاكرون قلة.
تفسير قوله تعالى: (وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد)
تفسير قوله تعالى: (وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد) قال تعالى: {وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} [السجدة:10]. قال هؤلاء المشركون الذين لا يشكرون الله على نعمه، ولا يذكرونه، ولا يقول الواحد منهم يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، قالوا: {أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [السجدة:10]. وهو استفهام إنكاري من جاحد كافر. ومعنى: (ضل في الأرض) غاب فيها، وهلك فيها، فلم يبق له وجود ولا كيان، يقال: ضل الماء في اللبن: إذا غاب فيه، ولم يبق له أثر من حيث النظر. فهم يستفهمون منكرين جاحدين قائلين: أئذا غبنا في الأرض وهلكنا {أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [السجدة:10]؟! أي: هل يمكن أن نرجع مرة أخرى، ونخلق ونبعث خلقاً جديداً وبعثة جديدة؟! قالوا ذلك لكفرهم، ولو فكروا قليلاً واستعملوا عقولهم قليلاً لعلموا أن القادر على النشأة الأولى قادر على الإعادة، قال تعالى عن جاحد كافر: {قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس:78 - 79]. فمن الذي أنشأها على غير مثال سابق؟ ومن الذي أوجدها من عدم لا مخرج من أن يقولوا: الله، وإذا كان كذلك فالذي قدر على إيجادها من عدم، وأنشأها بلا مثال سابق، أهون عليه -والكل هين عليه- أن يعيد حياتها ووجودها وكيانها مرة ثانية، فذاك منطق العقل لمن له عقل، وأين العقل من الكافرين المشركين الذين قال الله عنهم: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:7]؟! لقد فكروا في الأكل والشرب، وفكروا في البطن والفرج، وفكروا في الزوجة والولد، ولم يفكروا يوماً في خلقهم، وكيف سيموتون، ولماذا يموتون، وماذا بعد الموت، على أن الأنبياء طالما قرعوا أسماعهم بما سمعوه عن الخلق جيلاً بعد جيل، وعصراً بعد عصر بالكتب المنزلة عليهم، وبما سجله علماؤهم، والمؤمنون منهم، فأعرضوا عن كل ذلك، وأبوا إلا الجحود والكفر والضلال، فهم يتعجبون قائلين: {أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ} [السجدة:10]، أي: غبنا في الأرض وهلكنا وفنينا: {أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [السجدة:10]. أي: أنكون خلقاً جديداً؟ أيمكن أن نبعث كما يقول ذلك محمد صلى الله عليه وعلى آله؟! وطالما ضرب الله الأمثال على هذا، أرانا الأرض وهي ميتة جدباء قاحلة ليس فيها نبت ولا حياة، وإذا بالله جل جلاله يمطرها بالغيث، فإذا بها تهتز، فتخرج من داخلها أنواع من الخضراوات ومن الثمار مما يعيش عليه الحيوان والناس. فهذه الأرض كانت ميتة، رأينا موتها بأبصارنا، ثم بعد ذلك اهتزت بقليل من الغيث وربت وتحركت، وأنبتت من كل زوج بهيج، ومن كل زوج كريم، أليست هذه حياة جديدة؟ فالنخلة تعطي ثمرها كل سنة، فتعطينا بلحاً، وتعطينا رطباً، وتعطينا تمراً، أليس هذا خلقاً جديداً يتجدد كل عام، ويتجدد حسب الفصول والأعوام؟! وهكذا نحن، فأمنا الأرض، منها خرجنا ومنها خلقنا، وإليها سنعود، ومنها سنخرج مرة ثانية عندما ينفخ إسرافيل في الصور، وإذا بنا قياماً بين يدي رب العالمين.
معنى قوله تعالى: (بل هم بلقاء ربهم كافرون)
معنى قوله تعالى: (بل هم بلقاء ربهم كافرون) قال الله تعالى: {بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} [السجدة:10]. هذا إضراب عن قولهم السابق، لأن (بل) حرف إضراب، فهؤلاء قالوا كفرهم كأنهم يستدلون وكأنهم يناقشون وكأنهم يحاورون، ولا حوار ولا استدلال ولا سلطان ولا دليل في الحقيقة، إن هو إلا الكفر بالله، والشرك به، فقال تعالى: {بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} [السجدة:10]. أي: بل قد كفروا بيوم البعث، وبلقاء الله يوم العرض عليه، وبالدار الثانية التي لا تفنى ولا تزول، فمن دخل الجنة فإلى أبد الأباد، ومن دخل النار فإلى أبد الأباد، لا موت بعد ذلك لمن كان في نعيم ولا لمن كان في جحيم. فكفر هؤلاء، وتقليدهم للآباء والأجداد، أدى بهم إلى قول ذلك بغير دليل ولا سلطان، فهو كلام كرروه تكرير القردة والببغاوات بلا منطق ولا دليل.
تفسير قوله تعالى: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم)
تفسير قوله تعالى: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) قال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة:11]. أي: قل -يا رسولنا- لهؤلاء: نحن خلقناهم، ونحن سنميتهم، ونحن سنبعثهم تارة أخرى. وقوله تعالى: {مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم} [السجدة:11]. هو الذي جعله الله جندياً عبداً مكلفاً بذلك، كما كلف رسل البشر بتبليغ الناس كتاب الله، ودين الله، وما يصلحهم في الدنيا وما ينجيهم في الآخرة. وأرسل رسوله من الملائكة لقبض الأرواح، وهذا لحياة الأجنة، وهذا للمطر, وهذا للتراب، وهذا للبحار، كلٌ مكلف، وكل موكل بأمر يقوم به، والفاعل لكل ذلك هو الله جل جلاله. فقوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة:11]. أي: قل -يا رسولنا- سيتوفاكم ملك الموت، يقال: توفى كذا، أي: استوفى عدده. والعدد هنا الأجل المسمى الذي خلق الله الإنسان عليه، فلكل منا أجل مسمى عند الله، وإن كنا لا نعلمه: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} [لقمان:34]. فلا نعلم ما يأتي غداً، ولكننا نرجو خيره، ونعوذ بالله من ضرره، فلا يعلم ذلك إلا الله جل جلاله. فالملك المكلف بالموت يتوفاكم، فيستوفي الأجل الذي ضرب لكم، والله هو الذي يعلمه. يقول تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} [السجدة:11] أي: يميتكم {الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة:11]، فقد جعله الله وكيلاً مكلفاً بقبض الأرواح. والملك المكلف الذي يعتبر رئيساً في قبض الأرواح سمي في بعض الآثار (عزرائيل)، وتعني كلمة عزرائيل (عبد الله)، ومعه ملائكة وجند لا يحصي عددهم إلا الله، هم تحت أمره وتصرفه، يأمره الله جل جلاله بالقبض، فيأمر جنده فيعاونونه على ذلك. ولذلك فلا حاجة إلى استغراب كونه واحداً، ويقبض في اليوم الواحد أرواح عشرات الآلاف من الخلق. وكذلك الملك المكلف بنفخ الروح في الجنين في رحم أمه، فليس هو واحداً، بل هو ملك مكلف، وله جند وأعوان. فهناك جند وأعوان تحت تصرف ملك الموت، يقبضون الأرواح بأمر الله، والله هو القابض في الحقيقة، فهو المحيي وهو المميت، وإنما وكل بذلك ملك الموت ومن معه من جند ومن أعوان.
معنى قوله تعالى: (ثم إلى ربكم ترجعون)
معنى قوله تعالى: (ثم إلى ربكم ترجعون) قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة:11]. فبعد ذلك ترجعون إلى الخلق الجديد الذي أنكرتموه، فستعودون إلينا، فنحاسبكم على مثل هذا القول، وعلى هذا الكفر والجحود إن أنتم متم عليه.
السجدة [12 - 16]
تفسير سورة السجدة [12 - 16] يبين الله سبحانه وتعالى لنا حال الكافرين والمجرمين يوم القيامة بعد عودة أرواحهم إلى أجسادها، ووقوفهم بين يدي ربهم منكسي الرءوس، وأنه لو شاء لهدى الناس أجمعين، لكن سبق القول منه سبحانه بأنه سيملأ جهنم من الكافرين المعاندين المتكبرين، الذين أبوا إلا الكفر والطغيان.
تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم)
تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم) قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة:12]. يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: لو ترى هؤلاء المجرمين المشركين الكافرين بعد أن عادت إليهم الأرواح يوم القيامة، فوقفوا يبين يدي ربهم منكسي الرءوس. وكل خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم هو خطاب كذلك لأمته ولأتباعه من الجن والإنس. فالله تعالى يقول: لو رأيت هؤلاء المجرمين المشركين الكافرين وقد عادوا للحياة الثانية التي أنكروها في دنياهم، واقفين في ذل وفي خجل وفي حياء يكاد يزيل عن وجوههم جلودها، خجلاً من كفرهم وتكذيبهم في دار الدنيا، فهاهم أولاء قد عادوا وبعثوا خلقاً جديدا، وقد كانوا في دنياهم ينكرون ذلك، ووقفوا بين يدي ربهم منكسة رءوسهم، تكاد رءوسهم تكون على الأرض، وقد فسر بعض الأئمة الآية بهذا، وهو أن رءوسهم أصبحت أرجلاً، وأرجلهم هي التي فوق رءوسهم في الأرض، خجلاً من ربهم، فهم يصيحون ويجأرون: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} [السجدة:12]، فقد رأينا الإعادة والخلق الجديد، وسمعنا ما كنا نكذب به أنبياءنا ورسلنا. هؤلاء المجرمون بعد أن رأوا ما كانوا ينكرون، وسمعوا ما كانوا يعرضون عن سماعه، قالوا: ربنا! أرجعنا للدنيا لنعمل الصالحات، ولنوقن كما أيقنا الآن، ولكن هيهات هيهات، فقد كانت الحياة فلم ينتهزوها، وكان الشباب فلم يستفيدوا منه، وكان الثراء فلم يجعلوه في طاعة، وهكذا إلى أن انتهت أيامهم، فكانت كيوم أو جزء من يوم. أما الآن فهم يحاسبون ويعاقبون، فيتمنون أن يعودوا مرة ثانية، وهيهات هيهات، فلن يكون ذلك أبداً.
تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها)
تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة:13]. فالله بيده الخلق، وبيده الجنة والنار، يعذب من يشاء ويرحم من يشاء، فهو القادر على كل شيء، قد أرسل رسله، وخلق لكل إنسان عقلاً، ليميز به، ويكتسب به، ويختار ما يشاء، فجاءت رسل الله من البشر، فبلغوا عن ربهم كتبه، وبلغوا رسالاته، وعلموا الناس الأوامر والنواهي، وأخبروهم بقصص الأنبياء، ليتخذوا منها العبر، فأضاعوا كل ذلك، واستهتروا بكل ذلك، وكانوا يهزءون من الأنبياء ومن خلفاء الأنبياء من العلماء ومن الصالحين المؤمنين، يقول تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة:13]، ولكن هؤلاء أعطيناهم عقولا، فلم يفكروا، ولم يعقلوا، فكان كسبهم كسب الكافر، وكسب الضال، وكسب أهل النار، ولو شئنا لأجبرناهم، ولكن الله لا يجبرهم، بل جعلهم يكتسبون ما شاءوه، {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان:30]، وذاك في سابق علمه وقدره في اللوح المحفوظ، ولذلك كانت عقيدة أهل السنة والجماعة أن الهداية وسط بين قول الجبرية بأن العبد مسير، وقول المعتزلة بأن العبد يخلق أفعاله، فالأفعال يخلقها الله، والإجبار غير قائم، فنحن نحس ونحن في دار الدنيا بأننا إذا شئنا الصيام صمنا، وإذا شئنا أن نفطر أفطرنا، فالكافرون شاءوا الإفطار فأفطروا، وشاءوا الكفر فكفروا، فمن شاء الكفر قد كفر، ومن شاء الإيمان آمن، وهذه الإرادة خلقها الله لنا. وعلى أساسها كان الحساب والعقاب، وكانت الجنة والنار، فلنا ضمن الإرادة الإلهية والمشيئة الإلهية كسب نختاره، ونعمل بمقتضاه. ومن هنا كان العقاب وكان الحساب وكان النعيم على الأعمال، فلأجل أعمال المؤمنين دخلوا الجنة، ولأجل (لا إله إلا الله) التي قالوها وأيقنوا بها خرجوا من الكفر إلى الإيمان، وأولئك الذين أشركوا مع الله من أجل شركهم وكفرهم خرجوا من الفطرة من الإيمان إلى الكفر والشرك. فلسنا نخلق أفعالنا، ولسنا مجبرين، بل هناك مشيئة وهناك كسب. فمن قال بقول الجبرية هلك، ومن قال بخلق الأفعال كاد يشرك، لأنه جعل مع الله من يخلق ومن ينشئ ومن يوجد، والله الخالق لكل شيء، وهو النافع والضار جل جلاله. ولقد قال الله لنا في خلق الإنسان ونشأته: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} [السجدة:9]، فخلق لنا عقولاً وأسماعاً وأبصاراً لنميز بين الحق والباطل، وبين الغث والسمين، وبين الكفر والإيمان، وإلا فلم خلقت العقول؟! إنها لم تخلق إلا للتمييز، فمن ميز الحق كان من أهله، ومن أبى إلا الباطل كان من أهله.
معنى قوله تعالى: (ولكن حق القول مني لأملأن جهنم)
معنى قوله تعالى: (ولكن حق القول مني لأملأن جهنم) قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة:13]. كان هذا القول عندما أبى إبليس إلا الكبرياء عندما أمره الله بالسجود لآدم، فأبى السجود وقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف:12]. أي: خلقتني من نار وخلقته من تراب، فاعتبر النار التي خلق منها أشرف من التراب. فتألى على الله وتكبر، فطرده الله من الجنة، وطرده من رحمته ورضاه، وإذا بالشيطان يطلب من ربه أن يرجئه إلى يوم البعث، فأرجأه امتحاناً للخلق، وللتمييز بن الحق والباطل، فذهب يتوعد بأنه سيضل الناس والخلق عن الله ليكفروا به، وليخرجوا عن طاعته، فتوعد الله بأنه سيدخله ومن تبعه النار، فكان هذا هو العهد. قوله تعالى: {لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة:13]. اللام في قوله تعالى: (لأملأن) للقسم، وأكد الفعل بنون التوكيد، فأقسم تعالى على أنه سيملأ من هؤلاء الكفرة الجاحدين الذين خيروا بين الحق والباطل، فأبوا إلا الباطل، وخيروا بين الإيمان والكفر، فأبوا إلا الكفر، فكان ذلك برغبتهم، فعلى أساس ذلك عذبوا، وعلى أساس ذلك عوقبوا، وهكذا مآل كل كافر.
تفسير قوله تعالى: (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا)
تفسير قوله تعالى: (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا) قال ربنا: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [السجدة:14]. يقول الله لهؤلاء الذين أبوا إلا الكفر والجحود والعصيان: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ} [السجدة:14]. والذوق منه الحسي الذي يكون باللسان، كذوق الطعام والشراب، ومنه الذوق المعنوي كالسعادة والشقاوة. فقوله تعالى: (ذوقوا) أي: حسوا بعذاب الله، واشعروا به، وعيشوا في واقعه. وقوله تعالى: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [السجدة:14] النسيان هنا: الترك، وهو لازمه، فالإنسان إذا نسي شيئاً تركه. أي: بترككم الاعتقاد واليقين والإيمان بيومكم هذا، فأنكرتم أن تكون هناك حياة ثانية، فذوقوا العذاب.
معنى قوله تعالى: (إنا نسيناكم)
معنى قوله تعالى: (إنا نسيناكم) {إِنَّا نَسِينَاكُمْ} [السجدة:14] أي: تركناكم، فالله لا ينسى جل جلاله، وعز مقامه. أي: تركوا من الرحمة، وتركوا من العفو، وتركوا من دخول الجنان {جَزَاءً وِفَاقًا} [النبأ:26]؛ لأنهم تركوا طاعة ربهم، وتركوا الإيمان بما أوجبه تعالى مما كلف به أنبياءه أن يبلغوا خلقه من الجن والإنس.
معنى قوله تعالى: (وذوقوا عذاب الخلد)
معنى قوله تعالى: (وذوقوا عذاب الخلد) قال تعالى: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [السجدة:14]. فذوقوا هذا العذاب الخالد الذي تعذب به الأبدان والأرواح: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [السجدة:14]. والباء باء السببية، و (ما) موصولة، أي: بسبب الذي كنتم تعملون، والذي كانوا يعملونه هو الشرك بالله، والكفر بأنبيائه وتكذيبهم فيما جاءوا به. ومن هنا كان الحساب وكان العقاب، فالأعمال تركت لعقول الناس، فلهم أن يختاروا وأن يكتسبوا، ومن هنا نشأ العذاب ونشأت الرحمة.
تفسير قوله تعالى: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا)
تفسير قوله تعالى: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً) قال تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة:15]. يقول ربنا جل جلاله: إنما يؤمن بآيات الله، وبعلامات قدرة الله ووحدانيته، وصدق أنبيائه ومعجزاتهم، ودلائل رسالاتهم، ودلائل إلهية الله إيماناً صادقاً، {الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا} [السجدة:15]. فالذي يؤمن بآيات الله هو الذي إذا ذكر بها -فتليت عليه، أو فسرت له- تراه يبادر ساجداً لله، إيماناً بتلك الآيات، وخضوعاً لجلال ربه. قال تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا} [السجدة:15] أي: وقعوا على الأرض سجداً على جباههم وعلى أنوفهم وعلى أكفهم وعلى ركبهم وعلى أصابع أرجلهم، على السبعة الأعضاء، فهؤلاء هم الذين يؤمنون بالله، وبآياته وبكتابه، ويؤمنون بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. فالإنسان في حياته في شغل شاغل في الصباح والمساء، وفي الحضر وفي السفر، فيبقى ذاهلاً، فإذا ذكر وكان مؤمناً تذكر، والذكرى قد تكون بالأذان، وقد تكون بالإقامة، وتكون بالتكبير، وتكون بالدخول في الصلوات. وقد يكون التذكير برؤية أمر غريب في طائر أو في إنسان أو في حيوان، فالمؤمن إذا رأى شيئاً أعجبه يقول: ما شاء الله، ويسبح الله الذي لا يخلق مثل هذا سواه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وتجد المؤمن الحق كل كلامه ذكر، وكل كلامه تذكير، حتى إذا غلبته عينه ونظر النظرة الثانية ورأى جمالاً لا يقول: أشتهيه، ولا: أريد الخلوة به، بل تجده يقول في كل مكان: سبحان الله، فتجد منه هذه اللهجة في المشرق، وتجدها في المغرب، والمؤمن مؤمن حيث كان.
تفسير قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع)
تفسير قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) قال تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [السجدة:15 - 16]. هذه صفات المؤمنين الصادقين الذين يسجدون لله سجود القلب وسجود الجوارح، سجود الإيمان وسجود اليقين بغير كبر كما يفعله الكفار والمشركون، فهؤلاء -أيضاً- تتجافى جنوبهم عن المضاجع في الليل والناس نيام، أي: تبتعد وتزول جنوبهم، فالعبد ينام تارة على جنبه الأيمن، وتارة على الجنب الأيسر، وتارة على ظهره، فجنوب بدنه كلها يبعدها عن الفراش وعن الدفء وعن الزوجة وعن الراحة في ذلك الوقت، وقد لا يكون نام إلا ساعة أو ساعتين. والمضاجع: جمع مضجع، وهو مكان النوم الذي ينام فيه المرء ويأخذ راحته، فهؤلاء تزول جنوبهم فتصبح بعيدة عن المضاجع. قال تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة:16]. يدعون الله جل جلاله خائفين من ناره ونقمته وعذابه، راجين رحمته ورضاه وجنته، يبكون في الثلث الأخير من الليل، حيث ينزل ربنا إلى سماء الدنيا فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من مريض فأشفيه؟ هل من جائع فأشبعه؟ هل من عار فأكسوه؟ فيجيب الله تعالى سؤل هؤلاء الذين نبذوا فرشهم وزوجاتهم وراحتهم، وابتعدوا بجنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم وهم بين ساجد وراكع، فتارة يسجدون وتارة يركعون، وتارة يدعون، وتارة يتلون، يعبدونه خوفاً وطمعاً، خوفاً من ناره، وطمعاً في جنته.
معنى قوله تعالى: (ومما رزقناهم ينفقون)
معنى قوله تعالى: (ومما رزقناهم ينفقون) قال تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [السجدة:16]. فالله جل جلاله يقرن كثيراً بين النفقة والعبادة البدنية، فهؤلاء الذين يقومون والناس نيام داعين ربهم مصلين راكعين ساجدين، مسبحين تارة، ومعظمين أخرى، هؤلاء وهم في هذه الحالة لا تكون عبادتهم مقصورة على أنفسهم فقط، بل مما رزقهم الله ينفقون، فيوزعون أموالهم بحسب قدرتهم هكذا وهكذا وهكذا. فتارة ينفقون أموالهم للزكاة الواجبة، وتارة للصدقة، وتارة للنفقات الواجبة، وتارة للنفقات غير الواجبة على الأقارب والأدنيين من غير الزوجة والأولاد، والوالدين إن لم يكونا محتاجين، فإن كانا محتاجين فهما كالأولاد، فتجب النفقة عليهم. ولذلك رتب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ونظمه وسنه فقال: (ابدأ بنفسك، ثم من تعول). فزوجتك وأولادك الذين كنت سبب خروجهم إلى هذا العالم، لا يجوز أن تتركهم وهم لا يزالون ضعفاء عاجزين عن أن يقوموا بأنفسهم. والزوجة هي التي أتت بهؤلاء الأولاد، وهي التي جعلتها وعاء لترزق بهؤلاء الأطفال، ولا يجوز أن تشغلها في وظيفة وتقول لها: ائتيني بالفلوس لتعينيني فلا يفعل هذا رجل فيه شرف أو نخوة. فيكفي المرأة أنها تقوم في بيتك خادمة ومربية وحاملاً، فهي التي تقوم برعاية الولد ونظافته، ولا يستطيع الرجل ذلك. ودور الرجل في تربية الولد وتعليمه، والنظر إلى مستقبله والتخطيط له. فالوالد والوالدة هما طرفان لا تتم حياة الأولاد في الغالب إلا بهما، فإذا ذهب أحدهما -والله هو المختار في خلقه- هيأ تعالى لألئك الأولاد من يقوم مقام الأم إن غابت، أو مقام الوالد إن غاب.
السجدة [17 - 20]
تفسير سورة السجدة [17 - 20] بعد أن أخبرنا الله سبحانه وتعالى بصفات الذين يؤمنون بآيات الله، أخبرنا بما أعد لهم من قرة أعين، وأنه أخفاه سبحانه عن كل نفس، حتى يلاقوا جزاء إيمانهم يوم القيامة، وهذا الحال لا يساوي حال الكافر لمن له أدنى بصيرة.
تفسير قوله تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم)
تفسير قوله تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم) قال الله جل جلاله عن عباده الصالحين: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:17]. ذكر الله جل جلاله الذين إذا ذكروا بآيات ربهم خروا سجداً، ثم سبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون، كما أنهم يتهجدون ليلاً، فيتركون مضاجعهم وراحتهم ونساءهم، ويدعون ربهم خوفاً وطمعاً، ومما رزقهم ربهم ينفقون. فهؤلاء المؤمنون القانتون المتهجدون ليلاً والناس نيام يقول الله عنهم: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة:17]. فالضمير يرجع إلى أولئك الموقنين المؤمنين العابدين القانتين الصالحين المستجيبين لله ولرسوله، فهؤلاء لا تعلم نفس. {مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة:17] والنكرة تدل على العموم. فأخفى الله لهم ما تقر به عيونهم، وتسر به نفوسهم، وتفرح له أرواحهم، فيجدون في الجنة سعادة لا شقاء بعدها أبدا. والقرة أصلها من البرد والاطمئنان، والعين إذا بردت دل ذلك على أنها في سرور وأنها في راحة، فإذا حزنت تجدها في حر وتجدها في اكتئاب، فأصبحت هذه الكلمة في لغة العرب تعني السرور، وتعني الطمأنينة، وتعني الفرح بما يريد الإنسان وتطمئن له نفسه. قال تعالى: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة:17]. أي أن الله أخفى لهم ذلك، ولم يظهره ليفاجئهم برحمته وبرضاه، كما أخفوا هم قيامهم ليلاً والناس نيام، فلم ير عبادتهم أحد، فأخفوا هذه العبادة عن الناس، فأخفى الله جل جلاله ما أعد لهم من خير وأعد لهم من رحمة وأعد لهم من نعيم دائم جزاء أعمالهم وطاعتهم. قال تعالى: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:17]. أي: جوزوا بذلك وكوفئوا به لعملهم وعبادتهم وطاعتهم. فالله تعالى يحض المؤمنين على أن يعملوا عملهم، ويجتهدوا اجتهادهم، ويتهجدوا تهجدهم، ويحمدوا ربهم حمدهم.
تفسير قوله تعالى: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا)
تفسير قوله تعالى: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً) قال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ} [السجدة:18]. وهذا استفهام تقريري، وقد علم الله تعالى أن المؤمن ليس كالكافر بحال من الأحوال، ولذا قال تعالى: {لا يَسْتَوُونَ} [السجدة:18]. فليس هذا وهذا سواء؛ إذ المؤمنون جوزوا بقرة عين، وجوزوا بالجزاء الأوفى رحمة وسعادة ورضا، وأما الكافرون فليسوا كذلك، فهم قد عوقبوا باللعنة والغضب والطرد عن رحمة الله. قال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا} [السجدة:18]. الفسوق: الخروج عن طاعة الله، ويعنى به هنا الكافر، وليس المؤمن كالكافر عند رحمة الله ورضا الله، ولكل عمله.
تفسير قوله تعالى: (أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى)
تفسير قوله تعالى: (أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى) قال تعالى: {أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:19]. {أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا} [السجدة:19]. كان الكلام السابق مجملاً، وهو أن الكافر والفاسق ليسا سواء، ثم فصل تعالى فقال: {أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا} [السجدة:19]. فالذين آمنوا بالله، وبرسل الله وبكتب الله، وبأن الجنة حق، وبأن النار حق، ثم عملوا الصالحات بعد ذلك، فأقاموا الصلوات، وآتوا الزكاة، وحجوا بيت الله الحرام، وصاموا شهر رمضان، وتركوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وقاموا بالوجبات قدر جهدهم وطاقتهم واستطاعتهم. هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات المأوى، وليست جنة واحدة، بل هي جنان وبساتين ورياض، جعلها الله لهؤلاء مأوى، أي: متبوءاً ومسكناً وموطناً ومقاماً ونزلاً، أذاقهم وملكهم هذه المنازل مأوى ومقاماً دائماً أبداً سرمداً، يتلذذون بما أنعم الله به عليهم، وأعظم اللذات رؤية الله جل جلاله، ورضا الله عنهم. قال تعالى: {نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:19]. أي: ذلك المأوى في تلك الجنات التي جعلها الله لهم حال كونها نزلاً وضيافة، هو بسبب أعمالهم. فهذه الباء يقال لها في لغة العرب: باء السببية، أي: كانت هذه الجنات مأوى لهم ومنازل، بسبب عبادة ربهم وقيامهم بأعمالهم واستجابتهم لدينهم ولما أمرهم به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار)
تفسير قوله تعالى: (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار) ثم ذكر تعالى الفريق الآخر فقال: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [السجدة:20]. فالله تعالى يجمع في كتابه بين ذكر الجنة والنار، والعمل الصالح والسيئ؛ ليكون المؤمن بين رغبة ورهبة، وخوف ورجاء، فتارة يعبد الله خوفاً من ناره وغضبه، وتارة يعبده طمعاً في جنته ورضاه ورحمته. قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} [السجدة:20]. قوله تعالى: (الذين فسقوا) أي: خرجوا عن أمر ربهم، فهؤلاء الفاسقون الخارجون عن أمر ربهم مأواهم ومنزلهم ومقامهم النار، فكما جعل الله لأهل النعيم والطاعة الجنة مأوى ونزلاً؛ جعل للفاسقين الكافرين النار مأوى ومنزلا.
معنى قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها)
معنى قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} [السجدة:20]. أي أن هؤلاء المعذبين من الكافرين الفاسقين يفرون من مكان إلى مكان، ظناً منهم أن النار لا تصلهم، وأن لهيبها لا يحرقهم، فهم لذلك يحرصون على أن يفروا عنها، فقال الله عنهم: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} [السجدة:20]، بأن تلفحهم النار، أو ملائكة العذاب، حيث تضرب وجوههم وأدبارهم، وتسوقهم إلى السعير وإلى النار المؤلمة الموجعة جزاء كفرهم وخروجهم عن أمر الله. قال تعالى: {أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [السجدة:20]. أي: ذوقوا العذاب كما يذوق الإنسان الشيء بلسانه، فذوقوا بأبدانكم، وذوقوه بخلايا أجسامكم عذاب النار المؤلمة الموجعة التي كنتم تكذبون بها في الدنيا.
الأحزاب [1 - 4]
تفسير سورة الأحزاب [1 - 4] سورة الأحزاب من السور العظيمة التي بينت حال المنافقين وبينت كثيراً من الأحكام الشرعية، وقد ابتدأت بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم وتحذيره من أن يطيع الكافرين والمنافقين.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الأحزاب:1]. سورة الأحزاب سورة مدنية. وفيها ثلاث وسبعون آية، وسميت بسورة الأحزاب لأن فيها قصة غزوة الأحزاب الذين جاءوا من شتى أقاليم جزيرة العرب لحرب رسول الله عليه الصلاة والسلام والمسلمين. تألبت قريش وغطفان من خارج المدينة واليهود من داخل المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءوا إلى عقر دار المسلمين يظنون أنهم سيقضون على الإسلام ونبي الإسلام وأهل الإسلام، فخابوا وخاب ظنهم، وعادوا بخفي حنين أذلاء مقهورين. وتسمى غزوة الخندق، والخندق: هو الحفرة، وبعد أن علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القبائل تحزبت عليه من كل جانب جاء سلمان إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: (يا رسول الله! كان الفرس إذا حدث لهم مثل هذا يخندقون على أنفسهم، ويحفرون حفراً تحول بين وصول الأعداء وبينهم، فهلا حفرنا مثلهم وخندقنا مثلهم، فقبل صلى الله عليه وسلم هذا الرأي، وأمر المهاجرين والأنصار بحفر الخندق، فحفر الخندق)، وحيل بين هؤلاء الأحزاب وبين دخولهم المدينة المنورة. واشتملت هذه الغزوة على غزوة بني قريظة، إذ هؤلاء غدروا بالنبي عليه الصلاة والسلام، وألبوا عليه أعداءه، وحاولوا أن يحاربوه من الداخل. وقد نصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين نصراً عزيزاً مؤزراً كما سنرى تفصيل ذلك. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) من كرامة نبينا صلى الله عليه وسلم على الله أن أكثر ما يدعوه بالنبي والرسول، بخلاف ما كان يدعو الأنبياء قبله، فهو يقول: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وأنبياء بني إسرائيل، فإذا كان الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: (يا أيها النبي)، (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)، (يا أيها الرسول)، وهكذا دواليك، وقد نبه على ذلك الشيخ ابن تيمية بأبين وأفصح عبارة كما في كتابه القيم الذي يعتبر الأول بين كتبه: (الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وعلى آله). وقوله: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ)) أي: هو نداء مفرد مبني على الضم ينادى به الواحد، والهاء للتنبيه، يعني: يا هذا، والنبي نعت لهذا النداء، أي: يا هذا المنادى، أو يا أيها المدعو، أو يا نبي الله. وقوله: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ)) يأمر الله عبده ونبيه وإمام أنبيائه بالتقوى، وكون النبي صلى الله عليه وسلم يؤمر بالتقوى هو تنبيه بالأعلى على الأدنى، إذا كان النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي لا يعصي يؤمر بتقوى الله وطاعته فكيف بالعصاة مثلنا؟ وكيف بغير المعصومين مثلنا؟ فذلك نداء للنبي المعصوم صلى الله عليه وسلم، وهو للناس كلهم بأن يتقوا الله، وأن يعبدوا الله ويوحدوه. والتقوى: هي طاعة الله على نور من الله يرجو رضا الله، والتقوى: هي أن يطيع الإنسان ربه بفعل أوامره وترك نواهيه على نور من ربه، وعلى برهان ودليل، لا أن يطيعه بالهوى، ولا بالخواطر، ولا بالفلسفات الباردة، ولكنه يطيع الله على نور من الله، كما يريد ربنا عز وجل ويرضى. وأن تكون الطاعة ابتغاء رضوان الله، ورجاءٍ رحمة الله، لا لمجرد الهوى والعادة. والتقوى من الوقاية، وهي أن يجعل المؤمن وقاية بينه وبين عذاب ربه، وبين غضب ربه، وبين ما لا يرضي ربه، فالله جل جلاله يدعونا إلى طاعته وإلى البعد عن معصيته؛ ليكرمنا برضاه وبالجنان خالدين مخلدين فيها. وقوله: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ)). يعني: يا نبي الله، اتق الله طاعة، واتق الله رضاء، واتق الله بعداً عن المخالفة، وإياك أن تطيع الكافر في قوله أو فعله، وأن تطيع المنافق في قوله أو فعله، هذا أمر للأعلى تنبيهاً للأدنى، فهو أمر للنبي الله المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي لا يعصي الله ما أمره، وهذا فيه تنبيه العصاة غير المعصومين من عموم الناس، أي: يا أيها الناس تبعاً لنبيكم وما أمر به رسولكم اتقوا الله ولا تطيعوا الكافرين بالله، ولا تطيعوا المنافقين الذين يتظاهرون بالإسلام كذباً وزوراً، ويخفون معصية الله، ويخفون الكفر بالله، فهؤلاء المنافقون إياكم وإياهم، وهؤلاء الكافرون إياكم وإياهم.
سبب نزول قول الله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين)
سبب نزول قول الله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) قال البعض من مفسري الآية الكريمة: وكان سبب نزول هذه الآية لما هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً في تلك المدة من السنوات التي هادنهم فيها، وجاء إلى المدينة أبو سفيان، وجاء عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وجاء جماعة منهم، ونزلوا على رأس النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول، وواجهوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلين له: (يا محمد، لو تركت عيب آلهتنا لتركناك ودينك، وتبعهم في هذا القول المنافقون وناصروهم وأضافوهم وأكرموهم، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، لو أمرتني أن أقتل هؤلاء جميعاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: والعهد الذي بيننا؟!) أي: بيننا وبينهم عهد عشر سنين، فكيف نغدر بهم ونقتلهم. فأمر بطردهم، فقام عمر وأخرجهم من المدينة المنورة ملعونين خزايا؛ لطلبهم هذا الطلب السخيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ)) أي: في أن تنصت لمثل هذا القول الباطل. ((وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ)) أي: فيما طلبوه منك من مهادنة آلهتهم المزيفة، وتركهم على كفرهم ونفاقهم. وقوله: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)) أي: له العلم جل جلاله فيما يجري، وفيما سيكون بعد ذلك من أن هؤلاء مقهورون، ومغلوبون على أمرهم، وذاهبون وآلهتهم المزيفة، وأنت منصور عليهم النصر العزيز المؤزر، فلا تلتفت لأقوالهم، ولا تقبل كلامهم ولا كلام المنافقين الذين ساندوهم، فهو سبحانه عليم بباطل قول هؤلاء، وفساد ما يدعون إليه. وهو حكيم في أفعاله، ما أمرك بقتالهم إلا وقوله منزل منزلة الحق يعود بالخير عليك وعلى المؤمنين من أتباعك، والله ناصرك وناصر أتباعك ومذل عدوك، ومذل كل كافر ومنافق، فقد علم الله ذلك في سابق علمه وهو الحكيم في أقواله وأفعاله.
تفسير قوله تعالى: (واتبع ما يوحى إليك من ربك)
تفسير قوله تعالى: (واتبع ما يوحى إليك من ربك) قال الله تعالى: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب:2 - 3]. أي: دع قول هؤلاء الكافرين، ودع قول هؤلاء المنافقين، ولا تلتفت إليهم، ولا تهتم بهم، ولكن الذي تتبعه وتطيعه هو ما أوحاه الله إليك. والأمر من الله لنبيه أمر للمؤمنين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة، ولا يليق بالمؤمن أن يستشير في دين الله كافراً أو منافقاً، فضلاً عن أن يعمل بقول الكافرين والمنافقين، ولكن المؤمن أمر بأن يعمل بما أوحى الله به وأنزله على نبيه وهو القرآن الكريم، وبما نطقت به السنة المطهرة، التي جاءت مبينة لكتاب الله. وقوله: ((وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)). أي: اتبع الوحي الذي جاءك به جبريل عن الله. وقوله: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)). أي: كان الله بقولكم أيها المؤمنون خبيراً عليماً، فهو يعلم ما تقولون، وهو خبير بما تفعلون، فمن فعل خيراً فله، ومن فعل شراً فعليه، فهو الخبير بأعمالنا وبأقوالنا، فمن أطاع فله الجنة، ومن عصى فله النار. والله جل جلاله يلزمنا بأن نطيعه، ومن عصاه قد أنذره، وتهدده وتوعده بعذابه وعقابه، وهو يعلم ما يعمل وما يحدث به نفسه إن خيراً فخير وإن شراً فشر. قال الله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب:3]. أي: يا محمد اتق الله في نفسك، وأمر أتباعك المؤمنين بأن يتقوه، وألا يطيع أحد من أتباعك منافقاً ولا كافراً، بل قل لهم: اتبعوا ما أوحى الله إليكم وأنزله عليكم، وتوكلوا على الله في طاعتكم له، واجعلوا الله وكيلكم، وابتعدوا عن كل منافق وكافر، ومن جعل الله وكيلاً له كفاه كل شر وكل سوء، ونصره على أعدائه، وأيده في أعماله، وكان له كما يكون لأوليائه المتقين. وقوله: ((وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)) أي: يكفيك الله عدوك، ويكفيك شانئك، فلا تخرج عن طاعة الله، فذلك خير لك في دنياك وفي آخرتك، وكل هذا ديباجة وتمهيد لما أوحى الله به على نبيه في هذه السورة من غزوة الأحزاب غزوة الخندق، وما حصل فيها من إذلال عدو الله، ونصر رسول الله وأتباعه.
تفسير قوله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)
تفسير قوله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) قال الله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب:4]. اشتملت هذه الآية الكريمة على أحكام، واشتملت على أوامر ونواه، وجعلت لها مقدمة وديباجة، قال تعالى: ((مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)). أي: ما خلق الله إنساناً وخلق له قلبين في جوفه، قلباً حاضراً وقلباً غائباً، وقلباً سميعاً، وقلباً عاصياً، وقلباً مشرقاً وقلباً مغرّباً، بل جعل الله لكل إنسان ولكل مخلوق قلباً واحداً، فلم يجعل الله لإنسان قلبين في جوفه وفي باطنه، وهو ضرب مثال لما يأتي في بقية الآية، أي: كما لم يجعل للإنسان قلبين لم يجعل للمولود والدين، ولم يجعل الزوجة أماً والأم زوجة، فهي ديباجة ومقدمة لقوله تعالى بعد ذلك. وقوله: (من) هي حرف جر للاستغراق وللعموم، أي: عموم الخلق، ولا مفهوم للرجل أو الذكر، وإنما المعنى: ولم يجعل لواحد من الناس قلبين في جوفه. وقوله: (وما جعل) هذه هي النتيجة من المقدمة، قال تعالى: ((وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ)) أي: كما لم يجعل الزوجة المظاهر منها أماً، كما كانوا يقولون في الجاهلية، ولا تزال هذه الجاهلية يقول بها الكثير من الناس، إحياء للجاهلية الأولى، وقولاً للباطل والزور والمنكر من القول، فنجد من يقسم على زوجته ويقول: هي عليه كظهر أمه، ويكفي أن يقول: هي عليه كظهر واحدة من محارمه بأن يذكر أماً أو بنتاً أو أختاً أو عمة أو خالة، فكون الرجل يحرم نكاح زوجته على نفسه، فيقول: هي عليه كظهر أمه، أو أخته، أو عمته، أو خالته، أو أي حريم ممن حرم الله عليه، فعندما يقول الجاهل هذا فهو قول باطل ومنكر وزور، ولن يكون حقيقة ولا واقعاً، ولا تحرم زوجته عليه حرمة أبدية بذلك، فهي زوجة وستبقى زوجة، ولكن مقابل هذا القول الباطل جعلت له عقوبة وهي مفصلة في سورة المجادلة، وأن من قال ذلك لا يحل له أن يعود لها مرة ثانية ما لم يعتق عبداً، فإن لم يجد فليصم ستين يوماً متتابعة، فإن لم يستطع فليطعم ستين مسكيناً، فتلك عقوبته وذلك جزاؤه، وإلا فلا يحل له أن يتصل بها بعد ذلك ما لم يقم بالعقوبة التي عاقبه الله بها. وقوله: ((وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ)). أي: لم تكن الزوجة أماً في حال من الأحوال، ومن قال ذلك فعليه الكفارة: عتق رقبة أو صيام ستين يوماً أو إطعام ستين مسكيناً، فكما أن الرجل لن يكون له قلب في جوفه لن تكون الزوجة أماً أو الأم زوجة في حالٍ معاً. وقوله: ((وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ)). (أزواجكم): جمع زوجة، والظهار: أن يقول: هي عليه كظهر أمه، لن تكون هذه المظاهرة وهذا القول الباطل ليجعل الزوجة أماً أبداً. وهذه الفقرة من الآية لها سبب نزول. وقوله: ((وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ)): الأدعياء: جمع دعي، كان الناس في جاهليتها يأتي الواحد إلى الولد فيقول: هذا ولدي يرثني وأرثه، ويصبح كولد الصلب، وتحل له الخلوة بالأخوات من هذا المتبني، ويحرم عليه ما يحرم على الابن الذي هو من الصلب والرحم، فالله حرم ذلك وأبطله، وجعله زوراً من القول وباطلاً من الكلام. وقوله: ((ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ)). أي: ليس ذلك بقول حق ولا بقول صدق، ولن يكون للولد أبوان قط، كما لن يكون للرجل قلبان في جوفه.
سبب نزول قوله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)
سبب نزول قوله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) إن سبب نزول قوله تعالى: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) هو ما كان يفعله الناس قبل الإسلام، وفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك حين تبنى زيد بن حارثة، وكان قد أسر في الجاهلية واشتراه حكيم بن حزام بن خويلد، ووهبه لعمته خديجة بنت خويلد، وخديجة بنت خويلد بعدما تزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإذا بأبيه وعمه يبحثان عنه، فقيل لهما: إنه بمكة، فجاء إلى مكة فوجداه عند محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وهذا كان قبل النبوة وقبل الإسلام، فجاءا إليه وقالا له: يا بن عبد الله، يا بن عبد المطلب، تكرم علينا بولدنا، فقال لهما رسول الله: خيروه، فإن اختاركم فهو لكم، فقالا له: يا زيد، أتختار أبيك وحسبك ونسبك أو تختار الرق والعبودية؟ قال: لن أختار على محمد أحداً. وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يراعي هذا الحب من زيد، فقال لأبيه وعمه: اشهدا أنني أتبناه وألحقه بنسبي، فهو بعد اليوم زيد بن محمد، فقرت عين أبيه وعمه عندما رأيا أن زيداً ارتفع نسبه إلى نسب قريش، وأصبح ابناً لمحمد وحفيداً لبني هاشم وسبطاً لـ عبد المطلب. وكان التبني عادة العرب من قوم محمد صلى الله عليه وسلم وغيرهم، ولكن عندما جاء الإسلام أبطل التبني، وجاء الوحي من الله ونزل قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب:4]. فحرم الله التبني، وألغاه، وألغى نتائجه، وجعله قولاً من الزور، وعملاً من الباطل. إذاً: التبني دعوى لا أصل لها، ولا يكون الرجل ولداً لأبوين في آن واحد، إما هو ابن صلبك ورحم زوجتك، وإما هو رجل بعيد لا صلة لك به.
الأحزاب [6 - 8]
تفسير سورة الأحزاب [6 - 8] سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم أولى بنا من أنفسنا، وأزواجه رضي الله عنهن أمهاتنا، وقد كان صلى الله عليه وسلم أول النبيين خلقة وآخرهم بعثة، وهو خيرهم والمقدم عليهم، والأخوة في الدين الذي جاء به أقوى رابطة حتى لقد كان يقع بها التوارث ثم نسخ.
تفسير قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)
تفسير قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) قال الله عز وجل: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الأحزاب:6]. فالله جل جلاله يقول: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)). أي: الله جل جلاله يعلم المؤمنين الأدب مع النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه أولى بهم من أنفسهم وبأن تطاع أوامر النبي صلى الله عليه وسلم وتجتنب نواهيه، وتقدم رغباته على رغبات الإنسان نفسه، فالنبي عليه الصلاة والسلام عزيز عليه عنت قومه، حريص على إيمانهم، رءوف رحيم بهم أكثر من أنفسهم لأنفسهم. ولذلك فإن الله جل جلاله جعل النبي عليه الصلاة والسلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم أمراً ونهياً، تحليلاً وتحريماً، وقال سبحانه: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65] أي: لن يتم إيمان المؤمن ما لم يجعل النبي عليه الصلاة والسلام الحكم المفوض له، يأمر وينهى بما يراه، إشارته أمر، وإشارته نهي، وطاعة الله في طاعته، ومن عصاه فقد عصى الله. ونبينا خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام هو أولى الناس بالمؤمنين، أولى الأنبياء بالطاعة والولاء والإخلاص، وهكذا جعل الله جل جلاله نبينا محل القدوة والأسوة، ومحل التحريم والتحليل، وينبغي أن يقدم على نفس الإنسان ورغباته وخواطر نفسه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، ومن ولده ووالده ومن الناس أجمعين، فقال عمر: إنك لأحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: لن تكون مؤمناً حتى أكون أحب إليك حتى من نفسك، قال: ومن نفسي يا رسول الله أنت أحب إلي، قال: الآن فنعم). والنبي عليه الصلاة والسلام عندما يكون أولى بالناس من أنفسهم وأولاهم بالطاعة، وأولاهم بالحب والولاء، عند ذلك يكون المؤمن مؤمناً حقاً، مطيعاً حقاً، تابعاً حقاً.
معنى كون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين
معنى كون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6]. أي: أن زوجات النبي عليه الصلاة والسلام هن بالنسبة لكل مسلم كالأم احتراماً وكالأم براً وكالأم تقديراً، ويحرم الزواج بهن بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام في أنفسهن فقط، وليس أخواتهن ولا بناتهن كأخوات وبنات الأم الحقيقية؛ لأن الأم الحقيقية أخواتها خالات لولدها، وليس كذلك زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، فزوجاته يحل الزواج ببناتهن منه ومن ربائب النبي عليه الصلاة والسلام، كما يحل الزواج بأخواتهن وليس كذلك الأم الحقيقة؛ لأن الزبير بن العوام تزوج أسماء بنت أبي بكر وهي أخت عائشة أم المؤمنين، ولم يقل عنها: هي خالة، وتزوج هند بن أبي هالة من بنات المسلمين، وهو ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم المؤمنين الأولى خديجة، ولم يقل أحد: إنه خال المؤمنين، كما لا يقال لأخواتهن: خالات، ولا لأولادهن أخوال. ومن هنا لم يقل لـ معاوية: خال وهو أخو أم حبيبة، كذلك من كان أخاً لبقية أمهات المؤمنين كإخوة عائشة محمد وعبد الرحمن لم يقل لهما أحد: يا خال، أو أنت خالي، وإنما الأمومة هي في كونهن لا يزوجن لأحد قط بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لا يحل الخلوة بهن، ولا يحل كلامهن إلا من وراء حجاب، وقد قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب:53]. ولم تكن أماً للمؤمنين إلا التي دخل بها صلى الله عليه وسلم، أما التي طلقت قبل الدخول فهي لا تعتبر أماً، وليست لها حرمة الأمهات في تحريم الزواج بها. وفي قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وهو أب لهم). وكون النبي صلى الله عليه وسلم أباً للمؤمنين إنما هي أبوة احترام وتعظيم وعطف، وإلا فالنبي عليه الصلاة والسلام ليس أبا أحد من الرجال أبناء الصلب؛ فأولاده ماتوا أطفالاً، مات القاسم طفلاً، ومات إبراهيم طفلاً ولم يبلغا مبلغ الرجال، {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب:40]، وإن كان يقال للأحفاد وللأسباط: أبناء، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام عن الحسن بن علي عليه السلام: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين). وقال عن الحسن والحسين: (ابناي هذان ريحانتي من الدنيا، وهما سيدا شباب أهل الجنة)، وهذا أمر مجمع عليه، فإنه يقال لأولاد فاطمة الحسن والحسين وأم كلثوم: أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنوة سلالة، بنوة ابن البنت، بنوة السبط. وقد قال عليه الصلاة والسلام لـ أنس بن مالك خادمه: (يا بني)، وقال لغلمة من بني عبد المطلب: (أنتم بني)، وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: (أنا لكم كالوالد أعلمكم). فالنبي عليه الصلاة والسلام هو أب للمؤمنين أبوة احترام وتعظيم، مع أن من عادة العرب أن تقول للكبير عماً، وتقول للكبير أباً، أبوة احترام وعمومة احترام، والنبي أولى بذلك من عموم المؤمنين.
نسخ التوارث بالأخوة الدينية وجعل التوارث بين الأرحام
نسخ التوارث بالأخوة الدينية وجعل التوارث بين الأرحام قال تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ} [الأحزاب:6]. أي: كان التوارث في صدر الإسلام بالأخوة وبالحلف، وذلك عندما هاجر المؤمنون من مكة للمدينة، وكان قد سبقهم بالإيمان بعض سكانها من الأوس والخزرج ممن أطلق الله عليهم بعد ذلك الأنصار، فقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} [التوبة:100]. فسمى الله المهاجرين بدينهم من مكة للمدينة مهاجرين؛ لأنهم هاجروا إلى الله ورسوله، هجروا الأوطان والمساكن والأموال، فراراً بدينهم من الكفر وأعداء الله. فعندما هاجر أهل مكة للمدينة آخى النبي عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار أخوة خاصة زيادة على الأخوة العامة، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، وكانوا بهذه الأخوة يتوارثون، فيرث المهاجري الأنصاري، ويرث الأنصاري المهاجري، وكان هذا في صدر الإسلام، ثم نسخ الله جل جلاله ذلك وقال: {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأحزاب:6]. الأرحام: الأقارب كالأولاد بالنسبة للأب والأم، والأبوان بالنسبة للأولاد، فهم أولى بالإرث من بقية الأرحام والعصبة، وهم أولى بالإرث مما كان في صدر الإسلام من التوارث بالإيمان وبالأخوة الدينية، وهذه الآية نسخت ما كان قبل. قال تعالى: {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الأحزاب:6] أي: كان هذا الأمر في التوارث بين ذوي القرابات وذوي الأرحام هو الأصل في كتاب الله في اللوح المحفوظ، ولكن ذلك نسخ بعد هذا، وكما سبق أن قلت أكثر من مرة: الكتاب كتابان: كتاب من قبل الحق، وكتاب من قبل الملائكة، فما كان من قبل الله لا يبدل ولا يغير، قال تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق:29]، وما كان من قبل الملائكة يبدل ويغير، قال تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد:39] وأم الكتاب هو أصل اللوح المحفوظ، وهو ما كان من قبل الله جل جلاله، ولا يراه غيره. والملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون إنما يرون اللوح الذي من قبلهم، فيمتثلون ما وجدوا فيه من تحليل وتحريم، ومن أمر ونهي، من التوارث بين المؤمنين من أنصار ومهاجرين قد كان ذلك في الكتاب الذي من قبل الملائكة فأمروا به ونهوا، ونزل جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام في الأمر بذلك، ولكن الذي في أم الكتاب هو ما قال الله عنه: {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الأحزاب:6]. أي: في اللوح المحفوظ الذي هو من قبل الله أن التوارث لا يكون إلا بين الأرحام، بحيث يرث بعضهم بعضاً، ويتولى بعضهم بعضاً غرماً وغنماً، والغنم بالغرم، فعلى الأولياء أن يقوموا بأوليائهم عند الحاجة، ومن هاهنا يقع التوارث بين الأرحام. فقوله: {وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا} [الأحزاب:6] فلا يجوز التوارث بين الأباعد بمجرد الإيمان وأخوة الإسلام، وإنما التوارث يكون بين الأرحام، ((وَأُوْلُو الأَرْحَامِ)) أي: من المؤمنين؛ ولذلك لا توارث بين دينين كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا يرث مؤمن كافراً، ولا يرث كافر مؤمناً) وإنما التوارث بين الأرحام من المؤمنين. وقوله: ((إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا)). أي: إلا أن يأتوا إلى الأولياء الأقارب، ويفعلوا إليهم معروفاً، والمعروف: هو الوصية بالثلث، أو العطية يداً بيد، والإحسان والنفقة، إن كان ميتاً فوصية، وإن كان حياً فعطية ومنحة وهبة، ولم يمنع الله الوصية والمعروف والعطية والمنحة بين الأرحام المؤمنين الأقارب، وإنما حرم التوارث بالإيمان والإسلام مع البعد عن الرحم، وعن القرابة.
الأحكام المستنبطة من قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)
الأحكام المستنبطة من قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) هذه الآية الكريمة فيها أحكام لا بد من القيام بها والعمل لها وهي من صلب الإسلام، وهذه الأحكام هي: أولاً: كون النبي صلى الله عليه وسلم أولى بنا من أنفسنا أمراً ونهياً، وتحليلاً وتحريماً. ثانياً: كون زوجات النبي عليه الصلاة والسلام هن أمهات المؤمنين رجالاً ونساء، فبالنسبة للنساء هي أمومة محبة وتقدير وتعظيم، وبالنسبة للرجال كذلك مع تحريم الزواج منهن ألبتة، احتراماً لمكانة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك لا يجوز الخلوة بهن، ولا يجوز الكلام كفاحاً مواجهة، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب:53]، وقال سبحانه: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب:32] أي: لا تخضع الأم من أمهات المؤمنين بالقول اللطيف اللين للرجال من المؤمنين. والتحدث بغير لين ولا تكسر في القول هو أمر لجميع الأجنبيات مع الرجال، ويزداد ذلك ويتأكد من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام مع عموم المؤمنين. وقالت امرأة لـ عائشة: يا أماه، أي: يا أمي، فقالت لها السيدة عائشة: لست لك بأم إنما أنا أم الرجال، وهو رأي لـ عائشة ورأي لجماعة من الصحابة والتابعين والأئمة، ولكن عموم الآية يدل على أن الأمومة هي أمومة الاحترام والتقدير، وهي تعم الرجال والنساء، بدليل القراءة التي هي خارجة عن السبع: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) فالأبوة أبوة احترام وتقدير، كالأمومة أمومة احترام وتقدير، وعدم الزواج للتقدير والاحترام ولحفظ مكانة النبي عليه الصلاة والسلام. ثالثاً: تجوز الوصية والمنحة والعطية للأباعد من المؤمنين، والذي لا يجوز هو التوارث فقط، ولا تجوز الوصية بأكثر من الثلث، بل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الثلث والثلث كثير). وعندما أراد سعد بن أبي وقاص أن يوصي بجميع ماله، وكان إذ ذاك مريضاً يظن الموت، ولم يكن له وارث إلا ابنة له، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام: (أأوصي بجميع مالي؟ قال: لا، فإن كان لا بد فالثلث والثلث كثير، لأن تترك أولادك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس). وفي هذا إشارة إلى أن سعداً لن يموت إلا وله أولاد وورثة، وكان الأمر كذلك، وكان هذا الخبر لـ سعد من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام، ومن الإخبار بالغيب. رابعاً: أن عدم التوارث إلا بالقرابات والأرحام هو ما كان في الكتاب المحفوظ، وهو الذي كان مسطوراً ومكتوباً، وهو الأصل، وإنما أبيح التوارث بالأخوة لوقت خاص لحكمة ظاهرة، وهي أن الذين آمنوا كانوا قلة في الصدر الأول، وكان أكثر أقربائهم وأرحامهم لم يسلموا، ولا توارث بين مؤمن وكافر، فالمال سيبقى بلا وارث، إذ الورثة من الأنصار أو المهاجرين أكثرهم لم يؤمنوا بعد، وأكثرهم لا يزالون على دين الكفر، فالله جل جلاله أذن بالتوارث بالإيمان وأذن بالتوارث بالأخوة الدينية، وكان ذلك موقوتاً إلا أن أصبح الأقارب والأرحام مؤمنين كبقية مورثيهم ووارثيهم.
تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح)
تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [الأحزاب:7]. يقول تعالى: اذكر يا محمد إذ أخذ الله من النبيين ميثاقهم وعهدهم ألا يتوارث إلا الأرحام، وألا توارث بين مؤمن وكافر، واذكر يا محمد إذ أخذ الله من النبيين مواثيقهم بالوفاء بالتبليغ، وبالدعوة إلى الله، ومن ذلك التوارث بالأرحام لا بالأخوة الدينية. فقوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ}. أي: كما أخذ من النبيين قبلك عهودهم ومواثيقهم المؤكدة المشددة المحلوف عليها المجتمع عليها أن يبلغوا دين الله، وألا يتوارث كافر مع مؤمن، وألا يتوارث بعيد مع وجود القريب، وأن يبلغوا دين الله الحق، وأن يوفوا بما أمروا بتبليغه. كذلك فقد أخذ منك العهد المشدد المؤكد باليمين الثابتة على أن تبلغ دين الله، وأن تدعو إلى الله، وأن تحرم ما حرم الله، وأن تحل ما أحل الله، وأن المؤمنين إخوة بعضهم أولياء بعض، وأن الكفرة أعداء للمؤمنين وبعضهم أولياء بعض. إذاً: أخذ منك العهد والميثاق كما أخذ من نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم. وهؤلاء الخمسة الذين ذكروا في غير ما آية هم أولو العزم من الرسل، وهم أصحاب الشرائع والرسالات، وقد تكبدوا في دين الله ما لم يتكبده غيرهم من الرسل، وهؤلاء كانت لهم رسالات خاصة دعوا إليها أقوامهم، فقد دعا نوح بشريعة خاصة، ودعا بعده إبراهيم، وبعده موسى، وبعده عيسى، ودعا بعدهم محمد صلى الله عليه وسلم، أما الأنبياء الآخرون فقد كانت شرائعهم ورسالاتهم بعضها مأخوذ من بعض، {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48]. أما الدعوة للتوحيد فدعوتهم جميعاً واحدة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (نحن معاشر الأنبياء أبناء علات أبونا واحد، وأمهاتنا شتى). أبناء العلات هم أبناء الضرائر الذين تكون أمهاتهم شتى متعددات ويكون الأب واحداً، وهو ما يعبر عنهم بالإخوة غير الأشقاء؛ والأب واحد، أي: الدين واحد، والدعوة إلى توحيد الله واحدة، فكلهم أتوا يدعون الناس إلى عبادة الله الواحد الذي لا شريك له: أن اتقوه، وأن وحدوه، وأن خصوه بالعبادة ولا تعبدوا معه غيره. أما الشرائع فقد تكون مختلفة حسب الزمان والمكان، وحسب الإنسان وعصره، فقد كانت بعض الشرائع متشددة، وبعضها سهلة، ودين الإسلام أقرب الأديان يسراً، وأبعدها عن العسر، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج:78] وكذلك كانت ملة إبراهيم لم يكن فيها عسر، بل كانت كلها يسراً. قدم الله تعالى في هذه الآية الكلام مع النبي عليه الصلاة والسلام قبل نوح وقبل إبراهيم وموسى وعيسى. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ} [الأحزاب:7] ثم ذكر بعد ذلك: {وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} [الأحزاب:7] فما الحكمة في تقديم ذكر نبينا على غيره وكلهم أولو العزم من الرسل، وكلهم صلوات الله عليهم أصحاب شرائع خاصة وديانات خاصة؟ أقول: كان ذلك لأفضلية النبي صلى الله عليه وسلم عليهم جميعاً، ولإمامته عليهم جميعاً، وقد قال الله جل جلاله: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [البقرة:253] وكان أفضل الكل محمداً صلى الله عليه وعلى آله؛ ولذلك قال في هذه الآية: (ومنك ومن نوح) فقدم ذكره على نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وهم كلهم أولو العزم من الرسل. وقد قال عليه الصلاة والسلام: (كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث) أي: كان النبي عليه الصلاة والسلام المخلوق الأول في صلب آدم، خلقه الله قبل خلق بقية الأنبياء، وإن كانت بعثته آخر البعثات، وهذا معنى إمامة النبي عليه الصلاة والسلام بالأنبياء ليلة أسري به في المسجد الأقصى. إذاً: قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [الأحزاب:7]. هذه المواثيق المشددة والعهود المؤكدة والأيمان المغلظة على الوفاء بالعهد وبلاغ الرسالة وأدائها كما أمر الله، وأخذ الله ذلك من الأنبياء عموماً ومن أولي العزم الخمسة خصوصاً، ومن نبينا عليه الصلاة والسلام نبي الكل، وهو الرسول المرسل إلى الخلق كافة، والأنبياء حتى أولو العزم الخمسة لم يكونوا أنبياء إلا إلى أقوامهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (خصصت بخمس: كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة). وقوله: ((وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)). أي: أخذ منك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى المواثيق المغلظة المؤكدة المشددة بالوفاء بالعهد وتبليغ الرسالة كما أمر الله، وكان من ذلك: ألا توارث إلا بين الأرحام من المؤمنين، وكان من ذلك بقية الأوامر والنواهي، وتبليغ الرسالة في الحلال والحرام والآداب والرقائق، وكل رسالة بحسبها، وكل على طريقته ومنهاجه.
تفسير قوله تعالى: (ليسأل الصادقين عن صدقهم)
تفسير قوله تعالى: (ليسأل الصادقين عن صدقهم) قال الله تعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [الأحزاب:8]. أي: أخذ العهود المؤكدة المغلظة؛ ليكون ذلك سبباً لسؤال الأنبياء والرسل عما بلغوه وعمن بلغوه، من آمن ممن بلغوه ومن كفر. فقوله: ((لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ)) أي: ليسأل الأنبياء الصادقين الذين لا يعصون الله ما أمرهم عن صدقهم الذي أرسلوا به، وعن الرسالات والشرائع. وما الحكمة من سؤال الله جل جلاله لأنبيائه وهو يعلم صدقهم ويعلم تبليغهم؟ أقول: الحكمة من ذلك ظاهرة إذ كذبهم الكثير من أتباعهم وممن أرسلوا إليهم، فعندما يسألون ويجيبون بما أرسلهم الله به يكون ذلك تبكيتاً لهؤلاء الكفرة من الأتباع الذين كذبوا، والذين لم يصدقوا، والذين أبوا إلا الجحود والكفران. وقد فسرت الآية: ((لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ)) أي: ليسأل الأتباع من المؤمنين: هل صدقوا الله ما وعدوه عندما آمنوا وأسلموا؟ هل صدقوا الرسل وما جاءوا به؟ هل بلغوا ذلك بدورهم؟ وفي الحديث: (والعلماء ورثة الأنبياء). وفي آخر: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع). والآية تشمل أن الله يسأل الرسل والأنبياء تبكيتاً لمن كذبهم ولم يؤمن بهم، ويسأل المؤمنين من الأتباع زيادة في الإحسان إليهم، وأن من آمن فله الجنة والرضا والرحمة، ومن لم يؤمن فله الجحيم واللعنة والغضب. وقوله: {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [الأحزاب:8]، أي: أعد للكافرين الذين كفروا بالرسالات وجحدوها، ولم يعملوا بما جاء به الأنبياء، أعد الله لهم يوم القيامة العذاب الأليم. وقد يكون العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، في الدنيا عذاب الأسر والعقوبة، والأمراض، والقحط، والذل والغلبة والقهر، ويوم القيامة أشد وأنكى من دخول النار ولعنة الله وغضبه الدائم. إذاً: هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالرسالات التي أرسلوا بها فإن الله يعد لهم ويهيئ لهم العذاب الأليم في الدنيا بما شاء، وفي الآخرة العذاب الأليم الخالد الدائم، {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء:56].
الأحزاب [9]
تفسير سورة الأحزاب [9] غزوة الأحزاب من أعظم الغزوات النبوية التي اشتملت على الدروس والعبر، وكان قد اجتمع على المدينة الحصار، وتألب عليها الأحزاب من قريش وغطفان وغيرهم من الكفار، وغدر اليهود فنقضوا العهد وصاروا مع الأعداء، وحينئذ نزل الاختبار والابتلاء فثبت الصحابة رضي الله عنهم ثبات الجبال.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود) قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب:9]. ابتداء من هذه الآية ندخل في قصة غزوة الأحزاب، يقول الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله: اذكر نعمة الله عليك إذ غزتكم جنود في عقر داركم، ونصركم الله عليهم بالصبر، ونصركم الله عليهم بريح زعزعتهم، وقلعت أوتادهم، وأكفأت قدورهم وتركتهم يفرون خوفاً وهلعاً، وكفى الله المؤمنين القتال. وقوله: (وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) بصيراً بأعمالكم، وبصيراً بما استقبلتم به هؤلاء الجنود. وهؤلاء الجنود هم من تحزبوا على المسلمين من كل جانب، وهم قريش جاءوا في عشرة آلاف محارب، وأهل نجد وغطفان، وكذلك اليهود الذين غدروا ونقضوا العهد والميثاق الذي كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم. فهذه الأحزاب من قريش بقيادة أبي سفيان بن حرب، ومن نجد بقيادة عيينة بن حصن الفزاري النجدي، ومن يهود المدينة بقيادة كعب بن أسد القرظي وحيي بن أخطب النضري. واليهود من بني قريظة ومن بني النضير ممن جاوروا النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة، وعاهدهم، ليختبر ما عندهم، ولكن اليهود هم اليهود سواء في تاريخهم القديم أو الحديث هم أهل غدر وخيانة وكذب، وعدم وفاء بالعهد، فقد ذهبوا إلى مكة يؤلبون قريشاً على النبي عليه الصلاة والسلام، وذهبوا إلى نجد يؤلبون غطفان على النبي عليه الصلاة والسلام، ويعدونهم النصر والحلف، وأنهم سيحاربون النبي صلى الله عليه وسلم من خلفه ويغدرون به، وستكون الحرب من أمام ومن خلف ومن فوق ومن أسفل، وأخذوا يدعونهم ويحرضونهم ويهونون لهم أمر حرب النبي عليه الصلاة والسلام، إلى أن استفزوهم واستثاروا أحقادهم، ونقلوا إليهم ما بينهم من عداوات سابقة، فقررت قريش وغطفان غزو النبي عليه الصلاة والسلام في عقر داره داخل المدينة المنورة. ولم يكن إذ ذاك الجيش النبوي يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل، على مبادرة هؤلاء الذين جاءوا غزاة إلى عقر الأرض النبوية والوطن الإسلامي، وجاءوا من مسافة خمسمائة أو أربعمائة ميل. وبلغ الأمر النبي عليه الصلاة والسلام كما بلغ المؤمنين، وإذا بهم في حالة من الرعب والخوف، خاصة أن من يساكنهم كفار ووثنيون وأهل كتاب ومخادعون وغدارون ومنافقون ممن ادعوا الإسلام من الأوس والخزرج، فجمع النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه المؤمنين وشاورهم فقال: ماذا ترون معاشر المؤمنين، هؤلاء قد تألبوا وتحزبوا وهم في الطريق إليكم، وهم كثرة كثيرة بالنسبة لكم، فالمواجهة لا تنكي، فما عندكم من رأي؟ فقام سلمان الفارسي رضي الله عنه وقال: يا رسول الله! كنا بفارس إذا هوجمنا وكان المهاجمون أكثر عدداً منا كنا نحفر خندقاً نتحصن خلفه. فأعجبت النبي صلى الله عليه وسلم الفكرة وأمر بها، وقام المهاجرون والأنصار والنبي صلى الله عليه وسلم على رأسهم يحفرون الخندق من أمامهم من جهة مكة، وكذلك من جهة نجد، وتركوا الجهة التي فيها الجبال أحد وسلع، وجاءوا من أمكنتهم التي هي مفتوحة فحفروا فيها خندقاً، وحوطوا المدينة من ثلاث جهات، على أنهم توقعوا أن يأتي المكيون من جهة المغرب، ويأتي النجديون من جهة المشرق، فخندقوا المغرب والمشرق معاً، وانتظروا مجيء العدو، وعمقوا الخندق بحيث لا يمكن القفز عليه أو النزول إليه، ولو نزلوا إليه لكان موضع نبال المسلمين، وموضع قتالهم وغلبتهم. فأخذ صلى الله عليه وسلم يحفر الخندق بنفسه، كما هي عادته معهم في أن يعمل عملهم ولا يدعهم يقومون بشيء دونه، إلى أن واجهتهم صخرة صعب عليهم كسرها وزوالها فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بها، (فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول بيده الشريفة وضربها ضربة ذاكراً الله ومستعيناً به، فطار ثلثها، وقال عليه الصلاة والسلام: فتحت بلاد الشام، إني لأرى قصورها، فضرب الثانية فكسر الثلث الثاني من الصخرة إلى أن أضاءت، فقال عليه الصلاة والسلام: فتحت لي فارس، ورأيت قصرها الأبيض، ثم ضربها الثالثة فقال عليه الصلاة والسلام: فتحت لي اليمن ورأيت دورها كأنها أنياب الكلاب). ويأتي النبي عليه الصلاة والسلام من يخبره أن اليهود من بني قريظة غدروا وخانوا، وتحالفوا مع كفار قريش وغطفان على قتال النبي عليه الصلاة والسلام من خلفه. وهذه الغزوة لها ثلاثة أسماء سميت بـ (غزوة الأحزاب) لتحزب أهل مكة من قريش مع قبائل نجد وغطفان ويهود المدينة من بني قريظة لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلفه، فكانوا من فوقه ومن أسفل منه. وقد أرسل النبي عليه الصلاة والسلام من يتأكد له من غدر اليهود وقال له: إذا رأيتهم غدروا كما بلغنا عنهم فعرض لي ولا تصرح، حتى لا يفت الخبر في عضد المؤمنين. وقد ترك النبي عليه الصلاة والسلام النساء والأطفال والشيوخ العجزة في الآطام والحصون، وجعل لهم حراسة خفيفة، فلو بلغ المؤمنين أن العدو خلفهم يريد أولادهم ونساءهم وشيوخهم لفت ذلك في عضدهم، ولانزعجوا انزعاجاً كبيراً، فوق ما هم فيه من انزعاج، كما وصف القرآن الكريم. فيأتي من أرسله النبي صلى الله عليه وسلم ليتأكد من نقض يهود بني قريظة للعهود ويقول: (يا رسول الله! عضل والقارة) يعني: أنهم غدروا كما غدر أهل عضل وأهل القارة بـ خبيب ومن كانوا معه، حيث عاهدوهم على الأمان إلى أن صدقوهم وإذا بهم يغدرونهم ويقتلونهم، فشبه الغدر من هؤلاء اليهود بغدر عضل والقارة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أبشروا أيها المسلمون بنصر من الله)، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. استشار النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين قبل غزوة الأحزاب، وهذا من عادته، وذلك الأدب الذي أدبه عليه الله جل جلاله، فقال له: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران:159]، وأثنى على المؤمنين وقال: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى:38] وكان يكثر أن يستشيرهم صلى الله عليه وسلم في الحروب والغزوات، وفي المعاملات، وفيما يتعلق بأرزاقهم وغير ذلك. وكان الخندق قد اتسع عرضه وحصلت عنده مناوشات استشهد فيها بعض أفراد من جند المسلمين، وقتل فيه عمرو بن عبد ود من قريش حين قفز من فوق الخندق وأثار الرعب بين أوساط المسلمين، فيقف أمامه علي رضي الله عنه، وبيده السيف والترس وناداه: يا عمرو تقدم وبارز، قال: لا حاجة لي بقتلك يا ابن أخي، قال: أما أنا فوالله إني لفي حاجة شديدة إلى قتلك. وإذا بـ عمرو تنتفخ أوداجه وتأخذه العزة بالإثم، ويتقدم إليه ضرباً من هنا وضرباً من هنا، وإذا بـ علي بطل الصحابة يجندله تحت قدميه، ويطعنه طعنة كان فيها هلاكه، مما جعل الآخرين خافوا أن يقفزوا، ومع ذلك تقدم ثلاثة أو أكثر وإذا بهم يقعون داخل الخندق فقتلوا، وأخذت خيولهم وسلاحهم غنيمة للمجاهدين من المسلمين.
دور نعيم بن مسعود في غزوة الأحزاب
دور نعيم بن مسعود في غزوة الأحزاب هذا رجل من أهل نجد من بني أشجع من قبائل غطفان اسمه نعيم بن مسعود الغطفاني الأشجعي، جاء سراً إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله إني أسلمت، ولا يعلم أحد بإيماني، فمرني بأمرك، قال: ما عسى أن تعمل وأنت واحد، ولكن خذل عنا، قال: أفعل يا رسول الله، فذهب نعيم وكان جيشاً بمفرده، وكان من نصر الله للمسلمين. فجاء نعيم إلى اليهود من بني قريظة، ونادى حيي بن أخطب وكعب بن أسد زعيم بني قريظة وقال لهما: تعلمان ولائي لكم وحلفي وإياكم، وقد حملني ذلك على نصحكم، فقالوا: لست عندنا بالمتهم، قال: إن اليهود يساكنون محمداً وهم منه على مرمى حجر، وقريش بعيدة عنه، إذا رءوا خذلاناً أو رءوا هزيمة فروا وهم بعداء عن يثرب بمئات الأميال، وتبقون أنتم تحت نقمة محمد وأصحابه، فالذي أرى لكم أن تطلبوا منهم رهائن؛ حتى لا يتركوكم لمحمد وأصحابه، فقالوا: نعم الرأي! وذهب بعد ذلك إلى قريش، وقال لهم: بلغني أن اليهود يقولون: لا نثق بكم أنتم بعداء عن محمد ونحن قريبون منه وكيف نقاتله وأنتم بعداء ونحن منه قريبون، فنحن نريد منكم رهائن حتى إذا غدرتم انتقمنا من رهائنكم. وإذا باليهود يرسلون إلى قريش يطلبون الرهائن، فتقول قريش: صدق نعيم! وعندما رفضت قريش قال اليهود: صدق نعيم! وأصبحوا من ساعتها يعيشون في خلاف وهلع، والأمر لا يزال بأيديهم.
تخذيل المنافقين للمؤمنين
تخذيل المنافقين للمؤمنين وكان الجيش النبوي مشتملاً على ضعاف النفوس من المؤمنين، وعلى المنافقين ممن دخلوا الإسلام وهم كذبة، وهؤلاء من الأوس والخزرج. وكان هؤلاء المنافقون في أوساط المسلمين الصادقين يخذلونهم، ويقولون لهم: يزعم محمد أنه ستفتح له أرض الروم وأرض فارس وأرض اليمن، وأحدنا لا يستطيع أن يخرج لقضاء حاجته! وأخذوا يختلقون الأعذار ليرجعوا إلى بيوتهم خوفاً على الأولاد، وجاء كما سيقص الله علينا من يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} [الأحزاب:13]، وجاء من يقول من المنافقين: اتركوا يثرب ليست لكم بمقام.
الأحزاب [10 - 13]
تفسير سورة الأحزاب [10 - 13] أحاط الكفار بالمدينة في غزوة الأحزاب إحاطة السوار بالمعصم، واشتد الأمر على المسلمين حتى زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وحينئذ ظهر ضعفاء النفوس فظنوا بالله الظن الذي لا يليق، وإذا بهم يقولون يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، ويعتذرون بأن بيوتهم عورة، وما هي بعورة، إن يريدون إلا فراراً!
تفسير قوله تعالى: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم)
تفسير قوله تعالى: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم) قال الله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [الأحزاب:10]. الذين جاءوا من قريش كانوا من أسفل الوادي، والذين جاءوا من نجد كانوا من فوقكم، واليهود من الخلف، فأحاطوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إحاطة السوار بالمعصم. ثم وصف الله حال المؤمنين بأبلغ صفة فقال: ((وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ)) أي: مالت وتزلزلت، حتى صار بصر المدهوش المرعوب الخائف لا يكاد يزول عن المكان الذي يأتيه منه الخوف، من أسفل الوادي ومن أعلاه ومن فوقه، فأبصارهم زاغت وصارت مصوبة تجاه مكان الخوف من المشرق والمغرب. وقوله: ((وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ)) يقولون في وصف الجبان: إذا استبدى خوف الجبان تنتفخ رئته، فإذا انتفخت الرئة صعد القلب حتى يكاد أن يخرج من مكانه ويصل إلى الحلقوم. أي: أن القلوب كادت أن تصل إلى الحناجر من شدة الخوف والجبن والهلع. وهكذا كان الأصحاب بين خوف وهلع، فالمؤمن منهم ينتظر أمر الله في رضا وطواعية، أما المنافق فينتظر سبباً ليقوم وينقلب على النبي صلى الله عليه وسلم مع أعدائه. ويقوم المنافقون فيأتون إلى ضعاف الأنفس وضعاف القلوب من المؤمنين فيخوفونهم، يصفهم الله تعالى في الآية: {وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزاب:10] أي: بلغت ووصلت قلوب المقاتلين والمجاهدين إلى الحناجر؛ لشدة الهلع والخوف على أرضهم وعيالهم وأموالهم. وقوله: ((وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا))، كان المنافقون يقولون: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب:12]، وكرر ذلك معهم ضعاف النفوس وضعاف القلوب، وظنوا كذلك، فعوتبوا وقيل لهم: أتظنون أن الله سيترك نبيه والمؤمنين؟! انظروا إلى من سبقكم فقد {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214]. فالنصر مع الصبر، والصبر معه الفرج، ولذلك ورد الصبر في كثير من آي الكتاب الكريم، وخصص بسورة هي: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1 - 3]. فالمؤمنون مع صلاتهم وصلاحهم وتقواهم لا بد لهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الصبر، فقد قص الله علينا قصة لقمان عندما أمر ولده بالصبر، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبين له أنه ما من داعية إلا أصيب في نفسه، وأصيب في شيء عزيز عليه.
تفسير قوله تعالى: (هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا)
تفسير قوله تعالى: (هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً) قال الله تعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب:11]. قوله: ((هُنَالِكَ))، يقال للإشارة البعيدة: (هنالك)، وللوسطى (هناك)، وللقريبة (هنا). هذه الآية نزلت بعد غزوة الأحزاب؛ لأن الإشارة أصبحت إليها بعيدة، يعني: عند تلك الحالة وإتيان الجنود بما زاغت به الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وكثرت الظنون السيئة من المنافقين، أو من المسلمين الصالحين، وظنوا بأن الله متخل عن عبده وجنده، ويفعل الله ما يشاء، {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب:11]. أي: بعد أن بلغت الحال ما بلغت إليه ابتلى الله المؤمنين واختبرهم وامتحنهم بهجوم الأحزاب من أعداء الإسلام من مشرق الجزيرة ومغربها، حتى يفوضوا أمرهم إلى الله، وحتى يستسلموا لقضاء الله، أو يظهر منهم ما لا يليق بمؤمن صادق ويتأثروا بالمنافقين وبضعاف القلوب. قوله: ((هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ)) أي: اختبروا وامتحنوا. وقوله: ((وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا)) أي: اهتزت نفوسهم وقلوبهم، ومالت أبصارهم، وتغيرت نياتهم، فالمنافق قد أعلن نفاقه، والضعيف قد كاد يفعل ذلك، والمؤمن الثابت قال: لعلها القاضية، مع استسلامه لقضاء الله وقدره.
تفسير قوله تعالى: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض)
تفسير قوله تعالى: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض) قال الله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب:12]. قوله: ((وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ)) أي: الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، وكبيرهم عبد الله بن أبي ابن سلول في جماعة من اليهود، فهؤلاء ظنوها القاضية والفاصلة، وخرجوا عن الجيش المحمدي، بل ودعوا غيرهم أن يتركوا يثرب وأنه لا مقام لهم فيها. وبدءوا يشككون في وعود النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين بالنصر، فقالوا: أين الوعود السابقة من أنكم تفتحون أرض قيصر وكسرى وتبع؟ وأخذوا يلغطون في أقوالهم، مما جعل ضعاف القلوب والذين لم يستقر الإسلام بعد في قلوبهم، يصدقونهم ويقولون بقولهم. وقوله: ((وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)) [الأحزاب:12] أي: شك ورعب، فهؤلاء يحسبون كل صيحة عليهم، ويشعرون بزلزلة الأرض تحت أقدامهم. قولهم: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب:12. وكان النبي عليه الصلاة والسلام وعدهم عندما ضرب الصخرة في الخندق وكسرها ثلاث قطع، فبشرهم في الضربة الأولى بفتح أرض الروم والشام، وفي الثانية بأرض فارس، وفي الثالثة بأرض اليمن، فاعتبر هؤلاء المنافقون كل هذه الوعود مجرد أماني وغرور، وذكروا ذلك صفة لله، وصفة لرسوله، خابوا وخاب فألهم، وصدق الله ورسوله، وتلك شنشنة من المنافقين علمت عنهم قبل وبعد في التاريخ القديم والحديث، {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب:12].
تفسير قوله تعالى: (وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا)
تفسير قوله تعالى: (وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا)
معنى قوله تعالى: (وإذ قالت طائفة منهم)
معنى قوله تعالى: (وإذ قالت طائفة منهم) قال الله تعالى: {