حاشية الروض المربع

عبد الرحمن بن قاسم

مقدمة

حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع جمع الفقير إلى الله تعالى عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي رحمه الله (1312-1392هـ) الطبعة الأولى 1397 هـ

ترجمة مؤلف الحاشية

بسم الله الرحمن الرحيم ترجمة مؤلف الحاشية هو الشيخ الإمام العالم العلامة العامل المحقق المدقق المجتهد المتفنن عبد الرحمن ابن محمد بن قاسم العاصمي نسبة إلى عاصم وهو جد القبيلة المشهورة بنجد من قبائل قحطان ولد رحمه الله سنة 1312 هـ في بلدة البير القرية المعروفة شمال الرياض وابتدأ في صغره بحفظ القرآن الكريم حتى أتقنه عن ظهر قلب ثم قرأ في مبادئ العلوم على مشايخ بلده ومن بقربه ثم انتقل إلى الرياض وكانت إذ ذاك حافلة بالعلماء الكبار فواصل دراسته وجد واجتهد في التعلم بعد أن ذاق حلاوة العلم وأدرك من نفسه إقبالاً كلياً على القراءة والحفظ والاستفادة حتى فاق أقرانه ومن أشهر مشايخه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف والشيخ حمد بن فارس والشيخ سعد بن حمد بن عتيق والشيخ عبد الله العنقري والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ محمد بن مانع وغيرهم من علماء ذلك الزمان. ولم يزل مكبا على الدراسة والحفظ والاستفادة حتى حصل على جانب كبير في أكثر العلوم وتضلع في علم التوحيد والفقه والحديث ونحوها من العلوم الدينية. وكان رحمه الله حسن الخط سريع الكتابة فنسخ بيده شيئاً كثيراً ورزقه الله الصبر والقوة بحيث لا يعتريه ملل ولا سآمة فأكب على المطالعة والبحث والاستفادة والتنقيب عن أفراد المسائل وأماكن الأدلة حتى نال ما تمناه، ثم حرص على العمل والتطبيق فانطبعت في أخلاقه آثار تلك الفوائد فلا يخلو حديثه من فائدة دينية أو مسألة فقهية أو استشهاد بآية أو حديث. وكان رحمه الله غيورًا على حرمات الله آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر يصدع

بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم ثم هو مع ذلك حسن السمت دمث الأخلاق دائم البشر، كريم النفس متعززًا عن رزائل الأمور وسفاسف الأخلاق وكان متواضعًا لربه لا يستنكف ولا يرفع نفسه عن إجابة الصغير والكبير ومحادثة الغني والفقير مع ما رزقه الله من الهيبة والاحترام في قلوب الخاص والعام. وقد نفع الله بعلومه وبارك في أوقاته فصنف عدة كتب في مختلف الفنون فمنها في الحديث: 1- (أصول الأحكام) مختصر قيم انتقى فيه الأدلة الواضحة الصحيحة بإيجاز. 2- (الأحكام شرح أصول الأحكام) وقد طبع منه ثلاثة أجزاء في حياته رحمه الله ثم طبع الجزء الرابع الأخير هذا الزمان. ومنها في الفقه. 3- حاشية على كتاب الروض المربع شرح زاد المستقنع وتقع في عدة مجلدات هذا المجلد هو الأول منها والبقية تهيأ للطبع. 4- حاشية على نظم الرحبية في علم الفرائض تكرر طبعها. 5- نبذة مفيدة في تحريم حلق اللحى وقد طبعت مراراً. 6- وظائف رمضان نبذة لخصها من لطائف المعارف. ومنها في علوم القرآن: 7- مقدمة في أصول التفسير مفيدة في بابها. 8- حاشية مقدمة التفسير. وهي شرح للنبذة المذكورة وقد نشرت في حياة المؤلف ومنها في النحو: 9- حاشية على متن الآجرومية طبعت ونشرت فانتفع بها. ومنها في التوحيد: 10- (السيف المسلول في الرد على عابد الرسول طبع قديماً وانتشر) .

11- حاشية ثلاثة الأصول للشيخ محمد بن عبد الوهاب تكرر طبعها في حياة المؤلف وبعد وفاته. 12- حاشية (كتاب التوحيد) طبعت قريباً وهي من أنفس ما كتب على هذا الكتاب. 13- الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ترتيب رسائل ومسائل علماء نجد الأعلام من زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى زمن المؤلف وقد بذل جهدا في استقصائها وتتبعها في مختلف البلاد وصبر على ما لقي من صعوبات ونفقات وأخطار وسهر وتعب في البحث والنسخ والمقابلة والتصحيح ثم قسمها فنونا ورتبها على الكتب والأبواب فجاءت مجموعة ضخمة بلغت أحد عشر جزءا مختلفة الأحجام. 14- تراجم أصحاب تلك الرسائل والأجوبة، ذيل به الدرر السنية في جزء مستقل هو الجزء الثاني عشر، وقد أحسن في السناء على أولئك المشايخ بما هم أهله. 15- ترتيب مجموعة رسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، عثر على بعضها أثناء جمعه لرسائل علماء نجد فواصل البحث في المكاتب القريبة والبعيدة بمساعدة ابنه محمد وقد تكبد في سبيل جمعها من الشدة والمشقة ما يرجى له به جزيل البر والأجر عند الله وقد رتبها وقسمها فنونا وأبوابا وأضاف إليها المطبوع من الرسائل الصغيرة والفتاوى فبلغت خمسة وثلاثين مجلدا احتوت على علم جم لا يقدر قدره ثم عمل عليها ابنه محمد وفقه الله فهرسا مفصلا كان كالتقريب لها ويقع في مجلدين ضخمين. وقد اشتغل المؤلف رحمه الله أيضا بالتحقيق لكثير من الكتب المفيدة التي طبعت بعد أن تولى تصحيحها والتعليق عليها. وأما أعماله الإدارية فقد تنقل مدة تزيد على اثنين وثلاثين عاما بين التدريس في المساجد وإدارة المكاتب والإشراف على طبع الكتب ونحو ذلك وقد أدى جهدا كبيرا وأنتج ثمرة يانعة لا يزال أثرها باقيا بين المسلمين.

وقبل وفاته بثمان سنين طلب الإحالة للتقاعد فهناك تفرغ للكتابة وإتمام ما ابتدأ فيه من المؤلفات وأصيب بألم في الرأس بسبب حادث سيارة لازمه عدة سنوات حتى وافاه الأجل المحتوم وذلك لثمان خلت من شعبان عام 1392 هـ فوقع بالمسلمين الخطب الجسيم والكارثة العظمى حيث فقدوا الرجل الفذ العامل المخلص الناصح للأمة فرحمه الله وأكرم مثواه. ولم ينقطع عمله والحمد لله حيث خلف علماً جماً ينتفع به من بعده كما خلف ذرية صالحين إن شاء الله يخلفونه بخير ويزودونه بالدعوات والصدقات، وقد رثاه كثير من العلماء وأظهروا الحزن والأسى على فقده فمن ذلك مرثية للشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل جزاه الله خيراً مطلعها: مصاب على الإسلام بين العوالم ... على العلم والدين القوي الدعائم رحيل رجال العلم والمجد والتقى ... أولي الصدق والإخلاص من كل عالم نجوم الهدى والرشد والحق والعلى ... رجوم العدا من كل غاو وآثم فكم فاضل حبر جليل مهذب ... حكيم حليم ثابت الجأش حازم تصرمت الأيام أيام عمره ... وبات بأطباق الثرى المترادم وفي اليوم ذا تجري الدموع غزيرة ... كهتان وبل من خلال السواجم وتتقد الأحشاء حزنا ولوعة ... تجيش بها الأشجان مثل الضرائم لفد التقي الألمعي أخي الوفا ... أخي السبق في شأو العلى والمكارم هو العابد الرحمن نجل محمد ... أكيد الإخا الشيخ الأديب ابن قاسم هو الصالح المحبوب والناصح الذي ... يسير على النهج المنير المعالم على الأصل والتقوى وحسن عقيدة ... وصحة إيمان ورشد القوادم عفاف وزهد صادق وتورع ... وحسن اعتناء في الأدا والتفاهم ونصح وإرشاد وحزم وغيره ... بحكمة داع مشفق غير ناقم وحرب على الإلحاد والغي والردى ... وكل انحراف زائغ أو جرائم سخاء ونبل فائق وسماحة ... وعون مع الإخوان أوفى مساهم

وترتيل آيات الكتاب تدبرا ... وخشية رب بالسرائر عالم مفيد بما يدري وما صح علمه ... بحسن بيان واضح غير كاتم وما ليس بالمعنيه عنه بمعزل ... وعن كل خوض سيئ أو تخاصم له في سبيل العلم والحق والهدى ... جهاد بمجهود الدءوب الملازم حريص على نشر العلوم ونصرها ... وتأليفها والجمع بين الملازم فنون بحوث ضم بعضا لبعضها ... بترتيب فن لائق متلائم له القلم الموهوب عزما وقوة ... بخط رشيد شيق السطر راقم بعزم وجد واهتمام مواظب ... ولم يثنه وهن ولا لوم لائم إلى آخر ما قال والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم. بقلم المشرف على الطبع والتصحيح عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن جبرين

مقدمة عامة

مقدمة ينبغي لكل مبتدئ في فن من فنون العلم أن يعرف مبادئه قبل الشروع فيه، ولما كان فن الفقه من أنفع العلوم وأهمها، كما قال ابن الجوزي رحمه الله: «الفقه عليه مدار العلوم، فإن اتسع الزمان للتزيد فليكن من الفقه، فإنه الأنفع، وقيد المهم من كل علم، فهو سيد العلوم» انتهى، فلذلك نذكر المبادئ العشرة المشارة إليها في قول بعضهم، ونمثل لها بالفقه وهي هذه: إن مبادئ كل فن عشره ... الحد والموضوع ثم الثمره وفضله ونسبة والواضع ... والاسم الاستمداد حكم الشارع مسائل والبعض بالبعض اكتفى ... ومن درى الجميع حاز الشرفا فالمهم من ذلك معرفة الحد وهو أصل كل علم، ومعناه الوصف المحيط الكاشف عن ماهية الشيء، وشرطه طرد وعكس، ومعنى الطرد إدخال المحدود، والعكس إخراج ما عداه، فإن لم يطرد وينعكس فليس بحد، والموضوع وهو ما يقصد بيانه، والثمرة ويقال لها الفائدة أيضا، وهي ما ينتجه، إذا عرفت ذلك فحد الفقه: معرفة الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية، وموضوعه أعمال المكلفين من العبادات والمعاملات، وثمرته الاحتراز من الخطأ في القيام بالعبودية، وفضله ما فضل به على غيره، ونسبته إلى العلوم كنسبة الفرع إلى أصله، والواضع هو الله تعالى، والاسم يعني الفقه، والاستمداد يعني من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وحكمه أنه فرض عين فيما يجب، وفرض كفاية فيما زاد على ذلك، ومسائله ما يذكر في كل باب من أبوابه، وهي جمع مسألة وهي القضايا المبرهن عنها في العلم، ويقال في كل فن من العلم كما في فن الفقه، فافهم ذلك والله أعلم.

خطبة صاحب الحاشية

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المتوحد في الكمال، الأحد الصمد الحكم العدل ذي العزة والجلال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا مثال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أكمل الله به الدين، وأوضح به السبيل للسالكين، فاتضح الحرام من الحلال، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين أعلام الهداية والبيان، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد فإن زاد المستقنع وشرحه وقد رغب فيهما طلاب العلم غاية الرغب، واجتهدوا في الأخذ بهما أشد اجتهاد وطلب، لكونهما مختصرين لطيفين، ومنتخبين شريفين، حاويين جل المهمات، فائقين أكثر المطولات والمختصرات، بحيث إنه يحصل منهما الحظ للمبتدي، والفصل للمنتهي، وخدمهما علماء العصر كالشيخ عبد الله أبا بطين، والشيخ عبد الله العنقري، عبد الوهاب بن فيروز بالحواشي مفردة، وعلى الهوامش، من لا أحصيهم مكثر ومقل. فتطلفت بوضع هذه الحاشية منتخبة من تلك الحواشي، ومن تقرير شيخنا محمد بن إبراهيم آل الشيخ ومن كتب الأصحاب. كالتنقيح والمغني والزركشي والشرح والمبدع، والمطلع والمحرر، والفروع والتصحيح، والإنصاف، والإقناع والمنتهى، وحواشيهما ومن كتب فتاوى شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وابن رجب، ومن كتب الحديث وشروحها، وكتب أهل المذاهب كالبغوي، والنووي وابن رشد وغيرهم، مجتهدا في نقل الإجماع عمن تقدم ذكرهم، وعن ابن جرير وابن كثير وابن عبد البر وابن المنذر، وابن هبيرة وغيرهم من أهل التحقيق، مفتشا على خلاف يعتبر ومجتهدا في إبراز الدليل والتعليل، وتوضيح القول الصحيح (¬1) . ¬

_ (¬1) إثبات المسألة بدليلها تحقيق، وبدليل آخر تدقيق، والتعبير عنها بفائق العبارة ترقيق، وبمراعاة علم المعاني والبديع في تركيبها تنميق، والسلامة فيها من اعتراض الشرع توفيق، ونسأل الله بأسمائه الحسنى الهداية والتوفيق، لما اختلف فيه من الحق إلى أقوم طريق.

وقد انتشرت في هذا العصر فكرة التوسع في الاطلاع على المذاهب الأربعة وغيرها، والأخذ منها، وعدم الاقتصار على مذهب واحد، ليبنى الحكم على الأقوى دليلا، فأذكر غالبا ما أجمع عليه إن كان، أو ما عليه الجمهور أو ما انفرد به أحد الأئمة وساعده الدليل حسب الإمكان، بحيث يغني عن مطالعة الأسفار الضخمة، ولست وإن بذلت الجهد قد بلغت النهاية، بل خطوة في البداية، فميدان العمل فيه سعة لمن شحذ همته، وبذل نصحه، وشرعه لمن خلصت نيته، وأحرص إن شاء الله أن لا أطيلها إلا بقواعد وبراهين ومهمات تثلج الصدر وتبرد الوحر، ويطمئن لها قلب من له طلب مليح. وقصد صحيح، إذ لا التفات لكراهة ذوي البطالة والمهانة، بل قال ابن رشد: ما من مسألة وإن كانت جلية في ظاهرها إلا وهي مفتقرة إلى الكلام على ما يخفى من باطنها. وقد يتكلم الشخص على ما يظنه مشكلا، وهو غير مشكل على كثير من الناس، وقد يشكل عليهم ما يظنه هو جليا، والكلام على بعض المسائل دون بعض تعب وعناء بدون فائدة تامة. وإنما الفائدة التامة التي يعظم نفعها، ويستسهل العناء فيها، أن يتكلم الشخص على جميع المسائل كي لا يشكل على أحد مسألة إلا وجد التكلم عليها، والشفاء مما في نفسه منها، والحال دون ما ذكر ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله.

أصول وقواعد وتنبيهات

أصول وقواعد وتنبيهات (أصول الأحكام) قال شيخ الإسلام وغيره: أجمع المسلمون على أن الأصول ثلاثة الكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب والسنة فهما أصل الأصول، وكلية الشريعة وعمدة الملة والغاية التي تنتهي إليها أنظار النظار، ومدارك أهل الاجتهاد، ولا طريق إلى الجنة إلا بالكتاب والسنة، وليسا بمحتاجين إلى تقريب واستدلال، والأصل الثالث الإجماع. قال: ويجب تقديمه على ما يظن من معاني الكتاب والسنة، وعلى المجتهد أن ينظر إليه أول شيء في كل مسألة، فإن وجده لم يحتج إلى النظر في سواه، لكونه دليلا قاطعا، ثابتا في نفس الأمر، قالعا للشواغب، لا يقبل نسخا ولا تأويلا، ولا شك أن مستنده الكتاب والسنة، وأنه قطعي معصوم فإن أهل العلم بالأحكام الشرعية لا يجمعون على تحليل حرام، ولا تحريم حلال، وكثير من الفرائض التي لا يسع أحدًا جهلها إذا قلت أجمع الناس لا تجد أحدا يقول: هذا ليس بإجماع، ومجرد النزاع لا يوجب سقوط استصحاب حكم الإجماع. قال: ومعنى الإجماع أن يجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام، وإذا ثبت إجماع الأمة لم يكن لأحد أن يخرج عنه فإنها لا تجتمع على ضلالة، فقد عصمها الله على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، كما هو مضمون قوله (ويتبع غير سبيل المؤمنين) ومفهوم (لا تزال طائفة من أمتي على الحق) ، ولكن كثيرا من المسائل يحكي بعض الناس فيها إجماعا، ولا يكون الأمر كذلك، بل قد يكون فيها قول آخر أرجح في الكتاب والسنة، وقول بعض الأئمة كالأربعة وغيرهم ليس حجة لازمة، ولا إجماعا باتفاق المسلمين، وإذا خرج من خلافهم متوخيا مواطن الاتفاق مهما أمكنه كان آخذا بالحزم، وعاملا بالأولى، وكذلك إذا قصد في مواطن، وتوخى ما عليه الأكثر منهم والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد، فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، ما لم يخالف كتابا أو سنة، قال: وكل مسألة دائرة بين نفي وإثبات لا بد فيها من حق ثابت في نفس الأمر، أو تفصيل، وإن كان لا يمكن أن يعمل فيها بقول يجمع عليه، لكن ولله الحمد القول الصحيح عليه دلائل شرعية، تبين الحق.

إحاطة الشرع بالأحكام وأجمع المسلمون على أن الله أعطى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قضية كلية، وقاعدة عامة، تتناول أنواعا كثير، وتلك الأنواع تتناول أعيانا لا تحصى، وبهذا الوجه تكون النصوص المحيطة بأحكام أفعال العباد، ولا ينكر ذلك إلا من لا يفهم معاني النصوص العامة وشمولها قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وقال صلى الله عليه وسلم: «تركتم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» . قواعد تدور عليها الأحكام وقال هو وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى: تدور الأحكام على قواعد. منها أن الله أكمل لنا الدين، فلا يحتاج إلى زيادة، وتقدم قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ومنها أن كل ما سكت عنه فهو عفو، لا يحل لأحد أن يحرمه أو يوجبه أو يستحبه أو يكرهه قال تعالى: {لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} وقال - صلى الله عليه وسلم - «وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها» ومنها أن الله حرم القول عليه بلا علم، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} فجعل تعالى منزلة القول عليه بلا علم فوق منزلة الشرك، وقال عليه الصلاة والسلام «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» ، ومنها أن ترك الدليل الواضح والاستدلال بلفظ متشابه هو طريق أهل الزيغ، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ} ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» فالواجب اتباع المحكم، فإن عرف معنى المتشابه وجده لا يخالف المحكم بل يوافقه، ومنها أن الحرام بين والحلال بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن لم يتفطن لهذه القاعدة، وأراد أن يتكلم في كل مسألة بكلام فاصل فقد ضل وأضل.

حفظ الأحكام قيض الله سبحانه لحفظ كتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وتمييز الصحيح من السقيم، حتى استقر الثابت المعمول به فحولا جهابذة أئمة للمسلمين، ورثة لسيد المرسلين، وسائط ووسائل بين الناس وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبلغون الناس ما قاله، ويفهمونهم مراده، يقولون هذا عهده إلينا، ونحن عهدناه إليكم، وهكذا يتلقاه خالف عن سالف، قال عليه الصلاة والسلام «يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» فهموا عن الله ورسوله، فاستنبطوا أحكاما فهموا معانيها من الكتاب والسنة، تارة من نفس القول، وتارة من معناه، وتارة من علة الحكم حتى نزلوا الوقائع التي لم تذكر على ما ذكر، وسهلوا لمن جاء بعدهم طريق ذلك، وهكذا جرى الأمر في كل علم توقف فهم الشريعة عليه، واحتيج في إيضاحها إليه، وهو عين الحفظ الذي تضمنته الأدلة، وكثيرا ما يتبين الحق فيكون فهمهم من النصوص هو الذي تشهد العقول والفطر بأنه هو العلم النافع، ومن تمام العصمة أن جعل تعالى عددا من العلماء إذا أخطأ الواحد في شيء كان الآخر قد أصاب فيه، حتى لا يضيع الحق، وجاء بعدهم من تعقب أقوالهم، فبين ما كان خطأ عنده، كل ذلك حفظ لهذا الدين، حتى يكون أهله كما وصفهم الله به {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} . سؤال أهل العلم بها ولما كان كثير من المسائل لا يعرفها كثير من الناس، أمروا بسؤال أهل العلم بالأحكام، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ *} وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال» فالواجب على المكلف إذا لم تكن فيه أهلية لمعرفة الدليل من الكتاب والسنة سؤال أهل العلم، وليس المراد التقليد المذموم، وهو أن يقلد الرجل شخصًا بعينه في التحريم والتحليل، بغير دليل، بل المراد الاقتداء الذي لا يعرف الحق إلا به، وهو الاقتداء بمن يحتج لقوله بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وليس في الحقيقة، بمقلد بل متبع لتلك الأدلة الشرعية، مجتهد فيما اختاره، داخل تحت قوله {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} أئمة نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا.

صفة المسئول ينبغي أن يكون عارفا بآثار السلف، ومقاصد أفعالهم، وحقيقة ما جاء به الكتاب والسنة وحقيقة المعقول الصحيح، الذي لا يتصور أن يناقض ذلك، عالما بقول من تقدمه، وإلا لم يمكنه أن يقول بمبلغ علمه، وإن كان عنده شواهد وبينات مما شاهده أو وجده أو عقله أو عمله، وذلك قد ينتفع به هو في نفسه إن وافق، فإن بصيرة المؤمن قد تنطق بالحكمة، وإن لم يسمع أثرا، فإذا جاء الأثر كان نورا على نور، وأما حجة الله على عباده فهي الكتاب والسنة. إذا اجتهد وإذا اجتهد الفاضل بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه، وكان مقصوده متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بحسب إمكانه، فبان له الحق، فله أجران، وإن اقتضى اجتهاده قولا آخر فعليه أن يعمل به، لا لأنه أمر بذلك القول، بل لأن الله أمره أن يعمل بما يقتضيه اجتهاده، وبما يمكنه معرفته، وهو لم يقدر إلا على ذلك، وهو مأجور غير مؤاخذ بما أخطأ، وهذا حكم من الله من جهة العمل بما قدر عليه من الأدلة، وإن كان في نفس الأمر دليل معارض راجح لم يتمكن من معرفته، فليس عليه اتباعه إلا إذا قدر عليه، فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان، وخفاءها أمر لا ينضبط وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع. وتمكن ومن تمكن من الحكم بنفسه بالقوة القريبة من الفعل، لكونه أهلا للاجتهاد فلا خلاف في أنه لا يجوز له تقليد غيره، سواء كان الغير أعلم منه أم لا، مع ضيق الوقت أو سعته، ويجب عليه اتباع النص، وإن لم يفعل كان متبعا للظن {وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ} ومن أكبر العصاة لله ولرسوله، ومن بلغته السنة، وتبين له حقيقة الحال لم يبق له عذر، ولا يجوز له أن يرغب عما شرعه الله ورسوله، لأجل اجتهاد غيره، وقد أجمع أهل العلم على تحريم التقليد بعد ظهور الحجة، وتحريم تقليد من ليس بأهل أن يؤخذ بقوله: أو تقليد واحد من الناس في جميع ما قال دون غيره.

إذا نظر في مسألة متنازع فيها ومن نظر في مسألة تنازع العلماء فيها، ورأى مع أحد القولين نصا لم يعلم له معارضا، فهو بين أمرين، إما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنص، وهو واجبه فقد أجمع المسلمون على تحريم القول في دين الله بما يخالف النص، ويسقط حينئذ الاجتهاد والتقليد، وإما أن يتبع قول القائل لمجرد كونه إمامًا اشتغل على مذهبه، وقد علم بالضرورة من كلام الأئمة الأربعة وغيرهم أن من قلد أحدا منهم أو من غيرهم في نازلة بعد ظهور كون رأيه فيها مخالفًا نص كتاب أو سنة أو إجماعا أو قياسا جليا عند القائل به فهو كاذب في دعواه التقليد له، متبع لهواه وعصبتيه، فقد أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس، ولا يلتفت إلى الآراء مع وجود سنة تخالفها. القول الصحيح يخرج على مذاهبهم وكل قول صحيح فهو يخرج على قواعد الأئمة الأربعة بلا ريب، فقد اتفقوا على أصول الأحكام، فإذا تبين رجحان قول وصحة مأخذه خرجوا على قواعد إمامه، فهو مذهبه، وقد صرحوا بأن النصوص الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها ولا ناسخ، وكذا مسائل الإجماع لا مذاهب فيها، وإنما المذاهب فيما فهموا من النصوص، أو علمه أحد دون أحد، أو في مسائل الاجتهاد ونحو ذلك، واتفقوا على أنه لا يجوز أن يقال قول هذا صواب دون قول هذا إلا بحجة. أقوالهم يحتج لها أقوال أهل العلم يحتج لها بالأدلة الشرعية، لا يحتج بها على الأدلة الشرعية، وتذكر وتورد في المعارضات والالتباس، والعلم بها من أسباب الفهم عن الله ورسوله، فإنهم قصدوا تجريد المتابعة، للرسول صلى الله عليه وسلم، والوقوف مع سنته، ولم

يلتفتوا إلى خلاف أحد، بل أنكروا على من خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كائنا من كان، ولا يجوز تعليل الأحكام بالخلاف، فإن تعليلها بذلك علة باطلة في نفس الأمر، فإن الخلاف ليس من الصفات التي يعلق الشارع بها الأحكام في نفس الأمر وإنما ذلك وصف حادث بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وليس يسلكه إلا من لم يكن عالما بالأدلة الشرعية في نفس الأمر، لطلب الاحتياط. تدوينها حكاية القولين والثلاثة إنما دونت لفائدة، وهي التنبيه على مدارك الأحكام، واختلاف القرائح والآراء، وربما يستنير أهل العلم ممن بعدهم بما فيها من الآراء، وربما يظهر من مجموعها ترجيح بعضها، وذلك من المطالب المهمة، والقياس أن لا تدون تلك الأقوال، وهو أقرب إلى ضبط الشرع، إذ ما لا عمل عليه لا حاجة إليه، فتدوينه تعب محض، ولكن جرت طريقة أهل العلم في طلب أقوال العلماء، وضبطها والنظر فيها، وعرضها على الكتاب والسنة، فما وافق ذلك قبلوه وقضوا به وإلا لم يلتفتوا إليه وردوه، وما لم يتبين لهم كان عندهم من مسائل الاجتهاد التي غايتها أن تكون سائغة الاتباع، ولا واجبة الاتباع، من غير أن يلزموا بها أحدا، ولا يقولوا إنها الحق دون ما خالفها، بل قد نهونا عن الأخذ بما يخالف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل منهم يدعو إلى متابعة الكتاب والسنة، وكانوا أول العاملين بها، الداعين إليها، ولم يكتبوا كتبا بآرائهم في الدين، يكلفون الناس العمل بها، والكتب المنسوبة إليهم إنما كتبها خلفهم، لنشر آرائهم، وإظهار اجتهادهم ورأى بعضهم من يكتب عنه كل ما يقول فنهاه، وقال أتكتب عني رأيا فتجعله دينا للناس؟ وربماأرجع عنه غدا. ما لا يجوز نقله لا يجوز لمطلع على قول مخالف لأصل شرعي، من كتاب أو سنة أو إجماع نقله للناس إلا للتنبيه عليه، ولا يجوز له أن يفتي به في دين الله، فإن الفتوى بغير

شرع الله حرام، وإن لم يعص صاحب القول، بل يؤجر لاجتهاده، بخلاف المطلع عليه المخالف عمدا فيأثم. الاحتياط رجح عامة العلماء الدليل الحاظر على الدليل المبيح، وسلك كثير من الفقهاء دليل الاحتياط في كثير من الأحكام، بناء على هذا، وأما الاحتياط في الفعل فكالمجمع على حسنه بين العقلاء في الجملة، والاحتياط ما لم تتبين السنة، فإذا تبينت فالاحتياط اتباعها، فإن أفضى الاحتياط إلى خلافها كان خطأ، والعلماء متفقون على الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلال بسنة أو وقوع في خلاف آخر. الاعتناء بالشرع يتعين الاعتناء بالكتاب والسنة، فقد قال الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} في غير موضع من كتابه، أي اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله، واعتنوا بهما، ففيهما الهدى والنور، وحذر عن مخالفتهما، فعلى المتمسكين بالمذاهب أن يعتنوا بالشريعة المطهرة أكثر، ويعرضوا أقوال الأئمة عليها، ليعلموا بذلك مذاهب أئمتهم الحقة، وعليهم أن يرجعوا إلى الأدلة الشرعية التي اشتهر العمل بها بين علماء المسلمين، خلاف ما لهج به غالب المتأخرين من أتباع الأئمة، من اقتصارهم على الكتب الخالية من الدليل، وإعراضهم عن الكتاب والسنة وعن نقل بعض ما صح عن أئمتهم المطابق للكتاب والسنة وكثير من الآراء التي يعتقدونها مذاهب لأئمتهم، بعضها مخالف لمذاهب أئمتهم. فضلا عن الكتاب والسنة، وما عليه جمهور الأمة، وما كان كذلك ليس بمذهب لأحد من الأئمة، كما علم ذلك عنهم. كتب المتأخرين وقال مجدد هذه الدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أكثر ما في الإقناع والمنتهى مخالف لمذاهب أحمد ونصه، فضلا عن نص رسول الله

صلى الله عليه وسلم يعرف ذلك من عرفه، وقال نحو ذلك في كتب المتأخرين من أهل المذاهب، ولشيخ الإسلام عن أهل عصره نحو ذلك، فكيف بكتب عصرنا؟ وقال ابن القيم: المتأخرون يتصرفون في نصوص الأئمة، ويبينونها على ما لم يكن لأصحابها ببال، ولا جرى لهم في مقال، ويتناقله بعضهم عن بعض، ثم يلزمهم من طرد لوازم لا يقول بها الأئمة، فمنهم من يطردها ويلزم القول بها، ويضيف ذلك إلى الأئمة، وهم لا يقولون به، فيروج بين الناس بجاه الأئمة، ويفتي به، ويحكم به، والإمام لم يقله قط، بل يكون نص على خلافه، وقال لا يحل أن ينسب إلى إمامه القول، ويطلق عليه أنه قوله، بمجرد ما يراه في بعض الكتب التي حفظها أو طالعها من كلام المنتسبين إليه، فإنه قد اختلطت أقوال الأئمة، وفتاويهم بأقوال المنتسبين إليهم واختياراتهم، فليس كل ما في كتبهم منصوصا عن الأئمة بل كثير منه يخالف نصوصهم، وكثير منه لا نص لهم فيه وكثير منهم يخرج على فتاويهم وكثير منهم أفتوا به بلفظه، أو بمعناه، فلا يحل لأحد أن يقول هذا قول فلان ومذهبه، إلا أن يعلم يقينا أنه قوله ومذهبه اهـ. وإذا تتبع المنصف تلك الكتب، واستقرأ حال تلك الأتباع، وعرضها على الكتاب والسنة، وعلى أصول الأئمة، وما صح عنهم، وجدها كما قالوا رحمهم الله، وقد يؤصل أتباعهم ويفصلون على ما هو عن مذاهب أئمتهم الصحيحة بمعزل يعرف ذلك من كان خبيرا بأصولهم ونصوصهم، ومع ذلك عند بعضهم كل إمام في اتباعه بمنزلة النبي في أمته، لا يلتفت إلى ما سواه، ولو جاءته الحجة كالشمس في رابعة النهار. التأويل وكثير منهم إذا رأى حديثا يخالف مذهبه تلقاه بالتأويل، وحمله على خلاف ظاهره، مهما وجد إليه سبيلا، فإن جاءه ما يغلبه فزع إلى دعوى الإجماع على خلافه، فإذا رأى من الخلاف ما لا يمكنه معه دعوى الإجماع، فزع إلى القول بأنه منسوخ، أو إلى أن متبوعه أعلم، وأنه ما خالفه إلا وقد صح عنده ما يقتضي مخالفته.

وليست هذه طريقة السلف، بل كلهم على خلاف هذه الطريقة، فإنهم إذا وجدوا سنة صحيحة لم يبطلوها بتأويل، ولا دعوى إجماع، ولا نسخ ولا ادعاء علم متبوع، وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنَّ الأئمة لا تضيع نقل سنة صحيحة متأخرة وتحفظ المنسوخ. التعصب التعصب إلى المذاهب والمشايخ، وتفضيل بعضهم على بعض، والدعوى إلى ذلك، والموالاة عليه من دعوى الجاهلية، بل كل من عدل عن الكتاب والسنة فهو من أهل الجاهلية، والواجب على المسلم أن يكون أصل قصده طاعة الله وطاعة رسوله، يدور على ذلك ويتبعه أينما وجده، ولا ينتصر لشخص انتصارًا مطلقا إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا لطائفة انتصار مطلقا عاما إلا لأصحابه فإن الهدى يدور مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث دار ويدور مع أصحابه دون غيرهم، خلاف ما درج عليه بعض متأخري الأصحاب وغيرهم، حتى قال أبو الحسن الكرخي الحنفي، الأصل قول أصحابنا فإن وافقه نصوص الكتاب والسنة فذاك، وإلا وجب تأويلها، وجرى العمل عليه، وفي جامع الراموز وغيره، المذاهب أنه لا يقلد أحد من الصحابة ولا التابعين إلا أبا حنيفة، بل منهم من أدخل في الإسلام المذهب، وادعى الجويني وغيره وجوب انتحال مذهب الشافعي على كافة المسلمين حتى على العوام الطغام، بحيث لا يبغون عنه حولا، ولا يريدون به بدلا، وقيل غير ذلك مما يستحي العاقل من حكايته فضلا عن نقله. فضل الأئمة فضل الأئمة الأربعة وكذا غيرهم من أئمة الدين، ووجوب توقيرهم واحترامهم والتحذير من بغضهم وأذاهم، فقد تظاهرت به الآيات وصحيح الأخبار والآثار، وتواترت به الدلائل العقلية والنقلية، وتوافقت، وهم أهل الفضل علينا، ونقلوا الدين إلينا، وعول جمهور المسلمين على العمل بمذاهبهم، من صدر الإسلام إلى

يومنا هذا، بل لا يعرف العلم إلا من كتبهم، ولم يحفظ الدين إلا من طريقهم. فيجب احترامهم، وتوقيرهم والاعتراف بقدرهم وتحسين الظن بهم، فهم من خيار الأمة، وخلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعرفة أقوالهم سبب للإصابة ومعرفة الحق، لا سيما أهل الحديث فإنهم أعظم الناس بحثا عن أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، وطلبا لعلمها، وأرغب الناس في اتباعها، وأبعد الناس عن اتباع ما يخالفها ومقدمهم الإمام أحمد بن حنبل، الذي قال فيه شيخ الإسلام وغيره: أحمد أعلم من غيره بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين، ولا يكاد يوجد له قول يخالف نصا، كما يوجد لغيره، لكن لا ندعي فيه ولا في أحد منهم العصمة، ولا نتخذهم أربابا من دون الله، وما وجد في بعض كتبهم من خطأ فمردود على قائله مع إحسان الظن به، والفقهاء المنتسبون إليهم لم يختاروا مذاهبهم عند عدم الدليل، إلا عن اجتهاد، لا مجرد رأي وتقليد، كما ظنه من لم يحقق النظر في مصنفاتهم، ومع ذلك فليسوا بمعصومين. التمذهب ولا يجب التزام مذهب معين إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن التزم مذهبا معينا ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه، ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، ومن غير عذر شرعي يبيح له فعله، فإنما يكون متبعا لهواه فإنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجبا أو محرما، ثم يعتقد الواجب حراما والمحرم واجبا، بمجرد هواه، كمسألة الجد وشرب النبيذ وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول بدليل، أو رجحان مفت فيجوز بل يجب، والعاجز إذا اتبع من هو من أهل العلم والدين، ولم يتبين له أن قول غيره أرجح، فهو محمود مثاب، والله الموفق للصواب.

خطبة الشارح وتليها خطبة الماتن والكلام عليهما

بسم الله الرحمن الرحيم (¬1) الحمد لله الذي شرح صدر من أراد هدايته للإسلام (¬2) وفقَّه في الدين من أراد به خيرا (¬3) ، وفهمه فيما أحكمه من ¬

_ (¬1) لم يكتب أحد بسم الله الرحمن الرحيم قبل سليمان عليه السلام، وكان صلى الله عليه وسلم يكتب «باسمك اللهم» حتى نزلت عليه {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال الحافظ: وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالتسمية، وكذا معظم كتب الرسائل، وقدمت هنا على التعوذ دون القرآن لأن التعوذ هناك للقراءة، والبسملة من القرآن فقدم التعوذ عليها وابتدئ بها هنا للتبرك. (¬2) الحمد: هو الثناء بالقول على المحمود، قال شيخ الإسلام: الحمد ذكر محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه، وشرح أي وسع قلب من أراد هدايته وتوفيقه وإرشاده لاتباع الرسل، وفي الحديث قالوا: يا رسول الله كيف يشرح صدره؟ قال: «نور يقذفه فيه فينشرح له وينفسح» ، والإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، وفيه اقتباس، وهو أن يضمن المتكلم كلامه بشيء من القرآن أو الحديث، لا على أنه منه، ولا يضر فيه التغيير، لا لفظا ولا معنى، وشرح فيه أيضا إشارة إلى أن هذا الكتاب شرح: ومثل هذا يسمى براعة الاستهلال، وهو من المحسنات البديعة، وكذا قوله: فقه: و: من الأحكام، وبيان الحلال والحرام. (¬3) أي علم وأرشد من أراد به خيرا، والخير كلمة جامعة لجميع ما يحبه الله ويرضاه من الطاعات، ضد الشر، يشير إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين» ، والدين الإسلام، والعبادة، والطاعة، والذل، والتوحيد، واسم لجميع ما يتعبد به.

الأحكام (¬1) . أحمده أن جعلنا من خير أمة أخرجت للناس (¬2) وخلع علينا خلعة الإسلام خير لباس (¬3) وشرع لنا من الدين ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى وأوحاه إلى محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام (¬4) ، وأشكره وشكر المنعم واجب على ¬

_ (¬1) أي علمه وعرفه، فيما أحكمه أبرمه وأتقنه، من الأحكام جمع حكم، وهو مدلول خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين، وينقسم إلى خمسة أقسام: واجب، وحرام ومستحب ومباح، ومكروه. (¬2) أي أصفه بالجميل على أن جعلنا من أمة هي خير الأمم، وأنفع الناس للناس، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وكرر الحمد إيذانا بتكرره، حيث أعاده بالجملة الفعلية، واتباعا لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إن الحمد لله نحمده ونستعينه» . (¬3) أي جعل علينا خلعة الإسلام، وكذا الإيمان، لا ستلزام كل واحد منهما الآخر عند الانفراد خير لباس وأجمله، لمن أخذ به، وخلعة بكسر الخاء ما يخلع على الإنسان، وخير بالنصب صفة لخلعة، ولم يؤنثه لأنه اسم تفضيل مضاف لنكرة. (¬4) أي وسن لنا طريقا واضحا من الدين الذي تطابقت على صحته الأنبياء، وهو ما أوحاه تعالى وأمر به، وعهده إلى هؤلاء الخمسة، وخصهم لأنهم أفضل الأنبياء، وأصحاب الشرائع المعظمة، والأتباع الكثيرة، وأولو العزم من الرسل عليه، وعليهم أسنى الثناء وأزكى التحية، والشرع لغة البيان والإظهار، يقال شرع الله كذا، أي جعله طريقا ومذهبا، واصطلاحا تجويز الشيء أو تحريمه، والشريعة ما شرعه الله لعباده على ألسن رسله والشرائع ثلاث منزلة ناسخة أو منسوخة، فالناسخة شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - والمنسوخة جميع الشرائع والثانية المبدلة وهي التي لم تشرع أصلا، والثالثة المؤولة وهي المستنبطة من النصوص وربما يصيب التأويل وربما يخطئ، فالمنزلة يجب العمل بها، والمبدلة يحرم العمل بها والمؤولة سائغ العمل بها.

الأنام (¬1) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام (¬2) وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله (¬3) . ¬

_ (¬1) ثنى بالشكر، وهو مثل الحمد، إلا أن الحمد أعم منه، واجب أي لازم، يقال وجب وجوبا إذا ثبت ولزم، والواجب ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وهو مرادف للفرض، والأنام الجن والإنس، وقيل ما على وجه الأرض من جميع الخلق. (¬2) معطوف على الجملة الاسمية، أي أقطع وأجزم أن لا معبود بحق إلا الله، وحده: حال من الاسم الشريف، تأكيد للإثبات، لا شريك له، تأكيد للنفي، قال الحافظ: تأكيد بعد تأكيد اهتمام بمقام التوحيد، ذو الجلال والإكرام، العظمة والكبرياء، فهو سبحانه الجليل الكامل في صفاته، الكريم الذي لا ينفد عطاؤه، له الجلال المطلق، والكمال المطلق، من جميع الوجوه، ولأبي داود من حديث أبي هريرة (كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء) وجاءت كلمة لا إله إلا الله في سبعة وثلاثين موضعا من القرآن. (¬3) أي وأقطع أن سيدنا، أي أفضلنا، ويطلق على الشريف والرئيس والكريم، ومتحمل أذى قومه، ونبيًا أي أشرفنا، مأخوذ من النبوة وهي الارتفاع، لرفعته وشرفه على سائر الخلق، وآثر لفظ النبي لما فيه من الشرف والرفعة، ومحمد علم منقول من التحميد، مشتق من الحميد، والحميد اسم من أسماء الله تعالى، وإليه أشار حسان بقوله: وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد ومحمد أشرف أسمائه صلى الله عليه وسلم، قال ابن القيم: اسم مفعول، من حمد فهو محمد، إذا كان كثير الخصال التي يحمد عليها من المضاعف للمبالغة فهو الذي يحمد أكثر مما يحمد غيره من البشر، وعبده أشرف اسم فإنه لا أشرف ولا أتم للمؤمن من وصفه بالعبودية لله تعالى، وقدمه لأنه أحب الأسماء إليه، وأشرفها لديه تعالى، ولذا وصفه به في أشرف المقامات، ورسوله أي مرسله وسفيره بأداء شريعته، قال ابن الأنباري الرسول في اللغة الذي يتابع أخبار الذي بعثه.

وحبيبه وخليله المبعوث لبيان الحلال والحرام (¬1) صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيهم الكرام (¬2) أما بعد فهذا شرح لطيف على مختصر المقنع (¬3) . ¬

_ (¬1) حبيبه بمعنى محبوبه، والله سبحانه يحب ويحب، وخليله أي صفيه والخلة فوق المحبة، وفي الصحيح «إن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا» والمبعوث المرسل، أرسله الله إلى الثقلين لبيان أي: لتوضيح الحلال والحرام وهما ضدان والحلال شرعا: ما خلا عن مدح وذم لذاته، ويسمى مباحا وطلقا، والحرام ما ذم فاعله شرعا ولو قول وعمل قلب، ويسمى محظورا وممنوعا وغير ذلك. (¬2) آله أتباعه على دينه على المشهور، أو أهل بيته وعليه الأكثر واختاره الشيخ وتلميذه وفي اللغة يرجع إلى الجميع، وأصحابه جمع صاحب بمعنى الصحابي، وهو من اجتمع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولو لحظة ومات مؤمنا به، ويأتي وتابعيهم أي السائرين على منهاجهم إلى يوم القيامة، الكرام أي الجامعين لأنواع الخير والشرف والفضائل، وذكر ابن عبد البر عن بعضهم أنه قال: يجب أي من جهة الصناعة، على كل شارع في تصنيف أربعة أمور البسملة والحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتشهد، ويسن له ثلاثة أمور تسمية نفسه، وتسمية كتابه، والإتيان بما يدل على المقصود، وهو المعروف ببراعة الاستهلال. (¬3) أي بعدما تقدم ولما كانت أما متضمنة لمعنى الشرط أتى بعدها بالفاء الجزائية فقال: فهذا إشارة إلى المرتب الحاضر في الذهن، سواء تقدمت الديباجة أو تأخرت، إذ لا حضور للألفاظ المرتبة ولا لمعانيها في الخارج، وبعد ظرف مبهم لا يفهم معناه إلا بالإضافة لغيره، هو زمان متراخ عن السابق، واسم الإشارة وإن كان وضعه للأمور المبصرة الحاضرة في مرئي المخاطب، فقد يستعمل في الأمور المعقول لنكتة وهي الإشارة إلى إتقانه لهذه المعاني، حتى صار لكمال علمه بها كأنها مبصرة عنده، والشرح الكشف، تقول شرحت الغامض إذا فسرته، والمراد هنا ما يوضح المعاني ويكشفها، من شرحه شرحا كشفه وفسره وبينه، ولطيف فعيل من اللطافة، والمراد بها هنا صغر الحجم، وبديع الصناعة، والاختصار ضم بعض الشيء إلى بعض للإيجاز ويأتي.

للشيخ الإمام العلامة (¬1) والعمدة القدوة الفهامة (¬2) وهو شرف الدين أبو النجا (¬3) موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى المقدسي الحجاوي ثم الصالحي الدمشقي (¬4) تغمده الله برحمته (¬5) وأباحه بحبوحة جنته (¬6) . ¬

_ (¬1) إطلاق الشيخ على العالم باعتبار الكبر في العلم والفضيلة، والإمام من يؤتم به أي يقتدى به من رئيس وغيره، والعلامة العالم جدا، والهاء للمبالغة. (¬2) العمدة ما يعتمد عليه، والقدوة مثلثة من يستن به والأسوة، يقال فلان قدوة أي يقتدى به، والفهامة صيغة مبالغة، من فهم أي علم وعرف. (¬3) الشرف المجد والعلو، ويجب تأخير اللقب مع الاسم، ويخير مع الكنية. (¬4) مفتي الحنابلة بدمشق والصالحي نسبة إلى بلدة الصالحية بظاهر دمشق وله كتاب الإقناع، وحاشية التنقيح، وغيرهما، واشتهر بالحجاوي نسبة إلى حجة، قرية من قرى نابلس، توفي سنة تسعمائة وثمان وستين. (¬5) أي غمده فيها وغمره بها، من غمد السيف وهو غلافه، وفي الحديث «إلا أن يتغمدني الله برحمته» قال أبو عبيد: يتغمدني يلبسني ويتغشاني ويغمرني بها. (¬6) أي أسكنه وسطها، وفي الحديث «من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة» .

يبين حقائقه (¬1) ويوضح معانيه ودقائقه (¬2) مع ضم قيود يتعين التنبيه عليها (¬3) وفوائد يحتاج إليها (¬4) مع العجز وعدم الأهلية لسلوك تلك المسالك (¬5) لكن ضرورة كونه لم يشرح اقتضت ذلك (¬6) . ¬

_ (¬1) أي يكشف هذا الشرح مسائل زاد المستقنع ويبينها وحقيقة الشيء منتهاه، وأصله المشتمل عليه وكماله الخاص. (¬2) أي يبين ما يتضمنه اللفظ ويدل عليه ويبين دقائقه يعني غوامضه جمع دقيقة، والدقائق هي المسائل الغامضة، وصدق رحمه الله فلقد أوضحها غاية الإيضاح، واعتني بحل عباراته، وبيان إشاراته وإبراز فوائده وتقييد شوارده. (¬3) أي مع جمع وإضافة قيود إليه، جمع قيد وهو ما جيء به لجمع أو منع أو بيان واقع، وهو ما يقيد المعنى المطلق، ويحصل بصفة أو غيرها، ويتعين من تعين عليه الشيء لزمه بعينه، والتنبيه الإيقاظ مصدر نبه، والمراد بيان الشيء قصدا، بعد سبقه ضمنا، على وجه لو توجه إليه السامع الفطن لعرفه، ولكن لكونه ضمنيا ربما يغفل عنه ونبهته على الشيء أوقفته عليه. (¬4) أي ومع ضم فوائد جمع فائدة يفتقر إلى طلبها، والفائدة ما استفيد به علم أو مال، مما يكون الشيء به أحسن حالا منه بدونه. (¬5) أي ومع الضعف وعدم القدرة والاستعداد، والصلاحية لدخل تلك المداخل، متعلق بيوضح، وهذا تواضع منه رحمه الله، وإلا فهو أهل لذلك، كما هو مشهور عنه وظاهر باستقراء مصنفاته. (¬6) أي لكن الضرورة الداعية إلى كشف مسائله استدعت واستوجبت له شرحه، ولقد شرحه رحمه الله شرحًا وافيًا، وبين ما أشكل منه بيانا شافيا، ولم يكن يوجد له شرح قبل هذا، ويذكر أن الشيخ سليمان بن علي شرحه، فالتقى بمنصور في الحج فلما اطلع على شرحه اكتفى به.

والله المسئول بفضله أن ينفع به كما نفع بأصله (¬1) وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم (¬2) وزلفى لديه في جنات النعيم المقيم (¬3) «بسم الله الرحمن الرحيم» (¬4) أي بكل اسم للذات الأقدس (¬5) . ¬

_ (¬1) فضل الله صفة من صفاته تعالى كرحمته توسل إلى الله تعالى بفضله أن ينفع بهذا الشرح كما نفع بأصله زاد المستقنع في مختصر المقنع فإنه اشتهر أي اشتهار وعكف على الاستفادة منه المبتدي والمنتهي، وصار يحفظ عن ظهر قلب، وكذا الشرح اشتهر وعم نفعه، وهذا الدعاء من هذا العبد الصالح يرغبك فيه، ونسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن ينفع بهذه الحاشية عليهما إنه لا يضيع أجر المصلحين. (¬2) أي صافيا من شائبة الرياء، لله تعالى وحده الكريم الذي لا أكرم منه، جلت عظمته وتقدست أسماؤه. (¬3) أي مقربا لديه، وسببا موصلا للسكنى في جنات النعيم المقيم الدائم وسميت بالنعيم لما اشتملت عليه من أنواع النعيم واللذة والسرور، وقرة العيون نسأل الله من فضله النعيم المقيم. (¬4) حذفت الألف لكثرة الاستعمال، وطولت الباء عوضا عنها، وقيل لما أسقطوا الألف ردوا طولها على الباء، ليكون دالا على سقوط الألف، وكان عمر بن عبد العزيز يقول لكتابه: طولوا الباء، وأظهروا السين وفرجوا بينهما ودوروا الميم، تعظيما لكتاب الله، وكذا أسقطوا ألف الجلالة، وألف الرحمن، بقاء على قاعدة المصحف، ولا بد من إثباتها في اللفظ، وبعض العامة يقول: لا والله فيحذف الألف، واسم الله يجل أن ينطق به إلا على أجمل الوجوه وأكملها، والاسم مشتق من السمو وهو العلو، فكأنه علا على معناه وظهر عليه، فصار معناه تحته. (¬5) أي بكل اسم من أسماء الله، سمي به نفسه، أو أنزله في كتابه، أو علمه أحدا من خلقه، أو استأثر به في علم الغيب عنده، والأقدس الأطهر، وقدس يقدس قدسا طهر وتبارك، والقدس بالضم وبفتحتين الطهر اسم ومصدر وتقدس تنزه.

المسمى بهذا الاسم الأنفس (¬1) الموصوف بكمال الإنعام وما دونه، أو بإرادة ذلك (¬2) أؤلف مستعينا أو ملابسا على وجه التبرك (¬3) . ¬

_ (¬1) وهو الله تعالى، والله أعرف المعارف، الجامع لمعاني الأسماء الحسنى، والصفات العليا، ولذا يضاف لجميع الأسماء، فيقال الرحمن من أسماء الله، وكذا الباقي، ولا يضاف هو إلى شيء، وخصت الإضافة إليه لأنه يدل على غيره، فيكون ذكره ذكرا لباقي الأسماء، ولأنه لا يطلق على غيره، فالإضافة إليه أولى وهو مشتق، أي دال على صفة له تعالى، وهي الإلهية وأصله (الإله) حذفت همزته وأدغمت اللام في اللام فقيل الله، ومعناه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، وأكثر العلماء على أنه اسم الله الأعظم، وقد ذكر في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا من القرآن. (¬2) يعني الإنعام، وله سبحانه الكمال المطلق من جميع الوجوه، والإنعام مصدر أنعم ونعمة الله ما أعطاه للعبد، مما لا يتمنى غيره، أن يعطيه إياه، وقال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا} وتأويله الرحمة بالإنعام، أو بإرادة الإنعام جرى على طريقة الأشعرية، والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفة الرحمة، مع القطع بأنها ليست كرحمة المخلوق ومن ثمرتها الإنعام، وإرادة الشيء قصده والعزيمة عليه. (¬3) إشارة إلى أن الباء إما للاستعانة، أو الملابسة، ليكون التقدير بسم الله أؤلف حال كوني مستعينا بذكره، متبركا به، والتبرك التيمن والفوز بالبركة، وكذا يضمر فعل ما جعلت التسمية مبدأ له، فيضمر المسافر أسافر، والآكل آكل، ليفيد تلبس الفعل جميعه بالتسمية، ولحذف العامل فوائد: منها أنه مواطن لا ينبغي أن يتقدم فيه سوى ذكر اسم الله تعالى، ولأنه إذا حذف الفاعل صح الابتداء بالتسمية في كل قول وعمل، ولأن الحذف أبلغ فلا حاجة إلى النطق بالفعل، لدلالة الحال أن كل فعل إنما هو باسم الله، وإضافته للجلالة من إضافة العام للخاص، ليفيد أن الاستعانة والتبرك بذكر اسمه تعالى.

وفي إيثار هذين الوصفين المفيدين للمبالغة في الرحمة إشارة لسبقها وغلبتها، من حيث ملاصقتها لاسم الذات، وغلبتهامن حيث تكرارها على أضدادها، وعدم انقطاعها (¬1) وقدم الرحمن لأنه علم في قول أو كالعلم، من حيث إنه لا يوصف به غيره تعالى (¬2) لأن معناه المنعم الحقيقي (¬3) . ¬

_ (¬1) ويحقق أن في إيثار لفظ الرحمن الرحيم إشارة لسبق الرحمة وغلبتها ما في الحديث القدسي، «سبقت رحمتي غضبي» ، وفي الترمذي وغيره «إن الله لما خلق الخلق كتب بيده على نفسه إن رحمتي تغلب غضبي» . (¬2) ولأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، وتقديم الكلم في اللسان، على حسب المعاني في الجنان، والمعاني تتقدم بأحد خمسة أشياء، إما بالزمان، وإما بالطبع وإما بالرتبة، وإما بالفضل، والكمال، أو بأكثرها، وربما ترتب بحسب الخفة والثقل، وكونه علما لوروده غير تابع لاسم قبله، في قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقوله: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ} وصوب هذا القول ابن هشام، والتحقيق ما ذكره ابن القيم وغيره أنه لا منافاة بين العلمية والوصفية في جميع الأسماء الحسنى، فإنها دالة على صفات كماله، ونعوت جلاله، والرحمن الرحيم اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم، فالرحمن رحمة عامة لجميع الخلق، والرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين، والرحمن دال على الصفة القائمة به، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم، والرحمن عام المعنى خاص اللفظ، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى. (¬3) يعني: لأن ما عداه طالب عوض بلطفه وإنعامه، يريد به جزيل ثواب أو جميل ثناء، وتأويله أيضًا الرحمة بالنعمة مذهب الأشاعرة، أخذه عن غيره، ولم يتفطن له، ويقع كثيرا في كلام غيره، يذكرون عبارات لم يتفطنوا لمعناها ومذهب أهل السنة إثبات الصفات لله، الواردة في الكتاب والسنة، على ما يليق بجلال الله وعظمته، ومعناه اتصافه بما دل عليه اسمه حقيقة، ولا تكيف صفاته، ولا تشبه بصفات خلقه.

البالغ في الرحمة غايتها، وذلك لا يصدق على غيره (¬1) وابتدأ بها تأسيا بالكتاب العزيز (¬2) وعملا بحديث «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر» أي: ناقص البركة (¬3) ، وفي رواية «بالحمد لله» (¬4) . ¬

_ (¬1) أي: البلوغ في الرحمة غايتها منتهاها، أو فائدتها المقصودة، لا يصدق إلا على الله عز وجل، لا على غيره، والغاية مدى الشيء. (¬2) أي: ابتدأ بالبسملة تأسيا بالقرآن الكريم، فإن الله ذكر فيه الحمد بعد البسملة في الفاتحة وغيرها. (¬3) أي: وإن تم حسا، والحديث رواه الخطيب بهذا اللفظ، والرهاوي وابن ماجه بلفظ «أقطع» وحسنه ابن الصلاح وغيره، و «ذي بال» أي شرف وشأن وحال يهتم به شرعا. (¬4) «فهو أجذم» وهذا تشبيه بليغ، وفي رواية بالحمد، رواه أبو داود، ولأحمد بذكر الله فهو أبتر أو أقطع، قال النووي: وهو حديث حسن حجة عند الأئمة، رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي، وأبو عوانة في صحيحه المخرج على صحيح مسلم، وروى ابن مردويه وغيره عن جابر لما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم، هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الرياح. وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين من السماء، وحلف الله بعزته وجلاله لا يسمى باسمه على شيء إلا بارك فيه، فتكتب أوائل الكتب، كما كتبها سليمان، ونبينا عليهما الصلاة والسلام، بل تذكر في ابتداء جميع الأفعال، وعند دخول المنزل، والخروج منه، ونحو ذلك للبركة، وهي تطرد الشيطان، وإنما تستحب إذا ابتدأ فعلا تبعا لغيرها، لا مستقلة فلم تجعل كالهيللة والحمدلة، ونحوهما ويأتي أنها تجب وتسن وتكره في أ/ر دون أمور.

فلذلك جمع بينهما فقال الحمد لله (¬1) أي جنس الوصف بالجميل، أو كل فرد منه (¬2) مملوك أو مستحق للمعبود بالحق (¬3) المتصف بكل كمال على الكمال (¬4) . ¬

_ (¬1) بدأ الماتن وكذا الشارح بالحمدلة بعد البسملة اقتداء بالقرآن العظيم وبالنبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، في ابتدائه بالحمد في جميع خطبه، وعملا بجميع روايات الحديث المشهور السابق، ويستحب البداءة بالحمدلله، لكل مصنف ودارس ومدرس وخطيبت وخاطب ومزوج ومتزوج، وبين يدي سائر الأمور المهمة، والابتداء إما حقيقي وإما إضافي، والحقيقي حصل بالبسملة والإضافي بالحمدلة، وقدمت البسملة عملا بالكتاب والسنة والإجماع، وثني بالحمدلة عملا بما تقدم قريبا، فإن قيل: لكل من البسملة والحمدلة أمر ذو بال، فيحتاج إلى سبق مثله وتسلسل قيل: المراد الأمر الذي يقصد لذاته بحيث لا يكون وسيلة لغيره، وإن كلا من البسملة والحمدلة كما يحصل به البركة لغيره، ويمنع نقصه، كذلك يحصل به مثل ذلكلنفسه كالشاة من أربعين تزكي نفسها وغيرها. (¬2) أي من الوصف بالجميل الاختياري على قصد التعظيم، وفيه إشارة إلى أن أل للجنس ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد، وهو حقيقة الحمد وماهيته. (¬3) ضد الباطل، والحق من أسمائه تعالى فهو الحق، وقوله الحق، جلت عظمته وتقدست أسماؤه. (¬4) تعالى وتقدس، فله الكمال المطلق من جميع الوجوه، وجميع أنواع الثناء له لا لغيره تبارك وتعالى.

والحمد والثناء بالصفات الجميلة والأفعال الحسنة، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا (¬1) وفي الاصطلاح فعل ينبنئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما على الحامد أو غيره (¬2) والشكر لغة هو الحمد اصطلاحا (¬3) واصطلاحا صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه لما خلق لأجله (¬4) . قال الله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} (¬5) وأثر لفظه ¬

_ (¬1) يعني سواء كان الثناء بالصفات الجميلة، والأفعال الحسنة، في مقابلة نعمة أسداها المحمود على الحامد، أو لم يكن، يقال حمدت الرجل على إنعامه، وحمدته على حسنه وشجاعته، والثناء بما ليس للمرء فيه اختيار، كالجمال ونحوه يسمى مدحا لا حمدا. (¬2) ينبئ أي يدل على تعظيم المنعم من حيث إنه منعم، واصلة تلك النعمة أو غير واصلة، وفيه إشارة إلى أن الحمد متعلقه الإنعام، كما تقدم وليس كذلك عند أهل التحقيق، بل يتعلق بجميع صفات الكمال، ونعوت الجلال. (¬3) اللغة اللسان، وحده أصوات وحروف دالة على المعاني أو الكلام المصطلح عليه بين كل قبيلة من لغي بالشيء لهج به، ولغوت بكذا لفظت به وتكلمت والاصطلاح هو العرف الخاص، وهو عبارة عن اتفاق القوم على وضع الشيء ويقال إخراج الشيء عن المعنى اللغوي إلى معنى آخر، لبيان المراد منه، لمناسبة بينهما أو مشاركة في أمر، أو مشابهة في وصف، أو غير ذلك. (¬4) أي الشكر في الاصطلاح هو صرف العبد ما أنعم الله به عليه من السمع والبصر وغيرهما فيما خلقه الله له من توحيده وطاعته، وقالوا أيضا الشكر الثناء عليه بإنعامه، ومن اعترف بالنعمة وقام بالخدمة وأكثر من ذلك سمي شكورا. وقال الشاعر: أفادتاكم النعماء منِّي ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا (¬5) الصواب الاستدلال بأول الآية {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} أي اعملوا بطاعة الله شكرا على نعمه، ومورد الحمد اللغوي هو اللسان وحده، ومتعلقه يعم النعمة وغيرها. ومورد العرفي. أي الاصطلاحي، يعم اللسان وغيره، ومتعلقه يكون النعمة وحدها، فاللغوي أعم باعتبار المتعلق، وأخص باعتبار المورد، والعرفي بالعكس، فبين الحمدين عموم وخصوص وجهي، وبين الحمد والشكر اللغويين عموم وخصوص من وجهين، فعموم الحمد أنه لمبدئ النعم على الحامد وغيره، وخصوصه أنه لا يكون إلا باللسان، وعموم الشكر أنه يكون بغير اللسان، وخصوصه أنه لا يكون إلا لمبدئ النعمة، فهو أعم من الحمد متعلقا، وأخص سببا والحمد أعم سببا وأخص متعلقا، فما يحمد الله عليه أعم مما يشكر عليه، فإنه يحمد على أسمائه وصفاته وأفعاله ونعمه، ويشكر على نعمه، وفي الحديث «الحمد رأس الشكر» ، فما شكر الله عبد لا يحمده، وقال ابن عباس: الحمد كلمة الشكر، فالحمد والشكر متقاربان، ورجح بعض أهل العلم اتحاد الحمد والشكر، بدليل إيقاع جميع أهل المعرفة بلسان العرب كلا منهما مكان الآخر، ونقيض الحمد الذم ونقيض الشكر الكفر.

الجلالة دون باقي الأسماء كالرحمن والخالق، إشارة إلى أنه كما يحمد لصفاته، يحمد لذاته (¬1) ولئلا يتوهم اختصاص استحقاقه الحمد بذلك الوصف دون غيره (¬2) . ¬

_ (¬1) بما هو أهله من الجلال والإكرام، ولا شيء في العقول والفطر أحسن من الثناء عليه ولا أنفع للعبد منه. (¬2) لاشتماله على جميع صفات الجلال والكمال، وعلى الأسماء الحسنى، والصفات العليا، ولأن لفظ الجلالة لا يطلق على غيره تعالى، ولجمعه معاني الأسماء والصفات وغير ذلك.

(حمدا) مفعول مطلق، مبين لنوع الحمد (¬1) لوصفه، بقوله (لا ينفد) بالدال المهملة وفتح الفاء ماضيه نفد بكسرها، أي لا يفرغ (¬2) (أفضل ما ينبغي) أي يطلب (أن يحمد) أي يثنى عليه ويوصف (¬3) وأفضل منصوب على أنه بدل من حمدا، أو صفته أو حال منه (¬4) وما موصول اسمي، أو نكرة موصوفة، أي أفضل الحمد الذي ينبغي، أو أفضل حمد ينبغي حمده به (¬5) . ¬

_ (¬1) والمفعول المطلق هو الذي ليس بمفعول فيه، ولا لأجله ولا معه، فحمدا مفعول لعامل محذوف، من حمد يحمد حمدا، ومحمدة شكره، ومدحه، والفرق بين الحمد والمدح، أن الحمد يتضمن الثناء مع العلم بما يثنى به، فإن تجرد عن العلم كان مدحا وكل حمد مدح دون العكس. (¬2) ولا يفنى ولا ينقطع فله الحمد في الأولى والآخرة. (¬3) لما يقتضيه جل وعلا من عموم قدرته وعلمه، وكمال حكمته ورحمته وإحسانه وأسمائه وصفاته. (¬4) وأفضل اسم تفضيل ينبئ بزيادة الفضل، والبدل العوض، وعند النحويين هو التابع المقصود بالحكم بلا واسطة، وصفة الشيء نعته وتوضيحه، والحال الوقت، واصطلاحا ما بين هيئة الفاعل أو المفعول. (¬5) فهو المستحق لذلك لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العليا، وما اقتضت أفعاله من الحكم الباهرة، ولما له من النعم الباطنة والظاهرة، وقد شهد له جميع المخلوقات بالحمد، بل الحمد كله له، ملكا واستحقاقا، وله الثناء والمجد.

وصلى الله قال الأزهري معنى الصلاة من الله تعالى الرحمة (¬1) ومن الملائكة الاستغفار (¬2) ومن الآدميين التضرع والدعاء (¬3) وسلم من السلام بمعنى التحية (¬4) . ¬

_ (¬1) وكذا عند كثير من المتأخرين، وقال ابن القيم وغيره: قد غاير تعالى بينهما فقال: «عليهم صلوات من ربهم ورحمة» ، وسؤال الرحمة مشروع لكل مسلم والصلاة مختصة والرحمة عامة، وصوب هو وغيره ما حكاه البخاري في صحيحه عن أبي العالية، الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، وقالوا أيضا ثناؤه عليه وتشريفه وزيادة تكريمه، ورفع ذكره ومنزلته صلى الله عليه وسلم، والأزهري هو محمد بن أحمد أبو منصور، الهروي أحد الأئمة في اللغة والأدب، وغيرهما ولد بهراة بخراسان واشتهر بالفقه، ثم غلب عليه التبحر في العربية، فرحل في طلبها، وقصد القبائل وصنف كتبا منها التهذيب في اللغة وغريب الألفاظ عشر مجلدات وتوفي سنة ثلاثمائة وسبعين. (¬2) وقال ابن القيم رحمه الله: صلاة الملائكة عليه هي ثناؤهم عليه، وكذا الآدميون، وسؤالهم من الله أن يثني عليه، ويزيده تشريفا وتكريما. (¬3) أن يعلي الله ذكره، ويزيده تعظيما وتشريفا، وأخبر الله أنه يثني عليه في الملأ الأعلى وملائكته، وأمرنا بسؤال الله أن يفعل به ذلك ليجتمع الثناء عليه من العالم العلوي والسفلي، وقال ابن القيم أيضًا: الصلاة بمعنى الدعاء مشكل، من وجوه: أحدها أن الدعاء يكون بالخير والشر، والصلاة لا تكون إلا بالخير، (الثاني) أن دعوت يتعدى باللام، وصليت لا يتعدى إلا بعلى، ودعا المعداة بعلي ليست بمعنى صلى، وهذا يدل على أن الصلاة ليست بمعنى الدعاء (الثالث) أن الدعاء يقتضي مدعوا ومدعوا له، تقول دعوت الله لك بالخير، وفعل الصلاة لا يقتضي ذلك، لا تقول صليت الله لك، ولا عليك، فدل على أنه ليس بمعناه. (¬4) واسم مصدر من: سلم ومصدره تسليم، مشتق من السلام اسم من أسماء الله تعالى.

أو السلامة من النقائص والرذائل، أو الأمان (¬1) والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم مستحبة (¬2) تتأكد يوم الجمعة وليلتها (¬3) وكذا كلما ذكر اسمه (¬4) وقيل بوجوبها إذًا (¬5) . ¬

_ (¬1) من النقائص أي التعري من الآفات الظاهرة والباطنة، ومن الرذائل والرذل من كل شيء الرديء منه، أو السلامة الأمان ضد الخوف، دعاء له وطلب السلامة له، أو اسم الله عليه، إذا كان اسم الله يذكر على الأعمال توقعا لاجتماع معاني الخيرات فيه، وانتفاء عوارض الفساد عنه، والسلام اسم من أسماء الله تعالى لسلامته من كل عيب ونقص، ومنه الجنة دار السلام لسلامتها من الآفات. (¬2) في كل حال، واجبة في الجملة وركن في التشهد الأخير، وخطبتي الجمعة كما يأتي، وتواتر الأمر بها، وفي كيفيتها وفضلها، وفي الصحيح «من صلَّى علىَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا» ، اللهم صل وسلم على محمد. (¬3) لقوله - صلى الله عليه وسلم - «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة» ، رواه ابن ماجه، ولأبي داود فيه «فأكثروا علي من الصلاة فيه» ، ولقوله: «أكثروا الصلاة علي ليلة الجمعة ويوم الجمعة» رواه البيهقي بإسناد جيد. (¬4) أي وكذا الصلاة عليه تتأكد كلما ذكر اسمه لقوله - صلى الله عليه وسلم - «رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصل علي» ، رواه الترمذي. (¬5) أي وقت ذكر اسمه، قاله الطحاوي وجماعة من الحنفية، والحليمي وجماعة من الشافعية وحكي عن اللخمي من المالكية، وابن بطة، والبلباني، وذكر أنه أقوى لقوله تعالى: {صَلُّوا عَلَيْهِ} والأمر يقتضي الوجوب، قال الشيخ: ويحتمل وهو الأشبه أنه تجب الصلاة عليه في الدعاء، ولا تجب مفردة، لقول عمر وعلي: الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم، وتقدم الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم على الدعاء لوجوب تقديمه على النفس.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (¬1) وروي (من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب) (¬2) . ¬

_ (¬1) «أي قولوا اللهم صلِّ وسلم على محمد» وأكد التسليم بالمصدر تنبيها على تأكده، قال بعض المفسرين أخبر سبحانه إنه وملائكته يثنون عليه فصلوا أنتم عليه، فأنتم أحق بأن تصلوا عليه، وتسلموا تسليما، لما نالكم ببركة رسالته. (¬2) رواه الطبراني وغيره بسند ضعيف، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات وروي من كلام جعفر بن محمد موقوفا عليه، قال المنذري وهو أشبه، وروي تستعمل في الضعيف كما هو الصواب هنا، واستعمالها في الصحيح والحسن حيد عن الصواب، كاستعمال كثيرين: قال وفعل وأمر ونهى وروى عنه فلان وذكر وأخبر، وهو ضعيف فإنه لا ينبغي أن يطلق نحو هذا إلا فيما صح، وإلا كان في معنى الكاذب عليه صلى الله عليه وسلم، واستغفار الملائكة هو أن تقول «اللهم اغفر له» وفي لفظ تصلي عليه، يعني على من كتب اسمه صلى الله عليه وسلم فيه. مقرونا بالصلاة عليه، كما في بعض الطرق، وصرح به ابن وضاح، وقد استدل به على وضع الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخطب والمراسلات، وأول من فعله أبو بكر رضي الله عنه، وكتاب بمعنى مكتوب، وقد غلب الكتاب في العرف العام على جميع الكلمات المفردة بالتدوين، ولما كانت الكمالات الدينية والدنيوية، بل جميع ما فيه صلاح المعاش والمعاد فائض من الجناب الأقدس جل وعلا علينا بواسطة هذا النبي الكريم، الذي هو عين جميع هذه المخلوقات وأشرفها، أتبع المصنف الحمد بالصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم أداء لبعض ما يجب له صلوات الله وسلامه عليه، وعملا بقوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} قال مجاهد وغيره: لا أذكر إلا ذكرت معي، وامتثالا لقوله - صلى الله عليه وسلم - «كل كلام لا يذكر الله فيه فيبدأ به وبالصلاة علي فهو أقطع ممحوق من كل بركة» ، أخرجه الديلمي وابن المديني والرهاوي وابن مندة بلفظ فهو أقطع أكتع، وضعفه البخاري ولما تقدم، وغير ذلك مما ورد من الأمر بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم إنما هي على الوجه الذي أمر به من التعظيم لحقه، والرغبة في الثواب عند ذكره، أو ذكر شيء من أمره، ويروى «لا يصلى على إلا في موضع احتساب أو رجاء ثواب» ، فتكره في الأماكن القذرة، وأماكن النجاسة، وعند الذبح، وعند العطاس، وعند الجماع، والعثرة، والتعجب، وشهرة المبيع، ونحو ذلك.

وأتى بالحمد بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام، لثبوت مالكية الحمد واستحقاقه له أزلا وأبدا (¬1) وبالصلاة بالفعلية الدالة على التجدد أي الحدوث، لحدث المسئول وهو الصلاة أي الرحمة من الله (¬2) على أفضل المصطفين محمد بلا شك (¬3) لقوله صلى الله عليه وسلم «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (¬4) وخص ببعثه إلى الناس كافة (¬5) . ¬

_ (¬1) أي قديما وحالا ودائما في الدنيا والآخرة. (¬2) على القول به، وتقدم أنه الثناء من الله عليه في الملأ الأعلى. (¬3) فهو صلى الله عليه وسلم أفضل الخالصين الطيبين المختارين من جميع الخلق بإجماع المسلمين. (¬4) رواه أحمد والترمذي وغيرهما في حديث طويل، أي لا أقوله تبجحا، ولكن شكرًا لله وتحدثا بنعمته، والفخر هو التعاظم على الغير. (¬5) قال الله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} وقال {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ} وقال صلى الله عليه وسلم «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» ، ولمسلم «أرسلت إلى الناس كافه، وختم بي النبيون» وخص بالبناء للمفعول، أي خصه الله، وإنما حذفه للعلم به والخصائص جمع خصيصة، وهي الصفة الخاصة، سواء كانت في ذاته أو في صفاته، أو فيما يصدر عنه من معجزاته وكراماته.

وبالشفاعة (¬1) والأنبياء تحت لوائه (¬2) والمصطفون جمع مصطفى وهو المختار، من الصفوة (¬3) وطاؤه منقلبة عن تاء (¬4) ومحمد من أسمائه صلى الله عليه وسلم سمي به لكثرة خصاله الحميدة (¬5) سمي به قبله سبعة عشر شخصا على ما قاله ابن الهائم عن بعض الحفاظ (¬6) . ¬

_ (¬1) أي وخص بالشفاعة العظمى، وهو المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون وذلك شفاعته في أهل الموقف ليقضى بينهم بعد ما يستغيثون بآدم وأولي العزم، ويتراجعونها بينهم فيقول: أنا لها. (¬2) اللواء الراية، وفي الحديث لواء الحمد بيدي يوم القيامة، وخص بالنصر بالرعب مسيرة شهر، وإحلال الغنائم له، وجعل الأرض مسجدا وطهورا وإعطاء جوامع الكلم، والختم والإسراء وغير ذلك مما يفوت الحصر. (¬3) وهو الخلوص من الكدر، والصفوة من كل شيء خالصه فإن الإنسان لا يصطفى إلا إذا كان خالصا طيبا، وهو صلى الله عليه وسلم أخلص الخلق وأطيبهم وخيرهم بلا نزاع. , (¬4) لوقوعها بعد حرف الإطباق وهو الصاد، وقلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها فصفو من فعل نقل إلى افتعل، فثقل النطق به، فقيل اصطفى. (¬5) من حسن الخلق والكرم والجود والشجاعة، وغير ذلك ما خصه الله به من الخصال الرفيعة التي لا تحصر وهو الذي يحمده الله وملائكته وعباده المؤمنون. (¬6) ابن الهائم هو أبو العباس أحمد بن محمد بن عماد بن علي المصري، ثم المقدسي، المشهور بابن الهائم المتوفى سنة ثمانمائة وخمس عشرة، وله مؤلفات في الفرائض والحساب.

بخلاف أحمد فإنه لم يسم به قبله (¬1) وعلى آله أي أتباعه على دينه نص عليه أحمد (¬2) وعليه أكثر الأصحاب (¬3) ذكره في شرح التحرير (¬4) وقدمهم للأمر بالصلاة عليهم (¬5) . ¬

_ (¬1) ولا في زمنه، ولا في زمن أصحابه، حماية لهذا الاسم الذي بشر به الأنبياء، وهو علم مشتق من حمد بالبناء للمفعول، يعني حمدا أكمل من غيره، وصفة أيضا اجمتعا في حقه صلى الله عليه وسلم، وهو أعظم أسمائه وأشرفها وأشهرها. (¬2) وصححه صاحب تصحيح الفروع وغيره لقوله: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ *} أي أتباعه، وقال الشيخ رحمه الله: آله أهل بيته، وإنه نص أحمد، وقاله الموفق وغيره، واختاره الشريف، ومنهم بنو هاشم، وأفضل أهل بيته من أدار عليهم الكساء، وخصهم بالثناء، وقال الشيخ وأصل آل أول تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فقيل آل ومن قال أهل فقد غلط، فآل الشخص هم من يأوون له، ويئولون إليه، ويرجعون إليه، ويضافون إليه، ويؤوله أي يسوسه يكون مآله إليه، ونفسه هي أولى من يئول إليه، فطلبت تبعا له، وهو الأصل. (¬3) أي أكثر أصحاب الإمام أحمد على أن آله أتباعه، ومنهم أبو حامد وأبو حفص، واختاره القاضي وغيره، وقدمه في المغني والشرح وجمع. (¬4) في أصول الفقه، لعلاء الدين علي بن سليمان بن محمد بن أحمد بن محمد السعيديِّ المرداوي، ثم الصالحي الحنبلي، صاحب الإنصاف وغيره، المتوفى سنة ثمانمائة وخمس وثمانين، ثم اختصره ابن النجار. (¬5) في قوله - صلى الله عليه وسلم - «قولوا اللهم صلِّ على محمد وآل محمد» ونحو ذلك.

وإضافته إلى الضمير جائزة عند الأكثر، وعمل أكثر المصنفين عليه، ومنعه جمع منهم الكسائي والنحاس والزبيدي (¬1) وأصحابه: جمع صاحب بمعنى الصحابي (¬2) وهو من اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا ومات على ذلك (¬3) . ¬

_ (¬1) أي منع جمع من اللغويين، إضافة الآل للضمير، لتوغله في الإبهام منهم الكسائي علي بن حمزة النحوي المشهور، المتوفى بالري سنة مائة وإحدى وثمانين، ومنهم النحاس أبو جعفر، أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس النحوي التونسي له تصانيف في التفسير والنحو، مات سنة ثلاثمائة وثمان وثلاثين، ومنهم الزبيدي بالضم محمد بن الحسن النحوي، من أئمة اللغة العربية، مات سنة ثلاثمائة وتسع وسبعين. (¬2) وجمع الأصحاب أيضا صحابة وصحابة وأصاحيب، والصحابة في الأصل مصدر صحبه يصحبه صحابة وصحبة، فهو صاحب، عاشره ورافقه، وهو لفظ يضاف إلى من له أدنى ملابسة بأي شيء، وجمع الصاحب صحب، والصاحب الملازم مشتق من الصحبة بلا خلاف، يقال: صحبه شهرا ويوما وساعة والصحابة علم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ووجه الثناء على الآل والأصحاب وهو الوجه في الثناء عليه صلى الله عليه وسلم بعد الثناء على الرب تبارك وتعالى، لأنهم الواسطة في إبلاغ الشرائع إلى العباد، فاستحقوا سؤال الثناء عليهم من الله عز وجل، ولإتيانه عليه الصلاة والسلام بذكرهم في الصلاة عليه، فلا يتم الامتثال بالصلاة التي علمها أمته إلا بذكرهم. (¬3) هذا مذهب أهل الحديث كما نقله البخاري، وهذا لشرفه - صلى الله عليه وسلم - أعطوا كل من رآه حكم أصحابه، سواء كان مؤمنا حكما، أو اختيارا.

وعطفهم على الآل من عطف الخاص على العام (¬1) وفي الجمع بين الصحب والآل مخالفة للمبتدعة لأنهم يوالون الآل دون الصحب (¬2) ومن تعبد أي عبد الله تعالى (¬3) والعبادة ما أمر به شرعا (¬4) من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي (¬5) . ¬

_ (¬1) على القول المشهور أن آله أتباعه على دينه، وأما على القول الثاني الذي اختاره الشيخ وغيره، وصوبه ابن القيم وغيره، أنهم أهل بيته، فهو من عطف العام على الخاص، وسائغ ذكر العام ثم الخاص، تنويها بشأنه وتعظيما لأمره، وتفخيما لحاله كما في الكتاب والسنة، وجاء ذكر العام بعد الخاص. (¬2) كالرافضة يتبرءون منهم ويسبونهم. (¬3) وعبده يعبده عبودية وحده وأطاع له، وخضع وذلك وانقاد والتزم شرائع دينه، فالعبادة تتضمن غاية الذل لله والانقياد له، مع غاية المحبة له. (¬4) أي ما أمر الله به في الشرع، بأن لم يعلم طريقه إلا من الشارع، ويحرم اعتقاد غير المشروع مشروعا وطاعة وقربة ودينا، والأصل في العبادات البطلان إلا ما شرعه الله ورسوله، وفي العادات الحل إلا ما حظره الله ورسوله، وفي الفروج التحريم إلا ما أباحه الله ورسوله، والعقود الأصل فيها الصحة إلا ما أبطله الله ورسوله والمطاعم الأصل فيها الإباحة إلا ما حرمه الله ورسوله، قاله الشيخ وغيره. (¬5) قاله الفخر وأبو البقاء وغيرهما، أي ليست العبادة ما درج عليه عرف الناس وما اقتضته مقاييسهم وعقولهم، وفيه قصور، والتعريف الجامع المانع الشامل، قول شيخ الإسلام: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين، والذكر، والدعاء، والمحبة والخشية، والإنابة، وغير ذلك، وقال أيضا: هي طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسن رسله.

(أما بعد) أي بعد ما ذكر من حمد الله والصلاة والسلام على رسوله (¬1) وهذه الكلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى غيره (¬2) ويستحب الإتيان بها في الخطب والمكاتبات، اقتداء به صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يأتي بها في خطبة وشبهها (¬3) حتى رواه الحافظ عبد القاهر الرهاوي في الأربعين التي له عن أربعين صحابيا (¬4) ذكره ابن قندس في حواشي المحرر (¬5) . ¬

_ (¬1) صلى الله عليه وسلم امتثالا لأمره - صلى الله عليه وسلم - واتباعا لسبيل السلف من المصنفين وغيرهم. (¬2) أي يأتي بها المتكلم إذا كان في كلام وأراد الانتقال إلى غيره، ولا يؤتى بها في أول الكلام، وأسلوب بالضم أي من الطريق أو فن جمعه أساليب. (¬3) وهل أول من ابتدأ بها داود عليه السلام، أو قس بن ساعدة، أو كعب ابن لؤي، أو يعرب بن قحطان، أو سحبان فصيح العرب، أقوال، قالوا والأول أشبه. (¬4) أورد فيها ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفصل بأما بعد، في الخطب والمراسلات على سبيل من صنف في الأربعينات، لما روى «من حفظ على أمتي أربعين حديثا» إلخ وعبد القاهر بالهاء وفي بعض النسخ بالدال بدل الهاء وهو الصواب كما في كشف الظنون وغيره نسبة إلى رها، بضم الراء بلدة بالجزيرة محدث حنبلي، مولى لبعض أهل الموصل فأعتقه، توفي سنة ستمائة واثنتي عشرة. (¬5) أي ذكر أن عبد القادر روى ذلك، وابن قندس هو الشيخ تقي الدين أبو بكر إبراهيم بن قندس البعلي الحنبلي صاحب حواشي المحرر، والفروع المشهورين، وغيرهما المتوفى سنة ثمانمائة وإحدى وستين، والحواشي مجلد ضخم، له على كتاب المحرر المشهور في الفقه، للإمام مجد الدين بن عبد السلام بن تيمية رحمه الله.

وقيل إنها فصل الخطاب المشار إليه في الآية (¬1) والصحيح أنه الفصل بين الحق والباطل (¬2) والمعروف بناء بعد على الضم (¬3) وأجاز بعضهم تنوينها مرفوعة ومنصوبة (¬4) والفتح بلا تنوني على تقدير المضاف إليه (¬5) فهذا إشارة إلى ما تصوره في الذهن (¬6) وأقامه مقام المكتوب المقروء الموجود بالعيان (¬7) . ¬

_ (¬1) وهي قوله: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} وبه قال أبو موسى والشعبي. (¬2) أي أن فصل الخطاب المذكور في الآية هو الفصل بين الحق والباطل في الكلام والحكم، وهو المراد بالآية، وإنما يقال: (لأما بعد) فصل الخطاب لأنها تفصل بين الكلامين، أي تحجز بينهما. (¬3) إذا قطعت عن الإضافة مع نية المضاف إليه نحو {للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} إذ الضم لا يدخلها إعرابا، لأنه لا يصلح وقوعا موقع الفاعل، ولا المبتدأ والخبر. (¬4) إخراجا لها عن الظرفية، ولقطعها عن الإضافة، مع عدم نية المضاف إليه لفظا ومعنى، وتعرب إذا أضيفت كقوله: (من بعدهم) و (أما) فيها معنى الشرط أو حرف شرط، و (بعد) قائم مقام الشرط، والأصل: مهما يكن من شيء بعد. (¬5) إذ لم تكن غاية وغاية الكلام ما بقي بعد الحذف. (¬6) بالكسر الذكاء والفطنة والفهم والعقل، والقوة في العقل وحفظ القلب، والجمع أذهان ولما كانت أما متضمنة معنى الشرط أتى بالفاء الجزائية. (¬7) بكسر العين، من عاين الشيء معاينة وعيانا، رآه بعينه، ومقام بضم الميم، لأن ماضيه رباعي، يعني أنه لما تأكد عزمه على تصنيفه عامله معاملة الموجود فأشار إليه وهذا المعروف في اللغة وقال الله تعالى: {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ} وقيل بل ترك موضع الخطبة مبيضا إلى أن فرغ من تصنيف الكتاب، ثم كتب الخطبة وتكون إشارة إلى موجود، والأول هو المعروف، ويقع الثاني.

(مختصر) أي موجز وهو ما قل لفظه وكثر معناه (¬1) قال علي رضي الله عنه: خير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيمل (¬2) (في الفقه) وهو لغة الفهم (¬3) . ¬

_ (¬1) ويقال تجريد اللفظ اليسير، من اللفظ الكثير، مع بقاء المعنى، وفي الكليات، تقليل المباني، مع إيفاء المعاني، وبالغ رحمه الله في اختصاره، لئلا تنفر النفس منه. (¬2) بضم الطاء المهملة، من طال المجرد ويمل بضم الياء المثناة مبني للمجهول أي يسأم منه، ويضجر من طوله، وعلي هو ابن أبي طالب، أمير المؤمنين، وصهر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأول من آمن به من الصبيان، والخليفة الرابع، ولد قبل البعثة بعشر، وقتله ابن ملجم سنة أربعين، بمسجد الكوفة، وفضائله رضي الله عنه مشهورة، معروفة. (¬3) وقال ابن القيم: الفقه فهم المعنى المراد، ويقال: العلم بالشيء والفهم له، ويقال: الفطنة وقد غلب على علم الدين لشرفه وفضله على سائر أنواع العلم، وقال: الفقه أخص من الفهم، وهو فهم مراد المتكلم من كلامه، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة، وبحسب تفاوت الناس في هذا تفاوت مراتبهم في الفقه والعلم اهـ. وجعلته العرب خاصا بعلم الشريعة، وتخصيصا بعلم الفروع منها، ولغة نصب على نزع الخافض، أو على الحال، أو على التمييز، والأول أحسنها، ومثله عرفا، وشرعا واصطلاحا وتقدم تعريف اللغة. والفهم بفتح الفاء وسكون الهاء إدراك معنى الكلام، لا جودة الذهن، وفي الواضح: إدراك معنى الشيء بسرعة، وفي الفتح: فطنة يفهم بها صاحبها من الكلام ما يقترن به من قول أو فعل وفي الصحيح «من يرد الله به خيرا يفقهه» والتفقه أخذ الفقه شيئا فشيئا وفقه غاص علما لاستخراج معنى القول، فمعناه استخراج الغوامض، والاطلاع على أسرار الكلم، ويقال فقه بالكسر لمطلق الفهم، وبالضم إذا كان له سجية، وبالفتح إذا ظهر على غيره، والفقيه من عرف الأحكام الشرعية بأدلتها وعند عامة العقلاء والفقهاء أنه لايمكن الخوض في علم من العلوم إلا بعد تصور ذلك العلم، والتصور مستفاد من التعريفات.

واصطلاحا: معرفة الأحكام الشرعية الفرعية (¬1) بالاستدلال بالفعل (¬2) أو بالقوة القريبة (¬3) . ¬

_ (¬1) أخرج العقلية والأصولية، والأحكام جمع حكم، وهو ثبوت أمر لأمر أو نفيه عنه، والحكم الشرعي هو مدلول خطاب الشرع. (¬2) الاستدلال استفعال، من دل يدل طلب الدليل بالفعل، أي طلب الحكم بالنظر في الأدلة واستخراجها حالا إذا أورد عليه السائل مسألة قال كذا وكذا، وقال بعضهم: الاستدلال إقامة الدليل من نص أو إجماع أو قياس أو غيرها. (¬3) أي من الفعل: وهي الأهلية لاستخراج الأحكام بالاستدلال، ولو لم يكن حالا، لكنه معه قوة يستخرج بها الدليل من الكتاب والسنة بالبحث والمطالعة فخرج المقلد ويقال: التهيئ ومعرفة مكان المسألة إذا طلبها لمعرفتها، فإن إطلاقه على التهيئ شائع عرفا، وأفضل العلوم بعد أصل الدين الفقه، وهو الأحكام الفاصلة بين الحلال والحرام، وحده: علم شرعي عملي، مكتسب من دليل تفصيلي، وموضوعه: أفعال المكلفين، واستمداده: من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وسائر الأدلة المعروفة، كالاستصحاب، وفائدته امتثال: أوامر الله، واجتناب نواهيه، المحصلين للفوائد الدنيوية والأخروية، وحكمه: الوجوب العيني، أو الكفائي، وواضعه: الأئمة المجتهدون.

(من مقنع) أي من الكتاب المسمى بالمقنع (¬1) تأليف (الإمام) المقتدى به شيخ المذهب (الموفق أبي محمد) عبد الله بن أحمد بن محمد ابن قدامة (¬2) المقدسي (¬3) تغمده الله برحمته (¬4) وأعاد علينا من بركته (¬5) . ¬

_ (¬1) المشتهر أي اشتهار، عند علماء المذهب، وعكف الناس عليه وخدموه بالشروح والحواشي، منها الشرح الكبير، والإنصاف والممتع والمبدع والمطلع وغيرها. (¬2) ابن مقدام بن نصر بن عبد الله بن حذيفة بن محمد بن يعقوب بن القاسم ابن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. (¬3) الأصل: ثم الدمشقي، الصالحي أحد الأعلام الزاهد الورع الفقيه المشهور ومن بعده عيال عليه ولد بجماعيل، سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وقدم دمشق، ورحل إلى بغداد، ثم رجع وصنف ودرس، كان إمام الحنابلة بجامع دمشق، قال شيخ الإسلام: ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه منه، وقال ابن الصلاح: ما رأيت مثل الموفق، توفي رحمه الله سنة ستمائة وعشرين. (¬4) أي غمره بها، وتقدم. (¬5) أعاد وأرجع وكرر، والبركة النماء والزيادة قال شيخ الإسلام، قول القائل: أنا في بركة فلان، إن أراد بركة مستقلة بتحصيل المصالح، ودفع المضار، فكذب وشرك، وإن أراد أن فلانا دعا لي فانتفعت بدعائه، أو أنه علمني وأدبني فأنا في بركة ما انتفعت به وتأديبه فصحيح، وإن أراد بذلك أنه بعد موته يجلب المنافع، ويدفع المضار، أو مجرد صلاحه ودينه قربة من الله ينفعني، من غير أن أطيع الله فكذب وقال أيضا قول القائل ببركة الشيخ قد يعني بها دعاءه أو ما أمره به وعلمه من الخير، وبركة معاونته على الحق، وموالاته في الدين ونحو ذلك. وهذه كلها معان صحيحة، لا استقلاله بذلك التأثير، أو فعله لما هو عاجز عنه أو غير قادر عليه فمن البدع.

(على قول واحد) وكذلك صنعت في شرحه، فلم أتعرض للخلاف طلبا للاختصار (¬1) (وهو) أي ذلك القول الواحد الذي يذكره ويحذف ما سواه من الأقوال إن كانت هو القول (الراجح) أي المعتمد (¬2) (في مذهب) إمام الأئمة وناصر السنة (¬3) أبي عبد الله (أحمد) بن محمد بن حنبل (¬4) . ¬

_ (¬1) تقدم معنى الاختصار وقد بلغا الغاية فيه، فلم يتعرضا للخلاف لا مطلقا ولا بين الأصحاب، إلا الشارح نادرا والاختلاف بين الأصحاب إنما يكون لقوة الدليل من الجانبين، وكل واحد ممن قال بتلك المقالة إمام يقتدى به فيجوز تقليده ما لم يظهر رجحان غيره بحجة، ويكون في الغالب مذهبا لإمامه، ومن كان خبيرا بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح في مذهبه في عامة المسائل، وإن كان له بصر بالأدلة الشرعية عرف الراجح في الشرع، وتقدم أن المرء مأمور أن يجتهد، ويتقي الله ما استطاع. (¬2) في الغالب، وسيمر بك ما ليس بمعتمد، بل مخالف لنص أحمد، فضلا عن نص الشرع، وقوله إن كانت أي وجدت فكان هنا تامة. (¬3) أي في طريق ومعتقد قدوة الأئمة، وناصر السنة، أي منجي الطريقة المحمدية، ومخلصها مما أحدثه المبتدعة، لقب بذلك لنصرته لها حيث ماجت البدع، بإبرازه الحجج وصبره على المحن. (¬4) ابن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس ابن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان، البطن المتسع الشعوب في صدر الإسلام.

الشيباني نسبة لجده شيبان بن ذهل بن ثعلبة (¬1) والمذهب في الأصل الذهاب أو زمانه أو مكانه (¬2) ثم أطلق على ما قاله المجتهد بدليل ومات قائلا به (¬3) وكذا ما أجري مجرى قوله من فعل أو إيماء ونحوه (¬4) . ¬

_ (¬1) ابن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، البطن المعروف، ولد الإمام أحمد رحمه الله ببغداد سنة 164 هـ ورحل إلى المدينة ومكة واليمن والشام والكوفة والبصرة والجزيرة، وأخذ عن بشر منهم: ابن علية وسفيان، وهشيم، وعبد الرزاق، ومعتمر، وغيرهم، وعنه البخاري، ومسلم، وابن مهدي، والشافعي، وخلق قال الشيخ: كان أعلم من غيره بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين، ولهذا لا يكاد يوجد له قول ضعيف في الغالب إلا وفي مذهبه قول يوافق القول الأقوى، وأكثر مفاريده يكون قوله فيها راجحا، ومن مصنفاته المسند ثلاثون ألف حديث، والتفسير مائة وخمسون ألف حديث، ولم يؤلف رحمه الله في الفقه، وإنما أخذ أصحابه مذهبه من أقوال وأفعاله وأجوبته ونحو ذلك، توفي رحمه الله سنة مائتين وإحدى وأربعين، وكان يوما مشهودا. (¬2) مفعل من ذهب يذهب إذا مضى، والمقصود به هنا المصدر، أي ظاهر ذهابه و: في الأصل: يعني في اللغة. (¬3) والمجتهد في الشيء الباذل الواسع والطاقة في طلب ما فيه كلفة ومشقة وكان المذهب عند الفقهاء حقيقة عرفية فيما ذهب إليه إمام من الأئمة من الأحكام الاجتهادية. (¬4) كتصحيح خبر، أو تحسينه أو تدوينه، أو تعليل قول وكتنبيه ويطلق المذهب عند المتأخرين من أئمة المذاهب على ما به الفتوى، من باب إطلاق الشيء على جزئه الأهم، ومجرى بضم الميم، لأنه من أجرى الرباعي.

(وربما حذفت منه مسائل) جمع مسألة من السؤال وهي ما يبرهن عنه في العلم (¬1) (نادرة) أي قليلة (الوقوع) لعدم شدة الحاجة إليها (¬2) (وزدت) على ما في المقنع من الفوائد (ما على مثله يعتمد) أي يعول لموافقته الصحيح (¬3) (إذ الهمم قد قصرت) (¬4) تعليل لاختصاره المقنع (¬5) . ¬

_ (¬1) أي ربما حذف الماتن مما في المقنع مسائل نادرة الوقوع، فلم يذكرها في هذا المتن، يعني زاد المستقنع طلبا للاختصار، ويأتي تعليله وهو قوله: إذ الهمم قد قصرت إلخ. (¬2) ويكون الغرض من ذلك العلم معرفتها، أو استدعاء معرفتها، أو ما يؤدي إليها، وتطلق على القضية المطلوب بيانها في العلم، والنبذة من بعض الأبواب وبرهن الشيء وعليه وعنه أقام عليه البرهان، والبرهان الحجة الفاصلة البينة، والعلم ما يستدل به على الطريق وسمي العالم البارع بذلك لأنه يهتدى به. (¬3) أي زاد رحمه الله في هذا المتن عما في المقنع، وأشار لمدحه من وجوه كثيرة، كونه في الفقه، وكونه مختصرا، وكون اختصاره من كتاب المقنع، وكون المقنع للموفق، وهما هما، وكونه على قول واحد، وكون ذلك القول هو الراجح من مذهب أحمد، وكونه حذف ما ندر وقوعه، وزاد ما على مثله يعتمد. (¬4) قصر عن الأمر يقصر قصورا من باب قعد، انتهى وعنه عجز وبالتشديد كل عنه. (¬5) العلة المرض الشاغل، جمعها علات وعلل، وجمع الجمع أعلال، وهذه علة هذا أي سببه، أو حكمة الشيء، وعلل بين علته، وشرعا عبارة عما يجب الحكم به معه.

والهمم جمع همة بفتح الهاء وكسرها، يقال هممت بالشيء إذا أردته (¬1) (والأسباب) جمع سبب وهو ما يتوصل به إلى المقصود (¬2) (المثبطة) أي الشاغلة (¬3) (عن نيل) أي إدراك (المراد) أي المقصود (قد كثرت) لسبق القضاء بأنه «لا يأتي عليكم زمان إلا وما بعده شر منه حتى تلقوا ربكم» (¬4) (و) هذا المختصر (مع صغر حجمه حوى) أي جمع (ما يغني عن التطويل) (¬5) . ¬

_ (¬1) بفتح التاء، فإن فسر بأي فبالضم قال بعضهم. إذا كنيت بأي فعلاً تفسره ... فضم تاءك فيه ضم معترف وإن تكون بإذا يومًا تفسره ... ففتحك التاء أمر غير مختلف (¬2) وقال في النهاية: وأصله من السبب: وهو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى الشيء. (¬3) وقيل المقعدة: وهو أولى قال بعض أهل العلم: ازدحام العلوم مضلة أفهام. (¬4) رواه البخاري وغيره، والمراد القضاء الكوني القدري، لا الشرعي الديني فإنه سبحانه يريد الخير ويأمر به، ولم يأمر بالشر بل نهى عنه، ولم يرضه دينا، وشرعا، وإن كان مريدا له خلقا وقدرا، بل أرسل الرسل وأنزل الكتب، إعذارا وإنذارا، {لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} . (¬5) حجم الشيء ضخامته وجيده، وملمسه الناتئ تحت يدك، وفي الحديث «لا يصف حجم عظامها» والتطويل مصدر طول الشيء جعله طويلا، أي ما يغني عن جعل اللفظ زائدا على أصل المراد، لا لفائدة، فهو كتاب صغر حجمه وكثر علمه، وجمع فأوعى، وفاق أضرابه جنسا ونوعا، لم تسمح قريحة بمثاله، ولم ينسج ناسج على منواله.

لاشتماله على جل المهمات التي يكثر وقوعها ولو بمفهومه (¬1) (ولا حول ولا قوة إلا بالله) أي لا تحول من حال إلى حال، ولا قوة على ذلك إلا بالله (¬2) وقيل لا حول عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله (¬3) والمعنى الأول أجمع وأشمل (¬4) (وهو حسبنا) أي كافينا (¬5) (ونعم الوكيل) جل جلاله أي المفوض إليه تدبير خلقه (¬6) . ¬

_ (¬1) أي لاشتمال هذا المختصر صغير الحجم على جل: بضم الجيم أي معظم الأمور العظيمة، ولو بمفهومه أي ولو كان اشتماله على ذلك بالمفهوم إذ المفهوم على جميع أنواعه حجة على الصحيح، والمفهوم هو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، نحو {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} فإنه يدل على تحريم ما هو أعظم منه كالضرب. (¬2) متبرئا من حول نفسه ومن قوته إلا بالله وحده. (¬3) روي ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه، وفي النهاية الحول ههنا الحركة يقال حال الشخص يحول إذا تحرك المعنى لا حركة ولا قوة إلا بمشيئة الله، وقيل: الحول الحيلة والأول أشبه اهـ. والحول معناه الحيلة والمحاولة والتحيل، يقال ما للرجل حول ولا احتيال، والقوة معناها القدرة وقال الخطابي: معناه إظهار الفقر، وطلب المعونة من الله على ما يزاوله من الأمور أي يعالجه، وفي بعض النسخ: ولا قدرة على ذلك إلا بالله. (¬4) قاله شيخ الإسلام وغيره لدخول غيره في معناه. (¬5) ومغنيا عن غيره، وكل ما في الوجود منه، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لا منع، لا إله غيره، ولا رب سواه، و (حسبنا) من أحسبه إذا كفاه. (¬6) الموكول إليه أمورهم أو نعم الموكول إليه هو سبحانه قال النحاس وقول حسبي الله، أحسن من قوله: وحسبنا، لما في الثاني من التعظيم، ورجح شيخ الإسلام وغيره ضمير الجمع في الدعاء، لأنه يدعو لنفسه وللمؤمنين.

والقائم بمصالحهم أو الحافظ (¬1) ونعم الوكيل إما معطوف على: وهو حسبنا، والمخصوص محذوف، أو على: حسبنا: والمخصوص هو الضمير المتقدم (¬2) . ¬

_ (¬1) أي أو الوكيل الحافظ، فلا يغيب عنه شيء ولاينساه. (¬2) أي: نعم الوكيل الله، كنعم العبد أيوب، وعلى الثاني، وهو نعم الوكيل.

كتاب الطهارة

كتاب الطهارة (كتاب) (¬1) هو من المصادر السيالة التي توجد شيئا فشيئا (¬2) يقال: كتبت كتابا وكتبا، وكتابة (¬3) وسمي المكتوب به مجازا (¬4) ومعناه لغة الجمع، من: تكتب بنو فلان، إذا اجتمعوا (¬5) . ¬

_ (¬1) خبر مبتدأ محذوف، أي هذا كتاب، أو مبتدأ خبره محذوف أو مفعول لفعل محذوف، وقد يعبر عن الكتاب بالباب، وبالفصل وقد يجمع بين الثلاثة فيقدم الكتاب ثم الباب ثم الفصل، والكتاب يفصل بالأبواب أو بالفصول والباب بالفصول، والحكمة في تفصيل المصنفات بالكتب والأبواب والفصول وتنشيط النفس، وبعثها على الحفظ، والتحصيل، بما يحصل لها من السرور بالختم والابتداء، كالمسافر إذا قطع مسافة شرع في أخرى، ومن ثم كان القرآن العظيم سورا وفي ذلك تسهيل للمراجعة. (¬2) أي مصدر بعد مصدر كالكلام ونحوه. (¬3) لجمعه ما وضع له، والكتابة اسم للمكتوب، وجمع كتاب كتب تضم التاء وتسكن. (¬4) به أي بالمصدر، لجمع أبوابه وفصوله، ومسائله، وحروفه، والمجاز ضد الحقيقة، ولم يعرف في القرون المفضلة، ويطلقه بعض المتأخرين على اللفظ المستعمل لغير ما وضع له، وقد صار حقيقة عرفية في المكتوب، ثم جعل اسما للمؤلف. (¬5) واجتمع القوم ضد تفرقوا، وتكتب الرجل جمع عليه ثيابه.

ومنه قيل لجماعة الخيل كتيبة (¬1) والكتابة بالقلم لاجتماع الكلمات والحروف (¬2) والمراد به هنا المكتوب أي هذا مكتوب جامع لمسائل (الطهارة) مما يوجبها (¬3) ويتطهر به ونحو ذلك (¬4) بدأ بها لأنها مفتاح الصلاة التي هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين (¬5) . ¬

_ (¬1) لاجتماعها والكتيبة الجيش وقيل القطعة منه. (¬2) ويقال: كتبت البغلة إذا جمعت بين شفريها بحلقة أو سير، قال الشاعر: .................................. ... على قلوصك واكتبها بأسيار (¬3) أي تسبب عنه وجوبها مما لا يحل فعله إلا بها، وإلا فالموجب الشارع. (¬4) مما يتطهر له، أو يتطهر منه، وغير ذلك، والطهارة كل صفة أصلية كطهارة الماء والأرض والتراب وغير ذلك، وطهارة مطلوبة للصلاة ونحوها تحصل بحصول سببها في محله قصدا أو اتفاقا بشروط تذكر في مواضعها. (¬5) اللتين هما أساس الملة، وأصل التوحيد، وله كتب مستقلة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالصلاة قبل الزكاة والصوم والحج وغيرها، وإذا ثبت تقديم الصلاة بعد التوحيد، فينبغي تقديم مقدماتها، ومنها الطهارة، وفي الحديث «مفتاح الصلاة الطهور» رواه الخمسة إلا النسائي، وذلك أن الحدث مانع منها، فهو كالقفل يوضع على المحدث حتى إذا توضأ انحل القفل. والمفتاح شأنه التقديم على ما جعل مفتاحا له، وما كان مفتاحا لشيء وشرطا له فهو مقدم عليه طبعا، فيقدم وضعا، وبدأ بالطهارة اتباعا لسنة المصنفين، ولأن الطهارة أوكد شروط الصلاة التي يطالب المكلف بتحصيلها، إذ هي أهم العبادات، ومن شأن الشرط أن يتقدم المشروط، وقدموا العبادات اهتماما بالأمور الدنيوية، ثم المعاملات لأن من أسبابها الأكل والشرب ونحوه من الضروري الذي يحتاج إليه الكبير والصغير، وشهوته مقدمة على شهوة النكاح، وقدموه على الجنايات، والحدود والمخاصمات، لأن وقوعها في الغالب بعد الفراغ من شهوة البطن والفرج.

معناها لغة واصطلاحا وأنها مفتاح الصلاة

ومعناها لغة النظافة والنزاهة عن الأقذار (¬1) مصدر طهر يطهر بضم الهاء فيهما (¬2) وأما طهر بفتح الهاء فمصدره طهرا كحكم حكما (¬3) وفي الاصطلاح ما ذكره بقوله وهي (ارتفاع الحدث) أي زوال الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها (¬4) . ¬

_ (¬1) أي الوساخة، أو من كل عيب حسي أو معنوي، ويطلق على الغائط. (¬2) أي الطهارة مصدر طهر يطهر طهارة، حسية كانت الطهارة أو معنوية. (¬3) وفي المصباح وغيره بفتح الهاء وضمها، يطهر بالضم طهارة، والاسم الطهر فيهما. (¬4) أي الطهارة الشرعية باتفاق المسلمين هي زوال الوصف المذكور، باستعمال الماء في جميع البدن أو في الأعضاء الأربعة على وجه مخصوص، وعبر في جانب الحدث بالارتفاع، لأن المراد به هنا الأمر المعنوي، وفي جانب الخبث بالزوال، لأن الإزالة لا تكون إلا في الأجرام غالبا، وعبر بعضهم برفع ما يمنع من الصلاة من حدث أو نجاسة بالماء، أو رفع حكمه بالتراب، والحدث وهو وجود الشيء بعد أن لم يكن، يطلق على الخارج من السبيلين، وعلى خروجه، وعلى المعنى القائم بالبدن، الحاصل بخروج ذلك الخارج، وحكم هذا الوصف المنع من الصلاة، والطواف، ومس المصحف، ونحو ذلك، ويطلق على نفس المنع، فناسب تفسيره هنا بالوصف القائم بالبدن، وفي الرعاية، الحدث ما اقتضى وضوءا أو غسلا أو هما، أو استجمارا أو استنجاء أو مسحا أو تيمما قصدا كوطء وبول ونحوهما غالبا، أو اتفاقا، كحيض ونفاس واستحاضة ونحوها، واحتلام نائم ومجنون ومغمى عليه، وخروج ريح منهم، والمحدث من لزمه الصلاة ونحوها وضوء أو غسل، أو هما، أو استنجاء أو استجمار، أو مسح أو تيمم، أو استحب له ذلك.

(وما في معناه) أي: معنى ارتفاع الحدث (¬1) كالحاصل بغسل الميت (¬2) والوضوء والغسل المستحبين (¬3) وما زاد على المرة الأولى في الوضوء ونحوه (¬4) وغسل يدي القائم من نوم الليل ونحو ذلك (¬5) أو بالتيمم عن وضوء أو غسل (¬6) . ¬

_ (¬1) وعلى صورته وما في محل رفع عطف على ارتفاع، وأعاد الضمير عليه دون الحدث، لأن الأصل في عود الضمير وإعادته على مثل الثاني نادر أو قليل ولما في إعادته على الثاني من الإبهام. (¬2) الكاف هنا تمثيلية لا تنظيرية والفرق بينهما أنه إذا لم يدخل ما بعد الكاف فيما قبلها فهي تنظيرية كقولك زيد كعمرو، وإن دخل ما بعدها فيما قبلها فهي تمثيلية، ولا يمثل لشيء إلا لنكتة، من رفع إبهام، أو تحذير من هفوة، أو إشارة لخلاف، أو تعيين لمشهور، أو تنبيه بالأدنى على الأعلى، أو عكسه، أو محاذاة نص كتاب، أو غير ذلك، لما سيظهر لمن فتح الله عليه، ومن قاعدته كغيره أنه إذا جمع مسائل مشتركة في الحكم والشرط نسقها بالواو، فإذا جاء بعدها بقيد علمنا أنه منطبق على الجميع، وإن كان القيد مختصا ببعضها أدخل عليه كاف التشبيه فإذا جاء بالقيد علمنا أنه لما بعد الكاف. (¬3) أي: هما في معنى ارتفاع الحدث لمشابهتهما الوضوء والغسل الرافعين في الصورة. (¬4) أي: الغسل لاستحبابه عندهم. (¬5) كغسل الذكر والأنثيين من المذي، إن لم يصبهما وكوضوء نحو المستحاضة إن قيل لا يرفع الحدث. (¬6) أي في معنى ارتفاعه لقيامة مقامهما.

أنواع المياه «القسم الثاني» وهو الطاهر لا أصل له

(وزوال الخبث) أي النجاسة أو حكمها بالاستجمار أو بالتيمم في الجملة على ما يأتي في بابه (¬1) فالطهارة ما ينشأ عن التطهير (¬2) وربما أطلقت على الفعل كالوضوء والغسل (¬3) المياه باعتبار ما تتنوع إليه في الشرع ثلاثة (¬4) . ¬

_ (¬1) أي في باب التيمم، لقيام الاستجمار، أو التيمم مقام الماء، وعبر بالإزالة لأنه قد يكون جرما، وتزول النجاسة بنحو مغصوب، لأن إزالتها من أقسام التروك بخلاف رفع الحدث، و (في الجملة) قيد للثاني فقط، لأن التيمم لا يكون إلا عند التعذر بخلاف الأول والفرق بين قولهم: في الجملة وبالجملة، أن بالجملة يعم ذلك المذكور، وفي الجملة يكون مختصا بشيء منه لا في كل صورة. (¬2) أي: الأثر الذي ينشأ عن التطهير، لا هو نفسه، فالوضوء والغسل ليسا طهارة وإنما يترتب عليهما الطهارة وسمي الوضوء والغسل طهارة لكونه ينقي من الذنوب والآثام كما ورد في الآثار. (¬3) أي وقل إطلاقها على الفعل، وهو التطهير، كما أطلقت الطهارة على الوضوء والغسل فرب للتقليل وتأتي للتكثير، ولهما معا. (¬4) أي تعلم بالاستقراء والمياه جمع ماء، وهو جمع كثرة، وهي ما فوق العشرة لزيادة أنواع الماء عليها، وجمع الماء في القلة أمواه، وهو اسم جنس والألف واللام فيه لبيان حقيقة الجنس، لا للجنس الشامل، لأنه مستحيل فتكون للعهد الذهني والماء جوهر بسيط سيال بطبعه وبدأ بالكلام عليه، لأن الطهارة المائية هي الأصل، ولا تحصل إلا بالماء المطلق فاحتاج إلى تمييزه من غيره وقدمه لشرفه وتقسيمهم الماء إلى ثلاثة، طهور وطاهر ونجس، لكونه عندهم لا يخلو: إما أن يجوز الوضوء به أو لا، فإن جاز فهو الطهور، وإن لم يجز فلا يخلو: إما أن يجوز شربه أو لا فإن جاز فهو الطاهر، وإلا فهو النجس، ومرادهم بالطاهر يعني غير المطهر وعليه الأكثر وعنه طهور وفاقا لمالك، ورواية عن أبي حنيفة والشافعي وطوائف من السلف، واختاره الشيخ وابن عقيل وأبو البقاء وغيرهم فإن الماء كله طهور، إلا ما تغير بنجاسة أو خرج عن اسم الماء، كماء ورد، قال شيخ الإسلام: ينقسم إلى طاهر ونجس، وإثبات قسم طاهر غير مطهر لا أصل له في الكتاب والسنة.

أحدها (طهور) أي: مطهر قال ثعلب: طهور بفتح الطاء الطاهر في ذاته المطهر لغيره اهـ (¬1) قال تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} (¬2) (لا يرفع الحدث) غيره (¬3) . ¬

_ (¬1) وقال الجوهري: اسم لما تطهرت به، وقال النووي: طهور بفتح الطاء اسم لما يتطهر به، وبالضم اسم للفعل، هذه اللغة المشهورة التي عليها الأكثر من أهل اللغة قال: الشيخ والمفسرون وغيرهم، التحقيق أنه ليس معدولا عن طاهر، ولكنه من أسماء الآلات كوجور وسحور، وثعلب هو: أبو العباس أحمد بن يحيى ابن زيد بن سيار الشيباني مولاهم، الحنبلي، إمام اللغة المشهور قال ابن الجوزي: لا يرد القيامة أعلم بالنحو من ثعلب، مات سنة مائتين وإحدى وتسعين. (¬2) أي: من الأحداث والجنابة وقال: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا *} وهو الطاهر في ذاته المطهر لغيره، وقال عليه الصلاة والسلام «اللهم طهرني بالثلج والبرد» والماء البارد، وقال: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» وقال في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وهذا قول أهل العلم قاطبة حكاه غير واحد، إلا ما ذكر عن ابن عمر في ماء البحر، التيمم أعجب إلي منه، ولكن حديث «هو الطهور ماؤه» تلقته الأمة بالقبول، وتداوله فقهاء الأمصار، ورواه الأئمة الكبار، وصححوه وقالوا: إنه أصل من أصول الإسلام، وقد بلغ حد التواتر، حتى قال الشافعي: هذا الحديث نصف علم الطهارة. (¬3) أي: غير الماء الطهور إجماعا، حكاه ابن المنذري والغزالي وغيرهما ولم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه الوضوء بغير الماء، وما روي عن عكرمة وأبي حنيفة من جوازه بالنبيذ لما روي عن ابن مسعود فلا يثبت.

والحدث ليس بنجاسة، بل معنى يقوم بالبدن، يمنع الصلاة ونحوها (¬1) والطاهر ضد المحدث والنجس (¬2) ولا يزيل النجس الطاري على محل طاهر فهو النجاسة الحكمية (غيره) أي غير الماء الطهور (¬3) والتيمم مبيح لا رافع، وكذا الاستجمار (¬4) (وهو) أي الطهور (الباقي على خلقته) أي صفته التي خلق عليها (¬5) . ¬

_ (¬1) كالطواف ومس المصحف ومعنى يقوم بالبدن أي وصف شرعي يقوم بالأعضاء سببه الحدث نحوه. (¬2) المحدث من قام به الحدث، والنجس بالكسر: الشيء المتنجس وبالفتح عين النجاسة، محمول على الوصف بالمصدر، وهو في اللغة: المستقذر وفي الشرع: قذر مخصوص، وهو ما يمنع جنسه الصلاة، كالبول والدم، والخمر فالطاهر الخالي منها. (¬3) أي لا يزيل النجس الطاري على محل طاهر كالثوب وهو النجاسة الحكمية التي يمكن تطهيرها غير الماء الطهور وأخرج بالحكمية العينية التي لا يمكن تطهيرها بحال، وهي كل عين يابسة كانت أو رطبة يمنع منها الشرع بلا ضرورة لا لأذى فيها طبعا، ولا لحق الله أو غيره شرعا، كالبول والعذرة. (¬4) أي التيمم مبيح مزيل للحكم فقط ويأتي أنه مطهر، وأن الاستجمار مطهر لحديث وجعلت تربتها لنا طهورا، وحديث إنهما يعني: الروث والعظم لا يطهران المفيد لرفع النجاسة. (¬5) وبقي عليها سواء كان من الماء النازل من السماء كالمطر وذوب الثلج والبرد، أو ماء الأنهار والعيون والآبار والبحار، ولو تصاعد ثم قطر، كبخارات الحمامات، وما يستخرج بالكنداسات ونحوها، وأو استهلك فيه يسير مستعمل أو مائع طاهر لم يغيره، بل بقي على صفته التي خلق عليها، فلم يقيد بوصف دون آخر، ولم يضف إلى اسم شيء غيره، كماء البقول والحمص والعصفر ونحو ذلك، ولو كان شريفا كماء زمزم، والخلقة الفطرة، وفطرة الشيء أول وجوده، والمراد استمراره على الصفة التي كان عليها وقت ظهوره إلينا.

إما حقيقة بأن يبقى على ما وجد عليه، من برودة أو حرارة أو ملوحة ونحوها (¬1) أو حكما كالمتغير بمكث (¬2) أو طحلب ونحوه مما يأتي ذكره (¬3) (فإن تغير بغير ممازج) أي مخالط (كقطع كافور) (¬4) وعود قماري (¬5) . ¬

_ (¬1) كعذوبة أو بياض وغير ذلك. (¬2) أي أو كان باقيا على صفته في الحكم، بأن جعل كالأول في الحكم ولم يلتفت إلى التغير بالمكث بتثليث الميم، أي بسب طول اللبث، مصدر مكث بفتح الكاف وضمها. (¬3) في قوله: من نابت فيه وورق شجر وطحلب بضم اللام وفتحها وهو الأخضر الذي يخرج من أسفل الماء حتى يعلوه، ويقال له العرمض وثور الماء. (¬4) طيب معروف يستخرج من شجر كبار من جبال بحر الهند والصين وغيرهما، أبيض شفاف قليل الذوبان في الماء، ومفهومه أنه إذا سحق ووقع في الماء أنه يسلبه الطهورية، لتغيره تغير ممازجة ومخالطة لتحلل أجزائه فيه. (¬5) صفة لعود. بفتح القاف، نسبة إلى قامر بلدة بالهند، شجره يشبه شجر الخوخ تأكل منه الأرض رديئة إذا وقفت التغذية عنه، ويحتقن بمادة دهنية عطرية، فيضوع منه رائحة ذكية، وفي الصحيح «عليكم بالعود الهندي» ، وقال ابن القيم: العود نوعان: أحدهما يستعمل في الأدوية، وهو الكست ويقال له القسط، والثاني يستعمل في الطيب ويقال له الألوة وهو أنواع: أجودها الهندي، ثم الصيني ثم القماري، ثم المندلي، وقيل هو أجوده وأجوده الأسود ثم الأزرق الصلب الرزين الدسم، وأقله جودة ما خف وطفى على الماء.

(أو دهن) طاهر على اختلاف أنواعه (¬1) قال في الشرح: وفي معناه ما تغير بالقطران (¬2) والزفت والشمع (¬3) لأن فيه دهنية يتغير بها الماء (¬4) . ¬

_ (¬1) سواء دهن الحيوانات أو الأشجار كزيت وشيرج وسمسم. (¬2) بفتح القاف وكسر الطاء، عصارة الأبهل والأرز ونحوهما، يطبخ فيتحلل منه، والمراد به ما لا يمازج، وأما الذي يمازج فيسلبه الطهورية، وأما المتغير بمحل تطهير، كزعفران وعجين على عضو طاهر تغير به الماء وقت غسله، فلا يمنع حصول الطهارة به، والمراد بالشرح هو الشرح الكبير المشهور على المقنع، للإمام أبي الفرج شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر بن أحمد بن قدامة، المقدسي ثم الصالحي سمع من أبيه وعمه الموفق، وقرأ عليه المقنع، وشرحه في عشر مجلدات مستمدا من المغني انتهت إليه رئاسة المذهب، بل العلم في عصره، أخذ عنه جماعة منهم شيخ الإسلام، توفي سنة ستمائة واثنتين وثمانين. (¬3) الزفت بكسر الزاي القار، والمزفت المطلي به، والشمع هو الذي يستصبح به، أوموم العسل. (¬4) لا عن ممازجة بل عن مجاورة فيكره للاختلاف في سلبه الطهورية وذكر غير واحد استحباب الخروج من الخلاف في مسائل الاجتهاد، لكن إذا كان الخلاف مخالفا سنة صحيحة فلاحرمة له، ولا يستحب الخروج منه لأن صاحبه لم تبلغه وإن بلغته وخالفها فمحجوج بها.

(أو بملح مائي) (¬1) لا معدني فيسلبه الطهورية (¬2) (أو سخن بنجس كره) مطلقا (¬3) إن لم يحتج إليه (¬4) سواء ظن وصولها إليه، أو كان الحائل حصينا أو لا، ولو بعد أن يبرد (¬5) . ¬

_ (¬1) كره وهو الماء الذي يرسل على السباخ، فيصير ملحا، أضيف إليه لأنه منعقد من الماء، فلا يمنع إطلاق اسم الماء عليه، وقيل كالملح البحري، لأن أصله لماء، واختاره الشيخ وحكم التراب إذا تغير به الماء كالملح البحري، لكن إن ثخن الماء بوضع التراب فيه بحيث لا يجري على الأعضاء لم تجز الطهارة به. (¬2) يعني إن تغير به، والمعدني نسبة إلى المعدن، كالجبلي، فإنه يضر التغير الكثير به، إن لم يكن بمقر الماء، أو ممره، وقال شيخ الإسلام: منهم من يفرق بين الكافور والدهن وغيره، وبين الملح المائي والجبلي، وليس على شيء من هذه الأقوال دليل لا من نص ولا قياس ولا إجماع وصوب النووي جواز الطهارة بالماء الذي ينعقد منه ملح ما دام جاريا. (¬3) صوبه في الإنصاف، للاختلاف في طهوريته ومذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين لا كراهة فيه، والمكروه ضد المحبوب، وهو ما يثاب على تركه، ولا يعاقب على فعله، والإطلاق لا يكون إلا في مقابلة تقييد سابق، أو لاحق ومعناه هنا ما ذكره المصنف بقوله: سواء ظن وصولها إليه إلخ. (¬4) أي حاجة غير شديدة، بأن كان عنده غيره، إلا أن في استعماله رفقا به، فتزول الكراهة قال الشيخ: فإن احتيج إليه زالت الكراهة، وكذا المشمس، قال: وليس بنجس باتفاق الأئمة، إذا لم يحصل له ما ينجسه. (¬5) أي المسخن بنجس، فإن علم وصول النجاسة إليه، وكان يسيرا، فنجس على ما سيأتي.

لأنه لا يسلم غالبا من وصول أجزاء لطيفة إليه (¬1) وكذا ما سخن بمغصوب (¬2) وماء بئر بمقبرة (¬3) وبقلها وشوكها (¬4) واستعمال ماء زمزم في إزالة خبث (¬5) لا وضوء ولا غسل (¬6) . ¬

_ (¬1) أو لكون استعمال النجاسة مكروها،، أن السخونة حصلت بفعل مكروه وما لم يعلم وصول شيء من أجزاء النجاسة إليه فطهوريته باقية بلا خلاف. (¬2) فيكره لاستعمال المغصوب فيه. (¬3) بتثليث الباء مع فتح الميم، وبكسر الباء مع كسر الميم، وظاهره في أكل وشرب وطهارة وغيرها، فيكره نص عليه ويكره أيضا ماء بئر حفرها غصب أو أجرتها غصب وكذا ما ظنت نجاسته، وماء بئر ذروان التي ألقي فيها سحر النبي صلى الله عليه وسلم وماء بئر برهوت التي بحضرموت قال ابن الأثير: تجتمع فيها أرواح الفجار، ولا يباح غير بئر الناقة من آبار ديار ثمود، لأمره عليه الصلاة والسلام أن يهريقوا ما استقوا من آبارها، وأن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة، متفق عليه، وبئر الناقة هي البئر الكبيرة التي تردها الحاج اليوم، استمر علم الناس بها قرنا بعد قرن، وهي طوية محكمة البناء، واسعة الأرجاء، ولا يحكم بنجاسة غيرها من تلك الآبار لأن الشارع لم يتعرض لنجاستها. (¬4) فيكره لكونها عندهم مظنة النجاسة والبقل ما نبت في بزره وقيل البقل ما ينبت الربيع من العشب، والشوك مصدر، وهو ما يخرج من النبات ما يدق ويصلب منه، شبيها بالإبر معروف الواحدة شوكة. (¬5) يكره تكريما له، وقال عليه الصلاة والسلام: إنها طعام طعم وشفاء سقم. (¬6) أي فلا يكره وهو قول جمهور العلماء لقول علي: ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بسجل من ماء فشرب منه وتوضأ رواه عبد الله ابن الإمام أحمد بإسناد صحيح، وللنصوص الصحيحة الصريحة المطلقة في المياه بلا فرق ولم يزل المسلمون على الوضوء منه بلا إنكار، وما يقال عن العباس من النهي عن الاغتسال به فغير صحيح قاله النووي وغيره، وعن أحمد يكره الغسل وحده اختاره الشيخ، وعلل بأنه يجري مجرى إزالة النجاسة من وجه، ولهذا يعم البدن ولأن حدثها أغلظ، وظاهر كلامهم لا يكره الغسل ولا الوضوء بما جرى على الكعبة.

إذا تغير الماء بمكثه لم يكره الوضوء منه

(وإن تغير بمكثه) أي بطول إقامته في مقره (¬1) وهو الآجن لم يكره (¬2) لأنه عليه الصلاة والسلام توضأ بماء آجن (¬3) وحكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ قوله من أهل العلم (¬4) . ¬

_ (¬1) من أرض أو آنية من أدم أو نحاس، أو غيرها لمشقة الاحتراز منه. (¬2) حيث إن تغيره من غير مخالطة شيء يغيره فهو باق على طهوريته. (¬3) أي متغير رواه البيهقي. والآجن الدائم الذي لا يجري، ولأنه توضأ من بئر كأن ماءها نقاعة الحناء. (¬4) أي حكى ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم أن الوضوء بالماء الآجن المتغير بمكثه من غير نجاسة حلت فيه جائز، وحكاه الشيخ وغيره، وقال الإجماع أن تجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام، وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم فإنها لا تجتمع على ضلالة، والإجماع هو الأصل الثالث بعد الكتاب والسنة، ويجب تقديمه على ما يظن من معاني الكتاب والسنة، فإنه لا بد أن يكون منصوصا، قال وعامة التنازعات إنما هي في أمور مستحبات لا في واجبات ومحرمات اهـ. والإجماع في اللغة الاتفاق، يقال أجمعت الجماعة على كذا، إذا اتفقت عليه ويطلق بإزاء تصميم العزم، وفي الشرع، اتفاق مجتهدي عصر من الأعصار من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من أمور الدين وابن المنذر هو محمد بن إبراهيم الحافظ أبو بكر النيسابوري صاحب التصانيف المفيدة التي يحتاج إليها كل الطوائف توفي سنة ثلاثمائة وتسع وعشرين قال النووي لا شك في إتقانه، وتحقيقه، وكثرة اطلاعه على السنة ومعرفته بالدلائل الصحيحة وعدم تعصبه.

سوى ابن سيرين (¬1) (أو بما) أي بطاهر (يشق صون الماء عنه من نابت فيه (¬2) وورق شجر) وسمك (¬3) وما تلقيه الريح أو السيول من تبن ونحوه (¬4) فإن وضع قصدا (¬5) وتغير به الماء ممازجة سلبه الطهورية (¬6) . ¬

_ (¬1) فإن كره ذلك، ولا يفعل صلى الله عليه وسلم ما يكره فعله، ولا يقال ذلك فيه، فلعله رحمه الله خفي عليه، وابن سيرين اسمه محمد ابن أبي عمرة وسيرين أبوه نسب إليه وهو مولى لأنس بن مالك، ثقة مشهور زاهد ورع توفي بالبصرة سنة مائة وعشر. (¬2) أي: في الماء، وكذا ما يجري عليه الماء من الكبريت والقار ونحوه، فلا يكره لأجل تغيره بذلك. (¬3) ونحوه، وجراد ونحوه، مما لا نفس له سائلة، فلا يكره واحترز بالورق من الثمار الساقطة فيه، سواء كانت رطبة أو يابسة. (¬4) أي: وإن تغير بما يشق صون الماء عنه مما تلقيه الريح، أو السيول، من تبن ونحوه كحشيش وعيدان، وطحلب ونحو ذلك، فلا يكره، لعدم إمكان التحرز منه. (¬5) بأن كان الواضع مميزًا عاقلاً، لأن من دون التمييز لا عبرة به، وإن لم يكن الطحلب وورق الشجر ونحوهما الموضوعان قصدا متفتتين ولم يتحلل منهما شيء، فهما قياس قطع الكافور. (¬6) أي فإن كان المطروح فيه من جنس قرار الماء، كالتراب والملح، لم يسلبه الطهورية قال الشيخ: ومذهب أبي حنيفة وأحمد في المنصوص عنه أنه لا فرق بين التغير بأصل الخلقة وغيره، ولا بما يشق صون الماء عنه وما لا يشق، فما دام يسمى ماء، ولم يغلب عليه أجزاء غيره، كان طهورا قال: وهو الصواب قال في الفروع: واختار الشيخ وغيره أن تناول الاسم لمسماه لا فرق فيه بين أصلي وطارئ يمكن الاحتراز منه.

(أو) تغير (بمجاورة ميتة) أي بريح ميتة إلى جانبه، فلا يكره، قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه (¬1) (أو سخن بالشمس (¬2) أو بطاهر) مباح ولم يشتد حره (لم يكره) (¬3) . ¬

_ (¬1) وقاله الشارح والنووي وغيرهما، لأنه تغير مجاورة، كإن كان إلى جانب الماء جيفة، أو عذرة أو غيرهما، فنقلت الريح رائحة ذلك إلى الماء فتغير ومنه لو سد فم الإناء بشجر أو نحوه فتغير منه الماء من غير مخالطة لشيء منه وينضبط المجاور بما يمكن فصله، والممازج بما لا يمكن فصله، وإن كان مما يسمى مخالطة عند الإطلاق مجاورة في الحقيقة، فالنظر إلى تصرف اللسان، فإن أرباب اللسان قسموا التغير إلى مجاورة ومخالطة، والمبدع شرح المقنع تأليف العلامة إبراهيم ابن محمد الأكمل، بن عبد الله بن محمد بن مفلح، المقدسي الصالحي، أربع مجلدات ممزوج الأصل وله «مرقاة الوصول» ، والمقصد الأرشد، وغيرها توفي سنة ثمانمائة وأربع وثمانين. (¬2) لم يكره وفاقا، وما روي أنه قال لعائشة وقد سخنت ماء في الشمس «لا تفعلي فإنه يورث البرص» فقال النووي: ضعيف باتفاق المحدثين ومنهم من يجعله موضوعا وأجمع أهل الطب أنه لا أثر له في البرص. (¬3) قال الشارح وغيره: لا نعلم فيه خلافا إلا عن مجاهد، وقول الجمهور أولى، لخبر رواه الطبراني، والمراد بالمباح غير المغصوب، كحطب ونحوه، وإلا فيكره لاستعمال المغصوب فيه.

لأن الصحابة دخلوا الحمام، ورخصوا فيه، ذكره في المبدع (¬1) ومن كره الحمام فعلة الكراهة خوف مشاهدة العورة (¬2) أو قصد التنعم بدخوله (¬3) لا كون الماء مسخنا (¬4) فإن اشتد حره أو برده كره، لمنعه كمال الطهارة (¬5) (وإن استعمل) قليل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء وغسل جمعة) أو عيد ونحوه (¬6) . ¬

_ (¬1) أي ذكر صاحب المبدع أنهم دخلوه، ورخصوا في دخوله، وذكره عنهم غير واحد قال شيخ الإسلام: وإنما صح فيه عن الصحابة رضي الله عنهم قال ابن القيم وغيره، إذا اشتهر قول الصحابي، ولم يخالفه صحابي آخر، فالجماهير على أنه إجماع وحجة, وإن لم يشتهر أو لم يعلم أنه اشتهر أم لا فجمهور الأمة على أنه حجة اهـ. والحمام هو المغتسل المعروف وجمعه حمامات ويأتي. (¬2) هي السوأة وكلما يستحي منه، للنهي عن النظر إليها، وتقدم أن العلة في اللغة المرض الشاغل، قال في المصباح: أعله جعله ذا علة، ومنه إعلالات الفقهاء واعتلالاتهم. (¬3) ففي الأثر «إن عباد الله ليسوا بالمتنعمين» . (¬4) أي ليست علة الكراهة كون الماء مسخنا فإن تسخينه لا يؤثر في كراهته قال في المبدع: هذا إجماع منهم على أن سخونة الماء لا توجب كراهته. (¬5) بسبب شدة الحرارة أو البرودة قال النووي: وذلك متفق عليه عندنا ودليل الكراهة أنه يتعرض للضرر، ولأنه لا يمكنه استيفاء الطهارة به على وجهها اهـ وذلك إذا لم يحتج إليه، وذكر ابن القيم وغيره أن الوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية. (¬6) كبقية الأغسال المستحبة كره، وكذا إن استعمل في غسل كافر كره للاختلاف فيه، والفرق بين الغسل الواجب والمستحب أن ما شرع بسبب ماض كان واجبا، كالغسل من الجنابة والحيض والنفاس، وما شرع لمعنى مستقبل كان مستحبا كأغسال الحج والجمعة والعيدين.

إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء

(وغسلة ثانية وثالثة) في وضوءٍ أو غسلٍ (كره) للخلاف في سلبه الطهورية (¬1) فإن لم تكن الطهارة مشروعة كالتبرد لم يكره (¬2) (وإن بلغ) الماء (قلتين) تثنية قلة (¬3) وهي اسم لكل ما ارتفع وعلا (¬4) والمراد هنا الجرة الكبيرة من قلال هجر (¬5) . ¬

_ (¬1) وظاهر الفروع والمنتهى والإنصاف وغيرها عدم الكراهة، وذهب إلى ذلك طوائف من أهل العلم للأدلة على عدم الكراهة ولأنه ماء طاهر لاقى محلا طاهرا فبقي مطهرا غير مكروه بوجه من الوجوه. (¬2) قال في الإنصاف: بلا نزاع وذكر الشارح وغيره أنه لا خلاف فيه لأنه باق على إطلاقه، وأن الماء إذا خالطه طاهر لم يغيره، لم يمنع الطهارة به، وقال الموفق: لا نعلم فيه خلافا، وإذا وقع في الماء ماء مستعمل يسير عفي عنه، أو كمله بمائع آخر لم يغيره جاز الوضوء به لبقاء اسم الماء عليه. (¬3) بالضم والجمع قلال، وهي شبه حب يسع جرارا، أو مزادة من الماء. (¬4) سميت القلة بذلك لارتفاعها، أو لأنها تقل بالأيدي، أي ترفع، وقال الأزهري: لأن الرجل القوي يقلها أي يحملها، قال: والقلال مختلفة بالقرى العربية وقلال هجر من أكبرها. (¬5) بفتح الهاء والجيم، نسبت إليها لأنها تعمل بها، وقدر بقلالها لأنها معروفة الصفة والمقدار، لا تختلف كالصيعان، وتقديره الماء بها فيه مناسبة فإن القلة وعاء الماء.

وهي قرية كانت قرب المدينة (¬1) وهو الكثير اصطلاحا (¬2) (وهما) أي القلتان (خمسمائة رطل) بكسر الراء وفتحها (¬3) (عراقي تقريبا) فلا يضر نقص يسير كرطل ورطلين (¬4) وأربعمائة وستة وأربعون رطلا وثلاث أسباع رطل مصري (¬5) ومائة وسبعة وسبع رطل دمشقي (¬6) وتسعة وثمانون وسبعا رطل حلبي (¬7) . ¬

_ (¬1) وفي اللسان: من قرى المدينة، قال النووي: تعمل فيها تلك القلال وليست هي هجر البحرين قال الزركشي: وقيل هجر البحرين، وبه قال الأزهري وهو الأشبه، قال السمهودي: ولذا لم يذكرها المجلد اهـ، ومال شيخنا وغيره إلى الأول لكونها تستعمل في الماء ولقربها من المدينة، وفي الحديث «وإذا نبقها مثل قلال هجر» . (¬2) إشارة إلى أنه إذا أطلق الكثير فهو قلتان فأكثر، وإذا أطلق القليل فهو ما دونهما وهو كذلك عند عامة الفقهاء. (¬3) قال الكسائي: الرطل الذي يوزن به بكسر الراء ويجوز فتحها. (¬4) تفريع على ما تقدم من أن تقدير القلتين بخمسمائة رطل تقريب، قال الشيخ: على أصوب القولين، وصححه النووي وغيره واختاروه، وفي وجه أنه تحديد فيضر نقص ورطل ورطلين، وصححه النووي في تحقيقه أنه لا يضر نقص قدر لا يظهر بنقصه تفاوت في التغير بقدر معين من الأشياء المغيرة. (¬5) وما وافقه كالمدني والمكي. (¬6) بكسر الدال وفتح الميم على المشهور، وما وافقه كصفد وعكة. (¬7) وما وافقه كالبيروتي.

وثمانون رطلا وسبعان ونصف سبع رطل قدسي (¬1) فالرطل العراقي تسعون مثقالا (¬2) سبع القدسي وثمن سبعه، وسبع الحلبي وربع سبعه، وسبع الدمشقي ونصف سبعه، ونصف المصري وربعه وسبعه (¬3) (فخالطته نجاسة) قليلة أو كثيرة (غير بول آدمي (¬4) أو عذرته المائعة) أو الجامدة (¬5) إذا ذابت فيه (فلم تغيره) فطهور (¬6) لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء» (¬7) . ¬

_ (¬1) وما وافقه كالنابلسي والحمصي، وأحد وسبعون رطلا وثلاثة أسباع رطل بعلي، وكل رطل اثنا عشرة أوقية في كل البلدان وأوقية العراقي عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم، وأوقية المصري اثنا عشر درهما، وأوقية الدمشقي خمسون درهما، وأوقية الحلبي ستون درهما، وأوقية القدسي ستة وستون وثلثا درهم. (¬2) والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم، وتسع وسبعون شعيرة، وقيل ثنتان وسبعون والدرهم ستة دوانق قال الشيخ: الدراهم هي هذه التي هي من زمان عبد الملك كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل. (¬3) أي: أن الرطل العراقي نسبته إلى غيره من الأرطال سبع القدسي إلخ، ومساحة القلتين ذراع وربع في ذراع وربع طولا وعرضا إجماعا، بذراع اليد قال الشيخ: وقدرها بالصاع ثلاثة وتسعون صاعا، وثلاثة أرباع صاع. (¬4) ظاهره ولو لم يأكل الطعام. (¬5) أي اليابسة: ضد الذائبة يعني المائعة. (¬6) إجماعة حكاه غير واحد. (¬7) وأصله أنه سئل عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من السباع فقال ذلك.

وفي رواية: «لم يحمل الخبث» رواه أحمد وغيره (¬1) ، قال الحاكم: على شرط الشيخين (¬2) وصححه الطحاوي (¬3) وحديث «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» (¬4) وحديث «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه» (¬5) . ¬

_ (¬1) فرواه أصحاب السنن وغيرهم من حديث عبد الله بن عمر وصححه ابن خزيمة (ويحمل) أي يدفع عن نفسه كما يقال: فلان لا يحمل الضيم إذا كان يأباه ويدفعه عنه. (¬2) أي: قال في صحيحه: هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين البخاري ومسلم في رجال الصحيح، فقد احتجا جميعا بجميع رواته، ولم يخرجاه والحاكم هو: إمام المحققين أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بابن البيع صاحب التصانيف سمع من نحو ألفي شيخ وتوفي سنة خمس وأربعمائة. (¬3) الإمام المشهور. أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحنفي، المتوفى سنة ثلاثمائة وإحدى وثلاثين وضعفه ابن عبد البر والمجد وغيرهما للاضطراب في متنه وسنده. (¬4) رواه أبو داود والنسائي، وحسنه الترمذي، وصححه أحمد من حديث أبي سعيد في بئر بضاعة. (¬5) على تقدير ثبوته، رواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة وضعفه أبو حاتم، لأنه من رواية رشدين بن سعد، وقال الشافعي، لا يثبت أهل العلم مثله، إلا أنه قول العامة لا أعلم بينهم فيه خلافا، ولذلك قال أحمد: ليس فيه حديث، ولكن الله حرم الميتة، فإذا صارت الميتة في الماء فتغير طعمه أو ريحه فذلك طعم الميتة أو ريحها، فلا يحل له وغلب، أي قهر أحد هذه الثلاثة صفة الماء التي خلق عليها.

يحملان على المقيد السابق (¬1) وإنما خصت القلتان بقلال، هجر لوروده في بعض ألفاظ الحديث (¬2) ولأنها كانت مشهورة الصفة معلومة المقدار (¬3) . ¬

_ (¬1) وهو قوله: «إذا بلغ الماء قلتين» الحديث، وقال شيخ الإسلام حديث القلتين إذا صح فمنطوقه موافق لغيره، وأما مفهومه فلا يلزم أن يكون كلما لم يبلغ القلتين ينجس، ولم يذكر هذا التقدير ابتداء، وإنما ذكره في جواب من سأله عن مياه الفلاة، والتخصيص إذا كان له سبب لم يبق حجة بالاتفاق، والمسئول عنه كثير، أو من شأنه أنه لا يحمل الخبث، فدل على أن مناط التنجيس هو كون الخبث محمولا، فحيث كان الخبث محمولا موجودا في الماء كان نجسا، وحيث كان مستهلكا غير محمول في الماء كان باقيا على طهارته، فصار حديث القلتين موافقا لقوله «الماء طهور لا ينجسه شيء» ، لم يرد أن كل ماء لم يبلغ القلتين فإنه يحمل الخبث فإن هذا مخالفة للحس، إذ قد يحمل وقد لا يحمل، ونكتة الجواب أن كونه يحمل أو لا يحمل أمر حسي يعرف بالحس، فإنه إذا كان الخبث موجودا فيه كان محمولا وإن كان مستهلكا لم يكن محمولا. وقال ابن القيم: الذي تقتضيه الأصول أن الماء إذا لم تغيره النجاسة لا ينجس، فإنه باق على أصل خلقته، وهو طيب فيدخل في قوله {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} . وهذا هو القياس في المائعات جميعها إذا وقع فيها نجاسة فاستحالت بحيث لم يظهر لها لون ولا طعم ولا ريح اهـ، وإذا وقعت نجاسة في ماء، هل يقتضي القياس أنه كاختلاط الحلال والحرام، إلى أن يقوم دليل على تطهيره، أو إلى أن تظهر النجاسة؟ صوب الشيخ الثاني. (¬2) أي حديث القلتين ولفظه «إذا كان الماء قلتين بقلال هجر» ، رواه الخطابي بإسناده إلى ابن جريج مرسلا. (¬3) معروفة وكان صلى الله عليه وسلم يمثل بها كما في حديث سدرة المنتهى (وإذا نبقها مثل قلال هجر) ، والتمثيل لا يكون بمختلف متفاوت، قال الشيخ: ومن عادته صلى الله عليه وسلم أن يقدر المقدرات بأوعيتها، فتقدير الماء بالقلال مناسب، لأنها وعاء الماء.

قال ابن جريج: رأيت قلال هجر، فرأيت القلة تسع قربتين وشيئا، والقربة مائة رطل بالعراقي (¬1) والاحتياط أن يجعل الشيء نصفا (¬2) فكانت القلتان خمسمائة بالعراقي (¬3) (أو خالطه البول أو العذرة) من آدمي (¬4) (ويشق نزحه) (¬5) . ¬

_ (¬1) القربة بالكسر من الأسقية الوطب من اللبن، وقد تكون للماء، أو هي المخروزة من جانب واحد، جمعها قرب وقربات بتثليث الراء، وابن جريج هو أبو خالد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي القرشي الأموي مولاهم، وأصله لامي، من كبار فقهاء عصره، قال أحمد: أول من صنف مات سنة مائة وثمانين. (¬2) أي يجعل قول ابن جريج «وشيئا» نصف قربة، فيكون المجموع خمس قرب بقرب الحجاز كل واحدة تسعمائة رطل عراقية باتفاق القائلين بتحديد الماء بالقرب. (¬3) على هذا التقدير وعليه الجمهور. (¬4) قال الزركشي: العذرة لا تكون إلا من الآدميين، وفي المصباح وغيره، الخرأ والغائط، وأردأ ما يخرج من الطعام، وتطلق على فناء الدار لأنهم كانوا يلقون الخرأ فيه. (¬5) أي عرفا: والمراد ما يشق على الرجل المعتدل القوة، إذ إرادة جميع الناس أو أكثرهم غير مراد، وإرادة عدد مخصوص يتوقف على نص، فيحمل على المتيقن.

كمصانع طريق مكة فطهور) ما لم يتغير (¬1) قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافًا (¬2) ومفهوم كلامه أن ما لا يشق نزحه ينجس ببول الآدمي أو عذرته المائعة أو الجامدة إذا ذابت فيه، ولو بلغ قلتين، وهو قول أكثر المتقدمين والمتوسطين (¬3) قال في المبدع: ينجس على المذهب (¬4) وإن لم يتغير (¬5) لحديث أبي هريرة يرفعه (¬6) : «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه» متفق عليه (¬7) . ¬

_ (¬1) والمصانع كالأحواض يجمع فيها ماء المطر، واحدها مصنع، والمراد بالمصانع: المصانع الكبار التي كانت موردا للحجاج، يصدرون عنها ولا تنفد، والمصانع الكبار لا تنجس بالاتفاق إلا بالتغير. (¬2) وحكى الإجماع عليه غير واحد، منهم شيخ الإسلام وابن المنذر. (¬3) كالقاضي والشريف وابن البناء وابن عبدوس، قال القاضي: اختاره الخرقي، وشيوخ أصحابنا وقال الشارح: وهو اختيار أبي الخطاب وابن عقيل ومذهب الشافعي وأكثر أهل العلم. (¬4) أي على ما اصطلحوه، ويأتي ونص عليه في رواية صالح والمروذي وأبي طالب. (¬5) أي الماء الواقع فيه البول أو العذرة ولا يشق نزحه، وتمامه: ما لم يبلغ الماء حدًّا يشق نزحه. (¬6) أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم واسمه عبد الرحمن بن صخر بن عامر بن عبد ذي الشرى، الدوسي لازم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن أحد أكثر حديثا منه، توفي سنة سبع وخمسين. (¬7) أي اتفق على تخريجه البخاري ومسلم في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة وما كان فيهما أو في أحدهما جاز الاحتجاج به من دون بحث، لأنهما اشترطا الصحة وتلقتهماالأمة بالقبول، واتفق السلف على أنه ليس بعد كتاب الله أصح منهما، لتجريدهما الصحيح فيهما، قال الشيخ: وما فيهما متن يعلم أنه غلط اهـ وهذا الحديث رواه غيرهما أيضا ولكن ما فيهما أو أحدهما غني عن التقوية بالإضافة إلى ما سواهما، وكثيرا ما يقتصر هو وغيره عليهما، أو أحدهما، ويجوز الاحتجاج بما صححه أحد الأئمة المعتبرين أو حسنه عند الجمهور وقوله منه أي من ذلك الماء، والألف واللام فيه لبيان حقيقة الجنس، لا للجنس الشامل، لأنه مستحيل فيكون للعهد الذهني. قال الشيخ: والنهي عن البول لا يدل على أنه يصير نجسا، بل لما يفضي إليه البول بعد البول من إفساده، أو لما يؤدي إلى الوسواس، كما نهى عن بول الرجل في مستحمه، وكذا نهيه عن الاغتسال فيه، وقال: لا نزاع بين المسلمين أن النهي عن البول في الماء الدائم لا يعم جميع المياه، فماء البحر والمصانع الكبار التي لا يمكن نزحها، ولا يتحرك أحد طرفيها بتحرك الطرف الآخر، لا ينجسه البول بالاتفاق وصوب النووي أنه يحرم البول في الماء القليل الراكد، لأنه ينجسه، ويتلف ماليته ويغر غيره باستعماله، وأن التغوط كالبول وأقبح، وأما انغماس من لم يستنج في الماء ليستنجي فيه فإن كان قليلا بحيث ينجس بوقوع النجاسة فيه فحرام، لما فيه من تلطخه بالنجاسة وتنجيس الماء وإن كان كثيرا جاريا فلا بأس.

وروى الخلال بإسناده أن عليا رضي الله عنه سئل عن صبي بال في بئر فأمرهم بنزحها (¬1) . ¬

_ (¬1) أي فيحمل على أنه دون القلتين، والصبي الغلام وهو دون الفتى، ومن لم يفطم بعد والخلال هو أبو بكر صاحب الإمام أحمد، واسمه أحمد بن محمد بن هارون، صاحب الجامع والعلل والسنة، جمع في كتابه أكثر الروايات عن أحمد، توفي سنة ثلاثمائة وإحدى عشرة.

وعنه أن البول والعذرة كسائر النجاسات (¬1) فلا ينجس بهما ما بلغ قلتين إلا بالتغير، قال في التنقيح، اختاره أكثر المتأخرين وهو أظهر اهـ (¬2) ولأن نجاسة بول الآدمي لا تزيد على نجاسة بول الكلب (¬3) ولا يرفع حدث رجل وخنثى (¬4) . ¬

_ (¬1) أي عن الإمام أحمد رحمه الله، وإن لم يتقدم له ذكر لكونه معلوما، فعنه جار ومجرور متعلق بمحذوف، تقديره: نقل عنه، فعله المتأخرون اختصارا، فكذا كل ما ذكر: وعنه وكثيرا ما يستعمله الأصحاب وكذا غيرهم عن أئمتهم لظهوره عندهم وسائر أي باقي: قال الأزهري: اتفق أهل اللغة على أن معنى سائر الباقي اهـ، فالأكثر في سائر الشيء أن يكون بمعنى باقيه، وقد يستعمل بمعنى جميعه. (¬2) يعني كلام القاضي علاء الدين علي بن سليمان السعدي المرداوي، تقدم وكانوا يلقبونه بالمنقح، نقح المقنع في كتابه التنقيح المشبع، اختصره من كتابه الإنصاف، ويسمونه المجتهد في تصحيح المذهب، وقال ناظم المفردات: هذا قول الجمهور، وقال الشيخ: اختارها أكثر المتأخرين، وقال السامري: وعليها التفريع، قال ابن منجا: عدم النجاسة أصح، واختاره أبو الخطاب وابن عقيل والموفق والمجد وغيرهم، قال في الإنصاف: وهو المذهب وهو مذهب الشافعي، قال شيخنا: والصحيح أنه لا فرق بين بول الآدمي وغيره من سائر النجاسات، وهو المذهب وقول جمهور الفقهاء. (¬3) بل نجاسة الكلب أزيد، وحديث أبي هريرة لا يدل على نجاسة الماء، وحديث القلتين أرجح لموافقته القياس. (¬4) أي بالغ. لاحتمال أنه رجل، وقيل: يرتفع حدث الخنثى المشكل، لاحتمال أنه أنثى.

(طهور يسير) دون القلتين (خلت به) كخلوة نكاح (امرأة) مكلفة ولو كافرة (¬1) ، (لطهارة كاملة عن حدث) (¬2) (لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) رواه أبو داود وغيره (¬3) وحسنه الترمذي (¬4) وصححه ابن حبان (¬5) . ¬

_ (¬1) إشارة إلى الخلاف، فإنه لا نية للكافرة، ومكلفة أي بالغة عاقلة، لا صغيرة أو مراهقة وظاهره لا خنثى، لاحتمال أنه رجل، والجار والمجرور متعلق بخلت أي بأن لم يكن ثم من يشاهدها، فإن كان ولو مميزا أو كافرًا أو امرأة لم يؤثر. (¬2) أي مجتمعة شروطها وفروضها، عن حدث أصغر أو أكبر، لا خبث وشرب وطهر مستحب، فلو اختل شيء من ذلك فطهور لا تؤثر خلوتها به. (¬3) أبو داود هو الإمام المشهور سليمان بن الأشعث بن إسحق بن بشير الأزدي، السجستاني الحنبلي، أحد الحفاظ توفي بالبصرة، سنة مائتين وخمس وسبعين، ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وقالا وضوء المرأة. (¬4) الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي، نسبة لترمذ بلدة قديمة بطرف جيحون توفي بها سنة مائتين وتسع وسبعين، والمراد بالحسن في اصطلاحه رحمه الله تعالى ما ليس في رواته من هو متهم بالكذب ولا يكون شاذا، ولا مخالفا للأحاديث الصحيحة، ويروى من غير وجه. (¬5) بكسر المهملة وتشديد الموحدة، الحافظ محمد بن حبان بن أحمد بن حبان البستي الدارمي التميمي، قال الحاكم: كان من أوعية العلم، توفي سنة ثلاثمائة وأربع وخمسين، وله شاهد عند أبي داود والنسائي (نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل) قال الحافظ: رجاله ثقات.

قال أحمد في رواية أبي طالب: أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون ذلك (¬1) وهو تعبدي (¬2) وعلم مما تقدم أنه يزيل النجس مطلقا (¬3) . ¬

_ (¬1) منهم عبد الله بن عمر. وعبد الله بن سرجس، وعنه طهور، اختاره أبو البقاء وابن عقيل والشيخ تقي الدين قال في الشرح: وهو أقيس، لما روى مسلم وأحمد وغيرهما عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان يغتسل بفضل ميمونة) ، وروى أحمد وابن ماجه عن ميمونة، (أنه توضأ بفضل غسلها من الجنابة) ، وروى أيضا أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه، والحاكم وقال: لم يحفظ له علة، عن ابن عباس: (اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة، فجاء ليتوضأ منها، فقالت: إني كنت جنبا، فقال: إن الماء لا يجنب) وأكثر أهل العلم على الرخصة للرجل من فضل طهور المرأة، والأخبار بذلك أصح، قاله غير واحد من أهل العلم، وقال البغوي: لا كراهة في وضوء الرجل بفضل المرأة، للأحاديث الصحيحة فيه اهـ، فحمل النهي على التنزيه أولى، وقال الوزير، أجمعوا على جواز وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة، وإن خلت بالماء إلا في إحدى الروايتين عن أحمد، وحكى النووي وغيره الإجماع على جواز ذلك وأما تطهر المرأة بفضل الرجل فجائز بالإجماع، ولم يختلف في تطهر الرجل والمرأة جميعا من إناء واحد، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو طالب هو أحمد بن حميد المشكاني، المتخصص بصحبة الإمام أحمد، وروى عنه مسائل كثيرة، وكان أحمد رحمه الله يكرمه، مات سنة مائتين وأربع وأربعين. (¬2) أي لا يظهر لنا وجهه، لا أنه الذي لا وجه له، لأن لكل حكم وجها، لأن الأحكام مربوطة بالمصالح، ودرء المفاسد، فما لم تظهر لنا مصلحته أو مفسدته اصطلحوا على أن يسموه تعبدا. (¬3) سواء استعمله رجل أو خنثى أو امرأة، وسواء احتيج إليه أم لا لمفهوم الخبر، وعدم عقل معناه، فلم يقس عليه، وما تقدم هو قوله: ولا يرفع حدث رجل إلخ.

وأنه يرفع حدث المرأة والصبي، وأنه لا أثر لخلوتها بالتراب، ولا بالماء الكثير، ولا بالقليل إذا كان عندها من يشاهدها (¬1) أو كانت صغيرة (¬2) أو لم تستعمله في طهارة كاملة، ولا لما خلت به لطهارة خبث (¬3) فإن لم يجد الرجل غير ما خلت به لطهارة الحدث استعمله ثم تيمم وجوبا (¬4) . النوع الثاني من المياه الطاهر غير المطهر (¬5) . ¬

_ (¬1) أو يشاهد الماء، وليس المراد المشاهدة بالبصر، لأن الأعمى تثبت الخلوة بحضوره، ولا يؤثر الصبي أو كافر أو امرأة. (¬2) أي من خلت بالطهور اليسير فلا أثر لخلوتها به. (¬3) أي نجاسة، لأنها من قسيم التروك، ولا تحتاج إلى نية فلا تأثير. (¬4) ظاهر تعبيره بثم اشتراط الترتيب لا التعقيب، فلو توضأ وبقي مدة لم تنتقض طهارته فيها فتيمم صح، وعبارة المنتهى تقتضي عدم ذلك، وعلى ما ذكروه من الوضوء والتيمم استعماله واجب، لأن الحدث لم يرتفع، لكون الماء غير طهور، قال إمام هذه الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: زعم بعضهم أنه لا يرفع الحدث، وولدوا عليه من المسائل ما يشغل الإنسان، ويعذب الحيوان، وأكثر أهل العلم أنه مطهر رافع للحدث، للأدلة القاطعة، وإنما نهى عنه نهي تنزيه وتأديب إذا قدر على غيره. (¬5) وحكمه أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث ولا يستعمل في طهارة مندوبة، وإنما يستعمل في العادات دون العبادات، وجعلوه في الوسط لسلب أحد الوصفين منه، وبقاء الآخر، قال في المبدع وغيره، وهو قسمان، أحدهما غير مطهر بالإجماع، وهو ما خالطه طاهر يمكن أن يصان الماء عنه، والمراد بالمخالطة هنا الممازجة، بحيث يستهلك جرم الطاهر في جرم الماء، ويتلاقى جميع أجزائهما فيغير الممازج اسم الماء، بأن صار صبغا، أو خلا، أو غلب على أجزائه فصيره حبرا، أو طبخ فيه فصار مرقا، قال الشارح وغيره، لا يجوز الغسل ولاالوضوء به، لا نعلم فيه خلافا، وقال النووي: لا يصح رفع الحدث، وإزالة النجاسة إلا بالماء المطلق، بلا خلاف عندهم، وهو قول جماهير السلف والخلف، وحكى ابن المنذر الإجماع على أنه لا يجوز الوضوء بماء الورد والشجر، والعصفر وغيره، مما لا يقع عليه اسم الماء، وما روي من وضوئه صلى الله عليه وسلم بالنبيذ فقال الطبراني والخلال: موضوع وقال جماعة: لم يكن ابن مسعود مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، وقال الطحاوي: إنما ذهب أبو حنيفة إلى الوضوء بالنبيذ اعتمادا على حديث ابن مسعود، ولا أصل له.

وقد أشار إليه بقوله (وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه) (¬1) أو كثير من صفة من تلك الصفات لا يسير منها (¬2) . ¬

_ (¬1) لون الشيء ما فصل بينه وبين غيره، أو هيئته كالسواد والبياض والحمرة وطعمه حلاوته ومرارته، وما بين ذلك في الطعام والشراب، وطعم كعلم: ذاق والرائحة لما يدرك بحاسة الشم. (¬2) أي لا يسير صفة من صفاته: وهي اللون والطعم والريح، ولو كان الكثير في غير الرائحة قال الشارح: ولم يفرق الأصحاب بينها، واشترط الخرقي الكثرة في الرائحة لسرعة سرايتها، وكونها تحصل عن مجاورة أو مخالطة، فاعتبرت الكثرة، ليعلم أنها عن مخالطة اهـ، وعلم من ذلك أنه إن كان التغير اليسير من صفات الثلاث: أثر، وكذا الكثير من صفة، وإن كان اليسير من صفتين أو ثلاث لا يعدل الكثير من صفة: اغتفر فإن زال تغيره عادت طهوريته، فإن تغير بعضه فما لم يتغير طهور.

(بطبخ) طاهر فيه (¬1) (أو) بطاهر من غير جنس الماء لا يشق صونه عنه (ساقط فيه) كزعفران (¬2) لا تراب ولو قصدا (¬3) ولا ما لا يمازجه مما تقدم (¬4) فطاهر لأنه ليس بماء مطلق (¬5) (أو رفع بقليله حدث) مكلف أو صغير فطاهر (¬6) . ¬

_ (¬1) أي في الماء كالباقلا والحمص فغير أحد الأوصاف الثلاثة. (¬2) ولبن وعسل ونحوها من الطاهرات والزعفران نبات له أصل كالبصل وزهره أحمر والزعفران الشعري خيوط نبات، يلتف بعضها على بعض كالشعر. (¬3) فلا يسلب طهوريته إذا خلط بتراب، ولو وضع فيه قصدا، لأنه أحد الطهورين وأصل مقره، ما لم يصر طينا لعدم الإسباغ به. (¬4) أي في قسم الطهور مما لا يمازج الماء، كدهن وملح مائي. (¬5) أي لأنه زال عنه إطلاق اسم الماء ومعناه، بل صار بسبب ذلك مقيدا، بقولهم ماء زعفران، ونحو ذلك وعنه طهور، قال الموفق في الكافي: إنها أكثر الروايات عنه لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} وهو عام في كل ماء، لأنه نكرة في سياق النفي، فلم يجز التيمم عند وجوده، ولأنه لم يسلبه اسمه ولا رقته، أشبه المتغير بالدهن، وهذا مذهب أبي حنيفة، واختاره أبو البقاء وابن عقيل، والشيخ تقي الدين وقال: يجوز الطهارة بالمتغير بالطاهرات، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالغسل بالسدر في ثلاثة مواضع، ولاغتساله عليه الصلاة والسلام هو وميمونة من قصعة فيها أثر العجين، رواه أحمد فتغيره بالطاهرات لا يسلبه الطهورية، وهو مذهب جمهور العلماء وأنص الروايات عن أحمد. (¬6) أي رفع بقليله وهو ما دون القلتين حدث مكلف أي بالغ عاقل، أو حدث صغير أي مميز وهو الذي يصح الوضوء منه، فطاهر وعنه مطهر اختاره الشيخ وأبو البقاء وابن عقيل، وطوائف من العلماء، ومال إليه في الشرح وقواه في الإنصاف، وفي الحديث (إن الماء لا يجنب) ، صححه الترمذي وقد صب عليه الصلاة والسلام على جابر من وضوئه، (وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه) رواه البخاري، ولأنه ماء طاهر لاقى أعضاء طاهرة، فلم يسلبه الطهورية، أشبه ما لو تبرد به.

لحديث أبي هريرة (لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) رواه مسلم (¬1) وعلم منه أن المستعمل في الوضوء والغسل المستحبين طهور كما تقدم (¬2) وأن المستعمل في رفع الحدث إذا كان كثيرا طهور (¬3) لكن يكره الغسل في الماء الراكد (¬4) . ¬

_ (¬1) اختلف في تعليله فقيل لأنه أزال به مانعا من الصلاة، أشبه الماء المزال به النجاسة، وقيل لكونه استعمل في عبادة على وجه الإتلاف، وتقدم قول الشيخ أنه لما يفضي إلى إفساده، أو إلى الوسواس، وقال النووي: إذا كان النهي راجعا إلى النفس المنهي عنه ضر، وإذا كان لأمر خارج لم يقتض الفساد على الصحيح المختار لأهل الأصول انتهى، وبدن الجنب طاهر بالإجماع، والماء الطاهر إذا لاقى محلا طاهرا لم ينجس بالإجماع، وقوله: الدائم أي الراكد، ومسلم هو ابن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري الحافظ، صاحب الصحيح وغيره، المتوفى سنة مائتين وإحدى وستين. (¬2) أي في قوله (وإن استعمل في طهارة مستحبة إلخ وقوله (منه) أي من قول الماتن: حدث. (¬3) أي إذا كان قلتين فأكثر، لحديث القلتين. (¬4) لحديث لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب.

ولا يضر اغتراف المتوضئ لمشقة تكرره (¬1) بخلاف من عليه حدث أكبر (¬2) فإن نوى وانغمس هو أو بعضه في قليل لم يرتفع حدثه، وصار الماء مستعملا (¬3) ويصير الماء مستعملا في الطهارتين بانفصاله، لا قبله ما دام مترددا على الأعضاء (¬4) . ¬

_ (¬1) إذا لم ينو غسلها، وأما إذا نوى ذلك بعد وجهه لا قبله اعتبارا بالترتيب فيضر، وقال الشارح وغيره، «من توضأ من ماء يسير يغترف منه بيده عند غسل يديه لم يؤثر ذلك» ، وفي الصحيحين (ثم أدخل يده في الإناء فغسل يديه إلى المرفقين) . (¬2) سواء كان جنابة أو حيضا أو نفاسا أو غيرها، فإنه إذا غمس بعض عضو ولو يده بعد نية ضر. (¬3) ومفهومه أنه إن كان كثيرا لم يصر مستعملا بمجرد انغماس الجنب ونحوه فيه، ويرتفع حدثه، وصرح البغوي والنووي وغيرهما أن الجنب إذا نزل في ماء واغتسل فيه فإن كان قلتين ارتفعت جنابته وأنه لا يصير مستعملا بلا خلاف، وكذا لو اغتسل فيه جماعة متفرقين أو مجتمعين، وقال الشيخ: يجوز التطهر في الحياض التي في الحمامات، سواء كانت فائضة أو لم يكن، وسواء كان الأنبوب يصب فيها أو لم يكن، وسواء كان الماء نابيا فيها أو لم يكن، ومن انتظر الحوض حتى يفيض ولم يغتسل إلا وحده واعتقد ذلك دينا فهو مبتدع، مخالف للشريعة مستحق للتعزير الذي يردعه وأمثاله، عن أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به اهـ، وقيل: يرتفع حدثه بانغماسه في القليل، ولا يصير مستعملا اختاره الشيخ وقال: ما يطير من بدن المغتسل أو المتوضئ من الرشاش في إناء الطهارة لا يجعله مستعملا. (¬4) فما دام مترددا على الأعضاء فطهور، كالكثير قبل انفصاله لا بعده، وقال الشيخ: فإذا انتقل من عضو إلى عضو لم يتصل به مثل أن يعصر الجنب شعر رأسه على لمعة.

(أو غمس فيه) أي في الماء القليل كل (يد) مسلم مكلف (قائم من نوم ليل (¬1) ناقض لوضوء) قبل غسلها ثلاثا فطاهر (¬2) نوى الغسل بذلك الغمس أو لا (¬3) وكذا إذا حصل الماء في كلها (¬4) ولو باتت مكتوفة (¬5) أو في جراب ونحوه (¬6) . ¬

_ (¬1) للحديث لا نهار واليد أصلها يدي، ولم تبن مع كونها على حرفين لكون الثالث يعود إليها في التثنية والجمع، والنوم قيل إنه غشية ثقيلة، تقع على القلب فتبطل عمل الحواس، وهو رحمة من الله على عبده ليستريح البدن عند تعبه وتنعكس الحرارة إلى الباطن، فينهضم الطعام. (¬2) وعنه طهور وفاقا، واختاره الخرقي والموفق والشارح والشيخ، وجزم به في الوجيز وذكر في الشرح أنه الصحيح لأنه ماء لاقى أعضاء طاهرة فكان على أصله، ونهيه عليه الصلاة والسلام عن غمس اليد إن كان لوهم النجاسة فهو لا يزيل الطهورية، كما لا يزيل الطاهرية، وإن كان تعبديا اقتصر على مورد النص، وهو مشروعية الغسل. (¬3) أي أو لم ينو الغسل بذلك الغمس، فهو طاهر. (¬4) أي من غير غمس، بأن صب على جميع يده من الكوع إلى أطراف الأصابع. (¬5) أي مشدودة بالكتاف إلى خلفه قالوا لأن الأمر تعبدي، لا لأجل النجاسة فالمتيقن والشاك سواء. (¬6) ككيس ضيق، والجراب بكسر الجيم، ولا يفتح أو يفتح لغة عند بعضهم، وهو المزود أو الوعاء جمعه جرب وجرب وأجربة.

لحديث (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا (¬1) فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) رواه مسلم (¬2) ولا أثر لغمس يد كافر وصغير ومجنون وقائم من نوم نهار أو ليل إذا كان نومه يسيرا لا ينقض الوضوء (¬3) والمراد باليد هنا إلى الكوع (¬4) . ¬

_ (¬1) أي ثلاث مرار، والإناء أخرج البرك والحياض التي لا تفسد بغمس اليد فيها، وقال الشيخ الإناء الذي للماء المعتاد لإدخال اليد، وهو الصغير. (¬2) وفي لفظ لهما «فلا يغمس يده في الإناء» الحديث لكنه لا يقتضي سلبه الطهورية كما تقدم، وفي هذا الحديث دليل على استحباب الاحتياط للعبادات وغيرها، بحيث لا ينتهي إلى الوسوسة، وقال النووي وغيره، النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها مجمع عليه، فلو خالف وغمس لم يفسد الماء، ولم يأثم الغامس، والأصل في الماء واليد الطهارة، فلا ينجس بالشك، وقواعد الشرع متظاهرة على هذا وليس مخصوصا بالقيام من نوم الليل فقط، بل المعتبر الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها. (¬3) أي نوم الليل اختاره المجد وصححه في تصحيح الفروع وغيره، وإن كان الماء في إناء لا يقدر على الصب منه، كالحوض المبني بل على الاغتراف وليس عنده ما يغترف به، فيغترف ببعض يده ويغسلها ثلاثا، وقال الشارح: إذا وجد ماء قليلا ويداه نجستان وليس معه ما يغترف به: فإن أمكنه أن يأخذ بفيه، أو يغمس خرقة أو غيرها ويصب على يديه فعل، وإلا تيمم لئلا ينجس الماء ويتنجس به وقال شيخ الإسلام: ويد الصبي إذا أدخلها في الإناء فإنه يكره استعمال الماء الذي فيه. (¬4) وهو طرف الزند الذي يلي الإبهام، ونبه على اليد هنا لأن اليد في الأصل إلى المنكب، ثم تستعمل بقرينة في الوضوء إلى المرفق، للآية وفي السرقة إلى الكوع، للخبر وكذا هنا.

ويستعمل هذا الماء إن لم يجد غيره ثم يتيمم (¬1) وكذا ما غسل به الذكر والأنثيان لخروج مذي، دونه لأنه في معناه (¬2) وأما ما غسل به المذي فعل ما يأتي (¬3) (أو كان آخر غسلة زالت النجاسة بها) وانفصل غير متغير (فطاهر) (¬4) . ¬

_ (¬1) أي يستعمل الماء الذي غمس فيه كل يد المكلف القائم من نوم الليل الناقض للوضوء في وضوء وغسل، وإزالة نجاسة بدن، أو ثوب، أو بقعة، أو غسل يديه من نوم ليل، ولا يرتفع به الحدث، ولا ما في معناه، ولا يزول به الخبث، فمتى وجد طهورا استعمله، وتلزمه الإعادة، لا فيما إذا كان المتنجس ثوبه وصلى فيه لعدم غيره، ويغسل به الميت مع التيمم كالحي، وتقدم أنه طهور، وقال ابن عبد البر: من أدخل يده في الإناء قبل غسلها لم يضر ذلك وضوءه، وكان الصحابة يدخلون أيديهم في الماء وهم جنب، والنساء حيض فلا يفسد ذلك بعضهم على بعض، وقرب لإبراهيم النخعي وضوءه فأدخل يده قبل أن يغسلها، فقيل له: أمثلك يفعل؟ فقال: أرأيت المهراس الذي كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضئون فيه كيف كانوا يصنعون به؟ وكان الرجال والنساء يتوضئون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، ويشرعون فيه جميعا صححه البخاري وغيره. (¬2) أي في معنى ما غمس فيه يد القائم من نوم الليل، ولو لم يغسل إلا البعض منهما، لأن الحكم إذا علق بالمظنة لم تعتبر حقيقة الحكم، كالعدة لاستبراء الرحم من الصغيرة والآيسة، قال الخلوتي: ولو توضأ واغتسل مع ترك غسلهما عمدا فصلاته صحيحة. (¬3) أي بأنه نجس إذا كان قليلا، وإن وجد ماء متغيرا ولم يعلم سبب تغيره فهو طاهر، ولو غلب على ظنه نجاسته. (¬4) رواية واحدة إن كان المحل أرضا، وكذا إن كان غيرها وفاقا للشافعي، واختاره غير واحد، لانفصاله عنها طاهرا، فإن كان متغيرا فنجس وإن لم ينفصل فطهور وإن تغير بالنجاسة ما دام ي محل التطهير، وقال منصور: الحدث يرتفع عند أول جزء لاقى، والماء يصير مستعملا بأول جزء انفصل، على الصحيح، وقال شيخ الإسلام: التفريق بينهما بوصف غير مؤثر لغة وشرعا، واختار تأثيره في محل التطهير، وقال إذا تغير في محل التطهير قبل انفصاله فهو نجس، وعمله باق، وتطهيره ويكون مخففا للنجاسة، وأما كونه طاهرا غير مطهر، فلم نر من قاله غير المتقدمين، وليس له وجه اهـ، وغسالة النجاسة إذا انفصلت متغيرة الطعم أو اللون أو الريح بالنجاسة فهي نجسة بالإجماع، والمحل المغسول باق على نجاسته، وقال ابن القيم: إذا تغير في محل التطهير فهو نجس، وهو في حال تغيره لم يزلها، وإنما خففها ولا تحصل الإزالة المطلوبة إلا إذا كان غير متغير اهـ وإن لم يتغير فإن كان قلتين فطاهر بلا خلاف ودونها تقدم الكلام فيه.

النوع الثالث من أقسام المياه النجس

لأن المنفصل بعض المتصل والمتصل طاهر (¬1) . النوع الثالث النجس (¬2) وهو ما أشار إليه بقوله (والنجس ما تغير بنجاسة) قليلا كان أو كثيرا (¬3) وحكى ابن المنذر الإجماع عليه (¬4) . ¬

_ (¬1) وتقدم ووصل الشيء بغيره فاتصل به ضد فصله نحاه أو قطعه فانفصل. (¬2) بتثليث الجيم وتسكينها المستقذر وضد الطاهر، ويحرم استعماله مطلقا في العبادات وغيرها، ولو لم يوجد غيره إلا لضرورة كدفع لقمة غص بها ولا طاهر عنده، أو عطش معصوم، أو طفي حريق ونحوها، قياسا على الطعام النجس، وصوبه المرداوي وغيره، وقال الشيخ: نجاسة الماء ليست عينية لأنه يطهر غيره، فنفسه أولى، وأنه كالثوب النجس، ولهذا يجوز بيعه. (¬3) هذا هو القسم الأول من أقسام النجس، والثاني قوله: أو لاقاها إلخ، وقيده بالنجاسة، فإن لم يعلم بأي شيء تغير، أو بطاهر فطاهر بلا خلاف. (¬4) وحكاه جماعات من العلماء، فإن العمدة في نجاسة ما تغير أحد أوصافه الثلاثة بنجاسة هو الإجماع، وتقدم أنه أحد الأصول الثلاثة، وذكر غير واحد أن عصمة هذه الأمة من الخطأ وأنها لا تجتمع على ضلالة، متواتر، ولا ينكره إلا كافر، وقال الشيخ: ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصا عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نعلم مسألة واحدة أنه لا نص فيها، وقال: إذا تغير الماء بالنجاسات فإنه نجس باتفاق العلماء وتقدم قول الشافعي: فيه حديث لا يثبت مثله أهل العلم، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم خلافا، وقال ابن رشد وغيره، لا خلاف أن الماء الكثير لا ينجسه ما حل فيه من النجاسات، إلا أن يغير أحد أوصافه ونصر ابن رجب وغيره العفو عن يسير الرائحة، واختاره الشيخ وابن القيم وغيرهما، لما تقدم من سرعة سرايتها وحصولها عن مجاورة.

(أو لاقاها) أي لاقى النجاسة (وهو يسير) أي دون القلتين فينجس بمجرد الملاقاة (¬1) ولو جاريا (¬2) . ¬

_ (¬1) أي القليل دون القلتين ينجس بمجرد ورود النجاسة عليه، وإن لم يتغير والذي دلت عليه السنة وعليه الصحابة وجمهور السلف أن الماء لا ينجس إلا بالتغير وإن كان يسيرا، وهو قول أهل المدينة، واختاره ابن المنذر وغيره، ونص عليه أحمد واختاره جماعة من الأصحاب، والشيخ تقي الدين، وهو المفتي به، لحديث بئر بضاعة (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) ، ويعضده حديث (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه) ، وهو منطوق حديث القلتين وفي التمهيد في اليسير كآنية وضوء وغسل أصابته نجاسة فلم تغير شيئا من أوصافه فطهور، وقال: هو الصحيح من النظر، وجيد الأثر، واختاره الروياني وغيره، وذكر أنه أصح مذهبا، وقال إمام هذه الدعوة، من قال ينجس وإن لم يتغير بنجاسة فقد قال ما لم يعلم قطعا، والصواب قول من قال أكرهه ولا أستحبه، مع وجود غيره. (¬2) بحيث لو ركد لأمكن سريان النجاسة فيه ولا يقال بتنجيس الأعلى إذا كان الجاري نازلا من أعلى إلى أسفل، فإنه إذا تنجس الأسفل لا يحكم بنجاسة الأعلى، لعدم إمكان سريان النجاسة إليه، والجرية ما أحاط بالنجاسة من الماء يمنة ويسرة وعلوا وسفلا، وقال الشيخ: ما انتشرت إليه عادة أمامها ووراءها، وقال هو والإمام أحمد وغيرهما: ماء الحمام بمنزلة الجاري إذا كان يفيض من الحوض و (لو) إشارة إلى خلاف مالك المفصل بين الجاري والراكد، وهي رواية عن أحمد أنه لا ينجس إلا بالتغير، قليلا كان أو كثيرا، وهو القديم من قولي الشافعي، واختاره البغوي وجماعة، وقال النووي هو قوي، واختاره الموفق في العمدة والشيخ وجماعة وقال هي: أنص الروايتين.

لمفهوم حديث إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء (¬1) أو انفصل عن محل نجاسة متغيرا (¬2) أو (قبل زوالها) فنجس (¬3) فما انفصل قبل السابعة نجس (¬4) وكذا ما انفصل قبل زوال عين النجاسة ولو بعدها أو متغيرا (¬5) (فإن أضيف إلى الماء النجس) قليلا كان أو كثيرا (طهور كثير) (¬6) بصب أو إجراء ساقية إليه ونحو ذلك طهر (¬7) . ¬

_ (¬1) أي وإن لم يبلغ قلتين ينجس وإن لم يتغير، وتقدم تنظير هذا المفهوم. (¬2) أي فينجس بمجرد الملاقاة إجماعا، لأنه تغير بالنجاسة. (¬3) ولو غير متغير بناء على تنجيس الطاهر بمجرد ملاقاة النجاسة من غير تغير. (¬4) بناء على وجوب السبع الغسلات، وأن النجاسة لا تزول بدونها. (¬5) أي بعد السابعة فنجس، لحصول عين النجاسة فيه، أو انفصل متغيرا بها فنجس. (¬6) لا يسير ولو زال به التغير، لأنه لا يدفع عن نفسه، وقال الشارح: الوجه الثاني يطهر لأن علة النجاسة زالت وهو التغير. (¬7) أي الماء النجس بإضافة طهور كثير إليه بما ذكر ونحوه، بلا خلاف حكاه النووي وغيره كأن نبع فيه، أو سال إليه ماء المطر، أو نحو ذلك، ولا يشترط الاتصال في الصب.

لأن هذا القدر المضاف يدفع النجاسة عن نفسه وعما اتصل به (¬1) (غير تراب ونحوه) (¬2) فلا يطهر به نجس (¬3) (أو زوال تغير) الماء (النجس الكثير بنفسه) من غير إضافة ولا نزح (¬4) (أو نزح منه) أي من النجس الكثير (فبقي بعده) أي بعد المنزوح (كثير غير متغير طهر) (¬5) لزوال علة تنجسه وهي التغير (¬6) . ¬

_ (¬1) فظهر أن نجاسة الماء حكمية، وصوبه في الإنصاف، وقال الشيخ: لأنه يطهر غيره فنفسه أولى، وذكر بعضهم أنها مجاورة سريعة الإزالة. (¬2) من الأجزاء الأرضية، كالرمل والنورة، أو من المائعات الطاهرة، وكذا كلما لا يدفع النجاسة عن نفسه. (¬3) أي بالتراب ونحوه، وهذا استثناء منقطع، لأن التراب لا مدخل له في التطهير، والذي يفترق فيه الحكم بين القليل والكثير هو الماء لا التراب ونحوه، فإنه لو أضيف أحد هذه الأشياء إلى الماء الكثير المتنجس لم يطهر بإضافته إليه، لكون المضاف لا يدفع عن نفسه فعن غيره أولى، ولو زال به التغير على أظهر الوجهين. (¬4) طهر هو والحفرة الكائن فيها، كدن الخمرة تنقلب خلاًّ، فتطهر هي ودنها. (¬5) بلا نزاع، حكاه جماعة. (¬6) يعني بالأوصاف الثلاثة أو أحدها، وإذ زالت زال الحكم بزوالها، وإن ورد على المتغير أحد أوصافه بنجاسة ما له طعم أو لون أو ريح فأزال تغيره لم يطهر قال النووي: بلا خلاف.

والمنزوح الذي زال مع نزحه التغير طهور، وإن لم تكن عين النجاسة فيه (¬1) وإن كان النجس قليلاً أو كثيرًا، مجتمعا من متنجس يسير فتطهيره بإضافة كثير مع زوال تغيره إن كان (¬2) ولا يجب غسل جوانب بئر نزحت للمشقة (¬3) . تنبيه (¬4) محل ما ذكر إن لم تكن النجاسة بول آدمي أو عذرته فتطهير ما تنجس بهما من الماء إضافة ما يشق نزحه إليه (¬5) أو نزح يبقى بعده ما يشق نزحه (¬6) أو زوال تغير ما يشق نزحه بنفسه (¬7) . ¬

_ (¬1) فإن كانت فلا. (¬2) أي حصل تطهير المتنجس القليل أو الكثير المجتمع من متنجس بإضافة كثير إليه مع زوال تغيره، لا بإضافة يسير، وكان هنا تامة، أي مكتفية بمرفوعها عن منصوبها فتكون بمعنى وجد أو حصل. (¬3) والحرج في ذلك، سواء حصلت النجاسة بجوانبها، أو بأرضها، بخلاف رأسها، ويعفى عن جوانبها، واسعة كانت أو ضيقة فإنه لو وضع فيها مائع حكمنا بنجاسته، وظاهر كلامهم غسل آلة النزح، لكن مقتضى قولهم: المنزوح طهور بشرطه، أن الآلة لا يعتبر فيها ذلك للحرج، والمشقة من شق عليه الأمر، أي صعب. (¬4) هو لغة الإيقاظ واصطلاحا الإعلام بتفصيل ما علم إجمالا مما قبله وتقدم. (¬5) مع زوال التغير، وعلم منه أن المضاف إذا لم يشق نزحه لم يطهر الماء. (¬6) مع زوال التغير قبل المنزوح أو أكثره. (¬7) كالخمرة تنقلب خلا، فيطهر.

على قول أكثر المتقدمين ومن تابعهم، على ما تقدم (¬1) (وإن شك في نجاسة ماء أو غيره) من الطاهرات (¬2) (أو) شك في (طهارته) أي طهارة شيء علمت نجاسته قبل الشك (بنى على اليقين) الذي علمه قبل الشك (¬3) ولو مع سقوط عظم أو روث شك في نجاسته (¬4) لأن الأصل بقاؤه على ما كان عليه (¬5) . ¬

_ (¬1) في النوع الأول من أنواع المياه من قوله: إن ما لا يشق نزحه ينجس ببول الآدمي إلخ، وتقدم توضيحه، والمتقدمون من الإمام إلى القاضي أبي يعلى، والمتوسطون منه إلى الموفق، والمتأخرون من الموفق إلى الآخر. (¬2) كثوب وإناء، ولو كان الشك في نجاسة مع تغير الماء بنى على أصله، والشك هو كما قال ابن القيم: التردد بين وجود الشيء وعدمه، استوى الاحتمالان أو رجح أحدهما، وقال النووي: هذا معناه في اللغة واستعمال الفقهاء، قال صلى الله عليه وسلم «فليطرح الشك، وليبن على اليقين» . (¬3) لأن الشيء إذا كان على حال فانتقاله عنها يفتقر إلى عدمها ووجود الأخرى فإذا شك في نجاسة ماء مثلا، فالأصل طهارته، أو شك في طهارته بعد العلم بنجاسته، فالأصل بقاؤه عليها، فيعمل بالأصل، وهو اليقين، الذي علمه قبل، واليقين طمأنينة القلب على حقيقة الشيء، ضد الشك، والعلم الحاصل عن نظر واستدلال، وتحقيق الأمر، واصطلاحا اعتقاد الشيء بأنه كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا مطابقا للواقع، غير ممكن الزوال. (¬4) أي فطاهر استصحابا للأصل، فإن الضابط العمل بالأصل، لكنه يكره استعمال ما ظنت نجاسته احتياطا، لحديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» أي: دع ما تشك فيه إلى ما لا تشك فيه، ولغيره من الأحاديث. (¬5) تعليل لقوله: بنى على اليقين، وقال شيخ الإسلام الاحتياط بمجرد الشك في أمور المياه ليس مستحبا، ولا مشروعا، بل ولا يستحب السؤال عن ذلك بل المشروع أن نبقي الأمر على الاستصحاب، فإن قام دليل على النجاسة نجسناه وإلا فلا يستحب أن يجتنب استعماله بمجرد احتمال النجاسة.

وإن أخبره عدل بنجاسته (¬1) وعين السبب لزمه قبول خبره (¬2) ، (وإن اشتبه طهور بنجس حرم استعمالهما) (¬3) إن لم يمكن تطهير النجس بالطهور (¬4) . ¬

_ (¬1) أي بنجاسة شيء وينبغي أن يقال كذلك لو أخبره بسلب طهورية ماء وعين السبب، لأنه إذا قبل في الأغلظ قبل في الأخف من باب أولى، وقد يقال: أو طهارته يعني كونه طاهرا غير مطهر، إذ لا فرق، ويقبل العدل ولو ظاهرا، رجل أو امرأة حر أو عبد، لا كافر أو فاسق، بلا نزاع، وغير بالغ، وقطع به الجمهور لأنه لا يوثق بقوله. (¬2) أي عين المميز العدل المكلف، ولو مستورا، السبب الذي تنجس به بأن يقول: هذا متنجس بكذا، مما يقتضي النجاسة، لزم قبول خبره بلا نزاع ولا يلزم السؤال عما لم يتيقن نجاسته، اختاره الشيخ، وصححه في تصحيح الفروع، فإن لم يعين لم يلزم قبوله، وإن كان فقيها موافقا، وإن أصابه ماء ميزاب ونحوه، ولا أمارة على نجاسته، كره سؤاله نص عليه لقول عمر: لا تخبرنا يا صاحب الميزاب، قال الشيخ لا يجب غسله، بل ولا يستحب، على الصحيح، وكذلك لا يستحب السؤال عنه، على الصحيح، وأوجب الآزجي إجابته إن علم نجاسته وصوبه في الإنصاف، وقال الشيخ وكذلك إذا أصاب رجليه أو ذيله بالليل شيء رطب، ولا يعلم ما هو، ولم يجب عليه أن يشمه، ويتعرف ما هو واحتج بالقصة. (¬3) أي اشتبه كل منهما بالآخر حتى التبسا حرم استعمالهما إلا لضرر قال شيخ الإسلام: إذا اشتبه الطاهر بالنجس فاجتنابهما جميعا واجب، لأنه يتضمن لفعل المحرم، وتحليل أحدهما تحكم، وقال: استعمال الحرام المختلط بالحلال لا أعلم أحد جوزه. (¬4) قيده الشارح بهذا الشرط كما في المنتهى وغيره.

فإن أمكن بأن كان الطهور قلتين فأكثر (¬1) وكان عنده إناء يسعهما، وجب خلطهما واستعمالهما (¬2) (ولم يتحر) أي لم ينظر أيهما يغلب على ظنه أنه الطهور فيستعمله، ولو زاد عدد الطهور (¬3) ويعدل إلى التيمم إن لم يجد غيرهما (¬4) ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما لأنه غير قادر على استعمال الطهور (¬5) أشبه ما لو كان الماء في بئر لا يمكنه الوصول إليه (¬6) . ¬

_ (¬1) والنجس مجتمع من متنجس وطاهر، وأشكل عليه الطهور. (¬2) ليتمكن به من الطهارة الواجبة. (¬3) أو المباح فيستعمله أو كان النجس غير بول فلا يتحرى، ولا يستعمل واحدا منها، ولو أدى اجتهاده إلى أنه الطهور المباح، ولا يصح وضوءه منه، ويعيد ما صلاه به، ولو تبين بعد أن الطهور المباح، والتحري هو طلب الصواب، والتفتيش عن المقصود والتحري والاجتهاد والتأخي بمعنى واحد. (¬4) أي المشتبهين ولا يعيد الصلاة إذا تيمم وصلى إذا ولو علم الطهور المباح بعد. (¬5) حكما لا حسا، صححه في التصحيح وتصحيح الفروع، واختاره ابن عقيل والشارح وشيخ الإسلام وغيرهم، لأنه عادم للماء حكما لا حسا، قال الشارح: فإن احتاج إليهما للشرب لم تجب إراقتهما بغير خلاف. (¬6) فيتيمم وأشبه ما لو كان أي: مثل ما لو كان إلخ، وشبهت الشيء بالشيء أقمته مقامه بصفة جامعة بينهما.

وكذا لو اشتبه مباح بمحرم فيتيمم إن لم يجد غيرهما (¬1) ويلزم من علم النجس إعلام من أراد أن يستعمله (¬2) (وإن اشتبه) طهور (بطاهر) أمكن جعله طهورا به أم لا (¬3) (توضأ منهما وضوءا واحدا) (¬4) ولو مع طهور بيقين (¬5) (من هذا غرفة ومن هذا غرفة) (¬6) ويعم بكل واحدة من الغرفتين المحل (¬7) . ¬

_ (¬1) أي المباح والمحرم. (¬2) بخلاف ميزاب، لأنه قد بلي به، فلا يلزم من علم أنه نجس إعلام من أصابة، وتقدم، وعلم الشيء كسمعه علما بالكسر، عرفه وعلم هو في نفسه، وعالم وعليم جمعه علماء وتقدم أن حد العلم معرفة المعلوم على ما هو به، ولعل محله إذا كان نجسا عندهما، لا عند أحدهما وأن مثله الطاهر إذا رأى من يريد أن يتوضأ به، ويلزم من اشتبه عليه طاهر ونجس التحري لحاجة أكل وشرب، لأنه حال ضرورة. (¬3) أي: أو لم يمكن جعله طهورا به. (¬4) أي من الطهور والطاهر معا، من كل واحد وضوءا كاملا، هذا المذهب لا من كل واحد، كما جزم به الموفق وغيره، قال الجوهري توضأ مهموز ويجوز ترك الهمزة وقال ابن مالك يجوز توضيت لغة في توضأت. (¬5) أي يجوز. وإلا فمعلوم أن الطهور بيقين أفضل. (¬6) الغرفة بالفتح المرة الواحدة، وبالضم اسم للمغروف منه قال النووي: ويحسن الضم في قوله يأخذ غرفة، وفي المطلع: ويحسن الأمران هنا. (¬7) أي لزوما لأن الوضوء الواحد على الوجه المذكور مجزوم به بنية كونه رافعا، بخلاف الوضوئين فلا يدري أيهما الرافع للحدث؟ قال الخلوتي: ويصح أن يتوضأ وضوئين كاملين بنية واحدة، مع قرب زمنيهما وهذا غير القول الثاني، لأن عليه أن يتوضأ وضوئين بنيتين، فتكون النية الثانية مشكوكا فيها، هل هي بعد الرفع أولا؟ وفي شرح المنتهى حكم الغسل وإزالة النجاسة حكم الوضوء، وهذا كله تفريع على تقسيم الماء إلى ثلاثة، وتقدم رجحان أنه إما طاهر وإما نجس، وتقدم أيضا قول الشيخ: إن قام دليل على النجاسة وإلا فلا، والماء في الأحواض مباح، ذكره ابن القيم وغيره، وهو مذهب الشافعي، إذا علم رضى صاحبه، أو كان عرفا، وما سبل للشرب لا يتوضأ به، ما لم يدل عرف أو قرينة، ومثله ماء جهل حاله، ولا يحمل منه شيئا إلى غير محله، ما لم يضطر إليه. وإذا أفرغ دلوا في الحمام للغسل لم يجز لآخر أن يسبقه، إلا بإذنه وأما إذا أفرغها في الحمام الذي جعل للوضوء فلكل الوضوء منه لأنه وضع للعموم فلا يختص به أحد، ويحرم منع المحتاج إلى الطهارة بتشديد الهاء الميضأة المعدة للتطهير والتخلي، قال الشيخ ولو وقفت على طائفة معينة كمدرسة ورباط، ولو في ملكه لأنه بموجب الشرع والعرف مبذولة للمحتاج، وفي المبدع: لا تصح الصلاة بماء مغصوب، كثوب غصب اهـ وعنه تصح اتفاقا وتكره، قال في الإنصاف: لأن الطهارة به صحيحة، من حيث الجملة، وإنما عرض له مانع وهو الغصب اهـ، ولو توضأ من ماء قليل وصلى ثم وجد نجاسة، أو من كثير ثم وجده متغيرا بنجاسة، وشك هل كان قبل وضوئه أو بعده؟ فالأصل صحة طهارته، وإن علم أن ذلك قبل وضوئه بأمارة أعاد إجماعا.

(وصلى صلاة واحدة) (¬1) قال في المغني والشرح: بغير خلاف نعلمه (¬2) . ¬

_ (¬1) أي صلى الفرض مرة واحدة. (¬2) وعللاه بأنه أمكنه أداء فرضه بيقين، من غير حرج، فلزمه ذلك، والشرح تقدم تعريفه، والمغنى هو شرح متن الخرقي، لموفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد ابن قدامة وتقدم.

إن اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أو محرمة

فإن احتاج أحدهما للشرب تحرى (¬1) وتوضأ بالطهور وتيمم، ليحصل له اليقين (¬2) (وإن اشتبهت ثياب طاهرة بـ) ثياب (نجسة) يعلم عددها (¬3) (أو) اشتبهت ثياب مباحة بثياب (محرمة) يعلم عددها (صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس) من الثياب (أو المحرم) منها ينوي بها الفرض احتياطا (¬4) كمن نسي صلاة من يوم (¬5) (وزاد) على العدد (صلاة) ليؤدي فرضه بيقين (¬6) . ¬

_ (¬1) أي طلب ما هو الأحرى بالاستعمال أو أحرى الأمرين أي أولاهما والفرق بين الحاجة والضرورة، أن الحاجة ما يمكن الاستغناء عنه، والضرورة ما لا يستغنى عنه. (¬2) يعني بالتيمم احتياطا، إن لم يجد طهورا غير مشتبه، وظاهره عدم الترتيب وعبر في الإقناع بما يقتضي الترتيب، وهذا التفريع على تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام. (¬3) أي الثياب النجسة، والثياب اللباس مما يلبسه الناس من الكتان والقطن. (¬4) أي أخذًا لنفسه بالثقة، ومرادهم بيان الصحة وسقوط الفرض عنه بذلك لو فعله لا أنه يجب عليه ذلك، بل ولا يجوز فيصلي عريانا ولا يعيد، لأنه اشتبه المباح بالمحظور في موضع لا تبيحه الضرورة فهو عادم للسترة حكما، وإلا فما الفرق بينه وبين من اشتبه عليه طهور بمحرم، مع أن كلا من الطهارة والسترة شرط للصلاة والمباحة ضد المحظورة والمباح مااستوى طرفاه بين فعله وتركه، وهو ما لا يعاقب على فعله. (¬5) يعني أنه يقضي جميع صلوات ذلك اليوم. (¬6) أي فيلزم أن يزيد صلاة على عدد النجسة، أو المحرمة: كمن نسي صلاة من يوم وجهلها ليخرج منها على يقين.

فإن لم يعلم عدد النجسة أو المحرمة لزمه أن يصلي في كل ثوب صلاة حتى يتيقن أنه صلى في ثوب طاهر، ولو كثرت (¬1) ولا تصح في ثياب مشتبهة مع وجود طاهر يقينا (¬2) وكذا حكم أمكنة ضيقة (¬3) ويصلي في واسعة حيث شاء بلا تحر (¬4) . ¬

_ (¬1) لأن هذا يندر جدا فألحق بالغالب، وينوي بكل صلاة الفرض احتياطا وتكفي نيتها ظهرا مثلا، إذ لا تتعين الفرضية، كما يأتي في باب النية، واختار الشيخ وغيره: يصلي فيما غلب على ظنه طهارته، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. قلت أو كثرت. وقال فإن الله تعالى لم يوجب على العبد صلاة مرتين، إلا إذا حصل منه إخلال بالواجب، أو فعل محرم فإنه يعيد ما أخل فيه. (¬2) ولو كثرت لندرته، ولا تصح إمامة من اشتبهت عليه الثياب، وقال الشيخ: إذا أداه اجتهاده إلى طهارة أحد الثوبين، وغلب على ظنه صحت وإن كان نجسا في نفس الأمر، وهذا القول ظاهر، وهو قياس المذهب، وإذا أصابه نجاسةونضحه كان حسنا. (¬3) أي كالثياب النجسة إذا اشتبهت فلا يتحرى بل إن اشتبهت منها زاوية طاهرة بنجسة، ولا سبيل إلى مكان طاهر بيقين صلى مرتين في زاويتين منه، وإن تنجست اثنتان فثلاث صلوات، وهكذا وإن لم يعلم عدد النجسة صلى حتى يتيقن أنه صلى في مكان طاهر احتياطا وتقدم أنه يصلي فيما أداه اجتهاده، وغلب على ظنه أنه الطاهر. (¬4) دفعا للحرج والمشقة، وتقدم أن التحري والاجتهاد والتوخي متقاربة ومعناها بذل المجهود في طلب المقصود، وكيفيته أن ينظر إلى ما يغلب على الظن كتغير، ويشترط له شرطان: أن يكون للمشتبهين أصل في الحل، والثاني بقاؤهما.

باب الآنية

باب الآنية (¬1) هي الأوعية، جمع إناء (¬2) لما ذكر الماء ذكر ظرفه (¬3) (كل إناءٍ طاهر) كالخشب والجلود والصفر والحديد (¬4) . ¬

_ (¬1) أي هذا باب يذكر فيه مسائل من أحكام الآنية، وثياب الكفار، وأجزاء الميتة، والباب لغة المدخل إلى الشيء، والطريق الموصل إليه، واصطلاحا اسم لجملة من العلم، تحته فصول ومسائل غالبا، وليس مرادهم الباب في كذا الحصر بل إنه المقصود بالذات والمعظم، فلو ذكروا غيره نادرا، أو بالتبعية أو استطرادا لم يضر. (¬2) وجمع الآنية أوان، والأصل أءان وهي الأوعية لغة وعرفا، والوعاء الظرف يوعى فيه الشيء، سمي بذلك لأنه يجمع ما فيه. (¬3) كأنه جواب سؤال تقديره: ما وجه ذكرهم الآنية بعد الماء؟ فأجاب: لما ذكر الماء وكان سيالا محتاجا إلى ظرف لا يقوم إلا به ناسب ذكر ظرفه، جمعه ظروف وذكر ما يتعلق به ويناسبه. (¬4) الخشب بضمتين وبإسكان الثاني: ما غلظ من العيدان، واحدته خشبة، والجلود: جمع جلد، بالكسر المسك من كل حيوان، والصفر بالضم وبكسر: ضرب من النحاس الذي تعمل منه الأواني، وأنكر بعضهم الكسر فيه، وفي حديث عبد الله بن زيد: «فأخرجنا له تورا من صفر فتوضأ» رواه البخاري، وتوضأ من جفنة وتور حجارة ومن إداوة وقربة، وغيرها، وتخصيصه المنع بالذهب والفضة يقتضي إباحة ما عداهما في الجملة، ويستثني من العموم النجس، والحديد معروف سمي به لمنعته قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ} أي أخرج لهم الحديد من المعادن وعلمهم صنعته.

(ولو) كان (ثمينًا) (¬1) كجوهر وزمرد (¬2) (يباح اتخاذه واستعماله) بلا كراهة (¬3) غير جلد آدمي وعظمه فيحرم (¬4) (إلا آنية ذهب وفضة (¬5) . ¬

_ (¬1) لعدم العلة التي لأجلها حرم الذهب والفضة، لأن هذه الجواهر لا يعرفها إلا خواص الناس فلا تكسر قلوب الفقراء، كذا علله بعض الفقهاء. (¬2) الجوهر فارسي معرب، واحدته جوهرة، وهو كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به والزمرد بالضمات وتشديد الراء، وبالذال المعجمة والمهملة جوهر معروف وكبلور وياقوت. قال في المبدع: وهذا قول عامة العلماء من غير كراهة، ولا يصح قياسها على الأثمان من وجوه كثيرة، منها تخصيص الذهب والفضة وندور اتخاذها. (¬3) أي أخذه وتناوله وإعماله فيما يعدله قال الشارح: وغيره في قول عامة أهل العلم. (¬4) لحرمته وكذا شعره ويستثنى المغصوب، وليس بوارد على المصنف، لأن استعماله مباح من حيث الجملة، ولكن عرض له ما أخرجه عن أصله، وهو الغصب. (¬5) الذهب مصدر ذهب، التبر، سمي ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى، وجمع ابن مالك أسماءه في قوله: نضرٌ نضر نضار زبرج سيرا ... وزخرف عسجد عقيان الذهب والتبر ما لم يذب واشركوا ذهبا ... مع فضة في سبيك هكذا العرب والفضة النوع المعروف وهو جوهر أبيض، نقي يتولد من المادة الزئبقية والكبريتية منعقد في الأرض، يضرب منه أصناف من النقود والحلي، وفي الآية (قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ) أي هي مع صفائها آمنة من الكسر، وسميت فضة لأنها تنفض أي تتفرق ولا تبقى، وتسمى اللجين، والنسيك والغرب، ويطلقان على الذهب أيضا.

ومضببا بهما) أو بأحدهما (¬1) غير ما يأتي (¬2) وكذا المموه والمطلي والمطعم والمكفت بأحدهما (¬3) (فإنه يحرم اتخاذها) (¬4) لما فيه من السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء (¬5) . ¬

_ (¬1) أي الذهب والفضة، والضبة من حديد ونحوه، يضبب بها شق الباب ونحوه، بوضع صفيحة علية تضمه وتحفظه، أو يشعب بها الإناء، وقال الشيخ: المضبب بالفضة من الآنية وما يجري مجراها من الآلات سواء سمي الواحد من ذلك إناء أو لم يسم، وما يجري مجرى المضبب، كالمباخر والمجامر والطشوت والشمعدانات وأمثال ذلك، فإذا كانت الضبة يسيرة لحاجة، مثل شعب القدح وشعيرة السكين ونحو ذلك، مما لا يباشر بالاستعمال، فلا بأس بذلك. (¬2) أي في قوله: إلا ضبة يسيرة لحاجة، وما يأتي في زكاة الأثمان. (¬3) أي بالذهب أو الفضة، والتمويه أن يذاب الذهب أو الفضة، ويلقى فيه الإناء من نحاس أو نحوه، فيكتسب من لونه، والمطلي ما يجعل كالورق ويلصق بالإناء، والتطعيم أن تحفر حفر ويجعل فيها قطع ذهب أو فضة بقدرها، والمكفت أن يبرد الإناء حتى يصير فيه شبه المجاري، ويوضع فيه شريط ونحوه، ويدق عليه حتى يلصق. (¬4) أي اصطناعها على هيئة الآنية، قال الشيخ: إذ الأصل أن ما حرم استعماله حرم اتخاذه كآلات الملاهي اهـ. وكذا تحصيلها بنحو شراء أو اتهاب، ولو لم يقصد استعمالها بخلاف اتخاد الرجل ثياب الحرير، لأن الآنية محرمة مطلقًا. والثياب تباح للنساء. وفي الحرب ونحو ذلك. (¬5) قال ابن القيم: والصواب أن العلة ما يكسب استعمالها القلب من الهيئة والحالة المنافية للعبودية، منافاة ظاهرة، ولهذا علل عليه الصلاة والسلام بأنها للكفار في الدنيا. إذ ليس لهم نصيب في العبودية التي ينالونها بها في الآخرة. فلا يصلح استعمالها لعبيد الله. وإنما يستعملها من خرج عن عبوديته، ورضي بالدنيا وعاجلها من الآخرة.

(واستعمالها) في أَكل وشرب وغيرهما (¬1) (ولو على أُنثى) لعموم الأَخبار وعدم المخصص (¬2) وإنما أبيح التحلي للنساءِ لحاجتهن إلى التزين للزوج (¬3) وكذا الآلات كلها (¬4) . ¬

_ (¬1) أي غير الأكل والشرب، كالغسل والوضوء والإدهان والاكتحال منها لما في الصحيحين «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» وللبخاري «الذي يشرب في آنية الذهب» ولمسلم «والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» ، والتوعد بالنار يدل على آكدية التحريم. وهو متفق عليه. وقال النووي: انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب فيها، وجميع أنواع الاستعمال في معنى الأكل والشرب بالإجماع، وحكى غيره إجماع الأمة على ذلك. وقال الشيخ: ما حرم استعماله حرم اتخاذه. كآلة اللهو. فكذا تحصيلها بنحو شراء أو اتهاب ولو لم يقصد الاستعمال. (¬2) التخصيص هو قصر العام على بعض منه بدليل مستقل ولم يوجد، والخبر مرادف للحديث والحديث اسم من التحديث وهو الإخبار أو الحديث ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم والخبر عن غيره. والأثر ما روي عن الصحابة ويجوز إطلاقه على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم والمراد هنا المرفوعة. ولا يخفى شموله لتحريمها على الأنثى، وكذا الخنثى، مكلفًا كان أو غيره، قال الشيخ: اتفقوا على أن استعمال آنية الذهب والفضة حرام على الذكر والأنثى. (¬3) فلم ينه عنه، ولم يزل يتخذ من غير نكير فهو إجماع. (¬4) أي وكما حرم اتخاذ الآنية واستعمالها حرم اتخاذ الآلات كلها واستعمالها كذلك، وحكاه القرطبي وغيره قول الجمهور، وقال ابن القيم: بل يعم سائر وجوه الإنتفاع، وهذا أمر لا يشك فيه عالم.

كالدواة والقلم والمسعَط (¬1) والقنديل والمجمرة والمدخنة (¬2) حتى الميل ونحوه (¬3) (وتصح الطهارة منها) أي من الآنية المحرمة (¬4) وكذا الطهارة بها وفيها وإليها (¬5) وكذا آنية مغصوبة (¬6) (إلاّ ضبة يسيرة) عرفًا (¬7) . ¬

_ (¬1) بضم الميم، إناء يجعل فيه السعوط. (¬2) القنديل هو المصباح. وجمعه قناديل. والمجمرة بالكسر والضم اسم للشيء الذي يجعل فيه الجمر للبخور، والمدخنة بالكسر أيضًا وهي المجمرة جمعها مداخن. (¬3) كسرير وكرسي وخفين ونعلين وشرابة وملعقة وأبواب ورفوف وطشوت وشمعدانات وأمثال ذلك، كالآلات في تحريم اتخاذها واستعمالها. وقال الشيخ يباح الإكتحال بميل الذهب والفضة، لأنها حاجة وبياحان لها، والميل الذي يكتحل به، وهو بالرفع عطف على: وكذا الآلات أو مبتدأ خبره محذوف. (¬4) مع الحرمة وفاقًا، لأن الإناء ليس بشرط ولا ركن في العبادة، فلم يؤثر فيها، وقال بعض أهل العلم: لا تصح. اختاره أبو بكر والقاضي والشيخ. لإتيانه بالعبادة على وجه محرم. أشبه الصلاة في المحل المغصوب ويأتي. (¬5) أي وكما تصح الطهارة منها تصح بها. أي بالآنية المذكورة بأن يغترف الماء بها (وفيها) كأن يكون الإناء كبيرا يسع قلتين فيغتسل، أو يتوضأ داخله (وإليها) بأن يجعلها مصبًّا لما ينفصل عن الأعضاء وفاقًا، ولا تصح عند أبي بكر وأبي الحسن والشيخ وغيرهم. كما تقدم. (¬6) أي وكما تصح الطهارة في آنية الذهب أو الفضة كذلك تصح في آنية مغصوبة. (¬7) أي في عرف الناس، لأنه لم يرد الشرع بتقديرها. وقال الشيخ: لا بأس بالشرب بقدح مضبب، إذا لم يقع فمه على الضبة. مثل العلم في الثوب وقال: هذا بين في أن الفضة تباح على سبيل التبع كالحرير. قال: ومقتضى هذه الرواية أنه يباح الكثير إذا كان أقل مما هو فيه ولم يستعمل. وهذا هو الصواب.

لا كبيرة (من فضة) لا ذهب (¬1) (لحاجة) وهي أن يتعلق بها غرض غير الزينة فلا بأس بها (¬2) لما روى البخاري عن أنسَ رضي الله عنه، أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة (¬3) . ¬

_ (¬1) يعني فلا يباح بحال نص عليه. قال الشيخ: وقد غلط طائفة من الأصحاب حيث حكوا قولاً بإباحة يسير الذهب في الآنية عن أبي بكر. وإنما قاله في اللباس والتحلي وهما أوسع. (¬2) أي الضبة كشعب قدح ونحوه، غير ما يتزين به من الفضة. قال الشيخ: ومراد الفقهاء بالحاجة هنا إلى تلك الصورة. كما يحتاج إلى التشعيب والشعيرة. سواء كان من فضة أو نحاس أو حديد أو غير ذلك. وليس مرادهم أن يحتاج إلى كونها من فضة، بل هذا يسمونه في مثل هذا ضرورة. والضرورة تبيح الذهب والفضة مفردًا وتبعًا، وقال: كلام أحمد لمن تدبره لم يتعرض للحاجة وعدمها. وإنما فرق بين ما يستعمل وبين ما لايستعمل، فإنه قال: رأس المكحلة والميل حلقة المرآة إذا كان من الفضة فهو من الآنية، وما لا يستعمل فهو أهون في مثل الضبة في السكين والقدح، وإذا ضبب الإناء تضبيبًا جائزًا جاز استعماله مع وجود غيره بلا خلاف. وذكر أيضًا أن أحمد إنما كره الحلقة في الإناء اتباعًا لابن عمر. والمنع هنا مقتضى النص والقياس. فإن تحريم الشيء مطلقا يقتضي تحريم كل جزء منه. إلا ما استثني إذ النهي عن الشيء نهي عن بعضه. (¬3) وفي لفظ له وكان «انصدع فسلسلة بفضة» ، وذكر القرطبي عن البخاري في نسخة أنه رآى هذا القدح بالبصرة. وشرب فيه. وكان اشتري من ميراث النضر ابن أنس بثمانمائة درهم اهـ. والقدح إناء يروي الرجلين. واسم يجمع الصغار والكبار جمعه أقداح، ولا يسمى قدحًا إلا إذا كان فارغًا، فإذا كان فيه شراب قيل له كأس وانكسر وتكسر انشق. من: كسره يكسره كسرًا. والشعب والصدع والشق الذي فيه. والسلسلة بكسر السين القطعة. وبالفتح إيصال الشيء بالشيء، كأنه سد الشقوق بخيوط من فضة، فصارت مثل السلسلة. وأنس هو ابن مالك بن النضر النجاري الأنصاري. خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم خدمه عشر سنين ومات سنة اثنتين أو ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة، والبخاري هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي، جبل الحفظ وإمام الدنيا. وصحيحه أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل، توفي رحمه الله سنة مائتين وست وخمسين.

وعلم منه أن المضبب بذهب حرام مطلقًا (¬1) وكذا المضبب بفضة لغير حاجة (¬2) أو بضبة كبيرة عرفًا، ولو لحاجة (¬3) لحديث ابن عمر «من شرب في إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم» رواه الدارقطني (¬4) . ¬

_ (¬1) أي سواء كان يسيرًا أو لا لحاجة أو لا لضرورة. (¬2) حرام. وقال الشيخ: يباح إذا كان التضبيب أقل مما هو فيه ولم يستعمل. (¬3) يعني فهو حرام، وتقدم ما ذكر شيخ الإسلام عن أحمد أنه لم يتعرض للحاجة، ولم يقيده بالقلة، وأنه إنما فرق بين ما يستعمل وما يفرد. (¬4) ورواه البيهقي، وكلاهما من طريق يحيي بن محمد الجاري، قال غير واحد: ليس بالقوي، وقال الشيخ: إسناده ضعيف، ومقصود المصنف منه قوله «أو إناء فيه شي من ذلك» ، وقال الحاكم: لم نكتب هذه اللفظة. إلا بهذا الإسناد قال البيهقي: والمشهور أنه موقوف. اهـ ولا يعارض به ما صح من حديث أنس وغيره، و (يجرجر) بكسر الجيم الثانية و (نار) بالنصب جزم به المحققون واختاروه وروي بالرفع، ولم يذكره الأكثر. ولمسلم «نار من جهنم» ، ولأبي عوانة «إنما يجرجر في جوفه نارا» ، من الجرجرة وهو صوت يردده البعير في حنجرته إذا هاج، ويقال: جرجر فلان الماء إذا جرعه جرعًا متواترًا، له صوت بانحداره إلى جوفه والمعنى كأنما يجرع نار جهنم، وسمي جهنم لبعد قعرها، أو من الجهومة وهي الغلظ لغلظ أمرها في العذاب، وابن عمر هو عبد الله أسلم مع أبيه وهو صغير، وأجازه النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، كان من أهل العلم والورع أفتى ستين سنة وبلغ ستًّا وثمانين، ومات بمكة سنة ثلاث وسبعين، والدارقطني هو الحافظ صاحب السنن وغيرها، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي، سمع من البغوي وغيره، وتوفي سنة ثلاثمائة وخمس وثمانين.

تباح آنية الكفار وثيابهم وتغسل إن علمت نجاستها

(وتكره مباشرتها) أي الضبة المباحة (لغير حاجة) لأَن فيه استعمالاً للفضة (¬1) فإن احتاج إلى مباشرتها كتدفق الماءِ ونحوه ذلك لم يكره (¬2) و (تباح آنية الكفار) إن لم تعلم نجاستها (¬3) (ولو لم تحل ذبائحهم) كالمجوس (¬4) لأنه صلى الله عليه وسلم توضأَ من مزادة مشركة. متفق عليه (¬5) . ¬

_ (¬1) بلا حاجة في الجملة جزم به الموفق وغيره وصححه في تصحيح الفروع ولا تحرم المباشرة لإباحة الاتخاذ والمباشرة مصدر باشره أي وليه ببشرته. (¬2) دفعًا للحرج وتدفقُ الماء: تصببه لو شرب من غير جهتها ونحوه. (¬3) وفاقًا: لأبي حنيفة والشافعي، فهي طاهرة مباحة الاستعمال، للأخبار فإن علمت غسلت لخبر «فاغسلوها» ، وكغيرها من أواني المسلمين إذا تنجست. (¬4) إشارة إلى خلاف مالك، وقال القاضي هي نجسة لأنها لا تخلو من أطعمتهم. (¬5) من حديث عمران بن حصين في حديث طويل، والجمع بينه وبين حديث أبي ثعلبة «إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها» قيل: الأولى عدم استعمالها إذا وجد غيرها، والمزادة هي ما يحمل فيها الماء، ولا تكون إلا من جلدين، والمجوس أمة يعبدون الشمس والقمر، أو يعبدون النار، والمجوسية نحلتهم أي ملتهم وطائفتهم أو دعواهم، وأماأهل الكتاب فلا تختلف الرواية في أنه لا يحرم استعمال أوانيهم، لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} ولحديث عبد الله بن مغفل «دلي جراب من شحم» الحديث متفق عليه.

(و) تباح (ثيابهم) أَي ثياب الكفار، ولو وليت عوراتهم كالسراويل (¬1) (إن جهل حالها) ولم تعلم نجاستها (¬2) لأَن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك (¬3) وكذا ما صبغوه أَو نسجوه (¬4) . ¬

_ (¬1) والأزر أي ولو وليت ثياب الكفار أهل الكتاب أو المجوس أو عبدة الأوثان عوراتهم كما تليها السروايل فمباحة وكره لبسها أبو حنيفة والشافعي والسراويل معروفة، والجمع السراويلات، قال سيبويه: السراويل واحدة، وهي أعجمية أعربت فأشبهت من كلامهم ما لا ينصرف. (¬2) كما لو علمت طهارتها، فإن علمت نجاستها لم تبح قبل غسلها، لخبر «فاغسلوها» . (¬3) كما أنا لا تنجس ثيابنا بالشك. (¬4) أي الكفار كلهم، وسئل أحمد عن صبغ اليهود بالبول فقال: المسلم والكافر في هذا سواء ولا يبحث ولا يسأل عنه: فإن علمت فلا تصل فيه حتى تغسله وقال عمر: نهانا الله عن التعمق والتكلف وفي الشرح، لا نعلم خلافًا في إباحة لبُس الثوب الذي نسجه الكفار فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما كان لباسهم من نسج الكفار.

حكم جلد الميتة إذا دبغ

وآنية من لابس النجاسة كثيرًا، كمدمن الخمر، وثيابهم (¬1) وبدن الكافر طاهر (¬2) ، وكذا طعامه وماؤه (¬3) لكن تكره الصلاة في ثياب المرضع والحائض والصبي ونحوهم (¬4) ولا (يطهر جلد الميتة بدباغ) (¬5) روي عن عمر وابنه، وعائشة وعمران بن حصين رضي الله عنهم (¬6) . ¬

_ (¬1) طاهرة ما لم تعلم نجاستها، ومدمن المخمر هو المداوم على شربها، وكذا آنية الحائض والمرضع والجزار والدباغ ونحوهم. وثيابهم طاهرة، ما لم تعلم نجاستها، وقيل: التوقي لذلك أولى. لاحتمال النجاسة فيه. أو للاستقذار. (¬2) لأنه لا يجب بجماع الكتابية غير ما يجب بجماع المسلمة. ولو حرمت رطوباتهم لا استفاض نقله. (¬3) أي الكافر لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} . (¬4) كالنفساء والمربية، وكمد من الخمر والجزار، وإنما كره مراعاة للخلاف واحتياطًا للعبادة، وتباح الصلاة في ثياب الصبيان والمربيات، وفي ثوب المرأة الذي تحيض فيه إذا لم تتحقق نجاسته، لحمله صلى الله عليه وسلم أمامة وتوقي ذلك أولى، لاحتمال النجاسة. (¬5) الميتة اسم لكل حيوان خرجت روحه بغير ذكاة، وقد يسمى المذبوح في بعض الأحوال ميتة حكمًا كذبيحة المرتد، وفي المصباح: الميتة ما مات حتف أنفه، أو قتل على هيئة غير مشروعة، والدباغ هو ما يدبغ به من قرظ وغيره ينزع فضوله، من لحم ودم ونحوهما مما يعفنه، ويمنع النتن والفساد، ولو جف ولم يستحل لم يطهر، والمراد هنا الميتة النجسة، لا ما لا ينجس بالموت، كالجراد والسمك، والجنين بعد ذكاة أمه، والصيد إذا قتله الجارح، أو السهم بشرطه أو الآدمي واستعماله حرام بالإجماع. (¬6) أي أنهم أفتوا بعدم طهارته لحديث «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» وعمر هو ابن الخطاب بن نفيل أبو حفص القرشي ثاني الخلفاء الراشدين رضي الله عنه، ولد قبل البعثة بثلاثين سنة، وقتله أبو لؤلؤة سنة ثلاث وعشرين، وابن هو عبد الله، وعائشة هي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة بسنتين ولها سبع، أفضل النساء وأفقههن، توفيت رضي الله عنها سنة ثمان وخمسين، وعمران بن حصين هو ابن عبيد بن خلف بن عبد نهم الخزاعي أسلم عام خيبر أفقه من قدم البصرة من الصحابة، مات رضي الله عنه سنة اثنتين وخمسين، وروي عن عمر أيضًا وعائشة وابن عباس وابن مسعود أنه يطهر وإليه رجع أحمد نقله عنه جماعة وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وجماهير العلماء، واختاره الموفق والشارح وابن حمدان والشيخ وغيرهم، وورد في تطهيره بالدباغ خمسة عشر حديثًا، منها حديث ابن عباس «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه» رواه مسلم وغيره، وحديث ميمونة «يطهر الماء والقرظ» و «دباغ الأديم طهوره» متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأن نجاسة جلد الميتة طارئة فنزول بالمعالجة، وفي المصباح وغيره: الإهاب اسم للجلد قبل الدبغ، وقوله «أيما إهاب دبغ» ، يدل عليه، وقال النضر وغيره من علماء اللغة قال الشيخ: والتحقيق أن يقال: ليس في حديث ابن عكيم، نهي عن استعمال المدبوغ اهـ وهو ضعيف لا يحتج به لعلل شتى.

وكذا لا يطهر جلد غير مأْكول بذكاة كلحمه (¬1) (ويباح استعماله) أَي استعمال الجلد (بعد الدبغ) (¬2) . ¬

_ (¬1) غير المأكول كالكلب والفهد والأسد، لأنه ليس محلاًّ للذكاة، فهو ميتة، وهذا مذهب الشافعي، وأما الذكاة في المأكول فسبب لبقاء طهارته كلحمه. (¬2) لا غير إذ لانزاع في نجاسة إهاب الميتة قبل دبغه، وقال الشارح: لا يجوز بيعه قبل الدبغ لا نعلم فيه خلافًا، وقيل يجوز بيعه مع نجاسته كثوب نجس وزبل، وأجاز شيخ الإسلام الانتفاع به قبل الدبغ فيما لم ينجسه، وكذا يجوز الانتفاع به في اليابس وأن المراد من الآية تحريم الأكل، لأنه المقصود منها عرفًا، ولا يجوز أكله لأنه جزء من الميتة، قال الشارح: في قول عامة أهل العلم، ولا يلزم من الطهارة إباحة الأكل، وفي الصحيحين «إنما حرم من الميتة أكلها» .

بطاهر منشف للخبث، قال في الرعاية: ولا بد فيه من زوال الرائحة الخبيثة (¬1) وجعلُ المصران والكرش وترادباغ (¬2) ولا يحصل بتشميس ولا تتريب (¬3) ولا يفتقر إلى فعل آدمي (¬4) فلو وقع في مدبغة فاندبغ جاز استعماله (¬5) (في يابس) (¬6) . ¬

_ (¬1) فضابطه أن يطيب به ريح الجلد، بحيث لو وقع في الماء بعده لم يعد إليه الفساد، كالشب والشت والقرظ وقشور الرمان والعفص، وغير ذلك مما يحصل به مقصود الدباغ، والرعاية المراد بها الرعاية الكبرى لأحمد بن حمدان بن شبيب ابن حمدان النميري الحراني الفقيه الحنبلي، وله الرعاية الصغرى وغيرها، توفي سنة ستمائة وخمس وتسعين. (¬2) أي يكون ذلك دباغًا له، لأنه المعتاد فيه، والمصران بالضم واحدها مصير بالفتح الأمعاء، والكرش بالفتح والكسر لكل مجتر، بمنزلة المعدة للإنسان والأمعاء والوتر بالتحريك أحد أوتار القوس، وإذا دبغ الجلد بنجس أو دهن بدهن متنجس طهر بالغسل، لأن الذي يبقي عرض. (¬3) لاشتراط الدبغ وليس التشميس ولا التتريب دبغًا لقوله: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه» . (¬4) لأن إزالة النجاسة من التروك فلا تفتقر إلى نية. (¬5) لاندباغه في موضع الدباغ. (¬6) متعلق باستعماله لأن نجاسته لا تمنع الانتفاع به فيه.

لا مائع، ولو وسع قلتين من الماء (¬1) إذا كان الجلد (من حيان طاهر في الحياة) مأكولاً كان كالشاة (¬2) أَو لا كالهر (¬3) أَما جلود السباع كالذئب ونحوه مما خلقته أَكبر من الهر ولا يؤكل (¬4) فلا يباح دبغه، ولا استعماله قبل الدبغ ولا بعده، ولا يصح بيعه (¬5) ويباح استعمال مُنخل من شعر نجس، في يابس (¬6) . ¬

_ (¬1) سواء كان المائع من ماء أو غيره، لأنه يفضي إلى تعدي النجاسة، وهذا على القول بعدم طهارته بالدبغ. (¬2) والظباء والبقر، والإبل. (¬3) أي أو غير مأكول كالهر، أي السنور، وما دونه خلقه كابن عُرْس فيجوز استعماله في يابس. (¬4) كالأسد والنمر والفهد والكلب ونحوها، وكالقرد والدب. (¬5) وفاقًا، واختاره الشيخ وغيره، لأن الدباغ إنما يزيل النجاسة الحادثة بالموت، وقال: لا يطهر جلود السباع، وهو أرجح، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن جلود السباع وعليه الجمهور وقال أيضا: الذي عليه الجمهور أن جلود الكلاب وسائر السباع لا تطهر بالدباغ، لما روي عنه عليه الصلاة والسلام من وجوه متعددة أنه نهى عن جلود السباع، وأما قوله «أيما إهاب دبغ فقد طهر» ، فضعفه أحمد وغيره من أئمة الحديث وقال: وفي هذا القول جمع بين الأحاديث ولا يجوز ذبحه لذلك وقال: ولو في النزع. (¬6) لا رطب، والمنخل بضم الميم والخاء وتفتح، ما ينخل به، لعدم تعدي النجاسة كركوب البغل والحمار.

وَ (لبنها) أَي لبن الميتة (¬1) (وكل أَجزائها) كقرنها وظفرها وعصبها وعظمها وحافرها (¬2) وإِنفحتها وجلدتها (نجسة) فلا يصح بيعها (¬3) (غير شعر ونحوه) كصوف ووبرويش من طاهر في الحياة (¬4) . ¬

_ (¬1) نجس وفاقًا لمالك والشافعي: لأنه لاقى وعاء نجسًا، فتنجس به، وعنه طاهر وفاقا لأبي حنيفة وغيره، واختاره الشيخ، لأن الصحابة أكلوا الجبن لما دخلوا المدائن وهو يعمل بالإنفحة ومجرد ملاقاة النجاسة لا يوجب تنجيسه إلا بالتغير بها. (¬2) أي الميتة وكذا أصول شعرها، وأصول ريشها نجسة، لأنها من جملة أجزاء الميتة أشبهت سائرها هذا المذهب. (¬3) أي لأنها من جملة أجزاء الميتة والإنفحة بكسر الهمزة وفتح الفاء وتكسر وشد الحاء شيء يستخرج من بطن الحمل، أو الجدي الرضيع، أصفر فيعصر في اللبن فيغلظ كالجبن فإذا أكل الجدي فهو كرش، وجلدتها أي جلدة الإنفحة نجسة، فلا يصح بيعها وقال شيخ الإسلام، عظم الميتة وقرنها وظفرها وما هو من جنسه كالحافر والشعر والريش طاهر وهو مذهب أبي حنيفة، وقول في مذهب مالك وأحمد، وهو الصواب، لأن الأصل فيها الطهارة، ولا دليل على النجاسة، وأيضًا هذه الأعيان من الطيبات ليست من الخبائث، فتدخل في آية التحليل، ولم تدخل في آية ما حرم الله من الخبائث فإن الله حرم الميتة، وهذه الأعيان لا تدخل فيما حرم الله لا لفظًا ولا معنى فإن الله يقول: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} ولا يدخل فيها الشعور وما أشبهها، وليس فيها دم مسفوح فلا وجه لتنجيسها أي فيصح بيعها وهو قول جمهور السلف، واختاره صاحب الفائق وجزم به ابن رزين وغيره وقال الشيخ: إذا كان الحيوان الحساس المتحرك بالإرادة لا ينجس لكونه لا دم له سائل، فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه دم سائل. (¬4) ولو غير مأكول كالهر، ويشترط أن يقصه بمقراظ فلو نتفه كان نسجًا لأنه لا يخلو من أن يتعلق فيه شيء منها، ورخص أبو حنيفة ومالك في الانتفاع بشعر الخنزير في الخرز وكرهه أحمد، وقال: الحرز بالليف أحب إلي، قال الحافظ: وأجمعوا على طهارة ما يجز من الشاة وهي حية، وعلى نجاسة ما يقطع من أعضائها وهي حية فدل على التفرقة بين الشعر وغيره من أجزائها.

فلا ينجس بموت، فيجوز استعماله (¬1) ولا ينجس باطن بيضة مأكول صلب قشرها بموت الطائر (¬2) (وما أبين من) حيوان (حي فهو كميتتة) طهارة ونجاسة (¬3) فما قطع من السمك طاهر (¬4) ، وما قطع من بهيمة الأَنعام ونحوها مع بقاءِ حياتها نجس (¬5) . ¬

_ (¬1) لقوله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} ولا يجوز استعمال شعر الآدمي لحرمته، و (يجوز) تستعمل تارة بمعنى يحل، وتارة بمعنى يصح، وتارة تصلح للأمرين وهنا الأول. (¬2) لأنها منفصلة عنه أشبهت ولد الميتة إذا خرج حيًّا، و (صلب) أي اشتد قشر بيضة المأكول كالدجاج، حتى كان صلبًا، فإن لم يصلب فنجسة لأنهامن أجزاء الميتة. (¬3) أبين) : أي فصل من سنام وألية ونحوهما، لقوله عليه الصلاة والسلام لما سأل عن قوم يجزون أسنمة الإبل وأليات الغنم، فقال: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة» ، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم، وقال: العمل عليه عند أهل العلم، وقال الشيخ: وهذا متفق عليه بين العلماء. (¬4) وكذا الجراد لحل ميتته قال عليه الصلاة والسلام «أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالجراد والحوت» ، وأجمعوا على طهارتهما. (¬5) إجماعًا، وبهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم، ونحوها الظباء والطيور ونحوها، وسميت بهيمة لما في صوتهامن الإبهام، وفي القاموس: البهيمة كل ذات أربع قوائم، ولو في الماء وكل حي لا يميز، وقوله (مع) بفتح العين، وقال النووي: في اللغة المشهورة، وحكي إسكانها، قال أهل اللغة: هي كلمة للمصاحبة وتضم الشيء إلى الشيء.

غير مسك وفأْرته (¬1) والطريدة وتأْتي في الصيد (¬2) . ¬

_ (¬1) لأنه منفصل بطبعه، أشبه الولد، قال الشيخ: طاهر عند جماهير العلماء كما دلت عليه السنة الصحيحة وعمل المسلمين، وذكر أنه بمنزلة البيض والولد ليس مما يبان من البهيمة وهي حية وحكي النووي وغيره الإجماع على طهارته ولو أخذ بعد الموت، لأنه استحال عن جميع صفات الدم، وخرج عن اسمه إلى صفات واسم يختص بها فطهر لذلك، كما يستحيل الدم إلى اللحم فيكون طاهرًا والمسك بكسر الميم وسكون السين فارسي معرب، كانت العرب تسمية المشموم وهو طيب معروف، وفأرته دم ينعقد في سرة حيوان، يعيش في بلاد حارة قرب الصين يسمى بغزال المسك، وهو نوع من الظباء، بري، يتميز بهذا الكيس يحمله الذكر البالغ منه في وقت معلوم يتميز أجوده بالرائحة الذكية. (¬2) لم يذكرها رحمه الله، وهي الصيد بين قوم لا يقدرون على ذكاته فيأخذونه قطعًا، حتى يؤتي عليه وهو حي، قال الحسن لا بأس بالطريدة، كان الناس يفعلون ذلك في مغازيهم واستحسنه أحمد، وكذا الناد من الإبل وغيرها، ما أبين من ذلك وهو حي فطاهر، ويسن أن يقول العبد في كل شيء يعزم عليه: إن شاء الله، امتثالا لأمر الله، وقال عليه الصلاة والسلام في قصة سليمان: «لو قال إن شاء الله لم يحنث» وكان دركا لحاجته متفق عليه.

باب الاستنجاء

باب الاستنجاء (¬1) من نجوت الشجرة أي قطعتها (¬2) فكأنه قطع الأذى (¬3) والاستنجاء إزالة الخارج من سبيل بماءٍ (¬4) أو إزالة حكمه بحجر ونحوه (¬5) . ¬

_ (¬1) وآداب التخلي الاستنجاء والاستطابة والاستجمار إزالة النجو، وهو العذرة فالأولات يكونون بالماء والحجر، والاستجمار لا يكون إلا بالحجارة وأما الاستبراء فهو طلب البراءة من الخارج بشيء مما ذكر، حتى يستيقن زوال الأثر، والاستنقاء طلب النقاوة، وهو أن يدلك المقعدة بالأحجار ونحوها، أو بالأصابع حالة الاستنجاء بالماء، وأما الاستطابة فسميت بذلك لأنها تطيب نفسه بإزالة الخبث. (¬2) بضم التاء، كما عرف مما تقدم. (¬3) أي عنه باستعمال الماء، وقال ابن قتيبة وغيره: هو مأخوذ من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض، لأن من أراد قضاء الحاجة استتر بها، أو هو من النجو وهو القشر والإزالة. وقيل: أصل الاستنجاء نزع الشيء من موضعه وتخليصه، وقال الخلوتي، لم يجعلوا الاستنجاء مأخوذا من النجو، وهو الخارج من السبيل الذي تطلب إزالته مع أنه أقرب من غيره. (¬4) أي الاستنجاء شرعا إزالة خارج، سواء كان معتادا أولا، من سبيل أصلي قبل أو دبر بماء، وإنما قيل بالأصلي لكون الاستنجاء لا يطلق إلا عليه وإلا فيقال إزالة نجاسة. (¬5) كخرق وخشب وخزف وتراب، و (أو) للتنويع والسنة دلت على إزالته كقوله في الروث والعظم: «إنهما لا يطهران» ، أي فغيرهما من الأحجار ونحوها تطهر.

ويسمى الثاني استجمارًا من الجمار، وهي الحجارة الصغيرة (¬1) (يستحب عند دخول الخلاء) ونحوه (¬2) وهو بالمد الموضع المعد لقضاء الحاجة (¬3) . ¬

_ (¬1) لأنه يستعملها في استجماره. (¬2) أي يستحب إذا أراد دخول لمكان المعد لقضاء الحاجة، ونحو داخل الخلاء كالمريد قضاء الحاجة بنحو صحراء، في أول الشروع عند تشمير ثيابه، وفسر بعضهم نحوه بالحمام، والمغتسل ونحوهما: قول بسم الله إلخ، وتقدم تعريف المستحب بأنه ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، وهو ما فعله صلى الله عليه وسلم مرة وتركه أخرى، وأحبه السلف ويسمى مندوبا وأدبا وفضيلة ونفلا وتطوعا، كما جري عليه الأصوليون، فمستحبا من حيث أن الشارع يحبه ويؤثره ومندوبا من حيث أنه بين ثوابه، وفضيلة ونفلا من حيث أنه زائد على الفرض والواجب، وتطوعا من حيث أن فاعله يفعله تبرعا من غير أن يؤمر به حتما، وقد يطلق عليه اسم السنة، وهو ما لم يثبت فيه نص بخصوصه، والماتن والشارح رحمهما الله وكذا بعض المتأخرين من الأصحاب وغيرهم قد يجعلون المسنون مستحبا وبالعكس، وعبر في الإقناع والمنتهى هنا بلفظ يسن، وهو أولى فقد ورد في رواية على شرط مسلم «إذا دخلتم الخلاء فقولوا بسم الله» إلخ. (¬3) وهو في الأصل المكان الخالي، نقل إلى البناء المعد لقضاء الحاجة عرفا، وسمي خلاء لخلوه، يقال: خلا المكان خلاء إذا فرغ، ولم يكن فيه أحد، وقال أبو عبيد: يقال لموضع الخلاء المذهب والمرفق والمرحاض اهـ، ويقال له أيضا الكنيف، للاستتار فيه، والبراز للتبرز فيه لقضاء الحاجة، ويقال غير ذلك، والتخلي التفرد.

(قول بسم الله) لحديث علي: «ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول بسم الله» (¬1) رواه ابن ماجه والترمذي وقال: ليس إسناده بالقوي (¬2) (أعوذ بالله من الخبث) (¬3) بإسكان الباء، قال القاضي عياض، هو أكثر روايات الشيوخ (¬4) . ¬

_ (¬1) أي عند إرادة الدخول، وصرح به البخاري في الأدب المفرد، من حديث أنس بلفظ: «كان إذا أراد أن يدخل» وهذا في الأمكنة المعدة لذلك، وأما في غيرها ففي أول الشروع عند تشمير الثياب، كما تقدم والستر بالفتح نفس الفعل، وبالكسر ما يغطى به، والجن اسم جمع، والواحد جني ضد الإنس، أرواح هوائية تتشكل بأشكال مختلفة، وهم مكلفون في الجملة إجماعا، والعورات جمع عورة سوأة الإنسان، وكل ما يستحي منه، وتقدم، والكنيف كأسير المرحاض، وقيل للمرحاض كنيف لأنه يستر قاضي الحاجة. (¬2) قال النووي وغيره: هذا الأدب متفق على استحبابه وابن ماجه هو محمد بن يزيد الربعي مولاهم، بفتح الراء والموحدة القزويني أبو عبد الله صاحب السنن والتفسير والتاريخ المتوفى سنة مائتين وثلاث وسبعين. (¬3) معنى أعوذ بالله ألوذ به وألتجئ وأستجير وأعتصم، يقال: عذت به أعوذ عوذا وعياذا لجأت إليه، وقدم البسملة هنا لأنه يبتدأ بها للتبرك، بخلاف القراءة لأن البسملة من القرآن والاستعاذة من أجل القراءة. (¬4) أي رواية الخبث بإسكان الباء، وقال النووي: صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة، منهم أبو عبيد، قال في النكت، وقاله عامة أصحاب الحديث، وهو غلط والصواب الخبث بضم الباء والقاضي عياض هو ابن موسى بن عياض بن عمر بن موسى بن عياض، اليحصبي السبتي الغرناطي المالكي، صاحب التصانيف المشهورة، وقاضي سبتة بالمغرب، المتوفى سنة خمسمائة وأربع وأربعين.

وفسره بالشر (والخبائث) الشياطين فكأنه استعاذ من الشر وأهله (¬1) وقال الخطابي: هو بضم الباء (¬2) وهو جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة فكأنه استعاذ من ذكرانهم وإناثهم (¬3) واقتصر المصنف على ذلك تبعا للمحرر والفروع وغيرهما (¬4) . ¬

_ (¬1) وكذا فسره أبو عبيد وغيره، وقال ابن الأعرابي: أصل الخبث في كلام العرب المكروه فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار اهـ وهذا الذكر مجمع على استحبابه. (¬2) لا يجوز غيره، وقاله ابن حبان وغيره، وتعقب بأنه يجوز ككتب وكتب قال ابن سيد الناس، وهذا الذي أنكره الخطابي هو الذي حكاه أبو عبيد وحسبك به جلالة، وقال النووي: هو جائز تخفيفا بلا خلاف عند أهل النحو والتصريف اهـ والخطابي هو أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب (قال اسمي حمد الذي سميت به، لكن الناس كتبوا أحمد فتركته عليه.) من ولد زيد بن الخطاب. أخي عمر بن الخطاب البستي، نسبة إلى مدينة بستة ببلاد كابل، محدث ففيه لغوي، أخذ اللغة والأدب عن أبي عمر وأبي علي وأبي جعفر وغيرهم، وعنه ابن البيع وغيره، وله كتب أشهرها غريب الحديث، وهو في غاية الحسن والبلاغة، وله أعلام السنن، ومعالم السنن، في شرح البخاري وأبي داود، توفي ببستة سنة ثلاثمائة وثمان وثمانين. (¬3) وكذا قاله ابن حبان وغيره، قال الحافظ: وكان يستعيذ إظهارا للعبودية ويجهر بها للتعليم. (¬4) كالغنية والإقناع يعني على قول «بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث» .

لحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» متفق عليه (¬1) . وزاد في الإقناع والمنتهى تبعا للمقنع وغيره (¬2) «الرجس النجس الشيطان الرجيم» (¬3) . ¬

_ (¬1) وللبخاري في الأدب: إذا أراد دخوله، وهو ظاهر في الأمكنة المعدة لذلك، ومعنى (اللهم) يا الله، قال ابن القيم: لا خلاف في ذلك، والميم حرف شفوي يجمع، الناطق به شفتيه فوضعته العرب علما على الجمع، وألحقوها في هذا الاسم الذي يسأل الله به في كل حاجة، وكل حال، إيذانا بجمع أسمائه وصفاته، فإذا قال السائل: اللهم إني أسألك كأنه قال أدعوا الله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى، بأسمائه وصفاته، فأتى بالميم المؤذنة بالجمع في آخر هذا الاسم إيذانا بأسمائه كلها، كما في الحديث «أسألك بكل اسم هو لك» قال الحسن: اللهم مجمع الدعاء وقال النضر بن شميل: من قال اللهم فقد دعا الله بجميع أسمائه كلها، ولما أدخلوا الميم المشددة في آخره عوضا عن جمع الاسم جعلوها أيضا عوضا من حرف النداء، فلم يجمعوا بينهما. (¬2) كالمستوعب والشرح والبلغة والوجيز وأما الإقناع فلعله سهو من الناسخ. (¬3) الرجس القذر، ويحرك وتفتح الراء، وتكسر الجيم، قاله في القاموس وغيره، وهو لفظة أعجمية ويقال بالكاف وتكسر السين فيها، وتفتح والنجس اسم فاعل، ضد الطاهر، وهو من عطف الخاص على العام، قال الفراء: إذا قالوه مع الرجس أتبعوه إياه بكسر النون وسكون الجيم، وفي الكليات: الرجس النجس متقاربان لكن الرجس أكثر ما يقال في المستقذر طبعا، والنجس أكثر ما يقال في المستقذر عقلا وشرعا و (الشيطان) اسم كل جني كافر عات متمرد، من شطن أي بعد، لبعده من رحمة الله وتمرده، أو من الحبل الطويل كأنه طال في التمرد. أو من شاط أي هلك لهلاكه بمعصية الله. و (الرجيم) المرجوم الملعون فسر بكل منها فقيل بمعنى راجم لأنه يرجم غيره بالإغواء، أو بمعنى مرجوم لأنه يرجم بالكواكب، إذا استرق السمع، أي أستجير بالله من هذا الشيطان الرجيم، أن يمسني بسوء وهو أيضا من عطف الخاص على العام، لدخوله في الخبث والخبائث.

لحديث أبي أمامة: «لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم» (¬1) (و) يستحب أن يقول (عند الخروج منه) أي من الخلاء ونحوه (¬2) (غفرانك) أي أسألك غفرانك من الغفر وهو الستر (¬3) . ¬

_ (¬1) رواه ابن ماجه، واقتصر عليه في الوجيز، وجمع بين الخبرين في المقنع والمنتهى وغيرهما والمرفق بالكسر لا غير، واحد المرافق الكنيف والحش، والعجز والضعف، لا يعجز أي لا يضعف، وأصله التأخر عن الشيء، وأبو أمامة اسمه صدي بن عجلان بن الحارث الباهلي، قال ابن عبد البر غلبت عليه كنيته، كان يسكن حمص، وقال الحافظ: مشهور بكنيته وممن روى عنه القاسم، روي عنه هذا الحديث توفي سنة إحدى وثمانين، وله إحدى وتسعون. (¬2) كصحراء بعد فراغه وعبر في الإقناع والمنتهى بيسن، وفي الحديث «إذا خرج أحدكم فليقل» الحديث. (¬3) منصوب بفعل مقدر، أو مصدر أي اغفر غفرانك، والعف هو المحو مع الستر، استغفر الله من تقصيره في شكر الله على إخراج ذلك الخارج من بعد أن أنعم عليه، فأطعمه ثم هضمه ثم سهل خروجه عليه، ويقال: إن مناسبة سؤال المغفرة في هذا الموضع أنه دخل ثقيلا وخرج خفيفا، فذكر ثقل الذنب يوم القيامة فسأل الله المغفرة، وقيل: من تركه الذكر وقت قضاء الحاجة، والأول أولى لما يأتي.

لحديث أنس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال «غفرانك» ) رواه الترمذي وحسنه (¬1) . وسن له أيضا أن يقول (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) لما رواه ابن ماجه عن أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» (¬2) . (و) يستحب له (تقديم رجله اليسرى دخولا) أي عند دخول الخلاء ونحوه من مواضع الأذى (¬3) . (و) يستحب له تقديم (يمنى) رجليه (خروجا (¬4) عكس مسجد) ومنزل (و) لبس (نعل) وخف (¬5) . ¬

_ (¬1) ورواه الخمسة من حديث عائشة وصححه ابن خزيمة والحاكم والنووي وغيرهم وظاهر حديث أنس أنه كان يجهر بهذا الذكر فيحسن الجهر به. (¬2) أي من احتباسه ورواه النسائي وابن السني عن أبي ذر وقال الحافظ: سنده حسن، وفي حمده إشعار بأن هذه نعمة جليلة، فإن انحباس ذلك الخارج من أسباب الهلاك فخروجه من النعم. (¬3) كحمام ومغتسل وكمزبلة ومجزرة. (¬4) منه لأنها أحق بالتقديم إلى الأماكن الطيبة، وأحق بالتحرز عن الأذى ومحله وفي غير البنيان يقدم يسراه إلى موضع جلوسه، ويمناه عند منصرفه منه مع إتيانه بما تقدم وهذا الأدب متفق على استحبابه. (¬5) فإنه يقدم فيها رجله اليمنى دخولا، واليسرى خروجا، والعكس في اللغة رد الشيء إلى طريقه الأول، وفي الاصطلاح عبارة عن تعليق نقيض الحكم المذكور بنقيض علته. وضد الطرد والعكس: المستوي وهو جعل الأول ثانيا. والثاني أولا، وعكس النقيض وهو جعل نقيض الثاني أولا والأول ثانيا.

فاليسرى تقدم للأذى واليمنى لما سواه (¬1) وروى الطبراني في المعجم الصغير عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ باليسرى» (¬2) وعلى قياسه القميص ونحوه (¬3) . ¬

_ (¬1) أي سوى الأذى، والأذى هو ما تستكرهه النفس الزكية، مما مر ونحوه وكخلع الثوب، وفعل المستقذرات، وما سواه: هو جميع الأعمال الصالحة، كدخول مسجد، ولبس نعل ونحوهما. (¬2) ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم عنه قال: «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمنى أولهما تنعل وآخرها تنزع» ، وعن أنس: (من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى) صححه الحاكم وغيره، وأدلة هذه القاعدة كثيرة شهيرة فإن البداءة باليمين مشروعة في الأعمال الصالحة، للندب على تقديمها فيها، ولفضل اليمين حسا في القوة والجرأة والصلاحية للأعمال مما ليس لليسار حتى إن الخاتم يضيق في اليمنى ويتسع في اليسرى، وانتعل وتنعل ونعل ينعل نعلا لبس النعل، والنعل مصدر وهو الحذاء أي ما وقيت به القدم من الأرض، والطبراني هو سليمان بن أحمد بن أيوب الحافظ المعمر، طاف البلاد وأخذ عن أكثر من ألف شيخ، وله المعاجم الثلاثة وغيرها، وتوفي سنة ثلاثمائة وستين. (¬3) أي قياس الخف كالقباء والسراويل، فيدخل يده اليمنى قبل اليسرى في اللبس، ويقدم اليسرى في الخلع، لقوله «إذا لبستم وإذا توضأتم فابدءوا بميامنكم» رواه أبو داود والترمذي بإسناد جيد.

كيفية الجلوس عند قضاء الحاجة واستتاره وارتياده لبوله موضعا رخوا

(و) يستحب له (اعتماده على رجله اليسرى) حال جلوسه لقضاء الحاجة (¬1) لما روي الطبراني في المعجم والبيهقي عن سراقة بن مالك: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتكئ على اليسرى، وأن ننصب اليمنى) (¬2) . (و) يستحب (بعده) إذا كان (في فضاء) حتى لا يراه أحد (¬3) لفعله عليه السلام، رواه أبو داود، من حديث جابر (¬4) . ¬

_ (¬1) فيستوطئها ويتوكأ على ركبته اليسرى، ويضع أصابع اليمنى على الأرض ويرفع عرقوبها إكراما لها. (¬2) لكن قال الحازمي: في إسناده من لا نعرفه، وعلله بعض أهل العلم بأنه أسرع وأسهل لخروج الخارج، وأعون عليه، أو ليقل مع ذلك استعمال اليمنى لشرفها، وسراقة بن مالك هو ابن جعشم بن مالك بن عمرو بن تيم، المدلجي الكناني وهو الذي ساخت فرسه عند إدراكه النبي صلى الله عليه وسلم مهاجره من مكة، وكتب له أمانا، توفي سنة أربع وعشرين، والبيهقي هو الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي الشافعي، صاحب السنن والشعب وغيرهما، طاف البلاد، وتوفي سنة أربعمائة وثمان وخمسين، وبيهق قرية من قرى نيسابور. (¬3) بالاتفاق: ولا يسمع له صوتا، ولا يشم له ريحا، وإلا وجب، وللبول بحيث يستتر ويأمن الصوت، وفي الإقناع والمنتهى، يسن وهو الأولى، للأمر به، واستمرار فعله عليه الصلاة والسلام لذلك، والفضاء الساحة، وما اتسع من الأرض، يقال: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء. (¬4) ولفظه: (كان إذا أتى البراز أبعد حتى لا يراه أحد،) ورواه النسائي وأبو داود والترمذي وصححه من حديث المغيرة بلفظ (كان إذا ذهب أبعد) وفي الصحيحين (فانطلق حتى توارى عني) . وهذه الأحاديث وغيرها تدل على مشروعية الإبعاد لقضاء الحاجة.

(و) يستحب (استتاره) (¬1) لحديث أبي هريرة قال: من أتى الغائط فليستتر رواه أبو داود (¬2) (وارتياده لبوله مكانا رخوا) بتثليث الراء، لينا هشا (¬3) . ¬

_ (¬1) بالاتفاق يستر أسافله مهما أمكن، من بناء أو شجر أو كثيب رمل أو غير ذلك، من: ستر الشيء أخفاه واستتر وتستر تغطى قال النووي: وأقل الساتر طولا ثلثا ذراع وبعده عنه ثلاثة أذرع، فأقل وعرضا بقدر ما يستر. (¬2) ورواه النسائي والترمذي وابن ماجه، وقال الحافظ: إسناده حسن، وصححه ابن حبان والحاكم، وفيه (فإن لم يجد إلا كثيبا من رمل فليستتر به، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم) ولمسلم، (كان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته هدف أو حائش نخل) ، ويستتر ولو بإرخاء ذيله. ومحل الاستحباب بل السنية إذا لم يكن ثم من ينظره ممن يحرم عليه نظره، لقوله في آخر الحديث (من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج) ، وإلا وجب عليه الاستتار، والغائط اسم فاعل، والمراد به العذرة، وأصل الغائط المطمئن من الأرض الواسع، وكان الرجل إذا أراد أن يقضي الحاجة أتى الغائط وقضى حاجته، فقيل لكل من قضى حاجته، قد أتى الغائط، كنوا به عن نفس الحدث كراهية لذكره باسمه الصريح. (¬3) بالاتفاق. لئلا يترشش عليه، فإن كان صلبا لينه بأن يأخذ حجرا أو عودا فيعالجه ويثير ترابه، ليصير دمثا سهلا فلا يرد بوله عليه، فارتياده طلبه وتحريه محلا سهلا لينا، ومنه الرائد لا يكذب أهله، وهو الرجل يبعثه القوم يطلب لهم الماء والكلأ، يقال: رادهم يرودهم ريادا، وارتاد لهم ارتيادا، طلب لهم، والهش الرخو اللين، واللين ضد الصلب والخشن.

لحديث: «إذا بال أحدكم فليرتد لبوله» ، رواه أحمد وغيره (¬1) وفي التبصرة ويقصد مكانا علوا لينحدر عنه البول (¬2) فإن لم يجد مكانا رخوا ألصق ذكره ليأمن بذلك من رشاش البول (¬3) (و) يستحب (مسحه) أي أن يمسح (بيده اليسرى إذا فرغ من بوله من أصل ذكره) أي من حلقة دبره، فيضع إصبعه الوسطى تحت الذكر، والإبهام فوقه، ويمر بهما (إلى رأسه) أي رأس الذكر (ثلاثا) لئلا يبقى من البول فيه شيء (¬4) . ¬

_ (¬1) ولفظ أبي داود عن أبي موسى: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يبول فأتى دمثا في أصل حائط فبال، ثم قال: «إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعا» ، والحديث وإن كان فيه مجهول فأحاديث التنزه من البول تفيد ذلك. (¬2) العلو المرتفع وينحدر أي ينهبط من العلو إلى السفل، والتبصرة في الفقه لأبي محمد عبد الرحمن بن محمد الحلواني الحنبلي المعروف بأبي الفتح، المتوفى سنة خمسمائة وست أربعين. (¬3) لحديث: «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» ، وألصق ذكره أي ألزقه بصلب، بضم الصاد أي شديد وفي الإنصاف يكره أن يستقبل الريح دون حائل يمنع. (¬4) أي بعد إمرار يده عليه، وهو الدرز والدرزة المرة، وحلقة الدبر بسكون اللام معروفة، والدبر ضد القبل، والاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل ثابت. وقال الشيخ وغيره، وما ذكروه من المسح والنتر كله بدعة. وقال: يستحب أن يمكث قليلا بعد بوله، أي قبل الاستنجاء، حتى ينقطع أثر البول. وقاله الموفق وغيره، ليستبرئ من البول، لحديث الذين يعذبان في قبريهما قال عليه الصلاة والسلام «أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول» ، متفق عليه، والاستبراء طلب البراءة من الحدث، وذلك باستفزاع ما في المخرج من الخبث، والأحاديث دالة على وجوب توقيه، والاحتراز منه، وهو إجماع وما ذكروه من المسح والنتر يدر البول غالبا ويورث السلس.

(و) يستحب (نتره) بالمثناة (ثلاثا) أي نتر ذكره ثلاثا، ليستخرج بقية البول منه (¬1) لحديث: «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثا» رواه أحمد وغيره (¬2) . ¬

_ (¬1) أي من ذكره والنتر بالمثناة الجذب بجفا وفي القاموس: استتر من بوله اجتذبه، واستخرج بقيته من الذكر عند الاستنجاء وأنكره الشيخ وتلميذه وغيرهما وذكروا أنه يحدث السلس، وكثيرا ما يطلق الأصحاب رحمهم الله وغيرهم الاستحباب على ما ليس بمستحب. (¬2) وضعفه شيخ الإسلام وغيره، لأنه من رواية عيسى بن يزداد بن فسأة وقال النووي، اتفقوا على ضعفه، وقال ابن معين: لا يعرف هو ولا أبوه، وذكر جماعة من الأصحاب وغيرهم، ويتنحنح زاد بعضهم، ويمشي خطوات قال الشيخ: وكل ذلك بدعة، وكذا تفقده الفيئة بعد الفيئة، ولأنه من الوسواس، ولو احتاج إليه لأنه وسواس. وقال في موضع: لكن إن احتاج للنتر فعله كأن يكون إن لم يفعله أصابه سلس اهـ وينبغي لمن استنجى بالماء أن ينضح فرجه وسراويله قطعا للوسواس، وللمادة فإن تأثير الماء البارد في قطعها معلوم، وروى أبو داود والترمذي وغيرهما من طرق أمره وفعله صلى الله عليه وسلم وفي صحيح مسلم في خصال الفطرة الانتضاح، وقال أحمد فيمن ظن خروج شيء (لا تلتفت إليه حتى تيقن، وإله عنه فإنه من الشيطان، وإنه يذهب إن شاء الله) ، وسئل سليمان بن يسار عن البلل يجده قال: (انضح من تحت ثوبك بالماء، واله عنه) ، وقال القاسم بن محمد: (إذا استبرأت وفرغت فارشش بالماء وقل: هو الماء) ، وينبغي أن لا يتبع الأوهام، فإنه يؤدي إلى تمكن الوسوسة من القلب، وهي تضر بالدين، وقال ابن الحاج المالكي: إذا قام المستبرئ من البول فلا يخرج إلى الناس وذكره بيده، وإن كانت تحت ثوبه، فإن ذلك شوهة، وكثير من الناس يفعله وقد نهى عنه.

يكره دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجة

(و) يستحب (تحوله من موضعه ليستنجي) في غيره (إن خاف تلوثا) باستنجائه في مكانه، لئلا يتنجس (¬1) ويبدأ ذكر وبكر بقبل، لئلا تتلوث يده إذا بدأ بالدبر وتخير ثيب (¬2) (ويكره دخوله) أي دخول الخلاء ونحوه (بشيء فيه ذكر الله تعالى) (¬3) . ¬

_ (¬1) فاستحباب التحول تباعد عن النجاسة، وظاهر المبدع وجوبه، وليستجمر كما صرح به في الإقناع والمنتهى، وفيما سيأتي وعن عبد الله بن مغفل مرفوعا (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه) رواه أحمد وأبو داود، والترمذي وقال غريب. وقال النووي: إسناده حسن، ونحوه عن أبي هريرة بإسناد صحيح، ولفظه «أو يبول في مغتسله» وقال غير واحد: إنما هو في الحفيرة، فأما اليوم فمغتسلاتهم الجص والصاروج والقبر والإسمنت، فإذا بال وأرسل عليه الماء فلا بأس، وتوقيه أولى، فإن كان في الأبنية المتخذة لذلك لم ينتقل للمشقة، أو كان بالحجر فكذلك لئلا يتضمخ بالنجاسة. (¬2) لبروز ذكر الذكر، ولوجود عذرة البكر دون الثيب. (¬3) تعظيمًا لله عن موضع القاذورات، ولحديث أنس: (كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه) صححه الترمذي وكان نقشه: (محمد رسول الله) متفق عليه الله سطر، ورسول سطر، ومحمد سطر، ولهذا ورد عن كثير من السلف كتابة ذكر الله على خواتيمهم ونحو داخل الخلاء مريد قضاء الحاجة بنحو صحراء وإن دخل به لحاجة، أو ذهول غيبة في فيه أو بطن يده، أو عمامته ونحو ذلك، صيانة له عن المحال المستخبثة.

غير مصحف فيحرم (¬1) إلا لحاجة (¬2) لا دراهم ونحوها وحرز للمشقة (¬3) . ¬

_ (¬1) قطعا من غير حاجة، ولا يتوقف في تحريمه عاقل، وبعض المصحف كالمصحف وهو بضم الميم ويأتي. (¬2) أي فلا يكره دخوله بما فيه ذكر الله، إذا لم يجد من يحفظه، وخاف ضياعه. (¬3) تعليل لمحذوف أي فلا يكره ولو كان فيها يعني الدراهم ونحوها كالدنانير أو الحرز شيء فيه ذكر الله، أو القرآن صرح به أحمد وغيره للمشقة وجزم به جماعة، وقال الشيخ: الدراهم إذا كتب عليها لا إله إلا الله، وكانت في منديل أو خريطة ويشق عليه مسكها يجوز أن يدخل بها بيت الخلاء، وقال في تصحيح الفروع، ظاهر كلام أحمد أن حمل الدراهم كغيرها في الكراهة، وذكر ابن رجب أن أحمد نص على كراهة ذلك، واختلف العلماء في جواز تعليق التمائم من القرآن، وأسماء الله فقيل يجوز، ولا حجة لذلك، وقال أكثر أهل العلم: لا يجوز هو الصواب لوجوه أحدها عموم النهي، كقوله عليه الصلاة والسلام «إن الرقي والتمائم والتولة شرك» ، وقوله: «من تعلق تميمة فقد أشرك» ، وغير ذلك من الأحاديث، ولم يجئ مخصص، والثاني سد الذريعة، والثالث امتهانة والرابع كونه صلى الله عليه وسلم رقى ورقي، ولم يأمر به ولم يرد ما يدل على إجازته له، ولا فعله هو ولا أصحابه مع توفر الدواعي، والحرز العوذة، جمعه أحراز، وهو في الأصل بالسين.

ويجعل فص خاتم احتاج للدخول به بباطن كف يمنى (¬1) (و) يكره استكمال (رفع ثوبه قبل دنوه) أي قربه (من الأرض) بلا حاجة (¬2) فيرفع شيئا فشيئا (¬3) ولعله يجب إن كان ثم من ينظره قاله في المبدع (¬4) (و) يكره (كلامه فيه) ولو برد سلام (¬5) . ¬

_ (¬1) إذا كان مكتوبا عليه اسم الله نص عليه لئلا يلاقي النجاسة أو يقابلها والخاتم بفتح التاء: حلي يجعل للأصبع، وفصه ما ركب فيه من ياقوت وغيره. (¬2) إلى ذلك، جزم به الشيخ وغيره لما روى أبو داود عن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) ولأن ذلك أستر له. وقال النووي وغيره: يستحب أن لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض بالاتفاق، وإذا قام أسبل عليه قبل انتصابه، وهذا كله فيما إذا بال قاعدا وهو السنة، ودنوه إشارة إلى أن محله إذا بال قاعدا، واختلفوا في البول قائما. وقال ابن المنذر وغيره: البول جالسا أحب إلي، وقائما مباح، وكل ذلك ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الصحيحين (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائما) ، وقال الشيخ: السنة أن يبول قاعدا، ولا يكره قائما إن أمن تلوثا. (¬3) صفة مصدر أي يرفع قليلا قليلا وإن خاف تنجسه رفع قدر حاجته. (¬4) أي ولعل الرفع شيئا فشيئا يجب، والسدل كذلك بقدر الحاجة، فإنه يحرم كشف عورته بلا حاجة، وغير حال البول مثله وأولى قال الشيخ: يجب ستر عورته، ويجوز كشفها بقدر الحاجة، كما يكشف عند التخلي. (¬5) أي في الخلاء، لما روي أحمد وأبو داود وغيرهما بإسناد حسن عن أبي سعيد مرفوعا «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتيهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك» ، ونحوه للحاكم وصححه، ولمسلم عن ابن عمر قال: (مر بالنبي صلى الله عليه وسلم رجل فسلم عليه وهو يبول) ، فلم يرد عليه، قال أبو داود: يروى أنه تيمم ورد ويكره السلام عليه ولا يجب رده.

وإن عطس حمد بقلبه (¬1) ويجب عليه تحذير ضرير وغافل عن هلكة (¬2) وجزم صاحب النظم بتحريم القراءة في الحش وسطحه (¬3) وهو متوجه على حاجته (¬4) (و) يكره (بوله في شق) بفتح الشين (¬5) . ¬

_ (¬1) أي المتخلي وأجاب المؤذن بقلبه، ويكره بلفظه، وعنه لا يكره لحديث: (كان يذكر الله على كل أحيانه) قال الشيخ: يجيب المؤذن في الخلاء كأذكار المخافتة. (¬2) بأن يحذره عن بئر أو حية أو نحوهما، لأنه موضع ضرورة، فاستثني مما تقدم، ولأن حفظ المعصوم أهم. (¬3) الحش مثلثة البستان، ويكنى به عن الذي يتغوط فيه، وجمعه حشوش وحشون وفي الحديث: «إن هذه الحشوش محتضرة» والسطح مصدر، ظهر البيت وأعلى كل شيء، وصاحب النظم هو محمد بن عبد القوي بن بدران المقدسي الحنبلي، له النظم المشهور نحو ستة آلاف بيت، والآداب وغيرهما توفي سنة ستمائة وتسع وتسعين. (¬4) وقاله في الفروع أي أن القول بالتحريم متوجه، إذا كان المتخلي جالسا على حاجته بهذا القيد وصوب في الإنصاف لا إن لم يكن على حاجته أو كان على سطحه. (¬5) واحد الشقوق، وهو الثقب والخرم الواقع في الشيء، والصدع والموضع المشقوق.

(ونحوه) كسرب وهو ما يتخذه الوحش والدبيب بيتا في الأرض (¬1) ويكره أيضا بوله في إناء بلا حاجة (¬2) ومستحب غير مقير أو مبلط (¬3) ومس فرجه أو فرج زوجته ونحوها (بيمينه) (¬4) . ¬

_ (¬1) قال في الإنصاف: بلا نزاع أعلمه، ولحديث أبي قتادة، (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال في الجُحر) قال قتادة يقال: إنها مساكن الجن، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة، وخشية خروج دابة من الأرض فتؤذيه فينبغي اتقاؤه وقال ابن القيم وغيره: لأنه ذريعة إلى خروج حيوان يؤذيه وقد يكون من مساكن الجن فيؤذيهم بالبول، فربما آذوه والجحر هو الثقب أيضا، والثقب لما يقل ويصغر، وهو الخرق النازل في الأرض المستدير ويسمى السرب بفتحتين، وهو الشق المستطيل والحفرة في الأرض عبارة عن الثقب وهو جحر الوحش ويقال للضب أيضا واليربوع والفأرة والحية والنملة وسائر الحشرات. (¬2) لا خلاف في جوازه لحديث أميمة كان له عليه الصلاة والسلام قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه، رواه أبو داود وغيره، فتقييده بالحاجة لا حاجة إليه. (¬3) أي يكره بوله في مستحم، وهو الموضع الذي يغتسل فيه، أو يتوضأ فيه لئلا يصيبه من البول شيء حال الغسل، سمي المستحم باسم الحميم، وهو الماء الحار الذي يغتسل به، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمام، واستثني المقير، وهو المطلي بالقار، والقار شيء أسود يطلى به السفن والإبل، أو هو الزفت، واستثني أيضا المبلط أي المفروش بالبلاط، وهو صفائح الحجارة الملساء، أي فإن كان مقيرا أو مبلطا فلا كراهة وكذا المجصص والمفروش بالإسمنت ونحوها. (¬4) تشريفا وصيانة لها عن الأقذار، وللخبر الآتي في البول ونحوه، ونحو زوجته أمته، ومن دون سبع قياسا على فرجه، وفي المبدع: وظاهره اختصاص النهي بحالة البول، قال ابن منجا، إنما لم يذكره المؤلف لوضوحه.

(و) يكره (استنجاؤه واستجماره بها) أي بيمينه (¬1) لحديث أبي قتادة «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه» متفق عليه (¬2) واستقبال النيرين أي الشمس والقمر، لما فيهما من نور الله تعالى (¬3) . ¬

_ (¬1) لغير ضرورة كقطع يده، وحاجة كجرحها، وإلا فلا يكره، صرح به في الإنصاف وغيره، والاستنجاء باليسار أن يغسل بها، ويصب باليمين، قال الحافظ، أما إذا باشر الماء بها فحرام غير مجزئ بلا خلاف، واليسرى في ذلك كاليمنى اهـ وبالحجر إن كان غائطًا أخذ الحجر بيساره فمسح به دبره، وإن كان بولا والحجر كبير أمسك ذكره بشماله، ومسحه عليه أو صغير جعله بين عقبيه أو إبهامي رجليه فإن عسر حمله بيمينه ومسح الذكر عليه بيساره، قال في المبدع، وبكل حال تكون اليسرى هي المحركة، لأن الاستجمار إنما يحصل بالمتحركة. وقال المجد: يتوخى الاستجمار بجدار أو موضع نات من الأرض، أو حجر ضخم لا يحتاج إلى إمساكه، فإن اضطر إليه جعله بين عقبيه، أو بين أصابعه، وتناول ذكره بشماله، فمسحه فإن لم يمكنه أمسك الحجر بيمينه، ومسح بشماله، وصححه هو والزركشي وغيرهما، وفي الصحيحين عن عائشة قالت: (كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه، ويده اليسرى لخلائه وما كان من أذى) . (¬2) أبو قتادة هو الحارث بن ربعي الأنصاري فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحافظ: توفي بالكوفة كبر عليه علي ستًا، وقال الواقدي: بالمدينة سنة أربع وخمسين، ومسكت بالشيء أخذت به، وأمسكته بيدي إمساكا قبضته باليد، والمسح إمرار اليد على الشيء السائل، أو المتلطخ لإذهابه، كالتمسيح والمسح ولحديث (نهانا أن نستنجي باليمين) . (¬3) سميا بالنيرين يعني المنيرين لاستنارتهما من بين سائر الكواكب وأورد بعض الفقهاء في كراهة استقبالهما حديثا، قال في المبدع: روي أن معهما ملائكة وأن أسماء الله مكتوبة عليهما، وأنهما يلعنانه وغير ذلك قال النووي والحافظ، إنه باطل لا أصل له. وقال ابن القيم: لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك كلمة واحدة، لا بإسناد صيح ولا ضعيف ولامرسل ولا متصل وليس لهذه المسألة أصل في الشرع اهـ فكراهة استقبالهما لا أصل له. قال في الإنصاف، وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب، وفي حديث أبي أيوب الآتي دلالة ظاهرة على جواز استقبالهما واستدبارهما إذ لا بد أن يكونا أو أحدهما في الشرق أو الغرب.

يحرم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة حتى في البنيان

(ويحرم استقبال القبلة واستدبارها) حال قضاء الحاجة (¬1) (في غير بنيان) (¬2) لخبر أبي أيوب مرفوعا (¬3) «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا» متفق عليه (¬4) . ¬

_ (¬1) إجماعا للأحاديث الآتية وغيرها. (¬2) لحديث ابن عمر (إنما نهى عن هذا في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس) ، رواه أبو داود. وقال الشيخ: هذا المنصور عند الأصحاب، وعنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء والبنيان، جزم به في الوجيز وغيره، واختاره أبو بكر عبد العزيز والشيخ وابن القيم وصاحب الفائق وغيرهم، ولصحة أحاديث النهي. قال ابن القيم: لا فرق بين الفضاء والبنيان لبضعة عشر دليلا، وهو أصح المذاهب في هذه المسألة وليس مع من فرق ما يقاومها ألبتة. (¬3) إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو أيوب هو خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، من أكابر الصحابة، نزل عليه النبي صلى الله عليه وسلم حال قدومه المدينة، مات غازيا سنة خمسين بالروم. (¬4) القبلة هي الكعبة، وأمره بالتشريق أو التغريب خطاب منه لأهل المدينة ومن جري مجراهم أن يتوجهوا إلى المشرق أو المغرب، وأما من كان في جهة الشرق أو الغرب فإنه يتحول إلى الجنوب أو الشمال، ولمسلم من حديث أبي هريرة «إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها» ومن حديث سلمان لقد نهانا أن نستقبل القبلة ببول أو غائط، قال الحافظ: جاء النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في غير ما حديث صحيح تغني شهرته عن ذكره، لكونه نهيًا مجردًا، قال الشيخ: والأحاديث دلت على المنع من استقبالها أو استدبارها ببول أو غائط وهذه الحال تتضمن أمرين (أحدهما) بخروج الخارج المستقذر. (والثاني) كشف العورة اهـ ولأن جهة القبلة أشرف الجهات فصينت عن ذلك.

ويكفي انحرافه عن جهة القبلة (¬1) وحائل ولو كمؤخرة الرحل (¬2) ولا يعتبر القرب من الحائل (¬3) . ¬

_ (¬1) أي انحراف المتخلي ولو يسيرا يمنة أو يسرة وقال في الإنصاف ظاهر كلامه لا يكفي الانحراف وهو ظاهر كلام المجد والشيخ تقي الدين وغيرهما والانحراف اليسير في الصلاة لا يضر، فلا يكفي هنا، فينبغي الانحراف كثيرا اهـ ومع النسيان ينحرف ويستغفر، الله عز وجل يعني مما أتوه غلطا وسهوا، وذلك في مراحيض قد بنيت نحو الكعبة (¬2) أي ويكفي حائل بينه وبين القبلة من دابة وجدار ونحوه، وإرخاء ذيل ونحوه، ولو كان الحائل كمؤخرة الرحل بضم فسكون، ومنهم من يشدد الحاء وهي لغة قليلة في آخرة الرحل وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب، والرحل للبعير، وهو أصغر من القتب أي فيكفي الاستتار به لحصول الستر به لأسافله. (¬3) كما لو كان في بيت وفي الفروع يتوجه كسترة صلاة، وتقدم أنه لا فرق بين الفضاء والبنيان، فلا فرق بين حائل ولا غيره، ولا قرب ولا بعد، ولو كان هناك فرق لكانت الجبال والمسافات كافية، وسقط النهي العام المتواتر.

ويكره استقبالها حال الاستنجاء (¬1) (و) يحرم (لبثه فوق حاجته) (¬2) لما فيه من كشف العورة بلا حاجة (¬3) وهو مضر عند الأطباء (¬4) (و) يحرم (بوله) وتغوطه في طريق مسلوك (¬5) (وظل نافع) (¬6) ومثله متشمس بزمن الشتاء، ومتحدث الناس (¬7) . ¬

_ (¬1) قاله في الفروع والمبدع وغيرهما، وقال في الإنصاف: يتوجه التحريم. (¬2) في الخلاء، واللبث بفتح اللام مصدر، وبضمها اسم مصدر، يقال لبث في المكان لبثا ولبثا مكث وأقام. (¬3) وكشف العورة بلا حاجة قد حكي الإجماع على تحريمه. (¬4) يعني إطالة اللبث أنه يدمي الكبد، ويورث الباسور. (¬5) الطريق السبيل تذكر وتؤنث وجمعه أطرق وطرق وسلك الطريق دخله وسار فيه، لحديث أبي هريرة مرفوعا اتقوا «اللاعنين قالوا: وما اللاعنان؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم» ، رواه مسلم وغيره، أي اتقوا الأمرين الجالبين للعن، الباعثين الناس عليه فإنه سبب للعن من فعله في هذا الموضع، فنسب إليهما بصيغة المبالغة، وعن أبي هريرة مرفوعا، «من سل سخيمته على طريق عامر من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» ، رواه البيهقي والطبراني، وله أيضا «من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنة الله» . (¬6) أي مستظل الناس الذي يستظلون به، ويعتادون الجلوس فيه، أويتخذونه مقيلا ومناخا، للحديث السابق، وإضافة الظل إليهم دليل على إرادة المنتفع به، وليس كل ظل يحرم القعود عنده لقضاء الحاجة، فقد قضاها صلى الله عليه وسلم تحت حائش ومعلوم إن له ظلا، وفي الحديث (وكان أحب إليه حائش نخل، أو حائط) ، والحائش النخل المتلف. (¬7) لأنهما في معناه، والمراد الحديث المباح، أما المكروه أو المحرم فلا يكره، بل يندب أن يفرقهم ما استطاع، إذا كان الحديث بنحو غيبة وهذا في المتحدث المملوك أو المباح، أما إذا كان ملك الغير فيحرم، حيث علم أنه لا يرضى به أو لم يؤذن له، وقال ابن القيم: وإن اجتاز بحرث غيره في الطريق ودعته الحاجة إلى التخلي فيه فله ذلك وإذا لم يجد موضعا سواه، إما لضيق الطريق، أو لتتابع المارين فيها.

(وتحت شجرة عليها ثمرة) لأنه يقذرها (¬1) وكذا في موارد الماء (¬2) وتغوطه بماء مطلقا (¬3) . ¬

_ (¬1) لما رواه الطبراني وغيره من النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة وضفة النهر الجاري، من حديث ابن عمر بسند ضعيف، وسواء كانت الثمرة تؤكل أو لا صيانة لها عن التلويث، ولعموم النهي، لأنه يفسدها وتعافها النفس، وعدم احترام لها، فإن لم يكن عليها ثمرة لم يحرم، إن لم يكن ظلا نافعا، ويحرم تغوط ونحوه على ما نهي عن استجمار به، لحرمته كطعام لا على ما نهي عن استجمار به لنجاسته أو ملاسته. (¬2) أي مجاريه ومشارعه، والطرق إليه، أحدها مورد، لحديث معاذ مرفوعا، «اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد، وقارعة الطريق والظل» رواه أبو داود وابن ماجه وقال: مرسل والبيهقي وقال النووي: إسناد جيد، واتقاؤها متفق عليه، وعن ابن عباس نحوه رواه أحمد وفيه ضعف، والملاعن جمع ملعنة، وهي الفعلة التي يلعن فاعلها، كأنها مظنة اللعن ومحل له لأن الناس إذا مروا به لعنوا فاعله أو سميت بذلك لأنها سبب اللعن. (¬3) قليلا كان أو كثيرا جاريا أو غير جار لأنه يقذره ويمنع الناس الانتفاع به، بخلاف البول فلا يكره إلا في الراكد لحديث «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد» متفق عليه، ويرد على إطلاقه الماء الكثير، كالبحار والأنهار الكبار، والماء القليل في المطاهر المعد لذلك فإنه لا يكره تغوطه فيه وعبارة الإقناع: ويحرم بوله وتغوطه على ما نهي عن الاستجمار به، كروث وعظم، وعلى ما يتصل بحيوان كذنبه ويده ورجله، ويد المستجمر، وعلى ماله حرمة كالمطعوم، وعلى قبور المسلمين وعلى علف دابة ونحوها اهـ ولأبي داود عن مكحول: (نهى سول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال بأبواب المساجد) .

يستجمر بحجر ونحوه ثم يستنجى بالماء

(ويستجمر) بحجر أو نحوه (¬1) (ثم يستنجي بالماء) لفعله صلى الله عليه وسلم رواه أحمد وغيره من حديث عائشة وصححه الترمذي (¬2) فإن عكس كره (¬3) ويجزئه الاستجمار حتى مع وجود الماء (¬4) . ¬

_ (¬1) كخشب وخرق وتراب ونحو ذلك، ويجزئه عند الجمهور كما سيأتي. (¬2) ورواه النسائي ولفظه (مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء فإني أستحييهم وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله) ، واحتج به أحمد ولفظ الترمذي بدل يتبعوا (يستطيبوا بالماء) ، وقال: العمل عليه عند أهل العلم يختارون الاستنجاء بالماء، وإن كان الاستنجاء بالحجارة يجزئ عندهم، يستحبون الاستنجاء بالماء، ورأوه أفضل اهـ ولأنه أبلغ في الإنقاء، لأن الحجر يزيل عين النجاسة فلا تباشرها يده، والماء يزيل ما بقي، وقد أثنى الله على أهل مسجد قباء فقال: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} قالوا: (إنا نتبع الحجارة الماء) رواه البزار. (¬3) نص عليه وذلك بأن استنجى بالماء ثم استجمر لأنه لا فائدة فيه. (¬4) في قول أكثر أهل العلم لحديث جابر مرفوعا «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه» رواه أحمد وأبو داود، وصححه الدارقطني ويجزئ بضم أوله، مهموز الآخر، أي يخرج عن العهدة الاستجمار بكل جامد منق، وأجزأني الشيء كفاني، قال الشيخ وغيره، الاستجمار بالأحجار وتواترت به السنة، وأجمع المسلمون على جواز الاجتراء به، ولا يكره الاقتصار عليه على الأصح، وقال الشارح وغيره، يجزئ الاستجمار بثلاثة أحجار إذا حصل الإنقاء بغير خلاف علمناه للنص والإجماع.

لكن الماء أفضل (¬1) (إن لم يعد) أي يتجاوز (الخارج موضع العادة) (¬2) مثل أن ينتشر الخارج على شيء من الصفحة (¬3) أو يمتد إلى الحشفة امتدادا غير معتاد، فلا يجزئ فيه إلا الماء (¬4) كقبلي الخنثى المشكل (¬5) . ¬

_ (¬1) أي من الحجر لأن الماء يزيل العين، ولحديث أبي هريرة في قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} قال: (يستنجون بالماء) ، قال الشيخ: المشهور على أن الاقتصار على الماء أفضل، ولو مع مباشرة النجاسة نص عليه وهو قول أكثر الفقهاء لحديث أنس «فيستنجى بالماء» متفق عليه. (¬2) المستمرة وهو ما عاد إليه مرة بعد أخرى. (¬3) يعني باطن الألية المستتر بالانطباق عند القيام. (¬4) للمتعدي فقط، لأن الأصل وجوب إزالة النجاسة بالماء، وإنما رخص في الاستجمار لتكرر النجاسة على المحل المعتاد فإذا جاوزوه خرج عن حد الرخصة وحده الشيخ: بأن ينتشر الغائط إلى نصف باطن الألية فأكثر، والبول إلى نصف الحشفة فأكثر، وإذًا يتعين الماء، وصرح به ابن عقيل وغيره، وفي الاختيارات ويجزئ الاستجمار ولو تعدى الخارج إلى الصفحتين لعموم الأدلة، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك تقدير. (¬5) أي وكذا الخارج من أحدهما فلا يجزئ فيه إلا الماء، لأن الأصلي منهما غير معلوم، والاستجمار لا يصح إلا في أصلي، قال النووي: والمشكل أن يكون له فرج المرأة وذكر الرجل، أو لا يكون له واحد منهما، بل له ثقبة يخرج منها الخارج، ولا تشبه واحدا منهما.

شروط ما يستجمر به

ومخرج غير فرج (¬1) وتنجس مخرج بغير خارج (¬2) ولا يجب غسل نجاسة وجنابة بداخل فرج ثيب (¬3) ولا داخل حشفة أقلف غير مفتوق (¬4) ويشترط للاستجمار بأحجار ونحوها كخشب وخرق (¬5) . ¬

_ (¬1) سواء تنجس بخارج منه أو بغيره، فلا يجزئ فيه إلا الماء، ولو انسد المخرج المعتاد، لأنه نادر فلا يثبت له أحكام الأصلي، من انتقاض وضوء بلمس، ومن تعلق أحكام الوطء بالإيلاج فيه ونحو ذلك. (¬2) منه أو به وجف قبل استجمار فلا يجزئ فيه إلا الماء. (¬3) فلا تدخل يدها ولا أصبعها مهما أمكن بل ما ظهر فقط نص عليه واختاره المجد والشيخ وغيرهما، وصححه في تصحيح الفروع وغيره. (¬4) الأقلف بين القلفة، وهو الذي لم يختن، بخلاف المفتوق مشقوق القلفة فيجب غسلها، لعدم المشقة فيه، جزم به غير واحد. (¬5) وتراب ونحو ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام «بثلاثة أحجار أو بثلاثة أعواد أو بثلاث حثيات من تراب» ، رواه الدارقطني، وللبيهقي عن طاوس نحوه. وروي عن مولى ابن عمر قال: (كان إذا بال قال: ناولني شيئا استنجي به فأناوله العود والحجر، أو يأتي حائطا يتمسح به، أو يمسه الأرض، ولم يكن يغسله) وقال: إنه أصح ما في الباب وأعلاه اهـ ولقوله «بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع» ، ولنهيه «أن يستنجى بعظم أو روث» فلولا أنه أراد الحجر وما في معناه، لما كان للاستثناء معنى ولا حسا. وقال الشيخ: أمر بالاستجمار بثلاثة أحجار. فمن لم يجد فثلاث حثيات من تراب، وأمره بالاستجمار بالأحجار، لم يخص الحجر، إلا لأنه كان الموجود غالبا، لا لأن الاستجمار بغيره لا يجوز، بل الصواب قول الجمهور في جواز الاستجمار بغيره، كما هو أظهر الروايتين عن أحمد لنهيه عن الاستجمار بالعظم والروث، وقال أبو حامد هو قول كافة العلماء، إلا داود وقال أبو الطيب: مذهبه الجواز، وقال الشارح: هو قول أكثر أهل العلم، وقال ابن القيم: فلو ذهب معه بخرقة وتنظف أكثر من الأحجار، أو بقطن أو صوف أو خز ونحو ذلك جاز، وليس للشارع غرض في غير التنظيف والإزالة، فما كان أبلغ في ذلك كان مثل الأحجار في الجواز وأولى.

(أن يكون) ما يستجمر به (طاهرا) مباحا (¬1) (منقيا (¬2) غير عظم وروث) ولو طاهرين (¬3) . ¬

_ (¬1) فلا يصح بنجس وفاقا للشافعي، لما رواه البخاري «ولا تأتني بعظم ولا روث» ولحديث ابن مسعود (أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحجرين وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال «هذا رجس» ) أي نجس رواه البخاري ولأنه إزالة النجاسة أشبه الغسل ولا يصح بمغصوب أو ذهب أو فضة، لأنه رخصة فلا يستباح بها، وعنه يصح وفاقا، واختاره الشيخ، وهو ظاهر كلام الموفق، لأنه لم ينه عنه لكونه لا ينقي بل لإفساده. (¬2) اسم فاعل من أنقى فلا يجزئ بأملس من نحو زجاج إذا المقصود الإنقاء، ولا يحصل به لعدم حصول المقصود منه، ولا يجزئ بشيء رخو، وندي ورطب لامتزاجه بالخارج فيزيد المحل نجاسة. ويجزئ الاستجمار بعده بمنق. (¬3) أي العظم والروث، فلا يجزئ لحديث «لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن» رواه مسلم والترمذي، وقال: العمل عليه عند أهل العلم، وعن أبي هريرة (نهى أن يستنجى بعظم أو روث) ، وقال: «إنهما لا يطهران» رواه ابن خزيمة وغيره، وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إسناده جيد، وقال الشيخ: الاستنجاء بالرجيع لا يجوز بحال، إما لنجاسته، وإما لكون علفا لدواب إخواننا من الجن، وقد تنازع العلماء إذا استجمر بأقل من ثلاثة أحجار، أو استجمر بمنهي عنه كالروث والرمة واليمين هل يجزئه؟ والصحيح أنه إذا استجمر بأقل من ثلاثة أحجار فعليه تكميل المأمور به، وأما إذا استجمر بالعظم واليمين فإنه قد يجزئه، فإنه قد حصل المقصود بذلك، وإن كان عاصيا، والإعادة لا فائدة فيها، ولكن يؤمر بتنظيف العظم مما لوثه به، قال الزركشي، وهو جيد والروث للفرس والبغل والحمار والخثي بكسر فسكون للبقر والفيل، والبعر للإبل والغنم والأرانب، والعذرة للإنسان.

(وطعام) ولو لبهيمة (¬1) (ومحترم) ككتب علم (¬2) (ومتصل بحيوان) كذنب البهيمة (¬3) وصوفها المتصل بها (¬4) ويحرم الاستجمار بهذه الأشياء (¬5) وبجلد سمك أو حيوان مذكى مطلقا (¬6) أو حشيش رطب (¬7) . ¬

_ (¬1) لما تقدم من النهي عن طعام الجن، فطعام الإنس أولى وقال الشيخ: الاستجمار بطعام الآدميين وعلف دوابهم أولى بالنهي عنه من طعام الجن وعلف دوابهم. (¬2) شرعي تعظيما وما فيه ذكر الله تعالى قال في الإنصاف: هذا لا شك فيه، ولا نعلم ما يخالفه، وقيل وكتب مباحة كالعروض ونحوه، وصريح كلامهم أن الحروف ليست محترمة لذاتها. (¬3) وكيدها، ورجلها. (¬4) لأن له حرمة، فهو كالطعام. (¬5) المستثناة كلها، للنهي عن الاستجمار بها من غير وجه. (¬6) دبغ أولا ويحتمل أيضا أن معناه سواء يؤكل أم لا متصلا، أم لا. (¬7) لأنه زاد البهائم، فهو أولى من الروث الذي هو علف بهائم الجن، كما تقدم ولا يحصل به الانقاء، ومفهومه أن اليابس يصح، وهو مقيد بما إذا لم يكن طعاما وإلا فلا لوجود العلة والحكم يدور مع علته.

(ويشترط) للاكتفاء بالاستجمار (ثلاثة مسحات منقية (¬1) فأكثر) إن لم يحصل بثلاث، ولا يجزئ أقل منها (¬2) ويعتبر أن تعم كل مسحة المحل (¬3) ولو كانت الثلاث بحجر ذي شعب، أجزأت إن أنقت (¬4) وكيفما حصل الإنقاء في الاستجمار أجزأ (¬5) وهو أن يبقي أثر لا يزيله إلا الماء (¬6) . ¬

_ (¬1) أي منظفة، ونقي بالكسر نقاوة بالفتح فهو نقي أي نظيف، والتنقية التنظيف ولأحمد «إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثا» وعن سلمان «نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار» رواه مسلم وهذا نص صحيح صريح في أن استيفاء الثلاث لا بد منه وذلك إن لم يستعمل الماء فإنه لا بد من الثلاث الأحجار أو ما يقوم مقامها واشتراط الإنقاء مجمع عليه حكاه النووي وغيره. (¬2) أي الثلاث مسحات، للأخبار، قال الشيخ: عليه تكميل المأمور به، وإن أنقى بدونه اهـ، وإن لم ينق كرر، لأن الغرض إزالة النجاسة فيجب التكرار إلى أن تزول ليحصل المقصود ولأحمد «إذا تغوط أحدكم فليمسح ثلاث مرات نصف الحشفة والألية» ، وصوب النووي وغيره وجوب الثلاث. (¬3) لأنها إن لم تكن كذلك لم تكن مسحة بل بعضها. (¬4) لما روي أحمد عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تغوط أحدكم فليمسح ثلاث مرات» فبين أن الغرض عدد المسحات لا الأحجار، ولأنه يحصل بالشعب الثلاث ما يحصل بالأحجار الثلاثة من كل وجه، فلا فرق، وهذا إن أنقت وإلا زاد حتى ينقي، والشعب الأطراف، والشعبة الطائفة والقطعة من الشيء، قال ابن عقيل: لو مسح بالأرض أو الحائط في ثلاثة مواضع فهو كالحجر الكبير، ولا يكرره في موضع واحد خشية التلويث. (¬5) أي: وأي صفة حصل بها الإنقاء كفى، لأن المقصود إزالة النجاسة. (¬6) قال الشيخ: علامة الإنقاء أن لايبقى في المحل شيء يزيله الحجر.

وبالماء عود خشونة المحل كما كان، مع السبع الغسلات (¬1) ويكفي ظن الإنقاء (¬2) ويسن قطعه أي قطع ما زاد على الثلاث على وتر (¬3) فإن أنقى برابعة زاد خامسة وهكذا (¬4) ويجب الاستنجاء بماء أو حجر ونحوه (¬5) لكل خارج من سبيل (¬6) . ¬

_ (¬1) أي كما كان قبل خروج الخارج، لزوال لزوجة النجاسة وآثارها مع السبع الغسلات، أي فلا بد من اعتبار العدد، وعنه لا يعتبر قال الشيخ: هذا المشهور، وصححه في تصحيح المحرر والفروع وغيرهما، ولم يحد الشارع في ذلك عددا ويأتي. (¬2) أي ويكفي في زوال النجاسة غلبة الظن، جزم به جماعة، لأن اعتبار اليقين هنا حرج، وهو منتف شرعا، ويسترخي قاضي الحاجة قليلا فلا يضم شرج مقعدته لئلا يبقى شيء. (¬3) بكسر الواو وفتحها، لغتان مشهورتان فصيحتان، نقلهما الزجاج وغيره فبالكسر لغة أهل نجد، وبالفتح لغة أهل الحجاز، والوتر الفرد، وما لم يشفع بعدد. (¬4) أي إن انقى بسادسة زاد سابعة، لحديث «من استجمر فليوتر» متفق عليه، وليس بواجب لقوله، «من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» رواه أبو داود. (¬5) كخرق وخشب وتراب. (¬6) معتادا كان الخارج كالبول أولا كالمذي، ولو نادرا كالدود، لقوله {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} فعم كل مكان ومحل من ثوب وبدن، ولعموم الأحاديث، والقول به في الجملة قول أكثر أهل العلم، وقال في الإنصاف: أما النجس الملوث فلا نزاع في وجوب الاستنجاء منه.

إذا أراد الصلاة ونحوها (¬1) (إلا الريح) (¬2) والطاهر وغير الملوث (¬3) (ولا يصح قبله) أي قبل الاستنجاء بماء أو حجر ونحوه (وضوء ولا تيمم) (¬4) لحديث المقداد المتفق عليه: «يغسل ذكره ثم يتوضأ» (¬5) . ¬

_ (¬1) كمس مصحف ووجوب الشرط بوجوب المشروط قال ابن الجوزي: لا تجب الطهارة عن حدث ونجس قبل إرادة الصلاة، بل تستحب. (¬2) لأن الغسل إنما يجب لإزالة النجاسة، ولا نجاسة فيها، وقال أحمد: ليس في الريح استنجاء لا في كتاب الله ولا سنة رسوله اهـ وهو مذهب مالك وغيره، وقول فقهاء الأمصار، قاله الشيخ وغيره، وقال الشارح: لا نعلم فيه خلافا ولأنه عرض بإجماع الأصولين. (¬3) أي وإلا الخارج الطاهر كالمني، والولد العاري عن الدم، وغير الملوث أي غير الخارج النجس الملوث، كالبعر الناشف والحصا، لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هنا، واستظهره في الفروع، وصوبه في الإنصاف، وقال: كيف يستنجي أو يستجمر من طاهر، وهذا من أشكل ما يكون. (¬4) أي لايصح وضوء قبل الاستنجاء بماء أو حجر ونحوه إذا كان على المخرج نجاسة، اختاره الأكثر، وقال الشيخ هذا الأشهر، لأنه طهارة يبطلها الحدث فاشترط تقديم الاستنجاء عليه، ولا يصح تيمم لأنه لا يرفع الحدث، وإنما تستباح به الصلاة، ولا تباح مع قيام المانع، وظاهره سواء كان التيمم عن حدث أصغر أو أكبر أو نجاسةوعنه يصح الوضوء وفاقا، وجزم به في الوجيز، قال في مجمع البحرين، هذا أقوى الروايتين، واختاره الموفق والشارح وغيرهما، وصححه في النظم والتصحيح وغيرهما، وكذا التيمم قياسا على الوضوء. (¬5) وهذا لفظ النسائي، وقال الحافظ منقطع ولفظ مسلم «يغسل ذكره ويتوضأ» ولأحمد وأبي داود ونحوه، ولفظ البخاري «توضأ واغسل ذكرك» قال الحافظ: ووقع في العمدة نسبة ذلك إلى البخاري بالعكس، وفي لفظ لمسلم «اغسل ذكرك وتوضأ» وفي بعض الروايات «توضأ وانضح فرجك» ، والواو لا تقتضي الترتيب، بل لمطلق الجمع على المشهور، قال النووي: والسنة أن يستنجي قبل الوضوء، ليخرج من الخلاف ويأمن انتقاض طهره اهـ ومشروعيته قبل الوضوء والتيمم لا نزاع فيها، والمقداد هو عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود النهراني، وقيل الحضرمي، أصاب دما في قومه، فلحق بحضرموت فحالف الأسود بن عبد يغوث الكندي فقيل المقداد بن الأسود، أول فارس في الإسلام توفي سنة ثلاث وثلاثين.

ولو كانت النجاسة على غير السبيلين (¬1) أو عليهما غير خارجة منهما صح الوضوء والتيمم قبل زوالها (¬2) . ¬

_ (¬1) صح الوضوء والتيمم قبل زوالها. (¬2) أي النجاسة: لأنها غير خارجة من السبيلين، لكنها مقيدة بكونها غير مانعة، وإلا فلا، والفرق بين ما إذا كانت النجاسة خارجة منه، وبين ما إذا كانت عليه غير خارجة منه، ففي الأولى موجبة للطهارة، فاشترط لصحتها زوالها مهما أمكن أثرا أو عينا فقط، بخلاف الثانية فإنها غير موجبة للطهارة فلم يشترط لصحتها زوالها، ولهذا لا يجزئ الاستجمار فيها بخلاف الأولى.

باب السواك وسنن الوضوء

باب السواك وسنن الوضوء (¬1) وما ألحق بذلك من الإدهان والاكتحال (¬2) والاختتان والاستحداد ونحوها (¬3) . ¬

_ (¬1) قيل: إن أول من استاك الخليل عليه السلام وأنه أول من شاب وهو ابن مائة وخمسين سنة، وأول من اختتن، وجاء أنه من سنن المرسلين، والسواك يذكر ويؤنث والأكثر على تذكيره وجمعه سوك ككتب ويقال سؤك بالهمزة مشتق من التساوك وهو التمايل، والتردد ومنه جاءت الإبل تساوك، أي تمايل هزالا لأن السواك يتردد في الفم، أو من ساك الشيء إذا دلكه، واستن الرجل استنانا استاك، والوضوء بالضم اسم للفعل الذي هو المصدر، وبالفتح اسم للماء الذي يتوضأ به. (¬2) أي ما ألحق بالسواك وسنن الوضوء لما له به من التعلق، أو المقاربة من الإدهان بالكسر، والدهن بالفتح مصدر، والدهن بالضم الاسم، من دهن الشيء إذا بله، وكذا الاكتحال، وهو مصدر وكحل العين يكحلها كحلا جعل فيها الكحل، والكحل الإثمد وكلما وضع في العين يستشفي به، والإكحال أصناف كثيرة معروفة، لها أسماء متعددة، يصنعونها من مواد تناسب أمراض العيون. (¬3) أي نحو ما ألحق بذلك كتقليم الأظفار، وقص الشارب، وإعفاء اللحيةوإبقاء شعر الرأس، وغير ذلك وأدخلوها في الباب لكونها من خصائص الفطرة فإنهم قد يذكرون في الباب أشياء لها تعلق بمقصود الباب، وإن لم تكن مما ترجم له وذكر سنن الوضوء في هذا الباب لكون السواك من آكدها، والاختتان مصدر والختان اسم من الختن، وموضع القطع من الذكر والأنثى، والاستحداد هو حلق العانة سمي استحدادا لاستعمال آلة الحديد فيه وهي الموسى ونحوها.

السواك والمسواك: اسم للعود الذي يستاك به، ويطلق السواك على الفعل (¬1) أي دلك الفم بالعود لإزالة نحو تغير، كالتسوك (¬2) (التسوك بعود لين) سواء كان رطبا أو يابسا (¬3) مندى من أراك أو زيتونا أو عرجون أو غيرها (¬4) (منق) للفم (غير مضر) (¬5) . ¬

_ (¬1) قاله الشيخ وغيره، والمسواك بكسر الميم. (¬2) أي والسواك شرعا استعمال العود في الأسنان لإزالة نحو تغير كصفرة ورائحة، كالتسوك أي كما يطلق التسوك على الفعل يطلق عليه السواك، فالمراد بالسواك الاستياك. (¬3) الرطب ضد اليابس، وهو الأخضر وهو أبلغ في الإنقاء. (¬4) أي مما يستاك به، كقتاد ونحوه، واقتصر بعضهم على الثلاثة، وقال الآزجي، لا يعدل عنها إلا لتعذرها والمندى المبلول قال ابن القيم: وأجود ما استعمل مبلولا بماء الورد اهـ ثم بالماء ثم بالريق، ثم اليابس غير المندى، والأراك واحدته أراكة. شجر من الحمض معروف له حمل كعناقيد العنب، يستاك بفروعه وعروقه، وهي أجود، وهو أفضل ما استيك به، وأكثر ما استعمل عند العرب، وفي حديث أبي خيرة وكان في وفد عبد القيس، قال: فأمر لنا بأراك فقال: استاكوا بهذا، ولأبي يعلي عن ابن مسعود: كنت اجتنيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأحمد عنه موقوفا، والزيتون شجر عظيم النفع، طويل البقاء في الأرض، حتى إنه قد يجاوز ألف سنة وهي يحي ويثمر، ويقال لدهنه الزيت ولثمره الزيتون، والعرجون واحد العراجين وهو شماريخ العذق، وكان صلى الله عليه وسلم يحب العراجين. (¬5) أي منظف: غير جالب للضرر.

احترازا من الرمان والآس وكل ما له رائحة طيبة (¬1) (لا يتفتت) ولا يجرح (¬2) ويكره بعود يجرح أو يضر أو يتفتت (¬3) و (لا) يصيب السنة من استاك (بإصبعه وخرقة) ونحوهما (¬4) . ¬

_ (¬1) أي وكل عود ذكي الرائحة، والآس هو المعروف بالريحان عند بعض العامة وهو شجر ورقة عطر، قيل إنه مضر بلحم الفم. (¬2) أي لا يتكسر وفتات الشيء بضم الفاء ما تكسر منه، ولا يجرح أي لا يشق وجرحه كقطعه. (¬3) أي يجرح فمه أو يضره كالرمان، والطرفاء، والقصب الفارسي ونحوها، أو يتفتت في فيه، لأن ذلك مضاد لغرض السواك. (¬4) كإشنان أي يخطئ السنة، والصواب الحق، وضد الخطأ والأمر الثابت في نفس الأمر، الذي لا يسوغ إنكاره وقالت طائفة من أهل العلم: بل يصيب السنة، واختاره ابن عبدوس، وصححه في التصحيح والنظم، وقالت طائفة: عند عدم السواك قال في الإنصاف: وما هو ببعيد واختار المجد وغيره بالإصبع في المضمضة، وقال النووي وغيره: وبأي شيء استاك مما يزيل التغير حصل الاستياك كالخرقة والسعد والإشنان والإصبع، وهذا مذهب أبي حنيفة، لعموم ما ورد، وفي المغني والشرح وغيرهما أنه يصيب بقدر ما يحصل من الإنقاء، ولا يترك القليل من السنة للعجز عن أكثرها، وذكرا أنه الصحيح، وروى البيهقي والحافظ في المختارة وقال: لا بأس بإسناده عن أنس مرفوعا، يجزي من السواك الأصابع، وفي المغني بلفظ أصبعيك سواك، عند وضوئك أمرهما على أسنانك وعن علي في صفة الوضوء: فأدخل بعض أصابعه في فيه، رواه أحمد، وروي عنه أيضا التشويص بالمسبحة والإبهام سواك، وفي الطبراني عن عائشة قالت: يدخل إصبعه في فيه، وإصبع بكسر الهمزة وفتح الباء معروفة، تذكر وتؤنث، وفيها عشر لغات، فتح الهمزة، وضمها وكسرها مع الحركات الثلاث في الباء، والعاشرة أصبوع.

لأن الشرع لم يرد به (¬1) ولا يحصل به الإنقاء كالعود (¬2) (مسنون كل وقت) خبر قوله: التسوك أي يسن كل وقت لحديث «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» (¬3) رواه الشافعي وأحمد وغيرهما (¬4) (لغير صائم بعد الزوال) فيكره فرضا كان الصوم أو نفلا (¬5) . ¬

_ (¬1) وكذا حكاه بعض الأصحاب ولعل من قال به لم يبلغه ما ورد مما تقدم وغيره. (¬2) أي لا يحصل بالإصبع والخرقة ونحوهما الإتقاء، كما يحصل بالعود. (¬3) بأن يكون في حال كمال ونظافة إظهارًا لشرف العبادة، والرب بالتعريف لا يطلق إلى على الله تعالى، ومطهرة بفتح الميم وكسرها كل آلة يتطهر بها، شبه السواك بها لأنه ينظف الفم، والطهارة النظافة، وورد في فضل السواك أكثر من مائة حديث، حتى عد في المتواتر، واتفق العلماء على أنه سنة مؤكدة، لحث الشارع ومواظبته عليه، وترغيب فيه، وندبه إليه، قال في المبدع: وليس بواجب إجماعا لخبر أبي هريرة وغيره، وقيل بوجوبه، وقال النووي: سنة وليس بواجب في حال من الأحوال، لا في الصلاة ولا في غيرها بإجماع من يعتد به في الإجماع اهـ. وقول بعض أهل العلم بوجوبه يدل على آكدية سنيته، قال الشارح: لا نعلم خلاف في استحبابه وتأكده وإن أكل نجسا وجب إزالة دسومته بسواك أو غيره. (¬4) فرواه النسائي وابن خزيمة والبخاري تعليقا عن عائشة مرفوعا، قال النووي: بأسانيد صحيحة، والشافعي هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم، القرشي المكي أحد الأئمة الأربعة المتوفي سنة أربع ومائتين. (¬5) هذا المذهب وهو قول الشافعي.

يسن التسوك مطلقا اختاره الشيخ وتلميذه

وقبل الزوال يستحب له بيابس (¬1) ، ويباح برطب (¬2) لحديث «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشى» ، أخرجه البيهقي عن علي رضي الله عنه (¬3) (متأكد) خبر ثان للتسوك (¬4) (عند صلاة) فرضًا كانت أو نفلاً (¬5) . ¬

_ (¬1) قولا واحدا. (¬2) يعني قبل الزوال، والفرق بين الرطب واليابس: أن الرطب له أجزاء تتحلل واليابس ليس له أجزاء تتحلل. (¬3) لكن قال الحافظ: إسناده ضعيف ولا يعارض به ما تواتر من الأحاديث المطلقة وعن أحمد يسن مطلقا، اختاره الشيخ وتلميذه وغيرهما، واستظهره في الفروع، وقال الزركشي، هو أظهر دليلا وهو قول أكثر العلماء، وهو المختار لحديث عائشة «خير خصال الصائم السواك» ، رواه ابن ماجه، ولحديث عامر رأيته ما لا أحصي يستاك وهو صائم، رواه أصحاب السنن والبخاري تعليقا، وقال ابن عمر: يستاك أول النهار وآخره، وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي عن عمر وابن عباس وعائشة وجمع، ومذهب مالك وأبي حنيفة عدم الكراهة ونقل عن الشافعي، واختاره جماعة من أصحابه، قاله غير واحد فهو مذهب جمهور الأئمة، وأكثر الأحاديث الواردة فيه تدل على استحبابه للصائم بعد الزوال، كما يستحب قبله، والإطلاق في سائرها يدل عليه، ولم يثبت في كراهته شيء، والخلوف ليس في محل السواك إنما هو من أبخرة المعدة، ومرضاة الرب أطيب من ريح المسك، والقياس يقول بموجبه، حكاه الشيخ وغيره. (¬4) أي التسوك مسنون استنانا متأكدا، بمعنى أن طلبه مؤكد زيادة على سائر الأوقات ولهذا كانت السنة المؤكدة قريبة من الواجب في لحوق الإثم. (¬5) لحديث أبي هريرة مرفوعا لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة رواه الجماعة، وروى أبو نعيم بسند جيد لأن أصلي ركعتين بسواك أحب إلي من أن أصلي بسبعين ركعة، يعني بلا سواك، ولأنا مأمورون في كل حال من أحوال التقرب إلى الله أن نكون في حال كمال ونظافة، لا سيما طرق ومجاري الذكر والتلاوة، إظهار لشرف العبادة.

(و) عند (انتباه) من نوم ليل أو نهار (¬1) (و) عند (تغير) رائحة (فم) بمأكول أو غيره (¬2) وعند وضوء وقراءة (¬3) . ¬

_ (¬1) أي عند استيقاظ من نبهه من نومه، أيقظه لحديث حذيفة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك، رواه الجماعة إلا الترمذي، والشوص الدلك ولأحمد وأبي داود عن عائشة: لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ وله شواهد. (¬2) ككثرة كلام، وإطالة سكوت، أو وجوع، أو عطش لأن السواك مشروع لتطيب الفم، وإزلة رائحته، فتأكد عند تغيره، وحكى الوزير الاتفاق على استحبابه عند تغير الفم، والفم مثلث الفاء، أصله فوه حذفت منه الهاء فعوضت منها الميم، واقتصر المنقح والموفق وغيرهما على هذه الثلاثة، والأدلة ظاهرة في تأكدها. (¬3) أي ومتأكد عند وضوء حال المضمضة لحديث أبي هريرة لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء، ورواه أحمد ومالك وغيرهما بإسناد صحيح. والبخاري تعليقا وله شواهد قال الحافظ بعضها حسن، وقال بعض أهل العلم: مستحب لأن السنة ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم والذين نقلوا وضوءه لم يذكروه، فغاية ما يفيد هذا الخبر الندب، فيكفي التعبد به أحيانا. ويستحب عند قراءة القرآن، تطييبا للفم، لحديث علي مرفوعا إن أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك، رواه ابن ماجه وأبو نعيم والبزار، ولفظه طيبوا أفواهكم بالقرآن والموقوف أشبه، وحكى ابن الجوزي وغيره الاستحباب فيهما.

ويتأكد عند الطواف والخطبة.. إلخ

زاد الزركشي والمصنف في الإقناع: ودخول مسجد، ومنزل، وإطالة سكوت، وخلو المعدة من الطعام، واصفرار الأسنان (¬1) . ¬

_ (¬1) الزركشي هو محمد بن عبد الله بن محمد المصري صاحب شرح الخرقي الذي لم يسبق إلى مثله، وله غيره توفي سنة سبعمائة وأربع وسبعين والمصنف الحجاوي، مصنف المتن (زاد المستنقع) وله الإقناع الكتاب المشهور في مذهب أحمد، وعليه المعول في الديار الشامية والمصرية والحجازية والنجدية وغيرها، أي زاد تأكد السواك عند دخول مسجد ومنزل إلخ، وسألت عائشة: بأي شيء كان يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يته؟ قالت: بالسواك، رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي, والمسجد أولى، وكذا يتأكد عند إطالة سكوت، لما يتولد من البلغم، وعند خلو المعدة من الطعام، لما يتولد منه من الرائحة المستكرهة، والمعدة هي مقر الطعام والشراب، وموضع هضمه قبل انحداره إلى الأمعاء، سميت بذلك لشدتها أو لجذبها الطعام، أو لدفعها إياه. ويتأكد عند الطواف والخطبة، وأكل المنتن ونحوه، وبعد الوتر وفي السحور وغير ذلك، ويتأكد عند اصفرار الأسنان، جمع سن بكسر السين، والإصفرار مصدر، والصفرة لون الأصفر، فالسواك باعتدال يطيب الفم، والنكهة ويجلو الأسنان، ويقويها ويشد اللثة ويزيل رخاوتها ويمنع الحفر والسلاق وهو التقشر في أصول الأسنان أو صفرة تعلوها، ويقطع البلغم، ويصفي الحلق، والصوت، ويفصح اللسان ويقوي القلب، ويزيد في العقل، ويذكي الفطنة، ويحسن الخلق بفتح الخاء، ويحلو البصر، ويقطع الرطوبة من العين، ويقوي عصبها، ويصحح المعدة، ويقيم الصلب، ويعين على الهضم، ويشهي الطعام، ويسهل مجاري الدم، وينشط، ويطرد النوم، ويخفف عن الرأس وفم المعدة، ويضاعف الأجر، ويرضي الرب، ويسخط الشيطان. ويزيد في ثواب الصلاة. والذكر. ونحو ذلك.

(ويستاك عرضا) استحبابا بالنسبة إلى الأسنان (¬1) بيده اليسرى على أسنانه ولثته ولسانه (¬2) ويغسل السواك (¬3) ولا بأس أن يستاك به اثنان فأكثر (¬4) . ¬

_ (¬1) لا بالنسبة إلى الفم، لأنه إذا فعل طولا أدمي اللثة، وأفسد عمور الأسنان وإنما ينبغي أن يستاك من ثناياه إلى أضراسه، وذلك عرض بالنسبة إلى الأسنان وطول بالنسبة إلى شق الفم، وروى أبو داود في مراسيله أنه عليه الصلاة والسلام قال: استاكوا عرضا ورواه الطبراني والضياء بلفظ: أنه كان يستاك عرضا، وضعفه. (¬2) على الصحيح من المذهب وجزم به في الفائق، وقال الشيخ: ما علمت إماما خالف في الاستياك باليسرى، لأن الاستياك إنما شرع لإزالة ما في داخل الفم، وهذه العلة متفق عليها اهـ على أسنانه أي يضع طرف السواك على أسنانه، وعلى لثته بكسر اللام وفتح المثلثة مخففة، هي ما حول الأسنان من اللحم، قاله الجوهري وقال غيره: هي اللحم الذي تنبت فيه الأسنان، فأما اللحم الذي يتخلل الأسنان فهو عمر، بفتح فسكون وجمعه عمور وكذا يضع طرف السواك على لسانه كما في الصحيحين والسواك على لسانه وفيهما عن أبي موسى، فرأيته يستاك على لسانه ولأحمد وهو يستاك وهو واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق فوصف حماد كأنه يرفع سواكه، قال ووصفه غيلان كأنه يستاك طولا، فإن سقطت أسنانه استاك على لثته ولسانه، قال في الشرح: إن استاك على لسانه أو حلقه فلا بأس أن يستاك طولا. (¬3) أي يغسل ما على السواك إن كان، للحديث الآتي وغيره. (¬4) لحديث عائشة: كان يعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه، وعنها كان يستن وعنده رجلان، فأوحي إليه، أعط السواك أكبرهما رواهما أبو داود.

قال في الرعاية: ويقول إذا استاك: اللهم طهر قلبي ومحص ذنوبي (¬1) قال بعض الشافعية: وينيوي به الإتيان بالسنة (¬2) (مبتدئا بجانب فمه الأيمن) (¬3) فتسن البداءة بالأيمن في سواك (¬4) وطهور وفي شأنه كله (¬5) غير ما يستقذر (¬6) (ويدهن) استحبابا (غبا) يوما يدهن ويوما لا يدهن (¬7) لأنه صلى الله ¬

_ (¬1) استحبابه في هذا الموضع فيه نظر، لعدم وروده فيه بخصوصه، وإن كان الدعاء به ونحوه مشروعا في الجملة. (¬2) القائل به ابن حجر كما صرح به في الإمداد، وذلك لأن السواك مما يتعبد به. (¬3) قال في المبدع والإقناع، من ثناياه إلى أضراسه. (¬4) قال في الإنصاف: مستحب بلا نزاع أعلمه. (¬5) طهور بضم الطاء. أي تطهر كوضوء وغسل، وإزالة نجاسة، لحديث عائشة كان يحب التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله متفق عليه ولأبي داود وسواكه قال منصور: وقد يحمل على أنه كان يبدأ بشق فمه الأيمن في السواك. (¬6) مما تقدم بيانه في باب الاستنجاء، من دخول خلاء ونحوه وغير ذلك مما فيه مرجوحية. (¬7) غب عن القوم يغب غبا أتاهم يوما وترك يوما، وغبت الماشية شربت يوما وظمئت يوما، وقال النووي: هو أن يدهن ثم يترك حتى يجف، ثم يدهن ثانيا، وقال في الفروع: وظاهره أن اللحية كالرأس وفي شرح العمدة: ودهن البدن.

عليه وسلم نهى عن الترجل إلا غبا (¬1) رواه النسائي والترمذي وصححه (¬2) والترجل تسريح الشعر ودهنه (¬3) (ويكتحل) في كل عين (وترا) ثلاثا، بالإثمد المطيب (¬4) كل ليلة قبل أن ينام لفعله عليه السلام، رواه أحمد وغيره عن ابن عباس (¬5) . ¬

_ (¬1) والمراد النهي عن المواظبة عليه، لأنه مبالغة في التزيين وتهالك في التحسين ونهى عليه الصلاة والسلام أن يمتشط كل يوم، ويجوز كل يوم لحاجة، لخبر أبي قتادة: وكان له جمة، فأمره أن يحسن إليها، رواه النسائي، ورجاله رجال الصحيح. واختار الشيخ فعل الأصلح للبدن، كالغسل بماء حار ببلد رطب، لأن المقصود ترجيل الشعر، ولأنه فعل الصحابة، وأن مثله نوع الملبس والمأكل ولما فتحوا الأمصار كان كل منهم يأكل من قوت بلده، ويلبس من لباسه اهـ ويستحب إصلاحه إذا شعث لقوله: أما يجد ما يسكن به شعره؟ رواه أبو داود بإسناد صحيح. (¬2) أي الترمذي، ورواه أحمد وأبو داود وغيرهم. (¬3) تسريحه إرسال وحله قبل المشط، يقال سرح الشعر خلص بعضه من بعض. (¬4) بالمسك ونحوه في كل عين، لحديث أبي هريرة من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، والإثمد بالكسر معدن، حجر معروف، يكتحل به، أسود سريح التفتت، وإذا تفتت كان لفتاته بريق ولمعان، ولكان ذا صفائح، أملس الباطن، ومعدنه بأصبهان، وهو أجوده وبالمغرب وهو أصلب، والكحل المطيب أي المضمخ بالطيب. (¬5) ولفظه: كان يكتحل بالإثمد كل ليلة قبل أن ينام، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال، ورواه ابن ماجه والترمذي وحسنه، وقال: روي من غير وجه أنه قال: عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر، وكان له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه، ولأبي داود: إن خيرا كحالكم الإثمد وللطبراني فإنه منبتة للشعر مذهبة للقذى مصفاة للبصر.

تجب التسمية في الوضوء مع الذكر

ويسن نظر في مرآة (¬1) وتطيب (¬2) (وتجب التسمية في الوضوء مع الذكر) (¬3) . ¬

_ (¬1) ليزيل ما عسى أن يكون بوجهه من أذى. ويفطن إلى نعمة الله عليه في خلقه، ويقول ما ورد، ومنه اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي، وحرم وجهي على النار رواه ابن مردوية من حديث أبي هريرة، ولأحمد وابن حبان عن ابن مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نظر في المرأة قال اللهم كما أحسنت خلقي فحسن خلقي قال المنذري: رواته ثقات. (¬2) أي ويسن تطيب، لحديث أبي أيوب مرفوعا أربع من سنن المرسلين الحياء، والتعطر والسواك، والنكاح، رواه أحمد وعن أنس أنه قال حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة، رواه أحمد والنسائي والحاكم وغيرهم، وأفضله المسك، لحديث أبي سعيد مرفوعا قال في المسك، هو أطيب طيبكم رواه مسلم، وعن عائشة: كان يتطيب بذكارة المسك، والعنبر رواه النسائي وغيره، وكان ابن عمر يتجمر بالألوة يعني العود غير مطراة وبكافور يطرح مع الألوة. ويقول: هكذا كان يستجمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويستحب للرجال بما ظهر ريحه ويخفي لونه، كالمسك والعنبر والعطر والعود، وعكسه النساء إذا كانت في غير بيتها، وفيه تطيب بما شاءت، لحديث أبي هريرة إن طيب الرجال بما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه، وعن أبي موسى مرفوعا كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا يعني زانية صححه الترمذي، وكان صلى الله عليه وسلم لا يرد الطيب، وروى مسلم من عرض عليه ريحان فلا يرده ولأحمد وغيره بلفظ من عرض عليه طيب فلا يرده، فإن خفيف المحمل طيب الرائحة. (¬3) ضد النسيان وهو حضور صورة المذكور العلمية في القلب وإذا كان الذكر بالضمير فمضموم الذال، وإذا كان باللسان فمكسروها قاله القرطبي، وقال ابن مالك: الذكر بالقلب يضم ويكسر وقال غيره: هما لغتان ومعناهما واحد وذكر بعض أهل العلم في التسمية أربعة أقسام، قسم تجب فيه، وهو الوضوء والغسل. والتيمم وعند الصيد والتذكية وقسم تسن فيه، عند قراءة القرآن والأكل والشرب. والجماع، وعند دخول الخلاء، ونحو ذلك، وقسم لا تسن فيه، كالصلاة والأذان والحج، والأذكار، والدعوات، وقسم تكره فيه: وهو المحرم، والمكروه، لأن المقصود بالتسمية البركة والزيادة وهذان لا يطلب ذلك فيهما، لفوات محلهما، وقيل تحرم عند أكل الحرام، وفي البزازية: اختلف في كفره.

أي أن يقول بسم الله لا يقوم غيرها مقامها (¬1) لخبر أبي هريرة مرفوعا «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» رواه أحمد وغيره (¬2) . ¬

_ (¬1) كالتسمية المشروعة على الذبيحة، وعند أكل الطعام، ونحو ذلك، ومحلها اللسان بعد النية، قال النووي: والتسمية أن يقول بسم الله، فتحصل السنة. وإن لم يقل الرحمن الرحيم، والأكمل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم اهـ وليس هذا على إطلاقه, وتكفي الإشارة بها من أخرس ونحوه. (¬2) فرواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما بسند ضعيف، وروى الترمذي الجملة الأخيرة منه، وله طرق لا تخلو من مقال، إلا أنه قد يقوي بعضها بعضا قال ابن أبي شيبة: تثبت أنه صلى الله عليه وسلم قاله. وقال المنذري: تتعاضد وتكسبه قوة وبالغ السيوطي حتى عده في المتواتر، وفي التلخيص مجموعها يحدث منها قوة تدل على أن له أصلا، وقال ابن كثير: يشد بعضها بعضا، فهو حديث حسن أو صحيح اهـ. وقال بعض أهل العلم: لا وضوء حقيقة في نفسه، فهو نص في أنها ركن أو شرط، وعن أحمد سنة وفاقا. اختاره الخرقي والموفق والشارح وابن المنذر وغيرهم قال الخلال إنه الذي استقرت عليه الرواية لأن الله تعالى قال: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} والرسول صلى الله عليه وسلم ذكر الوضوء ولم يذكر إيجاب التسمية، والحديث قال فيه الحافظ وغيره: يروى بأسانيد كلها ضعاف لا تقوم بها حجة، ولأنها طهارة فلا تفتقر إلى التسمية، وعبادة فلا تجب فيه كسائر العبادات. قال الشيخ: ولا تشترط التسمية في الأصح، قال أحمد: لا يثبت فيه شيء، ولا أعلم فيه حديثا له إسناد جيد، وقال: أرجو أن يجزئه الوضوء، لأنه ليس في التسمية حديث أحكم به، وقال ابن سيد الناس: روى في بعض الروايات: لا وضوء كاملا، وقال: إن صح فيحمل على تأكد الاستحباب ونفي الكمال بدونها.

يجب الختان ويكره القزع

وتسقط مع السهو (¬1) وكذا غسل وتيمم (¬2) (ويجب الختان) عند البلوغ (¬3) (ما لم يخف على نفسه) (¬4) . ¬

_ (¬1) نص عليه، وإن ذكر في أثنائه سمى وبنى، قال الحجاوي: هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب. (¬2) أي وكما تجب في الوضوء تجب في الغسل والتيمم قياسا على الوضوء، وتسقط فيهما مع السهو ومع الجهل أيضا في الثلاثة قياسا على واجب صلاة. (¬3) لأنه قبله لم يكن مكلفا ولقول ابن عباس: كانوا لا يختتون الرجل حتى يدرك رواه البخاري، وقال الشيخ: يجب إذا وجبت الطهارة والصلاة اهـ والمراهق ينبغي أن يختن لئلا يبلغ إلا وهو مختون، والمقصود تطهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة وإن تركه من غير ضرر وهو يعتقد وجوبه فقيل يفسق. (¬4) تلفا أو ضررا فيسقط وجوبه، قال الشيخ: عليه أن يختتن إذا لم يخف ضرر الختان، فإن ذلك مشروع مؤكد للمسلمين باتفاق الأئمة، وهو واجب عند الشافعي وأحمد في المشهور عنه، قال: وكان ابن عباس يشدد في أمره، حتى قد روي عنه أنه قال: لا حج له ولا صلة، وعند مالك وأبي حنيفة سنة لكن يأثم بتركه واستدل من أوجبه بحديث ألق عنك شعر الكفر واختتن رواه أحمد وأبو داود، وقال الحافظ: فيه انقطاع وبحديث من أسلم فليختتن وقال الزهري: كان الرجل إذا أسلم أمر بالاختتان، وإن كان كبيرا ولقوله تعالى: {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} وثبت أنه ختن نفسه بالقدوم، ولكشف العورة له، ولو لم يكن واجبا لم يجز كشفا له، وقال ابن المنذر: ليس في وجوب الختان خبر يرجع إليه، والمتيقن السنة، لقوله خمس من الفطرة، وذكر الختان متفق عليه، لكن قد يقرن المختلفان، ويرجع في الضرر إلى الأطباء الثقات، وإذا كان يضره في الصيف أخره إلى الشتاء.

ذكرا كان أو خنثى أو أنثى (¬1) فالذكر بأخذ جلدة الحشفة (¬2) والأنثى بأخذ جلدة فوق محل الإيلاج تشبه عرف الديك (¬3) . ¬

_ (¬1) أي سواء كان المختون ذكرا أو خنثى أو أنثى، وعنه سنة في حق النساء، لقوله إذا التقى الختانان قال في المغني والشرح: مكرمة للنساء، وليس بواجب عليهن، هذا قول كثير من أهل العلم، ولأنه إنما وجب على الرجال لما يستر الكمرة من الجلدة المدلاة عليها، من أجل أنه لا ينقى ما تحتها، والمرأة ليست كذلك. (¬2) أي فختان الذكر بأخذ جلدة غاشية الحشفة، ويقال لها القلفة والغرلة وإن اقتصر على أكثرها جاز. جزم به المجد وغيره. (¬3) أي وخفض الجارية بأخذ جلدة فوق محل مدخل الذكر، وهو مخرج الحيض والولد والمنى، وتحت مخرج البول، وتلك الجلدة عالية على الفرج رقيقة مثل الورقة بين الضرة والشفرين، والشفران محيطان بالجميع، فتلك الجلدة الرقيقة تقطع منها في الختان، ويسمى الخفض، فالختان مخصوص بالذكر، والخفاض بالأنثى والإعذار مشترك بينهما، والمقصود من ختان الرجل تطهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة ومن المرأة تقليل شهوتها، وعرف الديك لحمة مستطيلة في أعلى رأسه، يشبه به بضر الجارية.

ويستحب أن لا تؤخذ كلها (¬1) والخنثى بأخذهما (¬2) وفعله زمن صغر أفضل (¬3) وكره في سابع يوم ومن الولادة إليه (¬4) . ¬

_ (¬1) فإن المقصود هو تعديل شهوتها، فالقلفاء شديدة الشهوة، فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود باعتدال لقوله صلى الله عليه وسلم أشمى ولا تنهكي فإنه أبهى للوجه، وأحضى عند الزوج رواه الحاكم والطبراني وغيرهما. (¬2) أي أخذ القلفة من ذكره، والجلدة من فرجها، احتياطا والخنثى غير المشكل لا يجب عليه إلا ختن ذكره، إن حكم بأنه رجل، ولا يسن إلا خفض فرجها، إن حكم بأنه امرأة. (¬3) وعليه الجمهور لأنه أسرع برءا ولينشأ على أكمل الأحوال قال الشيخ زمن الصغر أفضل، إلى التمييز هذا هو المشهور. وقال النووي: استحباب ختانه في الصغر هو المذهب الصحيح المشهور، الذي قطع به الجمهور وقال مكحول: ختن إبراهيم ابنه إسحق لسبعة أيام، وختن إسماعيل لثلاث عشرة. قال الشيخ: فكان سنة في ولد إسحاق وولد إسماعيل اهـ. ولا توقيت في ذلك فمتى ختن قبل البلوغ كان مصيبا وينبغي أن يزاد على الثلاثة المواضع التي المسنون فيها أفضل من الواجب. قال السيوطي: الفرض أفضل من تطوع عابد ... حتى ولو قد جاء منه بأكثر إلا التطهر قبل وقت وابتدا ... ء بالسلام كذاك إبرا معسر زاد الخلوتي: وكذا ختان المرء قبل بلوغه ... تمم به عقد الإمام المكثر (¬4) أي إلى اليوم السابع للتشبه باليهود قال في الفروع: ولم يذكر كراهته الأكثر وعنه لا يكره، قال الخلال، العمل عليه، وقال ابن المنذر: وليس فيه نهي يثبت ولا لوقته حد يرجع إليه، ولا سنة تتبع، والأشياء على الإباحة، ولا يجوز حظر شيء منها إلا بحجة، ولا نعلم مع من منع أن يختن الصبي لسبعة أيام حجة، وقال أحمد لم أسمع فيه شيئا.

(ويكره القزع) وهو حلق بعض الرأس وترك بعض (¬1) وكذا حلق القفا لغير حجامة ونحوها (¬2) ويسن إبقاء شعر الرأس، قال أحمد: هو سنة لو نقوى عليه اتخذناه ولكن له كلفة ومؤنة (¬3) . ¬

_ (¬1) مأخوذ من قزع السحاب، وهو تقطعه، وكل شيء يكون قطعا متفرقة فهو قزع، والقزعة الخصلة من الشعر، وتترك على رأس الصبي، وعن ابن عمر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القزع متفق عليه. زاد أبو داود وغيره قال: احلقه كله أو دعه كله، وروي أبو داود والنسائي بإسناد صحيح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبيا قد حلق بعض رأسه وترك بعضه فنهاهم وقال احلقوه كله أو دعوه كله، قال ابن القيم: وهو أربعة أنواع: أن يحلق من رأسه مواضع من ههنا ومن ههنا، وأن يحلق وسطه ويترك جوانبه وأن يحلق جوانبه ويترك وسطه، وأن يحلق مقدمه ويترك مؤخره، فهذا كله من القزع. (¬2) أي يكره حلق القفا منفردا عن الرأس لغير حجامة ونحوها، كقروح قال أحمد: هو من فعل المجوس، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وقال عمر: حلق القفا من غير حجامة مجوسية، والمراد بالقفا مؤخر العنق، جمعه أقف وأقفية، وأقفاء يذكر ويؤنث، ويكره حلق رأس امرأة وقصة لغير ضرورة لا حلق رأس ذكر، كقصه وكره نتف شيب وتغييره بسواد، قال في الفروع، وظاهر كلام أبي المعالي يحرم، وهو متجه وقال النووي: لو قيل يحرم لم يبعد للنهي الصريح، وقال أيضا: الصحيح بل الصواب أنه حرام، وعده بعض أهل العلم من الكبائر. (¬3) قال في الفروع: ويتوجه لا إن شق إكرامه.

يعفي لحيته ويحرم حلقها

ويسرحه ويفرقه (¬1) ويكون إلى أذنيه وينتهي إلى منكبيه كشعره عليه السلام (¬2) ولا بأس بزيادة (¬3) وجعله ذؤابة (¬4) ويعفي لحيته (¬5) ويحرم حلقها ذكره الشيخ تقي الدين (¬6) . ¬

_ (¬1) أي يسن أن يغسله ويسرحه متيامنا لحديث من كان له شعر فليكرمه رواه أبو داود ورجاله ثقات. قال الحافظ: إسناده جيد، وله شاهد وأخرج مالك يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان، والثائر الشعث بعيد العهد بالدهن والترجيل ويسن أن يفرق شعر رأسه بضم الراء، والفرق الطريق، في شعر الرأس والمفرق وسط الرأس وهو الذي يفرق فيه الشعر. (¬2) ففي الصحيحين كان يضرب شعره منكبيه وفي لفظ كان بين أذنيه وعاتقه وللخمسة وصححه الترمذي فوق الوفرة ودون الجمة والمنكب بكسر الكاف مجتمع رأس الكتف والعضد مذكر وجمعه مناكب. (¬3) أي على منكبيه وثبت عند أبي داود وغيره عن وائل قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ولي شعر طويل فقال ذباب ذباب، قال فجزته والذباب الشؤم أي هذا شؤم. (¬4) أي لا بأس يجعله ذؤابة بضم الذال وفتح الهمزة الضفيرة من الشعر إذا كانت مرسلة فإن كانت ملمومة فهي عقيصة. (¬5) يعفي بضم الياء أي يوفرها ويتركها على حالها، فلا يأخذ منها شيئا واللحية بكسر اللام، جمعها لحى، بكسر اللام وضمها، اسم للشعر النابت على الخدين والذقن وفي الصحيحين أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى، وفيهما خالفوا المشركين، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب، وفي رواية أوفوا اللحى أي اتركوها وافية. (¬6) وغير واحد من أهل التحقيق، للأحاديث الصحيحة ولم يبحه أحد من أهل العلم وحكى ابن حزم الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض، والشيخ تقي الدين هو شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد بن تيمية النمري الحراني الدمشقي قريعة الدهر، فارس المعقول والمنقول، بل لم يرزق الإسلام والمسلمون عالما صحيح النظر نير البصيرة متضلعا من الكتاب والسنة، وأقوال العلماء يضارعه من زمانه إلى يومنا هذا، ولد سنة ستمائة واثنتين وستين وله أكثر من ألف مصنف يكتب الكراسة في المجلس الواحد، وإذا أطلق أكثر متأخري الأصحاب شيخ الإسلام أو الشيخ فمرادهم بذلك شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه، والسلف لا يطلقون شيخ الإسلام إلا على المتبع لكتاب الله وسنة رسوله، مع التبحر في العلوم من المعقول والمنقول. وعلو كعبه في ذلك مشهور، وكان الأصحاب قبل يلقبون الموفق، فلما جاء الله بهذا الحبر اعترف الكل له بهذا اللقب، حيث لم يوجد له نظير. وكثيرا ما نكتفي باختياره، إذ اختياره وترجيحه من الصحة ومساعدة الأدلة بمكان لا يخفى على المطلع المنصف ولا ندعي فيه العصمة، لكن الله خوله الحفظ والفهم، توفي قدس الله روحه بقلعة دمشق سنة سبعمائة وثمان وعشرين.

ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة منها (¬1) وما تحت حلقه (¬2) ويحف شاربه وهو أولى من قصه (¬3) . ¬

_ (¬1) لفعل ابن عمر، لكنه إنما فعله في الحج، رواه البخاري. وأكثر العلماء يكرهه، وهو أظهر للنهي عنه، فإن الحجة في رواية الصحابي لا في رأيه، وهو رضي الله عنه قد روى النهي عن الأخذ منها. (¬2) أي لا يكره أخذ ما تحت حلقه لأنه ليس من مسمى اللحية، ولا بأس بالصبغ بورس وزعفران وأجوده الحناء والكتم، للأمر به، واستعماله له صلى الله عليه وسلم. (¬3) أي يسن أن يحف شاربه، لحديث أحفوا الشوارب متفق عليه ولقوله من لم يأخذ شاربه فليس منا صححه الترمذي، ومنه السبالان، هما طرفاه لما روى أحمد وغيره قصوا سبالاتكم ولا تشبهوا باليهود والشارب ما سال على الفم من الشعر. جمعه شوارب، ويحفه بفتح الياء وضم الحاء أي يحفيه، من حف شاربه يحفه حفا أي أحفاه. قال في النهاية: إحفاء الشوارب أن يبالغ في قصها اهـ. ومعناه الاستقصاء في أخذه، ومنه حتى أحفوه بالمسألة وحفه أولى من قصه، نص عليه، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وما روي بلفظ القص لا ينافي الإحفاء لأن رواية الإحفاء في الصحيحين ومبينة للمراد، وللمرأة حلق وجهها، وحفه نص عليه لا نتفه، ولها تحسينه وتحميره ونحوه مما فيه تزيين له.

ويقلم أظفاره مخالفا (¬1) وينتف إبطه (¬2) ويحلق عانته (¬3) . ¬

_ (¬1) لحديث خمس من الفطرة الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط رواه الجماعة، ولمسلم عشر من الفطرة والأظفار جمع ظفر. بضم الظاء المشالة، والفاء، على اللغة الفصحى، ويقلم بالتشديد ماضيه: قلم بالتشديد أيضا، وبالتخفيف مع الواحد، ويقال بالتشديد أيضا وتقليمها سنة إجماعا، وصفة المخالفة: أن يبدأ بخنصر اليمنى، ثم الوسطى، ثم الإبهام ثم البنصر ثم السبابة، ثم إبهام اليسرى، ثم الوسطى، ثم الخنصر، ثم السبابة ثم البنصر كما قيل: فيمناها خوابس ويسراها أو خسب. وقال ابن دقيق العيد: ما اشتهر من قصها على وجه مخصوص لا أصل له في الشريعة ولا يجوز اعتماد استحبابه، لأن الاستحباب شرعي لا بد له من دليل. (¬2) أي يسن قلع شعر إبطه إجماعا، والإبط بكسر الهمزة وسكون الباء باطن المنكب، جمعه آباط ونتف الشعر ينتفه نتفا نزعها. (¬3) أي يسن للرجل والمرأة حلقها إجماعا لحديث أبي هريرة قال النووي: وهل يجب على الزوجة إذا أمرها زوجها أو لا؟ الأصح الوجوب إذا لم يفحش بحيث ينفر التواق، وإلا وجب قطعا، وقال بعضهم: المستحب في حق المرأة النتف، لأن الحلق يكثر الشعر، وقال آخرون: الحلق أولى، لأن النتف يرخي المحل وكذا التنوير والحلق يشده والعانة منبت الشعر فوق قبل المرأة، وذكر الرجل والشعر النابت عليها يقال له الأسب، والشعرة واستعان حلقه وله قصه ورجح النووي والجمهور أخذ ما عليها، وما حولها.

وله إزالتها بما شاء (¬1) والتنوير فعله أحمد في العورة وغيرها (¬2) ويدفن ما يزيله من شعر وظفر ونحوه (¬3) ويفعله كل أسبوع يوم الجمعة قبل الزوال (¬4) ولا يتركه فوق أربعين يوما (¬5) وأما الشارب ففي كل جمعة (¬6) . ¬

_ (¬1) أي إزالة الشعر النابت على العانة، ولو ذكره بضمير المذكر لكان أولى، وهو كذلك في نسخة بخط ابن عمير. (¬2) من جسده مما له أخذه والتنوير الطلي بالنورة والنورة السمة أخلاط تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره، وتستعمل لإزالة الشعر، وفعله النبي صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجه. (¬3) كدمه قيل لأحمد: يلقيه أم يدفنه؟ قال: يدفنه وقال كان ابن عمر يفعله. (¬4) لما روي البغوي عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ أظفاره وشاربه كل جمعة. (¬5) قيل لأحمد: كم يترك؟ قال أربعين: وفي الصحيح عن أنس: وقت لهم في حلق العانة، ونتف الإبط ونحو ذلك أن لا يترك أكثر من أربعين يوما وليس المراد بالتأخير مطلقا، بل إن أخروها، فمتى طالت أخذوها، ويختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. (¬6) قال أحمد: لأنه يصير وحشيا، ولا بأس بالحناء إذا اختضب به الرجل في يديه ورجليه غير قاصد التشبه بالنساء، ولا يريد به الزينة، وقال الشيخ: هو بلا حاجة مختص بالنساء لأنه عليه الصلاة والسلام إذا اشتكى شيئا خضبه بالحناء، ويحرم الوشم للعنه عليه الصلاة والسلام الواشمة والمستوشمة.

من سنن الوضوء السواك وغسل الكفين والبداءة بمضمضة.. إلخ

(ومن سنن الوضوء) وهي جمع سنة وهي في اللغة الطريقة (¬1) وفي الاصطلاح: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه (¬2) وتطلق أيضا على أقواله وأفعاله وتقريراته صلى الله عليه وسلم (¬3) وسمي غسل الأعضاء على الوجه المخصوص وضوءا لتنظيفه المتوضئ وتحسينه (¬4) (السواك) وتقدم أنه يتأكد فيه ومحله عند المضمضة (¬5) . ¬

_ (¬1) والسيرة مرضية كانت أو غير مرضية، بتثليث السين وفتح النون وضمها، وقال الأزهري: الطريقة المحمودة المستقيمة. والسنة من الله حكمه وأمره ونهيه، أي شريعته جمعها سنن مثل غرفة وغرف. (¬2) وفي التعريفات: هي الطريقة المسلوكة في الدين، من غير افتراض ولا جواب اهـ فالسنة ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع الترك أحيانا. (¬3) أي وتطلق السنة في الاصطلاح أيضا على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم مما أمر به، ونهى عنه، وندب إليه وأفعاله وتقريراته فإذا سكت عن إنكار فعل أو قول بحضرته أو زمنه عالما به دل على جوازه أو سنيته. (¬4) المخصوص أي لا العام، والوجه المخصوص منه هو غسل الأعضاء الأربعة الوجه واليدين والرجلين بنية رفع الحدث. (¬5) أي فالسواك من سنن الوضوء، قال في الإنصاف: بلا نزاع، والسواك مبتدأ مؤخر، وخبره ما تقدم من قوله: ومن سنن الوضوء.

(وغسل الكفين ثلاثا) في أول الوضوء (¬1) ولو تحقق طهارتهما (¬2) (ويجب) غسلهما ثلاثا بنية وتسمية (من نوم ليل ناقض لوضوء) لما تقدم في أقسام المياه (¬3) . ¬

_ (¬1) أي: ومن سنن الوضوء غسل الكفين ثلاثا في أوله، لما رواه أحمد والنسائي عن أوس قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فاستوكف ثلاثا، أي غسل كفيه ثلاثا، ولأن الذين وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا أنه يغسل كفيه ثلاثا في أوله، ولأنهما آلة نقل الماء إلى الأعضاء، ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء، وسميت الكف كفا لأنها تكف عن البدن الأذى. (¬2) وإلا وجب غسلهما فعلى هذا يغسل يديه ثلاثا للنوم، وثلاثا لسنة الوضوء لظاهر الحديث، وقال غير واحد: يحتمل إنه إذا غسلهما ثم توضأ في الحين من غير فصل فقد حصل المقصود من غسلهما قبل الوضوء، والذين وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذكروا أنه غسل يديه بعد الغسل الأول، واختلفت عباراتهم في أول سنن الوضوء، فعبر بعضهم بالتسمية، وبعضهم بغسل الكفين، وآخرون بالنية، وآخرون بالسواك، وجمع الرملي بينهم بحمل الأولى على القولية، والثانية على الفعلية التي ليست منه، فيسمى الله ناويا الوضوء وغاسلا كفيه ثم يستاك. (¬3) من حديث إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه الحديث ولفعله عليه الصلاةوالسلام كما ذكره من وصف وضوءه، وعنه سنة قال الشيخ: اختاره الخرقي وجماعة، واختاره الموفق والشارح وغيرهما لقوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} شمل القائم من النوم، لا سيما وقد فسره زيد بن أسلم بالقيام من الليل، ولم يذكر سبحانه غسل اليدين، والأمر السابق للندب لأنه عليه الصلاة والسلام علل بتوهم النجاسة، وذلك يقتضي الندبية لا الوجوب استصحابا للأصل.

ويسقط غسلهما والتسمية سهوا (¬1) وغسلهما لمعنى فيهما (¬2) فلو استعمل الماء ولم يدخل يده في الإناء لم يصح وضوءه وفسد الماء (¬3) (و) من سنن الوضوء (البداءة) قبل غسل الوجه (بمضمضة ثم استنشاق) ثلاثا ثلاثا بيمينه (¬4) . ¬

_ (¬1) فليس غسلهما شرطا لصحة الطهار، فيسقط سهو، وكذا جهلا، قياسا على واجب صلاة ولا يفسد ما حصل فيهما إذا للمشقة، وإذا تذكر في الأثناء لا يستأنف ولو أراد طهارة أخرى لم يجب، لأن غسلهما للقيام من النوم. (¬2) أي غسل اليدين للنوم المذكور لمعنى في اليدين غير معقول لنا لا لإدخالهما الإناء. وقال الشيخ: أو لخوف نجاسة تكون على اليد لقوله لا يدري أحدكم أين باتت يده فتكون علة من العلل، أو أنه من مبيت يده ملامسة للشيطان، كما في الصحيحين فإن الشيطان يبيت على خيشومه معللا بمبيته فقوله لا يدري أين باتت يده، يمكن أن يراد به ذلك، فتكون من العلل المؤثرة التي يشهد لها النص بالاعتبار. (¬3) التقييد بالوضوء، جرى على الغالب، فلا مفهوم له، وفساد الماء هنا سلب طهوريته، فما حصل في يده قبل غسلها ثلاثا بنية من نوم ليل فسد، وإن لم يدخلها الإناء جزم به في الإقناع والمنتهى، وروي أنه لأجل إدخالها الإناء، فيصح وضوءه ولا يفسد الماء إذا استعمله من غير إدخال، وتقدم أنه لا يقتضي سلب طهورية الماء. (¬4) البداءة بالضم ويكسر ويفتح وبدأ به ابتدأ وبدأه فعله ابتداء والبداءة بالشيء تقديمه على غيره، وبدأ الله الخلق وأبدأهم بمعنى، والمضمضة لغة التحريك، ومضمض الماء في الإناء حركه، واصطلاحا تحريك الماء في الفم، والاستنشاق من النشق، وهو جذب الماء ونحوه بريح الأنف إلى داخله، أي ومن سنن الوضوء تقديم المضمضة وهي بأن يجعل الماء في فيه ثم يدبره ثم يمجه وإن شاء ابتلعه ثم الاستنشاق وهو إدخال الماء في أنفه، وجذبه بالنفس ليزول ما في الأنف، ثلاثا ثلاثا، أي يمضمض ثلاثا، ويستنشق ثلاثا، يجمع بينهما بثلاث غرفات، بكف واحد لحديث عبد الله بن زيد توضأ فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا بكف واحد، وحديث علي مضمض واستنشق ثلاثا بثلاث غرفات، وكونه بيمينه لحديث عثمان وغيره، ثم غرف بيمينه ثم رفعها إلى فيه، فمضمض واستنشق واستتر بيساره وكلها في الصحيحين وغيرهما.

واستنثاره بيساره (¬1) (و) من سننه (المبالغة فيهما) أي في المضمضة والاستنشاق (¬2) (لغير صائم) فتكره (¬3) . ¬

_ (¬1) لحديث عثمان، ولحديث علي أنه نثر بيده اليسرى، فعل هذا ثلاثا، ثم قال: هذا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم والاستنثار لغة طرح الماء من الأنف بالنفس، من نثرت الشيء إذا طرحته أو من النثرة وهي طرف الأنف، وقيل الأنف كله، وشرعا طرح الماء من أنفه بنفسه بعد الاستنشاق مع وضع إصبعي يساره على أنفه، قال النووي: عند جماهير أهل الحديث واللغة والفقه. (¬2) إلى أقاصيهما قال في المبدع: هذا قول عامة المتأخرين: وإنما لم يجب لسقوطها بصوم النقل، والواجب لا يسقط بالنفل، وعنه وجوب المبالغة فيهما على المفطر فتتأكد السنية. (¬3) صرح به الموفق والشيخ وغيرهما، لحديث وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما، رواه الخمسة وصححه الترمذي والبغوي وغيرهما، وروي من طريق الثوري وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما ولأن المبالغة فيهما من جملة إسباغ الوضوء المأمور به، وقال النووي: المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة بلا خلاف اهـ ووجه الكراهة للصائم للنهي عنه، ولخشية أن ينزل إلى جوفه ما يفطره، وقال الشيرازي، لا تجوز وقال الشارح وغيره: لا تستحب لا نعلم فيه خلافا، والمبالغة في الأمر والاجتهاد، وبذل الوسع، من بالغ في الأمر يبالغ مبالغة، اجتهد ولم يقتصر والمبالغة وصف يزيد على ما في الواقع.

والمبالغة في المضمضة إدارة الماء بجميع فمه (¬1) وفي الاستنشاق جذبه بنفسه إلى أقصى الأنف (¬2) وفي بقية الأعضاء دلك ما ينبو عنه الماء للصائم وغيره (¬3) (و) من سننه (تخليل اللحية الكثيفة) بالثاء المثلثة وهي التي تستر البشرة (¬4) . ¬

_ (¬1) فلا يكفي وضع الماء فيه بلا إدارة، لأنه لا يسمى مضمضة والواجب الإدارة ولو ببعض الفم، قال النووي: والجمهور أن إدارة الماء في الفم لا تلزم. (¬2) لحديث استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما فقوله: بالغتين أو ثلاثا، أي أنهما في أعلى نهاية الاستنثار، والواجب جذب الماء إلى باطن الأنف، وإن لم يبلغ أقصاه، ولا يكفي وضعه في أنفه بدون جذب، فإنه لا يسمى استنشاقا. (¬3) دلك الشيء يدلكه دلكا مرسه وفركه ودعكه، من باب نصر، أي يعركها به، وينبو يتجافى ويتباعد، أي والمبالغة في بقية الأعضاء ذلك ما يتباعد عنه الماء، والمراد إمرار اليد على العضو احتياطا، ولعله مالم يتحقق عدم وصول الماء إليه، وإلا كان الدلك واجبا، لا مستحبا فقط، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأخرج الخمسة وغيرهم وصححه الترمذي وغيره أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، أي عمم الأعضاء، واستوعبها. ومنه: ثوب سابغ ودرع سابغة، وفي هذا الحديث وغيره مشروعية الإسباغ، والمراد الإنقاء، واستكمال الأعضاء وفي الحديث إسباغا الوضوء شطر الإيمان، رواه أحمد والنسائي وابن ماجة، وذلك لأن الإيمان يطهر نجاسة الباطن، والوضوء يطهر نجاسة الظاهر. (¬4) أي الغليظة واللام مكسورة وجمعها لحى ولحى، بالكسر والضم، وتخليلها تفريق شعرها، أي وإسالة الماء بينها، وأصله من إدخال الشيء في خلال الشيء وهو وسطه ومن تخلل الشيء نفذ فيه، لحديث أنس مرفوعا، كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فجعله تحت حنكه، وخلل به لحيته وقال هكذا أمرني ربي رواه أبو داود وروي ابن ماجه والترمذي وصححه أنه كان يخلل لحيته، قال ابن القيم: وكان يخلل لحيته أحيانا، ولم يكن يواظب على ذلك، وقال أحمد: ليس في تخليل اللحية شيء صحيح. وقال ابن أبي حاتم: لا يثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء وأما الخفيفة وهي التي لا تستر البشرة يعني ظاهر الجلد فيجب إيصال الماء لما تحتها قولا واحدا.

فيأخذ كفا من ماء يضعه من تحتها بأصابعه مشتبكة، أو من جانبيها ويعركها (¬1) وكذا عنفقة (¬2) وباقي شعور الوجه (¬3) (و) من سننه تخليله الأصابع أي أصابع اليدين والرجلين (¬4) . ¬

_ (¬1) أي وصفه التخليل أن يشبك لحيته بأصابعه ويعركها، لحديث ابن عمر: عرك عارضيه بعض العرك، ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها، من عركت الشيء إذا دلكته بيديك ويكون ذلك عند غسلهما لحديث عثمان وخلل لحيته حين غسل وجهه، وقال: رأيته فعل الذي رأيتموني فعلت. صححه الترمذي. وقوله: فيأخذ كفا من ماء، لحديث أنس المتقدم، ولكن في الصحيح عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه، الحديث ولم يذكر أنه أخذ لها ماء، وإن شاء عركها إذا مسح رأسه نص عليه. (¬2) أي يعركها والعنفقة بعين مهملة مفتوحة، فنون ساكنة، ففاء مفتوحة ثم قاف، فهاء شعيرات بين الشفة السفلى والذقن، قيل لها ذلك لخفتها وقلتها وربما أطلقت العنفقة على موضع تلك الشعيرات وجمعها عنافق. (¬3) كالحاجب والشارب وأهداب العينين، يخللها إذا كانت كثيفة، ويجزئ غسل ظاهره. (¬4) لحديث لقيط وخلل بين الأصابع، صححه الترمذي وغيره، وقال: العمل عليه عند أهل العلم أن يخلل أصابع رجليه في الوضوء وقيل: لا خلاف في مسنونية تخليل أصابع الرجلين، وفي أصابع اليدين روايتان أشهرهما يسن، لعموم حديث لقيط، ولقوله صلى الله عليه وسلم إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه البخاري والترمذي والرواية الثانية لا يسن إذ تفريجها يغني عن تخليلها قال الشارح: والأول أولى، وقال ابن القيم: وكان صلى الله عليه وسلم يخلل الأصابع، ولم يكن يواظب على ذلك، وما رواه أهل السنن أنه إذا توضأ يدلك أصابعه بخنصره إن ثبت فإنما يفعله أحيانا، ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه اهـ، والأحاديث الواردة في التخليل في أسانيدها مقال. ولكن لا تقصر عن إثبات استحباب التخليل، لا السنية، لعدم ثبوت المواظبة وقيل: المراد بالأمر إيصال الماء إلى ما بينها وهو واجب.

قال في الشرح: وهو في الرجلين آكد (¬1) ويخلل أصابع رجليه بخنصر يده اليسرى من باطن رجله اليمنى، من خنصرها إلى إبهامها (¬2) وفي اليسرى بالعكس (¬3) وأصابع يديه إحداهما بالأخرى (¬4) . ¬

_ (¬1) للآثار ولأنها ألصق من أصابع اليدين، وفي الإنصاف: يستحب بلا نزاع. (¬2) لحديث المستورد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ دلك أصابع رجليه بخنصره رواه أهل السنن وحسنه الترمذي، والبداءة بخنصرها ليحصل التيامن في التخليل. (¬3) أي من إبهامها إلى خنصرها. (¬4) أي يخلل أصابع يديه، إحدى يديه يخللها بالأخرى، وإذا كان في إصبعه خاتم فلم يصل الماء إلى ما تحته وجب إيصال الماء إلى ما تحته بتحريكه، أو خلعه، وإن تحقق وصوله استحب تحريكه لفعل علي وابن عمر. وروي أنه صلى الله عليه وسلم إذا توضأ حرك خاتمه وسنده ضعيف.

فإن كانت أو بعضها ملتصقة سقط (¬1) (و) من سننه (التيامن) بلا خلاف (¬2) (وأخذ ماء جديد للأذنين) بعد مسح رأسه (¬3) . ¬

_ (¬1) أي التخليل بين الملتزقة لعدم إمكانه. (¬2) وحكاه الموفق والنووي وجمع وقالوا: ليس بواجب بالإجماع، وأجمعوا على أنه لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه، والتيامن البداءة باليمين في غسلها قبل اليسار ونحو ذلك، وفي الصحيحين كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهور وفي شأنه كله وفي السنن وصححه ابن خزيمة إذا توضأ أحدكم فليبدأ بيمينه واليمين من نوافل الخير، فلا يختص ذلك بالوضوء، بل يستحب الابتداء باليمين في كل أفعال الخير، فإن قاعدة الشرع أن ما كان من باب التشريف والتكريم يندب فيه التيامن، وما كان بضده يندب فيه التياسر. (¬3) يعني خلاف الماء الذي مسح به رأسه. لما روى البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ ماء لأذنيه غير الماء الذي أخذ لرأسه وهذا مذهب مالك والشافعي وعنه: لا يستحب أن يأخذ ماء جديدا لأذنيه، بل يمسحان بماء الرأس، وفاقا لأبي حنيفة، واختاره القاضي وأبو الخطاب والمجد والشيخ وغيرهم، وقال ابن القيم: لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم أخذ لهما ماء جديدا، قال ابن دقيق العيد: الذي في ذلك الحديث، ومسح رأسه بماء غير فضل يديه. قال الحافظ: وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وهو المحفوظ. وهو في صحيح ابن حبان. وفي رواية الترمذي وقال: العمل عليه عند أكثر أهل العلم. وما ذكره رواة حديث صفة الوضوء أنه مسح رأسه وأذنيه مرة واحدة، ظاهر في أنه بماء واحد، وكذا حديث الأذنان من الرأس، يعني فلا حاجة إلى أخذ ماء منفرد لهما كما لا يؤخذ ماآن لعضو واحد، والأذن بضم الذال ويجوز إسكانها، مشتقة من الأذن بفتح الهمزة والذال، وهو الاستماع.

ومجاوزة محل الفرض (¬1) (و) من سننه (الغسلة الثانية والثالثة) (¬2) وتكره الزيادة عليها (¬3) . ¬

_ (¬1) أي ومن سننه مجاوزة محل الفرض، وهو مذهب الشافعية، لما روى مسلم من حديث أبي هريرة غسل يده حتى أشرع في العضد وقال في الرجل: حتى أشرع في الساق، ثم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء» ولهما «إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء» . قال أبو هريرة: فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل، وقوله: أشرع أي أدخل الغسل فيهما، والغرة بياض وجوههم باتفاق أهل اللغة وغيرهم. والتحجيل بياض مواضع الوضوء من الأيدي والأرجل، سمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلا تشبيها بغرة الفرس، وعنه: لا تستحب الزيادة على محل الفرض، وهو مذهب مالك. قال أحمد: لا يغسل ما فوق المرفق، قال في الفائق: لا تستحب الزيادة على محل الفرض في أنص الروايتين، اختاره شيخنا وقال ابن القيم: ولم يثبت أنه تجاوز المرفقين والكعبين، وقال ابن بطال المكي: أجمع المسلمون على أن الوضوء لا يتعدى به ما حد الله ورسوله، ولم يجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم قط مواضع الوضوء فيما بلغنا. (¬2) لحديث مرتين مرتين رواه البخاري وثلاثا ثلاثا رواه مسلم وهي سنة بلا نزاع قال القاضي وغيره: الأولى فريضة والثانية فضيلة، والثالثة سنة وفي المستوعب إذا قيل أي موضع تقدم فيه الفضيلة على السنة؟ فقل: هنا. (¬3) أي الثلاث. لحديث عمرو بن شعيب أراه ثلاثا ثلاثا وقال: من زاد فقد أساء وظلم رواه أهل السنن إلا ابن ماجه، قال الحافظ: من طرق صحيحة وقال ابن القيم: لم يتجاوز الثلاث قط، وقال البخاري: وكره أهل العلم الإسراف فيه. وأن يجاوز فعل النبي صلى الله عليه وسلم وحكى النووي وغيره الإجماع على كراهة الزيادة على الثلاث إذا عمم في كل مرة العضو وحملوه على كراهة التحريم، وعبروا بعدم الجواز. وقال البغوي وغيره: حرام، وقال ابن بشير المالكي، الرابعة ممنوعة إجماعا، ولأبي داود وغيره بإسناد صحيح سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء، وقال غير واحد، إذا زاد على الثلاث فقد ارتكب المكروه، ولا يبطل وضوءه إجماعا.

ويعمل في عدد الغسلات بالأقل (¬1) ويجوز الاقتصار على الغسلة الواحدة (¬2) والثنتان أفضل منها (¬3) والثلاث أفضل منهما (¬4) ولو غسل بعض أعضاء الوضوء أكثر من بعض لم يكره (¬5) ولا يسن مسح العنق (¬6) . ¬

_ (¬1) كما لو غسل عضوا مرتين وشك في الثالثة عمل بالأقل وجعلها اثنتين. (¬2) إجماعا لحديث: توضأ مرة مرة وتجزئ إجماعا، حكاه ابن جرير وغيره. (¬3) أي من الواحدة إجماعا. (¬4) أي من الثنتين وأكمل، والغسلة التي تحسب من الثلاث هي البالغة، فلو لم يسبغ إلا بغرفات فهي واحدة، ويجب ترك التثليث لضيق الوقت، وقلة الماء واحتياج إلى الفاضل لعطش محترم ويسن ترك ذلك لإدراك جماعة، ما لم يرج أخرى ومن سننه تقديمه على الوقت لغير معذور، وصلاة ركعتين، وغير ذلك. (¬5) إجماعا لورود غسل بعضها مرتين، وبعضها ثلاثا، في الأحاديث الصحيحة. (¬6) قال النووي: بدعة وحديثه موضوع، وقال ابن القيم: لم يصح فيه حديث البتة وقال الشيخ: لم يصح أنه صلى الله عليه وسلم مسح على عنقه ولهذا لم يستحب مسح العنق جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد، وذكر أن من استحبه إنما اعتمد على أثر يروى عن أبي هريرة وحديث يضعفه نقله، ومثل ذلك لا يصلح عمدة ولا يعارض به ما دلت عليه الأحاديث.

ولا الكلام على الوضوء (¬1) . ¬

_ (¬1) أي لا يسن الكلام على الوضوء بل يكره، قال في الإنصاف، وهو الصحيح من المذهب، وقال جماعة من الأصحاب يكره، قال في الفروع: بغير ذكر الله، كما صرح به جماعة، وظاهر كلام الأكثر لا يكره السلام عليه، ولا رده، وفي عطف المصنف إيهام، فلو قال: يسن ترك الكلام على الوضوء، لكان أولى وجهه أنه عبادة فناسب ترك الكلام على الوضوء من غير حاجة، وهذه العبارة ونحوها أنه قبيل الباب أو الكتاب من رعاية التناسب وحسن الختام، ومن سنن الوضوء استقبال القبلة قال في الفروع وغيره، وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل كالخطبة.

باب فروض الوضوء وصفته

باب فروض الوضوء وصفته (¬1) الفرض يقال لمعان، منها الحز والقطع (¬2) . ¬

_ (¬1) لما ذكر الماء الذي تحصل به الطهارة وآنيته وأردفه بالاستنجاء ثم بالسواك، أتبع ذلك بالكلام على مقاصد الطهارة، وبدأ بالوضوء لتكرره، ولأنه مطلوب مطلقا لكل صلاة، وهو من أعظم شروط الصلاة، وفي الصحيحين لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ولمسلم: لا يقبل الله صلاة بغير طهور، وله أيضا: الطهور شطر الإيمان، والأصل في الوضوء الكتاب والسنة والإجماع، والوضوء بضم الواو فعل المتوضئ، وهو إمرار الماء على أعضائه من الوضاءة أي النضارة والحسن والنظافة، ووضوء الشيء يوضئ وضوءا ووضاءة صار نضرا حسنا نظيفا، لأنه ينضره ويحسنه وينظفه، وبفتحها الماء يتوضأ به، وحكي الضم والفتح فيهما، والأول هو المعروف في اللغة، وعبر بالفرض هنا، وفي الصلاة بالركن، لأن الصلاة لما امتنع تفريق النية على أفعالها كانت حقيقة واحدة مركبة من أجزاء فناسب عد أجزائها أركانا، بخلاف الوضوء، لما كان كل جزء منه مستقلا بلا تركيب عبر فيه بالفرض، وصفة الوضوء كيفية الكامل منه والمجزئ. (¬2) أي الفرض شيء لازم للعبد كلزوم الحز للشيء، والقطع كالتفريض، وهو التحريز ومصدر بمعنى المفروض ومنه (فمن فرض فيهن الحج) فكل واجب موقت فهو مفروض، وفرض الله الصلاة وغيرها أوجبها، وفرض يفرض فرضا وقت. وفي القاموس: الفرض التوقيت، والحز في الشيء، كالتفريض، وفي المصباح اشتقاق الفرائض من الفرض الذي هو التقدير، لأن الفرائض مقدرات والفرض ما أوجبه الله تعالى، سمي بذلك لأن له معالم وحدودا، وقال تعالى (نصيبا مفروضا) أي محدودا وفي المطلع: ما كان فعله راجحا على تركه مع المنع من تركه مطلقا اهـ ويطلق الفرض شرعا على معنى آخر، وهو ما تتوقف عليه صحة العبادة، وجواز الإتيان بها، وقال ابن عقيل والموفق وغيرهما، الفرض هو الواجب على إحدى الروايتين، وهو قول الشافعي: والثانية هو آكد من الواجب فقيل هو اسم لما يقطع بوجوبه، كمذهب أبي حنيفة، وقيل ما لا يسامح في تركه عمدا ولا سهوا، نحو أركان الصلاة، قالت الحنفية: الفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني، والنزاع لفظي، وتأكد الفرض، على الواجب شرعا ظاهر موافق لمقتضاه لغة.

وشرعا: ما أثيب فاعله وعوقب تاركه (¬1) والوضوء استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة (¬2) على صفة مخصوصة (¬3) . ¬

_ (¬1) قولهم: شرعا. إخراج للشيء عن المعنى اللغوي إلى الحقيقة الشرعية، وهي ماتلقي معناها عن الشارع، وإن لم يتلق عن الشارع سمي اصطلاحا وعرفا. (¬2) المعهود لأهل الشرع على سبيل الغسل والمسح، والأربعة هي الوجه واليدان والرأس والرجلان، قال الشيخ: ولم يرد الوضوء، بمعنى غسل اليد والفم إلا في لغة اليهود. (¬3) في الشرع. بأن يأتي بها مرتبة متوالية مع باقي الفروض والشروط وما يجب اعتباره، واختصت هذه الأعضاء الأربعة به، لأنها أسرع ما يتحرك من البدن للمخالفة، ورتب غسلها على ترتيب سرعة حركتها في المخالفة، تنبيها بغسلها ظاهرا على تطهيرها باطنا، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه كلما غسل عضوا منها حط عنه كل خطيئة أصابها بذلك العضو، وأنها تخرج خطاياه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء وإن وضع وجهه لله خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه، ثم أرشد بعدها إلى تجديد الإيمان بالشهادتين، وقال بعد آية الوضوء {لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} فوضع تعالى الشرائع لمصالح العباد، في العاجل والمعاد، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.

وكان فرضه مع فرض الصلاة كما رواه ابن ماجه، ذكره في المبدع (¬1) . ¬

_ (¬1) ولفظه أن جبريل علم النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء عند نزوله عليه بالوحي، وهو من طريق رشدين بن سعد، وأخرجه أحمد من طريق ابن لهيعة والطبراني من طريق الليث موصولا، والشارح نبه على ذلك، لأنه قد يفهم أن الصلاة إذ ذاك بلا وضوء إلى وقت نزول آية المائدة، مع أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء، فعلى هذا تكون آية: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} إلى آخرها مقررة للحكم الثابت، لا مؤسسة لأنها مدنية والوضوء فرض مع الصلاة بمكة وصلى بها صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين قبل الهجرة، وكذلك أصحابه، قال ابن المنذر: معلوم عند جميع أهل السير أنه صلى الله عليه وسلم افترض عليه بمكة الصلاة والغسل من الجنابة، ومعلوم أن الغسل من الجنابة لم يفرض قبل فرض الوضوء، وأنه لم يصل قط بمكة صلاة إلا بوضوء اهـ وأخرج الحاكم أن فاطمة دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فقال: إن هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال ائتوني بوضوء فتوضأ، قال الحاكم: وهذا يصح ردا على من أنكر وجوده قبل الهجرة اهـ، وهو أيضا شرع لمن قبلنا، لما روى الإمام أحمد وغيره أنه قال عليه الصلاة والسلام هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، وفي البخاري فتوضأ وصلى، ومن قصة سارة مع الملك لما هم بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي. وجاء في قصة جريج الراهب أنه قام فتوضأ. قال النووي فهو حجة على أن الوضوء كان في غير هذه الأمة، وإنما اختصت بالغرة والتحجيل. وقال الشيخ: الوضوء من خصائص هذه الأمة، كما جاءت الأحاديث الصحيحة أنهم يبعثون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يعرفهم بهذه السيماء، فدل على أنه لا يشاركهم فيها غيرهم. وقال فيما رواه ابن ماجه: ضعيف عند أهل العلم بالحديث، لا يجوز الاحتجاج بمثله، وليس له عند أهل الكتاب خبر عن أحد من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين بخلاف الاغتسال من الجنابة فإنه كان مشروعا قبل.

فروض ستة.

(فروضه ستة) أحدها (غسل الوجه) (¬1) لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} (¬2) (والفم والأنف منه) أي من الوجه لدخولهما في حده (¬3) فلا تسقط المضمضة ولا الاستنشاق في وضوء ولا غسل لا عمدا ولا سهوا (¬4) . ¬

_ (¬1) إجماعا، والغسل في الأصل من: غسل الشيء، سال، بالفتح، وغسله يغسله غسلا طهره بالماء، وأزال الوسخ ونحوه عنه، بإجراء الماء عليه، فهو غاسل، والوجه في الأصل من المواجهة، وإضافة الغسل إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله، والفاعل محذوف أي غسل المتوضئ وجهه، ويرد عليه أن يكون صفة للفاعل وهو غير شرط، إذ لو أصابه الماء من غير فعل كفى. (¬2) أي إذا قمتم إلى الصلاة، وأنتم على غير طهر {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} بالماء فشرع غسله الذي نظافته ووضاءته عنوان على نظافة القلب، ويستب عند كل صلاة للآية، وللأمر به، وتجديده كل صلاة مستحب إجماعا، وتجوز الصلوات كلها بوضوء واحد. (¬3) وكونهما في حكم الظاهر بدليل غسلهما من النجاسة، وفطر الصائم بعود القيء بعدوصوله إليهما وأنه لا يفطر بوصول شيء إليهما. (¬4) لما في الصحيحين من توضأ فليستنشق، ولقوله: استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا، قال أحمد: وأنا أذهب إليه، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وفي الصحيحين عن ابن عباس، أنه توضأ فغسل وجهه أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر الحديث وفيه ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني يتوضأ وللدارقطني بسند جيد عن أبي هريرة قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق ولغيرهما من الأحاديث، وكل من وصف وضوءه صلى الله عليه وسلم على الاستقصاء لم يقل إنه ترك الاستنشاق ولا المضمضة وفعله إذا خرج بيانا كان حكمه حكم ذلك المبين، وتجب الموالاة بينهما وبين بقية الأعضاء، وعنه أنهما سنة، وفاقا لمالك والشافعي، لقوله: توضأ كما أمرك الله، قال ابن المنذر: لا خلاف في أن تاركهما لا يعيد اهـ، والمشهور الأول: لأن الله أمر بغسل الوجه وأطلق، وفسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بفعله وتعليمه، ولم ينقل أنه أخل بذلك، مع اقتصاره على المجزئ، وقوله هذا الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به، ولأنهما في حكم الظاهر كما تقدم، وعليه لا يسقطان ولو سهوا، وأما الغسل فأجمعوا على أن الوضوء معه غير واجب، والمضمضة والاستنشاق من توابعه.

(و) الثاني (غسل اليدين) مع المرفقين (¬1) لقوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (¬2) . ¬

_ (¬1) إجماعا والمرفق موصل الذراع في العضد، جمعه مرافق، وقال النووي وغيره: مجتمع العظمتين المتداخلين، وهما طرف عظم العضد، وطرف عظم الذراع، واليد أصلها يدي، وجمعها أيد ويدي، وجمع الأيدي أياد، جمع الجمع. (¬2) أي مع المرافق، وإلى تستعمل بمعنى مع كقوله: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} وفعله عليه الصلاة والسلام يبينه وفي حديث جابر أدار الماء على مرفقيه رواه الدارقطني، ولمسلم عن أبي هريرة غسل يده حتى أشرع في العضد، وذكروا أن المغيا لا يدخل في الغاية إلا في ثلاث، غسل اليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين، يريد إدخال المرفقين والكعبين في الغسل، والتكبير المقيد يدخل فيه عصر آخر أيام التشريق، والله سبحانه شرع غسل اليدين بعد الوجه، لأنهما أحق الأعضاء بالنظافة والنزاهة بعده.

(و) الثالث (مسح الرأس) كله (ومنه الأذنان) (¬1) لقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} (¬2) وقوله صلى الله عليه وسلم «الأذنان من الرأس» رواه ابن ماجه (¬3) . ¬

_ (¬1) مسح الرأس فرض بالإجماع في الجملة، مع اختلاف في قدر الواجب، وقوله: كله، هو ظاهر الكتاب والسنة، وقول جمهور السلف، وعفا في المبهج والمترجم عن يسيره للمشقة، وصوبه في الإنصاف، واختاره الشيخ تقي الدين وظاهر كلام الأكثرين بخلافه قال الشيخ: اتفق الأئمة على أن السنة مسح جميع الرأس كله، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، والذين نقلوا وضوءه صلى الله عليه وسلم لم يقل أحد منهم إنه اقتصر على مسح بعضه، ومسحه مرة يكفي بالاتفاق، ولا يستحب ثلاثا، وحد الرأس من المقدم بحيث لا يسمى وجها، ومن المؤخر بحيث لا يسمى قفاء، وقوله: ومنه الأذنان أي الأذنان من الرأس، فيجب مسحهما معه، وعنه لا يجب بل يستحب، قال غير واحد من الأصحاب: هو الصحيح، وظاهر المذهب، واختاره الشيخ، وجمع قال الوزير: وأجمعوا على أن مسح باطن الأذنين وظاهرهما سنة من سنن الوضوء، وذكر الوجوب رواية عن أحمد فقط. (¬2) الباء للإلصاق أي إلصاق الفعل بالمفعول فكأنه قال: ألصقوا المسح برءوسكم يعني المسح بالماء، بخلاف ما لو قال اسمحوا رءوسكم فإنه لا يدل على الإلصاق كما يقال مسحت رأس اليتيم فشرع الله مسح جميع الرأس، وأقامه مقام غسله تخفيفا قال الزركشي، ومن قال إن الباء للتبعيض فغير مسلم دفعا للاشتراك ولإنكار الأئمة وما جاء من أنه صلى الله عليه وسلم مسح مقدم رأسه، فمحمول على أن ذلك مع العمامة، كما جاء مفسرا في الصحيح في حديث المغيرة. (¬3) والدارقطني وغيرهما من غير وجه، ولحديث ابن عباس، مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة ولغيرهما من الأحاديث والآثار البالغة حد التواتر على أنهما من الرأس، فيمسحان معه، قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم.

(و) الرابع (غسل الرجلين) مع الكعبين (¬1) لقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} (¬2) (و) الخامس (الترتيب) على ما ذكر الله تعالى (¬3) : لأن الله أدخل الممسوح بين المغسولات ولا نعلم لهذا فائدة غير الترتيب (¬4) . ¬

_ (¬1) وهو فرض بإجماع الصحابة، حكاه ابن أبي ليلى وغيره، والكعبان هما العظمان الناتئان من جانبي القدم، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، قال النووي وغيره: باتفاق أهل الحديث واللغة والفقه، بل وإجماع الناس، خلافا للشيعة فهذه الأعضاء الأربعة هي آلات الأفعال التي يباشر بها العبد ما يريد فعله، وبها يعصى الله ويطاع. (¬2) بالنصب أعاد الأمر إلى الغسل، وعلى القراءة بالخفض لا يخالف ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من غسل الرجلين، فإن المسح جنس تحته نوعان الإسالة وغير الإسالة. كما تقول العرب: تمسحت للصلاة فما كان بالإسالة فهو الغسل، وفي حديث عمرو ثم غسل رجليه كما أمره الله، قال الشيخ: والله أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين وهذا هو الغسل، وفي ذكر المسح على الرجلين تنبيه على قلة الصب على الرجلين، فإن السرف يعتاد فيهما كثيرا و (إلى) بمعنى (مع) لأحاديث صفة الوضوء، ولما تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ويل للأعقاب من النار. (¬3) في آية المائدة. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} والترتيب هو الفرض الخامس، وهو جعل كل شيء في مرتبته واصطلاحا جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد، ويكون لبعض أجزائه نسبة إلى البعض بالتقدم والتأخر. (¬4) الممسوح الرأس، والمغسولات بقية الأعضاء، ورتب بعضها على بعض وهي جنس واحد، فدلت على الترتيب شرعا، فيما من شأنه أن يرتب والتقديم في الترتيب يقتضي رفع المزية.

والآية سيقت لبيان الواجب (¬1) والنبي صلى الله عليه وسلم رتب الوضوء وقال «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» (¬2) فلو بدأ بشيء من الأعضاء قبل غسل الوجه لم يحسب له (¬3) . ¬

_ (¬1) وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال عند السعي أبدأ بما بدأ الله به، وفي لفظ النسائي ابدءوا بما بدأ الله به، فدل على وجوب البداءة بما بدأ الله به، وإن كان في الصفا والمروة فهو دليل على البداءة في الوضوء بما بدأ الله به، وهذا مذهب الشافعي. (¬2) رواه أبو داود وغيره من حديث عمرو بن شعيب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم توضأ كما أمرك الله، ولأبي داود وغيره، إنه لا يتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ثم يمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين، قال الخطابي وغيره: فيه من الفقه أن ترتيب الوضوء وتقديم ما قدمه الله في الذكر منه واجب، وذلك معنى قوله: حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، ثم عطف عليه بحرف الفاء الذي يقتضي الترتيب من غير تراخ، وكل من حكى وضوءه صلى الله عليه وسلم حكاه مرتبا، وفعله محمول على الوجوب، وهو مفسر للآية وقال إمام الحرمين: لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه تنكيس الوضوء، ولا التخيير فيه، ولا التنبيه على جوازه، ولم يؤثر من فعل علماء المسلمين وعامتهم إلا الترتيب كالصلاة، وقال شيخ الإسلام: ولم يتوضأ قط إلا مرتبا ولا مرة واحدة في عمره، كما لم يصل إلا مرتبا اهـ ولأن الوضوء عبادة ذات أجزاء فكان الترتيب فيها واجبا كالصلاة. (¬3) أي بما غسله من الأعضاء قبله لفوات الترتيب.

وإن توضأ منكسا أربع مرات صح وضوءه إن قرب الزمن (¬1) ولو غسلها جميعا دفعة واحدة لم يحسب له غير الوجه (¬2) وإن انغمس ناويا في ماء، وخرج مرتبا أجزأه وإلا فلا (¬3) (و) السادس (الموالاة) (¬4) لأنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي في ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء رواه أحمد وغيره (¬5) . ¬

_ (¬1) بأن بدأ برجليه وختم بوجهه حصل له بكل مرة غسل عضو إن قرب الزمن فإن لم يقرب فلا، لأجل فوات الموالاة، قال الشيخ: ويكفي هذا الوضوء اسمه وهو أنه وضوء منكس. (¬2) كما لو وضأه أربعة في حالة واحدة. (¬3) أي وإن لم يخرج مرتبا فلا يرتفع حدثه، ونص أحمد في رجل أراد الوضوء فانغمس في الماء ثم خرج من الماء فعليه مسح رأسه وغسل رجليه. (¬4) أي الفرض السادس الموالاة، وهو عبارة عن الإتيان بجميع الطهارة في زمن متصل، من غير تفريق فاحش، مصدر وإلى الشيء يواليه إذا تابعه ويسقط كل من الترتيب والموالاة مع غسل من حدث أكبر متحقق، لاندراج الوضوء فيه كاندراج العمرة في الحج. (¬5) فرواه أبو داود والنسائي وغيرهما، وأعله المنذري ببقية بن الوليد، وإلى هذا ذهب مالك وهو قول للشافعي وعنه عدم الوجوب وفاقا لأبي حنيفة والقول الثاني للشافعي وأخرج مسلم من حديث عمر مرفوعا، ارجع فاحسن وضوءك ولم يذكر فتوضأ والإحسان يحصل بمجرد الإسباغ، وأصرح من الحديث الذي استدل به حديث أبي وابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم توضأ على الولاء، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، إلا أن فيه مقالا لكن الذين وصفوا وضوءه صلى الله عليه وسلم وصفوه على الولاء، وفعله صلى الله عليه وسلم بيان لقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية فإذا وجد الشرط وهو القيام وجب أن لا يتأخر عنه جوابه، واختار الشيخ القول الثاني وذكر أنه الأشبه بأصول الشريعة ونصوص أحمد، وهو أن التارك لعذر قد فعل ما استطاع، وقال: لو فرق لضرورة لم يضره، وذكر التتابع في الكفارة وصلاة الخوف، وقصة ذي اليدين، وطرد ذلك في الترتيب، وقال: لو قيل بسقوطه للعذر كما إذا ترك غسل وجهه لمرض ونحوه ثم زال قبل انتقاض وضوئه فغسله لتوجه اهـ وهو مذهب أبي حنيفة، وقال للشافعي، وقال مالك: إن تعمد التفريق بطل، وإلا فلا، وعن أحمد أن الموالاة سنة، ولم يذكرها الخرقي في فروض الوضوء، واللمعة على وزن رقعة الموضع لا يصيبه الماء في الوضوء أو الغسل، كأنه على التشبيه بلمعة الحلي لقلة المتروك.

(وهي) أي الموالاة (أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله) (¬1) بزمن معتدل، أو قدره من غيره (¬2) ولا يضر إن جف لاشتغاله بسنة (¬3) . ¬

_ (¬1) أي أن يجف العضو الذي قبل المؤخر، وذلك بأن لا يؤخر غسل اليدين حتى يجف الوجه، ولا يؤخر مسح الرأس حتى تجف اليدان، ولا غسل الرجلين حتى يجف الرأس. (¬2) أي أو قدر الزمن المعتدل من غيره، أي غير المعتدل، بأن كان حارا، أو باردا وهو معتدل ومزاجه معتدل، والمعتبر بآخر غسلة وعنه يعتبر طول الفصل قال الحلال: وهو أشبه بقوله والعمل عليه، وقال ابن عقيل: ما يفحش في العادة لأنه لم يحد في الشرع، وقال ابن رزين: هذا أقيس، لأنه لم يحد في الشرع فيرجع فيه إلى العادة. (¬3) أي ولا يضر إن نشف العضو المغسول أو الممسوح قبل غسل أو مسح الذي بعده لاشتغاله المتوضئ بسنة من نحو ما مثل به.

كتخليل وإسباغ وإزالة وسوسة أو وسخ (¬1) ويضره الاشتغال بتحصيل ماء (¬2) أو إسراف أو نجاسة أو وسخ لغير طهارة (¬3) وسبب وجوب الوضوء الحدث (¬4) ويحل جميع البدن كجنابة (¬5) . ¬

_ (¬1) لأن ذلك من الطهارة. والوسوسة هي أن يتردد هل غسل العضو مرتين أو ثلاثا فيجعلها مرتين، وتقدم ذكر التخليل وأما الإسباغ فقال في اللمعات يفسر بإكمال الوضوء وإبلاغ الماء كل ظاهر أعضائه، وهذا فرض، وبالتثليث وهو سنة، والتسييل، وهو شرط وإكثار الماء من غير إسراف، وهو فضيلة، ولعله المراد هنا، وقال النووي وغيره: التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر بإجماع المسلمين. (¬2) أي تفوت الموالاة إن جف العضو، لأجل اشتغال المتوضئ بتحصيل ماء لأنه ليس من الطهارة. (¬3) يعني أن الاشتغال بإزالة النجاسة أو الوسخ ونحوه إنما يضر إذا كان في غير أعضاء الوضوء، أما إن كان الوسخ ونحوه في أعضاء الوضوء لم يضره الاشتغال بإزالته لأنه إذا من أفعال الطهارة، والفرق بين اشتغاله بتحصيل الماء، واشتغاله بإزالة النجاسة أو الوسخ أنه مخاطب بتحصيل الماء قبل التلبس بالشروع في الطهارة بخلاف إزالة الوسخ والنجاسة. (¬4) أي تسبب عنه وجوب الطهارة لا أنه يجب بالحدث فإن الموجب الشارع وقيل: بإرادة الصلاة، وقيل بدخول الوقت، قال الشيخ: وهو لفظي، فلا يجب الوضوء ولا الغسل إلا بعد دخول الوقت وإرادة الصلاة اهـ وحكى الإجماع غير واحد أنه لا يأثم بالتأخير عن الحدث، وأنه لا يجب الغسل ولا الوضوء حتى يدخل وقت الصلاة بالفعل أو الزمان، وأنهما جائزان قبل دخول الوقت لغير نحو المستحاضة. (¬5) فإنه لا يمس المصحف بعضو مطلقا، ولا بعضو غسله حتى يتم وضوءه، ولو قلنا برفع الحدث عنه.

تعريف النية لغة واصطلاحا وأنها شرط

(والنية) لغة القصد (¬1) ومحلها القلب (¬2) فلا يضر سبق لسانه بغير قصده (¬3) ويخلصها الله تعالى (¬4) (شرط) هو لغة العلامة (¬5) واصطلاحا: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته (¬6) . ¬

_ (¬1) ومنه قول أهل الجاهلية: نواك الله بحفظه أي قصدك، وقال الأزهري، من قولك نويت بلدة كذا أي عزمت بقلبي قصدها، ونوى الشيء ينويه نواء ونية قصده وعزم عليه، والعزم والقصد والنية اسم للإرادة الحادثة، لكن العزم المتقدم عن الفعل، والقصد المقترن به، والنية المقترنة به مع دخوله تحت العلم بالمنوي وخصت في غالب الاستعمال بعزم القلب على أمر من الأمور، ففي الوضوء هي القصد إليه بتخصيصه ببعض أحكامه. (¬2) أي محل النية القلب إجماعا، لأنها من عمله. (¬3) وإن لفظ بلسانه ولم يقصد بقلبه لم يجزئه إجماعا، ولو اقتصر عليه بقلبه أجزأه إجماعا. (¬4) أي يخلص النية لله تعالى لأنها عبادة وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} فإخلاصها لله ركنها الأعظم ويأتي حكم المشوب (¬5) أي النية في العبادات شرط، والشرط لغة هو العلامة قال تعالى: {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} أي علاماتها. (¬6) فالأول احتراز من المانع، لأنه لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، والثاني احتراز من السبب ومن المانع أيضا. أما السبب فإنه يلزم من وجوده الوجود لذاته، وأما المانع فإنه يلزم من وجوده العدم، وقوله: لذاته احتراز من مقارنة الشرط وجود السبب، فيلزم الوجود، أو مقارنة الشرط قيام المانع، مثال الأول الطهارة يلزم من عدمها عدم صحة الصلاة، ولا يلزم من وجودها وجود صحتها، لجواز عدمها لعدم شرط آخر كعدم دخول الوقت، والذات والحقيقة والماهية بمعنى واحد، والكلام على النية من سبعة أوجه: جمعها بعضهم فقال: حقيقة حكم محل وزمن ... كيفية شرط ومقصود حسن فحقيقتها لغة القصد، وشرعا قصد الشيء مقترنا بفعله، كما تقدم، وحكمها الوجوب ومحلها القلب، وزمنها أول الواجبات وكيفيتها تختلف بحسب الأبواب، وشرطها إسلام الناوي، وتمييزه وعلمه بالمنوي، وعدم إتيانه بمنافيها، بأن يستصحبها حكما، والمقصود بها تمييز العبادة عن العادة، أو تمييز مراتب العبادة بعضها عن بعض، لتمييز ما هو الله، عما ليس له، أو تمييز مراتب العبادات في نفسها، فالأول كالغسل للعبادة أو التبرد، والثاني كالصلاة الفرض، أو النفل وتنقسم النية إلى فعلية موجودة وحكمية معدومة فإذا كان في أول العبادة فهذه نية فعلية، ثم إذا ذهل عنها فهذه نية حكمية بمعنى أن الشرع حكم باستصحابها وكذا الإيمان والرياء، وجميع هذا النوع من أحوال القلوب إذا شرع فيها واتصف القلب بها كانت فعلية ثم إذا ذهل عنها، حكم صاحب الشرع ببقاء حكمها لمن اتصف بها.

(لطهارة الأحداث كلها) (¬1) لحديث «إنما الأعمال بالنيات» (¬2) . ¬

_ (¬1) الغسل والوضوء والتيمم قال في المبدع وغيره بغير خلاف نعلمه للآية والأخبار، ولأن الإخلاص من عمل القلب، وهو محض النية، وهو مأمور به بالكتاب والسنة والإجماع، قال الوزير وغيره، أجمعوا على وجوب النية في طهارة الحدث والغسل من الجنابة، إلا أبا حنيفة فيشترطها في التيمم دون طهارة الماء، والآية والحديث وكونها عبادة: حجة واضحة عليه، ولمسلم الطهور شطر الإيمان فهو عبادة، وكل عبادة لا بد لها من نية ويستثنى غسل كتابية ومسلمة ممتنعة من غسل لزوج، فيغسلن قهرا، ولا نية إذ للعذر ويسقط اشتراطها. (¬2) متفق عليه، أي إنما المنوي بحسب ما نواه العامل، وليس المراد صورة العمل، بل عن حكم العمل لا يثبت إلا بالنية، لنفيه أن يكون له عمل شرعي بدونها، وأكده بقوله: وإنما لكل امرئ ما نوى، وعن علي: لا عمل لمن لا نية له، فالنية سر العبودية وروحها ولبها، قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ومعلوم أن إخلاص النية للمعبود أصل النية، والعمل الذي لم ينو ليس بعبادة، ولا مأمور به فلا يكون فاعله متقربا إلى الله، وهذا لا يقبل نزاعا، وكيف يؤدي وظائف العبودية من لا يخطر بباله التمييز بين العبادة والعادات، ولا بين مراتب تلك الوظائف هذا أمر ممتنع عادة وعقلا وشرعا كما قاله الشيخ وغيره.

فلا يصح وضوء وغسل وتيمم ولو مستحبات إلا بها (¬1) (فينوي رفع الحدث (¬2) أو يقصد (الطهارة لما لا يباح إلا بها) أي بالطهارة (¬3) كالصلاة والطواف ومس المصحف (¬4) لأن ذلك يستلزم رفع الحدث (¬5) فإن نوى طهارة أو وضوءا أو أطلق أو غسل أعضاءه ليزيل عنها النجاسة، أو ليعلم غيره أو للتبرد لم يجزئه (¬6) . ¬

_ (¬1) أي بالنية لأنها طهارة عن حدث فلا تصح بغير نية، ولأن النية للتمييز والنص دل على الثواب في كل وضوء، ولا ثواب في غير منوي إجماعا. (¬2) أي يقصد بطهارته زوال الوصف القائم بالأعضاء، قيام الأوصاف الحسية المانع من الصلاة ونحوها، قال ابن رشد وغيره، نية رفع الحدث من فرائض الوضوء اتفاقا. (¬3) أو يقصد بطهارته أمرا تتوقف استباحته بها، أو امتثال أمرا الله تعالى بأداء ما افترض عليه والثلاثة متلازمة متى خطر بباله بعضها أجزأ عن جميعها. (¬4) وكقصد الجنب بالغسل اللبث في المسجد ونحو ذلك. فإذا نوى ذلك صحت طهارته بلا خلاف عند القائلين باشتراطها ولو نوى مع رفع الحدث إزالة النجاسة، أو التبرد أو التنظيف أو التعليم صحت طهارته، لأنه نوى الطهارة وضم إليها ما لا ينافيها كمن نوى مع الحج رؤية البلاد النائية لكن ينقص الثواب، لحديث إنما الأعمال بالنيات إنما لكل امرئ ما نوى وإن نوى التبرد وما لا تشرع له الطهارة كالأكل والبيع ولم ينو الطهارة الشرعية لم يرتفع. (¬5) أي لأن نية الصلاة ونحوها لما لا يباح إلا بها يستلزم رفعه ضرورة. (¬6) لعدم إتيانه بالنية المعتبرة.

وإن نوى صلاة معينة لا غيرها ارتفع مطلقا (¬1) وينوي من حدثه دائم استباحة الصلاة ويرتفع حدثه (¬2) ولا يحتاج إلى تعيين النية للفرض (¬3) فلو نوى رفع الحدث لم يرتفع في الأقيس قاله في المبدع (¬4) ويستحب نطقه بالنية سرا (¬5) . ¬

_ (¬1) وأجزأ لتلك الصلاة وغيرها، وكفى التعيين ولغى التخصيص. (¬2) أي ينوي من به حدث دائم كالمستحاضة ومن به سلس البول وقروح سيالة ونحو ذلك استباحة الصلاة دون رفع الحدث، ويرتفع جعلا للدائم بمنزلة المنقطع على الصحيح، وقيل: لا يرتفع قال في الإنصاف، والنفس تميل إليه وإنما عليه أن يتقي الله ما استطاع. (¬3) لأن طهارته ترفع الحدث. (¬4) قاس الشيء بغيره قدره على مثاله، وقايست بين الأمرين قدرت، أي قال في المبدع: الأقيس أنه لا يرتفع لو نواه لمنافاته وجود نية رفعه. (¬5) كذا استحبه كثير من المتأخرين من الأصحاب وغيرهم، ولفظ الفروع والتنقيح وغيرهما يسن ومنصوص أحمد وغيره من الأئمة المتبعين وجميع المحققين خلاف ذلك، وصوبه في الإنصاف وغيره. وقال في الإقناع، والتلفظ بها بدعة وذكر شيخ الإسلام أن التلفظ بها بدعة، لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، ولم ينقل مسلم عنه ولا عن أصحابه أنه تلفظ قبل الوضوء ولا غيره من العبادات بلفظ النية، لا سرا ولا جهرا، ولا أمر بذلك، فلما لم ينقله أحد علم قطعا أنه لم يكن، وحنيئذ فترك التلفظ بها هو السنة. وقال: اتفق الأئمة أنه لا يشرع الجهر بها، ويأتي وأنه لم يستحبه أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، وإنما استحبه بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وغيرهم، ورد عليهم محققوا مذهبه كالنووي وابن كثير وغيرهما، وقال ابن القيم: لم يكن صلى الله عليه وسلم يقول في أول الوضوء: نويت ارتفاع الحدث، ولا استباحة الصلاة لا هو ولا أحد من أصحابه ولم يرو عنه في ذلك حرف واحد بسند صحيح ولا ضعيف اهـ وكثيرا ما يطلقون الاستحباب على ما ليس بمستحب والسنة على ما ليس بسنة، وقال الشيخ: إذا أطلق الإنسان السنة على شيء ليس في السنة يصدق عليه قوله من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار اهـ والسنة إنما تطلق على ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن العجب أن تجعل البدعة سنة وعبارة يستحب أهون من يسن عند أكثر أهل العلم: إذ الاستحباب يطلق على الاستحسان وعلى الأول، وعلى المندوب والسنة إنما تطلق على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الجمهور.

تتمة: في بقية ما يشترط للوضوء والغسل.

تتمة (¬1) ويشترط لوضوء وغسل أيضا إسلام (¬2) وعقل وتمييز (¬3) وطهورية ماء، وإباحته (¬4) . ¬

_ (¬1) التتمة هي ما يتم به الشيء وتتمة كل شيء تمام غايته، يقال: هذا تمام المائة أي ما تتم به وفي المعاني تتميم المعنى وفي عرفهم كالتذنيب يؤتي بها تابعة ومتممة لما قبلها. (¬2) كما يشترط لسائر العبادات، ولو كان الوضوء والغسل مستحبين فلا يصحان من مشرك. (¬3) أي: ويشترط عقل ضد الجنون قال الشيخ: العقل في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلا، يراد به القوة التي بها يعقل، وعلوم وأعمال تحصل بذلك اهـ وهو غريزي كأنه نور يقذف في القلب، فيستعد لإدراك الأشياء، وله اتصال بالدماغ ويقل ويكثر ويختلف، فبعض الناس أكبر، لأن كمال الشيء ونقصه يعرف بكمال آثاره وأفعاله، ويقوي العقل ويضعف فإذا قوي قمع ملاحظة عاجل الهوى وأكثر الأصحاب يقولون: محله القلب، وبعضهم يقول: الدماغ ورجح المحققون أنه مشترك بينهما. مستمد منهما، ويشترط تمييز وهو الذي إذا انتهى إليه الإنسان عرف مضاره ومنافعه لتأتي النية. (¬4) أي الماء، فلو توضأ بماء غير طهور أو بماء مغصوب، أو ما عقده فاسد أو ما وقف للشرب، أو من الآبار المحرمة، لم يصح إذا كان عالما ذاكرا، كما صرحوا به، وإلا فيصح لعدم الإثم إذا.

وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة (¬1) وانقطاع موجب (¬2) ولوضوء فراغ استنجاء أو استجمار (¬3) ودخول وقت على من حدثه دائم لفرضه (¬4) فإن نوى ما تسن له الطهارة (¬5) كقراءة قرآن وذكر، وأذان ونوم وغضب ارتفع حدثه (¬6) . ¬

_ (¬1) أي وصول الماء إلى البشرة. من طين أو عجين أو شمع أو دهن جامد أو وسخ على أعضاء الوضوء، أو على بدن في غسل، ليحصل الإسباغ، وأما الحناء ونحوه فعرض ليس له جرم يمنع وصول الماء إلى العضو. (¬2) بكسر الجيم أي فراغ خروج خارج، سواء كان خارجا من سبيل أو غيره كقيء لمنافاته الوضوء. (¬3) قبله. وتقدم في باب الاستنجاء. (¬4) أي فرض ذلك الوقت، كالسلس، لأنها طهارة ضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم ويرتفع حدثه، ولا يحتاج إلى تعيين نية الفرض، وتقدم: قال الشيخ: الوضوء من الحدث الدائم لكل صلاة فيه أحاديث متعددة، وقد صحح بعضها غير واحد من العلماء، فقول الجمهور الذين يوجبون الوضوء لكل صلاة أظهر، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد اهـ فالحاصل أن شروط الوضوء عشرة، والغسل ثمانية. (¬5) من قول أو فعل. (¬6) لأنه نوى طهارة شرعية فحصلت له الطهارة لأنه عليه الصلاة والسلام توضأ ثم قرأ شيئا من القرآن ثم قال هكذا لمن ليس بجنب فهذا الوضوء مندوب وفي الصحيحين أنه دعا بوضوء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، وقال: إذا غضب أحدكم فليتوضأ ويأتي الندب إليه عند النوم والأذان ويندب لرفع شك وكلام محرم كالغيبة وفعل نسك من مناسك الحج، وكدخول مسجد وتدريس علم وأكل، وكل ما نواه لذلك ونحوه، يرتفع حدثه بذلك الوضوء.

(أو) نوى (تجديدا مسنونا) بأن صلى بالوضوء الذي قبله (ناسيا حدثه ارتفع) حدثه (¬1) لأنه نوى طهارة شرعية (¬2) (وإن نوى) من عليه جنابة (غسلا مسنونا) كغسل جمعة (¬3) قال في الوجيز ناسيا (أجزأ عن واجب) (¬4) كما مر فيمن نوى التجديد (¬5) (وكذا عكسه) أي إن نوى واجبا أجزأ عن المسنون (¬6) . ¬

_ (¬1) أي أو نوى بوضوئه تجديدا مسنونا، بأن صلى بالوضوء الذي قبل وضوئه هذا الذي جدد به، وكان أحدث ولكن نوى التجديد ناسيا حدثه، ارتفع حدثه بالوضوء المسنون اختاره غير واحد، قال في الشرح: وهي أصح فإن نوى الوضوء المسنون أو التجديد عالما حدثه لم يرتفع حدثه لتلاعبه. (¬2) فينبغي أن يحصل له لحديث لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة رواه أحمد والنسائي بسند صحيح، ولأبي داود من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات، وفي الصحيح: وكان يتوضأ لكل صلاة، وهذا ما لم يعارضه فضيلة أول الوقت، فتقدم عليه، ولا بأس أن يصلي الصلوات الخمس بالوضوء الواحد، ما لم يحدث بلا نزاع، ففي الصحيح وغيره عن أنس يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث ولمسلم صلى خمس صلوات بوضوء واحد. (¬3) بخلاف غير المسنون كالغسل للتبرد ونحوه. (¬4) وهو مقتضى قولهم فيما سبق والوجيز للحسن بن يوسف بن محمد بن أبي السري البغدادي الفقيه ألف الوجيز في الفقه، وله كتاب في أصول الدين ونزهة الناظرين وغيرها توفي سنة سبعمائة واثنتين وثلاثين. (¬5) أي فارتفع حدثه، ولو قال: فيمن نوى وضوءا مسنونا ناسيا، لكان أولى. (¬6) وذلك بطريق الأولى، لكن لا ثواب في غير المنوي منهما.

وإن نواهما حصلا (¬1) والأفضل أن يغتسل ثم للمسنون كاملا (¬2) (وإن اجتمعت أحداث) متنوعة ولو متفرقة (¬3) (توجب وضوءا أو غسلا (¬4) فنوى بطهارته أحدها) لا على أن لا يرتفع غيره (¬5) (ارتفع سائرها) أي باقيها (¬6) لأن الأحداث تتداخل، فإذا ارتفع البعض ارتفع الكل (¬7) . ¬

_ (¬1) أي حصل له ثوابهما لأنه نواهما جميعا وأجزأ ذلك الغسل المنوي فيه عنهما. (¬2) أي غسلا آخر كاملا لأنه أكمل، واستظهر أهل التحقيق الاكتفاء بأحدهما، لدخول المسنون في الواجب تبعا، كما يدخل غسل الجمعة في الغسل الواجب، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم اغتسل لواجب ومسنون مرتين في آن واحد، ولاستمرار الاجتزاء بالغسل الواحد، وكذا الوضوء الواحد، مع ترادف الأحداث فهنا أولى. (¬3) في أوقات بأن لم توجد دفعة واحدة. (¬4) كالبول والغائط والريح والنوم ومس الذكر، وكالجماع وخروج المني والحيض. (¬5) فإن نوى أن لا يرتفع غيره لم يرتفع. (¬6) يعني الأحداث قال ابن رجب: هذا المشهور صححه صاحب الفائق واختاره القاضي وغيره. (¬7) أي يدخل بعضها في بعض فإذا نوى بعضها غير مقيد ارتفع جميعها كما لو نوى رفع الحدث وأطلق ولو كان عليه حدث نوم فغلط ونوى رفع حدث بول ارتفع حدثه.

متى جاء ليتوضأ أو أراد فعل

(ويجب الإتيان بها) أي بالنية (عند أول واجبات الطهارة (¬1) وهو التسمية) (¬2) فلو فعل شيئا من الواجبات قبل النية لم يعتد به (¬3) ويجوز تقديمها بزمن يسير كالصلاة (¬4) ولا يبطلها عمل يسير (¬5) . (وتسن) النية (عند أول مسنوناتها) أي مسنونات الطهارة كغسل اليدين في أول الوضوء (¬6) (إن وجد قبل واجب) أي قبل التسمية (¬7) . ¬

_ (¬1) لأن النية شرط فيعتبر وجودها في أول الوضوء، أو الغسل، أو التيمم أو غيرها من سائر العبادات. (¬2) أي أول واجب التسمية، لحديث لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه وتقدم. (¬3) لحديث إنما الأعمال بالنيات فتستحب إعادته بعد النية، ومتى جاء ليتوضأ أو أراد فعل الوضوء مقارنا له، أو سابقا عليه قريبا، فقد وجدت النية. (¬4) أي يجوز تقديم النية على الطهارة، بزمن يسير، كما يجوز في الصلاة، قال في الإنصاف: بلا نزاع، ولا يجوز بزمن طويل على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب وقيل: يجوز مع ذكرها وبقاء حكمها، بشرط أن لا يقطعها. قال القاضي: إذا قدمها واستصحب ذكرها حتى شرع في الطهارة جاز، وقال أبو الحسين: يجوز ما لم يعرض ما يقطعها من اشتغال بعمل ونحوه. (¬5) أي قبل الشروع في الطهارة ونحوها، قال في المبدع: في الأصح، فإن كثر بطلت، واحتاج إلى استئنافها. (¬6) أي لغير قائم من نوم ليل فيجب على ما تقدم. (¬7) أي إن وجد ذلك المسنون كغسل اليدين قبل التسمية، بأن أراد أن يقدم غسل كفيه على التسمية، فيسن الإتيان بالنية عند غسلهما لتشمل النية مسنون الطهارة ومفروضها فيثاب عليهما وكذا عبارة شرح الإقناع والمنتهى، وفي شرح المنتهى لمصنفه وغيره: قبل المضمضة والاستنشاق وهو أولى لإيهامه عدم وجوب تقدم النية على التسمية.

(و) يسن (استصحاب ذكرها) أي تذكر النية (¬1) (في جميعها) أي جميع الطهارة لتكون أفعاله مقرونة بالنية (¬2) (ويجب استصحاب حكمها) أي حكم النية (¬3) بأن لا ينوي قطعها حتى تتم الطهارة (¬4) فإذا عزبت عن خاطره لم يؤثر (¬5) وإن شك في النية في أثناء طهارته استأنفها (¬6) إلا أن يكون وهما كالوسواس فلا يلتفت إليه (¬7) . ¬

_ (¬1) بقلبه بأن يكون مستحضرا لها بقلبه في أول الطهارة ثم لا ينوي قطعها. (¬2) أي موصولة بها مجموعا بينهما وكذا كل عبادة تشترك لها النية. (¬3) قاله الشيخ تقي الدين وغيره، واستصحاب مصدر، واستصحب الشيء لازمه أي يجب ملازمة حكم النية. (¬4) وذلك بأن ينوي في أول الطهارة، ثم لا يقطعها إلى آخرها، وإن لم يكن ذاكرا. (¬5) أي إن غابت النية عن باله لم يؤثر ذلك في الطهارة كما لا يؤثر في الصلاة ومحله إن لم ينو بالغسل نحو تنظيف أو تبرد، والخاطر اسم لما يتحرك في القلب من رأي أو معنى. (¬6) لأن النية هي القصد فمتى علم أنه جاء ليتوضأ أو أراد فعل الوضوء فقد وجدت منه النية، فمتى شك في وجود ذلك لم يصح ما مضى منها. (¬7) لأنه من الشيطان ليفسد عليه طهارته.

الوضوء فقد وجدت منه النية

ولا يضر إبطالها بعد فراغه (¬1) ولا شكه بعده (¬2) (وصفة الوضوء) الكامل أي كيفيته (¬3) (أن ينوي ثم يسمي) وتقدما (¬4) (ويغسل كفيه ثلاثا) تنظيفا لهما (¬5) فيكرر غسلهما عند الاستيقاظ من النوم وفي أوله (¬6) . ¬

_ (¬1) أي لا يضر إبطال نيته بعد فراغه من طهارته إجماعا. (¬2) أي لا يضر شكه في النية والطهارة بعد الفراغ، وكذا لو شك في غسل عضو أو مسحه بعده، أو المسح على الخفين إجماعا، أما قبل الفراغ فكمن لم يأت بما شك فيه، إلا أن يكون وهما كالوسواس فيطرحه، ولا يضر سبق لسانه بغير قصده. (¬3) أي هيئته والكامل يعني المشتمل على الواجب والمسنون من كيف اسم استفهام، ومن شأنها أن يسأل بها عن حال الأشياء، فما يجاب به يقال فيه كيفية. وأما المجزئ فتقدم أنه مرة إجماعا. (¬4) أي النية والتسمية ثم أعادهما في الصفة، وبدأ بهما لتقدمهما على الفعل وذلك بأن ينوي الوضوء للصلاة ونحوها، ورفع الحدث كما تقدم، ثم يسمى فيقول بسم الله، وليس التراخي مطلقا معتبرا إذ التراخي المطلق يصدق بما تفوت به الموالاة وأما الترتيب الذي لا يقتضي الموالاة فهو معتبر، (فثم) هنا أولى من الفاء. (¬5) أي من الوسخ ولو تيقن طهارتهما و (ثلاثا) منصوب على الحال أي ثلاث مرات يبدأ بيمينه ندبا. (¬6) أي يكرر غسل اليدين ثلاثًا عند الاستيقاظ من النوم، وفي أول الوضوء، وظاهر كلام الشارح أنه لا يكفي غسل اليدين من النوم الواجب عن المسنون، قال بعض المحققين والظاهر الاكتفاء بغسلهما عند الاستيقاظ فيدخل المندوب في الواجب تبعا، كما يدخل غسل الجمعة في الغسل الواجب، ونظائره كثيرة.

(ثم يتمضمض ويستنشق) ثلاثا ثلاثا بيمينه (¬1) ومن غرفة أفضل (¬2) ويستنثر بيساره (¬3) (ويغسل وجهه) ثلاثا (¬4) وحده (من منابت شعر الرأس) المعتاد غالبا (¬5) . ¬

_ (¬1) أي يتمضمض ثلاث مرات، ويستنشق ثلاث مرات. قال ابن القيم: ولم يتوضأ إلى تمضمض واستنشق، ولم يحفظ أنه أخل به مرة واحدة. وقال شيخ الإسلام: ولا يجب الترتيب بينهما وبين الوجه، لأنهما من جملته، لكن يستحب لأن الذين وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا أنه بدأ بهما اهـ. وقيل: الحكمة في تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه المفروض لشرفهما وتأكد تنظيفهما. (¬2) أي بثلاث غرفات، يجمعهما بغرفة واحدة، ولا يفصل بينهما، وحكى ابن رشد الاتفاق عليه، لحديث علي أنه مضمض واستنشق ثلاثا بثلاث غرفات متفق عليه، وفيهما أيضا: تمضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثا، وعند أحمد: فمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وقال: هذا وضوء نبيكم صلى الله عليه وسلم قال ابن القيم: ولم يجيء الفصل بينهما في حديث صحيح. وقال النووي: لم يثبت في الفصل حديث أصلا. بل الصواب تفضيل الجمع، للأحاديث الصحيحة المتظاهرة، وليس لها معارض. (¬3) لحديث عثمان ولأنه من إزالة الأذى. (¬4) للنص فيأخذ الماء بيديه جميعا عند الجمهور، أو بيمينه ويضم إليها الأخرى ويغسل بهما، لأنه أمكن وأسبغ، ويبدأ بأعلى وجهه، ثم يحذره، لفعله عليه الصلاةوالسلام ولأن أعلى الوجه أشرف، وذلك الفعل أمكن ليجري الماء بطبعه. (¬5) يعني التي من شأنها في العادة أن ينبت فيها شعر الرأس والمعتاد في أغلب الناس. فلا حاجة لذكره (غالبا) بعد المعتاد ولا عبرة بالأفرع الذي ينبت شعره في بعض جبهته ولا بالأجلح الذي انحسر شعره عن مقدم رأسه، فيغسل الأفرع الشعر الذي ينزل على الوجه لا في الغالب، والأصلع يغسل إلى حد منابت الشعر في الغالب.

(إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا) (¬1) مع ما استرسل من اللحية (¬2) (ومن الأذن إلى الأذن عرضا) (¬3) لأن ذلك تحصل به المواجهة (¬4) والأذنان ليسا من الوجه (¬5) بل البياض الذي بين العذار والأذن منه (¬6) . ¬

_ (¬1) اللحيين بكسر اللام وفتحها، جمعها لحى، وواحدها لحي، وهما عظمان في أسفل الوجه قد اكتنفاه والذقن بفتحتين ويكسر، جمعه أذقان وذقون، مجمع اللحيين من أسفلهما. و (طولا) نصب على التمييز أي من جهة الطول، فيجب غسل ذلك إجماعا، واللحى الأعلى والأسفل في الغسل سواء، وكذلك الذقن ولا خلاف في دخول في غسل الوجه. (¬2) طولا وما خرج منه عن حد الوجه عرضا، لما جاء عنه عليه الصلاة والسلام فإن اللحية من الوجه ولأنها تشارك الوجه في معنى التوجه والمواجهة وهذا مذهب الشافعي، وصحح ابن رجب عدم وجوب غسل ما استرسل من اللحية. (¬3) أي ما بين الأذنين وفاقا لأبي حنيفة والشافعي وجماهير أهل العلم، لدخوله في مسمى الوجه، ولو عبر ببين لكان أولى، احترازا من دخول الغاية في المغيا. (¬4) أي المقابلة. من: واجهه بوجهه قابله. (¬5) وتقدم أنهما من الرأس. (¬6) أي من الوجه. فيجب غسله لدخوله في مسمى الوجه، نص عليه الخرقي وغيره، وهو مذهب الجمهور إلا أن مالكا قال: ليس من الوجه فلا يجب غسله لكن قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال بقوله هذا اهـ ونبه الشارح عليه لأنه يغفل الناس عنه، والبياض الذي فوق الأذنين من الرأس، فيجب مسحه معه.

(و) يغسل (ما فيه) أي في الوجه (من شعر خفيف) يصف البشرة كعذار وعارض (¬1) وأهداب عين وشارب وعنفقة، لأنها من الوجه (¬2) لا صدغ وتحذيف، وهو الشعر بعد انتهاء العذار والنزعة (¬3) . ¬

_ (¬1) العذار جانب اللحية وعذار الرجل شعره النابت في موضع العذار، وهو العظم الناتئ سمت صماخ الأذن، أي خرقها السائل على اللحية، والعارض صفحة الخد، وهو ما تحت العذار إلى الذقن، فهو ما ينبت على الخد واللحيين ويستحب تعاهد المفصل بالغسل، وهو ما بين اللحية والأذن نص عليه. (¬2) فيجب غسل تلك المذكورات وما تحتها، لأن الذي لا يستره شعره يشبه ما لا شعر عليه، وقال النووي: يغسلها مع الكثافة بلا خلاف اهـ إلا وجها مرجوحا وعلل بأن الكثافة فيها نادرة، وذكر أنه يجب غسل ما على اليد والرجل بلا خلاف لندوره وفي الجنابة مطلقا، لعدم المشقة فيه، لقلة وقوعه، وتقدم أن العنفقة شعيرات بين الشفة السفلى والذقن. (¬3) فالصدغ بضم الصاد هو الشعر الذي بين انتهاء العذار، يحاذي رأس الأذن وينزل عنها قليلا، والتحذيف هو الشعر بعد انتهاء العذار الخارج إلى طرفين الجبين في جانبي الوجه، سمي تحذيفا لأن النساء والأشراف يحذفون الشعر عنه ليتسع الوجه، فلا يغسلهما مع الوجه، بل هما من الرأس، لاتصال شعر هما بشعر الرأس، لم يخرجا عن حده، وفي حديث الربيع، مسح برأسه وصدغيه رواه أبو داود والترمذي وحسنه، ولم ينقل أنه غسلهما مع الوجه وقال النووي صحح الجمهور أن موضع التحذيف من الرأس وقوله: والنزعة بفتح الزاي وقد تسكن وصوابه بين النزعة وانتهاء العذار، كما هو واضح، وهو كذلك في المبدع والإقناع والمنتهى وغيرها.

ولا النزعتان وهما ما انحسر عنه الشعر من الرأس متصاعدا من جانبيه (¬1) فهما من الرأس (¬2) ولا يغسل داخل عينيه ولو من نجاسة، ولو أمن الضرر (¬3) . ¬

_ (¬1) أي جانبي مقدمه، لأنه لا تحصل بهما المواجهة، ولدخولهما في حد الرأس. (¬2) يعني النزعتين، لدخولهما في حد الرأس، قال النووي: وأما إذا تصلع الشعر عن ناصيته أي زال عن مقدم رأسه، فلا يجب غسل ذلك الموضع بلا خلاف، لأنه من الرأس، ولو نزل الشعر عن المنابت المعتادة إلى الجبهة فإن عمها وجب غسلها بلا خلاف. (¬3) فلا يغسلهما في وضوء ولا غسل، ولو كان من نجاسة، فإنه يعفى عن النجاسة بعين، ولو أمن الضرر بغسلهما لأنه لم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام فعله، ولا الأمر به، قال في الرعاية: يكره، وصححه في الإنصاف، قال مرعي: ويتجه ودمعه طاهر، ويستحب تكثير ماء الوجه، لأن فيه غضونا، وهي التثنى وأسارير جبهته وهي خطوط الجبهة والكف، وهي التكاسير والعطوف والطيات ألفاظ مترادفة ولأن فيه دواخل وخوارج، فيستحب تكثير الماء ليصل إلى جميعه لحديث وكان يتعاهد المأقين رواه أحمد وغيره ووثقه الحافظ، والمأقان هما طرفان الوترة، وهي الحاجز بين ثقبي الأنفن وظاهر شفته وما غار من الأجفان، وإن كانت هذه كلهاداخلة في تحديد الوجه، فنبه لها لأن الماء ينبو عنها، لا جرحا برأ أو خلقا غائرا كثيرا يشق إيصال الماء إليه.

(و) يغسل الشعر (الظاهر) من (الكثيف (¬1) مع ما استرسل منه) (¬2) ويخلل باطنه وتقدم (¬3) (ثم) يغسل (يديه مع المرفقين) (¬4) وأظفاره ثلاثا (¬5) ولا يضر وسخ يسير تحت ظفر ونحوه (¬6) . ¬

_ (¬1) أي الملتف لحصول المواجهة به، فوجب تعلق الحكم به، قال النووي: لا خلاف في وجوب غسل اللحية الكثيفة، ولا يجب غسل باطنها، ولا البشرة تحته اتفاقا وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقال ابن رشد: هذا مما لا أعلم فيه خلافا، وإذاكان كثيفا وخفيفا فلكل واحد حكمه. (¬2) أي ويغسل ما استرسل من الشعر، أي تدلى ونزل وامتد وانبسط، حتى صار سبطا لا جعدا. (¬3) أي في باب السواك وسنن الوضوء، وشعور الوجه تسعة عشر: اللحيان وهما ما نبت فيهما الأسنان السفلى من الأضراس إلى الثنايا، والذقن وهو مجمع اللحيين والعذران والعارضان وهما ما بين العذارين واللحيين، والحاجبان، وأهداب العينين، والحدان، والعنفقة، والشارب، والسبالان. (¬4) إجماعا، ولنص الآية، ولحديث وائل: غسل يديه حتى جاوز المرفق، رواه البزار وغيره، ولما في الصحيح، غسل يده حتى أشرع في العضد، وغير ذلك من الأحاديث، والمرفق بكسر الميم وفتح الفاء وتقدم، سمي بذلك لأن المتكئ يرتفق به إذا أخذ براحته رأسه متكئا على ذراعه. (¬5) قال في الرعاية: إجماعا وإن طالت وما ظهر من ثقب أو شق، فيجب إزالة ما به من نحو شمع، بخلاف المستتر منه، وقوله (ثلاثا) صفة للوضوء الكامل لحديث عثمان وغيره. (¬6) كداخل أنف يمنع وصول الماء، وتصح طهارته اختاره الموفق وغيره، وصححه في الإنصاف، قال الشيخ وكل وسخ يسير في شيء من أجزاء البدن وما يكون بشقوق الرجلين من الوسخ يعفى عنه، وألحق به كل يسير منع، حيث كان من البدن، كدم وعجين ونحوهما، واختاره، ولا يعيد من قلم ظفره أو حلق رأسه وكان الصحابة يحلقون بمنى ثم ينزلون إلى طواف الإفاضة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه أعاد مسح رأسه إذا حلقه لطهارة الوضوء، ولأنه لا يعيده لطهارة الجنابة اتفاقا، فطهارة الوضوء أولا.

ويغسل ما نبت بمحل الفرض من إصبع أو يد زائدة (¬1) (ثم يمسح كل رأسه) بالماء (¬2) . ¬

_ (¬1) قال النووي وغيره: بلا خلاف، لدخول ما نبت في محل الفرض من إصبع زائدة أو يد زائدة في مسمى ما نبت فيه، وكذا في غير محل الفرض، ولم يتميز ليخرج من العهد بيقين وإن تميزت عن محل الفرض ولو طويلة فلا لأنها حينئذ ليست داخلة في مسمى محل الفرض. (¬2) أي بماء جديد غير ما فضل عن ذراعيه لخبر: ومسح رأسه بماء غير فضل يديه ولأن البلل الباقي في يده مستعمل، ومسح جميع الرأس واجب للآية ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يمسح جميع رأسه، وفعله بيان للآية. قال أبو داود، ولم يصح عنه في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، وقال الشيخ: ولم ينقل أنه اقتصر على مسح بعض رأسه، وليس في القرآن ما يدل على جواز مسح بعض الرأس، وما يفعله بعض الناس من مسح شعرة أو بعض رأسه بل شعرة ثلاث مرات خطأ مخالف للسنة المجمع عليها. وقال: اتفق الأئمة كلهم على أن السنة مسح جميع الرأس، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، والحسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن الذين وصفوا وضوءه صلى الله عليه وسلم لم ينقل أحد منهم أنه اقتصر على بعض رأسه. وقال النووي وغيره من محققي أصحاب المذاهب، مسح الرأس واجب بالكتاب والسنة والإجماع، واستيعابه بالمسح مأمور به بالإجماع وقياس مسح الرأس على مسح الوجه واليدين في التيمم في وجوب الاستيعاب والفعل والباء والأمر في الموضعين سواء، والرأس ما اشتملت عليه منابت الشعر المعتاد، وقال: ما ذهب إليه الشافعية من أن الواجب ما يطلق عليه الاسم ولو شعرة مذهب ضعيف اهـ ولا يجوز الاقتصار بالمسح على الأذنين عوضا عن مسح الرأس بالإجماع، ولا يعتبر الأفرع، ولا الأجلح، والنزعتان منه، والصدغان، على ما تقدم، والمطلوب مسح ظاهر الرأس، فلو مسح البشرة لم يجزئه، ولا على معقوص في محل الفرض، ولا على مخضوب بما يمنع وصول الماء، ولا يجب مسح ما نزل عن الرأس من الشعر، لعدم مشاركته للرأس، لا إن عقد النازل فوق الرأس فيمسحه.

(مع الأذنين مرة واحدة) (¬1) فيمر يديه من مقدم رأسه إلى قفاه (¬2) . ¬

_ (¬1) لحديث ابن عباس: مسح برأسه وأذنيه باطنهما وظاهرهما، صححه الترمذي وغيره، وقال: العمل عليه عند أكثر أهل العلم، فيجب مسحهما معه لأنهمامنه وفاقا لأبي حنيفة ومالك، وعنه يستحب، قال الشارح: هذا ظاهر المذهب، واختاره الشيخ وجزم به في العمدة، وحكى ابن جرير وغيره الإجماع على صحة طهارة من ترك مسحهما ولا يستحب تكرار مسح الرأس، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، لأن أكثر من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أنه مسح الرأس مرة واحدة، وقال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة، وقال ابن القيم: والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه بل كان إذا كرر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس، هكذا جاء عنه صريحا، ولم يصح عنه خلافا البتة اهـ وقال غير واحد، أجمع الناس قبل الشافعي على عدم التكرار، وحكي عنه مرة، واختاره البغوي والبيهقي وغيرهما. (¬2) القفا مقصور، مقدم العنق، قال اللخمي: ولا خلاف أنه لو اقتصر على ذلك ولم يردهما لأجزأه اهـ والسنة ردهما إلى مقدم رأسه، كما سيأتي.

ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه (¬1) ثم يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه (¬2) ويمسح بإبهاميه ظاهرهما (¬3) ويجزئ كيف مسح (¬4) . ¬

_ (¬1) لحديث عبد الله بن زيد أنه عليه الصلاة والسلام مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، رواه الجماعة قال بعض أهل العلم: يضع أحد طرفي سبابتيه على طرف الأخرى ويضعهما من مقدم رأسه ويضع الإبهامين على الصدغين ثم يمرهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى مقدمه، نص عليه وهوالمشهور والمختار للأخبار وقيل غير ذلك، ولا فرق بين من خاف انتشار شعره وغيره، وهذه الصفة متفق عليها بين المسلمين اتباعا للسنة المتظاهرة. (¬2) السبابة الإصبع التي تلي الإبهام سميت بذلك للإشارة بها عند السب، وهي المسبحة والصماخ بكسر الصاد الخرق المفضي من الإذن إلى الرأس، أي فيدخلهما فيهما ويديرهما. (¬3) وهكذا وصف ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه النسائي، ولا يجب مسح ما استتر بالغضاريف، وهي دواخل قوف الإذن، لأن الرأس الذي هو الأصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر، فالأذن أولى. (¬4) أي على أي صفة مسح رأسه كفى، إذا عم جميعه بيده، أو بحائل خرقة مبلولة وغيرها، ويجزئ أيضا غسل رأسه مع إمرار يده، لحديث معاوية: غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره ومن مؤخره إلى مقدمه، رواه أبو داود، قال ابن المنذر: ولا نعلم خلافا في أن غسله يجزئ وهو خلاف الأولى اهـ ومن رحمة الله تعالى أن أقام مسحه في الوضوء مقام غسلة تخفيفا ورحمة إذ لو شرع غسله في الوضوء لعظمت المشقة، وإمساس العضو بالماء امتثالا لأمر الله وطاعة له وتعبدا يؤثر في نظافته وطهارته مالا يؤثر بالماء بدون نية.

صفة الوضوء الكامل.

(ثم يغسل رجليه) ثلاثا (مع الكعبين) (¬1) أي العظمين الناتئين في أسفل الساق من جانبي القدم (¬2) (ويغسل الأقطع بقية المفروض) (¬3) . ¬

_ (¬1) أي كعبي كل رجل، لأن مقابلة الجمع بالجمع يقتضي توزيع الأفراد على الأفراد، وغسل الرجلين مع الكعبين واجب بالكتاب والسنة والإجماع لآية (وأرجلكم) وللنصوص المتواترة المشهورة في الصحيحين وغيرهما، منها حديث عثمان، وحديث علي، وحديث ابن عباس وأبي هريرة، وعبد الله بن زيد والربيع وعمرو بن عبسة وغيرهم، وقيل: الواجب المسح، وقيل: يجمع بينهما قال الشيخ: وهذه المذاهب باطلة بإجماع المسلمين لآية (وأرجلكم) وللنصوص المتواترة وفي الصحيحين ويل للأعقاب من النار، ولحديث صاحب اللمعة، وحديث عمرو بن شعيب، وفيه: ثم غسل رجليه ثلاثا، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، وهو حديث صححه أئمة الحديث ولغير ذلك من الأحاديث، وقوله ثلاثا صفة للكامل، لحديث عثمان وغيره، والطهارة ثلاثا ثلاثا في غير مسح الرأس سنة إجماعا. (¬2) قاله أبو عبيد وغيره، وتقدم ذكر الاتفاق عليه واشتاقه من التكعب وهو التوسع مع الاستدارة لما سبق ويصب الماء بيمينه يديه على كلتا رجليه ويغسلهما باليسرى ندبا. (¬3) أي يغسل مقطوع اليد أو الرجل بقية المفروض أصلا وتبعا وجوبا بلا خلاف، ومن خلق بلا مرفق ونحوه غسل إلى قدره من غالب الناس، وكالوضوء تيمم، فالأقطع من مفصل يمسح محل القطع بالتراب، ومن دونه يمسح ما بقي من محل الفرض، ومن فوقه يستحب له مسح قطع بتراب.

لحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» متفق عليه (¬1) (فإن قطع من المفصل) أي مفصل المرفق (غسل رأس العضد منه) (¬2) وكذا الأقطع من مفصل كعب يغسل طرف ساق (¬3) (ثم يرفع نظره إلى السماء) بعد فراغه (¬4) . ¬

_ (¬1) فإذا غسل بقية المفروض فقد أتى ما استطاع حسا وشرعا. (¬2) أي من مفصل المرفق والمفصل كمجلس واحد مفاصل الأعضاء، وهو كل ملتقى عظمتين من الجسد، والعضد بالدال غليظ الذراع الذي بين المرفق والكتف. (¬3) الساق مؤنثة مهموزة وجمعها سوق وسوق سيقان وأسوق، ما بين الركبة والقدم، أي ومثل الأقطع من مفصل المرفق في الحكم الأقطع من مفصل كعب، والأقطع من دونهما يغسل ما بقي من محل الفرض، فإن لم يبق شيء من محل الفرض، بأن كان القطع من فوق مرفق وكعب سقط الغسل بلا نزاع، لعدم محله، لكن يستحب له مسحه بالماء، لئلا يخلو العضو من طهارة حكاه غير واحد. وقال ابن القيم وغيره: وإن وجد أقطع ونحوه من يوضئه بأجرة مثل وقدر عليها بلا ضرر لزمه، فإن لم يجد ووجد من ييممه لزمه، وإن لم يجد صلى على حسب حاله. وقال الموفق والنووي وغيرهما: لا نعلم فيه خلافا، ولا إعادة عليه، اختاره الموفق والمجد والشيخ وغيرهم، واستنجاء مثله، وإن تبرع أحد بتطهيره لزمه ذلك. (¬4) أي يسن لمن فرغ من وضوئه رفع بصره إلى السماء، لما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله إلخ، وكذا الغسل والتيمم مثلهما قياسا عليهما وقيل: يستحب أن يأتي بالذكر متوجها إلى القبلة كما في حالة الوضوء وغيره من الطاعات لما في الصحيح عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل الكعبة فدعا على نفر من قريش.

يغسل الأقطع بقية المفروض

(ويقول ما ورد) (¬1) ومنه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (¬2) (وتباح معونته) أي معونة المتوضئ (¬3) . ¬

_ (¬1) أي يسن أن يقول بعد فراغه من الوضوء ما ورد من الأدعية في ذلك باتفاق أهل العلم، وكذا التيمم، لأنه طهارة كالوضوء فسن الذكر بعده كالوضوء. (¬2) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث عمر ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد إلخ، إلا وفتحت له أبواب الجنة الثمانية، وزاد الترمذي وغيره، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، والتوابين جمع تواب، صيغة مبالغة وهو كثير التوبة، والمتطهر الذي لا ذنب له، زاد بعضهم واجعلني من عبادك الصالحين واجعلني من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ويستحب أن يضم إليه ما روى ابن ماجه والحاكم وغيرهما سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك، ولما كان الوضوء طهارة الظاهر ناسب ذكر طهارة الباطن بالتوحيد والتوبة، وهما أعظم المطهرات وإذا اجتمع له الطهوران صلح للدخول على الله، والوقوف بين يديه، ومناجاته وأما الأذكار التي تقال عند غسل كل عضو من أعضاء الوضوء، فقال النووي: وغيره: كذب مختلق لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم منها شيء، ولا علمه أمته، ولا ثبت غير ما تقدم، وقال الشيخ وتلميذه وغيرهما، والأذكار التي تقولها العامة عند كل عضو بدعة لا أصل لها، لا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، ولا التابعين ولا الأئمة الأربعة. (¬3) كتقريب ماء الغسل، أو الوضوء إليه، أو صبه عليه لحديث المغيرة صببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة، متفق عليه، واستعان بأسامة في صب الماء على يديه، وصب عليه صفوان في الحضر والسفر، والمتوضئ من اتصف بالوضوء والمعونة والإعانة، بمعنى العون الظهير على الأمر والخادم، وقد استمر أمره عليه الصلاة والسلام بعدم الاستعانة فيه، وقال أحمد: ما أحب أن يعينني على وضوئي أحد لأن عمر قال ذلك، فأما تقريب وضوئه ونحوه فلا بأس به، ولا يقال إنه خلاف الأولى، لما ثبت في مواطن كثيرة، وأما غسل أعضائه لغير عذر فيكره وكذا صب الماء فخلاف الأولى، قطع به البغوي وغيره.

ما يسن من الأدعية عند الوضوء وما لا يسن

وسن كونه عن يساره (¬1) كإناء ضيق الرأس (¬2) وإلا فعن يمينه (¬3) (و) يباح له (تنشيف أعضائه) من ماء الوضوء (¬4) ¬

_ (¬1) ليسهل تناول الماء عند الصب، وأعون وأحسن في الأدب، وفي سنيته نظر، وليس في حديث المغيرة ولا أسامة ولا صفوان ولا غيرهم أنهم كانوا عن يساره. (¬2) ليسكب الماء بيساره في يمينه. (¬3) أي وإلا يكن الإناء ضيق الرأس، بل كان واسعا فيجعله عن يمينه لفعله عليه الصلاة والسلام ولأنه أمكن لنقل الماء إلى الأعضاء. (¬4) أي مسحة بخرقة ونحوها، لحديث سلمان، توضأ ثم قلب جبة كانت عليه فمسح بها وجهه، رواه ابن ماجه وغيره، وحديث قيس بن سعد: ناوله ملحفة فاشتمل بها، رواه أحمد وأبو داود، وللبيهقي: كان له خرقة ينشف بها بعد الوضوء، ولأنه إزالة للماء عن بدنه، أشبه نفضه بيديه، وروي أخذ المناديل عن كثير من أهل العلم، ورخص فيه مالك والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم، ولا يستحب اتفاقا قال ابن عباس: كانوا لا يرون بالمنديل بأسا، ولكن يكرهون العادة وقطع جمهور المحققين باستحباب تركه، وحكاه إمام الحرمين عن الأئمة الأربعة وغيرهم، ولا يحرم إجماعا، وقال ابن القيم: لم يكن صلى الله عليه وسلم يعتاد تنشيف أعضائه بعد الوضوء، ولا صح عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك حديث البتة، ولا يكره نفض يديه، لحديث ميمونة أتيته بالمنديل فرده، وجعل ينفض الماء بيديه متفق عليه.

ومن وضأه غيره ونواه هو صح، إن لم يكن الموضئ مكرها بغير حق (¬1) وكذا الغسل والتيمم (¬2) . ¬

_ (¬1) أي وأي إنسان وضأه غيره ونوى المفعول به ذلك صح بلا خلاف يعتد به، لأنه المخاطب، سواء كان الفاعل مسلما أو كافرا، لوجود النية من الموضأ وفي الحديث وإنما لكل امرئ ما نوى، فإن لم ينوه لم يصح ولو نواه الفاعل، وأبرز الضمير لئلا يتوهم أنه عائد على الفاعل، وهو ليس كذلك، ومفهومه أنه إن كان الفاعل مكرها بغير حق لم يصحن قال بعض الأصحاب، وقواعد المذهب تقتضي الصحة إذا أكره الصاب ولو بغير حق، لأن الصب ليس بركن ولا شرط، وإن كان مكرها بحق كرقيقه وأجيره صح بلا خلاف يعتد به. (¬2) أي حكمهما حكم الوضوء في المعونة والتنشيف، وحكى النووي عن طائفة من أهل العلم أن الأفضل أن يلي المتوضئ، وكذا المغتسل والمتيمم ذلك بنفسه لنفسه فإن ولي ذلك غيره أجزأ وحكى عن طائفة منهم أن ذلك لا يجزئه قال: ومنهم مالك، والذي يظهر من مذهبه وقوله خلاف ذلك، إلا أن يفعله استنكافا عن عبادة الله واستكبارا عنها وتهاونا بها.

حكم تشنيف الأعضاء من ماء الوضوء

باب مسح الخفين وغيرهما من الحوائل (¬1) وهو رخصة (¬2) . ¬

_ (¬1) كالجوربين والجرموقين والعمامة والخمار والعصابة ونحو ذلك، وعبر بعضهم بمسح الحائل وهو أشمل، والمسح لغة: إمرار اليد على الشيء، وشرعا: إصابة البلة لحائل مخصوص في زمن مخصوص، والحف واحد الخفاف التي تلبس على الرجل، سمي بذلك لخفته، وهو شرعا: الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه، أعقبه الوضوء لأنه بدل عن غسل ما تحته، وحيث أنه يجوز أن يعدل إليه المتوضئ، ودلت عليه الأحاديث الصحيحة المستفيضة المتواترة في مسحه صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر وأمره بذلك وترخيصه فيه، قال الحسن: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين، وقال النووي: روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة، ويأتي قول الإمام أحمد: ليس في نفسي من المسح شيء، فيه أربعون حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال ونقل ابن المنذر وغيره إجماع العلماء على جوازه، واتفق عليه أهل السنة والجماعة وقال ابن القيم: صح في الحضر والسفر، ولم ينسخ حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومال الشيخ إلى أن السنة ليست معارضة لآية المائدة بل مبينة، ومال أيضا إلى أن حمل قراءة الآية بالخفض على مسح الخفين. (¬2) أي المسح رخصة، وهي لغة الانتقال من صعوبة إلى سهولة، وشرعا، ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وفي الحديث إن الله يحب أن يؤخذ برخصة وعنه عزيمة وهي لغة: القصد المؤكد، وشرعا، حكما ثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح، وهما وصفان للحكم الوضعي، والفرق بينهما أن الرخصة ما جاء على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وهي لا تستباح بالمعاصي، والعزيمة، ما جاء على وفق دليل شرعي خال عن معارض راجح، وهي ما جاز فعلها، ولو في حال المعصية.

وأفضل من غسل (¬1) ويرفع الحدث (¬2) ولا يسن أن يلبس ليمسح (¬3) (يجوز يوما وليلة) لمقيم (¬4) . ¬

_ (¬1) لقوله عليه الصلاة والسلام بهذا أمرني ربي، رواه أبو داود بإسناد صحيح، ولحديث صفوان: أمرنا أن لا ننزع خفافنا الحديث صححه الترمذي، ولحديث إن الله يحب أن تؤتي رخصه، ومخالفة لأهل البدع، ولأنه عليه الصلاة والسلام وأصحابه إنما طلبوا الأفضل. وقال الشيخ: الأفضل في حق كل واحد ما هو الموافق لحال قدمه، فالأفضل للابس الخف أن يمسح عليه ولا ينزع خفيه، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والأفضل لمن قدماه مكشوفتان غسلهما، وقد يجب المسح كما سيأتي أو يكره. (¬2) أي ويرفع المسح على الحائل الحدث عما تحته نص عليه، وإن كان موقتا لأنه طهارة بالماء أشبه الغسل، ولأن رفع الحدث شرط للصلاة مع القدرة فلو لم يحصل بالمسح لما صحت الصلاة به. (¬3) أي لا يسن أن يلبس خفا ونحوه ليمسح. قال الشيخ: ولا يتحرى لبس الخف ليمسح إنما كان عليه الصلاة والسلام يغسل قدميه إن كانتا مكشوفتين ويمسح إذا كان لابسا للخف، وقال ابن القيم: ولم يكن صلى الله عليه وسلم يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه، بل إن كانت في الخف مسح عليهما، وإن كانت مكشوفتين غسل القدمين، ولم يلبس الخف ليمسح عليه. قال الشيخ: وهذا أعدل الأقوال. (¬4) أي يجوز في الوضوء بدلا عن غسل الرجلين المسح على الخفين ونحوهما لا على خف رجل واحدة مع غسل الأخرى، يوما وليلة لمقيم، قال النووي وغيره: بلا خلاف سواء سبق اليوم ليلته أو لا، ولو أحدث في أثناء النهار اعتبر قدر الماضي منه كما يأتي، وتعبيرهم (بيجوز) فيه تنبيه على أنه لا يجب ولا يسن، ولا يحرم، ولا يكره، إلا إن أحدث ومعه ماء يكفي المسح فقط، أو خاف فوت الجمعة أو الجماعة، أو عرفة أو إنقاذ أسير، أو تعينت عليه صلاة الميت، وخاف انفجاره، أو خاف خروج الوقت إذا اشتغل بالطهارة أو نحو ذلك، وجب وحرم تركه أو ترك المسح رغبة عن السنة، أو شكا في جوازه كره أو حرم.

ومسافر لا يباح له القصر (¬1) (ولمسافر) سفرا يبيح القصر (ثلاثا) أيام (بلياليها) (¬2) لحديث علي يرفعه «للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن وللمقيم يوم وليلة» رواه مسلم (¬3) . ¬

_ (¬1) كعاص بسفره ونحوه، ثم يخلع كالمقيم، فلا يستبيح به الرخصة وكذا مسافر دون المسافة، وتعليل بعض الأصحاب لا يدل عليه نص من كتاب ولا سنة ولا قياس، بل الإطلاق يدل على جوازه مطلقا، وهو مذهب الجمهور. (¬2) بلا خلاف قاله النووي وغيره، واختار الشيخ وغيره ما سمي سفرا، لعدم التحديد ويأتي في بابه. (¬3) ورواه أهل السنن وأحمد وصححه وقال: هو مرفوع يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر إلخ وأخرج أحمد والترمذي وصححه عن صفوان أمرنا يعني النبي صلى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثا إذا سافرنا ويوما وليلة إذا أقمنا ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم، ولكن من جنابة، قال أحمد: هذا أجود حديث في المسح، لأنه في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم وقال البخاري: وليس في التوقيت أصح من حديث صفوان فدل على التوقيت وعلى اختصاصه بالوضوء دون الغسل وهو إجماع، لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الحسنة والصحيحة، وقال الترمذي: هو قول عامة العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقال الخطابي: هو قول عامة الفقهاء، وقال الطحاوي: ليس لأحد أن يترك الآثار المتواترة في التوقيت إلى مثل حديث ابن عمارة.

باب المسح على الخفين

ويخلع عند انقضاء المدة (¬1) إن خاف أو تضرر رفيقه بانتظاره تيمم (¬2) فإن مسح وصلى أعاد (¬3) وابتداء المدة (من حدث بعد لبس (¬4) على طاهر) العين فلا يمسح على نجس ولو في ضرورة (¬5) . ¬

_ (¬1) لمفهوم أحاديث التوقيت. (¬2) أي فإن خاف من النزع لنحو مرض تيمم، أو خاف تضرر رفيقه وفي الاختيارات، لا تتوقت مدة المسح في حق المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس كالبريد. (¬3) أي فإن مسح بعد انقضاء المدة وصلى أعاد، لانقضاء وقته، نص عليه، وقيل: يمسح كالجبيرة اختاره الشيخ، ويأتي قوله: لا ينتقض وضوءه بانقضاء المدة. (¬4) أي ووقت ابتداء مدة المسح من وقت جواز مسح بعد حدث عند الجمهور، وفي رواية في حديث صوفان من الحدث إلى الحدث، ولأنها عبادة مؤقتة فاعتبر أول وقتها لامن وقت مسح، وعنه منه اختاره المنذري وقال النووي: هو أصح دليلا بعد لبس بضم اللام إلى مثله من الثاني، وإلى الرابع: لأن وقت المسح يدخل بذلك فاعتبرت مدته منه، فيمسح فيها لما يشاء من الصلوات، وإن مضت المدة بع الحدث ولم يمسح فيها فليس له المسح، ويخلع لفراغ مدته، وما لم يحدث فلا تحتسب المدة، وكذا من المسح على القول به. (¬5) لأن نجس العين منهي عنه، فلا يصح المسح عليه خفا كان أو غيره.

ويتيمم معها لمستور (¬1) (مباح) فلا يجوز المسح على مغصوب (¬2) ولا على حرير لرجل (¬3) لأن لبسه معصية فلا تستباح به الرخصة (¬4) (ساتر للمفروض) (¬5) ولو بشده أوشرجه (¬6) . ¬

_ (¬1) أي يتيمم مع الضرورة من لبس نجسا ساترا للعضو كخف نجس العين، وكذا إن كان النجس عمامة أو جبيرة فإنه يتيمم عند الضرورة بدل غسل ما ستر بذلك النجس، وقالوا يعيد ما صلى به لأنه حامل للنجاسة، ومن فعل ما أمر به بحسب وسعه فلا إعادة عليه، وليس في الشريعة إيجاب الصلاة مرتين إلا بتفريط، فإن كان طاهر العين وتنجس باطنه صح المسح عليه، ويستبيح به مس المصحف، ولا صلاة إلا بغسله أو عند الضرورة. (¬2) ولا تستباح به الرخصة قاله الشيخ وغيره، ولو لضرورة فقوله: (مباح) أي مطلقا مع الضرورة وعدمها، وقيل: إلا لضرورة برد ونحوه، وقيل: يجوز مطلقا، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، لأن المعصية لا تختص اللبس، فلو تركه لم يزل إثم الغصب. (¬3) ولو محرما لبسهما لحاجته، بأن لم يجد النعلين، لأن شرط الممسوح إباحته مطلقا، وهما لا يباحان للمحرم مطلقا، بل في بعض الأحوال. (¬4) فإن صلى أعاد الطهارة والصلاة. (¬5) أي فلا يجوز المسح على ما لا يستر محل الفرض، وهو القدم، قالوا: حكم ما استتر المسح، وما ظهر الغسل، ولا سبيل إلى الجمع بينهما، فوجب الغسل، لأنه الأصل، قال الشيخ: وقولهم: إن فرض ما ظهر الغسل وما بطن المسح، خطأ بالإجماع، والشارع أجاز المسح على الخفين مطلقا، ولم يشترط الستر فلا أصل له. (¬6) أي ربطه بخيط ونحوه، أو شرجه بالعري والأزرار قبل اللبس أو بعده، قبل الحدث، بحيث لا يظهر شيء من محل الفرض.

كالزربول الذي له ساق وعرى يدخل بعضها في بعض (¬1) فلا يمسح ما لا يستر محل الفرض لقصره أو سعته أو صفائه (¬2) أو خرق فيه وإن صغر حتى موضع الخرز (¬3) فإن انضم ولم يبد منه شيء جاز المسح عليه (¬4) . ¬

_ (¬1) فيستتر بذلك محل الفرض فيصح بذلك المسح عليه، يعني على الزربول وهو نوع من الخفاف عامية جمعه زرابيل، والعرى هي العيون التي توضع فيها الأزرار، جمع عروة، كمدية ومدى. (¬2) أي بحيث يظهر بعض محل الفرض لقصره، أو يرى بعض محل الفرض لسعته، أو يصف البشرة لصفائه، كزجاج رقيق، أو خفته كجورب رقيق، ويجب الغسل. (¬3) أي ولا يمسح على الخف لخرق في الخف وإن صغر الخرق، قال الشيخ: ومذهب مالك وأبي حنيفة وابن المبارك وغيرهم أنه يجوز المسح على ما فيه خرق يسير، وهو أصح، وهو قياس أصول أحمد ونصوصه، واختار جواز المسح على المخرق، إلا أن يتخرق أكثره، مادام اسمه باقيا، والمشي فيه ممكنا، وإلا فكالنعل، وقال: معلوم أن الخفاف في العادة لا يخلو كثير منها عن فتق أو خرق، وكان كثير من الصحابة فقراء، والعادة في اليسير لا يرقع، ولما ورد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسح حمل على الإطلاق، والتحديد لا بد له من دليل، قال: والشارع علق المسح بمسمى الخف، ولم يفرق بين خف وخف، فيدخل في ذلك المفتوق والمخروق وغيرهما من غير تحديد، ومن فرق بين هذا وهذا فقد فرق بين ما جمع الله بينه فرقا لا أصل له. (¬4) أي فإن انضم الخرق ونحوه بلبسه جاز المسح عليه، لحصول الشرط، وهو ستر محل الفرض، ولا يعتبر موالاة المشي فيه.

(يثبت بنفسه) (¬1) فإن لم يثبت إلا بشده لم يجز المسح عليه (¬2) وإن ثبت بنعلين مسح إلى خلعهما ما دامت مدته (¬3) ولا يجوز المسح على ما يسقط (¬4) (من خف) بيان لطاهر (¬5) أي يجوز المسح على خف يمكن متابعة المشي فيه عرفا (¬6) قال الإمام أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء فيه أربعون حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (¬7) . ¬

_ (¬1) في الساق، ولا يسترسل عند المشي. (¬2) لفوات شرطه نص عليه، وقال الشيخ: فيه وجهان، أصحهما أنه يمسح عليه، وهذا الشرط لا أصل له في كلام أحمد، بل المنصوص عنه أنه يجوز المسح على الجوربين فغيرهما أولى، فلو لم يثبت الملبوس إلا بشده بخيط متصل أو منفصل جاز المسح عليه. (¬3) أي مسح على أحدهما قدر الواجب إلى خلعهما ما دامت مدة المسح. (¬4) أي لا يصح المسح على خف يسقط أي يخرج من القدم إلا بشده. (¬5) أي في قولهما السابق: بعد لبس على طاهر العين. (¬6) فلا يشترط كون الخف يمنع نفوذ الماء، ولا كونه معتادا، فيصح المسح على خف من جلود أو لبود أو خشب أو حديد أو زجاج لا يصف البشرة حيث أمكن المشي فيه، قيل: بقدر ما يتردد المسافر في حاجته، لأن ما لا يمكن متابعة المشي عليه لا تدعو الحاجة إليه فلم تتعلق به الرخصة، ولو قال: على خف طاهر يمكن إلخ لكان أولى,. (¬7) وذكر ابن مندة من رواه فكانوا ثمانين صحابيا، منهم العشرة رضي الله عنهم.

(وجورب صفيق) (¬1) وهو ما يلبس في الرجل على هيئة الخف من غير الجلد، لأنه صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين، رواه أحمد وغيره وصححه الترمذي (¬2) (ونحوهما) أي نحو الخف والجورب كالجرموق (¬3) . ¬

_ (¬1) ضد الخفيف الذي يصف القدم من صوف أو غيره نعل أولا، وقال الزركشي: غشاء من صوف يتخذ للدفاء، أي فيجوز المسح عليه، قال في الإنصاف: بلا نزاع، إن كانا منعلين أو مجلدين، وكذا إن كانا من خرق على الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، وجمع الجوارب جوارب وجوارة أعجمي معرب. (¬2) وصححه غيره، فرواه أحمد وأهل السنن عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وقال ابن المنذر، يروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، قال في المبدع: فكان كالإجماع، ولأن الجورب في معنى الخف لأنه ساتر لمحل الفرض، وورد أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه، رواه أبو داود وغيره، وحمل على أنه إذا لبسهما فوق الجوربين، وأما الخفان المقطوعان والنعلان وكلما يلبس تحت الكعبين من مداس وجمجم وغيرها فلا يجوز المسح عليه، قال شيخ الإسلام: باتفاق المسلمين. (¬3) بضم الجيم، نوع من الخفاف، قال الجوهري: الذي يلبس فوقه لحفظه من الطين وغيره، وقال ابن سيدة: خف صغير، وقال النووي: شيء يشبه الخف فيه اتساع، يلبس فوق الخف في البلاد الباردة، وهو معرب يعني من سرموزة وكذا كل كلمة فيها جيم وقاف، قاله غير واحد من أهل اللغة، وتعريب الاسم العجمي وإعرابه هو أن يتفوه به العرب على مناهجها، بتغيير ما يقال: عربته العرب وأعربته.

ابتداء المدة للمسح وانتهاؤها وما يجوز المسح عليه

ويسمى الموق (¬1) وهو خف قصير، فيصح المسح عليه (¬2) لفعله عليه السلام رواه أحمد وغيره (¬3) (و) يصح المسح أيضا (على عمامة) مباحة (¬4) (لرجل) لا لامرأة (¬5) لأنه صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والعمامة، قال الترمذي: حسن صحيح (¬6) . ¬

_ (¬1) بضم الميم فارسي معرب من موزة. (¬2) لأنه ساتر محل الفرض، أشبه الخف، وجواز المسح عليه مذهب جمهور العلماء، وقال أبو حامد، هو قول كافة العلماء. (¬3) فرواه الترمذي وأبو داود عن بلال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الموقين، ومن تدبر ألفاظ الشريعة وأعطى القياس حقه علم أن الرخصة في هذا الباب واسعة، وأن ذلك من محاسن الشريعة، ومن الحنيفية السمحة، والأدلة على رفع الحرج عن هذه الأمة بلغت مبلغ القطع (وما جعل عليكم في الدين من حرج) ومقصود الشارع من مشروعية الرخصة، الرفق عن تحمل المشاق، فالأخذ بها مطلقا موافقة لقصده. (¬4) لا محرمة كمغصوبة أو حرير، والعمامة هي ما يلف على الرأس، جمعها عمائم وعمام. (¬5) لأنها منهية عن التشبه بالرجال، فلا تمسح عليها، وقيل: يجوز لحاجة برد ونحوه، وأما ما تقدم من المسح على الخفين فحكمها حكم الرجل بلا نزاع، لأنه معتاد لها، ولأنه أقيم مقام الغسل فاستويا فيه كالتيمم. (¬6) ومعناه عند مسلم وروي البخاري عن عمرو بن أمية: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسح على عمامته وخفيه، ولأبي داود عن ثوبان: أمرهم أن يمسحوا على العصائب، يعني العمائم، وله عن بلال ويمسح على عمامته، وأحاديث المسح عليها أخرجها غير واحد من الأئمة البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وغيرهم من طرق قوية متصلة، ولأنه عضو سقط فرضه في التيمم، فجاز المسح على حائل دونه كالرجل في الخف، وقال عمر: من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله، وقال به أبو بكر وغيره، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، وهو مذهب جماعة من السلف وظاهر الأحاديث.

هذا إذا كانت (محنكة) (¬1) وهي التي يدار منها تحت الحنك كور بفتح الكاف فأكثر (¬2) (أو ذات ذؤابة) بضم المعجمة وبعدها همزة مفتوحة (¬3) وهي طرف العمامة المرخى (¬4) فلا يصح المسح على العمامة الصماء (¬5) . ¬

_ (¬1) لأنها عمامة العرب، ويشق نزعها، وهي أكثر سترا قال الجوهري: الحنك ما تحت الذقن من الإنسان. (¬2) أي أكثر من كور، والكور مصدر، وكل كور دور. (¬3) سميت بذلك تشبيها لها بذؤابة الشعر. (¬4) لأن إرخاءها سنة، وذكر شيخ الإسلام سبب إرخائها أنه صلى الله عليه وسلم اتخذها صبيحة المنام بالمدينة، لما رآى رب العزة، فقال فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، فوضع يده بين كتفي، فعلمت ما بين السماء والأرض صححه البخاري، وعن ابن عمر أنه كان يعتم بين كتفيه، وقال: عمم النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن وأرخاها من خلفه قدر أربع أصابع، أي فيصح المسح عليها إذا كانت كذلك، اختاره الموفق وابن عقيل والشيخ وغيرهم، وقال في شرح العمدة: يشترط أن يكون للعمامة ذؤابة أو محنكة، لأن ما لا ذؤابة لها ولا حنك تشبه عمائم أهل الذمة، وقد نهي عن التشبه بهم، فلم يستبح بها الرخصة، كالخف المغصوب. (¬5) يعني غير المحنكة أوذات الذؤابة لأنها لم تكن عمة المسلمين، ولا يشق نزعها، وروي أبو عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتلحي ونهى عن الإقتعاط وكان أحمد يكرهه كراهة شديدة وقال الشيخ: لا ترتقي إلى التحريم قال في الفروع، ولعل ظاهر من جوز المسح إباحة لبسها، وهو متجه لأنه فعل أبناء المهاجرين والأنصار وفي المبدع: ذكر ابن شهاب وغيره وجها بالجواز، وقالوا: لم يفرق أحمد، وفي مفردات، ابن عقيل، هو مذهبه، واختاره الشيخ تقي الدين وقال: هي كالقلانس المبطنة وأولى، لأنها في الستر ومشقة النزع لا تقصر عنها.

ويشترط أيضا أن تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه (¬1) كمقدم الرأس والأذنين وجوانب الرأس فيعفى عنه لمشقة التحرز منه (¬2) بخلاف الخف (¬3) ويستحب مسحه معها (¬4) (و) على (خمر نساء مدارة تحت حلوقهن) (¬5) . ¬

_ (¬1) لأن العمامة نابت عن الشعر. (¬2) ولا يجب مسح مقدم الرأس، ولا يجب مسح الأذنين معها، لأنه لم ينقل قال الشارح: لا نعلم فيه خلافا وكذا جوانب الرأس. (¬3) أي فلا بد من ستر جميع المفروض. (¬4) أي مسح ما جرت العادة بكشفه مع العمامة، كمقدم الرأس ونحوه، لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح بناصيته، قال الشيخ: ومن فعل ما جاءت به السنة من المسح بناصيته وعمامته أجزأه مع العذر بلا نزاع، وأجزأه بدون العذر عند الأئمة الثلاثة رحمهم الله تعالى. (¬5) خمر بضم الخاء والميم وقد تسكن، جمع خمار، وهو النصيف والقناع، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، وكل ما ستر شيئا فهو خمار، أي يصح المسح على خمر نساء، مدارة تلك الخمر تحت حلوقهن، لأن أم سلمة كانت تمسح على خمارها، ذكره ابن المنذر، وروى الإمام أحمد عن بلال عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالمسح على الخمار، ولفظ سعيد بن منصور: على النصيف. وقال الشيخ في خمر النساء من الرخصة التي تشبه أصول الشريعة، وتوفق الآثار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن خافت من البرد ونحوه مسحت على خمارها، فإن أم سلمة كانت تمسح على خمارها، وينبغي أن تمسح مع هذا بعض شعرها، وأما إذا لم يكن بها حاجة إلى ذلك ففيه نزاع بين العلماء اهـ، والنساء من الجموح التي لا واحد لها من لفظها كالرهط والقوم وكذا النسوة.

لمشقة نزعها كالعمامة بخلاف وقاية الرأس (¬1) وإنما يمسح جميع ما تقدم (في حدث أصغر) (¬2) لا في حدث أكبر بل يغسل ما تحتها (¬3) (و) يمسح على (جبيرة) مشدودة على كسر أو جرح ونحوهما (¬4) (لم تتجاوز قدر الحاجة) وهو موضع الجرح والكسر وما قرب منه (¬5) . ¬

_ (¬1) أي فإنه لا يشق نزعها فتشبه طاقية الرجل قال الشارح وغيره: لا نعلم فيه خلافا لأنه لا يشق نزعها كطاقية الرجل. (¬2) يعني ما تقدم من الخفين والعمامة ونحوهما. (¬3) أي ما تحت الحوائل من خف وعمامة ونحوهما إجماعا. (¬4) كوجع وعصابة شد بها رأسه أو غيرها، وسميتا جبيرة تفاؤلا، قال بعض أهل اللغة: وهي أعواد ونحوها تربط على الكسر أو الجرح ليلتئم فعلية بمعنى فاعلة، وقال الأزهري وغيره: هي الخشب التي تسوى فتوضع على موضع الكسر فتشد عليه حتى ينجبر على استوائها واحدتها جبارة بكسر الجيم، وجبيرة بفتحها وهما بمعنى، وفي الحاوي: الجبيرة ما كان على الكسر واللصوق بفتح اللام ما كان على قرح. (¬5) وما لا بد من وضع الجبيرة عليه من الصحيح، لأنه لا بد أن توضح على طرفي الصحيح ليرجع على الكسر، والمسح على الجبيرة مجمع عليه.

بحيث يحتاج إليه في شدها (¬1) فإن تعدى شدها محل الحاجة نزعها (¬2) فإن خشي تلفا أو ضررا تيمم لزائد (¬3) ودواء على البدن تضرر بقلعة كجبيرة في المسح عليه (¬4) . ¬

_ (¬1) لأنه موضع حاجة فتقدر بقدرها، أي فيجب تعميم الجبيرة التي تتجاوز قدر الحاجة مرة واحدة لضرورة المشقة بكشفها، وإلا فمسح الجرح البارز أولى من مسح الجبيرة نص عليه، والقياس والآثار تشهد بصحة ذلك. (¬2) أي فإن تجاوز شدة الجبيرة محل الحاجة من وضعها نزعها، وظاهره أنه ينزع جميعها وجوبا، واستظهر بعضهم أنه لا يلزمه إلا نزع ما زاد على قدر الحاجة، إلا أن يصور ذلك بما إذا كان الشد بجميعه في غير محل الحاجة، ويمكن أن يصور أيضا بما إذا لم يتمكن من نزع الزائد إلا بنزع الكل، وقال الزركشي لأن المجاوزة إنما تقع غالبا لسهو أو غفلة أو دهشة فمنع الرخصة نادر في ذلك ومع الخوف من النزع فيه حرج ومشقة، وتعمد ذلك نادر فلا يفرد بحكم وفيه وجه يخزئ المسح على الزائد، اختاره الحلال وغيره، لأنه قد صارت ضرورة عليه، أشبهت موضع الكسر، وسهل فيه أحمد، لأنه مما لا ينضبط وهو شديد جدا، فلا بأس كيفما شدها. (¬3) على قدر الحاجة، وغسل ما سوى ذلك، فيجمع إذا بين الغسل والمسح والتيمم قيل ذلك خروجا من الخلاف، وقال غير واحد، لا يحتاج مع مسحها إلى تيمم، لأنه محل واحد فلا يجمع فيه بين بدلين كالخف، وإن لم يكن عليه عصابة وضر مسحه غسل الصحيح وتيمم للجريح. (¬4) وكذا لصوق على جرح ونحوه، ولو قارا في شق، أو كان بأصبعه فألقمها مرارة، أو فصاد وخاف انفجار الدم بإصابة الماء كجبيرة، فيجوز المسح عليه نص عليه، وروي عن ابن عمر أنه خرجت بإبهامه قرحة فألقمها مرارة، وكان يتوضأ عليها.

(ولو في) حدث (أكبر) (¬1) لحديث صاحب الشجة (¬2) «إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعضد أو يعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها، ويغسل سائر جسده» رواه أبو داود (¬3) . ¬

_ (¬1) فيجوز المسح عليها، لا على غير الجبيرة ونحوها في الطهارة الكبرى إجماعا لأن الضرر يلحق بنزعها بخلاف غيرها من الحوائل. (¬2) اشتهر بذلك وهو: عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يقول بيديه هكذا الحديث. (¬3) ورواه ابن ماجه وغيره وصححه ابن السكن لكن ما ورد عن ابن عباس بدون ذكر التيمم قال الحافظ لم يقع عن عطاء عن ابن عباس ذكر التيمم فثبت أن الزبير بن خريق تفرد بها، ويشهد له حديث علي: انكسرت إحدى زندي فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني أن أمسح على الجبائر، رواه ابن ماجه وروي عن ابن عمر أنه توضأ وكفه معصوبة فمسح عليهما وعلى العصابة، وغسل ما سوى ذلك، وقال في المبدع: وهو قول ابن عمر ولم يعرف له مخالف ولأنه عضو تعذر غسله بالماء فمسح ما فوقه كشعر الرأس، وقياسا على مسح الخفين، والعمامة وقال الشيخ: مسح الجبيرة يقوم مقام غسل نفس العضو، لأنه مسح على حائل فأجزأ من غير تيمم، كمسح الخف بل هو أولى اهـ. والعضد الضم، والعصب الشد، أي يمسح على تلك الشجة بعد العضد، أي ضم بعضها إلى بعض أو العصب أي الشد عليها بخرقة ونحوها، من عصب الشيء لواه وشده لأنه مسح أبيح للضرورة أشبه التيمم، والذي في سنن أبي داود يعصر، بدل يعضد قال شارحه أي يقطر عليها الماء، والمراد به أن يمسح على الخرقة.

والمسح عليها عزيمة (¬1) (إلى حلها) أي يمسح على الجبيرة إلى حلها أو برء ما تحتها (¬2) وليس مؤقتا كالمسح على الخفين ونحوهما، لأن مسحها للضرورة فيتقدر بقدرها (¬3) . ¬

_ (¬1) فيمسح عليها العاصي بسفره، وتقدم تعريف العزيمة، والحاصل أنه إن كان في أعضاء الوضوء جرح وهو محدث الحدث الأصغر، أو في جسده جرح وهو محدث الحدث الأكبر، فإن قدر على غسل الجرح من غير ضرر وجب عليه غسله في الوضوء والغسل، وإن خاف من غسله بالماء ضرر بدنه وجب عليه غسله في الوضوء والغسل، وإن خاف من غسله بالماء ضرر بدنه أو زيادته أو تأخر برئه فله أن يمسح على ذلك العضو مباشرة، فإن خاف من وصول البلل إليه من المسح ضررا فإنه يجعل عليه جبيرة ثم يمسح على الجبيرة، والمسح واحدة ولو كان على موضع يغسل ثلاثا فإن شأن المسح التخفيف. (¬2) حلها بفتح الحاء أن نقضها من حل العقدة يحلها حلا نقضها وفكها وفتحها، وإذا زالت فكخف، وقيل طهارته باقية، اختاره الشيخ مطلقا، كإزالة شعر، وقال: إذا قلع بعد الوضوء فيه نزاع، والأظهر أنه لا ينتقض الوضوء، لأن الجبيرة كالجزء من البدن. (¬3) أي ليس المسح على الجبيرة ونحوها مؤقتا كالخفين، بل إلى حلها أو برء ما تحتها، لأن مسحها للضرورة فيتقدر بقدر الضرورة إليها، ويفارق مسح الجبيرة الخف في أشياء، منها أنه لا يجوز المسح عليها إلا عند الضرورة بنزعها، ووجوب استيعابها بالمسح لعدم التضرر في ذلك، والمسح عليها من غير تأقيت، وجواز المسح عليها في الطهارة الكبرى للمشقة في نزعها حينئذ وأن المسح عليها عزيمة، ونظمها ابن نصر الله فقال: عزيمة ضرورة لم يشمل ... والخرق والتوقيت فيها أهمل وكلها امسح في الطهارتين ... وقبلها الطهر على قولين زاد في الإنصاف: أنه يتعين على صاحب الجبيرة المسح بخلاف الخف، وأنه يجوز المسح عليها إذا كانت من حرير ونحوه، على رواية صحة الصلاة في ذلك، بخلاف الخف، وأنه يجوز في سفر المعصية، ثم قال: ويرجع ذلك كله أو معظمه إلى أن مسح الجبيرة عزيمة، ومسح الخف ونحوه رخصة، قال الشيخ: إذا لم يكن نزعها إلا بضرر صارت بمنزلة الجلد وشعر الرأس والظفر، ويمسح عليها وإن شدها على حدث عند أكثر العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصواب وقال: قياسها على الخفين قياس فاسد، وذكر الفرق بينهما من وجوه.

(إذا لبس ذلك) أي ما تقدم من الخفين ونحوهما، والعمامة والخمار والجبيرة (بعد كمال الطهارة) بالماء (¬1) ولو مسح فيها على حائل (¬2) . ¬

_ (¬1) أما الخفان فإذا توضأ وضوءا كاملا ثم أدخلهما فله المسح بلا نزاع، لما في الصحيحين وغيرهما، ودعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، وروى الحميدي وغيره عن المغيرة: أيمسح أحدنا على الخفين؟ قال: نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان، ولأحمد وابن خزيمة عن صفوان قال: أمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر. صححه الخطابي والحافظ، وهذا واضح الدلالة على اشتراط الطهارة عند اللبس. وقال النووي وغيره: إذا لبس محدثا لم يجز المسح إجماعا، وهذا سادس الشروط هنا وفي المنتهى ثمانية لكونه عد عدم وصفه للبشرة شرطا، وعدم سعته شرطا آخر، وهما معلومان من الشرط الثاني. (¬2) بأن توضأ وضوءا كاملا مسح فيه على نحو عمامة أو جبيرة ثم لبس نحو خف فله المسح عليها، لأنها طهارة كاملة رافعة للحدث، كالتي لم يمسح فيها على حائل.

يجوز المسح لمن غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف قبل غسل الأخرى

أو تيمم لجرح (¬1) فلو غسل رجلا ثم أدخلها الخف، خلع ثم لبس بعد غسل الأخرى (¬2) ولو نوى جنب رفع حدثيه وغسل رجليه وأدخلهما الخف، ثم تمم طهارته (¬3) أو مسح رأسه ثم لبس العمامة ثم غسل رجليه (¬4) أو تيمم ولبس الخف أو غيره لم يمسح (¬5) ولو جبيرة (¬6) . ¬

_ (¬1) أي أو تيمم في طهارة بماء لجرح في بعض أعضائه ثم لبس نحو خف جاز المسح عليه، لتقدم الطهارة بماء في الجملة. (¬2) لتكمل الطهارة، وعنه يجوز وفاقا لأبي حنيفة. قال الشيخ: والصواب قول أبي حنيفة أن طهارة المسح يشترط لها دوام الطهارة دون ابتدائها، وقال: ومن غسل إحدى رجليه ثم أدخلها الخف قبل غسل الأخرى فإنه يجوز له المسح عليها من غير اشتراط خلع، ولبسه قبل إكمال الطهارة كلبسه بعدها. (¬3) أي لم يجز له المسح، لأنه لم يلبسه بعد كمال الطهارة. (¬4) خلع العمامة ثم لبسها ليوجد شرط المسح كالخف، وعنه: لا تشترط الطهارة لمسح العمامة، فلو لبس محدثا ثم توضأ وغسل رجليه جاز له المسح اختاره الشيخ وغيره، وقال: يتوجه أن العمامة لا يشترط لها ابتداء اللبس على طهارة، ويكفي فيها الطهارة المستدامة، لأن العادة أن من توضأ مسح رأسه ورفع العمامة ثم أعادها، ولا يبقي مكشوف الرأس إلى آخر الوضوء، وما قاله رواية عن أحمد حكاها عنه جماعة. (¬5) أي لو تيمم لطهارة لعجزه عن استعمال الماء أو عدم الماء، فلا يمسح إذا وجد الماء، بل يخلع ويستأنف الطهارة. (¬6) بناء على أن تقدم الطهارة على شدها شرط، وعنه: ليس بشرط اختاره جمع منهم الشيخ، ومال إليه الموفق والشارح والمجد، وصوبه في الإنصاف وغيره لحديث صاحب الشجة وغيره، ولأن اشتراط الطهارة يشق، لأن الجرح يقع فجأة، أو في وقت لا يعلم الماسح وقوعه فيه، فلو اشترطت الطهارة والحالة هذه لأفضي إلى الحرج والمشقة، وهما منتفيان شرعا.

فإن خاف نزعها تيمم (¬1) ، ويمسح من به سلس بول أو نحوه (¬2) إذا لبس بعد الطهارة لأنها كاملة في حقه (¬3) فإن زال عذره لزمه الخلع واستئناف الطهارة كالمتيمم يجد الماء (¬4) (وإن مسح في سفر ثم أقام) أتم مسح مقيم إن بقي منه شيء (¬5) وإلا خلع (¬6) (أو عكس) أي مسح مقيما ثم سافر، لم يزد على مسح مقيم، تغليبا لجانب الحضر (¬7) . ¬

_ (¬1) لغسل ما تحتها، لأنه موضع يخاف الضرر باستعمال الماء فيه، وهذا أيضا بناء على اشتراط تقدم الطهارة على شدها. (¬2) كمستحاضة ومن به قروح سيالة. (¬3) ولأن صاحب العذر أحق بالترخص من غيره، بل طهارته ترفع الحدث. (¬4) بأن انقطع نحو سلس البول خلع، لأن طهارته إنما صحت للعذر، فإذا زال حكم ببطلانها. (¬5) أي من اليوم والليلة، قال غير واحد: لا نعلم فيه خلافا، لأنه صار مقيما فلم يجز له أن يمسح مسح المسافر، والمراد إقامة تمنع القصر، وكذا قال الزركشي وغيره، إذا مسح أقل من يوم وليلة ثم أقام، أو قدم أتم مسح مقيم، لا خلاف في هذا نعلمه، لما تقدم من تغليب جانب الحضر. (¬6) أي وإن لم يبق من المدة شيء، بأن مضى بعد الحدث يوم وليلة، أو أكثر خلع الخف، لانقطاع السفر، قال ابن تميم: رواية واحدة. (¬7) وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما، لأنه الأصل، وقال في المبدع والفروع: اختاره الأكثر، وعنه مسح مسافر نقلها عنه جماعة، وفاقا لأبي حنيفة وغيره لقوله يمسح المسافر، إلخ وهذا مسافر، وكما لو أحدث وهو مقيم، ولم يمسح حتى سافر، وجعلها الخلال رواية واحدة، وقال: نقل عنه أحد عشر نفسا أنه يتم مسح مسافر، ورجع عن قوله: يتم مسح مقيم، واختاره هو وأبو بكر وأبو الخطاب. قال في الفائق، وهو المختار، ولو مسح إحدى رجليه في الحضر والأخرى في السفر يتوجه خلاف، ومقتضى كلامهم لا يزيد على مسح مقيم تغليبا للأصل، والرواية الثانية ظاهرة.

حكم المسح على القلانس واللفافة وأنها أولى من الخف والجورب

(أو شك في ابتدائه) أي ابتداء المسح هل كان حضرا أو سفرا؟ (فمسح مقيم) أي فيمسح تتمة يوم وليلة فقط، لأنه المتيقن (¬1) (وإن أحدث) في الحضر (ثم سافر قبل مسحه فمسح مسافر) لأنه ابتدأ المسح مسافر (¬2) (ولا يمسح قلانس) جمع قلنسوة (¬3) . ¬

_ (¬1) وفاقا للشافعي وغيره، لأن الأصل الغسل، وإن شك في بقاء المدة لم يجز المسح مقيما كان أو مسافرا اتفاقا، لأن الأصل الغسل، ولو خالف وفعل فبان بقاؤها صح وضوءه. (¬2) قال غير واحد: لا نعلم فيه خلافا، بين أهل العلم، لقوله: يمسح المسافر إلخ ونقل الإجماع في ذلك النووي وغيره. (¬3) بفتح القاف واللام وسكون النون وضم السين المهملة وفتح الواو، وقد تبدل ياء وقد تبدل ألفا وتفتح السين فيقال قلنساة، وقد تحذف النون بعدها هاء تأنيث وفي الاختيارات ويجوز المسح على العمامة الصماء، وهي القلانس، والمحكي عن أحمد الكراهة، والأقرب أنها كراهة لا ترتقي إلى التحريم ومثل هذا لا يمنع الترخص وتحمل كراهة السلف لغير المحنكة من بعض الوجوه، وعن أحمد يجوز اختاره الخلال وجزم به في الوجيز، وقال: روي عن صحابيين عمر وأبي موسى، وروي عن أنس، ولأنه ملبوس معتاد ساتر للرأس أشبه العمامة المحنكة.

وهي المبطنات، كدنيات القضاة، والنوميات (¬1) قال في مجمع البحرين: على هيئة ما تتخذه الصوفية الآن (¬2) (و) لا يمسح (لفافة) وهي الخرقة تشد على الرجل تحتها نعل أو لا، ولو مع مشقة لعدم ثبوتها بنفسها (¬3) (ولا) يمسح (ما يسقط من القدم (¬4) أو) خفا. ¬

_ (¬1) الدنيات قلانس كبار أيضا، كانت القضاة تلبسها قديما، تسميها العامة الشاشية شبهت بالدن، لاستواء صنعته في أسفله: كهيئة القوس، والنوميات قلانس تلبس عند النوم. (¬2) مجمع البحرين لابن عبد القوي على المقنع ولم يتمه، والصوفية نسبة إلى الصوف، قال الشيخ: الصوفي المتبتل للعبادة وتصفية النفس من الأخلاق المذمومة، قانعا بالكفاية لا لابس خرقة، أو لزوم شكل مخصوص في اللبسة ونحوها. (¬3) قال في الفروع: في الأصح، قال الشيخ: والصواب أنه يمسح على اللفائق، وهي بالمسح أولى من الخف والجورب، ومن ادعى في ذلك إجماعا فليس معه إلا عدم العلم، ولا يمكنه أن ينقل المنع عن عشرة من العلماء المشهورين، وذكر أن علة المسح الحاجة إلى ستر الرأس والمشقة في نزع الساتر في الغسل، وأنه ليس لشكل الساتر ولا لجنسه ولا لثبوته بنفسه أو بغيره دخل في ذلك. (¬4) لفوات شرطه، وهو ثبوته بنفسه.

(يرى منه بعضه) أي بعض القدم، أو شيء من محل الفرض (¬1) لأن ما ظهر فرضه الغسل، ولا يجامع المسح (¬2) (فإن لبس خفا على خف قبل الحدث) ولو مع خرق أحد الخفين (فالحكم للـ) خف الـ (فوقاني) لأنه ساتر فأشبه المنفرد (¬3) وكذا لو لبسه على لفافة (¬4) وإن كانا مخرقين لم يجز المسح ولو سترا (¬5) . ¬

_ (¬1) أي فلا يمسح عليه، لعدم ستره محل الفرض. (¬2) إذ لا يجمع بين البدل والمبدل في محل واحد، وكما لو غسل إحدى رجليه فيجب غسل الأخرى، وما بطن فرضه المسح فلا يجامعه، قال الشيخ: وقول القائل إن ما ظهر فرضه الغسل ممنوع، فإن الماسح على الخف لا يستوعبه بالمسح، كالمسح على الجبيرة، بل يمسح أعلاه دون عقبه، وكذلك يقوم مقام غسل الرجل، فمسح بعض الخف كاف عما يحاذي الممسوح، وما لا يحاذيه، فإذا كان الخرق في العقب لم يجب غسل ذلك الموضع ولا مسحه، ولو كان على ظهر القدم لم يجب مسح كل جزء من ظهر القدم، وباب المسح على الخفين مما جاءت السنة فيه بالرخصة، حتى جاءت بالمسح على الجوارب والعمائم وغير ذلك، فلا يناقض مقصود الشارع من التوسعة بالحرج والتضييق. (¬3) قال عثمان: ويدخل في هذه العبارة أربع صور: لأنهما إما أن يكونا صحيحين أو مخرقين، أو الأعلى صحيحا، والأسفل مخرقا، أو عكسه، ففي الأولى يصح على أيهما شاء، وفي الثانية لا يصح على شيء منهما ولو سترا، وفي الثالثة يصح على الأعلى فقط، وفي الرابعة على أيهما شاء. (¬4) أي جاز المسح عليه لأنه خف ساتر لمحل الفرض أشبه ما لو انفرد. (¬5) لأن كل واحد منهما غير صالح للمسح على انفراده، ومسح كل من الخف الفوقاني والتحتاني بدل مستقل من الغسل على الصحيح من المذهب، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين لمالك والشافعي.

وإن أدخل يده من تحت الفوقاني ومسح الذي تحته جاز (¬1) وإن أحدث ثم لبس الفوقاني قبل مسح التحتاني أو بعده لم يمسح الفوقاني، بل ما تحته (¬2) ولو نزع الفوقاني بعد مسحه لزم نزع ما تحته (¬3) (ويمسح) وجوبا (أكثر العمامة) (¬4) ويختص ذلك بدوائرها (¬5) (و) يمسح أكثر (ظاهر قدم الخف) والجرموق والجورب (¬6) . ¬

_ (¬1) لأن كل واحد منهما محل للمسح فجاز المسح عليه، فإن كان أحدهما صحيحا جاز المسح على الفوقاني ولا يجوز على التحتاني، إلا أن يكون هو الصحيح. (¬2) لأنه لبس الفوقاني على غير طهارة. (¬3) وإعادة الوضوء، لأن محل المسح قد زال، ومفهومه أنه إذا كان قبل مسحه لم ينزع الثاني، وأنه إذا كان الممسوح الثاني فكذلك وعنه: لا يلزمه نزعه فيتوضأ، أو يمسح التحتاني منفردا، وأطلقهما في الفروع. (¬4) لأنها ممسوحة على وجه البدل، فأجزأ فيها ذلك كالخف. (¬5) وهي أكوارها دون وسطها، وإن كان تحت العمامة قلنسوة يظهر بعضها استحب المسح عليها، لأنهما صارا كالعمامة الواحدة، وما جرت العادة بكشفه من الرأس استحب أن يمسح عليه من العمامة، لأنه ثبت أنه مسح بناصيته وعمامته، ولا يجب مسح الأذنين معها، قال الشارح وغيره: لا نعلم فيه خلافا، لأنه لم ينقل. (¬6) جعلا للأكثر كالكل، على الصحيح من المذهب، ولا يسن استيعابه، قال الوزير: أجمعوا على أن المسح يختص بما حاذى ظاهر الخف.

وسن أن يمسح بأصابع يده (من أصابعه) أي أصابع رجليه (إلى ساقه) يمسح رجله اليمنى بيده اليمني ورجله اليسرى بيده اليسرى، ويفرج أصابعه إذا مسح (¬1) وكيف مسح أجزأ (¬2) ويكره غسله، وتكرار مسحه (¬3) (دون أسفله) أي أسفل الخف (وعقبه) فلا يسن مسحهما (¬4) . ¬

_ (¬1) هذه صفة المسح المسنون، لحديث المغيرة، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظهور الخفين، رواه أحمد وأبو داود وصححه الترمذي، وقال البخاري: هو أصح من حديث رجاء بن حيوة، ولفظه مسح أعلى الخف وأسفله، وقال هو وأبو زرعة: ليس بصحيح، ولفظ البيهقي: مسح على خفيه، وضع يده اليمنى على خفه الأيمن، واليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح إلى أعلاه مسحة واحدة، وحكى ابن المنذر وغيره أنه يجزئ الاقتصار على مسح ظاهر الخف بلا خلاف. (¬2) فإن بدأ من ساقه إلى أصابعه أجزأ، ولم يرد في كيفية المسح ولا الكمية حديث يعتمد عليه إلا حديث علي في بيان محل المسح، فحيث فعل المكلف ما يسمى مسحا لغة أجزأ، وقال أحمد: كيفما فعلت فهو جائز. (¬3) أي يكره غسل الخف ونحوه، لعدوله عن السنة المأمور بها، ولإفساده الخف ونحوه، قال النووي: بلا خلاف، ويكره تكرار مسحه، لأنه لم يثبت فيه شيء، فلا يصار إليه، ولأنه في معنى غسله، ولا يسن إجماعا، وقال الشيخ: المسح لا يسن فيه التكرار، وأجمعوا على أن المسح على الخفين مرة واحدة مجزئ. (¬4) لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يمسح ظاهره، قال ابن القيم: ولم يصح عنه مسح أسفلهما، وإنما جاءت في حديث منقطع، والأحاديث الصحيحة على خلافه، (وعقبه) بفتح العين وكسر القاف هذا الأصل ويجوز إسكان القاف مع فتح العين وكسرها.

ولا يجزئ لو اقتصر عليه (¬1) (و) يمسح وجوبا (على جميع الجبيرة) لما تقدم من حديث صاحب الشجة (¬2) (ومتى ظهر بعض محل الفرض) ممن يمسح (بعد الحدث) بخرق الخف، أو خروج بعض القدم إلى ساق الخف (¬3) أو ظهر بعض رأس وفحش (¬4) . ¬

_ (¬1) بلا خلاف حكاه ابن المنذر وغيره. وقال الموفق وغيره: إن مسح أسفله وعقبه لم يجزئه في قول أكثر العلماء، وأنه لم يقل بالأجزاء إلا أشهب وبعض الشافعية ولا حجة لهم في ذلك، لقول علي: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه، رواه أحمد وأبو داود والدارقطني، وقال الحافظ: إسناده صحيح. (¬2) قريبا عن جابر، واستيعابها بالمسح مذهب أبي حنيفة والشافعي، لقيامه مقام الغسل، وذلك ما لم يتضرر فيعدل إلى التيمم. (¬3) استأنف الطهارة لأن مسح الخف أقيم مقام غسل الرجلين، فإذا زال الساتر الذي جعل بدلا بطل حكم الطهارة، كالمتيمم يجد الماء، ولأن الإنتقاض لا يتجزأ وإن خرج منه شيء لسعة أو غيرها كخروج عقبة لم ينتقض إجماعا، وعنه يجزئ غسل قدميه وفاقا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وقول مالك: إن غسل رجليه مكانه صحت، وقال الشيخ: ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور، واختار أنها لا تبطل كإزالة الشعر الممسوح عليه. (¬4) بضم الحاء وفتحها أي كثر في الرأس فقط استأنف الطهارة ومقتضى الإطلاق طال الزمن أو لم يطل، لأن مسح العمامة قام مقام الرأس، وعلم منه أن انكشاف يسير لا يضر وقال الشيخ: ورفع العمامة يسيرا لا يضر للمشقة، وقال أحمد: لا بأس إذا لم يفحش.

أو زالت جبيرة استأنف الطهارة (¬1) فإن تطهر ولبس الخف ولم يحدث لم تبطل طهارته بخلعه، ولو كان توضأ تجديدا ومسح (¬2) (أو تمت مدته) أي مدة المسح (¬3) (استأنف الطهارة) (¬4) ولو في صلاة (¬5) لأن المسح أقيم مقام الغسل فإذا زال (¬6) وانقضت مدته بطلت الطهارة في الممسوح (¬7) . ¬

_ (¬1) لأن مسحها بدل من غسل ما تحتها، وقيل: طهارته باقية قبل البرء اختاره الشيخ وكذا بعده كإزالة الشعر. (¬2) لبقائه على طهارته التي لبس فيها. (¬3) وهي اليوم والليلة، أو الثلاثة من وقت جواز مسح بعد حدث، أو انتقض كور فأكثر من عمامته، أو انقطع دم مستحاضة، أو زال ضرر من به سلس البول ونحوه. (¬4) وجها واحدا في الجملة وفاقا، إلا ما روي عن مالك للأحاديث الواردة في التوقيت، ولأن الحكم بطهارته إنما كان لوجود العذر فإذا زال حكم ببطلانها وذلك إذا كان عنده ماء وإلا فلا، وقال الشيخ: ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف بإنقضاء المدة على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور. (¬5) أي ولو كان حين تمت مدة المسح في صلاة بطلت، واستأنف، لأنها طهارة مؤقتة فبطلت بانتهاء وقتها، وإن كان فيها ولا ماء مضى. (¬6) أي المسح بطلت الطهارة في الممسوح. (¬7) والمبطل حقيقة هو الحدث السابق، وقال الشارح وغيره: ونزع أحد الخفين كنزعهما في قول أكثر أهل العلم، منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي اهـ، وأجمعوا على أنه متى نزع أحد الخفين وجب عليه نزع الآخر.

فتبطل في جميعها لكونها لا تتبعض (¬1) . ¬

_ (¬1) وقيده بعضهم بالصغرى، والصحيح عند المحققين أن المسألة ليست مبنية على وجوب الموالاة، بل على أن المسح يرفع الحدث، وأن الحدث لا يتبعض في النقض، فإذا خلع عاد الحدث إلى العضو فسرى إلى بقية الأعضاء، فلا فرق قدمه الشيخ في شرح العمدة، وقال هو وأبو المعالي: إنه الصحيح من المذهب عند المحققين، وعنه: يجزئ مسح رأسه وغسل رجليه، وفاقا لأبي حنيفة ومالك، وقول للشافعي، والقول ببطلان الطهارة من المفردات، وهذا على وجوب الموالاة عند أبي محمد، وعند: أبي البركات على رفع الحدث، ومن تيمم وعليه خف ونحوه ثم خلع بعد تيممه لم يبطل تيممه بذلك، اختاره الشيخ. قال الموفق وغيره: لأن مبطل الوضوء نزع ما هو ممسوح عليه فيه ولم يوجد ههنا، ولأن إباحة المسح لا يصير بها ماسحا، ولا بمنزلة الماسح.

باب نواقض الوضوء أي مفسداته (¬1) وهي ثمانية (¬2) أحدها الخارج من سبيل (¬3) وأشار إليه بقوله «ينقض» الوضوء (ما خرج من سبيل) أي مخرج بول أو غائط (¬4) . ¬

_ (¬1) نواقض جمع ناقض، وقولهم: فاعل لا يجمع على فواعل وصفا، إذا كان وصفا لعاقل، وما هنا ليس منه. وفي المبدع: جمع ناقضة لا ناقض، لأنه يجمع على فواعل، والنقض في الأجسام: إبطال تركيبها وفي المعاني: إخراجها عن إفادة ما هو المطلوب منها، فنواقض الوضوء هي العلل المؤثرة في إخراج الوضوء عما هو المطلوب منه، وفسره بالمفسدات لأنه في الأصل من نقضت الشيء إذا أفسدته فنواقض الوضوء مفسدات الوضوء، يعني مبطلات الفائدة المطلوبة منه. ويقال: النقض في الأصل حل المبرم، ثم استعمل في إبطال الوضوء بما عينه الشارع مبطلا، وحقيقة عرفية، ونواقضه أحداث وأسباب، فالأحداث ما نقض الوضوء بنفسه، والأسباب ما كان مظنة لخروجه كالنوم والمس. (¬2) بالاستقراء، ومنها ما هو ناقض بالإجماع، وما هو مختلف في النقض به. (¬3) متعلق بالخارج، والسبيل الطريق، ومنه مخرج البول والغائط. (¬4) إلى ما هو في حكم الظاهر، أما الغائط فبنص الكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} . وقال عليه الصلاة والسلام «ولكن من غائط أو بول» فثبت البول بالسنة وكذا بالإجماع، والقياس على الغائط وكذا المذي بالأحاديث الصحيحة، وحكى الإجماع على النقض به وبالمني والودي ابن المنذر والموفق وغيرهما، وقال الشيخ في المذي: ينقض، ويجب غسل ذكره وأنثييه اهـ وأما دم الاستحاضة ففي قول عامة أهل العلم لحديث بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، قال: فتوضئي وصلي فإنما هو دم عرق، رواه أبو داود والدارقطني وقال: إسناده كلهم ثقات، فأمرها بالوضوء ودمها غير معتاد، وقيس عليه ما سواه، وأما الريح فبالأحاديث الصحيحة والإجماع، قال صلى الله عليه وسلم «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» وقال «فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» متفق عليه وقال ابن القيم: والحقت الأمة أنواع الحدث الأصغر على اختلافها في نقضها بها بالغائط.

ولو نادرا أو طاهرا كولد بلا دم (¬1) أو مقطرا في إحليله (¬2) أو محتشي وابتل (¬3) لا الدائم كالسلس والاستحاضة (¬4) . ¬

_ (¬1) أي ولو كان الخارج نادرا كالدود والدم ونحوهما فينقض وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، وكالريح من القبل وذكر الرجل، لعموم حديث لا وضوء إلا من حدث أو ريح، وصححه الترمذي، وقال في المغني: ولا نعلم وجوده في أحد، أو طاهرا كالمني والبعر الناشف والحصا، وكالولد العاري من الدم، وقال ابن عقيل: الأشبه لا ينقض. (¬2) بفتح الطاء وتشديدها، بأن قطر في إحليله، وهو مجرى البول من ذكره دهن ونحوه ثم خرج فينتقض لأنه لا يخلو عن بلة نجسة تصحبه. (¬3) بأن احتشى قطنا ونحوه في قبله أو دبره ثم خرج مبتلا ينتقض وضوءه، ومفهومه أنه إن لم يبتل لم ينقض، كما جزم به الفتوحي في القبل، وقيل ينقض، قال في تصحيح الفروع: وهو الصواب، وخروجه بلا بلة نادرة جدا، والحاصل أن للمحتشي ثلاث حالات: إحداها أن يكون في الدبر فينقض مطلقا، الثانية في القبل وابتل فينقض الثالثة: أن لا يبتل فلا ينقض، وإذا خرجت المقعدة فإن خرج معها ندى منفصل توضأ وإلا فلا، ولا تعتبر الرطوبة اللازمة، لأنها لا تنفك عنها. (¬4) أو كالرعاف والقروح السيالة.

فلا ينقض للضرورة (¬1) . (و) الثاني (خارج من بقية البدن) سوى السبيل (¬2) (إن كان بولا أو غائطا) قليلا كان أو كثيرا (¬3) (أو) كان (كثيرا نجسا غيرهما) أي غير البول والغائط (¬4) . ¬

_ (¬1) والحرج والمشقة، ولقوله وتوضئي لكل صلاة، ويأتي في باب الحيض، قال الشيخ: والأحداث اللازمة كدم الاستحاضة، وسلس البول، لا تنقض الوضوء ما لم يوجد المعتاد وهو مذهب مالك. (¬2) أي من غير الطريق المعتاد للبول والغائط. (¬3) من تحت المعدة أو فوقها سواء كان السبيلان مفتوحين أو مسدودين، لعموم ما تقدم، ولأن ذلك خارج معتاد أشبه الخارج من المخرج. (¬4) لأنه نجاسة خارجة من البدن، أشبهت الخارج من السبيل وعنه: خروج: النجاسة من بقية البدن لا ينقض مطلقا، لأنه لا نص فيه، ولا يصح قياسه على السبيلين وهو مذهب مالك والشافعي. وقال الشيخ: الظاهر أنه لا يجب الوضوء من خروج النجاسات من غير السبيلين فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح، بل الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب، لعموم البلوى بذلك، لكن استحباب الوضوء من الحجامة والقيء ونحوهما متوجه ظاهر، وقال: الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بيانا عاما، ولا بد أن تنقلها الأمة، فإذا انتفى هذا علم أنه ليس من دينه، وذكر أصولا ثم قال: وبهذه الطرق يعلم أنه ليس يوجب الوضوء من ذلك، فإنه لم ينقل أحد عنه بإسناد يثبت مثله أنه أمر بذلك، مع العلم بأن الناس كانوا لا يزالون يحتجمون ويتقيئون ويخرجون في الجهاد وغير ذلك، وقد قطع عرق بعض أصحابه ليخرج الدم، ولم ينقل عنه مسلم أنه أمر بالوضوء من ذلك، وقال في القيء وخروج الدم: ليس في الأدلة الشرعية ما يدل على وجوب الوضوء منه بل على الاستحباب، وعن أنس: احتجم وصلى ولم يتوضأ، رواه الدارقطني وابن الجوزي في حجة المخالف، ولم يضعفه، وعادته الجرح بما يمكنه.

كقيء ولو بحاله (¬1) لما روى الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ (¬2) والكثير ما فحش في نفس كل أحد بحسبه (¬3) . ¬

_ (¬1) وهو الخارج بعد وصوله إلى المعدة، ولو كان ما تقيأه باقيا بحاله لم يتغير، كأن شرب نحو ماء وقذفه بصفته، لأن نجاسته بوصوله إلى الجوف، لا باستحالته، وكدم وقيح على المشهور من المذهب. وقال الخطابي: هو قول أكثر الفقهاء. (¬2) قال الترمذي: هو أصح شيء في هذا الباب، ورواه أحمد وأبو داود وغيرهم، وقال ابن مندة: إسناده صحيح، واغفله البخاري ومسلم للاختلاف في إسناده، وقال البيهقي وغيره: لا تقوم به حجة، فالله أعلم، وذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أن القيء والدم والقيح ونحوها لا ينقض الوضوء ولو كثر، قال البغوي: وهو قول أكثر الصحابة والتابعين اهـ، لكن يستحب الوضوء منه، واختاره الشيخ: وأنه لا يخرج من الصلاة لأجل اليسير الخارج من القيء والدم لما روي عن جابر في اللذين يحرسان في غزوة ذات الرقاع، فرمي أحدهما بسهم فنزعه ثم بآخر ثم بالثالث، وركع وسجد ودماؤه تجري، رواه أبو داود بسند حسن، ولما روي عن الصحابة فابن عمر عصر بثرة فخرج دم فصلى ولم يتوضأ وابن أبي أوفي عصر دملا، وروي عن غيرهما نحو ذلك، قال الموفق والشارح وغيرهما: ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان إجماعا، ولأن الأصل عدم النقض حتى يثبت بالشرع، وقال النووي والشيخ وغيرهما، لم يثبت قط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوجب الوضوء من ذلك، وقال مالك: هو الأمر عندنا. (¬3) قال ابن عباس: الفاحش ما فحش في قلبك، وقال ابن عقيل: إنما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس، واختاره القاضي وجماعات كثير وصححه الناظم، وما إليه في الإنصاف، وأما اليسير فلا ينقض رواية واحدة، حكاه القاضي وغيره، وأما كثير القلس فقيل ينقض وهو طعام أو شراب يخرج من البطن ملء الفم أو دونه، سواء أعاده إلى بطنه أو لا، أو ألقاه، وليس بقيء، وإن غلبه فهو قيء.

وإذا انسد المخرج وانفتح غيره لم يثبت له أحكام المعتاد (¬1) (و) الثالث (زوال العقل) أي تغطيته (¬2) قال أبو الخطاب وغيره: ولو تلجم، ولم يخرج منه شيء إلحاق بالغالب (¬3) . ¬

_ (¬1) أي بل أحكامه باقية له، فلا ينقض خروج ريح منه، ولا يمسه ولا بخروج يسير منه نجس، غير بول أو غائط، ولا يجزئ فيه استجمار، ولا غسل بإيلاج فيه بلا إنزال. (¬2) صوابه: أو تغطيته كما عبروا به، وزواله هو ذهابه بجنون أو برسام، وتغطيته بإغماء أو سكر أو دواء أو نوم أو غيرها، لحديث صفوان ولكن من غائط وبول ونوم، رواه أحمد والشافعي والترمذي وصححه، وقال النووي: بأسانيد صحيحة، وما ذكر أبلغ من النوم الذي هو مظنة لخروج شيء من الدبر والمظنة للحديث أقيمت مقامه، لأن ما أنيط بالمظنة لا فرق بين وجوده وعدمه فإذا وجدنا المظنة اعتبرناها قطعية كانت أو ظنية، فإن الشارع قد أجرى الظن في ترتيب الأحكام مجرى القطع، فمتى ظن وجود سبب الحكم استحق السبب للاعتبار، والعقل غريزة كالنور يقذف في القلب فيستعد لإدراك الأشياء وتقدم والنوم فترة طبيعية تحدث للإنسان تمنع الحواس من العمل، قال النووي: وليس مزيلا للعقل اهـ أي بل هو ساتر، فيجاب أنه أراد بالزوال الغلبة على العقل، ولم يقل ارتفاعه ليعم ما ذكروا، وإن كان فيه تجوز، وخرج بزوال العقل النعاس، وحديث النفس، وأوائل نشوة السكر، فلا نقض بها، ومن علامات النعاس سماع كلام الحاضرين وإن لم يفهمه. (¬3) على الأصح قاله في الفروع (وتلجم) من اللجام وهو كالعصابة التي يشد بها، تصير مثل اللجام في فم الدابة.

النوم اليسير من المتمكن لا ينقض الوضوء

(إلا يسير نوم من قاعد أو قائم) (¬1) . ¬

_ (¬1) لأنهما لا ينفرج منهما مخرج الحدث فلا ينقض قال الشيخ: النوم اليسير من المتمكن بمقعدته لا ينقض الوضوء، عند جماهير العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم، لأن النوم ليس بحدث، ولكنه مظنة للحدث اهـ، لحديث أنس: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون رواه أبو داود وصححه الدارقطني، وأصله في مسلم: نام القوم أو بعض القوم ثم صلوا، ورواه الترمذي وفيه: يوقضون للصلاة، وفيه: وإني لأسمع لأحدهم غطيطا، وفي رواية يضعون جنوبهم، وفي الصحيح عن ابن عباس وغيره: حتى رقد الناس واستيقظوا وغيرها من الأحاديث الصحيحة، والآثار، ويقيد بعدم الاستغراق فقد كان صلى الله عليه وسلم يضع جنبه بعد ركعتي الفجر ولا ينام. وفي الصحيحين كان ينام حتى ينفخ فيصلي ولا يتوضأ، لأنه كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، فلو خرج منه شيء لشعر به، ولحديث ابن عباس: فقمت إلي جنبه الأيسر فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني، متفق عليه، والإفاء النوم أو النعاس، والفرق بين النوم والنعاس: أن النوم فيه غلبة على العقل، وسقوط حاسة البصر وغيرها، والنعاس، لا يغلب على العقل، وإنما تفتر فيه الحواس بغير سقوط، والمراد باليسير من النوم اليسير عرفا، لعدم حد الشارع له، وقيل في حد النوم اليسير هو ما لم يتغير عن هيئته كسقوطه ونحوه، وقيل: قدر صلاة ركعتين، وقال الموفق: لا حد لليسير، فمتى وجد ما يدل على الكثير مثل سقوط المتمكن وغيره انتقض وضوءه، وإن شك في كثرته لم ينتقض لأن الطهارة متيقنة فلا تزول بالشك، وقال ابن رشد بعد ذكر الأحاديث فيه، ومن ذهب مذهب الجمع حمل الأحاديث الموجبة للوضوء من النوم على الكثير، وغير المسقطة للوضوء على القليل، وهو مذهب الجمهور، وهو أولى، وقال غير واحد: الصواب ما صرح به أهل التحقيق، أن النوم الناقض هو المستغرق الذي لا يبقى مع إدراك من مضجع أو مستلق لا على هيئة المصلي قال الزركشي وغيره: ولا بد في النوم الناقض من الغلبة على العقل، فمن سمع كلام غيره وفهمه فليس بنائم، ومن سمعه ولم يفهمه فيسير، إنما الناقض زوال العقل، فمتى كان ثابتا وحسه غير زائل لم يوجد سبب النقض، وعن أحمد: لا ينقض نوم مطلقا، واختار الشيخ إن ظن بقاء طهره.

غير محتب أو متكئ أو مستند (¬1) وعلم من كلامه أن الجنون والإغماء والسكر ينقض كثيرها ويسيرها (¬2) ذكره في المبدع إجماعا (¬3) وينقض أيضا النوم من مضجع (¬4) . ¬

_ (¬1) أي فينقض مطلقا، كنوم المضطجع، وصفة الاحتباء أن يجلس على إليتيه، ضاما ركبتيه إلى نحو صدره، شادا ساقيه إلى نفسه بيديه، أو مديرا نحو ردائه من وراء ظهره إلى أن يبلغ ركبتيه محيطا من ظهره عليهما. (¬2) لعموم قوله: وزوال العقل، وخرج منه يسير نوم ممن ذكر وبقي الباقي على الأصل، ولأن حسهم أبعد من حس النائم، لأنهم لا ينتبهون بالانتباه، ولأن العقل في الإغماء يكون مغلوبا، وفي الحنون يكون مسلوبا، ففي إيجاب الوضوء على النائم تنبيه على وجوب ما هو آكد منه، والجنون معروف، وصاحبه مسلوب العقل، فهو أبلغ من النوم، والإغماء غشية ثقيلة على القلب يزول معها الإحساس. ويقال: آفة تعرض للدماغ، أو القلب، بسببها تتعطل القوى المدركة. ويقال: من بلغم بارد غليظ، وحد بعضهم الجنون بزوال الاستشعار من القلب، مع بقاء الحركة والقوة في الأعضاء، والإغماء بزوال الاستشعار مع فتور الأعضاء. (¬3) وحكاه الموفق والنووي وغيرهما، وقال: أجمعت الأمة على انتقاض الوضوء بالجنون وبالإغماء. ونقل فيه الإجماع ابن المنذر وآخرون لما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم أغمي عليه ثم أفاق فاغتسل، ثم أغمي عليه ثم أفاق فاغتسل. (¬4) قليلا كان النوم أو كثيرا، لما في السنن ليس الوضوء على من نام قائما أو قاعدا أو راكعا أو ساجدا، لكن على من نام مضطجعًا فإنه إذا نام مضطجعًا استرخت مفاصله، فيخرج الحدث، بخلاف القيام والقعود والركوع والسجود، فإن الأعضاء متماسكة، فلم يكن هناك سبب يقتضي خروج الخارج، وتقدم لكن هذا الحديث قال فيه أبو داود: هو منكر.

وراكع وساجد مطلقا (¬1) كمحتب ومتكئ ومستند (¬2) والكثير من قائم وقاعد (¬3) لحديث «العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ» رواه أحمد وغيره (¬4) . ¬

_ (¬1) أي قليلا كان النوم أو كثيرا، وتقدم ما رواه أهل السنن، وقال أبو العباس: لا ينقض اختاره القاضي وأصحابه وكثير من أصحابنا، لما روى أحمد في الزهد عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا نام العبد وهو ساجد يباهي الله به الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي روحه عندي وهو ساجد، فسماه ساجدا مع نومه، ولأن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك، ولأن بعض الاستمساك باق، إذ لو زال لسقط فلم يتم الاسترخاء. (¬2) أي فينقض مطلقا، وتقدم. (¬3) أي لا اليسير فلا ينقض. (¬4) فرواه أهل السنن والدارقطني وغيرهم عن علي، وحسنه المنذري وغيره، والوكاء بكسر الواو الخيط تربط به القربة والخريطة ونحوهما والسه بفتح السين وكسر الهاء، والعينان كناية عن اليقظة، لأن النائم لا عين له تبصر، أي اليقظة وكاء الدبر، حافظ ما فيه من الخروج، لأنه ما دام مستيقظا يحس بما يخرج منه، ويمسك ما في بطنه، ما لم تنم عيناه، ومتى نام زالت قوته الماسكة، وظاهر حاله أن تنتقض طهارته، لانحلال الوكاء بالنوم، فدل على أن النوم مظنة للنقض، لا أنه ناقض بنفسه، ولكن أقيمت المظنة مقام الحقيقة.

والسه حلقة الدبر (¬1) (و) الرابع (مس ذكر) آدمي (¬2) تعمده أو لا (¬3) (متصل) ولو أشل أو أقلف أو من ميت (¬4) لا الأنثيين ولا بائن أو محله (¬5) (أو) مس (قبل) من امرأة وهو فرجها الذي بين أسكتيها (¬6) . ¬

_ (¬1) وهو نقيض القبل، والدبر من كل شيء عقبه ومؤخره. (¬2) أي الرابع من نواقض الوضوء مس ذكر آدمي كبير أو صغير، ذكر أو أنثى، منه أو من غيره بشهوة أو غيرها، دون سائر الحيوانات، فلا ينقض، قال الشيخ: مس فرج الحيوان غير الآدمي لا ينقض باتفاق الأئمة. (¬3) أي تعمد مس ذكره أو ذكر غيره، أو لم يتعمده، وقال الشيخ وغيره: إذا لم يتعمد ذلك لم ينتقض وضوءه. (¬4) أي ينقض مس ذكر متصل لا منفصل، ولو كان أشل أي لا نفع فيه لبقاء اسمه وحرمته، أو ميت للعموم، ولبقاء حرمته، أو أقلف أي لم يختن، وعبارة غيره (قلفة) بضم القاف وسكون اللام وتحرك الغرلة أي جلدة رأس الذكر، لأنها من مسمى الذكر، وحرمته ما اتصلت به. (¬5) أي لا ينقض مس الأنثيين، وهما الخصيتان إجماعا، ولا بائن أي منفصل لذهاب حرمته، أو محله أي مس محل ذكر مقطوع من أصول الأنثيين، جزم به وصححه غير واحد، ولا المرأة فرجها بفرج مثلها من غير استعمال اليد. (¬6) بضم الهمزة، أي ناحيتي الفرج، وهو مخرج البول، والشفران طرفا الناحيتين، ويقال الأسكتان هما الشفران، ومناط المسألة الذكر، وغيره مبني ومفرع عليه.

لقوله صلى الله عليه وسلم «من مس ذكره فليتوضأ» رواه مالك والشافعي وغيرهما (¬1) وصححه أحمد والترمذي (¬2) وفي لفظ من مس فرجه فليتوضأ صححه أحمد (¬3) . ¬

_ (¬1) فأخرجه الخمسة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن الجارود وغيرهم عن بسرة بنت صفوان. (¬2) وقال البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب، وصححه الدارقطني وغيره، وله شواهد وطرق قيل إنها تبلغ حد التواتر. (¬3) من حديث أم حبيبة، وصححه أبو زرعة، ورواه ابن ماجه والأثرم وغيرهما، وقال ابن السكن، لا أعلم له علة، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا أيما رجل مس ذكره فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ، رواه أحمد والترمذي وقال: قال البخاري: هذا عندي صحيح، ولأن مس الذكر مذكر بالوطء وهو في مظنة الانتشار غالبا، فأقيمت هذه المظنة مقام الحقيقة، كما أقيم النوم مقام الحدث، وعن أحمد: لا ينقض مس ذكر آدمي مطلقا، وفاقا لأبي حنيفة وطوائف من السلف، لحديث طلق بن علي في الرجل يمس ذكره: أعليه وضوء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو بضعة منك، رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، والدارقطني، وصححه عمرو بن الفلاس، وقال: هو عندنا أثبت من حديث بسرة، وقال الطحاوي، إسناده مستقيم غير مضطرب، بخلاف حديث بسرة، وصححه أيضا ابن حبان والطبراني وابن حزم وغيرهم. وقال شيخ الإسلام، الأظهر أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر، فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح، بل الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب، لكن الاستحباب متوجه ظاهر، وقال: والذين أوجبوا الوضوء بمس الذكر إنما أوجبوه بحديث مختلف فيه، معارض بمثله، واختار في موضع استحباب الوضوء منه إذا تحركت شهوته، وتردد فيما إذا لم تتحرك، ومذهب مالك: إن مسه بشهوة انتقض وإلا فلا.

ولا ينقض مس شفريها، وهما حافتا فرجها (¬1) وينقض المس بيد بلا حائل، ولو كانت زائدة (¬2) سواء كان (بظهر كفه أو بطنه) أو حرفه (¬3) من رءوس الأصابع إلى الكوع (¬4) لعموم حديث «من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء» ، رواه أحمد (¬5) لكن لا ينقض مسه بالظفر (¬6) . ¬

_ (¬1) والشفر حرف كل شيء، ومنه شفر الفرج لحرفه، أي طرفه، وهو بضم الشين وتفتح والفرج مأخوذ من الانفراج، وهو اسم لمخرج الحدث، ويتناول الذكر والدبر وفرج المرأة، ومنه يعلم الفرق بين قلفة الذكر وبين شفري وفرج المرأة، حيث قالوا بالنقض في الأول دون الثاني. (¬2) للعموم، قال في الفروع: على الأصح. (¬3) احتياطا، للعموم لأنه جزء من اليد، وقال الشيخ: بطن الكف يتناول الباطن كله، بطن الراحة والأصابع، ومذهب مالك والشافعي لا ينتقض وضوءه إلا بباطن كفه. (¬4) أي هذا المراد باليد هنا كالقطع في السرقة. (¬5) عن أبي هريرة ورواه البيهقي وغيره وابن حبان، وقال: صحيح سنده، عدول نقلته، وصححه الحاكم وابن عبد البر، وقال ابن السكن: هو أجود ما روي في هذا الباب، والإفضاء لغة الوصول، وأفضي إلى كذا بلغة وانتهى إليه، وإلى فرجه مسه بيده، ومفهومه أنه لا ينتقض وضوءه بغير اليد، قال الوزير: اتفقوا على أن من مس فرجه بغير يده من أعضائه لا ينتقض وضوءه. (¬6) لأنه في حكم المنفصل.

(و) ينقض (لمسهما) أي لمس الذكر والقبل معا (من خنثى مشكل) لشهوة أولا، إذ أحدهما أصلي قطعا (¬1) (و) ينقض أيضا (لمس ذكر ذكره) أي ذكر الخنثى المشكل لشهوة، لأنه إن كان ذكرا فقد مس ذكره، وإن كان امرأة فقد لمسها لشهوة (¬2) فإن لم يمسه لشهوة أو مس قبله لم ينتقض (¬3) (أو أنثى قبله) أي وينقض لمس أنثى قبل الخنثى المشكل (لشهوة فيهما) (¬4) أي في هذه والتي قبلها (¬5) لأنه إن كان أنثى فقد مست فرجها، وإن كان ذكرا فقد لمسته لشهوة (¬6) . ¬

_ (¬1) كما لو لم يكن معه زائد، سواء كان المس منه أو من غيره، ولمسه لمسا من باب قتل وضرب، أفضى إليه باليد، واستعمال غالب الفقهاء على أن المس باليد، واللمس أعم منه، وقال الجوهري: اللمس هو المس للشيء باليد، وقال خطيب الدهشة: المس مسك الشيء بيدك، وقال الشيخ: لفظ المس واللمس سواء، من فرق بينهما فقد فرق بين متماثلين، وقوله (معا) أي جميعا، لأن لمس الفرج متيقن. (¬2) وعبارة المقنع وغيره: بشهوة، قال في المبدع: وهي أحسن، لتدل على المصاحبة والمقارنة واللام ربما تشعر بتقدم الشهوة، أو بتأخرها. (¬3) أي ولو بشهوة، لاحتمال أن يكون زائدا. (¬4) لأن الخنثى إن كان امرأة فقد لمست المرأة فرج امرأة، وإن كان ذكرا فقد لمسته بشهوة. (¬5) يعني اشتراط اللمس بشهوة من خنثى مشكل، أو ذكر ذكره، أو أنثى قبله. (¬6) وتقدم قول الشيخ في مس الذكر، فالخنثى من باب أولى.

يستحب الوضوء من لمس المرأة بشهوة لأنه مظنة لخروج المني والمذي

فإن كان المس لغيرها (¬1) أو مست ذكره لم ينتقض وضوءها (¬2) (و) الخامس (مسه) أي الذكر (امرأة بشهوة) (¬3) لأنها التي تدعو إلى الحدث، والباء للمصاحبة (¬4) . ¬

_ (¬1) أي بغير شهوة لم ينتقض الوضوء في المسألتين. (¬2) ولو بشهوة لاحتمال أن يكون زائداِ. (¬3) جمعا ين الآية والأخبار لقوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} وفي قراءة (أو لمستم) واللمس يطلق في الشرع على الجس باليد، ولقول عائشة: فوقعت يدي على بطن قدميه وهما منصوبتان رواه مسلم، ولهما قالت: فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، وصلى وهو حامل أمامة فاعتبرت الحالة التي يدعو المس فيها إلى الحدث، هي حالة الشهوة. (¬4) أي فيعتبر مقارنتهما، وقال الشيخ: ظاهر مذهب أحمد كمذهب مالك والفقهاء السبعة أن اللمس إن كان بشهوة نقض وإلا فلا، وليس في المسألة قول متوجه غير هذا وقال: إذا مسها لغير شهوة فهذا مما علم بالضرورة أن الشارع لم يوجب منه وضوءا، ولا يستحب الوضوء منه، وذكر الزركشي وغيره أن المراد اللمس للتلذذ، أما اللمس لغرض آخر فلا فرق بينهن وبين غيرهن في ذلك، لأن اللمس بشهوة هو المظنة لخروج المني، والمذي فأقيم مقامه كالنوم مع الريح، وعنه لا ينقض مطلقا، اختاره في الفائق، والآجري والشيخ: وقال الأظهر أنه لا يجب الوضوء من مس النساء، فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح، بل الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب، بل قال: لا يقدر أحد أن ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر أصحابه بالوضوء من مس النساء، لعموم البلوى بذلك، وقبل صلى الله عليه وسلم وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، وقال: لا خلاف أنه لم ينقل عنه أنه توضأ من المس، وقال: الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بيانا عاما، ولا بد أن تنقلها الأمة، فإذا انتفى هذا علم أنه ليس من دينه، وذكر أصولا ثم قال: وبهذه الطرق يعلم أنه لم يوجب الوضوء من لمس النساء، فإنه لم ينقل أحد عنه بإسناد يثبت مثله أنه أمر بذلك مع أن الناس لا يزال أحدهم يلمس امرأته بشهوة، أو بغير شهوة، ولم ينقل عنه مسلم أنه أمر الناس بالتوضؤ من ذلك، والقرآن لا يدل على ذلك، بل المراد بالملامسة الجماع، وذكر أن استحباب الوضوء من لمسهن بشهوة متوجه ظاهر، وصوبه في الإنصاف.

والمرأة شاملة للأجنبية وذات المحرم والميتة والكبيرة والصغيرة المميزة (¬1) وسواء كان المس باليد أو غيرها (¬2) ولو بزائد لزائد أو أشل (¬3) (أو تمسه بها) أي ينقض مسها للرجل بشهوة كعكسه السابق (¬4) (و) ينقض (مس حلقة دبر) لأنه فرج (¬5) . ¬

_ (¬1) لعموم (أو لا مستم) ويستثنى الصغيرة لحمله أمامة وهو يصلي. (¬2) من بشرته أو بشرتها. (¬3) أي ولو كان المس لأشل أو به فنيقض المس، وزاد الشي يزيد زيدا وزيادة فهو زائد، والزائد اسم فاعل، وهو أن ينضم إلى ما عليه الشيء في نفسه شيء آخر، والزيادة ما يزاد أو يزيد، جمعه زيادات، والشلل اليبس أو الذهاب. (¬4) في قوله: ومسه امرأة بشهوة، لأنها ملامسة تنقض الوضوء، فاستوى فيها الذكر والأنثى كالجماع، قال أحمد: هي شقيقة الرجل، يعجبني أن تتوضأ ومرادهم وجوب الوضوء، وتقدم استظهار الشيخ الاستحباب، وتمس بفتح الميم على المشهور وحكي ضمها. (¬5) وتقدم حديث من مس فرجه فليتوضأ، وعنه لا ينقض مس حلقة الدبر، اختاره جماعة منهم المجد، وقال الخلال: العمل عليه وصححه في التصحيح واستظهره في الفروع والتنقيح وغيرهما، وفاقا لأبي حنيفة ومالك، وأحد قولي الشافعي، وتقدم استحباب الشيخ الوضوء من مس الذكر والفرج يتناولهما.

سواء كان منه أو من غيره (¬1) (لامس شعر وسن وظفر) منه أو منها (¬2) ولا المس بها (¬3) (و) لامس رجل لـ (أمرد) ولو بشهوة (¬4) (ولا) المس (مع حائل) لأنه لم يمس البشرة (¬5) (ولا) ينتقض وضوء (ملموس بدنه ولو وجد منه شهوة) ذكرا كان أو أنثى (¬6) . ¬

_ (¬1) أي سواء كان من الماس بأن مس حلقة دبر نفسه، أو من غيره، بأن مس حلقة دبر غيره، ذكرا كان أو أنثى. (¬2) أي سواء كان الشعر والسن والظفر من الرجل أو المرأة، فلا ينقض، لأنه في حكم المنفصل، والسن مؤنثة جمعها أسنان، مثل حمل وأحمال. (¬3) أي ولا ينقض المس بالشعر والسن والظفر، لأنها في حكم المنفصل. (¬4) الأمرد هو الشاب طر شاربه ولم تنبت لحيته، قال الشيخ: وهو المشهور من مذهب الشافعي، والقول الثاني في مذهب أحمد وغيره أنه كمس النساء بشهوة فينقض وهو المشهور من مذهب مالك، والتلذذ بلمسه حرام بإجماع المسلمين، وكذا النظر إليه بشهوة، فحيث وجد اللمس بشهوة تعلق الحكم به. (¬5) أي ظاهر الجلد أشبه لمس الثياب ولو بشهوة، كما لو وجدت من غير لمس شيء، لأن الشهوة لا توجب الوضوء بمجردها، وذلك إجماع ممن رأى النقض بالمس إلا مالكا إذا لم يكن الحائل من الصفاقة بحيث يمنع اللذة المعتبرة. (¬6) لأنه لا نص فيه، وقياسه على الماس لا يصح لفرط شهوته، وكذا لا ينقض وضوء بانتشار ذكر عن فكر وتكرار نظر، لأنه لا نص فيه، وقال الشيخ: من تفكر فتحركت شهوته فانتشر، أو مس الأمرد وغيره فانتشر فالتوضؤ عند تحرك الشهوة من جنس التوضؤ عند الغضب، لما في السنن، إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ وكذلك الشهوة الغالبة من الشيطان، والنار، والوضوء يطفئها، فهو مستحب.

وكذا لا ينتقض وضوء ملموس فرجه (¬1) (وينقض غسل الميت) مسلما كان أو كافرا، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا أو كبيرا (¬2) لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء (¬3) . ¬

_ (¬1) وفاقا، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر الماس بالوضوء، ولو انتقض وضوء الملموس لأمره أيضا بالوضوء، وقياسه على الماس لا يصح. (¬2) للعموم وميت مشدد ومخفف، وكذا غسل بعض ميت، ولو كان الغسل في قميص ونحوه. (¬3) وعن أبي هريرة، أقل ما فيه الوضوء، وهو قول علي وحذيفة، وكان شائعا عنهم، قال الشارح: ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة فكان إجماعا، ولأن الغاسل لا يسلم غالبا من مس عورة الميت، فأقيم مقامه كالنوم مع الحدث، وعنه: لا ينقض وفاقا، واختاره جماعة من الأصحاب، وقال الشارح والموفق وغيرهما: هو قول أكثر العلماء، وقال: وهو الصحيح لأنه لم يرد فيه نص صحيح، ولا هو في معنى المنصوص عليه، وقال الشيخ: الأظهر أنه لا يجب الوضوء من غسل الميت، فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح، بل الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب، لكن الاستحباب متوجه ظاهر، وكلام الإمام أحمد يدل على أنه مستحب غير واجب اهـ. ويشهد لهذا القول قوله صلى الله عليه وسلم ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم رواه البيهقي وغيره، وحسن الحافظ إسناده، وجوده في المبدع.

أكل لحم الإبل يورث قوة شيطانية

والغاسل هو من يقلبه ويباشره ولو مرة (¬1) لا من يصب عليه الماء، ولا من ييممه (¬2) وهذا هو السادس (¬3) (و) السابع (أكل اللحم خاصة من الجزور) أي الإبل (¬4) فلا ينقض بقية أجزائها كالكبد (¬5) وشرب لبنها ومرق لحمها (¬6) سواء كان نيئا أو مطبوخا (¬7) . قال أحمد: فيه حديثان صحيحان حديث البراء، وحديث جابر ابن سمرة (¬8) . ¬

_ (¬1) أي يقلب الميت ويباشر غسله، ولو مرة واحدة. (¬2) فلا يسمى أحدهما غاسلا، ولا تجري عليه أحكامه. (¬3) يعني غسل الميت هو السادس من نواقض الوضوء. (¬4) بكسرتين وتسكن الباء، اسم جمع لا واحد له، وجمعه آبال، والجزور منها تقع على الذكر والأنثى، جمعها جزائر وجزر وجزرات، وجزر الشيء يجزره قطعه، واللحم هو المادة الحمراء الرخوة التي تؤكل. (¬5) والقلب والطحال والكرش والشحم، والكلية بضم الكاف، واللسان، والرأس والسنام والأكارع والمصران، لأن النص لم يتناوله. قال الشيخ: اختاره كثير من أصحابنا، وصححه في التصحيح، وابن عقيل، وجزم به في الوجيز وغيره. (¬6) أي لا ينقض، لأن النص لم يتناوله. (¬7) يعني لحم الإبل، لأن الأمر بالوضوء يقتضي ذلك، وقال الشيخ وغيره، وسواء كان قليلا أو كثيرا عالما أو جاهلا. (¬8) فحديث البراء قال: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل قال: نعم توضئوا منها رواه أحمد وأهل السنن، وابن حبان وابن خزيمة في صحيحه، وقال: لم أر خلافا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح لعدالة ناقليه، وحديث جابر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم توضئوا من لحوم الإبل، رواه أحمد ومسلم، ولابن ماجه نحوه عن ابن عمر، وكذا أبو داود والترمذي، وله شواهد من وجوه أخر، ولأن فيها من القوة الشيطانية ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: إنها جن خلقت من جن، فأكل لحمها يورث قوة شيطانية، تزول بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الوضوء من لحمها كما صح ذلك عنه صلى الله عليه وسلم من غير وجه، وقال الزركشي وغيره: هي من الشياطين، كما في الحديث الصحيح، فإذا أكل منها أورث ذلك قوة شيطانية، فشرع الوضوء منها ليذهب سورة الشيطان، وقال النووي: ذهب الأكثر إلى أنه لا ينقض وذهب إلى النقض به أحمد وابن المنذر وابن خزيمة والبيهقي، وحكي عن أصحاب الحديث مطلقا، وهذا المذهب أقوى دليلا وإن كان الجمهور على خلافه، فلعلهم لم يسمعوا هذه النصوص، أو لم يعرفوا العلة، وحكاه الماوردي وابن المنذر عن طائفة من الصحابة والتابعين، وكان أحمد يعجب ممن يدع حديث لحوم الإبل مع صحته التي لا شك فيها، فيخرج على مذاهبهم فإن المذهب لا يكون خلاف ما فيه نص صحيح صريح أو إجماع كما صرحوا به، ولا ينقض طعام محرم، وهو مذهب الخلفاء قال الشارح وغيره: لا نعلم فيه خلافا، وعنه لحم الخنزير، قال الشيخ: الخبيث المباح للضورة كلحم السباع أبلغ من الإبل، فالوضوء منه أولى، والخلاف فيه بناء على أن الوضوء من لحم الإبل تعبدي، وقد بين الشارع العلة.

ما أوجب غسلا أوجب وضوءا إلا الموت

(و) الثامن المشار إليه بقوله (كل ما أوجب غسلا) (¬1) كإسلام (¬2) . ¬

_ (¬1) أي تسبب عنه وجوبه، وإلا فالموجب الشارع. (¬2) أي إسلام كافر، أصليا كان أو مرتدا، ولذلك أسقط الردة وقد قال تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} لأنه إذا عاد إلى الإسلام فإنا نوجب عليه الغسل، وإذا وجب الغسل وجب الوضوء، قال الشيخ: يتطهر فيما إذا عاد إلى الإسلام، فإنا نوجب عليه الوضوء والغسل، فإذا نواهما بالغسل أجزأ اهـ ومذهب جمهور العلماء الأئمة الثلاثة وغيرهم أن الردة لا تنقض الوضوء، لحديث لا وضوء إلا من صوت أو ريح، والمراد بالإحباط من مات على الردة، ولم يذكر القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب، وجمع الردة من النواقض والردة هي الإتيان بما يخرج من الإسلام، إما نطقا وإما اعتقادا وإما شكا، وقد تحصل بالفعل.

وانتقال مني ونحوهما (¬1) (أوجب وضوءا (¬2) إلا الموت) فيوجب الغسل دون الوضوء (¬3) ولا نقض بغير ما مر (¬4) كالقذف والكذب والغيبة ونحوها (¬5) والقهقهة ولو في الصلاة (¬6) . ¬

_ (¬1) كالتقاء الختانين، والحيض والنفاس، وغير ذلك من موجبات الغسل. (¬2) لأن وجوب الغسل وهو الطهارة الكبرى، لازم لوجوب الطهارة الصغرى. (¬3) فلا يجب الوضوء بالموت بل يسن. (¬4) أي من النواقض المشتركة بين المسح على الخفين وغيره، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعا، وأما المخصوصة كبطلان المسح بفراغ مدته، وخلع حائل ونحو ذلك فمذكور في أبوابه. (¬5) كالسب نص عليه، قال الشيخ: ويستحب الوضوء عقب الذنب، وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين: وصوبه النووي وغيره، وذكر غير واحد أنه يسن الوضوء من الكلام المحرم، وهو قول ابن مسعود وعائشة والشعبي وغيرهم، فإن الطهارة لها معنيان: الطهارة من الذنوب، والطهارة الحسية بالماء والتراب، وإنما أمر بهذه لتحقق تلك، فالفاعل للمنهي عنه خرج عن مقصود الطهارة، فيستحب له إعادة الوضوء. (¬6) أي لا نقض بها، قال الشيخ: عند جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأحمد، وهي معروفة بأن يقول قه قه، وقهقهة الرجل رجع في ضحكه وكرره.

من تينقن الطهارة وشك في الحدث أو بالعكس بنى على اليقين

وأكل ما مست النار (¬1) غير لحم الإبل (¬2) ولا يسن الوضوء منهما (¬3) (ومن تيقن الطهارة وشك) أي تردد (في الحدث (¬4) . ¬

_ (¬1) أي لا نقض به لقول جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، ورواه أبو داود والترمذي، وفي الصحيح أنه أكل من كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ وأكل سويقا ولم يتوضأ. (¬2) فينقض لأن أحاديث الأمر بالوضوء منه خاصة، وأحاديث عدم الوضوء مما مست النار عامة، والخاص مقدم على العام، وقال الشيخ: وهذا الخاص متأخر على العام، وقد اتفق العلماء على تقديم الخاص المتأخر، ولحم الإبل لم يتوضأ منه لأجل مس النار بل لمعنى يختص به. (¬3) أي من القهقهة وأكل ما مست النار، بخلاف الكلام المحرم فيسن الوضوء منه، قال الشيخ: لا ينتقض عند الجمهور، ولكن يستحب في أقوى الوجهين، وقال في القهقهة كذلك، لكونه أذنب ذنبا، وللخروج من الخلاف، فإن مذهب أبي حنيفة: ينقض الوضوء اهـ، وما أوجب الطهارة لا فرق فيه بين التعبد وغيره، لقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} وهي تكون باحتلام وغيره، وأمره في المذي بالوضوء، وهو يخرج بلا قصد وغير ذلك. (¬4) بنى على يقين الطهارة، وتقدم أن اليقين ضد الشك، وفي الاصطلاح: اعتقاد الشيء بأنه كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا مطابقا للواقع غير ممكن الزوال، وقال الموفق: ما أذعنت النفس للتصديق به، وقطعت به وقطعت بأن قطعها به صحيح، والشك خلاف اليقين عند الفقهاء، وهو التردد بين شيئين سواء استوى طرفاه أو رجح أحدهما على الآخر، وتقدم أن التردد بين وجود الشيء وعدمه كله يسمى في اللغة وعند الفقهاء شكًا سواء المستوي والراجح والمرجوح وقال ابن القيم: مرادهم به التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء تساوي الاحتمالان أو رجح أحدهما. والقاعدة: كل مشكوك اجعله كالعدم، ويأتي قول ابن عمر نهى عن صوم يوم الشك، اطراحا لأعمال الشك، فهو أصل عظيم من الفقه أن لا يدع الإنسان ما هو عليه من الحال المتيقنة إلا بيقين في انتقالها، فمتى تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو على الطهارة إجماعا، حكاه غير واحد إلا رواية عن مالك أنه يبنى على الحدث، وقال ابن رشد: لم يتابعه على هذا غيره، والثانية عنه كمذهب الجماعة.

أو بالعكس) بأن تيقن الحدث وشك في الطهارة (¬1) (بنى على اليقين) (¬2) سواء كان في الصلاة أو خارجها (¬3) تساوى عنده الأمران أو غلب على ظنه أحدهما (¬4) لقوله صلى الله عليه وسلم (لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) متفق عليه (¬5) . ¬

_ (¬1) بنى على يقين الحدث، لأن الحدث إذا يقين، فلزم ما تيقن، ولغا المشكوك بإجماع المسلمين. (¬2) وهو الطهارة في الصورة الأولى، والحدث في الصورة الثانية بالإجماع، ولقوله صلى الله عليه وسلم ليطرح الشك، وليبن على ما استيقن. (¬3) هذا مذهب علماء السلف والخلف، إلا رواية عن مالك فيما إذا كان شكه خارج الصلاة ولم يتابع على ذلك. (¬4) أي الطهارة أو الحدث، لأن غلبة الظن إذا لم يكن لها ضابط في الشرع لم يلتفت إليها. (¬5) من حديث عبد الله بن زيد في الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال: لا ينصرف الحديث ولمسلم عن أبي هريرة إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا، أي لا ينصرف حتى يتيقن سماع الصوت، أو وجود الرائحة ولا يشترط السماع، ولأن الأصل عدم النقض حتى يقوم ما يرفع الأصل، وليس المراد تخصيص هذين الأمرين باليقين، لأن المعنى إذا كان أوسع من اللفظ كان الحكم للمعنى، وهذا أصل وقاعدة من قواعد الدين في أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك.

(فإن تيقنها) أي تيقن الطهارة والحدث (¬1) (وجهل السابق) منهما (¬2) (فهو بضد حاله قبلهما) إن علمها (¬3) فإن كان قبلهما متطهرا فهو الآن محدث، وإن كان محدثا فهو الآن متطهر، لأنه قد تيقن زوال تلك الحالة إلى ضدها، وشك في بقاء ضدها، وهو الأصل، وإن لم يعلم حاله قبلهما تطهر (¬4) . ¬

_ (¬1) أي تيقن أنه مرة كان طاهرا ومرة كان محدثا. (¬2) أي من الطهارة والحدث، بأن لم يدر الطهارة قبل الحدث أو بالعكس. (¬3) أي تلك الحالة، لأن ما يغايره مشكوك فيه فلا يلتفت إليه. (¬4) فإذا كان جهل حاله قبل الطهارة أو الحدث فلم يدر هل كان قبل الزوال مثلا متطهرا أو محدثا؟ تطهر وجوبا إذا أراد الصلاة ونحوها، لتيقنه الحدث في إحدى الحالتين، والأصل بقاؤه لأن وجود يقين الطهارة في الحالة الأخرى مشكوك فيه أكان قبل الحدث أو بعده، ولأنه لم يتحقق طهارته لا يقينا ولا ظنا، ومحل ما تقدم إذا كان الشك في الصلاة أو قبلها، وقال عثمان: إذا تيقن الحدث والطهارة بعد طلوع الشمس مثلا وجهل أسبقهما ففي ذلك ثمان صور: الأولى أن يتيقن الاتصاف بالطهارة والحدث: الثانية أن يتيقن فعل كل من الطهارة والحدث من غير أن يعلم أن الطهارة عن حدث أو لا، وأن الحدث ناقض لطهارة أو لا، الثالثة أن يتيقن الاتصاف بالطهارة، وفعل حدث لا يدري هل هو ناقض لطهارة أو لا الرابعة أن يتيقن الاتصاف بالحدث وفعل طهارة لا يدري هل هي رافعة لحدثه أو لا؟ فهذه الصور الأربع حكمها واحد على الصحيح، وهو أنه إن جهل حاله قبلهما تطهر، وإلا فهو على ضدها، والخامسة أن يتيقن فعلهما رفعا لحدث ونقضا لطهارة، السادسة أن يعين وقتا لا يسعهما، كما لو قال توضأت وأحدثت عند قول المؤذن: الله أكبر، ففي هاتين الصورتين، إن جهل حاله قبلهما تطهر، وإلا فهو على مثلها السابعة تيقن أن الطهارة عن حدث ولم يدر هل الحدث ناقض لطهارة أولا؟ فهو في هذه الصورة متطهر مطلقا، سواء علم حاله قبلهما أولا، وسواء كان قبلهما متطهرا أو محدثا؟ الثامنة عكسها بأن تيقن أن الحدث ناقض لطهارة ولم يدر هل الطهارة عن حدث أو لا؟ فهو في هذه الصورة محدث مطلقا.

يحرم على المحدث مس المصحف

وإذا سمع اثنان صوتا، أو شما ريحا من أحدهما لا بعينه فلا وضوء عليهما (¬1) ولا يأتم أحدهما بصاحبه، ولا يصاففه في الصلاة وحده (¬2) وإن كان أحدهما إماما أعادا صلاتهما (¬3) (ويحرم على المحدث مس المصحف) (¬4) . ¬

_ (¬1) لأن كل واحد منهما لم يتحققه، فهو متيقن الطهارة شاك في الحدث. (¬2) حال من مفعول أمه أوصافه، قيد في إعادتهما وعلم منه أنه إن أمه مع غيره أوصافه معه فلا إعادة عليهما، وإلا فيجب على المؤتم منهما بالآخر الإعادة مطلقا لاعتقاده حدث إمامه وهو كالصريح في قولهم: ولا يأتم أحدهما بالآخر، وقال الشيخ: إذا تيقنا أن أحدهما أحدث ففيه قولان: الثاني أن ذلك بمنزلة الشخص الواحد وهو أقوى، لأن حكم الإيجاب يثبت قطعا في حق أحدهما فلا وجه لرفعه عنهما جميعا. (¬3) لتيقن كل منهماأن أحدهما محدث. (¬4) بتثليث الميم والضم أشهر ثم الكسر، من: أصحف بالضم أي جمعت فيه الصحف قال تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ *} أي من الجنابة والحدث، وقال ابن عباس وغيره {إِلا الْمُطَهَّرُونَ *} يعني الملائكة، لا ينفي القول الذي قبله، قال الشيخ: مذهب الأئمة الأربعة أنه لا يمس المصحف إلا طاهر، كما في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم، لا يمس القرآن إلا طاهر، ورواه النسائي وغيره متصلا، قال ابن عبد البر: إنه أشبه التواتر لتلقي الناس له بالقبول، وشهد له عمر بن عبد العزيز والزهري وغيرهما بالصحة، وقال أحمد: لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه له، واحتج بحديث ابن عمر، لا يمس المصحف إلا على طهارة، وهو قول سلمان وعبد الله بن عمر وغيرهما، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة، وقال الوزير: أجمعوا أنه لا يجوز للمحدث مس المصحف، وقال الزركشي، إذا كتب بعض القرآن مفردا عن تفسير وغيره فإنه لا يجوز للمحدث مسه، وإن لم يسم مصحفا.

وبعضه حتى جلده وحواشيه (¬1) بيد أو غيرها بلا حائل (¬2) لا حمله بعلاقة (¬3) أو في كيس أو كم من غير مس (¬4) . ¬

_ (¬1) أي نواحيه والورق الأبيض المتصل به، لشمول اسم المصحف له. (¬2) أي يحرم مسه أو بعضه بيد أو غيرها من أعضائه ولو بصدره اتفاقا للعموم بلا حائل، لأن النهي إنما ورد عن مسه، والمس إذا للحائل، وكل شيء لاقي شيئا فقد مسه. (¬3) بكسر العين في المحسوسات على الصحيح كعلاقة السيف ونحوه، وفتحها في المعقولات، كعلاقة الحب، أي فلا يحرم حمله إذا لعدم العلة. (¬4) فلا يحرم لأن النهي إنما ورد عن اللمس، قال الشيخ: إذا حمله بكمه فلا بأس، لكن لا يمسه بيده، والكيس ما يخاط من خرقة ونحوها، سمي بذلك لأنه يجمع ما يجعل فيه ويضمه من دراهم وغيرها، وأما ما يشرج من أديم وخرق ونحوها فيقال له خريطة، والكم بضم الكاف مدخل اليد ويأتي.

ولا تصفحه بكمه أو عود (¬1) ولا صغير لوحا فيه قرآن من الخالي من الكتابة (¬2) ولا مس تفسير ونحوه (¬3) ويحرم أيضا مس مصحف بعضو متنجس (¬4) وسفر به لدار حرب (¬5) وتوسده (¬6) . ¬

_ (¬1) ونحوه لأنه غير ماس له، وتصفحه قلب صفحاته وتفتيشها واحدة واحدة والصفحة من كل شيء جانبه، ومن الكتاب الوجه من الورق، وكذا نسخه بدون حمل ومس، قال أبو بكر: لا يختلف قوله في ذلك، وذكر عنه أن نصارى الحيرة كانوا يكتبون المصاحف لقلة من كان يكتبها. (¬2) أي لا يحرم على وليه تمكينه من مس اللوح من المحل الخالي من الكتابة، دون المكتوب، ودون المصحف أو بعضه، فلا يجوز تمكينه منه بدون طهارة وجوزه بعض أهل العلم لحاجة تعلمه، ومشقة استمراه. (¬3) ككتب حديث وفقه ورسائل فيها قرآن وظاهره قل أو كثر. (¬4) لأنه أولى من الحدث، وكذا بعضو رفع عنه الحدث قبل كمال الطهارة لأن رفع الحدث مراعى، فإن أكمله ارتفع، وإلا فلا، كما استظهره صاحب الإنصاف، لا بعضو طاهر على غيره نجاسة، على الصحيح من المذهب، وقال في الفروع: وكذا مس ذكر الله بنجس فيحرم. (¬5) لما في الصحيحين: نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، ولأنه عرضه إلى إلى استلاء الكفار عليه واستهانته. (¬6) أي ويحرم توسده، ولو خاف سرقته، لأن ذلك ابتذال له وكذا استناد عليه، ووزن به، ويحرم جلوس عليه إجماعا، ويجب احترامه حيث كتب إجماعا، ويحرم دوسه أو دوس ذكر، وقال النووي: أجمع العلماء على وجوب صيانة المصحف واحترامه، فلو ألقاه والعياذ بالله في قاذورة كفر.

وتوسد كتب فيها قرآن (¬1) ما لم يخف سرقة (¬2) ويحرم أيضا كتب القرآن بحيث يهان (¬3) وكره مد رجل إليه (¬4) واستدباره وتخطيه (¬5) وتحليته بذهب أو فضة (¬6) . ¬

_ (¬1) فيحرم أيضا، وإلا يكن فيها قرآن فيكره. (¬2) أي سرقة الكتب التي فيها قرآن فلا يحرم، قال أحمد في كتب الحديث: إن خاف سرقة فلا بأس، وقال النووي وغيره: لو خاف المحدث على المصحف من حرق أو غرق أو وقوع نجاسة عليه أو وقوعه بيد كافر جاز أخذه مع الحدث صرح به الدارمي وغيره، بل يجب ذلك صيانة له اهـ والأولى وضع كتب النحو، ثم التعبير ثم الفقه، ثم الأخبار، ثم المواعظ، ثم الحديث، ثم التفسير، ثم القرآن الأعلى فالأعلى، رعاية للتعظيم. (¬3) بأن يكتب ببول حيوان ونحوه، قال الشيخ: إجماعا، فتجب إزالته ويحرم كتابة ذكر الله بنجس، أو عليه أو فيه، ويجب غسله، وقال في الفنون: إن قصد بكتبه بنجس إهانته فالواجب قتله، وكذا دوسه، وتكره كتابته في الستور، وفيما هو مظنة بذله، ولو بلي المصحف أو اندرس دفن، لأن الصحابة دفنوا المصحاف بين القبر والمنبر، ولا يجوز لف شيء في كاغد فيه فقه ونحوه، لا طب ونحوه بعد محو ما فيه من ذكر الله عز وجل، أو الرسول صلى الله عليه وسلم. (¬4) إذا لم يقصد إهانته فإن قصد إهانته حرم، بل يكفر كما يأتي في حكم المرتد. (¬5) ورميه إلى الأرض بلا وضع ولا حاجة، بل هو بمسألة التوسد أشبه، قاله صاحب الفروع وغيره، وكذا كتب علم فيها قرآن، قال الشيخ: وجعله عند القبر منهي عنه، ولو جعل للقراءة هناك. (¬6) نص عليه، وهو مذهب مالك والشافعي، وقيل: يكره تحليته للنساء، وقيل يحرم، جزم به الشيخ وغيره، ككتب العلم في الأصح، وقال ابن الزاغوني: يحرم كتبه بذهب.

وتحرم تحلية كتب علم (¬1) (و) يحرم على المحدث أيضا (الصلاة) ولو نفلا (¬2) حتى صلاة جنازة (¬3) وسجود تلاوة وشكر (¬4) . ¬

_ (¬1) بذهب أو فضة على الصحيح، وتحرم مخالفة خط عثمان في ألف أو واو، أو ياء، أو غير ذلك نص عليه، واستفتاح الفأل فعله ابن بطة، قال الشيخ: ولم يره غيره، واختاره وحكى ابن العربي تحريمه، ولا يكره نقط المصحف وشكله، وكتابة الأعشار فيه، وأسماء السور وعدد الآيات، قال في تصحيح الفروع: وهو الصواب، وعليه عمل الناس، وجوز بعضهم تقبيله، لا جعله على عينيه لعدم نقله. (¬2) إجماعا لحديث لا يقبل الله صلاة بغير طهور، رواه الجماعة إلا البخاري، وفيهما لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ وسواء كان عالما أو جاهلا لكن إن صلى جاهلا أو ناسيا فلا إثم عليه. (¬3) فتحرم على المحدث، كما ثبت عن الصحابة، ودل عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه الفقهاء من السلف والخلف، قال ابن القيم: صلاة الجنازة صلاة، لأن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، وهو قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يعرف عنهم فيه خلاف، قول الأئمة الأربعة، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تسميتها صلاة، وكذلك عن الصحابة، وحملة الشرع كلهم يسمونها صلاة، وكل ما كان تحريمه التكبير، وتحليله التسليم فلا بد من افتتاحه بالطهارة اهـ ويأتي أنه إن خاف فوتها تيمم، وحكى ابن حزم والنووي وغيرهما عن بعض العلماء جوازها بلا وضوء ولا تيمم، واختاره الشيخ، وألحق بذلك سجود التلاوة والشكر. (¬4) قال الشيخ: والصحيح أنه يجوز، ولكن سجودها على الطهارة أفضل باتفاق المسلمين، وقد يقال: يكره مع القدرة على الطهارة، لقوله عليه الصلاة والسلام للذي سلم عليه كرهت أن أذكر الله إلا على طهر.

ولا يكفر من صلى محدثا (¬1) (و) يحرم على المحدث أيضا (الطواف) (¬2) لقوله صلى الله عليه وسلم الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام رواه الشافعي في مسنده (¬3) . ¬

_ (¬1) وفاقا لمالك والشافعي، ولو عالما، خلافا لأبي حنيفة، وقال الشيخ: من صلى بلا وضوء فيما تشترط له الطهارة بالإجماع كالصلوات الخمس، فجمهور العلماء على أنه يغرز، ولا يكفر، إلا إذا استحل ذلك، واستهزأ بالصلاة. (¬2) بالبيت الحرام فرضا أو نفلا، وفاقا لمالك والشافعي. (¬3) وسنده ضعيف، وأخرجه أحمد والنسائي والترمذي والحاكم وغيرهم بلفظ إنما الطواف بالبيت صلاة، فإذا طفتم فأقلوا الكلام، قال الشيخ: أهل المعرفة بالحديث لا يصححونه إلا موقوفا، وبكل حال فلا حجة فيه اهـ وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ للطواف.

باب الغسل

باب الغسل (¬1) بضم الغين الاغتسال (¬2) أي استعمال الماء في جميع بدنه (¬3) على وجه مخصوص (¬4) وبالفتح الماء أو الفعل (¬5) . ¬

_ (¬1) أي باب ما يوجب الغسل، وما يسن له، وصفة الكامل والمجزئ منه، وما يمنع منه الجنب وغير ذلك. (¬2) اسم مصدر، وهو الذي تستعمل الفقهاء، وعند أهل اللغة بالفتح والضم لغتان. (¬3) ويقال: سيلان الماء على جميع البدن، واسم البدن يقع على الظاهر والباطن إلا ما يتعذر إيصال الماء إليه أو يتعسر، فالمضمضة والاستنشاق جزء من مفهومه، فلا توجد حقيقة الغسل الشرعية بدونهما، وأجمعوا على أن الجنابة تحل جميع البدن. (¬4) وستأتي كيفيته من نية وتسمية ما يتبع ذلك، وحقيقته، إفاضة الماء على الأعضاء بنية التطهر، والأصل فيه قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} مع ما يأتي من السنة وإجماع الأمة، وذكر السهيلي وغيره أن الغسل من الجنابة كان معمولا به في الجاهلية، من بقايا دين إبراهيم، كما بقي فيهم الحج والنكاح، ولذا عرفوا مع قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} ولم يحتاجوا إلى تفسيره، وقال الشيخ: كان مشروعا قبل. (¬5) المراد بالفعل، هنا المصدر، أي غسل البدن، والفتح في المصدر أشهر من الضم وأفصح لغة، لأن فعله من باب ضرب، وقال ابن مالك: الغسل بضم أوله وسكون ثانيه الاغتسال، والماء الذي يغتسل به.

موجب الغسل ستة أشياء

وبالكسر ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره (¬1) (وموجبه) ستة أشياء (¬2) أحدها (خروج المني) من مخرجه (دفقا بلذة (¬3) لا) إن خرج ¬

_ (¬1) كسدر والخطمي بالفتح وفي القاموس بالكسر ويفتح قال الأزهري: من قال بالكسر فقد لحن اهـ وهو نبات معروف يغسل به، بين كل قصبتين منه زهر أحمر، وقد يكون أبيض، يستدير ويتفتح كالورد. (¬2) أي الذي يتسبب عنه وجوب الغسل باعتبار أنواعه ستة أشياء بالاستقراء أيها وجد كان سببا لوجوب الغسل. (¬3) من الذكر أو الأنثى، لحديث علي: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال في المذي الوضوء وفي المني الغسل، أخرجه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي، وأخرجاه مختصرا. قال الترمذي: وهو قول عامة أهل العلم، وقال الشارح: لا نعلم فيه خلافا، وحكاه غير واحد اتفاقا، والطبري إجماع المسلمين، والمراد خروجه من مخرجه المعتاد ولو دما، فإنه قد يخرج أحمر لقصور الشهوة عنه، ويصير كماء اللحم، وربما خرج دما عبيطا، وعند الشافعي وإن لم يقارنه لذة، وهو بفتح الميم وكسر النون وتشديد الياء، وحكي تخفيفا، سمي بذلك لأنه يمنى أي يصب ويراق ويدفق، وهو من الرجل في حالة صحته ماء غليظ أبيض يخرج عند اشتداد الشهوة، يتلذذ بخروجه ويعقب البدن بعد خروجه فتور، ورائحته كرائحة طلع النخل، يقرب من رائحة العجين، وإذا يبس ريحه ريح بياض بيض جاف. وقال النووي: خواصه المعتمدة الخروج بشهوة، مع الفتور عقبه، والرائحة التي تشبه الطلع، والعجين، والخروج بتزريق، ودفق في دفعات، وكل واحدة من هذه الثلاث كافية في كونه منيا اهـ، ومن المرأة ماء رقيق أصفر، وقد يبيض لفضل قوتها، ولا خاصية له إلا التلذذ وفتور شهوتها عقيب خروجه، وفي صحيح مسلم وغيره ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، ومن المني يخلق الحيوان بإذن الله، لخروجه من جميع البدن، ولهذا يضعف البدن بكثرته فيجبر بالغسل، وقوله: دفقا بلذة، يلزم من وجود اللذة أن يكون دفقا، ولهذا لم يعبر في المنتهى وغيره إلا باللذة.

(بدونهما من غير نائم) ونحوه (¬1) فلو خرج من يقظان لغير ذلك كبرد ونحوه (¬2) من غير شهوة لم يجب به غسل، لحديث علي يرفعه «إذا فضخت الماء فاغتسل (¬3) وإن لم تكن فاضخا فلا تغتسل» رواه أحمد (¬4) والفضخ خروجه بالغلبة قاله إبراهيم الحربي (¬5) فعلى هذا يكون نجسا وليس بمذي قاله في الرعاية (¬6) . ¬

_ (¬1) كمجنون ومغمى عليه وسكران، فإنه لا لذة لهم يقينا لفقد إدراكهم وجعلت اللذة حاصلة في حقهم حكما، لحديث: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم إذا رأت الماء، أي المني بعد الاستيقاظ متفق عليه، ولأحمد والنسائي وابن ماجه ليس عليها غسل حتى تنزل كما أن الرجل ليس عليه غسل حتى ينزل. (¬2) كمرض وكسر ظهر. (¬3) الفضخ بالخاء المعجمة ويروى حذفت الماء وهي الرمي، ولا يكون بهذه الصفة إلا بشهوة. (¬4) وعند أبي داود إذا فضخت المني فاغتسل وأصله في الصحيحين وغيرهما. (¬5) هو ابن إسحاق بن إبراهيم بن بشير بن عبد الله بن ديسم الحربي نسبة إلى محلة غربي بغداد، إمام فاضل له تصانيف، منها غريب الحديث، روى عن أحمد وأبي نعيم، وتوفي سنة مائتين وخمس وثمانين، وقال: غيره خروجه على وجه الشدة. (¬6) أي إن خرج من يقظان بغير لذة فنجس، ولا يوجب الغسل، وليس بمذي، والمذي بالذال المعجمة فيه لغات أفصحها فتح الميم وسكون الذال وتخفيف الياء ثم بكسر الذال وتشديد الياء، وهو ماء رقيق أبيض لزج، يخرج عند الملاعبة أو تذكر الجماع، أو إرادته، أو نظر أو غير ذلك، عند فتور الشهوة بلا شهوة، وربما لا يحس بخروجه، ويخرج عند مبادئ الشهوة، ويشترك الرجل والمرأة فيه. قال الجويني: إذا هاجت خرج منها المذي، وهو أغلب فيهن منه في الرجال اهـ، وأما الودي فيخرج عقب البول، وهو غير لزج، وإنما هو أبيض ثخين يشبه المني في الثخانة، ويخالفه في الكدورة ولا رائحة له، قال النووي: أجمع العلماء على أنه لا يجب الغسل بخروج المذي والودي، لما في الصحيحين وغيرهما عن علي وغيره، وأمر عليه الصلاة والسلام في المذي بالوضوء.

وإن خرج المني من غير مخرجه كما لو انكسر صلبه فخرج منه لم يجب الغسل، وحكمه حكم النجاسة المعتادة (¬1) وإن أفاق نائم أو نحوه يمكن بلوغه فوجد بللا (¬2) فإن تحقق أنه مني اغتسل فقط (¬3) ولو لم يذكر احتلاما (¬4) . ¬

_ (¬1) يعني في التطهير لا وجوب الغسل، قال الزركشي، لا نزاع فيما نعلمه أن الغسل لا يجب بخروج المني من غير مخرجه وإن وجد شرطه. (¬2) أي وإن استيقظ نائم ونحوه كمغمى عليه ممن يمكن بلوغه كابن عشر وبنت تسع فوجد بللا أي نداوة في بدنه أو ثوبه، وقال بعضهم: بباطن ثوبه، وصححه في الإنصاف، واستظهر أنه مراد الأصحاب، فإن كان بظاهر ثوبه ولم يتحقق أنه منه لم يجب عليه غسل، وإذا وجد منيا في ثوب لا ينام فيه غيره فعليه الغسل وإعادة المتيقن من الصلاة. (¬3) أي اغتسل لا غير، دون غسل ما أصابه من المني، وقط بالسكون بمعنى حسب، وهو الاكتفاء بالشيء، وإذا قلت ما فعلته قط فبالضم والتشديد. (¬4) قال الموفق وغيره: لا نعلم فيه خلافا، وحكى ابن المنذر وغيره الإجماع عليه والاحتلام افتعال من الحلم بضم المهملة وسكون اللام ما يراه في النوم، ثم غلب على ما يراه من الجماع يقال: احتلم الرجل، جامع في نومه، وإن احتلم ولم يجد بللا لم يجب الغسل، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعا، ولو وجد لذة الإنزال.

وإن لم يتحققه منيا فإن سبق نومه ملاعبة أن نظر أو فكر ونحوه (¬1) أو كان به إبردة لم يجب الغسل (¬2) وإلا اغتسل وطهر ما أصابه احتياطا (¬3) (وإن انتقل) المني (ولم يخرج اغتسل له) (¬4) . ¬

_ (¬1) كبرد وانتشار فلا غسل عليه، وفاقا، ولا عب المرأة ملاعبة، لعب معها، وفكر في الشيء، أعمل النظر فيه وتأمله. (¬2) الأبردة بكسر الهمزة والراء مرض يحدث بسبب غلبة البرد والرطوبة بغير شهوة الجماع، أو برودة تحصل في الجوف، وقال في ترويح الأرواح: علة معروفة تحصل من غلبة البرودة والرطوبة، أي أو كان به إبردة وخرج مني لم يجب الغسل لعدم يقين سبب وجوب الغسل، ويجب غسل ما أصاب من ثوبه وبدنه، لرجحان كونه مذيا لقيام سببه، إقامة للظن مقام اليقين. (¬3) أي وإن لم يسبق نومه ملاعبة أو نظر أو فكر ونحوه اغتسل وجوبا، لوجود السبب المقتضي لذلك، فإن النوم مظنة الاحتلام، والغالب على النائم الاحتلام ولم يتقدم سبب يعارضه، وقد قام شاهد المظنة، وظاهر القياس بموجب شهادته ويطهر ما أصاب بدنه أو ثوبه ونحوه احتياطا، وهذا من باب الخروج من عهدة الواجب، واحتاط الرجل يحتاط احتياطا، أخذ بالحزم والثقة محافظة لنفسه. (¬4) أي وإن أحس الرجل بتحول المني من صلبه، كأن قبل امرأة فأحس بانتقاله أو نزوله، فحبسه فلم يخرج اغتسل له، أو المرأة بتحوله عن ترائبها اغتسلت لأنه يبعد بعد انتقاله عدم خروجه.

لأن الماء قد باعد محله، فصدق عليه اسم الجنب (¬1) ويحصل به البلوغ ونحوه مما يترتب على خروجه (¬2) (فإن خرج) المني (بعده) أي بعد غسله لانتقاله (لم يعده) لأنه مني واحد فلا يوجب غسلين (¬3) . ¬

_ (¬1) ولأن الغسل تراعى فيه الشهوة، وقد وجدت بانتقاله أشبه ما لو خرج، وعنه لا يجب الغسل بالانتقال حتى يخرج، قال غير واحد: وهو قول العلماء كافة، إلا أحمد في قول واختار عدم وجوب الغسل الموفق والشارح وجماعات، لأنه صلى الله عليه وسلم علق الاغتسال على رؤية الماء، فلا يثبت الحكم بدونه، وللإجماع على عدم الوضوء من الإحساس بالحدث، كالقرقرة والريح، ما لم يخرج منه شيء فكذا هنا، وكلام أحمد إنما يدل على أن الماء إذا انتقل لزم منه الخروج، وإنما يتأخر فكذلك يتأخر الغسل إلى حين خروجه، وأصل الجنابة في اللغة البعد، وتطلق في الشرع على من أنزل المني، وعلى من جامع، والجنب من خرج منه المني على وجه الشهوة، يقال: أجنب إذا قضي شهوته من المرأة، وسمي جنبا لأنه يجتنب الصلاة والمسجد والقراءة ويتباعد عنها. (¬2) كثبوت حكم فطر، ووجوب بدنه في الحج، وتقدم الإجماع على عدم الوضوء بالقرقرة والريح قبل الخروج. (¬3) لأن الخارج بعد الغسل هو ذلك المني المنتقل، فهو كبقية مني خرج بعد الغسل، والمراد بلا شهوة، فإن خرج بشهوة لزمه الغسل، وكذا إن خرج مني بعد غسله من جماع لم ينزل فيه بغير شهوة، أو خرجت بقية مني اغتسل له بغير شهوة لم يجب الغسل، لقول ابن عباس في الجنب يخرج منه الشيء بعد الغسل؟ قال: يتوضأ ونحوه عن علي، ولأنه مني، واحد فأوجب غسلا واحدا، وإن انتقل ولم يغتسل ثم خرج بعد فإنه يغتسل بلا نزاع.

(و) الثاني (تغييب حشفة أصلية) (¬1) أو قدرها إن فقدت، وإن لم ينزل (¬2) (في فرج أصلي (¬3) قبلا كان أو دبرا) وإن لم يجد حرارة (¬4) فإن أولج الخنثى المشكل حشفته في فرج أصلي، ولم ينزل (¬5) أو أولج غير الخنثى ذكره في قبل الخنثى فلا غسل على واحد منهما إن لم ينزل (¬6) . ¬

_ (¬1) أي الثاني من موجبات الغسل تغييب حشفة، وهي الكمرة ما فوق الختان من رأس الذكر، وموضع القطع غير داخل في حكم الحشفة. (¬2) أي أو تغييب قدر الحشفة الأصلية إن كانت مفقودة وإن لم ينزل إذ الموجب التغييب لا الإنزال إجماعا حكاه الوزير وغيره، لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل زاد أحمد ومسلم وإن لم ينزل وكلام العرب يقتضي أن الجنابة تطلق حقيقة على الجماع، وإن لم يكن فيه إنزال، ولأحمد ومسلم عن عائشة مرفوعا إذا قعد بين شعبها الأربع ثم مس الختان الختان فقد وجب الغسل، وصححه الترمذي، ولفظه إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، وورد بلفظ الإلزاق، وبلفظ الملقاة قال القاضي: إذا غابت الحشفة في الفرج فقد وقعت الملاقاة، وقال ابن سيد الناس. وهكذا معنى مس الختان الختان أي قاربه وداناه اهـ، ويجب بتغييبها كالوطء الكامل قريب من أربعمائة حكم، فإن لم يبق منه قدرها لم يتعلق به حكم. (¬3) فلا غسل بتغييب حشفة أصلية في قبل زائد. (¬4) أي من الفرج فيجب الغسل على كل واطئ وموطوء إذا كان من أهل الغسل إجماعا. (¬5) فلا غسل على واحد منهما. (¬6) لعدم تغييب الحشفة الأصلية بيقين، إلا أن تحققت جنابته كأن أولج رجل في فرجه وأولج هو في فرج امرأة، أو دبر فيجنب يقينا، لأنه جامع أو جومع.

ولا غسل إذا مس الختان الختان من غير إيلاج (¬1) ولا بإيلاج بعض الحشفة (¬2) . ¬

_ (¬1) أي إدخال ولا إنزال إجماعا، إذ الموجب ليس مس الختان الختان، وإنما الموجب هو التغييب، فقد انعقد الإجماع على أنه لو وضع ذكره على ختانها ولم يولجه لم يجب الغسل على واحد منهما، كما جاء مصرحا به من حديث عبد الله بن عمرو إذا التقى الختانان، وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل، رواه ابن أبي شيبة وغيره، وختان الرجل موضع القطع، وختان المرأة موضع قطع جلدة منها، كعرف الديك، فوق الفرج فإذا غابت الحشفة في الفرج فقد حاذى ختانه ختانها، وعرفه أبو حامد وغيره، فقالوا: ختان الرجل هو الذي يقطع منه في حال الختان، وهو ما دون حزة الحشفة، وأما ختان المرأة فمدخل الذكر، وهو مخرج الحيض والولد والمني، وفوق مدخل الذكر ثقب مثل إحليل الرجل، هو مخرج البول، وبين هذا الثقب ومدخل الذكر جلدة رقيقة، وفوق مخرج البول جلدة رقيقة مثل الورقة، بين الشفرين، والشفران تحيط بالجميع، فتلك الجلدة الرقيقة تقطع منها في الختان، وهي ختان المرأة فحصل أن ختان المرأة مستقل، وتحته مخرج البول، وتحت مخرج البول مدخل الذكر، ومخرج الحيض الذي هو مخرج الولد، وهو خرق لطيف، فإذا افتضت البكر، فصارت ثيبا، فالتقاء الختانين أن تغيب الحشفة في الفرج. (¬2) بلا إنزال لعدم التقاء الختانين، وكل ما تقدم إذا كان بلا حائل، لأنه لا يسمى ملاق مع الحائل، وإن كانت الحشفة ملفوفة بخرقة مثلا، فإن وجد لذة الجماع بأن كانت الخرقة رقيقة بحيث يجد حرارة الفرج واللذة وجب، وهو ظاهر قوله إذا التقى الختانان.

(ولو) كان الفرج (من بهيمة (¬1) أو ميت) أو نائم أو مجنون (¬2) أو صغير يجامع مثله (¬3) وكذا لو استدخلت ذكر نائم أو صغير ونحوه (¬4) (و) الثالث (إسلام كافر) أصليا كان أو مرتدا (¬5) . ¬

_ (¬1) لأنه إيلاج في فرج أشبه الآدمية، وهو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم إلا أبا حنيفة، فلا يجب عنده إلا بالإنزال. (¬2) فيجب الغسل، كما يجب على المجامعة، ولو كانت مجنونة أو نائمة أو مغمى عليها، لأن موجب الطهارة لا يشترط فيه القصد، كسبق الحدث، وإن قالت: بها جني يجامعها كالرجل، فقال في المبدع وغيره: لا غسل عليها لعدم الإيلاج والاحتلام. (¬3) تجوز قراءته مبنيا أو مبنيا للمفعول، وهو ابن عشر وبنت تسع، بخلاف من لا يجامع مثله فلا يجب عليه غسل، فلو كان أحدهما يجامع مثله فلكل حكمه ولا يشترط البلوغ، لاغتسال عائشة ومعنى الوجوب أن الغسل شرط لصحة صلاته ونحوها، لا التأثيم بتركه، قال الشيخ: ومثل مسألة الغسل إلزامه باستجمار ونحوه، وتقدم قوله: إنه يجب لدخول الوقت، وإرادة الصلاة، وأجاب ابن الزاغوني وابن عقيل: إن كان له شهوة لزمه، وإن كان على سبيل اللعب لغير شهوة فلا. (¬4) أي ومثل من غيب حشفة أصلية في فرج أصلي في وجوب الغسل من استدخلت ذكر نائم أو صغير، ولو طفلا أو مغمى عليه أو ميت، لعموم إذا التقى الختانان وجب الغسل، وكذا مستدخل ذكره، إلا ميتا أو طفلا لا يجامع مثله ويعاد غسل ميتة جومعت، ومن جومع في دبره، والأحكام المتعلقة بتغييب الحشفة كالأحكام المتعلقة بالوطء الكامل. (¬5) ذكرا كان أو أنثى أو خنثى وفاقا لمالك واستحبه أبو حنيفة والشافعي.

ولو مميزا (¬1) ولو لم يوجد في كفره ما يوجبه (¬2) لأن قيس بن عاصم أسلم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر، رواه أحمد والترمذي وحسنه (¬3) ويستحب له إلقاء شعره (¬4) قال أحمد: ويغسل ثيابه (¬5) . ¬

_ (¬1) أي دخل في سن التمييز قبل سن التكليف، ووقت وجوب الغسل للميز إذا أراد ما يتوقف عليه غسل أو وضوء، لغير لبث، أو مات ولو شهيدا على ما يأتي. (¬2) أي ولو كان لم يوجد في كفره ما يوجب الغسل، من نحو جماع أو إنزال لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل، وإقامة للمظنة مقام حقيقة الحدث، وقال الشيخ: إذا وجد منه سبب يوجب الغسل فاغتسل في حال كفره ثم أسلم لا يلزمه إعادة الغسل إن اعتقدوجوبه، بناء على أنه يثاب على طاعته في الكفر إذا أسلم. (¬3) وصححه هو وابن السكن ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان وغيرهم وروى الإمام أحمد أن ثمامة أسلم، فقال صلى الله عليه وسلم مروه أن يغتسل وقال المنقح وأبو بكر: لا يجب إلا إذا وجد منه حال كفره ما يوجبه، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وحكي اتفاقا، لأن العدد الكثير والجم الغفير أسلموا فلو أمر كل من أسلم به لنقل نقلا متواترا ظاهرا، وثمامة اغتسل ثم تشهد، رواه البخاري، ولم يذكر أنه أمره، وقيس أمره أن يغتسل بماء وسدر، والسدر غير واجب، فيحمل الحديثان على الاستحباب جمعا بين الأدلة، قال الخطابي: وهو قول أكثر أهل العلم، قال في الإنصاف: وهو أولى، وقيس بن عاصم هو ابن سنان ابن منقر التميمي، الذي قال به النبي صلى الله عليه وسلم هذا سيد أهل الوبر وقيل للأحنف: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس. (¬4) لقوله صلى الله عليه وسلم ألق عنك شعر الكفر واختتن ورواه أبو داود. (¬5) يعني استحبابا، وإن قيل بنجاستها وجب وتقدم طهارتها.

(و) الرابع (موت) (¬1) غير شهيد معركة ومقتول ظلما ويأتي (¬2) . (و) الخامس (حيض و) السادس (نفاس) (¬3) ولا خلاف في وجوب الغسل بهما قاله في المغني (¬4) فيجب بالخروج (¬5) والانقطاع شرط (¬6) (لا ولادة عارية عن دم) فلا غسل بها (¬7) والولد طاهر (¬8) . ¬

_ (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم إغسلنها وغيره من الأحاديث الآتية وهو تعبد لا عن حدث، قال الزركشي: والموت موجب في الجملة بلا نزاع. (¬2) أي في بابه في كتاب الجنائز أنهما لا يغسلان، ومعركة بفتح الراء وتضم. (¬3) أي من موجبات الغسل، ويأتي تعريفهما في بابهما إن شاء الله تعالى. (¬4) ونقل فيه الإجماع ابن المنذر وابن جرير والنووي وجماعة. (¬5) أي يجب الغسل بسبب خروج دم الحيض والنفاس، لقوله صلى الله عليه وسلم وإذا ذهبت حيضتك فاغتسلي وصلي، وقوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} الآية والنفاس دم حيض مجتمع، وإن حاضت فيمكن أن يكون الخارج حال الحمل البعض لا الكل. (¬6) أي لصحة الغسل له، وفاقا، فيتوقف الوجوب على حصول شرطه، وهو الانقطاع، والقيام للصلاة ونحوها شرط للفورية. (¬7) أي لا غسل بالولادة العارية عن الدم، ولا يحرم الوطء بها، ولا يفسد الصوم وهو قول الجمهور. (¬8) أي في هذه الصورة لعدم تلوثه بالنجاسة، ولأن الوجوب من الشارع، ولم يرد الشرع بالغسل، ولا هو في حكم المنصوص عليه فإنه ليس بدم ولا مني، ومع الدم يجب غسله كسائر الأشياء المتنجسة، ولا يجب الغسل بإلقاء نطفة أو علقة أو مضغة قال في الإنصاف والمبدع وغيرهما: بلا نزاع، والمراد بإلقاء مضغة لا تخطيط فيها، لأن ذلك ليس ولادة وإنما يثبت حكمه فيما يتبين فيه خلق الإنسان.

(ومن لزمه الغسل) لشيء مما تقدم (¬1) (وحرم عليه) الصلاة والطواف ومس المصحف (¬2) و (قراءة القرآن) (¬3) أي قراءة آية فصاعدا (¬4) . ¬

_ (¬1) يعني من موجبات الغسل. (¬2) تقدمت أدلة تحريم الصلاة على من حدثه أصغر والإجماع عليه، فالأكبر بطريق الأولى، ويأتي الكلام فيمن ترك شرطا من شروطها، وأما الطواف فلقوله {إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} وتقدم تحريمه على المحدث، ومس المصحف أيضا تقدمت الأدلة على تحريمه، وحكاية الإجماع عليه فالأكبر أولى، وقد وقع الإجماع عليه بل خصه بعض السلف في تفسير الآية به، فيدل على تأكد منعه منه. (¬3) قال الشيخ: فإن الأئمة متفقون على ذلك. (¬4) أي يحرم قراءة آية فأكثر، لحديث علي: لا يحجبه من القرآن شيء ليس الجنابة، رواه الخمسة وغيرهم، ولفظ الترمذي، يقرؤنا القرآن ما لم يكن جنبا، وصححه هو وابن حبان وابن السكن والبغوي، وغيرهم، وأخرج أبو يعلي عنه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم قرأ شيئا من القرآن، ثم قال: هكذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا ولا آية، قال الهيثمي رجاله موثوقون، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ورويت كراهته عن عمر وعلي، واختار الشيخ أنه يباح للحائض إذا خافت نسيانه بل يجب، والآية جمعها آيات، وهي طائفة من القرآن مترجمة، أقلها ستة أحرف ولو تقديرا كـ {لَمْ يَلِدْ} وقيل من العلامة على انقطاع الكلام، وعن الآية التي قلها، وعن التي بعدها، وانفصالها، أو لأنها جامعة حروفا من القرآن وطائفة منه، أو لأنها عجب يعجز البشر عن التكلم بمثلها.

وله قول ما وافق قرآنا، إن لم يقصده (¬1) كالبسملة والحمدلة ونحوهما (¬2) كالذكر (¬3) وله تهجيه، والتفكر فيه (¬4) وتحريك شفتيه به، ما لم يبين الحروف (¬5) وقراءة بعض آية، ما لم تطل (¬6) ولا يمنع من قراءته متنجس الفم (¬7) ويمنع الكافر من قراءته ولو رجي إسلامه (¬8) . ¬

_ (¬1) أي يباح له قول ما صادف لفظه لفظ القرآن إن لم يقصد القرآن فإن قصده حرم. (¬2) كقول مسترجع {إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *} وراكب: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} . (¬3) أي كما يجوز له الذكر، لحديث عائشة: كان يذكر الله على كل أحيانه، رواه مسلم ويأتي لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، ولابن أبي شيبة: كان إذا غشي أهله، قال: اللهم لا تجعل للشيطان فيما رزقتني نصيبا. (¬4) أي في القرآن لأن التفكر والتهجي ليسا بقراءة له، وتهجيه تعلمه، وتهجي الحروف عدها بأسمائها، والتفكر تردد القلب بالنظر والتدبر لطلب المعاني. (¬5) فإن بانت فلا يباح له. (¬6) كآية الدين فتحرم قراءة بعضها الذي هو كآية من غيرها، جزم به في التنقيح، وظاهره ولو كرر بعض آية لم تطل أبيح ما لم يحتل على قراءة تحرم. (¬7) لكن يكره: فينبغي إزالتها بالغسل احتراما، وكذا ينبغي أن يكون الذاكر على أكمل الصفات. (¬8) قياسا على الجنب وأولى، وصرح به بعض المفسرين للآية ولقوله: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} ورجح البغوي وغيره جواز تعليمه إن رجي إسلامه، وقال: إن رآه معاندا لا يجوز بحال.

(ويعبر المسجد) أي يدخله (¬1) لقوله تعالى: {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} أي طريق (¬2) (لحاجة) وغيرها على الصحيح (¬3) كما مشى عليه في الإقناع (¬4) وكونه طريقا قصيرا حاجة (¬5) وكره أحمد اتخاذه طريقا (¬6) . ¬

_ (¬1) أي يجوز لمن وجب عليه غسل أن يدخل المسجد لغير لبث وكذا الحائض والنفساء إن أمنتا تلويثه. (¬2) أي لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا ماري طريق، أي مجتازين فيه للخروج منه، ولأن الجنابة في الأصل البعد، وأنه إنما سمي بذلك لمباعدته المسجد والصلاة، وقراءة القرآن، ومجانبته لذلك ما لم يغتسل. (¬3) جزم به المجد والموفق في المغني وغيرهما، وهو ظاهر إطلاق الآية، ولقوله لعائشة إن حيضتك ليست في يدك. (¬4) ولفظه: ولجنب عبور مسجد ولو لغير حاجة، ورويت الرخصة في العبور عن ابن مسعود وابن عباس ومالك والشافعي وغيرهم، قال عبد الله بن زيد رضي الله عنه: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشون في المسجد وهم جنب، رواه ابن المنذر فكان إجماعا، والاستثناء من النهي إباحة، وأجابوا عن قوله: لا أحل المسجد لحائض ولا جنب، بأنه عام مخصوص بالآية والأحاديث. (¬5) كون. مبتدأ والضمير اسم الكون، وطريقا خبر للكون، وحاجة: خبر المبتدأ، أي كون ذلك الطريق قصيرا حاجة، إذ الطويل قد يفوت. (¬6) جزم به الأصحاب عنه، احتراما لبيوت الله، ومنع شيخ الإسلام من اتخاذه طريقا.

ومصلى العيد مسجد، لا مصلى الجنائز (¬1) (ولا) يجوز أن (يلبث فيه) أي في المسجد من عليه غسل (بغير وضوء) (¬2) فإن توضأ جاز اللبث فيه (¬3) ويمنع منه مجنون وسكران (¬4) ومن عليه نجاسة تتعدى (¬5) . ¬

_ (¬1) أي فليس مسجدا قولا واحدا، وأما مصلى العيد فيطلق عليه اسم المسجد وهو الصحيح من المذهب، واختاره الشيخ وغيره، فإن كل موضع يصلي فيه يسمى مسجدا، فتمنع منه الحائض ونحوها، لحديث وليعتزل الحيض المصلى. (¬2) لحديث لا أحل المسجد لحائض ولا جنب، رواه أبو داود من حديث عائشة وصححه ابن خزيمة، ولا بن ماجه عن أم سلمة، أن المسجد لا يحل الحائض ولا جنب، ولهما شواهد، واللبث الإقامة، يقال: لبث بالمكان يلبث لبثا، بإسكان الباء وفتحها أي أقام. (¬3) قال عطاء: رأيت رجالا، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا وضوء الصلاة، قال في المبدع: إسناده صحيح، قال الشيخ: فحينئذ يجوز أن ينام في المسجد حيث ينام غيره، وإن كان النوم الكثير ينقض الوضوء، فذلك الوضوء الذي يرفع الحدث الأصغر، ووضوء الجنب لتخفيف الجنابة، وإلا فهذا الوضوء لا يبيح له ما يمنعه الحدث الأصغر من الصلاة ونحوها. (¬4) أي يمنعان من عبور المسجد واللبث فيه لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} والمجنون أولى من السكران بالمنع. (¬5) اتفاقا لأنه مظنة تلويثه، ويجوز للمحدث اللبث فيه بإجماع المسلمين، سواء لبث لغرض شرعي أو لا، ويمنع منه الصغير غير المميز لغير مصلحة، إلا لصلاة وقرآن، لحديث جنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم، قال في الاختيارات: فإن المساجد تصان حتى عن القذاة التي تقع في العين.

ويباح به وضوء وغسل إن لم يؤذ بهما (¬1) وإذا كان الماء في المسجد جاز دخوله بلا تيمم (¬2) وإن أراد اللبث فيه للاغتسال تيمم (¬3) وإن تعذر الماء واحتاج للبث جاز بلا تيمم (¬4) (ومن غسل ميتا مسلما أو كافرا سن له الغسل (¬5) لأمر أبي هريرة رضي الله عنه بذلك، رواه أحمد وغيره (¬6) . ¬

_ (¬1) أي يؤذ المسجد أو من به بماء الوضوء أو الغسل، وحكى ابن المنذر الإباحة عن كل من يحفظ عنه إلا أن يبله، أو يتأذى الناس به، فيكره، وأما البول قرب البرك التي في المساجد مما ليس محلا للصلاة فقال الشيخ: هذا يشبه البول في القارورة في المسجد والأظهر جواز ذلك أحيانا للحاجة لا دائما. (¬2) نص عليه، واحتج بأن وفد عبد القيس أنزلهم النبي صلى الله عليه وسلم المسجد وربط فيه ثمامة. (¬3) وذلك فيما إذا تعذر عليه الوضوء والغسل عاجلا، على الصحيح من المذهب. (¬4) ابتداء ودواما، لحبس أو خوف على نفسه أو ماله ونحوه، وقال الموفق والشارح وغيرهما: القول بعدم التيمم غير صحيح. (¬5) سواء كان الميت كبيرا أو صغير، ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا، وظاهره ولو في ثوب. (¬6) وحسنه الترمذي، ولفظه من غسل ميتا فليغتسل وصحح جماعة وقفه عليه، وعن علي نحوه، قال أحمد وابن المديني والذهلي وابن المنذر وغيرهم، لم يثبت فيه حديث، وليس في حديث علي أنه غسله، وفي الموطأ أن أسماء غسلت أبا بكر، ثم سألت من حضرها من المهاجرين هل عليها من غسل؟ فقالوا: لا. وقال ابن عقيل: ظاهر كلام أحمد عدم الاستحباب وقال المزني: هذا الغسل ليس بمشروع وقال ابن عمر وابن عباس والشافعي، وأصحاب الرأي وغيرهم: لا غسل عليه، والجمهور مالك والشافعي وأحمد وغيرهم على الاستحباب وبه تجتمع الأدلة.

(أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم) أي إنزال (سن له الغسل) (¬1) لأن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل من الإغماء متفق عليه (¬2) والجنون في معناه بل أولى (¬3) وتأتي بقية الإغسال المستحبة في أبواب ما تستحب له (¬4) . ¬

_ (¬1) أي منهما، قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه، فإن أنزل وجب الغسل، لأنه من جملة الموجبات للغسل كالنائم، وقوله: أو أفاق أي رجع إليه عقله، وخص الحلم بالإنزال لأنه غلب عليه دون غيره مما يراه النائم لكثرة استعماله، والحلم في الأصل ما يراه النائم من المنامات، يقال: حرم في منامه واحتلم، وحلمت بكذا واحتلمت بكذا. (¬2) من حديث عائشة قالت: ثقل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أصلى الناس؟» فقلنا: لا، هم ينتظرونك، فقال: (ضعوا لي ماء في المخضب) فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق، فاغتسل متفق عليه، ولا يجب حكاه ابن المنذر إجماعا. (¬3) فإن المجنون مسلوب العقل، بخلاف المغمى عليه فإنه مغلوب كما تقدم وقال الزركشي، لا يجب من جنون أو إغماء لم يتيقن معه حكمه وإن وجد بلة، على المعروف من الروايتين لأنه معنى يزيل العقل، فلا يوجب الغسل كالنوم، ولأنه مع عدم البلة يبعد احتمال الجنابة، ومع وجودها يحتمل أن ذلك لغير شهوة، ويحتمل أن حصل على المرض المزيل للعقل فلا يجب الغسل مع الشك. (¬4) كغسل الجمعة والعيد والإحرام وغيرها، وعدها بعضهم ستة عشر، ومنها ما ورد استحبابه، ويأتي التنبيه على ما لم يثبت استحبابه.

صفة الغسل الكامل

ويتيمم للكل (¬1) ولما يسن له الوضوء لعذر (¬2) (و) صفة (الغسل الكامل) أي المشتمل على الواجبات والسنن (¬3) (أن ينوي) رفع الحدث (¬4) أو استباحة الصلاة أو نحوها (¬5) (ثم يسمى) (¬6) وهي هنا كوضوء، تجب مع الذكر وتسقط مع السهو (¬7) (ويغسل يديه ثلاثا) كما في الوضوء (¬8) وهو هنا آكد، لرفع الحدث عنهما بذلك (¬9) . ¬

_ (¬1) أي لكل ما يستحب له الغسل، لحاجة تبيح له التيمم، كما إذا عدم الماء، أو تضرر باستعماله ونحوه مما يبيح التيمم. (¬2) أي ويتيمم لما يسن له الوضوء كقراءة وأذان وشك وغضب ونحوها لعذر يبيح التيمم، كتعذر الماء لعدم أو مرض، وتيمم عليه الصلاةوالسلام لرد السلام، وقال: كرهت أن أذكر الله إلا على طهر. (¬3) واجبا كان أو مستحبا، ولما أنهى الكلام على موجبات الغسل ومستحباته، شرع في بيان صفاته، لأن العلم بالموصوف مقدم على العلم بالصفة. (¬4) الأكبر مثلا، أو غسل الجمعة، فلو وقع في الماء ولم ينو الغسل، أو اغتسل للتبرد لم يكن قربة ولا عبادة، ولم يرتفع حدثه بالاتفاق. (¬5) كمس المصحف في حق من حدثه مستمر كالمستحاضة. (¬6) أي يقول: بسم الله بعد النية. (¬7) ومع الجهل كما مر، والذكر بضم الذال، وذكر اللسان بكسرها. (¬8) لحديث ميمونة، ثم غسل كفيه مرتين أو ثلاثا، ويكون قبل إدخالهما الإناء، ويصب الماء بيمينه على شماله. (¬9) أي غسل اليدين هنا آكد سنية من الوضوء، لرفع الحدث عنهما بذلك، إذا نوى الغسل، لعدم اعتبار الترتيب في الغسل، بخلاف الوضوء ولا يكفي غسل اليدين من نوم الليل عن الجنابة كالعكس على الأصح، لأنهما أمران مختلفان فيعتبر لكل منهما نية، وإن نواهما كفى، هذا المذهب وتقدم الاجتراء بأحدهما عن الآخر في الوضوء فكذا هنا.

(و) يغسل (ما لوثه) من أذى (¬1) (ويتوضأ) كاملا (¬2) (ويحثي) الماء (على رأسه ثلاثا يرويه) أي يروي في كل مرة أصول شعره (¬3) لحديث عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثا. وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل شعره بيديه، حتى إذا ظن أنه قد روى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث مرات. ثم ¬

_ (¬1) لحديث عائشة فيفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ولا فرق بين أن يكون ما لوثه أي لطخه على فرجه، أو بقية بدنه، وسواء كان نجسا كالمذي، أو طاهرا كالمني، ثم يضرب بيده الأرض أو الحائط، لحديث عائشة متفق عليه. (¬2) وفاقا لقوله صلى الله عليه وسلم ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، قال النووي: وهو أشهر الروايات وأكملها وقدم غسل الأعضاء تشريفا لها، ولتكمل له الطهارتان، وفي حديث ميمونة وغيرها فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره، ثم دلك يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق ثم غسل وجهه ويديه، ثم غسل رأسه ثلاثا، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى من مقامه فغسل قدميه، متفق عليه، وهو مذهب الجمهور والوضوء سنة في الغسل، وليس بواجب ولا شرط، ونقل ابن جرير وغيره الإجماع عليه، لأن الله أمر بالغسل، ولم يذكر الوضوء، وللأحاديث الدالة عليه، كقوله فأفرغ عليك، وقوله فأمسه جلدك. (¬3) وفاقا، لتظاهر الأخبار بذلك، وحثيت وحثوث لغتان، والحثية الحفنة.

غسل سائر جسده متفق عليه (¬1) (ويعم بدنه غسلا) (¬2) فلا يجزئ المسح (¬3) ثلاثا (¬4) حتى ما يظهر من فرج امرأة عند قعود لحاجة (¬5) . ¬

_ (¬1) وفي لفظ: يدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حثيات، ولقول ميمونة: ثم أفرغ على رأسه ثلاث حثيات وروى الجماعة إلا البخاري عن أم سلمة إنما كان يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات وعلم منه أنه لا ينقضه لجنابة، قال في الإنصاف: على الصحيح من المذهب. (¬2) غسل الشيء يغسله غسلا طهره بالماء، وأزال الوسخ ونحوه عنه بإجراء الماء عليه، وحقيقة الغسل إفاضة الماء على الأعضاء، لحديث ثم أفاض الماء على سائر جسده، وإفاضة الماء على جميع البدن وبشرته واجب بلا خلاف، وسواء كان الشعر الذي على البشرة خفيفا أو كثيفا. (¬3) أي فلا يجزئه المسح بالماء أو الثلج، ولو ابتل به العضو، إلا أن يذوب ويجري على العضو. (¬4) أي يعم بدنه غسلا ثلاثا، قياسا على الوضوء، هذا الصحيح من المذهب وعنه: مرة وفاقا لمالك، وهو ظاهر الخرقي والعمدة، واختاره الشيخ: وقال البخاري: باب الغسل مرة مرة، وفيه: ثم أفاض على جسده، وذكر إفاضة الماء على رأسه ثلاثا، ثم غسل سائر جسده، قال الحافظ: ولم يقيده بعدد، فيحمل على أقل ما يسمى، وهو المرة الواحدة، ولم ينقل أنه غسل جسده ثلاثا، قال الزركشي: وهو ظاهر الأحاديث، وكل من نقل غسل النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر أنه غسل بدنه ثلاثا، ولا يصح قياسه على الوضوء، والسنة قد فرقت بينهما. (¬5) أي عند قعودها على رجليها، لقضاء حاجة بول أو غائط، لا داخل فرجها، قال في الاختيارات، ولا يجب غسل باطن الفرج من حيض أو جنابة، وهو أصح القولين في مذهب أحمد.

وباطن شعر (¬1) وتنقضه لحيض ونفاس (¬2) (ويدلكه) أي يدلك بدنه بيديه (¬3) . ¬

_ (¬1) سواء كان خفيفا أو كثيفا من ذكر وأنثى لأنه جزء من البدن فوجب غسله لقوله صلى الله عليه وسلم: «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا» رواه أحمد وأبو داود. وقال الحافظ: إسناده صحيح، ولقوله تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر، رواه أبو داود والترمذي، ولا خلاف في مشروعية تخليل الشعر بالماء في الغسل، ويجب إيصال الماء إلى جميعه وجميع البشرة إجماعا. (¬2) أي تنقض الحائض والنفساء شعرها وجوبا لحيض ونفاس، واستحبه بعض الأصحاب وفاقا، جمعا بين الأخبار، وصححه الشارح وغيره، وقيده ابن الزاغوني بما إذا طال وتلبد، لا لجنابة. قال الموفق وغيره: لا نعلم فيه خلافا، لمشقة تكرره، وتقدم حديث أم سلمة، وإن لم يصل الماء إلى البشرة إلا بنقضه وجب نقضه، ويجوز للمرأة ضفر شعرها، وإن كانت جنبا لأنه لا يلزم نقضه لغسل الجنابة، لكن لا بد أن تروي أصوله، سواء ضفر قبل لزوم الغسل، أو بعده ويأتي في باب الحيض قول الشيخ: لا حاجة للاستثناء وعنه: لا تنقضه لحيض وفاقا، واختاره الموفق والمجد والشيخ وغيرهم، لحديث أم سلمة: إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ وفي رواية: والحيضة؟ فقال لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، رواه مسلم وهو صريح في نفي الوجوب، ومذهب الجمهور: إذا وصل الماء إلى جميع شعرها ظاهره وباطنه من غير نقض لم يجب، وإلا وجب وما سواه على الندب، وإذا كان على بعض أعضائه أو شعره حناء أو عجين أو طين أو شمع ونحوه، ومنع وصول الماء إلى البشرة، أو إلى نفس الشعر لم يصح غسله. (¬3) ندبا بلا نزاع، ليصل الماء إليه، وليس بواجب لقوله ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين رواه مسلم والإفاضة الإسالة، والغسل كذلك والإفاضة لا دلك فيها فكذا الغسل، ولأن الدلك أنقى لما في قوله: {فَاطَّهَّرُوا} من المبالغة والدلك الفرك والدعك ومقارنة الدلك لصب الماء أكمل، والمراد ما لا ينبو عنه الماء، وهو قول العلماء كافة، إلا مالكا والمزني فشرط عندهما وأما دلك ما ينبو عنه الماء فواجب لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ليتيقن وصول الماء إلى مغابنه وجميع بدنه (¬1) ويتفقد أصول شعره (¬2) وغضاريف أذنيه (¬3) وتحت حلقه وإبطيه وعمق سرته (¬4) وبين أليتيه وطي ركبتيه (¬5) (ويتيامن) لأنه صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيامن في طهوره (¬6) . ¬

_ (¬1) إجماعا والمغابن كالإبط والرفغ، من غبن الشيء إذا خبأه، ولأبي داود وغايره ثم غسل مرافغه بالغين أي مغابن البدن يعني مطاويه ولا تجب الإعانة يما عجز عنه، صوبه ابن رشد. (¬2) لقوله عليه الصلاة والسلام تحت كل شعرة جنابة وقوله من ترك موضع شعرة فعل الله به وتقدم. (¬3) أي مغابنها، وهي دواخل قوف الأذن. (¬4) أي ويتفقد ما تحت حلقه وإبطيه وعمق سرته، وهو ما غار منها من المغابن، ويدلكه ليتيقن وصول الماء إليه، والعمق البعد إلى أسفل. (¬5) أي ويتفقد ما بين أليتيه، بفتح الهمزة وما بين طي ركبتيه، ليتيقن وصول الماء إليه، قال في الصحاح، إذا ثنيت قلت أليان، فلا تلحق التاء، وهو مما ورد على خلاف القياس. (¬6) متفق عليه من حديث عائشة ولغير ذلك من الأحاديث، وهو سنة بلا نزاع.

صفة الغسل المجزئ

(ويغسل قدميه) ثانيا (مكانا آخر) (¬1) ويكفي الظن في الإسباغ (¬2) قال بعضهم ويحرك خاتمه ليتيقن وصول الماء (¬3) (و) الغسل (المجزئ) أي الكافي (¬4) (أن ينوي) كما تقدم (¬5) (ويسمى) فيقول: بسم الله (ويعم بدنه بالغسل مرة) (¬6) . ¬

_ (¬1) لحديث ميمونة، توضأ ثم أفاض الماء عليه، ثم تنحى فغسل قدميه ولهما نحوه من حديث عائشة، وهو أكمل وفي رواية: غير قدميه، ثم أفاض الماء عليه، ثم تنحى فغسل قدميه، وعن عائشة بمعناه، قال الحافظ: وهو مذهب الجمهور، وقيل: لا يعيد غسلهما إلا لطين ونحوه، وهو مذهب مالك والشافعي وتكره إعادة الوضوء بعد الغسل، لحديث عائشة كان لا يتوضأ بعد الغسل، صححه الترمذي ولا يستحب وضوءان لغسل واحد اتفاقا. (¬2) على الصحيح من المذهب، لحديث عائشة حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته والإسباغ الإبلاغ، وتقدم ويأتي أيضا. (¬3) يعني إلى ما تحته، ويروى فيه حديث أنه صلى الله عليه وسلم إذا توضأ حرك خاتمه، لكن قال ابن القيم وغيره: إنه ضعيف، فإن علم عدم وصول الماء إلى ما تحته وجب، ليصل الماء إليه. (¬4) يعني المشتمل على الواجبات فقط، الحاصل به الاستغناء في الغسل. (¬5) أي في صفة الغسل الكامل، وفي المقنع، يغسل ما به من أذى وينوي، وعند أبي الخطاب وغيره، يغسل فرجه ثم ينوي، وظاهر الخرقي أنه لا بد من تقدم الاستنجاء على الغسل كالوضوء، وفي المبدع: ظاهر المذهب أنه لا يشترط في المجزئ. (¬6) بلا نزاع قال ابن عبد البر: إذا عم بدنه فقد أدى ما عليه، وهذا إجماع إلا أنهم أجمعوا على استحباب الوضوء قبله.

أي يغسل ظاهر جميع بدنه وما في حكمه من غير ضرر كالفم والأنف (¬1) والبشرة التي تحت الشعر ولو كثيفة (¬2) وباطن الشعر وظاهره مع مسترسلة (¬3) وما تحت حشفة أقلف إن أمكن شمرها (¬4) ويرتفع حدث قبل زوال حكم خبث (¬5) ويستحب سدر في غسل كافر أسلم وحائض (¬6) . ¬

_ (¬1) لا العينين فلا يجب ولا يسن. (¬2) لعموم النصوص، وقال في الإنصاف، وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب. (¬3) من ذكر وأنثى لقوله تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر، رواه أبو داود وغيره، وفي المغني وغيره، عند الأصحاب وغيرهم عدم وجوب غسل الشعر المسترسل، ولمسلم واغمزي قرونك قال الشيخ: فيه دليل على وجوب بل داخل الشعر المسترسل. (¬4) بأن كان مفتوقا لأنها في حكم الظاهر وإلا فلا. (¬5) أي يرتفع حدث أكبر وأصغر، من جنابة وحيض ونحوهما، قبل زوال الحكم بطهارة نجاسة على البدن، لا تمنع وصول الماء، وإلا وجبت إزالتها، ويبقى حكمها إلى أن تغسل وهذا بناء على أن الماء في محل التطهير لا يؤثر تغيره بالنجس أو الطاهر وقدم المجد وابن عبيدان ومجمع البحرين والحاوي وغيرهم وصححوه أن الحدث لا يرتفع إلا مع آخر غسلة طهر عندها، قال الزركشي: وهو المنصوص عن أحمد، وتقدم أن المتغير في محل التطهير مخفف لها. (¬6) لأمره صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر، ويستحب في غسل حائض، لأمره عائشة وأسماء بذلك، رواه مسلم.

وأخذها مسكا تجعلها في قطنة ونحوها (¬1) وتجعلها في فرجها (¬2) فإن لم تجد فطيبا (¬3) فإن لم تجد فطينا (¬4) (ويتوضأ بمد) استحبابا (¬5) والمد رطل وثلث رطل عراقي، ورطل وأوقيتان وسبعا أوقية مصري وثلاث أواق وثلاثة أسباع أوقية دمشقية وأوقيتان وأربعة أسباع أوقية قدسية (¬6) . ¬

_ (¬1) كخرقة مما يمسكه. (¬2) بعد غسلها، لأمره أسماء أن تأخذ فرصة ممسكة، فتطهر بها، رواه مسلم، مع تفسير عائشة له بذلك في الخبر المتفق عليه، تطييبا للمحل، وهو متفق على استحبابه. (¬3) أي فإن لم تجد مسكا فتجعل طيبا غير المسك إن لم تكن محرمة، لقيامة مقام المسك في ذلك. (¬4) أي فإن لم تجد طيبا فتجعل طينا، ليقطع الرائحة، فإن تعذر فالماء الطهور كاف، لدفع الكراهة، ولحصول الطهارة به، لا عن السنة، أما المحرمة فيحرم عليها استعمال المسك والطيب وتستعمل شيئا من قسط أو أظفار، وكذا المحدة: ووضع الطيب في ذلك، قيل المقصود أن تزول به رائحة الدم، فيكمل استمتاع الزوج وقيل: لأنه يسرع إلى علوق الولد، ومن قال بالأول قال: إن أعوزها تستعمل ما كان خلاف منه في طيب الرائحة، ومن قال بالثاني قال: تستعمل ما قام مقامه في إسراع العلوق من القسط والأظفار، وفي وقت استعماله على الأول بعد الغسل، وعلى الثاني قبله. (¬5) لما في الصحيحين عن أنس كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع. (¬6) ومائة وأحد وسبعون درهما وثلاثة أسباع درهم، ومائة وعشرون مثقالا.

يغتسل بصاع، ويكره الإسراف

(ويغتسل بصاع) (¬1) وهو أربعة أمداد (¬2) وإن زاد جاز (¬3) لكن يكره الإسراف ولو على نهر جار (¬4) ويحرم أن يغتسل عريانا بين الناس (¬5) . ¬

_ (¬1) لحديث أنس ويغتسل بالصاع، قال الشيخ: مقدار طهور النبي صلى الله عليه وسلم في الغسل ما بين ثمانية أرطال عراقية إلى خمسة وثلث، والوضوء ربع ذلك. (¬2) فتكون زنته ستمائة وثمانين وخمسة أسباع درهم، وبالمثاقيل أربعمائة وثمانين مثقالا وبالأرطال خمسة أرطال وثلثا رطل عراقية، قال الشيخ: والجمهور على أن الصاع والمد في الطعام والماء واحد، وهو أظهر ولما سأل جابر عن الغسل قال: يكفيك صاع، فقال رجل: ما يكفيني فقال جابر: قد كفى من هو خير منك وأوفي شعرا، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم. (¬3) أي وإن زاد على المد في الوضوء والصاع في الغسل جاز، ما لم يبلغ في الزيادة إلى حد الإسراف، والأحاديث ترشد إلى تقليل ماء الوضوء، والاكتفاء باليسير منه. (¬4) لأنه صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال ما هذا السرف؟ فقال أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم ولو كنت على نهر جار رواه أحمد وابن ماجه، وفيه لين، وله شواهد، والإسراف هو الزيادة الكثيرة، والسرف ضد القصد وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه يكون في أمته من يتعدى في الطهور. وقال: إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان، فاتقوا وسواس الماء ولأن الزيادة تبذير وقال تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} فظهر أن للشيطان دخلا في التبذير. وقيل: يحرم الإسراف، وأجمعوا على النهي عنه في ماء الوضوء والغسل، ولو على شاطئ النهر. (¬5) لحديث أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يغتسل بالبراز فصعد المنبر فقال إن الله حيي يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر، رواه أبو داود والنسائي، ورجاله رجال الصحيح، وعن ابن عباس نحوه، ولقوله: فإن الله أحق أن يستحيي منه.

وكره خاليا في الماء (¬1) (فإن أسبغ بأقل) مما ذكر في الوضوء (¬2) أو الغسل أجزأه (¬3) والإسباغ تعميم العضو بالماء بحيث يجري، عليه ولا يكون مسحا (¬4) . ¬

_ (¬1) أي وكره اغتساله عريانا في الماء خاليا عن الناس، جزم به الشيخ، وقال: أكثر نصوص أحمد تدل عليه، ولقول الحسن والحسين، إن للماء سكانا ونقل القاضي عياض وغيره جواز الاغتسال عريانا في الخلوة عن جماهير العلماء، ولقصة اغتسال موسى عريانا، وأيوب كذلك متفق عليها قال في المبدع: واختاره جماعة وفاقا، وقال الشيخ: يجوز كشف عورته للاغتسال إن كان في خلوة، ولا يدع أحدا يراها ولا يمسها، قيما كان أو غيرها، وإن ستره إنسان بثوب فلا بأس فقد ستر رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب، متفق عليه. (¬2) بأن أسبغ بأقل من المد أجزأ لحديث عمارة أنه توضأ في إناء قدر ثلثي المد رواه أبو داود والنسائي وله أيضا بنحو ثلثي المد وصححه أبو زرعة. (¬3) أي وأسبغ بأقل من الصاع في الغسل أجزأه، صوبه في الإنصاف وغيره، لغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة من تور مثل الصاع أو دونه، رواه النسائي ورجاله ثقات، ولفظ مسلم من إناء واحد ثلاثة أمداد أو قريب منها، قال الموفق وغيره: هو مذهب أكثر أهل العلم، ولأنه أمر بالغسل وقد أتى به، والقدر المجزئ من الماء ما يحصل به غسل أعضاء الوضوء أو الغسل سواء كان مدا في الوضوء وصاعا في الغسل، أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في الزيادة إلى حد السرف، والنقصان إلى حد لا يحصل به الواجب. (¬4) وإيصال الماء إلى العضو واجب اتفاقا، فإن كان مسحا بأن أرسل الماء من يديه ثم مر بهما على وجهه أو غيره من الأعضاء لم يجزئه، حكاه ابن رشد اتفاقا لأنه مسح وليس بغسل، أو أمر الثلج عليه لم تحصل الطهارة به، وإن ابتل به العضو لا إن ذاب وجري على العضو، قال ابن رشد: أجمعوا على أن الجنب إذا انغمس في النهر وتدلك فيه للغسل أن ذلك يجزئه وإن كان لم ينقل الماء بيديه إليه، ولا صبه عليه وكذلك الوضوء، ولا يلزم نقل الماء إلى العضو.

(أو نوى بغسله الحدثين) أو الحدث وأطلق (¬1) أو الصلاةونحوها مما يحتاج لوضوء وغسل (¬2) (أجزأ) عن الحدثين (¬3) ولم يلزمه ترتيب ولا موالاة (¬4) . ¬

_ (¬1) أي فلم يقيده بالأكبر ولا بالأصغر، أو نوت غسل جنابة أو حيض حصلا بلا خلاف، وإن نوى أحدهما لم يرتفع غير المنوي لحديث إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، وقال الشيخ: إذا نوى الأكبر ارتفع الأصغر، وقال فائدة ذلك تظهر فيما إذا عاد فإنا نوجب عليه الوضوء والغسل فإن نواهما بالغسل أجزأه ولو لم ينتقض لم يجب عليه إلا الغسل، ولا يسن تجديد الغسل، بخلاف الوضوء فيسن وتقدم. (¬2) كطواف ومس مصحف. (¬3) لقوله: {فَاطَّهَّرُوا} وقوله: {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} فأمر الجنب بالتطهير، ولم يأمره معه بوضوء، وقال عليه الصلاة والسلام: أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثا، رواه مسلم وظاهره الاجتراء بغير وضوء لشمول الحدث لهما، ولأنهما عبادة فتداخلتا في الفعل، كالعمرة تدخل في الحج، فإذا لم يتوضأ وعم جميع بدنه فقال ابن عبد البر وغيره: قد أدى ما عليه لقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} وهو إجماع لا خلاف فيه اهـ فإن نواهما ثم أحدث أتم غسله ثم توضأ. (¬4) لدخول الوضوء في الغسل، فيصير الحكم للغسل، فلو اغتسل وترك أعضاء وضوئه ثم أراد غسلها من الحدث لم يجب الترتيب فيها، ولا الموالاة، في قول أكثر أهل العلم، حكاه الموفق وغيره.

(ويسن لجنب) ولو أنثى وحائض ونفساء انقطع دمها (غسل فرجه) لإزالة ما عليه من الأذى (¬1) ((والوضوء لأكل) وشرب لقول عائشة رضي الله عنها: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للجنب إذا أراد أن يأكل وشرب أن يتوضأ وضوءه للصلاة رواه أحمد بإسناد صحيح (¬2) (ونوم) لقول عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة متفق عليه (¬3) . ¬

_ (¬1) إذا أراد النوم أو الأكل أو الشرب أو الوطء ثانيا، لحديث عائشة وغيره، وتخفيفا لما أصابه، وأما الحائض والنفساء قبل انقطاع الدم فإن حدثهما دائم. (¬2) ولفظ أحمد: إذا كان جنبا فأراد أن يأكل وينام توضأ، رواه مسلم ولأحمد وأبي داود والترمذي وصححه من حديث عمار: رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة، فالوضوء عند إرادة الأكل والشرب والنوم ثابت من حديث عائشة وغيرها. (¬3) ولهما من حديث عمر: أيرقد أحدنا هو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ فليرقد، ولمسلم من أراد أن ينام وهو جنب فليتوضأ وضوءه للصلاة وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة المتواترة الدالة على تأكد سنيته عند النوم، قال الشيخ: ويستحب الوضوء عند النوم لكل أحد فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم قل اللهم إني سلمت نفسي إليك، الحديث، وظاهر كلامهم إعادته إذا أحدث، لمبيته على الطهارة، وهو ظاهر كلام الشيخ، وقال النووي وغيره: يستحب الدوام على الطهارة.

ويكره تركه لنوم فقط (¬1) (و) يسن أيضا غسل فرجه ووضوءه لـ (معاودة وطء) (¬2) لحديث «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءا» رواه مسلم وغيره (¬3) وزاد الحاكم فإنه أنشط للعود (¬4) والغسل أفضل (¬5) . ¬

_ (¬1) أي يكره ترك الجنب ونحوه الوضوء لنوم فحسب، لا أكل وشرب وذكر للأخبار، وفي كلام أحمد ما ظاهره وجوبه، ووجه كراهته، أن تقبض روحه وهو نائم، فلا تشهد الملائكة جنازته، وأن الأرواح تسجد تحت العرش، إذا نام على طهارة فالكبرى أولى، وهو أيضا من الثلاثة الذين لا تقربهم الملائكة وعد الجنب إلا أن يتوضأ. قال ابن القيم: هي والله أعلم العلة التي أمر الجنب أن يتوضأ إذا أراد النوم اهـ وأمره صلى الله عليه وسلم بالوضوء يدل على أنه يرفع الجنابة الغليظة، وقال الزرقاني: ذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى الجواز بلا كراهة وعليه فقهاء الأمصار. (¬2) الوطء مهموز تقول وطئت الشيء برجلي، ووطئ الرجل امرأته يطأها جامعها وتفتح الطاء. (¬3) فرواه أحمد وأهل السنن وفي بعض ألفاظ الحديث ثم أراد أن يعود أي إلى إتيانها والأمر هنا يقتضي الندب. (¬4) وزاده ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما والعود بفتح العين أي إلى إتيانها أيضا، يقال: عاد إلى الشيء وعادله وعاد فيه صار إليه، ورجع وقد عاد له بعدما كان أعرض عنه، وقيل: العودة تثنية الأمر عودا بعد بدء، يقال بدأ ثم عاد، وللبيهقي وابن خزيمة فليتوضأ وضوءه للصلاة. (¬5) أي من الوضوء لكل ما تقدم لأنه أزكى وأطهر وروى أحمد وأبو داود من حديث رافع أنه صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه فاغتسل عند كل امرأة غسلا، وقال هذا أزكى وأطيب وأطهر ولأنه يخلف عليه ما تحلل بخروج المني، ويحدث له نشاطاوقوة وخفة، والحكمة في الغسل من المني دون البول أن المني يخرج من جميع البدن، والبول فضلة الطعام والشراب، والغسل من المني دونه من أعظم محاسن الشريعة ما اشتملت عليه من الحكم والمصالح، فإن تأثر البدن بخروجه أعظم من تأثره بخروج البول، والاغتسال منه من أنفع شيء للبدن والقلب والروح، بل جميع الأرواح القائمة بالبدن تقوي بالاغتسال، وكونه يخلف على البدن ما تحلل منه بخروج المني أمر يعرف بالحسن، وصرح أفاضل الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته، وأنه من أنفع شيء له وأن تركه مضر، واستحباب مبادرة الجنب بالغسل من أول الليل مجمع عليه وجواز النوم والأكل والشرب للجنب والعودة إلى الجماع قبل الاغتسال مجمع عليه أيضا، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل في آخره، ولمسلم وغيره يجنب ثم ينام.

وكره الإمام أحمد بناء الحمام وبيعه وإجارته (¬1) وقال: من بنى حماما للنساء ليس بعدل (¬2) وللرجل دخوله بسترة مع أمن الوقوع في محرم (¬3) . ¬

_ (¬1) لما يقع فيه من كشف عورة وغيره، مشتق من الحميم أي الماء الحار مشدد، واحد الحمامات المبنية وأول من اتخذه سليمان عليه السلام. (¬2) وفي رواية ابن الحكم: لا تجوز شهادة من بناه للنساء، وحرمه القاضي وغيره، وحمله الشيخ على غير البلاد الباردة، وقال: قد يقال بناء الحمام واجب حيث يحتج إليه لأداء الواجب العام، وأما إذا اشتمل على محظور مع إمكان الاستغناء فهذا محل نص أحمد، وقد يقال عنه، إنما يكره بناؤها ابتداء وكلامه إنما هو في البناء لا في الإبقاء. (¬3) بأن يسلم من النظر إلى عورات الناس ومسها، ونظرهم إلى عورته ومسه فإن لم يأمن كره، وإن علم الوقوع في المحرم حرم، لحديث أبي هريرة من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر، فلا تدخل الحمام رواه أحمد، وقال المنذري: أحاديث الحمام معلولة، وإنما يصح منها عن الصحابة، ودخل ابن عباس حماما كان بالجحفة.

ويحرم على المرأة بلا عذر (¬1) . ¬

_ (¬1) الحديث ابن عمر إنها ستفتح لكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات فلا يدخلنها الرجل إلا بإزار، وامنعوا النساء إلا مريضة أو نفساء، رواه أبو داود وابن ماجه، وللنسائي من حديث جابر من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام إلا من عذر، قال الشيخ: ولم يذكر هذا الاستثناء الترمذي ولا غيره، وقيل إنه غلط، وأصح ما في الباب حديث عائشة ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت ما بينها وبين الله من حجاب، رواه أبو داود والترمذي، وقيل يجوز لضرر يلحقها بتركه، لنظافة بدنها اختاره الشيخ، وقال: الأفضل تجنبها بكل حال مع الاستغناء عنها، لأنها مما أحدث الناس من رقيق العيش، وينبغي لمن دخله غسل قدميه وإبطيه بماء بارد عند دخوله، وأن يلزم الحائط ويقصد موضعا خاليا، ولا يدخل بيتا حارا حتى يعرق في البيت الذي قبله، ويقلل الالتفات، ولا يطيل المقام إلا بقدر الحاجة، ويغسل قدميه عند خروجه بماء بارد.

باب التيمم

باب التيمم (¬1) . في اللغة القصد (¬2) وشرعا: مسح الوجه واليدين بصعيد (¬3) على وجه مخصوص (¬4) . ¬

_ (¬1) لما ذكر الطهارة بالماء، وكان الإنسان قد لا يجد الماء، أو لا يقدر على استعماله أعقبه بالتيمم، لأنه بدل منه وخلف عنه، والخلف يتبع الأصل، والتيمم مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} والسنة في ذلك مشهورة، وحكى الإجماع في ذلك غير واحد من أهل العلم، وهو فضيلة لهذه الأمة، ورخصة وقيل عزيمة لعدم الماء رخصة للعذر، وله شروط وفرائض وسنن ومبطلات تأتي مفصلات. (¬2) أي مطلق القصد فيممه تيمما قصده، وأصل تيمم تأمم، أبدلت الهمزة ياء، ويقال: يممت فلانا، وتيممته إذا قصدته ومنه {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} . وقال الشاعر: وما أدري إذا يممت أرضًا ... أريد الخير أيهما يليني وقال آخر: تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي وفي المحكم: التيمم التوضؤ بالتراب، قال الجوهري: وأصله التعمد والتوخي ثم نقل في عرف الفقهاء إلى مسح الوجه واليدين بشيء من الصعيد وقال غيره: ثم كثر استعمالهم لهذه الكلمة حتى صار التيمم اسمًا علما لمسح الوجه واليدين بالتراب، فإذا كان هو القصد إلى الصعيد الطاهر، فالاسم الشرعي فيه المعنى اللغوي. (¬3) أي بتراب طهور مباح غير محترق ويأتي. (¬4) وهو مسح الوجه واليدين من شخص مخصوص، وهو العادم للماء، أو من يتضرر باستعماله، قال في المبدع: وأحسن منه: مسح الوجه واليدين بشيء من الصعيد من الحدث الأصغر أو الأكبر، وأجمعوا على أن التيمم مختص بالوجه واليدين سواء تيمم عن الحدث الأصغر أو الأكبر وعن كل الأعضاء أو بعضها.

هو من خصائص هذه الأمة وعوض عن الماء

وهو من خصائص هذه الأمة، لم يجعله الله طهورا لغيرها (¬1) توسعة عليها، وإحسانا إليها (¬2) فقال تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} الآية (¬3) . ¬

_ (¬1) لما في الصحيحين وغيرهما أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وفي لفظ فعنده مسجده وطهوره، وللترمذي وغيره وصححه إن الصعيد الطيب طهور المسلم، قال الشيخ: وكل من امتنع عن الصلاة بالتيمم فإنه من جنس اليهود والنصارى، فإن التيمم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وذكر هذا الحديث وعد النيسابوري وغيره أن الذي اختص به النبي صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء أكثر من ستين خصلة وعدها بعض المتأخرين إلى ثلاثمائة والتحقيق أنها لا تحصر. (¬2) يعني إلى هذه الأمة، والتوسعة ضد التضييق، والإحسان ضد الإساءة. (¬3) أي اقصدوا ترابا طاهرا، وهذا مذهب الشافعي وأحمد، وفي الحديث وجعلت تربتها لنا طهورا وقال ابن كثير: الصعيد هو كل ما صعد على وجه الأرض فيدخل فيه التراب والرمل، والحجر والنبات، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة، وقال الزجاج وغيره، لا أعلم بين أهل العلم خلافا في أن الصعيد وجه الأرض، ترابا كان أو غيره، وقال الفراء وغيره: التراب، ولاختلاف أهل اللغة اختلف أهل العلم، وذهب أهل التحقيق إلى أن المتعين التراب مع وجوده، وإلا فالرمال ونحوها، والطيب الطاهر بالإجماع والآية، بالنصب على تقدير: اقرأ الآية، وبالرفع على تقدير: الآية مقروءة.

(وهو) أي التيمم (بدل طهارة الماء) (¬1) لكل ما يفعل بها عند العجز عنه شرعا (¬2) . ¬

_ (¬1) أي عوض، وخلف عن الماء، لأنه مرتب عليه يجب فعله عند عدمه، ولا يجوز مع وجوده إلا لعذر، وهذا شأن البدل، وقال صلى الله عليه وسلم فعنده مسجده وطهوره وعبارة المبدع: وهو مشروع، أي يجب حيث يجب التطهر بالماء، ويسن حيث يسن، والأكثر على أنه مبيح لا رافع، فلا يستبيح به إلا ما نواه، وقال بعضهم: يقوم مقام الماء مطلقا، يستبيح به كلما يستبيح بالماء، وهو قول كثير من أهل العلم ومذهب أبي حنيفة، والرواية الثانية عن أحمد، وقال: هذا هو القياس، أي أن التيمم بمنزلة الطهارة، يباح به كل ما يباح بالماء، قال الشيخ: وهذا القول هو الصحيح، وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار فإن الله جعل التيمم مطهرا، كما جعل الماء مطهرا، وفي الحديث وجعلت تربتها لنا طهورا ولأنه بدل فيساوي مبدله، إلا ما خرج بالدليل، فهو رافع للحدث مطهر لصاحبه لكن رفعا مؤقتا، إلى أن يقدر على استعمال الماء، وعلى هذا القول الصحيح يتيمم قبل الوقت إن شاء ويصلي ما لم يحدث أو يقدر على استعمال الماء، وإذا تيمم لنفل صلى به فريضة، ويجمع بالتيمم الواحد بين فرضين ويقضي به الفائت، وأجمعوا على أنه يجوز للجنب كما يجوز للمحدث، لا فرق لكن إذا وجده الجنب وجب عليه الاغتسال إجماعا، للأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره له به. (¬2) أي التيمم بدل عن الطهارة بالماء لكل ما يفعل بطهارة الماء من الصلاة والطواف وسجود التلاوة وقراءة القرآن ونحو ذلك، عند العجز عن الماء، لعدم أو مرض ونحوهما وشرعا، أي بدل من جهة الشرع، وإن لم يعجز عنه حسا، بأن لم يكن موجودا أصلا، من غير فرق بين الجنب وغيره، إلا ما استثناه الشارع في وجود الجنب للماء، لقوله فليمسه بشرته، سوى نجاسة على غير بدن، ولبث بمسجد لحاجة، فإنه لا يصح في الأولى، ولا يجب في الثانية، ويباح لعدم الماء ونحوه مجامعة زوجته وسريته بلا كراهة، اختاره الشارح والشيخ وغيرهما.

من شروط التيمم الإسلام والعقل والتمييز

كصلاة وطواف ومس مصحف وقراءة قرآن ووطء حائض طهرت (¬1) ويشترط له شرطان (¬2) أحدهما: دخول الوقت (¬3) وقد ذكره بقوله (إذا دخل وقت فريضة) (¬4) أو منذورة بوقت معين (¬5) أو عيد أو وجد كسوف (¬6) أو اجتمع الناس لاستسقاء أو غسل الميت (¬7) أو يمم لعذر (¬8) . ¬

_ (¬1) وسجود تلاوة ولبث بمسجد ونحوه، وهل يكره لمن لم يخف العنت؟ فيه روايتان: إحداهما لا يكره اختاره الشيخ، وقال الشارح: الأولى إباحتها من غير كراهة، قال ابن رزين: وهو الأظهر. (¬2) زيادة على شروط مبدله، وهو الماء، وعدها بعضهم: الإسلام والعقل والتمييز والنية، واستنجاء أو استجمار وإزالة ما على بدن من نجاسة ذات جرم، ومبالغة في استجمار وحك النجاسة من بدنه غير المعفو عنها. (¬3) أي الوقت الذي يريد أن يتيمم له، فلا يجزئ قبله. (¬4) يريد التيمم لها، فلا يجوز لصلاة مفروضة قبل دخول وقتها. (¬5) كمن نذر صلاة ركعتين بعد الزوال بعشر درجات مثلا، والمطلقة كل وقت. (¬6) أي يصح التيمم عند وجود كسوف إذا لم يكن وقت نهي. (¬7) أي ويصح لصلاة جنازة إذا غسل الميت، وظاهره ولو لم يكفن. (¬8) من نحو تقطع أو عدم ماء، فلو يمم الميت، وتيمم المصلون، ثم قبل الدخول في الصلاة وجد الماء يكفيه فقط بطل تيممه، وهل يبطل تيممهم لأنه يصدق عليه حينئذ أنه وجد قبل طهارة الميت؟ ظاهر كلامهم يبطل، وعموم قولهم: إذا غسل الميت يشمل ذلك.

أو ذكر فائتة وأراد فعلها (¬1) (أو أبيحت نافلة) بأن لا يكون وقت نهي عن فعلها (¬2) الشرط: الثاني تعذر الماء (¬3) وهو ما أشار إليه بقوله (وعدم الماء) حضرا كان أو سفرا (¬4) . ¬

_ (¬1) صح عند إرادة فعلها، لصحة فعلها كل وقت. (¬2) فلا يصح وإلا صح لأن ذلك وقتها وهذا قول مالك والشافعي، وعنه يصح قبل الوقت، قال ابن رزين وغيره: هي أصح. وهو قول أبي حنيفة، وفي المبدع: والقياس أن التيمم بمنزلة الطهارة حتى يجد الماء أو يحدث، فعلى هذا يجوز قبله كالماء، ويشهد له عموم قوله صلى الله عليه وسلم «الصعيد الطيب طهور المسلم» ولأنه بدل، فيساوى بمبدله، واختاره الشيخ، وقال ابن رشد: التوقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمعي اهـ، ولأنها طهارة مشروطة للصلاة فأبيح تقديمها على الوقت، كسائر الطهارة، فيتيمم لفرض معين قبل وقته، ولنفل غير معين وقت النهي، وقال الشيخ: يتيمم قبل الوقت كما يتوضأ قبل الوقت، وهو قول كثير من أهل العلم، وقال أحمد: هو القياس وهذا القول هو الصحيح، وعليه يدل الكتاب والسنة والآثار، والتيمم قبل الوقت مستحب، كما أن الوضوء قبل الوقت مستحب، وقولهم: طهارة ضرورية فيتقدر بقدر الحاجة، قيل: نعم؟ والإنسان محتاج أن يزال على طهارة، فيتطهر قبل الوقت، فإنه محتاج إلى زيادة الثواب اهـ، والنافلة ما عدا الفريضة من التطوعات، سميت بذلك لأنها زائدة على الفريضة ويزيد بها الثواب. (¬3) أي تعسر استعماله وتعذر الشيء، تمنع، والأمر تعصب. (¬4) شرع التيمم اتفاقا، لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} وقوله صلى الله عليه وسلم «الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين» فلم يخص موضعا دون موضع، وقال الشيخ: اتفق المسلمون على أن المسافر إذا عدم الماء صلى بالتيمم ولا إعادة عليه اهـ ويتصور عدمه في الحضر بحبس أو غيره، كعجزه عن تناوله من بئر ونحوها، كعجز مريض عن الحركة، وعمن يوضئه، والتقييد بالسفر في الآية خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، ومثل هذا لا يكون مفهومه حجة بالاتفاق.

قصيرا كان أو طويلا (¬1) مباحا كان أو غيره (¬2) فمن خرج لحرث أو احتطاب ونحوهما (¬3) ولا يمكنه حمل الماء معه، ولا الرجوع للوضوء إلا بتفويت حاجته فله التيمم ولا إعادة عليه (¬4) (أو زاد) الماء (على ثمنه) أي ثمن مثله في مكانه (¬5) بأن لم يبذل إلا بزائد (كثيرا) عادة (¬6) . ¬

_ (¬1) وهذا من الأحكام التي يستوي فيها الطويل من السفر والقصير، والثاني أكل الميتة، والثالث التطوع على الراحلة، وبقية الرخص تختص بالطويل على القول به. (¬2) أي أو غير مباح يعني السفر تيمم، لأنه عزيمة كمسح الجبيرة فلا يجوز تركه، ولو كان سفر معصية. (¬3) كأخذ حشيش أو صيد دياس ونحو ذلك. (¬4) قال في الفروع: حمله في المنصوص إن أمكنه وتيمم إن فاتته حاجته برجوعه، ولا يعيد في الأصح فيهما اهـ والمراد حاجته المباحة، وقال الشيخ وغيره: وكل من صلى في الوقت كما أمر بحسب الإمكان فلا إعادة عليه، وسواء كان العذر نادرا أو معتادا، وقاله أكثر العلماء. (¬5) أي مكان تعذره. (¬6) أي كثيرا عما جرت العادة به في شراء المسافر له في تلك البقعة أو مثلها تيمم على الصحيح، وإن لم يكن معه ثمن وهو يقدر عليه في بلده ووجده يباع بثمن في الذمة لم يلزمه وتيمم لأن عليه ضررا في إبقاء الدين في ذمته، وربما تلف ماله قبل أدائه.

(أو) بـ (ثمن يعجزه) (¬1) أو يحتاج له (¬2) أو لمن نفقته عليه (¬3) (أو خاف باستعماله أي باستعمال الماء ضررا (¬4) . ¬

_ (¬1) تيمم لأن العجز عن الثمن يبيح الانتقال إلى البدل، كالعجز عن الرقبة في الكفارة، وكذا لو حمله وفقده، أو لم يحمله لغير عذر كما لو كانت حاجته في قرية أخرى، ولو كانت قريبا تيمم، لأنه لا فرق بين بعيد السفر وقريبه، لعموم {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} . (¬2) إما لنفقة أو كسوة، أو قضاء دين لله أو لآدمي، حال أو مؤجل، يحل قبل وصوله، إلى وطنه أو بعده، ولا مال له هناك، تيمم وإلا وجب الشراء ولم يصح التيمم. (¬3) أي أو يحتاج له لأجل نفقة تجب عليه كنفقة زوجته وابنه وأبيه ونحوهم، شرع له التيمم، وإلا فكواجد للماء، قال ابن القيم: وألحقت الأمة واجد ثمن الماء بواجده. (¬4) في بدنه تيمم وفاقا وحكاه ابن المنذر إجماعا، سواء كان خوف الضرر من قروح أو جراحات ونحوها لقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ولحديث صاحب الشجة أو برد شديد لحديث عمرو بن العاص، وليس المراد بخوف الضرر أن يخاف التلف، بل يكفي أن يخاف منه نزلة أو مرضا، ولو كان خوفه على نفسه من البرد حضرا، فيتيمم دفعا للضرر، أو خاف باستعماله احتياجه لعجن أو طبخ، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المسافر إذا كان معه ماء فخشي العطش أنه يبقي الماء للشرب ويتيمم.

(أو) خاف بـ (طلبه: ضرر بدنه (¬1) أو) ضرر (رفيقه (¬2) أو) ضرر (حرمته) أي زوجته أو امرأة من أقاربه (¬3) (أو) ضرر (ماله (¬4) بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه) (¬5) . ¬

_ (¬1) كأن يكون بينه وبين الماء سبع أو حريق أو لص ونحوه، خوفا محققا لا جبنا أو كان خوفه بسبب ظنه، فتبين عدمه، كسواد رآه ليلا فظنه عدوا فتبين عدمه بعد أن تيمم، غير جبان يخاف بلا سبب يخاف منه، أو خافت امرأة فساقا تيمم وصلى وفاقا، ولم يعد وقال الشيخ وغيره في المرأة إن خافت فساقا، يحرم خروجها إليه، وقال: وتصلي المرأة بالتيمم عن الجنابة إذا كان يشق عليها تكرار النزول إلى الحمام، ولا تقدر على الاغتسال في البيت، وفي الإنصاف: لو خاف فوت رفقته ساغ له التيمم، وقيل ولو لفوت الإلف والإنس. (¬2) أي أو خاف باستعماله ضرر رفيقه المحترم، من عطش ونحوه، شرع له التيمم وفاقا، لأن حرمة الآدمي تقدم على الصلاة، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على جواز تيمم من يحتاج الماء للعطش، وأنه كالعادم يتيمم مع وجود الماء. (¬3) كعمته وخالته، وفي عبارته قصور، فلو قال كما في المنتهى، أو عطش نفسه أو غيره من آدمي أو بهيمة محترمين، لكان أولى، وعبارة المقنع: أو رفيقه أو بهيمة قال في المبدع: وكذا إن كانت لغيره، لأن للروح حرمة، وسقيها واجب، وقصة البغي مشهورة، قال ابن القيم: وألحقت الأمة من خاف على نفسه أو بهائمه من العطش إذا توضأ بالعادم. (¬4) أي أو خاف باستعمال الماء أو طلبه ضرر ماله شرع له التيمم وفاقا. (¬5) كشرود أو سرقة أو فوات مطلوبه كعدو خرج في طلبه، أو آبق أو شارد يريد تحصيله لأن في فوته ضررا وهو منفي شرعا قال في الإنصاف وغيره: إذا خاف على نفسه العطش حبس الماء وتيمم بلا نزاع، وحكاه ابن المنذر إجماعا.

كخوفه باستعماله تأخر البرء (¬1) أو بقاء أثر شين في جسده (¬2) (شرع التيمم) أي وجب لما يجب الوضوء أو الغسل له، وسن لما يسن له ذلك، وهو جواب: إذا من قوله: إذا دخل وقت فريضة (¬3) ويلزم شراء ماء وحبل ودلو، بثمن مثل (¬4) . ¬

_ (¬1) أي تأخر الشفاء، شرع له التيمم وفاقا، وهل يعتبر في ذلك قول طبيب عارف أو بمجرد خوفه على نفسه؟ قال في الغاية: ويتجه: أو يعلم ذلك من نفسه. (¬2) أو تطاول المرض بسبب استعماله الماء، تيمم وفاقا لقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} الآية ولو كان باطنا، إن أخبره به طبيب مسلم ثقة، أو علمه هو بنفسه والمرض على ثلاثة أضرب: أحدها يسير لا يخاف من استعمال الماء معه تلفا ولا مرضا، ولا إبطاء برء، ولا زيادة ألم كصداع ووجع ضرس، وحمى لا يضر معها، وشبه ذلك، فهذا لا يجوز له التيمم بلا نزاع، الثاني مرض يخاف معه من استعمال الماء تلف النفس أو عضو، أو حدوث مرض يخاف منه تلف النفس، أو عضو أو فوات منفعة عضو، فهذا يجوز له التيمم إجماعا، الثالث: أن يخاف بطء البرء أو زيادة المرض، وهي كثرة الألم، وإن لم تطل مدته، أو شدة الضناء وقيل النحاف والضعف، أو خاف حصول شيء، أو بقاء أثر شيء على عضو ظاهر جاز وفاقا للثلاثة، وهو قول جمهور العلماء سلفا وخلفا، لظاهر الآية، وعموم البلوى، حكاه غير واحد، وفي الإقناع وشرحه: يصح التيمم لعجز مريض عن الحركة وعمن يوضئه إذا خاف فوت الوقت، إن انتظر من يوضئه وعجزه عن الاغتراف ولو بفمه، ولأنه كالعادم للماء، فإن قدر على الاغتراف بفمه، أو غمس أعضائه في الماء الكثير لزمه ذلك، لقدرته على استعمال الماء. (¬3) أو أبيحت نافلة، وعدم الماء، إلى آخره، دفعا للضرر والحرج. (¬4) في تلك البقعة أو مثلها غالبا بلا خلاف، لأنه قادر على استعمال من غير ضرر.

أو زائد يسيرا (¬1) فاضل عن حاجته (¬2) واستعارة الحبل والدلو (¬3) وقبول الماء قرضا وهبة (¬4) وقبول ثمنه قرضا، إذا كان له وفاء (¬5) ويجب بذله لعطشان ولو نجسا (¬6) . ¬

_ (¬1) بالنصب صفة لمحذوف، وشرط الزيادة اليسيرة أن لا تجحف بماله على الأصح، أو عرفا وهو الأولى، وقال النووي: وبأكثر من ثمن المثل لا يلزمه بلا خلاف، لكن الأفضل أن يشتريه، وهو قول جماهير السلف والخلف. (¬2) كقضاء دينه، ونفقة ومؤونة سفر له ولعياله، فلا يلزمه الشراء بما يحتاج إليه، ولا بثمن في ذمته، ولو وجده يباع بنسيئة، وقدر عليه في بلده، لكنه أفضل. (¬3) أي ويلزمه طلب الحبل والدلو ولو عارية، ليحصل بهما الماء، صححه في تصحيح الفروع، لأن المنة في ذلك يسيرة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. (¬4) ومفهومه عدم استقراض ذلك واتهابه، لما في ذلك من المنة، وصوب في تصحيح الفروع أنه لا يجب اتهابه. (¬5) قال الشيخ: وقال: ويلزمه قبول الماء قرضا لأن المنة له في ذلك يسيرة في العادة فلا يضر احتماله اهـ ولو وهب له ثمن الماء لم يلزمه، حكاه إمام الحرمين وغيره إجماعا. (¬6) أي ويجب على من معه ماء فاضل عن حاجة شربه فقط بذله بقيمته لعطشان محترم محتاج إليه، يخشى تلفه في أصح الوجهين، وجزم به الشيخ وغيره، ولو خاف العطش بعد هو أو أهله لم يجب دفعه إليه، وقيل: بل بثمنه إن وجب الدفع عن نفس العطشان وإلا فلا، وصوب غير واحد وجوب حبس الماء لعطش الغير المتوقع وخوف العطش على نفسه بعد دخول الوقت، وقوله: ولو نجسا، لأنه إنقاذ من هلكة ولو توضأ العطشان ولم يشرب كان عاصيا، ولا يلزم بذله الماء لطهارة الغير بحال، وفي الإنصاف وغيره: لغير الوالدين، وذكر ابن القيم أنه لا يمتنع أن يؤثر بالماء من يتوضأ به ويتيمم هو، وإن كان لشخصين ولا يكفي إلا أحدهما اقترعا أو يقسم بينهما.

من وجد ماء يكفي بعض طهره تيمم بعد استعماله

(ومن وجد ماء يكفي بعض طهره) من حدث أكبر أو أصغر (تيمم بعد استعماله) (¬1) ولا يتيمم قبله (¬2) ولو كان على بدنه نجاسة وهو محدث غسل النجاسة وتيمم للحدث بعد غسلها (¬3) . وكذلك لو كانت النجاسة في ثوبه (¬4) (ومن جرح) وتضرر بغسل الجرح (¬5) . ¬

_ (¬1) أي تيمم للباقي بعد استعمال الماء لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ولقوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فدل على وجوب استعمال الماء الذي يكفي لبعض الطهارة. (¬2) أي لا يتيمم قبل استعمال الماء في بعض طهره وجوبا، قال في الإنصاف وغيره: وهو المذهب وعليه الجمهور، وجزم به، واختاره غير واحد، وفي التلخيص: يلزمه في الجنابة رواية واحدة اهـ لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} فاعتبر استعماله أولا ليتحقق الشرط الذي هو عدم الماء، وذكر المجد وغيره أن الجنب إذا وجد ماء يكفي أعضاء وضوئه استعمله فيها ناويا رفع الحدثين، ليحصل له كمال الطهارة الصغرى وبعض الكبرى. (¬3) أي النجاسة: نص عليه، وقال الشارح: لا نعلم فيه خلافا ولو كانت في محل يكفي فيه الاستجمار، وقال المجد: إلا أن تكون النجاسة في محل يصح تطهيره من الحدث فيستعمل. (¬4) أو بقعته اللتين لا يمكنه الصلاة في غيرهما غسل ذلك أولا ثم تيمم. (¬5) أو كان به قروح أو رمد ونحوها وهو جنب أو محدث تيمم له وغسل الباقي، لقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ولما رواه البزار وصححه ابن خزيمة عن ابن عباس مرفوعا في قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} قال: إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله، أو القروح فيجنب فيخاف أن يموت إن اغتسل تيمم.

أو مسحه بالماء (تيمم له) (¬1) ولما يتضرر بغسله مما قرب منه (¬2) (وغسل الباقي) فإن لم يتضرر بمسحه وجب وأجزأ (¬3) وإن كان جرحه ببعض أعضاء وضوئه لزمه إذا توضأ مراعاة الترتيب، فيتيمم له عند غسله لو كان صحيحا (¬4) ومراعاة الموالاة فيعيد غاسل الصحيح عند كل تيمم (¬5) . ¬

_ (¬1) أي أو تضرر بمسح الجرح بالماء تيمم له وغسل الباقي. (¬2) أي ويتيمم لما يتضرر بغسله مما قرب من الجرح ونحوه، لاستوائهما في الحكم. (¬3) أي وجب مسحه بالماء وأجزأ عن الغسل، لأن المسح بالماء بعض الغسل، ومحله إذا كان العضو الجريح طاهرا لا نجاسة عليه، فإن كان نجسا فقال في التلخيص: يتيمم ولا يمسح عليه قولا واحدا اهـ وقال الشيخ مسح الجرح بالماء أولى من مسح الجبيرة وهو خير من التيمم، ونقله الميموني عن أحمد، واختاره ابن عقيل. (¬4) أي فإن كان الجرح ونحوه في الوجه وعمه تيمم أولا ثم أتم وضوءه وإن كان في بعضه خير بين أن يغسل صحيحه ثم يتيمم لجرحه وعكسه، وإن كان في بعض عضو آخر لزمه غسل ما قبله، وإن كان في بعض أعضاء وضوئه احتاج في كل عضو إلى تيمم، وقال شيخ الإسلام لا يلزمه مراعاة الترتيب، وهو الصحيح من مذهب أحمد وغيره، وقال: الفصل بين أعضاء الوضوء بالتيمم بدعة، واختاره المجد وغيره، وقال ابن رزين: هو أصح، ولما في ذلك من الحرج المنتفي شرعا. (¬5) أي وإذا كان جرحه ببعض أعضاء وضوئه لزمه إذا توضأ مراعاة الموالاة # فيعيد غسل الصحيح عند كل تيمم لوجوبها فيه، كما لو أخر غسله حتى فاتت الموالاة، وتقدم أنها لا تراعى في ذلك.

بخلاف غسل الجنابة فلا ترتيب فيه ولا موالاة (¬1) (ويجب) على من عدم الماء إذا دخل وقت الصلاة (طلب الماء في رحله) (¬2) بأن يفتش في رحله ما يمكن أن يكون فيه (¬3) (و) في قربه (¬4) بأن ينظر خلفه وأمامه وعن يمينه وعن شماله (¬5) . ¬

_ (¬1) فلو اغتسل لجنابة ثم تيمم لنحو جرح وخرج الوقت لم يعد سوى التيمم، لأنه لا يعتبر فيه ترتيب ولا موالاة. (¬2) أي يجب على من عدم الماء وظن وجوده، أو شك في وجوده ولم يتحقق عدمه: طلب الماء، رواية واحدة، قاله ابن تميم وغيره، وذلك إذا دخل وقت الصلاة، فإنه لا أثر لطلبه قبل دخول وقتها، إذ هو غير مخاطب بالتيمم قبله، ولأنه سبب للصلاة يختص بها فلزمه الاجتهاد في طلبه عند الإعواز، في رحله أي فيما يسكنه من حجر أو مدر أو شعر أو وبر، ويقع على متاعه وأثاثه، لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} ولا يقال: لم يجد إلا لمن طلب، ولأنه بدل، فلا يجوز العدول إليه قل طلب المبدل، وإن تيقن عدمه تيمم بلا طلب، رواية واحدة، قاله غير واحد، وعده الموفق وغيره شرطا ثالثا، وفاقا للشافعي. (¬3) كأوان يوضع فيها، وأما الذي لا يمكن فيه فطلب للمحال، ولا يجب بلا ريب ويفتش للمبالغة، أي يستقصي في الطلب. (¬4) عرفا ولا يتقيد بميل ونحوه، ولا بمدى الغوث. (¬5) إذا كانت أرضا جاهلا بها فإن كان ذا خبرة بها ولم يعلم أن فيها ماء لم يلزمه، ومثل ذلك ما جرت العادة بالسعي إليه مما هو عادة القوافل ونحوهم.

فإن رأى ما يشك معه في الماء قصده فاستبرأه (¬1) ويطلبه من رفيقه (¬2) فإن تيمم قبل طلبه لم يصح، ما لم يتحقق عدمه (¬3) (و) يلزمه أيضا طلبه (بدلالة) ثقة (¬4) إذا كان قريبا عرفا (¬5) . ¬

_ (¬1) إن ظن به ماء كخضرة وطير، وركب قادم يحتمل وجود الماء معه، أو يظنه أو يتوهمه أو كان بقربه ربوة أو شيء قائم فيجب إجماعا، مع ظن وجوده، وذلك مشروط بانتفاء الضرر من سرقة ونحوها، كما تقدم فإن تحقق عدمه لم يلزمه طلبه لأنه لا أثر لطلب شيء محقق العدم. (¬2) إما بسؤال عن موارده، أو معه ليبيعه أو يبذله له، وتقدم أن الإتهاب لا يلزمه، فلعل ما تقدم إذا لم يكن من رفيقه، وقد صرح الأصحاب أن المراد بالرفقة الذين معه ممن تلزمه مؤونتهم في السفر، ومن كان له رفقة يعمل عليهم طلبه منهم، قال في الشرح: والرفيق الذي يدلي عليه، أي لا يستحي من سؤاله. (¬3) أي لم يصح تيممه ما لم يتحقق عدم الماء وفاقا، لأنه لا أثر له، ولأنه إذا تحقق عدمه لم يلزمه الطلب، ولا فائدة لذلك الطلب، سواء كان مسافرا أم لا، والمراد بالتحقق غلبة الظن، وإذا طلبه لصلاة ولم يجده وتيمم ثم دخل وقت صلاة أخرى فإنه يطلب الماء للصلاة الثانية، لأنها في حكم الأولى، في توجه الخطاب بالطلب، وذلك إذا كان في غير الموضع الذي كان فيه في وقت الصلاة الأولى، أو كان فيه وحدث ما يوجب توهم وجود الماء، وأما إذا كان بموضعه الأول، ولم يحدث ما يقتضي توهم وجود الماء، فلا يلزمه الطلب حينئذ، لأنه قد تحقق عدمه. (¬4) عدل ضابط لا بضده. (¬5) لقدرته على استعماله، ولأنه إذا سعى إليه لشغله الدنيوي، فالديني أولى، وذكر النووي وغيره، لو علم ماء بمحل يصله مسافر لحاجته كاحتشاش واحتطاب وجب طلبه منه اهـ وقدره بعضهم بنصف فرسخ، ويختلف باختلاف الأحوال.

ولم يخف فوت وقت ولو المختار (¬1) أو رفقة أو على نفسه أو ماله (¬2) ولا يتيمم لخوف فوت جنازة (¬3) . ¬

_ (¬1) بأن ظن أنه لا يدرك الصلاة بوضوء إلا وقت الضرورة فإن خاف تيمم. (¬2) أي ولم يخف فوت رفقة بضم الراء، وظاهره، ولو لفوت الألفة والأنس للنهي عن الوحدة في السفر، أو لم يخف على نفسه خوفا محققا لا جبنا بأن لم يكن بينه وبين الماء أسد ونحوه، أو لص أو امرأة من فجار، ومثلها أمرد، أو لم يخف على ماله كشرود دابته، فإذا انتفت هذه المذكورة ونحوها لزمه طلبه، إذا كان قريبا عرفا، فإن خاف شيئا من نحو ما ذكر تيمم. (¬3) مع وجود الماء هذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب، وعنه يجوز، اختاره الشيخ، وإليه ميل جده، وابن عبد القوي، ويروى ذلك عن عمر وابن عباس، وهو مذهب الحنفية، وقول أكثر الفقهاء، وقال الحافظ: وقد ذهب جمع من السلف إلى أنه يجزئ لها التيمم لمن خاف فوتها لو تشاغل بالوضوء، وفيه حديث مرفوع وسنده ضعيف اهـ، وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام تيمم لرد السلام، وابن عمر تيمم وصلى على جنازة، وعن ابن عباس، في الرجل تفجؤه الجنازة قال: يتيمم ويصلي عليها، ولأنه يخاف فوتها فأشبه العادم، والمراد فوتها مع الإمام، وقال جماعة: وإن أمكنه الصلاة على القبر لكثرة وقوعه، فتعظم المشقة، واختار الشيخ: إن خاف فوت عيد وفاقا لأبي حنيفة، وسجود التلاوة وجمعة وأنه أولى من الجنازة، لأنها لا تعاد، وفي الاختيارات: قال أبو بكر عبد العزيز والأوزاعي والحنفية: بل لمن خاف فوات الجمعة ممن انتقض وضوءه وهو بالمسجد قال في الإنصاف: وهو قول قوي في النظر، وقال الشيخ: أصح أقوال العلماء أنه يتيمم لكل ما يخاف فوته، كالجنازة وصلاة العيد، فإن الصلاة بالتيمم خير من تفويت الصلاة، وقال: ويجوز التيمم لمن يصلي التطوع بالليل، وإن كان في البلد، ولا يؤخر ورده إلى النهار.

ولا وقت فرض (¬1) إلا إذا وصل مسافر إلى الماء، وقد ضاق الوقت (¬2) أو علم أن النوبة لا تصل إليه إلا بعده (¬3) أو علمه قريبا وخاف فوت الوقت إن قصده (¬4) . ¬

_ (¬1) أي ولا يتيمم لخوف فوت وقت فرض مع وجود الماء، بل يستعمله لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} قال الشيخ: وأما إن استيقظ قرب طلوع الشمس فيتوضأ ويغتسل بحسب ما يمكنه، وإن طلعت الشمس، وعند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإحدى الروايتين عن مالك، ويكون فعلها بعد طلوع الشمس فعلا لها في الوقت الذي أمر الله بالصلاة فيه، وقال: الواجب في حقه عند جمهور العلماء أن يغتسل وإن طلعت عليه الشمس، ولا يجزئه التيمم لأنه واجد للماء، وإن كان غير مفرط في نومه فلا إثم عليه. (¬2) ولو المختار عن طهارته تيمم وصلى، جزم به في المغني والشرح والمحرز وغيرهم، وقال الشيخ: المسافر إذا وصل إلى الماء وقد ضاق الوقت فإنه يصلي بالتيمم على قول جمهور العلماء، وكذلك لو كان هناك بئر لكن لا يمكن أن يصنع له حبلا حتى يخرج الوقت، أو يمكن حفر الماء ولا يحفر حتى يخرج الوقت، فإنه يصلي بالتيمم، قال المجد: وعلم منه أنه لو وصل إليه وأمكنه الصلاة به في الوقت فأخر حتى خشي الفوات فكالحاضر، لأن قدرته قد تحققت، فلا يبطل حكمها بتأخيره. (¬3) أي أو علم المسافر أن النوبة أي الحصة لا تصل إلى الماء إلا بعد الوقت فيتيمم لعدم قدرته على استعماله في الوقت، والنوبة اسم من المناوبة، يقال: جاءتك نوبتك أي حصتك، وحكم من في السفينة كواجد البئر، إن لم يمكنه الوصول إل الماء إلا بمشقة أو تغرير بنفسه فهو كالعادم. (¬4) أي أو علم المسافر الماء قريبا عرفا، وخاف فوت الوقت ولو المختار إن قصد الماء تيمم وصلى، ولا إعادة عليه، وقال الشيخ: إذا استيقظ أول الوقت وعلم أنه لا يجد الماء إلا بعد الوقت فإنه يصلي بالتيمم بالإجماع، وقال فيمن يمكنه الذهاب إلىالحمام، لكن لا يمكنه الخروج منه حتى يفوت الوقت، كالمرأة معها أولادها ولا يمكنها الخروج حتى تغسلهم ونحو ذلك فالأظهر يتيمم ويصلي خارج الحمام.

ومن باع الماء أو وهبه بعد دخول الوقت ولم يترك ما يتطهر به حرم، ولم يصح العقد (¬1) ثم إن تيمم وصلى لم يعد إن عجز عن رده (¬2) (فإن) كان قادرا على الماء لكن (نسي قدرته عليه) (¬3) أو جهله بموضع يمكن استعماله (¬4) (وتيمم) وصلى (أعاد) (¬5) . ¬

_ (¬1) لمن ليس له غرض صحيح كمحتاج لشربه ونحوه، لتعلق حق الله به، فلو تطهر به من أخذه فقد قيل بعدم الصحة، لأنه مقبوض بعقد فاسد، ما لم يجهل الحال فيصح، فإن كان لمحتاج لشربه ونحوه صح ولا حرمة، لوجوبه إذا، وأما لو مر بماء قبل الوقت أو كان معه فأهراقه قبل الوقت، ثم دخل الوقت وعدم الماء فلا إثم عليه، ويصلي بالتيمم ولا إعادة عليه، وإن أهراقه في الوقت فهو عاص، وقال في الإنصاف: يحرم بلا نزاع، ويجوز له التيمم، فإن مقتضى الفقه أن كل من فرط وضيع الحزم حتى اضطر للتيمم تيمم ولا إعادة عليه قاله الشيخ وغيره. (¬2) لأنها صلاة بتيمم صحيح لعدم قدرته على الماء حينئذ. (¬3) بأن وصل إلى بئر لا يقدر على الغسل منه، وفي رحله دلو ورشاء لكن نسيه أعاد وكذا لو نسي ثمنه. (¬4) بأن كان الماء في رحله أو بقربه في بئر أعلامها ظاهرة، وكان يتمكن من تناوله منها، أو مع عبده ولم يعلم به السيد. (¬5) في الجميع لقدرته، ولم يصح تيممه، كمن صلى ناسيا حدثه.

إن نوى بتيممه أحداثا متنوعة أجزأه عن الجميع وعند الجمهور يجزئ، إن نوى أحدهما عن الآخر.

لأن النسيان لا يخرجه عن كونه واجدا (¬1) وأما من ضل عن رحله وبه الماء وقد طلبه (¬2) أو ضل عن موضع بئر كان يعرفها وتيمم وصلى فلا إعادة عليه (¬3) لأنه حال تيمم لم يكن واجدا للماء (¬4) (وإن نوى بتيممه أحداثا) متنوعة توجب وضوءا أو غسلا أجزأه عن الجميع (¬5) . ¬

_ (¬1) ولأن شرط إباحة التيمم عدم الوجدان، ولأن الطهارة تجب مع العلم والذكر، فلا تسقط بالنسيان والجهل، وعنه: لا إعادة عليه وفاقا لأبي حنيفة وأحد القولين لمالك والشافعي، لقوله عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما في معناه من الكتاب والسنة، ولأنه مع النسيان غير قادر أشبه العادم، ومثله الجاهل وأولى، وصحح في المغني والشرح أنه لا إعادة، لأنه ليس بواجد وغير مفرط، وقال النووي، وغيره: إن كان في رحله ونسيه فالصحيح أنه لا يعيد، وفاقا لأبي حنيفة، ورواية عن مالك، لحديث إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، ولأنه صلى على الوجه الذي يلزمه ذلك الوقت، فلم تلزمه الإعادة، ولأن النسيان عذر حال بينه وبين الماء وقال تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} ولأنه صلى ولم يعلم معه ماء، فلم تلزمه الإعادة. (¬2) أي طلب رحله فلم يجده فتيمم أجزأه. (¬3) في ثلاث صور: ضل عن موضع بئر كان يعرفها، أو أعلامها خفية، ولم يكن يعرفها، أو كانت خفية وكان عارفا بها وضل عنها، فيجزئه التيمم في الثلاث بلا إعادة. (¬4) فدخل في قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} ولأنه غير مفرط، والله تعالى لم يوجب على العبد الصلاة مرتين، إلا إذا حصل منه إخلال بواجب، أو فعل محرم، ولم يأمر أحدا أن يصلي الصلاة ويعيدها. (¬5) أي نوى ما تسبب عنه وجوبهما، أو أحدهما أجزأه التيمم عنهما لأن كل واحد يدخل في العموم فيكون منويا.

وكذا لو نوى أحدها أو نوى بتيممه الحدثين (¬1) ولا يكفي أحدهما عن الآخر (¬2) (أو) نوى بتيممه (نجاسة على بدنه تضره إزالتها (¬3) أو عدم ما يزيلها) به (¬4) . ¬

_ (¬1) أي نوى بتيممه أحد أسباب الحدث أجزأه أو نوى بتيممه الحدث الأصغر والأكبر أجزأ عنهما، والحاصل أنه لو نوى أحد أسباب الحدثين بتيممه، أو الحدث الأكبر والأصغر أجزأ كأن يوجد منه نوم وخروج خارج، فينوي بتيممه النوم مثلا لا بشرط عدم نية غيره أجزأ عن خروج الخارج، وهكذا، وقال الموفق وغيره: يجوز التيمم للحدث الأصغر إذا وجدت الشروط بغير خلاف، وللجنابة، إلا ما روي عن عمر وابن مسعود، لما تقدم من الأخبار. (¬2) أي الأكبر عن الأصغر وعكسه وفاقا لمالك، وعنه: يجزئ وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ومقتضى القواعد الشرعية، وقال الشيخ: يجزئه عند جمهور العلماء. (¬3) أو يضره الماء الذي يزيلها به، فإذا عجز سقط وجوب إزالتها. (¬4) من ماء أو غيره أجزأه التيمم، وعنه لا يتيمم لها لأن الشرع إنما ورد بالتيمم للحدث، وغسل النجاسة ليس في معناه، واختاره ابن حامد وابن عقيل وغيرهما. والشيخ وقال: هو قول جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأبي حنيفة لأن التيمم إنما جاء في طهارة الحدث، دون طهارة الخبث، وهذا أصح، لأنه لو شرع التيمم لذلك لشرع للمستحاضة ونحوها، وعمر صلى وجرحه يثعب بل إذا عجز عن إزالة النجاسة سقط وجوب إزالتها، وجازت الصلاة معها بدون تيمم، وأما التميم للنجاسة على الثوب فلا نعلم به قائلا من العلماء، بل كلهم متفقون على أن النجاسة في الثوب والأرض لا يتيمم لها اهـ، وقال غير واحد: لا يصح تيممه عن نجاسة على بدنه، عند جمهور العلماء، إلا أحمد في قول لم يتابع عليه.

(أو خاف بردا) (¬1) ولو حضرا مع عدم ما يسخن به الماء بعد تخفيفها ما أمكن وجوبا، أجزأه التيمم لها (¬2) لعموم «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» (¬3) (أو حبس في مصر) فلم يصل الماء (¬4) . ¬

_ (¬1) تيمم وصلى ولا إعادة عليه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وابن المنذر وغيرهم لقوله: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ولحديث عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقلت: ذكرت قول الله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا، لفظ أحمد، وأخرجه أهل السنن والبخاري تعليقا، ولم يعد، قال الشيخ: وهذا هو الصحيح لأنه فعل ما قدر عليه فلا إعادة عليه والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالإعادة وقال ابن القيم: وألحقت الأمة من خشي المرض من شدة برد الماء بالمريض في العدول عنه إلى البدل. (¬2) أي لكل حدث وغيره مما مر، بعد تخفيف النجاسة عن بدنه مهما أمكن، بمسح رطبة وحك يابس، إذا خشي برد الماء وجوبا، لأنه قادر على إزالتها في الجملة قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} فإن أمكنه تسخينه والاغتسال به لزمه ذلك فإن خاف الضرر باستعمال البعض غسل ما لا يتضرر به وتيمم للباقي، ويكون قد فعل ما أمر به من غير تفريط ولا عدوان. (¬3) متفق عليه، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم التي اختص بها دون سائر الأنبياء. (¬4) فتيمم أجزأه.

أو حبس عنه الماء (فتيمم) أجزأه (¬1) . (أو عدم الماء والتراب) كمن حبس بمحل لا ماء به ولا تراب (¬2) وكذا من به قروح لا يستطيع معها لمس البشرة بماء ولا تراب (¬3) . (صلى) الفرض فقط على حسب حاله (¬4) . (ولم يعد) لأنه أتى بماء أمر به فخرج عن عهدته (¬5) . ¬

_ (¬1) أي حبس عنه بوضعه في مكان لا يصل إليه الماء، أو قطع العدو النهر عن أهل بلد ونحو ذلك فتيمم أجزأه لأنه غير قادر على الماء. (¬2) زاد بعضهم، ولا طينا يجففه إن أمكنه، صلى على حسب حاله ولم يعد، وكل من صلى في الوقت كما أمر بحسب الإمكان فلا إعادة عليه، وهو مذهب مالك، ورواية عن أبي حنيفة والشافعي. (¬3) أو جراحات ونحوها، وكذا مريض عجز عن الماء والتراب، وعمن يطهره بأحدهما، وإن وجد ثلجا وتعذر تذويبه مسح أعضاء وضوئه في المنصوص، ولا إعادة عليه، ولو لم يجر معه. (¬4) أي على قدر طاقته وجوبا قال الشيخ: مقتضى القياس والسنة أن العادم يصلي على حسب حاله، فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها اهـ. (¬5) بالضم أي دركه لقوله: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا به ما استطعتم) ولأن العجز عن الشرط لا يوجب ترك المشروط، كما لو عجز عن السترة، وفي الصحيحين عن عائشة في قصة القلادة، فبعث صلى الله عليه وسلم رجالا في طلبها فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا بغير وضوء ولم يأمرهم بالإعادة، وهذا مذهب جمهور السلف وعامة الفقهاء، قال الشيخ: وهذا الصحيح من أقوالهم أنه لا إعادة على أحد فعل ما أمر به بحسب استطاعته وقال النووي: وهذا الأقوى دليلا أما وجوبها فلقوله (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وأما الإعادة فإنما تجب بأمر مجدد، والأصل عدمه.

قال الشيخ يفعل من عدم الماء والتراب ما شاء من صلاة فرض أو نفل

ولا يزيد على ما يجزئ في الصلاة، فلا يقرأ زائدا على الفاتحة (¬1) ولا يسبح غير مرة (¬2) ولا يزيد في طمأنينة ركوع أو سجود وجلوس بين السجدتين (¬3) ولا على ما يجزئ في التشهدين (¬4) وتبطل صلاته بحدث ونحوه فيها (¬5) . ¬

_ (¬1) أي لا يقرأ عادم الماء والتراب قرآنا ولا ذكرا زائدا على الفاتحة، وكذا العاجز عن استعمالهما، لا يقرأ زائدا على الفاتحة، قاله الأصحاب على سبيل الندب لا الوجوب، فلو خالف وقرأ لم تبطل صلاته ولم يحرم عليه ذلك. (¬2) أي في ركوعه وسجوده، وكذا بين السجدتين لا يزيد على مرة في قول رب اغفر لي. (¬3) أي لا يزيد عادم الماء والتراب على المجزئ في ذلك. (¬4) وهو إلى قوله: اللهم صل على محمد، وهذا كله تحجز واسع، وقال الشيخ رحمه الله: يفعل من عدم الماء والتراب ما شاء، من صلاة فرض أو نفل، وزيادة قراءة وتسبيح ونحوه، على ما يجزئ على أصح القولين، وهو قول الجمهور لأنه لا تحريم مع العجز، ولا يجوز لأحد أن يضيق على المسلمين ما وسع الله عليهم وفي شرح العمدة يتوجه فعل ما شاء، لأن التحريم إنما يثبت مع إمكان الطهارة ولأن له أن يزيد في الصلاة على أداء الواجب في ظاهر قولهم، حتى لو كان جنبا قرأ بأكثر من الفاتحة، فكذا فيما يستحب خارجها. (¬5) كنجاسة غير معفو عنها، وككلام وأكل وشرب، لأنه مناف للصلاة فأبطلها.

يجوز التيمم بما على وجه الأرض

ولا يؤم متطهرا بأحدهما (¬1) . (ويجب التيمم بتراب) فلا يجوز التيمم برمل وجص (¬2) ونحيت الحجارة ونحوها (¬3) (طهور) فلا يجوز بتراب تيمم به، لزوال طهوريته باستعماله (¬4) . ¬

_ (¬1) يعني لا يؤم عادم الطهورين شخصا متطهرا بأحدهما، أي الماء أو التراب، كالعاجز عن الاستقبال وغيره، لا يؤم قادرا عليه، فالجار متعلق بالوصف لا بالفعل. (¬2) بفتح الجيم وكسرها ما يبنى به، وهو معرب وجصص البناء طلاه بالجص. (¬3) كالنورة والزرنيخ والمغرة ونحوها، والنحاتة كل ما خرج من الشيء المنحوت، مالم تكن الغلبة للتراب، قياسا على الماء، وكذا ما لم يكن المخالط يعلق باليد، وعنه: يجوز التيمم بما على وجه الأرض من تراب وسبخة، ورمل وغيره، لقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} وكان صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا أدركتهم الصلاة تيمموا بالأرض التي صلوا عليها، ترابا أو غيره، واجتازوا الرمال في غزوة تبوك وغيرها، ولم ينقل أنهم حملوا التراب، ولا أمر بحمله، ولا فعل أحد من أصحابه، مع القطع بأن الرمال في تلك المفاوز أكثر من التراب وقال صلى الله عليه وسلم أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره، وهو صريح في أن من أدركته الصلاة في الرمل والسباخ ونحوهما فهو طهور، واختاره الشيخ وتلميذه، وجماهير العلماء، وأنه لا يحمل التراب لأجل التيمم، واستظهره في الفروع، وصوبه في الإنصاف. (¬4) أشبه الماء المستعمل، وهو ما تساقط مما علق بيد المتيمم، قال في الفروع: وقيل يجوز كما لو لم يتيمم منه في الأصح اهـ لأن ما يمسح به وجهه يصير به مستعملا فلو ضر لما صح أن يمسح به كفيه، ولأنه عندهم لا يرفع الحدث، فلا يصير مستعملا، بخلاف قولهم في الماء، مع ما فيه من الخلاف المتقدم، ولم يقم برهان أنه لا يجزئ الوضوء بالماء المستعمل فالتيمم بطريق الأولى، وأما التراب النجس فلا يجوز التيمم به بلا نزاع، لقوله (طيبا) أي طاهرا، وطهور: صفة لتراب.

وإن تيمم جماعة من مكان واحد جاز، كما لو توضؤوا من حوض واحد يغترفون منه (¬1) ويعتبر أيضا أن يكون مباحا، فلا يصح بتراب مغصوب (¬2) وأن يكون (غير محترق) فلايصح بما دق من خزف ونحوه (¬3) وأن يكون (له غبار) لقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} (¬4) فلو تيمم على لبد (¬5) أو ثوب أو بساط أو حصير أو حائط أو صخرة أو حيوان. ¬

_ (¬1) قال الشارح وغيره: بلا خلاف. (¬2) ظاهره ولو تراب مسجد، قال في الفروع وغيره: ولعله غير مراد اهـ فإنه لا يكره بتراب زمزم، مع أنها مسجد، ولو تيمم بتراب غيره من غير غصب جاز في ظاهر كلامهم، للإذن فيه عادة وعرفا، كالصلاة في أرضه، ويصح من أرض مغصوبة. (¬3) كالنورة والخزف والآجر، وكل ما عمل من طين وشوي بالنار، حتى يكون فخارا، لأنا لطبخ أخرجه عن اسم التراب. (¬4) فما لا غبار له كالصحراء والطين الرطب لا يمسح بشيء منه، قال في الخلاف في الطين الرطب، بلا خلاف بل يجففه إن أمكن. (¬5) بكسر اللام، من صوف أو غيره، سمي به المصوق بعضه ببعض، يجعل على الدابة تحت السرج.

أو برذعته (¬1) أو شجر أو خشب أو عدل شعير ونحوه مما عليه غبار صح (¬2) وإن اختلط التراب بذي غبار غيره كالنورة فكماء خالطه طاهر (¬3) . (وفروضه) أي فروض التيمم (¬4) (مسح وجهه) (¬5) سوى ما تحت شعر ولو خفيفا وداخل فم وأنف فيكره (¬6) . ¬

_ (¬1) بفتح الباء والذال أي حلسه الذي يلقى تحت الرحل، أو حلس الدابة صح، وخص بعضهم به الحمار، وقال شمر، هي البرذعة، والبردعة بالذال والدال، والجمع برادع، والمراد ما لم يصر الغبار نجسا، بأن وقع عليه التراب حال رطوبته وإن لم يعلم الحال فينبغي أن يجوز بلا خلاف للأصل، وإن كان غير الحمار ونحوه جاز بلا خلاف، إلا أن يكون الحيوان امرأة ففيها تفصيل معروف. (¬2) أي تيممه على ما مر، إذا كان عليه غبار طهور يعلق بيده، لأنه عليه الصلاة والسلام تيمم بالجدار، وقطع به جمهور أهل العلم، وظاهره ولو مع وجود تراب ليس على شيء مما تقدم وقال الشيخ: إن وجد ترابا غيره فتيممه به أولى. (¬3) أي وإن اختلط التراب الطهور بما فيه غبار كالنورة ودقيق الحنطة فحكمه حكم الماء إذا خالطه طاهر، فإن سلبه اسم الماء المطلق فطاهر، فكذلك ما خالط التراب إذا سلبه اسم التراب المطلق فطاهر، فإن كان بشيء يسير لم يسلبه اسم التراب المطلق لم يضره، والنورة السمة، وحجر الكلس ثم غلب على أخلاط تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره. (¬4) عن حدث أصغر أربعة تعلم بالاستقراء، واثنان عن الأكبر. (¬5) إجماعا ولحيته لقوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} . (¬6) فلا يدخل فمه وأنفه التراب، لما في ذلك من التقذير، قال في الإنصاف: قطعا، وإن بقي من محل الفرض شيء أمر يده عليه، والواجب تعميم المسح لا تعميم التراب لقوله: {فَامْسَحُوا} ويبالغ فيه سيما جوانب الأنف، وظاهر الأجفان وجميع المغابن، وظاهر الشفتين، فإنه متى قصر في شيء من ذلك فقد أخل بالمسح المأمور به.

(و) مسح (يديه إلى كوعيه) (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم لعمار «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا» ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه، متفق عليه (¬2) (و) كذا (الترتيب) بين مسح الوجه واليدين (¬3) (والموالاة) بينهما بأن لا يؤخر مسح اليدين بحيث يجف الوجه لو كان مغسولا فهما فرضان (في) التيمم عن (حدث أصغر) (¬4) . ¬

_ (¬1) مسح اليدين فرض إجماعا، لما تقدم من الآية الكريمة، وكونه إلى الكوعين لقوله: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وموضع القطع معروف، وإذا علق حكم بمطلق اليدين لم يدخل فيه الذراع، كقطع السارق ومس الفرج. (¬2) وسببه قول عمار: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: إنما يكفيك، إلخ وفي لفظ صححه الترمذي، أمره بالتيمم للوجه والكفين، وأصح حديث في صفة التيمم حديث عمار، وحديث أبي جهيم: فمسح بوجهه وكفيه، وليس في الباب حديث يعارضهما في جنسهما وقد أخذ بهما فقهاء الحديث أحمد وغيره، وفيهما التصريح بكفاية التيمم للجنب الفاقد للماء، ويقاس عليه الحائض والنفساء. (¬3) في التيمم عن حدث أصغر، وهو الفرض الثالث. (¬4) أي الترتيب والموالاة.

لا عن حدث أكبر أو نجاسة ببدن (¬1) لأن التيمم مبني على طهارة الماء (¬2) (ويشترط النية لما يتيمم له) (¬3) كصلاة أو طواف أو غيرهما (¬4) (من حدث أو غيره) كنجاسة على بدن فينوي استباحة الصلاة من الجنابة والحدث إن كانا أو أحدهما (¬5) أو عن غسل بعض بدنه الجريح ونحوه (¬6) . ¬

_ (¬1) أي فلا يشترط لهما ترتيب ولا موالاة. (¬2) أي فيما يشترط فيه الترتيب والموالاة كالوضوء، وما لا يشترط كالغسل وعنه: سنة كما تقدم في الوضوء، لأن البدل قائم مقام المبدل، وظاهر كلام الخرقي أن الترتيب هنا سنة، لكونه ذكر الترتيب في الوضوء، ولم يذكره هنا واختاره المجد والشيخ، لأن بطون الأصابع لا يجب مسحها بعد الوجه في التيمم بالضربة الواحدة، بل يعتد بمسحها معه، واختاره في الفائق، وقال: هو قياس المذهب، وقال ابن تميم هو أولى. (¬3) وعده بعضهم الفرض الخامس للتيمم قال في الفروع: والنية فرض وفاقا. (¬4) كمس مصحف ولبث بمسجد وغير ذلك، وذكر غير واحد الإجماع عليه، إلا ما روي عن الأوزاعي والحسن بن صالح، وسائر العلماء على خلافهما للخبر، وقال الموفق والشارح وغيرهما: يجوز التيمم لذلك إجماعا إلا ما روي عن أبي مجلز والنصوص حجة عليه. (¬5) أي حصلا منه أو أحدهما لأنه لا بد من التعيين، وعنه: يصح بنية رفع الحدث وفاقا لأبي حنيفة لقوله: فعنده مسجد وطهوره فسماه طهورا كما سمى الماء طهورا وإذا أطلق الحدث فهو الأصغر غالبا. (¬6) أي تشترط النية لتيممه عن غسل ذلك العضو الجريح ونحوه كقروح وكمن به مرض إن لم يمكنه مسح الجرح بالماء بلا ضرر.

لأنها طهارة ضرورة، فلم ترفع الحدث، فلا بد من التعيين تقوية لضعفه (¬1) ولو نوى رفع الحدث لم يصح (¬2) . (فإن نوى أحدها) أي الحدث الأصغر أو الأكبر أو النجاسة على البدن (لم يجزئه عن الآخر) (¬3) لأنها أسباب مختلفة (¬4) ولحديث وإنما لكل امرئ ما نوى (¬5) وإن نوى جميعها جاز للخبر (¬6) وكل واحد يدخل في العموم فيكون منويًا (¬7) . ¬

_ (¬1) إذا قلنا إنه مبيح لا رافع، وصفة التعيين أن ينوي استباحة صلاة الظهر مثلا من الجنابة إن كان جنبا، أو من الحدث إن كان محدثا أو منهما. (¬2) وعنه يصح، ويرتفع الحدث اختاره الشيخ وغيره، وهو مذهب أبي حنيفة، قال في الفروع: فيرتفع الحدث في الأصح لنا وللحنفية، إلى القدرة على الماء، وقال الشيخ: من قال إنه لا يطهر فقد خالف الكتاب والسنة. (¬3) أي الذي لم ينوه، فلو تيمم للجنابة دون الحدث أبيح له ما يباح للمحدث من قراءة ولبث بمسجد ونحوه، لا صلاة ومس مصحف. (¬4) أي فلا بد من التعيين. (¬5) أي فلا يدخل غير المنوي، واختار الشيخ: يجزئه لتداخلها، وإن تيمم للجنابة وأحدث لم يؤثر في تيممه لها، وإن تيمم للجنابة والحدث ثم أحدث بطل تيممه للحدث الأصغر لا للجنابة. (¬6) أي وإن نوى استباحة الصلاة من الحدث الأكبر والأصغر والنجاسة على البدن جاز لقوله: وإنما لكل امرئ ما نوى. (¬7) أو نوى أحد أسباب أحدهما بأن بال وتغوط وخرج منه ريح ونحوه ونوى واحدا منها، وتيمم أجزأ عن الجميع، أو وجد منه موجبان للغسل، ونوى أحدهما أجزأ عن الآخر، لا إن نوى أن لا يرتفع غيره، على الأصح، أو أن لا يستبيح غيره على ما ذكر.

إذا تيمم لنافلة صلى به الفريضة

(وإن نوى) بتيممه (نفلا) لم يصل به فرضا، لأنه ليس بمنوي (¬1) وخالف طهارة الماء، لأنها ترفع الحدث (¬2) (أو) نوى استباحة الصلاة و (أطلق) فلم يعين فرضا ولا نفلا (لم يصل به فرضا) ولو على الكفاية (¬3) ولا نذرا لأنه لم ينوه (¬4) وكذا الطواف (¬5) . ¬

_ (¬1) يعني الفرض حال تيممه، ولا تابع لمنويه، فلا يصلي به إلا نفلا. (¬2) أي والتيمم مبيح، وتقدم أنه رافع لقوله: فعنده مسجده وطهوره فتباح الفريضة بنية مطلقة، وبنية النافلة، قال الشيخ: وإذا تيمم لنافلة صلى به الفريضة، وهذا قول كثير من أهل العلم، وهو الصحيح وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار، ومن قال: إن التراب لا يطهر من الحدث فقد خالف الكتاب والسنة، فالتيمم رافع للحدث مطهر لصاحبه، لكنه رفع مؤقت، وقال أحمد: القياس أن تجعل التراب كالماء. (¬3) كصلاة جنازة وعيد، لعدم تعيينه نية الفرضية. (¬4) لأن تعيين النية شرط، ولم يوجد في الفرض، وإنما أبيح النفل لأنه أقل ما يحمل عليه الإطلاق. (¬5) أي ومثل الصلاة في الحكم الطواف، يعني إن نوى بتيممه نفلا لم يطف به فرضا، أو نوى وأطلق لم يطف به فرضًا ولا نذرًا.

(وإن نواه) أي استباحة فرض (صلى كل وقته فروضا ونوافل) (¬1) فمن نوى شيئا استباحه ومثله ودونه (¬2) فأعلاه فرض عين، فنذر (¬3) ففرض كفاية، فصلاه نافلة فطواف نفل (¬4) فمس مصحف، فقراءة قرآن، فلبث بمسجد (¬5) (ويبطل التيمم) مطلقا (¬6) . ¬

_ (¬1) لأنها طهارة صحيحة أباحت فرضا، فأباحت ما هو مثله كطهارة الماء، قال في المبدع: والصحيح أنه يتنفل ثم يصليها وما شاء إلى خروج وقتها عن أي شيء تيمم، وقال البغوي: اتفقوا أنه يجوز أن يصلي بتيمم واحد مع الفريضة ما شاء من النوافل قبل الصلاة وبعدها. (¬2) أي فمن تيمم لفرض استباحة أي الفرض، ومثله كمجموعة وفائتة، ودونه كمنذورة ونافلة، لا ما فوقه لأنه لم ينوه، ولا هو تابع لما نواه. (¬3) أي فأعلى ما يتيمم له فرض عين، كالصلوات الخمس، فنذر صلاة، فلو تيمم لنذر لم يصل به فرض عين وهكذا، وقال الشيخ: ظاهر كلامهم لا فرق. (¬4) لم يبين محل طواف الفرض، وظاهر كلامه في المبدع يقتضي أن يكون بعد نافلة صلاة، حيث قال: ويباح الطواف بنية النافلة في الأشهر، وقال الشيخ: ولو كان الطواف فرضا، ونقل في شرح الإقناع والمنتهى عن الشرح والمبدع والشيخ أن طواف الفرض بعد صلاة النافلة، فيستبيح بنية صلاة النفل طواف الفرض. (¬5) قال الشارح: وإن نوى نافلة أبيح له قراءة القرآن ومس المصحف والطواف، لأن النافلة آكد من ذلك كله، لكون الطهارة مشروطة لها بالإجماع، وينبغي أن التيمم لوطء بعد اللبث، وهل النفساء مثله أو بعده؟ وسوى بينهما في الشرح. (¬6) سواء كان لصلاة أو غيرها من جنب وحائض وغير ذلك، أو عن حدث أصغر أو أكبر أو جرح أو نجاسة.

التيمم يبقى بعد الوقت كما تبقى طهارة الماء بعده، والتيمم لوقت كل صلاة إلى أن يدخل وقت الأخرى أعدل الأقوال

(بخروج الوقت) أو دخوله (¬1) . ¬

_ (¬1) لانتهاء مدته كمسح الخفين، فلو تيمم لطواف أو جنازة أو نافلة وخرج الوقت بطل كالفريضة، وعنه: إن تيمم لجنازة ثم جيء بأخرى أجزأ، وإن كان بينهما وقت يمكنه التيمم تيمم، وقال الشيخ: لا يتيمم، لأن النفل المتواصل هنا كتواصل الوقت للمكتوبة، قال: وعلى قياسه ما ليس له وقت محدود كمس المصحف وطواف اهـ وخروج وقت الصلاة ملازم لدخول وقت الأخرى إلا في وقت الفجر، فإذا تيمم في وقت الصبح بطل بطلوع الشمس، وكذا لو تيمم بعد الشروق بطل بالزوال وعنه: أنه رافع فيصلي به إلى حدثه لأن الله شرع التيمم حال عدم الماء فقال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} فتبقى الطهارة ببقائه والرسول صلى الله عليه وسلم جعل طهارة التيمم ممتدة إلى وجود الماء فقال طهور المسلم وقال: وجعلت تربتها لنا طهورا وللنسائي بسند قوي، وضوء المسلم، فكان في عدم الماء كالوضوء، ولأنها طهارة تبيح الصلاة فلا تتقيد بالوقت كطهارة الماء، واختاره أبو محمد الجوزي والشيخ وتلميذه وصاحب الفائق وغيرهم، وقال الشيخ: لا ينقض التيمم إلا ما ينقض الوضوء، والقدرة على استعمال الماء، وقال: يقوم مقام الماء مطلقًا ويبقى بعد الوقت كما تبقى طهارة الماء بعده وهذا القول هو الصحيح وعليه يدل الكتاب والسنة، فإن الله جعله مطهرا كما جعل الماء مطهرا، وقال ابن القيم: لم يصح عنه صلى الله عليه وسلم التيمم لكل صلاة، ولا أمر به، بل أطلق التيمم وجعله قائما مقام الوضوء، وهذا يقتضي أن يكون حكمه حكمه، إلا فيما اقتضى الدليل خلافه، وكذا قال غير واحد من أهل العلم: يصلي به ما لم يحدث، كما يصلي بالماء، وقال شيخ الإسلام أيضا، التيمم لوقت كل صلاة إلى أن يدخل وقت الأخرى أعدل الأقوال، قال مالك: لأن عليه أن يبتغي الماء لكل صلاة، واستحسنه شيخنا، وقال: العمل عليه عند أكثر أهل العلم، وهو أحوط، وخروج من الخلاف، ولا مشقة فيه.

ما يبطل التيمم

ولو كان التيمم لغير صلاة (¬1) ما لم يكن في صلاة جمعة (¬2) أو نوى الجمع في وقت ثانية من يباح له (¬3) فلا يبطل تيممه بخروج وقت الأولى، لأن الوقتين صارا كالوقت الواحد في حقه (¬4) (و) يبطل التيمم عن حدث أصغر (بمبطلات الوضوء) (¬5) وعن حدث أكبر بموجباته (¬6) . ¬

_ (¬1) أي فيبطل بخروج الوقت، لانتهاء مدته كالمسح. (¬2) فلا يبطل بخروجه، لأنها لا تقضى، وقال ابن عقيل: لا تبطل، وإن كان الوقت شرطا كما في الجمعة. (¬3) أو تيمم لفائتة في وقت الأولى، وهذا بخلاف جمع التقديم، فإن تيممه يبطل بخروج وقت الأولى. (¬4) وهل يبطل بمجرد السلام منهما، أو يستمر إلى الوقت الثاني؟ قال الشارح: لم أر من تعرض له، والأول أقرب. (¬5) قال في الإنصاف وغيره: بلا نزاع، كخارج من سبيل، أو زوال عقل، لأنه بدل عن الوضوء فحكمه حكمه، وإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه كعمامة وخف ثم خلعه لم يبطل تيممه عند أكثر الفقهاء، وقال الشارح: هو قول سائر الفقهاء، لأن التيمم طهارة لم يمسح فيها عليه، لا إن كان الحائل في محل التيمم. (¬6) كالجماع، فلو تيمم الجنب لاستباحة قراءة القرآن لم يبطل تيممه بنواقض الوضوء، وإنما يبطل بما لو أجنب في الوقت، فلو تيمم للجنابة ثم أحدث صار محدثا، لا جنبا، لأن الحدث لا ينقض أصله، وهو الغسل فلا يصير جنبا، وإنما يصير محدثا بهذا الحدث العارض.

لأن البدل له حكم المبدل (¬1) وإن كان لحيض أو نفاس لم يبطل بحدث غيرهما (¬2) (و) يبطل التيمم أيضا: (بوجود الماء) المقدور على استعماله بلا ضرر إن كان تيمم لعدمه (¬3) وإلا فبزوال مبيح من مرض ونحوه (¬4) (ولو في الصلاة) فيتطهر ويستأنفها (¬5) . ¬

_ (¬1) أي فيبطل البدل وهو التيمم بما يبطل المبدل، وهو الطهارة بالماء، ولو تيمم للحدث وللجنابة تيمما واحدا ثم خرج منه ريح مثلا بطل تيممه للحدث، وبقي تيمم الجنابة بحاله. (¬2) كمبطلات غسل ووضوء، وأما عنهما فبحدثهما، فلو طهرت الحائض في أثناء عادتها، وتيممت لعذر لم يبطل تيممها إلا بعود الحيض في الوقت، أو بخروج الوقت. (¬3) أي الماء، قال الموفق وغيره: إجماعا، لحديث أبي ذر وغيره. (¬4) أي وإلا يكن تيمم لعدم الماء، وإنما تيمم لأجل مرض ونحوه كجرح بطل التيمم بزواله، لأن التيمم طهارة ضرورة فيزول بزوالها. (¬5) أي يبطل تيممه بوجود الماء وهو في الصلاة، فيتطهر ويستأنفها وظاهره ولو جمعة، لأنها طهارة انتهت بانتهاء وقتها، وهذا مذهب أبي حنيفة، قال ابن رشد: وهم أحفظ للأصل، لأنه أمر غير مناسب للشرع، أن يوجد شيء واحد لا ينقض الطهارة في الصلاة، وينقضها في غير الصلاة اهـ. وعنه يمضي فيها وهي صحيحة وفاقا لمالك والشافعي وابن المنذر وغيرهم، واختاره الآجري وغيره قال الشارح، وهو أولى لقوله: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ولقوله عليه الصلاة والسلام «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» ولأن رؤية الماء ليست حدثا، غير أن وجوده مانع من ابتداء التيمم وهو قد تيمم غير واجد للماء ودخل فيها بما أمر به، وحصل له منها عمل بإحدى الطهارتين، فوجب أن لا يبطله لقوله: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ولأنه لم يثبت في سنة ولا إجماع ما يوجب قطع صلاته، قال ابن العربي: يحرم عليه ذلك، ويكون عاصيا إن فعل.

(لا) إن وجد ذلك (بعدها) فلا تجب إعادتها (¬1) وكذا الطواف (¬2) ويغسل ميت ولو صلي عليه وتعاد (¬3) . (والتيمم آخر الوقت) المختار (لراجي الماء) (¬4) أو العالم وجوده (¬5) . ¬

_ (¬1) أي الصلاة ولو كان الوقت باقيا إجماعا، حكاه ابن المنذر وغيره لحديث الذين أعاد أحدهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي لم يعد أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وتيمم ابن عمر وصلي العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة رواه مالك وغيره، واحتج به أحمد، وذكر أبو الزناد عن أبيه عمن أدرك من الفقهاء السبعة وغيرهم أن من تيمم وصلى، ثم وجد الماء في آخر الوقت، فلا إعادة عليه، بل ولا تستحب الإعادة، لقوله: أصبت السنة. (¬2) أي ومثل الصلاة فيما تقدم الطواف ويأتي. (¬3) أي يغسل ميت يمم لعدم ماء وجوبا، ولو صلي عليه، ولم يدفن حتى وجد الماء، وتعاد الصلاة عليه، وإن كانت الأولى بوضوء، والمعادة بتيمم، ومن تيمم لقراءة ووطء ونحوه ثم وجد الماء استعمله، قال في الفروع: وفاقا. (¬4) في الوقت بحيث يدرك الصلاة كلها قبل خروج الوقت المستحب، ذكره أبو الخطاب وهو ظاهر الخرقي. (¬5) فتأخير آخر الوقت أولى، قال في الإنصاف: لا أعلم فيه خلافا، لأن الطهارة بالماء فريضة، والصلاة في أول الوقت فضيلة، وانتظار الفريضة أولى، وللخروج من الخلاف، فقد قيل: لا يجوز إلا عند ضيق الوقت وهو مذهب مالك واختاره الشيخ، وفي الاختيارات: من أبيح له التيمم فله أن يصلي به أول الوقت، ولو علم وجوده آخر الوقت، وفيه أفضلية، وقاله غير واحد من العلماء، لقوله أصبت السنة، فإن فيه من الفقه كما قال الخطابي وغيره: أن السنة تعجيل الصلاة للمتيمم أول الوقت، كالمتطهر بالماء، وهو أحد قولي الشافعي.

صفة التيمم

ولمن استوى عند الأمران (أولى) (¬1) لقول علي رضي الله عنه في الجنب: (يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء وإلا تيمم) (¬2) (وصفته) أي كيفيته التيمم (أن ينوي) كما تقدم (¬3) (ثم يسمي) فيقول: بسم الله (¬4) . ¬

_ (¬1) أي استوى عنده احتمال وجود الماء وعدمه، فالتأخير أفضل من التيمم أول الوقت، وظاهر كلام الإمام أحمد أنه لو استوى الأمران عنده أن التقديم فضل، وهو أحد الوجهين، وظاهر كلام كثير من الأصحاب، وذكر في الإنصاف أنه الأولى وإن تيمم وصلى أول الوقت أجزأه بلا نزاع. (¬2) يتلوم: يتأنى ويمكث وينتظر ما بينه وبين آخر الوقت المختار، فإن وجد الماء ففي الوقت المختار استعمله وإلا تيمم، وعلم منه أن التقديم لمتحقق العدم أو ظان عدم وجوده أفضل، لتحقق فضيلته دون فضيلة الوضوء، قال في الإنصاف: وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه الأصحاب، وقطع به كثير منهم، ولو جمع بين الصلاتين بتيمم ثم دخل وقت الثانية، وهو واجد الماء صحت قال غير واحد: في الأصح. (¬3) أي أن ينوي استباحة ما يتيمم له كفرض الصلاة من الحدث الأصغر والأكبر ونحوه هذا المذهب، وتقدم عنه أنه يصح بنية رفع الحدث، وفاقا لأبي حنيفة للأخبار. (¬4) لا يقوم غيرها مقامها للخبر، ولأنها طهارة عن حدث، فشرع اسم الله عليها كالوضوء، والمراد كما أن النص ورد في الوضوء ألحقنا به التيمم، لا أنه بالقياس، وأن أحدا خالف في التيمم.

باب إزالة النجاسة

وهي هنا كوضوء (¬1) (ويضرب التراب بيديه (¬2) مفرجتي الأصابع) ليصل التراب إلى ما بينها بعد نزع نحو خاتم (¬3) ضربة واحدة (¬4) . ¬

_ (¬1) يعني تجب مع الذكر، وتسقط مع السهو. (¬2) أو غير التراب مما فيه غبار طهور، كلبد وبساط، أو حصير ونحوه مما تقدم، أو رمل أو سباخ ونحوهما على القول المختار. (¬3) وجوبا ليصل التراب إلى ما تحته، ذكر ذلك متأخروا أصحاب الأئمة، وبعضهم ذكره سنة، وقال بعضهم: أو يحركه إن شق نزعه، ولم أره للمتقدمين ولا ورد الأمر به، وتقدم خبر ضعيف في الوضوء. (¬4) على الصحيح من المذهب، وهو المسنون والواجب، قاله في الإنصاف، وفي المبدع: والمنصوص ضربة واحدة، وهي الواجب بلا نزاع، لحديث عمار قال في التيمم ضربة واحدة للوجه واليدين رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح، وفي الصحيحين: ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه، وعن أبي الجهيم: وضع يديه على الجدار فمسح بوجهه وكفيه وقيل لأحمد: التيمم ضربة واحدة؟ قال: نعم للوجه والكفين، ومن قال ضربتين فإنما هي شيء زاده، يعني لا يصح، وقال الحافظ في الأحاديث الواردة في صفة التيمم: لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار، وما عداهما ضعيف، وقال الشيخ: العمل بالضعيف إنما يشرع في عمل قد علم أنه مشروع في الجملة، فإذا رغب في بعض أنواعه بخبر ضعيف عمل به، أما إثبات سنة فلا اهـ وإن مسح بضربتين بإحداهما وجهه وبالأخرى يديه جاز، وتكره الزيادة عليهما لعدم وروده.

ولو كان التراب ناعما فوضع يديه عليه وعلق بهما أجزأه (¬1) (يمسح وجهه بباطنهما) أي بباطن أصابعه (¬2) (و) يمسح (كفيه براحتيه) استحبابا (¬3) فلو مسح وجهه بيمينه ويمينه بيساره أو عكس صح (¬4) واستيعاب الوجه والكفين واجب (¬5) سوى ما يشق وصول التراب إليه (¬6) . ¬

_ (¬1) أي من غير ضرب لنعومة التراب، بكونه محكم الدق، ونشوبه في يديه بمجرد الوضع، فإن علق بيديه تراب كثير جاز نفخه، لقوله: ثم نفخ فيهما وإن كان خفيفا كره، فإن ذهب ما عليهما بالنفخ أعاد الضرب، ليحصل المسح بتراب. (¬2) فإن بقي من الوجه شيء لم يصل التراب إليه أمر يده عليه. (¬3) لحديث عمار، ولا يجب ذلك، لأن فرض الراحتين قد سقط بإمرار كل واحد على ظهر الكف، وعبارة المنتهى، ويمسح ظاهر كفيه براحتيه، والراحتان واحدتهما راحة، وهي بطن اليدن وقيل اليد كلها، وجمعها راحات. (¬4) فيهما حيث استوعب محل الفرض بالمسح، ولو عكس بحيث مسح وجهه بيساره ويساره بيمينه وقال الشيخ: ولا يجب فيه ترتيب، بل إذا مسح وجهه بباطن راحتيه أجزأ ذلك عن الوجه والراحتين، ثم يمسح ظهور الكفين بعد ذلك، فلا يحتاج إلى أن يمسح راحتيه مرتين. (¬5) لقوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} ولا يوصل المسح إلى المرفقين: كما قال أحمد: من قال إن التيمم إلى المرفقين فإنما هو شيء زاده من عنده. (¬6) كالفم والأنف وباطن الشعور الكثيفة، ولا يجب مسح ما تحت الشعر الخفيف من الوجه، قطع به في المغني والشرح، وصوبه في الإنصاف.

(ويخلل أصابعه) ليصل التراب إلى ما بينهما (¬1) ولو تيمم بخرقة أو غيرها جاز (¬2) ولو نوى وصمد للريح حتى عمت محل الفرض بالتراب (¬3) أو أمره عليه ومسحه به صح (¬4) لا إن سفته الريح بلا تصميد فمسحه به (¬5) . ¬

_ (¬1) قياسا منهم له على الوضوء. (¬2) لأن المقصود إيصال التراب إلى محل الفرض، فكيفما حصل جاز كالوضوء. (¬3) وأمره بيديه أو بشيء يتبع التراب صح، وإلا فلا، لأن مرور التراب على الوجه لا يسمى مسحا، جزم به في الفائق وغيره، واختاره الموفق وغيره، وصوبه في تصحيح الفروع. (¬4) أي أمر محل الفرض على التراب ومسحه به صح، والمسح راجع إلى المسألتين إلى تصميده الأعضاء للريح، وإمراره الأعضاء على التراب، فلا بد من المسح فيهما. (¬5) أي سفت الريح التراب على المحل الذي يجب مسحه في التيمم من غير نية، ويسن إتيانه بالشهادتين مع ما بعدهما إذا فرغ من تيممه، كما سبق في الوضوء.

باب إزالة النجاسة (¬1) الحكمية (¬2) أي تطهير مواردها (¬3) . ¬

_ (¬1) أي باب بيانها وبيان أحكامها، وتطهير محالها، وما يعفى عنه منها، وما يتعلق بذلك، والإزالة التنحية يقال: أزلت الشيء إزالة، زلته وزيلته زيالا، بمعنى، والنجاسة اسم مصدر، وجمعها أنجاس والنجس هو المستقذر المستخبث و (ننجس ينجس) صار قذرا خلاف طهر، وشرعا: قذر مخصوص، وهو ما يمنع جنسه الصلاة كالبول والدم والخمر، وفي الاصطلاح كل عين حرم تناولها مع إمكانه لا لحرمتها ولا استقذارها، ولا لضرر في بدن أو عقل، وحيث كانت النجاسة لغة تعم الحقيقة والحكمية، وعرفا تختص بالأولى، فسرها الشارح بالحكمية وقدموا (باب إزالة النجاسة) على (باب الحيض والنفاس) مع أنهما من موجبات الغسل فلهما تعلق بما قبل من طهارة الحدث، وهم لا يقطعون النظير عن نظيره إلا لنكتة لأن إزالة النجاسة واجبة على الذكر والأنثى، والطهارة من الحيض والنفاس خاصة بالأنثى وما كان مشتركا بينهما فالاعتناء به أشد مما هو مختص بالأنثى. (¬2) أي الطارئة على عين طاهرة، وهي التي يمكن تطهيرها، احترازا عن العينية، وهي كل عين جامدة يابسة أو رطبة أو مائعة فإنها لا تطهر بحال، وإنما شرع تطهير ما طرأ عليها وسميت عينيه لأنها تدرك بحاسة البصر، وإن لم تكن مختصة به، تطلق على الإدراك بالشم والذوق، وهي منحصرة في الحيوان وما تولد من فضلاته وميتته وسميت الحكمية حكمية لأنها لا تدرك بحاسة من الحواس الخمس، فلا يشاهد لها عين، ولا يدرك لها طعم ولا رائحة، مع وجود ذلك فيها تحقيقا أو تقديرا. (¬3) أي موارد النجاسة على عين طاهرة، ولا يجوز إزالة النجاسة بغير الماء على المذهب قال الخطابي: إنما تزال النجاسة بالماء دون غيره من المائعات، وهو قول الجمهور اهـ وإزالتها بالماء هو الأصل في التطهير، لوصفه به في الكتاب والسنة، فتزول بالماء حسا وشرعا، وذلك معلوم بالضرورة من الدين وبالنص والإجماع، وأما القول بتعيينه وعدم الاجتزاء بغيره، فيرده حديث مسح النعل وغيره، ولم يأت دليل يقضي بحصر التطهير بالماء، وعنه: تزال بكل مائع طاهر مزيل للعين والأثر، أشبه الماء كالخل وماء الورد، اختاره ابن عقيل والشيخ صاحب الفائق، وفاقا لأبي حنيفة، وأما ما لا يزيل كاللبن والدهن فلا خلاف أن النجاسة لا تزال به.

(يجزئ في غسل النجاسات كلها) (¬1) ولو من كلب أو خنزير (¬2) (إذا كانت على الأرض) وما اتصل بها من الحيطان والأحواض والصخور (¬3) (غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة) (¬4) . ¬

_ (¬1) أي الحكمية مائعة كانت أو ذات جرم، لإمكان تطهيرها، لا العينية وقال الشافعي: إزالة النجاسة فرض، ما عدا ما يعفى عنه منها، وقال مالك: ليس بفرض، والأحاديث حجة عليه، كحديث صاحبي القبرين، والأمر بالاستجمار. (¬2) وهو حيوان سمج الشكل خبيث قذر في الغاية: قيل: إنه حرم على لسان كل نبي. (¬3) أي بالأرض من الحيطان جمع حائط اسم فاعل، سمي به لأنه يحوط ما فيه، والأحواض جمع حوض مجمع الماء، والصخور جمع صخر الحجر الصلب، ومنها الأجرنة الصغار المبنية أو الكبار مطلقا، والأجرنة جمع جرن بالضم منقورة يتوضأ منها. (¬4) بماء طهور لأمره صلى الله عليه وسلم بصب الماء على بول الأعرابي، وغير ذلك، ولم يشترط لتطهيرها عدد لأنها مصاب الفضلات.

باب نواقض الوضوء

ويذهب لونها وريحها (¬1) فإن لم يذهبا لم تطهر، ما لم يعجز (¬2) وكذا إذا غمرت بماء المطر والسيول (¬3) لعدم اعتبار النية لإزالتها (¬4) وإنما اكتفي بالمرة دفعا للحرج والمشقة (¬5) . ¬

_ (¬1) بمكاثرتها بالماء وعليها، ولو لم ينفصل الماء الذي غسلت به، لأنه عليه الصلاةوالسلام لم يأمر بإزالة الماء عنها. (¬2) أي فإن لم يذهب لون النجاسة وريحها لم تطهر ما لم يعجز عن إزالتهما أو إزالة أحدهما، فتطهر كغير الأرض، لحديث أبي هريرة أن خولة قالت يا رسول الله ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، قال: إذا تطهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه، قالت: يا رسول الله إن لم يخرج أثره، قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره، رواه أحمد وغيره، قال في المبدع: وإن كان مما لا يزال إلا بمشقة سقط كالثوب. (¬3) أي غمرت النجاسة التي على الأرض وما اتصل بها بذلك، وبالثلوج ونحو ذلك، من غمره الماء يغمره غمرا، علاه وغطاه. (¬4) أي النجاسة، وحكى البغوي وغيره إجماع المسلمين على أن إزالة النجاسة لا تفتقر إلى نية، وقال الشيخ: طهارة الخبث، من باب التروك، لا يشترط فيها فعل العبد ولا قصده، بل لو زالت بالمطر النازل حصل المقصود، كما ذهب إليه أئمة المذاهب الأربعة المتبعة وغيرهم، بل لو زال الخبث بأي طريق كان حصل المقصود، فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها، لكن إذا زال الخبث بفعل العبد ونيته أثيب على ذلك. (¬5) أي بالغسلة الواحدة من غير اعتبار عدد، دفعا للحرج، أي الضيق، والمشقة أي الصعوبة والعناء والجهد.

لقوله صلى الله عليه وسلم «أريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء» متفق عليه (¬1) فإن كانت النجاسة ذات أجزاء متفرقة كالرمم والدم الجاف والروث (¬2) واختلطت بأجزاء الأرض لم تطهر بالغسل (¬3) بل بإزالة أجزاء المكان (¬4) بحيث يتيقن زوال أجزاء النجاسة (¬5) (و) يجزئ في نجاسة (على غيرها) أي غير أرض (¬6) (سبع) غسلات (¬7) . ¬

_ (¬1) من حديث أنس قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فقال: دعوه وأريقوا: أي صبوا وفي لفظ: أهريقوا، وفي لفظ: هريقوا على بوله سجلا، بفتح المهملة وسكون الجيم الدلو لملآي، ويجمع على سجال، أو ذنوبا من ماء، والذنوب الدلو العظيمة المملوءة ماء، قال الحافظ: على الترادف أو الشك من الراوي، وإلا فهي للتخيير والأول أظهر وفي الصحاح: السجل الدلو إذا كان فيه الماء وإن ملئت فهو ذنوب، ودلو بدونهما. (¬2) أي النجس، والرمم جمع رمة بالضم والكسر، واقصر عليه الجوهري العظام البالية إذا كانت تجسة. (¬3) لأن عين النجاسة لا تنقلب. (¬4) أي الذي أصابته النجاسة. (¬5) وذلك لا يحصل إلا بزوال عينها، وإن بادر البول، ونحوه وهو رطب فقلع التراب الذي عليه أثره فالباقي طاهر، وإن جف فأزال ما عليه الأثر من التراب فلا، إلا أن يقلع ما يتيقن به زوال ما أصابه البول ونحوه. (¬6) ونحوها كصخر وحيطان. (¬7) منقية وإلا فيزيد حتى ينقي النجاسة.

(إحداها) أي إحدى الغسلات، والأولى أولى (¬1) . (بتراب) طهور (¬2) (في نجاسة كلب وخنزير) وما تولد منهما أو من أحدهما (¬3) لحديث: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا أولاهن بالتراب» ، رواه مسلم، عن أبي هريرة مرفوعا (¬4) . ¬

_ (¬1) أي بأن يجعل التراب فيها، لكثرة رواتها وحفظهم، وليأتي الماء بعده فينظفه جزم به في المغني والشرح وغيرهما، وصوبه، في الإنصاف. (¬2) لا طاهر قياسا منهم له على الماء، وتقدم في قوله: طيبا أي طاهر ضد النجس. (¬3) أو شيء من أجزائهما أو أجزاء ما تولد منهما، وهما نجسان وفاقا لأبي حنيفة والشافعي، وحكى ابن المنذر وغيره الإجماع على نجاسة الخنزير اهـ وما تولد منهما نجس، وسؤرهما وسؤر ما تولد منهما نجس، وعرقه وكل ما خرج منه، لا يختلف المذهب فيه، قاله الشارح، وقال الزركشي: جميع فضلاته نجسة وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ورجح الشيخ طهارة شعورهما، قال: فإذا كان رطبا وأصاب ثوب الإنسان فلا شيء عليه كما هو مذهب جمهور الفقهاء أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين وفي النكت للنووي على التنبيه على قوله: وماتولد منهما قال: فقال بعض الناس، لو قال: وما تولد من أحدهما كان أصوب وأعم، وليس المراد كما توهم القائل، بل معنى قوله: وما تولد منهما، على سبيل البدل، تارة يتولد من الكلب وحيوان آخر أي حيوان كان وتارة يتولد من الخنزير وحيوان آخر أي حيوان كان، لا أن المراد بالمتولد منهما أن يكون منحصرا في ولد الكلب من الخنزير أو بالعكس اهـ وعليه فلا حاجة لقوله: أو من أحدهما. (¬4) ورواه البخاري وغيره. وفي رواية لمسلم ثم ليغسله سبع مرات، وله أيضا طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب قال الحافظ: ولغ يلغ بالفتح إذا شرب بطرف لسانه فحركه، وقال ثعلب: هو أن يدخل لسانه في الماء أو غيره من كل مائع فيحركه، وقاله ابن الأعرابي وغيره، وقال صاحب المطالع: الشرب أعم من الولوغ، فكل ولوغ شرب ولا عكس، وقال أبو زيد: ولغ الكلب بشرابنا ومن شرابنا: وقال الشيخ: يلغ بلسانه شيئا فشيئا فلا بد أن يبقى في الماء من ريقه فيكون محمولا، والماء يسيرا فيراق لأجل كون الخبث محمولا، ويغسل الإناء الذي لاقى ذلك الخبث، قال النووي: ومذهب الجماهير أنه ينجس ما ولغ فيه، ولا فرق بين الكلب المأذون في اقتنائه وغيره، ولا بين الكلب البدوي والحضري، والخنزير حكمه حكم الكلب في هذا كله، عند جماهير العلماء، إلا أنه لا يفتقر إلى غسله سبعا، وهو قوي في الدليل اهـ وأصل الغسل معقول المعنى، وهو غسل النجاسة، وظاهر الخبر وغيره العموم في الآنية ونحوها كالثياب والفرش، لا الأرض وما اتصل بها فتكاثر، وقال العراقي: خرج مخرج الغالب لا للتقييد اهـ، وفيه دلالة ظاهرة على وجوب الغسلات السبع من ولوغ الكلب، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين، إلا أبا حنيفة وأصحابه، فحملوا السبع على الندب، وأما الخنزير فهو شر من الكلب لنص الشارع على تحريمه وحرمة اقتنائه وتقدم أنه خبيث قذر حرم على لسان كل نبي، فالحكم فيه من طريق التنبيه، وإنما لم ينص الشارع عليه والله أعلم، لأن العرب لم يكونوا يعتادونه، بخلاف الكلب، ومن منع قياسه على الكلب فلعدم ثبوت العلة، فالوقوف مع النص أولى، وفي نجاسة ولوغ الكلب من اللزوجة ما لا يوجد في غيره، وقال النووي: الراجح من حيث الدليل أنه يكفي في الخنزير غسلة واحدة بلا تراب، وبهذا قال أكثر العلماء، وهو المختار، لأن الأصل عدم الوجوب حتى يرد الشرع، ومالك يقول بطهارته حيا، وليس لنا دليل على نجاسته في حال حياته، وقال أبو حنيفة: يغسل كسائر النجاسات.

ويعتبر ما يوصل التراب إلى المحل (¬1) ويستوعبه به (¬2) إلا فيما يضر فيكفي مسماه (¬3) (ويجزئ عن التراب أشنان (¬4) ونحوه) كالصابون والنخالة (¬5) . ¬

_ (¬1) وفي بعض النسخ: مائع والمراد الماء كما نبه عليه الحجاوي، وعبارة الإقناع، ويعتبر مزجه بماء يوصله إليه، فلا يكفي مائع غير الماء اهـ، ولا يكفي ذر التراب، وفي الفروع، يحتمل أن يكفي ذره، ويتبعه الماء، وهو ظاهر كلام جماعة، قال: وهو أظهر، وصوبه في الإنصاف، ولا فرق بين أن يطرح الماء على التراب، أو التراب على الماء، أو يؤخذ الماء الكدر فيغسل به، فالمراد خلط التراب بالماء حتى يتكدر. (¬2) أي ويعم المحل به بأن يمر التراب مع الماء على جميع أجزاء المحل المتنجس صرح به أبو الخطاب. (¬3) أي أقل شيء يسمى ترابا يوضع في ماء إحدى الغسلات، وتقدم أن الأولى أولى. (¬4) بضم الهمزة وكسرها، فارسي معرب، وهمزته أصلية، وهو بالعربية حرض، تغسل به الأيدي على إثر الطعام، وقال أبو زياد: هو دقاق الأطراف، وشجرته ضخمة وهو الذي يغسل الناس به الثياب، قال: ولم نر أنقى وأشد بياضا من حرض ينبت باليمامة. (¬5) الصابون معرب سابون بالفارسية، مطبوخ مركب من الزيت والقلي، يغسل به القطعة منه صابونة والنخالة هي ما بقي في المنخل مما ينخل من شعير وبر وغيرهما، وهي قشرة لابسة للحبوب، تستخرج بالقشر والطحن، وليست من المطعوم إلا للبهائم، فيجوز استعمالها في غسل نحو الأيدي، وكذا استعمال ملح، وبطيخ، وباقلا وغيرها مما لو قوة الجلاء، واختاره الشيخ وغيره، لحديث الغفارية وغيره، وقال الخطابي وغيره، فيه جواز استعمال الملح وهو مطعوم، فيجوز غسل الثوب بالعسل والخل اهـ ولأن الصابون والنخالة ونحوهما أبلغ في الإزالة من التراب، جزم به وصححه غير واحد، قال الشيخ: وهو أقوى لوجوه، والنص على التراب تنبيه على ما هو أبلغ منه.

ويحرم استعمال مطعوم في إزالتها (¬1) . (و) يجزئ (في نجاسة غيرهما) أي غير الكلب والخنزير أو ما تولد منهما أو من أحدهما (¬2) (سبع) غسلات (¬3) بماء طهور (¬4) ولو غير مباح (¬5) إن أنقت، إلا فحتى تنقي (¬6) مع حت وقرص لحاجة (¬7) . ¬

_ (¬1) كدقيق لأن فيه إفسادا للطعام المحتاج إليه، قاله الشيخ، قال في الفروع: ويؤخذ من كلام غيره معناه، وقاله أبو البقاء وغيره، وفي المستوعب: يكره أن يغسل جسمه بشيء من الأطعمة، مثل دقيق الحمص والعدس والباقلا ونحوه. (¬2) وغير أجزائهما وأجزاء ما تولد منهما. (¬3) هذا المشهور وعنه ثلاث وعنه تكاثر بالماء حتى تذهب عينها ولونها، من غير عدد وفاقا، لقوله صلى الله عليه وسلم اغسليه بالماء، ولم يذكر عددا وقال في دم الحيض فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء، ولم يذكر عددا واختاره الشيخ، وحكاه هو وغيره عن جمهور العلماء. (¬4) لأنها طهارة مشترطة فأشبهت طهارة الحدث، وتقدم قول الشيخ: إن الخبث إذا زال بأي طريق كان حصل المقصود. (¬5) أي ولو كان الماء الذي يزال به النجاسة مغصوبا، لأن إزالتها من التروك التي لا تحتاج إلى نية. (¬6) أي إن أنقت المحل المتنجس، فإن لم تنق المحل المتنجس زاد حتى تنقي المحل في كل النجاسات. (¬7) إلى ذلك ولو في كل مرة، إن لم يتضرر المحل بالحت أو القرص فيسقط والحت أن يحك بعود أو حجر، والحت والحك والقشر سواء، والقرص الدلك بأطراف الأصابع والأظفار، دلكا شديدا، ليتحلل بذلك، ويخرج به ما تشرب الثوب ونحوه منه، مع صب الماء عليه، حتى تزول عينه وأثره، وبابهما قتل، وقال النووي: اقرصيه قطعيه واقلعيه بظفرك.

وعصر مع إمكان كل مرة خارج الماء (¬1) فإن لم يمكن عصره فبدقه وتقليبه (¬2) أو تثقيله كل غسلة (¬3) حتى يذهب أكثر ما فيه من الماء (¬4) . ¬

_ (¬1) أي ومع عصر لاستخراج ما فيه، مع إمكان العصر كل مرة من الغسلات يعصره خارج الماء ليحصل انفصال الماء عنه، وعصر الثوب: استخرج ماءه بليه، وإلا فغسله واحدة يتمم عليها ما بقي، ويطهر وفاقا، وقيل: يطهر وإن عصره داخل الماء، وصوبه في تصحيح الفروع. (¬2) فيما يمكن تقليبه ولا يمكن عصره، كجلد بعير، أو يضره العصر كحرير، فبرفعه من الماء مع إمرار اليد عليه. (¬3) مما يفصل الماء عنه، فالمغسولات على ثلاثة أنحاء: ما يمكن عصره فلا بد من عصره، والثاني ما لا يمكن عصره ويمكن تقليبه فلا بد من تقليبه، والثالث ما لا يمكن عصره ولا تقليبه فلا بد من دقه وتثقيله، وعصر كل ثوب ونحوه على قدر الإمكان، بحيث لا يخاف عليه الفساد، وما يمكن عصره إذا غسل في غدير أو صب عليه ماء كثير أو جرى عليه الماء طهر مطلقا بلا شرط عصر. (¬4) دفعا للحرج والمشقة، ولقيامه مقام العصر لتعذره، ولا يكفي تجفيفه بدل العصر، ولا يعتبر في العدد تحريكه في الماء وخضخضته على القول بالعدد والعصر، ويكفي على القول بالاجتزاء بأي طريق زال به الخبث، سواء كان بتحريكه أو خضخضته أو تمر عليه الجرية، ونحو ذلك مما تزول به النجاسة، لحصول المقصود.

ولا يضر بقاء لون أو ريح أو لهما عجزا (¬1) (بلا تراب) لقول ابن عمر: أمرنا بغسل الأنجاس سبعا (¬2) فينصرف إلى أمره صلى الله عليه وسلم قاله في المبدع وغيره (¬3) . ¬

_ (¬1) أي عن إزالتهما للمشقة، ويحكم بطهارة المحل على الصحيح من المذهب وفاقا، لقوله ولايضرك أثره، وذكر الشيخ وغيره: أو يغير المحل، ويضر بقاء الطعم، لدلالته على بقاء العين، ولسهولة إزالته، ومن صور بقاء اللون المعجوز عن إزالته ما لو صبغ الثوب في نجاسة ثم غسل، فإنه يطهر ولا يضر بقاء اللون، لأنه عرض والنجاسة لا تخالط العرض، والماء يخالط العين، فإذا زالت العين التي هي محل النجاسة زالت النجاسة بزوالها، جزم به في الفصول وغيره. (¬2) كذا ذكره صاحب المبدع وغيره، وذكر القاضي أنه رواه أبو موسى عنه. (¬3) لو صح لأن هذه الصيغة في اصطلاح أهل الحديث من الصيغ التي لها حكم الرفع على الصحيح، قاله الحافظ وغيره، وصاحب المبدع هو برهان الدين إبراهيم بن محمد الأكمل المتوفى سنة 884 هـ. والمبدع من أنفع شروح المقنع للمتوسطين، وعن أحمد: لا يجب فيه عدد، اختاره الموفق وغيره اعتمادا على أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، لا من قوله ولا من فعله، وأخرج أبو داود وغيره عن ابن عمر: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرار، وغسل الثوب من البول سبع مرار، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل حتى كانت الصلاة خمسا، والغسل من الجنابة وغسل الثوب من البول مرة، وإطلاق الأحاديث الصحيحة المشهورة كغسل دم الحيض، وقوله: صبوا عليه ذنوبا، وغير ذلك مشهور، وقال النووي وغيره: الأئمة لا يروون عن الضعفاء شيئا يحتجون به على انفراده في الأحكام، فإن هذا شيء لا يفعله إمام من أئمة المحدثين، ولا محقق من العلماء، وأما فعل كثير من الفقهاء ذلك، واعتمادهم عليه، فليس بصواب، بل قبيح جدا، وذلك لأنه إن كان يعرف ضعفه لم يحل له أن يهجم على الاحتجاج به، ولعل نقلهم هذا الخبر ونحوه على هذه الصفة سهو، وإلا فهو نص على الاجتزاء بالمرة الواحدة.

وما تنجس بغسلة يغسل بعدد ما بقي بعدها (¬1) مع تراب في نحو نجاسة كلب إن لم يكن استعمل (¬2) (ولا يطهر متنجس) ولو أرضا (بشمس ولا ريح) (¬3) . ¬

_ (¬1) أي ما تنجس بإصابة ماء غسلة، يغسل بعدد ما بقي بعد تلك الغسلة، لأنها نجاسة تطهر في محلها من الغسلات، فطهرت به في مثله، فما تنجس برابعة مثلا غسلها ثلاثا، وهكذا. (¬2) أي التراب قبل تنجس الثاني، فإن كان استعمل لم يعد في نحو نجاسة كلب وخنزير وما تولد منهما. (¬3) بل بغسل لأنه عليه الصلاة والسلام أمر بغسل بول الأعرابي، ولو كان ذلك يطهر لاكتفى به، و (لو) إشارة إلى أنه محل خلاف، وعنه: تطهر إذا لم يبق أثر النجاسة بها وفاقا، لأبي حنيفة وغيره، واختاره المجد وغيره. قال الشيخ: وهو الصواب، ويجوز التيمم عليها، بل تجوز الصلاة عليها بعد ذلك، ولو لم تغسل، ويطهر غيرها بالشمس والريح أيضا نص عليه، والأمر بالصب على بول الأعرابي يحصل به تعجيل تطهير الأرض، فإذا لم يصب الماء عليها فإن النجاسة تبقى إلى أن تستحيل وفي الصحيح أن الكلاب تقبل وتدبر وتبول في المسجد ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك، كذا أثبته الشيخ في رسائله، وذكره التركماني في بعض نسخ البخاري. وقيل: ليس في الصحيح وتبول، ولو كانت النجاسة باقية لوجب غسله، فحيث استحالت لم تحتج إلى غسل، وحديث غسل بول الأعرابي عقب بوله، والنجاسة ظاهرة، فإذا ذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة فمذهب الأكثر طهارة الأرض، وجواز الصلاة عليها، هذا مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد، والقول القديم للشافعي، وهذا القول أظهر، جزم به الشيخ وغيره، ولم يرد نص بغسل كل ما قد كان تنجس على سبيل التعبد.

ولا دلك) ولو أسفل خف أو حذاء (¬1) أو ذيل امرأة (¬2) ولا صقيل بمسح (¬3) . ¬

_ (¬1) الدلك المرس والدعك، ودلك الشيء: مرسه ودعكه، والنعل بالأرض مسحها، والخف واحد الخفاف معروف والحذاء بكسر الحاء المهملة والمد، وبالذال المعجمة النعل، أي لا يطهر ذلك بالدلك هذا المشهور من المذهب، وعنه: يطهر بالدلك وفاقا لأبي حنيفةوغيره، واختاره الموفق والشارح والشيخ وجماعة، للأخبار، قال في الفروع: وهي أظهر، وفي السنن وغيرها من أوجه فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور وتباح الصلاة فيه قولا واحدا بل هو سنة، ومن وطئ رطوبة بليل لم يلزمه غسلها، ولا شمها صرح به ابن القيم وغيره، ويعفى عن يسير النجاسة على أسفل الخف أو الحذاء بعد الدلك، على القول بنجاسته قطع به الأصحاب. (¬2) ذيل كل شيء آخره، وذيل المرأة كل ثوب تلبسه إذا جرته على الأرض من خلفها، أي لا يطهر وهو المذهب وفاقا للشافعي، وعنه يطهر وفاقا لأبي حنيفة ورواية عن مالك، لحديث يطهره ما بعده رواه أهل السنن وغيرهم، وقال شيخ الإسلام: هو كالخف والحذاء، والسنة قد جاءت بالأمر بالماء في قوله: اغسليه بالماء وقوله: صبوا على بوله، فأمر بالإزالة بالماء في قضايا معينة، ولم يأمر أمرا عاما بأن تزال النجاسة بالماء، وقد أذن بإزالتها بغير الماء في مواضع: منها الاستجمار، ومنها قوله في النعلين: ثم ليدلكها بالتراب فإن التراب لهما طهور، ومنها قوله في الذيل، يطهره ما بعده، وهذا القول هو الصواب، وجوده الزركشي وغيره. (¬3) أي لا يطهر به صقيل كسيف ومرآة وزجاج وسكين بدون غسل # فلوقطع به قبل غسل ما فيه بلل كبطيخ نجسه، ورطبا بلا بلل فيه كجبن فلا بأس، وقال الشيخ: تطهر الأجسام الصقيلة كالسيف والمرآة ونحوهما إذا تنجست بالمسح واختاره أبو الخطاب وغيره، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة ونقل عن أحمد مثله في السكين من دم الذبيحة.

قال الشيخ: والرواية صريحة في التطهير بالاستحالة

(ولا) يطهر متنجس بـ (استحالة) (¬1) فرماد النجاسة ودخانها وغبارها وبخارها (¬2) . ¬

_ (¬1) لنهيه عليه الصلاة والسلام عن أكل الجلالة وألبانها لأكلها النجاسة، وعنه يطهر وفاقا للجمهور أبي حنيفة وأهل الظاهر، وأحد القولين في مذهب مالك، ووجه في مذهب الشافعي، قال الشيخ: والرواية صريحة في التطهير بالاستحالة، وهو الصحيح في الدليل، ولا يدخل في نصوص التحريم لا لفظا ولا معنى، ولا ينبغي أن يعبد بأن النجاسة طهرت بالاستحالة، فإن نفس النجس لم يطهر لكن استحال وهذا الطاهر ليس هو ذلك النجس، وإن كان مستحيلا منه، كما أن الماء ليس هو الزرع، والاستحالة استفعال من حال الشيء عما كان عليه زال، وذلك مثل أن تغير العين النجسة ونحو ذلك، وقال: قول من قال: الاستحالة لا تطهر، فتوى عريضة مخالفة لإجماع المسلمين. (¬2) نجس، فالرماد من الروث النجس نجس، والصابون عمل بزيت نجس نجس، وتراب جبل بروث حمار ونحوه نجس، ولو احترق كالخزف، وعنه طاهر وفاقا لأبي حنيفة وغيره، وإحدى الروايتين عن مالك، قال الشيخ: والصواب الطهارة في الجميع، فإن التنجيس والتحريم يتبع الاسم والمعنى الذي هو الخبث وكلاهما منتف، وليس في هذه من النجاسة شيء، وقال: وأما دخان النجاسة فمبني على أصل، وهو أنه هل تطهر العين النجسة إذا استحالت؟ وفيه قولان للعلماء أحدهما لا تطهر، كقول الشافعي، والآخر تطهر، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك في أحد القولين، وإحدى الروايتين عن أحمد، ومذهب أهل الظاهر وغيرهم وهو الصواب المقطوع به، فإن هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم لا لفظا ولا معنى، فهي من الطيبات، والنص والقياس يقتضي تحليلها، فليست محرمة، وعلى أصح القولين فالدخان والبخار المستحيل عن النجاسة طاهر، لأنه أجزاء هوائية ونارية ومائية، وليست في شيء من وصف الخبث.

ودود جرح (¬1) وصراصر كنف (¬2) وكلب وقع في ملاحة فصار ملحا (¬3) ونحو ذلك نجس (¬4) . (غير الخمرة) إذا انقلبت بنفسها خلا (¬5) . ¬

_ (¬1) نجس لاستحالته عن الدم والدودة دويبة صغيرة مستطيلة كدودة القز. (¬2) نجس لاستحالته عن النجاسة، والصراصر جمع صرار، دويبة تنشأ من الكنف ونحوها. (¬3) أي وقع في الملاحة بالتشديد فاستحال ملحا نجس. (¬4) أي نحو ما تقدم كالدم يستحيل قيحا فنجس، وعنه طاهر، وقال الشيخ: الصواب أن ذلك كله طاهر إذا لم يبق شيء من أثر النجاسة لا طعمها ولا لونها ولا ريحها فإذا كانت العين ملحا أو خلا دخلت في الطيبات التي أباحها الله، وما سقي أو سمد بنجس من زرع وغيره طاهر مباح اهـ وجزم به في التبصرة، ولا يسع الناس العمل بغيره، قال غير واحد، وعليه عمل الناس قديما وحديثا، وفاقا للأئمة الثلاثة، قال الشيخ: ويجوز الانتفاع بالنجاسات، وسواء في ذلك شحم الميتة وغيره، وهو قول الشافعي وأومأ إليه أحمد. (¬5) من غير معالجة فتطهر قال الموفق والشيخ وغيرهما: بإجماع المسلمين لأنه لا يريد تخليلها وإذا جعلها الله خلا كان معاقبة له بنقيض قصده فلا يكون في حلها مفسدة اهـ والخمر يذكر ويؤنث، اسم لكل مسكر خامر العقل، وخمرة وخمر وخمور، كتمرة وتمر وتمور، وسميت خمرة لأنها تركت فاختمرت واختمارها تغيرها وقيل لأنها تخمر العقل وتستره، أو لأنها تخامره أي تخالطه، وهي رجس كما في الآية، وحكى أبو حامد وصاحب المبدع وغيرهما الإجماع على نجاستها، لكن خالف الليث وربيعة وداود، وقال ابن رشد: اتفق المسلمون على نجاسة الخمر إلا خلاف شاذ اهـ وخللت تخليلا حمضت وفسدت، وخلل شراب فلان إذا فسد وصار خلا.

أو بنقل لا لقصد تخليل (¬1) ودنها مثلها (¬2) لأن نجاستها لشدتها المسكرة وقد زالت (¬3) كالماء الكثير إذا زال تغيره بنفسه (¬4) والعلقة إذا صارت حيوانا طاهرا (¬5) . ¬

_ (¬1) أي انقلبت خلا بنقل من دن إلى آخر، أو من ظل إلى شمس فتطهر كما لو انقلبت بنفسها، لا إن نقلت لقصد التخليل، للخبر الآتي وغيره، وأصل التخليل من إدخال الشيء في خلال الشيء، وتخليل الخمر معالجتها بطرح شيء فيها كالملح. (¬2) أي دن الخمرة بفتح الدال جمعه دنان، كسهم وسهام، كهيئة الحب، وهو وعاؤها مثلها في الحكم، طهارة ونجاسة، إذا كان مستجنسا بها، لا قبل، وكمحتفر في أرض فيه ماء كثير تغير بنجاسة ثم زال تغيره بنفسه فيطهر هو ومحله. (¬3) أي لأن علة النجاسة لأجل شدتها المسكرة الحادثة وقد زالت، وهي غير نجاسة خلقة فطهرت بزوال تلك النجاسة الحادثة إلى الطهارة. (¬4) فطهر هو ومحله، والخمر نجاستها لأمر زال بالانقلاب فطهرت بزوال ذلك، بخلاف النجاسات العينية. (¬5) أي وغير العلقة إذا خلق منها آدمي، أو حيوان طاهر فإنها تصير طاهرة بعد أن كانت نجسة، وهي أولى بالعفو من غيرها، والتحقيق ما تقدم في قول الشيخ: أن كل ما استحال إلى الطيبات طهر، والعلق الدم الغليظ، والقطعة منه علقة.

(فإن خللت) أو نقلت لقصد التخليل لم تطهر (¬1) والخل المباح أن يصب على العنب أو العصير خل قبل غليانه حتى لا يغلي (¬2) ويمنع غير خلال من إمساك الخمرة لتخلل (¬3) . ¬

_ (¬1) بالغسل وفاقا للشافعي، لقوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن الخمر تتخذ خلا قال: (لا) رواه مسلم وغيره عن أنس، وقال عمر، لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها، وثبت عن طائفة من الصحابة، قال ابن القيم، ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف اهـ. وذلك لأن اقتناء الخمر محرم، فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرما، فلا يكون سببا للحل، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها داء وليست بدواء، إبعادا عن اصطناعها الداعي إلى شربها، وخصها دون غيرها من المطاعم بالحد، لقوة محبة الأنفس لها. (¬2) نقله الجماعة، وقيل له: فإن صب عليه خل فغلى؟ قال: يهراق اهـ وقيل أن تمضي عليه ثلاثة أيام حتى لا يستحيل أولا خمرا، وكذا إذا عصر على العنب أترج أو خل منعه من الغليان، وكذا اللبن الحامض جدا، والخل مصدر، وما حمض من عصير العنب وغيره، وأجوده خل الخمر، تركب من جوهرين حار وبارد، نافع للمعدة واللثة والقروح والحكة وغيرها، وفي الحديث نعم الإدام الخل، وسمي خلا لأنه اختل من طعم الحلاوة. (¬3) أي يمنع غير صانع الخل وبائعه، ويراق خمره في الحال، فإن خالف وأمسك فصار خلا بنفسه طهر، وأما الخلال فلا يمنع لئلا يضيع عليه ماله، والقول الثاني يراق كغيره، وقال شيخ الإسلام: أظهرهما وجوب إراقته، فإنه ليس في الشريعة خمرة محترمة، لأمره صلى الله عليه وسلم بإراقة خمر اليتامى اهـ وإنما حرم إمساكها للتخليل، لئلا يتخذ ذريعة إلى إمساكها للشرب وعن شرب العصير بعد ثلاث وعن الإنتباذ في الأوعية التي قد يتخذ النبيذ فيها ولا يعلم به حسما لمادة قربان المسكر، ومتابعة للسنة المأثورة لأنها مظنة ظهور الشدة غالبا، وقد صرح الشارع بالعلة في تحريم القليل، فقال: لو رخصت لكم في هذه لأوشك أن تجعلوها مثل هذه، والعلة في تحريمها: المفاسد الكثيرة المترتبة على زوال العقل، وقد تواتر تحريمها فلا يرده إلا كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل.

المائع كالماء لا ينجس إلا بالتغير وفي تنجيسها من الحرج والضيق ما لا يخفى

(أو تنجس دهن مائع) (¬1) أو عجين (¬2) . ¬

_ (¬1) لم يطهر بالغسل ولو كثر، وحد المائع بحيث يسيل لو فتح فم الزق، وقيل: بحيث لا تسري فيه النجاسة، وعنه: أن المائع كالماء لا ينجس إلا بالتغير، قال الشيخ: بل أولى بعدم التنجيس من الماء، وهو الأظهر في الأدلة الشرعية بل لو نجس القليل من الماء لم يلزم تنجيس الأشربة والأطعمة، ولذا لم يأمر مالك بإراقة ما ولغ فيه الكلب من الأطعمة والأشربة، وفي تنجيسها من الحرج والضيق ما لا يخفى، والفقهاء يعتبرون رفع الحرج في هذا الباب، وإذا كان الصحيح في الماء أنه لا ينجس إلا بالتغير، فكذلك الصواب في المائعات، ومن تدبر الأصول المجمع عليها، والمعاني الشرعية المعتبرة تبين له أن هذا هو أصوب الأقوال، فإن نجاسة الماء والمائعات بدون التغير بعيد عن ظواهر النصوص والأقيسة، وقال وبالجملة فلم أعلم إلى ساعتي هذه لمن ينجس المائعات الكثيرة بوقوع النجاسة فيها إذا لم يتغير حجة يعتمد عليها المفتي فيما بينه وبين الله عز وجل، وقال ابن القيم: إذا لم تتغير بالنجاسة لم تنجس، وهو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص والمعقول، فإن الله أباح الطيبات وحرم الخبائث، والطيب والخبيث يثبت للمحل باعتبار صفات قائمة به، فما دامت تلك الصفة فالحكم تابع لها، فإذا زالت وخلفتها الصفة الأخرى زال الحكم، وخلفه ضده، فهذا هو محض القياس والمعقول، فإذا زال التغير عاد طيبا، والدليل على أنه طيب الحس والشرع. (¬2) أي أو تنجس عجين لم يطهر بالغسل، لأنه لا يمكن غسله، والعجين ما يعجن من الدقيق بالماء، فعيل بمعنى مفعول، من: عجن الدقيق ونحوه يعجنه عجنا اعتمد عليه بجميع كفه يغمزه، وقال الشيخ وغيره: يطهر السمن الجامد والعجين بقلع وجهه، والتمر بالغسل، وذكر أن طائفة من أصحاب الأئمة رأوا غسل الدهن النجس، وهو خلاف قول الأئمة الأربعة.

أو باطن حب (¬1) أو إناء تشرب النجاسة (¬2) أو سكين سقيتها (لم يطهر) (¬3) لأنه لا يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه (¬4) . وإن كان الدهن جامدًا ووقعت فيه نجاسة ألقيت وما حولها والباقي طاهر (¬5) . ¬

_ (¬1) أي أو تنجس باطن حب تشرب نجاسة من أي أنواع الحبوب لم يطهر بالغسل، لأنه لا يستأصل أجزاء النجاسة مما ذكر، وما لم يتشرب النجاسة يطهر بمرور الماء عليه وانفصاله. (¬2) أي أو تنجس إناء تشرب النجاسة لم يطهر بالغسل. (¬3) أي أو تنجست سكين سقيت النجاسة وهو بأن تعالج بأدوية وتغمس في الماء النجس وأما إحماؤها في النار، ثم غمسها في ماء نجس ونحوه فإطفاء لها، فتطهر بالغسل، فإن غمست أو طبخ لحم بماء نجس كفى غسلهما ولم يحتج إلى غسل السكين وإغلاء اللحم مع عصره، وقال الشيخ في سكين القصاب: لا تحتاج إلى غسل، فإن غسل التي يذبح بها بدعة. (¬4) أي أجزاء ما تنجس مما ذكر. (¬5) لحديث أبي هريرة ألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان مائعا فلا تقربوه، رواه أبو داود، والجامد هو القائم اليابس ضد الذائب، أو هو الذي إذا أخذ منه قطعة لا يتراد من الباقي، ما يملأ محلها عن قرب، والمائع بخلافه، قال شيخ الإسلام: عمل بهذا اللفظ بعض العلماء لظنهم صحته، وهو باطل، ولو اطلع الإمام أحمد على العلة القادحة فيه لم يقل به لأنه من رواية معمر، وهو كثير الغلط باتفاق أهل العلم وقوله: «فلا تقربوه» متروك عند السلف والخلف من الصحابة والتابعين: وقال البخاري وغيره: خطأ وقال ابن القيم: غلط من معمر من عدة وجوه: ويكفي أن الزهري قد روى عنه الناس كلهم خلاف ما روى عنه معمر، وسأل عن هذه المسألة فأفتى بأنها يلقى ما حولها ويؤكل الباقي في الجامد والمائع والقليل والكثير، واستدل بالحديث، فهذه فتياه وهذا استدلاله وهذه رواية الأمة عنه، فقد اتفق على ذلك النص والقياس، ولا يصلح للناس سواه، وما سواه من الأقوال فمتناقض لا يمكن صاحبه طرده اهـ وفي الصحيح وغيره عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن فقال: ألقوها وما حولها وكلوه، قال شيخ الإسلام: إذا وقعت فأرة في دهن مائع ولم يتغير بها ألقيت وما قرب منها، ويؤكل ويباع في أظهر قولي العلماء.

فإن اختلط ولم ينضبط حرم (¬1) . (وإن خفي موضع نجاسة) في بدن أو ثوب أو بقعة ضيقة (¬2) وأراد الصلاة (غسل) وجوبا (¬3) (حتى يجزم بزواله) أي زوال النجس لأنه متيقن، فلا يزول إلا بيقين الطهارة (¬4) . ¬

_ (¬1) أي فإن اختلط النجس بالطاهر، ولم ينضبط النجس حرم الأكل، تغليبا لجانب الحظر، وإن وقع في مائع سنور أو فأرة ونحوهما مما ينضم دبره إذا وقع فخرج حيا فطاهر، وكذا في جامد، وإن مات فيه، أو حصلت منه رطوبة ألقي وما حوله. (¬2) كمصلى صغير أو بيت صغير. (¬3) يعني ما احتمل أن النجاسة أصابته. (¬4) ولأنه اشتبه الطاهر بالنجس فوجب عليه اجتناب الجميع حتى يتيقن الطهارة بالغسل ولا يكفي الظن، وعند الشيخ يكفي الظن في غسل المذي وغيره من سائر النجاسات، وفي القواعد الأصولية: يحتمل أن تخرج رواية في بقية النجاسات، من الرواية التي في المذي، وفي النكت: وعنه ما يدل على جواز التحري في غير صحراء.

فإن لم يعلم جهتها من الثوب غسله كله، وإن علمها في أحد كميه ولا يعرفه غسلهما (¬1) ويصلي في فضاء واسع حيث شاء بلا تحر (¬2) (ويطهر بول) وقيء (غلام لم يأكل الطعام) لشهوة (بنضحه) أي غمره بالماء (¬3) . ¬

_ (¬1) أو علمها في أحدهما ونسيه غسلهما، وإن علمها فيما يدركه بصره من بدنه أو ثوبه غسل ما يدركه منها، وما لا يدركها أي لا يشاهدها بالعين لقلتها بحيث لو كانت مخالفة للون ثوب ونحوه، ووقعت عليه لم تر لقلتها، وتعبير بعضهم بما لا يدركه الطرف فيه نظر، والأحاديث الصحيحة صريحة فيما يظهر من القذر، واختار ابن عقيل وابن المنا وصاحب الفائق والشيخ وغيرهم أنه لا ينجس. (¬2) ولا غسل كصحراء وحوش واسع خفي موضع النجاسة فيه، لأنه يفضي إلى الحرج والمشقة، ولحديث كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدم. (¬3) قال صاحب الإنصاف وغيره: بلا نزاع، وإن لم يقطر منه شيء، والنضح في الأصل الرش والبل، فالذي أصابه البول يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره وفي الكافي: أن يغمره بالماء وإن لم ينزل عنه، وهو نجس، صرح به الجمهور، هذا إذا لم يأكل الطعام لشهوة أو اختيار، فإنه قد يلعق العسل ساعة يولد ويناول السفوف ونحوه، والنبي صلى الله عليه وسلم حنك بالتمر، قال شيخنا وغيره: ليس المراد امتصاصه ما يوضع في فمه وابتلاعه، بل إذا كان يريد الطعام ويتناوله ويشرئب أو يصيع أو يشير إليه فهذا هو الذي يطلق عليه أنه يأكل الطعام اهـ فإن أكله لشهوة واختيار غسل والغلام يطلق على الصبي من حين يولد على اختلاف حالاته إلى بلوغه، وفي لفظ بول الغلام الرضيع.

ولا يحتاج لمرس وعصر (¬1) فإن أكل الطعام غسل كغائطه وكبول الأنثى والخنثى، فيغسل كسائر النجاسات (¬2) قال الشافعي: لم يتبين لي فرق من السنة بينهما وذكر بعضهم أن الغلام أصله من الماء والتراب، والجارية أصلها من اللحم والدم. وقد أفاده ابن ماجه، وهو غريب قاله في المبدع (¬3) ولعابهما طاهر (¬4) (ويعفى في غير مائع و) في غير (مطعوم عن يسير دم نجس) (¬5) . ¬

_ (¬1) لحديث أم قيس أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله متفق عليه، ونضح بول الغلام، وغسل بول الجارية متواتر لا شيء يدفعه. (¬2) لقول علي يرفعه: يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر، قال قتادة: إذا لم يطعما، فإذا طعما غسلا جميعا. (¬3) والحكمة والله أعلم أن بول الغلام يخرج بقوة فينتشر أو أنه يكثر حمله فتعظم المشقة بغسله، أو أن مزاجه حار فبوله رقيق، بخلاف الأنثى فبولها أنتن وأخبث لرطوبتها، فتكون هذه المعاني مؤثرة في الفرق. (¬4) أي لعاب الذكر والأنثى طاهر ولو بعد قيء. (¬5) من حيوان طاهر في الحياة، وفاقا، واليسير ما لا ينقض الوضوء خروج قدره من البدن، وظاهره أنه لا يعفى عنه في المائع والمطعوم ولو كثر وهو المذهب ومذهب مالك والشافعي، وعنه: يعفى عنه وفاقا لأبي حنيفة وغيره من السلف، وهو نص القرآن واختاره الناظم والشيخ وغيرهما، واختار العفو عن يسير النجاسات مطلقا في الأطعمة وغيرها، حتى بعر الفأر، وقال: إذا استهلكت فيه واستحالت فلا وجه لإفساده، ولا دليل على نجاسته، لا في كتاب الله تعالى ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مجمع البحرين: الأولى العفو عنه لعظم المشقة ولا يرتاب ذو عقل في عموم البلوى به، والدم مخفف الميم على اللغة الفصيحة المشهورة، وتشدد في لغية وأصله دمي، وجمعه دماء ودمي، وقيل أصله دمو أو دمو بالتحريك.

يعفى عن يسير النجاسات مطلقا في الأطعمة وغيرها

ولو حيضا أو نفاسا (¬1) أو استحاضة (¬2) وعن يسير قيح وصديد من حيوان طاهر لا نجس (¬3) . ¬

_ (¬1) لحديث أسماء قال تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه، متفق عليه، قال المجد: فيه دليل على أن دم الحيض لا يعفى عن يسيره وإن قل للعموم، والأكثر على أنه يعفى عنه، جزم به الموفق والشيخ وغيرهما، وصوبه في تصحيح الفروع، وقال الشارح وغيره، أكثر أهل العلم يرون العفو عن يسيره من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف، وكذا غيرهم وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي. (¬2) لأنه يشق التحرز منه. (¬3) القيح مادة بيضاء غليظة لم يخالطها دم، والصديد ماء الجرح الرقيق المختلط بالدم قبل أن تغلظ المدة، فيعفى عن يسيرهما من طاهر لتولدهما من الدم، فهما أولى بالعفو، ولو أصابه من غيره، ولا يعفى عنهما من حيوان نجس كالكلب والحمار، فإن العفو مختص باليسير من دم الطاهر، وأما الدم الكثير منه فلا نزاع في نجاسته حكاه الزركشي وغيره. وقال النووي: الدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافا عن أحد من المسلمين، وقال: القيح نجس بلا خلاف، وكذا ماء القروح نجس بالاتفاق، وقال الشيخ: ولا يجب غسل الثوب من المدة والقيح والصديد ولم يقم الدليل على نجاسته، وحكى أبو البركات عن بعض أهل العلم طهارته، قال في الإنصاف في ماء القروح: هي أقرب إلى الطهارة من القيح والصديد.

ولا إن كان من سبيل قبل أو دبر (¬1) واليسير ما لا يفحش في نفس كل أحد بحسبه (¬2) ويضم متفرق بثوب لا أكثر (¬3) ودم السمك (¬4) وما لا نفس له سائلة كالبق (¬5) والقمل (¬6) . ¬

_ (¬1) أي القيح والصديد، لأن حكمه حكم البول والغائط، فلا يعفى عن شيء منه. (¬2) وقدر في الإنصاف وغيره بما ينقض الوضوء، والمعفو عنه من القيح ونحوه أكثر مما يعفى عن مثله من الدم إذا كان من حيوان طاهر. (¬3) أي يضم متفرق من دم ونحوه من ثوب ونحوه، فإن فحش لم يعف عنه ولا يضم متفرق بأكثر من ثوب، بل يعتبر ما في كل ثوب على حدته لأن أحدهما لا يتبع الآخر. (¬4) طاهر: لأنه لو كان نجسا لتوقفت إباحته على إراقته بالذبح، وقيل: نجس وصححه الموفق وغيره، لأنه دم أشبه سائر الدماء، ولأن الشرع لم يرد فيها بطهارة فيدخل في عموم الآية، وهو حيوان خلقه الله في الماء، وهو أنواع كثيرة، ومنه ما يكبر حتى يكون كسفينة كبيرة، ومنه ما هو صغير حتى لا يدركه البصر. (¬5) أي البعوض دود معروف، واحدته بقة في غاية الصغر، دمه طاهر وسائلة بالنصب والرفع إتباعا لمحل اسم لا، ولـ لا مع اسمها أي لا دم له سائل. (¬6) أي ودم القمل طاهر، والقمل يتولد من العرق والوسخ في بدن الإنسان تحت الشعر أو الثوب، يتغذى بدمه، وكذا دم القراد والحمنانة والحلمة إن لم تكن مخلوقة من حيوان نجس، وهو ظاهر الغاية، وكذا دم البراغيث والذباب ونحوهما مما لا نفس له سائلة، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والراجح من مذهب الشافعي.

ودم الشهيد عليه (¬1) وما يبقى في اللحم وعروقه (¬2) ولو ظهرت حمرته طاهر (¬3) (و) يعفى (عن أثر استجمار) بمحله بعد الإنقاء واستيفاء العدد (¬4) (ولا ينجس الآدمي بالموت) لحديث المؤمن «لا ينجس» متفق عليه (¬5) . ¬

_ (¬1) طاهر ولو كثر، فإن انفصل فنجس كغيره. (¬2) أي عروق لحم مأكول بعدما يخرج بالذبح، وما في خلاله. (¬3) لم يحرمه الله عز وجل، نص عليه لأنه لا يمكن التحرز منه، ولأن لله إنما حرم الدم المسفوح، والمسفوح هو الذي يسيل فالذي ليس بمسفوح ليس بحرام، وحله يدل على طهارته، وقد ثبت أنهم كانوا يضعون اللحم في القدر فيبقى الدم في الماء خطوطا قال الشيخ الإسلام: لا أعلم بين العلماء خلافا في العفو عنه، وأنه لا ينجس باتفاقهم فلا فرق بين أن يكون الدم في مرق القدر، أو مائع آخر، أو على سكين ونحوها، فعلى هذا: النجس من الدم هو المسفوح، والمسفوح هو السائل. (¬4) ثلاث فأكثر، كما مر في الاستنجاء، قال الشارح: بغير خلاف نعلمه، والإنقاء التنظيف ولو بقي لزوجة لا يزيلها إلا الماء، قال أحمد في المستجمر يعرق في سراويله: لا بأس به، وعلم منه أنه إن كان تعدى إلى الثوب أو البدن أو غيرهما لم يعف عنه، واتفقوا على أنه لا يلزم نضح ما شك في نجاسته. (¬5) وقال البخاري عن ابن عباس: لا ينجس المسلم حيا ولا ميتا، قال الشيخ: وهو ظاهر مذهب أحمد والشافعي، وأصح القولين في مذهب مالك، وخصه في شرح العمدة بالمسلم، وقاله المجد في الهداية، وقال الشيخ: عظم الآدمي طاهر إذ لا موجب لتنجيسه، وكذا عظم الميتة لأن المقتضى للتنجيس الدم في العظام، وهو مذهب أبي حنيفة، واختاره هو وابن القيم وغيرهما.

ما لا نفس له سائلة، وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه طاهر

(وما لا نفس) أي دم (له سائلة) (¬1) كالبق والعقرب (¬2) وهو (متولد من طاهر) لا ينجس بالموت بريا كان أو بحريا (¬3) فلا ينجس الماء اليسير بموتهما فيه (¬4) (وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه) طاهر (¬5) . ¬

_ (¬1) من حيوان البر والبحر، يقال: سالت نفسه أي دمه، وإنما سمي الدم نفسا لأن النفس التي هي اسم لجلمة الحيوان قوامها بالدم. (¬2) لا ينجس بالموت، والعقرب معروفة ذات سم، وأنواعها كثيرة، وكذا ذباب وزنبور ودود ونمل وخنافس وصراصر وبراغيث ونحوها. (¬3) بلا نزاع فإن كان متولدا من نجاسة كصراصر حش ودود جرح، أو خارج من الدبر فنجس حيا وميتا، لأن استحالته غير مطهرة، وتقدم قول شيخ الإسلام. (¬4) أي موت البق والعقرب ونحوهما في الماء اليسير، في قول عامة الفقهاء قال ابن المنذر: لا أعلم في ذلك خلافا، إلا ما كان من أحد قولي الشافعي وروي في الحديث ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه ونحوه للدارقطني وغيره، وفي الصحيح إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه، قال ابن القيم: وفيه دلالة ظاهرة على أنه إذا مات في ماء أو مائع لا ينجسه، وهذا قول جمهورالعلماء، ولا يعرف في السلف مخالف في ذلك، وعدي هذا الحكم إلى كل ما نفس له سائلة اهـ، وقد يموت ولو نجس الطعام لأفسده وكذا بوله وروثه، ولا يكره ما مات فيه، بخلاف الوزغ ونحوه، فإن نفسه سائلة، نص عليه كالحية والضفدع والفأرة، فينجس بالموت، وينجس الماء اليسير ونحوه بموتها فيه، وتقدم. (¬5) وقال الشيخ: لم يذهب أحد من الصحابة إلى القول بنجاسته بل القول بنجاسته محدث، لا سلف له من الصحابة اهـ وكذا ريقه ومخاطه ودمعه كبوله وأولى وسؤر المأكول كله طاهر في الجملة، وحكاه ابن المنذر وغيره إجماعا ولبنه طاهر بلا نزاع.

لأنه صلى الله عليه وسلم أمر العرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها (¬1) والنجس لا يباح شربه، ولو أبيح للضرورة لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة (¬2) (ومني الآدمي) طاهر (¬3) . ¬

_ (¬1) متفق عليه، ولم يأمرهم مع ذلك بغسل ما يصيب أفواههم وأيديهم ولا بغسل الأوعية التي فيها الأبوال، ولا دليل على نجاسة ذلك بحال، وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم يصلي في مرابض الغنم، وأمر بالصلاة فيها، متفق عليه، وهي لا شك تبول فيها، قال النووي: والألبان أربعة أقسام: لبن مأكول اللحم، طاهر بنص القرآن والسنة والإجماع، ولبن الكلب والخنزير وما تولد من أحدهما نجس بالاتفاق، ولبن الآدمي طاهر، وحكى أبو حامد إجماع المسلمين على طهارته ولبن سائر الحيوانات الطاهرة غير ما تقدم المنصوص نجاستها، وهو مذهب مالك وأحمد، وقيل طاهرة وهو مذهب أبي حنيفة، والعرنيون قبيلة من العرب في بجيلة من كهلان، وهم من ولد عرينة بن نذير بن قسر بن عبقر بن عمرو بن الغوث. (¬2) فدل على طهارته، وذكر شيخ الإسلام على طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه بضعة عشر حجة من النص والإجماع والاعتبار والعقل، وقال: الأصل في الأرواث الطهارة إلا ما استثني. (¬3) من ذكر أو أنثى، عن احتلام أو جماع أو غيرهما، ولو خرج بعد استجمار، صرح به في الإقناع، وهو مذهب الشافعي وجماهير العلماء، ومقتضى إطلاق الأخبار، وقال في الإنصاف، ومني الآدمي طاهر هذا المذهب مطلقا وفي المبدع إن كان على المخرج نجاسة فالمني نجس لا يعفى عن شيء منه اهـ وقال شيخ الإسلام رحمه الله: سواء كان مستنجيا أو مستجمرا فإن منيه طاهر، ومن قال إن مني المستجمر نجس لملاقاته رأس الذكر فقوله ضعيف، فإن الصحابة كان عامتهم يستجمرون ولم يكن يستنجي بالماء منهم إلا قليل جدا، ومع هذا فلم يأمر صلى الله عليه وسلم أحدا منهم بغسل مني ولا فركه اهـ والمذي نجس إجماعا، ولا يطهر بنضحه وفاقا، وعنه يجزئ فيه النضح، وقواه الشيخ، وجزم في العمدة بالعفو عن يسيره، وصححه الناظم والشيخ وغيرهما، وخصوصا في حق الشباب، لكثرة خروجه منهم، فيشق التحرز منه فعفي عن يسيره كالدم، قال الشيخ: وهو أولى بالتخفيف من بول الغلام، ومن أسفل الحذاء اهـ وأما الودي فنجس إجماعا.

لقول عائشة: (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يذهب فيصلي فيه) متفق عليه (¬1) فعلى هذا يستحب فرك يابسه وغسل رطبه (¬2) . ¬

_ (¬1) ولابن خزيمة: كانت تسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه، وتحكه من ثوبه يابسا ثم يصلي فيه، وقال ابن عباس: امسحه عنك بإذخرة أو خرقة، فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، والفرك الدلك والحت من باب قتل، وهو أن تحكه بيدك حتى يتفتت ويتقشر. (¬2) قال شيخ الإسلام: وأما كون عائشة تغسله تارة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفركه تارة، فهذا لا يقتضي تنجيسه فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ، وهذا قول غير واحد من الصحابة ابن عباس وغيره، قال: وروى أحمد بإسناد صحيح عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه.

الخارج من الإنسان على ثلاثة أنواع طاهر ونجس ومختلف فيه

(ورطوبة فرج المرأة) وهو مسلك الذكر طاهر (¬1) كالعرق والريق والمخاط (¬2) والبلغم ولو أزرق (¬3) وما سال من الفم وقت النوم (¬4) (وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر) غير مكروه (¬5) . ¬

_ (¬1) للحكم بطهارة منيها مطلقا، وهو قول للشافعي، وتقدم قول الشيخ، وقال القاضي: ما أصاب منه في حال الجماع نجس، لأنه لا يسلم من المذي قال في المبدع: وهو ممنوع، فإن الشهوة إذا اشتدت خرج المني وحده. (¬2) وهو ما يخرج من الأنف، وهو أخلاط من أخلاط البدن. (¬3) بتشديد القاف، سواء كان من الرأس أو الصدر أو المعدة، لحديث أبي هريرة إذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا، فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه ببعض، رواه مسلم وغيره، ولو كانت نجسة لما أمر بمسحها في ثوبه، والبزاق إذا اختلط بالدم لا يخلو إما أن يكون الدم غالبا أو مغلوبا أو مساويا فإن احمر البزاق بسبب الدم صار الدم غالبا أو مساويا وضر، وإن اصفر البزاق بالدم صار مغلوبا فلا يضر. (¬4) طاهر بالاتفاق، والرطوبة التي تخرج من المعدة نجسة بالاتفاق، وقال الزركشي: فالخارج من الإنسان على ثلاثة أقسام: طاهر بلا نزاع، وهو الدمع والعرق والريق والمخاط والبصاق، ونجس بلا نزاع وهو البول والودي والدم، وما في معناه، ومختلف فيه، وهو المني وتقدم وسبب الاختلاف فيه هو تردده في مجرى البول، وبلغم المعدة لتردده بين القيء وبين نخامة الرأس. (¬5) بلا نزاع، إلا ما روي من كراهته عن أبي حنيفة، وكذا فضلاته لحديث أبي قتادة في الهر إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات رواه الترمذي وغيره وصححه شبهها بالمماليك من خدم البيت، الذين يطوفون على أهله للخدمة، ولعدم إمكان التحرز منها، سوى منيه فنجس قاله الزركشي وغيره، وفي الاختيارات: وقول الأصحاب: الهرة وما دونها في الخلقة طاهر، يعني أن جنسه طاهر، وقد يعرض له ما يكون نجس العين كالدود المتولد من العذرة، فإنه نجس ذكره القاضي، ويخرج طهارته بناء على أن الاستحالة إذا كانت بفعل الله طهرت، ولا بد أن يلحظ طهارة ظاهره من العذرة بأن يغمس في ماء ونحوه، إلا أن يقال: إنه لا يكون على بدنه شيء منها اهـ وما دونها أي من طير وغيره خلقة ألحق بها بجامع الطواف.

غير دجاجة مخلاة (¬1) والسؤر بضم السين مهموز بقية طعام الحيوان وشرابه (¬2) والهر القط (¬3) . ¬

_ (¬1) بالتشديد أي غير محفوظة فيكره سؤرها احتياطا لأن الظاهر نجاسته. (¬2) هذا ظاهر القاموس أنه حقيقة في مطلق البقية، وقال بعض اللغويين، هو بقية الماء التي يبقيها الشارب في الإناء أو الحوض، ثم استعير لبقية الطعام وغيره، والجمع الأسآر والفعل أسأر أي بقى مما شرب، ويكره سؤر الفأر، لأنه يورث النسيان، وقيل ست تورث النسيان: سؤر الفأرة وإلقاء القملة، والبول في الماء الراكد وقطع القطار، ومضغ العلك، وأكل التفاح، ومنهم من ذكره حديثا، لكن قال ابن الجوزي: إنه موضوع، وزيد العصيان، والهموم، والأحزان بسبب الدنيا، وكثرة الاشتغال بها، وأكل الكزبرة الرطبة، والنظر إلى المصلوب، والحجم في نقرة القفاء، واللحم الملح، والخبز الحامي، وكثرة المزح، والضحك بين المقابر، واللعب بالمذاكير، أو الذكر حتى ينزل، والنظر إليه، والبول في الطريق، أو الرماد والنظر إلى الفرج وغير ذلك. (¬3) بالكسر يعني السنور، جمعه هررة كقردة وهرة بالكسر جمعها هرر كقرب، وقال ابن الأنباري: الهر يقع على الذكر والأنثى اهـ وهو ظاهر لفظ الحديث السابق.

سباع والبهائم والطير والحمار الأهلي نجسة

وإن أكل هو أو طفل ونحوهما نجاسة ثم شرب، ولو قبل أن يغيب من مائع لم يؤثر لعموم البلوى (¬1) لا عن نجاسة بيدها أو رجلها (¬2) ولو وقع ما ينضم دبره في مائع ثم خرج حيا لم يؤثر (¬3) (وسباغ البهائم (¬4) و) سباع (الطير) (¬5) التي هي أكبر من الهر خلقه (¬6) . ¬

_ (¬1) ولأن الشارع عفا عنها مطلقا، لمشقة التحرز، ولاحتمال أنه شرب من ماء آخر، وقال ابن تميم: فيكون الريق مطهرا لها، وقال الشيخ: إن طال الفصل كان طاهرا، جعلا لريقها مطهرا لفمها، لأجل الحاجة وهو أقوى الأقوال وقوله: ونحوهما أي من طير وبهيمة. (¬2) فإنه يؤثر نص عليه. (¬3) لعدم وصول النجاسة إليه، وكذا لو وقع في جامد وخرج حيا، وما ينضم دبره كالضفدع والسحبلة والسعودة والوزغ والضب والجرذ والفأر، وقيل: كل حيوان ينضم دبره، إلا البعير، وهو معلوم الطهارة. (¬4) كالفيل والفهد والأسد والنمر والذئب نجسة، والكلب والخنزير منها فالسبع ما يفترس من الحيوان مطلقا، وأما الثعلب والضبع فلا وإن كان له ناب. (¬5) ما يصيد منها من كل ما لا يؤكل نجسة كالعقاب والصقر والحدأة والبومة ويقال لهن الجوارح، وهن الكواسب من الطير، وعنه في الطير لا يعجبني عرقه إن أكل الجيف، فدل أنه كرهه لأكله النجاسة فقط، ذكره الشيخ ومال إليه. (¬6) لا كالهر أو دونه كالنمس والنسناس وابن عرس والفأرة والقنفذ فطاهر حيا، ولو أعقب ذلك بسباع البهائم لكان أولى.

(والحمار الأهلي والبغل منه) أي من الحمار الأهلي لا الوحشي (نجسة) (¬1) وكذا جميع أجزائها وفضلاتها (¬2) لأنه عليه السلام لما سئل عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال: «إذاكان الماء قلتين لم ينجسه شيء» ، فمفهومه أنه ينجس إذا لم يبلغهما (¬3) وقال في الحمر يوم خيبر، «إنها رجس» ، متفق عليه (¬4) . ¬

_ (¬1) وأما الحمار الوحشي والبغل منه فطاهر مأكول. (¬2) كريقها وعرقها نجسة، وكذا سؤرها، وعن أحمد طهارة الحمار الأهلي والبغل، اختاره الموفق والشيخ وجماعة، وهو مذهب مالك والشافعي، قال في الإنصاف: وهو الأصح وأقوى دليلا، لأنه عليه الصلاة والسلام يركبها ويركبان في زمانه، وفي عصر الصحابة، فلو كانا نجسين لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وعليه فسؤرهما وفضلاتهما طاهرة، وتعليله عليه الصلاة والسلام طهارة سؤر الهرة وطهارة ريق الكلب على الصيد يقتضي أن الحاجة مقتضية للطهارة، وهذا من حجج من يقول بطهارة سؤر البغل والحمار، فإن الحاجة داعية إلى ذلك، وحديث «لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شراب طهور» ، ولفظ الموطأ وغيره، ولنا ما بقي طهور وشراب، وحديث: «أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم» وبما أفضلت السباع قواه البيهقي وله طرق. (¬3) فوجه الدلالة منه أن السباع والدواب نجسة، لنجاسة الماء بما ينوبه منها إذا لم يبلغهما، وتقدم كلام الشيخ على الحديث. (¬4) أي حرام، ويحتمل أنه أراد لحمها الذي في قدورهم فإنه رجس وذبح ما لا يحل أكله لا يطهره، قال ابن القيم: ودليل النجاسة لا يقاوم دليل الطهارة، فإنه لم يقم على تنجيس سؤرها دليل، وغاية ما احتج به لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم «إنها رجس» والرجس هو النجس، وهذا لا دليل فيه، لأنه إنما نهاهم عن لحومها، وقال: إنها رجس ولا ريب أن لحومها ميتة لا تعمل الذكاة فيها، فهي رجس، ولكن من أين أن تكون في حال حياتها؟ حتى يكون سؤرها نجسا.

والرجس النجس (¬1) . ¬

_ (¬1) بالفتح وبالكسر وبالتحريك ضد الطاهر، وتقدم وعند أهل اللغة: القذر، وما كان نجسا في الحياة فموته لا يزيده إلا خبثا.

باب الحيض

باب الحيض (¬1) أصله لغة السيلان (¬2) من قولهم: حاض الوادي: إذا سال (¬3) . ¬

_ (¬1) والاستحاضة والنفاس وما يتعلق بها من الأحكام، وعنون بالحيض لأصالته، وقال أحمد: كنت في كتاب الحيض تسع سنين حتى فهمته، ومن أسمائه الطمث، والطمس، والضحك، والإعصار، والإكبار، والنفاث، والدراس، والعراك، والفراك، ونظمها بعضهم فقال: حيض نفاث دراس طمس إعصار ... ضحك عراك فراك طمث إكبار والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} الآية والسنة مستفيضة، وكذا الإجماع، وقال أحمد: الحيض يدور على ثلاثة أحاديث حديث فاطمة وأم حبيبة وحمنة، وفي رواية: وأم سلمة بدل أم حبيبة. (¬2) سال يسيل سيلا وسيلانا، جرى. (¬3) وحيضان السيول ما سال منها، ومنه حاضت الشجرة إذا سال منها شبه الدم وهو الصمغ الأحمر، ودم الحيض سمي حيضا لسيلانه من رحم المرأة في أوقاته المعادة، ويقال: حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا فهي حائض وحائضة إذا جرى دمها، وتحيضت أي قعدت أيام حيضها، واستحيضت استمر بها الدم بعد أيامها على سبيل النزف، وقال بعض أهل اللغة: الحيض دم يخرج في أوقاته بعد بلوغها، والاستحاضة دم يخرج في غير أوقاته، فدم الحيض يخرج من قعر الرحم أسود محتدم، أي حار كأنه محترق، وأما دم الاستحاضة فهو من مرض وفساد من عرق فمه في أدنى الرحم يسمى العاذل، وأما النفاس فهو الدم الخارج بعد فراغ الرحم.

وهو شرعا: دم طبيعة وجبلة (¬1) يخرج من قعر الرحم (¬2) في أوقات معلومة (¬3) خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته (¬4) . ¬

_ (¬1) أي سجية وخلقة، وقيل: العطف للتفسير، ومعناه دم الحيض المعتاد الذي يكون في حال السلامة، جبل الله بنات آدم عليه، وليس هو دم فساد، قيل: سببه ابتداء ابتلاء الله لحواء لأكل الشجرة فبقي في بناتها إلى يوم القيامة ففي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» ، وذكر النووي أنه عام في جميع بنات آدم. (¬2) بكسر الحاء مخففة وبسكونها مع فتح الراء وكسرها في لغة: أي موضع تكوين الولد، ووعاؤه، عند البلوغ وبعده مع الصحة، بخلاف الاستحاضة. (¬3) أي يعتاد أنثى بلغت في أوقات معلومة، على صفة معلومة، وذكروا أنه يحيض من الحيوانات أربع: المرأة والضبع، والأرنب والخفاش. زاد بعضهم وقال: إن اللواتي يحضن الكل قد جمعت ... في ضمن بيت فكن ممن لهن يعي امرأة ناقة مع أرنب وزغ ... وكلبة فرس خفاش مع ضبع (¬4) لافتقاره إلى الغذاء، فلو شاركها في غذائها لضعفت قواها، ولكن جعل الله له فضلة من فضلاتها، مخلوقة من مائها، فإذا حملت انصرفت تلك بإذن الله إلى غذائه، فلذلك قيل إن الحامل لا تحيض، وقد تحيض لاحتباس البعض وخروج البقية، فإذا وضعت قلبه الله لبنا يتغذى به الولد، ولذلك قل أن تحيض المرضع، فإذا خلت من حمل ورضاع بقي لا مصرف له فيستقر في مكان، ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة، وقد يزيد على ذلك ويقل، ويطول شهر المرأة ويقصر على حسب ما يركبه الله في الطباع، قال النووي: والنساء على أربعة أضرب: طاهر وهي ذات النقاء، وحائض وهي من ترى الحيض في زمنه بشرطه ومستحاضة وهي من ترى الدم على أثر الحيض، على صفة لا يكون حيضا، وذات الفساد وهي من يبتدئها دم لا يكون حيضا.

لا حيض قبل تسع سنين ولا بعد خمسين سنة، وعنه لا حد لأقله ولا لأكثره وهو اختيار الشيخ وغيره

(لا حيض قبل تسع سنين) (¬1) فإن رأت دما لدون ذلك فليس بحيض (¬2) لأنه لم يثبت في الوجود (¬3) وبعدها إن صلح فحيض (¬4) قال الشافعي: رأيت جدة لها إحدة وعشرين سنة (¬5) . ¬

_ (¬1) هلالية وفاقا تحديدا، صرح به الأكثر، وقيل تقريبا، استظهره في تصحيح الفروع. (¬2) أي دون تسع سنين هلالية. (¬3) أي لأن الحيض إنما خلق لحكمة تربية الولد، وهذه لا تصلح للحمل، فلا توجد فيها حكمته ولم يوجد لأنثى حيض قبل استكمال هذا السن، ولا عادة تقتضيها فما رأته فليس بحيض، وعنه لا حد لأقله وما رأته مما يصلح أن يكون حيضا فهو حيض، تجب به أحكام الحيض واختاره الشيخ وغيره، وقال الدارمي: المرجع إلى الوجود، فأي قدر وجد في أي حال وسن كان وجب جعله حيضا، وما سوى هذا القول خطأ. (¬4) أي وبعد التسع إن صلح بأن لا ينقص عن يوم وليلة، ولا يزيد على خمسة عشر يوما، فحيض تثبت به أحكام الحيض كلها، قالت عائشة: (إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة) ، وروي مرفوعا عن ابن عمر. (¬5) نقله عنه جماعة من أصحابه، وقيل: إنه رآها بصنعاء، قالوا: وهذا رآه واقعا اهـ فدل على أنها حملت لدون عشر، وكذا بنتها، ويتصور جدة بنت تسع عشرة سنة ولحظة فتحمل لتسع وتضع لستة أشهر بينا، وتحمل تلك البنت لتسع سنين وتضع لستة أشهر.

(ولا) حيض (بعد خمسين) سنة (¬1) لقول عائشة: (إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض) ، ذكره أحمد (¬2) ولا فرق بين نساء العرب وغيرهن (¬3) (ولا) حيض (مع حمل) قال أحمد: إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم (¬4) . ¬

_ (¬1) أي فلا تجلس بل تصوم وتصلي. (¬2) وقالت: (لن ترى في بطنها ولدا بعد الخمسين) . (¬3) يعني فمتى بلغت المرأة خمسين فليس بحيض فلا تجلسه، وعنه: لاحد لأكثره وفاقا لأبي حنيفة، واختاره الشيخ وغيره، وصححه في الكافي، وصوبه في الإنصاف، وقال مالك والشافعي: ليس له حد، وإنما الرجوع فيه إلى العادات في البلدان اهـ فتجلس عادة جلوسها في عادة حيضها، ولا تسمى آيسة حتى ينقطع لكبر أو تغير لقوله: {وَاللائِي يَئِسْنَ} الآية وهو أحوط وعليه العمل. (¬4) يعني فالحمل علم على عدم الحيض، لقوله عليه الصلاة والسلام «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض» رواه أحمد وأبو داود، وعنه أن الحامل تحيض، وفاقا لمالك والشافعي، واختاره الشيخ، وصاحب الفائق، قال في الفروع: وهو أظهر، وصوبه في الإنصاف، وقال: وقد وجد في زماننا وغيره أنها تحيض مقدار حيضها قبل ذلك، ويتكرر في كل شهر، على صفة حيضها وقال الحافظ: هو دم بصفات دم الحيض، وفي زمان إمكان فله حكم دم الحيض، فمن ادعى خلافه فعليه البيان اهـ وفي الموطأ عن عائشة قالت في المرأة الحامل ترى الدم، (إنها تدع الصلاة) ولم ينكر، قال: وذلك الأمر عندنا، ولأنه دم لا يمنعه الرضاع، فلا يمنعه الحمل، كالنفاس، ولأنه دم بصفات دم الحيض، وفي زمن إمكانه، ولأنه متردد بين كونه فسادا لعلة، ومحيضا، والأصل السلامة من العلة، ولا مانع من كونه حيضا، إذا كان في وقته وعلى صفته لأنه الأصل وإن كان مصرفه غذاء الولد فقد يبقى بعده بقية، فلا تصلي فيه ولا توطأ، وروي الحاكم أن أحمد رجع لما ناظره إسحق في هذه المسألة، قال النووي في التنبيه: وفي الدم الذي تراه الحامل قولان: أصحهما أنه حيض، وقال: فإن قيل: فإذا كانت الحامل تحيض، لم يحصل الوثوق ببراءة الرحم في العدة والاستبراء، ولا خلاف أنه يحل نكاحها بعد انقضاء العدة بالأقراء، ويحل وطء الأمة بعد الاستبراء، فالجواب أن الحيض أمارة ظاهرة على عدم الحمل، ولهذا لا تحيض الحامل غالبا، فاكتفينا به في العدة والاستبراء، لأنه يفيد الظن في براءة الرحم، وإن كان لا يفيد القطع، وأكثر الأحكام مبنية على غلبة الظن.

في الدم الذي تراه الحامل قولان أصحهما أنه حيض

فإن رأت دما فهو دم فساد (¬1) لا تترك له العبادة (¬2) ولا يمنع زوجها من وطئها (¬3) ويستحب أن تغتسل بعد انقطاعه (¬4) إلا أن تراه قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة مع أمارة فنفاس (¬5) . ¬

_ (¬1) لا حيض ولا تثبت له أحكام الحيض، إن لم يكن عادة لها بلا خلاف، فإن كان عادة ويأتيها في عادة الحيض، وتطهر في عادة الطهر، فحيض عند الجمهور، واختاره الشيخ وغيره، وهو قليل الوقوع، بخلاف من لم يكن عادة لها، ويضطرب عليها الدم. (¬2) كالصلاة والصوم والاعتكاف والطواف ونحوها. (¬3) وفاقا، وظاهره ولو لم يخف العنت. (¬4) أي الدم زمن حملها نص عليه احتياطا، وخروجًا من الخلاف، وهذا تفريع على المذهب، وعلى ما اختار الجمهور أنه حيض له حكم الحيض. (¬5) أي علامة على الولادة، كالتألم بفتح الهمزة، فنفاس له أحكام النفاس، قالوا: وإن تبين خلاف ذلك أعادت ما تركته، ولا تترك الصيام، ولا الصلاة بلا أمارة على قربه، عملا بالأصل.

ولا تنقض به مدته (¬1) (وأقله) أي أقل الحيض (¬2) (يوم وليلة) (¬3) لقول علي رضي الله عنه (¬4) (وأكثره) أي أكثر الحيض (خمسة عشر يوما) بلياليها لقول عطاء: (رأيت من تحيض خمسة عشر يوما) (¬5) . ¬

_ (¬1) أي مدة النفاس عن أربعين يوما. (¬2) يعني أقل زمنه، وكذا قوله: أكثره، المراد أكثر زمنه. (¬3) أي قدرها وهو أربع وعشرون ساعة. (¬4) الآتي: (إن امرأة جاءته) إلخ، واختار الشيخ أنه لا يتقدر أقل الحيض، بل كل ما استقر عادة للمرأة فهو حيض، وإن نقص عن يوم فإن الأصل في ذلك عدم التقدير من الشارع، قال صلى الله عليه وسلم «إذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغتسلي وصلي» ، ولم يقيد ذلك بقدر، بل وكله إلى ما تعرفه من عادتها ومذهب مالك ولو دفعه فقط. (¬5) عطاء هو ابن أبي رباح، واسمه أسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المكي روي عن ابن عباس وغيره، فقيه فاضل، مات سنة مائة وأربع عشرة، ولقول علي: ما زاد على الخمسة عشر استحاضة واستفاض عن كثير من السلف أنهم وجدوه عيانا، وعنه: لا حد لأكثره وفاقا لمالك والشافعي: واختاره الشيخ، وقال: لا يتقدر أكثره بل كل ما استقر عادة للمرأة فهو حيض، ولو زاد على السبعة عشر، واللذين يقولون أكثره خمسة عشر وأقله يوم وليلة كالشافعي وأحمد، أو لا حد له كمالك، فهم يقولون: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه في هذا شيء، والمرجع في ذلك إلى العادة، وقال الشيخ أيضا: ما أطلقه الشارع عمل بمقتضى مسماه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده، فلا حد لأقل الحيض ولا أكثره، ما لم تصر مستحاضة، ولا لأقل سن ولا أكثره، واختاره كثير من الأصحاب وكثير من أهل العلم، وصوبه في الإنصاف، وقال مالك والدارمي وطوائف من المحققين: إذا وجد ولو أقل من يوم وليلة، أو أكثر من خمسة عشر يوما فالأوجه الاعتماد على الوجود وقد حصل.

(وغالبه) أي غالب الحيض (ست) ليال بأيامها. (أو سبع) ليال بأيامها (أو سبع) ليال بأيامها (¬1) (وأقل طهر بين حيضتين ثلاثة عشر يوما) احتج أحمد بما روي عن علي (أن امرأة جاءته وقد طلقها زوجها فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض. فقال علي لشريح: قل فيها فقال شريح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها، ممن يرضى دينه وأمانته فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة) (¬2) . ¬

_ (¬1) وفاقا لقول صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش «تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة، ثم اغتسلي وصلي أربعا وعشرين ليلة أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها فإن ذلك يجزئك» رواه أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي وصححاه ولمعرفة ذلك بالاستقراء والتتبع وقوله «ستة أو سبعة» للتنويع يعني من النساء من تكون غالب عادتها ستة، ومنهن من تكون سبعة. (¬2) شريح هو ابن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر الكندي، أبو أمية الكوفي. أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه، استقضاه عمر وعثمان وعلي، وأقام على القضاء ستين سنة، ثم استعفى من الحجاج، وله مائة وعشرون سنة، ثم عاش سنة، ومات رضي الله عنه، وبطانة أهل المرأة خواصها العارفون بواطن أمورها، وبطانة الرجل أهله وخاصته الذين يعرفون سره، شبه ببطانة الثوب ضد الظهارة، والحاصل أن أحمد رضي الله عنه احتج بهذا الخبر، أنه لا يقبل قول المرأة في زائد إلا ببينة، وليس شرطا عند الأصحاب إلا في العدة، وكلام أحمد لا يختلف أن العدة يصح أن تنقضي في شهر، إذا قامت به البينة وإن ادعت أنها حاضت ثلاثا في أكثر من شهر لم يحتج لبينة، ووجود ثلاث حيض في شهر دليل على أن الثلاثة عشرة طهر صحيح يقينا، وإن لم تشهد البطانة أنها حاضت في شهر ثلاث حيض فهي كاذبة، وهذا توقيفي، واشتهر ولم يعلم خلافه، وعنه: لا حد لأقله، رواها الجماعة، وصوبه في الإنصاف، واختاره الشيخ، وقال: وقد يكون أقل إذا كان عادة فلو رأت الطهر ساعة ثم عاودها الدم؟ فإن كانت في العادة جلسته ولو صفرة أو كدرة، وبعدها فلا، لقول أم عطية: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا) .

فقال علي: (قالون) أي جيد بالرومية (¬1) (ولا حد لأكثره) أي أكثر الطهر بين الحيضتين (¬2) لأنه قد وجد من لا تحيض أصلا (¬3) لكن غالبه بقية الشهر (¬4) . ¬

_ (¬1) يعني أصبت، والرومية اليونانية، والروم جيل من ولد روم بن عيص بن إسحاق. (¬2) حكاه الحافظ والنووي وغيرهما إجماعا، قال: ودليله في الإجماع ومن الاستقراء أن ذلك موجود مشاهد، ومن أظرفه عن امرأة أنها تحيض في كل سنة يوما وليلة حكاه أبو الطيب وغيره. (¬3) وقد روي أن امرأة ولدت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلم تر دما فسميت ذات الجفوف. (¬4) أي غالب الطهر بين الحيضتين بقية الشهر الهلالي بعدما حاضته منه، إذ الغالب أن المرأة تحيض في كل شهر ستا أو سبعا، فالغالب أن يكون الطهر أربعا وعشرين أو ثلاثا وعشرين، لما تقدم في حديث حمنة، وقال المجد: يحدد أكثر عند الضرورة في حق من استمر بها الدم، ولا عادة لها ولا تمييز ببقية الشهر بعد القدر الذي تجلسه.

والطهر زمن حيض خلوص النقاء (¬1) بأن لا تتغير معه قطنة احتشت بها (¬2) ولا يكره وطؤها زمنه إن اغتسلت (¬3) (وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة) إجماعا (¬4) (ولا يصحان) أي الصوم والصلاة (منها) أي من الحائض (¬5) . ¬

_ (¬1) أي الطهر في أثناء الحيض فراغ الدم، و (خلوص) مصدر خلص بمعنى فرغ أو انتهى، وكل شيء يتصور أن يشوبه غيره إذا صفى من شوبه وخلص عنه يسمى خالصا. (¬2) طال الزمن أو قصر، تغتسل منه وتصلي، وتفعل ما تفعله الطاهرات. (¬3) أي لا يكره وطء من انقطع دمها في أثناء عادتها واغتسلت زمن الطهر في أثناء حيضها قل أو كثر، لأن الله وصف الحيض بكونه أذى، فإذا انقطع واغتسلت فقد زال الأذى، وهذا مذهب الجمهور مالك والشافعي، وأحمد وغيرهم، إذا كانت قادرة على الاغتسال، وإلا تيممت، وهو معنى ما روي عن بضعة عشر من الصحابة، منهم الخلفاء والقرآن يدل على ذلك قال تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} يعني اغتسلن بالماء، قال الشيخ: وهو الصواب، بخلاف النفاس فيأتي أنه يكره. (¬4) فلا تقضيها الحائض، وكذا حكى ابن المنذر والوزير والنووي وغيرهم إجماع أهل العلم على وجوب قضاء الصوم على الحائض، وسقوط فرض الصلاة عنها في أيام حيضها، لقوله صلى الله عليه وسلم لبنت أبي حبيش، «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» ، ولقول عائشة (كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) ، متفق عليهما، والفرق أن الصلاة تتكرر، فلم يجب قضاؤها للحرج، بخلاف الصيام. (¬5) للنهي عن ذلك، ومنه «فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة» ، والنهي يقتضي عدم الصحة.

(بل يحرمان) عليها (¬1) كالطواف وقراءة القرآن (¬2) واللبث في المسجد (¬3) لا المرور به إن أمنت تلويثه (¬4) (ويحرم وطؤها في الفرج) (¬5) . ¬

_ (¬1) إجماعا لما تقدم من النهي، وفي الصحيح «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» ، وهل تثاب على الترك كالمريض؟ قال في الفروع، ويتوجه أن وصفه لها عليه الصلاة والسلام بنقصان الدين بترك الصلاة زمن الحيض يقتضي أن لا تثاب عليه، ولأن نيتها تركها زمن الحيض اهـ، وفي معنى الصلاة سجود التلاوة والشكر كما تحرم صلاة الجنازة. (¬2) أي كما يحرم الطواف إجماعا حكاه ابن جرير وغيره، وعند الشيخ وغيره: بلا عذر، ويأتي وكما تحرم قراءة القرآن، واختار الشيخ جواز قراءة القرآن، وهي حائض. وقال: إذ الحيض قد يمتد، فلو منعت فاتت عليها مصلحتها، وربما نسيت ما حفظته زمن طهرها، وهو مذهب مالك وأحد قولي الشافعي، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع الحائض من قراءة القرآن، وحديث «لا تقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن» لم يصح فإنه معلول باتفاق أهل العلم بالحديث. (¬3) أي وكذا يحرم اللبث في المسجد إجماعا، ولو أمنت التلويث، بل تمنع من الجلوس فيه بالكلية، ولو بعد انقطاع الدم حتى تغتسل، ولو عبر بـ (كذا) بدل كاف التشبيه لكان أولى، لأن القاعدة أن المشبه دون المشبه به. (¬4) أي فلا يحرم، فإن خافت حرم، وذكر صاحب المنتهى أن الحيض يمنع اثنى عشر الغسل له، والوضوء ووجوب الصلاة، وفعلها وفعل طواف وصوم، ومس مصحف، وقراءة القرآن، ولبثا بمسجد، ووطء في فرج وسنة الطلاق، واعتدادا بأشهر، قال عثمان: وهذا المنع يقتضي التحريم، كما استظهره ابن نصر الله، لأن الإتيان بالعبادة مع مانع من صحتها تلاعب. (¬5) إجماعا حتى ينقطع حيضها، وتغتسل إلا أبا حنيفة فيما إذا رأت الطهر لأكثره ولم تغتسل ومستند الجمهور ظاهر القرآن والآثار وحكى النووي وغيره إجماع المسلمين على تحريمه، للآية الكريمة والأحاديث الصحيحة، ومنها: «فقد برئ مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم» ومستحله كافر، والنفاس كالحيض فيما يمنعه ويوجبه، قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه.

إلا لمن به شبق بشرطه (¬1) قال الله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} (¬2) . (فإن فعل) بأن أولج قبل انقطاعه من يجامع مثله حشفته ولو بحائل (¬3) . ¬

_ (¬1) الشبق شدة الشهوة، وبابه تعب، أي إلا لمن هاجت به شهوة النكاح فيباح له الوطء بشرطه، وشرطه أن لا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج، وأن يخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ، وأن لا يجد مباحة غير الحائض، وأن لا يقدر على مهر حرة، ولا ثمن أمة، وقيل: بل يلزمه النكاح أو التسري، ولو زاد على مهر أو ثمن المثل، زيادة كثيرة، لكن لا تجحف بماله، لأن ظاهر كلامهم أن ما لا يتكرر لا يكون مانعا، وقيل: ويتجه أو خوف عنت منه أو منها، ولا تندفع شهوتهما بدون إيلاج. (¬2) أراد بالاعتزال ترك الوطء لقوله صلى الله عليه وسلم «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» رواه الجماعة إلا البخاري، وفي لفظ إلا الجماع، وهو ظاهر الدلالة وقال الشيخ: المراد اعتزال ما يراد منهن في الغالب، وهو الوطء في الفرج لأنه قال: {هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا} فذكر الحكم بعد الوصف بالفاء، فدل على أن الوصف هو العلة، لا سيما وهو مناسب للحكم، كآية السرقة، فأمر بالاعتزال في الدم للضرر والنجس، وهو مخصوص بالفرج، فيختص الحكم بمحل سببه، وقال ابن قتيبة: المحيض الحيض نفسه. (¬3) أي أولج من يجامع بكسر الميم مثله، وهو ابن عشر فأكثر، حشفته أو قدرها إن كان مقطوعها قبل انقطاع الحيض ولو كان الإيلاج بحائل لفه على ذكره ويجد معه حرارة الفرج فعليه الكفارة، وأما بعد انقطاع الدم وقبل الغسل فيحرم ولا كفارة.

أو مكرها أو ناسيا أو جاهلا (¬1) (فعليه دينار أو نصفه) على التخيير (كفارة) (¬2) لحديث ابن عباس يتصدق بدينار أو نصفه كفارة، رواه أحمد والترمذي وأبو داود (¬3) . ¬

_ (¬1) لعموم الخبر وقياسا على الوطء في الإحرام، ولهم وجهان في الناسي ونحوه وعنه لا يأثم ولا كفارة وفاقا لقوله عفي عن أمتي الخطأ والنسيان لقوله: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} فوضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه كما أرشدنا أن نقول (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وقال قد فعلت، وقال الشاطبي وغيره: الخطأ والنسيان متفق على عدم المؤاخذة بهما، فكل فعل صدر عن غافل أو ناس أو مخطئ فهو مما عفي عنه ومن شرط المؤاخذة بالأمر والنهي الذكر والقدرة على الامتثال، وذلك في المخطئ والناسي محال. (¬2) سواء وطئها في أول الحيض أو آخره، أسود كان الدم أو أحمر؟ نقله الجماعة واختاره الشيخ، وقال: هو موجب القياس لو لم تأت الشريعة به، فكيف وقد جاءت به مرفوعا وموقوفا، وقال: كل ما كان من المعاصي محرم الجنس كالظلم والفواحش لم يشرع له كفارة، بل فيما كان مباحا في الأصل وحرم لعارض، كالوطء في الصيام والحيض، وهو الصحيح اهـ وعنه لا كفارة عليه وفاقا للأئمة الثلاثة وجمهور الأمة، واختاره أبو بكر وابن عبدوس وغيرهما، ومال إليه الموفق والشارح، وجزم به في الوجيز وغيره، وأن من تعمد ذلك أثم، وليس عليه إلا التوبة، قال الترمذي: وهو قول علماء الأمصار، وقوله: (أو نصفه) على التخيير، وعنه: في إدباره أو صفرة، يعني نصف الدينار. (¬3) ومداره على عبد الحميد بن عبد الرحمن بن الخطاب قيل لأحمد في نفسك منه شيء؟ قال: نعم لأنه من حديث فلان، وقال: لو صح كنا نرى عليه الكفارة، وقال الخطابي: لا يصح متصلا مرفوعا، وقال هو وابن كثير وغيرهما: قال أكثر العلماء لا شيء عليه ويستغفر الله، والذمم بريئة إلا أن تقوم الحجة بشغلها، والأثر قد وقع الاضطراب في إسناده ومتنه فالله أعلم.

وقال: هكذا الرواية الصحيحة (¬1) والمراد بالدينار، مثقال من الذهب مضروبا كان أو غيره (¬2) أو قيمته من الفضة فقط (¬3) ويجزئ لواحد (¬4) وتسقط بعجزه (¬5) وامرأة مطاوعة كرجل (¬6) . ¬

_ (¬1) أي في التخيير بين الدينار ونصفه، كتخيير المسافر بين القصر والإتمام. (¬2) أي فالدينار زنة مثقال، وهو ضرب من المعاملات القديمة وأصله دنار ووزنه حدى وسبعون شعيرة، وزنته بالدراهم درهم وثلاثة أسباع درهم، وإذا أخرج عنه مثقالا من الذهب خاليا من الغش أجزأ سواء كان مضروبا أو غير مضروب، أو نصفه على ما تقدم، والمضورب المطبوع، والنصف أحد شقي الشيء كله، واختار الشيخ: لا يجزئ إلا المضروب، لأن الدينار اسم للمضروب واستظهره في الفروع. (¬3) أي فلا يجزئ إخراج القيمة كسائر الكفارات، إلا من الفضة لإجزاء أحدهما عن الآخر في الزكاة. (¬4) أي لمسكين واحد، لعموم الخبر، وكنذر مطلق، وذكر الشيخ وجها أنه يجوز صرفها إلى من له أخذ الزكاة للحاجة. (¬5) أي عن الكفارة ككفارة الوطء في نهار رمضان. (¬6) في التحريم والكفارة، إلا أن تكون ناسية أو مكرهة أو جاهلة فلا كفارة عليها، صرح به في المغني والمبدع وغيرهما، والفرق بينهما على القول بالوجوب حيث عذرت بذلك ولم يعذر هو لأن المجامعة لا تكون غالبا إلا منه، فهي أحق بالعفو، وهل تلزم الصبي؟ صوب ابن نصر الله وصاحب الإنصاف أنها لا تلزمه.

يجوز أن يستمتع من الحائض بما دون الفرج، وما فوق السرة وتحت الركبة فلا نزاع فيه

(و) يجوز أن (يستمتع منها) أي من الحائض (بما دونه) أي دون الفرج، من القبلة، واللمس والوطء دون الفرج (¬1) لأن المحيض اسم لمكان الحيض (¬2) قال ابن عباس: فاعتزلوا نكاح فروجهن (¬3) ويسن ستر فرجها عند مباشرة غيره (¬4) . ¬

_ (¬1) والاستمناء بيدها ونحو ذلك، والوطء دون الفرج إذا كان يملك نفسه عن الفرج إما لشدة ورع أو لضعف شهوة، للأخبار الصحيحة، قال ابن كثير وغيره: هو قول أكثر العلماء، لما تقدم من الآية والأخبار، وإلا فلا وفاقا، وصوبه في الإنصاف لقوله: «من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» ، ويعضده الأمر بالإتزار، وقال ابن القيم: حديث أنس ظاهر في أن التحريم إنما وقع على موضع الحيض خاصة، وهو النكاح، وأباح كل ما دونه، وأحاديث الإتزار لا تناقضه، لأن ذلك أبلغ في اجتناب الأذى وهو أولى، وقرر الشيخ قاعدة: وهي أن ما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط، علق الحكم به، ودار التحريم عليه، فأما الاستمتاع بما فوق السرة، وتحت الركبة فلا نزاع فيه، وقد حكى إجماع المسلمين عليه غير واحد، والقبلة بضم القاف اللثمة من التقبيل وقبلها تقبيلا لثمها. (¬2) صرح به ابن قتيبة وغيره، والجمع المحايض، ومصدر كالمقيل والمبيت فيختص التحريم بمكان الحيض. (¬3) رواه عبد بن حميد وابن جرير وغيرهما عنه رضي الله عنه، في قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} . (¬4) لما روى أبو داود (أنه صلى الله عليه وسلم إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها شيئا) ، ويشهد له حديث الأمر بالإتزار، وأوجبه ابن حامد، والمراد بالمباشرة هنا التقاء البشرتين على أي وجه كان.

وإذا أراد وطأها فادعت حيضا ممكنا قبل (¬1) (وإذا انقطع الدم) أي دم الحيض أو النفاس (ولم تغتسل لم يبح غير الصيام والطلاق) (¬2) فإن عدمت الماء تيممت وحل وطؤها (¬3) وتغسل المسلمة الممتنعة قهرا، ولا نية هنا كالكافرة للعذر (¬4) ولا تصلي به (¬5) وينوى عن مجنونة غسلت كميت (¬6) . ¬

_ (¬1) وذلك بأن تكون في سن من يطرقها الحيض، وهي ابنة تسع نص عليه، وقال ابن حزم وغيره، اتفقوا على تصديق قول المرأة: هي حائض، وقد طهرت وبدن الحائض وعرقها وسؤرها طاهر، ولا يكره طبخها وعجنها ونحو ذلك ذكره ابن جرير وغيره إجماعا وقال النووي وغيره: لا خلاف فيه بين العلماء. (¬2) لأن وجوب الغسل لا يمنع فعل الصيام كالجنب، ولا يمنع الطلاق أيضا لأن تحريمه لتطويل العدة، وقد زال قال ابن المنذر: هو كالإجماع، وحكاه إسحاق إجماع التابعين، وما روي عن أبي حنيفة من حل الوطء إذا انقطع الدم لأكثر الحيض مردود بالآية والأخبار، وقال شيخ الإسلام: قول الجمهور هو الصواب، وهو الذي يدل عليه ظاهر القرآن والآثار، وإذا انقطع ولم تغتسل فكالجنب فيما يجب ويحرم إلا في الوطء، فيتوقف على الاغتسال، لأن حدثها لا يزول إلا بالغسل، واستثنى بعضهم نقض الشعر، ولا حاجة إليه، وقوله: انقطع أي انقضى وفرغ. (¬3) لأن التيمم بدل مشروع بالإجماع لكل ما يفعل بالماء، وهل يكره لمن لم يخف العنت؟ الصحيح لا يكره، واختاره الشيخ وغيره. (¬4) أي ولا نية لها هنا معتبرة، كما لا نية للكافرة للعذر وهو الامتناع. (¬5) لخلوه عن النية، ولا تطوف ولا تفعل كل ما يشترط له الغسل. (¬6) أي ينوي عن مجنونة من يغسلها، إذ لا اعتبار بنيتها، لعدم شرطها، وظاهره لا تعيده إذا أفاقت، لقيام نية الغاسل مقام نيتها، كما تقوم نيته عن ميت.

(والمبتدأة) أي في زمن يمكن أن يكون حيضا (¬1) وهي التي رأت الدم ولم تكن حاضت (¬2) (تجلس) أي تدع الصلاة والصيام ونحوهما (¬3) بمجرد رؤيته ولو حمرة أو صفرة أو كدرة (¬4) (أقله) أي أقل الحيض يوما وليلة (ثم تغتسل) (¬5) لأنه آخر حيضها حكما (¬6) (وتصلي) وتصوم (¬7) . ¬

_ (¬1) بعد تسع سنين فأكثر على القول به، سواء ابتدئت بدم أسود أو أحمر أو صفرة أو كدرة وفاقا، وابتداء الشيء أول وقت ظهوره. (¬2) يعني قبل رؤية الدم، بل هو أول دم طرقها. (¬3) كالطواف والاعتكاف الواجبين وكذا القراءة. (¬4) على الأصح وفاقا لأن دم الحيض جبلة وعادة، ودم الاستحاضة لعارض من مرض ونحوه، والأصل عدمه. (¬5) أي تغتسل بعد مضي الأقل، وإن كان مع سيلان الدم. (¬6) لا حسا، وإنما أمرناها بالعبادة احتياطا، لبراءة ذمتها، لأن الظاهر أنه حيض، هذا المذهب وعنه: تجلس أكثره وفاقا، واختاره الموفق وغيره، فلا تغتسل قبل الخمسة عشر يوما، ما لم ينقطع، وهو أظهر مما قدمه، وأظهر منه جلوسها ما لم تصر مستحاضة، لعدم وجود التحديد الشرعي، واختاره الشيخ، وهو رواية عن أحمد، وحكاه في الفروع وفاقا، وقالوا: وإن انقطع قبل مضي الأقل لم يجب له غسل، لأنه لا يصلح حيضا، وقضت واجب صلاة ونحوها، وتقدم اختيار الشيخ وغيره أنه لا يتقدر الحيض، وإن انقطع لأقله اغتسلت لأنه آخر حيضها، وإن عاد فكما لو لم ينقطع، وتغتسل عند انقطاعه غسلا ثانيا. (¬7) وحكمها حكم الطاهرات، هذا المذهب لأن ما زاد على أقله يحتمل الاستحاضة فلا تترك الواجب للشك، وتقدم أن استمرار الدم حيض، ما لم تصر مستحاضة وأنه لا يسع النساء العمل بغيره.

ولا توطأ (¬1) (فإن انقطع) دمها (لأكثره) أي أكثر الحيض خمسة عشر يوما (فما دون) بضم النون لقطعه عن الإضافة (¬2) (اغتسلت عند انقطاعه) أيضا وجوبا لصلاحية أن يكون حيضا (¬3) وتفعل كذلك في الشهر الثاني والثالث (¬4) (فإن تكرر) الدم (ثلاثا) أي في ثلاثة أشهر ولم يختلف (¬5) . ¬

_ (¬1) أي يحرم، لأن الظاهر أنه حيض، ولا كفارة ما لم يثبت أنه حيض بل هو حيض، وقالوا: إنما أمرت بالعبادة فيه احتياطا فيجب ترك وطئها احتياطا ولا كفارة فيه حتى يتكرر، ولم يجدوا حجة على ذلك، ولو طردوا أصلهم أنه جبلة وعادة، وأن دم الاستحاضة عارض حتى تصير مستحاضة لكان أصوب. (¬2) أي دون الخمسة عشر، ودون: نقيض فوق، وهو ما قصر عن الغاية. (¬3) وحكمها حكم الطاهرات في الصلاة وغيرها، لقول ابن عباس: (أما ما رأت الطهر ساعة فلتغتسل) ، ويباح وطؤها لأنها رأت النقاء الخالص صححه في الإنصاف. (¬4) يعني تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي، فإن انقطع لأكثره فما دون تغتسل عند انقطاعه ويكون حكمها حكم الطاهرات. (¬5) بأن كان مقداره في الثلاثة واحدا، ولو لم يتوال، وإلا فالعادة الأقل، لأنه المتكرر فإن اختلف فما تكرر صار عادة كخمسة في أول الشهر وستة في ثان وسبعة في ثالث، فتجلس الخمسة، أو غير مرتب، كأن ترى في الأول خمسة، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث ستة، فتجلس الأربعة لتكررها.

قال الشيخ: الدم باعتبار حكمه لا يخرج عن خمسة أقسام.

(فـ) هو كله (حيض) وثبتت عادتها (¬1) فتجلسه في الشهر الرابع (¬2) ولا تثبت بدون ثلاث (¬3) (وتقضي ما وجب فيه) أي ما صامت فيه من واجب وكذا ما طافته أو اعتكفت فيه (¬4) . ¬

_ (¬1) لقوله عليه الصلاة والسلام «دعي الصلاة أيام أقرائك» ، وهي جمع وأقله ثلاث فلا تثبت العادة بدونها، لأن ما اعتبر له التكرار اعتبر فيه الثلاث كالأقراء والشهور في عدة الحرة. (¬2) لأنه صار عادة لها. (¬3) لما تقدم ولا يشترط فيها التوالي، وعنه تثبت بدون ثلاث، واختار الشيخ وغيره أن المبتدأة تجلس في الثاني ولا تعيد. (¬4) يعني الوقت المجاوز لأقل الحيض من واجب منهما، وكذا قراءة لتبين أنها فعلته في زمن الحيض، وتقدم أن مذهب جمهور العلماء واختيار الشيخ وغيره جلوس ما رأته ما لم تصر مستحاضة، وقال الشيخ: الدم باعتبار حكمه لا يخرج عن خمسة أقسام: دم مقطوع بأنه حيض كالدم المعتاد الذي لا استحاضة معه، ودم مقطوع بأنه استحاضة كدم صفرة، ودم يحتمل الأمرين لكن الأظهر أنه حيض، وهو دم المعتادة والمميزة ونحوهما من المستحاضات الذي يحكم بأنه حيض ودم يحتمل الأمرين، والأظهر أنه دم فساد، وهو الدم الذي يحكم بأنه استحاضة من دماء هؤلاء، ودم مشكوك فيه لا يترجح فيه أحد الأمرين، ويقول به طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، فيوجبون على من أصابها أن تصوم وتصلي ثم تقضي الصوم، والصواب أن هذا القول باطل لوجوه: منها أن الله بين لنا ما نتقيه، فكيف يقال إن الشريعة فيها شك؟ ولا يقولون نحن شككنا، فإن الشاك لا علم عنده، فلا يجزم، وهؤلاء يجزمون بوجوب الصيام وإعادته لشكهم، والثاني أن الشريعة ليس فيها إيجاب الصلاة مرتين، ولا الصيام مرتين إلا بتفريط والصواب ما عليه جمهور المسلمين، أن من فعل العبادة كما أمر بحسب وسعه فلا إعادة عليه.

وإن ارتفع حيضها ولم يعد (¬1) أو أيست قبل التكرار لم تقض (¬2) (وإن عبر) أي جاوز الدم (أكثره) أي أكثر الحيض (¬3) فـ (هي) (مستحاضة) (¬4) والاستحاضة سيلان الدم في غير وقته من العرق العاذل (¬5) . ¬

_ (¬1) أي ثم لم تحض ثلاثا لم تقض، يقال: رفعت الناقة لبنها إذا لم تدر. (¬2) أي بلغت سن الإياس قبل التكرار ثلاثا لم تقض ما وجب فيه، لأنا لم نتحقق كونه حيضا والأصل براءتها. (¬3) يعني تعدي خمسة عشر يوما. (¬4) لقول النبي صلى الله عليه وسلم «إنما ذلك عرق وليس بحيض» ، متفق عليه قال ابن رشد: إنما أجمعوا في الجملة على أن الدم إذا تمادى أكثر من مدة أكثر الحيض أنه استحاضة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت لبنت أبي حبيش «إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي اهـ» ، وعلم منه أن المستحاضة هي التي جاوز دمها أكثر الحيض، تبع في ذلك المنتهى والإنصاف، وفي الإقناع المستحاضة هي التي ترى دما لا يصلح أن يكون حيضا، ولا نفاسا، تبع صاحبي الشرح والمبدع، فعلى الأول ما نقص عن اليوم والليلة، وما تراه الحامل لا قرب الولادة، وماتراه قبل تسع سنين دم فساد لا يثبت له أحكام الاستحاضة، وعلى كلام الإقناع يكون ذلك داخلا في الاستحاضة، فتثبت له أحكامه، ولها من حيث هي سبعة أحوال تعرف بالاستقراء. (¬5) العذل الملامة، وربما قيل عاذر بالراء، قيل: سمي بذلك لأن المرأة تستليم إلى زوجها، فجعل العذر للعرق لكونه سببا له.

من أدنى الرحم دون قعره (¬1) (فإن كان) لها تمييز (¬2) بأن كان (بعض دمها أحمر وبعضه أسود (¬3) ولم يعبر) أي يجاوز الأسود (أكثره) أي أكثر الحيض (ولم ينقص عن أقله فهو) أي الأسود (حيضها) (¬4) وكذا إذا كان بعضه ثخينا أو منتنا وصلح حيضا (¬5) . ¬

_ (¬1) إذ المرأة لها فرجان، داخل بمنزلة الدبر، منه الحيض، وخارج كالأليتين منه الاستحاضة. (¬2) مصدر ميز، بمعنى ماز الشيء، عزله وفرزه عن غيره، من باب باع، والتثقيل مبالغة، ويكون في المشتبهات، وتميز انفصل، وانعزل، أي فإن كان للمستحاضة المبتدأة تمييز. (¬3) فإن اجتمعت صفات متعارضة فذكر بعض الشافعية أنه يترجح بالكثرة، فإن استوت رجح بالسبق، قاله في المبدع، قال منصور: وكان محله إذا لم يمكن جعل الأسود والثخين والمنتن كله حيضا بأن زاد مجموعه على خمسة عشر. (¬4) تدع زمنه الصلاة والصوم ونحوهما، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش قالت: (يا رسول الله إني استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: «إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» ) ، متفق عليه ولأبي داود، «إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة» ، فلو رأت دما أسود ثم أحمر، وعبر أكثر الحيض، فحيضها زمن الدم الأسود، وما عداه استحاضة. (¬5) أي وكذا إذا كان لها تمييز بأن كان بعضه ثخينا وبعضه رقيقا، أو بعضه منتنا وبعضه غير منتن، والمنتن هو كريه الرائحة، يقال نتن الشيء ونتن بفتح التاء وضمها وأنتن فهو منتن بضم الميم وكسرها لغة، وصلح بفتح اللام وضمها أي صلح الثخين والمنتن أن يكون حيضا، وذلك بأن ينقص عن أقله، ولم يجاوز أكثره فلو رأت خمسة أسود، ثم خمسة أحمر، ثم أطبقت الشقرة، فالأولى هي الأقوى، ومحله إذا لم يمكن جعل الجميع حيضا، بأن زاد مجموعه على خمسة عشر.

(تجلسه في الشهر الثاني) ولو لم يتكرر أو يتوال (¬1) (والأحمر) والرقيق وغير المنتن (استحاضة) تصوم فيه وتصلي (¬2) (وإن لم يكن دمها متميزا (¬3) جلست) عن الصلاة ونحوها أقل الحيض من كل شهر (¬4) . ¬

_ (¬1) أي تدع زمنه الصلاة والصوم ونحوهما مما تشترط له الطهارة، ولو لم يتكرر ما صلح أن يكون حيضا، ولم يتوال أي يتتابع، ومن صور عدم التكرار أن ترى في الشهر الأول عشرة أيام أسود، وفي الثاني سبعة، وفي الثالث ثمانية، فتجلس الأسود كله من كل شهر، والتوالي بأن كانت ترى يوما أسود ويوما أحمر إلى خمسة عشر يوما فما دون، ثم أطبق الأحمر، فتضم الأسود بعضه إلى بعض وتجلسه، وما عداه استحاضة، والحاصل أنها تجلس زمن الأسود الصالح، في أول شهر وما بعد، ولا تتوقف على تكراره، وتجلسه أيضا ولو انتفى التوالي، لأن التمييز أمارة في نفسه، فلا تحتاج إلى ضم غيره إليه، وتثبت العادة بالتمييز إذا تكرر ثلاثة أشهر أو أقل على ما تقدم، وإن لم يكن متميزا. (¬2) لأنه لا يصلح حيضا. (¬3) بأن كان كله على صفة واحدة، أو الأسود منه ونحوه دون اليوم والليلة أو جاوز الخمسة عشر. (¬4) أي تدع الصلاة والصيام والطواف والقراءة ونحو ذلك يوما وليلة من كل شهر هلالي لأن العادة لا تثبت بدون ذلك.

المستحاضة المعتادة تجلس عادتها

حتى يتكرر ثلاث فتجلس (غالب الحيض) ستا أو سبعا بتحر (¬1) (من كل شهر) من أول وقت ابتدائها إن علمته (¬2) وإلا فمن أول كل هلالي (¬3) (والمستحاضة المعتادة) أي التي تعرف شهرها، ووقت حيضها وطهرها منه (¬4) (ولو) كانت (مميزة تجلس عادتها) (¬5) . ¬

_ (¬1) لا للتخيير بل بالاجتهاد في حال الدم، وعادة أقاربها من النساء فيما يغلب على ظنها أنه أقرب عادتها وعادة نسائها، لحديث حمنة قالت: (يا رسول الله إني استحاض حيضة شديدة كبيرة منعتني الصوم والصلاة فقال: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا ثم اغتسلي» ) ، رواه أحمد وغيره، وعملا بالغالب. (¬2) أي علمت ابتداءها بالدم جلسته من أول ابتدائها من كل شهر، والمراد شهر المرأة وهو ما يجتمع لها فيه حيض وطهر صحيحان لا الشهر الهلالي. (¬3) أي وإن لم تعلم وقت ابتدائها فتجلس من أول كل شهر هلالي ستا أو سبعا بتحر، والحاصل أن للمبتدأة ثلاثة أحوال: إما أن لا يجاوز دمها أكثر الحيض، أو يجاوز والثانية هي المستحاضة، وهي قسمان: مميزة وغير مميزة، ففي الأولى والأخيرة تجلس الأقل حتى يتكرر، ثم تنتقل إلى المتكرر في الأولى، والغالب في الآخرة وفي الوسطى تجلس المميزة التمييز الصالح من غير تكرار وتقدم أنها تجلس ما تراه ما لم تكن مستحاضة. (¬4) لما أنهى الكلام على المستحاضة المبتدأة شرع في أقسام المستحاضة المعتادة وسميت معتادة لأنها تعرف أنها تحيض خمسة مثلا من ابتدائه وتطهر في باقيه، ويتكرر حيضها ثلاثة أشهر، وإلا فلا تسمى معتادة وشهرها هو ما اجتمع لها فيه حيض وطهر صحيحان كما تقدم سواء كان شهرا هلاليا أو أقل أو أكثر. (¬5) يعني المستحاضة المعتادة وفاقا لأبي حنيفة، قال الزركشي: هو اختيار الجمهور وجزم به وصححه غير واحد، وقال الشيخ: هي أظهر الروايتين عن أحمد، وهو ظاهر الحديث اهـ ولا تجلس ما نقصته عن عادتها قبل استحاضتها، فإذا كانت عادتها ستة أيام فصارت أربعة ثم استحيضت جلست الأربع فقط، وإن لم يتكرر النقص، وإن كانت مختلفة.

ثم تغتسل بعدها وتصلي (¬1) (وإن نسيتها) أي نسيت عادتها (عملت بالتمييز الصالح) (¬2) بأن لا ينقص الدم الأسود ونحوه عن يوم وليلة، ولا يزيد على خمسة عشر، ولو تنقل، أو لم يتكرر (¬3) . ¬

_ (¬1) لعموم قوله صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي» رواه مسلم ولأن العادة أقوى، لكونها لا تبطل دلالتها بخلاف اللون إذا زاد على أكثر الحيض بطلت دلالته ولا فرق بين أن تكون العادة متفقة أو مختلفة. (¬2) للحيض قال في الإنصاف: بلا نزاع، لحديث بنت أبي حبيش «إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئ وصلي، فإنما هو عرق» ولأنها مستحاضة لا تعلم عادتها فلزمها العمل بالتمييز كالمبتدأة وقد تبين أن شرط عمل المستحاضة به أن لا تكون عالمة العادة. (¬3) تنقله بأن يكون تارة في أول الشهر، وتارة في وسطه، وتارة في آخره، وتكرره يعني ثلاثا كما تقدم في المبتدأة، ونحو الأسود الثخين والمنتن، ولا تبطل دلالة التمييز الصالح بزيادة الدمين، وهما الأسود والأحمر، والثخين والرقيق، والمنتن وغيره على شهر، نحو أن ترى عشرة أسود وثلاثين فأكثر أحمر، فتجلس الأسود والأحمر بمنزلة الطهر، ولا حد لأكثره ولا تلتفت لتمييز إلا مع استحاضة، فتجلس جميع دم لا يجاوز أكثر الحيض، لأنه يصلح كله حيضا، وإن اتفقت العادة والتمييز جلستها بلا نزاع.

(فإن لم يكن لها تمييز) صالح (¬1) ونسيت عدده ووقته (¬2) (فغالب الحيض) تجلسه من أول كل مدة علم الحيض فيها وضاع موضعه (¬3) وإلا فمن أول كل هلالي (¬4) (كالعالمة بموضعه) أي موضع الحيض (الناسية لعدده) (¬5) فتجلس غالب الحيض في موضعه (¬6) . ¬

_ (¬1) وذلك بأن كان الدم على نسق واحد، والصالح أن لا ينقص عن يوم وليلة، وأن لا يجاوز الخمسة عشر. (¬2) أي نسيت المستحاضة غير المميزة عدد أيام الحيض ووقته لنحو غفلة أو علة عارضة وهو القسم الرابع من أقسام المستحاضة، وهي الناسية، ولها ثلاثة أحوال: أحدها أن تكون ناسية لوقتها وعددها، ويسمونها المتحيرة، لأنها قد تحيرت في حيضها بجهل العادة وعدم التمييز، قال النووي وغيره: لا تطلق المتحيرة إلا على من نسيت عادتها قدرا ووقتا ولا تمييز لها. (¬3) أي فتجلس الناسية لعدد الحيض ووقته غالبه من أول كل مدة علم الحيض فيها، إناطة للحكم بالأكثر كأن علمت أن الدم كان يأتيها في أول العشر الأوسط من الشهر، أو أول النصف الأخير منه، وضاع موضع الحيض كنصف الشهر الثاني أو الأول أو العشر الأوسط منه. (¬4) أي وإن لم تعلم مدة الحيض وموضعه فتجلس من أول كل شهر هلالي غالب الحيض، كمبتدأة، لقوله: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا» . (¬5) بأن علمت بأنها تحيض في العشر الأوسط مثلا ونسيت عدد أيام الحيض وهي الحالة الثانية للناسية. (¬6) أي موضع حيضها من أوله، لحديث حمنة وهي امرأة كبيرة لم يسألها عن تمييزها ولا عادتها فلم يبق إلا أن تكون ناسية، فإن لم تعلم إلا شهرها ففيه إن اتسع له، كأن يكون شهرها عشرين، فتجلس ستا أو سبعا بالتحري، وتغتسل وتصلي بقية العشرين، ثم تعود إلى فعلها ذلك أبدا، وإلا يتسع جلست الفاضل بعد أقل الطهر.

(وإن علمت) المستحاضة (عدده) أي عدد أيام حيضها (¬1) (ونسيت موضعه من الشهر (¬2) ولو) كان موضعه من الشهر (في نصفه (¬3) جلستها) أي جلست أيام عادتها (من أوله) أي أول الوقت الذي كان الحيض يأتيها فيه (¬4) (كمن) أي كمبتدأة (لا عادة لها ولا تمييز) فتجلس من أول وقت ابتدائها على ما تقدم (¬5) . ¬

_ (¬1) أي علمت بأنها تحيض خمسة من الشهر مثلا. (¬2) بأن لم تدر أكانت تحيض في أول الشهر، أو وسطه أو آخره؟ (¬3) أي العشر الأوسط منه، لكنها لا تدري أي العشر كان يأتيها فيها؟ (¬4) كأول العشر، لحديث حمنة بنت جحش رضي الله عنها. (¬5) في قوله: من أول وقت ابتدائها، يعني أنها إذا نسيت عدد حيضها، ووقته وموضعه، فلم تعلم أول وقت كان الدم ابتدأها فيه، فإنها تجلس غالب الحيض من أول كل شهر هلالي، كما أن المبتدأة المستحاضة إذا لم يكن لها تمييز صالح، ولم تعلم أوله وقت ابتدائها، فإنها تجلس غالب الحيض من أول كل شهر هلالي، لكن بعد التكرار، بخلاف المميزة فاستحاضتها لا تحتاج إلى تكرار، ومتى ذكرت الناسية عادتها رجعت إليها وقضت الواجب زمنها، وزمن جلوسها في غيرها، وما تجلسه ناسية من مشكوك فيه فكحيض يقينا، وما زاد إلى أكثره فكطهر متيقن، وغيرهما استحاضة، هذا مقتضى كلامه رحمهم الله.

(ومن زادت عادتها) مثل أن يكون حيضها خمسة من كل شهر فيصير ستة (¬1) (أو تقدمت) مثل أن تكون عادتها من أول الشهر فتراه في آخره (¬2) (أو تأخرت) عكس التي قبلها (¬3) . (فما تكرر) من ذلك (ثلاثا) فهو (حيض) (¬4) ولا تلتفت إلى ما خرج عن العادة قبل تكرره، كدم المبتدأة الزائد على أقل الحيض، فتصوم فيه وتصلي قبل التكرار، وتغتسل عند انقطاعه ثانيا، فإذا تكرر ثلاثا صار عادة، فتعيد ما صامته ونحوه من فرض (¬5) . ¬

_ (¬1) أي فما تكرر من ذلك ثلاثا فحيض، كالحالة الثانية من المبتدأة وهي بخلاف المميزة فإن استحاضتها لا تحتاج إلى تكرار فالتشبيه ليس تاما. (¬2) كأنه سبق قلم، وصوابه من آخر الشهر فتراه في أوله، يعني فما تكرر منه حيض. (¬3) وهو قوله: مثل أن تكون عادتها من أول الشهر فتراه في آخره، وكذا انتقال بأن تكون الخمسة الأول، فتكون الخمسة الثانية، وهو في معنى ما تقدم. (¬4) لأنه زمنه، وصار عادة لها فتنتقل إليه. (¬5) كصلاة وطواف واعتكاف ونحوها، وعنه: تصير إليه من غير تكرار، وتدع الصلاة ونحوها، أومأ إليه في رواية ابن منصور، واختاره الشيخ والموفق وجمع، قال في الإنصاف، وهو الصواب، قال ابن عبيدان: وهو الصحيح، قال في الفائق: وهو المختار، وعليه العمل، ولا يسع النساء العمل بغيره، قال في الاختيارات والمنتقلة إذا تغيرت عادتها بزيادة أو نقص أو انتقال فذلك حيض حتى تعلم أنها استحاضته باستمرار الدم، وقوله: من فرض فيه قصور إلا أن يراد ما يعم الفرض والواجب، كطواف واعتكاف قالوا: وإن لم يعد وأيست قبل تكراره لم تقض.

(وما نقص عن العادة طهر) (¬1) فإن كانت عادتها ستا فانقطع لخمس اغتسلت عند انقطاعه وصلت، لأنها طاهرة (¬2) (وما عاد فيها) أي في أيام عادتها (¬3) كما لو كانت عشرا، فرأت الدم ستا ثم انقطع يومين، ثم عاد في التاسع والعاشر (جلسته) فيهما (¬4) لأنه صادف زمن العادة كما لو لم ينقطع (¬5) . ¬

_ (¬1) حكمها فيه حكم الطاهرات. (¬2) وكذا لو طهرت في أثناء عادتها طهرا خالصا لا تتغير معه القطنة إذا احتشتها فهي طاهر تغتسل، لقول ابن عباس: فلتغتسل وتصل، وتفعل ما فعلته الطاهرات. (¬3) ولم يجاوزها جلسته. (¬4) وإن لم يتكرر كما تقدم. (¬5) ولا تجلس ما جاوز العادة، ولو لم يزد على أكثره حتى يتكرر، فإن عبر الأكثر فليس بحيض، قال شيخ الإسلام: للعلماء نزاع في الاستحاضة فإن أمرها مشكل، لاشتباه دم الحيض بدم الاستحاضة، فلا بد من فاصل، والعلامات التي قيل بها ست، وإما العادة فإن العادة أقوى العلامات، لأن الأصل مقام الحيض دون غيره، وإما التمييز، لأن الدم الأسود والثخين، أولى أن يكون حيضا من الأحمر، وإما اعتبار غالب عادة النساء لأن الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، فهذه العلامات الثلاث تدل عليها السنة والاعتبار، ومن الفقهاء من يجلسها ليلة، وهو أقل الحيض، ومنهم من يجلسها الأكثر، لأنه أصل دم الصحة ومنهم من يلحقها بعادة نسائها، وأصوب الأقوال اعتبار العلامات التي جاءت بها السنة وإلغاء ما سوى ذلك.

الصفرة والكدرة زمن العادة حيض

(والصفرة والكدرة في زمن العادة حيض) فتجلسهما (¬1) لا بعد العادة ولو تكررتا (¬2) لقول أم عطية: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا) ، رواه أبو داود (¬3) . ¬

_ (¬1) الصفرة شيء كالصديد يعلوه صفرة، والكدرة كلون الماء الوسخ الكدر، وليسا على لون من ألوان الدماء، فإذا رأتهما في زمن العادة فحيض، تجلسهما وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق وغيرهم، قال ابن رشد: لا خلاف أن الصفرة والكدرة حيض، ما لم تر ذلك عقيب طهرها، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} وهو يتناولهما ولأن النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الصفرة والكدرة فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، يعني الطهر، والدرجة قطنة تدخلها المرأة فرجها ثم تخرجها لتنظر هل بقي شيء من أثر الحيض أم لا؟ (¬2) أي ليست الصفرة والكدرة بعد العادة حيضا ولو تكررتا، فلا تجلسه واختاره الشيخ وغيره، وروي أحمد وأبو داود وغيرهما: في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر؟ قال: إنما هو عرق أو إنما هو عروق، قال البغوي: وهو قول أكثر الفقهاء. (¬3) واللفظ له: والبخاري ولم يذكر بعد الطهر، وله حكم الرفع عند أهل الحديث وغيرهم، فيكون تقريرا منه صلى الله عليه وسلم فما ليس بدم غليظ أسود يعرف فلا يعد حيضها بعد الطهر، ومفهومه أن الصفرة والكدرة قبل الطهر حيض، وهو إجماع، كما تقدم والطهر انقطاع الدم، فالذي يأتي الحائض عقب انقطاع الحيض هو الطهر الصحيح وماتراه الحائض من النشاف في أيام الحيض طهر، وإن لم تر معه بياضا، فعليها أن تغتسل وتصلي، والحاصل أن الطهر بجفوف أو قصة، فإن كانت ممن ترى القصة البيضاء اغتسلت حين تراها، وقال: مالك: هو أمر معلوم عندهن، وإن كانت ممن لا تراها، فحين ترى الجفوف تغتسل وتصلي، والجفوف أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة ليس عليها شيء من الدم ولا من الصفرة ولا من الكدرة، لأن فرج المرأة لا يخلو من الرطوبة غالبا، والقصة بفتح القاف ماء أبيض يتبع الحيض، يشبه ماء الحص شبهت الرطوبة النقية لبياضها بالجص، وقال بعضهم: يشبه ماء العجين، وقيل يشبه المني، ويحتمل أنه يختلف باعتبار النساء وأسنانهن، وباختلاف الفصول والبلدان والطباع، وغالب ما يذكره النساء شبه المني، وقال بعض السلف: لا يلزم المرأة أن تتفقد طهرها بالليل، ولا يعجبني ذلك، ولم يكن للناس مصابيح كما قالته عائشة وغيرها: وإنما يلزمها ذلك إذا أرادت النوم، أو قامت لصلاة الصبح، وعليهن أن ينظرن في أوقات الصلوات، وليس تفقد طهراها بالليل من عمل الناس، وقال ابن رشد: كان القياس يجب عليها أن تنظر قبل الفجر بقدر ما يمكنها إن رأت الطهر أن تغتسل وتصلي المغرب والعشاء قبل طلوع الفجر، إذ لا اختلاف في أن الصلاة تتعين في آخر الوقت، فسقط ذلك عنها من ناحية المشقة، فإن استيقظت بعد الفجر وهي طاهر فلم تدر لعل طهرها كان من الليل حملت تلك الصلاة على ما فات عليه، ولم يجب عليها صلاة الليل حتى توقن أنها طهرت قبل الفجر، وأم عطية هي نسيبة بنت الحارث الأنصارية، غزت مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات.

(ومن رأت يوما) أو أقل أو أكثر (دما ويوما) أو أقل أو أكثر (نقاء (¬1) فالدم حيض) حيث بلغ مجموعه أقل الحيض (¬2) . ¬

_ (¬1) متخللا لتلك الدماء، لا يبلغ أقل الطهر، والنقاء بالفتح والمد مصدر نقي كتعب بمعنى، نظف. (¬2) ويسمى التلفيق، أي ضم الدماء بعضها إلى بعض، وجعلها حيضة واحدة إن تخللها طهر، وصلح زمانه، كما لو لم يفصل بينهما طهر، قال ابن رشد: لا تخلو الأيام إما أن تكون أيام حيض، أو أيام طهر، فإن كانت أيام حيض فيجب أن تلفقها إلى أيام الدم، وإن كانت أيام طهر فليس يجب أن تلفق أيام الدم إذا كان قد تخللها طهر.

(والنقاء طهر) تغتسل فيه وتصوم وتصلي (¬1) ويكره وطؤها فيه (¬2) (ما لم يعبر) أي يجاوز مجموعهما (أكثره) أي أكثر الحيض (¬3) فيكون استحاضة (¬4) . (والمستحاضة ونحوها) ممن به سلس البول أو مذي أو ريح أو جرح لا يرقأ دمه (¬5) أو رعاف دائم (¬6) . ¬

_ (¬1) لأنه طهر حقيقة، واختاره الشيخ وغيره وفاقا لمالك، وتقدم قول ابن عباس: أما ما رأت الطهر ساعة فلتغتسل. (¬2) قدمه في الرعاية، وعنه يجوز، وهو قول أكثر الفقهاء. (¬3) كأن ترى يوما دما ويوما نقاء إلى ثمانية عشر مثلا. (¬4) فترد إلى عادتها إن علمتها، وإلا فبالتمييز، وإلا فمتحيرة على ما تقدم، لا إن كانت مبتدأة فلها حكم المبتدأة. (¬5) أي لا يسكن، وهو مهموز، يقال: رقأ الدم رقوءا سكن، والسلس بفتح اللام، وهو الذي لا يمكنه إمساكه وكذا من به استطلاق بطن، وذكر ابن الصلاح وغيره أن ما ذكر مع الاستحاضة فهو بفتح اللام، وهو عبارة عن المصدر، وما ذكر مع المستحاضة، فهو بكسر اللام وهو الشخص الذي يكون به ذلك. (¬6) الرعاف هو الدم الذي يسبق من الأنف، على وزن البزاق، سمي به لسبقه إلى الأنف، وكل سابق راعف، وفعله رعف بفتح العين، وهو فصحاها، وبضمها وحكي كسرها، وهو يطلق على خروج الدم من الأنف، وعلى الدم نفسه والمراد أن نحو المستحاضة في الجملة من حدثه دائم، قياسا عليها، لتساويهم معنى وهو عدم القدرة على التحرز، فوجب تساويهما حكما، قال في الإنصاف: بلا نزاع، فحكمه غسل محل الملوث بالحدث، لإزالته عنه والوضوء مع القدرة، لا غسل ثوبه ونحوه لكل فرض، وإلا فالتيمم وعمر صلى وجرحه يثعب، وكان زيد بن ثابت إذا غلبه يصلي ولا يبالي ما أصاب ثوبه.

(تغسل فرجها) لإزالة ما عليه من الخبث (¬1) (وتعصبه) عصبا يمنع الخارج حسب الإمكان (¬2) فإن لم يمكن عصبه كالباسور صلى على حسب حاله (¬3) ولا يلزم إعادتهما لكل صلاة ما لم يفرط (¬4) . ¬

_ (¬1) وتحتشي بقطن أو ما يقوم مقامه، ليمنع خروج الخارج. (¬2) ويكون ما تعصبه به شيئا طاهرا، كأن تجعل خرقة كالتبان تتلجم بها، وتوثق طرفيها في شيء آخر شدتها على وسطها، لقوله عليه الصلاة والسلام أنعت لك الكرسف تحشين به المكان، قالت: إنه أكثر من نذلك، قال تلجمي فإن غلب الدم وقطر لم تبطل طهارتها، ولا يلزمها إذا إعادة الشد، وإن قصرت فخرج وجب التجديد بلا خلاف، حكاه إمام الحرمين وغيره، وذلك ما لم تتأذ بالشد ويحرقها اجتماع الدم فلا، لما فيه من الضرر. (¬3) لقوله: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} والباسور ورم تدفعه الطبيعة بإذن الله إلى كل موضع من البدن يقبل الرطوبة من المقعدة والأنثيين والأشفار وداخل الأنف والشفة جمعه بواسير، وقيل: عجمي وكذا الناسور. (¬4) أي لا يلزم إعادة الغسل والعصب عند فعل كل صلاة، لأن الحدث مع غلبته لا يمكنه التحرز منه، وفي الصحيح أن إحدى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اعتكفت معه، فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي، وكذا حكم الجرح الذي لا يمكن شده، فإن فرط أعادهما.

(وتتوضأ لـ) دخول (وقت كل صلاة) إن خرج شيء (¬1) (وتصلي) ما دام الوقت (فروضا ونوافل) (¬2) فإن لم يخرج شيء لم يجب الوضوء (¬3) وإن اعتيد انقطاعه زمنا زمنا يتسع للوضوء والصلاة تعين (¬4) لأنه أمكن الإتيان بها كاملة (¬5) . ¬

_ (¬1) بعد الوضوء لقوله: توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت، وفي لفظ لوقت كل صلاة صححه الترمذي، وكذا حكم من حدثه دائم، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وجمهور أهل العلم، ولما تقدم من الأدلة على وجوب الطهارة من الخارج من السبيلين، واستحب مالك لمن به سلس البول أن يتوضأ لكل صلاة إلا أن يؤذيه البرد. (¬2) لبقاء وضوئها إلى خروج الوقت، وكالمتيميم وأولى. (¬3) قد يقال: إنه مخالف لمقتضى ما تقدم من قوله: وتتعين نية الاستباحة لمن حدثه دائم لفرضه، وقولهم في شروط الوضوء، ودخول وقت على من حدثه دائم لفرضه، فإن قضيته أن يتوضأ لوقت كل صلاة دائما، ويجاب بأن ما تقدم مخصوص بما إذا لم يمكنه تعصيب المحل، كمن به باسور ونحوه، وهنا فيما إذا أمكنه ولم يخرج شيء. (¬4) يعني زمن انقطاع دم الاستحاضة ونحوه. (¬5) يعني الإتيان بالعبادة كاملة، على وجه لا عذر معه ولا ضرورة فتعين، كمن لا عذر له، وإن وجد قبل الدخول في الصلاة لم يجز الشروع فيها، وإن عرض هنا الانقطاع لمن عادته الاتصال بطل وضوءه، وعنه لا عبرة بانقطاعه اختاره المجد وصاحب الفائق وجماعة، وقالوا: ولو كثر الانقطاع، واختلف بتقدم وتأخر، وقلة وكثرة، ووجد مرة وعدم أخرى، قال ابن تميم: وهو أصح.

ومن يلحقه السلس قائما صلى قاعدا (¬1) أو راكعا أو ساجدا يركع ويسجد (¬2) (ولا توطأ) المستحاضة (إلا مع خوف العنت) منه أو منها (¬3) ولا كفارة فيه (¬4) (ويستحب غسلها) أي غسل المستحاضة (لكل صلاة) (¬5) . ¬

_ (¬1) وكذا من تمتنع قراءته قائما. (¬2) نص عليه فيمن يلحقه السلس راكعا أو ساجدا، كالمكان النجس، ولا يكفيه الإيماء لأنه لا نظير له في حالة الاختيار. (¬3) لقول عائشة في المستحاضة، لا يغشاها زوجها، فإن خافه أو خافته أبيح، وكذا إن كان به شبق، وعنه يباح وطؤها مطلقا وفاقا، وهو قول أكثر الفقهاء لأن حمنة تستحاض، وكان زوجها طلحة يطؤها، وأم حبيبة كذلك، رواه أبو داود، وليست المستحاضة كالحائض من كل وجه، فتنقاس عليها، بل فرق الشارع بينهما، لأن دم الحيض أعظم وأدوم وأضر من دم الاستحاضة، ودم الاستحاضة، دم عرق، وهو في الفرج بمنزلة الرعاف في الأنف، وخروجه مضر وانقطاعه دليل الصحة، ودم الحيض عكس ذلك، ولا يستوي الدمان حقيقة ولا حكما ولا سببا، قال النووي: يجوز في الزمن المحكوم بأنه طهر، ولا كراهة في ذلك، وإن كان الدم جاريا، هذا مذهبنا ومذهب جمهور العلماء، ولا يثبت لها شيء من أحكام الحيض بلا خلاف، ونقل ابن جرير الإجماع على أنها تقرأ القرآن، وأن عليها جميع الفرائض التي على الطاهر، وحكى نحو ذلك غيرهما، لأنها كالطاهر في الصلاة والصوم وغيرهما، فكذلك في الجماع، ولا يكره إلا عن دليل، وقال ابن عباس: المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت، الصلاة أعظم، والعنت الفجور والزنا والوقوف في أمر شاق. (¬4) إجماعا. (¬5) وليس بواجب عند أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرها أن تغتسل لكل صلاة، وإنما أمرها بالغسل مطلقا، فكانت هي تغتسل لكل صلاة، بل الواجب الوضوء لكل صلاة عند الجمهور، لأمره صلى الله عليه وسلم المستحاضة بالوضوء عند كل صلاة، ورواه البخاري والترمذي وغيرهما.

أكثر مدة النفاس أربعون يوما فهي منتهى الغالب

لأن أم حبيبة استحيضت فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل عند كل صلاة، متفق عليه (¬1) . (وأكثر مدة النفاس) وهو دم ترخيه الرحم للولادة وبعدها، وهو بقية الدم الذي احتبس في مدة الحمل لأجله (¬2) وأصله لغة من التنفس وهو الخروج من الجوف (¬3) . ¬

_ (¬1) من حديث عائشة أن أم حبيبة اشتكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم فقال: «امثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي» أي غسل الخروج من الحيض فكانت تغتسل لكل صلاة، من غير أمر منه صلى الله عليه وسلم لها بذلك، وفي رواية للبخاري: وتوضئي لكل صلاة، فلا يجب عليها الغسل لشيء من الصلوات إلا مرة واحدة، في وقت انقطاع حيضها، قال غير واحد: وهومذهب جمهور السلف والخلف للأخبار، واستحيضت استمر بها الدم كما تقدم، وأم حبيبة هي بنت جحش أخت زينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تحت عثمان رضي الله عنه. (¬2) جعله الله غذاء له، وفي التعريفات، النفاس دم يعقب الولد. (¬3) أي خروج النفس من الرئة بعد إدخاله إليها، أو من التنفس الذي هو التشقق والانصداع يقال: تنفست القوس إذا تشققت وسميت ولادة المرأة نفاسا لأنه يصحبها خروج النفس وهو الدم، ثم سمي الدم نفاسا، لأنه خارج بسبب الولادة، تسمية للمسبب باسم السبب، يقال: نفست المرأة، بضم النون لا غير إذا ولدت والمصدر النفاس بالكسر، ويقال للمرأة نفساء بضم النون وفتح الفاء، وضم النون أفصح من فتحها، ومن ضم فسكون، وهي بالمد على اللغات الثلاث، ومثناها نفساوان، ويقال أيضا نفست بضم النون وفتحها مع كسر الفاء فيهما إذا حاضت.

أو من: نفس الله كربته، أي فرجها (¬1) (أربعون يوما) (¬2) وأول مدته من الوضع (¬3) وما رأته قبل الولادة بيومين أو ثلاثة، بأمارة فنفاس وتقدم (¬4) ويثبت حكمه بشيء فيه خلق الإنسان (¬5) . ¬

_ (¬1) ويقال نفسه بمعنى أمهله، أو نفس كربه. (¬2) من ابتداء خروج بعض الولد، حكاه أحمد عن عمر وغيره، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة لحديث أم سلمة: كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوما، رواه الترمذي وغيره، وأثنى عليه البخاري، ومعناه: كانت تؤمر أن تجلس إذ محال اتفاق عادة نساء عصر في نفاس أو حيض، واحتج أيضا الجمهور بأحاديث في معناه، وقال الترمذي: أجمع أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي، قال أبو عبيد: وعلى هذا جماعة الناس، وقال إسحاق: هو السنة المجتمع عليها، وقال الشيخ: لا حد لأكثره ولو زاد على السبعين وانقطع، ولكن إن اتصل فهو دم فساد، وحينئذ فالأربعون منتهى الغالب. (¬3) وفاقا: وقال ابن رشد والنووي وغيرهما: لا خلاف أن الدم الذي يهراق بعد الولادة نفاس. (¬4) أي في قوله: إلا أن تراه قبل ولادتها إلخ، وقوله: أمارة، بفتح الهمزة أي علامة على الولادة كالتألم، وإلا فلا تجلسه، ولا تعتد به من الأربعين. (¬5) لا علقة أو مضغة لا تخطيط فيها فليس بنفاس، والمدة التي يتبين فيها غالبا ثلاثة أشهر، وأقله أحد وثمانون يوما، فمتى رأت دما على طلق قبلها لم تلتفت إليه، وبعدها تمسك عن الصلاة والصوم ثم إن تبين فيه خلق الإنسان رجعت فاستدركت وإلا استمر الحكم على الظاهر.

ولا حد لأقله (¬1) لأنه لم يرد تحديده (¬2) وإن جاوز الدم الأربعين وصادف عادة حيضها ولم يزد أو زاد وتكرر فحيض إن لم يجاوز أكثره (¬3) ولا يدخل حيض واستحاضة في مدة نفاس (¬4) (ومتى طهرت قبله) أي قبل انقضاء أكثره (تطهرت) أي اغتسلت (وصلت) وصامت كسائر الطاهرات (¬5) . ¬

_ (¬1) أي لا حد لأقل زمنه وفاقا، فيثبت حكمه ولو بقطرة قال أبو الطيب: وهو قول جمهور العلماء. (¬2) فرجع فيه إلى الوجود وقد وجد قليلا وكثيرا، حتى وجد من لم تر نفاسا أصلا، وحكى البخاري في تاريخه أن عائشة قالت لامرأة لم تره: أنت امرأة قد طهرك الله والنقاء زمنه طهر. (¬3) وكذا إن لم يصادف عادة، ولم يجاوز أكثر الحيض، وتكرر فحيض، كما صرح به غير واحد، وإن لم يصادف عادة حيض فهو استحاضة، إن لم يتكرر، لأنه لا يصلح حيضا ولا نفاسا، ولو هجرها الدم ثم أتاها في عادتها فهو حيض، لأنه لا حد لأكثر الطهر، وإن زاد على العادة وجاوز أكثر الحيض فاستحاضة، وقال مالك والشافعي، أكثره ستون، وتقدم أنه لا حد لأكثره، وأن المرجع في ذلك إلى الوجود. (¬4) كما لا تدخل في مدة حيض، لأن الحكم للأقوى، فلو ولدت المستحاضة واستمر الدم أربعين يوما فإنه نفاس، لا تصوم فيه ولا تصلي. (¬5) لانقطاع دم النفاس، وروي عن أم سلمة مرفوعا، كم تجلس المرأة إذا ولدت؟ قال أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك ذكره في المبدع.

كالحائض إذا انقطع دمها في عادتها (¬1) (ويكره وطؤها قبل الأربعين بعد) انقطاع الدم و (التطهير) أي الاغتسال، قال أحمد: ما يعجبني أن يأتيها زوجها، على حديث عثمان بن أبي العاص (¬2) (فإن عاودها الدم) في الأربعين (¬3) (فمشكوك فيه) كما لو لم تره ثم رأته فيها (¬4) (تصوم وتصلي) أي تتعبد، لأنها واجبة في ذمتها بيقين، وسقوطها بهذا الدم مشكوك فيه (وتقضي الواجب) من صوم ونحوه احتياطا (¬5) . ¬

_ (¬1) تغتسل وتصلي وتصوم ونحوه. (¬2) أنها أتته قبل الأربعين، فقال: لا تقربيني، ولأنها لا تأمن عود الدم في زمن الوطء وعنه: لا أكره وطأها، ذكره الزركشي وغيره، وقال جمهور أهل العلم: لا كراهة في وطئها لأن لها حكم الطاهرات في كل شيء، وليس للكراهة دليل يعتمد عليه، وإن اتصلت به صفرة أو كدرة فنفاس، وقيل: بلا خلاف. (¬3) يعني بعد انقطاعه. (¬4) فمشكوك فيه، يعني كونه نفاسا أو فسادا، لتعارض الأمارتين فيه، وعنه: هو نفاس تدع له الصوم والصلاة، وهو قول كثير من العلماء، واختاره الموفق وغيره. (¬5) تقدم قول الشيخ: إن قولهم: تصوم وتصلي وتقضي الواجب باطل من وجوه، وأن من فعل العبادة كما أمر بحسب وسعه فلا إعادة عليه، واحتاط الرجل، أخذ في أموره بالحزم، واحتاط لنفسه أخذ بالثقة، واحتاط على الشيء حافظ عليه، افتعال، وهو طلب الأحوط، والأخذ بأوثق الوجوه.

ولوجوبه يقينا (¬1) ولا تقضي الصلاة كما تقدم (¬2) (وهو) أي: النفاس (كالحيض (¬3) فيما يحل) كالاستمتاع بما دون الفرج (¬4) (و) فيما (يحرم) به كالوطء في الفرج والصوم والصلاة (¬5) والطلاق بغير سؤالها على عوض (¬6) (و) فيما (يجب) به كالغسل (¬7) والكفارة بالوطء فيه (¬8) (و) فيما (يسقط) به كوجوب الصلاة فلا تقضيها (¬9) (غير العدة) فإن المفارقة في الحياة تعتد بالحيض دون النفاس (¬10) . ¬

_ (¬1) لا يقال إنها لا تقضي الصوم قياسا على الناسية إذا صامت في الدم الزائد على غالب الحيض، لأنه يتكرر فيشق بخلاف النفاس. (¬2) يعني في قولهما: وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة إجماعا. (¬3) بلا خلاف في الجملة، لأنه حيض مجتمع، احتبس لأجل الحمل، فكان حكمه حكم الحيض، ونقل ابن جريج إجماع المسلمين عليه إلا ما استثني. (¬4) وله أن يستمتع منها كما يستمتع من الحائض. (¬5) أي النفساء كالحائض في ذلك اتفاقا. (¬6) ظاهره إن سألته بلا عوض، أو سأله غيرها لم يبح، وبذلك العوض يدل على إرادته حقيقة. (¬7) إجماعا. (¬8) قياسا على الحائض على القول بها. (¬9) إجماعا. (¬10) لأنه ليس بقرء، ولأن العدة تنقضي بوضع الحمل.

(و) غير (البلوغ) فيثبت بالحيض دون النفاس لحصول البلوغ بالإنزال السابق للحمل (¬1) ولا يحتسب بمدة النفاس على المولي (¬2) بخلاف مدة الحيض (¬3) (وإن ولدت) امرأة (توأمين) أي ولدين في بطن واحد (¬4) (فأول النفاس وآخره من أولهما) كالحمل الواحد (¬5) فلو كان بينهما أربعون فأكثر فلا نفاس للثاني (¬6) . ¬

_ (¬1) لأن الحمل ينعقد من مائها، والبلوغ في الأصل الوصول، وبلغ الغلام أو الجارية: أدركا بلوغ حد التكليف، ويأتي في الحجر. (¬2) في مدة الإيلاء لأنه ليس بمعتاد. (¬3) لاعتياده، ولا يحصل بالنفاس استبراء، ولا فصل بين طلاقي السنة والبدعة. (¬4) فأكثر من ولدين، يقال: أتأمت المرأة، إذا ولدت اثنين في بطن واحد، فهي متئم، فإذا كان ذلك عادة لها فهي متآم، وهذا الولد تؤم لهذا. (¬5) وفاقا لمالك وأبي حنيفة، والوجه الثاني للشافعية، لأنه دم خرج عقب الولادة فكان نفاسا واحدا. (¬6) من التوأمين نص عليه، لأن الولد الثاني تبع للأول، فلم يعتبر في آخر النفاس كأوله، فما خرج مع الولد الثاني بعد الأربعين على القول بها دم فساد، لأنه لا يصلح حيضا ولا نفاسا، وعنه: من الثاني لأنها قبل وضعه حامل، ولا يضرب لها مدة النفاس، كما قبل الأول، ولهذا لا تنقضي العدة إلا بوضعهما، واختاره أبو المعالي وغيره، وقال: لا يختلف المذهب فيه، وقال بعض الشافعية، اتفق أئمتنا على استئناف نفاس، فإن الذي تقدمه نفاس كامل، ويستحيل أن تلد الثاني وترى الدم عقيبه ولا يكون نفاسا اهـ وللاتفاق على أن الدم المهراق بعد الولادة نفاس.

ومن صارت نفساء بتعديها بضرب بطنها أو بشرب دواء لم تقض (¬1) . ¬

_ (¬1) أي الصلاة لأنه دم فساد، ولأن وجود الدم ليس معصية من جهتها وكذا حيض، كما لو كان التعدي من غيرها، وقيل: يجوز شرب دواء مباح لإلقاء نطفة، وقال الشيخ: الأحوط أن المرأة لا تستعمل دواء يمنع نفوذ المني في مجاري الحبل، وقال القاضي وغيره: لا يباح شرب دواء مباح لقطع الحيض إلا بإذن الزوج كالعزل، قال في الإنصاف: وهو الصواب، وقال في الفروع: وفعل ذلك بها من غير علم يتوجه تحريمه، لإسقاط حقها مطلقا من النسل المقصود، وقال: ويتوجه في الكافور ونحوه له كقطع الحيض، قال في الإنصاف، وهو الصواب فيهما الذي لا شك فيه، وأما إسقاط الحمل فقال الشيخ: حرام باتفاق المسلمين.

كتاب الصلاة

كتاب الصلاة (¬1) .............................................................. ¬

_ (¬1) هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وأفضل الأعمال بعدهما، لكونها وضعت على أكمل وجوه العبادة وأحسنها، ولجمعها لمتفرق العبودية، وتضمنها لأقسامها، وهي أول ما يشترطه صلى الله عليه وسلم بعد التوحيد، لأنها رأس العبادة البدنية، وقد تعبد الله عباده في أبدانهم وأموالهم عبادة محضة، كالصلاة والزكاة أو مركبة منهما كالصوم والحج، والعبودية هي غاية كمال الإنسان، وقربه من الله بحسب قربه من عبوديته وهي دين الأمة ضرورة، ولم تخل منها شريعة مرسل، وفرض عين بالكتاب والسنة والإجماع، فرضها الله ليلة المعراج على نبيه صلى الله عليه وسلم في السماء، بخلاف سائر الشرائع، فدل على حرمتها وتأكد وجوبها، وأحاديث كل صلاة من الصلوات الخمس، وأحاديث الركعات وما تشتمل عليه كل ركعة، والركوع والسجود والرفع منهما، وترتيب ذلك، قد بلغت حد التواتر، أو تزيد عليه تواترا معنويا، وما نقل بالتواتر فحصل العلم به ضرورة لا يرده إلا كافر، يستتاب فإن تاب وإلا قتل بإجماع المسلمين وجاء في تحتمها وفضلها آيات وأحاديث كثيرة معروفة، وسأل شيخ الإسلام هل كانت الصلاة على من قبلنا من الأمم مثلنا؟ فقال: كانت لهم صلوات في هذه الأوقات، لكن ليست مماثلة لصلاتنا في الأوقات والهيئات وغيرهما اهـ، وكانت قبل صلاتين، قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وقيل: كانت الظهر لداود، والعصر لسليمان، والمغرب ليعقوب، والعشاء ليونس، والصبح لآدم، ونظمه بعضهم بقوله: لآدم صبح والعشاء ليونس ... وظهر لداود وعصر لنجله ومغرب يعقوب كذا شرح مسند ... لعبد كريم فاشكرن لفضله وقيل غير ذلك.

في اللغة الدعاء (¬1) قال الله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} أي ادع لهم (¬2) وفي الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة (¬3) . ¬

_ (¬1) بخير، أي حقيقتها ذلك، وهو ما عليه الجمهور من الفقهاء وغيرهم وقال ابن رشد: هو المشهور المعروف اهـ لأنه الشائع في كلامهم قبل ورود الشرع بالأركان المخصوصة، قال في القاموس: والصلاة الدعاء، وعبادة فيها ركوع وسجود، اسم يوضع موضع المصدر، صلى صلاة دعا، والفرس تلا السابق، لتلوها الشهادتين اهـ والمصلي لا ينفك عن دعاء عبادة، أو ثناء أو طلب ومسألة، فما خرجت عن حقيقة الدعاء، وقال بعضهم: الشيء لا يعرف إلا باسمه، ولا يجب إلا بسببه، ولا يوجد إلا بركنه، ولا يصح إلا بشرطه، ولا يفعل إلا بحكمه. (¬2) واستغفر لهم، وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم إذا أتى بصدقة قوم صلى عليهم أي دعا لهم، وقال عليه الصلاة والسلام في الدعوة وإن كان صائما فليصل، أي يدع وكان إذا جاء الناس بصدقاتهم يدعو لهم. (¬3) من قراءة وتكبير وتسبيح ونحوه، وقيام وقعود وركوع وسجود ونحوه، والمقدر كالملفوظ والمفعول، أو التعريف باعتبار الغالب، وجرت عادة الفقهاء إذا أرادوا بيان لفظ عرفوه من جهة اللغة والشرع، فيقولون مثلا: الصلاة معناها في اللغة الدعاء، وفي الشرع الأقوال والأفعال، بناء منهم على إثبات الحقائق الشرعية، وقال الشيخ: والشارع استعمل اسم الصلاة مقيدة لا مطلقة كنظائرها، وقال: وإذا ورد في الشرع أمر بالصلاة، أو حكم معلق عليها انصرف إلى الصلاة الشرعية، ولا نزاع بين العلماء في أن إطلاق الصلاة والصوم وغيرهما من الألفاظ المشتركة في الشرع على معانيها الشرعية، على سبيل الحقيقة الشرعية بمعنى أن حملة الشرع غلب استعمالهم لتلك الألفاظ في تلك المعاني، حتى إن اللفظ لا يفهم منه عند الإطلاق إلا المعاني المذكورة اهـ، وخرج بقوله: مخصوصة، سجدة التلاوة والشكر، فإنهما ليستا صلاة كصلاة الجنازة.

مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم (¬1) سميت صلاة لاشتمالها على الدعاء (¬2) مشتقة من الصلوين (¬3) وهما عرقان من جانبي الذنب وقيل عظمان ينحنيان في الركوع والسجود (¬4) وفرضت ليلة الإسراء (¬5) (تجب) الخمس في كل يوم وليلة (على كل مسلم مكلف) (¬6) . ¬

_ (¬1) لحديث تحريمها التكبير وتحليلها التسليم. (¬2) أي على المعنى اللغوي الذي هو الدعاء، قال في الإنصاف: وهذا هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء من الفقهاء وأهل العربية وغيرهم، وقيل: لما يعود على صاحبها من البركة، وقيل: لأنها تفضي إلى المغفرة، وقيل: لما تتضمن من الخشوع وغيره. (¬3) بفتح الصاد واللام تثنية صلا بالقصر، واختاره النووي، وهذا القول مغاير للأول، وهو قوله لاشتمالها على الدعاء، وهو ظاهر كلام ابن كثير وغيلره، بل هو صريح فيه واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر. (¬4) والصلا وسط الظهر منا ومن كل ذي أربع، وما انحدر من الوركين أو الفرجة بين الجاعرة والذنب، أو ما عن يمين الذنب وشماله، وهما صلوان، وجمعه صلوان. (¬5) بنحو ثلاث قبل الهجرة، لحديث أنس قال: فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به خمسين صلاة، ثم نقصت حتى جعلت خمسا، ثم نودي يا محمد إنه لا يبدل القول لدي، وإن لك بهذه الخمس خمسين صححه الترمذي. (¬6) أي تجب الصلوات الخمس في كل يوم وليلة بدخول أوقاتها على كل مسلم مكلف بالكتاب والسنة والإجماع إجماعا قطعيا قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} أي مفروضا في الأوقات وقال: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ} وقال: {لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ} وقال عليه الصلاة والسلام لما بعث معاذا إلى اليمن أخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة وقال للأعرابي خمس صلوات في اليوم والليلة، وقال: فرضت الصلاة، الحديث وبني الإسلام على خمس، وذكر الصلاة بعد الشهادتين، وقال نافع بن الأزرق لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال نعم ثم قرأ {فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ *} وحكى إجماع الأمة على أن الصلوات الخمس فرض عين، على كل مسلم مكلف، في كل يوم وليلة غير واحد من أهل العلم، وقال ابن رشد: لا يرده إلا كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل، والحكمة في مشروعيتها والله أعلم التذلل والخضوع بين يدي الله عز وجل المستحق للتعظيم، ومناجاته تعالى فيها بالقراءة والذكر والدعاء، وتعمير القلب بذلك، واستعمال الجوارح في خدمته.

أي بالغ عاقل ذكر أو أنثى أو خنثى، حر أو عبد أو مبعض (¬1) (لا حائضا ونفساء) فلا تجب عليهما (¬2) . ¬

_ (¬1) بغير خلاف، ومن لم يبلغه الشرع كمن أسلم بدار حرب، أو نشأ بباديه قيل يقضيها، وقيل لا، اختاره الشيخ، بناء على أن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم، وأجري ذلك في كل من ترك واجبا قبل بلوغ الشرع، من تيمم وزكاة ونحوهما، وهو قياس الأصل، وقال: والأصح لا قضاء ولا إثم إذا لم يقصر، للعفو عن الخطأ والنسيان والنوم. (¬2) ولا يقضيانها إجماعا.

(ويقضي من زال عقله بنوم أو إغماء أو سكر) (¬1) طوعا أو كرها (أو نحوه) كشرب دواء (¬2) لحديث «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» رواه مسلم (¬3) وغشي على عمار ثلاثا، ثم أفاق وتوضأ وقضى تلك الثلاث (¬4) . ¬

_ (¬1) إجماعا في النوم، وكذا في الإغماء ما لم تطل مدته، فإن مذهب مالك والشافعي لايلزمه قضاء الصلاة إلا أن يفيق في جزء منها، وأبو حنيفة لا يراه بعد خمس صلوات، وعندنا يلزم القضاء مطلقا، لأنه لا تطول مدته غالبا، أشبه النوم المتفق على القضاء في حالته، وأما السكر فبطريق الأولى، والإغماء مصدر، أغمي عليه، أي غشي عليه، وتقدم أنه آفة تعرض للدماغ أو القلب بسببها تتعطل القوى المدركة والمحركة حركة إرادية، والسكر اسم مصدر وهو زوال العقل بشراب ونحوه، يقال: سكر يسكر فهو سكران، والجمع سكرى وسكارى، والسكر حالة تعرض للإنسان من امتلاء دماغه من الأبخرة المتصاعدة من الخمر وما يقوم مقامها إليه معه، فيتعطل معه عقل المميز بين الأمور الحسنة والقبيحة، قال الشيخ: وصلاة السكران الذي لا يعلم ما يقول لا تجوز بالاتفاق، ولا يجوز أن يمكن من دخول المسجد. (¬2) ولو غير محرم، وفاقا لأبي حنيفة، ومذهب مالك والشافعي لا يلزمه القضاء، وجزم الشارح وغيره أنه إن تطاول زمنه فكالمجنون وإلا فكالإغماء. (¬3) من حديث أبي هريرة ومثله الساهي. (¬4) أي الليالي التي غشي عليه فيها بعد ما أفاق، أي رجعت الصحة إليه، أو رجع هو إلى الصحة، و (غشي) مبني للمجهول أي أغمي عليه، والغشاء الغطاء وزنا ومعنى وعن عمران بن حصين، وسمرة بن جندب نحوه، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان كالإجماع، وعمار هو ابن ياسر بن عامر بن مالك العنسي ثم المذحجي قدم والده مكة فحالف أبا حذيفة بن المغيرة فزوجه أمة له يقال لها سمية فولدت عمار فأعتقه، أوذي في الله، وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم ملئ عمار إيمانا وقال: تقتله الفئة الباغية، وقتل يوم صفين، وله نيف وتسعون.

ويقضي من شرب محرما (¬1) حتى زمن جنون طرأ متصلا به تغليظا عليه (¬2) (ولا تصح) الصلاة (من مجنون) (¬3) وغير مميز (¬4) . ¬

_ (¬1) كمسكر فزال عقله بالسكر المحرم، ما فاته في وقت السكر من الصلاة والصوم وسائر الواجبات، وجها واحدا وفاقا، وقال الشيخ: بلا نزاع وكذا قال في الإنصاف، وتجب على من زال عقله بمرض بلا نزاع. (¬2) أي ويلزمه قضاء ما فاته حتى صلاة حال الجنون، لاتصاله بالسكر المحرم تغليظا عليه، صوبه في تصحيح الفروع، فلو شرب محرما وجن في الحال، واستمر جنونه، وإن مات والحال ما ذكر مات عاصيا، لأنه جنى على نفسه بشربه المحرم، كما لو جن المرتد، لأن سقوطها بالجنون رخصة، وليس من أهلها، فكذا هنا، وطرأ يطرأ مهموز، وفيه العطف على متبوع محذوف، لأن تقديره: فيقضي كل صلاة ونحوها، حتى صلاة زمن جنون طرأ وهو جائز. (¬3) ولا تجب عليه، ولا يقضي إذا أفاق، إلا أن يفيق في وقتها، قال الشارح: لا نعلم فيه خلافا، والأبله الذي لا يفيق كالمجنون يقال: رجل أبله بين البله، وهو الذي لا يعقل. (¬4) لحديث عائشة رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ والمجنون حتى يفيق، والصغير حتى يبلغ، رواه أبو داود والترمذي وحسنه، فهؤلاء لا قصد لهم، وهي العلة في رفع أحكام التكليف عنهم، وقد انعقد الإجماع على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع في الشريعة، وتكليف من لا قصد له تكليف ما لا يطاق وتصح من مميز إجماعا وهو من استكمل سبعا، وفي المطلع: من يفهم الخطاب ويرد الجواب ولا ينضبط بسن، بل يختلف باختلاف الأفهام، وصوبه في الإنصاف.

لا تصح من كافر لعدم صحة النية منه

لأنه لا يعقل النية (¬1) (ولا) تصح من (كافر) لعدم صحة النية منه (¬2) ولا تجب عليه، بمعنى أنه لا يجب عليه القضاء إذا أسلم (¬3) ويعاقب عليها وعلى سائر فروع الإسلام (¬4) . ¬

_ (¬1) أي المجنون وغير المميز، والصلاة من شرطها النية، ولا تمكن منه. (¬2) أي من الكافر الأصلي، يهوديا كان أو نصرانيا أو مجوسيا أو غيرهم، حكاه الشيخ وغيره إجماعا، لفقد شرطها، وهو الإسلام، وقال المازري، لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفا بمن تقرب إليه، والكافر ليس كذلك. (¬3) إشارة إلى أنه لا يفهم من عدم الوجوب عدم العقاب، وإلا فإنه يؤاخذ بها، كما يؤاخذ بالتوحيد، وقال في الإنصاف، الكافر لا يخلو، إما أن يكون أصليا أومرتدا، فإن كان أصليا لم تجب عليه، بمعنى أنه إذا أسلم لم يقضها، وهو إجماع وأما وجوبها بمعنى أنه مخاطب بها، فالصحيح من المذهب أنهم مخاطبون بفروع الإسلام، وعليه الجمهور وإن كان مرتدا فالصحيح من المذهب أنه يقضي ما تركه قبل ردته، إلا الحج، وقال النووي: لا يلزم المرتد قضاء ما فاته في الردة، وفاقا لأبي حنيفة ومالك، قال: والذي عليه المحققون بل نقل بعضهم الإجماع فيه أن الكافر إذا فعل أفعالا جميلة ثم أسلم يكتب له، لقوله: أسلمت على ما أسلفت وقال الشيخ: اختار الأكثر أن الردة لا تحبط العمل إلا بالموت عليها لقوله: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} فعلق الحبوط بشرطين: الردة والموت عليها، والمعلق بشرطين لا يثبت بأحدهما. (¬4) لأن الكفار ولو كانوا مرتدين مخاطبون بفروع الإسلام كالتوحيد إجماعا لقوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} .

(فإن صلى) الكافر على اختلاف أنواعه (¬1) في دار الإسلام أو الحرب، جماعة أو منفردا بمسجد أو غيره (فمسلم حكما) (¬2) فلو مات عقب الصلاة فتركته لأقاربه المسلمين، ويغسل ويصلى عليه، ويدفن في مقابرنا (¬3) وإن أراد البقاء على الكفر، وقال: إنما أردت التهزئ لم يقبل (¬4) وكذا لو أذن ولو في غير وقته (¬5) . ¬

_ (¬1) من ملل الكفر. (¬2) أي يحكم بإسلامه، ويصح بها إسلامه، كما يأتي، وهي لا تصح بدون الإسلام لأنها عبادة مختصة بشرعنا، أشبهت الأذان، وجزم به الشيخ وغيره، لحديث نهيت عن قتل المصلين، رواه أبو داود، ولقول أنس: وصلى صلاتنا فهو المسلم، ولقوله: بيننا وبينهم الصلاة، فثبتت العصمة بالصلاة، وهي لا تكون بدون الإسلام ويحكم بكفر من سجد لصنم، فكذا عكسه، قالوا: ولا تصح تلك ظاهرا لفقدان شرطها وهو الإسلام فيؤمر بالإعادة إلا إن علم أنه قد أسلم واغتسل، وصلى بنية صحيحة فصحيحة، وهذا بخلاف من هو مسلم وارتكب بعض البدع التي تخرجه من الإسلام، فإنا نحكم بكفره ولو صلى. (¬3) للحكم بإسلامه. (¬4) منه إلا الإسلام أو السيف، لأنا حكمنا بإسلامه بصلاته، فيكون مرتدا بقوله ذلك، وتجري عليه أحكام المرتدين، كما لو أتى بالشهادتين ثم قال: لم أرد الإسلام. (¬5) فيحكم بإسلامه إذا أذن لإتيانه بالشهادتين وعلى قياسه الإقامة أيضا لإتيانه بالشهادتين وينبغي أن يقيد بغير من يعتقد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى العرب خاصة، وإلا فلا بد من إقراره برسالته إلى الناس كافة، ولا يعتد بأذانه، لفقد شرطه، وكذا لو سجد للتلاوة أو زكى السائمة، لا إن صلى في غير الوقت، أو أفسدها أو فعل بقية العبادات التي لا تختص بشريعتنا.

يؤمر بها صغير لسبع ويعلم إياها والطهارة ليعتادها ذكرا كان أو أنثى

(ويؤمر بها صغير لسبع) (¬1) أي يلزم أن يأمره بالصلاة لتمام سبع سنين (¬2) . ¬

_ (¬1) إذا فهم الخطاب ولا خلاف في صحتها من مميز، ويشترط لصحة صلاته مايشترط لصحة صلاة الكبير، إلا في السترة، والثواب له وفاقا، واختاره الشيخ، لعموم قوله (من جاء بالحسنة) ولقوله عليه الصلاة والسلام لما رفعت إليه امرأة صبيا وقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر، وكذا أعمال البر كلها، فهو يكتب له ما عمله من الحسنات، وفي الحديث رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن علي وعائشة، قال النووي وغيره: بإسناد صحيح، ولا تجب على صبي ولا صبية، ولا يلزمها قضاؤها بعد البلوغ بالاتفاق، وفي الاختيارات: ولو بلغ عشرا، وقاله جمهور العلماء، لأنها عبادة بدنية فلم تلزمه كالحج، والطفل لا يعقل، والمدة التي يكمل فيها عقله ونيته تخفى، وتختلف فنصب الشارع عليه علامة ظاهرة، وهي البلوغ. (¬2) نص عليه، أبا كان الولي أو جدا أو وصيا، أو قيما من جهة القاضي، أو أما وكذا وجوب الضرب لبلوغ العشر، لما يأتي وقال الشيخ: ويجب على كل مطاع أن يأمر من يطيعه بالصلاة حتى الصغار لقوله: مروهم بالصلاة، ومن عنده صغير مملوك أو يتيم أو ولد فلم يأمره فإنه يعاقب الكبير إذا لم يأمر الصغير، ويعزر تعزيرا بليغا لأنه عصى الله ورسوله، وقال النووي وغيره: الصبي إذا بلغ حدا يعقل أولى من قولهم سبع سنين، لأن المراد إذا كان مميزا صحت صلاته وإمامته، والتمييز يختلف وقته باختلاف الصبيان، فمنهم من يحصل له من سبع، ومنهم قبلها، ومنهم وإن بلغ عشرا، أو أكثر، وقال أهل التحقيق، الصواب يعتبر لكل صبي بنفسه، فقد يميز لدون خمس، وقد يتجاوز الخمس ولا يميز، وقال الشافعي وغيره، ويؤمر الصبي بحضور المساجد وجماعات الصلاة ليعتادها.

وتعليمه إياها، والطهارة ليعتادها، ذكرا كان أو أنثى، وأن يكفه عن المفاسد (¬1) . (و) أن (يضرب عليها لعشر) سنين (¬2) لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه (¬3) «مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» رواه أحمد وغيره (¬4) . ¬

_ (¬1) أي ويلزمه تعليمه أحكام الصلاة والطهارة من الحدث والخبث وكذا الصوم ونحوه وتحريم الزنا والسرقة والغيبة ونحوها، ويكف عن جمع المفاسد، قال إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار، لينشئووا على ذلك ويعتادوه فلا يتركونه من اعتاد الشيء صيره عادة لنفسه، فإن من شب على شيء شاب عليه، وكما يلزم الولي فعل ما فيه صلاح ماله، فإن احتاج لأجرة فمن مال الصبي، فإن لم يكن فعلى من تلزمه نفقته. (¬2) ضربا غير مبرح أي شديد، وجوبا للخبر، لتمرينه عليها حتى يألفها. (¬3) يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، أحد علماء زمانه، قال الذهبي: روايته عن أبيه عن جده من قبيل الحسن، ليست بمرسلة ولا منقطعة، ولا من أقسام الصحيح وقال غير واحد: الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده هو الصواب، وقال البخاري: ما تركه أحد من المسلمين مات رحمه الله بالطائف سنة مائة وسبع عشرة. (¬4) فمنهم أبو داود والترمذي والحاكم، وفي رواية للترمذي علموا الصبي للصلاة ابن سبع سنين واضربوه عليها ابن عشر، وصححه هو وغيره ولأبي داود مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها، وفي رواية مروا أولادكم، وفي رواية إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة، قال النووي: والصبي يتناول الصبية بلا خلاف، وشمول أولادكم للإناث ظاهر، وأمر بالتفريق بينهما في المضاجع، لأن نومهما في فراش واحد ذريعة إلى نسج الشيطان بينهما المواصلة المحرمة، ولا سيما مع الطول، والرجل قد يعبث في نومه بالمرأة في نومها إلى جانبه وهو لا يشعر.

(فإن بلغ في أثنائها) (¬1) بأن تمت مدة بلوغه وهو في الصلاة (أو بعدها في وقتها أعاد) أي لزمه إعادتها لأنها نافلة في حقه، فلم تجزئه عن الفريضة (¬2) ويعيد التيمم (¬3) لا الوضوء والإسلام (¬4) . (ويحرم) على من وجبت عليه (تأخيرها عن وقتها) المختار (¬5) . ¬

_ (¬1) البلوغ الوصول، وبلغ الغلام أدرك، والمراد والله أعلم بلوغ حد التكليف وهو ما عرفوه به في الحج وغيره، والثني واحد أثناء الشيء، أي تضاعيفه تقول: أنفذت كذا ثني كتابي، أي في طيه. (¬2) وقال بعضهم: لا يعيد واختاره الشيخ وصاحب الفائق وغيرهما وفاقا للشافعي، وذلك أن الصبي مأمور بالصلاة قبل البلوغ أمر ندب، مضروب على تركها، وإذا كان مأمورا بها وفعلها امتنع أن يؤمر بصلاة ثانية قال النووي: وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وانعقد عليه الإجماع فلا إعادة عليه، وكذا نبه عليه المجد. (¬3) يعني لأن تيممه كان لنافلة فلا يستبيح به فريضة وتقدم. (¬4) لأن وضوءه رافع للحدث، ولأن الإسلام أصل الدين فلا يصح نفلا، بل إذا وجد فهو على وجه الوجوب، ولأنه يصح بفعل غيره كأبيه. (¬5) فيما له وقتان، أو عن وقت الجواز، وهو الوقت المعلوم وسيأتي والتحريم ما لم يكن عذر، وكان ذاكرا لها، قادرا على فعلها إجماعا، لما روى أبو قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، أن تؤخر الصلاة إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى، رواه مسلم، ولأنه يجب إيقاعها في الوقت، فإذا خرج ولم يأت بها كان تاركا للواجب، مخالفا للأمر، وهو عاص مستحق للعقاب، وقال الشيخ: وأما تأخير صلاة النهار إلى الليل أو الليل إلى النهار، أو الفجر بعد طلوع الشمس، فلا يجوز لمرض ولا لسفر ولا لشغل، ولا لصناعة باتفاق العلماء، وقال أيضا: لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها لجنابة ولا حدث ولا نجاسة، ولا غير ذلك بل يصلي في الوقت بحسب حاله.

أو تأخير بعضها (¬1) (إلا لناوي الجمع) لعذر فيباح له التأخير، لأن وقت الثانية يصير وقتا لهما (¬2) . (و) إلا (لمشتغل بشرطها الذي يحصله قريبا) كانقطاع ثوبه الذي ليس عنده غيره، إذا لم يفرغ من خياطته حتى خرج الوقت (¬3) . ¬

_ (¬1) بأن يؤخر القيام إليها إلى وقت لا يتسع لكلها، بأن لم يبق من وقت الاختيار إلا ما يتسع لركعة مثلا. (¬2) لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر الأولى في الجمع، ويصليها في وقت الثانية، وسيأتي وقال الوزير، أجمعوا على أنه لا يجوز تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها، لمن كان مستيقظا ذاكرا لها قادرا على فعلها غير ذي عذر ولا مريد الجمع. (¬3) وكالمشتغل بنحو الوضوء والغسل حتى خرج الوقت. وقال الشيخ: هذا خلاف المذهب المعروف عن أحمد وأصحابه، وجماهير العلماء، وقال: قول بعض الأصحاب لا يجوز تأخيرها إلا لمشتغل بشرطها، لم يقله أحد قبله من الأصحاب، ولا من سائر طوائف المسلمين، إلا أن يكون بعض أصحاب الشافعي ولا ريب إنه ليس على عمومه، وإنما أرادوا صورا معروفة كما إذا أمكن الواصل إلى البئر أن يصنع حبلا يستقي به، أو أمكن العريان أن يخيط ثوبا، ولا يفرغ إلا بعد الوقت ونحو هذه الصور، ومع هذا فالذي قاله هو خلاف المذهب المعروف عن أحمد وأصحابه، وجماهير أهل العلم، ويؤيده أن العريان لو أمكنه أن يذهب إلى قرية يشتري ثوبا، ولا يصل إلا بعد الوقت لا يجوز له التأخير بلا نزاع.

فإن كان بعيدًا عرفًا صلى (¬1) ولمن لزمته التأخير في الوقت مع العزم عليه (¬2) ما لم يظن مانعا (¬3) وتسقط بموته (¬4) ولم يأثم (¬5) . ¬

_ (¬1) أي في الوقت على حسب حاله، تقديما للوقت، لسقوط الشرط إذن بالعجز عنه. (¬2) أي ولمن لزمته الصلاة تأخير فعلها في وقت الجواز، مع العزم على فعلها وقت الجواز، فإن لم يعزم على فعلها فيه أثم، حكاه الموصلي وغيره إجماعا وقيل: يجوز بدونه اختاره أبو الخطاب المجد وغيرهما. (¬3) يمنعه من فعلها، كموت وقتل وحيض ونحوها، فيصليها أول الوقت، وكذا من أعير سترة أول الوقت فقط، ومتوضئ عدم الماء في السفر وطهارته لا تبقي إلى آخر الوقت، ولا يرجو وجود الماء في الوقت، ومستحاضة لها عادة بانقطاع دمها في وقت يتسع لفعلها، فيتعين فعلها ذلك الوقت، وقال عثمان: يؤخذ منه أنه إذا نام بعد دخول الوقت وظن أنه لا يستيقظ إلا بعد خروج الوقت فإنه يحرم عليه، وإن كان يمكنه القضاء كمن ظنت حيضا أو نفاسا. (¬4) أي ومن له التأخير ممن تقدم تسقط بموته وفاقا، لأنها لا تدخلها النيابة، فلا فائدة لبقائها في الذمة، قال الوزير وغيره: أجمعوا على أنها لا تصح فيها النيابة بنفس ولا مال. (¬5) وفاقا: لأنه لم يقصر، وقال بعض الحنفية، لا يكون عاصيا بالإجماع، قال الشيخ: ونظيره قضاء رمضان، فإنه وقت موسع.

من جحد وجوب صلاة من الخمس كفر، ويجب قتله ردة

(ومن جحد وجوبها كفر) إذا كان ممن لا يجهله، وإن فعلها (¬1) لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع الأمة (¬2) وإن ادعى الجهل كحديث عهد بالإسلام (¬3) عرف وجوبها ولم يحكم بكفره لأنه معذور (¬4) . ¬

_ (¬1) أي ومن جحد وجوب صلاة من الخمس، صار كافرا مرتدا بإجماع المسلمين حكاه الموفق وغيره، ويجب قتله ردة، إذا كان ممن لا يجهله، كمن نشأ بين المسلمين في الأمصار، لظهور وجوب الصلاة، وإن فعلها لم ينفعه مع جحود الوجوب، وقال شيخ الإسلام، فرض متأخروا الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها، وهو أن المقر بوجوب الصلاة ودعي إليها ثلاثا فامتنع مع تهديده بالقتل فقتل هل يموت كافرا أو فاسقا؟ على قولين؟ وهذا الفرض باطل ممتنع، ولا يقوله أحد قط، وقال في الإنصاف، العقل يشهد بما قاله ويقطع به، وهو عين الصواب الذي لا شك فيه، وأنه لا يقتل إلا كافرا اهـ والجحد الإنكار ضد الإقرار، ولا يكون الجحود إلا مع علم، والفرق بين الجحد والإنكار أن الجحد أخص، لأنه إنكار الشيء الظاهر، والإنكار لشيء خفي، ويجوز أن يقال: الجحد إنكار الشيء مع العلم به. (¬2) قال في المبدع وغيره: ويكون مرتدا بغير خلاف نعلمه. (¬3) أي قريب علمه وحاله به، أو من نشأ ببادية بعيدة عن المسلمين، بحيث أنه يمكن أن يخفى عليه وجوبها والجهل خلاف العلم، والجهل جهلان جهل بسيط وجهل مركب، فالبسيط هو عدم العلم عما من شأنه العلم، والمركب هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه. (¬4) فإن قال: أنسيتها قيل له: صل الآن، وإن قال: أعجز لعذر كمرض أو عجز عن أركانها، أعلم أنه لايسقطها، ويصلي على حسب حاله.

تركها تهاونا أو كسلا كفر مستقل

فإن أصر كفر (¬1) (وكذا تاركها تهاونا) أو كسلا (¬2) لا جحودا (¬3) (ودعاه إمام أو نائبه) لفعلها (فأصر (¬4) وضاق وقت الثانية عنها) أي عن الثانية (¬5) لحديث «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة» (¬6) . ¬

_ (¬1) بإجماع المسلمين كأن يقول: تعمدت تركها ولا أريد فعلها. (¬2) أي تثاقلا من غير استحقار، فإن كان فهو التهاون ويكفر فإن ترك الصلاة كسلا من غير جحود لها كفر مستقل، وهو الصواب الذي تدل عليه السنة، وهو قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين، وقال أيوب السختياني، ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه، وحكى إسحاق إجماع أهل العلم عليه. (¬3) فإن من جحد فرضا مجمعا عليه كفر ولو فعله وتقدم. (¬4) يعني على الترك كفر، وأصر على الشيء أقام عليه وداوم. (¬5) بأن يدعى إلى الظهر مثلا فيأبى حتى يتضايق وقت العصر عنها فيقتل كفرا، وفاقا لمالك والشافعي. (¬6) رواه الطبراني عن شداد بن أوس، ولحديث جابر «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة» ، رواه مسلم وحديث بريدة «من تركها فقد كفر» ، صححه الترمذي، وقال عبد الله بن شقيق، لم يكونوا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة وقال إسحاق صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وقال ابن القيم: تارك الصلاة قد شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة اهـ وعن أحمد: إذا أبى حتى تضايق وقت الأولى، اختاره صاحب المحرر وغيره، واستظهره في الفروع، وهو مذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء، وظاهر إطلاق النصوص، بل الأدلة طافحة بذلك، والتقييد بالزيادة لا دليل عليه.

قال أحمد: كل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء (¬1) فإن لم يدع لفعلها لم يحكم بكفره (¬2) لاحتمال أنه تركها لعذر يعتقد سقوطها لمثله (¬3) . (ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثا (¬4) فيهما) أي فيما إذا جحد وجوبها، وفيما إذا تركها تهاونا (¬5) . ¬

_ (¬1) وقال: كل شيء ذهب آخره فقد ذهب جميعه، فتمسكوا رحمكم الله بآخر دينكم، فإذا ذهبت صلاة المرء ذهب دينه، وليعلم المتهاون في صلاته أنه أذهب دينه فعظموا الصلاة وتمسكوا بها، واتقوا الله فيها خاصة، وفي أعمالكم عامة. (¬2) وقضاها فيما بعد، أو كان في نفسه قضاها، قال الزركشي: لا نزاع في عدم تكفيره وقتله. (¬3) أي العذر كمرض ونحوه، واللام بمعنى عن، ويهدد فيقال له: إن صليت وإلا قتلناك فإن أبى حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله، لقوله تعالى: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} إلى قوله: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} وقوله صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس حتى» إلى قوله: «ويقيموا الصلاة» متفق عليه، قال الشيخ: وإذا تركها عمدا لا يشرع له قضاؤها، ولا تصح منه، بل يكثر من التطوع، وليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه. (¬4) أي حتى تطلب منه التوبة ثلاثة أيام بلياليها، كمرتد نصا، ويضيق عليه، ويدعى كل وقت إليها، وتوبته أن يصلي، بخلاف جاحدها فتوبته بإقراره بما جحده. (¬5) لكن التارك جحودا لا بد فيه من الإقرار بالوجوب، فإن أجاب إلى فعل الصلاة ترك وأمر بها فإن قال: أصلي في منزلي وصدق وكل إلى أمانته، ولم يجبر على فعلها بمشهد من الناس صرح به في الأحكام السلطانية وقال ابن رجب ظاهر كلام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة أن من تركها كفر بخروج الوقت عليه، ولم يعتبروا أن يستتاب، ولا أن يدعى إليها، وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا، لقوله: بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة وقوله: «فمن تركها فقد كفر» .

فإن تابا وإلا ضربت عنقهما (¬1) والجمعة كغيرها (¬2) وكذا ترك ركن أو شرط (¬3) وينبغي الإشاعة عن تاركها بتركها حتى يصلي (¬4) . ¬

_ (¬1) أي فإن تابا بفعلها زمن الاستتابة خلي سبيلهما وإن لم يتوبا ضربت أعناقهما بالسيف، لكفرهما وكونه بالسيف لقوله: «وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة» ، رواه مسلم، ومتى رجع إلى الإسلام قضي ما تركه مدة الاستتابة ولعله مرادهم. (¬2) بل آكد، للأخبار الواردة فيها. (¬3) أي وكترك الصلاة ترك ركن أو شرط مجمع عليه، لا مختلف فيه يعتقد وجوبه وهو ظاهر كلامهم، واختاره الشيخ: ولا يقتل بترك فائتة، ولا كفارة ونذر للاختلاف في وجوبها وقال الوزير في قول حذيفة وقد رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم فيه أن إنكار المنكر في مثل هذا يغلظ له لفظ الإنكار، وفيه إشارة إلى تكفير تارك الصلاة، وإلى تغليظ الأمر في الصلاة، حتى أن من أساء في صلاته ولا يتم ركوعها ولا سجودها، فإن حكمه حكم تاركها اهـ، وحيث كفر فإنه يقتل ولا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرق، ولا يسبى له أهل ولا مال ولا ولد. (¬4) أي ينبغي الإذاعة والإشهار والإظهار بذلك عنه زجرا له ولغيره.

ولا ينبغي السلام عليه، ولا إجابة دعوته، قال الشيخ تقي الدين (¬1) ويصير مسلما بالصلاة (¬2) ولا يكفر بترك غيرها من زكاة وصوم وحج تهاونا وبخلا (¬3) . ¬

_ (¬1) رحمه الله تعالى في مواضع وذلك فيما إذا كان هجره أنفع له، كما هو معلوم من قواعده، وقال: يعفى عن النائم والناسي إن كان محافظا على الصلاة حال اليقظة والذكر وأما من لم يكن محافظا عوقب على الترك مطلقا. (¬2) قال الشيخ الأصوب أنه يصير مسلما بالصلاة من غير إعادة الشهادتين وعن أحمد: توبته أن يصلي، وصوبه الشيخ، لأن كفره بالامتناع كإبليس، والمحافظة عليها أقرب إلى الرحمة ممن لا يصليها ولو فعل ما فعل. (¬3) وفاقا، وتقدم قول عبد الله بن شقيق، لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.

باب الأذان

باب الأذان (¬1) هو في اللغة الإعلام (¬2) قال تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} أي إعلام (¬3) وفي الشرع إعلام بدخول وقت الصلاة، أو قربه لفجر (¬4) . ¬

_ (¬1) والإقامة وما يتعلق بهما من الأحكام، لما ذكر الصلاة ذكر الأذان بعده مقدما له على الوقت، لأنه إعلام بوقتها. (¬2) مطلقا بأي شيء. (¬3) وقال: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} أي أعلمهم به، يقال: أذن بالشيء يؤذن أذانا وتأذينا إذا علم به، فهو اسم مصدر، وأصله من الأذن بفتحتين وهو الاستمتاع لأنه يلقي في آذان الناس بصوته ما إذا سمعوه علموا أنهم نودوا إلى الصلاة، وقال ابن قتيبة من الأذن بالضم، كأنه أودع ما علمه أذن صاحبه، ثم اشتهر في عرف الشرع بالإعلام بأوقات الصلاة، فاختص ببعض ذلك، وفي العرف: من التأذين كالسلام من التسليم، شرع في السنة الأولى عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين المدينة وسبب مشروعيته لما عسر معرفة الأوقات عليهم تشاوروا في نصب علامة لها، فأريه عبد الله بن زيد في المنام، وأقره الوحي، ومؤذنوه صلى الله عليه وسلم خمسة: بلال، وابن أم مكتوم، وأبو محذورة، وسعد القرظ، وأخو صداء، وجزم النووي أنه صلى الله عليه وسلم أذن مرة. (¬4) أي إعلام بدخوله في الغالب أو إعلام بقربه لصلاة الفجر ولو قال: إعلام مخصوص، يعني بالصلاة، ولم يقل: بدخول وقت الصلاة، لعم الفائتة وبين يدي الخطيب، قال الشيخ: والأذان إعلام بوقت الصلاة، ولهذا قلنا: يؤذن للفائتة كما أذن بلال، لأنه وقتها والأذان للوقت الذي يفعل فيه لا الوقت الذي وجب فيه.

بذكر مخصوص (¬1) (والإقامة) في الأصل مصدر أقام (¬2) وفي الشرع: إعلام بالقيام إلى الصلاة (¬3) بذكر مخصوص (¬4) وفي الحديث «المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة» رواه مسلم (¬5) . ¬

_ (¬1) ويطلق أيضا على الألفاظ المخصوصة المعروفة، التي يحصل بها الإعلام على وجه مخصوص بألفاظ مخصوصة، من شخص مخصوص. (¬2) وهو متعدي قام وأقام للصلاة إقامة نادى لها. (¬3) وحقيقته إقامة القاعد والمضطجع فكأن المؤذن إذا أتى بألفاظ الإقامة أقام القاعدين وأزالهم عن قعودهم. (¬4) ويطلقان على لفظ الذكر المخصوص، وهما مشروعان بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة قال تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} وهما كلام جامع لعقيدة الإيمان، مشتمل على نوعه من السمعيات والعقليات، فأوله إثبات الذات، وما يستحقه سبحانه من الإجلال والتبجيل والتعظيم، ثم بإثبات الوحدانية لله، ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه سبحانه، ثم بإثبات الرسالة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثم دعاهم إلى الصلاة التي هي عمود الإسلام، والفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم، ثم ذكر ذلك بإقامة الصلاة، للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمن لتأكيد الإيمان، وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان، ليدخل المصلي فيها على بينة من أمره، وبصيرة من إيمانه، ويستشعر عظيم ما دخل فيه، وعظمة حق من يعبده، وجزيل ثوابه. (¬5) وأحمد وابن ماجه وغيرهم، عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث متواتر، والأحاديث في فضله شهيرة وأعناق بفتح الهمزة جمع عنق، قيل: أطول رقابا متطلعون في البرزخ ليؤذن لهم في دخول الجنة، وقيل رؤساء سادة، ولابن حبان، يعرفون بطول أعناقهم يوم القيامة وعلى رواية كسر الهمزة فالمراد سرعة السير يوم القيامة، وقيل: أكثر أعمالا، وفيه أنه يستحب رفع الصوت بالأذان فهو أبلغ في الإعلام وأعظم للأجر، والأذان أفضل من الإقامة اتفاقا، وهو الإمامة أفضل منهما أو عكسه؟ صحح في الفروع الأول، وقال الشيخ: هذا أصح الروايتين واختيار أكثر الأصحاب.

هما فرض كفاية على الرجال المقيمين

(هما فرض كفاية) (¬1) لحديث «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم» متفق عليه (¬2) . ¬

_ (¬1) أي الأذان والإقامة، قال الشيخ: هما فرض كفاية، فليس لأهل مدينة ولا قرية أن يدعوهما، وقد أطلق طائفة من العلماء أن الأذان سنة، وكثير منهم يطلقون القول بالسنية على ما يثاب فاعله شرعا، ويعاقب تاركه شرعا، فالنزاع لفظي اهـ وفرض الكفاية ما يلزم جميع المسلمين إقامته، وإذا قام به البعض سقط عن الباقين، وفرض العين ما يلزم كل واحد إقامته بعينه، ولا يسقط عن البعض، وفرض الكفاية أفضل من فرض العين، ومن حيث أن فاعله يسد مسد الأمة، ويسقط الحرج عن الأمة، وفرض العين قاصر عليه، ولم يقل: فرضا بالتثنية للتطابق، لأنه مصدر، أو لأنهما كالشيء الواحد، أو على تقدير مضاف مثني مضاف إلى متضمنه يختار فيه لفظ الجمع على لفظ الإفراد. (¬2) من حديث مالك بن الحويرث والأمر يقتضي الوجوب، وعن أبي الدرداء مرفوعا، «ما من ثلاثة لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإن الذئب يأكل الشاة القاصية» رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم، ولحديث عبد الله بن زيد وغيره، وقال ابن رشد: والأمر بالأذان منقول بالتواتر، والعلم به حاصل ضرورة، ولا يرده إلا كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ولأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، فكانا فرضا كالجهاد.

(على الرجال) الأحرار (¬1) (المقيمين) في القرى والأمصار (¬2) لا على الرجل الواحد (¬3) ولا على النساء (¬4) ولا على العبيد ولا على المسافرين (¬5) . ¬

_ (¬1) إذ فرض الكفاية لا يلزم رقيقا في الجملة. (¬2) القرية الضيعة والمحلة والدار والمصر الجامع، أو كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارا وجمع الناس، وتقع على المدن وغيرها، والأمصار أكبر، وربما توسع فيها فأطلقت على المدينة وما يليها من البلاد. (¬3) أي ليس الأذان والإقامة فرض كفاية على الرجل، بل على اثنين فأكثر، والجمع في قول الماتن غير مقصود حقيقة، وهو كذلك جريا على أن أقل الجمع اثنان قال في الفروع: وهما أفضل لكل مصل، إلا لكل واحد ممن بالمسجد، فلا يشرع، بل حصل له الفضيلة كقراءة الإمام للمأموم. (¬4) أي وليس الأذان والإقامة فرض كفاية على النساء، وكذا الخناثي لما روى البخاري عن أسماء بنت يزيد مرفوعا ليس على النساء أذان ولا إقامة وروي عن عمر وغيره، قال الشارح وغيره: لا نعلم عن غيرهم خلافهم، لأن الأذان شرع له رفع الصوت، ولا يشرع لهما، ولا يصحان منهن، وقال الوزير: اتفقوا على أنهما لا يشرعان لهن، ولا يسنان، إلا الشافعي في الإقامة فقال: تسن، لقصة عائشة، وعنه: يستحبان لهن، وعن الإقامة. (¬5) أي وليس الأذان والإقامة فرضا على العبيد، يعني المماليك ولا على المسافرين وعنه فرض كفاية مطلقا كالجهاد لحديث مالك وغيره، واستظهره في المبدع وغيره ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يدعهما حضرا ولا سفرا ولأنهما من أعلام الدين الظاهرة، وهو ظاهر إطلاق طائفة من الأصحاب، وقال ابن المنذر: واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر، لأمره عليه الصلاة والسلام مالكا ومداومته صلى الله عليه وسلم هو أصحابه وقال السامري: لا فرق بين المصر والقرى، والحاضرين والمسافرين والواحد والجماعة.

(للصلوات) الخمس (المكتوبة) دون المنذورة، المؤداة دون المقضيات (¬1) والجمعة من الخمس (¬2) ويسنان لمنفرد (¬3) وسفرا (¬4) . ¬

_ (¬1) فلا يشرع الأذان ولا الإقامة لمنذورة ولا مقضية، ولا نافلة ولا جنازة ولا عيد، لأن المقصود منهما الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة، على الأعيان، والقيام إليها، وقال النووي: لا يشرعان لغير المكتوبات الخمس، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف، قال: ونقل عن معاوية وعمر بن عبد العزيز أنهما قالاهما سنة في صلاة العيدين، وهذا إن صح محمول على أنه لم يبلغهما فيه السنة، وكيفما كان هو مذهب مردود، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى العيدين غير مرة ولا مرتين، بلا أذان ولا إقامة، من حديث جابر وغيره، قال الشيخ وغيره، لا ينادي للعيد والاستسقاء، وقاله طائفة من أصحابنا. (¬2) إشارة إلى أنه لا اعتراض عليه في تقييده للصلوات الخمس، إذ هي خمس يومها وليس شرطا للصلاة فتصح بدونهما، قال علقمة، صلى بنا عبد الله بلا أذان ولا إقامة، قال الشارح: لا أعلم أحدا خالف إلا عطاء والأوزاعي، وعنه: واجبان للجمعة لاشتراط الجماعة لها. (¬3) لخبر عقبة عجب ربك من راعي غنم يؤذن للصلاة ويصلي، الحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وفي الموطأ عن ابن المسيب من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك، وعن شماله ملك، فإذا أذن وأقام الصلاة صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال. (¬4) بالنصب أي ويسنان سفرا، واستظهر غير واحد الفرضية لحديث مالك ابن الحويرث «إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما» متفق عليه.

ولمقضية (¬1) (يقاتل أهل بلد تركوهما) أي الأذان والإقامة (¬2) فيقاتلهم الإمام أو نائبه، لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة (¬3) . ¬

_ (¬1) لحديث عمرو بن أمية الضميري قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فنام عن الصبح، ثم أمر بلالا فأذن ثم أقام الصلاة، رواه أبو داود وغيره، ولمسلم وغيره نحوه، إلا أنه لا يرفع صوته في القضاء إن خاف تلبيسا وكذا في غير وقت الأذان المعهود له عادة، وكذا في بيته البعيد عن المسجد، بل يكره لئلا يضيع من يقصد المسجد ويسنان لجماعة ثانية في غير الجوامع الكبار، وإن كان في بادية رفع صوته بالأذان لأمن من اللبس، ولما رواه البخاري وغيره إذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوتك جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد لك يوم القيامة. (¬2) إجماعا وإن قلنا إنهما سنة، واختاره الشيخ، وقال: النزاع لفظي، فإن كثيرا يطلق السنة على ما يعاقب تاركه، وأما من زعم أنهما سنة بمعنى أنه لا إثم على تاركهما ولا عقوبة فهذا خطأ فإن الأذان شعار دار الإسلام الذي استحل أهل الدار بتركه اهـ وظاهره أنهم لو تركوا أحدهما لا يقاتلون. (¬3) فلا يجوز تعطيلهما فيقاتلون على تركهما حتى يفعلوهما، لما يلزم من الاجتماع على تركه من استخفافهم بالدين، يخفض أعلامه الظاهرة، وهكذا حكم شعائر الإسلام الظاهرة، وإن كانوا مستقيمين على دين الإسلام، فإن موجب القتال أعم من أن يكون لأجل الردة، قال الحجاوي: هو أولى من قول بعضهم، إن اتفق أهل بلد، لأن الحكم منوط بالترك لا بالاتفاق، وقال عثمان: إن كان مراده أنهم لا يقاتلون باتفاق لا ترك معه، كما لو اتفقوا قبل الزوال، فظاهره أنهم لا يقاتلون قبل الترك، لكن الظاهر أنه لا بد من ترك متفق عليه، فلا يكفي أحدهما في جواز المقاتلة لما ثبت في الصحيح وغيره أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلق استحلال الدار بتركه، فإنه إذا لم يسمع أذانا أغار عليهم والشعائر جمع شعار أو شعارة بفتح أوله أو كسره، أي علامات، الواحد شعيرة، والمراد هنا أنهما من أجل علامات الإسلام، وهو الصلاة بظهور أجل صفاتها الظاهرة وهو الاجتماع لها.

وإذا قام بهما من يحصل به الإعلام غالبا أجزأ عن الكل (¬1) وإن كان واحدا وإلا زيد بقدر الحاجة كل واحد في جانب، أو دفعة واحدة بمكان واحد (¬2) ويقيم أحدهم (¬3) وإن تشاحوا أقرع (¬4) وتصح الصلاة بدونهما، لكن يكره (¬5) . ¬

_ (¬1) كسائر فروض الكفاية، ولا عبرة بما قل، لأنه قد يعرض ما لا يحصل معه ذلك كالريح. (¬2) أي وإن كان من يحصل به الإعلام واحدا، وإلا يحصل الإعلام بواحد زيد بقدر الحاجة، ويكون كل واحد في جانب من البلد، أو دفعة من جماعة بقدر الحاجة في مكان واحد، لأن المقصود بالأذان الإعلام، قال الشيخ: وأما المؤذنون الذين يؤذنون مع المؤذن الراتب يوم الجمعة في مثل صحن المسجد فليس أذانهم مشروعا باتفاق الأئمة، بل ذلك بدعة منكرة اهـ ودفعة بالضم جمعها دفع، اسم لما يدفع بمرة. (¬3) إن حصلت به الكفاية، وإلا أقام من يكفي ويقدم من أذن أولا إن كان. (¬4) أي ضربت القرعة بينهما، والقرعة حيلة شرعية، يتعين بها سهم الإنسان ونصيبه والشح البخل مع حرص، و (تشاح الرجلان في الأمر) لئلا يفوتهما، و (عليه) أراد كل منهما أن يستأثر به. (¬5) ظاهر الكراهة بتركهما معا، فلو ترك أحدهما انتفت والمنقول عنه صلى الله عليه وسلم الجمع بينهما، أو الاقتصار على الإقامة، ونص أحمد: أو اقتصر مسافر أو منفرد على الإقامة، قال المجد: وإن اقتصر المسافر أو المنفرد على الإقامة جاز من غير كراهة نص عليه، وجمعها أفضل اهـ أما الاقتصار على الأذان فلم ينقل عن أحد، وقيل: ينبغي التحريم كترك من وجب عليه الواجب، إذ لا فرق بين فرض الكفاية والعين قبل الفعل.

تحرم أجرتهما لا رزق من بيت المال

(وتحرم أجرتهما) أي يحرم أخذ الأجرة على الأذان والإقامة، لأنهما قربة لفاعلهما (¬1) (لا) أخذ (رزق من بيت المال) من مال الفيء (لعدم متطوع) بالأذان والإقامة (¬2) . ¬

_ (¬1) وكذا يحرم دفعها، وفاقا لأبي حنيفة لقوله عليه الصلاة والسلام لعثمان ابن أبي العاص واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا، رواه أحمد والترمذي وحسنه وقال: العمل عليه عند أهل العلم اهـ فإن فعل فسق ولم يصح وقال مالك: يؤجر نفسه في سوق الإبل أحب إلي من أن يعمل لله بإجارة، وقال بعضهم: لأن أطلب الدنيا بالدف والمزمار أحب إلي من أن أطلبها بالدين وقيل: يجوز مع الفقر لا مع الغنى، واختاره الشيخ: وقال: وكذا كل قربة، والأجر العوض المسمى في مقدار الإجارة. (¬2) الرزق بفتح الراء وسكون الزاي العطاء، والجمع الأرزاق، وهو ما ينتفع به، ولو محرما، والأرزاق نوعان: ظاهرة للأبدان كالأقوات، وباطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم، أي لا أخذ رزق من بيت المال، لأنه المعد للمصالح، فلا يحرم الأخذ منه لمؤذن ومقيم، وكذا إمام ونحوه، لعدم متطوع أي متبرع بالأذان والإقامة ونحوهما، من (تطوع بالشيء) تبرع به وتنفل، قال في المغنى والشرح: لا نعلم خلافا في جواز أخذ الرزق عليه اهـ لأن بالمسلمين حاجة إليه، وقد أجرى السلف أرزاقهم من بيت المال من المؤذنين والأئمة والقضاة والعمال وغيرهم، ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، وكان عمر وغيره يعطونهم منه، وجرت العادة أيضا بين المسلمين بجواز أخذ من يؤم ويؤذن وغيرهم من الأحباس الموقوفة على ذلك من غير اختلاف منهم.

فلا يحرم كأرزاق القضاة والغزاة (¬1) . (و) سن أن (يكون المؤذن صيتا) أي رفيع الصوت (¬2) لأنه أبلغ في الإعلام (¬3) زاد في المغنى وغيره: وأن يكون حسن الصوت، لأنه أرق لسامعه (¬4) (أمينا) أي عدلا (¬5) لأنه مؤتمن يرجع إليه في الصلاة وغيرها (¬6) . ¬

_ (¬1) أي فلايحرم أخذ الرزق عليهما، كما لا تحرم أرزاق القضاة، وأرزاق الغزاة، بضم الغين جمع غاز، ولا يجوز بذل الرزق مع وجود المتطوع ويجوز أخذ الجعالة. (¬2) والصوت مصدر من صات يصوت، وهو في العرف جرس الكلام، وجمعه أصوات، ويقال لقوي الصوت: صيت، بتشديد الياء وكسرها. (¬3) المقصود بالأذان، ولقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن زيد ألقه على بلال فإنه أندى صوتا منك، ولكونه أعظم للأجر، ففي الصحيح إذا كنت في غنمك أو باديتك فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا يشهد له يوم القيامة وللخمسة إلا الترمذي المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس، وغير ذلك. (¬4) لما روى ابن خزيمة وصححه عن أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعجبه صوته فعلمه الأذان. (¬5) ظاهرا وباطنا، ولو عبدا، ويستأذن سيده، وأما مجرد العدالة الظاهرة فشرط وقال الوزير: تستحب حريته اتفاقا. (¬6) كصيام وفطر، لما روى البيهقي من حديث أبي محذورة، أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم المؤذنون قال الشيخ: ويعمل بقول المؤذن في دخول الوقت مع إمكان العلم بالوقت، وهو مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبرين، وكما شهدت به النصوص، وقال ابن القيم: أجمع المسلمون على قبول أذان المؤذن الواحد، وهو شهادة منه بدخول الوقت، وقال النووي: يجوز للأعمى والبصير في الصحو والغيم اعتماده، قال: وقال البندنيجي: ولعله إجماع المسلمين، ومؤتمن لأنه يؤذن على موضع عال، فلا يؤمن منه النظر إلى العورات.

(عالما بالوقت) ليتحراه فيؤذن في أوله (¬1) (فإن تشاح فيه اثنان) فأكثر (¬2) (قدم أفضلهما فيه) أي فيما ذكر من الخصال (¬3) (ثم) إن استووا فيها (¬4) (قدم أفضلهما في دينه وعقله) لحديث ليؤذن لكم خياركم رواه أبو داود وغيره (¬5) (ثم) إن استووا قدم (من يختاره) أكثر (الجيران) (¬6) . ¬

_ (¬1) لأنه إذا لم يكن عارفا به لا يؤمن من الخطأ، وإن كان أعمى وله من يعلمه بالوقت لم يكره نص عليه، لفعل ابن أم مكتوم، وحديث مالك بن الحويرث يدل على أنه لا يشترط في المؤذن غير الإسلام لقوله: أحدكم. (¬2) أي من اثنين في الأذان من الشح وهو البخل مع الحرص، كل واحد منهما يريد أن لا يفوته أو يريد أن يستأثر به. (¬3) لأنه عليه الصلاة والسلام قدم بلالا على عبد الله، لكونه أندى صوتا منه، وقيس بقية الخصال عليه. (¬4) أي في الخصال المذكورة ونحوها. (¬5) فرواه ابن ماجه وغيره عن ابن عباس، وقوله: خياركم أي من هو أكثر صلاحا ليحفظ نظره عن العورات، ويبالغ في المحافظة على الأوقات. (¬6) أن المصلون أو أكثرهم، الملاصقون وغيرهم ممن يسكن محلتهم، ويجمعهم مسجد المحلة، والجار عند الإطلاق إنما يتناول الملاصق.

لأن الأذان لإعلامهم (¬1) (ثم) إن تساووا في الكل (¬2) فـ (قرعة) فأيهم خرجت له القرعة قدم (¬3) (وهو) أي الأذان المختار (خمس عشرة جملة) (¬4) لأنه أذان بلال رضي الله عنه (¬5) . ¬

_ (¬1) فكان لرضاهم أثر في التقديم، ولأنهم أعلم بمن يبلغهم صوته، ومن هو أعف عن النظر، وحكم الأكثر كالكل. (¬2) أي في الصوت والأمانة والعلم بالوقت، والدين والعقل واختيار الجيران. (¬3) لقوله عليه الصلاة والسلام لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لا يجدون إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه متفق عليه، وتشاح الناس في الأذان يوم القادسية فأقرع بينهم سعد، ولأنها تزيل الإبهام، وتجعل من خرجت له كالمستحق المتعين، والقرعة السهمة، نصبها الشارع معينة للمستحق، قاطعة للنزاع، كأن المقرع يقول: اللهم قد ضاق الحق عن الجميع، وهم عبيدك، فخص بها من تشاء منهم به، ثم تلقى فيسعد الله بها من يشاء، ويحكم بها على من يشاء، وهذا سرها في الشرع، وإن قدم أحدهم بعد الاستواء لكونه أعمر للمسجد، وأتم مراعاة له، أو لكونه أقدم تأذينا، أو أبوه فلا بأس، واتفقوا على أن البصير والحر والبالغ أولى من ضدهم. (¬4) أي المختار عند أحمد، وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم خمس عشرة جملة أي كلمة، والجملة بالضم جماعة الشيء، وإنما اختيارهم له لأجل أنه الذي كان يفعل بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم دائما. (¬5) ابن رباح الحبشي المؤذن المشهور، وهو بلال بن حمامة، وهي أمه، اشتراه أبو بكر من المشركين لما كانوا يعذبونه فأعتقه، فلزم النبي صلى الله عليه وسلم وأذن له، وشهد المشاهد كلها، مات بالشام سنة عشرين، وله ثلاث وستون أو سبعون.

من غير ترجيع الشهادتين (¬1) فإن رجعهما فلا بأس (¬2) (يرتلها) أي يستحب أن يتمهل في ألفاظ الأذان (¬3) . ¬

_ (¬1) أي تكرير: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، بأن يخفض بهما صوته، ثم يعيدهما رافعا بهما صوته، سمي ترجيعا لرجوعه من السر إلى الجهر، والمراد بالخفض أن يسمع من بقربه، والأذان بغير الترجيع هو المشهور من حديث عبد الله بن زيد، قال: طاف بي وأنا نائم رجل، فقال: تقول الله أكبر، فذكر الأذان إلى آخره بتربيع التكبير بغير ترجيع، قال: وكان بلال يؤذن كذلك إلى أن مات، وعليه عمل أهل المدينة، وقال أحمد: هو آخر الأمرين. (¬2) لأنه فعل أبي محذورة، وعليه عمل أهل مكة، وقال الشيخ: كل منهما أذان صحيح عند جميع سلف الأمة وعامة خلفها، وكل واحد منهما سنة، سواء رجع أو لم يرجع، ومن قال: إن الترجيع واجب لا بد منه، أو إنه مكروه منهي عنه، فكلاهما مخطئ، واختيار أحدهما من مسائل الاجتهاد، والصواب تسويغ كل ما ثبت في ذلك، ومن تمام السنة في مثل هذا أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، لأن هجر ما وردت به السنة وملازمة غيره، قد يفضي إلى أن يجعل السنة بدعة، فيجب مراعاة القواعد الكلية التي فيها الاعتصام بالكتاب والسنة والجماعة، وأصح الناس في ذلك طريقة هم علماء الحديث الذين عرفوا السنة واتبعوها، والإمام أحمد رحمه الله له أصل مستمر في جميع صفات العبادات، أقوالها وأفعالها، ييستحب كل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير كراهة لشيء منه، مع علمه بذلك واختياره للبعض، أو تسويته بين الجميع. (¬3) بلا نزاع لحديث إذا أذنت فترسل، والمترسل الذي يتمهل في تأذينه ويبينه بيانا يفهمه من سمعه، من غير تمطيط ولا مد مفرط، وهو من قولهم: جاء فلان على رسله، أي على هيئته غير عجل ولا متعب لنفسه، ضد المسرع، ولأن الأذان إعلام للغائبين، فالتثبت فيه أبلغ في الإعلام.

ويقف على كل جملة (¬1) وأن يكون قائما (¬2) (على علو) كالمنارة (¬3) لأنه أبلغ في الإعلام (¬4) . ¬

_ (¬1) فيكون التكبير في أوله أربع جمل، والتكبير في آخره جملتين، فيقف على كل تكبيرة، لأن التكبيرة الثانية إنشاء ثان، لا توكيد فيقول: الله أكبر، ويقف وكذلك التكبيرات الباقية، قال النخعي: شيئان مجزومان لا يعربان الأذان والإقامة، وقال الشيخ: ومن الناس من يجعل التكبيرات الأربع جملتين، يعرب التكبيرة الأولى في الموضعين، وهو صحيح عند جميع سلف الأمة وعامة خلفها، سواء ربع في أوله أو ثناه، وقال: المراد الجملة النحوية المركبة من مبتدأ وخبر، فيكون التكبير في الأذان في أوله وآخره ست. (¬2) أي يسن أن يؤذن قائما، وحكى ابن المنذر وغيره إجماع من يحفظ عنه أنه من السنة، ويكره من قاعد وماش لغير عذر، وميل الشيخ إلى عدم إجزاء أذان القاعد، والعلماء كافة على أنه لا يجوز قاعدا، ذكره القاضي عياض وغيره، وكرهه أهل العلم لمخالفة ما عليه السلف، ولا يكرهان لمسافر راكبا وماشيا، لأنه عليه الصلاة والسلام أذن في السفر على راحلته، صححه الترمذي، ولا يشرع بغير العربية، لعدم وروده، قال في الإنصاف، مطلقا على الصحيح من المذهب. (¬3) لما روى أبو داود أن بلالا يؤذن الفجر على بيت امرأة من بني النجار من أطول بيت حول المسجد، والعلو المرضع العالي، وعلو الشيء أرفعه والمنارة مفعلة بفتح الميم، والجمع المناور بالواو، ومن قال: مناير فقد شبه الأصلي بالزائد وهو شاذ، ويقال لها أيضا المئذنة وجوز إبدال الهمزة ياء، ولم تكن المنارة في زمنه صلى الله عليه وسلم وقالت أم زيد بنت ثاتب: كان بيت أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن فوقه، من أول ما أذن إلى أن بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده، فكان يؤذن بعد على ظهر المسجد، وقد رفع له شيء فوق ظهره، وبنا سلمة المنابر للأذان بأمر معاوية ولم تكن قبل ذلك. (¬4) ومن أذن لنفسه أو جماعة حاضرين لا يسن له المكان العالي لعدم الحاجة إليه.

وأن يكون (متطهرا) من الحدث الأصغر والأكبر (¬1) ويكره أذان جنب (¬2) وإقامة محدث (¬3) وفي الرعاية: يسن أن يؤذنه متطهرا من نجاسة بدن وثوبه (¬4) (مستقبل القبلة) (¬5) لأنها أشرف الجهات (¬6) (جاعلا إصبعيه) السبابتين (في أذنيه) (¬7) . ¬

_ (¬1) أي يستحب كونه في الأذان والإقامة متطهرا من الحدثين إجماعا، لحديث أبي هريرة لا يؤذن إلا متوضئ رواه الترمذي وغيره، إلا أن الصحيح وقفه قال في الإنصاف وغيره: ولا تجب الطهارة الصغرى له بلا نزاع. (¬2) قال الشيخ: للخلاف في صحته، ولو بمسجد لحصول المقصود، والتحريم بمعنى آخر، ولا يكره نص عليه، وفي الفروع، ويصح وفاقا على الأصح، ووجه أن الجنابة أحد الحدثين فلم تمنع صحته كالآخر. (¬3) بلانزاع للفصل بين الإقامة والصلاة بالوضوء. (¬4) قياسا على الطهارة من الحدثين. (¬5) لأن مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة قال ابن المنذر، أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يستقبل القبلة بالأذان، فإن أخل كره وصح، ويستثنى المسافر الراكب أو الماشي فإلى جهة سيره. (¬6) ولأن استقبالها هو المنقول سلفا وخلفا، ومستحب في كل طاعة إلا بدليل كالخطبة. (¬7) وفاقا لحديث أبي جحيفة: أن بلالا وضع إصبعيه في أذنيه، رواه أحمد والترمذي وصححه، وقال: العمل عليه عند أهل العلم يستحبون أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان، وسميا سبابتين لتحريكهما وقت السب، وقيل: لا يتعينان وهما أولى.

لأنه أرفع للصوت (¬1) (غير مستدير) (¬2) فلا يزيل قدميه في منارة ولا غيرها (¬3) (ملتفتا في الحيعلة يمينا وشمالا) (¬4) أي يسن أن يلتفت يمينا حي على الصلاة، وشمالا حي على الفلاح (¬5) . ¬

_ (¬1) فروى ابن ماجه أنه عليه الصلاة والسلام أمر بلالا بذلك، وقال: إنه أرفع لصوتك. (¬2) أي غير مول ظهره القبلة، سواء كان على ظهر الأرض، أو في منارة، من دار الشيء يدور دورا، تحرك وعاد على ما كان عليه. (¬3) وعنه يزيل قدميه في منارة ونحوها مع كبر البلد للحاجة وفاقا، واختاره المجد وجمع، وصوبه في الإنصاف، وهو المعمول به في الأمصار، لأنه أبلغ في الأعلام. (¬4) عبر بالحيعلة تبعا للجوهري وغيره، أخذوا الحاء والياء من حي، والعين واللام من علي. (¬5) برأسه وعنقه وفاقا، وصدره حال ترسله، لحديث أبي جحيفة: وأذن بلال فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا، يقول يمينا وشمالا، حي على الصلاة، حي على الفلاح، متفق عليه ولأبي داود لوى عنقه يمينا وشمالا، حي على الصلاة، حي على الفلاح، لا يلتفت بصدره، وإنما اختصتا بذلك، لأن غيرهما ذكر وهما خطاب لآدمي كالسلام في الصلاة يلتفت فيه دون ما عداه، وقيل: وكذا الإقامة، وجزم الآجري وغيره بعدمه فيها، وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب، صححه ابن نصر الله، والمرداوي في تصحيح الفروع وغيرهما، وقال شيخ الإسلام: السنة في الإقامة أن يقولها وهو مستقبل القبلة، ولم يستثن العلماء إلا الحيعلة في الأذان وقوله حي أي هلم وأقبل إلى الصلاة، وإلى الفلاح وهو الفوز والبقاء والخلود في النعيم المقيم، ويقال للفائز مفلح، والمراد هلموا وعجلوا إلى طلب ذلك.

ويرفع وجهه إلى السماء فيه كله (¬1) لأنه حقيقة التوحيد (¬2) (قائلا بعدهما) أي يسن أن يقول بعد الحيعلتين (في أذان الصبح) ولو أذن قبل الفجر (الصلاة خير من النوم مرتين) (¬3) لحديث أبي محذورة رواه أحمد وغيره (¬4) . ¬

_ (¬1) أي في كل من الأذان والإقامة، قال في الإنصاف: يرفع وجهه إلى السماء في الأذان كله نص عليه، وجزم به في الفائق، واقتصر عليه الموفق والشارح، واختاره الشيخ. (¬2) أي لأن التهليل والتكبير حقيقة التوحيد، وإعلان بذكر الله عز وجل، لا يصلح إلا لله وحده، نفقد بدئ بالتكبير لله، فالله أكبر من كل شيء، وأكبر من أن ينسب إليه تعالى ما لا يليق بجلاله، وثني بتوحيده الذي خلق الخليقة لأجله، ثم ختم بلا إله إلا الله، ولم يزد على مرة إشارة إلى وحدانيته تعالى، فاستحب الإشارة له، كما تستحب بالإصبع في التشهد والدعاء، وهذا بخلاف الصلاة، إذ المستحب فيها خفض الصوت. (¬3) إجماعا مستقبلا القبلة كغيرها من كلمات الأذان، قال الشيخ: السنة أن يقولها مستقبل القبلة، وقوله: ولو أذن قبل الفجر، لقول بلال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أثوب بالفجر، رواه أحمد وغيره، وكان بلال يؤذن بليل. (¬4) فرواه أبو داود والنسائي وابن حبان وغيرهم، وصححه ابن خزيمة وغيره ولفظ أحمد فإذا كان أذان الفجر فقل: الصلاة خير من النوم، مرتين. وأخرج الترمذي حديث بلال لا تثويب في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر، وقال: وهو الذي اختاره أهل العلم، وصح عن أنس أنه قال: من السنة، واسم أبي محذورة أوس، وقيل سمرة بن معير بن سعد بن جمح، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة أمره به منصرفة من حنين وتوفي سنة تسع وخمسين.

الإقامة إحدى عشرة جملة يحدرها

ولأنه وقت ينام الناس فيه غالبا (¬1) ويكره في غير أذان الفجر (¬2) وبين الأذان والإقامة (¬3) (وهي) أي الإقامة (إحدى عشرة) جملة بلا تثنية (¬4) . ¬

_ (¬1) فسن تنبيههم بقول (الصلاة خير من النوم) . (¬2) لقول بلال: ونهاني أن أثوب في العشاء، رواه أحمد وغيره، وهو مذهب جمهور العلماء، وعمل المسلمين عليه، والعمدة ما في الصحيحين من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. (¬3) لقول عمر لأبي محذورة: ويحك أمجنون؟ أما كان في دعائك الذي دعوتنا وكذا بالنداء بالصلاة بعد الأذان في الأسواق وغيرها، ومثل أن يقول: الصلاة أو الإقامة، قال الشيخ: هذا إذا كانوا قد سمعوا النداء الأول، وإلا فلا ينبغي أن يكره، فإن تأخر الإمام أو أماثل الجيران فلا بأس أن يمضي إليه منبه يقول قد حضرت الصلاة ويكره قوله قبل الأذان (وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) الآية، وكذا إن وصله بعده بذكر، لأنه محدث وكذلك قوله قبل الإقامة: اللهم صل على محمد، ونحو ذلك، وما سوى التأذين قبل الفجر من التسبيح والنشيد والدعاء مما يفعله بعض المؤذنين، يرفعون أصواتهم به ليس مسنونا عند أحد من العلماء، بل من البدع المكروهة. (¬4) أي الإقامة المختارة لا تكرر ألفاظها مرتين مرتين، بخلاف الأذان لحديث عبد الله بن زيد وكان بلال يؤذن بذلك، ويقيم حضرا وسفرا، وعليه عمر أهل المدينة، وفي الصحيحين: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة، قال الترمذي: وهو قول بعض أهل العلم من الصحابة والتابعين، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال البغوي: هو قول أكثر العلماء، وعن ابن عمر: كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، رواه أحمد وأبو داود، وصححه ابن خزيمة وغيره، وشفع الأذان وإيتار الإقامة قد بلغ حد التواتر في الجملة، ولا يخفى أن كلمة التوحيد في آخر الأذان مفردة بالاتفاق، فهو خارج عن الحكم بشفع الأذان، والحكمة في تكرير الأذان وإفراد الإقامة أن الأذان لإعلام الغائبين، فاحتيج إلى التكرير، كما شرع فيه رفع الصوت والمحل، بخلاف الإقامة فإنها لإعلام الحاضرين، فلا حاجة إلى تكرار ألفاظها، وقوله: بلا تثنية يعني في الجملة وإلا فهو يثني قوله: قد قامت الصلاة، وقال غير واحد: الثانية منهما تأكيد للأولى.

وتباح تثنيتها (¬1) (يحدرها) أي يسرع فيها (¬2) ويقف عند كل جملة كالأذان (¬3) . ¬

_ (¬1) لأنه فعل أبي محذورة، وعليه عمل أهل مكة، وعن أبي محذورة أنه صلى الله عليه وسلم علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة صححه الترمذي، قال الشيخ: فسواء أفرد الإقامة أو ثناها فقد أحسن واتبع السنة وبأيها أقام صحت إقامته عند عامة علماء الإسلام، ومن قال: إن إفراد الإقامة مكروه أو تثنيتها مكروه فقد أخطأ، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا بإفراد الإقامة، وأمر أبا محذورة بشفعها، والضلالة حق الضلالة أن ينهى عما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وأما اختيار أحدهما فمن مسائل الاجتهاد. (¬2) بلا نزاع وأصل الحدر في الشيء الإسراع، قال الجوهري وغيره: حدر في أذانه يحدر حدرا إذا أسرع، وقد روى الترمذي عن بلال وإذا أقمت فاحدر ولأبي عبيدة عن عمر نحوه، ولأن الإقامة إعلام للحاضرين فلا حاجة فيها إلى الترسل. (¬3) أي كما يقف عند كل جملة منه، وتقدم قول النخعي: شيئان مجزومان، الأذان والإقامة.

(ويقيم من أذن) استحبابا (¬1) فلو سبق المؤذن بالأذان فأراد المؤذن أن يقيم، فقال أحمد: لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة (¬2) فإن أقام من غير إعادة فلا بأس، قاله في المبدع (¬3) (في مكانه) أي يسن أن يقيم في مكانه أذانه (إن سهل) (¬4) لأنه أبلغ في الإعلام (¬5) فإن شق كأن أذن في منارة أو مكان بعيد عن المسجد أقام في المسجد لئلا يفوته بعض الصلاة (¬6) . ¬

_ (¬1) لقوله من أذن فهو يقيم رواه أحمد وأبو داود والترمذي، قال: وفيه ضعف، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، ولا يؤذن غير الراتب إلا بإذنه إلا إن خيف فوت وقت التأذين، كما أذن زياد حين غاب بلال فأما مع حضوره فلا يجوز فإن مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد ليسبقهم بالأذان كالإمام وجزم بتحريمه أبو المعالي، لأن الأذان منوط بنظر المؤذن. (¬2) يعني لكان أولى، فروى عبد العزيز بن رفيع، قال: رأيت رجلا أذن قبل أبي محذورة، فجاء أبو محذورة فأذن ثم أقام، رواه الأثرم وغيره، قال في الإنصاف: ومتى جاء وقد أذن قبله استحب أن يعيده. (¬3) أي فإن أقام المؤذن من غير إعادة الأذان، لحديث عبد الله بن زيد لما أذن بلال قال عبد الله: أنا رأيته وأنا كنت أريده، قال: فأقم أنت فلا فرق بينه وبين غيره قال الوزير: واتفقوا في الرجل يؤذن ويقيم غيره أن ذلك جائز. (¬4) أي يقيم الصلاة في الموضع الذي يؤذن فيه إن لم يشق عليه قال أحمد: أحب إلي أن يقيم في مكانه، ولم يبلغني فيه شيء. (¬5) أي إعلام المصلين بالقيام إلى الصلاة. (¬6) وقال في النصيحة، السنة أن يؤذن بالمنارة، ويقيم أسفل، قال في الإنصاف: وهو الصواب، والعمل عليه في جميع الأمصار والأعصار.

لا يصح الأذان إلا مرتبا متواليا

لكن لا يقيم إلا بإذن الإمام (¬1) (ولا يصح) الأذان (إلا مرتبا) كأركان الصلاة (¬2) (متواليا) عرفا لأنه لا يمكن المقصود منه إلا بذلك (¬3) فإن نكسه لم يعتد به (¬4) ولا تعتبر الموالاة بين الإقامة والصلاة، إذا أقام عند إرادة الدخول فيها (¬5) . ¬

_ (¬1) لما في الصحيحين أن المؤذن كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ولمسلم أن بلالا لا يقيم حتى يخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم قال في المجمع: وينبغي للمؤذن أن لا يقيم حتى يحضر الإمام ويأذن له في الإقامة نص عليه، ولأن الإقامة منوط وقتها بنظر الإمام، لأنها للقيام إلى الصلاة، فلا تقام إلا بإشارته، فإن أقيمت بغير إشارة أجزأت لقوله: فلا تقوموا حتى تروني. (¬2) أي كترتيب أركان الصلاة، وفاقا، لأنه ذكر معتد به، فلا يجوز الإخلال بنظمه، ولأنه إذا نكسه لا يعلم السامع أن ذلك الأذان، ولا يصح إلا منويا وفاقا لمالك لحديث إنما الأعمال بالنيات. (¬3) أي لا يحصل المقصود وهو الإعلام بدخول الوقت من الأذان إلا بالترتيب والتوالي، لأن مشروعيته كانت كذلك، قال في الإنصاف، ولا يصح الأذان إلا مرتبا متواليا بلا نزاع. (¬4) لعدم ترتيب الجمل بأن قدم بعضها على بعض، قال في الإنصاف: بغير خلاف نعلمه، وسمي بذلك لأنه نكس أي قلب عما هو السنة، قال الجوهري: نكسه بمعنى قلبه. (¬5) لأنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر أنه جنب ذهب فاغتسل ولم يعدها، وظاهر طول الفصل، قال شيخنا: هذا والله أعلم ما لم يخرج من المسجد، أو يشتغل بغير الصلاة، ويستحب الإحرام بعد فراغه من الإقامة، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده، واستمر عمل المسلمين عليه.

ويجوز الكلام بين الأذان وبعد الإقامة قبل الصلاة (¬1) ، ولا يصح الأذان إلا (من) واحد ذكر (عدل) ولو ظاهرا (¬2) فلو أذن واحد بعضه وكمله آخر (¬3) أو أذنت امرأة (¬4) أو خنثى (¬5) أو ظاهر الفسق لم يعتد به (¬6) ويصح الأذان (ولو) كان (ملحنا) أي مطربا به (¬7) . ¬

_ (¬1) لأنه روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يكلم الرجل بعدما تقام الصلاة، وهو مذهب الشافعي، لكن الأولى تركه إلا لحاجة، ولو عبر بالفاء الدالة على التفريع لكان أصوب. (¬2) فيصح أذان مستور الحال: قال في الشرح: بغير خلاف علمناه، وزاد في الإقناع، وتشترط ذكوريته وعقله وإسلامه. (¬3) لم يعتد به، قال في الإنصاف: بغير خلاف أعلمه، ولو كان ذلك لعذر بأن مات أو جن ونحوه من شرع فيه فكمله الثاني. (¬4) للرجال لم يصح ولم يعتد به، إجماعا، حكاه الوزير وغيره، للنهي عن رفع صوتها، فإن أذنت للنساء فلا بأس لقصة عائشة. (¬5) مشكل لاحتمال أن يكون أنثى لم يعتد به، فإن اتضحت ذكوريته صح. (¬6) قال الشيخ: وفي إجزاء الأذان من الفاسق روايتان: أقواهما عدمه، لمخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأما نصب الفاسق مؤذنا فلا ينبغي قولا واحدا. (¬7) لحصول المقصود به، يقال: لحن في قراءته، إذا طرب وغرد، وفي التعريفات، اللحن في القرآن والأذان التطويل فيما يقصر، والتقصير فيما يطول اهـ، والتطريب تقطيع الصوت وترديده، وأصله خفة تصيب المرء من شدة الفرح، أو من شدة التحزين، من الإطراق أو الطربة.

يجزئ من مميز واستحب أن يكون بالغا

(أو) كان (ملحونا) لحنا لا يحيل المعنى (¬1) ويكرهان (¬2) ومن ذي لثغة فاحشة (¬3) وبطل إن أحيل المعنى (¬4) (ويجزئ) أذان (من مميز) لصحة صلاته كالبالغ (¬5) . ¬

_ (¬1) كرفع تاء الصلاة ونصبها، وحاء الفلاح، لأن ذلك لا يمنع إجزاء القراءة في الصلاة فهنا أولى: (ولحن القارئ في القراءة يلحن لحنا ولحونا ولحانة ولحانية ولحنا) أخطأ في الإعراب، وخالف وجه الصواب، فهو لاحن ولحان ولحانة. (¬2) أي الملحن والملحون، قال أحمد: كل شيء محدث أكرهه، مثل التطريب، وسمع عبد الله بن عمر رجلا يطرب في أذانه، فقال: لو كان عمر حيا لفك لحييك، لأنه ينافي الخشوع والوقار، وينحو إلى الغناء، ويكره ما فيه غلظه وفضاضة، أو تكلف أو زيادة، قال عمر بن عبد العزيز، أذن أذان سمحا، وإلا فاعتزلنا. (¬3) أي ويكرهان من صاحب لثغة وزن غرفة، حبسه في اللسان حتى تصبر الراء لاما أو غبنا، أو السين تاء ونحو ذلك، أو أن لا يتم رفع لسانه، وقال الأزهري: اللثغة أن يعدل بحرف وكذا اللكنة، (وفاحشة) أي مجاوزة الحد، فإن لم تكن اللثغة واللكنة فاحشتين لم يكره، فقد روي أن بلالا كان يبدل الشيء سينا، والفصيح أكمل، وعند المالكية والحنفية إن أدى إلى تغيير الكلمات حرم. (¬4) أي بطل الأذان إن أحيل معناه باللحن أو اللثغة أو اللكنة، ومثال الأول مد همزة: الله أكبر أو بائه ومثال الثاني إبدال الكاف فاء أو همزة وفي المبدع: إن فتح لام رسول الله بطل، ومعناه في الشرح، لإيهامه البدلية فلا يتم الكلام. (¬5) أي فيصح أذانه لصحة صلاته، كما تصح صلاة البالغ، لقول عبد الله بن أبي بكر بن أنس: كان عمومتي يأمرونني أن أؤذن لهم وأنا غلام لم أحتلم، وأنس ابن مالك شاهد لم ينكر ذلك، وهذا مما لا يخفى ولم ينكر فكان كالإجماع وهو مذهب مالك وغيره، إذا اعتمد على بالغ، وحكى في كتاب (رحمة الأمة) الإجماع عليه، قال الشيخ: واختاره أكثر الأصحاب، وقال: والأشبه أن الأذان الذي يسقط به الفرض عن أهل القرية، ويعتمد في وقت الصلاة والصيام لا يجوز أن يباشره صبي قولا واحدا، ولا يسقط ولا يعتمد في مواقيت الصلوات وأما الأذان الذي يكون سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصر ونحو ذلك ففيه روايتان، والصحيح جوازه، وفي الاختيارات: وأما صحة أذانه في الجملة وكونه جائزا إذا أذن غيره فلا خلاف في جوازه، وحكى الوزير وغيره الإجماع على استحباب أن يكون بالغا.

(ويبطلهما) أي: الأذان والإقامة (فصل كثير) بسكوت (¬1) أو كلام ولو مباحا (¬2) (و) كلام (يسير محرم) كقذف (¬3) وكره اليسير غيره (¬4) (ولا يجزئ) الأذان (قبل الوقت) (¬5) لأنه شرع للإعلام بدخوله (¬6) . ¬

_ (¬1) طويل للإخلال بالموالاة، وكذا إن أغمي عليه، أو نام طويلا. (¬2) لفوات الموالاة. (¬3) وغيبة، لأنه فعل محرما فيه، كما لو ارتد في أثنائه، وفاقا، وفي الفروع: وقيل لا يبطل يسير كلام محرم وفاقا. (¬4) أي غير المحرم: زاد في الإقناع، بلا حاجة وصحح في الإنصاف جواز رد السلام بلا كراهة، ولا تبطل به عند جماهير العلماء كالخطبة. (¬5) بإجماع المسلمين نقله ابن جرير والنووي وغيرهما، لحديث إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم متفق عليه. (¬6) فلا يشرع قبل الوقت، لعدم حصول المقصود، بل وتغرير من يسمعه وتقدم قول الشيخ: إن الأذان إعلام بوقت الصلاة الذي تفعل فيه، لا الذي وجب فيه، ويظهر بوقت الظهر إذا أبرد بها وبالفائتة.

ويسن في أوله (¬1) (إلا الفجر) فيصح (بعد نصف الليل) (¬2) لحديث «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» متفق عليه (¬3) ويستحب لمن أذن قبل الفجر أن يكون معه من يؤذن في الوقت (¬4) . ¬

_ (¬1) لحديث كان بلال يؤذن إذا زالت رواه أحمد ومسلم وغيرهما، فدل على المحافظة على الأذان عند دخول الوقت، وعمل المسلمين عليه، وليتأهب الناس للصلاة ويجوز مطلقا لا بعده. (¬2) يعني الأذان لها وهو مذهب مالك والشافعي وجمهور السلف. (¬3) من حديث عائشة وابن عمر رضي الله عنهم، وفي الصحيح وغيره أحاديث كثيرة بمعناه وليتأهب جنب ونحوه ليدرك فضيلة الوقت، وفي الصحيح ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم فهذا وجه مشروعيته، وقال الشيخ: الذي يعتبر نصفه ينبغي أن يكون أوله غروب الشمس وآخره طلوعها، كما كان النهار المعتبر نصفه أوله طلوع الشمس وآخره غروبها، وإن كان من غير التنصيف يكون آخر الليل طلوع الفجر وهو أول النهار، ولعل التنزل الإلهي في قوله صلى الله عليه وسلم حين يبقى ثلث الليل، وفي الآخر، حين يمضي نصف الليل، كذلك تقريبا، واسم ابن أم مكتوم عمرو ويقال عبد الله بن قيس بن زائدة من عامر بن لؤي وأمه عاتكة بنت عبد الله بن عتكم المخزومية، قدم المدينة مع مصعب، واستخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة ثلاث عشر مرة، وشهد القادسية وقتل بها رضي الله عنه. (¬4) كما كان بلال وابن أم مكتوم، ولأنه إذا لم يكن كذلك لم يحصل الإعلام بالوقت المقصود بالأذان.

وأن يتخذ ذلك عادة، لئلا يغر الناس (¬1) ورفع الصوت بالأذان ركن (¬2) ما لم يؤذن لحاضر فبقدر ما يسمعه (¬3) (ويسن جلوسه) أي: المؤذن (بعد أذان المغرب) (¬4) وصلاة يسن تعجيلها قبل الإقامة (يسيرا) لأن الأذان شرع للإعلام، فسن تأخير الإقامة للإدراك (¬5) . ¬

_ (¬1) بالتقدم أو التأخر، فلا يتقدم ولا يتأخر في الليالي كلها، وفي الكافي: ما يقتضي اشتراط ذلك، واشترطه طائفة من علماء الحديث، ويكره الأذان للفجر في رمضان قبل وقتها، إلا في حق من عرفت عادته في الأذان بالليل، قال في الإنصاف: وعليه عمل الناس من غير نكير. (¬2) لقوله: فارفع صوتك بالنداء، وقوله: هو أندى منك صوتا، ليحصل السماع المقصود بالأذان، وكونه بقدر الطاقة مستحب وفي الإنصاف: يستحب رفع صوته بقدر طاقته ليحصل السماع، وتكره الزيادة فوق طاقته. (¬3) يعني الحاضر، واحدا كان أو جماعة، وكذا لنفسه، فيسر إن خاف تلبيسا، ورفع الصوت ما لم يغرر به. (¬4) قبل الإقامة جلسة خفيفة بقدر حاجته ووضوئه وصلاة ركعتين، صححه في تصحيح الفروع، وعليه أكثر الأصحاب. (¬5) وليفرغ الآكل من أكله ونحوه، لحديث جابر قال لبلال اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته رواه أبو داود والترمذي، والمراد ما عدى العشاء، ويأتي، ولا يحرم إمام والمقيم في الإقامة، نص عليه، ويستحب عقيب فراغه منها.

من جمع بين صلاتين لعذر أذان للأولى وأقام لكل منهما

(ومن جمع) بين صلاتين لعذر، أذن للأولى وأقام لكل منهما (¬1) سواء كان جمع تقديم أو تأخير (¬2) (أو قضى) فرائض (فوائت أذن للأولى، ثم أقام لكل فريضة) من الأولى وما بعدها (¬3) وإن كانت الفائتة واحدة أذن لها وأقام (¬4) ثم إن خاف من رفع صوته تلبيسا أسر، وإلا جهر (¬5) فلو ترك الأذان لها فلا بأس (¬6) . ¬

_ (¬1) أي المجموعتين لعذر كسفر ومرض، لحديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين رواه مسلم. (¬2) عند فعلها، لأن وقتها هو الذي تفعل فيه كما تقدم. (¬3) قال النووي وغيره: بلا خلاف، لحديث الخندق، شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء، رواه أحمد والترمذي، وقال: ليس بإسناده بأس، والطحاوي بإسناد صحيح. (¬4) لأمره عليه الصلاة والسلام بلالا بالأذان والإقامة، رواه مسلم وغيره، وقال الشيخ: الأذان مشروع للفائتة عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وليس بواجب، وإذا صلى وحده أداء أو قضاء وأذن وأقام فقد أحسن، وإن اكتفى بالإقامة أجزأه. (¬5) أي وإن لم يخف من رفع صوته تلبيسا أي تخليطا جهر لعموم الأخبار. (¬6) لأنه للإعلام، ولا حاجة للإعلام هنا، لكن إن رجا اجتماع الناس فالأولى له أن يؤذن، وإن لم يرج اجتماعهم فلا بأس بتركه، ولا يسن لفاسدة # أعيدت في الوقت، ولا لظهر يوم الجمعة في مصر، ولا فيما يقضي من الفوائت في مسجد، لأنه فيه تشويشا وتغليظا، أما إن كان منفردا أو يؤذن بقدر ما يسمع نفسه فلا.

(ويسن لسامعه) أي لسامع المؤذن (¬1) أو المقيم (¬2) ولو أن السامع امرأة (¬3) أو سمعه ثانيا وثالثا، حيث سن (¬4) . ¬

_ (¬1) إجابته إجماعا، على أي حال كان، من طهارة وغيرها، ولو جنبا أو حائضا، إلا حال جماع وتخل لقوله: «إذا سمعتم النداء فقولا مثل ما يقول المؤذن» رواه الجماعة وقيل بالوجوب، فلو لم يجاوبه حتى فرغ استحب له التدارك، ما لم يطل الفصل، ويدل على الندب حديث عمر عند مسلم «إذا قال المؤذن الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر، إلى قوله: قال لا إله إلا الله دخل الجنة» وللبخاري نحوه من حديث معاوية. (¬2) أي يستحب لسامع المقيم. صححه في الإنصاف، وهو قول جمهور أصحاب الأئمة الثلاثة، لما روى أبو داود عن أبي أمامة، وقال في سائر ألفاظ الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان، لكن قال المنذري وغيره: في سنده مجهول وشهر، وهو متكلم فيه، وقال النووي: وكيف كان فهو حديث ضعيف منقطع قال ابن حوشب لم يسمع من ابن أبي أوفى، وقال الحافظ: استدل به يعني قولوا إذا سمعتم المؤذن إلخ على مشروعية إجابة المؤذن في الإقامة اهـ وهل يعتبر فهم الصوت أولا؟ استظهر بعضهم أنه يعتبر فهمه، فإن سمع بعضه تابعه فيما سمع فقط لقوله: إذا سمعتم. (¬3) لعموم الأخبار. (¬4) أي حيث كان الأذان مشروعا، قال في المبدع: ظاهر كلامهم أنه يجيب ثانيا وثالثا حيث سن، واختاره الشيخ. لكن لو سمع المؤذن وأجابه وصلى في جماعته لم يجب الثاني، لأنه غير مدعو بهذا الأذان وإجابة الأول أفضل، إلا أذاني الفجر فهما سواء.

(متابعته سرا) بمثل ما يقول (¬1) ولو في طواف أو قراءة (¬2) ويقضيه المصلي والمتخلي (¬3) (و) تسن (حوقلته في الحيعلة) (¬4) . ¬

_ (¬1) أي قولا بمثل ما يقول المؤذن لما تقدم من قوله فقولا مثل ما يقول وفي حديث عمر، من قال مثل ما يقول صدقا من قلبه دخل الجنة، رواه مسلم، وله أيضا من قال حين يسمع النداء وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأن محمدا عبده، ورسوله رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا غفر له ذنبه. (¬2) أو ذكر فيقطع القراءة والذكر ويجيبه، لعموم الأخبار، قال الشيخ: ولأن موافقة الأذان عبادة مؤقتة يفوت وقتها، وهذه الأذكار لا يفوت وقطع الموالاة فيها لسبب شرعي جائز بخلاف الصلاة. (¬3) أي يقضي المصلي إذا فرغ من صلاته والمتخلي إذا خرج من الخلاء ما فاته من إجابة المؤذن حين سماعه، ولا يقضي إذا سمع البعض فقط، وإن أجابه المصلي بطلت بلفظ الحيعلة فقط، دون باقي ألفاظ الأذان لأنها أقوال مشروعة في الصلاة في الجملة، وكرهه مالك وغيره، وهل يجيب المستنجي في حال الاستنجاء أو بعده، ظاهر يجيب لتعميمهم غير المصلي والمتخلي. (¬4) كلمة استعجال مولدة وهي حكاية قول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، كما تقدم أنهم أخذوا الحاء والياء من حي، والعين واللام من على، كما يقال الحوقلة لا حول ولا قوة إلا بالله، أخذوا الحاء والواو من حول، والقاف من قوة واللام من اسم الله تعالى، والحكمة في إبدال الحوقلة من الحيعلة، أن الحيعلة دعاء إلى الصلاة معناه هلموا، وإنما يحصل الأجر فيه بالإسماع، فأمر السامع بالحوقلة، لأن الأجر يحصل لقائلها، سواء أعلنها أوأخفاها، ولمناسبتها لقول المؤذن، وتكون جوابا له، بأن تبرأ من الحول والقوة على إتيان الصلاة والفلاح إلا بحول الله وقوته.

أي أن يقول السامع: لا حول ولا قوة إلا بالله (¬1) إذا قال المؤذن أو المقيم: حي على الصلاة، حي على الفلاح (¬2) وإذا قال: الصلاة خير من النوم، ويسمى التثويب (¬3) قال السامع: صدقت وبررت (¬4) . ¬

_ (¬1) تقدم معناه: وفي الصحيحين «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة» ، أي أجر مدخر لقائلها، كما يدخر الكنز، وأخرج النسائي في اليوم والليلة وغيره: إن العبد إذا قالها قال الله: أسلم عبدي واستسلم. (¬2) لحديث عمر عند مسلم ثم قال: حي على الصلاة، قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وللبخاري عن معاوية إذا قال: حي على الصلاة، قال لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنما لم يتابعه لأن الحيعلة المقصود بها الدعاء إلى الصلاة، وذلك يحصل من المؤذن فعوض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة ثواب الحوقلة، ولأنها خطاب فإعادته عبث، بل سبيله الطاعة وسؤال الحول والقوة الدالين على الاعتراف بالعجز وطلب المعونة من الله في كل الأمور. (¬3) أي إلى العود بالإعلام بعد الإعلام بإقام الصلاة، من ثاب إذا رجع، لأن المؤذن رجع إلى الدعاء للصلاة بعد أن دعا إليها بالحيعلة، وهو في الأصل الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه، وهو مخصوص بأذان الفجر. (¬4) أي صدقت في دعائك إلى الطاعة، وبررت بكسر الراء الأولى وسكون الثانية، ودعاء له أي بر عملك، أو صيرك الله دابر، أي خير كثير، وهذا استحسان من قائليه وإلا فليس فيه سنة تعتمد، ولا أصل له، لعدم وروده، والصواب ما ذهب إليه مالك وغيره أن يقول مثل ما يقول، لقوله: «قولوا كما يقول المؤذن» متفق عليه، زاد النسائي حتى ينتهي.

وإذا قال المقيم: قد قامت الصلاة، قال السامع: أقامها الله وأدامها (¬1) وكذا يستحب للمؤذن والمقيم إجابة أنفسهما (¬2) للجمع بين ثواب الأذان والإجابة (¬3) . (و) يسن (قوله) أي قول المؤذن وسامعه (بعد فارغه (¬4) اللهم) أصله: يا الله، والميم بدل من يا (¬5) قاله الخليل وسيبويه (¬6) . ¬

_ (¬1) لما روى أبو داود عن أبي أمامة أن بلالا أخذ في الإقامة فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال: أقامها الله وأدامها وتقدم الكلام فيه والله أعلم. (¬2) أي بعد كل كلمة كالسامع. (¬3) صرح به جماعة وعنه لا يجيب نفسه، وقال ابن رجب: الأرجح أن المؤذن لا يجيب نفسه، وهو ظاهر كلام جماعة اهـ. فالمقيم أولى للأمر بالإسراع فيها. (¬4) أي يقول المؤذن بعد فراغه وكذا سامعه بعد فراغه من إجابته وبعد فراغه من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لحديث عبد الله بن عمرو «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليها بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة» رواه مسلم. (¬5) أي حذف حرف النداء من قولك يا الله، وعوض عنه ميم مشددة في الأخر. (¬6) أي الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم أبو عبد الرحمن الفراهيدي اليحمدي الأزدي الإمام في علم النحو، واستنبط علم العروض، ومن تأسيسه بناء كتاب العين، وكتاب العروض والشواهد وغيرها توفي سنة مائة وسبعين، وسيبويه بكسر السين وسكون الهاء أبو بكر عمرو بن عثمان بن قنبر، اشتهر بلقبه سيبويه، وهو لقب فارسي معناه بالعربية رائحة التفاح، صاحب الكتاب المشهور، جميع كتب الناس في النحو عيال عليه، خرج من بغداد لما تعصبوا عليه للكسائي، وتوفي بشيراز سنة مائة وثمانين وله نيف وأربعون.

(رب هذه الدعوة) بفتح الدال (¬1) أي دعوة الأذان (التامة) أي الكاملة السالمة من نقص يتطرق إليها (¬2) (والصلاة القائمة) أي التي ستقوم وتفعل بصفاتها (¬3) (آت محمدا الوسيلة) (¬4) منزلة في الجنة (¬5) . ¬

_ (¬1) احتراز عن الدعوة بالكسر للنسب، وأما دعوة الوليمة فبالفتح: وقيل بالضم. (¬2) لكمالها وعظم موقعها، والمراد دعوة التوحيد لقوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} وقيل لدعوة التوحيد تامة لأنه لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم القيامة، وقال ابن التين: وصفت الدعوة بالتمام لأنها ذكر الله، ويدعى به إلى عبادته. (¬3) والدائمة التي لا يغيرها ملة، ولا ينسخها شريعة، وإنها قائمة ما قامت السموات والأرض. (¬4) أي أعط نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الوسيلة، من الإيتاء وهو الإعطاء، والوسيلة هي ما يتقرب به إلى الكبير، يقال: توسلت أي تقربت، والوسيلة علم على أعلم منزلة في الجنة، وهي منزلة الله صلى الله عليه وسلم وداره، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش. (¬5) وقد فسرها به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم.

والفضيلة (¬1) (وابعثه المقام المحمود الذي وعدته) (¬2) أي الشفاعة العظمة في موقف القيامة، لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون (¬3) ثم يدعو (¬4) . ¬

_ (¬1) الرتبة الزائدة على سائر الخلائق ويحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيرا للوسيلة، قال السخاوي: وأما الدرجة الرفيعة فيما يقال بعد الأذان فلم أره في شيء من الروايات. (¬2) أي ابعثه يوم القيامة فأقمه المقام المحمود الذي وعدته وهو الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون، ومن سأل الله له الوسيلة حلت له الشفاعة يوم القيامة، زاد البيهقي إنك لا تخلف الميعاد، والموصول إما بدل، وإما خبر مبتدأ محذوف وإما مفعول بفعل محذوف، وقيل: بدل على رواية النكير، نعت على رواية التعريف، ورواه النسائي وغيره بالتعريف بإسناد صحيح، ورواه البخاري وأكثر أهل الحديث بالتنكير، قال ابن القيم: وهو الصحيح من وجوه: (أحدها) اتفاق أكثر الرواة عليه. (والثاني) موافقته للفظ القرآن. و (الثالث) لفط التنكير قد يقصد به التعظيم. (والرابع) دخول اللام يعينه وحذفها يقتضي إطلاقا وتعددا. و (الخامس) محافظته عليه الصلاة والسلام على ألفاظ القرآن، وأراد بذلك قوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} . (¬3) لتعجيل الحساب والراحة من طول الموقف في المحشر، ويحمده الخالق جل وعلا، وهذه الشفاعة مختصة به صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الموقف، ليقضي بينهم، بعدما يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها، وله صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات. (¬4) لحديث الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة، رواه أحمد والترمذي وغيرهما وحسنه، أي فادعوا قالوا: فما نقول؟ قال: سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة قال ابن القيم: حديث صحيح، ولحديث قل كما يقول فإذا انتهيت فسل تعطه رواه أبو داود، ويستحب أن يقول: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، لحديث سعد بن أبي وقاص رواه مسلم، وغيره، وتقدم ويقول عند أذان المغرب، «اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي» ، لحديث أم سلمة رواه أبو داود والترمذي.

ويحرم خروج من وجبت عليه الصلاة بعد الأذان في الوقت من مسجد، بلا عذر (¬1) أو نية رجوع (¬2) . ¬

_ (¬1) مع صحتها منه، لحديث «من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة هو لا يريد الرجعة فهو منافق» ، رواه ابن ماجه، ولأحمد عن أبي هريرة: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم من المسجد حتى يصلي، ورأى أبو هريرة رجلا خرج من المسجد بعد الأذان فأتبعه بصره، وقال: إن هذا قد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم وقاله ابن عبد البر: أجمعوا على القول بهذا الحديث لمن لم يصل، وكان على طهارة اهـ ولأن خروجه بعد الأذان من المسجد ذريعة إلى اشتغاله عن الصلاة جماعة قال الشيخ: وإن كان التأذين للفجر قبل الوقت لم يكون الخروج، وأما خروجه لعذر فلا يحرم، كقضاء حاجة، ومثله لو خرج بعد الأذان ليصلي جماعة بمسجد آخر، لا سيما مع فضل إمامه. (¬2) أي إلى المسجد قبل فوت الجماعة، ويستحب أن لا يقوم إذا أخذ المؤذن في الأذان، بل يصبر قليلا لئلا يتشبه بالشيطان، ولو دخل المسجد والمؤذن قد شرع في الأذان لم يأت بتحية المسجد لا بغيرها، بل يجيب المؤذن، ثم يصلي تحية المسجد، ليجمع بين أجر الإجابة والتحية، والمراد غير أذان الخطبة، لأن استماع الخطبة أهم.

باب شروط الصلاة

باب شروط الصلاة (¬1) الشرط ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده (¬2) (شروطها) أي ما يجب لها (قبلها) أي تتقدم عليها وتسبقها، إلا النية فالأفضل مقارنتهما للتحريمة (¬3) . ¬

_ (¬1) أجمع الأئمة على أن للصلاة شرائط لا تصح إلا بها، وهي التي تقدمها، ويأتي تفصيلها، والشروط جمع شرط، كفلوس جمع فلس، والشرائط جمع شريطة، كفرائض جمع فريضة، والأشراط واحدها شرط، وهو لغة العلامة، سمي شرطا، لأنه علامة على المشروط، ومنه (فقد جاء أشراطها) أي علاماتها. (¬2) هذا هو المشهور فإذا عدمت الشروط أو بعضها عدمت الصلاة، ولا يلزم من وجودها وجود الصلاة، ويقال: تعليق أمر بأمر كل منهما في المستقبل، يعني إذا وجد الشرط صحت الصلاة، ويعبر عنه أيضا بإلزام الشيء والتزامه وهو عقلي كالحياة للعلم، ولغوي كإن دخلت الدار فأنت طالق، وشرعي وهو ما يتوقف عليه صحة مشروطة إن لم يكن عذر، كالطهارة للصلاة، ولا يدخل فيه ولا يؤثر فيه، ولا يوصل إليه في الجملة، والشرط مع المشروط كالصفة مع الموصوف، والشرط والفرض يشتركان في توقف الماهية عليهما، ويفترقان في أن الشرط يكون خارج الماهية، والفرض داخلها، وأيضا فالشرط يجب استصحابه في الماهية من أولها إلى آخرها، والفرض ينقضي ويأتي غيره، واعتبر ذلك بغسل الوجه ونحوه. (¬3) قال المنقح ويأتي فلا يجب تقديمها على الصلاة بل ولا يستحب.

ويجب استمرارها أي الشروط فيها (¬1) وبهذا المعنى فارقت الأركان (¬2) (منها) أي من شروط الصلاة الإسلام والعقل والتمييز وهذه شروط في كل عبادة (¬3) إلا التمييز في الحج ويأتي (¬4) ولذلك لم يذكرها كثير من الأصحاب هنا (¬5) ومنها (الوقت) (¬6) . ¬

_ (¬1) أي في الصلاة إلى انقضائها، وتعبيره بـ (أي) ينبئ أن العبارة من المتن ولم أره فيه. (¬2) أي بوجوب استمرار الشروط فيها فارقت الشروط الأركان، لأنه لا يجب استمرار الأركان فيها. (¬3) من صلاة كما تقدم، وزكاة وصوم وحج وغير ذلك، فكملت الشروط تسعة، وزادها أتباع الأئمة وقسموها قسمين: شروط وجوب، وشروط صحة. (¬4) في كتاب المناسك، فإنه يصح ممن لم يميز ولو أنه ابن ساعة. (¬5) فكذلك لم يذكرها الماتن تبعا للمقنع، ونظرا إلى أنها شروط للنية، فهي شروط للشرط لابتدائه. (¬6) مأخوذ من التوقيت، وهو التحديد (ووقت الشيء يوقته ويقته) إذا بين حده، وكل شيء له حد وغاية، فهو موقت، ووقت الله الصلاة توقيتا حد لها وقتا من الزمان، قال في الإنصاف، واعلم أن الصلاة إنما تجب بدخول الوقت بالاتفاق، وإذا دخل وجبت، وإذا وجبت وجبت شروطها المتقدمة عليها، كالطهارة وغيرها اهـ والمراد الوقت للصلاة المكتوبة خاصة، فأما ما سواها فمنها ما يصح في كل وقت كركعتي الطواف والفوائت، ومنها ما لا يصح في أوقات كالنوافل المطلقة، ومنها ما هو موقت أيضا كالرواتب والضحى، ومنها ما يتعلق بأسباب كصلاة الكسوف، والاستسقاء ومعنى كون الوقت شرطا للصلاة أن الصلاة لا تصح قبله.

أجمع المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتا محدودة لا تجزئ قبلها

قال عمر: الصلاة لها وقت شرطه الله لها لا تصح إلا به (¬1) وهو حديث جبرئيل حين أم النبي صلى الله عليه وسلم في الصلوات الخمس ثم قال: «يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك» (¬2) . ¬

_ (¬1) وأجمع المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتًا مخصوصة محدودة لا تجزئ قبلها قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا *} أي مفروضا في الأوقات، والمفروض هو المقدر المحدود، فإن التوقيت والتقدير والتحديد والفرض ألفاظ متقاربة، والمراد الوقت الذي عينه الله لأداء هذه العبادة، وهو القدر المحدود للفعل من الزمان، ويأتي في مواضعه. (¬2) أي والوقت الذي أجمله عمر مفصل حديث جبرئيل، وقال بعضهم صوابه وهو ما في حديث جبريل، والحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه من حديث ابن عباس: «أمني جبرئيل عند البيت مرتين» ، يعني في أول الوقت وفي آخره: «ثم قال: الوقت ما بين هذين الوقتين» ، ولأحمد وغيره من حديث جابر قال قم فصل، فذكر نحوه، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت، قال البخاري والشيخ وغيرهما: هو أصح شيء في المواقيت، وسيأتي وأصله في الصحيحين أن جبرئيل نزل فصلى ثم صلى، الحديث ثم قال: بهذا أمرت، وبين ابن إسحاق وغيره أن ذلك كان صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلوات، وهي ليلة الإسراء وإمامة جبرئيل به صلى الله عليه وسلم بلغت حد التواتر، قال ابن عبد البر: لم يختلف أن جبرئيل هبط صبيحة الإسراء عند الزوال فعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها وهيئتها، وفي الباب أحاديث، منها حديث بريدة في الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة، فصلى يومين أول الوقت وآخره ثم قال: «صلاتكم بين ما رأيتم» ، رواه مسلم، وله نحوه عن عمرو بن شعيب وعبد الله بن عمر وغيرهما.

فالوقت سبب وجوب الصلاة (¬1) لأنها تضاف إليه (¬2) . ¬

_ (¬1) أي سبب نفس الوجوب، إذ سبب وجوب الأداء الخطاب، والسبب الجزء المتصل بالأداء لا كله، وفي الإنصاف، السبب قد يجتمع مع الشرط، وإن كان ينفك عنه، فهو هنا سبب الوجوب، وشرط للصحة، بخلاف غيره من الشروط فإنها شروط للصحة فقط، وأجمعوا على أنها تجب بأول الوقت، لقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} إلا أبا حنيفة فقال: تجب بآخره، وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر: كيف بك إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها أي أول وقتها، كما هو المنقول عن أولئك الأمراء، قال له: صل الصلاة لوقتها، أي لأول وقتها، وأجمعوا على فضيلة الإتيان بها أول الوقت في الجملة لهذه الآية وقوله: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم «سأل أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها» ، وفي رواية لوقتها، ولأبي داود والترمذي والحاكم وصححاه، أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها، وأصل طلب المسارعة إلى الخيرات والمسابقة إليها قطعي، قال ابن بطال: البدار إلى الصلاة في أول وقتها أفضل من التراخي، لأنه شرط، وجاء في ذلك أحاديث كثيرة، منها قوله: أول الوقت رضوان الله، وقال الشيخ: الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة، وهي أحب الأعمال إلى الله إذا أقيمت لوقتها المستحب، قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} ومن المحافظة عليها الإتيان بها أول وقتها، ويأتي قوله رحمه الله: أوله أفضل من آخره، إلا حيث استثناه الشارع، ولا ريب أن فعلها أوله هو اختيار النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه، فكانوا يصلون في أول الوقت، ولم يكونوا يختارون إلا ما هو الأفضل، والترمذي وغيره: ما صلى صلى الله عليه وسلم صلاة لوقتها إلا خير مرتين، حتى قبضه الله. (¬2) أي لأن الصلاة تضاف إلى الوقت، فيقال: صلاة الظهر، وهي تدل على السببية.

وتتكرر بتكرره (¬1) (و) منها (الطهارة من الحدث) (¬2) لقوله صلى الله عليه وسلم «لايقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» متفق عليه (¬3) . (و) الطهارة من (النجس) (¬4) فلا تصح الصلاة مع نجاسة بدن المصلي أو ثوبه أو بقعته ويأتي (¬5) والصلوات المفروضات خمس في اليوم والليلة (¬6) . ¬

_ (¬1) أي الصلاة تتكرر بتكرر الوقت، فكلما دخل الوقت وجبت الصلاة، وشرط للوجوب كالأداء وغيره، وبقية الشروط للأداء مع القدرة دون الوجوب. (¬2) أي ومن شروط الصلاة الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر وتقدم. (¬3) من حديث أبي هريرة أي حتى يتوضأ بالماء، أو ما يقوم مقامه، ولمسلم من حديث ابن عمر: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» ، فلا تصح بدونه مع باقي الشروط، والمراد بالقبول هنا ما يرادف الصحة، وهو الإجزاء وحقيقة القبول وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة، ولم يصل صلى الله عليه وسلم صلاة قط إلا متوضئا مع القدرة، وهذا مما لا يجهله عالم، ولا يسقط بجهل ولا نسيان، قال الشيخ: ومن نسي طهارة الحدث وصلى ناسيا فعليه أن يعيد الصلاة بطهارة بلا نزاع اهـ، وكذا حكى غير واحد إجماع الأمة على أن من صلى محدثا مع إمكان الوضوء فصلاته باطلة. (¬4) تقدم أنه قذر مخصوص يمنع جنسه الصلاة كالبول والدم والخمر. (¬5) في الشرط السابع وهو اجتناب النجاسات. (¬6) لقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} ولقوله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء خمس وهن خمسون ولقوله صلى الله عليه وسلم خمس صلوات كتبهن الله، وفي حديث معاذ أخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، وغير ذلك، وأجمع المسلمون على أن الصلوات المفروضات في اليوم والليلة خمس، لا نزاع بينهم في ذلك، ولا ينكره إلا كافر.

ولا يجب غيرها (¬1) إلا لعارض كالنذر (¬2) (فوقت الظهر) وهي الأولى (¬3) . ¬

_ (¬1) أي غير الصلوات الخمس، لما في الصحيحين أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما افترض الله على عباده من الصلوات؟ قال: «خمس صلوات» قال: هل على غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع» ، فحلف الرجل لا يزيد عليها ولا ينقص، فقال صلى الله عليه وسلم أفلح الرجل إن صدق. (¬2) فيجب الوفاء به، وأما الوتر فسيأتي. (¬3) واشتقاقها من الظهور، لأن وقتها أظهر الأوقات، لأنه يعرف بزيادة الظل، ولأنها ظاهرة في وسط النهار، وقيل لأنها أول صلاة ظهرت في الإسلام، وقيل لأنها في وقت الظهيرة، أي شدة الحر، والظهر لغة الوقت بعد الزوال، وشرعا صلاة هذا الوقت، من تسمية الشيء باسم وقته، وهي الأولى، لقوله {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} وتسمى الهجير، لأنها تصلي وقت الهاجرة، وهي شدة الحر، وعن أبي برزة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، أي حين تزول، ولبداءة جبرئيل بها، لما صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم ولبداءة النبي صلى الله عليه وسلم لما علم أصحابه، فإن قيل: فرضت الصلاة ليلا، فلم لم يبدأ بالفجر؟ قيل: يحتمل أن يكون قد وقع تصريح بأن أول وجوب الخمس من الظهر، ويحتمل أن الإتيان بها كان متوقفا على بيانها لأن الصلاة فرضت مجملة ولم تبين إلا عند الظهر لقوله: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} ولحديث جبرئيل فصلى الظهر حين زالت الشمس، ومن الأصحاب من بدأ بالفجر لأن الوسطى هي العصر، وإنما تكون الوسطى إذا كانت الفجر هي الأولى ولقوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ} وغير ذلك، قال في الاختيارات، وهذا أجود، لأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وإنما تكون الوسطى إذا كانت صلاة الفجر الأولى.

(من الزوال) أي ميل الشمس إلى المغرب (¬1) ويستمر (إلى مساواة الشيء) الشاخص (فيئه بعد فيء الزوال) (¬2) أي بعد الظل الذي زالت عليه الشمس (¬3) . ¬

_ (¬1) بإجماع المسلمين حكاه غير واحد، وقال النووي: حكاه خلائق ولما تقدم، وهو الدلوك الذي أراد الله بقوله: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} وميل الشمس عن كبد السماء يعرف بزيادة الظل بعد تناهي قصره، وبتحول الشمس عن خط المسامتة، وبحدوث الظل بعد عدمه، وبمضي قدر نصف القوس متمكنا بعد الشروق، وأجمعوا أنها لا تصلي قبل الزوال. (¬2) أي يمتد وقت الظهر إليه، وفاء الظل يفيء فيئا رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق، ولا يكون الفيء إلا بعد الزوال، لأنه ظل فاء من جانب المغرب، قال الجرجاني، الفيء ما ينسخ الشمس، وهو من الزوال إلى الغروب، كما أن الظل ما نسخته الشمس، وهو من الطلوع إلى الزوال، وكل إنسان بقدم نفسه ستة أقدم وثلثا قدم تقريبا. (¬3) لقوله عليه الصلاة والسلام وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله رواه مسلم، أي ويستمر وقت الظهر حتى يصير ظل كل رجل مثله، ولأن جبريل صلاها بالنبي صلى الله عليه وسلم حين زالت الشمس في اليوم الأول، وفي اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وقال: الوقت فيما بين هذين الوقتين، فتضبط ما زالت عليه الشمس من الظل، ثم تنظر الزيادة عليه. فإذا بلغت قدر الشاخص فقد انتهى وقت الظهر، وفي صحيح مسلم ووقت الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء ما لم يحضر العصر، وله من حديث أبي موسى في اليوم الأول حين زالت الشمس، وفي اليوم الثاني أخرها حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس.

اعلم أن الشمس إذا طلعت رفع لكل شاخص ظل طويل من جانب المغرب، ثم ما دامت الشمس ترتفع فالظل ينقص، فإذا انتهت الشمس إلى وسط السماء وهي مسألة الاستواء انتهى نقصانه (¬1) فإذا زاد أدنى زيادة فهو الزوال (¬2) ويقصر الظل في الصيف (¬3) لارتفاعها إلى الجو (¬4) ويطول في الشتاء (¬5) . ¬

_ (¬1) أي الظل، والوسط في الأصل اسم للمكان الذي يستوي إليه المساحة من الجوانب في المدور، ومن الطرفين في المطول، كمركز الدائرة وقوله: إعلم كلمة يؤتي بها للاعتناء بما بعدها. (¬2) أي فإذا زاد الظل الذي فاء بعد قيام الشمس فهو الزوال، وهو وقت الظهر والظل أصله الستر، وظل الليل سواده، وظل الشمس ما ستر به الشخوص من مسقطها، وظل النهار لونه إذا غلبته الشمس، وقال: رؤبة كل موضع تكون في الشمس فتزول عنه فهو ظل وفيء، وقال ابن قتيبة: الظل يكون غدوة وعشية، والفيء لا يكون إلا بعد الزوال. (¬3) وأقصره في النصف من حزيران والصيف ثلاثة أشهر، ودخوله عند حلول الشمس رأس الحمل، وهو عند العرب الربيع، والذي يليه القيظ، وقال بعضهم: هو القيظ، وعند العامة هو الصيف، ولعله المراد، فكلما طال النهار قصر الظل، وإذا قصر النهار طال الظل. (¬4) أي كبد السماء، والجو ما بين السماء والأرض. (¬5) لمسامتتها للمنتصب.

يقصر ظل الزوال في كل بلد تحت وسط الفلك ويطول في ضد ذلك وفاقد وقتها يقدر لها كما يقدر في أيام الدجال

ويختلف بالشهر والبلد (¬1) (وتعجيلها أفضل) (¬2) وتحصل فضيلة التعجيل بالتأهب أول الوقت (¬3) . ¬

_ (¬1) اختلافا كثيرا طولا وقصرا، وانعداما بالكلية، فيقصر الظل جدا في كل بلد تحت وسط الفلك، ويطول في ضد ذلك، وفاقد وقتها كبلغار مكلف بهما فيقدر لها كما يقدر في أيام الدجال، لما ثبت في صحيح مسلم قال: فاقدروا له، وأيام الدجال وأربعون يوما، يوم كسنة، فيصلي فيه صلاة سنة، ويوم كشهر، فيصلي فيه صلاة شهر، ويوم كجمعة فيصلي فيه صلاة جمعة، وباقي الأيام كأيامنا فيقدر في الثلاث الأول، مقدار الوقت، فكذا في بلغار ونحوها فإنه يطلع الفجر في بلغار قبل غروب الشفق في أربعينية الشتاء، وأفتى السرخسي والبلقاني بسقوطه عنهم، وأفتى غيرهما بوجوبه، وهو أوجه قياسا على أيام الدجال، قال الشيخ: والمواقيت التي علمها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم وعلمها النبي صلى الله عليه وسلم للأمة، حين بين مواقيت الصلاة، وهي التي ذكرها العلماء في كتبهم، هي في الأيام المعتادة، فأما ذلك اليوم الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كسنة قال: «اقدروا له قدره» ، فله حكم آخر، تكون فيه الصلاة بقدر الأيام المعتادة. لا ينظر فيه إلى حركة الشمس، لا بزوال ولا بغروب ولا مغيب شفق ونحو ذلك كما في قوله: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا *} أي على مقدار البكرة والعشي في الدنيا، واليوم المراد به اليوم والليلة. (¬2) لقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} ولحديث كان يصلي الهجير حين تدحض الشمس، وحديث يصلي الظهر بالهاجرة متفق عليهما فتعجيلها مستحب بغير خلاف، حكاه غير واحد، في غير شدة حر، وقال الترمذي: هو الذي اختاره أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم. (¬3) لها أو لغيرها مما يسن تعجيلها والتأهب الاشتغال بأسباب الصلاة، كطهر وأذان وستر ونحوه، من حين دخول الوقت، لأنه لا يعد إذا متوانيا.

(إلا في شدة حر) فيستحب تأخيرها إلا أن ينكسر (¬1) لحديث «أبردوا بالظهر» (¬2) (ولو صلى وحده) أو في بيته (¬3) . ¬

_ (¬1) يعني الحر، ويتسع الظل في الحيطان، وقال ابن منجا: الأرجح أنه سنة وفي حديث أبي ذر قال: أبرد حتى رأينا في التلول وقال النووي وغيره: الإبراد أن يؤخر الصلاة قليلا بقدر ما يحصل للحيطان فيء يمشيء فيه القاصد إلى الصلاة فيصلي في آخر الوقت، ولا يجاوز بالإبراد نصف الوقت. (¬2) رواه البخاري وغيره، من حديث أبي سعيد، ورواه الجماعة من حديث أبي هريرة «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» ، وهو حديث متواتر رواه بضعة عشر صحابيا، وأبردوا أي أخروها إلى أن يبرد الوقت، أي الزمان الذي يتبين فيه انكسار شدة الحر، فيوجد فيه برودة، والباء للتعدية، أي أدخلوا صلاة الظهر في البرد، وهو سكون شدة الحر، ويقال: أبرد إذا دخل في البرد، أمر استحباب، وقيل إرشاد، وقيل: بل للوجوب، حكاه القاضي وغيره، والجمهور على الاستحباب، وفيح جهنم شدة حرها، وغليانها، وانتشار لهبها، ووهجها نعوذ بالله منها، ومفهومه أن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد وهو ظاهر، واختلف العلماء في المعنى الذي لأجله أمر بالإبراد، فمنهم من قال: هو حصول الخشوع فيها، فلا فرق بين من يصلي وحده وفي جماعة، ومنهم ن قال: خشية المشقة على من بعد عن المسجد بمشيه في الحر، فيختص بالصلاة في مساجد الجماعات، التي تقصد من الأمكنة المتباعدة، ومنه من قال: هو نفس توهج النار، فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة، ومنهم من قال: خشية المشقة على من بعد عن المسجد بمشيه في الحر، فيختص بالصلاة في مساجد الجماعات، التي تقصد من الأمكنة المتباعدة، ومنهم من قال: هو نفس توهج النار، فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة، قال ابن رجب، هو المقدم وثبت من حديث أبي ذر الإبراد، وكانوا مجتمعين، قال الحافظ: والحكمة دفع المشقة، لكونها قد تسلب الخشوع، أو كونها الحالة التي ينتشر فيها العذاب، فإنها تسجر فيها جهنم. (¬3) هذا المذهب اختاره المصنف والشارح والخرقي، وهو مذهب أبي حنيفة وابن المنذر وغيرهم، لظاهر الأخبار، قال الشيخ: أهل الحديث يستحبون تأخير الظهر مطلقا، سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين، وبذلك جاءت السنة الصحيحة التي لا دافع لها، وكل من الفقهاء يوافقهم أو الأغلب اهـ وليس المراد أن يترك الجماعة ويصلي وحده، إذ لا يترك واجب لمسنون، وإنما المراد المعذور لمرض ونحوه.

(أو مع غيم لمن يصلي جماعة) أي ويستحب تأخيرها مع غيم إلى قرب وقت العصر لمن يصلي جماعة (¬1) لأنه وقت يخاف فيه المطر والريح: فطلب الأسهل بالخروج لهما معا (¬2) وهذا في غير الجمعة فيسن تقديمها مطلقا (¬3) (ويليه) أي يلي وقت الظهر (وقت العصر) المختار (¬4) . ¬

_ (¬1) وعنه لا تؤخر لغيم، وفاقا لمالك والشافعي. (¬2) كذا علله القاضي بذلك، وظاهر الخرقي وغيره سنية تعجيل الظهر في غير شدة الحر، إذا غلب على ظنه دخول الوقت، وقوفا مع النص، وما روي عن أحمد يحمل على أنه أراد بالتأخير ليتيقن دخول الوقت، ولا يصلي مع الشك، كما نقل عنه أبو طالب، قال: يوم الغيم يؤخر الظهر حتى لا يشك أنها قد حانت ويعجل العصر. (¬3) فلا يؤخرها في حر أو غيم إجماعا، لحديث ما كنا نقيل ولا نتغذى إلا بعد الجمعة، وحديث: كنا نجمع إذا زالت الشمس متفق عليهما. (¬4) وهو اللذي يجوز تأخير الصلاة إلى آخره من غير عذر، سمي بذلك لأرجحيته على ما بعده، أو لاختيار جبرئيل إياه أو لأن فعلها فيه موكول إلى اختيار المكلف، والعصر الزمان، أو الغداة، أو العشي، ومنه سميت صلاة العصر، أو لأنها تصلي عشية وقيل من طرف النهار، والعرب تسمي كل طرف من النهار عصرا، وقيل لانعصار النهار للفراغ، والشمس للغروب.

من غير فصل بينهما (¬1) ويستمر (إلى مصير الفيء مثليه بعد في الزوال) أي بعد الظل الذي زالت عليه الشمس (¬2) (و) وقت (الضرورة إلى غروبها) أي غروب الشمس فالصلاة فيه أداء (¬3) . ¬

_ (¬1) ولا اشتراك وفاقا للشافعي، فلا يقال: وقت العصر لا يدخل إلا بعد زيادة يسيرة عن خروج وقت الظهر، ولا أن آخر وقت الظهر أول وقت العصر لما في صحيح مسلم ووقت الظهر ما لم تحضر العصر. (¬2) أي يمتد الوقت المختار للعصر إلى ذلك، وهو مذهب مالك والشافعي وجماهير العلماء، لأن جبرئيل صلاها بالنبي صلى الله عليه وسلم حين صار ظل كل شيء مثله في اليوم الأول، وفي اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه، وقال: «الوقت فيما بين هذين الوقتين» ، وعنه إلى اصفرار الشمس، صححه الشارح وغيره، واختارها المجد، لحديث «وقت العصر ما لم تصفر الشمس» ، رواه مسلم، وله من حديث أبي موسى وهو متأخر، والعمل بالمتأخر متعين قال: ثم أخر العصر يعني في اليوم الثاني حتى انصرف منها والقائل يقول قد احمرت الشمس، وفي حديث أبي هريرة «وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس» ، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من صلاها والشمس بيضاء نقية فقد صلاها في وقتها، ثم يدخل وقت الضرورة قال شيخ الإسلام: وهو الصحيح، وعليه تدل الأحاديث الصحيحة المدنية. (¬3) وهو إنما يباح تأخير الصلاة إليه مع العذر، ومتى فعلها فيه فهو مدرك لها أداء في وقتها لعذر أو غيره، قال في المبدع وغيره، وعليه أكثر العلماء، لقوله: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» ، متفق عليه وحينئذ فلا فرق بين المعذور وغيره، إلا في الإثم وعدمه، ولا يختص بالعصر والصبح، بل الحكم كذلك في جميع الصلوات، لما في صحيح مسلم «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» .

لكن يأثم بالتأخير إليه لغير عذر (¬1) (ويسن تعجيلها) مطلقا (¬2) وهي الصلاة الوسطى (¬3) . ¬

_ (¬1) أي إذا أخرها إلى وقت الضرورة أثم لغير عذر، ولعذر فلا إثم، وقال الشيخ: نقول بما دل عليه الكتاب والسنة والآثار، من أن الوقت وقتان: وقت اختيار وهو خمس مواقيت، ووقت اضطرار وهو ثلاث مواقيت اهـ وسمي بالضرورة لأنه مختص بأرباب الضرورات من غفلة أو نوم أو إغماء أو جنون أو حيض ونحو ذلك. (¬2) مع حر وغيم وغيرهما لحديث ويصلي العصر فيرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية متفق عليه، ولهما عن رافع بن خديج قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فننحر جزورا فنقسم عشر قسم، فنأكل لحما نضيجا قبل أن تغرب الشمس ولغيرهما من الأحاديث، وهو مذهب أكثر الصحابة والتابعين، ومالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء، ويأتي الأمر بالتبكير لها في الغيم، ففي الصحو أولى. (¬3) يعني الفضلى، مؤنث الأوسط، والوسط الخيار، فالمعنى لثبوت الفضل فيها، ونص عليها تعالى بيانا لفضلها، وتأكيدا على الحض على المحافظة عليها فقال: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} وثبت أنها العصر، ففي صحيح مسلم شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، وللترمذي وصححه الصلاة الوسطى صلاة العصر، قال الترمذي: وهو قول أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم، قال في الإنصاف: بلا خلاف عن الإمام والأصحاب، وقال الشيخ: قد ثبت بالنصوص الصحيحة أنها العصر، وهذا أمر لا يشك فيه من عرف الأحاديث المأثورة، ولهذا اتفق على ذلك علماء الحديث وغيرهم اهـ وقال ابن رشد: الأحاديث بذلك متواترة والعلم به حاصل ضرورة اهـ ويستحب جلوسه في مصلاه بعد العصر إلى غروب الشمس، وبعد الفجر إلى طلوع الشمس، وهو أوكد لفعله صلى الله عليه وسلم.

(ويليه وقت المغرب) (¬1) وهي وتر النهار (¬2) ويمتد (إلى مغيب الحمرة) أي الشفق الأحمر (¬3) . ¬

_ (¬1) مصدر غربت الشمس غروبا، ويطلق على وقت الغروب ومكانه، فسميت هذه الصلاة باسم وقتها، وتسمى صلاة الشاهد، ولا يجوز فعلها قبل الغروب بحال، وأجمعت عليه الأمة، والمراد بالغروب غروب قرص الشمس جميعه، بحيث لا يرى منه شيء، لا من سهل ولا من جبل، ونقل ابن المنذر وخلائق الإجماع عليه، لما في الصحيحين وغيرهما إذا غربت وتوارت بالحجاب، ولغير من الأحاديث ويتحقق بإقبال ظلمة الليل من المشرق، لقوله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم، وفي المبدع: ويعرف الغروب في العمران بزوال الشعاع من رءوس الجبال، وإقبال الظلام من المشرق. (¬2) لاتصالها به، كأنها فعلت فيه، لحديث عقبة فإنها وتر النهار، رواه أحمد وغيره أي فرضت وترا للنهار، ثلاثا من أول الأمر، وهي ثلاث ركعات حضرا وسفرا بإجماع المسلمين. (¬3) وفاقا لأبي حنيفة، والصحيح عند الشافعية، ورواية عن مالك، قال النووي وغيره، هذا هو الصحيح والصواب الذي لا يجوز غيره، وقول جمهور أهل العلم، وصححه ابن العربي وغيره، لحديث عبد الله بن عمرو ووقت المغرب ما لم يغب الشفق، وفي رواية ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، رواه مسلم وفيه: ثم أمره فأقام المغرب حين وجبت الشمس فلما كان في اليوم الثاني أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق وفي لفظ، قبل أن يغيب الشفق، ثم قال: الوقت ما بين هذين الوقتين وفي لفظ إذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق ولقوله: وقت كل صلاة ما لم يدخل وقت التي بعدها، وإنما خص منه الفجر بالإجماع، فما عداها داخل في عمومه، وبه تضافرت السنة الصحيحة، وهو أصح الأقوال لهذه الأخبار، وخبر أبي موسى وبريدة، فلها وقتان وقت اختيار، وهو إلى ظهور الأنجم، ووقت كراهة، وهو ما بعده إلى مغيب الحمرة، والحمرة لون الأحمر، وقد تطلق على ما لونه البياض كما يقال: امرأة حمراء، وقيدوه بالحمرة لقول ابن عمر وغيره: الشفق الحمرة، وقال: الزجاج وغيره: الشفق الحمرة التي ترى في المغرب بعد سقوط الشمس، وهذا هو المشهور في كتب اللغة، وذكر غير واحد أنه لم ينقل عن أئمة اللغة غيره، فالشفق بياض تخالطه حمرة، ثم تذهب ويبقى بياض خالص، بينهما زمن قليل، فيستدل بغيبة البياض على مغيب الحمرة، قال الشيخ وغيره، وما بين العشائين ثمن الليل، وما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس سبعه.

(ويسن تعجيلها (¬1) إلا ليلة جمع) أي مزدلفة (¬2) سميت جمعا لاجتماع الناس فيها (¬3) فيسن (لمن) يباح له الجمع (¬4) و (قصدها محرما) (¬5) . ¬

_ (¬1) إلا لعذر قال الشيخ: باتفاق الأئمة وللترمذي وغيره وصححه عن سلمة أنه كان صلى الله عليه وسلم يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب قال: وهو قول أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم. (¬2) سميت بذلك لأنها يتقرب فيها إلى الله، أو لاقتراب الناس إلى منى من عرفات، أو لمجيء الناس إليها في زلف من الليل، أو لازدلاف آدم وحوى فيها، وهي ليلة النحر. (¬3) أو لاجتماع آدم هناك بحوى، أو لأن الناس يجمعون بها بين صلاتي المغرب والعشاء، والأول أجود، لوجود اجتماع الناس بها قديما. (¬4) بين المغرب والعشاء، لا من لا يباح له الجمع من مكي وغيره، عند بعضهم ويأتي ذكر ثبوت جمعهم خلفه صلى الله عليه وسلم. (¬5) أي قصد مزدلفة محرما، إن لم يوافقها وقت المغرب، فيصلي المغرب في وقتها، ولا يؤخرها لزوال العلة التي من أجلها جمع النبي صلى الله عليه وسلم.

تأخير المغرب ليجمعها مع العشاء تأخيرا (¬1) قبل حط رحله (¬2) (ويليه وقت العشاء إلى) طلوع (الفجر الثاني) (¬3) وهو الصادق (¬4) . ¬

_ (¬1) أي جمع تأخير إجماعا، لأنه صلى الله عليه وسلم وخلفاءه كانوا يفعلون ذلك، قال الشيخ وغيره: بالاتفاق، وكذا في غيم، فيستحب تأخيرها حتى يتيقن دخول الوقت، قال أحمد: يؤخرها حتى يعلم أنه سواد الليل. (¬2) لفعله عليه الصلاة والسلام بمزدلفة، بعد أن صلى المغرب أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء، متفق عليه. (¬3) أي ويلي وقت المغرب الوقت المختار للعشاء بكسر العين والمد، اسم الأول الظلام سميت بذلك لأنها تفعل فيه، ويقال لها العشاء الآخرة، تسمى بالعتمة أي شدة الظلمة، لما في الصحيح عن عائشة كانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل، أو باسم عتمة الليل، وهو ظلمة أوله، ولا يكره تسميتها بالعتمة، قال الشيخ: الأشهر عندنا إنما يكره الإكثار حتى يغلب على الاسم وأن مثلها في الخلاف تسمية المغرب بالعشاء، وقيل: وكذا الفجر بصلاة الغداة، وأول وقتها مغيب الشفق، وهو الحمرة حكاه غير واحد، والأحاديث متضافرة على ذلك، ولا يلتفت إلى البياض بعدها، كما لا يلتفت في الصوم إلى البياض الذي قبل الفجر، قال ابن عمر: الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق فقد وجبت الصلاة، ولا نزاع في ذلك، وللترمذي وغيره عن النعمان أنه كان عليه الصلاة والسلام يصليها لسقوط القمر لثالثة، وهو إنما يغاب لها عند غيوبه غالبا ويمتد وقت الضرورة من نصف الليل إلى طلوع الفجر، عند الأكثيرين، لقوله ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، أن يؤخر صلاة إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى رواه مسلم ويحرم إليه بلا عذر كما تقدم. (¬4) أي الفجر الثاني هو الفجر الصادق، لأنه صدق عن الصبح.

(وهو البياض المعترض) بالمشرق ولا ظلمة بعده (¬1) والأول مستطيل أزرق (¬2) له شعاع ثم يظلم (¬3) . (وتأخيرها) إلى أن يصليها في آخر الوقت المختار وهو (ثلث الليل أفضل إن سهل) (¬4) . ¬

_ (¬1) يطلع بعد مغيب الأول، يملأ الأفق بياضه، وهو عمود الصبح، وبطلوعه يدخل النهار، وذلك أن على قرض الشمس دائرتين حمراء، وقبلها بيضاء، أول ما يطلع البيضاء، ثم الحمراء، ثم القرص، والأحكام تتعلق بالبيضاء، وهي دائرة لكن لاتساعها تظهر كأنها خط مستقيم من الجنوب إلى الشمال، ويسمى الفجر المعترض، والصادق والمستطير، أي المنتشر الشائع، شبه بالطائر يفتح جناحيه. (¬2) وهو الكاذب ولدقته يقال له ذنب السرحان، وهو المستطيل من المشرق إلى المغرب، يسمى كاذبا، لأنه يقل ويتلاشى، أو لأنه يغر من لا يعرفه. (¬3) الشعاع المترقرق غير الضوء، وشعاع الشمس الذي تراه كأنه حبال مقبلة عليك إذا نظرت إليها، أو الذي ينتشر من ضوئها. (¬4) لقوله صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، صححه الترمذي، وقال: هذا الذي اختاره أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، ولأن جبرئيل صلاها بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الأول حين غاب الشفق، وفي اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل، ثم قال: الصلاة فيما بين هذين الوقتين، ولحديث أبي موسى وهو متأخر، وعنه: يمتد إلى نصف الليل، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين للشافعي، لحديث ابن عمرو ووقت العشاء إلى نصف الليل، رواه مسلم، ولحديث أبي هريرة قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، وحديث أنس: أخرها إلى نصف الليل، ثم صلى وقال: إنكم في صلاة ما انتظرتموها متفق عليه، قال الشيخ: ولو قيل بتحديد وقت العشاء إلى نصف الليل تارة، وإلى ثلثه أخرى من هذا الباب يعني ثلث الليل الذي ينتهي بطلوع الفجر، ونصف الليل الذي ينتهي بطلوع الشمس لكان متوجها.

فإن شق ولو على بعض المأمومين كره (¬1) ويكره النوم قبلها (¬2) والحديث بعدها (¬3) إلا يسيرا أو لشغل (¬4) أو مع أهل ونحوه (¬5) . ¬

_ (¬1) نص عليه، لأنه صلى الله عليه وسلم ترك الأمر بتأخيرها، كراهية المشقة، وكان يأمر بالتخفيف رفقا بهم، ولأن العادة الغالبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه هي التقديم، فإذا تقدموا فالأفضل التقديم دفعا للمشقة، قاله الشيخ وغيره، وقال أحمد: تأخيرها بقدر أن لا يشق على المأمومين، وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم تأخيرها مخافة المشقة. (¬2) للخبر، ولئلا يستغرق النائم حتى تفوته، أو يفوته وقت اختيار وقتها أو يترخص الناس فينامون عن إقامتها جماعة. (¬3) أي ويكره الحديث بعدها، يعني بعد العشاء الآخرة، لحديث كان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها متفق عليه والمراد التحادث مع الناس، فيشتغل عن قيام آخر الليل، أو صلاة الصبح، أو لينام عقب تكفير الخطيئة بالصلاة فتكون خاتمة عمله. (¬4) للأخبار ولأنه خير ناجز ومصلحة راجحة فلا يترك لتوهم مفسدة، وأخرج الضياء من حديث عائشة لا سمر إلا لثلاثة: مصل أو مسافر، أو عروس. (¬5) كضيف أو ما فيه مصلحة للمسلمين فلا يكره، لما في صحيح مسلم تحدث مع أهله ساعة ثم رقد ولحديث عمر: كان يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معه، حسنه الترمذي أو السمر في علم قال الترمذي رخص بعضهم إذا كان في معنى العلم، وما لا بد منه من الحوائج، وأكثر الحديث على الرخصة، وقال النووي: اتفق العلماء على كراهة الحديث بعدها، إلا ما كان في خير اهـ والشغل يشمل العلم، بل هو من أهم ما يشتغل به.

ويحرم تأخيرها بعد ثلث الليل بلا عذر (¬1) لأنه وقت ضرورة (¬2) (ويليه وقت الفجر) (¬3) من طلوعه (إلى طلوع الشمس (¬4) ¬

_ (¬1) كحائض تطهر ومجنون يفيق أو غير ذلك. (¬2) أي ما بعد ثلث الليل على ما ذكر، أو ما بعد نصفه على القول الراجح، ولا يجوز تأخير وقت صلاة لها وقت اختيار ووقت ضرورة أو بعضها إلى وقت الضرورة لغير عذر، وتقدم. (¬3) الفجر مصدر وهو ضوء النهار، أو حمرة الشمس في سواد الليل، وهو في آخر الليل كالشفق في أوله، سمي به لانفجار الصبح، وقد أفجرنا من الفجر كما تقول أصبحنا من الصبح، أو لأنه انصداع ظلمة من نور، وبه سمي الوقت عند ظهوره، وتسمى الصبح، والصباح أول النهار، وقيل: مأخوذ من الحمرة التي فيها، كصباحة الوجه من الحمرة التي فيه، وتسمى صلاة الغداة، والغداة أول النهار، وهي ركعتان حضرا وسفرا إجماعا، ومن الصلوات النهار في قول العلماء كافة. (¬4) أي وقت الفجر من طلوع الفجر، ويمتد إلى طلوع الشمس، لحديث جبرئيل، وحديث ابن عمر، وحديث أبي موسى، قال الشيخ: استعمل فقهاء الحديث في هذا الباب جميع النصوص الواردة في أوقات الجواز والاختيار، فوقت الفجر ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ووقت الظهر من الزوال إلى مصير ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال، ووقت العصر إلى اصفرار الشمس، ووقت المغرب إلى مغيب الشفق، ووقت العشاء إلى منتصف الليل، وهذا بعينه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم، وليس حديث في المواقيت أصح منه، وكذا صح معناه من غير وجه من فعله صلى الله عليه وسلم اهـ وقال الوزير وغيره، أجمعوا على أن أول وقت صلاة الفجر طلوع الفجر الثاني، وآخر وقتها المختار إلى أن يسفر، ووقت الضرورة إلى أن تطلع الشمس، ولفظ النووي وغيره: أجمعت الأمة، وفي المبدع: الفجر يتبع الليل فيكون في الشتاء أطول من الصيف، والعشاء على العكس، قال الشيخ: ومن زعم أن وقت العشاء بقدر حصة الفجر في الشتاء، والصيف فقد غلط غلطا بينا باتفاق الناس.

وتعجيلها أفضل) مطلقا (¬1) ويجب التأخير لتعلم فاتحة أو ذكر واجب، إن أمكنه تعلمه في الوقت (¬2) . ¬

_ (¬1) أي صيفا وشتاء إذا تيقنه أو غلب على ظنه، لحديث يشهدن صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس، وحديث جابر: كان يصليها بغلس متفق عليهما، وأما حديث اسفروا بالفجر، فالمراد صلوا صلاة الفجر مسفرين، أي إسفارا يتيقن معه طلوع الفجر، جمعا بينه وبين مواظبته صلى الله عليه وسلم على التغليس، أو أسفروا إلى أن يضيء الفجر، فلا يشك فيه، أو دوام الإسفار، لا ابتداؤه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن القيم: إنما المراد به الإسفار دواما لا ابتداء، فيدخل فيها مغلسا، ويخرج منها مسفرا، كما كان يفعله صلى الله عليه وسلم وعن أبي مسعود الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم غلس بالصبح ثم أسفر، ثم لم يعد إلى الإسفار، حتى مات، رواه أبو داود وابن خزيمة وقال الخازمي: إسناده ثقات، فقوله صلى الله عليه وسلم موافق لفعله، وكيف يظن به المواظبة على فعل أعظم الأجر في خلافه، قال ابن عبد البر وغيره: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يغسلون ومحال أن يتركوا الأفضل، وهو مذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء. (¬2) لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن لم يمكنه تعلمه في الوقت ولو وقت الاختيار فلا، وكذا تأخير الكل مع أمن فوات لمصلي كسوف ونحوه وأمن حدوث مانع.

تدرك الصلاة بالإحرام في وقتها، وعنه لا تدرك بدون ركعة

وكذا لو أمره والده به ليصلي به (¬1) ويسن لحاقن ونحوه مع سعة الوقت (¬2) (وتدرك الصلاة) أداء (بـ) إدراك تكبيرة (الإحرام في وقتها) (¬3) . ¬

_ (¬1) أي كما يجب التأخير لتعلم الفاتحة يجب إذا أمره والده بتأخيرها ليصلي به، ولا كراهة في ذلك لأن طاعة الوالد ألزم من الصلاة أول الوقت، لأنه سنة وطاعة الوالد واجبة، وإن أمره بتأخير لغير ذلك لم يؤخر، قال الزركشي، لو تأخر الجيران كلهم فالأولى هنا التأخير بلا خلاف. (¬2) أي ويسن تأخير الصلاة لحاقن أي محتبس البول، ونحو حاقن حاقب وتائق إلى طعام ونحوه، مع سعة الوقت، ليأتي بالصلاة على أكمل الأحوال، وإلا صلى على حسب حاله، ولا يأثم بتعجيل صلاة يستحب تأخيرها، ولا تأخير ما يستحب تعجيلها، إذا أخرها عازما على فعلها، ما لم يضيق الوقت عن فعل جميع العبادة، لصلاة جبرئيل بالنبي صلى الله عليه وسلم في أول الوقت وفي آخره وقوله «الوقت ما بين هذين الوقتين» ولأن الوجوب موسع فهو كالتكفير موسع في الأعيان، قال الشيخ في قوله صلى الله عليه وسلم «أفضل الأعمال عند الله الصلاة في وقتها» ، الوقت يعم أول الوقت وآخره، والله يقبلها في جميع الوقت، لكن أوله أفضل من آخره، إلا حيث استثناه الشارع، كالظهر في شدة الحر، وكالعشاء إذا لم يشق على المأمومين. (¬3) أي وقت تلك المكتوبة هذا المذهب وعليه جمهور الأصحاب، ولو آخر وقت ثانية في جمع، ومعنى إدراك الأداء بناء ما خرج منها عن الوقت على تحريمه الأداء في الوقت، ووقوعه موقعه في الصحة والإجزاء، سواء في ذلك المعذور وغيره.

فإذا كبر للإحرام قبل طلوع الشمس أو غروبها كانت كلها أداء (¬1) حتى ولو كان التأخير لغير عذر، لكنه آثم (¬2) وكذا وقت الجمعة يدرك بتكبيرة الإحرام ويأتي (¬3) . ¬

_ (¬1) لما رواه مسلم من أدرك سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك السجدة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ولأنه أدرك جزءا فاستوى فيه القليل والكثير، وعنه: لا تدرك بدون ركعة، اختارها جماعة، وهو ظاهر الخرقي ومذهب مالك واختيار الشيخ، لتخصيص الشارع الإدراك بالركعة، كما في الصحيحين من أدرك ركعة من الصبح، الحديث، وما استدلوا به تفسره الرواية الثانية لمسلم والسجدة إنما هي الركعة وقال الشيخ: تعليق الإدراك بسجدة مجردة لم يقل به أحد من العلماء وقال الحافظ في رواية من أدرك ركعة، لم يختلف على راويها في ذلك، فكان عليها الاعتماد اهـ فمن أدرك دونها لا يكون مدركا للصلاة، وهو الذي استقر عليه الاتفاق. (¬2) أي في تأخيره بلا عذر، للخلاف في وقوعه أداء، لعموم جواز تأخير بعض الصلاة عن وقتها، وذكر الزركشي وغيره اختصاص الإدراك بمن له ضرورة كحائض طهرت وصبي بلغ، ومجنون أفاق، ونائم استيقظ ومريض برأ وذمي أسلم، وطبيب فصد، وعليه من لا عذر له لا يدركها بذلك، بل تفوته بفوات وقتها المختار، وتقع منه بعد ذلك قضاء، وهو قول بعض العلماء، وهو متوجه إذ قول جبرئيل وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم الوقت ما بين هذين الوقتين وقوله: ما لم تصفر الشمس، يقتضي أن ذلك ليس بوقت لها، وقوله: من أدرك ركعة، يحمل على من له عذر، ولذلك جعل الصلاة في ذلك الوقت صلاة المنافقين، وتقدم قول شيخ الإسلام والله أعلم. (¬3) أي وكما تدرك الصلاة بالإحرام في وقتها، كذلك وقت الجمعة يدرك به، وأفردها بالذكر لئلا يتوهم أن أداءها كجمعتها لا يدرك إلا بركعة، ويأتي في الجمعة.

(ولا يصلي) من جهل الوقت (¬1) ولم تمكنه مشاهدة الدلائل (¬2) (قبل غلبة ظنه بدخول وقتها (¬3) إما باجتهاد) ونظر في الأدلة (¬4) أوله صنعة وجرت عادته بعمل شيء مقدر إلى وقت الصلاة (¬5) أو جرت عادته بقراءة شيء مقدر (¬6) ويستحب له التأخير حتى يتيقن (¬7) . ¬

_ (¬1) فلا يدري أدخل الوقت أو لا؟ (¬2) التي يعرف بها الوقت، كالزوال ونحوه، لعمى أو مانع ما، ولا مخبر عن يقين. (¬3) لأن الأصل عدم دخوله، فإن صلى مع الشك فعليه الإعادة إجماعا وإن وافق الوقت، وأجمعوا على أن العلم بدخول الوقت أو غلبة الظن على دخوله شرط في صحة الصلاة، كمن اشتبهت عليه القلة فصلى من غير اجتهاد. (¬4) الاجتهاد بذل الوسع في المجهود، وقيل: الاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب إلى أن يحس بالعجز عن مزيد الطلب، لأن الصحابة كانوا يبنون أمر الفطر على غلبة الظن، فلا يصلي قبل بذل الوسع، والنظر في الأدلة على دخول الوقت، كالزوال واصفرار الشمس. (¬5) كالصنائع الراتبة. (¬6) إلى وقت الصلاة، جاز له أن يصلي، أو صوت ديك مجرب جرت إصابته في صياحة للوقت، فيجوز اعتماده في دخول الوقت، أو ساعة، ونحو ذلك، وإن أمكنه بمشاهدة الدلائل، أو مخبر عن يقين عمل به دونه ظنه. (¬7) يعني دخول الوقت، ويزول الشك، إلا أن يخشى خروج الوقت، أو تكون صلاة العصر في يوم غيم فيستحب التبكير لحديث بكروا بالصلاة في يوم الغيم، فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله، رواه أحمد وابن ماجه، قال الموفق وغيره: إذا حل فعلها بيقين أو غلبة ظن.

(أو بخبر) ثقة (متيقن) كأن يقول: رأيت الفجر طالعا، أو الشفق غائبا ونحوه (¬1) فإن أخبره عن ظن لم يعمل بخبره (¬2) ويعمل بأذان ثقة عارف (¬3) . ¬

_ (¬1) كأن يقول: رأيت الشمس زالت، أو اصفرت، ويجب قبول قول الواحد، لأنه خبر ديني، فقبل فيه قول الواحد كالرواية. (¬2) لأنه يقدر على الصلاة باجتهاد نفسه، وتحصيل مثل ظنه، فإن تعذر عليه الاجتهاد عمل بقول المخبر عن اجتهاد، كالأذان في الغيم، وإذا اختلف اثنان في دخول الوقت كان الأولى التأخير حتى يتفقا، أو يتيقن دخوله، لأنه قبل ذلك لا يعمل بقول من قال بدخوله، لأنه عن ظن فلا يعمل بظن غيره، فغاية ذلك أن يفيده ظنا، وقد علمت أنه مع الظن يستحب التأخير، حتى ولو قيل إن خبر المثبت مقدم فالتأخير لليقين أولى، ذكره عثمان، وذكر أنه عرضه على منصور فارتضاه. (¬3) أي يلزمه العمل بأذان ثقة عارف بأوقات الصلاة، بالزوال والتسير والساعات وغير ذلك، أو يقلد ثقة عارفا، لقوله صلى الله عليه وسلم المؤذن مؤتمن ولأن الأذان شرع للإعلام بحصول الوقت، فلو لم يجز العمل به لم تحصل فائدته ولا الحكمة التي لأجلها شرع الأذان، ولم يزل الناس يعملون به فيجتمعون للصلاة في مساجدهم فإذا سمعوا الأذان قاموا إلى الصلاة بناء على قول المؤذن، من غير مشاهدة للوقت، ولا اجتهاد فيه، من غير نكير فكان إجماعا، وكذا يعمل بأذان الثقة في الغيم وغيره، إذا كان يعرف الأوقات بالساعات أو غيرها، أو يقلد عارفا وقال الشيخ: يعمل بقول المؤذن في الوقت مع إمكان العلم بالوقت، وهذا مذهب أحمد والشافعي وسائر العلماء المعتبرين كما شهدت به النصوص، خلافا لبعض أصحابنا، وقال: قال بعض أصحابنا: لا يعمل بقول المؤذن مع إمكان العلم بالوقت، وهو خلاف مذهب أحمد، وخلاف ما شهدت به النصوص، وفي المبدع: يعمل بالأذان في دارنا، وكذا في دار الحرب.

(فإن أحرم باجتهاد) بأن غلب على ظنه دخول الوقت لدليل مما تقدم (¬1) (فبان) إحرامه (قبله فـ) صلاته (نفل) لأنها لم تجب (¬2) ويعيد فرضه (¬3) (وإلا) يتبين له الحال (¬4) أو ظهر أنه في الوقت (فـ) صلاته (فرض) ولا إعادة عليه، لأن الأصل براءة ذمته (¬5) ويعيد الأعمى العاجز مطلقا، إن لم يجد من يقلده (¬6) . ¬

_ (¬1) من نظر في الأدلة، أو تقدير الزمن بالصنعة، أو القراءة أو نحو ذلك. (¬2) أي قيل دخول الوقت، لأن المكلف إنما يخاطب بالصلاة عند دخول وقتها ولم يوجد. (¬3) إجماعا إذا دخل وقتها، لبقاء فرضه عليه. (¬4) أي أنه أحرم في الوقت أو قبله ففرض، لدخوله فيها على غالب ظنه. (¬5) ولأنه أدى ما خوطب به وفرض عليه في وقته المشروط له. (¬6) في دخول الوقت أخطأ أو أصاب، لأن فرضه التقليد ولم يوجد، لا القادر على الاستدلال كما يستدل البصير في الغيم لأنه يساويه في الدلالة، وهو مرور الزمان وقراءة القرآن، والصنائع الراتبة ونحو ذلك، فإذا غلب على ظنه دخول الوقت جاز له أن يصلي ولا إعادة عليه، ما لم يتبين له الخطأ، وفارق الاستقبال لأنه ليس معه الأدلة التي يدرك بها جهة القبلة، وهي البصر وقال أبو بكر: يصلي على حسب حاله كالقادر على معرفة الوقت.

من دخل عليه الوقت ثم طرأ مانع من جنون أو حيض فلا قضاء عليه

(وإن أدرك مكلف من وقتها) أي وقت فريضة (قدر التحريمة) أي تكبيرة الإحرام (¬1) (ثم زال تكليفه) بنحو جنون (¬2) (أو) أدركت طاهرة من الوقت قدر التحريمة ثم (حاضت) أو نفست (¬3) (ثم كلف) الذي زال تكليفه (¬4) (وطهرت) الحائض أو النفساء (قضوها) أي قضوا تلك الفريضة التي أدركوا من وقتها قدر التحريمة قبل (¬5) لأنها وجبت بدخول وقتها واستقرت (¬6) فلا تسقط بوجود المانع (¬7) . ¬

_ (¬1) على القول بكون الوجوب يتعلق بقدرها، والمراد المكلف الذي لا مانع به. (¬2) كما لو زالت الشمس ثم بعد مضي قدر تكبيرة فأكثر طرأ مانع للصلاة كزوال عقل. (¬3) أي أو أدركت طاهرة من حيض أو نفاس من الوقت قدر التحريمة، ثم طرأ عليها العذر من حيض أو نفاس. (¬4) بنحو جنون، قضى تلك الصلاة التي أدرك قدر التكبيرة من وقتها، لأن الصلاة تجب بدخول أول الوقت، والوجوب يتعلق بقدر التكبيرة من الوقت، لأنه جزء منه استوى فيه القليل والكثير، لما رواه مسلم، وتقدم ويأتي قول الشيخ الفاصل في المسألة. (¬5) أي قبل زوال التكليف بطروء المانع من جنون أو حيض ونحوهما وقال الشافعي: بمضي زمن يمكن فعلها فيه، و (قبل) يبنى على الضم كبعد وتقدم. (¬6) أي على مكلف أدرك جزءا من وقتها لم يقم به مانع. (¬7) ويجب قضاؤها عند زوال المانع، قولا واحدا، ولا يلزمه غير التي دخل وقتها قبل طروء المانع فلا يقضي المجموعة إليها بعدها، لأنه لم يدرك جزءا من وقتها، بخلاف عكسها الآتي، وقال الشيخ: ومن دخل عليه الوقت ثم طرأ مانع من جنون أو حيض فلا قضاء عليه، وقال: الأظهر في الدليل، قول مالك ورواية عن أبي حنيفة، أنها لا يلزمها شيء، لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد، ولا أمر هنا يلزمها بالقضاء، ولأنها أخرت تأخيرا جائزا، فهي غير مفرطة، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد بقضاء الصلاة بعد وقتها، وذكر أنهما ليسا كالنائم والناسي، فإن وقتهما إذا ذكرا، وفي الاختيارات لا قضاء إلا أن يتضايق الوقت ثم يوجد المانع.

(ومن صار أهلا لوجوبها) بأن بلغ صبي أو أسلم كافر أو أفاق مجنون (¬1) أو طهرت حائض أو نفساء (قبل خروج وقتها) أي وقت الصلاة، بأن وجد ذلك قبل الغروب مثلا ولو بقدر تكبيرة (¬2) (لزمته) أي العصر (وما يجمع إليها قبلها) وهي الظهر وكذا لو كان ذلك قبل الفجر لزمته العشاء والمغرب (¬3) لأن وقت الثانية وقت الأولى حال العذر، فإذا أدركه المعذور فكأنه أدرك وقتها (¬4) . ¬

_ (¬1) من جنون أو مغمى عليه من إغماء قبل خروج وقتها لزمته وما يجمع إليها قبلها على ما يأتي تفصيله. (¬2) تقدم أنها لا تدرك إلا بركعة، لما في الصحيح «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» ، قال شيخ الإسلام: وهذا نص عام في جميع صور إدراك ركعة من الصلاة، سواء كان إدراك جماعة أو إدراك وقت. (¬3) وفاقا لمالك والشافعي. (¬4) فلزمه قضاؤها، كما يلزمه فرض الثانية، ولأن أحد هؤلاء أدرك جزءا من آخر وقت الصلاة، ووجبت عليه، فلزمه قضاؤها، كما لو أدرك وقتا يتسع لها، قال الشارح، لا نعلم فيه خلافا، وفي الإنصاف بلا نزاع، وفي وقت صلاة لا تجمع لزمته فقط، وروى ابن المنذر وغيره عن ابن عباس وغيره، أنهم قالوا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة تصلي المغرب والعشاء فإذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر جميعا، قال في المبدع: ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة، وقال أحمد: وهو قول عامة التابعين إلا الحسن، وإن كان قبل طلوع الشمس لزمه قضاء الصبح فقط، لأن التي قبلها لا تجمع إليها، وقال أيضا شيخ الإسلام، لا تجب إلا بأن يدرك زمنا يتسع لفعلها، قال: وهو أصح.

(ويجب فورا) ما لم يتضرر في بدنه (¬1) أو معيشة يحتاجها (¬2) أو يحضر لصلاة عيد (¬3) (قضاء الفوائت) (¬4) . ¬

_ (¬1) أي يجب قضاء الفوائت فورا، والفور مصدر مأخوذ من فور القدر، وذلك ما لم يتضرر في بدنه، والتضرر أن يلحقه مشقة، أو نقص في بدنه بضعف أو خوف أو مرض أو نصب أو إعياء، وهو أقل من النصب لأن النصب هو التعب، فتسقط عنه الفورية إلى القدرة بلا ضرر، والمريض يقضيها وإن كان جالسا، ما لم يتضرر ولا يؤخرها ليصلي قائما. (¬2) كفوات شيء من ماله، أو ضرر فيه، أو قطع عن معيشته، نص أحمد على نحو هذا، فيسقط الفور، ويقضيها بحيث لا يتضرر لقوله: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . (¬3) لما سيأتي من كراهة القضاء بموضع العيد قبل صلاته لئلا يقتدى به. (¬4) أي يجب في أول الإمكان بحيث يلحقه الإثم بالتأخير عنه قضاء الفرائض الفوائت ما لم يلحقه ضرر، لقوله صلى الله عليه وسلم «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» متفق عليه، ولغيره من الأحاديث المستفيضة في الأمر بالصلاة عند الذكر والأمر يقتضي الوجوب، فتجب المبادرة إلى فعلها على الفور وهو قول جمهور الفقهاء، منهم إبراهيم والزهري وربيعة، وأبو حنيفة، ومالك وأحمد وأصحابهم، واختاره الشيخ وغيره. وحجة من رأى التأخير أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلها في المكان الذي ناموا فيه، وهو لا يدل إلا على التأخير اليسير الذي لا يصير صاحبه مهملاً معرضًا عن القضاء، بل يفعله لتكميل الصلاة، ومن اختيار بقعة، ويأتي، وأجمع أهل العلم على وجوب فعل الصلاة إذا فاتت بنوم أو نسيان، واستنادهم إلى السنة المستفيضة، ومن تركها جهلاً بوجوبها، مثل من أسلم في دار الحرب، ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، فثقيل يعيد مطلقًا، وقيل بدار إسلام، وقيل لا يعيد مطلقًا، قال الشيخ: والصحيح عدم وجوب الإعادة، لأن الله عفا عن الخطأ والنسيان، وقال {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} فمن لم يبلغه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء معين لم يثبت حكم وجوبه عليه بخلاف العامد لأنه لا يسقط عنه الإثم، فلا يشرع له قضاء، ولا تصح منه، بل يكثر من التطوع، واختاره هو وابن رجب وغيرهما، وحكمته التغليظ عليه، وذكر بعض المتقدمين كالجوزجاني والبربهاري وابن بطة: أنه لا يجزئ فعلها مطلقًا إذا تركها عمدًا. وحكى النووي إجماع من يعتد بهم على لزوم القضاء، ورد على ابن حزم استدلاله على عدم القضاء، وقاس وجوب القضاء على قضاء المجامع في نهار رمضان، فالله أعلم، والقضاء عرفًا إيقاع الصلاة خارج وقتها.

(مرتبًا) ولو كثرت (¬1) . ¬

_ (¬1) لأنها صلوات واجبة تفعل في وقت يتسع لها، فوجب فيها الترتيب. قال الشارح: وهذا الترتيب شرط لصحة الصلاة، فلو أخل به لم تصح، لحديث جابر يوم الخندق «فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب» متفق عليه، ولأحمد: عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: «هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟» قالوا: يا رسول الله ما صليتها. فأمر المؤذن فأقام الصلاةن فصلى العصر، ثم أعاد المغرب. ولترتيبه الأربع صلوات. وروى عن ابن عمر ومالك وأبي حنيفة وغيرهم وجوب الترتيب، وعنه: لا يجب وفاقًا. وقال في المبهج: مستحب واختاره في الفائق، قال ابن رجب، وجزم به بعض الأصحاب ومال إلى ذلك، وقال: إيجاب ترتيب قضاء الصلوات سنين عديدة ببقاء صلاة واحدة في الذمة لا يكاد يقوم عليه دليل قوي اهـ وقال النووي: المعتمد في المسألة أنها ديون عليه، فلا يجب ترتيبها إلا بدليل ظاهر، وليس لهم دليل ظاهر، ولأن من صلاهن بغير ترتيب فقد فعل الصلاة التي أمر بها، فلا يلزمه وصف زائد بغير دليل.

ويسن صلاتها جماعة (¬1) (ويسقط الترتيب بنسيانه) للعذر (¬2) فإن نسي الترتيب بين الفوائت (¬3) أو بين حاضرة وفائتة حتى فرغ من الحاضرة صحت (¬4) . ¬

_ (¬1) صلاته صلى الله عليه وسلم بهم الفجر يوم نومهم، ويوم الخندق جماعة، كما كان يصليها في وقتها، وحكى القاضي عياض وغيره، أنه لا خلاف بين العلماء في جواز الجماعة في القضاء، إلا ما حكي عن الليث، وإن صح فمردود بالأحاديث الصحيحة، وإجماع من قبله. (¬2) لأنه لا أمارة على المنسية تعلم بها ولقوله صلى الله عليه وسلم «عفى عن أمتي الخطأ والنسيان» ، قال القاضي: رواية واحدة، وقال الشيخ: عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد. (¬3) كأن ترك ظهرا وعصرا من يومين لا يدري أيتهما الأولى تحرى وصحت وإن استويا بدأ بما شاء منهما، وفي المطلع: ونسي الترتيب أي نسي أن يقضي الصلاة مرتبة حال قضائها، لا أنه نسي كيف فاتته، فإن ذلك لا يسقط الترتيب على الصحيح. (¬4) وإن ذكر وهو فيها والوقت متسع أتمها وقضى الفائتة ثم أعاد التي كان يها، وحديث صلاته صلى الله عليه وسلم عام الأحزاب يحتمل أنه ذكرها في الصلاة، وقال الشيخ: متى ذكر الفائتة في أثناء الصلاة كان كما لو ذكرها قبل الشروع فيها، فإنه إذا حضرت الجماعة يصلي الحاضرة معهم ثم يصلي الفائتة وهل يعيد الحاضرة؟ فيه للصحابة والعلماء قولان، أحدهما يعيد، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والمشهور في مذهب أحمد، والثاني لا يعيد، وهو قول ابن عباس ومذهب الشافعي واختيار جدي، وتقدم قوله: إن الله لم يوجب صلاة مرتين إلا لترك واجب كطمأنينة أووضوء ونحو ذلك.

من شروط الصلاة ستر العورة

ولا يسقط بالجهل (¬1) (و) يسقط الترتيب أيضا (بخشية خروج وقت اختيار الحاضرة) (¬2) فإن خشي خروج الوقت قدم الحاضرة لأنها آكد (¬3) ولا يجوز تأخيرها عن وقت الجواز (¬4) ويجوز التأخير لغرض صحيح، كانتظار رفقة أو جماعة لها (¬5) . ¬

_ (¬1) للقدرة على التعلم، وإن ترك الترتيب بلا عذر لم يصح، لأنه شرط كترتيب الركوع والسجود، وقيل يسقط الترتيب بجهل وجوبه، اختاره الآمدي والشيخ وغيرهما، وهو مذهب أبي حنيفة، لأن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم. (¬2) لئلا يصيرا فائتتين ولأن ترك الترتيب أيسر من ترك الوقت، قال في الإنصاف، خشية خروج وقت الاختيار كخشية خروج الوقت بالكلية، فإذا خشي الإصفرار صلى الحاضرة، قاله الزركشي والمجد وغيرهما. (¬3) وذلك مثل أن يشرع في صلاة حاضرة والوقت ضيق، أو لم يكن في صلاة، لكن لم يبق من وقت الحاضرة ما يتسع لهما جميعا قدم الحاضرة، لأنها صلاة ضاق وقتها عن آكد منها، فلم يجز تأخيرها، ولأن الصلاة ركن من أركان الإسلام يقتل بتركها، ويحرم عليه تأخيرها، فلم يجز تقديم فائتة على حاضرة عند خوف فوتها، فسقط الترتيب، قال القاضي: رواية واحدة، ولا يسقط الترتيب بخشية فوت الجماعة على الأصح، وقال في المبدع: وعنه يسقط اختاره جمع. (¬4) وتصح البداءة بغير الحاضرة مع ضيق الوقت إجماعا، ولا نافلة إذا. (¬5) وكاختيار بقعة على بقعة، كما فعل صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك مما هو من مصالحها، ولتكميلها وتكثير أجرها، إذا كان التأخير لقضاء الفائتة يسيرا عرفا، قال ابن القيم: ثبت بالنص والإجماع أن المعذور بالنوم والنسيان وغلبة العقل يصلي إذا زال عذره، ولا يجوز له تأخيرها إلى وقت آخر بالاتفاق، بل هو من الكبائر العظام.

ومن شك فيما عليه من الصلوات، وتيقن سبق الوجوب أبرأ ذمته يقينا (¬1) وإن لم يعلم وقت الوجوب فما تيقن وجوبه (¬2) (ومنها) أي من شروط الصلاة (ستر العورة) (¬3) قال ابن عبد البر: أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه، وهو قادر على الاستتار به وصلى عريانا (¬4) . ¬

_ (¬1) أي وتيقن سبق زمن الوجوب، وهو زمن التكليف، بأن علم بأنه بلغ من سنة كذا، وصلى البعض، وترك البعض، قضى ما يتيقن به براءة ذمته من الفوائت لأنها اشتغلت بيقين، فلا تبرأ إلا بمثله، وكذا من قال: لم أصل منذ بلغت، فإنه تيقن سبق الوجوب، فيقضي حتى يعلم براءة ذمته، وعبارة المبدع: فإن شك في زمن الوجوب قضى ما يعلم وجوبه، وإن شك في الصلاة بعد الوجوب قضى ما يعلم به براءة ذمته، نص عليه، والمراد باليقين هنا غلبة الظن، وإلا فاليقين هنا على حقيقته متعذر. (¬2) أي وإن لم يدر متى بلغ مثلا، ولا ما مصلى بعد بلوغه، لزمه أن يقضي من الفرض الذي تيقن وجوبه، كمن شك هل كان وقت الظهر بالأمس بالغا؟ فإنه لا يلزمه قضاء الظهر، لشكه في وجوبه، ويلزمه إبراء ذمته مما تيقن وجوبه بعد الظهر، كالعصر والمغرب إن شك هل صلاهما أم لا؟ لأن الأصل عدم صلاته لهما، قال الشيخ: إن عجز فمات بعد التوبة غفر له، قال: ولا تسقط بحج، ولا تضعيف صلاة في المساجد الثلاثة، ولا غير ذلك إجماعا. (¬3) أي تغطيته ما يقبح ظهوره ويستحي منه. (¬4) وحكاه غيره، ولا خلاف في وجوب ستر العورة في الصلاة وبحضرة الناس، وفي الخلوة على الصحيح، إلا لغرض صحيح قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي عند كل صلاة، وإن كانت نزلت بسبب خاص، فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وحكى ابن حزم الاتفاق على أن المراد ستر العورة، وقال غير واحد، هو ما يواري السوءة وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع، وقال صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة حائض، أي بالغ: إلا بخمار رواه أبو داود والترمذي وحسنه، ونهى عن الطواف عريانا فالصلاة أولى، وقال في المبدع: والأحسن في الاستدلال أن يقال: انعقد الإجماع على الأمر به في الصلاة، والأمر بالشيء نهى عن ضده، فيكون منهيا عن الصلاة مع كشف العورة، والنهي في العبادات، يدل على الفساد اهـ والثوب اللباس، وهو ما يلبسه الناس من كتان وحرير وخز وصوف وقطن وفرو ونحو ذلك وتقدم.

والستر بفتح السين التغطية، وبكسرها ما يستر به (¬1) والعورة لغة النقصان والشيء المستقبح (¬2) ومنه كلمة عوراء أي قبيحة (¬3) وفي الشرع القبل والدبر (¬4) . ¬

_ (¬1) كائنا ما كان، جمعه ستائر. (¬2) مأخوذ من العور، وهو النقص والعيب. (¬3) ومنه عور العين، وأعور الشيء ظهر وبدت عورته، وهي موضع المخافة وعورة الإنسان السوءة، سميت عورة لقبح النظر إليها، أو لقبح ظهورها، أو لغض الأبصار عنها، أو لأن كشفها يسوء صاحبها، وعري يعرى من باب تعب. (¬4) وهما العورة المغلظة ويقال لهما السوءتان قال تعالى: {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} سميا بذلك لأن كشفها يسوء صاحبها، وهما من المقدم الذكر والأنثيان ومن المؤخر ما بين الأليتين.

وكل ما يستحي منه على ما يأتي تفصيله (¬1) (فيجب) سترها حتى عن نفسه (¬2) وخلوة (¬3) وفي ظلمة وخارج الصلاة (¬4) (بما لا يصف بشرتها) أي لون بشرة العورة من بياض وسواد (¬5) لأن الستر إنما يحصل بذلك (¬6) . ¬

_ (¬1) أي العورة في الشرع تطلق على كل ما يستحي من كشفه، على ما يأتي تفصيله، في حق ذكر أو أنثى أو أمة أو من دون التمييز. (¬2) أي فيجب ستر العورة في الصلاة عن النظر حتى عن نفسه، فلو كان عليه قميص واسع الجيب، إذا ركع أو سجد رأى عورته لم تصح، وإن لم يرها. (¬3) أي ويجب ستر العورة حتى في خلوة، كما يجب لو كان بين الناس، وكصلاة العريان خاليا. (¬4) قال في الإنصاف، الصحيح من المذهب أنه يحرم خارج الصلاة من غير حاجة، يعني في حال الخلوة، جزم به في التلخيص، وقال في المستوعب: ستر العورة واجب في الصلاة وغيرها، وصححه المجد وغيره، لحديث بهز بن حكيم: ما نأتي منها وما نذر، قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض، قال: فإن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: فالله أحق أن يستحي منه رواه أبو داود وغيره، وكذا نظرها قال في الفروع: لأنه يحرم كشفها خلوة بلا حاجة فيحرم نظرها، لأنه استدامة لكشفها المحرم، ولم أجد تصريحا بخلاف هذا إلا أنه لا يحرم حيث جاز كشفها. (¬5) لا حجم العضو، لأنه لا يمكن التحرز منه ويأتي. (¬6) لأن ما وصف سواد الجلد أو بياضه ليس بساتر له، وإن وصف الحجم فلا بأس لأن البشرة مستور والحصير البارية جمعه حصر مثل بريد وبرد، المنسوج من خوص ونحوه، ثم يفرش سمي بذلك لأنه يلي وجه الأرض.

ولا يعتبر أن لا يصف حجم العضو (¬1) لأنه لا يمكن التحرز عنه (¬2) ويكفي الستر بغير منسوج، كورق وجلد ونبات (¬3) ولا يجب ببارية وحصير (¬4) . ¬

_ (¬1) أي مقداره وفاقًا. قال الأصحاب: لا يضر إذا وصف التقاطيع، ولا بأس بذلك، نصف عليه؛ لأن البشرة مستورة، وأما عند المالكية، ففيه تفصيل، وتقدم أن حجم الشيء جيده وملمسه الناتئ. (¬2) أي عن ستر حجم العضو، وقال الشيخ: الثياب التي تبدي مقاطع خلقها، والثوب الرقيق الذي لا يستر البشرة وغير ذلك، فإن المرأة تنهى عنه، وعلى وليها كأبيها وزوجها أن ينهياها عن ذلك، وقال في الإنصاف: وأما لبسها ما يصف اللين والخشونة والحجم فيكره. (¬3) نسجه حاكه، وأصل النسج ضم الشيء إلى الشيء، والورق بالفتح من الشجر، الواحدة ورقة، وبها سمي. قال في الإنصاف والإقناع وغيرهما: ورق شجر وحشيش ونحوهما اهـ، وكليف، وأما الكاغد فقال بعضهم: لم يوجد في الكلام القديم. بل الورق اسم لجلود رقاق يكتب فيها، وهي مستعارة من ورق الشجر، والجلد معروف، والنبات المراد من حشيش ونحوه. يقال: نبت الشيء ينبت نباتًا، قال الفراء: النبات اسم يقوم مقام المصدر، وقال الليث: كل ما أنبت الله في الأرض فهو نبت، والنبات فعله، ويجري مجرى اسمه، وكذا مظفور من جلود وشعر ونحوها. (¬4) ونحوهما مما يضره كالشريحة، ولو لم يجد غيرها؛ لأن الضرر مطلوب زواله شرعًا، وربما لا يتمكن المصلي في تلك من جميع أفعال الصلاة، أي فلا يجب مع وجود تلك ستر عورته لعدم سواها، والبارية ما يصنع على هيئة الحصر من القصب الفارسي، وهو المعروف في الاستعمال، وفي القاموس وغيره: هي الحصير اهـ. والحصير البارية جمعه حصر، مثل بريد وبرد، المنسوج من خوص ونحوه، ثم يفرش، سمي بذلك؛ لأنه يلي وجه الأرض.

وحفيرة وطين، وماء كدر لعدم (¬1) لأنه ليس بسترة (¬2) ويباح كشفها لتداو، وتخل ونحوهما (¬3) ولزوج وسيد وزوجة وأمة (¬4) (وعورة رجل) ومن بلغ عشرًا (¬5) . ¬

_ (¬1) أي لا يجب ستر العورة لعدم بذلك نص عليه، وقال الشيخ: وهو الصواب المقطوع به، لما فيه من الحرج والضرر، وعدم الثبات، وعدم جري العادة بالستر به، والحفيرة ما يحفر في الأرض، فعليه بمعنى مفعولة والكدر ضد العافي. (¬2) ولكن يستحب أن يستتر بحائط أو شجرة ونحو ذلك إن أمكن. (¬3) كختان وحلق عانة ممن لا يحسنه، ومعرفة بلوغ وبكارة وثيوبة وعيب وولادة ونحو ذلك، وكاستنجاء وغسل ونحوهما، ويباح كشفها لنظر الغير إليها لضرورة أو حاجة، قال في المبدع: حيث جاز كشفها فإنه لا يحرم هو ولا لمسها اتفاقا. (¬4) مباحة لقوله احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك فيباح كشف العورة ونظرها لمن ذكر، والنساء مع النساء كالرجال مع الرجال، فللمرأة أن ترى من المرأة ما يراه الرجل من الرجل. (¬5) أي وعورة ذكر بالغ ولو عبدا، وكذا عورة من بلغ عشر سنين حرا كان أو عبدا ما بين السرة والركبة، لحديث علي لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت، رواه أبو داود وابن ماجه، ولحديث جرهد الأسلمي غط فخذك فإن الفخذ عورة، رواه مالك وأحمد والترمذي وحسنه، وفيه أحاديث أخر، قال الطحاوي: قد جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار متواترة فيها أن الفخذ عورة، وهو قول الجمهور، وقيل سماه عورة لتأكد استحباب ستره، لما جاء عنه من حديث أنس وغيره في انحسار إزاره صلى الله عليه وسلم عن فخذه، والأمر بستره أحوط.

كل الحرة عورة إلا وجهها حيث لا يراها أجنبي وقال جمع وكفيها

(وأمه وأم ولد) ومكاتبة ومدبرة (ومعتق بعضها) (¬1) وحرة مميزة ومراهقة (من السرة إلى الركبة) (¬2) . ¬

_ (¬1) أي وعورة أمة ما بين السرة إلى الركبة وفاقا، وقال المجد وغيره: إجماعا، وقال الشيخ: لا يختلف المذهب أن ما بين السرة والركبة من الأمة عورة، قال: وقد حكى جماعة من أصحابنا أن عورتها السوأتان فقط، كالرواية في عورة الرجل، قال: وهذا غلط قبيح فاحش على المذهب خصوصا، وعلى الشريعة عموما، وكلام أحمد أبعد شيء عن هذا القول اهـ وزاد أبو حنيفة وظهرها وبطنها عورة، لحديث عمرو بن شعيب، إذا زوج أحدكم عبده أمته أو أجيره فلا ينظر إلى شيء من عورته، فإن ما تحت سرته إلى ركبته عورة، رواه أحمد وأبو داود، والمراد أمته، وكان عمر ينهي الأمة عن التقنع واشتهر فكان الإجماع، والأمة خلاف الحرة، والجمع إماء وآم كقاض، ويجمع على إموان كإسلام، وكذا أم الولد، وهي من ولدت من مالكها أو أبيه، والمكاتبة وهي من باعها سيدها على مال منجم، والمدبرة وهي من علق عتقها بالموت، وكذا معلق عتقها على صفة فعورتهن ما بين السرة إلى الركبة، لبقاء الرق فيهن، ومعتق بعضها كذلك استظهره جمع وصوبه في الإنصاف، دون الحرة فلم تلحق بالرجل، والمقتضي بالإجماع هو الحرية الكاملة، فلم توجد فيهن، وقال أبو حامد وغيره: أجمع العلماء على أن رأس الأمة ليس بعورة، مزوجة كانت أو غير مزوجة. (¬2) أي وعورة حرة مميزة وهي من لها سبع سنين، ويفهم منه أن الأمة المميزة ليست كذلك، بل هي كالذكر، وعورة مراهقة بكسر الهاء أي مقاربة البلوغ، من السرة إلى الركبة بلا خلاف، إلا ما روي عن أبي حنيفة في الركبة، ويستحب استتارهن كالحرة البالغة احتياطا ويأتي.

وليسا من العورة (¬1) وابن سبع إلى عشر الفرجان (¬2) (وكل الحرة) البالغة (عورة (¬3) إلا وجهها) فليس عورة في الصلاة (¬4) ¬

_ (¬1) أي ليست السرة والركبة من العورة، واستثناهما لإيهام دخول الغاية، ولو عبر بـ (ـما بين) لكان أظهر، لأن العورة ما بينهما، لحديث عمرو وتقدم، وحديث أبي أيوب أسفل السرة وفوق الركبة، وحديث ما بين السرة والركبة، وفي الصحيح أنه كان صلى الله عليه وسلم قاعدا فكشف عن ركبته، قال الوزير: اتفقوا على أن السرة من الرجل ليست عورة، وقال مالك والشافعي وأحمد في الركبة: ليست من العورة. (¬2) الدبر والقبل فقط، لأنه دون البلوغ، وكذا خنثى له سبع سنين، وعلم منه أن من ليس له إلا دون سبع لا حكم لعورته، لأن حكم الطفولية منجر عليه إلى التمييز وتقدم أنه يشترط لصحة صلاته ما يشترط لصحة صلاة الكبير إلا في السترة. (¬3) لقوله عليه الصلاة والسلام المرأة عورة صححه الترمذي من حديث بن مسعود، ولحديث أم سلمة: أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها، رواه أبو داود، والصحيح وقفه ولأبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث عائشة لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم أن المرأة إذا أدركت فصلت وشيء من عورتها مكشوف لا تجوز صلاتها. (¬4) قال الشارح: بلا خلاف نعلمه، وقال القاضي: إجماعا والمراد حيث لا يراها أجنبي وقال جمع: وكفيها، وهو مذهب مالك والشافعي: لقوله تعالى: {إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قاله ابن عباس وغيره: وجهها وكفيها، واختار المجد والشيخ وغيرهما وقدميها، وجزم به في العمدة، وهو مذهب أبي حنيفة، وصوبه في الإنصاف، وما عدا ذلك عورة بالإجماع، وأما خارج الصلاة فعورة باعتبار النظر كبقية بدنها، وهو مذهب مالك والشافعي للخبر، قال الشيخ: والتحقيق أن الوجه ليس بعورة في الصلاة، وهو عورة في باب النظر إذا لم يجز النظر إليه، وصوبه في الإنصاف.

(وتستحب صلاته في ثوبين) كالقميص والرداء والإزار أو السراويل مع القميص (¬1) . ¬

_ (¬1) ذكره بعضهم إجماعا، مع ستر رأسه والإمام آكد، لأنه يقتدي به، وبين يدي المأمومين، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي كذلك، ولقول عمر: إذا وسع الله عليكم فأوسعوا والقميص جمعه قمصان وقمص، وهو ما يلبس على الجلد من قطن وكتان، لا من صوف، والرداء الملحفة يشتمل بها، والإزار الملحفة أيضا، وكل ما ستر، وفسره بعضهم بما يستر أسفل البدن، والرداء ما يستر به أعلاه، وكلاهما غير مخيط، وقيل: الإزار ما تحت العاتق، والرداء ما فوقه والظهر، والكل صحيح، فيستحب أحدهما مع القميص، والأفضل القميض والرداء ثم الإزار، أو السراويل مع القميص، ثم أحدهما مع الرداء، وأفضلهما مع الإزار الرداء، لأنه لبس الصحابة، ولا يحكي تقاطيع الخلقة، وأفضلهما تحت القميص السراويل، لأنه أستر، وقال الشيخ: الأفضل مع القميص السراويل، من غير حاجة إلى الإزار والرداء، وقال القاضي: يستحب لبس القميص ولا يكره في ثوب يستر ما يجب ستره، لما في الصحيحين لما سأل صلى الله عليه وسلم في الثوب الواحد؟ قال أو لكلكم ثوبان؟ قال النووي: لا خلاف في جواز الصلاة في الثوب الواحد، وأجمعوا على أن الصلاة في الثوبين أفضل، والله تعالى أمر بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة، وهو أخذ الزينة فقال: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} فعلق الأمر باسم الزينة، لا بستر العورة إيذانا بأن العبد ينبغي له أن يلبس أزين ثيابه وأجملها في الصلاة، للوقوف بين يديه تبارك وتعالى، والتذلل له والخضوع لجلاله، ويسن لبس الثياب البيض، والنظافة في ثوبه وبدنه، باتفاق أهل العلم.

قالت عائشة لا بد للمرأة في الصلاة من ثلاثة أثواب إذا وجدتها

(ويكفي ستر عورته) أي عورة الرجل (في النفل (¬1) و) ستر عورته (مع) جميع (أحد عاتقيه في الفرض) (¬2) ولو بما يصف البشرة (¬3) لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» ، رواه الشيخان عن أبي هريرة (¬4) . ¬

_ (¬1) إجماعا لأن مبناه على التخفيف. (¬2) لا بعض العاتق والعاتق اسم فاعل، موضع الرداء من المنكب، ونجاد السيف من الكتف، أو ما بين المنكب والعنق، جمعه عواتق، وعتق، يذكر ويؤنث والمنكب مجتمع رأس العضد والكتف، وظاهره ولو فرض كفاية، ومثله النذر واليمين، وقال الوزير: أجمعوا على أنه لا يجب على المصلي ستر المنكبين في الصلاة فرضا أو نفلا إلا أحمد، فأوجبه في الفرض، وعنه في النفل روايتان وقال النووي وغيره، فيه عن أحمد روايتان إحداهما أنه لا يجب في الفرض ولا في النفل، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وجمهور السلف والخلف، لقوله فاتزر به. (¬3) أتى بـ (لو) إشارة للخلاف فيه. (¬4) رضي الله عنه، ولفظ مسلم على عاتقيه بالتثنية أي لا يتزر في وسطه ويشد طرفي الثوب في حقويه، بل يتوشح بهما على عاتقيه، قال أهل العلم: حكمته أنه إذا اتزر به ولم يكن على عاتقه منه شيء لم يؤمن أن تنكشف عورته أو حكمته أن لا يخلو العاتق من شيء، لأنه أقرب إلى الأدب وأنسب إلى الحياء من الرب، وأكمل في أخذ الزينة عند المطلب، وفي البخاري من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه، ولأحمد وأبي داود على عاتقيه، وفي الصحيحين إن كان الثوب واسعا فالتحف به، وإن كان ضيقا فاتزر به.

(و) تستحب (صلاتها) أي صلاة المرأة (في درع) وهو القميص (¬1) (وخمار) وهو ما تضعه على رأسها وتديره تحت حلقها (¬2) (وملحفة) أي ثوب تلتحف به (¬3) وتكره صلاتها في نقاب وبرقع (¬4) . ¬

_ (¬1) قاله عامة أهل اللغة، مذكر جمعه أدراع، وقال أحمد: شبه القميص لكنه سابغ يغطي قدميها. (¬2) بكسر الخاء المعجمة وهو النصيف، وكل ما ستر شيئا فهو خماره، ومنه خمار المرأة تغطي به رأسها، جمعه أخمرة وخمر وخمر، روي عن عمر وغيره، واختمرت المرأة لبست الخمار ومنه قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} أي يلقين مقانعهن ليسترن أعناقهن وصدورهن. (¬3) إجماعا في الثلاثة، والملحفة بكسر الميم ما ذكره واللحاف اللباس فوق سائر اللباس وكل ثوب يلتحف به، من دثار البرد ونحوه، وتسمى الجلباب، والملاءة، جمعها ملاحف، قالت عائشة: لا بد للمرأة في الصلاة من ثلاثة أثواب إذا وجدتها الخمار والجلباب والدرع، وحكمته المبالغة في سترها وأن لا تبين عجيزتها. (¬4) بلا حاجة كحضور أجانب، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن على المرأة أن تكشف وجهها في الصلاة، ولأنه يخل بمباشرة المصلي بالجبهة والأنف، والنقاب جمعه نقب، مثل كتاب وكتب، وتنقبت غطت وجهها بالنقاب، وهو القناع على مارن الأنف، تستر به المرأة وجهها، وقال أبو عبيد: النقاب هو الذي يبدو منه محجر العينين، وقال الفراء: إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينها فتلك الوصوصة، وإن أنزلت دون لك إلى المحجر فهو النقاب، فإن كان على طرف الأنف فهو اللثام، والبرقع بالفتح والضم خريقة تثقب للعينين، تلبسها نساء الأعراب فتستر الوجه فقط، أو الوجه ومقدم الجسم، جمعه براقع، وتبرقعت المرأة لبست البرقع.

(ويجزئ) المرأة (ستر عورتها) في فرض ونفل (¬1) (ومن انكشف بعض عورته) في الصلاة رجلا كان أو امرأة (¬2) (وفحش) عرفا (¬3) وطال الزمن أعاد (¬4) وإن قصر الزمان (¬5) أو لم يفحش المكشوف (¬6) ولو طال الزمن لم يعد إن لم يتعمده (¬7) . ¬

_ (¬1) إن اقتصرت على ستر ما سوى وجهها، قال أحمد: اتفق عامتهم على درع وخمار، وما زاد فهو خير وأستر، ولأنها: سترت ما يجب عليها ستره، فاكتفي به. (¬2) أي ظهر وبدا منها البعض في الصلاة، فرضا كانت الصلاة أو نفلا بلا قصد. (¬3) أي في العرف لأنه لا تحديد فيه شرعا، فرجع فيه إلى العرف والعادة. (¬4) لأن الأصل وجوب ستر جميع العورة، لما تقدم من الآية وحكاية الإجماع وحديث لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار، وغيره من الأحاديث ولا فرق بين الرجل والمرأة بالاتفاق، وإذا وجب الستر اقتضى جميع العورة فلا يقبل تخصيص البعض إلا بدليل ظاهر، وإنما عفي عنه في اليسير لمشقة التحرز وأجمعواعلى أن المرأة إذا صلت وجميع رأسها مكشوف أن عليه الإعادة. (¬5) ولو كثر الإنكشاف كما لو أطارت الريح سترته فأعادها سريعا بلا عمل كثير لم يعد. (¬6) لم يعد، ويعتبر الفحش في كل عضو بحسبه، إذ يفحش من المغلظة ما لا يفحش من غيرها. (¬7) لقول عمرو بن سلمة كنت أؤمهم وعلي بردة صغيرة، فكنت إذا سجدت انكشفت عني فقالت امرأة واروا عنا سوءة قارئكم وفي رواية فيها فتوق فكنت إذا سجدت فيها خرجت استي، رواه أبو داود وغيره، ولفظ البخاري تقلصت عني، أي ارتفعت إلى أعالي البدن وانتشر ولم ينكر، ولأن ثياب الأغنياء لا تخلو من فتوق والفقراء من خروق غالبا، والاحتراز يشق، فإن تعمد الانكشاف بطلت، لأن التحرز ممكن من غير مشقة، أشبه سائر العورة، قال عثمان: انكشاف العورة فيها ثمان صور: لأن المنكشف إما أن يكون يسيرا بأن لا يفحش عرفا في النظر، وإما أن يكون كثيرا، وعلى التقديرين إما أن يطول الزمن أولا؟ وعلى التقادير الأربع إما أن يكون عمدا أو لا ففي العمد بصوره الأربع تبطل الصلاة، وفي غيره تبطل فيما إذا كثر المنكشف وطال زمنه، وفي الثلاث الباقية لا تبطل وهي ما إذا قل المنكشف وطال الزمن، أو قصر أو كثر المنكشف وقصر الزمن ولم يتعمد في الثلاث.

(أو صلى في ثوب محرم عليه) (¬1) كمغضوب كله أو بعضه (¬2) . ¬

_ (¬1) أعاد ولو عليه غيره، وعنه: تصح مع التحريم وفاقا: واختاره الخلال وصاحب الفنون وغيرهما، وقال الشيخ: منشأ القول بالصحة أن جهة الطاعة مغايرة لجهة المعصية، فيجوز أن يثاب من وجه ويعاقب من وجه، وإن كان المصلي جاهلا بالمكان أو الثوب، أنه حرام فلا إعادة عليه، سواء قلنا إن الجاهل بالنجاسة يعيد أو لا يعيد؟ لأن عدم علمه بالنجاسة لا يمنع العين أن تكون نجسة، وكذا إذا لم يعلم بالتحريم لم يكن فعله معصية، بل يكون طاعة. (¬2) أو ثمنه المعين حرام، أو بعضه، ومثله مسروق ونحوه، رجلا كان أو امرأة، لقول ابن عمر: من اشترى ثوبا وفيه درهم حرام لم يقبل الله صلاته ما دام عليه، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه، وقال: صمتا إن لم أكن سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أحمد، وفي إسناده هاشم، وبقية ولأن لبثه فيه محرم.

وحرير ومنسوج بذهب أو فضة (¬1) إن كان رجلا واجدا غيره، وصلى فيه عالما ذاكرا أعاد (¬2) ، وكذا إذا صلى في مكان غصب (¬3) . ¬

_ (¬1) أو أكثره حرير أو منسوج بذهب أو فضة، أو مطلي أو مكفت أو مطعم بأحدهما، قال في الرعاية: حرم مطلقا، والصلاة في الحرير من غير حاجة حرام بالنص والإجماع ويأتي قول الشيخ في الطراز ونحوه. (¬2) أي إن كان من صلى في ثوب حرير أو منسوج بذهب أو فضة رجلا لا امرأة فتصح صلاتها لأنها غير آثمة وكان واجدا غيره وصلى في ذلك الثوب عالما تحريمه ذاكرا أعاد، و (عالما ذاكرا) حالان من فاعل صلى، وعنه: تصح مع التحريم، اختاره الخلال وغيره وفاقا، فإن لم يجد غيره، أو لبس الحرير لحاجة، أو صلى فيه جاهلا تحريمه، أو ناسيا لم يعد، ذكره المجد إجماعا، لأنه غير آثم، ولزوال علة الفساد، ولا يبطل الصلاة لبس عمامة أو خاتم منهي عنهما ونحوهما، لأن النهي لا يعود إلى شرط الصلاة، وقال في الاختيارات: ينبغي أن يكون على هذا الخلاف الذي يجرثوبه خيلاء في الصلاة، لأن المذهب أنه حرام وكذلك من لبس ثوبا فيه تصاوير، ومثله كل ثوب يحرم لبسه. (¬3) أعاد، ولو منفعة أو بعضها، ويلحق به لو كان في ساباط، لا يحل إخراجه أو غصب راحلة وصلى عليها، أو لوحا فجعله سفينة، قال الشيخ: بطلان فرضه قوي، ولو غير هيئة مسجد فكغصب وإن منعه غيره أو زحمه وصلى مكانه ففي الصلاة وجهان، قال الشيخ: الأقوى البطلان، وعنه: تصح مع التحريم اتفاقا، واختاره الخلال وغيره، وإن جهل كونه غصبا، أو نسي صحت، ذكره المجد إجماعا، لأنه غير آثم، وقال الشيخ: ينبغي أن لا تجب عليه الإعادة صلاته بقدره، ولا تبرأ ذمته كبراءة من صلى صلاة تامة، ولا يعاقب عقوبة من لم يصل، بل يعاقب على قدر ذنبه.

من وجد كفاية عورته سترها وجوبا

(أو) صلى في ثوب (نجس أعاد) (¬1) ولو لعدم غيره (¬2) (لا من حبس في محل) غصب (¬3) أو (نجس) (¬4) ويركع ويسجد إن كانت النجاسة يابسة (¬5) . ¬

_ (¬1) لأنه قادر على اجتنابه في الجملة، والمراد المتنجس، أما لو كان نجس العين كجلد ميتة صلى عريانا بلا إعادة، قاله في المبدع. (¬2) أو لعجزه عن تطهير في الوقت، ويصلي فيه، لأن السترة آكد من إزالة النجاسة لوجوبها، فقدم الآكد عند التزاحم، ووجبت الإعادة لاستدراك ما حصل من الخلل، وعنه لا يعيد، اختاره الموفق والشارح وغيرهما، لأن التحرز من النجاسة شرط عجز عنه فسقط، والسنة إنما وردت بالإعادة لمن ترك واجبا من واجبات الصلاة، كالمسيء وصاحب اللمعة، والمنفرد خلف الصف لغير عذر أن يصلي الفرض مرتين، إلا إذا لم يفعل الواجب الذي يقدر عليه في المرة الأولى، مثل أن يصلي بلا طمأنينة أو بلا وضوء اهـ ونهى عليه الصلاة والسلام عن الصلاة مرتين، رواه أبو داود والنسائي وصححه النووي. (¬3) فتصح ولا إعادة، ذكره المجد إجماعا، ولعله ما لم يكن حبس بحق يجب، لأنه قادر على استخلاص نفسه، أو كان هو الغاصب، لأنه قادر على رفع يده. (¬4) أي ولا يعيد من حبس في محل نجس ونحوه، قال في الاختيارات، وكذا كل مكره على الكون بالمكان النجس والغصب، بحيث يخاف ضررا من الخروج في نفسه أو ماله، ينبغي أن يكون كالمجوس، فإن جهل أو نسي كونه مغصوبا أو حريرا صحت، حكاه المجد إجماعا. (¬5) لأن السجود مقصود في نفسه، ومجمع على فرضيته، وعدم سقوطه.

ويومئ برطبة غاية ما يمكنه (¬1) ويجلس على قدميه (¬2) ويصلي عريانا مع ثوب مغصوب لم يجد غيره (¬3) ، وفي حرير ونحوه لعدم غيره (¬4) ولا يصح نفل آبق (¬5) (ومن وجد كفاية عورته (¬6) ¬

_ (¬1) أي يومئ بركوع وسجود من حبس ببقعة نجسة، رطبة ضد اليابسة غاية ما يمكنه يقرب أعضاءه من محل السجود بحيث لو زاد شيئا لمسته النجاسة. (¬2) ولا يضع على الأرض غيرهما قولا واحدا، تقليلا للنجاسة، لحديث إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. (¬3) وفاقا لأنه يحرم استعماله بكل حال، لعدم إذن الشارع في التصرف فيه مطلقا، ولأن تحريمه لحق آدمي، والعريان الذي خلع ثيابه، وعري من ثيابه يعري من باب تعب وتقدم. (¬4) أي يصلي في حرير ومنسوج بذهب أو فضة ونحوهما، لعدم غيرها وفاقا، وقالوا يلزمه الصلاة فيه، لأنه مأذون في لبسه في بعض الأحوال، كالحكة والجرب وضرورة البرد وعدم سترة غيره فليس منهيا عنه إذا، قال الخلوتي: والفرق أن الغصب لم تعهد إباحته، بخلاف الحرير فإنه أبيح للمرأة والعذر. (¬5) لأن زمنه مغصوب بخلاف فرضه، لأنه مستثنى شرعا فلم يغصب بخلاف زمن نفله، وقال الشيخ: بطلان فرضه قوي، وفي صحيح مسلم إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة وفي لفظ فقد كفر حتى يرجع إليهم، وفي صحيح ابن خزيمة ثلاثة لا تقبل لهم صلاة، وذكر الآبق، وذكروا أنه ليس له إلا فعل السنن الرواتب كالعبد والولد، وأنه يحرم منعهم من ذلك، وعليه، فيكون ما عداها على المنع. (¬6) أي ما يستر عورته، أو منكبه فقط.

سترها) وجوبا وترك غيرها، لأن سترها واجب في غير الصلاة، ففيها أولى (¬1) (وإلا) يجد ما يسترها كلها بل بعضها (فـ) لميستر (الفرجين) لأنهما أفحش (¬2) (فإن لم يكفهما) وكفى أحدهما فالدبر أولى (¬3) لأنه ينفرج في الركوع والسجود (¬4) إلا إذا كفت منكبه وعجزه فقط (¬5) . ¬

_ (¬1) ولأن ستر العورة متفق عليه، وبترك ستر المنكب، لأنه مختلف فيه ولحديث من لم يكن له ثوبان فليتزر، وحديث وإن كان ضيقا فاشدده على حقوك. (¬2) أي في النظر وهما عورة بلا نزاع، وغيرهما كالحريم التابع لهما. (¬3) أي فإن لم يكف الفرجين ما وجده من السترة وكفى أحدهما يعني الدبر أو القبل ستر أيهما شاء بلا نزاع، لاستوائهما في وجوب الستر، والدبر أولى من القبل، صححه المجد وغيره، وقيل القبل أولى، ومال إليه في الإنصاف، وقيل بالتساوي. (¬4) ولأنه أفحش، وظاهره أنه لا فرق بين أن يكون رجلا أو امرأة قال في المبدع، ويتوجه أنه يستر آلة الرجل إن كان هناك امرأة قال في المبدع: ويتوجه أن يستر آلة الرجل إن كان هناك امرأة وآلتها إن كان هناك رجل، وستر أكثرهما أولى. (¬5) بأن كانت إذا تركها على كتفه وسدلها من ورائه تستر عجزه، أو هو مستثنى من قوله: أو الفرجين باعتبار عموم الأحوال، أي ومن لم يجد إلا أن يستر الفرجين سترهما في كل حال، إلا إذا كفت منكبه وعجزه فيلزمه العدول إلى سترهما ويصلي جالسا ندبا، والجمهور على أنه يستر الفرجين فقط، والمنكب مجتمع رأس العضد والكتف، والعجز من الرجل والمرأة ما بين الوركين.

فيسترهما ويصلي جالسا (¬1) ويلزم العريان تحصيل السترة بثمن (¬2) أو أجرة مثلها أو زائدة يسيرا (¬3) (وإن أعير سترة لزمه قبولها) (¬4) لأنه قادر على ستر عورته بلا ضرر فيه (¬5) . ¬

_ (¬1) استحبابا لكونه يستر معظمها، والمغلظ منها، وستر المنكب لا بدل له فكان مراعاته أولى، لصحة حديث ستر المنكبين، ويؤخذ من كلام المصنف أنه تارة يجد ما يستر عورته فقط، أو منكبه فقط، فيتعين ستر عورته ويصلي قائما وجوبا، ويترك ستر عورته فقط، أو منكبه فقط، فيتعين ستر عورته ويصلي قائما وجوبا، ويترك ستر منكبيه، وتارة يجد ما يستر عورته فقط أو منكبه وعجزه فقط، فيلزمه الثاني، ويصلي جالسا استحباب، وأما إذا لم يجد إلا ما يستر العورة لا غير، أو لم يجد إلا ما يستر الفرجين، أو أحدهما لا غير، فعل ما قدر عليه في هذه الصور الثلاث، والدبر أولى في الأخير وعجزه، فيلزمه العدول إلى سترهما، ويصلي جالسا ندبا، وعنه: يتزر ويصلي قائما وفاقا، واختاره الموفق والمجد وغيرهما، وصححه شيخ الإسلام وابن منجا، وصوبه في الإنصاف لحديث اشدده على حقوك وغيره، ولأن القيام متفق على وجوبه، فلا يترك لأمر مختلف فيه. (¬2) أي ثمن مثلها في مكانها على القدرة، ولا تسقط عنه بلا نزاع. (¬3) على ثمن المثل، أو أجرة المثل كماء الوضوء، ويعتبر أن يكون فاضلا عن كفايته. (¬4) وفاقا، والعارية من العوار ككلام العيب، يقال أعرته الشيء إعارة وعارة، وقيل: سميت عارية لأنها عار على طالبها، ويقال: العارية مشتقة من العرية، وهي العطية، والعرية تمليك منفعة بلا عوض، وتأتي في بابها إن شاء الله تعالى. (¬5) ولأنه المنة لا تكثر فيها، وللزوم الستر عليه.

يكون إمام العراة وسطهم ويصلي كل نوع وحده

بخلاف الهبة للمنة (¬1) ولا يلزمه استعارتها (¬2) (ويصلي العاري) العاجز عن تحصيلها (قاعدا) (¬3) ولا يتربع بل ينضام (¬4) (بالإيماء استحباب فيهما) أي في القعود والإيماء بالركوع والسجود (¬5) فلو صلى قائما وركع وسجد جاز (¬6) . ¬

_ (¬1) فلا يلزمه قبولها هبة، لما يلحقه من المنة، وقال الموفق: ويحتمل أن يلزمه لأن العار في كشف العورة أكثر من الضرر فيما يلحقه من المنة. (¬2) أي السترة قال الشيخ: واتفق المسلمون على أن العريان إذا لم يجد سترة صلى ولا إعادة عليه اهـ وإن وجد جلدا طاهرا، أو ورقا يمكن خصفه عليه، أو حشيشا يمكن ربطه عليه فيستتر به لزمه. (¬3) لما روي عن ابن عمر مرفوعا في قوم انكسر بهم المركب، فخرجوا عراة قال: يصلون جلوسا، يومئون إيماء بروءسهم ولم ينقل خلافه وعند مالك والشافعي يصلي قائما، ويركع ويسجد وصلاته صحيحة، وهو مخير عند أبي حنيفة. (¬4) أي لا يتربع في قعوده، بأن يثنى قدميه تحت فخذيه بل ينضام، أي يضم إحدى فخذيه على الأخرى لأنه أقل كشفا، ولا يتجافى نص عليه، وينضام صيغة مبالغة. (¬5) ويجعل السجود أخفض من الركوع، لأن الستر آكد من القيام، لعدم سقوطه في فرض أو نفل، ولا يختص بالصلاة. (¬6) لعموم قوله صلى الله عليه وسلم صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا، وعنه يلزمه اختاره الآجري وغيره، وهو مذهب مالك والشافعي، ولو زاد: أو قاعدا تناول كل منهما قوله، وركع وسجد، ولكان أولى لتناوله الصورتين.

(ويكون إمامهم) أي إمام العراة (وسطهم) أي بينهم وجوبا (¬1) ما لم يكونوا عميا أو في ظلمة (¬2) (ويصلي كل نوع) من رجال ونساء (وحده) لأنفسهم، إن اتسع محلهم (¬3) (فإن شق) ذلك (¬4) (صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم عكسوا فصلى النساء واستدبرهم الرجال (¬5)) (فإن وجد) المصلي عريانا (سترة قريبة) عرفا (¬6) . ¬

_ (¬1) جماعة صفا واحدا، وعنه ندبا، قدمه في الفروع وغيره، لأنه أستر من أن يتقدم عليهم، والوسط بسكون السين لما بين طرفي الشيء، لأنه ظرف، ويصلح فيه بين، وعكسه بالفتح، وقال المبرد: ما كان اسما فبالتحريك، وما كان ظرفا فمسكن، وقال الأزهري: كل ما كان يبين بعضه من بعض كوسط الصف والقلادة والسبحة وحلقة الناس فهو بالإسكان، وما كان مصمتا لا بين بعضه من بعض كالدار والساحة والراحة فهو وسط بالفتح، قال: وقد أجازوا في المفتوح الإسكان، ولم يجيزوا في الساكن الفتح. (¬2) عميا وعميانا وأعماء وعماء ذووا العماء، والظلمة ذهاب النور، جمعه ظلم وظلمات، فإذا كان العراة كذلك فيصلون جماعة، ويتقدمون إمامهم. (¬3) حتى لا يرى بعضهم عورة بعض، لأن المرأة إذا وقفت خلف الرجل شاهدت عورته، ومعه خلاف سنية الموقف، وربما أفضى إلى الفتنة. (¬4) يعني صلاة كل نوع وحده، لنحو ضيق محل. (¬5) لما في ذلك من تحصيل الجماعة، مع عدم رؤية الرجال النساء، وبالعكس. (¬6) أي تعد في العرف أنها قريبة.

(في أثناء الصلاة ستر) بها عورته (وبنى) على ما مضي من صلاته (¬1) (وإلا) يجدها قريبة بل وجدها بعيدة (¬2) (ابتدأ) الصلاة بعد ستر عورته (¬3) وكذا من عتقت فيها واحتاجت إليها (¬4) (ويكره في الصلاة السدل) (¬5) وهو طرح ثوب على كتفيه ولا يرد طرفه الآخر (¬6) . ¬

_ (¬1) كأهل قباء لما علموا بتحويل القبلة استداروا إليها وأتموا صلاتهم، قال النووي: إذا وجد السترة في أثناء الصلاة لزمه الستر بلا خلاف، لأنه شرط لم يأت عنه بدل بخلاف التيمم. (¬2) عرفا بحيث يحتاج إلى زمن طويل، أو عمل كثير. (¬3) أي استأنفها لأنه حينئذ لا يمكنه فعلها إلا بما ينافيها من العمل الكثير، أو بدون شرطها، وأما إذا لم يقدر على السترة إلا بعد الفراغ فقال في شرح الإقناع وغيره: لا يعيد سواء صلى قائما أو جالسا، كفاقد الطهورين. (¬4) أي الأمة ونحوها إذا عتقت في الصلاة واحتاجت إلى السترة، بأن كان رأسها مكشوفا مثلا، فإن كان الخمار بقربها تخمرت به وبنت، وإلا مضت إليه وتخمرت واستأنفت وكذا حكم من أطارت الريح سترته وهو في الصلاة، ومن أعار سترته وصلى عاريا لم تصح صلاته، ولكن إن لم يتمكن من استرجاعها أو سترة غيرها وصلى بحسب استطاعته فلا إعادة عليه، وتسن إعارتها إذا صلى، ويصلي بها واحدا فآخر، والمرأة أولى، وإن خاف خروج الوقت صلى عريانا. (¬5) سواء كان تحته ثوب أو لا، وسدل ثوبه سدلا من باب نصر: أرخاه وأرسله من غير ضم جانبه، لحديث أبي هريرة نهى عن السدل، رواه أبو داود وغيره، قال في الفروع، بإسناد جيد، لم يضعفه أحد. (¬6) قال الشيخ: هذا التفسير هو الصحيح المنصوص عن أحمد وقال: أبو عبيد: السدل المنهي عنه في الصلاة هو إسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه، فإن ضمهما فليس بسدل، وقال غيره: هو أن يلتحف بثوب ويدخل يديه من داخل، فيركع ويسجد وهو كذلك، وكانت اليهود تفعل ذلك، وهذا مطرد في القميص وغيره، حكاه أبو السعادات، وقيل: هو أن يرسل حتى يصيب الأرض، وقيل غير ذلك، والحجة في المنهي عن السدل، عموم الأحاديث الصحيحة في النهي عن إسبال الإزار، فإن رد أحد طرفيه على الكتف الأخرى، أو ضم طرفيه لم يكره، وإن طرح القباء على الكتفين من غير أن يدخل يديه في الكمين فلا بأس بذلك، قال الشيخ: باتفاق الفقهاء، وليس من السدل المكروه.

يكره في الصلاة تغطية وجهه واللثام على فمه وأنفه

(و) يكره فيها (اشتمال الصماء) (¬1) بأن يضطبع بثوب ليس عليه غيره (¬2) . ¬

_ (¬1) لما في الصحيحين عن أبي هريرة: نهى أن يشتمل الصماء بالثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، واشتمال الصماء على حذف الموصول، أي اشتمال الشملة الصماء، والهيئة الصماء التي تعرف بهذا الاسم، لأن الصماء ضرب من الاشتمال، قيل لها صماء لأنه لا منفذ فيها، كالصخرة الصماء التي لا صدع فيها ولا خرق. (¬2) حكاه أبو عبيد وغيره عن الفقهاء، أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه، فيبدو منه فرجة، وهم أعلم بالتأويل، وقال: اشتمال الصماء أن يجلل جسده بثوب، نحو شملة الأعراب بأكسيتهم، وهو أن يرد الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن، فيغطيها جميعا اهـ ويضطبع وزن يفتعل، لما وقعت تاء الافتعال بعد حرف الإطباق، وجب قلبها طاء، وجاء مفسرا في الصحيح في النهي عن اللبستين اشتمال الصماء، والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب، ولأبي داود وغيره بسند صحيح عن ابن عمر فإن لم يكن إلا ثوب واحد فليتزر به، ولا يشتمل اشتمال اليهود قال الخطابي: هو أن يحلل بدنه بالثوب، ويسلبه من غير أن يرفع طرفه، واشتمال الصماء أن يجلل بدنه بالثوب ثم يرد طرفيه على عاتقه الأيسر، قال البغوي: وإلى هذا ذهب الفقهاء.

والاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر (¬1) فإن كان تحته ثوب غيره لم يكره (¬2) (و) يكره في الصلاة (تغطية وجهه (¬3) واللثام على فمه وأنفه) بلا سبب (¬4) لنهيه عليه السلام أن يغطي الرجل فاه، رواه أبو داود (¬5) وفي تغطية الفم تشبه بفعل المجوس عند عبادتهم النيران (¬6) . ¬

_ (¬1) واضطبع الرجل أبدى إحدى ضبعيه، من الضبع وهي العضد كلها، أو وسطها بلحمها، وإنما كره ذلك لأنه إذا فعله وليس عليه ثوب غيره بدت عورته. (¬2) لأنها لبسة المحرم، وفعلها صلى الله عليه وسلم. (¬3) وللحديث فإن فيه تنبيها على كراهة تغطية الوجه، لاشتماله على تغطية الفم، ولأن الصلاة لها تحليل وتحريم فشرع لها كشف الوجه كالإحرام. (¬4) من حر أو برد أو غير ذلك، ولسبب لا بأس قال أحمد: لا بأس بتغطية الوجه لحر أو برد، واللثام ما كان على الفم، أو ما يغطي به الشفة من ثوب ونحوه، وقيل: رد الرجل عمامته على أنفه، وأصل الفم الفوه، والفم والفاه والفوه بمعنى جمه أفواه باعتبار الأصل وأفمام، وتقدم والأنف المنخر، جمعه آنف وآناف وأنوف. (¬5) من حديث أبي هريرة، وقال ابن حبان: لأنه من زي المجوس. (¬6) ويأتي في الحديث من تشبه بقوم فهو منهم، والمجوس أمة من العجم وغيرهم، يعبدون الشمس والقمر، وقيل يعبدون النار، وتقدم وقيل مجوس رجل صغير الأذنين، وضع دينا ودعا إليه، معرب: منج كوش، والمجوسية نحلتهم وملتهم.

حديث من تشبه بقوم فهو منهم، قال الشيخ أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه

(و) يكره فيها (كف كمه) أي أن يكفه عن السجود معه (¬1) (ولفه) أي لف كمه بلا سبب (¬2) لقوله عليه السلام: «ولا أكف شعرا ولا ثوبا» متفق عليه (¬3) . (و) يكره فيها (شد وسطه كزنار) أي بما يشبه شد الزنار (¬4) . ¬

_ (¬1) والكم جمعه أكمام وكممة مدخل اليد ومخرجها من الثوب ونحوه، وكفه جمعه وضمه، للحديث الآتي «ولا أكف شعرا ولا ثوبا» وفي الرعاية وتشميره. (¬2) من حر أو برد أو غير ذلك، ولفه ضمه وجمعه ضد نشره، والكف واللف بمعنى ولم أره لغيرهما من الأصحاب. (¬3) من حديث ابن عباس، واتفق أهل العلم على كراهة ذلك، ولا تبطل به إجماعا حكاه ابن جرير، ومذهب الجمهور أن النهي لكل من صلى كذلك، سواء تعمده للصلاة، أو كان كذلك قبلها، وصلى على حاله بغير ضرورة، وقال مالك: من صلى محتزما، أو جمع شعره بوقاية أو شمر كميه، فإن كان ذلك باسه وهيئة قبل ذلك جاز، وإن كان إنما فعل ذلك ليكفت به شعرا أو ثوبا فلا خير فيه، وقول الجمهور هو مقتضى إطلاق الأحاديث الصحيحة، والحكمة أن الشعر يسجد معه، ولذا مثله بالذي يصلي وهو مكتوف كما يأتي. (¬4) أي يكره في الصلاة وكذا في غيرها شد وسطه بفتح السين، لأنه اسم كما يشبه شد الزنار على وسط الرهبان، والمجوس بخيط، ويرخي طرفا منه إلى قرب الأرض، لأنه يكره التشبه بالكفار، أو يحرم، وصرح بالكراهة مطلقا في الفروع والإقناع والمنتهي للخبر، وزنار وزن تفاح، وفي التعريفات: خيط غليظ بقدر الإصبع من الإبريسم يشد في الوسط اهـ وكان محكوما به على الذميين، فكانوا يشدون أوساطهم بخيط دقيق، وفيه المثل: الذمي إذا عطس ينقطع زناره، أي لدقته ولضغط أحشائه.

لما فيه من التشبه بأهل الكتاب (¬1) وفي الحديث «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح (¬2) ويكره للمرأة شد وسطها في الصلاة مطلقا (¬3) ولا يكره للرجل بما لا يشبه الزنار (¬4) . ¬

_ (¬1) اليهود والنصارى وكذا المجوس، وكانوا يشدون أوساطهم كما مر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشبه بهم، وأجمع العلماء على النهي عن التشبه بهم، ولا فرق إلا بما يتميزون به من اللباس. (¬2) قال الشيخ: أقل أحوال هذا الحديث أنه يقتضي تحريم التشبه، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، ولأحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده مرفوعا «ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى» وللترمذي نحوه، ومخالفتهم أمر مقصود للشارع، والمشابهة تورث مودة، ومشابهتهم فيما ليس من شرعنا يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر، وقد يصير كفرا بحسب الأدلة. (¬3) أي سواء كان يشبه شد الزنار أولا، لأن ذلك يبين حجم عجيزتها، ويبين عكنها وتقاطيع بدنها، والمطلوب ستر ذلك، وكذا الرقيق الذي يحكي خلقتها ولا يكره شد المرأة وسطها خارج الصلاة، لأنه معهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقبله، وصح أن هاجر اتخذت منطقا، وكان لأسماء منطقا والمنطق هو ما تشد به المرأة وسطها عند الشغل لئلا تعثر في ذيلها. (¬4) كمنديل ومنطقة، لأنه أستر للعورة، قال أحمد: أليس قد روي عنه صلى الله عليه وسلم لا يصلي أحدكم إلا وهو محتزم، وسأل الرجل يصلي وعليه القميص، يأتزر بالمنديل؟ قال: نعم، فعله ابن عمر: وكان من عادة المسلمين شد الوسط على القباء.

يحرم تصوير الحيوان إجماعا فهو حرام وكبيرة سواء صنعه لما يمتهن أو لغيره، ومحل الصور مظنة الشرك

(وتحرم الخيلاء في ثوب وغيره) (¬1) في الصلاة وخارجها (¬2) في غير الحرب (¬3) لقوله عليه السلام «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه» متفق عليه (¬4) . ¬

_ (¬1) كقميص وقباء وطيلسان وشملة وسراويل، بإسبالها، وإسبال العمامة المراد به إرسال الذؤابة زائدا على ما جرت به العادة، قال الشيخ: إطالتها من الإسبال اهـ والخيلاء بضم الخاء ممدود العجب والكبر مأخوذ من التخيل وهو التشبه بالشيء فالمختال يتخيل في صورة من هو أعظم منه تكبرا، ومنه: اختال فهو ذو خيلاء إذا تكبر، والمخيلة والبطر والكبر والزهو، والتبختر والخيلاء بمعنى، وذكر ابن القيم أن خبث الملبس يكسب صاحبه هيئة خبيثة كالمطعم، ولذلك حرم لبس جلود النمور والسباع، لما يكسب القلب من الهيئة المشابهة لتلك الحيوانات، فإن الملابسة الظاهرة تسري إلى الباطن، ولذلك حرم لبس الحرير والذهب على الذكور، لما يكسب القلب من الهيئة المنافية للتواضع، الحالبة للفخر والخيلاء. (¬2) لعموم الأخبار. (¬3) فلا يحرم لإرهاب العدو، ولأنه صلى الله عليه وسلم رأى بعض أصحابه يمشي بين الصفين، يختال في مشيته فقال: إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن. (¬4) ولهما لا ينظر الله إلى من جر إزاره خيلاء يوم القيامة أي بطرا والمراد يجره هو جره على وجه الأرض، وفي الصحيح، «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار» ، ولمسلم «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم» ، وذكر منهم المسبل، وللترمذي وغيره وصححه إياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، والإسبال يستلزم جر الثوب ونحوه، وجر الثوب يستلزم الخيلاء في الغالب، وكل أحد يعلم أن من الناس من يسبل إزاره مع عدم خطورة الخيلاء بباله، ولأبي داود وغيره بإسناد صحيح من حديث ابن عمر الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، وله أيضا بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: بينما رجل يصلي مسبلا إزاره قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب فتوضأ ثم جاء فقال له: «اذهب فتوضأ» فقال له رجل: يا رسول الله مالك أمرته أن يتوضأ؟ فسكت عنه ثم قال: «إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل» والمسبل المخري له الجار طرفه خيلاء، ولعل الوعيد متوجه إلى من فعل اختيالا للقيد المصرح به في الصحيحين، ولقوله لأبي بكر إنك لم تفعل ذلك خيلاء وقال ابن العربي: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه، ويقول: لا أجره خيلاء، لأن النهي قد تناوله لفظا، إذ حكمه أن يقول لا أمتثله، وإطالة ذيله دال على تكبره، ونقل القاضي عياض عن العلماء أن الإسبال كل ما زاد على المعتاد في اللباس في الطول والسعة اهـ وهو حرام قاله الشيخ وغيره، وقال في الإنصاف: وهو الصواب الذي لا يعدل عنه.

ويجوز الإسبال من غير الخيلاء للحاجة (¬1) (و) يحرم (التصوير) أي على صورة حيوان (¬2) . ¬

_ (¬1) لما في الصحيح قال أبو بكر: إن أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء، وقوله: للحاجة كستر ساق قبيح من غير خيلاء فيباح له، ما لم يرد التدليس على النساء، ومثله قصيرة اتخذت رجلين من خضب فلم تعرف. (¬2) إجماعا للأخبار، وأما على غير صورة حيوان كشجر وكل ما لا روح فيه فيباح، لقول ابن عباس: فإن كنت فاعلا فاجعل الشجر، وما لا نفس له، متفق عليه، والصورة التمثال، والشكل، وكل ما يصور مشبها بخلق الله، من ذوات الأرواح وغيرها، و (صورة تصويرا) جعل له صورة وشكلا ونقشه ورسمه من (صاره) إذا أماله فالصورة مائلة إلى شبه وهيئة.

لا تجوز الصلاة في ثوب فيه تصاوير، ولا يسجد على الصورة

لحديث الترمذي وصححه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصورة في البيت وأن تصنع (¬1) وإن أزيل من الصورة ما لا تبقى معه حياة لم يكره (¬2) . ¬

_ (¬1) ولحديث ابن عباس كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم، وحديث أبي هريرة ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة أو ليخلقوا ذرة، وحديث الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال: أحيوا ما خلقتم، وحديث النمرقة رآها فلم يدخل فقالت: اشتريتها لتقعد عليها وتوسدها، فقال: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال: أحيوا ما خلقتم، وحديث النمرقة رآها فلم يدخل فقالت: اشتريتها لتقعد عليها وتوسدها، فقال: إن أصحاب هذه الصور بعذبون، الحديث وحديث: لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب، متفق عليه، ولغيرها من الأحاديث فتصوير الحيوان حرام وكبيرة، سواء صنعه لما يمتهن أو لغيره، وسواء كان في الدرهم أو الحيطان، أو الثياب أو الورق، أو غيرها، له جرم مستقل أو لا جزم بذلك غير واحد من أهل العلم بالحديث، وهو قول أكثر أهل العلم، وصوبه في الإنصاف، وجزم به شيخنا، لحديث عائشة: نصبت سترا فيه تصاوير فنزعه متفق عليه، ويؤيد التعميم ما رواه أحمد، فلا يدع وثنا إلا كسره ولا صورة إلا لطخها، وقوله: إلا نقضه، والنقض إزالة الصورة مع بقاء الثوب وفي رواية ثوب ونحوه، صوبه في الإنصاف وغيره، لقول عائشة: كان لا يترك شيئا فيه تصليب إلا قضبه، رواه أبو داود، ولأنه يلحق بالمصور، لاشتراكهما في أن كلا منهما عبد من دون الله، ولا تفسد الصلاة، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقطعها، ولم يعدها، وإنما قال: لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي، وأمر بها فأزيلت وفي الحديث: أمرت بكسر الأصنام، فيجب كسرها وطمسها، ومحل الصور منظنة الشرك، وغالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور. (¬2) كالرأس، أو لم يكن لها رأس، نص عليه لما روى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه من حديث أبي هريرة في امتناع جبرئيل، لأنه كان في البيت تمثال رجل، وفيه «فمر برأس التمثال الذي في باب البيت يقطع، يصير كهيئة الشجرة» (*) أو معه الصدر فلا لأن الوجه يطلق على الذات، ويقع عليه اسم الصورة، فالرائي له يقول: رأيت صورة فلان ونحوه، ولأن ما سواه الغالب عليه ستره باللباس.

(و) يحرم (استعماله) أي المصور على الذكر والأنثى في لبس وتعليق وستر جدر (¬1) لا افتراشه وجعله مخدا (¬2) (ويحرم) على الذكر (استعمال منسوج) بذهب أو فضة (¬3) . ¬

_ (¬1) إجماعا للأخبار المارة وغيرها. (¬2) أي المصور فيجوز، لأنه عليه الصلاة والسلام اتكأ على مخدة فيها صورة رواه أحمد، والمخدة بكسر الميم الوسادة، سميت بذلك لأنها توضع تحت الخد وفي الصحيحين وغيرهما من غير وجه امتناع الملائكة من دخول بيت فيه صورة وحديث النمرقة وغيره، قال النووي: لكونها معصية فاحشة، وتقدم ما رواه الترمذي وصححه: نهى عن الصورة في البيت فالأولى العمل بظواهر الأحاديث الصريحة الصحيحة الدالة على العموم، وتكره الصلاة على ما فيه صورة، ولو على ما يداس، جزم به في الفصول والوجيز وغيرهما، والسجود عليها أشد كراهة، وقال الشيخ: لا تجوز الصلاة في ثوب فيه تصاوير، لأنه يشبه حامل الصنم، ولا يسجد على الصورة لأنه يشبه عباد الصور. (¬3) وكذا يحرم على الخنثى لا الأنثى، لحديث أبي موسى حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم صححه الترمذي، وقال الشيخ لما ذكر علم الحرير وفي العلم الذهب نزاع بين العلماء، والأظهر جوازه أيضا فإن في ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (*) كذا في الأصل ولعل فيه سقط تقديره: (فإن بقي الوجه وحده) . السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا، وحكى في موضع أربعة أقوال: ثم قال: والرابع وهو الأظهر أنه يباح يسير الذهب في اللباس والسلاح، فيباح طراز الذهب إذا كان أربع أصابع فما دون، وقال أبو بكر: يباح واختاره المجد، وهو رواية عن أحمد، ولأنه يسير أشبه الحرير ويسير الفضة، وقال الشيخ: ولبس الفضة إذا لم يكن فيه لفظ عام بالتحريم لم يكن لأحد أن يحرم منه إلا ما قام الدليل الشرعي على تحريمه، فإذا جاءت السنة بإباحة خاتم الفضة كان ذلك دليلا على إباحة ذلك وما هو في معناه، وما هو أولى منه بالإباحة والتحريم يفتقر إلى دليل.

(أو) استعمال (مموه بذهب أو فضة) غير ما يأتي في الزكاة من أنواع الحلي (¬1) (قبل استحالته) (¬2) فإن تغير لونه ولم يحصل منه شيء بعرضه على النار لم يحرم (¬3) لعدم السرف والخيلاء (¬4) (و) تحرم (ثياب حرير) (¬5) . ¬

_ (¬1) يعني المباح، منسوجا كان المموه أولا، وتقدم تعريف تمويه الأواني، وتمويه المنسوج أن يذاب شيء من الذهب أو الفضة فيلقى فيه فيكتسب منه، وكذا ما طلي أو كفت أو طعم بأحدهما، كما تقدم في الآنية. (¬2) أي حوله عن طبعه ووصفه، وما حرم استعماله حرم تملكه وتمليكه لذلك، وعمل خياطة لمن حرم عليه، وأجرته نص عليه. (¬3) وقيل مطلقا أبيح في الأصح وفاقا، قاله في الفروع، وعرض على النار إحراقه بها ليتميز. (¬4) تقدم أن العلة ما يكسب استعمالها القلب من الهيئة المنافية للعبودية. (¬5) على الذكور في الصلاة وغيرها في غير حال العذر إجماعا، لحديث أبي موسى المتقدم، وحديث عمر لا تلبسوا الحرير، إلخ ولو كافرا، وعنه جواز لبس الحرير للكافر اختاره الشيخ، وفي الصحيحين أن عمر كسا أخا له مشركا بمكة ثوب حرير أعطاه إياه النبي صلى الله عليه وسلم.

(و) يحرم (ما) أي ثوب (هو) أي الحرير (أكثره ظهورا) مما نسج معه (¬1) (على الذكور) والخناثى دون النساء (¬2) لبسا بلا حاجة وافتراشا (¬3) واستنادا وتعليقا (¬4) وكتابه مهر (¬5) وستر جدر (¬6) . ¬

_ (¬1) فيحرم استعماله كالخالص، لأن الأكثر ملحق بالكل في أكثر الأحكام، ولو بطانة وتكة سراويل وشرابة، والمراد المفردة، كشرابة البريد، وحرم الأكثر استعماله مطلقا، فيدخل فيه شرابة البريد، لا تبعا فإنها تباح كزر، وقال ابن عبد القوي: يدخل في التحريم شرابة الدواة، وسلك المسبحة، واختار الآمدي إباحة يسير الحرير مفردا، والشرابة خيوط تضم ويعلق طرفها بالطربوش وغيره، ويتدلى الآخر جمعها شراريب، قال بعض المتأخرين: ولعل القيطان تباح كشرابة البريد. (¬2) قال ابن القيم: على أصح القولين، والنهي عن لبسه، والجلوس عليه متناول لافتراشه، كما هو متناول للالتحاف به، وذلك لبسه لغة وشرعا، فدل عل تحريم الافتراش النص الخاص، واللفظ العام والقياس الصحيح. (¬3) لحديث حذيفة الآتي، قال ابن القيم: والنهي عن لبسه، والجلوس عليه متناول لافتراشه، كما هو متناول للالتحاف به، وذلك لبسه لغة وشرعا، فدل على تحريم الافتراش النص الخاص، واللفظ العام والقياس الصحيح. (¬4) لحديث حذيفة نهى أن يلبس الحرير والديباج، وأن يجلس عليه، رواه البخاري. (¬5) أي في الحرير، اختاره الشيخ وغيره، وقيل يكره، قال صاحب التنقيح: وعليه العمل. (¬6) بالحرير لأنه استعمال له أشبه لبسه ولما في الستر به من السرف، ويكره بغير الحرير إلا لحاجة.

غير الكعبة المشرفة (¬1) لقوله عليه الصلاة والسلام «لا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» متفق عليه (¬2) وإذا فرش فوقه حائلا صفيقا جاز الجلوس عليه والصلاة (¬3) (لا إذا استويا) أي الحرير وما نسج معه ظهورا (¬4) ولا الخز وهو ما سدي بإبريسم وألحم بصوف أو قطن ونحوه (¬5) . ¬

_ (¬1) زادها الله تشريفا وتكريما، فلا يحرم سترها بالحرير إجماعا. (¬2) من حديث ابن عمر، وفيهما، نهانا عن لبس الحرير والديباج، وتواترت الأحاديث والآثار بتحريمه على الذكور، وحكى الإجماع عليه غير واحد من أئمة المسلمين. (¬3) لأنه حينئذ مفترش للحائل، مجانب للحرير، وقال ابن القيم: وإذا كان الحرير بطانة الفراء دون ظهارته، فالحكم في ذلك التحريم. (¬4) وحكى وزنا فلا يحرم، والوجه الثاني يحرم، صوبه في تصحيح الفروع، قال ابن عقيل والشيخ: الأشبه أنه يحرم، لعموم الخبر، ولأن النصف كثير، وليس تغليب التحليل بأولى من التحريم، ومن اعتبر الوزن فقد خالف ظواهر الأدلة، لأنه نهى عن حلة السيراء، ونهى عن القسي وهو ثياب مظلعة بالحرير، فجعل الحكم للظهور، ولم يسأل هل وزن ذلك الموضع من القطن والكتان أكثر أم لا، مع أن العادة أنه قل، فإن استويا فالأشبه بكلام أحمد التحريم. (¬5) كوبر وكتان إجماعا، لأن حريره مستتر، وفي الحديث: إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من الحرير، فأما العلم وسدى الثوب فليس به بأس، ورواه أبو داود وغيره، والخز عكس الملحم معنى وحكما، ولا بد من اشتراط عدم الظهور فيه، وهو في الأصل اسم دابة ثم أطلق على الثوب المتخذ من وبرها وقال ابن الأثير: الخز المعروف ثياب تنسج من صوب وإبريسم، وهي مباحة وقد لبسها الصحابة والتابعون، فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين، وإن أريد بالخز النوع الآخر، وهو المعروف الآن، فهو حرام، لأنه كله معمول من إبريسم، وعليه يحمل الحديث، يستحلون الخز والحرير اهـ قال في الاختيارات: الخز اسم لثلاثة أشياء، للوبر الذي ينسج مع الحرير، وهو وبر الأرنب، واسم لمجموع الخرير والوبر، واسم لردئ الحرير فالأول والثاني حلال، والثالث حرام، ثم قال: والمنصوص عن أحمد وقدماء الأصحاب إباحة الخز دون الملحم وغيره، فمن زعم أن في الخز خلافا فقد غلط، وقال عثمان: إباحته بشرط أن يكون الحرير مستورا، وغير الحرير هو الظاهر، وإلا فهو كالملحم المحرم، فإن الملحم عكس الخز صورة وحكما اهـ والأبريسم بكسر الراء وفتحها وفتح السين وضمها الحرير قبل أن يخرقه الدود، وبعد الخرق يسمى قزا، معرب إبريشم بالفارسية، والسدى من الثوب ما مد في النسج من خيوط أو هو خلاف لحمته.

يحرم إلباس صبي ما يحرم على رجل

(أو) لبس الحرير الخالص (لضرورة (¬1) أو حكة (¬2) أو مرض) أو قمل (¬3) . ¬

_ (¬1) كبرد وحر، قياسا على الحكة والقمل، فلا يحرم معها لبس ما كله حرير، ولا افتراشه ونحوه، وقال ابن تميم: من احتاج إلى لبس الحرير الحر أو برد أبيح له. (¬2) بالكسر وهي علة توجب الحكاك كالجرب، إلا أنه معه بثور وهي لا بصور معها، وتعم أكثر البدن في الغالب، ولو لم يؤثر لبسه في زوالها، لحديث أنس: رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص الحرير في سفر من حكة كانت بهما متفق عليه. (¬3) لحديث أنس ولفظه: أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم القمل، فرخص لهما في قميص الحرير، فرأيته عليهما متفق عليه.

(أو حرب) ولو بلا حاجة (¬1) (أو) كان الحرير (حشوا) لجباب أو فرش فلا يحرم (¬2) لعدم الفخر والخيلاء، بخلاف البطانة (¬3) ويحرم إلباس صبي ما يحرم على رجل (¬4) وتشبه رجل بأنثى في لباس وغيره وعكسه (¬5) . ¬

_ (¬1) فلا يحرم لبسه إذا تراء الجمعان إلى انقضاء القتال، قال الشيخ: يجوز عند القتال للضرورة باتفاق المسلمين، وذلك بأن لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح والوقاية اهـ ولأن المنع لما فيه من الخيلاء، وذلك غير مذموم في الحرب، ولو كان لبسه بلا حاجة، قال الشيخ: لباسه لإرهاب العدو فيه قولان أظهرهما جوازه. (¬2) لأنه ليس بلبس للحرير ولا افتراش، والجباب واحدها جبة، كغرفة، ثوب مقطوع الكم طويل، يلبس فوق الثياب، سمي جبابا لقطع كميه، والفرش واحدها فراش بالكسر. (¬3) بكسر الباء، وهي خلاف الظهارة، فتحرم إلا لحاجة. (¬4) من اللباس من حرير ومنسوج بذهب أو فضة، لقوله: وحرم على ذكورها، وعن جابر كنا ننزعه عن الغلمان، ومزقه عمر وابن مسعود، وما حرم على الرجل فعله حرم عليه أن يمكن منه الصغير، وهذا ظاهر في بطلان صلاة الصبي في ثوب الحرير ونحوه، لأن الفعل الواقع معصية مؤاخذة بها. (¬5) فيحرم تشبه رجل بأنثى في لباس لا يخاط إلا لها، وكذا يحرم غيره، ككلام ومشي وغيرهما، وكبعض صفات وحركات ونحوها، لمن تعمد ذلك، ومن كان بأصل الخلقة يؤمر بتكلف تركه، وإلا لحقه الذم، لا التشبه في أمور، خيرية ويحرم عكسه، وهو تشبه أنثى برجل في لباس كالقباء والعمامة وما لا يخاط إلا له، وكجيب الرجل وغيره، لأنه صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، رواه البخاري وغيره، ولعن الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل، رواه أبو داود بإسناد صحيح وللطبراني أنه رأى امرأة متقلدة قوسا فقال: لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، الحديث وعده أهل العلم من الكبائر للعن عليه، وقال غير واحد، اللباس يختلف باختلاف عادة كل بلد، فرب قوم لا يفترق زي نسائهم من رجالهم في اللباس، لكن يمتاز النساء بالاستتار والأحتجاب.

(أو كان) الحرير (علما) وهو طراز الثوب (¬1) (أربع أصابع فما دون (¬2) أو) كان (رقاعا (¬3) أو لبنة جيب) وهو الزيق (¬4) (وسجف فراء) جمع فرو (¬5) . ¬

_ (¬1) العلم هو رسم الثوب ورقمه، وأعلمت الثوب جعلت له علما من طراز وغيره، تنسج على حواشي الثوب، وطراز هو بكسر الطاء معرب، وجمعه طرز، فيباح لحديث ابن عباس: إنما نهى عن الثوب المصمت، أما العلم وسدى الثوب فليس به بأس، رواه أبو داود، وعنه يباح العلم وإن كان مذهبا، اختارها المجد والشيخ وتقدم. (¬2) إجماعا ودون بالضم لقطعه عن الإضافة أي فما دون أربع أصابع. (¬3) جمع رقعة وهي الخرقة المعروفة يسد بها خرق الثوب ونحوه، و (رقعت الثوب رقعا) من باب نفع، إذا جعلت فيه مكان القطع رقعة. (¬4) بكسر الزاي المحيط بالعنق، حكاه الجوهري وغيره، واللبنة بفتح اللام وكسرها الموحدة جيب القميص، وهو الطوق الذي يخرج منه الرأس، وهو ما فسره به الشارح. (¬5) والفراء بالكسر والمد لباس من جوخ ونحوه، يبطن بجلود، وسجف بالفتح ويكسر وككتاب الستر، جمعه سجوف وأسجاف، هذا الأصل، ثم استعير لما يركب على حواشي الثوب، يسميه بعض العامة سناجيف.

ونحوها مما يسجف (¬1) فكل ذلك يباح من الحرير إذا كان قدر أربع أصابع فأقل (¬2) لما روى مسلم عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة (¬3) ويباح أيضا كيس مصحف (¬4) وخياطة به وأزرار (¬5) (ويكره المعصفر) في غير إحرام (¬6) . ¬

_ (¬1) أي يركب على حواشيه حرير، وتخصيص الماتن الفراء بالسجوف ليس لاختصاص الحكم بل لأنها التي جرت العادة بتسجيفها، فلو سجف غيرها به كما ذكر الشارح جاز، كما يسجف القباء وأمثاله، والكلاه والطربوش. (¬2) أي فكل الذي ذكره من العلم والرقاع والسجف ولبنة الجيب وغيرها يباح بشرطه، وهو ما إذا كان قدر أربع أصابع فأقل، يعني من أربع أصابع، وأما ما زاد على أربع أصابع فلا. (¬3) ولأبي داود نهى عن الحرير إلا هكذا وهكذا إصبعين أو ثلاثا أو أربعا والذي في الصحيحين: إلا هكذا ورفع إصبعيه الوسطى والسبابة وضمهما يعني الأعلام. (¬4) تعظيما له، والكيس بالكسر ما يخاط من خرق وغيرها وتقدم. (¬5) أي بالحرير، لأنه يسير، والأزرار أن يجعل له أزرار جمع زر، بالكسر مما يوضع في القميص وغيره، فيشد بإدخاله في العروة. (¬6) أي يكره المعصفر للرجال، لحديث علي: ونهاني عن لبس المعصفر، رواه مسلم، وله من حديث ابن عمر ولما رأى عليه ثوبين معصفرين قال: إن هذا من ثياب الكفار فلا تلبسهما وهذا المذهب وعنه لا يكره وفاقا، واختاره الموفق وغيره، قال في الفروع، وهو أظهر وفي الصحيحين من حديث ابن عمر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بالصفرة، وعصفر الثوب صبغة بالعصفر فهو معصفر، والعصفر صبغ ونبت معروف، وقوله: في غير إحرام، أي وأما فيه فلا يكره نص عليه، وهكذا في المبدع وغيره، وفي حاشية المقنع لأنه يكره للرجل لبس المعصفر، في غير إحرام، ففيه أولى، وكذا في الإنصاف.

(و) يكره (المزعفر للرجال) (¬1) لأنه عليه الصلاة والسلام نهى الرجال عن التزعفر، متفق عليه (¬2) ويكره الأحمر الخالص (¬3) . ¬

_ (¬1) في غير إحرام، وأما فيه فحرام، كما سيأتي وتخصيصه الرجال دون النساء لتخصيص النهي كما تقدم، والمزعفر اسم مفعول، وزعفرت الثوب صبغته بالزعفران، فهو مزعفر، وتقدم تعريف الزعفران. (¬2) من حديث أنس، قال الحليمي: ورخص فيه جماعة، والسنة ألزم. (¬3) مما لونه الحمرة، أو المصبوغ بالحمرة، لما في صحيح مسلم عن علي نهى عن لباس المعصفر وخرج ما فيه حمرة وغيرها فلا يكره، وعنه: لا بأس بالخالص وفاقا، واختاره الموفق وغيره، لحديث البراء، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئا قط أحسن منه متفق عليه، وقال ابن القيم: وفي جواز لباس الأحمر من الثياب والجوخ نظر، وأما كراهته فشديدة جدا، والبرد الأحمر ليس هو أحمر مصمتا كما ظنه بعض الناس فإنه لو كان كذلك لم يكن بردا، وإنما فيه خطوط حمر فيسمى أحمر باعتبار ما فيه من ذلك، والذي يقوم عليه الدليل تحريم لباس الأحمر، أو كراهته كراهة شديدة، فأما غير الحمرة من الألوان، فلا يكره، وقيل لابن عمر: لم تصبغ بالصفرة؟ فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها، رواه أبو داود، ورأى أبو رمثة على النبي صلى الله عليه وسلم بردين أخضرين، ودخل صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، متفق عليه فيباح الأسود والأخضر، ويسن الأبيض.

يحرم لبس الشهرة

والمشي بنعل واحدة (¬1) وكون ثيابه فوق نصف ساقه (¬2) . ¬

_ (¬1) أي يكره بلا حاجة ولو يسيرا سواء كان في إصلاح الأخرى أو لا لحديث لا يمش أحدكم بنعل واحد متفق عليه، ولمسلم «لا يمش في الأخرى حتى يصلحها» وله «استكثروا من النعال، فإن أحدكم لا يزال راكبا ما انتعل» ولأنها تقيه الحر والبرد والنجاسة، ولأبي داود عن فضالة، كان يأمرنا أن تحتفي أحيانا، ولمسلم عن ابن عمر في عيادته عليه الصلاةوالسلام لسعد بن عبادة: فقام وقمنا معه، ونحن بضعة عشر ما علينا نعال، ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص، نمشي في السباخ، وروي أبو عوانة وغيره بأسانيد صحيحة، تمعددوا واخشوشنوا وانتعلوا وامشوا حفاة لتعتاد الأرجل الحر والبرد فتصلب وتقوى، وهو مشهور عن عمر، وعنه: ائترزا وارتدواوألقوا الخفاف والسراويلات، استغناء عنها بالأزر وهو زي العرب، وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل، وإياكم والتنعم وزي الأعاجم، وعليكم بالشمس، فإنها حمام العرب، وتمعددوا واخشوشنوا، واخلو لقوا، واقطعوا الركب وانزلوا، وارموا الأغراض، وهو مشتهر من طرق بألفاظ تعليما منه للفروسية، وتمرينا للبدن على التبذل، وعدم الرفاهية والتنعم، ولزوم زي ولد إسماعيل، ولأحمد عن معاذ مرفوعا إياكم والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين وآفات التنعم كثيرة، فإنها تورث الكسل والغفلة والمرح، وغير ذلك، وينبغي أن يتعاهد نعليه عند أبواب المساجد، لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه وينظر فيهما فإن رأى فيهما خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما» رواه أبو داود وغيره، وتسن الصلاة فيهما قاله الشيخ وغيره، وثبت صلاته فيهما، وأمره صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: خالفوا اليهود صلوا في نعالكم. (¬2) نص عليه لما روى أبو داود والنسائي والترمذي وصححه ارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وفي لفظ لأبي داود أزرة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج ولا جناح فيما بينه وبين الكعبين ولأن ما فوقه مجلبة لانكشاف العورة غالبا، وإشهار لنفسه، ويتأذى الساقان بحر أو برد، فينبغي كونه من نصفه إلى الكعب، لبعده من النجاسة والزهو والإعجاب.

من شروط الصلاة اجتناب النجاسة

أو تحت كعبه بلا حاجة (¬1) وللمرأة زيادة إلى ذراع (¬2) ويكره لبس الثوب الذي يصف البشرة للرجل والمرأة (¬3) وثوب الشهرة وهو ما يشتهر به عند الناس، ويشار إليه بالأصابع (¬4) . ¬

_ (¬1) لما جاء من النهي عن ذلك، والحاجة كستر ساق قبيح وتقدم. (¬2) لحديث أم سلمة يرخبن شبرا، قالت: إذا تنكشف؟ قال: يرخين ذراعا، لا يزدن عليه رواه أحمد والترمذي وحسنه، والمراد ذراع اليد، وقال جماعة: ذيل نساء المدن في البيت كرجل. (¬3) أي تظهر معه حال الجلد، وتبين هيئته من بشرة الرجل أو المرأة للخبر، وتقدم ولأنه لا يسمى ساترا. (¬4) الشهرة اسم من الاشتهار، وظهور الشيء في شنعة، حتى يشتهر للناس ويفتضح ومنه الحديث: نهى عن الشهرتين، وهي الفاخر من اللباس المرتفع في الغاية أو الرذل في الغاية، ولأبي داود من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة، قال شيخ الإسلام: يحرم لبس الشهرة، وهو ما قصد به الارتفاع عند الناس، وإظهار الترفع، أو إظهار التواضع والزهد، لكراهة السلف لذلك، وقال غير واحد من السلف، لباس الشهرة مما يزري بصاحبه، ويسقط مروءته ولبس الدني يذم في موضع ويمدح في موضع، فيذم إذا كان شهرة، ويمدح إذا كان تواضعا واستكانة، كما أن لس الرفيع من الثياب يذم إذا كان تكبرا وفخرا وخيلاء، ويمدح إذا كان تجملا وإظهارا لنعمة الله، ولبس المنخفض من الثياب تواضعا وكسرا لسورة النفس من المقاصد الصحيحة، قال: وقد يستحب ترقيع الرجل ثوبه للحاجة كما رقع عمر وعائشة وغيرهما من السلف، وكما يلبس قوم الصوف للحاجة ويلبس أيضا المتواضع والمسكنة مع القدرة على غيره، كما جاء في الحديث من ترك جيد اللباس وهو يقدر عليه تواضعا لله كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة فأما تقطيع الثوب وترقيعه ففيه إفساد وشهرة، أو المغالاة في الصوف الرفيع ونحو ذلك مما فيه إفساد المال، أو إظهار التشبه بلباس أهل التواضع مع ارتفاع قيمته فهذا من النفاق والتلبس، فهذان النوعان فيهما إرادة العلو في الأرض أو الفساد، والدار الآخرة {لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا} وقال ابن القيم: يكره لبس زي الأعاجم كعمامة صماء ونعل صرارة لزينة، ولبس ثوب مقلوب كفعل بعض أهل السخافة، فإن قصد إظهار التواضع حرم، لأنه رياء، وكان هديه صلى الله عليه وسلم في اللباس مما يسره الله ببلده، فكان يلبس القميص والعمامة والإزار والرداء الجبة والفرج، ويلبس من القطن والصوف وغير ذلك، ويلبس مما يجلب من اليمن وغيرها، فسنته تقتضي أن يلبس الرجل مما يسره الله ببلده، وإن كان نفسيا، لأن النفاسة بالصنعة لا في الجنس، بخلاف الحرير، وهذا أمر مجمع عليه، وقال ابن عقيل: لا ينبغي الخروج عن عادات الناس إلا في الحرام اهـ ولئلا يحملهم على غيبته، وفي الغنية: الشهرة كالخروج عن عادة أهل بلده وعشيرته، فينبغي أن يلبس ما يلبسون، لئلا يشار إليه بالأصابع، قال الشيخ: ويحرم الإسراف في المباح.

(ومنها) أي من شروط الصلاة (اجتناب النجاسة) (¬1) . ¬

_ (¬1) وهي لغة ضد الطهارة، وشرعا قذر مخصوص يمنع جنسه الصلاة، كالميتة والدم والخمر والبول، ولا يجب في غير الصلاة في الأصح، وقال الشيخ: النجاسة أعيان مستخبثة في الشرع، يمنع المصلي من استصحابها اهـ والاجتناب معناه التباعد، فكأنه قال: تباعد النجاسة، بمعنى إبعادها عن بدن المصلي وثوبه وبقعته شرط، ومن شروط الصلاة المجمع عليها الوقوف على بقعة طاهرة.

حيث لم يعف عنها ببدن المصلي وثوبه (¬1) وبقعتهما (¬2) وعدم حملها (¬3) لحديث «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبل منه» (¬4) وقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} (¬5) (فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها) (¬6) . ¬

_ (¬1) بإجماع السلف والخلف، إلا قولا لمالك رحمه الله، وقال الوزير: أجمعوا على أن طهارة البدن من النجس شرط في صحة الصلاة للقادر عليها، وأجمعوا على أن طهارة ثوب المصلي شرط في صحة الصلاة. (¬2) أي موضع البدن والثوب الذي يقعان عليه شرط وفاقا، كطهارة الحدث إجماعا. (¬3) أي ومن شروط الصلاة عدم حمل النجاسة، معطوف على اجتناب مرفوع، فإن عفي عنها كأثر استجمار ونحوه فلا يشترط. (¬4) رواه الدارقطني وغيره عن أبي هريرة، وصحح الحافظ إسناده وأعله أبو حاتم، وللحاكم أكثر عذاب القبر من البول، وفي الصحيحين أنه مر على قبرين يعذبان وفيه: كان أحدهما لا يستتر من البول، وحديث أسماء في الحيض ثم تغسله وغيرها كأحاديث الاستنجاء وذلك النعلين بالتراب ثم الصلاة فيهما وقوله صلى الله عليه وسلم إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والعذرة وأمره بصب الماء على البول، وغير ذلك من الأدلة الدالة على اجتناب النجاسة، والتنزه البعد، والمراد: اطلبوا النزاهة وعامة الشيء معظمة والمراد أكثر أسبابه. (¬5) قال ابن سيرين: اغسلها بالماء، وقال ابن زيد: أمره الله أن يطهر الثياب من النجاسات التي لا تجوز الصلاة معها، وذلك أن المشركين كانوا لا يطهرون ثيابهم، والأمر بالشيء نهى عن ضده، والنهي في العبادة يقتضي الفساد، وقال بعضهم" طهر أعمالك من الشرك، واختار الأول ابن جرير، والآية تشمل ذلك كله، والأولى حمل اللفظ على حقيقته فيكون شرطا، واحتج الآية على أن اجتناب النجاسة شرط جمع منهم ابن عقيل والشيخ وغيرهما. (¬6) لم تصح صلاته كما لو كانت على بدنه أو ثوبه.

ولو بقارورة لم تصح صلاته (¬1) فإن كان معفو عنها كمن حمل مستجمرا (¬2) أو حيوانا طاهرا صحت صلاته (¬3) (أولاقاها) أي لاقى نجاسة لا يعفى عنها (بثوبه أو بدنه لم تصح صلاته) لعدم اجتنابه النجاسة (¬4) وإن مس ثوبه ثوبا (¬5) . ¬

_ (¬1) أي ولو كانت النجاسة مسدودة في القارورة، وهي ما يقر فيها الشراب ونحوه، أو يختص بالزجاج، فإذا حمل نجاسة بقارورة لم تصح صلاته، لحمله النجاسة في غير معدنها، أشبه ما لو حملها في كمه، أو حمل آجره باطنها نجس أو بيضة فيها فرخ ميت، أو بيضة مذرة، أو عنقودا من عنب حباته مستحيلة خمرا، لم تصح صلاته، وصوبه في تصحيح الفروع، وقيل: تصح وفاقا، للعفو عن نجاسة الباطن. (¬2) صحت وفاقا: لأن أثر الاستجمار معفو عنه في محله، لأن ما في بطن الآدمي من نجاسة في معدنها، ونجاسة العين ليس اجتنابها شرطا لصحة الصلاة. (¬3) وفاقا لحمله أمامة وهو يصلي، متفق عليه ومراده حيوانا غير مأكول، لأن ما في بطنه نجس، لكن يعفى عنه كالنجاسة في جوف المصلي، وأما المأكول فلا نجاسة في بطنه. (¬4) زاد في المحرر أو حمل ما يلاقيها إلا أن يكون يسيرا، واللقاء وصول أحد الجسمين إلى الآخر، فإن كان بالتمام فيسمى مداخلة، وإلا فمماسة، وقال في المبدع: متى باشرها بشيء من بدنه أو ثوبه لم تصح، ذكره معظم الأصحاب، وفي التلخيص: أنه الأظهر إلا أن يكون يسيرا اهـ وإذا أصاب بدنه أو ثوبه نجاسة يابسة فنفضها ولم يبق شيء منها وصلى صحت صلاته، قال النووي وغيره: بالإجماع. (¬5) أي نجسا أو بدنه بدنا نجسا صحت وفاقا.

أو حائطا نجسًا لم يستند إليه (¬1) أو قابلها راكعا أو ساجدا ولم يلاقها صحت (¬2) (وإن طين أرضا نجسة (¬3) أو فرشها طاهرا) صفيقا (¬4) أو بسطه على حيوان نجس (¬5) أو صلى على بساط باطنه فقط ¬

_ (¬1) صحت صلاته وفاقا، لأنه ليس محلا لثوبه، ولا بدنه، فإن استند إليه حال قيامه أو ركوعه أو سجوده لم تصح صلاته، لأنه يصير كالبقعة له. (¬2) صلاته وفاقا، وذلك بحيث لم يلتصق بها شيء من بدنه، ولا أعظائه، جزم به في المغني وغيره، لأنه ليس بموضع صلاته، ولا النجاسة محمولة فيها، وكذا لو كانت بين رجليه، ولم يلاقها صحت، لأنه لم يباشر النجاسة، فإن لاقاها بطلت صلاته. (¬3) أي طلاها بالطين وصلى عليها صحت وفاقا، وكره له ذلك، وعنه: لا تصح لاعتماده عليها، أشبه ملاقاتها، فينبغي ذلك احتياطا وقال ابن أبي موسى: إن كانت رطبة لم تصح، وذكر الشارح أن الآجر المعجون بالنجاسة لا تطهره النار، لكن إذا غسل طهر ظاهره كالأرض النجسة. (¬4) بين الصفاقة أي متينا جيد النسج، لا خفيفا أو مهلهلا، ولو ربطه بحيث لا ينفذ النجس الرطب إلى ظاهره، أو غسل وجه آخر نجس وصلى عليه صحت وفاقا، كسرير تحته نجس، أو سفل علوه غصب وكره قال في الفروع: على الأصح. (¬5) أي نشر طاهرا صفيقا على حيوان نجس كبغل أو حمار أو بسطه على حرير يحرم جلوسه عليه صحت مع الكراهة.

نجس (كره) له ذلك لاعتماده على ما لا تصح الصلاة عليه (وصحت) (¬1) . لأنه ليس حاملا للنجاسة، ولا مباشرا لها (¬2) (وإن كانت) النجاسة (بطرف مصلى متصل به (¬3) صحت) الصلاة على الطاهر ولو تحرك النجس بحركته (¬4) وكذا لو كان تحت قدمه حبل مشدود في نجاسة وما يصلي عليه منه طاهر (¬5) (إن لم) يكن متعلقا به بيده أو وسطه بحيث (ينجر) معه (بمشيه) فلا تصح، لأنه مستتبع لها، فهو كحاملها (¬6) . ¬

_ (¬1) أي مع طهارة ظاهره الذي صلى عليه، وإلا فلا وبساط كفعال بمعنى مفعول أي مبسوط وفي الصحاح: ما يبسط معروف، أو ضرب من الطنافس قليل العرض وكذا مثله لو تنجس أحد وجهي الجلد ونحوه وقلبه وصلى على الوجه الذي لم تصبه نجاسة كره وصحت مفعول أي مبسوط وفي الصحاح: ما يبسط معروف، أو ضرب من الطنافس قليل العرض، وكذا مثله أو تنجس أحد وجهي الجلد ونحوه وقلبه وصلى على الوجه الذي لم تصبه نجاسة كره وصحت. (¬2) فصحت صلاته فيما تقدم، وإن سقطت عليه نجاسة فأزالها، أو زالت سريعا بحيث لم يطل الزمن صحت صلاته وفاقا، لحديث خلعه النعلين حين أخبره جبرئيل أن بهما قذرا، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. (¬3) أي بطرف مصلى طاهر من بساط أو حصير ونحوهما، متصل بالمصلى. (¬4) وفاقا، لأنه ليس بحامل للنجاسة ولا مصل عليها، وإنما اتصل مصلاه بها، أشبه ما لو صلى على أرض طاهرة متصلة بأرض نجسة. (¬5) صحت صلاته، لأنه ليس بمصل على النجاسة، ولو تحرك الحبل ونحوه بحركته. (¬6) فلا تصح صلاته، ولا يعتبر الإنجرار بالفعل، وعلم منه أنه لو كان متعلقا به حيوان صغير نجس ينجر يجره عادة لو فرض أنه جره فلم ينجر أن صلاته باطلة، أو أن ما لا يمكن جره لو استعصى لو فرض أنه جره فانجر أنها باطلة، فما يمكن انجراره عادة يبطلها التعلق به، انجر بالفعل أم لا، وكذا ما لا يمكن في العادة لو فرض أنه انجر بالفعل أبطل على كلام صاحب الفروع قال الخلوتي: وهو حسن وإن أمسك حبلا أو غيره ملقي على نجاسة يابسة فظاهر كلام الموفق الصحة، لأنه ليس بمستتبع للنجاسة، كما لو سقط طرف ثوبه على نجاسة يابسة، ومقتضي كلام الشيخ الصحة.

وإن كانت سفينة كبيرة أو حيوانا كبيرا لا يقدر على جره إذا استعصى عليه صحت، لأنه ليس بمستتبع لها (¬1) (ومن) رأى عليه نجاسة بعد صلاته (¬2) وجهل كونها أي النجاسة (فيها) أي في الصلاة (لم يعد) ها لاحتمال حدوثها بعدها، فلا تبطل بالشك (¬3) (وإن علم ¬

_ (¬1) أشبه ما لو أمسك غصنا من شجرة على بعضها نجاسة لم تلاق يده، جزم به في الفصول، واختاره الشيخ وغيره، وتجوز الصلاة في ثوب بعضه على حائض للخيبر. (¬2) أي رآها على بدنه أو ثوبه أو بقعته. (¬3) ولأن الأصل عدم كونها في الصلاة,.

أنها) أي النجاسة (كانت فيها) أي في الصلاة (لكن جهلها (¬1) أو نسيها أعاد) (¬2) . ¬

_ (¬1) أي جهل عينها بأن أصابه شيء لا يعلم أطاهر أم نجس؟ ثم علم نجاسته بعد صلاته، أعاد أو جهل حكمها بأن إزالتها شرط لصحة الصلاة، أو جهل أنها كانت في الصلاة ثم علم، أو علم أن كان ملاقيها ولم يكن يعلم ذلك في صلاته، ثم علم بعد صلاته أعاد، هذا المذهب. (¬2) أي علم النجاسة لكن نسيها ثم علم بعد صلاته أنها كانت عليه فيها أعاد لأنه ترك شرطا للصلاة لا يسقط بالجهل ولا بالنسيان وعنه: تصح صلاته إذا نسي أو جهل أو عجز، وهو قول ابن عمر وابن المنذر وغيرهما، واختاره المجد والشيخ وتلميذه والموفق والشارح وغيرهم، وصححه غير واحد، وأفتى به البغوي وتبعوه قال النووي: وهو مذهب ربيعة ومالك، وهو قوي في الدليل وهو المختار، وقال في الإنصاف والإقناع، هو الصحيح عند أكثر المتأخرين لحديث النعلين فلو بطلت لاستأنفها صلى الله عليه وسلم وإن علم بها في أثناء الصلاة وأمكنه إزالتها من غير عمل كثير كخلع النعل والعمامة ونحوهما أزالها وبنى، وإلا بطلت.

لا تصح الصلاة في مقبرة لأنها مظنة اتخاذها أوثانا

كما لو صلى محدثا ناسيا (¬1) (ومن جبر عظمه بـ) عظم (نجس) (¬2) أو خيط جرحه بخيط نجس وصح (لم يجب قلعه مع الضرر) بفوات نفس أو عضو أو مرض (¬3) ولا يتيمم له إن غطاه اللحم (¬4) . وإن لم يخف ضررا لزمه قلعه (¬5) (وما سقط منه) أي من آدمي ¬

_ (¬1) أي فلا تصح كما أنها لا تصح لو صلى محدثا ناسيا، وتقدم رجحان أنها تصح، فإنها تفارق طهارة الحدث لكونها من قسيم التروك، ولأن الطهارة آكد، لكونها لا يعفى عن يسيرها، وتكلم معاوية بن الحكم في الصلاة ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة، واشباه ذلك كثير، وقال في الاختيارات، ومن صلى بالنجاسة ناسيا أو جاهلا فلا إعادة عليه، وقاله طائفة من العلماء، لأن من كان مقصوده اجتناب المحظور إذا فعله العبد مخطئا أو ناسيا لا يبطل العبادة. (¬2) أي وضعت على ساقه أو ذراعه أو غيرهما جبيرة، وهي عظام توضع على الموضع من الجسد ينجبر بها، وكانت نجسة وصح العظم لم يجب قلع ذلك العظم مع الضرر وفاقا، وتقدم رجحان طهارة العظام، وجبر يستعمل لازما ومتعديا يقال: جبرت العظم، وجبر هو نفسه، جبورا أي انجبر حكاه الجوهري. (¬3) خيط أي ضم بعض أجزاء جرحه إلى بعض بخيط نجس، وصح الجرح، لم يجب قلع الخيط النجس مع الضرر وفاقا، وصحت صلاته، لأن حراسة النفس وأطرافها واجب، وهو أهم من رعاية شروط الصلاة. (¬4) أي ولا يتيمم الخيط النجس، أو العظم النجس إن غطاه اللحم، لتمكنه من غسل محل النجاسة بالماء، قالوا: وإن لم يغطه اللحم تيمم له، لعدم إمكان غسله، بناء على مشروعية التيمم من النجاسة على البدن وتقدم. (¬5) فإن صلى معه لم تصح صلاته، لأنه صلى مع النجاسة وهو قادر على إزالتها من غير ضرر.

(من عضو أو سن فـ) هو (طاهر) أعاده أو لم يعده (¬1) لأن ما أبين من حي فهو كميتته، وميتة الآدمي طاهرة (¬2) وإن جعل موضع سنه سن شاة مذكاة (¬3) فصلاته معه صحيحة ثبتت أو لم تثبت (¬4) ووصل المرأة شعرها بشعر حرام (¬5) ولا بأس بوصله بقرامل وهي الأعقصة (¬6) . ¬

_ (¬1) أي العضو الساقط منه أو السن في موضعه فتصح صلاته به لطهارته. (¬2) كما تقدم في باب الآنية وإزالة النجاسة، فحكم أبعاضه حكم جملته، سواء انفصلت في حياته أو بعد موته. (¬3) احتراز من الميتة، أو المبان من الحية، وتقدم الكلام في طهارة العظام. (¬4) أي السن، وهي مؤنثة كما ذكره علماء اللغة. (¬5) إجماعا، لها أو لغيرها لما في الصحيحين «لعن الله الواصلة والمستوصلة» ولما فيه من صورة الزور، ووصله لأمه به من وصل الشيء بالشيء: ضد فصله. (¬6) وأصل العقص اللي وإدخال أطراف الشعر في أصوله، وعقص الشعر ضفره وليه على الرأس، فالقرامل هي ما تشده المرأة في شعرها من حرير وصوف، وفي التاج وغيره: هي ضفائر من شعر وصوف وإبريسم، قال أبو عبيد: قد رخص الفقهاء في القرامل، وكل شيء وصل به الشعر ما لم يكن الوصل شعرا قال أبو داود وإليه ذهب أحمد، وعنه: لا تصل المرأة برأسها الشعر ولا القرامل ولا الصوف لنهي النبي صلى الله عليه وسلم المتفق عليه عن الوصل، وكل شيء يصل فهو وصل، وروى أحمد عن جابر مرفوعا، لا تصل المرأة برأسها، ورواه مسلم وغيره قال غير واحد: وهو مذهب الجمهور.

نهي عن الصلاة في أعطان الإبل لأنهامأوى الشياطين

وتركها أفضل (¬1) ولا تصح الصلاة إن كان الشعر نجسا (¬2) (ولا تصح الصلاة) بلا عذر، فرضا كانت أو نفلا غير صلاة جنازة (في مقبرة) بتثليث الباء (¬3) . ¬

_ (¬1) خروجا من خلاف من حرمه، وقد اتفق العلماء على استحباب الخروج من الخلاف، حكاه الشيخ وغيره، بل تركه واجب لثبوت النهي عنه، وأطلق أهل اللغة أنه ما تشد المرأة في شعرها. (¬2) لحمله النجاسة غير المعفو عنها. (¬3) وهي مدفن الموتى لقوله عليه الصلاة والسلام «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» ، رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي، وقال: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» رواه الجماعة إلا البخاري، وقال: فلا تتخذوا القبور مساجد، قال ابن حزم وغير واحد: أحاديث النهي عن الصلاة في المقبرة متواترة لا يسع أحدا تركها، وقال الشيخ بعد أن ذكر أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد: فهذا كله يبين لك أن السبب ليس هو مظنة النجاسة، وإنما هو مظنة اتخاذها أوثانا، وقال الشافعي: أكره أن يعظم مخلوق، حتى يجعل قبره مسجدا، مخافة الفتنة على من بعده من الناس، وذكر معناه الأثرم وغيره عن سائر العلماء، وجزم غير واحد من أهل التحقيق أن العلة سد الذريعة عن عبادة أربابها، واستثنى صلاة الجنازة بالمقبرة، لفعله صلى الله عليه وسلم فحص من النهي، ولا يضر ما أعد للدفن ولم يدفن فيه، أو دفن ونبش، لنبشه صلى الله عليه وسلم قبور المشركين من موضع مسجده، متفق عليه.

اختلف في الموضع المغصوب

ولا يضر قبران (¬1) ولا ما دفن بداره (¬2) (و) لا في (حش) بضم الحاء وفتحها (¬3) وهو المرحاض (¬4) . ¬

_ (¬1) بناء منهم على أنه لا يتناولها اسم المقبرة، وأن العلة لا تعقل، وتقدم أن العلة خوف الشرك بها، كما قال الشيخ وغيره: العلة لما يفضي إليه ذلك من الشرك وقال: بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه لا أنه جمع قبر، وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه، ولا ريب أن المنع متناول لحرمة القبر المفرد وفنائه المضاف إليه. (¬2) قال الشيخ: وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه فرق، وكل ما دخل في اسم المقبرة، أو حدثت المقبرة بعده حوله أو في قبلته فكصلاته إليها، ولو وضع القبر والمسجد معا لم يجز، ولم تصح الصلاة فيه، وقال: المسجد المبني على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل، فإن كان المسجد قبل القبر غير، إما بتسوية القبر، أو نبشه إن كان جديدا وإن كان القبر قبله، فإما أن يزال المسجد وإما أن تزال صورة القبر. (¬3) قاله الشيخ وتكسر، وهو ما أعد لقضاء الحاجة، وكان في الأصل البستان، فكني به عن المستراح، لأنهم كانوا يتغوطون في البساتين، فلما اتخذوا الكنف أطلقوا عليها ذلك الاسم، ومنه قيل للمخرج الحش، ويقال المحشة الدبر، والمحش المخرج، أي مخرج الغائط، فيكون حقيقة، وجمعه حشوش، وقال النووي: الحشوش مواضع العذرة والبول المتخذة لها. (¬4) وهو المغتسل ويكنى به عن موضع العذرة والمستراح، فيمنع من الصلاة داخل بابه، ولو غير موضع الكنيف، لكونه معدا للنجاسة، ومقصودا بها، ولمنع الشرع من الكلام وذكر الله فيه فالصلاة أولى، قال الشيخ: ولا فرق عند عامة أصحابنا بين أن يكون الحش في ظاهر جدار المسجد أو باطنه، وهو المنصوص عن أحمد والمأثور عن السلف، وذكر موضع الأجسام الخبيثة، ثم قال: ولهذا كانت الحشوش محتضرة تحضرها الشياطين، والنهي عن الصلاة فيها أولى من النهي عن الصلاة في الحمام ومعاطن الإبل، والصلاة على الأرض النجسة ولم يرد في الحشوش نص خاص، لأن الأمر فيها كان أظهر عند المسلمين من أن يحتاج إلى بيان، ولهذا لم يكن أحد من المسلمين يقعد في الحشوش، ولا يصلي فيها، وإذا سمعوا نهيه عن الصلاة في الحمام وأعطان الإبل علموا أن النهي عن الصلاة في الحشوش أولى وأحرى.

(و) لا في (حمام) (¬1) داخله وخارجه، وجميع ما يتبعه في البيع (¬2) (وأعطان إبل) واحدها عطن بفتح الطاء، وهي المعاطن جمع معطن بكسر الطاء، وهي ما تقيم فيها وتأوي إليها (¬3) . ¬

_ (¬1) وهو المغتسل المعروف لقوله عليه الصلاة والسلام «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» ، وروي عنه «الحمام بيت الشيطان» ، وعن ابن عباس: لا يصلين إلى حش ولا في حمام، ولا في مقبرة، قال ابن حزم: لا نعلم لابن عباس مخالفا من الصحابة. (¬2) لتناوله اسمه فلا فرق بين مكان نزع الثياب وموقد النار، وكل ما يغلق عليه باب الحمام، وفي المغني: لا فرق بين مكان الغسل وصب الماء، وبين بيت المسلخ الذي تنزع فيه الثياب والأتون، وكل ما يغلق عليه باب الحمام. (¬3) أي تجتمع إليها وتسكن فيها، قال أحمد، وقيل: ما تقف فيه لترد الماء، ومباركها عنده، قال بعض أهل اللغة، لا تكون إلا عند الماء، أما في البرية وعند الحي فالمأوى قال الشيخ وغيره: والأول أجود ومعاطن الإبل في الأصل وطنها، ثم غلب على مبركها حول الماء، والأولى الإطلاق، كما هو ظاهر الحديث ولا فرق بين أن تكون طاهرة أو نجسة، ولا أن تكون فيها إبل حال الصلاة أو لا، لعموم حديث لا تصلوا في أعطان إبل، صححه أحمد والترمذي وغيرهما، وحديث لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها خلقت من الشياطين، وقال: جن خلقت من جن، فعلل الأماكن بالأرواح الخبيثة، وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث، قال: والفقهاء الذين لم ينهوا عنها، إما أنهم لم يسمعوا النصوص، أو لم يعرفوا العلة، والسنة في ذلك قوية نصا وقياسا، وقال: نهي عن الصلاة في أعطانها لأنها مأوى الشياطين، كما نهى عن الصلاة في الحمام، لأنه مأوى الشياطين، فإن مأوى الأرواح الخبيثة أحق بأن تجتنب الصلاة فيه، وفي موضع الأجسام الخبيثة، بل الأرواح الخبيثة تحب الأجسام الخبيثة، وقال ابن عبد البر: النهي عن الصلاة في معاطن الإبل جاء معناه من وجوه كثيرة، بأسانيد حسان، وأكثرها متواتر اهـ وأما ما تبيت فيه في مسيرها أو تناخ فيه لعلفها أو سقيها فلا يمنع من الصلاة فيه، لأنه لا يدخل في اسم الأعطان.

(و) لا في (مغصوب) (¬1) . ¬

_ (¬1) أي ولا تصح الصلاة في موضع مغصوب، أي مأخوذ ظلما، من أرض وحيوان وغيرهما، وسواء كان الظلم للرقبة أو المنافع نص عليه، وقال النووي وغيره: الصلاة في الأرض المغصوبة حرام بالإجماع غير مقبولة، فلا ثواب فيها اهـ وعنه تصح مع الكراهة وفاقا لمالك والشافعي وأبي حنيفة وجماهير العلماء، واختاره ابن عقيل والخلال والطوفي وغيرهم، لأن النهي لا يعود إلى الصلاة، فلم يمنع صحتها، وعليه أكثر الأصحاب، ولحصول الثواب على الفعل، فيكون مثابا على فعله، عاصيا بالمقام في المغصوب، ونقل أصحاب الشافعي الإجماع على صحة الصلاة في الدار المغصوبة، قبل مخالفة الإمام أحمد، وقال الغزالي، هذه المسألة قطعية لأن من صححها أخذه من الإجماع وهو قطعي اهـ وتصح في أرض غيره بلا ضرر ولا غصب ولا حائل ولا حائط وإلا فلا، والمعتبر عرف الناس بالرضى وعدمه، وتصح على مصلاه بغير إذنه بلا غصب، وإن منع المسجد غيره وصلى هو فيه، أو زحمه وصلى مكانه حرم وصحت، وقال الشيخ: الأقوى البطلان.

ومجزرة (¬1) ومزبلة (¬2) وقارعة طريق (¬3) (و) لا في (أسطحتها) أي أسطحة تلك المواضع (¬4) وسطح نهر (¬5) . ¬

_ (¬1) أي ولا تصح في مجزرة وهو الموضع الذي تجزر فيه الإبل، وتذبح فيه البقر والغنم، لأجل النجاسة التي فيها من دماء الذبائح، فتحرم الصلاة فيها وفاقا، وتصح في المدبغة، وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب، وصححه في الإنصاف. (¬2) بفتح الباء، وضمها موضع السرجين، ولو كان المرمي من الكناسة والزبالة طاهرا فتحرم الصلاة فيها وفاقا، ولا خلاف في طهارة الدارسة العافية من آثار أهلها، مزبلة كانت أو مجزرة أو كنيسة. (¬3) أي محل قرع الأقدام من الطريق، وهو ما كثر سلوك السابلة فيها، سواء كان فيها سالك أو لا، بخلاف طريق الأبيات القليلة، وما علا من الطريق، يمنة ويسرة، والزوايا التي لا يكثر سلوكها، والمدار على كثرة المرور، لاشتغال القلب بمرور الناس فيه، وقطع الخشوع، وعنه تصح، وهو مذهب الجمهور لكن مع الكراهة. (¬4) المنهي عن الصلاة فيها، لأن الهواء تابع للقرار، وسطح كل شيء أعلاه، وسطح البيت ظهره، وقال الموفق وغيره: الصحيح قصر النهي على ما تناوله النص وأن الحكم لا يتعدى إلى غيره، وما علل بمظنة النجاسة ونحوها لا يتخيل في أسطحتها، وهذا فيما إذا كان السطح حادثا، فإن كان المسجد سابقا لم تمنع بغير خلاف، أما إن بني في مقبرة، أو على قبر فحكمه حكمها لأنه لا يخرج بذلك عنه، ويجب هدمه. (¬5) لأن الماء لا يصلي عليه، قال أبو الوفاء، واختار أبو المعالي وصاحب الإقناع وغيرهما الصحة كالسفينة، لأنا إنما منعناه من الصلاة على الماء لعدم إمكان الاستقرار عليه، وسطحه ليس كذلك.

والمنع في ذلك تعبدي (¬1) لما روى ابن ماجه والترمذي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي في سبع مواطن (¬2) المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله (¬3) . ¬

_ (¬1) قال الشيخ: والصحيح أن عللها مختلفة، بأن تكون العلة مشابهة أهل الشرك، كالصلاة عند القبور، وتارة لكونها مأوى الشياطين كأعطان الإبل، تارة لغير ذلك. (¬2) أي مواضع، والموطن الوطن، وكل ما أقام به الإنسان، ومنه مربط البقر والغنم، ومواطن مكة أي مرافقها. (¬3) وقال الموفق وغيره: والصحيح جواز الصلاة فيها، وهو قول أكثر أهل العلم، لعموم «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» ، ولابن المنذر وغيره بسند صحيح «جعلت لي كل ارض طيبة» يعني طاهرة مسجدا واستثنى منه المقبرة والحمام ومعاطن الإبل بأحاديث صححية، ففيما عداها يبقى على العموم، وحديث ابن عمر يرويه العمري، وقد تكلم فيه، فلا يترك به الحديث الصحيح اهـ، ولو غيرت مواضع النهي بما يزيل اسمها، كجعل الحمام دارا، أو نبشت المقبرة، ونحوه ذلك صحت كما تقدم، وتكره في المكان الذي ناموا فيه لقوله: «إنه مكان حضرنا فيه الشيطان» علله صلى الله عليه وسلم بالأرواح الخبيثة، وتكره في الكنيسة المصورة، والبيعة وقال الشيخ: وإنها كالمسجد على القبر، وكل مكان فيه تصاوير، وذكر ابن القيم دخوله صلى الله عليه وسلم البيت، وصلاته فيه، وأنه لم يدخله حتى محيت الصور منه، قال: وفيه دليل على كراهة الصلاة في المكان المصور، وهو أحق بالكراهة من الصلاة في الحمام، لأن كراهة الصلاة في الحمام، إما لكون مظنة النجاسة، وإما لكونه بيت الشياطين، وهو الصحيح، وأما محل الصور فمظنة الشرك وغالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور، وتقدم قول الشيخ، ولا تصح في أرض الخسف وأرض بابل نص عليه، وقال الشيخ: هو قوي، وتكره في الرحى، وعلله الشيخ بما يلهي المصلي من الصوت ويشغله، وقال النووي: الصلاة في مأوى الشيطان مكروهة بالاتفاق، وذلك مثل مواضع الخمر والحانة، ومواضع المكوس ونحوها من المعاصي الفاحشة، والكنائس والبيع والحشوش ونحو ذلك، لقوله: فإن هذا موضع حضرنا فيه الشيطان، ويستحب أن لا يصلي في موضع حضره فيه الشيطان لهذا الحديث.

(وتصح) الصلاة (إليها) أي إلى تلك الأماكن، مع الكراهة إن لم يكن حائل (¬1) وتصح صلاة الجنازة والجمعة والعيد ونحوها (¬2) بطريق لضرورة (¬3) وغصب (¬4) . ¬

_ (¬1) أي بين المصلي وبين تلك الأماكن المنهي عن الصلاة فيها، لعموم «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» ، وعنه: لا تصح إلى المقبرة، لحديث «لا تصلوا إلى القبور» متفق عليه، وهو أصل شرك العالم، واختاره ابن حامد والمجد والشيخ وغيرهم، وتحريمه ظاهر، وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة في المسجد الذي قبلته إلى القبر، حتى يكون بين حائطه وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم هذا منصوص أحمد، وتقدم قول الشيخ: ولا تصح إلى الحش، اختاره ابن حامد والشيخ وغيرهما، وتقدم قول ابن عباس: لا يصلين إلى حش، وأنه لا يعلم له مخالف وقال الشيخ: وكره عامة السلف الصلاة في مسجد في قبلته حش، وفي الإقناع: ولا يكفي حائط المسجد ولسريان النجاسة. (¬2) كصلاة كسوف واستسقاء. (¬3) بأن ضاق المسجد أو المصلى واضطر للصلاة في الطريق للحاجة. (¬4) أي وتصح بمغصوب صلاة جمعة وعيد وجنازة ونحوها، لدعاء الحاجة إليه، وظاهر عبارته أنها تصح في الغصب ولو بلا ضرورة، وهو غير ظاهر على المذهب.

وتصح الصلاة على راحلة بطريق (¬1) وفي سفينة ويأتي (¬2) (ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا فوقها) (¬3) والحجر منها (¬4) . ¬

_ (¬1) لصلاته عليه الصلاة والسلام على البعير، ويأتي. (¬2) في الشرط الذي يليه. (¬3) لقوله: {وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} ومن صلى فيها أو على سطحها غير مستقبل لجهتها، وعنه: تصح وفاقا لأبي حنيفة والشافعي، ورواية عن مالك، واختاره الآجري وصاحب الفائق وغيرهما، لأنها مسجد ولأنها محل للنفل، ورجح الأول بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلى النافلة، وقال عقب الصلاة خارج البيت هذه القبلة، لأن القبلة المأمور باستقبالها هي البنية كلها، لئلا يتوهم متوهم أن استقبال بعضها كاف في الفرض، لأنه صلى التطوع فيها، وغلا فقد علم الناس كلهم أن الكعبة في الجملة هي القبلة، فلا بد أن يكون لهذا الكلام من فائدة، وعلم شيء قد يخفى، ويقع في محل الشبهة، وابن عباس روي الحديث وفهم منه هذا المعنى، وهو أعلم بمعنى ما سمع، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا عن السلف أنه صلى الفرض فيها، وفي الإنصاف وغيره: لو وقف على منتهى البيت بحيث أنه لم يبق وراءه منه شيء، أو صلى خارجه لكن سجد فيه صحت. (¬4) أي فتصح إليه لا فيه، كما لو صلى إلى أحد أركانها، وظاهر كلامه كله، وليس منه إلا ستة أذرع، كما في الحديث، وقال الشيخ: ستة أذرع وشيء، فيصح التوجه إلى ذلك القدر منه، لأنه من البيت إذا وقف على منتهاه، بحيث لا يبقى وراءه شيء منه، أو خارجه وسجد فيه، قال: وهذا قياس المذهب، لأنه من البيت بالسنة الثابتة المستفيضة، وبعيان من شاهده من الخلق، لما نقضه ابن الزبير وقال: وليس جميعه، وإنما الداخل في حدود البيت ستة أذرع وشيء، فمن استقبل ما زاد على ذلك لم تصح صلاه البتة، ونص أحمد أنه لا يصلي الفرض في الحجر وقال ابن حامد وابن عقيل وأبو المعالي: لو صلى إلى الحجر من فرضه المعاينة لم تصح، لأنه في المشاهدة ليس من الكعبة، وإنما وردت الأحاديث بأنه كان من البيت، فعمل بها في وجوب الطواف دون الاكتفاء به للصلاة، احتياطا للعبادتين.

وإن وقف على منتهاها، بحيث لم يبق وراءه شيء منها (¬1) أو وقف خارجها وسجد فيها صحت (¬2) لأنه غير مستدبر لشيء منها (¬3) (وتصح النافلة) (¬4) والمنذورة فيها وعليها (باستقبال شاخص منها) أي مع استقبال شاخص من الكعبة (¬5) . ¬

_ (¬1) صحت صلاته، لاستقباله لها. (¬2) صلاته فرضا كانت أو نفلا. (¬3) فصحت صلاته، كما لو صلى إلى أحد أركانها. (¬4) في الكعبة وعليها، باستقبال شاخص منها إجماعا، لصلاته صلى الله عليه وسلم فيها متفق عليه. (¬5) إجماعا كالنافلة، سواء كان ما بين يديه متصلا بها، كالبناء والباب ولو مفتوحا، أو العتبة المرتفعة، لا المعبإ من غير بناء، ولا الخشب غير المسمور، وقال الشيخ: يتوجه أن يكتفى بذلك ما يكون سترة في الصلاة، لأنه شيء شاخص اهـ وسواء كان نذره مطلقا أو مقيدا بفعلها فيها أو عليها، بلا نزاع يعتد به، ويمكن حمله على ما في الاختيارات قال فيها: وإن نذر الصلاة في الكعبة صح فعلها فيها، وإن نذرها مطلقا اعتبر شروط الفريضة، لأن النذر المطلق يحذي به حذو الفرائض وتقدم في حديث ابن عمر النهي عن الصلاة فوق ظهر بيت الله، لإخلال الاستعلاء عليه بتعظيمه، وتخصيصه بالفرض مشكل، لأن الأصل المساواة ما لم يقم دليل التخصيص.

من شروط الصلاة استقبال القبلة

فلو صلى إلى جهة الباب أو على ظهرها ولا شاخص متصل بها لم تصح، ذكره في المغني والشرح عن الأصحاب، لأنه غير مستقبل لشيء منها، وقال في التنقيح: اختاره الأكثر (¬1) وقال في المغني: الأولى أنه لا يشترط، لأن الواجب استقبال موضعها وهوائها دون حيطانها (¬2) ولهذا تصح على جبل أبي قبيس وهو أعلى منها (¬3) وقدمه في التنقيح، وصححه في تصحيح الفروع (¬4) قال في الإنصاف: وهو المذهب على ما اصطلحناه (¬5) . ¬

_ (¬1) واستقر عليه الأمر زمن ابن الزبير كما سيأتي. (¬2) أي هوائها المسامت لها، الخالي من شاخص منها إذا صلى على عال منها أو نازل عن مسامته بنيانها، لأن المقصود البقعة لا الجدار بدليل ما لو انهدمت والعياذ بالله، وإن لم يبق بين يديه شيء من البيت لم تصح، قال الآمدي: إجماعا. (¬3) أي من الكعبة المشرفة، والجبل مشهور مشرف على البيت المعظم من جهة الشرق، وأسفله الصفا، وأعلى من الجبل جبال الحجاز، وأنزل من الكعبة ما تباعد مسافات من سائر الجهات عنها. (¬4) واختاره المجد وابن تميم وصاحب الحاوي والفائق وغيرهم، وقطع به في المنتهى وغيره. (¬5) لفظه في الإنصاف: ما أسلفناه، والمعنى صحيح على كلا اللفظين، واصطلاحه في خطبة الإنصاف أن الاعتماد في معرفة المذهب على ما قاله المصنف والمجد والشارح وصاحب الفروع والقواعد والوجيز والرعايتين والنظر والخلاصة والشيخ تقي الدين وأشباههم فإن اختلفوا فالمذهب ما قدمه صاحب الفروع، فإن اختلف فالمذهب ما اتفق عليه الشيخان المصنف والمجد ووافق أحدهما الآخر في أحد اختياريه، وهذا في الغالب، فإن اختلفا فالمذهب مع من وافقه صاحب القواعد، أو الشيخ تقي الدين، وإلا فالمصنف، ولا سيما في الكافي ثم المجد اهـ. وقال شيخ الإسلام: الواجب استقبال البنيان، وأما العرصة والهواء فليس بكعبة ولا ببناء، وأما ما ذكروه من الصلاة على أبي قبيس ونحوه، فإنما ذلك لأن بين يدي المصلي قبلة شاخصة مرتفعة، وإن لم تكن مسامته، فإن المسامتة لا تشترط كما لم تكن مشروطة في الإئتمام بالإمام، وأما إذا زال بناء الكعبة فنقول بموجبه، وأنه لا تصح الصلاة حتى ينصب شيئا يصلي إليه، لأن أحمد جعل المصلي على ظهر الكعبة لا قبلة له، فعلم أنه جعل القبلة الشيء الشاخص، وكذا قال الآمدي وذكر قوله ثم قال: ولأنه علل ذلك بأنه إذا صلى إلى سترة فقد صلى إلى جزء من البيت، فعلم أن مجرد العرصة غير كاف، ويدل على هذا ما ذكره الأزرقي، أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير: لا تدع الناس بغير قبلة، انصب لهم حول الكعبة الخشب واجعل الستور عليها حتى يطوف الناس من ورائها، ويصلون إليها، ففعل ذلك ابن الزبير، وهذا من ابن عباس وابن الزبير دليل على أن الكعبة التي يطاف بها، ويصلى إليها لا بد أن تكون شيئا منصوبا شاخصا، وأن العرصة ليست قبلة، ولم ينقل أن أحدا من السلف خالف في ذلك، ولا أنكره، نعم لو فرض أنه قد تعذر نصب شيء من الأشياء موضعها، بأن يقع ذلك إذا هدمها ذو السويقيتين فهنا ينبغي أن يكتفي حينئذ باستقبال العرصة، كما يكتفي المصلي أن يخط خطا إذا لم يجد سترة، فإن قواعد إبراهيم كالخط.

ويستحب نفله في الكعبة بين الأسطوانتين وجاهه، إذا دخل لفعله عليه السلام (¬1) . ¬

_ (¬1) متفق عليه من حديث ابن عمر: صلى في الكعبة ركعتين بين الساريتين إذا دخلت لكن إن كانت النافلة مما تشرع لها لجماعة وتفوت داخلها كانت خارجها أفضل، لأن المحافظة على فضيلة متعلقة بنفس العبادة أولى من مكانها كالرمل مع البعد عن الكعبة، والاسطوانة بضم الهمزة والطاء العمود، والسارية والجمع أساطين وأسطوانات.

له أن يتطوع على راحلته حيثما توجهت

(ومنها) أي من شروط الصلاة (استقبال القبلة) أي الكعبة أو وجهتها لمن بعد (¬1) سميت قبلة لإقبال الناس عليها (¬2) قال تعالى (فول وجهك شطر المسجد الحرام) (¬3) . ¬

_ (¬1) إجماعا، لقوله صلى الله عليه وسلم «ما بين المشرق والمغرب قبلة» صححه الترمذي، وروي عن غير واحد من الصحابة، وقال شيخنا، استقبال القبلة من العلم العام عند كل أحد شرعيته، وأنه من شرائط صحة الصلاة اهـ، فالواجب استقبال الجهة لا العين في حق من تعذرت عليه، وهذا بالنسبة إلى المدينة، وما وافق قبلتها، ولسائر البلدان من السعة مثل ذلك بين الجنوب والشمال ونحو ذلك، وقاله ابن عبد البر: وهذا صحيح لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل العلم، قال أحمد: هذا في كل البلدان، إلا بمكة عند البيت، فإنه إذا زال عنه شيئا وإن قل فقد ترك القبلة، وبين القاضي وغيره أنما وقع عليه اسم مشرق ومغرب فالقبلة ما بينهما، وينبغي أن يتحرى وسط ذلك، لا يتيامن ولا يتياسر، ويعفى عنه في الجهة. (¬2) ولأن المصلي يقابلها، وكل شيء جعلته تلقاء وجهك فقد استقبلته، وأصلها الحالة التي يقابلها الشيء غيره عليها، إلا أنها صارت كالعلم للجهة التي يستقبلها المصلي، وأصل الجهة الوجهة، والوجه اسم للمتوجه إليه، وسميت الكعبة كعبة لتكعبها أي تربعها، أو استدارتها وارتفاعها. (¬3) أي حول وجهك نحوه، وقبله، والشطر الناحية والمراد به الكعبة، والحرام أي المحرم، والتوجه لا يجب في غير الصلاة فتعين أن يكون فيها.

(فلا تصح) الصلاة (بدونه) أي بدون الاستقبال (¬1) (إلا لعاجز) كالمربوط لغير القبلة (¬2) والمصلوب (¬3) . ¬

_ (¬1) مع القدرة إجماعا لقوله تعالى: {وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ} أي في بر أو بحر أو مشرق أو مغرب {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} وفي حديث المسيء «ثم استقبل القبلة فكبر» وقصة أهل قباء: إنه أنزل عليه قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة، وكان صلى الله عليه وسلم قد صلى ستة عشر شهرا بالمدينة إلى بيت المقدس، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، فوجه إليه. وأول صلاة صلاها قبل البيت صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، والقصة في الصحيحين، ولأحمد كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه، وبعدما هاجر ستة عشر شهرا، ثم صرف إلى الكعبة، قال ابن كثير: الحكمة في تحويلها {لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} يعني أهل الكتاب، فإنهم قالوا: سيرجع إلى ديننا، كما رجع إلى قبلتنا {إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} يعني قريشا وهي أنهم قالوا إن هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم فلم رجع عنه ويجاب بأن الله اختار له التوجه إلى بيت المقدس، لما في ذلك من الحكمة {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة بجميع وجوهها {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *} إلى ما ضل عنه الأمم، وقال ابن رشد: ما نقل بالتواتر كاستقبال القبلة وأنها الكعبة لا يرده إلا كافر. (¬2) أي إلا لعاجز عن استقبال القبلة فلم يقدر عليه، كالمربوط أي المشدود الموثق لغير جهتها، فتصح بدونه، للعجز عنه إجماعا. (¬3) أي المعلق على صليب ونحوه مما يتخذ على هيئة عود يصلب عليه اللص ونحوه إلى غير القبلة فتصح بدونه.

وعند اشتداد الحرب (¬1) (و) إلا لـ (متنقل راكب سائر) (¬2) لا نازل (في سفر) مباح (¬3) طويل أو قصير (¬4) إذا كان يقصد جهة معينة (¬5) وله أن يتطوع على راحلته حيثما توجهت به (¬6) . ¬

_ (¬1) كحال الطعن والكر والفر، وكهروب من سيل أو نار أو سبع، ولو نادرا كمريض عجز عن الاستقبال، فتصح صلاتهم إلى غير القبلة إجماعا لأنه شرط عجز عنه فسقط، كستر العورة لقوله إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وسيأتي حديث ابن عمر في شدة الخوف مستقبلي القبلة وغير مستقبليها متفق عليه. (¬2) فلا يجب عليه الاستقبال. (¬3) أي غير مكروه ولا محرم، لأن نفله ذلك رخصة، والرخصة لا تناط بالمعاصي، والسفر قطع المسافة إذا خرج للارتحال، أو لقصد موضع فوق مسافة العدوى، سمي بذلك لما فيه من الذهاب والمجيء، أو لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، ويأتي. (¬4) أي دون فرسخ للعموم، قال البغوي: يجوز أداء النافلة على الراحلة في السفر الطويل والقصير جميعا، عند أكثر أهل العلم، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي اهـ وأجمعوا على أنه لا يجوز للمقيم في بلد، التطوع إلى غير القبلة لا ماشيا ولا راكبا. (¬5) بخلاف راكب تعاسيف وهو ركوب الفلاة وقطعها على غير صوب، فلا يسقط عنه الاستقبال، ذكره في الرعاية والفروع وغيرهما. (¬6) إجماعا لقوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} قال ابن عمر: نزلت في التطوع خاصة، ولحديث ابن عمر: كان يسبح على راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه، متفق عليه، ولأن إباحته تخفيف لئلا يؤدي إلى تقليله، أو قطعه وتطوع بالشيء تبرع به وتنفل ومفهومه أنه لا يصح الفرض إلا بالاستقبال وهو كذلك لقوله: ولم يكن يصنع ذلك في المكتوبة متفق عليه.

(ويلزمه افتتاح الصلاة) بالإحرام إن أمكنه (إليها) أي إلى القبلة، بالدابة أو بنفسه (¬1) ويركع ويسجد إن أمكنه بلا مشقة (¬2) وإلا فإلى جهة سيره (¬3) ويومئ بهما (¬4) ويجعل سجوده أخفض (¬5) . ¬

_ (¬1) بأن يدير الدابة إلى القبلة إن أمكنه، أو يدور هو بنفسه، لحديث أنس، كان إذا أراد أن يصلي على راحلته تطوعا استقبل القبلة فكبر للصلاة، ثم خلى عنها رواه أحمد وأبو داود وأصله في الصحيحين، وعنه لا يلزمه وفاقا لمالك وأبي حنيفة لإطلاقه في الأحاديث الصحيحة ولأنه جزء من أجزاء الصلاة أشبه بقيتها ويحمل حديث أنس على الفضيلة، وقال ابن القيم: فيه نظر، وسائر من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم على راحلته، أطلقوا أنه كان يصلي عليها قبل أي جهة توجهت به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام، ولا غيرها اهـ قال في الإنصاف: مفهوم كلام المصنف أنه إذا لم يمكنه الافتتاح إلى القبلة لا يلزمه قولا واحدا، وهو الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب. (¬2) إلى جهة القبلة، كراكب محفة واسعة، وراحلة واقفة، وهو مذهب الجمهور، لأنه في عدم المشقة كالمقيم، وقيل لا يلزمه، للتساوي في الرخصة العامة. (¬3) أي وإلا يمكنه كراكب بعير مقطور، وتعسر عليه الاستدارة بنفسه، أو دابته حرون تصعب إدارتها عليه فإلى جهة سيره. (¬4) أي بالركوع والسجود إلى جهة سيره. (¬5) أي من ركوعه إن قدر وجوبا وفاقا، لحديث جابر والسجود أخفض من الركوع، وقيل لا يلزمه لأن الرخصة العامة يسوى فيها بين ما وجدت فيه المشقة وغيره، وإن عجز سقط بلا نزاع.

وراكب المحفة الواسعة (¬1) والسفينة (¬2) والراحلة الواقفة يلزمه الاستقبال في كل صلاته (¬3) (و) إلا لمسافر (ماش) قياسا على الراكب (¬4) (ويلزمه) أي الماشي (الافتتاح) إليها (¬5) (والركوع والسجود إليها) أي إلى القبلة، لتيسر ذلك عليه (¬6) . ¬

_ (¬1) يلزمه الاستقبال في كل صلاته، والمحفة بكسر الميم مركب للنساء كالهودج إلا أنها لا تقبب قديما، سميت بذلك لأن الخشب يحيط بالقاعد فيها من جميع جوانبه، وكعمارية وهودج، لقدرته عليه بلا مشقة. (¬2) وكذا العمارية، يلزمه الاستقبال، إلا ملاحا فلا يلزمه استقبال القبلة، وفاقا، لانفراده بتدبيرها. (¬3) في الاستفتاح والركوع والسجود إن أمكنه بلا مشقة، وإن أمكنه الافتتاح إلى القبلة دون ركوع وسجود، أو بالعكس أتى بما قدر عليه. (¬4) لمساواته له في الانقطاع عن القافلة في السفر، فيصح نفله بدون الاستقبال. (¬5) قال في الإنصاف: يفتتح الصلاة إلى القبلة، بلا خلاف أعلمه. (¬6) ويركع ويسجد بالأرض، ويفعل الباقي من الصلاة إلى جهة سيره، والوجه الثاني يومئ إلى جهة سيره كالراكب، صححه المجد وغيره، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، قال الآمدي وغيره، يومئ بالركوع والسجود كالراكب قياسا عليه، قال الشيخ: هو الأظهر لأن الركوع والسجود وما بينهما يتكرر في كل ركعة، ففي الوقوف له وفعله بالأرض قطع لمسيره، فأشبه الوقوف في حال القيام اهـ، وأبيح للراكب كيلا ينقطع عن القافلة، وهو موجود في الماشي.

وإن داس النجاسة عمدا بطلت (¬1) وإن داسها مركوبه فلا (¬2) وإن لم يعذر من عدلت به دابته (¬3) أو عدل إلى غير القبلة عن جهة سيره مع علمه (¬4) أو عذر وطال عدوله عرفا بطلت (¬5) (وفرض من قرب من القبلة) أي الكعبة وهو من أمكنه معاينتها (¬6) . ¬

_ (¬1) لما تقدم أنه يشترط طهارة بقعته. (¬2) ولو عمدا لأنه عفي عن المركوب إذا كان نجسا مع طهارة محل المصلي من نحو سرج وبرذعة فإذا وطئها فمن باب أولى، ويعتبر طهارة ما تحت راكب من نحو برذعة وإن كان المركوب نجس العين، ولمسلم أنه صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار في النفل، قال المجد وغيره: ولا كراهة في ذلك لفعله صلى الله عليه وسلم، ومسيس الحاجة إليه. (¬3) بأن قدر على ردها ولم يفعل، وكان عالما بالعدول بطلت صلاته. (¬4) بطلت لأنه ترك قبلته عمدا، سواء طال العدول أو لا، وإن كان العدول إلى القبلة، فهو الأصل، فإذا حصل فهو المطلوب. (¬5) أي عذر من عدلت به دابته لعجزه عنها، أو عذر من عدل إلى غير القبلة لغفلة أو نوم أو جهل وطال عدوله عن جهتها عرفا، بطلت صلاته، لأنه بمنزلة العمل الكثير من غير جنس الصلاة، فإن عذر ولم يطل لم تبطل، لأنه بمنزلة العمل اليسير، والوتر وغيره من النوافل سواء، لأنه عليه الصلاة والسلام يوتر على دابته، متفق عليه. (¬6) أي سهل عليه ولا حائل بينه وبين إصابة عينها وفاقا، وفي الإنصاف وغيره: بلا نزاع، كمن بالمسجد الحرام أو كان خارجه لكن يمكنه النظر إليها، كأن كان على جبل أبي قبيس، أو مرتفع بحيث يعاينها.

الاستدلال بالنجوم على القبلة وبالشمس والقمر ومنازلهما

أو الخبر عن يقين (إصابة عينها) (¬1) ببدنه كله بحيث لا يخرج شيء منه عن الكعبة (¬2) ولا يضر علو ولا نزول (¬3) (و) فرض (من بعد) عن الكعبة استقبال (جهتها) (¬4) فلا يضر التيامن ولا التياسر اليسيران عرفا (¬5) . ¬

_ (¬1) أي وفرض من قرب من القبلة ولم يمكنه معاينتها، وأمكنه الخبر عن يقين من عالم به، إصابة عينها، أي استقبال نفس الكعبة وفاقا، فإن من نشأ بمكة أو أقام بها كثيرا يمكنه اليقين في ذلك، ولو مع حائل حادث كالأبنية. (¬2) لأنه قادر على التوجه إلى عينها قطعا، فلم يجز العدول عنه، وإن تعذرت إصابة العين بحائل اجتهد إلى عينها، ولا يكلف المعاينة بصعود حائل أو دخول مسجد للمشقة، وذكر جماعة من الأصحاب وغيرهم: إن تعذر إصابة العين للقريب فحكمه حكم البعيد. (¬3) أي عن الكعبة كالمصلي على أبي قبيس، أو في حفيرة في الأرض ونزل بها عن مسامتتها لأن بين يدي المصلي قبلة شاخصة مرتفة، وإن لم تكن مسامتة، فإن المسامتة لا تشترط كما تقدم. (¬4) لحديث ما بين المشرق والمغرب قبلة، وغيره وتقدم، ولأن الإجماع انعقد على صحة صلاة الاثنين المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة، والصف الطويل مستويا ولان التكليف بحسب الوسع، قال في الإنصاف والمبدع وغيرهما: البعد هنا هو بحيث لا يقدر على المعاينة، ولا عن من يخبره بعلم، وقال غير واحد من الأصحاب: ليس المراد بالبعد مسافة القصر، ولا بالقرب دونها، والجهة الناحية كالوجه وأصلها وجهة قال الواحدي: الوجهة اسم للمتوجه إليه والوجه مستقبل كل شيء. (¬5) بحيث لا يخرج عن الجهة، لأن إصابة العين بالاجتهاد متعذرة فسقطت، وأقيمت الجهة مقامها للضرورة.

إلا من كان بمسجده صلى الله عليه وسلم لأن قبلته متيقنة (¬1) (فإن أخبره) بالقبلة مكلف (ثقة) (¬2) عدل ظاهر وباطنا (بيقين) عمل به، حرا كان أو عبدا، رجلا كان أو امرأة (¬3) . (أووجد محاريب إسلامية عمل بها) (¬4) لأن اتفاقهم عليها مع تكرار الأعصار إجماع عليها، فلا تجوز مخالفتها، حيث علمها للمسلمين ولا ينحرف (¬5) . ¬

_ (¬1) أو قريبا منه قاله جماعة، فيشترط إصابة العين ببدنه، لأن قبلته متيقنة الصحة، قال الشارح وغيره: لكن إنما الواجب عليه صلى الله عليه وسلم استقبال الجهة وقد فعله، وقيل: رفعت له الكعبة حين بنى مسجده صلى الله عليه وسلم فالله أعلم. (¬2) فلا يعمل بخبر صغير ولا فاسق، وقال ابن تميم: يصح التوجه إلى قبلته في بيته، وجزم به في المبدع. (¬3) ولو أخبره بالمشرق أو المغرب أو نجم فأخذ القبلة منه لزمه العمل به، وإن أخبره عن اجتهاد لم يجز تقليده وفاقا، وقيل يجوز تقليده إن ضاق الوقت وإلا فلا، وذكره القاضي ظاهر كلام أحمد، واختاره جماعة من الأصحاب منهم الشيخ تقي الدين، وعدالة الظاهر بأن يكون مستور الحال، والباطن بأن يختبر بالأمانة ونحوها. (¬4) عدولا كانوا أو فساقا، والمحاريب جمع محراب، وهو صدر المجلس، ومنه محراب المسجد وهو مقام الإمام منه. (¬5) أي عن التوجه عن تلك الجهة، لأن دوام التوجه إلى جهة تلك المحاريب كالقطع، ونقل إجماع العلماء عليه صاحب الشامل وغيره، لأنها لا تنصب إلا بحضرة جماعة من أهل المعرفة بالأدلة فإن لم يعلم أنها لهم فلا التفات إليها قال الموفق والشارح: إذا علم قبلتهم كالنصارى في كنائسهم على أنها مستقبلة للشرق أي يستدل بها على القبلة.

(ويستدل عليها في السفر بالقطب) وهو أثبت أدلتها، لأنه لا يزول عن مكانه إلا قليلا (¬1) وهو نجم خفي شمالي (¬2) وحوله أنجم دائرة كفراشة الرحى (¬3) في أحد طرفيه الجدي (¬4) والآخر الفرقدان (¬5) يكون وراء ظهر المصلي بالشام (¬6) . ¬

_ (¬1) لا يؤثر والاستدلال بالنجوم أصح أدلتها قال تعالى: {وبالنجم هم يهتدون} وقال: {لِتَهْتَدُوا بِهَا} والقطب بثليث القاف حكاه ابن سيده وغيره. (¬2) لا يراه إلا حديد البصر في غير ليالي القمر، لكن يستدل عليه بالجدي والفرقدين. (¬3) أي فراشة الطاحون الذي يديره الماء أو غيره، فيدير هو الرحى فتدور هذه الفراشة حول القطب، دوران فراشة الرحى حول سفودها، في كل يوم وليلة دورة، فيكون الفرقدان، عند طلوع الشمس مثلا في مكان جهته عند غروبها، والقطب في مكانه، لا يبرح مكانه وقيل قليلا. (¬4) نجم نير وهو غير جدي البرج، ويعرف بجدي القطب وجدي الفرقدين تعرف به القبلة. (¬5) وبين الجدي والفرقدين أنجم صغار منقوشة، ثلاثة من فوق وثلاثة من أسفل، تدور أيضا دوران فراشة الرحى حول سفودها، كل يوم وليلة دورة، والفرقدان جاء مثنى ومفردا لقرب اتصالهما، وعلى القطب تدور بنات نعش وغيرها من الأنجم الشمالية. (¬6) والعراق وسائر الجزيرة، وما حاذى ذلك، وذكره في الحاوي وغيره فلا تتفاوت إلا يسيرا معفوا عنه، وقال الشيخ: إذا جعل الشامي القطب بين أذنه اليسرى ونقرة القفا فقد استقبل ما بين الركن الشامي والميزاب، والعراقي إذا جعل القطب بين أذنه اليمنى ونقرة القفا فقد استقبل قبلته اهـ وقيل: ينحرف في دمشق وما قاربها إلى المشرق قليلا، وكلما قرب إلى المغرب كان انحرافه أكثر، وينحرف بالعراق وما قاربها إلى المغرب قليلا، وكلما قرب إلى المشرق كان انحرافه أكثر، وكذا في سائر الجهات.

وعلى عاتقه الأيسر بمصر (¬1) (و) يستدل عليها بـ (الشمس والقمر ومنازلهما) أي منازل الشمس والقمر (¬2) تطلع من الشرق (¬3) وتغرب من المغرب (¬4) . ¬

_ (¬1) وما والاها قال بعضهم: من واجه القطب بأرض اليمن ... وعكسه الشام وخلف الأذن بمنى عراق ثم يسرى مصر ... قد صححوا استقبالها في العمر (¬2) وما يقترن بمنازل الشمس والقمر، أو ما يقاربها، والشمس تقارب الجنوب شتاء، والشمال صيفا، والقمر كل شهر. (¬3) على يسرة المصلي في البلاد الشمالية، ويمنته في البلاد الجنوبية. (¬4) على اليمنة في الشامية، واليسرة في اليمنية لكن الشمس تختلف مطالعها ومغاربها على حسب اختلاف منازلها، فتطلع قرب الجنوب شتاء، وقرب الصبا صيفا، والقمر يبدو أول ليلة هلالا في المغرب، عن يمين المصلي من أهل المشرق، ثم يتأخر كل ليلة منزلة حتى يكون في السابع وقت المغرب في قبلة المصلي منهم، مائلا عنها قليلا إلى المغرب، ثم يطلع ليلة الأربع عشرة من المشرق قبل غروب الشمس بدرا، وليلة إحدى وعشرين يكون في قبلة المصلي من أهل المشرق، أو قريبا منها وقت الفجر، وليلة ثمان وعشرين يبدو عند الفجر كالهلال من المشرق وتختلف مطالعه بحسب اختلاف منازله، ومنازله ثمانية وعشرون، أربعة عشر شامية، وأربعة عشر يمانية، فالشامية، الشرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العواء، السماك، واليمانية، الغفر، الزبانا، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، الفرغ المقدم، الفرغ المؤخر، بطن الحوت، فالقمر ينزل في كل ليلة واحدا منها، والشمس ثلاثة عشر يوما.

ويستحب تعلم أدلة القبلة والوقت (¬1) فإن دخل الوقت وخفيت عليه لزمه (¬2) ويقلد إن ضاق الوقت (¬3) (وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا جهة لم يتبع أحدهما الآخر) وإن كان أعلم منه (¬4) . ¬

_ (¬1) وذهب إلى وجوبه على المسافر طائفة، قال في شرح الهداية: وهو متجه، ويحتمل أن لا يجب فإن التباس جهة القبلة مما يندر، والمكلف إنما يتعين عليه ما يعم مسيس الحاجة إليه، لا ما يندر. (¬2) أي تعلم أدلة القبلة، لأن الواجب لا يتم إلا به مع قصر زمنه، قال في شرح الهداية، إذا أمكنه وجب، قولا واحدا، وقاله الزركشي، وغيره لقصر زمنه، وهو فرض عين لسفر، فكل فرد مخاطب بالتعلم حيث كان أهلا له. (¬3) عن تعلم أدلة القبلة، لأن القبلة يجوز تركها للضرورة إلا مع سعته وفاقا، وإلا فلا، اختاره جمع من الأصحاب وغيرهم، منهم الشيخ تقي الدين، وأصل التقليد في اللغة وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به، وسمي ذلك قلادة وهو في عرف الفقهاء: قبول قول الغير من غير حجة، أخذا من هذا المعنى. (¬4) أي وإن اجتهد مجتهدان في جهة القبلة، فاختلفا جهة بأن ظهرت لأحدهما جهة غير الجهة التي ظهرت للآخر لم يتبع مجتهد ظهرت له جهة القبلة مجتهدا آخر ظهر له أن جهة القبلة إلى غير جهة صاحبه، إن كان أعلم منه بحيث ينحرف إلى جهته لأن كلا منهما يعتقد خطأ الآخر، كالعالمين يختلفان في حادثة، والمجتهد هنا هو العالم بأدلة القبلة، وإن جهل أحكام الشرع، لأن كل من علم أدلة شيء كان مجتهدا فيه، لأنه يتمكن من استقبالها بدليله.

ولا يقتدي به (¬1) لأن كلا منهما يعتقد خطأ الآخر (¬2) (ويتبع المقلد) لجهل أو عمى (أوثقهما) أي أعلمهما وأصدقهما وأشدهما تحريا لدينه (عنده) (¬3) لأن الصواب إليه أقرب، فإن تساويا خير (¬4) . ¬

_ (¬1) وفاقا أي لا يأتم مجتهد بمجتهد خالفه جهة، كما لو خرج ريح من اثنين واعتقد كل منهما أنها من الآخر وتقدم، فإن مال أحدهما يمينا والآخر شمالا مع اتفاقهما في الجهة صح ائتمام أحدهما بالآخر، قولا واحدا. (¬2) في القبلة فلم يجز الائتمام به، وذلك فيما إذا كان اختلافهما في جهتين قال في المغني: وقياس المذهب جواز ذلك، وذكره الشيخ: وصححه الشارح وحكاه في الفائق قولا. (¬3) أي أعلمهما عند المقلد في أدلة القبلة بالدلائل، وإن كان جاهلا في الأحكام، والمقلد هنا من لا تمكنه الصلاة باجتهاد نفسه، لعدم بصره أو بصيرته، قال ابن القيم: يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه، وهو أرجح المذاهب السبعة، وقال في الروضة: يأخذ بالأفضل في دينه وعلمه، وفي الفروع وغيره: لا يجب على جاهل وأعمى تقليد الأوثق، وقدمه في التبصرة وفاقا، كعامي في القياس على الأصح وفاقا. (¬4) فيتبع أيهما شاء، جزم به الشيخ، وذكره القاضي محل وفاق، وصححه غير واحد، وفي الإنصاف، إن كان في جهة خير، وفي جهتين فالصحيح يخير، وعليه الجمهور، وإن أمكن أعمى اجتهاد بنهر كبير أو ريح أو جبل لزمه ولم يقلد.

من شروط الصلاة النية ومحلها القلب، والتلفظ بها بدعة، والرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن

وإن قلد اثنين لم يرجع برجوع أحدهما (¬1) (ومن صلى بغير اجتهاد) إن كان يحسنه (¬2) (ولا تقليد) إن لم يحسن الاجتهاد (قضى) ولو أصاب (إن وجد من يقلده) (¬3) فإن لم يجد أعمى أو جاهل من يقلده فتحريا وصليا فلا إعادة (¬4) وإن صلى بصير حضرا فأخطأ أو صلى أعمى بلا دليل من لمس محراب أو نحوه (¬5) أو خبر ثقة أعادا (¬6) . ¬

_ (¬1) لأنه دخل فيها على ظاهر فلا يزول إلا بمثله. (¬2) قضى لأنه قدر على شرط من شروط الصلاة فلم تصح بدونه. (¬3) أو ظن جهة باجتهاده قضى، وفاقا لمالك والشافعي، وإن صلى باجتهاد أو تقليد فبان أنه أخطأ فلا إعادة عليه إجماعا، لحديث عامر بن ربيعة وغيره، وقصة أهل قباء، إلا في أحد قولي الشافعي، والحاصل أن المراتب أربع: الأولى المعاينة، والثانية المخبر عن علم، والثالثة الاجتهاد، والرابعة التقليد، فلا ينتقل للمتأخرة حتى يعجز عن التي قبلها. (¬4) ولو أخطآ لأنهما أتيا بما أمرا به على وجهه. (¬5) مما يدل على القبلة، كأن يعلم أن باب المسجد إلى الشمال. (¬6) أي البصير المخطئ ولو اجتهد، والأعمى، لأنه كالبصير في الحضر لقدرته على الاستدلال ولو لم يخطئ القبلة، لأن الحضر ليس بمحل للاجتهاد، لقدرة من فيه على الاستدلال بالمحاريب ونحوها، ولأنه يجد من يخبره عن يقين غالبا، وعنه لا يعيد البصير إن كان عن اجتهاد، واحتج أحمد بقصة أهل قباء، وكذا الأعمى، لكن يلزمه التحري، فإن لم يجتهد البصير ولم يتحر الأعمى وصليا أعادا إن أخطآ قولا واحدا، حكاه في الإنصاف وغيره.

(ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة) (¬1) لأنها واقعة متجددة فتستدعي طلبا جديدا (¬2) (ويصلي بـ) الاجتهاد (الثاني) لأنه ترجح في ظنه، ولو كان في صلاته ويبني (¬3) (ولا يقضي ما صلى بـ) الاجتهاد (الأول) (¬4) لأن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد (¬5) . ¬

_ (¬1) كالحاكم إذا اجتهد في حادثة ثم حدث مثلها. (¬2) أي لأن كل صلاة واقعة أي حاصلة متجددة بدخول وقتها، فتستدعي أي تستلزم طلبا أي اجتهادا جديدا مرة بعد أخرى (¬3) فيستدير إلى الجهة التي ظهرت له، ويبني على ما مضى من الصلاة، نقله الجماعة، وفاقا لأبي حنيفة، وهو الأصح عند الشافعية، كأهل قباء لما أخبروا بتحويل القبلة استداروا إليها وبنوا، وإن شك لم يزل عن جهته. (¬4) قال في المغني والشرح: لا نعلم فيه خلافا، فلو صلى الأربع الركعات إلى أربع جهات كلما بدا له جهة توجه إليها صحت صلاته، وليس هذا نقضا للاجتهاد وإنما هو عمل بكل من الاجتهادين، فلذلك بنى على صلاته ولم يعد ما فعله بالاجتهاد الأول، ولقضية عمر في مسألة المشركة، وقال: تلك على ما قضينا، ولم يعلم له مخالف. (¬5) قال عثمان: وجملة ذلك أنه إذا دخل في الصلاة باجتهاد فإما أن يستمر اجتهاده إلى فراغها، أو يعرض له شك، ويستمر الشك إلى فراغها، أو يزول الشك ويبقى ظن الصواب، أو بالعكس، بأن يظن الخطأ ويظهر له جهة أخرى فينتقل إليها، ويبني فصلاته صحيحة في الصور الأربع كلها، وإما أن يظن الخطأ من غير أن يظهر له جهة يتوجه إليها فتبطل صلاته.

ومن أخبر فيها بالخطأ يقينا لزمه قبوله (¬1) وإن لم يظهر لمجتهد جهة في السفر صلى على حسب حاله (¬2) . (ومنها) أي من شروط الصلاة (النية) (¬3) وبها تمت الشروط (¬4) وهي لغة القصد (¬5) وهو عزم القلب على الشيء (¬6) وشرعا: العزم على فعل العبادة تقربا إلى الله تعالى (¬7) . ¬

_ (¬1) أي أخبره ثقة بالخطأ كأن يقول: رأيت الشمس ونحوها، وتيقنت خطأك، لزمه قبول خبره، ويترك الاجتهاد أو التقليد، كما لو أخبره قبلهما، وإن لم يكن عن يقين لم يجز قبوله. (¬2) بفتح السين أي على قدر طاقته، وذلك بأن تعادلت عنده الأمارات، أو منع من الاجتهاد، ونحو ذلك، أو تعذر عليه الاجتهاد، لرمد ونحوه، ولا إعادة عليه، لأنه أتى بما أمر به وتحرى، فأجزأته وإن لم يصب وفاقا. (¬3) إجماعا حكاه جماعات من أهل العلم، ولا تسقط بحال، فهي شرط مع العلم والجهل والذكر والنسيان، لأن محلها القلب فلا يتأتى العجز عنها، قال عبد القادر: النية قبل الصلاة شرط، وفيها ركن، وفي الإنصاف رواية أنها فرض. (¬4) أي التسعة للصلاة. (¬5) يقال: نواك الله بخير أي قصدك به. (¬6) من عبادة وغيرها، وعزم على الشيء عقد ضميره على فعله، وضمير الإنسان قلبه وباطنه. (¬7) بأن لا يشرك في العبادة غير الله تعالى فلو ألجئ إليها بيمين أو غيره أو تصنع لمخلوق ففعل ولم ينو قربه لم تصح لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} والإخلاص عمل القلب، وهو أن يقصد بعمله الله وحده وهو محض النية الصالحة، وذكر الموفق وغيره أن المكره إذا كان إقدامه على العبادة للخلاص من الإكراه لم تكن طاعة، ولا مجيبا لداعي الشرع.

ومحلها القلب (¬1) والتلفظ بها ليس بشرط (¬2) إذ الغرض جعل العبادة لله تعالى (¬3) . ¬

_ (¬1) إجماعا فلا يحتاج إلى التلفظ بها، وزمنها هو أول العبادة ولو حكما كما لو نوى الصلاة في بيته ثم حضر المسجد وافتتح الصلاة بتلك النية من غير فاصل يمنع المراد، ويجب استصحاب حكمها في جميعها. (¬2) أي فيستحب والمنصوص عن أحمد وغيره، خلافه، بل ذكر شيخ الإسلام أن التلفظ بها بدعة، لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، ولم ينقل عنه مسلم ولا عن أصحابه أنه تلفظ قبل التكبير بلفظ النية، لا سرا ولا جهرا، ولا أمر بذلك فلما لم ينقله أحد علم قطعا أنه لم يكن، وقال: اتفق الأئمة أنه لا يشرع الجهر بها ولا تكريرها، بل من اعتاده ينبغي تأديبه وكذا بقية العبادات والجاهر بها مستحق للتعزير بعد تعريفه، لا سيما إذا آذى به أو كرره، والجهر بها منهي عنه عند الشافعي وسائر أئمة الإسلام، وفاعله مسيء وإن اعتقده دينا خرج عن إجماع المسلمين، ويجب نهيه، وبعض المتأخرين خرج وجها من مذهب الشافعي، وغلطه جماهير أصحاب الشافعي، قال الشافعي: إن الصلاة لا بد من النطق في أولها، فظن الغالط أنه أراد النطق بالنية، وإنما أراد التكبير، وقال ابن القيم: لم يكن صلى الله عليه وسلم هو ولا أصحابه يقولون: نويت إلى آخره: ولم يرد عنهم حرف واحد في ذلك، وفي الإقناع والتلفظ بها بدعة. (¬3) وحده دون من سواه، والرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض صلاة وصوم كما ذكره ابن رجب وغيره، وقد يصدر في نحو صدقة وحج، وهذا لا يشك مسلم أنه حابط، وإن شارك العمل الرياء فإن كان من أصله فالنصوص طافحة ببطلانه، وإن كان العمل لله ثم طرأ عليه خاطر الرياء ودفعه لم يضره بلا خلاف، وإن استرسل معه فخلاف رجح أحمد وغيره أنه لا يبطل بذلك وذكره غيره: لا إثم بمشوب برياء إذا غلب مقصد الطاعة، وعكسه يأثم، وإن تساوى الباعثان فلا له ولا عليه، وقال الشيخ: المراءاة في العبادات المختصة من أعظم الذنوب فأما المرائي بالفرائض فكل يعلم قبحه، وأما بالنوافل فلا يظن الظان أنه يكتفي فيه بحبوط عمله، لا له ولا عليه، بل هو مستحق للذم والعقاب، ولا يترك عبادة خوف رياء.

وإن سبق لسانه إلى غير ما نواه لم يضر (¬1) (فيجب أن ينوي عين صلاة معينة) (¬2) فرضا كانت كالظهر والعصر (¬3) أو نفلا كالوتر (¬4) والسنة الراتبة (¬5) لحديث إنما الأعمال بالنيات (¬6) . ¬

_ (¬1) أي من أراد أن يصلي الظهر مثلا فسبق لسانه بنية العصر لم يضر، لأن محل النية القلب، ولو نوى بلسانه ولم ينو بقلبه لم تنعقد بالإجماع. (¬2) إن كانت وإلا أجزأته نية صلاة مطلقة إجماعا، كصلاة الليل، لعدم التعيين فيها. (¬3) والمغرب والعشاء والصبح، وكذا منذورة وفاقا لمالك والشافعي والجماهير. (¬4) والتراويح والكسوف والاستسقاء فلا تصح واحدة منها إلا بنية صلاة بعينها. (¬5) والضحى والاستخارة وتحية المسجد ونحو ذلك، فلا بد من التعيين، لتتميز تلك الصلاة عن غيرها، كما لو كان عليه صلوات وصلى أربع ركعات لم ينوبها مما عليه لم تجز إجماعا، ومن لم يميز فرائض صلاته من سننها تصح بشرط أن لا يقصد التنفل بما هو فرض، ولو غفل عن التفصيل، فنية الجملة في الابتداء كافية، قال النووي وغيره: وهو الذي يقتضيه ظاهر أحوال الصحابة فمن بعدهم. (¬6) أي إنما المنوي بحسب ما نواه العامل، وتقدم.

(ولا يشترط في الفرض) أن ينويه فرضا، فتكفي نية الظهر ونحوه (¬1) (و) لا في (الأداء و) لا في (القضاء) نيتهما (¬2) لأن التعيين يغني عن ذلك (¬3) ويصح قضاء بنية أداء وعكسه إذا بان خلاف ظنه (¬4) . ¬

_ (¬1) كالعصر والمغرب والعشاء والفجر والمنذورة وعليه أكثر الأصحاب، وصححه في التصحيح والإنصاف وغيرهما واختاره ابن عبدوس وغيره، وجزم به في الوجيز وغيره. (¬2) أي لا تشترط نية الأداء والقضاء قضاء، لأنه لا يختلف المذهب أنه لو صلاها ينويها أداء فبان وقتها قد خرج صحت قضاء، وبالعكس والأداء عندهم فعله في وقته، والقضاء فعله بعد خروج وقته المعين له شرعا. (¬3) أي لأن تخصيص المصلي بقلبه تلك الصلاة كاف، فلا يحتاج أن ينويها فرضا أو أداء أو قضاء، ولأن أصل وضعها الشرعي كاف، وفي نيته الأولى ما يكفي. (¬4) كما لو أحرم بصبح أداء ظانا أن الشمس لم تطلع فبان طلوعها صحت قضاء، وعكسه أداء بنية قضاء، بأن نوى عصرا قضاء يظن غروب الشمس فتبين أنها لم تغرب صحت أداء قال الشيخ: وقد اتفق العلماء فيما أعلم على أنه لو اعتقد بقاء وقت الصلاة فنواها أداء ثم تبين أنه صلى الله عليه وسلم بعد خروج الوقت صحت صلاته، ولو اعتقد خروجه، فنواها قضاء ثم تبين له بقاء الوقت أجزأته صلاته اهـ فإن علم بقاء الوقت أو خروجه ونوى خلافه، لم يصح بلا خلاف، لأنه متلاعب، والقضاء في الأصل هو الأداء، لقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} أي أديتموها، وإكمال الشيء وإتمامه لقوله: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ} أي أكملهن وأتمهن، وإنما استعمل الفقهاء (القضاء) في العبادة التي تفعل خارج وقتها المحدود لها شرعا، و (الأداء) إذا فعلت في الوقت المحدود اصطلاحا منهم، للتمييز بين الوقتين.

إن شك في النية أو التحريمة استأنفها

(و) لا يشترط في (النفل والإعادة) أي الصلاة المعادة (نيتهن) فلا يعتبر أن ينوي الصبي الظهر نفلا (¬1) ولا أن ينوي الظهر من أعادها معادة، كما لا تعتبر نية الفرض وأولى (¬2) ولا تعتبر إضافة الفعل إلى الله تعالى فيها (¬3) ولا في باقي العبادات (¬4) ولا عدد الركعات (¬5) ومن عليها ظهران عين السابقة، لأجل الترتيب (¬6) ولا يمنع صحتها قصد تعليمها ونحوه (¬7) . ¬

_ (¬1) ولا غير الصبي الوتر والرواتب والتراويح نفلا، كما لا تعتبر نية الفرض بل يكفيه نية وتر، وراتبة وتراويح ومطلق نفل. (¬2) الإعادة فعل الشيء مرة بعد أخرى، أي كما لا تشترط نية الفرض، فالنفل والمعادة أولى في عدم الاشتراط، لكن لو ظن أن عليه ظهرا فائتة فقضاها في وقت ظهر حاضرة، ثم بان أن لا قضاء عليه لم تجزئه عن الحاضرة، لأنه لم ينوها، ولو نوى ظهر اليوم في وقتها وعليه فائتة لم تجزئ عنها. (¬3) بأن ينوي الصلاة لله تعالى، لأن العبادة لا تكون إلا لله، وجزم في الفائق باشتراط إضافة الفعل إلى الله تعالى. (¬4) كالصوم والحج وغيرهما. (¬5) أي ولا يشترط أن ينوي تعيين عدد الركعات، ولا أن ينوي الاستقبال. (¬6) بين الفوائت بخلاف المنذورتين. (¬7) كقصد خلاص من خصم، أو إدمان سهر بعد إتيانه بالنية المعتبرة، لفعله صلى الله عليه وسلم على المنبر وغيره في صلاته، وذكره ابن الجوزي فيما ينقص الأجر، وفي الفروع، لأنه ينقص ثوابه اهـ وأما ما قصد به العبادة والتعليم فينجبر بالتعليم.

(وينوي مع التحريمة) لتكون النية مقارنة للعبادة (¬1) (وله تقديمها) أي النية (عليها) أي على تكبيرة الإحرام (بزمن يسير) عرفا (¬2) إن وجدت النية (في الوقت) أي وقت المؤداة والراتبة (¬3) ما لم يفسخها (¬4) . ¬

_ (¬1) خروجا من الخلاف فعند بعض الشافعية قرنها بالتكبير، وصفة قرونها به أن يأتي بالتكبيرة عقب النية، وهذا ممكن لا صعوبة فيه، وعامة الناس إنما يصلون هكذا، لأن المقارنة انبساط أجزاء النية على أجزاء التكبير، فإنه يعسر، ويشغل عن استحضار المنوي، وينبغي له أن يكون قلبه مشغولا بتدبر التكبير، واستحضار عظمة من يقف بين يديه ليخشع له تبارك وتعالى، وذهب الأئمة الثلاثة وغيرهم إلى الاكتفاء بوجودها قبل التكبير، واختار جمع منهم النووي والغزالي الاكتفاء بالاستحضار العرفي، بحيث لا يعد غافلا عن الصلاة، اقتداء بالأولين في تساهلهم. (¬2) كبقية الشروط، وظاهره ولو أتى بشيء من المبطلات للصلاة غير ما ذكره، كالكلام واستدبار القبلة، والعرف هو ما لا تفوت به الموالاة في الوضوء، وقيل: يجوز بزمن كثير ما لم يفسخ النية، اختاره الآمدي والشيخ وغيرهما، ونقل أبو طالب وغيره: إذا خرج من بيته يريد الصلاة فهو نية، أتراه كبر وهو لا ينوي الصلاة؟ واحتج به الشيخ وغيره، على أن النية تتبع العلم، فمن علم ما يريد فعله قصده ضرورة. (¬3) اشترطه الخرقي وغيره، وأطلقه أكثر الأصحاب، وظاهره لو تقدمت ولو بزمن يسير لم يعتد بها، للخلاف في كونها ركنا وهو لا يتقدم، وتقدم تمام الكلام في ذلك. (¬4) أي النية مع بقاء إسلامه كالصوم، وأن لا يشتغل بعمل كثير، وذلك مثل عمل من نسي سجود السهو على ما يأتي، أو أعرض عنها بما يلهيه، أو تعمد حدثا، لأن تقدم النية على الفعل لا يخرجه عن كونه منويا.

(فإن قطعها في أثناء الصلاة (¬1) أو تردد) في فسخها (بطلت) (¬2) لأن استدامة النية شرط (¬3) ومع الفسخ أو التردد لا يبقى مستديما (¬4) وكذا لو علقه على شرط (¬5) لا إن عزم على فعل محظور قبل فعله (¬6) (وإذا شك فيها) أي في النية أو التحريمة (استأنفها) (¬7) . ¬

_ (¬1) بطلت لأن النية شرط في جميعها، صححه في التصحيح وغيره، أشبه ما لو سلم أو عزم على قطعها فبطلت لأن النية عزم جازم، ومع العزم على قطعها لا جزم فلا نية. (¬2) لأنه لم يبق جازما بالنية، صححه في التصحيح وغيره، واختاره القاضي وغيره وقال ابن حامد وغيره، لا تبطل لأنه دخل بنية متيقنة فلا تزول بالشك كسائر العبادات، وصححه في الرعاية ويأتي قول الشيخ رحمه الله، وتردد في الأمر اشتبه فيه فلم يثبت. (¬3) فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط. (¬4) لذهاب الشرط. (¬5) كأن ينوي إن طرق عليه الباب قطعها بطلت، لمنافاة ذلك جزمه بها. (¬6) بأن عزم على كلام ولم يتكلم أو فعل حدث ونحوه ولم يفعله لم تبطل وفاقا، لعدم منافاته، الجزم المتقدم لأنه قد يفعل المحظور وقد لا يفعله، ولا مناقض في الحال للنية المتقدمة، فتستمر إلى أن يوجد مناقض، وذكر الحافظ وغيره أن في حديث ذي اليدين دليلا على أن نية الخروج من الصلاة وقطعها إذاكان بناء على ظن التمام لا يوجب بطلانها ولو سلم، وكذا كلام من ظن التمام، وأنه قول جمهور العلماء من السلف والخلف وعامة أهل الحديث، وأن الإبطال بغير دليل ممنوع. (¬7) أي شك هل نوى الصلاة أو عين ظهرا أو عصرا أو أحرم أو لا، استأنف الصلاة لأن الأصل عدم النية والتحريمة، وهذا مذهب الشافعي، وقال ابن حامد وغيره: لا تبطل ويبنى لأن الشك لا يزيل حكم النية، وقال الشيخ: يحرم عليه خروجه لشكه في النية، للعلم أنه ما دخل إلا بالنية، وقال شيخنا، إذا اهتم الإنسان للصلاة وقام في الصف وفي ظنه أنه كبر تكبيرة الإحرام لكن اعتراه شك هل كبر أولا؟ فهذا يستأنف تكبيرة الإحرام إلا أن يكثر فيصير كوسواس فيطرحه ويبني على غالب ظنه.

وإن ذكر قبل قطعها (¬1) فإن لم يكن أتى بشيء من أعمال الصلاة بنى (¬2) وإن عمل مع الشك عملا استأنف (¬3) وبعد الفراغ لا أثر للشك (¬4) (وإن قلب منفرد) أو مأموم (فرضه نفلا في وقته المتسع جاز) (¬5) . ¬

_ (¬1) أي ذكر أنه كان قد نوى أو عين أو كبر. (¬2) لأنه لم يوجد مبطل لها، كما لو نوى قطع القراءة ولم يقطعها، قولا واحدا. (¬3) أي وإن عمل مع الشك في النية عملا من أعمال الصلاة قولية كقراءة أو فعلية كركوع أو سجود استأنف الصلاة، لأن هذا العمل عري عن النية، وقال المجد: الأقوى إن كان العمل قولا لم تبطل، كتعمد زيادته، ولا يعتد به، وإن كان فعلا بطلت لعدم جوازه، كتعمده في غير موضعه، قال ابن تميم: وهذا أحسن، وتقدم إطراح الشك وأنه لا يزيل حكم النية، وإن شك هل نوى فرضا أو نفلا أتمها نفلا، لأن الأصل عدم نية الفرضية. (¬4) يعني في النية للعلم أنه ما دخل إلا بها وفرغ منها من غير شك، ولا أثر للشك بعد الفراغ إجماعا وقال الناظم: ولا الشك من بعد الفراغ بمبطل ... يقاس على هذا جميع التعبد (¬5) بأن فسخ نية الفرضية دون نية الصلاة ولفظ المنتهى: صح مطلقاً قال في حاشيته: سواء صلى الأكثر كثلاث من أربع أو ركعتين من المغرب، خلافا لأبي حنيفة ومالك، قالوا: لأن للأكثر حكم الكل، أي فمن صلى الأكثر لم يجز أن يقلبه نفلا.

لأنه إكمال في المعنى كنقص المسجد للإصلاح (¬1) لكن يكره لغير غرض صحيح (¬2) مثل أن يحرم منفردا فيريد الصلاة في جماعة (¬3) ونص أحمد فيمن صلى ركعة من فريضة منفردا ثم حضر الإمام وأقيمت الصلاة، يقطع صلاته ويدخل معهم (¬4) فيتخرج منه قطع النافلة بحضور الجماعة بطريق الأولى (¬5) . ¬

_ (¬1) فكذا هنا، ولأن النفل يدخل في نية الفرض أشبه ما لو أحرم بفرض فبان قبل وقته. (¬2) أي يكره قلب فرضه نفلا، لغير غرض صحيح، لكونه أبطل عمله، ويصح، صححه في تصحيح الفروع، وعنه يحرم قال القاضي: رواية واحدة، لقوله: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} . (¬3) أي فإن كان لغرض صحيح مثل أن يحرم إلخ، ونحوه لم يكره أن يقلبه نفلا ليصلي معهم، بل هو أفضل، قال في الإنصاف وتصحيح الفروع: وهو الصواب إن كان الغرض صلاة الجماعة، بل لو قيل بوجوب ذلك لكان حسنا، قال شيخنا: لكنه لم يقل بالوجوب أحد. (¬4) بلفظ الأمر، وعنه يقلبها نفلا، وفاقا، ويتمها خفيفة، ثم يدخل معهم، وهي الرواية المشهورة. (¬5) وأولى منه ما يتخرج من الرواية المشهورة أن يتمها خفيفة لقوله: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} .

(وإن انتقل بنية) من غير تحريمة (من فرض إلى فرض) آخر (بطلا) (¬1) لأنه قطع نية الأول ولم ينو الثاني من أوله (¬2) وإن نوى الثاني من أوله بتكبيرة إحرام صح (¬3) وينقلب نفلا ما بان عدمه (¬4) كفائتة فلم تكن (¬5) وفرض لم يدخل وقته (¬6) (ويجب) للجماعة (نية) الإمام (الإمامة) (¬7) . ¬

_ (¬1) كأن أحرم بالظهر مثلا، وانتقل إلى العصر بمجرد النية من غير تكبيرة إحرام للفرض الثاني بطلا، يعني الأول والثاني، وفيه تساهل إذا الثاني لم يدخل فيه حتى يقال بطل، بل لم ينعقد بالكلية، ولو قال لم يصح لكان أولى. (¬2) أي قطع نية الأول الذي انتقل عنه، ولم ينو الثاني من أوله بتكبيرة الإحرام فلم ينعقد لخلو أوله عن النية، ويصح نفلا إن استمر على نية الصلاة، لأنه قطع نية الفرضية بنية انتقاله عن الفرض الذي نواه أولا دون نية الصلاة فيصير نفلا، لأنه بقي جنس الصلاة في حقه فصحت نفلا، ما لم يقطعها. (¬3) وفاقا، كما لو لم يتقدمه إحرام بغيره. (¬4) أي وينقلب فرضه نفلا إذا تبين عدم الفرض، لأن نية الفرض تشمل نية النفل، فإذا بطلت نية الفرض بقيت نية مطلق الصلاة، وقال الخلوتي: لعل محله ما لم يكن إماما، أو يضق الوقت. (¬5) أي كما لو أحرم بفائتة يظنها عليه، فتبين أنه لم يكن عليه فائتة، فانقلبت نفلا. (¬6) أي وكما ينقلب فرض لم يدخل وقته نفلا، لأن الفرض لم يصح، ولم يوجد. (¬7) على الأصح عند الأصحاب كالجمعة وفاقا، فينوي الإمام أنه مقتدي به وعنه: لا تجب نية الإمام وفاقا في غير الجمعة، لحديث ابن عباس، وحديث أنس، وأبي سعيد وغيرهم، كما يأتي فإنها تحصل الجماعة للمأموم وإن لم ينو الإمام الإمامة لأن الغرض حصول الجماعة وقد حصلت بواسطة الاقتداء لأن صلاته حينئذ وقعت جماعة.

(و) نية المأموم (الائتمام) (¬1) لأن الجماعة يتعلق بها أحكام (¬2) وإنما يتميزان بالنية فكانت شرطا (¬3) رجلا كان المأموم أو امرأة (¬4) وإن اعتقد كل منهما أنه إمام الآخر أو مأمومه فسدت صلاتهما (¬5) كما لو نوى إمامة من لا يصح أن يؤمه (¬6) . ¬

_ (¬1) أي يجب أن ينوي المأموم أنه مقتد وفاقا، وفي الإنصاف: يشترط أن ينوي حاله بلا نزاع، ولا يتصور أن المأموم لا ينوي أنه مؤتم، فإن من وجد إماما يصلي أو شخصا يصلي فإن نوى أنه يقتدي به فهو مأموم وقد حصلت له نية الاقتداء، وإن نوى أن يصلي لنفسه، ولم ينو أنه مقتد بذلك الإمام فهو منفرد، أما إذا أحرم بالصلاة منفردا ثم في أثناء الصلاة نوى أن يقتدي بشخص آخر فيأتي. (¬2) كوجوب الاتباع وسقوط الفاتحة، والسهو عن المأموم، وفساد صلاته بفساد صلاة إمامه. (¬3) أي إنما تميز الجماعة وغير الجماعة بنية الإمام الإمامة، ونية المأموم الإئتمام فكانت النية في حقهما شرطا ليتميز الإمام عن المأموم، ولأن الجماعة إنما تنعقد بالنية فاعتبرت منهما قياسا لأحدهما على الآخر. (¬4) لا فرق نص عليهما. (¬5) وعنه أنها صحيحة ويصليان فرادى. (¬6) كأمي نوى أن يؤم قارئا وفاسق نوى أن يؤم عدلا وائتم بمن ليس بإمام وأم من لم يأتم به، وامرأة نوت أن تؤم رجلا، لم تصح صلاة الإمام قال في الفروع: في الأشهر، خلافا للأئمة الثلاثة.

أوشك في كونه إماما أو مأموما (¬1) ولا يشترط تعيين الإمام ولا المأموم (¬2) ولا يضر جهل المأموم ما قرأ إمامه (¬3) وإن نوى زيد الاقتداء بعمرو ولم ينو عمرو الإمامة صحت صلاة عمرو وحده (¬4) وتصح نية الإمامة ظانا حضور مأموم لا شاكا (¬5) (وإن نوى المنفرد الإئتمام) في أثناء الصلاة (لم يصح) (¬6) . ¬

_ (¬1) لم تصح في الأشهر. (¬2) لأنه إذا صلى خلف من يصلي بالناس صح، وكذا الإمام بطريق الأولى، وإن عين إماما أو مأموما فأخطأ لم تصح، وقيل: تصح كانصراف الحاضر بعد دخوله، وكذا إن عين جنازة فأخطأ وقال الشيخ: إن عين وقصده: خلف من حضر، وعلى من حضر صح، لأن عليه الصلاة والسلام أحرم وحده فجاء جابر وجبار فصلى بهما، رواه مسلم، وصلى في العشر الأخير فصلى بصلاته ناس في المسجد، فدل على جواز الاقتداء بمن لم ينو إمامته، قال النووي: وهو صحيح على المشهور من مذاهب أهل العلم. (¬3) ولا يخل بصحتها، وقيل: يخل لأنه لا يدري أقرأ الفاتحة أم لا، والمراد: ولا مانع من السماع، لتركه الإنصات الواجب. (¬4) مراد هم ولم ينو عمرو من أول الصلاة. (¬5) فلا، ولو دخل معه، وإن ظنه لم يحضر، أو حضر ولم يدخل معه لم تصح. (¬6) قال في الفروع: على الأصح، وفاقا لأبي حنيفة ورواية عن مالك، ولم تبطل صلاته، ولم يصر إماما كما سيأتي.

تبطل صلاة مأموم ببطلان صلاة إمامه، وعنه: لا تبطل ويتمونها جماعة بغيره أو فرادى

لأنه لم ينو الإئتمام في ابتداء الصلاة (¬1) سواء صلى وحده ركعة أو لا، فرضا كانت الصلاة أو نفلا (¬2) (كـ) ما لا تصح (نية إمامته) في أثناء الصلاة إن كانت (فرضا) لأنه لم ينو الإمامة في ابتداء الصلاة (¬3) ومقتضاه أنه يصح في النفل، وقدمه في المقنع والمحرر وغيرهما (¬4) . ¬

_ (¬1) ولتغير نيته الأولى، وعنه يصح للأحاديث الآتية وغيرها، قال في الإنصاف وغيره: إن سبق اثنان فائتم أحدهما بصاحبه في قضاء ما فاتهما جاز، وهو المذهب سواء نوياه حال دخولهما أو لا. (¬2) لا حاجة إليه لما يأتي. (¬3) وعنه تصح في الفرض وفاقا، وقال غير واحد: هو قول أكثر أهل العلم، واختاره الموفق والشيخ وغيرهما، قال: لو أحرم منفردا ثم نوى الإمامة صحت صلاته فرضا أو نفلا، وهو رواية عن أحمد، اختارها أبو محمد وغيره، لأنه ثبت في النفل من حديث ابن عباس الآتي، والأصل المساواة، والحاجة داعية إلى ذلك، فصح كحالة الاستخلاف، ويؤيده حديث جابر وجبار في الفرض، رواه مسلم، وله من حديث المغيرة في صلاة عبد الرحمن بن عوف، وصلى معه النبي صلى الله عليه وسلم ركعة فلما سلم قام النبي صلى الله عليه وسلم وقام معه المغيرة فركعا الركعة التي سبقا بها، وحديث عائشة الآتي، وحديث أبي سعيد عند أبي داود والترمذي وصححه ابن خزيمة وغيره، أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وحده وقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه. (¬4) قال في الفروع: وهو المنصوص، وفي المقنع: وإن نوى الإمامة صح في النفل، ولم يصح في الفرض، ويحتمل أن يصح، وهو أصح عندي، قال الشارح: لأنه ثبت في النفل بحديث ابن عباس، والأصل المساواة، ومما يقويه حديث جابر وجبار.

لأنه صلى الله عليه وسلم قام يتهجد وحده (¬1) فجاء ابن عباس فأحرم معه، فصلى به النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليه (¬2) واختار الأكثر: لا يصح في فرض ولا نفل (¬3) لأنه لم ينو الإمامة في الابتداء، وقدمه في التنقيح وقطع به في المنتهى (¬4) (وإن انفرد) أي نوى الانفراد (مؤتم بلا عذر) (¬5) كمرض وغلبة نعاس وتطويل إمام (¬6) (بطلت) صلاته لتركه متابعة إمامه (¬7) . ¬

_ (¬1) أي يصلي من الليل منفردا، في بيت ميمونة خالة ابن عباس رضي الله عنهم. (¬2) ولمسلم معناه من حديث أنس وجابر، وعن عائشة كان يصلي من الليل وجدار الحجر قصير فرأى الناس شخصه فقاموا يصلون بصلاته، ولحديث جابر وجبار ولدعاء الحاجة إليه كالاستخلاف، فإن الصديق لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو إمام تأخر واقتدى به صلى الله عليه وسلم. (¬3) أي اختاره أكثر الأصحاب، لكن القول بصحته فيهما أسعد بالدليل. (¬4) وقال في الإقناع: والمنصوص صحة الإمامة في النفل، وهو الصحيح اهـ، وقد تقدم أنه الصحيح أيضا في الفرض، فالنفل أولى، وقال الشافعي وغيره: من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس كائنا من كان. (¬5) بأن أحرم مأوما ثم نوى الإنفراد لغير عذر يبيح ترك الجماعة. (¬6) أو شيء يفسد صلاته، أو خوف على أهل أو مال، أو فوت رفقة ونحوه من الأعذار، ويخشى من الإطالة. (¬7) بغير عذر، وعنه يجوز، ومال إليها الشارح وغيره.

ولعذر صحت (¬1) فإن فارقه في ثانية جمعه لعذر أتمها جمعة (¬2) (وتبطل صلاة مأموم ببطلان صلاة إمامه) لعذر أو غيره (¬3) (فلا استخلاف) أي فليس للإمام أن يستخلف من يتم بها، إن سبقه الحدث (¬4) . ¬

_ (¬1) صلاته بلا نزاع ويتمها لحديث جابر قال: صلى معاذ فقرأ سورة البقرة فتأخر رجل فصلى وحده، فقيل له: نافقت. قال: ما نافقت، ولكن لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: أفتان أنت يا معاذ، مرتين متفق عليه، ومحل إباحة المفارقة لعذر إن استفاد بمفارقته تعجيل لحوقه لحاجته قبل فراغ إمامه. فإن كان إمامه يعجل ولا يتميز انفراده عنه بنوع تعجيل لم يجز الانفراد، لعدم الفائدة فيه، ذكره ابن عقيل، قال في الفروع، ولم أجد خلافه ومن عذره الخروج من الصف فله المفارقة مطلقا، وإذا زال عذر مأموم بعد المفارقة لم يلزمه الدخول معه، وله ذلك، وعدم الرجوع أولى، لأنه قد فارق إمامه بوجه شرعي، فيبقى على مفارقته. (¬2) إذا كان أدرك الأولى معه، لأن الجمعة تدرك بركعة ويأتي. (¬3) لارتباطها بها، فأما لعذر فكأن سبقه الحدث، ولغير عذر كأن تعمد الحدث أو غيره من المبطلات، لقوله: إذا فسا أحدكم في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة، رواه أبو داود بإسناد جيد، وعنه: لا تبطل ويتمونها فرادى، قدمه في الفروع، وقال: والأشهر جماعة. (¬4) أي غلبة الحدث، وعنه لا تبطل صلاة مأموم، وفاقا لمالك والشافعي، ويتمونها جماعة بغيره أو فرادى، كما تقدم، واحتج أحمد بأن معاوية لما طعن صلوا وحدانا قال المجد: لا تختلف الرواية، وفي الإنصاف وغيره: حيث قلنا بصحة صلاة المأموم فله أن يستخلف على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور وفي الصحيح أن عمر أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف لما طعن، فقدمه فأتم بهم الصلاة اهـ قال الشارح: فما عاب عائب ولا أنكر منكر، فكان كالإجماع وقال النووي وغيره: جاء الاستخلاف عن عمر وعلي وغيرهما من الصحابة، ولم يحك ابن المنذر منعه عن أحد، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة، وقال الموفق وغيره: وتبطل بترك ركن من الإمام أو شرط أو تعمد المفسد وإلا فلا، وفاقا لمالك، واختاره هو والشيخ وغيرهم وقال في الفروع: على الأصح.

ولا تبطل صلاة إمام ببطلان صلاة مأموم (¬1) ويتمها منفردا (¬2) (وإن أحرم إمام الحي) أي الراتب (¬3) (وبمن) أي بمأمومين (أحرم بهم نائبه) لغيبته وبنى على صلاة نائبه (وعاد) الإمام (النائب مؤتما صح) (¬4) لأن أبا بكر صلى، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، وتقدم فصلى بهم، متفق عليه (¬5) . ¬

_ (¬1) بأن سبق المأموم الحدث، أو فسدت صلاته لعذر أو غيره، لأنها غير متعلقة بها. (¬2) وإن لم يستدم نية الإمامة، لأنها ليست ضمنا لها، ولا متعلقة بها. (¬3) سواء كان الإمام الأعظم أو غيره، والحي القبيلة من العرب. (¬4) أي أحرم نائب إمام الحي لغيبة إمام الحي، أو لإذنه ثم حضر في أثنائها إمام الحي، فأحرم بهم، وبني إمام الحي على صلاة نائبه، وعاد الإمام النائب الذي أحرم بالمأمومين أولا مؤتما صح ائتمامه، وائتمام المأمومين. (¬5) من حديث سهل بن سعد الساعدي، والأصل عدم الخصوصية.

وإن سبق اثنان فأكثر ببعض الصلاة، فائتم أحدهما بصاحبه في قضاء ما فاتهما (¬1) أو ائتم مقيم بمثله إذا سلم إمام مسافر صح (¬2) . آخر المجلد الأول من حاشية الروض المربع ويليه المجلد الثاني وأوله: باب صفة الصلاة. ¬

_ (¬1) بعد سلام الإمام صح الائتمام، ولا بد أن يكون المؤتم بصاحبه فاته مثل ما فاته، فلو ائتم من فاته ركعتان بمن فاته ركعة أو بالعكس لم يصح الاقتداء. (¬2) أي الائتمام، لأنه انتقال من جماعة إلى جماعة أخرى لعذر، فجاز كاللاستخلاف، وظاهر إطلاقه عدم اشتراط الائتمام حال دخولهما مع الإمام، ومن خرج من صلاته يظن أنه أحدث فيها فتبين له أنه لم يكن أحدث بطلت صلاته، لفسخه نية الصلاة بخروجه منها.

باب صفة الصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم باب صفة الصلاة (¬1) يسن الخروج إليها بسكينة ووقار (¬2) . ¬

_ (¬1) أي كيفيتها، وهي الهيئة الحاصلة للصلاة، وبيان ما يكره فيها، وأركانها وواجباتها وسننها، وما يتعلق بذلك، إذ الشيء لا يعرف إلا ببيان حقيقته، ولا يوجد إلا بركنه، وعند شرطه، ولا يفعل إلا لحكمه، وحكمها سقوط الواجب عن ذمته في الدنيا، والثواب في الآخرة، إذ حكم الشيء هو ما يفعل لحكمة، والصفة لغة المصدر، يقال وصف الشيء يصفه صفة نعته بما فيه، من: وصف الثوب الجسم إذ أظهر حاله وبين هيئته، والصفة الأمارة القائمة بذات الشيء الموصوف، كالعلم والسواء. (¬2) وخوف وخشوع، والسكينة السكون والمهابة، والطمأنينة، والتأني في الخروج، واجتناب العبث، والوقار بفتح الواو: الرزانة والحلم والعظمة بغض الطرف وخفض الصوت، وقلة الإلتفات، وقد وقر يقر وقارا ووقر فهو وقور. وقال القرطبي: الوقار بمعنى السكينة، ذكره على سبيل التأكيد. وقال النووي: بينهما فرق. فالسكينة التأني في الحركات، واجتناب العبث، والوقار في الهيئة كغض الطرف وخفض الصوت، لما في الصحيحين «إذا أتيتم الصلاة» وفي لفظ: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» . ولمسلم: «فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة» وقال ابن القيم: السكينة هي التي تورث الخضوع والخشوع وغض الطرف، وجمعية القلب على الله، بحيث يؤدي عبوديته بقلبه وبدنه، والخشوع نتيجة هذه السكينة وثمرتها، وخشوع الجوارح نتيجة خشوع القلب، وسببها مراقبة العبد لربه حتى كأنه يراه اهـ. وينبغي ألا يتكلم بمستهجن ولا يتعاطى ما يكره، للخبر، وقوله {فاسعوا} أي اقصدوا واهتموا، ليس المراد السعي السريع، وإنما هو الاهتمام بها. وقال أحمد: فإن طمع أن يدرك التكبيرة الأولى فلا بأس أن يسرع، ما لم تكن عجلة تقبح. وقال الشيخ: إن خشي فات الجمعة أو الجماعة بالكلية فلا ينبغي أن يكره له الإسراع، لأن ذلك لا ينجبر إذا فات اهـ. ويسن كونه متطهرا، لقوله عليه الصلاة والسلام «إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج عامدا المسجد فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في صلاة» رواه أبو داود وغيره، ويستحب المحافظة على إدراك تكبيرة الإحرام، بأن يتقدم إلى المسجد قبل وقت الإقامة، وقد جاء في فضل إدراكها آثار كثيرة، وأصح ما قيل تدرك به بأن يحضر تكبيرة الإحرام.

ويقارب خطاه (¬1) وإذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى، واليسرى إذا خرج (¬2) . ¬

_ (¬1) أي يسن ذلك، لتكثر حسناته. لحديث زيد بن ثابت: فقارب في الخطا، ثم قال «لتكثر خطاي في طلب الصلاة» وفي الصحيحين «إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطت عنه بها خطيئة» ولحديث «دياركم تكتب آثاركم» رواه مسلم ويسن أن يقول إذا خرج من بيته، ولو لغير الصلاة: ما رواه الترمذي وغيره. وصححه «بسم الله آمنت بالله، اعتصمت بالله، توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي» وما رواه مسلم «اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي لساني نورا، واجعل في بصري نورا، واجعل من خلفي نورا، ومن أمامي نورا، واجعل من فوقي نورا، ومن تحتي نورا، واعطني نورا» وغير ذلك مما ورد. (¬2) أي يسن تقديم رجله اليمنى عند دخول المسجد، لما تقدم أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في شأنه كله، ويأمر به، وكذا يسن تقديم اليسرى عند الخروج من المسجد، فإن قاعدة الشرع المستمرة استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدها استحب فيه التياسر.

ويقول ما ورد (¬1) ولا يشبك أصابعه (¬2) . ¬

_ (¬1) أي ويسن أن يقول ما ورد عند دخوله، ومنه «بسم الله أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك» وإذا خرج قال «وافتح لي أبواب فضلك» وهذا الدعاء ثابت في بعض الأصول، والفرق بين المحلين أن المساجد محل تنزل الرحمة، وخارج المسجد محل طلب الرزق، وهو فضل من الله وإحسان، فناسب في كل مكان طلب ما يليق به، وفي جامع المسانيد لابن كثير «وأغلق عني أبواب سخطك وغضبك، واصرف عني الشيطان ووسوسته» و «إذا دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» متفق عليه. (¬2) لحديث أبي سعيد «إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان» رواه أحمد، ولحديث كعب، رأى رجلا قد شبك أصابعه في الصلاة ففرج بين أصابعه رواه الترمذي. وقال ابن عمر: تلك صلاة المغضوب عليهم، وما ورد من تشبيكه صلى الله عليه وسلم فليس بينه وبين ما جاء من النهي عنه معارضة، لأن النهي إنما جاء عن فعله في الصلاة، أو المضي إليها. وفعله صلى الله عليه وسلم ليس في الصلاة ولا في المضي إليها وقال النووي وغيره: اتفق أهل العلم على كراهة تشبيكه الأصابع في طريقه إلى المسجد، وفي المسجد يوم الجمعة وغيره، وسائر أنواع العبث ما دام قاصدا الصلاة، أو منتظرها. لحديث كعب وغيره، ولا يخالف ما ثبت أنه شبك أصابعه في المسجد بعدما سلم من الصلاة، لأن النهي في حق المصلي وقاصد الصلاة، بخلاف من قام إلى ناحية المسجد يعتقد أنه ليس في صلاة اهـ. وإذا كان ينتظر الصلاة فلا يشبك، جمعا بين الأخبار، وكذلك لا يفرقع أصابعه لأنه من العبث.

ولا يخوض في حديث الدنيا (¬1) ويجلس مستقبل القبلة (¬2) (ويسن) للإمام فالمأموم (القيام عند) قول المقيم: (قد من إقامتها) أي من قد قامت الصلاة (¬3) لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، رواه ابن أبي أوفى (¬4) . ¬

_ (¬1) أي لا يفيض، من خاض في الماء: دخل فيه، وفي الحديث «فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» وفي الحديث أيضا «سيكون في آخر الزمان قوم يكون حديثهم في مساجدهم، ليس لله فيهم حاجة» وفي لفظ «يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم، فلا تجالسوهم، فليس لله فيهم حاجة» . (¬2) لأنه خير المجالس للخبر، وتقدم استحباب استقبالها في كل طاعة إلا لدليل. (¬3) هذا المذهب، وهو من المفردات، والمراد قيام غير مقيم إلى الصلاة، لأنه يأتي بها قائما، وقال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل الحرمين، ولأنه خبر بمعنى الأمر، ومقصوده الإعلام ليقوموا. قال في المبدع: والمراد بالقيام إليها هو التوجه إليها، ليشمل العاجز عنه. (¬4) ... وكان ابن عمر لايقوم حتى يسمع " قد قامت الصلاة " وعن أنس نحوه، وفي صحيح مسلم: كانت الصلاة تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم مقامه. وفي رواية: كان لا يقيم حتى يخرج، فأول ما يراه يشرع في الإقامة، فإذا رأوه قاموا. وعن سعيد ابن المسيب: إذا قال المؤذن «الله أكبر» ، وجب القيام، وروى عبد الرازق عن ابن جريج عن ابن شهاب أن الناس كانوا ساعة يقول المؤذن: «الله أكبر» ، يقومون إلى الصلاة، فلا يأتي صلى الله عليه وسلم مقامه حتى تعتدل الصفوف. وقال مالك: لم أسمع في قيام الناس إلى الصلاة بحد محدود، إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس، فإن فيهم الثقيل والخفيف. وذكر القاضي عياض عن مالك وعامة العلماء: يقومون بشروعه في الإقامة، فإن بلالا لا يقيم إلا إذا رآه، ثم إذا رأوه قاموا، وتقدم، وهذا مذهب أحمد وإسحاق وغيرهما. وكان عمر بن عبد العزيز وغيره يقومون في أول بدئه في الإقامة. قال بعض الأصحاب: وإذا أقيمت الصلاة وهو قائم جلس، وإن لم يكن صلى تحية المسجد لأن يقوم عند قوله: قد قامت الصلاة، لما روى الخلال عن ابن أبي ليلى أنه عليه الصلاة والسلام جاء وبلال في الإقامة فقعد. وروي عن أحمد، والأولى للداخل عند الإقامة أو قربها أن يستمر قائما، لتحريم الجلوس من غير صلاة من غير وجه، ولم يثبت خلافه، وغلط النووي وغيره من قال يجلس، وابن أبي أوفى هو عبد الله بن أبي أوفى، علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي صحابي شهد الحديبية، وعمر دهرا، ومات بالكوفة سنة سبع وثمانين.

وهذا إن رأى المأموم الإمام (¬1) وإلا قام عند رؤيته (¬2) ولا يحرم الإمام حتى تفرغ الإقامة (¬3) . ¬

_ (¬1) أو علم قربه، لقوله «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني خرجت» متفق عليه. وأشار الشارح إلى أن كلام الماتن جار على غير الصحيح من المذهب، وهو كذلك، جزم به في الإنصاف وغيره، وصححه المجد وغيره، وشاهده الخبر، وما مشى عليه الماتن هو رواية عن أحمد، وهو ظاهر المقنع والوجيز وغيرهما. (¬2) أي وإلا يرى المأموم والإمام عند قول المؤذن: «قد قامت الصلاة» . قام عند رؤية إمامه، للخبر المتقدم. (¬3) أي لا يكبر الإمام تكبيرة الإحرام حتى يفرغ المقيم من الإقامة، لأنه عليه الصلاة والسلام يسوي الصفوف بعد الإقامة. رواه البخاري. وفرغ من باب قعد، ومن باب تعب لغة لبني تميم.

تسوية الصف وتكميل الأول

(و) تسن (تسوية الصف) بالمناكب والأكعب (¬1) فيلتفت عن يمينه فيقول: استووا رحمكم الله. وعن يساره كذلك (¬2) ويكمل الأول فالأول (¬3) . ¬

_ (¬1) عند الإقامة وبعدها. لحديث «سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» متفق عليه. ولهما «لتسون صفوفكم أو ليخالفكن الله بين وجوهكم» وذلك بعدما كاد أن يكبر. وفي الصحيحين «أقيموا صفوفكم» الحديث. قال: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه. ولأحمد «سووا صفوفكم، وحاذوا بين مناكبكم» ولغيرها من الأحاديث والآثار، وظاهر كلام الشيخ وجوب التسوية، للخبرين وغيرهما. والأمر بتعديل الصفوف متواتر لا خلاف فيه. وقال: من ذكر الإجماع على استحبابه فمراده ثبوت استحبابه، لا نفي وجوبه، والمناكب مجتمع رأس الكتف والعضد، واحدها منكب بفتح الميم وكسر الكاف، والأكعب المفاصل بين الساق والقدم، والتسوية المسنونة محاذاتها دون أطراف الأصابع. (¬2) أي يقول: استووا. وفي الرعاية: اعتدلوا. لحديث أبي مسعود: كان يمسح مناكبنا في الصلاة. ويقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم» رواه مسلم. ولقوله «اعتدلوا وسووا صفوفكم» رواه أبو داود. ولحديث أنس: كان إذا قام إلى الصلاة قال هكذا وهكذا. عن يمينه وعن شماله «استووا وتعادلوا» وكذا خلفاؤه. وكان عثمان وعلي يتعاهدان ذلك، ويقولان: استووا. وكان علي يقول: تقدم يا فلان، تأخر يا فلان، والأولى ترك زيادة: رحمكم الله، لعدم ورودها. (¬3) أي ويسن أن يكمل المأمومون الصف الأول فالأول الذي يليه وهكذا، حتى ينتهوا، فلو ترك القادر الأول فالأول كره، للأخبار، إلا مع البعد، فسماع الإمام ورؤية أفعاله أفضل ممن بالأول أو اليمين، لأن الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أفضل من المتعلقة بمكانها.

ويتراصون (¬1) وميمنة والصف الأول للرجال أفضل (¬2) . ¬

_ (¬1) أي يسن تراص المأمومين في الصف، لقوله: «سووا صفوفكم وتراصوا» رواه البخاري. وفيه أيضا «رصوا صفوفكم» أي لاصقوها، حتى لا يكون بينكم فرج. وفيهما «أقيموا صفوفكم وتراصوا» ولأبي داود وغيره «رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق» فالمراصة التصاق بعض المأمومين ببعض، وأصله تراصصوا من: رص الشيء يرصه رصا ألزق بعضه ببعض، وقال الخطابي وغيره: تراصوا تضاموا وتدانوا، ليتصل ما بينكم، وكذا يسن سد خلل الصفوف. لحديث «سووا صفوفكم، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفا وصله الله، ومن قطعه قطعه الله» رواه أبو داود بسند صحيح، ولأحمد نحوه، ولغير ذلك من الأحاديث. (¬2) أي يمين الإمام أفضل من يساره. لحديث عائشة «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف» رواه أبو داود، ويمين الإمام يصدق على الملاصق، وعلى من وراءه من يمين كل صف. قال في الفروع: ويتوجه احتمال أن بعد يمينه ليس أفضل من قرب يساره، ولعله مرادهم، ومن قرب من الإمام من أيسر الصف فنحو ثلاثة أفضل من الأيمن نحو عشرة، والصف الأول للرجال أفضل من الذي خلفه، ولو قطع الأول المنبر، لقوله صلى الله عليه وسلم «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لا يجدون إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» متفق عليه. وقوله: «خير صفوف الرجال أولها» رواه مسلم. أي أكثرها أجرا، وقوله «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصف الأول» قالوا: وعلى الثاني؟ قال في الرابعة «وعلى الثاني» رواه أحمد. وقوله «لا يزال أقوام يتأخرون عن الصف الأول، حتى يؤخرهم الله في النار» رواه أبو داود. وقد تواترت به الآثار. قال في الفروع: وظاهر كلامهم يحافظ عليه، وإن فاتته الركعة. قال: ويتوجه المحافظة على الركعة من نصه على التكبيرة الأولى اهـ. ولأن إدراك الركعة أفضل، فإن نفس العبادة أولى من مكانها.

تكبيرة الإحرام والكلام عليها

وله ثوابه وثواب من وراءه ما اتصلت الصفوف (¬1) وكلما قرب منه فهو أفضل (¬2) والصف الأخير للنساء أفضل (¬3) (ويقول) قائما في فرض مع القدرة (الله أكبر) (¬4) . ¬

_ (¬1) لاقتدائهم به. قاله الوزير وغيره. وقوله: ما اتصلت، أي مدة دوامها متصلة، فـ (ما) هنا مصدرية ظرفية، أي فيكون كل إنسان في الأول له ثوابه وثواب الذي يليه، والثاني له ثواب الثالث وما بعده، ومن وقف وراء الإمام فهو أفضل، ولو كان في آخر الصف ممن هو على يمين الإمام ملتصقا به، لأن العبرة بما خلف الإمام، ومن تقدم على الإمام إلى الكعبة في غير جهته فصلاته صحيحة بلا خلاف. ولكن منزلته في الفضيلة كمن وقف بجانب الإمام. (¬2) لقوله عليه الصلاة والسلام «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى» رواه مسلم. وقال الشيخ: وقوف المأموم بحيث يسمع قراءة الإمام وإن كان في الصف الثاني أو الثالث أفضل من الوقوف في طرف الأول مع البعد عن سماع قراءة الإمام، لأن الأول صفة في نفس العبادة فهي أفضل من مكانها. (¬3) لقوله «وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» أي أقلها ثوابا وفضلا وأبعدها عن مطلوب الشرع، فيسن تأخيرهن. وروي «أخروهن حيث أخرهن الله» والمراد صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، أما إذا صلين متميزات عن الرجال، فهن كالرجال. وليس بين الإقامة والتكبير دعاء مسنون، قيل لأحمد: تقول قبل التكبير شيئًا؟ قال: لا. إذ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا على أحدٍ من الصحابة. (¬4) أي يقول الإمام ثم المأموم، وكذا المنفرد، قائما منتصبا بين يدي الرب تبارك وتعالى. مستقبل القبلة، مستشعرا حضور المتوجه إليه، شاهدا بقلبه قيوميته وكبريائه، متخليا عن الشواغل، متهيئا للدخول على الله، دخول العبد على الملك بالتعظيم والإجلال: الله أكبر. والراء ساكنة، والقيام مع القدرة ركن في الفرض بإجماع المسلمين، لا تصح إلا به. قال النووي وغيره: من استحله، أو قال ليس بفرض يكفر انتهى، وليس ركنا في النفل إجماعا، والله أكبر من كل شيء أي: أعظم، أو أكبر: كبير، أو الكبير على خلقه، أو أكبر من أن ينسب إليه ما لا يليق بوحدانيته، والكبير العظيم المتعالي، و (أكبر) أفعل تفضيل، وهو لا يستعمل مجردا من الألف واللام إلا مضافا، أو موصولا بمن لفظا أو تقديرا، وتكبيره سبحانه جامع لإثبات كل كمال له، وتنزيهه عن كل نقص وعيب، وإفراده وتخصيصه بذلك، وتعظيمه وإجلاله، وأكبر من أن يذكر بغير المدح والتمجيد والإثناء الحسن، وحكمة الاستفتاح بها ليستحضر عظمة من يقف بين يديه، وأنه أكبر شيء يخطر بباله، فيخشع له، ويستحيي أن يشتغل قلبه بغيره، ولهذا أجمع العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها وحضر قلبه. وروى ابن ماجه عن حذيفة مرفوعا «إن الرجل إذا دخل في صلاة أقبل الله عليه بوجهه، فلا ينصرف عنه حتى ينقلب أو يحدث حدث سوء» وفي الأثر «لو يعلم من يناجي ما انفتل» ولابن خزيمة «إنما يقوم يناجي ربه، فلينظر كيف يناجيه؟» ونظائره كثيرة، ومناجاة الرب تعالى أرفع وأشرف درجات العبد، وعن أنس مرفوعا «اذكر الموت في صلاتك فإن الرجل إذا ذكره حري أن يحسنها، وصل صلاة من يظن أن لا صلاة غيرها» حسنه الحافظ، وعن أم سلمة، قال: «فليصل صلاة مودع» ولمسلم «ألا ينظر المصلي كيف يصلي، فإنما يصلي لنفسه» وقال تعالى: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} والخشوع إنما يحصل لمن استحضر عظمة ملك الملوك، وأنه يناجيه، ويخشى أن يردها عليه، فيفرغ قلبه لها، ويشتغل بها عما عداها، ويؤثرها على ما سواها، فتكون راحته وقرة عينه، قال صلى الله عليه وسلم: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» وقال لبلال «أرحنا بالصلاة» .

فلا تنعقد إلا بها نطقا (¬1) لحديث: «تحريمها التكبير» (¬2) رواه أحمد وغيره (¬3) . ¬

_ (¬1) أي لا تنعقد الصلاة إلا بقول مصل: الله أكبر. إذا قدر عليها، لما فيها من التعظيم والتخصيص، وغيرها لا يقوم مقامها، بل ولا يؤدي معناها. كما قال ابن القيم وغيره، فلا تنعقد الصلاة إلا بها، ولا يجزئه غيرها، وعليه عوام أهل العلم، مالك والشافعي وجمهور السلف والخلف، لنقلهم ذلك نقلا مشهورا، أنه لا يدخل في الصلاة إلا بقوله: الله أكبر. ولما نقل عن بعضهم أنه سنة أو أنه يكفي مجرد النية. قال النووي: لا يصح عنهم مع هذه الأحاديث، ولا تجزئ بغير العربية إجماعا. (¬2) أي تحريم ما كان حلالا قبلها كالأكل والكلام ونحو ذلك حاصل بالتكبير، وقد جعل الله لكل عبادة تحريما يدخل منه إليها، فكأن المصلي إذا كبر ودخل في الصلاة كان ممنوعا من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها، فقيل للتكبير تحريم، لمنعه المصلي من ذلك. قال الجوهري: وأحرم الرجل دخل في حرمة لا تنتهك، وسميت تكبيرة الإحرام أي الإحرام بالصلاة. (¬3) فرواه أبو داود والترمذي وقال: هذا أصح شيء في هذا الباب، والعمل عليه عند أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم. ولقوله «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» وقوله «لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه، ويستقبل القبلة ويقول: ألله أكبر» وحديث: «كان إذا استفتح الصلاة استقبل القبلة ورفع يديه وقال: ألله أكبر ولم ينقل أنه كان يستفتح الصلاة بغير لفظ " ألله أكبر"» وقال شيخ الإسلام: ثبت بالنقل المتواتر وإجماع المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كانوا يفتتحون الصلاة بالتكبير. قال ابن القيم: يتعين ألله أكبر. وذكر الأخبار ثم قال: ولو انعقدت بغيره لفعلها في عمره ولو مرة واحدة.

فلا تصح إن نكسه (¬1) . أو قال: الله الأكبر أو الجليل ونحوه (¬2) أو مد همزة ألله أو أكبر (¬3) أو قال: إكبار (¬4) وإن مططه كره مع بقاء المعنى (¬5) فإن أتى بالتحريمة أو ابتدأها (¬6) . ¬

_ (¬1) بأن قال: أكبر الله، لأنه لا يكون تكبيرا. (¬2) كالكبير والعظيم، أو ألله، أو أكبر، فقط، فإن زاد على التكبير كالله أكبر كبيرا أو ألله أكبر وأعظم، أو أجل، ونحوه كره لأنه محدث. (¬3) لم تنعقد وفاقا، لأنه يصير استفهاما، أو زاد بين الكلمتين واوا ساكنة، أو متحركة. (¬4) لم تنعقد وفاقا، لأنه جمع كبر بفتح الكاف وهو الطبل. (¬5) جزم به في الفروع، ومططه مدده، من مط الشيء يمطه مطا مده، شدد للمبالغة، والمط والمطو والمد واحد، فإن تغير المعنى بأن مد في غير موضع المد لم يجز إجماعا، ويلزم جاهلا تعلمها. قال في الإنصاف: بلا نزاع من حيث الجملة. فإن عجز أو ضاق الوقت كبر بلغته، لقوله {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ويحرم أخرس ونحوه بقلبه، ولا يحرك لسانه. اختاره الشيخ. وقال: لو قيل ببطلان صلاته بذلك لكان أقرب اهـ. وكذا حكم القرآن، وباقي الأذكار، وإن أحسن البعض أتى به، لقوله «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» وقيل: المسائل التي يعرف بها فقه الإمام ثلاث: أحدها أن يخفف إحرامه وسلامه، أي يسرع فيهما، لئلا يشاركه المأموم فيهما فتبطل صلاته، وتقصير الوسطى، ودخول المحراب بعد الإقامة. (¬6) يعني غير قائم. بأن قال- وهو قاعد في فرض أو راكع ونحوه-: ألله أكبر. أو ابتدأها قاعدا ثم أتمها قائما، صحت نفلا إن اتسع الوقت.

أو أتمها غير قائم صحت نفلا إن اتسع الوقت (¬1) ويكون حال التحريمة (رافعا يديه) ندبا (¬2) فإن عجز عن رفع إحداهما رفع الأخرى (¬3) مع ابتداء التكبير وينهيه معه (¬4) . ¬

_ (¬1) لإتمام النفل والفرض كله قبل خروج الوقت، إلا استأنف الفرض قائما. (¬2) أي ويكون المصلي من إمام ومأموم ومنفرد حال التحريمة في فرض أو نفل رافعا يديه معا مع القدرة ندبا بغير خلاف. وقال ابن المنذر: لا يختلف أهل العلم في أن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه، وليس بواجب وفاقا. وقال ابن عمر: زينة الصلاة. وقال الشافعي وغيره: تعظيم لله تعالى واتباع لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، واليدان هنا الكفان، فإن اليد إذا أطلقت اقتضت الكف، أومأ إليه أحمد، فلو قطعت يده من الكوع رفع الساعد، أو من المرفق رفع العضد، والمندوب في اللغة المدعو إليه، والندب هو الدعاء، وعند الفقهاء ما تعلق الثواب بفعله، ولا يتعلق العقاب بتركه. وقيل: كل ما لا لوم على تركه. (¬3) لقوله «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استعطتم» . (¬4) أي يبتدئ رفع يديه مع ابتداء التكبير، وينهيه مع إنهائه، لأن الرفع للتكبير، فكان معه، هذا المذهب، وروى أحمد وأبو داود من حديث وائل بن حجر: كان يرفع يديه مع التكبير، وقضيته المعينة أنه ينتهي بانتهائه، وصححه في شرح المهذب، وهو المرجح عند المالكية، وفي الصحيحين عن ابن عمر: كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر، فيكون ابتداؤه مع ابتدائه، ولا استصحاب في انتهائه، وصححه النووي في شرح الروضة ومسلم، لأنه لا حد لانتهائه، وقال: لا استحباب في الانتهاء، فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع أو العكس تمم الباقي اهـ. ويرفعهما قبله ثم يكبر نص عليه، لخبر ابن عمر الآتي وغيره، وثبت تقديم التكبير على الرفع، لكن قال حافظ وغيره: لم أر من قال بتقديم التكبير على الرفع.

(مضمومتي الأصابع ممدودة) الأصابع (¬1) مستقبلا ببطونها القبلة (¬2) (حذو) أي مقابل (منكبيه) (¬3) لقول ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم يكبر. متفق عليه (¬4) . ¬

_ (¬1) لقول أبي هريرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مدا. رواه أحمد وأبو داود والترمذي بإسناد حسن. (¬2) وفاقا للشافعي. وقيل: قائمة حال الرفع والحط، وهو رواية عن مالك. (¬3) وإبهاميه عند شحمتي اذنيه جمعًا بين الاخبار وفقًا للجمهور مالك والشافعي وغيرهما. وقال النووي: مذهب الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه، بحيث تحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، وإبهاماه، شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه. وبهذا جمع الشافعي وغيره بين روايات الأحاديث، واستحسنه الناس منه. أو إلى فروع أذنيه، وحذاء أي إزاء، من حذوته أحذوه حذوا، وحاذيته محاذاة، من باب قاتل، وهي الموازاة، وعنه يخير وهي أشهر، قال ابن القيم: وكان يرفع يديه مع التكبير ممدودة الأصابع مستقبلا بها القبلة إلى فروع أذنيه، وروي إلى منكبيه، ولم يختلف عنه في محل هذا الرفع. (¬4) ولحديث وائل وابن عمر المتقدمين. ولحديث علي: إذا قام إلى الصلاة كبر، ورفع يديه حذو منكبيه. صححه الترمذي. ولحديث مالك: كبر ورفع يديه. وحديث أبي حميد وغيرهم في خمسين صحابيا منهم العشرة رضي الله عنهم. قال الحاكم: لا نعلم سنة اتفقوا على روايتها غير هذه، واستدلال الشارح بخبر ابن عمر صريح في أن التكبير إنما هو بعد رفع اليدين، كما هو معلوم من أن (ثم) تفيد الترتيب والتراخي، وذكره في المتفق عليه، وكذا صاحب المنتقى، وهذا لفظ مسلم والسنن.

يجهر الإمام بالتكبير والتسميع

فإن لم يقدر على الرفع المسنون رفع حسب إمكانه (¬1) ويسقط بفراغ التكبير كله (¬2) وكشف يديه هنا وفي الدعاء أفضل (¬3) ورفعهما إشارة إلى رفع الحجاب بينه وبين ربه (¬4) (كالسجود) يعني أنه يسن في السجود وضع يديه بالأرض حذو منكبيه (¬5) . (ويسمع الإمام) استحبابا بالتكبير كله (من خلفه) من المأمومين ليتابعوه (¬6) وكذا يجهر بـ «سمع الله لمن حمده» (¬7) . ¬

_ (¬1) أو لم يمكنه رفعهما إلا بالزيادة على المسنون رفعهما، لإتيانه بالسنة وزيادة هو مغلوب عليها، أو كانا في ثوبه رفعهما حيث يمكن. لحديث وائل: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في الشتاء، فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم، رواه أبو داود. وفي رواية: فرأيت الناس عليهم جل الثياب، تتحرك أيديهم تحت الثياب. (¬2) يعني رفع اليدين، لأنه سنة فات محلها، ثم يحطهما من غير ذكر. (¬3) لأن كشفهما أدل على المقصود، وأظهر في الخشوع. (¬4) ذكره ابن شهاب، أو ليستقبل بجميع بدنه، وفي التمهيد وغيره: ورفعهما عند أهل العلم تعظيم لله تعالى، وابتهال إليه، واستسلام له، وخضوع للموقوف بين يديه، واتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. (¬5) لحديث أبي حميد الآتي وغيره. (¬6) فيه لقوله: «إذا كبر فكبروا» و «يسمع» من سمعه بالتشديد، أو أسمعه أي جعله يسمعه. (¬7) أي وكذا يستحب لإمام أن يجهر بقول: سمع الله لمن حمده، ليحمد المأمومون عقبه، لقوله عليه الصلاة والسلام «وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» ولا يسن جهره بالتحميد، بل يقوله سرا، و (يجهر) بفتح الياء، ويجوز ضمها، يقال جهر بالقراءة ونحوها، وأجهر إذا أعلنها.

والتسليمة الأولى (¬1) فإن لم يمكن إسماع جميعهم جهر به بعض المأمومين (¬2) لفعل أبي بكر معه صلى الله عليه وسلم متفق عليه (¬3) (كقراءاته) أي كما يسن لإمام أن يسمع قراءته من خلفه (¬4) (في أولتي غير الظهرين) أي الظهر والعصر (¬5) . ¬

_ (¬1) أي يسن للإمام الجهر بالتسليمة الأولى، ليتابعه المأمومون في السلام، وكذا بالثانية، اختاره ابن حامد وغيره، لئلا يسابق المأموم الإمام، ولا يقوم قبل تمام الصلاة. (¬2) ليسمع من لا يسمع الإمام، لنحو بعد أو كثرة. (¬3) من حديث أنس وعائشة وجابر وغيرهم. قال جابر: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه خلفه فإذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أبو بكر ليسمعنا، ولا تبطل به الصلاة، وإن قصد الإعلام، وذكر البرزلي وغيره أن مذهب الجمهور جواز صلاة المسمع، والاقتداء به، وأنه جرى عليه العمل في الأعصار، والعلماء متوافرون. قالوا: وبالجملة فما عليه السلف والخلف من جواز هذا القول حجة بالغة على من خالفهم. وقال الشيخ: إذا كان الإمام يبلغ صوته المأمومين كلهم لم يستحب لأحد المأمومين التبليغ باتفاق المسلمين، لعدم الحاجة إليه. (¬4) ليتابعوه، وليحصل لهم استماع قراءته. (¬5) غلب أحد الاسمين على الآخر، كالعمرين والقمرين.

الحكمة في الجهر والإسرار

فيجهر في أولتي المغرب والعشاء والصبح والجمعة والعيدين والكسوف والإستسقاء والتراويح والوتر بقدر ما يسمع المأمومين (¬1) (وغيره) أي غير الإمام وهو المأموم والمنفرد ليس بذلك كله (¬2) . ¬

_ (¬1) إجماعا في غير كسوف، وفيه عند الجمهور، لفعله عليه الصلاة والسلام، وقد ثبت ذلك بنقل الخلف عن السلف، والإسرار فيما عدا ذلك ثبت بإجماع المسلمين، مع الأحاديث الصحيحة المتظاهرة على ذلك، والحكمة في الجهر- والله أعلم- ما ذكره ابن القيم وغيره أن الليل مظنة هدوء الأصوات، وفراغ القلوب، واجتماع الهمم، ومحل مواطأة القلب اللسان، ولهذا كانت السنة تطويل قراءة الفجر، لأن القلب أفرغ ما يكون من الشواغل، فإذا كان أول ما يقرع سمعه كلام الله تمكن فيه، ولما كان النهار بضد ذلك، كان الأصل في القراءة فيه الإسرار إلا لعارض راجح، كالمجامع العظام في العيدين والجمعة والإستسقاء والكسوف، فإن الجهر حينئذ أحسن وأبلغ في تحصيل المقصود، وأنفع للجمع، وفيه من قراءة كلام الله عليهم، وتبليغه في المجامع العظام ما هو من أعظم مقاصد الرسالة. (¬2) أي التكبير والتسميع، والسلام والقراءة، لأنه لا حاجة إليه، وربما لبس على المأمومين إلا أنه يخير منفرد، وقائم لقضاء ما فاته بعد سلام إمامه بين جهره بالقراءة وإخفائه بها، وفي الإنصاف: لو قضى صلاة سر، لم يجهر فيها، سواء قضاها ليلا أو نهارا، لا أعلم فيه خلافا، وحكاه الشارح وغيره، وإن قضى صلاة جهر ليلاً جهر فيها ولا أعلم فيها خلافًا ونهارا لم يجهر على الصحيح من المذهب، وقال النووي: يسن للمنفرد كالإمام، وهو مذهب مالك والشافعي. قال العبدري: هو مذهب العلماء كافة إلا أبا حنيفة، فجهر المنفرد عنده وإسراره سواء. والمرأة إذا صلت بالنساء جهرت بالقراءة، وإلا فلا تجهر إذا صلت وحدها، ويجوز إن لم يسمعها أجنبي.

وضع كفه اليمنى على اليسرى

لكن ينطق به بحيث يسمع (نفسه) وجوبا في كل واجب (¬1) لأنه لا يكون كلاما بدون الصوت، وهو ما يتأتى سماعه (¬2) حيث لا مانع، فإن كان، فبحيث يحصل السماع مع عدمه (¬3) (ثم) إذا فرغ من التكبيرة (يقبض كوع يسراه) بيمينه (¬4) . ¬

_ (¬1) وكذا يجب على كل مصل نطق بكل ركن، كتكبيرة إحرام وتشهد أخير وسلام، وواجب كتسميع وتحميد، وباقي تكبير وتشهد أول. (¬2) أي الصوت، وأقرب السامعين إليه نفسه، فيجب بقدر ما يسمعها، واختار الشيخ الاكتفاء بالحروف، وإن لم يسمعها، وهو وجه في المذهب، وقدمه في الفروع، ومال إليه في الإنصاف، واختاره الكرخي وغيره. قال الشيخ: يجب أن يحرك لسانه بالذكر الواجب في الصلاة من القراءة ونحوها مع القدرة. ومن قال: إنها تصح بدونه. يستتاب. (¬3) أي حيث لا مانع من السماع كصمم، فإن كان ثم مانع فإنه يجب الجهر بالركن والواجب بحيث يحصل السماع مع عدم المانع، وكذا الأخرس ونحوه كمقطوع اللسان يحرم ونحوه بقلبه، ولا يحرك لسانه حركة مجردة، ولو قيل: إن الصلاة تبطل بذلك كان أقرب، لأنه عبث ينافي الخشوع، وزيادة على المشروع. (¬4) لحديث وائل: وضع يده اليمنى على اليسرى. رواه مسلم وغيره. ولأحمد وأبي داود بسند صحيح: ثم وضع كفه اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد. ونحوه عن ابن مسعود، وفي الصحيح عن سهل: كانوا يأمرون أن يضع الرجل اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة، وفي الترمذي وحسنه: كان يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه. وقال ابن الزبير: وضع اليد على اليد من السنة، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم. وقال الوزير: وأجمعوا على أنه يسن وضع اليمين على الشمال في الصلاة، إلا في إحدى الروايتين عن مالك، فقال مباح، والأخرى مسنون. وقال ابن عبد البر: لم يأت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه خلاف، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك وغيره اهـ. وإذا أرسلها أرسلها إرسالا خفيفا، ثم يضع اليمنى على اليسرى، وصححه النووي وغيره، وقيل يرسلهما ثم يرفعهما، فيضع اليمنى على اليسرى، والكوع طرف الزند الذي يلي الإبهام، من باب باع، وجمعه أكواع، والزند زندان الكوع والكرسوع، قال بعضهم: وعظم يلي الإبهام كوع وما يلي ... لخنصر كرسوع والرسغ ما وسط وعظم يلي إبهام رجل ملقب ... ببوع فخذ بالعلم واحذر من الغلط

ويجعلها (تحت سرته) استحبابا (¬1) لقول علي: من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة. رواه أحمد وأبو داود (¬2) . ¬

_ (¬1) ذلا بين يدي ربه عز وجل، والسرة هي الموضع الذي في وسط البطن يقطع منه السر بعد الولادة. وحكى النووي وغيره عن العلماء أن الحكمة في هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل وهو أمنع من العبث، وأقرب إلى الخشوع. (¬2) تقدم أن قول الصحابي: من السنة، له حكم الرفع، لكن قال النووي هذا الأثر اتفقوا على ضعفه، وعنه: على صدره، وفاقا لمالك والشافعي، لحديث وائل: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي فوضع يديه على صدره إحداهما على الأخرى، صححه ابن خزيمة وغيره، وحديث هلب وفيه: ورأيته يضع هذه على صدره، رواه أحمد. قال النووي: ورواتهما كلهم ثقات، ولم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فوق السرة أو تحتها شيء، وصحح عن علي رضي الله عنه من فعله فوق السرة. ويعضده ما رواه أبو داود في المراسيل عن طاوس وقال ابن القيم في كتاب الصلاة لما ساق صفة صلاته - صلى الله عليه وسلم -: ثم كان يمسك شماله بيمينه فيضعها عليها فوق المفصل ثم يضعهما على صدره، وقال في موضع آخر لم يصح موضع وضعهما وعنه مخير لأن الجميع مروي، والأمر فيه واسع، واختاره في الإرشاد والمحرر وحكي عن مالك.

(وينظر) المصلي استحبابا (مسجده) أي موضع سجوده لأنه أخشع (¬1) إلا في صلاة خوف لحاجة (¬2) (ثم) يستفتح ندبا (¬3) . ¬

_ (¬1) وأكف لبصره، وأبلغ في الخضوع، وكان عليه الصلاة والسلام إذا دخل في الصلاة طأطأ رأسه، وقال أبو هريرة، كانوا يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة فلما أنزل الله {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} رمقوا بأبصارهم إلى موضع سجودهم، ويأتي النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، فيما يكره فيها، وقد أجمع العلماء على استحباب الخشوع والخضوع في الصلاة، وغض البصر عما يلهي، وكراهة الالتفات، وتقريب نظره، وقصره على ما بين يديه، ومسجد بفتح الميم وكسر الجيم وتفتح موضع السجود نفسه، وقال الليث: اسم جامع حيث سجد عليه، وقال الزجاج: كل موضع يتعبد فيه فهو مسجد، ومنه المسجد للجامع. (¬2) إذا كان العدو في جهة القبلة، وكذا إذا اشتد الخوف، أو كان خائفا من سيل أو سبع، أو فوات الوقوف بعرفة، أو ضياع مال ونحو ذلك، مما يحصل به الضرر إذا نظر إلى موضع سجوده، وكذا في حال تشهده، فينظر إلى سبابته لحديث، وأشار بالسبابة ولم يجاوز بصره إشارته، رواه أحمد وغيره، وفي الغنية: يكره إلصاق الحنك بالصدر. (¬3) أي مسنونا عند جمهور الأئمة كأبي حنيفة والشافعي وأحمد، لما ثبت من الأحاديث الصحيحة وفي المذهب قول بوجوبه، وخالف مالك رحمه الله والأحاديث الصحيحة متظاهرة بإثباته، وكذا جهر عمر به وخلفه الصحابة حجة عليه، واستفتح بمعنى فتح، وفاتحة الشيء أوله الذي يفتح به.

فـ (يقول: سبحانك اللهم) أي أنزهك اللهم عما لا يليق بك (¬1) (وبحمدك) سبحتك (¬2) (وتبارك اسمك) أي كثرت بركاته (¬3) (وتعالى جدك) أي ارتفع قدرك وعظم (¬4) . ¬

_ (¬1) من النقائص والرذائل، وأصل التسبيح التنزيه والتقديس، ثم استعمل في مواضع تقرب منه اتساعا، يقال: سبحته أسبحه تسبيحا وسبحانا قدسته، فسبحان اسم مصدر، منصوب بفعل مقدر، لا يجوز إظهاره، ولا يستعمل إلا مضافا. (¬2) ويقال الواو عاطفة على محذوف، تقديره: سبحتك بكل ما يليق تسبيحك به، وبحمدك سبحتك، وبنعمتك التي توجب علي حمدا سبحتك، لا بحولي ولا بقوتي، ويشاهد بقلبه ربا منزها عن كل عيب، سالما من كل نقص، محمودا بكل حمد، وحمده يتضمن وصفه بكل كمال. (¬3) تبارك أي كمل وتعاظم وتقدس، جاء بناؤها على السعة والمبالغة فدل على كمال بركتها وعظمتها وسعتها، ولا يقال إلا له سبحانه وتعالى، ومن قال: تبارك بمعنى ألقي البركة وبارك فيه، فلم يصب، وإن كان من لوازم كونه متبارك، فإن (تبارك) من باب مجد، والمجد كثرة صفات الجلال والكمال والسعة والفضل. (¬4) أي شأنك و (جد) بفتح الجيم العظمة والحظ والسعادة والغناء، وتعالى تعاظم، جاء على بناء السعة والمبالغة، فدل على كمال العلو ونهايته، وقدرك بسكون الدال وفتحها أي علا جلالك وارتفعت عظمتك، وجلت فوق كل عظمة، وعلا شأنك على كل شأن، وقهر سلطانك كل سلطان.

الاستفتاحات الثابتة كلها سائغة

(ولا إله غيرك) أي لا إله يستحق أن يعبد غيرك (¬1) كان عليه الصلاة والسلام يستفتح بذلك، رواه أحمد وغيره (¬2) . ¬

_ (¬1) فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات، التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب المخضوع له غاية الخضوع. (¬2) قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من التابعين وغيرهم، قال أحمد: وأنا أذهب إليه، وفي صحيح مسلم أن عمر كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يعلمهن الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة الأكابر، ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقولها في الفريضة، ما فعل ذلك عمر، وأقره المسلمون، وروي عن أبي بكر وابن مسعود، قال المجد: واختيار هؤلاء وجهر عمر به يدل على أنه الأفضل، وأنه الذي كان يداوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم غالبا، وقال الضحاك والربيع وابن زيد في قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} أي إلى الصلاة سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ولاشتماله على أفضل الكلام بعد كتاب الله، ولأنه أخلص في الثناء على الله، وغيره من الاستفتاحات وإن كانت أصح منه، فإنما هي متضمنة للدعاء، والثناء أفضل من الدعاء، وعامتها في قيام الليل، وقال أحمد: إنما هي عندي في التطوع، ولأنه إنشاء للثناء على الرب، متضمن للإخبار عن صفات كماله، ونعوت جلاله، وغير ذلك مما يرجع الأخذ به، ويجوز الاستفتاح بكل ما ورد، قال الشيخ: الاستفتاحات الثابتة كلها سائغة باتفاق المسلمين، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يداوم على استفتاح واحد قطعا، والأفضل أن يأتي بالعبادات المتنوعة على وجوه متنوعة بكل نوع منها أحيانا، كالاستفتاحات ولأحمد رحمه الله أصل مستمر في جميع صفات العبادات قوليها وفعليها، يستحسن كل ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من غير كراهة لشيء منه، ولا يستحب أن يجمع بينها بل هذا تارة، وهذا تارة، وصوبه في الإنصاف.

(ثم يستعيذ) ندبا (¬1) فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (¬2) (ثم يبسمل) ندبا فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم (¬3) . ¬

_ (¬1) وهو سنة عند عامة السلف للآيات والأخبار، وأوجبة عطاء، والثوري، لقوله تعالى {فَاسْتَعِذْ} ولمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها، ولأنها تدرأ شر الشيطان، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، واستحبه جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وحكى الإجماع عليه ابن جرير وغيره. (¬2) أي ألجأ إلى الله وأعتصم به من الشيطان الرجيم المطرود المبعد عن رحمة الله، لا يضرني في ديني ولا في دنياي، والشيطان اسم لكل متمرد عات من الجن والإنس من: شطن أي بعد لبعده من الخير، وقيل من شاط يشيط، إذا هلك واحترق، وإذا أطلق: إبليس، والرجيم بمعنى المرجوم، أي المطرود المبعد، وقيل: بمعنى راجم أي يرجم غيره بالإغواء، وتقدم نحوه، والتعوذ بهذا اللفظ مجمع عليه، لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أي إذا أردت القراءة فإنك إذا استعذت بالله فقد أويت إلى ركنه الشديد، واعتصمت بحوله وقوته من عدوك الذي يريد أن يقطعك عن ربك، ويباعدك من قربه، فإن حقيقتها الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه، فإنه يحول بين المرء وبين ما يريده من إقباله على صلاته، وإخلاصه فيها، حتى يذكره ما لم يكن يذكره من قبل، ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم، واستعانة بالله، واعتراف له بالقدرة، وللعبد بالعجز عن مقاومة هذا العدو الذي يريده وهو لا يراه، بالذي يرى الشيطان، ولا يراه الشيطان، وكيفما تعوذ من الوارد فحسن، واختار الشيخ التعوذ أول كل قراءة. (¬3) إجماعا قبل الفاتحة، إلا ما روي عن مالك مع أنه وافق في السورة، حتى قيل بوجوبها، كما هو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد، فتأكد الندب.

وهي قرآن، آية منه، نزلت فصلا بين السور (¬1) غير براءة فيكره ابتداؤها بها (¬2) ويكون الاستفتاح والتعوذ بالبسملة (سرا) (¬3) ويخير في غير صلاة في الجهر بالبسملة (¬4) (وليست) البسملة (من الفاتحة) (¬5) . ¬

_ (¬1) وقبل الفاتحة على الأصح، واحتج أحمد بأن الصحابة أجمعوا على هذا في المصحف، وهي بعض آية في النمل. (¬2) لأنها مع الأنفال كالسورة الواحدة، قرنت قصتها بقصتها، ولم يذكر بينهما بسملة باتفاق الناس، ولنزولها بالسيف. (¬3) أما الاستفتاح والتعوذ فسرا إجماعا، وليسا واجبين، ويسقطان بفوات محلهما، وكذا البسملة، وأما كون البسملة سرا، فلحديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بـ {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي الذي يسمع منهم لا يجهرون بالبسملة، فلا يسن الجهر بها قال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، قال الشيخ: ويستحب الجهر بها للتأليف، واختار أنه يجهر بها وبالتعوذ والفاتحة في الجنازة ونحوها تعليما للسنة، وذكر أن المداومة على الجهر بذلك بدعة مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والأحاديث المصرحة في الجهر بها كلها موضوعة، وذكر الطحاوي أن ترك الجهر بالبسملة في الصلاة تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه، وذكر ابن القيم أن الجهر بها تفرد به نعيم من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمان مائة ما بين صاحب وتابع. (¬4) قال القاضي وغيره: كالقراءة. (¬5) على الأصح، وجزم به غير واحد، وذكره القاضي إجماعا سابقا. وقال الشيخ: البسملة آية من كتاب الله في أول كل سورة سوى براءة وليست من السور على المنصوص عن أحمد، وهو أوسط الأقوال وأعدلها، وبه تجتمع الأدلة.

الفاتحة ركن في كل ركعة لغير مأموم

وتستحب عند فعل كل مهم (¬1) (ثم يقرأ الفاتحة) تامة بتشديداتها (¬2) وهي ركن في كل ركعة (¬3) وهي أفضل سورة (¬4) وآية الكرسي أعظم آية (¬5) وسميت فاتحة لأنه يفتتح بقراءتها الصلاة، وبكتابتها في المصاحف (¬6) . ¬

_ (¬1) فتذكر في ابتداء جميع الأفعال، وعند دخول المنزل والخروج منه للبركة، وهي تطرد الشيطان، ومستحبة تبعا لا استقلالا. قال أحمد: لا تكتب أمام الشعر ولا معه. قال الشيخ: وتكتب أوائل الكتب، كما كتبها سليمان ونبينا عليهما السلام اهـ وتقدم ما تجب فيه وتسن وتكره وتحرم. (¬2) وجوبا مع القدرة على غير مأموم. (¬3) وفاقا لمالك والشافعي، لحديث أبي قتادة، كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين وفي الأخريين بأم الكتاب، ولقوله صلوا كما رأيتموني أصلي ولحديث «لا صلاة لمن يقرأ بفاتحة الكتاب» ، متفق عليها. ولمسلم «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» . (¬4) قاله الشيخ وغيره، لقوله عليه الصلاة والسلام أعظم سورة في القرآن {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، الذي أوتيته رواه البخاري. (¬5) لقوله عليه الصلاة والسلام آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله رواه مسلم وغيره، وللترمذي وغيره إنها سيدة أي القرآن قال الشيخ: كما نطقت به النصوص. (¬6) وفاتحة الشيء أوله الذي يفتتح به، وتسمى الحمد والسبع المثاني، وأم الكتاب وأم القرآن، لأن المقصود منه تقرير الإلهيات، والمعاد والنبوات، وإثبات القضاء والقدرة لله تعالى، والفاتحة مشتملة على ذلك، قال الحسن: أودع فيها معاني القرآن، كما أودع فيه معاني الكتب السابقة، وقاله ابن كثير وغيره: اشتملت على حمد الله والثناء عليه، وذكر المعاد وإرشاد العباد إلى سؤاله، والتضرع إليه، والتبرئ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده، وإلى سؤاله الهداية إلى الصراط المستقيم، والتثبيت عليه حتى يفضي بهم إلى جواز الصراط يوم القيامة المفضي إلى جنات النعيم، في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وعلى الترغيب في الأعمال الصالحة، والتحذير من مسالك الباطل، لئلا يحشروا مع سالكيها، وهم المغضوب عليهم والضالون اهـ وجمعت معانيها في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ففيها سر الخلق، وأمر الدنيا والآخرة، ومن فاز بمعانيها فقد فاز من كماله بأوفر نصيب.

وفيها إحدى عشرة تشديدة (¬1) ويقرؤها مرتبة متوالية (¬2) (فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال) عرفا أعادها (¬3) . ¬

_ (¬1) بغير خلاف، وهي في الله، ورب، والرحمن، والرحيم، والدين، وإياك، وإياك والصراط والذين، وفي الضالين اثنتان. (¬2) أي يجعل كل آية وكلمة في مرتبتها، على نظمها المعروف، ويتابع بينها، لأنه مناط الإعجاز، ولا يفصل بين شيء منها وما بعده بأكثر من سكتة التنفس أو التأمل. (¬3) أي قطع الفاتحة غير مأموم بذكر أو دعاء أو قرآن كثير لا لتنبيه، أو قطعها بسكوت غير مشروعين، أي الذكر والسكوت، وطال القطع بالذكر أو السكوت غير المشروعين عرفا، أعاد الفاتحة لقطعه موالاتها، قال الكسائي: الذكر باللسان بالكسر ضد الإنصات، وبالضم بالقلب ضد النسيان.

فإن كان مشروعا كسؤال الرحمة عند تلاوة آية رحمة (¬1) ، وكالسكوت لاستماع قراءة إمامه (¬2) وكسجود للتلاوة مع إمامه، لم يبطل ما مضى من قراءتها مطلقًا (¬3) (أو ترك منها تشديدة أو حرفا (¬4) أو ترتيبا لزم غير مأموم إعادتها) أي إعادة الفاتحة فيستأنفها إن تعمد (¬5) . ¬

_ (¬1) والتعوذ عند آية عذاب لم يبطل ما مضى من قراءتها، لوروده ويأتي. (¬2) بعد شروعه في قراءة الفاتحة، لم يعد ما قرأ منها، لأنه سكوت مشروع، لقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} وقوله عليه الصلاة والسلام: وإذا قرأ فأنصتوا (¬3) أي طال أو لم يطل، تعمد القطع أو لا، لأنه ليس بإعراض، وإن كان سهوا عفي عنه، قال ابن تميم: أو سكت سكوتا كثيرا نسيانا، أو نوما، أو انتقل إلى غيرها فطال، بنى على ما قرأ منها. (¬4) أي من الفاتحة، وقد فات محله وبعد عنه، وبحيث يخل بالموالاة استأنفها فإن كان قريبا فأعاد الكلمة أجزأ، كمن نطق بالكلمة على غير الصواب، فيأتي بها على وجه الصواب، والحرف المشدد أقيم مقام حرفين، لا إن لينها لأنه لا يحيل المعنى. (¬5) أي يبتدئها إن تعمد ترك حرف أو تشديدة أوترتيب وهو جعل كل شيء في مرتبته، فإذا قدم بعضها على بعض لم يسم قارئا لها عرفا، ولا يعتد بما قرأ منها، ومفهومه أنه إذ لم يتعمد لم يستأنف، وفيه احتمال يجب تمييزه، وهو أنه إن كان من جهة قطع الموالاة لم يستأنف وبنى، وإن كان ترك تشديدة أو حرفا فعلى ما تقدم، وإن فاتت الموالاة استأنف، وإلا أعاد الكلمة، والمراد في ذلك الإمام والمنفرد، وأما المأموم فلا يلزمه ويأتي.

ويستحب أن يقرأها مرتلة (¬1) معربة (¬2) يقف عند كل آية، كقراءته عليه الصلاة والسلام (¬3) ويكره الإفراط في التشديد والمد (¬4) . ¬

_ (¬1) لقوله {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً *} والترتيل التمهيل والترسل والتبيين في القرآن من غير بغي، قال أحمد: يعجبني من قراءة القرآن السهلة، وقال في قوله: زينوا القرآن بأصواتكم قال: يحسنه بصوته من غير تكلف، وقال الشيخ: هو التحسين والترنم بخشوع وحضور قلب وتفكر وتفهم، ينفذ اللفظ إلى الأسماع، والمعاني إلى القلوب، لا صرف الهمة إلى ما حجب به أكثر الناس بالوسوسة في خروج الحروف إلخ، ويأتي. (¬2) بتخفيف الراء، فلا يسكن الكاف من مالك، والنون من الذين ونحو ذلك محسنة مفصحة غير ملحون فيها، لقوله: زينوا أصواتكم بالقرآن، وقوله: ما أذن الله لشيء كما أذن لنبي حسن الصوت، يتغنى بالقرآن يجهر به، ما أذن أي استمع وفي لفظ حسن الترنم بالقرآن، وهي آكد. (¬3) وإن كانت متعلقة بما بعدها، فإن قراءته صلى الله عليه وسلم كانت مدا يقف عند كل آية ويمد بها صوته، قالت أم سلمة: كان يقطع قراءته آية آية، قال الشيخ: ووقوف القارئ على رءوس الآيات سنة، وإن كان الآية الثانية متعلقة بالأولى، تعلق الصفة بالموصوف، أو غير ذلك، والقراءة القليلة بتفكر أفضل من الكثيرة بلا تفكر، وهو المنصوص عن الصحابة صريحا. (¬4) الإفراط الإسراف ومجاوزة الحد، فيكره في التشديد، بحيث يزيد على حرف ساكن، وفي المد لأنه ربما جعل الحركات حرفا، ويمكن حروف المد واللين، ما لم يخرج إلى التمطيط والفرق بين الإفراط والتفريط أن الإفراط يستعمل في مجاوزة الحد من جانب الزيادة والكمال، والتفريط يستعمل في مجاوزة الحد من جانب النقصان والتقصير، فإذا فرغ قال: آمين إجماعا.

(ويجهر الكل) أي المنفرد والإمام والمأموم معًا (¬1) (بآمين في) الصلاة (الجهرية) (¬2) بعد سكتة لطيفة (¬3) ليعلم أنها ليست من القرآن، وإنما هي طابع الدعاء (¬4) . ¬

_ (¬1) أي جميعا، وحكي وجوبه على المأموم، والجمهور أنه مسنون، وقال الشافعي: يجهر به الإمام، وفي المأموم قولان، وعن مالك بالعكس، ويقال: جهر بالقراءة وأجهر بها إذا أعلنها، و (معًا) تستعمل مفردة غير مضافة منونة، وتكون حالا وتستعمل للاثنين والجماعة. (¬2) المغرب والعشاء والفجر والجمعة والعيد والاستسقاء والكسوف، لحديث أبي هريرة إذا أمن الإمام فأمنوا يعني: إذا شرع في التأمين فأمنوا، أو إذا أراد التأمين ليتوافق تأمين المأموم والإمام معًا، فالجمهور على «المقارنة فإنه من وافق تأمنيه تأمين الملائكة غفر له» ، متفق عليه، يعني ممن يشهد تلك الصلاة منهم، قيل: في الزمان، وقيل: في الإجابة، وقيل: في الإخلاص وقوله: إذا قال: {وَلا الضَّالِّينَ} فقولوا آمين، أي حتى يقع تأمينكم وتأمينه معا، ولحديث أبي وائل: كان يقول: آمين يمد بها صوته، رواه أحمد وغيره، وقال الحافظ وابن القيم وغيرهما: سنده صحيح، ولحديث أبي هريرة: حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج المسجد، صححه البيهقي والحاكم، قال الشافعي: ولم يزل أهل العلم عليه، ولأنه دعاء بالاستجابة فسن الجهر به لجمهور به، ويجهر بها غير مصل إن جهر بالقراءة، وآمين بفتح الهمزة مع المد، ويجوز القصر والإمالة وهي اسم فعل موضوع لاستجابة الدعاء مبينة على الفتح عند الدرج، وتسكن عند الوقوف، لأنه كالأصوات. (¬3) أي صغيرة ولطف الشيء صغر ودق، ضد ضخم. (¬4) أي ليست من الفاتحة إجماعًا، وإنما هي تأمين على الدعاء، وطابع بفتح الباء، والكسر فيه لغة، أي ختم على الدعاء، كخاتم الكتاب الذي يصونه ويمنع من فساده، وإظهار ما فيه، فالمعنى أن الإتيان بالتأمين طابع يكون كالخاتم لهذا الدعاء.

يلزم الجاهل تعلم الفاتحة والذكر الواجب

ومعناه: اللهم استجب (¬1) ويحرم تشديد ميمها (¬2) فإن تركه إمام أو أسره، أتى به مأموم جهرا (¬3) ويلزم الجاهل تعلم الفاتحة (¬4) . ¬

_ (¬1) أي لنا قاله الأكثر، أي اللهم استجب لنا ما سألناك من الهداية إلى الصراط المستقيم إلى آخره، وقال ابن عباس: معناه كذلك فليكن يعني الدعاء، وروي عنه مرفوعا قال: رب افعل. (¬2) لأن معناه قاصدين وتبطل به مطلقا. (¬3) أي فإن ترك التأمين إمام عمدا أو سهوا، أو أسره أتى به مأموم جهرا، ليذكر الناسي ولأن جهر المأموم سنة فلا يسقط بترك الإمام له، ولا يتوقف على تأمينه لعموم قوله: إذا قال: {وَلا الضَّالِّينَ} فقولوا آمين، ويؤمن من لم يسمع قراءة الإمام، ولو كان مشغولا بقراءة الفاتحة، ولا تسقط الموالاة لأنه مأمور بها وقيل: لا يسن تأمين المأموم إلا أن سمع قراءة إمامه كالتأمين على الدعاء، ويؤيد القول الأول كونه معلوما، وقوله: «إذا أمن فأمنوا» لكل من سمعه من مصل وغيره، وفي شرح المحرر وغيره، لو ترك التأمين حتى اشتغل بغيره لم يعد إليه لأنه سنة فات محلها. (¬4) لأنها واجبة في الصلاة إن أمكنه كشرطها وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن لم يفعل مع القدرة لم تصح صلاة إمام ومنفرد، وإن ضاق الوقت، أو عجز سقط الوجوب، ويحرم أن يترجم عنه بلغة أخرى، لقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} وقوله: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ} قال أحمد وغيره: القرآن معجزة بنفسه، أي باللفظ والمعنى، إلا إذا احتاج إلى تفهيمه فيحسن قاله الشيخ وغيره، وقال: أما القرآن فلا يقرأ بغير العربية سواء قدر عليها أو لم يقدر، عند الجمهور وهو الصواب الذي لا ريب فيه، ولا يدعى الله ويذكر بغير العربية، واللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون اهـ فإن عجز عن تعلمها لزمه قراءة قدرها من أي سورة شاء، فإن لم يعرف إلا آية كررها بقدر الفاتحة، فإن عجز لزمه قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولحديث إن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وهلله وكبره، رواه أبو داود والترمذي، فإن لم يعرف شيئًا وقف بقدر الفاتحة وفاقا، وهل يلزم الحفظ عن ظهر قلب، أم تكفي قراءتها في المصحف؟ استظهر ابن نصر الله الثاني، وإنما يلزم التعلم المذكور إذا أراد أن يصلي إماما أو منفردا، وكذا قراءة الواجب من نحو صحيفة.

والذكر الواجب (¬1) ومن صلى وتلقف القراءة من غيره صحت (¬2) (ثم يقرأ بعدها) أي بعد الفاتحة (سورة) ندبا كاملة (¬3) . ¬

_ (¬1) أي يلزم الجاهل تعلم الذكر الواجب في الصلاة كتسبيح ركوع وسجود وتشهد. (¬2) مع التوالي لإتيانه بفرضها، وتلقف الشيء تناوله بسرعة، ومنه: تلقفه من فيه: إذا حفظه والمعنى أخذها من لفظ غيره بسرعة، فإن لم يكن بسرعة بل مع تفريق طويل لم يعتد بها، وقال الشيخ: لو قال مع إمامه {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} كره، وإن قاله وهو يسمع بطلت في وجه. (¬3) لحديث أبي قتادة وأبي برزة وغيرهما، ونقل نقلا متواترا، وأمر به معاذا، وليست واجبة فلو اقتصر على الفاتحة أجزأته الصلاة وفاقا، حكاه جمع، والسورة قيل من الإبانة والارتفاع، فكأن القارئ ينتقل بها من منزلة إلى منزلة، وقيل: لشرفها وارتفاعها، كسور البلد، وقيل: لكونها قطعة من القرآن، وجزءا منه، وقيل لتمامها وكمالها، أو من الجمع والإحاطة لآياتها.

فيستفتحها ببسم الله الرحمن الرحيم (¬1) وتجوز آية إلا أن أحمد استحب كونها طويلة كآية الدين والكرسي (¬2) ونص على جواز تفريق السورة في ركعتين، لفعله عليه الصلاة والسلام (¬3) ولا يعتد بالسورة قبل الفاتحة (¬4) ويكره الاقتصار على الفاتحة في الصلاة (¬5) . ¬

_ (¬1) أي يستفتح السورة التي يقرؤها بعد الفاتحة بالبسملة كالفاتحة، وكذا خارج الصلاة إجماعا. (¬2) آية الدين قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} الآية، وآية الكرسي (اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) سميت بذلك لذكر الكرسي فيها فتجوز قراءة آية نحو هاتين الآيتين، لحديث: كان يقرأ في ركعتي الفجر بقوله: {قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ} وقوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ} الآية، رواه مسلم وغيره، ولأنا تشبه بعض السور القصار، ولا يجوز آية لا تتعلق بحكم نحو {ثُمَّ نَظَرَ} و {مُدْهَامَّتَانِ} . (¬3) فإنه كان يقرأ السورة كاملة، وربما قرأ السورة في الركعتين، كما في حديث عائشة: أنه كان يقرأ البقرة في الركعتين، وثبتت قراءته الأعراف في ركعتين، والطور والمرسلات وغيرها، وكذا تكرار سورة في ركعتين، وجمع سورتين في ركعة، وكذا قراءة خواتيم السور، إلحاقا لها بالأوائل لأن كلاًّ منهما بعض سورة، وقال قتادة: كلٌّ كتابُ الله، ونص الشيء رفعه، فكأنه مرفوع إلى الإمام أحمد، يقال: نصصت الحديث إلى فلان، رفعته. (¬4) قاله القاضي عياض وغيره. (¬5) فرضًا كانت أو نفلا، لأنه خلاف السنة، ولا تفسد به الصلاة.

يقرأ في الصبح من طول المفصل

والقراءة بكل القرآن في فرض، لعدم نقله، وللإطالة (¬1) (و) تكون السورة (في) صلاة (الصبح من طوال المفصل) بكسر الطاء (¬2) وأوله (ق) (¬3) ولا يكره لعذر كمرض وسفر من قصاره (¬4) ولا يكره بطواله (¬5) (و) تكون السورة (في) صلاة (المغرب من قصاره) (¬6) . ¬

_ (¬1) لا كله في الفرائض على ترتيب السور، وعلم منه أنه لا تكره بكله في نفل، كما نقل عن بعض السلف أنه كان يقرأ القرآن في ركعتين وفي ركعة. (¬2) لا غير ويقال: طياله جمع طويل وطويلة، وأما بضمها فالرجل الطويل وبفتحها المدة، والمفصل اسم مفعول من: فصلت الشيء جعلته فصولا متمايزة ومنه سمي حزب المفصل، لفصل بعضه عن بعض، أو لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة، أو لإحكامه، وقلة المنسوخ فيه، وهو الحزب السابع من القرآن. (¬3) أي أول المفصل سورة {ق} لما روى أبو داود عن أوس قال: سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاثًا وخمسًا، وسبعًا، وتسعًا، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل واحد، فمن (ق) إلى (عم) أوله، وأوساطه منها إلى (الضحى) والقصار إلى الآخر. (¬4) أي قصار المفصل، وكغلبة نعاس، ولزوم غريم، وخوف، لما روى أبو داود وغيره أنه قرأ بـ (إذا زلزلت) وبالمعوذتين، وإلا يكن عذر كره بقصاره في صلاة فجر نص عليه، لمخالفته السنة، وقصار بكسر القاف، جمع قصيرة، ككرام وكريمة. (¬5) بل يسن كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، وهذه الكلمة مثبتة في بعض النسخ. (¬6) أي قصار المفصل في الغالب، لحديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة قال: ما رأيت أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان، لإمام كان بالمدينة، قال سليمان. فصليت خلفه فكان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل. رواه أحمد والترمذي وقال الحافظ إسناده صحيح.

ولا يكره بطواله (¬1) (و) تكون السورة (في الباقي) من الصلوات كالظهرين والعشاء (من أوساطه) (¬2) . ¬

_ (¬1) أي طوال المفصل إن لم يكن عذرًا يقتضي التخفيف، بل يسن، لأنه ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قرأ في المغرب بالأعراف، وقرأ بالطور، وقرأ بالمرسلات فهديه أن لا يقتصر على قصاره، والمداومة عليه خلاف السنة، وهو فعل مروان، وأنكره عليه زيد بن ثابت، ولو كانت المواظبة على القراءة بقصار المفصل في المغرب محض السنة لما حسن من هذه الصحابي الجليل إنكارها، ولو كان الأمر كذلك، لما سكت مروان في مقام الإنكار عليه، والحق أن القراءة في المغرب بطوال المفصل، وقصاره، وسائر السور سنة، قال ابن عبد البر: روي أنه قال فيها بـ (المص) وبالصافات، والدخان، وسبح، والتين، وبالمرسلات، وكان يقرأ فيها بقصار المفصل، قال: وكلها آثار صحاح ومشهورة. (¬2) جمع وسط بتحريك السين، بين القصار والطوال، والوسط اسم لما بين طرفي الشيء، وتقدم أنه من (عم) إلى (الضحى) وفي صحيح مسلم من حديث جابر: كان يقرأ في الظهر بـ (والليل إذا يغشى) وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك، وقصة معاذ في العشاء «يكفيك أن تقرأ بـ {الشمس وضحاها} و (الضحى) (والليل إذا يغشى) و (سبح اسم ربك الأعلى) » ولأبي داود عن جابر: يقرأ في الظهر والعصر بـ {والسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) وشبهها وإن قرأ على خلاف ذلك في بعض الأوقات فحسن، كما ورد قال أبو سعيد: كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى، مما يطيلها، رواه مسلم، وكان يقرأ فيها تارة بقدر {الم تنزيل} وتارة بـ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} و (سبح) ونحوهما والعصر على النصف من ذلك، والعشاء قرأ فيها بـ {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} ووقت لمعاذ فيها ما تقدم وقال الشيخ: ويستحب إطالة الركعة الأولى من كل صلاة على الثانية، ويستحب أن يمد في الأوليين، ويحذف في الآخريين، لما رواه سعد بن أبي وقاص مرفوعا وعامة فقهاء الحديث على هذا اهـ فقوله: من أوساطه، فيه إجمال فليس على حد سواء، قال الشارح: وأكثر أهل العلم يرون أنه لا تسن الزيادة على فاتحة الكتاب في غير الأوليين من كل صلاة، قال ابن سيرين: لا أعلم أنهم يختلفون في أنه يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الآخريين بفاتحة الكتاب روي عن ابن مسعود وغيره، وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وأحد قولي الشافعي، لحديث أبي قتادة: وفي الآخريين بأم الكتاب.

ويحرم تنكيس الكلمات (¬1) وتبطل به (¬2) ويكره تنكيس السور والآيات (¬3) . ¬

_ (¬1) إجماعا للإخلال بنظمه. (¬2) وفاقًا، لأنه يصير بإخلال نظمه كلاما أجنبيًّا يبطل الصلاة عمده وسهوه. (¬3) أما السور فقيل يكره وذلك كأن يقرأ {أَلَمْ نَشْرَحْ} ثم بعدها {الضحى} في ركعة أو ركعتين، لماروي عن ابن مسعود فيمن يقرأ القرآن منكسا، قال: ذلك منكوس القلب، وعنه: لا يكره اختاره غير واحد لقراءته عليه الصلاة والسلام النساء قبل آل عمران، واحتج أحمد بأن النبي صلى الله عليه وسلم تعلمه على ذلك ولأن ترتيبها بالاجتهاد في قول جمهور العلماء، فيجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة، ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة، لكن لما اتفقوا على المصحف في زمن عثمان صار هذا مما سنه الخلفاء الراشدون ودلت السنة على أن لهم سنة يجب اتباعها وأما تنكيس الآيات فقال الشيخ وغيره: يحرم لأن الآيات قد وضعها صلى الله عليه وسلم ولما فيه من مخالفة النص، وتغيير المعنى، وقال: ترتيب الآيات واجب، لأن ترتيبها بالنص إجماعا، وفي الفروع، ودليل الكراهة فقط غير ظاهر، والاحتجاج بتعليمه فيه نظر، فإن كان للحاجة، لأن القرآن كان ينزل بحسب الوقائع.

القراءة الصحيحة التي تصح بها الصلاة

ولا تكره ملازمة سورة، مع اعتقاد جواز غيرها (¬1) (ولا تصح) الصلاة (بقراءة خارجة عن مصحف عثمان) بن عفان رضي الله عنه (¬2) . ¬

_ (¬1) ومع اعتقاد صحة الصلاة بغيرها، يعني بعد الفاتحة في الأوليين، لما في الصحيح أن رجلا من الأنصار كان يؤمهم فكان يقرأ قبل كل سورة {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} ثم يقرأ سورة أخرى معها، وفي لفظ يختم بها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يحملك على لزوم هذه السورة، فقال: إني أحبها، فقال: «حبك إياها أدخلك الجنة» ، فإن لم يعتقد جواز غيرها، أو صحة الصلاة بغيرها حرم اعتقاده لفساده. (¬2) أي وتحرم، لعدم تواتره، ولا يثبت كونه قرآنا، وإن ثبتت فمنسوخة بالعرضة الآخرة، وهي قراءة زيد وغيره، وهي التي أمر الخلفاء بكتابتها، وإرسالها إلى الأمصار، وجمع الناس عليها باتفاق من الصحابة رضي الله عنهم، وعنه: يصح إذا صح سنده، لصلاة الصحابة بعضهم خلف بعض، اختاره ابن الجوزي والشيخ وغيرهما، وقال: هي أنصهما، وصوبه في تصحيح الفروع، قال الشيخ: وقول أئمة السلف وغيرهم، مصحف عثمان أحد الحروف السبعة، وتتعلق به الأحكام، فإن الذي عليه السلف أن كل قراءة، وافقت العربية أو أحد المصاحف العثمانية وصح إسنادها فهي قراءة صحيحة، لا يجوز ردها، بل هي من الأحرف السبعة، ولا نزاع أن الحروف السبعة التي أنزل عليها لا تتضمن تناقض المعنى، والأحرف السبعة ليست هي قراءات السبعة، وإنما أرادوا جمع قراءات سبعة مشاهير، ليكون موافقا لعدد الحروف التي أنزل عليها، لا أنها الحروف السبعة أو أن هؤلاء لا يجوز أن يقرأ بغير قراءتهم، وقال: لم يتنازع علماء المسلمين في أنه لا يتعين أن يقرأ بهذه القراءات المعينة في جميع أمصار المسلمين، بل من ثبت عنده قراءة الأعمش أو يعقوب فله أن يقرأ بها بلا نزاع بين العلماء المعتبرين، ولهذا كان أئمة أهل العراق الذين ثبتت عندهم قراءات العشرة، كثبوت هذه السبعة، يقرؤنه في الصلاة وخارجها، وذلك متفق عليه بين العلماء، وقال: يجوز أن يقرأ بعض القرآن بحرف أبي عمرو، وبعضه بحرف نافع، وسواء كان ذلك في ركعة أو ركعتين، وسواء كان خارج الصلاة أو داخلها، وقال: لا نعلم أحدا من المسلمين منع من القراءة الزائدة على السبع، ولكن من لم يكن عالماً، أو لم يثبت عنده ليس له أن يقرأ بما لا يعلم، ولا ينكر على من علم ما لا يعلمه اهـ. وعثمان رضي الله عنه هو ثالث الخلفاء الراشدين، ذو النورين ابن عفان من بني عبد شمس بن عبد مناف، ولد في السادسة بعد الفيل، ومن أشهر فضائله جمع المصحف، ومن فضائله أنه أول من هاجر إلى الحبشة، وبايع عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجه رقية، ثم أم كلثوم، بويع بالخلافة سنة أربع وعشرين وقتل سنة خمس وثلاثين.

كقراءة ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (¬1) وتصح بما وافق مصحف عثمان وصح سنده (¬2) . ¬

_ (¬1) يعني لعدم تواترها، قال الشيخ: وهو قول أكثر العلماء، وابن مسعود هو عبد الله بن مسعود بن غافل، بن حبيب بن قارب بن مخزوم الهذلي، أحد السابقين، صاحب نعلي النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: «من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» مات رضي الله عنه بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين. (¬2) وفاقا، لأن الصحابة كانوا يصلون بقراءتهم في عصره عليه الصلاة والسلام وبعده كانت صلاتهم صحيحة بلا شك، والمذهب: تكره قراءة تخالف عرف البلد الذي يصلي فيه، وظاهره ولو كانت موافقة للمصحف العثماني.

وإن لم يكن من العشرة (¬1) وتتعلق به الأحكام (¬2) وإن كان في القراءة زيادة حرف فهي أولى، لأجل العشر حسنات (¬3) (ثم) بعد فراغه من قراءة السورة (يركع مكبرا) (¬4) . ¬

_ (¬1) أو لم يكن في مصحف غيره من الصحابة، كسورة المعوذتين، وزيادة بعض الكلمات والعشرة هم قراء الإسلام المشهورون، أبو جعفر يزيد بن القعقاع، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم بالمدينة، وبمكة عبد الله بن كثير ومن الشام عبد الله بن عامر، ومن البصرة أبو عمرو، ويعقوب بن إسحاق، ومن الكوفة عاصم بن أبي النجود، وحمزة بن حبيب، وعلي بن حمزة الكسائي، وخلف بن هشام البزار، وكره أحمد قراءة حمزة والكسائي، والإدغام الكبير لأبي عمرو، واختار قراءة نافع ثم عاصم، وقال: قراءة ابن العلاء لغة قريش والفصحاء من الصحابة. (¬2) وتقدم أنه لا يجوز ردها. (¬3) يعني لمن قرأ حرفا من القرآن، والحرف بعشر حسنات، صححه الترمذي وقال صلى الله عليه وسلم: «لا أقول الم حرف ولكن، ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» قال الشيخ: المراد بالحرف الكلمة، والحرف يطلق على حروف الهجاء والمعاني والكلمة والجملة المفيدة. (¬4) أي: ثم بعد فراغه من القراءة يسن له أن يثبت قائما، ويسكت سكتة لطيفة حتى يرجع إليه نفسه، قبل أن يركع، ولا يصل قراءته بتكبير الركوع، لما ثبت في السنن وغيرها أنه صلى الله عليه وسلم كان يسكت سكتتين، إذا افتتح الصلاة، وإذا فرغ من القراءة كلها، قال أحمد: ولم يكن صلى الله عليه وسلم يصل قراءته بتكبير الركوع، ثم بعد ذلك يركع مكبرا، والركوع فرض بالكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} وهو في اللغة الإنحناء يقال: ركع الشيخ إذا انحنى من الكبر، ويأتي وأجمعوا على وجوب الركوع على القادر عليه.

لقول أبي هريرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر إذا قام إلى الصلاة ثم يكبر حين يركع، متفق عليه (¬1) (رافعا يديه) مع ابتداء الركوع (¬2) لقول ابن عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه، متفق عليه (¬3) (ويضعهما) أي يديه (على ركبتيه (¬4) . ¬

_ (¬1) ولحديث ابن مسعود: يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود، صححه الترمذي ونحوه في الصحيحين وغيرهما، وعليه عامة الصحابة والتابعين، ما عدا الرفع من الركوع، قال البغوي: اتفقت الأمة على هذه التكبيرات، وقال ابن عباس: في رجل كبر في الظهر اثنتين وعشرين تكبيرة، تلك صلاة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم رواه البخاري. (¬2) رفع يديه قول أكثر الصحابة، ومذهب مالك والشافعي وأهل الحديث للأخبار وكونه مع ابتداء الركوع تقدم. (¬3) أي: يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه إذا أراد أن يركع ثم يكبر، وتقدم أنه كالمتواتر الذي لا يتطرق إليه شك، وعمل به السلف وأنكروا على من تركه، والشاهد منه قوله، وإذا أراد أن يركع. (¬4) ندبًا إجماعًا، لما في الصحيح، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ولحديث أبي حميد وغيره، فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، صححه الترمذي وحديث أبي رافع، وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك رواه أبو داود وغيره وقال عمر: الركب سنة لكم فخذوا بالركب، وأحاديث وضع اليدين على الركب في الركوع بلغت حد التواتر، وذلك ما لم يكن عذر، فإن كانتا عليلتين لا يمكنه وضعهما انحنى ولم يضعهما، وإن كانت إحداهما عليلة وضع الأخرى، والركبة موصل ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق، جمعها ركب.

مفرجتي الأصابع) استحبابا (¬1) ويكره التطبيق، بأن يجعل إحدى كفيه على الأخرى، ثم يحطهما بين ركبتيه إذا ركع (¬2) وهذا كان أول الإسلام ثم نسخ (¬3) ويكون المصلي (مستويا ظهره) (¬4) . ¬

_ (¬1) لما في الصحيح: وفرج بين أصابعه، أي فرق بينهما، وركع أبو مسعود فجافى يديه ووضع يديه على ركبتيه وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود وغيره، وإسناده ثقات. (¬2) التطبيق هو الإلصاق بين باطني الكفين، وأصل الطبق الشيء على مقدار الشيء مطبقا له من جميع جوانبه، وطابق بين الشيئين جعلهما على حذو واحد وألزقهما. (¬3) إجماعا، قال مصعب بن سعد: صليت إلى جنب أبي، فطبقت كفي، ووضعتهما بين فخذي، فنهاني عن ذلك، وقال: كنا نفعل ذلك، فأمرنا أن نضع أيدينا على الركب، رواه البخاري، وفيه عن عشرة من الصحابة، وقال الترمذي: التطبيق منسوخ عند أهل العلم، لا اختلاف بينهم، إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه، فلعله لم يبلغهم النهي. (¬4) حال ركوعه إجماعا، لحديث وابصة وغيره، وفي الصحيح، ثم هصر ظهره، يعني غير مقوس، وفي رواية له: ثم حني ظهره، وهو بمعناه.

ويجعل رأسه حياله، فلا يرفعه ولا يخفضه (¬1) روى ابن ماجه عن وابصة بن معبد قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، وإذا ركع سوى ظهره، حتى لو صب عليه الماء لاستقر (¬2) ويجافي مرفقيه عن جنبيه (¬3) والمجزئ الانحناء، بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه إن كان وسطا في الخلقة (¬4) . ¬

_ (¬1) أي عن محاذاة ظهره، بل يجعله إزاء ظهره، وقبالته لما في الصحيحين: وإذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك. (¬2) أي ثبت وسكن على ظهره في قعر عظم الصلب، ويقع ذلك القعر عند استوائه، ولو كان مائلا إلى أحد الجوانب لخرج الماء من تلك الجانب، وسوى الشيء تسوية جعله سويا، وضعه مستويا، وفي السنن فإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، ووابصة بن معبد هو ابن عقبة بن الحارث بن مالك الأسدي، وفد سنة تسع، وسكن الكوفة، ثم تحول إلى الرقة، ومات بها رضي الله عنه. (¬3) ندبا إجماعا لحديث أبي حميد ووتر يديه فجافاهما عن جنبيه صححه الترمذي، وحديث أبي سعيد: فجافى يديه عن جنبيه، ومعنى يجافي يباعد من الجفاء وهو البعد عن الشيء، يقال: جفاه إذا أبعد عنه، وأجفاه إذا أبعده، فمجافاة المرفقين عن الجنبين مباعدتهما. (¬4) لأن معتدل الخلق لا يسمى راكعا بدون ذلك، وقال المجد: ضابطه أن يكون انحناؤه إلى الركوع المعتدل أقرب منه إلى القيام المعتدل اهـ، وأجمعوا على مشروعية الانحناء حتى تبلغ كفاه ركبتيه، وقال الشيخ: الركوع في لغة العرب لا يكون إلا إذا سكن حين انحنائه وأما مجرد الخفض فلا يسمى ركوعا، ومن سماه ركوعا فقد غلط على اللغة، قال: وهذا مما لا سبيل إليه، ولا دليل عليه، وإذا حصل الشك لم يكن ممتثلا بالاتفاق، والوسط من كل شيء أعدله.

أو قدره من غيره (¬1) ومن قاعدة مقابلة وجهه ما وراء ركبتيه من الأرض أدنى مقابلة (¬2) وتتمتها الكمال (¬3) (ويقول) راكعا (سبحان ربي العظيم) (¬4) لأنه عليه الصلاة والسلام كان يقولها في ركوعه، رواه مسلم وغيره (¬5) . ¬

_ (¬1) أي والمجزئ في الركوع قدر الانحناء من غير الوسط، كطويل اليدين أو قصيرهما بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه لو كان وسطا. (¬2) أي والمجزئ في الركوع من قاعد مقابلة وجهه ما أمام ركبتيه أقل مقابلة، لأنه ما دام قاعدا معتدلا لا ينظر ما قدام ركبتيه من الأرض، فإذا انحنى بحيث يرى ما قدام ركبتيه منها أجزأ ذلك في الركوع، وقوله: ما وراء، كقوله: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} أي أمامهم، والأولى أن يقول: قدام ركبتيه، لأنه المعروف. (¬3) أي تتمة مقابلة ما قدام ركبتيه من الأرض الكمال في ركوع قاعد، ولو انحنى لتناول شيء، ولم يخطر بباله الركوع لم يجزئه عنه، لعدم النية، ولو أراد الركوع فسقط إلى الأرض قام فركع، ليحصل ركوعه عن قيام. (¬4) أي يقول حال ركوعه في فرض أو نفل: سبحان ربي العظيم، لحديث عقبة: لما نزلت {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ *} قال: اجعلوها في ركوعكم رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. (¬5) فرواه الخمسة وصححه الترمذي من حديث حذيفة، أنه كان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم، فدل على مشروعية التسبيح في الركوع، وهو مفسر لحديث عقبة، وأجمعوا على سنيته وذهب أحمد وجمهور أهل الحديث إلى وجوبه للأمر به، وقال النووي وغيره: تسبيح الركوع والسجود وسؤال المغفرة والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام كله سنة، ليس بواجب، فلو تركه لم يأثم وصلاته صحيحة، سواء تركه عمدا أو سهوا، لكن يكره تركه عمدا، وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وقال أبو حامد: هو قول العلماء عامة، لحديث المسيء والأحاديث الواردة في الأذكار محمولة على الاستحباب جمعا بين الأخبار.

والاقتصار عليها أفضل (¬1) والواجب مرة (¬2) وأدنى الكمال ثلاث (¬3) وأعلاه للإمام عشر (¬4) . ¬

_ (¬1) أي من غير زيادة وبحمده وكرهه مالك، لقوله: «أما الركوع فعظموا فيه الرب» وعن أحمد: الأفضل وبحمده، واختاره المجد وغيره، ولا يعارض ما ذكر من إثبات الدعاء في الركوع، لأن التعظيم لا ينافي الدعاء، ولأنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي، وربما قال: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت، وعليك توكلت، أنت ربي خشع قلبي وسمعي وبصري ودمي ولحمي وعظمي وعصبي لله رب العالمين، سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، فيحمل على الجواز أو على الأولوية. (¬2) لأنه عليه الصلاة والسلام لم يذكر عددا، وإذا رفع واعتدل وذكر أنه لم يسبح لم يعد إلى الركوع. (¬3) يعني فأكثر وفاقا، وفي الإنصاف: بلا نزاع أعلمه في تسبيحي الركوع والسجود اهـ لقوله: إذا ركع أحدكم فليقل: سبحان ربي العظيم، ثلاث مرات وذلك أدناه، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو مرسل، فإن عوانا لم يدرك ابن مسعود، ولكنه من أهل بيته، قال الشيخ: فلهذا تمسك الفقهاء به لما له من الشواهد، وقال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم يستحبون أن لا ينقص الرجل في الركوع والسجود عن ثلاث تسبيحات، والكمال التمام، وكمل من باب نصر تمت أجزاؤه وكملت محاسنه. (¬4) لما روي عن أنس أن عمر بن عبد العزيز، رحمه الله كان يصلي كصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فحزروا ذلك بعشر.

قال أحمد: جاء عن الحسن، التسبيح التام سبع، والوسط خمس، وأدناه ثلاث (¬1) (ثم يرفع رأسه ويديه) لحديث ابن عمر السابق (¬2) . ¬

_ (¬1) وقال بعض الأصحاب وغيرهم والشيخ: لا دليل على تقييد الكمال بعدد معلوم، بل ينبغي الاستكثار من التسبيح على مقدار تطويل الصلاة، لحديث البراء وغيره، من غير تقييد بعدد، والمنفرد يزيد في التسبيح ما أراد، وكلما زاد كان أولى، والأحاديث الصحيحة في تطويله عليه الصلاة والسلام ناطقة بذلك، وكذا الإمام ينبغي له الاستكثار إذا كان المأمومون يؤثرون ذلك، وقال القاضي والسامري وغيرهما في المنفرد، ما لا يخرجه إلى السهو، والإمام ما لا يشق على المأمومين، ورجح الشيخ وغيره في المنفرد بحسب صلاته إن أطال أطال، وإن قصر قصر لقوله: فكان قيامه فقعوده إلى قوله: قريبا من السواء، وهو ظاهر الدلالة. (¬2) المتفق عليه: وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، أي رفع يديه إلى حذو منكبيه، رافعا لهما مع رفع رأسه، فرضا كانت الصلاة أو نفلا، صلى قائما أو قاعدا، وعليه أكثر الأصحاب، واختاره وصححه غير واحد، وكذا المأموم لا تختلف الرواية في أنه يبتدئ الرفع عند رفع رأسه، لما تقدم من الأخبار، وقال ابن القيم، روي رفع اليدين عنه في هذه المواطن الثلاثة نحو من ثلاثين صحابيا، واتفق على روايتهما العشرة، ولم يثبت عنه خلاف ذلك، وقال شيخ الإسلام، رفع الأيدي عند الركوع والرفع بمثل رفعهما عند الاستفتاح مشروع باتفاق المسلمين اهـ فرفع اليدين في مواضعه من تمام الصلاة، من رفع أتم الصلاة ممن لم يرفع، وأما وجوب رفع رأسه فبإجماع المسلمين، لهذا الخبر وغيره، وفي حديث المسيء ثم ارفع حتى تعتدل قائما، متفق عليه، ولغيره من الأحاديث قال الشارح وغيره، وإذا رفع رأسه وشك هل ركع أو لا؟ أو هل أتى بقدر الإجزاء أو لا؟ لزمه أن يعود فيركع، لأن الأصل عدم ما شك فيه، إلا أن يكون وسواسا فلا يلتفت إليه، وكذا حكم سائر الأركان.

الاعتدال ركن في كل ركعة

(قائلا إمام ومنفرد سمع الله لمن حمده) مرتبا وجوبا (¬1) لأنه عليه الصلاة والسلام كان يقول ذلك، قاله في المبدع (¬2) ومعنى سمع استجاب (¬3) (و) يقولان (بعد قيامهما) واعتدالهما (ربنا ولك الحمد) (¬4) . ¬

_ (¬1) فلا يقدم لمن حمده على سمع الله قال الموفق وغيره: لا نعلم خلافا في المذهب في مشروعية التسميع للإمام والمنفرد، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة. (¬2) أي يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع متفق عليه، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي، وقال لبريدة إذا رفعت رأسك من الركوع، فقل: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد رواه الدارقطني. (¬3) أي أجاب فسمع سماع قبول وإجابة، وعدي باللام لتضمنه معنى استجاب له، وقال النووي: أي تقبل الله منه حمده وجازاه به. (¬4) إجماعا لما في الصحيحين ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد، ولغيره من الأدلة، والاعتدال ركن في كل ركعة، لقوله: حتى تعتدل قائما، واعتدل استقام وفي لفظ حتى تطمئن قائما متفق عليه وفيهما وإذا رفع رأسه استوى قائما، حتى يعود كل فقار إلى مكانه، وفي السنن وصححه الترمذي لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم صلبه في الركوع، والسجود أي عند رفعه منهما، قال الشيخ: وهو صريح في أنه لا تجزئ الصلاة حتى يعتدل الرجل من الركوع، وينصب من السجود، وفي الصحيح أن حذيفة رأى رجلا لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فقال: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ كذا وكذا، فقال: أما إنك لو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم وأخرج معناه ابن خزيمة في صحيحه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل الرفع بقدر الركوع وقوله: ما خلا القيام والقعود قيام القراءة، وقعود التشهد، وما سواهما قريب من السواء، وفي صحيح مسلم: كان إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام حتى نقول قد أوهم، فمن إتمام الصلاة إطالة الاعتدال، وإنما تصرف في تقصير الاعتدالين من الركوع والسجود أمراء بني أمية، وربا في ذلك من ربا حتى ظن أنه من السنة، والواو في قوله «ربنا ولك الحمد» عاطفة على مقدر بعد قوله: ربنا واستجب، أو: حمدناك، فهما جملتان قائمتان بأنفسهما، الأولى: أنت الرب والملك القيوم الذي بيده الأمور، ثم عطف على هذا المعنى المفهوم من قوله: ربنا، قوله: ولك الحمد، فجمع معنى الدعاء والاعتراف، ثم أخبر عن شأن هذا الحمد بقوله: ملء السموات إلخ، وقال في الفروع، أي سمع الله لمن حمده، فاستجب يا ربنا، ولك الحمد على ذلك، وقيل: معناه أن من حمده متعرضا لثوابه استجاب له وأعطاه ما تعرض له، فإنا نقول: ربنا ولك الحمد، لتحصيل ذلك، وقوله: ربنا ولك الحمد، مشروع في حق كل مصل، وقال الموفق وغيره: وهو قول أكثر أهل العلم للأخبار.

ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد أي حمدًا لو كان أجساما لملأ ذلك (¬1) . ¬

_ (¬1) أي السماء والأرض، وما شاء الله من شيء بعد السماء والأرض، كالكرسي والعرش، وما لا يعلم سعته إلا الله، وهذا من التأويل المردود، بل الله عز وجل يمثل أعمال العباد وأقوالهم صورا، كما جاءت به الأخبار، وهو قادر أن يملأ ما جعلت فيه فيجرى الحديث على ظاهره وملء بالنصب أي حمدا ملء، وبالرفع على أنه صفة للحمد، والمعروف في الأخبار ملء السموات بالجمع والأجسام جمع جسم، جماعة البدن، أو الأعضاء من الناس، وسائر الأنواع العظيمة الخلق، ولمسلم وغيره عن ابن عباس، كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبيد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وله: كان يقول: اللهم طهرني بالثلج والبرد، والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.

وله قول: اللهم ربنا ولك الحمد (¬1) وبلا واو أفضل (¬2) عكس: ربنا لك الحمد (¬3) . (و) يقول (مأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط) لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا ولك الحمد» متفق عليه من حديث أبي هريرة (¬4) . ¬

_ (¬1) لوروده في الصحيح عن أنس في باب صلاة القاعد بلفظ وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، وهو أفضل من عكسه الآتي لكونه أكثر حروفا. (¬2) أي وقول: اللهم ربنا لك الحمد، بلا واو أفضل منه مع الواو، لورود الخبر به في حديث ابن أبي أوفى، وأبي سعيد. (¬3) أي بدون اللهم، وبلا واو، وهو جائز لورود الخبر به، وبلا واو أفضل مطلقا، للاتفاق عليه من حديث ابن عمر وأنس وأبي هريرة وغيرهم، واختاره الماتن وغيره، وإن عطس حال رفعه فحمد الله لهما جميعا لم يجزئه، ولم تبطل به، كما لو عطس عند ابتداء الفاتحة فقال: {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ينوي بذلك عنهما. (¬4) فاقتصر صلى الله عليه وسلم على أمرهم بذلك، وهو ظاهر المذهب أنه لا يسن للمأموم قول ملء السماء إلخ، وعن أحمد وغيره ما يدل على أنه مسنون، وهو أنه قال: ليس يسقط عن المأموم غير سمع الله لمن حمده، واختار نية قول ملء السماء إلى آخره أبو البركات وأبو الخطاب والآجري والمجد والموفق والشارح والشيخ وغيرهم، وهو مذهب الشافعي وأهل الحديث وغيرهم من أهل العلم، وما استدلوا به من الحديث لا حجة لهم فيه، فإنه لا يقتضي الاقتصار عليه، ولا ينافي الإتيان بالدعاء الثابت بعده، وكونه لم يذكره في هذا الخبر، فقد ذكره في غيره مما تقدم وغيره، مما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من غير وجه، ولأنه ذكر مشروع في الصلاة، أشبه سائر الأذكار، وفي الصحيح عن رفاعة: كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ربنا ولك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف قال: «من المتكلم؟» فقال رجل: أنا. قال: «رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول» وصح عنه صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه كان يقول ذلك، فثبتت سنيته، وقال الموفق وغيره على قول الخرقي وغيره: إن كان مأموما لم يزد على قول: ربنا ولك الحمد، لا نعلم خلافا في المذهب أنه لا يشرع للمأموم قول: سمع الله لمن حمده، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور، لقوله: فقولوا، فإن الفاء للتعقيب، وهو ظاهر. قال الحافظ: ولم ينقل أنه يجمع بينهما.

وإذا رفع المصلي من الركوع فإن شاء وضع يمينه على شماله أو أرسلهما (¬1) (ثم) إذا فرغ من ذكر الاعتدال (يخر مكبرا) (¬2) ولا يرفع يديه (¬3) . ¬

_ (¬1) بجانبه فيخير، نص عليه، والأول أولى، لثبوت وضعهما حال القيام، وعدم المخصص، ولأن الأصل أن كل قيام فيه ذكر مسنون، يضع فيه يمينه على شماله، وقد ثبت فيه الذكر، ولأن الوضع أبلغ في التعظيم من الإرسال. (¬2) أي يهوي ساجدا وفاقا، كسائر الانتقالات، من: خر يخر بالكسر خرورا، سقط وانكب على الأرض. (¬3) يعني حال انحداره بالسجود وفاقا، لقول ابن عمر: وكان لا يفعل ذلك في السجود متفق عليه، وكذا لا يرفعهما حين يرفع رأسه من السجود، ولأنهما ينحطان لعبوديتهما، كما ينحط الوجه، فأغنى ذلك عن رفعهما، ولذلك لم يشرع رفعهما عند رفع رأسه من السجود، لأنهما يرفعان كما يوضعان معه.

حكم السجود في الصلاة ومعناه وكيفيته وفضله

(ساجدا على سبعة أعضاء (¬1) رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته مع أنفه) (¬2) . ¬

_ (¬1) والسجود فرض بالكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} والسجود لغة الخضوع والتذلل، وقيل لمن وضع جبهته في الأرض: سجد لأنه غاية الخضوع، ومنه سجود الصلاة، وهو وضع الجبهة على الأرض، ولا خضوع أعظم منه، والسجود شرعا ما ذكره رحمه الله، ويأتي كلام الشيخ أيضا، والعضو: كل عظم وافر من الجسد. (¬2) قال الوزير: وأجمعوا على مشروعيته، فيسجد على رجليه، ثم ركبتيه يضعهما على الأرض قبل يديه، لحديث وائل إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه رواه أهل السنن قال ابن القيم: وهو الصحيح، ولم يرو من فعله ما يخالف ذلك، ولحديث أبي هريرة: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع ركبتيه قبل يديه، ورواه الأثرم وابن أبي شيبة بلفظ إذا سجد أحدكم فيبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل، ورواية يديه قبل ركبتيه، لعله منقلب على بعض الرواة، يدل عليه أول الحديث وآخره، من رواية ابن أبي شيبة، وفسر قوله صلى الله عليه وسلم «وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير» أن يبرك على ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود بروك البعير الذي أوطنه أهله، وأن لا يهوي في سجوده فيثني ركبتيه حتى يضعهما بالأرض على سكون ومهل، وروي عن بعض الصحابة ما يوافق ذلك، ولم ينقل عنهم خلافه، وهو قول جمهور السلف، وحكاه أبو الطيب عن عامة الفقهاء، والخطابي عن أكثرهم، وابن المنذر عن عمر وغيرهم، وسفيان والشافعي، وأحمد، وإسحاق وأصحاب الرأي وغيرهم. ثم يضع الجبهة مع الأنف، قال في المبدع: بغير خلاف، لقول أبي حميد، كان إذا سجد أمكن جبهته وأنفه من الأرض، صححه الترمذي والمراد باليدين هنا الكفان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضع يديه حذو منكبيه وأذنيه باسطا كفيه وأصابعه لا يفرج بينهما ولا يقبضهما قال الترمذي: وهو الذي اختاره أهل العلم، وتكون يداه قريبا من أذنيه، قال الشارح: والجميع حسن.

لقول ابن عباس: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعظم (¬1) ولا يكف شعرا ولا ثوبا (¬2) الجبهة واليدين والركبتين والرجلين متفق عليه (¬3) . ¬

_ (¬1) العظم جمعه عظام، ويسمى كل واحد عظما وإن اشتمل على عظام باعتبار الجملة، وعرفه الأطباء بأنه عضو بسيط يبلغ صلابته إلى حد لا يمكن ثنيه وللترمذي وصححه، إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب وجهه وركبتاه وكفاه وقدماه، قال: وعليه العمل عند أهل العلم. (¬2) جملة معترضة بين المجمل والمبين أي لا يجمع ثيابه ولا شعره. (¬3) الجبهة هي مستوى ما بين الحاجبين إلى الناصية، واحتج بعضهم بهذا على وجوبه على الجبهة دون الأنف، وفي الصحيحين أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأشار بيده على أنفه، ولمسلم الجبهة والأنف، وله أيضا إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك وللترمذي أمر بوضع اليدين ونصب المرفقين وقال: وهو الذي أجمع عليه أهل العلم، واختاروه، والرجلان هما القدمان، وفي رواية والقدمين، وفي رواية أخرى، وأطراف القدمين، وهو مبين للمراد من الرجلين، والحديث ظاهر الدلالة على وجوب السجود على هذه الأعضاء، إذ هو غاية خشوع الظاهر وأجمع العبودية لسائر الأعضاء، بل فرض أمر الله به ورسوله وبلغه الرسول الأمة بقوله وفعله، ومن كماله مباشرة مصلاه بأديم وجهه فيعفره في التراب استكانة وتواضعا، واعتماده على الأرض بحيث يناله ثقل رأسه، وارتفاع أسافله على أعاليه، وفي السنن فيسجد فيمكن وجهه، حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي، ولذلك إذا رأى الشيطان ابن آدم ساجدا اعتزل ناحية يبكي، ويقول: يا ويله، أمر بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت، فلي النار، وفي الأثر: ما من حالة يكون عليها العبد أحب إلى الله من أن يراه ساجدا، يعفر وجهه بالتراب، وثبت من طرق ما سجد العبد لله سجدة إلا رفع له بها حسنة، وحط عنها بها خطيئة والحث على السجود وذكر فضله وعظيم أجره معلوم من الدين بالضرورة، وهو سر الصلاة وركنها الأعظم، وخاتمة الركعة، وما قبله من الأركان كالمقدمة إليه، والساجد أقرب ما يكون إلى الله، فأفضل الأحوال حال يكون فيها أقرب إلى الله.

وللدارقطني عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا (¬1) «لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض» (¬2) . ¬

_ (¬1) يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم والدارقطني هو أبو الحسن علي بن عمران تقدم، وعكرمة هو ابن عبد الله مولى ابن عباس، ثقة مات سنة مائة وسبع. (¬2) وأخرج الدارقطني أيضا عنه لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين وقد ثبت السجود على الأنف في أحاديث كثيرة، والجبهة والأنف حقيقة في المجموع وحكى ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزئ السجود على الأنف وحده، وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض، قال الشيخ: والسجود في لغة العرب لا يكون إلا إذا سكن حين وضع وجهه على الأرض، وأما مجرد الخفض فلا يسمى سجودا، ومن سماه سجودا فقد غلط على اللغة، وقال بغير علم في كتاب الله، وإذا حصل الشك هل هذا ساجد أو ليس بساجد؟ لم يكن ممتثلا بالاتفاق اهـ، وفي السنن إذا سجدت فمكن سجودك، ولو سجد على حشيش أو قطن أوثلج أو برد ونحوه ولم يجد حجمه لم يصح، لعدم المكان المستقر.

ولا تجب مباشرة المصلي بشيء منها (¬1) فتصح (ولو) سجد (مع حائل) بين الأعضاء ومصلاه (¬2) قال البخاري في صحيحه: قال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة (¬3) إذا كان الحائل (ليس من أعضاء سجوده) (¬4) فإن جعل بعض أعضاء السجود فوق بعض كما لو وضع يديه على فخذيه أو جبهته على يديه لم يجزئه (¬5) . ¬

_ (¬1) أي من أعضاء السجود، وأجمعوا عليه في الركبتين والقدمين وأما الجبهة ففي الصحيحين كنا نصلي معه في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه، وأما اليدان فقول أكثر أهل العلم لحديث ابن عباس: رأيته يتقي الطين إذا سجد بكساء دون يديه رواه أحمد والمباشرة مأخوذة من البشرة، وهي ظاهر الجلد. (¬2) أي حائل متصل بين أعضاء السجود وبين موضع صلاته، وفاقا لمالك وأبي حنيفة وجمهور العلماء. (¬3) يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي عن ابن عمر أنه كان يسجد علىكور عمامته، وعنه لا يسجد على شيء من ذلك، وهو مذهب الشافعي، قال ابن القيم: وكان صلى الله عليه وسلم يسجد على جبهته وأنفه، دون كور عمامته، ولم يثبت عنه السجود على كور عمامته من حديث صحيح ولا حسن اهـ والحسن هو ابن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يسار، والأنصاري مولاهم ثقة فقيه مشهور، مات سنة مائة وعشر، وقد قارب التسعين. (¬4) يعني بينها وبين مصلاه، فتصح ولا تكره على الصوف واللبود والبسط والطنافس وجميع الأمتعة ولا فيها قال النووي: وهو قول جماهير العلماء. (¬5) لإفضائه إلى تداخل أعضاء السجود وخلاف أمره وفعله صلى الله عليه وسلم.

مباشرة الأرض بالجباه

ويكره ترك مباشرتها بلا عذر (¬1) ويجزئ بعض كل عضو (¬2) وإن جعل ظهر كفيه أو قدميه على الأرض (¬3) أو سجد على أطراف أصابع يديه (¬4) فظاهر الخبر أنه يجزئه، ذكره في الشرح (¬5) ومن عجز بالجبهة لم يلزمه بغيرها (¬6) . ¬

_ (¬1) لحديث: إذا سدت فمكن جبهتك من الأرض ولا تنقر نقرا، وحديث إنهم شكوا إليه حر الرمضاء في جباههم، قال الشيخ: دلت الأحاديث والآثار على أنهم في حال الاختيار يباشرون الأرض بالجباه، وعند الحاجة كالحر ونحوه يتقون بما يتصل بهم من طرف ثوب وعمامة، وقلنسوة، ولهذا كان أعدل الأقوال في هذه المسألة أن يرخص في ذلك عند الحاجة، ويكره عند عدمها اهـ، وحكمته أن القصد من السجود مباشرة أشرف الأعضاء، وهو الجبهة والأنف لمواطئ الأقدام ليتم الخضوع والتواضع للأقربية في خبر أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. (¬2) من الأعضاء المذكورة إذا سجد عليه قالوا: لأنه لم يقيد في الأحاديث، والأمر جاء بالسجود عليها، وأجمعوا عليه والاجتراء بالبعض يحتاج إلى مخصص. (¬3) دون باطنهما، فذكر في الشرح أنه يجزئه. (¬4) أي وضع أطراف أصابعه فقط، دون يديه في حال السجود. (¬5) لأنه قد سجد على يديه، وكذا لو سجد على ظهر قدميه، وقال ابن حامد وغيره: لا يجزئه أن يسجد على أطراف أصابع يديه، وعليه أن يستغرق اليدين بالسجود. (¬6) من أعضاء السجود، لأنه الأصل وغير تبع، ومن عجز عن السجود على بعض الأعضاء سجد على بقيتها، وقرب العضو المريض من مصلاه غاية ما يمكنه.

ويومئ ما أمكنه (¬1) (ويجافي) الساجد (عضديه من جنبيه (¬2) وبطنه عن فخذيه) (¬3) وهما عن ساقيه (¬4) ما لم يؤذ جاره (¬5) (ويفرق ركبتيه) ورجليه (¬6) . ¬

_ (¬1) أي يومئ عاجز عن السجود على جبهته غاية ما يمكنه وجوبا، لحديث إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وقيل: يلزم بالأنف إن أمكن، ومن سقط من قيام أو ركوع ولم يطمئن عاد، وإن اطمأن انتصب قائما وسجد، ومن سقط على جنبه بعد قيامه من الركوع، ثم انقلب ساجدا لم يجزئه سجوده، لأنه خرج عن سنن الصلاة وهيئتها، وإن سقط منه ساجدا أجزأه بغير نية، لأنه على هيئتها. (¬2) لحديث ابن بحينة إذا سجد تجنح في سجوده، حتى يرى وضح إبطيه متفق عليه، وفي رواية فرج بين يديه، أي نحى كل يد عن الجنب الذي يليها ولحديث أبي حميد: كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه، ووضع يديه حذو منكبيه، صححه الترمذي، ولمسلم عن ميمونة: لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت. (¬3) لحديث أبي حميد: وإذا سجد فرج بين فخذيه، غير حامل بطنه على شيء من فخذيه. (¬4) أي يجافي فخذيه عن ساقيه، لما في مسلم وغيره، فإذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك وغير ذلك، مما هو ظاهر في آكدية التفريج، وللطبراني بسند صحيح فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك، وهذه الحالات من كمال السجود، أن يكون على هيئة يأخذ كل عضو من البدن بحظه من الخضوع، ليستقل كل عضو منه بالعبودية، ولأنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، مع مغايرته لهيئة الكسلان. (¬5) الذي بجانبه فعل ذلك المسنون فيحرم، لحصول الإيذاء المحرم. (¬6) لأنه صلى الله عليه وسلم إذا سجد فرق بين فخذيه.

وأصابع رجليه، ويوجهها إلى القبلة (¬1) وله أن يعتمد بمرفقيه على فخذيه إن طال (¬2) . (ويقول) في السجود (سبحان ربي الأعلى) (¬3) . ¬

_ (¬1) أي ويفرق بين أصابع رجليه حال سجوده، ويوجهها إلى القبلة، لما في الصحيح، سجد غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، وفي التلخيص: يجب جعل باطن أطرافهما إلى القبلة، إلا أن يكون فيهما نعل أو خف، وتقدم الأمر بالسجود على أطراف القدمين، فلا تصح بدونه، وقال الشيخ: وإذا رفع قدميه في السجود فإنه مع رفعهما بالتلاعب أشبه منه بالتعظيم والإجلال، وإن لم يضعهما لم يصح سجوده. (¬2) يعني السجود، ليستريح بذلك بلا كراهة، فإنهم لما شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مشقة التفريج قال: استعينوا بالركب، ورواه أبو داود، ويستحب أن يضع راحتيه على الأرض، مبسوطتين مضمومتي الأصابع، مستقبلا بها القبلة، ويضعهما حذو منكبيه، أو حذو أذنيه، وكلاهما حسن، وقد ورد وتقدم. (¬3) ندبا إجماعا والمذهب الوجوب لحديث عقبة لما نزل {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} قال: «اجعلوها في سجودكم» رواه أحمد وغيره. ولحديث حذيفة، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، رواه مسلم، وهو مفسر لحديث عقبة قال الخطابي: فيه دلالة على وجوب التسبيح في الركوع والسجود، لأنه قد اجتمع في ذلك أمر الله وبيان رسوله الله صلى الله عليه وسلم وترتيبه في موضع من الصلاة، فتركه غير جائز اهـ. وكان غالب دعائه صلى الله عليه وسلم في سجوده، ولأن وصف الرب بالعلو في هذه الحالة في غاية المناسبة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء فيه، وبعد التشهد، وقبل السلام، ففي الصحيحين أنه كان يقول وسبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي، وربما قال: اللهم إني لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي لله الذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين، وكان يقول: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إلخ، اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله إلخ، وقال: وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم، والأمر بإكثار الدعاء في السجود يشمل الحث على تكثير الطلب لكل حاجة، ويشمل التكرار للسؤال الواحد، كيف وهو في حال أذل ما يكون لربه وأخضع له؟!، حيث يضع أشرف شيء فيه وهو وجهه على التراب خشوعا لربه واستكانة له، وخضوعا لعظمته، وذلا لعزته، قد انكسر قلبه وذل له جسمه، وخشعت له جوارحه، بل في أشرف حالاته، وأقرب ما يكون من ربه، وهل طول السجود أو طول القيام أفضل؟ صوب الشيخ أنهما سواء، فإن القيام أفضل بذكره وهو القراءة والسجود أفضل بهيئته وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا طال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفف القيام خفف الركوع والسجود.

على ما تقدم في تسبيح الركوع (¬1) (ثم يرفع رأسه) إذا فرغ من السجدة (مكبرا (¬2)) . ¬

_ (¬1) أي حكمه حكم ما تقدم، من أن الواجب مرة، وأدنى الكمال ثلاث وفاقا، وأعلاه عشرة على ما تقدم. (¬2) أي يكون ابتداؤه مع ابتدائه، وانتهاؤه مع انتهائه، لقوله: ثم يكبر حين يرفع رأسه، متفق عليه، وهذا الرفع والاعتدال واجب، وهو مذهب الشافعي، لقوله في حديث المسيء ثم اجلس حتى تطمئن جالسا وعن عائشة: إذا رفع من السجدة لم يسجد حتى يستوي قاعدا، متفق عليه, لحديث أبي حميد الآتي وغيره.

الجلوس بين السجدتين وما يقول فيه

ويجلس مفترشا يسراه) أي يسرى رجليه (¬1) (ناصبا يمناه) ويخرجها من تحته، ويثني أصابعها نحو القبلة (¬2) ويبسط يديه على فخذيه مضمومتي الأصابع (¬3) (ويقول) بين السجدتين (رب اغفر لي) (¬4) الواجب مرة والكمال ثلاث (¬5) . ¬

_ (¬1) فيبسطها ويجلس عليها. (¬2) أي يجعل بطون أصابعها على الأرض مفرقة، معتمدا عليها لحديث أبي حميد: ثنى رجله اليسرى، وقعد عليها، واعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه، ولحديث عائشة وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى متفق عليه، ولقول عبد الله بن زيد: كنا نعلم إذا جلسنا في الصلاة أن يفرش الرجل منا قدمه اليسرى، وينصب قدمه اليمنى، على صدر قدمه، وإن كانت إبهام أحدنا لتنثني فيدخل يده حتى يعدلها، ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع جلسة غيرها. (¬3) قياسا على جلوس التشهد، ولنقل الخلف عن السلف. (¬4) أي ذنوبي أو تقصيري في طاعتك، لحديث حذيفة، كان يقول بين السجدتين رب اغفر لي، رواه النسائي والترمذي وغيرهما، وإسناده ثقات، ولأبي داود والترمذي وغيرهما من حديث ابن عباس: كان يقول بين السجدتين اللهم اغفر لي وارحمني واهدني، وعافني وارزقني، وحسنه النووي، وصححه الحاكم وقال ابن القيم: لما فصل بين السجدتين بركن مقصود، شرع فيه من الدعاء ما يليق به ويناسبه، وهو سؤال المغفرة والرحمة والهداية والعافية والرزق، واختار الشيخ الدعاء بما ورد. (¬5) فأكثر كما تقدم وظاهره مطلقا، لا كالركوع ونحوه، وقال الموفق وجماعة: أدنى الكمال ثلاث، والكمال في ذلك كالكمال في تسبيح الركوع والسجود واختاره الشيخ، ولا دليل على تقييده بعدد معلوم، كما تقدم، وقال الزركشي: هذا المشهور، والسنة شاهدة لهذا القول، وهو الثابت عنه في جميع الأحاديث، وهو من تمامها الذي أخبر به أصحابه عنه صلى الله عليه وسلم وتقصير الاعتدال من الركوع والسجود من تصرف بني أمية، كما تقدم، وكانت صلاته صلى الله عليه وسلم قريبًا من السواء، معتدلة إذا أطال في القيام أطال في غيره، وقوله: ما خلا القيام والقعود، أي القيام للقراءة، والقعود للتشهد وتقدم.

(ويسجد) السجدة (الثانية كالأولى) (¬1) فيما تقدم من التكبير والتسبيح وغيرهما (¬2) (ثم يرفع) من السجود (مكبرًا) (¬3) . ¬

_ (¬1) وجوبًا بإجماع المسلمين، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يسجد سجدتين لم يختلف عنه في ذلك، وعلمه المسيء فقال: ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها. (¬2) كالهيئة والدعاء بالوارد، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، وإنما شرع تكرار السجود في كل ركعة، دون غيره، لأنه أبلغ ما يكون في التواضع، وأفضل أركانها الفعلية، وسرها الذي شرعت لأجله، وخاتمتها وغايتها، فكان تكرره أكثر من تكرر سائر الأركان، ولابن حبان عن ابن عمر مرفوعا، «إذا قام العبد يصلي أتى بذنوبه فوضعت على رأسه أو على عاتقه فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه» . (¬3) أي يرفع من السجدة الثانية، وهذا القيام ركن، والتكبير واجب، يبتدئه مع ابتداء رفع رأسه من السجود، وينهيه عند اعتداله قائما، لقوله صلى الله عليه وسلم ثم يكبر حين يرفع.

ناهضًا على صدور قدميه) (¬1) ، ولا يجلس للاستراحة (¬2) (معتمدا على ركبتيه إن سهل) (¬3) . ¬

_ (¬1) أي قائما على مقدمهما، وأطلق صدور على صدرين لاستثقال الجمع بين تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة، وفي المطلع: جيء به بلفظ الجمع لأن كل مثنى معنى مضاف إلى متضمنه، يختار فيه لفظ الجمع على لفظ الإفراد، ولفظ الإفراد على لفظ التثنية، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ينهض في الصلاة على صدور قدميه، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، وروى ابن أبي شيبة وغيره من غير وجه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم. (¬2) أي لا يسن أن يجلس جلسة الاستراحة بفتح الجيم لأنه مرة من الجلوس، ويجوز كسر الجيم، بتقدير إرادة الهيئة، لأن فيها قدرا زائدا على الجلسة، وذلك هو الهيئة والاستراحة: هي طلب الراحة، كأنه صار له إعياء فيجلس ليزول عنه، وهي جلسة خفيفة صفتها كالجلوس بين السجدتين، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم فعلها، ولكن لم يذكرها كل واصف لصلاته، ومجرد فعلها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، وإذا قدر أنه فعلها لحاجة، لم يدل على سنيتها، إلا إذا علم أنه فعلها ليقتدي به فيها، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، قال أحمد: أكثر الأحاديث على هذا، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، وقيل: يجلس، لفعله عليه الصلاة والسلام ويحمل أنه في آخر عمره عند كبره، جمعًا بين الأخبار، واختاره الشيخ وغيره. (¬3) أي معتمدًا بيديه على ركبتيه، قال القاضي: لا يختلف قوله في ذلك، إن سهل عليه ذلك، ولا يعتمد على الأرض بيديه، لحديث وائل: «وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» ، ولأبي داود: «نهى أن يعتمد على يديه إذا نهض في الصلاة» ، وقال علي: من السنة ألا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخًا كبيرًا لا يستطيع، وعن أحمد: يستحب أن يقوم معتمدًا على يديه، وفاقًا لمالك والشافعي، لما في الصحيح من حديث مالك بن الحويرث، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس، واعتمد على الأرض، ثم قام، ولأنه أعون للمصلي، وقال النووي وغيره: وأحاديثهم ليس فيها شيء صحيح إلا الأثر الموقوف على ابن مسعود، أنه يقوم على صدور قدميه انتهى، لكن قول الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم يقتضي قوة أصله وإن ضعف، خصوصا هذا الطريق، وهو كذلك، فأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه، ولم يجلس، ونحوه عن علي وابن عمر وابن الزبير وغيرهم، وأخرج عن الشعبي قال: كان عمر وعلي وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم، وعن النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهض كما هو ولا يجلس، وأخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود، وابن عباس وابن عمر، وكذا البيهقي وغيره، فقد اتفق أكابر الصحابة الذين كانوا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشد اقتفاء لأثره، وألزم لصحبته من مالك، على خلاف ما قال، فوجب تقديمه، وتقدم النهي عنه، وما رواه مالك يحمل على حالة الكبر، وبه تجتمع الأدلة.

وإلا اعتمد على الأرض (¬1) ، وفي الغنية: يكره أن يقدم إحدى رجليه (¬2) . ¬

_ (¬1) أي: وإلا يسهل عليه والاعتماد على ركبتيه لكبر أو ضعف أو مرض أو سمن ونحوه اعتمد بيديه على الأرض بلا خلاف، لحديث علي المتقدم ولحديث مالك. (¬2) نص عليه، وروي عن ابن عباس وغيره، أنه يقطع الصلاة، والغنية لشيخ عصره عبد القادر بن عبد الله بن جنكي دوس، الجيلي البغدادي المشهور، وله (الفتح الرباني) و (فتوح الغيب) وغيرها، توفي ببغداد سنة خمسمائة وإحدى وستين.

الركعة الثانية مثل الأولى ما عدا التحريمة والاستفتاح

(ويصلي) الركعة (الثانية كذلك) أي: كالأولى (¬1) (ما عدا التحريمة) أي تكبيرة الإحرام (¬2) (والاستفتاح والتعوذ وتجديد النية) (¬3) . ¬

_ (¬1) بلا نزاع لقوله للمسيء لما وصف له الركعة الأولى ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، وفي السنن وغيرها، فإذا قمت فمثل ذلك، حتى تفرغ صلاتك ولنقل صفة الصلاة كذلك. (¬2) فلا تعاد إجماعًا لأنها وضعت للدخول في الصلاة، وهو منتف هنا، و (عدا) كلمة يستثنى بها مع (ما) وبدونها. (¬3) أي وما عدا الاستفتاح مصدر استفتح، والمراد به ههنا الذكر قبل الاستعاذة، من قول: سبحانك اللهم، ونحوه بلا خلاف، حكاه في المبدع وغيره، ولو لم يأت به، لحديث أبي هريرة، «وإذا نهض إلى الركعة الثانية استفتح بالحمد لله ولم يسكت» ، رواه مسلم، ولفوات محله، وما عدا التعوذ إن كان استعاذ في الأولى، لظاهر الخبر. قال ابن القيم: «الاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر» ، للحديث الصحيح عن أبي هريرة، «كان إذا نهض للركعة الثانية استفتح القراءة ولم يسكت» اهـ ولأن الصلاة جملة واحدة لم يتخلل القراءتين فيها سكوت، بل ذكر، فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة إذا تخللها حمد الله أو تسبيح أو تهليل أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك، وعنه يتعوذ في الثانية، اختارها الشيخ، قال في الإنصاف: وهي أصح دليل، وهو مذهب الشافعي، وفي الاختيارات ويستحب أن يتعوذ أول كل قراءة. قال النووي: وهو الأظهر، وأما البسملة فتسن في كل ركعة، لأنها تستفتح بها السورة، وما عدا تجديد النية للاكتفاء باستصحابها. قال في الإنصاف: وهذا مما لا نزاع فيه، وقال جمع: لا حاجة لاستثنائها، لأنها شرط لا ركن، ويجوز أن يتقدم الصلاة اكتفاء بالدوام الحكمي وما عدا السكوت، وتطويلها كالأولى، فإنه عليه الصلاة والسلام كان لا يسكت في الثانية، ويقصرها عن الأولى.

فلا تشرع إلا في الأولى (¬1) لكن إن لم يتعوذ فيها تعوذ في الثانية (¬2) . (ثم) بعد فراغه من الركعة الثانية (يجلس مفترشًا) كجلوسه بين السجدتين (¬3) (ويداه على فخذيه) (¬4) ولا يلقمهما ركبتيه (¬5) . ¬

_ (¬1) أي فلا تشرع هذه الأمور الأربعة وفاقًا، في غير التعوذ، إلا في الركعة الأولى، لأن تلك تراد لافتتاح الصلاة. (¬2) إجماعا، ولو ترك التعوذ في الأولى عمدا لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} . (¬3) أي يجلس للتشهد إجماعا، لنقل الخلف عن السلف، نقلا متواترا وقال الوزير اتفقوا على أن الجلسة في آخر الصلاة فرض من فروض الصلاة اهـ، وجلوسه للتشهد كجلوسه بين السجدتين سواء وتقدم، وفي الصحيح: «كان إذا جلس للتشهد، جلس على رجله اليسرى، ونصب الأخرى» ، وفيهما: «إذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى» ، ولم يرو عنه في هذه الجلسة غير هذه الصفة، والحكمة في ذلك والله أعلم أن المصلي مستوفز في الأول للحركة ببدنه بخلاف الثاني، والحركة عن الافتراش أهون، وكيفما جلس في التشهدين وبين السجدتين جاز إجماعًا. (¬4) اليمنى على الفخذ اليمنى، باسطًا ذراعه على فخذه، ولا يجافيها، فيكون حد مرفقه عند آخر فخذه، واليسرى على الفخذ اليسرى، ممدودة، وأطراف الأصابع على الركب. (¬5) لورود الأحاديث بوضع يديه على فخذيه، وهو مجمع عليه.

و (يقبض خنصر) يده (اليمنى وبنصرها (¬1) ويحلق إبهامها مع الوسطى) بأن يجمع بين رأس الإبهام والوسطى، فتشبه الحلقة من حديد ونحوه (¬2) (ويشير بسبابتها) (¬3) من غير تحريك (¬4) . ¬

_ (¬1) بكسر الخاء والباء مؤنثتان، الأولى الإصبع الصغرى، والثانية بينها وبين الوسطى، أي يقبض من يمناه عند وضعها على فخذه الأيمن عند الركبة خنصرها وبنصرها، لحديث وائل: ثم قبض ثنتين من أصابعه، رواه أحمد وغيره. (¬2) لحديث وائل: وحلق إبهامه مع الوسطى، والإبهام الإصبع العظمى، وهي مؤنثة، والجمع أباهيم، ويحلق بتشديد اللام، والحلقة بسكونها، وجمعها حلق، كقصعة وقصع، وقيل بفتحتين على غير قياس، وفي السنن وحلق حلقة ولمسلم وقبض أصابعه الثلاث، وله أيضا وعقد ثلاثة وخمسين في أعداد كانت معروفة عند العرب، بأن تكون الثلاث مضمومة إلى أدنى الكف لا مقبوضة والإبهام مفتوحة تحت المسبحة على طرف الراحة، ويسمونها تسعة وتسعين، وآثر الفقهاء الأول، تبعا للخبر، ولو فعل غير ذلك مما ورد أتى بالسنة، والأول أفضل، ورواته أفقه. (¬3) سميت بذلك لتحريكها في وقت السب، وسباحة لأنه يشير بها للتوحيد، وخصت بالإشارة والله أعلم لاتصالها بنياط القلب، فتحريكها سبب لحضوره، والحكمة في الإشارة بها ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد. (¬4) فلا يوالي حركتين عند الإشارة، لأنه يشبه العبث، لحديث ابن الزبير: «ويشير بسبابته ولا يحركها» . وقال ابن القيم: في صحته نظر، وليس في الحديث أن هذا كان في الصلاة اهـ، وفي حديث وائل: «ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها» ، ورواه أهل السنن وغيرهم، قال ابن القيم: كان لا ينصبها نصبا ولا ينيمها بل يحنيها شيئا، ويحركها كما تقدم اهـ وقيل: يديم نظره إليها، لخبر ابن الزبير عند أحمد وغيره، قال في الفروع: إسناده جيد، وأحاديث الإشارة بالسبابة في التشهد قد بلغت حد التواتر.

(في تشهده) (¬1) ودعائه في الصلاة وغيرها (¬2) عند ذكر الله تعالى (¬3) تنبيها على التوحيد (¬4) (ويبسط) أصابع (اليسرى) (¬5) . ¬

_ (¬1) في الصلاة، متعلق بيشير، للخبر المتقدم وغيره، ولمسلم: ورفع إصبعه التي تلي الإبهام فدعا بها، وسمي بالتشهد من باب إطلاق الجزء وهو الشهادة على الكل. (¬2) أي يشير بسبابته إذا دعا في صلاة وغيرها، لحديث عبد الله بن الزبير: «كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها» ، ورواه أبو داود والنسائي: وفيه عن سعد بن أبي وقاص مر بي وأنا أدعو بأصابعي، فقال: أحد أحد يا سعد، وأشار بالسبابة. (¬3) وصحح في شرح الهداية للحنفية وغيرها عند الشهادة، وكذا عند الشافعية، فيكون رفعها مرة في التشهد، قال في الفروع: ولعله أظهر، وهي أفضل الذكر فيكون موضع الإشارة لا إله إلا الله، لما رواه البيهقي من فعله صلى الله عليه وسلم وفي المقنع والإنصاف وغيرهما: مرارا لقوله: إذا دعا. (¬4) والتوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وسئل ابن عباس فقال: هو الإخلاص، ولأبي داود عنه أنه قال: هكذا الإخلاص، يشير بإصبعه التي تلي الإبهام، وروي مرفوعا. (¬5) لحديث ابن عمر: وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وفي لفظ ويده اليسرى على ركبته، باسطها عليها.

كراهة الجهر بالتشهدين

مضمومة إلى القبلة (¬1) (ويقول) سرًّا (¬2) (التحيات لله) أي الألفاظ التي تدل على السلام والملك (¬3) والبقاء والعظمة لله تعالى، مملوكة له ومختصة به (¬4) . ¬

_ (¬1) ليستقبل القبلة بأطراف أصابعه، وهذه الجلسة على هذه الهيئة تمثل في الخدمة بين يدي ربه جاثيا على ركبتيه، كهيئة الملقي نفسه بين يدي سيده، راغبا راهبا، معتذرا إليه، مستعديا إليه على نفسه آتيا بأكمل التحيات وأفضلها، وأسنى الثنا ثم بالشهادة له بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، ثم بالصلاة عليه، متخيرا من الدعاء أحبه إليه. (¬2) ندبًا إجماعًا لقول ابن مسعود: «من السنة إخفاء التشهد» ، رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وصححه الحاكم. قال النووي: وأجمعوا على كراهة الجهر بالتشهدين، لخبر ابن مسعود، وقال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، وقال الشارح وغيره: السنة إخفاء التشهد كالتسبيح، لا نعلم فيه خلافًا. (¬3) ملكًا واختصاصا، أو كل ما يحيي به من الثناء والمدح بالملك والعظمة لله تعالى، وهو سبحانه يحيي ولا يسلم عليه، وفي الصحيحين كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله من عباده فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام» لأن السلام دعاء بالسلامة، والله سبحانه هو المدعو، وهو السالم من كل نقص وعيب، وله الملك المطلق، وكانوا إذا نال أحد الملك قيل: نال فلان التحية، أي نال الملك الذي يستدعي له التحية، فهو سبحانه المستحق أن يحيي بأعلى التحيات، لتمام ملكه، ولا يسلم عليه لكماله وغناه المطلق. (¬4) فجميع التعظيمات لله سبحانه وتعالى، ومنه الخضوع والركوع والسجود والكتوف والخشوع، وأمثال ذلك، والبقاء الدوام، والعظمة والكبرياء، وإنما جمع التحية لأن ملوك الأرض يحيون بتحيات مختلفة، فيقال لبعضهم: أبيت اللعن، ولبعضهم: أنعم صباحا، ولبعضهم: أسلم كثيرًا، وغير ذلك، فقيل للمسلمين، قولوا: التحيات لله إلخ، فهو سبحانه أولى بالتحيات من كل ما سواه، فإنها تتضمن الحياة والبقاء والدوام، ولا يستحق هذه التحيات إلا الحي الباقي الذي لا يموت ولا يزول ملكه سبحانه وتعالى.

(والصلوات) أي الخمس (¬1) أو الرحمة، أو المعبود بها، أو العبادات كلها، أو الأدعية (¬2) (والطيبات) أي الأعمال الصالحة (¬3) أو من الكلم (¬4) (السلام) أي اسم السلام وهو الله (¬5) . ¬

_ (¬1) وما هو أعم من الفرض والنفل لله تعالى، فإنه لا يستحق أحد الصلاة إلا الله عز وجل. (¬2) التي يراد بها تعظيم الله لله تعالى، ومنها الشهادتان، والخوف، والرجاء والتوكل والإنابة والخشية، وغير ذلك من أنواع العبادة لله تعالى، وهو مستحقها ولا تليق بأحد سواه. (¬3) لله، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، والطيبات صفة لموصوف محذوف أي الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات والأسماء ونحو ذلك، مما هو ثناء على الله تعالى، وذكر له، وأولها الصلاة والزكاة والصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل عمل كالجهاد والنفقة وأمثال ذلك لله تعالى. (¬4) أي: الطيبات من الكلم، وحسن أن يثنى به على الله وكل عمل تعمله، فهذا كله لا حق فيه لغيره، وطيبه كونه خالصا من الشوائب. (¬5) إذ كان اسم الله يذكر على الأعمال، توقعا لاجتماع معاني الخيرات فيه، وانتفاء عوارض الشر منه، والسلام في الأصل مصدر بمعنى السلامة، واسم من التسليم، والسلام اسم من أسماء الله لسلامته من كل نقص وعيب، فإن اسمه السلام متضمن لكل ما يتنزه عنه، وحقيقته البراءة والخلاص والنجاة من الشرور والعيوب، والسلام التحية.

أو سلام الله (عليك (¬1) أيها النبي) بالهمز من النبأ، لأنه مخبر عن الله، وبلا همز، إما تسهيلا أو من النبوة وهي الرفعة (¬2) وهو: من ظهرت المعجزات على يده (¬3) . (ورحمة الله وبركاته) جمع بركة وهي: النماء والزيادة (¬4) (السلام علينا) أي على الحاضين من الإمام والمأموم والملائكة (¬5) (وعلى عباد الله الصالحين) جمع صالح وهو القائم بما عليه من حقوق الله، وحقوق عباده (¬6) . ¬

_ (¬1) حكاه الأزهري وغيره، ولفظه: أو سلم الله عليك تسليما، فتضمن معنيين، ذكر الله وطلب السلامة، وأتى بلفظ الحاضر المخاطب تنزيلا له منزلة المواجه، لقربه من القلب، حتى أنه لأدنى إلى العبد من روحه. (¬2) فعيل بمعنى فاعل، وفي الحديث لا تنبزوا باسمي إنما أنا نبي الله وتركها هو المختار عند العرب، وقيل: مأخوذ من النبي الذي هو الطريق الواضح، لأنه الطريق إلى الله تعالى. (¬3) معجزة النبي ما أعجز به الخصم عند التحدي، وتسمى آيات النبوة، ودلائل نبوته صلى الله عليه وسلم لا تنحصر، ولم يؤت نبي قبله ولا رسول معجزة إلا وله مثلها وزيادة. (¬4) والمراد نزلت عليه السلامة والرحمة والبركة. (¬5) وقاله النووي وغيره. (¬6) من الملائكة ومؤمن الإنس والجن، قاله الزجاج والقاضي وغيرهما؟ ودرجاتهم متفاوتة، وقد دل الكتاب والسنة والإجماع القديم على تفضيل صالحي البشر على الملائكة، وعباد جمع عبد، وتقدم أنه لا أشرف ولا أتم للمؤمن من وصفه بالعبودية لله تعالى.

وقيل: المكثر من العمل الصالح، ويدخل فيه النساء، ومن لم يشاركه في الصلاة (¬1) (أشهد أن لا إله إلا الله) أي أخبر بأني قاطع بالوحدانية (¬2) (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) (¬3) . ¬

_ (¬1) لقوله في رواية لهما: «فإنكم إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح، في السماء والأرض» ، ويقصد بألفاظ التشهد معانيها، مرادة له على وجه الإنشاء، كأنه يحي الله ويسلم على نبيه، وعلى نفسه، وعلى كل عبد صالح في السماء والأرض، قال الترمذي، من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة، فليكن عبدا صالحا، وإلا حرم هذا الفضل العظيم. (¬2) أي: نفي الألوهية عما سوى الله، وإفراده بالعبادة، والشهادة خبر قاطع، والقطع من فعل القلب، واللسان مخبر عن ذلك، والمشاهدة المعاينة، فتشهد شهادة اليقين أن لا معبود بحق إلا الله، وإن كان ابتداء هذه الكلمة العظيمة نفيًا، فالمراد به غاية الإثبات، ونهاية التحقيق، ومن خواصها أن حروفها مهملة، تنبيها على التجرد من كل معبود سوى الله، وكلها جوفية، تنبيهًا على أن المراد بها الإخلاص للإتيان بها من خالص جوفه، وهو القلب لا من الشفتين وفي الحديث: «أفضل الذكر لا إله إلا الله» ، وذكر جماعة أنه لا بأس بزيادة «وحده لا شريك له» . (¬3) بصدق ويقين، وذلك يقتضي متابعته، وأتى بهاتين الصفتين، رفعا للإفراط والتفريط، ولفظهما ثبت في جميع الأمهات الست، وإضافتهما إلى الله إضافة تشريف وتكريم.

المرسل إلى الناس كافة (¬1) (هذا التشهد الأول) (¬2) علمه النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود، وهو في الصحيحين (¬3) . ¬

_ (¬1) قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} بل إلى جميع الثقلين الجن والإنس بالإجماع. (¬2) في المغرب، والرباعية ونحوهما، وهو مشروع بغير خلاف، نقله الخلف عن السلف عن النبي صلى الله عليه وسلم، نقلا متواترا يفيد القطع ويشترط موالاته، وذكر العاطف بين الشهادتين، ولفظ أشهد، ورعاية حروفه، وتشديداته، والإعراب المخل بالمعنى، وإسماع نفسه، ويكتفي بالنطق بالحروف كما تقدم، فإنه متى حرك لسانه كان متكلما، وصحح في تصحيح الفروع أنه إذا أتى بالألفاظ المتفق عليها أجزأه، وإن كان الساقط ثابتا في حديث ابن مسعود وغيره، والأولى الإتيان بالوارد دون التلفيق، وتخفيفه وعدم الزيادة عليه، لحديث كان يجلس في الأوليين كأنه على الرضف، رواه أبو داود وغيره، والرضف الحجارة المحماة، وحديث: «نهض حين فرغ من تشهده» ، قال الطحاوي: من زاد عليه فقد خالف الإجماع، وقال أحمد: من زاد فقد أساء، ولو فرغ المؤتم قبل إمامه سكت وفاقا، وقيل يتمهل، وقيل: يكرره اختاره شيخنا وغيره، ولم يشرع في الصلاة سكوت إلا لمستمع لقراءة إمامه، ولا يخلو موضع من الصلاة من قول أو عمل. (¬3) وقال البزار والذهلي وغيرهما: أصح حديث في التشهد حديث ابن مسعود، روي من نيف وعشرين طريقًا، قال الحافظ والبغوي: لا خلاف في ذلك، وقال مسلم: اتفق الناس عليه، وقال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور الفقهاء: التشهد به أفضل، لمرجحات كثيرة: منها الاتفاق على صحته، وتواتره بل هو أصح التشهدات، وأشهرها، ولأمره أن يعلمه الناس، وكونه محفوظ الألفاظ، لم يختلف في حرف منه، وكون غالبها يوافق ألفاظه، فاقتضى أنه الذي يأمر به غالبا واتفق العلماء على جواز التشهدات كلها، الثابتة من طريق صحيح، قال الشيخ: كلها سائغة باتفاق المسلمين، وتقدم أن أصل أحمد استحسان كل ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم.

مايقول في التشهد الأخير

(ثم يقول) في التشهد الذي يعقبه السلام (¬1) (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد (¬2) . ¬

_ (¬1) سواء كان من واحدة كالوتر، أو اثنتين كالفجر، أو ثلاث كالمغرب، أو أربع كالظهر، أو خمس كمن يوتر بها، أو أكثر، وهو ركن فيه، وفاقا للشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: هو مستحب، لحديث المسيء، وحجتنا قوله تعالى: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} والأحاديث الصحيحة المتواترة. (¬2) قال ابن عبد البر: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم رويت من طرق متواترة بألفاظ متقاربة اهـ. والصلاة من الله ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، كما تقدم، وأمرنا تعالى أن نصلي عليه، ليجتمع له صلى الله عليه وسلم ثناء أهل السماء والأرض وهو ركن في هذا الموضع، وتقدم الكلام في آل محمد وآل إبراهيم إسماعيل وإسحاق وأولادهما، وقد جمع الله لهم الرحمة والبركة بقوله: {رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} فسأل صلى الله عليه وسلم إعطاء ما تضمنته الآية واستشكل التشبيه هنا بعض العلماء، وذكروا فيه أقوالا، ولعل المراد بالتشبيه التشبيه في الصلاة لا في القدر كقوله {كما أوحينا إلى إبراهيم} وقد انعقد الإجماع على أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق على الإطلاق، وقال ابن القيم: شرعت الصلاة على آله مع الصلاة عليه تكميلا لقرة عينه، بإكرام آله، والصلاة عليهم، وأن يصلي عليه وعلى آله كما صلى على أبيه إبراهيم، وآله، والأنبياء كلهم بعد إبراهيم من آله، ولذلك كان المطلوب لرسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة مثل الصلاة على إبراهيم، وعلى جميع الأنبياء من بعده، وآله المؤمنين، فلهذا كانت هذه الصلاة أكمل ما يصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم بها وأفضل اهـ فحصل له أعظم ما لإبراهيم وغيره، وإذا كان المطلوب بالدعاء إما هو مثل المشبه به، وله نصيب وافر من المشبه، ظهر به فضله على كل من النبيين، ما هو اللائق به، وإبراهيم هو الخليل عليه الصلاة والسلام ابن آزر، ولد قبل المسيح بألفي عام، ومعناه بالسريانية: أب رحيم.

وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) (¬1) ، لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك في المتفق عليه من حديث كعب بن عجرة (¬2) . ¬

_ (¬1) البركة هي الثبوت والدوام، أي: أثبت له وأدم ما أعطيته من الشرف والكرامة و (حميد) أي محمود على كل حال، مستحق لجميع المحامد و (مجيد) أي ماجد، والماجد هو العظيم الواسع المتصف بالمجد، وهو كمال الشرف والكرم والصفات المحمودة. (¬2) ولفظه: قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: «قولوا اللهم صلى على محمد» إلخ، ويجوز أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بغيره مما ورد، كما في الصحيحين وغيرهما، وفي رواية «كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم» ، وتجوز الصلاة على غيره مفردا نص عليه، واختاره الشيخ، إلا أن يتخذ شعارا فيحرم، وقال: السلام على غيره باسمه جائز من غير تردد، وكعب بن عجرة هو ابن أمية بن عدي بن عبيد بن خالد بن عمرو بن عوف بن غنم البلوي ثم القضاعي، حليف الأنصار، نزل الكوفة، ومات بالمدينة قبل الستين.

ولا يجزئ لو أبدل آل بأهل (¬1) ، ولا تقديم الصلاة على التشهد (¬2) (ويستعيذ) ندبًا (¬3) فيقول: أعوذ بالله (من عذاب جهنم (¬4) و) من (عذاب القبر) (¬5) . ¬

_ (¬1) وصوبه في تصحيح الفروع: وقال في الإقناع وشرحه، الصواب عدم إبدال آله بأهله، لأن أهل الرجل أقاربه أو زوجته، وآله أتباعه على دينه فتغايرا وفي الصحيحين قولوا: «اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته» ، وقيل: هم القرابة من غير تقييد، وإليه ذهب جماعة من أهل العلم، وقيل الأمة، ولا شك أن القرابة أخص الآل، فتخصيصهم بالذكر ربما كان لمزايا لا يشاركهم فيها غيرهم. (¬2) لفوات الترتيب بينهما. (¬3) إجماعًا وقيل بوجوبه، لحديث أبي هريرة: «إذا فرغ أحدكم من التشهد فليستعذ بالله من أربع» ، فذكره رواه أحمد ومسلم وأبو داود وغيرهم، ولمسلم إذا فرغ من الشتهد الأخير، والتعوذ الالتجاء والاعتصام وتقدم، وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة: «كان يدعو في صلاته اللهم إني أعوذ بك» إلخ، وفيه وأعوذ بك من المأثم والمغرم، والمغرم الدين وذلك لأن المأثم يوجب خسارة الآخرة، والمغرم يوجب خسارة الدنيا، وقول بعضهم بوجوبه يدل على تأكده. (¬4) اسم لنار الآخرة، وهي لفظة أعجمية وقيل عربية، سميت به لبعد قعرها، من الجهومة وهي الغلظ، وتواترت الأحاديث بالاستعاذة منها، والعذاب في الأصل الضرب والنكار والعقوبة، ثم استعمل في كل عقوبة مؤلمة، وسمي عذابا لأن صاحبه يحبس ويمنع عنه ما يلائمه من الخير، ويقرن به ما يؤلمه، ولأنه يمنعه من المعاودة ويمنع غيره من مثل ما فعله. (¬5) وتواترت أيضا بالاستعاذة من عذاب القبر، وعذابه ونعيمه متواتر والإيمان به من أصول أهل السنة والجماعة، قال الشيخ: ويقع على الأبدان والأرواح إجماعا، وقد ينفرد أحدهما عن الآخر بالألم.

(و) من (فتنة المحيا والممات (¬1) و) من (فتنة المسيح الدجال) (¬2) والمحيا والممات الحياة والموت (¬3) ، والمسيح بالحاء المهملة على المعروف (¬4) . ¬

_ (¬1) هذا من باب ذكر العام مع الخاص، وأصل الفتنة الامتحان والاختبار وفتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته، من الافتتان بالدنيا وشهواتها، والجهالات أو الابتلاء مع زوال الصبر ونحو ذلك، فأمرنا بالاستعاذة من ذلك، وفتنة الممات قيل عند الموت، ومنه سكرات الموت، أضيف إليه لقربه منه، أو فتنة القبر وعذابه، وقد تواترت الأحاديث بالاستعاذة منه، وفي حديث الكسوف «إنكم تفتنون في قبوركم» ، ومنه سؤال الملكين، ولا يكون تكرار لعذاب القبر، لأن عذاب القبر متفرع على ذلك. (¬2) وهذه الأربع هي مجامع الشر كله، فإن الشر إما عذاب الآخرة وإما سببه، والعذاب نوعان عذاب في البرزخ وعذاب في الآخرة، وأسبابه الفتنة، وهي نوعان: كبرى وصغرى، فالكبرى: فتنة الدجال، وفتنة الممات، والصغرى: فتنة الحياة التي يمكن تداركها بالتوبة، بخلاف فتنة الممات وفتنة الدجال، فإن المفتون فيهما لا يتداركها، والجمع بينها من ذكر الخاص مع العام. (¬3) فالمحيا نقيض الممات، مفعل من الحياة، وكذا الممات مفعل من الموت عدم الحياة، والموضع الذي يحيا فيه ويموت فيه، ومنه: {سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} جمعه محاي وممايت. (¬4) المشهور، سمي بذلك لمسحه الأرض ذهابه فيها، أو لكونه ممسوحًا عن كل خير، أو لأنه ممسوح العين اليمنى أعورها، قال عليه الصلاة والسلام: «إنه أعور» ، وسمي دجالاً لخداعه أو لكذبه، أو لتمويهه على الناس، وتغطيته الحق بالباطل وتلبيسه من الدجال، وهو التغطية والخداع، وقيل: إنه بالخاء المعجمة، وهو بمعنى الخداع والكذب، وأما المسيح ابن مريم فلحسنه، أو لسياحته، أو لخروجه من بطن أمه ممسوحا بالدهن، أو لكونه لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، وقال أبو الهيثم وغيره: المسيح بالمهملة ضد المسيخ، بالمعجمة، عيسى مسحه الله إذ خلقه خلقًا حسنًا، ومسخ الدجال إذ خلقه خلقًا ملعونًا.

(و) يجوز أن (يدعو بما ورد) (¬1) أي في الكتاب والسنة (¬2) . ¬

_ (¬1) بل يسن أن يدعو بما ورد، فقد شرع له من الدعاء ما يختاره من مصالح دنياه وآخرته، ما لم يشق على مأموم ففي الصحيح: «وليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به» ، ولمسلم «ثم ليتخير من المسألة ما شاء» ، أو «ما أحب» والمأثور أفضل، قال الشيخ الإسلام: والدعاء في آخرها قبل الخروج مشروع، مسنون، بالسنة المستفيضة وإجماع المسلمين وقد ذهب طائفة إلى وجوب المأمور به فيه اهـ وقد كان غالب دعائه صلى الله عليه وسلم بعد التشهد قبل السلام، وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، وهو اللائق بحالة المصلي، فإنه مقبل على ربه، يناجيه ما دام في الصلاة، فلا ينبغي للعبد أن يترك سؤال مولاه، في حال مناجاته، والقرب منه، والإقبال عليه، وآكده عند خروجه من هذه العبادة على هذه الهيئة، وقد شرع له أمام استعطافه كلمات التحية، مقدمة بين يدي سؤاله، بمنزلة خطبة الحاجة أمامها، ثم يتبعها بالصلاة على من نالت أمته هذه النعمة على يديه، فكأنه توسل إلى الله بعبوديته، وبالثناء عليه، والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، ثم الصلاة على رسوله، ثم قيل له: تخير من الدعاء أحبه إليك، فهذا الحق الذي عليك وهذا الحق الذي لك، وليكن منك بأدب وخشوع، وحضور قلب ورغبة ورهبة، فإنه لا يستجاب الدعاء من قلب غافل. (¬2) كقوله {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ *} وكما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» ، وكقوله: «اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وماأسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» قال علي وكان آخر ما يقول بين التشهد والسلام، والأول علمه النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر ليدعو به في صلاته، وكقوله: «اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره» وغير ذلك مما ورد.

أو عن الصحابة والسلف (¬1) أو بأمر الآخرة، ولو لم يشبه ما ورد (¬2) وليس له الدعاء بشيء مما يقصد به ملاذ الدنيا وشهواتها (¬3) كقوله: اللهم ارزقني جارية حسناء، أو طعاما طيبا، وما أشبهه (¬4) . ¬

_ (¬1) مما ثبت عنهم، فهم القدوة، نحو: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن المسألة لغيرك. (¬2) نحو: اللهم أحسن خاتمتي، وكالدعاء بالرحمة والعصمة من الفواحش، وكالدعاء بالرزق الحلال، ونحو ذلك، لحديث ابن مسعود «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه» ، وحديث: «ثم ليدع بما شاء» صححه الترمذي. (¬3) لحديث «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» رواه مسلم، والدنيا اسم لهذه الدار، وما فيها، ما سميت به بدنوها وقربها، والملاذ المشتهيات، والشهوات مفردها شهوة، وهي اللذة، واللذة إدراك الملائم من حيث أنه ملائم، وكذا الشهوة حركة النفس طلبا للملائم أو الملذ. (¬4) كبستانا أنيقا، وكحلة خضراء، أو دابة هملاجة، أو دارا واسعة، ونحو ذلك.

التسليم والالتفات فيه

وتبطل به (¬1) (ثم يسلم) وهو جالس (¬2) لقوله عليه السلام: «وتحليلها التسليم» (¬3) . ¬

_ (¬1) أي تبطل الصلاة بالدعاء به، لأنه من كلام الآدميين، وعنه يجوز الدعاء بحوائج دنياه وملاذها، مما ذكره ونحوه، قال أحمد: لا بأس أن يدعو الرجل بجميع حوائجه من حوائج دنياه وأخراه، قال الشارح: وهو الصحيح، اختاره شيخنا، لظواهر الأخبار اهـ، ولا بأس بالدعاء لشخص معين، ما لم يأت بكاف الخطاب فتبطل به، وفي الفروع، وظاهر كلامهم لا تبطل بقوله: لعنه الله، عند ذكر الشيطان على الأصح، لقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم العن فلانا وفلانا» . (¬2) بلا نزاع قاله في المبدع ملتفتا يبدأ السلام مع ابتداء التفاته وينهيه معه، وهو تحليلها وليس لها تحليل سواه. (¬3) أخرجه أصحاب السنن بإسناد صحيح، أي وتحليل ما كان حراما فيها حاصل بالتسليم جعل تحليلا لها يخرج به المصلي، كما يخرج بتحليل الحج منه، وكل عبادة وهو بابها الذي يخرج به منها، وليس لها تحليل سواه، قال في محاسن الشريعة: فيه معنى لطيف، كأن المصلي مشغول عن الناس، ثم أقبل عليهم كغائب حضر اهـ. والحكمة أنه ما دام في صلاته فهو في حمى مولاه، فإذا انصرف ابتدرته الآفات، فإذا انصرف مصحوبا بالسلام الذي جعل تحليلا لها لم يزل عليه حافظ من الله إلى وقت الأخرى، وجعل هذا التحليل دعاء الإمام لمن وراءه بالسلامة التي هي أصل كل خير وأساسه وشرع لمن وراءه أن يتحلل بمثل ما تحلل به، وذلك دعاء له، وللمصلي معه ثم شرع لكل مصل، وإن كان منفردا، لتوقف الخروج منها إلا به، قال عليه الصلاة والسلام: «إنما يكفي أحدكم أن يسلم على أخيه عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك» .

وهو منها (¬1) فيقول: (عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله (¬2) وعن يساره كذلك) (¬3) وسن التفاته عن يساره أكثر (¬4) . ¬

_ (¬1) أي من الصلاة وركن من أركانها، عند جمهور العلماء للخبر. (¬2) يبتدئ السلام متوجها إلى القبلة، وينهيه مع تمام الالتفات وفاقا للشافعي وغيره، ويكون مرتبا معرفا وجوبا، لأن الأحاديث صحت بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول كذلك ولم ينقل خلافه، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» . (¬3) أي ويقول عن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، لحديث سعد أنه رآه يسلم عن يمينه وعن يساره، حتى يرى بياض خده، رواه مسلم، ولأهل السنن نحوه عن ابن مسعود، وقال الترمذي: حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، قال العقيلي: والأسانيد صحيحة ثابتة في حديث ابن مسعود في التسليمتين، ولا يصح في تسليمة واحدة شيء اهـ وقد أجمع العلماء على مشروعيتهما، وهو فعله الراتب، وقال ابن القيم: ثبتت بهما السنة الصحيحة المحكمة عن خمسة عشر صحابيا، ما بين صحيح وحسن اهـ. ونص الطحاوي وغيره على تواتر التسليمتين عنه صلى الله عليه وسلم وقال البغوي، وغيره: التسليمة الثانية زيادة من ثقات يجب قبولها، والواحدة غير ثابتة عند أهل النقل. (¬4) بحيث يرى خده، لفعله عليه الصلاة والسلام، رواه يحيى بن محمد، عن عمار، وفيه وإذا سلم عن يساره يرى بياض خده الأيمن والأيسر، والالتفات سنة فيهما لما تقدم، وقال أحمد: ثبت عندنا من غير وجه أنه كان يسلم عن يمينه ويساره، حتى يرى بياض خده.

وأن لا يطول السلام (¬1) ولا يمده في الصلاة (¬2) ولا على الناس (¬3) وأن يقف على آخر كل تسليمة (¬4) وأن ينوي به الخروج من الصلاة (¬5) ولا يجزئ إن لم يقل: ورحمة الله. في غير صلاة الجنازة (¬6) . ¬

_ (¬1) أي لا يمد به صوته. (¬2) عطف تفسير، والمد إطالة الصوت بحرف من حروف المد، لقول أبي هريرة: حذف السلام سنة، وروي مرفوعا، عنه صلى الله عليه وسلم وصححه الترمذي وعليه أهل العلم، وقال ابن سيد الناس: قال العلماء: يستحب أن يدرج لفظ السلام، ولا يمد مدا، لا أعلم في ذلك خلافا بين العلماء اهـ وحذفه تخفيفه، واختصاره، أي عدم تطويله ومده، يقال حذف في قوله: أوجز واختصر. (¬3) أي لا يطول السلام ولا يمده إذا سلم على الناس. (¬4) فيسكن الهاء من لفظ الجلالة، قال النخعي: السلام جزم. (¬5) لتكون النية شاملة لطرفي الصلاة، وينوي به السلام على الحفظة وعلى الحاضرين، لحديث سمرة: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسلم على أئمتنا وأن يسلم بعضنا على بعض، رواه أحمد وأبو داود والحاكم، وإسناده ثقات، والبزار وزاد، في الصلاة قال الحافظ: وإسناده حسن، وقال النووي: السلام على الملائكة والمقربين، ومن تبعهم من المسلمين، اعتضدت طرقه، فصار حسنا أو صحيحا، وعند مالك يجب نية الخروج منها، واختاره ابن حامد، وهو قول الشافعي وغيره. (¬6) لأنه عليه الصلاة والسلام كان يقوله، ولأنه سلام في صلاة ورد مقرونا بالرحمة، فلم يجزئه بدونها، كالسلام في التشهد، وأما صلاة الجنازة فيجزئه.

والأولى أن لا يزيد: وبركاته (¬1) (وإن كان) المصلي (في ثلاثية) كمغرب (أو رباعية) كظهر (نهض مكبرا بعد التشهد الأول) (¬2) ولا يرفع يديه (¬3) . ¬

_ (¬1) لعدم وروده في أكثر الأخبار، وإن زاد جاز، لما رواه أبو داود من حديث وائل، كان يسلم عن يمينه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله كذلك، ما لم يتخذ ذلك عادة فلا، لمخالفة السنة المستفيضة. (¬2) قائما على صدور قدميه، لأنه انتقال إلى قيام، فأشبه القيام من سجود الأولى، وثلاثية أي ثلاث ركعات أي المغرب، ورباعية أي أربع ركعات أي الظهر والعصر والعشاء، نسبة إلى رباع المعدول عن أربعة، كثلاث تقول في المذكر رباعي، وفي المؤنث رباعية. (¬3) حكاه بعضهم وفاقا، وعليه جماهير الأصحاب، وعنه يرفع يديه، قال الشيخ: مندوب إليه عند محققي العلماء العاملين بالسنة، وقد ثبت في الصحاح والسنن، ولا معارض لها ولا مقاوم، واختاره هو والمجد وصاحب الفائق وابن عبدوس، واستظهره في المبدع والفروع، وصوبه في الإنصاف، وهو أصح الروايتين عن أحمد، ومذهب أهل الحديث، لما في صحيح مسلم من حديث ابن عمر أنه كان يرفع يديه في هذا الموضع، وهي في بعض طرق البخاري أيضا، وجاء ذكرها مصرحا به في حديث أبي حميد الساعدي. قال: ثم إذا قام من الركعتين رفع يديه، حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع عند افتتاح الصلاة، رواه مسلم وابن أبي حاتم في صحيحه وغيرهما، وصححه الترمذي وغيره من حديث علي، وهو عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه، ولأبي داود نحوه بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عمر، وصححه البخاري في جزء رفع اليدين، وقال: ما زاده ابن عمر وعلي وأبو حميد في عشرة من الصحابة صحيح لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيها، وإنما زاد بعضهم على بعض والزيادة مقبولة من أهل العلم، وقال ابن بطال: هذه زيادة يجب قبولها اهـ وقد رواه جماعة من الصحابة بحضرة أصحابهم، وصدقوهم على ذلك، وثبت عن خلائق من السلف والخلف فتعين استحبابه.

(وصلى ما بقي (¬1) كـ) الركعة (الثانية بالحمد) أي الفاتحة (فقط) (¬2) ويسر بالقراءة (¬3) (ثم يجلس في تشهده الأخير متوركا) (¬4) يفرش رجله اليسرى (¬5) . ¬

_ (¬1) أي من صلاته، وهو ركعة من مغرب، ووتر، وركعتان من رباعية. (¬2) هذا قول أكثر أهل العلم، وقال ابن سيرين: لا أعلمهم يختلفون فيه اهـ ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في الركعتين الأخيرتين بعد الفاتحة شيئا، وحديث أبي قتادة المتفق عليه ظاهر في الاقتصار على الفاتحة في الركعتين الأخيرتين، وربما قرأ في الأخيرتين بشيء فوق الفاتحة لما رواه مسلم من حديث أبي سعيد وغيره، وهو قول للشافعي. (¬3) إجماعا، نقله الخلف عن السلف، وصرح في المبدع والإنصاف وغيرهما أنه لا يجهر في الثالثة والرابعة بلا خلاف. (¬4) بلا نزاع متفعلا من الورك، والورك ما فوق الفخذ، والتورك الإتكاء على إحدى وركيه، وهو في الصلاة القعود على الورك اليسرى. (¬5) بضم الراء على المشهور، وحكى القاضي كسرها ولم يحك الضم، ومعنى فرشها جعل ظهرها على الأرض، وعند الخرقي يجعل باطن اليسرى تحت فخذه اليمنى، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يفعله، رواه مسلم، واختاره المجد والقاضي، والشارح، وقال: أيهما فعل فحسن.

وينصب اليمنى، ويخرجهما عن يمينه، ويجعل أليتيه على الأرض (¬1) ثم يتشهد ويسلم (¬2) (والمرأة مثله) أي مثل الرجل في جميع ما تقدم (¬3) حتى رفع اليدين (¬4) (لكن تضم نفسها) في الركوع والسجود وغيرهما، فلا تتجافى (¬5) . ¬

_ (¬1) لقول أبي حميد: فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة. رواه أبو داود، وللبخاري عنه قال: وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وقعد على مقعدته، ونحوه عند مسلم من حديث أبي سعيد، وغيره، وهذا التورك جعل فرقا بين الجلوس في التشهد الأول الذي يسن تخفيفه، فيكون الجالس فيه متهيئا للقيام، وبين الجلوس في التشهد الثاني الذي يكون الجالس فيه على هيئة المستقر، وأيضا تكون هيئات الجلوسين فارقة بين التشهدين، مذكرة للمصلي حاله فيهما، وإن سجد لسهو بعد السلام في ثلاثية فأكثر تورك، قال في الإنصاف، بلا خلاف أعلمه، وفي ثنائية ووتر يفترش، والسنة في القدم اليمنى أن تكون منصوبة باتفاق أهل العلم، وتظاهرت به الأحاديث الصحيحة، وأليتيه بفتح اللام، وقال ابن السكيت وجماعة، لا تكسر الهمزة والتثنية أليان بحذف التاء على غير قياس، وبإثباتها في لغة، ولا يقال لية، والجمع أليات، مثل سجدة وسجدات. (¬2) وهو جالس بلا نزاع، كما تقدم. (¬3) من أركان وواجبات ومندوبات، قولية أو فعلية، لشمول الخطاب لها، سوى ما استثنى في حقها. (¬4) في مواضع. وقال المجد: ترفع قليلا، وهو أوسط الأقوال. (¬5) ندبا بل تجمع نفسها، وتنخفض وتلصق مرفقيها بجنبيها وبطنها بفخذيها، وغيرهما في جميع الصلاة، لأنه أستر لها، قال في الإنصاف: بلا نزاع والنفل كالفرض في الجلوس، وهو مذهب مالك والشافعي، والجمهور، ومثلها الخنثى احتياطا.

(وتسدل رجليها في جانب يمينها) إذا جلست (¬1) وهو أفضل (¬2) أو متربعة (¬3) ، وتسر بالقراءة وجوبا إن سمعها أجنبي (¬4) وخنثى كأنثى (¬5) ثم يسن أن يستغفر ثلاثا (¬6) . ¬

_ (¬1) أي تسدلهما في جميع الجلسات، لوجود المعنى الذي لأجله شرع الجلوس على هذه الكيفية، ولم يصرحوا بحكم جلوسها على غير هذه الكيفية، المشروعة في حقها، إلا ما يفهم بالكراهة في الفروع، حيث قال: ولا تجلس كالرجل، لكن قال البخاري: كانت أم الدرداء تجلس كالرجل وهي فقيهة. (¬2) أي من تربعها، قال في المبدع وغيره: لأنه فعل عائشة، وأشبه بجلسة الرجل، وأبلغ في الإكمال والضم، وأسهل عليها. (¬3) لأن ابن عمر كان يأمر النساء أن يتربعن في الصلاة، والتربع هو الجلوس المعروف، اسم فاعل من تربع، سمي بذلك لأنه قد ربع نفسه كما يربع الشيء، إذا جعل أربعا، والأربع هنا الساقان والفخذان، ربعها أي أدخل بعضها تحت بعض. (¬4) خشية الفتنة بها، ولأن صوت المرأة عورة، وقال الشيخ في المرأة، إذا صلت بالنساء جهرت بالقراءة وإلا فلا. (¬5) فيما تقدم احتياطا إن سمعها أجنبي، لاحتمال أن يكون امرأة. (¬6) فيقول: استغفر الله، ثلاث مرات، للخبر الآتي وغيره.

ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام (¬1) ويقول: سبحان الله، والحمد لله والله أكبر، معا ثلاثا وثلاثين (¬2) . ¬

_ (¬1) لما في الصحيح وغيره، كان إذا سلم استغفر ثلاثا، وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» ، وفي الصحيحين ثم يقول: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون» ، وهو في الصحيحين أيضا من حديث ابن الزبير، أنه كان يقوله، وفي الصحيح أنه كان يهلل بهن، وفي لفظ: حين يسلم، ولمسلم: بأعلى صوته، ففيه تقديمه يلي السلام، مقدما على غيره، وفي الصحيح: أن رفع الناس أصواتهم بالذكر بعد الصلاة كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الصحيحين أنه كان يقول: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» ، أي لا ينفع ذا الحظ منك حظه وغناه، إنما ينفعه العمل الصالح، وقال عليه الصلاة والسلام لمعاذ: لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك» . (¬2) أي يقولها جميعا ثلاثا وثلاثين مرة، لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وتمام المائة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» ، قال الشيخ: ويستحب الجهر بالتسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلاة وقال بعض السلف والخلف، ويعقده والاستغفار، بيده لحديث يسيره عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، واعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات مستنطقات رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وسواء ضبط عدده بأصابعه أو برءوسها أو بمفاصلها بأن يضع إبهامه في كل ذكر على مفصل، قال الشيخ: وعد التسبيح بالأصابع سنة وبالنوى والحصى ونحو ذلك حسن، وأما ما يجعل في نظام الخرز ونحوه فمن الناس من كرهه، ومنهم من لم يكرهه، وإذا حسنت فيه النية فهو حسن، وأما اتخاذه من غير حاجة أو إظهاره للناس، مثل تعليقه في العنق، أو جعله كالسوار في اليد، ونحو ذلك، فهذا إما رئاء الناس، أو مظنة المراءة ومشابهة المرائين من غير حاجة، الأول محرم، والثاني أقل أحواله الكراهة اهـ. وروى الخمسة وصححه الترمذي من حديث ابن غنم عن أبي ذر: «من قال بعد صلاة الصبح وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، عشر مرات كتب له كذا وكذا» ، الحديث ولأحمد والنسائي وغيرهما عن معاذ نحوه، وفيه «وصلاة المغرب والصبح» ، ولأحمد وغيره نحوه من حديث أم سلمة وأخرجه الرافعي بلفظ: «إذا صليتم صلاة الفرض فقولوا عقب كل صلاة عشر مرات» والحديث، وذكر بعضهم أنه لا خلفا في استحبابه بعد الصبح والمغرب، وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم، من حديث الحارث: «اللهم أجرني من النار» سبع مرات، ولأحمد وغيره عن أبي أمامة وغيره: يقرأ سرا بعد كل صلاة آية الكرسي وصححه في المختارة، وقال ابن القيم: له طرق تدل على أن له أصلا اهـ، ويقرأ سرا سورة الإخلاص والمعوذتين، لحديث عقبة رواه أحمد وأهل السنن.

يدعو بعد كل مكتوبة مخلصا في دعائه

ويدعو بعد كل مكتوبة، مخلصا في دعائه (¬1) . ¬

_ (¬1) لأن الدعاء عبادة، والإخلاص ركنها الأعظم قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ومجتنبا للحرام قال الشيخ: إذا لم يخلص الداعي في الدعاء، ولم يجتنب الحرام تبعد إجابته إلا مضطرا أو مظلوما ويكون بخوف وخشوع، وحضور قلب، وعزم ورغبة ورهبة، ورجاء، وينتظر الإجابة، ولا يعجل، والحاصل أنه يستحب للعبد إذا فرغ من صلاته واستغفر الله، وذكره وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقب الصلاة مما تقدم، ونحوه، أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو بما شاء، فإن الدعاء عقب هذه العبادة من أحرى أوقات الإجابة لا سيما بعد ذكر الله وحمده والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ومن أبلغ الأسباب لجلب المنافع ودفع المضار، وفي حديث فضالة: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بما شاء» ، صححه الترمذي، والذكر بعد الإنصراف هو كما قالت عائشة: مثل مسح المرأة بعد صقالها، فإن الصلاة نور، فهي تصقل القلب، كما تصقل المرأة ثم الذكر بعد ذلك بمنزلة مسح المرآة فقمن أن يستجاب للداعي حينئذ، وإن ارتاضت نفسه على الطاعة وانشرحت بها وتنعمت بها وبادرت إليها طواعية ومحبة كان أبلغ فإنه أفضل ممن يجاهدها على الطاعة ويكرهها عليها، وينبغي أن يخفيه، فإن في إخفاء الدعاء فوائد، منها أنه أعظم إيمانا، وأعظم في الأدب والتعظيم، وأبلغ في التضرع والخشوع، والإخلاص وجمعية القلب على الله، وأنه دال على قرب صاحبه من الله، وأدعى إلى دوام الطلب والسؤال، وأبعد عن القواطع والمشوشات، وغير ذلك من الفوائد، وأما إظهاره والاجتماع عليه فلم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا صلى بالناس يدعو بعد الخروج من الصلاة هو والمأمومون جميعا، لا في الفجر ولا في العصر ولا غيرهما من الصلوات، ولا استحب ذلك أحد من الأئمة قال الشيخ: ومن نقل عن الشافعي أنه استحب ذلك فقد غلط عليه، ويستحب جلوسه بعد فجر وعصر إلى طلوعها، وغروبها، نص عليه، واقتصر بعضهم على الفجر لفعله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم.

............................................................

فصل فيما يكره في الصلاة ويباح ويستحب

فصل (¬1) (ويكره في الصلاة التفاته) لقوله عليه السلام «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» ورواه البخاري (¬2) وإن كان لخوف ونحوه لم يكره (¬3) . ¬

_ (¬1) أي هذا فصل فيما يكره في الصلاة، وما يباح ويستحب، وما يتعلق بذلك، والفصل لغة الحاجز بين الشيئين واصطلاحا هو الحاجز بين أجناس مسائل العلوم وأنواعها، وتقدم أنها إنما فصلت وبوبت تنشيطا لقارئها لأنه إذا ختم فصلا أو بابا وشرع في غيره كان أنشط له، وتسهيلا لمراجعة المسائل. (¬2) الاختلاس الاختطاف بسرعة على غفلة، ولأحمد وغيره عن أبي ذر مرفوعا «لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا صرف وجهه انصرف عنه» وللترمذي وصححه عن أنس قال: إياك والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هلكة، وغير ذلك من الأحاديث، ويكره بلا حاجة إجماعا، وذكر البزار عن أبي الدرداء، لا صلاة للملتفت وقال ابن عبد البر: جمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيرا، ويقال: إن الحكمة في جعل سجود السهو جابرا للمشكوك فيه دون الالتفات وغيره، مما ينقص الخشوع لأن السهو لا يؤاخذ به المكلف، فشرع له الجبر دون العمد، ليتيقظ العبد له فيجتنبه. (¬3) لحديث سهل قال: ثوب بالصلاة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، رواه أبو داود، والمراد الشعب الذي يجيء منه الطليعة، ولم يكن من فعله الراتب، وإنما فعله لعارض، وكذا قال ابن عباس: كان يلتفت يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره، رواه النسائي والترمذي بإسناد صحيح، ولمسلم صلينا وراءه وهو قاعد، فالتفت إلينا فرآنا قياما، فأشار إلينا، والتفت أبو بكر حين سبحوا به لمجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو الخوف غرض من الأغراض، أو حاجة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

وإن استدار بجملته (¬1) أو استدبر القبلة في غير شدة خوف، بطلت صلاته (¬2) (و) يكره (رفع بصره إلى السماء) إلا إذا تجشى فيرفع وجهه، لئلا يؤذي من حوله (¬3) لحديث أنس ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم (¬4) ، فاشتد قوله في ذلك، حتى قال: لينتهين أو لتخطفن أبصارهم. ¬

_ (¬1) أي بجميع بدنه، في غير شدة خوف بطلت صلاته، لا إن التفت بصدره ووجهه، فلا يصدق عليه أنه استدار بجملته، فلا تبطل، ما لم يتحول عن القبلة مع تحول قدميه. (¬2) إجماعا، أو استدبر بجملته فقط، لتركه الاستقبال بلا عذر، وقال في الإنصاف: إن استدار بجملته أو استدبرها فإن صلاته تبطل بلا نزاع، لا بصدره مع وجهه، ذكره ابن عقيل والشيخ وغيرهما، وفهم الصحابة إشارته ولا يمكن إلا مع الالتفات، وكانوا يعلمون قراءته باضطراب لحيته، ولم يأمرهم بالإعادة وأما في شدة الخوف فلا تبطل، لسقوط الاستقبال، لأن ذلك من ضروريات قتاله، ومثل ذلك من في الكعبة فإنها لا تبطل بلا نزاع، لأنه إذا استدبر جهة فقد استقبل الأخرى. (¬3) براحة الجشاء إذا كان في جماعة وفاقًا، والجشاء كغراب خروج صوت مع ريح يستفرغ من المعدة إلى طريق الفم، يحصل عند الشبع. (¬4) أي ما حالهم وشأنهم، ويعبر بالبال عن الحال الذي ينطوي عليه الإنسان وهو الخاطر والقلب.

رواه البخاري (¬1) (و) يكره أيضا (تغميض عينيه) لأنه فعل اليهود (¬2) (و) يكره أيضا (إقعاؤه) في الجلوس (¬3) وهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه (¬4) هكذا فسره الإمام (¬5) وهو قول أهل الحديث، واقتصر عليه في المغني والمقنع والفروع وغيرها (¬6) وعند العرب: الإقعاء جلوس الرجل على أليتيه، ناصبا قدميه، مثل إقعاء الكلب (¬7) . ¬

_ (¬1) ولمسلم نحوه من حديث أبي هريرة وجابر وفيه «أو لا ترجع إليهم» و (ينتهن) بضم الهاء، أي ليتركن رفع أبصارهم إلى السماء، أو لتسلبن بسرعة. (¬2) نص عليه، واحتج به الإمام أحمد، ولأنه مظنة النوم، لا إن احتاج إليه كخوف محذور، مثل رؤية من يحرم نظره إليه، وقال ابن القيم: ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تغميض عينيه، والصواب أن يقال: إن كان تفتيحها لا يخل بالخشوع فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه، فهناك لا يكره التغميض قطعا، والقول باستحبابه في هذه الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده، من القول بالكراهة. (¬3) وفاقا لما يأتي. (¬4) ومعنى الفرش هنا: جعل ظهرهما مما يلي الأرض، وعقبيه بكسر القاف تثنية عقب مؤخر القدم. (¬5) يعني: الإمام أحمد رحمه الله تعالى. (¬6) وتبعهم في الإقناع والمنتهى، وزاد: أو بينهما ناصبا قدميه. (¬7) ذكره أبو عبيد عن العرب، وقال غيره: ناصبا فخذيه، وقال ابن الأثير والطحاوي وغيرهما، الإقعاء: أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض، كما يقعي الكلب، وحكى هذه الصفة الجوهري عن العرب، قال في المغني: لا أعلم أحدا قال باستحباب هذه الصفة.

قال في شرح المنتهى (¬1) ، وكل من الجلستين مكروه، لقوله عليه السلام: «إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب» رواه ابن ماجه (¬2) ويكره أن يعتمد على يده أو غيرها وهو جالس (¬3) لقول ابن عمر: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده. رواه أحمد وغيره (¬4) وأن يستند إلى جدار ونحوه (¬5) . ¬

_ (¬1) يعني لمصنف المنتهى، وهو ابن النجار. (¬2) من حديث أنس، وتمامه «ضع أليتيك بين قدميك، وألزق ظهر قدميك بالأرض» ، وله عن علي مرفوعا، «لا تقع بين السجدتين» ولحديث: نهى عن الإقعاء في الصلاة، رواه البيهقي وغيره، وفي رواية: «نهى أن يقعي الرجل في الصلاة» ولأحمد «وإقعاء كإقعاء الكلب» ، والنهي عنه جاء في السنن وغيرها، ولأنه يتضمن ترك الافتراش المسنون قولا وفعلا، فكان مكروها، ولا تبطل به، وما رواه مسلم عن ابن عباس في الإقعاء على القدمين هو سنة، فقال البيهقي: هو أن يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض، ويضع أليتيه على عقبيه، ويضع ركبتيه على الأرض، يعني بين السجدتين، وهو غير ما تقدم عن أبي عبيد وغيره مما نهي عنه، وكذا نحوه إذا وضع أليتيه على الأرض، وركبتاه في الصورتين على الأرض. (¬3) من غير حاجة تدعو إليه. (¬4) فرواه أبو داود والحاكم والبيهقي وغيرهم، ومعناه أن يضع يده على الأرض ويتكئ عليها. (¬5) كعمود فيكره بلا حاجة وفاقا.

يكره افتراش ذراعيه وعبثه

لأنه يزيل مشقة القيام إلا من حاجة (¬1) فإن كان يسقط لو أزيل لم تصح (¬2) . (و) يكره (افتراشه ذراعية ساجدًا) بأن يمدهما على الأرض ملصقًا لهما بها (¬3) لقوله عليه السلام: «اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» متفق عليه من حديث أنس (¬4) . (و) يكره (عبثه) (¬5) لأنه عليه الصلاة والسلام رأى رجلا يعبث في صلاته فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» (¬6) . ¬

_ (¬1) كمرض ونحوه فلا يكره، لأنه عليه الصلاة والسلام لما أسن وأخذه اللحم اتخذ عمودا في مصلاه، يعتمد عليه، رواه أبو داود. (¬2) أي صلاته وفاقًا، لأنه بمنزلة غير القائم. (¬3) ولا يرفعهما عن الأرض كما يبسط الكلب والذئب ذراعيه، وفاقا، والافتراش افتعال منه، أي يبسطهما على الأرض كالفراش له. (¬4) ولقوله: «إذا سجد أحدكم فليعتدل، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب» ، صححه الترمذي من حديث جابر، ولأنها صفة الكسلان، والمتهاون، مع ما فيه من التشبه بالسباع. (¬5) وفاقًا، وعبث يعبث عبثا من باب تعب، أي لعب وعمل ما لا فائدة فيه، فهو عابث ضد خاشع، ولا فرق بين العبث بيد أو رجل أو لحية أو ثوب أو غير ذلك. (¬6) رواه الترمذي وغيره، والخشوع التطامن والذل، وهو قريب من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن، والخشوع في القلب، والبصر والصوت، ويكره تقليبه الحصا، ومسحه لحديث أبي ذر مرفوعًا: «إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصا، فإن الرحمة تواجهه» ، رواه أحمد وأهل السنن بإسناد جيد، وفي الصحيحين: «إن كنت فاعلا فواحدة» وفي السنن «واحدة أودع» ، والمعنى لا تمسح وإن مسحت فلا تزد على واحدة واتفق أهل العلم على كراهته إذا لم يكن عذر للأخبار، ولأنه يخالف التواضع والخشوع، والتقييد بالحصا والتراب خرج مخرج الغالب، فلا يدل على نفي غيره من الرمل والقذر وغيره، والأولى مسحه قبل الدخول في الصلاة لئلا يشغل باله وهو في الصلاة.

(و) يكره (تخصره) أو وضع يده على خاصرته (¬1) لنهيه عليه السلام أن يصلي الرجل متخصرا، متفق عليه من حديث أبي هريرة (¬2) (و) يكره (تروحه) بمروحة ونحوها (¬3) لأنه من العبث، إلا لحاجة، كغم شديد (¬4) . ¬

_ (¬1) وفاقًا، أي شاكلته، وهي ما فوق رأس الورك، جمعها خواصر، والخضر الوسط، وهو المستدق فوق الوركين، والجمع خصور، والخصر والخاصرة مترادفان ويقال: الخصران والخاصرتان. (¬2) بلفظ الخصر والتخصر والاختصار، مختصرا، قال هشام: يضع يده على خصره وهو يصلي، وعلل أنه فعل الكفار أو المتكبرين، لما صح أنه راحة أهل النار، فلا يليق في الصلاة ولأنه فعل اليهود، وقيل: إنه فعل الشيطان، فنهى عنه كراهة للتشبه باليهود أو الشيطان، ولأنه يمنع الخضوع والخشوع. (¬3) أي يكره أخذه الريح بمروحة بالكسر، الآلة يتروح بها على نفسه، حكاه ابن المنذر عن عطاء ومالك وغيرهما، وفي الفروع، وفاقًا، ونحوها الخرقة، وما يشبهها يتروح بها. (¬4) من حر فلا يكره للحاجة، ما لم يكثر من التروح فيبطل الصلاة إن تولى، وكذا كل فعل من غير جنس الصلاة إذا طال عرفًا أبطلها إجماعًا، كما سيأتي.

ومراوحته بين رجليه مستحبة (¬1) وتكره كثرته لأنه فعل اليهود (¬2) (وفرقعة أصابعه وتشبيكها) (¬3) لقوله عليه السلام: «لا تقعقع أصابعك وأنت في الصلاة» رواه ابن ماجه عن علي (¬4) وأخرج هو والترمذي عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد شبك أصابعه في الصلاة، ففرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه (¬5) . ¬

_ (¬1) ذكره صاحب الفروع وغيره رواية واحدة، وعن أبي عبيدة أن عبد الله رأى رجلا يصلي صافًّا بين قدميه، فقال: لو راوح هذا بين قدميه كان أفضل، رواه الأثرم، ورواه النسائي وفيه: قال أخطأ السنة، لو راوح بينهما كان أعجب إليّ، والمراوحة أن يعتمد على إحدى رجليه تارة، وعلى الأخرى تارة، إذا طال القيام وكذا تفرقته بينهما مستحبة، قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله يفرج بين قدميه، ورأيته يراوح بينهما، وأما تقديم إحدى رجليه فمكروه. (¬2) أي تكره كثرة المراوحة بين قدميه، لأنه يشبه تمايل اليهود، وفي الصحيح «إذا قام أحدكم في صلاته، فليسكن أطرافه، ولا يميل ميل اليهود» . (¬3) وفاقًا، والفرقعة غمزها حتى يسمع لمفاصلها صوت، وتشبيكها إدخال أصابع إحدى يديه بين أصابع الأخرى. (¬4) القعقعة كالفرقعة، فعل معروف في أصابع اليدين، وقد يفعل في أصابع الرجلين، قيل حكمة النهي أنه يجلب النوم، ونهى ابن عباس عن التفقيع في الصلاة، وهو فرقعة الأصابع، وغمز مفاصلها حتى تصوت. (¬5) وقال ابن عمر -في الذي يصلي وهو مشبك- تلك صلاة المغضوب عليهم رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما.

ويكره التمطي (¬1) وفتح فمه، ووضعه فيه شيئا (¬2) لا في يده (¬3) وأن يصلي وبين يديه ما يلهيه (¬4) أو صورة منصوبة، ولو صغيرة (¬5) أو نجاسة أو باب مفتوح (¬6) . ¬

_ (¬1) وهو التمغط وتمطى فلان تمدد وتبختر ومد يديه في المشي، لأنه يخرج عن هيئة الخشوع، ويؤذن بالكسل. (¬2) فيكره لأنه يذهب الخشوع، ويمنع كمال الحروف. (¬3) أي لا يكره وضع شيء في يده، نص عليه، ولا في كمه، إلا إذا شغله عن كمالها فيكره. (¬4) فيكره وفاقًا، لأنه يشغله عن إكمال صلاته، وفي الصحيحين، أنه صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلىأبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي» والخميصة كساء مربع له أعلام، والأنبجانية كساء غليظ. (¬5) فيكره وفاقا، ولو لم تبد للناظر، لما فيه من التشبه بعبادة الأصنام، وظاهره أنها لا تكره إذا لم تكن منصوبة، ولا إذا كانت خلفه في البيت، ولا فوق رأسه في سقف، ولا عن أحد جانبيه، ذكر نحوه في الفروع، وقال الشيخ: والمذهب الذي نص عليه عامة الأصحاب، كراهة دخول الكنيسة المصورة، فالصلاة فيها وفي كل مكان فيه تصاوير أشد كراهة، وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه ولا شك، وتقدم أنها لا تجوز الصلاة فيه ولا عليها. (¬6) أي فيكره إذا كانت بين يديه نجاسة، أو كان بين يديه باب مفتوح، قاله في المبدع وغيره، وتكره الكتابة في قبلته، أو تعليق شيء فيها، قال أحمد: كانوا يكرهون أن يجعلوا في القبلة شيئا حتى المصحف اهـ، ويكره التزويق فيها، وكل ما يشغل المصلي.

أو إلى نار من قنديل أو شمعة (¬1) والرمز بالعين، والإشارة لغير حاجة (¬2) وإخراج لسانه (¬3) وأن يصحب ما فيه صورة من فص أو نحوه (¬4) وصلاته إلى متحدث أو نائم (¬5) . ¬

_ (¬1) أو سراج أو نار من حطب ونحو ذلك فيكره، لأنه تشبه بالمجوس في عبادتهم النيران، والصلاة إليها تشبه الصلاة لها، وعبارة الإقناع، ونار ولو سراجا وقنديلا ونحوه، وعبارة التنقيح والمنتهى، ونار مطلقا، وهي أعم، والقنديل المصباح جمعة قناديل، والشمعة بالتحريك، وتسكن وقيل مولدة، ما يستصبح بها، أو موم العسل، وهو ما يجعل على الهيئة المعهودة فيستضاء به. (¬2) بيد ووجه وعين ونحوها فيكره، وفي الشرح: لا بأس بالإشارة بالعين واليد، لحديث جابر وغيره، وفي الترمذي وغيره وصححه: أنه عليه الصلاة والسلام كان يشير في الصلاة، وقال أحمد وغير واحد: إذا سلم على المصلي رد بالإشارة، ولا يجب عليه بالاتفاق، وفي قول عائشة له: سمعتك تنهى عن هاتين الصلاتين، وأراك تصليهما، فأشار بيده، وفيه أيضا جواز استماع المصلي إلى كلام غيره، وفهمه له، ولا يقدح ذلك في صلاته، كما حكاه الحافظ وغيره. (¬3) أي: إبرازه من فيه من غير حاجة، فيكره لما فيه من العبث. (¬4) فيكره كدينار ودرهم، وكثوب فيه صورة، فيكره وفاقًا، لتشبهه بعباد الأوثان. (¬5) فيكره لنهيه عليه الصلاة والسلام عن الصلاة إلى النائم والمتحدث، رواه أبو داود، ولأنه يشغله عن حضور قلبه فيها، وعنه لا يكره، ويأتي أن كان يصلي وعائشة في قبلته، متفق عليه، وحديث النهي ضعيف، قاله الخطابي وغيره، وكذا تكره صلاته إلى ميت، فهو أولى من النائم، وقيل: لا يكره استقبال ميت، قال شيخنا: كراهته تحتاج إلى دليل.

يكره دخوله في الصلاة حاقنا

أو كافر (¬1) أو وجه آدمي (¬2) أو إلى امرأة تصلي بين يديه (¬3) وإن غلبه تثاؤب كظم ندبًا (¬4) فإن لم يقدر وضع يده على فمه (¬5) (و) يكره (أن يكون حاقنًا) حال دخوله في الصلاة (¬6) . ¬

_ (¬1) وفاقًا للشافعي، لأنه نجس فتكره الصلاة إليه، قال الشارح: كرهها أحمد، لأنه نجس اهـ ونجاسته معنوية اعتقادية لا حسية بدنية، كما فسر به قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} ولو كانت عينية فلا كراهة، كالصلاة إلى البغل والحمار. (¬2) وفاقًا، وحكاه القاضي عياض عن عامة العلماء، وعزر عمر من صلى إلى وجه آدمي، لا إلى ظهره، فإن عمر وغيره يصلي إلى ظهر القاعد، وكالصف الثاني، ولا إلى حيوان غير الآدمي، لأنه عليه الصلاة والسلام يعرض راحلته ويصلي إليها، ولو كان نجس العين كالبغل والحمار. (¬3) لأمره عليه الصلاة والسلام بتأخيرهن، ويأتي وإلا تكن تصلي بين يديه فلا يكره، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي وعائشة في قبلته. (¬4) لحديث «إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع» ، متفق عليه ولمسلم «وليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخله» ، وفي الحديث «إن الشيطان لا يفتح غلقًا» ، وليس من منافذ الجسم ما ليس عليه غلق، سوى الأنف والأذنين، ولذلك كان الشيطان يبيت على الخيشوم، ويبول في الأذنين، لأنها منافذ يتوصل إلى القلب منها، والتثاؤب ينشأ من امتلاء المعدة، وثقل البدن، وأجمعوا على كراهته، حكاه الوزير وغيره، و (كظم) أي أمسك، ومنع فاه عن الانفتاح. (¬5) لقوله: «فليضع يده على فيه» ، رواه الترمذي، فيضع ظهر كفيه اليسرى، ليشبه الدافع له، وقد تقدم أن اليسرى لما خبث. (¬6) إجماعًا للنهي عن ذلك.

والحاقن هو المحتبس بوله (¬1) وكذا كل ما يمنع كمالها كاحتباس غائط أو ريح (¬2) وحر وبرد (¬3) وجوع وعطش مفرط (¬4) لأنه يمنع الخشوع (¬5) وسواء خاف فوت الجماعة أو لا (¬6) . ¬

_ (¬1) كثيرًا بالنون، وحقن الرجل بوله حبسه، وجمعه، فهو حاقن. (¬2) وهو الحاقب والحازق مدافع الريح، فليبدأ بالخلاء، ليزيل ما يدافع من بول أو غائط أو ريح، ولو فاتتة الجماعة، ومن أهل العلم من قال بعدم صحتها، والأكثر أنها ناقصة، وقال الشيخ: إذا كان على وضوء وهو حاقن، يحدث ثم يتيمم، إذ الصلاة بالتيمم وهو غير حاقن أفضل من صلاه بالوضوء وهو حاقن، وقال: صلاته مع الاحتقان مكروهة، وفي صحتها روايتان، وصلاة المتيمم صحيحة لا كراهة فيها بالاتفاق. (¬3) أي شديد، لأن ذلك يقلقه، ويشغله عن حضور قلبه في الصلاة، ويستعمل ما يبرده، ويستدفئ ليدفع ألم ذلك، وتكره في مكان شديد الحر أو شديد البرد، لأنه يذهب الخشوع. (¬4) بغير خلاف، ونحو ذلك مما يزعجه ويشغله. (¬5) الذي هو لب الصلاة وروحها، والخشوع الإخبات، وهو معنى يقوم بالنفس يظهر منه سكون الأطراف، لقوله عليه الصلاة والسلام في العابث بلحيته «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» ، قال ابن القيم: والخشوع قيام العبد بين يدي الرب بالخضوع والذل، والجمعية عليه، وفي الأثر «إذا صلى يتضرع ويتخشع ويتمسكن، وإلا فهي خداج» ، وفي الأثر «أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع» . (¬6) أي يكره أن يدخل فيها على تلك الحال، سواء خاف فوات الجماعة باشتغاله بذلك، أو لم يخف، وتصح صلاته مع الكراهة بالاتفاق.

لقوله عليه السلام: «لا صلاة بحضرة طعام، ولاو هو يدافعه الأخبثان» رواه مسلم عن عائشة (¬1) (أو بحضرة طعام يشتهيه) (¬2) فتكره صلاته إذًا لما تقدم (¬3) . ¬

_ (¬1) ولقوله «لا يصل أحدكم وهو حاقن» ، وفي رواية «وهو حقن حتى يتخفف» رواه الحاكم والبيهقي وغيرهما، وألحق بذلك ما في معناه مما ذكر ونحوه، وليس من تقديم حق النفس على حق الرب تعالى، وإنما هو صيانة لحق الله سبحانه، ليدخل العبد في العبادة بقلب مقبل على ربه. (¬2) أي بمشهد منه، وعبارة الإقناع والمنتهى والفروع وغيرها: أو تائقا إلى طعام أو شراب قال منصور: وظاهره سواء كان الطعام بحضرته أو لا، وعبارة المقنع وغيره، أو بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، وهو ظاهر الأخبار، وكذا إذا كان تائقا إلى شراب أو جماع، فيبدأ بما تاق إليه ولو فاتته الجماعة، وفي صحيح البخاري وغيره: «إذا قدم العشاء فابدءوا بالعشاء قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم» ولهما: «إذا وضع العشاء وحضرت الصلاة فابدءوا به، فيكره ابتداؤها وهو تائق إلى طعام اتفاقا، قال ابن القيم: عشر يؤذي انحباسها ومدافعتها الدم إذا هاج، والمني إذا اجتمع، والبول والغائط والريح والقيء والعطاس والنوم والجوع والعطش، وكل واحد يوجب حبسه داء من الأدواء بحسبه، وظاهر عباراتهم أنه إذا لم تتق نفسه إليه أنه يبدأ بالصلاة من غير كراهة، وكذا إن لم يحضر الطعام، لأنه لا تتوق نفسه إليه كما تتوق إلى المحضر. (¬3) من الدليل والتعليل، وفي الصحيح: كان ابن عمر يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه يسمع قراءة الإمام.

ولو خاف فوت الجماعة (¬1) وإن ضاق الوقت عن فعل جميعها وجبت في جميع الأحوال (¬2) وحرم اشتغاله بغيرها (¬3) ويكره أن يخص جبهته بما يسجد عليه، لأنه من شعار الرافضة (¬4) . ¬

_ (¬1) للأخبار وفي الصحيح عن أبي الدرداء «من فقه الرجل إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ» ، وفي الحديث: «ولا يعجل حتى يفرغ منه» ، وفيه دليل على أنه يأكل حاجته من الطعام بكمال، وصوبه غير واحد، ووضع الطعام بين يدي الآكل فيه زيادة تشوف، وكلما تأخر تناوله ازداد، بخلاف باقي الأمور فلا يلحق بحكم الطعام كل أمر يكون للنفس تشوف إليه، إذ لو كان كذلك لم يبق للصلاة وقت في الغالب، وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. (¬2) أي سواء كان حاقنا أو حاقبا، أو بحضرة طعام يشتهيه ونحو ذلك، ولا يكره ابتداء الصلاة كذلك. (¬3) لتعين الوقت لها. (¬4) أو من جُل شعارها، أي: من علاماتهم التي يتميزون بها، فإنهم يأخذون قطعة من طين من أرض مشهد الحسين يتبركون بها، ويسجدون عليها، فيكره أن يخص جبهته بنحو ذلك، لما فيه من التشبه بأهل الباطل، والرافضة فرقة من الشيعة بايعوا زيد بن علي بن الحسين، ثم قالوا له: تبرأ من أبي بكر وعمر، فأبي وقال: كانا ويري جدي صلى الله عليه وسلم فلا أبرأ منهما، فتركوه ورفضوه، فسموا رافضة، والنسبة رافضي، وتولى زيدا قوم منهم فسموا زيدية، ومن ذلك افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية.

ومسح أثر سجوده في الصلاة (¬1) ومس لحيته (¬2) وعقص شعره (¬3) وكف ثوبه ونحوه (¬4) ولو فعلهما لعمل قبل صلاته (¬5) ونهى الإمام رجلا كان إذا سجد جمع ثوبه بيده اليسرى (¬6) . ¬

_ (¬1) أي يكره باتفاق السلف، لحديث أبي هريرة مرفوعا، «من الجفاء أن يكثر الرجل مسح جبهته، قبل الفراغ من صلاته» رواه ابن ماجه وفي البزار وغيره من حديث ابن بريدة عن أبيه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من الجفاء أن يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته» في الصحيح، عن أبي سعيد أنه رأى أثر الطين على جبهته وأنفه قال الحميدي: يحتج به أن لا تمسح الجبهة في الصلاة، بل بعدها، قال الشيخ: وكره أحمد وغيره مسح الجبهة في الصلاة من التراب ونحوه الذي يعلق به في السجود، وتنازعوا في مسحه بعدها كالمنديل، وفي الفروع: لا يكره وفاقًا. (¬2) وفاقًا: لأنه من العبث، وقال عليه الصلاة والسلام في العابث بلحيته: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» . (¬3) وفاقًا: أي: ليّه وإدخال أطراف في أصوله، وهو أيضا جمع الشعر على الرأس، وشده بشيء حتى لا ينحل، ورأى ابن عباس رجلا يصلي ورأسه معقوص من ورائه، فقام فجعل يحله، فلما انصرف قال: ما لك ولرأسي؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف» رواه مسلم وغيره، وقال الترمذي: كرهوا أن يصلي الرجل وهو معقوص شعره. (¬4) كتشمير كمه وفاقًا، لحديث: «ولا أكف ثوبا ولا شعرا ما لم يخش بدو عورته» . (¬5) أي: عقص الشعر، وكف الثوب ونحوه كره، وتقدم قول أهل العلم في ذلك. (¬6) ونقل عبد الله: لا ينبغي أن يجمع ثيابه واحتج بالخبر.

ونقل ابن القاسم: يكره أن يشمر ثيابه (¬1) لقوله عليه السلام: «ترب ترب» (¬2) (و) يكره (تكرار الفاتحة) لأنه لم ينقل (¬3) و (لا) يكره (جمع سور في) صلاة (فرض كنفل) (¬4) لما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعة من قيامه بالبقرة وآل عمران والنساء (¬5) . ¬

_ (¬1) أي: أن يرفعها عن ساقيه، وابن القاسم هو أحمد بن القاسم، صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام، حدث عنه، وعن الإمام أحمد كثيرا. (¬2) وروى نحوه الترمذي والنسائي وغيرهما، ولأحمد «ترب وجهك لله تعالى» ولها شواهد، قال الحافظ بأسانيد ضعيفة، وذكر بعضهم حكمة النهي أنها تسجد معه، وقال بعضهم: الحكمة الشاملة أنه إذا رفع ثوبه عن مباشرة الأرض أشبه المتكبر. (¬3) وخروجًا من خلاف من أبطلها به، لأنها ركن ما لم يكن لتوهم خلل في المرة الأولى فلا يكره، والفرق بين الركن القولي والفعلي أن تكرار القولي لا يخل بهيئة الصلاة. (¬4) أي كما لا يكره جمع سور في نفل إجماعًا، وكان عثمان يختم القرآن في ركعة، وقال أحمد: ختمت القرآن في ركعتين، فكذا في الفرض لعدم الفارق. (¬5) وفيه أن رجلا من الأنصار كان يؤمهم فكان يقرأ قبل كل سورة (قل هو الله أحد) ثم يقرأ سورة أخرى معها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما يحملك على لزوم هذه السورة؟» فقال: إني أحبها، فقال: «حبك إياها أدخلك الجنة» ، وفي الصحيحين عن ابن مسعود لقد عرفت النظائر التي كان يقرن بينهن فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في كل ركعة، وفي الموطأ أن ابن عمر كان يقرأ في المكتوبة بسورتين في ركعة، وكما لا يكره تكرار سورة في ركعتين وتفريقها فيهما نص عليه.

حكم رد المار بين يدي المصلي

(و) يسن (له) أي: للمصلي (رد المار بين يديه) (¬1) لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدعن أحدًا يمر بين يديه فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين» رواه مسلم عن ابن عمر (¬2) وسواء كان المار آدميًّا أو غيره (¬3) والصلاة فرضا أو نفلا (¬4) بين يديه سترة فمر دونها (¬5) . ¬

_ (¬1) صرف الشارح معنى العبارة من الإباحة إلى السنة لثبوتها برده وعنه يجب عليه رده لظاهر الأخبار. (¬2) وله عن أبي سعيد مرفوعا: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه، وليدرأ ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان» ولهما «فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع في نحره» الحديث ولحديث أم سلمة: وكان يصلي في حجرتها فمر بين يديه عبد الله فقال بيده فرجع، فمرت زينب فقال بيده هكذا فمضت فلما صلى قال: «هن أغلب» رواه ابن ماجه، وأكثر الروايات عن أحمد وغيره أن على المصلي أن يجتهد في رده، ما لم يخرجه ذلك إلى إفساد صلاته بكثرة العمل فيها، قال القاضي عياض وغيره، أجمعوا على أنه لا يجوز له المشي كثيرا ليدفعوا ولا العمل الكثير في مدافعته، لأن ذلك أشد في الصلاة من المرور. (¬3) ظاهره ولو صغيرًا، للعموم، وكان يصلي عليه الصلاة والسلام فمرت شاة بين يديه فساعاها إلى القبلة، حتى ألصق بطنه بالقبلة، رواه ابن خزيمة وابن حبان والطبرانين وصححه في الفروع والمختارة وفي البخاري نحوه. (¬4) لعموم الأخبار فيسن رد المار بين يديه فيهما. (¬5) أي بينه وبين السترة فيسن رده، لفعله صلى الله عليه وسلم وأمره.

أو لم تكن فمر قريبا منه (¬1) ومحل ذلك ما لم يغلبه (¬2) أو يكن المار محتاجا للمرور (¬3) أو بمكة (¬4) ويحرم المرور بين المصلي وسترته ولو بعيدة (¬5) وإن لم يكن سترة ففي ثلاثة أذرع فأقل (¬6) . ¬

_ (¬1) أي من المصلي، وقدر بنحو ثلاثة أذرع فأقل فيسن رده قال عثمان: محله إذا كان قريبا منه، بأن لا يكون بين المار وقدمي المصلي ثلاثة أذرع، كما يعلم من الإقناع وشرحه. (¬2) يعني المار، لما تقدم في بنت أم سلمة وغيره، فإن غلبة لم يرده وفاقًا. (¬3) لضيق الطريق ونحوه، فلا يرده، وتكره في موضع يحتاج فيه إلى المرور، وفي المستوعب، إن احتاج إلى المرور ألقى شيئا ثم مر. (¬4) أي: أو يكن المار مجتازًا بين يدي المصلي بمكة، نص عليه، لأنه صلى الله عليه وسلم صلى بمكة والناس يمرون بين يديه، وليس دونهم سترة، رواه الخمسة، والحرم كمكة، قاله في المغني، وفي الصحيحين أنه صلى بمزدلفة إلى غير سترة. (¬5) لحديث أبي جهيم مرفوعا «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه» ، متفق عليه ولمسلم «لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي» . (¬6) أي فيحرم المرور في ثلاثة أذرع من قدم المصلي فأقل وحكى ابن جزم الاتفاق على إثمه، وقيل: أبعد من موضع السجود، وأما البعيد فلا يتعلق به حكم وقال الموفق: لا أعلم أحدا حد البعيد في ذلك، ولا القريب، وقال: الصحيح تحديد ذلك بما إذا مشى إليه المصلي، ودفع المار بين يديه، للأمر به فتقيد بدلالة الإجماع بما يقرب منه.

فإن أبى المار الرجوع دفعه المصلي (¬1) فإن أصر فله قتاله ولو مشى (¬2) فإن خاف فسادها لم يكرر دفعه ويضمنه (¬3) وللمصلي دفع العدو من سيل وسبع (¬4) أو سقوط جدار ونحوه (¬5) وإن كثر لم تبطل في الأشهر قاله في المبدع (¬6) وله عد الآي والتسبيح (¬7) . ¬

_ (¬1) لحديث «فليدرأ ما استطاع» رواه أبو داود ولغيره من الأحاديث. (¬2) له قليلا لقوله «فليدفعه فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان» متفق عليه، ولا تفسد صلاته، لكن لا بسيف، ولا بما يهلكه، بل بالدفع باليد واللكز فإن مات بذلك فدمه هدر قاله الشيخ. (¬3) إن كرر الدفع، لعدم الإذن فيه والحالة هذه، وتقدم أنها تكره في موضع يحتاج فيه إلى المرور، وتنقص صلاة من لم يرد مارًّا بين يديه وهو قادر على رده. (¬4) ونار وحية، وصائل عليه من حيوان وغيره، ويأتي الأمر بقتل الحية والعقرب. (¬5) كسقف وعريش وغير ذلك. (¬6) وفي الإنصاف وغيره: إن كان ثم ضرورة لم تبطل. (¬7) بأصابعه، وتوقف أحمد في عدد التسبيح، لأنه يتوالى لقصره، فيتوالى حسابه فيكثر العمل، بخلاف عد الآي، فهو منقول عن السلف، قال ابن عقيل: لا يكره وجها واحدا، وصححه ابن نصر الله وغيره، وكرهه أبو حنيفة والشافعي، لأنه يشغل عن خشوع الصلاة، قال ابن نصر الله، ومراد الأصحاب أن يعد ذلك بقلبه، ويضبط عدده في ضميره، من غير أن يتلفظ به فإنه متى تلفظ به، فبان حرفان بطلت.

وتكبيرات العيد بأصابعه (¬1) لما روى محمد بن خلف عن أنس رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعقد الآي بأصابعه (¬2) (و) للمأموم (الفتح على إمامه) (¬3) إذا ارتج عليه أو غلط (¬4) لما روى أبو داود عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة فلبس عليه (¬5) فلما انصرف، قال لأبي أصليت معنا؟ قال: نعم، قال: فما منعك؟ (¬6) . ¬

_ (¬1) أي فيباح له عدها بأصابعها، وكذا صلاة الاستسقاء. (¬2) ورواه البيهقي وغيره موقوفًا عن أبي عبد الرحمن وإبراهيم وعروة، وروي عد الآي مرفوعًا عن ابن عمر، ومحمد بن خلف هو شهاب الدين ابن راجح المقدسي الحنبلي، أخذ عن ابن المنا وغيره، وكان من أقران الموقف وعبد الغني وأبي عمر، توفي سنة ستمائة وثماني عشرةِ. (¬3) أي تلقينه وفتح القراءة عليه. (¬4) أي: وللمأموم إذا استثقلت القراءة على الإمام أن يسمعه القراءة على الصواب ليذكرها وفاقًا، وأرتج عليه أي التبس يقال: ارتج على القارئ إذا لم يقدر على القراءة كأنه منع منها، من أرتجت الباب، أغلقته إغلاقا وثيقا، وهو مبني للمفعول مخفف أو غلط أي أخطأ وجه الصواب. (¬5) قال ابن رسلان: بفتح اللام والباء الموحدة المخففة، أي التبس واختلط عليه، وفي بعض النسخ بضم اللام وتشديد الموحدة المكسورة وقال المنذري: بضم اللام وتخفيف الموحدة. (¬6) أي أن تنبه علينا، وكالتنبيه بالتسبيح وفي رواية «فهلا ذكرتنيها» ولابن حبان: فالتبس عليه، وقال: «ما منعك أن تفتحها علي؟» .

قال الخطابي: إسناده جيد (¬1) ويجب في الفاتحة كنسيان سجدة (¬2) ولا تبطل به، ولو بعد أخذه في قراءة غيرها (¬3) ولا يفتح على غير إمامه (¬4) لأن ذلك يشغله عن صلاته (¬5) فإن فعل لم تبطل، قاله في الشرح (¬6) (و) له (لبس الثوب و) لف (العمامة) (¬7) . ¬

_ (¬1) وأخرجه الحاكم وابن حبان، وصححه النووي وغيره، ولأحمد نحوه، ولأبي داود وغيره بإسناد جيد من حديث المسور أنه صلى الله عليه وسلم ترك شيئًا فقال له رجل: يا رسول الله، إنه كذا وكذا، فقال: «هلا ذكرتنيها؟» وصح عن علي أنه قال: إذا استطعمك الإمام فأطعمه، وروي مرفوعا، وللحاكم وغيره من طرق عن أنس: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقن بعضهم بعضًا في الصلاة، وهو مذهب جماهير العلماء، وعليه العمل من غير نكير، فكان إجماعا. (¬2) أي: يجب الفتح على إمامه إذا ارتج عليه أو غلط في الفاتحة، لتوقف صحة صلاته على ذلك، كما يجب تنبيهه عند نسيان سجدة ونحوها من الأركان ولا يجب في غير الفاتحة، قال في الإنصاف: بغير خلاف أعلمه، وإن عجز عن إتمام الفاتحة لم تصح صلاته، صححه الموفق وغيره، لقدرته على الصلاة بها. (¬3) لأنهم ذكروا الفتح من غير بطلان. (¬4) مصليًّا كان أو غيره. (¬5) فكره له، وللاختلاف في بطلانها به، قال أحمد: يكره أن يفتح من هو في الصلاة على من هو في صلاة أخرى، أو على من ليس في صلاة. (¬6) ولأنه قول مشروع فيها، ولكنه يكره لعدم الحاجة إليه، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إن في الصلاة لشغلا» ، وعنه تبطل به، وهو مذهب أبي حنيفة، فتأكد كراهته. (¬7) وحمل شيء ووضعه، ويكره حمل مشغل عنها.

ما يجوز قتله وهو يصلي

لأنه عليه الصلاة والسلام التحف بإزاره وهو في الصلاة (¬1) وحمل أمامة (¬2) وفتح الباب لعائشة (¬3) وإن سقط رداءه فله رفعه (¬4) (و) له (قتل حية وعقرب وقمل) وبراغيث ونحوها، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأسودين في الصلاة الحية والعقرب، رواه أبو داود والترمذي وصححه (¬5) . ¬

_ (¬1) رواه مسلم من حديث وائل: «أنه كبر ثم التحف بإزاره» . (¬2) بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي العاص بن الربيع، تزوجها علي بعد فاطمة، فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها، متفق عليه، وفي رواية أنه الحسن أو الحسين، وفي حمله لها فوائد، منها أن العمل المتفرق في الصلاة لا يبطلها إذا كان للحاجة، ومنها الرحمة للأطفال، ومنها التواضع ومكارم الأخلاق، ومنها أن مس الصغيرة لا ينقض الوضوء. (¬3) وصلى على المنبر وتكرر صعوده ونزوله متفق عليه، وعرض له الشيطان فذعته، قال النضر: خنقه، وقال: «لقد هممت أن أوثقه إلى سارية» الحديث متفق عليه، ولأنه عمل يسير فأبيح له. (¬4) لحديث وائل المتقدم أنه صلى الله عليه وسلم التحف بإزاره وهو في الصلاة وغيره. (¬5) قال أحمد وغيره: يجوز له أن يذهب إلى النعل فيأخذ ويقتل به الحية والعقرب ثم يعيده إلى مكانه، وكذا سائر ما يحتاج إليه المصلي من الأفعال، وكان أبو برزة يصلي ومعه فرسه، كلما خطا يخطو معه خشية أن ينفلت قال أحمد: إن فعل كما فعل أبو برزة فلا بأس، وقال الخطابي: رخص أهل العلم في قتل الأسودين في الصلاة إلا النخعي، والسنة أولى ما اتبع، وفي الإنصاف: له قتل الحية والعقرب بلا خلاف أعلمه، وحكى في كتاب رحمة الأمة الإجماع عليه، وفي معنى الحية كل مضر مباح قتله، ومنه القمل، فإن عمر وأنسا والحسن كانوا يقتلونه وهو الصحيح من المذهب، ولأن في تركه أذى له إن تركه على جسده، ولغيره إن ألقاه، وهو عمل يسير، وقال القاضي: التغافل عنه أولى، والحية تكون للذكر والأنثى، والعقرب واحدة العقارب، وكذا القملة واحدة القمل، وكلها معروفة.

(فإن أطال) أي أكثر المصلي (الفعل عرفا (¬1) من غير ضرورة و) كان متواليا بـ (لا تفريق بطلت) الصلاة (¬2) (ولو) كان الفعل (سهوا) إذا كان من غير جنس الصلاة، لأنه يقطع الموالاة، ويمنع متابعة الأركان (¬3) فإن كان لضرورة لم يقطعها كالخائف (¬4) وكذا إن تفرق ولو طال المجموع (¬5) . ¬

_ (¬1) وكان في نفس الصلاة من غير جنسها. (¬2) إجماعًا قاله في المبدع وغيره، والضرورة كحالة خوف وهرب من عدو، وحكة لا يصبر عنها، لم تبطل، والتوالي هو الذي لا تفريق فيه، فلو فرق بين العمل لم تبطل، إذا كان يسيرًا، بدليل حمل النبي صلى الله عليه وسلم أمامة ووضعها في كل ركعة، وغير ذلك، فإن لم تكن ضرورة واحتاج إلى العمل متواليًا قطع الصلاة وفعل، ثم استأنفها. (¬3) ويذهب الخشوع فيها، ويغلب على الظن أنه ليس فيها، وكل ذلك مناف لها، أشبه ما لو قطعها. (¬4) من عدو وسبع ونار ونحو ذلك. (¬5) لم يقطعها لما تقدم من فعله صلى الله عليه وسلم.

واليسير ما يشبه فعله صلى الله عليه وسلم من حمل أمامة، وصعود المنبر، ونزله عنه، لما صلى عليه، وفتح الباب لعائشة، وتأخره في صلاة الكسوف ثم عوده، ونحو ذلك (¬1) وإشارة الأخرس ولو مفهومة كفعله (¬2) ولا تبطل بعمل قلب (¬3) . ¬

_ (¬1) كرد المار، وقتل الحية والعقرب، والأخذ بالأذن، والغمز والإشارة، وعقد التسبيح، وغير ذلك، واتفق الأئمة على أنه لا بأس بالعمل اليسير للحاجة فإن احتاج إلى فعل كثير، قطع الصلاة وفعله، قال أحمد: إذا رأى صبيين يتخوف أن يلقى أحدهما صاحبه في البئر، فإنه يذهب إليهما فيخلصهما ويعود في صلاته، وقال: إذا لزم رجل رجلا فدخلا المسجد وقد أقيمت الصلاة فإذا سجد الإمام خرج الملزوم فإن للذي كان لزمه أن يخرج في طلبه، يعني ويبتدئ الصلاة، وكذا إن هرب غريمه ونحوه. (¬2) فتبطل إذا كثرت عرفًا وتوالت، لا كقوله. (¬3) ولو طال، لعموم البلوى، ولم يؤمر بالإعادة، وقد دلت النصوص على أن الأجر والثواب مشروط بحضور القلب، ولم تدل على وجوب الإعادة، وحضور القلب فراغه عن غير ما هو ملابس له، وهو هنا العلم بالعمل بالفعل والقول الصادرين عن المصلي، وإذا دفع الخواطر ولم يسترسل معها لم تضره، قال النووي: ولو عرض له حديث فأعرض عنه بمجرد عروضه عفي عن ذلك، وحصلت له هذه الفضيلة، يعني قوله: «لا يحدث فيهما نفسه» ، لأن هذا ليس من فعله، وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر، وعلى العبد الاجتهاد في دفع ما يشتغل القلب من تفكر فيما لا يعنيه، ودفع الجواذب التي تجذب القلب عن مقصود الصلاة، ولا نزاع في كراهة التفكير بدنيوي، وكل ما كان مشغلا، ولا ريب أن العبد كلما أراد توجها إلى الله بقلبه جاء من الوسواس أمور أخرى فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد أن يسير إلى الله أراد الشيطان قطع الطريق عليه، فعلى العبد الاجتهاد في أن يعقل ما يقوله ويفعله، ويتدبر القرآن والذكر والدعاء، ويستحضر أنه مناجٍ لله كأنه يراه.

وإطالة نظر في كتاب ونحوه (¬1) (وتباح) في الصلاة فرضًا كانت أو نفلا (قراءة أواخر السور وأوساطها) (¬2) لما روى أحمد ومسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الأولى من ركعتي الفجر قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الآية (¬3) وفي الثانية الآية في آل عمران {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ} الآية (¬4) . ¬

_ (¬1) ككتابة في جدار ونحوه لم تبطل إجماعًا، وكره إجماعا يعني النظر إلى ما يلهيه، حتى إذا قرأ ما فيه بقلبه ولم ينطق بلسانه مع كراهته لم تبطل، ولا تبطل إن قرأ من المصحف، سواء كان يحفظه أو لا وفاقا. ولا أثر لعمل غيره، وكمن مص ولدها ثديها، لعدم المنافي. (¬2) كأوائلها، قال أحمد: المنقول عنه صلى الله عليه وسلم قراءة السورة أو بعضها من أولها. (¬3) يعني إلى آخر الآية وهو قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} من سورة البقرة. (¬4) ولعموم قوله {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} ولما رواه أبو داود وغيره عن أبي سعيد، أمرنا أن نقرأ بالفاتحة وما تيسر، وروي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ في الآخرة من صلاة الصبح آخر آل عمران: وأخر الفرقان، قال الشيخ: لم يكن غالبا عليهم، وأعدل الأقوال قول من قال: يكره اعتياد ذلك دون فعله أحيانًا، لئلا يخرج عما مضت به السنة، وعادة السلف من الصحابة والتابعين.

إذا نابه شيء في صلاته سبح رجل وصفقت امرأة

(وإذا نابه) أي عرض للمصلي (شيء) أي أمر (¬1) كاستئذان عليه، وسهو إمامه (¬2) (سبح رجل) (¬3) ولا تبطل إن كثر (¬4) (وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى) (¬5) وتبطل إن كثر (¬6) لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا نابكم شيء في صلاتكم فلتسبح الرجال، ولتصفق النساء» متفق عليه من حديث سهل بن سعد (¬7) . ¬

_ (¬1) أي أصابه أمر في صلاته. (¬2) عن واجب أو بفعل في غير محله، وكخوفه على إنسان الوقوع في شيء أو أن يتلف شيئا، وكتنبيه المار من يريد منه أمرا، وهو لا يدري أنه يصلي فينبهه على أنه يصلي. (¬3) بلا نزاع بإمام وجوبًا، وبمستأذن استحبابًا. (¬4) أي لاتبطل بالتسبيح وإن كثر، لأنه من جنس المصلاة، بخلاف التصفيق. (¬5) أو ظهرها أو ضرب ظهر كف على بطن الأخرى، بإمام وجوبا، وبمستأذن استحباب، وكذا أعمى خشيت وقوعه في محذور ونحو ذلك. (¬6) لأنه من غير جنس الصلاة، فأبطلها كثيره، عمدا كان أو سهوًا فلو ضربت بيديها بطنا لبطن بقصد اللعب ولو قليلا مع علم التحريم، وكذا إن فعله لاعبا عالما بتحريمه بطلت وإن قل لمنافاته الصلاة. (¬7) ولهما عنه «ما لي أراكم أكثرتم التصفيق، من نابه شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء» ، وعن علي: كنت إذا استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم سبح، وإن كان في غير صلاة أذن رواه أحمد وغيره، وللبيهقي عن أبي هريرة «إذا استؤذن على الرجل وهو يصلي فإذنه التسبيح وإذا استؤذن على المرأة فإذنها التصفيق» وقال: رواته كلهم ثقات.

وكره التنبيه بنحنحة (¬1) وصفير، وتصفيقه (¬2) وتسبيحها (¬3) لا بقراءة وتهليل وتكبير ونحوه (¬4) (وبصفق) ويقال بالسين والزاي (¬5) (في الصلاة عن يساره (¬6) وفي المسجد في ثوبه) (¬7) . ¬

_ (¬1) للاختلاف في إبطالها بها. (¬2) صوبه في الإنصاف واستظهره ابن نصر الله، لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} والصفير كل صوت يمتد ولا يغلظ، وهو خالٍ من الحروف، والتصفيق ضربه بيده على يده حتى يسمع لها صوت. (¬3) أي: ويكره التنبيه من المرأة بالتسبيح، لأنه خلاف ما أمرت به، ولئلا يفتتن بصوتها. (¬4) وكتسبيح وتحميد واستغفار فيباح له، لأنه من جنس الصلاة، وكذا إن ترك إمامه ذكرا، فرفع المأموم صوته به ليذكره ونحوه. (¬5) أي يبسق ويبزق، وكلها من باب نصر، ثلاث لغات، أفصحهن بالصاد، والبصاق من الفم، والمخاط من الأنف، والنخامة هي النخاعة من المصدر. (¬6) لا عن يمينه، لما في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس وغيره، «إذا قام أحدكم في صلاته فإنه يناجي ربه، فلا يبزقن قبل قبلته، لكن عن يساره وتحت قدمه» وفي الصحيح «فإن عن يمينه ملكا» ، ولابن أبي شيبة «فإن عن يمينه كاتب الحسنات» . (¬7) أي ويبصق إذا كان في المسجد في ثوبه، ظرف للفعل، فلا يشترط كون الفاعل فيه، حتى لو بصق من هو خارج المسجد فيه تناوله، وعطف أحمد بوجهه وهو في المسجد فبزق خارجه.

ويحك بعضه ببعض، إذهابًا لصورته (¬1) قال أحمد: البزاق في المسجد خطيئة، وكفارته دفنه للخبر (¬2) ويخلق موضعه استحبابًا (¬3) ويلزم حتى غير الباصق إزالته (¬4) وكذا المخاط والنخامة (¬5) . وإن كان في غير المسجد جاز أن يبصق عن يساره، أو تحت ¬

_ (¬1) أي البصاق، لما في الصحيح عن أنس، ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه، ثم رد بعضه على بعض، ولمسلم عن أبي هريرة، أنه رأى نخامة في قبلة المسجد فأقبل على الناس فقال: «ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه، فينتخع أمامه، أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره، تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا» ، فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض، قال النووي وغيره: إذا بصق في المسجد فقد ارتكب الحرام، وعليه أن يدفنه، ومن رآه يبصق فيه لزمه الإنكار عليه، ومنعه إن قدر. (¬2) يعني الخبر الآتي وغيره. (¬3) لفعله عليه الصلاة والسلام، رواه مسلم وغيره من حديث جابر «ويخلق» بضم أوله وشد اللام، أي يطلي موضع البصاق ونحوه بعد إزالته بالخلوق، وهو أخلاط من الطيب. (¬4) من مسجد، لخبر أبي ذر: «وجدت في مساوي أعمالنا النخامة تكون في المسجد فلا تدفن» رواه مسلم. (¬5) أي هما في الحكم كالبزاق، لحديث «فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره، أو تحت قدمه، فمن لم يجد فليقل هكذا» ، ووصف القاسم فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض.

قدمه لخبر أبي هريرة (وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه فيدفنها) ، رواه البخاري (¬1) وفي ثوبه أولى (¬2) ويكره يمنة وأمامًٍا (¬3) وله رد السلام إشارة (¬4) . ¬

_ (¬1) وظاهره: لا قدامة، ولا عن يمينه، كما في حديث أبي سعيد، وخبر أنس مقيد بالصلاة، كما تقدم، وقال مالك وغيره: لا بأس به خارج الصلاة، وكذا قيده بها جمهور الفقهاء. (¬2) أي: وبصقه في ثوبه ونحوه أولى من كونه عن يساره، لفعله صلى الله عليه وسلم وأمره به ولئلا يؤذي به. (¬3) للأخبار واحترامًا للإمام وحفظ اليمين ويمنة بفتح الياء، وكذا يسرة، واليمين واليسار والميمنة والميسرة هي الجهة. (¬4) ومذهب جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وغيرهم يستحب، ونقله الخطابي وغيره عن أكثر العلماء، لحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير في صلاته، صححه الترمذي ونحوه لأبي داود وغيره من حديث أنس، ولا يجب عليه أن يرده في نفسه، بل يستحب بعدها، لرده عليه الصلاة والسلام علي ابن مسعود بعد السلام، وإن رده لفظًا بطلت، لأنه خطاب آدمي ولو صافحه لم تبطل، ولا يكره السلام على المصلي، وفاقًا لمالك والشافعي، قال النووي وغيره، وهو الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة، وقال أبو الطيب: يستحب في الصلاة كغيرها للحديث الصحيح فيه، وقال الشيخ: من لا يحسن الرد لا ينبغي السلام عليه، وإدخاله فيما يقطع صلاته، أو يترك به الرد الواجب.

تسن صلاته إلى سترة

والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءة ذكره في نفل (¬1) «وتسن صلاته إلى سترة» حضرًا كان أو سفرًا، ولو لم يخش مارًّا (¬2) لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها» رواه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي سعيد (¬3) . ¬

_ (¬1) نحو «محمد رسول الله» فيصلي عليه صلى الله عليه وسلم استحبابًا، لتأكد الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كلما ذكر اسمه، وظاهر كلام بعض الأصحاب أنه لا فرق بين الفرض والنفل، ولا يبطل الفرض به لأنه قول مشروع في الصلاة وفي الرعاية وغيرها: وإن قرأ آية فيها ذكره صلى الله عليه وسلم جاز الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ولم يقيدوه بنافلة، وقال ابن القيم: وهو قول أصحابنا اهـ ولو عطس فقال: الحمد لله، أو لسعة شيء فقال: باسم الله أو رأى ما يغمه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو رأى ما يعجبه فقال: سبحان الله كره وصحت قاله في المبدع وغيره، وقال الشيخ: يحمد الله إذا عطس في نفسه نص عليه بمنزلة أذكار المخافتة اهـ وكذا لو خاطب بشيء من القرآن وقال القاضي: إذا قصد بالحمد الذكر أو القرآن لم تبطل وإن قصد خطاب آدمي بطلت. (¬2) إمامًا كان أو منفردا، مع القدرة عليها، قال في الشرح والمبدع: بغير خلاف نعلمه، وحكى ابن حامد الإجماع عليه، وعلى الدنو منها، والسترة هنا ما يستتر به من جدار وغيره ويأتي، والمراد منها منعها لمن يمر بين يديه، وشغله عما هو المطلوب منه من الخشوع والخضوع والمراقبة، أو الحكمة فيها كف بصره عما وراءها، ومنع من يجتاز بقربه. (¬3) وعن سهل «إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع صلاته» رواه أبو داود والنسائي وغيرهما بإسناد صحيح، وليس ذلك بواجب لحديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم صلى في فضاء ليس بين يديه شيء، رواه أحمد وأبو داود، وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى إلى جدار جعل بينه وبينه قدر ممر الشاة متفق عليه، قال البغوي: استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود وكذلك بين الصفوف.

(قائمة كآخرة الرجل) (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فليصل، ولا يبالي من يمر وراء ذلك» رواه مسلم (¬2) فإن كان في مسجد ونحوه قرب من الجدار (¬3) وفي فضاء فإلى شيء شاخص من شجر أو بعير (¬4) أو ظهر إنسان أو عصا (¬5) . ¬

_ (¬1) أي مرتفعة نحو ذراع، وقدرها في الغلظ لا حد له، فقد تكون غليظة كالحائط، أو دقيقة كالسهم. (¬2) ورواه غيره من حديث طلحة بن عبيد الله، ومؤخرة كمؤمنة وقد تثقل وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب وتارة تكون ذراعًا، وتارة تكون دونه والمراد رحل البعير، وهو أصغر من القتب، والأفصح (آخرة) بالمد، وجاءت السنة باللفظين. (¬3) أو السارية ونحو ذلك، لحديث سهل: «كان بينه وبين السترة ممر شاة» رواه البخاري، ولأنه أصون لها. (¬4) أو لبنة أو مخدة أو خيط، أو ما اعتقده سترة، للخبر الآتي وغيره، والشاخص المرتفع، والشخوص ضد الهبوط. (¬5) لحديث أبي هريرة «إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطا، ثم لا يضره من مر أمامه» ، رواه أبو داود، ولفظ أحمد، «ثم لا يضره من مر بين يديه» ، وصححه هو وابن المديني وابن حبان وغيرهم.

لأنه عليه الصلاة والسلام صلى إلى حربة، وإلى بعير، روه البخاري (¬1) ويكفي وضع العصا بين يديه عرضًا (¬2) ويستحب انحرافه عنها قليلا (¬3) فإن لم يجد شاخصا فإلى خط كالهلال (¬4) . ¬

_ (¬1) ففي الصحيحين عن ابن عمر: «كان صلى الله عليه وسلم إذا خرج يوم العيد يأمر بالحربة فتوضع بين يديه، فيصلي إليها، والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، ففيه مشروعية اتخاذ السترة، وأنها تحصل بكل شاخص وإن دق، وقال أحمد: ما كان أعرض فهو أعجب إلي، وفي الصحيح وغيره عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم كان يعرض راحلته فيصلي إليها، وكان ابن عمر يفعله، وروي الحاكم عن سبرة «استتروا في صلاتكم ولو بسهم» ، وإسناده على شرط مسلم. (¬2) إن لم يجد شاخصًا وتعذر غرز العصا ونحوها، قال في المبدع، لأنها في معنى الخط اهـ ووضعها عرضا أولى من الطول عند أحمد وغيره. (¬3) أي عن السترة، لفعله عليه الصلاة والسلام، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، قال ابن عبد البر: وعليه جماعة من أهل العلم، ويجعله على حاجبه الأيمن، أو الأيسر، ولا يصمد له صمدا، لما روى أبو داود عن المقداد، ما رأيته صلى إلى عود أو عمود أو شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن، أو الأيسر، ولا يصمد له صمدا، وسدا لذريعة التشبه بالسجود لغير الله. (¬4) لا طول نص عليه وعليه الأصحاب وقال غير واحد: يكفي طولا، ولعله يقوي الاكتفاء به ما ذكر عن أحمد أن عرضها أعجب إليه، وفي المستوعب إن احتاج إلى مرور ألقى شيئا ثم مر، وظاهر كلامهم: لا يكفي الخط من المار.

قال في الشرح: وكيفما خط أجزأه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن لم يكن معه عصافليخط خطًّا» رواه أحمد وأبو داود (¬1) . قال البيهقي: لا بأس به في مثل هذا (¬2) (وتبطل) الصلاة (بمرور كلب أسود بهيم) أي لا لون فيه سوى السواد (¬3) إذا مر بين المصلي وسترته (¬4) . ¬

_ (¬1) ورواه ابن حبان وغيره، وفي آخره (ولا يضر ما مر أمامه) وتقدم. (¬2) أي الحكم إن شاء الله تعالى، ومراده والله أعلم ما نقله من الاختلاف في إسناده في السنن الكبرى له، وذكر الطحاوي أن فيه رجلا مجهولا، وقال الحافظ: لم يصب من زعم أنه مضطرب بل هو حسن، وتقدم تصحيحه، وقال النووي: وإن لم يثبت ففيه تحصيل تحريم للمصلي، وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال وهذا منها، وهو قول الجمهور اهـ ولأن المقصود جمع الخاطر بربط الخيال به، لئلا ينتشر، والبيهقي هو الإمام المحدث الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي نسبة إلى بيهق بلدة قرب نيسابور المتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. (¬3) هذا قول جمهور أهلا للغة، ومنه: ليل بهيم، أي لا ضوء فيه، وقال بعضهم: والخالص الذي لم يشبه غيره، وقال الجوهري وغيره: لا يخالط لونه لون آخر، ولا يختص ذلك بالسواد، وعنه: إن كان بين عينيه بياض لم يخرج بذلك عن كونه بهيما، اختاره المجد وصححه ابن تميم. (¬4) إن كان منفردًا أو مر بين الإمام وسترته لا المأموم لأن سترة الإمام سترة للمأموم، فإن مر شيء من وراءه السترة لم يكن للأخبار.

يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب

أو بين يديه قريبا في ثلاثة أذرع فأقل من قدميه، إن لم تكن سترة (¬1) وخص الأسود بذلك لأنه شيطان (¬2) فقط أي: لا امرأة وحمار وشيطان وغيرها (¬3) . ¬

_ (¬1) أي فتبطل لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فإن لم يكن فإنه يقطع صلاته المرأة والحمار والكلب الأسود» ، ورواه مسلم وغيره، وللبخاري أنه صلى في الكعبة بينه وبين الجدار نحو من ثلاثة أذرع، وكلما دنا فهو أفضل، ولأنه أصون لصلاته، والذراع يذكر ويؤنث، وهو في اللغة من طرف المرفق إلى طرف الأصابع. (¬2) أي: الكلب الأسود شيطان في الكلاب، وشيطان كل شيء مارده. (¬3) كبغل وسنور، فلا تبطل بمروره قدامه، وقال الشيخ: مذهب أحمد أنه يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود البهيم، واختاره هو والمجد والشارح والناظم وغيرهم، قال الشيخ: والصواب أن مرور المرأة والكلب الأسود والحمار بين يدي المصلي دون سترة يقطع الصلاة، وقال ابن القيم: صح عنه صلى الله عليه وسلم من طرق أنه يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود، فثبت ذلك عنه من رواية أبي ذر وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن مغفل، ومعارض هذه الأحاديث قسمان صحيح غير صريح، وصريح غير صحيح، فلا يترك لمعارض هذا شأنه اهـ. وذهب مالك والشافعي، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف أنه لا يبطل الصلاة مرور شيء، ولم يأمر أحدا بإعادة صلاته من أجل ذلك، وتأولوا أن المراد نقص الصلاة بشغل القلب بهذه الأشياء، قالوا: وصح عن عمر: لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي، وأوردوا أحاديث وكلها ضعيفة كما قال ابن القيم، ولا تبطل بالوقوف قدامة، ولا الجلوس، كما لا تكره إلى بعير، وظهر رجل ونحوه، ذكره المجد واختاره الشيخ وغيره.

وسترة الإمام سترة للمأموم (¬1) (وله) أي للمصلي (التعوذ عند آية وعيد (¬2) والسؤال) أي سؤال الرحمة (عند آية رحمة) (¬3) . ¬

_ (¬1) أي اتخاذ الإمام سترة كافٍ ومغنٍ عن اتخاذ المأموم سترة، بمعنى أنها لا تبطل من المأموم، وأن الغرض الذي تفيده سترة الإمام من عدم البطلان بمرور الكلب الأسود البهيم حاصل للمأموم أيضا، فلا يؤثر في بطلان صلاة المأموم إلا ما أثر في صلاة الإمام، لأن سترة الإمام سترة للمأموم حقيقة، بدليل أنه لا تبطل صلاة المأموم بمرور كلب أسود بينه وبين إمامه، ثم الظاهر كما أفاده عثمان أن سترة الإمام تقوم مقام سترة المأموم في الأمور الثلاثة التي تفيدها السترة، وهي: عدم البطلان بمرور الكلب الأسود، وعدم استحباب رد المصلي للمار، وعدم الإثم على المار بينه وبينه، وهو ظاهر الأخبار، فلا يطلب في حقهم اتخاذ سترة، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى سترة دون أصحابه، واتفقوا أنهم مصلون إلى سترة، فلا يضرهم مرور شيء بين أيديهم، ولحديث ابن عباس وعمرو بن شعيب وغيرهما والمراد بالمأموم من اقتدى به، سواء كان وراءه أو بجانبه أو قدامه حيث صحت لكن قال الناظم: لم أر أحدًا تعرض لجواز مرور الإنسان بين يدي المأمومين فيحتمل جوازه، واعتباره بسترة الإمام له حكمًا، لكن قال ابن عبد البر، لا خلاف بين العلماء أن المأموم لا يضره من مر بين يديه اهـ، ويحتمل اختصاص ذلك بعدم الإبطال، لما فيه من المشقة، ولمسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا «إنما الإمام جنة» ، قال القاضي: أي يمنع من نقص صلاة المأموم، لأنه يجوز المرور قدام المأمور. (¬2) أي للمصلي أن يستعيذ بالله عند قراءة أو سماع آية وعيد. (¬3) وله نحوهما كالتسبيح عند آية فيها تسبيح.

ولو في فرض (¬1) لما روى مسلم عن حذيفة قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، إلى أن قال: إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ (¬2) قال أحمد: إذا قرأ {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} في الصلاة وغيرها قال: سبحانك فبلى، في فرض ونفل (¬3) . ¬

_ (¬1) لأنه دعاء بخير، فاستوى فيه الفرض والنفل، وهو مذهب جمهور العلماء من السلف ومن بعدهم، حكاه غير واحد. (¬2) وروى أحمد وأبو داود والنسائي نحوه من غير وجه، قال النووي: وفيه استحباب هذه الأمور لكل قارئ في الصلاة وغيرها، يعني فرضها ونفلها للأخبار. (¬3) ورواه أبو داود مرفوعا، قال الشيخ: ويقول في الصلاة كل ذكر ودعاء وجد سببه في الصلاة، وما فيه دعاء يحصل للتالي والمستمع، لما روى الحاكم وغيره عن أبي ذر مرفوعا «إن الله ختم سورة البقرة بآيتين هما صلاة وقرآن ودعاء» .

فصل في حصر أفعال الصلاة وأقوالها

فصل (¬1) (أركانها) أي أركان الصلاة أربعة عشر (¬2) جمع ركن وهو جانب الشيء الأقوى (¬3) وهو ما كان فيها (¬4) ولا يسقط عمدا ولا سهوا (¬5) . ¬

_ (¬1) أي: هذا فصل نذكر فيها ما تنقسم إليه أفعال الصلاة وأقوالها، وأنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أركان، وهي ما لا يسقط عمدًا ولا سهوًا، وواجبات وهي ما تبطل بتركه عمدًا ويسقط سهوًا، ويسجد له، وسميت بذلك اصطلاحًا، والثالث سنن وهي ما لا تبطل به مطلقا، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة كاملة بجميع أركانها وواجباتها وسننها، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، ولم يأمرهم بسوى ما رأوا، وإنما يحتاج إلى هذا التفريق لتتبين الأركان والواجبات من غيرها، لأجل الإخلال، وما يجزئ سجود السهو عنه، وما لا يجزئ وقد تقدم ذكرها في مواضعها، وإنما مراده هنا حصرها وضبطها بالعدد. (¬2) بالاستقراء، وعدها في الإقناع والمنتهى والمقنع والوجيز وغيرها اثنى عشر، وأجمع العلماء على أن للصلاة أركانا، وهي الداخلة فيها، والمتفق عليه منها سبعة. (¬3) الذي لا يقوم ولا يتم إلا به، سميت بذلك تشبيها لها بأركان البيت الذي لا يقوم إلا بها، لأن الصلاة لا تتم إلا بها، فإن أركان الشيء أجزاؤه في الوجود التي لا يحصل إلا بحصولها، وهي داخلة في حقيقته. (¬4) احترازا عن الشروط، وفي الاصطلاح، عبارة عن جزء الماهية، وهي الصورة. (¬5) خرج بالعمد السنن، وبالسهو الواجبات، فمرادهم هنا وفي الحج ما يبطل العبادة عمده وسهوه، كما هو موضح.

وسماها بعضهم فروضًا، والخلف لفظي (¬1) (القيام) في فرض لقادر (¬2) لقوله تعالى: {وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ} (¬3) وحده ما لم يصر راكعًا (¬4) (والتحريمة) أي تكبيرة الإحرام لحديث تحريمها التكبير (¬5) (و) قراءة (الفاتحة) (¬6) لحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب» (¬7) . ¬

_ (¬1) أي الخلاف بين من يقول إنها أركان، لفظي إذ المآل واحد. (¬2) أي: على القيام فيه، وهو الركن الأول، وخص بالفرض، لحديث عائشة مرفوعا، كان يصلي ليلا طويلا قاعدًا، رواه مسلم، ولغيره من الأحاديث، ولو وقف غير معذور على إحدى رجليه كره، وأجزأته في ظاهر كلام الأكثر. (¬3) وحديث عمران مرفوعا: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا» رواه البخاري، سوى خائف به، وعريان ولمداواة وقصر سقف، وخلف إمام الحي العاجز عن القيام بشرطه. (¬4) أي حد القيام أن لا يصير إلى الركوع المجزئ ولا يضر خفض رأسه على هيئة الإطراق، قال في الإقناع، والركن منه الانتصاب بقدر تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة في الركعة الأولى، وفيما بعدها بقدر قراءة الفاتحة، وما قام مقام القيام، وهو القعود ونحوه للعاجز والمتنفل، فهو ركن في حقه. (¬5) وتقدم ولما في الصحيح «ثم استقبل القبلة وكبر» ، وللجماعة «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» ، ولأحمد «وإذا قال إمامكم، الله أكبر، فقولوا: الله أكبر» ، ولم ينقل أنه افتتح الصلاة بغير التكبير. (¬6) أي: ركن في كل ركعة في حق الإمام. (¬7) رواه إسماعيل الشالنجي، وهو في الصحيحين وغيرهما بدون لفظة «في كل ركعة» وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرؤها في كل ركعة وأمر المسيء بذلك.

ويتحملها الإمام عن المأموم ويأتي (¬1) (والركوع) إجماعًا في كل ركعة (¬2) (والاعتدال عنه) (¬3) لأنه صلى الله عليه وسلم دوام على فعله (¬4) وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (¬5) ولو طوله لم تبطل كالجلوس بين السجدتين (¬6) . ¬

_ (¬1) يعني: في باب صلاة الجماعة سواء كانت صحيحة صلاة الإمام أو لا، وهو ظاهر للخبر، ولا تأثير لبطلان صلاة الإمام في هذه الحالة، قال ابن القيم: فإن قيل كيف يتحمل الجنب القراءة عن المأموم؟ قيل لما كان معذورا بنسيانه حدثه نزل في حق المأموم منزلة الطاهر، فلا يعيد المأموم. (¬2) لقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا} وحديث المسيء قال: «فإذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» ، رواه الجماعة، فدل على أن المسميات في هذا الحديث لا تسقط بحال، فإنها لو سقطت لسقطت عن الأعرابي الجاهل بها. (¬3) أي: عن الركوع، وهو الركن الخامس، وفاقا للشافعي. (¬4) نقله الخلف عن السلف، نقلاً متواترًا لا نزاع فيه، فدل على آكديته. (¬5) ولما تقدم من حديث المسيء وغيره، وأجمع المسلمون على وجوبه. (¬6) أي: لا تبطل الصلاة إذا طول الاعتدال ولو قرب قيامه، كما لا تبطل فيما إذا طول الجلوس، وكان أحمد يطيل الاعتدال والجلوس، لحديث البراء المتفق عليه وغيره.

ويدخل في الاعتدال الرفع (¬1) والمراد إلا ما بعد الركوع الأول والاعتدال عنه في صلاة الكسوف (¬2) (والسجود) إجماعًا (¬3) (على الأعضاء السبعة) لما تقدم (¬4) (والاعتدال عنه) أي: الرفع منه (¬5) ويغني عنه قوله (والجلوس بين السجدتين) (¬6) لقول عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستوي قاعدًا، رواه مسلم (¬7) (والطمأنينة في) الأفعال (الكل) المذكورة لما سبق (¬8) . ¬

_ (¬1) أي: هما ركن واحد، إذا الاعتدال يستلزم الرفع، وهكذا فعل أكثر الأصحاب وفرق في الفروع والمنتهى وغيرهما بينهما، فعدوا كلا منهما ركنًا، لتحقق الخلاف في كل منهما. (¬2) أي: ركوعًا ورفعًا منه بعد ركوع أول في كسوف في كل ركعة فالركوع الأول والرفع منه ركن وما بعده ليس بركن. (¬3) في كل ركعة مرتين لقوله تعالى: {وَاسْجُدُوا} ولحديث المسيء في صلاته وغيره. (¬4) أي: في صفة الصلاة من الأدلة على ركنيته. (¬5) ركن وهو السابع. (¬6) أي يغني عن ذكر الاعتدال قوله: والجلوس بين السجدتين، كما أغني عن ذكر الرفع من الركوع ذكر الاعتدال عنه، فتكون ثلاثة عشر ركنا. (¬7) ولحديث المسيء وغيره. (¬8) من أمره عليه الصلاة والسلام المسيء عند ذكر كل فعل منها بالطمأنينة، وقوله: «صل فإنك لم تصل» ، فتوقفت صحة صلاته عليه لدخوله فيه وقوله «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» ولإخباره أن النقر من صفات المنافقين، وقد أخبر الله أنه لا يقبل عملهم، ففي صحيح مسلم أنه قال: «تلك صلاة المنافق ثلاثا» ، «يمهل حتى إذا كانت الشمس بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» ، ورأى حذيفة رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدًا صلى الله عليه وسلم رواه البخاري فهي ركن بلا نزاع، قال شيخ الإسلام، فمن ترك الطمأنينة فقد أخبر الله ورسوله أنه لم يصل، وقد أمر الله ورسوله بالإعادة اهـ وظاهره أنها ركن واحد في الكل.

وهي السكون وإن قل (¬1) (والتشهد الأخير وجلسته) (¬2) لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قعد أحدكم في صلاته فليقل: التحيات لله» الخبر متفق عليه (¬3) . ¬

_ (¬1) أي: والطمأنينة وهي بضم الطاء، السكون بقدر الذكر الواجب قال الجوهري: اطمأن الرجل اطمئنانًا وطمأنينة سكن، وقال غير واحد، ضابطها أن يسكن وتستقر اعضاؤه، ولعل المصنف استغنى عن ذكر وجوب الطمأنينة بقدر الإتيان بالذكر الواجب، لأنه يعلم مما تقدم، وهو إنما عرفها بالمعنى اللغوي، لا بحسب الحكم الشرعي، وهو أن تكون بقدر الذكر الواجب ليتمكن من الإتيان به، وهذا متعين لا يجوز غيره، وحكاه الوزير وغيره عن أكثر العلماء. (¬2) أي: ركن من أركان الصلاة الأربعة عشر هذا المذهب وقول عمر وابنه وغيرهما. (¬3) ولحديث ابن مسعود: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد، الحديث وقول عمر: لا تجزئ صلاة إلا بتشهد، رواه سعيد وغيره، والجلوس له وهو من لازمه وثبت أنه صلى الله عليه وسلم واظب عليه ولم ينقل أنه أخل به مرة واحدة وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» .

(والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه) أي في التشهد الأخير (¬1) لحديث كعب السابق (¬2) (والترتيب) بين الأركان (¬3) لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصليها مرتبة (¬4) وعلمها المسيء في صلاته مرتبة بثم (¬5) (والتسليم) لحديث وختامها التسليم (¬6) . ¬

_ (¬1) بعده والركن منه «اللهم صل على محمد» لظاهر الآية وما بعده سنة. (¬2) وهو قوله: «قولوا اللهم صل على محمد» ، إلخ، وعنه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه سنة، وهو قول أكثر الفقهاء. (¬3) أي ترتيب الأركان على ما ذكر هنا، أو ما ذكر في الصلاة، فاللام فيه للعهد. (¬4) بلا خلاف وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» . (¬5) المقتضية للترتيب، ولأنها عبادة تبطل بالحدث، فكان الترتيب فيها ركنًا كغيرها، وقال المجد وغيره، الترتيب صفة معتبرة للأركان، لا تقوم إلا به، ولا يلزم من ذلك أن يكون ركنا زائدا، وقال في مجمع البحرين، لا تعد الطمأنينة لأنها صفة الركن، وهيئته ولعل الخلاف لفظي. (¬6) ولحديث «وانقضاؤها التسليم» ، ولقوله صلى الله عليه وسلم «وتحليلها التسليم» ، وقالت عائشة، كان يختم صلاته بالتسليم، وثبت ذلك من غير وجه، وعبارة الإقناع والمنتهى، والتسليمتان، ومذهب أحمد وغيره وجوب التسليمة الثانية، وتقدم ثبوتهما بالسنة، وقال أحمد: التسليمتان أصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنهما نطق مشروع في أحد طرفيها، فكان ركنا كالطرف الآخر. وقال النووي وغيره: وجوب السلام هو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وقال أيضا: السلام للتحلل من الصلاة ركن من أركانها وفرض من فروضها لا تصح إلا به، هذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير الخلف والسلف والأحاديث الصحيحة المشهور مصرحة بذلك وظاهر الفروع وغيره أن النفل كالفرض واختار جمع تجزئ واحدة في النفل، وفي الشرح، لا خلاف أنه يخرج من النفل بتسليمة واحدة.

واجباتها ثمانية

(وواجباتها) أي الصلاة ثمانية (¬1) (التكبير غير التحريمة) فهي ركن كما تقدم (¬2) وغير تكبيرة المسبوق إذا أدرك إمامه راكعًا فسنة ويأتي (¬3) (والتسميع) أي قول الإمام والمنفرد في الرفع من الركوع: سمع الله لمن حمده (¬4) (والتحميد) أي قول: ربنا ولك الحمد، لإمام ومأموم ومنفرد، لفعله صلى الله عليه وسلم وقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (¬5) ومحل ما يؤتى به من ذلك للانتقال بين ابتداء وانتهاء (¬6) . ¬

_ (¬1) وهذا هو القسم الثاني من أفعال الصلاة وأقوالها، وتقدم أنه ما تبطل بتركه عمدًا، ويسقط سهوًا، وكذا جهلاً ويجزئه السجود. (¬2) يعني في هذا الفصل، وكذا أول الباب لأنه عليه الصلاة والسلام كان يكبر كذلك ولحديث «إذا كبر فكبروا» وغير ذلك، فجميع تكبيرات الانتقالات واجب، سوى ما ذكر، واتفقت الأمة على مشروعيتها. (¬3) أي في باب صلاة الجماعة، وذلك للاجتزاء عنها بتكبيرة الإحرام. (¬4) لحديث «إذا قال الإمام» ، سمع الله لمن حمده: فقولوا ربنا ولك الحمد، مع ما تقدم. (¬5) الثابت عنه صلى الله عليه وسلم فيجب لذلك. (¬6) أي محل ما يؤتى به من تكبير وتسميع لإمام ومنفرد، وتحميد للكل ونحو ذلك للانتقال من فعل منها إلى آخر، بين ابتداء وانتهاء، لأنه مشروع له فاختص به، فإن كمله في جزء منه أجزأ لأنه لم يخرج به عن محله، قال في الإنصاف: بلا نزاع.

فلو شرع فيه قبله (¬1) ، أو كملة بعده لم يجزئه (¬2) (وتسبيحتا الركوع والسجود) أي قول: سبحان ربي العظيم في الركوع، وسبحان ربي الأعلى، في السجود (¬3) (وسؤال المغفرة) أي قول: رب اغفر لي. بين السجدتين (مرة مرة (¬4) ويسن) قول ذلك (ثلاثًا) (¬5) . ¬

_ (¬1) أي شرع في المذكور قبل شروعه في الانتقال، بأن كبر لسجود قبل هويه إليه، أو سمع قبل رفعه من ركوع، ونحو ذلك لم يجزئه. (¬2) أي: كمله قبل انتهائه، وكان أتم تكبير الركوع فيه، لم يجزئه لأنه في غير محله، وكذا لو شرع في تسبيح ركوع أو سجود قبله أو كمله بعده، وكذا سؤال المغفرة، وكتكميله واجب قراءة راكعًا، وكتشهده قبل قعود للتشهد الأول أو الأخير، قال المجد: هذا قياس المذهب، والقول الثاني يجزئه لمشقة تكرره، ولأن التحرز منه يعسر، والسهو به يكثر، ومع البطلان به والسجود له مشقة، ومال إليه ابن رجب وغيره، وصححه في حواشي المقنع، وصوبه في تصحيح الفروع، واستظهره ابن تميم وغيره. (¬3) واجبان من واجبات الصلاة، وهما الرابع والخامس، وتقدمت الأدلة على ذلك. (¬4) للإمام والمأموم والمنفرد، لثبوته عنه عليه الصلاة والسلام وقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وعنه سنة وفاقًا. (¬5) وفاقًا. وقالوا: أدنى الكمال ثلاث كتسبيح ركوع وسجود، وتقدم.

(و) من الواجبات (التشهد الأول وجلسته) (¬1) للأمر به في حديث ابن عباس (¬2) ويسقط عمن قام إمامه سهوا لوجوب متابعته (¬3) والمجزئ منه: التحيات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أو عبده ورسوله (¬4) وفي التشهد الأخير ذلك مع: اللهم صل على محمد، بعده (¬5) . ¬

_ (¬1) وهما السابع والثامن. (¬2) ولفعله عليه الصلاة والسلام، ومداومته على ذلك، وقوله «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، ولأنه عليه الصلاة والسلام سجد لتركه، وهذا هو الأصل المعتمد عليه في سائر الواجبات، لسقوطها بالسهو، وانجبارها بالسجود، والمذهب وجوبه قياسا على التشهد وعنه سنة وفاقا، وقال ابن حامد: هو قول عامة الفقهاء. (¬3) إجماعا ولحديث: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» . (¬4) فمن ترك حرفا من ذلك عمدا لم تصح صلاته للاتفاق عليه، في كل الأحاديث ونظره في الشرح والإقناع وشيخنا وغيرهم، وهو ظاهر لعدم وروده بهذا اللفظ. (¬5) أي والمجزئ في التشهد الأخير ما ذكره من لفظ التحيات، مع قول: اللهم صل على محمد: بعد التشهد، وهذا من المفردات ونظره الشارح وغيره أيضا، وقال: لا يجوز أن يسقط ما في بعض الأحاديث، إلا أن يأتي بما في غيره من الأحاديث قال في الإنصاف وغيره: وفيه وجه لا يجزئ من التشهد ما لم يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن حامد: رأيت جماعة من أصحابنا يقولون: لو ترك حرفا منه أعاد.

(وما عدا الشرائط والأركان والواجبات المذكورة) مما تقدم في صفة الصلاة (سنة (¬1) فمن ترك شرطا لغير عذر) ولو سهوا بطلت صلاته (¬2) وإن كان لعذر، كمن عدم الماء والتراب أو السترة أو حبس بنجسة صحت صلاته كما تقدم (¬3) (غير النية فإنها لا تسقط بحال) لأن محلها القلب فلا عجز عنها (¬4) (أو تعمد) المصلي (ترك ركن أو واجب بطلت صلاته) (¬5) . ¬

_ (¬1) سواء كان ما عدا ذلك قوليا أو فعليا أو هيئات، والصلاة لها مكملات سوى الأركان والفرائض، والمخل بها متطرق إلى الإخلال بهما، لحديث: «من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» . وقال بعض أهل العلم: الإخلال بالمندوب مطلقا يشبه الإخلال بالركن من أركان الواجب، لأنه قد صار ذلك المندوب بمجموعه واجبا في ذلك الواجب، ولذلك لو اقتصر المصلي على ما هو فرض في الصلاة كانت إلى اللعب أقرب. (¬2) لأن الشرط الشرعي هو ما يتوقف عليه صحة مشروطه، فمتى أخل به لغير عذر لم تنعقد صلاته، لفقد شرطها، ولو كان التارك للشرط ناسيا له، أو جاهلا به، لأنه صلى الله عليه وسلم نفى الصلاة مع الجهل، وأمره بالإعادة ولم يجعله عذرا، وإذا انتفى مع الجهل فمع العمد أولى. (¬3) في التيمم وستر العورة وغيرهما، وإنما أراد جمعها ملخصة في موضع واحد. (¬4) قال الشيخ: بل لو كلف العباد أن يعملوا عملا بغير نية كلفوا ما لا يطيقون، فإن كل أحد إذا أراد أن يعمل عملا لا بد أن ينويه، إذا علمه ضرورة، وإنما يتصور عدم النية إذا لم يعلم ما يريد. (¬5) كأن يسجد قبل ركوعه، أو يقوم قبل تشهده، لتلاعبه، ولا يجبر بسجود السهو كما يأتي والباطل والفاسد مترادفان لمسمى واحد، وهو ما لم يكن صحيحًا قال الشيخ وغيره: بمعنى وجب القضاء، لا بمعنى أنه لا يثاب عليها شيئا في الآخرة، وقال في {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} الإبطال هو بطلان الثواب، ولا يسلم بطلان جميعه، بل قد يثاب على ما فعله فلا يكون مبطلا لعمله.

ولو تركه لشك في وجوبه (¬1) وإن ترك الركن سهوا فيأتي (¬2) وإن ترك الواجب سهوا أو جهلا سجد له وجوبا (¬3) وإن اعتقد الفرض سنة أو بالعكس لم يضره (¬4) كما لو اعتقد أن بعض أفعالها فرض، وبعضها نفل، وجهل الفرض من السنة، أو اعتقد الجميع فرضا (¬5) والخشوع فيها سنة (¬6) . ¬

_ (¬1) بأن تردد أواجب أو لا؟ لم يسقط وجوبه، ولزمته الإعادة لأنه ترك ما يحرم تركه عمدا، ولم يسقط فرضه للشك في صحته، ولأنه لما تردد في وجوبه كان الواجب عليه فعله احتياطا للعبادة، بخلاف من ترك واجبا جاهلا حكمه بحيث لم يخطر بباله وجوبه فإن حكمه حكم تاركه سهوا. (¬2) أي في باب سجود السهو مفصلا، وفي بعض النسخ زيادة به فالمراد يأتي بالركن ولا ينجبر بسجود السهو وهو أولى لأنه فصل هنا بعض التفصيل. (¬3) لأنه ترك واجبا يحرم تركه، وتقدم الأصل في وجوب السجود له، ولا يمتنع أن يكون للعبادة واجب يجبر إذا تركه وإن كانت لا تصح إلا به كالحج. (¬4) أي ذلك الاعتقاد ومثله نحو وضوء. (¬5) صحت صلاته إجماعا قاله في المبدع، أو لم يعتقد شيئا، أو لم يعرف الشرط من الركن، وأدى الصلاة على وجهها، فهي صحيحة، اكتفاء بعلمه أن ذلك كله من الصلاة. (¬6) الخشوع في الصلاة سنة، ذكره الموفق والشيخ وغيرهما وقيل واجب فيها أو في بعضها، قال الشيخ لقوله: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} وقوله {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} والخشوع الخضوع والإخبات، وهو معنى يقوم بالقلب يظهر منه سكون الأطراف وأساسه حضور القلب بين يدي الرب جل وعلا، والثواب مشروط بحضوره، وحضوره فراغه عن غير ما هو ملابس له، وهو هنا العلم بالفعل والقول الصادرين عن المصلي كما تقدم.

سن الأقوال والأفعال

ومن علم بطلان صلاته ومضى فيها أدب (¬1) (بخلاف الباقي) بعد الشروط والأركان والواجبات فلا تبطل صلاة من ترك سنة ولو عمدا (¬2) . (وما عدا ذلك) أي أركان الصلاة وواجباتها (سنن أقوال) (¬3) كالاستفتاح والتعوذ (¬4) والبسملة (¬5) وآمين، والسورة (¬6) . ¬

_ (¬1) تعزيرا لعصيانه وتلاعبه، فإنه يحرم المضي فيها مع المنافي، كما يحرم الدخول فيها مع وجود المبطل. (¬2) بخلاف الأركان والواجبات. (¬3) والسنن هي القسم الثالث من أقوال الصلاة وأفعالها، وحكي وهيئاتها وهي ما كان فيها، ولا تبطل بتركها، ولو عمدا، والسنن ضربان، الأول سنن الأقوال، ولا يجب السجود لها قولا واحدا، وعد منها عشر سنن وغيره أكثر ففي الإقناع سبع عشرة، وتأتي وعد منها الجهر والإخفات تبعا للمقنع ونوقش فيها وحكاه الوزير اتفاقا. (¬4) أي بالله من الشيطان الرجيم قبل القراءة في الأولى. (¬5) أي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، في أول الفاتحة وأول كل سورة. (¬6) أي قول آمين بعد الفاتحة، وعنه واجبة للأمر بها وقراءة سورة في فجر وجمعة وعيد وتطوع، وأولتي مغرب ورباعية، وأما ثالثة مغرب وثالثة ورابعة ظهر وعصر وعشاء فبالفاتحة فقط، وتقدم، واتفق الأئمة على أنه لا يسن.

وملء السماء إلى آخره بعد التحميد (¬1) وما زاد على المرة في تسبيح الركوع والسجود وسؤال المغفرة (¬2) والتعوذ في التشهد الأخير (¬3) وقنوت الوتر (¬4) (و) سنن أفعال (¬5) كرفع اليدين في مواضعه (¬6) ووضع اليمين على الشمال تحت سرته (¬7) والنظر إلى موضع سجوده (¬8) . ¬

_ (¬1) للإمام والمأموم والمنفرد. (¬2) يعني بين السجدتين. (¬3) أي قول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، إلى آخره والدعاء في التشهد الأخير، لحديث ثم ليتخير من الدعاء وقول: وبارك، إلى آخره بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله. (¬4) لما يأتي في بابه. (¬5) لا تبطل الصلاة بتركها بلا نزاع، وهي الضرب الثاني من السنن، وعدها في الكافي اثنتين وعشرين، وفي الإقناع نحو الأربعين، وتأتي وفي الهداية أن الهيئات خمس وعشرون، وفي المستوعب وغيره خمس وأربعون، وقالوا سميت هيئة لأنها صفة في غيرها فهي صور الأفعال وحالاتها. (¬6) وهي عند تكبيرة الإحرام، وعند الهوي إلى الركوع، وعند الرفع منه، وإذا قام من الركعتين. (¬7) أو على صدره بعد تكبيرة الإحرام، في سائر حالات القيام. (¬8) إلا لعذر، ومراقبة إمام، وكصلاة خوف، ونحوه، وتفريقه بين قدميه يسيرا في قيامه، وقيل يكون بين قدميه قدر شبر في ركوعه وسجوده، ومراوحته بينهما، وهو مذهب مالك والشافعي، وابن المنذر وغيرهم.

ووضع اليدين على الركبتين في الركوع (¬1) والتجافي فيه وفي السجود (¬2) ومد الظهر معتدلا (¬3) وغير ذلك مما مر مفصلاً (¬4) . ¬

_ (¬1) مفرجتي الأصابع. (¬2) أي مجافاة عضديه عن جنبيه في الركوع، ومجافاة بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه في السجود. (¬3) وجعل رأسه حياله، فلا يخفضه ولا يرفعه، واعتماده على ضبعيه وساعديه. (¬4) بأدلته في مواضعه، ومنه البداءة بوضع ركبتيه قبل يديه في سجوده وتمكين كل من جبهته وأنفه وكل بقية أعضاء السجود من الأرض في سجوده، والتفريق بين ركبتيه، وإقامة قدميه، وجعل بطون أصابعهما على الأرض مفرقة فيه، وفي الجلوس بين السجدتين وفي التشهد، ووضع يديه حذو منكبيه مبسوطة، وتوجيه أصابع يديه مضمومة نحو القبلة، ومباشرة المصلي بيديه وجبهته وعدمها بركبتيه، ورفع يديه أولا في القيام من سجوده، وقيامه في الركعة على صدور قدميه، معتمدا على ركبتيه، والافتراش في الجلوس بين السجدتين، وفي التشهد الأول والتورك في الثاني، ووضع اليدين على الفخذين مبسوطتين مضمومتي الأصابع، مستقبلا بها القبلة بين السجدتين، وكذا في التشهدين، إلا أنه يقبض فيهما من اليمنى الخنصر والبنصر ويحلق إبهامها مع الوسطى، ويشير بسبابتها، والتفاته يمينا وشمالا في تسليمه، وتفضيل اليمين على الشمال في الالتفات ونية الخروج من الصلاة وتقدمت أدلة ذلك في مواضعها.

ومنه الجهر والإخفات والترتيل والإطالة والتقصير في مواضعها (¬1) و (لا يشرع) أي لا يجب ولا يسن (السجود لتركه) لعدم إمكان التحرز من تركه (¬2) (وإن سجد) لتركه سهوا (فلا بأس) أي فهو مباح (¬3) . ¬

_ (¬1) أي ومن سنن الأفعال الجهر في مواضعه، بنحو تكبير وتسميع وقراءة في جهرية لإمام، والإخفات بنحو تشهد، وتسبيح ركوع وسجود، وسؤال مغفرة، وتحميد وقراءة في غير محل جهر، وكذا بنحو تكبير وتسليم، وتسميع لغير إمام، إلا المأموم لحاجة، ومنه ترتيل قراءة، وإطالة في الركعة الأولى، وتخفيف صلاة إمام والتقصير في الركعة الثانية، إلا في الوجه الثاني من صلاة الخوف، والضمير في مواضعها راجع إلى جميع المذكورات وهذا مجمع عليه في الجملة بنقل الخلف عن السلف، وإن كان قد يستغني بما ذكرنا، لسبقه في مواضعه، فمن حيث أنه لم يستغن بما ذكر لسبقه ذكرنا ما أهمله تنبيها عليه. (¬2) ولأن السجود زيادة في الصلاة، فلا يشرع إلا بتوقيف. (¬3) نصا لعموم حديث ثوبان وغيره.

باب سجود السهو

باب سجود السهو (¬1) قال صاحب المشارق: السهو في الصلاة النسيان فيها (¬2) (يشرع) أي يجب تارة ويسن أخرى، على ما يأتي تفصيله (¬3) . ¬

_ (¬1) سها عن الشيء سهوا ذهل وغفل قلبه عنه إلى غيره فلا يتذكره، وفي النهاية: السهو في الشيء تركه من غير علم، وعن الشيء تركه مع العلم به، قال ابن القيم، وكان سهوه صلى الله عليه وسلم في الصلاة من إتمام نعمة الله على أمته، وإكمال دينهم ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو، وفي الموطأ: «إني لأنسى أو أنسى لأسن» . (¬2) وتمامه وقيل: هو الغفلة، وقيل: النسيان عدم ذكر ما قد كان مذكورا والسهو ذهول وغفلة، عما كان في الذكر وعما لم يكن اهـ ونسي الشيء نسيانا ضد حفظه وقيل إنه مشترك بين معنيين: ترك الشيء على ذهول وغفلة وتركه على تعمد وقصد، وقيل: الفرق بين الساهي والناسي أن الناسي إذا ذكرته تذكر، بخلاف الساهي، وقال الحافظ: فرق بعضهم وليس بشيء، وقال غير واحد: السهو والنسيان والغفلة ألفاظ مترادفة معناها: ذهول القلب عن المعلوم في الحافظة، وقال الآمدي: يقرب أن تكون متحدة اهـ وجاء لفظ النسيان والسهو في الشرع بمعنى، وأما الخطأ فهو ما لا يتنبه بالتنبيه عليه، أو يتنبه بعد اتعاب، ويقال: حكمة سجود السهو أنه غم للشيطان، وجبر للنقصان، ورضى للرحمن، وصاحب المشارق، هو القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمر بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، إمام وقته، صاحب التصانيف الجليلة كشرح مسلم، ومشارق الأنوار في شرح غريب الأحاديث الصحاح الثلاثة الموطأ والبخاري ومسلم، توفي سنة خمسمائة وأربع وأربعين وتقدم. (¬3) لامرية في مشروعية سجود السهو، ولا خلاف، وأنه إذا سها في صلاته جبره بسجود السهو، وهو سنة عند الشافعي، وأوجبه أبو حنيفة ومالك في النقصان وأحمد في الزيادة والنقصان، وقال: يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه خمسة أشياء، سلم من اثنتين فسجد، وسلم من ثلاث فسجد، وفي الزيادة، والنقصان وقام من اثنتين ولم يتشهد فسجد، وقال الخطابي: المعتمد عند أهل العلم هذه الأحاديث الخمسة حديثا ابن مسعود وأبي سعيد، وأبي هريرة وابن بحينة.

(لزيادة) سهوا (ونقص) سهوا (وشك) في الجملة (¬1) (لا في عمد) لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا سها أحدكم فليسجد» (¬2) فعلق السجود على السهو (¬3) . ¬

_ (¬1) أي في بعض الصور فلا يشرع لكل شك، بل ولا لكل زيادة أو نقص. (¬2) وقوله: «إذا نسي أحدكم فليسجد» وقوله: «إذا شك أحدكم وغيرها من قوله وفعله صلى الله عليه وسلم» . (¬3) لأن الشرع إنما ورد فيه ولأنه شرع جبرانا، والعامد لا يعذر فلا ينجبر خلل صلاته بسجوده، بخلاف الساهي، ولذلك أضيف السجود إلى السهو من إضافة المسبب إلى السبب أي سجود سببه السهو، وقال الحافظ: الحكمة في جعله جابرا للمشكوك فيه دون الالتفات وغيره مما ينقص الخشوع، لأن السهو لا يؤاخذ به المكلف، فشرع له الجبر دون العمد، ليتقظ العبد له فيجتنبه، وقال الشيخ: يشرع للسهو لا للعمد عند الجمهور اهـ. وهو من خصائص هذه الأمة، ولم يعلم في أي وقت شرع، قال في الذخيرة، التقرب إلى الله بالصلاة المرقعة المجبورة إذا عرض فيها الشك، أولى من الأعراض عن ترقيعها والشروع في غيرها، والاقتصار عليها بعد التوقيع أولى من إعادتها، فإنه منهاجه صلى الله عليه وسلم ومنهاج أصحابه والسلف الصالح بعدهم.

(في) صلاة (الفرض والنافلة) متعلق بيشرع (¬1) سوى صلاة جنازة وسجود تلاوة وشكر وسهو (¬2) (فمتى زاد فعلا من جنس الصلاة (¬3) قياما) في محل قعود (أو قعودا) في محل قيام ولو قل، كجلسة الاستراحة (¬4) . ¬

_ (¬1) أي يشرع سجود السهو بوجود أسبابه في فرض ونفل، لعموم الأخبار وفاقا وقال الشارح: لا فرق بين النافلة والفرض في سجود السهو في قول عوام أهل العلم. (¬2) فلا سجود للسهو فيها وفاقا، فأما صلاة الجنازة فلأنها لا سجود في صلبها ففي جبرها أولى، وأما سجود التلاوة والشكر فإنه لو شرع كان الجبر زائدا على الأصل، وأما سجود السهو فلأنه يفضي إلى التسلسل، وحكاه إسحاق وغيره إجماعا وسواء كان السهو قبل السلام أو بعده، ولو سها بعد سجود السهو وقبل السلام لم يشرع له السجود، وكذا حديث النفس ولو طال، لعدم إمكان التحرز منه، فعفى عنه، ولما ثبت: «إن الله تجاوز عن هذه الأمة ما حدثت به أنفسها» ، وسوى نظر إلى شيء فلا يشرع له السجود، لأن الشرع لم يرد به، ولا يشرع سجود السهو في صلاة خوف. (¬3) بدأ في تفصيل الأحوال الثلاثة، بالزيادة وهي إما زيادة أفعال أو أقوال وكل منها ينقسم إلى قسمين ويأتي مفصلا. (¬4) أي ولو كان الجلوس الذي زاده قدر جلسة الاستراحة عقب الركعة، بأن جلس عقبها للتشهد لأنه لم يردها فيسجد لذلك لأنه زاد جلسة، أشبه ما لو كان قائما فجلس، وصفة جلسة الاستراحة كالجلوس بين السجدتين، وقال الزركشي، إن كان يسيرا فلا سجود عليه، ومال إليه في المغني، وصححه في تصحيح الفروع، ولو رفع رأسه من سجود ليجلس للاستراحة وكان موضع جلوس للفصل أو التشهد ثم ذكر، أو جلس للفصل يظنه التشهد وطول له لم يجب له سجود، ولو جلس للتشهد قبل سجود سجد.

(أو ركوعا أو سجودا عمدا بطلت) صلاته إجماعا قاله في الشرح (¬1) (و) إن فعله (سهوا يسجد له) (¬2) لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص في صلاته فليسجد سجدتين» رواه مسلم (¬3) ولو نوى القصر فأتم سهوا ففرضه الركعتان (¬4) ويسجد للسهو استحبابا (¬5) . ¬

_ (¬1) لأنه بها يخل بنظم الصلاة ويغير هيئتها، فلم تكن صلاة، ولا فاعلها مصليا، إلا في الإتمام إذا نوى القصر فأتم عمدا فلا تبطل، لأنه رجع إلى الأصل، وقوله بطلت أي فسدت والباطل والفاسد اسمان لمسمى واحد، وهو ما لم يكن صحيحا، وفي الغاية: ويتجه الباطل ما اختل ركنه والفاسد ما اختل شرطه. (¬2) أي وإن زاد قياما أو قعودا ولو قدر جلسة الاستراحة أو ركوعا أو سجودا سهوا لم تبطل، قال شيخ الإسلام: بالسنة وإجماع المسلمين، وكذلك الزيادة خطأ إذا اعتقد جوزاها اهـ ويسجد له وجوبا، ومتى ذكر عاد إلى ترتيب الصلاة بغير تكبير. (¬3) وفي رواية عنه قال: صلى بنا خمسا، فلما انفتل توشوش القوم، فقال: «ما شأنكم؟» قالوا: هل زيد في الصلاة؟ قال: «لا» قالوا: فإنك صليت خمسا فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلم، وقال: «فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» ، ولأن الزيادة سهو، فتدخل في قول الصحابي، سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد بل هي نقص في المعنى، فشرع لها السجود لينجبر النقص. (¬4) وفاقا، ومقتضى إطلاق كلامهم عدم الكراهة لذلك، وذكر الشيخ أنه يكره كما في الغاية. (¬5) لأن عمده لا يبطلها فلم يجب السجود إذا.

وإن قام فيها أو سجد إكراما لإنسان بطلت (¬1) (وإن زاد ركعة) كخامسة في رباعية (¬2) أو رابعة في مغرب، أو ثالثة في فجر (فلم يعلم حتى فرغ منها سجد) (¬3) لما روي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خمسا، فلما انفتل قالوا: إنك صليت خمسا، فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلم، متفق عليه (¬4) (وإن علم) بالزيادة (فيها) أي في الركعة (جلس في الحال) بغير تكبير (¬5) لأنه لو لم يجلس لزاد في الصلاة عمدا وذلك يبطلها (¬6) (فيتشهد إن لم يكن تشهد) (¬7) . ¬

_ (¬1) إجماعا والقيام قد نهى عنه خارجها لئلا يتشبهوا بالأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود، والسجود لا يجوز فعله إلا لله عز وجل، وإن كان على وجه التحية في غير شريعتنا كما في قصة يوسف، ففي شريعتنا لا يصلح إلا لله عز وجل، وإذا كان قد نهى عن القيام فكيف بالركوع والسجود. (¬2) أي قام إلى ركعة زائدة كخامسة في ظهر أو عصر أو عشاء. (¬3) وهو قول جمهور العلماء مالك والشافعي والنخعي والزهري وغيرهم. (¬4) ولمسلم «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» وفي رواية له: «وإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين» . (¬5) وبنى على فعله قبل تلك الزيادة لئلا يغير هيئة الصلاة. (¬6) وتقدم ذكر الإجماع عليه، وما ذكر عن أبي حنيفة أنه يضيف إليها أخرى فتكون الركعتان تطوعا بخلاف السنة. (¬7) يعني قبل قيامه.

لأنه ركن لم يأت به (وسجد) للسهو (وسلم) لتكمل صلاته (¬1) وإن كان قد تشهد سجد للسهو وسلم (¬2) وإن كان تشهد ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه، ثم سجد للسهو، ثم سلم، (¬3) وإن قام إلى ثالثة نهارا وقد نوى ركعتين نفلا رجع إن شاء وسجد للسهو (¬4) وله أن يتمها أربعا ولا يسجد، وهو أفضل (¬5) وإن كان ليلا فكما لو قام إلى ثالثة في الفجر نص عليه (¬6) لأنها صلاة شرعة ركعتين، أشبهت الفجر (¬7) . ¬

_ (¬1) قال النووي وغيره: إجماعا. (¬2) ولا يتشهد لوقوع سهوه قبل قيامه موقعه. (¬3) ذكره في الشرح وغيره، وهو قول مالك والشافعي وغيرهما. (¬4) يفهم منه أنه إذا نوى أربعا نهارا ثم قام إلى خامسة كان كالقائم إلى ثالثة ليلا، وقال عثمان: كقيام إلى خامسة بظهر، ولا يعارضه ما يأتي في التطوع من أن الزيادة على أربع نهارا مكروهة فقط، لأن ذلك مفروض فيمن نوى الزيادة ابتداء، وما هنا فيمن لم ينوها. (¬5) أي إتمامها أربعا، لإباحة التطوع بأربع نهارا. (¬6) وعليه فيلزمه الرجوع، فإن لم يرجع عالما عمدا بطلت، وعنه: يتمها أربعا ويسجد للسهو في الليل أو النهار، وهو مذهب مالك والشافعي، لما ثبت من تطوعه صلى الله عليه وسلم في الليل بأربع. (¬7) لحديث: «صلاة الليل مثنى مثنى» ، ويأتي حمله على الأفضلية أو الأخفية، وصرح في الإنصاف بالأفضلية.

إن سبح به ثقتان لزمه الرجوع

(وإن سبح به ثقتان) (¬1) أي نبهاه بتسبيح أو غيره (¬2) ويلزمهم تنبيهه (¬3) لزمه الرجوع إليهما (¬4) سواء سبحا به إلى زيادة أو نقصان (¬5) . ¬

_ (¬1) أي عدلان ضابطان، سواء كانا حرين أو عبدين، رجلين أو امرأتين أو رجلا وامرأة شاركاه في العبادة أو لا، واختار أبو محمد الجوزي جواز رجوعه إلى قول واحد إن ظن صدقه، وجزم به في الفائق والموفق، قال في الإنصاف، عملا بظنه لا بتسبيحه. (¬2) كإشارة أو تنبيه بقرآن، كما دلت عليه النصوص، قاله الشيخ وغيره، وعبارة الفروع: نبه، وهو أولى لشموله، ولذلك صرفه الشارح إليه. (¬3) على ما يجب السجود لسهوه وظاهره ولو غير مأمومين أما المأمومون فلارتباط صلاتهم بصلاته، بحيث تبطل ببطلانها ولأمره عليه الصلاة والسلام بتذكيره. (¬4) هذا جواب الشرط ليرجع إلى الصواب إلى تنبيههم لأنه صلى الله عليه وسلم قبل قول أبي بكر وعمر في قصة ذي اليدين وأمر بتذكيره، وظاهره أنه لا يرجع إلى قول واحد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى قول ذي اليدين وحده، وتقدم اختيار الموفق وغيره رجوعه إلى واحد يظن صدقه. (¬5) أي سواء كان تنبيههم لرجوع عن زيادة كقيام من رابعة إلى خامسة، أو كان تنبيههم للرجوع إلى الإتيان بنقصان كقيامه عن التشهد الأول، ويلزمه قبول قولهما بشرطه، ولا يلزمه الرجوع إلى فعل مأمومين من نحو قيام أو قعود بلا تنبيه، لأمر الشارع بالتنبيه بتسبيح الرجال وتصفيق النساء، ولا تبطل إن رجع لفعلهم وفي الإنصاف، وفعل ذلك منهم مما يستأنس به، ويقوى ظنه، ونقل أبو طالب: إذا صلى بقوم تحرى ونظر إلى من خلفه، فإن قاموا تحرى وقام، وفعل ما يفعلون، وذلك والله أعلم ما لم يكن عنده يقين.

وسواء غلب على ظنه صوابهما أو خطؤهما (¬1) والمرأة كالرجل (¬2) (فـ) إن (أصر) على عدم الرجوع (ولم يجزم بصواب نفسه بطلتا صلاته) (¬3) لأنه ترك الواجب عمدا (¬4) وإن جزم بصواب نفسه لم يلزمه الرجوع إليهما (¬5) لأن قولهما إنما يفيد الظن، واليقين مقدم عليه (¬6) وإن اختلف عليه من ينبهه سقط قولهم (¬7) . ¬

_ (¬1) فيلزمه الرجوع نص عليه، وجزم به الموفق وغيره، ما لم يتيقن صواب نفسه، والفرق بين الظن وغالب الظن، أن الظن إذا قوى أحد الطرفين وترجح على الآخر ولم يأخذ القلب ما ترجح به، ولم يطرح الآخر فهو الظن، وإذا عقد القلب على أحدهما وترك الآخر فهو غالب الظن. (¬2) في تنبيه الإمام، وإلا لم يكن في تنبيهها فائدة، ولما شرع تنبيهها بالتصفيق في أشرف العبادة، والمراد بخلاف المميز فلا عبرة بتنبيهه. (¬3) قولا واحدا، ما لم يكن إصراره على عدم الرجوع لجبران نقص، كما لو قام قبل أن يتشهد التشهد الأول ونحوه ونبهوه بعد أن قام ولم يرجع، لحديث المغيرة. (¬4) ولا ينجبر بسجود في قول جمهور العلماء. (¬5) كالحاكم إذا علم كذب البينة، وأما هما فيفارقانه حيث جزما بذلك. (¬6) وهو ما جزم به في نفسه، فيعمل بيقينه كالحاكم. (¬7) وذلك بأن أشار بعضهم بالقيام وبعضهم بالقعود مثلا، سقط قولهم، كبينتين تعارضتا ويأخذ بالأقل وفاقا وفي المبدع: ويعمل بغلبة ظنه، واختاره جمع، فإن قيل: التنبيه إنما يكون بالتسبيح أو التصفيق فكيف يتصور اختلافهم؟ قيل قد ينبه بعضهم بالتسبيح، وبعضهم بالإشارة أو قبض يد، أو غير ذلك مما يدل على خلاف قول المسبح.

ويرجع منفرد إلى ثقتين (¬1) (و) بطلت (صلاة من تبعه) أي تبع إماما أبي أن يرجع حيث يلزمه الرجوع (عالما (¬2) لا) من تبعه (جاهلا أو ناسيا) للعذر (¬3) ولا من فارقه لجواز المفارقة للعذر (¬4) ويسلم لنفسه (¬5) ولا يعتد مسبوق بالركعة الزائدة إذا تابعه فيها جاهلا (¬6) . ¬

_ (¬1) ما لم يجز بصواب نفسه كما تقدم في الإمام، حتى في طواف. (¬2) أي بزيادتها وبطلان صلاته بذلك، ذاكرا لها لأنه إن قيل ببطلان صلاة الإمام لم يجز اتباعه فيها، كما لو اقتدى بمن يعلم حدثه، وإن قيل بصحتها فهو يعتقد خطأه وأن ما قام إليه ليس من صلاته. (¬3) لأن الصحابة رضي الله عنهم تابعوا النبي صلى الله عليه وسلم في الخامسة حيث لم يعلموا، وتوهموا النسخ، ولم يؤمروا بالإعادة. (¬4) أي ولا تبطل صلاة من فارقه، لجواز المفارقة للعذر وهو زيادته فيها وعبارة الأقناع والمنتهى، وجوب مفارقته لاعتقاد خطئه، وعنه ينتظر ليسلم معه، وعنه يخير في انتظاره ومتابعته، قال الشيخ وغيره: وانتظاره حتى يسلم معه أحسن. (¬5) أي ويسلم المأموم المفارق لإمامه بعد قيامه لزائدة، وتنبيهه وإبائه الرجوع إذا تم التشهد الأخير لنفسه للعذر. (¬6) أي لا يحتسب مسبوق بالركعة الزائدة إذا تابع الإمام فيها جاهلا، سواء دخل مع الإمام فيها أو قبلها، لعدم اعتداد الإمام بها ولوجوب المفارقة على من علم الحال، وقال القاضي والموفق وغيرهما، يعتد بها، قال في الرعاية: في الأصح، لأنه لو لم يحسب له بها للزمة أن يصلي خمسا مع علمه بذلك، ولأن الإمام يعتقد وجوبها عليه.

(وعمل) في الصلاة متوال (مستكثر عادة من غير جنس الصلاة (¬1)) كالمشي واللبس ولف العمامة (¬2) (يبطلها عمده وسهوه) وجهله (¬3) إن لم تكن ضرورة وتقدم (¬4) (ولا يشرع ليسيره) أي يسير عمل من غير جنسها (سجود) ولو سهوا (¬5) . ¬

_ (¬1) هذا هو القسم الثاني من زيادة الأفعال، وهو كل عمل عد في العادة كثيرا، ولا يتقيد بثلاث ولا غيرها، بل بخلاف ما يشبه فعله صلى الله عليه وسلم في فتحه الباب لعائشة وحمله أمامة ونحو ذلك، فلا يبطلها والمتوالي هو الذي لا تفريق بينه فلو فرق بين العمل لم تبطل، ويكفي نحو قراءة آية أو ركوع. (¬2) وكالخياطة والكتابة، لما لم يكن من جنسها، هذا إذا كثر وإلا فلا. (¬3) لقطعه الموالاة بين الأركان، فأما بطلانها بالكثير عمدا فلا نزاع فيه حكاه في الشرح والإنصاف وغيرهما، وأما سهوا فعلى الصحيح من المذهب، واختار المجد وغيره، لا تبطل بالعمل الكثير سهوا، لقصة ذي اليدين، فإنه مشي وتكلم، وبنى على ما تقدم من صلاته، والمراد ببطلانها بالمستكثر، إذا لم يكن حاجة إلى ذلك، وإشارة أخرس كفعله، لا كقوله، فلا تبطل الصلاة إلا إذا كثرت وتوالت. (¬4) فيما يكره في الصلاة، والضرورة كخوف وهرب من عدو ونحوه وكسيل وحريق وسبع، فإذا كان ضرورة لم تبطل، لأن الضرورات تبيح المحظورات وعدا ابن الجوزي من الضرورة من به حك لا يصبر عنه، وكذا إن كان يسيرا عادة ولم يتوال ولو كثر، ولا بأس به لحاجة، لما تقدم من فعله صلى الله عليه وسلم. (¬5) لأنه لم يرد السجود له، ولا يصح قياسه على ما ورد من السجود، لمفارقته إياه، ولأنه لا يكاد يخلو منه صلاة، ويشق التحرز منه.

إذا غلب الوسواس لا يبطلها

ويكره العمل اليسير من غير جنسها فيها (¬1) ولا تبطل بعمل قلب (¬2) . ¬

_ (¬1) كفتح الباب، ولف العمامة، لغير حاجة، لأنه عبث ويذهب الخشوع الذي هو لب الصلاة وروحها. (¬2) وإن طال وفاقا لأبي حنيفة والشافعي، لمشقة التحرز منه، ما لم يترك واجبا، وإلا أبطل قال عليه الصلاة والسلام: «إنها ألهتني آنفا عن صلاتي» وقال: «أخاف أن تفتنني» وقوله: «حتى لا يدري كم صلى» ففيها أنها تصح وإن حصل فيها فكر واشتغال قلب بغيرها، قال النووي: وهذا بإجماع من يعتد به في الإجماع اهـ، ونقل الإجماع غير واحد أنها لا تبطل بحديث النفس ولو كثر، واتفقوا على كراهته وفي الحديث «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها» ، ما لم تعمل، أو تكلم متفق عليه، وفي الصحيح «ذكرت وأنا في الصلاة تبرأ عندنا» الحديث ولكن كانت قرة عينه في الصلاة، ولم يشغله ما هو فيه عن مراعاة أحوال المأمومين وغيرهم مع كمال إقباله وقربه من الله، وخضوعه بين يديه، وقال عمر: وإني لأجهز جيشي في الصلاة، رواه البخاري ولأن الشيطان كثيرا ما يحول بين المرء ونفسه، ويذكره ما لم يكن يذكر. قال شيخ الإسلام: إذا غلب الوسواس على أكثر الصلاة لا يبطلها، قال: وهو أنواع: ما لا يمنع ما يؤمر به بل بمنزلة الخواطر، فلا يبطلها، لكن من سلمت صلاته فهو أفضل، وما منع الفهم، وشهود القلب، بحيث يصير غافلا، فلا ريب في منع الثواب لقوله: «إلا ما عمل بقلبه» ، وهل يبطل ويوجب الإعادة؟ فيه تفصيل فإن كانت الغفلة أقل من الحضور لم تجب الإعادة وإن كان الثواب ناقصا فإن النصوص قد تواترت بأن السهو لا يبطلها وإنما يجبر بعضه بسجدتي السهو. وإن غلبت الغفلة على الحضور، فقيل: لا تصح في الباطن، وإن صحت في الظاهر، وقيل: لا تجب عليه الإعادة وإن كان لا ثواب له هذا المأثور عن أحمد وغيره لما ثبت «إن الشيطان يخطر بين المرء ونفسه، يذكره ما لم يكن يذكر، حتى لا يدري كم صلى» وأمره بسجدتين السهو ولم يأمره بالإعادة، ولم يفرق بين القليل والكثير، فإن النصوص والآثار إنما دلت على أن الأجر والثواب مشروط بالحضور، لا تدل على وجوب الإعادة لا باطنا ولا ظاهرا، ورجح أن الغفلة سبب لنقص الثواب، أو فواته الخاص، لا أنه لا أجر له فيه بالكلية بقصة تخفيف عمار، وقوله: «لا يستجاب الدعاء من قلب غافل» ، وقوله فيمن صلى ركعتين «لا يحدث فيهما نفسه غفر له» ، وغير ذلك، وقال في موضع آخر: هذا في المؤمن الذي يقصد العبادة لله بقلبه مع الوسواس وأما المنافق الذي لا يصلي إلا رياء وسمعة فعمله حابط، ولا يحصل له به ثواب، ولا يرتفع به عنه عذاب، ولا يثاب على عمل مشوب إجماعا.

وإطالة نظر إلى شيء وتقدم (¬1) (ولا تبطل) الصلاة (بيسير أكل وشرب وسهوا أو جهلا) (¬2) لعموم عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان (¬3) . ¬

_ (¬1) فيما يكره في الصلاة وكنقش في جدار، وككتاب ولو بقلبه دون لسانه. (¬2) فرضا كانت الصلاة أو نفلا. (¬3) ولأن تركهما عماد الصوم، وركنه الأصلي، فإذا لم يؤثر فيه حالة السهو فالصلاة أولى، وكالسلام قال في الكافي: فعلى هذا يسجد، لأنه يبطل الصلاة عمده فعفى عن سهوه، فيسجد له كجنس الصلاة، لأن غيرهما يبطلها إذا كثر، فهما أولى، ولأن الصلاة عبادة بدنية، فيندر ذلك فيها، وهي أدخل في الفساد، بدليل الحدث والنوم، بخلاف الصوم، ولأنه ينقطع عن القياس.

وعلم منه أن الصلاة تبطل بالكثير عرفًا منهما كغيرهما (¬1) (ولا) يبطل (نفل بيسير شرب عمدًا) (¬2) لما روي أن ابن الزبير شرب في التطوع (¬3) ولأن مد النفل وإطالته مستحبة، فيحتاج معه إلى جرعة ماء لدفع العطش، فسومح فيه كالجلوس (¬4) وظاهره أنه يبطل بيسير الأكل عمدًا (¬5) وأن الفرض يبطل بيسير الأكل والشرب عمدًا (¬6) . ¬

_ (¬1) بغير خلاف، قاله في الشرح والمبدع وغيرهما، وحكى ابن المنذر وغيره إجماع العلماء على المنع من الأكل والشرب، وأنه إن أكل أو شرب في صلاة الفرض عامدًا لزمته الإعادة. (¬2) وهو مفهوم ما قطع به في المقنع والمنتهى، قال الوزير: وهو المشهور عن أحمد، وفي الفروع، وعنه ونفله أي تبطل وفاقا، والأشهر بالأكل وصحح في الشرح أن النفل كالفرض، وهو قول الأكثر، قاله في المبدع، وقاله ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المصلي ممنوع من الأكل والشرب. (¬3) وكذا سعيد بن جبير، وقال طاوس، لا بأس وقال الخلال، سهل أبو عبد الله في ذلك، وابن الزبير هو عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي وأمه أسماء بنت أبي بكر ولد عام الهجرة، أحد العبادلة والشجعان بويع بالخلافة سنة أربع وستين، وولي إلى أن قتله الحجاج بمكة سنة ثلاث وسبعين. (¬4) أي كما سومح في الجلوس في النافلة. (¬5) لأنه ينافي هيئة الصلاة. (¬6) لأنه ينافي الصلاة قال في المبدع: وهو إجماع من نحفظ عنه في الفرض، لأنهما ينافيان الصلاة.

القول المشروع في غير موضعه لا يبطلها

وبلغ ذوب سكر ونحوه بفم كأكل (¬1) ولا تبطل ببلع ما بين أسنانه بلا مضغ (¬2) قال في الإقناع، إن جرى به ريق (¬3) وفي التنقيح والمنتهى ولو لم يجر به ريق (¬4) وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه (¬5) كقراءة في سجود وركوع (وقعود وتشهد في قيام وقراءة سورة في) الركعتين (الأخيرتين) من رباعية أو في الثالثة من مغرب (لم تبطل) بتعمده (¬6) . ¬

_ (¬1) أي حكم بلع ذوب سكر، وهو ماء القصب إذا أغلي واشتد، وقذف بالزبد فارسي معرب، ويقال: أول ما عمل بطبرزاذ وكذا نحوه كحلوى وترنجبيل حكم الأكل وفاقًا، وكذا لو فتح فاه فنزل فيه ماء المطر فابتلعه. (¬2) لأنه ليس بأكل ويسير. (¬3) صوابه ما يجري به ريق، وهو اليسير الذي لا يمكن الاحتراز منه، قال شارحه، ولأن ذلك لا يسمى أكلا. (¬4) وهو الذي له جرم، ولا يجري إلا بالإزدراد، وتبعهما العسكري والشويكي، وقال الحجاوي على التنقيح: وهذا بعيد، تابع فيه الفروع واستبعده ابن نصر الله، قال في الإقناع تبعًا للمجد، وما لا يجري به ريقه بل يجري بنفسه وهو ما له جرم تبطل به أي ببلعه، وهو مفهوم الرعاية والفروع والإنصاف والمبدع، ولا تبطل بترك لقمة في فمه لم يمضغها ولم يبتلعها حتى فرغ من الصلاة، ويكره ذلك وإن لاكها ولم يبتلعها فهو كالعمل إن كثر أبطل وإلا فلا. (¬5) وهذا أول الشروع في زيادة الأقوال، وهي قسمان، ما يبطل عمده وما لا يبطل، وبدأ ما لا يبطل، وثني بما يبطل، ومن باب الترقي والبداءة بالأسهل. (¬6) وفاقا، وكذا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول لقوله «إذا جلس في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف» قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، يرون أن لا يطيل القعود في الركعتين الأوليين، ولا يزيد على التشهد شيئا في الركعتين الأوليين، وقالوا: إن زاد على التشهد فعليه سجدتا السهو، هكذا عن الشعبي وغيره.

لأنه مشروع في الصلاة في الجملة (¬1) (ولم يجب له) أي السهو (سجود بل يشرع) أي يسن كسائر ما لا يبطل عمده الصلاة (¬2) (وإن سلم قبل إتمامها) أي إتمام الصلاة (عمدًا بطلت) (¬3) . ¬

_ (¬1) أي في غير هذه المواضع، قال النووي وغيره: وإن سبح الله وحمده في غير ركوع وسجود لم تبطل، سواء قصد به تنبيه غيره أو لا، وهو مذهب الشافعي والأوزاعي وجمهور العلماء، لما في الصحيحين من حديث سهل ابن سعد، وقيل: تبطل به، ذكره ابن الجوزي وابن حامد وأبو الفرج في قراءته راكعا أو ساجدا، لنهيه عليه الصلاة والسلام عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، قال الترمذي: وهو قول أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، كرهوا القراءة في الركوع اهـ فيسن الأدب مع كلام الله أن لا يقرأ في هاتين الحالتين، فإنهما حالتا ذل وانخفاض، وكلام الله أشرف الكلام، فالانتصاب أولى به، إذ هو أشرف حالات العبد، وعليه فيتأكد تركها في تلك المواضع، ويتأكد سجود السهو له. (¬2) صححه غير واحد، منهم صاحب الفروع والوسيلة والرعاية، ونصره جماعة، لعموم «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» رواه مسلم، فإن لم يكن مشروعًا كآمين رب العالمين؛ الله أكبر كبيرا، لم يشرع له سجود، جزم به في المغني والشرح وغيرهما. (¬3) قال في الإنصاف وغيره: بلا نزاع.

لأنه تكلم فيها قبل إتمامها (¬1) (وإن كان) السلام (سهوا ثم ذكر قريبًا أتمها) (¬2) وإن انحرف عن القبلة، أو خرج من المسجد (¬3) (وسجد) للسهو لقصة ذي اليدين (¬4) لكن إن لم يذكر حتى قام، فعليه أن يجلس لينهض إلى الإتيان بما بقي عليه عن جلوس (¬5) . ¬

_ (¬1) وظاهره سواء كان الباقي منها واجب أو ركن فكلاهما يبطلها تركه عمدا، وهو ظاهر المنتهى تبعا للمقنع. (¬2) أي: الصلاة وسجد للسهو، نص عليه، وفي الإنصاف، بلا خلاف أعلمه وقال في المغني، ولم تبطل بالسلام سهوًا، رواية واحدة لأنه عليه الصلاة والسلام فعله وهو وأصحابه وبنوا على صلاتهم، ولأن جنسه مشروع فيها، أشبه الزيادة فيها من جنسها، وفي الشرح وغيره، وإن لم يطل الفصل أتى بما ترك، ولم تبطل صلاته إجماعا لقصة ذي اليدين. (¬3) أي أتمها ما لم يطل الفصل وفاقًا. (¬4) المتفق عليها من حديث أبي هريرة، وفيها فخرجت السرعان من باب المسجد فقالوا: يا رسول الله «أنسيت أم قصرت الصلاة؟» فقال: «لم أنس ولم تقصر» وفي القوم أبو بكر وعمر، فقال: «أكما يقول ذو اليدين؟» فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم، ولمسلم: قام فدخل الحجرة فخرج فصلى الركعة التي كان ترك ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم، وفي رواية: خرج إلى منزله، وفي أخرى: يجر رداءه مغضبا، وهذه أفعال كثيرة قطعا، وذو اليدين هو الخرباق السلمي، أسلم في أواخر زمن النبي صلى الله عليه وسلم وعاش حتى روى عنه متأخروا التابعين. (¬5) متعلق بينهض، لأنه لم يأت بالقيام لها عن جلوس مع النية.

لأن هذا القيام واجب للصلاة فلزم الإتيان به مع النية (¬1) وإن كان أحدث استأنفها (¬2) فإن طال الفصل عرفًا بطلت، لتعذر البناء إذا (¬3) (أو تكلم) في هذه الحالة (لغير مصلحتها) كقوله: يا غلام؛ اسقني (بطلت) صلاته (¬4) لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين» رواه مسلم (¬5) . ¬

_ (¬1) أي: وهو لم يأت به معها. (¬2) لأن الحدث ينافيها واستمرار الطهارة شرط، وقد فات. (¬3) لأنها صلاة واحدة فلم يجز بناء بعضها على بعض مع طول الفصل، لفوات الموالاة بين أركانها، وطول الفصل يؤخذ من العرف، حيث لم يرد تحديده بنص، وذلك قاعدة في كل شيء لم يأت في الشرع تحديده، يرجع فيه إلى العرف، وقيل هو مضي قدر تلك الصلاة، وقيل ركعة، والأولى المقاربة، كمثل حال النبي صلى الله عليه وسلم في خبر ذي اليدين، وفي المبدع: إذا لم يذكر المتروك حتى شرع في صلاة غيرها، فإن طال الفصل بطلت، وإن لم يطل عاد إلى الأولى وأتمها، لأنه عمل من جنس الصلاة سهوا فلم تبطل، كما لو زاد ركعة اهـ، والعرف هو ما استقر من الأمور في العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول. (¬4) يعني التي سلم فيها عن نقص بطلبه السقي، وهو خارج عن مصلحتها. (¬5) ولقوله صلى الله عليه وسلم «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، ومما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة» وقال زيد بن أرقم، «فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام» ، ولغيرها من الأحاديث، وعنه: لا تفسد بالكلام إذا سلم وتكلم يظن أن صلاته قد تمت، لأنه نوع من النسيان، أشبه المتكلم جاهلاً.

وقال: أبو داود مكان لا يصلح «لا يحل» (¬1) ككلامه في صلبها، أي في صلب الصلاة، فتبطل به للحديث المذكور (¬2) سواء كان إمامًا أو غيره، وسواء كان الكلام عمدا أو سهوًا أو جهلاً، طائعًا أو مكرهًا (¬3) . ¬

_ (¬1) وهو بمعناه فيحرم، ولقوله تعالى: {وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ} وقول زيد بن أرقم «فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» ، رواه الجماعة من طرق، والآية مدنية قال ابن كثير: وهذا الأمر يستلزم ترك الكلام في الصلاة، لمنافاته إياها. (¬2) وهو قوله: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين» ، والمراد من عدم الصلاحية عدم صحتها، ومن الكلام مكالمة الناس ومخاطبتهم كما هو صريح في سبب الحديث، وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدًا وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها أن صلاته فاسدة، وقال شيخ الإسلام: هذا مما اتفق عليه المسلمون اهـ، والعامد من يعلم أنه في صلاة، وأن الكلام محرم، والكلام لغة اسم لما يتكلم به، وفي اصطلاح الفقهاء حرفان فصاعدا، وقال شيخ الإسلام، لا بد فيه من لفظ دال على المعنى، دلالة وضعية تعرف بالعقل. (¬3) أما الإمام وغيره في ذلك فسواء، والكلام العمد لغير مصلحتها تقدم الإجماع عليه لتظاهر الأدلة على ذلك، وأما الكلام سهوًا أو جهلاً فعلى الصحيح من المذهب، وعنه لا يبطلها، وفاقا لمالك والشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف، وجميع أئمة المحدثين، واختاره أبو البركات وابن الجوزي والناظم والشيخ وغيرهم، لقصة ذي اليدين، وهي في الصحيحين وغيرهما من طرق، فإن كلامه صلى الله عليه وسلم وكلام أصحابه لمصلحة الصلاة، وعلى سبيل السهو، ولا فرق بين الجاهل بالتحريم أو الإبطال والناسي، لحديث معاوية بن الحكم حين تكلم في صلاته، ولم يأمره بالإعادة رواه مسلم، وكان في آخر الأمر، قال النووي وتأويل الحديث صعب على من أبطلها اهـ ولو نام قائمًا أو قاعدًا نوما يسيرا فتكلم، أو سبق على لسانه حال قراءته كلمة من غير القرآن لم تبطل وفاقًا، والطائع اسم فاعل ضد المكره، والمكره المجبور، واختار القاضي وغيره أنه أولى بالعفو من الناسي، والصحيح عن الشافعية وغيرهم لا تبطل بهذه الأنواع.

أو واجب كتحذير ضرير ونحوه (¬1) وسواء كان لمصلحتها أو لا والصلاة فرضا أو نفلا (¬2) (و) إن تكلم من سلم ناسيا (لمصلحتها) فإن كثر بطلت (¬3) و (إن كان يسيرا لم تبطل) قال الموفق: هذا أولى، وصححه في الشرح (¬4) . ¬

_ (¬1) كخائف تلف شيء وتعين الكلام بطلت، وقال الموفق: ويحتمل أن لا تبطل، وهو ظاهر كلام أحمد ومذهب الشافعي لإجابتهم له صلى الله عليه وسلم في قصة ذي اليدين، وهذا كذلك. (¬2) فإذا تكلم عمدًا بطلت، وقال مالك: استفسار الإمام وسؤاله عند الشك، وإجابة المأمور لا يفسد الصلاة، والفرض والنفل في ذلك سواء للأخبار، وهو مذهب جمهور العلماء قديمًا وحديثًا. (¬3) أي: وإن تكلم من سلم في صلبها وبعد سلامها سهوًا ناسيًا لمصلحتها، فإن كثر الكلام في تلك الحالتين بطلت، لعموم الأخبار المانعة من الكلام، وإنما عفي عن اليسير فبقي ما عداه على العموم، واختار الشيخ وغيره أنها لا تبطل لمصلحتها لقصة ذي اليدين وغيرها، قال في الشرح، وممن تكلم بعد أن سلم الزبير وابناه وصوبه ابن عباس، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم، ومذهب مالك والشافعي -وهو رواية عن أحمد أيضا- أنها لا تفسد في تلك الحال، سواء كان فيه ما ينافي الصلاة أو لم يكن. (¬4) ونص عليه أحمد، وهو مذهب مالك والشافعي، وعوام أهل العلم، وجزم به شيخ الإسلام لظواهر النصوص.

لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وذا اليدين تكلموا وبنوا على صلاتهم (¬1) وقدم في التنقيح وتبعه في المنتهى: تبطل مطلقًٍا (¬2) ولا بأس بالسلام على المصلي، ويرده بالإشارة (¬3) فإن رده بالكلام بطلت (¬4) ويرده بعدها استحبابًا لرده صلى الله عليه وسلم على ابن مسعود بعد السلام (¬5) . ¬

_ (¬1) كما جاء مصرحًا به في قصة ذي اليدين وغيرها. (¬2) أي سواء قرب الفصل أو بعد. في صلب الصلاة أو لا، يسيرًا كان الكلام أو كثيرا، وحجتهما دعوى النسخ للحديث، وأنه كان في أول الإسلام ثم نسخ، ولا وجه له، فقد رده شيخ الإسلام والحافظ وجمهور العلماء، لأن أبا هريرة شهدها، وإسلامه يوم خيبر سنة سبع. (¬3) فقد كان صلى الله عليه وسلم يرد السلام بالإشارة على من يسلم عليه وهو في الصلاة، وقال بلال: يبسط كفه وظهره إلى فوق، صححه الترمذي وغيره، وهو مذهب جمهور العلماء أن المستحب أن يرد السلام بالإشارة، قال الشيخ: ومن لا يحسن الرد لا ينبغي السلام عليه، وإدخاله فيما يقطع صلاته، أو يترك به الرد الواجب. (¬4) لما في الصحيحين عن ابن مسعود أنه لم يرد عليه -يعني باللفظ- وقال: «إن في الصلاة لشغلا» . (¬5) رواه أبو داود والنسائي، قال: «سلمت عليه فلم يرد علي السلام، وقال: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة» فرد علي السلام.

ولو صافح إنسانًا يريد السلام عليه لم تبطل (¬1) (وقهقهة) وهي ضحكة معروفة (ككلام) (¬2) فإن قال: قه قه، فالأظهر أنها تبطل به، وإن لم يبن حرفان، ذكره في المغني، وقدمه الأكثر، قاله في المبدع (¬3) ولا تفسد بالتبسم (¬4) وإن نفخ فبان حرفان بطلت (¬5) . ¬

_ (¬1) وفاقًا لمالك والشافعي. (¬2) يعني في إبطال الصلاة بها عمدًا وسهوًا، بل أولى لهتكه حرمة الصلاة، والقهقهة هي أن يقول: قه قه، ويقال فيه: قه وقهقه بمعنى، والأولى عدم تشبيهها بالكلام، للاختلاف في الإبطال به مطلقا، والإجماع على الإبطال بها، ولأن البطلان بها لا يحتاج إلى كونه كالكلام، قال شيخ الإسلام، القهقهة تبطل بالإجماع، لأن فيها أصواتا عالية تنافي حال الصلاة، وتنافي الخشوع الواجب في الصلاة، فهي كالصوت العالي الممتد الذي لا حرف معه، وأيضا فيها من الاستخفاف بالصلاة والتلاعب بها، ما يناقض مقصودها لذلك، لا لكون متكلمًا، وبطلانها بمثل ذلك لا يحتاج إلى كونه ككلام، وليس مجرد الصوت كلاما اهـ وحكى ابن المنذر والوزير وغيرهما: الإجماع على بطلانها بالضحك. (¬3) وقال في تصحيح الفروع: وهذا الصحيح جزم به في الكافي والمغني، وقال: لا نعلم فيه خلافًا، وحكاه الوزير وغيره إجماعًا، واختاره الشيخ، وقال: إنه الأظهر، لأنه تعمد فيها ما ينافيها، أشبه خطاب الآدمي، وللدارقطني وغيره عن جابر وغيره، والقهقهة تنقض الصلاة. (¬4) فيها، وهو قول الأكثر، حكاه ابن المنذر، وليس التبسم كلامًا وفاقًا. (¬5) لا من خشية الله تعالى وفاقا، والحرفان مثل القاف والهاء لا تكرار الحرف الواحد، وعنه لا تبطل وفاقا لمالك، واختار الشيخ أن النفخ ليس كالكلام ولو بان حرفان فأكثر، لا تبطل به، وفي المسند وأبي داود وغيرهما أنه نفخ في صلاة الكسوف قال الشيخ: ففيه أنه نفخ من حرها عن وجهه، وهذا نفخ لدفع ما يؤذي وبان الشيء بيانًا وتبيانًا، وظهر وأبان كذلك.

(او انتحب) بأن رفع صوته بالبكاء (من غير خشية الله تعالى) فبان حرفان بطلت، لأنه من جنس كلام الآدميين (¬1) لكن إن غلب صاحبه لم يضره، لكونه غير داخل في وسعه (¬2) وكذا إن كان من خشية الله تعالى (¬3) . ¬

_ (¬1) لوقوعه على الهجاء، ودلالته على المعنى، وقال أحمد في الأنين إذا كان غالبا: أكرهه ويأتي قوم شيخ الإسلام، إنما حرم الكلام في الصلاة وأمثاله من الألفاظ التي تناول الكلام، والنحيب البكاء أو رفع الصوت به، اسم من باب ضرب، والبكاء بالمد والقصر، يقال: بكى يبكي بكى وبكاء، سال دمعه حزنا فهو باكٍٍ، جمعه بكاة وقيل: البكاء بالمد رفع الصوت، وبالقصر خروج الدموع وتتابعها، والخشية أحد مصادر خشي، قال ابن مالك، خشيت خشيا ومخشاة ومخشية وخشية، وهي أخص من الخوف. (¬2) استدراك من قوله: أو انتخب من غير خشية الله تعالى، وفاقًا للمغني، وقال شيخ الإسلام، فأما ما يغلب على المصلي عن عطاس وبكاء وتثاؤب فالصحيح عند الجمهور أنه لا يبطل، وهو منصوص أحمد وغيره، لأن هذه أمور معتادة، لا يمكنه دفعها وذكر الأدلة ثم قال: «والقول بأنه يبطل تكليف من الأقوال المحدثة، التي لا أصل لها عن السلف. (¬3) أي نفخ أو انتحب أو تأوه أو أنَّ من خشية الله تعالى لم يضره، وفاقًا لمالك وأبي حنيفة لقوله: {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} وحديث «في صدره أزير كأزير المرجل من البكاء» رواه أهل السنن، ولأنه يجري مجرى الذكر والدعاء ويقتضي الرهبة من الله تعالى والرغبة إليه، وهذا خوف الله في الصلاة، ولو صرح بمعنى ذلك بأن استجار من النار أو سأل الجنة لم تبطل صلاته، وكان أبو بكر إذا قرأ غلبه البكاء، وعمر يسمح نشيجه من رواء الصفوف لما قرأ (إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله) ، والنشيج رفع الصوت بالبكاء وقال الناظم: وإن غلط التالي بغير قراءة ... فعفو كلفظ النائم المتهجد وإن ينتحب من خشية الله قل له ... طفأت لظى وحزت كل التعبد

(أو تنحنح من غير حاجة فبان حرفان بطلت) (¬1) فإن كان لحاجة لم تبطل، لما روى أحمد وابن ماجه عن علي قال: كان لي مدخلان من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل والنهار، فإذا دخل عليه وهو يصلي يتنحنح لي، وللنسائي معناه (¬2) . ¬

_ (¬1) أي: صلاته بالنحنحة وهي ترديد الصوت في جوفه، وعنه أن النحنحة لا تبطل الصلاة مطلقا، بان حرفان أم لا واختاره الموفق وغيره، وردوا تأويل الأصحاب لرواية المروذي ومهنا، أن أحمد تنحنح في صلاته، وقال شيخ الإسلام: إنما حرم الكلام في الصلاة وأمثاله من الألفاظ التي تناول الكلام، والنحنحة لا تدخل في مسمى الكلام أصلا، وقال: هي كالنفخ بل أولى بأن لا تبطل، وقال كثير من متأخري الأصحاب، ما أبان حرفين من هذه الأصوات كان كلاما مبطلا، وهو أشد الأقوال في هذه المسألة، وأبعدها عن الحجة، فإن الإبطال إن أثبتوه بدخولها في مسمى الكلام فمن المعلوم الضروري أن هذه لا تدخل في مسمى الكلام، وإن كان بالقياس لم يصح ذلك، فإن في الكلام يقصد المتكلم معاني يعبر عنها بلفظه، وذلك يشغل المصلي، وأما هذه الأصوات فهي طبيعة كالتنفس، وإبطال الصلاة بمجرد الصوت إثبات حكم بلا أصل ولا نظير، وأيضا جاءت السنة بالنحنحة والنفخ، فالصلاة صحيحة بيقين، فلا يجوز إبطالها بالشك. (¬2) من طريق، وله أيضا من طريق آخر كلاهما عن علي رضي الله عنه وقال المروذي: كنت آتي أبا عبد الله فيتنحنح في صلاته، وقال مهنا: رأيته يتنحنح في صلاته.

وإن غلبه سعال أو عطاس أو تثاؤب ونحوه لم يضره، ولو بان حرفان (¬1) . ¬

_ (¬1) لأنها أصوات طبيعية كما تقدم، وقد غلب عليها، وكذا لو غلط في القراءة أو تنفس فقال: آه والسعال حكة تدفع بها الطبيعة مادة مؤذية عن الرئة والأعضاء التي تتصل بها، والعطاس تهيج في الغشاء الداخلي من الأنف تهيئة للعطس، وهواء يندفع بغتة بعزم من الأنف، والتثاؤب بالهمز مثل تقاتل كسل وفترة كفترة النعاس، تعتري الشخص فيفتح عندها فاه، وتقدم وبالواو عامية، وظاهر عبارات الأصحاب أن ما انتظم حرفين فصاعدا أبطل أفهم أو لا، وأما الحرف وإن كان قد يكون كلمة كـ «ق» و «ع» فأعرضوا عنه، لأن الغالب عليه أنه لا يستقل بمعنى وظاهر كلامهم أنه إذا أفهم معنى أبطل، وصرح به غير واحد من أتباع الأئمة، فإن المصلي إذا قصد معاني يعبر عنها بلفظة شغله عن الصلاة.

فصل في الكلام على السجود للنقص

فصل في الكلام على السجود للنقص (¬1) (ومن ترك ركنا) فإن كان التحريمة لم تنعقد صلاته (¬2) وإن كان غيرها (فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت) الركعة التي تركه منها (¬3) وقامت الركعة التي تليها مقامها (¬4) . ¬

_ (¬1) أي: في الصلاة والشك في بعض صوره وغير ذلك، وهذا القسم الثاني مما يشرع له السجود. (¬2) وكذا النية على القول بركنيتها وغيرهما من الأركان، ويجب تداركه ولا يغني عنه سجود السهو، لتوقف وجوه الماهية عليه، وإنما يشرع السجود للسهو. (¬3) أي: وإن كان المتروك ركنا غير التحريمة كركوع أو سجود أو رفع من أحدهما، أو طمأنينة فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى، وعين القراءة دون القيام، لأن القيام مقصود لها لا لذاته، وإلا فهو سابق عليها، وبطلت أي لغت الركعة التي ترك الركن منها، ولم يحتسب بها من عدد الركعات نص عليه، لأنه ترك ركنا ولم يمكنه استدراكه لتلبسه بالركعة التي بعدها، ولو قال: لغت لكان أحسن، وليس المراد بقوله: بطلت، البطلان الحقيقي، لأن العبادة إذا حكم عليها بالبطلان حكم عليها كلها به، قال الشيخ: جاءت السنة بثوابه على ما فعله، وعقابه على ما تركه، ولو كان باطلاً كعدمه لم يجبر بالنوافل شيء، والباطل في عرف الفقهاء ضد الصحيح في عرفهم، وهو ما أبرأ الذمة لا بمعنى أنه لا يثاب عليها شيئا في الآخرة. (¬4) فتكون الثانية أولته والثالثة ثانية، والرابعة ثالثة، ويأتي بركعة، وكذا القول في الثانية، والثالثة، ولا يبطل ما مضى من الركعات قبل المتروك ركنها، حكاه المجد إجماعًا.

ويجزئه الاستفتاح الأول (¬1) فإن رجع إلى الأولى عالمًا عمدًا بطلت صلاته (¬2) (و) إن ذكر ما تركه (قبله) أي قبل الشروع في قراءة الأخرى (يعود وجوبا فيأتي به) أي بالمتروك (¬3) (وبما بعده) (¬4) لأن الركن لا يسقط بالسهو، وما بعده قد أتى به في غير محله (¬5) فإن لم يعد عمدًا بطلت صلاته (¬6) . ¬

_ (¬1) نص عليه في رواية الأثرم. (¬2) أي: فإن رجع من ترك ركنًا إليه بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى، عالمًا بتحريم الرجوع، عامدًا بطلت صلاته لأن رجوعه بعد شروعه في مقصود القيام وهو القراءة إلغاء لكل من الركعتين، وإن رجع ناسيًا أو جاهلاً لم تبطل، ولم يعتد بما يفعله في الركعة التي تركه منها، لأنها فسدت بشروعه في قراءة غيرها، فلم تعد إلى الصحة بحال. (¬3) لكون القيام غير مقصود في نفسه، لأنه يلزم منه قدر القراءة الواجبة، وهي المقصودة، ولأنه ذكره في موضعه كما لو ترك سجدة من الركعة الأخيرة فذكرها قبل السلام، فإنه يأتي بها في الحال. (¬4) أي ويأتي بما بعد المتروك من الأركان والواجبات لوجوب الترتيب. (¬5) لأن محله بعد الركن المنسي، فلو ذكر الركوع وقد جلس عاد فأتى به وبما بعده، وإن سجد سجدة ثم قام، فإن جلس للفصل سجد الثانية ولم يجلس، وإلا جلس ثم سجد الثانية. (¬6) أي: فإن لم يعد إلى الركن المتروك من ذكره قبل شروعه في قراءة الأخرى عالما بالتحريم عمدًا بطلت صلاته، قال في الإنصاف، بلا خلاف أعلمه، لأنه ترك كرنًا يمكنه الإتيان به في محله عمدا.

وسهوًا بطلت الركعة، والتي تليها عوضها (¬1) (وإن علم) المتروك (بعد السلام فكترك ركعة كاملة) (¬2) فيأتي بركعة ويسجد للسهو ما لم يطل الفصل (¬3) ما لم يكن المتروك تشهد أخيرًا (¬4) أو سلاما فيأتي به ويسجد ويسلم (¬5) ومن ذكر ترك ركن وجهله أو محله عمل بالأحوط (¬6) وإن نسي التشهد الأول، وحده أو مع الجلوس له (¬7) . ¬

_ (¬1) أي: وإن لم يعد سهوا أو جهلا بطلت الركعة المتروك ركنها بشروعه في قراءة ما بعدها، والتي تليها عوضها، وكذا الثانية كما تقدم، والجهل والنسيان في هذه المسألة والتي قبلها واحد، وهو أنه يعذر في كل منهما في عدم البطلان. (¬2) لأن الركعة التي لغت بتركه ركنها غير معتد بها، فوجودها كعدمها. (¬3) عرفًا وفاقًا، ولو انحرف عن القبلة، أو خرج من المسجد، نص عليه، وإن طال الفصل، أو أحدث أو تكلم بما يبطلها بطلت، لفوات الموالاة. (¬4) فيأتي به ويسجد ويسلم. (¬5) ولا يكون كترك ركعة. (¬6) أي: ومن ذكر أنه ترك ركنا وجهله هل هو ركوع أو سجود؟ فالأحوط أن يجعله ركوعا ليأتي به وبما بعده، أو محله، وهو ما إذا تيقن ترك ركن وجهل هل هو في الركعة الأولى أو الثانية؟ فالأحوط أن يجعله من الأولى ليلغيها وتقوم الثانية مقامها، وكذا كل ما تيقن إتمام صلاته، لئلا يخرج منها وهو شاك فيها، ولأبي داود «لا إغرار في صلاة» ، قال أحمد: لا يخرج منها إلا على يقين أنها تمت. (¬7) بأن جلس ولم يتشهد، أو لم يجلس ولم يتشهد سجد للسهو، لما في الصحيحين أنه قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما فلما قضى صلاته سجد سجدتين ثم سلم.

(ونهض) للقيام (لزمه الرجوع) إليه (¬1) (ما لم ينتصب قائما (¬2) فإن استتم قائما كره رجوعه) (¬3) لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس، فإن استتم قائما فلا يجلس، وليسجد سجدتين» رواه أبو داود وابن ماجه من حديث المغيرة بن شعبة (¬4) . ¬

_ (¬1) أي: إلى التشهد والإتيان به جالسا، لتدارك الواجب، ويتابعه مأموم ولو اعتدل. (¬2) لأنه أخل بواجب وذكره قبل الشروع في ركن، فلزمه الإتيان به كما لو لم تفارق ركبتاه الأرض، قال في الإنصاف: لا أعلم فيه خلافا، فإن لم يرجع عالمًا تحريمه بطلت في ظاهر كلامهم، وإن فارقت أليتاه عقبيه لزمه السجود للسهو، وإلا فلا. (¬3) أي إذا بلغ حده الذي ينتهي إليه في القيام، بخلاف ما إذا لم يصل إلى ذلك لقلة ما فعله، وإنما جاز رجوعه لأنه لم يتلبس بركن مقصود في نفسه، ولهذا جاز تركه عند العجز عنه، بخلاف غيره من الأركان. (¬4) من حديث الجعفي، ورواه أحمد والترمذي وصححه عن زياد بن علاقة، قال: صلى بنا المغيرة فنهض في الركعتين. فقلت: سبحان الله سبحان الله، ومضى، فلما أتى صلاته وسلم سجد سجدتي السهو، فلما انصرف قال: رأيت رسول الله عليه وسلم يصنع كما صنعت، وللحاكم نحوه من رواية سعد بن أبي وقاص ومن رواية عقبة بن عامر، وقال: هما صحيحان على شرط مسلم، قال أبو داود: وفعل سعد بن أبي وقاص مثل ما فعل المغيرة، وعمران بن حصين والضحاك بن قيس ومعاوية بن أبي سفيان، وابن عباس أفتى بذلك، وعمر بن عبد العزيز قال: وهذا فيمن قام من ثنتين يعني من غير تشهد وجلوس، وروى البيهقي وغيره عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم تحرك للقيام في الركعتين الأخيرتين من العصر فسبحوا به فقعد، ثم سجد للسهو، قال الحافظ: رجاله ثقات، وقال بعض أهل العلم: لا يسجد للحديث الصحيح «لا سهو في وثبه من الصلاة إلا قيام عن جلوس، أو جلوس عن قيام» ، وهو مذهب أبي حنيفة، وصححه النووي وغيره: وانتصب أي ارتفع ويقال إذا قام رافعًا رأسه.

(وإن لم ينتصب قائمًا لزمه الرجوع) مكرر مع قوله: لزمه الرجوع ما لم ينتصب قائمًا (¬1) (وإن شرع في القراءة حرم) عليه (الرجوع) (¬2) لأن القراءة ركن مقصود في نفسه بخلاف القيام (¬3) فإن رجع عالمًا عمدًا بطلت صلاته (¬4) . ¬

_ (¬1) لأن المعنى واحد. (¬2) وفاقا لظاهر النهي، فإن في حديث المغيرة وغيره حجة قاطعة، مع أن من استتم قائما لا يجلس، لتلبسه بفرض فلا يقطعه، وكما لا يرجع إذا شرع في الركوع وكل ذكر واجب. (¬3) فليس مقصودا في نفسه بل لغيره، ومن لم يحسن من الذكر شيئا وقف بقدر الفاتحة. (¬4) لزيادته فعلاً من جنسها، عالماً بتحريمه ذاكرا، أنه في صلاة، رواية واحدة، قطع به الموفق وغيره، أشبه ما لو زاد ركوعًا، ولا يلزمه الرجوع إن سبحوا به بعد قيامه، وإن سبحوا به قبل قيامه ولم يرجع تشهدوا لأنسفهم، ولم يتابعوه لتركه واجبا وإن رجع قبل شروعه في القراءة لزمهم متابعته، ولو شرعوا فيها، لا إن رجع بعد لخطئه، وينوون مفارقته وجوبا، وإلا بأن تابعوه بطلت صلاتهم وصلاته، هذا إن كان عالما بأن نبهوه على عدم الرجوع بخلاف ما إذا جهل وجهلوا.

من شك في عدد الركعات أخذ بالأقل

لا ناسيا أو جاهلا (¬1) ويلزم المأموم متابعته (¬2) وكذا كل واجب (¬3) فيرجع إلى تسبيح ركوع وسجود قبل اعتدال لا بعده (¬4) (وعليه السجود) أي سجود السهو للكل أي كل ما تقدم (¬5) (ومن شك في عدد الركعات) بأن تردد أصلى اثنتين أم ثلاثا مثلا؟ أخذ بالأقل لأنه المتيقن (¬6) . ¬

_ (¬1) أي: لا إن رجع بعد شروعه في القراءة ناسيًا أو جاهلاً فلا تبطل، ولم يعتد بتلك الركعة التي رجع إليها لحديث «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان» وجهله يكثر، ولا يمكن تكليف أحد تعلمه، ومتى علم صحة ذلك وهو في التشهد نهض ولم يتمه. (¬2) أي متابعة الإمام في قيامه إذا قام ناسيًا التشهد الأول ولم ينبه حتى شرع في القراءة أو بعد أن استتم لحديث «إنما جعل الإمام ليؤتم به» ، ولأنه عليه الصلاة والسلام لما قام من التشهد قام الناس معه، ولحديث المغيرة، وحديث ابن بحينة لما قام سبحوا به، فأشار إليهم أن قوموا، وفعله جماعة من الصحابة، ومتى مضى مصل في موضع يلزمه الرجوع، أو رجع في موضع يلزمه المضي، عالما بتحريمه بطلت، كترك الواجب عمدًا، وإن فعله يعتقد جوازه لم تبطل، كترك الواجب سهوا. (¬3) أي: وكترك تشهد أول ناسيًا ترك كل واجب سهوا. (¬4) أي لا يرجع إلى تسبيح ركوع وسجود بعد الاعتدال، لأن محل التسبيح ركن وقع مجزئًا صحيحًا، ولو رجع إليه كان زيادة في الصلاة، فإن رجع بعد اعتداله عالماً بالتحريم عمدًا بطلت صلاته، لا ناسيًا أو جاهلاً. (¬5) من الصور المذكورة لحديث المغيرة وغيره، فإن فيه حجة قاطعة على أن من قام من ثنتين ولم يجلس ولم يتشهد عليه أن يسجد سجدتي السهو، والسجود في هذه الصورة لا نزاع فيه. (¬6) إشارة إلى أنه لا اقتصار على ما مثل فلو تردد أصلي ثلاثا أم أربعا؟ أخذ بالأقل وهو الثلاث ونحو ذلك وكذلك السجدات وفاقا لمالك والشافعي لحديث عبد الرحمن بن عوف، «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة أو اثنتين فليجعلهما واحدة، وإن لم يدر ثنتين أو ثلاثا؟ فليجعلهما ثنتين» الحديث رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه، ولحديث أبي سعيد قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن صلاته، وإذا كان صلى تمام الأربع كان ترغيما للشيطان» ، رواه مسلم،، ولأن الأصل عدم ما شك فيه. وقال النووي: من شك ولم يترجح له أحد الطرفين بين على الأقل بالإجماع بخلاف من غلب على ظنه أنه صلى أربعا مثلا اهـ وعنه يبني على غالب ظنه، اختاره الخرقي والشيخ وغيرهما، وقال: على هذا غالب أمور الشرع، وهي المشهورة عن أحمد وروي عن علي وغيره، وهو مذهب أصحاب الرأي، لما في الصحيحين عن ابن مسعود «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم يسجد سجدتين» وللبخاري «بعد التسليم» وفي لفظ «فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب» ، وفي رواية فليتحر «أوفي الذي يرى أنه الصواب» رواه أبو داود، وقال أبو الفرج: التحري سائغ في الأقوال والأفعال اهـ ويحمل ما تقدم على استواء الأمرين، فإنه لا خلاف إذا في البناء على اليقين، والسجود للشك هو القسم الثالث مما يشرع له السجود في بعض صوره.

ولا فرق بين الإمام والمنفرد (¬1) ولا يرجع مأموم واحد إلى فعل إمامه (¬2) . ¬

_ (¬1) وعنه يبني الإمام على غالب ظنه، إن كان المأموم أكثر من واحد، لأنه يبعد غلطه، إذ وراءه من ينبهه، فمتى سكتوا عنه علم أنه على الصواب، فهو أولى بالبناء على غالب ظنه من المنفرد. (¬2) لاحتمال السهو منه، بل يبني على اليقين كالمنفرد.

فإذا سلم إمامه أتى بما شك فيه وسجد وسلم (¬1) وإن شك هل دخل معه في الأولى أو في الثانية؟ جعله في الثانية، لأنه المتيقن (¬2) وإن شك من أدرك الإمام راكعا أرفع الإمام رأسه قبل إدراكه راكعا أم لا؟ لم يعتد بتلك الركعة، لأنه شاك في إدراكها (¬3) ويسجد للسهو (¬4) (وإن شك) المصلي (في ترك ركن فكتركه) أي فكما لو تركه، يأتي به وبما بعده (¬5) . ¬

_ (¬1) أي أتى بما شك فيه مع إمامه ليخرج من الصلاة بيقين، وسجد للسهو وسلم، ليجبر ما فعله مع الشك، وإن كان معه غيره وشك رجع إلى فعل إمامه، لأنه يبعد خطأ اثنين وإصابة واحد، وهذا التفريع على المذهب، وتقدم أنه يبني على غالب ظنه، وقال في المبدع، وأما المأموم فيتبع إمامه مع عدم الجزم بخطئه. وإن جزم بخطئه لم يتبعه ولم يسلم قبله. (¬2) وتقدم أنه قول الجمهور، ويقضي ركعة إذا سلم إمامه احتياطا ويسجد للسهو. (¬3) فيأتي ببدلها لاحتمال رفعه من الركوع قبل إدراكه فيه محرما به بعده. (¬4) لخبر «إذ شك أحدكم في صلاته فليسجد سجدتين» الحديث متفق عليه وليجبر ما فعله مع الشك، فإن نقص في المعنى. (¬5) لأن الأصل عدمه، وليخرج منها بيقين، وقال ابن تميم وغيره، لو جهل عين الركن المتروك بنى على الأحوط، فإن شك في القراءة والركوع جعله قراءة وإن شك في الركوع والسجود جعله ركوعا، والوجه الثاني يتحرى ويعمل بغلبة الظن في ترك الركن كالركعة وتقدم.

إن لم يكن شرع في قراءة التي بعدها (¬1) فإن شرع في قراءتها صارت بدلا عنها (¬2) (ولا يسجد) للسهو (لشكه في ترك واجب) كتسبيح ركوع ونحوه (¬3) (أو) لشكه في (زيادة) (¬4) إلا إذا شك في الزيادة وقت فعلها (¬5) لأنه شك في سبب وجوب السجود والأصل عدمه (¬6) . ¬

_ (¬1) يعني في قراءة الركعة التي بعدها. (¬2) ولغت التي قبلها. (¬3) كتسبيح سجود وقول رب اغفر لي، لأنه شك في سبب وجوب السجود للسهو والأصل عدمه. (¬4) بأن شك هل زاد ركوعا أو سجودا، أو شك في تشهده الأخير؟ هل صلى أربعا أو خمسا ونحوه؟، لأن الأصل عدم الزيادة، فلحق بالمعدوم يقينا، ولو أحرم بالعشاء ثم سلم من ركعتين يظنهما من التراويح، أو سلم من ركعتين من ظهر يظن أنها جمعة أو فجر فاتته ثم ذكر أعاد فرضه ولم يبن نص عليه، لأنه قطع نية الأولى باعتقاده أنه في أخرى، وعلمه لها ينافي الأولى، بخلاف ما لو ذكر قبل أن يعمل ما ينافيها، ومن سجد لشك ظنا أنه يسجد له ثم تبين له أنه لم يكن عليه سجود سجد وجوبا، لكونه زاد سجدتين غير مشروعتين، ومن عليه سجود ولم يعلم أيسجد له أم لا؟ لم يسجد له، لأنه لم يتحقق سببه، والأصل عدمه، ومن شك هل سجد لسهوه أو لا؟ سجد. (¬5) كأن ركع أو سجد فشك وهو في نفس الركوع أو السجود هل هو زائد أولا؟ فيسجد. (¬6) بخلاف ما لو كان قائما مثلا فشك هل زاد ركوعا أو سجودًا؟ فلا يسجد.

فإن شك في أثناء الركعة الأخيرة أهي رابعة أم خامسة؟ سجد، لأنه أدى جزءا من صلاته مترددا في كونه منها (¬1) وذلك يضعف النية (¬2) ومن شك في عدد الركعات، وبنى على اليقين، ثم زال شكه، وعلم أنه مصيب فيما فعله لم يسجد (¬3) (ولا سجود على مأموم) دخل مع الإمام من أول الصلاة (إلا تبعًا لإمامه) إن سهي على الإمام فيتابعه (¬4) وإن لم يتم ما عليه من تشهد ثم يتمه (¬5) . ¬

_ (¬1) أو زائدًا عليها. (¬2) فاحتاج للجبر بالسجود، ومفهومه أنه إن شك في التشهد الأخير أهي رابعة أم خامسة؟ لم يجب عليه سجود. (¬3) إمامًا كان أو غيره لزوال موجب السجود، صححه في الإنصاف وغيره. (¬4) ولو لم يسه، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعا في الصورتين، لحديث ابن عمر مرفوعا «ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها إمامه فعليه وعلى من خلفه» رواه الدراقطني، وصح عنه عليه الصلاة والسلام «أنه لما سجد لترك التشهد الأول والسلام من نقصان، سجد الناس معه ولعموم «وإذا سجد فاسجدوا» فيسجد مأموم متابعة لإمامه. (¬5) بعد سلام إمامه، لحديث «وإذا سجد فاسجدوا» ولا يعيد السجود لأنه لم ينفرد عن إمامه، ولو كان المأموم مسبوقا وسها الإمام فيما لم يدركه المسبوق فيه فيسجد معه متابعة له وكذا لو أدركه فيما لم يعتد له به.

فإن قام بعد سلام إمامه رجع، فسجد معه (¬1) ما لم يستتم قائما فيكره له الرجوع (¬2) أو يشرع في القراءة فيحرم (¬3) ويسجد مسبوق سلم معه سهوا (¬4) ولسهوه مع إمامه (¬5) أو فيما انفرد به (¬6) وإن لم يسجد الإمام للسهو سجد مسبوق إذا فرغ (¬7) . ¬

_ (¬1) أي: فإن قام المسبوق بعد سلام إمامه لقضاء ما سبق به ظانًّا عدم سهو إمامه فسجد إمامه، رجع المسبوق وجوبا فسجه معه. (¬2) كمن قام عن التشهد الأول. (¬3) لأنه تلبس بركن مقصود، فلا يرجع إلى واجب، كمن قام عن التشهد يحتذي فيه حذوه وإن أدرك الإمام في آخر سجدتي السهو سجدها معه، فإذا سلم أتى المسبوق بالثانية، ثم قصى ما فاته لعموم «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا» وإن أدركه بعد سجدتي السهو وقبل السلام لم يسجد لسهو إمامه وبعد السلام لا يدخل معه لأنه خرج من الصلاة. (¬4) بعد قضاء ما فاته لأنه صار منفردا. (¬5) أي: دون إمامه فيما أدركه معه، ولو فارقه لعذر، وهذا من عطف العام على الخاص، لأن سلامه معه من أفراد سهوه معه، وفائدة ذلك دفع إيهام أن ما كان معه يتحمله قال عثمان: سواء سجد مع الإمام لسهو الإمام أم لا، فإن سجود سهو المسبوق محله بعد سلام الإمام. (¬6) أي: المسبوق إذا سهي عليه فيما يقضيه بعد سلام إمامه، قال في المبدع: رواية واحدة، ولو كان سجد مع الإمام، لأنه لم يتحمله عنه الإمام فيلزمه السجود بعد قضاء ما فاته. (¬7) أي: من قضاء ما فاته، لأن محل سجود السهو آخر الصلاة، وإنما كان يسجد مع الإمام متابعة له.

الواجب من سجود السهو

وغيره بعد إياسه من سجوده (¬1) (وسجود السهو لما) أي لفعل شيء أو تركه (يبطل) الصلاة (عمده) أي تعمده (¬2) ومنه اللحن المحيل للمعنى سهوًا أو جهلاً (واجب) (¬3) لفعله عليه الصلاة والسلام وأمره به في غير حديث (¬4) والأمر للوجوب (¬5) . ¬

_ (¬1) أي ويسجد غير مسبوق إذا أيس من سجود إمامه وفاقًا لمالك والشافعي، وهذا فيما إذا كان الإمام لا يرى وجوب سجود السهو، أو يراه وتركه سهوا، وإلا بطلت، على القول ببطلانها بترك سجود أفضليته قبل السلام. (¬2) واجب سواء تعمد نقصا كسلام وترك تسبيح ونحوه، أو تعمد زيادة كزيادة ركعة أو ركوع أو سجود ونحوه، أو أتى ببدل ركعة أو ركن شك فيه، لقوله عليه الصلاة والسلام «فليسجد سجدتين» ونحوه من الأحاديث الدالة على الأمر به، ولفعله عليه الصلاة والسلام مما تقدم وغيره، ولأنه جبران يقوم مقام ما يجب فعله أو تركه فكان واجبا. (¬3) لأن عمده يبطل الصلاة، فوجب السجود لسهوه، ولو أعاده صحيحا واختار المجد، لا يجب السجود للحن سهوًا أو جهلاً اهـ وإنما قال: منه لينبه على قوة الخلاف في ذلك. (¬4) منها حديث ابن مسعود وابي سعيد، ولوجوبها على الشاك بغير خلاف، وعنه غير واجب، قال الموفق: ولعل مبناها على أن الواجبات التي شرع السجود لجبرها غير واجبة، فيكون جبرها غير واجب، وفاقًا للشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم. (¬5) لأنه تجرد عن القرينة الصارفة له عما يقتضي خلاف ذلك، وعنه: يشترط السجود لصحة الصلاة قال الوزير: هو المشهور عن أحمد.

وما لا يبطل عمده كترك السنن (¬1) وزيادة قول مشروع غير السلام في غير موضعه (¬2) لا يجب له السجود بل يسن في الثاني (¬3) (وتبطل) الصلاة (بـ) تعمد (ترك سجود) سهو واجب (أفضليته قبل السلام فقط) (¬4) فلا تبطل بتعمد ترك سجود مسنون (¬5) ولا واجب محل أفضليته بعد السلام (¬6) وهو ما إذا سلم قبل إتمامها (¬7) . ¬

_ (¬1) فلا يجب له السجود وتقدم ذكرها. (¬2) كقراءة في ركوع وسجود وتقدم، وأما السلام فيخرج به منها. (¬3) وهو الإتيان بالزيادة بالقول المشروع في غير موضعه غير السلام، وهذا بخلاف ما لو ترك القول المشروع، مثل الاستفتاح أو التعوذ، فلا يسن السجود لتركه بل يباح فقط. (¬4) أي: ندب كونه قبل السلام، فتبطل الصلاة بتعمد تركه، كتعمده ترك واجب من الصلاة، وفاقًا للشافعي، لا إن عزم على فعله بعد السلام فسلم ثم تركه فلا تبطل. (¬5) كترك مسنون، أو زيادة قول مشروع، ولا يكون سجود مسنون محله بعد السلام. (¬6) أي ولا تبطل أيضًا بتعمد ترك سجود سهو واجب محل أفضليته بعد السلام وفاقاً، لأنه خارج عنها فلم يؤثر في إبطالها وإن كان مشروعاً لها، كالأذان لكن يأثم بتعمد تركه ومثله لو أخر السجود الذي أفضليته قبل السلام إلى ما بعده فتركه فلا تبطل. (¬7) أي وسجود السهو الذي محل أفضليته بعد السلام هو ما إذا سلم عن نقص، أو بنى على غالب ظنه اختاره الشيخ.

جواز السجود قبل السلام أو بعده

لأنه خارج عنها، فلم يؤثر في إبطالها (¬1) وعلم من قوله: أفضليته، أن كونه قبل السلام أو بعده ندب، لورود الأحاديث بكلٍّ من الأمرين (¬2) . ¬

_ (¬1) وظاهره ولو أقل من ركعة، كما هو ظاهر المنتهى وغيره، وقيده في الإقناع بما إذا سلم عن نقص ركعة، ونص عليه أحمد، وهو موجب الدليل فإنه إنما ورد في نقص ركعة أو ركعتين، كقصة ذي اليدين، وحديث عمران بن حصين، وكذا إذا شك في صلاته، لما في الصحيح «فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين بعد التسليم» ولمسلم «بعد السلام والكلام» ، ولأحمد: «فليسجد سجدتين بعد ما يسلم» وصححه ابن خزيمة. (¬2) قال القاضي وغيره: لا خلاف بين جميع أهل العلم في جواز الأمرين أي السجود قبل السلام أو بعده، وقال البيهقي: كذا ذكره بعض الشافعية والمالكية إجماعا، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد للسهو قبل السلام، وروينا أنه سجد بعد السلام، وأنه أمر بذلك، وكلاهما صحيح اهـ، وإنما الخلاف في الأولى والأفضل فلو سجد للكل قبله أو بعده جاز، وقال الشيخ: أظهر الأقوال وهو رواية عن أحمد الفرق بين الزيادة والنقص، وبين الشك مع التحري، والشك مع البناء على اليقين، فإذا كان السجود لنقص، كان قبل السلام لأنه جابر لتتم الصلاة به، وإن كان لزيادة كان بعد السلام، لأنه إرغام للشيطان لئلا يجمع بين زيادتين في الصلاة وكذلك إذا شك وتحرى فإنه أتم صلاته وإنما السجدتان إرغام للشيطان، فتكون بعده، وكذلك إذا سلم وقد بقي عليه بعض صلاته ثم أكملها وقد أتمها، والسلام فيها زيادة، والسجود في ذلك ترغيم للشيطان وأما إذا شك ولم يبن له الراجح فيعمل هنا على اليقين، فإما أن يكون صلى خمسا أو أربعا فإن كان صلى خمسا، فالسجدتان يشفعان له صلاته، ليكون كأنه صلى ستا لا خمسًا وهذا إنما يكون قبل السلام، فهذا القول الذي نصرناه يستعمل فيه جميع الأحاديث الواردة في ذلك. وقال: وما شرع من السجود قبل السلام يجب فعله قبله، وما شرع بعده لا يفعل إلا بعده وجوبا، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقال أحمد: أنا أقول كل سهو جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد فيه بعد السلام فإنه يسجد فيه بعد السلام، وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام، ووجهه والله أعلم أنه من شأن الصلاة فيقضيه قبل السلام، إلا ما خصه الدليل، ويخير المأموم بين السلام معه بنية السجود بعد السلام، وبين الإقامة فإن سجد سجد معه، وإلا وحده، ومن سلم من المأمومين معه، ومن لم يسلم صلاة الكل صحيحة.

(وإن نسيه) أي نسي سجود السهو الذي محله قبل السلام وسلم ثم ذكر (سجد) وجوبًا (إن قرب زمنه) (¬1) وإن شرع في صلاة أخرى فإذا سلم (¬2) وإن طال الفصل عرفًا (¬3) أو أحدث أو خرج من المسجد لم يسجد (¬4) . ¬

_ (¬1) عرفًا ولو انحرف عن القبلة، وتكلم لما تقدم ولما في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: «سجد بعد السلام والكلام» . (¬2) أي قضاه ما لم يطل الفصل عرفًا، لبقاء محله، وقيل بقدر ركعة طويلة، وظاهر كلام الخرقي ما دام في المسجد، واشترط الموفق وغيره لقضائه شرطين أن يكون في المسجد، وأن لا يطول الفصل. (¬3) لم يسجد لأنه لتكميل الصلاة، فلا يأتي به بعد طول، وصلاته صحيحة. (¬4) ولو لم يطل الفصل، لفوات شرط الصلاة بالحدث، ولأن المسجد محل الصلاة فاعتبرت فيه المدة، كخيار المجلس.

وصحت صلاته (¬1) (ومن سها) في صلاة (مرارا كفاه) لجميع سهوه (سجدتان) (¬2) ولو اختلف محل السجود (¬3) ويغلب ما قبل السلام لسبقه (¬4) وسجود السهو وما يقال فيه، وفي الرفع منه كسجود صلب الصلاة (¬5) . ¬

_ (¬1) لأنه جابر للعبادة، كجبران الحج، فلم تبطل بفواته، وكسائر الواجبات إذا تركها سهوًا، وقال الوزير وغيره، اتفقوا أنه إذا تركه سهوا لم تبطل، وعنه يسجد مطلقاً، أي سواء قصر الفصل أو لا، خرج من المسجد أو لا، اختاره الشيخ وغيره، وجزم به ابن رزين لقصة ذي اليدين. (¬2) إذا لم يختلف محلهما باتفاق أهل العلم. (¬3) أشار إلى خلاف روي فيه عن الأوزاعي وابن أبي ليلى، وفيه وجه فيما إذا كان السهو من جنسين، تعدد السجود له، لأن كل سهو يقتضي سجودا واتفق الأئمة الأربعة على الاكتفاء بسجدتين، لأنه عليه الصلاة والسلام سها فسلم، وتكلم بعد سلامه، وسجد لهما سجودا واحد، ولقوله «وإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» وقوله بعد السلام، «ولا يلزمه بعد السلام سجودان وكل ذلك يتناول السهو في موضعين فأكثر، وأما حديث «لكل سهو سجدتان» وإن كان فيه مقال فالسهو اسم جنس، ومعناه لكل صلاة فيها سهو سجدتان. (¬4) كأن حصل له سهوان مثلا، بأن زاد في صلاه من جنسها وسلم عن نقص، فيغلب سجودا أفضليته قبل السلام، وإن شك في محل سجوده سجد قبل السلام. (¬5) أي وسجود السهو قبل السلام أو بعده، وما يقال فيه من تكبير وتسبيح، وما يقال بعد رفعه من كـ (رب اغفر لي) ، بين السجدتين، كسجود صلب الصلاة لما تقدم في حديث أبي هريرة «ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر» ، قال الشيخ: والتكبير لسجود السهو ثابت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول عامة أهل العلم اهـ ولأنه يطلق في الأخبار، فلو كان غير المعروف، بين وسجود صلب الصلاة هو سجود الصلاة، بخلاف سجود السهو وسجود التلاوة.

فإن سجد قبل السلام أتى به بعد فراغه من التشهد وسلم عقبه (¬1) وإن أتى به بعد السلام جلس بعده (¬2) مفترشًا في ثنائية ومتوركا في غيرها (¬3) وتشهد وجوبا التشهد الأخير، ثم سلم (¬4) لأنه في حكم المستقل في نفسه (¬5) . ¬

_ (¬1) بلا تشهد إجماعا. (¬2) أي بعد سجود السهو. (¬3) كثلاثية ورباعية تبعا للأصل. (¬4) وفاقًا لمالك وأبي حنيفة، وروي عن ابن مسعود وغيره، لحديث عمران ابن حصين أنه صلى الله عليه وسلم سها فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم، رواه أبو داود والترمذي وحسنه، والقول الثاني يسلم ولا يتشهد، اختاره الشيخ، ومال إليه الموفق والشارح، وهو الذي عليه العمل، كسجوده قبل السلام، ذكره في الخلاف إجماعا، ولأن التشهد لم يذكر في الأحاديث الصحيحة، بل الأحاديث الصحيحة تدل على أنه لا يتشهد. (¬5) من وجه فاحتاج إلى التشهد، كما احتاج إلى السلام إلحاقًا له بما قبله.

باب صلاة التطوع، وأوقات النهي

باب صلاة التطوع وأوقات النهي (¬1) والتطوع لغة: فعل الطاعة (¬2) وشرعا: طاعة غير واجبة (¬3) وأفضل ما يتطوع به الجهاد (¬4) . ¬

_ (¬1) من إضافة المصدر إلى مفعوله وحذف فاعله، قال شيخ الإسلام: التطوع تكمل به صلاة الفرض يوم القيامة إن لم يكن المصلي أتمها، وفيه حديث مرفوع رواه أحمد، وكذلك الزكاة وبقية الأعمال، وتقدم قوله: جاءت السنة بثوابه على ما فعله، وعقابه على ما تركه، ولو كان باطلا كعدمه لم يجبر بالنوافل شيء.. إلخ، وللترمذي وغيره وحسنه قال: الرب سبحانه انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله في ذلك، ولأبي داود معناه من وجه آخر بسند صحيح. (¬2) وتطوع تفعل، من طاع يطوع إذا انقاد وتطوع بالشيء تبرع به. (¬3) وكذا عرفًا وقال الأزهري: التطوع ما تبرع به من ذات نفسه، مما لم يلزمه فرضه اهـ فسمي تطوعا لأن فاعله يفعله تبرعًا من غير أن يؤمر به حتما وتنفل فعل النافلة والنفل والنافلة الزيادة، وبرادفة السنة، والمندوب والمستحب والمرغب فيه، وقال بعضهم: التطوع ما لم يثبت فيه نص بخصوصه، والسنة ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم والمستحب ما لم يواظب عليه، ولكنه فعله. (¬4) وهو قتال الكفار، قال تعالى: {وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً} وقال عليه الصلاة والسلام «رأس الأمر الإسلام» ، وعمود الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، وغير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على فضل الجهاد في سبيل الله، قال أحمد: لا أعلم شيئا بعد الفرائض أفضل من الجهاد، قال الشيخ الإسلام، والمتأخرون من أصحابنا أطلقوا القول بأن أفضل ما تطوع به الجهاد، وذلك لمن أراد أن يفعله تطوعًا، باعتبار أنه ليس بفرض عين عليه، بحيث إن الفرض قد سقط عنه، فإذا باشره وقد سقط الفرض عنه فهل يقع فرضا أو نفلاً؟ على وجهين، وصحح أنه يقع فرضًا، وذكر تفضيل أحمد للجهاد، والشافعي للصلاة، وأبي حنيفة ومالك للعلم، ثم قال: والتحقيق أنه لا بد لكل من الآخرين، وقد يكون كل واحد أفضل في حال، كفعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه بحسب الحاجة والمصلحة.

فضل طلب العلم لمن صحت نيته

ثم النفقة فيه (¬1) ثم تعلم العلم وتعليمه (¬2) . ¬

_ (¬1) أي في الجهاد لقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} وحديث «من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت بسبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة» ، وغيره ذلك فالنفقة ونحوها فيه أفضل من النفقة في غير من أعمال البر، وكذا غير النفقة كخلف الغازي في أهله وغير ذلك. (¬2) قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ} وتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن طلب العلم فريضة على كل مسلم» ، وفي الحديث «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» ، وغير ذلك، وقال أحمد: طلب العلم أفضل الأعمال لمن صحت نيته قيل له: أي شيء تصحيح النية؟ قال: ينوى يتواضع فيه، وينفي عنه الجهل، والمراد نفل العلم، لأنه لا تعارض بين نفل وواجب، فقد قال: يجب أن يتعلم ما يقوم به دينه، مثل صلاته وصيامه ونحو ذلك، وجوبا عينيًا، لا رخصة فيه فورًا في الفوري، وموسعا في الموسع، وقال: العلم لا يعدله شيء، والناس إليه أحوج منهم إلى الطعام والشراب، وقال: تعلم العلم وتعليمه أفضل من الجهاد وغيره، وقال مالك وأبو حنيفة: أفضل ما تطوع به العلم وتعليمه، وقال الشيخ تعلم العلم وتعليمه يدخل بعضه في الجهاد، وأنه نوع من أنواع الجهاد، من جهة أنه من فروض الكفايات، قال: والعلم خير ما أنفقت فيه الأنفاس، وبذلت فيه المهج، قال أبو الدرداء: العالم والمتعلم في الأجر سواء، وسائر الناس همج لا خير فيهم، وقال النووي: اتفق جماعات السلف على أن الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغال بنوافل الصلاة والصوم والتسبيح ونحو ذلك من أعمال البدن اهـ فهو نور القلوب وحياة الإسلام والمسلمين، بل هو الميراث النبوي، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر، قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} وقال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» ومفهومه أن من لم يتفقه في الدين فقد حرم الخير، فهو أفضل الأعمال وأقربها إلى الله، وأهله هم أهل الله وحزبه وأولاهم به وأقربهم إليه، وأخشاهم له، وهو في غاية الوضوح، فلا يحتاج إلى تعريف هو أبين من أن يبين، ولم يأمر الله نبيه من الازدياد من شيء إلا منه، فقال: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} والمراد من العلم العلم الشرعي، الذي يفيد معرفته ما يجب على المكلف من أمر دينه الذي لا حياة له إلا به.

من حديثٍ وفقهٍ وتفسيرٍ (¬1) . ¬

_ (¬1) وأصول فأفضل العلوم أصول الدين، ثم التفسير ثم الحديث ثم أصول الفقه، ثم الفقه، قال الشيخ من ترك الأصول حرم الوصول، ومن ترك الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلى الله والجنة، إلا الكتاب والسنة، ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن، قال: «إن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» ، ووجوب تعلم العلم على الكفاية عام في سائر شرائع الإسلام، فعلى المكلف البداءة بما يكثر وقوعه ويحتاج إليه، الأهم فالأهم، من واجبات الإيمان، وأركان الإسلام، وقال الشيخ: المشروع في حق من يريد أن يتعلم علم الدين من الأصول والفروع في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن، فإنه أصل علوم الدين، قال والأشهر عن أحمد الاعتناء بالحديث والفقه، وقال: ليس قوم خيرا من أهل الحديث، وقال: معرفة الحديث والفقه أحب إليه من حفظه، وقد مدح الله الفقه فقال: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} وفسر بعلم الفقه، وقال البخاري: وهو ثمرة الحديث، وليس ثوابه في الآخرة بدون ثوابه. وقال ابن الجوزي: بضاعة الفقه أربح البضائع، قال: وعليه مدار العلوم فإن اتسع الزمان للتزيد من العلم فليكن من الفقه، فإنه الأنفع، وقال: تأملت أسباب الفضائل فإذا هو علو الهمة، وذلك أمر مركوز في الجبلة، لا يحصل بالكسب وأرباب النهاية في علو الهمة لا يرضون إلا بالغاية، فهم يأخذون من كل فن من العلم مهمة ثم يجعلون جل اشتغالهم بالفقه لأنه سيد العلوم اهـ ولا يتم أمر ولا تحصل بركة إلا بصلاح النية، ثم ما يتعدى نفعه يتفاوت كعيادة مريض، وقضاء حاجة مسلم، وإصلاح بين الناس، ونحو ذلك، وفي الحديث ألا أخبركم بأفضل من درجة الصدقة والصلاة والصوم؟ قالوا: بلى قال: إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة صححه الترمذي. ولأحمد أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وله أيضا، أحب الأعمال إلى الله الحب في الله والبغض في الله، والفكرة في آلاء الله، ودلائل صنعه، والوعد والوعيد، وهو الأصل الذي يفتح أبواب الخير، وينتج أفعاله، وما أثمر الشيء فهو خير من ثمرته، وقال غير واحد: النطق بكلمة التوحيد أفضل إجماعا، وعمل القلب أفضل من عمل الجوارح، وقال الشيخ: كل واحد بحسبه، فإن الذكر بالقلب أفضل من القراءة بلا قلب، وقال ابن الجوزي، أصوب الأمور أن ينظر إلى ما يطهر القلب ويصفيه للذكر والأنس فيلازمه، وفي الفنون، لو لم يكن مقاساة المكلف إلا لنفسه لكفى به شغلا أن يصح ويسلم ويداوي بعضه ببعض فذلك هو الجهاد الأكبر لأنه مغالبة المحبوبات، ومن انفتح له طريق عمل بقلبه بدوام ذكر أو فكر، فذلك الذي لا يعدل به ألبتة، ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه.

................................................

ثم الصلاة (¬1) و (آكدها كسوف ثم استسقاء) (¬2) . ¬

_ (¬1) أي ثم بعد الجهاد والعلم أفضل التطوعات الصلاة، لترادف الأخبار ومداومة المختار صلى الله عليه وسلم وقال: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» ، وغير ذلك ولأنها آكد الفروض، فتطوعها آكد التطوعات، ولأنها تجمع أنواعا من العبادة، الإخلاص والقراءة، والركوع والسجود ومناجاة الرب تبارك وتعالى، والذل والخضوع له، الذي هو أشرف مقامات العبودية والتسبيح والتكبير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، وقد تقدم فضل الجهاد، وقال الشيخ: العبادة في غير الجهاد تعدل الجهاد، للأخبار الصحيحة المشهورة، وقال النووي: ليس المراد بقولهم: الصلاة أفضل من الصوم، أن صلاة ركعتين أفضل من صيام أيام، أو يوم فإن الصوم أفضل من ركعتين بلا شك، وإنما معناه أن من لم يمكنه الجمع من الاستكثار من الصلاة والصوم، وأراد أن يستكثر من أحدهما، ويقتصر من الآخر على المتأكد منه اهـ، وقيل: الصوم أفضل من الصلاة قال أحمد: لا يدخله رياء، وهذا يدل على أفضليته على غيره. (¬2) أي آكد التطوع صلاة الكسوف، لأنه عليه الصلاة والسلام فعلها وأمر بها، في حديث ابن مسعود المتفق عليه، وغيره، ولأنها عبادة مجمع عليها، وعبادة محضة وصلاة الاستسقاء مستحبة، ولطلب الرزق ثم هي آكد التطوع بالصلاة بعد صلاة الكسوف، لأنه يشرع لها الجماعة مطلقا، أشبهت الفرائض فالتطوع، بما تسن له الجماعة أفضل، والآكدية بمعنى أن فعلها مؤكد، زيادة على بقية النوافل.

من ترك الوتر عمدا فهو رجل سوء

لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه ترك صلاة الكسوف عند وجود سببها، بخلاف الاستسقاء، فإنه كان يستسقي تارة ويترك أخرى (¬1) (ثم تراويح) لأنها تسن لها الجماعة (¬2) (ثم وتر) لأنه تسن له الجماعة بعد التراويح (¬3) وهو سنة مؤكدة (¬4) روي عن الإمام: من ترك الوتر عمدا فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل له شهادة (¬5) . ¬

_ (¬1) يعني فدل على آكدية صلاة الكسوف، وهو كذلك، وظاهر كلامه يقتضي تكرار الكسوف في زمنه صلى الله عليه وسلم وهو لم يقع غير مرة واحدة، وأما صلاة الاستسقاء فورد ما يدل على آكديتها كحديث عائشة وغيره. (¬2) فأشبهت الفرائض من حيث مشروعية الجماعة لها. (¬3) والأشبه أن الوتر آكد فقد قيل بوجوبه، وقال شيخ الإسلام، وما تنازع الناس في وجوبه أوكد، ولكن ما قبله تشرع له الجماعة مطلقا، بخلاف الوتر، فإنها لا تشرع له الجماعة، إلا إذا كان بعد التراويح، والوتر اسم للركعة المنفصلة عما قبلها، وللثلاث والخمس والسبع، والتسع المتصلة والإحدى عشرة، كما أن المغرب وتر النهار اسم للثلاث المتصلة، فإذا انفصلت الثلاث بسلامين أو الخمس وما بعدها كان الوتر اسما للركعة المفصولة وحدها، قال صلى الله عليه وسلم: «فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت» . (¬4) قال الشيخ: باتفاق المسلمين، ولا ينبغي لأحد تركه، ومن أصر على تركه فإنه ترد شهادته. (¬5) ولأحمد وأبي داود مرفوعا: «من لم يوتر فليس منا» ، ولهما «الوتر حق فمن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل» ، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل، ورواته ثقات.

وليس بواجب (¬1) (يفعل بين) صلاة (العشاء و) طلوع (الفجر) فوقته من صلاة العشاء ولو مجموعة مع المغرب تقديما إلى طلوع الفجر (¬2) . ¬

_ (¬1) عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، مع إجماعهم أنه ليس بفرض لحديث الأعرابي حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما فرض الله قال: «خمس صلوات في كل يوم وليلة» ، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إله أن تطوع، متفق عليه، ولحديث عبادة وغيره، وقال علي: الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة، ولكنه سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما حديث «الوتر حق» ونحوه فمحمول على تأكد استحبابه، وقال شيخ الإسلام: أوجبه أبو حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد، والجمهور لا يوجبونه، واختار وجوبه على من يتهجد بالليل، وقال: هو أفضل من جميع تطوعات النهار، بل أفضل الصلاة بعد المتكوبة قيام الليل، وأوكد ذلك الوتر وركعتا الفجر. (¬2) لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» ، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الحاكم ولقوله: «أوتروا قبل أن تصبحوا» رواه مسلم، وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر، وقال: «إذا طلع الفجر فقد ذهب صلاة الليل والوتر» ، وفي صحيح ابن خزيمة، «من أدرك الصبح فلم يوتر فلا وتر له» ، وفيه أحاديث كثيرة من غير وجه تدل على أن جميع الليل وقت للوتر، إلا ما قبل صلاة العشاء وهو إجماع، إذ لم ينقل أنه أوتر فيه، لعدم دخول وقته، وأن آخره إلى طلوع الفجر، ويصح قبل سنة العشاء، لكن خلاف الأولى، وقوله: ولو مجموعة إشارة إلى خلاف أبي حنيفة فإن وقته عنده بعد غيوب الشفق، والجمهور: له أن يصلي الوتر بعد العشاء إذا كانت مجموعة جمع تقديم قبل غروب الشفق، لعموم ما سبق.

وآخر الليل لمن يثق بنفسه أفضل (¬1) وأقله ركعة، لقوله عليه الصلاة والسلام «الوتر ركعة من آخر الليل» رواه مسلم (¬2) ولا يكره الوتر بها، لثبوته عن عشرة من الصحابة، ومنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعائشة رضي الله عنهم (¬3) وأكثره أي أكثر الوتر (إحدى عشرة) ركعة (¬4) . ¬

_ (¬1) أي يثق باستيقاظ آخر الليل بنفسه، أو بإيقاظ غيره، لحديث جابر مرفوعا «أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر ثم ليرقد، ومن وثق بقيام من آخر الليل فليوتر من آخره، فإن قراءة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل» ، رواه مسلم، ولأنه أكثر فعله صلى الله عليه وسلم ففي الصحيحين وغيرهما أحاديث من غير وجه عن خلائق من الصحابة مصرحة أن آخر صلاته بالليل كان وترا، وفيهما وغيرهما أحاديث كثيرة بالأمر يجعل صلاة آخر الليل وترا، وقال غير واحد: وهو قول كافة أهل العلم. (¬2) وغيره من حديث ابن عمر وابن عباس وغيرهما، ولقوله صلى الله عليه وسلم «من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» رواه أبو داود، واستحب أحمد وغيره أن تكون الركعة عقب الشفع، ولو يؤخرها عنه، وليس كالمغرب حتما، ولأنه ركعة قبله شفع لا حد له. (¬3) ولما تقدم من الأحاديث وغيرها، ولما يفهم من لفظ الوتر. (¬4) وفي الوجيز: وأفضله إحدى عشرة ركعة، وجاء ثلاث عشرة ركعة، وفسرت بركعتين بعد الوتر، قال ابن القيم: تجري مجرى السنة، وتكميل الوتر، فإن الوتر عبادة مستقلة، لا سيما إن قيل بوجوبه، فتجري مجرى سنة المغرب، وقيل ثلاث عشرة ركعة بالركعتين الخفيفتين اللتين كان يفتتح بهما تهجده صلى الله عليه وسلم.

يصليها (مثنى مثنى) أي يسلم من كل ثنتين (ويوتر بواحدة) لقول عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة (¬1) وفي لفظ: يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة، هذا هو الأفضل (¬2) وله أن يسرد عشرًا، ثم يجلس فيتشهد ولا يسلم، ثم يأتي بالركعة الأخيرة، ويتشهد ويسلم (¬3) (وإن أوتر بخمس أو سبع) سردها و (لم يجلس إلا في آخرها) لقول أم سلمة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوتر بسبع وخمس لا يفصل بينهن ¬

_ (¬1) رواه مسلم، وفي الصحيحين «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة» قال ابن القيم في حديث عائشة، وهو الصحيح والركعتان فوقها هما ركعتا الفجر، كما جاء مبينا في الحديث نفسه، وإذا انضاف إلى الفرض والسنة الراتبة جاء مجموع ورده بالليل والنهار أربعين ركعة، يحافظ عليها دائما، وما زاد فعارض، فينبغي للعبد أن يراتب على هذا الورد دائما إلى الممات، فما أسرع الإجابة، وأعجل فتح الباب لمن يقرعه كل يوم وليلة أربعين مرة. (¬2) لأمره عليه الصلاة والسلام به، ولاستمرار فعله له، ولأنه أكثر عملاً وفي ذلك دلالة ظاهرة أن أقل الوتر ركعة، وأنها صلاة صحيحة، وهذا مذهب الجمهور، ويسن فعل الوتر عقب الشفع بلا تأخير له عنه، وإذا قام لركعتين ثم بداله فجعل تلك الركعة وترا، فقال أحمد: كيف يكون؟ هذا قلب نية. قيل له أيبتدئ الوتر؟ قال: نعم. (¬3) قياسًا على ما يأتي، وله أن يسرد الجميع ولا يجلس إلا في الأخيرة.

بسلام ولا كلام، رواه أحمد ومسلم (¬1) (و) إن أوتر (بتسع) يسرد ثمانيا ثم (يجلس عقب) الركعة (الثامنة ويتشهد) التشهد الأول (ولا يسلم ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم) لقول عائشة: ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه (¬2) وينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعناه (¬3) (وأدنى الكمال) في الوتر (ثلاث ركعات (¬4) بسلامين) فيصلي ركعتين ويسلم ثم الثالثة (¬5) . ¬

_ (¬1) وله عن ابن عباس: ثم صلى سبعا أو خمسا أوتر بهن، لم يجلس إلا في آخرهن وله أن يسرد ستًّا، ويجلس يتشهد ولا يسلم، ثم يصلي السابعة ويتشهد ويسلم، لفعله عليه الصلاة والسلام رواه أحمد بسند جيد، قال: ولكن أكثر الحديث وأقواه ركعة -يعني: مفصولة- فأنا أذهب إليها. (¬2) أي: يتشهد التشهد الأول. (¬3) رواه مسلم وغيره، والإيتار بتسع مروي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم. (¬4) لأن الركعة الواحدة اختلف في كراهتها والأفضل أن يتقدمها شفع، فلذلك كانت الثلاث أدنى الكمال، وروي من غير وجه أنه كان يوتر بثلاث وقال: «من أحب أن يوتر بثلاث فليفعل» . (¬5) أي: ثم يصلي الثالثة قال في الإنصاف: بلا خلاف أعلمه وهو أفضل، لما سبق قال مهنا: تسلم في الركعتين من الوتر؟ قال: نعم، قلت: لأي شيء؟ قال: لأن الأحاديث فيه أقوى وأكثر عنه صلى الله عليه وسلم وقال الحارث: سئل أحمد عن الوتر، قال: يسلم في الركعتين، وإن لم يسلم رجوت أن لا يضره إلا أن التسليم أثبت وأقوى.

لأنه أكثر عملا (¬1) ويجوز أن يسردها بسلام واحد (¬2) (يقرأ) من أوتر بثلاث (في) الركعة (الأولى) بـ سورة (سبح (¬3) وفي) الركعة (الثانية) بـ سورة «قل يأيها» (الكافرون (¬4) وفي) الركعة (الثالثة بـ) سورة (الإخلاص) بعد الفاتحة (¬5) . ¬

_ (¬1) بالجلوس للتشهد، والتشهد فيه، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء والسلام، وكان ابن عمر يسلم من ركعتين ويأمر ببعض حاجته. (¬2) سردًا فلا يجلس إلا في آخرهن قال أحمد: إن أوتر بثلاث لم يسلم فيهن لم يضيق عليه عندي، ومفهوم عبارته كالقاضي لا يجوز كالمغرب، وظاهر الإقناع والمستوعب وغيرهما يجوز كالمغرب، وقال الشيخ: يخير بين فصله ووصله وصحح أن كليهما جائز وأنه إن كان المأموم يرى أحدهما فوافقهم تأليفًا لقلوبهم كان قد أحسن. (¬3) بعد الفاتحة لما تضمنته من أمور الدنيا والآخرة وسبح علم على السورة المبدوءة بـ (سبح اسم ربك الأعلى) (¬4) بعد الفاتحة وهي تعدل ربع القرآن، لتضمنها التوحيد العلمي الإرادي. (¬5) وتواتر أنها تعدل ثلث القرآن، لتضمنها التوحيد الخبري العملي، ولحديث أبي: أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ بهن في وتره، رواه أبو داود وغيره، ولأحمد وغيره عن ابن أبزى مثله، قال إسحاق وهو أصح شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة في الوتر، ولا ينبغي المداومة على ذلك، فإنه قد يفضي إلى اعتقاد أنه واجب، وسميت سورة الإخلاص لأنها خالصة في صفة الله تعالى، أو لأن اللافظ بها قد أخلص التوحيد لله عز وجل.

يخير في دعاء القنوت بين فعله وتركه

(ويقنت فيها) أي: في الثالثة (بعد الركوع) ندبًا (¬1) لأنه صح عنه صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة وأنس وابن عباس (¬2) وإن قنت قبل الركوع بعد القراءة جاز، لما روي أبو داود عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الوتر قبل الركوع (¬3) فيرفع يديه إلى صدره، ويبسطها، وبطونهما نحو السماء، ولو كان مأمومًا (¬4) . ¬

_ (¬1) لا قبله، وعبارة الإقناع وشرحه: ويسن أن يقنت فيها، أي في الركعة الأخيرة من الوتر جميع السنة، وهذا مذهب أبي حنيفة، وقال الوزير: اتفقوا على أن القنوت في الوتر مسنون في النصف الثاني من شهر رمضان إلى آخره، وقال الشيخ: إذا صلى قيام رمضان فإن قنت جميع الشهر، أو نصفه الأخير، أو لم يقنت بحال فحسن، وقال: يخير في دعاء القنوت بين فعله وتركه اهـ والقنوت في اللغة له معان منها الدعاء، ولهذا سمي هذا الدعاء قنوتًا، ويطلق على الدعاء بخير وشر يقال: قنت له وقنت عليه. (¬2) رضي الله عنهم، إلا أنه في الفريضة، وصح في الوتر عن عمر وعلي، وروي عن الخلفاء وغيرهم أنهم كانوا يقنتون بعد الركوع، قال الخطيب، وأكثر الصحابة عملوا به. (¬3) وصح عن جمع من الصحابة، قال الخطيب: والأحاديث التي فيها القنوت قبل الركوع كلها معاولة وقال شيخ الإسلام: من الناس من لا يراه إلا قبله، ومنهم من لا يراه إلا بعده، وأما فقهاء الحديث كأحمد وغيره فيجوزون كلا الأمرين لمجيء السنة الصحيحة بهما، وإن اختاروا القنوت بعده لأنه أكثر وأقيس. (¬4) لحديث مالك بن يسار مرفوعًا «إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها» ، رواه أبو داود، وللخمسة إلا النسائي من حديث سلمان «إن الله يستحيي أن يبسط العبد يديه يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين» ، ويكون بينهما فرجة، ورفع اليدين في الدعاء متواتر تواترًا معنويًّا، قال بعضهم: روي فيه نحو مائة حديث، ثلاثون من الصحيحين أو أحدهما، واستحابه في القنوت مذهب أبي حنيفة والشافعي.

(فيقول) جهرًا (¬1) . ¬

_ (¬1) إن كان إمامًا إجماعًا، أو منفردًا نص عليه، وقياس المذهب يخير المنفرد، واستظهر في الخلاف تخصيص الجهر بالإمام، وهو ظاهر كلام جماعة، وقال في الفروع والمبدع والإقناع والمنتهى وغيرها: «يقول اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ولا نكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشي عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق» ، وهو مروي عن عمر وغيره، وسورتان في مصحف أبي، قال ابن سيرين، هاتان السورتان كتبهما أبي في مصحفه، وقال أحمد: يستحب بالسورتين وقال الشيخ: لم ينقل مسلم دعاء في قنوت الوتر غير هذه الأدعية المأثورة في الوتر، قنوت الحسن، وسورتي أبي اهـ، وقال غير واحد: لم يوقت في دعاء القنوت غير اللهم «إنا نستعينك» لأن الصحابة اتفقوا عليه، ولو قرأ غيره جاز، والأولى بعده قنوت الحسن، قال أحمد: يدعو بدعاء عمر، «اللهم إنا نستعينك» وبدعاء الحسن «اللهم اهدني» وفي النصيحة: يدعو معه بما في القرآن، ونقل الحارث: بما شاء، وفي الغاية: تحصل سنة القنوت بكل دعاء، وقد جاء القنوت من طرق تدل على مشروعية الدعاء فيه، قال العراقي وغيره، منها ما هو حسن، ومنها ما هو صحيح، وقوله: «ونحفد» بكسر الفاء أي نسارع إلى طاعتك، وأصل الحفد العمل والخدمة، والجد بالكسر العظيم، والأشهر كسر حاء ملحق.

(اللهم اهدني فيمن هديت) أصل الهداية الدلالة (¬1) وهي من الله التوفيق والإرشاد (¬2) (وعافاني فيمن عافيت) أي من الأسقام والبلايا (¬3) والمعافاة أن يعافيك الله من الناس، ويعافيهم منك (¬4) (وتولني فيمن توليت) الولي ضد العدو، من توليت الشيء: إذا اعتنيت به (¬5) أو من وليته: إذا لم يكن بينك وبينه واسطة (¬6) . ¬

_ (¬1) أي إلى ما يوصل إلى المطلوب، والدلالة ضد الضلال. (¬2) التوفيق السداد، وكذا الإرشاد، وهو الاستقامة على طريق الحق، والهداية العلم بالحق مع قصده له، وإيثاره على غيره، والمعنى ثبتني على الهداية وزدني من أسبابها في جملة من هديتهم، أو مع من هديتهم، وقال الشيخ: إنما تسأل الهداية التي خص بها المهتدين، ومن تأول ذلك بمعنى زيادة الهدى أو التثبيت، وقال: كان ذلك جزاء كان متناقضا، فإنه يقال: هذا المطلوب إن لم يكن حاصلا باختيار العبد لم يثب عليه، فإنه إنما يثاب على ما فعله باختياره، وإن كان باختياره فقد ثبت أن الله يحدث الفعل الذي يختاره العبد. (¬3) أي: مع من عافيت أو في جملة من عافيتهم من الأسقام: الأمراض والبلايا: الامتحانات والاختبارات والتكليفات جمع سقم وبلوى. (¬4) وفي المصباح وغيره: عافاه الله محا عنه الأسقام، والعافية مصدر من عافي واسم منه. (¬5) ونظره فيه كما ينظر المولى في حال اليتيم، لأنه سبحانه ينظر في أمر موليه بالعناية. (¬6) بمعنى أن الولي يقطع العلائق بينه وبين الله، حتى يصير في باب المراقبة والمشاهدة، وهو مقام الإحسان، والمعنى: تول أمري، ولا تكلني إلى نفسي، في جملة من تفضلت عليهم، أو حافظًا لي مع من حفظته، «ووليت» بكسر اللام وضم التاء.

(وبارك لي فيما أعطيت) أي أنعمت (¬1) (وقني شر ما قضيت (¬2) إنك تقضي ولا يقضى عليك (¬3) إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت (¬4) تباركت ربنا وتعاليت) (¬5) رواه أحمد والترمذي وحسنه من حديث الحسن بن علي (¬6) . ¬

_ (¬1) أي ضع لي البركة فيما أنعمت به علي من العمر والمال، والعلوم والأعمال، والبركة النماء والزيادة، حسية كانت أو معنوية، والسعادة وثبوت الخير، والعطية الهبة وجميع ما يعطي جمعها عطيات وعطايا. (¬2) وما قدرت عليّ من قضاء وقدر، فسلم لي العقل والدين. (¬3) أي إنك تقدر وتحكم بكل ما أردت، سبحانك لا راد لأمرك ولا معقب لحكمك، تفعل ما تشاء، وتحكم ما تريد. (¬4) يذل: بفتح فكسر، أي لا يصير ذليلا حقيقة من واليته، أو لا يحصل له ذلة، والموالاة ضد المعاداة ويعز قال الشيخ: بالفتح إذا قوي وصلب، وبالكسر إذا امتنع، وبالضم إذا غلب، والمعنى: لا تقوم عزة لمن عاديته وأبعدته عن رحمتك وغضبت عليه. (¬5) تبارك تعاظم وكذا تعلى والأول دال على كمال بركته وعظمتها والثاني على كمال العلو ونهايته. (¬6) يعني ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانيته ولد سنة ثلاث من الهجرة، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث منها هذا الحديث، وروى عن أبيه وأخيه الحسين وعنه ابن الحسن وعائشة وغيرهما، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين» مات رضي الله عنه سنة تسع وأربعين، وقال النووي: إسناده صحيح أو حسن.

قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر، وليس فيه: ولا يعز من عاديت (¬1) ورواه البيهقي وأثبتها فيه (¬2) ورواه النسائي مختصرًا، وفي آخره، وصلى الله على محمد (¬3) (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك (¬4) وبعفوك من عقوبتك (¬5) وبك منك) إظهارًا للعجز والانقطاع (¬6) . ¬

_ (¬1) أقولهن: أي أدعو بهن، وظاهره الإطلاق في جمع السنة. (¬2) وكذا أثبتها أبو داود والطبراني من طرق، وتبعهم المؤلف وغيره، وجميع رواياتهم بإفراد الضمير، وأورده في الإقناع والمنتهى وغيرهما بالجمع. (¬3) ولفظه: وصلى الله على النبي محمد، فلعله لم يثبتها اختصارا، وقال الحافظ: لا تثبت. (¬4) أي استجير برضاك من سخطك، والرضى والسخط صفتان للباري تعالى: لا تشبه رضى المخلوق ولا سخطه. (¬5) أي استجير بعفوك ودفعك السوء والبلاء من عقوبتك، والمعاقبة الجزاء بالشر. (¬6) العجز الضعف، والانقطاع بمعنى العجز، أي استجير بك من عذابك، قال الخطابي والخلخالي وغيرهما: في هذا معنى لطيف: وذلك أنه سأل الله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعفاته من عقوبته، والرضى والسخط ضدان متقابلان وكذلك المعافاة والمؤاخذاة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو الله تعالى أظهر العجز والانقطاع، وفزع منه إليه، واستعاذ به منه لا غير.

(لا نحصي) أي لا نطبق، ولا نبلغ ولا ننهي (ثناء عليك (¬1) أنت كما أثنيت على نفسك) (¬2) اعترافًا بالعجز عن الثناء (¬3) وردًّا إلى المحيط علمه بكل شيء جملة وتفصيلاً (¬4) روي الخمسة عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك في آخر وتره، ورواته ثقات (¬5) . ¬

_ (¬1) أي لا نحصي نعمك والثناء بها عليك، ولا نبلغه ولا نطيقه، ولا ننهي غايته، والإحصاء العد والضبط والحفظ. (¬2) حيث قال: لا نحصي ثناء عليك. (¬3) فهو سبحانه يثني بنفسه على نفسه، والخلق لا يحصون ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه. (¬4) حيث قال: أنت كما أثنيت على نفسك، كما أنه سبحانه لا نهاية لسلطانه وعظمته، لا نهاية للثناء عليه، لأنه تابع للمثنى عليه، وقال ابن الجوزي، هذا اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، وأنه لا يقدر على حقيقته، بل هو تعالى كما أثنى على نفسه، إذ كل ثناء أثنى به عليه، وإن بولغ فيه فقدر الله أعظم، وسلطانه أعز وصفاته أكبر، وفضله وإحسانه أوسع، وفي النهاية: بدأ بالأدنى، وترقى إلى الأعلى، ثم لما ازداد تبيينًا وارتقاء ترك الصفات، وقصر نظره على الذات فقال: أعوذ بك منك، ثم لما أراد قربًا استحيى معه من الاستعاذة على بساط القرب، فالتجأ إلى الثناء، فقال: لا أحصي ثناء عليك، ثم علم أن ذلك قصور فقال: أنت كما أثنيت على نفسك. (¬5) وقال الترمذي: لا نعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت شيئًا أحسن من هذا، وله أن يزيد ما شاء مما يجوز به الدعاء في الصلاة، ولشيخ الإسلام نبذة في دعاء القنوت مشهورة.

(اللهم صل على محمد) لحديث الحسن السابق (¬1) ولما روى الترمذي عن عمر: الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك (¬2) وزاد في التبصرة (وعلى آل محمد) (¬3) واقتصر الأكثرون على الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم (¬4) (ويمسح وجهه بيديه) إذا فرغ من دعائه هنا (¬5) وخارج الصلاة، لقول عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما ¬

_ (¬1) من رواية النسائي وغيره، أنه كان يقول في آخره، وصلى الله على محمد وفيه ضعف، ونص عليه أحمد وغيره. (¬2) صلى الله عليه وسلم وروى عن علي نحوه مرفوعا، وفيه مقال، وفي حديث فضالة بن عبيد وغيره ما يدل على رفعه، وقد شرعت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أول الدعاء وأوسطه وآخره. (¬3) وفي الإقناع: ولا بأس على آله والتبصرة تقدم أنها لعبد الرحمن الحلواني. (¬4) ومنهم صاحب الفروع والمنتهى ولم يذكر في المقنع والشرح والمغني وجمع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وتقدم ذكر مشروعيتها وقال أبو سليمان الداراني: من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وليسأل حاجته، ثم ليختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإنها مقبولة، والله أكرم من أن يرد ما بينهما. (¬5) أي عقب قنوت الوتر، وعنه: لا يمسح القانت نقله الجماعة وفاقًا للشافعي وغيره.

وجهه، رواه الترمذي (¬1) ويقول الإمام: اللهم اهدنا إلى آخره (¬2) ويؤمن مأموم إن سمعه (¬3) (ويكره قنوته في غير الوتر) روي عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي الدرداء رضي الله عنهم (¬4) . ¬

_ (¬1) من رواية حماد وهو ضعيف، ولحديث يزيد عند أبي داود وغيره: كان إذا دعا رفع يديه ومسح بهما وجهه ولحديث ابن عباس مرفوعًا، «فإذا فرغت فامسح بهما وجهك» ، رواه أبو داود وابن ماجه، وقال الشيخ: وأما مسح وجهه بيديه فليس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه إلا حديث أو حديثان لا تقوم بهما حجة. (¬2) بالجمع ومشي عليه في الإقناع والمنتهى وغيرهما، ليشارك المأموم الإمام في الدعاء، وللنهي أن يخص نفسه بالدعاء دونهم، يعني فيما يؤمن عليه، قال شيخ الإسلام: إذا كان المأموم مؤمنًا، على دعاء الإمام فيدعو بصيغة الجمع، كما في دعاء الفاتحة في قوله {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} فإن المأموم إنما أمن لاعتقاده أن الإمام يدعو لهما جميعًا، فإن لم يفعل فقد خان الإمام المأموم، ولهذا جاء دعاء القنوت بصيغة الجمع، اللهم إنا نستعينك إلخ، ففي مثل هذا يأتي بصيغة الجمع، ويتبع السنة، قال في الفروع: ويفرد المنفرد الضمير، وعند شيخنا لا، لأنه يدعو لنفسه وللمؤمنين. (¬3) أي يؤمن على الدعاء من قنوت إمامه خاصة إن سمعه قال الشارح: لا نعلم خلافًا في ذلك، لحديث ابن عباس، بخلاف قوله: «إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، اللهم إنا نستعينك» ونحوه وإن لم يسمعه قنت لنفسه كما لو لم يسمع قراءة الإمام، فإنه يقرأ وإذا أراد السجود رفع يديه، نص عليه، لأن القنوت مقصود في القيام، فهو كالقراءة وقيل: لا قال في الفروع: وهو أظهر، ومن لا يحسن القنوت يقول: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} أو يسأل المغفرة ونحوه. (¬4) وغيرهم جمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما تعلق من تعلق من العلماء في ذلك برواية عن ابن عباس لا تصح، قد خالفت ما علم بالضرورة من النقل والعقل.

القنوت في صلاة الفجر يسن للحاجة

وروى الدارقطني عن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعة (¬1) . ¬

_ (¬1) ورواه البيهقي وغيره، وعن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: أي بني! محدث، رواه الخمسة وصححه الترمذي، وقال: العمل عليه عند أكثر أهل العلم اهـ وبه يقطع أنه لم يكن سنة راتبة، إذ لو كان سنة راتبة يفعله صلى الله عليه وسلم كل صبح، ويجهر به، ويؤمن من خلفه، كان سبيله أن ينقل كنقل جهر القراءة ومخافتتها، وعدد الركعات، فمن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير. وقال شيخ الإسلام: أما القنوت في صلاة الفجر، فقد ثبت في الصحيح أنه كان يقنت في النوازل، قنت مرة شهرا، يدعو على قوم من الكفار قتلوا طائفة من أصحابه، ثم ترك، وقنت مرة يدعو لأقوام من أصحابه، كانوا مأسورين عند قوم يمنعونهم من الهجرة إليه، وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده، كانوا يقنتون نحو هذا القنوت، فما كان داوم عليه، وما كان بدعة بالكلية، وللعلماء فيه ثلاثة أقوال، أصحها أنه يسن عند الحاجة، كما قنت الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه وهو الذي عليه أهل الحديث، وكيف يكون يقنت دائما في الفجر أو غيرها، ويدعو بدعاء راتب؟ ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم لا في خبر صحيح، ولا ضعيف، بل أصحابه الذين هم أعلم الناس بسنته، وأرغب الناس في اتباعها، كابن عمر وغيره، أنكروا ذلك حتى قال ابن عمر: ما رأينا ولا سمعنا، وكذلك غيره من الصحابة، عدوا ذلك من الأحداث المبتدعة، ومن تدبر السنة علم علما قطعيا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقنت دائما في شيء من الصلوات وقال ابن القيم: لم يكن يخص القنوت في النوازل بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من الطول، ولاتصالها بصلاة الليل، وقربها من السحر، وساعة الإجابة.

(إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة) من شدائد الدهر (غير الطاعون (¬1) فيقنت الإمام) الأعظم استحبابًا (في الفرائض) غير الجمعة (¬2) . ¬

_ (¬1) لأنه لم يثبت القنوت في طاعون عمواس، ولا في غيره، ولأنه شهادة ونسبة الشدة إلى الدهر لا تجوز فإن الله سبحانه هو المتصرف في الكون، وهو الفاعل حقيقة، بيده الأمر، وهو على كل شيء قدير، والطاعون الوباء، وهو عند أهل الطب ورم ردئ قتال، يخرج منه تلهب شديد مؤلم جدا، يتجاوز المقدار في ذلك ويصير ما حوله في الآخر أسود أو أخضر أو أكمد، ويئول أمره إلى التقرح سريعا، وأكثر ما يحدث في الإبط وخلف الأذن والأرنبة، واللحوم الرخوة ويعبر به عن ثلاثة أمور، خراجات وقروح وأورام رديئة حادثة في تلك المواضع ونحوها، والثاني الموت الحادث عنه، كما هو شهادة والثالث السبب الفاعل لهذا الداء، وجاء أنه رجز، ووخز الجن ودعوة نبي. (¬2) لأنها عيد المؤمنين، والمطلوب للعيد الفرح والمسرة، وإذا قنت بهم ذكرهم النازلة، وفي المبدع: وظاهر كلامه مطلقا، فالمذهب الاستغناء عنه بالدعاء في الخطبة، واختار الموفق والشارح وغيرهما في الفجر، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم قاله الشارح: لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه إلا في الوتر والفجر، وعنه والمغرب، والمشهور في المذهب في الصلوات كلها، والإمام الأعظم هو الذي يقنت، فيتعدى الحكم إلى من يقوم مقامه، وعن أحمد: نائب الإمام يقوم مقامه، اختاره جماعة، لقيامه مقامه، وعنه: ويقنت إمام جماعة، وعنه: كل مصل، اختاره الشيخ، قال: ولا يقنت في غير الوتر، إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة، فيقنت كل مصل في جميع الصلوات، لكنه في الفجر والمغرب آكد بما يناسب تلك النازلة، كما أنه إذا دعا في الاستسقاء دعا بما يناسب المقصود كما جاءت به السنة، ولا يدعو بما خطر له.

التراويح سنة مؤكدة.

ويجهر به في الجهرية (¬1) ومن ائتم بقانت في فجر تابع الإمام وأمن (¬2) ويقول بعد وتره: سبحان الملك القدوس، ثلاثا ويمد بها صوته في الثالثة (¬3) (والتراويح) سنة مؤكدة (¬4) . ¬

_ (¬1) إجماعًا، ويؤمن من خلفه، كما تقدم. (¬2) أي: تابع الإمام في دعائه: «لحديث إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، ونحوه وأمن المأموم على دعاء إمامه إن سمع القنوت، وإن لم يسمع دعا، قال الشيخ: وإذا فعل الإمام ما يسوغ فيه الاجتهاد، تبعه المأموم فيه، وإن كان هو لا يراه، مثل القنوت في الفجر، ووصل الوتر. (¬3) رواه أبو داود وغيره بسند صحيح، وقال العراقي: هي مصرح بها في حديث أبي وابن أبزى، وكلاهما عند النسائي بإسناد صحيح، وزاد ابن القيم وغيره: «رب الملائكة والروح» ، ويقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» ، رواه أبو داود وغيره بسند صحيح، وتقدم في قنوت الوتر، وللنسائي وغيره، يقوله إذا فرغ من صلاته، وفسر بعضهم رواية: في آخر وتره، يعني بعد السلام منه، وفي صحيح مسلم عن عائشة، في سجوده. (¬4) في رمضان، بإجماع المسلمين، سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث عائشة الآتي وغيره، وليست محدثة لعمر، وهي من أعلام الدين الظاهرة، وقدمت على الرواتب لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره، ولاتفاق الصحابة على فعلها جماعة، بأمر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي أمر الناس بسنته، في قوله صلى الله عليه وسلم «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» وفعل الصحابة لها مشهور، وتلقته الأمة عنهم خلفًا عن سلف، وجاء في فضلها أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه، وليست واجبة، لأنه صلاها صلى الله عليه وسلم بأصحابه ليلتين أو ثلاثًا ثم تركها وقال: خشية أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها.

سميت بذلك لأنهم يصلون أربع ركعات، ويتروحون ساعة أي يستريحون (¬1) (عشرون ركعة) لما روى أبو بكر عبد العزيز في الشافي، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة (¬2) . ¬

_ (¬1) وقال بعض أهل اللغة: التراويح جمع ترويحة، وهي في الأصل اسم للجلسة مطلقًا، ثم سميت بها الجلسة التي بعد أربع ركعات في ليالي رمضان، لاستراحة الناس بها، أو لأنهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، وفي المصباح، «أرحنا بالصلاة» ، أي أقمها، فيكون فعلها راحة، وصلاة التراويح مشتقة من ذلك، وهي قيام شهر رمضان، قال في الفروع: ويستريح بين كل أربع اتفاقًا، ويدعو فعله السلف ولا بأس بتركه. (¬2) ورواه ابن أبي شيبة، وفيه جده إبراهيم بن عثمان متفق على ضعفه وروى البيهقي في المعرفة عن السائب بن يزيد، قال: كنا نقوم في زمن عمر بعشرين ركعة والوتر، قال النووي: إسناده صحيح، وروى مالك وغيره: كان الناس يقومون في زمن عمر في رمضان بثلاث وعشرين ركعة، فكونها عشرين سنة الخلفاء الراشدين، قال القاضي: ولا خلاف أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وإنما الخلاف في فعل النبي صلى الله عليه وسلم وما اختاره لنفسه صلى الله عليه وسلم اهـ. وتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، وفي رواية ثلاثة عشرة ركعة، ولما ثقل بتسع وسبع، وإنما اختار الإمام أحمد وجمهور العلماء عشرين ركعة، لأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر بلا نزاع. وقال شيخ الإسلام: له أن يصلي عشرين: كما هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصليها ستًّا وثلاثين، كما هو مذهب مالك، وله أن يصلي إحدى عشرة وثلاث عشرة، وكله حسن فيكون تكثير الركعات أو تقليلها بحسب طول القيام أو قصره، وقال: الأفضل يختلف باختلاف المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي لنفسه في رمضان وغيره فهو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشر والأربعين، وإن قام بأربعين وغيرها جاز، ولا يكره شيء من ذلك، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد مؤقت لا يزاد فيه ولا ينقص فقد أخطأ، وقد ينشط العبد فيكون الأفضل في حقه تطويل العبادة وقد لا ينشط فيكون في حقه تخفيفها.

تكثير الركعات أو تقليلها بحسب طول القيام أو قصره

(تفعل) ركعتين ركعتين (في جماعة مع الوتر) (¬1) . ¬

_ (¬1) أي يسلم من كل ركعتين، لحديث «صلاة الليل مثنى مثنى» ، ويوتر بعدهابسلامين كما تقدم، وفي جماعة أفضل من الانفراد لإجماع الصحابة رضي الله عنهم، وإجماع أهل الأمصار على ذلك، وهو قول جماهير العلماء، وتجوز منفردًا، وقال مالك والشافعي: في البيت أفضل لخبر «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» وقال البغوي وغيره: الخلاف فيمن يحفظ القرآن، ولا يخاف الكسل عنها لو انفرد، ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه، فإن فقد أحد هذه الأمور فالجماعة أفضل بلا خلاف.

بالمسجد أول الليل (بعد العشاء) والأفضل: وسنتها (في رمضان) (¬1) لما في الصحيحين من حديث عائشة أنه صلاها ليالي، فصلوها معه، ثم تأخر وصلى في بيته باقي الشهر وقال: «إني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها» (¬2) . ¬

_ (¬1) قال الشيخ: باتفاق المسلم وأئمة المسلمين، وتسمى قيام رمضان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه غفر له ما تقدم من ذنبه» وكونها أول الليل لأن الناس كانوا يقومون أوله على عهد عمر، ويأتي أنهم يمدونها في آخره إلى آخر الليل، وقوله: والأفضل وسنتها، أي والأفضل أن تفعل بعد العشاء، وبعد سنتها، لتأكد سنتها بعدها، وإن صلاها بعد العشاء وقبل سنتها جاز، لكن الأفضل بعد سنتها، على المنصوص، قال المجد: لأن سنة العشاء يكره تأخيرها عن وقت العشاء المختار، فكان إتباعها بها أولى اهـ وكذا لو صلاها بعد الوتر وقبل الفجر جاز، ولا تصح قبل صلاة العشاء إجماعا، وقال الشيخ: من صلاها قبل العشاء فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفة للسنة، وإذا طلع الفجر فات وقتها إجماعًا، وعبارة الإقناع وغيره: ووقتها بعد العشاء وسنتها، وقبل الوتر: إلى طلوع الفجر الثاني. (¬2) وظاهره خشية ترتب افتراض قيام رمضان في جماعة على مواظبتهم عليه، وفي الصحيح: «فلما كانت الرابعة عجز المسجد عن أهله» ، وفي حديث زيد «حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به» ، والشاهد منه قوله: «فصلوها معه وأقرهم عليه» ، وقام: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» ، وكان أصحابه يفعلونها في المسجد أوزاعًا، في جماعات متفرقة، في عهده على علم منه بذلك وإقراره لهم.

وفي البخاري أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فصلى بهم التراويح (¬1) وروى أحمد والترمذي وصححه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة (¬2) . ¬

_ (¬1) وقال أحمد: كان علي وجابر وعبد الله يصلونها في الجماعة، واستمر عليه الصحابة ومن بعدهم، وروى البيهقي وغيره عن علي أنه كان يجعل للرجال إماما وللنساء إماما. (¬2) وهذا ترغيب في قيامها مع الإمام، وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة، وإن أخروا التراويح أو بعضها إلى آخر الليل، أو مدوا القيام إلى آخره فهو أفضل، قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً *} وهو وقت التنزل الإلهي الذي يقول الله تعالى فيه: «هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ هل من تائب» وأولى ذلك العشر الأخير منه، واستحب الشيخ إحياءها، وقال: قيام بعض الليالي مما جاءت به السنة، وفي الصحيحين «كان إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله وشد المئزر» ، وللترمذي وغيره وصححه: «إذا كان في آخر الشهر دعا أهله ونساءه، وقام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح يعني السحور» ، وكان الصحابة والتابعون يمدون الصلاة في العشر الأواخر، إلى قرب طلوع الفجر، كماجاء ذلك عنهم من غير وجه، ولأبي داود عن عمر، لأن يؤخر القيام إلى آخر الليل، سنة المسلمين وروى مالك أن عمر أمر أبيًا وتميمًا أن يقوما للناس، وكان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصا من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر، وله عن أبي: كنا ننصرف في رمضان من القيام، فنتعجل الخدم بالسحور، مخافة الفجر وتقدم قوله: فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل، ولا نزاع في ذلك، والاعتماد على العصا في قيام الليل جائز بالاتفاق.

(ويوتر المتهجد) أي: الذي له صلاة بعد أن ينام (بعده) أي بعد تهجده (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» متفق عليه (¬2) (فإن تبع إمامه) فأوتر معه، أو أوتر منفردًا، ثم أراد التهجد لم ينقض وتره (¬3) وصلى ولم يوتر (¬4) . ¬

_ (¬1) التهجد الصلاة بالليل، أو بعد نوم ليلاً، وقال الجوهري: هجد وتهجد أي: نام ليلا، وهجد وتهجد أي: سهر، وهو من الأضداد، ومنه قيل لصلاة الليل تهجد. (¬2) وانتهى وتر النبي صلى الله عليه وسلم إلى السحر، وتظاهرت الأحاديث الصحيحة عليه، وإن لم يكن له تهجد صلى الوتر مع الإمام، لينال فضيلة الجماعة. (¬3) وفاقًا وصفة نقضه فسخه إذا أراد أن يصلي بعد أن أوتر، بأن يصلي ركعة واحدة ينوي بها نقض وتره، ويسلم منها فيصير ما صلى من قبل شفعًا، ثم يصلي ما شاء مثنى، ثم يوتر بركعة، لحديث «لاوتران في ليلة» ، وسألت عائشة عن الذي ينقض وتره؟ فقالت: ذلك الذي يلعب بوتره، وإن أحب أن ينصرف من التراويح، ويوتر آخر الليل فعل. (¬4) أي صلى شفعًا ما شاء إلى طلوع الفجر الثاني، لأنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين، ولم يوتر بعدها اكتفاء بالوتر الذي صلى، ولقوله صلى الله عليه وسلم، «لا وتران في ليلة» ، رواه أحمد وأبو داود، وهو قول جمهور العلماء مالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وغيرهم، وصححه الترمذي وغيره، ولأن الوتر الذي صلاه مضى على صحته، فلا يتوجه إبطاله بعد الفراغ منه.

وإن (شفعه بركعة) أي ضم لوتره الذي تبع إمامه فيه ركعة جاز، وتحصل له فضيلة متابعة إمامه، وجعل وتره آخر صلاته (¬1) و (يكره التنفل بينها) أي بين التراويح (¬2) روى الأثرم عن أبي الدرداء أنه أبصر قوما يصلون بين التراويح فقال: ما هذه الصلاة؟ أتصلي وإمامك بين يديك، ليس منا من رغب عنا (¬3) و (لا) يكره (التعقيب) وهو الصلاة (بعدها) أي بعد التراويح والوتر (في جماعة) (¬4) . ¬

_ (¬1) وكذا إن كان إمامًا استخلف من يصلي بهم تلك الركعة، فإذا سلم الإمام قام وشفعها بركعة، لينال فضيلة الجماعة، وفضيلة جعل وتره آخر صلاته، وتقدم أدلة أفضليتهما. (¬2) نص عليه، وقال في الإنصاف: بلا نزاع أعلمه. (¬3) ونحوه عن عبادة وعقبة بن عامر، وذكر لأحمد رخصة فيه عن بعض الصحابة، فقال: هذا باطل، لأنه رغبة عن إمامه، وهذا ما لم يطل الفصل، كأن يخرج الإمام من المسجد، وكأن يؤخروا بعضها إلى آخر الليل، فلا كراهة إذا، قاله شيخنا، والأثرم هو أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، أحد الأعلام، صاحب السنن وغيرها، روي عن أحمد وعفان وخلق، وعنه النسائي وغيره، مات بعد الستين والمائتين. (¬4) قال المجد وغيره: إذا أخر الصلاة إلى نصف الليل لم يكره، رواية واحدة، ولو تنفلوا جماعة بعد رقدة أو من آخر الليل لم يكره، نص عليه، واختاره جمع.

لقول أنس: لا ترجعون إلا لخير ترجونه (¬1) وكذا لا يكره الطواف بين التراويح (¬2) ولا يستحب للإمام الزيادة على ختمة في التراويح (¬3) إلا أن يؤثروا زيادة على ذلك (¬4) ولا يستحب لهم أن ينقصوا عن ختمة، ليحوزوا فضلها (¬5) . ¬

_ (¬1) وكان لا يرى به بأسا، ولأنه خير وطاعة، وكما لو أخروه إلى آخر الليل. (¬2) وظاهره ولا تكره سنته لما تقدم، ولو رجعوا إليه قبل النوم أو لم يؤخروه إلى نصف الليل. (¬3) لئلا يشق عليهم، قاله القاضي وغيره، وقال أحمد: يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخفف عليهم ولا يشق، سيما في الليالي القصار، وفي الغنية، لا يزيد على ختمة، لئلا يشق فيتركوا بسببه، فيعظم إثمه، وقيل: يعتبر حالهم، وتقدم قول الشيخ: أن الأفضل في حق من لا ينشط التخفيف. (¬4) فيستحب إجماعًا. (¬5) أي الختمة فيسمع المصلون معه جميع القرآن، قال شيخ الإسلام قراءة القرآن في التراويح سنة، باتفاق أئمة المسلمين، بل من جُل مقصود التراويح قراءة القرآن فيها، ليسمع المسلمون كلام الله، فإن شهر رمضان فيه أنزل القرآن، وفيه كان جبرئيل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، وكان صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجودما يكون في رمضان، حين يلقاه جبرئيل فيدارسه القرآن. ويتحرى أن يختم آخر التراويح قبل ركوعه، ويستحب أن يدعو، نص عليه، واحتج بأنه رأى أهل الشام وسفيان بن عيينة يفعلونه، ونقل عن أهل البصرة ونقل فعله عن عثمان وغيره من الصحابة، ولا بأس برفع الأيدي فيه واستحبه كثير من العلماء ولشيخ الإسلام دعاء عند ختم القرآن جامع شامل، قال: وروي أن عند كل ختمة دعوة مستجابة، فإذا دعا عقب الختمة لنفسه ولوالديه ولمشايخه وغيرهم من المؤمنين والمؤمنات كان مشروعا اهـ وينبغي لمن يؤخر بعض التراويح في العشر الأخير إلى آخر الليل، ويحصرها من لا يحضر أوله، أن يبتدئ ختمة أخرى، ليسمعه من يحضر آخره دون أوله. تتمة: يستحب حفظ القرآن إجماعًا وفيه فضل عظيم، وحفظه فرض كفاية إجماعًا وهو أفضل من سائر الذكر وفي الحديث «فضل الكلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» ، صححه الترمذي، ويجب منه ما يجب في الصلاة اتفاقًا، ويبدئ الصبي وليه به قبل العلم، إلا أن يعسر، والمكلف يقدم العلم بعد القراءة الواجبة كما يقدم الكبير نقل العلم على نفل القراءة، واستحب بعضهم القراءة في المصحف لاشتغاله حاسة البصر، ما لم يكن عن ظهر قلب أحضر وأخشع، وتستحب على أكمل الأحوال، والترتيل أفضل من السرعة، مع تبيين الحروف، وأجل قدرا وأقرب إلى الإجلال والتوقير، وأشد تأثيرا في القلب، بل قراءة آية بتدبر وتفهم، خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة القرآن، وهكذا كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم والسلف من بعده، حتى أنه ليردد الآية إلى الصباح، وهذا هو أصل صلاح القلب، ومن مكائد الشيطان تنفير عباد الله عن تدبر القرآن، لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر. ومن الناس من إذا حدر كان أخف عليه، وإذا رتل أخطأ، ومنهم من لا يحسن الحدر، والناس في ذلك على ما يخف عليهم، فيستحب لكل إنسان ملازمة ما يوافق طبعه، ويخف عليه، فربما تكلف ما يشق عليه، فيقطعه عن القراءة أو الإكثار، منها، ولا خلاف أن الأفضل الترتيل، لمن تساوى في حاله الأمران، وأما السرعة مع عدم تببين الحروف فتكره، ويسن تحسين الصوت، وفي الصحيح «زينوا القرآن بأصواتكم» ، «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» ، وهو التحسين والترنم بخشوع وحضور قلب، وتفكر وتفهم ينفذ اللفظ إلى الإسماع، والمعاني إلى القلوب. قال النووي: وإن لم يكن حسن الصوت حسنه ما استطاع، ولا يخرج بتحسينه عن حد القراءة، وإلى التمطيط المخرج له عن حدوده، ويستحب البكاء عند القراءة وهي صفة العارفين، وشعار الصالحين، والآيات والأحاديث فيه كثيرة، وطريقه في تحصيل البكاء أن يتأمل ما يقرؤه من التهديد، والوعيد الشديد، والمواثيق والعهود، ثم يفكر في تقصيره فيها، فإن لم يحضره حزن وبكاء فليبك على فقد ذلك، فإنه من المصائب، وقال: والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع، ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم، فإن الصوت الحسن يزداد بذلك حسنا، وإن خرج عنها أثر ذلك في حسنه، وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها، ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القرآن، فإن خرج عنه لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء، فلعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام، لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء. وفي شرح الرسالة، ويتحصل من كلام الأئمة أن تحسين الصوت بمراعاة قوانين النغم، مع المحافظة على الأداء هو محل النزاع، فمن العلماء من رأى أن النفس تميل إلى سماع القراءة أكثر من ميلها لمن لم يترنم، لأن للترطيب تأثيرا في رقة القلب، وإجراء الدمع، فقال بجوازه، بل بطلبه واستحبابه، ومن العلماء من رأى أنه خلاف ما كان عليه السلف، وأن القارئ على هذا الوجه ربما غفل عن وجه الأداء فقال بعدم الجواز سدا للذريعة وأما تحسين الصوت بالقرآن من غير مراعاة قوانين النغم فهو مطلوب بلا نزاع. وقال الحافظ ما كان طبيعة وسجية كان محمودا، وما كان تكلفا وتصنعا مذموم، وهو الذي كرهه السلف وعابوه، ومن تأمل أحوالهم علم أنهم بريئون من التصنع، والقراءة بالألحان المخترعة دون التطريب والتحسين الطبيعي، وقد ندب إليه صلى الله عليه وسلم وقال ابن رشد: الواجب أن ينزه القرآن عما يؤدي إلى هيئة تنافي الخشوع، ولا يقرأ إلا على الوجه الذي يخشع منه القلب، ويزيد في الإيمان، ويشوق فيما عند الله اهـ، والتغني الممدوح بما تقتضيه الطبيعة، وتسمح به القريحة، من غير تكلف ولا تمرين وتعليم، بل إذا خلي وطبعه، واسترسلت طبيعته بفضل تزيين وتحسين، كما قال أبو موسى، لحبرته لك تحبيرا، فإن من هاجه الطرب والحب والشوق، لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة، والنفوس تقبله وتستحيله. وقال شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما -في تزيين الصوت بالقرآن- هو التحسين والترنم بخشوع وحضور قلب، لا صرف الهمة إلى ما حجب به أكثر الناس بالوسوسة في خروج الحروف وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط، وشغله بالوصل والفصل، والإضجاع والإرجاع والتطريب، وغير ذلك، مما هو مفض إلى تغيير كتاب الله، والتلاعب به، حائل للقلوب، قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه، ومن تأمل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم تبين له أن التنطع بالوسوسة في إخراج الحروف ليس من سنته. وقال ابن قتيبة: وقد كان الناس يقرءون القرآن بلغاتهم، ثم خلف من بعدهم قوم من أهل الأمصار وأبناء الأعاجم فهفوا وضلوا وأضلوا، وأما ما اقتضته طبيعة القارئ من غير تكلف فهو الذي كان السلف يفعلونه، وهوالتغني الممدوح، ولابن ماجه عن جابر مرفوعًا، «إن من أحسن الناس صوتا الذي إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله» ، ولأبي داود عن جابر: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن وفينا الأعرابي والأعجمي، فقال: «اقرءوا فكل حسن وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه» ، أي يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة للرياء والمباهاة، والشهرة والتأكل، ويذهب الخشوع، قال الذهبي: القراء المجودة فيهم تنطع وتحرير زائد، يؤدي إلى أن المجود القارئ يبقى مصروف الهمة إلى مراعاة الحروف، والتنطع في تجويدها، بحيث يشغله ذلك عن تدبر كتاب الله، ويصرفه عن الخشوع في التلاوة حتى ذكر أنهم ينظرون إلى حفاظ كتاب الله بعين المقت. قال الشيخ: وأهل القرآن هم العالمون به، العاملون بما فيه، وإن لم يحفظه عن ظهر قلب، والثواب ورفع الدرجات والأقدار على قدر معاملة القلوب، وما يحصل عند تلاوته وذكر الله، ومن وجل القلب، ودمع العين، واقشعرار الجسم، هو أفضل ذلك، وإذا قرأ لله فإنه يثاب على ذلك، ولو قصد بقراءته أن لا ينساه لحديث استذكروا القرآن، والقرآن لا يؤذي ولا يؤذى به، فلا يرفع به صوته يغلط المصلين، أو يؤذي نائما ونحوه، وليس لأحد أن يجهر بالقرآن بحيث يؤذي غيره، قال النووي: جاء أحاديث صحيحة تقتضي استحباب رفع الصوت بالقراءة وأحاديث في الإسرار، وقال العلماء: طريق الجمع أن الإخفاء أبعد من الرياء، فهو أفضل ممن يخاف الرياء، وكذا من يتأذى بجهره، فإن لم يخف الرياء، ولا التأذي، فالجهر أفضل، لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين، ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد في النشاط. قال الشيخ: يستحب استماع القرآن، واستحب قراءة الإدارة أكثر العلماء، وأما قراءة واحدة والباقون يستمعون فمستحب لا كراهة فيه بلا نزاع. وهي التي كان الصحابة يفعلونها. وقال النووي: يسن طلب القراءة من حسن الصوت والإصغاء إليها بالاتفاق اهـ. ويكره التحدث عنده بما لا فائدة فيه، وينبغي الختم كل أسبوع مرة، لقوله صلى الله عليه وسلم لابن عمرو: «اقرأ القرآن كل أسبوع لا تزد على ذلك» متفق عليه، ولا بأس به كل ثلاث، لحديث ابن عمرو أيضا عند أبي داود وغيره، وفيما دونها أحيانا كأوتار عشر رمضان الأخير، رجاء ليلة القدر، وروي عن جميع من السلف الختم في كل ليلة، وكره تأخيره فوق الأربعين لإفضائه إلى نسيانه، والتهاون به، ويقدر بالنشاط وعدم المشقة، ولا يحد بحد، صححه غير واحد، ويحرم تأخيره إن خاف نسيانه، للوعيد عليه، ولأحمد وغيره عن أوس: سألت أصحاب محمد: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث وخمس وسبع وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل واحد. قال الشيخ: وتحزيبهم بالسور معلوم بالتواتر، وأستحسنه على التحزيبات المحدثة بالإجزاء، ويختم في الشتاء أول الليل، وفي الصيف أول النهار (*) ويجمع أهله لينالهم من بركته، وكان أنس يجمع أهله، وإن قرأ وحده ففي الصلاة أفضل، واستحب السلف حضور الختم وقالوا: يستحب الدعاء عنده، وفيه آثار كثيرة ويلح في الدعاء ويدعو بالمهمات.

السنن الراتبة وتاركها

(ثم) يلي الوتر في الفضيلة (السنن الراتبة) التي تفعل مع الفرائض (¬1) وهي عشر ركعات (ركعتان قبل الظهر (¬2)) ¬

_ (¬1) لتأكدها، ويكره تركها، وتسقط عدالة من دوام عليه، ويأثم فترد شهادته عند أحمد والشافعي، ويدل على قلة دينه، ويجوز لزوجة وعبد وأجير وولد فعلها مع الفريضة، ولا يجوز منعهم. (¬2) وعند الشيخ وأبي حنيفة والشافعي أربع، لخبر عائشة وغيره، قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم. ـــــــــــــــــ (*) إذا ختم أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي؛ فإذا ختم أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح.

وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء (¬1) وركعتان قبل الفجر (¬2) لقول ابن عمر: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات، ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته (¬3) وركعتين قبل الصبح، كانت ساعة لا يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها أحد، حدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن، وطلع الفجر صلى ركعتين متفق عليه (¬4) . ¬

_ (¬1) وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي. (¬2) أي قبل صلاة الفجر، للخبر، فلو صلاها قبل طلوع الفجر لم يجزئه. (¬3) ففي بيته قيد للأخيرتين، وفي صحيح مسلم وغيره أنه صلى سنة الفجر والجمعة في بيته مع قوله: «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبه» ، رواه البخاري وهذا عام في جميع النوافل، شامل لرواتب الفرائض وغيرها، ولا يستثنى منه إلا النوافل التي شرع لها الجماعة، كالكسوف والاستسقاء والتراويح ونحو ذلك، وفي صحيح مسلم عن عائشة، كان يصلي قبل الظهر أربعا في بيتي، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين، ففيها أن صلاة الراتبة في البيت أفضل منها في المسجد، مع شرف مسجده صلى الله عليه وسلم لأن فعلها في البيت فضيلة تتعلق بها، فإنه سبب لتمام الخشوع والإخلاص، وأبعد من الرياء والإعجاب، وشبههما ولتنزل الرحمة في البيت، ويخرج الشيطان، وقال عليه الصلاة والسلام «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها قبورا» . (¬4) وكذا أخبرت عائشة في غير حديث، وحكى الوزير وغيره اتفاق أهل العلم على أن النوافل الراتبة عشر.

(وهما) أي ركعتا الفجر (آكدها) أي أفضل الرواتب (¬1) لقول عائشة رضي الله عنها: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر، متفق عليه (¬2) فيخير فيما عداهما وعدا الوتر سفرا (¬3) ويسن تخفيفهما (¬4) . ¬

_ (¬1) إجماعًا. (¬2) أي لم يكن صلى الله عليه وسلم أشد محافظة ومداومة من تعاهده عليهما حتى استدل به على الوجوب، وقال: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» ، رواه مسلم وقال: «لا تدعوهما ولو طردتكم الخيل» ، رواه أبو داود. (¬3) أي فإن شاء فعل ما عدا ركعتي الفجر، وركعة الوتر سفرا، وإن شاء ترك، لمشقة السفر، هذا معنى كلاما لأصحاب، وقال ابن عمر لما سئل عن سنة الظهر في السفر: لو كنت مسبحا لأتممت وقال شيخ الإسلام: لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى سنة راتبة في السفر غير سنة الفجر والوتر. وقال أيضا: وأما الصلاة قبل الظهر وبعدها، وبعد المغرب والعشاء، فلم ينقل عنه أنه فعل ذلك في السفر، ولم يصل معها شيئا وكذلك كان يصلي بمنى ركعتين ولم ينقل عنه أحد أنه صلى معها، والمسافر إذا اقتصر على ركعتي الفرض كان أفضل له من أن يقرن بها ركعتي السنة، وقال أيضا: يوتر المسافر، ويركع سنة الفجر، ويسن تركه غيرهما، والأفضل له التطوع في غير السنن الراتبة، ونقله بعضهم إجماعا، وقال ابن القيم: وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في سفره الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ عنه أنه صلى الله عليه وسلم صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها، إلا ما كان من الوتر وسنة الفجر اهـ. فأما ركعتا الفجر فيحافظ عليهما حضرًا وسفرًا، وكذا قيام الليل، لما ثبت عنه أنه هو وأصحابه فعلوها مع الفجر، وقضوها معه، وثبت أنه يسبح على راحلته ويوتر عليها. (¬4) أي ركعتي الفجر إجماعًا لما في الصحيحين وغيرهما عن عائشة أنه كان يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إني لأقول أقرأ بأم الكتاب أم لا؟ والمراد تخفيف نسبي إلى غيرهما من الصلوات لا النقر المنهي عنه، وعد الخلوتي ما يندب تخفيفه فقال: أولها سنة فجر قد أتت ... وحال خطبة لجمعة ثبت وركعتان لقيام الليل ... وركعتا الطواف قل في قول ومثله تحية للمسجد ... كلاهما للعكبري أسند وركعتان بعد فعل الوتر ... وفعل ذي من جالس فاستقر قالوا وركعتان قبل المغرب ... إن قيل يندبان فاعلم وادأب كذاك نفل من أقيم فرضه ... وهو به وخاف أن ينقصه وتاسع عند صياح الولد ... وهو الذي بذكره تم العدد

واضطجاع بعدهما على الأيمن (¬1) ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة (قل يا أيها الكافرون) وفي الثانية (قل هو الله أحد) (¬2) . ¬

_ (¬1) لما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن، وعنه: ليس بسنة وفاقًا لمالك: وقال أحمد: عائشة ترويه وابن عمر ينكره، وقال بعض أهل العلم: إنما اضطجاعه بعد الوتر، وقبل ركعتي الفجر، كما هو مصرح به في حديث ابن عباس، وأما حديث عاشة فرواية مالك بعد الوتر، وغيره بعد ركعتي الفجر، ولا يبعد أن يكون هذا تارة، وهذا تارة فيباح، وأما حديث أمره بالاضطجاع بعدهما، فقال شيخ الإسلام باطل. (¬2) لما رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي (قل يأيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) ولابن ماجه: وكان يقول: نعم السورتان يقرأ بهما، وهما الجامعتان لتوحيد العلم، والاعتقاد، وتوحيد العمل والإرادة.

أو يقرأ في الأولى (قولوا آمنا بالله) (¬1) وفي الثانية (قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة) الآية (¬2) ويلي ركعتي الفجر ركعتا المغرب (¬3) ويسن أن يقرأ فيهما بالكافرون والإخلاص (¬4) (ومن فاته شيء منها) أي من الرواتب (سن له قضاؤه) كالوتر (¬5) لأنه صلى الله عليه وسلم قضى ركعتي الفجر مع الفجر، حين نام عنهما (¬6) . ¬

_ (¬1) الآية التي في سورة البقرة. (¬2) التي في سورة آل عمران للخبر وتقدم. (¬3) يعني في الأفضلية. (¬4) لما روى الترمذي والبيهقي وغيرهما عن ابن مسعود قال: ما أحصي ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل الفجر قل يأيها الكافرون، و (قل هو الله أحد) وللبيهقي أيضا نحوه عن ابن عمر. (¬5) أي كما يسن قضاء الوتر، ونصره المجد، واختاره الشيخ، وجزم به غير واحد. (¬6) وفي الترمذي وصححه ابن خزيمة ومن لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس، وعن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام نام عن ركعتي الفجر فقضاهما بعدما طلعت الشمس، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم، وله أن يقضيهما بعدها، قال الشيخ: يقضيهما بعدها، لحديث قيس، يعني أنه صلاهما بعدها، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم وبه قال الشافعي.

وقضى الركعتين اللتين قبل الظهر بعد العصر (¬1) وقيس الباقي (¬2) وقال: من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكر رواه الترمذي (¬3) لكن ما فات مع فرضه وكثر فالأولى تركه، إلا سنة فجر (¬4) ووقت كل سنة قبل الصلاة، من دخول وقتها إلى فعلها، وكل سنة بعد الصلاة من فعلها إلى خروج وقتها (¬5) . ¬

_ (¬1) رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وهو مذهب الشافعي، قال الشيخ وهو أقوى. (¬2) أي من الرواتب في القضاء على ما فيه النص، قال شيخ الإسلام، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها» ، وهذا يعم الفرض وقيام الليل، والوتر والسنن الراتبة، قالت عائشة، إذا نام عن ورده بالليل قضاه من النهار، وهو مذهب الشافعي. (¬3) وأبو داود، فدل على سنية قضاء الرواتب، وقضاء الوتر على هيئته وهو المذهب، وقال شيخ الإسلام، الصحيح أنه يقضي شفعه معه، لما في صحيح مسلم، عن عائشة كان صلى الله عليه وسلم إذا منعه من قيام الليل نوم أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، وفيه عن عمر من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل وقال الشيخ في موضع: لا يقضي، ومراده على صفته، لأن المقصود به أن يكون آخر عمل الليل، كما أن وتر النهار: المغرب. (¬4) أي الأولى ترك قضاء الرواتب مع الفرائض لحصول المشقة، إلا سنة فجر لتأكدها، فيقضيها مطلقا. (¬5) فلا يصح تقديمها عليه، وبعده قضاء، وتجزئ السنة عن تحية المسجد ولا عكس، وإن نواهما حصلا.

السنن غير الراتبة: عشرون

فسنة فجر وظهر الأولة بعدهما قضاء (¬1) والسنن غير الرواتب عشرون، أربع قبل الظهر، وأربع بعدها (¬2) . ¬

_ (¬1) يعني التي قبل صلاة الفرض، لأن وقتها يمتد إلى الصلاة فقط، ففعلها بعد الوقت يكون قضاء، ويبدأ بسنة الظهر قبلها، إذا قضاها قبل التي بعدها، مراعاة الترتيب عند الأصحاب، وروى ابن ماجه وغيره عن عائشة، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الأربع قبل الظهر صلاهن بعد الركعتين بعد الظهر، قال العراقي: والحديث دليل على امتداد وقتها إلى آخر وقت الفريضة، لأنها لو كانت تخرج بفعل الفرائض لكان فعلها بعدها قضاء، وكانت مقدمة على سنة الظهر، وقد ثبت في حديث الباب أنها تفعل بعد ركعتي الظهر، وهو الصحيح عند الشافعية اهـ، ولا سنة للجمعة راتبة قبلها، وبعدها ركعتان أو أربع ويأتي، ويسن الفصل بين الفرض والسنة بكلام أو قيام، لحديث معاوية أمرنا أن لا نوصل صلاة بصلاة، حتى نتكلم أو نخرج، رواه مسلم، واستدل بعض المالكية بحديث عن عمر، أنه رأى رجلا قام بإثر فراغه من الفرض إلى النافلة، فقام إليه وجذبه بثيابه، وضرب به الأرض، وقال له: ما أهلك من كان قبلكم إلا أنهم كانوا لا يفصلون بين الفرض والنفل، وفرآه صلى الله عليه وسلم وقال: «أصاب الله بك يا عمر» . (¬2) لحديث أم حبيبة مرفوعا، «من حافظ على أربع قبل الظهر، وأربع بعدها حرمه الله على النار» ، صححه الترمذي، وللجماعة إلا البخاري عنها، «من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة سجدة سوى المكتوبة بني له بيت في الجنة» ، وفيه «أربع قبل الظهر» ، واستحب المواظبة عليها الجمهور، ورجح ابن القيم أن الأربع التي كان يصليها قبل الظهر ورد مستقل سببه انتصاف النهار، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح» رواه أحمد.

وأربع قبل العصر (¬1) وأربع بعد المغرب (¬2) وأربع بعد العشاء (¬3) غير السنن الرواتب (¬4) قال جمع: يحافظ عليها (¬5) وتباح ركعتان بعد أذان المغرب (¬6) . ¬

_ (¬1) لحديث ابن عمر مرفوعا «رحم الله امرءا صلى أربعًا قبل العصر» ، رواه الترمذي وغيره، وله شواهد تدل على استحبابها وما رتب عليه من الأجر مما يتنافس فيه المتنافسون، وليست راتبة، ولا تلحق بالوراتب، وللشيخ قاعدة معروفة وهي أن ما ليس من السنن الراتبة لا يداوم عليه، حتى يلحق بالرواتب. (¬2) لحديث أبي هريرة يرفعه، «من صلى بعد المغرب ست ركعات، لم يتكلم فيما بينهن بسوء، عدلن له بعبادة ثنتي عشرة سنة» رواه الترمذي. (¬3) لقول عائشة: ما صلى العشاء قط، فدخل علي، إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات، رواه أبو داود. (¬4) وهن العشر الركعات المتقدم ذكرها، وأما قبل العصر وقبل المغرب والعشاء فقال شيخ الإسلام، لم يكن يصلي، لكن ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «بين كل أذانين صلاة» ، ثم قال في الثالثة، «لمن شاء» ، فمن شاء أن يصلي تطوعا، فهو حسن، لكن لا يتخذ ذلك سنة، ولا يكره أن يصلي فيها، بخلاف ما فعله ورغب فيه، فإن ذلك أوكد من هذا، قال النووي: والمراد بالأذانين والإقامة، باتفاق العلماء. (¬5) استحبابًا لما تقدم وغيره من الأدلة الدالة على فضلها، وممن قال بالمحافظة عليها الشارح وابن عبيدان، وغيرهما من الأصحاب وغيرهم، لكن لا تستحب المداومة ليضاهي بها السنن الراتبة، ويكره تركها، وقال القاضي، يأثم وقال ابن تميم، تسقط عدالته. (¬6) أي فلا يكرهان ولا يستحبان، وعنه: يسن فعلهما للخبر الصحيح وهو أصح الروايتين وقال ابن القيم: فعل هاتين الركعتين مستحب، مندوب إليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا ركعتين قبل المغرب، صلوا ركعتين قبل المغرب» ثم قال في الثالثة: لمن شاء، خشية أن يتخذها الناس سنة، وليست بسنة راتبة كسائر السنن الرواتب.

فصل في فضل صلاة الليل

فصل وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل» رواه مسلم عن أبي هريرة (¬2) فالتطوع المطلق أفضله صلاة الليل (¬3) . ¬

_ (¬1) بإجماع المسلمين. (¬2) وله أيضا وأهل السنن أنه صلى الله عليه وسلم سئل أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: «الصلاة في جوف الليل» ، وفيه أيضا: «إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه» ، وقال: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنها عن الإثم» ، رواه الحاكم وغيره، وفيه أحاديث كثيرة تدل على تأكد أفضلية قيام الليل، والاستكثار من الصلاة فيه، وقال تعالى: {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} ينامون قليلا منه، ويصلون أكثره وقال: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} وغير ذلك من الأدلة الدالة على فضل قيام الليل، وترتب الجزاء الجليل عليه. (¬3) وهو ما سوى الرواتب والوتر، إجماعا لقوله: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل» ، وعن عمرو بن العاص، «ركعة بالليل خير من عشر ركعات بالنهار» ، وقال أحمد: ليس بعد المكتوبة أفضل من قيام الليل.

لأنه أبلغ في الإسرار، وأقرب إلى الإخلاص (¬1) (وأفضلها) أي الصلاة (ثلث الليل بعد نصفه مطلقا) (¬2) لما في الصحيح مرفوعًا «أفضل الصلاة صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» (¬3) ويسن قيام الليل (¬4) . ¬

_ (¬1) وعمل السر أفضل من عمل العلانية، والإخلاص ركن العبادة الأعظم. ولأنه وقت غفلة الناس، وتركهم الطاعات، ولأن الصلاة بعد النوم أشق فكان أفضل، وتستحب النوافل المطلقة في جميع الأوقات غير أوقات النهي. (¬2) أي سواء كان الثلث الأوسط أو غيره، وقال الخلوتي: أي سواء انضم إليه السدس السادس أم لا، وقال شيخنا: أو الأخير، والنصف الأخير أفضل من الأول، ومن الثلث الأوسط. (¬3) فكان يجم نفسه بنوم أول الليل، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه «هل من سائل فأعطيه سؤاله؟» ، ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نصب القيام في بقية الليل، وهو النوم عند السحر، فيستقبل صلاة الصبح وأول النهار بنشاط فدل دلالة ظاهرة على فضيلة قيام ثلث الليل بعد نوم نصفه، وذلك حين يسمع الصارخ، وقد جرت العادة أن الديك يصيح عند نصف الليل غالبا، وتواتر عنه صلى الله عليه وسلم خبر التنزل الإلهي، حين يبقى ثلث الليل الآخر، «فيقول: من يدعوني فاستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» ، وللترمذي وصححه «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر» . (¬4) قال جمع من أهل العلم: سنة مؤكدة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، والأحاديث الواردة فيه في الصحيحين وغيرهما أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر وقد أفرد بالمصنفات.

وافتتاحه بركعتين خفيفتين (¬1) ووقته من الغروب إلى طلوع الفجر (¬2) . ¬

_ (¬1) لحديث أبي هريرة «إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» رواه مسلم وغيره، والسر والله أعلم لتكون توطئة لقيام الليل، وليذوق لذة العبادة. (¬2) قال أحمد: قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر، فالنافلة بين العشائين من قيام الليل، وتقدم أن صلاة آخر الليل أفضل وقال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً *} والناشئة لما بعد النوم، ومن لم يرقد فلا ناشئة له، وينبغي أن ينوي قيام الليل لخبر، «يكتب له ما نوى» ، رواه النسائي وغيره بسند صحيح، وله نظائر، والتهجد إنما يكون بعد النوم، فإذا استيقظ من نومه مسح النوم عن وجهه، وتسوك، وذكر الله، وقال ما ورد. ومنه «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله» ، ثم إن قال: «اللهم اغفر لي» ، أو دعا استجيب له، ويقول: «الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور، الحمد لله الذي رد علىَّ روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره» ، وغير ذلك مما ورد، ويقول عند الصباح والمساء، وعند النوم والانتباه، وفي السفر وغير ذلك ما ورد. ويتأكد الإكثار من الدعاء والاستغفار آخر الليل، للآيات والأخبار، وإن شاء استفتح صلاته بافتتاح المتكوبة، وإن شاء بغيره مما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم كقوله: «اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض» إلخ، أو «اللهم رب جبرائيل» إلخ، أو «اللهم باعد بيني وبين خطاياي» ، إلخ قال الشيخ: ويستحب للمصلي أن يستفتح بها كلها، وهو أفضل من أن يداوم على نوع ويهجر غيره.

ولا يقومه كله (¬1) إلا ليلة عيد (¬2) . ¬

_ (¬1) أي لا يستحب، لما تقدم، ولقوله لعبد الله بن عمرو «يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟» قلت: بلى يا رسول الله، قال: «فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لنفسك عليك حقًّا» ، ولزوجك عليك حقا، متفق عليه، ولقصة النفر الذين قال أحدهم: أما أنا فأقوم ولا أنام، فقال عليه الصلاة والسلام «ولكني أنام وأقوم، فمن رغب عن سنتي فليس مني» ، وغير ذلك من الأحاديث. وقالت عائشة: ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة حتى الصباح، ويحمل قولها على غير العشر، وتقدم، ولم يكثر ذلك منه، ولأنه لا بد في قيامه كله من ضرر أو تفويت حق، وتشق المداومة، وفي الصحيح «خذوا من العمل ما تطيقونه، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا» ، وفي لفظ «لا يمل حتى تملوا» ، فإذا خشي الملل فلا ينبغي له أن يكره نفسه، وإن نعس فليرقد، لما في الصحيحين «إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد، حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه» ، وفي الصحيح، «ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليرقد، وظاهره حتى ليالي العشر، واستحبه الشيخ، وقال: قيام بعض الليالي مما جاءت به السنة، وقال أحمد: ينبغي أن يكون له ركعات معلومة من الليل والنهار، فإذا نشط طولها وإلا خففها، لحديث «أحب العمل إلى الله أدومه» ، ويستحب أن يكون للعبد تطوعات يداوم عليها، وإذا فاتته قضاها ويوقظ أهله، وتوقظه للأخبار، وفي الصحيح «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» ونحوه للطبراني. (¬2) لما روى ابن ماجه «من قام ليلتي العيدين محتسبا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب» ، وفي سنده: بقية والمرار، وروى مالك عن ابن عمر أنه كان يحيي ليلة العيد، وإلا ليالي العشر الأخير من رمضان لما في الصحيحين، «إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل» ، وتقدم.

ويتوجه: وليلة النصف من شعبان (¬1) . ¬

_ (¬1) هذا التوجيه لابن رجب، وفيه حديث معاذ، رواه الأصبهاني، وقال شيخ الإسلام: وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل، وكان في السلف من يصليها، لكن الاجتماع فيها لإحيائها بدعة، قال ابن رجب: وفي استحباب قيامها ما في ليلة العيد، قال الشيخ: وأما إنشاء صلاة بعدد مقدر، وقراءة مقدرة، وفي وقت معين، تصلي جماعة راتبة، كصلاة الرغائب، والألفية، ونصف شعبان، وسبع وعشرين من رجب، وأمثال ذلك، فهذا غير مشروع باتفاق علماء الإسلام، ولا ينشئ هذا إلا جاهل مبتدع، وفتح مثل هذا الباب يوجب تغيير شرائع الإسلام، وقال أيضا: صلاة الرغائب بدعة محدثة، لم يصلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من السلف، وقال أيضا: لا أصل لها، بل هي محدثة، فلا يتستحب لا جماعة ولا فرادى، فقد ثبت في صحيح مسلم أنه نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام، أو يوم الجمعة بصيام، والأثر الذي ذكر فيها كذب، موضوع باتفاق العلماء. وقال النووي في صلاة الرغائب والألفية هاتان الصلاتان بدعتان مذمومتان ومنكرتان قبيحتان فلا تغتروا بذكرهما، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن ذلك باطل، والرغائب أول جمعة من رجب، وقال ابن الجوزي وأبو بكر الطوسي: هي موضوعة، وقال شيخ الإسلام: صلاة التسبيح نص أحمد وأئمة أصحابه على كراهتها، ولم يستحبها إمام، وأما أبو حنيفة ومالك والشافعي فلم يسمعوا بها بالكلية، وقال: العمل بالخبر الضعيف لا يجوز، بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب أو تخاف ذلك العقاب، ومثله الترغيب والترهيب بالإسرائيليات والمنامات، ونحو ذلك مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعي، لا استحباب ولا غيره، لكن يجوز ذلك في الترغيب والترهيب، فيما علم حسنه أو قبحه بأدلة الشرع، فإنه ينفع ولا يضر، واعتقاد موجبه يتوقف على الدليل الشرعي، وقال ابن القيم وغيره: الأصل، في العبادات البطلان، حتى يقوم دليل على الأمر، فإن الله لا يعبد إلا بما شرعه على ألسن رسله.

(وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى) لقوله عليه الصلاة والسلام: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» رواه الخمسة، وصححه الترمذي (¬1) ومثنى مثنى معدول عن اثنين اثنين (¬2) . ¬

_ (¬1) الحديث أخرجه الجماعة بلفظ «صلاة الليل مثنى مثنى» ، وكرر للمبالغة في التأكيد، ولمسلم عن ابن عمر «تسلم من كل ركعتين» ورواه الخمسة كما ذكر بلفظ «والنهار» ، وقال النسائي: خطأ، والدارقطني: وهم، لأنها من رواية علي البارقي في الأزديين، وهو ضعيف عن ابن معين وغيره، وقد خالف جماعة من أصحاب ابن عمر لم يذكروا فيه النهار، وله طرق وشواهد لا تخلو من مقال وصححه بعض أهل العلم، وثبت في كون صلاة النهار ركعتين ما لا يحصى من الأحاديث، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، ما أدركت فقهاء أرضنا إلا يسلمون من كل اثنتين من النهار، وليس بمعارض ما ثبت بأكثر من ركعتين ركعتين، لوقوعه جواب سؤال، ولا مفهوم له اتفاقًا، وجاءت السنة الصحيحة بالأربع والست والثمان، والسبع والتسع وغيرها، فلا منافاة، ولا يقتضي الكراهة بأكثر من ركعتين ولا تناقض سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال شيخ الإسلام: وكل ما جاءت به السنة فلا كراهة لشيء منه، بل هو جائز اهـ، وحديث «مثنى» حمله الجمهور على أنه لبيان الأفضلية لما صح من فعله، وقوله، ويحتمل أن يكون للإرشاد إلى الأخف، إذ السلام من ركعتين أخف على المصلي من الأربع فما فوق، أو لما فيه من الراحة غالبًا. (¬2) وهو غير منصرف للوصف والعدل.

ومعناه معنى المكرر، وتكريره لتوكيد اللفظ، لا للمعنى (¬1) وكثرة ركوع وسجود، أفضل من طول قيام فيما لم يرد تطويله (¬2) (وإن تطوع في النهار بأربع) بتشهدين (كالظهر فلا بأس) (¬3) . ¬

_ (¬1) وقال غيره: للمبالغة وقال في النهاية وغيرها: مثنى مثنى أي ركعتان ركعتان بتشهد وتسليم فهي ثنائية لا رباعية. (¬2) فما ورد في الشرع تطويله فالأفضل اتباعه وإلا فالأفضل كثرة الركوع والسجود لقوله: «أعني على نفسك بكثرة السجود» ، ولقوله: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» ، وعنه طول القيام أفضل لما اختص به من تلاوة كتاب الله الذي هو أفصل الكلام على الإطلاق، وعنه التساوي واختاره الشيخ وقال: التحقيق أن ذكر القيام وهو القراءة أفضل من ذكر الركوع والسجود، وأما نفس الركوع والسجود فأفضل من نفس القيام، فاعتدلا، ولهذا كانت صلاته صلى الله عليه وسلم معتدلة. وقال: الصلاة إذا قام من الليل، أفضل من القراءة في غير الصلاة، نص على ذلك أئمة الإسلام للخبر «استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» ، ولغيره من الأخبار، لكن إن حصل له نشاط وتدبر وتفهم للقراءة دون الصلاة فالأفضل في حقه ما كان أنفع له، وقال: العبادة التي ينتفع بها، فيحضر لها قلبه، ويرغب فيها، ويحبها أفضل من عبادة يفعلها مع الغفلة، وعدم الرغبة وقد تكون مداومته على النوع المفضول أنفع: لمحبته وشهود قلبه، وفهمه ذلك الذكر. (¬3) أي لا كراهة: لمجيء النصوص بذلك منها حديث عائشة: يصلي الضحى أربعا، لا يفصل بينهن بسلام، ولو تشهد في كل ركعة، فذكر الشافعية المنع، لما فيه من ابتداع صورة في الصلاة لم تعهد، قال يوسف، وهو حسن، ولم أره لأصحابنا.

لما روى أبو داود وابن ماجه، عن أبي أيوب أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر أربعا، لا يفصل بينهن بتسليم (¬1) وإن لم يجلس إلا في آخرهن فقد ترك الأولى (¬2) ويقرأ في كل ركعة مع الفاتحة سورة (¬3) وإن زاد على اثنتين ليلا، أو أربع نهارا، ولو جاوز ثمانيا نهارا بسلام واحد صح، وكره في غير الوتر (¬4) . ¬

_ (¬1) ولفظ أبي داود: ليس فيهن تسليم، وزاد ابن ماجه: إذ زالت الشمس، وصرح غير واحد أن هذه سنة الزوال، غير سنة الظهر. (¬2) أي الأفضل لأنه أكثر عملا. (¬3) كسائر التطوعات. (¬4) وفاقا، بشرط نيته للزيادة، وإلا لم يصح، وجزم في التبصرة بعدم الكراهة وفاقا للشافعي، وقدمه في الفروع وغيره، وصححه المجد وغيره، واختاره القاضي وغيره، وذكر الزركشي أنه المشهور، سواء علم العدد أو نسيه، وتقدم أنه يجوز وإن لم ينو إلا عند الدخول في الثالثة، قال في الحاوي الكبير: لو صلى نافلة فقام إلى ثالثة، فلا خلاف بين العلماء أنه يجوز أن يتمها أربعا، ويجوز أن يرجع إلى الثانية ويسلم، وأي ذلك فعل سجد للسهو، وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، وفيهم أيضا: يصلي خمسا وسبعا وتسعا بسلام واحد، وصلى الضحى ثماني ركعات، لم يفصل بينهن، وهو تطوع، فألحق به، سائر التطوعات، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يفعل ما يكره فعله، وتقدم أن قوله: «مثنى» : لا ينفي ما عداه، ولا يدل على كراهته، ومرادهم في غير الوتر، كثلاث وخمس وسبع وتسع، وإذا لم يكره في ذلك فما تقدم أولى، لفعله صلى الله عليه وسلم ولو شرع في أربع بتسليمة فله أن يسلم من ركعتين وفاقا.

ويصح التطوع بركعة ونحوها (¬1) (وأجر صلاة قاعد) بلا عذر (على نصف صلاة قائم) لقوله عليه السلام «من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر صلاة القائم» متفق عليه (¬2) . ¬

_ (¬1) كثلاث وخمس، قال في الإقناع: مع الكراهة، وروي عن عمر أنه صلى ركعة، وقال: هو تطوع وصح عن غيره من الصحابة تقصير الوتر بركعة، وهو تطوع، وتقدم أن النافلة في البيت أفضل، واتفق أهل العلم أن صلاة التطوع في البيت أفضل سوى ما تقدم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في بيته، وقال: «صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» رواه مسلم وغيره، ولأنه أقرب إلى الإخلاص، ولا بأس بصلاة التطوع جماعة. قال الشيخ: وما لا تسن له الجماعة الراتبة، كقيام الليل، والسنن الرواتب، وصلاة الضحى، وتحية المسجد، ونحو ذلك، فهذا إذا فعله جماعة أحيانا جاز، وأما اتخاذه سنة راتبة فغير مشروع، بل بدعة مكروهة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما تطوع بذلك في جماعة قليلة أحيانا، وإنما كان يقوم الليل وحده، ولم يكن هو صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، ولا التابعون يعتادون الاجتماع للرواتب على ما هو دون هذا، ولا ينبغي الجهر نهارا، وليلا يراعي المصلحة، فإن كان الجهر أنشط في القراءة أو بحضرته من يستمع قراءته أو ينتفع بها، فالجهر أفضل، وإن كان بقرب من يتهجد، أو يتضرر برفع صوته، أو خاف رياء، فالإسرار أفضل، والنبي صلى الله عليه وسلم ربما أسر، وربما جهر، وقال: «أيها الناس كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة» . (¬2) وأما مع العذر فكالقائم، قال الشيخ: إذا كان من عادته أنه يصلي قائما، وإنما قعد لعجزه، فإن الله يعطيه أجر القائم، لقوله صلى الله عليه وسلم إذا مرض العبد أو سافر، كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم» فلو عجز عن الصلاة كلها لمرض كان الله يكتب له أجرها كله، لأجل نيته وفعله بما قدر عليه، فكيف إذا عجز عن أفعالها» اهـ. وجواز التطوع جالسا مع القدرة على القيام مجمع عليه، واتفقوا على أنه لو شرع في صلاة تطوع قائما، لم يلزمه إتمامها قائما وظاهر المذهب أن صلاة المضطجع تطوعا لا تصح، وقال الشيخ: لا يجوز التطوع مضطجعا لغير عذر، ولعذر تصح، ويسجد إن قدر وإلا أومأ اهـ ومن فاته تهجده استحب له قضاؤه قبل الظهر لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} وتقدم: «من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل» .

ويسن تربعه بمحل قيام، وثني رجليه بركوع وسجود (¬1) . ¬

_ (¬1) رواه النسائي، وصححه ابن حبان والحاكم من حديث عائشة، أنه كان يصلي متربعا، والتربع أن يجعل باطن قدمه اليمنى تحت الفخذ اليسرى، وباطن اليسرى تحت اليمنى، مطمئنا وكفيه على ركبتيه مفرقا أنامله كالراكع، وثني رجليه هو رد ركبهما إلى القبلة، وعنه: لا يثنيهما في ركوعه، قال الموفق: هذا أقيس وأصح في النظر، وعنه: يفترش، وفاقا للشافعي، ومذهب أبي حنيفة يخير بينهما، والتربع قول مالك، وثنيهما حال سجوده لا نزاع فيه، ويجوز له القيام إذا ابتدأ الصلاة جالسا، وعكسه وفاقا، لما في الصحيحين من حديث عائشة كان يقرأ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين آية أو أربعين آية ثم ركع، ولمسلم، كان يصلي ليلا طويلا قاعدا وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعد، ركع وسجد وهو قاعد، ولما روي عن أنس وابن عمر، فإذا بلغ الركوع فإن شاء قام فركع، وإن شاء ركع من قعود، قال أحمد وغيره، والعمل على تلك الأحاديث يعني في ركوعه عن قيام أو قعود فهي صحيحة، معمول بها عند أهل العلم قال الشيخ: وتحريه مع قعوده أن يقوم ليركع ويسجد وهو قائم، دليل على أنه أفضل إذ هو أكمل، وأعظم خشوعا لما فيه من هبوط رأسه، وأعضائه الساجدة لله من القيام.

أقل صلاة الضحى ركعتان

(وتسن صلاة الضحى) لقول أبي هريرة: «أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث، صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» ، رواه أحمد ومسلم (¬1) وتصلي في بعض الأيام دون بعض، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم عليها (¬2) (وأقلها ركعتان) (¬3) لحديث أبي هريرة (¬4) . ¬

_ (¬1) وهو في الصحيحين، ولمسلم عن أبي الدرداء نحوه، وله من طرق عن عائشة: كان يصلي الضحى أربعا، ويزيد ما شاء الله، وصلاة الضحى، والترغيب فيها بلغت حد التواتر وتستحب المداومة عليها، لمن لم يقم في ليله لخبر أبي هريرة ونحوه، وكان يشتغل بالليل بتذكر الحديث فحظه النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الضحى، ولشيخ الإسلام قاعدة، أن ما ليس من السنن الرواتب لا يداوم عليه، حتى يلحق بالرواتب، واختار المداومة عليها لمن لم يقم من الليل، لتأكدها في حقه بالأمر الشرعي وكونها سنة هو مذهب جمهور السلف، وقول الفقهاء المتأخرين قاله النووي وغيره. (¬2) قال شيخ الإسلام: باتفاق العلماء بسنته، ففي الصحيحين عن عائشة: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى قط، ولأحمد والترمذي وغيرهما من حديث أبي سعيد، كان يصلي الضحى، حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها، ولأنها دون الفرائض، والسنن المؤكدة فلا تشبه بها. (¬3) إجماعا. (¬4) المتقدم في قوله «وركعتي الضحى» ، ولحديث أنس: «من قعد في مصلاه حين ينصرف من الصبح، حتى يسبح ركعتي الضحى، لا يقول إلا خيرا، غفرت له خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر» ، رواه أبو داود، ولمسلم عن عائشة كان يصلي الضحى أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله، وروي عن جابر أنه رآه يصلي ستا، وللخمسة إلا ابن ماجه: «ابن آدم أركع أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره» وقال الحاكم: صبحت جماعة من أئمة الحديث الحفاظ الأثبات فوجدتهم يختارون هذه الصلاة، يعني أربع ركعات، ويصلون هذه الصلاة أربعا، لتواتر الأخبار الصحيحة، وصوب ابن جرير وغيره أن تصلي بغير عدد.

(وأكثرها ثمان) لما روت أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح صلى ثماني ركعات، سبحة الضحى، رواه الجماعة (¬1) (ووقتها من خروج وقت النهي) أي من ارتفاع الشمس قدر رمح (¬2) (إلى قبيل الزوال) أي إلى دخول وقت النهي، بقيام الشمس (¬3) وأفضله إذا اشتد الحر (¬4) . ¬

_ (¬1) أي نافلة الضحى، والسبحة الدعاء، وصلاة التطوع، لأنها يسبح بها، ولأحمد عن أنس نحوه، وثمان في الأصل منسوب إلى الثمن، لأنه الجزء الذي صير السبعة ثمانية، فهو ثمنها، فتحوا أوله، وحذفوا منه إحدى ياءي النسب، وعوضوا منها الألف، كما فعلوا في المنسوب إلى اليمن، فتثبت ياؤه عند الإضافة والنصب، كما تثبت ياء القاضي، وتسقط مع التنوين عند الرفع والجر. (¬2) في رأي العين، ويأتي أن المراد ارتفاع الشمس وإشراقها، لا مجرد ظهور القرص. (¬3) أي استوائها في كبد السماء. (¬4) أي أفضل صلاة الضحى إذا اشتد الحر، لحديث: «صلاة الأوابين حين يرمض الفصال» ، رواه مسلم، أي تحمي الرمضاء، وهي الرمل، فتبرك الفصال، من شدة الحر، أو تبول من شدة الحر في أخفافها.

تتمة في صلاة الاستخارة، والتوبة

................................................ (¬1) . ¬

_ (¬1) تتمة تسن صلاة الاستخارة بلا نزاع، إذا هم بأمر، ولو في خير كحج وعمرة إذا كان نفلا، فإن الاستخارة في المباحات والمندوبات لا الواجبات والمحرمات فيركع ركعتين من غير الفريضة، ثم يدعو، لحديث جابر، كان يعلمنا الاستخارة في الأمور، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا هم أحدكم بأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني استخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر – ويسمي حاجته- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فيسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي، في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به» . قال الشيخ: يجوز الدعاء في صلاة الاستخارة وغيرها قبل السلام وبعده والدعاء قبل السلام أفضل، لأنه قبل السلام لم ينصرف، وهو أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكون وقت الاستخارة عازما على الأمر أو عدمه، ويستشير فإذا ظهرت المصلحة في شيء فعله اهـ، وقيل: تسن صلاة الحاجة، لحديث عبد الله بن أبي أوفي مرفوعًا: «من كانت له حاجة إلى الله، أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين ثم ليثن على الله، وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلام من كل إثم، لا تدع لي ذنبا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضي إلا قضيتها يا أرحم الراحمين» رواه ابن ماجه والترمذي وقال غريب وتسن صلاة التوبة، لحديث «ما من رجل يذنب ذنبا، فيتوضأ ويحسن الوضوء، فيصلي ركعتين، فيستغفر الله، إلا غفر له» ، رواه أهل السنن، وحسنه الترمذي وابن كثير، ويشهد له ما في الصحيحين، من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه» ، وفي لفظ ثم قرأ {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} الآية، وله شاهد عند مسلم، وتسن الصلاة عقب الوضوء، لحديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال لبلال: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة» ، فقال: ما عملت عملا أرجى عندي، إلا أني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصليه، متفق عليه، قال الوزير: وإن كان بعد عصر احتسب بانتظاره بالوضوء الصلاة، فيكتب له ثواب مصل، وقال الشيخ: يستحب أن يصلي ركعتين عقب الوضوء، ولو كانت وقت نهي وفاقا للشافعي.

(وسجود التلاوة) والشكر (صلاة) (¬1) لأنه سجود يقصد به التقرب إلى الله تعالى (¬2) له تحريم وتحليل، فكان كسجود الصلاة (¬3) . ¬

_ (¬1) في الجملة، وإضافة السجود للتلاوة من إضافة المسبب للسبب، لأن التلاوة سببه، وإضافته للشكر من الإضافة البيانية، لأن السجود شكر وسببه هجوم النعمة. (¬2) فهو سجود شرعه الله ورسوله عبودية، عند تلاوة تلك الآيات واستماعها وقربه إليه، وخضوعا لعظمته وتذللا بين يديه. (¬3) أي له تكبيرة إحرام كالصلاة وفاقا، وتحليل أي سلام، ويأتي أنه لم يشرع.

سجود التلاوة

فيشترط له ما يشترط لصلاة النافلة، من ستر العورة، واستقبال القبلة، والنية وغير ذلك (¬1) ويسن سجود التلاوة (للقارئ والمستمع) (¬2) . ¬

_ (¬1) كطهارة بدنه ومصلاه، قال في المبدع: في قول أكثر أهل العلم، وقال في الفروع: وهما كنافلة فيما يعتبر لها وفاقا، واحتج الأصحاب بأنه صلاة فيدخل في العموم، وخالف شيخنا اهـ. قال الشيخ: ولا يشرع فيه تحريم ولا تحليل، هذا هو السنة المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعليها عامة السلف، وعلى هذا فليس هو بصلاة، فلا يشترط له شروط الصلاة، بل يجوز وإن كان على غير طهارة، كما كان ابن عمر يسجد على غير طهارة، واختاره البخاري، لكن السجود بشروط الصلاة أفضل، ولا ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر فالسجود بلا طهارة خير من الإخلال به، وقال ابن جرير: ليس بركعة ولا ركعتين، فيجوز بلا وضوء، وللجنب والحائض، وإلى غير القبلة كسائر الذكر، ولم يأت بإيجابه لغير الصلاة قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس. وقال ابن القيم: القول الثاني لا يشترط وهو قول كثير من السلف، حكاه ابن بطال، وقالوا: ليس باشتراط الطهارة له كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح اهـ، وكذا قال غير واحد، ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئا، وليس بصلاة من كل وجه، وأحاديث الوضوء مختصة بالصلاة وكان يسجد مع النبي صلى الله عليه وسلم من حضره، ولم ينقل أنه أمر أحدا منهم بالوضوء، وليس فيها أيضا ما يدل على طهارة المصلي، وأما ستر العورة والاستقبال مع الإمكان فقيل: إنه معتبر اتفاقا. (¬2) له جميع آية السجدة، والمستمع هو الذي يقصد الاستماع للقراءة في الصلاة أو غيرها بلا نزاع، وأجمع العلماء على مشروعيته وقال النووي أجمع العلماء على إثبات سجود التلاوة، وهو عند الجمهور سنة، وعند أبي حنيفة واجب، قال ابن القيم: ومواضع السجدات أخبار وأوامر، خبر من الله عن سجود مخلوقاته له عموما أو خصوصا، فسن للتالي والسامع أن يتشبه بهم عند تلاوة آية السجدة أو سماعها وآيات الأوامر بطريق الأولى، وعن أبي هريرة مرفوعا: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» رواه مسلم وابن ماجه وفي الحديث «ما من عبد يسجد سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها سيئة» .

لقول ابن عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا موضعا لجبهته متفق عليه (¬1) وقال عمر: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء، رواه البخاري (¬2) . ¬

_ (¬1) وفيه: دلالة على مشروعية سجود المستمع، قال ابن بطال: أجمعوا على أن القارئ إذا سجد لزم المستمع أن يسجد. (¬2) وفيه أنه قرأ على المنبر سورة النحل، فنزل وسجد وسجدوا معه، وقرأ بها جمعة أخرى، وقال: أيها الناس إنا لم نؤمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، وقرئ على النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم ولم يسجد، متفق عليه، قال الحافظ: وأولى الاحتمالات أنه لبيان الجواز، وعن أحمد أن السجود على القارئ والمستمع واجب في الصلاة وغيرها، وفاقا لأبي حنيفة واختاره الشيخ وغيره، وقال: وهو مذهب طائفة من العلماء اهـ، وقول من أوجبه قوي في الدليل، وقال غير واحد: خبر عمر في هذا الموطن العظيم، والمجمع العميم، دليل ظاهر في إجماعهم على أنه ليس بواجب، ولأن الأصل عدم الوجوب حتى يثبت دليل صحيح صريح في الأمر به.

ويسجد في طواف مع قصر فصل (¬1) ويتيمم محدث بشرطه (¬2) ويسجد مع قصره (¬3) وإذا نسي سجدة لم يعد الآية لأجله (¬4) ولا يسجد لهذا السهو (¬5) ويكرر السجود بتكرار التلاوة (¬6) كركعتي الطواف (¬7) قال في الفروع: وكذا يتوجه في تحية المسجد، إن تكرر دخوله اهـ، ومراده غير قيم المسجد (¬8) . ¬

_ (¬1) أي بين القراءة والسجود، والاستماع والسجود، فإن طال الفصل كأن توضأ لم يسجد لفوات محله. (¬2) وهو تعذر الماء لعدم أو ضرر. (¬3) أي الفصل بين السجود وسببه، بخلاف ما لو توضأ لطول الفصل. (¬4) لفوات محله. (¬5) لئلا يلزم تفضيل الفرع على الأصل. (¬6) لأنها سببه فتكرر بتكرارها ويحتمل أن يقال: إن أعادها لحاجة كتكرير الحفظ أو الاعتبار أو لاستنباط حكم منها، أو لفهم معناها، ونحو ذلك لم يكرر السجود، وإن سمع سجدتين معا سجد سجدتين لوجود المقتضى والقاعدة: تكفي واحدة، وخرج ابن رجب الاكتفاء بواحدة، كما خرج الأصحاب الاكتفاء بسجدة الصلاة عن سجدة التلاوة بل هنا أولى. (¬7) فإنها تتكرر بتكرره. (¬8) قال في تصحيح الفروع: وتشبه أيضا إجابة المؤذن ثانيًا وثالثا، إذا سمعه مرة بعد أخرى، وكان مشروعا، فإن صاحب القواعد الأصولية قاله تبعا للمصنف وظاهر كلام الأصحاب، يستحب ذلك، واختاره الشيخ تقي الدين، وأما قيم المسجد فلا يكررها.

(دون السامع) الذي لم يقصد الاستماع (¬1) لما روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه مر بقارئ يقرأ سجدة، ليسجد معه عثمان، فلم يسجد، وقال: إنما السجدة على من استمع (¬2) ولأنه لا يشارك القارئ في الأجر، فلم يشاركه في السجود (¬3) (وإن لم يسجد القارئ) (¬4) أو كان لا يصلح إماما للمستمع (لم يسجد) (¬5) لأنه صلى الله عليه وسلم أتى إلى نفر من أصحابه، فقرأ رجل منهم سجدة، ثم نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنك كنت إمامنا، ولو سجدت سجدنا» رواه الشافعي في مسنده مرسلا (¬6) . ¬

_ (¬1) أي لا يسن السجود للسامع الذي لم يقصد الاستماع نص عليه، وفاقا لمالك والشافعي. (¬2) رواه البخاري، وله نحوه عن عمران بن حصين، وللبيهقي نحوه عن ابن عباس، وقال ابن مسعود وعمر: إنا ما جلسنا لها، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم، رضي الله عنهم. (¬3) وقيل: يسن إلا أنه دون تأكدها للمستمع وفاقا لأبي حنيفة والشافعي، لأنه صح أنه كان يقرأ في غير صلاة ومسجد، ويسجدون معه، حتى ما يجد بعضهم موضعا لجبهته ولقوله: وسجد من كان معه. (¬4) لم يسجد المستمع، وقيل: يسجد غير مصل، قدمه في الوسيلة، وفاقا للشافعي، وهو رواية عن مالك. (¬5) يعني المستمع، وقيل: يسجد وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي (¬6) ورواه ابن أبي شيبة وغيره، وعلقه البخاري، وقال: قال ابن مسعود لتميم بن حذلم: اسجد فإنك إمامنا.

عدد السجدات ومواضعها

ولا يسجد المستمع قدام القارئ (¬1) ولا عن يساره مع خلو يمينه (¬2) ولا رجل لتلاوة امرأة (¬3) ويسجد لتلاوة أمي وصبي (¬4) (وهو) أي سجود التلاوة (أربع عشرة سجدة) (¬5) . ¬

_ (¬1) وهو الصحيح من المذهب وقيل يسجد قدامه. (¬2) ومثله خلو خلفه، وقيل: يسجد عن يساره، فإنهما ليسا شرطا، ولأن القراءة والقيام ليسا من فروضه، قال في الإنصاف، بلا خلاف، ولا يسجد قبل القارئ، لكن يجوز رفعه قبله في غير الصلاة، صوبه في الإنصاف، لأنه ليس إماما له حقيقة، بل بمنزلة الإمام. (¬3) وكذا خنثى لأن القارئ لا يصلح أن يكون إماما له في هذه الأحوال، وقيل: بلى، واستظهره في التنقيح، كسجوده لتلاوة أمي وزمن، لأن ذلك ليس بواجب عليه، ولا يشترط فيه كل حالة تشترط في الإمامة. (¬4) أي يسجد مستمع من رجل وامرأة وخنثى، لتلاوة أمي وزمن ومميز وفاقا، لأن قراءة الفاتحة والقيام ليسا ركنا في السجود، ولصحة إمامتهم في النفل، وانظر ما هنا مع قوله قبله: أو كان لا يصلح إلخ إلا أن يقال هنا بمثله. (¬5) أي وعدد سجدات التلاوة أربع عشرة وكلها مجمع عليها، ما عدا ثانية الحج، والمفصل، وقال الحافظ أجمعوا على أنه يسجد في عشرة مواضع وهي متوالية إلا ثانية (الحج) و (ص) عن عمرو بن العاص قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان، رواه أبو داود والحاكم وسنده حسن والمفصل ثابت في الصحيح، وهو مذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

في الأعراف والرعد والنحل والإسراء ومريم (¬1) و (في الحج منها اثنتان) (¬2) والفرقان والنمل والم تنزيل (¬3) وحم السجدة (¬4) والنجم، والانشقاق، واقرأ باسم ربك (¬5) . ¬

_ (¬1) في آخر الأعراف سجدة، وفي الرعد عند قوله: {بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} وفي النحل عند {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} وفي الإسراء: {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} وفي مريم {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} . (¬2) عند قوله: {إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} والثانية: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} لخبر عقبة في الحج سجدتان؟ قال: «نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما» رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وفيه ابن لهيعة، واحتج به أحمد، وتقدم حديث عمرو، وروى الحاكم وغيره عن عمر وابن عباس وأبي الدرداء وأبي موسى أنهم سجدوهما في الحج. (¬3) السجدة، ففي الفرقان عند قوله: {وَزَادَهُمْ نُفُورًا} وفي النمل {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} والم عند قوله: {وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} . (¬4) أي حم التي فيها السجدة عند {وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ} وفاقا لأبي حنيفة والشافعي، وقيل عند: {تَعْبُدُونَ} وفاقا لمالك وعنه يخير. (¬5) في آخر النجم، وفي الانشقاق عند قوله: {لا يَسْجُدُونَ} وفي آخر {اقْرَأْ} ففي النجم سجد صلى الله عليه وسلم وسجد معه المسلمون والمشركون، رواه البخاري وسجد في الانشقاق، واقرأ رواه مسلم، وفيهما عن أبي هريرة أنه سجد خلف النبي صلى الله عليه وسلم في: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} قال الطحاوي: تواترت الآثار عنه صلى الله عليه وسلم بالسجود في المفصل، وأحاديث أبي هريرة متأخرة على خبر ابن عباس.

وسجدة ص سجدة شكر (¬1) ولا يجزئ ركوع، ولا سجود الصلاة عن سجدة التلاوة (¬2) (و) إذا أراد السجود فإنه (يكبر) تكبيرتين، تكبيرة (إذا سجد) (¬3) . ¬

_ (¬1) وليست من عزائم السجود، وفاقا للشافعي، لما في الصحيح عن ابن عباس قال: ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها، أي ليست مما ورد فيها أمر ولا تحريض ولا حث، وإنما ورد بصيغة الإخبار وللنسائي: سجدها داود توبة، ونسجدها شكرا، فينبغي أن يسجدها خارج الصلاة لا فيها، فإن فعل عالما بطلت على الصحيح من المذهب وقيل: لا تبطل بها صلاة وفاقا للشافعي، لأنها تتعلق بالتلاوة، فهي كسائر سجدات التلاوة ويعضده ما رواه أبو داود بسند صحيح، أنه خطب فمر بالسجدة فتهيئوا فقال: «إنما هي توبة نبي ولكن قد استعددتم للسجود» ، فنزل وسجد، وعنه: سجدة تلاوة، وفاقا لأبي حنيفة ومالك قال في الفروع، وهو الأظهر لأن سببها من الصلاة، والسجود فيها عند قوله: وأناب وفاقا، فإن قيل: ما وجه تخصيص داود مع وقوع نظيره لآدم وأيوب وغيرهما؟ قيل: لإنه لم يحك عن غيره أنه لقي مما ارتكبه من الخوف والبكاء حتى نبت العشب من دموعه، والقلق المزعج ما لقيه، فجوزي دوام الشكر من العالم إلى يوم القيامة. (¬2) وفاقا لمالك والشافعي، وجمهور السلف والخلف، لأن الركوع ليس فيه من الخضوع ما في السجود وهو ما استمر عمل النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده عليه وتقدم أن الأصحاب خرجوا الاكتفاء بسجدة الصلاة عن سجدة التلاوة، فالله أعلم، وفي المغني والشرح: إذا كانت آخر السورة سجد ثم قام فقرأ شيئا ثم ركع، وإن أحب قام ثم ركع من غير قراءة. (¬3) وفاقا: لحديث ابن عمر: كان عليه الصلاة والسلام يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد، وسجدنا معه، رواه أبو داود، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، كما يقول في سجود صلب الصلاة، وإن زاد غيرها مما ورد فحسن، ومنه: سجد وجهي لله الذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته اللهم اكتب لي بها أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعله لي عندك ذخرا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، فالأول رواه الخمسة وصححه الترمذي، والثاني رواه الترمذي وغيره، ونحوه: لمسلم لكن في الصلاة، والتكبيرة الأولى والسجود ركنان، وتسبيح السجود واجب.

ما يقوله في سجدة التلاوة

(و) تكبيرة (إذا رفع) سواء كان في الصلاة أو خارجها (¬1) (ويجلس) إن لم يكن في الصلاة (¬2) (ويسلم) وجوبا، وتجزئ واحدة (¬3) (ولا يتشهد) كصلاة الجنازة (¬4) ويرفع يديه إذا سجد ندبا ولو في صلاة (¬5) . ¬

_ (¬1) وقال ابن القيم: لم يذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يكبر للرفع من هذا السجود ولذلك لم يذكره الخرقي، ومتقدموا الأصحاب. (¬2) قال في الإقناع: ولعل جلوسه ندب، تبعا للفروع والمبدع. (¬3) تقدم أنه لم ينقل فيها سلام، وهو المنصوص عن الشافعي، ولا تقاس على الصلاة من كل وجه، قال الشيخ، ولا يشرع فيه تحريم ولا تحليل، هذا هو السنة المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعليها عامة السلف، قال أحمد: أما التسليم فلا أدري ما هو، قال ابن القيم: وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي غيره، ولا نقل فيه تشهد ولا سلام ولا جلوس ألبتة. (¬4) وفاقا، وعليه الجمهور من السلف والخلف. (¬5) أي ويرفع يديه إذا سجد وفاقا، ولو كان في الصلاة ندبا، ولو إشارة إلى خلاف أبي حنيفة ومالك، وقال الشارح وغيره: قياس المذهب لا يرفعهما لقول ابن عمر: وكان لا يفعل ذلك في السجود، وقال ابن نصر الله هذا أصح وهو المتعين صرح به الشارح وابن القيم لعموم: ولا يفعل ذلك في السجود.

وسجود عن قيام أفضل (¬1) (ويكره للإمام قراءة) آية (سجدة في صلاة سرو) كره (سجوده) أي سجود الإمام للتلاوة (فيها) أي في صلاة سرية كالظهر (¬2) لأنه إذا قرأها إما أن يسجد لها أو لا (¬3) فإن لم يسجد لها كان تاركا للسنة (¬4) . ¬

_ (¬1) تشبيها له بصلاة النفل، قال الشيخ: بل سجود التلاوة قائما أفضل منه قاعدا، كما ذكره من ذكره من العلماء، من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما وكما نقل عن عائشة رضي الله عنها، بل وكذلك سجود الشكر، كما روي أبو داود في سننه، عن النبي صلى الله عليه وسلم من سجوده للشكر قائما، وهذا ظاهر في الاعتبار، فإن صلاة القائم أفضل من صلاة القاعد اهـ ولقوله: {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا *} وقوله: {خَرُّوا سُجَّدًا} والخرور لا يكون إلا من علو، قال الشيخ: ومن نهى عنه خشية الرياء فنهيه مردود عليه، وإفساده في ترك إظهار المشروع أعظم من الإفساد في إظهار رياء، ولأن الإنكار إنما يقع على الفساد في إظهار ذلك رئاء الناس، وعلى ما أنكرته الشريعة وتسويغ مثل هذا النهي يفضي إلى أن أهل الفساد ينكرون على أهل الدين، إذا رأوا من يظهر أمرا مشروعًا. (¬2) وروى أحمد وأبو داود وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في الظهر، فقيل: لا يكره، قال ابن تميم، اختاره الشيخ، ولفظه: واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم أولى ونص عليه أحمد وغيره. (¬3) أي يسجد لتلاوته السجدة، أو لا يسجد، ولا بد من أحد الحالتين. (¬4) المجمع عليها في الجملة.

وإن سجد لها أوجب الإبهام والتخليط على المأموم (¬1) (ويلزم المأموم متابعته في غيرها) أي: غير الصلاة السرية (¬2) ولو مع ما يمنع السماع كبعد وطرش (¬3) ويخير في السرية (¬4) . (ويستحب) في غير الصلاة (سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم) مطلقًا (¬5) . ¬

_ (¬1) فكان ترك السبب المفضي إلى ذلك أولى «والإبهام» بالموحدة مصدر، أُبْهِمَ الأمر اشتبه فلم يدر كيف يؤتى له، وبالمثناة مصدر أوهم وأوهمه إيهامه أوقعه في الوهم، «والتخليط» مصدر، خلط الشيء بغيره أدخل أجزاءه بعضها في بعض وتقدم. (¬2) أي يلزم المأموم متابعة إمامه إذا سجد سجود التلاوة في غير الصلاة السرية وفاقًا لحديث «إنما جعل الإمام ليؤتم به» . (¬3) لأنه محل الإنصات في الجملة. (¬4) أي يخير المأموم في متابعة الإمام في الصلاة السرية أو عدم المتابعة وقيل: يلزمه متابعة الإمام وفاقًا لأبي حنيفة، ورواية عن مالك، وقال عليه الصلاة والسلام «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» ، وكصلاة جهر، قال في الفروع: في الأصح، ويكره اختصار آيات السجود اتفاقا، وكره حذفها حتى لا يسجد لها لأن كلا منهما لم ينقل عن السلف، بل نقلت كراهته. (¬5) أي سواء كانت خاصة أو عامة، دينية أو دنيوية، ظاهرة أو باطنة كتجدد ولد، أو مال أو جاه أو نصرة على عدو، أو غير ذلك من سائر النعم، أو اندفاع النقم، ونعمة الله على العبد ما أعطاه له مما لا يتمنى غيره أن يعطيه إياه، وفي الكليات: النعمة -في أصل وضعها- الحالة التي يستلذها الإنسان، والنقم كعنب جمع نقمة، اسم من الانتقام وهي المكافأة بالعقوبة، وظاهره لا يسجد لدوامها لأنه لا ينقطع، فلو شرع له السجود لاستغراق به عمره، وشكرها بالعبادات والطاعات والمتجددة شرع سجود الشكر لشكر الله عليها، وخضوعًا له وذلاًّ في مقابلة فرحة النعمة، وانبساط النفس لها، وقال الحجاوي: له مفهومان أحدهما صحيح، وهو أنه سواء كان في أمر الناس أو أمر يخصه، والآخر أنه سواء كان ظاهرا أو باطنا فإن النعم غير الظاهرة كثيرة في كل وقت، من صرف البلايا والآفات والتمتع بالصحة، والسمع والبصر، وغير ذلك فلا يسجد له.

لما روى أبو بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسر به خر ساجدًا، رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم (¬1) (وتبطل به) أي بسجود الشكر (صلاة غير جاهل وناس) (¬2) . ¬

_ (¬1) وحسنه الترمذي، وقال: العمل عليه عند أكثر العلماء، وسجد عليه الصلاة والسلام حين قال له جبرئيل، يقول الله تعالى «من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه» ، رواه أحمد، وسجد حين شفع في أمته فأجيب رواه أبو داود، وسجد حين جاءه كتاب من اليمن بإسلام همدان، رواه البيهقي وسجد الصديق حين جاءه قتل مسيلمة وعلي حين رأى ذا الثدية، وكعب حين بشر بتوبة الله عليه، وغيرهم وقد تواتر فعله صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه بعده وقال ابن القيم: لو لم تأت النصوص بالسجود عند تجدد النعم، لكان هو محض القياس، ومقتضى عبودية الرغبة، كما أن السجود عند الآيات مقتضى عبودية الرهبة. (¬2) وفاقًا، كما لو زاد فيها سجودًا، وأما الجاهل والناسي فيسجد له، كما تقدم فيمن زاد فعلا من جنس الصلاة.

أوقات النهي

لأنه لا تعلق له بالصلاة (¬1) بخلاف سجود التلاوة (¬2) وصفه سجود الشكر، وأحكامه كسجود التلاوة (¬3) (وأوقات النهي خمسة) (¬4) الأول (من طلوع الفجر الثاني، إلى طلوع الشمس) لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر» احتج به أحمد (¬5) . ¬

_ (¬1) أي لأن سبب سجود الشكر لا تعلق له بالصلاة، فتبطل به، كما تبطل بزيادة فعل وتقدم. (¬2) لمشروعيته فيها وخارجها. (¬3) يعني يكبر إذا سجد، وإذا رفع، ويجلس ويسلم، وليس في النصوص ما يدل لذلك، وإنما جاءت بمشروعية السجود، وقال شيخ الإسلام، ولو أراد الدعاء فعفر وجهه لله بالتراب، وسجد له، ليدعوه فيه، فهذا سجود، لأجل الدعاء، ولا شيء يمنعه، وابن عباس سجد لما جاء نعي بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال عليه الصلاة والسلام «إذا رأيتم آية فاسجدوا» قال: وهذا يدل على أن السجود يشرع عند الآيات، فالمكروه هو السجود بلا سبب، وفي المبدع: إذا رأى مبتلى في دينه سجد بحضوره، وإن كان في بدنه كتمه عنه، قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يسألوا الله العافية بحضرة المبتلى. (¬4) هذا هو المشهور، وظاهر الخرقي وغيره ثلاثة، بعد طلوع الفجر حتى تطلع وبعد العصر حتى تغرب، وعند قيامها، وهو يشمل وقتين، والاختلاف في الألفاظ وقع من الرواة، وترجع بالتحقيق إلى ثلاثة، وعدها خمسة أجود. (¬5) في رواية صالح، ورواه هو وأبو داود وغيرهما، من رواية ابن عمر رضي الله عنهما، وقال الترمذي: هو ما أجمع عليه أهل العلم، كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر وفي الصحيحين «إذا طلع الفجر لم يصل إلا ركعتين خفيفتين» قال شيخ الإسلام: وليس بعد طلوع الفجر والفريضة سنة إلا ركعتان، وعنه: أن النهي متعلق بفعل الصلاة، وأن الوتر يفعل قبل صلاة الفجر، وفاقًا لمالك والشافعي، لما في الصحيحين، «لا صلاة بعد صلاة الفجر» ، ولحديث أبي بصرة مرفوعا «إن الله زادكم صلاة فصلوها بين العشاء إلى صلاة الصبح» ، احتج به أحمد قال الشارح والمجد وغيرهما: وأحاديث النهي الصحيحة ليست صريحة في النهي إلا بعد الفجر، وقد يقال: المراد بصلاة الصبح فيما قبل وقتها، فهو بمعنى طلوع الفجر فتتفق الأدلة.

(و) الثاني (من طلوعها حتى ترتفع قيد) بكسر القاف، أي قدر (رمح) في رأي العين (¬1) (و) الثالث (عند قيامها حتى تزول) (¬2) . ¬

_ (¬1) قلبت واو «قيد» ياء لانكسار ما قبلها، والقدر مبلغ الشيء، والرمح هو رمح الهذيلي، وطوله ستة أذرع بذراع اليد، وأول هذا الوقت ظهور شيء من قرص الشمس ويستمر إلى ارتفاعها قدر رمح. (¬2) أي الشمس وفيه وجه: إلا يوم الجمعة، وفاقًا لمالك، واختاره الشيخ، وتلميذه وغيرهما واستثناه الشافعي وأصحابه، والعمدة في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استحب التبكير إلى الجمعة، ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام، من غير تخصيص، ولا استثناء ولأبي داود وغيره «إلا يوم الجمعة» وعده ابن القيم وغيره من خصائصها وقيام الشمس انتصابها وهو وقوفها، ويعرف بوقوف الظل لا يزيد ولا ينقص، إلى أن تزول إلى جهة المغرب، وقوف لطيف، لا يتسع لصلاة ولا يكاد يشعر به، إلا أن التحريم يمكن إيقاعه فيه، فلا تصح فيه.

لقول عقبة بن عامر: ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا، «حين تطلع الشمس بازغة، حتى ترتفع (¬1) وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول (¬2) وحين تتضيف الشمس للغروب، حتى حتى تغرب» رواه مسلم (¬3) وتضيف بفتح المثناة فوق، أي تميل (¬4) . ¬

_ (¬1) أي من ابتداء طلوعها، إلى أن ترتفع قيد رمح، ولمسلم وغيره «فإنها تطلع بين قرني شيطان» ، أي ناحيتي رأسه، ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة، فنهي عن الصلاة حينئذ صيانة لها. (¬2) أي حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق، ولا في المغرب، أو الظهيرة شدة الحر، وقائمها البعير يكون باركا، فيقوم من شدة حر الأرض. (¬3) وأحمد وأهل السنن وغيرهم، والنهي عن الصلاة في هذه الأوقات مشهور، وأما الدفن فصوب البغوي والنووي وغيرهما أن المراد تأخيره إلى هذه الأوقات، أما إذا وقع بلا تعمد فلا يكره، بل ضعف شيخ الإسلام القول بأنه الصلاة على الجنازة، وقال: لأن الصلاة على الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع وإنما معناه تعمد تأخير الوقت إلى هذه الأوقات، كما يكره تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر، وأما إذا وقع الدفن في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره. (¬4) يقال: ضاف يضيف أي مال، وفي الصحاح: تضيفت الشمس إذا مالت للغروب، وكذلك ضافت وضيفت اهـ، ومنه المضيف، أضفت فلانا، إذا أملته إليك، وأنزلته عندك.

(و) الرابع (من صلاة العصر إلى غروبها) (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بعد الفجر، حتى تطلع الشمس (¬2) ولا صلاة بعد العصر، حتى تغيب الشمس» متفق عليه عن أبي سعيد (¬3) والاعتبار بالفراغ منها، لا بالشروع فيها (¬4) ولو فعلت في وقت الظهر جمعًا (¬5) لكن تفعل سنة ظهر بعدها (¬6) . ¬

_ (¬1) إجماعًا، حكاه غير واحد من الأصحاب وغيرهم، والمراد إذا أخذت الشمس في الغروب، وفي الصحيحين «إذا اصفرت» وآخره كمال غروبها. (¬2) المراد حتى ترتفع وتشرق، ليس مجرد ظهور القرص، قال القاضي وغيره: وهذا صحيح متعين لا عدول عنه، للجمع بين ألفاظ الحديث. (¬3) والنهي عن الصلاة بعد الصبح والعصر متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ووقت استواء الشمس فيه أربعة أحاديث، حديث عقبة وعمرو، عند مسلم، وأبي هريرة عند ابن ماجه، والصنابحي في الموطأ. (¬4) فمن لم يصل العصر أبيح له التنفل، وإن صلى غيره، قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه، وكذا لو أحرم بها ثم قلبها نفلاً، أو قطعها لعذر، لم يمنع من التطوع حتى يصليها، ومن صلاها فليس له التنفل، ولو صلى وحده، لحديث أبي سعيد وغيره. (¬5) فمن صلى العصر منع من التطوع، لما تقدم، إلا ما استثناه الشرع. (¬6) أي بعد صلاة العصر إذا جمعت مع الظهر تقديمًا، أو تأخيرًا لما روت أم سلمة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين، فقلت: صلاة لم أكن أراك تصليها فقال: «إني كنت أصلي ركعتين بعد الظهر، وإن قدوم وفد بني تميم شغلوني عنها فهما هاتان الركعتان» متفق عليه.

(و) الخامس (إذا شرعت) الشمس (فيه) أي: في الغروب (حتى يتم) لما تقدم (¬1) (ويجوز قضاء الفرائض فيها) أي: في أوقات النهي كلها (¬2) ، لعموم قوله عليه السلام: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» متفق عليه (¬3) ويجوز أيضًا فعل المنذورة فيها، لأنها صلاة واجبة (¬4) . (و) يجوز حتى (في الأوقات الثلاثة) القصيرة (¬5) (فعل ركعتي الطواف) (¬6) لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى، أية ساعة من ليل أو نهار» . ¬

_ (¬1) يعني في حديث عقبة. (¬2) إجماعًا حكاه غير واحد، بل يجب للأمر به. (¬3) ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته» متفق عليه، والمراد الركعة، ولقصة نومه عن صلاة الفجر، ولما فيه من الاحتياط لأداء الواجب، وإبراء الذمة. (¬4) أشبهت الفرائض في قضائها في أوقات النهي، لاشتراكها في الوجوب وذلك بأن نذر أن يصلي وأطلق، ويجوز نذره فيها، كأن يقول: لله علي أن أصلي ركعتين بعد العصر، صرح به في الإنصاف وغيره، وقال الموفق فيما إذا نذر أن يصلي عقب كل صلاة ركعتين: إنه لا ينعقد فيما بعد الفجر والعصر، لأنه نذر محرم، كما لو نذرت أن تصلي في أيام حيضها، وفيه خلاف، وهذا هو الصحيح. (¬5) وهي عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند قيامها. (¬6) فرضا كان الطواف أو نفلاً.

رواه الترمذي وصححه (¬1) (و) تجوز فيها (إعادة جماعة) أقيمت وهو بالمسجد (¬2) لما روى يزيد بن الأسود، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين لم يصليا معه، فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» فقالا: يا رسول الله قد صلينا في رحالنا، قال: «لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة» رواه الترمذي وصححه (¬3) . ¬

_ (¬1) من حديث جبير بن مطعم، ونحوه للدارقطني من حديث ابن عباس، وهذا إذن منه صلى الله عليه وسلم في فعلها في جميع أوقات النهي، ولأن الطواف جائز في كل وقت فكذلك ركعتاه. (¬2) ولو مع غير إمام الحي، وسواء كان صلى جماعة أو وحده في كل وقت من الأوقات الخمسة، وقيده الشارح بقوله: أقيمت وهو في المسجد احترازا عمن دخل المسجد بعد أن صلى، فوجد الإمام يصلي، يعني فلا يعيد معه، وهو منطوق حديث أبي ذر الآتي، ويأتي الكلام عليه. (¬3) ولحديث أبي ذر مرفوعًا «صل الصلاة لوقتها، فإن أقيمت وأنت بالمسجد فصل، ولا تقل: إن صليت فلا أصلي» رواه مسلم وغيره ولتأكدها للخلاف في وجوبها و (رحال) جمع رحل، هو المنزل، ويطلق على غيره، والمراد هنا المنزل. ويزيد بن الأسود أو ابن أبي الأسود، هو العامري السوائي من بني سواءة بن عامر بن صعصعة، وقيل الخزاعي، حليف قريش أبو حباب، روى عنه ابنه هذا الحديث، وهو مدني وقيل: سكن الطائف.

فإن وجدهم يصلون لم يستحب الدخول (¬1) وتجوز الصلاة على الجنازة بعد الفجر والعصر (¬2) دون بقية الأوقات (¬3) ما لم يخف عليها (¬4) (ويحرم تطوع بغيرها) أي غير المتقدمات، من إعادة جماعة، وركعتي طواف، وركعتي فجر قبلها، (في شيءٍ من الأوقات الخمسة) (¬5) . ¬

_ (¬1) يعني معهم فيها ليعيدها، لظاهر خبر أبي ذر، وقيل: يدخل معهم، وهو ظاهر كلام جماعة، منهم الشارح وابن القيم، وقال أحمد: فيمن صلى في جماعة، ثم دخل المسجد وهم يصلون، أيصلي معهم؟ قال: نعم، ولئلا يتخذ قعوده والناس يصلون ذريعة إلى إساءة الظن به، وأنه ليس من المصلين. (¬2) بإجماع المسلمين، وهما الوقتان الطويلان، وقال ابن المنذر وغيره: بلا خلاف لطول مدتهما فالانتظار فيهما يخاف منه عليها، ولأنها فرض في الجملة، أشبهت قضاء الفوائت وظاهره أنه لا يصلي على قبر، ولا على غائب وقت نهي، لأن العلة في الجنازة خوف الانفجار. (¬3) لحديث عقبة بن عامر وتقدم، وذكره فيه الصلاة مقرونة بالدفن يدل على إرادة صلاة الجنازة لأنها صلاة من غير الخمس، أشبهت النوافل، قال الخطابي: هذا قول أكثر أهل العلم، وعنه: تجوز، وفاقًا للشافعي، واختاره ابن عقيل والشيخ وغيرهما، كتحية المسجد حال الخطبة وغيرها، قال في الإنصاف: وليس عنها جواب صحيح، وضعف شيخ الإسلام وغيره أنها صلاة الجنازة وتقدم. (¬4) تقييد لقوله: دون بقية الأوقات، وهي الثلاثة القصيرة وقالوا: فإن خيف عليها جاز للضرورة، وتقدم أنه يجوز بدون الضرورة. (¬5) أي يحرم تطوع في شيء من الأوقات الخمسة بغير ما تقدم: من إعادة جماعة، وركعتي طواف، وركعتي فجر قبلها، للنصوص.

يجوز فعل ما له سبب في أوقات النهي

حتى ما له سبب (¬1) كتحية المسجد (¬2) . ¬

_ (¬1) ذكرها لئلا يتوهم أن ذلك مخصوص بها، وعنه أن ما له سبب، من جميع ما تقدم ذكره وما يأتي، يجوز فعله في أوقات النهي، واختاره أبو الخطاب، وابن عقيل، والشيخ وغيرهم، وهو ظاهر الكافي، وقدمه في المحرر، وهو مذهب الشافعي وأهل الحديث، وأهل التحقيق من أتباع الأئمة، حملوا أحاديث النهي على ما لا سبب له، ولا نزاع في أنه لا يجوز أن يبتدئ في هذه الأوقات تطوعا لا سبب له، لهذه الآثار المتواترة، في النهي عن ذلك. وفي صحيح مسلم عن عائشة: إنما نهى أن يتحرى طلوع الشمس أو غروبها، قال: «لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فتصلوا عند ذلك» ، والتحري التعمد، وما له سبب لا تعمد فيه، وثبت من حديث عمر نحوه، أي لا يقصد أحدكم الصلاة عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، لأن الكفار الذين يعبدونها يسجدون لها في هذين الوقتين. وأما ذوات الأسباب فتفعل في أوقات النهي، للأدلة الدالة على ذلك، وهي تخص عموم النهي، وقال في المبدع: فيترجع على أحاديث النهي، بحديث أم سلمة وكتحية المسجد حال الخطبة، وليس عنها جواب صحيح اهـ، ومن منع من ذلك قيل له: جوزت الصلاة وقت الخطبة، وهو وقت نهي باتفاق العلماء، وكذا إعادة الجماعة، ومنعت ما سواهما مما له سبب، فلم تعمل بأحاديث النهي على ظاهرها، بل خالفت ظاهرها في بعض دون بعض. (¬2) أي يحرم تطوع بها في الأوقات الخمسة، وعنه: يسن بشرطين، أن يكون متطهرا، وأن لا يجلس ويطول جلوسه، وقد جاءت بلفظ الأمر، ولفظ النهي في الصحيح وغيره من غير وجه، وحكى النووي إجماع المسلمين على سنيتها في جمع الأوقات. قال شيخ الإسلام: والصحيح قول من استحب ذلك وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وأحاديث النهي عموم مخصوص، خص منه صلاة الجنائز باتفاق المسلمين، وقضاء الفوائت، وقوله: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» أمر عام لم يخص، فلا يجوز تخصيصه بعموم مخصوص، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم الداخل يوم الجمعة حال الخطبة بهما، بعد أن قعد، ولو كانت تترك في وقت لكان هذا الوقت أولى، لأنه يمنع حال الخطبة، من الصلاة لا التحية، ولأنه تكلم في الخطبة، وبعد أن قعد الداخل وكل هذا مبالغة في تعميم التحية اهـ. والحرم وغيره في ذلك سواء، فمن دخل الحرم ولم يطف، لا يجلس حتى يصلي ركعتين وكون تحيته الطواف فلمن طاف، وتحية المسجد إكرام للمسجد، وكأنها في دخول المسجد بمنزلة السلام، كما يسلم الرجل على صاحبه عند لقائه قال النووي: وعبر بعضهم بتحية رب المسجد، لأن المقصود منها القربة إلى الله لا إلى المسجد لأن داخل بيت الملك يحيي الملك، لا البيت، وإذا نوى التحية والصلاة مطلقا، أو راتبة أو غير راتبة أو فرضا، أو منذورة حصل له ما نواه إجماعا وإن نوى ذلك ولم ينو التحية أجزأ وحصل له ما نوى، وحصلت تحية المسجد ضمنا.

وسنة وضوء (¬1) وسجدة تلاوة (¬2) وصلاة على قبر أو غائب (¬3) . ¬

_ (¬1) أي ويحرم تطوع بها في شيء من الأوقات الخمسة، وتقدم استحبابه، وقال الشيخ: ويستحب أن يصلي ركعتين عقب الوضوء، ولو كان وقت نهي، وفاقا للشافعية اهـ لقول بلال لرسول الله صلى الله عليه وسلم «لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور» ولئلا يبقى الوضوء خاليًا عن مقصوده. (¬2) أي يحرم تطوع بها فيها، وتقدم أنها ليست صلاة من كل وجه، والأمر بها مطلق، عند وجود سببها، وكذا سجدة شكر. (¬3) أي يحرم في أوقات النهي، للنهي عن الصلاة في تلك الأوقات.

وصلاة كسوف وقضاء راتبه (¬1) سوى سنة ظهر بعد العصر المجموعة إليها (¬2) ولا ينعقد النفل إن ابتدأه في هذه الأوقات، ولو جاهلاً (¬3) . ¬

_ (¬1) يعني يحرم فعلهما في شيء من أوقات النهي الخمسة، هذا وقد قال صلى الله عليه وسلم في الكسوف «إذا رأيتموه فصلوا» وقال «فافزعوا إلى الصلاة» وأما قضاء الراتبة فسنة الصبح، إذا صلاها بعد صلاة الصبح، تقدم قول الشيخ أنه يقضيها بعدها، لحديث قيس، وسنة الظهر إذا صلاها بعد صلاة العصر، قد قضاها النبي صلى الله عليه وسلم بعد العصر، كما في الصحيحين وغيرهما، وأما سنة الظهر المجموعة إليها فمستثناة عندهم، وليقس عليها نحوها، وكصلاة الاستخارة، لما تقدم. وقال الشيخ: تصلى صلاة الاستخارة في وقت النهي، في أمر يفوت بالتأخير إلى وقت الإباحة، وكذا غير ذلك مما هو أعم من أحاديث النهي. وحيث ثبت قضاؤه الركعتين، وإقراره الذي صلى بعد الفجر ركعتي الفجر، وغير ذلك مما مر وغيره، مع انه لا يفوت بالتأخير، فما له سبب، مما يفوت بالتأخير، أولى مما لا سبب له، ولا تجوز صلاة الاستسقاء في وقت النهي، قال ابن رزين وغيره: إجماعًا. ولعله ما لم تكن حاجة داعية إلى فعلها وقت نهي، فيكون سببًا من الأسباب المسوغة، وتجويز ذوات الأسباب في وقت النهي، لترجح مصلحة فعلها، فإنها لا تقضي ولا يمكن تداركها، ومفسدة تفويتها أرجح من مفسدة المشابهة المذكورة. (¬2) فيجوز قضاؤها بعد العصر، لما في الصحيحين أنه قضى سنة الظهر بعد العصر؛ لكن ليس فيه أنه كان جمع، وأما التطوع بركعتين بعد العصر، ففي صحيح مسلم وغيره: كان عمر يضرب عليهما، بمحضر من الصحابة، من غير نكير، فكان إجماعًا، ومر الإجماع على تحريم إنشاء تطوع في أوقات النهي. (¬3) أي بالتحريم، وبكونه وقت نهي، فإن دخل وقت نهي وهو في نافلة، فقيل: يحرم عليها استدامتها، صرح به في الإقناع وغيره، وظاهر الخرقي أن تمام النفل في وقت النهي لا بأس به، ولا يقطعه، بل يخففه، وقطع به الزركشي وغيره من الأصحاب، وكذلك قطع به غير واحد من اتباع الأئمة لقوله: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} وصوبه في الإنصاف.

إلا تحية مسجد إذا دخل حال الخطبة، فتجوز مطلقا (¬1) ومكة وغيرها في ذلك سواء (¬2) . ¬

_ (¬1) يعني في الشتاء والصيف، ومع العلم وعدمه، ولو وقت قيام الشمس، بالإجماع، لحديث الأمر بهما، المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ويأتي ولما روى أبو داود: نهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وهذا استثناء من قوله: ويحرم تطوع، إلخ، قال في التوضيح، ولو فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام، وظاهر عبارته الإباحة فقط، والأمر في ذلك يقتضي الندب، كما هو ظاهر. (¬2) يعني في المنع من التطوع في أوقات النهي، حتى بما له سبب، سوى ما استثناه من قضاء الفوائت، وركعتي الطواف، وإعادة الجماعة، وعنه لا نهي بمكة وهو مذهب الشافعي، لحديث جبير وأبي ذر وغيرهما، ولعل المراد ما له سبب، كركعتي الطواف، للإجماع على تحريم إنشاء تطوع في أوقات النهي، ولم يخصوا مكة ولا غيرها، وبه تتفق الأدلة.

باب صلاة الجماعة

باب صلاة الجماعة (¬1) شرعت لأجل التواصل والتوادد وعدم التقاطع (¬2) . ¬

_ (¬1) أي باب بيان أحكام صلاة الجماعة، ومن الأولى بالإمامة؟ وموقف الإمام والمأموم، وما يبيح تركها من الأعذار وما يتعلق بذلك، وقيل: إنه من المقلوب، فيقال: باب بيان أحكام الجماعة في الصلاة، وفصل أحكام الجماعة، لأنها صفة زائدة على ماهية الصلاة، وليست فعلا، حتى تكون من جنسها، وحيث إنها صفة تابعة لها أتبعها بها، وسميت جماعة لاجتماع المصلين في الفعل، مكانا وزمانا، فإذا أخلوا بهما أو بأحدهما لغير عذر كان ذلك منهيًّا عنه باتفاق الأئمة. واتفق المسلمون على أن الصلوات الخمس في المساجد من أوكد العبادات، وأجل الطاعات، وأعظم القربات، بل وأعظم وأظهر شعائر الإسلام. (¬2) أي شرع الله عز وجل لهذه الأمة ببركة نبيها محمد صلى الله عليه وسلم الاجتماع في أوقات معلومة، منها ما هو في اليوم والليلة، كالمكتوبات، ومنها ما هو في الأسبوع، وهو صلاة الجمعة، ومنها ما هو في السنة متكررا، وهو صلاة العيدين، لجماعة كل بلد، ومنها ما هو عام في السنة، وهو الوقوف بعرفة، لأجل التواصل وهو الإحسان والتعطف والرعاية، ولأجل نظافة القلوب و (التوادد) وهو التحاب، ولأجل معرفة أحوال بعضهم لبعض، فيقومون بعيادة المرضى، وتشييع الموتى، وإغاثة الملهوفين، وإغاضة العدو (وعدم التقاطع) عطف تفسير قال شيخ الإسلام: لأن المقصود بالصلاة الائتلاف، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم «لا تختلفوا فتخلتف قلوبكم» اهـ ومن فوائد الجماعة قيام نظام الألفة، وتعلم الجاهل من العالم، وعموم البركة، ومضاعفة الثواب، وزيادة العمل، عند مشاهدة أولى الجد، وغير ذلك من الحكم في مشروعيتها، وحقيقتها ربط صلاة المؤتم بصلاة الإمام.

(تلزم الرجال) الأحرار القادرين (¬1) ولو سفرا، في شدة خوف (¬2) (للصلوات الخمس) المؤداة وجوب عين (¬3) . ¬

_ (¬1) أخرج المميزين، والنساء، والخناثى، والعبيد، والمبغضين، وذوي الأعذار. (¬2) أو غيره، لقوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} الآية لأنها نزلت في صلاة الخوف، والغالب كون الخوف في السفر. (¬3) أي متعين ثابت على الرجال، كل منهم بعينه، حضرا وسفرا، وبرهان ذلك الكتاب والسنة والآثار والاعتبار، وعمل المسلمين قرنا بعد قرن، خلفا عن سلف، وموجب عمارة المساجد، وفرض النداء وغير ذلك، قال في الإقناع وشرحه: يقاتل تاركها أي الجماعة، لحديث أبي هريرة المتفق عليه، وروى الإمام أحمد في مسنده «ما من ثلاثة في قرية، لا يؤذن ولا تقام فيهم الجماعة، إلا استحوذ عليهم الشيطان» ، ومن قال من الأئمة إنها سنة، فمؤكدة لتصريحهم بتأثيم تاركها، وسقوط عدالته وتعزيره، وأنه لا رخصة في تركها إلا لعذر، للأخبار، فوافقونا معنى، بل صرح بعضهم بأنها سنة مؤكدة، وأنهم أرادوا بالتأكيد الوجوب، أخذا بالأخبار الواردة بالوعيد الشديد على تركها. وقال النووي وطوائف: الجماعة مأمور بها، للأحاديث الصحيحة المشهورة، وإجماع المسلمين وذكر الوجه الثالث أنها فرض عين، وأنه قول للشافعي، واثنين من كبار أصحابه المتمكنين في الفقه، أبي بكر بن خزيمة، وابن المنذر بل وليس لهم دليل مقاوم أدلة وجوبها، وقال الشافعي: أما الجماعة فلا أرخص في تركها إلا من عذر، ذكره المزني، وقوله: المؤداة، أخرج المقضيات من الخمس، والمنذورة، والكسوف ونحوها، وفي قصة الخندق، ونومهم استحباب قضاء الفوائت جماعة، وهو قول أكثر أهل العلم.

لقول تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} الآية (¬1) فأمر بالجماعة حال الخوف، ففي غيره أولى (¬2) ولحديث أبي هريرة المتفق عليه «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر (¬3) . ¬

_ (¬1) أي إذا صليت بهم إماما، في صلاة الخوف، وذكر حالة الاجتماع والائتمام بإمام واحد، قال ابن كثير: وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية، حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة ما ساغ ذلك. (¬2) قال الشيخ: فإن الجماعة يعني في صلاة الخوف، يترك لها أكثر واجبات الصلاة فلولا وجوبها لم يؤمر بترك الواجبات لها اهـ، فأمر بالجماعة أولا، ثم أمر بها ثانيا، ولم يرخص لهم حال الخوف، فلو كانت سنة لكان أولى الأعذار بسقوطها: عذر الخوف، ولو كانت فرض كفاية لسقطت بفعل الطائفة الأولى، فدلت على وجوبها على الأعيان، ولقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ *} فالسياق يدل على اختصاص الركوع بذلك وخص الركوع لأنه تدرك به الصلاة وقوله: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وقوله: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ *} قال ابن عباس: هو قول المؤذن: حي على الصلاة، وكذلك الجمع بين الصلاتين في المطر، لأجل تحصيل الجماعة، مع أن إحدى الصلاتين قد وقعت خارج الوقت، والوقت واجب، فلو لم تكن الجماعة واجبة لما ترك لها الوقت الواجب. (¬3) لأنهما وقت السكون والراحة، ولذة النوم، وليس لهم داع ديني، ولا تصديق بالأجر، ولأنهما في ظلمة، وداعي الرياء منتفٍ، فانتفى الباعث، وهي ثقيلة عليهم، قال تعالى: {وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى} .

ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا (¬1) ، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس (¬2) ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنار (¬3) » . ¬

_ (¬1) أي لو يعلمون ما فيهما من مزيد الفضل، لأتوا المحل الذي يصليان فيه جماعة ولو زحفا، إذا منعهم مانع من المشي، ولابن أبي شيبة على الموافق والراكب. (¬2) وفي الصحيحين «والذي نفسي بيده لقد هممت» ، والهم العزم أن آمر من الأمر ضد النهي بالصلاة فتقام، من الإقامة وهو الكلمات المخصوصة. (¬3) انطلق أي أذهب، وحزم بضم الحاء، وروي كسرها جمع حزمة أي حملة من أعواد الحطب لا يشهدون أي لا يحضرون، وأحرق بتشديد الراء، وروي تخفيفها، لغتان فبين في هذا الحديث أنه إنما منعه من تحريق المتخلفين عن الجماعة من في البيوت من النساء والذراري الذين لا تجب عليهم الجماعة ولابن ماجه «لينتهين رجال عن تركهم الجماعات، أو لأحرقن بيوتهم» قال الحافظ: هذا الحديث ظاهر في كونها فرض عين، لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه، وكون الشيء واجبا لا ينافي كونه فضيلة وفي صحيح مسلم أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأله أن يرخص له أن يصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: «هل تسمع النداء؟» قال: نعم، قال: «فأجب» . قال شيخ الإسلام وهذا نص في إيجاب الجماعة، ولقوله: «فليؤمكما أكبركما» ، ولمسلم «إذا كانوا ثلاثة، فليؤمهم أحدهم» . وهو أمر ظاهر الوجوب وقوله «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» واضح وقد وثقه عبد الحق وغيره. وفي السنن «من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر، فلا صلاة له» قال الشيخ: هذا يقتضي أن النداء والصلاة في جماعة من الواجبات وقال صلى الله عليه وسلم «لا صلاة لفرد خلف الصف» . قال ابن القيم: فكيف بمن كان فردا في الجماعة والصفوف، ولمسلم وغيره عن ابن مسعود قال: من سره أن يلقي الله غدا مسلما، فليصل هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإنَّ الله شرع لنبيه سنن الهدى وإنَّ هذه الصلوات الخمس في المساجد التي ينادي بهن، من سنن الهدي، وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما صلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق، معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين، حتى يقام في الصف، وهذا دليل على استقرار، وجوبها عند المؤمنين، ولم يعلموا ذلك إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن كل أمر لا يتخلف عنه إلا منافق، يكون واجبا على الأعيان. قال الشيخ: وهو المشهور عن أحمد وغيره، من أئمة السلف، وفقهاء الحديث، وغيرهم بل وإجماع الصحابة، ولأحمد وغيره مرفوعا «الجفا كل الجفا، والكفر والنفاق، من سمع منادي الله ينادي إلى الصلاة فلا يجيبه» وثبت حديث «يد الله على الجماعة، فمن شذ شذ في النار» ، وسئل ابن عباس عن رجل يقوم الليل، ويصوم النهار، ولا يحضر الجماعة، فقال: هو في النار، وهذا له حكم الرفع، قال الشيخ: وقد اتبع الإمام أحمد ما دل عليه الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، من وجوب الجماعة مع عدم العذر، وسقوطها بالعذر.

من سره أن يلقي الله مسلما فليصل حيث ينادى بها.

(لا شرط) أي ليست الجماعة شرطًا لصحة الصلاة (¬1) . ¬

_ (¬1) وإنما هي واجبة: لحديث فضل صلاة الجماعة، وعدم إنكاره على اللذين صليا في رحالهما، وعنه: أن الجماعة شرط لصحة الصلاة، اختاره ابن عقيل، وابن أبي موسى، والشيخ وغيرهم، وعن ابن عباس مرفوعا: «من سمع النداء فلم يمنع من اتباعه عذر، لم يقبل الله منه الصلاة التي صلاها» رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان وغيرهم، ورواه ابن أصبغ بسند جيد بلفظ، «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» ، وروي عن غير واحد من الصحابة، منهم ابن مسعود وأبو موسى قالوا: من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر، فلا صلاة له، قال الشيخ: وهو قول طائفة من قدماء أصحاب أحمد، والقول الثاني تصح مع إثمه بالترك، وهو المأثور عن أحمد، وقول أكثر أصحابه، وشرط بالتنوين مرفوع عطف على مقدر، أي الجماعة لازمة، أو فرض عين، لا شرط ولا نافية عاطفة.

فتصح صلاة المنفرد بلا عذر (¬1) ، وفي صلاته فضل (¬2) . ¬

_ (¬1) مع الإثم، ولا ينقص أجره مع العذر، قال الشارح: لا نعلم من أوجب الإعادة على من صلى وحده، إلا ما روي عن بعض الصحابة أن من صلى وحده من غير عذر فلا صلاة له، وقال شيخ الإسلام: الوقت لا يمكن تلافيه، فإذا فات لم يمكن فعل الصلاة فيه، ونظيره من فوت الجماعة الواجبة التي يجب عليه شهودها، وليس هناك جماعة أخرى، فإنه يصلي منفردا، وتصح صلاته هنا مع الإثم، لعدم إمكان صلاته جماعة. (¬2) لحديث ابن عمر وغيره لأنه يلزم من ثبوت النسبة بينهما بجزء معلوم ثبوت الأجر فيهما، ولا ينقص أجره مع العذر، واختاره أبو الخطاب والشيخ فيمن عادته الصلاة في الجماعة، لا من عادته الانفراد لما في الصحيح، «إذا مرض العبد أو سافر، كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا» ، قال الشيخ: وهذه قاعدة الشريعة أن من كان عازما على الفعل عزما جازما، وفعل ما يقدر عليه منه، كان بمنزلة الفاعل، ولأبي داود «فإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها، بلغت خمسين صلاة» حديث حسن، وجاء أنه يصلي خلفه من الملائكة خلق كثير ولا شك أنه في الفلاة لعذر، وقصد صحيح، واختصاصه بهذه المزية لما في السفر من الخلوة والمشقة ونحوهما، والإقبال مع ذلك على الصلاة أمر لا يناله إلا أهل الإخلاص، ولا يقتضي هذا ونحوه أن يكون نفس عمله مثل عمل من صلاها في جماعة، ولا أن من لم تكن عادته الصلاة في جماعة، وصلى وحده للعذر يكون له كمن عادته الصلاة في الجماعة، اللهم إلا أن يتوب حال العذر، فإن أجره يكمل.

وصلاة الجماعة أفضل بسبع وعشرين درجة، لحديث ابن عمر المتفق عليه (¬1) وتنعقد باثنين، ولو بأنثى وعبد (¬2) في غير جمعة وعيد (¬3) لا بصبي في فرض (¬4) (ولو فعلها) أي الجماعة (في بيته) لعموم حديث جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (¬5) . ¬

_ (¬1) ولفظه «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» وفيهما أيضا بخمس وعشرين وأنكر شيخ الإسلام حمله على غير المعذور وقال: التفضيل لصلاة الجماعة على صلاة الفرد إنما دل على فضل هذه الصلاة، على هذه الصلاة، فمراد الشارع المعذور الذي يباح له الصلاة وحده. (¬2) والإمام رجل أو أنثى، أو عبد والإمام حر أو عبد أو مبعض، فإن أم عبده أو زوجته كانوا جماعة، لأن الجماعة مأخوذة من الاجتماع، والاثنان أقل ما يتحقق به الجمع، ولما روى ابن ماجه والبغوي من حديث أبي موسى مرفوعا «الاثنان فما فوقهما جماعة» وضعفه السيوطي، ولحديث «من يتصدق على هذا؟» فقام رجل، فصلى معه، فقال: «هذان جماعة» رواه أحمد وغيره، ولقوله لمالك بن الحويرث «وليؤمكما أكبركما» ، ولصلاته بابن عباس عن يمينه، وغيرها، قال الوزير وغيره: أجمعوا على أن أقل الجمع الذي تنعقد به صلاة الجماعة في الفرض غير الجمعة اثنان، إمام ومأموم قائم عن يمينه، وحكاه البغوي إجماع المسلمين. (¬3) متعلق بتنعقد، يعني والإمام حر أو عبد، لاشتراط العدد فيهما، على ما يأتي. (¬4) والإمام بالغ، لأنه لا يصلح إمام في الفرض، ويصح في النفل، لأنه عليه الصلاة والسلام أمَّ ابن عباس وهو صبي، رواه الجماعة، وعنه: يصح في الفرض كالنفل، للأخبار ويأتي. (¬5) متفق عليه، وفي لفظ «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فعنده مسجده وطهوره فمن أقامها في بيته خرج من العهدة، وفاتته الفضيلة» ، وكذا في صحراء على الصحيح من المذهب، وعنه: ليس له فعلها في بيته، قدمه في الحاوي وغيره، وأن حضور المسجد واجب على القريب منه، لقوله صلى الله عليه وسلم «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» وعن علي مثله وزاد وجار المسجد من أسمعه المنادي، رواه البيهقي بإسناد جيد، وقال ابن عباس في قوله: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ) من سمع النداء بالصلاة، ثم لم يجب، ولم يأت المسجد ويصلي فيه، فلا صلاة له، وقد عصى الله ورسوله، وله شواهد كثيرة، ولحديث الأعمى وغيره، وعموم الحديث الذي استدلوا به ضعيف، بل لا يدل هنا، لمخالفة النصوص، ومقصود الشارع بالجماعة. قال ابن القيم: ومن تأمل السنة حق التأمل تبين له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان، إلا لعارض، يجوز معه ترك الجماعة، فترك حضور المسجد لغير عذر، كترك أصل لغير عذر، وبهذا تتفق جميع الأحاديث والآثار، وسئل الحلواني الحنفي عمن يجمع بأهله أحيانا هل ينال ثواب الجماعة؟ فقال: لا، ويكون بدعة ومكروها بلا عذر اهـ، ولأنه تعطيل للمساجد، وقد علم من الدين ضرورة أن الله شرع الصلوات الخمس في المساجد واعتنى بإحيائها، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} وقال: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وغير ذلك من نصوص الكتاب والسنة، وما هو سبيل سلف الأمة وخلفها، وكل ما تقدم من الأدلة على وجوبها، فهي صريحة في وجوب إتيان المساجد لها. وقال شيخ الإسلام: لا ينبغي له أن يترك حضور المسجد إلا لعذر، كما دلت على ذلك السنن والآثار، والصلاة في المساجد من أكبر شعائر الدين وعلاماته، وفي تركها بالكلية أو في المساجد محو آثار الصلاة بحيث أنه يفضي إلى تركها ولو كان الواجب فعل الجماعة، لما جاز الجمع للمطر ونحوه، وترك الشرط، وهو الوقت لأجل السنة، ومن تأمل الشرع المطهر، علم أن إتيان المسجد لها فرض عين إلا لعذر.

وفعلها في المسجد هو السنة (¬1) وتسن لنساء منفردات عن رجال (¬2) . ¬

_ (¬1) بلا ريب، وهو مذهب مالك وأبو حنيفة، لإظهار شعائر الإسلام، وما شرعت عمارة المساجد إلا لذلك، ولا يجوز ما يؤدي إلى هجرانها، وعنه: واجبة على القريب منه، جزم به وقدمه غير واحد، وتقدم حديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» وأما من كان ذهابه إلى المسجد يؤدي إلى انفراد أهله، فيتوجه إقامتها في بيته، ولو كان فعلها في المسجد في جماعة، أقل منهم في بيته، كان المسجد أفضل، وإن كان ذهابه إلى المسجد يؤدي إلى فعلها فذا، وفي البيت يؤدي إلى فعلها جماعة، تعين فعلها في بيته، تحصيلا للواجب، ما لم يكن في ذلك حيلة إلى تعطيل المساجد، قال الشيخ: وصلاته مع الراتب ولو ركعة، خير من صلاته في بيته ولو جماعة. (¬2) إذا اجتمعن، على الصحيح من المذهب، وعليه جمهور الأصحاب، وهو مذهب الشافعي، سواء كانت إمامتهن منهن، أو لا، لفعل عائشة، وأم سلمة، رواهما البيهقي وغيره، بإسنادين صحيحين، ولأمر النبي صلى الله عليه وسلم لأم ورقة أن تجعل لهما مؤذنا، وأمرها أن تؤم أهل دارها، رواه أحمد وأهل السنن، ولأنهن من أهل الفرض، أشبهن الرجال فيدخلن في عموم «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، بسبع وعشرين درجة» قال ابن القيم: لو لم يكن في المسألة إلا عموم قوله: «تفضل صلاة الجماعة» الحديث لكفى اهـ ولا تجب عليهن، فإن الشارع لم يسو بينهم في الجماعة، وكذا الجمعة، بل خص وجوبهما بالرجال، دون النساء، لأنهن لسن من أهل البروز ومخالطة الرجال، ويباح لهن الحضور تفلات غير مطيبات بإذن أزواجهن، لحضورهن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

ويكره لحسناء حضورها مع رجال (¬1) ويباح لغيرها (¬2) ومجالس الوعظ كذلك وأولى (¬3) (وتستحب صلاة أهل الثغر) أي موضع المخافة (في مسجد واحد) لأنه أعلى للكلمة، وأوقع للهيبة (¬4) (والأفضل لغيرهم) أي غير أهل الثغر الصلاة (في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره) (¬5) . ¬

_ (¬1) خشية الافتتان، إما أن علم أو ظن فيحرم، قال الوزير: اتفقوا على أنه يكره للشواب منهن حضور جماعات الرجال. (¬2) أي ويباح لغير حسناء، كعجوز لا حسن لها، حضورها مع الرجال، تفلة غير مطيبة، بإذن زوجها، وبيتها خير لها بلا نزاع، للخبر، وقال الوزير: والذي أرى حضورهن الجماعات، وأنهن يكن في أواخر الصفوف من الرجال، على ما جاءت به الأحاديث، ومضى عليه زمان المصطفى صلى الله عليه وسلم والصدر الأول، وأنه غير مكروه بل مسنون. (¬3) أي يسن حضورهن، مجالس الوعظ، منفردات عن الرجال، ويكره لحسناء حضورها ويباح لغيرها وهو أولى من حضورهن للجماعة، لحديث أم عطية فإن فيه الترغيب في حضورهن مجالس الذكر، للتفقه، ونيل البركة. (¬4) قال في الإنصاف: بلا نزاع أعلمه، فإنه إذا جاءهم خبر عن عدوهم، سمعه جميعهم، وإن جاءهم عين للكفار، رأى كثرتهم، قال الأوزاعي: لو كان الأمر إلي لسمرت أبواب المساجد التي للثغور، ليجتمع الناس في مسجد واحد، وأصل الثغر الكسر والهدم، والفتح في الشيء، ينفذ منه إلى ما وراءه، وثغرت الجدار هدمته ومنه قيل للموضع الذي تخاف أن يأتيك العدو منه ثغر، لانثلامه وإمكان دخول العدو منه، وفي النهاية، هو الموضع الذي يكون حدا فاصلا بين بلاد المسلمين والكفار. (¬5) إجماعا.

لأنه يحصل بذلك ثواب عمارة المسجد (¬1) وتحصيل الجماعة لمن يصلي فيه (¬2) (ثم ما كان أكثر جماعة) (¬3) ذكره في الكافي والمقنع وغيرهما (¬4) وفي الشرح أنه الأولى (¬5) لحديث أبي بن كعب: «وما كان أكثر جماعة فهو أحب إلى الله تعالى» رواه أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان (¬6) . ¬

_ (¬1) يعني بإقامة الجماعة فيه لقوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ} الآية. (¬2) وذلك معدوم في غيره، أو تقام فيه الجماعة بدون حضوره، لكن في قصده لغيره كسر قلب إمامه، أو جماعته فجبر قلوبهم أولى، قاله جمع، منهم الموفق والشارح وابن حمدان وغيرهم. (¬3) أي فهو أفضل لأنه أعظم أجرا. (¬4) وابن منجا والمنتخب والخلاصة وغيرها، وقطع به في المغني، وصححه ابن تميم، واستظهره في الرعاية الصغرى، وقدمه في النظم وغيره. (¬5) قال: لما ذكرنا من الحديث: «يعني صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر، فهو أحب إلى الله» . (¬6) وابن معين والذهلي وغيرهم، وأوله تقدم، ففيه أن ما كثر جمعه فهو أفضل، لما في الاجتماع من نزول الرحمة والسكينة، وغير ذلك، وقال القرافي: لا نزاع أن الصلاة مع الصلحاء والعلماء والكثير من أهل الخير أفضل من غيرهم، لشمول الدعاء، وسرعة الإجابة، وكثرة الرحمة، وقبول الشفاعة اهـ، وفي قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين المحافظين على الإسباغ، والتنزه من القاذورات، والمقدار المذكور في صلاة الجماعة لا ينافي الزيادة في الفضل.

(ثم المسجد العتيق) (¬1) لأن الطاعة فيه أسبق (¬2) قال في المبدع: والمذهب أنه مقدم على الأكثر جماعة (¬3) قال في الإنصاف: الصحيح من المذهب أن المسجد العتيق أفضل من الأكثر جماعة، وجزم به في الإقناع والمنتهى (¬4) (وأبعد) المسجدين (أولى من أقربـ) ـهما إذا كانا حديثين أو قديمين (¬5) اختلفا في كثرة الجمع أو قلته أو استويا (¬6) لقوله صلى الله عليه وسلم «أعظم الناس أجرا في الصلاة، أبعدهم فأبعدهم ¬

_ (¬1) يعني أفضل من الجديد مع الاستواء في الكثرة، على ما ذكره الماتن. (¬2) والعبادة فيه أكثر، وذكر أبو الخطاب أنها فيها أفضل، وإن قل الجمع اهـ لا سيما إذا كان مؤسسا على التقوى. (¬3) وقدمه في الفروع، والرعايتين وغيرها. (¬4) يعني بتقديم العتيق على الأكثر جماعة، وجزم به في الهدايا والمحرر والمنور وغيرهم. (¬5) لتكثر خطاه في طلب الثواب، فتكثر حسناته. (¬6) أي لا التفات إلا إلى التساوي في التجدد والقدم، وأما الكثرة والقلة فلا تبعا للمنتهى ولفظ الإقناع وشرحه: ثم إن استويا فيما تقدم يعني العتيق ثم الأكثر جماعة فالصلاة في المسجد الأبعد أفضل.

يحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه إلا بإذنه

ممشى» رواه الشيخان (¬1) وتقدم الجماعة مطلقا على أول الوقت (¬2) (ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب، إلا بإذنه أو عذره) (¬3) . ¬

_ (¬1) ولهما بعد ذكر التفضيل: «وذلك بأن أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء، وأتى المسجد لا يزيد إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع بها درجة، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد» ، فظهر الفضل، لكثرة حسناته، بكثرة خطاه، ولقوله: «يا بني سلمة دياركم، تكتب آثاركم» ، وعنه الأقرب أولى، وفاقا لأبي حنيفة والشافعي، لأن له جوارا فكان أحق بصلاته، ولقوله: «لا صلاة لجار المسجد في المسجد» ولما في تخطيه إلى غيره من إثارة الوحشة في جيرانه الأقربين إليه. وقال ابن بشير المالكي: لا يجوز تعدي المسجد المجاور إلى غيره، إلا لجرحه إمامه، ومن حديث بقية: «ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه، ولا يتخطاه إلى غيره» ، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه، وقال ابن القيم: نهى الرجل أن يتخطى المسجد الذي يليه، إلى غيره، لأنه ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه، وإيحاش صدر الإمام، وإن كان الإمام لا يتم الصلاة، أو يرمي ببدعة، أو يعلن بالفجور فلا بأس بتخطيه إلى غيره. (¬2) يعني سواء سن تعجيل تلك الصلاة أو لا، كثرت الجماعة أو قلت، ذكره الموفق وغيره، وقال في الفروع: ذكره في كتب الخلاف وغيرهم اهـ لأنها واجبة، وأول الوقت سنة ولا تعارض بين واجب ومسنون، وفضيلة أول الوقت أفضل من انتظار كثرة الجمع، مشى عليه في الإقناع، وصوبه في الإنصاف، وقال الشيخ: ليس للإمام تأخير الصلاة عن الوقت المستحب، وبعد حضور أكثر الجماعة منتظرا لأحد بل ينهى عن ذلك إذا شق، ويجب عليه رعاية المأمومين. (¬3) يعني الراتب، صرح به في الفروع، وأبو الخطاب والسامري وغيرهم والراتب هو الثابت الدائم من رتب الشيء رتوبا، من باب قعد، استقر ودام، فهو راتب أي ثابت دائم.

لأن الراتب كصاحب البيت، وهو أحق بها (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن الرجل في بيته إلا بإذنه» (¬2) ولأنه يؤدي إلى التنفير عنه (¬3) ومع الإذن هو نائب عنه (¬4) قال في التنقيح: وظاهر كلامهم لا تصح (¬5) وجزم به في المنتهى (¬6) وقدم في الرعاية: تصح (¬7) . ¬

_ (¬1) أي الإمامة وصاحب البيت الملازم، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن، وهو الأصل والأكثر، أو بالعناية ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته. (¬2) رواه أبو داود وغيره، وفي صحيح مسلم وغيره، «ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه» قال النووي: معناه أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره وعن ابن مسعود: من السنة أن يتقدم صاحب البيت، فإمام المسجد الراتب أولى ولأخبار: «من زار قوما فلا يؤمهم» وعمومات أخر. (¬3) أي التفريق والإعراض، قال أحمد: ليس لهم ذلك، وتبطل فائدة اختصاصه بالتقدم. (¬4) فيباح للمأذون له في الإمامة أن يؤم، وتصح بلا نزاع. (¬5) يعني إن أم قبل إمامه الراتب، وقاله في الفروع والمبدع والإقناع وغيرها. (¬6) ولفظه: فتحرم. (¬7) أي مع الكراهة: قال القاضي في الخلاف: قد كره أحمد ذلك.

وجزم به ابن عبد القوي في الجنائز (¬1) وأما مع عذره فإن تأخر وضاق الوقت صلوا، لفعل الصديق رضي الله عنه وعبد الرحمن بن عوف، حين غاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أحسنتم» (¬2) ويراسل إن غاب عن وقته المعتاد، مع قرب محله، وعدم مشقة (¬3) ، وإن بعد محله، أو لم يظن حضوره (¬4) أو ظن ولا يكره ذلك صلوا (¬5) . ¬

_ (¬1) في كتاب (عقد الفرائد) له، المعروف بالنظم، على روي الدال. (¬2) يعني في صلاتهما بالناس، لما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، صلى أبو بكر الصديق بأمره صلى الله عليه وسلم إن حضرت الصلاة، والقصة في الصحيحين وعبد الرحمن بن عوف لما تخلف صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وصلى معه النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الأخيرة، ثم أتم صلاته، قال: «أحسنتم وأصبتم» ، يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها، متفق عليه. (¬3) في الذهاب إليه، وسعة الوقت، ولا يجوز أن يتقدم غيره قبل ذلك. (¬4) صلوا سواء عرف عذره أو لا، لما تقدم من صلاة أبي بكر وعبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنهما. (¬5) أي أو ظن حضوره، والمعروف عنه أنه لا يكره، بفتح الياء أن يصلي غيره صلوا جماعة علموا عذره أولا، لأنهم معذورون، وقد أسقط حقه بالتأخير، ولأن تأخره عن وقته المعتاد يغلب على الظن وجود عذر له، ولا يحرم أن يؤم بعده، لكن قال في الإقناع، ويتوجه إلا لمن يعادي الإمام، ويؤخذ من مجيء بلال إلى أبي بكر ليصلي بالناس أن للمؤذن وغيره أن يعرض التقدم على الفاضل، وأن الفاضل يوافقه، بعد أن يعلم أن ذلك برضا الجماعة.

(ومن صلى) ولو في جماعة (ثم أقيم) أي أقام المؤذن لـ (فرض سن) له (أن يعيدها) (¬1) إذا كان في المسجد (¬2) أو جاء غير وقت نهي، ولم يقصد الإعادة (¬3) ولا فرق بين إعادتها مع إمام الحي أو غيره، لحديث أبي ذر، «صل الصلاة لوقتها، فإن أُقيمت وأنت في المسجد فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي» رواه أحمد ومسلم (¬4) . ¬

_ (¬1) أي الفرض ثانيًا، مع الجماعة الثانية، سواء كان وقت نهي أو لا، حيث كان الشروع في الإقامة وهو في المسجد على ما تقدم، ولا يجب، وقيل يجب مع إمام الحي لظاهر الخبر، والأولى فرضه، والمعادة نفل لقوله: «فإنها لكما نافلة» وغيره، قال شيخ الإسلام، على الصحيح. (¬2) للخبر على ما يأتي من التفصيل، وقال الشيخ: إقامة الجماعة وهو في المسجد سبب، فيعيدها. (¬3) يعني أو جاء بعد الإقامة، وقبل الصلاة، إذا لم يكن وقت نهي، ولم يقصد الإعادة، والأول: شرط لصحة الإعادة وسنيتها، والثاني: لسنيتها فقط، فإن جاء وكان وقت نهي، أو قصد الإعادة فلا يعيدها، وظاهر خبر يزيد سنية الإعادة مطلقًا، فإنه لم يستثن صلاة دون صلاة، وأما قصد الإعادة فمنهي عنه، إذ لو كان مشروعًا لأمكن أن تصلى الصلاة الواحدة مرات، قال الشيخ: وهذا لا ريب في كراهته، ولأنه غير مشروع تتبع المساجد للإعادة. (¬4) ونحوه حديث الرجلين اللذين دخلا مسجد الخيف بمنى، وأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة، فسبب الإعادة حضور الجماعة، ولئلا يكون قعوده والناس يصلون ذريعة إلى إساءة الظن به، وأنه ليس من المصلين، ويأتي أنه لا يعيدها بلا سبب، لحديث ابن عمر «لا تعاد الصلاة مرتين» .

(إلا المغرب) فلا تسن إعادتها ولو كان صلاها وحده، لأن المعادة تطوع، والتطوع لا يكون بوتر (¬1) ، ولا تكره إعادة الجماعة في مسجد له إمام راتب كغيره (¬2) وكره قصد مسجد للإعادة (¬3) (ولا تكره إعادة جماعة في غير مسجدي مكة والمدينة) (¬4) . ¬

_ (¬1) ولفظ المقنع: إلا المغرب، فإنه يعيدها ويشفعها، وقدم في المغني والشرح: يعيدها وصححه ابن عقيل وابن حمدان، للعموم قال في الفائق: وهو المختار، وروي عن حذيفة أنه أعادها، رواه الأثرم، قال شيخنا: وهو الراجح في النظر والبديل. (¬2) أي كما لا تكره الجماعة الثانية والثالثة في مسجد ليس له إمام راتب بالإجماع وعنه: تكره فيما إذا كان له إمام راتب، وليس مطروقا، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي، لئلا يفضي إلى اختلاف القلوب، والتهاون بها مع الإمام، وعلى المذهب، فإذا صلى إمام الحي، ثم حضر جماعة أخرى استحب لهم أن يصلوها جماعة، لعموم أحاديث التفضيل، وقوله: «من يتصدق على هذا فيصلي معه» ، وما ذكره الأصحاب من قولهم: لا يكره أو يستحب إعادة الجماعة فهو مع المخالف، فلا ينافي ما تقدم من وجوب الجماعة، أو يقال: هو على ظاهره ليصلوا في غير المسجد الذي أقيمت فيه الجماعة، أشار إليه في الإنصاف، قال شيخ الإسلام: ولا يعيد الصلاة من بالمسجد وغيره بلا سبب، وهو ظاهر كلام أصحابنا وليس للإمام إعادة الصلاة مرتين، وجعل الثانية عن فائتة أو غيرها، والأئمة متفقون على أنه بدعة لا لعذر مثل صلاة خوف ونحوه. (¬3) زاد بعضهم: ولو صلى وحده، ولا يكره قصد المسجد لقصد الجماعة. (¬4) فقط، وفاقًا، فالمسجد الأقصى كسائر المساجد، وعنه: والمسجد الأقصى ومعنى إعادة الجماعة أنه إذا صلى الإمام الراتب ثم حضر جماعة، فإنه يستحب أنهم يصلون جماعة، وهذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وذكره بعضهم رواية واحدة، وكمساجد الأسواق وكالمساجد في ممر الناس.

ولا فيهما لعذر (¬1) وتكره فيهما لغير عذر (¬2) لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الإمام الراتب (¬3) . (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا (¬4) . ¬

_ (¬1) كنوم ونحوه عن الجماعة، فلا يكره إذا لمن فاتته إعادتها بالمسجدين لقوله: «من يتصدق على هذا؟» ولأن إقامتها إذًا أحق من تركها، ولظاهر خبر أبي سعيد وأبي أمامة. (¬2) إذا أمكنهم الصلاة في جماعة أخرى. (¬3) علله أحمد بأنه أرغب في توقير الجماعة، وعنه: لا تكره فيهن، اختاره الموفق وغيره، وعنه يستحب، اختاره في المغني والشرح، وهو ظاهر الخبر، قال الشيخ: ومن أدرك جماعة في الأثناء وبعدها أخرى فهي أفضل، لأن إدراك الجماعة من أولها أفضل، إلا أن تتميز الأولى بكثرة، أو فضل إمام، أو كونها راتبة، ولا ريب أن صلاته مع الإمام الراتب في المسجد جماعة ولو ركعة، خير من صلاته في بينه، ولو كان جماعة. (¬4) وفي رواية «فلا صلاة إلا التي أقيمت» : أي إذا شرع المؤذن في إقامة الصلاة، لما في بعض ألفاظ الحديث «إذا أخذ المؤذن في الإقامة فلا صلاة إلا المكتوبة» ، وفي رواية لابن عدي وغيره، قيل: يا رسول الله ولا ركعتي الفجر، قال: «ولا ركعتي الفجر» ، فلا يشرع في نفل مطلقًا، ولا راتبة من سنة فجر، أو غيرها، في المسجد أو غيره، إذا أقيمت الصلاة، ولو بينته لعموم الخبر، قال الشيخ: وقد اتفق العلماء على أنه لا يشتغل عنها بتحية المسجد، ولكن تنازعوا في سنة الفجر، والصواب أنه إذا سمع الإقامة فلا يصلي السنة، لا في بيته، ولا في غير بيته ونقل أبو طالب: إذا سمع الإقامة وهو في بيته، فلا يصلي ركعتي الفجر ببيته ولا بالمسجد، وفي الصحيحين: أنه رأى رجلاً -وقد أقيمت الصلاة- يصلي ركعتين فلما انصرف لاث به الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: «الصبح أربعًا، الصبح أربعا؟» وفيهما أنه قال: «يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعًا» ولمسلم «بأي الصلاتين اعتددت؟ بصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا؟» .

وكان عمر يضرب على الصلاة بعد الإقامة (¬1) فلا تنعقد النافلة بعد إقامة الفريضة التي يريد أن يفعلها مع ذلك الإمام الذي أقيمت له (¬2) ويصح قضاء الفائتة بل يجب مع سعة الوقت (¬3) ولا يسقط الترتيب بخشية فوات الجماعة (¬4) . ¬

_ (¬1) وصح عن ابنه أنه كان يحصب من يشتغل في المسجد بعد الشروع في الإقامة، قال النووي: والحكمة أن يتفرغ للفريضة من أولها، فيشرع فيها عقب شروع الإمام، والمحافظة على مكملات الفريضة، أولى من التشاغل بالنافلة، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف على الأئمة، ولحصول تكبيرة الإحرام، ولا تحصل فضيلتها المنصوصة إلا بشهود تحريم الإمام. (¬2) ولو جهل الإقامة، كما لو جهل وقت النهي، حيث كان الإحرام بعدها وإلا فالأصل الإباحة، فتنعقد، وإن لم يرد أن يفعلها مع ذلك الإمام انعقدت كما لو أقيمت بمسجد لا يريد الصلاة فيه، وتقدم النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر، فالإقامة أولى. (¬3) وتقدمت الأدلة على وجوبها فورا. (¬4) فلو أقيمت العصر مثلا، وكان عليه صلاة الظهر، صلى الظهر قبل العصر، وعنه: يصلي مع الجماعة العصر، ثم يصلي الظهر، قال الموفق، ولا يحتاج إلى إعادة العصر، وأفتى شيخ الإسلام من فاتته صلاة العصر، فوجد المغرب قد أقيمت صلاها مع الإمام، ثم يصلي العصر، وقال: باتفاق الأئمة، وهل يعيد المغرب؟ الصحيح لا يعيد فإن الله لم يوجب الصلاة مرتين إذا اتقى الله ما استطاع.

لا تدرك الجماعة إلا بإدراك ركعة

(فإن) أقيمت و (كان) يصلي (في نافلة أتمها) خفيفة (¬1) (إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها) لأن الفرض أهم (¬2) (ومن كبر) مأمومًا (قبل سلام إمامه) الأُولى (لحق الجماعة) (¬3) لأنه أدرك جزءًا من صلاة الإمام، فأشبه ما لو أدرك ركعة (¬4) . ¬

_ (¬1) ولو كان خارج المسجد، ولو فاتته ركعة، لقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ولا يزيد على ركعتين، فإن كان شرع في الثالثة أتمها أربعا، وإن سلم من ثلاث جاز، نص عليه فمثله واحدة، وقطع الصلاة يكون حرامًا، ومباحًا ومستحبًا، وواجبًا، فالحرام لغير عذر، والمباح إذا خاف فوت مال، والمستحب القطع للكمال، والواجب لإحياء نفس ونحوه. (¬2) لفرضيته بأصل الشرع، ولأن وجوب إتمام النفل هنا يعارضه، و «يقطعها» بضم العين على الاستئناف. (¬3) قال المجد: هذا إجماع من أهل العلم، وإن لم يجلس فيبني ولا يجدد إحراما، ومفهومه أنه لو أدركه بين التسليمتين لم يدركها ولو قلنا إنها ركن. (¬4) ومعناه أصل فضل الجماعة، ولا حصولها فيما سبق به، فإنه منفرد به حسًا وحكمًا إجماعًا، واختار الشيخ وغيره أنه لا يدرك الجماعة إلا ركعة قال: إذا أدرك مع الإمام ركعة، فقد أدرك الجماعة وإن أدرك أقل من ركعة فله بنيته أجر الجماعة، ولا يعتدله به، وإنما يفعله متابعة للإمام، وإن قصد الجماعة، ووجدهم قد صلوا، كان له أجر من صلى في الجماعة، كما وردت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي السنن فيمن تطهر في بيته، ثم ذهب إلى المسجد، يدرك الجماعة فوجدها قد فاتت، أنه يكتب له أجر صلاة الجماعة، وكما في الصحيح فيمن حبسهم العذر عن الجهاد، وغير ذلك فالمعذور يكتب له مثل ثواب الصحيح، إذا كانت نيته أن يفعل، وقد عمل ما يقدر عليه، ويستحب أن يصلي في جماعة أخرى إذا فاتته فإن لم يجد استحب لبعضهم أن يصلي معه، لقوله عليه الصلاة والسلام «من يتصدق على هذا فيصلي معه؟» .

(وإن لحقه) المسبوق (راكعًا دخل معه في الركعة) (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة» رواه أبو داود (¬2) فيدرك الركعة إذا اجتمع مع الإمام في الركوع بحيث ينتهي إلى قدر الأجزاء، قبل أن يزول الإمام عنه (¬3) . ¬

_ (¬1) أي: وإن لحق المسبوق الإمام في الركوع، قبل رفع رأسه منه، دخل معه في تلك الركعة، ولا يضره سبقه بالقراءة، بخلاف التشهد فيتمه إذا سلم، لعدم وجوب القراءة عليه إجماعًا، حكاه جماعة منهم شيخ الإسلام، وعليه عمل الأمة من الصحابة والتابعين، لا يعرف عن السلف خلاف في ذلك. (¬2) ولفظه «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة» ، ولما في الصحيح من حديث أبي بكرة وكان ركع دون الصف، ولم يأمره بإعادة الركعة، فدل على الاجتزاء بها، ولأنه لم يفته من الأركان غير القيام، وهو يأتي به مع التكبيرة، ثم يدرك مع الإمام بقية الركعة. (¬3) أي: عن قدر الأجزاء منه، وهو قدر ما يمس الوسط في الخلقة ركبتيه بيديه، وحكى ابن العربي وغيره الإجماع عليه، وقال الزين العراقي: مذاهب الأئمة الأربعة -وعليه الناس قديمًا وحديثًا- إدراك الركعة بإدراك الركوع، بأن يلتقي هو وإمامه في حد أقل الركوع، حين لو كان في الهوى والإمام في الارتفاع، وقد بلغ هويه حد أقل الركوع قبل أن يرفع الإمام عنه وإن لم يلتقيا فيه فلا.

ويأتي بالتكبيرة كلها قائمًا كما تقدم (¬1) ولو لم يطمئن ثم يطمئن ويتابع (¬2) (وأجزأته التحريمة) عن تكبيرة الركوع (¬3) والأفضل أن يأتي بتكبيرتين (¬4) فإن نواهما بتكبيرة (¬5) أو نوى به الركوع لم يجزئه لأن تكبيرة الإحرام ركن، ولم يأت بها (¬6) . ¬

_ (¬1) يعني في باب صفة الصلاة، فإن لم يأت بها قائمًا انقلبت نفلاً على الأصح مع سعة الوقت، وقد تقدم أن القيام مع القدرة ركن في الفرض إجماعًا. (¬2) فإذا أتى بها قائمًا، وأدركه بجزء، ولو لم يطمئن قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، ثم يطمئن ويتابع إمامه، وإذا لم يدرك الركوع لم يحتسب له الركوع وهو مذهب جماهير العلماء، وإن شك هل أدركه راكعا أو لا؟ لم يعتد بها، وتقدم، وإن كبر والإمام في الركوع، ثم لم يركع حتى رفع الإمام لم يكن مدركًا له فيها. (¬3) روي عن زيد وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، ولأنه اجتمع عبادتان من جنسٍ واحد، في محلٍ واحد، فأجزأ الركن عن الواجب كنظائره. (¬4) خروجًا من خلاف من أوجبه، كابن عقيل وابن الجوزي، ولأنهما مشروعتان قال أحمد: إن كبر تكبيرتين ليس فيه اختلاف. (¬5) أي نوى المدرك إمامه في الركوع تكبيرتي الإحرام، والركوع بتكبيرة واحدة لم تجزئه، لأنه شرك بين الواجب وغيره، وعنه تجزئه، اختاره في المغني والشرح والمحرر، وفاقًا لمالك وأبي حنيفة، لأن نية الركوع لا تنافي نية الافتتاح، لأنهما من جملة العبادة حسًا وحكمًا إجماعًا، قال ابن رجب: وهذا يدل على أن تكبيرة الركوع تجزئ في حال القيام. (¬6) قال ابن رشد: لو كبر للركوع وهو ذاكر للإحرام متعمد لما أجزأته صلاته بالإجماع اهـ، وإن لم ينو بها شيئًا انعقدت فرضا، صححه النووي وغيره لأن قرينة الافتتاح تنصرف إليه، وكذا عند المالكية وغيرهم، يجزئ وإن لم ينوهما.

ويستحب دخوله معه حيث أدركه (¬1) وينحط معه في غير ركوع بلا تكبير (¬2) ويقوم مسبوق به (¬3) وإن قام قبل سلام إمامه الثانية ولم يرجع انقلبت نفلا (¬4) . (ولا قراءة على مأموم) أي يتحمل الإمام عنه قراءة الفاتحة (¬5) . ¬

_ (¬1) لما تقدم من حديث أبي هريرة وغيره، «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئًا» ، ويأتي بالتكبير في حال قيامه، لوجوب التكبير لكل انتقال يعتد به المصلي. (¬2) نص عليه ولو ساجدًا، إن أدركه في السجود، لأنه ليس من مواضعه وقد فات محل التكبير، وعنه: ينحط معه بتكبير وفاقًا. (¬3) أي بالتكبير، كالقائم من التشهد الأول، لأنه انتقال يعتد به، أشبه سائر الانتقالات. (¬4) لتركه الواجب، بلا عذر يبيح المفارقة، ففسد فرضه بذلك، ذاكرًا أو ناسيًا، عامدًا أو جاهلاً، وهذا على القول بوجوب التسليمة الثانية في الفرض، وتقدم ومن لم يره لم تبطل في حقه، كالجاهل والناسي، وصحتها نفلاً مبني على أن التسليمة الثانية ليست ركنًا في النفل على المذهب. (¬5) وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، قال في المبدع: وهو قول الأكثر، وقال ابن كثير: ولمشروعية التأمين على قراءة الإمام، فينزل بمنزلة قراءتها، فإن قوله: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} دال على أن هارون أمَّن على دعاء موسى، فنزل منزلة من دعا، فدل على أن من أمَّن على دعاء فكأنما قاله، وقال بلال: لا تسبقني بآمين، فدل على أن المأموم لا قراءة عليه في الجهرية اهـ وكذا يتحمل عنه سجود السهو، وسجود التلاوة إذا لم يسجد، وسترة صلاة، ودعاء قنوت، حيث سمعه ويؤمن فقط، وكذا تشهد أول، وجلوس له إذا سبقه بركعة من رباعية، وتقدم أنه إذا سبقه بالقراءة وركع تبعه، بخلاف التشهد فيتمه، وقال ابن القيم: فإن قيل كيف يتحمل الجنب القراءة عن المأموم، وليس من أهل التحمل؟ قيل: لما كان معذورًا بنسيان حدثه نزل في حق المأموم منزلة الطاهر، فلا يعيد المأموم، وفي حق نفسه تلزمه الإعادة.

من كان له إمام فقراءته له قراءة

لقوله صلى الله عليه وسلم: «من كان له إمام فقراءته له قراءة» رواه أحمد (¬1) . ¬

_ (¬1) قال الشارح وغيره: بإسناد صحيح متصل، ورجاله كلهم ثقات، ورواه سعيد والدارقطني مرسلاً، قال الشيخ: وهذا المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة، وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومرسله من أكابرهم، ومثله يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، وقال: ورواه ابن منيع، وعبد بن حميد، من طرق مرفوعة صحيحة، رفعه سفيان وشريك وجرير وأبو الزبير وغيرهم، ورواه مالك عن جابر موقوفا، انتهى. ولقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} قال أحمد: أجمعوا على أن هذه الآية في الصلاة، ولقوله: «وإذا قرأ فأنصتوا» فلو أن القراءة تجب على المأموم، لما أمر بتركها لسنة الاستماع، وثبت عن عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن القراءة خلف الإمام، وحكي إجماعًا، ولعله سكوتي، فإنه لما ثبت عن عشرة، منهم الخلفاء، ولم يثبت رد أحد عليهم، عند توفر الصحابة، كان إجماعا. وقال الشعبي: أدركت سبعين بدريًا كلهم يمنعون المأموم عن القراءة خلف الإمام، وفي الصحيح عن أبي هريرة مرفوعًا «مالي أنازع القرآن» قال: فانتهى الناس أن يقرءوا فيما جهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم وقد توافرت الآثار فيه عن الصحابة والتابعين، وقال شيخ الإسلام: وإذا كانوا مشغولين عنه بالقراءة، فقد أمر أن يقرأ على قوم لا يستمعون لقراءته، وهو سفه، تنزه عنه الشريعة، كمن يتكلم والإمام يخطب اهـ وإذا أخذت الأدلة من مواضع تفوت الحصر، وهي مع ذلك مختلفة المساق، لا ترجع إلى باب واحد، إلا أنها تنتظم المعنى الواحد الذي هو المقصود بالاستدلال عليه، وتكاثرت على الناظر، عضد بعضها بعضا، فصارت بمجموعها مفيدة للقطع.

(ويستحب) للمأموم أن يقرأ (في إسرار إمامه) أي فيما لا يجهر فيه الإمام (¬1) . ¬

_ (¬1) لما رواه أحمد وغيره في الذي قال: إني لا استطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني الحديث، وظاهر كلام أحمد في رواية أبي الحارث وجوب القراءة حالة السر فقط، قال: فإذا قرأ الإمام فأنصت، وإذا لم يجهر فاقرأ الحمد وسورة وهو نص حديث عبادة، وبه تجتمع الأدلة، بل دليل الخطاب مع الآية، وفي الأحاديث المشهورة من قوله: «فإذا قرأ فانصتوا» وقوله: «مالي أنازع القرآن» وحديث جابر الآتي وغيره، يدل على القراءة خلف الإمام حال إسراره، وما لم يسمعه، لبعد ونحوه، وأن قراءة المأموم كانت ثابتة في نفس الأمر، وقال شيخ الإسلام، يقرأ في أصح القولين، وهو قول أحمد وغيره، لأنه إما أن يكون مستمعًا وإلا قارئا وجميع الأذكار التي يشرع للإمام أن يقولها سرا، يشرع للمأموم أن يقولها سرا، ومعلوم أن القرآن أفضل من الذكر والدعاء، وجاء الأمر بذلك في الكتاب والسنة، والأمر متناول الإمام والمأموم والمنفرد، والسكوت بلا ذكر ولا قراءة ولا دعاء ليس عبادة، وقال النووي وغيره: لا يسكت في صلاته إلا في حال استماعه لقراءة إمامه، فلو سكت في قيامه، أو ركوعه أو سجوده أو قعوده يسيرا لم تبطل، فإن سكت طويلا لعذر، بأن نسي شيئا فسكت ليتذكره لم تبطل، وهو قول الجمهور، وإن سكت طويلا لغير عذر ففي بطلانها خلاف.

(و) في (سكوته) أي سكتات الإمام (¬1) وهي قبل الفاتحة (¬2) وبعدها بقدرها (¬3) . ¬

_ (¬1) فإن لم يكن له سكتات يتمكن فيها من القراءة كره له أن يقرأ نص عليه، لقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *} وتقدم أن ذلك في الصلاة إجماعا، ولقوله صلى الله عليه وسلم «وإذا قرأ فأنصتوا» وغير ذلك من عمومات الكتاب والسنة، الدالة على وجوب الإنصات والاستماع والإنصات السكوت، والاستماع الإصغاء، قال شيخ الإسلام: وهو إجماع الأمة فيما زاد على الفاتحة، وقول جماهير السلف فيها وغيرها، وقال: القراءة مع جهر الإمام منكر، مخالف للكتاب والسنة، وما عليه الصحابة، وقال في موضع آخر: القراءة حال الجهر منهي عنه بالكتاب والسنة، وعلى النهي عنه جمهور السلف والخلف، وفي بطلان الصلاة به نزاع، ويستحب أن يقرأ في حال سكوته، إذا سكت سكوته بليغا، ولم يستحب أحمد وجمهور أصحابه قراءته في سكتات الإمام إلا أن يسكت سكوتا بليغا، يسع الاستفتاح والقراءة، وذكر أن مما يبين حكمة سقوط القراءة عن المأموم أن الإنصات من تمام الائتمام فمن نازع إمامه لم يكن مؤتما. (¬2) في الركعة الأولى فقط، للنصوص الصحيحة، الدالة على سكوته صلى الله عليه وسلم بعد التحريم للاستفتاح. (¬3) أي وسكتات الإمام عندهم رحمهم الله ثلاث: الأولى قبل الفاتحة، وتقدم ثبوتها، والسكتة الثانية بعد الفاتحة بقدرها، وفاقا للشافعي، قال ابن القيم وغيره، قيل: لأنها لأجل قراءة المأموم فعلى هذا ينبغي تطويلها بقدر قراءة المأموم الفاتحة، وقال طائفة من السلف، ومالك وأصحاب الرأي مكروهة، وعنه لا يسكت مطلقا، وفاقا لأبي حنيفة ومالك، قال المجد والشيخ وغيرهما، هما سكتتان على سبيل الاستحباب، إحداهما تختص بأول ركعة للاستفتاح، والثانية سكتة يسيرة بعد القراءة كلها، ليتراد إليه نفسه، لا لقراءة الفاتحة خلفه، على ظاهر كلام الإمام أحمد وقال أيضًا شيخ الإسلام: ولم نعلم نزاعا بين العلماء أنه لا يجب على الإمام أن يسكت ليقرأ المأموم الفاتحة، ولم يستحبه أحمد، ولا مالك، ولا أبو حنيفة، وكذا جماهير العلماء، لا يستحبون أن يسكت الإمام ليقرأ المأموم، لأن قراءة المأموم عندهم إذا جهر الإمام ليست بواجبة ولا مستحبة، بل منهي عنها، ومقتضى نصوص أحمد وأكثر أصحابه أن القراءة بغيرها أفضل، يعني لمن سمعها، فإنه لا يستحب أن يقرأ بها مع استماعه قراءتها، ولم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يسكت سكتة تتسع لقراءة الفاتحة، ولا عن الصحابة أنهم كانوا في السكتة الثانية يقرءونها، ولو كان مشروعا لكانوا أحق الناس بعلمه، فعلم أنه بدعة والسكتتان اللتان جاءت بهما السنة، الأولى بعد التكبير للاستفتاح ثبت سكوته في ذلك في الصحيح وغيره، وفي السنن أنه كان له سكتتان سكتة في أول القراءة وسكتة بعد القراءة وهي لطيفة للفصل لا تتسع لقراءة الفاتحة، ولم يقل أحد أنه كان له ثلاث سكتات فمن نقلها فقد قال قولاً لم ينقله أحد من المسلمين، والسكتة التي عند قوله: {وَلا الضَّالِّينَ} من جنس السكتات التي عند رءوس الآي، ومثل هذا لا يسمى سكوتا.

لا يجب على الإمام أن يسكت ليقرأ المأموم

بعد فراغه من القراءة (¬1) ، وكذا لو سكت لتنفس (¬2) . ¬

_ (¬1) أي يستحب أن يقرأ بعد فراغ الإمام من القراءة، وقبل الركوع، وتقدم قول شيخ الإسلام وغيره أنه لم يستحب أحمد وجمهور أصحابه القراءة في سكتات الإمام إلا أن يسكت سكوتًا بليغًا، وهذه السكتة ليتراجع إلى الإمام نفسه، ولئلا يصل قراءته بتكبير الركوع. (¬2) أي يستحب أن يقرأ إذا سكت الإمام لتنفس وقال شيخ الإسلام: ولم ينقل أحد من العلماء أنه يقرأ في مثل هذا، قال: وكان بعض من أدركنا من أصحابنا يقرأ، وهذا لم يقله أحد من العلماء.

(و) فيما إذا (لم يسمعه لبعد) عنه (¬1) (لا) إذا لم يسمعه (لطرش) فلا يقرأ إن أشغل غيره عن الاستماع (¬2) وإن لم يشغل أحدا قرأ (¬3) (ويستفتح) المأموم (ويستعيذ فيما يجهر فيه إمامه) كالسرية (¬4) . ¬

_ (¬1) أي يسن أن يقرأ إذا لم يسمع إمامه لأجل بعده عنه، لحديث جابر: كنا نقرأ في الظهر والعصر، خلف الإمام، في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب. قال الترمذي: أكثر أهل العلم من الصحابة، والتابعين يرون القراءة خلف الإمام، وخروجًا من خلاف من أوجبه، ولعموم الأدلة وتقدم قول الشيخ: يقرأ في أصح القولين، وهو قول أحمد وغيره، وأن السكوت بلا قراءة ولا ذكر ولا دعاء ليس عبادة، وقال: ولو سمع همهمته، واستظهره في الفروع، وصوبه في الإنصاف. (¬2) يعني من إلى جانبه من المأمومين، والطرش محرك أهون الصمم مولد، وهو والوقر، أن لا تبلغ الآفة عدم الحس منهما، وأما الصمم فهو انسداد الأذن ويأتي. (¬3) لأنه لا يحصل له مقصود استماع القراءة، أشبه البعيد، قال الشيخ: وإن كان لا يسمع لصمم، أو كان يسمع همهمهمة الإمام، ولا يفقه ما يقول، فالأظهر أن يقرأ لأن الأفضل أن يكون إما مستمعًا وإما قارئًا، وهذا ليس بمستمع ولا يحصل له مقصود السماع، فقراءته أفضل من سكوته. (¬4) أي يسن للمأموم أن يستفتح، ويستعيذ حال جهر إمامه، كما يسن في السرية، لأن مقصود الاستفتاح والتعوذ لا يحصل باستماع قراءة الإمام، لعدم جهره به، وتقدم الإجماع على وجوب الإنصات لقراءة الإمام، وأما حال المخافتة فقال الشيخ: الأفضل أن يستفتح وهو أفضل من قراءته في ظاهر مذهب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما، لأن القراءة يعتاض عنها، بخلاف الاستفتاح، قال: وما ذكره ابن الجوزي من أن قراءة المأموم وقت مخافته الإمام أفضل من استفتاحه غلط، بل قول أحمد وأكثر أصحابه: الاستفتاح أولى، لأن استماعه بدل من قراءته.

قال في الشرح وغيره: ما لم يسمع قراءة إمامه (¬1) وما أدرك المسبوق مع الإمام فهو آخر صلاته، وما يقضيه أولها (¬2) يستفتح له، ويتعوذ ويقرأ سورة (¬3) . ¬

_ (¬1) قال في الإقناع: وإن لم يكن للإمام سكتات يتمكن فيها من القراءة كره أن يقرأ نصا، وقال شيخ الإسلام، إذا لم يسكت الإمام سكوتا يتسع لا يستفتح ولا يستعيذ وهو أصح، وهو قول أكثر العلماء، كمالك والشافعي وأبي حنيفة، لأنه مأمور بالإنصات والاستماع، وممنوع من القراءة، وقوله: قال في الشرح: إلى آخره إشارة إلى أن قول الماتن جارٍ على غير المذهب. (¬2) وفاقا لأبي حنيفة ومالك، لقوله: «وما فاتكم فاقضوا» وعنه: ما أدركه أولها، وما يقضيه آخرها، وهو الرواية الثانية عن مالك، وفاقا للشافعي: واختاره ابن المنذر وغيره، وقوله: «فاقضوا» لا ينافي قوله «فأتموا» وهو رواية الجمهور وقول مخرجي الحديث وغيرهم، قال الشافعي: هو أولها حكما ومشاهدة، وقال الماوردي وغيره: إتمام الشيء لا يأتي إلا بعد تقدم أوله، وبقية آخره، والقضاء محمول على الفعل، لا القضاء المعروف في الاصطلاح لأن هذا اصطلاح متأخري الفقهاء، والعرب تطلق القضاء بمعنى الفعل، قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ} وقال: {فإذا قضيت مناسككم} قال الحافظ وغيره: إذا كان مخرج الحديث واحدا، واختلف في لفظة منه، وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد، كان أولى ويحمل فاقضوا على معنى الأداء أو الفراغ، فلا حجة لمن تمسك بلفظة فاقضوا. (¬3) وعنه فيما يدركه معه، وقد أجمعوا على تكبيرة الافتتاح في الركعة الأولى وذكر شيخ الإسلام والموفق، والمجد أنه يقرأ السورة فيما يقضيه مطلقا، لا يعلمون فيها خلافا، وأجمعوا على أنه لا يحتسب التشهد الأخير، لا من أول صلاته، ولا من آخرها، فترجح إنما يدركه أولها، وما يقضيه آخرها، وهو مقتضى الامر بالإتمام، والأمر بمتابعة الإمام، والائتمام به، وعن علي: ما أدركت فهو أول صلاتك، وقال ابن عمر: يكبر، فإذا سلم الإمام قام إلى ما بقي من صلته، وهو قول طوائف من الصحابة، ومقتضى الشرع والقياس.

لكن لو أدرك ركعة من رباعية أو مغرب تشهد عقب أخرى (¬1) ويتورك معه (¬2) (ومن ركع أو سجد) أو رفع منهما (قبل إمامه، فعليه أن يرفع) أي يرجع (ليأتي به) أي بما سبق به الإمام (بعده) (¬3) لتحصل المتابعة الواجبة (¬4) . ¬

_ (¬1) استدراك من قوله: وما أدرك المسبوق مع الإمام فهو آخر صلاته، نص عليه لئلا يلزم تغيير هيئة الصلاة، لأنه لو تشهد عقب ركعتين، لزم عليه قطع الرباعية على وتر الثلاثية شفعا، ومراعاة هيئة الصلاة ممكنة، فلزم الإتيان بها وفي المحرر: ولا يحتسب له بتشهد الإمام الأخير، إجماعا، لا من أول صلاته، ولا من آخرها، ويأتي فيه بالتشهد الأول فقط. (¬2) أي يتورك المسبوق مع إمامه في موضع توركه، وإن لم يعتد له لوجوب المتابعة، فلو أدرك ركعة من المغرب، تشهد عقب الركعة الأولى من القضاء، كما تقدم، ولا يسردها إجماعًا. (¬3) وهذا مبني على القول بأن السبق إلى الركن غير مبطل، وهو الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب. (¬4) بشرط أن لا يدركه إمامه في الركن، فإن لحقه إمامه فيه بطلت، كما يأتي.

يحرم سبق الإمام عمدا

ويحرم سبق الإمام عمدًا، لقوله عليه الصلاة والسلام «أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار؟» متفق عليه (¬1) والأولى أن يشرع في أفعال الصلاة بعد الإمام (¬2) . ¬

_ (¬1) قال شيخ الإسلام: وهذا لأن المؤتم متبع لإمامه، مقتد به، والتابع المقتدي لا يتقدم على متبوعه وقدوته، فإذا تقدم عليه كان كالحمار الذي لا يفقه ما يراد بعمله، ومن فعل ذلك استحق العقوبة والتعزير اهـ، وفي الصحيح «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد» ، ولأحمد وأبي داود: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد» ، وقال البراء: إذا سجد لم يحن أحد منا ظهره، حتى يقع رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده، وفي الصحيح: إذا قال: «سمع الله لمن حمده، لم نزل قياما، حتى نراه قد وضع جبهته بالأرض، ثم نتبعه» ولمسلم لا: «تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود ولا بالإنصراف» ولما رأى عمر رجلا يسابق الإمام ضربه، وقال: لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت ومن لم يصل وحده، ولا مقتديًا فلا صلاة له، قال شيخ الإسلام: أما مسابقة الإمام فحرام، باتفاق الأئمة لا يجوز لأحد أن يركع قبل إمامه، ولا يرفع قبله، ولا يسجد قبله، وقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك، قال النووي: والجمهور أنها تصح مع الإثم. (¬2) مما كان فيه، من غير تخلف، وهذا معنى ما في الإقناع والمنتهى، وفي المغني والشرح وجمع، يستحب أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة بعد فراغ الإمام مما كان فيه، ويكره فعله معه، في قول أكثر أهل العلم، للأخبار، ونقل الخلف عن السلف، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، فإني مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت» .

وإن كبر معه لإحرام لم تنعقد (¬1) وإن سلم معه كره وصح (¬2) وقبله عمدًا بلا عذر بطلت (¬3) وسهوًا يعيده بعده، وإلا بطلت (¬4) فإن لم يفعل أي لم يعد عمدًا حتى لحقه الإمام فيه بطلت صلاته لأنه ترك الواجب عمدًا (¬5) . ¬

_ (¬1) وفاقًا لمالك والشافعي، لأن شرطه أن يأتي بها بعد إمامه، وهو عنوان الاقتداء به، وقد فاته سواء كان ذلك عمدًا أو سهوًا، وفارق غيره من الأركان لأن الإمام هناك داخل في الصلاة، بخلاف الإحرام، فيشترط تأخير جميع تكبيرة المأموم، عن جميع تكبيرة الإمام، وإن قارنه في غيرها لم تبطل، باتفاق العلماء، لكن يكره، وتفوت فضيلة الجماعة. (¬2) لأنه اجتمع معه في الركن، قال ابن رجب: الأولى أن يسلم المأموم عقب فراغ الإمام من التسليمتين فإن سلم بعد الأولى جاز عند من يقول إن الثانية غير واجبة، ولم يجز عند من يرى أن الثانية واجبة، لا يخرج من الصلاة بدونها. (¬3) أي وإن سلم قبل إمامه عمدًا، بلا عذر من جهل أو نسيان، أو غلبة حدث، أو نحو ذلك بطلت صلاته، لأنه ترك فرض المتابعة، وهذا مذهب الشافعي، ونقل أبو داود: أخاف أن لا تجب الإعادة. (¬4) أي وإن سلم سهوًا لزمه أن يعيد السلام بعد سلام إمامه، لأنه لا يخرج من صلاته قبل إمامه بلا عذر، ولا يضره سبق بقول غيرهما. (¬5) إن تمكن من العود قبل إتيان الإمام بما سبقه به من ركوع أو سجود ونحوهما فإن لم يتمكن من العود قبل إتيان الإمام به، فظاهر كلام المنتهى أنه يتابعه، ويعتد بما فعله، فلا يعيده كمن لم يرجع سهوًا.

وإن كان سهوا، أو جهلا فصلاته صحيحة، ويعتد به (¬1) (وإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالما عمدًا بطلت) صلاته لأنه سبقه بمعظم الركعة (¬2) . (وإن كان جاهلا أو ناسيًا) وجوب المتابعة (بطلت الركعة) التي وقع السبق فيها (فقط) (¬3) فيعيدها وتصح صلاته للعذر (¬4) (وإن) سبقه مأموم بركنين بأن (ركع ورفع قبل ركوعه، ثم سجد قبل رفعه) أي رفع إمامه من الركوع (بطلت) صلاته، لأنه لم يقتد بإمامه في أكثر الركعة (¬5) . ¬

_ (¬1) أي وإن كان المأموم ترك الرجوع سهوًا، أو جهلا بالحكم، فصلاته صحيحة للعذر، ويعتد بما سبقه به إمامه، ولم يرجع ليأتي به سهوا أو جهلا، ولا إعادة عليه، لأنه سبق يسير، قال شيخ الإسلام، إذا سبق الإمام سهوًا لم تبطل، لكن يتخلف عنه بمقدر ما سبق به الإمام، كما أمر بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. (¬2) يعني بركن كامل، لم يتابع إمامه فيه، قال في الإنصاف، مثال ما إذا سبقه بركن واحد كامل، أن يركع ويرفع قبل ركوعه إمامه، ومثال سبقه بركنين أن يركع ويرفع قبل ركوعه، ثم يسجد قبل رفعه، كما قال المصنف فيهما اهـ وتعليله يفيد الفرق بين قولهم: ويحرم سبقه إلخ، وبين قولهم: وإن ركع ورفع، إلى آخره. (¬3) إن لم يأت بذلك مع الإمام كما لو لم يدركه. (¬4) يعني من جهل أو نسيان أو نحوهما، قال في الإنصاف وغيره: بلا نزاع، لحديث «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان» . (¬5) كالتي قبلها وأولى، وصححه غير واحد من الأصحاب وفي المنتهى لا نزاع في بطلان صلاته إذا سبق إمامه عمدًا بركنين، فإن قيل: ظاهر كلامهم أن الركوع والرفع منه ركن، وتقدم أنهما ركنان قيل: ما دام في الركن لا يعد سابقًا، إلا إذا تخلص منه، فإذا ركع ورفع، فقد سبقه بالركوع دون الرفع، لأنه لم يتخلص منه، فإذا هوى للسجود فقد تخلص من القيام، وحصل السبق بركنين.

(إلا الجاهل والناسي) فتصح صلاتهما للعذر (¬1) . (ويصلي) الجاهل والناسي (تلك الركعة قضاء) لبطلانها لأنه لم يقتد بإمامه فيها (¬2) ومحله إذا لم يأت بذلك مع إمامه (¬3) ولا تبطل بسبق بركن واحد غير ركوع (¬4) والتخلف عنه كسبقه على ما تقدم (¬5) . ¬

_ (¬1) وهو جهله بالحكم، ولنسيان كونه مؤتمًا، فتصح، لحديث «عفي عن امتي الخطأ والنسيان» وغيره. (¬2) صححه في التصحيح وغيره، وقدمه في المغني والشرح وغيرهما. (¬3) فإن أتى بذلك مع إمامه لم تبطل، واعتدله بتلك الركعة، والأولى الإتيان به بعده. (¬4) أي ولا تبطل الصلاة بسبق مأموم بركن واحد، كقيام وهوي إلى السجود، غير ركوع فتبطل به، لأن الركوع تدرك به الركعة، وتفوت إذا فات فليس كغيره. (¬5) أي وتخلف مأموم عن إمامه بركن بلا عذر، لا تبطل الصلاة به، كما لا تبطل بالسبق إليه، ولو عمدًا، لكن عليه أن يرجع ليأتي به مع إمامه، قال الموفق وغيره: فإن سبق الإمام المأموم بركن كامل، مثل أن يركع ويرفع قبل ركوع المأموم لعذر، من نعاس أو غفلة أو زحام أو عجلة إمام فإنه يفعل ما سبق به ويدرك إمامه، ولا شيء عليه لا نعلم فيه خلافًا اهـ فإن أبى عالما عمدا بطلت كما في السبق إلى الركن، لأن السبق بالركن يستلزم السبق إليه، وإن كان ركوعا ولا عذر بطلت، ولعذر أتي به إن أمن فوات الثانية، وصحت ركعته، وإلا تبعه ولغت والتي تليها عوض عنها ويقضي بدلها، وكذا إن تخلف بركنين فإن كان لغير عذر بطلت، وإن تخلف بركعة فأكثر لنوم ونحوه تابعه، وقضى بعد سلام إمامه، ولو زال عذر من أدرك ركوع الأولى، وقدم رفع إمامه من ركوع الثانية، تابعه في السجود، وتصح له ركعة ملفقة وقد التقدم على التخلف، لأن التقدم أفحش، بخلاف التخلف فإن له أعذار كثيرة.

يسن للإمام التخفيف مع الإتمام

(ويسن للإمام التخفيف مع الإتمام) لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف» (¬1) قال في المبدع: ومعناه ¬

_ (¬1) فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء، رواه الجماعة من حديث أبي هريرة، وفيه أن الحاجة من أمور الدنيا عذر في تخفيف الصلاة، وفي الصحيح من حديث أبي مسعود «أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فليوجز، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة» ، وذلك لما قال له رجل: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان، مما يطيل بنا، وفي الصحيحين أيضا عن أنس أنه كان يكملها وفي رواية لهما، ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن عمر: كان يأمر بالتخفيف، ويؤمنا بالصافات، فالذي فعله هو الذي أمر به، وقال الحافظ: من سلك طريق النبي صلى الله عليه وسلم في الإيجاز والإتمام لا يشتكى منه تطويل وتقدم صفة صلاته صلى الله عليه وسلم فالتخفيف المأمور به أمر نسبي، يرجع إلى ما فعله صلى الله عليه وسلم وواظب عليه، وأمر به، لا إلى شهوة المأمومين فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يأمرهم بأمر ثم يخالفه.

أن يقتصر على أدنى الكمال، من التسبيح وسائر أجزاء الصلاة (¬1) إلا أن يؤثر المأموم التطويل، وعددهم ينحصر (¬2) وهو عام في كل الصلوات (¬3) مع أنه سبق أنه يستحب أن يقرأ في الفجر بطوال المفصل (¬4) . ¬

_ (¬1) مراده أن لا يزيد على ثلاث تسبيحات، على ما تقدم وكذا لا يزيد في سائر أجزاء الصلاة على الواجب. (¬2) بمسجد غير مطروق، لم يطرأ غيرهم، فإن آثروا كلهم استحب لزوال علة الكراهة، وهي التنفير، ومقتضى الأمر بالتخفيف، وقال الحجاوي: إن كان الجمع قليلا، فإن كان كثيرا، لم يخل ممن له عذر، أو لم يمكن أن يجيء من يتصف بأحدها، وقال اليعمري: إنما تناط بالغالب، لا بالصورة النادرة فينبغي التخفيف مطلقا، كما شرع القصر، وقال ابن عبد البر: التخفيف للأئمة أمر مجمع عليه، مندوب عند العلماء إليه، لا خلاف في استحبابه على ما شرطنا من الإتمام وحكى النووي وغيره عن أهل العلم نحو ذلك، وقال ابن دقيق: قول الفقهاء: لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات، لا يخالف ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يزيد على ذلك، لأن رغبة الصحابة في الخير، تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلا، ولأبي داود وغيره عن عثمان بن أبي العاص أنه قال: «أنت إمام قومك، وأقدر القوم بأضعفهم» ، وإسناده حسن، وأصله في صحيح مسلم. (¬3) يعني الخمس، ومراده قول صاحب المبدع في الاقتصار على أدنى الكمال. (¬4) متعلق بعام، وهذا تنظير على قول صاحب المبدع، إن أدنى الكمال ثلاث، وقد حرزوا صلاته صلى الله عليه وسلم فكان سجوده قدر ما يقول: سبحان ربي الأعلى، عشر مرات، وركوعه كذلك، وقال «صلوا كما رأيتموني أصلي» . قال شيخ الإسلام ليس له أن يزيد على قدر المشروع، وينبغي أن يفعل غالبا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله غالبا، ويزيد وينقص للمصلحة، كما كان صلى الله عليه وسلم يزيد وينقص أحيانًا للمصلحة، وقال: ويلزم الإمام مراعاة المأموم إن تضرر بالصلاة أول الوقت أو آخره ونحوه، وقال النووي: قال العلماء: واختلاف قدر القراءة في الأحاديث كان بحسب الأحوال، وكان صلى الله عليه وسلم يعلم من حال المأمومين في وقت أنهم يؤثرون التطويل فيطول بهم، وفي وقت لا يؤثرونه لعذر ونحوه فيخفف، وفي وقت يريد إطالتها فيسمع بكاء الصبي فيخفف كما ثبت ذلك في الصحيح.

وتكره سرعة تمنع المأموم فعل ما يسن (¬1) (و) يسن (تطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية) لقول أبي قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يطول في الركعة الأولى، متفق عليه (¬2) . ¬

_ (¬1) له فعله، كقراءة السورة، وما زاد على مرة في تسبيح ركوع وسجود ونحوه، ويسن أن يرتل القراءة والتسبيح والتشهد بقدر ما يرى أن من يثقل عليه ممن خلفه قد أتى به، وأن يتمكن في ركوعه وسجوده قدر ما يرى أن الكبير والثقيل وغيرهما قد أتى عليه، لما في ذلك من تفويت المأموم ما يستحب له فعله، ولأنه المشروع، وأن يخفف لنحو بكاء صبي ونحوه، لقوله صلى الله عليه وسلم «إني لأقوم في الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز فيها مخافة أن أشق على أمه» راواه أبو داود. (¬2) وفي رواية: «كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين وفي الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب، وكان يطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية» ، وهكذا في صلاة العصر، وهكذا في صلاة الصبح، زاد أبو داود، فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى، وقال أبو سعيد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يتوضأ ثم يأتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى، مما يطولها، رواه مسلم، وليلحقه القاصد إليها، لئلا يفوته من الجماعة شيء، فإن عكس أجزأه لكن لا ينبغي أن يفعل خلاف السنة، وذلك في كل صلاة.

إلا في صلاة خوف في الوجه الثاني (¬1) وبيسير كسبح والغاشية (¬2) (ويستحب) للإمام (انتظار داخل (¬3) إن لم يشق على مأموم) لأن حرمة الذي معه أعظم من حرمة الذي لم يدخل معه (¬4) . ¬

_ (¬1) بأن كان العدو في غير جهة القبلة، وقسم المأموم طائفتين، فالثانية أطول من الأولى للتم الطائفة الأولى صلاتها، ثم تذهب لتحرس ثم تأتي الأخرى فتدخل معه. (¬2) و «كالجمعة» «والمنافقين» ، «والفلق» «والناس» ، فقد صلى الله عليه وسلم بذلك. (¬3) أحس به في ركوع، قال الذهبي: لا سيما في الجمعة اهـ وكذا قيام وقيل: وتشهد لا في سجود إعانة له على إدراك الركعة ونحوها، وهو مذهب الشافعي وغيره، لأنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف، ولما رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن أبي أوفى: كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم، وقوله: «إني لأدخل في الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي» ، وقوله للنساء، «لا ترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا، ولأنه تحصيل مصلحة بلا مضرة.» (¬4) فلا يشق عليه لأجل الداخل، ولو كان من ذوي الهيئات وكانت الجماعة كثيرة، لأنه يبعد أن لا يكون فيهم من يشق عليه.

(وإذا استأذنت المرأة) الحرة أو الأمة (إلى المسجد كره منعها) (¬1) لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله (¬2) وبيوتهن خير لهن، وليخرجن تفلات» رواه أحمد وأبو داود (¬3) وتخرج غير متطيبة ولا لابسة ثياب زينة (¬4) . ¬

_ (¬1) لأن الصلاة المكتوبة في جماعة فيها فضل كبير، وكذلك المشي إلى المساجد، وكل صلاة وجب حضورها أو استحب للرجال الجماعة فيها، استحب النساء، وفاقًا للشافعي، والمراد مع أمن المفسدة، فإن منعها لم يحرم، وذكره البيهقي قول عامة الفقهاء، ولأن ملازمة المسكن حق واجب للزوج فلا تتركه لفضيلة. (¬2) وفي الصحيحين وغيرهما «إذا استأذنت نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن» وإماء بكسر الهمزة جمع أمة، ومناسبة كونهن إماء الله تقتضي إباحة خروجهن إلى مساجد الله. (¬3) أي صلاتهن في بيوتهن خير لهن من صلاتهن في المساجد، لو علمن ذلك لكنهن لم يعلمن ذلك، فيسألن الخروج إلى المساجد، وكونها أفضل لأمن الفتنة و (تفلات) أي غير متطيبات يقال: تفلت المرأة، من باب تعب، إذا أنتن ريحها لترك الطيب والإدهان، وإنما أمرن بذلك لئلا يحركن الرجال بطيبهن، ويلحق بالطيب ما في معناه من المحركات لداعي الشهوة، كحسن الملبس، والتحلي ونحو ذلك، فإن رائحتها وزينتها وصورتها وإبداء محاسنها تدعو إلى ميل الرجال، وتشوفهم إليها، فنهيت عن ذلك، سدا للذريعة، وحماية عن المفسدة. (¬4) فإن تطيبت للخروج، أو لبست ثياب زينة حرم، لما في صحيح مسلم وغيره، «أيما امرأة أصابت بخورا، فلا تشهدن معنا العشاء الآخرة» ، قال القاضي عياض: شرط العلماء في خروجهن أن يكون بليل، غير متزينات ولا متطيبات ولا مزاحمات للرجال، ولا شابة مخشية الفتنة، وفي معنى الطيب إظهار الزينة وحسن الحلي فإن كان شيء من ذلك وجب منعهن خوف الفتنة، وقال مسلمة: تمنع الشابة الجميلة المشهورة، زاد بعضهم: أن لا يكون في لطريق ما تتقي مفسدته، قال القاضي: وإذا منعن من المسجد فغيره أولى، وقال ابن القيم: يجب على ولي الأمر أن يمنع من اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق، والفرج ومجامع الرجال، وهو مسئول عن ذلك، والفتنة به عظيمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» قال: ويجب عليه منعهن متزينات متجملات، ومنعهن من الثياب التي يكن بها كاسيات عاريات، كالثياب الواسعة، والرقاق ومنعهن من حديث الرجال في الطرقات، ومنع الرجال من ذلك، وله منع المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها، لا سيما إذا خرجت متجملة، وأخبر صلى الله عليه وسلم: «أن المرأة إذاتطيبت وخرجت من بيتها فهي زانية» .

شروط خروج المرأة إلى المسجد ووجوب المنع من الاختلاط والزينة

(وبيتها خير لها) لما تقدم (¬1) ولأب ثم أخ ونحوه (¬2) منع مواليته من الخروج إن خشي فتنة أو ضرر (¬3) . ¬

_ (¬1) أي من قوله: وبيوتهن خير لهن، ولأحمد أيضا: «خير مساجد النساء قعر بيوتهن» وأجمع النساء أن صلاة المرأة في بيتها، أفضل من صلاتها في المسجد، فإن النساء أعظم حبائل الشيطان، وأوثق مصائده، فإذا خرجن نصبهن شبكة، يصيد بها الرجال، فيغريهم ليوقعهم في الزنا، فعدم خروجهن حسما لمادة إغوائه وإفساده، وفي الصحيحين من حديث عائشة، لو رأى ما رأينا لمنعهن من المسجد، كما منعت بنو إسرائيل. (¬2) كعم ونحوه من أوليائها المحارم، وقال أحمد: الزوج أملك من الأب. (¬3) أي بخروجها إلى المسجد ونحوه، فينعها عن ذلك درءًا للمفسدة.

تتمة في تكليف الجن وبعض أحكامهم

ومن الإنفراد (¬1) . ¬

_ (¬1) لأنه لا يؤمن دخول من يفسدها، ويلحق العار بها وبأهلها، فيرجع الحال إلى شأن المرأة فإن عرف منها الديانة فلا بأس والمعهود من عمل الصحابة أن الأبكار ومن ضاهاهن لا يخرجن، ولو خرجن لعادلن الرجال. «تتمة» الجن مكلفون في الجملة إجماعا لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ *} فلذلك يدخل كافرهم النار إجماعا، ويدخل مؤمنهم الجنة، لعموم الأخبار، ومؤمن الجن في الجنة كغيرهم من الآدميين، على قدر ثوابهم للعموم، قال الشيخ: ونراهم فيها ولا يرونا وتنعقد بهم الجماعة، وهم موجودون في زمن النبوة وقبلها، وليس منهم رسول، وقال الشيخ أيضًا: ليس الجن كالإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به وما نهو اعنه مساويًا لما على الإنس في الحد والحقيقة، لكنهم شاركوهم في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم، بلا نزاع أعلمه بين العلماء. وقال ابن حامد: ومذاهب العلماء إخراج الملائكة من التكليف والوعد والوعيد اهـ وذبيحة مؤمني الجن حلال، وما يذبحه الآدمي لئلا يصيبه أذى من الجن فحرام، وفاعله مشرك، وبولهم وقيؤهم طاهران، لظاهر حديث ابن مسعود قال: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه» ، متفق عليه، ولخبر الرجل الذي سمي في أثناء طعامه قال: «قاء الشيطان كل شيء أكله» ، رواه أبو داود والنسائي، وصححه الحاكم، ويقبل قولهم: أن ما بيدهم ملكهم مع إسلامهم، وكافرهم كالحربي، يقتل إن لم يسلم، ويحرم عليهم ظلم الآدميين، وظلم بعضهم بعضا، لعموم الأخبار، وكان الشيخ: إذا أتى بالمصروع وعظ من صرعه، وأمره ونهاه فإن انتهى وفارق المصروع أخذ عليه العهد أن لا يعود، وإن لم يأتمر، ولم ينته ولم يفارقه ضربه حتى يفارقه، والضرب يقع في الظاهر على المصروع، وإنما يقع في الحقيقة على من صرعه، ولهذا يتألم من صرعه به، ويصيح ويخبر المصروع إذا فارق أنه لم يشعر بشيء من ذلك.

فصل في أحكام الإمامة

فصل في أحكام الإمامة (¬1) (الأولى بالإمامة الأقرأ) جودة (¬2) (العالم فقه صلاته) (¬3) . ¬

_ (¬1) الإمامة مصدر: أم الناس صار لهم إمامًا يتبعونه في صلاته، وفضلها مشهور، تولاها النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه، ولا يختارون إلا الأفضل فالأفضل فعلها، وله أجر بذلك لما في الحديث «ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة رجل أم قومًا وهم به راضون» ، الحديث، وحديث «له من الأجر مثل أجر من صلى خلفه» ، ويجوز طلبها، لقوله: يا رسول الله اجعلني إمام قومي، قال: «أنت إمامهم واقتد بأضعفهم» ، وليس من طلب الرياسة المكروهة، فإن ذلك مما يتعلق برياسة الدنيا التي لا يعان من طلبها، ولا يستحق أن يعطاها، ويشهد له عموم قوله {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} . (¬2) مصدر جاد بمعنى جيد، أي يقدم على غيره، تقديم استحباب، وإن لم يكن فقيها، قيل لأنه أعظم أجرًا، والمراد بالأقرأ جودة الذي يجيد قراءته أكثر من غيره، بأن يعرف مخارج الحروف، ولا يلحن فيها، على ما اقتضته طبيعة القارئ، من غير تكلف، لا الوسوسة والتكلف في خروج الحروف، وترقيقها وتفخيمها وإمالتها، والتمطيط المخرج له من حدوده، ونص ابن القيم وغيره على أن الأئمة كرهوا التنطع والغلو في النطق بالحروف، وأنها لم تكن متكلفة كما يتكلفها أهل الأمصار اليوم، وذكر غير واحد أنها قراءة محدثة. (¬3) كشروطها وأركانها وواجباتها، ومبطلاتها ونحو ذلك، قال الحافظ: لا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفا بما يتعين معرفته، من أحوال الصلاة، أما إذا كان جاهلا فلا يقدم اتفاقًا.

لقوله عليه الصلاة والسلام: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سنًا» رواه مسلم (¬1) (ثم) إن استووا في القراءة (الأفقه) لما تقدم (¬2) . ¬

_ (¬1) من حديث أبي مسعود البدري، وله من حديث أبي سعيد مرفوعًا، قال: «إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم» وفي الصحيح عن عمرو بن سلمة «إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا» ولأبي داود من حديث ابن عباس «ليؤذن لكم خياركم، وليؤمكم أقرؤكم» ، وفي الصحيح عن ابن عمر: لما قدم المهاجرون الأولون كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وفيهم عمر، ولأبي داود وغيره، وأبو سلمة ففيه وما قبله دلالة قوية على تقديم الأقرأ قال شيخ الإسلام، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم بالفضيلة بالعلم بالكتاب والسنة، فإن استووا في العلم قدم بالسبق إلى العمل الصالح، وقدم بالسابق باختياره - وهو المهاجر - على من سبق بخلق الله وهو الكبير السن، وقدم في الإقناع والمنتهى الأقرأ الأفقه، لجمعه بين المرتبتين في القراءة والفقه، وإنما قدم النبي صلى الله عليه وسلم الأقرأ لأنه في زمانه كان أفقه، وقدم أبا بكر على من هو أقرأ منه كزيد وأبي زيد وأبي ومعاذ. (¬2) أي يقدم الأفقه لما تقدم من قوله: صلى الله عليه وسلم «فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة» ، أي أفقههم في دين الله، قال الزركشي: لا نزاع بين العلماء أنه يقدم بعد الأقرأ الأفقه، ولو قدم الأفقه على الإقرأ جاز، قال أبو محمد: لا أعلم فيه خلافًا، إذ الأمر فيه أمر إرشاد.

فإن اجتمع فقيهان قارئان، وأحدهما أفقه أو أقرأ قدم (¬1) فإن كانا قارئين قدم أجودهما قراءة (¬2) ثم أكثرهما قرآنا (¬3) ويقدم قارئ لا يعرف أحكام صلاته على فقيه أمي (¬4) وإن اجتمع فقيهان أحدهما أعلم بأحكام الصلاة قدم، لأن علمه يؤثر في تكميل الصلاة (¬5) . ¬

_ (¬1) أي الأقرأ من الفقيهين القارئين أو الأفقه منهما، لقوله: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» ومن شرط الأقرأ أن يكون عالما فقه صلاته، حافظا للفاتحة، ولو كان أحد الفقيهين أفقه، أو أعلم بأحكام الصلاة قدم، أما لو تعارض فضل القراءة وفضل الفقه قدم الأفقه، لأن احتياج المصلي إلى الفقه أكثر من احتياجه إلى القراءة، لأن ما يجب في الصلاة من القراءة محصور، وما يقع فيها من الحوادث غير محصور، ولما تقدم من تقديم الصديق. (¬2) أي الأحسن تجويدا للقرآن، لأنه أعظم أجرا، لحديث: «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة» صححه الترمذي، وقال أبو بكر وعمر، إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه، وإن لم يكن فقيها، إن كان يعرف فقه صلاته. (¬3) يعني مع الاستواء في الجودة يقدم الأكثر قرآنًا الفقيه، لفضله بكثرة أخذ القرآن، ثم يليه قارئ أفقه، ثم قارئ فقيه، ثم قارئ عالم فقه صلاته من شروطها وأركانها وواجباتها ومبطلاتها ونحو ذلك كما تقدم. (¬4) أي لا يحسن الفاتحة، أو يدغم فيها كما يأتي، لأنها ركن في الصلاة، بخلاف معرفة أحكامها، ولو لم يأت بها إلا عادة. (¬5) قال شيخ الإسلام: إذا كان رجلان من أهل الديانة، فأيهما كان أعلم بالكتاب والسنة وجب تقديمه على الآخر، وكان ائتمامه به متعينا.

(ثم) إن استووا في القراءة والفقه (الأسن) (¬1) لقوله عليه الصلاة والسلام «وليؤمكم أكبركم» متفق عليه (¬2) . (ثم) مع الاستواء في السن (الأشرف) وهو القرشي (¬3) وتقدم بنو هاشم على سائر قريش (¬4) إلحاقًا للإمامة الصغرى بالكبرى (¬5) ولقوله عليه الصلاة والسلام: «قدموا قريشًا ولا تقدموها» (¬6) . ¬

_ (¬1) أي قدم الأسن، وهو الأكبر سنا، لأن كبر السن في الإسلام فضيلة يرجع إليها. (¬2) من حديث مالك بن الحويرث، ولأنه أقرب إلى الخشوع، وإجابة الدعاء ولمسلم «وكان متقاربين في القراءة» ولأبي داود «في العلم» . (¬3) أي يقدم الأشرف نسبا، وهو القرشي من ولد النضر، سموا قريشًا لتجمعهم في الحرم، وقيل: غير ذلك والشرف العلو والمجد، أو لا يكون إلا بالآباء، يقال: رجل شريف، وماجد له آباء متقدمون في الشرف، وشرف يشرف شرفًا، علا في دين أو دنيا، وقال أبو محمد وغيره: أشرفهم أعلاهم نسبًا، وأفضلهم في نفسه، وأعلاهم قدرًا، وأشرف الناس قريش، وفي الحديث: «إن الله اصطفى قريشًا» وفيه «فأنا خيار من خيار» ، وفي مجمع البحرين: الشرف الأقرب فالأقرب منه صلى الله عليه وسلم فيقدم العرب على غيرهم، ثم قريش ثم بنو هاشم، وكذلك أبدًا. (¬4) لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم على من سواهم، كبني عبد شمس ونوفل ويأتي. (¬5) وهي الخلافة. (¬6) رواه أحمد وغيره عن ابن شهاب، وابن عدي عن أبي هريرة والبزار عن علي وقال الحافظ بإسناد صحيح لكنه مرسل، وله شواهد وفي الصحيحين وغيرهما «لا يزال هذا الأمر في قريش» «الناس تبع لقريش» ، ولأحمد وغيره «الأئمة من قريش» ، وعليه فيقدمون في الإمامة، وقال شيخ الإسلام، ولا يقدم في الإمامة بالنسب وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد لقوله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} ويجب تقديم من قدمه الله ورسوله، ولو كان بخلاف شرط الواقف فلا يلتفت لشرط يخالف شرط الله ورسوله، وفي المقنع وغيره: ثم أقدمهم هجرة، ثم أشرفهم، واختاره الشيخ، وجمع، وقيل: يقدم الأتقى على الأشرف، واختاره الشيخ وصوبه في الإنصاف.

(ثم الأقدم هجرة) (¬1) أو إسلامًا (¬2) (ثم) مع الاستواء فيما تقدم (الأتقى) (¬3) . ¬

_ (¬1) يعني بنفسه لا بآبائه وهو سبقه إلى دار الإسلام مسلمًا، والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية، وقوله: «لا هجرة بعد الفتح» ، يعني من مكة إذ ذاك بعد أن صارت دار إسلام، وإلا فـ «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» ، وظاهر كلام أحمد تقديم الأقدم هجرة على الأسن، واختاره الموفق وغيره، وقدمه في الكافي، وصححه الشارح، وجزم به جمع للأخبار. (¬2) أي يقدم من تقدم إسلامه على من تأخر، لما في صحيح مسلم وغيره «فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا» أي إسلاما. (¬3) والأورع فيقدم على الأعمر للمسجد، لأن مقصوده الصلاة هو الخضوع، ورجاء إجابة الدعاء والأتقى والأورع أقرب إلى ذلك والتقوى كلمة جامعة لخصال الخير، وقال بعضهم، التقوى ترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، وهو أعلى مراتبها، وأدناها توقي الشرك، وأوسطها اتباع الأوامر، واجتناب النواهي والورع اجتناب الشبهات والشهوات خوفًا من الله وفي الأصل: الكف، وقال ابن القيم: الفرق بين الزهد والورع أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره في الأخرة، قال في الإقناع، ثم من يختاره الجيران المصلون، وكان أعمر للمسجد، وذكره الشارح وغيره، والمذهب ما ذكره تبعا للمقنع وغيره.

لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} (¬1) . (ثم) إن استووا في الكل يقدم (من قرع) إن تشاحوا (¬2) لأنهم تساووا في الاستحقاق وتعذر الجمع فأقرع بينهم، كسائر الحقوق (¬3) (وساكن البيت، وإمام المسجد أحق) إذا كان أهلًا للإمامة ممن حضرهم (¬4) ولو كان في الحاضرين من هو أقرأ أو أفقه (¬5) لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن الرجل الرجل في بيته، ولا في سلطانه» رواه أبو داود عن ابن مسعود (¬6) . ¬

_ (¬1) أي إنما تفاضلون بالتقوى، لا بالأحساب. (¬2) أي عليه، حذر فواته، فمن خرجت له القرعة قدم فهو الأحق. (¬3) أي المتشاح فيها، فإنها عند التشاح وعدم المرجح يقرع بينهم، والقرعة جاء بها الشرع، حتى أقرع النبي صلى الله عليه وسلم بين نسائه. (¬4) بشرط أن تصح إمامته بهم، وأحق أي مستحق لها. (¬5) أي من ساكن البيت، وإمام المسجد، قال في الشرح والمبدع: بغير خلاف نعلمه. (¬6) صوابه عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه، رواه أبو داود وغيره من طريقين وهو في صحيح مسلم من حديث أبي مسعود بلفظ: «ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه إلا بإذنه» وسلطان محل ولايته، ومظهر سلطانه أو فيما يملكه، ولأبي د داود «من زار قوما فلا يؤمنهم» ، وعن ابن مسعود «من السنة أن يتقدم صاحب البيت» ، قال الحافظ: إسناده ثقات، قال الخطابي: معناه أن صاحب المنزل أولى بالإمامة في بيته، إذا كان من القراءة أو العلم بمحل يمكنه أن يقيم الصلاة، وأتى ابن عمر أرضًا له فيها مولى له، فصلى معهم، وقال: صاحب المسجد أحق، رواه البيهقي بسند جيد، وإن كان إمام المسجد عن ولاية سلطان أو عامله فهو داخل في حكم السلطان، وإن كان باتفاق من أهل المسجد فهو أحق، لأنها ولاية خاصة، ولأن التقدم عليه يسيء الظنه به، وينفر عنه، قال في الإقناع، فيحرم تقديم غيرهما عليهما بدون إذن، ولهما تقديم غيرهما، ولا يكره، بل يستحب إن كان أفضل منهما، وفي الغاية: لا يؤم في الجوامع الكبار إلا من ولاه السلطان أو نائبه، ويستنيب إن غاب، وما بناه أهل الشوارع والقبائل من المساجد الحق لمن رضوا به، فإن تعذر فليس لرئيس القرية وليس لهم بعد الرضا عزله، ما لم تتغير حاله، لكن لا يستنيب إن غاب، وقال الحارثي، الأشهر أن للإمام النصب أيضا، لكن لا ينصب إلا برضى الجيران.

(إلا من ذي سلطان) فيقدم عليهما لعموم ولايته، ولما تقدم من الحديث (¬1) . ¬

_ (¬1) وهو قوله: «ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته، ولا في سلطانه والسلطان المراد به الإمام الأعظم» ، ثم نوابه، كالقاضي، وكل ذي سلكان أولى من جميع نوابه، لأنه صلى الله عليه وسلم أم عتبان بن مالك وأنسًا في بيوتهما، ولأن، له ولاية عامة فإذاحضر قدم على جميع الحاضرين، سواء كان غيره أقرأ أو أفقه أو لا، فإن لم يتقدم الوالي قدم من شاء ممن يصلح للإمامة، وإن كان غيره أصلح منه، لأن الحق فيها له فاختص بالتقدم والتقديم.

والسيد أولى بالإمامة في بيت عبده، لأنه صاحب البيت (¬1) (وحر) بالرفع على الابتداء (¬2) (وحاضر) أي حضري، وهو الناشئ في المدن والقرى (¬3) (ومقيم وبصير ومختون) أي مقطوع القلفة (¬4) و (ومن له ثياب) أي ثوبان وما يستر به رأسه (¬5) (أولى من ضدهم) خبر عن حر وما عطف عليه (¬6) . ¬

_ (¬1) فهو أولى من عبده لولايته عليه. (¬2) سوغ الابتداء به لكونه في مقام التفضيل، وللعلم به، يعني الحر أولى من العبد والمبعض كما يأتي وأم ذكوان مولى عائشة وهو غلام لم يعتق ولم تنكر، وأمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنا فلا تكره. (¬3) ضد البادي، وحضر كنصر حضارة أقام في الحضر أي الحاضر أولى من البادي، ولا تكره، وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي لقوله: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» الحديث إذا لم يكن مانع شرعي عام. (¬4) بضم القاف وفتحها، جمعها قلف، مثل غرفة وغرف، وقصبة وقصب، وقصبات وهي الجلدة التي تقطع في الختان، أي هؤلاء أولى من ضدهم، وكذا حسن الخلق بضم الخاء، وفاقا لأبي حنيفة ومالك، وسوّى الشافعية وغيرهم بين الأعمى والبصير، وهو رواية عن أحمد، ولا كراهة لاستخلافه ابن أم مكتوم. (¬5) إشارة إلى أن الجمع غير مقصود، وكذا نظافة الثوب والبدن، وحسن الصوت وطيب الصفة، ونحوها من الفضائل، لإفضائه إلى استمالة القلوب، وكثرة الجمع، والائتلاف ولأن الإمامة أرفع مراتب الإسلام، فلا يؤم إلا أهل الكمال، وقال بعض الأصحاب، لا يرجح بحسن الوجه، ولا نظافة الثوب، ونحو ذلك. (¬6) وهو قوله ومقيم: إلى آخره، وأولى من ضدهم الآتي بيانه ما لم يكن العبد أفضل من الحر، والأعرابي أفضل من الحضري، والأعمى أفضل من البصير، وهكذا فيكون الحكم بالضد، لقوله: «يؤم القوم أقرؤهم» الحديث قال الحافظ: فكل من اتصف بذلك جازت إمامته من عبد وصبي وغيرهما.

فالحر أولى من العبد والمبعض (¬1) والحضري أولى من البدوي الناشئ بالبادية (¬2) والمقيم أولى من المسافر لأنه ربما يقصر، فيفوت المأمومين بعض الصلاة في جماعة (¬3) . ¬

_ (¬1) عند جمهور العلماء، مع التساوي لأنه أكمل في أحكامه وأشرف ولا يصلح إماما في الجمعة والعيد، ولئلا يؤدي إلى التنفير، وعنه: العيد أولى إذا كان أفضل وأدين، وهو قول جمهور العلماء، لعموم «يؤم القوم أقرؤهم» الحديث وصلى ابن مسعود وأبو ذر وغيرهما وراء مولى أبي أسيد وهو عبد فعليه لا يكون أولى، قال الشافعي وغيره، لا يترجح الحر عليه إذا تساويا في القراءة والعلم والورع، ولما انتهى أبو ذر إلى الربذة فإذا عبد يؤمهم، فتأخر فقال أبو ذر: أوصاني خليلي، الحديث، قال الشارح وغيره: وإمامة العبد صحيحة لما تقدم، يعني من الآثار عن الصحابة في ذلك، قال: ولم يعرف لهم مخالف، فكان إجماعا، وقال الحافظ وغيره: مذهب جمهور العلماء صحة إمامة العبد أي فلا تكره والمبعض أولى. (¬2) للاختلاف في إمامته، ولأن الغالب على أهل البادية الجفاء، وقلة المعرفة بحدود الله، وأحكام الصلاة، لبعدهم عمن يتعلمون منه، قال تعالى في حق الأعراب: {واجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} ، ولا بأس بإمامته إذا كان يصلح وفاقًا لأبي حنيفة. (¬3) وقال القاضي: إن كان إماما فهو أحق، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي عام الفتح، ويقول: «اتموا فإنا قوم سفر» فلا تكره إمامة مسافر بمقيمين إذا كان أولى بالإمامة، إلا أنه مسافر فإن قصر لم تكره إجماعا، قال في مجمع البحرين: ويقضي المقيم كمسبوق فإن أتم كرهت إمامته بالمقيم، خروجًا من خلاف من منعها نظرا إلى أن ما زاد على الركعتين نفل، وإن تابعه المقيم صحت ويأتي قال المجد، ولا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان لقوله: «إلا بإذنه» وعموم قوله: «ورجل أم قومًا وهم به راضون» .

وبصير أولى من أعمى (¬1) ومختون أولى من أقلف (¬2) ، ومن له من الثياب ما ذكر، أولى من مستور العورة مع أحد العاتقين فقط (¬3) وكذا المبعض أولى من العبد (¬4) والمتوضئ أولى من المتيمم (¬5) . ¬

_ (¬1) لأنه أقدر على توقي النجاسة باجتهاده، وهي جائزة إجماعًا، حكاه الشارح وغيره، وتصح، ولو كان أصم، على الصحيح من المذهب، قاله في الإنصاف. (¬2) أي مقطوع الغرلة أولى بالتقديم في الإمامة ممن لم يختن قال الشيخ: وتصح خلف خصي، كما تصح خلف الفحل، باتفاق أئمة المسلمين، وهو أحق بالإمامة ممن هو دونه. (¬3) لا معهما، وكلما كان أكمل كان أولى، لأنه منظور إليه. (¬4) لأن فيه بعض أكملية وأشرفية. (¬5) لأن الوضوء رافع للحدث، بخلاف التيمم فإنه مبيح لا رافع، وتقدم وتيمم عمر بن العاص، وهو جنب في غزوة ذات السلاسل، في ليلة باردة وصلى بأصحابه، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأقره، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وتصح خلفه، بلا كراهة عند الأئمة وجمهور الأمة، وحكى غير واحد جوازها إجماعًا، وأجمعوا على جواز إمامة الماسح على الخفين، بالغاسل القدمين لا من عدم الماء والتراب بمن تطهر بأحدهما.

والمستأجر في البيت أولى من المؤجر (¬1) والمعير أولى من المستعير (¬2) وتكره إمامة غير الأولى بلا إذنه (¬3) لحديث «إذا أم الرجل القوم وفيهم من هو خير منه لم يزلوا في سفال» ، ذكره أحمد في رسالته (¬4) إلا إمام المسجد، وصاحب البيت، فتحرم (¬5) (ولا تصح) الصلاة (خلف فاسق) سواء كان فسقه من جهة الأفعال أو الاعتقاد (¬6) . ¬

_ (¬1) بكسر الجيم، على صيغة اسم الفاعل، من الرباعي المزيد والذي قبله بصيغة اسم المفعول، لأن المستأجر مالك المنفعة، وقادر على منع المؤجر من دخوله. (¬2) لأن المعير مالك للعين والمنفعة، وقادر على منع المستعير، وإنما يملك الانتفاع مؤقتًا. (¬3) للإفتتات عليه، وإن فعل صحت مع الكراهة، وإذا قدم المستحق غيره جاز، ولا كراهة لأن الحق في التقدم له، وقد أسقطه، ولا بأس أن يؤم الرجل أباه بلا كراهة، إذا كان بإذنه أو فيه مزية يقدم بها عليه، كما قدم الصديق على أبيه. (¬4) بعد قوله: ومن الحق الواجب على المسلمين أن يقدموا خيارهم، وأهل الدين والأفضل منهم أهل العلم بالله، الذين يخافون الله ويراقبونه ورسالته هي المشهورة المعروفة بالرسالة السنية، في الصلاة وما يلزم فيها. (¬5) أي إمامة غيرهما إلا بإذنهما استثناء من قوله: وتكره إمامة غير الأولى إلخ. (¬6) لأنه لا يقبل خبره، ولا يؤمن على شرائط الصلاة، فلم تصح خلفه، والفاسق من الفسق، وهو الخروج عن حد الاستقامة، كمن يرتكب الكبائر ونحوها. وجهة الأفعال كالزنا والسرقة وشرب المسكر ونحوه، وكالغيبة والنميمة والاعتقاد كالرفض والاعتزال والإرجاء ونحوه، سواء أعلن بفسقه أو لا، وقال الشيخ: لا تصح خلف أهل الأهواء والبدع مع القدرة اهـ وظاهر المذهب أنه إذا كان الفاسق معلنا بفسقه، وفاقًا لمالك، واختاره الموفق والمجد، وقال الحارثي: يجب أن يولى في الوظائف وإمامه المساجد الأحق شرعا، وليس للناس أن يولوا عليهم الفساق، وعن أحمد: تكره وتصح، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي

إلا في جمعة وعيد تعذرًا خلف غيره (¬1) لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تؤمن امرأة رجلا، ولا أعرابي مهاجر، ولا فاجر مؤمنا، إلا أن يقهره بسلطان يخاف سوطه» رواه ابن ماجه عن جابر (¬2) . ¬

_ (¬1) أي الفاسق: بأن يعدم أخرى خلف عدل للضرورة، قال الشيخ: عند عامة السلف والخلف، وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم، ولهذا قالوا في العقائد: تصح الجمعة والعيد خلف كل إمام، برا كان أو فاجرا، وذكر أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح، وتعطيل المفاسد، وأن تفويت الجمعة والجماعة أعظم فسادا من الاقتداء فيها بإمام فاجر، ثم قال: ولهذا كان التاركون للجمعة والجماعة خلف أئمة الجور مطلقا معدودين عند السلف والأئمة من أهل البدع. (¬2) يعني مهاجرًا من البادية إلى الحاضرة، والأعرابي نسبة إلى الأعراب، لا واحد له من لفظه، ولا جمعا لعرب، وهو من يسكن البادية، عربيا كان أو عجميا، و (فجر) عدل عن الحق و (فسق) خرج عنه، قال شيخ الإسلام عند بعضهم نهي تحريم، وبعضهم نهي تنزيه والصلاة خلفه منهي عنها، بإجماع المسلمين ولا يجوز تقديمه مع القدرة على ذلك، وقال الماوردي، يحرم على الإمام نصب الفاسق إماما للصلوات لأنه مأمور بمراعاة المصالح، وليس منها أن يوقع الناس في صلاة مكروهة، فلو صلى خلف من يعلم أنه فاسق أو مبتدع، ففي صحة صلاته قولان مشهوران، في مذهب أحمد ومالك، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة الصحة، وصلى ابن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد، وكان يشرب الخمر، وصلى مرة الفجر أربعًا، وصلى ابن عمر وغيره خلف المختار، وكان متهما بالإلحاد داعية إلى الضلال، وأجمعوا عليه هم وتابعوهم، لأن أئمة الصلاة في تلك الأعصار في كل بلدة هم الأمراء، وحالهم لا تخفي. قال: والأصل أن من صحت صلاته صحت إمامته، وصلاة الفاسق صحيحة بلا نزاع، ولا خلاف في كراهتها، وأخرج البخاري في تأريخه عن عبد الكريم أنه قال: أدركت عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصلون خلف أئمة الجور، وفي صحيح مسلم وغيره، من غير وجه: «كيف أنت إذا كان عليك أمراء، يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتونها عن وقتها؟» ، قال: فما تأمرني؟ قال صلى الله عليه وسلم «صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» فقد أذن بالصلاة خلفهم وجعلها نافلة، لأنهم أخرجوهم عن وقتها وظاهره أنهم لو صلوها في وقتها، لكان مأمورًا بصلاتها خلفهم فريضة، لما في الصحيح وغيره، قال: «أئمتكم يصلون لكم ولهم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم» وكذا عموم أحاديث الجماعة، من غير فرق، وفي الصحيح وغيره أحاديث كثيرة، تدل على صحة الصلاة خلف الفساق والأئمة الجائرين. قال النووي وغيره: وهو مذهب جمهور العلماء، وإذا لم يكن في القرية إلا إمام واحد أو لم يمكنه إلا خلف هذا الفاسق، فقال شيخ الإسلام: تصلي خلفه الجماعة فإن الصلاة في جماعة خير من صلاة الرجل وحده، وإن كان الإمام فاسقا، هذا مذهب جماهير العلماء أحمد والشافعي وغيرهما بل الجماعة واجبة على الأعيان، في ظاهر مذهب أحمد ومن ترك الجمعة أو الجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة، والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها، فإن الصحابة كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار، ولا يعديون، وذكر قول عثمان: إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا ساءا فاجتنب إساءتهم، ومثل هذا كثير، والمبتدع صلاته في نفس صحيحة، فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، وإنما كره من كره الصلاة خلفه، لأن الأمر والنهي واجب، ومن ذلك أن من أظهر بدعة أو فجورًا لا يرتب إمامًا للمسلمين، فإنه يستحق التعزير حتى يتوب. والتحقيق: أن الصلاة خلف أهل الأهواء والفجور لا ينهى عنها لبطلان صلاتهم في نفسها، لكن لأنهم إذا أظهروا المنكر استحقوا أن يهجروا وأن لا يقدموا في الصلاة على المسلمين اهـ وتصح خلف إمام لا يعرفه لأن الأصل في المسلمين السلامة قال شيخ الإسلام: ويجوز للرجل أن يصلي الصلوات الخمس والجمعة وغير ذلك خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقا، باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه فيقول: ماذا تعتقده؟ بل يصلي خلف مستور الحال.

(ككافر) أي كما لا تصح خلف كافر (¬1) . ¬

_ (¬1) سواء كان أصليًا أو مرتدا، وسواء كان كفره ببدعة أو غيرها، ولو أسره فإنها لا تصح لنفسه، فلا تصح لغيره، قال شيخ الإسلام: وأما الصلاة خلف من يكفر من أهل الأهواء، فمن قال: يكفر، أمر بالإعادة وحقيقة الأمر أن القول قد يكون كفرًا، فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا كما في نصوص الوعيد، فلا يشهد عليه، لجواز أن لا يلحقه، لفوات شرط، أو ثبوت مانع، وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمهما، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان مجتهدا في طلب الحق، وأخطأ إن الله يغفر له خطأه، سواء كان في المسائل النظرية أو العلمية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام، وأما تفريق المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها ومسائل وفروع لا يكفر بإنكارها فهذا التفريق ليس له أصل، لا عن الصحابة، ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ من المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاها من ذكره من الفقهاء، وهو تفريق متناقض.

سواء علم بكفره في الصلاة، أو بعد الفراغ منها (¬1) وتصح خلف المخالف في الفروع (¬2) . ¬

_ (¬1) أي فلا تصح صلاته، ولو علم منه حال ردة وحال إسلام، ولم يعلم في أي الحالين هو، أعاد لاحتمال أن يكون على الحال التي لا تصح إمامته فيها، وقال بعضهم: لا يعيد وصوبه في تصحيح الفروع، وإن كان قد علم قبل الصلاة إسلامه، وشك في ردته، فلا إعادة لأن الظاهر بقاؤه على ما كان عليه، وكذا حكم مجنون، وسكران والأولى خلف من يعرفه بالإسلام، ليتحقق براءة ذمته، وقال ابن تميم وغيره، ومن صلى بأجرة لم يصل خلفه، وإن أعطي بلا شرط فلا بأس نصا. (¬2) التي يفسق بها كالصلاة خلف من يرى صحة النكاح بغير ولي أو شهادة لفعل الصحابة ومن بعدهم، قال المجد، من قال لا تصح فقد خرق إجماع من تقدم من الصحابة فمن بعدهم، قال في الفروع وغيرها: ما لم يفسق بذلك، كمن شرب من النبيذ ما لا يسكر، مع اعتقاد تحريمه، وأدمن على ذلك، وقال شيخ الإسلام، تجوز صلاة أهل المذاهب بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة الأربعة يصلي بعضهم خلف بعض، مع تنازعهم فيمن تقيأ أو مس ذكره ونحوه، أو لم يتشهد أو لم يسلم ونحوه والمأموم يعتقد وجوب ذلك، ولم يقل أحد من السلف إنه لا يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة.

وإذا ترك الإمام ما يعتقده واجبا وحده عمدًا بطلت صلاتهما (¬1) وإن كان عند مأموم وحده لم يعد (¬2) ومن ترك ركنًا أو شرطًا أو واجبًا مختلفًا فيه، بلا تأويل ولا تقليد أعاد (¬3) . ¬

_ (¬1) كالتشهد الأول، لا سهوا، إذ معه تصح، وهذا تنبيه منه على ما لو ترك الإمام ركنا عنده وحده، كالطمأنينة أو شرط كستر أحد العاتقين، ولو كان المأموم لا يرى ذلك واجبا، ولا ركنا، ولا شرطا، أو عنده وعند المأموم فمن باب أولى. (¬2) أي المأموم قال الشيخ: ولو فعل الإمام ما هو محرم عند المأموم دونه مما يسوغ فيه الاجتهاد صحت صلاته خلفه وهو المشهور عن أحمد وقال: الروايات المنقولة عن أحمد لا توجب اختلافًا وإنما ظواهرها أن كل موضع يقطع فيه بخطأ المخالف تجب الإعادة وهو الذي تدل عليه السنة والآثار، وقياس الأصول اهـ والمراد ما لم يعتقد المأموم الإجماع على المتروك، فيعيد إجماعا، وقال الشيخ: اتفق المسلمون على أن من ترك الأركان المتفق عليها لم يصل خلفه. (¬3) ذكره الآجري وغيره إجماعا كتركه فرضه لأمره عليه الصلاة والسلام تارك الطمأنينة بالإعادة والمراد بقوله: أو واجبا، إذا تركه شاكا في وجوبه، وأما إذا لم يخطر بباله أن عالما قال بوجوبه، فيسقط، وقوله: بلا تأويل، أي اجتهاد، وقال في الإقناع والمنتهى وغيرهما، لا إنكار في مسائل الاجتهاد أي ليس لأحد أن ينكر على مجتهد أو مقلده فيما يسوغ فيه الاجتهاد، وقال شيخ الإسلام، قولهم، مسائل الاجتهاد لا إنكار فيه، ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل أما الأول فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعًا قديمًا، وجب إنكاره اتفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر، عند من يقول: المصيب واحد، وهم عامة السلف والفقهاء، وأما العمل إذا كان على خلاف سنة أو إجماع، وجب إنكاره أيضا بحسب درجات الإنكار، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة، وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ، فلا ينكر على من عمل بها مجتهدا، أو مقلدا، وقال: أيضا في قولهم: لا إنكار.. إلخ، أي المسائل التي ليس فيها دليل يجب العمل به، وجوبا ظاهرا مثل حديث لا معارض له من جنسه، وذكر حديث حذيفة في الذي لا يتم ركوعه إلخ، قال: وهو عام في الإنكار في مثل هذا.

(ولا) تصح صلاة رجل وخنثى خلف (امرأة) (¬1) لحديث جابر السابق (¬2) (و) لا خلف (خنثى للرجال) والخناثى، لا حتمال أن يكون امرأة (¬3) . ¬

_ (¬1) إجماعا في الرجل بالمرأة وذكر النووي وغيره أن منع إمامة المرأة للرجال هو مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف، والفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وقال أبو حامد: هو مذهب الفقهاء كافة إلا أبا ثور، وتقدم حديث أم ورقة أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لها أن تتخذ في دارها مؤذنا، وأمرها أن تؤم أهل دارها وإن كان فيهم رجل وخالف ذلك جماهير أهل العلم. (¬2) «لا تؤمن امرأة رجلا» ، ولأن المرأة عورة، فربما تشوش الأمر على الرجل فيكون سببا لفساد صلاته، وصيانتها واجبة. (¬3) وتصح إمامة الخنيثى بنساء ويقفن خلفه، كالرجل وإن صلى رجل خلف خنثى وهو لا يعلم أنه خنثى، فبان بعد الفراغ أنه رجل، فلا إعادة عليه، لصحة صلاته في نفس الأمر، وعدم شكه حال الفعل، بما يفسدها، وتصح إمامة امرأة امرأة وخنثى خنثى قارئين، ورجالا أميين في نقل وتراويح فقط ويقفون خلفهم لحديث أم ورقة قالت: يا رسول الله إني أحفظ القرآن وإن أهل بيتي لا يحفظونه فقال قدمي الرجال أمامك وقومي وصلى من ورائهم رواه الدارقطني وغيره ولما ذكر الشيخ اتباع الإمام أحمد لما دل عليه الكتاب والسنة قال: ولهذا جوز على المشهور عنه أن تؤم المرأة الرجال لحاجة، مثل أن تكون قارئة وهم غير قارئين فتصلي بهم التراويح اهـ ولا نزاع أن للمرأة أن تصلي بالنساء جماعة، لكن هل يستحب؟ الأشهر أنه يستحب لهذا الخبر وغيره.

(ولا) إمامة (صبي لبالغ) في فرض (¬1) لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تقدموا صبيانكم» قاله في المبدع (¬2) وتصح في نفل (¬3) . ¬

_ (¬1) هذا المذهب أن الصبي لا يكون إمامًا للبالغ. (¬2) ولا يصح لمعارضته حديث عمرو وغيره، ولم يعز إلى شيء من كتب الحديث وقال ابن عبد الهادي: لا يصح ولا يعرف له إسناد صحيح، وعنه تصح إذا كان يعقلها وفاقا للشافعي وإحدى الروايتي لأبي حنيفة، وذكره غير واحد قول أكثر العلماء لحديث «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» ، الحديث ولحديث عمرو بن سلمة عند البخاري وغيره، وهو ابن سبع أو ثمان، والذين قدموه جماعة من الصحابة في عصر النبوة ولا يعدل عنه إلا بدليل، وقال ابن حزم، لا نعلم لهم مخالفا، وتقدم أن ذكوان أم وهو غلام لم يبلغ، رواه الشافعي وعبد الرزاق وغيرهم، وكرهها مالك وأصحاب الرأي في الفرض، وقال في الفروع، وبناؤهم المسألة على أن صلاتهم نافلة، ويقتضي صحة إمامته إن لزمته، قاله صاحب النظم وهو متجه اهـ ومن جازت إمامته في النفل جازت في الفرض، إلا بمخصص يجب المصير وقصة معاذ مشهورة. (¬3) كتراويح ووتر، وصلاة كسوف واستسقاء إجماعا، لأنه متنفل يؤم متنفلا.

وإمامة صبي بمثله (¬1) (و) لا إمامة (أخرس) (¬2) ولو بمثله، لأنه أخل بفرض الصلاة لغير بدل (¬3) (ولا) إمامة (عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود) إلا بمثله (¬4) (أو قيام) أي لا تصح إمامة العاجز عن القيام لقادر عليه (¬5) (إلا إمام الحي) أي الراتب بمسجد (المرجو زوال علته) (¬6) . ¬

_ (¬1) يعني تصح وفاقا، لأنها نفل في حق كل منهما، فاتحدت صلاتهما. (¬2) بناطق فلا تصح قولا، واحدا وفاقا، والأخرس محتبس اللسان عن النطق، خلقه أو إعياء، وتقدم. (¬3) وهو القراءة والتحريمة وغيرهما، فلا يأتي به، ولا بدل لذلك، فلم تصح إمامته. (¬4) أي عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود ونحو ذلك، فتصح إمامته به، وكذا عاجز عن استقبال، أو اجتناب نجاسة، أو عن الأقوال الواجبة، ونحو ذلك من الأركان والشروط، فلم تصح إلا بمثله في العجز عن ذلك الركن أو الشرط أو الواجب، كالقارئ بالأمي إلا بمثله، لأنه صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في المطر بالإيماء، واختار الشيخ صحة إمامة عاجز عن ركن أو شرط كالقاعد يؤم القائم. (¬5) فلم يصح الاقتداء به، كالعاجز عن القراءة إلا بمثله. (¬6) التي منعته القيام، ومفهومه أن إمام الحي إذا لم يرج زوال علته إن إمامته لا تصح، قال في الإنصاف، وهو الصحيح، وهو المذهب، وعليه أكثر الأصحاب والحي البطن من القبيلة ومحلة القوم، الجمع أحياء، وسميت القبيلة بالحي لأن بعضهم يحيا ببعض و (إمام) بالجر صفة لعاجز، وكذا المرجو، وزوال نائب فاعل.

لئلال يفضي إلى ترك القيام على الدوام (¬1) (ويصلون وراءه جلوسًا ندبا) (¬2) ولو كانوا قادرين على القيام، لقول عائشة: صلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، وهو شاك، فصلى جالسا، وصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» إلى قوله: «وإذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا أجمعون» قال ابن عبد البر: روي هذا مرفوعا من طرق متواترة (¬3) . ¬

_ (¬1) ومخالفة الخبر، ولا حاجة إليه، والأصل فيه فعله صلى الله عليه وسلم وكان يرجى زوال علته. (¬2) أي وراء إمام الحي، إذا مرض ورجي زوال علته. (¬3) من حديث أنس وجابر وأبي هريرة وعائشة وغيرهم، وحكاه ابن حزم قول جمهور السلف، وادعي إجماع الصحابة فيه، وثبت عن أربعة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن إمام الحي يحتاج إلى تقديمه، بخلاف غيره، والقيام أخف، بدليل سقوطه في النفل، وسدا لذريعة مشابهة الكفار، حيث يقومون على ملوكهم وهم قعود، وعنه: تصح قيامًا، لما في الصحيحين وغيرهما، أنه صلى الله عليه وسلم صلى جالسًا، والناس خلفه قيام، وذلك يوم السبت أو الأحد وتوفي يوم الاثنين. قال الخطابي: وقد صلى قاعدا، والناس من خلفه قيام، فدل على أن حديث أنس وجابر منسوخ، وقاله الشافعي، وحكى الخطابي والقاضي والنووي وابن دقيق العيد وغيرهم صحتها خلفه قياما، قول أكثر العلماء، وذكره في الفروع اتفاقا، ولأنه الأصل، ولم يأمر من صلى خلفه قائما بالإعادة، واختاره في النصيحة والتحقيق وعنه: يصح مع غير إمام الحي وإن لم يرج زوالها، حكاه في الفروع وفاقا، لما ثبت عنه وعن الصحابة في حياته وبعد وفاته. وقال الشافعي: يستحب للإمام إذا لم يستطع القيام استخلاف من يصلي بالجماعة قائما، كما استخلف النبي صلى الله عليه وسلم اهـ. ولأن فيه خروجا من خلاف من منع الاقتداء بالقاعد، ولأن القائم أكمل، وأقرب إلى كمال هيئات الصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين، وكان الاستخلاف أكثر، فدل على فضيلته وأم قاعدا في بعض الصلوات لبيان الجواز، ولأن الصلاة خلفه قاعدا، أفضل منها خلف غيره قائما، بدرجات، و (أجمعون) قال ابن هشام وغيره: روي بالرفع، تأكيد للضمير، وروي (أجمعين) بالنصب على الحال، وهو ضعيف، لاستلزامه التنكير وهو معرفة بنية الإضافة.

(فإن ابتدأ بهم) الإمام الصلاة (قائما ثم اعتل) أي حصلت له علة عجز معها عن القيام (فجلس أتموا خلفه قيامًا وجوبًا) (¬1) لأنه صلى الله عليه وسلم صلى في مرض موته قاعدًا، وصلى أبو بكر والناس خلفه قيامًا، متفق عليه عن عائشة (¬2) . ¬

_ (¬1) ولم يصح الجلوس، نص عليه، وقال في الإنصاف: بلا نزع، ولأن القيام هو الأصل، فإذا بدأ به في الصلاة، لزمه في جميعها إذا قدر عليه، كمن أحرم في الحضر ثم سافر. (¬2) ولفظه: جلس إلى جنبه، عن يسار أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي قائما وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قاعدا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس بصلاة أبي بكر، ولمسلم: يصلي بالناس، وأبو بكر يسمعهم التكبير، وهو ظاهر الدلالة في اقتداء القائم بالقاعد.

وكان أبو بكر قد اتبدأ بهم قائما، كما أجاب به الإمام (¬1) (وتصح خلف من به سلس البول بمثله) (¬2) كالأمي بمثله (¬3) (ولا تصح خلف محدث) حدثا أصغر أو أكبر (¬4) (ولا) خلف (متنجس) نجاسة غير معفو عنها (¬5) إذا كان (يعلم ذلك) لأنه لا صلاة له في نفسه (¬6) (فإن جهل هو) أي الإمام، (و) جهل المأموم حتى انقضت (¬7) . ¬

_ (¬1) يعني أحمد رحمه الله، فيتمها كذلك، وقال: ليس في الحديثين الآخرين حجة، وأنكر النسخ، وجمع بينهما. (¬2) لا بغير مثله، لأن في صلاته خللا غير مجبور ببدل، لكونه يصلي مع خروج النجاسة التي يحصل بها الحدث، المنافي للطهارة، أشبه ما لو ائتم بمحدث يعلم حدثه، وإنما صحت صلاته في نفسه للضرورة، وبمثله لتساويهما في خروج الخارج المستمر وكذا من به نجو وريح ورعاف لا يرقأ دمه وقروح سيالة تصح بمثله، لا بغير مثله، ولو عبر كالفروع بـ (من حدثه مستمر) لكان أشمل. (¬3) أي كما تصح صلاة الأمي بمثله إجماعا فتصح، خلف من به سلس البول ونحوه بمثله، إذا اتحد عذرهما، لا إن اختلف. (¬4) يعلم حدثه، لأنه أخل بشرط الصلاة مع القدرة، أشبه المتلاعب، ولكنه لا صلاة له في نفسه، فيعيد من خلفه، وقال غير واحد: أجمعت الأمة على تحريم الصلاة خلف محدث علم حدثه. (¬5) سواء كانت ببدنه أو ثوبه أو بقعته. (¬6) أشبه التلاعب فيعيد من خلفه. (¬7) أي جهلوا الحدث أو النجس حتى فرغوا منها والنسيان كالجهل.

إذا صلى الجنب بالقوم أعاد وحده

(صحت) الصلاة (لمأموم وحده) (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى الجنب بالقوم أعاد صلاته، وتمت للقوم صلاتهم» رواه محمد بن الحسين الحراني، عن البراء بن عازب (¬2) . ¬

_ (¬1) وفاقا لمالك والشافعي، وجمهور السلف والخلف، ويعيد الإمام وحده. (¬2) ابن الحارث الأنصاري، صحابي ابن صحابي، استصغر يوم بدر، ونزل الكوفة ومات سنة اثنتين وسبعين رضي الله عنه، ولقوله: صلى الله عليه وسلم «يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن اخطأوا فلكم وعليهم» رواه البخاري وغيره، ولحديث أبي بكرة: دخل في صلاة الفجر، فأومأ بيده أن مكانكم ثم جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم، وقال: «إنما أنا بشر، وإني كنت جنبا» وإسناده صحيح، وصح عن عمر أنه صلى بالناس الصبح، ثم خرج إلى الجرن، فإهراق الماء، فوجد في ثوبه احتلاما، فأعاد ولم يعد الناس، ونحوه عن عثمان وعلي وابن عمر، وهذا في محل الشهرة، ولم ينكر، فكان إجماعا. وقال الشيخ: وبذلك مضت سنة الخلفاء الراشدين، فإنهم صلوا بالناس، ثم رأوا الجنابة بعد الصلاة، فأعادوا، ولم يأمروا الناس بالإعادة، ولأن الحدث مما يخفي ولا سبيل إلى معرفته، فكان المأموم معذورا، وقال: الناس في انعقاد صلاة المأموم بصلاةالإمام على ثلاثة أقوال، (أحدها) أنه لا ارتباط بينهما (والثاني) أنها منعقدة بها مطلقا، (والثالث) أنها منعقدة بها، لكن إنما يسري النقص، إلى صلاة المأموم، مع عدم العذر منهما، فإما مع العذر فلا يسري النقص، فإذ كان الإمام يعتقد طهارته، فهو معذور في الإمامة، والمؤتم معذور في الإمامة، والمؤتم معذور في الإئتمام، وهذا قول مالك وأحمد وغيرهما، وعليه يتنزل ما يؤثر عن الصحابة في هذه المسألة، وهو أوسط الأقوال، ويدل على صحته ما في الصحيح، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، ولهم، وإن اخطأوا فلكم وعليهم» فهذا نص في أن درك خطئه عليه، لا على المأموم.

وإن علم هو، أو المأموم فيها استأنفوا (¬1) وإن علم معه واحد أعاد الكل (¬2) وإن علم أنه ترك واجبًا عليه فيها سهوا (¬3) أو شك في إخلال إمامه بركن أو شرط صحت صلاته معه، بخلاف ما لو ترك السترة أو الاستقبال، لأنه لا يخفى غالبا (¬4) وإن كان أربعون فقط في جمعة، وفيهم واحد محدث أو نجس، ¬

_ (¬1) أي وإن علم الإمام الحدث أو النجس وهو في الصلاة استأنفوا أو علم المأموم حدثه أو نجسه في الصلاة استأنفوا لعدم صحتها، قال أحمد: يعجبني أن يبتدئوا الصلاة، وإن كان المأموم واحدا وادعاه، وكان غير مقبول الخبر، لم يرجع القول: واستأنف هو فقط، وعنه: ببني المأموم، وفاقًا لمالك والشافعي، محافظة على فضيلة الجماعة، قال الشافعي: يبنون على صلاتهم، لأن مامضى منها صحيح، وقالت الحنفية: اختلفت الصحابة في ذلك، فيصار للقياس، وهو ظااهر وعنه يستخلف الإمام، والدليل على ثبوت الاستخلاف شرعًا إجماع الصحابة، وقصة عمر مشهورة، وعلى رعف فأخذ بيد رجل فقدمه وانصرف، رواه سعيد. (¬2) أي فتبطل صلاة الكل بعلم واحد من المأمومين الذين معه، واختار القاضي والموفق والشارح وغيرهم، يعيد العالم، ونقل أبو طالب: إن علم اثنان وأنكر هو أعاد الكل، واحتج بخبر ذي اليدين، وقاعدة الشيخ: يعيد من علم فقط، وفهم منه أنه لو علم واحد أو أكثر ممن ليس معه، لم تبطل صلاة المأمومين. (¬3) صحت صلاته معه. (¬4) وكذا إن فسدت صلاته لترك ركن، فسدت صلاتهم، كما لو ترك تكبيرة الإحرام.

أعاد الكل سواء كان إماما أو مأموما (¬1) (ولا) تصح (إمامة أمي) (¬2) منسوب إلى الأم، كأنه على الحالة التي ولدته عليها (¬3) . (وهو) أي الأمي (من لا يحسن) أي يحفظ (الفاتحة) (¬4) أو يدغم فيها ما لا يدغم بأن يدغم حرفا فيما لا يماثله أو يقاربه، وهو الأرت (¬5) . ¬

_ (¬1) لأن المحدث أو النجس وجوده كعدمه، فينقص العدد المعتبر للجمعة، وكذا العيد، وهذا على القول بأن الأربعين شرط فيها ويأتي. (¬2) بمن يحسنها، مضت السنة على ذلك، قاله الزهري وغيره، فتبطل صلاة المأموم لاقتدائه بمن لا يجوز الاقتداء به إجماعًا، لأن القراءة شرط، فلم يصح اقتداء القادر عليه بالعاجز، كالطهارة وهو يتحملها عن المأموم، والعاجز عنها ليس من أهل التحمل، وعند أبي حنيفة ومالك تبطل صلاة الإمام أيضا، لإمكانه الصلاة خلف من يحسنها، والمذهب وفاقًا للشافعي، لا تبطل صلاة الإمام كالأميين، والأمي لغة من لا يكتب، ومن ذلك وصفه صلى الله عليه وسلم بالأمي، وقال: «أنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» (¬3) باقٍ على جبلته، لم يقرأ ولم يكتب، وقال القاضي عياض: منسوب إلى الأم، إن النساء - في الغالب من أحوالهن - لا يكتبن ولا يقرأن مكتوبًا فلما كان الابن بصفتها نسب إليها، كأنه مثلها وقيل لأمة العرب، أمية، لأنها لم تكن تكتب ولا تقرأ المكتوب. (¬4) يعني عند الفقهاء اصطلاحا، من لا يحفظ الفاتحة. (¬5) بالمثناة المشددة، ورت رتتا كان في لسانه رتة أي عجمة فهو أرت، وهو من يدغغم حرفا في حرف، في غير موضع الإدغام، وقيل: من يبدل الراء بالياء وقيل: من يلحقه رتج في كلامه، وفي المذهب هو الذي في لسانه عجلة تسقط بعض الحروف، وكذا الألكن لا تتبين قراءته.

(أو يبدل حرفا) بغيره، وهو الألثغ (¬1) كمن يبدل الراء غينًا (¬2) إلا ضاد المغضوب عليهم والضالين بظاء (¬3) (أو يلحن فيها لحنا يحيل المعنى) ككسر كاف (إياك) وضم تاء (أنعمت) وفتح همزة (أهدنا) (¬4) . ¬

_ (¬1) بالمثلثة والمعجمة وهو تحول اللسان من حرف إلى حرف كما صرح به هو وغيره، وحبسة بالكلام، وأبدل الشيء وبدله غيّره اتخذ عوضا عنه. (¬2) لأن الغين لم تكن من أحرف الإبدال، وإنما هما مختلفتان صوتا ومخرجا فلا يحصل بهما مقصود القراءة، وكذا إبدال الراء لامًا أو ياء، أو السين ثاء أو الجيم شينًا أو إبدال حرف بحرف مختلفي المخرج، وحكي فيه الإجماع. قال الشيخ: فلا يصلي خلف الألثغ يعني إلا من هو مثله اهـ ولا تضر لثغة يسيرة لم تمنع أصل المخرج. (¬3) فلا يصير به أميًا، سواء علم الفرق بينهما لفظا ومعنى أو لا، لأن كلا منهما من طرف اللسان، وبين الأسنان، وكذلك مخرج الصوت واحد، وقال الشيخ: الضاد إذا أخرجه من طرف الفم، كما هو عادة كثيرة من الناس، ففيه وجهان، الثاني يصح، لأن الحرفين في السمع شيء واحد، وجنس وأحدهما من جنس الآخر، لتشابه المخرجين والقارئ إنما يقصد الضلال المخالف للهدي، وهو الذي يفهمه المستمع، وقال ابن كثير: والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب مخرجيهما. (¬4) إذا غيّره عجزًا عن إصلاحه فهو أمي قال الجوهري اللحن الخطأ في الإعراب، يقال: فلان لحان أي يخطئ، ولحانة أيضا اهـ وإذا فتح همزة (أهدنا) لم تصح إمامته إلا بمثله، لأن معنى (أهدنا) بفتح الهمزة: أهد إلينا، وإذا عجز عن فرض القراءة لم تصح إلا بمثله.

فإن لم يحل المعنى كفتح دال (نعبد) ونون (نستعين) لم يكن أميا (¬1) (إلا بمثله) فتصح لمساواته له (¬2) ولا يصح اقتداء عاجز عن نصف الفاتحة الأول، بعاجز عن نصفها الأخير، ولا عكسه (¬3) ولا اقتداء قادر على الأقوال الواجبة بعاجز عنها (¬4) . ¬

_ (¬1) فتصح إمامته. (¬2) إجماعا وهو استثناء من قوله: ولا تصح. إلخ، قال الشيخ: إن لحن لحنا يحيل المعنى في الفاتحة لم يصل خلفه إلا من يكون لحنه مثل لحنه، إذا كانا عاجزين عن إصلاحه، وذكر أنه مثل أن يقول (أنعمت) وهو يعلم أنه ضمير المتكلم، فلا تصح، وإن لم يعلم أنه يحيل، واعتقد أنه ضمير المخاطب ففيه نزاع اهـ والمساواة المماثلة والمعادلة. (¬3) أي العاجز عن نصفها الأخير، بعاجز عن نصفها الأول، ولا من يبدل حرفا منها، بمن يبدل حرفا غيره، والعلة في لك عدم المساواة، وإن لم يحسنها، لكن أحسن بقدرها من القرآن، لم يجز أن يأتم إلا بمن لا يحسن شيئا منها، ولو اقتدى في سرية بمن لا يعرف حاله، لم يجب البحث عن كونه قارئا، بناء على الغالب. (¬4) لعدم المساواة.

(وإن قدر) الأمي (على إصلاحه لم تصح صلاته) ولا صلاة من ائتم به، لأنه ترك ركنا مع القدرة عليه (¬1) (وتكره إمامة اللحان) أي كثير اللحن الذي لا يحيل المعنى (¬2) فإن أحاله في غير الفاتحة لم يمنع صحة إمامته (¬3) إلا أن يتعمده، ذكره في الشرح (¬4) . ¬

_ (¬1) وذلك بإخراجه عن كونه قرآنا فهو كسائر الكلام، قال في الشرح والمبدع: لأنه ترك ركنا من أركان الصلاة، مع القدرة عليه، أشبه تارك الركوع، قال في الفروع: ويكفر إن اعتقد إباحته، ومتى أصلحه صحت. (¬2) ولا تبطل به، قال الشيخ: فأما اللحن الخفي، واللحن الذي لا يحيل المعنى فلا يبطل الصلاة، وفي الفاتحة قراءات كثيرة، قد قرئ بها فلو قرأ عليهم و (عليهُم) و (عليهٌم) أو قرأ (الصراط) و (السراط) و (الزراط) فهذه قراءات مشهورة ولو قرأ (الحمدُ) و (الحمدَ) أو قرأ (ربَّ العالمين) أو (ربُّ العالمين) أو قرأ بالكسر، ونحو ذلك لكان قد قرأ قراءات قد قرئ بها، وتصح الصلاة خلف من قرأ بها، وإن كان إمام راتب، في البلد أقرأ منه صلى خلفه اهـ ولا تكره إمامة من سبق لسانه باليسير منه، فقل من يخلو منه. (¬3) لأن ما سوى الفاتحة ليس بركن ولا واجب. (¬4) فيصير عمده كالكلام، فإن تعمد غير الأمي إدغام ما لا يدغم، أو اللحن المحيل للمعنى، أو قدر أمي على إصلاحه فتركه، أو زاد من يدغم أو يبدل أو يلحن على فرض القراءة، يعني الفاتحة عمدا، لم تصح صلاته، قال الشيخ: وإن لحن لحنا يحيل المعنى، في غير الفاتحة، وتعمده بطلت صلاته.

وإن أحاله في غيرها سهوا أو جهلا، أو لآفة صحت صلاته (¬1) (و) تكره إمامة (الفأفاء والتمتام) ونحوهما (¬2) والفأفاء الذي يكرر الفاء، والتمتام الذي يكرر التاء (¬3) (و) تكره إمامة (من لا يفصح ببعض الحروف) كالقاف والضاد (¬4) وتصح إمامته أعجميا كان أو عربيا (¬5) . ¬

_ (¬1) لقوله: «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان» وجعلًا له كالمعدوم، وقال الشيخ: إن لحن لحنا لا يحيل المعنى في غير الفاتحة، سهوا أو عجزا صحت الصلاة خلفه والآفة العاهة جمعها آفات. (¬2) كالوأواء، وهو من يكرر الواو، وكذا سائر الحروف، لزيادته، ونفرة الطبع عن سماعه. (¬3) وفأفأ فأفأة أكثر الفاء، وتردد فيها في كلامه، وقيل حبسه في اللسان والتمتمة رده الكلام إلى التاء والميم، أو يخطئ موضع الحرف، فيرجع إلى لفظ كتاء والميم، وإن لم يكن بينا، والقياس التأتاء، وتصح لأنهما يأتيان بالحروف على وجهها، ويزيدان هما مغلوبان عليها، فعفي عنها، وكرهت لهما. (¬4) لعدم فصاحته، وقيل: من قرأ ولا الضالين بالظاء المشالة لم تصح، لأنه يحيل المعنى، يقال ظل يفعل كذا، إذا فعله نهارًا، فهو كالألثغ، وقال الشيخ: يصح في أصح الوجهين، وعلله بأنه إنما يقصد الضلال الذي هو ضد الهدي، ولأن مخرجهما من طرف اللسان وبين الأسنان، فمخرج الصوت واحد وتقدم. (¬5) لإتيانه بفرض القراءة والأعجمي كل من ليس من العرب، سواء كان من الفرس أو الترك أو الإفرنج أو غيرهم، والعرب جيل من الناس خلافهم وهم البينوا العروبة، والذين لهم نسب صحيح في العرب.

وكذا أعمى وأصم وأقلف (¬1) وأقطع يدين أو رجلين، أو إحداهما إذا قدر على القيام (¬2) ومن يصرع (¬3) . ¬

_ (¬1) فتكره لأنه إذا سها لا يمكن تنبيهه بتسبيح ولا إشارة، وتصح، والصمم انسداد الأذن، وثقل السمع، وفي الكليات، هو أن يكون الصماخ قد خلق باطنه أصم ليس فيه التجويف الباطن، المشتمل على الهواء الراكد، الذي يسمع الصوت بتموجه، وأما الأقلف فللاختلاف في صحة إمامته، وأما صحة إمامتهم فلأن الكل منهم ذكر مسلم عدل، قارئ لا يخل بشيء من أفعال الصلاة ولا بشروطها، فصحت إمامته كالبصير والسميع والمختون، ثم إن كان الأقلف مفتوق القلفة يمكنه غسل ما تحتها، فلا بد من غسل النجاسة التي تحتها، فلو تركها لم تصح صلاته قولا واحدا، لحمله نجاسة لا يعفى عنها، مع القدرة على إزالتها وإلا فهي معفو عنها، لعدم إمكان إزالتها، وكل نجاسة معفو عنها، لا تؤثر في بطلان الصلاة. (¬2) بأن جعل له رجلين من خشب ونحوه، وأما إذا لم يمكنه القيام فلا تصح إمامته إلا بمثله، وأما أقطع اليدين، فإذا أمكنه السجود عليهما فقال شيخ الإسلام: إذا كانت يداه يصلان إلى الأرض في السجود، فإنه تجوز الصلاة خلفه بلا نزاع، وإنما النزاع فيما إذا كان أقطع اليدين والرجلين ونحو ذلك، ولم يمكنه وأما إذا أمكنه السجود على الأعضاء السبعة، التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم» ، الحديث، فإن السجود تام، وصلاة من خلفه تامة. (¬3) بالبناء المجهول، من الصرع، وهو داء يشبه الجنون، وفي الصحاح وغيره: علة معروفة، وعند الأطباء، علة تمنع الأعضاء النفسانية عن أفعالها، منعا غير تام، وسببه سدة تعرض في بعض بطون الدماغ، وفي مجاري الأعصاب المحركة للأعضاء، من خلط غليظ، أو لزج كثير، فتمنع الروح، عن السلوك فيها، فتشنج الأعضاء، وتحدث فيها رعدة، وحركات مختلفة.

فتصح إمامتهم مع الكراهة، لما فيه من النقص (¬1) (و) يكره (أن يؤم) امرأة (أجنبية فأكثر لا رجل معهن) (¬2) لنهيه صلى الله عليه وسلم أن يخلو الرجل بالأجنبية (¬3) فإن أم محارمه (¬4) أو أجنبيات معهن رجل، فلا كراهة، لأن النساء كن يشهدن مع النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة (¬5) (أو) أن يؤم (قومًا أكثرهم يكرهه بحق) كخلل في دينه أو فضله (¬6) . ¬

_ (¬1) قال في الفروع: أو تضحك رؤيته، ومن اختلف في صحة إمامته، ويؤخذ منه كراهة إمامة الموسوس لئلا يقتدى به. (¬2) أي من محارم إحداهن، فإن كان فيهن رجل لم يكره، وكذا لو كان فيهن محرم له. (¬3) ففي الصحيحين «لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم» ، وغير ذلك من الأحاديث، فيحرم عليها وعليها، ويكره بأكثر، لما فيه من مخالطة الوسواس، ولا يحرم، لأن النساء المجتمعات لا يتمكن في الغالب من مفسدة بعضهن في حضرتهن. (¬4) وهن من يحرمن عليه، بنسب أو سبب مباح، أو محارمه ومعهن أجنبيات فلا كراهة. (¬5) وأقرهن على ذلك، وإن خلا رجال بامرأة فالمشهور تحريمه لأنه قد يقع اتفاق رجال على فاحشة امرأة، إلا أن يكونوا ممن يبعد مواطأتهم على الفاحشة، والأمرد الحسن له حكم المرأة، لأن المعنى المخوف في المرأة موجود فيه. (¬6) وكان فيهم من هو أولى منهم، وقال أحمد: إذا كرهه اثنان أو ثلاثة فلا بأس، وحتى يكرهه أكثرهم، وقيل: عني به الظلمة.

لقوله: صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم (¬1) العبد الآبق حتى يرجع (¬2) وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط (¬3) وإمام قوم وهم له كارهون» (¬4) رواه الترمذي وقال في المبدع: حسن غريب وفيه لين (¬5) . ¬

_ (¬1) جمع أذن، أي لا ترفع إلى الله، رفع العمل الصالح. (¬2) أي إلى أمر سيده. (¬3) يعني لسوء خلقها ونحوه. (¬4) قيده أهل العلم بالكراهة الدينية، لسبب شرعي، قال الخطابي والبغوي وغيرهما، إذا كرهوا لمعنى مذموم، كوالٍٍٍ ظالم، أو من تغلب على إمامة الصلاة ولا يستحقها، أو لا يتصون من النجاسات، أو يمحق هيئات الصلاة، أو يتعاطى معيشة مذمومة، أو يعاشر أهل الفسوق ونحوهم، فإن لم يكن شيء من ذلك فلا كراهة، والعتب على من كرهه، وقال الشيخ: إذا كانوا يكرهونه لأمر في دينه مثل كذبه أو ظلمه أو جهله أو بدعته ونحو ذلك، ويحبون آخر أصلح منه في دينه، مثل أن يكون أصدق أو أعلم أو أدين، فإنه يجب أن يولي عليهم هذا الذي يحبونه، وليس لذلك الرجل الذي يكرهونه أن يؤمنهم، كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: رجل أم قومًا وهم له كارهون، ورجل لا يأتي الصلاة إلا دبارًا، ورجل اعتبد محررا» وقال أيضا: إذا كان بينهم معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء والمذاهب لم ينبغ أن يؤمهم لأن المقصود بالصلاة جماعة إنما يتم الائتلاف وقال عليه الصلاة والسلام «لاتختلفوا فتختلف قلوبكم» وقال القاضي: المستحب أن لا يؤمهم صيانة لنفسه، وقال المجد: أو لدنياه، وهو ظاهر كلام جماعة، ولا يكره الائتمام به، لأن الكراهة في حقه. (¬5) وحسنه الترمذي والحافظ، ورواه ابن ماجه بإسناد حسن عن ابن عباس وأبو داود وغيره عن عبد الله بن عمرو، ولأبي داود من طريق الإفريقي أنها لا تقبل صلاته، قال الشيخ: أتى بواجب ومحرم فقاوم صلاته، فلم تقبل إذ الصلاة المقبولة ما يثاب عليها.

فإن كان ذا دين وسنة، وكرهوه لذلك، فلا كراهة في حقه (¬1) (وتصح إمامة ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما) (¬2) وكذا اللقيط والأعرابي حيث صلحوا لها (¬3) لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم» (¬4) (و) تصح إمامة (من يؤدي الصلاة بمن يقضيها (¬5) وعكسه) من يقضي الصلاة بمن يؤديها (¬6) . ¬

_ (¬1) وإنما العتب على من كرهه كما تقدم. (¬2) قال الحافظ وغيره: وهو مذهب جمهور العلماء، والجندي جمعه أجناد وجنود، أعوان السلطان وأنصاره وعساكره، وتجند صار جنديا. (¬3) وسلم دينهم وقال الحافظ وغيره: هو مذهب جمهور العلماء وكذا منفي لعان، وصلى الناس خلف ابن زياد، وهو ممن في نسبة نظر، وقالت عائشة في ولد الزنا، ليس عليه من وزر أبويه شيء، واللقيط الملقو المولود، الذي ينبذ لا يدري ما أصله فيلقط ويأتي في بابه، إن شاء الله تعالى. (¬4) الحديث وتقدم فهو بعمومه شملهم. (¬5) إذا كان يؤخر صلاة الظهر مع العصر جمعا، فيأتي آخر وقد خرج وقت الظهر ولم يصله، فيصلي الظهر مع ذلك الناوي للجمع، أو لعذر نوم ونحوه، لصحة القضاء بنية الأداء فيما إذا صلى فبان بعد خروج الوقت. (¬6) كظهر أداء، خلف ظهر قضاء، قال الخلال، المذهب عندي في هذا رواية واحدة، وغلط من نقل غيرها.

يصح ائتمام مفترض بمتنقل

لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الوقت (¬1) وكذا لو قضى ظهر يوم، خلف ظهر يوم آخر (¬2) (لا) ائتمام (مفترض بمتنفل) (¬3) لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» (¬4) . ¬

_ (¬1) فصحت، لأنه في معناه. (¬2) كقضاء ظهر يوم أربعاء، خلف ظهر يوم خميس، ونحوه. (¬3) هذا المذهب، وعللوا بأن صلاة الأموم لا تؤدى بنية الإمام، لاختلافهما. (¬4) أي فيكون صلاة المأموم غير صلاة الإمام اختلاف عليه؛ لأن صلاة المأموم لا تتأدى بنية صلاة الإمام، إلا إذا صلى بهم في خوف صلاتين، فيصح وعنه: يصح، وفاقًا للشافعي، لصلاة معاذ بقومه العشاء، وكان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم تلك الصلاة، متفق عليه، وفي بعض ألفاظ حديث جابر: «هي له تطوع» ، ولما استدلوا به من صلاته صلى الله عليه وسلم بالطائفة الثانية في صلاة الخوف، وهي له نافلة، ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال المعهودة، وتصحان جماعة وفرادى، فصح بناء إحداهما على الأخرى، وقوله: «فلا تختلفوا عليه» يعني في الأفعال، كما هو ظاهر من فعله صلى الله عليه وسلم، وإقراره لمعاذ، ولقوله في آخر الحديث: «وإذا ركع فاركعوا» إلخ، واختاره في النصيحة، والتبصرة، والموفق، والشيخ، وعبد الله بن الشيخ محمد وشيخنا وغيرهم. قال الشيخ: والذين منعوا ذلك ليس لهم حجة مستقيمة، فإنها احتجوا بلفظ لا يدل على محل النزاع كقوله: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» ، وبأن الإمام ضامن، وليس في هذين ما يدفع تلك الحجج، والاختلاف المراد به الاختلاف في الأفعال، كما جاء مفسرًا، واختار جواز صلاة من يصلي العشاء الآخرة، خلف من يصلي قيام رمضان، يصلي خلفه ركعتين، ثم يقوم فيصلي، فيتم ركعتين.

ويصح النفل خلف الفرض (¬1) (ولا) يصح ائتمام (من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرهما) (¬2) ولو جمعة في غير المسبوق، إذا أدرك دون ركعة (¬3) قال في المبدع: فإن كانت إحداهما تخالف الأخرى كصلاة كسوف واستسقاء، وجنازة وعيد منع فرضًا (¬4) وقيل: ونفلاً لأنه يؤدي إلى المخالفة في الأفعال انتهى (¬5) . ¬

_ (¬1) إجماعا لقوله: «ألا رجل يتصدق على هذا؟» وقوله: «فصليا معنا، فإنها لكما نافلة» ولأن في نية الإمام ما في نية المأموم، وهو نية التقرب وزيادة، وهي الوجوب، فلا وجه للمنع. (¬2) لأنه يؤدي إلى الاختلاف كما تقدم، وعنه: يصح ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر وغيرها، واختاره الشيخ وغيره: وهي فرع على ائتمام المفترض بالمنتفل وتقدم، بل هنا أولى، لصحة الظهر خلف من يصلي الجمعة، كما سيأتي. (¬3) أي من الجمعة، وكان نوى الظهر، ودخل وقته، فإنه ينويها ظهرًا، حالة كونه داخلاً مع الإمام، فيجوز أن يقتدي به. (¬4) أي امتنع فعلها خلف فرض، لأنه يؤدي إلى التخالف في الأفعال، لتغايرهما صورة كمن يصلي فجرًا خلف استسقاء أو غيرها، هذا إذا اعتقد أن تلك فرض كفاية، قال شيخنا: وهو في بعض الصور ظاهر في الدليل، وأما صلاة فجر خلف استسقاء وعيد فالاختلاف يسير، ولو ترك لم تبطل به. (¬5) أي وقيل: صلاة نفل خلف نفل تخالفًا، كشفع مثلا خلف كسوف لتغايرهما صورة، ولم يذكر الأصحاب هذه العبارة سوى صاحب المبدع.

فيؤخذ منه صحة نفل خلف نفل آخر لا يخالفه في أفعاله، كشفع وتر خلف تراويح (¬1) حتى على القول الثاني (¬2) . ¬

_ (¬1) أي: يؤخذ من قول صاحب المبدع: منع فرضًا، لأن النافلة أوسع من الفريضة. (¬2) وهو قوله: وقيلا نفلا، قال في الغاية: شروط الإمامة ثمانية، إسلام وعدالة وعقل ونطق وتمييز، وبلوغ إن أم بالغا في فرض، وذكورية إن أم ذكرا، وقدرة على شرط وركن، وواجب إن أم قادرًا، وتقدمت مفصلة موضحة.

فصل في موقف الإمام والمأمومين

فصل في موقف الإمام والمأموين (¬1) السنة أن (يقف المأمومون) رجالاً كانوا أو نساء، إن كانوا اثنين فأكثر (خلف الإمام) (¬2) لفعله عليه الصلاة والسلام، كان إذا قام إلى الصلاة قام أصحابه خلفه (¬3) ويستثنى منه إمام العراة يقف وسطهم وجوبًا (¬4) . ¬

_ (¬1) في الفرض أو النفل في صلاة الجماعة. (¬2) بإجماع المسلمين، سواء كانوا رجلين فأكثر، أو صبيين فأكثر، أو رجلاً وصبيًا، عند العلماء كافة، إلا ابن مسعود وصاحبيه فيكونون صفًا، وقال ابن القيم، الإمام يسن له التقدم بالاتفاق، والمؤتمون يسن في حقهم الاصطفاف بالاتفاق. (¬3) نقله الخلف عن السلف، واستمر أمر المسلمين عليه، إلا ما استثني لحاجة كضيق مكان ونحوه، وفي صحيح مسلم: أن جابرًا وجبارًا وقف أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره فأخذ بأيديهما حتى أقامهما خلفه، ولأنه إنما قدم ليراه المأمومون فيأتموا به، ويكون الإمام مقابلا لوسط الصف، لخبر وسطوا الإمام وسدوا الخلل، ونقله الخلف عن السلف، وبنيت المحاريب كذلك، وتقدم الإجماع على أنه إذا كان المأموم واحدا قام عن يمينه، لصلاته صلى الله عليه وسلم بابن عباس وجابر وغيرهما، وهو قول العلماء كافة، ويأتي الجواب عن أثر ابن مسعود إنه لضيق المكان. (¬4) إذا لم يكونوا في ظلمة، فإن كان فلا وجوب وتقدم.

والمرأة إذا أمت النساء تقف وسطهن استحبابًا، ويأتي (¬1) (ويصح) وقوفهم (معه) أي مع الإمام (عن يمينه أو عن جانبيه) (¬2) لأن ابن مسعود صلى بين علقمة والأسود، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل، رواه أحمد. وقال ابن عبد البر: لا يصح رفعه، والصحيح أنه من قول ابن مسعود (¬3) لإقدامه أي لإقدام الإمام، فلا تصح للمأموم ولو بإحرام (¬4) . ¬

_ (¬1) يعني قوله: وإمامة النساء تقف في صفهن، لأنه يستحب لهن التستر. وهذا أستر. (¬2) ويكره عند جماهير العلماء، قال النووي: لأن تقدم الإمام سنة لمواظبته صلى الله عليه وسلم والإعراض عن سنته مكروه. (¬3) وهو في صحيح مسلم وغيره من طريقين، بدون آخره، وفي طريق به، وإن صح فلعله لضيق المكان، كما قاله ابن سيرين، وأيضا كان بمكة، وخبر جابر وغيره كان بالمدينة، وتقدمه متواتر لا عدول عنه، ولعل ابن مسعود لم يطلع على قصة جابر واليتيمم وخفي عليه النسخ، كما صرح به الحازمي وغيره، وأيضا هو مهجور الظاهر بالإجماع، وفي الثلاثة لا فيما زاد عنهم، وعلقمة هو ابن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، توفي بعد الستين أو السبعين، والأسود هو ابن يزيد بن قيس النخعي مات سنة أربع وسبعين. (¬4) أي ولو كان تقدم على إمامه بإحرام ثم إن كان متقدما حال الإحرام لم تنعقد وبعده بطلت بتقدمه وذكر الشيخ وجهًا يكره، وتصح وفاقًا لمالك قال في الفروع وأمكن الاقتداء وهو متجه، وقيل: تصح جمعة ونحوها بعذر، اختاره شيخنا، وقال: من تأخر بلا عذر فلما أذن جاء فصلى قدامة عذر، قال: إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلا قدام الإمام، فإنه يصلي هنا، لأجل الحاجة، وهو قول طوائف من أهل العلم، ومن الأصول الكلية أن المعجوز عنه في الشرع ساقط الوجوب، والمضطر إليه بلا معصية غير محظور، فلم يوجب الله ما يعجز عنه العبد، ولم يحرم ما يضطر إليه.

تكره إمامة الفأفاء والتمتام ونحوهما

لأنه ليس موقفًا بحال (¬1) والاعتبار بمؤخر القدم وإلا لم يضر (¬2) وإن صلى قاعدا فالاعتبار بالألية (¬3) حتى لو مد رجليه وقدمهما على الإمام لم يضر (¬4) وإن كان مضطجعا فبالجنب (¬5) . ¬

_ (¬1) وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» ولأنه لم ينقل ولا هو في معنى المنقول فلا يصح، وقال الشيخ: فيه ثلاثة أقوال: أولاها الصحة إذا لم يمكنه إلا تكلفا. (¬2) عطف على محذوف تقديره: فإن تقدم بمؤخر القدم ضر، وإلا لم يضر، والقدم هو العقب لما في الصحيحين، «أقيموا صفوفكم» قال: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وكعبه بكعبه ولا يضر تقدم أصابع المأموم لطول قدمه، ولا تقدم رأسه في السجود لطوله، والحكم على كل من تقدم بكل القدمين أو تأخر بهما، أو انفصل بقدرهما، ببطلان صلاته، لا دليل عليه، ولا نزاع أن تسوية الصف سنة، والتراص إلزاق الكعاب سنة مؤكدة، وشريعة مستقرة. (¬3) لأنها محل القعود. (¬4) كما لو قدم القائم رجله مرفوعة عن الأرض، لعدم اعتماده عليها، وقال في الفروع ويتوجه العرف. (¬5) وقال بعض أهل العلم: لا أعرف هذا، ولا إمامة فيه، وقال ابن رشد: القياس جوازه إن أمكن فالله أعلم.

وتصح داخل الكعبة إذا جعل وجهه إلى وجه إمامه أو ظهره إلى ظهره (¬1) لا إن جعل ظهره إلى وجه إمامه، لأنه متقدم عليه (¬2) وإن وقفوا حول الكعبة مستديرين صحت (¬3) فإن كان المأموم في جهته أقرب من الإمام في جهته جاز (¬4) إن لم يكونا في جهة واحدة، فتبطل صلاة المأموم (¬5) ويغتفر التقدم في شدة خوف، وإذا أمكن المتابعة (¬6) (ولا) يصح للمأموم إن وقف (عن يساره فقط) أي مع خلو يمينه (¬7) . ¬

_ (¬1) في الأصح وفاقًا، لأنه لا يتحقق تقدمه عليه، ولا يعتقد خطؤه. (¬2) مع اتحاد جهتهما. (¬3) كما فعله ابن الزبير، واجمعوا عليه، ولا يضر تقدم المأموم حيث كان في الجهة المقابلة للإمام لأنه في غير جهته، ولا يتحقق تقدمه عليه، وقال في الفروع: يجوز تقديم المأموم في جهتين وفاقًا، والصف الأول حينئذ في غير جهة الإمام هو ما اتصل بالصف الأول الذي وراء الإمام، لا ما قرب من الكعبة. (¬4) صرح به في المبدع، وهو معنى كلام صاحب المنتهى وغيره. (¬5) إن تقدم عليها فيها، لأنه يكون في حكم المتقدم على إمامه. (¬6) أي أمكن المأموم المتابعة حال شدة الخوف، كوقوع المسايفة والمضاربة والمصاولة والمجاولة، لدعاء الحاجة إليه، وحذف المفعول لأنه فضلة، فإن لم يمكنه متابعته لم يصح الاقتداء. (¬7) سواء كان خلفه مأمومون أو لا.

إذا صلى ركعة فأكثر، لأنه صلى الله عليه وسلم أدار ابن عباس وجابرا عن يساره إلى يمينه (¬1) وإذا كبر عن يساره أداره من ورائه إلى يمينه (¬2) فإن كبر معه آخر وقفا خلفه (¬3) فإن كبر الآخر عن يساره، أدارهما بيده وراءه (¬4) فإن شق ذلك أو تعذر تقدم الإمام فصلى بينهما، أو عن يسارهما (¬5) . ¬

_ (¬1) ففي الصحيحين عن ابن عباس: أخذ برأسي من روائي فجعلني عن يمينه، وتقدم حديث جابر: أخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، وهذا فيما إذا صلى ركعة فأكثر، أما إذا استدار قبل فصحيحة، وعنه تصح عن يساره مع خلو يمينه وفاقًا، اختاره أبو محمد وغيره، وصوبه في الإنصاف، واستظهره في الفروع، وقال في الشرح: وهي القياس، كما لو كان عن يمينه، وكونه رد جابرًا وابن عباس لا يدل على عدم الصحة، بدليل رد جابر وجبار، وصحة إحرامهما وأكثر ما تدل عليه أن اليمين هو الموقف الشرعي، وقال في الإفصاح،: اجمعوا على أن المصلي إذا وقف عن يسار الإمام وليس عن يمينه أحد أن صلاته صحيحة إلا أحمد فقال: تبطل. (¬2) لخبر ابن عباس وغيره: وإدارته من قدامة مبطل لصلاته. (¬3) أو كانا اثنين فكبر أحدهما، وتوشوش الآخر ثم كبر قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، أو كبر واحد عن يمين الإمام فأحس بآخر، فتأخر معه قبل أن يحرم الثاني، ثم أحرم صح نص عليه. (¬4) لإدارة النبي صلى الله عليه وسلم جابرا وجبارا، ففي مسلم عن جابر، قمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدراني عن يمينه، فجاء ابن صخر، حتى قام عن يساره، فأخذ بيديه جميعا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه. (¬5) أي فإن شق إدارتهما على المأموم أو الإمام، أو تعذر ذلك، تقدم الإمام عليهما، ليصيرا وراءه، وصلى بينهما، أو صلى عن يسارهما.

ولو تأخر الأيمن قبل إحرام الداخل ليصليا خلفه جاز (¬1) ولو أدركهما الداخل جالسين كبر وجلس عن يمين صاحبه أو يسار الإمام، ولو تأخر إذن للمشقة (¬2) فالزمنى لا يتقدمون ولا يتأخرون (¬3) (ولا) تصح صلاة (الفذ) أي الفرد (خلفه) أي خلف الإمام (¬4) (أو خلف الصف) إن صلى ركعة فأكثر، عامدًا أو ناسيًا، عالمًا أو جاهلاً (¬5) . ¬

_ (¬1) وفي نهاية أبي المعالي والرعاية وغيرهما أن ذلك أولى، لأنه لغرض صحيح، ثم إن بطلت صلاة أحدهما تقدم الآخر إلى يمين الإمام، وكذا إن كانا اثنين خلف الصف، تقدم إلى الصف إن أمكنه على ما سبق. (¬2) أي لا تأخر في حالة إدراك الداخل الإمام والمأموم جالسين، لمشقة التأخر والحالة هذه. (¬3) للعلة المذكورة قبل، والزمنى بفتح الزاي، وسكون الميم المصابون بالزمانة، وهي العاهة وعدم بعض الأعضاء، أو تعطيل القوي، جمع زمن. (¬4) ركعة فأكثر، عامدا أو ناسيا، عالما أو جاهلا. (¬5) مفهومه أنه إن دخل معه آخر، أو دخل في الصف قبل فوات الركعة صحت، كما صرح به فيما بعد، قال في الإنصاف، وهو المذهب قال شيخ الإسلام: لأنه أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركا للركعة، فهو بمنزلة أن يقف وحده، ثم يجيء آخر فيصافه في القيام، فإن هذا جائز باتفاق الأئمة، حتى لو قدر أن أبا بكرة دخل في الصف بعد اعتدال الإمام؛ -كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره - لكان سائغا.

تصح صلاة الفرد خالف الصف إذا لم يجد موقفا

لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لفرد خلف الصف» رواه أحمد وابن ماجه (¬1) ورأى عليه الصلاة والسلام رجلا يصلي خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة، رواه أحمد والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وإسناده ثقات (¬2) . ¬

_ (¬1) بإسناد صحيح وابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما، وأول الحديث: أنه رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده، فقال له: استقبل صلاتك الحديث. (¬2) ورواه ابن حبان وابن خزيمة وغيرهما: وقال شيخ الإسلام: قد صحح الحديثين غير واحد من أئمة الحديث، وأسانيدهما مما تقوم به الحجة، وليس فيهما ما يخالف الأصول، بل ما فيهما هو مقتضى النصوص المشهورة، والأصول المقررة، فإن صلاة الجماعة سميت جماعة لاجتماع المصلين في الفعل مكانا وزمانا، فإذا أخلوا لغير عذر كان منهيا عنه باتفاق الأئمة، فلو كان هذا خلف هذا كان من أعظم الأمور المنكرة، وأمروا بتقويم الصفوف، مبالغة في تحقيق اجتماعهم على أحسن وجه، بحسب الإمكان، وقياس الأصول يقتضي وجوب الاصطفاف، وأن صلاة المنفرد لا تصح، كماجاء به هذان الحديثان، من خالف ذلك من العلماء فلا ريب أنه لم تبلغه هذه السنة من وجه يثق به، ووقوفه وحده خلف الصف، مكروه، وترك للسنة باتفاقهم، إلا أن لا يجد موقفا إلا خلفه، ففيه نزاع، والأظهر صحة صلاته في هذا الموضع، لأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز، وأما التفريق بين العالم والجاهل - كقول في مذهب أحمد - فلا يسوغ فإن المصلي المنفرد لم يكن عالما بالنهي، وقد أمره الإعادة، كما أمر المسيء اهـ وروي أحمد وغيره أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل صلى وحده خلف الصف، قال: يعيد صلاته قال شيخ الإسلام: وهذا مقتضى الأصول نصا وقياسا، واختاره تلميذه وشيخنا وقال: دليله واضح.

(إلا أن يكون) الفذ خلف الإمام أو الصف (امرأة) خلف رجل فتصح صلاتها (¬1) لحديث أنس (¬2) وإن وقفت بجانب الإمام فكرجل (¬3) وبصف رجل لم تبطل صلاة من يليها أو خلفها (¬4) فصف تام من نساء، لا يمنع اقتداء من خلفهن من رجال (¬5) (وإمامة النساء تقف في صفهن) ندبًا (¬6) . ¬

_ (¬1) قال شيخ الإسلام: باتفاق أهل العلم، إذا لم يكن في الجماعة امرأة غيرها، كما جاءت به السنة، ولأنها لا موقف لها مع الرجال. (¬2) ولفظه: صففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، رواه الجماعة ولأن وقوفها في صف الرجال مكروه، فلم يكن لها من تصافه، إلا أن يقف معها امرأة فجاز للعذر كالرجل المنفرد. (¬3) أي فإن وقفت عن يمينه صح، لا عن يساره مع خلو يمينه، على ما تقدم في الرجل. (¬4) أو أمامها، ولا صلاتها وفاقا للثلاثة وجمهور العلماء، لكنه غير مشروع، وصرح بعضهم بالكراهة، كما ولو وقفت من غير صلاة، قال الشيخ فيما إذا وقفت في الصف: في بطلان صلاتها قولان، أحدهما لا تبطل، كقول مالك والشافعي، وهو قول ابن حامد والقاضي وغيرهما: والمنصوص عن أحمد بطلان صلاة من يليها في الموقف اهـ والأمر بتأخيرها لا يقتضي الفساد مع عدمه، وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دونها، قال الحافظ وهو عجيب. (¬5) وكذا لو كثرت صفوفهن. (¬6) قال في الإنصاف وغيره: هذا مما لا نزاع فيه، وفي الفروع وغيره: والأشهر يصح تقديمها.

روي عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما (¬1) ، فإن أمت واحدة وقفت عن يمينها، ولا يصح خلفها (¬2) . (ويليه) أي يلي الإمام من المأمومين (الرجال) الأحرار، ثم العبيد، الأفضل فالأفضل (¬3) لقوله عليه الصلاة والسلام: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى» رواه مسلم (¬4) . ¬

_ (¬1) رواهما ابن أبي شيبة وعبد الرزاق، وروى الحاكم والبيهقي والدارقطني ومحمد بن الحسن وغيرهم أيضا حديث عائشة، والشافعي وغيره حديث أم سلمة وأنهما يقمن بينهن، وروى عبد الرزاق عن ابن عباس قال: «تؤم المرأة النساء، تقوم في وسطهن» . (¬2) كرجل وصححه في الكافي، وإن وقفت عن يسارها فكوقوف رجل عن يسار إمامه. (¬3) هذا مذهب جماهير أهل العلم. (¬4) ولأبي داود «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» ، وقال أبو مالك الأشعري، ألا أحدثكم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأقام الصف، فصف الرجال، وصف الغلمان خلفهم، رواه أبو داود، ولأحمد نحوه وزاد، والنساء خلف الغلمان وقوله: ليلني بكسر اللامين وتخفيف النون، من غير ياء قبلها، ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التأكيد ورووه بهما في صحيح مسلم، من الولي وهو القرب، وحق هذا اللفظ أن تحذف منه الياء، على صفة الأمر، وقد جاء بإثبات الياء وسكونها، في سائر كتب الحديث، قال الرافعي: والظاهر أنه غلط، وأولو الأحلام ذوو الألباب والعقول، واحدها حلم بضم الحاء واللام، وهو ما يراه النائم أريد به البالغون لأن الحلم سب البلوغ، والحلم السكون والوقار والأناءة، والتثبت في الأمور وضبط النفس عن هيجان الغضب، ويراد به العقل، وقيل: العقلاء، وقيل البالغون، وقيل أهل العلم والفضل، والنهى بضم النون العقول، واحدها نهية بضم النون لأنها تنهى صاحبها عن القبائح، أي ليدن مني البالغون العقلاء، لشرفهم ومزيد تفطنهم.

(ثم الصبيان) الأحرار ثم العبيد (¬1) . ¬

_ (¬1) أي ثم الصبيان العبيد، الأفضل، فالأفضل، لما تقدم فيقدم أحرار الكل على الأرقاء لمزيتهم بالحرية، فمتى تم صفهم وفقوا خلفهم، قال بعض الأصحاب الأفضل تأخير مفضول وكذا تأخير صبي، واختاره الشيخ، وقطع به ابن رجب، لقصة عمر، وقال أحمد: يكره أن يقوم الصبي مع الناس في المسجد خلف الإمام، وقال في الفروع: وظاهر كلامهم في الإيثار بمكانه وفيمن سبق إلى مكان، ليس له ذلك، أي تأخير صبيان لبالغين لاتحاد جنسهم، وقاله الحافظ وغيره، واختاره القاضي وغيره، وهو مذهب الشافعي، وعليه عمل الناس، وصوبه في الإنصاف وقطع به المجد وغيره، وصرحوا بعدم الإيثار. وقوله ليلني: الحديث لا يتم الاستدلال به على إخراجهم من صفوف الرجال البالغين، إنما فيه تقديم البالغين، أو نوع منهم، وإذا كانوا أقرأ ففيهم أهلية لذلك، واحتمال: أن يكونوا أولى فيعمل بالأحوط، وتقديمه فعل لا يدل على فساد خلافه، فإن الصبي إذا عقل القربة، كالبالغ في الجملة، وقد قدم عمرو في الإمامة وهو ابن ست أو سبع سنين، ففي المصافة أولى، وقد يكون صبي أقرأ من مكلف، ولا ينضبط. وقوله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} وأحاديث من سبق إلى مكان فهو أحق به، ولا يقم أحدكم أخاه من مجلسه، ونحو ذلك مطلقة. وحديث أبي مالك فيه شهر، ويحمل فعل عمر وقول أحمد، على نقرة الإمام ما لم يكن أقرأ لكونه أولى بالإمامة عند الحاجة إليه للاستخلاف، ولو كان تأخيرهم أمرًا مشهورًا لاستمر العمل عليه، كتأخير النساء، ولنقل كما نقلت الأمور المشهورة نقلا لا يحتمل الاختلاف وقال الحافظ على قول ابن عباس وأنا فيهم: فيه أن الصبيان مع الرجال، وأنهم يصفون معهم، لا يتأخرون عنهم.

(ثم النساء) لقوله عليه الصلاة والسلام: «أخروهن من حيث أخرهن الله» (¬1) ويقدم منهن البالغات الأحرار، ثم الأرقاء، ثم من لم تبلغ من الأحرار فالأرقاء (¬2) الفضلى فالفضلى (¬3) وإن وقف الخناثى صفا لم تصح صلاتهم (¬4) (كـ) الترتيب في (جنائزهم) إذا اجتمعت فيقدمون إلى الإمام وإلى القبلة في القبر، على ماتقدم في صفوفهم (¬5) (ومن لم يقف معه) في الصف (إلا كافر (¬6) . ¬

_ (¬1) رواه عبد الرزاق موقوفًا على ابن مسعود، ولم يثبت رفعه، وعزي إلى مسند رزين، وتأخير هن لا نزاع فيه. (¬2) أي المملوكات واحدتهن رقيقة، وسمي العبد رقيقا لأنه يرق لمالكه ويخضع له. (¬3) كبشرى تأنيث الأفضل، اسم تفضيل، مشتق من فعل لموصوف بالزيادة على غيره. (¬4) لأن كل واحد منهم يحتمل أن يكون رجلا، والباقي نساء، ولا تصح صلاة من يصاففه. (¬5) يعني الرجال، ثم الصبيان ثم النساء، ويأتي في الجنائز. (¬6) ففذ، وقال في الإنصاف وغيره: بلا خلاف أعلمه، لأن صلاة الكافر غير صحيحة، وكذا لو وقف معه مجنون.

أو امرأة) أو خنثى وهو رجل (¬1) (أو من علم حدثه) أو نجاسته (أحدهما) أي المصلي أو المصافف له (¬2) (أو) لم يقف معه إلا (صبي في فرض ففذ) أي فرد فلا تصح صلاته ركعة فأكثر (¬3) وعلم منه صحة مصافة الصبي في النفل (¬4) أو من جهل حدثه أو نجسه حتى فرغ (¬5) . ¬

_ (¬1) ففذ على الصحيح من المذهب، وذكره المجد وغيره عن أكثر الأصحاب والشيخ وغيره منصوص أحمد، لأنهما ليسا من أهل الوقوف معه. (¬2) ففذ وعليه الأصحاب، فإن وقوف المحدث أو النجس كعدمه، وكذا لو علم المصاف حدث نفسه أو نجسه. (¬3) لأنه لا تصح إمامته بالرجل في الفرض، فلا تصح مصافته له وصرح منصور بأنه سواء كان فرض عين أو كفاية، فيشمل صلاة الجنازة، وتقدم خبر عمرو وهو غلام وصحة إمامته لبالغ فمصافته أولى واختاره ابن عقيل وصوبه في القواعد الأصولية، قال في الفروع: وهو أظهر وفاقا، وعليه العمل، قال شيخنا: وهو قول قوي: ولأن الفريضة والنافلة سواء إلا بمخصص. (¬4) لقول أنس: صففت أنا واليتيم وراءه وكذا حكم صبية مع نساء. (¬5) أي وعلم منه أيضا صحة مصافة من جهل حدثه من أي حدث كان، أو نجسه سواء كان ببدنه أو ثوبه أو بقعة، حتى فرغ منها فليس بفذ قال في الإنصاف وغيره: وهو صحيح وهو المذهب اهـ، ومثله من نسي ولا علمه مصاففه، وكذا إن لم يعلم ما ببدنه أو ثوبه أو بقعته، من نجاسة، ولا علمه مصاففه حتى فرغت فليس بفذ وتصح مصافة مفترض لمنتقل بالغ، كأمي وأخرس، وعاجز عن ركن وشرط، وناقص طهارة ونحوه وفاسق.

ومن وجد فُرجة بضم الفاء (¬1) وهي الخلل في الصف (¬2) ولو بعيدة (دخلها) (¬3) وكذا إن وجد الصف غير مرصوص وقف فيه (¬4) لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله وملائكته يَصِلون على الذين يصلون الصفوف» (¬5) (وإلا) يجد فرجة (¬6) وقف (عن يمين الإمام) لأنه موقف الواحد (¬7) فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه، بنحنحة أو كلام أو إشارة (¬8) . ¬

_ (¬1) اقتصر عليه الجوهري وغيره ويجوز فتحها. (¬2) وفي الأصل منفرج ما بين الشيئين وكذا الخلل، وكل منفرج بين شيئن فهو فرجة، وانفرج ما بينهما اتسع، والفرجة الموضع الذي يوسعه القوم، في الموقف والمجلس. (¬3) لحديث وسدوا الخلل هذا إذا كانت مقابلة له. (¬4) وجوبا من غير إلحاق مشقة لغيره، ويكره مشيه إليها عرضا، وعنه: لا يكره لمشروعية المراصة، ووجود الموقف، وما لم يحضر ثان ليصاففه وإلا وجب. (¬5) رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن عائشة، زاد ابن ماجة ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة، وللطبراني نحوه عن أبي هريرة، وأبي داود وغيره عن البراء. (¬6) أي يدخلها، ووجد الصف مرصوصا. (¬7) إجماعا، لخبر ابن عباس وغيره، وفي المبدع: ويندب تخلفه قليلا خوفًا من التقدم. (¬8) أي فإن لم يمكنه أن يدخل الصف، ولا يقف عن يمين الإمام فله أن ينبه من يقوم معه صفا ليتمكن من الاقتداء، بـ (نحنحة) ترديده الصوت في الجوف أو (كلام) كأن يقول: ليستأخر أحدكم أكون صفا معه ونحو ذلك أو إشارة بيد أو عين أو حاجب.

وكره بجذبه (¬1) ويتبعه من نبهه وجوبًا (¬2) (فإن صلى فذًا ركعة لم تصح) صلاته لما تقدم (¬3) وكرره لأجل ما أعقبه به (¬4) (وإن ركع فذًا) أي فردًا لعذر، بأن خشي فوات الركعة (ثم دخل في الصف) قبل سجود الإمام (¬5) . ¬

_ (¬1) أي وكره تنبيهه بجذبه، لأنه تصرف فيه بغير إذنه، ولا يحرم، وصحح في المغني وغيره، جوازه، وقال الشيخ: يصلي خلف الصف فذًا، ولا يجذب غيره وتصح في هذه الحالة فذا لأن غاية المصافة، أن تكون واجبة، فتسقط بالعذر، وقال: الأفضل أن يقف وحده، ولا يجذب لما في الجذب، من التصرف في المجذوب، وإن كان المجذوب يطيعه، قائما أفضل له، وللمجذوب الاصطفاف معه مع بقاء فرجة أو وقوف المتأخر وحده ونحوه، وقوله: (اجتررت رجلا) ، فيه مقال، ولو حضر اثنان فالأفضل اصطفافهما وفاقا، لأن سد الفرجة مستحب، والاصطفاف واجب، ورجحه الشيخ وغيره. (¬2) وفاقا لأبي حنيفة والشافعي، لأنه من باب ما لا يتم الواجب إلا به، وهو أفضل من بقائه في مقامه. (¬3) يعني في قوله، ولا الفذ خلفه، أو خلف الصف، وتقدمت الأدلة عليه وصحتها مع العذر. (¬4) أي كرر قوله: فإن صلى فذا وإن تغاير اللفظ فالمعنى واحد، وعلل جواز التكرر بما أعقبه به من دخول الصف إن وجد فرجة، أو الوقوف خلف الإمام، أو تنبيه من يقوم معه وهو مسوغ. (¬5) صحت صلاته إجماعا، لأنه أدرك في الصف ماتدرك به الركعة.

(أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت) صلاته (¬1) لأن أبا بكرة ركع دون الصف، ثم مشى حتى دخل في الصف، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «زادك الله حرصا ولا تعد» رواه البخاري (¬2) وإن فعله ولم يخش فوات الركعة لم تصح، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع، قبل أن يدخل الصف، أو يقف معه آخر (¬3) . ¬

_ (¬1) أي وإن ركع فذا خشية فوات الركعة، ثم وقف معه آخر قبل سجود الإمام في تلك الركعة، صحت صلاته إجماعًا. (¬2) وأقره النبي صلى الله عليه وسلم ولعل غايته أنه دخل الصف قبل سجوده صلى الله عليه وسلم وتعد بضم العين من العود، قال الحافظ: لا تعد إلى ما صنعت من السعي الشديد، ثم من الركوع دون الصف، ثم من المشي إلى الصف، وقد ورد ما يقتضي ذلك صريحا، في طرق حديثه، وفعله زيد بن ثابت وابن مسعود وأخرجه مالك وغيره، وكما لو أدرك معه الركوع، وأبو بكرة اسمه نفيع بين الحارث بن كلدة الثقفي، قيل له: أبو بكرة لأنه تدلى إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بكرة من حصن الطائف، فأعتقه توفي بالبصرة سنة إحدى وخمسين. (¬3) لأن الرخصة وردت في المعذور، فلا يلحق به غيره، وقدم في الكافي أنها تصح، لأن الموقف لا يختلف بخيفة الوات وعدمه، وقال الشيخ: إذا ركع دون الصف، ثم دخل الصف بعد ركوع الإمام صحت صلاته، وتقدم نحوه، وتقدم أيضا قوله: إنها تصح صلاة الفذ لعذر، وفاقًا لأبي حنيفة، وأن الأفضل وقوفه وحده ولا يجذب، إلخ وقال: من آخر الدخول في الصف مع إمكانه، حتى قضي القيام، فهذا تجوز صلاته، عن جماهير العلماء.

فصل في أحكام الاقتداء

فصل في أحكام الاقتداء (¬1) يصح اقتداء المأموم بالإمام إذا كانا (في المسجد (¬2) وإن لم يره ولا من وراءه إذا سمع التكبير) لأنهم في موضع الجماعة، ويمكنهم الاقتداء به، بسماع التكبير أشبه المشاهدة (¬3) . ¬

_ (¬1) اقتدى به: فعل مثل ما فعل، والمقتدي شرعا من يصلي خلف الإمام. (¬2) وساحته: والمنارة التي هي منه، نقل غير واحد إجماع المسلمين فيه، ولو لم تتصل الصفوف عرفًا، لأن المسحد بني للجماعة، فلا يشترط اتصالها فيه، بلا خلاف في المذهب، وحكاه أبو البركات إجماعا، لأنه في حكم البقعة الواحدة فكل من حصل فيه حصل في محل الجماعة، بخلاف خارج المسجد، فإنه ليس معدا للاجتماع فيه، فلذلك اشترط الاتصال فيه، فإذا اتصلت صحت إجماعًا. (¬3) ولو كان بينهما حائل، إذا علم حال الإمام، وفاقا لمالك والشافعي، وحكي الإجماع على أنه لا يضر بعد المؤتم في المسجد ولا الحائل ولو كان فوق القامة، مهما علم حال الإمام، واعتبره في الشرح وغيره ببعد غير معتاد بحيث يمنع إمكان الاقتداء لأنه لا نص فيه ولا إجماع، فرجع فيه إلى العرف، وقال في كفاية المبتدي وغيرها، ولا يشترط الاتصال، إذا حصلت الرؤية المعتبرة، وأمكن الاقتداء وفي شرحها، ولو جاوز ثلاث مائة ذراع اهـ ولو كان في صحراء ليس فيها قارعة طريق، وبعدوا عن الإمام، أو تباعدت الصفوف جاز ذلك، مع سماع التكبير، ووجود المشاهدة إن اعتبرت.

(وكذا) يصح الاقتداء إذا كان أحدهما (خارجه) أي خارج المسجد (إن رأى) المأموم (الإمام أو) بعض (المأمومين) الذين وراءَ الإمام (¬1) ولو كانت الرؤية في بعض الصلاة أو من شباك ونحوه (¬2) . ¬

_ (¬1) ولو لم تتصل الصفوف لانتفاء المفسد، ووجود المقتضي للصحة، وهو الرؤية وإمكان الاقتداء وإن لم يره ولا بعض من وراءه لم تصح صلاة المأموم لعدم تمكنه من الاقتداء بإمامه، وقال النووي: يشترط أن لا تطول المسافة بين الإمام والمأمومين إذا صلوا في غير المسجد، وبه قال جماهير العلماء. (¬2) كطاق صغيرة صحت، لتمكنه إذا من متابعته لا إن سمعه من غير رؤية فلا يصح الاقتداء، لقول عائشة لنساء كن يصلين في حجرتها، لا تصلين بصلاة الإمام فإن كن دونه في حجاب، رواه الشافعي وغيره، ولأنه لا يمكنه الاقتداء به في الغالب، قال الشيخ: إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط، بحيث لا يرون الصفوف، ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة، فإنه لا تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء اهـ وتكفي الرؤية في بعض الصلاة، لما في الصحيح من حديث عائشة كان يصلي من الليل، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أناس يصلون بصلاته، الحديث، ولحديث الحصير الذي نصبته على باب حجرتها والمسلمون يصلون بصلاته، وقال النووي: يشترط لصحة الإقتداء، علم المأموم بانتقالات الإمام، سواء صليا في المسجد، أو في غيره، أو أحدهما فيه والآخر في غيره، بالإجماع، ويحصل العلم له بذلك بسماع الإمام أو من خلفه، أو مشاهدة فعله أو فعل من خلفه ونقلوا الإجماع في جواز اعتماد واحد من هذه الأمور، ولو كان المأموم أعمى اشترط أن يصلي بجنب كامل ليعتد بموافقته مستدلا بها.

وإن كان بين الإمام والمأموم نهر تجري فيه السفن (¬1) أو طريق ولم تتصل فيه الصفوف، حيث صحت فيه (¬2) أو كان المأموم بسفينة وإمامه في أخرى، في غير شدة خوف لم يصح الاقتداء (¬3) . ¬

_ (¬1) لم يصح الاقتداء فإن لم تجر فيه صحت، وعنه: تصح وإن جرت، إذا أمكنه الاقتداء اختاره الشيخ وغيره، وفاقا لمالك والشافعي. (¬2) أي في الحال الذي تصح الصلاة فيه، يعني الطريق، وهو ماإذا ضاق المسجد بنحو صلاة جمعة، بخلاف سائر الصلوات، فلا تصح، فإن اتصلت إذا صحت، قال الشيخ: إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه لم تصح صلاتهم، في أظهر قولي العلماء، وعنه: يصح وإن كان ثم طريق لم تتصل فيه الصفوف لفعل أنس، وهو اختيار أبي محمد لإمكان المتابعة قال النووي ولو حال بينهما طريق عند مالك والشافعي والأكثرين (¬3) والحالة هذه، لأن الماء طريق، وليست الصفوف متصلة إلا في شدة خوف، كحال المسايفة، وأمكن الاقتداء فيصح للعذر، وإلا إذا كانت صلاة جمعة ونحوها، واتصلت فيه الصفوف صح، وعنه: تصح وإن كان في سفينة وإمامه في أخرى، اختاره الشيخ وغيره، وألحق الآمدي بالنهر النار والبئر، وقال في الإنصاف: المرجع في اتصال الصفوف إلى العرف، على الصحيح من المذهب، وصححه في المغني، فلا يتقدر بشيء، وهو مذهب مالك والشافعي، لأنه لا حد في ذلك ولا إجماع، ولأنه لا يمنع الاقتداء، فإن المؤثر في ذلك ما يمنع الرؤية، أو سماع الصوت، والمنع من الاقتداء بالإمام تحكم محض، لا يلزم المصير إليه ولا العمل به.

(وتصح) صلاة المأمومين (خلف إمام عال عنهم) لفعل حذيفة وعمار رواه ابو داود (¬1) (ويكره) علو الإمام عن المأموم (إذا كان العلو ذراعا فأكثر) (¬2) لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مكانهم» (¬3) فإن كان العلو يسيرًا، دون ذراع لم يكره (¬4) . ¬

_ (¬1) وهو أن عمارًا صلَّى بالمدائن، فقام على دكان، والناس أسفل منه، فأخذ حذيفة بيده، فاتبعه عمار حتى أنزله، فلما فرغ قال: ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أم الرجل قوما فلا يقومن من مقام أرفع من مقامهم» ؟ قال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذت بيدي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ورواه الشافعي والبيهقي، ومن لا يحصون من كبار المحدثين ومصنفيهم بأسانيد صحيحة، وللدارقطني معناه بإسناد حسن. (¬2) وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، ويشترك الإمام والمأموم في النهي إن انفرد الإمام بالعلو، وفعله في خبر سهل يدل أن النهي ليس للتحريم، ولأن النهي لا يعود إلى داخل في الصلاة، فإن كان مع الإمام أحد مساوله أو أعلى منه زالت الكراهة صرح به ابن نصر الله وغيره. (¬3) رواه أبو داود وغيره، والشافعي بلفظ: قال ابن مسعود لحذيفة، ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى ومحل النهي إذا كان ذراعا فأكثر قال ابن فرحون، لأن الإمامة تقتضي الترفع، فإذا انضاف إلى ذلك علوه عليهم في المكان دل على قصده الكبر، وقال الزركشي، يشترك الإمام والمأموم في النهي إذا انفرد الإمام بالعلو. (¬4) وصحت بلا خلاف.

لصلاته صلى الله عليه وسلم على المنبر في أول يوم وضع (¬1) فالظاهر أنه كان على الدرجة السفلى، جمعًا بين الأخبار (¬2) ولا بأس بعلو المأموم (¬3) (كـ) ما تكره (إمامته في الطاق) أي طاق القبلة، وهي المحراب (¬4) روي عن ابن مسعود وغيره (¬5) لأنه يستتر عن بعض المأمومين (¬6) . ¬

_ (¬1) أخرجاه من حديث سهل أنه صلى الله عليه وسلم صلى على المنبر ثم نزل القهقري، فسجد وسجدنا معه، ثم عاد حتى فرغ، ثم قال: إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي. (¬2) ولئلا يحتاج إلى عمل كثير في الصعود والنزول فيكون ارتفاعًا يسيرًا. (¬3) سواء كان قليلا أو كثيرا لأن أبا هريرة صلى على سطح المسجد، بصلاة الإمام، رواه أحمد والشافعي والبيهقي، والبخاري تعليقا، وعن أنس نحوه رواه سعيد ويروى عن ابن عباس وابن عمر، ولأن المتابعة حاصلة أشبهت العلو اليسير وأما ارتفاع المؤتم ارتفاعا مفرطا، بحيث يكون فوق ثلاث مائة ذراع، على وجه لا يمكن المؤتم العلم بأفعال الإمام، فهو ممنوع بالإجماع، من غير فرق بين المسجد وغيره، وإن كان دون ذلك فالأصل الجواز. (¬4) الذي يقف فيه الإمام، سمي بذلك لأنه يذب عنه، ويحارب عليه، والطاق ما عطف من الأبنية كالقوس، من قنطرة ونافذة وما أشبه ذلك، وصوابه وهو المحراب لأنه مذكر. (¬5) ونقل عن مالك وغيره. (¬6) أشبه ما لو كان بينه وبينهم حجاب فيقف عن يمين المحراب، إن لم يكن حاجة كضيق المسجد، وكثرة الجمع، وقال جماعة من أهل العلم: المشهور الجواز بلا كراهة، وعنه: يستحب اختاره ابن عقيل وغيره، وقطع به ابن الجوزي وغيره ولم يزل عمل الناس عليه.

فإن لم يمنع رؤيته لم يكره (¬1) (و) يكره (تطوعه موضع المكتوبة) بعدها (¬2) لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يصلين الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه» رواه أبو داود عن المغيرة بن شعبة (¬3) (إلا من حاجة) فيهما (¬4) بأن لا يجد موضعا خاليًا غير ذلك (¬5) . ¬

_ (¬1) وفاقا لزوال العلة. (¬2) أي يكره للإمام بلا حاجة تمييزا لفرض الصلاة عن نفلها، وهو الأولى للمأموم أيضا، وعنه: يكره وفاقا كالإمام. (¬3) ولفظه «لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلي فيه حتى يتحول» أي ينصرف وينتقل من ذلك الموضع، ونحوه لابن ماجه، ولنهيه عليه الصلاة والسلام أن توصل صلاة بصلاة، حتى يتكلم أو يخرج رواه مسلم، وذكره البخاري والبغوي أن العلة تكثير مواضع العبادة، لأنها تشهد له، والنص للفصل، فإن لم ينتقل فينبغي أن يفصل بالكلام للخبر ويكفي التسبيح. (¬4) أي الإمامة في الطاق، والتطوع موضع المكتوبة. (¬5) لنحو ضيق مسجد كما إذا لم يجد منصرفا، ولم يمكنه الانحراف، فلا يكره رواية واحدة، ويكره لغير الإمام اتخاذ مكان لا يصلي فرضه إلا فيه، وكان أحمد يكرهه، وقيل إن كانت فاضلة كنقرة الإمام لم يكره، لفعل سلمة عند الأسطوانة عند المصحف، وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى الصلاة عندها، متفق عليه، ولحاجة كتدريس ونحوه، وذكره بعضهم اتفاقًا.

(و) يكره للإمام (إطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة) (¬1) لقول عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» رواه مسلم (¬2) فيستحب له أن يقوم (¬3) أو ينحرف عن قبلته إلى مأموم جهة قصده (¬4) . ¬

_ (¬1) وذهب إليه بعض المالكية، والشعبي وإبراهيم وقال: احصبوه، ومفهومه لا يكره القعود اليسير مستقبل القبلة، قال في الإنصاف: وهو صحيح وهو المذهب. (¬2) أي لا يلبث جالسًا على هيئته قبل السلام، بل ينصرف ويقبل على المأمومين ولأن في تحوله إعلاما بأنه صلى فلا ينتظر وربما إذا بقي على حاله يسهو فيظن أنه لم يسلم، فكره سدا للباب المفضي إلى أن يزاد في الفرض ما ليس منه أو يظن غيره أنه في الصلاة. (¬3) لخبر: كان إذا انصرف انحرف، وأخرج عبد الرزاق عن أنس: كان عليه الصلاة والسلام ساعة يسلم يقوم، وذكر أبا بكر كذلك وفي الصحيحين من حديث سمرة، كان إذاصلى صلاته أقبل علينا بوجهه، وغير ذلك من الأحاديث، فدلت النصوص، أنه كان يعقب سلامه بالانصراف، والإقبال على المأمومين وقال الحافظ على قوله: باب مكث الإمام في مصلاه بعد السلام، أي وبعد استقبال القوم، ولا فرق بين الانفتال والانصراف، للأخبار الثابتة بكل من ذلك، وحكى النووي وغيره أن عادته صلى الله عليه وسلم إذا انصرف استقبل المأمومين جميعهم وقال القاضي وغيرهم، عادته صلى الله عليه وسلم أن يستقبل جميعهم بوجهه، وهو مفهوم ما ورد عنه من الذكر بعد الصلاة، وتذكيرهم ووعظهم وغير ذلك. (¬4) أي مسيره فإذا قصد أن يخرج مع باب مثلا انحرف إلى المأمومين من جهة ذلك الباب لأنه أرفق به.

وإلا فعن يمينه (¬1) (فإن كان ثم) أي هناك (نساء لبث) في مكانه (قليلا لينصرفن) (¬2) لأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يفعلون ذلك (¬3) ويستحب أن لا ينصرف المأموم قبل إمامه (¬4) لقوله صلى الله عليه وسلم «لا تسبقوني بالانصراف» رواه مسلم (¬5) . ¬

_ (¬1) أي وإن لم يقصد الإمام جهة، فينحرف عن يمينه، بأن تكون يساره تلي القبلة وهذا أفضل، لعموم الأحاديث المصرحة بفضل اليمين، ولا كراهة في انحرافه على اليسار، لثبوته عنه صلى الله عليه وسلم ولإطلاقهم. (¬2) أي فإن كان في الجهة التي يريد أن يذهب معها يمينًا أو شمالاً أو أمامًا نساء، لبث في مكانه قليلا، وكذا من معه من الرجال، لينصرف النساء، فلا يدركهن الرجال. (¬3) ففي الصحيح وغيره، عن أم سلمة، كان إذا سلم قام النساء، حين يقضي تسليمه وهو يمكث في مكانه يسيرًا قبل أن يقوم، قال ابن شهاب، فنرى أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال، وللخبر الآتي وغيره، ولأن الإخلال بذلك يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء، ويستحب للنساء قيامهن عقب سلام الإمام (¬4) أي قبل انصراف إمامه عن القبلة، والحكمة في ثبوتهم إلى أن ينصرف الإمام لئلا يذكر سهوًا فيسجد. (¬5) قال الطيبي علة نهيه أن يذهب النساء اللاتي يصلين خلفه، ويشهد لما قاله ما في الصحيح، كن إذا سلمن قمن، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء، الله فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال.

يكره وقوفهم بين السواري بلا حاجة

قال في المغني والشرح: إلا أن يخالف الإمام السنة، في إطالة الجلوس (¬1) ، أو لم ينحرف فلا بأس بذلك (¬2) (ويكره وقوفهم) أي المأمومين (بين السواري إذا قطعن) الصفوف عرفا، بلا حاجة (¬3) لقول أنس كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أحمد وأبو داود وإسناده ثقات (¬4) . ¬

_ (¬1) أي مستقبل القبلة، فلا بأس بانصراف المأموم، قال خارجة بن زيد: السنة أن يقوم الإمام ساعة يسلم، فلا يبقى مستقبل القبلة، وذكر غير واحد أن استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحق الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، فاستقبالهم حينئذ يرفع الخيلاء والترفع على المأمومين. (¬2) أي بانصراف المأموم إذا لم ينحرف الإمام عن استقبال القبلة، ولا يعيد السلام من سلم قبل الصلاة، ورده واجب، والمصافحة بعد السلام من الصلاة لا أصل لها، لا بنص ولا عمل من الشارع وأصحابه، ولو كانت مشروعة لتوفرت الهمم على نقلها، ولكان السابقون أحق بذلك، وقال الشيخ: بدعة باتفاق المسلمين أما إذا كانت أحيانا لكونه لقيه عقب الصلاة، لا لأجل الصلاة فحسن، لكن عند اللقاء فيها آثار حسنة. (¬3) كضيق المسجد، وكثرة الجماعة، وقدره بعضهم بمحل ثلاثة رجال واستظهر بعضهم أن المراد القطع عرفًا فلا تحديد فيه، وأما مع الحاجة فقال ابن رشد وابن العربي: لا خلاف في جوازه عند الضيق، وأما عند السعة فهو مكروه للجماعة، فأما الواحد فلا بأس به، والسواري جمع سارية وهي الأسطوانة. (¬4) وقال الحافظ: سنده صحيح، ورواه النسائي والترمذي ولابن ماجه نحوه، وفيه، ونطرد عنها طردا، وكرهه ابن مسعود وابن عباس وحذيفة وغيرهم. قال ابن سيد الناس: ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة، ورخص فيه مالك وغيره، وعن أحمد: لا يكره وفاقا، كالإمام والمنفرد.

فإن كان الصف صغيرًا، قدر ما بين الساريتين فلا بأس (¬1) وحرم بناء مسجد يراد به الضرر لمسجد بقربه، فيهدم مسجد الضرار (¬2) ويباح اتخاذ المحراب (¬3) وكره حضور مسجد وجماعة لمن أكل بصلاًٍ ونحوه، حتى يذهب ريحه (¬4) . ¬

_ (¬1) أي يباح الوقوف بينهما، لأن الصف لا ينقطع بذلك، كما لا يكره للإمام أن يقف بين السواري، لأنه ليس ثم صف. (¬2) وجوبا، لقصة مسجد الضرار، ولحديث «لا ضرر ولا ضرار» ، وظاهره أنه إذا لم يقصد به الضرار جاز وإن قرب، واختار الشيخ لا يجوز ويهدم، وصححه في التصحيح وغيره، وظاهره أنه يجوز إذا بعد، ولو قصد به الضرر. (¬3) نص عليه وقيل: يستحب أومأ إليه، واختاره الآجري وابن عقيل وغيرهما ليستدل به الجاهل. (¬4) أي البصل ونحوه كثوم وكراث وفجل وتنباك وغيرها، من كل ما له رائحة منتنة للأخبار، وكذا إصنان وبخر ونحوه، ونتن خراج وجرح ونحوه، وكذا جزار له ريح منتنة، ومن يتأذى الناس منه من غير رائحة كانتشار قمل ونحوه، ويمنع أبرص ومجذوم يتأذى به، فلا يحل لمجذوم مخالطة صحيح بلا إذنه وعلى ولي الأمر منعهم من ذلك، ولا يعذر بترك جمعة وجماعة من جهل الطريق إلى محلها، إذا وجد من يهديه، ولا أعمى إذا وجد من يقوده، لحديث الأعمى، ومن الأدب وضع إمام نعله عن يساره، ومأموم بين يديه، لخبر أبي ذر وغيره، ولئلا يتأذى به غيره.

فصل في الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة

فصل في الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة (¬1) (ويعذر بترك جمعة وجماعة مريض) (¬2) لأنه صلى الله عليه وسلم لما مرض تخلف عن المسجد، وقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» متفق عليه (¬3) وكذا خائف حدوث مرض (¬4) . ¬

_ (¬1) أي المبيحة لتركها، وقال أبو الدرداء: من فقه الرجل إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ. (¬2) قال في الإنصاف وغيره: بلا نزاع، وقال ابن المنذر: لا أعلم خلافا بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض، والمرض فساد المزاج، واضطراب الطبيعة، بعد صفائها واعتدالها، وضده الصحة، قال النووي: ضبطوا المرض الذي يشق معه القصد، كمشقة المشي في المطر. (¬3) ففيه دليل على جواز تخلف المريض، وفي آخره: فخرج متوكئا فمن بلغ إل تلك الحالة لا يستحب له الخروج للجماعة، إلا إذا وجد من يتوكأ عليه وقوله: «لأتوهما ولو حبوا» ، على المبالغة، وقال: «من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر» ، قالوا: وما العذر؟ قال: «خوف أو مرض» ، رواه أبو داود بإسناد صحيح. (¬4) لأنه في معنى المريض، أو خائف زيادته، أو تباطؤه لأنه مرض لما روى أبو داود عن ابن عباس مرفوعا، أنه فسر العذر بالخوف والمرض، ما لم يكونا في المسجد، فتلزمهما الجمعة والجماعة، لعدم المشقة، ويعذر ممنوع من فعلها، كالمحبوس، فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها.

وتلزم الجمعة دون الجماعة من لم يتضرر بإتيانها، راكبا أو محمولا (¬1) (و) يعذر بتركها (مدافع أحد الأخبثين) البول والغائط (¬2) (ومن بحضرة طعام) هو (محتاج إليه) (¬3) ويأكل حتى يشبع (¬4) لخبر أنس في الصحيحين (¬5) . ¬

_ (¬1) لعدم تكررها، دون الجماعة فتعظم المشقة والمنة، لتكررها، ولأن الجمعة لا بدل لها، إذا فاتت، وكذا لو تبرع من يركبه ويحمله، أو يقود أعمى في الجمعة لزمتهما، وهذا في غير المريض ككبر ونحوه، وأما المريض فيعذر مطلقا ونحو ذلك غلبة سمن مفرط للخبر. (¬2) كأن حصره بول ونحوه، أو تضرر بحبسه، وكذا ريح وفاقا، لأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة، والخشوع فيها، وتقدم قوله: «لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان» . (¬3) قال في الإنصاف: بلا نزاع، والمراد إذا قدم إليه ليأكل ومثله تائق لجماع. (¬4) على الصحيح من المذهب، وقيل: ما تسكن به نفسه. (¬5) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قدم العشاء فابدءوا به، قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم» ، ولخبر ابن عمر: «إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه» ، وفي لفظ: «حتى يقضي حاجته منه» ، وهو محمول على العموم، نظرا إلى العلة، وهي التشويش المفضي إلى ترك الخشوع، فذكر المغرب لا يقتضي حصرا فيها، وتقدم: «حديث لا صلاة بحضرة طعام» ، وفي الصحيحين: «أنه دعي صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، وهو يحتز من كتف شاة، فقام وصلى» ، ولعل المراد مع عدم الحاجة، جمعا بين الأخبار، ولأن العلة تشوف النفس إلى الطعام، فينبغي أن يدور الحكم مع علته وجودا وعدما، وأن لا يعمد إلى هذه الأمور، وإنما تجوز إذا وقعت اتفاقا بل ينبغي اجتنابه إذا كان يقع كثيرا، ولا يرخص في غير ترك الجماعة، فأما الوقت فلا يرخص بذلك في تفويته، عند جمهور أهل العلم ونص عليه أحمد وغيره.

من الأعذار بتركهما خوف ضياع المال ونحوه

(و) يعذر بتركهما (خائف من ضياع ماله أو فواته أو ضرر فيه) (¬1) كمن يخاف على ماله من لص ونحوه (¬2) أو له خبز في تنور يخاف عليه فسادا (¬3) أو له ضالة أو آبق يرجو وجوده إذا (¬4) أو يخاف فوته إن تركه (¬5) . ¬

_ (¬1) لأن المشقة اللاحقة بذلك أعظم من بل الثياب بالمطر الذي هو عذر بالاتفاق قال المجد: والأفضل فعل ذلك، وترك الجمعة والجماعة، قال في الإنصاف، وهذا المذهب في ذلك كله، ولو تعمد سبب ضرر المال، وضياع بفتح الضاد أي فقد ماله وصار مهملا. (¬2) كذئب فيخاف على غلة يبادرها، وأنعام لا حافظ لها غيره ونحوه، واللص بكسر اللام وتثلث، جمعه لصوص، هو السارق، مأخوذ من اللص وهو فعل الشيء في ستر. (¬3) أو طبيخ على نار ونحوه أو أطلق الماء على زرعه أو بستانه ويخاف إن تركه فسد، أو يخاف عدم إنبات بذره، وكنحو جراد لو اشتغل عنه بالجماعة. (¬4) كأن دل عليه بمكان، وخاف إن لم يمض إليه سريعا انتقل إلى غيره. (¬5) أي في تلك الحال، كمن قدم به من سفر إن لم يقف لأخذه أخفاه أو ضاع، وقال ابن عقيل: خوف فوت المال عذر في ترك الجمعة إن لم يتعمد سببه بل حصل اتفاقا، وقال المجد: الأفضل ترك ما يرجو وجوده ويصلي الجمعة والجماعة، لأن ما عند الله خير وأبقى، وربما لا ينفعه حذره، وهذا والله أعلم ما لم يتشوش خاطره فإن لب الصلاة الخشوع.

ولو مستأجرا لحفظ بستان أو مال (¬1) أو ينضر في معيشة يحتاجها (¬2) (أو) كان يخاف بحضوره الجمعة أو الجماعة (موت قريبه) أو رفيقه (¬3) أو لم يكن من يمرضهما غيره (¬4) . ¬

_ (¬1) يخاف عليه الضياع إن ذهب وتركه، وهذا إذا كان وقع صدفة، أو لا بد منه، أما إذا كان يعلم ذلك وله بد منه فلا ينبغي تعمده، وترك ما أوجب الله عليه من حضور الجماعة، ويسعى في وجود مؤونة لا تمنعه الجماعة، وألحق بذلك العريان إذا لم يجد سترة، أو لم يجد إلا ما يستر عورته فقط في غير جماعة عراة، وذكر غير واحد إن لم يجد ما تختل مروءته بتركه من اللباس، لأن عليه مشقة بتركه. (¬2) بأن عاقه حضور جمعة أو جماعة عن فعل ما هو محتاج لأجرته، كما لو كانت أجرته بقدر كفايته، أو هو وعياله، أو ثمنه، أو تحصيل تملك مال يحتاج إليه. (¬3) أي حصول موت قريبه في غيبته عنه، بلا نزاع، وكذا صديقه أو مملوكه أو شيخه، وإن كان له من يمرضه، لأنه يشق عليه فراقه، فيتشوش خشوعه، أو يأنس به المريض، لأن تأنيسه أهم. (¬4) أي يتولى تمريضهما لأن ابن عمر استصرخ على سعيد بن زيد، وهو يتجمر للجمعة فأتاه بالعقيق، وترك الجمعة، رواه البخاري، قال في الشرح: ولا نعلم في ذلك خلافا، وكذا أجنبي ليس له من يمرضه، ومرضه يمرضه تمريضا، قام بمداوته ومعاناته والمراد هنا: معاناته.

أو يخاف على أهله أو ولده (¬1) (أو) كان يخاف (على نفسه من ضرر) كسبع (¬2) (أو) من (سلطان) يأخذه (¬3) (أو) من ملازمة غريم ولا شيء معه يدفعه به (¬4) لأن حبس المعسر ظلم (¬5) وكذا إن خاف مطالبته بالمؤجل قبل أجله (¬6) فإن كان حالا وقدر على وفائه لم يعذر (¬7) (أو) كان يخاف بحضورهما (من فوات رفقته) بسفر مباح (¬8) . ¬

_ (¬1) من نحو لص، فيعذر بترك الجمعة والجماعة، وخوفه على أهله لانفرادهم في البيت ونحوه من الفساق لا يكون عذرا في سقوط الجماعة بالكلية بل يلزمه فعلها مهما أمكن، والسعي في الحصول على حضور الجماعة في المساجد. (¬2) أو سيل أو نحو ذلك مما يؤذيه في نفسه فيعذر. (¬3) يعني ظلما، وكذا نائب سلطان يخاف من أخذه ظلما. (¬4) لأن ملازمته لا تجوز، وملازمته تعلقه به، ودوامه معه، ولزمته ألزمه تعلقت به، ودمت معه، ولزمت به كذلك، والغريم: الذي عليه الدين، وقد يكون الذي له، والمراد هنا الأول. (¬5) لقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . (¬6) أي ويعذر المدين إن خاف مطالبة من له الدين، ما لم يكن حالا وقدر على وفائه. (¬7) للنص لأنه ظالم. (¬8) فيعذر، حيث حصل له الضرر ولو ساعة، ورفقته، بضم الراء وكسرها الذين يرافقهم في السفر.

سواء أنشأه أو استدامه (¬1) (أو) حصل له (غلبة نعاس) يخاف به فوت الصلاة في الوقت، أو مع الإمام (¬2) (أو) حصل له (أذى بمطر ووحل) بفتح الحاء، وتسكينها لغة رديئة (¬3) وكذا ثلج وجليد وبرد (¬4) (وبريح باردة شديدة في ليلة مظلمة) (¬5) . ¬

_ (¬1) أي السفر، بأن ابتدأ منشئا له، أو كان مستمرا فيه مستديما له، لأن عليه في ذلك ضررا. (¬2) كمن طرأ عليه نعاس، وخشي إن انتظر الإمام أو الجماعة يغلبه النوم، فتفوته الصلاة في الوقت، أو مع الإمام، فيعذر بتركها وفي المبدع وغيره، ويعذر فيهما بخوف بطلان وضوئه بانتظارها، والصبر والتجلد على دفع النعاس، ويصلي معهم أفضل لما فيه من نيل فضيلة الجماعة، وقطع به في الوجيز والمذهب والمحرر، وذلك ما لم يصل به التجلد والصبر إلى ذهاب الخشوع المطلوب فيها. (¬3) قال الجوهري وغيره، وقدمه في المصباح والقاموس، واستدرك عليه، وهو الطين الرقيق ترتطم فيه الدواب، جمعه أو حال ووحول. (¬4) وحر، لمشقة الحركة فيها، إذا كان خارجا عما ألفوه، والثلج ينزل من السحاب على شكل أبراد، صفائح منتظمة وتنضم بعضها إلى بعض، حتى تكون على هيئة النجوم الصغيرة، والقطعة منه ثلجة، والجليد الضريب والسقيط، وينزل من السماء فيجمد على الأرض، والبرد بفتحتين شيء ينزل من السحاب، يشبه الحصا، يعرف بحب الغمام. (¬5) الريح الهوى إذا هب، وتقييده بالشديدة على خلاف المذهب، قال في الإقناع، ولو لم تكن الريح شديدة، وقال في الإنصاف، والوجه الثاني يكفي كونها باردة فقط، وهو المذهب واشترط المصنف أيضا أن تكون الليلة مظلمة وهو المذهب وعليه الجمهور، ولم يذكر بعض الأصحاب «مظلمة» وهو ظاهر النص.

لقول ابن عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة «صلوا في رحالكم رواه ابن ماجه بإسناد صحيح (¬1) وكذا تطويل إمام (¬2) ومن عليه قود يرجو العفو عنه (¬3) . ¬

_ (¬1) وهو في الصحيحين وغيرهما بلفظ: «أو ذات مطر في السفر» ، وفي الصحيحين عن ابن عباس، أنه قال لمؤذنه في يوم مطير، زاد مسلم، في يوم جمعة إذا قلت: أشهد أن محمدا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، ولكن قل: صلوا في رحالكم، فكأن الناس استنكروا ذلك، فقال: فعله من هو خير مني يعني النبي صلى الله عليه وسلم وإني كرهت أن أخرجكم في الطين والدحض والثلج والجليد والبرد كذلك، وكذا الريح الباردة عذر. وقال النووي: البرد الشديد عذر في الليل والنهار، وشدة الحر عذر في الظهر والثلج عذر إن بل الثوب، وذكر أبو المعالي أن كل ما أذهب الخشوع كالحر المزعج عذرا ولهذا جعله الأصحاب كالبرد في المنع من الحكم والإفتاء والتدريس قال والزلزلة عذر، لانها نوع خوف قال ابن عقيل: ومن له عروس تجلى عليه، قال أبو المعالي: ثم لو قلنا: ينبغي مع هذه الأعذار: إذا أذهبت الخشوع، وجلبت السهر فتركه أفضل، وقال بعض الأصحاب: فعل جميع الرخص أفضل من تركها. (¬2) لما تقدم من فعل الرجل الذي انفرد عن معاذ لتطويله ولم ينكر عليه. (¬3) ولو على مال ومثله حد قذف.

لا من عليه حد (¬1) ولا إن كان في طريقه أو المسجد منكر (¬2) وينكره بحسبه (¬3) وإذا طرأ بعض الأعذار في الصلاة أتمها خفيفة إن أمكن (¬4) وإلا خرج منها، قاله في المبدع (¬5) قال: والمأموم يفارق إمامه أو يخرج منها (¬6) . ¬

_ (¬1) أي لله تعالى كزنا وشرب خمر، فلا يعذر به، لأن الحدود لا تدخلها المصالحة، بخلاف القصاص. (¬2) أي فلا يعذر، لأن المقصود، الذي هو الصلاة في الجماعة لنفسه لا قضاء لحق غيره. (¬3) أي بحسب استطاعته للخبر، ويبدأ بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. (¬4) لقصة معاذ رضي الله عنه. (¬5) أي وإن لم يمكنه أن يتمها خفيفة خرج منها، وهو مذهب الشافعي وغيره، لقصة معاذ، فإن فيه جواز خروج المأموم من الصلاة لعذر، كما قاله الحافظ وغيره. (¬6) فإن صلى ركعة فأكثر من جمعة أتمها جمعة، وإلا ظهرا، وقال في الروضة بعد أن ذكر أعذار الجمعة والجماعة، لأن من شروط صحة الصلاة أن يعي أفعالها ويعقلها، وهذه الأشياء تمنع ذلك، فإن زالت فعلها على كمال خشوعها، وفعلها مع كمال خشوعها بعد فوت الجماعة، أولى من فعلها مع الجماعة بدون كمال خشوعها. وتقدم كراهة من أكل بصلا ونحوه، وظاهر كلامهم يعذر بترك الجمعة والجماعة لا تحيلا فلا تسقط. ويحرم لما في الصحيحين عن أنس «من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلي معنا» ، ولهما عن ابن عمر، «فلا يأت المسجد» . ولمسلم «فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» ، وفيهما أن عمر خطب وقال عن البصل والثوم: لا أراهما إلا خبيثتين، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل، أمر به فأخرج إلى البقيع. قال الشيخ: والنهي عام في كل مسجد، عند عامة العلماء، وقد ورد من غير وجه، قال في الفروع: ويتوجه مثله كل من به رائحة كريهة، ويكره حضوره مسجدا أو جماعه مطلقا، وحكاه النووي عن العلماء، لما فيه من الإيذاء، وإن أمكنه إزالة الرائحة بمعالجة وغسل فلا عذر له، والنهي عن حضور المسجد لا عن الأكل فهي حلال بإجماع من يعتد به، وقال زكريا: ومن الأعذار كل مشوش للخشوع، مع سعة الوقت، وأكل منتن ومن ببدنه أو ثوبه ريح خبيثة، وإن عذر كذي بخر أو صنان مستحكم، ما لم يسهل عليه إزالته، ومن كان أكله لعذر، ما لم يأكله بقصد إسقاط الجمعة والجماعة، وإلا لزم إزالته مهما أمكن، ولا تسقط عنه، والمراد سقوط الإثم على قول الفرض، أو الكراهة على قول السنة، لا حصول الأفضلية.

..................................................

باب صلاة أهل الأعذار

باب صلاة أهل الأعذار وهم المريض والمسافر والخائف (¬1) (تلزم المريض الصلاة) المكتوبة (قائما) (¬2) ولو كراكع (¬3) أو معتمدا أو مستندا إلى شيء (¬4) . ¬

_ (¬1) ونحوهم والأعذار جمع عذر، كالأقفال جمع قفل، والعذر الحجة التي يعتذر بها، وما يرفع اللوم عما حقه أن يلام عليه، سموا بذلك لما قام بهم من الأعذار الآتية ونحوها. (¬2) إجماعا في فرض، مع القدرة وتقدم، ولما في الصحيح وغيره، من حديث عمران بن حصين مرفوعا: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» ولخبر علي الآتي وغيره. وقال تعالى: {لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا} أي إلا ما أطاقت من العمل، قال أهل التفسير، فمن لم يستطع القيام فليصل قاعدا، وقالوا في قوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} العبادة كالصلاة تجب ما دام العقل ثابتا، فيصلي بحسب حاله. (¬3) أي ولو كان قيامه كصفة راكع، لحدب أو كبر أو مرض ونحوه، لزمه ذلك مهما أمكنه لقوله: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منها ما استطعتم» . (¬4) أي ولو كان في قيامه معتمدا على شيء، من نحو عصا أو مستندا إلى حائط ونحوه، ولو كان اعتماده واستناده إلى شيء بأجرة أو على إحدى رجليه، لعموم الخبر، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

(فإن لم يستطع) بأن عجز عن القيام أو شق عليه، لضرر أو زيادة مرض (¬1) (فقاعدا) متربعا ندبا (¬2) ويثني رجليه في ركوع وسجود (¬3) (فإن عجز) أو شق عليه القعود كما تقدم (¬4) . ¬

_ (¬1) أو تأخر برء ونحوه، كوهن بقيام أو تألم شديد، ولا يشترط أن لا يتأتى القيام، ولا يكفي أدنى مشقة، بل المعتبر المشقة الظاهرة، وقال غير واحد: المعتبر المشقة الشديدة، وفوات الخشوع، واستطاع استطاعة، الأمر أطاقه وقوي عليه، والاستطاعة شرعا أوسع منها لغة. (¬2) أي فإن لم يستطع قائما، فتلزمه المكتوبة قاعدا بلا نزاع، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وقال النووي وغيره: أجمعت الأمة أن من عجز عن القيام في الفريضة صلاها قاعدا، ولا إعادة عليه، ولا ينقص ثوابه للخبر اهـ أو شق عليه القيام، لما مر، وكذا لو كان في سفينة أو بيت قصير سقفه، وتعذر الخروج، أو خاف عدوا إن انتصب قائما، صلى جالسا، وقيل: قائما ما أمكنه، وقال إمام الحرمين: الذي أراه في ضبط العجز أن يلحقه بالقيام مشقة، تذهب خشوعه لأن الخشوع مقصود الصلاة، وكذا رقيب غزاة أو كمينهم خاف إن قام رؤية العدو، وعلى قياس ما سبق ولو معتمدا، أو مستندا متربعا للخير كمتنقل وفاقا، وتقدم صفة التربع، وكيف قعد جاز، لخبر فقاعدا ولم يخص جلسة دون جلسة، وذكر ابن أبي شيبة عن جماعة من التابعين أنهم كانوا إذا صلوا جلوسا يجثون. (¬3) أي يرد بعضها على بعض كمتنفل، ركبتاه إلى القبلة. (¬4) يعني في القيام، ولو كان عجزه بتعديه بضرب ساقه ونحوه.

(فعلى جنبه) (¬1) والأيمن أفضل (¬2) (فإن صلى مستلقيا ورجلاه إلى القبلة صح) وكره مع القدرة على جنبه (¬3) وإلا تعين (¬4) . ¬

_ (¬1) أي فيصلي على جنبه، وذكره غير واحد مذهب الجمهور، قال الشيخ: ووجهه إلى القبلة لخبر عمران، وإن لم يكن عنده من يوجهه إلى القبلة، صلى على أي جهة توجه. (¬2) أي من الصلاة على الجنب الأيسر، وهو مذهب الجمهور، لحديث علي الآتي، ولو اضطجع على يساره صح وكره، وفاقا لمالك والشافعي، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يعين جنبا. (¬3) ووجه الصحة أنه نوع استقبال، والكراهة للاختلاف في صحتها، فعنه لاتصح، قال في الشرح: وهو الأظهر، لأن نقله إليه عند العجز عن الصلاة على جنب، فدل على أنه لا يجوز مع القدرة عليه، ولأنه ترك الاستقبال مع القدرة عليه بوجهه وجملته، وعنه: يصلي كيف شاء، كلاهما جائز قال الشيخ: فيمن عجز عن القعود، يصلي على جنبه أو ظهره، ووجهه أو رجلاه إلى القبلة إن استطاع إذا كان عنده من يوجهه اهـ، ولو استلقى على ظهره، ورجلاه إلى غير القبلة، فإنه يصير مستدبرا القبلة، فلا تنعقد صلاته مع القدرة، وكره أحمد إسناد ظهره إلى القبلة، ومد الرجل إليها، وكره الحنفية أيضا مد الرجلين إلى القبلة في النوم وغيره، وهو عند الكعبة مسلم، ومطلقا يستدعي دليلا شرعيا، وقيل: لعل الأولى تركه، وقدرت على الشيء، أقدر من باب ضرب قويت عليه، وتمكنت منه، والاسم القدرة وفيه لغة كعلم يعلم. (¬4) أي وإن لم يقدر المريض أن يصلي على جنبه، تعين أن يصلي على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، بلا كراهة نص عليه وصلاته صحيحة بلا نزاع.

يومئ العاجز برأسه راكعا وساجدا

(ويومئ راكعا وساجدا) ما أمكنه (¬1) (ويخفضه) أي السجود (عن الركوع) (¬2) لحديث علي مرفوعا: «يصلي المريض قائما، فإن لم يستطع صلى قاعدا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدا، صلى على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقيا، رجلاه مما يلي القبلة» ، رواه الدارقطني (¬3) (فإن عجز) عن الإيماء (أومأ بعينيه) (¬4) . ¬

_ (¬1) أي برأسه وجوبا، نص عليه للخبر الآتي ولحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» قال الشيخ فيمن لا يستطيع التحرك، وإذا سجد لا يستطيع الرفع: يومئ برأسه إيماء بحسب حاله. (¬2) وجوبا للخبر، ولتمييز أحدهما عن الآخر. (¬3) وقال النووي: ضعيف لكن له شواهد عند البزار والبيهقي والطبراني وتقدم حديث عمران في الصحيح وزاد النسائي: «وإن لم تستطع فمستلقيا» ، وفي هذا الحديث قيد معتبر في صحة الصلاة على هذه الحالة فلو استلقى على ظهره ورجلاه إلى غير القبلة صار مستدبرا القبلة، فلا تنعقد صلاته، فإن الاستقبال واجب مع القدرة ولو كان في غير الراحلة والسفينة فعليه الاستقبال إن قدر عليه، وعليه بقية الشروط والأركان والواجبات إن قدر عليها، وما لا يقدر عليه يسقط عنه. (¬4) أي إن عجز عن الإيماء برأسه لركوعه وسجوده، أومأ بعينيه لما ذكره من الخبر، وقال ابن قندس وغيره: موضع الإيماء هو الرأس والوجه والطرف من ذلك الموضع لأنهما من الرأس، بخلاف اليدين فإنهما ليسا من موضع الإيماء وعجز بفتح الجيم، يعجز بكسرها، وحكي بالعكس والعجز أن لا يقدر على ما يريد.

لقوله عليه الصلاة والسلام «فإن لم يستطع أومأ بطرفه» رواه زكريا الساجي بسنده، عن الحسين بن علي بن أبي طالب (¬1) وينوي الفعل عند إيمائه له (¬2) والقول كالفعل، يستحضره بقلبه، إن عجز عنه بلفظه (¬3) وكذا أسير خائف (¬4) ولا تسقط الصلاة ما دام العقل ثابتا (¬5) . ¬

_ (¬1) يعني عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي بن الحسين بن علي، وظاهر كلام جماعة لا يلزمه وصوبه في الفروع، لعدم ثبوته، فقد رواه الدارقطني وغيره بسند ضعيف، وليس فيه، وأومأ بطرفه، وقال الشيخ: لو عجز المريض عن الإيماء برأسه سقطت عنه الصلاة، ولا يلزمه الإيماء بطرفه اهـ، وهو رواية عن أحمد، وذكر القاضي أنه ظاهر كلام أحمد، وفي رواية محمد ابن يزيد لما روي عن أبي سعيد أنه قيل له في مرضه، الصلاة، قال: قد كفاني، إنما العمل في الصحة، ولظاهر حديث عمران، وحكي عن أبي حنيفة، و «أومأ» أشار، و «الطرف» بفتح الطاء، وسكون الراء العين، أو اسم جامع للبصر، وطرف العين حركتها. (¬2) يعني للركوع والسجود (¬3) لما تقدم وتقدم أنه لا يلزمه. (¬4) أي أن يعلموا بصلاته يومئ بطرفه لعجزه إذا عن الإيماء بالركوع والسجود برأسه لقوله: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . (¬5) يعني لقدرته على الإيماء بطرفه، مع النية بقلبه، لعموم أدلة وجوبها، وعنه: تسقط، وفاقا لأبي حنيفة واختاره الشيخ، لظاهر حديث عمران وغيره، مما تقدم وغيره.

ولا ينقص أجر المريض إذا صلى ولو بالإيماء عن أجر الصحيح المصلي قائما (¬1) ولا بأس بالسجود على وسادة ونحوها (¬2) وإن رفع له شيء عن الأرض فسجد عليه ما أمكنه صح وكره (¬3) فإن قدر، المريض في أثناء الصلاة على قيام (أو عجز) عنه (في أثنائها انتقل إلى الآخر) فينتقل إلى القيام من قدر عليه (¬4) وإلى الجلوس من عجز عن القيام (¬5) . ¬

_ (¬1) لحديث أبي موسى: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيما صحيحا» ، ونظائره وقال الشيخ: من نوى الخير وفعل ما يقدر عليه، كان له كأجر الفاعل، واحتج بحديث أبي كبشة وغيره. (¬2) مما وضع له ليسجد عليه، والمراد بلا رفع، واحتج أحمد بفعل أم سلمة وابن عباس وغيرهما، ونهى عنه ابن مسعود وابن عمر، لحديث جابر: أنه رأى مريضا يصلي على وسادة فرمى بها، والوسادة بالكسر المخدة، والجمع وسادات ووسائد. (¬3) للخلاف في منعه، ووجه الكراهة إذا كانت الوسادة ونحوها منفصلة عن الأرض، ولم تبق عليها، فلا ينبغي السجود على وسادة ونحوها، ويومئ غاية ما يمكنه. (¬4) بلا نزاع لتعينه عليه قال تعالى: {وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ} وكذا إن قدر مصل مضطجعا على قعود في أثنائها انتقل إليه وأتمها، لأن المبيح العجز وقد زال، «وقدر على الشيء» أطاقه ضد عجز عنه. (¬5) إجماعا، حكاه أبو حامد وغيره، وإلى الجنب ونحوه من عجز عن القعود للعجز وتقدمت الأدلة.

ويركع بلا قراءة من كان قرأ (¬1) وإلا قرأ (¬2) وتجزئ الفاتحة من عجز فأتمها في انحطاطه (¬3) لا من صح فأتمها في ارتفاعه (¬4) وإن قدر على قيام وقعود دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائما، لأن الراكع كالقائم في نصب رجليه (¬5) (و) أومأ (بسجود قاعدا) لأن الساجد كالجالس في جمع رجليه (¬6) ومن قدر على أن يحني رقبته دون ظهره حناها (¬7) وإذا سجد قرب وجهه من الأرض ما أمكنه (¬8) . ¬

_ (¬1) حال عجزه، لحصولها في محلها. (¬2) أي وإن لم يكن قرأ حال عجزه، قرأ بعد قيامه أو قعوده ليأتي بفرضها. وإن كان قرأ البعض أتى بالباقي. (¬3) لأنه أعلى من القعود الذي صار فرضه. (¬4) أي حال نهوضه، لأن فرضه القراءة حال القيام، وأما ما قرأ به جالسا قبل قدرته على القيام فيبني عليه. (¬5) فوجب أن يومئ به في قيامه، وفاقا للشافعي. (¬6) فوجب أن يومئ به جالسا، ليحصل الفرق بين الإيماءين. (¬7) أي حني رقبته إن قدر، يعني عطفها، وحناه يحنيه عطفه، وانحنى وتحنى تحنيا أعوج وانعطف. (¬8) لقوله: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} .

ومن قدر أن يقوم منفردا ويجلس في جماعة خير (¬1) (ولمريض الصلاة مستلقيا مع القدرة على القيام، لمداواة بقول طبيب مسلم) ثقة (¬2) وله الفطر بقوله: إن الصوم مما يمكن العلة (¬3) (ولا تصح صلاته قاعدا في السفينة وهو قادر على القيام (¬4) ¬

_ (¬1) بين أن يصلي منفردا قائما، وبين أن يصلي قاعدا في جماعة، وفاقا لأبي حنيفة والشافعي، قيل: لعل وجهه أن القيام وإن كان ركنا، لكن له بدل وهو القعود، وقال أبو المعالي: يلزمه القيام، وصوبه في الإنصاف، لأن القيام ركن لا تصح الصلاة إلا به مع القدرة عليه، وهذا قادر عليه، والجماعة واجبة، تصح الصلاة بدونها. (¬2) أي عدل ضابط حاذق فطن، يقول له: إن صليت مستلقيا أمكن مداوتك فله ذلك، وفاقا لأبي حنيفة، ولو كان الطبيب امرأة، لأنه أمر ديني، فلا يقبل من كافر ولا فاسق، كغيره من أمور الدين ويكفي منه غلبة الظن، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم صلى جالسا حين جحش شقه، والظاهر أنه لم يكن لعجزه عن القيام، بل فعله إما للمشقة، أو وجود الضرر وكلاهما حجة، وأم سلمة تركت السجود لرمد بها، وقدم الموفق وغيره: إن قال ثلاثة وقال ابن منجا، ليس بمراد لأن قول الاثنين كاف، كما صرح به غير واحد، ونص أحمد أنه يفطر بقول واحد، إن الصوم مما يمكن العلة، والطبيب العالم بالطب، وهو كل ماهر حاذق بعلمه، قال الجوهري: كل حاذق طبيب عند العرب، وسمي طبيبا لحذقه وفطنته. (¬3) أي المرض، نص عليه لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وقاس القاضي وغيره المسألة الأولى عليه. (¬4) بلا نزاع لقدرته على ركن الصلاة كمن بغير سفينة، وتجوز إقامة الجماعة فيها، على الصحيح من المذهب، ومثل السفينة عجلة ومحفة وعمارية. وهودج ونحوها، وإن خاف راكب سفينة الغرق أو دوران الرأس: صلى قاعدا ولا إعادة، والسفينة معروفة وجمعها سفن وسفين، وسميت بذلك لأنها تسفن الماء، كأنها تقشره.

ويصح الفرض على الراحلة واقفة أو سائرة خشية التأذي بوحل أو مطر ونحوه (¬1) لقول يعلى بن مرة، انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم، يعني إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع، رواه أحمد والترمذي، وقال: العمل عليه عند أهل العلم (¬2) وكذا إن خاف انقطاعا عن رفقته بنزوله (¬3) أو على نفسه (¬4) . ¬

_ (¬1) كثلج وبرد، فإن قدر على نزوله بلا مضرة لزمه، وقام وركع لغير حالة المطر، وأومأ بسجود إن كان يلوث الثياب، بخلاف اليسير. (¬2) وثبت عن أنس من فعله، ولم ينقل عن غيره خلافه، ويعلى بن مرة هو ابن وهب بن جابر بن عتاب بن مالك الثقفي، من أفاضل الصحابة رضي الله عنهم، والمضيق بفتح فكسر فسكون ما ضاق من الأماكن، ضد ما اتسع، والجمع مضايق والسماء يعني المطر، أو المطرة الجيدة، جمعها أسمية قال الشاعر: إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا أراد بالأول المطر، وبالثاني النبات، وسمي المطر سماء لخروجه من السماء، يعني السحاب، فإن ما علاك فهو سماء، والبلة النداوة. (¬3) أي صلى عليها، دفعا للحرج والمشقة والانقطاع. (¬4) أي أو خاف بنزوله على نفسه من عدو، أو سيل، أو سبع ونحوه صلى عليها.

أو عجز عن ركوب إن نزل (¬1) وعليه الاستقبال وما يقدر عليه (¬2) (ولا) تصح الصلاة على الراحلة (لمرض) وحده دون عذر مما تقدم (¬3) ومن بسفينة وعجز عن القيام فيها، والخروج منها صلى جالسا مستقبلا (¬4) ويدور إلى القبلة كلما انحرفت السفينة بخلاف النفل (¬5) . ¬

_ (¬1) صلى عليها لا إن قدر ولو بأجرة يقدر عليها قال في الاختيارات تصح صلاة الفرض على الراحلة خشية الانقطاع عن الرفقة أو حصول ضرر بالمشي أو تبرز الخفرة. (¬2) أي يجب على المصلي المكتوبة على الراحلة لعذر مما سبق الاستقبال مطلقا، لعموم {وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} ويجب عليه ما قدر عليه من ركوع وسجود وإيماء بهما وطمأنينة وغير ذلك لقوله {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وعليه الاستقبال إن قدر عليه، وعليه بقية الشروط والأركان والواجبات إن قدر عليها، وما لا يقدر عليه لا يكلف به، فالاستقبال ليس واجبا إلا مع القدرة، ولو كان في غير الراحلة والسفينة، ومن صلى المكتوبة أو النافلة على الراحلة أو السفينة أو المحفة ونحوها سائرة أو واقفة، وأتى بكل فرض وشرط صحت صلاه ولو بلا عذر، لاستيفائه ما يعتبر لها، ومن بماء وطين يومئ، كمصلوب ومربوط، وما سوى ذلك يعتبر المقر لأعضاء السجود. (¬3) كعجزه عن الركوب إذا نزل، أو انقطاع لأن الصلاة أسكن له في نزوله وأمكن وكان ابن عمر ينزل مرضاه، ومع العذر تجوز عليه كالصحيح وأولى. (¬4) وفاقا إلا أن تكون واقفة فيجب عليه القيام. (¬5) فلا يلزمه أن يدور معها إلى القبلة كلما انحرفت، وقال بعضهم: لا يلزم أن يدور في الفرض كالنفل على الأصح، وتقام الجماعة فيها مع عجز عن قيام كمع قدرة عليه.

فصل في قصر المسافر الصلاة

فصل في قصر المسافر الصلاة (¬1) وسنده قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} الآية (¬2) . ¬

_ (¬1) أي رد الرباعية من أربع إلى ركعتين، من قصر الشيء، إذا نقصه أو نقص منه أو حبسه، وهو مشروع بالكتاب والسنة، جائز بإجماع أهل العلم، منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتواتر، واختاره فقهاء الحديث وغيرهم، كأحمد وغيره، وشيخ الإسلام وغيره اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يصل في السفر قط إلا مقصورة، حتى إن من العلماء من يوجبه، ومن صلى أربعا لم يبطلوا صلاته، لأن الصحابة أقروا من فعل ذلك منهم، بل منهم من يكره ذلك، ومنهم من لا يكرهه، وإن رأى تركه أفضل، قال الموفق وغيره: القصر أفضل من الإتمام، في قول جمهور العلماء، ولا نعلم خالف فيه إلا الشافعي في أحد قوليه، قال الشيخ: وإذا كان القصر أفضل عند جماهير أهل العلم، لم يجز أن يحتج بنفي الجناح على أنه مباح لا فضيلة فيه، وفي الصحيحين فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر، وقال عمر: صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر، وغير ذلك، وأوله بعضهم: لمن أراد القصر، لا أنها أصل، لمخالفة نص القرآن وإجماع المسلمين في أنها مقصورة، وأن المسافر إذا اقتدى بمقيم لزمه الإتمام، وقال غير واحد: متى خالف خبر الآحاد نص القرآن أو إجماعا وجب ترك ظاهره. (¬2) ضربتم في الأرض، أي سافرتم في البلاد، تقصروا، من كميتها وخفتم خرج مخرج الغالب، قاله غير واحد، وأنه إنما علق القصر على الخوف لأن غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم لم تخل منه وقال الشيخ: القصر قصران قصر الأفعال، وقصر العدد كصلاة الخوف حيث كان مسافرا، فإنه يرتكب فيها ما لا يجوز في صلاة الأمن، والآية وردت على هذا «ومقيد» وهو ما اجتمع فيه قصر العدد فقط، كالمسافر، أو قصر العمل فقط، كالخائف وهو حسن لكن يرد على هذا قول يعلى لعمر: ما لنا نقصر وقد أمنا؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» رواه مسلم، فظاهر ما فهماه تقييد قصر العدد بالخوف، والنبي صلى الله عليه وسلم أقرهما على ذلك: وقيل: قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ} كلام مبتدأ معناه وإن خفتم، وقال ابن عمر: صحبت النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبو بكر وعمر وعثمان كذلك متفق عليه.

(من سافر) أي نوى (سفرًا مباحًا) أي غير مكروه ولا حرام (¬1) . ¬

_ (¬1) سن له قصر الرباعية ركعتين، وأجمعوا على جوازه في سفر الطاعة وأما السفر المحرم فمذهب مالك والشافعي وأحمد لا يقصر، وعن أحمد يقصر في سائر جنس الأسفار، وهو مذهب أبي حنيفة وطوائف من السلف والخلف، قال الموفق: الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر، إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه، وقال شيخ الإسلام: الحجة مع من جعل القصر مشروعًا في جنس السفر، ولم يخص سفرًا من سفر، وهذا القول هو الصحيح، فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خص سفرًا من سفر، ولو كان مما يختص بنوع لكان بيانه من الواجبات، ولو بين لنقلته الأمة، وما علمت عن الصحابة في ذلك شيئًا، ولم يذكر تقييده في شيء من الكتاب والسنة بنوع دون نوع، فكيف يجوز أن يكون معلقًا بأحد نوعي السفر؟ ولا يبين الله ولا رسوله ذلك، بل يكون بيان الله ورسوله متناولاً سفر الطاعة وسفر المعصية. وقال أيضًا: ويجوز قصر الصلاة في كل ما يسمى سفرًا، قل أو كثر، وسواء كان مباحا أو محرما ونصره ابن عقيل، وقاله بعض المتأخرين من أصحاب أحمد والشافعي اهـ وعليه العمل، وأما من ارتكب المعاصي في سفره فله الترخص بلا خلاف، لأنه ليس ممنوعًا من السفر، وإنما منع من المعصية، وقول الشارح «نوى» صرفٌ لعبارة الماتن عن مقتضاها كالمنقح لما يرد عليها، كخروج من طلب ضالة أو آبقًا جاوز ستة عشر فرسخا على التقييد به، فإنه يصدق عليه أنه مسافر، وكون المعتبر المسافة لا حقيقتها فلو نواها ثم رجع قبل استكمالها وقد قصر لم يعد، لكن قد يقال بأنه قد ينوي السفر ولا يسافر، فيرد على عبارة الشارح عدم الاكتفاء بالنية، ويجاب بأنه إذا فارق عامر قريته يدل على السفر، إلا أنه يحتاج إلى إضمار: إذا فارقها مسافرًا، وقال عثمان: الأخلص في العبارة أن يقال: من ابتدأ سفرًا مباحًا ناويًا، فله القصر إذا فارق.. إلخ، والسفر قطع المسافة، وجمعه أسفار، سمي بذلك لأنه يسفر عن أخلاق الرجال أي يكشفها وقيل غير ذلك.

فيدخل فيه الواجب والمندوب (¬1) والمباح المطلق (¬2) ولو نزهة وفرجة (¬3) . ¬

_ (¬1) كحج وجهاد متعينين، وكزيارة رحم وإخوان، وعيادة مريض، وأحد المساجد الثلاثة بلا نزاع، لا المشاهد، على القول بعدم جواز القصر في السفر المحرم. لقوله عليه الصلاة والسلام «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ، الحديث متفق عليه، قال الشيخ: لم ينقل جوازه عن أحد من المتقدمين، وذكر أنه بدعة، واختار القاضي والجويني تحريم السفر لزيارة القبور مطلقا، وغلط أهل التحقيق من استثنى قبر النبي صلى الله عليه وسلم لأن الاستثناء في قوله «لا تشد الرحال» ونحوه عند أهل الأصول معيار العموم. (¬2) أي غير المقيد بالواجب والمستحب. (¬3) قال النووي: قطع به أهل التحقيق، وكرهه شيخ الإسلام وغيره والنزهة الخروج إلى البساتين والخضر والرياض، يقال، نزه المكان ككرم، نزاهة فهو نزيه، إذا كان ذا ألوان حسان، قال ابن قتيبة: ذهب بعض أهل العلم في قول الناس: خرجوا يتنزهون، أنه غلط، وهو عندي ليس بغلط لأن البساتين في كل بلد إنما تكون خارج البلد، فإذا أراد أحد أن يأتيها فقد أراد البعد عن المنازل والبيوت ثم كثر هذا حتى استعملت النزهة في الخضر والجنان اهـ والفرجة بالضم عطف تفسير، وفي المجمل: الفرجة التقضي عن الهم، قال في الفروع: أطلق أصحابنا إباحة السفر للتجارة، ولعل المراد: غير مكاثر في الدنيا، وأنه يكره، وقال ابن حزم: اتفقوا أن الاتساع في المكاسب والمباني من حل إذا أدى جميع حقوق الله قبله مباح، ثم اختلفوا فمن كاره ووغير كاره، وقال النووي: من سافر لأي قصد من المقاصد دينًا أو دنيا ترخص بلا خلاف، ولغير قصد إلا الترخص ترخص، وفاقًا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي.

يبلغ (أربعة برد) (¬1) وهي ستة عشر فرسخًا (¬2) . ¬

_ (¬1) جمع بريد، أربعة فراسخ، أو اثنا عشر ميلاً، أو ما بين المنزلتين قال الشيخ: والبريد هو نصف يوم بسير الإبل والإقدام، وهو ربع مسافة يومين وليلتين (¬2) يعني أربعة البرد قال الشاعر: إن البريد من الفراسخ أربع ... والفرسخ فثلاث أميال ضعوا والميل ألفًا قدروا بالباع ... والباع أربعة من الذراع والفرسخ واحد الفراسخ، فارسي معرب، ويقال: الفرسخ ثلاثة أميال، والميل اثنا عشر ألف قدم ستة آلاف ذراع، وهو الأشهر وأربعة آلاف خطوة، وجزم الجوهري أنه منتهى مدى البصر، لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض، والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة، كل أصبع ست شعيرات، كل شعيرة ست شعرات برذون، وصحح غير واحد أن مقدار المسافة تقريب لا تحديد وقال في الإنصاف: هذا مما لا نشك فيه.

إباحة القصر لمن ضرب في الأرض

برا وبحرا (¬1) وهي يومان قاصدان (¬2) . ¬

_ (¬1) لعدم الفرق بينهما وفاقا، فمسافة البحر كالبر، ولو قطعها في ساعة، كما لو قطعها في البر في نصف يوم، ويأتي كلام الشيخ رحمه الله تعالى. (¬2) أي الستة عشر فرسخا مسيرة يومين قاصدين، أي معتدلين بسير الأثقال، ودبيب الأقدام، هينتي السير بلا تعب ولا بطء، فإن القصد الاعتدال بذلك، مع المعتاد من النزول والاستراحة ونحوها، وهذا مذهب مالك والشافعي، وقيل غير ذلك، وقال شيخ الإسلام، قال أبو محمد: لا أعلم لما ذهب إليه الأئمة وجها، لمخالفة السنة وظاهر القرآن، فإن ظاهر القرآن إباحة القصر لمن ضرب في الأرض، وهو كما قال، فإن التحديد بذلك ليس بثابت بنص ولا إجماع ولا قياس، ولا حجة لتحديده، بل الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر، واستظهر جواز القصر لمن سافر يوما، وقال: والمسافر يريد أن يذهب إلى مقصوده ويعود إلى وطنه، وأقل ذلك مرحلة يذهب في نصفها، ويرجع في نصفها، وهذا هو البريد وقد حدوا بهذه المسافة الشهادة على الشهادة غير ذلك. وقال الفرق بين السفر الطويل والقصير لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل الأحكام التي علق الله بالسفر علقها مطلقا، وذكر الآيات في ذلك والآثار، ثم قال: فهذه النصوص وغيرها من نصوص الكتاب والسنة ليس فيها تفريق بين سفر طويل وسفر قصير، فمن فرق بين هذا وهذا فقد فرق بين ما جمع الله بينه، فرقا لا أصل له من كتاب الله ولا سنة رسوله، فالمرجع فيه إلى العرف، فما كان سفرا في عرف الناس فهو السفر، الذي علق به الشارع الحكم، وذكر مثل سفر أهل مكة إلى عرفة، وقال: أي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة، وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم، فإن هذه مسافة بريد، وهذا سفر ثبت فيه جواز القصر والجمع. وقال: إن حد فتحديده ببريد أجود إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه، والمعلوم أن الإجماع لم ينعقد على خلافه، وهو اختيار طائفة من علماء أصحاب أحمد، كان بعضهم يقصر الصلاة في مسيرة بريد، وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه، لمن تبين السنة وتدبرها، قال: والمحددون لهم طريقان: بعضهم يقول: لم أجد أحدا قال بأقل من ذلك، وقد علم من قال ذلك، وبعضهم يقول: هذا قول ابن عمر وابن عباس، ولا مخالف لهما، وهذا باطل فقد ثبت عنهما وغيرهما ما يخالف ذلك، وتحديد السفر بالمسافة لا أصل له في شرع ولا لغة ولا عرف ولا عقل، ولا يعرف عموم الناس مساحة الأرض، فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقا بشيء لا يعرفونه والاعتبار بما هو سفر فمن سافر ما يسمى سفرا قصرا وإلا فلا. وأدنى ما يسمى سفرا في كلام الشارع البريد، وكان يأتي قباء راكبا وماشيا، ويأتي إليه أصحابه ولم يقصر هو ولا هم، ويأتون إلى الجمعة من نحو ميل وفرسخ، والنداء يسمع من نحو فرسخ، وقصر أهل مكة بعرفة اهـ، وسمى النبي صلى الله عليه وسلم يوما وليلة سفرا، فقال في المرأة: «لا تسافر يومًا وليلة إلا مع ذي محرم» ، قال البغوي: وعامة الفقهاء يقولون مسيرة يوم تام، وكان ابن عمر يقصر في مسيرة يوم، وقال الأوزاعي وآخرون: يقصر في مسيرة يوم تام، وهو قول ابن المنذر وداود وغيرهما لإطلاق الكتاب والسنة، ولحديث يحيى ابن يزيد، سألت أنسا عن قصر الصلاة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين رواه مسلم.

سن له قصر الرباعية ركعتين (¬1) . ¬

_ (¬1) قال في الإقناع والمنتهى وغيرهما: ولو قطعها في ساعة، وذكر شيخ الإسلام أن السفر ليس محدودا بمسافة بل يختلف، فيكون مسافرا في مسافة بريد، وقد يقطع أكثر من ذلك ولا يكون مسافرًا، فلو ركب رجل فرسا سابقا إلى عرفة ثم رجع من يومه إلى مكة لم يكن مسافرا، يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن» فلو قطع البريد في ثلاثة أيام كان مسافرًا ثلاثة أيام، فيمسح مسح مسافر، ولو قطع البريد في نصف يوم لم يكن مسافرا، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما اعتبر ثلاثة أيام، سواء كان حثيثا أو بطيئا وذكر أن ابن عباس نهى من ذهب ورجع من يومه إلى أهله أن يقصر. وقال: الذين جعلوا المسافة الواحدة حدا يشترك فيه جميع الناس، مخالفون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فالرجل يخرج من القرية إلى صحراء لحطب يأتي به، فيغيب اليومين والثلاثة فيكون مسافرا، وإن كانت المسافة أقل من ميلن بخلاف من يذهب ويرجع من يومه، فإنه لا يكون في ذلك مسافرا فإن الأول يأخذ الزاد والمزاد، بخلاف الثاني، فالمسافة القريبة في المدة الطويلة تكون سفرا، والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفرا، فالسفر يكون بالعمل الذي يسمى سفرا لأجله، والعمل لا يكون إلا في زمان، فإذا طال العمل وزمانه فاحتاج إلى ما يحتاج إليه المسافر سمي مسافرا، وإن لم تكن المسافة بعيدة، وإذا قصر العمل والزمان بحيث لا يحتاج إلى زاد ومزاد لم يسم سفرا، وإن بعدت المسافة، فالأصل هو العمل الذي يسمى سفرا، ولا يكون العمل إلا في زمان، فيعتبر العمل الذي هو سفر، ولا يكون ذلك إلا في مكان يسفر عن الأماكن، وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم فما سموه سفرا فهو سفر وإلا فلا.

المسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفرا

لأنه عليه الصلاة والسلام دوام عليه (¬1) . ¬

_ (¬1) قال شيخ الإسلام وغيره: فإن المسلمين قد نقلوا بالتواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في السفر إلا ركعتين، ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعا قط، واختار أنه سنة، وأن الإتمام مكروه، وذكر أن القصر أفضل عند عامة أهل العلم، ليس فيه إلا خلاف شاذ، وأن أكثرهم يكرهون التربيع للمسافر. وقال: يكره إتمام الصلاة في السفر ونقل عن أحمد أنه توقف في الأجزاء، ولم يثبت أن أحدا من الصحابة كان يتم الصلاة في السفر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن حديث عائشة في مخالفة ذلك لا تقوم به الحجة.

بخلاف المغرب والصبح فلا يقصران إجماعا، قاله ابن المنذر (¬1) (إذا فارق عامر قريته) (¬2) سواء كانت البيوت داخل السور أو خارجه (¬3) . ¬

_ (¬1) لأن المغرب وتر النهار، فإن سقط منها ركعة بطل كونها وترا، وإن سقط ركعتان بقي ركعة، ولا نظير لها في الفرض، والصبح لو سقط منها ركعة بقيت ركعة، ولا نظير لها في الفرض، ولم يقصرا بإجماع المسلمين. (¬2) أي إذا فارق من نوى سفرا مباحا عامر قريته مسافرا، بما يقع عليه اسم المفارقة، بنوع من البعد عرفا، قصر وفاقا للأئمة الثلاثة، وجماهير العلماء من الصحابة ومن بعدهم، وحكاه ابن المنذر وغيره إجماعا لأن الله أباح القصر لمن ضرب في الأرض، وقبل المفارقة لا يكون ضاربا فيها ولا مسافرا، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يقصر إذا ارتحل قال شيخ الإسلام: فيه ما يبين أنه لا اعتبار بمسافة محدودة فإن المسافر في المصر الكبير لو سافر يومين أو ثلاثة لم يكن مسافرا والمسافر عن قرية صغيرة إذا سافر مثل ذلك كان مسافرا، وأن المسافر لا بد أن يسفر أي يخرج إلى الصحراء، وأن لفظ السفر يدل على ذلك، فلا يكون إلا في مكان يسفر عن الأماكن، وقال: لا بد أن يسفر، أي يخرج إلى الصحراء فإن لفظ السفر يدل على ذلك، يقال: سفرت المرأة عن وجهها، إذا كشفته فإذا لم يبرز إلى الصحراء التي ينكشف فيها من بين المساكن لم يكن مسافرا. (¬3) فإن ولي البيوت الخارجة عامرة فحتى يفارقها قال شيخ الإسلام والمدينة كانت محلا أي أمكنه والمحلة القرية ومنزلة القوم وجماعة بيوت الناس. وكل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارا وجمع الناس، وتقع على المدن وغيرها، فإن لم يل الخراب عامر لكن جعل مزارع وبساتين يسكنه أهله، ولو في فصل النزهة فله القصر قبل مفارقته، في ظاهر كلامهم، وصرح به الموفق وغيره فيما إذا خرج من البلد، وصار بين حيطان بساتينه، لأنها غير معدة للسكنى.

(أو) فارق (خيام قومه) (¬1) أو ما نسبت إليه عرفا سكان قصور وبساتين ونحوهم (¬2) لأنه عليه الصلاة والسلام إنما كان يقصر إذا ارتحل (¬3) ولا يعيد من قصر بشرطه ثم رجع قبل استكماله المسافة (¬4) ويقصر من أسلم أو بلغ (¬5) . ¬

_ (¬1) أي فله القصر وفاقا، إن استوطنوا الخيام، جمع خيمة كتمرة وتمر، قاله الواحدي، وقال الجوهري، جمع خيم بمعنى خيمة وعلى الأول فالخيام جمع جمع. (¬2) كأهل العزب من قصب ونحوه، وسكان بالرفع نائب فاعل نسبت أي أو فارق سكان قصور وبساتين ونحوهم ذلك المحل الذي نسبت إليه عرفا تلك القصور والبساتين والعزب ونحوها، إن كان الباقي قدر مسافة، ولم ينو عودا قبل استكمالها وإن فارق عامر قريته ونحوه بنية رجوعه بقرب لحاجة لم يترخص حتى يرجع ويفارق، ومن رجع إلى بلد أقام به إقامة مانعة يترخص مطلقا، حتى فيه نص عليه وفاقا، لزوال نية إقامته كعوده مجتازا. (¬3) كما ثبت من غير وجه في الصحيحين وغيرهما، ولم يرو عنه القصر قبل البروز، ولو برزوا بمكان لقصد الاجتماع ثم ينشئون السفر منه فلهم القصر قبل مفارقته، قال في الفروع: وهو متجه اهـ، وينتهى سفره ببلوغه مبدأ سفره. (¬4) لأن المعتبر نية المسافة لا حقيقتها، وشرطه هو ما إذا سافر على ما تقدم. (¬5) أو عقل، بسفر مبيح، ولو كان الباقي دون المسافة.

أو طهرت بسفر مبيح، ولو كان الباقي دون المسافة (¬1) ، لا من تاب إذا (¬2) ولا يقصر من شك في قدر المسافة (¬3) ولا من لم يقصد جهة معينة كالتائه (¬4) ولا من سافر ليترخص (¬5) . ¬

_ (¬1) لأن عدم تكليفه في السفر المبيح لا أثر له في ترك القصر في آخره، وعدم التكليف غير مانع في القصر، بخلاف من أنشأ سفر معصية ثم تاب وقد بقي دونها على المذهب. (¬2) أي فلا يقصر إذا لم يبق إلا دون مسافة القصر، وتقدم قول الشيخ. (¬3) بأن جهل كونها مسافة قصر، لأن الأصل الإتمام، ولم يعلم المبيح للقصر أو لم يعلم قدره، كمن خرج في طلب آبق أو ضال، ناويا أن يعود به أين وجده لعدم تحقق المبيح للقصر، وقال ابن عقيل: يباح له القصر إذا بلغ مسافة القصر، واختار الشيخ وغيره القصر للحشاش والخطاب فيما يطلق عليه اسم السفر، والحجة مع من قال: له القصر في كل ما يسمى سفرا. (¬4) أي ضال الطريق، الذاهب في الأرض تحيرا، والهائم الذي لا يدري أين يذهب، لأنه يشترط للقصر قصد جهة معينة، صرح به في الإقناع وغيره، وليس بموجود منهم، وكذا سائح لا يقصد مكانا معينا، لأن السفر إذا ليس بمباح وقال في جمع الجوامع وغيره في التائه ونحوه: يقصر، وهو المختار والسياحة لغير موضع معين مكروهة، وقال في الاختيارات، السياحة في البلاد لغير قصد شرعي - كما يفعله بعض النساك - أمر منهي عنه، قال أحمد: ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا هي من فعل النبيين والصالحين، ومراده والله أعلم السياحة لغير غرض شرعي، فأما السياحة للجهاد وطلب العلم، وتعليم الجاهل، ونحو ذلك فمشروع مندوب كما هو معلوم. (¬5) قال في الفروع: ولو سافر ليترخص، فقد ذكروا أنه لو سافر ليفطر حرم. قال في المغني: الحجة مع من أباح القصر في كل سفر لم يخالف إجماعا واختاره شيخ الإسلام، وقاله في سفر المعصية، وذكر أن ابن عقيل رجحه في بعض المواضع، كأكل الميتة فيه، في رواية اختارها في التلخيص، واستظهرها في الفروع وفاقا، وقال: وكعاص في سفره، أو به وفاقا، وتقدم قول النووي وغيره: من سافر ليترخص ترخص، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي.

ويقصر المكره كالأسير (¬1) وامرأة وعبد تبعا لزوج وسيد (¬2) (وإن أحرم) في الـ (حضر ثم سافر (¬3) أو) أحرم (سفرا ثم أقام) أتم (¬4) لأنها عبادة اجتمع لها حكم الخضر والسفر، فغلب حكم الحضر (¬5) . ¬

_ (¬1) أي يقصر المكره على السفر، كما يقصر الأسير، تبعا لسفرهم، ومتى صار ببلدهم أتم تبعا لإقامتهم، وكالبكر الزاني المغرب، ومحرم المغربة، وقاطع الطريق المشرد إذا خاف السبيل، ولم يقتل ولم يأخذ مالا، لأن سفرهما ليس بمعصية وإن كان بسبب المعصية. (¬2) في سفر ونية، فإذا نوى الزوج والسيد سفرا مباحا يبلغ مسافة القصر، قصرا تبعا لهما، وفيه لف ونشر مرتب، وهو من أنواع البديع المحسنة، وكذا جندي مع أمير تبع له. وفي الفروع: تقصر المرأة تبعا لزوجها وفاقا، وكذا عبد تبعا لسيده وفاقا، فلا يعتبر نيتهما السفر، وهو ظاهر. (¬3) أي أحرم بالصلاة في الحضر، بنحو سفينة، ثم سارت به مسافرا أتم بإجماع المسلمين، تغليبا لحكم الحضر، لأنه الأصل. (¬4) كراكب سفينة أحرم بالصلاة مقصورة فيها ثم وصل إلى وطنه في أثناء الصلاة لزمه أن يتمها. (¬5) لأنه الأصل، كالمسح على الخف، وقال النووي وغيره: اجتماع الحضر. والسفر في العبادة يوجب تغليب حكم الحضر، ونقل أبو حامد وغيره إجماع المسلمين عليه.

وكذا لو سافر بعد دخول الوقت أتمها وجوبا، لأنها وجبت تامة (¬1) . (أو ذكر صلاة حضر في سفر) أتمها (¬2) لأن القضاء معتبر بالأداء وهو أربع (¬3) (أو عكسها) بأن ذكر صلاة سفر في حضر أتم، لأن القصر من رخص السفر، فبطل بزواله (¬4) (أو ائتم) مسافر (بمقيم) أتم، قال ابن عباس: تلك السنة، رواه أحمد (¬5) . ¬

_ (¬1) قاله أصحابنا، وذكر ابن عقيل رواية: له قصرها وفاقا، وحكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه، لأنها مؤداة في السفر، أشبه ما لو دخل وقتها فيه لأنه سافر قبل خروج وقتها، أشبه ما لو سافر قبل وجوبها. (¬2) وجوبا، إجماعا، حكاه أحمد، وابن المنذر، والنووي، والموفق وغيرهم. (¬3) أي الأداء فوجب إتمامها لأن الحضر هو الصلاة، ولأن الأصل يتعين فعلها فلم يجز له النقصان من عددها، كما لو لم يسافر. (¬4) ولأن الحضر هو الأصل، فوجب الإتمام، وكما لو أحرم بالصلاة مقصورة بنحو سفينة، ثم وصلت إلى وطنه، أو محل نوى الإقامة به، وقال مالك وأبو حنيفة: يقصر، لأنه إنما يقضي ما فاته، وهو ركعتان. (¬5) وفاقا لأبي حنيفة ومالك، وحكاه أبو حامد عن عامة العلماء، وكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعا، رواه مسلم وحكى أحمد وابن المنذر عن ابن عباس وابن عمر أن المسافر إذا ائتم بمقيم صلى بصلاته، ولا يعرف لهما مخالف فكان إجماعا. وقول ابن عباس: تلك السنة ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» ، ولأنها صلاة مردودة من أربع، فلا يصليها خلف من يصلي الأربع كالجمعة، وسواء اقتدى به في جميع الصلاة أو بعضها، اعتقده مسافرا أو لا، وقال مالك: إن أدرك أقل من ركعة قصر، لقوله: «من أدرك ركعة» إلخ، يعني فمن أدرك أقل فلا يسمى مدركا.

ومنه لو ائتم مسافر بمسافر فاستخلف مقيما لعذر فيلزمه الإتمام (¬1) (أو) ائتم مسافر (بمن يشك فيه) أي في إقامته وسفره، لزمه أن يتم (¬2) وإن بان أن الإمام مسافر، لعدم نيته (¬3) لكن إذا علم أو غلب على ظنه، أن الإمام مسافر بأمارة كهيئة لباس (¬4) وأن إمامه نوى القصر فله القصر، عملا بالظاهر (¬5) . ¬

_ (¬1) أي يلزم المأموم دون الإمام المستخلف. (¬2) لعدم الجزم بكونه مسافرا عند الإحرام، وكذا إن ائتم بمن يغلب على ظنه أنه مقيم. (¬3) أي وإن ائتم بمن يشك في إقامته وسفره، فبان أنه مسافر، لزمه أن يتم، لعدم نية القصر، ويأتي أن الأصل القصر. (¬4) فله القصر، إقامة الظن مجرى العلم، لأن ألباس المسافر تغاير ألباس المقيم غالبا. (¬5) أي وغلب على ظنه أن إمامه نوى القصر، ولا يشترط أن يعلم أن إمامه نوى القصر، عملا بالظن لأنه يتعذر العلم غالبا.

القصر لا يحتاج إلى نية

وإن قال: إن أتم أتممت، وإن قصر قصرت، لم يضر (¬1) (أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها) لكونه اقتدى بمقيم، أو لم ينو قصرها مثلا (ففسدت) بحدث أو نحوه (وأعادها) أتمها، لأنها وجبت عليه تامة بتلبسه بها (¬2) (أو لم ينو القصر عند إحرامها) لزمه أن يتم، لأنه الأصل، وإطلاق النية ينصرف إليه (¬3) . ¬

_ (¬1) أي لم يؤثر ذلك في النية، وله القصر، وإن نوى الإتمام أتم، وإن صلى مقيم ومسافر خلف مسافر أتم المقيم إذا سلم إمامه إجماعا، لصلاة أهل مكة خلفه عليه الصلاة والسلام وقوله لهم: «أتموا فإنا قوم سفر» وإذا أم مسافر مقيمين فأتم بهم الصلاة صح، لأن المسافر يلزمه الإتمام بنيته، ويسن للمسافر إذا أم مقيمين أن يقول: أتموا فإنا قوم سفر، لفعله عليه الصلاة والسلام، وخليفتيه من بعده بمكة، ولئلا يلتبس على الجاهل عدد الركعات، وإن قصر الصلاتين في وقت أولاهما ثم قدم وطنه قبل دخول وقت الثانية أجزأه، قال غير واحد: على الصحيح من المذهب. (¬2) فلزمه إعادتها تامة، ولا يجوز أن تعاد مقصورة، وإن ابتدأها جاهلا حدثه فله القصر، والفساد ضد الاستقامة. (¬3) كما لو نوى الصلاة وأطلق، فإن نيته تنصرف إلى الانفراد، ولكونه الأصل، وكذا لو نوى القصر عند الإحرام ثم رفضه فنوى الإتمام لزمه أن يتم لعدم افتقاره إلى التعيين، فبقيت النية مطلقة، وعنه: أن القصر لا يحتاج إلى نية وفاقا لمالك وأبي حنيفة، وعليه عامة العلماء. واختاره شيخ الإسلام وجمع، وقال: لم ينقل أحد عن أحمد أنه قال: لا يقصر إلى بنية، وإنما هذا قول الخرقي ومن اتبعه. ونصوص أحمد وأجوبته كلها مطلقة في ذلك، كما قاله جماهير العلماء وهو اختيار أبي بكر، موافقة لقدماء الأصحاب، وما علمت أحدا من الصحابة والتابعين لهم بإحسان اشترط نيته، لا في قصر، ولا في جمع، ولم ينقل قط أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه لا بنية قصر، ولا بنية جمع، ولا كان صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأمرون بذلك من يصلي خلفهم، قال: وإذا كان فرضه ركعتين فإذا أتى بهما أجزأه ذلك، سواء نوى القصر أو لم ينوه، وهذا قول الجماهير كمالك وأبي حنيفة وعامة السلف، وما علمت أحدا من الصحابة والتابعين لهم بإحسان اشترط نية، لا في قصر ولا في جمع، ولو نوى المسافر الإتمام كانت السنة في حقه الركعتين، ولو صلى أربعا كان ذلك مكروها، كما لو لم ينوه، وقال ابن رزين: والنصوص صريحة في أن القصر أصل فلا يحتاج إلى نية.

(أو شك في نيته) أي نية القصر أتم لأن الأصل أنه لم ينوه (¬1) (أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام) أتم (¬2) . ¬

_ (¬1) ولو ذكر في أثناء الصلاة أنه كان نواه، لوجود ما أوجب الإتمام في بعضها، فغلب، لأنه الأصل، هذا المذهب، وتقدم قول الجمهور فيمن لم ينو القصر، فالشك في النية أولى، ولا يعتبر أن يعلم أن إمامه نواه، عملا بالظن، لأنه يتعذر العلم غالبا كما تقدم، وإن أم مسافر مسافرين فنسي فصلاها تامة صحت صلاة الجميع. (¬2) لحديث جابر وابن عباس الآتي، سواء كان ببلده أو مفازة، وقال شيخ الإسلام وغيره: للمسافر القصر والفطر ما لم يجمع على إقامة ويستوطن وتقسيم الإقامة إلى مستوطن وغير مستوطن، لا دليل عليه من جهة الشرع، بل هو مخالف للشرع، فإن هذه حال النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في غزوة الفتح، وفي حجة الوداع، وحاله بتبوك والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس هو أمرا معلوما، لا بشرع ولا عرف، وذكر إقامة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، وقصرهم في تلك المدة، وأنهم مجمعون على إقامة أكثر من أربعة أيام، وفي البلغة، إقامة الجيش للغزو لا تمنع الترخص وإن طالت لفعله صلى الله عليه وسلم بمكة وتبوك، وفعل السلف ويأتي الجواب عن الحديث إن شاء الله تعالى.

وإن أقام أربعة أيام فقط قصر، لما في المتفق عليه من حديث جابر وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في اليوم الثامن، ثم خرج إلى منى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها (¬1) (أو) كان المسافر (ملاحا) أي صاحب سفينة (¬2) (معه أهله، لا ينوي الإقامة ببلد، لزمه أن يتم) لأن سفره غير منقطع، مع أنه غير ظاعن عن وطنه وأهله (¬3) . ¬

_ (¬1) أي عزم على إقامة تلك الأيام الأربعة، لأن الحاج لا يخرج إلا يوم التروية، ودلالته على جواز القصر في نحو تلك الأيام وما دونها، وأما ما فوقها فلا حجة فيه لمنع القصر، وإنما يستفاد من أدلة أخر، وقال أنس: أقمنا بمكة عشرا نقصر الصلاة متفق عليه. (¬2) وهو كل من يتعاطى سيرها، من مالك ورئيس ونحوهما. (¬3) أشبه المقيم، ولأنه يعتبر للسفر المبيح كونه منقطعا، بخلاف الدائم، وعنه: يترخص وفاقا، واختاره الموفق والشيخ وغيرهما، وقالا: سواء كان معه أهله أو لا، لأنه أشق، وكونه يعتبر انقطاعه لم يكتفوا به، ونص عليه وخلاف ما ذهب إليه الأئمة، ومفهوم كلامه أنه إن كان له أهل وليسوا معه، أو معه وينوي الإقامة ببلد، فله القصر كغير من المسافرين، وهذا بلا نزاع.

ومثله مكار وراع ورسول سلطان ونحوهم (¬1) ويتم المسافر إذا مر بوطنه (¬2) أو ببلد له به امرأة (¬3) أو كان قد تزوج فيه (¬4) . ¬

_ (¬1) أي ومثل ملاح على ما تقدم من المذهب في أنه لا يقصر إن كان معه أهله، ولم ينو الإقامة ببلد مكار، وهو من يكري دابته، وفي الكافي، وفيج وهو الساعي المسرع، وقيل: البريد فارسي معرب، وإباحة القصر لهما أظهر لدخولهما في عموم النص اهـ، وراع لإبل أو بقر أو غنم، ورسول سلطان الذي يتابع أخبار السلطان ونحوهم، كساع، وهو الوالي على أمر قوم، وبريد، وهو المرتب، سمي بذلك لقطعه المسافة، ومن لا أهل له ولا وطن، ولا منزل يقصده، ولا يقيم بمكان ولا يأوي إليه، وعنه: يقصرون وفاقا، واختاره الموفق وغيره: وشيخ الإسلام كما مر والبادية الذين حيث وجدوا المرعى رعوه يتمون، لأنهم مقيمون في أوطانهم، فإن كان لهم سفر من المصيف إلى المشتى، ومن المشتى إلى المصيف فإنهم يقصرون في مدة سفرهم، لعموم الأخبار، وكل من جاز له القصر جاز له الفطر والجمع، ولا عكس، والأحكام المتعلقة بالسفر أربعة القصر، والجمع والمسح ثلاثا، والفطر، وأما أكل الميتة، والصلاة على الراحلة إلى جهة السير، فلا تختص بالسفر المبيح للقصر. (¬2) وفاقا لأبي حنيفة، وقول لمالك، ولو لم تكن له به حاجة، غير أنه طريقه إلى بلد يطلبه. (¬3) أي زوجة وإن لم يكن وطنه، لزمه أن يتم حتى يفارقه. (¬4) صوابه أو تزوج فيه، فالمراد إذا دخل بلدا، وتزوج فيه بعد دخوله لزمه أن يتم، لما رواه أحمد عن عثمان، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا تأهل الرجل ببلدة فإنه يصلي بها صلاة مقيم» رواه الحميدي والبخاري في تاريخه، ونص أحمد وابن عباس قبله أن المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام وهو قول أبي حنيفة ومالك وأصحابهما وليس المراد أنه قد تزوج فيها أو لا، ثم أتاها بعد، وعنه: يقصر وفاقا للأئمة الثلاثة، وفي المستوعب فإن دخل بلدا فيه والده أو أولاده أو له فيه مال أو دار، أو بلدا كان وطنا له قديما فانتقل عنه واستوطن غيره، لم يمنعه ذلك من القصر.

أو نوى الإتمام ولو في أثنائها بعد نية القصر (¬1) (وإن كان له طريقان) بعيد وقريب (فسلك أبعدهما) قصر (¬2) لأنه سافر سفرا بعيدا (¬3) (أو ذكر صلاة سفر في) سفر (آخر قصر) (¬4) لأن وجوبها وفعلها وجدا في السفر، كما لو قضاها فيه نفسه (¬5) قال ابن تميم وغيره: وقضاء بعض الصلاة في ذلك كقضاء جميعها (¬6) . ¬

_ (¬1) لزمه أن يتم، لأنه رجع إلى الأصل. (¬2) قال ابن عقيل: قولا واحدا، إذا كان سلوكه لغير القصر، كجلب مال أو نفي ضرر، وظاهر الإقناع وغيره جواز القصر ولو سلكه للقصر، أو غيره، وتقدم كلام شيخ الإسلام، وقال في الفروع: وظاهر كلامهم منع من قصد قرية بعيدة لحاجة هي في قريته. (¬3) يبلغها أشبه ما لو لم يكن له سواها، فأعطي حكمه، واختار الشيخ وغيره عدم القصر إذا لم يغب عن أهله يومه، لأنه لا يسمى مسافرا، ولا يدخل في حكم المسافر وهو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار. (¬4) إجماعا. (¬5) أي في السفر الذي وجبت عليه فيه. (¬6) أي لا فرق، وابن تميم هو محمد بن تميم الحراني الفقيه، له المختصر في الفقه، توفي قريبا من سنة ست مائة وخمس وسبعين.

واقتصر عليه في المبدع، وفيه شيء (¬1) (وإن حبس) ظلما أو بمرض أو مطر ونحوه (¬2) . (ولم ينو إقامة) قصر أبدا (¬3) لأن ابن عمر رضي الله عنه أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة وقد حال الثلج بينه وبين الدخول، رواه الأثرم (¬4) والأسير يقصر ما أقام عند العدو (¬5) . (أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة) لا يدري متى تنقضي (قصر أبدا) (¬6) غلب على ظنه كثرة ذلك أو قلته (¬7) . ¬

_ (¬1) أي في كلام ابن تميم وغيره كصاحب الرعاية، ولعل وجهه أنه لو شرع في قضاء الصلاة في السفر، ثم قدم بلده في أثنائها قصر، وليس بظاهر، على ما تقدم من تغليب الحضر. (¬2) كثلج وبرد. (¬3) إجماعا، ما دام حبسه بذلك. (¬4) وقيس عليه الباقي، وهذا الأثر ونحوه من حجج القائلين بنفي التقدير بأربعة أيام ونحوه، وأذربيجان بفتح الهمزة وسكون الذال، وفتح الراء، وهو جنوبي بحر الخزر بين روسيا وإيران. (¬5) أي مدة إقامته عند العدو تبعا لسفرهم، وتقدم، والأسير هو المأسور عند الكفار. (¬6) وفاقا لأبي حنيفة ومالك، وعند الشافعية إلى غاية عشرين يوما، وفي الإنصاف: أبدا بلا خلاف. (¬7) أي المقام، وأقام دام واستقر، والفرق بين هذه والتي بعدها أنه في التي بعدها نوى الإقامة نفسه، ظانا أنها لا تنقضي حاجته قبل أربعة أيام، فكأنه بذلك نوى أربعة أيام، وفي هذه الإقامة ليست مقصودة، ولا منوية، وإنما المنوي، قضاء حاجته، والإقامة صارت تبعا، ومن قصد بلدا غير عازم على الإقامة به مدة تقطع حكم السفر فله القصر، لفعله صلى الله عليه وسلموأصحابه، وكذا إن عزم على إقامة طويلة في رستاق ينتقل فيه من قرية إلى قرية، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم في مقامه بمكة ومني وعرفات.

لأنه عليه السلام أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة رواه أحمد وغيره، وإسناده ثقات (¬1) وإن ظن أن لا تنقضي إلا فوق أربعة أيام أتم (¬2) وإن نوى مسافر القصر حيث لم يبح لم تنعقد، صلاته (¬3) كما لو نواه مقيم (¬4) . ¬

_ (¬1) فرواه: أبو داود والبيهقي وابن حبان، وصححه ابن حزم والنووي، ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة أقام فيها تسعة عشر يصلي ركعتين، رواه البخاري وغيره، وقال أنس: أقام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم برام هرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة، ورواه البيهقي بإسناد حسن، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسافر يقصر ما لم يجمع على إقامة، ولو أتى عليه سنون. (¬2) كما لو علم ذلك أو نواه، قال في الإنصاف: على الصحيح من المذهب وتقدم ما أوضحه شيخ الإسلام، وعبارة غيره: أو نوى إقامته لحاجة، يعني مع نية الإقامة فوق الأربعة الأيام لأنه تقدمه قوله: أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة، ثم قال الشارح: غلب ظنه كثرة ذلك أو قلته، وتقدم الفرق بينهما. (¬3) كأن لم يكن سفره مباحا، وعلى ما تقدم، وتسميته سفرا يقضي بصحتها، لإطلاق الشارع. (¬4) فإنها لا تنعقد بالإجماع، لكنها ليست كهي من كل وجه.

فصل في الجمع

فصل في الجمع (¬1) (يجوز الجمع بين الظهرين) أي الظهر والعصر، في وقت أحدهما (¬2) . ¬

_ (¬1) يعني بين الصلاتين الظهر والعصر والمغرب والعشاء لثلاثة أمور: السفر والمرض والمطر ونحوه، وقدم الجمع للسفر لأنه الأكثر، وكل من جاز له القصر جاز له الجمع والفطر، ولا عكس، قال الشيخ: والجمع رخصة عارضة للحاجة إليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله إلا مرات قليلة، فلذلك فقهاء الحديث كأحمد وغيره يستحبون تركه إلا عند الحاجة إليه، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير، وفي الصحيح وغيره عن ابن مسعود، ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين، الحديث، وأوسع المذاهب مذهب أحمد، فإنه نص على أنه يجوز للحرج والشغل، وقال الشيخ: الجمع بين الصلاتين في السفر يختص بمحل الحاجة، لا أنه من رخص السفر المطلقة كالقصر، وهو مذهب مالك، وذكر ابن القيم أحاديث الجمع، وقال: كل هذه سنن في غاية الصحة والصراحه، ولا معارض لها، وأوقات المعذورين ثلاثة: وقتان مشتركان ووقت مختص، والوقتان المشتركان لأرباب الأعذار أربعة لأرباب الرفاهية ولهذا جاءت الأوقات في كتاب الله نوعين: خمسة وثلاثة، في نحو عشر آيات وجاءت السنة بتفصيل ذلك وبيانه وبيان أسبابه، فتوافقت دلالة القرآن والسنة، والاعتبار الصحيح، الذي هو مقتضى حكمة الشريعة، وما اشتملت عليه من المصالح. (¬2) وإنما سميا بالظهرين تغليبا كالقمرين والعمرين: وعبر بيجوز أي فلا يكره ولا يستحب، غير جمعي عرفة ومزدلفة فسنة، وقيل: يجب، وإذا ارتحل قبل زيغ الشمس ونحوه فيسن، وغير ذلك تركه أفضل من فعله.

(و) يجوز الجمع (بين العشائين) أي المغرب والعشاء (في وقت أحدهما في سفر قصر) (¬1) لما روى معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، يصليها جميعا (¬2) وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن غريب (¬3) . ¬

_ (¬1) أي غير مكروه ولا حرام، وأن يكون مسيرة يومين وتقدم، وفي الإقناع وغيره: فلا يجمع من لا يباح له أن يقصر، كمكي ونحوه بعرفة ومزدلفة، لأنه عندهم ليس بمسافر سفر قصر، وقد ثبت جمعهم خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخليفتيه رضي الله عنهما وصوب الشيخ أنه يجوز في السفر القصير، وأن علته الحاجة لا السفر، فليس معلقا، به وإنما يجوز للحاجة بخلاف القصر. (¬2) قال شيخ الإسلام وغيره: هذا إذا كان لا ينزل إلا وقت الغروب، كما كان بعرفة لا يفيض حتى تغرب الشمس، أما إذا كان ينزل وقت العصر فإنه يصليها في وقتها، وقال الحافظ: قال بالإطلاق كثير من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وفيه حديث أنس في الصحيح وغيره. (¬3) وحسنه البيهقي وقال: محفوظ صحيح، ورواه مالك في الموطأ وفيه: ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا، وصححه ابن عبد البر وابن القيم، وكذا رواه مسلم وغيره، والغريب هو ما تفرد به أحد الرواة.

وعن أنس معناه: متفق عليه (¬1) و (و) يباح الجمع بين ما ذكر (لمريض يلحقه بتركه) أي ترك الجمع (مشقة) (¬2) . ¬

_ (¬1) ولفظه: كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب ولمسلم: إذا عجل به السير يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، حين يغيب الشفق، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر: كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء، ولمسلم: كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر، حتى يدخل وقت العصر، ثم يجمع بينهما، وجاء التأخير عنه من طرق، ولمسلم عن معاذ أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء فأخر الصلاة يوما، ثم خرج فصلى الظهر والعصر، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء، انفرد به، وعن ابن عباس: كان يجمع إذا كان على ظهر سيره. قال البيهقي والنووي وغيرهما: والجمع بين الصلاتين في وقت الأولى أو الثانية بعذر السفر، هو قول جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين، مع الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عن أصحابه، ثم ما أجمع عليه المسلمون من جمع الناس بعرفة ثم بمزدلفة هو موجود في كل الأسفار، وقال شيخ الإسلام: وأما إذا كان نازلا في وقتهما جميعا، نزولا مستمرا فما علمت روي ما يستدل به عليه إلا حديث معاذ، وغزوة تبوك وحجه صلى الله عليه وسلم لم ينقل أنه جمع فيهما إلا بعرفة ومزدلفة وحديث معاذ ليس في المشهور من حديث أنس، لأن المسافر إذا ارتحل بعد زيغ الشمس، ولم ينزل وقت العصر فهذا مما لا يحتاج إلى الجمع، بل يصلي العصر في وقتها، وقد يتصل سيره إلى الغروب فهذا يحتاج إلى الجمع، بمنزلة جمع عرفة، وبه تتفق الأحاديث. (¬2) وهذا مذهب مالك، وطائفة من أصحاب الشافعي وغيرهم.

لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع من غير خوف ولا مطر، وفي رواية: من غير خوف ولا سفر، رواهما مسلم من حديث ابن عباس، ولا عذر بعد ذلك إلا المرض (¬1) . ¬

_ (¬1) علله ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن لا يحرج أمته، وفي الطبراني وغيره: «لئلا تحرج أمتي» ، ودل الحديث بفحواه على الجمع للمرض والمطر والخوف، وإنما خولف ظاهر منطوقه في الجمع لغير عذر للإجماع، وأخبار المواقيت، فتبقى فحواه على مقتضاه، قال شيخ الإسلام، في الجمع لمطر أو غيره: وبهذا الحديث استدل أحمد على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى، فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه بالفعل، فإنه إذا جمع ليرفع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يرفع، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها، ومما يبين أن ابن عباس لم يرد الجمع للمطر، وإن كان أولى بالجواز، ما رواه مسلم عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال ابن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته، ولمسلم عنه: لما قال له رجل: الصلاة قال: أتعلمنا بالصلاة، وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقد استدل على فعله وهو يخطب بالبصرة بما رواه لما رأى أنه إن قطعه ونزل فاتت مصلحته، وكان عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع، وكان رأى أن الأمر في حال الجمع أوسع منه في غيره، وبذلك يرتفع الحرج عن الأمة قال شيخ الإسلام: وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن الأمة، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا، والأحاديث كلها تدل على أنه جمع في الوقت الواحد، لرفع الحرج عن أمته، فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج، قد رفعه الله عن الأمة، وذلك يدل على الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى وقال النووي وغيره: يجوز الجمع من أجل المرض، وفاقا لمالك وقواه، وقال: يستدل له بحديث ابن عباس: من غير خوف ولا مطر، لأنه إما أن يكون بالمرض، وإما بغيره مما في معناه أو دونه، ولأن حاجة المريض آكد من الممطور، وقال ابن المنذر: يجوز من غير خوف ولا مطر ولا مرض، قال الخطابي: وهو قول جماعة من أصحاب الحديث لظاهر حديث ابن عباس.

وقد ثبت جواز الجمع للمستحاضة وهي نوع مرض (¬1) ويجوز أيضا لمرضع لمشقة كثرة نجاسة (¬2) ونحو مستحاضة (¬3) وعاجز عن طهارة أو تيمم لكل صلاة (¬4) . ¬

_ (¬1) قال الشيخ يجمع للمرض، كما جاءت بذلك السنة في جمع المستحاضة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بالجمع في حديثين. (¬2) أي مشقة تطهيرها لكل صلاة، وهذه الحالة الثالثة، فإن لم تكن لكثرة نجاسة تشق فلا، قال في الاختيارات يجوز للمرضع الجمع، إذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة، نص عليه، وعنه لا يجوز وفاقا. (¬3) كذي سلس، أو جرح لا يرقأ دمه، أو مذي، أو رعاف دائم ونحوه، لقوله عليه الصلاة والسلام لحمنة حين استفتته في الاستحاضة: «وإن قويت على أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، فتغتسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعا، ثم تؤخري المغرب، وتعجلي العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين فافعلي» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، ويقاس عليها صاحب السلس ونحوه وهذه الحالة الرابعة. (¬4) لأنه في معنى المريض والمسافر، وهي الحالة الخامسة، قال الشيخ: ويجمع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقت إلا بحرج كالمستحاضة، وأمثال ذلك من الصور.

وعن معرفة وقت كأعمى ونحوه (¬1) ولعذر أو شغل يبيح ترك جمعة وجماعة (¬2) . ¬

_ (¬1) كمطمور، أومأ إليه أحمد، لما تقدم، واقتصر عليه في الإنصاف، وهي الحالة السادسة، ومحل ذلك إذا تمكن من معرفة الوقت في أحد الوقتين، وأما إذا استمر معه الجهل فلا فائدة في الجمع. (¬2) أي ويجوز الجمع لعذر كخوفه على نفسه أو ماله أو أهله، ويجوز الجمع لشغل يذهل الإنسان، يبيح ترك جمعة وجماعة، كمن يخاف بتركه ضررا في معيشة يحتاجها فيباح له الجمع كما تقدم، وهذه السابعة، قال الشيخ: ويجوز الجمع للطباخ والخباز ونحوهما، ممن يخشى فساد ماله ومال غيره بترك الجمع، كما روى النسائي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجوز أحمد الجمع إذا كان له شغل واختار جمع جواز الجمع مطلقا للحاجة في الحضر، من غير اتخاذه عادة، وهو مذهب جماعة من الأئمة منهم ابن سيرين، واختاره ابن المنذر، وحكاه عن جماعة من أصحاب الحديث، والنووي عن جماعة من الأئمة، والثامنة، قال: أحمد الجمع في الحضر إذا كان لضرورة من مرض أو شغل، واستثنى جمع النعاس، منهم صاحب الوجيز، وكذا الحاقن والحاقب ونحوهما، ومن يخاف نقض وضوئه، ومن يشتهي الطعام ونحو ذلك، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته. قال الشيخ: ويجمع لتحصيل الجماعة: وللصلاة في الحمام مع جوازها فيه خوف فوات الوقت، ولخوف تحرج في تركه، وذكر حديث ابن عباس: أنه سئل لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحد من أمته، فلم يعلله بمرض ولا غيره اهـ، وجاء عن عمر: أن من الكبائر الجمع بين الصلاتين إلا من عذر، وذهب الجمهور إلى أن الجمع لغير عذر لا يجوز، وحكي أنه إجماع، وخولف في ذلك قال الشيخ: فدل على جواز إباحة الجمع للعذر، ولم يخص عمر عذرا دون عذر اهـ. فيباح لمن تقدم في ثمان الحالات، بين الظهرين والعشائين، ويأتي ما يختص بالعشائين وهي ست حالات.

(و) يباح الجمع (بين العشائين) خاصة (لمطر يبل الثياب) وتوجد معه مشقة (¬1) والثلج والبرد والجليد مثله (¬2) ولوحل وريح شديدة باردة (¬3) . ¬

_ (¬1) وفاقا في الجملة، وهذا قيد لما في المتن، يفهم منه أنه إذا لم توجد معه مشقة لم يجز الجمع، ومفهوم كلام الماتن أنه إن لم يبل الثياب لم يجز الجمع، وهو المذهب وعليه جمهور الأصحاب، وقال جمع: أو يبل النعل، أو البدن، لا الطل ولا المطر الخفيف الذي لا يبل الثياب، لعدم المشقة، قال شيخ الإسلام وذكر آثارا عن الصحابة في الجمع ليلة المطر فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم، المعمول به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين، مع أنه لم ينقل أن أحدا منهم أنكر ذلك، فعلم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك، وقول ابن عباس: من غير خوف ولا مطر ولا سفر، ليس نفيا منه للجمع لتلك الأسباب بل إثبات منه، لأنه جمع بدونها، وإن كان قد جمع بها أيضا، ولو لم ينقل أنه جمع بها، فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق الأولى، وقال: جواز الجمع للمطر في وقت الثانية فيه وجهان: لأنا لا نثق بدوام المطر إلى وقتها، وقوله: خاصة أخرج الظهرين، والوجه الآخر يجوز بين الظهرين كالعشائين، اختاره القاضي وأبو الخطاب والشيخ وغيرهم، ولم يذكر الوزير عن أحمد غيره، وقدمه وجزم به وصححه غير واحد وهو مذهب الشافعي. (¬2) أي مثل المطر في إباحة الجمع بين العشائين، لأن الثلج والبرد بالفتح في حكم المطر، والجليد وهو من شدة البرد، قال أحمد، وكان ابن عمر يجمع في الليلة الباردة اهـ، وأمر ابن عمر مناديه في ليلة باردة فنادى: الصلاة في الرحال. (¬3) ونحو ذلك وفاقا لمالك وظاهره: وإن لم تكن مظلمة ويعلم مما تقدم كذلك لو كانت شديدة بليلة مظلمة، وإن لم تكن باردة، والوحل الطين الرقيق فإذا لوث الرجلين بالرطوبة والطين جاز.

لأنه عليه السلام جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة، رواه النجاد بإسناده (¬1) وفعله أبو بكر وعمر وعثمان (¬2) . ¬

_ (¬1) مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكذا ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة ثمانيا جميعا، وسبعا جميعا ولأنه صلى الله عليه وسلم جمع من غير خوف ولا مطر، فمع أحد هذه الأعذار أولى، والنجاد هو أحمد بن سليمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس، أبو بكر البغدادي، الفقيه الحافظ شيخ الحنابلة بالعراق، صاحب التصانيف مشهور، بالنون والدال، وكثيرا ما يصحف في بعض كتب الأصحاب فيبدل بالبخاري صاحب الصحيح، توفي النجاد سنة ثلاثمائة وثمان وأربعين، قال العليمي: وكان يملي الحديث بجامع المنصور، ويكثر الناس في حلقته، وصنف كتابا في الفقه والاختلاف، وهو ممن اتسعت رواياته واشتهرت مصنفاته. (¬2) ففي المدونة: عن ابن قسيط أنه سنة، وأنه قد صلاها أبو بكر وعمر وعثمان على ذلك، وللأثرم في سننه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء فعله أبان ابن عثمان في أهل المدينة، وفيهم عروة وأبو بكر بن عبد الرحمن، ولا يعرف لهم مخالف، فكان إجماعا وهو قول الفقهاء السبعة، ومالك والشافعي وغيرهم: قال شيخ الإسلام: يجوز الجمع للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة في الليلة الظلماء، ونحو ذلك وإن لم يكن المطر نازلا في أصح قولي العلماء، وذلك أولى من أن يصلوا في بيوتهم بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة مخالفة للسنة، إذ السنة أن تصلى الصلوات الخمس في المساجد جماعة، وذلك أولى من الصلاة في البيوت، باتفاق المسلمين، والصلاة جمعا في المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرقة، باتفاق الأئمة الذين يجوزون الجمع، كمالك والشافعي وأحمد.

الأفضل فعل الأرفق من جمع تقديم أو تأخير

وله الجمع لذلك (ولو صلى في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط) ونحوه (¬1) لأن الرخصة العامة يستوي فيها حال وجود المشقة وعدمها كالسفر (¬2) (والأفضل) لمن له الجمع (فعل الأرفق به من) جمع (تأخير) بأن يؤخر الأولى إلى الثانية (و) جمع (تقديم) بأن يقدم الثانية فيصليها مع الأولى لحديث معاذ السابق (¬3) . ¬

_ (¬1) كمجاور بالمسجد، ومن بينه وبين المسجد خطوات يسيرة، وقوله: وله الجمع لذلك، متعلق بما بعده، وهو قوله: ولو صلى في بيته، والساباط سقيفة بين دارين، تحتهما طريق، جمعه سوابيط وساباطات. (¬2) أي فله الجمع، لم تقدم من الأعذار المبيحة للجمع، ولو صلى في بيته وفي مسجد لا يشق عليه الوصول إليه، مع وجود العذر كعدم الصيام في السفر، ولو لم يكن مشقة، ولأنه روي أنه صلى الله عليه وسلم جمع في مطر وليس بين حجرته والمسجد شيء فالمعتبر وجود المشقة في الجملة، لا لكل فرد من المصلين. (¬3) وعن ابن عباس نحوه رواه الشافعي وأحمد وغيرهما، وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة يوما بغزوة تبوك، ثم خرج فصلى، الحديث رواه مالك عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ، وقال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح ثابت الإسناد، قال شيخ الإسلام: والجمع جائز في الوقت المشترك، فتارة يجمع في أول الوقت، كما جمع بعرفة، وتارة يجمع في وقت الثانية، كما جمع بمزدلفة، وفي بعض أسفاره، وتارة يجمع فيما بينهما في وسط الوقتين، وقد يقعان معا في آخر وقت الأولى، وقد يقعان معًا في أول وقت الثانية وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا، وكل هذا جائز، لأن أصل هذه المسألة أن الوقت عند الحاجة مشترك، والتقديم والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة.

فإن استويا فالتأخير أفضل (¬1) والأفضل بعرفة التقديم، وبمزدلفة التأخير مطلقا (¬2) وترك الجمع في سواهما أفضل (¬3) . ¬

_ (¬1) لأنه أحوط، وعمل بالأحاديث وليس على إطلاقه، بل في الجملة قال شيخ الإسلام في جمع المطر، السنة أن يجمع للمطر في وقت المغرب، حتى اختلف مذهب أحمد هل يجوز أن يجمع للمطر في وقت الثانية؟ وقيل: إن ظاهر كلامه أنه لا يجمع، وفيه وجه ثالث أن الأفضل التأخير وهو غلط، مخالف للسنة وللإجماع القديم، وصاحب هذا القول ظن أن التأخير أفضل مطلقا، وهذا غلط فليس جمع التأخير بأولى من جمع التقديم، بل ذلك بحسب الحاجة والمصلحة فقد يكون هذا أفضل، وقد يكون هذا أفضل، وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو ظاهر مذهب أحمد المنصوص عنه وغيره، وقال أيضا: كان الجمع المشروع مع المطر هو جمع التقديم في وقت المغرب، ولا يستحب أن يؤخر بالناس المغرب إلى مغيب الشفق، بل هذا حرج عظيم على الناس، وإنما شرع الجمع لئلا يحرج المسلمون. (¬2) أي سواء كان هو الأرفق أو لا، فالتقديم بعرفة أفضل، ولو كان التأخير أرفق، لأنه لأجل العبادة، والتأخير بمزدلفة أفضل، ولو كان التقديم أرفق، لأجل السير، وصرح في المنتهى وغيره أنه إن عدم الأرفق فإذا وصل إليها أول الوقت لم يؤخره، ما لم يكن أرفق، والأولى إذا وصل في وقت الاختيار صلى المغرب وحدها، لزوال العلة، كما أن الأولى للنازل صلاة كل فرض في وقته. (¬3) فلا يستحب إلا عند الحاجة إليه للاختلاف فيه، غير جمعي عرفة ومزدلفة فيسن بشرطه إجماعا، وهو التقديم بعرفة، والتأخير بمزدلفة، لفعله عليه الصلاة والسلام، قال شيخ الإسلام: الجمع بعرفة ومزدلفة متفق عليه، وهو منقول بالتواتر، فلم يتنازعوا فيه، والصواب أنه لم يجمع بعرفة ومزدلفة لمجرد السفر، بل لاشتغاله باتصال الوقوف عن النزول، ولاشتغاله بالمسير إلى مزدلفة اهـ. وكذا يستحب عند الحاجة، كما كان يصنع صلى الله عليه وسلم في سفره إذا جد به السير، كما فعل بمزدلفة، وفي غزوة تبوك قال شيخ الإسلام: وفعل كل صلاة في وقتها أفضل إذا لم يكن حاجة، عند الأئمة كلهم، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع في حجته إلا بعرفة ومزدلفة، ولم يجمع بمنى، ولا في ذهابه وإياه، ولكن جمع في غزوة تبوك، إذا جد به السير، والذي جمع هناك يشرع أن يفعل نظيره.

ويشترط للجمع ترتيب مطلقا (¬1) (فإن جمع في وقت الأولى اشترط) له ثلاثة شروط (نية الجمع عند إحرامها) أي إحرام الأولى دون الثانية (¬2) . (و) الشرط الثاني الموالاة بينهما فـ (لا يفرق بينهما إلا بمقدار إقامة) صلاة (ووضوء خفيف) (¬3) لأن معنى الجمع المتابعة والمقارنة (¬4) . ¬

_ (¬1) أي سواء ذكره أو نسيه، قال في الإنصاف، وهو الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب اهـ، يعني بخلاف سقوطه بالنسيان في قضاء الفوائت والترتيب أن يبدأ بالأولى، لأن الوقت لها والثانية تبع، فلو صلاها قبل الأولى لم تصح. (¬2) لأنه عمل فيدخل في عموم: «إنما الأعمال بالنيات» ، وكل عبادة اشترطت فيها النية اعتبرت في أولها، وقال شيخ الإسلام: لا يفتقر الجمع إلى نية عند جمهور أهل العلم، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحد القولين في مذهب أحمد، وعليه تدل نصوصه وأصوله، قال: وقول الجمهور وهو الذي تدل عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. (¬3) لأنه صلى الله عليه وسلم لما جمع بينهما والى بينهما وترك الراتبة وفرقت بين الشيئين فصلت أحدهما من الآخر. (¬4) وفي الأصل تأليف المفترق، وفي المفردات، ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض، يقال: جمعته فاجتمع.

ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل، بخلاف اليسير، فإنه معفو عنه (¬1) (ويبطل) الجمع (براتبة) يصليها (بينهما) أي بين المجموعتين، لأنه فرق بينهما بصلاة فبطل، كما لو قضى فائتة (¬2) وإن تكلم بكلمة أو كلمتين جاز (¬3) (و) الثالث (أن يكون العذر) المبيح (موجودا عند افتتاحهما وسلام الأولى) لأن افتتاح الأولى، موضع النية وفراغها، وافتتاح. ¬

_ (¬1) وصحح في المغني والشرح أنه راجع إلى العرف، وذكر الشيخ أن كلام أحمد يدل على أن الجمع عنده هو الجمع في الوقت، وإن لم يصل إحداهما بالأخرى، كالجمع في وقت الثانية، على المشهور في مذهبه ومذهب غيره، وأنه إذا صلى المغرب في أول وقتها، والعشاء في آخر وقت المغرب حيث يجوز له الجمع جاز ذلك، وأنه نص على نظير هذا فقال: إذا صلى إحدى صلاتي الجمع في بيته والأخرى في المسجد فلا بأس، وهذا نص منه على أن الجمع هو المغرب في الوقت، لا تشترط فيه المواصلة، وقال: والصحيح أنه لا تشترط الموالاة بحال، لا في وقت الأولى، ولا في وقت الثانية، فإنه ليس في ذلك حد في الشرع اهـ، وفي الصحيحين في قصة جمع النبي صلى الله عليه وسلم بمزدلفة بعد أن صلى الصبح، أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت الصلاة. (¬2) أي يبطل الجمع إذا فرق بينهما، كما أن الجمع يبطل لو قضى بينهما فائتة، لطول الفصل، وعنه: لا يبطل براتبة بينهما، قال الطوفي: أظهر القولين دليلا عدم البطلان، إلحاقا، للسنة الراتبة بجزء من الصلاة لتأكدها. (¬3) فيه تسامح، يفيد أنه مقيد بما ذكر، وليس كذلك فلو قال: ولا يضر كلام يسير لا يزيد على قدر الإقامة والوضوء الخفيف، لكان أولى، يعني على المذهب.

الثانية موضع الجمع (¬1) ولا يشترط دوام العذر إلى فراغ الثانية في جمع المطر ونحوه (¬2) بخلاف غيره (¬3) وإن انقطع السفر في الأولى بطل الجمع والقصر مطلقا (¬4) فيتمها وتصح (¬5) وفي الثانية يتمها نفلا (¬6) . ¬

_ (¬1) ولو أحرم بالأولى مع وجود مطر، ثم انقطع ولم يعد، فإن حصل وحل لم يبطل الجمع، لأن الوحل من الأعذار المبيحة، أشبه ما لو لم ينقطع المطر، وإلا بطل الجمع، ولو خلفه مرض ونحوه، وإن شرع في الجمع مسافر لأجل السفر، فزال سفره ووجد مطر ونحوه، بطل الجمع، لزوال مبيحه، والعذر المتجدد غير حاصل عن الأول، بخلاف الوحل بعد المطر. (¬2) كبرد وثلج إن خلفه، وحل. (¬3) أي غير جمع المطر ونحوه، فيشترط له ذلك. (¬4) أي وإن انقطع السفر في الأولى من المجموعتين، بأن نوى الإقامة، أو وصلت السفينة به إلى وطنه وهو في وقت الأولى، ولم يقيده الشارح، بطل الجمع والقصر مطلقا، سواء وجد عذر يبيح الجمع كمطر ووحل، أو لم يوجد، لزوال العذر المبيح المشروط استمراره إلى فراغ الثانية. (¬5) فرضا، لكونها صادفت وقتها. (¬6) أي وإن انقطع وهو في الثانية من المجموعتين، والوقت وقت الأولى، ولم يقيده أيضا، بطل الجمع والقصر، لزوال مبيحهما، ويتمها يعني الثانية نفلا، لأنها لم تصل في وقتها، وتصح الأولى فرضا، ومريض كمسافر فيما إذا برأ في الأولى أو الثانية.

(وإن جمع في وقت الثانية اشترط) له شرطان (نية الجمع في وقت الأولى (¬1) لأنه متى أخرها عن ذلك بغير نية صارت قضاء لا جمعا (¬2) (إن لم يضق) وقتها (عن فعلها) لأن تأخيرها إلى ما يضيق عن فعلها حرام، وهو ينافي الرخصة (¬3) (و) الثاني (استمرار العذر) المبيح (إلى دخول وقت الثانية) (¬4) فإن زال العذر قبله لم يجز الجمع، لزوال مقتضيه (¬5) كالمريض يبرأ والمسافر يقدم، والمطر ينقطع (¬6) . ¬

_ (¬1) مع وجود مبيحه، فإن لم ينو الجمع حتى ضاق وقت الأولى عنها لم تصح النية حينئذ. (¬2) وعنه لا تشترط النية لجمع التقديم، اختاره أبو بكر والشيخ وغيرهما. (¬3) يعني الجمع، وأثم بالتأخير، ولفوات فائدة الجمع، وهي التخفيف بالمقارنة بين الصلاتين. (¬4) من سير ومرض ومطر ونحوها، قال في الإنصاف: لا أعلم فيه خلافا. (¬5) المجوز له، وهو العذر قبل دخول وقت الثانية، فإذا لم يستمر إليه لم يجز الجمع، وأثم بالتأخير، لأن تأخيرها إلى ضيق الوقت حرام، فينافي رخصة الجمع. (¬6) تمثيل لزوال العذر قبل دخول وقت الثانية، ولا أثر لزواله بعد دخول وقت الثانية إجماعا، وقال في الإنصاف: لو قصر الصلاتين في السفر، في وقت أولاهما، ثم قدم قبل دخول وقت الثانية أجزأ، على الصحيح من المذهب.

ولا بأس بالتطوع بينهما (¬1) ولو صلى الأولى وحده ثم الثانية إماما أو مأموما، أو صلاهما خلف إمامين، أو من لم يجمع صح (¬2) . ¬

_ (¬1) أي فلا تشترط الموالاة، لأن الثانية مفعولة في وقتها، فهي أداء بكل حال، والأولى معها كصلاة فائتة، قال في المبدع: وهذا هو الأصح. (¬2) يعني الجمع في هذه الصور كلها، لأن لكل صلاة حكم نفسها، وهي منفردة، فلم يشترط في الجمع اتحاد إمام ولا مأموم ولا جامع.

فصل: صلاة الخوف صحت بست صفات كلها جائزة

فصل (¬1) وصلاة الخوف صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم بصفات كلها جائزة (¬2) قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تقول بالأحاديث كلها، أو تختار واحدا منها؟ قال: أنا أقول: من ذهب إليها كلها فحسن (¬3) . ¬

_ (¬1) في كيفية صلاة الخوف، من حيث إنه يتحمل في الصلاة فيه ما لا يتحمل فيها في غيره، فيغتفر في تغيير هيئاتها وصفاتها، والإخلال ببعض واجباتها، لا تغيير عدد ركعاتها في قول الأكثر، وهي مشروعة بالكتاب والسنة، وأجمع الصحابة على فعلها، وأجمع المسلمون على جوازها، ولا يجوز تأخيرها عن وقتها، وهو مذهب الجمهور، إلا أبا حنيفة، وهي مشروعة في زمنه صلى الله عليه وسلم إلى آخر الدهر، وحكاه الوزير إجماعا، وأجمع على ذلك الصحابة وسائر الأمة، إلا أبا يوسف، وإجماع الصحابة والأئمة الأربعة حجة عليه. (¬2) قال أحمد: صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم من خمسة أوجه أو ستة وفي رواية من ستة أوجه أو سبعة كلها جائزة، والإضافة بمعنى اللام، أي الصلاة للخوف، أو بمعنى (في) أي الصلاة في الخوف، ضد الأمن، وإن كانت أولى المجموعتين فالأولى تأخيرها. (¬3) قال الشيخ وغيره: وهذا قول عامة السلف، اتباعا لما جاء به الشارع صلى الله عليه وسلم وأحمد رحمه الله على قاعدته يجوز جميع ما ورد، قال رحمه الله: وفقهاء الحديث كأحمد وغيره متبعون لعامة الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيجوزون في صلاة الخوف الأنواع المحفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم وحكاه الوزير إجماعا.

وأما حديث سهل فأنا أختاره (¬1) وشرطها أن يكون العدو مباح القتال (¬2) سفرا كان أو حضرا (¬3) مع خوف هجومهم على المسلمين (¬4) وحديث سهل الذي أشار إليه، هو صلاته صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع (¬5) . ¬

_ (¬1) ووجه اختياره له كونه أشبه بكتاب الله، وأحوط للصلاة والحرب وأنكى للعدو وأقل في الأفعال. (¬2) كقتال الكفار والبغاة والمحاربين لقوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} وقيس عليه الباقي ممن يجوز قتاله، لأنها رخصة، فلا تستباح بالقتال المحرم، كقتال من بغي، وقطع الطريق. (¬3) أي سواء كان القتال سفرا أو حضرا، وفاقا، لأن المبيح الخوف، لا السفر ولا تأثير له في قصر الصلاة، وإنما تأثيره في الصفة، قال الوزير: أجمعوا على أن صلاة الخوف في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتان، إذا كانت رباعية، وغير الرباعية على عددها، لا يختلف حكمها حضرا ولا سفرا، ولا خوفا. (¬4) لقوله: {إِنْ خِفْتُمْ} وفعله عليه الصلاة والسلام، يقال: هجمت عليه هجوما، من باب (قعد) دخلت عليه بغتة، على غفلة منه، وأهجمت الرجل هجما، طردته قال الزركشي: واعلم أن من شروط صلاة الخوف بلا نزاع عندنا أن يكون العدو يحل قتاله، ويخاف هجومه، وحكى الوزير الإجماع على خوف الهجوم، وكون بالمسلمين كثرة تمكن تفرقتهم فرقتين. (¬5) بكسر الراء فقاف مخففة، آخره عين مهملة، غزوة إلى أرض غطفان من ناحية نجد، سميت الغزاة بذلك لأن أقدامهم نقبت، فلفوا عليها الخرق، كما في الصحيح، وسهل هو ابن أبي حثمة بن ساعدة الأنصاري الأوسي، ولد سنة ثلاث من الهجرة، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وأتقن، وعن زيد بن ثابت وغيره، وتوفي في أول خلافة معاوية بالمدينة رضي الله عنهما.

طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو (¬1) فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم، متفق عليه (¬2) . ¬

_ (¬1) بكسر الواو، بمعنى: تجاه، وهذه الصفة موافقة لقوله: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} وهذا فيما إذا كان العدو في غير جهة القبلة، ولا نزاع في ذلك، بشرط أن تكفي الطائفة العدو. (¬2) من رواية صالح بن خوات بن جبير، عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع، صلاة الخوف، وهذا أشبه بكتاب الله، فإن قوله: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} يقتضي أن جميع صلاتها معه، وهو أحد الأوجه التي صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم والوجه الثاني، ما رواه جابر قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فصففنا صفين، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضي النبي صلى الله عليه وسلم السجود، وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضي صلى الله عليه وسلم السجود، وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، فسجدوا ثم سلم صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعا، رواه مسلم وللبخاري بعضه. ورواه أحمد وغيره من حديث أبي عياش وقال: صلاها مرة بعسفان ومرة ببني سليم. والوجه الثالث ما رواه ابن عمر قال: صلى صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين، والأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم، مقبلين على العدو، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ثم سلم، ثم قضي هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة، متفق عليه، والوجه الرابع أن يصلي بكل طائفة صلاة، ويسلم بها، رواه أحمد وأبو داود والنسائي، عن أبي بكرة مرفوعا، والشافعي عن جابر، والوجه الخامس ما رواه جابر، قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع، قال: فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع، وللقوم ركعتان، متفق عليه، والسادس أن يصلي بكل طائفة ركعة بلا قضاء، كما جاء في خبر ابن عباس وغيره، ومنعه الأكثر وفاقا، وقال البغوي، وأكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم على أن الخوف لا ينقص من العدد شيئا، وقال الموفق وغيره: يستحب أن يخفف بهم الصلاة، لأن موضوع صلاة الخوف على التخفيف. وقال الشيخ: لا شك أن صلاته صلى الله عليه وسلم حال الخوف كانت ناقصة عن صلاته حال الأمن في الأفعال الظاهرة، قال الموفق: ويجب أن تكون الطائفة التي بإزاء العدو ممن يحصل الثقة بكفايتها وحراستها، ومتى خشي اختلال حالهم، واحتيج إلى معونتهم بالطائفة الأخرى فاللإمام أن ينهض إليهم بمن معه، ويمضوا على ما مضى من صلاتهم اهـ وهذه أصولها، وربما اختلف بعض ألفاظها، فذكرها بعضهم أكثر، قال ابن القيم، والصحيح هذه الأوجه، وصح أنه صلى الله عليه وسلم صلاها في أربع، ذات الرقاع، وبطن نخل، وعسفان وذي قرد المعروف بغزوة الغابة.

....................................................

إذا اشتد الخوف صلوا رجالا وركبانا

وإذا اشتد الخوف (¬1) صلوا رجالا وركبانا، للقبلة وغيرها (¬2) يومئون طاقتهم (¬3) . ¬

_ (¬1) أي تواصل الطعن والضرب، والكر والفر، ولم يمكن تفريق القوم وصلاتهم على ما ذكر. (¬2) ويكرون ويفرون، ولا يؤخرون الصلاة، وهو قول أكثر أهل العلم، مالك والشافعي، وأحمد وغيرهم، وقال الزركشي، لا تسقط الصلاة حال المسايفة والتحام الحرب بلا نزاع، ولا يجوز تأخيرها إن لم تكن الأولى من المجموعتين لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا} أي فصلوا رجالا أو ركبانا، والأمر للوجوب، قال ابن عمر: فإذا كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا، قياما على أقدامهم، وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها متفق عليه، زاد البخاري: قال نافع: لا أرى ابن عمر قال ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في غير شدة الخوف، وأمرهم بالمشي إلى وجاه العدو وهم في الصلاة، ثم يعودون لقضاء ما بقي من صلاتهم، فمع شدة الخوف أولى، ولا يلزم الإحرام إلى القبلة، ولو أمكن، وقال أحمد وغيره: تجوز صلاة شدة الخوف رجالا وركبانا جماعة، كما يجوز فرادى، وهو مذهب الشافعي، ولم يجوزه مالك وأبو حنيفة، والرجال جمع راجل، لا رجل، والراجل الكائن على رجليه، واقفا كان أو ماشيا، والركبان جمع راكب، وأكثر ما يقال لراكب الإبل بدون إضافة. (¬3) أي يومئون بالركوع والسجود، إيماء على قدر طاقتهم، لأنهم لو تمموا الركوع والسجود كانوا هدفا لأسلحة العدو، ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم، ولا يلزمهم السجود على ظهر الدابة، وسواء وجد شدة الخوف قبلها أو فيها، ولو احتاج عملا كثيرا، وإن أمكنت الجماعة وجبت، ولا يزول الخوف إلا بانهزام الكل.

وكذا حالة هرب مباح من عدو، أو سيل ونحوه (¬1) أو خاف فوت عدو يطلبه (¬2) أو وقت وقوف بعرفة (¬3) . ¬

_ (¬1) أي وكشدة الخوف مما تقدم حالة هرب مباح من عدو، بأن كان الكفار أكثر من مثلي المسلمين، أو متحرف لقتال، أو متحيز إلى فئة، أو هرب من سيل ونحوه، كهرب من سبع أو نار، أو غريم ظالم، أو خوف على نفسه أو أهله أو ماله، إن صلى صلاة آمن، أو ذب عنه أو عن غيره، لأن ذلك إما واجب أو مباح، وكلاهما مبيح للصلاة على هذه الحال، وحكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه في صلاة المطلوب، وإن كان طالبا نزل فصلى، وقال الشافعي: إلا أن ينقطع فيخاف، وإن خاف فحكمه حكم المطلوب. (¬2) أي وكشدة خوف مما تقدم خوف فوت عدو يطلبه، لفعل عبد الله بن أنيس لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي ليقتله، صلى بالإيماء نحوه، رواه أبو داود وغيره، ولأن فوت عدوه ضرر عظيم، فأبيحت له صلاة الخوف، كحال لقائه، ومن خاف في الصلاة كمينا أو مكيدة أو مكروها، وكذا أسير خاف على نفسه فيصلي من ذكر كيف أمكن، قائما أو قاعدا أو مضطجعا ومستلقيا إلى القبلة وغيرها بالإيماء، حضرا وسفرا، وإن خاف هدم سور أو طم خندق إن صلى آمنا، صلى صلاة خائف ما لم يعلم خلافه. (¬3) إذا قصدها المحرم ليلا، ولم يبق من وقت الوقوف إلا مقدار ما إن صلاها فيه على الإتمام فاته الوقوف، فإنه يصليها صلاة خائف، وهو ماش أو راكب اختاره الشيخ، وصوبه في تصحيح الفروع، وقال ابن القيم: يقضي الصلاة وهو سائر إلى عرفة، فيكون في طريقه مصليا، كما يصلي الهارب من سيل أو سبع اتفاقا أو الطالب لعدم يخشى فواته، على أصح القولين، وهو أقيس الأقوال وأقربها إلى قواعد الشرع ومقاصده اهـ، وكذا من في الصلاة وخاف انتقل وبنى، لأن الحكم يوجد لوجود علته، وينتفي بانتفائها، والمقتضى لهذه الصلاة هو الخوف فإذا أمن زال الخوف، فيصلي صلاة أمن، وما صلى وهو خائف على صفته محكوم بصحته.

(ويستحب أن يحمل معه في صلاتها من السلاح ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله كسيف ونحوه) كسكين (¬1) لقوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} (¬2) ويجوز حمل سلاح نجس في هذه الحال للحاجة بلا إعادة (¬3) . ¬

_ (¬1) لصيانته، والسكين الشفرة والمدية، ويؤنث، والجمع سكاكين سمي به لأنه يسكن حركة المذبوح. (¬2) ولمفهوم قوله: {جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} واختار جماعة: يجب وفاقا لمالك والشافعي، واستظهره أبو المظفر، والشارح، ولا يشترط وفاقا، وقال غير واحد، لا يجب وفاقا، لأن الأمر به للرفق بهم والصيانة لهم، فلم يكن للإيجاب، وكره ما يثقلة كجوشن أو يضر غيره كرمح، ما لم يكن على جانب، ولا يكره حمل السلاح في الصلاة بلا حاجة في ظاهر كلام الأكثر. (¬3) للعذر وكذا ما يخل ببعض أركان الصلاة للحاجة إليه.

باب صلاة الجمعة

باب صلاة الجمعة (¬1) سميت بذلك لجمعها الخلق الكثير (¬2) . ¬

_ (¬1) بتثليث الميم، والأفصح الضم، وهو الأصل، وأتبعها السفر لمناسبة تنصيف صلاة كل منهما قال الشيخ: فعلت بمكة على صفة الجواز، وفرضت بالمدينة، وهي واجبة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال تعالى: {فَاسْعَوْا} والمراد بالسعي هنا الذهاب إليها، وقال عليه الصلاة والسلام،: «رواح الجمعة واجب على كل محتلم» ، «وقال لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات» ، وقال: «هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له» ، وحكى إجماع المسلمين على أنها فرض عين جماعة من أهل العلم، وقال العراقي: مذاهب الأئمة متفقة على أنها فرض عين، لكن بشروط يشترطها أهل كل مذهب اهـ بل صلاة الجمعة من أوكد فروض الإسلام ومن أعظم مجامع المسلمين، وهو أعظم من كل مجمعون يجتمعه فيه، سوى مجمع عرفة وأفرضه، وخص بأكثر من أربعين خاصة لا توجد في غيره، من الاجتماع والعدد، والاستيطان، والجهر بالقراءة، وغير ذلك. (¬2) أو من اجتماع الناس لها، أو لأن آدم جمع خلقه، فيها، قال الحافظ: هو أصحها، ويليه ما قبله اهـ أو لأنه جمع مع حواء فيها، أو لأنه اليوم الذي اجتمعت فيه المخلوقات، أو لما جمع فيه من الخير، وقيل غير ذلك، مشتقة من الجمع، وكونها من الاجتماع أضيف إليها اليوم والصلاة، ثم كثر الاستعمال حتى حذف منها المضاف، وفي المسند مرفوعا، لأي شيء سمي يوم الجمعة؟ قال «لأن فيه طبعت طينة أبيك آدم» ، قيل: أول من سماه يوم الجمعة كعب بن لؤي وجمع الجمعة جمعات، وجمع، واسمه القديم يوم العروبة، لأن العرب كانت تعظمه.

ويومها أفضل أيام الأسبوع (¬1) . ¬

_ (¬1) ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أوس «من أفضل أيامكم يوم الجمعة» ولمسلم والترمذي وصححه «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة» ، وفي صحيح الحاكم: «سيد الأيام يوم الجمعة» ، ولابن ماجه «يوم الجمعة سيد الأيام، وأعظمها عند الله» ، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر، وذكر فيه خمس خصال، وهي يوم عيد يتكرر في الأسبوع، وخصت به هذه الأمة، كما في الصحيحين وغيرهما «ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم القيامة، هدانا الله له، وضل الناس عنه» ، وفيها «نحن الآخرون الأولون السابقون يوم الجمعة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا لله له، والناس لنا فيه تبع» . ولمسلم: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا ليوم الجمعة» ، الذي فيه أنشئت الخلائق وتم وجودها، وشرع اجتماعهم فيه تنبيها على عظم ما أنعم الله به عليهم واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيرا بالنعمة، وحثا على استدامتها بإقامة ما يعود بآلاء الشكر، ولما كان مدار التعظيم هو الصلاة، جعلت وسط النهار، ليتم الاجتماع، وفي مسجد واحد، ليكون أدعى إلى الاجتماع، ونوه به تعالى فقال: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} والخطبة والصلاة مشتملتان على ذكر الله، وقد شرفه الله تعالى، وخصصه بعبادات يختص بها عن غيره، وهو اليوم الذي يستحب أن يتفرغ فيه للعبادة، ويتخلى فيه عن أشغال الدنيا، فهو مع غيره في الأيام، كرمضان في الشهور، وله على سائر الأيام مزية كما لرمضان، وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان ولهذا من صحت له جمعته وسلمت له، صح وسلم له سائر أسبوعه، فهو ميزان الأسبوع، وعيد الأسبوع ويوم اجتماع الناس، وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد.

وصلاة الجمعة مستقلة (¬1) وأفضل من الظهر (¬2) وفرض الوقت، فلو صلى الظهر أهل بلد مع بقاء الوقت لم تصح (¬3) وتؤخر فائتة لخوف فوتها (¬4) والظهر بدل عنها إذا فاتت (¬5) (تلزم) الجمعة (كل ذكر) ذكره ابن المنذر إجماعا (¬6) لأن المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال (¬7) . ¬

_ (¬1) أي ليست بدلا عن الظهر، قال عمر: صلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ولعدم انعقادها بنية الظهر ممن لا تجب عليه، ولجوازها قبل الزوال، وعدم جواز زيادتها على ركعتين ولأنها لا تجمع مع العصر في محل يبيح الجمع. (¬2) بلا نزاع، والمراد غير يومها، أو يومها لكن ممن لا تجب عليه، وآكد منه، لأنه ورد فيها من التهديد ما لم يرد فيه، ولأن لها شروطًا وخصائص ليست له. (¬3) لأنهم صلوا ما لم يخاطبوا به، وتركوا ما خوطبوا به، كما لو صلوا العصر مكان الظهر، وتلزمهم الجمعة، ولا يعارض فرض الظهر ليلة الإسراء تأخر فرض الجمعة بعده، فإنه إذا فاتت وجب الظهر إجماعًا. (¬4) أي الجمعة، لأنه لا يمكن تداركها، بخلاف غيرها من الصلوات، والمراد أن لا يدرك منها ما تفوت به الجمعة، لا ما يشمل فوت الركعة الأولى. (¬5) إجماعا لأنها لا تقضى وزاد بعضهم، رخصة في حق من فاتته. (¬6) وقال الموفق: أجمع المسلمون على وجوب الجمعة، وقال ابن العربي: فرض بإجماع الأمة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} واستفاض الأمر بها، والوعيد على التخلف عنها، ويكفر جاحدها لثبوتها بالدليل القطعي. (¬7) ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أن المرأة لا جمعة عليها وتعليله فيه نظر لأنه لا يلزم من حضورها الجمعة الحضور مع الرجال، فيما يختص بهم في مجامعهم، بل إنما تكون من ورائهم، وكن يصلين خلف النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده خلف الرجال. وفي العيد أُمرنّ أن يشهدن الخير ودعوة المسلمين وأيضا اختلاط النساء بالرجال إذا لم يكن خلوة ليس بحرام.

(حر) لأن العبد محبوس على سيده (¬1) (مكلف مسلم) لأن الإسلام والعقل شرطان للتكليف، وصحة العبادة (¬2) فلا تجب على مجنون ولا صبي (¬3) لما روى طارق بن شهاب مرفوعًا «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة (¬4) عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض، رواه أبو داود (¬5) » . ¬

_ (¬1) أشبه المحبوس بالدين، قال ابن المنذر: وهو قول أكثر العلماء، وعنه تجب على العبد، وعليه أكثر أهل العلم، واختاره المجد وغيره، وقال: هو كالإجماع للخبر. (¬2) فالكافر والمرتد لا تجب عليهما بمعنى أنهما لا يقضيانها وتقدم أنهما مخاطبان بفروع الشريعة والمكلف الملزم بما فيه مشقة وشرعا المخاطب بأمر أو نهي. (¬3) إجماعًا، لنقصان أبدانهما، فلا تلزمهما فروض الأبدان. (¬4) بالنصب وما بعده بدل منه، وإن رفع فخبره محذوف، أو على تأويل لا يترك الجمعة مسلم بلا جماعة إلا أربعة أو أن (إلا) بمعنى (لكن) و (أربعة) مبتدأ، وقيل غير ذلك، وطارق رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه، وهو طارق ابن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي، وتوفي سنة ثلاث وثمانين. (¬5) قال في المبدع: وإسناده ثقات، وقال الحافظ صححه غير واحد. وقال: وهو مرسل صحابي، وهو مقبول على الراجح، وقال العراقي: حجة عند الجمهور، وادعى بعض الحنفية الإجماع على أن مرسل الصحابي حجة، وسمي مرسلاً لصغر طارق، ويؤيده حديث حفصة، «رواح الجمعة واجب على كل محتلم» ، ويؤيده أيضًا حديث جابر، وتميم الداري، وابن عمر وأبي هريرة وغيرهم، وحديث جابر عند الدارقطني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة، إلا مريضًا أو مسافرًا أو صبيًا أومملوكًا» و (عبد) وما عطف عليه يحتمل أن يكون منصوبًا على البدل، كما تقدم سقطت منه الألف على طريقة المتقدمين في عدم رسم الألف، اكتفاء في مثله بالشكل، ويحتمل أن يكون مرفوعًا على القطع، أي هم عبد، وتقدم أن المرض المسقط هو الذي يلحق صاحبه مشقة ظاهرة، غير محتملة، ويلحق بالمريض من به إسهال كثير، لأنه لا يؤمن تلويثه المسجد.

(مستوطن ببناءٍ) معتاد (¬1) ولو كان فراسخ (¬2) من حجر أو قصب ونحوه (¬3) . ¬

_ (¬1) فأخرج من بخيام ونحوه، والبناء في الأصل مصدر بنا، وهو هنا مصدر مطلق على المفعول، أي بمبني واعتاد الشيء جعله من عادته، وكذا قرية خرابا، عزموا على إصلاحها والإقامة بها، كما يأتي، أو قريبًا من الصحراء، وكذا إقامتها بمكان من الصحراء قريب من البلد، لأن المسجد ليس شرطا فيها. (¬2) أي ولو كان البناء الذي تقام فيه الجمعة فراسخ، ولو لم يسمع النداء، فإن المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بريد في بريد، وكانت محالاً متفرقة، لكل بطن من الأنصار محلة، ولم تكن مسورة، والمحلة فيها المساكن، وحولها النخل والمقابر، ليست صغيرة، ولا أبنيتها متصلة. (¬3) كسعف وإذخر، وثمام ونحو ذلك، وفي الصحيح: أول جمعة جمعت بعد الجمعة بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بجواثي قرية بالبحرين، وبيوتهم من جريد النخل ونحوه، وأقر عمر أهل المنازل التي بين مكة والمدينة على التجميع، ومعلوم أنها لم تكن بمدر وإنما هي من جريد أو سعف، والقصب الإباءة، وهو كل نبات يكون ساقه أنابيب.

لا يرتحل عنه شتاءً ولا صيفًا (¬1) (اسمه) أي البناء (واحد ولو تفرق) البناء حيث شمله اسم واحد، كما تقدم (¬2) (ليس بينه وبين المسجد) إذا كان خارجًا عن المصر (أكثر من فرسخ) تقريبًا (¬3) . ¬

_ (¬1) قال شيخ الإسلام: كل قوم مستوطنين ببناء متقارب، لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا، تقام فيه الجمعة، إذا كان مبنيا بما جرت به عادتهم، من مدر أو خشب أو قصب أو جريد أو سعف أو غير ذلك، فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك، إنما الأصل أن يكونوا مستوطنين ليسوا كأهل الخيام والحلل، الذين ينتجعون في الغالب مواقع القطر، وينتقلون في البقاع، وينقلون بيوهعم معهم إذا انتقلوا وهذا مذهب جمهور العلماء، والإمام أحمد علل سقوطها عن البادية لأنهم ينتقلون. (¬2) في قوله: اسمه واحد والمراد التفريق اليسير، فإذا كان قرية ينقص العدد فيها، بقرب قرية، بفرسخ فأقل يجمع فيها، لزمت الجمعة القرية الناقص عددهم بغيرهم، بخلاف الكثير غير المعتاد فلا، وكانت المدينة محالا، وتسمى المحلة دارًا وقرية، والمحلة القرية الصغيرة فيها المساكن، وحولها النخل والبساتين وذلك كله مدينة واحدة وهي بريد في بريد وشملها اسم واحد، ولم يجمع فيها في غير المسجد الذي أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم و (شملهم الأمر) عمهم من باب تعب وفي لغة من باب قعد، والأول الأشهر عند أهل اللغة. (¬3) لا تحديدا فلا يضر نقص يسير، لأنه من أهل الجمعة يسمع النداء كأهل المصر، لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر» ، رواه أبو داود وأبو حاتم وابن حبان وغيرهم، ولأبي داود «الجمعة على من سمع النداء» ، ولأن من سمعه داخل في عموم الآية، والعبرة بسماعه من المنارة، بين يدي الإمام، نص عليه، ولما كان سماع النداء غير ممكن دائما اعتبر بمظنته، والموضع الذي يسمع فيه غالبا فرسخ، قال شيخ الإسلام: تجب الجمعة على من حول المصر، عند أكثر العلماء، وهو يقدر بسماع النداء بفرسخ.

فتلزمه بغيره (¬1) كمن بخيام ونحوها (¬2) ولا تنعقد به (¬3) ولم يجز أن يؤم فيها (¬4) . ¬

_ (¬1) أي إذا حضرها وجبت عليه، وأما السعي لها فلا يلزمه. (¬2) كبيوت الشعر والخراكي، قال في الفروع: وفاقًا، لأن العرب كانوا حول المدينة، وكانوا لا يصلون جمعة، ولا أمرهم بها، ولأنهم على هيئة المستوفزين، وكذا مسافر أقام ما يمنع القصر ولم يستوطن، والخيام جمع خيمة، وهي بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر، قال ابن الأعرابي: لا تكون الخيمة عند العرب من ثياب، بل من أربعة أعواد، وتسقف بالثمام، وخيمت بالمكان أقمت فيه، واختار شيخ الإسلام وجوبها على المستوطنين بعمد أو خيام، واشترط أن يكونوا يزرعون كما يزرع أهل القرية، وقدمه الآزجي، قال في الفروع، وهو متجه خلافًا للجميع وتقدم أن الأصل أن يكونوا مستوطنين، وأنه لا تأثير في مادة البناء. (¬3) حيث لم يكن من أهل وجوبها، قال الموفق: وإن قلنا تجب عليه، قال شيخ الإسلام: ولا دليل على أنها تجب على من لا تنعقد به، بل من وجبت عليه انعقدت به. (¬4) هذا المذهب جزم به الموفق وغيره، وعنه: يجوز وهو مذهب جمهور العلماء، أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم، لصحتها منه، وتقدم أن من صحت صلاته صحت إمامته.

وأما من كان في البلد فيجب عليه السعي إليها، قرب أو بعد، سمع النداء أو لم يسمعه، لأن البلد كالشيء الواحد (¬1) (ولا تجب) الجمعة (على مسافر سفر قصر) لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصل أحد منهم الجمعة فيه، مع اجتماع الخلق الكثير (¬2) وكما لا تلزمه بنفسه لا تلزمه بغيره (¬3) فإن كان عاصيًا بسفره (¬4) أو كان سفره فوق فرسخ، ودون المسافة (¬5) . ¬

_ (¬1) فلا فرق بين القريب والبعيد، ولأن المصر لا يكاد يكون أكثر من فرسخ، فهو في مظنة القرب، فاعتبر ذلك، وإن كان خارج البلد، وسمع النداء، وجبت عليه، وهو مذهب الشافعي وإسحاق وغيرهما، لقوله «الجمعة على من سمع النداء» رواه أبو داود وغيره، وله شاهد، ولقوله: «من سمع النداء ولم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» . (¬2) وهذا لا نزاع فيه، فقد علم من حالهم بالضرورة. (¬3) وقال الشيخ: يحتمل أن تلزمه تبعًا للمقيمين، قال في الفروع: وهو متجه وذكر بعضهم وجهًا، وحكى رواية، تلزمه بحضورها في وقتها، خلافًا للأئمة الثلاثة، ما لم ينضر بالانتظار، وتنعقد به، خلاف لأبي حنيفة ورواية عن مالك، ويؤم فيها كمن سقطت عنه تخفيفًا، لعذر مرض وخوف ونحوهما وفاقًا. (¬4) يعني لزمته بغيره، وتقدم جواز القصر في حقهم لكن فوق بريد. (¬5) يعني لزمته، هذا المذهب وتقدم أن هذا الفرق لا أصل له في كتاب ولا سنة، فيعطي حكم المسافرين ما زال منهم.

تقسيمهم المقيم إلى مستوطن وغيره لا دليل عليه

أو أقام ما يمنع القصر (¬1) أو لم ينو استيطانًا لزمته بغيره (¬2) (ولا) تجب الجمعة على (عبد) ومبغض (¬3) وامرأة لما تقدم (¬4) ولا خنثى، لأنه لا يعلم كونه رجلاً (¬5) . ¬

_ (¬1) كتاجر أقام لبيع متاعه، أو أقام لطلب علم، ونوى إقامة فوق أربعة أيام. (¬2) ولا تنعقد به فلا يحسب من العدد، ولم يجز أن يؤم فيها، وعنه، لا تلزمه جزم به في التلخيص وغيره، لأنه لم ينو الإقامة في هذا البلد على الدوام، قال شيخ الإسلام في تقسيمهم المقيم إلى مستوطن تجب عليه الجمعة وتنعقد به، وغير مستوطن تجب عليه ولا تنعقد به: هذا لا دليل عليه من جهة الشرع، أما المستوطن وهو المقيم، الذي هو المقابل للمسافر، فهو الذي تنعقد به الجمعة، وتجب عليه بلا نزاع، وأما المقيم غير المستوطن، فلا تجب عليه وإيجابها عليه مخالف للشرع، والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة ليس هو أمرًا معلومًا لا بشرع ولا لغة ولا عرف، وتقدم ذكر إقامة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بدون إتمام. (¬3) ومكاتب ومدبر ومعلق عتقه بصفة قبل وجودها، لأنه عبد، وهي أفضل في حقهم من الظهر، للاختلاف في وجوبها عليهم، وعند كثير من أهل العلم تجب على العبد، لعموم الأمر بها. (¬4) يعني في خبر أبي داود، أي فلا تجب على المرأة، قال ابن المنذر وغيره: أجمعوا أن لا جمعة على النساء، وأجمعوا أنهن إذا حضرن، فصلين الجمعة، أن ذلك يجزئ عنهن، وتقدم ذكر من يباح حضوره منهن. (¬5) يعني الخنثى المشكل، لأنه لم تتحقق ذكوريته، لكن يستحب له حضورها احتياطا.

(ومن حضرها منهم أجزأته) لأن إسقاطها عنهم تخفيف (¬1) (ولم تنعقد به) لأنه ليس من أهل الوجوب، وإنما صحت منه تبعا (¬2) (ولم يصح أن يؤم فيها) لئلا يصير التابع متبوعًا (¬3) (ومن سقطت عنه لعذر) كمرض وخوف (¬4) إذا حضرها (وجبت عليه وانعقدت به) وجاز أن يؤم فيها (¬5) . ¬

_ (¬1) أي إسقاطها عن مسافر وعبد ومبعض وامرأة وخنثى تخفيف من الشارع، فإذا حضرها أحدهم أجزأته، وصحت جمعته إجماعًا، حكاه ابن المنذر وغيره، كالمريض إذا تكلف المشقة، ولنقل الخلف عن السلف، وإن قيل: إذا كان فرضهم الظهر أربعًا فكيف سقط بركعتي الجمعة؟ وجوابه، أنها وإن كانت ركعتين فهي أكمل من الظهر بلا شك، ولهذا وجبت على أهل الكمال، وإنما سقطت عن المعذور تخفيفا فإذا تكلفها فقد أحسن فأجزأه. (¬2) أما المرأة والخنثى فبلا خلاف، وأما العبد والمسافر فمن صحت منه انعقدت به، اختاره الشيخ وغيره. (¬3) أما إمامة المرأة والخنثى فلا نزاع فيه، وأما المسافر والعبد فيجوز وفاقا، إلا مالكا في العبد، وجمهور العلماء على خلافه، ونقل أبو حامد إجماع المسلمين على صحتها خلف المسافر. (¬4) يعني على نفسه أو ماله أو أهله ونحوه، ومن له شغل يبيح ترك الجماعة، قال ابن عباس: الجمعة كالجماعة، فكل عذر سقطت به الجماعة سقطت به الجمعة. (¬5) أي في الجمعة وفاقًا، وكل ما كان شرطا، لوجوبها فهو شرط لانعقادها.

لأن سقوطها لمشقة السعي وقد زالت (¬1) (ومن صلى الظهر) وهو (ممن) يجب (عليه حضور الجمعة (¬2) قبل صلاة الإمام) أي قبل أن تقام الجمعة (¬3) أو مع الشك فيه (لم تصح) ظهره (¬4) لأنه صلى ما لم يخاطب به، وترك ما خوطب به (¬5) وإذا ظن أنه يدرك الجمعة سعى إليها، لأنها فرضه (¬6) . ¬

_ (¬1) يعني المشقة، فإذا تكلفها وحضرها تعينت عليه، كمريض بالمسجد ويحرم انصرافه إن دخل الوقت إلا أن يزيد ضرره بانتظاره لفعلها فيجوز ولا يلزمه العود مع بقاء العذر. (¬2) يعني بنفسه أو بغيره. (¬3) لم تصح ظهره وفاقا لمالك والشافعي وإسحاق وداود وغيرهم، ومرادهم والله أعلم بقاء ما تدرك به الجمعة لو ذهب وحضر معهم، ليس مرادهم قبل ابتدائها، ولا قبل الفراغ بالكلية، وعبارة الإقناع، ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام أو قبل فراغها لم يصح، قال الشارح: أي قبل فراغ ما تدرك به. (¬4) يعني مع الشك في تجميع الإمام، هل صلى الظهر قبله أو بعده. (¬5) فلم تصح كما لو صلى العصر مكان الظهر، وكشكه في دخول الوقت، لأنها فرض الوقت فيعيدها ظهرا إذا تعذرت الجمعة. (¬6) ولا نزاع في أنه مخاطب بالجمعة، فسقطت عنه الظهر، ولا خلاف في أنه يأثم بترك الجمعة، وترك السعي إليها، وإن صلى الظهر، ولا يأثم بترك الظهر، وفعل الجمعة إجماعا.

وإلا انتظر حتى يتيقن أنهم صلوا الجمعة، فيصلي الظهر (¬1) ، و (تصح) الظهر (ممن لا تجب عليه) الجمعة لمرض ونحوه (¬2) ولو زال عذره قبل تجميع الإمام (¬3) إلا الصبي إذا بلغ (¬4) (والأفضل) تأخير الظهر (حتى يصلي الإمام) الجمعة (¬5) . ¬

_ (¬1) لكن إن أخرها الإمام تأخيرا منكرا، فللغير أن يصلي الظهر، ويجزئه عن فرضه، جزم به المجد، وجعله ظاهر كلامه، لخبر تأخير الأمراء، وكذا لو صلى الظهر أهل بلد مع بقاء وقت الجمعة لم تصح، لما تقدم، ويعيدونها إذا فاتت الجمعة، ومن فاتته الجمعة، أو لم يكن من أهل فرضها وهم بالبلد تسن الجماعة في ظهرهم، وخارج البلد تسن إجماعا، وتجب عندنا، ويخفونها إن خفي عذرهم، هذا إذا أمن أن ينسب إلى مخالفة الإمام، وفاقا للشافعي، فعله ابن مسعود وغيره، واحتج به أحمد، وقال: ما أعجب الناس ينكرون هذا. (¬2) كخوف على نفسه أو أهله قبل تجميع الإمام، في قوله عامة أهل العلم، وكذا لو صلى من لا تجب عليه، كالعبد والمسافر والمرأة ونحوهم الظهر قبله، في قول عامتهم، وحكاه في الفروع اتفاقا على الأصح، لأنها فرضهم وقد أدوه. (¬3) مرادهم فوات ما تدرك به الجمعة، كرفع الإمام رأسه من ركوع الثانية فتصح ظهره، كمضوب حج عنه ثم عوفي، فإن حضروا الجمعة بعد ذلك كانت نفلا. (¬4) أي فلا تصح منه الظهر، ولو بعد بلغ تجميع الإمام وقد كان صلى الظهر أولا، أعادها لأن صلاته الأولى وقعت نفلا، فلا تسقط الفرض هذا المذهب وتقدم أنه مأمور بفعلها، وفعلها فامتنع أن يؤمر بصلاة ثانية. (¬5) أي والأفضل ممن لا تجب عليه الجمعة، كالعبد والمريض، تأخير الصلاة. الظهر حتى يصلي الإمام الجمعة، فإنه ربما زال عذره فتلزمه الجمعة، قال ابن عقيل: من لزمته بحضوره لم يصح، ويستثنى من دام عذره كالمرأة، فالتقديم في حقه أفضل، قال في الفروع: قولا واحدا، وتوسط بعض أهل العلم فقال: إن كان جازما بأنه لا يحضر الجمعة، وإن تمكن منها، استحب له تقديم الظهر، وإن كان لو تمكن أو نشط حضر استحب له التأخير، وتقدم أنه إن أخر الإمام الجمعة تأخيرا منكرا فللغير أن يصلي ظهرا، وفاقا لمالك، ويجزئه عن فرضه، جزم به المجد، لخبر تأخير الأمراء الصلاة عن وقتها.

وحضورها لمن اختلف في وجوبها عليه كعبد أفضل (¬1) وندب تصدق بدينار أو نصفه لتاركها بلا عذر (¬2) (ولا يجوز لمن تلزمه) الجمعة (السفر في يومها بعد الزوال) حتى يصلي إن لم يخف فوت رفقته (¬3) . ¬

_ (¬1) خروجا من الخلاف، وكذا المعذور تسقط عنه أفضل. (¬2) لخبر «من ترك الجمعة من غير عذر فيتصدق بدينار، فإن لم يجد فبنصف دينار» ، رواه أحمد وغيره، وضعفه النووي وغيره، ولا يجب إجماعا. (¬3) لتركه لها بعد الوجوب، وهذا مذهب مالك والشافعي وداود وغيرهم، قال الطوفي، وينبغي أن يقال: لا يجوز له السفر بعد الزوال، أو حين يشرع في الأذان لها، لجواز أن يشرع في ذلك وقت صلاة العيد، على الصحيح من المذهب، وكذا علل عثمان وغيره بإرادة من يلزمه الحضور، فيكون احترز بذلك عمن صلى العيد في يومها، فإنها تسقط عنه سقوط حضور لا وجوب، فإن الظاهر أن سفره في يومها كسفره في غيره من بقية الأيام، قال الطوفي: ولا نزاع في تحريم السفر بعد الزوال، أو الشروع في الأذان، لتعلق حق الله بالإقامة اهـ، كما لو تركها لتجارة، بخلاف غيرها، فإن خاف فوت رفقته سقط وجوبها كما تقدم.

وقبل الزوال يكره (¬1) إن لم يأت بها في طريقه (¬2) . ¬

_ (¬1) ما لم يكن من العدد المعتبر، وكان يعلم أنها لا تكمل بغيره فيحرم، وإلا فيكره السفر في يومها، لمن هو من أهل وجوبها، خروجا من الخلاف، ولا يحرم، لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟» قال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم فقال: «لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم» ولقول عمر: لا تحبس الجمعة عن سفر، وكما لو سافر من الليل، هذا إذا لم يكن أذن لها، فإن كان فيحرم كما تقدم، وقال ابن القيم: والاختيار أن لا يسافر إذا طلع الفجر وهو حاضر، حتى تصلى الجمعة، ما لم يخف فوت رفقته. (¬2) أي إن لم يكن غالب ظنه التمكن من الإتيان بها في طريقه، فإن كان ذلك لم يكره لأداء فرضه.

فصل في شروط صحة الجمعة وما يتعلق بذلك

فصل (¬1) يشترط لصحتها أي صحة الجمعة أربعة (شروط ليس منها إذن الإمام) (¬2) لأن عليا صلى بالناس وعثمان محصور، فلم ينكره أحد، وصوبه عثمان، رواه البخاري بمعناه (¬3) (أحدها) أي أحد الشروط (الوقت) لأنها صلاة مفروضة، فاشترط لها الوقت، كبقية الصلوات (¬4) فلا تصح قبل الوقت ولا بعده إجماعا، قاله في المبدع (¬5) . ¬

_ (¬1) في شروط صحة الجمعة، وما يتعلق بها. (¬2) أي ليس من شروط الجمعة إذن الإمام في إقامتها، وفاقا لمالك والشافعي وليس لمن ولاه السلطان إقامتها أن يؤم في الصلوات الخمس، ولا بالعكس. (¬3) ولفظ الأثرم وغيره: إنه قد نزل بك ما ترى، وأنت إمام العامة، فقال: الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم، وصلى ابن مسعود بالناس لما أبطأ الوليد، وأبو موسى الأشعري حين أخرها سعيد بن العاص، وقال أحمد: وقعت الفتنة في الشام تسع سنين، وكانوا يجمعون ولأن المسلمين في الأمصار النائية يقيمونها بعد موت الأئمة ولم ينكر، فكان إجماعا وحكي أنها لا تصح إلا خلف السلطان أو نائبه أو بإذنه، وقال النووي: شاذ باطل. (¬4) ولم يقل: دخول الوقت كما مر، لأن الجمعة لا تفعل بعد وقتها، بخلاف بقية الصلوات، وبدأ بالوقت لأنه آكد الشروط. (¬5) وحكاه الوزير والموفق والزركشي وغيرهم لقوله: إن الصلاة كانت {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا *} أي مفروضا في الأوقات، وقال عمر: لها وقت لا يقبلها الله إلا به.

(وأوله أول وقت صلاة العيد) (¬1) لقول عبد الله بن سيدان: شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار (¬2) ثم شهدتها مع عمر، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول قد انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول قد زال النهار (¬3) فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره (¬4) رواه الدارقطني وأحمد واحتج به (¬5) . ¬

_ (¬1) نصا فلا تصح قبله إجماعا، وتفعل فيه جوازا ورخصة، وتجب بالزوال. (¬2) فدل على جواز فعلها قبل الزوال، قال شمس الحق، وهو قول جماعة من السلف. (¬3) أي زالت الشمس. (¬4) فصار إجماعا، وفعلها ابن الزبير في وقت العيد، وصوبه ابن عباس وأبو هريرة، وابن سيدان بكسر السين المهملة، أو سندان المطرودي، قال البخاري: لا يتابع على حديثه، وقال النووي: اتفقوا على ضعفه. (¬5) يعني أحمد: ولحديث جابر: كان يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس، رواه مسلم، ولهما ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به، ولهما من حديث سهل قال: ما كنا نقيل ولا نتغذى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن قتيبة لا يسمى قائلة ولا غذاء بعد الزوال.

قال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعد ومعاوية أنهم صلوا قبل الزوال، ولم ينكر (¬1) (وآخرها آخر وقت صلاة الظهر) بلا خلاف، قاله في المبدع (¬2) وفعلها بعد الزوال أفضل (¬3) (فإن خرج وقتها قبل التحريمة) أي قبل أن يكبروا للإحرام بالجمعة (صلوا ظهرا) قال في الشرح: لا نعلم فيه. ¬

_ (¬1) فروى الإمام عن ابن مسعود أنه كان يصلي الجمعة ضحى، ويقول: إنما عجلت بكم خشية الحر عليكم، وعن معاوية نحوه، رواه سعيد، وكذا روي عن علي وسعيد بن زيد وغيرهما، أخرجها ابن أبي شيبة وغيره، وإذا صلى هؤلاء مع من يحضرهم من الصحابة ولم ينكر، فهو إجماع ولأنها صلاة عيد، فجازت قبل الزوال، والمراد أول وقت الجواز، وتقدم إراحتهم جمالهم وانصرافهم وليس للحيطان ظل يستظل به، ولو كانت خطبته وصلاته بعده لكان لها ظل، قال الزركشي، والتقديم ثبت رخصة بالسنة والآثار اهـ، وأما وقت الوجوب فزوال الشمس إجماعا وعن أحمد، وقتها كالظهر وفاقا، ولا ينافي ما تقدم، لأنا وسائر المسلمين لا يمنعون ذلك بعد الزوال. (¬2) وحكاه الزركشي وغيره، إلحاقا لها بها، لوقوعها موضعها. (¬3) لحديث سلمة بن الأكوع، قال: كنا نصلي الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس، متفق عليه، وفي الصحيح عن أنس: حين تميل الشمس، وللخروج من الخلاف، فإن الإجماع منعقد على أن وقتها بعد الزوال، ولأنه الوقت الذي كان يصليها فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر أوقاته، فالأولى فعلها بعد الزوال صيفا وشتاء، حين تميل الشمس، لاجتماع الناس لها، وانتظار الإبراد يشق عليهم.

خلافا (¬1) (وإلا) بأن أحرموا بها في الوقت فـ (جمعة) كسائر الصلوات، تدرك بتكبيرة الإحرام في الوقت (¬2) ولا تسقط بشك في خروج الوقت (¬3) فإن بقي من الوقت قدر الخطبة والتحريمة لزمهم فعلها (¬4) وإلا لم تجز (¬5) . ¬

_ (¬1) وحكاه غير واحد إجماعا، فلا يعيدون الجمعة، لفوات الشرط ولأنها لا تقضى. (¬2) هذا المذهب قياسا على بقية الصلوات، ولأن الوقت إذا فات لم يمكن استدراكه، فسقط اعتباره في الاستدامة للعذر، وكالجماعة في حق المسبوق، فإن قيل: لم اعتبر في الوقت الإدراك بالتكبيرة فقط، وفي الجماعة بالركعة؟ قيل: الوقت شرط، ولكنه خارج عن الماهية، والجماعة شرط داخل في الماهية، وما كان داخل الماهية أقوى مما كان خارجها، وقال في الإقناع: وإن خرج قبل ركعة بعد التحريمة استأنفوا ظهرا، قال ابن منجا: وهو قول أكثر الأصحاب، لأنه عليه الصلاة والسلام خص إدراكها بالركعة، وقال شيخ الإسلام: مضت السنة أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، فهو مدرك للجمعة، كمن أدرك ركعة من العصر، أو الفجر وتقدم، ومذهب الشافعي إذا خرج وقتها وهم فيها يتمونها ظهرا، وعند أبي حنيفة يستأنفون الظهر. (¬3) لأن الأصل بقاؤه، والوجوب محقق، وإن علموا إحرامهم بعد خروج الوقت قضوا ظهرا، لبطلان جمعتهم. (¬4) لأنها فرض الوقت، وقد تمكنوا من فعلها، وتقدم أنها لا تدرك بأقل من ركعة. (¬5) أي وإن لم يبق من الوقت قدر التحريمة والخطبة لم تجزئ، ويصلونها ظهرا، لأنها لا تقضى وتقدم.

الشرط (الثاني حضور أربعين من أهل وجوبها) وتقدم بيانهم (¬1) الخطبة والصلاة (¬2) قال أحمد: بعث النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى أهل المدينة، فلما كان يوم الجمعة جمع بهم، وكانوا أربعين، وكانت أول جمعة جمعت بالمدينة (¬3) وقال جابر: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق جمعة وإضحى وفطر، رواه الدارقطني وفيه ضعف، قاله في المبدع (¬4) . ¬

_ (¬1) يعني أهل وجوبها، في قوله: تلزم كل ذكر حر مكلف مسلم إلخ، ولو كان بعضهم خرسا أو صما، لا إن كان الكل كذلك، واختار الشيخ أن هذا الشرط للوجوب لا للصحة وقال الشيخ عبد اللطيف، وهذا من أحسن الأقوال، وبه يتفق غالب كلام المتأخرين. (¬2) أي حضور العدد المعتبر حال الخطبة والصلاة. (¬3) رواه أبو داود عن كعب بن مالك قال: أول من صلى بنا الجمعة في نقيع الخصُمات أسعد بن زرارة وكنا أربعين صححه ابن حبان والبيهقي والحاكم قال بعض الأصحاب: ولم ينقل أنها صليت بدون ذلك، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم حين انفضوا عنه بدون ذلك، مع أنه لا يقتضي أنها لا تصح بدون ذلك، وحديثهم إنما كان يدل على أنه كان مبدأ الجمعة، وقال الحافظ وغيره، لا يصح في عدد الجمعة شيء، وقاله السيوطي وغيره، وقال الحافظ: وردت أحاديث تدل على الاكتفاء بأقل من أربعين وجمعت بتشديد الميم أي صليت جماعة ومصعب بن عمير هو ابن هاشم بن عبد مناف، أحد السابقين، استشهد في أحد ومعه اللواء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه لهم مفقها. (¬4) وإذا قال الصحابي ذلك، كان له حكم الرفع ولكنه لم يصح ولا يقاوم حديث جابر وغيره، وقال حافظ عصره الشيخ سليمان بن عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: هذا حديث ساقط، لا يحتج به، لأنه من رواية عبد العزيز بن عبد الرحمن، وهو ضعيف، قال البيهقي: هذا حديث لا يحتج به، ثم لو صح فليس فيه حجة، ويقال: اشتراط الأربعين العقلاء الحاضرين الذكور الأحرار تحكم بالرأي بلا دليل، وإسقاط للجمعة عمن دون الأربعين، وقد ثبت وجوب الجمعة بعموم الآية والأحاديث والإجماع على كل أحد فمن أراد إخراج أحد عن وجوبها فعليه الدليل، واتفق المسلمون على اشتراط الجماعة لها، واختلفوا في العدد المشترط لها، وذكر الأقوال، ونص أحمد على أنها تنعقد بثلاثة، اثنان يستمعان وواحد يخطب، اختاره الشيخ الإسلام. قال الشيخ سليمان: وهذا القول أقوى، وهو كما قال، شرعا ولغة وعرفا، لقوله تعالى: {فَاسْعَوْا} وهذا صيغة جمع وأقل الجمع ثلاثة، وفي الحديث الصحيح إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، فأمرهم بالإمامة، وهو عام في إمامة الصلوات كلها، الجمعة والجماعة، ولأن الأصل وجوب الجمعة على الجماعة المقيمين، فالثلاثة جماعة تجب عليهم الجمعة، ولا دليل على إسقاطها عنهم أصلا، وإسقاطه عنهم تحكم بالرأي الذي لا دليل عليه من كتاب، ولا سنة ولا إجماع، ولا قول صاحب ولا قياس صحيح اهـ. قال شيخنا: وما سوى هذا القول يحتاج إلى برهان، ولا برهان يخرجه من هذا العموم، فدل على أنها تنعقد بالجمع، والجمع أقله ثلاثة، ويقال: لو كانت الأربعون شرطا لما جاز أن يسكت عنه الشارع صلى الله عليه وسلم ولا يبينه، وحكى النووي وغيره إجماع الأمة على اشتراط العدد، وأنها لا تصح من منفرد، وأن الجماعة شرط لصحتها وقال الشيخ: تنعقد الجمعة بثلاثة، واحد يخطب، واثنان يستمعان، وهو إحدى الروايات عن أحمد، وقول طائفة من العلماء قال: وتصح ممن دون الأربعين، لأنه انتقال إلى أعلى الفرضين، وفوق بالبناء على الضم لقطعه عن الإضافة، ونية معناها.

الشرط (الثالث أن يكونوا بقرية مستوطنين) بها (¬1) مبنية بما جرت به العادة (¬2) فلا تتم من ممكانين متقاربين (¬3) . ¬

_ (¬1) استيطان إقامة، لا يرحلون عنها صيفا ولا شتاء، والقرية الضيعة والمصر الجامع، أو كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارا، وجمع الناس وتقع على المدن وغيرها، والجمع قرى، وليس من شرطها المصر، فإن قيل، هذا مكرر مع ما تقدم من اعتبار الاستيطان، قيل: ما تقدم إنما سيق لبيان من تجب عليه وما هنا لبيان صحتها. (¬2) من حجر أو لبن، أو طين أو قصب، أو شجر أو سعف، لأنه عليه الصلاة والسلام كتب إلى قرى عرينة أن يصلوا الجمعة، وتقدم التجميع بقرية جواثي وغيرها، وتعبير بعضهم بالأبنية للجنس، فيشمل البناء الواحد إذا حصل به العدد، وللغالب، إذ نحو الغيران والسراديب في نحو الجبل كذلك. (¬3) أي فلا تتم الأربعون من بلدين متقاربين لم يشملهما اسم واحد، في كل منهما دون الأربعين، لفقد شرطها، حتى قالوا: لا يصح تجميع أهل بلد كامل فيه العدد، في بلد ناقص، وإن الأولى مع تتمة العدد في بلدين فأكثر متقاربة تجميع كل قوم في بلدهم، إظهارا لشعائر الإسلام، وقد كانت المدينة قرى، فيها المساكن، وحولها النخل كل قرية لقبيلة، فبنوا مالك في قريتهم، وبنوا مازن، وبنوا سالم، وسائر بطون الأنصار كذلك، كل قبيلة في قرية ومع ذلك الاتساعوكثرة القرى لم يجمع كل أهل قرية في محلتهم، وهذا مع عدم المشقة، وإلا فقد قال في الفصول، وإن كان البلد قسمين بينهما بائرة، كان عذرا أبلغ من مشقة الازدحام ويأتي جواز تعددها لحاجة.

ولا تصح من أهل الخيام وبيوت الشعر ونحوهم (¬1) لأن ذلك لم يقصد للاستيطان غالبا (¬2) وكانت قبائل العرب حوله عليه السلام، ولم يأمرهم بها (¬3) وتصح بقرية خراب، عزموا على إصلاحها والإقامة بها (¬4) (وتصح) إقامتها (فيما قارب البنيان من الصحراء) (¬5) لأن أسعد بن زرارة أول من جمع في حرة بني بياضة، أخرجه أبو داود والدارقطني، قال البيهقي حسن الإسناد صحيح (¬6) . ¬

_ (¬1) كالخراكي ونحوها، الذين ينتجعون في الغالب مواضع القطر، وينتقلون في البقاع، وينقلون بيوتهم معهم. (¬2) ولا يقع عليهم اسم الاستيطان، هذا مذهب جمهور العلماء، وإن كان أهل الخيام مستوطنين في خلال الأبنية لزمتهم. (¬3) وذلك لأنهم ليسوا من أهل المدينة، قال تعالى: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ} فجعلهم قسمين، مستوطنين وأعرابًا. (¬4) وأتى عليهم يوم الجمعة قبل ذلك، وجبت عليهم الجمعة، لأن حكمها باق في إقامة الجمعة بها، لعدم ارتحالهم، أشبهوا المستوطنين، لا إن عزموا على النقلة منها، ولا تجب ببلد يسكنها أهلها بعض السنة دون بعض، لعدم الاستيطان. (¬5) ولو بلا عذر فلا يشترط لها البنيان. (¬6) وتقدم تصحيح ابن حبان والحاكم، وقال الحافظ: إسناده حسن، وأسعد بن زرارة هو ابن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، أبو أمامة الأنصاري الخزرجي النجاري، شهد العقبة، وكان نقيبًا على قبيلته، مات في السنة الأولى، أول من صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الخطابي: حرة بني بياضة على ميل من المدينة (¬1) وإذا رأى الإمام وحده العدد فنقص، لم يجز أن يؤمهم (¬2) ولزمه اسخلاف أحدهم (¬3) وبالعكس لا تلزم واحدًا منهم (¬4) (فإن نقصوا) عن الأربعين (قبل إتمامها) لم يتموها جمعة، لفقد شرطها (¬5) . ¬

_ (¬1) في غربيها، وفيه: في هزم النبيت من حرة بني بياضة، وهي قرية في الحرة، أي جمع في قرية يقال لها هزم النبيت، وهي كانت في حرة بني بياضة، والمعنى أنه يجوز إقامتها في القرى، كالمدن والأمصار، وللدارقطني وغيره عن أم عبد الله الدوسية مرفوعًا، «الجمعة واجبة على كل قرية، وإن لم يكن فيها إلا أربعة» ، من طرق ضعيفة، لكنه لا يضر من استدل به على فرضيتها في القرى، لأنه قد ثبت أداؤها بأقل من أربعين، وصحة أدائها في القرى من عموم الآية، وتقدم إقامتها بجواثي، وكانت تقام في القرى بين مكة والمدينة في عهد السلف، وكما هو فرض عين في الأمصار، فهكذا في القرى، من غير فرق. (¬2) أي إذا رأى الإمام اشتراط العدد دون المأمومين لم يجز أن يؤمهم لاعتقاده البطلان. (¬3) ليصلي بهم فيؤدوا فرضهم. (¬4) أما الإمام فلعدم من يصلي معه، وأما المأمومون فلاعتقاد بطلان جمعتهم لوجوب العدد عندهم، هذا مقتضى كلام الأصحاب وغيرهم عفا الله عنهم، والتقليد والاعتقاد في مثل هذه المسائل الظاهرة بعد وضوح الوجه الشرعي خطأ مخالف للشرع، ولما عليه الأئمة رضوان الله عليهم، وتقدم تحقيق مذاهبهم. (¬5) كالطهارة على ما ذهبوا إليه، وتقدم وجوبها بمسمى الجماعة.

من أدرك مع الإمام ركعة أتمها جمعة.

و (استأنفوا ظهرا) إن لم تمكن إعادتها جمعة (¬1) وإن بقي معه العدد بعد انفضاض بعضهم، ولو ممن لم يسمع الخطبة، ولحقوا بهم قبل نقصهم أتموا جمعة (¬2) (ومن) أحرم في الوقت و (أدرك مع الإمام منها) أي من الجمعة (ركعة أتمها جمعة) (¬3) لحديث أبي هريرة مرفوعًا، «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة» ، رواه الأثرم (¬4) (وإن أدرك أقل من ذلك) بأن رفع الإمام رأسه من الثانية، ثم دخل معه ¬

_ (¬1) بشروطها، فإن أمكن إعادتها جمعة وجبت، لأنها فرض الوقت. (¬2) بلا نزاع، وقال أبو المعالي: سواء كانوا سمعوا الخطبة أو لحقوا قبل نقصهم بلا خلاف، كبقائه من السامعين، وجزم به غير واحد، ولحديث جابر وفيه: لم يبق إلا اثنا عشر رجلا، رواه مسلم ولوجود الشرط، وانفضاض بفاء أي تفرق بعضهم، و (لحقوا بهم) ، جملة فعليه في محل نصب على الحالية، والمراد: لحقوا بمن كان مع الإمام. (¬3) إجماعًا إلا ما حكي عن عطاء وطاوس، واتفقوا على أنه ليس من شرط إدراك الجمعة إدراك الخطبة، ومن صلى الجمعة فقد صحت له الجمعة، وإن لم يدرك الخطبة، واتفقوا على أن الفضيلة في إدراك الخطبة والاستماع لها. (¬4) ورواه البيهقي عن ابن مسعود وابن عمر، وأصله في الصحيحين، وقال شيخ الإسلام: مضت السنة أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة اهـ أي لم تفته تلك الصلاة، ومن لم تفته الجمعة صلاها ركعتين، لقوله «فليصل إليها أخرى» ، ولا بد من إدراك المسبوق ركعة بسجدتيها.

(أتمها ظهرًا) لمفهوم ما سبق (¬1) (إذا كان نوى الظهر) ودخل وقته (¬2) لحديث «وإنما لكل امرئ ما نوى» (¬3) وإلا أتمها نفلاً (¬4) ومن أحرم مع الإمام، ثم زحم عن السجود، لزمه السجود على ظهر إنسان أو رجله (¬5) . ¬

_ (¬1) من قوله «من أدرك ركعة» ، الحديث وهو من مفهوم المخالفة، وإلا فالجمعة لا تقضى، ولو لم يدرك إلا التشهد دخل معه، وتشهد حكاه أبو بكر عن الصحابة إجماعا، وقاله ابن مسعود، وكذلك فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. (¬2) وفاقا لمالك والشافعي، لأن دخول الوقت شرط، والظهر لا تتأدى بنية الجمعة ابتداء. (¬3) أي فإنه إذا كان إنما نوى جمعة، ولم ينو الظهر لم يصح، وإن نواه صح. (¬4) أي وإن لم يدخل وقت الظهر، أو دخل ولم ينوه، بل نوى جمعة، أتمها نفلا، أما الأولى فكمن أحرم بفرض، فبان قبل وقته، فإنه لا يصح إتمامها جمعة، لعدم إدراكه لها بدون ركعة، لمفهوم الأخبار، وأما الثانية فلحديث «إنما الأعمال بالنيات» ، وهو لم ينو ظهرا، فيتمها نفلا. وقال ابن إسحاق: ينوى جمعة تبعا لإمامه، ويتمها ظهرا، وذكره القاضي المذهب إذا كان دخل وقت الظهر. (¬5) لقول عمر: إذا اشتد الزحام فليسجد على ظهر أخيه، رواه أبو داود وغيره: وقاله بمحضر من الصحابة وغيرهم، ولم يظهر له مخالف، وهو قول جمهور العلماء، مالك والشافعي وغيرهما، ولأنه يأتي بما يمكنه حال العجز، فوجب وصحت كالمريض.

اشتراط تقدم خطبتين وما يجب فيهما

فإن لم يمكنه فإذا زال الزحام (¬1) وإن أحرم ثم زحم وأخرج عن الصف، فصلى فذا لم تصح (¬2) وإن أخرج في الثانية نوى مفارقته وأتمها جمعة (¬3) الشرط الرابع: تقدم خطبتين، وأشار إليه بقوله: (ويشترط تقدم خطبتين) (¬4) . ¬

_ (¬1) أي فإن لم يمكنه السجود على ظهر إنسان أو رجله ونحو ذلك، قال في الإنصاف، بلا نزاع فإذا زال الزحام سجد بالأرض، ولحق إمامه للعذر، إلا أن يغلب على ظنه فوت الثانية، فإن غلب على ظنه فوتها تابعة فيها، ويتمها جمعة، وهو قول مالك والشافعي، وجماهير العلماء، فإن لم يتابعه عالما بطلت صلاته بلا نزاع، لتركه متابعة إمامه بلا عذر، وإن كان جاهلا ثم أدركه في التشهد بعد أن سجد سجدتي الأولى، أتى بركعة ثانية بعد سلام إمامه، وصحت جمعته. (¬2) لترك متابعة إمامه عمدا، وترك متابعة إمامه عمدا يبطلها وفاقا، وإن تابع إمامه فذا فتقدم قول شيخ الإسلام. (¬3) لإدراكه ركعة مع إمامه، وكذا لو تخلف عنه لمرض أو نوم أو سهو ونحوه وإن أقام على متابعة إمامه وأتمها معه فذا صحت جمعته. (¬4) أي ويشترط لصحة صلاة الجمعة تقدم خطبتين، وفاقا لمالك والشافعي وجماهير العلماء، وحكاه النووي إجماعا، إلا أن أبا حنيفة يقول: إذا قال: الحمد لله كفاه ومشروعيتهما مما استفاضت به السنة، وقال في الشرح: والخطبة شرط لا تصح بدونها، ولا نعلم مخالفا إلا الحسن، وقال في الفروع: ومن شرطهما يعني الخطبتين تقديمهما وفاقا، والخطبة بضم الخاء، وهي الكلام المؤلف، المتضمن وعظا وإبلاغا، يقال: خطب يخطب خطبة بضم الخاء وخطابة بفتحها، وأما خطبة المرأة وهي طلب نكاحها فبالكسر.

لقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} والذكر هو الخطبة (¬1) ولقول ابن عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس، متفق عليه (¬2) وهما بدل ركعتين لا من الظهر (¬3) (ومن شرط صحتهما حمد الله) بلفظ الحمد لله (¬4) لقوله عليه الصلاة والسلام «كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» رواه أبو داود عن ¬

_ (¬1) وهذا قول كثير من أهل التفسير فأمر بالسعي إليه، فيكون واجبا، إذ لا يجب السعي لغير واجب، ولمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليهما. (¬2) هذا لفظ النسائي والدارقطني وغيرهما، ولفظ البخاري: يخطب خطبتين يقعد بينهما، ولهما: يخطب قائما ثم يقعد ثم يقوم، وللشافعي وغيره عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما ثم يقعد، ثم يقوم فيخطب وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» . (¬3) أي لا يقال إنهما بدل ركعتين من الظهر، لأن الجمعة ليست بدلا عن الظهر، بل الجمعة مستقلة، وإنما الظهر البدل عنها إذا فاتت فظاهره أن الجمعة في الأصل أربع، قامت الخطبتان مقام ركعتين منها، لا أنها ظهر مقصورة ولهذا يصلي من فاتته أربعا، وعن عمر وعائشة، قصرت الصلاة من أجل الخطبة، فهما بدل ركعتين، فالإخلال بإحداهما إخلال بإحدى الركعتين، واشترط تقديمهما لفعله صلى الله عليه وسلم وخلفائه والمسلمين. (¬4) قال المجد: لأنه لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أخل به، وقطع به غير واحد من الأصحاب، وقال ابن مفلح: لم أجد فيه خلافا.

أبي هريرة (¬1) (والصلاة على رسوله) محمد (صلى الله عليه وسلم) (¬2) لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسوله، كالأذان (¬3) ويتعين لفظ الصلاة (¬4) . ¬

_ (¬1) وله عن ابن مسعود مرفوعا، كان إذا تشهد قال: الحمد لله وفي صحيح مسلم عن جابر: كانت خطبته يوم الجمعة يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله وقال أحمد: لم يزل الناس يخطبون بالثناء على الله، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم والمراد بالشرط هنا ما تتوقف عليه الصحة، أعم من أن يكون داخلا أو خارجا، فيعم الركن، كالحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة آية، والوصية بتقوى الله، وفاقا للشافعي، ورواية عن مالك، وجماهير السلف، واستمر العمل عليه. (¬2) وظاهر كلامهم يشترط إذا اسمه الشريف صلى الله عليه وسلم كقوله اللهم صل على محمد، أو على النبي، فلا يكفي: صلى الله عليه وسلم، ونحوه ولو سبقه قوله: أشهد أن محمدا عبده ورسوله، ونحوه. (¬3) أي كما افتقرت إلى ذكر رسوله في الأذان، وذكره مع ذكر ربه هو الشهادة له بالرسالة. (¬4) فلا يكفي معناها قال في المبدع: ويتعين أن يشهد أنه عبد الله ورسوله، وهو قول للمجد وغيره، وأوجب شيخ الإسلام وتلميذه وغيرهما الشهادتين في الخطبة وهما مشروعتان في الخطاب والثناء، قالوا: وكيف لا يجب التشهد الذي هو عقد الإسلام في الخطبة، وهو أفضل كلماتها، فلتأكد هنا ذكر الشهادة له صلى الله عليه وسلم لدلالته عليه، ولأنه إيمان به، والصلاة عليه دعاء له، ومشروعيتها أمر معروف عند الصحابة رضي الله عنهم، وقال ابن القيم: خصائص الجمعة الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتمجيده، والشهادة له بالوحدانية ولرسوله بالرسالة، وتذكير العباد بأيامه، ونحذيرهم من بأسه ونقمته، ووصيتهم بما يقربهم إليه وإلى جناته، ونهيهم عما يقربهم من سخطه وناره فهذا هو مقصود الخطبة والاجتماع لها.

وقراءة آية كاملة (¬1) لقول جابر بن سمرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية، ويذكر الناس، رواه مسلم (¬2) قال أحمد: يقرأ ما شاء (¬3) وقال أبو المعالي: لو قرأ آية لا تستقل بمعنى أو حكم كقوله (ثم نظر) أو (مدهمتان) لم يكف (¬4) والمذهب لا بد من قراءة آية، ولو جنبا مع تحريمها (¬5) . ¬

_ (¬1) لأنهما أقيما مقام ركعتين، والخطبة فرض، فوجبت فيها القراءة كالصلاة. (¬2) ولفظه: يقرأ القرآن، ولأبي داود نحوه، وله أيضا: يقرأ آيات من القرآن وإسناده صحيح، وثبت في صحيح مسلم قراءته (ق) ولهما (ونادوا يا مالك) وروي أيضا غير ذلك قال النووي: وأقلها آية. (¬3) فلا يتعين آية: والأحاديث ظاهرة في أنه صلى الله عليه وسلم لا يلازم قراءة آية أو سورة، بل مرة سورة ومرة آية ومرة آيات. (¬4) وقال الشارح: قال أصحابنا: ولا يكفي أقل من آية، وظاهر كلام أحمد لا يشترط ذلك، ويحتمل لا يجب سوى حمد الله والموعظة، اختاره الشيخ، لأنه يسمى خطبة وما عداه ليس على اشتراطه دليل، ولكن يستحب أن يقرأ آيات، لما ذكر عنه صلى الله عليه وسلم اهـ، وللإجماع على مشروعيتها، وأبو المعالي اسمه أسعد، وهو ابن منجا. (¬5) أي ولو كان الخطيب جنبا، مع تحريم قراءة الآية للجنب، وكذا تحريم اللبث، لأنه لا تعلق له في وجوب العبادة، وعلى القول بالسنية فلا تجوز القراءة للجنب.

لا بد في الخطبة من الحث والزجر

فلو قرأ ما تضمن الحمد والموعظة، ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم أجزأه (¬1) (والوصية بتقوى الله عز وجل) لأنه المقصود (¬2) . ¬

_ (¬1) لأن عمر قرأ سورة الحج على المنبر، ولم يخطب بغيرها. (¬2) أي من الخطبة ولا يتعين لفظها، بل إذا قال: أطيعوا الله ونحوه، أجزأ، وقد يقال: الواجب لفظ التقوى، فليست كلمة أجمع لما أمر الله به، وأوقع في النفوس من كلمة التقوى، وتقوى الله امتثال أمره، واجتناب نهيه، قال شيخ الإسلام وغيره، لا يكفي في الخطبة ذم الدنيا، وذكر الموت، لأنه لا بد من اسم الخطبة عرفا، بما يحرك القلوب، ويبعث بها إلى الخير اهـ، وذم الدنيا، والتحذير منها، مما تواصى به منكروا الشرائع، بل لا بد من الحث على الطاعة، والزجر عن المعصية، والدعوة إلى الله، والتذكير بآلائه، وقال: ولا تحصل الخطبة باختصار يفوت به المقصود، وقد طال العهد، وخفي نور النبوة على الكثير، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر، وعلم البديع، فعدم حظ القلوب منها، وفات المقصود بها، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلى صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. وذكر ابن القيم وغيره أن خطبه صلى الله عليه وسلم إنما كانت تقريرا لأصول الإيمان، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وذكر الجنة والنار، وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته، ودعوة إلى الله، وتذكير بآلائه التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه، وأمرا بذكره وشكره الذي يحببهم إليه، فيملأ القلوب من خطبته إيمانا وتوحيدا، ومعرفة بالله وآياته وآلائه وأيامه، ومحبة لذكره وشكره، فينصرف السامعون وقد أحبوا الله وأحبهم.

قال في المبدع: ويبدأ بالحمد لله، ثم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم بالموعظة، ثم القراءة في ظاهر كلام جماعة (¬1) ولا بد في كل واحدة من الخطبتين من هذه الأركان (¬2) (و) يشترط (حضور العدد المشترط) لسماع القدر الواجب (¬3) لأنه ذكر اشترط للصلاة فاشترط له العدد، كتكبيرة الإحرام (¬4) فإن نقصوا وعادوا قبل فوت ركن منها بنوا (¬5) وإن كثر التفريق، أو فات منها ركن (¬6) أو أحدث فتطهر استأنف مع سعة الوقت (¬7) . ¬

_ (¬1) على وجه الاستحباب، وقيل بوجوبه، حكاه البغوي، ولم يرد فيه نص. (¬2) قال الزركشي، واعلم أن هذه الأربع من الحمد والصلاة والقراءة والموعظة أركان الخطبتين، لا تصح واحدة من الخطبتين إلا بهن، وتقدم الدليل على ذلك وهو مذهب الشافعي. (¬3) أي من الخطبتين حيث لا مانع، وتقدم أنه حمد الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم والوصية بتقوى الله، وقراءة آية: فإن كان هناك مانع من نوم أو غفلة أو صمم أو بعد صحت. (¬4) وهو مذهب جمهور العلماء مالك والشافعي وغيرهما. (¬5) أي قبل فوت ركن من أركان الخطبة بنوا عليها، لإدراكهم الواجب منها. (¬6) أي وإن كثر التفريق بين أجزاء الخطبة، أو فات ركن من أركان الخطبة استأنف مع طول التفريق، لفوات الموالاة، وإن لم يطل كفاه إعادته. (¬7) وإن ضاق الوقت صلوا ظهرا، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة.

ويشترط لهما أيضا الوقت (¬1) وأن يكون الخطيب يصلح إماما فيها (¬2) والجهر بهما، بحيث يسمع العدد المعتبر، حيث لا مانع (¬3) والنية، والاستيطان للقدر الواجب منهما (¬4) والموالاة بينهما وبين الصلاة (¬5) (ولا يشترط لهما الطهارة) من الحدثين والنجس (¬6) . ¬

_ (¬1) فلا تصح واحدة منهما قبله وفاقا، لأنهما بدل ركعتين وتقدم. (¬2) أي صلاة الجمعة، ككونه حرا مستوطنا، فلا تصح خطبة من لا تجب عليه بنفسه، كعبد ومسافر، وتقدم الراجح في الإمامة فالخطبة أولى. (¬3) من نحو غفلة أو نوم أو صمم، وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم إذا خطب علا صوته إلخ. (¬4) أي من الخطبتين فالنية للخبر، والاستيطان احتراز من أن يكون في سفينة مثلا، ويفعل من الأركان شيئا قبل قدوم بلده. (¬5) فلا يفصل بين الخطبتين، ولا بينهما وبين الصلاة فصلا طويلا عرفا، وقدر بقدر الموالاة في الوضوء بالقصر في الزمن المعتدل، ولهذا يستحب قرب المنبر من المحراب، لئلا يطول الفصل بينهما، وعمل المسلمين عليه، ورثوه خلفا عن سلف، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من الخطبة تقام الصلاة وينزل فيصلي بالناس. (¬6) أي من الحدثين الأكبر والأصغر، ومن النجس، قال أحمد: إن خطب وهو جنب ثم اغتسل وصلى بهم أجزأ والسنة أن يخطب متطهرا، وعنه شرط، فتتأكد الطهارة لهما، وهو قول في مذهب الشافعي، لقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ولم يكن يخطب إلا متطهرا وقال البغوي: القولان في الطهارة من الحدث الأصغر، فإن خطب جنبا لم تصح قولا واحدا، لأن القراءة في الخطبة واجبة ولا تحسب قراءة الجنب اهـ، فالأولى الخروج من الخلاف.

ولو خطب بمسجد، لأنهما ذكر تقدم الصلاة أشبه الأذان (¬1) وتحريم لبث الجنب بالمسجد لا تعلق له بواجب العبادة (¬2) وكذلك لا يشترط لهما ستر العورة (¬3) (ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة) (¬4) بل يستحب ذلك، لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة، أشبها الصلاتين (¬5) ولا يشترط أيضا حضور متولي الصلاة الخطبة (¬6) ويبطلها كلام محرم ولو يسيرا (¬7) ولا تجزئ بغير العربية مع القدرة (¬8) . ¬

_ (¬1) أي فتصح خطبة جنب كما يصح أذانه. (¬2) كصلاة من معه درهم غصب. (¬3) لأنهما ليسا صلاة، وكذا إزالة النجاسة كطهارة صغرى. (¬4) فإن خطب رجل وصلى آخر، جاز لكن قال أحمد: لا يعجبني لغير عذر. (¬5) فتصح إمامة من لم يحضر الخطبة بهم، حيث كان ممن تصح إمامته فيها. (¬6) وهو الذي صلى الصلاة ولم يخطب، لصدور الخطبة من غيره، ما لم يكن من العدد المعتبر لها، فلا بد من حضوره، كما يعلم مما تقدم. (¬7) كالأذان وأولى. (¬8) كقراءة قال ابن رجب: على الصحيح وتصح مع العجز، لأن القصد بها الوعظ والتذكير وحمد الله، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم غير# القراءة فلا تجزئ بغير العربية فإن عجز عنها وجب بدلها ذكرا قياسا على الصلاة واجتزيت واجتزأت به، إذا اكتفيت به.

من سننهما أن يخطب على منبر

(ومن سننهما) أي الخطبتين (أن يخطب على منبر) لفعله عليه الصلاة والسلام (¬1) وهو بكسر الميم من النبر وهو الارتفاع (¬2) واتخاذه سنة مجمع عليها، قاله في شرح مسلم (¬3) . ¬

_ (¬1) المستفيض عنه، ولا نزاع في ذلك، وفي الصحيح وغيره: أنه عمل له من أثل الغابة، فكان يرتقي عليه، وكان اتخاذه سنة سبع أو ثمان، وكان ثلاث درج، وفي الصحيحين من حديث سهل أنه أرسل إلى امرأة من الأنصار: «أن مري غلامك النجار يعمل أعوادا أجلس عليها إذا كلمت الناس» ، واستحباب صعود المنبر لا نزاع فيه، فقد ثبت اتخاذه وتوارثته الامة بعده، ولأن ذلك أبلغ في الإعلام، وإذا شاهدوه كان أبلغ في وعظهم، وهو حكمة مشروعية المنبر، وحكى الإجماع عليه غير واحد، واستثنى بعض أهل العلم مكة، فإنه صلى الله عليه وسلم وخلفاءه يخطبون على بابها، وإنما أحدث المنبر معاوية، ولكن أقره السلف وتبعهم الخلف. (¬2) ونبرت الشيء إذا رفعته، والمنبر المكان المرتفع في الجامع لمرقاة الخاطب سمي به لارتفاعه وعلوه عما حوله، وكسرت الميم على التشبيه له بالآلة، جمعه منابر. (¬3) للنووي رحمه الله، وليس بواجب، لأنه صلى الله عليه وسلم يقوم على الأرض قبل أن يوضع المنبر، وكان عليه الصلاة والسلام يجلس على الدرجة الثالثة التي تلي مكان الاستراحة، ثم وقف أبو بكر على الثانية، ثم عمر على الأولى تأدبا، ثم وقف عثمان مكان أبي بكر، ثم زمن معاوية قلعه مروان، وزاد فيه ست درج، فكان الخلفاء يرتقون ستا، يقفون مكان عمر على السابعة ولا يجاوزون ذلك تأدبا وكذا من بعدهم.

ويصعده على تؤدة إلى الدرجة التي تلي السطح (¬1) . (أو) يخطب على (موضع عال) إن عدم المنبر (¬2) لأنه في معناه (¬3) عن يمين مستقبل القبلة بالمحراب (¬4) ، وإن خطب بالأرض فعن يسارهم (¬5) . (و) أن (يسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم) (¬6) . لقول جابر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سلم، رواه ابن ماجه (¬7) . ¬

_ (¬1) قاله في التلخيص وغيره: والدرجة التي تلي السطح هي مكان الاستراحة والتؤدة بضمة وهمزة مفتوحة، الرفق والتأني والتثبت يقال: أتأد في فعله إذا تأنى وثبت ولم يعجل، بخلاف النزول. (¬2) وفاقا: ليحصل المقصود من الإبلاغ. (¬3) أي في معنى المنبر، فإنه مماثلة ومشابهة، لاشتراكهما في المبالغة في الإعلام. (¬4) يلي جنبه من جهة يمين المصلي في المحراب، لأن منبره صلى الله عليه وسلم كان كذلك، وأجمع المسلمون على ذلك في كل مصر. (¬5) أي عن يسار مستقبلي القبلة، خلاف المنبر. (¬6) وهذا مذهب الشافعي، وعمل الجمهور عليه، وقال في الإنصاف: بلا نزاع، وإنما قال مالك وأبو حنيفة، لا يسلم إن سلم إذا أقبل عليهم وهو على الأرض، ثم صعد المنبر لا يعيده، وهذا والله أعلم فيمن إقباله من عند المنبر، فإن السلام إذا صعده وأقبل عليهم، كما لو أتى من طائفة أخرى. (¬7) وفيه ابن لهيعة، وله شواهد عن ابن عمر وغيره، وأصله مستفيض في الجملة، وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي: كان صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه، ثم قال: السلام عليكم، وقال ابن القيم: كان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه إذا دخل المسجد سلم عليهم، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم، وقال القاضي وجماعة، لأنه استقبال بعد استدبار، أشبه من فارق قوما ثم عاد إليهم اهـ، أو لأنه إذا دخل المسجد يسلم على من هناك وعلى من عند المنبر إذا انتهى إليه.

ورواه الأثرم عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن الزبير، ورواه النجاد عن عثمان (¬1) كسلامه على من عنده في خروجه (¬2) (ثم) يسن أن (يجلس إلى فراغ الأذان) (¬3) لقول ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إذا صعد المنبر، حتى يفرغ المؤذن ثم يقوم فيخطب، رواه أبو داود (¬4) . ¬

_ (¬1) يعني أنهم رضي الله عنهم كانوا يسلمون على المأمومين إذا صعد أحدهم المنبر وأقبل عليهم بوجهه. (¬2) أي كما أنه يسن أن يسلم على من عنده في خروجه إليهم، قال الزركشي: لا نزاع فيما نعلم أنه يسلم عليهم إذا خرج عليهم كغيره اهـ، ورد هذا السلام واجب كغيره من كل سلام مشروع، فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين. (¬3) وفاقا، وذكره ابن عقيل إجماع الصحابة ونقل عن أبي حنيفة خلاف، وعبارة الهداية لهم، وإذا صعد الإمام المنبر جلس فصار إجماعا. (¬4) فإنه صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر جلس، وأخذ بلال في الأذان فإذا كمله أخذ صلى الله عليه وسلم في الخطبة من غير فصل، وهذا مستفيض ثابت من غير وجه، واستمر عمل المسلمين عليه، وفي الصحيح وغيره، وكان التأذين يوم الجمعة، حين يجلس الإمام، والحكمة والله أعلم ليعرف الناس جلوس الإمام على المنبر، فينصتون له ولجلوسه سكون اللغط والتهؤ للإنصات والاستنصات لسماع الخطبة، وإحضار الذهن للذكر، ولأن الإمام يستريح بذلك من تعب الصعود ويتمكن من الكلام، التمكن التام، ولا نزاع في مشروعية الأذان عقب صعود الإمام المنبر، ولا يجوز تركه، قال في الإنصاف: بغير خلاف وهو الذي يمنع البيع، ويلزم السعي، لأنه الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم حين نزول آية {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} فتعلقت الأحكام به إلا لمن منزله في بعد، فعليه أن يسعى في الوقت الذي يكون فيه مدركا للجمعة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأما السعي المسنون فمن طلوع الفجر عند الجمهور وسيأتي. وأما الأذان الأول فزاده عثمان رضي الله عنه، فقد روى السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان في خلافة عثمان، وكثروا أمر يوم الجمعة بالأذان الثلث فأذن به على ذلك، رواه البخاري وغيره، وصعد من باب تعب، يقال: صعد في السلم والدرجة، يصعد في الجبل وعليه رقى.

(و) أن يجلس بين الخطبتين (¬1) لحديث ابن عمر السابق (¬2) . ¬

_ (¬1) أي ويسن أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة، قال جماعة، بقدر سورة الإخلاص. (¬2) وهو قوله: يخطب قائما ثم يقعد ثم يقوم، والحديث رواه الجماعة من وجوه، وقال الترمذي: وهو الذي رآه أهل العلم، أن يفصل بين الخطبتين بجلوس اهـ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، والجمهور أنه سنة ليس بواجب، ولا شرط فإن أبى أن يجلس بينهما فصل بسكتة، ولا يجب الجلوس، لأن جماعة من الصحابة منهم علي والمغيرة وأبي سردوا الخطبتين من غير جلوس، وأوجبها الشافعي.

(و) أن (يخطب قائما) لما تقدم (¬1) (ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا) (¬2) لفعله عليه السلام، رواه أبو داود عن الحكم بن حزن (¬3) وفيه إشارة إلى أن هذا الدين فتح به (¬4) . ¬

_ (¬1) أي ويسن أن يخطب قائما، لما تقدم في حديث ابن عمر من قوله: وهو قائم، واستفاض من غير وجه، ولا نزاع في سنيته، وقال ابن المنذر: وعليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار، ولا يجب لأنه ليس من شرطها الاستقبال فلم يجب لها القيام كالأذان، وأجمعوا على مشروعية القيام لقوله: {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} وعمل المسلمين عليه، ودخل كعب بن عجرة وعبد الرحمن بن أم الجهل يخطب قاعدا، فقال: انظروا إلى هذا الخبيث، يخطب قاعدا، وقرأ الآية، ومذهب الشافعي أن القيام مع القدرة شرط، للآية والأخبار، فعليه تتأكد سنيته، وحكى ابن عبد البر إجماع العلماء على أن الخطبة لا تكون إلا قائما لمن أطاقه. (¬2) من عادة ما يحمل أي يسن ذلك، والقوس مؤنثة ومذكرة، والتأنيث أشهر، وجمعها أقواس، والعصا مقصور، والسيف معروف. (¬3) قال: وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدنا معه الجمعة، فقام متوكئا على قوس أو عصا، وفي سنده شهاب بن خراش، قال ابن حبان: كان ممن يخطئ كثيرا، وقال أحمد: لا بأس به، وحسنه الحافظ، وله شاهد وليس فيهما ذكر السيف. (¬4) أي بالسيف ولم يحفظ أنه صلى الله عليه وسلم بعد اتخاذه المنبر كان يرقاه بسيف ولا قوس، وقال ابن القيم: لم يحفظ أنه توكأ على سيف، وكثير من الجهلة يظن أنه يمد السيف على المنبر، إشارة إلى أن الدين إنما قام بالسيف، وهذا جهل قبيح من وجهين: أحدهما أن المحفوظ إنما هو الاتكاء على العصا أو القوس، والثاني أن الدين إنما قام بالوحي، وأما السيف فلحق أهل العناد والشرك ومدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت خطبه فيها إنما فتحت بالقرآن، ولم تفتح بالسيف، وإنما كان في الحرب يعتمد على قوس، وفي الجمعة على عصا وفاقا.

قال في الفروع: ويتوجه باليسرى (¬1) والأخرى بحرف المنبر (¬2) فإن لم يعتمد أمسك يمينه بشماله أو أرسلهما (¬3) . (و) أن (يقصد تلقاء وجهه) لفعله عليه السلام (¬4) ولأن التفاته إلى أحد جانبيه إعراض عن الآخر (¬5) وإن استدبرهم كره (¬6) وينحرفون إليه إذا خطب، لفعل الصحابة، ذكره في المبدع (¬7) . ¬

_ (¬1) أي ويتوجه الاعتماد على العصا أو القوس باليسرى. (¬2) أي طرفه، فإن حرف كل شيء طرفه وجانبه. (¬3) أي من جانبيه وسكنهما فلا يحركهما ولا يرفعهما في دعائه حال الخطبة. (¬4) أي أنه عليه الصلاة والسلام يقصد تلقاء وجهه في الخطبة، إذا أقبل عليهم بعد صعوده المنبر، لا يخطب مستقبل القبلة، بل مستقبلا المأمومين قال ابن المنذر: هذا كالإجماع، وقال النووي: لا يلتفت يمينا ولا شمالا، قال ابن حجر، لأن ذلك بدعة. (¬5) أي عن الجانب الآخر، وتخصيص لبعض المأمومين دون بعض. (¬6) لما فيه من الإعراض عنهم ومخالفة السنة، فروى الطبراني وابن أبي شيبة وابن عدي وغيرهم من غير وجه، أنه يستقبل الناس، قال في المبدع: وظاهره أنه إذا التفت أو استدبر الناس أنه يجزئ مع الكراهة، صرحوا به في الاستدبار لحصول المقصود اهـ، وصح في الأصح وفاقا. (¬7) أي ينحرف المأمومون إلى الخطيب فيستقبلونه، قال ابن مسعود: كان إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا، رواه الترمذي، وقد تقرر استقباله الناس وقت الخطبة، واستدارة أصحابه إليه بوجوههم من غير وجه. وقال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم من الصحابة وغيرهم، يستحبونه اهـ، ولأنه الذي يقتضيه الأدب، وهو أبلغ في الوعظ، قال النووي: وهو مجمع عليه، قال إمام الحرمين: سبب استقبالهم له واستقباله إياهم واستدباره القبلة أن يخاطبهم، فلو استدبرهم كان قبيحا، وإن استقبلوه استدبروا القبلة، فاستدبار واحد واستقبال الجميع أولى من عكسه، ويتربعون حال الخطبة، وهو أخشع، وفي الصحيح مسلم أنه كان عليه الصلاة والسلام يفعله إذا صلى الفجر، وفي الصحيح عن ابن عمر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم محتبيا بيديه، وهو القرفصاء، وروي عن جماعة من الصحابة ويأتي.

طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه

(و) أن (يقصر الخطبة) (¬1) لما روى مسلم عن عمار مرفوعا «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة» (¬2) وأن تكون الثانية أقصر (¬3) ورفع صوته قدر إمكانه (¬4) . ¬

_ (¬1) وفاقا، تقصيرا معتدلا، بحيث لا يملوا وتنفر نفوسهم، وخير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيمل. (¬2) وله عن عثمان أنه خطب وأوجز، فقيل له: لو كنت تنفست، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «قصر خطبة الرجل مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة» وقوله «مئنة» بفتح الميم، وكسر الهمزة، أي علامة أو دلالة على فقهه، وحتى لا يملوها، ويكون قصرها معتدلا، فلا يبالغ بحيث يمحقها. (¬3) أي ويسن أن تكون الثانية أقصر من الأولى، كالإقامة مع الإذان، والقراءة في الركعة الثانية أقصر من الأولى. (¬4) أي ويسن أن يرفع صوته بالخطبة فوق القدر الواجب حسب إمكانه ويجوز كلامه، ويفخم أمر الخطبة، ويظهر غاية الغضب والفزع، لحديث: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب علا صوته، واشتد غضبه واحمرت وجنتاه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ولأنه أوقع في النفوس، وأبلغ في الوعظ، ولذلك استحب المنبر، لأنه أبلغ في الإسماع، وأن يعربهما بلا تمطيط.

(و) أن (يدعو للمسلمين) (¬1) لأنه مسنون في غير الخطبة، ففيها أولى (¬2) ويباح الدعاء لمعين (¬3) . ¬

_ (¬1) ولا نزاع في ذلك، لفعله صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة مستسقيا ولأنه كان إذا خطب أومأ، وأشار بأصبعه عند ذكر الله ودعائه، وأمن الناس، ولا يستحب رفع اليدين في الخطبة، قال المجد، بدعة، وفاقا للمالكية والشافعية وغيرهم. وقال الشيخ: الأصح أنه مكروه، وإنما كان صلى الله عليه وسلم يشير بأصبعه إذا دعا، ورأى عمارة بشر بن مروان رفع يديه في الخطبة، فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بأصبعه المسبحة، رواه مسلم وغيره. (¬2) أي لأن الدعاء للمسلمين مسنون في غير خطبة الجمعة، كصلاة الجنازة وغيرها، ففيها أولى، ويدعو لنفسه وللحاضرين بما فيه صلاح الدين والدنيا، قال ابن القيم: وكان صلى الله عليه وسلم يختم خطبته بالاستغفار اهـ وينبغي أن يكون متغظا بما يعظ الناس به، ليحصل الانتفاع به، وذكر البغوي وغيره استحباب ختم الخطبة بقوله: أستغفر الله لي ولكم وعمل الأكثر عليه. (¬3) كسلطان ونحوه، ولأن الدعاء مستجاب في الجملة، ولجوازه في الصلاة على الصحيح، فكيف بالخطبة، ودعا أبو موسى في خطبته لعمر، واستمر عمل المسلمين عليه، والأكثر بدون تعيين، وقال أحمد: لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان، ولأن في صلاحه صلاح المسلمين، فأبيح ذلك أو استحب في الجملة، قال القاضي: والإمام العادل هو كل من نظر في شيء من أمور المسلمين من الولاة والحكام، قال ابن حامد: أما محبته إذا كان عدلا فلا أعلم خلافا في وجوبها.

وأن يخطب من صحيفة (¬1) قال في المبدع: وينزل مسرعا (¬2) وإذا غلب الخوارج على بلد فأقاموا فيه الجمعة جاز اتباعهم نصا (¬3) وقال ابن أبي موسى: يصلي معهم الجمعة ويعيدها ظهرا (¬4) . ¬

_ (¬1) أي ويباح أن يخطب من صحيفة كقراءته في الصلاة من مصحف، وإن قرأ آية سجدة في أثناء الخطبة فإن شاء نزل فسجد، وإن أمكنه السجود على المنبر سجد عليه، وإن تركه فلا حرج. (¬2) أي إذا فزغ من الخطبة أقيمت الصلاة، ونزل مسرعا، من غير فصل، ولا عجلة تقبح، وعليه العمل، وقاله ابن عقيل وغيره، وصوبه غير واحد، ونظرا في الفروع الإسراع فقال: لا فرق يعني بين التؤدة والإسراع. (¬3) قاله ابن عقيل: قال القاضي: ولو قلنا من شرطها إمام، إذا كان خروجهم بتأويل سائغ، وتقدم ذكر صحتها خلف الفساق، والأئمة الجائرين والفجار. (¬4) وتقدم قول الشيخ أنه يصليها ولا يعيدها، فإن الصحابة كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار، ولا يعيدون.

فصل في صفة صلاة الجمعة وبعض أحكامها

فصل (¬1) (و) صلاة (الجمعة ركعتان) إجماعا حكاه ابن المنذر (¬2) (يسن أن يقرأ جهرا) لفعله عليه الصلاة والسلام (¬3) (في) الركعة (الأولى بالجمعة) بعد الفاتحة (¬4) (وفي) الركعة (الثانية بالمنافقين) (¬5) لأنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ بهما، رواه مسلم عن ابن عباس (¬6) . ¬

_ (¬1) في صفة صلاة الجمعة، وتحريم تعددها من غير حاجة، وذكر ما يسن من الغسل والطيب والتنفل قبلها، والراتبة بعدها وغير ذلك. (¬2) وغيره، وذلك معلوم بالضرورة، كما علم عدد ركعات الصلوات الخمس لا ينكره إلا مكابر، وتقدم قول عمر: صلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، وقد خاب من افترى. (¬3) نقله الخلف عن السلف، نقلا متواترا، وصار أمرا ظاهرا، مستمرا من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا، وأجمع المسلمون عليه، والحكمة في الجهر فيها وفي العيدين كونه أبلغ في تحصيل المقصود، وأنفع للجمع بل فيه من قراءة كلام الله عليهم، وتبليغه في تلك المجامع العظام، ما هو من أعظم مقاصد الرسالة. (¬4) أي يقرأ جهرا بسورة الجمعة بعد فراغه من الفاتحة. (¬5) بعد الفاتحة، وفاقا للشافعي، ولا نزاع في قراءة الفاتحة وسورة في كل ركعة منها، وقد استفاضت السنة بذلك، وجمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وغيرهم يستحبون ما جاءت به السنة في هذا وغيره. (¬6) ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين، ولمسلم أيضا: في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالغاشية، وله أيضا: بسبح والغاشية فصح أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ أحيانا بالجمعة والمنافقين، وأحيانا بسبح و (هل أتاك حديث الغاشية) ولا يستحب أن يقرأ من كل سورة بعضها، أو إحداهما في الركعتين فإن ذلك خلاف السنة، وعن أبي جعفر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بالجمعة والمنافقين، فأما سورة الجمعة فيبشر بها المؤمنين ويحرضهم وأما سورة المنافقين فيؤيس بها المنافقين ويوبخهم. وقال شيخ الإسلام: أما القراءة فيها بسورة الجمعة فلما تضمنته من الأمر بهذه الصلاة، وإيجاب السعي إليها، وترك العمل العائق عنها، والأمر بإكثار ذكره ليحصل لهم الفلاح في الدارين، وأما القراءة بسورة المنافقين فلما فيها من التحذير للأمة من النفاق المردي والتحذير لهم أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن صلاة الجمعة وعن ذكره وأنهم إن فعلوا ذلك خسروا ولا بد، وحظا لهم على الإنفاق الذي هو من أكبر سعادتهم وتحذيرا لهم من هجوم الموت وهم على حالة يطلبون الرجعة ولا يجابون إليها، ويتمنون الإقالة، وأما سبح والغاشية فلما فيهما من التذكير بأحوال الآخرة، والوعد والوعيد، ما يناسب قراءتهما في تلك الصلاة الجامعة، وربما اجتمع العيد والجمعة فقرأ بهما فيهما، كما رواه أبو داود وغيره.

وأن يقرأ في فجرها في الأولى (الم) السجدة وفي الثانية (هل أتى) (¬1) لأنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ بهما متفق عليه من حديث أبي هريرة (¬2) . ¬

_ (¬1) وفاقا لأبي حنيفة والشافعي، وخالف مالك وغيره، وهم محجوجون بالأحاديث الصحيحة، الصريحة المروية من طرق عن أبي هريرة وابن عباس، قال النووي ويجوز رفع السجدة ونصبها. (¬2) قال الشيخ: إنما كان عليه الصلاة والسلام يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة، لأنهما تضمنتا ما كان وما يكون في يومها فإنهما اشتملتا على خلق آدم، وعلى ذكر الموت، وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة، فكان في قراءتها هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون، قال: ولا ينبغي المداومة عليها، بحيث يظن الجهال أنها واجبة، وأن تاركها مسيء، بل ينبغي تركها أحيانا، لعدم وجوبها اهـ. قال أحمد: لا أحب أن يداوم عليها، لئلا يظن أنها مفضلة بسجدة اهـ، وجاءت السجدة تبعا، ليست مقصودة، حتى يقصد المصلي قراءتها. قال الشيخ: ويحرم تحري قراءة سجدة غيرها، وقال: ولا يستحب أن يقرأ بسورة فيها سجدة أخرى، باتفاق الأئمة، ولا يفرقها، أو يترك بعضها، فإن السنة إكمالها.

(وتحرم إقامتها) أي إقامة الجمعة وكذا العيد (في أكثر من موضع بالبلد) (¬1) لأنه عليه الصلاة والسلام وأصحابه لم يقيموها في أكثر من موضع واحد (¬2) (إلا لحاجة) (¬3) كسعة البلد (¬4) . ¬

_ (¬1) لغير حاجة، قال في المبدع والشرح وغيرهما: لا نعلم فيه خلافا إلا عن عطاء ويحرم إذن إمام فيها إذا. (¬2) وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، وقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، المهديين من بعدي» الحديث، وفي تعطيل من حول المدينة مساجدهم، واجتماعهم في مسجد واحد أبين بيان بأن الجمعة خلاف سائر الصلوات، وأنها لا تصلى إلا في مكان واحد، ولم يحفظ عن السلف خلاف ذلك. (¬3) فيجوز بحسبها، قال شيخ الإسلام: إقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في أكثر من موضع يجوز للحاجة، عند أكثر العلماء، لصلاة علي رضي الله عنه بضعفة الناس في المسجد. (¬4) عن أهله، فيجوز، ولما بنيت بغداد ولها جانبان أقاموا فيها جمعة في الجانب الشرقي، وجمعة في الجانب الغربي، وجوز ذلك علماء العصر وذكر شيخ الإسلام الحجة لذلك.

وتباعد أقطاره (¬1) أو بعد الجامع (¬2) أو ضيقه (¬3) أو خوف فتنة (¬4) فيجوز التعدد بحسبها فقط (¬5) لأنها تفعل في الأمصار العظيمة في مواضع، من غير نكير، فكان إجماعا، ذكره في المبدع (¬6) . ¬

_ (¬1) فيشق على من منزله بعيد عن محلة الجمعة المجيء إليها، وقطر الشيء ناحيته وجانبه. (¬2) عن طائفة من البلد، ولأن في الإلزام باتحاد الموضع حرجا بينا لاستدعائه تطويل المسافة على أكثر الحاضرين، ولا دليل على عدم جواز التعدد، وقضية الضرورة عدم اشتراطه. (¬3) أي ضيق المسجد عن أهله ممن تصح منه، وإن لم يصل، وإن لم تجب عليه فيجوز لأن في الإلزام به مع ضيقه حرجا بينا لا تأتي به شريعة. (¬4) كعداوة بين أهل البلد، يخشى لاجتماعهم في محل واحد إثارتها، قال الشيخ: تجوز إقامة جمعتين في بلد واحد لأجل الشحناء، بأن إذا حضروا كلهم وقعت بينهم الفتنة، ويجوز ذلك للضرورة إلى أن تزول الفتنة. (¬5) أي بحسب الحاجة فحسب، في جميع ما تقدم، ونحوه مما يدعو لحاجة التعدد، فإن حصل الغناء بجمعتين لم تجز الثالثة، وهلم جرا، قال الموفق وغيره: لا نعلم في ذلك خلافا إلا ما روي عن عطاء، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه أنهم فعلوا ذلك، إذ لم تدع الحاجة إليه وكذا العيد حكمه حكم الجمعة. (¬6) وذكر الطحاوي وغيره من أتباع الأئمة أنه الصحيح، قال الشيخ الإسلام يجوز للحاجة وأما كونه صلى الله عليه وسلم لم يقمها، هو ولا أحد من أصحابه في أكثر من موضع فلعدم الحاجة إليه، ولأن الصحابة كانوا يؤثرون سماع خطبته صلى الله عليه وسلم وشهود جمعته، وإن بعدت منازلهم، لأنه المبلغ عن الله عز وجل.

(فإن فعلوا) أي صلوها في موضعين أو أكثر بلا حاجة (¬1) (فالصحيحة ما باشرهم الإمام (¬2) أو أذن فيها) . ولو تأخرت (¬3) وسواء قلنا: إذنه شرط أو لا (¬4) إذ في تصحيح غيرها افتيات عليه، وتفويت لجمعته (¬5) (فإن استويا في إذن أو عدمه فالثانية باطلة) (¬6) . ¬

_ (¬1) أي من نحو ما تقدم. (¬2) أي الأعظم أو نائبه. (¬3) أي عن الثانية التي لم يباشرها، أو لم يأذن فيها، وإذا كانت التي أذن فيها هي السابقة فهي الصحيحة بلا نزاع. (¬4) أي شرط في صحتها، أو قلنا: إذنه ليس شرطا، فإن ما باشرها أو أذن فيها هي الصحيحة مطلقا. (¬5) وكلاهما لا يجوز، ولو أذن ولا حاجة لم يجز كما تقدم، لأن سقوط فرض على وجه لم يرد لا يجوز، ولأنه ما خلا عصر عن نفر تفوتهم الجمعة، ولم ينقل تجميع، بل صلوا ظهرا ولم ينكر، بل ذكر ابن المنذر، لا تجميع إجماعا، والإفتيات افتعال من الفوت، وهو السبق إلى الشيء دون ائتمار من مؤتمر، يقال: لا يفتات عليه، أي لا يعمل شيئا دون أمره. (¬6) ولو كانت في المسجد الأعظم، والأخرى في مكان لا يسع الناس أو لا يقدرون عليه، لاختصاص السلطان وجنوده به، أو كانت المسبوقة في قصبة البلد، والأخرى في أقصاه، فالسابقة منهما هي الصحيحة، ومن صور التساوي ما لو باشر واحدة وأذن في الأخرى، قال شيخ الإسلام، صرح العلماء ببطلان صلاة من صلى جمعة ثانية بغير إذن الإمام، وبغير حاجة داعية، وأوجبوا عليه الإعادة وقواعد الشرع تدل عليه، وذكر ما شرعت الجماعة له وتقدم.

لأن الاستغناء حصل بالأولى، فأنيط الحكم بها (¬1) ، ويعتبر السبق بالإحرام (¬2) (وإن وقعتا معا) ولا مزية لإحداهما بطلتا (¬3) لأنه لا يمكن تصحيحهما ولا تصحيح إحداهما (¬4) فإن أمكن إعادتها جمعة فعلوا (¬5) وإلا صلوها ظهرا (¬6) (أو جهلت الأولى) منهما بطلتا (¬7) . ¬

_ (¬1) أي فتعلق حكم الصحة بالأولى لكونها سابقة. (¬2) لا بالشروع في الخطبة، ولا بالسلام. (¬3) لالتباس الصحيحة بالفاسدة، وذلك بأن أحرم إماماهما بهما في آن واحد. (¬4) على الأخرى، فترجح بها، أشبه ما لو جمع بين أختين معا. (¬5) وفاقا، لأنها فرض الوقت في مصر لم تصل فيه جمعة صحيحة، فوجب تداركها، وقال في الفروع: إن وقعتا معا صلوا جمعة وفاقا، واختار جمع الصحة مطلقا. (¬6) أي وإن لا تمكن إعادتها في الوقت لفقد شرط من شروطها فإنهم يصلونها ظهرا، لأنها بدل عن الجمعة. (¬7) ولا يعيدون جمعة، بخلاف ما قبلها.

ويصلون ظهرا لاحتمال سبق إحداهما، فتصح ولا تعاد (¬1) وكذا لو أقيمت في المصر جمعات وجهل كيف وقعت (¬2) وإذا وافق العيد يوم الجمعة سقطت عن من حضره مع الإمام (¬3) . ¬

_ (¬1) أي الجمعة، والفرق بينها وما قبلها أن ما قبلها لم يحتمل تصحيح إحداهما والتي هنا وما بعدها يحتمل. (¬2) لأنه لم يعلم سبق إحداهما، أو علم ثم نسي، صلوا ظهرا، ولو أمكن فعل الجمعة، للشك في إقامة جمعة مجزئة، والظهر بدل عنها إذا فاتت، وقال بعض أهل العلم: إقامتها مجزئة، والشك في كونها مجزئة مطرح فتصح. (¬3) أي سقطت الجمعة عمن حضر صلاة العيد مع الإمام في ذلك اليوم، لأنه عليه الصلاة والسلام صلى العيد، وقال: من شاء أن يجمع فليجمع، رواه أحمد من حديث زيد بن أرقم، ولأن يوم الجمعة عيد، ويوم الفطر والأضحى عيد، ومن شأن الشارع إذا اجتمع عبادتان، من جنس أدخل إحداهما بالأخرى، ولأن في إيجابها على الناس تضييق وتكدير لمقصود عيدهم، وما سن لهم فيه من السرور والانبساط فحينئذ تسقط الجمعة سقوط حضور، لا وجود فإن صلاها بعده لم يسقط الحضور، قال شيخ الإسلام، إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: (ثالثها) وهو الصحيح أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة، لكن على الإمام أن يقيم الجمعة، ليشهدها من شاء شهودها، ومن لم يشهد العيد، وهذا هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف، وقال: هو المنقول الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأصحابه، وهو قول من بلغه من الأئمة، كأحمد وغيره، والذي خالفوهم لم يبلغهم ما في ذلك من السنن والآثار، ثم إنه يصلي الظهر إذا لم يشهد الجمعة، فتكون الظهر في وقتها.

أقل السنة الراتبة بعدها ركعتان

كمريض، دون الإمام (¬1) فإن اجتمع معه العدد المعتبر أقامها (¬2) وإلا صلى ظهرا (¬3) وكذا العيد بها، وإذا عزموا على فعلها سقط (¬4) (وأقل السنة) الراتبة (بعد الجمعة ركعتان) (¬5) لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين، متفق عليه من حديث ابن عمر (¬6) . ¬

_ (¬1) وأما الإمام فيلزمه الحضور، للخبر السابق، وفيه من حديث أبي هريرة و «إنا مجمعون» رواه أبو داود وابن ماجه، ورواته ثقات، وكذا من لم يصل العيد مع الإمام، ومثل المريض من له عذر أو شغل يبيح ترك الجمعة، لا كمسافر وعبد، لأن الإسقاط للتخفيف، فلو حضرها وجبت عليه، وانعقدت به، وصح أن يؤم فيها، والأفضل له حضورها، خروجا من الخلاف. (¬2) لما تقدم ولعدم المانع، وعليه فيجب أن يحضر مع الإمام من تنعقد به، لأنها هنا فرض كفاية، ومن لم يصل العيد يلزمه السعي إليها، بلغوا العدد أو لا قولا واحدا. (¬3) أي وإلا يجتمع معه العدد المعتبر صلى ظهرا للعذر. (¬4) أي وكذا تسقط صلاة العيد بصلاة الجمعة عمن حضرها، سقوط حضور إذا عزموا على فعلها، قبل الزوال أو بعده، لفعل ابن الزبير لما اجتمع يوم جمعة ويوم فطر، قال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فصلى ركعتين لم يزد عليهما وبلغ ابن عباس فقال: أصاب السنة، رواه أبو داود، ولجواز ترك الجمعة اكتفاء بالعيد. (¬5) في المسجد أو في بيته، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم. (¬6) وفي رواية: في بيته، وفي صحيح مسلم إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات، وروي عن ابن عمر، لفعله صلى الله عليه وسلم واختاره الموفق وغيره، وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما، والجمع بين الأخبار أنه إن صلى في بيته صلى ركعتين، وفي المسجد أربعا، واختاره الشيخ وتلميذه، وقال على هذا تدل الأحاديث.

(وأكثرها ست) ركعات، لقول ابن عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، رواه أبو داود (¬1) ، ويصليها مكانه (¬2) بخلاف سائر السنن ففي بيته (¬3) ويسن فصل بين فرض وسنة، بكلام أو انتقال من موضعه (¬4) . ¬

_ (¬1) ولفظه: إذا صلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين، ثم تقدم فصلى أربعا، وقال الشيخ وغيره، أدنى الكمال ست، وقال أحمد وغيره: إن شاء صلى ركعتين وإن شاء صلى أربعا، وإن شاء ستا، فأيها فعل ذلك فحسن، والكل كان يفعله صلى الله عليه وسلم. (¬2) أي في دخول المسجد، لأنه لا يفصل بينها وبين سنتها، ويأتي أنه يفصل بينهما، وتقدم في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم يصليهما في بيته ركعتين، وأن «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» ، قال ابن القيم: وهذا هو الأفضل. (¬3) وفي صحيح مسلم عن ابن عمر مرفوعا، كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين في بيته. (¬4) لما في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن توصل صلاة بصلاة، حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام وذلك لئلا يتخذ ذريعة إلى تغيير الفرض، وأن يزاد فيه ما ليس منه، ويكفي الانتقال من موضعه. قال شيخ الإسلام: والسنة أن يفصل بين الفرض والنفل، في الجمعة وغيرها، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ولا يفعل ما يفعله كثير من الناس، يصل السلام بركعتي السنة، فإن هذا ركوب لنهيه صلى الله عليه وسلم وفي هذا من الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض، كما يميز بين العبادة وغيرها.

ولا سنة لها قبلها أي راتبة (¬1) . ¬

_ (¬1) يعني قبل صلاة الجمعة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج من بيته ويصعد المنبر، ثم يأخذ بلال في الأذان، فإذا كمله أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة، من غير فصل كما تقدم، وذكر الحافظ وغيره أن ما قبل دخول الوقت مطلقا نافلة لا راتبة، وأنه كان صلى الله عليه وسلم يخرج إذا زالت الشمس فيشتغل بالخطبة ثم بالصلاة، وأن ما ذكر أنه لا يصلي بعدها، إلا ركعتين في بيته أنه لا ينبغي أن يتنفل قبلها ركعتين، متصلتين بها، خشية أن يظن أنها التي فرضت. وقال شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم وجمع: لا سنة للجمعة قبلها، وهو أصح قولي العلماء، وعليه تدل السنة قال الشيخ: وهو مذهب الشافعي وأكثر أصحابه، وعليه جماهير الأئمة، لأنها وإن كانت ظهرا مقصورة فتفارقها في أحكام، وكما أن ترك المسافر السنة أفضل، لكون ظهره مقصورة اهـ، وجاء في الصحيحين وغيرهما أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، وعد رواتب الصلوات، وفيه، وصلى بعد الجمعة ركعتين في بيته، وهذا صريح في أن الجمعة عند الصحابة صلاة مستقلة بنفسها غير الظهر، ولما لم يذكر لها راتبة إلا بعدها علم أنه لا راتبة لها قبلها، وهذا مما انعقد سبب فعله في عهده صلى الله عليه وسلم فإذا لم يفعله ولم يشرعه كان تركه هو السنة، قال أبو شامة، وما وقع من بعض الصحابة أنهم كانوا يصلون قبل الجمعة فمن باب التطوع، ولأنهم كانوا يبكرون ويصلون حتى يخرج الإمام، وذلك جائز وليس بمنكر، وإنما المنكر اعتقاد العامة منهم، وبعض المتفقهة أن ذلك سنة للجمعة قبلها، كما يصلون السنة قبل الظهر، وكل ذلك بمعزل عن التحقيق، والجمعة لا سنة لها قبلها كالمغرب والعشاء. قال الشيخ: والأولى لمن جاء إلى الجمعة أن يشتغل بالصلاة حتى يخرج الإمام، لما في الصحيح: «ثم يصلي ما كتب له» ، وقال: بل ألفاظه صلى الله عليه وسلم فيها الترغيب في الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة، من غير توقيت، وهو المأثور عن الصحابة، كانوا إذا أتوا المسجد يوم الجمعة يصلون من حين يدخلون ما تيسر، فمنهم من يصلي عشر ركعات، ومنهم من يصلي اثنتى عشرة ركعة، ومنهم من يصلي ثماني ركعات، ومنهم من يصلي أقل من ذلك، ولهذا كان جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة موقتة بوقت، مقدرة بعدد، قال: والصلاة قبل الجمعة حسنة، وليست بسنة راتبة، إن فعل أو ترك لم ينكر عليه، وهذا أعدل الأقوال، وحينئذ فقد يكون الترك أفضل، إذا اعتقد الجهال أنها سنة راتبة؛ واختار أنه لا تكره الصلاة فيه وقت الزوال؛ لأن من جاء إلى الجمعة يستحب له أن يصلي إلى أن يخرج الإمام.

يسن الغسل لها وقيل بوجوبه

قال عبد الله: رأيت أبي يصلي في المسجد إذا أذن المؤذن ركعتين (¬1) (ويسن أن يغتسل) لها في يومها (¬2) . ¬

_ (¬1) يعني فيستدل به على استحباب الصلاة قبلها، لئلا يقال: لا نافلة لها قبلها مطلقها وقال ابن القيم في قول إسحاق بن إبراهيم: إن أبا عبد الله إذا كان يوم الجمعة يصلي إلى الزوال، وإذا أخذ المؤذن في الأذان قام فصلى ركعتين أو أربعا، قال: وقد أخذ من هذا بعض أصحابه، رواية أن للجمعة قبلها سنة، ركعتين أو أربعا، وليس هذا بصريح، بل ولا ظاهر، وإنما أتم تطوعه. (¬2) وهو كالإجماع عن الصحابة، وحكى الترمذي وغيره أنه ليس بواجب عند الصحابة ومن بعدهم، وعن أحمد وغيره أنه واجب، ووجوبه أقوى من وجوب الوتر، وأوجبه الشيخ على من له عرق أو ريح، وقال ابن عبد البر: أجمع علماء المسلمين قديما وحديثا على أن غسل الجمعة ليس بفرض، لقوله صلى الله عليه وسلم ومن اغتسل فالغسل أفضل، وليس بشرط إجماعا، ومن قال بوجوبه فتصح بدونه، وقوله صلى الله عليه وسلم واجب، محمول على تأكيد الاستحباب، كما يقال حقك على واجب، جمعا بين الأدلة، ويرشحه قرنه بالسواك والطيب وهما غير واجبين إجماعًا.

لخبر عائشة لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا (¬1) وعن جماع وعند مضي أفضل (¬2) . ¬

_ (¬1) رواه البخاري وغيره، أي لكان حسنًا، وذلك أنهم كانوا ينتابون الجمعة من منازلهم، ومن العوالي، فيأتون في العباءة فيخرج منهم الريح، فقال: «لو أنكم تطهرتم» ، إلخ، ولأبي داود وغيره عن ابن عباس في بدء الغسل، كان الناس يلبسون الصوف، ويعملون والمسجد ضيق، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حار، وقد عرق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح، آذى بعضهم بعضا، فأمرهم بالغسل، والمس من الطيب، فهو آكد الأغسال المستحبة مطلقا لهذه العلة، وفي الصحيحين وغيرهما «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» ، «ومن أتى الجمعة فليغتسل» ، وقال ابن القيم: الأمر به مؤكد جدا، ووجوبه أقوى من وجوب الوتر والبسملة، والوضوء من مس النساء والذكر، فالأحوط أن لا يخل به، ويجزئ ولو أحدث بعده، أو لم يتصل به المضي إليها، لا بعدها، فقد حكى ابن المنذر الإجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة، لم يغتسل للجمعة، ولا فعل ما أمر به، وكان أصله قصد التنظيف، وإزالة الروائح الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والناس. (¬2) لأنه أبلغ في المقصود، وظاهره ولو أدى إلى عدم التبكير المشروع يوم الجمعة، لقوله: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح» ، الحديث رواه أهل السنن وعند مالك لا يجزئه إلا أن يتعقبه الرواح لها، وإذا نوى غسل الجنابة وغسل الجمعة أجزأ عنهما، كما لو أحرم بصلاة نوى بها الفرض وتحية المسجد قال: النووي: وهو قول أكثر أهل العلم، ويؤيده قوله: «من غسل واغتسل» ، وقال الموفق وغيره: بغير خلاف علمناه، وقال الماوردي: هو قول العلماء كافة، لأن غسل الجمعة يراد للتنظيف فإذا تعقبه غسل الجنابة لم يبطله بل هو أبلغ في النظافة ويستحب للمرأة، وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما، للعموم، وليس بطيب، والعلة موجودة فيها، وأما من لا يأتي الجمعة فلا غسل عليه.

(وتقدم) وفيه نظر (¬1) (و) يسن (تنظيف وتطيب) (¬2) لما روى البخاري عن أبي سعيد مرفوعا: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر (¬3) ¬

_ (¬1) أي في قول الماتن: وتقدم ويجاب بأنه تقدم ذكر المصنف استحباب الغسل للجمعة في كتاب الطهارة، والمراد أنه يحتاج أن يعاد فيه النظر، أو يحتاج أن ينظر فيه، لإظهار ما يلوح فيها من فساد، ولا يقال: فيه نظر، في كلام مقطوع بفساده، ولا صحته، بل فيما كان فساده محتملا، فإن قيل في كلام مقطوع بفساده، كان كناية أو محاباة، وإن قيل فيما هو مقطوع بصحته كان عنادا ومكابرة. (¬2) فتنظف بقص شارب، وتقليم ظفر، ونتف إبط ونحوه، لما رواه الطبراني وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم يقلم أظفاره، ويقص شاربه، يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة، وبقطع روائح كريهة، بسواك وغيره، وتطيب بما يقدر عليه وفاقا، ولو من طيب امرأته، وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه، لتأكد الطيب والاتفاق على سنيته، وينبغي لمن أراد الاجتماع بالناس أن يغتسل ويتنظف ويتطيب ويزيل كل حال تغير فيه رائحة البدن، ويغسل الثوب إذا توسخ، لقوله: «أما يجد أحدكم ما يغسل به ثوبه» ، رواه أبو داود. (¬3) المراد به المبالغة في التنظيف، أو بأخذ الشارب والظفر والعانة، ونحو ذلك، وفي رواية له «وأن يستن» ، أي يدلك أسنانه بالسواك، لتطيبه الفم الذي هو مجرى الذكر والمناجاة، وإزالة ما يؤذي الملائكة وبني آدم.

ويدهن، ويمس من طيب امرأته (¬1) ثم يخرج، فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم أي خطب الإمام (¬2) إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (¬3) (و) أن (يلبس أحسن ثيابه) (¬4) لوروده في بعض الألفاظ (¬5) . ¬

_ (¬1) هذا إن لم يتخذ لنفسه طيبا، وله عن سلمان «من طيب بيته» وهو مؤذن بأن السنة أن يتخذ المرء لنفسه طيبا، ويجعل استعماله له عادة، ويمس منه فيه، وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع، والإدهان المراد به إزالة شعث الشعر به، وفيه إشارة إلى التزين يوم الجمعة، وحسن الرائحة ذلك اليوم. (¬2) وفي رواية «ثم ينصت إذا تكلم الإمام» . (¬3) يعني التي قبلها، ونحوه للطبراني بإسناد حسن، وقال في آخره: «إلا كان كفارة لما بينه وبين الجمعة الأخرى، وما اجتنبت المقتلة، وذلك الدهر كله» ، وأصل الحديث مستفيض عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق متعددة، وذكر الحافظ وغيره أن التكفير مشروط بوجود ما ندب إليه من غسل وتنظف وتطيب أو دهن ولبس أحسن الثياب، والمشي بالسكينة، وترك التخطي، والتفرقة بين الاثنين، وترك الأذى، والتنفل، والإنصات، وترك اللغو، وغير ذلك مما أمر به ونهى عنه الشارع صلى الله عليه وسلم. (¬4) وفاقا، وقال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} والجمعة آكد لكونها عيد الأسبوع. (¬5) ولابن ماجه عن أبي هريرة، «ولبس من صالح ثيابه» ، ولأحمد، «ولبس أحسن ثيابه» ، ولأبي داود أنه يقول على المنبر «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة، سوى ثوبي مهنته» ، ولابن ماجه: «أحسن ما زرتم الله في مساجدكم البياض» ، وفي الصحيحين قال عمر: يا رسول الله ابتع هذه، فتجمل بها للجمعة والوفد؟ وأقره على مشروعية التجمل، وقال ابن بطال وغيره: وكان معهودا عندهم أن يلبس المرء أحسن ثيابه، ولا خلاف في استحباب ذلك، وقد تواردت الأخبار بالندب لمن وجد سعة أن يتخذ الثياب الحسان، للجمع والأعياد.

وأفضلها البياض (¬1) ويعتم ويرتدي (¬2) (و) أن (يبكر إليها ماشيا) (¬3) لقوله صلى الله عليه وسلم ومشى ولم يركب (¬4) ويكون بسكينة ووقار (¬5) . ¬

_ (¬1) أي أفضل ألوانها البياض، لما رواه الترمذي وغيره وصححه: «البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم» . (¬2) أي يلبس العمامة على رأسه، ويلبس الرداء يعني الملحفة يشتمل بها لعموم الآية والأخبار، وللطبراني: «إن الله وملائكته يصلون على المتعممين» . (¬3) أي يبكر إلى صلاة الجمعة أول النهار ماشيا وفاقا، قال في المبدع: ولو كان مشتغلا بالصلاة في منزله، ويأتي: «أن سبق أهل الزيارة يوم المزيد، بحسب سبقهم إلى الجمعة وتبكيرهم» . (¬4) وسيأتي وعن يزيد بن أبي مريم، قال: لحقني عبادة بن رافع وأنا أمشي إلى الجمعة، فقال: أبشر فإن خطاك هذه في سبيل الله، سمعت أبا عبس يقول: قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم «من أغبرت قدماه في سبيل الله، حرمه الله على النار» ، صححه الترمذي، وأصله في الصحيح، ولأحمد وغيره، «ثم مشي إلى الجمعة وعليه السكينة غفر له» ، الحديث، وللطبراني: «فإذا أخذ في المشي كتب له بكل خطوة عشرون حسنة» . (¬5) لما تقدم في المشي إلى الصلاة ولأحمد من حديث أبي الدرداء «ثم مشى إلى الجمعة وعليه السكينة» ، قال الحافظ: السكينة التأني في الحركات، واجتناب العبث، والوقار الهيبة، كغض البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات، أو هما بمعنى واحد، والثاني مؤكد للأول.

بعد طلوع الفجر الثاني (¬1) (و) أن يدنو من الإمام (¬2) مستقبل القبلة (¬3) . ¬

_ (¬1) وفاقا للشافعي، لحديث: «من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة» لا قبل طلوع الفجر، لأنه ليس بوقت للسعي لها، وقال الحافظ: لم ينقل عن أحد من الصحابة أنه ذهب إلى الجمعة قبل طلوع الشمس، أو عند انبساطها اهـ، والساعات في لسان الشارع وأهل اللغة الجزء من أجزاء الزمان، وقال ابن رجب: في أول الساعة ثلاثة أقوال، الأول من طلوع الفجر، وهو قول أحمد والشافعي، والثاني من طلوع الشمس، وهو قول طائفة من الشافعية والمالكية ومال إليه، والثالث من الزوال، وهو قول مالك، ولأبي داود بسند صحيح، «الجمعة اثنتا عشرة ساعة» ، وذكر الساعات للحث على التبكير إليها، والترغيب في فضيلة السبق وتحصيل فضيلة الصف الأول، وانتظارها بالتنفل والقراءة والذكر. (¬2) إجماعا للخبر، ولما تقدم في فضل الصف الأول، والدنو من الإمام، وغير ذلك، قال عبد الله، سارعوا إلى الجنة، فإن الله يبرز إلى أهل الجنة في كل يوم جمعة في كثيب كافور، فيكونون منه في القرب على قدر تسارعهم، فيحدث الله لهم من الكرامة ما لم يكونوا رأوه من قبل ذلك، وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس يجلسون يوم القيامة من الله عز وجل على قدر رواحهم إلى الجمعات، الأول والثاني والثالث» الحديث، وسنده حسن، ولأبي داود: «احضروا الذكر، وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد، حتى يؤخر في الجنة، وإن دخلها» وللطبراني «فيؤخر عن الجنة وإنه لمن أهلها» ، وقال ابن القيم وغيره: قرب أهل الجنة يوم القيامة، وسبقهم إلى الزيارة يوم المزيد بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة. (¬3) لأنه خير المجالس، للخبر، ولا يكره الاحتباء وفاقا، ويقال له القرفصاء، وهو الجلوس على أليتيه، رافعا يديه إلى صدره، مفضيا بأخمص قدميه إلى الأرض وكان أحمد يقصدها، ويقول: لا جلسة أخشع منها، وعن يعلى بن شداد قال: شهدت مع معاوية بيت المقدس، فجمع بنا فنظرت فإذا جل من في المسجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيتهم محتبين والإمام يخطب، رواه أبو داود وعد جماعة من الصحابة، وقال: لم يبلغن أن أحدا كرهها، إلا عبادة بن نسي، وروى هو والترمذي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الحبوة، وحسنه الترمذي، وتعقب أن في إسناده ضعيفين، وقال ابن القيم: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاحتباء يوم الجمعة، لأنه ذريعة إلى النوم اهـ، وإذا نعس فليتحول عن موضعه، لقوله: «إذا نعس أحدكم في مجلسه، فليتحول إلى غيره» ، صححه الترمذي، وإن كان الصواب وقفه، فإنهم اتفقوا عليه، حكاه النووي وغيره، وقال مالك: إن تحفظ من النعاس بوجه يراه منافيا له لم يتحول.

لقول صلى الله عليه وسلم: «من غسل واغتسل (¬1) وبكر وابتكر (¬2) ¬

_ (¬1) أي أوجب على غيره الغسل بالجماع، واغتسل هو منه، وقيل: غسل رأسه، أو غسل أعضاءه للوضوء، أو غسل ثيابه، واغتسل للجمعة، وقيل: هما بمعنى واحد، وكرر للتأكيد، وقال القرطبي: أنسب الأقوال قول من قال: غسل زوجته. (¬2) بكر بالتشديد أي خرج في بكرة النهار إلى الجمعة، وهو أوله، أو إلى الصلاة في أول وقتها، وكل من أسرع إلى شيء فقد بكر إليه، وابتكر أي بالغ في التبكير، وفي المطلع، بكر أسرع، وابتكر سمع أوائل الخطبة، كما يبتكر الرجل الباكورة من الفاكهة. وفي النهاية: بكر سابق، وهذا واحد فعل وافتعل، وإنما كرر للمبالغة والتأكيد، قال الشافعي، من شأن الناس التهجير إلى الجمعة والصلاة إلى خروج الإمام، قال البيهقي: هذا موجود في الأحاديث الصحيحة، وهو أنه رغب في التبكير إلى الجمعة والصلاة إلى خروج الإمام اهـ، فإن الصلاة من أفضل العبادات وهي فيها أفضل من غيرها، لاختصاصها بمضاعفة الحسنات إلى سبعين على سائر الأوقات، والتعجيل إلى المسجد، بدل من القربان، فإن الجمعة في الأسبوع كالعيد في العام. وجاء في الصحيحين وغيرهما من غير وجه فضل التهجير والرواح إلى الجمعة، والمراد به التبكير، يدل عليه مجموع الروايات، وصرح به علماء اللغة، ولاعتناء السلف الصالح بها كانوا يبكرون لها، قال الشيخ: وما نقل عن أهل المدينة من أنهم لا يبكرون فليس بحجة، فقد يكون الرجل يشتغل بمصالحه، ومصالح أهله، ومعاشه وغير ذلك من أمور دينه ودنياه، أفضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار.

ومشى ولم يركب (¬1) ودنا من الإمام، فاستمع ولم يلغ (¬2) كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة عمل صيامها وقيامها» ، ورواه أحمد وأبو داود وإسناده ثقات (¬3) ويشتغل بالصلاة والذكر والقراءة (¬4) . ¬

_ (¬1) أي سار إليها على قدميه، ولم يركب دابة ولا غيرها، قال النووي وغيره: اتفقوا أنه يستحب لقاصد الجمعة أن يمشي، وأن لا يركب في شيء من طريقه إلا لعذر. (¬2) دنا أي قرب من الإمام، فاستمع الخطبة، وهما شيئان مختلفان، فقد يستمع ولا يدنو، وقد يدنو ولا يستمع، فندب إليهما جميعا، «ولم يلغ» ، أي لم يتكلم، ولم يشتغل بغير ما ندب إليه. (¬3) ورواه الترمذي وحسنه، والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة، وابن حبان والحاكم وصححاه ورواه عبد الرزاق وغيره، وفي «آخره وذلك على الله يسير» وله شواهد كثيرة. (¬4) أي إلى خروج الإمام للخطبة، لما في ذلك من تحصيل الأجر الجزيل، وكذا بعد خروجه لمن لا يسمعه سرا، وفعله أفضل من سكوته، نص عليه وليس له إقراء القرآن، ولا المذاكرة في الفقه، لئلا يشغل غيره عن الاستماع، ولا أن يجلس في حلقة. قال الشارح: ويكره التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، رواه أحمد والشافعي وأبو داود والنسائي ويسجد للتلاوة حيث يسن، وإذا خرج الإمام يحرم ابتداء صلاة غير تحية المسجد للخبر، ويخفف ما ابتدأه ولو نوى أربعا صلى اثنتين ليستمع الخطبة.

(و) أن (يقرأ سورة الكهف في يومها) (¬1) لما روى البيهقي بإسناد حسن، عن أبي سعيد مرفوعا، «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» (¬2) . ¬

_ (¬1) أي ويسن أن يقرأ السورة التي يذكر فيها أصحاب الكهف، في يوم الجمعة، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، والكهف الغار في الجبل، والقصة مشهورة. (¬2) ورواه النسائي والحاكم في صحيحه، وروي ليلة الجمعة، ولابن مردوية عن ابن عمر مرفوعا: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه، إلى عنان السماء، يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين» ، قال المنذري: «لا بأس به، وروي من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة وقي فتنة الدجال» ، وقال في الإنصاف وغيره: يستحب أن يقرأ سورة الكهف في يومها أو ليلتها، وذكر الشيخ أنها مطلقة يوم الجمعة، ونقل عن الشافعي أنها نهارا آكد، وأولاها بعد الصبح، مسارعة للخير، والحكمة في تخصيصها أن فيها ذكر أحوال يوم القيامة، ويوم الجمعة شبيه به، لما فيه من اجتماع الناس، ولأن الساعة تقوم يوم الجمعة.

يكثر من الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في يومها وليلتها

(و) أن (يكثر الدعاء) رجاء أن يصادف ساعة الإجابة (¬1) (و) أن يكثر (الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) لقوله صلى الله عليه وسلم «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة» رواه أبو داود وغيره (¬2) وكذا ليلتها (¬3) . ¬

_ (¬1) لحديث أبي هريرة: «إن في الجمعة ساعة، لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه» وأشار بيده يقللها متفق عليه. (¬2) من حديث أوس بن أوس: «إن أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي» ، قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: «إن الله حرم على الأرض لحوم الأنبياء» ، وعن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اكثروا علي من الصلاة في كل يوم الجمعة، فإن صلاة أمتي تعرض علي، في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم علي صلاة، كان أقربهم مني منزلة» رواه البيهقي، وروي عن أبي مسعود قال: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإنه ليس أحد يصلي علي يوم الجمعة إلا عرضت علي صلاته» ولابن عدي عن أنس نحوه، وكذا في المراسيل عن الحسن وأمر به عمر بن عبد العزيز، فدلت هذه الأحاديث وغيرها، على مشروعية الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «من صلى علي صلاة واحدة، صلى الله عليها بها عشرا» وفضلها مشهور، قال الشيخ: والصلاة عليه بلفظ الحديث أفضل من كل لفظ، ولا يزاد عليه، كما في الأذان والتشهد، عند الأئمة الأربعة وغيرهم. (¬3) أي وكما يسن أن يكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة، كذلك يسن أن يكثر منها في ليلتها، لحديث: «أكثروا علي من الصلاة في ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فمن صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» ، رواه البيهقي بإسناد جيد.

(ولا يتخطى رقاب الناس) (¬1) لما روى أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر رأى رجلا يتخطى رقاب الناس، فقال له «اجلس فقد آذيت» (¬2) . (إلا أن يكون) المتخطي (إماما) فلا يكره للحاجة (¬3) وألحق به في الغنية المؤذن (¬4) . ¬

_ (¬1) وهو مذهب الشافعي وغيره، قال ابن المنذر: لا يجوز شيء من ذلك لأن الأذى يحرم قليله وكثيره، وهذا أذى، وقال: لا أعلم خلافا بين العلماء أن من بكر وانتظر الصلاة، وإن لم يصل في الصف الأول، أفضل ممن تأخر ثم تخطى إلى الصف الأول. (¬2) وله من حديث أبي الدرداء: «ولم يتخط أحدا ولم يؤذه» ، ومن حديث أبي أيوب، «ولم يؤذ أحدا» وفي الصحيح: «ولم يفرق بين اثنين» قال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم، كرهوا أن يتخطى الرجال رقاب الناس يوم الجمعة، وشددوا في ذلك، واختار النووي وأبو المعالي والشيخ وغيرهم تحريمه، وقال ليس لأحد أن يتخطى رقاب الناس، ليدخل في الصف، إذا لم يكن بين يديه فرجة لايوم الجمعة ولا غيره، لأنه من الظلم، والتعدي لحدود الله وظاهر عبارتهم يحرم، ولو في غير صلاة الجمعة، كما صرح به الشيخ، والتفريق متناول القعود بينهما، وإخراج أحدهما والقعود مكانه، وقد يطلق على مجرد التخطي، وفيه زيادة رفع رجليه على رءوسهما. (¬3) بلا نزاع لأنه عليه الصلاة والسلام تخلص حتى وقف في الصف، إلا أن يجد طريقا فليس له التخطي. (¬4) بين يديه، فلا يكره للحاجة، وكذا من كان بصدد أن يحتاج الإمام إلى استخلافه، وتقدم أن الغنية لعبد القادر الجيلاني رحمه الله.

(أو) يكون المتخطي (إلى فرجة) لا يصل إليها إلا به (¬1) فيتخطى، لأنهم أسقطوا حق أنفسهم بتأخرهم (¬2) (وحرم أن يقيم غيره) (¬3) ولو عبده أو ولده الكبير (¬4) (فيجلس مكانه (¬5)) لحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه، متفق عليه (¬6) . ¬

_ (¬1) أي بالتخطي إلى أن يصل إليها، فلا يكره، ولا يكون ذلك معدودا من الأذى. (¬2) أي عنها، فجاز له أن يتخطاهم قال الحسن: ولأنهم خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ورغبوا عن الفضيلة، وذلك مثل الذين يصفون في آخر المسجد، ويتركون بين أيديهم صفوفا خالية، فلا حرمة لهم، وتخطيهم مما لا بد منه، وإن جلسوا في مكانهم، لامتلاء ما بين أيديهم، ولم يفرطوا إلا أنه لم تمكنهم الصلاة إلا بتخطيهم جاز، لأنه موضع حاجة. (¬3) فيجلس مكانه وفاقا، وله أن يقيمه وعلى القاعد أن يفارقه. (¬4) لأنه ليس بمال، وإنما هو حق ديني، فاستوى فيه السيد وعبده، والوالد وولده، ولو كانت عادته الصلاة فيه كمعلم للأخبار، قال أحمد فيمن يتأخر عن الصف الأول لأجل أبيه: لا يعجبني هو يقدر بر أبيه بغير هذا وفي رواية جماعة: لا طاعة للوالدين في ترك مستحب، وظاهره استثناء الصغير كما يأتي. (¬5) قال المنقح وغيره: وقواعد المذهب تقتضي عدم الصحة، لأنه في معنى الغاصب. (¬6) ولمسلم وغيره: «لا يقيمن أحدكم أخاه ثم يخالفه إلى مقعده فيقعد فيه، ولكن» يقول: «تفسحوا» ولهما «من سبق إلى مكان فهو أحق به» ، فمن سبق إلى موضع مباح، سواء كان مسجدا أو غيره، في جمعة أو غيرها، لصلاة أو غيرها من الطاعات فهو أحق به، ويحرم على غيره إقامته منه، والقعود فيه.

ولكن يقول: افسحوا، قاله في التلخيص (¬1) (إلا) الصغير (¬2) و (من قدم صاحبا له، فجلس في موضع يحفظ له) (¬3) وكذا لو جلس لحفظه بدون إذنه (¬4) قال في الشرح: لأن النائب يقوم باختياره (¬5) لكن إن جلس في مكان الإمام (¬6) أو طريق المارة (¬7) أو استقبل المصلين في مكان ضيق أقيم، قاله أبو المعالي (¬8) . ¬

_ (¬1) للفخر ابن تيمية، ولفظ أحمد ومسلم، «ولكن ليقل افسحوا» وفي الصحيحين «ولكن تفسحوا وتوسعوا» . (¬2) حرا كان أو عبدا، أي فلا تحرم إقامته من الصف، لأن صلاته نفل وتقدم. (¬3) فإن المحفوظ له المكان، يقيم الحافظ، ويجلس فيه، لأنه كنائبه في حفظه له، ونقل عن ابن سيرين أنه يرسل غلاما له يوم الجمعة، فيجلس مكانه، فإذا جاء قام الغلام فجلس محمد فيه. (¬4) جاز جلوسه فيه، لقيامه باختياره عنه أشبه النائب. (¬5) أي فلم يكره جلوسه فيه. (¬6) أقيم لتعين مكانه، وألحق به المؤذن كالتخطي. (¬7) يعني أو جلس في طريق المارة، جاء به للمبالغة، ومر يمر مرورا جاز والممر مكان المرور فإذا جلس به أقيم. (¬8) لئلا يشغل المصلين، وأبو المعالي اسمه أسعد، وهو ابن منجا، تقدم.

وكره إيثار غيره بمكانه الفاضل (¬1) لا قبوله (¬2) وليس لغير المؤثر سبقه (¬3) (وحرم رفع مصلى مفروش) لأنه كالنائب عنه (¬4) . ¬

_ (¬1) ويتحول إلى ما دونه، كالصف الأول ونحوه، وكيمين الإمام، لما في ذلك من الرغبة عن المكان الأفضل، وظاهره، ولو آثر به والده ونحوه، قال في تصحيح الفروع، يكره مطلقا جزم به في الوجيز لقوله: «لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله» ، فالإيثار بالقرب مكروه، هذا المذهب ويحتمل أن لا يكره، إذا كان الذي آثره من أهل الفضل، لأن تقديمهم مشروع، وقال ابن القيم: قولهم لا يجوز الإيثار بالقرب، لا يصح، وقد طلب أبو بكر من المغيرة أن يبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوفد ثقيف، ففيه جوار طلب الإيثار بالقرب، وجواز الإيثار، وقد آثرت عائشة عمر بدفنه في بيتها، جواز النبي صلى الله عليه وسلم وسألها عمر، ولم تكره له السؤال، ولا لها البذل، فإذا سأل الرجل غيره أن يؤثره بمقامه في الصف الأول لم يكره له السؤال، ولا لذلك البذل. (¬2) أي لا يكره للمؤثر بفتح الثاء قبول المكان الأفضل، ولا رده. (¬3) أي ليس لغير المؤثر بفتح الثاء، سبق المؤثر بفتحها أيضا، إلى المكان الذي أوثر به، لأنه قام مقام من آثره في استحقاق مكانه، أشبه ما لو تحجز مواتا، ثم آثر به غيره، بخلاف ما لو وسع في طريق لشخص، فمر غيره فيه. (¬4) ولما فيه من الافتيات على صاحبه، والتصرف في ملكه بغير إذنه، أو الإفضاء إلى الخصومة وعنه: لا يحرم، لأنه لا حرمة له بنفسه، والفضيلة بالسبق بالبدن، بل ليس له فرشه، وجزم به في الوجيز وغيره، وقال الشيخ: وهل له أن يرفع ذلك؟ فيه قولان: الثاني وهو الصحيح، أن لغيره رفعه، والصلاة مكانه لأن هذا السابق يستحق الصلاة في ذلك الصف المقدم، وهو مأمور بذلك أيضا، وهو لا يتمكن من فعل هذا المأمور واستيفاء هذا الحق، إلا برفع ذلك المفروش وما لا يتم المأمور إلا به فهي مأمور به، وأيضا وضعه هناك على وجه الغصب، وذلك منهي عنه، وقال: يجب رفع تلك السجاجيد ويمكن الناس من مكانها، مع أن أصل الفرش بدعة، ولو عوقبوا بالصدقة بها لكان مما يسوغ فيه الاجتهاد، وقال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه يصلون على سجادة اهـ. والمصلى أي السجادة أو نحوها يصلي عليها أو يضعها مكانه، كلمة عامية، والمفروش يعني المبسوط، وشبهه بالنائب لبقائه في مقامه.

ما يفعل من تقديم المفارش منهي عنه

(ما لم تحضر الصلاة) فيرفعه (¬1) لأنه لا حرمة له بنفسه (¬2) ولا يصلي عليه (¬3) . ¬

_ (¬1) أي ما لم يحضر ربه فلغيره رفعه والصلاة مكانه. (¬2) وإنما الحرمة لربه الذي كان سبق إلى المكان، ولم يحضر. (¬3) جزم جماعة بتحريمه، قال في الفروع: ولو صلى على أرضه ومصلاه بلا غصب صح، في الأصح، ورجح شيخ الإسلام وغيره أن له رفعه، والصلاة مكانه كما تقدم. وقال: وما يفعله كثير من الناس من تقديم مفارش ونحوها إلى المسجد يوم الجمعة قبل صلاتهم، فهذا منهي عنه، باتفاق المسلمين، بل محرم، وهل تصح صلاته على ذلك المفروش؟ فيه قولان للعلماء، لأنه غصب بقعة في المسجد، بفرش ذلك المفروش فيها، ومنع غيره من المصلين، الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلي في ذلك المكان، والمأمور به أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد، فإذا قدم المفروش ونحوه، وتأخر هو فقد خالف الشريعة من وجهين: من جهة تأخره، وهو مأمور بالتقدم، ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد، ومنعه السابقين له، وأن يتموا الصف الأول فالأول، ثم إنه إذا حضر يتخطى رقاب الناس. تتمة قال: وما عليه أكثر أهل الوسواس من توقي الأرض وتنجيسها، باطل بالنص، وإن كان بعضه فيه نزاع، وبعضه باطل بالإجماع، أو غيره من الأدلة الشرعية، وقال: ولا نزاع بين أهل العلم في جواز الصلاة والسجود على المفارش، إذا كانت من جنس الأرض، كالخمرة والحصير ونحوهما، وإنما تنازعوا في كراهة ذلك على ما ليس من جنس الأرض، كالإنطاع المبسوطة، والبسط والزرابي، وأكثرهم يرخص في ذلك، وهو مذهب أهل الحديث، وكذا قال ابن بطال وغيره: إنه لا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة على الخمرة، والخطابي وغيره في جواز استعمال الثياب اتقاء حر الأرض وبردها، وجاء الخبر بصلاته صلى الله عليه وسلم على الخمرة والحصير، وهو قدر طول الرجل، والخمرة دون ذلك فهي مصلى صغير، يعمل من سعف النخل، سميت بذلك لسترها الوجه والكفين، من حر الأرض وبردها.

(ومن قام من موضع لعارض لحقه، ثم عاد إليه قريبا، فهو أحق به) (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم: «من قام من مجلسه ثم رجع إليه قريبا فهو أحق به» رواه مسلم (¬2) . ¬

_ (¬1) ومفهومه أنه إذا كان قيامه لغير عذر سقط حقه، وصرح به الأصحاب، إلا أن يخلف مصلى أو وطاء ففيه وجهان، وإن قعد فيه غيره فله أن يقيمه وعلى القاعد أن يفارقه. (¬2) وسبق فيهما من: «سبق إلى مكان فهو أحق به» ، وللترمذي وصححه: «الرجل أحق بمجلسه، وإن خرج لحاجة ثم عاد فهو أحق بمجلسه» ، وحكمه في التخطي إلى موضعه إذا قام لحاجة، حكم من رأى بين يديه فرجة.

ولم يقيده الأكثر بالعود قريبا (¬1) (ومن دخل) المسجد (والإمام يخطب لم يجلس) ولو كان وقت نهي (حتى يصلي ركعتين (¬2) يوجز فيهما) (¬3) لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام، فليصل ركعتين» متفق عليه (¬4) زاد مسلم «وليتجوز فيهما» (¬5) فإن جلس قام فأتى بهما، ما لم يطل الفصل (¬6) . ¬

_ (¬1) وفي الإنصاف: أنه مراد من أطلق، وقيده في الوجيز بما إذا عاد، ولم يتشاغل بغيره، والمراد والله أعلم ما لم تطل مفارقته له بحيث يعد راغبا عنه. (¬2) إجماعا وتقدم ولا تجوز الزيادة عليهما، ولا تحصل بأقل من ركعتين ولا بصلاة جنازة ولو هنا إشارة إلى خلاف من قال يعتبر وقت النهي حال قيام الشمس يوم الجمعة، وتقدم. (¬3) أي يستحب أن يخففهما ويسرع فيهما، وهو مذهب الشافعي، وجمهور أهل الحديث. (¬4) في أحاديث متواترة، وكلها صريحة في الدلالة على استحباب صلاة ركعتين وكراهة الجلوس قبل أن يصليهما وقال غير واحد من السلف، منهم عمر رضي الله عنه: خروج الإمام يمنع الصلاة، فينقطع التطوع بجلوس الإمام على المنبر وفاقا، فلا يصلي أحد غير الداخل تحية المسجد، لأنه يشتغل بها عن سماع الخطبة، وخطبته تمنع الكلام، وفي الحاوي للشافعية، يحرم ابتداء نافلة والإمام يخطب إجماعا. (¬5) ليسمع بعدهما الخطبة، وأوجز وتجوز بمعنى أسرع. (¬6) أي بين جلوسه وقيامه لهما، لقوله عليه الصلاة والسلام: «قم فاركع ركعتين» متفق عليه، فإن طال الفصل لم يشرع له قضاؤهما، لفوات محلهما.

لا يجوز الكلام والإمام يخطب

فتسن تحية المسجد لمن دخله (¬1) غير وقت نهي (¬2) إلا الخطيب، وداخله لصلاة عيد (¬3) أو بعد شروع في إقامة (¬4) وقيمه (¬5) وداخل المسجد الحرام، لأن تحيته الطواف (¬6) (ولا يجوز الكلام والإمام يخطب) إذا كان منه بحيث يسمعه (¬7) . ¬

_ (¬1) قصد الجلوس فيه أو لا، لعموم الأخبار غير ما استثناه الشارح، وما لم يكن متطهرا من الحدثين، وأن لا يكون حال الأذان فيجيبه، ثم يأتي بها، ليجمع بين الفضيلتين، وفي الفروع: ولعل المراد غير أذان الجمعة، فإن سماع الخطبة أهم، ولا تجب تحية المسجد إجماعا، وتجزئ راتبة وفريضة، ولو فائتتين عنهما وإن نواهما حصلا، كما تقدم، وإن كان في آخر الخطبة وغلب على ظنه أنه إن صلى التحية فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام لم يصل، بل يقف حتى تقام الصلاة ولا يقعد لئلا يكون جالسا في المسجد قبل التحية. (¬2) أي فيجلس ولا يصلي تحية المسجد، وتقدم الأمر بها. (¬3) أما الخطيب فلا تستحب له صلاة تحية المسجد إذا دخل للخطبة، لأنه لم ينقل، وأما داخله لصلاة العيد فكذلك أيضا، لما ثبت أنه لم يصل قبلها، ويأتي إن شاء الله تعالى. (¬4) لحديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة وتقدم» . (¬5) أي وإلا قيم المسجد، فلا يصلي تحية المسجد كلما دخله، لتكرر دخوله فتشق عليه. (¬6) يعني لمن طاف، لأنه يصلي ركعتي الطواف، فتنوب عن تحية المسجد، فإن لم يطف لم يجلس حتى يصلي ركعتين، لدخول المسجد الحرام في عموم المساجد بل هو أفضلها وأشرفها على الإطلاق فهو أولى. (¬7) وفاقا لمالك وأبي حنيفة والأوزاعي وغيرهم قال ابن القيم: الإنصات للخطبة إذا سمعها واجب، في أصح القولين اهـ، بل هو قول أكثر أهل العلم وحكى أنه قول عامة أهل العلم، وأحاديث النهي عن مس الحصا، والأمر بالإنصات تدل على لزوم إقبال القلب والجوارح على الخطبة، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، كرهوا أن يتكلم والإمام يخطب، وقالوا: إن تكلم غيره فلا ينكر عليه إلا بالإشارة اهـ، وإن لم يسمع الخطيب لبعده فلا يحرم عليه الكلام حينئذ واشتغاله بالقراءة والذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من سكوته نص عليه، ما لم يؤذ به، وذلك لعدم الحاجة إلى الاستماع.

لقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} (¬1) ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من قال: صه، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له» رواه أحمد (¬2) . ¬

_ (¬1) قال بعض المفسرين: إنها نزلت في الخطبة، وسميت قرآنا لاشتمالها عليه، والأكثر على أنها القراءة في الصلاة، ولا مانع من العموم، والاستماع هو شغل القلب بالإسماع، والإصغاء للمتكلم والإنصات هو السكوت. (¬2) من حديث علي، وله عن ابن عباس: «من تكلم فهو كالحمار يحمل أسفارا والذي يقول له: أنصت ليس له جمعة» ، والمراد: لا جمعة له كاملة وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب، فقد لغوت» ، وقال الطحاوي، تواترت به الروايات، وقال أبي لمن قال له متى الساعة ما لك من جمعتك إلا ما لغيت وقال سعد: لا جمعة له وصدقهما صلى الله عليه وسلم ولغوت أي قلت اللغو، واللغو الإثم والكلام الملغي الساقط، وقال النووي وغيره: الكلام حال الخطبة لغو، وقوله أنصت لغو، وهو في الأصل أمر بمعروف، فنهي عنه، تنبيها على أن غيره من الكلام أولى، ولأحمد وغيره عن علي مرفوعا: «إن الملائكة على باب المسجد يكتبون الناس على قدر منازلهم فمن أتى الجمعة ودنا واستمع وأنصت ولم يلغ، كان له كفلان من الأجر، ومن لغا فلا جمعة له» ، أي فلا فضل له، إذ لا ثواب من عبادة على فعل محرم، ويثاب على نفس الصلاة.

(إلا له) أي للإمام فلا يحرم عليه الكلام (أو لمن يكلمه) لمصلحة (¬1) لأنه صلى الله عليه وسلم كلم سائلا وكلمه هو (¬2) ويجب لتحذير ضرير، وغافل عن هلكة (¬3) (ويجوز) الكلام قبل الخطبة وبعدها (¬4) وإذا سكت بين الخطبتين (¬5) . ¬

_ (¬1) كأمر بمعروف وفاقا، والمصلحة شرط في حق من كلم الإمام الخاطب لا في حق مخاطب. (¬2) فكلم سليكا وكلمه، متفق عليه، وسأله عباس بن مرداس الاستسقاء متفق عليه أيضا، وسأل عمر عثمان، فأجابه وهو على المنبر، وغير ذلك ولأنه حال كلامه للإمام، وكلام الإمام له، لا يشغل عن سماع الخطبة. (¬3) وعن بئر ونحوه، ومن يخاف عليه نارا، أو حية ونحو ذلك مما يقتله أو يضره، كما يجوز قطع الصلاة لذلك. (¬4) بما يجوز، كذكر وحديث ونحوهما نص عليه لما رواه مالك والشافعي وغيرهما بإسناد جيد، عن ثعلبة بن مالك، قال: كانوا يتحدثون يوم الجمعة، وعمر جالس على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام عمر، فلم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين، فإذا أقامت الصلاة، ونزل عمر تكلموا، وهو المنقول عن الصحابة، وقول جمهور العلماء، مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وأما حديث الدنيا فلا يجوز في المسجد، ولو لم يكن ثم خطبة. (¬5) لأنه لا خطبة حينئذ ينصت لها، ولا يتصدق على سائل وقت الخطبة لأنه فعل ما لا يجوز له فعله، وهو الكلام حال الخطبة، فلا يعينه على ما لا يجوز قال أحمد: وإن حصب السائل كان أعجب إلي، لأن ابن عمر فعل ذلك لسائل سأل والإمام يخطب يوم الجمعة، وعليه: فلا يناول السائل، إلا أن يكون سأل قبلها، ثم جلس، فيجوز التصدق عليه، وظاهر كلام جماعة يحرم السؤال كإنشاد الضالة.

أو شرع في الدعاء (¬1) وله الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعها من الخطيب (¬2) وتسن سرا (¬3) كدعاء وتأمين عليه (¬4) وحمده خفية إذا عطس (¬5) ورد سلام (¬6) وتشميت عاطس (¬7) . ¬

_ (¬1) أي ويجوز الكلام إذا شرع الخطيب في الدعاء، لأنه قد فرغ من أركان الخطبة، والدعاء لا يجب الإنصات له، وظاهر الأخبار العموم. (¬2) لتأكدها إذا. (¬3) أي وتسن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم حينئذ سرا إذا سمعها لئلا يشغل غيره بجهره بها، قال شيخ الإسلام اتفاقا. (¬4) أي كما يسن دعاء الخاطب، وتأمين عليه سرا، إجماعا، قال شيخ الإسلام، ورفع الصوت قدام الخطيب مكروه، أو محرم اتفاقا، ولا يرفع المؤذن ولا غيره صوته بصلاته ولا غيرها. (¬5) أي يجوز ولو سمع الخطيب لعموم الأمر به. (¬6) بحيث يسمعه، ولا يسلم من دخل على الإمام ولا غيره، وللاشتغال بالخطبة واستماعها. (¬7) بحيث يسمعه كرد سلام، لأنه مأمور به لحق آدمي، أشبه الدعاء فدل على أنه يجيب قاله في المبدع وغيره.

وإشارة أخرس إذا فهمت ككلام (¬1) لا تسكيت متكلم بإشارة (¬2) ويكره العبث (¬3) والشرب حال الخطبة إن سمعها (¬4) وإلا جاز نص عليه (¬5) . ¬

_ (¬1) لقيامها مقامه في البيع وغيره فتحرم حيث يحرم الكلام، لأنها في معناه. (¬2) لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم إشارتهم للذي قال: متى الساعة؟ فيجوز أن يضع إصبعه على فيه، إشارة له بالسكوت، ولأن الإشارة تجوز في الصلاة، ففي حال الخطبة أولى. (¬3) يعني حال الخطبة وفاقا، لقوله عليه الصلاة والسلام «من مس الحصا فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له» ، صححه الترمذي، ولأن العبث يمنع الخشوع، ولا فرق بين العبث بيد أو رجل، أو لحية، أو ثوب، أو غير ذلك. (¬4) أي إن سمع الخطبة، لأنه فعل يشتغل به، أشبه مس الحصا، وهذا ما لم يشتد عطشه، فلا يكره شربه، لأن العطش يذهب بالخشوع. (¬5) أي وإن لم يسمع الخطبة جاز الشرب، نص عليه الإمام أحمد، وقال: إذا قرئ الكتاب يوم الجمعة على الناس بعد الصلاة أعجب إلي أن يسمع، إذا كان فيه فتح من فتوح المسلمين، أو فيه شيء من أمور المسلمين، وأما إذا كان فيه ذكرهم، أي تبجيلهم فلا يستمع.

باب صلاة العيدين أي صفتها وأحكامها وما يتعلق بذلك

باب صلاة العيدين (¬1) سمي به لأنه يعود ويتكرر لأوقاته (¬2) أو تفاؤلا (¬3) . ¬

_ (¬1) أي صفتها وأحكامها، وما يتعلق بذلك، وهي مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وقد كان المشركون اتخذوا أعيادا زمانية ومكانية، فأبطلها الشرع، وعوض عنها عيد الفطر والأضحى، شكرا لله تعالى على أداء تلك العبادتين العظيمتين صوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، وهذه زمانية، والمكانية الكعبة والمشاعر، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قدم المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: «قد أبدلكم الله بهما خيرا منهما يوم النحر ويوم الفطر» قال السيوطي: وهي من خصائص هذه الأمة، ومناسبة اتباع العيدين بالجمعة ظاهرة، وهي أنهما يؤديان بجمع عظيم، ويجهر فيهما بالقراءة، ويشترط لكل منهما ما يشترط للآخر في الجملة، وتجب في قول، على من تجب عليه الجمعة، وإنما قدمت الجمعة للفرضية وكثرة وقوعها. (¬2) ولاعتياد الناس له كل حين، أو لأنه يعود بالفرح والسرور، أو لأن لله فيه عوائد الإحسان على عباده في كل عام، منها الفطر بعد المنع عن الطعام، وصدقة الفطر، وإتمام الحج، ولحوم الأضاحي وغير ذلك. (¬3) أي أو سمي اليوم المعروف عيدا تفاؤلا ليعود ثانية، كالقافلة، والأقوال ليست متباينة والعيد لغة لما يعود ويتكرر مرة بعد أخرى، ويعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان، من العود وهو الرجوع، والمعاودة والاعتياد اسم مصدر، من عاد يعود، ثم صار علما على اليوم المخصوص، لعوده في السنة مرتين.

وجمعه أعياد (¬1) (وهي) أي صلاة العيدين (فرض كفاية) (¬2) لقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (¬3) وكان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده يداومون عليها (¬4) . ¬

_ (¬1) بالياء المثناة من تحت، وأصله الواو، وإنما عدل عنه للزومها في الواحد أو للفرق بينه وبين أعواد الخشب. (¬2) هذا المشهور، لحديث الأعرابي المتفق على صحته، وعنه: فرض عين للآية وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها حتى النساء، وهو مذهب أبي حنيفة واختيار الشيخ، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها مالك بن الحويرث وصاحبه، وعنه: سنة، وفاقا لمالك والشافعي، وجماهير العلماء من السلف والخلف، وللمرأة حضورها، قال الشيخ: ولا بأس بحضور النساء غير متطيبات، ولا لابسات ثياب زينة أو شهرة، لقوله عليه الصلاة والسلام، «وليخرجن تفلات ويعتزلن الرجال، ويعتزل الحيض المصلى» ، بحيث يسمعن اهـ، وقيل بوجوبها على النساء، قالت أم عطية: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى تخرج البكر من خدرها، وحتى تخرج الحيض، فيكن خلف النساء، فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم، وطهرته وكذا الصبيان لخبر ابن عباس، إظهار لشعائر الإسلام. (¬3) يعني صلاة العيد، قاله عكرمة وعطاء وغيرهم، قال المجد والشارح: وهو المشهور عن المفسرين والأمر يقتضي الوجوب. (¬4) وثبت بالتواتر عنه صلى الله عليه وسلم وبالاستقراء وأجمع المسلمون عليها، خلفا عن سلف، واشتهر في السير أن أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عيد الفطر، في السنة الثانية من الهجرة، ولم يزل يواظب عليها حتى فارق الدنيا، صلوات الله وسلامه عليه، ولأنها من أعلام الدين الظاهرة فكانت واجبة كالجمعة والجهاد.

أول وقتها كصلاة الضحى وآخره إلى الزوال

(إذا تركها أهل بلد قاتلهم الإمام) (¬1) لأنها من أعلام الدين الظاهرة (¬2) (و) أول (وقتها كصلاة الضحى) (¬3) لأنه صلى الله عليه وسلم ومن بعده لم يصلوها إلا بعد ارتفاع الشمس، ذكره في المبدع (¬4) . ¬

_ (¬1) كالأذان، فيقاتلون على تركها، وذلك مع استكمال شروطها فيهم، وقال عثمان: من الأصحاب من عبر هنا وفي باب الأذان بالاتفاق، وبعضهم بالترك، والظاهر أنه من قبيل الاحتباك، وهو أن يحذف من الجملتين ما يدل على الأخرى، فالتقدير: إذا حصل اتفاق وترك، قاتلهم الإمام، أما الاتفاق وحده، فهو عزم على الترك، لا ترك حقيقة، وكذا الترك بلا اتفاق، يكون جهلاً أو كسلاً أو تهاونًا، فلا يقاتلون عليه ابتداء، بل يؤمرون أولاً، فإن امتثلوا وإلا قوتوا لاجتماع الأمرين إذًا، أعني الترك والاتفاق اهـ. وكره أن ينصرف من حضر مصلى العيد ويتركها، كتفويتها من غير عذر، ويحرم على القول بوجوبها عينًا وإن لم يتم العدد إلا به وجب. (¬2) وفي تركها تهاون بالدين. (¬3) أي أول وقت صلاة العيدين، كأول وقت صلاة الضحى، وتقدم أن أول وقت صلاة الضحى، من ارتفاع الشمس قيد رمح، وبدليل الإجماع على أن فعلها ذلك الوقت أفضل، ولأنه قبل ارتفاع الشمس وقت نهي، كما لم يكن قبل طلوعها، ولو كان لها وقت قبل ذلك، لكان تقييده بطلوعها تحكما بغير نص، والاختلاف في الكراهة، وإلا فهي صحيحة، على كل من المذهبين. (¬4) وقال: بدليل الإجماع على فعلها ذلك الوقت، ولم يكن يفعل إلا الأفضل اهـ واستمر عمل المسلمين عليه، ولأبي داود وابن ماجه بسند صحيح على شرط مسلم، عن عبد الله بن بسر، قال: ذلك حين التسبيح، أي حين يصلي صلاة الضحى وللطبراني وذلك حين يسبح الضحى، وأحسن ما ورد في تعيين وقت صلاة العيدين حديث جندب، أورده الحافظ وغيره: كان يصلي بنا يوم الفطر، والشمس على قيد رمحين، والأضحى على قيد رمح، وقال بعضهم وهو من انبساط الشمس إلى الزوال، لا أعلم فيه خلافًا.

(وآخره) أي آخر وقتها (الزوال) أي زوال الشمس (¬1) (فإن لم يعلم بالعيد إلا بعده) أي بعد الزوال (صلوا من الغد) قضاء (¬2) لما روى أبو عمير ابن أنس عن عمومة له من الأنصار (¬3) قالوا: غم علينا هلال شوال، فأصبحنا صياما، فجاء ركب في آخر النهار (¬4) فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا غدا لعيدهم، رواه أحمد وأبو داود والدارقطني وحسنه (¬5) . ¬

_ (¬1) وهو ميلها عن كبد السماء، وهو آخر وقت صلاة الضحى. (¬2) مطلقا وكذا لو مضى أيام ولم يعلموا بالعيد، أو لم يصلوها لفتنة أو نحوها، لأنها صلاة تقضى بعد فوتها بيوم، فكذا بأيام، ولو أمكن في يومها، وأما من فاتتة مع الإمام فيصليها متى شاء، لأنها نافلة، ليس فيها اجتماع. (¬3) أبو عمير قيل: اسمه عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، معدود في صغار التابعين ثقة، عمر بعد أبيه زمانا طويلا، وعمومة جمع عم، كالبعولة جمع بعل، ولفظ أبي داود، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. (¬4) وفي بعض طرقه، من رواية الطحاوي، أنهم شهدوا بعد الزوال، والركب جمع راكب. (¬5) وصححه إسحاق بن راهوية والخطابي والنووي، والحافظ وغيرهم ورواه النسائي وابن ماجه وغيرهما، والشاهد أن وقتها ينتهي إلى الزوال، إذ لو كانت تؤدى بعد الزوال لما أخرها إلى الغد، وخالف مالك، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بالاتباع، قال الخطابي: حديث أبي عمير صحيح، فالمصير إليه واجب، وكالفرائض اهـ، ولأن العيد شرع له الاجتماع العام، وله وظائف دينية ودنيوية وآخر النهار مظنة الضيق عن ذلك غالبا وقال تعالى: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى *} .

(وتسن) صلاة العيد (في صحراء) قريبة عرفا (¬1) لقول أبي سعيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج في الفطر والأضحى إلى المصلى، متفق عليه (¬2) وكذلك الخلفاء بعده (¬3) (و) يسن تقديم صلاة الأضحى وعكسه الفطر فيؤخرها (¬4) . ¬

_ (¬1) يعني قريبة من البنيان قربا معروفا، قال النووي: والعمل على هذا في معظم الأمصار، وحكاه الوزير اتفاقا، إلا ما روي عن الشافعية، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العيدين في المصلى، وهو المصلى المشهور، الذي على باب المدينة الشرقي، وكان يفعلهما فيه دائما، ولأن الخروج إلى الصحراء أوقع لهيبة الإسلام، وأظهر لشعائر الدين، وغير ذلك ولا مشقة في ذلك، لعدم تكرره، بخلاف الجمعة وإن أقام لضعفة الناس، وذوي العجز منهم من يصلي في المسجد جاز. (¬2) ولم ينقل أنه صلاها في المسجد لغير عذر، والمصلى معروف، بينه وبين المسجد ألف ذراع، وعبر بالمصلى ليعم من تأتى منه وغيره. (¬3) وعمل المسلمين عليه خلفا عن سلف، وفعله في المسجد من غير عذر بدعة مخالفة للشرع، والمراد سوى مكة والقدس، بالاتفاق. (¬4) أي يسن تأخير صلاة عيد الفطر، لفعله صلى الله عليه وسلم وأمره، قال الشارح: لا أعلم فيه خلافا، والأضحى من الإضحاة وهو لغة في الأضحية.

لما روى الشافعي مرسلا، أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم: «أن عجل الأضحى، وأخر الفطر، وذكر الناس» (¬1) . (و) يسن (أكله قبلها) أي قبل الخروج لصلاة الفطر (¬2) لقول بريدة: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي رواه أحمد (¬3) . ¬

_ (¬1) فدل على مشروعية تعجيل الأضحى، وتأخير الفطر، ليتسع وقت التضحية بتقديم صلاة الأضحى، من حين خروج وقت النهي، ولاستحباب الإمساك حتى يفرغ من الصلاة، فإنه ربما كان ترك التعجيل، مما يتأذى به منتظروا الصلاة لذلك، بخلاف عيد الفطر، فإنه لا إمساك ولا ذبح، وتخرج صدقة الفطر قبلها، وبالتأخير يتسع وقت الإخراج، فلا يشق على مخرجيها حينئذ، ويأتي الحث على عظة الناس، وأمرهم بتقوى الله، وحثهم على طاعته، والمرسل ضد المتصل، بأن يرويه تابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم. (¬2) قال الموفق وغيره: لا أعلم فيه خلافا، امتثالا لأمره تعالى بالإفطار، بعد امتثال أمره بالصيام، وأن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد، فكأنه أراد سد هذه الذريعة، وقيل: لما وقع من وجوب الفطر عقب وجوب الصوم، والأكل فيه آكد من الإمساك في الأضحى. (¬3) ورواه الترمذي والحاكم بنحوه، وعن جابر بن سمرة نحوه، ورواه البزار، وفي الصحيح عن أنس، كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغدوا يوم الفطر حتى يأكل تمرات، أي إن كانت، وليأتي بالمأمور به حسا، وإن وجد شرعا، قال الشيخ: لما قدم الله الصلاة على النحر في قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} وقدم التزكي على الصلاة في قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} كانت السنة أن الصدقة قبل الصلاة في عيد الفطر وأن الذبح بعد الصلاة في عيد النحر، وذكر أن مقصود الصوم التقوى، وهو من معنى التزكي وفرض بعده صدقة الفطر، طهرة للصائم من اللغو والرفث فالصدقة من تمام طهرة الصوم، وكلاهما تزك، فتقدم على صلاة العيد.

والأفضل تمرات وترا (¬1) والتوسعة على الأهل والصدقة (¬2) (وعكسه) أي يسن الإمساك (في الأضحى إن ضحى) حتى يصلي، ليأكل من أضحيته، لما تقدم (¬3) والأولى من كبدها (¬4) (وتكره) صلاة العيد (في الجامع بلا عذر) (¬5) . ¬

_ (¬1) لما في رواية للبخاري من حديث أنس: ويأكلهن وترا. (¬2) أي ويسن التوسعة على الأهل في يومي العيدين، للعموم، ولأنه يوم سرور، وتسن الصدقة فيهما، ليغني الفقراء عن السؤال. (¬3) أي من قول بريدة: ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي، قال الشارح: لا أعلم فيه خلافا، فالحكمة في تأخير الأكل فيه ليأكل من أضحيته التي شرعها الله له، ويشكره عليها، وإن لم يضح خير بين أكله قبل الصلاة وبعدها، لما رواه الدارقطني عن بريدة، وكان لا يأكل يوم النحر، حتى يرجع فيأكل من اُضحيته، وإن لم يكن له ذبح لم يبال أن يأكل. (¬4) لأنه أسرع تناولا وهضما، والكبد لحمة معروفة سوداء، من السحر في الجانب الأيمن. (¬5) من مطر وغيره، يمنع الخروج وإلا فلا، لقول أبي هريرة أصابنا مطر في يوم عيد، فصلى بنا صلى الله عليه وسلم في المسجد، ورواه أبو داود والحاكم وصححه.

إلا بمكة المشرفة (¬1) لمخالفة فعله صلى الله عليه وسلم (¬2) ويستحب للإمام أن يستخلف من يصلي بضعفة الناس في المسجد، لفعل علي رضي الله عنه (¬3) ويخطب لهم (¬4) ولهم فعلها قبل الإمام وبعده (¬5) وأيهما سبق سقط به الفرض، وجازت التضحية (¬6) (ويسن تبكير مأموم إليها) ليحصل له الدنو من الإمام (¬7) وانتظار الصلاة، فيكثر ثوابه (¬8) (ماشيا) (¬9) . ¬

_ (¬1) فلا تكره صلاة العيد فيه، بل تسن فيه، لفضيلة البقعة وشرفها، ولمعاينة الكعبة المشرفة، وذلك من أكبر شعائر الدين وكذا بيت المقدس، لشرفه، ولسعتهما، ولم يزل المسلمون يصلونها بهما، خلفا عن سلف بلا نزاع. (¬2) المشتهر عنه، في غير ما حديث، أنه كان صلى الله عليه وسلم يصليها في الصحراء. (¬3) حيث استخلف أبا مسعود البدري، رواه أبو سعيد وغيره ويكره تعددها إجماعا بلا حاجة، كضيق الموضع ونحوه. (¬4) إن شاء وهو المستحب لتكميل حصول مقصودهم وإن تركوا فلا بأس. (¬5) لأنهم من أهل الوجوب، وقال ابن تميم وغيره: والأولى أن لا يصلوا قبل الإمام. (¬6) أي بعد صلاة من سبق منهما، لأنها صلاة صحيحة. (¬7) فيكثر ثوابه، فإنه يسن دنوه منه، كالجمعة وسائر الصلوات. (¬8) لما تقدم في فضل انتظار الصلاة، وأنه في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه. (¬9) أي يسن أن يكون سعيه إلى العيد ماشيا، وفاقا لمالك والشافعي، لتكتب خطاه.

لقول علي رضي الله عنه: من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا، رواه الترمذي وقال: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم (¬1) (بعد) صلاة (الصبح (¬2) و) يسن (تأخر إمام إلى وقت الصلاة) (¬3) لقول أبي سعيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، رواه مسلم (¬4) ولأن الإمام ينتظر ولا ينتظر (¬5) . ¬

_ (¬1) والحديث مداره على الحارث الأعور، وهو متفق على ضعفه، ولكن يشهد له ما تقدم، وهو مذهب جمهور أهل العلم، وإن ركب لعذر فلا بأس، والمراد لا بسبب منصب ورياسة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمشي في العيد، وهو أفضل الخلق وأكملهم، وأرفعهم منصبا، ولا بأس بالركوب في العود مطلقا، وعند الأكثر، وفي صحيح مسلم في الرجل الذي كان منزله بعيدا من المسجد، وكان يمشي إليه، وقال: يا رسول الله إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إلى أهلي، فقال: «قد جمع الله لك ذلك كله» ، وقال أبو المعالي: إن كان البلد ثغرا استحب الركوب، وإظهار السلاح والتكبير. (¬2) يعني من يوم العيد، لا قبلها، وكان ابن عمر مع شدة اتباعه للسنة لا يخرج حتى تطلع الشمس، ويكبر من بيته إلى المصلى. (¬3) بلا خلاف، وبداءته بها، من غير نافلة ولا جلوس. (¬4) وقال مالك: مضت السنة عندنا في وقت الأضحى والفطر أن يخرج الإمام من منزله، قدر ما يبلغ مصلاه وقد حلت الصلاة. (¬5) الأول بالبناء للمفعول، أي ينتظره المأمومون والثاني بالبناء للفاعل، أي لا ينتظر هو المأمومين.

ويخرج (على أحسن هيئة) أي لابسا أجمل ثيابه (¬1) لقول جابر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتم، ويلبس برده الأحمر، في العيدين والجمعة، رواه ابن عبد البر (¬2) (إلا المعتكف فـ) يخرج (في ثياب اعتكافه) لأنه أثر عبادة، فاستحب بقاؤه (¬3) . ¬

_ (¬1) متنظفا متطيبا، قاطعا للرائحة الكريهة، من بدنه، وثوبه، قياسا على الجمعة ولأنه يوم الجمال، ويوم الزينة، أبدل الله المسلمين به، وعوضهم من العيد الذي كانوا يتزينون فيه، ويجتمعون كل سنة. (¬2) وللشافعي، كان عليه الصلاة والسلام يلبس بردا أحمر كل عيد، وعن جابر قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم حلة يلبسها في العيدين، ويوم الجمعة رواه ابن خزيمة في صحيحه، وعن ابن عمر أنه كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه، رواه البيهقي بإسناد جيد وفي الصحيحين في قصة الحلة وقول عمر: ابتعها فتجمل بها للعيد والوفد، وأقره صلى الله عليه وسلم على مشروعيته، وكالجمعة فإنه كان صلى الله عليه وسلم يلبس للخروج إليها أجمل ثيابه، بل العيد أولى، من وجوه عديدة والإمام أولى بذلك، لأنه منظور إليه، من بين سائر الناس، ويسن الغسل له، لأنه يوم يجتمع الناس فيه، فسن فيه، كالجمعة، وفيه حديثان ضعيفان، وآثار عن الصحابة جيدة، فقد ثبت عن ابن عمر، مع شدة اتباعه للسنة، أنه كان يغتسل للعيد قبل خروجه، وروي عن علي، وسلمة بن الأكوع وغيرهم، وحكى النووي وغيره الاتفاق على سنيته، للرجال والنساء والصبيان، لأنه يراد للزينة، وكلهم من أهلها، بخلاف الاستسقاء والكسوف، لعدم نقله، فتركه فيهما هو السنة. (¬3) كالخلوف نص عليه، وفاقا للشافعي، ولو كان الإمام، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «ما على أحدكم أن يكون له ثوبان، سوى ثوبي مهنته لجمعته وعيده، إلا المعتكف، فإنه يخرج في ثياب اعتكافه» ، كذا أوردوه وقد رواه أبو داود وغيره، بسند ضعيف، بدون الاستثناء، وعنه: ثياب جيدة كغيره، وصرح به القاضي وغيره، وقال الشيخ: يسن التزين للإمام الأعظم، وإن خرج من المعتكف اهـ، وإن كان المعتكف خرج من اعتكافه قبل ليلة العيد، استحب له المبيت ليلة العيد في المسجد، والخروج منه إلى المصلى لصلاة العيد.

(ومن شرطها) أي شرط صحة صلاة العيد (استيطان وعدد الجمعة) (¬1) فلا تقام إلا حيث تقام الجمعة (¬2) لأن النبي صلى الله عليه وسلم وافق العيد في حجته ولم يصل (¬3) لا إذن إمام فلا يشترط كالجمعة (¬4) . ¬

_ (¬1) أي التي يسقط بها فرض الكفاية، والله أعلم، لأن المنفرد تصح منه بعد صلاة الإمام، وبعد الوقت، وقال ابن نصر الله: المراد شرط وجوب صلاة العيد، لا شرط صحتها، وقال في الفروع: يشترط لوجوبها شروط الجمعة وفاقا اهـ، وقال المجد: ليست بدون استيطان وعدد سنة مؤكدة إجماعا. (¬2) لأنها صلاة لها خطبة راتبة، أشبهتها، ويفعلها المسافر، والعبد، والمرأة والمنفرد تبعا لأهل وجوبها، لكن إن فاتت قضيت تطوعا، جماعة أو فرادى، وعنه لا يشترط صححه جماعة لصحتها من المنفرد، بعد بلا نزاع، ولأن أنسا كان إذا لم يشهد العيد مع الإمام، جمع أهله ومواليه، فأمر عبد الله مولاه فصلى بهم ركعتين، وقال بعضهم: إن صلوا بعد خطبة الإمام، صلوا بغير خطبة لئلا يؤدي إلى تفريق الكلمة. (¬3) بلا نزاع وقال الشيخ: لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه في السفر، واعتبر ابن عقيل الاستيطان رواية واحدة. (¬4) قال الحافظ وغيره: وهو قول أكثر أهل العلم وحكي اتفاقا.

(ويسن) إذا غدا من طريق (أن يرجع من طريق آخر) (¬1) لما روى البخاري عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى العيد، خالف الطريق (¬2) وكذا الجمعة (¬3) قال في شرح المنتهى: ولا يمنتع ذلك في غير الجمعة (¬4) وقال في المبدع: الظاهر أن المخالفة فيه شرعت لمعنى خاص فلا يلتحق به غيره (¬5) . ¬

_ (¬1) أي غير الطريق الذي ذهب فيه إلى المصلى، إمامًا كان أو مأمومًا قال الحافظ وغيره: التعميم هو قول أثكر أهل العلم، وأما الإمام فقول عامتهم. (¬2) وروى الترمذي وغيره بلفظ، إذا خرج من الطريق رجع في غيره، ورواه مسلم من حديث أبي هريرة، ورواه الحاكم عنه مرفوعًا، ونحوه لأبي داود عن ابن عمر، وغير ذلك مما هو مستفيض، ولعل الحكمة في ذلك والله أعلم شهادة الطرق، أو سرورها بمروره، أو نيل بركته، أو ليظهر شعائر الإسلام في سائر الفجاج والطرق، أو ليغيظ المنافقين، برؤيتهم عزة الإسلام، وأهله، وقيام شعائره أو للتفاؤل بتغيير الحال إلى المغفرة والرضا، ونحو ذلك، أو الصدقة على فقرائها، قال ابن القيم: الأصح أنه لذلك كله، ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله عنها. (¬3) أي يستحب له مخالفة الطريق فيها كالعيد. (¬4) أي ليس يمتنع مخالفة الطريق في غير الجمعة، بل يستحب في غيرها، كما يستحب فيها. (¬5) ولا يناس غيره، والوارد إنما هو في العيد، فيجب الوقوف مع النص، إذا لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم فيما سوى العيد، وكما أن الفعل سنة فالترك سنة.

صلاة العيدين ركعتان

(ويصليها ركعتين قبل الخطبة) (¬1) لقول ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان يصلون العيدين قبل الخطبة، متفق عليه (¬2) فلو قدم الخطبة لم يعتد بها (¬3) . ¬

_ (¬1) أجمع المسلمون على أن صلاة العيدين ركعتان كغيرها، أركانًا وشروطًا ووجبات وسننًا ونقله الخلف عن السلف، وعلمه من ضروريات الدين، وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر، فصلى ركعتين، لم يصل قبلها ولا بعدها، وقال عمر: «صلاة الفطر والأضحى ركعتان ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى» ، ورواه أحمد وغيره، وقال الشارح وغيره: بلا أذان ولا إقامة، لا نعلم فيه خلافًا يعتد به، لما روى مسلم عن جابر، صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العيد، غير مرة ولا مرتين، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة، وفي رواية: أن لا أذان للصلاة يوم الفطر، حين يخرج الإمام، ولا بعدما يخرج ولا إقامة ولا نداء ولا شيء، ولهما عنه وابن عباس قالا: «لم يكن يؤذن يوم الفطر، ولا يوم الأضحى» قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، أنه لا يؤذن لصلاة العيدين ولا لشيء من النوافل. (¬2) وقد استفاضت السنة بذلك، وعليه عامة أهل العلم، وقال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، أن صلاة العيدين قبل الخطبة، وقال الحافظ: الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه تقديم الصلاة، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، وقد عده بعضهم إجماعًا، ولم يلتفت إلى خلاف بني أمية. (¬3) وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، وقال المجد، هو قول أكثر العلماء وحكمة التأخير هنا والله أعلم أن خطبة الجمعة شرط للصلاة، والشرط مقدم على المشروط بخلاف خطبة العيد، وأيضًا صلاة العيد فرض، وخطبتها سنة، والفرض أهم فلا يعتد بها قبل الصلاة وما نقل أن عثمان رضي الله عنه قدم الخطبة على الصلاة، أواخر خلافته، فقال الموفق وغيره: لا يصح.

(يكبر في الأولى بعد) تكبيرة (الإحرام والاستفتاح (¬1) وقبل التعوذ والقراءة ستًّا) زوائد (¬2) (وفي) الركعة (الثانية قبل القراءة خمسًا) (¬3) لما روى أحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة، سبعًا في الأولى، وخمسا في الآخرة إسناده حسن (¬4) . ¬

_ (¬1) تكبيرة الإحرام ركن، وفاقًا، لا تنعقد الصلاة بدونها، ثم يستفتح بعدها بما يستفتح به في الصلاة، لأن الاستفتاح لأول الصلاة. (¬2) أي على تكبيرة الإحرام، وفاقًا لمالك، ثم يتعوذ عقب التكبيرة السادسة لأن التعوذ للقراءة فيكون عندها، ولا يفصل بين التكبيرة والتعوذ بذكر، في كلا الركعتين، لأن الذكر إنما هو بين التكبيرتين كما يأتي، وليس بعد التكبيرة الأخيرة، سوى القراءة وكون التكبيرات الزوائد بعد الاستفتاح، وقبل التعوذ هو قول العلماء كافة إلا أبا حنيفة. (¬3) وفاقا لمالك، وعنه التكبيرات الزوائد سبع في الأولى، وخمس في الثانية وفاقا للشافعي، وحكاه الخطابي وغيره عن أكثر العلماء، من الصحابة والتابعين لحديث عمرو الآتي، وفيه سوى تكبيرة الصلاة، وعن جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله رواه أبو داود وغيره. (¬4) ورواه ابن ماجه، وصححه ابن المديني وغيره وفي رواية سبع في الأولى، وخمس في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما رواه أبو داود والدارقطني وصححه البخاري، وأحمد وقال: أنا أذهب إلى هذا، وللترمذي وحسنه عن كثير بن عبد الله، عن أبيه عن جده، في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا، وقال: هو أحسن شيء في هذا الباب، ولأبي داود عن عائشة نحوه، وقال البخاري: ليس في الباب شيء أصح من هذا، وبه أقول: وقال شيخ الإسلام: صح عنه هذا وهذا ولم يصح عنه غير ذلك، وقال ابن عبد البر: روي عنه صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة حسان، أنه كبر سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية، ولم يرو عنه من وجه قوي ولا ضعيف خلافه، وهو أولى ما عمل به، وقال جابر مضت به السنة.

قال أحمد: اختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في التكبير، وكله جائز (¬1) (يرفع يديه مع كل تكبيرة) (¬2) لقول وائل بن حجر: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع ¬

_ (¬1) والمذهب هو الأشهر، فعن ابن عباس سبع في الأولى، وخمس في الآخرة، ونحوه عن أبي هريرة وغيرهما، وعن عروة أن أبيًّا وزيدًا أمراه أن يكبر سبعًا وخمسًا، وهو مذهب الشافعي، وغيره من الأئمة، والفقهاء السبعة، وقال العراقي: هو قول أكثر أهل العلم، من الصحابة والتابعين والأئمة، وقال مالك، هو الأمر عندنا، وجاءت فيه الأحاديث المرفوعة، فهو سنة، قال الموفق: لا أعلم فيه خلافًا. (¬2) نص عليه، وهو مذهب جمهور العلماء، أبي حنيفة والشافعي، والأوزاعي وداود وابن المنذر وغيرهم، ورواية عن مالك، وروي عن عمر، وقياسًا على الصلاة قاله الشافعي وغيره، وروى الأثرم عن ابن عمر، أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة، في الجنازة وفي العيد، ولم يعرف له مخالف من الصحابة.

يديه مع التكبير، قال أحمد: فأرى أن يدخل فيه هذا كله (¬1) وعن عمر أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة، في الجنازة والعيد، وعن زيد كذلك رواهما الأثرم (¬2) . (ويقول) بين كل تكبيرتين (الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلاً (¬3) وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما كثيرا) (¬4) لقول عقبة بن عامر: سألت ابن مسعود عما يقوله بعد تكبيرات العيد، قال: يحمد الله، ويثني عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، رواه الأثرم وحرب واحتج به أحمد (¬5) . ¬

_ (¬1) أي يدخل الرفع مع التكبير كله، لهذا الخبر وغيره، ووائل بن حجر هو ابن ربيعة بن وائل بن يعمر الحضرمي، كان أبوه من أقيال اليمن، ووفد هو على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «هذا سيد الأقيال» ، نزل الكوفة وعقبة وكان بقية أولاد الملوك بحضرموت. (¬2) ولأنه في حال القيام، فهي بمنزلة تكبيرة الاستفتاح. (¬3) وهذا من أبلغ الثناء على الله، والتقديس بما هو أهله، تعالى وتقدس، وبكرة عبارة عن أول النهار، وأصيلاً الوقت من بعد العصر إلى الغروب، وجمعه أصل وآصال وأصائل وأصلان. (¬4) هذا المذهب وفاقًا، للشافعي وغيره، أنه يستحب ذكر الله بين كل تكبيرتين. (¬5) وفيه: ثم يدعو ويكبر، وذكره ابن المنذر وغيره، ورواه البيهقي بإسناد جيد عن ابن مسعود، قولاً وفعلاً، وقال حذيفة: صدق أبو عبد الرحمن، وقال شيخ الإسلام: يحمد الله، ويثني عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو بما شاء، روي نحو هذا العلماء عن عبد الله بن مسعود اهـ وجمهور العلماء يرون هذه التكبيرات متوالية متصلة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، وعقبة ابن عامر هو ابن عبس بن عمرو الجهني، الصحابي المشهور، شهد الفتوح، وأمَّره معاوية على مصر، وتوفي في خلافته.

(وإن أحب قال غير ذلك) لأن الغرض الذكر بعد التكبير (¬1) وإذا شك في عدد، التكبير بنى على اليقين (¬2) وإذا نسي التكبير حتى قرأ سقط، لأنه سنة فات محلها (¬3) وإن أدرك الإمام راكعًا أحرم ثم ركع، ولا يشتغل بقضاء التكبير (¬4) . ¬

_ (¬1) لا ذكر مخصوص، لعدم وروده، ولهذا نقل حرب أن الذكر غير موقت وقال شيخ الإسلام، بعد قوله يحمد الله إلخ وإن قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد اللهم اغفر لي وارحمني، كما جاء عن بعض السلف، كان حسنا، وكذا إن قال: الله أكبر كبيرًا، يعني ما تقدم، أو قال نحو ذلك، وليس في ذلك شيء موقت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه اهـ ولأنها تكبيرات حال القيام، فاستحب أن يتخللها ذكر، كتكبيرات الجنازة، وقال ابن القيم: كان يسكت بين كل تكبيرتين، سكتة يسيرة، ولم يحفظ عنه ذكر معين بين التكبيرات اهـ، ويضع يمينه على شماله بين كل تكبيرتين. (¬2) وهو الأقل، وتقدم أن البناء على غالب الظن، في غالب أمور الشرع. (¬3) وفاقًا، أشبه ما لو نسي الاستفتاح أو التعوذ، حتى شرع في القراءة وكذا إن نسي شيئًا منه، وكذا إن أدرك الإمام بعد التكبير الزائد، أو بعضه لم يأت به. (¬4) إجماعًا، كما أنه لا يشتغل بقراءة الفاتحة في الفريضة فهنا أولى.

وإن أدركه قائما بعد فراغه من التكبير لم يقضه (¬1) وكذا إن أدركه في أثنائه سقط ما فات (¬2) (ثم يقرأ جهرًا) (¬3) لقول ابن عمر: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة في العيدين والاستسقاء» رواه الدارقطني (¬4) . (في الأولى بعد الفاتحة بسبح (¬5) وبالغاشية في الثانية) (¬6) لقول سمرة: «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين بـ « (سبح اسم ربك الأعلى) » و (هل أتاك حديث الغاشية) » رواه أحمد (¬7) . ¬

_ (¬1) وفاقًا، لفوات محله. (¬2) وفاقًا لفوات محل ما فات منه. (¬3) فيهما إجماعًا، ونقله الخلف عن السلف، واستمر عمل المسلمين عليه، ويؤيده قولهم: كان يقرأ في الأولى بكذا، وفي الثانية بكذا، ولا ريب أنه يسن الجهر لذلك. (¬4) وسكت عليه شمس الحق، ويؤيده ما استفاض من غير وجه: كان يقرأ بـ (ق) وغيرها (¬5) لأن فيها حثًّا على الصدقة، والصلاة في قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى *} وغير ذلك. (¬6) يعني بعد الفاتحة، للموالاة بين سبح وبينها، كما بين الجمعة والمنافقين وذكر الموفق وغيره أنه لا نزاع بين أهل العلم، في مشروعية قراءة الفاتحة، وسورة في كل ركعة، من صلاة العيد، قال ابن عبد البر والجمهور، بسبح وهل أتاك حديث الغاشية لتواتر الروايات بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. (¬7) ولابن ماجه من حديث ابن عباس والنعمان مثله وروي عن عمر وأنس وغيرهما وهذا أشهر الروايات وعنه: الأولى بـ (ق) والثانية بـ (اقتربت) اختاره الآجري وغيره، لما في صحيح مسلم والسنن وغيرها، أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بـ (ق) و (اقتربت) لما اشتملتا عليه من الإخبار بابتداء الخلق والبعث والنشور، والمعاد، والقيام، والحساب، والجنة والنار، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب، والإخبار عن القرون الماضية، وإهلاك المكذبين، وتشبيه بروز الناس في العيد ببروزهم في البعث، وخروجهم من الأجداث، كأنهم جراد منتشر وغير ذلك من الحكم، وعنه لا توقيت، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، وقال شيخ الإسلام: مهما قرأ به جاز، كما تجوز القراءة في نحوها من الصلوات، لكن إن قرأ بـ (ق) و (اقتربت) أو نحو ذلك مما جاء في الأثر كان حسنًا، وكانت قراءته في المجامع الكبار بالسور المشتملة على التوحيد، والأمر والنهي، والمبدأ والمعاد، وقصص الأنبياء مع أممهم وما عامل الله به من كذبهم وكفر بهم وما حل بهم من الهلاك والشقاء، ومن آمن بهم وصدقهم، وما لهم من النجاة والعافية.

إذا سلم من الصلاة خطب خطبتين

(فإذا سلم) من الصلاة (خطب خطبتين كخطبتي الجمعة) في أحكامها حتى في الكلام (¬1) . ¬

_ (¬1) يعني حال الخطبة من أنه يحرم، كما يحرم في الجمعة، إلا للإمام أو من يكلمه نص عليه، وصححه في تصحيح الفروع وغيره، قال النووي: المعتمد فيه القياس على الجمعة، وقال الزركشي: السنة أن يخطب خطبتين، يجلس بينهما، لما روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين، يفصل بينهما بجلوس، رواه الشافعي، ولابن ماجه عن جابر، خطب قائما ثم قعد قعدة، ثم قام، وفي الصحيح وغيره: بدأ بالصلاة ثم قام متوكئًا على بلال فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، الحديث ولمسلم: ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم ويندب جلوسه إذا صعد المنبر، نص عليه، ليستريح ويتراد إليه نفسه، ويتأهب الناس للاستماع كما تقدم في خطبة الجمعة، وقيل: لا لأن يوم الجمعة للأذان، ولا أذان هنا.

إلا في التكبير مع الخاطب (¬1) (يستفتح الأولى بتسع تكبيرات) قائمًا نسقًا (¬2) (والثانية بسبع) تكبيرات كذلك (¬3) لما روي سعد، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: يكبر الإمام يوم العيد، قبل أن يخطب، تسع تكبيرات، وفي الثانية سبع تكبيرات (¬4) (يحثهم في) خطبة (الفطر على الصدقة) (¬5) . ¬

_ (¬1) فيكبر معه، صرح به الموفق، وغير واحد. (¬2) وفاقا، والقيام فيهما سنة، فلو خطب قاعدًا أو على راحلة فلا بأس، لأنهما نافلة، أشبهت صلاة التطوع، وروي عن عثمان وعلي والمغيرة أنهم خطبوا على رواحلهم، وقائمًا حال من يستفتح، ونسقًا، أي متتابعات من غير ذكر بينهن يقال: نسقت الدر نسقا، من باب قتل، نظمته ونسقت الكلام عطفت بعضه على بعض، وكلام نسق، على نظام واحد استعارة من الدر. (¬3) ويكون قائمًا حال تكبيره، كسائر أذكار الخطبة. (¬4) قال أحمد: قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، إنه من السنة، وذكره البغوي وغيره عنه، واختار شيخ الإسلام وغيره: يفتتحها بالحمد، لأنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه افتتح خطبة بغيره، وقال: «كل أمر ذي بال، لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم» ، وقال ابن القيم: كان صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير، وإنما روى ابن ماجه في سننه عن سعد، أنه كان يكثر التكبير أضعاف الخطبة، ويكثر التكبير في خطبتي العيدين، وصوبه شيخ الإسلام. (¬5) أي يحرضهم عليها، وينشطهم على فعلها.

لقوله عليه السلام «أغنوهم بها عن السؤال في هذا اليوم» (¬1) (ويبين لهم ما يخرجون) جنسًا وقدرًا، والوجوب والوقت (¬2) (ويرغبهم في) خطبة (الأضحى في الأضحية ويبين لهم حكمها) (¬3) لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في خطبة الأضحى كثيرًا من أحكامها، من رواية أبي سعيد والبراء وجابر وغيرهم (¬4) (والتكبيرات الزوائد) سنة (¬5) . ¬

_ (¬1) أي يوم عيد الفطر، وهو المقصود من شرعها، رواه الدارقطني، وغيره. (¬2) فـ جنس كبّر وتمر وقدرًا، صاع ويأتي ويبين لهم من تجب عليه، وهو كل مسلم فضل له عن قوته ما يجب عليه، ومن تدفع إليه، من الفقراء وغيرهم، ويبين لهم وقت الوجوب، والإخراج ونحو ذلك. (¬3) أي ما يجزئ في الأضحية، وما لا يجزئ، وما الأفضل، ووقت الذبح وما يخرجه من الأضحية ويبين لهم فضلها. (¬4) فحديث أبي سعيد في الصحيحين: يعظهم ويوصيهم ويأمرهم وكذا حديث البراء «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له» ، وذكر قصة شاة أبي بردة بن نيار، وحديث جابر: خطب الناس وفيه: ثم أتى النساء فوعظهن، وغير ذلك من الأحاديث وعن زيد بن أرقم: قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: «سنة أبيكم إبراهيم» قالوا: فما لنا فيها؟ قال: «بكل شعرة حسنة» ، قال الحاكم: صحيح الإسناد. (¬5) وفاقا: لا تبطل الصلاة بتركها عمدا ولا سهوا، قال الشارح: بغير خلاف علمناه.

(والذكر بينها) أي بين التكبيرات سنة (¬1) ولا يسن بعد التكبيرة الأخيرة في الركعتين (¬2) (والخطبتان سنة) (¬3) لما روى عطاء عن عبد الله بن السائب قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم العيد، فلما قضى الصلاة، قال: «إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب» رواه ابن ماجه، وإسناده ثقات (¬4) ولو وجبت لوجب حضورها واستماعها (¬5) والسنة لمن حضر العيد من النساء حضور الخطبة (¬6) . ¬

_ (¬1) وفاقا، لأنه ذكر مشروع بين التحريمة والقراءة، أشبه دعاء الاستفتاح فلا سجود لتركه. (¬2) لعدم وروده، ولأنه إنما يليها القراءة. (¬3) لا يجب حضورهما ولا استماعهما قال غير واحد: اتفق الموجبون لصلاة العيد وغيرهم على عدم وجوب خطبته، ولا نعلم قائلا بوجوبها، قال الموفق: إنما أخرت الخطبة عن الصلاة والله أعلم، لأنها لما لم تكن واجبة جعلت في وقت يتمكن من أراد تركها من تركها. (¬4) ورواه أبو داود والنسائي، وقالا: مرسل، وقال ابن معين: غلط، الفضل ابن موسى في إسناده، وإنما هو عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. (¬5) كخطبة الجمعة، فإنها واجبة إجماعًا وأما خطبة العيد فغير واجبة إجماعًا، وقال ابن مفلح: عدم الوجوب محمول على كمال الإنصات، وإلا فتركه بالكلية، والتشاغل باللغو غير جائز وفاقًا. (¬6) لعموم «ليشهدن الخير ودعوة المسلمين» وأن نخرج فيهما الحيض والعتق.

وأن يفردن بموعظة، إذا لم يسمعن خطبة الرجال (¬1) (ويكره التنفل) وقضاء فائتة (قبل الصلاة) أي صلاة العيد (وبعدها في موضعها) قبل مفارقته (¬2) لقول ابن عباس: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم عيد، فصلى ركعتين، لم يصل قبلهما ولا بعدهما، متفق عليه (¬3) (ويسن لمن فاتته) صلاة العيد (¬4) . ¬

_ (¬1) لأنه عليه الصلاة والسلام حيث رأى أنه لم يسمع النساء، أتاهن فوعظهن وحثهن على الصدقة، فدل على استحبابه في حقهن، لفعله المتفق عليه، من حديث جابر وغيره، وفيه: فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن وفي الصحيح فلما فرغ نزل، فأتى النساء، الحديث وكان عمر يخرج من استطاع من أهله في العيدين ويفردن بضم أوله وفتح ثالثه. (¬2) أي موضع الصلاة، لئلا يتوهم أن لها راتبة قبلها أو بعدها، نص عليه، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، واتباعًا للسنة، وجماعة الصحابة، إمامًا كان أو مأمومًا في صحراء أو في مسجد. (¬3) وقال أحمد: أهل المدينة لا يتطوعون قبلها ولا بعدها وقال الزهري: لم أسمع أحدًا من علمائنا يذكر أن أحَدا من سلف هذه الأمة كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها، ولئلا يقتدى بالمتنفل قبلها أو بعدها، أو قاضي الفائتة، وكان ابن مسعود وحذيفة ينهيان الناس عن الصلاة قبلها، فإن خرج فصلى في منزله، أو عاد للمصلى فصلى فيه فلا بأس، لما روى أحمد وغيره أنه صلى الله عليه وسلم إذا رجع إلى منزله صلى ركعتين. (¬4) قضاؤها على صفتها، بأن يصليها ركعتين بتكبيراتها الزوائد استحبابا لأن القضاء يحكي الأداء، لكن لا يخطب، وإنما صح قضاؤها وحده، لأن الأولى يسقط بها الفرض، فسومح فيها ما لا يتسامح في الجمعة من استحباب كونها على صفة الأولى.

(أو) فاته (بعضها (¬1) قضاؤها) في يومها، قبل الزوال، أو بعده (على صفتها) لفعل أنس (¬2) وكسائر الصلوات (¬3) (ويسن التكبير المطلق) أي الذي لم يقيد بأدبار الصلوات (¬4) وإظهاره وجهر غير أنثى به (¬5) . ¬

_ (¬1) أي بعض صلاة العيد، سن له قضاؤه على صفته بلا نزاع، قاله الزركشي وغيره، لعموم «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» فإذا فاتته ركعة مع الإمام أضاف إليها أخرى، وكبر خمسًا، على أن ما أدرك أول صلاته وتقدم وإن أدرك أقل، أتمها على صفتها، بتكبيراتها الزوائد، وإن أدركه بعد التكبير الزائد، أو بعضه أو ذكره قبل الركوع لم يأت به، وإن أدركه في الخطبة جلس فسمعها ثم صلاها متى شاء. (¬2) وهو أنه رضي الله عنه إذا لم يشهدها مع الإمام في البصرة، جمع أهله ومواليه، ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه، فصلى بهم ركعتين، يكبر فيهما ولحديث «من فاتته صلاة العيد فليصل أخرى» رواه الأثرم. (¬3) أي وكما تقضي سائر الصلوات ولو كان منفردا لأنها صارت تطوعا لا اجتماع فيها. (¬4) أي المكتوبات ويأتي، والتقييد التعيين، خلاف الإطلاق. (¬5) أي ويسن إظهار التكبير المطلق، في حق كل من كان من أهل الصلاة، من مميز وبالغ، حر أو عبد، مسافر أو مقيم، ذكر أو أنثى من أهل القرى والأمصار، حكاه النووي وغيره إجماعا، ويسن جهر الكل به، غير أنثى فتخفيه لعموم قوله: {وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحيض «وليكبرن مع الناس» .

يتأكد التكبير المطلق في ليلتي العيدين، وفي الخروج إليهما

(في ليلتي العيدين) (¬1) في البيوت والأسواق، والمساجد وغيرها (¬2) ويجهر به في الخروج إلى المصلى، إلى فراغ الإمام من خطبته (¬3) (و) التكبير (في) عيد (فطر آكد) لقوله تعالى {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ} (¬4) . ¬

_ (¬1) قال شيخ الإسلام: مشروع في عيد الأضحى بالاتفاق، وكذلك هو مشروع في عيد الفطر، عند مالك والشافعي وأحمد، وذكره الطحاوي مذهبَا لأبي حنيفة، وقال داود هو واجب في عيد الفطر لظاهر الآية. (¬2) في كل موضع يجوز فيه ذكر الله، قال أحمد: كان ابن عمر يكبر في العيدين جميعا، ويتأكد في ليلتي العيدين، وفي الخروج إليهما لاتفاق الآثار عليه. (¬3) لما أخرجه الدارقطني وغيره، عن ابن عمر، أنه كان إذا غدا يوم الفطر، ويوم الأضحى يجهر بالتكبير، حتى يأتي المصلى، ثم يكبر حتى يأتي الإمام وقال ابن أبي موسى: يكبر الناس في خروجهم من منازلهم لصلاتي العيدين جهرًا حتى يأتي الإمام المصلى، فيكبر الناس بتكبير الإمام في خطبته، وينصتون فيما سوى ذلك، وعليه عمل الناس، وفي الصحيح: كنا نؤمر بإخراج الحيض، فيكبرن بتكبيرهم ولمسلم: يكبرن مع الناس، وهو مستحب عند العلماء كافة لما فيه من إظهار شعائر الإسلام، وتذكير الغير، وقال شيخ الإسلام: ويشرع لكل أحد أن يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد، وهذا باتفاق الأئمة اهـ ثم إذا فرغت الخطبة يقطع التكبير المطلق، لانتهاء وقته. (¬4) أي (تكملوا) عدة رمضان (ولتكبروا الله) عند كماله على ما هداكم# قال الشيخ: والتكبير فيه أوكد، من حيث أن الله أمر به، وهو في النحر أوكد واختاره ونصره بأدلة منها أن يشرع أدبار الصلوات، وأنه متفق عليه، وأنه يجتمع فيه المكان والزمان، وأن عيد النحر أفضل من عيد الفطر، ولا يكبر فيه أدبار الصلوات، وغير ذلك وما جاء من أن الله أمر به، لا يقتضي أوكديته على عيد النحر.

(و) يسن التكبير المطلق أيضا (في كل عشر ذي الحجة) (¬1) ولو لم ير بهيمة الأنعام (¬2) (و) يسن التكبير (المقيد عقب كل فريضة في جماعة) في الأضحى (¬3) لأن ابن عمر كان لا يكبر إذا صلى وحده (¬4) . ¬

_ (¬1) من ابتداء العشر، إلى فراغ الخطبة، قال البخاري: وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر، يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما والعشر هي الأيام المعلومات، والأيام المعدودات أيام التشريق، وهي ثلاث بعد يوم النحر وتأتي، ويستحب الاجتهاد في عمل الخير أيام العشر، من الذكر والصيام والصدقة وسائر أعمال البر، للأخبار. (¬2) وقال الموفق والشارح: ويستحب إذا رآها. (¬3) خاصة، لا في الفطر، قال الزركشي، بالإجماع الثابت بنقل الخلف عن السلف، ومفهومه لا يكبر عقب النوافل، وهو المذهب وفاقا، ومسافر ومميز كمقيم وبالغ في التكبير، عقب المكتوبة جماعة، للعمومات ويكره الفصل بينه وبين الفريضة، صرح به ابن نصر الله. (¬4) قيل لأحمد: تذهب إلى فعل ابن عمر، أنه لا يكبر إذا صلى وحده؟ قال: نعم، وقال: هو أعلى شيء في الباب، وقال الشارح: ولنا أن قول ابن مسعود، وفعل ابن عمر، ولا مخالف لهما.

وقال ابن مسعود: إنما التكبير على من صلى في جماعة رواه ابن المنذر (¬1) فيلتفت الإمام إلى المأمومين، ثم يكبر، لفعله عليه السلام (¬2) «من صلاة الفجر يوم عرفة» (¬3) روي عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم (¬4) . ¬

_ (¬1) ورواه غيره من أهل الحديث وقال الموفق: ولنا أنه قول ابن مسعود: وفعل ابن عمر: ولا مخالف لهما في الصحابة فكان إجماعًا ولأنه ذكر مختص بوقت العيد، فأشبه الخطبة، وعنه: يكبر نظرا لإطلاق الآية والأحاديث وهو مذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء. (¬2) رواه الدارقطني وابن أبي شيبة، وغيرهما، من حديث جابر، أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح من غداة عرفة، يقول: «الله أكبر» ، إلخ من حديث علي وعمار، من صلاة الغداة ويقطعها صلاة العصر، آخر أيام التشريق. (¬3) إلى عصر آخر أيام التشريق، إن كان محلا، قال جمع، وعليه عمل الناس في الأمصار، وسنة ماضية، نقلها أهل العلم، وأجمعوا عليها، واستمر عملهم عليها، وعرفات المشعر المعروف، اسم بلفظ الجمع فلا يجمع. (¬4) رواها ابن أبي شيبة وغيره، والحاكم عن علي وعمار مرفوعًا، والدارقطني عن جابر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر في صلاة الفجر يوم عرفة، إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، حين يسلم من المكتوبات، وفي لفظ: كان إذا صلى الصبح من غداة عرفة أقبل على أصحابه فيقول: «مكانكم» ويقول: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد» ، فإن قيل: مداره على جابر بن زيد الجعفي وهو ضعيف قيل: روى عنه شعبة والثوري ووثقاه، وناهيك بهما، وقال أحمد: لم يتكلم في جابر في حديثه، إنما تكلم فيه لرأيه على أنه ليس في المسألة حديث مرفوع أقوى إسنادا منه ليترك من أجله وقيل له بأي حديث تذهب في ذلك؟ قال: بالإجماع عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود، ولأن الله تعالى يقول: {وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} وهي أيام التشريق، فيتعين الذكر في جميعها. وقال النووي: هو الراجح، وعليه العمل في الأمصار، وقال شيخ الإسلام: أصح الأقوال في التكبير، الذي عليه جمهور السلف والفقهاء، من الصحابة والأئمة، أن يكبر من فجر يوم عرفة، إلى آخر أيام التشريق، عقب كل صلاة، لما في السنن «يوم عرفة ويوم النحر، وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب، وذكر لله» ، ولما رواه الدارقطني عن جابر، ولأنه إجماع من أكابر الصحابة وقال ابن كثير وغيره: هو أشهر الأقوال الذي عليه العمل.

(وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق) (¬1) لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية (¬2) . ¬

_ (¬1) سواء كان محرما أو محلا، وكون المحرم يكبر من صلاة الظهر يوم النحر، لأن التلبية تقطع برمي جمرة العقبة، ووقته المسنون ضحى يوم العيد، فكان المحرم فيه كالمحل فلو رمى جمرة العقبة قبل الفجر فكذلك حملا على الغالب، يؤيده أنه لو أخر الرمي حتى صلى الظهر، اجتمع في حقه التكبير والتلبية، فيبدأ بالتكبير لأن مثله مشروع في الصلاة، فهو بها أشبه، ويؤخذ منه تقديمه على الاستغفار والتهليل والتسبيح، وهو الذي عليه عمل الناس، وتكبير المحل، عقب ثلاث وعشرين فريضة، والمحرم عقب سبع عشرة، وأيام التشريق حادي عشر، وثاني عشر، وثالث عشر ذي الحجة سميت بذلك من تشريق اللحم، أي تقديده، أو من قولهم: أشرق ثبير، أو لأن الهدي لا يذبح حتى تشرق الشمس، والمغيا لا يدخل في الغاية إلا في ثلاث، المرفقين والكعبين في الغسل، وعصر آخر أيام التشريق في التكبير المقيد. (¬2) وأول صلاة بعد قطع التلبية الظهر، ولو رمى قبل الفجر كبر عقبه.

والجهر به مسنون إلا للمرأة (¬1) وتأتي به كالذكر عقب الصلاة، قدمه في المبدع (¬2) وإذا فاتته صلاة من عامة فقضاها فيها (¬3) جماعة كبر لبقاء وقت التكبير (¬4) (وإن نسيه) أي التكبير (قضاه) مكانه (¬5) فإن قام أو ذهب عاد فجلس (¬6) (ما لم يحدث، أو يخرج من المسجد) أو يطل الفصل لأنه سنة فات محلها (¬7) . ¬

_ (¬1) فتخفيه لئلا يسمعها الرجال. (¬2) يعني إذا صلت في جماعة مع رجال، ولا تجهر به مطلقا قال البخاري: كان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق، مع الرجال في المسجد. (¬3) أي في هذه الأيام التي يسن فيها التكبير. (¬4) يعني إذا قضى فريضة، في أيام التكبير المقيد، من صلاة عامة الذي هو إذ ذاك فيه، فإنه يسن التكبير إذا صلاها جماعة، لأنها فريضة، فعلت في تلك الأيام، وصوب في تصحيح الفروع أنه تبع للصلاة في حكم المقضي، أي فليكبر. (¬5) ولو بعد كلامه، ما لم يطل الفصل عرفًا. (¬6) أي فإن قام من مكانه الذي صلى فيه، أو ذهب عنه، ناسيًا أو عامدًا عاد إليه، فجلس ثم كبر، لأن فعله جالسًا في مصلاه سنة، فلا تترك مع إمكانها وإن قضاه ماشيًا فلا بأس. (¬7) أما الحدث فإنه مبطل للصلاة، والذكر تابع لها، وقال الموفق وغيره: الأولى أن يكبر، لأنه ذكر منفرد، فلا تشترط له الطهارة اهـ وأما الخروج من المسجد فلأن المسجد مختص بالصلاة، وقال الشافعي: يكبر، واختاره الموفق والشيخ، ولأنه ذكر بعد الصلاة فاستحب وإن خرج كالدعاء وأما طول الفصل فيفوت به محله، أشبه سجود السهو فلا يقضيه إذا.

ويكبر المأموم إذا نسيه الإمام (¬1) والمسبوق إذا قضى، كالذكر والدعاء (¬2) (ولا يسن) التكبير (عقب صلاة عيد) لأن الأثر إنما جاء في المكتوبات (¬3) ولا عقب نافلة، ولا فريضة صلاها منفردا لما تقدم (¬4) (وصفته) أي التكبير (شفعًا (¬5) الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد) (¬6) لأنه عليه السلام كان يقول كذلك رواه الدراقطني (¬7) . ¬

_ (¬1) ليحوز الفضيلة كالتأمين. (¬2) أي يأتي بالتكبير كما يأتي بالذكر والدعاء لأنه ذكر مسنون بعد الصلاة فاستوى فيه المسبوق وغيره كالذكر قال الشارح وغيره: هو قول أكثر أهل العلم. (¬3) قاله أبو الخطاب، والوجه الثاني: يكبر قال القاضي: هو ظاهر كلام أحمد، واختاره أبو بكر والموفق والشارح، لأنها صلاة مفروضة في جماعة وأخص بالعيد فكانت أحق بتكبيره. (¬4) يعني من قول ابن مسعود، وكذا من فعل ابن عمر، وأقوال الأئمة في النافلة، وأعاده لما استثنى الماتن صلاة العيد، رفعا للإيهام. (¬5) أي لا وترا، بل يقرن التكبيرة بأخرى، و (شفع العدد) يشفعه صيره شفعًا، أي أضاف إلى الواحد ثانيًا. (¬6) لما تقدم، وقال الشيخ: صفة التكبير المنقول عن أكثر الصحابة، وقد روي مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الله أكبر الله أكبر إلخ وتقدم. (¬7) عن جابر: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح، من غداة عرفة، أقبل على أصحابه فيقول «مكانكم» فيقول: «الله أكبر» وتقدم.

تهنئة الناس بعضهم بعضا

قاله علي، وحكاه ابن المنذر عن عمر (¬1) ولا بأس بقوله لغيره: تقبل الله منا ومنك، كالجواب (¬2) . ¬

_ (¬1) ورواه بسند جيد عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما، أنهما يكبران من فجر عرفة وإلى عصر آخر أيام التشريق، وأخرجه ابن أبي شيبة وغيره، عن ابن مسعود موقوفا، بسند جيد، وروي عن إبراهيم قال: كانوا يكبروا يوم عرفة، وأحدهم مستقبل القبلة، في دبر الصلاة، الله أكبر الله أكبر إلخ. (¬2) أي لا بأس بتهنئة الناس بعضهم بعضا، بما هومستفيض بينهم، ويحتج لعموم التهنئة لمايحدث الله من نعمة، ويدفع من نقمة، بمشروعية سجود الشكر، والتعزية، وتبشير النبي صلى الله عليه وسلم بقدوم رمضان وتهنئة طلحة لكعب، بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره له، والقياس تهنئة المسلمين بعضهم بعضًا بمواسم الخيرات، وأوقات وظائف الطاعات. وقال شيخ الإسلام: وقد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره، وذكر الحافظ وغيره مشروعيته، وفيها آثار يحتج بها في مثل ذلك، والمقصود منها التودد وإظهار السرور، وهو في العيدين شعار الدين، وليس كسائر الأيام. وفي النصيحة هو قول الصحابة، وقول العلماء، ومنه أن يقول لغيره بعد الفراغ من الخطبة، تقبل الله منا ومنك، وأحاله الله علينا وعليك، ونحو ذلك وكالجواب لمن قال له ذلك أن يقول له: تقبل الله منا ومنك، أو حاله الله علينا وعليك، وغير ذلك، مما جرت العادة به، ومنه المصافحة إن اتحد الجنس، لا أمرد، وقال أحمد: لا أبتدئ به، فإن ابتدأني أحد أجبته، وذلك لأن جواب التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة فليس سنة مأمورًا بها، ولا هو أيضا مما نهي عنه.

ولا بالتعريف عشية عرفة بالأمصار، لأنه دعاء وذكر، وأول من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث (¬1) . ¬

_ (¬1) قاله أحمد رحمه الله، لكن قيل له، تفعله أنت؟ قال: أما أنا فلا، والتعريف هو اجتماع الناس في المساجد عشية عرفة، للدعاء والذكر، حتى تغرب الشمس، كما يفعله أهل عرفة، والتحقيق أن الوقوف بعرفة عبادة مختصة، بمكان مخصوص، فلا يشبه هذا التعريف به، كسائر المناسك، بل مفسدة اعتقادية تتوقع بل نفس الوقوف، وكشف الرءوس يستلزم التشبه، وقال قتادة عن الحسن: أول من صنع ذلك ابن عباس، وسئل عنه اهحكم وحماد وإبراهيم فقالوا: محدث، وأجمع أهل العلم أن الأصل في العبادات التشريع، وقال شيخ الإسلام: بدعة، لم يره أبو حنيفة ومالك وغيرهما بغير عرفة، ولا نزاع بين العلماء أنه منكر، وفاعله ضال، ويستحب الاجتهاد في عمل الخير أيام عشر ذي الحجة، من الذكر والدعاء والصيام والصدقة، وسائر أعمال البر، لأنها أفضل الأيام لحديث «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من عشر ذي الحجة» ، ويأتي لأحمد «فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير حضرا وسفراً» .

باب صلاة الكسوف

باب صلاة الكسوف (¬1) . يقال: كسفت بفتح الكاف وضمها، ومثله، خسفت (¬2) . ¬

_ (¬1) أي صفتها وأحكامها وما يتبع ذلك، وهي سنة مؤكدة بالكتاب والسنة، واتفاق المسلمين، أما الكتاب فاستنبطها بعضهم من قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ} وأما السنة فقد تواترت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكى الاتفاق على مشروعيتها جمع والكسوف آية من آيات الله، يخوف الله به عباده، ويعتبرهم فينظر من يحدث منهم توبة قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا} ولما كسفت الشمس، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد مسرعًا فزعا، يجر رداءه فصلى بالناس، وأخبرهم أن الكسوف آية من آيات الله، يخوف الله به عباده، وأنه قد يكون سبب نزول عذاب بالناس، وأمر بما يزيله، فأمر بالصلاة عند حصوله، والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق، وغير ذلك مما يدفعه من الأعمال الصالحة حتى يكشف ما بالناس، وفيه الاستعداد بالمراقبة لله، والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال، وحدوث ما يخاف بسببه. (¬2) بفتح الخاء وضمها، وهما بمعنى يقال: كسفت الشمس وخسفت وبالعكس، ويقال انكسفا وخسفا وخسفا وانخسفا، وكلاهما جاءت به الأخبار وقال ثعلب: أجود الكلام: خسف القمر، وكسفت الشمس، وهو الأشهر في ألسنة الفقهاء، والكسوف مصدر لازم يقال: كسفت الشمس كسوفًا، والكسف مصدر المتعدي: كسفها الله كسفًا، ومعنى الكسف التغير إلى سواد، والخسوف ذهاب النور أو النقصان وكسفت الشمس كأنها أسودت في المرأى، وذهب شعاعها وإنما حال القمر دونها، وخسف القمر، وقع في ظل الأرض.

وهو ذهاب ضوء الشمس أو القمر أو بعضه (¬1) وفعلها ثابت بالسنة المشهورة (¬2) واستنبطها بعضهم من قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} (¬3) . ¬

_ (¬1) أي والكسوف ذهاب ضوء الشمس كله أو ضوء القمر كله أو بعض ضوء الشمس أو القمر، والمراد استتاره لا فقده لقوله «ينجلي» ونحوه القمر. (¬2) المستفيضة من أمره وفعله صلى الله عليه وسلم ففي الصحيحين والسنن والمسانيد وغيرها، من وجوه كثيرة: منها ما أخرجاه من حديث أبي مسعود الأنصاري قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافرغوا إلى ذكر الله، وإلى الصلاة» وفيهما أيضًا من حديث المغيرة، نحوه، وفي آخره «فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي» وفيهما من حديث جابر نحوه وفي آخره «فصلوا حتى ينجلي» ، وفي رواية عن ابن مسعود، «فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم» ، ومن حديث عائشة «حتى يكشف ما بكم» ، ويأتي، وفي البخاري عن أبي موسى قال: «هذه الآيات التي يرسل الله، لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يخوف بها عباده، فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره» وغير ذلك مما استفاض عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى بالمسلمين صلاة الكسوف، يوم مات ابنه إبراهيم. (¬3) أي اسجدوا لله عند كسوفهم والمراد على هذا التقدير الصلاة، عند طائفة من أهل العلم، فإنه حيث كان شرك المشركين منه بالشمس والقمر، وهو جعل حق رب العالمين لبعض الخلق، فالاستنباط بأن الله أمر بالسجود بعد ذكر أنها من آياته، ووقته عند تغيرهما، فاستنبطوا السجود من عمومها، ودل على أنه يسجد عند آياته، ويرشحه ما ورد في السنة، وقال زكريا الأنصاري: احتج بقوله {وَاسْجُدُوا للهِ} أي عند كسوفها، لأنه أرجح من احتمال أن المراد النهي عن عبادتهما، لأنهم كانوا يعبدون غيرهما، فلا معنى لتخصيصهما بالنهي، والمراد على تقديم تمام هذا الاحتجاج بالسجود الصلاة اهـ والحكمة في ذلك والله أعلم، لما يحصل عند ذلك من الخشوع، والمراقبة في تلك الحال المدهشة بحيث أن آيتين من أعظم آيات الله، لا صنع لهما، بل هما كسائر المخلوقات، يطرأ عليهما النقص والتغيير كغيرهما، ولأحمد «آيتان من آيات الله، يعتبر بهما عباده، فينظر من يحدث منهم توبة» .

(تسن) صلاة الكسوف (جماعة) (¬1) وفي جامع أفضل (¬2) لقول عائشة: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد: فقام وكبر، وصف الناس وراءه، متفق عليه (¬3) . ¬

_ (¬1) وهو أفضل وفاقا، وقيل بوجوبها، وتقدم تأكد سنيتها وحكاه الوزير والنووي وغيرهما إجماعا، ومذهب مالك وأبي حنيفة يصلى لخسوف القمر فرادى، وثبتت الأحاديث بالتسوية، وجماعة بالنصب على التمييز، محول عن نائب الفاعل، ويصح جعله حالا، ويصح الرفع أي فيها. (¬2) وفاقا، وتشرع في حق النساء، لأن عائشة وأسماء صلتا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري، ويسن أن ينادى لها «الصلاة جامعة» لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مناديا ينادي الصلاة جامعة متفق عليه، واتفقوا على أنه لا يؤذن لها، ولا يقام. (¬3) ولأحمد فافزعوا إلى المساجد، فإن لم يخرج الإمام لها صلوها جماعة، فإن لم يجدوا إمامًا يصلي بهم صلوها فرادى، وهذا مذهب مالك والشافعي.

كيفية صلاة الكسوف

(وفرادى) كسائر النوافل (¬1) (إذا كسف أحد النيرين) الشمس والقمر (¬2) ووقتها من ابتدائه إلى التجلي ولا تقضى كاستسقاء وتحية مسجد (¬3) فيصلي (ركعتين) (¬4) . ¬

_ (¬1) فلم يشترط لها الجماعة لا حضرًا ولا سفرًا، فلا يشترط لها الإيطان، ولا يشترط لها أيضا إذن الإمام وفاقا، لأنها نافلة، وكالجمعة وأولى، ويسن ذكر الله والدعاء والاستغفار والتكبير، والصدقة والعتق، والتقرب إلى الله ما استطاع العبد من القرب، لقوله: «فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبروا وصلوا وتصدقوا» الحديث متفق عليه، ولهما أنه أمر بالعتاقة، فيه. (¬2) لقوله عليه الصلاة والسلام فإذا رأيتم ذلك «فصلوا» ، متفق عليه، ولما تواتر من فعله صلى الله عليه وسلم وعبارة المقنع وغيره، إذا كسف الشمس أو القمر فزع الناس إلى الصلاة، وهو أولى حظا على المبادرة لقوله صلى الله عليه وسلم «فافزعوا إلى الصلاة» ، وفي لفظ إلى المساجد وخرج يجر رداءه مسرعًا إليها صلوات الله وسلامه عليه. (¬3) أي وقت صلاة الكسوف من ابتداء كسوف الشمس أو القمر، إلى تجليه لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا رأيتم شيئا من ذلك فصلوا، حتى ينجلي» رواه مسلم. أي لا تقضي صلاة الكسوف بعد التجلي، كما لا تقضي صلاة الاستسقاء وتحية مسجد لفوات محلها، لقوله: إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة، فجعله غاية لها، فإن تجلى قبل أن يعلموا به لم يصل له وفاقا، ولأن المقصود منها زوال العارض، وعود النعمة بنورهما وقد حصل. (¬4) بأربع ركعات، وأربع سجدات، كما ثبت من غير وجه، عن عائشة وجابر وابن عباس وعمرو بن العاص وغيرهم، وقال الشافعي وأحمد والبخاري وابن عبد البر والشيخ وغيرهم: هذا أصح ما في الباب، وهو مذهب جمهور العلماء وباقي الروايات ضعيفة.

ويسن الغسل لها (¬1) (يقرأ في الأولى جهرًا) ولو في كسوف الشمس (¬2) (بعد الفاتحة سورة طويلة) من غير تعيين (¬3) (ثم يركع) ركوعًا (طويلاً) من غير تقدير (¬4) (ثم يرفع) رأسه (ويسمع) أي يقول سمع الله لمن حمده، في رفعه (ويحمد) أي. ¬

_ (¬1) الصواب أنه لا ينبغي لتأكد سنية المبادرة إلى فعلها من حين العلم به، قال ابن القيم وغيره: الصحيح أنه لا يسن الغسل لها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يغتسلوا لها، بل بادروا إلى فعلها. (¬2) لحديث عائشة المتفق عليه، أنه صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الخسوف، وللترمذي وصححه أنه صلى صلاة الكسوف، فجهر بالقراءة فيها، قال أحمد وابن عبد البر: هذا أصح ما في الباب، وباقي الروايات معللة ضعيفة، وقال شيخ الإسلام: ثبت في الصحيح الجهر بالقراءة فيها، لكن روى في القراءة المخافتة، والجهر أصح اهـ والكسوف الذي صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين فيه، إنما وقع أول النهار بلا نزاع. (¬3) قاله في المبدع وغيره، واقتصر عليه في المقنع والمنتهى وغيرهما، وذكر جماعة يقرأ بالبقرة أو قدرها، وفي الصحيحين عن ابن عباس: قام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة، وحزرت عائشة أنه قرأ بها، وفي الثانية بآل عمران، وهذا مذهب مالك والشافعي، ومهما قرأ به من السور جاز، لعدم تعيين القراءة. (¬4) جزم به جماعة، وفي الشرح وغيره: نحو مائة آية، وهو مذهب الشافعي، وقيل: بقدر معظم القراءة والأولى أن يكون نسبيا كالفريضة.

يقول: ربنا ولك الحمد، بعد اعتداله كغيرها (¬1) (ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى (¬2) ثم يركع فيطيل) الركوع (وهو دون الأول (¬3) ثم يرفع) فيسمع ويحمد كما تقدم، ولا يطيل (¬4) (ثم يسجد سجدتين طويلتين) (¬5) ولا يطيل الجلوس بين السجدتين (¬6) (ثم يصلي) الركعة (الثانية كـ) الركعة (الأولى (¬7)) . ¬

_ (¬1) يعني من الصلوات، وتقدم ما يقوله فيها. (¬2) يعني دون القراءة في الأولى كمعظمها، وفي الشرح: آل عمران أو قدرها ومذهب مالك والشافعي، أنها لا تصح الصلاة إلا بقراءة الفاتحة في القيام الثاني. (¬3) نسبته إلى القراءة كنسبة ركوع الأولى من قراءة الأولى، قاله في المبدع وغيره، وفي الشرح نحوا من سبعين آية. (¬4) يعني اعتداله وفاقا، وحكاه القاضي إجماع العلماء، لعدم ذكره في الرويات الصحيحة، ولا يقرأ بل يقول: ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا إلى آخره، كما ثبت ذلك في الصحيحين من فعله صلى الله عليه وسلم. (¬5) بالنسبة إلى القيام، قالت عائشة: ما ركعت ركوعا قط، ولا سجدت سجودا قط كان أطول منه، وهو ثابت من رواية جماعة، ولا يزيد عليهما إجماعًا، لأنه لم يرد في شيء من الأخبار. (¬6) إجماعًا لعدم وروده. (¬7) بركوعين طويلين، وسجودين طويلين، مثل ما فعل في الركعة الأولى إجماعًا للأخبار.

لكن دونها في كل ما يفعل فيها (¬1) (ثم يتشهد ويسلم) لفعله عليه الصلاة والسلام (¬2) كما روي عنه ذلك من طرق، بعضها في الصحيحين (¬3) ولا يشرع لها خطبة، لأنه عليه الصلاة والسلام أمر بها دون الخطبة (¬4) . ¬

_ (¬1) وفاقًا، قال القاضي وغيره: القراءة في كل قيام أقصر مما قبله، وكذا التسبيح، وحكاه النووي وغيره اتفاق أهل العلم، والجمهور على إطالة الركوع والسجود نحو الذي قبله، للأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك. (¬2) الذي استفاض عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى بالمسلمين صلاة الكسوف يوم مات ابنه إبراهيم، والأحاديث الصحيحة في ذلك كلها متفقة لا تختلف. (¬3) وكذا في المسانيد والسنن وغيرها، فمنها ما روت عائشة رضي الله عنها أن الشمس خسفت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام وكبر، وصف الناس وراءه، فاقترأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعًا طويلاً، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر فركع ركوعًا طويلاً، هو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم سجد ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات، وأربع سجدات وانجلت الشمس قبل أن ينصرف متفق عليه، ومنها ما رواه جابر وابن عمر وابن عباس وغيرهم من غير وجه، وفي بعض ألفاظ حديث جابر، حتى جعلوا يخرون. (¬4) وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وإنما خطب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، وعنه: يخطب وفاقا للشافعي وجمهور السلف لما في الصحيح عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك، فادعوا الله وكبروا، وصلوا وتصدقوا» إلخ فيسن أن يخطب، ويحذرهم الغفلة، والإغترار، ويأمرهم بالإكثار من الدعاء والاستغفار كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ولا تعاد إن فرغت قبل التجلي (¬1) بل يدعو ويذكر كما لو كان وقت نهي (¬2) (فإن تجلى الكسوف فيها) أي الصلاة (أتمها خفيفة) (¬3) لقوله عليه السلام «فصلوا وادعوا، حتى ينكشف ما بكم» متفق عليه من حديث ابن مسعود (¬4) . ¬

_ (¬1) وفاقًا لأنه سبب واحد، فلا يتعدد مسببه، ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يزد على ركعتين. (¬2) يعني من أنه يدعو ويذكر ولا يصلي، فكذلك إن فرغت الصلاة قبل التجلي، يدعو ويذكر للأمر بالدعاء والذكر، قال شيخ الإسلام: فإن فرغ من الصلاة قبل التجلي ذكر الله ودعاه، إلى أن يتجلى اهـ وتقدم أن ذوات الأسباب تفعل في أوقات النهي، للأدلة الدالة على ذلك، المخصصة لعموم النهي، فيصلي صلاة الكسوف إذا حصل الكسوف، ولو كان وقت نهي، للأمر المطلق بالصلاة إذا حصل الكسوف. (¬3) لأن المقصود التجلي وقد حصل، وعلم منه أنه لا يقطعها لقوله: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} . (¬4) وتقدم من حديث المغيرة وجابر، «حتى ينجلي» ومن حديث عائشة «حتى يكشف ما بكم» ، وغيرها من الأدلة، على أن الصلاة تكون وقت الكسوف إلى أن يتجلى، قال شيخ الإسلام: والكسوف يطول زمانه تارة، ويقصر أخرى، بحسب ما يكسف منه، فقد تكسف كلها، وقد يكسف نصفها أو ثلثها، فإذا عظم الكسوف طول الصلاة، حتى يقرأ بالبقرة ونحوها في أول ركعة، وبعد الركوع الثاني يقرأ بدون ذلك، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا، وذكر ما تقدم منها، وشرع تخفيفها لزوال السبب، وكذا إذا علم أنه لا يطول، وإن خف قبل الصلاة شرع وأوجز، وعليه جماهير أهل العلم، لأنها شرعت لعلة وقد زالت، وإن تجلى قبلها لم يصل وتقدم.

الكسوف يطول زمانه ويقصر

(وإن غابت الشمس كاسفة (¬1) أو طلعت) الشمس أو طلع الفجر (والقمر خاسف) لم يصل (¬2) . ¬

_ (¬1) لم يصل، ومفهومه أنه إن غاب القمر خاسفًا ليلا يصلي، قال في الفروع: والأشهر أن يصلي إذا غاب خاسفًا ليلاً اهـ، وغيوبته خاسفًا ليلاً لا يمكن لأنه لا ينخسف إلا في ليالي الإبدار، إذا تقابل جرم الشمس والقمر، فحالت بينهما الأرض، قال الشيخ: وقد أجرى الله العادة أن القمر لا ينخسف إلا وقت الإبدار، وهي الليالي البيض، وللشمس والقمر ليالٍ معتادة، من عرفها عرف الكسوف والخسوف، كما أن من علم ما مضى من الشهر يعلم أن الشهر يطلع في الليلة الفلانية أو التي قبلها، والعلم بالعادة فيه، يعرفه من يعرف حساب جريانهما وليس من باب علم الغيب، وإذا تواطأ خبرهم بوقت الصلاة لا يكادون يخطئون ومع ذلك لا يترتب على خبرهم حكم شرعي، فإنها لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك اهـ، وقال غير واحد: معرفة الكسوف لا يختص بالمنجمين، بل هو مما إذا حسبه الحاسب عرفه. (¬2) أي أو طلعت الشمس والقمر خاسف لم يصل، قولاً واحدًا، أو طلع الفجر والقمر خاسف لم يصل، قدمه القاضي وغيره، أشبه ما إذا طلعت الشمس وهو خاسف.

لأنه ذهب وقت الانتفاع بهما (¬1) ويعمل بالأصل في بقائه وذهابه (¬2) (أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل) (¬3) لعدم نقله عنه وعن أصحابه عليه السلام (¬4) مع أنه وجد في زمانهم انشقاق القمر، وهبوب الرياح والصواعق (¬5) . ¬

_ (¬1) وزال التخويف، وانعدمت العلة التي لأجلها شرعت الصلاة، وصوابه إفراد الضمير لما تقدم. وقال غير واحد: لأن القمر آية الليل، وقد ذهب الليل. (¬2) أي يعمل إذا شك في الكسوف بالأصل، فلا يصلى إذا شك في وجوده مع غيم ونحوه، لأن الأصل عدمه، ويصلى إذا علم الكسوف، ثم حصل غيم فشك في التجلي لأن الأصل بقاؤه، وكذا إذا خرج بعضه صافيا، وشك في ذهابه عن باقيه، لأن الأصل عدم ذهابه، وقد يقال: يغني قوله: في بقائه، عن قوله: وذهابه إذا المراد أنه يعمل بالأصل في بقائه كلاًٍ أو بعضًا. (¬3) وفاقًا لمالك والشافعي، وذلك كظلمة نهارًا، وضياءً ليلاً، وريح شديدة وصواعق وثلج ومطر دائمين. (¬4) فتركه مع وجوده في زمنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو السنة، كما أن ما فعله هو وأصحابه هو السنة. (¬5) كما هو مستفيض ولا ينكر وجود الآيات في عصرهم إلا مكابر وانشقاق القمر من أكبر الآيات التي دلت على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يصل لها، وعنه: يصلي لكل آية، وفاقًا لأبي حنيفة، وصرح به في النصيحة وقال ابن أبي موسى: يصلى لكل آية، وهو ظاهر كلام أحمد، وفي الرعاية: قيل يصلى للرجفة، وفي الصاعقة، والريح الشديدة، وانتشار النجوم، ورمي الكواكب، وظلمة النهار، وضوء الليل وجهان. وقال شيخ الإسلام: يصلى لكل آية كما دل على ذلك السنن والآثار وقاله المحققون من أصحاب أحمد وغيرهم، ولولا أن ذلك يكون لشر وعذاب لم يصح التخويف بذلك، وهذه صلاة رهبة وخوف، كما أن صلاة الاستسقاء صلاة رغبة، ورجاء، وقد أمر الله عباده أن يدعوه خوفًا وطمعًا وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيتم من هذه الأفزاع شيئًا، فافزعوا إلى الصلاة» وقال ابن القيم: التخويف إنما يكون بما هو سبب لشر المخوف، كالزلزلة والريح العاصف، وإلا فما وجوده متكرر لا يحصل به تخويف اهـ وقال: «إذا رأيتم آية فاسجدوا» فدل على أن السجود شرع عند الآيات، وينبغي أن يوعظوا عند نزول البلاء، ويؤمروا بالتوبة والصدقة، وإن صلى أحدهم في بيته ركعتين، توبة إلى الله فحسن، لأن صلاة التوبة مشروعة.

وأما الزلزلة وهي رجفة الأرض واضطرابها وعدم سكونها فيصلى لها إن دامت (¬1) لفعل ابن عباس رواه سعيد والبيهقي (¬2) وروى الشافعي عن علي نحوه، وقال: لو ثبت هذا الحديث لقلنا به (¬3) (وإن أتى) مصلي الكسوف (في كل ركعة بثلاث ركوعات، أو أربع، أو خمس جاز) رواه مسلم من حديث ¬

_ (¬1) أي الزلزلة وسببها والله أعلم جولان الرياح في الأرض، ودخولها في تجاويفها، وتحدث فيها الأبخرة وتطلب منفذًا ويتعذر فيأذن الله لها في التنفس، فتحدث فيها الزلازل العظام، ويحدث من ذلك الخوف للعباد، والخشية والإنابة، والإقلاع عن المعاصي، والتضرع إلى الله، والندم، حتى قال بعض السلف: إن ربكم يستعتبكم وربما تنخسف منها قطعة، وتهوي في باطن الأرض، فإن لم تدم الزلزلة لم يصل لها. (¬2) في سننه، وابن جرير عن عبد الله بن الحارث رضي الله عنهما. (¬3) وقال: هو ثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما.

جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ست ركعات، في أربع سجدات (¬1) ومن حديث ابن عباس: صلى النبي صلى الله عليه وسلم ثماني ركعات، في أربع سجدات (¬2) وروي أبو داود عن أبي ابن كعب، أنه صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين، في كل ركعة خمس ركعات وسجدتين (¬3) واتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء (¬4) . ¬

_ (¬1) لكن سئل عنه الشافعي فقال: هو من وجه منقطع، ونحن لا نثبت المنقطع على الانفراد ووجه نراه والله أعلم غلطًا وقال الشيخ فيما زاد على ركوعين في ركعة، هي غلط وإنما صلى صلى الله عليه وسلم مرة واحدة. (¬2) ومع كونه في صحيح مسلم، وصححه الترمذي، فقد قال ابن حبان: ليس بصحيح، لأنه من رواية حبيب، عن طاوس، ولم يسمعه حبيب منه، وحبيب معروف بالتدليس. (¬3) لكن في إسناده عيسى بن عبد الله الرازي، قال الفلاس: سيء الحفظ وقال ابن المديني: يخلط، وقال البخاري وغيره، من أهل العلم بالحديث، لا مساغ لحمل هذه الأحاديث على بيان الجواز، إلا إذا تعددت الواقعة وهي لم تتعدد لأن مرجعها كلها إلى صلاته صلى الله عليه وسلم في كسوف الشمس يوم مات ابنه إبراهيم، وحينئذ يجب ترجيح أخبار الركوعين فقط، لأنها أصح وأشهر اهـ والمصير إلى الترجيح أمر لا بد منه، وأحاديث الركوعين، أصح وأرجح بلا مرية. (¬4) يعني أنه أتى في كل ركعة بركوعين على الصحيح، وفي بعض الروايات ثلاث ركوعات، وأربع وخمس في كل ركعة.

قال النووي: وبكل نوع قال بعض الصحابة (¬1) وما بعد الأول سنة، لا تدرك به الركعة (¬2) ويصح فعلها كنافلة (¬3) وتقدم جنازة على كسوف، وعلى جمعة وعيد أمن فوتهما (¬4) . ¬

_ (¬1) وقال شيخ الإسلام: قد ورد في صلاة الكسوف أنواع، ولكن الذي استفاض عند أهل العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه البخاري ومسلم من غير وجه، وهو الذي استحبه أكثر أهل العلم كمالك والشافعي وأحمد رحمهم الله، أنه صلى بهم ركعتين، في كل ركعة ركوعان. (¬2) أي وما بعد الركوع الأول في كل ركعة لا تدرك به الركعة. (¬3) إن تجلى قبل الركوع الأول، أو فيه، وإلا أتمها صلاة كسوف، لتأكدها بخصائصها. (¬4) وفاقًا، فتقدم صلاة جنازة على صلاة كسوف، لأنها فرض كفاية ويخشى على الميت بالانتظار، فيقدم على ما يقدم عليه، والوجه الثاني يقدم الكسوف وصوبه في تصحيح الفروع، ويقدم هو على جمعة إن أمن فوتها، ولم يشرع في خطبتها وفاقًا، ويقدم على مكتوبة أمن فوتها خشية تجليه قبل الصلاة وللأمر بالإسراع إليه، فإن خيف فوت الجمعة، أو كان شرع في خطبتها، أو خيف فوت مكتوبة قدمت، لتعين الوقت لها، إذ السنة لا تعارض فرضًا، ويقدم على صلاة عيد، إن أمن فواته اتفاقا، قاله في الفروع وغيره، واتفاقه مع العيد بعيد، لا يتصور اجتماعهما ولم تجربه عادة. قال شيخ الإسلام: وأما ما ذكره طائفة من الفقهاء، ومن اجتماع صلاة العيد والكسوف فهذا ذكروه في ضمن كلامهم، فيما إذا اجتمع صلاة الكسوف وغيرها من الصلوات، فقدروا اجتماعها مع الظهر والوتر، وذكروا صلاة العيد مع عدم استحضارهم، هل يمكن ذلك في الخارج أو لا يمكن؟ فلا يوجد في تقديرهم ذلك العلم بوجود ذلك في الخارج، لكن استفيد من ذلك العلم علم ذلك على تقدير وجوده، كما يقدرون مسائل يعلم أنها لا تقع، لتحرير القواعد، وتمرين الأذهان على ضبطها اهـ وقيل: قد يتصور بأن يشهدوا على نقصان رجب وشعبان فيقع العيد في آخر رمضان، فإن خشي فواته قدم وفاقا، لأن صلاة العيد واجبة في قول والكسوف سنة.

وتقدم تراويح على كسوف، إن تعذر فعلهما (¬1) ، ويتصور كسوف الشمس والقمر في كل وقت (¬2) . ¬

_ (¬1) أي التراويح والكسوف في وقتهما، لأن التراويح تختص برمضان، فتفوت بفواته، والكسوف بالتجلي، والوجه الثاني يقدم الكسوف، صوبه في تصحيح الفروع، لأن الكسوف آكد، ويقدم على وتر، ولو خيف فوته، لأنه يقضى دونها ولأنها آكد منه. (¬2) وقال في الإقناع: ولا يمكن كسوف الشمس إلا في الاستسرار، آخر الشهر، إذا اجتمع النيران، ولا خسوف القمر إلا في الإبدار، وهو إذا تقابلا اهـ فكسوف الشمس بحيلولة القمر بيننا وبينها، فيمنع وصول ضوئها إلينا، وخسوف القمر بحيلولة الأرض، بينه وبين الشمس، فيقع ظلها عليه، لأن نوره مستمد من نورها، فإذا حالت الأرض بينهما صار لا نور له. وقال شيخ الإسلام: أجرى الله العادة أن الشمس لا تنكسف إلا وقت الاستسرار، وأن القمر لا ينخسف إلا وقت الإبدار، ومن قال من الفقهاء، إن الشمس تنخسف في غير وقت الاستسرار فقد غلط. وقال: ما ليس له به علم، والكسوف والخسوف لهما أوقات مقدرة، كما لطلوع الهلال وقت مقدر، وذلك مما أجرى الله عادته بالليل والنهار، وسائر ما يتبع جريان الشمس، وذلك من آيات الله، وما يروى عن الواقدي أن ابن النبي صلى الله عليه وسلم مات يوم العاشر من الشهر وهو اليوم الذي كسفت فيه الشمس، فغلط، وهو لا يحتج بمسانيده، فكيف بما أرسله من غير أن يسنده إلى أحد، وهذا فيما لم يعلم أنه خطأ فأما هذا فيعلم أنه خطأ قطعا، والفقهاء رحمهم الله ذكروه مع عدم استحضارهم هل ذلك ممكن أم لا؟ ومن جوز هذا فقد قال ما ليس له به علم، ومن حاج في ذلك فقد حاجَّ فيما ليس له به علم.

والله على كل شيء قدير (¬1) فإن وقع بعرفة صلى ثم دفع (¬2) . ¬

_ (¬1) بإجماع المسلمين، بقدرة عامة شاملة، متعلقة بكل ممكن، وهو ما ليس بواجب الوجود، ولا مستحيل الوقوع، بل اتفقت جميع الكتب والرسل أنه تعالى قادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء يريده، بل هو الفعال لما يريد، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. (¬2) أي فإن وقع الكسوف بعرفة صلى صلاة الكسوف، ثم دفع، وتقدم أنه مستحيل كسوفها بعرفة، ولم تجر به عادة، كما لم تجر بالاستهلال ونحوه في غير وقته، والمستحيل عادة كالمستحيل في نفسه.

باب صلاة الاستسقاء

باب صلاة الاستسقاء (¬1) وهو الدعاء بطلب السقي (¬2) على صفة مخصوصة، أي الصلاة لطلب السقي على الوجه الآتي (¬3) (إذا أجدبت الأرض) أي أمحلت، والجدب نقيض الخصب (¬4) . ¬

_ (¬1) أي صفتها وأحكامها، وما يتعلق بذلك، والاستسقاء استفعال من السقي، بضم السين، والنفوس مجبولة على الطلب ممن يغيثها، ولا تلتفت فيه إلا لبارئها، وكان في الأمم الماضية، وأجمع المسلمون على مشروعيته. (¬2) الباء للتصوير أو الملابسة، أي: الاستسقاء شرعًا: نداء الله نداء ملتبسًا بطلب السقي، أي استنزال الغيث على البلاد والعباد. (¬3) بيانه وهو على ثلاثة أضرب: أحدها: صلاتهم جماعة أو فرادى على ما يأتي تفصيله، وهو أكملها، واتفق فقهاء الأمصار على مشروعيته. والثاني: استسقاء الإمام يوم الجمعة في خطبتها كما فعل صلى الله عليه وسلم واستفاض عنه من غير وجه، وهذا الضرب مستحب وفاقا، واستمر عمل المسلمين عليه، والثالث: دعاؤهم عقب صلواتهم، وفي خلواتهم، ولا نزاع في جواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة. (¬4) بالكسر أي النماء والبركة، من أخصب المكان فهو مخصب، وفي لغة من باب تعب، فهو خصب، وأخصب الله الموضع أنبت به العشب، والكلأ والجدب المحل وزنًا ومعنى، يقال: أجدب القوم إذا أمحلوا وهو انقطاع المطر، ويبس الأرض، من باب تعب، وقال الأزهري، الأرض الجدبة التي لم تمطر والخصبة الممطورة التي أمرعت.

(وقحط) أي احتبس (المطر) وضر ذلك (¬1) وكذا إذا ضرهم غور ماء عيون أو أنهار (¬2) (صلوها جماعة وفرادى) (¬3) وهي سنة مؤكدة (¬4) لقول عبد الله بن زيد: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة، متفق عليه (¬5) . ¬

_ (¬1) أي ضر احتباسه، ولم يكن لهم أودية وآبار وأنهار يشربون منها، ويسقون مواشيهم وزروعهم، أو كان ذلك، إلا أنه لا يكفي، فزعوا إلى الصلاة جماعة أو فرادى، وقحط كمنع وفرح وعني، قحطا وقحطًا وقحوطا، إذا انقطع عنه المطر، وأقحط وقحط الناس كسمع قليل، أي أصابهم القحط. (¬2) أي ومثل جدب الأرض، وقحط المطر إذا ضرهم غر عيون إلى الأرض وهو ذهابه فيها، أو ضرهم غور أنهار جمع نهر، بفتح الهاء وسكونها مجاري الماء، وكذا لو نقص ماؤها وضر، وكذا لو تغير، بملوحة فزعوا إلى الصلاة لذلك كقحط المطر. (¬3) أي إذا أجدبت الأرض صلوا صلاة الاستسقاء عند الحاجة إليها، جماعة في صلاتها، أو فرادى كل واحد وحده، لأنها لا تجب جماعة، فجازت فرادى. (¬4) بإجماع أهل العلم، وشذ أبو حنيفة فقال: ليس فيها صلاة مسنونة وقوله مردود فإنه مخالف للأحاديث الصحيحة المستفيضة، والقياس فإنه معنى سن له الاجتماع والخطبة، فسن له الجماعة، كالعيد والكسوف، ولأنهم أجمعوا أنه يسن فيه الاجتماع والخطبة، والسنة بينت الصلاة، فوجب اعتمادها، دون القياس، وقد توافقا، وأيضا قال: إذا صح الحديث، فهو مذهبي، فصار إجماعًا. (¬5) قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، وحكى النووي وغيره: الإجماع على استحباب الجهر بالقراءة فيها.

صفتها في موضعها وأحكامها كعيد

والأفضل جماعة حتى بسفر (¬1) ولو كان القحط بغير أرضهم (¬2) ولا استسقاء لانقطاع مطر عن أرض غير مسكونة ولا مسلوكة، لعدم الضرر (¬3) (وصفتها في موضعها وأحكامها كـ) صلاة (عيد) (¬4) قال ابن عباس: سنة الاستسقاء سنة العيدين (¬5) فتسن في الصحراء (¬6) . ¬

_ (¬1) وفاقًا لمالك والشافعي، لفعله صلى الله عليه وسلم لها جماعة، واستمرار أمر المسلمين عليه. (¬2) لحصول الضرر به، ولأنه من باب التعاون على البر والتقوى، أما لو كان غير المحتاج ببلد المحتاج إليه صلى معه اتفاقا، ما لم يكن ذا بدعة أو ضلالة. (¬3) أي بانقطاعه عنها، فمشروعية الاستسقاء لإزالة ما يصيب الناس من الضرر. (¬4) أي وصفة صلاة الاستسقاء في موضعها، فيستحب فعلها في المصلى، كصلاة العيد، وأحكامها كصفة صلاة العيد، عند الجمهور، في العدد والجهر والقراءة وفي كونها قبل الخطبة، وبتكبيراته، ورفع أيديهم ويقف بين كل تكبيرتين قائلا ما ورد كما سيأتي لأنها في معناها، إلا أنه لا وقت لصلاتها، وإلا أنها لا تفعل وقت النهي بلا خلافٍ، والأولى وقت صلاة العيد، لحديث عائشة وغيره. (¬5) رواه أهل السنن بلفظ: ثم صلى ركعتين، كما يصلي في العيد، وقال الحافظ في قول ابن عباس الآتي، كما صنع في العيد: ظاهره أنه صلاها في وقت صلاة العيد. (¬6) أي فتسن صلاة الاستسقاء قبل الخطبة في الصحراء القريبة عرفًا، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يصلها إلا في الصحراء، بلا نزاع، ولأبي داود عن عائشة: شكى الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ولأن الناس يكثرون، فكان المصلى أرفق بهم، ولأنه أبلغ في الافتقار والتواضع.

ويصلي ركعتين، يكبر في الأولى ستًا زوائد، وفي الثانية خمسًا، من غير أذان ولا إقامة (¬1) قال ابن عباس: صلَّى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين كما يصلي العيد، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (¬2) ويقرأ في الأولى بسبح، وفي الثانية بالغاشية (¬3) وتفعل وقت صلاة العيد (¬4) . ¬

_ (¬1) وفاقا للشافعي. (¬2) وصححه الحاكم وغيره، قال الموفق وغيره، هي ركعتان عند العاملين بها لا نعلم بينهم خلافًا في ذلك، وأما التكبير فدلالة هذا الخبر، مع ما رواه الشافعي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعًا وخمسًا، وعن ابن عباس ونحوه، رواه الدارقطني، وهو مذهب الشافعي وجماعة. (¬3) لما رواه الدارقطني وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ بهما، وإن شاء قرأ بـ (إنا أرسلنا نوحا) وسورة غيرها، من غير تعيين. (¬4) وفاقًا لمالك والشافعي، ووقته وقت صلاة الضحى، وتقدم لحديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حين بدا حاجب الشمس، رواه أبو داود، قال الشارح، وليس لها وقت معين، إلا أنها لا تفعل في وقت النهي، بغير خلاف، ولا تقيد بزوال الشمس، فيجوز فعلها كسائر النوافل، واستنبط بعضهم أنها لا تصلى بالليل، من كونه جهر فيها بالقراءة، كالعيد وذكر ابن حبان أن خروجه صلى الله عليه وسلم لها في رمضان سنة ست من الهجرة.

(وإذا أراد الإمام الخروج لها (¬1) وعظ الناس) أي ذكرهم بما يلين قلوبهم من الثواب والعقاب (¬2) (وأمرهم بالتوبة من المعاصي (¬3) والخروج من المظالم) بردها إلى مستحقيها (¬4) لأن المعاصي سبب القحط، والتقوى سبب البركات (¬5) . ¬

_ (¬1) أي لصلاة الاستسقاء وكذا نائبه. (¬2) وخوفهم العواقب، يقال: وعظه يعظه وعظًا وموعظة نصحه وذكره فاتعظ أي قبل الموعظة، والوعظ التخويف والتذكير، والنصح بما يلين القلوب، ويسوقها إلى التوبة، وإصلاح السيرة والسريرة، وفي التعريفات، الوعظ هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب. (¬3) أي وأمرهم الإمام بنفسه أو نائبه بالتوبة، وهي الرجوع، من: تاب إذا رجع، وهي واجبة على الفور إجماعًا، ويشترط لها الندم على ما مضى من الذنوب، والإقلاع في الحال، والعزم على ترك العود في المستقبل، فإن كان الحق لآدمي فلا بد من رده إليه أو تحليله، والمعاصي جمع معصية وهي كل ما عصي الله به، ومنها المحرمات لحق الله وحق الآدميين. (¬4) لأن ذلك واجب، والمظالم ظلامات الآدميين، جمع مظلمة، فمرادهم بالمظالم حقوق الآدميين، وبالمعاصي حقوق الله تعالى فالمعاصي أعم من المظالم والظلم وضع الشيء في غير موضعه. (¬5) قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} وفي الحديث ما بخس قوم المكيال والميزان، إلا منعوا القطر من السماء، وقال مجاهد في قوله: {وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ} قال: دواب الأرض تلعنهم، يقولون: يمنع عنا القطر بخطاياهم.

(و) أمرهم بـ (ترك التشاحن) من الشحناء وهي العداوة (¬1) لأنها تحمل على المعصية والبهت (¬2) وتمنع نزول الخير (¬3) لقوله عليه الصلاة والسلام «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت» (¬4) (و) أمرهم بـ (الصيام) لأنه وسيلة إلى نزول الغيث (¬5) ولحديث «دعوة الصائم لا ترد» (¬6) (و) أمرهم بـ (الصدقة) لأنها متضمنة للرحمة (¬7) . ¬

_ (¬1) امتلأت منها النفس، وتشاحنوا تباغضوا، والمشاحن العدو المباغض، شديد العداوة، والعداوة الخصومة والمباعدة، والعدو ضد الصديق. (¬2) أي الكذب والافتراء، وتوجب غضب الرب جل وعلا. (¬3) من مطر وبركة ورحمة وغيرها. (¬4) يعني رفع علم تعيينها في يوم مخصوص، وهو صريح في أنه تقدم له علمها، والرجلان اللذان تلاحيا قيل: هما عبد الله بن أبي حدرد، وكعب بن مالك. (¬5) لما في الصيام من كسر الشهوة، والتذلل للرب تبارك وتعالى. وقال جماعة ثلاثة أيام، يخرجون في اليوم الآخر منها، ولا يلزم بأمره مع وجوب طاعته، لأنه سنة وطاعته إنما تجب في الطاعة، وفي السياسة والتدبير والأمور المجتهد فيها من مصالح العامة، وما هنا ليس كذلك، وتسن في المسنون، وتكره في المكروه. (¬6) أي فعسى أن تقبل دعوته، وذكر ابن تميم وغيره الصدقة، ولم يذكر الصوم، والصيام لم يشرع له، والعبادة مبناها على التوقيف، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع فحيث ترك في عصر النبوة فتركه هو السنة. (¬7) المفضية إلى رحمتهم بنزول الغيث، وحكاه الجزولي اتفاقًا.

(ويعدهم) أي يعين لهم (يوما يخرجون فيه) ليتهيئوا للخروج، على الصفة المسنونة (¬1) (ويتنظف) لها بالغسل، وإزالة الروائح الكريهة، وتقليم الأظفار، لئلا يؤذي (¬2) (ولا يتطيب) لأنه يوم استكانة وخضوع (¬3) (ويخرج) الإمام كغيره (متواضعًا (¬4) متخشعًا) أي خاضعًا (¬5) (متذللاً) من الذل وهو الهوان (¬6) . ¬

_ (¬1) لحديث عائشة قالت: «وعد الناس يوما يخرجون فيه» ، رواه أبو داود وغيره بسند جيد. (¬2) لأنه يوم يجتمع له، أشبه الجمعة، وقال ابن القيم وغيره: لا يسن الغسل لها، لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه. (¬3) فلا يتطيب فيه وفاقًا، لأنه من كمال الزينة، وهذا يوم تواضع وانكسار، وتذلل وخشوع. (¬4) أي يخرج الإمام إلى المصلى كغيره متواضعًا وفاقًا، لأن التواضع لله من أسباب الإجابة والتواضع التذلل والتخشع ضد التكبر. (¬5) بقلبه وعينه ومشيه وجلوسه وغيرها، والخشوع سكون القلب على المقصود، من غير التفات إلى غيره، وسكون الجوارح في غير المفعول، وفي المطلع: التذلل ورمي البصر إلى الأرض، وخفض الصوت، وسكون الأعضاء، وقريب منه الخضوع، إلا أن الخشوع أكثر منه، يستعمل في الصوت والبدن، والخضوع في الأعناق وتقدم نحوه. (¬6) وهان هونًا وهوانًا، ذل وخضع، والهون السكينة، أي خرج مستكينًا خاضعًا متذللاً، في هيئته وثيابه.

(متضرعا) أي مستكينًا (¬1) لقول ابن عباس: خرج النبي صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متذللاً متواضعًا متخشعًا متضرعًا، قال الترمذي: حديث حسن صحيح (¬2) (ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ) لأنه أسرع لإجابتهم (¬3) (والصبيان المميزون) لأنه لا ذنوب لهم (¬4) وأبيح خروج طفل وعجوز وبهيمة (¬5) . ¬

_ (¬1) بلسانه إلى الله في كلامه وفي مشيه وجلوسه، مبتهلاً إلى الله، مع حضور القلب، وامتلائه بالهيبة والخوف من الله متصاغرًا ومتعرضًا في جلب الحاجة. (¬2) ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم، وقال ابن حبان: في رمضان سنة ست من الهجرة وروي مبتذلاً، أي لابسًا ثياب البذلة، وهي ما يلبس من ثياب المهنة وقت العمل، تاركًا ثياب الزينة، تواضعًا لله تعالى، وإظهارا للافتقار إليه، وإرادة جبر الانكسار متخشعًا أي خاضعًا، مظهرًا للخشوع، ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله عز وجل، متضرعًا أي مظهرًا للضراعة وهي التذلل عند طلب الحاجة، أو باللسان في أنواع الذكر. (¬3) أي فخروجهم أشد استحبابًا، وإلا فيستحب الخروج لكافة الناس، والشيوخ جمع شيخ، وله جموع كثيرة، وهو من جاوز الخمسين سنة. (¬4) أي فيستحب إخراجهم، وفاقًا لمالك والشافعي، لأنهم يكتب لهم، ولا يكتب عليهم، فترجى إجابة دعائهم، وفي الفصول: نحن لخروج الصبيان أشد استحبابًا والصبيان بكسر الصاد وضمها لغتان، أفصحهما وأشهرهما الكسر. (¬5) لأن الأطفال خلق من خلق الله سبحانه وتعالى، وعيال من عياله، والرزق مشترك بين الكل قال الله تعالى: {نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} وروى البزار وغيره مرفوعًا «لولا أطفال رضَّع، وعباد ركَّع، وبهائم رتَّع، لصب عليكم البلاء صبَّا» . وقيل: يستحب إخراج العجائز، وفاقًا لأبي حنيفة، ويكره من النساء ذوات الهيئات وفاقًا، خوف الفتنة، والتفات القلوب إليهن عن الخضوع لله، والتضرع بين يديه، ولأن القصد إجابة الدعاء، وضررهن أكثر، وفي الشرح: لا يستحب إخراج البهائم لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعله، وأخرج الحاكم وغيره أن سليمان عليه السلام خرج ليستقي فرأى نملة مستلقية وهي تقول: «اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن رزقك، فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم، ويؤمر سادة العبيد بإخراج عبيدهم، رجاء استجابة دعائهم، لانكسارهم بالرق، وفي الصحيح، «وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم» .

والتوسل بالصالحين (¬1) (وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين) بمكان (¬2) لقوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} (¬3) (لا) إن انفردوا (بيوم (¬4)) . ¬

_ (¬1) أي التوسل بالدعاء منهم، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يتوسلون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وتوسل عمر بالعباس بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ومعاوية بيزيد الجرشي، لأن دعوة الصالح مستجابة، وأما التوسل بذوات الصالحين فكالإقسام بهم، ولا يقسم على الله بأحد من خلقه، ولا دليل على ذلك من كتاب ولا سنة، بل يقتضي تركه والنهي عنه. (¬2) لم يمنعوا وانفرادهم لئلا يصيبهم عذاب فيعمهم، وكذا كل من يخالف دين الإسلام. (¬3) يحذر تعالى عباده المؤمنين فتنة اختبار أو محنة، يعم بها المسيء وغيره، لا يخص بها العاصي، أي اتقوا فتنة إن لم تتقوها أصابتكم. (¬4) وكذا نساؤهم وصبيانهم ورقيقهم وعجائزهم مثلهم، أما الشابة فتمنع بلا خلاف.

لئلا يتفق نزول غيث يوم خروجهم وحدهم، فيكون أعظم لفتنتهم (¬1) وربما افتتن بهم غيرهم (¬2) (لم يمنعوا) أي أهل الذمة لأنه خروج لطلب الرزق (¬3) (فيصلي بهم) ركعتين كالعيد لما تقدم (¬4) . ¬

_ (¬1) فيقولون: هذا حصل بدعائنا وإجابتنا، ولا يبعد أن يجيبهم الله، لأنه ضمن أرزاقهم. (¬2) من ضعفاء العوام فقالوا: هذا حصل بهم. (¬3) والله تعالى ضمن أرزاقهم، كما ضمن أرزاق المسلمين، ويكره إخراجنا لهم وفاقًا، لأنهم أعداء الله فهم أبعد إجابة. (¬4) يعني من قول ابن عباس: سنة الاستسقاء سنة العيدين، ولما يأتي من قوله: صنع في الاستسقاء كما صنع في العيد، وقد دلت الأحاديث الصحيحة الشهيرة على مشروعية صلاة الاستسقاء، وهو قول جمهور السلف والخلف، إلا أبا حنيفة وتقدم أنها سنة مؤكدة، ولا التفات لخلافه، وفي الصحيحين: «خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين، جهر بالقراءة فيهما، وحول رداءه، ورفع يديه، واستسقى واستقبل القبلة، وقال البغوي: السنة في الاستسقاء أن يخرج إلى المصلى، فيبدأ بالصلاة، فيصلي ركعتين مثل صلاة العيد، وذكر التكبيرات ثم قال: ويجهر فيهما بالقراءة ثم يخطب، روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعلي، وهو قول الشافعي وأحمد اهـ والمرجح عند الشافعية والمالكية البداءة بالصلاة، قبل الخطبة، قال النووي: وبه قال الجماهير، وقال آخرون: هو مذهب العلماء كافة، وليس بإجماع، فقد ذهب قوم إلى جواز البداءة بالخطبة للأخبار، وحملها بعضهم على الجواز، ولمسلم: خرج ليستسقي بالناس، فصلى ركعتين ثم استسقى، وهو أكثر أحواله صلى الله عليه وسلم ويقرأ بسبح والغاشية، وفي النصيحة: في الأولى {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} وفي الثانية ما أحب.

(ثم يخطب) خطبة (واحدة) (¬1) لأنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب بأكثر منها (¬2) ويخطب على منبر (¬3) ويجلس للاستراحة ذكره الأكثر، كالعيد في الأحكام (¬4) والناس جلوس قاله في المبدع (¬5) (يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد) (¬6) . ¬

_ (¬1) هذا المذهب عند أكثر الأصحاب. (¬2) ولأبي داود وغيره: ولم يخطب خطبكم هذه أي كما يفعل في الجمعة، ولكن خطبة احدة، وقال الزيلعي: ولم يرو أنه خطب خطبتين، وعنه: خطبتين وفاقا لمالك والشافعي، واختاره الخرقي وابن حامد وعبد العزيز وغيرهم، والأمر واسع والاتباع أولى، ومحل الخطبة بعد الصلاة، وهو مذهب مالك والشافعي، قال ابن عبد البر وغيره: وعليه جماعة الفقهاء، لما رواه أحمد وغيره، عن أبي هريرة قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم ثم خطبنا، وكالعيد وعنه: قبلها كالجمعة، لما تقدم في الصحيح، وروي عن عمر وابن الزبير، وعنه يخير، والأول هو الأفضل، لأنه أكثر أحواله صلى الله عليه وسلم واستمر عمل أكثر المسلمين عليه. (¬3) وتقدم في العيدين أنه يخطب على منبر، وعن عائشة، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، رواه أبو داود وغيره بسند جيد، فيستحب للإمام صعود المنبر لخطبة الاستسقاء للآثار وقياسًا على غيرها. (¬4) أي ويجلس إذا صعد المنبر للاستراحة ليتراد إليه نفسه. (¬5) وفي الفروع: وفاقًا، ولأنه لم ينقل غيره، واستمر عمل المسلمين عليه. (¬6) وعنه: بالحمد وهو رواية عن مالك، واختاره الشيخ وصاحب الفائق، واستظهره ابن رجب وتقدم، وعن عائشة رضي الله عنها، قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم» ، ثم قال: «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم» ، إلخ قال غير واحد: ولم تأت رواية عنه صلى الله عليه وسلم أنه افتتح الخطبة بغير التحميد.

يكثر في الخطبة الاستغفار والدعاء

لقول ابن عباس صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء كما صنع في العيد (¬1) (ويكثر فيها الاستغفار (¬2) وقراءة الآيات التي فيها الأمر به) كقوله {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} الآيات (¬3) قال في المحرر والفروع: ويكثر فيها الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لأن ذلك معونة على الإجابة (¬4) . ¬

_ (¬1) وأصله في السنن وغيرها بلفظ: صلى فيها كما يصلي في العيد، وأما افتتاح الخطبة بالتكبير فخلاف سائر خطبه صلى الله عليه وسلم. (¬2) لأنه سبب لنزول الغيث، وخرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار، فقالوا: ما رأيناك استسقيت، قال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء، الذي يستنزل به المطر ثم قرأ {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} وعن علي نحوه، والمجاديح واحدهامجدح، قال أهل اللغة: المجدح كل نجم كانت العرب تقول يمطر به، فأخبر عمر أن الاستغفار هو المجاديح الحقيقية التي يستنزل بها القطر، لا الأنواء، وإنما قصد التشبيه، وقيل مجاديحها مفاتيحها وهي رواية. (¬3) وتمامها {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} وكقوله: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} وغيرها لأن الاستغفار سبب لنزول الغيث، والمعاصي سبب لانقطاعه، والاستغفار، والتوبة يمحوان المعاصي. (¬4) قال تعالى {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} وقال: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} وفي الحديث «إن الله يحب الملحين في الدعاء» ، ولأن الدعاء هو السبب في إرسال الأمطار، وعن عمر قال: الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك محمد صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي، وتقدم أن من أكبر أسباب استجابة الدعاء الثناء على الله عز وجل، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم ويكبر فيها كالعيد، وفاقًا لمالك والشافعي.

(ويرفع يديه) استحبابا في الدعاء (¬1) لقول أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وكان يرفع حتى يرى بياض إبطيه، متفق عليه (¬2) وظهورهما نحو السماء لحديث رواه مسلم (¬3) . ¬

_ (¬1) قال في الإنصاف: بلا نزاع، ويرفعون أيديهم، لحديث أنس، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، ويؤمنون جلوسًا، ويكثر من الدعاء قائمًا، ويلح في الدعاء، لأنه السبب الأكبر في استنزال الغيث. (¬2) لعل المراد: لم أره يرفع، أو لم يرفع كما يرفع في الاستسقاء، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من غير وجه أنه كان يرفع يديه في الدعاء ما يزيد عن ثلاثين حديثًا، والدعاء ثلاثة أقسام، أحدها أن تسأل الله بأسمائه وصفاته، الثاني أن تسأله بحاجتك وفقرك إليه ونحو ذلك، والثالث أن تسأل حاجتك، والأول أكمل من الثاني، والثاني أكمل من الثالث، فإذا جمع الدعاء الأمور الثلاثة كان أكمل، وهذه عامة أدعية النبي صلى الله عليه وسلم. (¬3) ولفظه: أشار بظهر كفيه إلى السماء، وذلك والله أعلم مبالغة في الرفع، واختار الشيخ أن تكون بطونهما نحو السماء، وقال: صار ظهور أكفهما نحو السماء لشدة الرفع، لا قصدًا منه، وإنما كان توجه ببطونهما مع القصد، وعن ابن عباس مرفوعًا، «إذا دعوت فادع بباطن كفيك، ولا تدع بظهورهما» رواه أبو داود، ويدعو قائما كسائر خطبه.

(فيدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم) تأسيًا به (¬1) (ومنه) ما رواه ابن عمر (اللهم اسقنا) بوصل الهمزة وقطعها (¬2) (غيثًا) أي مطرًا (¬3) (مغيثًا) أي منقذًا من الشدة يقال: غاثه وأغاثه (¬4) (إلى آخره) أي آخر الدعاء، أي هنيئًا مريئًا (¬5) . ¬

_ (¬1) صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} وروى أبو داود عن عائشة أنهم شكوا إليه جدب ديارهم وتقدم، وفيه ثم قال: «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين ثم رفع يديه إلخ. (¬2) وصل الهمزة حذفها لفظًا مع الدرج، وقطعها إثباتها مع الابتداء والدرج. (¬3) منقذًا بإروائه، ويطلق الغيث على النبات تسمية له باسم سببه. (¬4) وقد غاث الغيث الأرض، أي أصابها، وأغاث الله البلاد يغيثها غيثًا، أنزل عليها المطر، وقال ابن قتيبة: المغيث المحيي بإذن الله، وقال الأزهري وغيره هو الذي يغيث الخلق، ويشبعهم، وقال آخرون: منقذًا لنا مما استسقينا منه. (¬5) «هنيئا» بالمد والهمز، طيب المساغ، لا مشقة فيه ولا تنغيص، والمعنى ها منميًا للحيوان، من غير ضرر ولا تعب، وقيل: هو الطيب الذي لا ينغصه شيء، «ومريئًا» بالمد أيضا، سهلاً نافعًا، محمود العاقبة، منميًا للحيوان، لا وباء فيه، فالهنيء النافع ظاهرًا، والمريء النافع باطنًا، وفي لفظ «مريعًا» بالعين، وضم الميم، أي آتيَا بالريع، وهو الزيادة، من المراعة وهي الخصب، وروي «مربعًا» ، وروي «مرتعًا» .

غدقا مجللاً عامًا سحًّا طبقًا دائمًا (¬1) اللهم أسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين (¬2) اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق (¬3) . ¬

_ (¬1) «غدقًا» بكسر الدال وفتحها، كثير الماء والخير، أو كثير القطر، وأعدق المطر، واغدودق، كبر قطره، ومجللاً، على صفة اسم الفاعل، من المضعف، أي ساترا للأفق، لعمومه، أو يجلل الأرض يعمها، وقال الأزهري: هو الذي يعم البلاد والعباد نفعه، ويتغشاهم خيره، و «عاما» أي شاملاً مستوعبًا للأرض، و «سحا» أي صبَّا من سحَّ يسحَّ: إذا جرى من فوق إلى أسفل، أو من ساح يسيح، إذا جرى على وجه الأرض، وقال الأزهري: هو المطر الشديد، و «طبقا» بالتحريك أي يطبق البلاد مطره أي يستوعبها، وبدأ بالعام ثم أتبعه بالسح، والطبق لأنهما صفتان زائدتان في العام، فقد يكون عاما، وهو طل يسير، ودائمًا أي متصلاً إلى أن يحصل الخصب، وإلى انتهاء الحاجة وتمام الحديث «نافعًا غير ضار، عاجلاً غير آجل» ، رواه أبو داود، وللشافعي، عن سالم بن عبد الله عن أبيه نحوه، وفي الصحيحين «اللهم أغثنا» ثلاثًا، من الإغاثة بمعنى المعونة، أو من طلب الغيث، أي هب لنا غيثًا، أو ارزقنا غيثًا. (¬2) أي الآيسين من الرحمة، رواه الشافعي وغيره، والغيث المطر، وغيثت الأرض، فهي مغيثة ومغيوثة، ولأبي داود، كان إذا استسقى قال: «اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت» . (¬3) رواه الشافعي عن المطلب بن حنطب مرسلاً، وأكثره في الصحيحين والسقيا بضم السين اسم من قولك: سقاه الله وأسقاه، ومضافة فيهما أي اسقنا سقيا رحمة، وهو أن يغاث الناس غيثًا، نافعًا، لا ضرر فيه ولا تخريب والهدم بسكون الدال والغرق بفتح الغين والراء.

«اللهم إنَّ بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك (¬1) اللهم أنبت لنا الزرع، وأدرَّ لنا الضرع (¬2) وأسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك (¬3) اللهم ارفع عنا الجوع والجهد والعري (¬4) واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك (¬5) . ¬

_ (¬1) ذكره الشافعي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم و «اللأواء» بالمد شدة المجاعة، والمراد السنة، والجهد بضم الجيم قلة الخير، وبفتحها المشقة وسوء الحال والغاية، والضنك بفتح الضاد الضيق في المعيشة، والشدة بالكسر المجاعة، اسم من الاشتداد وهي الصلابة واحدة الشدائد، أي المكاره «ما لا نشكوه إلا إليك» ، أي ما لا نخبر به سواك. (¬2) هو لكل ذات ظلف أو خف بمنزلة الثدي للمرأة، جمعه ضروع، مدر اللبن. (¬3) أي المطر، ولم يذكر هنا وبركات الأرض وهو في الحديث المذكور وبركات السماء كثرة مطرها، مع الريع والنماء، وبركات الأرض ما يخرج منها من زرع ومرعى، والسماء هنا السحاب، وتقدم أن كل ما علاك فهو سماء. (¬4) الجوع اسم جامع للمخمصة، ضد الشبع، والجهد بالفتح المشقة، وجهد الناس فهم مجهودون إذا أجدبوا والعري بالضم خلاف اللبس، أي نسأله تعالى رفع هذه المصائب. (¬5) رواه الشافعي وغيره عن ابن عمر، ولأبي داود عن جابر «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا، نافعا غير ضار، عاجلا غير آجل» ، ومنه ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم اللهم اسق عبادك وبهائمك، ففي إضافتهما إليه تعالى مزيد الاستعطاف فالعباد كالسبب للسقي، والبهائم ترحمه فتسقى، وفي الخبر «لولا البهائم لم تمطروا» «وانشر رحمتك» أي ابسط مطرك ومنافعه، وأحي بلدك الميت وفيه تلميح بقوله: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ} «اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين» .

«اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا (¬1) فأرسل السماء علينا مدرارا» (¬2) ويسن أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة (¬3) ويحول رداءه، فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن (¬4) . ¬

_ (¬1) أي لم تزل تغفر ما يقع من هفوات عبادك. (¬2) ذكره الشافعي عن ابن عمر، وفي الآية {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا *} والسماء هنا السحاب، أي نسألك أن ترسل علينا المطر مدرارا، أي دائما إلى انتهاء الحاجة، قال النووي: بكسر الميم كثير الدر ومعناه مطر كثير. (¬3) ولمسلم: فقام فدعا الله قائمًا، ثم توجه قبل القبلة، وحول رداءه. (¬4) لما في الصحيحين أنه حول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه ولمسلم، حول رداءه حين استقبل القبلة، زاد البخاري، جعل اليمين على الشمال، وزاد ابن ماجه وابن خزيمة: والشمال على اليمين، ولأحمد وغيره من حديث أبي هريرة: خطب ودعا الله، وحول وجهه نحو القبلة، رافعا يديه، ثم قلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، ونقل تحويل الرداء جمع، وفيه حجة على استحباب استقبال القبلة في سائر الطاعات إلا ما خرج بدليل كالخطبة ونحوها.

ويفعل الناس كذلك (¬1) ويتركونه حتى ينزعوه مع ثيابهم (¬2) ويدعو سرًا (¬3) فيقول: «اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا» (¬4) . ¬

_ (¬1) أي يحولون أرديتهم، فيجعلون ما على الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، لأن ما ثبت في حقه صلى الله عليه وسلم ثبت في حق غيره، ما لم يقل دليل على اختصاصه، ولأحمد: وحول الناس معه أرديتهم، واستحبه جماهير العلماء، مالك وأحمد والشافعي وغيرهم، حكاه الوزير والحافظ وغيرهما، وقال الموفق: في قول أكثر أهل العلم، وللدارقطني عن جعفر بن محمد، عن أبيه أنه صلى الله عليه وسلم حول رداءه، ليتحلو القحط، وقيل: الحكمة أنه للتفاؤل بتحويل الحال، عما هي عليه، وقال النووي: شرع تفاؤلاً بتغيير الحال من القحط إلى نزول الغيث والخصب، ومن ضيق الحال إلى سعته. (¬2) لعدم نقل إعادته. (¬3) حال استقبال القبلة وفاقًا، لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبلغ في الخشوع، وأسرع في الإجابة قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} وإنما استحب الجهر ببعضه ليسمع الناس، فيؤمنون على دعائه. (¬4) إنك لا تخلف الميعاد، لأن في ذلك استنجازًا لما وعد من فضله، حيث قال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} وإن قال: اللهم فامنن علينا بمغفرة ذنوبنا وإجابتنا في سقيانا، وسعة أرزاقنا: ثم يدعو بما شاء من أمر دين أو دنيا، وإن دعا بغير ما مر فلا بأس، وفي الإقناع وغيره: فإذا فرغ من الدعاء استقبلهم، ثم حضهم على الصدقة والخير، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ ما تيسر، ثم يقول: أستغفر الله لي ولكم، ولجميع المسلمين، أو نحوه، وقد تمت الخطبة.

فإن سقوا وإلا عادوا ثانيًا وثالثًا (¬1) (وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله (¬2) وسألوه المزيد من فضله) ولا يصلون (¬3) إلا أن يكونوا تأهبوا للخروج فيصلونها شكرا لله، ويسألونه المزيد من فضله (¬4) . ¬

_ (¬1) حكاه الوزير وغيره اتفاقًا، وألحوا في الدعاء، لأنه أرجى للإجابة، وتقدم: «إن الله يحب الملحين في الدعاء» ، ولقوله: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: قد دعوت، فلم يستجب لي» ، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك، فاستحب كالأول، ولأن العلة الموجبة للاستسقاء أولا هي الحاجة للغيث، والحاجة إلى الغيث قائمة، وإنما الأولى آكد، لورود السنة بها، وثانيًا وثالثًا أي عودًا ثانيًا وثالثًا صفة لمصدر محذوف، وإن نقصت العيون أو غارت وتضرر الناس، فقال أصبغ: استسقى للنيل خمسة وعشرين يومًا متوالية، وحضره ابن وهب وابن القاسم، وجمع صالحون فلم ينكر، وقال ابن حبيب: لا بأس أن يستسقى لإبطاء النيل، فيستحب الاستسقاء لذلك، كما يستحب لانقطاع المطر، وقال الأصحاب: لم ينقل وغار النيل وغيره في زمن عمر وتوفر الصحابة ولم يستسقوا. (¬2) على ما أولاهم من فضله، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} . (¬3) لحصول المقصود من فضل الله ونعمته. (¬4) لأن الصلاة لطلب رفع الجدب، ولا يحصل بمجرد نزول المطر، وقد أمر الناس بالشكر على ما أولى، ومنه العمل وأفضله الصلاة وقد تأهبوا لها، وعزموا على فعلها، وهذا اختيار القاضي، وعبارة المغني والشرح: وإن تأهبوا فسقوا قبل خروجهم لم يخرجوا وشكروا الله، وحمدوه على نعمه اهـ، وإن سقوا بعد خروجهم فقال في المبدع: صلوا وجهًا واحدًا، وفي الإنصاف: بلا خلاف أعلمه.

(وينادى) لها (الصلاة جامعة) كالكسوف والعيد (¬1) بخلاف جنازة وتراويح (¬2) والأول منصوب على الإغراء (¬3) والثاني على الحال (¬4) وفي الرعاية، برفعهما وبنصبهما (¬5) . (وليس من شرطها إذن الإمام) كالعيدين وغيرهما (¬6) (ويسن أن يقف في أول المطر (¬7) . ¬

_ (¬1) هذا المذهب والصحيح عند جماهير أهل العلم أن النداء مختص بالكسوف، وقال الشيخ: القياس على الكسوف فاسد الاعتبار اهـ. وأجمعوا على أنه لا أذان ولا إقامة، والنداء الصوت «ينادى» أي بصوت. (¬2) أي فلا ينادي لهما لعدم وروده. (¬3) وهو تنبيه المخاطب على أمر محمود ليلزمه. (¬4) والحال لفظ يدل على هيئة الفاعل والمفعول به، والمعنى: احضروا الصلاة أو الزموها حالة كونها جامعة للناس، أو مطلوب جمع المكلفين لها، أو ذات جماعة. (¬5) فرفعهما على الابتداء والخبر، ونصبهما على الإغراء، وعلى الحال كما قرره الشارح. (¬6) أي كما أنه ليس من شروط صلاة العيدين وغيرهما، فليس من شروطها لا في الخروج، ولا في الصلاة، ولا في الخطبة، لأنها نافلة أشبهت سائر النوافل فيفعلها المسافر وأهل القرى. (¬7) ليصيبه منه، ويقول: «اللهم صيبا نافعًا» ، لما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال: «اللهم صيبا نافعا» ، أي اجعله صيبًا نافعًا، أي منهمرًا متدفقًا، ونافعًا، صفة لصيب، احترز بها عن الصيب الضار، وفي رواية: صيبًا هنيئًا، ويقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، كما سيأتي وروي حديث ضعيف مرفوع: «يستجاب الدعاء عند ثلاثة التقاء الجيوش وإقامة الصلاة، ونزول الغيث» ، وقال الشافعي وغيره: حفظت من غير واحد طلب الإجابة عند نزول الغيث.

وإخراج رحله وثيابه ليصيبها (¬1) لقول أنس: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر، فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه، رواه مسلم (¬2) وذكر جماعة: ويتوضأ ويغتسل (¬3) لأنه روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول إذا سال الوادي «اخرجوا بنا إلى الذي جعله الله طهورا فنتطهر به» (¬4) وفي معناه ابتداء زيادة النيل ونحوه (¬5) . ¬

_ (¬1) أي المطر، وهو الاستمطار وروى الشافعي، وغيره أن ابن عباس أمر غلامه بإخراج فراشه ورحله ليصيبه المطر، فقيل له: لم تفعل؟ فقال: أما تقرأ {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} فأحب أن تصيب البركة فراشي ورحلي، والرحل في الأصل مركب للبعير، وما يستصحبه من الأثاث، وهو المراد هنا. (¬2) حسر ثوبه أي عن بعض بدنه، و «حديث عهد بربه» ، أي جديد قريب لم يتناول بعد، ولم يتغير بملابسة شيء. (¬3) منهم صاحب الإقناع، وفي المنتهى: الغسل، وجزم بهما الشافعية، واقتصر الموفق والشارح على الوضوء. (¬4) رواه الشافعي مرسلاً، فيدل على المشروعية، و «سال الوادي» أي سال ماؤه. (¬5) كالأنهار والعيون، ولم أره لغيره من الأصحاب ولا غيرهم، ولم يرد به أثر، ولا يصح فيه القياس.

ما يقوله إذا زادت المياه

(وإذا زادت المياه وخيف منها (¬1) سن أن يقول: اللهم حوالينا) أي أنزله حوالي المدينة، في مواضع النبات (¬2) (ولا علينا) في المدينة، ولاغيرها من المباني (¬3) (اللهم على الظراب) أي الروابي الصغار (¬4) (والآكام) بفتح الهمزة تليها مدة، على وزن آصال (¬5) وبكسر الهمزة بغير مد، على وزن جبال (¬6) . ¬

_ (¬1) أي زادت عن حاجتهم وخافوا الضرر من زيادة المياه. (¬2) أي سن سؤالهم أن يكشفه عنهم، ويجعله في الأودية والمراعي التي تحيط بهم ولا يضرها، من غير صلاة، باتفاق أهل العلم، لأن الضرر بزيادة المياه أحد الضررين، فاستحب الدعاء لإزالته، وكذا إن زادت مياه العيون بحيث يضر استحب الدعاء لتخفيفه، «وحوالينا» جمع حوال، وإن كان ظاهره التثنية وقيل تثنية حوال، ولمسلم «حولنا» ، وحولنا وحوالينا وحولينا، كلها بمعنى. (¬3) أي لا تنزله على الأبنية والطرق، فهو بيان للمراد بالذي قبله، لشموله للأبنية والطرق التي حواليهم. (¬4) حكاه الجوهري وغيره، فهي دون الجبل، وفوق الرابية، والظراب بكسر الظاء المشالة جمع ظرب بكسر الراء، خصها بالطلب لأنها أطيب للراعية من شواهق الجبال، وللبخاري على رءوس الجبال، وفي لفظ «ظهور الجبال» . (¬5) جمع أكم ومفرده أكمة، وقال ابن سيده: والجمع أكَم وأكم وأكُم وإكّام، وقال ابن جني: آكم. (¬6) قال في اللسان: ويجوز أن يكون آكام كجبل وأجبال، وفي المطلع: الأكمة مفرد، جمع أربع مرات أكمة ثم أكم بفتح الهمزة والكاف، ثم إكام كجبال، ثم أكم كعنق، ثم آكام كآصال.

قال مالك: هي الجبال الصغار (¬1) (وبطون الأودية) أي الأمكنة المنخفضة (¬2) (ومنابت الشجر) أي أصولها لأنه أنفع لها (¬3) لما في الصحيح أنه عليه السلام كان يقول ذلك (¬4) (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) (¬5) . ¬

_ (¬1) وقيل: هي التراب المجتمع، وقيل: الهضبة الضخمة، وقيل: الجبل الصغير، وقال عياض: ما ارتفع من الأرض وعلا، ولم يبلغ أن يكون جبلاً، وكان أكثر ارتفاعًا مما حوله كالتلول ونحوها. (¬2) والمراد بها ما يتحصل فيها الماء لينتفع به. (¬3) ولا ضرر فيه، والمنبت كمجلس ومقعد، موضع النبات، جمعه منابت، وعند العرب، وإنه لفي منبت صدق، في أصل صدق. (¬4) متفق عليه، عن أنس من طرق وفيه من الفوائد معنى التعليل، لئلا يكون علينا، وفيه تعليمنا الأدب حيث لم يدع برفعه مطلقاً، لأنه قد يحتاج إلى استمراره، بالنسبة لبعض الأودية والمزارع، فطلب منع ضرره، وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق بحيث لا يتضرر به سالك، ولا ابن سبيل، وسأل بقاء نفعه على بطون الأودية وغيرها، وأنَّ من وصلت إليه نعمة لا يتسخط بعارض قارنها، بل يسأل الله رفعه وبقاءها وأن الدعاء برفع المضر لا ينافي التوكل. (¬5) هكذا بخط المصنف بإسقاط الواو، والتلاوة بإثباتها، ولعله لعدم ما يعطف عليه، وكذا في المنتهى وغيره، أي لا تحملنا من البلاء والمحن والمشاق، والمصائب ما لا طاقة لنا به، أتى بها لأنها تناسب الحال، فاستحب قولها، كالأقوال اللائقة بمحالها، ويدعو كذلك لزيادة ماء العيون والأنهار، بحيث يتضرر بالزيادة قياسا على المطر.

أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق (¬1) (الآية) أي (واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) (¬2) ويستحب أن يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته (¬3) ويحرم بنوء كذا (¬4) . ¬

_ (¬1) هذا تفسير لقوله تعالى: {وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} فلعله سبق قلم. (¬2) اعف عنا: أي تجاوز عنا ذنوبنا وامحها عنا، واصفح عنا فيما بيننا وبينك، مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا واغفر لنا أي استر علينا، ولا تفضحنا فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على مساوينا، وارحمنا فيما يستقبل فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، فإننا لا ننال العمل ولا ترك معصيتك إلا برحمتك والسنة أن يسألوا الله في نحو خطبة الجمعة، وأعقاب الصلوات لأنه نازلة. (¬3) لما ثبت في الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب» . وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب، فأخبر أن العباد قسمان، فيسن أن يقول في إثر المطر، مطرنا بفضل الله ورحمته. (¬4) أي يحرم قول: مطرنا بنوء النجم النلاني، ولعل مراده إذا قصد نسبة الفعل إلى الله بسبب النجم، وأما نسبة الفعل إلى النجم فكفر إجماعًا كما ذكره الشارح وأدخلوه في باب الاستسقاء لأن العرب كانت تنتظر السقيا في الأنواء، والنوء النجم مال للغروب، جمعه أنواء، وهي ثمانيه وعشرون منزلة للقمر، يسقط في المغرب كل ثلاث عشرة ليلة، منزلة مع طلوع الفجر، ويطلع أخرى تقابلها ذلك الوقت، في المشرق، وتنقضي جميعها مع انقضاء السنة الشمسية كبروج الشمس، وتقدم وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة، وطلوع نظيرها يكون مطر، فينسبونه إليها، فيقولون: مطرنا بنوء كذا، وسمي نوءًا لأنه إذا سقط الساقط بالمغرب ناء الطالع بالمشرق.

تتمة في خلق المطر، وصوت الرعد

ويباح في نوء كذا (¬1) وإضافة المطر إلى النوء دون الله كفر إجماعًا قاله في المبدع (¬2) . ¬

_ (¬1) كما لو قال: مطرنا في شهر كذا فإنه لا بأس بذلك. (¬2) وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، كاعتقادهم في الأموات والغائبين لجلب نفع أو دفع ضر. تتمة قال ابن القيم: المطر معلوم عند السلف والخلف أن الله تعالى يخلقه من الهوى، ومن البخار المتصاعد، لكن خلقه للمطر من هذا كخلق الإنسان من نطفة، وخلقه للشجر والزرع من الحب والنوى، ولم يخلق شيئًا إلا من مادة اهـ وإذا رأى سحابًا أوهبت ريح سأل الله من خيره، وتعوذ من شره، ولا يجوز سب الريح، لما في الصحيح «الريح من روح الله تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فلا تسبوها، واسألوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها» . وإذا سمع صوت الرعد والصواعق، قال: «اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» ، ويستحب أن يقول: سبحان من سبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، لما صح أن ابن الزبير كان إذا سمعه ترك الحديث وقال ذلك، وقال مجاهد: الرعد ملك، والبرق أجنحته يسقن السحاب، قال الشافعي: ما أشبهه بظاهر القرآن يعني قوله: {والمدبرات أمرًا} وللترمذي وصححه «معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله» فقالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: «زجره السحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر» ولا يتبع بصره البرق أو الرعد أو المطر. قال الماوردي: لأن السلف الصالح كانوا يكرهون الإشارة إلى الرعد والبرق، ويقولون عند ذلك: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سبوح قوس» فيختار الاقتداء بهم في ذلك، وروي عن ابن مسعود قال: أمرنا أن لا نتبع أبصارنا الكواكب إذا انقضت، وأن نقول عند ذلك: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله فيستحب أن يقول إذا انقض كوكب ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وإذا سمع نهيق حمار أو نباح كلب قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا سمع صياح الديك سأل الله من فضله وورد أن قوس قزح أمان من الغرق، وهو من آيات الله، ودعوى العامة: إن غلبت حمرته كانت الفتن، وإن غلبت خضرته كان رخاءً وسرورًا، هذيان. آخر المجلد الثاني من حاشية الروض المربع ويليه المجلد الثالث وأوله كتاب الجنائز.

كتاب الجنائز

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الجنائز (¬1) بفتح الجيم جمع جنازة بالكسر (¬2) والفتح لغة (¬3) اسم للميت أو للنعش عليه ميت (¬4) . ¬

_ (¬1) أي صفة عيادة المريض وتلقينه، وتغسيل الميت وتكفينه، والصلاة عليه ودفنه، وغير ذلك. قال ابن القيم: وكان هديه - صلى الله عليه وسلم - في الجنائز أكمل الهدي، مخالفًا لهدي سائر الأمم، مشتملاً على إقامة العبودية لله تعالى على أكمل الأحوال، وعلى الإحسان للميت، ومعاملته بما ينفعه في قبره، ويوم معاده، من عبادة وتلقين، وتطهير، وتجهيز إلى الله تعالى على أحسن أحواله وأفضلها، فيقفون صفوفًا على جنازته، يحمدون الله ويثنون عليه، ويصلون على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويسألون له المغفرة والرحمة والتجاوز، ثم على قبره يسألون له التثبيت، ثم الزيادة إلى قبره والدعاء له، كما يتعاهد الحي صاحبه في الدنيا، ثم الإحسان إلى أهله وأقاربه وغير ذلك. (¬2) والجنائز بالفتح لا غير، قاله النووي والحافظ وغيرهما. (¬3) حكاه ابن قتيبة وجماعة والكسر أفصح. (¬4) ويقال: بالفتح للميت، وبالكسر للنعش عليه ميت، بدل عكسه، حكاه صاحب المطالع، وقيل هما لغتان فيهما، ولفظ القاموس: الجنازة الميت ويفتح، أو بالكسر الميت، وبالفتح السرير، أو عكسه، أو بالكسر السرير مع الميت.

يسن الإكثار من ذكر الموت والاستعداد له

فإن لم يكن عليه ميت فلا يقال نعش، ولا جنازة، بل سرير، قاله الجوهري (¬1) واشتقاقه من جَنَزَ إذا ستر (¬2) وذكره ها لأّن أهم ما يفعل بالميت الصلاة (¬3) ويسن الإكثار من ذكر الموت (¬4) والاستعداد له (¬5) . ¬

_ (¬1) ولفظه: والنعش سرير الميت، سمي بذلك لارتفاعه، فإذا لم يكن عليه ميت، فهو سرير. وقال: الجنازة الميت على السرير، فإذا لم يكن ميت فهو سرير ونعش عن الأصمعي، وقال الأزهري: لا يسمى جنازة حتى يشد الميت عليه مكفنًا. (¬2) وبابه ضرب، قاله ابن فارس وغيره، وفي القاموس: جنزه يجنزه ستره وجمعه. قال النووي: والمضارع يجتز بكسر النون، وقيل لمناسبة موجودة، لأنه إما ساتر أو مستور، فكان معناه لغة الستر. (¬3) عليه لما فيها من فائدة الشفاعة له، والدعاء له بالنجاة من العذاب، لا سيما عذاب القبر الذي سيدفن فيه، وإلا فحقه أن يذكر بين الوصايا والفرائض، وأفرده وأخره لمغايرتها لمطلق الصلاة نظرًا لتلك المغايرة، فإنها ليست صلاة من كل وجه، ولتعلقها بآخر ما يعرض للحي وهو الموت. (¬4) باتفاق أهل العلم، لأنه أدعى إلى امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والموت مفارقة الروح والجسد، وقد مات يموت ويمات بفتح الياء وتخفيف الميم، فهو ميت، وميت بالإسكان، وليس الموت بإفناء وإعدام، وإنما هو انتقال، وتغير حال، وفناء للجسد دون الروح، إلا ما استثنى من عجب الذنب. (¬5) أي التأهب وأخذ العدة، بالمبادرة إلى التوبة من المعاصي، والخروج من المظالم، لأنه شرط لصحة التوبة، بل أهم شروطها، لمن كان عنده مظلمة لأحد من نفس أو مال أو عرض، وبالجملة فيسن مبادرته إلى الإقبال على الخير، ومجانبة الشر، لئلا يفجأه الموت المفوت له، فيلاحظ الجوف من الله، والعرض والسؤال مما يقع له بعد الموت، ونقل عن أحمد أنه استحسن استعداد الكفن، لحل أو لعبادة فيه، لما فيه من أثر الطاعة، وقال الشيخ: لا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك هو ولا أصحابه، والعبد لا يدري أين يموت، وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت، فهذا إنما يكون بالعمل الصالح.

لقوله عليه الصلاة والسلام: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» هو بالذال المعجمة (¬1) . ¬

_ (¬1) رواه الخمسة بأسانيد صحيحة، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وهاذم اللذات هو الموت، فيسن الإكثار من ذكره، والاستعداد له، والتوبة قبل نزوله، والهذم القاطع، وتمام الحديث «فيما ذكر في كثير إلا قلله، ولا في قليل إلا كثره» أي ما ذكر في قليل الرزق إلا استكثره الإنسان، لاستقلال ما بقي من عمره، وما ذكر في كثير إلا قلله، لأن كثير الدنيا إذا عَلمّ انقطاعَهُ بالموت قلّل ما عنده، وللترمذي وغيره عن ابن مسعود مرفوعًا «استحيوا من الله حق الحياء» قالوا: إنا نستحي يا نبي الله والحمد لله؛ قال «ليس كذلك، ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» ولابن ماجه عن أنس مرفوعًا: أنه أبصر جماعة يحفرون قبرًا، فبكى حتى بل الثرى بدموعه، وقال «لمثل هذا فاستعدوا» وإسنادهما حسن، وفي الصحيح «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وروي عنه «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت» وسئل: أي الناس أكيس وأحزم؟ قال «أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادً، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف، الدنيا والآخرة» رواه ابن ماجه وغيره.

ويكره الأنين (¬1) . ¬

_ (¬1) ما لم يغلبه لأنه يترجم عن الشكوى، بل عليه أن يستحضر ما وعد الله الصابرين، وفإنه قال {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ويجب الصبر إجماعًا، فإن الثواب في الصائب معلق على الصبر عليها، والصبر حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك، والصبر الجميل صبر بلا شكوى إلى المخلوق، والشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، بل مطلوبة شرعًا مندوب إليها اتفاقًا، وأما الرضا فمنزلة فوق الصبر، فإنه يوجب رضي الله عز وجل، ومن شكى إلى الناس وهو في شكواه راض بقضاء الله، لم يكن ذلك جزعا، لقوله لجبرائيل «أجدني مغمومًا، أجدني مكروبًا» وقوله «بل أنا وارأساه» وقال له ابن مسعود: إنك لتوعك وعكًا شديدًا. قال «أجل كما يوعك رجلان منكم» متفق عليه، وقول أيوب {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} ونحو ذلك مما يدل على إباحة إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من المصائب، ولا يكون ذلك شكوى. وفي الصحيحين عن ابن مسعود: إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك، فإذا حمد الله تعالى، ثم أخبر بعلته، لم يكن شكوى منه، إلا أن أخبر بها تبرمًا وتسخطً، لا للاعتبار والتسلية، كقول خباب: ما لقي أحد ما لقيت. وكقول أبي هريرة عن جوعه وربطه الحجر، وإذا كانت المصيبة مما يمكن كتمانها فكتمانها من أعمال الله الخفية، وذكر الشيخ أن عمل القلب من التوكل وغيره واجب باتفاق الأئمة، ويحسن ظنه بالله، فصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن ظنه بالله» أي أن يغفر له ويرحمه، ويتدبر ما ورد من الآيات والأحاديث من كرم الله وعفوه ورحمته، وما وعد به أهل توحيده، وما يبدلهم من الرحمة يوم القيامة، وفي الصحيح «أنا عند ظن عبدي بي» زاد أحمد «إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن بي شرًا فله» وقال «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي خيرًا» . وفي الصحيحين «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن ذكره لقاء الله كره الله لقاءه» فتأكد أن على العبد أن يحسن ظنه عند إحساسه بلقاء الله، لئلا يكره لقاء الله، ويسن لمن عنده تحسين ظنه، وتطعيمه في رحمه ربه، ويذكر له الآيات والأحاديث في الرجاء، وينشطه لذلك، وقيل بوجوبه إذا رأى منه أمارات اليأس والقنوط، لئلا يموت على ذلك فيهلك، فهو من النصيحة الواجبة، ويغلب الرجاء لقوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} وأما في الصحة فيغلب الخوف، ليحمله على العمل، ونص أحمد: يكون خوفه ورجاءه واحدًا، فأيهما غلب على صاحبه هلك. قال الشيخ: هذا العدل، لأن من غلب عليه الخوف أوقعه في نوع من اليأس، ومن غلب عليه الرجاء أوقعه في نوع من الأمن من مكر الله، والرجاء بحسب رحمة الله يجب ترجحيه وأما الخوف فيكون بالنظر إلى تفريط العبد، ومن أقبح القبائح أن يكون آخر عهده من الدنيا التفريط.

لا يكره تمني الموت لضرر في الدين أو وقوع فتنة

وتمنى الموت (¬1) . ¬

_ (¬1) أي ويكره تمني الموت لضر نزل به من مرض، أو ضيق دنيا أو غير ذلك، لحديث «لا يتمنين أحدكم الموت، ولا يدع به من قبله أن يأتيه، إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا» رواه مسلم، ولأحمد وغيره «وإن من السعادة أن يطول عمر العبد، حتى يرزقه الله الإنابة» وعن بعض السلف: إن كان من أهل الجنة فالبقاء خير له، وإن كان من أهل النار فما يعجله إليها. وعن أنس «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» متفق عليه، ولهما «لا يتمنن أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب» ولما في التمني المطلق من الاعتراض ومراغمة القدر، وفي هذه الصورة ونحوها نوع تفويض وتسليم للقضاء، والمرض كفارة له، وموعظة في المستقبل. وأما تمني الموت لضرر في الدين، أو وقوع في فتنة ونحوها فلا يكره، بل يستحب، للحديث المشهور «وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» صححه الترمذي وغيره، ولقوله {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} وقال عن مريم {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} ولعل المراد أيضًا مع عدم الضرر، لحديث عمار «اللهم بعلمك الغيب؛ وقدرتك على الخلق، أحيني إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» الحديث رواه أحمد وغيره بسند جيد، ومراد الأصحاب غير تمني الشهادة، فإنه مستحب، لا سيما عند حضور أسبابها، لما ثبت في الصحيح وغيره عنه - صلى الله عليه وسلم - «من تمنى الشهادة خالصًا من قلبه، أعطاه الله منازل الشهداء» وفيه عن عمر قال: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك» .

يباح التداوي بمباح إجماعا ولا يجب عند جمهور العلماء ولو ظن نفعه

ويباح التداوي بمباح (¬1) وتركه أفضل (¬2) ويحرم بمحرم مأكول وغيره (¬3) . ¬

_ (¬1) إجماعًا، ولا يجب عند جمهور العلماء، ولو ظن نفعه، واختار القاضي وابن عقيل وابن الجوزي وغيرهم فعله، وفاقًا لأكثر الشافعية، وعند الحنفية أنه مؤكد، حتى يدانى به الوجوب، ومذهب مالك أن التداوي وتركه سواء. (¬2) هذا المشهور في المذهب، لخبر السبعين ألفًا يدخلون الجنة، ولأنه أقرب إلى التوكل، وجاءت الأحاديث بإثبات الأسباب والمسببات، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش، قال الشيخ: ينبغي أن يعلق الرجاء بالله لا بمخلوق، ولا بقوة العبد ولا عمله، فإن تعليق الرجاء بغير الله شرك، وإن كان الله جعل لها أسبابًا، فالسبب لا يستقل بنفسه، بل لا بد له من معاون، ولهذا قيل: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والقدح في الأسباب بالكلية قدح في الشرع. (¬3) وهو مذهب جماهير العلماء، لما في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» ورواه ابن حبان وغيره مرفوعًا، ولأبي داود وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا «إن الله أنزل الدواء وأنزل الداء، وجعل لكل داء دواء، ولا تداووا بحرام» ولأحمد والترمذي وغيرهما عنه: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الدواء بالخبيث. وفي صحيح مسلم وغيره في الخمر «إنه ليس بدواء ولكنه داء» فهي أم الخبائث، وحسم الشارع عن قربانها، حتى في تناولها على وجه التداوي. ويحرم التداوي بـ «سم» ، لقوله {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} وفي بعض ألفاظ حديث النهي عن الدواء بالخبيث: يعني السم. فإن كان الداء مسمومًا، وغلبت منه السلامة، ورجي نفعه أبيح، لدفع ما هو أعظم منه، كغيره من الأدوية، وكذا نبات فيه سمية إن غلبت السلامة مع استعماله، ويدخل فيما تقدم ترياق فيه لحوم حيات، أو خمر أو ضفدع، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل الضفدع لذلك، وكتب عمر إلى خالد بن الوليد، وكان قد بلغه أنه يتدلك بالخمر، فقال: إن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنها، وقد حرم مس الخمر، كما حرم شربها، فلا تمسوها أجسادكم، فإنها نجسة. وقال شيخ الإسلام في التداوي بالتلطخ به ثم يغسله بعد ذلك: الصحيح أنه يجوز للحاجة، كما يجوز استنجاء الرجل بيده، وإزالة النجاسة بيده، وكلبس الحرير للتداوي به، لا ما أبيح للضرورة، كالمطاعم الخبيثة، فلا يجوز التداوي بها. وذكر الدليل والتعليل في غير موضع، وجوز هو وغيره الاكتحال بميل الذهب والفضة للحاجة. ولا بأس بالحمية، وهي منع المريض من تناول ما يضره، وتحرم التميمة، وهي عوذ أو خرز أو خيوط ونحوها يتعلقها، لقوله «من تعلق تميمة فلا أتم الله له» ، وفي رواية «من تعلق تميمة فقد ِأشرك» وذلك لما فيها من تعلق القلب على غير الله، في جلب نفع، أو دفع ضر، فكان شركًا من هذه الحيثية، ولا بأس بكتب قرآن ذكر في إناء ثم يسقى فيه مريض وحامل لعسر الولد.

............................................................

من صوت ملهاة وغيره (¬1) ويجوز ببول إبل فقط، قاله في المبدع (¬2) ويكره أن يستطب مسلم ذميًا، لغير ضرورة (¬3) وأن يأخذ منه دواءً لم يبين له مفرداته المباحة (¬4) . ¬

_ (¬1) الملهاة بكسر الميم آلة اللهو، كالعود والطنبور والطبل ونحو ذلك، وغير صوت الملهاة كسماع الغناء المحرم، وأما السماع الطيب فهو طيب الأنفس، وراحة القلوب، وغذاء الأرواح، ومن أجل الطب الروحاني، وسبب السرور، ويقوى أفعال القوى، ويدفع أمراضًا ويخصب أبدانًا، ويلائم أصحاب العلل، وأنفعه سماع كتاب الله وأحاديث رسوله - صلى الله عليه وسلم -، مما ثبت عنه في الرقائق، وأبيات موزونة في الزهد، وقال ابن القيم وغيره: وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه، وصلاحه وتقوية أرواحه وقواه بالصدقة، وفعل الخير والإحسان، والإقبال على الله والدار الآخرة، فليس بطبيب، ومن أعظم العلاج فهو الخير والإحسان، والذكر والدعاء، والتضرع إلى الله، والتوبة، وتأثيره أعظم من الأدوية، لكن بحسب استعداد النفس وقبولها. (¬2) أي ويجوز التداوي ببول إبل فقط، لا غيره مما أكل لحمه، ونقل جماعة: يجوز ببول ما أكل لحمه، قياسًا على الإبل، وتقدم أمره العرنين أن يشربوا من أبوالها وألبانها. (¬3) أي يكره أن يستوصف مسلم ذميًا أو يطلب منه مداواته، ولا يأمنه وقد خونه الله، إلا لضرورة نزلت به، أما إذا كان بحال ضرورة فلا كراهة، فإن الضرورة تبيح المحظور. (¬4) من أي جنس من أجناس الأدوية المركبة، وذلك لئلا يجعل في نحو معاجين يكون منها نحو خمر.

السنة تدل على أن عيادة المريض واجبة أو مندوبة مؤكدة

و (تسن عيادة المريض) (¬1) . ¬

_ (¬1) أي زيادة وافتقاده، من العود وهو الرجع، حكاه النووي وغيره إجماعًا لما في الصحيحين وغيرهما «خمس تجب للمسلم على أخيه» وذكر عيادة المريض، وفي لفظ «حق المسلم على المسلم» وفي الصحيح «عودوا المريض» وغير ذلك من الأحاديث، وقال شيخ الإسلام: الذي يقتضيه النص وجوب عيادة المريض، كرد السلام، وأوجبها أبو الفرج وغيره، ولعل المراد مرة، أو على الكفاية، اختاره الشيخ، والسنة تدل على أنها واجبة أو مندوبة مؤكدة، شبيهة بالواجب الذي لا ينبغي تركه، أو في حق بعض دون بعض. وورد في فضلها آثار كثيرة: منها ما رواه مسلم وغيره «إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم، لم يزل في مخرفة الجنة» أي يخترف من ثمارها «حتى يرجع» وورد عن نحو عشرة من الصحابة مرفوعًا «من عاد مريضًا خاض في الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته» وللترمذي أنه قال «من عاد مريضًا نادى مناد من السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً» ويسن أكثر من مرة إجماعًا، لقصة سعد، ومن كل مرض، ولو من وجع ضرس، أو رمد، أو دمل ونحوه، وكان عليه الصلاة والسلام يعود من الرمد، وغيره، رواه أبو داود وغيره، ولو عدوًا، ومن لا يعرفه، وكذا ذمي قريب، أو جار ونحوهما، ومن يرجى إسلامه. ونص أحمد: لا يعاد المبتدع. وعنه الداعية فقط، وفي النوادر: تحرم عيادة المبتدع، ومن جهر بالمعصية، ومن فعل بحيث يعلم جيرانه ولو في داره فمعلن، والمستتر من لا يعلم به غالبًا، إما لبعده أو نحوه، غير من حضره، واعتبر الشيخ المصلحة في ذلك، وقال في عيادة النصراني: لا بأس بها، فإنه قد يكون في ذلك مصلحة، لتأليفه على الإسلام، اهـ. وعاد النبي - صلى الله عليه وسلم - غلامًا له يهوديًا فأسلم، وعاد عمه وهو مشرك، ولا تكره عيادة رجل لامرأة غير محرم، لقصة أبي بكر مع أم أيمن وغيرها، إلا مع خوف الفتنة.

والسؤال عن حاله، للأَخبار (¬1) ويغب بها (¬2) وتكون بكرة وعشيًا (¬3) . ¬

_ (¬1) نحو: كيف حالك؟، وكيف تجدك؟. وكان عليه الصلاة والسلام يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه، ويسأله عن حاله، ويقول «كيف تجدك؟» ويسأل عما يشتهيه، ويخبره المريض بما يجده، بلا شكوى، الحديث بشر بن الحارث، ولما بلغ أحمد قال: أجد كذا، أجد كذا. (¬2) أي بالعيادة وروي «أغبوا في عيادة المريض، وأربعوا» يقول: عد يومًا ودع يومًا، أو دع يومين وعد اليوم الثالث، أي لا تعودنَّ في كل يوم، لما يجده من ثقل العواد. وصوب في الإنصاف اختلافه باختلاف حال الناس، وقطع به ابن عبد القوي وغيره فنحو القريب والصديق ممن يستأنس به المريض، أو يشق عليه عدم رؤيته كل يوم، يسن لهم المواصلة، ما لم يفهموا أو يعلموا كراهية، ومراد الأصحاب في الجملة. شعرًا: لا تضجرن عليلاً في مسائله ... إن العيادة يوم بين يومين بل سله عن حاله وادع الإله له ... واجلس بقدر فواق بين حلبين من زار غبًا أخًا دامت مودته ... وكان ذاك صلاحًا للخليلين (¬3) أي في أول النهار أو آخره، فالواو هنا بمعنى «أو» قال أحمد عن وسط النهار: ليس هو موضع عيادة. وفي رمضان ليلاً، لأنه أرفق بالعائد، وقال ابن القيم وغيره: لم يخص - صلى الله عليه وسلم - يومًا من الأيام، ولا وقتًا من الأوقات بعيادة، بل شرع لأمته ذلك ليلاً ونهارًا، وفي سائر الأوقات. اهـ. وتكون العيادة من أول المرض لخبر «إذا مرض فعده» ولا يطليل الجلوس عنده في الجملة، بل يختف باختلاف الزائر، أو يعمل بالقرائن، وظاهر الحال.

ويأخذه بيده، ويقول: لا بأس طهور إن شاء الله تعالى. لفعله عليه السلام (¬1) وينفس له في أَجله، لخبر رواه ابن ماجه عن أبي سعيد (¬2) فإن ذلك لا يرد شيئًا (¬3) ويدعو له بما ورد (¬4) . ¬

_ (¬1) رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان إذا دخل على من يعوده قال «لا بأس طهور إن شاء الله» وربما قال «كفارة وطهور» . (¬2) ولفظه «إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله» ورواه الترمذي وغيره، فيهون عليه مما هو فيه. (¬3) أي من القضاء والقدر، ولا بأس عليكم بتنفيسكم، وإنما هو تطييب لنفسه، وإدخال للسرور عليه، وتخفيف لما يجده من الكرب، وقيل لهارون وهو عليل: هون عليك، وطيب نفسك، فإن الصحة لا تمنع من الفناء، والعلة لا تمنع من البقاء. فقال: والله لقد طيبت نفسي، وروحت قلبي. (¬4) فإنه صلى الله عليه وسلم يدعو للمريض ثلاثًا، كما قال لسعد «اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا» رواه مسلم، وكان أحيانًا يضع يده على جبهة المريض، ثم يمسح صدره وبطنه، ويقول «اللهم اشفه» وكان يمسح بيده اليمنى على المريض ويقول «أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» أخرجاه، ولأحمد وأبي داود وغيرهما «ما من مسلم يعود مريضًا لم يحضر أجله فيقول سبع مرات: أسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يشفيك. إلا عوفي» وعن أبي سعيد أن جبرائيل عاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال «بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل شر أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك» رواه مسلم. وكان صلى الله عليه وسلم يرقي من به قرحة، أو جرح أو شكوى، فيضع سبابته بالأرض ثم يرفعها، ويقول «بسم الله بتربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا» أخرجاه، ويستحب أن يقرأ عنده فاتحة الكتاب، وسورة الإخلاص والمعوذتين، لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان ينفث على نفسه بها، وقال لعثمان بن أبي العاص «ضع يدك على الذي يألم من جسدك, وقل: باسم الله، ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته، من شر ما أجد وأحاذر» وكان صلى الله عليه وسلم إذا أيس من المريض قال: «إنا لله وإنا إليه راجعون» .

يسن التذكير بالتوبة وتتأكد في حق المريض

(و) يسن (تذكيره التوبة) لأنها واجبة على كل حال (¬1) وهو أحوج إليها من غيره (¬2) . ¬

_ (¬1) من كل ذنب، وفي كل وقت، فقد يأتي الموت بغتة، ومن تمام نعمة الله على عبده توفيقه للتوبة النصوح، والاستغفار بين يدي ربه، ليلقاه طاهرًا مطهرًا من كل ذنب، فيقدم عليه مسرورًا راضيًا مرضيًا عنه، وتتأكد في حق المريض، والتوبة الندم، والإقلاع عن الذنب، والعزيمة على أن لا يعود، والتوبة من ظلم الناس برد أموالهم، وتحللهم من أعراضهم، وإلا فالأمر إلى الله، ولا بد للمظلوم من الانتصاف يوم القيامة، ومن لم يتمكن فليكثر من فعل الخير ليرجح ميزان الحسنات، ومن تاب توبة عامة كانت مقتضية لغفران الذنوب كلها، وإن لم يستحضر أعيان الذنوب، إلا أن يكون بعض الذنوب لو استحضره لم يتب عنه، لقوة إرادته إياه، أو لاعتقاده أنه حسن. (¬2) لنزول مقدمات الموت به، قال صلى الله عليه وسلم «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» أي تبلغ روحه إلى حلقه، فإن قرب الموت لا يمنع من قبولها، بل المانع مشاهدة الأهوال التي يحصل العلم عندها على سبيل الاضطرار، فلا تقبل توبة اليائس، بجامع عدم الاختيار، وخروج النفس من البدن، وينبغي له أن يحرص على تحسين خلقه، والاشتغال بنفسه، وما يعود عليه، وأن يجتنب المخاصمة، والمنازعة في أمور الدنيا، وأن يستحضر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته في دار العمل، فيختمها بخير، ويستحل أهله وجيرانه، ومن بينه وبينه معاملة، ويوصي أهله بالصبر عليه، والدعاء له، ويجتهد في ختم عمره بأكمل الأحوال.

(والوصية) (¬1) لقوله عليه السلام «ما حق امرئٍ مسلم له شيءٌ يوصي به، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» متفق عليه عن ابن عمر (¬2) . ¬

_ (¬1) أي ويسن أن يذكر المريض الوصية، ويرغبه فيها، ولو كان مرضه غير مخوف، لأن ذلك مطلوب حتى من الصحيح، وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوصية، والجمهور على استحبابها، وهذا في المتبرع بها، وأما الوصية بأداء الديون ورد الأمانات فواجب عليه. (¬2) وفي رواية «ليلة» وفي رواية «ثلاثًا» أي ليس الحزم والاحتياط والمعروف شرعًا لامرئ إلا ذلك، و «ما» نافية، وجملة «له شيء» صفة «امرئ» وجملة «يوصي به» صفة لشيء، وجملة «يبيت ليلتين» خبر، وجملة «ووصيته» الخ، حال، والمعنى لا ينبغي له أن يمضي عليه زمان وإن كان قليلاً، في حال من الأحوال، إلا أن يبيت بهذه الحال، وهي أن تكون وصيته مكتوبة عنده، وذكر الليلتين تأكيد لا تحديد، فلا ينبغي أن يمضي عليه زمان وإن كان قليلاً إلا ووصيته مكتوبة عنده، لأنه لا يدري متى يدركه الموت، قال الشيخ: وقد روي «من مات ولم يوص لا يستطيع الكلام» ويعتمد على الله عز وجل فيمن يحب من بنيه وغيرهم، ويراه أهلاً، ويوصي بقضاء ديونه، وتفرقة وصيته، ونحو غسله، والصلاة عليه، وعلى غير بالغ رشيد من أولاده للأرجح في نظره، أمانة، وعدالة، وإصلاحًا، من قريب أو أجنبي، لأنه المصلحة، وقال الوزير وغيره: اتفقوا على استحباب الوصية لمن له أو عليه ما يفتقر إلى الإيصاء به، من أمانة وضيعة وغير ذلك مع الصحة، وعلى تأكدها مع المرض.

يسن لقنه لا إله إلا الله ولا يكثر التكرار لئلا يضجره

(وإذا نُزل به) أي نزل به ملك الموت لقبض روحه (¬1) (سن تعاهد) أرفق أهله وأتقاهم لربه بـ (بل حلقه بماءٍ أو شراب (¬2) وندي شفتيه) بقطنة (¬3) لأن ذلك يطفئُ ما نزل به من الشدة (¬4) ويسهل عليه النطق بالشهادة (¬5) (ولقنه لا إله إلا الله) (¬6) . ¬

_ (¬1) وأيس من حياته، وظهر عليه علامات الموت، وخروج الروح، والروح هنا في النفس الناطقة المستعدة للبيان، وفهم الخطاب، ولا تفني بفناء الجسد. (¬2) أي تعاهد ورعاية ألطف أهله، من والد وولد وقريب، وأتقاهم وأحناهم، وأعرفهم بمداراة المريض، فيجرع الماء أو الشراب ندبًا، بل وجوبًا إن ظهرت أمارة تدل على احتياجه له، كأن يهش إذا فعل به ذلك، لأن العطش يغلب حينئذ، لشدة النزع، وأجمع العلماء على وجوب الحضور عنده، لتذكيره وتأنيسه، وتغميضه والقيام بحقوقه، ويستحب لأهل المريض ومن يخدمه الرفقُ به، واحتمال الصبر على ما يشق من أمره، وكذا من قرب موته بسبب حد أو قصاص أو نحوهما، لقوله عليه الصلاة والسلام لولي التي زنت «أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها» . (¬3) أي بل شفتيه عند نشافهما بقطنة. (¬4) أي لأن تعاهد بل حلقه وشفتيه يبرد ما نل به من شدة النزع، قال في الإنصاف: بلا نزاع. (¬5) لأن تعاهده بذلك يسهل عليه التلفظ بلا إله إلا الله. (¬6) أي ويسن إجماعًا لقنه، بفتح فسكون، يعني أي تذكيره عند الاحتضار بكلمة الإخلاص ليموت عليها فتنفعه بحصول ما وعده الله عليها، ولأن تلك الحالة يتعرض فيها الشيطان لإفساد اعتقاد الإنسان، فيحتاج إلى مذكر له ومنبه على التوحيد، ولفعله صلى الله عليه وسلم، والمراد ختم كلامه بلا إله إلا الله، فإنه ليس مسلم يقولها عند الموت إلا أنجاه الله من النار، وروي من حديث عطاء عن أبيه عن جده «من لقن عند الموت لا إله إلا الله. دخل الجنة» ، واقتصر عليها لأنه يلزم من قولها الاعتراف بأن محمدًا رسول الله.

لقوله عليه السلام «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» رواه مسلم عن أبي سعيد (¬1) (مرة، ولم يزد على ثلاث) لئلا يضجره (¬2) . ¬

_ (¬1) ورواه أحمد وأهل السنن، ولمسلم عن أبي هريرة بمثل حديث أبي سعيد، وصرح المناوي وغيره بتواتره، والتلقين سنة مأثورة لهذا الخبر وغيره، عمل بها المسلمون، وأجمعوا عليها، وعلى جميع القيام بحقوقه، وعن معاذ مرفوعًا «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» رواه أحمد وغيره، ولمسلم «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» وله أيضًا: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله؛ ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة» وروى غيره نحو ذلك من طرق كثيرة، وروى سعيد عن معاذ بن جبل مرفوعًا «من كان آخر قوله عند الموت: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. هدمت ما كان قبلها من الخطايا والذنوب، فلقنوها موتاكم» فقيل: فكيف هي للأحياء؟ قال «أهدم وأهدم» واستفاض من غير وجه في الصحيحين وغيرهما، أن قول لا إله إلا الله من موجبات دخول الجنة، من غير تقييد بحال الموت، فبالأولى أن توجب ذلك إذا كان في وقت لا تعقبه معصية، وقوله «موتاكم» أي من قرب منه الموت، سماه ميتًا باعتبار ما يؤول إليه، كقوله «من قتل له قتيل» . (¬2) ولا يقال له: قل، بل يتشهده عنده، ولا يكثر التكرار، وكره أهل العلم الإكثار عليه، والموالاة، لئلا يضجره، فيقول: لا أقول. أو يتكلم بغيرها مما لا يليق، لضيق حاله، وشدة كربه، أو يكره ذلك بقلبه، وقال ابن المبارك مع ورعه لمن أكثر عليه: إذا قلت مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم. والجمهور على تلقينه مرة، وذكره في الفروع اتفاقًا.

القراءة على الميت بعد موته بدعة بخلاف المحتضر فتستحب

(إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه) ليكون آخر كلامه لا إله إلا الله (¬1) ويكون (برفق) أي بلطف ومداراة (¬2) لأنه مطلوب في كل موضع، فهنا أولى (¬3) (ويقرأُ عنده) سورة (يس) (¬4) لقوله عليه السلام «اقرؤا على موتاكم سورة يس» رواه أبو داود (¬5) . ¬

_ (¬1) وتقدم «أن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» وكذا إن لم يجب أعاد تلقينه، ليكون آخر كلامه الشهادة، وفي قصة وفاة أبي طالب: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه. (¬2) لئلا ينفر، ذكره النووي وغيره إجماعًا. (¬3) أي اللطف والمداراة لما نزل به، ويسره برفق، لأنه مشغول بما هو فيه، فربما حصل له التأذي به إذا كان بعنف، وينبغي أن لا يلقنه من يتهمه، لكونه وارثًا، أو عدوًا أو حاسدًا ونحوهم، واستحب الشيخ وغيره تطهير ثيابه قبل موته. (¬4) بسكون النون على الحكاية، واستحب شيخ الإسلام وغيره قراءتها عند المحتضر. (¬5) ورواه ابن ماجه، وصححه ابن حبان، وقال: أراد من حضرته المنية، لا أن الميت يقرأ عليه كذلك. وذكر ابن القيم رواية «عند موتاكم» أي من حضره الموت منهم، لأن الميت لا يقرأ عليه، وقال الشيخ: القراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر، فإنها تستحب بـ (يس) وقيل: الحكمة في قراءتها اشتمالها على أحوال القيامة وأهوالها، وتغير الدنيا وزوالها، ونعيم الجنة وعذاب جهنم، فيتذكر بقراءتها تلك الأحوال الموجبة للثبات، قال الشيخ: وعرض الأديان عند الموت، ليس عامًا لكل أحد، ولا منفيًا عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الأديان، ومنهم من لا تعرض عليه، وذلك كله من فتنة المحيا، والشطيان أحرص ما يكون على إغواء بني آدم وقت الموت.

يوجه إلى القبلة، وإذا مات سن تغميض عينيه وشد لحييه وتليين مفاصله

ولأَنه يسهل خروج الروح (¬1) ويقرأُ عنده أيضًا الفاتحة (¬2) (ويوجهه إلى القبلة) (¬3) لقوله عليه السلام عن البيت الحرام «قبلتكم أَحياءً وأَمواتًا» رواه أبو داود (¬4) وعلى جنبه الأّيمن أَفضل إن كان المكان واسعًا (¬5) وإلا فعلى ظهره مستلقيًا، ورجلاه إلى القبلة (¬6) . ¬

_ (¬1) أي لأن قراءة (يس) عند المحتضر يسهل عليه خروج الروح، لما فيها من ذكر تغير الدنيا، وزوالها وغير ذلك. (¬2) لفضلها، و {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} لفضلها أيضًا، وورد أنها المنجية من عذاب القبر. وقال أحمد: يقرأ عند الميت إذا حضر، ليخفف عنه بالقرآن. (¬3) قبل النزول به وتيقن موته، لأنه الذي عليه الناس، خلفًا عن سلف، وقال بعضهم: لا يوجه قبل النزول به، وتيقن موته، وبعد تيقن الموت يوجه إجماعًا. (¬4) ولحديث أبي قتادة أخرجه البيهقي وغيره، وأوضح منه قصة البراء بن معرور في إيصائه أن يوجه إلى القبلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أصاب السنة» رواه الحاكم والبيهقي وغيرهما، وروي عن حذيفة أنه أمر أصحابه عند موته أن يوجهوه إلى القبلة، وكذا روي عن فاطمة وغيرها. (¬5) أي لتوجيهه على جنبه، للأدلة على توسد اليمين عند النوم، فإنه ينبغي أن يكون المحتضر كذلك، وهو مذهب الجمهور مالك وأبي حنيفة ووجه للشافعية. (¬6) أي وإن لم يكن المكان واسعًا لتوجيهه على جنبه، بل ضاق عن ذلك، فعلى ظهره مستلقيًا، ورجلاه إلى القبلة، كوضعه على مغتسله، وعنه: يوجه مستلقيًا على قفاه، سواء كان المكان واسعًا أو ضيقًا، اختاره أكثر أصحاب الأئمة وغيرهم، لأنه أيسر لخروج الروح، ولتغميضه، وشد لحييه، وأمنع من تقويس أعضائه، قال الموفق وغيره: ويحتمل أن يجعل على ظهر بكل حال.

ويرفع رأسه قليلاً، ليصير وجهه إلى القبلة (¬1) (فإذا مات سن تغميضه) (¬2) لأّنه عليه السلام أَغمض أَبا سلمة، وقال «إن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» رواه مسلم (¬3) ويقول: بسم الله، وعلى وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬4) ويغمض ذات محرم وتغمضه (¬5) وكره من حائض وجنب (¬6) . ¬

_ (¬1) دون السماء، قاله جماعة، ولعله ما لم يشق. (¬2) إجماعًا، للخبر، لا قبله، فذكر أبو داود أن أبا ميسرة غمض جعفرًا المعلّم في حالة الموت فرآه في منامه يقول: أعظم ما كان علي تغميضك لي قبل الموت، ومات الإنسان يموت ويمات، فهو مَيَّت ومَيْت، إذا فارقت روحه جسده. (¬3) أول الحديث «إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فلا تقولوا إلا خيرًا» أي فلا يتكلم من حضره إلا بخير، ولأحمد عن شداد مرفوعًا «إذا حضرتم الميت فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا، فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت» ولأنها إذا لم تغمض بقيت مفتوحة، فيقبح منظره، ويساء به الظن، ويقال: أغمض عينيه وغمضها، لغتان، وفي قصة أبي سلمة قال صلى الله عليه وسلم «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه» فينبغي أن يقال مثل ذلك. (¬4) يعني حال تغميضه، نص عليه، لما رواه البيهقي وغيره، عن بكر بن عبد الله المزني، ولفظه: وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم. (¬5) كأمه وأخته وأم زوجته، وأخته من رضاع، وكأبيها وأخيها، وظاهره لا يباح لغير محرم، ولعله إن أدى إلى لمسه، أو نظر ما لا يجوز، ممن لعورته حكم. (¬6) أي كره تغميض الميت من حائض أو جنب، نص عليه، وكره أن يقرباه لعدم دخول الملائكة البيت الذي فيه جنب، وقيس الحائض على الجنب بجامع العذر.

وأن يقرباه (¬1) ويغمض الأنثى مثلها أو صبي (¬2) (وشد لحييه) لئلا يدخله الهوام (¬3) (وتليين مفاصله) ليسهل تغسيله (¬4) فيرد ذراعيه إلى عضديه، ثم يردهما إلى جنبيه ثم يردهما (¬5) ويرد ساقيه إلى فخذيه، وهما إلى بطنه، ثم يردهما، ويكون ذلك عقب موته، قبل قسوتها (¬6) فإن شق ذلك تركه (¬7) . ¬

_ (¬1) لتحضره الملائكة، وحكى ابن المنذر الإجماع جوازه، ولكن الأولى أن يكون المتولي والحاضر طاهرًا، لأنه أكمل وأحسن. (¬2) أي يغمض الأنثى أنثى مثلها، أو صبي لم يبلغ الحلم. (¬3) أي ويسن إذا مات شد لحييه، بعصابة ونحوها، تجمع لحييه ويربطها فوق رأسه، وعن عمر لما حضرته الوفاة قال لابنه عبد الله: إذا رأيت روحي بلغت لهاتي، فضع كفك اليمنى على جبهتي، واليسرى تحت ذقني. ولئلا يبقى ذقنه مفتوحًا, ويتشوه خلقه، وتدخله الهام، أو الماء وقت غسله. (¬4) أي وينبغي تليين مفاصل أعضاء يديه ورجليه، جمع مفصل، ويكون عقب موته، قبل قسوتها، لبقاء الحرارة في البدن عقب الموت، فإنها إذا ألينت المفاصل حينئذ لانت، فسهل تغسيله، ولا يمكن تليينها بعد برودته. (¬5) ويرد أصابع يديه إلى كفيه ثم يبسطهما. (¬6) وبرودة أعضائه، فلا تلين عند الغسل. (¬7) أي فإن شق تليين مفاصله على ما تقدم، تركه، للأمر بالرفق به

(وخلع ثيابه) لئلا يحمي جسده فيسرع إليه الفساد (¬1) (وستره بثوب) (¬2) لما روت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين توفي سجي ببرد حبرة، متفق عليه (¬3) وينبغي أن يعطف فاضل الثوب عند رأْسه ورجليه، لئلا يرتفع بالريح (¬4) (ووضع حديدة) أو نحوها (على بطنه) (¬5) . ¬

_ (¬1) ويتغير بدنه بسببها، وربما خرجت منه نجاسة فلوثتها، واحترامًا له، وصونًا له عن الهوام. (¬2) أي ويسن ستر وجهه وسائر بدنه بثوب، إجماعًا. (¬3) وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، سنة عشر من هجرته صلوات الله وسلامه عليه، ودفن ليلة الأربعاء صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا، و «سجي» بضم السين وشد الجيم المكسورة، أي غطي جميع بدنه، قال الجوهري: سجيت الميت تسجية، إذا مددت عليه ثوبًا. وحكمته صيانته من الانكشاف، وستر عورته المتغيرة عن الأعين، والتسجية بعد نزع ثيابه التي توفي فيها، والبرد أكسية معروفة، أو ثوب مخطط، والحبرة بكسر الحاء وفتح الباء، ثوب فيه أعلام، أي مخطط ومحسن. (¬4) وعلل الشافعية بأن لا ينكشف. (¬5) أي ويسن وضع حديدة كمرآة وسيف وسكين ونحوها، كقطع طين على بطنه، فوق ثوبه المسجي به، وهو مستلق على ظهره، وقال ابن عقيل وغيره: هذا لا يتصور إلا وهو على ظهره، فيجعل تحت رأسه شيء عال، ليحصل مستقبلاً بوجهه القبلة، وقدموا الحديد لأنه أبلغ في دفع النفخ.

يسن الإسراع في تجهيزه إن مات غير فجأة

لقول أنس: ضعوا على بطنه شيئًا من حديد، لئلا ينتفخ بطنه (¬1) (ووضعه على سرير غسله) لأنه يبعد عن الهوام (¬2) (متوجهًا) إلى القبلة، على جنبه الأيمن (¬3) (منحدرًا نحو رجليه) أي أن يكون رأسه أعلى من رجليه، لينصب عنه الماء وما يخرج منه (¬4) (وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأَة) (¬5) لقوله عليه السلام: «لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله» رواه أبو داود (¬6) . ¬

_ (¬1) فيقبح منظره، رواه البيهقي وغيره، ولفظه: أنه مات مولى لأنس، عند مغيب الشمس، فقال أنس: ضعوا على بطنه حديدًا. وقدر بعضهم ما يوضع على بطنه بقدر عشرين درهمًا، ويصان عنه مصحف، وكتب حديث وفقه ونحوهما. (¬2) ويرتفع عن نداوة الأرض، لئلا يتغير بنداوتها، أو يحمي على فراش، فيتغير، فإن كانت الأرض صلبة، جاز جعله عليها، لزوال العلة وهو سرعة تغيره. (¬3) لما تقدم، وتقدم أنه يوضع على ظهره مستلقيًا. (¬4) أي من الميت، لئلا ينفجر بعد، ويستحب أن يلي ذلك منه أرفق الناس به بأرفق ما يقدر عليه. (¬5) أي يسن إسراع في تجهيزه، من غسل وتكفين وصلاة ودفن إجماعًا، فإن مات فجأة انتظر به من غدوة إلى الليل، نص عليه، وقال القاضي: يومين أو ثلاثة، ما لم يخف فساده، والفجاءة بضم الفاء والمد وكتمرة: الموت بغتة، من غير تقدم سبب من مرض وغيره، وتيقن موته أو من غير مرض ولا نزع ونحوه. (¬6) وعن علي نحوه، رواه أحمد وغيره، ويشهد له أيضًا أحاديث الإسراع بالجنازة، ولأنه أحفظ له، وأصون من التغير، قال أحمد: كرامة الميت تعجيله، وأول الحديث «ما أراه إلا قد حدث فيه الموت، فإذا مات فآذنوني، حتى أصلي عليه، وعجلوا به، فإنه لا ينبغي» الخ.

ولا بأْس أن ينتظر به من يحضره، من وليه أو غيره، إن كان قريبًا، ولم يخش عليه، أو يشق على الحاضرين (¬1) فإن مات فجأَة (¬2) أَو شك في موته انتظر به حتى يعلم موته، بانخساف صدغيه (¬3) وميل أنفه، وانفصال كفيه (¬4) . ¬

_ (¬1) نص عليه، لما يؤمل من الدعاء له إذا صلي عليه، ويباح إعلام الناس بموت قريبهم، للمبادرة لتهيئته، وشهود جنازته، والصلاة عليه وغير ذلك، بخلاف نعي الجاهلية، وهو النداء بموت الشخص، وذكر مآثره ومفاخره، قال ابن العربي وغيره: يؤخذ من مجموع الأحاديث في النعي ثلاث حالات، إعلام الأقارب والأصحاب وأهل الصلاح، فسنة، ودعوة الحفل للمفاخرة فتكره، والإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فتحرم اهـ. ونعي النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي في اليوم الذي مات فيه، ونعى الأمراء، «ونعى الميت» أخبر بموته، والنعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نهي عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، يرسلون من يعلن بخبر موت الميت، على أبواب الدور والأسواق. (¬2) أي بغتة بسبب صعقة أو هدم أو حرق، أو خوف من حرب أو سبع أو ترد من جبل، أو في بئر أو نحو ذلك، وكذا المطعون والمبطون، ونحوهم، انتظر به حتى يتيقن موته، بالعلامات الدالة عليه، لئلا يكون مغنى عليه، أو انطبق حلقه، أو غلب المرار عليه، أو غير ذلك. (¬3) وغيبوبة سواد عينيه في البالغين، وهو أقواها، والصدغ ما بين لحظ العين إلى أصل الأذن، مثل قفل. (¬4) أي انخلاعهما من ذراعيه، بأن تسترخي عصبة اليد، فتبقى كأنها منفصلة في جلدتها عن عظم الزند.

يجب الإسراع في قضاء دينه، وما فيه إبراء ذمته قبل الصلاة عليه

واسترخاء رجليه (¬1) (وإنفاذ وصيته) لما فيه من تعجيل الأَجر (¬2) (ويجب) الإسراع (في قضاءِ دينه) (¬3) . ¬

_ (¬1) أي لينها واسترسالها، بعد خروج الروح لصلابتها قبله، وكذا امتداد جلدة وجهه، وجلدة خصيتيه لانشمارهما بالموت، وأوضح علامات موته تغير رائحته، ولا ريب أن هذه العلامات دالة على موته يقينًا، ووجه تأخير من مات فجأة، أوشك في موته احتمال أن يكون عرض له سكتة ونحوها، وقد يفيق بعد يوم أو يومين أو ثلاثة، وقد يعرف موت غير الفجأة بهذه العلامات أيضًا وغيرها، وموت الفجأة أشق، وفيه أثر، ولأحمد، قال: أكره موت الفوات، ولعله لما فيه من خوف حرمان الوصية، وفوات الاستعداد للمعاد، بالتوبة وغيرها من الأعمال الصالحة، وعن عائشة وابن مسعود: موت الفجأة راحة للمؤمن، وأسف على الفاجر. وذكر المدائني: أن الخليل وجماعة من الأنبياء ماتوا فجأة، قال: وهو موت الصالحين، وهو تخفيف على المؤمنين، وقد يقال: إنه لطف ورفق بأهل الاستعداد للموت، وغضب ممن له تعلقات يحتاج إلى إيصاء وتوبة، وفي الخبر «المحروم من حرم وصيته» فينبغي لولده أن يستدرك من أعمال البر ما أمكنه، مما يقبل النيابة. وينبغي أن لا يترك الميت في بيت وحده، قال الآجري فيمن مات عشية: يكره تركه في بيت وحده، بل يبيت معه أهله. وقال النخعي: كانوا لا يتركونه في بيت وحده، يقولون: يتلاعب به الشيطان. (¬2) وقدمها تعالى على الدين حثًا على إخراجها لم أشبهت الميراث، في كونها بلا عوض، وكان في إخراجها مشقة على الوارث، ولذلك جيء بكلمة «أو» التي تقتضي التسوية، فاستويا في الاهتمام، وعدم التضييع، وإن كان الدين مقدمًا عليها. (¬3) وما فيه إبراء ذمته، قبل الصلاة عليه، لتركه عليه الصلاة والسلام الصلاة على من عليه دين، وقوله «صلوا على صاحبكم» فإن تعذر قضاء دينه في الحال استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل عنه، لئلا يحبس على دينه.

سواءٌ كان لله تعالى أو لآدمي (¬1) لما روى الشافعي وأحمد والترمذي وحسنه عن أبي هريرة مرفوعًا: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» (¬2) ولا بأس بتقبيله والنظر إليه، ولو بعد تكفينه (¬3) . ¬

_ (¬1) أي سواء كان الدين على الميت لله تعالى، من زكاة أو حج أو نذر طاعة أو كفارة ونحو ذلك، أو كان لآدمي، كرد أمانة وغصب وعارية وغير ذلك، وسواء أوصى بذلك أو لم يوص به، ويقدم على الوصية اتفاقًا، وإنما قدم ذكرها في القرآن لمشقة إخراجها على الوارث، فقدمت حثًا على الإخراج، لا تقديمًا لها على قضاء الدين، كما هو معروف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمر عمل المسلمين عليه. (¬2) أي مطالبه بما عليه، ومحبوسة عن مقامها، حتى يقضى عنه، والنفس لها ثلاث معان (أحدها) بدنه، (الثاني) الدم في جسد الحيوان، (الثالث) الروح الذي إذا فارق البدن لم يكن بعده حياة، وهو المراد بالنفس في هذا الحديث. ولأحمد عن سمرة «إن صاحبكم محتبس على باب الجنة في دين عليه» أي حتى يقضي عنه وارثه ونحوه، ففيه الحث على إسراع قضائه، ولحديث: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية. وهو مقيد بمن له مال يقضى منه دينه، ومن لا مال له ومات عازمًا على القضاء فقد ورد أحاديث تدل على أن الله يقضي عنه بل محبته لقضائه موجبة لقضاء الله عنه، وأن يقضي عنه من بيت مال المسلمين. (¬3) ممن يباح له ذلك في حال الحياة، نص عليه، لحديث عائشة قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل عثمان بن مظعون، وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل. وقال جابر: لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه، وأبكي، والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينهاني. قال الشارح وغيره: والحديثان صحيحان. ولتقبيل أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر، فكان إجماعًا.

فصل في غسل الميت وما يتعلق به

فصل (¬1) (غسل الميت) المسلم (¬2) (وتكفينه) فرض كفاية (¬3) لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذي وقصته راحلته «اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبيه» متفق عليه عن ابن عباس (¬4) (والصلاة عليه) فرض كفاية (¬5) . ¬

_ (¬1) في غسل الميت وما يتعلق به. (¬2) مرة، أو ييمم لعذر من عدم الماء، أو عجز عن استعماله لخوف نحو تقطع أو تهرّ، فرض كفاية إجماعًا، على من علم به وأمكنه، وخالف بعض المالكية، ورد ابن العربي وغيره على من لم يقل به، وقد توارد به القول والعمل، وغُسَّلَ الطاهرُ فكيف بمن سواه، وهو حق لله تعالى، فلو أوصى بعدمه لم يسقط، وإن لم يعلم به إلا واحد تعين عليه، وكذا جار بقربه. (¬3) بإجماع المسلمين على كل من أمكنه، على ما تقدم في تغسيله، وقد تواتر به القول والعمل، كما قاله ابن العربي وغيره. (¬4) وأول الحديث: بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة، إذا وقع عن راحلته فأوقصته، أي ألقته عن ظهرها، والوقص كسر العنق، فقال «اغسلوه» الخ، وأجمعوا على وجب تغسيله بالماء مع القدرة، وعلى استحباب جعل سدر في الماء، وعلى وجوب التكفين، كما هو نص الخبر وغيره، و «ثوبيه» إزاره ورداؤه. (¬5) بإجماع المسلمين.

لقوله عليه السلام: «صلوا على من قال لا إله إلا الله» رواه الخلال والدارقطني، وضعفه ابن الجوزي (¬1) (ودفنه فرض كفاية) (¬2) لقوله تعالى {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} قال ابن عباس: معناه أكرمه بدفنه (¬3) وحمله أيضًا فرض كفاية (¬4) وإتباعه سنة (¬5) وكره الإمام للغاسل أخذ أجرة على عمله إلا أن يكون محتاجًا، فيعطى من بيت المال (¬6) . ¬

_ (¬1) وله طرق لا تخلو من مقال، وهو عند أبي نعيم وغيره، ومن قال: لا إله إلا الله. عالمًا بمعناها، عاملاً بمقتضاها، فهو مسلم، وهو إجماع، ويصلي عليه، ولو أصاب شيئًا من المعاصي دون الشرك، ويأتي. (¬2) إجماعًا، وتقدم معنى فرض الكفاية أنه من فعله من فيه كفاية سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم. (¬3) ولم يجعله ملقى للسباع والطيور، وهذا مكرمة لبني آدم، دون سائر الحيوانات. وقال تعالى {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} وقد أرشد الله قابيل إلى دفن أخيه هابيل {فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} فكانت سنة في سائر بني آدم، ويذكر أن الغراب وكثيرًا من السباع إذا أحس بالموت غيب جثته، في مكان لا يطلع عليه غالبًا. ولأن في ترك جثة ابن آدم أذى للناس، وهتكًا لحرمته، فوجب دفنه، قال الموفق وغيره: لا نعلم فيه خلافًا. (¬4) إجماعًا، لأنه وسيلة لدفنه، والوسائل لها حكم الغايات. (¬5) ويأتي الندب إليه. (¬6) لأنه لمصالح المسلمين، وهذا منها، والظاهر ما يختص أن يكون فاعله من أهل القربة كما يأتي في الإجارة. والغسل ليس مختصًا، لصحة الغسل من الكافر، إذا حصل مسلم ينوبه.

أولى الناس بغسل الرجل وصيه ثم الأقرب فالأقرب والأنثى وصيتها ثم القربى فالقربى

فإن تعذر أعطي بقدر عمله، قاله في المبدع (¬1) والأفضل أن يختار لتغسيله ثقة، عارف بأحكامه (¬2) (وأولى الناس بغسله وصيه) العدل (¬3) لأن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته أسماء (¬4) وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين (¬5) (ثم أبوه) لاختصاصه بالحنو والشفقة (¬6) . ¬

_ (¬1) وقال في الإقناع: يكره أخذ أجرة على شيء من ذلك، يعني الغسل والتكفين والحمل والدفن، ويأتي في الإجارة أن كل عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، لا يجوز أخذ الأجرة عليه، وأما الصلاة عليه فيحرم أخذ الأجرة عليها، قولاً واحدًا. (¬2) ونقل حنبل: لا ينبغي إلا ذلك. وأوجبه أبو المعالي. (¬3) قال الخلوتي: يتجه ولو ظاهرًا، وظاهره ولو كان أنثى. اهـ. وكذا غير الوصي لعدم الفرق. (¬4) أخرجه مالك في الموطأ، ولا نزاع في جوازه، حكاه أحمد وابن المنذر وابن عبد البر وغيرهم، ويشهد له قول عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه. رواه أحمد وغيره. وأسماء هي بنت عميس الخثعمية، أسلمت قديمًا بمكة، وهاجرت مع جعفر، ثم تزوجها بعده أبو بكر، ثم علي رضي الله عنهم. (¬5) الأنصاري الثقة العابد، كبير القدر المتوفي سنة عشر ومائة، ولأنه حق للميت، فقد فيه وصيه على غيره، كباقي حقوقه. (¬6) أي لاختصاص الأب بالعطف والشفقة عليه، «وأشفق على الشيء» خاف عليه ووجل.

(ثم جده) وإن علا، لمشاركته الأب في المعنى (¬1) (ثم الأقرب فالأقرب من عصباته) (¬2) فيقدم الابن، ثم ابنه وإن نزل (¬3) ثم الأخ لأبوين، ثم الأخ لأب، على ترتيب الميراث (¬4) (ثم ذووا أرحامه) كالميراث (¬5) ثم الأجانب (¬6) وأجنبي أولى من زوجة وأمة (¬7) وأجنبية أولى من زوج وسيد (¬8) . ¬

_ (¬1) وجاء اسمه به في الكتاب والسنة. (¬2) لقوله عليه الصلاة والسلام «ليلة أقربكم، إن كان يعلم» رواه أحمد وغيره. (¬3) لقربه، ولما يأتي أن من البر أن يصلي عليه، فالتغسيل كذلك، وهو أحنى العصبة. (¬4) فيقدم عم لأبوين، ثم لأب وهكذا، ثم المعتق ثم عصبته الأقرب فالأقرب. (¬5) فالأخ لأم، والجد لها، والعم لها، وابن الأخت ونحوهم. (¬6) ويقدم الأصدقاء منهم، ثم غيرهم الأدين، لقوله عليه الصلاة والسلام «ليلة أقربكم إن كان يعلم، فإن لم يكن يعلم فمن ترون عنده حظًا من ورع وأمانة» رواه أحمد، ويقدم الجار على أجنبي وفاقًا، لا على صديق. (¬7) للخروج من الخلاف في تغسيلهما الزوج والسيد، لكن قال النووي وغيره: إنما هي رواية عن أحمد، فإن ثبتت فمحجوج بالإجماع. اهـ. وأكثر الأصحاب لم يذكروا هذه الرواية عنه رحمهم الله، منهم القاضي والشريف، وأبو الخطاب والشيرازي وغيرهم. (¬8) خروجًا من الخلاف في منعه غسلها، وبعض الأصحاب لم يذكر خلافًا، قياسًا له عليها، ولأحمد وغيره عن عائشة: أنه صلى الله عليه وسلم قال «ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك، وكفنتك، ثم صليت عليك ودفنتك» .

زوج أولى من سيد (¬1) وزوجة أولى من أم ولد (¬2) (و) الأولى (ب) ـغسل (أنثى وصيتها) العدل (¬3) (ثم القربى فالقربى من نسائها) (¬4) فتقدم أمها وإن علت (¬5) ثم بنتها وإن نزلت (¬6) ثم القربى كالميراث (¬7) وعمتها وخالتها سواء (¬8) وكذا بنت أخيها وبنت أختها، لاستوائهما في القرب والمحرمية (¬9) (ولكل) واحد (من الزوجين) إن لم تكن الزوجة ذمية (غسل صاحبه) (¬10) ¬

_ (¬1) يعني إذا ماتت رقيقة مزوجة، فزوجها أولى بغسلها من سيدها، لإباحة استمتاعه بها، إلى حين موتها، بخلاف سيدها. (¬2) أي إذا مات رجل له زوجة وأم ولد، فزوجته أولى بغسله من أم ولده، لبقاء علقة الزوجية من الإعداد والإحداد. (¬3) ولو ظاهرًا، كما تقدم في الرجال. (¬4) لما رواه البيهقي وغيره، عن أم سليم مرفوعًا «وليس غسلها أولى الناس بها، وإلا فامرأة ورعة» . (¬5) كأم أمها وهكذا. (¬6) وبنت ابنها وإن نزل. (¬7) فيقدم منهن من يقدم بالإرث. (¬8) لاستوائهما في الميراث. (¬9) ثم الأجنبيات كما في الرجال. (¬10) فتغسل المرأة زوجها، حكاه أحمد وابن المنذر وجماعة إجماعاً، وحكاه الوزير اتفاقًا، ويغسل زوجته، وفاقًا لمالك والشافعي وجمهور العلماء، وخالف أبو حنيفة، لزوال الزوجية، والمعتمد القياس على غسلها له، واحترز عن الذمية، لأنها ليست أهلاً لغسله.

لما تقدم عن أبي بكر، وروى ابن المنذر أن عليًا غسل فاطمة (¬1) ولأن آثار النكاح من عدة الوفاة والإرث باقية، فكذا الغسل (¬2) ويشمل ما قبل الدخول (¬3) وأنها تغسله وإن لم تكن في عدة، كما لو ولدت عقب موته (¬4) والمطلقة الرجعية إذا أُبيحت له (¬5) (وكذا سيدمع سريته) أي أمته المباحة له، ولو أم ولد (¬6) . ¬

_ (¬1) واشتهر، ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على علي وأسماء، فكان إجماعًا، وغسل أبو موسى زوجته، رواه أحمد، وأوصى جابر وعبد الرحمن ابن الأسود امرأتيهما أن تغسلاهما، رواهما سعيد، ولأحمد عن عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه. وتقدم. (¬2) أي يصير باقيًا، كبقاء آثار النكاح. (¬3) أي يشمل كلام الماتن لو مات أحد الزوجين قبل الدخول، لثبوت المحرمية بالعقد. (¬4) أي ولم تتزوج. (¬5) أي والمطلقة الرجعية تغسل زوجها، إن قلنا مباحة، أي لم تلزمها عدة من غيره، وإلا فلا، جزم به في المغني، وأما إذا وطئت بشبهة فلا. (¬6) ومدبرة ومكاتبة، ذكره جماعة، وفاقًا لجمهور العلماء، مالك والشافعي وغيرهما، وسواء شرط وطء المكاتبة أو لا، لأنه يلزمه كفنها، ومؤونة تجهيزها، قال في الفروع: ومتى جاز، نَظَرَ كل منهما غير العورة. اهـ. ولا يجوز أن يغسل الرجل أمه وابنته، وغيرهما من محارمه، وفاقًا لأبي حنيفة، وقال الموفق وغيره: هو قول أكثر أهل العلم، وأجازه مالك والشافعي عند الضرورة، وقالوا: إنه كالرجل بالنسبة إليه في العورة والخلوة، واستعظمه أحمد وغيره، ولم يعجبهم وذلك أنها محرمة حال الحياة، فكذا بعد الموت، والسرية قال الجوهري: هي الأمة التي بوأتها بيتًا، منسوبة إلى السر وهو الجماع أو الإخفاء، لأن الإنسان كثيرًا ما يسرها ويسترها عن امرأته، وضمت سينه لأن الأبنية قد تغير في النسبة خاصة، وسمي الجماع سرًا لأنه يكون في السر، وليس لآثم بقتل حق في غسل مقتول.

(ولرجل وامرأة غُسْل من له دون سبع سنين فقط) ذكرًا كان أو أنثى (¬1) لأنه لا عورة له (¬2) ولأن إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - غسله النساء (¬3) فتغسله مجردًا، من غير سترة، وتمس عورته، وتنظر إليها (¬4) (وإن مات رجل بين نسوة) ليس فيهن زوجة ولا أمة مباحة له يمم (¬5) . ¬

_ (¬1) قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه أن المرأة تغسل الصبي الصغير، فتغسله مجردًا، من غير سترة، وتمس عورته، وتنظر إليها، وكذا قال مالك: سبع سنين. ومذهب الشافعية ما لم يبلغا حدًا يشتهيان فيه. (¬2) أي في الحياة، فكذا بعد الموت. (¬3) ذكر ابن المنذر أنها مرضعته، فدل على جوازه، وذكر ابن كثير أن عليًا هو الذي غسله، ورواه أحمد وغيره. (¬4) لأن عورته لا حكم لها في حياته، فكذا بعد وفاته، وليس لرجل غسل ابنة سبع فأكثر، ولو محرمًا، ولا لامرأة غسل ابن سبع فأكثر ولو محرمًا، غير ما تقدم. (¬5) وفاقًا بحائل، فإن كان فيهن صغيرة تطيق الغسل علموها وباشرت غسله، نص عليه، وقال المجد: لا أعلم فيه خلافًا.

يحرم أن يغسل مسلم كافرا بل يواريه

(أو عكسه) بأن ماتت امرأة بين رجال، ليس فيهم زوج ولا سيد لها (يممت (¬1) كخنثى مشكل) لم تحضره أمة له فييمم (¬2) لأنه لا يحصل بالغُسل من غير مَسّ تنظيف، ولا إزالة نجاسة، بل ربما كثرت (¬3) وعلم منه أنه لا مدخل للرجال في غُسْل الأقارب من النساء، ولا بالعكس (¬4) (ويحرم أن يغسل مسلم كافرًا) (¬5) وأن يحمله، أو يكفنه، أو يتبع جنازته، كالصلاة عليه (¬6) . ¬

_ (¬1) وفاقًا بحائل، ويحرم بدونه لغير محرم، فإن كان فيهم صبي لا شهوة له علموه الغسل وباشره، نص عليه وفاقًا، وفي الهداية: لا أعلم فيه خلافًا. وتأمل ما يأتي من عدم اشتراط مباشرة الغاسل، وما في النكاح من جواز لم ونظر من يلي خدمة مريض ولو أنثى في وضوء واستنجاء إلى آخره، وروي عن الأوزاعي: يغسل في ثوب، ويلف الغاسل خرقة. (¬2) وفاقًا، فإن كان معهم صغير أو صغيرة باشر الغُسْل اتفاقًا. (¬3) وفيه نظر، لأنه لو حضر من يصلح لغسل الميت، ونوى وترك تحت ميزاب ونحوه أجرأ، حيث عممه. (¬4) أي ولا مدخل النساء في غُسْل الأقارب من الرجال. (¬5) وفاقًا لمالك، سواء كان قريبًا لهم أو لا، لأنه لا يصلي عليه، ولا يدعو له، فلم يكن له غُسله، ولأن غسله تعظيم وتطهير، أشبه الصلاة عليه. (¬6) أي يحرم أن يحمل المسلم الكافر، ويحرم عليه أن يكفنه، ويحرم عليه أن يتبع جنازته، كما أنه يحرم عليه الصلاة عليه. بإجماع المسلمين.

لقوله تعالى {لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ} (¬1) (أو يدفنه) للآية (¬2) (بل يوارى) وجوبًا (لعدم) من يواريه (¬3) لإلقاء قتلى بدر في القليب (¬4) ويشترط لغسله طهورية ماء، وإباحته (¬5) . ¬

_ (¬1) ولعنهم، واستحقوا الطرد والإبعاد، فدل عمومها على تحريم حمل جنازة الكافر، أو تكفينه، أو اتباع جنازته، كالصلاة عليه، لقوله تعالى {ولا وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ} وقوله {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} الآية. (¬2) ولأن ابن اليهودي لما أسلم عند موته: قال صلى الله عليه وسلم «لو أخاكم» وللنهي عن موالاة الكفار في غير موضع من الكتاب والسنة، وغسله وحمله وتكفينه واتباع جنازته تعظيم له، فلم يجز، كالصلاة عليه، وما روي في غسل أبي طالب. فقال ابن لمنذر وغيره: ليس في غسل المشرك سنة تتبع، وذكروا حديث علي بالمواراة فقط. (¬3) من أقاربه الكفار أو من الكفار، فيلقيه في حفرة، ويواري جثته لئلا يتضرر به، وهو متعين قطعًا. (¬4) رواه البخاري وغيره، ولقوله عليه الصلاة والسلام لعلي لما أخبر بموت أبي طالب «اذهب فواره» رواه أبو داود والنسائي والشافعي وغيرهم، ولا فرق بين الحربي والذمي والمستأمن والمرتد في ذلك، لأن تركه مثلة به، وقد نهي عنها، ولأنه يتضرر به، وكذا كل صاحب بدعة مكفرة يوارى لعدم، ولا يغسل ولا يصلى عليه، ولا تتبع جنازته، ومن جهل إسلامه ووجد عليه علامة المسلمين غُسِل وصلي عليه وفاقًا، ولو أقلف بدارنا، لا بدار حرب، بلا علامة نص عليه. (¬5) كباقي الأغسال.

كيفية الشروع في غسل الميت

وإسلام غاسل، إلا نائبًا عن مسلم نواه (¬1) وعقله ولو مميزًا (¬2) أو حايضًا أو جنبًا (¬3) (وإذا أخذ) أي شرع (في غسله ستر عورته) وجوبًا، وهي ما بين سرته وركبته (¬4) (وجرده) ندبًا، لأنه أمكن في تغسيله، وأبلغ في تطهيره (¬5) . ¬

_ (¬1) أي ويشترط لغُسْله إسلام غاسل، لاعتبار نية، ولا يصح من كافر، وحكي إجماعًا، وقيل: يصح إذا كان الكافر نائبًا عن مسلم نوى غسله. وقدمه في الفروع، وظاهر كلام أحمد لا يصح مطلقًا، لقوله عليه الصلاة والسلام «لو أخاكم» ولأن الغسل عبادة، وليس الكافر من أهلها، ولأنه نجس، فلا يطهر غسله المسلم، وهذا مذهب جمهور أهل العلم، أبي حنيفة ومالك وغيرهما، وقول الشافعي. (¬2) فيعتبر العقل وفاقًا، ولو كان الغاسل مميزًا، فإنه لا يشترط بلوغه، لصحة غسله لنفسه. (¬3) بلا كراهة، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، لصحة غُسْله بنفسه، ولأنه لا يشترط في الغاسل الطهارة، ولأنهما طاهران، وكره مالك الجنب، ويغسل حلال محرمًا، وعكسه وفاقًا، ولا تعارض بين الحكم بعدم كراهة ذلك، وبين الحكم بكراهة قربانهما للميت، لأذية الملائكة التي تحضره لأخذ الروح. (¬4) على ما تقدم من حدها، ولحديث علي «ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» رواه أبو داود، قال الموفق وغيره: يجب ستر عورته، بغير خلاف علمناه. وهذا فيمن له سبع سنين فأكثر، وتقدم أن عورة ابن سبع إلى عشر الفرجان، ولم يستحب مالك والشافعي والجمهور تغطية وجهه، ونقل عن ابن سيرين. (¬5) وأشبه بغسل الحي، وأهون له التنجيس، إذ يحتمل خروجها منه، ولفعل الصحابة، بدليل قولهم: كما نجرد موتانا. ولا بد أن يكون أمرهم به، أو أقرهم عليه، فإن قولهم يدل على ذلك، وكأنه إجماع منهم، بل حكي إجماعًا منهم، والمراد: سوى عورته، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة، ولو غسل في قميص خفيف، واسع الكمين ونحوهما جاز، وتجريده أمكن لتطهيره.

وغسل - صلى الله عليه وسلم - في قميص (¬1) لأن فضلاته طاهرة، فلم يخش تنجس قميصه (¬2) (وستره عن العيون) (¬3) تحت ستر في خيمة أو بيت (¬4) إن أمكن، لأنه أستر له (¬5) . ¬

_ (¬1) يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون بالقميص، دون أيديهم، رواه أحمد وأبو داود، وذلك أنهم اختلفوا هل يجردونه صلى الله عليه وسلم أو لا؟ فأوقع الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هو: غسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه. فقاموا فغسلوه وعليه قميص، الحديث. (¬2) ولأنه صلى الله عليه وسلم طيب حيًا وميتًا، والصواب أنه لعظم حرمته صلوات الله وسلامه عليه، وهو من خصائصه صلى الله عليه وسلم، واحتمال المفسدة منتفية في حقه صلى الله عليه وسلم. (¬3) أي ويسن ستر الميت حال الغسل عن العيون، لأن جميعه صار عورة، فلهذا شرع ستر جميعه، لأنه ربما كان به عيب يستره في حياته، أو تظهر عورته، ولأنه يكره النظر إلى الميت إلا لحاجة. (¬4) وذكر القاضي عن عائشة: غسلنا بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرنا أن نجعل بينها وبين السقف ثوبًا، وأوصى به الضحاك، واستحبه ابن سيرين وغيره، لئلا يستقبل السماء بعورته. (¬5) أي من جميع جهاته، حتى من جهة السماء، وإن لم يكن فظاهره الجواز. ويكره النظر إليه لغير حاجة، حتى الغاسل، فلا ينظر إلا لما لا بد منه غير العورة.

(ويكره لغير معين في غُسْله حضوره) (¬1) لأنه ربما كان في الميت ما لا يحب إطلاع أحد عليه (¬2) والحاجة غير داعية إلى حضوره، بخلاف المعين (¬3) (ثم يرفع رأسه) أي رأس الميت (¬4) غير أنثى حامل (¬5) (إلى أقرب جلوسه) بحيث يكون كالمحتضن في صدر غيره (¬6) . (ويعصر بطنه برفق) ليخرج ما هو مستعد للخروج (¬7) . ¬

_ (¬1) إلا لضرورة، وأما العورة فيحرم مطلقًا، وقال ابن عقيل: لا يجوز أن يحضره إلا من يعين في أمره، لأن جميعه صار عورة، فلهذا شرع ستر جميعه بالكفن، فيحرم نظره. اهـ. وأما وجهه فحكي في الفروع وغيره كراهة تغطيته اتفاقًا، والمراد حال الغسل، بخلاف التسجية كما تقدم. (¬2) فيتحدث به، فيكون فضيحة. (¬3) أي بصب ونحوه، فله الدخول عليه كيف شاء، ويستحب خضب لحية رجل، ورأس امرأة بحناء، ولو غير شائبين، لقول أنس: اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعرائسكم. (¬4) برفق، في أول غسله، وفاقًا لمالك والشافعي، وعند أبي حنيفة بعد الغُسْل. (¬5) فلا يرفع رأسها، ولا يعصر بطنها، لئلا يتأذى الولد، ولحديث أم سليم مرفوعًا «إذا توفيت المرأة، فأرادوا غسلها، فليبدأ ببطنها، فليمسح مسحًا رفيقًا، إن لم تكن حبلى، فإن كانت حبلى فلا تحركها» رواه الخلال وابن خزيمة والبيهقي. (¬6) ولا يشق عليه، يل يحنيه حنيًا رفيقًا، ولا يبلغ به الجلوس، لأن في الجلوس أذية له. (¬7) أي يعصر بطن الميت، فيمر يده على بطنه، ليخرج ما معه من نجاسة، كيلا يخرج بعد ذلك، ويكون مسحًا رفيقًا، لأن الميت في محل الشفقة والرحمة، ولقوله صلى الله عليه وسلم «إن كسر عظم الميت ككسره حيًا» رواه أحمد وغيره، ورجاله رجال الصحيح، وفيه دليل على وجوب الرفق بالميت في غسله، وتكفينه وحمله وغير ذلك.

كيف ينجيه، وحكم مس عورته والنظر إليها

ويكون هناك بخور (¬1) (ويكثر صب الماء حينئذ) ليدفع ما يخرج بالعصر (¬2) (ثم يلف) الغاسل (على يده خرقه (¬3) فينجيه) أي يمسح فرجه بها (¬4) (ولا يجعل مس عورة من له سبع سنين) بغير حائل، كحال الحياة (¬5) لأن التطهير يمكن بدون ذلك (¬6) . ¬

_ (¬1) أي ويكون في المكان الذي يغسل فيه الميت بَخُور، على وزن رسول، ما يتبخر به أي يتدخن به من عود ونحوه، لئلا يتأذى برائحة الخارج. (¬2) ولا تظهر رائحته فيتأذى بها. (¬3) خشنة، أو يدخل يده في كيس، لئلا يمس عورته، لأن النظر إلى العورة حرام، فمسها بطريق الأولى، وذكر المروذي عن أحمد أن عليًا حين غسل النبي صلى الله عليه وسلم لف على يده خرقة، حين غسل فرجه. (¬4) كما يستنجي الحي وفاقًا، إزالة للنجاسة، وطهارة للميت، من غير تعدي النجاسة إلى الغاسل. (¬5) إجماعًا، ولا يحل النظر إليها إجماعًا، وقال ابن القيم وغيره: يكره لمس بدن الميت لغير غاسله، لأن بدنه بمنزلة عورة الحي، تكريمًا له. (¬6) أي بدون مس عورته مباشرة بلا حائل، وتقدم استعمال علي للحائل، في غسل فرج النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلاف في ذلك.

يوضئه بعد نية الغسل

(ويستحب أن لا يمس سائره إلا بخرقة) لفعل علي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1) فحينئذ يعد الغاسل خرقتين، إحداهما للسبيلين، والأُخرى لبقية بدنه (¬2) (ثم يوضيه ندبًا) كوضوئه للصلاة (¬3) لما روت أم عطية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في غسل ابنته «ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها» رواه الجماعة (¬4) وكان ينبغي تأخيره عن نية الغسل، كما في المنتهى وغيره (¬5) . ¬

_ (¬1) رواه أبو داود عن عائشة أنهم غسلوه وعليه قميص، يصبون عليه الماء، ويدلكونه من فوقه، وليأمن مس العورة المحرم مسها، ولأن ما فعل به صلى الله عليه وسلم أكمل، وهو مذهب الشافعي، ولم يستحبه مالك وأبو حنيفة. (¬2) استحبابًا، لئلا يتلوث بالمنجي بها، ويجب غسل نجاسة بالميت، لأن المقصود بغُسْله تطهيره. (¬3) ما خلا المضمضة والاستنشاق، قال أحمد: لأنه لا يؤمن منهما وصول الماء إلى جوفه، فيفضي إلى المثلة، وربما حصل منه الانفجار، أو يفسد وضوءه، واستثنى الماتن ذلك بقوله: ولا يدخل الماء؛ الخ. (¬4) «ابدأن بميامنها» أي في الغسلات التي لا وضوء فيها «ومواضع الوضوء» أي في الغسلة المتصلة بالوضوء، وابنته صلى الله عليه وسلم هي زينب، كما في صحيح مسلم، وفي غيره أم كلثوم، ويمكن الجمع، فإن ابن عبد البر وغيره جزموا بأن أم عطية غاسلة الميتات. (¬5) كالإقناع، وذلك لأن محل استحباب الوضوء بعد نية الغُسْل.

(ولا يدخل الماء في فيه ولا في أنفه) خشية تحريك النجاسة (¬1) (ويدخل أصبعيه) إبهامه وسبابته (مبلولتين) أي عليهما خرقة مبلولة (بالماء بين شفيته فيمسح أسنانه (¬2) وفي منخريه فينظفهما) (¬3) بعد غسل كفي الميت (¬4) فيقوم المسح فيهما مقام غسلهما، خوف تحريك النجاسة، بدخول الماء جوفه (¬5) (ولا يدخلهما) أي الفم والأنف (الماء) لما تقدم (¬6) . ¬

_ (¬1) لأنه إذا وصل الماء إلى جوفه حركه. (¬2) ويزيل ما عليها، ويكون ذلك برفق، ولا يرفع أسنانه بعضها عن بعض، بل يمضمضه فوقها، لقوله تعالى {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . (¬3) بإزالة ما عليهما من الأذى، لقوله «ومواضع الوضوء منها» فاقتضى أن يمضمضه وينشقه، وقياسًا على الوضوء، وهو مذهب جمهور العلماء، و «منخريه» تثنية منخر بفتح الميم وكسر الخاء نقب الأنف. (¬4) يعني فغسل كفيه هو أول ما يبدأ به من توضئته كالحي. (¬5) أي فيقوم المسح في أسنانه ومنخريه مقام غسلهما حال الحياة، خوف تحريك النجاسة التي في جوفه، بسبب دخول الماء إلى جوفه، والمسح يقوم مقام الغسل في مواضع، للحاجة إليه. (¬6) من قوله: خشية تحريك النجاسة. قال الموفق وغيره: في قول أكثر أهل العلم، ثم يغسل وجهه ويتمم وضوءه، وكما أن الحي يبدأ بالوضوء في غسله.

ما يغسل به الميت، وكيفية الغسل وعدده

(ثم ينوي غسله) لأنه طهارة تعبدية، فاشترطت له النية، كغسل الجنابة (¬1) (ويسمي) وجوبًا، لما تقدم (¬2) (ويغسل برغوة السدر) المضروب (رأسه ولحيته فقط) (¬3) لأن الرأس أشرف الأعضاء (¬4) والرغوة لا تتعلق بالشعر (¬5) (ثم يغسل شقه الأيمن ثم) شقه (الأيسر) للحديث السابق (¬6) . ¬

_ (¬1) ولأنها إنما أوجبت على الغاسل لتعذرها من الميت، ولو لم تعتبر لما وجب غُسْل منظف، وصححه الموفق والشارح وغيرهما، وهو قول الجمهور. (¬2) من قوله: كغسل الجنابة. وعليه فتسقط سهوًا وجهلاً. (¬3) قدمه في الفروع وغيره، وفي المبدع وغيره: وسائر جسده، لقوله «اغسلوه بماء سدر» ولقصة غسل ابنته صلى الله عليه وسلم، والرغوة مثلثة الراء معروفة، وزبد كل شيء رغوته، وعين الشارع السدر لأن فيه مادة حادة تشبه الصابون. (¬4) ولهذا جعل كشفه شعار الإحرام، وهو مجمع الحواس الشريفة. (¬5) وتزيل الدرن، فناسب ذلك، ولتزول الرغوة بممر جري الماء عليها، بخلاف ثفل السدر، ويغسل باقي بدنه بالثفل. (¬6) وهو قوله «ابدأن بميامنها» فيبدأ بالشق الأيمن المقبل، من عنقه وصدره وفخذه وساقه، ثم يغسل شقه الأيسر كذلك، مرة في دفعتين، وقيل مرة في أربع، يده اليمنى، وصفحة عنقه، وشق صدره، وفخذه وساقه، ثم الأيسر كذلك، ثم يرفعه من جانبه الأيمن فيغسل الظهر وما هناك، من وركه وفخذه وساقه، ثم الأيسر كذلك، قال أبو البركات: والأول أقرب إلى قوله «ابدأن بميامنها» وأشبه بغسل الجنابة، وكيفما فعل أجزأ، ولا يكبه على وجهه، إكرامًا له.

(ثم) يغسله (كله) يفيض الماء على جميع بدنه (¬1) يفعل ما تقدم (ثلاثًا) إلا الوضوء ففي المرة الأولى فقط (¬2) (يمر في كل مرة) من الثلاث (يده على بطنه) ليخرج ما تخلف (¬3) (فإن لم ينق بثلاث) غسلات (زيد حتى ينقي (¬4) ولو جاوز السبع) (¬5) . ¬

_ (¬1) ويكون ذلك غسلة واحدة. (¬2) فإنه ليس للغاسل أن يوضئه في أول كل غسلاته، إن لم يخرج منه شيء، فإن خرج منه شيء أعاد وضوءه وندبية غسله ثلاثًا، امتثالاً لقول صلى الله عليه وسلم «اغسلنها ثلاثًا» وفيه «إن رأيتن ذلك، بماء وسدر» واستحب أحمد وغيره كونه في الثلاث الغسلات، وقال: هو أنقى. (¬3) ويأمن من فساد الغسل بما يخرج منه بعد. (¬4) أي فإن لم ينق الغسل الوسخ بثلاث غسلات زيد حتى ينقي، وفاقًا، و «ينقي» بضم الياء، ويكون الضمير عائدًا على الغاسل، وبفتحها، ويكون الضمير عائدًا على المحل، من نقي بكسر القاف، ينقى. (¬5) لقوله صلى الله عليه وسلم «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا» والمراد اغسلنها وترًا، وليكن ثلاثًا. فإن احتجتن إلى زيادة عليها للإنقاء فليكن خمسًا، فإن احتجتن إلى زيادة الإنقاء فليكن سبعًا «أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك» متفق عليه، وأرجع الشارع النظر إلى الغاسل، ويكون ذلك بحسب الحاجة لا التشهي، لقوله «إن رأيتن» أي احتجتن، والحاصل أن الإيتار مأمور به، والثلاث مأمور بها ندبًا، فإن حصل الإنقاء بثلاث لم تشرع الرابعة، وإلا زيد حتى يحصل الإنقاء، ويندب كونها وترًا، واتفقوا على استحبابه، وقال بعضهم: إذا لم يحصل الإنقاء بالسبع لم يزد عليها، وكذا إن خرج منه شيء بعد السبع لم يزد عليها، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة السبع. وصرح أحمد والماوردي وابن المنذر أنها مكروهة، وفي الإنصاف: لا يزاد على السبع، رواية واحدة. والأولى حمل كلامهم على أنه لم يبلغهم الخبر.

وكره اقتصاره في غُسْله على مرة (¬1) إن لم يخرج منه شيءٌ، فيحرم الاقتصار ما دام يخرج منه شيءٌ على ما دون السبع (¬2) وسن قطع على وتر (¬3) ولا تجب مباشرة الغُسْل، فلو ترك تحت ميزاب ونحوه، حضر من يصلح لغسله، ونوى وسمى، وعمه الماءُ كفى (¬4) . ¬

_ (¬1) وفاقًا، لقوله «اغسلنها ثلاثًا» الحديث، ولأنه لا يحصل بها كمال النظافة، وتجزئ كالحي، وكذا لو نوى وسمي، وغمسه في ماء مرة واحدة أجزأ كالحي، والحائض والجنب كغيرهما في الغسل، وهو قول العلماء كافة إلا الحسن، وقال ابن المنذر: هذا قول من نحفظ عنه من علماء الأمصار. (¬2) لأن الشارع إنما كرر الأمر بغسلها من أجل توقع النجاسة والله أعلم. فيعاد إلى سبع فأكثر للخبر. (¬3) لحديث أم عطية «اغسلنها وترًا» وحديث «إن الله وتر يحب الوتر» من غير إعادة وضوء كما تقدم. (¬4) وهذا يرد على ما سبق فيما إذا ماتت امرأة بين رجال وعكسه، ويمكن أن يقال: كلامهم المتقدم مقيد بهذا، وأن محل ذلك إذا لم تأت هذه الصورة.

(ويجعل في الغسلة الأخيرة) ندبًا (كافورًا) (¬1) وسدرًا، لأنه يصلب الجسد (¬2) ويطرد عنه الهوام برائحته (¬3) (والماءُ الحار) يستعمل إذا احتيج إليه (¬4) (والأشنان) يستعمل إذا احتيج إليه (¬5) . ¬

_ (¬1) بأن يضعه في الماء، بحيث لا يتغير الماء، لقوله صلى الله عليه وسلم «واجعلن في الغسلة الأخيرة كافورًا» متفق عليه، وهو قول العلماء كافة، وحكي عن أبي حنيفة خلاف في استحبابه، والحديث حجة عليه، وفي حديث أم سليم «فإذا كان في آخر غسلة من الثالثة أو غيرها فاجعلي ماء فيه شيء من كافور، وشيء من سدر، ثم أفرغيه عليها، وابدئي برأسها حتى يبلغ رجليها» . (¬2) ويطيبه ويبرده، ونقل الجماعة جعله مع السدر، واختاره المجد وغيره، وصححه غير واحد، قال الخلال: وعليه العمل. وقال ابن حامد: يطرح فيه شيء يسير لا يغيره، ليجمع بين العمل بالحديث، ويكون الماء باقيًا على إطلاقه. (¬3) ويردع ما يتحلل من الفضلات، ويمنع إسراع الفساد إليه، وكونه يطيب رائحة المحل، وذلك في وقت تحضر فيه الملائكة, وهو أقوى الأراييح الطيبة في ذلك، وهذا هو السر في جعله في الآخرة، لئلا يذهب به الماء، وإن عدم قام غيره مقامه، مما فيه هذه الخواص أو بعضها، وظاهر العبارة غير مراد، بل المراد أن الغسلة الأخيرة يسن أن لا تخلو من السدر للخبر، فلا تنافي كونها في غيرها. (¬4) لشدة برد، أو وسخ لا يزول إلا به، واستحبه بعضهم، لأنه ينقي ما لا ينقي البارد، واستحب بعضهم البارد، لأن المسّن يرخيه، ولم ترد به السنة، فإن كثر وسخه، ولم يزل إلا بالحار كان مستحبًا. (¬5) لإزالة وسخ ونحوه، قال أحمد: إذا طال ضنى المريض غسل بالأشنان، يعني أنه يكثر وسخه، فيحتاج إلى الأشنان، ليزيل ذلك الوسخ.

لا يؤخذ من الميت شيء

(والخلال يستعمل إذا احتيج إليه) (¬1) فإن لم يحتج إليها كرهت (¬2) (ويقص شاربه، ويقلم أظفاره) ندبًا إن طالا (¬3) ويؤخذ شعر إبطيه (¬4) ويجعل المأْخوذ معه، كعضو ساقط (¬5) . ¬

_ (¬1) لشيء بين أسنانه من وسخ أو نحوه، بلا خلاف. لأن إزالة ذلك مطلوبة شرعًا، والأولى أن يكون من شجر ينقي، ولا يجرح، قال الجوهري: الخلال العود الذي يتخلل به، وما يخل به الثوب، والجمع الأخلة. (¬2) أي فإن لم يحتج إلى الماء الحار والأشنان والخلال لإزالة شيء مما تقدم كرهت، قال في الإنصاف: بلا نزاع، لعدم الحاجة إليها، فتكون كالعبث، ولأن السنة لم ترد بها. (¬3) أي شاربه وأظفاره، وهو قول سعيد بن جبير وإسحاق وغيرهما، لقول أنس: اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعرائسكم. والجمهور أن لا يؤخذا. (¬4) لأن ذلك تنظيف لا يتعلق بقطع عضو، أشبه إزالة الأوساخ والأدران، ويعضد ذلك العمومات في سنن الفطرة، وعنه: لا يؤخذ من الميت شيء، لا شعره ولا ظفره وفاقًا، لأن أجزاء الميت محترمة، فلا تنتهك بهذا. ولأنه قطع شيء منه، فلم يستحب، كالختان، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة في هذا شيء، فيكره فعله، وهو ظاهر الخرقي وغيره، ولأنه لا حاجة إلى قصها. (¬5) أي ويجعل المأخوذ من الميت من شعر وظفر معه في كفنه، لأنه جزء منه، وقيل: بعد إعادة غسل ندبًا، كعجل عضو ساقط منه معه، وهذا التشبيه وإن كان ظاهره الوجوب، فليس تشبهًا من كل وجه، ولأحمد عن أم عطية قال: يغسل رأس الميتة، فما سقط من شعرها في أيديهم غسلوه ثم ردوه في رأسها. ولأن دفن الشعر والظفر مستحب في حق الحي، فالميت أولى، وإن كان مقطوع الرأس، أو كانت أعضاؤه مقطعة لفق بعضها إلى بعض بالتمقيط والطين الحر حتى لا يتبين تشويهه.

وحرم حلق رأسه (¬1) وأخذ عانته، كختن (¬2) (ولا يسرح شعره) أي يكره ذلك، لما فيه من تقطيع الشعر من غير حاجة إليه (¬3) . ¬

_ (¬1) وهو مذهب الجمهور، لأن ذلك إنما يكون لزينة ونسك، وليس من السنة في الحياة، وظاهر كلام جماعة: لا يكره. قال في الفروع: وهو أظهر. ومذهب الجمهور أولى، لعدم الأمر به، وعدم نقل فعله. (¬2) أي ويحرم حلق شعر عانته، في قول جمهور أهل العلم، لما فيه من لمس عورته أو نظرها، وهو محرم، فلا يرتكب لأجل مندوب، وهذا لو ندب إليه، بل يحرم كما يحرم ختن ميت أقلف، ولو في حال وجوبه قبل موته، لأنه قطع لعضو منه، وقد زال المقصود منه. وقال الوزير وغيره: أجمعوا على أن الميت إذا مات وهو غير مختون أنه يترك على حاله، ولا يختن. (¬3) وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وروي عن عائشة أنها مرت بقوم يسرحون شعر ميتهم، فنهتهم عن ذلك. وقال الشافعي: يسرح تسريحًا خفيفًا، واستحبه ابن حامد وأبو الخطاب، وتسريحه مشطه، وأصل التسريح الإرسال، والشعر بتلبيده، فيسترسل بالمشط، واستخرج ابن دقيق العيد من الخبر استحباب تسريح شعر المرأة وتضفيره، وورد في مسلم: مشطناها ثلاثة قرون. لكن قال أحمد: أي ضفرناها. وأنكر المشط، وفي البخاري: نقضنه ثم غسلنه، ثم جعلنه ثلاثة قرون.

إن خرج منه شيء بعد سبع غسلات الجم المحل ثم غسل ويوضأ وجوبا

(ثم ينشف) ندبًا (بثوب) كما فعل به - صلى الله عليه وسلم - (¬1) (ويضفر) ندبًا (شعرها) أي الأُنثى (ثلاثة قرون (¬2) ويسدل وراءَها) (¬3) لقول أم عطية: فضفرنا شعرها ثلاثة قرون، وألقيناه خلفها. رواه البخاري (¬4) . (وإن خرج منه) أي الميت (شيءٌ بعد سبع) غسلات (¬5) (حشي) المحل (بقطن) ليمنع الخارج، كالمستحاضة (¬6) . ¬

_ (¬1) رواه أحمد، وتنشيفه متفق عليه عند الأئمة وغيرهم، ولئلا يبتل كفنه فيفسد به، ولا ينجس ما نشف به وفاقًا. (¬2) أي ثلاث ضفائر قرنيها وناصيتها، والقرن الخصلة من الشعر، وأصل الضفر الفتل، وقالت: مشطناها ثلاثة قرون. وهذا مذهب مالك والشافعي، وجمهور العلماء. (¬3) أي يرسل ويرخى خلفها، وفاقًا للشافعي وإسحاق وابن المنذر وغيرهم، وقيل: مع الجانبين والحديث حجة عليهم. (¬4) ولابن حبان «اجعلن رأسها ثلاثة قرون» قالت أم عطية: ضفرنا رأسها ناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون، وألقيناه خلفها. وفي حديث أم سليم «واضفرن شعرها ثلاثة قرون» «وضفرنا» بضاد وفاء مخففة، وفيه استحباب ضفر شعر المرأة، وجعله ثلاثة قرون، وهي ناصيتها وقرناها، يعني جانبي رأسها، وتسمية الناصية قرنًا تغليب، وفيه استحباب جعل ضفائرها خلفها. (¬5) حصل الإنقاء بها، لم يزد عليها، وتقدم أن ذلك راجع إلى الغاسل. (¬6) وقال أبو الخطاب وغيره: يلجم المحل بالقطن، فإن لم يمتنع حشاه به، إذ الحشو يوسع المحل، فلا يفعل إلا عند الحاجة.

(فإن لم يستمك) بالقطن (فبطين حر) أي خالص (¬1) لأن فيه قوة تمنع الخارج (¬2) (ثم يغسل المحل) المتنجس بالخارج (¬3) (ويوضأُ) الميت وجوبًا، كالجنب إذا أحدث بعد الغسل (¬4) . (وإن خرج) منه شيء (بعد تكفينه لم يعد الغسل) (¬5) دفعًا للمشقة (¬6) ولا بأس بقول غاسل له: انقلب يرحمك الله. ونحوه (¬7) . ¬

_ (¬1) طين أبيض، لا رمل فيه، والحر الطيب، وخيار كل شيء. (¬2) ولو قبل السبع. (¬3) إجماعًا كالحي. (¬4) لتكون طهارته كاملة. (¬5) وفاقًا، سواء كان في السابعة أو قبلها. وقال الموفق: لا نعلم فيه خلافًا، إذا كان الخارج يسيرًا، وظاهره لا فرق في الخارج أن يكون قليلاً أو كثيرًا، وعنه: من الكثير. وإن وضع على الكفن، ولم يلف، ثم خرج منه شيء، فقال ابن تميم: يعاد غسله. (¬6) لأنه يحتاج إلى إخراج وإعادة غسله، وتطييب أكفانه، وتجفيفها، أو إبدالها، فيتأخر دفنه، وهو خلاف السنة في تعجيله، ثم لا يؤمن بعد، ولا يحتاج إلى إعادة وضوئه، ولا غسل موضع النجاسة، دفعًا لهذه المشقة. (¬7) كأرحني، لقول الفضل للنبي صلى الله عليه وسلم: أرحني. وقول علي: طبت حيًا وميتًا.

تجهيز المحرم إذا مات

ولا بغسلة في حمام (¬1) (ومحرم) بحج أو عمرة (ميت كحي (¬2) يغسل بماءٍ وسدر) لا كافور (¬3) . (ولا يقرب طيبًا) مطلقًا (¬4) (ولا يُلبس ذكر مخيطًا) من قميص ونحوه (¬5) (ولا يغطى رأسه (¬6) ولا وجه أنثى) محرمة (¬7) . ¬

_ (¬1) نقله مهنا، وكحي والحمام هو المغتسل المشهور، وتقدم. (¬2) أي في أحكامه، لبقاء إحرامه، فيجنب ما يجنب المحرم في حياته، لبقاء الإحرام، والطيب والحنوط غير واجبين، بل مستحبين. (¬3) لأنه طيب، وتقدم تعريف الكافور، وهو طيب مشهور، ويأتي نهيه أن يقرب طيبًا، لأنه يحرم بحال الإحرام، فكذا بعد موت المحرم. (¬4) ذكرًا كان أو أنثى، في بدنه أولاً، ما لم يحصل التحلل الأول، للخبر، وفي رواية «ولا تقربوه طيبًا» ولبي داود وغيره «ولا تمسوه بطيب» قال في الإنصاف: لكن لا يجب الفداء على الفاعل به، ما يوجب الفدية لو فعله حيًا، على الأصح من المذهب، فإن حصل التحلل الأول فلا يمنع كحي. (¬5) كسراويل، ولا ما يعمل كالمخيط، كما يأتي في الإحرام. (¬6) للخبر الآتي، وفي رواية «ولا تغطوا وجهه» فلا يغطى وجهه، والأشهر في أكثر الروايات والأصح ذكر الرأس فقط، فقال أحمد: يغطى وجهه ورجلاه وسائر بدنه. قال الخلال: والعمل على أنه يغطى جميع المحرم إلا رأسه، وتجوز الزيادة على ثوبيه إذا كفن، كبقية كفن حلال. (¬7) أي ولا يغطى وجه المرأة المحرمة، فتلبس القميص وتخمر، كما تفعل في حياتها، ولا تقرب طيبًا، ولا يغطى وجهها، لأنه يحرم عليها في حياتها، على ما سيأتي فكذا بعد موتها.

ولا يؤخذ شيءٌ من شعرهما وظفرهما (¬1) لما في الصحيحين من حديث ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في محرم مات «اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» (¬2) ولا تمنع معتدة من طيب (¬3) وتزال اللصوق لغسل واجب، عن لم يسقط من جسده شيء بإزالتها (¬4) . ¬

_ (¬1) وهو مذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وشدد مالك فيه، حتى اوجب التعزير على فاعله في غير المحرم، ففي المحرم أولى. (¬2) وفي رواية «ولا تمسوه طيبًا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبدًا» وللنسائي «ولا تمسوه بطيب، فإنه يبعث يوم القيامة محرمًا» وقوله «اغسلوه بماء وسدر» يدل على وجوب الغُسل بالماء، وهو إجماع، وبالسدر، وقوله «وكفنوه في ثوبيه» أنه يكفن المحرم في ثيابه التي مات فيها، لتلبسه فيها بتلك العبادة الفاضلة، «ولا تحنطوه» يعني بالطيب الذي يوضع للميت، «ولا تخمروا رأسه» أي لا تغطوه، وفيه دلالة على بقاء حكم الإحرام، وأصرح منه التعليل بأنه «يبعث يوم القيامة ملبيًا» وفي رواية «ملبدًا» وفي رواية «محرمًا» ، وجامع الكلام فيه أنه يجب تجنيبه ما يجب اجتنابه حال إحرامه، وهو مذهب الجمهور، للخبر المذكور. (¬3) إذا ماتت وهي في العدة، لسقوط الإحداد بموتها، ومنعها منه حال الحياة، لأنه يدعو إلى نكاحها، وقد فات ذلك بموتها. (¬4) فتزال ويغسل ما تحتها، ليحصل تعميم البدن بالغسل، وكالحي، واللصوق بفتح اللام ما يلصق على الجرح من الدواء، ثم أطلق على الخرقة ونحوها، إذا شدت على العضو، وكذا الجبائر المانعة من إيصال الماء إلى الجسد.

لا يغسل شهيد معركة ومقتول ظلما

فيمسح عليها كجبيرة الحي (¬1) ويزال خاتم ونحوه ولو ببرده (¬2) (ولا يغسل شهيد معركة) (¬3) . ¬

_ (¬1) أي فإن خيف سقوط شيء من جسده مسح عليها، كما يمسح على جبيرة الحي. (¬2) بالمبرد، يعني الخاتم ونحوه، كسوار وحلقة، لأن تركه معه إضاعة مال بغير مصلحة. (¬3) وهو المقتول بأيديهم، وأضيف إلى المعركة لتعلق الحكم بها، والمعركة والمعرك والمعترك موضع العراك والمعاركة، أي القتال، «وشهيد» فعيل بمعنى مفعول، من أبنية المبالغة في شاهد، والشهيد في الأصل من قتل مجاهدًا في سبيل الله أي فيكره تغسيله، كما في التنقيح والمنتهى، لما يتضمنه الغسل من إزالة أثر العبادة، المستطاب شرعًا, وقطع أبو المعالي والموفق وابن مفلح وغيرهم بالتحريم رواية واحدة، وهو مذهب جمهور الأئمة مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من السلف والخلف. وفي حاشية التنقيح: فالمذهب إذًا التحريم، ولا يُوَضيَّان، حيث لا يُغَسّلان، ولو وجب قبل، لأنه أثر العبادة والشهادة، والحكمة – والله أعلم – إبقاء أثر الشهادة عليهم، والتعظيم لهم، وقيل الترك علامة، لأنا لا نعلم فضلهم إلا بذلك، وهم {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ، قيل: سمي الشهيد شهيدًا لذلك، وقيل لأن الله ورسوله شهدا له بالجنة، أو لأن ملائكة الرحمة يشهدونه، أو لأنه ممن يشهد يوم القيامة على الأمم. أو لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير، بظاهر عمله، أو لأن له شاهدًا بحاله وهو دمه، أو لأن روحه تشهد دار السلام. قال شيخ الإسلام: وما أخبر الله به من حياة الشهيد ورزقه، وما جاء في الحديث من دخول أرواحهم الجنة، ليس مختصًا به، كما دل على ذلك النصوص الثابتة، ويختص بالذكر، لكون الظان يظن أنه يموت فينكل عن الجهاد، فأخبر بذلك، لتزول المانعة من الإقدام على الجهاد والشهادة، كما نهي عن قتل الأولاد خشية الإملاق، لأنه هو الواقع، وإن كان لا يجوز مع عدم خشيته. اهـ. والشهداء ثلاثة، شهيد في الدنيا والآخرة، وهو من قاتل في سبيل الله حتى قتل، لترتب أحكام الشهداء عليه، من ترك تغسيل ونحوه، ولإرادته وجه الله والدار الآخرة، وفي الآخرة فقط، من أصابه جرح في سبيل الله، ثم مات منه بعد مدة، وفي الدنيا فقط، وهو من قاتل في سبيل الله، وسريرته باطلة، فتجرى عليه أحكام الشهيد، من ترك غسل وغيره.

(ومقتول ظلمًا) (¬1) ولو أنثيين أو غير مكلفين (¬2) لأنه - صلى الله عليه وسلم - في شهداء أُحد أمر بدفنهم بدمائهم، ولم يغسلهم (¬3) . ¬

_ (¬1) كمن قتله نحو لص، ومن قتله الكفار صبرًا، في غير الحرب لا يغسل وفاقًا. واختار الخلال والموفق وغيرهما: يغسل ويصلى عليه، وهو مذهب مالك والشافعي، لأن رتبته دون رتبة شهيد المعركة، واستأنسوا بقصة عمر وعلي وابن الزبير وغيرهم، ولم ينكر، والمقتول بمثقل يغسل ويصلى عليه إجماعًا، وقيس عليه المقتول ظلمًا في البلد بحديد أو غيره، وهو مذهب جمهور أهل العلم مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. (¬2) وهو مذهب مالك والشافعي وصاحبي أبي حنيفة، وجماهير أهل العلم، لأنهم مسلمون، أشبهوا المكلف، وشذ أبو حنيفة في غير المكلف، واحتج بأنه لا ذنب له، وهو باطل من وجوه عديدة. (¬3) رواه البخاري وغيره، ولأبي داود بإسناد على شرط مسلم، عن جابر قال: رمي رجل بسهم في صدره أو حلقه فمات، فأدرج في ثيابه كما هو، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر الإمام أحمد أنه نهى عن تغسيلهم، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قتلى أحد: «لا تغسلوهم، فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكًا يوم القيامة» وله أيضًا قال: «زملوهم بدمائهم، فإنه ليس أحد يكلم في سبيل الله إلا أتى يوم القيامة جرحه يدمي، لونه لون دم، وريحه ريح مسك» وثبت من غير وجه أنه لا يغسل، وعثمان لم يغسل، لأنه أجهز عليه في مصرعه. وقال إمام الحرمين: معتمدنا الأحاديث الصحيحة: أنه لم يصل عليهم، ولم يغسلوا، قال الشافعي: لعل الحكمة في ترك الغسل والصلاة، لأن يلقوا الله بكلومهم، لما جاء أن ريح دمهم ريح المسك، واستغنوا بإكرام الله لهم، عن الصلاة عليهم، مع التخفيف على من بقي من المسلمين، لما يكون فيمن قاتل في الزحف من الجراحات، وخوف عود العدو، ورجاء طلبهم، وهمهم بأهلهم، وهم أهلهم بهم، والصحيح لئلا يزول أثر العبادة المطلوب بقاؤها، كما دلت عليه الأخبار.

وروى أبو داود عن سعيد بن زيد، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» وصححه الترمذي (¬1) . ¬

_ (¬1) وهو مستفيض عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنهم مقتولون بغير حق، أشبهوا قتلى الكفار، قال شيخ الإسلام: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الغريق شهيد، والمبطون شهيد، والحريق شهيد، والمرأة النفساء شهيدة، وصاحب الهدم شهيد» وجاء ذكر غير هؤلاء، وذكر أن من غلب على ظنه عدم السلامة، ليس له ركوب البحر للتجارة، فإن فعل فغرق فيه لا يقال: إنه شهيد، وذكر في الإقناع وغيره أن الشهداء غير شهيد المعركة كثيرون، منهم المطعون والمبطون والغريق والشريق والحريق، وصاحب الهدم، وذات الجنب، والمجنون، والنفساء، واللديغ، ومن قتل دون ماله، أو دمه أو أهله أو دينه، أو مظلمة، وفريس السبع، ومن صرعته دابته، والمتردي من رؤوس الجبال، ومن مات في سبيل الله، ومن طلب الشهادة بنية صادقة، وموت المرابط، وأمناء الله في أرضه، وصاحب الفتوة، ومن أغربها موت الغريب، وأغرب منه موت العاشق إذا عف وكتم، والمراد أنهم شهداء في ثواب الآخرة، لا في أحكام الغسل والصلاة، وقال ابن الجوزي: وكل متجرد لله في جهاد نفسه فهو شهيد، كما ورد عن بعض الصحابة: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. اهـ. ومن مات وهو يطلب العلم تأليفًا أو تدريسًا أو حضورًا، وعدهم السيوطي والأجهوري ثلاثين، وزيدت إلى أربعين، وإلى خمسين، ومنهم: من سعى على من يمونه.

الشهداء كثيرون منهم المطعون والمبطون.... إلخ

(إلا أن يكون) الشهيد أو المقتول ظلمًا (جنبًا) (¬1) أو وجب عليهما الغسل لحيض أو نفاس أو إسلام (¬2) . ¬

_ (¬1) أي قبل أن يقتل، فيغسل، وهذا الصحيح من المذهب، وفاقًا لأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن الشافعي، وعنه: لا يُغَسّل الشهيد ولو جنبًا، وهو مذهب مالك وغيره. وروى ابن إسحاق «إن صاحبكم لتغسله الملائكة» يعني حنظلة، فسألوا أهله، فقالت: خرج وهو جنب، حين سمع الهائعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فلذلك غسلته الملائكة» ورواه أبو داود وغيره. (¬2) فيغسل شهيد المعركة، والمقتول ظلمًا إن كان وجب عليه الغسل قبل قتله، لحيض أو نفاس، لأن ذلك الغسل واجب لغير الموت، فلم يسقط كغسل الجنابة، وعنه: لا يغسل الشهيد لحيض ونفاس، وفاقًا لمالك وغيره، وكل شهيد غسل لا عن نحو جنابة صلي عليه وجوبًا، وأما الإسلام فجزم في المغني والشرح وغيرهما أنه لا يغسل له، ولم يذكرا خلافه، لأن أصرم بني عبد الأشهل أسلم يوم أحد، ثم قتل، ولم يأمر صلى الله عليه وسلم بغسله، وإن قتل وعليه حدث أصغر لم يوضأ، بخلاف نجاسة، وفاقًا، لا الدم وفاقًا.

(ويدفن) وجوبًا (بدمه) (¬1) إلا أن تخالطه نجاسة فيغسلا (¬2) (في ثيابه) التي قتل فيها (¬3) (بعد نزع السلاح والجلود عنه) (¬4) لما روى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتلى أُحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم (¬5) . ¬

_ (¬1) لما تقدم من أمره عليه الصلاة والسلام بدفن قتلى أحد بدمائهم، قال الموفق: لا نعلم فيه خلافًا، إلا عن الحسن، وابن المسيب، ولأنه أثر عبادة، يستطاب شرعًا، فاستحب بقاؤه. (¬2) أي الدم والنجاسة، لأن درء المفاسد – ومنه غسل النجاسة – مقدم على جلب المصالح، ومنه بقاء دم الشهيد عليه، جزم به غير واحد، وقال أبو المعالي: لو لم تزل إلا بالدم لم يجز. (¬3) وجوبًا للخبر، وروى أحمد وغيره «وزملوهم في ثيابهم» وعليه الجمهور، وقال النووي وغيره: وهو قول العلماء كافة، لحديث «كفنوه في ثوبيه» ولم يستفصل، ولا يزاد على ثيابه، ولا ينقص منها، وفي الإقناع: وظاهره ولو كانت حريرًا. قال في المبدع: ولعله غير مراد. ويأتي. (¬4) من نحو فروة وخف، وهو مذهب جمهور أهل العلم. (¬5) وله شواهد في الصحيح وغيره، تقضي بمشروعية دفن الشهيد بما قتل فيه من الثياب، ونزع الحديد، والجلود عنه، وكل ما هو آلة حرب، وروي عن علي أنه قال: ينزع من الشهيد الفرو والخف، والقلنسوة والعمامة، والمنطقة والسراويل، إلا أن يكون أصابها دم.

الشهيد بغير قتل يغسل ويصلى عليه

(وإن سلبها كفن بغيرها) وجوبًا (¬1) (ولا يصلى عليه) للأَخبار (¬2) . ¬

_ (¬1) كغيره من سائر الموتى. (¬2) منها حديث جابر في قتلى أحد: أمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم. رواه البخاري وغيره، ومنها حديث أنس في شهداء أحد: لم يغسلوا، ولم يصل عليهم، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، قال الشافعي: جاءت الأخبار كأنها عيان، من وجوه متواترة، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد، وتقدم عنه الحكمة في ذلك. قال الوزير: تركها مشروع، ولا يلائم علو مقام الشهيد أن يحضر فيه من هو دون منزلته، في مقام الشفيع فيه، والمتوسل له، ولأن الموطن موطن اشتغال بالحرب، فلا يشرع فيه ما يشغل عن الحرب، شغلاً لا يؤمن معه استظهار العدو. وقال ابن القيم: حديث جابر في ترك الصلاة عليهم صحيح صريح، والذي يظهر من أمر شهداء أحد أنه لم يصل عليهم عند الدفن، وذكر ما ورد في الصلاة عليهم، ثم قال: والصواب أنه مخير بين الصلاة عليهم وتركها، لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين. وأصح الأقوال أنهم لا يغسلون، ويخبر في الصلاة عليهم، وبهذا تتفق جميع الأحاديث، والشهيد بغير قتل، كالمبطون والمطعون والغريق ونحو ذلك مما تقدم يغسل ويصلى عليه بلا نزاع. وقال الشارح وغيره: لا نعلم فيه خلافًا إلا ما حكي عن الحسن في النفساء، وقد صلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول العامة ولأنه ليس بشهيد معركة، ولا ملحقًا به.

لكونهم أحياء عند ربهم (¬1) (وإن سقط عن دابته) (¬2) أو شاهق بغير فعل العدو (¬3) . (أو وجد ميتًا ولا أثر به) (¬4) أو مات حتف أنفه (¬5) . ¬

_ (¬1) والمراد حياة برزخية، لا كحياة الدنيا، والصلاة إنما شرعت على الأموات، وقيل لغناهم عن الشفاعة، فإن الشهيد يشفع في سبعين من أهله. (¬2) حاضر صف القتال، بغير فعل العدو، فمات غسل وصلي عليه، وفاقًا لمالك وأبي حنيفة والجمهور، لعدم مباشرتهم قتله، أو تسببهم فيه، أشبه من مات بمرض، قال في المبدع: وشرطه أن يكون بغير فعل العدو، فأما إذا كان بفعلهم فلا. (¬3) غسل وصلي عليه، وفاقًا لمالك وأبي حنيفة وغيرهما، لعدم مباشرتهم قتله ولأن الأصل وجوب الغسل والصلاة، فلا يسقط بالاحتمال. والشاهق المرتفع من الجبال والأبنية ونحوها. (¬4) غسل وصلي عليه، وفاقًا لمالك والشافعي وغيرهما، لأن الأصل وجوب الغسل، فلا يسقط يقين ذلك بالشك في مسقطه، فإن كان به أثر لم يغسل ولم يصل عليه. (¬5) يعني حاضر صف القتال، غسل وصلي عليه، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، والحتف الهلاك، والمراد بموته حتف أنفه الموت على فراشه، كأنه سقط لأنفه فمات، وذلك لأنهم كانوا يتخيلون أن روح المريض تخرج من أنفه، فقولون: مات حتف أنفه، لأنه يموت ونفسه تخرج من أنفه، فإن جرح خرجت من جراحته.

يغسل كل عاص ويصلى عليه إلا الغال وقاتل نفسه

أو برفسة أو عاد سهمه عليه (¬1) (أو حمل فأكل) أو شرب أو نام أو بال أو تكلم أو عطس (أو طال بقاؤُه عرفًا، غسل وصلي عليه) كغيره (¬2) ويغسل الباغي ويصلى عليه (¬3) . ¬

_ (¬1) أي فقتله، أو عاد سيفه عليه فقتله، أو رفسته دابة، أي صدمته برجلها في صدره ونحوه فقتلته، غسل وصلي عليه، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة، لأنه لم يمت بفعل العدو، ولا مباشرته، ولا تسببه، ومذهب الشافعي، ونصره القاضي: لا يغسل ولا يصلى عليه، لأن عامر بن الأكوع بارز رجلاً يوم خيبر، فعاد عليه سيفه فقتله، فلم يفرد عن الشهداء بحكم. (¬2) من وجوب غسل وصلاة وفاقًا، لأن سعد بن معاذ أصابه سهم يوم الخندق، فحمل إلى المسجد، ثم مات بعد ذلك، فغسله رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى عليه، وعمر حمل، وغسل وصلي عليه بحضرة الصحابة، ولم ينكر ذلك أحد، فثبت أنه إجماع. ولا بد أن تكون هذه الأمور بعد حمله من المعركة، فأما لو كانت قبل حمله من المعركة، مثل أن أكل أو شرب بعد جرحه، وهو في المعركة، ثم مات فيها، فحكمه حكم شهيد المعركة، لا يغسل ولا يصلى عليه، فإن قتلى أحد تكلموا بعد جراحهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم، إلا أن يطول مكثه فيها، فيحتمل أن يغسل، كما نقل عن أحمد فيمن أقام فيها يومًا إلى الليل، يغسل، وقيل يصلى عليه إن حمل فأكل، وأما الشرب والكلام فلا، صححه المجد وأبو محمد، لأن الشرب والكلام يوجد ممن هو في السياق، وصوبه في الإنصاف. (¬3) وكذا كل عاص، كسارق وشارب خمر، ومقتول قصاصًا أو حدًا، أو غيرهم، قال أحمد: ما نعلم أنه صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على أحد إلا على الغال وقاتل نفسه.

يغسل السقط ويصلى عليه

ويقتل قاطع الطريق، ويغسل ويصلى عليه، ثم يصلب (¬1) (والسقط إذا بلغ أربعة أشهر غسل وصلي عليه) وإن لم يستهل (¬2) لقوله عليه السلام «والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» رواه أحمد وأبو داود (¬3) . ¬

_ (¬1) أي بعد الصلاة عليه، ولا نزاع في أنه يصلى عليه، كسائر المسلمين، وصلبه مد باعيه على جذع ونحوه. (¬2) أصل الاستهلال رفع الصوت، أي يصوت عند الولادة، وفاقًا للشافعي، فهو كمولود حيًا، ولأنه نسمة نفخ فيها الروح، ولأنه يبعث فيسمى، ليدعى باسمه يوم القيامة، وسئل أحمد: متى تحب أن يصلى على الطفل؟ قال: إذا أتى عليه أربعة أشهر، لأنه ينفخ فيه الروح، اعتمد في ذلك على حديث ابن مسعود، في قوله يعني بعد الأربعة «ثم ينفخ فيه الروح» متفق عليه، وهذا مذهب أهل الظاهر. وقال العبدري: إن كان له أربعة أشهر ولم يتحرك، لم يصل عليه عند جمهور العلماء، وإن لم يكن له إلا دون أربعة أشهر لم يصل عليه بلا خلاف. وقال الوزير وغيره: لا يغسل ولا يصلى عليه إذا لم يبلغ أربعة أشهر اتفاقًا قالوا: لأنه لا يبعث قبلها وهو قول كثير من الفقهاء، وقال الموفق وغيره: يلف في خرقة ويدفن، ولا يغسل ولا يصلى عليه، لعدم وجود الحياة، بلا خلاف، وقبل الأربعة الأشهر لا يكون نسمة، بل كسائر الجمادات، والسقط بكسر السين وضمها وفتحها، ثلاث لغات مشهورات، الولد لغير تمام. (¬3) ورواه ابن حبان والحاكم وصححه، وقال: على شرط البخاري بلفظ «السقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة» وله شواهد، ورواه النسائي والترمذي أيضًا وصححه، لكن بلفظ «والطفل يصلى عليه» ، واحتج به أحمد، وفي سنن ابن ماجه مرفوعًا «صلوا على أطفالكم، فإنهم من أفراطكم» وحكى الموفق وابن المنذر وغير واحد إجماع المسلمين على وجوب الصلاة على الطفل، لهذا الخبر، ولعموم النصوص الواردة بالصلاة على المسلمين، وهو داخل في عمومهم، وإن وجد بدار حرب، وعليه علامة المسلمين، غسل وصلي عليه، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع أنه إذا وجد الطفل في بلاد المسلمين ميتًا، يجب غسله ودفنه في مقابرنا.

من تعذر غسله ييمم

وتستحب تسميته (¬1) فإن جهل أَذكر هو أَم أُنثى؟ سمي بصالح لهما (¬2) (ومن تعذر غسله) لعدم الماء أَو غيره كالحرق والجذام والتبضيع (يمم) كالجنب إذا تعذر عليه الغسل (¬3) وإن تعذر غُسْل بعضه غُسِل ما أَمكن، ويمم للباقي (¬4) . ¬

_ (¬1) قيل: ولو ولد قبل أربعة أشهر، لأنه يبعث فيسمى، ليدعى يوم القيامة باسمه، وهو ظاهر كلام أحمد. (¬2) كهبة الله وطلحة، قاله الشيخ وغيره. (¬3) وفاقًا للشافعي، لأن غسل الميت طهارة على البدن، فقام التيمم – عند العجز عن الغسل – مقامه كالجنابة، وكذا من به جدري ونحوه يمنع الغسل، فإنه ييمم ويصلى عليه، على حسب حاله. (¬4) أي لما تعذر غسله كالجنابة، وإن أمكن صب الماء عليه بلا عرك صب عليه الماء، بحيث يعم بدنه، وترك عركه لتعذره، وإن يمم الميت لعدم الماء، وصلي عليه، ثم وجد الماء قبل دفنه، وجب غسله لإمكانه، وتعاد الصلاة عليه، وكذا فيها كالحي، ولو دفن قبل الغسل من أمكن غسله وجب نبشه، إن لم يخف تفسخه أو تغيره، ومثله من دفن قبل تكفينه، أو موجهًا إلى غير القلة، وهذا مذهب مالك والشافعي، ويجوز نبشه لغرض صحيح، كتحسين كفنه، وكدفنه في بقعة فاضلة، ومجاورة رجل صالح، إلا الشهيد فلا ينقل، ولو نقل رد إلى مصرعه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وحمل الميت إلى غير بلده لغير حاجة مكروه.

(و) يجب (على الغاسل ستر ما رآه) من الميت (إن لم يكن حسنًا) (¬1) فيلزمه ستر الشر، لا إظهار الخير (¬2) ونرجو للمحسن، ونخاف على المسيء (¬3) . ¬

_ (¬1) لحديث «ليغسل موتاكم المأمونون» رواه ابن ماجه بسند ضعيف، وكونه أمينًا ليوثق به في تكميل الغسل، وستر العيب، وغير ذلك، ولأحمد عن عائشة مرفوعًا «من غسل ميتًا، وأدى فيه الأمانة، ولم يفش عيبه، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» وللحاكم «من غسل ميتًا وكتم عليه، غفر له أربعين مرة» وعموم قوله «من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» وقوله: في الغيبة «ذكرك أخاك بما يكره» وغير ذلك، وقال جمع: إلا على مشهور ببدعة أو فجور ونحوه، فيتسحب إظهار شره، وستر خيره، ليرتدع نظيره، وفي الحديث «لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» . (¬2) ولابن حبان والحاكم «اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم» ولأن في إظهار الشر إذاعة للفاحشة، وغيبة له، وهي محرمة، وأما إظهار الخير فيباح ليترحم عليه، ويكثر المصلون عليه، والدعاء له. (¬3) هذا أمر كلي، أي ونرجو للمحسن أن يوفى أجره كما وعد تبارك وتعالى، ونخاف على المسيء من عذاب الله أن يؤاخذه بإساءته {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} .

ثناء الناس على الميت جائز

ولا نشهد إلا لمن شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1) . ويحرم سوء الظن بمسلم ظاهر العدالة (¬2) ويستحب ظن الخير بالمسلم (¬3) . ¬

_ (¬1) يعني بجنة أو نار، بإجماع أهل السنة والجماعة. قال الشيخ: أو تتفق الأمة على الثناء عليه، أو الإساءة، ولعله مراد الأكثر، وأنه الأكثر ديانة، وظاهر كلامه أيضًا: ولو لم تكن أفعال الميت موافقة لقولهم، وإلا لم تكن علامة مستقلة، وفي الصحيحين أنه مر بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال «وجبت» ثم بأخرى فأثنوا عليها شرًا فقال «وجبت» فقال عمر: ما وجبت؟ قال «هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض» والحديث على عمومه، فمن ألهم الناس الثناء عليه، كان دليلاً، سواء كانت أفعاله مقتضية أو لا، وهذا الإلهام يستدل به على تعيينها. اهـ. ويشرع ثناء الناس على الميت، وهو جائز مطلقًا، بخلاف الحي على تفصيل فيه، وروى الإمام أحمد «ما من مسلم يموت، فيشهد له ثلاثة أبيات من جيرانه الأدنين بخير، إلا قال الله: قد قبلت شهادة عبادي على ما علموا، وغفرت له ما لم يعلموا» . وللحاكم قال: «ما هذه الجنازة؟» قالوا: جنازة فلان الفلاني، كان يحب الله ورسوله، ويعمل بطاعة الله، ويسعى فيها، فقال «وجبت» وقال ضد ذلك في التي أثنوا عليها شرًا، «وجبت، أنتم شهداء في أرضه، أيما مسلم شهد له أربعة، وثلاثة، واثنان بخير، أدخله الله الجنة» وفي الأثر «إذا أردتم أن تعلموا ما للميت عند الله، فانظروا ما يتبعه من حسن الثناء» قال الشيخ: وتواطؤ الرؤيا كتواطيء الشهادات. (¬2) بخلاف من ظاهره الفسق، فلا حرج بسوء الظن به، وحديث «إياكم والظن» محمول على ما لم تعضده قرينة، تدل على صدقه. (¬3) حيًا وميتًا، ولا ينبغي تحقيق ظنه في ريبة، وعلم منه أنه لا حرج بظن السوء لمن ظاهره الشر.

فصل في الكفن

فصل في الكفن (¬1) (يجب تكفينه في ماله) (¬2) لقوله - صلى الله عليه وسلم - في المحرم «كفنوه في ثوبيه» (¬3) (مقدمًا على دين) ولو برهن (وغيره) من وصيةٍ وإرْث (¬4) لأَن المفلس يقدم بالكسوة على الدين، فكذا الميت (¬5) . ¬

_ (¬1) لما فرغ من الكلام في غسل الميت وما يتعلق به، أتبعه الكفن ومؤونة التجهيز، وما يتعلق بذلك، وتقدم أن كفن الميت ومؤونة تجهيزه فرض كفاية على من علم به وأمكنه إجماعًا، وقيل: وحنوطه وطيبه، وفاقًا لمالك وقول للشافعي. (¬2) أي لف الميت في كفن، ثوب فأكثر من ماله، للنص والإجماع، وكذا مؤونة تجهيزه بمعروف، وفاقًا، غير حنوط وطيب فمستحب. (¬3) متفق عليه، وتقدم، ولما رواه الجماعة من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتكفين في النمرة، ولا مال له غيرها، وقال ابن المنذر: قال بذلك جميع أهل العلم. (¬4) وإرث جناية، ولو كانت متعلقة برقبة الجاني، وغير ذلك مما يتعلق بعين المال، وقال الوزير: اجمعوا على تكفين الميت من ماله، وأنه مقدم على الدين والورثة. (¬5) يقدم عليه، بل أولى، ولأن سترته واجبة في الحياة، فكذا بعد الموت، وللخبر المتقدم وغيره، ويكون ذلك من رأس ماله، ولأن حمزة ومصعبًا لم يوجد لكل منهما إلا ثوب، فكفنا فيه.

فيجب لحق الله وحق الميت ثوب لا يصف البشرة، يستر جميعه (¬1) من ملبوس مثله (¬2) ما لم يوص بدونه (¬3) والجديد أفضل (¬4) (فإن لم يكن له) أي للميت (مال (¬5)) فكفنه ومؤونة تجهيزه (على من تلزمه نفقته) (¬6) . ¬

_ (¬1) أي جميع بدن الميت، ذكرًا كان أو أنثى، ما لم يكن محرمًا، لأن العورة المغلظة يجزئ في سترها ثوب واحد، فكفن الميت أولى، ولو أوصى أن يكفن بأقل منه لم تسمع وصيته، لما فيه من إسقاط حق الله، وعبارة الإقناع: ويشترط أن لا يصف البشرة، لأن ما يصفها غير ساتر، فوجوده كعدمه. (¬2) في الجمع والأعياد، لأنه لا إجحاف فيه على الميت، ويكره بأعلى من ملبوس مثله، ولو أوصى به، لأنه إضاعة للمال، وللنهي عن التغالي في الكفن، رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد. ولفظه «لا تغالوا في الكفن، فإنه يسلب سريعًا» ولا ينافي الأمر بتحسينه، فإن تحسينه بياضه ونظافته، وسبوغه وكثافته، لا كونه ثمينًا، وولاية شراء الكفن لوارثه. (¬3) أي دون ملبوس مثله، لأن الحق له، وقد تركه، فإذا أوصى بذلك جاز إجماعًا، ونقل أبو البركات الإجماع على جواز الوصية بالثوب الواحد. (¬4) أي من العتيق، كما فعل به صلى الله عليه وسلم، وللأمر بتحسينه، رواه مسلم وغيره، وذلك ما لم يوص الميت بغيره فيمتثل، لقول الصديق: كفنوني في ثوبي هذين، لأن الحي أحوج إلى الجديد من الميت، وإنما هما للمهلة والتراب. رواه البخاري وغيره، والمهلة الصديد. (¬5) بأن لم يخلف شيئًا، أو تلف قبل تجهيزه. (¬6) ويأتي ذلك في كتاب النفقات إن شاء الله تعالى.

لأن ذلك يلزمه حال الحياة، فكذا بعد الموت (¬1) (إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته) (¬2) ولو غنيًا، لأن الكسوة وجبت عليه بالزوجية والتمكن من الاستمتاع، وقد انقطع ذلك بالموت (¬3) فإن عدم مال الميت، ومن تلزمه نفقته، فمن بيت المال، إن كان مسلمًا (¬4) فإن لم يكن، فعلى المسلمين العالمين بحاله (¬5) . ¬

_ (¬1) أي فكما أن نفقته تلزمه حال الحياة، فكفنه ومؤونة تجهيزه تلزمه بعد الموت، ويجب كفن الرقيق على مالكه. (¬2) وهو رواية عن أبي حنيفة والشافعي، وحكي عن مالك. (¬3) فأشبهت الأجنبية، وعليه لا يلزمه كفنها ومؤونة تجهيزها، وفارقت الرقيق: فإن نفقته تجب بحق الملك، لا بالانتفاع، فتكفن من مالها إن كان، وإلا على من تلزمه نفقتها، وعنه: يلزمه كفنها، وهو رواية عن مالك وأبي حنيفة والشافعي، قال في المبدع: وهو قول أكثر العلماء، ورجح بأن من تلزمه كسوتها في الحياة يلزمه كفنها بعد الوفاة كالأمة مع السيد. (¬4) وفاقًا، لأنه للمصالح، وهذا من أهمها، وكنفقته، ويكفن بثوب، وفي الفروع وغيره: ويتوجه ثوب من الوقف على الأكفان إن كان، وخرج الكافر ولو ذميًا، فلا يكفن من بيت المال، لأن الذمة إنما أوجبت عصمتهم، فلا نؤذيهم، لا لإرفاقهم. (¬5) أي فإن لم يوجد بيت مال، فكان هنا تامة، أو وجد وتعذر الأخذ منه، فكفن الميت على المسلمين العالمين بحاله، كنفقة الحي وكسوته.

يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض

قال الشيخ تقي الدين: من ظن أن غيره لا يقوم به تعين عليه (¬1) فإن أراد بعض الورثة أن ينفرد به لم يلزم بقية الورثة قبوله (¬2) لكن ليس للبقية نبشه وسلبه من كفنه بعد دفنه (¬3) . وإذا مات إنسان مع جماعة في سفر، كفنوه من ماله، فإن لم يكن كفنوه ورجعوا على تركته، أو من تلزمه نفقته إن نووا الرجوع (¬4) (ويستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض) من قطن (¬5) . ¬

_ (¬1) وظاهره سواء تركوا جهلاً أو عجزًا أو بخلاً، ولو من ولاة بيت المال، وقال النووي وغيره: لو مات إنسان ولم يوجد ما يكفن به إلا ثوب مع مالك له، غير محتاج إليه، لزمه بذله بقيمته، كالطعام للمضطر. (¬2) لما فيه من المنة عليه وعليهم، وكذا لو تبرع به أجنبي. (¬3) لأنه ليس في تبقيته إسقاط حق مملوك لأحد منهم، وإنما هو حق للمتبرع، لا دخل لأحد فيه، ومن نبش وسرق كفنه، كفن من تركته ثانيًا وثالثًا، ولو قسمت، ما لم تصرف في دين أو وصية. (¬4) أي أو رجعوا على من تلزمه نفقته، لوجوبه عليه إن نووا الرجوع في ذلك، ولو لم يستأذن الحاكم. (¬5) البيض التي لونها البياض، لقوله: «وكفنوا فيها موتاكم» . ولابن ماجه «أحسن ما زرتم الله في قبوركم البياض» واستمر عليه عمل الصحابة ومن بعدهم، واستحبابه مجمع عليه، والقطن: بضم القاف وسكون الطاء وتحرك، معروف، وظاهر عبارته: ولو كان عليه دين، أو في الورثة صغير، وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب، وقيل: تقدم الثلاثة على الإرث والوصية، لا الدين، اختاره في المحرر، وجزم به أبو المعالي.

لقول عائشة: كفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أثواب بيض، سُحوليَّة جدد، يمانية، ليس فيها قميص ولا عمامة، أدرج فيها إدراجًا؛ متفق عليه (¬1) ويقدم بتكفين من يقدم بغسل (¬2) . ¬

_ (¬1) قال أحمد: أصح الأحاديث في كفن النبي صلى الله عليه وسلم حديث عائشة، لأنها أعلم من غيرها. وقال الترمذي: قد روي في كفن النبي صلى الله عليه وسلم روايات مختلفة، وحديث عائشة أصح الروايات التي رويت في كفنه، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، من الصحابة وغيرهم. وقال الحاكم وغيره: تواترت الأخبار عن علي وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن مغفل وعائشة في تكفينه صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض، ليس فيها قميص ولا عمامة، أي لم يكن في أكفانه قميص ولا عمامة، وإنما كفن في ثلاثة أثواب، وهو المستحب عند جماهير العلماء، ولا يكره إن جعل فيها قميص، لقصة ابن أبي، ولا عمامة، لفعل ابن عمر، والسُحولية بضم أوله، ويروى بفتحه: نسبة إلى سحول، قرية باليمن، وقيل بالفتح المدينة، وبالضم الثياب، جمع سحل، وهو الأبيض النقي، ولا يكون إلا من قطن، ولفظ «جدد» ليست في الصحيحين، وفي رواية لهما «من كرسف» أي قطن، واليمانية بتخفيف الياء منسوب إلى اليمن، وليست الياء للنسبة إذ الألف عوض عنها. (¬2) وتقدم في الغسل: وصيه، ثم أبوه ثم جده، ثم الأقرب، الخ.

تطييب الأكفان وكيفية وضع الميت فيها

ونائبه كهو، والأَولى توليه بنفسه (¬1) (تجمر) أي تبخر بعد رشها بماء ورد أو غيره، ليعلق (¬2) . (ثم تبسط بعضها فوق بعض) (¬3) أوسعها وأحسنها أَعلاها، لأَن عادة الحي جعل الظاهر أَفخر ثيابه (¬4) (ويجعل الحنوط) وهو أَخلاط من طيب يُعَدّ للميت خاصة (فيما بينها) (¬5) . ¬

_ (¬1) أي تولى الوصي الغسل بنفسه، وكذا الأب، الخ، لقيامه مقامه، والأولى استثناؤه الوصي إلا أن يجعل إليه. (¬2) أي رائحة البخور إن لم يكن محرمًا، ويكون البخور بالعود أو نحوه، يجعل العود على النار في مجمر، ثم يبخر به الكفن، حتى تعبق رائحته، أوصى به أبو سعيد وابن عمر وابن عباس وأسماء، ولأن هذا عادة الحي، ولابن حبان والحاكم عن جابر مرفوعًا «إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثًا» . (¬3) ليوضع الميت عليها مرة واحدة، ولا يحتاج إلى حمله ووضعه على واحدة بعد واحدة. (¬4) فيجعل أحسنها كذلك، ليظهر الناس، كعادي الحي. (¬5) أي يذر فيما بين اللفائف، وهو مشروع، بدليل الخطاب من قوله صلى الله عليه وسلم في المحرم «ولا تحنطوه» ولا يقال في غير طيب الميت حنوط. قال الأزهري: يدخل في الحنوط الكافور والصندل وذريرة القصب، ولو خلط بالمسك فلا بأس، وفي القاموس: الحنوط كل طيب يخلط للميت، وروي أنه كن عند علي مسك، فأوصى أن يحنط به، وقال: هو من فضل حنوط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي نحو ذلك عن أنس وابن عمر وغيرهم.

لا فوق العليا، لكراهة عمر وابنه وأبي هريرة (¬1) (ثم يوضع) الميت (عليها) أي اللفائف (مستلقيًا) لأَنه أمكن لإدراجه فيها (¬2) (ويجعل منه) أي من الحنوط (في قطن بين أليتيه) (¬3) ليرد ما يخرج عند تحريكه (¬4) . (ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان) وهو السراويل بلا أكمام (¬5) (تجمع أليتيه ومثانته (¬6) ويجعل الباقي) من القطن المحنط (على منافذ وجهه) عينيه ومنخريه وأُذنيه وفمه (¬7) . ¬

_ (¬1) وذكره في الفروع وفاقًا، ولا يجعل على الثوب الذي على النعش وفاقًا، لكراهة السلف لذلك. (¬2) وطويها عليه كما سيأتي، ويجب ستره حال حمله بثوب، ويوضع متوجهًا ندبًا. (¬3) برفق ويكثر ذلك. (¬4) حال التكفين والحمل والوضع. (¬5) وقال الجوهري: التبان بالضم والتشديد سروال صغير، بقدر شبر، يستر العورة المغلظة فقط، يكون للملاحين. (¬6) أي مَوْضع بوله، ليرد ما يخرج، ويخفى ما يظهر من الروائح، ويصنع كذلك في الجراح النافذة. (¬7) لئلا يحدث منها حادث، ويبدأ بها لشرفها، وكذلك يجعل في الجراح النافذة.

لأن في جعلها على المنافذ منعًا من دخول الهوام (¬1) (و) على (مواضع سجوده) ركبتيه ويديه وجبهته وأَنفه، وأَطراف قدميه، تشريفًا لها (¬2) وكذا مغابنه، كطي ركبتيه، وتحت إبطيه وسرته، لأَن ابن عمر كان يتتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك (¬3) . (وإن طيب) الميت (كله فحسن) لأَن أنسًا طلي بالمسك، وطلى ابن عمر ميتًا بالمسك (¬4) وكره داخل عينيه (¬5) وأن يطيب بورس وزعفران (¬6) . ¬

_ (¬1) أي في تلك المنافذ الشريفة. (¬2) أي ويجعل الباقي من القطن المحنط على تلك المواضع، تشريفًا لها، لكونها مختصة بالسجود. (¬3) فيفعل به كما يفعل بالعروس، قال الزركشي: كذا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال في الإقناع: ويطيب رأسه ولحيته. (¬4) وذكر السامري أنه يستحب تطييب جميع بدنه بالصندل والكافور، لدفع الهوام. (¬5) نص عليه وفاقًا. لأنه يفسدهما. (¬6) أي ويكره أن يطيب بورس وزعفران، لأنهما إنما يستعملان لغذاء أو زينة، وهو غير لائق بالميت، ولأنه لا يعتاد التطيب به، وربما ظهر لونه على الكفن، ولا فرق في ذلك بين المرأة والرجل، والورس نبت كالسمسم باليمن.

تحل العقد في القبر

وطليه بما يمسكه كصبر ما لم ينقل (¬1) (ثم يرد طرف اللفافة العليا) من الجانب الأَيسر (على شقه الأَيمن، ويرد طرفها الآخر فوقه) أي فوق الطرف الأَيمن (¬2) (ثم) يفعل بـ (الثانية والثالثة كذلك) أي كالأُولى (¬3) (ويجعل أكثر الفاضل) من كفنه (على رأُسه) لشرفه (¬4) ويعيد الفاضل على وجهه ورجليه بعد جمعه، ليصير الكفن كالكيس فلا ينتشر (¬5) (ثم يعقدها) لئلا ينتشر (¬6) (وتحل في القبر) (¬7) . ¬

_ (¬1) أي الميت من مكان إلى آخر، لحاجة دعت إليه، فيباح للحاجة بلا مفسدة، والصبر بكسر الموحدة ويسكن لضرورة الشعر، وهو دواء مُرّ، من عصارة شجر مُرًّ. (¬2) وعبارة الإقناع وشرحه: ثم يرد طرفها الأيمن على شقه الأيسر، جزم به الموفق وغيره، لئلا يسقط عنه الطرف الأيمن إذا وضع على يمينه في القبر، ولأنه عادة لبس الحي، في قباء ورداء ونحوهما، ونحوه في المنتهى وشرحه، وقدمه في الفروع وغيره، وجزم به جماعة من الأصحاب، ووجه في الفروع احتمالاً أنهما سواء. (¬3) لأنهما في معناها، فيدرج فيها إدراجًا. (¬4) أي على الرجلين، ولأنه أحق بالستر منهما، فالاحتياط ليستره بتكثير ما عنده أولى، فيجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه. (¬5) أي عند حمله ووضعه. (¬6) يعني الكفن، ما لم يكن محرمًا، وفي الإقناع: إن خاف انتشارها يعني اللفائف عقدها «وعقد» من باب ضرب (¬7) قال في الإنصاف: بلا نزاع، إذ عقده للخوف من انتشاره، وقد أمن ذلك بدفنه.

لقول ابن مسعود: إذا أَدخلتم الميت القبر فحلوا العقد؛ رواه الأَثرم (¬1) وكره تخريق اللفائف، لأَنه إفساد لها (¬2) (وإن كفن في قميص ومئزر ولفاقة جاز) (¬3) لأنه عليه السلام ألبس عبد الله بن أبي قميصه لما مات، رواه البخاري (¬4) وعن عمرو بن العاص أَن الميت يؤزر ويُقَمَّص، ويلف بالثلاثة (¬5) . ¬

_ (¬1) وعن سمرة نحوه، وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما أدخل نعيم بن مسعود في القبر، نزع الأخلة، ولأن الخوف من انتشاره قد زال، ويفهم منه أنه لا يحل الإزار إذا كان هناك، وصرح به في الإقناع وغيره، وذكر أبو المعالي وغيره أنه لو نسي الملحد أن يحلها نبش – ولو كان بعد تسوية التراب قريبًا – وحلت، لأنه سنة، قال الشافعي وغيره: إن خيف انتشار الأكفان عند الحمل شدت بشداد يعقد عليها، فإذا أدخلوه القبر حلوه، قيل: لأنه يكره أن يكون في القبر شيء معقود. (¬2) وتقبيح، مع الأمر بالتحسين، قاله أبو الوفاء وغيره، وذلك والله أعلم أنه كان من عادة أولئك، لئلا ينبش فيؤخذ، وجوز أبو المعالي تخريقه إن خيف نبشه، وكرهه الإمام أحمد، وقال هو وغيره: إنهم يتزاورون فيها. (¬3) إجماعًا من غير كراهة، ولو لم تتعذر اللفائف، إلا أن الأول أفضل، والمئزر الإزار، يجعل على الحقوين وما تحتهما، واللفافة بالكسر ما يلف به الشيء. (¬4) مكافأة له لما كان كسا العباس حين أسر، وفي الصحيحين أن ابنه قال: أعطني قميصك أكفنه فيه. (¬5) فيؤزر بالمئزر، ويلبس القميص، ثم يلف باللفافة بعد ذلك، وفي الفروع: لا يكره في خمسة وفاقًا، ولا يكره تعميمه وفاقًا. وقال ابن عقيل: ومن أخرج فوق العادة فهو على طريق المروءة، لا بقدر الواجب فممنوع، فإن كان من التركة فمن نصيبه، وقال الموفق: تكره الزيادة على الثلاثة، لما فيه من إضاعة المال.

تكفن المرأة في خمسة أثواب

وهذا عادة الحي (¬1) ويكون القميص بكمين ودخاريص لا بِزِرًّ (¬2) (وتكفن المرأة) والخنثى ندبًا (في خمسة أثواب) بيض من قطن (¬3) (إزار وخمار وقميص ولفافتين) (¬4) . لما روى أحمد وأبو داود، وفيه ضعف عن ليلى الثقفية قالت: كنت فيمن غسل أُم كلثوم، بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان ¬

_ (¬1) كونه يأتزر ويتقمص، ويرتدي ونحوه، والأفضل ما اختار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم. (¬2) ولأنه لا يسن للحي زره فوق إزار، لعدم الحاجة، والكم بالضم مدخل اليد ومخرجها من القميص، والدخاريص دخلات يجعلن في جوانبه، ولا يكره تكفين رجل في ثوبين، لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم في المحرم «وكفنوه في ثوبيه» . قال الموفق: وقول القاضي: لا يجزئ أقل من ثلاثة لمن يقدر عليها – وأنه لو جاز أقل منها لم يجز التكفين بها في حق من له أيتام – لا يصح، فإنه لا يجوز التكفين بالحسن، مع حصول الإجزاء بما دونه. (¬3) وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة، وقال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب. (¬4) الإزار غير ما تضم به فخذاها، في خبر أم سليم وغيره، والخمار تقنع به بعد أن تلبس القميص، ثم تلف باللفافتين، كما يأتي، ولما كانت تلبس المخيط في الإحرام، وهو أكمل أحوال الحياة، استحب إلباسها إياه بعد موتها.

أول ما أعطانا الحِقاء، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أُدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر (¬1) قال أحمد: الحقاءُ الإزار، والدرع القميص (¬2) فتؤزر بالمئزر، ثم تلبس القميص، ثم تخمر، ثم تلف باللفافتين (¬3) ويكفن صبي في ثوب (¬4) ويباح في ثلاثة، ما لم يرثه غير مكلف (¬5) وصغيرة في قميص ولفافتين (¬6) . ¬

_ (¬1) وروى الخوارزمي عن أم عطية: وكفناها في خمسة أثواب، وخمرناها كما نخمر الحي، وقال الحافظ: صحيح الإسناد، وإنما استحب لها الخمسة، لأنها تزيد حال حياتها على الرجل في السترة، لزيادة عورتها على عورته، فكذلك بعد الموت، وليلى هي بنت قانف. (¬2) والحقا بكسر الحاء المهملة، وتخفيف القاف مقصور لغة في الحقو، وهو الإزار، كما ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى. (¬3) قاله في المبدع وغيره، ونص أحمد أن الخامسة تشد بها فخذاها تحت المئزر، وقال الخرقي وغيره: خرقة تشد بها فخذاها بمئزر تحت درع، ويلف فوق الدرع الخمار باللفافتين، جمعًا بين الأخبار، وظاهره أنها لا تنتقب. (¬4) أي ويسن أن يكفن صبي في ثوب واحد وفاقًا، لأنه دون الرجل، ولا خلاف في أنه يجزئه. (¬5) رشيد، من صغير أو مجنون أو سفيه، فإن ورثه غير مكلف، لم تجز الزيادة على ثوب، لأن الزائد تبرع. ومذهب الشافعي: حكمه كالكبير في استحباب الثلاثة، واختاره ابن المنذر، وجمهور العلماء. (¬6) أي ويسن أن تكفن صغيرة في قميص ولفافتين بلا خمار، نص عليه، لعدم احتياجها إلى الخمار في حياتها، فكذا بعد موتها.

الواجب في الكفن ثوب يستر جميع الميت

(والواجب) للميت مطلقًا (ثوب يستر جميعه) (¬1) لأَن العورة المغلظة يجزئ في سترها ثوب واحد، فكفن الميت أَولى (¬2) ويكره بصوف وشعر (¬3) ويحرم بجلود (¬4) ويجوز في حرير لضرورة فقط (¬5) . ¬

_ (¬1) أي جميع الميت، سواء كان رجلاً أو امرأة، صغيرًا أو كبيرًا، وفي الصحيح عن أم عطية، قالت: ألقى علينا حِقْوَه، فقال «أشعرنها إياه» أي الففنها فيه، ولم يزد على ذلك، وقيل: الواجب ستر العورة، لقصة مصعب في الصحيحين، غطي بها رأسه، وبدت رجلاه، فأمرهم أن يجعلوا على رجليه الإذخر، ويبعد أن يكون معه ما يشتري به ما يستر جميعه، ولو لم يوجد، فمن بيت المال. (¬2) ولا فرق بين الرجل والمرأة. وتقدم أنه لا يجزئ بما يصف البشرة، يعني من بياض وسواد، ويكره برقيق يحكي الهيئة، يعني تقاطيع البدن، وأعضاءه، ويجوز تكفين المرأة في ثوب الرجل، لإعطائهن حقوه يشعرنه ابنته، وحكاه ابن بطال اتفاقًا. (¬3) لأنه خلاف فعل السلف رضي الله عنهم، ويكره بمزعفر ومعصفر، ولو لامرأة، لأنه لا يليق بالحال. (¬4) ولو لضرورة، لأمره عليه الصلاة والسلام بنزع الجلود عن الشهداء، ولأنها من ملابس أهل النار. (¬5) إن لم يجد ما يستره غيره، وفاقًا، لوجوب ستره، ويكون ثوبًا واحدًا، ذكرًا كان الميت أو أنثى، لأنه إنما أبيح الحرير للمرأة حال الحياة، لأنه محل زينة وشهوة، وقد زال بموتها، فلم يبح تكفينها به وفاقًا، إلا لضرورة. وقال ابن المنذر: لا أعلم فيه خلافًا، وعلم منه أنه إذا لم تكن ضرورة حرم تكفين بحرير ومذهب ومفضض، ولو لامرأة.

فإن لم يجد إلا بعض ثوب ستر العورة، كحال الحياة (¬1) والباقي بحشيش أو ورق (¬2) وحرم دفن حلي وثياب غير الكفن، لأَنه إضاعة مالٍ (¬3) ولحي أَخذ كفن ميت لحاجة حر أَو برد بثمنه (¬4) . ¬

_ (¬1) في وجوب تقديمها بالستر على سائر البدن. وإن بقي شيء ستر به رأسه وما يليه، لشرفه على باقيه. (¬2) لما روى البخاري وغيره من قصة مصعب لما قتل يوم أحد ولم يوجد له شيء يكفن به إلا نمرة، فكانت إذا وضعت على رأسه بدت رجلاه، وإذا وضعت على رجليه بدا رأسه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغطى رأسه، ويجعل على رجليه إذخر، وكان مستعملاً إذ ذاك عند العرب، فإن لم يوجد فما تيسر من نبات الأرض، فإن لم يوجد إلا ثوب واحد، ووجد جماعة من الأموات، جمع فيه ما يمكن جمعه، وقال ابن تميم: قال شيخنا: يقسم بينهم، ويستر عورة كل واحد، ولا يجمعون فيه، اهـ. ولو قيل حيث جاز دفن اثنين فأكثر فالجمع، وإلا فيستر عورة كل لكان حسنًا، ومنبوش طري يكفن كالذي لم يدفن، وفي الإقناع وغيره: يسن تغطية نعش بأبيض، ويكره بغيره، وفي شرحه: ويحرم بحرير ومنسوج بذهب أو فضة. (¬3) وعادة جاهلية، وقد نهى عنه عليه الصلاة والسلام. (¬4) قال المجد وغيره: إن خشي التلف، وإن كان لحاجة الصلاة فيه فالميت أحق بكفنه، ولو كان لفافتين، ويصلى الحي عليه عريانًا.

فصل في الصلاة على الميت وهي فرض كفاية ومن أكبر القربات

فصل في الصلاة على الميت (¬1) تسقط بمكلف (¬2) ¬

_ (¬1) وهي فرض كفاية إجماعًا، غير شهيد معركة، وقيل: ومقتول ظلمًا وتقدم، لمفهوم قوله تعالى {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} قال الشيخ: دليل الخطاب أن المؤمن يصلى عليه، ولأمره صلى الله عليه وسلم بها، وفعله المستفيض في غير ما حديث كقوله «صلوا على صاحبكم» وقوله «صلوا على أطفالكم» «صلوا على من قال لا إله إلا الله» وتواتر فعلها منه صلوات الله وسلامه عليه، وأجمع المسلمون عليها، ويكفر منكرها، وتقدم أنه إن لم يعلم به إلا واحد، وأمكنه تعينت عليه، وهي من أكبر القربات، وفي فعلها الأجر الجزيل، كما في الصحاح وغيرها، وقال الفاكهي: الصلاة على الميت من خصائص هذه الأمة، وأتبعت التكفين لمناسبتها له، وكونها تفعل بعده. (¬2) أي تسقط الصلاة على الميت بصلاة مكلف عليه، ذكر، ولو أنثى، أو عبد، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، وقول للشافعي، وقدم في المحرر: أو مميز، لأنها فرض تعلق به، فسقط بالواحد، وقيل تسقط بثلاثة وفاقًا، لما جاء أنه صلى صلى الله عليه وسلم على عمير بن أبي طلحة في منزلهم، وأبو طلحة وراءه، وأم سليم وراء أبي طلحة. قال شيخ الإسلام: وفروض الكفايات إذا قام بها رجل سقط عن الباقين، ثم إذا فعل الكل ذلك كان فرضًا، ذكره ابن عقيل محل وفاق، ولا تسقط بالصلاة عليه بعد الدفن، بل تقديمها واجب، فيأثمون بدفنه قبلها.

تسن جماعة ويقف الإمام عند صدر رجل ووسط امرأة

وتسن جماعة (¬1) وأن لا تنقص الصفوف عن ثلاثة (¬2) و (السنة أن يقوم الإمام عند صدره) أي صدر ذكر (¬3) . ¬

_ (¬1) أي تسن الصلاة على الميت جماعة، بإجماع المسلمين، لفعله صلى الله عليه وسلم، وفعل أصحابه رضوان الله عليهم، واستمرار عمل المسلمين عليه، وتسن تسوية الصفوف، كما في الصحيحين، في صلاته على النجاشي فصف بهم، وقال أحمد: يسوون صفوفهم، فإنها صلاة، وعن أبي المليح أنه صلى على جنازة، فالتفت فقال: استووا، ولتحسن شفاعتكم. وتجوز فرادى كنساء، عند مالك والشافعي، والمذهب يصلين عليه جماعة، وتقف إمامتهن وسطهن، وفاقًا لأبي حنيفة. (¬2) لحديث مالك بن هبيرة: كان إذا صلى على ميت جزأ الناس ثلاثة صفوف، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من صلى عليه ثلاثة صفوف من الناس، فقد أوجب» رواه الترمذي والحاكم وصححه، وفي رواية «ما من ميت يموت، فيصلي عليه ثلاثة صفوف، إلا غفر له» حسنه الترمذي. وروى ابن بطة عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد جنازة، وهو سابع سبعة، فأمرهم أن يصفوا ثلاثة صفوف خلفه، فصف ثلاثة واثنين وواحدًا خلف الصف، فصلى على الميت ثم انصرف، وصرح القسطلاني وغيره أن الثلاثة في الفضيلة سواء، وأنه إنما لم يجعل الأول أفضل محافظة على مقصود الشارع من الثلاثة الصفوف، وكلما كثر الجمع كان أفضل، لما في صحيح مسلم «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين، يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه» وفي حديث ابن عباس «أربعون» . (¬3) وفاقًا لأبي حنيفة، وعنه: عند رأس الرجل، وفاقًا للشافعي وجماهير العلماء، ولم يذكر ابن المنذر وغيره عن أحمد غيرها، وهي عبارة المقنع. قال الشارح: وهو قريب من الأول، فإن الواقف عند أحدهما واقف عند الآخر.

(وعند وسطها) أي وسط أُنثى (¬1) والخنثى بين ذلك (¬2) والأَولى بها وصيه العدل (¬3) فَسيَّد بِرَقِيِقِهِ (¬4) . ¬

_ (¬1) لما رواه الترمذي، وإسناده ثقات، عن أنس أنه صلى على رجل، فقام عند رأسه، ثم صلى على امرأة، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم. فلما فرغ قال: «احفظوا» وأخرج الجماعة من حديث سمرة، أنه صلى وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها، وهذا مذهب جمهور العلماء الشافعي وغيره، وما سوى ذلك لا مستند له. وكذا روي عن ابن مسعود وغيره، وصححه الوزير وغيره، ومنفرد كإمام، والحكمة في ذلك والله أعلم أن القلب في الصدر، ووسط المرأة محل حملها، وقيل لسترها، وظاهر إطلاقهم أن الصبي والصبية كذلك، وهو ظاهر الوجيز وغيره. (¬2) أي بين الصدر والوسط، لاستواء الاحتمالين فيه، والسنة وضع رأسه مما يلي يمين الإمام، كما هو المعروف. (¬3) أي والأولى بإمامة الصلاة المفروضة على الميت وصي الميت العدل، لإجماع الصحابة، فإنهم ما زالوا يوصون بذلك، ويقدمون الوصي، فأوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر، وعمر صهيبًا، وأم سلمة سعيد بن زيد، وأبو بكرة أبا برزة، وابن مسعود الزبير، وغيرهم ممن لا يحصون سلفًا وخلفًا، وجاء أمير الكوفة عمرو بن حريث ليصلي على أبي سريحة، فقال ابنه: أيها الأمير إن أبي أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم، فقدم زيدًا، وهذه قضايا اشتهرت، من غير إنكار ولا مخالف، فكانت إجماعًا، وهو قياس مذهب مالك، وكالمال، بل الميت يختار لذلك من هو أظهر صلاحًا، وأقرب إجابة. (¬4) أي أولى بالإمامة في الصلاة عليه، بعد وصيه وفاقًا، لأنه مالكه.

فالسلطان، فنائبه الأمير، فالحاكم (¬1) فالأَولى بغسل رجل (¬2) . ¬

_ (¬1) أي فالسلطان بعد وصي الميت وسيده أولى بالإمامة في الصلاة عليه، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، لأنه صلى الله عليه وسلم وخلفاءه من بعده كانوا يصلون على الموتى، ولم ينقل عنهم استئذان العصبة، وفي الصحيح عن الحسن: أدركت الناس وأحقهم بالصلاة على جنائزهم من رضوه لفرائضهم. وقال علي وابن مسعود: الإمام أحق من صلى على الجنازة، ولو تقدم غير الأولى صح. وقال الوزير: الوالي أحق من الولي، عند مالك وأبي حنيفة، والقديم من قولي الشافعي، وقال في الفروع: ليس تقديم الخليفة والسلطان على سبيل الوجوب. وفي الإنصاف: فبعد الوصي والحاكم أبوه، ثم جده، ثم أقرب العصبة، على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب. اهـ. ثم نائب السلطان، يعني الأمير على بلد الميت، لأنه في معناه، وقال أبو هريرة: شهدت حسينًا حين مات الحسن، وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص أمير المدينة، وهو يقول: لولا السنة ما قدمتك. ومقتضاه أنه سنة، ,خلفه يومئذ ثمانون من الصحابة، قال الموفق: ولم ينكر، فكان إجماعًا. وكالجمع والأعياد، ثم الحاكم أي القاضي، وقدم الأمير هنا على القاضي، عكس ما في النكاح، لأنه هنا منظور فيه للقوة والبأس، ولقوله «لا يؤمنَّ الأمير في سلطانه» وهو أقوى بسلطنته من الحاكم. (¬2) أي فالأولى بالإمامة في الصلاة على الميت، بعد من تقدم، الأولى بغسل رجل، على ما تقدم في الغسل، وإن كان الميت أنثى، فيقدم أب فأبوه وإن علا، لأنه يشارك الابن في العصوبية، وزاد عليه بالحنو والشفقة، وبها يحصل مقصود الدعاء الذي هو مقصود صلاة الجنازة، ثم ابن، ثم ابنه وإن نزل، وفي حديث أسيد «ومن برهما الصلاة عليهما» ونقل أبو الطيب الإجماع على تقديمه على الأخ، ثم أخ لأبوين، ثم لأب، وهكذا على ترتيب الميراث، ومع التساوي يقدم الأولى بالإمامة، وقيل الأسن، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، لأن دعاءه أقرب إجابة، لأنهم أفجع بالميت من غيرهم، وهو أكبر المقصود، فكانوا في التقديم أحق، فإن استووا في الصفات أقرع.

إذا اجتمعت جنائز قدم إلى الإمام أفضلهم

فزوج بعد ذوي الأرحام (¬1) ومن قدمه ولي بمنزلته، لا من قدمه وصي (¬2) وإذا اجتمعت جنائز: قدم إلى الإمام أفضلهم، وتقدم (¬3) . ¬

_ (¬1) لأن له مزية على باقي الأجانب، فقدم لأجلها. (¬2) أي ومن قدمه ولي من أولياء الميت صار بمنزلته، في إمامة الصلاة على الميت، مع أهليته، كولاية النكاح، لا من قدمه وصي في الصلاة على الميت، فإن ذلك لما أمله الميت في الوصي من الخير، فإن لم يصل الوصي فإلى من بعده، وهذا إذا لم يجعل الموصي له ذلك، فإن جعله صح، وإن تقدم أجنبي بغير إذن ولي أو وصي صح، لأنه ليس فيه كبير افتيات تشح بها الأنفس عادة، فإن صلى الولي خلفه صار إذنًا، وإلا فله أن يعيد الصلاة عليه، لأنها حقه. (¬3) يعني في باب صلاة الجماعة، من أنه يليه الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء وفاقًا، وهو قول عثمان وعلي وجمهور الصحابة والتابعين، وكذا في المسير، وإذا دفنوا في قبر واحد، وروى البيهقي عن ابن عمر، أنه صلى على تسع جنائز، رجال ونساء، فجعل الرجال مما يلي الإمام، والنساء مما يلي القبلة، وأخرج أبو داود والنسائي وغيرهما، بسند صحيح، قال عمار: شهدت جنازة أم كلثوم وابنها، فجعل الغلام مما يلي الإمام، فأنكرت ذلك عليه، وفي القوم ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، وأبو هريرة، فقالوا: هذه السنة. وفي رواية البيهقي: ونحوٌ من ثمانين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر المصلي سعيد بن العاص، ولم يذكر ابن المنذر وغيره عنهم خلاف ذلك، وكان عليه الصلاة والسلام يقدم في القبر من كان أكثر قرآنًا، فيقدم حر مكلف الأفضل فالأفضل، فَعبْدٌ كذلك،، فصبي كذلك، ثم خنثى، ثم امرأة كذلك، قال الموفق: ولا نعلم خلافًا في تقديم الخنثى على المرأة.

كيفية الصلاة على الميت

فأَسن فأَسبق (¬1) ويقرع مع التساوي (¬2) وجمعهم بصلاة أفضل (¬3) ويجعل وسط أُنثى حذاءَ صدر رجل، وخنثى بينهما (¬4) (ويكبر أربعًا) لتكبير النبي - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي أربعًا، متفق عليه (¬5) . ¬

_ (¬1) أي فإن استووا في الفضل قدم أسن، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم «كبر كبر» فإن تساووا في السن فسابق لسبقه. (¬2) في الكل، فقدم إلى الإمام من تخرج له القرعة كالإمامة. (¬3) أي من إفراد كل ميت بصلاة، وهو مذهب مالك، ولأنه أسرع، وأبلغ في توفر الجمع، وقيل عكسه، وفاقًا للشافعي، قال في الفروع: ويتوجه احتمال بالتسوية، وفاقًا لأبي حنيفة. اهـ. وإذا اجتمع موتى قدم من الأولياء للصلاة عليهم أولادهم بالإمامة، فإن تساووا أقرع، ولولي كل ميت أن ينفرد بصلاته على ميته. (¬4) إذا اجتمعوا، ليقف الإمام أو المنفرد من كل واحد من الموتى موقفه. ويسوى بين رؤوس كل نوع، وتكون عن يمين الإمام ندبًا، فلو كانت عن يساره أجزأت، صرح به المالكية، ووسط بفتح السين، وكل ما كان مصمتًا، وما كان يبين بعضه من بعض كوسط الصف فبالسكون. (¬5) من غير وجه، وفي الصحيح عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم كبر على الجنازة أربعًا، وفيهما عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قبر، بعدما دفن، وكبر أربعًا, ويأتي.

(يقرأُ في الأُولى) أَي بعد التكبيرة الأُولى، وهي تكبيرة الإحرام و (بعد العوذ) والبسملة (الفاتحة) سرًا ولو ليلاً (¬1) لما روى ابن ماجه عن أم شريك الأنصارية قالت: أَمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقرأَ على الجنازة بفاتحة الكتاب، ولا نستفتح، ولا نقرأ سورة معها (¬2) (ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - في) أي بعد التكبيرة (الثانية) كالصلاة في (التشهد) الأَخير (¬3) . ¬

_ (¬1) وفاقًا في غير التعوذ، للأمر به، وعنه: لا يتعوذ وفاقًا، وأما البسملة فأجمعوا على الإتيان بها، وتقدم أنها آية من القرآن، قبل كل سورة سوى براءة، وأما الاستفتاح فأكثر العلماء أنه لا يستفتح، خلافًا لأبي حنيفة، لأن مبناها على التخفيف، كما أنه لا يقرأ السورة بعد الفاتحة، ولأنه لم يرد الاستفتاح فيها، فتركا لطولهما، ونقل إمام الحرمين الإجماع على أنه لا يستحب قراءة سورة معها. (¬2) ولما رواه النسائي وغيره، عن أبي أمامة قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة. وإسناده على شرطهما، وأبو أمامة هذا صحابي، ونحوه عن الضحاك، وللبخاري عن ابن عباس أنه صلى على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنها سنة. وقال مجاهد: سألت ثمانية عشر رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن القراءة على الجنازة، فكلهم قال: يقرأ. وكالصلوات، ولأنه فعل السلف، واستمر العمل عليه. (¬3) لنقل الخلف عن السلف من طرق متعددة، وعمل المسلمين عليه.

لما روى الشافعي عن أبي أمامة بن سهل، أنه أخبره رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى، سرًا في نفسه، ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويخلص الدعاءَ للميت، ثم يسلم (¬1) (ويدعو في الثالثة) لما تقدم (¬2) . ¬

_ (¬1) وأخرجه الحاكم وابن الجارود وغيرهما، قال الحافظ: ورجاله مخرج لهم في الصحيحين، ولفظ الحاكم: أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه أنه من السنة. وزاد الأثرم وغيره: والسنة أن يفعل من وراء الإمام مثل ما يفعل الإمام، وذكر أبو أمامة عن جماعة من الصحابة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، في الصلاة على الجنازة، ولأنه صلى الله عليه وسلم لما سألوه: كيف نصلي عليك؟ علمهم ذلك، وقال أبو هريرة: إذا وضعت، يعني الجنازةـ كبرت وحمدت الله، وصليت على نبيه صلى الله عليه وسلم رواه مالك. (¬2) أي من قوله: ويخلص الدعاء للميت. وقال عليه الصلاة والسلام «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» رواه أبو داود، وصححه ابن حبان، ويدعو بأحسن ما يحضره من الدعاء. قال الموفق: والأولى أن يدعو لنفسه ولوالديه، وللميت، وللمسلمين بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا توقيت فيه، ونص عليه أحمد، وقال: ادع بأحسن ما يحضرك. وأخرج عن أبي الزبير: سألت جابرًا عما يدعى به للميت، فقال: ما أتاح لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر ولا عمر. ومعنى: أتاح؛ قدر، والأمر المطلق بإخلاص الدعاء للميت يقضي بأن يخلص للمسيء كالمحسن، فإن ملابس المعاصي أحوج إلى دعاء إخوانه المسلمين، ولذلك قدموه بين أيديهم، قيل: إن كان محسنًا فزده إحسانًا، وإن كان مسيئًا فأنت أولى بالعفو عنه خلاف وإخلاص الدعاء له، وفي صحيح مسلم عن عائشة «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين، يبلغون مائة، كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه» .

ما يدعو به في الصلاة وتوضيح ذلك

(فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا (¬1) وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا (¬2) إنك تعلم منقلبنا ومثوانا (¬3) وأنت على كل شيءٍ قدير (¬4) اللهم من أَحييته منا فأَحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منَّا فتوفه عليهما) (¬5) . ¬

_ (¬1) الغائب ضد الشاهد، والشاهد الحاضر. (¬2) المقصود الشمول والاستيعاب، كأنه قيل: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات. وذكر الصغير لعله لرفع الدرجات. (¬3) يجوز أن يكونا مصدرين، أي انقلابنا وثوانا، وأن يراد بهما المنزل. أي: إنك تعلم مرجعنا ومنصرفنا، ومأوانا ومنزلنا الذي نعود إليه. (¬4) قادر على المغفرة لنا معشر المسلمين، والعفو والرحمة أو النقمة، فلك القدرة العامة الشاملة لكل شيء فما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن. (¬5) أي على الإسلام والسنة، وفي رواية: فتوفه على الإيمان. والإسلام هو العبادات كلها، والإيمان شرط فيها، ووجودها في حال الحياة ممكن، بخلاف حالة الموت، فإن وجودها متعذر، فلهذا اكتفى بالموت على الإيمان خاصة، وطلب الحياة على الإسلام، الذي الإيمان جزء منه، ويفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالأعمال الباطنة إذا اقترنا، وإذا افترقا فسر كل منهما بالآخر، والسنة في اللغة السيرة والطريقة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرع الاجتماع عليها، جمعها سنن، كغرفة وغرف.

رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، من حديث أبي هريرة (¬1) لكن زاد فيه الموفق: وأنت على كل شيءٍ قدير. ولفظة: السنة (¬2) (اللهم اغفر له، وارحمه وعافه واعف عنه (¬3) وأكرم نزله) بضم الزاي وقد تسكن، وهو القرى (¬4) (وأَوسع مدخله) بفتح الميم مكان الدخول، وبضمها الإِدخال (¬5) (واغسله بالماء والثلج والبرد (¬6) ونقه من الذنوب والخطايا، كما ينقى الثوب الأَبيض من الدنس (¬7) ¬

_ (¬1) وأصله في صحيح مسلم، وفي آخره «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده» قال ابن القيم وغيره: روي من طرق تدل على أن له أصلاً. (¬2) أي زاد الموفق رحمه الله في المقنع لفظ: وأنت على كل شيء قدير؛ ولفظة: السنة. لكونه لائقًا بالمحل، ونبه عليه ليعلم أنه ليس في متن الحديث. (¬3) الضمير عائد إلى الميت، فلا يحول الضمير. (¬4) يهيأ للضيف أول ما يقدم، وفي رواية: وقه فتنة القبر، وعذاب القبر. (¬5) وليس هذا موضعه، فالفتح أولى، ليكون المعنى: وأوسع مكان الدخول. (¬6) بالتحريك، يعني المطر المنعقد، وجمع بينها مبالغة في التطهير، وليس المراد بالغسل هنا على ظاهره. وإنما هو استعارة بديعة، للطهارة العظيمة من الذنوب. (¬7) أي نقه من الذنوب بأنواع المغفرة، كما أن هذه الأشياء أنواع المطهرات من الدنس.

وأبدله دارًا خيرًا من داره، وزوجًا خيرًا من زوجه (¬1) وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، وعذاب النار) (¬2) رواه مسلم عن عوف بن مالك، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك على جنازة، حتى تمنى أن يكون ذلك الميت (¬3) وفيه «وأبدله أهلاً خيرًا من أهله، وأدخله الجنة» (¬4) وزاد الموفق لفظ: من الذنوب (¬5) (وافسح له في قبره، ونور له فيه) لأَنه لائق بالمحل (¬6) . ¬

_ (¬1) والزوج، بغير هاء، يقال للذكر والأنثى، وقد يقال للمرأة زوجة بالهاء. والمراد بالإبدال الفعلي أو التقديري، أي خيرًا من زوج لو تزوج، إذ منهم من ليس له دار بالدنيا. (¬2) وهذا من أجمع الأدعية، وقال ابن عبد البر: عذاب القبر، غير فتنته بدلائل من السنة الثابتة. (¬3) ولفظه: قال: فتمنيت أن لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك الميت، بهذا الدعاء الجامع الشامل، إذ من أدخل الجنة، ونجي من عذاب القبر، وعذاب النار فقد تمَّ فوزه. (¬4) أي بعد قوله: «وأبدله دارًا خيرًا من داره» قال: «وأهلاً خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة ... » الخ. (¬5) أي فليست في صحيح مسلم، ورواه البيهقي وغيره بدونها، والذنب هو الإثم، والخطيئة الذنب. (¬6) «افسح» بفتح السين أي وسع، زاد الخرقي وغيره: اللهم إنه عبدك، وابن أمتك، نزل بك، وأنت خير منزول به. وقال ابن القيم: وحفظ من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر، ومن عذاب النار، فأنت أهل الوفاء والحق، فاغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم» ومنه: «اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت رزقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وتعلم سرها وعلانيتها، جئنا شفعاء، فاغفر لها» ورواه أبو داود وغيره. وأصل الشفع الزيادة، فكأنهم طلبوا أن يزاد بدعائهم من رحمة الله، إلى ماله بتوحيده وعمله.

ما يقوله في الصلاة على الصغير

وإن كان الميت أُنثى أَنث الضمير (¬1) وإن كان خنثى قال: هذا الميت ونحوه (¬2) ولا بأْس بالإشارة بالإصبع حال الدعاء للميت (وإن كان) الميت (صغيرًا) ذكرًا أو أنثى، أو بلغ مجنونًا واستمر (¬3) (قال) بعد: ومن توفيته منا فتوفه عليهما (¬4) (اللهم اجعله ذخرًا لوالديه (¬5) . ¬

_ (¬1) فيقول: اللهم اغفر لها، وارحمها؛ والأولى أن لا يحول، لعوده على الميت. (¬2) كهذه الجنازة، لأنه يصلح لهما، وينبغي عوده على الميت اتباعًا، لإطلاق النص. (¬3) يعني على جنونه، حتى مات. (¬4) وكذا إن أكمل الحديث، فقال: «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله» لفعل السلف والخلف، ولمناسبته للحال، استحب أن يقول مكان الاستغفار للميت هذا الدعاء الآتي. (¬5) شبه تقدمه لهما بشيء نفيس يكون أمامهما مدخرًا، إلى وقت حاجتهما له.

وفرطًا) أي سابقًا مهيئًا لمصالح والديه في الآخرة، سواءً مات في حياة والديه أو بعدهما (¬1) (وأجرًا وشفيعًا مجابًا (¬2) اللهم ثقل به موازينهما (¬3) وأعظم به أجورهما (¬4) وأَلحقه بصالح سلف المؤمنين (¬5) واجعله في كفالة إبراهيم (¬6) . ¬

_ (¬1) وأصل الفرط والفارط فيمن يتقدم الجماعة الواردة إلى الماء، ليهيء لهم أسبابهم في المنزل، أي فاجعله سابقًا أمام والديه، مهيئًا لمصالحهما، بمدخر نفيس في الآخرة، إلى وقت حاجتهما له بشفاعته لهما. قال القاضي: وهو في هذا الدعاء الشافع يشفع لوالديه، وللمؤمنين المصلين عليه، وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد وغيره «أما تحب أنك لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك» . (¬2) أي أجرًا لوالديه، وشفيعًا لهما، مجاب الشفاعة، وللبيهقي عن أبي هريرة مرفوعًا «اللهم اجعله لنا سلفًا وفرطًا وذخرًا» وفي لفظ «وأجرًا» وزاد بعضهم «وعظة واعتبارا» . (¬3) أي بثواب الصبر على فقده أو الرضى به. (¬4) وسيأتي ذكر ما في الصبر عليه من الأجر الجزيل. (¬5) أي آبائهم المتقدمين، ومن فضل الله وكرمه أنه يلحق بالذين آمنوا وعملوا الصالحات ذريتهم. (¬6) إشارة إلى ما رواه ابن أبي الدنيا وغيره عن خالد بن معدان «إن في الجنة لشجرة يقال لها طوبى، كلها ضروع، من مات من الصبيان الذين يرضعون رضع من طوبى، وحاضنهم إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام» .

لا يقول شيئا بعد الرابعة ويسلم واحدة عن يمينه

وقه برحمتك عذاب الجحيم) (¬1) ولا يستغفر له، لأَنه شافع غير مشفوع فيه، ولا جرى عليه قلم (¬2) . وإذا لم يعرف إسلام والديه دعا لمواليه (¬3) (ويقف بعد الرابعة قليلاً) (¬4) ولا يدعو، ولا يتشهد، ولا يسبح (¬5) . ¬

_ (¬1) لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا، «والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» وفي رواية «بالعافية والرحمة» رواهما أحمد، ولفظ الترمذي وغيره «والطفل» الخ وأي دعاء دعا به مما ذكر ونحوه أجزأ، والجحيم اسم من أسماء النار، قال الخليل: هي النار الشديدة. (¬2) فالدعاء لوالديه أولى من الدعاء له، وما ذكر من الدعاء لائق بالمحل، مناسب لما هو فيه، فشرع فيه الاستغفار للبالغ. (¬3) أي موالي الصغير والمجنون، حيث كان له موال يعلم إسلامهم لقيامهما مقام والديه في المصاب به، فيقول: ذخرًا لمواليه الخ، قال شيخ الإسلام: ومن كان من أمة أصلها كفار، لم يجز أن يستغفر لأبويه، إلا أن يكونا قد أسلما للآية. اهـ. وأما ولد الزنا فيدعى لأمه فقط، لثبوت نسبه منها، بخلاف أبيه، وإن كان كل منهما زانيًا، وكذا المنفي بلعان. (¬4) لحديث زيد بن أرقم: كان يكبر أربعًا، ثم يقف ما شاء الله، فكنت أحسب أن هذه الوقفة ليكبر آخر الصفوف رواه الجوزجاني، ولما يأتي من حديث ابن أبي أوفى وغيره. (¬5) وفاقًا في الأخيرتين، لما تقدم من أن مبناها على التخفيف، وأما الدعاء فعنه: يدعو بعد الرابعة كالثالثة، اختاره المجد وغيره، وفاقًا لجمهور العلماء، ولأن ابن أبي أوفى فعله، وأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به وفعله، رواه أحمد وابن ماجه، والبيهقي، والحاكم وصححه، وقال أحمد: هو أصلح ما روي، ولا أعلم شيئًا يخالفه، ولأنه قيام في جنازة، أشبه الذي قبله، وقال في المحرر: بل يجوز في الرابعة، ولم يذكر خلافًا، فقول {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} وصح أن أنسًا كان لا يدعو بدعاء إلا ختمه بهذا الدعاء، واختار أبو بكر، وفاقًا للشافعية وغيرهم: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله. ولأنه لائق بالمحل.

(ويسلم) تسلمية (واحدة عن يمينه) (¬1) روى الجوزجاني عن عطاء بن السائب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم على الجنازة، تسليمة واحدة (¬2) . ¬

_ (¬1) وفاقًا لمالك، يجهر بها الإمام كالمكتوبة. (¬2) ولقوله «وتحليلها التسليم» وقيل لأحمد: أتعرف عن أحد من الصحابة أنه كان يسلم على الجنازة تسليمتين؟ قال: لا؛ ولكن عن ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسلمون تسليمة واحدة خفيفة. وذكره البيهقي عن عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن القيم: وهو المعروف عن ابن أبي أوفى. اهـ. وتقدم، ولأنه أشبه بالحال، وأكثر ما روي في التسليم، وقول أكثر العلماء من الصحابة والتابعين، ولأن صلاة الجنازة مبنية على التخفيف، وقال ابن المبارك: من سلم على جنازة تسليمتين فهو جاهل جاهل، واختار القاضي أن المستحب تسليمتان، وواحدة تجزئ، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي، قال الموفق: وقول القاضي مخالف لقول إمامه وأصحابه، ولإجماع الصحابة والتابعين. والجوزجاني هو إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق، ثقة مات سنة 259هـ وعطاء بن السائب أبو محمد الثقفي الكوفي، صدوق مات سنة 136هـ.

المطلوب في صفتها ستة أشياء

ويجوز تلقاء وجهه، وثانية (¬1) وسن وقوفه حتى ترفع (¬2) (ويرفع يديه) ندبًا (مع كل تكبيرة) لما تقدم في صلاة العيدين (¬3) (وواجبها) أي الواجب في صلاة الجنازة مما تقدم (¬4) . ¬

_ (¬1) أي ويجوز أن يسلم من صلاة الجنازة تلقاء وجهه، من غير التفات، ويجوز أن يسلم تسليمة ثانية عن يساره، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، لما ذكر الحاكم وغيره عن ابن أبي أوفى: ثم سلم عن يمينه، وعن شماله، فلما انصرف قال: إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع. قال في المبدع: ويتابع الإمام في الثانية كالقنوت، وظاهر كلام ابن الجوزي يُسِرُّ بها وفاقًا، ويجزئ وإن لم يقل: ورحمة الله؛ لما روى الخلال عن علي، وفيه وقال: السلام عليكم، لكن ذكر الرحمة أليق بالحال، فكان أولى. (¬2) أي ويسن وقوف المصلي على الجنازة مكانه، إمامًا كان أو مأمومًا، حتى ترفع الجنازة من بين أيديهم، قال مجاهد: رأيت ابن عمر لا يبرح من مصلاه، حتى يراها على أيدي الرجال. وقال الأوزاعي: لا تنفَضُّ الصفوف حتى ترفع الجنازة، وهو قول عامة العلماء. (¬3) وقال الشافعي: ترفع للأثر، والقياس على السنة في الصلاة، ورواه هو والبيهقي وغيرهما عن ابن عمر وأنس، وسعيد عن ابن عباس، والأثرم عن عمر وزيد بن ثابت، ولأنه لا يتصل طرفها بسجود ولا قعود، فسن فيها الرفع، كالصلاة، وحكى الشارح أن الرفع في التكبيرة الأولى إجماع، وصفة الرفع وانتهاؤه كما سبق، وروى الترمذي وغيره، بسند فيه ضعف: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في أول التكبير، ويضع اليمنى على اليسرى. (¬4) يعني من المطلوب في صفتها ستة أشياء، و «صلاة الجنازة» من إضافة الشيء إلى سببه.

(قيام) في فرضها (¬1) (وتكبيرات) أربع (¬2) . ¬

_ (¬1) أي قيام قادر، إن كانت الصلاة على الميت فرضًا وفاقًا، حكاه الوزير وغيره، كسائر الصلوات المفروضة، لعموم «صل قائمًا» فلا تصح من قاعد، ولا راكب راحلة بلا عذر، وعلم منه أنها لو تكررت لم يجب القيام على من صلى على جنازة، بعد أن صلى عليها غيره، لسقوط الفرضية بالأولى. (¬2) أجماعًا، لما في الصحيحين وغيرهما من غير وجه، عن ابن عباس وأبي هريرة، وجابر وأنس وغيرهم، أنه صلى الله عليه وسلم كبر أربعًا، وجمع عمر الناس على أربع تكبيرات، وقال: لا يجوز النقص عن الأربع، وقال النخعي: اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أبي مسعود، فأجمعوا على أربع، وذكر ابن عبد البر وغيره أنه قد أجمع الفقهاء، وأهل الفتوى بالأمصار على أربع، على ما جاء في الأحاديث الصحيحة، وما سوى ذلك عندهم شذوذ. وقال النووي: قد كان لبعض الصحابة وغيرهم خلاف في أن التكبير المشروع خمس، أم أربع، أم غير ذلك، ثم انقرض ذلك الخلاف، وأجمعت الأمة الآن على أنه أربع تكبيرات، بلا زيادة ولا نقص. اهـ. فإن ترك غير مسبوق تكبيرة عمدًا بطلت، وسهوا يكبرها ما لم يطل الفصل، فإن طال، أو وجد مناف، من كلام أو نحوه استأنف، لفعل أنس، لما كبر ثلاثًا قيل له؛ فكبر الرابعة، رواه البخاري وغيره، ورواه حرب وغيره من طريق آخر، أنه رجع فكبر أربعًا، ولعل الأولى مع عدم المنافي، وفي الرواية الثانية أنه تكلم، وعوده إلى ذلك دليل إجماعهم على أنه لا بد من أربع، والأولى أن لا يزيد على أربع، لأن المداومة تدل على الفضيلة. وقال النووي أيضًا: صحت الأحاديث بأربع تكبيرات وخمس، وهو من الاختلاف المباح، وليس إخلالاً بصورة الصلاة، فلا تبطل به، وقال ابن القيم: وكان صلى الله عليه وسلم يكبر أربع تكبيرات، وصح أنه كبر خمسًا، وكان الصحابة بعده يكبرون أربعًا وخمسًا، وستًا وسبعًا، وقال سعيد بن منصور: هذه آثار صحيحة، فلا موجب للمنع منها، وقال في الشرح: ولا يجوز الزيادة على سبع تكبيرات، لا يختلف المذهب فيه، وقال غيره: لا خلاف في أنه لا يتابع في الزائد عليها، قال أحمد: هو أكثر ما جاء فيه اهـ. ولا تستحب إجماعًا. وحكى الوزير عن أبي حنيفة ومالك والشافعي، ورواية عن أحمد: لا يتابع ما زاد على أربع، قال أبو المعالي: وهو المذهب، لأنه زاد على القدر المشروع. وذكر ابن حامد وجهًا: تبطل بمجاوزة أربع عمدًا، وقال الشافعي؛ واحتج بحديث النجاشي، قال أحمد: والحجة له. ولا يجوز للمأموم أن يسلم قبل إمامه، نص عليه أحمد وغيره.

(والفاتحة) ويتحملها الإمام عن المأْموم (¬1) (والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬2) ودعوة للميت، والسلام) (¬3) . ¬

_ (¬1) أي وتجب قراءة الفاتحة على الإمام والمنفرد، على الأصح، وفاقًا للشافعي، لقوله «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وغير ذلك مما تقدم، وعنه: لا تجب، قال شيخ الإسلام: لا تجب قراءة الفاتحة، بل هي سنة، وفاقًا لمالك والشافعي، ويتحمل قراءة الفاتحة الإمام عن المأموم كالفريضة. (¬2) لقوله «لا صلاة لمن لم يصل على نبيه صلى الله عليه وسلم» ونحوه، ولا يتعين لفظ صلاة مخصوص، لأن المقصود مطلق الصلاة. (¬3) أي والخامس دعوة للميت أي دعاء له، وفاقًا، لأنه هو المقصود، فلا يجوز الإخلال به، وقد نقل فيه ما لم ينقل في القراءة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أوكد، وقال النووي: الدعاء واجب في الثالثة بلا خلاف، وليس لتخصيصه بها دليل واضح اهـ. وإنما قدم الثناء على الله، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهما سنة الدعاء، والسادس السلام إجماعًا، والمراد واحدة، كما هو قول الجمهور، فـ «أَلْ» للعهد، لأنه عليه الصلاة والسلام يسلم في صلاة الجنائز، وقال «صلوا كما رأيتموني أصلي» .

يشترط لها ما يشترط للمكتوبة إلا لوقت

ويشترط لها النية (¬1) فينوي الصلاة على الميت (¬2) ولا يضر جهله بالذكر وغيره (¬3) فإن جهله نوى: على من يصلي عليه الإمام (¬4) وإن نوى أَحد الموتى اعتبر تعيينه (¬5) وإن نوى: على هذا الرجل، فبان امرأَة أَو بالعكس أَجزأَ، لقوة التعيين، قاله أبو المعالي (¬6) . ¬

_ (¬1) أي للصلاة على الميت، وتقدم حديث «إنما الأعمال بالنيات» وأنها القصد، وأن التلفظ بها بدعة، وعبارة الإقناع والمنتهى: ويشترط لها ما يشترط لمكتوبة، إلا الوقت، وحكاه غير واحد اتفاقًا، مع حضور الميت وإسلامه وتطهيره. (¬2) ذكرًا كان أو أنثى، أو على هؤلاء الموتى، وإن كانوا جماعة فمعرفة عددهم أولى. (¬3) أي غير الذكر، وهو الأنثى أو الخنثى، قال في الرعاية: ولا يشترط معرفة عين الميت في الصلاة، لعدم توقف المقصود على ذلك، فينوي الصلاة على الجنازة الحاضرة، أو على هذه الجنازة، ونحو ذلك. وقال في الإقناع: والأولى معرفة ذكوريته وأنوثيته، واسمه وتسميته في دعائه له، ولا يعتبر ذلك. (¬4) واجزأت، وعليه العمل، ولم يرو أن كل مصل يسأل عمن يصلي عليه. (¬5) لتزول الجهالة، وإذا عينه لم تصح على غيره، لأن قوة التعيين تصير ما سوى المعين غير مراد، ولا مقصود، ولفظ أبي المعالي: فإن نوى الصلاة على معين من موتى، كأن يريد زيدًا فبان غيره لم تصح، قال في الفروع: وهو معنى كلام غيره. (¬6) وعكسه إن نوى على هذه المرأة، فبان رجلاً أجزأ، لعدم اختلاف المقصود باختلاف ذلك.

لا يصلي على من علم منه نفاقا أو زندقة

وإسلام الميت (¬1) وطهارته من الحدث والجنس مع القدرة (¬2) . ¬

_ (¬1) لأن الصلاة شفاعة له ودعاء، والكافر ليس أهلاً لذلك، قال تعالى {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} . وقال أحمد: الرافضة والجهمية لا يصلى عليهم. وقال: أهل البدع إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على من به دون ذلك، فالأولى أن تترك الصلاة عليهم. وقال شيخ الإسلام: من كان مظهرًا للإسلام، فإنه يجرى عليه أحكام الإسلام الظاهرة، من تغسيله والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو ذلك، لكن من علم من النفاق والزندقة، فإنه لا يجوز لمن علم ذلك منه الصلاة عليه، وإن كان مظهرًا للإسلام، وذكر الآية، وقوله {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الآية. ثم قال: وأما من كان مظهرًا للفسق، مع ما فيه من الإيمان، كأهل الكبائر، فلا بد أن يصلي عليهم بعض المسلمين، ومن امتنع زجرًا لأمثاله كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، كان حسنًا، وإن صلى يرجو رحمة الله، ولم يكن في امتناعه مصلحة راجحة كان حسنًا، وإن امتنع في الظاهر، ودعا في الباطن، كان أولى، وكل من لم يعلم منه النفاق، وهو مسلم، يجوز الاستغفار له، والصلاة عليه، ويؤمر به، كما قال تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} وإن اختلط المسلمون بالمشركين، ولم يتميزوا غسل الجميع، وصلي عليهم، سواء كان عدد المسلمين أقل أو أكثر، وهذا مذهب مالك والشافعي، قياسًا على ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في السلام على المجلس الذي فيه أخلاط من المسلمين والمشركين. (¬2) وفاقًا، لأن العجز عن الطهارة، لا يسقط فرض الصلاة كالحي، وكباقي الشروط.

وإلا صلي عليه (¬1) والاستقبال والسترة كمكتوبة (¬2) وحضور الميت بين يديه (¬3) فلا تصح على جنازة محمولة، ولا من وراء جدار (¬4) (ومن فاته شيءٌ من التكبير قضاه) ندبًا (على صفته) (¬5) لأَن القضاءَ يحكي الأَداءَ، كسائر الصلوات (¬6) . ¬

_ (¬1) أي وإن عجز عن طهارته من الحدث أو النجس يمم وصلي عليه. (¬2) أي كما يشترط للمكتوبة، من الاستقبال إلى جهة القبلة، وستر العورة، فيشترط في صلاة الجنازة استقبال القبلة، وستر أحد عاتقيه على المذهب، بخلاف النفل فلا يشترط له ذلك. (¬3) أي يدي المصلي، والمراد قبل الدفن، وصرح به جماعة في المسبوق وفاقًا، ولأنه لا صلاة بدون الميت، وقال عثمان: لو كبر على جنازة، ثم جيء بأخرى، كبر ثانية ونواهما، فإن جيء بثالثة كبر الثالثة، ونوى الجنائز الثلاث، فإن جيء برابعة كبر الرابعة ونوى الكل، فيصير مكبرًا على الأولى أربعًا، وعلى الثانية ثلاثًا، وعلى الثالثة اثنتين، وعلى الرابعة واحدة فيأتي بثلاث تكبيرات أخر، فيتم سبعًا يقرأ في خامسة ما ذكر في المتن. (¬4) قبل الدفن، نص عليه وفاقًا، ولا من وراء خشب، كالتابوت المغطى بخشب، فلا تصح على الميت وهو فيه، بخلاف السترة من غير ذلك، فإنها لا تمنع الصحة، وكذا يشترط تكفينه، فلا تصح قبل أن يغسل، أو ييمم لعدم، ويكفن، وسن دنوه منها، وقال المجد وغيره: قربها من الإمام مقصود، لأنه يسن الدنو منها. (¬5) أي أتى بالتكبير نسقًا، ويقضي الثلاث استحبابًا. (¬6) فيتابع إمامه فيما أدركه فيه، ولا ينتظر تكبيرة الإمام المستقبلة، بل يدخل معه في الحال، كالفريضة، ولقوله «فما أدركتم فصلوا» وهذا مذهب الشافعي، ورواية عن مالك، وقول جمهور العلماء، وحكي إجماعًا، والمحاكاة المضاهاة أي المشابهة.

من فاتته الصلاة عليه صلى على القبر

والمقضي أول صلاته، يأْتي فيه بحسب ذلك (¬1) وإن خشي رفعها تابع التكبير، رفعت أَم لا (¬2) وإن سلم مع الإمام، ولم يقضه صحت، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة «ما فاتك لا قضاء عليك» (¬3) (ومن فاتته الصلاة عليه) أي على الميت (صلى على القبر) (¬4) . ¬

_ (¬1) فإذا سلم إمامه كبر وقرأ الفاتحة، ثم راعى باقي التكبيرات ترتيب نفسه، لا ما يقوله إمامه، وفاقًا للشافعي، وعنه يقضيه على صفته، على ما تقدم في أحكام المسبوق، ومتى أدرك الإمام في الأولى، فكبر وشرع في القراءة، ثم كبر الإمام قبل أن يتمها، قطع القراءة وتابعه. (¬2) أي والي بين التكبير، من غير ذكر ولا دعاء، رفعت الجنازة أو لم ترفع من بين يديه، قدمه في الفروع، وحكاه نصًا. واختاره أكثر الأصحاب وفاقًا، لما روى نافع عن ابن عمر أنه قال: لا يقضي، فإن كبر متتابعًا فلا بأس. قال الموفق: ولم يعرف له مخالف من الصحابة، فكان إجماعًا. (¬3) وعنه: يقضيه بعد سلام إمامه، لا يأتي به ثم يتابع الإمام، في أصح الروايتين وفاقًا، واختاره أبو بكر، والآجري والحلواني وابن عقيل وشيخنا وغيرهم، ويستحب للمسبوق أن يدخل ولو بين التكبيرتين إجماعًا. (¬4) أي استحب له الصلاة على القبر بلا نزاع، وقال أحمد: من يشك في الصلاة على القبر؟ ويكون الميت بينه وبين القبلة، وفي الإقناع: استحب له إذا وضعت أن يصلي عليها، قبل الدفن أو بعده، ولو جماعة على القبر.

إلى شهر من دفنه (¬1) لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر (¬2) . وعن سعيد بن المسيب، أن أُم سعد ماتت، والنبي - صلى الله عليه وسلم - غائب، فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر. ¬

_ (¬1) وتجوز قريبًا منه، لدلالة الخبر عليه. (¬2) ولفظ حديث أبي هريرة: أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، ففقدها النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنها، فقالوا: ماتت، قال «أفلا آذنتموني؟ دلوني على قبرها» فدلوه فصلى عليها. ولفظ حديث ابن عباس: أنه انتهى إلى قبر رطب، فصلى عليه، وصفوا خلفه، وكبر أربعًا، وجاء في الصلاة على القبر أحاديث كثيرة. قال ابن رشد: ثابتة باتفاق من أصحاب الحديث. اهـ. فأما من لم يصل عليه، ففرض الصلاة عليه الثابت بالأدلة والإجماع باق؛ قال أحمد: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من ستة أوجه أو ثمانية، أنه صلى على قبر بعدما دفن. ومن صُلَّي عليه فقد قال بمشروعية الصلاة عليه الجمهور، ومن اعتذر عن هذه السنة المشهورة فلعلها لم تبلغه من طريق يثق به، وفي الفصول: لا يصلى عليه مرتين كالعين، وقيل يصلى، اختاره في الفنون، وشيخ الإسلام، وجمهور السلف، لأنه دعاء، ويجوز جماعة وفرادى. قال أحمد: لا بأس به، قد فعله عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وفي المحرر: يصلي تبعًا، وإلا فلا، إجماعًا وقال: تستحب إعادتها تبعًا مع الغير، ولا تستحب ابتداء. اهـ. وكما لو صُلَّي عليه بلا إذن ولي حاضر، أو ولي بعده حاضر، فإنها تعاد تبعًا وفاقًا، وقال شيخ الإسلام: لا تعاد الصلاة عليها إلا لسبب، مثل أن يعيد غيره فيعيد معهم، أو يكون أحق بالإمامة من الطائفة الثانية، فيصلي بهم.

يصلي على الغائب إذا لم يكن صلى عليه

رواه الترمذي، ورواته ثقات، قال أحمد: أكثر ما سمعت هذا (¬1) وتحرم بعده، ما لم تكن زيادة يسيرة (¬2) (و) يصلي (على غائب) عن البلد، ولو دون مسافة قصر (¬3) . ¬

_ (¬1) يعني إلى شهر، فحد الصلاة على القبر بشهر، إذ هو أكثر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بعده، والحديث رواه البيهقي، وروى نحوه عن ابن عباس، وقال الحافظ: إسناده مرسل صحيح، وحده الشافعي بما إذا لم يبل الميت، ومنع منه مالك وأبو حنيفة، إلا للولي إذا كان غائبًا، وقال ابن القيم: صلى النبي صلى الله عليه وسلم على القبر بعد ليلة، ومرة بعد ثلاث، ومرة بعد شهر، ولم يوقت في ذلك وقتًا انتهى، وقال ابن عقيل: يجوز مطلقًا، لقيام الدليل على الجواز، وما وقع من الشهر فاتفاق، ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد، بعد ثمان سنين، رواه البخاري وغيره، وفي السنن وغيرها أنه صلى على قبر بعد شهرين. (¬2) كيوم أو يومين، وقالوا: إن شك في نقصان المدة صلى حتى يعلم فراغها، ويؤخذ من كلامهم الشك في التوقيت من الشارع، وتقدم في الصحيح أنه صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين، ولم يثبت توقيت يجب المصير إليه، وأما الصلاة عليه مطلقًا فباطل، فإن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلى عليه الآن إجماعًا. (¬3) قال الحافظ: وبذلك قال الشافعي وأحمد، وجمهور السلف، وقال ابن جزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه، قال الشافعي: الصلاة على الميت دعاء له، فكيف لا يدعى له وهو غائب أو في القبر، وقيل: إن لم يكن صلي عليه، وإلا فلا. اختاره الشيخ، وقال: ولا يُصلَّى كل يوم على غائب، لأنه لم ينقل. وقال ابن القيم: مات خلق عظيم وهم غيب، فلم يصل عليهم، وإنما صلى على النجاشي، وفعله سنة، وتركه سنة، وصوب أنه إن مات ببلد لم يصل عليه صلي عليه، كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي، وإلا فلا. اهـ. ولا يصلى على غائب في أحد جانبي البلد، ولو كان كبيرًا، ولو لمشقة مطر أو مرض، قال الشيخ: والقائلون بالجواز قيدوه بالكبير، وفي الإنصاف: هو مراد من أطلق، قال الشيخ: وأقرب الحدود ما تجب فيه الجمعة، لأنه إذًا من أهل الصلاة في البلد، فلا يعد غائبًا عنها، قال: ولا بد من انفصاله عن البلد، بما يعد الذهاب إليه نوع سفر.

فتجوز صلاة الإمام والآحاد عليه (بالنية إلى شهر) (¬1) لصلاته عليه السلام على النجاشي كما في المتفق عليه عن جابر (¬2) وكذا غريق وأَسير ونحوهما (¬3) . ¬

_ (¬1) قال في الفروع: ولم يوقت في ذلك وقتًا، وصحح في تصحيحها الجواز، وتقدم جوازه إلى سنة أو ما لم يبل. (¬2) ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أصحمة النجاشي، فكبر عليه أربعًا. وفي لفظ: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «توفي اليوم رجل صالح من الحبشة، فهلموا فصلوا عليه» فصففنا خلفه فصلى عليه، ونحن صفوف، ونحوه للجماعة عن أبي هريرة: نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات. والنجاشي هو ملك الحبشة، وكان اسمه «أصحمة» ومعناه بالعربية عطية، ويسمى كل من ملك الحبشة النجاشي، كما يسمى كل خليفة للمسلمين أمير المؤمنين، ومن ملك الروم قيصر، والفرس كسرى، والترك خاقان، والقبط فرعون، ومصر العزيز. (¬3) فيصلى عليه، والمذهب إلى شهر، ويسقط شرط الحضور للحاجة، والغسل للتعذر، وإن حضر استحب أن يصلى عليه ثانيًا، جزم به ابن تميم وغيره.

إن وجد بعض ميت لم يصل عليه فككله، إلا الشعر والظفر والسن

وإن وجد بعض ميت لم يصل عليه فككله (¬1) إلا الشعر والظفر والسن (¬2) فيغسل ويكفن ويصلى عليه (¬3) ثم إن وجد الباقي فكذلك، ويدفن بجنبه (¬4) ولا يصلى على مأْكول ببطن آكل (¬5) ولا مستحيل بإحراق ونحوه (¬6) ولا على بعض حي مدة حياته (¬7) . ¬

_ (¬1) أي كل الميت لو وجد، يغسل ويكفن، ويصلى عليه. (¬2) فلا لأنه في حكم المنفصل حال الحياة، بل ولا حياة فيها. (¬3) وجوبًا، إن لم يكن صلي عليه، لأن أبا أيوب صلى على رجل إنسان، رواه أحمد، وصلى عمر على عظام بالشام، وأبو عبيدة على رؤوس، رواهما عبد الله بن الإمام أحمد والبيهقي. وقال الشافعي: ألقى طائر يدًا بمكة، من وقعة الجمل، عرفت بالخاتم، وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، فصلى عليها أهل مكة، وهذا مذهب مالك والشافعي، وجماهير أهل العلم، وقال الموفق: هو إجماع الصحابة، ولأنه بعض من ميت، فثبت له حكم الجملة، فإن كان بعضًا من ميت صلي عليه فندباً، وإن كان الباقي أكثر فوجوبًا، وقيل: يصلى عليه مطلقًا، وأما تغسيله وتكفينه، ودفنه فيجب وفاقًا. (¬4) أي ثم إن وجد الباقي بعد غسل بعض الميت وتكفينه ودفنه، يغسل ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن بجنب القبر، أو في جانبه، ولا ينبش ليضاف إليه. (¬5) أي من سبع أو غيره، ولو مع مشاهدة الآكل، لفقد شرطها من الغسل والتكفين. (¬6) كما لو وقع في ملاحة، أو حلة صابون، لأنه لم يبق منه ما يصلى عليه. (¬7) كيد وساق قطعت في سرقة، أو لآكلة، لأن الصلاة على الميت دعاء له وشفاعة، وهذا عضو لا حكم له في الثواب والعقاب.

لا يصلي الإمام الأعظم على الغال وقاتل نفسه

(ولا) يسن أن (يصلي الإمام) الأَعظم، ولا إمام كل قرية، وهو واليها في القضاء (على الغال) وهو من كتم شيئًا مما غنمه (¬1) . لما روى زيد بن خالد قال: توفي رجل من جهينة يوم خيبر، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال «صلوا على صاحبكم» فتغيرت وجوه القوم، فلما رأَى ما بهم قال «إن صاحبكم غل في سبيل الله» ففتشنا متاعه، فوجدنا فيه خرزًا من خرز اليهود، ما يساوي درهمين، رواه الخمسة إلا الترمذي، واحتج به أحمد (¬2) (ولا على قاتل نفسه) عمدًا، لما روى جابر بن سمرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاؤه برجل قد قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه، رواه مسلم وغيره (¬3) . ¬

_ (¬1) ليأخذه لنفسه ويختص به، وفي اللغة الخائن، قال القاضي عياض: لكنه صار في عرف الشرع لخيانة المغانم خاصة، يقال: غل وأغل. (¬2) ورجال إسناده رجال الصحيح، وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه زجرًا لأمثاله عن الغلول، كما امتنع من الصلاة على المديون، وأمرهم بالصلاة عليه، وفي الحديث جواز الصلاة على العصاة، وتقدم أنهم أحق بالشفاعة، وأحوج إليها، وتحريم الغلول محتم، وإن كان حقيرًا، وقد ورد في الوعيد عليه أحاديث كثيرة، وفيه معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، لإخباره بذلك، وانكشاف الأمر. (¬3) فرواه أصحاب السنن والمساند وغيرهم. واختار المجد وغيره أنه لا يصلى على كل من مات على معصية ظاهرة بلا توبة, وامتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه وعلى الغال، وهو الإمام الأعظم، عليه أفضل الصلاة والسلام، يدل على ذلك، وما ثبت في حقه ثبت في حق غيره، ما لم يقم دليل على اختصاصه، والأصل عدم الخصوصية وأمره بالصلاة عليهما، يدل على وجوبها عليهما، فيصلى عليهما، وعلى سائر العصاة، كسارق وشارب خمر، ومقتول قصاصًا أو حدًا أو نحوه، فإنه صلى الله عليه وسلم صلى على الغامدية، وعلى الأسلمي. وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء، إلى أنه يصلي على الفاسق، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك الصلاة على الغال وقاتل نفسه زجرًا للناس، وصلت عليهما الصحابة، ويدل عليه قوله «صلوا على من قال لا إله إلا الله» وقوله «أما أنا فلا أصلي عليه» . وقال النووي وغيره: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم، ومحدود ومرجوم، وقاتل نفسه، وولد الزنا، ونحوهم، وقال أحمد: من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، نصلي عليه، وندفنه، قال شيخ الإسلام: وإن كان منافقًا، كمن علم نفاقه، لم يصل عليه، اهـ. ولو صلى الإمام الأعظم عليهما فلا بأس، كبقية الناس، وعنه: يصلي على كل، اختاره ابن عقيل وغيره، وذكره في الفروع وفاقًا، وإن تركهما أئمة الدين زجرًا فهو أولى، وإن صلى يرجو رحمة الله، ولم يكن في الامتناع مصلحة راجحة فحسن، وإن امتنع في الظاهر، ودعا له في الباطن فحسن أيضًا وتقدم.

والمشاقص جمع مشقص كمنبر، نصل عريض أو سهم فيه ذلك، أو نصل طويل، أو سهم فيه ذلك، يرمى به الوحش (¬1) . ¬

_ (¬1) كما في القاموس، وفي النهاية: نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض، فإذا كان عريضًا فهو المعبلة.

(ولا بأْس بالصلاة عليه) أي على الميت (في المسجد) إن أَمن تلويثه (¬1) لقول عائشة صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سهيل بين بيضاء في المسجد؛ رواه مسلم (¬2) وصلي على أبي بكر وعمر فيه، رواه سعيد (¬3) . ¬

_ (¬1) وإن لم يؤمن تلويث المسجد حرم، خشية تنجيسه، وهذا مذهب الشافعي وابن المنذر، وغيرهم من الفقهاء، وبعض أصحاب مالك، وقال ابن القيم وغيره: لم يكن من هديه الراتب الصلاة على الجنائز في المسجد، وإنما كان يصلي خارجه، وربما صلى عليها فيه، ولكن لم يكن من سنته وعادته، وكلاهما جائز، والأفضل خارجه. (¬2) بألفاظ منها: لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد، سهيل وأخيه. وفي رواية: أمرت أن تمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد، فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: ما أسرع ما نسي الناس! ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد، وفي رواية: أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وبنوا بيضاء ثلاثة، سهل وسهيل وصفوان، وأمهم البيضاء، وصف لها، واسمها دعد، وأبوهم وهب بن ربيعة الفهري القرشي. (¬3) الأول عن عروة، والثاني عن ابن عمر، ورواه مالك أيضًا، وأخرجهما ابن أبي شيبة بلفظ: أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيبًا صلى على عمر في المسجد، قال الخطابي: ثبت ذلك، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا ذلك، وذكره ابن المنذر عن أبي بكر وعمر وغيرهما، وعن سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن، وهو مذهب الجمهور، وكرهه أبو حنيفة ومالك، واحتجوا بما روي «من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له» قال أحمد وغيره: ضعيف، لا يحتج به، وفي النسخ المشهورة المحققة من سنن أبي داود «فلا شيء عليه» فلا حجة فيه، ولا ينبغي أن يكره شيء مما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثواب المصلي على الجنازة والمشيع لها

وللمصلي قيراط، وهو أمر معلوم عند الله تعالى (¬1) وله بتمام دفنها آخر، بشرط أن لا يفارقها من الصلاة حتى تدفن (¬2) . ¬

_ (¬1) ففي الصحيحين وغيرهما من غير وجه «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان» قيل: وما القراطان؟ قال «مثل الجبلين العظيمين» وللبخاري، «من شيع» ولمسلم «من خرج معها ثم تبعها حتى تدفن» وذكر ابن القيم أنه لم يزل حريصًا على معرفة المراد بالقيراط، حتى رأى لابن عقيل أنه نصف سدس درهم مثلاً، أو نصف عشير دينار، وأنه لا يجوز أن يكون المراد هنا جنس الأجر، لأن ذلك يدخل فيه ثواب الأعمال الصالحة، كالصلاة والحج، وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ إليه، وأنه لم يبق إلا أن يرجع إلى الأجر المعهود، وهو العائد إلى الميت، ويتعلق به صبر على المصيبة فيه، وتجهيزه، وغسله ودفنه، وغير ذلك، فكان للمصلي من ذلك الأجر قيراط، نصف دانق، سدس درهم، وإن تبعه كان له قيراطان، فيكون نسبة القيراط إلى الأجر الكامل، وهو بحسب عظم ذلك الأجر الكامل في نفسه، وكلما كان أعظم، كان القيراط منه بحسبه. اهـ. ولا سيما بحسب المشقة والإخلاص. ولما كان المتعارف به حقيرًا، نبه الشارع على عظم القيراط الحاصل لمن فعل ذلك، وأخبر أنه مثل الجبل العظيم، وفي رواية «مثل أحد» وفي رواية في القيراطين «أصغرهما مثل أحد» ، فبين أن زنة الثواب المترتب على ذلك العمل مثل الجبلين العظيمين، وكثيرًا ما يمثل الشارع أمور الآخرة بأمور الدنيا للتقريب إلى الأفهام، وإلا فذرة من ذرات الآخرة خير من الدنيا بأسرها وأمثالها معها، وخص الصلاة عليه والدفن بالذكر لكونهما المقصود، بخلاف باقي أحوال الميت، فإنها وسائل. (¬2) لقوله صلى الله عليه وسلم «حتى تدفن» وظاهره أن من شرط حصول القيراط الثاني شهود الصلاة، ولأحمد «حتى توضع في اللحد» بدل تدفن.

فصل في حمل الميت ودفنه

فصل في حمل الميت ودفنه (¬1) ويسقطان بكافر وغيره كتكفينه، لعدم اعتبار النية (¬2) . و (يسن التربيع في حمله) (¬3) لما روى سعيد وابن ماجه، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال: من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها، فإنه من السنة، ثم إن شاء فليطوع، وإن شاءَ فليدع. إسناده ثقات، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه (¬4) . ¬

_ (¬1) هو مشروع بالكتاب والسنة، وتقدم أن حمله ودفنه من فروض الكفاية، وكذا مؤنهما، والمراد على من علم، كباقي مُؤن التجهيز، قال تعالى {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} يكونون فيها أحياء، ويدفنون فيها أمواتًا، وقال {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} جعله مقبورًا، وقبره دفنه، والأحاديث به مستفيضة، وفعله بر وطاعة، وإكرام للميت وأهله، وفعله الصحابة وأهل الفضل، واستمر عمل المسلمين عليه. (¬2) أي في حمله ودفنه وفاقًا، ولا يختص أن يكون الفاعل من أهل القربة، بخلاف الغسل والصلاة، ويكره أخذ الأجرة على ذلك، لأنه يذهب بالأجر. (¬3) وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي وأصحاب مالك، وقال مالك: هو وبين العمودين سواء. (¬4) ولابن أبي شيبة بسند صحيح، عن أبي الدرداء: من تمام أجر الجنازة أن تُشَيَّعَها من أهلها، وأن تحمل بأركانها الأربعة، وأن تَحشُْوَ في القبر، وهذا يقتضي أنه سنة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

لكن كرهه الآجري وغيره إذا ازدحموا عليها (¬1) فيسن أن يحمله أربعة (¬2) والتربيع أن يضع قائمة السرير اليسرى في المقدمة على كتفه الأيمن (¬3) ثم ينتقل إلى المؤخرة (¬4) ثم يضع قائمته اليمنى المقدمة على كتفه اليسرى (¬5) ثم ينتقل إلى المؤخرة (¬6) (ويباح) أن يحمل كل واحدة على عاتقه (بين العمودين) (¬7) . ¬

_ (¬1) يعني على الجنازة، ولو كان ازدحام الحاملين، كما يفعل في بعض البلدان مسنونًا، لتوفرت الهمم والدواعي على نقله، نقلاً لا يقبل الاختلاف، ولكان السلف الأول أولى بالمسارعة إليه، فعلم أنه لم يكن الأمر كذلك، وأن الازدحام الموجب للدبيب بها بدعة، لمخالفة الإسراع المأمور به. (¬2) يأخذ كل واحد بقائمة من قوائم السرير، ولنسبة التربيع في حمله إليهم. (¬3) أي حال السير، لأنها تلي يمين الميت من عند رأسه. (¬4) فيضعها على كتفه اليمنى أيضًا، ثم يدعها لغيره. (¬5) لأنها تلي يسار الميت من عند رأسه. (¬6) فيضعها على كتفه اليسرى، فتكون البداءة من الجانبين بالرأس، والخاتمة من الجانبين بالرجلين، ونقله الجماعة عن أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، قال الموفق: وهو الصحيح، لأن الصحابة فعلوه، وفيهم أسوة حسنة. ولما فيها من الموافقة لكيفية غسله، ولعله ما لم يَزْدَ حِمُوا، ويمنعوا الإسراع به. (¬7) وهما قائمتا السرير، كل عمود على عاتق، نص عليه، وهو الأفضل عند الشافعية، ولا بأس بحمله على أعمدة، للحاجة، كجنازة ابن عمر رضي الله عنهما.

لأَنه عليه السلام حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين (¬1) وإن كان الميت طفلاً فلا بأْس بحمله على الأَيدي (¬2) ويستحب أن يكون على نعش (¬3) فإن كان امرأة استحب تغطية نعشها بمكبة، لأَنه أَستر لها (¬4) ويروى أن فاطمة صنع لها ذلك بأَمرها (¬5) ويجعل فوق المكبة ثوب (¬6) . ¬

_ (¬1) رواه الشافعي وابن سعد. وروي عن سعد وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير أنهم فعلوا ذلك، وعثمان حمل سريرًا بين العمودين، فلم يفارقه حتى وضع، ويبدأ من عند رأسه، ثم من عند رجليه، لكن المؤخر إن توسط بين العمودين، لم ير ما بين قدميه، فلا يهتدي إلى المشي، فيحمله حينئذ ثلاثة، وعنه: هما سواء، وفاقًا لمالك. (¬2) لحمل النبي صلى الله عليه وسلم جليبيبًا على ذراعيه حتى دفن، رواه مسلم، ولحمل علي إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، واستمر العمل عليه. (¬3) بعد أن يغسل ويكفن، مستلقيًا على ظهره، لأنه أمكن، والنعش تقدم أنه سرير الميت، وأنه لا يسمى نعشًا إلا وعليه الميت، وإلا فهو سرير. (¬4) والمكبة تعمل من خشب أو جريد أو قصب، مثل القبة، فوقها ثوب، تكون فوق السرير. (¬5) أي صنع لها مكبة تغطي نعشها، قال ابن عبد البر: هي أول من غطي نعشها في الإسلام، ثم زينب بنت جحش، وقيل هي أول من اتخذ ذلك. (¬6) يعني إن كان الميت امرأة استحب تغطية نعشها بمكبة، وجعل فوقها ثوب، لأنه أستر لها.

كيفية السير بها وكون المشاة أمامها، والركبان خلفها

وكذا إن كان بالميت حدب ونحوه (¬1) وكره تغطيته بغير أبيض (¬2) ولا بأْس بحمله على دابة لغرض صحيح، كبعد قبره (¬3) (ويسن الإسراع بها) دون الخبب (¬4) لقوله عليه السلام «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» متفق عليه (¬5) . ¬

_ (¬1) كمن لم يمكن تكره على النعش إلا بمثله، وفي الفصول: المقطع تلفق أعضاؤه بطين حر ويغطى، حتى لا يتبين تشويهه، فإن ضاعت لم يعمل شكلها من طين، والواجب جمع أعضائه في كفن واحد، وقبر واحد، وتقدم. (¬2) حكاه في الفروع، قال: ويسن به، ويكره مرقعة. قال الآجري: كرهه العلماء. (¬3) وكسمن مفرط، والحمل على سرير أو لوح أو محمل، وأي شيء حمل عليه أجزأ، وعلى الأيدي والرقاب للحاجة، وظاهر كلامهم كغيرهم لا يحرم حمله على هيئة مزرية، كحمل في قفة، وغرارة وزنبيل ومكتل، أو على هيئة يخاف معها سقوطه، بل يكره، وفي الفروع: يتوجه احتمال يحرم. وفاقًا للشافعي. (¬4) باتفاق الأمة، زاد بعضهم: وفوق السعي، وقال الشافعي: الإسراع سجية، فوق المشي المعتاد، ودون الخبب، والخبب بفتحتين، ضرب من السير فسيح سريع. (¬5) وفي لفظ «وإن كانت غير ذلك» . ولأبي داود وغيره بأسانيد صحيحة، عن أبي بكرة: لقد رأيتنا، ونحن نرمل رملاً، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني بالجنازة، وذكر غير واحد: لا يفرط في الإسراع، فتمخض مخضًا، ويؤذي متبعها، ولأحمد أنه صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة تمخض مخضًا، فقال «عليكم بالقصد في جنائزكم» وذكر جمع: لا يخرج بها عنا لمشي المعتاد، وتراعى المصلحة والحاجة وفاقًا، فإن خيف عليه من الإسراع، مشى به الهوينا، ولا ينبغي الإبطاء في شيء من حالاتها، من غسل ووقوف عند القبر، وقال ابن القيم: وأما دبيب الناس اليوم، خطوة خطوة، فبدعة مكروهة، مخالفة للسنة، ومتضمنة للتشبيه بأهل الكتاب، قال الشيخ: وكان الميت على عهده صلى الله عليه وسلم يخرج به الرجال، يحملونه إلى المقبرة، لا يسرعون ولا يبطئون، بل عليهم السكينة، ولا يرفعون أصواتهم لا بقراءة ولا غيرها، وهذه هي السنة باتفاق المسلمين.

(و) يسن (كون المشاة أمامها) (¬1) قال ابن المنذر: ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أَمام الجنازة (¬2) . ¬

_ (¬1) وهو مذهب مالك والشافعي، وجمهور أهل العلم. ولا يكره خلفها. (¬2) ورواه أحمد وأهل السنن وغيرهم، واحتج به أحمد، وقال أبو صالح: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يمشون أمام الجنازة. وقال الترمذي: روي عن بعض الصحابة أنهم يتقدمون الجنازة، فيجلسون قبل أن تنتهي إليهم، ولا يكره أن يكونوا خلفها، قال الأوازعي: إنه أفضل، لأنها متبوعة، لكن قال البيهقي وغيره: الآثار في المشي أمامها أصح وأكثر، وهو المذهب، وفاقًا لمالك والشافعي وجماهير العلماء، ولا يكره أن يمشوا حيث شاؤا، عن يمينها أو يسارها، أو خلفها أو أمامها، بحيث يتقدمون تابعين لها، لما روى المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «الراكب يمشي خلف الجنازة، والماشي كيف شاء منها» ، رواه أحمد والنسائي، والترمذي وصححه، وكذلك أحمد في رواية أحمد بن أبي عبيدة، وقال الموفق وغيره: حيث مشى فحسن، وقال سفيان الثوري: كل ذلك في الفضل سواء، والقرب من الجنازة أفضل، فإن بعد أو تقدم إلى القبر فلا بأس، لكن بحيث أن ينسب إليها، وفي الصحيح «من تبع جنازة وكان معها حتى يفرغ من دفنها» الحديث.

(و) كون (الركبان خلفها) (¬1) لما روى الترمذي وصححه، عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا «الراكب خلف الجنازة» (¬2) وكره ركوب لغير حاجة وعود (¬3) . ¬

_ (¬1) أي يسن ذلك وفاقً، وقال الخطابي: لا أعلمهم اختلفوا في أن الراكب خلفها، وفي الإنصاف: بلا نزاع. (¬2) أي سنة الراكب في المشي مع الجنازة أن يمشي خلف الجنازة، وتقدم. ولأن سيره أمامها يؤذي متبعها، قال النخعي: كانوا يكرهونه. (¬3) أي وكره ركوب تابع الجنازة لغير حاجة، وهو مذهب مالك والشافعي، لما رواه الترمذي وغيره أنه عليه الصلاة والسلام رآى رجلاً راكبًا مع جنازة، فقال «ألا تستحيون، ملائكة الله على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب» وأما لحاجة فلا يكره، وكذلك لا يكره عوده راكبًا، ولو لغير حاجة، لما روى جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم تبع جنازة أبي الدحداح ماشيًا، ورجع على فرس، رواه أحمد وغيره، وصححه الترمذي وغيره، ولفظ مسلم: فلما انصرف أتي بفرس مُعْرَوْرَى فركبه. و «مُعْرَوْرَى» بضم الميم وسكون العين، وفتح الرائين، وفي رواية: عُرْي؛ واتباع الجنازة سنة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، وحكى غير واحد إجماع المسلمين على استحبابه، وحضورها حتى تدفن، وفي حديث البراء: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنازة؛ متفق عليه. وفي الرعاية: فرض كفاية للأمر به، وهو حق للميت وأهله. قال الشيح: لو قدر أنه لو انفرد الميت لم يستحق هذا الحق، لمزاحم أو لعدم استحقاقه، تبعه لأجل أهله، إحسانًا إليهم، لتألف أو مكافأة أو غيره، وذكر فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن أبي، وذكر الآجري أنه من القضاء لحق أخيه المسلم، واتباعها على ثلاثة أضرب (أحدها) أن يصلي عليها ثم ينصرف، (والثاني) أن يتبعها إلى القبر، ثم يقف حتى تدفن (والثالث) أن يقف بعد الدفن على القبر، ويسأل له التثبيت، ويدعو له بالمغفرة والرحمة.

كره جلوس تابعها حتى توضع

(ويكره جلوس تابعها حتى توضع) بالأرض للدفن، إلا لمن بعد (¬1) لقوله عليه السلام «من تبع جنازة فلا يجلس حتى توضع» متفق عليه عن أبي سعيد (¬2) وكره قيامه لها إن جاءَت أَو مرت به وهو جالس (¬3) . ¬

_ (¬1) أي سبق إلى القبر، لما في انتظاره قائمًا حتى تصل إليه وتوضع من المشقة؛ ولأبي داود وغيره عن البراء: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فانتهينا إلى القبر ولم يلحد، فجلس مستقبل القبلة، وجلسنا معه. وتقدم أنه روي عن بعض الصحابة أنهم يتقدمون الجنازة، فيجلسون قبل أن تنتهي إليهم. (¬2) وعن أبي هريرة «حتى توضع في الأرض» وقال البخاري: باب من شهد جنازة فلا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال. وللنسائي: ما رأيناه شهد جنازة فجلس حتى توضع. قال النووي وغيره: مذهب الجمهور استحبابه، وللبيهقي عن علي: رأى ناسًا قيامًا ينتظرون الجنازة حتى توضع، فأشار إليهم بدرة معه أو سوط أن اجلسوا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلس، بعدما كان يقوم وقد صحت الأحاديث بالقيام، ولم يثبت في القعود شيء إلا حديث علي، ويحتمل القعود لبيان الجواز، أو نسخ قيام القاعد، دون استمرار قيام متبعها، كما هو المعروف من مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة. (¬3) لحديث علي قال: رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قام، فقمنا تبعًا له، وقعد فقعدنا تبعًا له. وللنسائي عن ابن عباس: قام ثم قعد. وقال الموفق: آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك القيام لها، وقال قوم بالتخيير وأن به تتفق الأدلة، وقال أحمد: إن قام لم أعبه، وإن قعد فلا بأس، وفي الصحيحين «إذا رأيتم الجنازة فقوموا» . ولمسلم «إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا» وروي غير ذلك، وكلها ترجع إلى تعظيم أمر الله، وتعظيم أمر القائمين به، وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قام لجنازة يهودي، وعنه: يستحب، اختاره الشيخ وابن عقيل، والنووي وغيرهم، فيستحب القيام لها ولو كافرة، لفعله صلى الله عليه وسلم، متفق عليه.

ورفع الصوت معها، ولو بقراءة (¬1) وأن تتبعها امرأة (¬2) . ¬

_ (¬1) أو تهليل، حكاه الشيخ وغيره اتفاقًا، لأنه بدعة، ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تتبع الجنازة بصوت أو نار، رواه أبو داود، وكان من فعل أهل الكتاب. وقد شرط عليهم أن لا يفعلوا ذلك، ونهينا عن التشبه بهم، فيما ليس هو من طريق سلفنا الأول، فكيف وقد نهينا عنه، وحرمه أبو حفص وغيره، قال الشيخ: وحرمه جماعة من الحنفية وغيرهم اهـ. وكذا قولهم: استغفروا له؛ ونحوه بدعة محرمة، قال ابن عمر وسعيد بن جبير لقائل ذلك: لا غفر الله لك بعد. وكذا اتباعها بنار يحرم إجماعًا، إلا لحاجة، وروى ابن ماجة عن أبي بردة قال: اوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال: لا تتبعوني بجمر فقالوا له: أو سمعت فيه شيئًا؟ قال: نعم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولئلا يكون آخر زاده من الثناء، أو تفاؤلاً. (¬2) سواء كانت مميزة أو لا، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، ورواية عن مالك في العجوز، لحديث ام عطية: نهينا عن اتباع الجنائز. وظاهره التحريم، وفاقًا لمالك وجمهور العلماء، ولم يكن يخرجن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وما روي من قولها: ولم يعزم علينا. رأي لها رضي الله عنها، ظنت انه ليس نهي تحريم، والحجة في قول الشارع، لا في ظن غيره.

وحرم أن يتبعها مع منكر، إن عجز عن إزالته (¬1) وإلا وجبت (¬2) (ويسجي) أي يغطى ندبًا (قبر امرأة) وخنثى (فقط) (¬3) ويكره لرجل بلا عذر (¬4) لقول علي – وقد مر بقوم دفنوا ميتًا، وبسطوا على قبره الثوب، فجذبه وقال – إنما يُصْنعُ هذا بالنساء رواه سعيد (¬5) . ¬

_ (¬1) أي المنكر، بنحو طبل، ونياحة ولطم، وتصفيق، ورفع صوت، لأنه يؤدي إلى استماع محظور، ورؤيته مع قدرته على ترك ذلك، وعنه يتبعها، وينكره بحسبه، وهو مذهب أبي حنيفة. (¬2) أي وإن لم يعجز عن إزالة المنكر تبعها، ووجبت الإزالة، بل لو ظن أنه إن اتبعها أزيل المنكر، اتبعها إجراء للظن مجرى العلم، ولحصول المقصودين، قال شيخ الإسلام: وضرب النساء بالدف منكر، نهي عنه بالاتفاق، ومن دعي لغسل ميت، فمسح طبلاً أو نوحًا، فقال في تصحيح الفروع: الصواب إن غلب على ظنه زوال الطبل والنوح ذهب لغسله، وإلا فلا. ويستحب لمُتبّع الجنازة الخشوع والتفكر في مآله، والاتعاظ بالموت، وما يصير إليه الميت، قال سعد بن معاذ: ما تبعت جنازة فحدثت نفسي بغير ما هو مفعول بها. ويكره التبسم، والضحك أشد منه، والتحدث في أمر الدنيا. (¬3) للخبر الآتي، وقال الموفق وصاحب المبدع: لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم، ولأنها عورة، فلا يؤمن أن يبدو منها شيء، فيراه الحاضرون، ولأن بناء أمرها على الستر، ولو كانت صغيرة، والخنثى كالأنثى في ذلك احتياطًا. (¬4) كمطر ونحوه، ولئلا يشبه بالمرأة. (¬5) ولأنه ليس بعورة، وكشفه أبعد عن التشبه بالنساء.

اللحد أفضل من الشق

(واللحد أفضل من الشق) (¬1) لقول سعد: الحدوا لي لحدًا، وانصبوا على اللبن نصبًا، كما صنع برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه مسلم (¬2) . واللحد هو أَن يحفر إذا بلغ قرار القبر، في حائط القبر، مكانًا يسع الميت (¬3) . ¬

_ (¬1) وفاقًا، وحكى الوزير الاتفاق على أن السنة اللحد، وأن الشق ليس بسنة، وأجمع العلماء على أن الدفن في اللحد، وفي الشق جائزان، واللحد أصله الميل، وكل مائل عن الاستواء لحد، بفتح اللام وضمها، لغتان مشهورتان، ولحَدْتُ وأَلحَدْتُ لغتان، والشق بفتح الشين. (¬2) قاله رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه، وقال عروة: كان بالمدينة رجلان، أحدهما يلحد، والآخر يشق، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أيهما جاء أولاً، عمل عمله. فجاء الذي يلحد، فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم. واتفق الصحابة على ذلك، ونقلوا عَدَدَ اللبن تسعًا، ولولا مزيد فضله ما عانوه، كما في الخبر: فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد وفي السنن «اللحد لنا، والشق لغيرنا» . وفي رواية لأحمد «لأهل الكتاب» فيسن نصب اللبن عليه نصبًا وفاقًا، ويجوز ببلاط وغيره، كأحجار كبيرة، واللبن بفتح اللام وكسر الباء، ويجوز إسكانها مع فتح اللام وكسرها. (¬3) أي في جانب القبر مما يلي القبلة، إذا نصب اللبن، ولا يعمق، بحيث ينزل فيه جسد الميت كثيرًا، بل يقدر ما يكون الجسد ملاصقًا للبن، هذا إذا كانت الأرض صلبة، وإن كانت رخوة اتخذ لها من الأحجار ونحوها ما يسندها باللحد، ولا يلحد منها، لئلا يخر القبر على الميت.

وكونه مما يلي القبلة أفضل (¬1) والشق أن يحفر في وسط القبر كالنهر ويبنى جانباه (¬2) وهو مكروه بلا عذر (¬3) كإدخاله خشبًا، وما مسته النار (¬4) ودفن في تابوت (¬5) . ¬

_ (¬1) فيكون ظهره إلى جهة ملحده. (¬2) يعني باللبن أو غيره، مما لا يكره إدخاله القبر، أو يشق وسطه، فيصير كالحوض ثم يوضع الميت فيه، ويسقف عليه بأحجار ونحوها، ويرفع السقف قليلاً، بحيث لا يمس الميت. (¬3) قال أحمد: لا أحب الشق، لحديث «اللحد لنا، والشق لغيرنا» فإن كان ثم عذر، بأن كانت الأرض رخوة، لا يثبت فيها اللحد، ولا يمكن دفع انهيارها بنصب لبن ولا حجارة ونحوهما، شق فيها للحاجة، وإن أمكن جعل شبه اللحد من الجنادل والحجارة واللبن فعل به، ولم يعدل إلى الشق، نص عليه. (¬4) فيكره، كما يكره إدخال القبر خشبًا، تفاؤلاً بأن لا تمسه النار، ولأحمد عن عمرو بن العاص: لا تجعلوا في قبري خشبًا، ولا حجرًا، ولكراهة السلف لذلك، ولأنه مُعدَدٌ لمَسَّ النارِ، وما مَسْته نار كآجُرًّ. قال النخعي: كانوا يكرهون الآجُرَّ والبناء بالآجر. رواه الأثرم، وعن زيد بن ثابت أنه منع منه، وكذا حديد ونحوه، بل حكى الوزير الإجماع على جواز اللبن، وكراهة الآجر والخشب. (¬5) أي ويكره دفن في تابوت، ولو امرأة، إجماعًا، قال إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون اللبن، ويكرهون الخشب، ولا يستحبون الدفن في تابوت لأنه خشب. ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، والأرض أنشف لفضلاته.

مقدار تعميق القبر

وسن أن يوسع ويعمق قبر بلا حد (¬1) ويكفي ما يمنع من السباع والرائحة (¬2) ومن مات في سفينة، ولم يمكن دفنه، أُلقي في البحر سَلاَّ، كإدْخاله القبر (¬3) . ¬

_ (¬1) لقوله عليه الصلاة والسلام في قتلى أحد «احفروا وأوسعوا وعمقوا» قال الترمذي: حسن صحيح. ولأبي داود «أوسع من قبل رأسه، وأوسع من قبل رجليه» ولأن التوسيع أطيب لأنفس أهله، والتعميق هو الزيادة في النزول، وهو أنفى لظهور الرائحة التي يستضر بها الأحياء، وأبعد لقدرة الوحش على نبشه، وآكد لستر الميت. (¬2) أي ويكفي من التعميق ما يمنع السباع والرائحة، لأنه لم يرد فيه تقدير فيرجع إليه، فرجع إلى ما يحصل به المقصود، وقال بعضهم: قامة وسط، وأوصى ابن عمر أن يعمق قبره قامة، ولم ينكر، فهو إجماع. (¬3) وفاقًا للشافعي، ورواية عن مالك، وصفة إدخاله القبر سَلا أن يجعل رأس الميت في الموضع الذي تكون فيه رجلاه إذا دفن، ثم يسل فيه سلاً رفيقًا، لأنه عليه الصلاة والسلام سل من قبل رأسه، رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح، وأدخل عبد الله بن يزيد الحارث قبره من قبل رجلي القبر. وقال «هذا من السنة» رواه أحمد وأبو داود، والبيهقي وصححه، وعن أنس، أنه كان في جنازة، فأمر بالميت فسل من عند رجلي القبر، رواه أحمد وغيره، ولأنه ليس موضع توجه، بل دخول، فدخول الرأس أولى، ولأنه المعروف عند الصحابة، وهو عمل المهاجرين والأنصار، رواه الشافعي وغيره عنهم، وقال: لا يختلف في أنه يسل سلاً. اهـ. وإن لم يكن إدخاله القبر من قبل رجليه أسهل، أدخل من حيث سهل، إذ المقصود الرفق بالميت. وقال أبو حنيفة: يوضع عرضًا من ناحية القبلة، ثم يدخل القبر معترضًا، وقال مالك: كلاهما سواء، واستظهر في المبدع أنه بحسب الحاجة، وإن أمكن دفن من مات في سفينة، بأن كان البر قريبًا، وجب دفنه فيه، ولو حبسوه يومًا أو يومين، ما لم يخافوا عليه الفساد، قال أحمد: أرجو أن يجدوا له موضعًا للدفن. وروى البيهقي بإسناد صحيح، أن أبا طلحة ركب البحر، فمات، لم يجدوا له جزيرة إلا بعد سبعة أيام، فدفنوه فيها، ولم يتغير.

بعد غسله وتكفينه، والصلاة عليه، وتثقيله بشيءٍ (¬1) (ويقول مدخله) ندبًا (بسم الله وعلى ملة رسول الله) (¬2) لأَمره عليه السلام بذلك، رواه أَحمد عن ابن عمر (¬3) . ¬

_ (¬1) ليستقر في قرار البحر، فيحصل الستر المقصود به، وإن مات في بئر، أخرج وجوبًا، ليغسل ويكفن، ويصلى عليه ويدفن، وإلا طمت عليه إن لم يحتج لها، ومع الحاجة يخرج مطلقًا، سواء تغير أو لا. (¬2) صلى الله عليه وسلم، وملته دينه وشريعته، ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا وضع الميت في القبر قال «بسم الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم» أي بسم الله وضعناك، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمناك. (¬3) ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا وضعتم موتاكم في القبور، فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم» وفي لفظ: كان إذا وضع الميت قال «بسم الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم» رواه الخمسة إلا النسائي، وحسنه الترمذي، وإن قرأ {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} أو أتى بذكر أو دعاء لائق بالمحل فلا بأس به، لفعله صلى الله عليه وسلم، وفعل أصحابه.

ذكر من يقدم لدفن الرجل والمرأة وكيفية وضعه في القبر

(ويضعه) ندبًا (في لحده، على شقه الأَيمن) لأَنه يشبه النائم، وهذه سنته (¬1) ويقدم بدفن رجل من يقدم بغسله (¬2) وبعد الأَجانب محارمه من النساء (¬3) ثم الأَجنبيات (¬4) وبدفن امرأة محارمها الرجال (¬5) فزوج فأَجانب (¬6) . ¬

_ (¬1) أي سنة النائم أن ينام على شقه الأيمن، وفي الحديث: كان ينام على شقه الأيمن. رواه البغوي وغيره، وفي الإنصاف: يستحب على جنبه الأيمن بلا نزاع. (¬2) ولأنه عليه الصلاة والسلام تولى دفنه العباس وعلي وأسامة، وهم الذين تولوا غسله، ولأنه أقرب إلى ستر أحواله، وقلة الإطلاع عليه، وقال علي: إنما يلي الرجل أهله. (¬3) أي وبعد الرجال الأجانب محارم الميت من النساء، وإنما قدم الأجانب على المحارم من النساء لضعفهن عن ذلك، وخشية انكشاف شيء منهن، ولأنه لا مدخل لهن في إدخال القبر والدفن إلا لضرورة. (¬4) للحاجة إلى دفنه، وليس فيه مس ولا نظر، بخلاف الغسل. (¬5) الأقرب فالأقرب، لأن امرأة عمر لما توفيت قال لأهلها: انتم أحق بها، ولأنهم أولى بها حال الحياة، فكذا بعد الموت، والمراد من كان يحل له النظر إليها والسفر بها، قال الزركشي: وهذا مما لا خلاف فيه، وعنه: الزوج أولى بدفنها من المحارم، وفاقًا لمالك والشافعي، ورواية لأبي حنيفة، قال في الإنصاف: وعلى كلا الروايتين لا يكره دفن الرجال للمرأة، وإن كان محرمها حاضرًا نص عليه. (¬6) أي ثم بعد محارمها الرجال على المذهب زوج، لأنه أشبه بمحارمها من الأجانب، ثم الأولى بعد الزوج الأجانب، فيقدمون على نساء محارمها، لأنه عليه الصلاة والسلام أمر أبا طلحة أن ينزل قبر ابنته، وهو أجنبي، فلا يكره مع حضور محرمها، ولأن تولي النساء لذلك لو كان مشروعًا لفعل في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وعصر خلفائه، ولم ينقل، ورأى عليه الصلاة والسلام نسوة في جنازة، فقال «هل تحملن؟» قلن: لا، قال «أتدفنه؟» قلن: لا. قال «فارجعن مأزورات غير مأجورات» رواه ابن ماجه، وهو استفهام إنكار، فيدل على أنه غير مشروع لهن، ويأتي لعنه زوارات القبور، وظاهر كلامهم أن الترتيب مستحب لا واجب، ولأنه يحل عقد الكفن، وينبغي أن لا ينظر إلى وجهها، لعدم الحاجة.

ويجب أن يكون الميت (مستقبل القبلة) (¬1) لقوله عليه السلام في الكعبة «قبلتكم أَحياءً وأَمواتًا» (¬2) وينبغي أن يدنى من الحائط، لئلا ينكب على وجهه (¬3) وأَن يسند من ورائه بتراب، لئلا ينقلب (¬4) ويجعل تحت رأسه لبنة (¬5) ويشرح اللحد باللبن (¬6) . ¬

_ (¬1) إجماعًا، تنزيلاً له منزلة المصلي. (¬2) رواه أبو داود وغيره، تقدم، ولأن ذلك طريق المسلمين بنقل الخلف عن السلف، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا دفن، وكأنهم نزلوه منزلة المصلي مضطجعًا. (¬3) فيسند وجهه ورجلاه إلى جدار القبر، أو يسند أمامه بتراب. (¬4) أي على ظهره، فهذا يمنعه الاستلقاء، وذلك يمنعه الانكباب. (¬5) فإن لم توجد فحجر، فإن عدم فقليل من تراب، وتكره مخدة وفاقًا، والمنصوص مُضَرَّبَة وفاقًا، وقال أحمد: ما أحبهما، وكذا قطيفة ونحوها. (¬6) أي يبنى عليه باللبن، وعمل المسلمين عليه.

ويتعاهد خلاله بالمدَر ونحوه (¬1) ثم بطين فوق ذلك (¬2) وحثو التراب عليه ثلاثًا باليد، ثم يهال (¬3) وتلقينه (¬4) . ¬

_ (¬1) كالحجارة، ليتحمل ما يوضع عليه من طين ونحوه، والمدر قطع اللبن، يوضع بين خلال اللبن ونحوه. (¬2) لئلا ينتخل عليه التراب منها، لقوله «سدوا خلال اللبن» ثم قال «وليس هذا بشيء، ولكن يطيب نفس الحي» رواه أحمد وغيره عن مجاهد مرفوعًا. (¬3) يعني التراب على القبر، بمساح ونحوها، إسراعًا بتكميل الدفن، «ويهال» أي يصب، يقال: هلت التراب والدقيق وغيرهما، أهيله هيلاً، صببته، فانهال أي انصب، وتهيل تصبب، فيسن ذلك لمن حضره، وفاقًا للشافعي وغيره، لحديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم حثى عليه من قبل رأسه ثلاثًا، رواه ابن ماجه، بسند جيد، ونحوه للدارقطني والبيهقي، عن عامر بن ربيعة، ولأن مواراته فرض كفاية، وبالحثي يكون فيمن شارك فيها، ولأن في ذلك أقوى عبرة واستذكارًا، فاستحب ذلك، ولأحمد بسند ضعيف أنه عليه الصلاة والسلام قال – لما وضعت ابنته في القبر – {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} واستحب بعض أهل العلم أن يقال ذلك عند حثي التراب، استئناسًا بهذا الخبر. (¬4) أي وينبغي تلقين الميت بعد الدفن، فيقوم الملقن عند رأسه، بعد تسوية التراب عليه، فيقول: يا فلان اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانًا، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية، لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. واستجبه الأكثر، وكرهه جماعة من العلماء، وأنكره آخرون، لاعتقاد أنه بدعة مكروهة، وقال شيخ الإسلام: تلقين الميت الأظهر أنه مكروه، لأنه لم يفعله صلى الله عليه وسلم، بل المستحب الدعاء له، يقوم على قبره فيقول: اسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل، وقال: لم يكن من عمل المسلمين، المشهور بينهم، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه، بل ذلك مأثور عن طائفة من الصحابة، كأبي أمامة وواثلة، فمن الأئمة من رخص فيه كأحمد، وقد استحبه طائفة من أصحابه، وأصحاب الشافعي. ولم ينقل عن الشافعي فيه شيء، ومن العلماء من يكرهه، كما يقوله من يقوله من أصحاب مالك وغيره، لاعتقاده أنه بدعة، فالأقوال فيه ثلاثة، الاستحباب، والكراهة والإباحة، وهذا أعدل الأقوال. قال: وقد ثبت أن المقبور يسأل ويمتحن، وأنه مأمور بالدعاء له، فلهذا قيل إن التلقين ينفعه، فإن الميت يسمع النداء، كما ثبت في الصحيح أنه قال «إنه ليسمع قرع نعالهم» وأنه قال «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» وأنه أمرنا بالسلام على الموتى، فقال «ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد عليه السلام» وروي فيه حديث، لكنه ما لم يحكم بصحته. اهـ. واحتج بعض الفقهاء بحديث «لقنوا موتاكم» وهو وإن شمله اللفظ فليس بمراد، كما صرح به في الفروع وغيره، وإلا لنقله الخلف عن السلف، وشاع، ومال بعض المحققين إلى أن الأولى تركه، اقتفاء لما عليه السلف، وقال ابن القيم: لم يكن صلى الله عليه وسلم يقرأ عند القبر، ولا يلقن الميت، وحديث التلقين لا يصح.

تلقينه بعد الدفن مكروه بل يستحب الدعاء له

والدعاء له بعد الدفن عند القبر (¬1) . ¬

_ (¬1) واقفًا، نصل عليه وفاقًا، لمفهوم قوله تعالى {وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} قال أكثر المفسرين: بالدعاء والاستغفار، بعد الفراغ من دفنه. فيدل على أن ذلك كان عادة للنبي صلى الله عليه وسلم في المسلمين، قال شيخ الإسلام: لما نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين، وعن القيام على قبورهم، كان دليل الخطاب أن المؤمن يصلى عليه قبل الدفن، ويقام على قبره بعد الدفن، واستحب هو وغيره من أهل العلم وقوفه، وفعله علي والأحنف وغيرهما، ولأبي داود عن عثمان أنه عليه الصلاة والسلام إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه وقال «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» . وقال ابن المنذر: قال بمشروعيته الجمهور، وقال الآجري وغيره: يستحب الوقوف بعد الدفن قليلاً، والدعاء للميت، فيقال: اللهم هذا عبدك، وأنت أعلم به منا، ولا نعلم منه إلا خيرًا، وقد أجلسته لتسأله، اللهم فثبته بالقول الثابت في الآخرة، كما ثبته في الدنيا، اللهم ارحمه، وألحقه بنبيك، ولا تضلنا بعده ولا تحرمنا أجره. قال الترمذي: الوقوف على القبر، والسؤال للميت في وقت الدفن، مدد للميت بعد الصلاة عليه، لأن الصلاة بجماعة المسلمين كالعسكر له، قد اجتمعوا بباب الملك، يشفعون له، والوقوف على القبر، وسؤال التثبيت، مدد للعسكر، وتلك ساعة شغل الميت، لأنه استقبله هول المطلع، وسؤال الفتانين.

ورشه بماءٍ بعد وضع حصباءَ عليه (¬1) (ويرفع القبر عن الأَرض قدر شبر) (¬2) . ¬

_ (¬1) لما روى الشافعي وغيره أنه عليه الصلاة والسلام رش على قبر ابنه إبراهيم ماء، ووضع عليه حصباء، ولأنه فعل بقبر سعد بن معاذ، رواه ابن ماجه. وأمر به صلى الله عليه وسلم في قبر عثمان بن مظعون، رواه البزار، ولأن ذلك أثبت له، وأبعد لدروسه وأمتع لترابه من أن تذهب به الرياح والسيول، وروي أنه فعل ذلك بقبر النبي صلى الله عليه وسلم واستمر عمل المسلمين عليه. (¬2) ليعرف فيزار ويحترم.

يكره رفع القبر فوق شبر ويكون مسنما

لأَنه عليه السلام رفع قبره عن الأرض قدر شبر، رواه الساجي من حديث جابر (¬1) ويكره فوق شبر (¬2) ويكون القبر (مُسَنَّمًا) (¬3) لما روى البخاري عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - مسنمًا (¬4) . ¬

_ (¬1) ورواه الشافعي وابن حبان في صحيحه، وعن القاسم: قلت لعائشة يا أمة اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. رواه أبو داود وغيره، بإسناد صحيح. (¬2) أي يكره رفع القبر فوق شبر، لقوله صلى الله عليه وسلم لعلي «ولا قبرًا مشرفًا إلا سَوَّيته» رواه مسلم وغيره، والمشرف ما رفع كثيرًا، بدليل ما سبق عن القاسم وغيره، وأمر فضالة بقبر فسوي، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها، رواه مسلم، ويكره زيادة التراب عليه، للنهي، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، إلا أن يحتاج إليه، لحديث جابر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى على القبر، أو يزاد عليه رواه النسائي وأبو داود، ولأن العادة أنه يفضل من التراب ما يكفي لتسنيمه، فلا حاجة إلى الزيادة. (¬3) أي مُحَدبًا كهيئة السنام، خلاف المسطح وهو المربع، وهو مذهب أبي حنيفة، ونقله القاضي عياض عن أكثر العلماء. (¬4) وعن الحسن مثله، وقال الشعبي: رأيت قبور شهدا أحد مسنمة، وحكاه الطبري عن جماعة أن السنة التسنيم، ولم يزل المسلمون يسنمون قبورهم، والغرض في رفعه ليعلم أنه قبر فيتوقّى، وسفيان التمار هو ابن دينار الكوفي، ثقة أدرك كبار الصحابة، روى عن مصعب وغيره، وعنه ابن المبارك وغيره، ولا بأس بتعليم القبر بحجر أو خشبة أو نحوهما، لما روى أبو داود وغيره، عن المطلب، أنه أمره عليه الصلاة والسلام لما توفي عثمان بن مظعون أن يأتيه بحجر فوضعها عند رأسه، وقال «أعلم بها قبر أخي، أدفن إليه من مات من أهل» ورواه ابن ماجه وغيره عن أنس.

تجصيص القبر والبناء عليه من وسائل الشرك

لكن من دفن بدار حرب لتعذر نقله، فالأَولى تسويته بالأَرض وإخفاؤُه (¬1) (ويكره تجصيصه) وتزويقه، وتخليقه، وهو بدعة (¬2) . (والبناء) عليه لاصقَةُ أَولا (¬3) لقول جابر: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأَن يبنى عليه. رواه مسلم (¬4) . ¬

_ (¬1) لئلا ينبش فيمثل به، وقد أخفى الصحابة قبر دانيال خشية الافتنان به. (¬2) منكرة، أول من أحدثها الرافضة والجهمية، وبنوا عليها المساجد، وتجصيصه بنيه وتبيضه بالجص، وقيل بالجير، وتخليقه طَلْيه بالطيب، وكذا تبخيره وتقبيله، والتمسح به، والتبرك به، والعكوف عنده، والطواف به، وكتابة الرقاع إليه، ودسها في الأنقاب، والاستشفاء بالتربة، ونحو ذلك، كله من البدع المحدثة في الدين، فمنه ما هو من الوسائل المفضية إلى الشرك بأهل القبور، ومنه ما هو شرك أكبر، كتقبيله وما عطف عليه، وكسؤاله النفع والضر، وعبادة القبور أول شرك حدث على وجه الأرض. (¬3) أي سواء لاصق البناء الأرض أو لم يلاصقها، ولو في ملكه من قبة أو غيرها. (¬4) ورواه أبو داود والترمذي وغيرهما وصححه، وتقدم حديث علي وأمره عليه الصلاة والسلام بتسويته، وحديث فضالة، ولأبي داود بسند صحيح «أو يزاد عليه» ولابن ماجه عن أبي سعيد. نهى أن ينبى على القبور. فقد ثبت في الصحيح والسنن من غير وجه نهيه عليه الصلاة والسلام عن البناء على القبور، والأمر بهدمه، وقال الشافعي: رأيت العلماء بمكة يأمرون بهدم ما ينبى عليها. وفي شرح الرسالة: ومن البدع اتخاذ المساجد على مقبرة الصالحين، ووقد القنديل عليها، والتمسح بالقبر عند الزيارة، وهو من فعل النصارى، وكل ذلك ممنوع، بل محرم. اهـ. وهو من وسائل الشرك وعلاماته وشعائره، فإن الله عز وجل بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بهدم الأوثان، ولو كانت على قبر رجل صالح، لأن اللات رجل صالح، فلما مات عكفوا على قبره، وبنوا عليه بنية، وعظموها، فلما أسلم أهل الطائف، أمر عليه الصلاة والسلام بهدمها فهدمت، وفيه أوضح دليل على أنه لا يجوز إبقاء شيء من هذه القبب التي بنيت على القبور، واتخذت أوثانًا، ولا لحظة، وإذا كانت تعبد فهي أوثان، كاللات والعزى، ومناة، بلا نزاع، بل تعظيم القبور، بالبناء عليها ونحوه، هو أصل شرك العالم، الذي أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، بالنهي عنه، والوعيد على فاعله بالخلود في النار، وكره أحمد الفِسْطاط والخيمة على القبر، وفي الصحيح أن ابن عمر رأى فسطاطًا على قبر عبد الرحمن، فقال: انزعه يا غلام، فإنما يظله عمله. قال شيخ الإسلام في كسوة القبر بالثياب: اتفق الأئمة على أنه منكر إذا فعل بقبور الأنبياء والصالحين، فكيف بغيرهم. اهـ. والمراد كراهة التحريم، وهو مراد إطلاق أحمد رحمه الله الكراهة، في البناء عليه، لما تقدم من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، والأمر بهدمه، ولأنه من الغلو في القبور، الذي يصيرها أوثانًا تعبد، كما هو الواقع، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخذين عليها المساجد والسرج، وأخبر أن من بنى على قبور الصالحين فهو من شرار الخلق عند الله، ومن ظن أن الأصحاب أرادوا كراهة التنزيه، دون التحريم، فقد أبعد النجعة.

.......................................................

يكره الجلوس على القبر والوطء عليه

(و) تكره (الكتابة والجلوس والوطء عليه) لما روى الترمذي وصححه، من حديث جابر مرفوعًا: نهى أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن توطأ (¬1) . وروى مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا «لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتخرق ثيابه، فتخلص إلى جلده، خير من أن يجلس على قبر» (¬2) (و) يكره (الإتكاءُ إليه) لما روى أحمد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى عمرو بن حزم متكئًا على قبر فقال «لا تؤذه» (¬3) ودفن بصحراء أفضل (¬4) . ¬

_ (¬1) أي بالأرجل والنعال، لما فيه من الاستخفاف بأصحابها، والمراد بالكتابة كتابة اسم صاحب القبر ونحوه، في لوح أو غيره. (¬2) وله عن أبي مرثد الغنوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» وقال الخطابي: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن توطأ القبور. (¬3) وهو مذهب الجمهور، ودل على أن الجلوس عليه والوطء من باب أولى، وذلك لما فيه من الاستخفاف بحق المسلم، إذا القبر بيت المسلم، وحرمته ميتًا كحرمته حيًا. (¬4) أي من الدفن بعمران، والصحراء الأرض المستوية، أو الفضاء الواسع، لا آكام به ولا جبال.

لأنَه عليه السلام كان يدفن أَصحابه بالبقيع (¬1) سوى النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬2) واختار صاحباه الدفن عنده تشرفًا وتبركًا (¬3) وجاءت أخبار تدل على دفنهم كما وقع (¬4) ويكره الحديث في أمر الدنيا عند القبور (¬5) والمشي بالنعل فيها (¬6) . ¬

_ (¬1) موضع مشهور بظاهر المدينة، والدفن فيه صحيح متواتر، معروف فيه قبور أهلها، كان به شجر الغرقد، وهو العوسج، وقال الهروي: هو من العضاه، وهو كل شجر له شوك. اهـ. سمي بشجرات كانت به قديمًا، فذهبت وبقي اسمه، ولأنه أقل ضررًا على الأحياء من الورثة، وأشبه بمساكن الآخرة، وأكثر للدعاء له، والترحم عليه، ولم تزل الصحابة والتابعون فمن بعدهم يدفنون في الصحراء. (¬2) فإنه قبر في بيته، صلوات الله وسلامه عليه، قالت عائشة: خشي أن يتخذ قبره مسجدًا. رواه البخاري، ولما روي «تدفن الأنبياء حيث يموتون» ورأى أصحابه تخصيصه بذلك، ولا ينبغي أن يدفن في الدار، لاختصاص هذه السنة بالأنبياء، بل ينقل إلى مقابر المسلمين. (¬3) فأبو بكر أوصى أن يدفن إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم، واستأذن عمر عائشة أن يدفن معهما. (¬4) كرؤيا عائشة ثلاثة أقمار في حجرتها، وأخبار: دخل هو وأبو بكر وعمر، وخرج هو وأبو بكر وعمر، فكانوا جميعًا أحياء وأمواتًا. (¬5) لأنه موضع مذكر للموت، وحالة الموتى، والعد معهم، ولأنه غير لائق بالحال، بل هو مزهد في الدنيا، ومرغب في الاستعداد للآخرة. (¬6) أي في المقبرة، لقوله صلى الله عليه وسلم لبشير بن الخصاصية «ألق سبتيتيك» رواه أبو داود، وقال أحمد: إسناده جيد ولأن خلع النعلين أقرب إلى الخشوع، وزي أهل التواضع، واحترام أموات المسلمين، وذكر ابن القيم أن إكرامها عن وطئها بالنعال، من محاسن هذه الشريعة، وقال: من تدبر نهيه عن الجلوس على القبر، والإتكاء عليه، والوطء عليه، علم أن النهي إنما كان احترامًا لساكنها، أن يوطأ بالنعال على رؤوسهم، قال: والقبور دار الموتى، ومنازلهم، ومحل تزاورهم، وعليها تنزل الرحمة، فهي منازل المرحومين، ومهبط الرحمة، ويلقى بعضهم بعضًا على أفنية قبورهم، يتجالسون ويتزاورون، كما تظافرت به الآثار، وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة، تذهب حيث شاءت، قال الشيخ: ولهذا روي أنها على أفنية القبور، وأنها في الجنة، والجميع حق.

تحريم إسراج القبور واتخاذ المساجد عليها وتعين إزالتها

إلا خوف نجاسة أو شوك (¬1) وتبسم، وضحك أشد (¬2) ويحرم إسراجها (¬3) واتخاذ المساجد (¬4) . ¬

_ (¬1) ونحوهما مما يتأذى منه، كحرارة الأرض أو برودتها، فلا يكره المشي بالنعال فيها، لأنه عذر، ولا يكره بخف، لأنه ليس بنعل، ولا في معناه، وأما وطء القبر نفسه فمكروه مطلقًا، للأخبار. (¬2) أي من التبسم كراهة، لمنافاته حالة المحل. (¬3) أي إسراج القبور إجماعًا، للخبر الآتي وغيره، والوقوف عليها باطلة، وتصرف على المساجد، وفي المصالح. (¬4) أي على القبور أو بينها إجماعًا، قال شيخ الإسلام: يتعين إزالتها، لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء، سواء كانت قبور أنبياء أو غيرها، لما في السنن وغيرها «لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» وفي الصحيح «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ولهما «قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» والنهي عنه مستفيض عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن القيم: لو وضع المسجد والقبر معًا لم يجز، ولم يصح الوقوف ولا الصلاة، وتعظيم القبور بالبناء عليها، وإسراجها، واتخاذها أعيادًا ومساجد، هو أصل شرك العالم.

يحرم دفن اثنين فأكثر معا إلا للحاجة

والتخلي عليها، وبينها (¬1) (ويحرم فيها) أي في قبر واحد (دفن اثنين فأكثر) معًا (¬2) أو واحدًا بعد آخر، قبل بلاء السابق (¬3) لأَنه عليه السلام كان يدفن كل ميت في قبر، وعلى هذا استمر فعل الصحابة، ومن بعدهم (¬4) . ¬

_ (¬1) لما روى ابن ماجه وغيره عن عقبة بن عامر، مرفوعًا «لأن أطأ على جمرة أو سيف، أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم، ولا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق» بل القبور أولى، وتقدم، لأن حرمة المسلم ميتًا كحرمته حيًا. (¬2) أي جميعًا، في حال الاختيار من جنس، لا من غير جنس، ونقل أبو طالب: إذا ماتت امرأة، وقد ولدت ولدًا ميتًا، فدفن معها، جعل بينها وبين حاجز من تراب، أو يحفر له في ناحية منها، وإن لم يدفن معها فلا بأس. ولعله يختص بما إذا كانا أو أحدهما ممن لا حكم لعورته لصغره، لأجل النص، وعنه: يكره، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، واختاره ابن عقيل والشيخ وغيرهما، واستظهره في الفروع، وجزم في المحرر: لا يحرم رواية واحدة. (¬3) أي صيرورته ترابًا، ويكفي الظن في ذلك، ويرجع إلى أهل الخبرة في تلك الناحية. (¬4) من السلف والخلف، لا ينازع في ذلك مسلم، وإنما يجعل الإثنان فأكثر في قبر عند الحاجة.

وإن حفر فوجد عظام ميت دفنها (¬1) وحفر في مكان آخر (¬2) (إلا لضرورة) ككثرة الموتى، وقلة من يدفنهم، وخوف الفساد عليهم (¬3) . ¬

_ (¬1) أي في محلها، ولم يجز دفن ميت آخر عليه. (¬2) لكي يدفن ميته فيه، ويحرم نبش قبر ميت باق، لدفن ميت آخر، ومتى ظن أنه بلي الأول جاز عند الأكثر، ومتى كان رميمًا جازت الزراعة والحرث وغير ذلك، ما لم يخالف شرط واقف إجماعًا، وإلا فلا، وفي المدخل: اتفق العلماء على أن الموضع الذي دفن فيه الميت وقف عليه، ما دام منه شيء موجود فيه، حتى يفنى، فإذا فني حينئذ يدفن غيره فيه، فإن بقي شيء ما من عظامه فالحرمة باقية كجميعه، ولا يجوز أن يحفر عليه، ولا يدفن معه غيره، ولا يكشف عنه اتفاقًا، قال تعالى {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} فالستر في الحياة ستر العورات، وفي الممات ستر جيف الأجساد، وتغير أحوالها، فالبنيان في القبور ونحو ذلك سبب لخرق هذا الإجماع، وانتهاك حرمة موتى المسلمين، في حفر قبورهم، والكشف عنهم، وصرح غير واحد أنه لا يجوز تغييرها، ولا حرثها، ولا غير ذلك. اهـ. وقال غير واحد: ومن نبش القبور التي لم تبل أربابها، وأدخل أجانب عليهم، فهو من المنكر الظاهر، وليس من الضرورة المبيحة لجمع ميتين فأكثر في قبر، أما إن صار الأول ترابًا، ولم يمكن أن يعد لكل ميت قبر، لا سيما في الأمصار الكبيرة، جاز، وإلا لزم أن تعم القبور السهل والوعر. (¬3) فإذا كان ذلك جاز، لأن الضرورات تبيح المحظورات، وقال تعالى {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وإن انتفت الضرورة، كان مكروهًا، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي والجمهور.

لقوله عليه السلام يوم أُحد «ادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد» رواه النسائي (¬1) ويقدم الأَفضل للقبلة وتقدم (¬2) (ويجعل بين كل اثنين حاجز من تراب) ليصير كل واحد كأنه في قبر منفرد (¬3) وكره الدفن عند طلوع الشمس، وقيامها، وغروبها (¬4) . ¬

_ (¬1) وصححه الترمذي، وذلك لما قالوا له صلى الله عليه وسلم: الحفر علينا لكل إنسان شديد. وروى عبد الرزاق، عن واثلة أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيقدم الرجل، ويجعل المرأة وراءه، وكأنه كان يجعل بينهما حائلاً من تراب، ولا سيما إن كانا أجنبين، وإذا دفن اثنين فأكثر في قبر واحد، فإن شاء سوى بين رؤوسهم، وإن شاء حفر قبرًا طويلاً، وجعل رأس كل واحد عند رجلي الآخر أو وسطه كالدرج، ويجعل رأس المفضول عند رجلي الفاضل. (¬2) يعني في تقديم الأفضل إلى الإمام، في الصلاة عليه مفصلاً، فكذلك مثله يقدم الأفضل فالأفضل إلى القبلة في القبر، لحديث هشام بن عامر قال: شكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كثرة الجراحات يوم أحد، فقال «احفروا وأوسعوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وقدموا الأكثر قرآنًا» يعني إلى القبلة، صححه الترمذي. (¬3) ويقال: حجزه حجزًا منعه، وحجز بينهما فصل، والحاجز الحائل، والمراد على سبيل السنة لا الوجوب، كما صرح به في الإقناع وغيره. (¬4) نص عليه عند طلوعها، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، وعند غروبها وفاقًا لمالك أيضًا، وخالف عند قيامها، وقيامها وقت الزوال، من قولهم: قامت به دابته، أي وقفت، والمعنى أن الشمس إذا بلغت وسط السماء، أبطأت حركة الظل، إلى أن يزول، وتقدم اختيار الشيخ وغيره، أنه إذا وقع الدفن في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره.

يستحب الدفن قريبا من الشهداء والصالحين

ويجوز ليلاً (¬1) ويستحب جمع الأَقارب في بقعةٍ، لتَسْهُلَ زيارتهم (¬2) قريبًا من الشهداء والصالحين، لينتفع بمجاورتهم (¬3) ¬

_ (¬1) ذكره النووي والحافظ وغيرهما قول جمهور العلماء، وذكره الوزير إجماعًا، لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم، وإنما أنكر عدم إعلامه بذلك، والصحابة دفنوا أبا بكر ليلاً، وكان ذلك كالإجماع منهم على الجواز، وصح أن عليًا دفن فاطمة ليلاً، ونهارًا أولى إجماعًا، للأحاديث الصحيحة المشهورة، وليحضره كثير من الناس، فيصلون عليه، وقيل: عن رداءة الكفن، فلا يبين في الليل، قيل: ولعل النبي صلى الله عليه وسلم قصدهما، وعنه: لا يفعل إلا لضرورة، فيتأكد استحبابه نهارًا للإجماع، والأخبار، والخروج من الخلاف، وقال الحافظ: إن رجي بتأخيره إلى الصباح صلاة من ترجى بركته عليه استحب، وإلا فلا. (¬2) لما تقدم من قوله عليه الصلاة والسلام – لما دفن عثمان بن مظعون، وعلم قبره، قال - «لأدفن إليه من مات من أهلي» وغير ذلك، ولأنه أبعد لاندراس قبورهم، والبقعة القطعة من الأرض وواحدة البقاع. (¬3) أي ويستحب أيضًا الدفن قريبًا مما كثر فيه الشهداء والصالحون، لينتفع بمجاورتهم، ولأنه أقرب إلى الرحمة. وقال الشيخ: إنه يخفف العذاب عن الميت، بمجاورة الرجل الصالح، كما جاءت بذلك الآثار المعروفة، ولتناله بركتهم، ولذلك التمس عمر الدفن عند صاحبيه، وسأل عائشة ذلك، حتى أذنت له.

في البقاع الشريفة (¬1) . ولو وَصَّى أن يدفن في ملكه دفن مع المسلمين (¬2) ومن سبق إلى مسبلة قدم، ثم يقرع (¬3) وإن ماتت ذمية حامل من مسلم، دفنها مسلم وحدها إن أَمكن (¬4) . ¬

_ (¬1) أي ويستحب الدفن في البقاع الشريفة، فقد سأل موسى ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة، وعمر سأل الشهادة في سبيل الله، والموت في بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم، متفق عليهما، وأما القتلى فلا، لحديث «ادفنوا القتلى في مصارعهم» و «جاوره مجاورة» صار جارًا له، والجار ما قرب من المنازل، وحقيقته إنما يتناول الملاصق، والمجاورة الملاصقة، أو يتناول الملاصق وغيره ممن يسكن محلته، ولا بأس بتحويل الميت ونقله إلى مكان آخر بعيد، لغرض صحيح، كبقعة شريفة ومجاورة صالح، مع أمن التغير، قال مالك: سمعت غير واحد يقول: إن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ماتا بالعقيق، فحملا إلى المدينة فدفنا بها، وأوصى ابن عمر أن يدفن بسرف، وقال جابر: دفن مع أبي رجل، فلم تطب نفسي حتى أخرجته فجعلته في قبر على حدة. رواه البخاري، وحول طلحة، وحولت عائشة رضي الله عنهما، فيجوز نبشه لغرض صحيح، وأخرج عبد الله بن أبي، بعدما دفن، فنفث فيه ريقه الشريفة، صلوات الله وسلامه عليه، وألبسه قميصه، متفق عليه، قال ابن القيم: وفيه دليل على جواز إخراج الميت من القبر بعد الدفن، لعلة أو سبب. (¬2) لأن دفنه بملكه يضر بالورثة، لمنعهم من التصرف فيه، فيكون منتفيًا، لحديث «لا ضرر ولا ضرار» ولا بأس بشراء موضع قبره، ويوصي بدفنه فيه، فعله عثمان وعائشة رضي الله عنهما. (¬3) أي فإن لم يحصل السبق بل جا آمعًا أقرع. (¬4) أي دفنها وحدها، في مكان غير مقابر المسلمين، وغير مقابر الكفار، نص عليه، وحكاه عن واثلة بن الأسقع، ورواه البيهقي وغيره، وقال شيخ الإسلام: لا تدفن في مقابر المسلمين، ولا مقابر النصارى، لأنه اجتمع مسلم وكافر فلا يدفن الكافر مع المسلم، ولا المسلم مع الكفار، بل تدفن منفردة. اهـ. لأنها إذا دفنت في مقبرة المسلمين، تأذوا بعذابها، وإذا دفنت في مقبرة النصارى، تأذى الولد بعذابهم، فإن قيل: فالولد يتأذى بعذابها؟ قيل: هذا ضرورة، وهو أخف من عذاب المجموع.

أحاديث القراءة على القبر كلها ضعيفة

وإلا فمعنا، على جنبها الأَيسر، وظهرها إلى القبلة (¬1) (ولا تكره القراءَة على القبر) (¬2) لما روى أَنس مرفوعًا «قال من دخل المقابر، فقرأَ فيها (يس) ، خفف عنهم يومئذ، وكان له بعددهم حسنات» (¬3) . ¬

_ (¬1) أي وإلا يمكن دفنها منفردة، إما لخوف، أو لعدم محل تدفن فيه، فتدفن معنا، على جنبها الأيسر، وظهرها إلى قبلة، ليكون الجنين على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة، لأن ظهر الجنين لوجه أمه، قال الشيخ: فإذا دفنت كذلك، كان وجه الصبي المسلم مستقبل القبلة، والطفل يكون مسلمًا بإسلام أبيه، وإن كانت أمه كافرة، باتفاق العلماء. وقال: لا بد أن تكون مقابر أهل الذمة متميزة عن مقابر المسلمين، تميزًا ظاهرًا، بحيث لا يختلطون بهم، ولا يشبه قبور المسلمين بقبور الكفار، وهذا آكد من التمييز بينهم حال الحياة، بلبس الغيار ونحوه، فإن مقابر المسلمين فيها الرحمة، ومقابر الكفار فيها العذاب، بل ينبغي مباعدة مقابرهم عن مقابر المسلمين، وكلما بعدت عنها كانت أصلح. (¬2) قالوا: ولا في المقبرة، بل تستحب، وفاقًا للشافعي، لما ذكر من الخبرين. (¬3) لم يعزه إلى شيء من كتب الحديث المعروفة، وإنما رواه عبد العزيز صاحب الخلال، بسنده عن أنس، وللدارقطني نحوه عن علي، في قراءة سورة الإخلاص، ونحوه أيضًا عن اللجلاج عند الطبراني، وكلها ضعيفة لا تقوم بها حجة، وليس فيه حديث صحيح ولا حسن، والأحاديث الصحيحة، في النهي عن العكوف عند القبور، واعتيادها متظاهرة.

إهداء القرب إلى الميت والتحقيق فيها

وصح عن ابن عمر أَنه أَوصى إذا دفن، أَن يقرأَ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها، قاله في المبدع (¬1) (وأَيّ قربة) من دعاء واستغفار، وصلاة وصوم، وحج وقراءة وغير ذلك (فعلها) مسلم (¬2) . ¬

_ (¬1) وكان أحمد ينكر ذلك، ولا ريب أن القراءة على القبر عكوف، يضاهي العكوف في المساجد بالقرب، وعنه: يكره، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك وعامة السلف، بل أنكروه وشددوا فيه، قال شيخ الإسلام: نقل الجماعة كراهته، وهو قول جمهور السلف، وعليه قدماء الأصحاب. اهـ. ولو كان مشروعًا لَسَنّهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، وفيه مفسدة عظيمة، كما في الصلاة عنده، بل هو عكوف عند القبور، مضاهاة لما كان يعتاده عباد القبور، عن العكوف عندها بأنواع القرب، بل وسيلة إلى عبادتها، وعنه: بدعة، وفاقًا للشافعي، لأنه ليس من فعله عليه الصلاة والسلام، ولا من فعل أصحابه، فعلم أنه محدث، وسأله عبد الله: يحمل مصحفًا إلى القبر، فيقرأ فيه عليه؟ قال: بدعة. وقال شيخ الإسلام: ولم يقل أحد من العلماء المعتبرين أن القراءة عند القبور أفضل، ولا رخص في اتخاذها عند أحد منهم، كاعتياد القراءة عنده في وقت معلوم، أو الذكر، أو الصيام قال: واتخاذ المصاحف عنده ولو للقراءة فيها بدعة، ولو نفع الميت لفعله السلف، ولا أجر للميت بالقراءة عنده، كمستمع، ومن قال: إنه ينتفع بسماعها دون ما إذا بعد القارئ. فقوله باطل، مخالف للإجماع. (¬2) سواء كان من أقارب المدعو له أو غيرهم، كما ينتفع بصلاة المصلين عليه، ودعائهم له عند قبره.

(وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك) (¬1) قال أحمد: الميت يصل إليه كل شيء من الخير، للنصوص الواردة فيه. ذكره المجد وغيره (¬2) . ¬

_ (¬1) قال ابن القيم: من صام أو صلى أو تصدق، وجعل ثوابه لغيره، من الأموات والأحياء جاز، ويصل ثوابها إليهم عند أهل السنة والجماعة، ويحصل له الثواب بنيته له قبل الفعل، أهداه أو لا، ولكن تخصيص صاحب الطاعة نفسه أفضل، ويدعو كما ورد في الكتاب والسنة، وأجمعت عليه الأمة، واعتبر بعضهم إذا نوى الثواب حال الفعل أو قبله، واستحب بعضهم أن يقول: اللهم اجعل ثوابه لفلان. ويثاب كل من المهدي والمهدى له، وظاهره أنه إذا جعلها لغير مسلم لا ينفعه، وهو صحيح لقوله تعالى {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الآية، وغيرها من الآيات والأحاديث. (¬2) وقال شيخ الإسلام: أئمة الإسلام متفقون على انتفاع الميت بدعاء الخلق له، وبما يعمل عنه من البر، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، فمن خالف ذلك كان من أهل البدع. وذكر استغفار الملائكة والرسل والمسلمين للمؤمنين، وما تواتر من الصلاة على الميت، والدعاء له، وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن توفيت أمه، وقال: أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال «نعم» وتصدق لها ببستان، ومن توفيت ولم توص، وقال ابنها: هل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال «نعم» وقال لعمرو بن العاص «لو أقر أبوك بالتوحيد فصمت عنه، أو تصدقت عنه، نفعه ذلك» وذكر اتفاقهم على وصول الصدقة ونحوها، وتنازعهم في العبادات البدنية، كالصلاة والصوم والحج والقراءة، وذكر ما في الصحيحين من حديث عائشة «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» وعن ابن عباس وفيه «فصومي عن أمك» وحديث عَمْرو «إذا صاموا عن المسلم نفعه» ، وما ورد في الحج وغير ذلك، ثم قال: فهذا الذي ثبت بالكتاب والسنة والإجماع علم مفصل مبين، ولم يخالف هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة من بلغته، وإنما خالفها من لم تبلغه. وأما الحي فيجزئ، عند عامتهم، ليس فيه إلا اختلافًا شاذًا، وما تقدم لا ينافي قوله {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} ولا قوله «إذا مات ابن آدم انقطع عمله» الخ، لأن ذلك ليس من عمله، والله تعالى يثيب هذا الساعي، وهذا العامل على سعيه وعمله، ويرحم هذا الميت يسعي هذا الحي، وعمله بسعي غيره، وليس من عمله، ولكن ذكر أن أفضل العبادات ما وافق هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهدي أصحابه، وقول ابن مسعود: من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأن الذي كان معروفًا بين المسلمين، في القرون المفضلة، أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات المشروعة، فرضها ونقلها، ويدعون للمؤمنين والمؤمنات، كما أمر الله بذلك، لأحيائهم وأمواتهم، في قيام الليل وغيره، وفي صلاتهم على الجنائز، وعند زيارة القبور، وغير ذلك من مواطن الإجابة، ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعًا، أو صاموا تطوعًا، أو حجوا أو قرؤا القرآن، يهدون ذلك لموتاهم المسلمين، بل كان من عادتهم الدعاء كما تقدم، فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريق السلف، فهو أفضل وأكمل.

لم يكن من عادة السلف إهداء الصلاة أو الصيام لموتاهم بل هو بدعة

وحتى لو أهداها للنبي صلى الله عليه وسلم جاز، ووصل إليه الثواب (¬1) . ¬

_ (¬1) ولم يره شيخ الإسلام وغيره من أهل التحقيق، فإن له صلوات الله وسلامه عليه كأجر العامل، فلم يحتج إلى أن يهدي إليه ثواب صلاة، أو صوم، أو صدقة أو قراءة من أحد، ورآه هو وبعض الفقهاء بدعة، ولم يكن الصحابة يفعلونه، وفي الاختيارات: لا يستحب إهداء القرب للنبي صلى الله عليه وسلم، بل هو بدعة، هذا هو الصواب المقطوع به. اهـ. وذلك بخلاف الوالد، فإن له أجرًا كأجر الولد.

يصلح لأهل الميت طعام ويكره لهم فعله للناس

(ويسن أن يصلح لأَهل الميت طعام، يبعث به إليهم) ثلاثة أيام (¬1) لقوله عليه السلام «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد جاءهم ما يشغلهم» رواه الشافعي وأحمد، والترمذي وحسنه (¬2) . ¬

_ (¬1) حاضرًا كان الميت، أو غائبًا وأتاهم نعيه، وأهل الميت عائلته الذين كانوا في نفقته وكلفته، استظهره ابن نصر الله وغيره وقيل: الذين كانوا يأوون معه في بيته، ويتولون أمره وتجهيزه، والأول هو المعروف في اللغة. (¬2) من رواية عبد الله بن جعفر، ورواه أحمد وابن ماجه أيضًا من رواية أسماء بنت عميس، قال الزبير: فعمدت سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شعير فطحنته، وآدمته بزيت جعل عليه، وبعث به إليهم. ولشغلهم بالمصيبة، وهو قول الشافعي، ويروى عن عبد الله بن أبي بكر أنه قال: فما زالت تلك السنة فينا، حتى تركها من تركها. ويقصد به أهل الميت، لا من يجتمع عندهم، قال شيخ الإسلام: لكن إنما يطيب إذا كان بطيب نفس المهدي، وكان على سبيل المعاوضة، مثل أن يكون مكافأة عن معروف مثله، فإن علم الرجل أنه ليس بمباح لم يأكل منه، وإن اشتبه أمره فلا بأس بتناول اليسير منه، إذا كان فيه مصلحة راجحة، مثل تأليف القلوب ونحو ذلك. اهـ. وجعفر رضي الله عنه هو ابن أبي طالب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد السابقين الأولين، شقيق علي، ولد قبله بعشر سنين، قال أبو هريرة: إنه أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الصحيح «أشبهت خَلْقي وخُلُقي» أسلم النجاشي على يده، وقتل رضي الله عنه في جمادى، سنة ثمان من الهجرة، في غزوة مؤتة، موضع معروف بالشام، عند الكرك، اقتحم عن فرسه فعقرها، وكان أول من عقر في الإسلام، ثم قاتل حتى قتل، قال ابن عمر: ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين، من طعنة ورمية. وسمي ذا الجناحين، لأنه قاتل حتى قطعت يداه، قالت عائشة: لما جاءت وفاته رؤي في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن.

(ويكره لهم) أَي لأَهل الميت (فعله) أي فعل الطعام (للناس) (¬1) لما روى أَحمد عن جرير قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. وإسناده ثقات (¬2) . ¬

_ (¬1) لأنه معونة على مكروه، وهو اجتماع الناس عند أهل الميت، بل بدعة وخلاف للسنة، فإنهم مأمورون أن يصنعوا لأهل الميت طعامًا، فخالفوا، وكلفوهم صنع الطعام لغيرهم، وقد علل صلى الله عليه وسلم بما هم فيه من الشغل بمصابهم، وفي الطراز: وأما إصلاح أهل الميت طعامًا، وجمع الناس عليه، فقد كرهه جماعة، وعدوه من البدع، لأنه لم ينقل فيه شيء، وليس ذلك موضع الولائم. (¬2) وقال شيخ الإسلام: جمع أهل المصيبة الناس على طعامهم، ليقرؤا ويهدوا له، ليس معروفًا عند السلف، وقد كرهه طوائف من العلماء من غير وجه، وقرب دفنه منهي عنه، عده السلف من النياحة، وذكر خبر جرير، وهذا في المحتسب، فكيف من يقرأ بالكراء، قال: واكتراء من يقرأ ويهدي للميت بدعة، لم يفعلها السلف، ولا استحبها الأئمة، والفقهاء تنازعوا في جواز الإكتراء على تعليمه، فأما اكتراء من يقرأ ويهدي فما علمت أحدًا ذكره، ولا ثواب له، فلا شيء للميت، قاله العلماء، ولا تنفذ وصيته بذلك. اهـ. وقال أحمد: هو من فعل أهل الجاهلية، وقال الموفق وغيره: إلا من حاجة، كأن يجيء من يحضر ميتهم، من أهل القرى البعيدة، ويبيت عندهم، فلا يمكن إلا أن يطعموه. اهـ. ويكره الأكل مما صنع، وقال الطرطوشي: أما المآتم فممنوعة بإجماع العلماء، والمأتم هو الاجتماع على المصيبة، وهو بدعة منكرة، لم ينقل فيه شيء، وكذا ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث، والرابع والسابع، والشهر والسنة، فهو طامة، وإن كان من التركة، وفي الورثة محجور عليه، أو من لم يأذن حرم فعله، وحرم الأكل منه، وجرير هو ابن عبد الله بن جابر بن مالك البجلي، الصحابي الشهير، بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذي الخلصة، فهدمها، وقدمه عمر في حروب العراق على بجيلة، وأرسله علي إلى معاوية، ثم اعتزل، وسكن قرقيسًا، ومات سنة إحدى وخمسين. اهـ.

يحرم الذبح عند القبر

ويكره الذبح عند القبر، والأَكل منه (¬1) لخبر أنس «لا عقر في الإسلام» رواه أحمد بإسناد صحيح (¬2) وفي معناه الصدقة عند القبر، فإنه محدث، وفيه رياءٌ (¬3) . ¬

_ (¬1) وقال شيخ الإسلام: يحرم الذبح والتضحية عند القبر، ولو نذره، ولو شرطه واقف كان شرطًا فاسدًا. (¬2) أصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم، فنهى عنه صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا إذا مات الميت عقروا عند قبره شاة أو بعيرًا، ويقولون: إنه كان يعقر للأضياف أيام حياته، فيكافيه بمثل صنيعه بعد وفاته، أو ليكون مطعمًا بعد وفاته. (¬3) أي وفي معنى الذبح عند القبر الصدقة عنده، فإنه محدث، لم يفعله السلف، ولم يرد الأمر به «وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» وفيه أيضًا رياء، وهو محرم. قال شيخ الإسلام: إخراج الصدقة مع الجنازة بدعة مكروهة، وهو يشبه الذبح عند القبر، ولا يشرع شيء من العبادات عند القبور، لا صدقة ولا غيرها، قال: وأنكر من ذلك أن يوضع عند القبر الطعام أو الشراب ليأخذه الناس.

فصل: في زيارة القبور وكونها شرعية وبدعية

فصل (¬1) (تسن زيارة القبور) (¬2) وحكاه النووي إجماعًا (¬3) لقوله عليه السلام «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها» رواه مسلم، والترمذي وزاد «فإنها تذكر الآخرة» (¬4) . ¬

_ (¬1) في سنية زيارة القبور، وهي مشروعة بالسنة والإجماع، فإنها تورث رقة القلب، وتذكر الموت والبلى، وينتفع المزور بدعاء الزائر له. (¬2) للذكور بلا شَدَّ رَحْلٍ، لما في الصحيحين «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» وأجمعوا على العمل به في الجملة. ولمسلم «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد» لاختصاصها بما اختصت به، ولازمة منع السفر إلى كل موضع غيرها. (¬3) وكذا حكاه الموفق وغيره، للذكور دون النساء، ولما ينشأ بقلب زائرها من الرجال، دون النساء لضعفهن. (¬4) والحديث متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة. وقال: أبو هريرة زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، وقال «استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت» متفق عليه، ولأحمد وغيره عن أبي سعيد «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها عبرة» ولفظ ابن ماجه بسند صحيح عن ابن مسعود «فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة» وقال تعالى {وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} فزيارة الميت المشروعة بالدعاء والاستغفار، هي من هذا القيام المشروع. وذكر شيخ الإسلام أن الزيارة على قسمين: شرعية وبدعية، فالشرعية المقصود بها السلام على الميت، والدعاء له، كما يقصد بالصلاة على جنازته، من غير شد رحل، والبدعية أن يكون مقصود الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت، وهذا شرك أكبر، أو يقصد الدعاء عند قبره، أو الدعاء به، وهذا بدعة منكرة، ووسيلة إلى الشرك، وليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولا استحبه أحد من سلف الأمة، وأئمتها. اهـ. والمقصود من زيارة القبور الاعتبار، ونفع المزور، والزائر، بالدعاء، فلا ينبغي أن يغفل الزائر عن الدعاء لنفسه، وللميت، ولا عن الاعتبار بحاله، كيف تقطعت أوصاله، وتفرقت أجزاؤه، وكيف يبعث من قبره، وأنه عما قريب يلحق به، وقال القرطبي: ينبغي أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها ويتعظ بأهلها وأحوالهم، ويعتبر بهم، وما صاروا إليه.

وسن أن يقف زائر أمامه، قريبًا منه، كزيارته في حياته (¬1) (إلا للنساء) فتكره لهن زيارتها (¬2) . ¬

_ (¬1) وتقدم، فينبغي أن يدنو منه، من جهة رأسه، بقدر ما يدنو من صاحبه في الحياة، ويكون مستقبلاً وجهه مستدبرًا القبلة، ولا يتمسح به، ولا يصلي عنده، ولا يقصده لأجل الدعاء عنده، قال شيخ الإسلام: ليس هذا ونحوه من دين المسلمين، بل مما أحدث من البدع القبيحة التي هي من شعب الشرك. وقال: اتفق السلف والأئمة على أن من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، أو غيره من الأنبياء والصالحين، فإنه لا يتمسح بالقبر، ولا يقبله، بل اتفقوا أنه لا يستلم ولا يقبل إلا الحجر الأسود، والركن اليماني يستلم ولا يقبل، على الصحيح. (¬2) يعني كراهة تحريم، لصراحة الحديث، ورجحه الشيخ وغيره، وقال: وعلى هذا العمل في أظهر قولي أهل العلم، واحتج أهل القول الآخر بالإذن، وليس بجيد، فإن اللفظ لفظ مذكر، وهو مختص بالذكور، أو متناول لغيرهم، فإن كان مختصًا فلا ذكر للنساء، وإن كان متناولاً كان لفظ الحديث الآتي وغيره مختصًا، ولم يعلم أنه متقدم على الرخصة، فكان مقدمًا على العام، عند عامة أهل العلم، كما لو علم أنه بعدها. اهـ. وفي الخبر: «واحتملها الرجال» ، ولأبي يعلى من حديث أنس قال «أتحملنه؟» قلن: لا قال «أتدفنه؟» قلن: لا. قال «فارجعن مأزورات، غير مأجورات» ونقل النووي أنه لا خلاف في ذلك.

تحرم زيارة النساء للقبور بلا استثناء

غير قبره صلى الله عليه وسلم، وقبري صاحبيه رضي الله عنهما (¬1) روى أحمد والترمذي وصححه عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور (¬2) . ¬

_ (¬1) يعني أبا بكر وعمر، وهذا الاستثناء فيه نظر ظاهر، فإنها تحرم زيارتهن لقبره صلى الله عليه وسلم، وقبريهما رضي الله عنهما لعدم الاستثناء في النصوص الصحيحة الصريحة في نهيهن مطلقًا، ولبقاء العلة المعلل بها في زيارة القبور. (¬2) وفي لفظ «زائرات القبور» وهذا صريح في التحريم، وعن ابن عباس مرفوعًا: لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. رواه الخمسة، وحسنه الترمذي، قال شيخ الإسلام: وفي نسخ صحيحة تصحيحه، وقد تعددت طرقها، وليس فيها متهم، ولا خالفها أحد من الثقات، وقد روي هذا عن صاحب وهذا عن صاحب آخر، وذلك يبين أن الحديث في الأصل معروف، وفي الصحيح أنه نهى النساء عن اتباع الجنائز، وفي السنن، وصححه أبو حاتم من حديث ابن عمر، قال: فلما فرغنا – يعني من دفن الميت – انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرفنا معه، فلما توسطنا الطريق، إذا نحن بامرأة مقبلة، فلما دنت إذا هي فاطمة، فقال لها «ما أخرجك؟» قالت: أتيت أهل هذا البيت فعزيناهم بميتهم، فقال «لعلك بلغت معهم الكدى؟» قالت: معاذ الله أن أكون بلغت معهم الكدى، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر. فقال «لو بلغتيها معهم، ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك» وقد فسر الكدى بالقبور، وبالأرض الصلبة، لأن مقابرهم كانت في مواضع صلبة، والنبي صلى الله عليه وسلم علل الإذن للرجال بأن ذلك يذكر بالموت، ويرقق القلب، ويدمع العين. ومعلوم أن المرأة إذا فتح لها هذا الباب، أخرجها إلى الجزع والندب والنياحة، لما فيها من الضعف، وكثرة الجزع، وقلة الصبر، وأيضًا فإن ذلك سبب لتأذى الميت ببكائها، والرجال بصوتها وصورتها، كما في الخبر «فإنكن تفتن الحي، وتؤذين الميت» وإذا كانت مظنة، فمن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية، أو غير منتشرة علق الحكم بمظنتها، فيحرم هذا الباب سدًا للذريعة، وليس في ذلك من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة، فإنه ليس في ذلك إلا دعاؤها للميت، وذلك ممكن في بيتها، ولهذا قال الفقهاء: إذا علمت من نفسها أنها إذا زارت المقبرة بدا منها ما لا يجوز، من قول أو عمل، لم تجز لها الزيارة بلا نزاع. وقال: إذا كانت زيارة النساء فطنة ومنشأ للامور المحرمة، فغنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك، ولا التمييز بين نوع ونوع، اما لو مرت في طريقها على مقبرة وسلمت فلا بأس، لأنها لا تسمّى زائرة، وقال: وإن اجتازت بقبر في طريقها، ولم تكن خرجت له، فسلمت عليه ودعت له فحسن.

ما يقول إذا زار القبور أو مر بها

(و) يسن أن (يقول إذا زارها) أو مر بها (¬1) (السلام عليكم دار قوم مؤمنين (¬2) ¬

_ (¬1) أي زار قبور المسلمين قاصدًا ذلك، أو مر بها على طريقه، من غير قصد زيارتها. (¬2) أو أهل الديار من المؤمنين. فالمتن: لفظ حديث أبي هريرة. ودار منصوب على النداء، وقيل: على الاختصاص. وفي المطالع: يجوز جره يعني أهل دار، وعلى البدل.

وإنا إن شاءَ الله بكم للاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأْخرين (¬1) نسأل الله لنا ولكم العافية (¬2) اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم) (¬3) للأخبار الواردة في ذلك (¬4) . ¬

_ (¬1) أي المتقدمين بالوفاة، والمستأخرين بها، ليعم أولهم وآخرهم، ولفظ مسلم «منا ومنكم» . (¬2) من كل مكروه، وعافاه الله معافاة وعفاء وعافية، أو العافية اسم منه وهب له العافين من كل سوء، والحديث في الصحيح من حديث أبي هريرة، ولمسلم من حديث بريدة: كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم «السلام عليكم أهل الديار من المسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» . (¬3) رواه أحمد من حديث عائشة، وللترمذي من حديث ابن عباس «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا، ونحن بالأثر» و «حرمَهُ» الشيء يحرمُه حرمانًا إذا منعه إياه، وكان بعض السلف إذا وقف على المقابر قال: أنس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، وتجاوز من سيئاتكم، وقبل حَسَناتكم. وروي «ما الميت في قبره إلا كالغريق المبهوت، ينتظر دعوة تلحقه، من ابنه أو أخيه أو صديقه، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها، وإن هدايا الأحياء للأموات الدعاء والاستغفار» والزيارة الشرعية: المقصود منها ثلاثة أشياء، الدعاء للميت، والإحسان إليه بذلك الدعاء، واعتبار الزائر بحاله، والتفكر في مآله، وتذكر الآخرة كما في الخبر. (¬4) المستفيضة مما تقدم وغيره، وللإجماع، واستمرار فعلها خلفًا عن سلف.

علم المزور بزائره وسروره أو تألمه

وقوله «إن شاء الله بكم للاحقون» استثناء للتبرك، أو راجع للحوق لا للموت، أَو إلى البقاع (¬1) ويسمع الميت الكلام (¬2) ويعرف زائره يوم الجمعة، بعد الفجر، قبل طلوع الشمس، وفي الغنية: يعرفه كل وقت، وهذا الوقت آكد (¬3) . ¬

_ (¬1) فالأول قاله أكثر العلماء، وقال النووي: هو أصحها، لأن الموت واقع لا محالة، وامتثالاُ لقوله {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ} والثاني ذكره البغوي وغيره، والثالث ذكره في الشافي وغيره، والتبرك التّيَمُّنُ والفوز بالبركة، والتبرك به تفاؤل بالبركة منه، واللحوق اللزوم في الإسلام، واللحاق الإدراك، والبقاع والبقعة القطع والقطعة من الأرض في الدفن معهم فيها. (¬2) في الجملة لما في الصحيحين وغيرهما، قال «إنه ليسمع خفق نعالهم» وقال في قتلى بدر «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» وقال «إنهم ليسمعون الآن» وأمر بالسلام على أهل القبور، ولم يكن ليأمر بالسلام على من لا يسمع، وغير ذلك من البراهين الدالة على أن الميت يسمع في الجملة، وقال الشيخ، وابن كثير وغيرهما: سماع الموتى هو الصحيح من كلام أهل العلم، وهذا السمع سمع إدراك، لا يترتب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفي في القرآن، وإن سمع فلا يمكنه إجابة الداعي، ولا ينتفع بالأمر والنهي، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع بحال دون حال، كما يعرض للحي. (¬3) قال ابن القيم: والأحاديث والآثار تدل على أن الزائر متى جاء، علم به المزور، وسمع كلامه، وأنس به، ورد عليه، وذلك عام في حق الشهداء وغيرهم، ولا توقيت في ذلك. اهـ. وقال شيخ الإسلام: استفاضت الآثار بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وجاءت الآثار بأنه يرى، ويدري بما فعل عنده، ويُسَرُّ بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا. وقال: جاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم، وعرض أعمال الأحياء على الأموات، فيجتمعون إذا شاء الله، كما يجتمعون في الدنيا، مع تفاوت منازلهم، وسواء كانت المدافن متباعدة في الدنيا أو متقاربة، لكن الأعلى ينزل إلى الأسفل، والأسفل لا يصعد إلى الأعلى، وللروح اتصال بالبدن متى شاء الله، وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك وظهور الشعاع في الأرض، وانتباه النائم، كما تظاهرت به الآثار، وقال مالك: بلغنا أن الأرواح مرسلة، تذهب حيث شاءت.

تعزية المصاب ووقتها

وتباح زيارة قبر كافر (¬1) (وتسن تعزية) المسلم (المصاب بالميت) (¬2) ولو صغيرًا، قبل الدفن وبعده (¬3) . ¬

_ (¬1) ولا يسلم عليه، كحال الحياة، ولا يدعو له، لأن الدعاء والاستغفار له منهي عنه، وقال شيخ الإسلام: تجوز زيارته للاعتبار، ولزيارته عليه الصلاة والسلام قبر أمه. (¬2) أي تسليته، صغيرًا كان أو كبيرًا، بلا خلاف، وحثه على الصبر، بوعد الأجر، والدعاء للميت والمصاب، «وعزاه تعزية» سلاه وصبره، وأمره بالصبر، وقال له: أحسن الله عزاك. أي رزقك الصبر الحسن، وعزى وتعزى عنه تعزيًا تصبر، وقيل: أصله تعززت أي تشددت، وفي الحديث «من لم يتعز بعزاء الله فليس منا» قال الأزهري: أصلها التصبير لمن أصيب بمن يعز عليه. اهـ. والعزاء اسم أقيم مقام التعزية، وفي الصحيحين لما أرسلت إحدى بناته، تخبره أن صبيًا لها في الموت، قال «أخبرها أن الله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب» وتواتر حديث «لا يموت لأحد ثلاثة، من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم» . (¬3) أي تسن تعزيته، ولو كان صغيرًا، لعموم الأخبار، وكذا صديق للميت، وجار ونحوهما، وسواء قبل الدفن أو بعده، من حين الموت، وفاقًا للشافعي، وبعده، أولى، لاشتغال أهل الميت بتجهيزه، إلا أن يرى منهم جزعًا، ولا بأس بالجلوس بقرب دار الميت، ليتبع الجنازة، أو يخرج وليه فيعزيه، قال في الإنصاف وغيره: فعله السلف.

لما روى ابن ماجه وإسناده ثقات، عن عمرو بن حزم مرفوعًا «ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة، إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة» (¬1) ولا تعزية بعد ثلاث (¬2) فيقال لمصاب بمسلم: أَعظم الله أَجرك، وأَحسن عزاك، وغفر لميتك (¬3) . ¬

_ (¬1) وله عن ابن مسعود مرفوعًا «من عزى مصابًا فله مثل أجره» أي من عمد إلى قلب قد أقلقه ألم المصيبة، فداواه بآيات الوعيد، وثواب الصبر، وذم الجزع، حتى يزيل ما به، أو يقلله، فيصير ثواب المسلي كثواب المصاب، لأن كليهما دفع الجزع، ورواه الترمذي وغيره، وله «من عزى ثكلى كسي بردًا في الجنة» والثكلى المرأة تفقد ولدها، أو من يعز عليها، وللطبراني مرفوعًا «من عزى مصابًا كساه الله حلتين، من حلل الجنة، لا تقوم لهما الدنيا» . (¬2) إلا إن كان غائبًا، فلا بأس بتعزيته بعدها، ما لم ينس المصيبة، قال في الفروع: ولم يحدها جماعة، منهم شيخ الإسلام، فالظاهر تستحب مطلقًا، وهو ظاهر الخبر. (¬3) قاله شيخ الإسلام وغيره: ولا تعيين في ذلك، بل يدعو بما ينفع، قال الموفق وغيره: لا أعلم في التعزية شيئًا محدودًا، إلا أنه يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم عزى رجلاً فقال «رحمه الله، وآجرك» رواه أحمد. و «آجره الله» أعطاه أجره، وجزاه صبره، وهمه في مصيبته، و «أحسن عزاك» أي رزقك الصبر الحسن، وروي أنه عزى امرأة في ابنها فقال «إن لله ما أخذ، وله ما أعطي، ولكل أجل مسمى، وكل إليه راجع، فاحتسبي واصبري، فإن الصبر عند أول الصدمة الأولى» وللطبراني عن معاذ أنه مات ابن له، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا وأهلينا وأولادنا من مواهب الله عز وجل، الرهينة، وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك في أجر كبير، الصلاة والرحمة والهدى، فاصبْر ولا يحبط جزعك أجرك، فتندم، واعلم أن الجزع لا يرد شيئًا، ولا يدفع قدرًا، وما هو نازل فكائن مدرك» وإن شاء أخذ بيد من عزاه.

وبكافر: أَعظم الله أَجرك، وأحسن عزاك (¬1) وتحرم تعزية كافر (¬2) وكره تكرارها (¬3) ويرد معزى بـ «استجاب الله دعاءك، ورحمنا وإياك» (¬4) . ¬

_ (¬1) ويهون عليه المصيبة، ويسليه منها ويحظه على الرضا بالقضاء، ويدعو له يجزيل الثواب، إذ لا يمتنع أن يؤجر به، ويمسك عن الدعاء للميت الكافر، لأن الدعاء والاستغفار له منهي عنه. (¬2) سواء كان الميت مسلمًا أو كافرًا، لأن فيها تعظيمًا للكافر، كبداءته بالسلام، ويأتي كلام الشيخ أنها تجوز. (¬3) أي التعزية، و «كرر الشيء» أعاده مرة بعد أخرى، فلا يعزى عند القبر من عزي قبله، ولا بعده من عزي عنده، ويكره الجلوس لها، لما في ذلك من استدامة الحزن، وفاقًا لمالك والشافعي، وقيل بقدرها، إلا بقرب دار الميت ليتبع جنازته، أو ليخرج وليه فيعزيه. (¬4) وهكذا رد الإمام أحمد وكفى به قدوة، ولا تعيين في ذلك، كما تقدم، و «معزى» بفتح الزاي المشددة، من أصابته المصيبة.

البكاء على الميت والصبر والرضى، والاسترجاع، وتفصيل ذلك

وإذا جاءته التعزية في كتاب ردها على الرسول لفظًا (¬1) (ويجوز البكاءُ على الميت) (¬2) لقول أَنس: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه تذرفان. وقال «إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا – وأَشار إلى لسانه – أَو يرحم» متفق عليه (¬3) . ¬

_ (¬1) فيقول: استجاب الله دعاءه، ورحمنا وإياه. (¬2) إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة، فإن أخبار النهي محمولة على بكاء معه ندب أو نياحة، أو أنه كثرة البكاء، والدوام عليه أيامًا كثيرة، فالبكاء المباح، والحزن الجائز هو ما كان بِدَمْع العين، ورقة القلب، من غير سخط لأمر الله، قال الشيخ: ولا بد من حمل الحديث على البكاء الذي معه ندب ونياحة، ونحو ذلك، وما هيج المصيبة، من وعظ، وإنشاد شعر، فمن النياحة، وأما البكاء فيستحب، رحمة للميت، وهو أكمل من الفرح، لقوله صلى الله عليه وسلم «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده» متفق عليه، ولأحمد وغيره مرفوعًا «مهما كان من العين والقلب فمن الله، ومن رحمته، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان» والاعتدال في الأحوال، هو المسلك الأقوم، فمن أصيب بمصيبة عظيمة، لا يفرط في الحزن، حتى يقع في المحذور، من اللّطْمِ والشق، ولا يفرط في التجلد، حتى يفضي إلى القسوة، والاستخفاف بقدر المصاب، قال الجوهري: البكاء يمد ويقصر، فإذا مددت أردت الصوت الذي يكون معه البكاء، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها. (¬3) أي يعذب إن قال بلسانه سوءًا، أو يرحم إن قال خيرًا، فمجرد البكاء بدمع العين، من غير زيادة عليه، لا يضر، وكذا مجرد الحزن، والحزن الهم، وضده السرور، وجمعه أحزان، «وتذرفان» أي يجري دمعهما، وفيهما أنه عليه الصلاة والسلام رفع إليه ابن ابنته، ونفسه تقعقع، كأنها شن، يعني لها صوت وحشرجة، كصوت ما ألقي في قربة بالية، ففاضت عيناه: فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال «هذه رحمة، جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» وقال «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا» ولما قتل زيد وجعفر وابن رواحة، جلس صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الحزن، وكذلك حزن لما قتل القراء، وقال تعالى عن يعقوب عليه السلام {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ} والبث شدة الحزن، ولذلك كان أرضى الخلق عن الله في قضائه، وأعظمهم له حمدًا، فالبكاء على الميت على وجه الرَّحْمَةِ حسن مستحب، ولا ينافي الصبر، بل ولا الرضي، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه.

ويسن الصبر والرضى (¬1) . ¬

_ (¬1) أما الصبر فواجب إجماعًا، حكاه شيخ الإسلام وغيره، وذكر في الرضى قولين، ثم قال: وأعلى من ذلك أن يشكر الله على المصيبة، لما يرى من إنعام الله عليه بها، اهـ. والصبر المنع والحبس، وشرعًا حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود، وشق الجيوب، ونحوها، وهو خلق فاضل، يمتنع به من فعل ما لا يحسن، وقوة به صلاح العبد، قال تعالى {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} وقال {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وغير ذلك في أكثر من تسعين موضعًا. وقال عليه الصلاة والسلام «والصبر ضياء» وقد وردت أخبار في ثواب أهل البلاء، وأجر الصابرين كقوله «من يرد الله به خيرًا يصب منه» وقوله «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على حسب دينه» إلى قوله «فما يزال به، حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة» وقال «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فَمَنْ رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» حسنه الترمذي، وله «إذا أراد الله بعبده الخير، عجل له العقوبة في الدنيا» وغير ذلك. وفي الصبر على موت الولد أجر كبير، وردت به الأخبار، منها في الصحيحين «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسه النار إلا تحلة القسم» وفيهما «وكانوا حجابًا له من النار» وفيهما «ما من مسلم يتوفى له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة» قال ابن المنير: ويدخل الكبير في ذلك بطريق الفحوى، وفي الصحيح «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» ولأحمد والترمذي وحسنه «إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟، فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟، فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد» وفيه: عن صهيب مرفوعًا «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» . ولأحمد وابن ماجه وغيرهما عن الحسن مرفوعًا «ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة، فيذكرها وإن طال عهدها فيحدث عند ذلك استرجاعًا، إلا جدد الله له عند ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب» ومن نظر في كون المصيبة لم تكن في دنيه، هانت عليه مصيبته بلا شك، والثواب في المصائب على الصبر عليها، لا على المصيبة نفسها، فإنها ليست من كسب ابن آدم، وإنما يثاب على صبره، وأما الرضى فمنزلة فوق الصبر، فإنه يوجب رضى الله، واختار الشيخ استحبابه، وقال: لم يجيء الأمر به، كما جاء بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم.

.....................................

والاسترجاع، فيقول (إنا لله وإنا إليه راجعون) (¬1) «اللهم آجرني في مصيبتي، وأَخِلف لي خيرًا منها» (¬2) ولا يلزم الرضى بمرض وفقر وعاهة (¬3) . ¬

_ (¬1) الاسترجاع سنة إجماعًا، قال تعالى {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} أي على الرزايا والبلايا، «واسترجع في المصيبة» استعاذ بقوله (إنا لله) أي عبيد له، وملك له، يفعل فينا ما يشاء (وإنا إليه راجعون) يوم القيامة، فيجازي كلا بعمله، وقال ابن كثير وغيره: تسلوا بقولهم هذا، عما أصابهم، وعملوا أنهم ملك لله، عبيد له، يتصرف فيهم بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وراجعون إليه في الدار الآخرة. ولهذا أخبر عما أعطاهم على ذلك فقال {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} أي ثناء من الله عليهم {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} في الدنيا والآخرة. اهـ. فهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في العاجلة والآجلة، فإنه إذا تحقق بمعرفتها تسلى عن مصيبته، وإذا علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، هانت عليه المصيبة. (¬2) آجرني بالمد والقصر، وكسر الجيم، و «اخلف» بقطع الهمزة، وكسر اللام، يقال لمن ذهب منه ما يتوقع مثله: أخلف الله عليك. أي رد عليك مثله، فإن ذهب منه ما لا يتوقع مثله: خلف الله عليك. أي كان الله خليفة منه عليك، وفي صحيح مسلم وغيره عن أم سلمة مرفوعًا «ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها. إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها» . (¬3) لأن الرضى إنما يجب بالقضاء والقدر، لا بالمقضي والمقدور، لأنهما صفتان للعبد، والأوليان صفتان للرب، والعاهة الآفة، وأصلها عوهة، وجمعها عاهات، وأهل العاهات المصابون بها.

كره لمصاب تغيير حاله

ويحرم بفعل المعصية (¬1) وكره لمصاب تغيير حاله (¬2) وتعطيل معاشه (¬3) لا جعل علامة عليه، ليعرف فيعزى (¬4) وهجره للزينة وحَسن الثياب ثلاثة أيام (¬5) . ¬

_ (¬1) أي يحرم الرضى بفعل المعصية منه أو من غيره، حكاه ابن عقيل وجمع إجماعًا، لوجوب إزالتها بحسب الإمكان فالرضى أولى، والرضى بالكفر كفر إجماعًا، قال شيخ الإسلام: إذا نظر إلى إحداث الرب تعالى لذلك، للحكمة التي يحبها ويرضاها، رضي لله بما يرضاه لنفسه، فيرضاه ويحبه مفعولاً مخلوقًا لله، ويبغضه ويكرهه فعلاً للمذنب المخالف لأمر الله. (¬2) أي هيئته، من خلع ردائه ونعله وعمامته، ونحو ذلك. (¬3) كغلق حانوته ودكانه، ونحو ذلك، لما في ذلك من إظهار الجزع، ومن علم أن ما قضي لا بد منه، قل حزنه وفَرَحُهُ، وقال إبراهيم الحربي: اتفق العقلاء من كل أمة أن من لم يتمش مع القدر لم يَتَهَنَّ بعيش. (¬4) العلامة الأمارة يعرف بها بين الناس، ليخص بالدعاء له بأحسن الله عزاك ونحوه، أي فلا يكره جعل علامة للتعزية، هذا قول بعض المتأخرين رحمهم الله، وهو مكروه، بل منكر عند السلف، وكرهه الشيخ وتلميذه. (¬5) أي وما بعد الثلاث فحرام، وهجر الزينة ترك ما يتزين به، والإعراض عنها، ونظَّره ابن القيم وغيره، وأنكره شيخ الإسلام وغيره، وذكر أنه لا ريب أن السلف لم يكونوا يفعلون شيئًا من ذلك، فلا يجعلون علامة يعرف المصاب بها ليعزى، ولم يكونوا يغيرون شيئًا من زيهم قبل المصيبة، ولا كانوا يتركون ما كانوا يعملونه قبلها، فإن ذلك كله مناف للصبر، فكيف يهجر الزينة أيامًا، والآثار صريحة في رد هذا القول، منها كراهة بعضهم ترك لبس ما عادته لبسه، وصرح بعض الأصحاب بكراهة ليس خلاف زيه المعتاد.

حكم الندب والنياحة وتأذي الميت بذلك

(ويحرم الندب) أي تعداد محاسن الميت (¬1) كقوله: واسيداه، وانقطاع ظهراه (¬2) (والنياحة) وهي رفع الصوت بالندب (¬3) (وشق الثوب ولطم الخد ونحوه) كصراخ (¬4) . ¬

_ (¬1) يقال: ندب الميت؛ بكاه وعدد محاسنه، والاسم الندب، لما يتفجع عليه أو يتوجع منه، والمحاسن جمع حسن ضد القبح. (¬2) وفي الترمذي وغيره «ما من ميت يموت، فيقوم باكيهم فيقول: واجبلاه، واسيداه. إلا وكل الله به ملكين يلهزانه، ويقولان له: أهكذا كنت؟» وفي الفصول: يحرم النحيب والتعداد، أي تعداد المحاسن والمزايا، وإظهار الجزع، لأن ذلك يُشْبِهُ التظلم من ظالم، وهو عدل من الله، لأن له أن يتصرف في خلقه بما شاء، لأنهم ملكه وتصرفه فيهم بما تقتضيه حكمته، التي يحبها ويرضاها، ومما يستحق أن يحمد عليه، وقطع المجد بأنه لا بأس بيسير الندب، إذا لم يخرج مخرج النوح، ولا قصد نظمه، كفعل أبي بكر وفاطمة لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يتغشاه الكرب: واكرب أبتاه. فقال «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه. رواه البخاري. (¬3) ويقال: البكاء مع تعدادها. ويقال: ذكر محاسن الميت وأحواله. وقال القاضي عياض: النوح والنياحة اجتماع النساء للبكاء على الميت، متقابلات، والتناوح التقابل، ثم استعمل في صفة بكائهم بصوت ورنة وندب. (¬4) بضم الصاد الصوت، أو الشديد منه، وصرخ يصرخ صراخًا وصريخًا: صاح شديدًا، واستغاث وأغاث، وشق الثوب من شق الشيء يشقه شقًا، صدعه وفرقه، والخد جمعه خدود، وهو من المحجر إلى اللّحْيِ من الجانبين، ولطمه يلطمه لطمًا: ضربه، وخَصَّ الخد لكونه الغالب في ذلك، وإلا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك.

ونتف شعر ونشره، وتسويد وجه وخمشه (¬1) لما في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (¬2) وفيهما أنه صلى الله عليه وسلم: برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. والصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة (¬3) . ¬

_ (¬1) ونحو ذلك إجماعًا، ونشر الشعر خلاف طيه، والسواد لون مظلم، والتسويد التلطيخ به، وخمش وجهه يخمشه خمشًا خدشه ولطمه، والخمش في البدن والوجه، مثل الخدش، جمعه خموش، وخمشت وجهها: خدشته ولطمته، حزنًا على من فجعت به، وبظفرها جرحت ظاهر البشرة. (¬2) قال القاضي وغيره: هي النياحة، وندبة الميت، والدعاء بالويل، وشبهه. والمراد بالجاهلية ما كان في الفترة قبل الإسلام، وهذا الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه، ولمسلم «بدعوى أهل الجاهلية» أي من النياحة ونحوها، وكذا الدعاء بالويل والثبور، ولابن ماجه: لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور. ولأبي داود: أخذ علينا أن لا نخمش وجهًا، ولا ندعو ويلاً، ولا ننشر شعرًا، وجيب القميص طوقه، وجمعه جُيُبٌ، وما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقه إكمال فتحه إلى آخره، ونحوه وهو من علامات التسخط. (¬3) وهذا الحديث عن أبي بردة قال: وجع أبو موسى، فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فأقبلت تصيح برنة، فلم يستطيع أن يرد عليها، فلما أفاق قال: أنا بريء مما برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه برئ من الصالقة الحديث، والصالقة بالصاد المهملة والقاف، ويقال بالسين والقاف، والحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة التي تشق ثيابها عند المصيبة، قال النووي وغيره: هذا المشهور المعروف، وقال آخرون: الصلق بضرب الوجه، وفي رواية «أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق» والسلق والصلق الصوت الشديد، وإنما نهي عن ذلك لما فيه من إظهار الجزع، وعدم الرضا بقضاء الله، والتسخط من فعله، وفي شق الجيوب أيضًا إفساد للمال من غير حاجة.

وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم: لعن النائحة والمستمعة (¬1) . ¬

_ (¬1) يقال: ناحت المرأة على الميت، إذا ندبته أي بكت عليه، وعددت محاسنه، وقيل: النوح بكاء وصراخ، والمراد بها التي تنوح على الميت، وعلى ما فاتها من متاع الدنيا، فإنه ممنوع منه، والمستمعة التي تقصد السماع، ويعجبها، ولمسلم من حديث أبي هريرة «اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت» وقال «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» وفي الصحيحين عن أم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت أن لا ننوح. ولهما عن عمر مرفوعًا «الميت يعذب في قبره بما نيح عليه» وتواترت الأحاديث بتعذيب الميت بالنياحة عليه، والبكاء عليه، فيتألم من ذلك، ولا يقال أنه يعاقب بذنب الحي. قال شيخ الإسلام:..... يتأذى بالبكاء عليه، كما نطقت به الأحاديث الصحيحة، من «أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» وفي لفظ «من ينح عليه، يعذب بما نيح عليه» وأنكرت ذلك طوائف من السلف والخلف، واعتقدوا أنه من باب تعذيب، الإنسان بذنب غيره، وتنوعت طرقهم في ذلك، بما لا يرد بمثله تلك الأحاديث الصحيحة، والشارع قال «يعذب» ولم يقل: يعاقب، والعذاب أعم من العقاب، فإن العذاب هو الألم، وليس كل من يتألم بسبب، كان ذلك عقابًا له على ذلك السبب، وذكر الشارع «أن السفر قطعة من العذاب» والإنسان يعذب بالأمور المكروهة، التي يشعر بها، مثل الأصوات الهائلة، والأرواح الخبيثة، والصور القبيحة، فهو يتعذب بذلك، ولم يكن عملاً له عوقب عليه، فكذا الإنسان في قبره، يعذب بكلام بعض الناس، ويتألم برؤية بعضهم، وبسماع كلامه، فيتألم إذا عملت عنده المعاصي، كما جاءت به الآثار، كتعذيبهم بنياحة من ينوح عليهم، ثم النياحة سبب العذاب، وقد يندفع حكم السبب بما يمانعه. اهـ. وينبغي أن يوصي بترك النياحة عليه، حيث كان من عادة أهله، لأنه متى غلب على ظنه فعلهم لها، ولم يوص بتركها مع القدرة، فقد رضي بها، صححه المجد وغيره، فيكون كتارك المنكر مع القدرة، وتقدم أنه لا بأس بتعريف أصدقائه ونحوهم بموته.

......................................................

كتاب الزكاة

كتاب الزكاة (¬1) ¬

_ (¬1) أي ذكر أحكامها وشروطها، وبيان من تجب عليه، وما تجب فيه من الأموال، وغير ذلك، والزكاة أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، كما تظاهرت به دلائل الكتاب والسنة، وقرنها تعالى بالصلاة في كتابه في اثنين وثمانين موضعًا، على كمال الاتصال، لعظم شأنها وكمال الاتصال بينهما. كقوله {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} وقوله {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} وقال عليه الصلاة والسلام «بني الإسلام على خمس» فذكر الشهادتين والصلاة، وثلث بالزكاة، وفي الصحيح عن جرير: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. وفيه أيضًا «وتؤدي الزكاة المفروضة» . وأجمع المسلمون على ركنيتها وفرضيتها، وصار أمرًا معلومًا، مقطوعًا به، يستغني عن الاحتجاج له، وذكر شيخ الإسلام وغيره أنها فرضت بالمدينة، وقال في الفروع: ولعل المراد طلبها، وبعث السعاة لقبضها، وقال الدمياطي: فرضت في السنة الثانية، بعد زكاة الفطر. بدليل قول قيس بن سعد: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكاة. وجعل تعالى دينه ثلاث درجات: إسلام، ثم إيمان، ثم إحسان، وفي الزكاة الإحسان إلى الخلق، وقد أفهم الشرع أنها شرعت طهرة للمال، وعبودية للرب، وتقربًا إليه، بإخراج محبوب العباد له للفقراء، في الأموال التي تحتمل المواساة، ويكثر فيها الربح، وتنمو، فمن ذلك ما ينمو بنفسه، كالماشية والحرث. وما ينمو بالتغيير فيه والتصرف كالعين، وجعل المال المأخوذ على حساب التعب، فما وجد من أموال الجاهلية ففيه الخمس، وما فيه التعب من طرف واحد فنصف الخمس. ومن طرفين ربع الخمس، وفي طول السنة كالعين ثمن الخمس.

لغة: النماءُ والزيادة، يقال: زكا الزرع، إذا نما وزاد (¬1) وتطلق على المدح (¬2) والتطهير، والصلاح (¬3) . ¬

_ (¬1) وكل شيء ازداد فقد زكا. وقال القتبي: كثر ريعه. ومنه نفس زكية. وقال ابن قتيبة: الزكاة من الزكاء والنماء، سميت بذلك لأنها تثمر المال وتنميه، يقال: زكا الزرع إذا كثر ريعه. وزكت النفقة، إذا بورك فيها. وأصل التسمية قوله {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} فسميت زكاة لأنها تزكي المال، أي تنميه من حيث لا يرى بالخلق أو تنمي أجرها. وقال الأزهري: تزكي الفقراء، أي تنميهم. وقال الشيخ: لفظ الزكاة في اللغة يدل على النمو. والزرع يقال فيه: زكا إذا نما. اهـ. فسميت شرعًا زكاة للمعنى اللغوي. وسميت صدقة لأنها دليل لصحة إيمان مؤديها وتصديقه. (¬2) قال تعالى {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} قال ابن عباس وغيره: لا تَمْدَحوها والزكاة يمدح بها الدافع، ويثني عليه بالجميل. (¬3) لأنها تطهر مؤديها من الإثم، أي تنزهه عنه، وتنمي أجره، وسمي بذلك لوجود تلك المعاني كلها فيه، قال تعالى {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} ، أي طهرها من الأدناس، {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} نفس المتصدق تزكو، وماله يزكو يطهر ويزيد في المعنى، ويقال: رجل زكي، أي زائد الخير، من قوم أزكياء، وزكّى القاضي الشهود إذا بين زيادتهم في الخير، فلفظ الزكاة يدل على الطهارة، لأن الزرع لا ينمو إلا إذا خلص من الدغل، وقال بعض أهل العلم: حكمتها التطهير من الأدناس، ورفع الدرجة، وحكمها سقوط الواجب في الدنيا، وركنها الإخلاص ولفظها يعم الفرض والنفل. وكذا الصدقة. لكن الزكاة لا تطلق غالبًا إلا على المفروض، دون التطوع، فهي أخص من التطوع من هذا الوجه، ولفظ الصدقة من حيث الإطلاق على الفرض مرادف الزكاة، لا من حيث الإطلاق على النفل، وقد يتكرر لفظ الصدقة على المفروض، ولكن الأغلب التفرقة.

تجب في تسعة أشياء بشروط خمسة

وسمي المخرج زكاة لأَنه يزيد في المخرج منه ويقيه الآفات (¬1) وفي الشرع: حق واجب في مال خاص (¬2) لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص (¬3) (تجب) الزكاة في سائمة بهيمة الأنعام (¬4) ، والخارج من الأرض (¬5) ، والأَثمان، وعروض التجارة، ويأْتي تفصيلها (¬6) . ¬

_ (¬1) ويوفره في المعنى، حكاه الواحدي وغيره، وقال ابن القيم: طهرة للمال ولصاحبه، وقيدًا للنعمة، وحفظًا وتنمية، ودفعًا للآفات، وحصنًا وحارسًا. اهـ. والمخرج بفتح الراء فيهما. (¬2) أي الزكاة عند إطلاقها في الشرع تنصرف إلى واجب عشر أو نصفه أو ربعه، ونحوه مما يأتي مفصلاً. (¬3) قاله الماوردي وغيره، وهو تمام الحول في الماشية والأثمان، وعروض التجارة، وعند اشتداد الحب، وعند بدو صلاح الثمرة، وعند حصول ما تجب فيه من العسل، واستخراج ما تجب فيه من المعادن، وعند غروب الشمس لوجوب زكاة الفطر، والمال اسم لجميع ما يملكه الإنسان، وحكي عن ثعلب: أقل المال ما تجب فيه الزكاة. والطائفة المخصوصة هم الأصناف الثمانية، ويأتي بيانهم، ولو عبر بشرعًا. ليطابق ما قبله لكان أولى. (¬4) سميت بهيمة لما في صوتها من الإبهام، والسائمة هي الراعية، قال الجوهري: سامت الماشية رعت، وأسمتها أخرجتها إلى الرعي. واحترز بالسائمة عن المعلوفة والعوامل. (¬5) من حبوب وثمار وعسل ونحوه، ومعدن وركاز على ما يأتي. (¬6) في أبوابها مرتبة، وذكر غير واحد أن الزكاة لا تكون إلا في العين والحرث والماشية، وقال ابن عبد البر: الزكاة فيها إجماع، وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الزكاة تجب في تسعة أشياء، الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة والبر والشعير والتمر والزبيب، إذا بلغ من كل صنف منها ما تجب فيه الزكاة. اهـ. والشارع اعتنى ببيان ما تجب فيه، لأنه خارج عن الأصل، فيحتاج إلى بيانه، لا ببيان ما لا تجب فيه، اكتفاء بأصل عدم الوجوب. فلا تجب في غير ذلك من خيل وبغال وحمير ورقيق وغيرها من أموال القنية اتفاقًا. وقال ابن رشد: لا خلاف في عدم وجوب الزكاة في العبد المتصرف، والفرس المعد للركوب. وقال الوزير: أجمعوا على أنه ليس في دور السكنى، وثياب البذلة، وأثاث المنزل، ودواب الخدمة، وعبيد الخدمة، وسلاح الاستعمال زكاة، لما في الصحيحين «ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقه» ، قال النووي وغيره: هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها، وهو قول العلماء من السلف والخلف، إلا أبا حنيفة في الخيل. اهـ. والحديث حجة عليه، ورباط الخيل من جنس آلات السلاح والحرب، فما كان منها – ما عساه أن يكون – ولم يكن للتجارة لم يكن فيه زكاة. فسائر أموال القنية مشغولة بالحاجة الأصلية، وليست بنامية أيضًا، وكل منهما مانع من وجوب الزكاة.

(بشروط خمسة) أَحدها (حرية) فلا تجب على عبد، لأَنه لا مال له (¬1) ولا على مكاتب، لأَنه عبد، وملكه غير تام (¬2) . ¬

_ (¬1) فزكاة ما بيده على سيده، لأنه مالكه، وهو مذهب جمهور العلماء مالك والشافعي وأصحاب الرأي وسائر العلماء، إلا ما حكي عن عطاء وأبي ثور، وعن أحمد: على العبد إذا ملك. وفرضيتها على المسلم الحر ظاهر، لعموم الكتاب والسنة والإجماع. (¬2) فلم تجب عليه الزكاة، عند أحد من العلماء إلا أبا ثور، قال ابن المنذر والموفق والشارح وغيرهم: لا نعلم أحدًا خالف فيه إلا أبا ثور، وحكاه الوزير إجماعًا، وروى الدارقطني، من حديث جابر «ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق» وقاله جابر وابن عمر، ولم يعرف لهما مخالف، فكان كالإجماع، ولحاجته إلى فك رقبته، وكذا لا تجب على مدبر، ولا أم ولد وفاقًا، فإن عجز استقبل سيده بما في يده حولاً، كالذي ورثه، أو اتهبه ونحوه، وإن أدى وفضل بيده نصاب استقبل به حولاً، لاستقرار ملكه عليه حينئذ.

وتجب على مبعض بقدر حريته (¬1) (و) الثاني (إسلام) فلا تجب على كافر، أصلي أو مرتد (¬2) فلا يقضيها إذا أَسلم (¬3) (و) الثالث (ملك نصاب) (¬4) . ¬

_ (¬1) فيزكي ما ملك بحريته، لأنه ملكه عليه تام، أشبه الحر. (¬2) يعني وجوب أداء بلا نزاع، إذ الزكاة قربة وطاعة، والكافر ليس من أهلها، ولافتقارها إلى نية، وهي ممتنعة من الكافر، وأما وجوب الخطاب، بمعنى العقاب في الآخرة فثابت وتقدم، وفي حديث معاذ «فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله» وذكر الصلاة، ثم قال «فإن هم أطاعوك لذلك فأعملهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» متفق عليه، فجعل الإسلام شرطًا لوجوب الزكاة. (¬3) لعموم «إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف» «الإسلام يجب ما قبله» . (¬4) فلا تجب الزكاة فيما دون النصاب للنصوص، حكاه الوزير والنووي وغيرهما إجماعًا، وعمل المسلمين عليه، وهو سبب وجوب الزكاة، فلا زكاة في مال حتى يبلغ نصابًا، لما يأتي، والنصاب بكسر النون: قدر معلوم لما تجب فيه الزكاة، ويأتي تفصيله، وقال الجوهري: النصاب من المال القدر الذي تجب فيه الزكاة إذا بلغه، نحو مائتي درهم وخمس من الإبل.

ولو لصغير أو مجنون، لعموم الأَخبار (¬1) وأقوال الصحابة (¬2) فإن نقص عنه فلا زكاة إلا الركاز (¬3) . ¬

_ (¬1) كقوله «أعلمهم أن عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم» رواه الجماعة، وقوله «ابتغوا في أموال اليتامى، لا تستهلكها الصدقة» رواه الشافعي وغيره، ولغير ذلك. (¬2) عمر وعلي وغيرهما، واعتمد أحمد رحمه الله وغيره على أقوال الصحابة. وقال: عن خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة. وقال الشيخ: تجب في مال اليتامى عند مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وهو مروي عن عمر وعائشة وعلي وابن عمر وجابر، قال عمر: اتجروا في أموال اليتامى، لا تأكلها النفقة. وروي عن الحسن بن علي، وهو قول عطاء وجابر بن زيد، ومجاهد وابن سيرين وغيرهم. اهـ. ولأنها مواساة، وهما من أهلها. وأبو حنيفة وافق في المعشرات والفطر، وعلل ما سوى ذلك بأنها تطهير ولا ذنب لهما، والغالب أنها تطهر وليس شرطًا، واتفقنا على وجوب العشر والفطر، وإن كان تطهيرًا في أصله وقوله «رفع القلم عن ثلاثة» المراد رفع الإثم والوجوب، وهي إنما تجب في مالهما، ويطالب بها وليهما، ومقصود الزكاة سد خلة الفقير في مال الأغنياء، شكرًا لله، وتطهيرًا للمال، ومالهما قابل لأداء القربات والنفقات. (¬3) فلا يشترط فيه بلوغ نصاب، لأن شبهة بالغنيمة أكثر من الزكاة، فلهذا وجب فيه الخمس، ولا يمنعه الدين، وظاهر عباراتهم إطلاق النقص فيما سوى الركاز ولو يسيرًا، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، قال الشارح: وهو ظاهر الأخبار، فينبغي أن لا يعدل عنه. وفي الفروع وغيرها أن الصحيح من المذهب والذي عليه أكثر الأصحاب أنها لا تضر حبة وحبتان، وأنه لا اعتبار بنقص داخل في الكيل، وجزم به غير واحد من الأئمة، وحكي اتفاقهم عليه، ويجب فيما زاد على النصاب بالحساب في الحب ونحوه اتفاقًا، وفي النقدين عند الجمهور، لخبر رواه الأثرم وغيره، وروي عن علي وابن عمر، ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة. لا في أوقاص السائمة للأخبار.

من شروط الزكاة تمام الملك

(و) الرابع (استقراره) أي تمام الملك في الجملة (¬1) فلا زكاة في دين الكتابة لعدم استقراره، لأنه يملك تعجيز نفسه (¬2) (و) الخامس (مضي الحول) (¬3) . لقول عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» رواه ¬

_ (¬1) إجماعًا كسائمة وغلة أرض، وشجر وقف على معين، إن بلغت نصابًا وليست ملكًا تامًا، فإن معنى تمام الملك أن لا يتعلق به حق غيره، بحيث يكون له التصرف فيه على حسب اختياره، وفوائده عائدة عليه. (¬2) ويمتنع من الأداء، فلا تجب وفاقًا، وقال الموفق: بغير خلاف علمناه، ولهذا لا يصح ضمانها، ولا تجب فيما ليس بتام الملك. وفاقًا لمالك والشافعي، كالموقوف على غير معين قولاً واحدًا، وكالمساكين أو مسجد ورباط ونحوهما، كمال موصي به في وجوه بر، أو يشترى به وقف، وأما على معين فالمذهب وجوبه للعموم، وأما المرأة إذا طلقت قبل الدخول وتنصف المهر فإنه لا يلزمها زكاة ما سقط منه، وذكر غير واحد هذه الأربعة شروطًا للوجوب كالحول. (¬3) على نصاب تام من أثمان وماشية وعروض تجارة، إجماعًا، وهذا الضرب يعتبر فيه الحول عند عامة المسلمين، والضرب الثاني ما تجب الزكاة بوجوده كالحبوب والثمار لا يعتبر فيها الحول، وإنما يستقر وجوبها فيها بجعلها في البيدر.

ابن ماجه (¬1) ورفقًا بالمالك ليتكامل النماءُ فيواسي منه (¬2) ويعفى فيه عن نصف يوم (¬3) (في غير المعشر) أي الحبوب والثمار (¬4) . ¬

_ (¬1) وهو من رواية حارثة بن محمد، وقد ضعفه جماعة، وروى الترمذي معناه من حديث ابن عمر «من استفاد مالاً فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول» وعن الحارث عن علي «إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم» وذكر في الذهب نحو ذلك «فما زاد فبحساب ذلك» قال الحارث: فلا أدري أعليّ قال: فبحساب ذلك. أم رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ «وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول» رواه أبو داود، وأخرج مالك أن أبا بكر لم يكن يأخذ من مال زكاة حتى يحول عليه الحول، قال البيهقي: المعتمد في اشتراط الحول على الآثار الصحيحة عن أبي بكر وعثمان وابن عمر وغيرهم. وقال شيخ الإسلام: الحول شرط في وجوب الزكاة في العين والماشية، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث عماله على الصدقة كل عام، وعمل بذلك الخلفاء، لما علموه من سنته، قال ابن عبد البر: وعليه جماعة الفقهاء قديمًا وحديثًا. (¬2) والنماء لا يتكامل قبل الحول، ولأن الزكاة تتكرر في هذه الأموال، فلا بد لها من ضابط، لئلا يفضي إلى تعاقب الوجوب في الزمن المتقارب، فيفنى المال، والمقصود المواساة على وجه لا يصير فقيرًا، بأن يعطي من ماله قليلاً من كثير بعد الحول، ليتمكن من تحقيقها في الوجود فيحصل النماء المانع من حصول ضد المقصود. (¬3) وقطع به في المبدع والمنتهى، وصححه في تصحيح الفروع، قال في المحرر: لأنه لا ينضبط غالبًا، ولا يسمى في العرف نقصًا. (¬4) فلا يشترط فيها مضي الحول، إنما هي نماء في نفسها، تؤخذ الزكاة منها عند وجودها، ثم لا تجب فيها زكاة ثانية، لعدم إرصادها النماء.

لقوله تعالى {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (¬1) وكذا المعدن والركاز والعسل، قياسًا عليهما (¬2) فإن استفاد مالاً بإرث أو هبة ونحوهما (¬3) ، فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول (¬4) (الإنتاج السائمة، وربح التجارة (¬5) . ¬

_ (¬1) فنفى اعتبار الحول في الحبوب ونحوها، وأثبت الوجوب وقت حصولها. (¬2) أي على الحبوب والثمار، فإنها تؤخذ منها عند وجودها، ثم لا تجب فيها إلا أن يكون المعدن أثمانًا فتجب عند كل حول، لأنها مظنة النماء من حيث أنها قيم الأموال، وقال الشيخ: أما الذهب والفضة ففيه الزكاة عند أخذه عند مالك والشافعي وأحمد، وزاد أحمد: الياقوت والزبرجد، والبلور والعقيق والكحل، والزرنيخ، وأبو حنيفة يجعل فيها الخمس، وأما ما يخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان فلا زكاة فيه عند الجمهور. (¬3) كأجرة وصداق وعوض خلع. (¬4) لما تقدم، وقال في الفروع: ويستقبل بالصداق وعوض الخلع والأجرة بالعقد حولاً، عينًا كان أو دينًا، مستقرًا أو لا، نص عليه، وفاقًا للشافعي، وكذلك مالك في غير نقد، للعموم، ولأنه ظاهر إجماع الصحابة، وعنه حتى يقبض ذلك وفاقًا لأبي حنيفة، وعنه لا زكاة في صداق قبل الدخول حتى يقبض، فيثبت الانعقاد والوجوب قبل الدخول، قال المجد: بالإجماع. لكن يستقبل بصداق ونحوه من عقد، وبمبهم من تعيين. (¬5) النتاج بكسر النون الولد، والتجارة بكسر التاء، يقال: تجر يتجر بضم الجيم، تجرًا بإسكانها وتجارة، فهو تاجر، وقوم تجر كصاحب وصَحْب، وتِجَارٌ وتُجَّارٌ بالضم وتشديد الجيم كفجار وفجار.

النتاج أو الربح حولهما حول أصليهما

ولو لم يبلغ) النتاج أو الربح (نصابًا، فإن حولهما حول أصليهما) فيجب ضمها إلى ما عنده (إن كان نصابًا) (¬1) . لقول عمر: اعتد عليهم بالسخلة ولا تأْخذها منهم. رواه مالك (¬2) ولقول علي: عُدّ عليهم الصغار والكبار (¬3) فلو ماتت واحدة من الأُمَّات فنتجت سخلة انقطع، بخلاف ما لو نتجت ثم ¬

_ (¬1) يبني كل واحد منهما على حوله، ويزكي النتاج والربح لحول الأصل وفاقًا، وقال الشيخ: عند جمهور أهل العلم. وعند مالك إذا تم عند الحول بربحه ففيه الزكاة. (¬2) وروى عن سفيان الثقفي أن عمر بعث مصدقًا، وكان يعد عليهم السخل، فقالوا: تعد علينا السخل، ولا تأخذ منها شيئًا، فلما قدم على عمر ذكر ذلك له، فقال عمر: نعد عليهم السخلة يحملها الراعي، ولا نأخذها، ولا نأخذ الأكولة ولا الربى، ولا الماخض، ولا فحل الغنم، ونأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء المال وخياره. والسخلة بفتح السين وإسكان الخاء، جمعها سخال بكسر السين وسخل، وهي من ولد الضأن، والمعز، تطلق على الذكر والأنثى، من حين تولد إلى أن تستكمل أربعة أشهر، فإذا بلغتها وفصلت عن أمها، فأولاد المعز جفار، الواحدة جفرة، والذكر جفر، فإذا رعى وقوي فهو عتود، وجمعه عتدان، وهو في ذلك جدي، والأنثى عناق بفتح العين، ما لم يأت عليه الحول، فإذا أتى عليه الحول فالذكر تيس، والأنثى عنز، ذكره الأزهري وغيره. (¬3) قال في المبدع وغيره: ولم يعرف لهما مخالف من الصحابة، وقول الفقهاء عامة، ولأن السائمة تختلف وقت ولادتها، فإفراد كل واحدة يشق، فجعلت تبعًا لأماتها، ولأنها تابعة لها في الملك، فتتبعها في الحول، وربح التجارة كذلك معنى، فوجب أن يكون مثله حكمًا.

ماتت (¬1) ، (وإلا) يكن الأَصل نصابًا (ف) ـحول الجميع (من كماله) نصابًا (¬2) فلو ملك خمسًا وثلاثين شاة، فنتجت شيئًا فشيئًا، فحولها من حين تبلغ أربعين (¬3) وكذا لو ملك ثمانية عشر مثقالاً وربحت شيئًا فشيئًا، فحولها منذ بلغت عشرين (¬4) ولا يبني الوارث على حول الموروث (¬5) ويضم المستفاد إلى نصاب بيده من جنسه أو في حكمه (¬6) . ¬

_ (¬1) أي لم ينقطع، وهذا تفريع على قوله: إلا نتاج السائمة، ولا ينقطع بموت الأمات والنصاب تام بالنتاج اتفاقًا، قال بعضهم: كذا يقال «أُمَّاتٍ» وإنما يقال: أمهات في بنات آدم فقط، ويقل أُمَّاتٍ بدون هاء. (¬2) أي فمبتدأ حول الجميع يعني الأمات والنتاج، أو رأس المال وربحه، من كماله نصابًا، وكمل بفتح الميم وضمها وكسرها، والكمال التمام، وفيه ثلاث لغات أردأها الكسر، حكاه الجوهري وغيره. (¬3) أي فابتداء حولها من حين كملت أربعين، وإذا تم الحول من حين كملت وجبت، وتقدم حكاية الإجماع في اشتراط مضي الحول. وإن كان قد خالف معاوية وابن عباس، فالخلفاء حجة على من خالفهم، وهو مذهب فقهاء المدينة، وفقهاء الأمصار. (¬4) يعني مثقالاً ووزنه ثنتان وسبعون حبة من الشعير، ويأتي. (¬5) ذكره الإمام أحمد وابن عبد البر وغيرهما إجماعًا، بل يستأنف حولاً من حين ملكه. (¬6) أي يضم المستفاد من إرث أو هبة ونحو ذلك إلى نصاب بيد المستفيد من جنس ما استفاد، كذهب إلى ذهب أو عرض إلى عرض، ونحو ذلك، أوفي حكمه أي حكم جنسه كفضة إلى ذهب، أو عروض تجارة، كما لو ملك عشرين مثقالاً ذهبًا في المحرم، ثم عشرة في صفر، فتضم إلى العشرين، فمثال ما هو من جنسه الأول، ومثال ما هو في حكمه كمائة درهم فضة، ملك بعدها عشرين مثقالاً ذهبًا.

ويزكي كل واحد إذا تم حوله (¬1) (ومن كان له دين أو حق) من مغصوب أو مسروق أو موروث مجهول ونحوه (من صداق وغيره) ، كثمن مبيع وقرض (¬2) (على مليء) باذل (أو غيره أدى زكاته إذا قبضه لما مضى) روي عن علي (¬3) . ¬

_ (¬1) أي ويزكي كل واحد من النصاب إذا تم حوله، ومن المستفاد كذلك، فلو كان بيده مئتا درهم، مضى عليها ستة أشهر، ثم ملك مائة درهم بإرث أو هبة، زكى النصاب إذا مضت الستة الأشهر الباقية، وزكى المستفاد بالإرث أو الهبة إذا مضى عليه حول من وقت استفادته، قال ابن قندس: إذا كان عنده أربعون من الغنم مضى عليها بعض حولها، فاشترى أو اتهب مائة، فلا تجب عليه حتى يمضي عليه حول أيضًا. اهـ. قال الوزير: اتفقوا على أن المستفاد لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول، كبقية الأموال، وما ليس من جنسه، ولا في حكمه فله حكم نفسه. (¬2) بيان لقول الشارح ونحوه، والمراد بالصداق المعين والمبهم، إلا أن حول المعين من حين العقد، والمبهم من وقت التعيين كما تقدم. (¬3) وابن عمر وعائشة، رواه أحمد وغيره، قال في المبدع وغيره: ولم يعرف لهم مخالف، قال في الفروع: واختاره الأكثر، وذكره صاحب الهداية والمحرر ظاهر المذهب، وفاقًا لمالك والشافعي، وجزم به جماعة في المؤجل، وفاقًا لأبي حنيفة، ولصحة الحوالة به والإبراء. وقال: من دينه حال على مليء باذل زكاه على الأصح وفاقًا، إذا قبضه لما مضى، وعنه: يلزمه إذا كان على مليء باذل في الحال. وهو قول عثمان وابن عمر، والشافعي وإسحاق وغيرهم، وقال الشيخ – في الصداق تمر عليه السنون -: أقرب الأقوال قول من لا يوجب فيه شيئًا بحال حتى يحول عليه الحول، أو يوجب فيه زكاة واحدة عند القبض، والأول قول أبي حنيفة، والثاني قول مالك، وقيل بهما في مذهب أحمد، وأضعف الأقوال قول من يوجبها للسنين الماضية، حتى مع العجز عن قبضه، فإن هذا القول باطل من وجوه. اهـ. والمليء الثقة، يقال: مليء الرجل وملؤ صار مليئًا أي ثقة، فهو غني باذل، وإذا كان على معسر ثم قبضه بعد سنتين مثلاً، فإنه يزكيه لسنة من الماضي، وقال أصحاب الرأي، واختاره الشيخ، والشيخ محمد بن عبد الوهاب وحفيده، وعليه الجمهور. وقال في الفروع وغيره: ولا زكاة في دين مؤجل، أو على معسر، أو مماطل، أو جاحد قبضه، ومغصوب ومسروق وضال رجع فيه، وما دفنه ونسيه، وموروث له أو غيره وجهله، أو جهل عند من هو، في رواية صححها صاحب التلخيص وغيره، ورجحها بعضهم، واختاره ابن شهاب وشيخنا، وفاقًا لأبي حنيفة، قال في المبدع: وروي عن عثمان وابن عمر، لأنه غير تام الملك، وهو خارج عن يده وتصرفه، ولأن الزكاة وجبت في مقابلة الانتفاع بالنماء حقيقة أو مظنة، وهو مفقود هنا، وقال الشيخ: وهو رواية عن أحمد، واختارها وصححها طائفة من أصحابه، وذكر أن دين الابن على أبيه بمنزلة الضال، فإنه غير متمكن من المطالبة به، ووجه أنه بمنزلة دين الكتابة.

إذا كان له دين على معسر زكاة لسنة

لأَنه يقدر على قبضه والانتفاع به (¬1) قصد ببقائه عليه الفرار من الزكاة أولا (¬2) . ¬

_ (¬1) أي فنجب فيه لما مضى، وتعليله غير مؤثر فيما على غير المليء. (¬2) أي قصد من له حق على مليء أو غيره ببقائه الفرار من أداء زكاته. أو لم يقصده، زكاه إذا قبضه لما مضى.

ولو قبض دون نصاب زكاه (¬1) وكذا لو كان بيده دون نصاب وباقيه دين أو غصب أو ضال (¬2) والحوالة به أو الإبراء كالقبض (¬3) (ولا زكاة في مال من عليه دين ينقص النصاب) (¬4) فالدين وإن لم يكن من جنس المال مانع من وجوب الزكاة في قدره (¬5) . ¬

_ (¬1) أي من حين قبضه لما مضى. (¬2) يرجو وجوده زكى ما بيده بحسبه، لأنه ملك نصابًا ملكًا تامًا، أشْبَهَ مَا لو قبضه كله، أو كان بيده كله، ويزكي باقيه إذا قبضه، وتجب في مودع، وليس للمودع إخراجها بغير إذن مالكها، لتوقف الإجزاء على النية. (¬3) أي والحوالة به كالقبض، وكذا الحوالة عليه، أو الإبراء به كالقبض في وجوب أدائها. (¬4) في الأموال الباطنة، كالنقدين والعروض، على المذهب، قال الوزير: وقال أحمد: الدين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة رواية واحدة، وقال شيخ الإسلام: الدين يسقط زكاة العين عند مالك وأبي حنيفة وأحمد، وأحد قولي الشافعي، وهو قول عطاء والحسن والأوزاعي وغيرهم. واحتجوا بما رواه مالك عن السائب قال: سمعت عثمان يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده، حتى تخلص أموالكم تؤدون منها الزكاة. اهـ. وقد قاله بمحضر من الصحابة فدل على اتفاقهم عليه، ولأن الزكاة وجبت مواساة للفقراء، وحاجة المدين كحاجة الفقير أو أشد. (¬5) فيسقط من المال بقدر الدين المانع، كأنه غير مالك له، ثم يزكي ما بقي من المال إن بلغ نصابًا، قال مالك: إن كان عنده عروض توفي الدين زكى العين، وجعلها في مقابلة الدين، وفي المبدع: إن كان عليه دين وله دين مثله، جعل الدين في مقابلة ما في يده، نص عليه، فلو كان له مائة من الغنم، وعليه ما يقابل ستين منها، فعليه زكاة الأربعين، فإن قابل الدين إحدى وستين فلا زكاة عليه لنقص النصاب.

(ولو كان المال) المزكى (ظاهرًا) كالمواشي والحبوب والثمار (¬1) (وكافرة كدين) (¬2) وكذا نذر مطلق (¬3) . ¬

_ (¬1) هذا المذهب، وحكاه الوزير رواية عنه، وعند أبي حنيفة كل دين مطالب به إلا في المعشر، وقال ابن عباس وابن عمر: يخرج ما استدان على ثمرته وأهله، ويزكي ما بقي. قال أحمد: وإليه أذهب، لأن المصدق إذا جاء فوجد إبلاً أو بقرًا أو غنمًا لم يسأل أي شيء على صاحبها، وعن أحمد: لا يمنع الدين وجوبها في الأموال الظاهرة، وفاقًا لمالك والشافعي وغيرهما، لعموم «في خمس من الإبل صدقة» «فيما سقت السماء العشر» ولأنه عليه الصلاة والسلام كان يبعث السعاة إلى أرباب الأموال الظاهرة، وكذلك الخلفاء بعده، ولم ينقل أنهم سألوا أربابها: هل عليكم دين؟ ولأن أنفس الفقراء تتشوف إليها، بخلاف الباطنة، وقال أبو البركات: لا يمنع الظاهر مطلقًا. وقال شيخ الإسلام: لم أجد فيها نصًا عن أحمد، واستظهر أنه لا يمنع، وقال الحافظ الزركشي الشافعي: والظواهر الواردة بإيجاب الزكاة في الأموال تشهد لهذا القول بالصحة. وأما الركاز فلا يمنع الدين الخمس منه بلا نزاع. لأنه بالغنيمة أشبه. (¬2) أي إذا كان عليه كفارة تنقص النصاب فلا زكاة عليه، كما أنه لا زكاة في مال من عليه دين ينقص النصاب، لا سيما في الأموال الباطنة. (¬3) ضد المعين، مثل أن يقول: لله علي مائة درهم، كدين في حكم نقص النصاب.

وزكاة ودين حج وغيره (¬1) لأنه يجب قضاؤه، أشبه دين الآدمي (¬2) ولقوله صلى الله عليه وسلم «دين الله أحق بالوفاء» (¬3) ومتى برئ ابتدأ حولاً (¬4) (وإن ملك نصابًا صغارًا انعقد حوله حين ملكه) (¬5) لعموم قوله عليه السلام «في أربعين شاةً شاةٌ» لأنها تقع على الكبير والصغير (¬6) . ¬

_ (¬1) كإطعام في قضاء رمضان، فلو كان له خمس من الإبل، وأربعون من الغنم، وحول الإبل متقدم على حول الغنم. وجب عليه دين شاة في الغنم، فينقص نصابها، فلا يجب فيها زكاة، سواء أخرج الشاة بالفعل أو لا، فإن كان حول الغنم سابقًا وجب عليه شاتان. (¬2) أي لأن الكفارة والنذر المطلق والزكاة ودين الحج ونحوه يجب عليه قضاؤه، فأشبه دين الآدمي في المنع من وجوب الزكاة في قدره. (¬3) متفق عليه، أي أحق أن يقضى، كما هو رواية في الصحيحين وغيرهما، وفي رواية «اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء» أي اقضوا الله حقه اللازم عليكم من نذر وغيره، فالله أحق بأداء الواجبات، ولا فرق بين الواجب بأصل الشرع، أو بإيجابه على نفسه. (¬4) ولم يبن على حوله قبل شغل ذمته بدين الله، أو دين آدمي «وبرئ» زيد من دينه يبرأ مهموز، من باب تعب، براءة سقط عنه طلبه، وبرئ منه مثل سلم وزنًا ومعنى. (¬5) كفصلان وعجاجيل وسخال. (¬6) من الغنم، وكذا في ثلاثين من البقر، وخمس ذود من الإبل، ولاعتداد عمر وعلي وغيرهما عليهم بالسخلة.

إن نقص النصاب أو باعه أو أبدله انقطع الحول

لكن لو تغذت باللبن فقط لم تجب، لعدم السوم (¬1) (وإن نقص النصاب في بعض الحول) انقطع، لعدم الشرط (¬2) لكن يعفى في الأثمان وقيم العروض عن نقص يسير كحبة وحبتين، لعدم انضباطه (¬3) (أو باعه) – ولو مع خيار – بغير جنسه انقطع الحول (¬4) (أو أبدله بغير جنسه، لا فرارًا من الزكاة انقطع الحول) لما تقدم (¬5) . ¬

_ (¬1) لا لعدم الكبر، ويتصور فيما لو أبدل كبارًا بصغار في أثناء الحول، أو نتجت الكبار ثم ماتت قبل الحول. (¬2) لأن وجود النصاب في جميع الحول شرط للوجوب ولم يوجد. وسواء كان النقص في وسط الحول أو طرفيه، وسواء وجبت في عينه أو قيمته، فلو كان عنده أربعون من الغنم، فمضى عليها عشرة أشهر، ثم ماتت واحدة انقطع الحول، ثم إن ملك شاة ابتدأ حولاً من حين تمامها أربعين. (¬3) لكون النصاب في ذلك ليس تحديدًا، بخلاف نصاب الثمار والحبوب ونحوها، وتقدم أنه لا يضر عند الجمهور. (¬4) سواء كان للبائع أو المشتري أو لهما، ولو حال عليه الحول في مدة الخيار كانت زكاته على المشتري، فإن عاد إليه بفسخ أو غيره استأنف الحول، ولا ينقطع بيع فاسد. (¬5) من عدم الشرط لوجوب الزكاة ولم يوجد، وكذلك ما خرج به عن ملكه من إقالة، أو فسخ بنحو عيب، ورجوع واهب في هبة، ووقف وهبة، وجعله ثمنًا أو مثمنًا أو صداقًا أو أجرة. وقال الخلوتي: قوله: أو أَبْدَلَه ... يغني عنه قوله: أو باعه. إلا أن يحمل الأول على ما فيه إيجاب وقبول. والثاني عن المعاطاة. وقال عثمان: وقوله: لا فرارًا الخ، استدراك مما يفهم من الإطلاق في مبدأ الحول، فإن ظاهر كلامهم أنه من الملك دائمًا، والواقع أنه ليس على إطلاقه، بل منه ما يكون مبدؤه من الملك، ومنه ما يكون من التعيين، كما بينه المصنف.

ويستأْنف حولا، إلا في ذهب بفضة وبالعكس، لأَنهما كالجنس الواحد (¬1) ويخرج مما معه عند الوجوب (¬2) وإذا اشترى عرضًا لتجارة بنقد، أو باعه به، بني على حول الأَول (¬3) لأَن الزكاة تجب في قيم العروض، وهي من جنس النقد (¬4) وإن قصد بذلك الفرار من الزكاة لم تسقط (¬5) لأَنه قصد به إسقاط حق غيره فلم تسقط (¬6) . ¬

_ (¬1) فلم ينقطع الحول بإبدال أحدهما بالآخر، بل يضم كل منهما إلى الآخر، بخلاف نحو إبل بغنم أو بقر. أو أحدها بنقد أو بعرض. (¬2) أي ويخرج عنه مما معه منهما عند تمام الحول، ويجوز من الآخر. (¬3) يعني الخارج عن ملكه إجماعًا، وكذا أموال صيارف، تكرر الإبدال أولاً، وفاقًا، لئلا يفضي إلى سقوطها فيما ينمو، ووجوبها في غيره، والأصول تقتضي العكس. (¬4) أي في ضم بعضها إلى بعض، فلا ينقطع الحول بإبدال بعضها ببعض. (¬5) يعني الزكاة بذلك مطلقًا، ونص أحمد: إذا كان قبل الحول بنصف عام. وصحح ابن تميم تأثير ذلك بعد مضي أكثر الحول. (¬6) أي الزكاة بذلك القصد، وبالياء. يعني حق غيره، عقوبة له بنقيض قصده، وقد عاقب الله تعالى الفارين من الصدقة فقال: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ االْجَنَّةِ} الآيات، عاقبهم بذلك لفرارهم من الزكاة، ولئلا يكون ذريعة إلى إسقاطها جملة، لما جبلت عليه النفوس من الشح، قال الشيخ: قول أحمد في الاحتيال، ووجوبها معه كقول مالك، كما دلت عليه سورة (نون) وغيرها من الدلائل، وقال: لا يحل الاحتيال لإسقاط الزكاة، ولا غيرها من حقوق الله عز وجل.

كالمطلق في مرض الموت (¬1) فإن ادعى عدم الفرار وثم قرينة عمل بها (¬2) وإلا فقوله (¬3) (وإن أبدله بـ) ـنصاب من (جنسه) كأربعين شاة بمثلها أو أكثر (بنى على حوله) (¬4) والزائد تبع للأَصل في حوله كنتاج (¬5) فلو أَبدل مائة شاة بمائتين، لزمه شاتان إذا حال حول المائة (¬6) وإن أَبدله بدون نصاب انقطع (¬7) . ¬

_ (¬1) أي فرارًا من الإرث فإنها ترثه. ويأتي في الفرائض إن شاء الله تعالى. (¬2) يعني بالقرينة، ورد قوله: لدلالة القرينة على كذبه، وذلك كمخاصمة مع ساعٍ جاء في أثناء الحول. (¬3) أي وإن لم يكن ثم قرينة قبل قوله بلا يمين في عدم الفرار، لأنه الأصل، ولا يعلم إلا منه، ولو اتهم، وإذا مضى الحول وجبت في عين المال. (¬4) وهذا مذهب مالك، وإن ظهر على عيب بعد وجوب الزكاة فله الرد، ولا تسقط عنه الزكاة، لاستقرارها بمضي الحول. (¬5) وفاقًا، وقاسه الموفق وغيره على عرض تجارة يبيعه بنقد، أو يشتريه به، يبني بالاتفاق، وحكى النووي وغيره إجماع المسلمين على وجوب الزكاة فيما زاد على النصاب للأخبار. (¬6) وإن باع مائتين بمائة زكى المائة. (¬7) أي الحول لعدم وجود الشرط.

تجب في عين المال

(وتجب الزكاة في عين المال) الذي لو دفع زكاته منه أجزأت (¬1) كالذهب والفضة والبقر والغنم السائمة ونحوها (¬2) لقوله عليه السلام «في أربعين شاةً شاةٌ» «وفيما سقت السماءُ العشر» ونحو ذلك (¬3) و"في" للظرفية (¬4) وتعلقها بالمال كتعلق أَرش جناية برقبة الجاني (¬5) فللمالك إخراجها من غيره (¬6) . ¬

_ (¬1) احترازًا مما دون خمس وعشرين من الإبل، فإنها لا تجب في عينها. (¬2) كحبوب وثمار، بخلاف عرض التجارة، فتجب في ذمة المزكي، فعليه لكل حول زكاة، وما وجبت في عينه فليس عليه إن لم يزك حولين فأكثر إلا زكاة واحدة. قال في الإنصاف: بلا نزاع. (¬3) مما سيأتي وغيره، ولقوله تعالى {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} وهو مذهب جمهور العلماء، أبي حنيفة ومالك، وإحدى الروايتين عن الشافعي. (¬4) فتدل على كون مدخولها ظرفًا لمتعلقها، ولأن الزكاة تختلف باختلاف أجناس المال وصفاته، حتى وجبت في الجيد والرديء، فكانت متعلقة بعينه. (¬5) وكتعلق الدين بالتركة، لا في عين المال، كتعلق دين برهن ونحوه، فلا تصير الفقراء شركاء لرب النصاب، ولو كان المال غائبًا لم يقدر على الإخراج منه لم تلزمه، حتى يتمكن من الأداء. (¬6) أي إخراج الزكاة من غير النصاب، بلا رضى الساعي وفاقًا، فله أن يستدين مثلاً من غير النصاب من جنسه ويخرج، كما لسيد الجاني فداؤه بغير ثمنه.

لا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء ولا بقاء المال

والنماءُ بعد وجوبها له (¬1) وإن أَتلفه لزمه ما وجب فيه (¬2) وله التصرف فيه ببيع وغيره (¬3) فلذلك قال (ولها تعلق بالذمة) أي ذمة المزكي، لأَنه المطالب بها (¬4) (ولا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء) (¬5) . ¬

_ (¬1) أي للمالك وفاقًا، كولد الجانية لا يتعلق به أرش الجناية. (¬2) أي وإن أتلف المالك النصاب، بعد وجوب الزكاة، لزمه ما وجب في التالف، وهو قدر زكاته وفاقًا، لا قيمة النصاب، ولو باع النصاب، تعلقت بذمته، بغير خلاف، كما لو تلف. (¬3) أي وللمالك التصرف في النصاب، ببيع ونحوه، ووطء أمة للتجارة، وغير ذلك من سائر التصرفات، وله إتلافه وفاقًا، ولا يرجع بائع بعد لزوم بيع في قدرها، إن قدر على إخراجها من غيره، فإن تعذر، فسخ في قدرها. (¬4) وعنه: تجب في الذمة، وتتعلق بالنصاب، اختاره الخرقي وأبو الخطاب والشيخ وغيرهم. وقال ابن عقيل: هو الأشبه بمذهبنا. فعلى المذهب لو لم يزك نصابًا حولين فأكثر لزمه زكاة واحدة، وعلى هذا القول يزكي لكل حول. (¬5) وفاقًا للشافعي، لمفهوم «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» فإنه يدل على الوجوب بعد الحول مطلقًا، ولأنها حق للفقير، فلم يعتبر فيها إمكان الأداء، كدين الآدمي، ولأنه لو اشترط لم ينعقد الحول الثاني حتى يتمكن من الأداء، وهو ينعقد عقب الأول إجماعًا، واحتج القاضي وغيره بأن للساعي المطالبة، وفاقًا لمالك، ولا يكون إلا لحق سبق وجوبه. قال الوزير: فهم مجمعون على أن المال إذا تلف بعد إمكان الأداء أن الزكاة لا تسقط.

كسائر العبادات، فإن الصوم يجب على المريض والحائض (¬1) والصلاة تجب على المغمي عليه والنائم (¬2) فتجب في الدين والمال الغائب ونحوه كما تقدم (¬3) لكن لا يلزمه الإخراج قبل حصوله بيده (¬4) (ولا) يعتبر في وجوبها أيضًا (بقاءُ المال) (¬5) فلا تسقط بتلفه، فرط أو لم يفرط (¬6) . ¬

_ (¬1) والعاجز عن أدائه، وكذا الزكاة عبادة، فلا يعتبر في وجوبها إمكان أدائها. (¬2) أي فكما أن الصلاة تجب على المغمي عليه والنائم، فكذا الزكاة ليس من شرطها إمكان الأداء بل هو شرط للزوم الإخراج. (¬3) في قوله: من مغصوب ومسروق. الخ. وتقدم كلام أهل العلم في ذلك. (¬4) استدراك من قوله المتفرع عن قوله: ولا يعتبر الخ. يفيد أن إمكان الأداء شرط لوجوب الإخراج، لا لوجوب الزكاة، فيعتبر التمكن من الأداء، وفاقًا لمالك والشافعي، فلا يضمنها قبل التمكن، وظاهر الخرقي مطلقًا، واختاره في النصيحة والمغني والمستوعب وشيخ الإسلام، وذكره جماعة رواية. (¬5) الذي وجبت فيه، ويتجه: بيده؛ لا نحو غائب لأن ما ليس بيده لا يلزمه أن يخرج زكاته قبل حصوله، وقال عثمان: أي ليس شرطًا في كل من وجوب الزكاة ولزوم إخراجها بخلاف سابقه. (¬6) أي فلا تسقط زكاة النصاب الذي تلف بيده، لأنه عين تلزمه مؤونة تسليمه إلى مستحقه، فيضمنه بتلفه في يده، كعارية ونحوها. سواء فرط أو لم يفرط. وما لم يكن تحت يده تسقط زكاته، وعنه: تسقط إذا لم يفرط، فيعتبر التمكن من الأداء مطلقًا، واختار الشيخ وجمع: تسقط بتلفه إذا لم يفرط على كلا الروايتين أما لو أمكنه الأداء فلم يزك لم تسقط، كزكاة الفطر وكالحج. وقال ابن رجب: وجوب الزكاة عن الغائب إذا تلف قبل قبضه مخالف لكلام أحمد. وقال الموفق: والصحيح تسقط بتلف المال إذا لم يفرط، لأنها تجب على المواساة، فلا تجب مع عدم المال، وفقر من تجب عليه. وقال في الفروع: وكل دين سقط قبل قبضه لم يتعوض عنه سقطت زكاته وفاقًا.

كدين الآدمي (¬1) إلا إذا تلف زرع أو ثمر بجائحة قبل حصاد وجذاذ (¬2) (والزكاة) إذا مات من وجبت عليه (كالدين في التركة) (¬3) لقوله عليه السلام «فدين الله أحق بالوفاء» (¬4) فإن وجبت، وعليه دين برهن، وضاق المال قدم (¬5) . ¬

_ (¬1) أي كما لا يسقط دين الآدمي بتلف مال ونحوه. (¬2) وكذا بعدهما قبل الوضع في الجرين ونحوه، لعدم استقرارها قبل ذلك، كما سقط الثمن إذا تلفت الثمرة بجائحة وأولى، وعبارة الموفق ومن تابعه: قيل الإحراز. وعبارة المجد: قبل جذه. قال الزركشي: إذ الوجوب منوط بالوضع في الجرين. قال في الفروع: لو نقص بالتلف عن نصاب زكى الباقي بقسطه وفاقًا. (¬3) فلا تسقط بالموت وفاقًا، ولو لم يوص بها كالعشر، إلا عند أبي حنيفة: أنه لا يخرج إلا أن يوصى به، والجمهور على خلافه. (¬4) رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وفي لفظ «فدين الله أحق أن يقضى» «اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء» . فيخرجها وارث وغيره، لأنها حق واجب، فلا تسقط بالموت، كدين الآدمي، وهو لا يسقط بالموت. (¬5) أي دين الآدمي من الرهن على الزكاة، فإن فضل شيء صرف في الزكاة.

وإلا تحاصَّا (¬1) ويقدم نذر معين، وأُضحية معينة (¬2) . ¬

_ (¬1) أي وإن لم يكن الدين برهن تحاصا، الزكاة ودين الآدمي، للتزاحم كديون الآدميين. وفي شرح المنتهى: ومقتضى تعلقها بعين المال تقديمها على دين بلا رهن. (¬2) أي ويقدم نذر معين، كهذه الشاة ونحو ذلك على الزكاة، وعلى الدين، وتقدم أضحية معينة على الدين، فلا يجوز بيعها فيه، سواء كان له وفاء أو لم يكن، لأنه تعين ذبحها، فلم تبع في دينه، كما لو كان حيًا. وكذا لو أفلس حي وله أضحية معينة، أو نذر معين فيخرج، ثم دين برهن، ثم يتحاص بقية ديونه من زكاة وغيرها.

باب زكاة بهيمة الأنعام

باب زكاة بهيمة الأنعام (¬1) وهي الإبل والبقر والغنم (¬2) وسميت بهيمة الأَنعام لأَنها لا تتكلم (¬3) (تجب) الزكاة (في إبل) بخاتي أو عراب (¬4) . ¬

_ (¬1) بدأ بها اقتداء بالشارع صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولأن أكثر العرب إذ ذاك حول المدينة بادية أهل نعم؛ ودلت الأحاديث الصحيحة المستفيضة، وكتب النبي صلى الله عليه وسلم على وجوبها، وكذلك كتب أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة، وأجمع عليه المسلمون. (¬2) وقال القاضي عياض: النعم الإبل خاصة. فإذا قيل «الأنعام» دخل فيها البقر والغنم. اهـ. والإبل بكسر الباء، وقد تسكن للتخفيف، ولا واحد لها من لفظها، وهي مؤنثة، والجمع آبال، والبقر اسم جنس، الواحدة بقرة للذكر والأنثى، ويقال الوحدة باقورة، والبقور والتبقير والبقرات كلها بمعنى البقر، والغنم اسم جنس مؤنثة، لا واحد لها من لفظها، يطلق على الذكور والإناث. (¬3) وتقدم أنه لإبهام صوتها. (¬4) وبدأ بها اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، حين فرض زكاة الأنعام، وبالصديق في كتابه لأنس، ولأنها أعظم النعم قيمة وأجسامًا، وأكثر أموال العرب وأنفسها {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} والبخاتي جمع بختي، وهو المتولد بين العربي والعجمي، منسوب إلى بختنصر، وهي إبل غلاظ ذات سنامين، والعراب جمع عربي، إبل جرد ملس، حسان الألوان، وإنما كانت سواء لأن اسم الإبل يتناولهما، واختلافهما في الصنف لا يخرجهما من النوع، قال الوزير وغيره: أجمعوا على أن البخاتي والعراب، والذكور والإناث في ذلك سواء.

(وبقر) أهلية أو وحشية، ومنها الجواميس (¬1) (وغنم) ضأْن أو معز، أَهلية أو وحشية (¬2) (إذا كانت) لدَرًّ ونسل، لا لعمل (¬3) وكانت (سائمة) أي راعية للمباح (¬4) . ¬

_ (¬1) واحدها جاموس، فارسي معرب، قال الأزهري: أنواع البقر منها الجواميس، وهي أنبل البقر، وأكثرها ألبانًا، وأعظمها أجسامًا، ومنها العراب، وهي جرد ملس حسان الألوان كريمة، ومنها الدرنانية، التي تنقل عليها الأحمال، قال ابن فارس: برق أظلافها وجلودها، ولها أسنمة، ولا نزاع في الجواميس، بخلاف البقر الوحشية، فالجمهور على أنه لا زكاة فيها كما سيأتي. (¬2) هي غنم معروفة توجد في بعض المواضع، وليست هي الظباء، لأن الظباء لا زكاة فيها بغير خلاف. (¬3) لأنها تكثر منافعها، فيطيب نماؤها بالكبر والنسل، فاحتملت المواساة، زاد في الفروع: وتسمين، لاحترازهم عن المتخذة للعمل اهـ. أي فلا تكون السائمة المستلزمة شرعًا لوجوب الزكاة، كما لو أسامها للتجارة لم يكن فيها إلا زكاة التجارة. فإن كانت لعمل فلا زكاة فيها، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقال ابن تميم وغيره: لا زكاة في عوامل أكثر السنة ولو بأجرة، قال الحجاوي: فعلى هذا إن لم تكن تعمل أكثر السنة ففيها الزكاة، ولا شيء يخالفه. (¬4) لا المملوك، سواء كان رعيها بنفسها أو بفعل غاصب لما ترعاه، فليست معلوفة، ولا عوامل، وإنما هي ترعى بغير كلفة، ولا مشقة، ولا خسارة، والسوم الرعي، ويقال: سامت الماشية تسوم سومًا. وأسمتها أي أخرجتها إلى المرعى، وسميت سائمة لأنها تَسِم الأرض أي تعلمها.

(الحول أو أكثره) (¬1) لحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «في كل إبل سائمة، في كل أربعين ابنة لبون» رواه أحمد وأبو داود والنسائي (¬2) وفي حديث الصديق «وفي الغنم في سائمتها» إلى آخره (¬3) . ¬

_ (¬1) نص عليه، لأن علف السوائم يقع عادة في السنة كثيرًا، ويندر وقوعه في جميعها، لعروض موانعه، من نحو مطر وثلج، فاعتباره في كل العام إجحاف بالفقراء، والاكتفاء به في بعضه إجحاف بالملاك، فالاعتبار بالأكثر تعديل بينهما؛ قال الشيخ: إذا كانت راعية أكثر العام، مثل أن يشتري لها ثلاثة أشهر أو أربعة، فإنه يزكيها؛ هذا أظهر قولي العلماء. (¬2) وفي آخره أيضًا: «إذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها شيء، إلا أن يشاء ربها» فقيد بالسوم، وأبدل البعض من الكل، وأعاد المقيد مرة أخرى، وذلك أدل دليل على اشتراط السوم. (¬3) أي تجب في سائمتها، فجعل الوجوب مختصًا بالسائمة، والإبل في معنى الغنم، وهذا الحديث في الصدقة، فرقه البخاري في عشرة مواضع من كتابه، بإسناد واحد، وهو أصل عظيم يعتمد، وذلك أنه لما استخلف أبو بكر كتبه لأنس، وكان عليه نقش الخاتم، ثلاثة أسطر، محمد رسول الله، محمد سطر، ورسول سطر، والاسم الشريف سطر. كتبه صلى الله عليه وسلم ولم يخرجه إلى العمال، حتى أخرجه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، قال أحمد: لا أعلم في الصدقة أحسن منه. اهـ. وعن علي «ليس في العوامل شيء» رواه أبو داود، والدارقطني، عن ابن عباس، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والمعنى في ذلك أن القصد منها الانتفاع بظهرها، لا الدر والنسل، أشبهت البغال والحمير.

نصاب زكاة الإبل وما يجب فيما دون النصاب

فلا تجب في معلوفة، ولا إذا اشترى لها ما تأْكله، أَو جمع لها من المباح ما تأْكله (¬1) (فيجب في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض) إجماعًا (¬2) وهي ما تم لها سنة (¬3) سميت بذلك لأن أمها قد حملت (¬4) والماخض الحامل، وليس كون أمها ماخضًا شرطًا (¬5) وإنما ذكر تعريفًا لها بغالب أحوالها (¬6) . ¬

_ (¬1) لعدم السوم، وكذا لو اعتقلت بنفسها، أو علقها غاصب. (¬2) نقل إجماع الأمة في ذلك خلائق، لما في الصحيح من حديث أنس أن أبا بكر لما وجهه إلى البحرين، كتب له: هذه فريضة الصدقة، التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها ورسوله، وفيه «فإذا بلغت خمسًا وعشرين، إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض أنثى» وعند مالك في كتاب عمرو نحوه، وغيرهما من الصحابة، وما روى عن علي: في خمس وعشرين خمس شياه. فقال النووي وغيره: اتفقوا على ضعفه. وقال ابن المنذر: لا يصح ذلك عنه؛ وحكاه إجماعًا، والمخاض بفتح الميم، أي بنت ناقة مخاض. (¬3) ودخلت في الثانية، بلا خلاف، والسنة واحدة السنين، نقصت منها واو أو هاء وأصلها سنهة وسنوة، وجمعها سنهات وسنوات، حذفت لامها، ونقلت حركتها إلى النون. (¬4) أي في الغالب. (¬5) لأنها إذا تم لها سنة أجزأت، ولو لم يحصل الوصف. (¬6) وليس تسميتها بذلك شرطًا، فإن عدمها أجز ابن لبون ذكر إجماعًا، لحديث أنس «فإن لم يكن فيها بنت مخاض، ففها ابن لبون ذكر» رواه أبو داود.

(و) يجب (فيما دونها) أي دون خمس وعشرين (في كل خمس شاة) (¬1) بصفة الإبل إن لم تكن معيبة (¬2) ففي خمس من الإبل كرام سمان شاة كريمة سمينة (¬3) فإن كانت الإبل معيبة، ففيها شاة صحيحة، تنقص قيمتها بقدر نقص الإبل (¬4) ولا يجزئُ بعير ولا بقرة، ولا نصفا شاتين (¬5) . ¬

_ (¬1) إجماعًا، حكاه الموفق والوزير وغيرهما، لما في الصحيح من حديث أنس «في أربع وعشرين من الإبل فما دونها، في كل خمس شاة» ونحوه في الموطإ وغيره عن عمر وغيره، ولا يجب فيما دون خمس شيء إجماعًا، لما في الصحيحين «ليس فيما دون خمس ذود صدقة» وقوله «ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل، فليس فيها صدقة» . وقال الخطابي وغيره: حديث أبي سعيد هذا أصل في مقدارها، وإسقاطها فيما دونه، ويأتي، والشاة الواحدة من الغنم، تقع على الذكر والأنثى من الضأن والمعز، وأصلها شاهة وشوهة، ولهذا إذا صغرت عادت الهاء، فقيل: شويهة والجمع شياه. (¬2) أي تكون الشاة المخرجة عن الإبل كحال الإبل، في الجودة والرداءة والتوسط، فإن كانت الإبل صحيحة، أخرج شاة صحيحة، على قدر قيمة المال. (¬3) نسبتها في الكرم والسمن نسبة الإبل المخرج عنها. (¬4) فلو كانت الإبل مراضًا، وقومت لو كانت صحاحًا بمائة، وكانت الشاة فيها قيمتها خمسة، ثم قومت مراضًا بثمانين، فتجب فيها شاة قيمتها أربعة. (¬5) ذكرًا كان البعير أو أنثى، نص عليه، ولو كان البعير أو البقرة أو نصفا الشاتين أكثر قيمة من الشاة، لأنها غير المنصوص عليه، وقيل تجزئ إن كانت قيمته قيمة شاة وسط فأكثر، بناء على إخراج القيمة، وفاقًا لأبي حنيفة لحديث أبي بن كعب قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقًا، فمررت برجل، فلما جمع لي ماله، فلم أجد فيه إلا بنت مخاض، فقلت له: أد بنت مخاض، فإنها صدقتك. فقال: ذلك ما لا لبن فيه، ولا ظهر، وما كنت لأقرض الله ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية سمينة فخذها. فقلت: ما أنا بآخذ ما لم أومر، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أحببت أن تعرض عليه ما عرضت علي فافعل. فخرج بها معي، حتى قدمنا عليه، فقال له «ذلك الذي عليك، فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه، وقبلناه منك» ، فقال: ها هي ذه. فقبلها ودعا له بالبركة؛ رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح أو حسن، وزاد عبد الله أن الراوي أخذ منه زمن معاوية ثلاثين حقه، وقال النووي: فلو بذل الحامل ونحوها قبلت منه عند أهل العلم كافة، إلا داود، وقوله مزيف لا أصل له. وقال أيضًا: واجبها الشاة فإن أخرج بعيرًا أجزأ وهو قول جمهور العلماء من السلف والخلف، لأنه يجزئ عن خمس وعشرين، فعن ما دونها أولى، وحكى الموفق وغيره الإجماع على جواز سن أعلى من الفرض من جنسه، والبعير يقع على الذكر والأنثى، وجمعه أبعرة وأباعر، سمي به لأنه يبعر. والبعير من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس. وقال الجوهري: إنما يقال له بعير إذا أجذع.

وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أَربع شياه، إجماعًا في الكل (¬1) (وفي ست وثلاثين بنت لبون) (¬2) . ¬

_ (¬1) حكاه غير واحد، وقال الموفق وغيره: وهذا كله مجمع عليه، وثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. (¬2) إجماعًا، لحديث أنس، وفيه «فإذا بلغت ستًا وثلاثين، إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى» .

أسنان زكاة الإبل

ما تم لها سنتان، لأَن أُمها قد وضعت غالبًا، فهي ذات لبن (¬1) (وفي ست وأربعين حقة) (¬2) ما تم لها ثلاث سنين، لأَنها استحقت أن يطرقها الفحل، وأَن يحمل عليها وتركب (¬3) (وفي إحدى وستين جذعة) (¬4) بالذال المعجمة، ما تم لها أَربع سنين، لأَنها تجذع إذا سقط سنها (¬5) . ¬

_ (¬1) وليس شرطًا، بل تعريفًا لها بغالب أحوالها كما تقدم. (¬2) إجماعًا، لما في الصحيح من حديث أنس وفيه «فإذا بلغت ستًا وأربعين، إلى ستين، ففيها حقة طروقة الجمل» ولما في الموطإ وغيره. (¬3) وتعريفها بذلك مجمع عليه، وقد دخلت في السنة الرابعة. (¬4) إجماعًا، لما في الصحيح وغيره «فإذا بلغت إحدى وستين، إلى خمس وسبعين، ففيها جذعة» . وهو غاية كمالها، وهذا آخر أسنان الزكاة، وهو نهاية الحسن درًا ونسلاً وقوة، واعتبر في الجميع الأنوثة، لما فيها من رفق الدر والنسل. (¬5) وقد دخلت في السنة الخامسة، وتجزئ عنها ثنية لها خمس سنين، والأسنان المذكورة للإبل قول أهل اللغة، واتفاق الأئمة. وقال الأزهري وغير واحد: إذا وضعت الناقة ولدًا في أول النتاج، فولدها ربع، والأنثى ربعة، وإن كان في آخره فهو هَبْع، والأنثى هَبَعة. فإذا فصل عن أمه فهو فصيل، فإذا استكمل الحول، ودخل في الثانية فهو ابن مخاض، والأنثى بنت مخاض، وواحدة المخاض خلفة، من غير جنس اسمها. وإنما سمي بذلك لأن أمها قد ضربها الفحل فحملت، ولحقت بالمخاض من الإبل وهي الحوامل، فلا يزال ابن مخاض السنة الثانية كلها. فإذا استكمل سنتين، ودخل في الثالثة فهو ابن لبون، والأنثى بنت لبون، فإذا مضت الثالثة، ودخل في الرابعة فهو حق، والأنثى حقة، سميت بذلك لأنها استحقت أن تركب، ويحمل عليها، فإذا دخلت في الخامسة، فالذكر جذع، والأنثى جذعة. فإذا دخلت في السادسة، فالذكر ثني، والأنثى ثنية، فإذا دخلت في السابعة، فالذكر رباع، والأنثى رباعية، فإذا دخل في الثامنة، فالذكر سدس وسديس، لفظ الذكر والأنثى فيه سواء، فإذا دخل في التاسعة، فهو بازل، والأنثى بازل. فإذا دخل في العاشرة، فهو مخلف، ثم ليس له اسم، لكن يقال: مخلف عام، ومخلف عامين، وبازل عام، وبازل عامين، لطلوع بازله وهو نابه، ثم لا اسم له بعد ذلك.

وهذا أعلى سن يجب في الزكاة (¬1) (وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان) إجماعًا (¬2) (فإذا زادت عن مائة وعشرين واحدة فثلاث بنات لبون) (¬3) . ¬

_ (¬1) يعني الجذعة بالإجماع. (¬2) حكاه الوزير والشيخ وغيرهما ممن يحكي إجماع أهل العلم، لما في الصحيح وغيره قال «فإذا بلغت ستًا وسبعين، إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين، إلى عشرين ومائة، ففيها حقتان، طروقتا الجمل» ، وروى مالك كتاب عمرو بن حزم، بنحو ما تقدم من حديث أنس، قال ابن المنذر وغيره: هذا مجمع عليه إلى عشرين ومائة. (¬3) قال أبو عمر: وهو قول الزهري وأبي ثور وأبي عبيد، ومحمد بن إسحاق، وأئمة أهل الحجاز، وصححه الوزير؛ وفي المبدع: وهو المختار للعامة. قال الشيخ: وهو أولى عند العلماء، قال مالك: إذا زادت واحدة على عشرين ومائة، فالساعي بالخيار، بين أن يأخذ حقتين، أو ثلاث بنات لبون، وعند الكوفيين يستقبل الفريضة، وحجة الجمهور حديث أنس، وهو صحيح صريح، وما خالفه ضعيف أو دونه.

في الأربعين من الإبل الكثيرة بنت لبون وفي الخمسين حقة

لحديث الصدقات الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عند آل عمر بن الخطاب. رواه أبو داود والترمذي وحسنه (¬1) (ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقه) (¬2) ففي مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأَربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي ¬

_ (¬1) ولفظه «فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون» وقال: والعمل على هذا الحديث، عند عامة الفقهاء. ورواه أبو داود عن سالم مرسلاً، وفيه «فإذا كانت مائة وإحدى وعشرين، ففيها ثلاث بنات لبون» ولظاهر كتاب أبي بكر الذي في الصحيح، ولفظه «فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة» ولكتاب عمرو بن حزم، الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن، فيه الفرائض والسنن، وذكر نحوًا مما تقدم. قال الحاكم: إسناده صحيح، وهو من قواعد الإسلام. وبهذه الفرائض اشتهرت كتب الصدقات، من رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه. (¬2) لما في الصحيح، عن أنس وكتاب عمرو بن حزم وغيرهما، وعليه جماهير العلماء. قال الشيخ: الإمام أحمد وأهل الحديث متبعون في الزكاة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه، آخذين بأوسط الأقوال الثلاثة، أو بأحسنها، فأخذوا في أوقاص الإبل بكتاب الصديق ومتابعيه، المتضمن أن في الإبل الكثيرة في أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، لأنه آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف الكتاب الذي فيه استئناف الفريضة بعد مائة وعشرين، فإنه متقدم على هذا، لأن استعمال عمرو بن حزم على نجران كان قبل موته بمدة، وأما كتاب الصديق فإنه كتبه ولم يخرجه إلى العمال، حتى أخرجه أبو بكر.

مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وهكذا (¬1) فإذا بلغت مائتين، خير بين أربع حقاق، وخمس بنات لبون (¬2) ومن وجبت عليه بنت لبون مثلاً وعدمها، أو كانت معيبة، فله أن يعدل إلى بنت مخاض، ويدفع جبرانًا، أو إلى حقة ويأْخذه (¬3) . ¬

_ (¬1) أي في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة. ويقال فيما بين الفرضين – كما بين خمس وعشر -: وَقَص، ووَقْص. بفتح القاف وإسكانها. والمشهور في كتب اللغة فتحها، وفي كتب الفقهاء إسكانها. وقد يستعمل فيما لا زكاة فيه كأربع. وجمعه أوقاص، وقال القاضي: الشنق مثل الوقص، قال الأصمعي: يختص بأوقاص الإبل، والوقص هنا يختص بالبقر والغنم. وأخرج الدارقطني عن عبيد بن صخر، قال: عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عماله على اليمن «ليس في الأوقاص شيء» وفي السنن نحوه من حديث ابن عباس. (¬2) لوجود مقتضى كل من الفرضين، فيخير للأخبار، وليس للساعي تكليفه غير ما وجد منهما وفاقًا؛ وإذا بلغت أربعمائة خير بين ثمان حقاق، أو عشر بنات لبون، وإن أخرج أربع حقاق وخمس بنات لبون جاز، وقال ابن رجب: بلا خلاف. (¬3) أي الجبران إذا دفع الحقة عن بنت اللبون، فإن عدم انتقل إلى ثان وثالث من أسفل أو فوق؛ وهذا مذهب الشافعي. وعند أبي حنيفة إن شاء أخذ القيمة، وإن شاء أخذ أفضل منها وأعطي الزيادة. قال الشيخ: ومالك رحمه الله إنما روى كتاب عمرو بن حزم. وليس فيه ما في كتاب أبي بكر من الزيادة، وهذا شأن العلماء. اهـ. وكتاب أبي بكر في الصدقات قال فيه «ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده حقة. وعنده جذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين. ومن بلغت عنده صدقة الحقة، ولسيت عنده إلا بنت لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطي شاتين، أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون، وعنده حقة، فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون، وليست عنده، وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه بنت مخاض، ويعطي معها عشرين درهمًا أو شاتين» رواه البخاري وفيه «ومن بلغت صدقته بنت مخاض، ولسيت عنده، وعنده بنت لبون، فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين، فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها، وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه، وليس معه شيء» وروى مالك كتاب عمرو بمثل هذا أو قريب منه، إلا ذكر البدل مع العشرين، وفي المغني وغيره: الحقّ والجذع والثني أولى بالإجزاء عن بنت مخاض من ابن اللبون، لزيادة سنه، ولا يجبر نقص بالذكورية في غير بنت مخاض، لظاهر الحديث، والمصدق بتخفيف الصاد الساعي، والمالك بشدها.

وهو شاتان أو عشرون درهمًا، ويجزئُ شاة وعشرة دراهم (¬1) . ¬

_ (¬1) فلا يقال: إنه لا بد أن يكون المخرج إما شاتين أو عشرين درهمًا. بل يجوز النصف دراهم، والنصف شاة، وكذا في ثان وثالث، كما يجوز إخراج الكفارتين من جنس، قال الخطابي: يشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل الشاتين أو عشرين درهمًا تقديرًا في جبران الزيادة والنقصان، ولم يكل الأمر في ذلك إلى اجتهاد الساعي وغيره، لأن الساعي إنما يأخذ منهم الزكاة عند المياه غالبًا، وليس هناك حاكم، ولا مقوم يفصل بينهما إذا اختلفا، فضبطت بقيمة شرعية، قطعًا للتنازع وأخذ الشاتين أو دفعهما لا نزاع فيه، والخيرة لرب المال.

ويتعين على ولي محجور عليه إخراج أَدون مجزئٍ (¬1) ولا دخل لجبران في غير إبل (¬2) . ¬

_ (¬1) مراعاة لحظ المحجور عليه، ولا يجوز له أن يعطي الفضل من مالهما. (¬2) لأن النص إنما ورد فيها، فيقتصر عليه، والقياس ممتنع، لأن غيرها ليس في معناها، لأن الغنم لا تختلف فريضتها باختلاف سنها. وما بين الفريضتين في البقر يخالف ما بين الفرضين، فامتنع القياس.

فصل في زكاة البقر

فصل في زكاة البقرة (¬1) وهي مشتقة من: بقرت الشيءَ. إذا شققته (¬2) لأَنها تبقر الأرض بالحراثة (¬3) . ¬

_ (¬1) والأصل فيها السنة والإجماع، ففي الصحيح عن جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها، إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأخفافها» الحديث، وإذا ثبت الوعيد في هذا الحق، فالزكاة أولى. ونسخ الأصل لا يلزم منه نسخ الفحوى، على الأشهر، وقال الشيخ: قد ثبت عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ صدقة البقر، من كل ثلاثين تبيعًا، ومن كل أربعين مسنة. رواه أحمد والترمذي. وكذلك في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كتبه لعمرو بن حزم. ورواه مالك في موطئه عن معاذ، وحكى أبو عبيد والموفق وغيرهما الإجماع عليه، وإنما لم يذكر زكاة البقر في حديث أبي بكر، والكتاب الذي عند آل عمر، لقلة البقر في الحجاز. فلما بعث معاذًا إلى اليمن، ذكر له حكم البقر، لوجودها عندهم، مع أن وجوب الزكاة في البقر مجمع عليه: قال الشيخ: والجواميس بمنزلة البقر؛ حكى ابن المنذر فيه الإجماع. ومن شرطها أن تكون سائمة، لما في حديث علي «ليس في العوامل صدقة» رواه أبو داود، وروي عن علي ومعاذ وجابر أنهم قالوا: لا صدقة في البقر العوامل. ولأن النماء معتبر في الزكاة، ولا نماء في غير السائمة. (¬2) بفتح التاء فأصل التبقر التفتح والتوسع. (¬3) أي تشقها فيوضع البذر ونحوه في تلك الشقوق، والبقر اسم جنس، يعم الذكر والأنثى والعراب والجواميس، وكذا البقرة، ودخلت عليها الهاء على أنها واحدة البقرات.

نصاب زكاة البقر وسنها وما يتفق فيه الفرضان

(ويجب في ثلاثين من البقر) أَهلية كانت أَو وحشية (¬1) (تبيع أو تبيعة) لكل منهما سنة (¬2) ولا شيء فيما دون الثلاثين، لحديث معاذ حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن (¬3) . ¬

_ (¬1) وكذا ما تولد بينهما. وقال مالك وأبو حنيفة: إذا كانت الأمات. وقال ابن القيم: إنما يتصور في واحد أو اثنين، أو ثلاثة يكمل بها النصاب. فأما نصاب كامل متولد من الوحش والأهلي فلا وجود لذلك. وعن أحمد: لا زكاة في الوحشية وفاقًا، وقال الوزير وغيره: اتفقوا أنه لا زكاة فيها، إلا في إحدى الروايتين عن أحمد. وقال الشيخ: لا زكاة في بقر الوحش عند الجمهور. وقال الموفق وغيره: هو قول أكثر أهل العلم، وهو أصح، لأن اسم البقر عند الإطلاق، لا ينصرف إليها؛ وليست من بهيمة الأنعام، ولا تجزئ في الأضحية، ولا تجب في الظباء إجماعًا، قال في المبدع: اختيار الموفق أولى، لأن الواجبات لا تثبت احتياطًا، وصححه الشارح، لأنها تفارق البقر الوحشية صورة وحكمًا، والإيجاب من الشرع ولم يرد، ولا يصح القياس، لوجود الفارق. (¬2) ودخل في الثانية، وهو جذع البقر، وسمي تبيعًا لأنه يتبع أمه في المسرح، والجمع أتبعة وتبائع، وهو الذي استوى قرناه، قد حاذى قرنه أذنه غالبًا، وقال القاضي: هو المفطوم من أمه، فهو يتبعها ويقوى على ذلك. (¬3) سنة عشر من الهجرة، قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثني إلى اليمن، أن لا آخذ من البقر شيئًا، حتى تبلغ ثلاثين. رواه البيهقي وغيره، وللدارقطني والبزار عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا أو تبيعة. ولأنه صلى الله عليه وسلم أوجب في الثلاثين؛ وأجمع المسلمون عليه، حكاه ابن المنذر والوزير وغيرهما، والأصل عدم الوجوب فيما دونها، فليس فيما دونها شيء؛ وهو قول جمهور العلماء، إلا ما حكي عن ابن المسيب والزهري لعدلها بالإبل. وليس فيما حكي عنهما نص ولا إجماع ولا قول صاحب، بل النص دال على خلافه.

(و) يجب (في أربعين مسنة) لها سنتان (¬1) ولا يجزئُ مسن، ولا تبيعان (¬2) (ثم) يجب (في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة) (¬3) فإذا بلغت ما يتفق فيه الفرضان كمائة وعشرين خير (¬4) . ¬

_ (¬1) إجماعًا، لحديث معاذ: وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة. ومن كل أربعين مسنة، رواه الخمسة، وحسنه الترمذي. وصححه النسائي وابن حبان والحاكم، قال ابن عبد البر: هو حديث متصل ثابت. ولا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ، وأنه النصاب المجمع عليه، وروي من حديث علي مرفوعًا، وابن مسعود، ويجزئ إخراج أنثى أعلى منها بدلها، والمسنة هي التي قد صارت ثنية سميت مسنة لزيادة سنها، ويقال لها ثنية، وهي التي ألقت سنًا غالبًا، وتجذع البقرة في الثانية، وتثني في الثالثة، ولا فرض فيها غير هذين السنين، ثم هو رباع في الرابعة، وسدس في الخامسة، ثم ضالع في السادسة، وهو أقصى أسنانه، يقال: ضالع سنة، وضالع سنتين فما زاد. (¬2) إذا كانت ذكورًا وإناثًا، لعدم إجزاء الذكر في الزكاة غير التبيع في ثلاثين بقرة، وابن اللبون، أو ذكر أعلى منه مكان بنت مخاض إذا عدمها، لأن الأنثى أفضل، لما فيها من الدر والنسل، وقد نص الشارع على اعتبارها، وكالأربعين من البقر. وفي بعض النسخ: وفي ستين تبيعان. (¬3) لخبر معاذ رضي الله عنه عند الخمسة، ورواية أحمد الآتية، ولا نزاع في ذلك يعتد به. (¬4) أي بين أن يخرج أربعة أتبعة، أو ثلاث مسنات وفاقًا، للخبر، وكإبل ولاتفاق الفرضين.

لحديث معاذ، رواه أحمد (¬1) (ويجزئ الذكر هنا) وهو التبيع في الثلاثين من البقر، لورود النص به (¬2) (و) يجزئُ (ابن لبون) وحق وجذع (مكان بنت مخاض) عند عدمها (¬3) (و) يجزئ الذكر (إذا كان النصاب كله ذكورًا) سواء كان من إبل أو بقر أو غنم (¬4) لأن الزكاة مواساة، فلا يكلفها من غير ماله (¬5) . ¬

_ (¬1) من حديث يحيى بن الحكم، عن معاذ: أمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعًا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعًا، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع، قال: وأمرني أن لا آخذ فيما بين ذلك سنًا إلا أن يبلغ مُسِنّةً أو جذعًا، وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها. (¬2) وهو قوله صلى الله عليه وسلم «من كل ثلاثين تبيع أو تبيعة» . (¬3) لنص الشارع، ولأنه يمتنع من صغار السباع، ويرعى الشجر بنفسه، ويرد الماء، لكن ليس بأصل، لكونه لا يجزئ مع وجودها، بخلاف التبيع فيجزئ في الثلاثين، وما تكرر منها، وأما الأربعون وما تكرر منها فلا يجزئ إلا الإناث للنص. وإن شاء أخرج مكان الذكور إناثًا لورود النص بها، فإذا بلغت مائة وعشرين، خير المالك بين إخراج ثلاث مسنات أو أربعة أتباع. (¬4) باتفاق الأئمة، ومفهومه أنه لو كان أكثر النصاب ذكورًا، لم يجز له أن يخرج ذكرًا، وهو كذلك، صرح به في الإقناع وغيره، وهو مذهب مالك والشافعي؛ وقال الشيخ: وهو مذهب أحمد وجماعة من العلماء. اهـ. لأن الأنثى أفضل، لما فيها من الدر والنسل. وقد نص الشارع على اعتبارها في الإبل، وفي الأربعين من البقر غير التبيع. (¬5) وفي كتاب الصديق «إن كانت عنده، فإن لم تكن عنده» الخ وتقدم ولقوله تعالى {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} .

فصل في زكاة الغنم

فصل في زكاة الغنم (¬1) (ويجب في أربعين من الغنم) ضأْنًا كانت أو معزًا، أَهلية أو وحشية (شاة) (¬2) جذع ضأْن أو ثني معز (¬3) . ¬

_ (¬1) سميت بذلك لأنه ليس لها آلة الدفاع، فكانت غنيمة لكل طالب، والأصل في وجوبها السنة والإجماع. ففي الصحيح وغيره عن أنس أن أبا بكر كتب له: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها ورسوله. إلى أن قال «وفي صدقة الغنم – في سائمتها – إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففيها شاتان؛ فإذا زادت على مائتين ففيها ثلاث شياه. فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة» . قال الشيخ: وهذا متفق عليه في صدقة الغنم، عند أهل العلم. والضأن والمعز سواء، والسوم شرط في الزكاة، إلا عند مالك وتقدم. (¬2) إجماعًا في الأهلية، وأما الوحشية فتقدم أن أحمد انفرد بوجوبها فيها. وكذا ما تولد بينهما أي ففية الزكاة، ومذهب أبي حنيفة ومالك: إن كانت الأمات أهلية. وتقدم أنه لا زكاة في الوحشية اتفاقًا. (¬3) عند الجمهور، لحديث سريد بن غفلة، قال: أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن والثنية من المعز، ولأنهما يجزيان في الأضحية، فكذا هنا. وجذع الضأن ما تم له ستة أشهر عند الأكثر؛ والضأن مهموز، ويجوز تخفيفه بالإسكان. وهو جمع، واحده ضائن، كراكب وركب، ويقال في الجمع أيضًا ضأن، كحارس وحرس، ويجمع أيضًا على ضئين، وهو فعيل بفتح أوله، والأنثى ضائنة، بهمزة بعد الألف ثم نون، وجمعها ضوائن وثني المعز ما تم له سنة، والمعز اسم جنس، الواحد ماعز، والأنثى ماعزة، والمعزى والأمعوز بضم الهمزة والمعيز بفتح الميم بمعنى المعز.

ولا شيء فيما دون الأربعين (¬1) (وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان) إجماعًا (¬2) (وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه (¬3) ثم) تستقر الفريضة (في كل مائة شاة) (¬4) ففي خمسمائة خمس شياه، وفي ستمائة ست شياه، وهكذا (¬5) . ¬

_ (¬1) إجماعًا حكاه الوزير وغيره، لحديث أبي بكر في الصحيح وغيره «فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة، فلا شيء فيها إلا أن يشاء ربها» . (¬2) حكاه غير واحد، لحديث أبي بكر وغيره. وقال الوزير وغيره: أجمعوا على أن أول النصاب في الغنم أربعين فيها شاة، وأنه لا شيء في زيادتها إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة وجب فيها شاتان. (¬3) إجماعًا، إلى أربعمائة ففيها أربع شياه وفاقًا؛ وحكى الوزير الإجماع على أنها إذا زادت على المائتين ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة؛ فإذا بلغت أربعمائة ففيها أربع شياه. ثم في كل مائة شاة. والضأن والمعز سواء. (¬4) وفاقًا، فعلى هذا لا يجب شيء إلى أربعمائة، فيجب أربع شياه. قال الشيخ: وهو أصح الروايتين عن أحمد، واختيار القاضي وجمهور الأصحاب، لحديث أبي بكر، والكتاب الذي عند آل عمر وغيرهما. (¬5) ففي سبعمائة سبع شياه، وثمانمائة ثمان شياه، وكلما زاد في كل مائة شاة. لما تقدم في الصحيح وغيره، وفي كتابه في الصدقات الذي عمل به أبو بكر بعده حتى توفي. وعمر حتى توف يرضي الله عنهما. وفيه «وفي الغنم من أربعين شاة شاة، إلى عشرين ومائة. فإذا زادت شاة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة، فإذا زادت بعد، فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة. فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة» رواه الخمسة إلا النسائي.

ولا تؤخذ هرمة ولا معيبة لا يضحى بها، إلا إن كان الكل كذلك (¬1) ولا حامل، ولا الرُّبى التي تربي ولدها (¬2) ولا طروقة الفحل (¬3) . ¬

_ (¬1) أي هرمات أو معيبات بذهاب عضو أو غيره، فيجزئ منه، لأن الزكاة مواساة، فلا يكلفها من غير ماله؛ وإن لم يكن الكل كذلك فلا، لحديث أبي بكر في الصحيح وغيره؛ قال «ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس، إلا أن يشاء المصدق» قال الشيخ: وعليه جماعة فقهاء الأمصار، لأن المأخوذ في الصدقات العدل، كما قال عمر: وذلك عدل بين غذاء المال وخياره. وتقدم. وقال تعالى {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} ولقوله عليه الصلاة والسلام «ولكن من أوسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خياره، ولم يأمركم بشراره» والهرمة الشاة الشارف، وهي كبيرة السن، وذات عوار بفتح العين التي بها عيب، وبالضم التي ذهبت عينها. ولا يجزئ ذلك في الصدقة. (¬2) اتفاقًا، وقيل هي التي في البيت لأجل اللبن. وقال أهل اللغة: هي قريبة العهد بالولادة، قال الأزهري: يقال هي في ربابها بكسر الراء، ما بينها وبين خمس عشرة ليلة. وقال الأموي: هي ما بينها وبين شهرين. قال أبو زيد: الربى من المعز والضأن، وربما جاء في الإبل بضم الراء، على وزن فعلى، وجمعها رباب، والحامل هي التي في بطنها ولدها. وعبر بعضهم بالماخض. قال عمر: لا تأخذ الربى ولا الماخض وهي التي قد حان ولادها. (¬3) أي التي طرقها لأنها تحمل غالبًا.

ولا كريمة، ولا أَكولة (¬1) إلا أن يشاء ربها (¬2) وتؤخذ مريضة من مراض (¬3) وصغيرة من صغار غنم (¬4) لا إبل وبقر، فلا يجزئُ فصلان وعجاجيل (¬5) . ¬

_ (¬1) والكريمة واحدة الكرائم، وهي النفيسة الجامعة للكمال الممكن في حقها، من غزارة لبن، وجمال صورة، وكثرة لحم وصوف، وهي التي تتعلق بها نفس صاحبها، وضدها الئيمة. والأكولة بفتح الهمزة وضم الكاف: السمينة المعدة للأكل، أو كثيرة الأكل، فتكون سمينة، وضدها الهزيلة؛ وفاقًا، لقوله صلى الله عليه وسلم «إياك وكرائم أموالهم» متفق عليه، وفيه إشارة إلى أن أخذها ظلم، ولا يؤخذ فحل الضراب اتفاقًا. (¬2) أي يشاء إخراج الربى وهي الحامل، أو طروقة الفحل، أو الكريمة أو الأكولة، فيجوز وفاقًا، لأن المنع لحقه، فله إسقاطه؛ ولقبوله صلى الله عليه وسلم سنًا أعلى، وقوله «فإن تطوعت بخير آجرك الله» . (¬3) أي من نصاب كله مراض، وتكون وسطًا في القيمة. لأن الزكاة وجبت مواساة، وتكليف الصحيحة عن المراض إخلال بها؛ ولما تقدم من قوله «ولكن من أوسط أموالكم» ، وقال الوزير: أجمعوا على أنه يؤخذ من المراض بصفتها. (¬4) وهي ما دون ستة أشهر من الضأن؛ وستة من المعز، قال الشافعي: إنما يؤخذ من الصغار صغيرة من الغنم خاصة. (¬5) بحيث لو أبدل كبارًا بصغارٍ في أثناء الحول، أو نتجت الكبار، ثم ماتت قبل الحول، وقال شيخ الإسلام: قيل يأخذ منها. وقيل يشتري كبارًا، ولم يفرق، والفقهاء استدلوا بقول أبي بكر: لو منعنوني عناقًا. ولا يدل أنهم دفعوها، ولم ينقل، ولقوله في بعض روايات الحديث «عقالاً» ، وإنما خاطبهم بذلك من باب التحدي، وأجمعوا أنها لا تؤخذ العناق في الكبار، لا من صغار وكبار؛ لقول عمر: اعتد عليهم بالسخلة، ولا تأخذها منهم. قال الموفق: وهو مذهب علي، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة، فكان إجماعًا.

وإن اجتمع صغار وكبار، وصحاح ومعيبات، وذكور وإناث أُخذت أُنثى صحيحة كبيرة، على قدر قيمة المالين (¬1) وإن كان النصاب نوعين، كبخاتي وعراب، وبقر وجواميس، وضأْن ومعز، أُخذت الفريضة من أحدهما على قدر قيمة المالين (¬2) . ¬

_ (¬1) أي الصغار والكبار وما عطف عليها، وفاقًا، فيقوم كبارًا ويعرف الفرض، ثم صغارًا كذلك، ثم يؤخذ بالقسط، وكذا صحاح ومعيبات، أو ذكور وإناث؛ فلو كانت قيمة المخرج إذا كان النصاب كبارًا صحاحًا عشرين، وقيمته إذا كان صغارًا مراضًا عشرة، وكان النصف من هذا والنصف من هذا، وجب إخراج صحيحة كبيرة قيمتها خمسة عشر. لا مريضة لقوله {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} ولقوله صلى الله عليه وسلم «ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، إلا أن يشاء المصدق» . (¬2) قال شيخ الإسلام: بلا خلاف بين الفقهاء. وقال الموفق وغيره: لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في ضم أنواع الجنس بعضها إلى بعض. وحكاه ابن المنذر ثم قال: إذا ثبت هذا فإنه يخرج في الزكاة من أي الأنواع أحب، سواء دعت الحاجة إلى ذلك أو لا. والأولى أن يخرج من النوع، ومن أخرج عن النصاب من غير نوعه ما ليس في ماله جاز، إن لم تنقص قيمته عن الواجب، ويجزئ من أعلى فرض من جنسه وفاقًا، لحديث كعب وغيره. لا القيمة في سائمة أو غيرها، وفاقًا لمالك والشافعي، لقوله «خذ الحب من الحب، والإبل من الإبل، والبقر من البقر، والغنم من الغنم» رواه أبو داود. ولغيره من الأحاديث، والجيرانات المقدرة في خبر الصديق وغيره، تدل على أن القيمة لا تشرع. وقال الشيخ وغيره: صدقة المال تجب بسبب المال، من جنس ما أعطاه الله. وجوزه أبو حنيفة وسفيان والبخاري وغيرهم. وقال: باب العرض في الزكاة. أي جواز أخذه، قال ابن رشيد: وافق البخاري الحنفية، مع كثرة مخالفته لهم؛ لكن قاده إلى ذلك الدليل. وحكى الشيخ عن الناس فيه ثلاثة أقوال: الإجزاء بكل حال، كما قاله أبو حنيفة، وعدم الإجزاء كما قاله مالك والشافعي، والقول الثالث الإجزاء عند الحاجة، مثل ما يجب عليه شاة في زكاة الإبل، وليست عنده، ومن يبيع عنبه ورطبه قبل اليبس؛ قال: وهذا المنصوص عن أحمد صريحًا، وهو أعدل الأقوال. فإن الأدلة الموجبة للعين نصًا وقياسًا كسائر أدلة الوجوب. ومعلوم أن مصلحة وجوب العين، قد يعارضها أحيانًا في القيمة من المصلحة الراجحة، وفي العين من المشقة المنتفية شرعًا. وقال أيضًا: يجوز إخراج القيمة في الزكاة، للعدول إلى الحاجة والمصلحة، مثل أن يبيع ثمرة بستانه؛ إذ قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك؛ ومثل أن يجب عليه شاة وليست عنده، أو يكون المستحقون طلبوا القيمة لكونها أنفع لهم. اهـ. ولقول معاذ لأهل اليمن حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم لأخذ زكاتهم: ائتوني بعرض ثياب، خميص أو لبيس في الصدقة، مكان الشعير والذرة، أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. ذكره البخاري تعليقًا بصيغة الجزم. ولما تقدم في الصحيح وغيره «في خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم تكن فابن لبون» . وهذا نص في دفع القيمة وغير ذلك. ولأنه مال زكوي فجازت قيمته، كعروض التجارة، ولأن القيمة مال، فأشبهت المنصوص عليه، ولأنه لما جاز العدول – بأن يخرج زكاة غنمه غيرها بالإجماع – جاز العدول من جنس إلى جنس، ولأن الخليط يرجع على شريكه بالقيمة وغير ذلك، ومقصود الزكاة سد فاقة الفقراء، ولا يختلف ذلك باختلاف صور الأموال إذا حصلت القيمة، قال في الشرح: هذا فيما عدا صدقة الفطر.

يجوز إخراج القيمة للحاجة والمصلحة

.....................................................

الخلطة ضربان

(والخلطة) بضم الخاء أَي الشركة (¬1) (تصير المالين) المختلطين (كـ) ـالمال (الواحد) (¬2) إن كان نصابًا من ماشية (¬3) والخليطان من أهل وجوبها (¬4) سواء كانت خلطة أعيان بكونه مشاعًا (¬5) . ¬

_ (¬1) ومثل العشرة وزنًا ومعنى، جائزة في الجملة، وهي ضربان، أن يكون المال مشتركًا، مشاعًا بينهما، أو أن يكون بينهما ماشية متميزة، ولا اشتراك بينهما، لكنهما متجاوران مختلطان، على ما يأتي، فالأولى خلطة اشتراك وأعيان، والثانية خلطة أوصاف وجوار؛ وكل واحدة تؤثر في الزكاة، إيجابًا وإسقاطًا، وتغليظًا وتخفيفًا، وحكى أبو حامد في تعليقه إجماع المسلمين على أنه لا فرق بين الخلطتين في الإيجاب، وسواء كان تأثيرها في إيجاب الزكاة أو إسقاطها، أو في تغيير الفرض. (¬2) في المؤن، فوجب أن تكون زكاته زكاة المال الواحد، لأنه لو لم يكن كذلك لما نهى الشارع عن جميع المتفرق، وعكسه، خشية الصدقة، وهو مذهب مالك والشافعي. (¬3) حولاً كاملاً، فلا تؤثر فيما دونه إجماعًا، وأما سائر المال فلا تجب فيه، لأن ما زاد بحسابه فلا تأثير، وقيل: تؤثر مطلقًا، وخصها الأكثر بخلطة الأعيان. (¬4) أي الزكاة، فلو كان أحدهما ليس من أهل الزكاة ككافر أو مكاتب أو مستغرق فوجوده كعدمه. (¬5) يعني المال بين اثنين فأكثر، سميت خلطة أعيان لأن أعيانها مشتركة، وقال الشيخ: الخلطاء في الماشية إذا كان مال كل منهما متميزًا عن الآخر. فإن لم يكن متميزًا فهما شريكان.

بأَن يكون لكل نصف أو نحوه (¬1) أو خلطة أوصاف بأن تميز ما لكل (¬2) واشتركا في «مراح» بضم الميم وهو المبيت والمأْوى (¬3) ، و «مسرح» وهو ما تجتمع فيه لتذهب للمرعى (¬4) و «محلب» وهو موضع الحلب (¬5) . ¬

_ (¬1) كثلث أو ربع، بأن ملكوه بنحو إرث أو شراء، واستمر بلا قسمة. (¬2) أي من الخليطين أو الخلطاء عن الآخر، كأن يكون لأحدهما شاة، وللآخر تسع وثلاثون، أو لأربعين أربعون، أو لثلاثة مائة وعشرون، كما يأتي وسميت بذلك لأن نصيب كل واحد موصوف بصفة تميزه عن الآخر. (¬3) أي يشترط في خلطة الأوصاف اشتراكهما في مراح، قال الجوهري المراح بالضم حيث تأوي إليه الإبل والغنم بالليل، وبالفتح الموضع الذي تروح منه، والمبيت من مدر أو شعر أو لا، وهو الذي تبيت فيه، وتأوي إليه، والمأوى بفتح الميم والواو، لأن اسم الزمان والمكان من معتل اللام مفتوح العين مطلقًا. (¬4) جزم به في التلخيص والرعاية وغيرهما، وقدمه في الفروع وغيرها، قال الزركشي: وهو أولى، رفعًا للتكرار. وهو الصحيح، وقال ابن حامد: المرعى والمسرح شرط واحد، وإنما ذكر أحمد المسرح، ليكون فيه راع واحد، وقال الشارح: هو المرعى، تبيت وترعى فيه الماشية. (¬5) لا اتحاد الإناء، فلو حلب هذا ماشيته في أهله، والآخر في موضع آخر فلا خلطة، و «محلب» بفتح الميم واللام، من باب نصر، وأما بكسر الميم فالإناء يحلب فيه، وهو الحلاب أيضًا، والمكان هو المراد هنا، لا الإناء كما وضحه، قال الموفق: ليس المراد خلط اللبن في إناء واحد، لأن هذا ليس بمرفق، بل مشقة، لما فيه من الحاجة إلى قسمة اللبن.

و «فحل» بأَن لا يختص بطرق أَحد المالين (¬1) و «مرعى» وهو موضع الرعي ووقته (¬2) لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة (¬3) ¬

_ (¬1) المخلوطين إن اتحد النوع، قال الموفق: معنى كون الفحل واحدًا أن لا يكون فحولة أحد المالين لا تطرق غيره. اهـ. فإذا اختلف كالضأن والمعز والجاموس والبقر لم يضر اختلاف الفحل للضرورة، وكما لو كان مال أحدهما ذكورًا والآخر إناثًا ولا يعتبر أن يكون مملوكًا لهما، والفحل هو المعد للضراب. (¬2) نص عليه، لحديث سعد بن أبي وقاص سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «الخليطان ما اجتمعا على الحوض والفحل والراعي» رواه الدارقطني وغيره. وأبو عبيد، وفيه بدل الراعي المرعى، وضعفه أحمد؛ والرعي يلزم من اتحاده اتحاد موضعه، ففيه استعمال المشترك في معنيين، وهو سائغ عند جمهور العلماء؛ وقال الشيخ: تعتبر بثلاثة شروط، وقيل بشرطين، وقيل بشرط، وهو الدلو والحوض والمراح والمبيت والراعي والفحل؛ وقيل بالراعي وحده؛ فإن به يجتمعون في غير ذلك. ووجه في الفروع العرف في ذلك، ولا تعتبر النية في الخلطة إجماعًا، بل تؤثر الخلطة ولو وقعت اتفاقًا، أو بفعل راع. (¬3) خطاب للمالك من جهة؛ وللساعي من جهة، أمر كل واحد أن لا يحدث شيئًا من الجمع والتفريق، خشية الصدقة؛ فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة، فيجمع أو يفرق لتقل. والساعي يخشى أن تقل الصدقة، فيجمع أو يفرق لتكثر الصدقة، كما لو كان لثلاثة مائة وعشرون شاة، وجمعوها، أو كان لهم تسعون ففرقوها. وعكسه الساعي، ومقتضاه أن للخلطة تأثيرًا في تخفيف المؤن، فجاز أن تؤثر في الزكاة كالسوم.

وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» (¬1) رواه الترمذي وغيره (¬2) فلو كان لإنسان شاة، ولآخر تسعة وثلاثون، أو لأربعين رجلاً أربعون شاة، لكل واحد شاة، واشتركا حولاً تامًا، فعليهم شاة على حسب ملكهم (¬3) وإذا كان لثلاثة مائة وعشرون شاة، لكل واحد أربعون، ولم يثبت لأَحدهم حكم الإنفراد في شيء من الحول، فعلى الجميع شاة أثلاثًا (¬4) . ¬

_ (¬1) أي العدالة بمقتضى الحصص، فشمل أنواع المشاركة، والمراد هنا خلطة الأوصاف، كأن يكون بينهما أربعون لكل واحد عشرون، فيأخذ المصدق من أحدهما شاة، فيرجع المأخوذ من ماله على خليطه بنصف شاة، وقاله الشيخ وغيره، ويجزئ إخراج خليط بدون إذن خليطه ولو مع حضوره، والاحتياط بإذنه. (¬2) عن سالم عن أبيه، ورواه أبو داود وابن ماجه، وحسنه الترمذ، وقال البخاري: أرجو أن يكون محفوظًا. وله في صحيحه من حديث أنس ونحوه، وللدارقطني وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي كما تقدم في الخبر، وبقية الشروط في معنى هذه الثلاثة، ولأن هذه الشروط تؤثر في الرفق بالخلطاء، فوجب اعتبارها كالراعي والفحل، وخلاف الحنفية لهذا النص غير مسموع، وإن اختل شرط من الشروط بطل حكمها، لفوات شرطها؛ وصار وجودها كالعدم، فيزكى كل مال على حدته إن بلغ نصابًا. (¬3) على الأول ربع عشر شاة، وباقيها على الآخر، وعلى كل واحد من الأربعين ربع عشر شاة، وهكذا حكم ما زاد أو نقص من نصيب كل من الخلطاء. (¬4) وللساعي أخذها من أي أموالهم شاء، ويرجع مأخوذ منه على خليطه بقيمة القسط الذي قابل ماله من المخرج يوم الأخذ، ويرجع بقسط زائد أخذه ساع بقول بعض أهل العلم، قال ابن تميم: إذا أخذ الساعي فوق الواجب بتأويل، أو أخذ القيمة أجزأت في الأصح، ورجع عليه بذلك. قال في الفروع: وإطلاق الأصحاب يقتضي ذلك. وقال الشيخ: والإجزاء هو الصواب. وهل يرجع على شريكه بما أخذ الساعي ظلمًا؟ حكى شيخ الإسلام قولين، واستظهر أنه يرجع على شريكه بما أخذ منه. وقال: من صودر على مال فأكره أقاربه أو شركاؤه فلهم الرجوع، لأنهم ظلموا لأجله ولأجل ماله. وقال: لأنه يلزم العدل في هذا الظلم، ولأن النفوس ترضى بالتخصص، ومن لم يقل به لزمه من الفساد، ما لا يعلمه إلا رب العباد. واحتج بقضية ابن اللتبية، حتى قال – فيمن ألزمهم الإمام بزكاة، وفيهم من ليس له نصاب – إن كان المطلوب هو مقدار ما فرضه الله على من تجب عليه الزكاة اختصت بأدائه، وإن كان على سبيل الظلم اشترك فيه الجميع بحسب أموالهم، وإن ثبت حكم الإنفراد لهما أو لأحدهما في بعض الحول، قدم الإنفراد عليها، لأن الأصل المجمع عليه، فيزكي كل واحد ماله على حدته، وفي أثنائه مثل أن يكون لرجل نصاب ولآخر دونه، ثم اختلطا في أثناء الحول، فإذا تم حول الأول فعليه شاة، فإذا تم حول الثاني من الخلطة، فعليه زكاة الخلطة ثلث شاة.

لا أثر لخلطة من ليس من أهل الزكاة

ولا أثر لخلطة من ليس من أهل الزكاة (¬1) ولا فيما دون نصاب (¬2) ولا لخلطة مغصوب (¬3) . ¬

_ (¬1) وفاقًا كالكافر والمكاتب، والمدين دينًا يستغرق ما بيده، لأنه لا زكاة في ماله، فلم يكمل به النصاب. (¬2) إجماعًا، لأنه لا شيء فيه، لو كان لواحد، فبين الشركاء من باب أولى، وكذا إن كان بينهما مسافة، اختاره الموفق وغيره. (¬3) لإلغاء تصرف الغاصب في المغصوب.

وإذا كانت سائمة الرجل متفرقة، فوق مسافة قصر فلكل محل حكمه (¬1) ولا أَثر للخلطة ولا للتفريق في غير ماشية (¬2) ويحرمان فرارًا لما تقدم (¬3) . ¬

_ (¬1) أي بنفسه، يعتبر على حِدَتِهِ، إن كان نصابًا وجبت فيه الزكاة، وإلا فلا، نص عليه، لكن قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن غير أحمد. وعنه: يضم مال الواحد بعضه إلى بعض مطلقًا، وفاقًا للعموم. قال في المبدع: هي قول أكثر العلماء، واختيار أبي الخطاب، وصححه في المغني والشرح. فإن كان بينهما دون المسافة فهي كالمجتمع، يضم بعضها إلى بعض، ولم تؤثر التفرقة إجماعًا. وأما في غير الماشية، فلا تؤثر تفرقة البلدان قطعًا. (¬2) أي من النقود، وعروض التجارة، والثمار، ونحو ذلك، وحكي إجماعًا، لأن الخبر لا يمكن حمله على غير السائمة، لوروده فيها؛ ولأن الزكاة تقل بجمعها تارة، وتكثر أخرى، لما فيها من الوقص فتؤثر نفعًا تارة، وضررًا أخرى، وسائر الأموال، لا وقص فيها، فلو أثرت لأثرت ضررًا محضًا برب المال، فإذا اشترك اثنان في شيء من ذلك، لم تؤثر الشركة، فإذا بلغت حصة كل واحد نصابًا زكاه، وإلا فلا. وعلم مما تقدم اختصاص زكاة السائمة بالخلطة، والجبران في الإبل والوقص، وتأثير التفرق في مسافة القصر على القول المرجوح. (¬3) أي يحرم التفريق والخلطة فرارًا من الزكاة، لما تقدم من النهي عنه، في قوله صلى الله عليه وسلم «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» .

باب زكاة الحبوب والثمار

باب زكاة الحبوب والثمار (¬1) قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} (¬2) والزكاة تسمى نفقة (¬3) (تجب) الزكاة (في الحبوب كلها) كالحنطة والشعير والأَرز والدخن (¬4) . ¬

_ (¬1) والعسل والمعدن والركاز وغير ذلك، والأصل في زكاة الحبوب والثمار الكتاب والسنة والإجماع. (¬2) من الثمار والحبوب التي أنبتناها لكم؛ قال البغوي وغيره: هذا أمر بإخراج العشور من الثمار والحبوب. وقال تعالى {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال ابن عباس: حقه الزكاة المفروضة. وقد استفاضت السنة بذلك، ويأتي بعضه، وأجمع المسلمون على وجوبها في البر والشعير، والتمر والزبيب، حكاه ابن المنذر وابن عبد البر والشيخ وغيرهم. (¬3) لقوله تعالى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ} . (¬4) الحنطة معروفة، وجمعها حنط، كقربة وقرب، وتطلق على البر والقمح والسمراء، والعلس بفتح العين وهو نوع منها باتفاق، يكون منه في الكمام حبتان وثلاث، ويبقى بعد دياسه كل حبتين منه كمام، لا يزول إلا بالرحى الخفيفة، أو بمهراس، والسلت بالضم نوع منه، لونه لون الحنطة، وطبعه طبع الشعير في البرودة، وقال في الفروع وغيره: هو أشبه الحبوب بالشعير في صورته. والأرز هو الحب المعروف، وفيه ست لغات كأمن وأسد وعتل وعضد ومد وقفل. والدخن بالضم الجاورس كما في القاموس والصحاح، وفي المحكم: حب الجاورس أو الدخن أصغر أملس جدًا.

والباقلاء والعدس والحمص (¬1) وسائر الحبوب (ولو لم تكن قوتًا) (¬2) كحب الرشاد والفجل والقرطم (¬3) . ¬

_ (¬1) والجلبان والذرة واللوبيا، والترمس والقت، والماش والكرسفة والحلبة والخشخاش. والسمسم نبات يستخرج من حب الشيرج، ويقال لها «القطنيات» بكسر القاف وتشديد الياء، سميت بذلك لأنها تقطن في البيوت أي تتخذ؛ يقال: قطن إذا أقام، قال الماوردي: هي الحبوب المقتاتة سوى البرى والشعير، «والباقلاء» يمد مخففًا، ويكتب بالألف، ويقصر مشددًا ويكتب بالياء؛ ويقال له الفول؛ «والعدس» نبات له حب معروف يؤكل، الواحدة عدسة. «والحمص» بضمتين وشد الميم، وكسرها البصريون، وفتحها الكوفيون، وأما «الجلبان» فيقال له الهرطمان، حب متوسط بين الحنطة والشعير، و «الذرة» حب ونبات معروفان، و «اللوبيا» يمد ويقصر معرب، و «الترمس» بوزن بندق، حب عريض أصغر من الباقلاء، و «القت» حب يطبخ، ويدق ويختبز منه في المجاعات. و «الماش» حب كالكرسفة، يؤكل مطبوخًا، الواحدة ماشة. و «الكرسفة» القطنة، ولعلها مصحفة من الكرسنة بالنون، نبات له حب في غلف، تعلفه الدواب، و «الحُلبْةُ» معروفة، و «الخشخاش» نبات يحمل ألوانًا بيضًا منوم مخدر. (¬2) مما ييبس ويبقى، مما يكال ويدخر، وهو مذهب مالك، زاد الشافعي: ويقتات؛ لأن الإقتيات ضروري للحياة، فأوجب الشارع منه شيئًا لأرباب الضرورات، بخلاف ما يؤكل تنعمًا أو تأدمًا. (¬3) ونحوها من سائر الحبوب، مما تقدم وغيره، لقوله عليه الصلاة والسلام «ليس فيما دون خمسة أو ساق من حب ولا تمر صدقة» مفهومه أنه إذا بلغ خمسة أو ساق من حب ففيه الصدقة، وهو شامل بظاهره كل حب، وكذا علل أحمد وغيره أنه يطلق عليه اسم حبوب، واسم طعام وحب الرشاد معروف؛ والرشاد نبات حريف الطعم، مفرض الورق، والفجل بضم الفاء، وزن قفل، بقلة معروفة، والقرطم بكسر القاف والطاء وضمهما، لغتان مشهورتان، وصحح ابن قندس وغيره الكسر، وهو حب العصفر.

والأَبازير كلها كالكسفرة والكمون (¬1) وبزر الكتان والقثاء والخيار (¬2) لعموم قوله صلى الله عليه وسلم «فيما سقت السماءُ والعيون العشر» رواه البخاري (¬3) . ¬

_ (¬1) والكراويا والشونيز، والشمر والخيار، والبطيخ بأنواعه، والأبازير جمع بزر، حب يبذر للنبات، والمراد أبازير القدر، والكسفرة بضم الكاف والفاء، وفيها لغات كسبرة وكزبرة، بضم أول كل منهما وثالثه، وقيل إنه معرب، والكمون بفتح الكاف وتشديد الميم معروف. (¬2) ونحوها من البزور والبقول، كحب الرشاد والفجل والخردل والباذنجان، والبقلة الحمقاء والخس والجزر ونحوها، وكبزر البقول كلها، كالهندباء والكرسف والبصل وبزر قطونا ونحوها، وبزر الرياحين جميعها، وبزر بفتح الباء وكسرها، كل حب يبذر، الواحدة بزرة، وجمعه بزور وأبزار، وجمع الجمع أبازير، والكتان بفتح الكاف نبات له زهر أزرق، تنسج منه الثياب، وله بزور، يعتصر منه زيت يستصبح به، والقثاء بفتح القاف وقد تضم، نوع من النبات، ثمره يشبه ثمر الخيار، والخيار بكسر الخاء المعجمة، نوع من القثاء، قال الجوهري: ليس بعربي. (¬3) ولمسلم من حديث جابر «وفيما سقي بالسانية نصف العشر» وغير ذلك وقوله «فيما سقت السماء» يعني بالمطر أو الثلج أو البرد أو الطل، فما علاك فهو سماء، والعيون الأنهار الجارية التي يسقى منها بإساحة الماء، من غير اغتراف له، وفي لفظ «ما سقت الأنهار، أو كان عَثَرِيًا العشر» وأجمع على ذلك أهل العلم.

(وفي كل ثمر يكال ويدخر) (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم «ليس فيما دون خمسة أَوسق صدقة» (¬2) فدل على اعتبار التوسيق (¬3) . ¬

_ (¬1) وهذا مذهب مالك والشافعي في الادخار، وقال أحمد وغيره: ما كان يكال ويدخر، ويقع فيه القفيز، ففيه الزكاة. وقال مالك والشافعي: الذي يجب فيه الحق هو ما ادخر خاصة. وفائدة الخلاف، أن الإمام احمد يجب عند العشر في السمسم وبزر الكتان، والكمون والكراث والخردل، واللوز والفستق ونحوها، وعندهما لا تجب فيه، وأما أبو حنيفة فعنده تجب في الخضروات كلها. (¬2) متفق عليه، ولمسلم وأحمد وغيرهما «ليس فيما دون خمسة أو ساق من ثمر ولا حب صدقة» والأوسق والأوساق جمع وسق، ووسقت الشيء ضميت بعضه إلى بعض. والصدقة الزكاة. (¬3) فإن التقدير بالكيل يدل على صحة إناطة الحكم به، قال الخطابي وغيره: هذا الحديث ونحوه دليل في أن الزكاة إنما تجب فيما يوسق ويدخر من الحبوب والثمار، دون ما لا يكال ولا يدخر، من الفواكه والخضراوات ونحوها، وعليه عامة أهل العلم. وقال شيخ الإسلام: وأما أحمد وغيره من فقهاء الحديث، فيوجبون الزكاة في الحبوب، كالثمار التي تدخر، وإن لم تكن تمرًا أو زبيبًا، كالفستق والبندق، جعلا للبقاء في المعشرات بمنزلة الحول في الماشية والجرين، فيفرق بين الخضروات وبين المدخرات، وقد يلحق بالموسق الموزونات، كالقطن على إحدى الروايتين، لما في ذلك من الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم، وزاد مالك: تؤخذ من الثمار ذوات الأصول كلها، ما ادخر وما لم يدخر، ورجح في مواضع أن المعتبر في وجوبها نية الادخار، لوجود المعنى المناسب لإيجابها.

وما لا يدخر لا تكمل فيه النعمة، لعدم النفع به مآلا (¬1) (كتمر وزبيب) ولوز وفستق وبندق (¬2) ولا تجب في سائر الثمار (¬3) . ¬

_ (¬1) أي في الزمن المستقبل، فلا تجب فيه عند جمهور أهل العلم؛ لأن ما لا يدخر لم تكمل ماليته، لعدم التمكن من الانتفاع به في المآل، أشبه الخضر. (¬2) وسماق ونحو ذلك، فتجب في الثمر المكيل المدخر، كتمر بأنواعه، وزبيب بأنواعه، لحديث عتاب بن أسيد في الكرم «تخرص كما يخرص النخل، فتؤدى زكاته زبيبًا، كما تؤدي زكاة النخل تمرًا» رواه أبو داود والترمذي وغيره عن عتاب مرسلاً، ولأن ثمرة النخل والكرم تعظم منفعتها، لأنها من الأقوات، والأموال المدخرة، وقد أجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم على وجوبها في التمر والزبيب. و «لوز» معروف إما حلو أو مر، وشجره يقارب الرمان، وورقه مستطيل، وعلل بأنه مكيل، و «فستق» بضم الفاء والتاء معرب، وحكي فتح التاء ثمرة معروف، و «بندق» بضم الباء والدال معرب، ثم شجرة البندقية، فتجب فيها الزكاة، لأنها مكيلة مدخرة، ونقل صالح وعبد الله: ما كان يكال ويدخر ففيه العشر. قال في المبدع: اختاره جماعة، وجزم به آخرون. (¬3) كالجوز والأجاص، والكمثرى والتفاح، والخوج والسفرجل، والرمان والنبق والزعرور والموز والأترج ونحو ذلك، لأنها ليست مكيلة ولا مدخرة، وقال عمر: هي من العضاه. وقال الأصحاب: والتين والتوث والمشمش والزيتون والعناب ونحو ذلك، لانتفاء كيلها. واختار الشيخ وغيره وجوبها في التين، لأنه يدخر، واستظهر في الفروع والإقناع وغيرهما وجوبها فيه. وفي التوث والمشمش لأنه يدخر كالتمر، وكذا الزيتون، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، واختاره المجد والقاضي وغيرهما؛ وصوبه في تصحيح الفروع، لأنه حب مكيل، ينتفع بدهنه الخارج منه، أشبه السمسم؛ والكتان إذا بلغ خمسة أوسق فيزكى، نص عليه؛ وإخراج زيته أفضل، وفاقًا لهما، وفي الإنصاف: تجب في العناب على الصحيح، واستظهره في الفروع، وجزم به الموفق وابن عقيل وغيرهما، لأنه مدخر.

ليس في الخضروات والبقول صدقة

ولا في الخضر والبقول (¬1) . ¬

_ (¬1) الخضر بضم ففتح، والخضروات جمع، والبقول جمع بقل، ما نبت في بزره، لا في أصل ثابت أي ولا تجب الزكاة في الخضر كاللفت ونحوه، ولا في البقول كفجل وثوم وبصل وكراث، وجزر وبطيخ وقثاء وخيار، وباذنجان وسلق وكرنب وقنبيط ونحو ذلك، لحديث علي مرفوعًا «ليس في الخضراوات صدقة» وعن عائشة معناه، رواهما الدارقطني، وروى الترمذي وغيره وضعفه أن معاذًا كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الخضراوات فكتب إليه «ليس فيها شيء» ونحوه عن موسى بن طلحة، رواه الأثرم، وروي بألفاظ متعددة، عن عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الترمذي: لا يصح فيه شيء، وقال: العمل عليه عند أهل العلم، أنه ليس في الخضروات صدقة. وقال البيهقي: إلا أنها من طرق مختلفة، يؤكد بعضها بعضًا؛ ومعها أقوال الصحابة، ثم روى عن عمر وعلي وعائشة وغيرهم. وقال الخطابي وغيره: يستدل بحديث «ليس فيما دون خمس أوسق صدقة» أنها لا تجب في شيء من الخضراوات، وهو دليل في أنها إنما تجب فيما يوسق ويدخر، من الحبوب والثمار، دون مالا يكال من الفواكه والخضروات ونحوها؛ وعليه عامة أهل العلم. اهـ. وتركه صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده – وهي تزرع بجوارهم، ولا تؤدي زكاتها لهم – يدل على عدم وجوبها فيها، وأن تركها هو السنة المتبعة. وقال أحمد: ما كان مثل الخيار والقثاء، والبصل والرياحين، فليس فيه زكاة، إلا أن يباع، ويحول على ثمنه الحول. وجزم به جماعة، ولا تجب في قطن وكتان، وقنب وزعفران وورس ونيل، وفوة وغبيراء، وبقم وحناء، ونارجيل وهو جوز الهند، شبيه بالنخلة، لكنها تميل بصاحبها حتى تدنيه من الأرض.

اشتراط النصاب وبيان مقداره

والزهور ونحوها (¬1) غير صعتر وأشنان وسُمَّاق (¬2) وورق شجر يقصد (¬3) كسدر وخطمي وآس، فتجب فيها، لأَنها مكيلة مدخرة (¬4) (ويعتبر) لوجوب الزكاة في جميع ذلك (بلوغ نصاب (¬5) قدره) بعد تصفية حب من قشره، وجفاف غيره، خمسة أوسق (¬6) . ¬

_ (¬1) كالورد والعصفر والزعفران، والبنفسج والنرجس والينوفر، والخيري وهو المنشور، ولا في نحو ذلك، كالطلع والورق، والسعف والخوص والليف، والتبن وقشور الحب، والحطب والخشب وأغصان الخلاف، والحشيش والقصب الفارسي وفاقًا، وحكى الإجماع المجد وغيره، وكذا لبن الماشية وصوفها. (¬2) ونحوها، فتجب فيها، لأنها مكيلة مدخرة، و «صعتر» ، ويقال سعتر، نبت طيب الرائحة، بزره دون بزر الريحان، و «أشنان» نوع من الحمض، معروف يغسل به، وسماق بوزن رمان ثمر يشتهى شديد الحموضة. (¬3) أي للادخار. (¬4) أشبهت البر، وقال في الفصول: لا زكاة فيه رواية واحدة. وذكره أبو يعلى، ولأن ثمر النبق لا تجب فيه، فورقه أولى، وجزم به في المغني. والشرح، وقال الزركشي: هو اختيار العامة. (¬5) أي في جميع ما تقدم، مما تجب فيه، كمال نصاب، وهذا الشرط الأول. (¬6) واحدها وسق بفتح الواو وكسرها، والأشهر الفتح. قال الهروي: كل شيء جمعته فقد وسقته، والتصفية التنقية من الأغثاء، والنبت الذي لا خير فيه، وتصفية الحب تنقيته من قشره الذي عليه، والجفاف اليبس، وغيره الحب الثمر والورق، واعتبرت التصفية والجفاف لأن التوسيق وكمال الادخار لا يكون إلا بعدهما، فوجب اعتبارهما، قال الموفق وغيره: إلا الأرز والعَلس يدخر في قشره، فإن نصاب كل واحد منهما مع قشرة عشرة أوسق، ولو صفي الأرز والعلس فنصاب كل منهما خمسة أوسق، قال في الإنصاف: بلا نزاع.

لحديث أبي سعيد الخدري يرفعه «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» رواه الجماعة (¬1) والوسق ستون صاعًا (¬2) وتقدم أنه خمسة أرطال وثلث عراقي (¬3) فهي (ألف وستمائة رطل عراقي) (¬4) . ¬

_ (¬1) أحمد والبخاري ومسلم وأهل السنن الأربعة، ورواه غيرهم، وتقدم لمسلم «من حب ولا ثمر» بالمثلثة، وله نحوه عن جابر، وقال الخطابي وغيره: حديث أبي سعيد أصل في بيان مقادير ما يحتمل الأموال من المواساة، وإيجاب الصدقة فيها، وإسقاطها عن القليل الذي لا يحتملها، لئلا يجحف بأرباب الأموال، ولا يبخس الفقراء حقوقهم. وإذا بلغتها أنواع هذه الأموال وجب فيها الحق، وقال ابن عبد البر: فيه إيجاب الصدقة في هذا المقدار، ونفيها عما دونه، وأجمع أهل العلم أنما زاد ففيه الزكاة، وحكاه النووي وغيره، وأنها لا تجب في أقل من خمسة أوسق، وهو مذهب جماهير العلماء، مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. (¬2) قال ابن المنذر وغيره: بغير خلاف، وأنه المعتمد في تقديره، ولابن ماجه وغيره «الوسق ستون صاعًا» . (¬3) يعني الصاع، في باب الغسل. (¬4) تقريبًا، فلا يؤثر النقص اليسير، قال في الإنصاف: وهو الصواب. قال الشيخ: والرطل البغدادي ثمانية وعشرون درهمًا، والدراهم هي هذه التي هي من زمان عبد الملك، كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل، فبلغ النصاب بها ألفًا وستمائة رطل.

وألف وأربعمائة وثمانية وعشرون رطلاً، وأربعة أسباع رطل مصري، وثلاثمائة واثنان وأربعون رطلاً وستة أسباع رطل دمشقي، ومائتان وسبعة وخمسون رطلاً، وسبع رطل قدسي (¬1) والوسق والمد والصاع مكاييل، نقلت إلى الوزن، لتحفظ وتنقل (¬2) وتعتبر بالبر الرزين (¬3) فمن اتخذ مكيلا يسع صاعًا منه، عرف به ما بلغ حد الوجوب من غيره (¬4) . ¬

_ (¬1) وما وافق تلك في الزنة، وتقدم. (¬2) أي قدرت بالوزن، فلا يزاد ولا ينقص منها، وتنقل من الحجاز إلى غيره، والنقل تحويل الشيء من موضع إلى آخر. فلا بد من تحديد، وليست صنجًا. (¬3) وهو الذي يساوي العدس في وزنه، واعتبروا الصاع به، لأنه المتوسط من المكيلات وزنًا. (¬4) أي غير البر الرزين، فإن المكيل يختلف في الوزن فمنه ثقيل كتمر وأرز، ومنه متوسط كبر وعدس، ومنه خفيف كشعير وذرة، فالاعتبار في ذلك بالمتوسط، فمن أخذ خمسة أرطال وثلثا من البر، ثم كال به ما شاء من خفيف وثقيل عرف ما بلغ حد الوجوب، من غيره الذي لم يبلغه بالوزن، ونص أحمد وغيره من الأئمة أن الصاع خمسة أرطال وثلث، بالحنطة من الرزين، وهو الذي يساوي العدس، وقال الداودي وغيره: معياره الذي لا يختلف أربع حفنات، بكَفّي الرجل المعتدل الخلقة. وذكر صاحب القاموس وغيره أنه جربه فوجده صحيحًا، وأما عَلَس وأرْز يدخران في قشريهما فعشرة أوسق، إذا كان يخرج مصفى منهما النصف وتقدم، ولا يقدر غيرهما من حنطة ونحوها، لعدم جريان العادة به، ونصاب ما لا يكال، كالزعفران والقطن والورس بالوزن، ألف وستمائة رطل عراقي ... اختاره وصححه أكثر الأصحاب.

(وتضم) أنواع الجنس من (ثمرة العام الواحد) وزرعه (بعضها إلى بعض) ولو مما يحمل في السنة حملين (في تكميل النصاب) (¬1) لعموم الخبر (¬2) وكما لو بدا صلاح إحداهما قبل الأُخرى (¬3) سواء اتفق وقت إطلاعها وإدراكها أَو اختلف، تعدد البلد أو لا (¬4) . ¬

_ (¬1) وفاقًا، ولو اختلف النوع، وتعدد البلد، كما سيأتي، لاتحاد الجنس، ولأنها ثمرة عام واحد، كمعقلي وإبراهيمي، فيضمان في تكميل النصاب، وكعلس إلى حنطة، لأنه نوع منها، وسلت إلى شعير، لأنه نوع منه، وذكر الجويني أن تمر المدينة مائة وعشرون نوعًا ستون أحمر وستون أسود، وليس المراد بالعام هنا اثني عشر شهرًا، بل وقت استغلال المغل من العام عرفًا، وأكثره عادة ستة أشهر، بقدر فصلين، قال ابن نصر الله: ولهذا اجتمعنا أن من استغل حنطة أو رطبًا، آخر تَمّوز من عام، ثم عاد واستغل منه في العام المقبل أول تَمّوز أو قبله في حزيران لم يضما، مع أن بينهما دون من الإثني عشر شهرًا، ويأتي قول الشيخ: تضم الحبوب، وكذا القطاني بعضهما إلى بعض، ولو كان بعضه صيفيًا وبعضه شتويًا، وكذلك الثمرة. إلى آخره، وما يحمل في السنة مرتين، كالذرة والنخل الذين يحملان في السنة مرتين فضم بعضه إلى بعض، لأنه ثمرة عام واحد. (¬2) يعني قوله «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» فإنه دليل على وجوبها فيما يوسق ويكال من الحبوب والثمار. (¬3) قال في المبدع: وهو محمول على اختلاف الأنواع كالبرني والمعقلي. (¬4) نص عليه في العام الواحد، كما تقدم، ولا تأثير لأجل تعدد البلد. ولعامل كل بلد أخذ حصته وفاقًا.

(لا جنس إلى آخر) فلا يضم بر لشعير، ولا تمر لزبيب، في تكميل نصاب، كالمواشي (¬1) (ويعتبر) أيضًا لوجوب الزكاة فيما تقدم (أن يكون النصاب مملوكًا له وقت وجوب الزكاة) وهو بدو الصلاح (¬2) (فلا تجب فيما يكتسبه اللقاط (¬3) أو يأْخذه بحصاده) (¬4) وكذا ما ملكه بعد بدو الصلاح بشراء أو إرث أو غيره (¬5) . ¬

_ (¬1) فإنه لا يضم جنس البر إلى الشعير، ولا التمر إلى الزبيب، ولا إلى غيرهما من الثمار، كما أنه لا تضم غنم إلى إبل أو بقر إجماعًا، ولا تضم الأثمان ولا الحبوب إلى السائمة، ولا السائمة إلى الحبوب والثمار، وعنه: تضم الحنطة إلى الشعير. وهي أظهر الروايتين، وفاقًا لمالك، وقال الشيخ: يضم القمح والشعير والسلت في الزكاة، وتضم القطاني بعضهما إلى بعض، ولو كان بعضه صيفيًا وبعضه شتويًا، إذا كان لواحد، وإلا فلا. (¬2) في الثمر، واشتداد الحب في الزرع، وهذا هو الشرط الثاني، ولو باعه ونحوه بعد بدو الصلاح فزكاته عليه، خرص أم لا، كما لو باع السائمة بعد الحول. (¬3) لعدم ملكه وقت الوجوب. (¬4) أو دياسه ونحوه أو تصفيته أو نطارته ونحو ذلك، والحصاد قطع الزرع ونحوه من: حصدته أحصده حصدًا. (¬5) كهبة وعطية وصدقة وعوض خلع أو صلح أو إجارة ونحو ذلك، لأنه لم يكن مالكًا له وقت الوجوب.

(ولا فيما يجتنيه من المباح، كالبطم والزعبل) بوزن جعفر، وهو شعير الجبل (¬1) (وبزر قطونا) وحب نمام (ولو نبت في أرضه) لأنه لا يملكه بملك الأرض (¬2) فإن نبت بنفسه ما يزرعه الآدمي، كمن سقط له حب حنطة في أرضه، أو أرض مباحة ففيه الزكاة، لأنه يملكه وقت الوجوب (¬3) . ¬

_ (¬1) قاله الموفق وغيره، والبطم الحبة الخضراء أو شجرها، الواحدة بطمة. (¬2) هذا هو المشهور من المذهب، وكذا كزبرة، وعفص وأشنان وسماق ونحو ذلك، وعنه: تجب فيه الزكاة وفاقًا، لأنه مكيل ومدخر قوتا، وقال ابن الجوزي: هو المذهب. وقال غيره: هو قياس المذهب. لأنه أوجبه في العسل، فهنا أولى. «وقطونا» بفتح القاف وضم الطاء، يمد ويقصر، بزر معروف، هو حب الربلة، و «نمام» بالموحدة نبت طيب الرائحة، سمي بذلك لسطوع رائحته، وبالمثلثة نبت قصير ضعيف، لا يطول، وحبه معروف يؤكل. (¬3) ولأنه لا يشترط لوجوبها فعل الزرع، وكذا إن كانت مملوكة للغير، وكان لا على وجه الغصب ولم يتملكه رب الأرض، قال الخلوتي: فما يوهمه كلامه من التقييد ليس مرادًا.

فصل في قدر الواجب في الحبوب والثمار

فصل (¬1) (يجب عشر) وهو واحد من عشرة (¬2) (فيما سقي بلا مؤنة) كالغيث والسيوح، والبعل الشارب بعروقه (¬3) . ¬

_ (¬1) في قدر الواجب في الحبوب والثمار، قال شيخ الإسلام: قد اتفق العلماء على المقدار المأخوذ من المعشرات للخبر. (¬2) قال في المبدع: إجماعًا، «وعشر» بضم الشين وإسكانها، وكذا التسع وما قبله إلى الثلث، ويقال: عشر بفتح العين وكسر الشين، ومعشار. (¬3) إجماعًا حكاه النووي والشيخ وغيرهما، لما في الصحيح من حديث ابن عمر «فما سقت السماء والعيون، أو كان عثريًا العشر» . ولمسلم عن جابر «فيما سقت الأنهار والغيم العشر» وللشافعي وغيره عن معاذ قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: وأن آخذ مما سقت السماء العشر. وفي الموطإ وغيره «العيون والبعل» وقال الشيخ وغيره: هو ما شرب بعروقه، يمتد بها في الأرض، ولا يحتاج إلى سقي، من الكرم والنخل. وأطلق غيره فقال: هو ما يكون في أرض ندية، تشرب عروقه من رطوبة الأرض، لا ما يعيش بغيث، عكس المعروف اليوم بنجد، قال الشيخ: والعثري ما تسقيه السماء، وقيل يجمع له ماء المطر فيصير سواقيًا، يتصل الماء بها. اهـ. وقيل: سمي عثريًا لأنه يجعل في مجرى الماء عاثورًا، فإذا صدمه الماء تراد، فدخل تلك المجاري فتسقيه. والسيوح جمع سيح، وهو الماء الجاري على وجه الأرض من الأنهار والسواقي ونحوها، يقال: ساح يسيح، ولو كان بإجراء ماء حفيره أو ثراه، والغيث المطر، والمؤنة تهمز ولا تهمز فعولة، وقال الفراء: مفعلة من المأن وهو التعب والشدة، وقال الأزهري: منت فلانًا أمونة. إذا قمت بكفايته، والأصل الهمز، غير أن العرب آثرت تركه كأرى، وأثبتوه في «رأيت» . ولا يؤثر مؤنة حفر الأنهار والسواقي. وتنقيتها وسقي، في نقص الزكاة، لقلة المؤنة، وكذا من يحول الماء في السواقي، لأنه لا بد منه، وكحرث الأرض.

(و) يجب (نصفه) أي نصف العشر (معها) أي مع المؤنة، كالدولاب تديره البقر، والنواضح يستقى عليها (¬1) لقوله عليه السلام في حديث ابن عمر «وما سقي بالنضح نصف العشر» رواه البخاري (¬2) (و) يجب (ثلاثة أرباعه) أي أرباع العشر (بهما) أي فيما يشرب بلا مؤنة وبمؤنة نصفين، قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه (¬3) (فإن تفاوتا) أي السقي بمؤنة وبغيرها (ف) الاعتبار (بأكثرهما نفعًا) ¬

_ (¬1) إجماعًا حكاه غير واحد، والدولاب للدوالي، جمعه دواليب، ومثله الناعورة يديرها الماء، وكل آلة يحتاج إليها في ترقية الماء إلى الأرض، والنواضح جمع ناضح، وهي الإبل والبقر وسائر الحيوانات، يستقى بها الماء من بئر أو نهر، للزروع والنخيل والأشجار وغيرها. (¬2) وغيره، ولمسلم وغيره عن جابر «وفيما سقي بالسانية نصف العشر» وللشافعي وغيره عن معاذ «وما سقي بالدوالي نصف العشر» قال النووي وغيره: هو قول أهل العلم. والنضح السقي بالسواني، من إبل أو بقر، وغيرهما من الحيوانات، سمي بذلك لأنه ينضح الماء أي يصيبه، وسميت سواني لأنها يستقي بها الماء من البئر، يقال منه: سنا يسنو. إذا سقى به. (¬3) وحكى الإجماع عليه غير واحد، ولأن كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، فإذا وجد نصفه أوجب نصفه.

إذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة

ونموًا (¬1) لأن اعتبار عدد السقي، وما يسقى به في كل وقت يشق، فاعتبر الأكثر كالسوم (¬2) (ومع الجهل) بأكثرهما نفعًا (العشر) ليخرج من عهدة الواجب بيقين (¬3) وإذا كان له حائطان، أحدهما يسقى بمؤنة، والآخر بغيرها ضما في النصاب (¬4) ولكل منهما حكم نفسه، في سقيه بمؤنة أو غيرها (¬5) ويصدق مالك فيما سقى به (¬6) (وإذا اشتد الحب، وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة) (¬7) . ¬

_ (¬1) لا المدة وعدد السقي، وفي الفروع: فإن كان أحدهما أكثر، فالحكم له وفاقًا. (¬2) أي فإنه اعتبر في السوم أكثر الحول، فمثله السقي بفتح السين وبكسرها ما يسقى به الأرض أو الزرع. (¬3) ولأن الأصل وجوبه كاملاً. (¬4) إن كانا من جنس واحد، وإن كان أحدهما مغايرًا للآخر، كنخل وعنب فلا. (¬5) فيخرج مما يشرب بمؤنة نصف عشره، ومما يشرب بغيرها عشره. (¬6) بلا يمينه لأنه مؤتمن، ولأن الناس لا يستحلفون على صدقاتهم، لأنها حق لله، فلا يستحلف فيه كالصلاة. (¬7) أي على مالكه، وفاقًا لمالك والشافعي وجمهور أهل العلم، فلو باعه أو وهبه بعد ذلك، قبل الخرص أو بعده فزكاته عليه، لا على المشتري والموهوب له، «وبدا» بإسكان الألف غير مهموز، أي ظهر نضجه، وطاب أكله.

لأنه يقصد للأَكل والإقتيات كاليابس (¬1) فلو باع الحب أو الثمرة، أو تلفا بتعديه بعد، لم تسقط (¬2) وإن قطعهما أو باعهما قبله فلا زكاة (¬3) إن لم يقصد الفرار منها (¬4) (ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها في البيدر) ونحوه، وهو موضع تشميسها ¬

_ (¬1) ولأنه وقت خرص الثمرة، لحفظ الزكاة، ومعرفة قدرها، فدل على تعلق وجوبها به. (¬2) «بَعْدُ» بالبناء على الضم، لحذف المضاف إليه، ونية معناه، أي بعد اشتداد الحب، وبدو الصلاح، لم تسقط الزكاة، سواء خرصت الثمرة أو لم تخرص، وإن اشترطها على المشتري صح، للعلم بها، فكأنه استثنى قدرها، ووكله في إخراجها. (¬3) أي عليه وفاقًا، وقاله الشيخ وغيره، وهو ما إذا كان لغرض صحيح، كأكل أو بيع أو تحسين بقيتها، وينبغي تقييده في صورة البيع بأنه مع أصله، أو أن على المشتري القطع، وتجب فيما إذا كان البيع مع أصله على المشتري، إن كان من أهل الزكاة، ولا يجوز شرطها على البائع. (¬4) فإن قصد الفرار من الزكاة وجبت عليه، لتفويته الواجب، بعد انعقاد سببه، هذا في صورة القطع والإتلاف واضح، وأما في صورة البيع، فينظر: هل تجب عليه كما تجب على المشتري، فتجب زكاتان علي عين واحدة؟ قال مرعي: ولعلها لا تجب عليه. وقال في الفروع: ولو ملك ثمرة قبل صلاحها، ثم صلحت بيده، لزمته زكاتها، لوجود السبب في ملكه، ولو صلحت في مدة خيار، زكاها من قلنا الملك له، ومتى صلحت بيد من لا زكاة عليه، فلا زكاة فيها، إلا أن يكون الأول قصد الفرار.

وتيبيسها (¬1) لأنه قبل ذلك في حكم ما لم تثبت اليد عليه (¬2) (فإن تلفت) الحبوب أو الثمار (قبله) أي قبل جعلها في البيدر (بغير تعد منه) ولا تفريط (سقطت) (¬3) لأنها لم تستقر (¬4) وإن تلف البعض، فإن كان قبل الوجوب، زكى الباقي إن بلغ نصابًا، وإلا فلا (¬5) . ¬

_ (¬1) أي البيدر بالشام والشرق، ويسمى بمصر الجرين، وكذا بالعراق، والمربد بالحجاز، والجوخان بالبصرة، ويسمى أيضًا المصطاح والطباية والفداء والقوع، وغير ذلك، لكل أهل جهة اصطلاح، والجميع اسم للموضع الذي تجمع فيه الثمرة، حتى يتكامل جفافها، والتيبيس بسط الشيء حتى يجف، والتشميس بسط الشيء في الشمس، ولا يلزم منه أن لا توضع في مخزنها بدونه، فقد توضع فيه الثمرة أو بعضها. (¬2) فلم تجب فيه، فإنه لو اشترى ثمرة فتلفت بعطش ونحوه، رجع على البائع. (¬3) يعني الزكاة، خرصت أو لم تخرص، قال ابن المنذر وابن عبد البر وغيرهما: أجمع أهل العلم على أن الخارص إذا خرص الثمر ثم أصابته جائحة قبل الجذاذ، فلا شيء عليه. وقيل: فائدة الخرص أمن الخيانة من رب المال، لا الوجوب. (¬4) أي على المالك بدون وضعها في بيدرها ونحوه. (¬5) أي وإن لم يكن الباقي نصابًا، فلا زكاة فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» وهو يعم حالة الوجوب، ولزوم الأداء.

وإن كان بعده زكى الباقي مطلقًا، حيث بلغ مع التالف نصابًا (¬1) . ¬

_ (¬1) يعني سواء بلغ الباقي نصابًا، أو لم يبلغ، لوجوب التالف عليه، لأنه متعد أو مفرد، وإن ادعى تلفًا قبل قوله وفاقًا، بلا يمين، إلا أن يدعيه بجائحة ظاهرة، فلا بد من بينة وفاقًا، ويحرم القطع مع حضور ساع بلا إذنه، ويسن أن يبعث الإمام خارصًا، إذا بدا صلاح الثمر، وهو مذهب مالك والشافعي وجماهير العلماء، لما روى أحمد وأبو داود وغيرهما، أنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر، يخرص عليهم النخل، قبل أن يؤكل؛ وفي الترمذي وغيره: يبعث إلى الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم. وفي المنتهى وغيره: لا تخرص الحبوب بلا خلاف. اهـ. وعمل المسلمين على خلافه، لإمكانه فيه كالثمر، وشرط في الخارص العلم بالخرص، والعدالة والحرية والذكورية، ويجب أن يترك في الخرص الثلث أو الربع لحديث «إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع» رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وتركه توسعة لحاجة المالك، اختاره الشيخ وغيره، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «خففوا على الناس، فإن في المال الوطية والأكلة والعرية» رواه أبو عبيد، وقال: الوطية السابلة، سموا بذلك لوطئهم بلاد الثمار مجتازين، والعرية هي هبة ثمر نخلة أو نخلات لمن يأكله، والأكلة أهل المال يأكلون منه. وقال ابن عقيل، والآمدي وغيرهما: يترك قدر أكلهم وهديتهم بالمعروف، بلا تحديد، للأخبار الخاصة، وللحاجة إلى الأكل والإطعام والتناثر وغير ذلك، وهو قول أكثر العلماء. قال الشيخ: وتسقط فيما خرج من مؤنة الزرع والثمر منه، لأن الشارع أسقط في الخرص زكاة الثلث أو الربع، لأجل ما يخرج من الثمرة بالإكراء والضيافة وإطعام ابن السبيل، وهو تبرع، فما يخرج عنه لمصلحته التي لا يحصل إلا بها أولى بإسقاط الزكاة عنه، قال في الخلاف: وأسقط أحمد عن أرباب الزرع الزكاة في مقدار ما يأكلون، وإن ترك الساعي شيئًا من الواجب وجب إخراجها، لأنها لا تسقط بتركه، ولا يزكي ما نقص عما قال، لأنه لا زكاة عليه فيما ليس في ملكه.

ويلزم إخراج حب مصفى (¬1) وثمر يابسًا (¬2) ويحرم شراءُ زكاته أَو صدقته، ولا يصح (¬3) ويزكي كل نوع على حدته (¬4) . ¬

_ (¬1) إجماعًا، قال الشيخ: ويعتبر عندهم اليبس والتصفية في الحبوب، والجفاف في الثمار. اهـ. والتصفية التنقية والتنظيف من نحو تبن وقشر لا يؤكل ولا يدخر معه. (¬2) إجماعًا لحديث عتاب بن أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يخرص العنب زبيبًا، كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيبًا، كما تؤخذ زكاة النخل تمرًا، ولا يسمى زبيبًا وتمرًا إلا اليابس، وقيس عليهما الباقي، وقال الشيخ: الزيت فيه من الزيتون، وما لا يزبب من العنب، ولا يتمر من الرطب، تخرج الزكاة من ثمنه أو غيره. وفي الإنصاف: إن احتيج لقطعه قبل كماله أخرج منه رطبًا وعنبًا. وتجب فيه إجماعًا، وإن قطعه قبل سقطت، وفرارًا تجب. (¬3) بأن يشتريها بعد دفعها، ولو من غير من أخذها منه، لحديث عمر قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، وأردت أن أشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال «لا تشتره، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه» متفق عليه، قال ابن المنذر: يلزم من ذلك فساد البيع. ولأنه وسيلة إلى استرجاع شيء منه، استحياء أن يماكسه، وقيده في الوجيز: لغير ضرورة. وهو مراد من أطلق، وإن رجعت إليه بإرث جاز، لما رواه مسلم وغيره من حديث بريدة قال «وجب أجرك، وردها عليك الميراث» وكذا لو عادت إليه بهبة أو وصية ونحو ذلك. (¬4) فيزكى الإبراهيمي على حدته، والمعقلي على حدته، والبر على حدته، والقمح على حدته، وإن كان نوعًا واحدًا أخذ منه بلا نزاع، وإن كان أنواعًا، فاختار الموفق وغيره أنه يجمع ويخرج من الوسط، بين أعلى وأدنى، لأن كل شيء على حدته يشق، وقد رفعت المشقة والحرج شرعًا، وكالسائمة، ويؤخذ الواجب من الزرع والثمر بحسبه، جيدًا أو رديئًا، منه أو من غيره وفاقًا، ولا يجوز إخراج الرديء عن الجيد وفاقًا، ولا الإلزام بإخراج الجيد عن الرديء وفاقًا، وله أن يخرج الواجب منه مشاعًا أو مقسومًا، بعد الجذاذ أو قبله بالخرص، وفاقًا لمالك والشافعي لأنها مواساة.

يجب العشر أو نصفه على مستأجر الأرض وما يجب في الأرض الخراجية

(ويجب العشر) أو نصفه (على مستأْجر الأَرض) دون مالكها كالمستعير (¬1) لقوله {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (¬2) ويجتمع العشر والخراج في أرض خراجية (¬3) . ¬

_ (¬1) أي يجب على المستأجر، لأنه مالك للزرع، كالمستعير وفاقًأ وحكي إجماعًا، لعموم الأخبار، إلا أبا حنيفة في المستأجر، دون صاحبيه، لأن الغرم يتبع الغنم، فإذا استأجر إنسان من أهل الزكاة، فزرع أو غرس، فما أثمر مما تجب فيه فعلى المستأجر أو المستعير، دون المالك أو المعير، وكتاجر استأجر حانوتًا، وفي إيجابها على المالك إجحاف ينافي المواساة، وهو من حقوق الزرع، ولأنها زكاة مال، فكانت على مالكه كالسائمة، وأما المزارعة يجزء فعلى رب الأرض عشر سهمه، قال الشيخ: باتفاق الأئمة، ولم يقل أحد من المسلمين إن رب الأرض يقاسم العامل، ويكون العشر كله على العامل، فمن قال هذا فقد خالف إجماع المسلمين. (¬2) أي يوم الجذاذ والقطع، أو يوم الكيل، وحقه الزكاة المفروضة، أمرهم تعالى بأدائها بعد أن ذكر ما أنعم به على عباده من الثمار، وأنه أباح لهم الأكل منها. (¬3) وفاقًا لمالك والشافعي وجماهير العلماء، للعموم، فالخراج في رقبتها، والعشر في غلتها، ومن سبب الخراج التمكين من النفع، وسبب العشر الزرع والأرض الخراجية هي ما فتحت عنوة ولم تقسم، أو جلا أهلها خوفًا منا، أو صولحوا أنها لنا ونقرها معهم بالخراج. قال الشيخ: وجمع الإمام أحمد وأهل الحديث بين العشر والخراج، لأن العشر حق الزرع، والخراج حق الأرض، وصاحبا أبي حنيفة قولهما قول أحمد أو قريب منه. ولأن الموضوع مختلف، وهو نفس الأرض والغلة، والسبب كذلك وهو الانتفاع بالأرض، وحصول النابت بها، فالخراج في رقبتها، والعشر في غلتها، إن كانت لمسلم، وهو مذهب مالك والشافعي وجمهور أهل العلم للعموم، والأرض العشرية لا خراج عليها، وهي المملوكة بإحياء، أو أسلموا عليها، أو أنها لهم بخراج، أو أقطعها الخلفاء، أو قسمت كأرض خيبر، وهو مذهب مالك والشافعي. وقال الشيخ: سواء كانت الأرض ملكًا له، أو استأجرها، أو أقطعها له الإمام يستغل منفعتها، أو استعارها، أو كانت موقوفة عليه. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن كل أرض أسلم أهلها عليها قبل قهرهم، أنها لهم، وأن عليهم فيما زرعوا فيها الزكاة. فأرض الصلح كما قال، وكذلك أرض العنوة، إذا كان عليها خراج أدى الخراج وزكى ما بقي، فمن استأجر أرضًا للزرع، فعليه الزكاة، عند جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد، وكذلك المقطعة، عليهم العشر، وهذا قول علماء الإسلام. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ العشر من الصحابة يعطيه لمستحقه، ويأمرهم أن يجاهدوا بما بقي من أموالهم، فمن أقطعه الإمام أرضًا للاستغلال والجهاد، ونبت الزرع على ملكه في أرض عشرية، فما يقول عالم أنه لا عشر عليه. وقال: من قال: إن العشر الذي أوجبه الله لمستحقي الصدقات يسقط؛ فقد خالف الإجماع. وقال: إذا كانت المقاسمة نصفين، فعلى الفلاح تعشير نصفه، وعلى المقطع تعشير نصفه، هذا على القول الصحيح، الذي عليه علماء المسلمين قديمًا وحديثًا.

..........................................................

يصاب العسل ومقدار زكاته

ولا زكاة في قدر الخراج، إن لم يكن له مال آخر (¬1) (وإذا أَخذ من ملكه أو موات) كرؤُوس الجبال (¬2) (من العسل مائة وستين رطلاً عراقيًا (¬3) ففيه عشره) قال الإمام: أَذهب إلى أَن في العسل زكاة، العشر، قد أَخذ عمر منهم الزكاة (¬4) . ¬

_ (¬1) أي يقابل قدر الخراج، لأنه كدين الآدمي، وتقدم أنه يمنع، فكذا الخراج، فإن كان في غلتها ما لا زكاة فيه، جعله في مقابلة الخراج إن أوفى به، لأنه أحوط. وإن لم يكن لها غلة إلا ما فيه الزكاة، أدى الخراج من غلتها، وزكى الباقي إن بلغ نصابًا. (¬2) أو أخذ من ملك غيره، لأن العسل لا يملك بملك الأرض كالصيد، وسواء كانت الأرض عشرية أو خراجية. (¬3) وجملته ثلاثون صاعًا نبوية، وتقديره بها لما رواه الجوزجاني عن عمر، أن ناسًا سألوه فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع لنا واديًا باليمن، فيه خلايا من نحل، وإن ناسًا يسرقونها. فقال عمر: إن أديتم صدقتها، من كل عشرة أفراق فرقًا، حميناها لكم. (¬4) يشير إلى ما تقدم، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ في زمانه من قرب العسل، من كل عشر قرب قربة. رواه ابن ماجه والأثرم، وأبو عبيد وغيرهم، ولابن ماجه وغيره عن أبي سيارة، قلت: يا رسول الله، إن لي نحلاً. قال «فأد العشور» قال: فاحم لها جبلها. قال: فحمى لها جبلها. وغير ذلك من الآثار، قال شيخ الإسلام: أوجبها الإمام أحمد في العسل، لما فيه من الآثار التي جمعها، وإن كان غيره قد لم يبلغه إلا من طريق ضعيف، وتسوية بين جنس ما أنزل الله من السماء، وما أخرجه من الأرض. ولما رجع أن المعتبر في الخارج من الأرض الإدخار، قال: ولهذا تجب الزكاة عندنا في العسل، وهو رطب، ولا يوسق لكونه يبقى ويدخر. اهـ. ولأن العسل مأكول، متولد من الشجر، يكال ويدخر، فأشبه التمر، وقال المجد: القياس عدم الوجوب، لولا الآثار.

الزكاة إنما تتكرر في الأموال النامية

ولا زكاة فيما ينزل من السماء على الشجر، كالمن والترنجبيل (¬1) . ومن زكى ما ذكر من المعشرات مرة، فلا زكاة فيه بعد، لأنه غير مرصد للنماء (¬2) . ¬

_ (¬1) والشيرخشك واللاذن ونحوها، لعدم النص، ولأن الأصل عدم الوجوب، «والمن» هو كل طل ينزل من السماء، على شجر أو حجر، يحلو وينعقد عسلآً، ويجف جفاف الصمغ، كالشيرخشت والترنجبين، وفي الصحاح: المن كالترنجبين. اهـ. والترنجبين هو المن المذكور في القرآن، شيء كان يسقط على الشجر، حلو يشرب. (¬2) فهو كعرض القنية، بل أولى، ولنقصه بالأكل ونحوه. فإن الزكاة، إنما تتكرر في الأموال النامية، وما ادخر فهو منقطع النماء، متعرض للنفاد، ولأن الله علق وجوب الزكاة بحصاده، والحصاد لا يتكرر، وهذا قول جميع الفقهاء إلا الحسن، قال الماوردي: خالف الإجماع. وقال غير واحد من أهل العلم: لا تجب زكاة المعشرات بعد الأول، إذا كان زكاها زكاة معشرات، ولو ادخرها للتجارة، لأنها لا تصير لها إلا بعد البيع، كعرض القنية، لا إن كان بذره من عرض تجارة، وبذره بنية التجارة ففيه الزكاة، إذا حال عليه الحول، وأما تضمين أموال العشر والخراج فباطل، قال أحمد في حديث ابن عمر «في القبالات ربًا» : هو أن يتقبل بالقرية، فيها العلوج والنخل «ربًا» أي في حكمه في التحريم والبطلان. وعن ابن عباس: ألا وهي القبالات. والقبيل الكفيل والعريف.

متى تجب الزكاة في المعدن

والمعدن إن كان ذهبًا أو فضة ففيه ربع عشره إن بلغ نصابًا (¬1) وإن كان غيرهما ففيه ربع عشر قيمته، إن بلغت نصابًا (¬2) . ¬

_ (¬1) في الحال وفاقًا، لقوله تعالى {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} وأقطع النبي صلى الله عليه وسلم بلال بن الحارث المعادن القبلية، قال: فتلك لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم. رواه أبو داود ومالك وغيرهما، وكانوا يؤدون عنها الحق، وهو عمل المسلمين، قال الشيخ: وهو مذهب مالك والشافعي، وأما أبو حنيفة فيجعل فيه الخمس. اهـ. وإنما لم نلحقه بالركاز لأن الركاز مال كافر، أِشبه الغنيمة، وهذا وجب مواساة، وشكرًا لنعمة الغنى، فاعتبر له النصاب، كسائر الأموال، ولأنه مستفاد من الأرض، أشبه الزرع والثمر، والواجب فيه ربع العشر لقوله «في الرقة ربع العشر» والمعدن المكان الذي عدن فيه شيء من جواهر الأرض، وكل متولد في الأرض من غير جنسها، ليس نباتًا، وسمي معدنًا لعدون ما أنبته الله فيه، يقال: عدن بالمكان يعدن – بكسر الدال – عدونا: أقام، وقال الجوهري: سمي معدنًا لإقامة الناس فيه. (¬2) أي وإن كان ما أخذ من المعدن غير الذهب والفضة، ففيه ربع عشر قيمته، إن بلغت قيمته نصابًا من الذهب أو الفضة في الحال وفاقًا، بعد السبك والتصفية، وإنما اعتبر النصاب بهما، لأنهما قيم الأشياء، وما سواهما من المعادن كثيرة، وتجب فيها الزكاة عندنا، فمنها الجواهر والبلور والعقيق، والكحل والزرنيخ والمغرة، والسندوس والنورة والكبريت، والزفت والملح والزئبق، والقار والنفط والياقوت، والبنفش والزبرجد، والزاج والفيروزج، والزجاج والموميان، واليتم والرخام والبرام، وغير ذلك مما يسمى معدنًا. قال ابن الجوزي: أحصيت المعادن فوجدوها سبعمائة معدن. وقال أحمد: كل ما وقع عليه اسم المعدن، ففيه الزكاة، حيث كان في ملكه، أو في البراري. جزم به في الرعاية وغيرها، وكذا إن كان في ملك غيره، إن كان جاريًا، وإلا فلمالك المكان، لأنه جزء من أجزاء الأرض، ولا تتكرر زكاته كالمعشرات، غير نقد، لأنه معد للنماء، ولا زكاة في مسك وزباد، ومخرج من بحر كلؤلؤ ومرجان وزبرجد، وسمك ومسك وغيرها وفاقًا.

الركاز وما يجب فيه

بعد سبك وتصفية (¬1) إن كان المخرج له من أهل وجوب الزكاة (¬2) (والركاز ما وجد من دفن الجاهلية) بكسر الدال أي مدفونهم (¬3) أو من تقدم من كفار، عليه أو على بعضه علامة كفر فقط (¬4) . ¬

_ (¬1) إن كان أثمانًا، لأنه قبل ذلك لا يتحقق إخراج الواجب، فلم يجب كالحبوب، أو كان منطبعًا كصفر ورصاص وحديد، أو لا كياقوت وعقيق، ويستقر الوجوب بإحرازه. (¬2) فخرج الكافر والمكاتب، والمدين دينًا يستغرق النصاب أو ينقصه، فإنه لا زكاة عليه في المعدن ولا غيره، إلا نصارى بني تغلب فعليهم زكاتان. و «مخرج» بكسر الراء اسم فاعل من الثلاثي المزيد. (¬3) قاله القاضي والموفق وغيرهما، وقال الخليل وابن سيده وغيرهما: قطع من ذهب أو فضة يخرج من الأرض أو المعدن. فلعل ما فسروه به لغة، وما فسره الآخرون شرعًا، وسمي ركازًا لأنه ركز في الأرض أي أقر، أو من الركوز أي التغييب، كما يقال: ركزت الرمح، وركزه يركزه بضم الكاف، ودفن الشيء يدفنه دفنًا ستره. والجاهلية ما كان قبل الإسلام، سموا بذلك لكونهم قبل الإسلام على الجهل الصرف. وألحق الشيخ بالمدفون حكمًا الموجود ظاهرًا بخراب جاهلي، أو طريق غير مسلوك ونحوه. (¬4) لا علامة إسلام، فيعرف دفن الجاهلية بأن يوجد عليه أسماء ملوكهم أو صلبانهم، ونحو ذلك، وقال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا، والذي سمعت أهل العلم يقولونه، إنما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية، ما لم يطلب بمال، ولم يكلف فيه بنفقة، ولا كبير عمل، ولا مؤنة.

(ففيه الخمس في قليله وكثيره) ولو عرضًا (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم «وفي الركاز الخمس» متفق عليه عن أبي هريرة (¬2) ويصرف مصرف الفيء المطلق، للمصالح كلها (¬3) وباقيه لواجده، ولو أجيرًا لغير طلبه (¬4) . ¬

_ (¬1) من أي نوع كان من أنواع المال، كالنقدين والحديد والرصاص ونحوها قل أو كثر، في الحال وفاقًا، فلا يعتبر له حول، بخلاف المعدن والزرع، لكونهما يحتاجان إلى كلفة، فاعتبر لهما النصاب، وإتيانه بـ «لو» إشارة إلى خلاف أبي حنيفة، وأما النقد فإجماع كما يأتي. (¬2) قال ابن المنذر وغيره: لا أعلم أحدًا خالف في هذا الحديث إلا الحسن، ولأنه مال مظهور عليه من مال الكفار، فوجب فيه الخمس كالغنيمة، وسواء كان واجده ذميًا أو صغيرًا أو مجنونًا. (¬3) وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، وجمهور العلماء، لفعل عمر رضي الله عنه، لما أتاه رجل وجد ألفًا مدفونة خارج المدينة، فأخذ منها مائتي دينار، ودفع بقيتها إلى الرجل، رواه أبو عبيد، ولأنه مال مخموس كخمس الغنيمة. (¬4) أي الباقي بعد الخمس من الركاز، إن كان قد أخرج الخمس من عينه، أو الباقي بعد ما يقابل المخرج عنه من غيره لواجده، لفعل عمر وعلي، فإنهما دفعا باقي الركاز لواجده، وتقدم أنه مال كافر مظهور عليه، فكان لواجده بعد الخمس كالغنيمة، ولو كان الواجد له أجيرًا لغير طلبه، كنقض جدار، وحفر بئر ونحوها. فهو له لا لمستأجره، فإن كان واجده أجيرًا فيه، فلمن آجره، لأن الواجد نائب عنه في استخراجه، لكن لو آجره لطلب ركاز، فوجد غيره، فهو لواجده، لأنه ليس أجيرًا لطلب ما وجده، ويجوز إخراج الخمس من غيره، وللإمام رده أو بعضه عليه، أو تركه له قبل قبضه كالخراج، لأنه فيء.

وإن كان على شيء منه علامة المسلمين فلقطة (¬1) وكذا إن لم تكن علامة (¬2) . ¬

_ (¬1) أي فإن كان ما وجد، عليه علامة المسلمين بأسماء ملوكهم أو أنبيائهم، أو آية من القرآن، ونحو ذلك، أو على بعضه، ,على باقيه علامة الكفار، أو كان ما عليه علامة الإسلام عليه علامة الكفر، فليس ذلك بركاز، لأن ذلك قرينة صيرورته إلى مسلم، وكذا إن لم يوجد عليه علامة، كالأواني والحلي والسبائك فلقطة، يجرى عليه أحكام اللقطة الآتية في بابها، لانتفاء الشرط، وهو علامة الكفار. (¬2) مطلقًا فلقطة، تغليبًا لحكم دار الإسلام، ولا يعلم زوال ملكه، وإن وجد الركاز في فلاة أو في ملك أحياه ونحوه، فله بلا نزاع، وإن وجده في ملك انتقل إليه، أو في ملك آدمي معصوم، فله في اصح الروايتين، والرواية الثانية: لمن انتقل عنه إن اعترف به، وإلا فلا. وإن وجده في أرض الحرب فركاز، وإن وجده بجماعة لهم منعة فغنيمة.

باب زكاة النقدين وحكم المصوغ منهما

باب زكاة النقدين أي الذهب والفضة (¬1) (يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالاً (¬2) . ¬

_ (¬1) وحكم المصوغ منهما، والتحلي بهما، وما يتعلق بذلك، وهما الأثمان، فلا تدخل فيهما الفلوس، ولو كانت رائجة، والأصل في زكاة النقدين الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم} وفي الصحيحين «ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار» الحديث واتفق أئمة الفتوى بأن المراد بالكنز المذكور في القرآن والحديث كل ما وجبت فيه الزكاة، فلم تؤد زكاته، وما أخرجت منه فليس بكنز، والكنز كل شيء مجموع بعضه على بعض، سواء كنزه في بطن الأرض أم على ظهرها، وقال الشيخ وغيره: دل القرآن والحديث على إيجاب الزكاة في الذهب، كما وجبت في الفضة، وحكى الإجماع غير واحد ممن يحكي الإجماع، وسيما بالنقدين للأخذ بهما والإعطاء، أو لجودتهما، أو لإخراج الزيف منهما. (¬2) وفاقًا، وذكر ابن المنذر والشيخ وغيرهما أن الزكاة تجب في عشرين دينارًا، كما تجب في مائتي درهم، وأنه قد حكى مالك إجماع أهل المدينة، وما حكى خلافًا إلا على الحسن، وأما ما دون العشرين، فقال الشيخ، وغيره: إن لم تكن قيمته مائتي درهم، فلا زكاة فيه بالإجماع. وإن كان أقل من عشرين، وقيمته مائتي درهم، ففيه الزكاة بعض العلماء من السلف. اهـ. فإن كان أقل، وعنده ذهب أو عرض تجارة، أكمل به بلا نزاع.

وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم) إسلامي (¬1) (ربع العشر منهما) (¬2) لحديث ابن عمر وعائشة مرفوعًا، أنه كان يأْخذ من كل عشرين مثقالاً نصف مثقال، رواه ابن ماجه، وعن علي نحوه (¬3) وحديث أنس مرفوعًا «في الرقة ربع العشر» متفق عليه (¬4) . ¬

_ (¬1) بلا نزاع، حكاه ابن المنذر وابن عبد البر والشيخ وغيرهم. (¬2) إجماعًا، مضروبين أو غير مضروبين، والحول شرط إجماعًا كما تقدم. (¬3) رواه سعيد والأثرم، وفيه «وليس عليك شيء» يعني في الذهب «حتى يكون لك عشرون دينارًا، ففيها نصف دينار» وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده مرفوعًا «ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب، ولا في أقل من مائتي درهم صدقة» رواه أبو عبيد وغيره، وقال النووي وغيره: المعول فيه على الإجماع، وليس في الأحاديث الصحيحة تحديد كالفضة، ولكن أجمع من يعتد به في الإجماع على ذلك، وتقدم أنها لم تتغير المثاقيل في جاهلية ولا إسلام. (¬4) وفيهما من حديث أبي سعيد «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» ولمسلم عن جابر نحوه، قال ابن عبد البر وغيره: فيه إيجابها في هذا المقدار، ونفيها عما دونه. وقال الشيخ وغيره: وهو نص على العفو فيما دونها، وإيجاب لها في الخمس فما فوقها، وعليه أكثر العلماء. وذكروه مذهب الأئمة الثلاثة، وأبي يوسف ومحمد وغيرهم، وحكاه الموفق عنهم وعلي وابن عمر، وقال: ولم يعرف لهما مخالف من الصحابة فكان إجماعًا، وفي الصحيح وغيره «فإن لم يكن إلا تسعين ومائة، فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها» ولأحمد وغيره عن علي وغيره نحوه، وفي رواية «وليس فيما دون المائتين زكاة» وقال البخاري: كلاهما عندي صحيح. والزيادة فيهما بحسابه، والأوقية أربعون درهمًا بلا نزاع، وبالمثاقيل مائة وأربعون مثقالا «والرقة» – بكسر الراء وتخفيف القاف – الفضة الخالصة، مضروبة كانت أو غير مضروبة، قيل: أصلها الورق فحذفت الواو وعوض عنها الهاء.

والاعتبار بالدرهم الإسلامي، الذي وزنه ستة دوانق (¬1) . ¬

_ (¬1) بكسر النون وفتحها، والكسر أفصح، وأجمع أهل العصر الأول على أنه ستة دوانق، فهو سدس درهم إسلامي، وكانت الدراهم في الجاهلية مختلفة، «بغلية» ثمانية دوانق، و «طبرية» أربعة، وفي الإسلام ستة، وأجمع أهل العصر الأول عليه، وقال القاضي وغيره: لا يصح أن تكون الدراهم والأوقية مجهولة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه، إلى زمن عبد الملك، وقد وجبت الزكاة في أعداد منها، وتصح بها المبايعات والأنكحة، كما في الأخبار الصحيحة، وإنما معنى ما نقل، أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام، وعلى صفة لا تختلف فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه، فجمعوا أكبرها وأصغرها، وضربوه على وزنهم، قال الزركشي: فصار عدلاً بين الصغير والكبير، ووافقت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودرهمه الذي قدر به المقادير الشرعية. واختار الشيخ وغيره أنه لا حد للدرهم والدينار، فلو كان أربعة دوانق أو ثمانية، خالصة أو مغشوشة إلا درهمًا أسود، عمل به في الزكاة والسرقة وغيرهما؛ وقال: نصاب الأثمان هو المتعارف في كل زمن، من خالص ومشوب، وصغير وكبير، ولا قاعدة في ذلك. قال في الفروع: ومعناه أن الشارع والخلفاء الراشدين، رتبوا على الدراهم أحكامًا؛ فمحال أن ينصرف كلامهم إلى غير موجود ببلادهم أو زمنهم، لأنهم لا يعرفونه، ولا يعرفه المخاطب، ولا يراد ولا يفهم، وغايته العموم، فيعم كل بلد وزمنه بحسبه وعادته، وعرفه، أما تقييد كلامهم واعتباره بأمر حادث خاصة، غير موجود ببلادهم وزمنهم، من غير دليل كيف يمكن، وقال أحمد: قد اصطلح الناس على دراهمنا ودنانيرنا هذه، لا اختلاف فيها.

قدر نصاب الذهب بالجنيه والفضة بالريال العربي

والعشرة من الدراهم سبعة مثاقيل (¬1) فالدرهم نصف مثقال وخمسه، وهو خمسون حبة وخمسا حبة شعير (¬2) والعشرون مثقالاً خمسة وعشرون دينارًا وسبعا دينار وتسعه، على التحديد بالذي زنته درهم وثمن درهم (¬3) ويزكى مغشوش، إذا بلغ خالصه نصابًا وزنًا (¬4) . ¬

_ (¬1) إجماعًا، والمثقال في الأصل مقدار من الوزن، أي شيء كان، ثم غلب إطلاقه على الدينار، والمثقال وزنه ثنتان وسبعون حبة، من حب الشعير الممتلئ، غير الخارج عن مقادير حب الشعير غالبًا. (¬2) من المتوسط، مساحة ست شعرات من شعر البغل. (¬3) على التحديد، والدنانير كانت تأتيهم مضروبة من بلاد الروم، وأول من ضربها في الإسلام عبد الملك بن مروان، وحرر نصاب الذهب بالجنيه الإنكليزي أحد عشر جنيها وثلاثة أسباع جنيه، والفضة بالريال العربي ستة وخمسون ريالاً، مائة وأربعون مثقالاً، على ما اختاره الشيخ، وقواه شيخنا، وعلى القول الثاني خالصة اثنان وستون ريالاً، قال ابن أبي الفتح: وزن الذهب يزيد على وزن الفضة، المساوي جرمها لجرمه ثلاثة أسباع الفضة. (¬4) وهذا مذهب مالك والشافعي، سواء كان من الذهب أو الفضة، والأفضل أن يخرج عنه ما لا غش فيه، فإن زكاه منه، فإن علم قدر الغش في كل دينار جاز، وإلا لم يجز، إلا أن يستظهر، فيخرج قدر الزكاة بيقين، وإن أسقط الغش، وزكى على قدر الذهب، كمن معه أربعة وعشرون دينارًا، سدسها غش، فأسقطه وأخرج نصف دينار جاز، لأنه لا زكاة في غشها، إلا أن يكون فيه الزكاة كالفضة، والغش أن يخلط بما يرديه، من حديد ونحوه، وقال أحمد: ليس لأهل الإسلام أن يضربوا إلا جيدًا. وقال غير واحد: تجوز المعاملة به، لعموم البلوى. وقال أحمد: لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب، بإذن السلطان، لأن الناس إذا رخص لهم، ركبوا العظائم. وكذا قال غيره، لما فيه من الإفتيات عليه. قال الشيخ: ينبغي للسلطان أن يضرب للرعايا فلوسًا، تكون بقيمة العدل في معاملاتهم، من غير ظلم لهم، ولا يتّجر ذو السلطان في الفلوس، بأن يشتري نحاسًا، فيضربه فيتجر فيه، ولا بأن يحرم عليهم الفلوس التي بأيديهم، ويضرب لهم غيرها، بل يضرب بقيمته، من غير ربح فيه، للمصلحة العامة، ويعطي أجرة الصناع من بيت المال، فإن التجارة فيها ظلم عظيم، وإذا ضرب لهم فلوسًا أخرى، أفسد ما كان عندهم من الأموال، بنقص أسعارها، وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم، أنه نهى عن كسر سكة المسلمين، الجائزة بينهم، إلا من بأس، وقال: الكيمياء غش، وهي تشبيه المصنوع من ذهب أو فضة بالمخلوق، باطلة في العقل، محرمة بلا نزاع بين علماء المسلمين، لحديث «من غشنا فليس منا» ويقترن بها كثيرًا الكيمياء التي هي من السحر، ومن طلب زيادة المال بما حرمه الله، عوقب بنقيض قصده، كالمرابي، وهي أشد تحريمًا منه.

(ويضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب) بالأَجزاء (¬1) فلو ملك عشرة مثاقيل، ومائة درهم، فكل منهما نصف ¬

_ (¬1) كالنصف والربع، لا بالقيمة، وفاقًا لمالك وأبي حنيفة، وصححه غير واحد، وأنه لا يسع الناس غيره، لأن الضم بالأجزاء متيقن، ورجع أحمد عن القول بعدم الضم.

نصاب، ومجموعهما نصاب (¬1) ويجزئُ إخراج زكاة أحدهما من الآخر (¬2) لأن مقاصدهما وزكاتهما متفقة، فهما كنوعي جنس (¬3) ولا فرق بين الحاضر والدين (¬4) (وتضم قيمة العروض) أي عروض التجارة (إلى كل منهما) (¬5) كمن له عشرة مثاقيل، ومتاع قيمته عشرة أُخرى، أَو له مائة درهم، ومتاع قيمته مثلها (¬6) ولو كان ذهب وفضة وعروض، ضم الجميع في تكميل النصاب (¬7) . ¬

_ (¬1) أي مجموع النصفين، العشرة من الذهب، والمائة من الفضة، نصاب كامل، بخلاف عشرة مثاقيل، وتسعين درهمًا، تبلغ قيمتها عشرة، فلا ضم إذًا وإن بلغ أحدهما نصابًا، ضم إليه ما نقص من الآخر. (¬2) أي يجزئ إخراج زكاة أحد النقدين من الآخر، فيخرج ذهبًا عن فضة، وعكسه بالقيمة، لا فلوسًا عنهما. (¬3) من حب أو ثمر، في ضم أحدهما إلى الآخر، وفي الاجتزاء بأحدهما عن الآخر. (¬4) أي لا فرق فيما تقدم من الذهب أو الفضة، في وجوب الزكاة، بين الحاضر ضد الغائب، والدين وهو ماله أجله أو لا كقرض. (¬5) قال الموفق وغيره: لا أعلم فيه خلافًا، وحكاه ابن الهمام إجماعًا. (¬6) أي مائة درهم، لأن الزكاة إنما تجب في قيمة العروض، وهي تقوم بكل منهما، فكانا مع القيمة جنسًا واحدًا. (¬7) أي ضم الجميع من الذهب والفضة وعروض التجارة، بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، جزم به الموفق وغيره، فلو ملك خمسة مثاقيل، ومائة درهم، وعروض تجارة، تساوي خمسة مثاقيل، ضم الكل وزكاه، لأن العروض مضموم إلى كل واحد منهما، فوجب ضمهما إليه. و «كان» هنا تامة أي وجد.

ما يباح للرجال لبسه واستعماله من الذهب والفضة

ويضم جيد كل جنس ومضروبه، إلى رديئه وتبره (¬1) ويخرج من كل نوع بحصته (¬2) والأفضل من الأَعلى (¬3) ويجزيءُ إخراج رديء عن أعلى مع الفضل (¬4) (ويباح للذكر من الفضة الخاتم) لأَنه عليه السلام اتخذ خاتمًا من ورق، متفق عليه (¬5) . ¬

_ (¬1) وفاقًا، كما تضم المواشي والحبوب والثمار، ولأنه إذا ضم أحد الجنسين إلى الآخر، فضم أحد النوعين أولى، و «التبر» بالكسر الذهب والفضة في تراب معدنهما، أو قبل أن يصاغا، فإذا صيغا فهما ذهب وفضة. (¬2) كالحب والثمر، وتقدم اختيار الموفق أنه يزكى كل نوع من الوسط، وإن كان المال أنواعًا، متساوية القيمة، جاز إخراجها من أحدهما، ويخرج الذهب عن الفضة وعكسه، وصوبه في الإنصاف. (¬3) لأنه أنفع للفقراء، ويخرج عن الجيد الصحيح من جنسه بلا نزاع، لأن إخراج غير ذلك خبيث، فلم يجز وكالماشية، ويجزئ من الرديء من جنسه، لأنها مواساة. (¬4) أي الزيادة، كدينار ونصف رديء، عن دينار جيد، مع تساوي القيمة، لأنه أدى الواجب قدرًا وقيمة، أشبه ما لو أخرج من عينه، وإن أخرج من الأعلى بقدر القيمة دون الوزن، لم يجزئه وفاقًا. (¬5) وفيه أنه نزع خاتم الذهب، وقال «والله لا ألبسه أبدًا» ولمسلم «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار» قال الشيخ: أما خاتم الفضة، فيباح اتخاذه، باتفاق الأئمة، فإنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اتخاذ ذلك، بخلاف الذهب، فإنه حرام باتفاق الأئمة الربعة، فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك. اهـ. ولا بأس بجعل خاتم الفضة أكثر من مثقال، ما لم يخرج عن العادة، وقال الشيخ: لبس الفضة إذا لم يكن فيه لفظ عام بالتحريم، لم يكن لأحد أن يحرم منه إلا ما قام الدليل الشرعي على تحريمه، فإذا أباحت السنة خاتم الفضة، دل على إباحة ما في معناه، وما هو أولى منه بالإباحة، وما لم يكن كذلك، فيحتاج إلى نظر في تحليله وتحريمه، والتحريم يفتقر إلى دليل، والأصل عدمه، والورق بفتح الواو وكسر الراء، ويجوز إسكان الراء مع فتح الواو وكسرها قال الأكثر: هو مختص بالدراهم المضروبة. وقال جماعة: يطلق على كل الفضة، وإن لم تكن مضروبة، كما جزم به الشارح.

والأَفضل جعل فصه مما يلي كفه (¬1) وله جعل فصه منه ومن غيره (¬2) والأَولى جعله في يساره (¬3) . ¬

_ (¬1) أي استحبابًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، متفق عليه. وكان ابن عباس يجعله مما يلي ظهر كفه، وكذا علي بن عبد الله بن جعفر، قال في الإنصاف: وأكثر الناس يفعلون ذلك. وقال السيوطي: قال العلماء: أحاديث الباطن أكثر وأصح، فهو أفضل. (¬2) لما في الصحيح وغيره عن أنس «فصه منه» ولمسلم: كان فصه حبشيًا. وقال أحمد: ليس به بأس. واحتج بفعل ابن عمر، ويجوز بلا فص، وحكى ابن حزم الاتفاق على أن التختم بجميع الأحجار مباح، من الياقوت وغيره. (¬3) قال الدارقطني: المحفوظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يساره. قال الحافظ: وردت رواية ضعيفة أنه تختم أولاً في اليمين، ثم حوله إلى اليسار. أخرجه ابن عدي، واعتمد عليه البغوي، فجمع بين الأحاديث، وكان ذلك آخر الأمرين. اهـ. وقال النووي: التختم في اليمين أو اليسار كلاهما صح فعله من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه في اليمين أفضل، لأنه زينة، واليمين به أولى. اهـ. وتختمه في اليمين في الصحيح عن ابن عمر، وأنس عند مسلم، وعند غيرهما عن ابن عباس وعلي، وعشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي اليسار عند مسلم عن أنس، وابن عمر عند أبي داود، وقال أبو زرعة وغيره: في اليمين أكثر وأصح.

ويكره بسبابة ووسطى (¬1) ويكره أن يكتب عليه ذكر الله، قرآنا أو غيره (¬2) . ¬

_ (¬1) للنهي الصحيح عن ذلك في صحيح مسلم وغيره: نهاني أن أجعل خاتمي في هذه والتي تليها. يعني الوسطى والتي تليها، لا إبهام وخنصر، وظاهر الخبر: لا يكره بغير السبابة والوسطى، وإن كان الخنصر أفضل، اقتصارًا على النص، ويؤخذ منه أن مخالفة السنة بلا قصد المخالفة، لا كراهة فيها، حيث لم يرد نهي خاص، ما لم تتأكد السنة، كالوتر والرواتب، فإنه تكره المداومة على تركها، ويأثم كما تقدم، وأجمع المسلمون على أن السنة للرجل جعل خاتمه في خنصره. (¬2) لدخول الخلاء به، ولعل المراد ما لم يكن المكتوب علمًا، كاسم لأبيه مشتملاً على اسم الله، وفي الرعاية: أو ذكر رسوله وقال الشيخ: وكتابة القرآن على الحياصة، والدرهم والدينار ونحوها مكروهة، فإنه يفضي إلى ابتذال القرآن وامتهانه، ووقوعه في المواضع التي ينزه القرآن عنها، وإن كان من العلماء من رخص في حمل الدراهم المكتوب عليها القرآن، فذلك للحاجة، ولم يرخص في كتابة القرآن عليها. وفي الفروع: ويتوجه احتمال: لا يكره ذلك، وفاقًا لمالك والشافعي وأكثر العلماء، لما في الصحيح في نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم. وورد عن كثير من السلف كتابة ذكر الله على خواتيمهم، ولا يجوز نقش صورة حيوان بلا نزاع، للنصوص الثابتة في ذلك، ويحرم لبسه.

ولو اتخذ لنفسه عدة خواتيم، لم تسقط الزكاة فيما خرج عن العادة (¬1) إلا أن يتخذ ذلك لولده أو عبده (¬2) (و) يباح له (قبيعة السيف) وهي ما يجعل على طرف القبضة (¬3) قال أَنس: كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة. رواه الأَثرم (¬4) (و) يباح له (حلية المنطقة) وهي ما يشد بها الوسط، وتسميها العامة الحياصة (¬5) . ¬

_ (¬1) فإن لم يخرج عن العادة ولو تعدد، لم تجب زكاته، لأنه حلي أعد لاستعمال مباح، قال في الإنصاف: الأظهر جواز لبس خاتمين فأكثر جميعًا. والمراد: إذا لم يخرج عن العادة، وكذا لبسهما في إصبع واحد، إلا إذا حصل تشبه بالنساء، قال ابن رجب: وهذا يدل على منع لبس أكثر من خاتم واحد، لأنه مخالف للعادة، وهذا يختلف باختلاف العوائد. (¬2) يعني فتسقط، وإن كان لسرف أو مباهاة فقط، فقال في الفروع: تجب قولاً واحدًا. (¬3) يعين مقبضة من فضة، واتفق الأئمة على جوازها. (¬4) ورواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وعبارة الخرقي: لبيس في حلية سيف الرجل زكاة. أعم، وهي مقتضى كلام أحمد، وعليه اعتمد الموفق في شرحه، قال ابن هشام: كان سيف الزبير محلى بالفضة. رواه الأثرم، ولأنها حلية معتادة للرجل، أشبهت الخاتم. (¬5) قاله الخليل، من الحوص، في الأصل التضييق بين شيئين، والأصل الحواصة، سير يشد به حزام السرج، قال الشيخ: وأما الحياصة، إذا كان بها فضة يسيرة فإنها تباح، على أصح القولين. اهـ. ولو اتخذ لنفسه عدة مناطق ونحوها، فاستظهر في الإقناع وغيره جواز ذلك، إن لم يخرج عن العادة، وأما حياصة الذهب فمحرمة للخبر.

واتخذ الصحابة المناطق، محلاة بالفضة (¬1) (ونحوه) أي نحو ما ذكر، كحلية الجوشن والخوذة، والخف والران وحمائل السيف (¬2) لأن ذلك يساوي المنطقة معنى، فوجب أن يساويها حكمًا (¬3) ، قال الشيخ تقي الدين: وتركاش النشاب والكلاليب (¬4) . ¬

_ (¬1) ولأن حلية المنطقة معتادة للرجل، فهي كالخاتم. (¬2) وكذا المغفر والنعل، ورأس الرمح، وشعيرة السكين، ونحو ذلك، كل تحليتها مباحة، كحلية المنطقة، «والجوشن» بالفتح والدرع، جمعه جواشن، «والخوذة» البيضة، وهي المغفر، جمعه خوذ كغرف، فارسي معرب «والخف» واحد الخفاف، وهو الخف المشهور، لأن هذه معتادة للرجل، فهي كالخاتم، «والران» كالخف، إلا أنه لا قدم له، وهو أطول من الخف، و «الحمائل» واحدها حمالة، بالكسر عند الخليل، وقال الأصمعي: لا واحد لها من لفظها وإنما واحدها محمل، وهي علائقه، ونحو ذلك، مباحة التحلية. (¬3) يعني في إباحة التحلية، وهذا مذهب أبي حنيفة. (¬4) أي بيسير ونحو ذلك، وقال: غشاء القوس والنشاب والقوقل، وحلية المهماز، الذي يحتاج إليه لركوب الخيل. وقال: لا حدَّ للمباح من ذلك. وقال: وأما الكلاليب التي تمسك بها العمامة، ويحتاج إليها، إذا كانت بزنة الخواتيم، كالمثقال ونحوه، فهو أولى بالإباحة من الخاتم، فإن الخاتم يتخذ للزينة، وهذا للحاجة. وذكر شعيرة السكين، وحلقة الإناء، ثم قال: وباب اللباس أوسع من باب الآنية، وأنه يباح للرجل ما يحتاج إليه من ذلك، ويباح يسير الفضة للزينة، وكذلك يسير الذهب التابع لغيره، كالطراز ونحوه، في أصح القولين في مذهب أحمد وغيره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الذهب إلا مقطعًا.

لأنه يسير تابع (¬1) ولا يباح غير ذلك، كتحلية المراكب، ولباس الخيل، كاللجم وتحلية الدواة، والمقلمة والكمران والمشط والمكحلة والميل، والمرآة والقنديل (¬2) (و) يباح للذكر (من الذهب قبيعة السيف) (¬3) . ¬

_ (¬1) وعلل المجد بأنه يسير فضة في لباسه. (¬2) عند جمهور العلماء، وهو المصباح من زجاج، قال الشيخ: ويكسر، ويصرف في مصلحة المسجد وعمارته، والمراكب من سرج وأقتاب، وكحلية الركاب، «ولباس الخيل» ما يجعل على الخيل، كاللجم جمع لجام معروف، حديدة تجعل في فم الفرس، فارسي معرب، وكثر استعماله حتى سموا اللجام بسيوره وآلته لجامًا، وتحلية الدواة، هو ما يجعل على الدواة من الفضة، «والمقلمة» بهاء: وعاء قلم الكتابة، والمشط: آلة من خشب وغيره يمشط بها الشعر، وكحلى المواشط، وكذا تحلية المسرجة، والمروحة والمشربة، والمدهنة والمجمرة والآنية، وكتب العلم ونحو ذلك، والمنع من اتخاذه هو مذهب مالك والشافعي، وفيه الزكاة عند جماهير العلماء، إذا بلغ نصابًا، سواء حل له لبسه أو لا، أعد للتجارة كحلي الصيارف، أو لقنية أو ادخار أو لا، لأنها إنما سقطت في المباح، المعد للاستعمال، لصرفه عن جهة النماء، فيبقى ما عداه على مقتضى الأصل، وسواء كانت التحلية بفضة أو ذهب. (¬3) وكذا خصصها أكثر الأصحاب، وهي ما على مقبضه من فضة أو حديد، وتقدم تعميم الخرقي وغيره.

لأن عمر كان له سيف فيه سبائك من ذهب، وعثمان بن حنيف كان في سيفه مسمار من ذهب، ذكرهما أحمد (¬1) وقيدهما باليسير، مع أنه ذكر أن قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وزنها ثمانية مثاقيل، فيحتمل أنها كانت ذهبًا وفضة، وقد رواه الترمذي كذلك (¬2) (وما دعت إليه ضرورة كأنف ونحوه) كرباط أسنان (¬3) لأن عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكُلاب، فاتخذ أنفًا من فضة، فأنتن عليه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفًا من ذهب؛ ¬

_ (¬1) والسبائك جمع سبيكة كسفينة، القطعة المذوبة، والمسمار معروف، وتقول «سمر الشيء» من باب نصر، وسمره أيضًا تسميرًا، وظاهرهما إباحة تحلية السيف، الشاملة للقبيعة وغيرها، كما هو مقتضى كلام أحمد، وعليه مشى الخرقي، واختار الشيخ والآمدي وغيرهما إباحته في السلاح والحلي. (¬2) عن مزيدة بن مالك العبدي، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة. ولأبي داود عن معاوية: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الذهب إلا مقطعًا. ورواه النسائي وغيره، وله عن ابن عمر نحوه، ومذهب أحمد والجمهور إباحة اليسير منه، في السلاح والحلي وغيرهما، واختاره الشيخ وغيره. (¬3) وإن أمكن اتخاذه من فضة، لأنه ضرورة، فأبيح لأجلها، وربطه شده، وبابه ضرب ونصر.

يباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه

رواه أبو داود وغيره، وصححه الحاكم (¬1) وروى الأثرم عن موسى بن طلحة، وأبي جمرة الضبعي، وأبي رافع، وثابت البناني، وإسماعيل بن زيد بن ثابت، والمغيرة بن عبد الله، أنهم شدوا أسنانهم بالذهب (¬2) (ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه ولو كثر) (¬3) . ¬

_ (¬1) وغيره، فأخرجه أهل السنن وغيرهم من عرفجة بن أسعد بن كرز التيمي السعدي، أحد فرسان الجاهلية، وكان قطع أنفه يوم الكُلاب بالضم، ماء بين الكوفة والبصرة، وقع فيه حرب في الجاهلية، بين ملوك كندة وتميم، ثم أسلم فاتخذ أنفًا مصنوعًا على صنعة الأنف من فضة، ليمنع به تشوه منظره، بذهاب أنفه، فأنتن عليه، أي فسد وتغير ريحه، فشق بقاؤه عليه منتنًا، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفًا من ذهب، فدل على جواز اتخاذ أنف من ذهب. (¬2) وهو ضرورة، فأبيح كالأنف إجماعًا، وكالقبيعة بل أولى، قال في المبدع: ويتوجه جوازه في الأنملة كالسن، وظاهره: يحرم يسير ذلك منفردًا كالإصبع والخاتم إجماعًا، وفي الصحيحين وغيرهما في خاتم الذهب: نزعه وطرحه، وقال «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار جهنم، فيجعلها في يده» وأما إذا كان فص الخاتم ذهبًا، وكان يسيرًا كمسمار ذهب في الخاتم جاز، اختاره المجد والشيخ، وهو ظاهر كلام أحمد في العلم، ومال إليه ابن رجب، وصوبه في الإنصاف، وذكره المذهب على ما اصطلحوه، وذكر أهل الخبرة أن الذهب لا ينتن، ولا يبليه الثرى، ولا يصديه الندى، ولا تنقصه الأرض ولا تأكله، فأما الفضة فإنها تبلى وتصدى، ويعلوها السواد وتنتن. (¬3) وفاقًا، لأن الشارع أباح لهن التحلي مطلقًا، فلا يجوز تحديده بالرأي والتحكم، واتفقوا أنه يجوز لها لبس خاتم الفضة، كما يجوز لها لبس خاتم الذهب إجماعًا، وفي المبدع: وظاهره أن ما لم تجر العادة بلبسه، كالثياب المنسوجة بالذهب، والنعال، لا يباح لهن، لانتفاء التجمل، فلو اتخذته حرم، وفيه الزكاة.

كالطوق والخلخال، والسوار والقرط (¬1) وما في المخانق والمقالد والتاج، وما أشبه ذلك (¬2) لقوله صلى الله عليه وسلم «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها» (¬3) ويباح لهما تحل بجوهر ونحوه (¬4) . ¬

_ (¬1) والقلادة والتاج والخاتم ونحو ذلك، «والطوق» بالفتح حلي يجعل للعنق، وكل ما استدار بشيء فهو طوق، والجمع أطواق، «والخلخال» كبلبال حلي معروف، تلبسه النساء في سوقهن، جمعه خلاخل وخلاخيل، «والسوار» بالكسر ويضم، ما تستعمله المرأة في يديها، جمعه أسورة، «والقرط» بالضم الشنف، المعلق في شحمة الأذن، أو القرط هو المعلق فيها، سواء كان درة، أو ثومة من فضة، أو معلاقًا من ذهب، جمعه أقراط وقراط، وفي الحديث «ما يمنع إحداكن أن تضع قرطين من فضة» . (¬2) من حلي النساء المعتاد وفاقًا، قل أو كثر، ولو زاد على ألف مثقال، حتى دراهم ودنانير معراة، أوفى مرسلة، «والمخنقة» القلادة الواقعة على المخنق، يقال: في أجيادهن مخانق «والمقالد» هي القلائد من الحلي، تجعل في عنق المرأة، «والتاج» الإكليل. (¬3) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من طرق، عن جماعة من الصحابة، وصححاه، فدل على إباحة التحلي بهما لهن، وأجمع العلماء على ذلك، لهذا الخبر وغيره، ولأن المرأة محتاجة للتجمل والتزين لزوجها، فأباح الشارع لها ما تجمل به. (¬4) كزمرد وماص، ولؤلؤ وياقوت، ولو في حلي، قال ابن حزم: اتفقوا على جواز تحلي النساء بالجوهر والياقوت، واختلفوا في ذلك للرجال. وتقدم اتفاقهم على جواز التختم لهما بجميع الأحجار، ولا زكاة فيه، لأنه يعد للاستعمال، كثياب البذلة، إلا أن يعد للكراء أو التجارة، فيقوم ما فيه، تبعًا للنقد.

حكم زكاة الحلي

وكره تختمهما بحديد وصفر ونحاس ورصاص (¬1) (ولا زكاة في حليهما) أي حلي الذكر والأنثى المباح (¬2) (المعد للاستعمال أو العارية) (¬3) لقوله عليه السلام «ليس في الحلي زكاة» رواه الطبراني عن جابر (¬4) . ¬

_ (¬1) أي وكره لرجل وامرأة تختمهما بحديد وصفر ونحاس ورصاص، نص عليه في رواية الجماعة، وقال: أكره خاتم الحديد، لأنه حلية أهل النار، وكذا دملج ونحوه، مما في معنى الخاتم، وثبت في الصحيحين قوله «ولو خاتمًا من حديد» وهو مذهب الحنفية، وعليه فلا يكره، وما رواه أبو داود وغيره مرفوعًا «إنه حلية أهل النار» ففي صحته نظر، والله أعلم. (¬2) وإن لم يستعمله أو يعره، وهذا مذهب مالك، وإحدى الروايتين عن الشافعي، والحلي بضم الحاء وتكسر، والضم أشهر وأكثر، وقد قرئ بهما في السبع، واللام مكسورة، والياء مشددة فيهما، جمع حلي بفتح الحاء وإسكان اللام، ما يزين به، من مصوغ المعدنيان والحجارة. (¬3) أي المعد للبسه ونحوه أو عاريته، فلا زكاة فيه، ونقل الشيخ عن غير واحد من الصحابة أنه قال: زكاة الحلي عاريته. قال: والذي ينبغي إذا لم تخرج الزكاة أن يعيره، وهو رواية عن أحمد. (¬4) بسند ضعيف، لكن يعضده الاستعمال في عصر النبوة بدون زكاة، وكونه لم يرصد للنماء، والزكاة إنما شرعت في الأموال النامية.

وهو قول أنس وجابر، وابن عمر وعائشة وأسماء أُختها (¬1) حتى ولو اتخذ الرجل حلي النساء لإعارتهن أو بالعكس (¬2) إن لم يكن فرارًا (¬3) (وإن أُعد) الحلي (للكرى أو النفقة (¬4) أو كان محرمًا) كسرج ولجام وآنية (¬5) . ¬

_ (¬1) قال الشيخ وغيره؛ وقال أحمد: فيه عن خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأمر أثر عائشة وابن عمر فرواه مالك، وأسماء وأنس رواه الدارقطني، وكونه لا زكاة فيه هو مذهب مالك والشافعي وأبي عبيد وغيرهم، وذكره الأثرم عن خمسة من التابعين، ولأنه عدل به عن النماء إلى فعل مباح، أشبه ثياب البذلة، وعبيد الخدمة، ودور السكنى، وعنه: تجب، للعمومات، وحديث المسكتين عند أهل السنن، وحديث عائشة عند أبي داود، وفيهما كلام، وأجيب بالتخصيص أو النسخ، لتظاهر الآثار عن الصحابة، والإجماع على الإباحة، وقال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء. (¬2) بأن تتخذ المرأة حلي الرجال لإعارتهم، وأما تشبه الرجل بالمرأة وعكسه فيحرم للخبر. (¬3) أي من الزكاة في الصورتين فلا تسقط، معاملة له بنقيض قصده. (¬4) كحلي المواشط، أو أعده للنفقة إذا احتاج إليه، أو لقنية أو ادخار، أو لم يقصد به شيئًا، وكذا المكروه، قال الشيخ وغيره، فهو باق على أصله في وجوب الزكاة. اهـ. لأن الذهب والفضة تجب فيهما الزكاة، ثم إن الصياغة والإعداد للباس والزينة والانتفاع، غلبت على إسقاط الزكاة، ثم جاء الإعداد للكرى فغلب على الاستعمال، وصار سببًا لإيجاب الزكاة، فصار أقوى مما قوي على إسقاطها. (¬5) ومرآة ومشط ومكحلة وميل، ومسرجة ومروحة، ومشربة ومدهنة ومسعط، ومجمرة وملعقة، وقنديل، ومراكب الحيوان، وقلائد الكلاب، وحلية الركاب، وطوق الرجل، وسواره وخاتمه الذهب، وحلية كتب العلم، بخلاف المصحف فيكره، وحلية الدواة والمقلمة، والكمران والمشط، ونحو ذلك مما تقدم وغيره.

(ففيه الزكاة) إن بلغ نصابًا وزنًا (¬1) لأنها إنما سقطت مما أُعد للاستعمال بصرفه عن جهة النماء (¬2) فيبقى ما عداه على مقتضى الأصل (¬3) فإن كان معدًا للتجارة، وجبت الزكاة في قيمته، كالعروض (¬4) ومباح الصناعة إذا لم يكن للتجارة، يعتبر في النصاب بوزنه، وفي الإخراج بقيمته (¬5) . ¬

_ (¬1) وفاقًا، قال الشيخ وغيره: وما يحرم اتخاذه كالأواني ففيه الزكاة. وقال الزركشي وغيره: والمتخذ آنية الذهب والفضة عاص، وفيها الزكاة، ولم يحك جمهور الأصحاب فيه خلافًا، وحكاه الوزير اتفاقًا، وقال الشيخ: إن كانت تكريه ففيه الزكاة، عند جمهور العلماء. (¬2) فلم تحتمل الزكاة، كالعقار والأثاث. (¬3) من وجوب الزكاة فيه، قال غير واحد: وإن كان ليتيم لا يلبسه، فلوليه إعارته، فإن فعل فلا زكاة فيه، وإن لم يعره ففيه الزكاة، نص عليه. (¬4) إذا بلغ نصابًا وزنًا وفاقًا، بلغت قيمته النصاب أو لم تبلغ. (¬5) أي والحلي المباح الصناعة، لعدم استعمال أو إعارة ونحوه، إذا لم يكن للتجارة، كالمعد للكرى أو النفقة، يعتبر في النصاب بوزنه. وفي الإخراج بقيمته، لأنه لو أخرج ربع عشره وزنًا، لفاتت الصنعة المتقدمة شرعًا على الفقراء، وهو ممتنع، فلو كان وزن مائتي درهم، وقيمته مائتين وخمسين، زكاه زكاة مائتين وخمسين، والصناعة بالكسر والفتح، أخص من الحرفة، إذ لا بد فيها من المباشرة. قال في الفروع: وإن انكسر الحلي، وأمكن لبسه، فهو كالصحيح وفاقًا، وإن احتاج إلى تجديد صنعة زكاه وفاقًا، ولا زكاة في الجوهر واللؤلؤ ونحوهما، وإن كثرت قيمته، أو كان في حلي، إلا أن يكون لتجارة، فيقوم جميعه تبعًا لنقد.

ويحرم أن يحلى مسجد، أو يموه سقف أو حائط بنقد (¬1) وتجب إزالته وزكاته بشرطه (¬2) إلا إذا استهلك، فلم يجتمع منه شيٌ (¬3) . ¬

_ (¬1) أو محراب ونحوه، بنقد ذهب أو فضة، وكذا سرج ولجام، ودواة ومقلمة ونحوها، بذهب أو فضة، كما تقدم، لأنه سرف وخيلاء، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التختم بخاتم الذهب، فتمويه نحو السقف أولى. (¬2) أي إذا بلغ نصابًا بنفسه، أو بضمه إلى غيره، للعموم. (¬3) أي بعرضه على النار، فإذا عرض عليها، ولم يجتمع منه ذهب ولا فضة، فلا تجب إزالته، ولا زكاته، لعدم المالية، ولما ولي عمر بن عبد العزيز، أراد جمع ما في مسجد دمشق، مما موه به من الذهب، فقيل له: إنه لا يجتمع منه شيء فتركه.

باب زكاة العروض

باب زكاة العروض (¬1) جمع عرض بإسكان الراء، وهو ما أُعد لبيع وشراء لأَجل ربح (¬2) . ¬

_ (¬1) الأصل في وجوب الزكاة فيها عموم قوله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وقوله {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} ومال التجارة أعم الأموال، فكانت أولى بالدخول، ولأبي داود عن سمرة: كان صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع. وقال عمر لحماس: أدَّ زكاة مالك. فقال: مالي إلا جعاب وأدم. فقال: قومها وأدَّ زكاتها. واشتهرت القصة من غير نكير، واحتج به أحمد وغيره، وقال المجد: هو إجماع. ولأنه مال نامٍ، فوجبت فيه الزكاة كالسائمة، وقال النووي في قوله «قد احتبس أدراعه وأعتده» : فيه وجوب زكاة التجارة، وهو قول جمهور السلف والخلف. وقال ابن المنذر والوزير وغيرهما: أجمع أهل العلم أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة، إذا حال عليها الحول، سواء في ذلك الخيل والرقيق وغيرهما. وقال شيخ الإسلام: الأئمة الأربعة، وسائر الأمة إلا من شذ، متفقون على وجوبها في عرض التجارة، سواء كان التاجر مقيمًا أو مسافرًا، وسواء كان متربصًا، وهو الذي يشتري التجارية وقت رخصها، ويدخرها إلى وقت ارتفاع السعر، أو مديرًا كالتجار الذين في الحوانيت، سواء كانت التجارة بزًا من جديد أو لبيس أو طعامًا من قوت أو فاكهة او أدم أو غير ذلك، أو كانت آنية كالفخار ونحوه، أو حيوانًا من رقيق أو خيل أو بغال أو حمير أو غنم، معلفة أو غير ذلك، فالتجارات هي أغلب أموال أهل الأمصار الباطنة، كما أن الحيوانات الماشية هي أغلب الأموال الظاهرة. اهـ. ولا تصير للتجارة إلا بشرطين، أن يكون ملكها بفعله، والثاني: بنية التجارة، كما سيأتي. (¬2) ولو من نقد، وقال أهل اللغة: هو جميع صنوف الأموال، غير الذهب والفضة، من الحيوانات والثياب وغيرها، وحكى الوزير وغيره الإجماع على أن الخيل والبغال والحمير، إذا كانت معدة للتجارة، ففي قيمتها الزكاة، إذا بلغت نصابًا، وإن لم تكن للتجارة فلا، وترجم غيره بـ «زكاة التجارة» وهي أشمل، وأما الذهب والفضة فعين، وأما العرض – بفتح الراء – فهو جميع متاع الدنيا، من الذهب والفضة، فكل عرض بالسكون، داخل في العرض بالفتح، وليس كل عرض عرضًا، وله معان أخر معروفة، وأخرها لأنها تقوم بالنقدين، فكان حكمها مبنيًا عليهما.

سمي بذلك لأنه يعرف ليباع ويشترى (¬1) أو لأنه يعرض ثم يزول (¬2) (إذا ملكها) أي العروض (بفعله) ، كالبيع والنكاح والخلع، وقبول الهبة والوصية، واسترداد المبيع (¬3) (بنية التجارة) عند التملك (¬4) . ¬

_ (¬1) تسمية للمفعول باسم المصدر، كتسمية المعلوم علمًا. (¬2) ويفنى، تسمية له بما يؤول إليه، وفي اصطلاح المتكلمين: هو الذي لا يمر عليه زمنان. (¬3) لأن ما لا يثبت به حكم الزكاة، بدخوله في ملكه، لا يثبت بمجرد النية، فاشترط الفعل معها. وفي الإقناع: إما بمعاوضة محضة، كالبيع والإجارة، والصلح عن المال بمال، والأخذ بالشفعة، والهبة المقتضية للثواب، أو استرداد ما باعه، أو غير محضة كالنكاح والخلع، والصلح عن دم العمد، أو بغير معارضة، كالهبة المطلقة، والغنيمة والوصية، والإحتشاش والاحتطاب، والاصطياد. قال الشيخ: وتجب في جميع أجناس الأجر المقبوضة. (¬4) بأن يقصد التكسب بها، لأن الأعمال بالنيات، وحديث: ما نعده للبيع. والتجارة عمل، فوجب اقتران النية به كسائر الأعمال، ولأنها لم تكن للتجارة خلقة، فلا تصير لها إلا بقصدها فيها، فهذان شرطان، لا تصير العروض للتجارة إلا بهما.

أو استصحاب حكمها فيما تعوض عن عرضها (¬1) (وبلغت قيمتها نصابًا) من أحد النقدين (¬2) (زكى قيمتها) لأنها محل الوجوب، لاعتبار النصاب بها (¬3) ولا تجزئُ الزكاة من العروض (¬4) . ¬

_ (¬1) أي استصحاب حكم نية التجارة، في جميع الحول، بأن لا ينوي قطعها فيما تعوض عن عرضها، بنية قنية، لأنه شرط أمكن اعتباره في جميعه، فوجب كالنصاب، ومتى نواها للقنية صارت لها، وسقطت الزكاة، قال الموفق: لا يختلف المذهب أنه إذا نوى بعرض التجارة القنية، أنه يصير للقنية، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي. (¬2) فإنه يشترط لوجوب الزكاة، فيما أعد للتجارة من العروض، أن يبلغ قيمته نصابًا من الذهب أو الفضة، لا في نفس العرض، وثبت أنها تجب في قيمتها بلا نزاع، ويعتبر النصاب في جميع الحول، لأنه مال نام، كالماشية، ولقوله عليه الصلاة والسلام «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» . قال الشارح: لا نعلم فيه خلافًا. (¬3) وهو مذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: تجب في عينها، ولكنه يعتبر القيمة، والقيمة إن لم توجد عينًا، فهي مقدرة شرعًا، وقدر الواجب ربع العشر بلا نزاع. (¬4) لتعلقها بالقيمة، وعنه: تجزئ. لأنها الأصل، اختاره الشيخ وغيره، قال: ويقوى على قول من يوجب الزكاة في عين المال. وقال: يجوز العدول إلى الحاجة والمصلحة، أو يكون المستحق طلب القيمة، لكونها أنفع له، واختار في الصحيح إخراج القيمة، واحتج بخبر معاذ.

(فإن ملكها بـ) غير فعله كـ (إرث (¬1) أو) ملكها (بفعله بغير نية التجارة ثم نواها) ، أي التجارة بها (لم تصر لها) أي للتجارة (¬2) لأنها خلاف الأصل في العروض، فلا تصير لها بمجرد النية (¬3) إلا حلي لبس، إذا نواه لقنية، ثم نواه للتجارة فيزكيه (¬4) . ¬

_ (¬1) ونحوه مما يدخل قهرًا، لم تصر للتجارة، لأنه ليس من جهات التجارة، ولأنه ملكها بغير فعل، فجرى مجرى الاستدانة، قال ابن الهمام: تصح بنية التجارة فيما يشتريه بالإجماع، ولا تصح فيما يرثه بالإجماع، لأنه لا صنع له فيه أصلاً، فلا يصير لها. (¬2) وفاقًا، حتى يبيعها، ويحول على ثمنها الحول. (¬3) كالمعلوفة، ومجرد النية لا ينقل العرض عن الأصل وهو القنية وفاقًا، بل لا بد من الفعل من النية، إلا أن يكون اشتراها بعرض تجارة، فلا يحتاج إلى نية التجارة، بل يكفيه استصحاب حكمها. (¬4) لأن الحلي أصله النقدان، والأصل فيهما وجوب الزكاة، فإذا نواها لها، فقد رده إلى الأصل، قال في الفروع: وحلي استعمال، نوى به القنية أو التجارة، فينعقد عليه الحول وفاقًا. وإن كانت عنده ماشية للتجارة نصف حول، فنوى بها الإسامة، انقطع حول التجارة واستأنف حولاً، وهذا مذهب أبي حنيفة، وقال الموفق: الأشبه بالدليل، أنها متى كانت سائمة من أول الحول، وجبت فيها عند تمامه، لأن السوم سبب لوجوبها، وجد في جميع الحول، فوجبت الزكاة به. والقنية – بضم القاف وكسرها – الإمساك للانتفاع، قال الجوهري: قنوت الغنم وغيرها، قنوة وقنوة، بكسر القاف وضمها، وقنيت أيضًا قنية وقنية بالكسر والضم، إذا اتخذتها لنفسك، لا للتجارة.

تقوم عند الحول ولا يعتبر ما اشتريت به

(وتقوم) العروض (عند) تمام (الحول بالأَحظ للفقراء من عين) أي ذهب (أو ورق) أي فضة (¬1) فإذا بلغت قيمتها نصابًا بأحد النقدين، دون الآخر اعتبر ما تبلغ به نصابًا (¬2) (ولا يعتبر ما اشتريت به) لا قدرًا ولا جنسًا، روي عن عمر (¬3) . ¬

_ (¬1) سواء كان من نقد البلد أو لا، وفاقًا لأبي حنيفة، لأن تقويمه بأحدهما أحظ لهم، فيقوم به عند تمام الحول، لعموم «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» ولأنه وقت الوجوب، وقال مالك: إن كان مديرًا، لا يعرف حول ما يشتري ويبيع، جعل لنفسه شهرًا في السنة، يقوم فيه ما عنده ويزكيه مع ناضَّ ماله، وإن كان يتربص بها النفقات، لم يجب تقويمها عند كل حول، وتخصيص الفقراء لا مفهوم له، فيعتبر الأحظ لأصناف أهل الزكاة، ولعله ذكره اكتفاء، ولو قال: بالأحظ لأهل الزكاة. لكان أجود. (¬2) ويؤدي منها، لأنها محل الموجب، لا من العروض، وقال الشيخ: قد يقومها بأكثر من السعر، وقد يأخذها من لا يحتاج إليها، وربما خسرت، فيكون في ذلك ضرر على الفقراء، والأصناف التي يتجر فيها، يجوز أن يخرج عنها جميعها دراهم بالقيمة، فإن لم يكن عنده دراهم، فأعطى ثمنها بالقيمة، فالأظهر أنه يجوز، لأنه قد واسى الفقراء فأعطاهم من جنس ماله. اهـ. وإن بلغت بكل نقد نصابًا، خير بينهما، وفاقًا لأبي حنيفة، وصحح غير واحد بالأنفع لأهل الزكاة. وصوبه في الإنصاف. (¬3) رضي الله عنه، حيث قال: قومها. وأد زكاتها؛ واشتهرت القصة ولم تنكر، ولأن في تقويمها بما اشتريت به إبطالاً للتقويم بالأنفع، فإن بلغت قيمتها نصابًا بالدراهم فقط، قومت به، وإن كان اشتراها بالذهب، وكذا عكسه.

وكما لو كان عرضًا (¬1) وتقوم المغنية ساذجة (¬2) والخصي بصفته (¬3) ولا عبرة بقيمة آنية ذهب وفضة (¬4) (وإن اشترى عرضًا بنصاب من أثمان أو عروض، بنى على حوله) (¬5) لأن وضع التجارة على التقليب والاستبدال بالعروض والأثمان (¬6) فلو انقطع الحول به، لبطلت زكاة التجارة (¬7) . ¬

_ (¬1) بإسكان الراء، وهو ما سوى النقدين، أي فإنه لا يعتبر ما اشتريت به من العرض، فكذا أحد النقدين. (¬2) بفتح الذال المعجمة، أي غير مغنية، وقيل: ليست بعربية. ولعل أصلها «ساذة» وفي أقانيم العجم: السذاج الذي لا نقش فيه، ومثلها الزامرة، والضاربة بآلة اللهو، وكل ذات صنعة محرمة، لأن الصنعة المحرمة لا قيمة لها شرعًا. (¬3) أي خصيًا، لأن الاستدامة فيه ليست محرمة، وإنما المحرم الفعل، وقد انقطع. (¬4) بل بالوزن، لأنها صنعة محرمة. (¬5) أي الحول الأول وفاقًا. (¬6) ولأن الزكاة في الموضعين تتعلق بالقيمة وهي الأثمان، والأثمان يبنى حول بعضها على بعض، والتقليب التصرف والنقل، «واستبدل الشيء بغيره» أخذه مكانه، والبدل العوض. (¬7) أي فلو قلنا بانقطاع الحول، بأن لم يبن على حوله، لبطلت زكاة التجارة المجمع عليها، ولأن الزكاة في الموضعين، تتعلق بالقيمة وهي الأثمان، والأثمان يبنى حول بعضها على بعض، وإن لم يكن النقد نصابًا، فحوله من حين ملك قيمته نصابًا، لا من حين اشتراه.

(وإن اشتراه) أو باعه (بـ) نصاب (سائمة لم يبن) على حوله (¬1) لاختلافهما في النصاب والواجب (¬2) إلا أن يشتري نصاب سائمة للتجارة بمثله للقنية (¬3) لأن السوم سبب للزكاة، قدم عليه زكاة التجارة لقوتها (¬4) فبزوال المعارض يثبت حكم السوم لظهوره (¬5) ومن ملك نصابًا من السائمة لتجارة، فعليه زكاة تجارة (¬6) وإن لم تبلغ قيمتها نصاب تجارة، فعليه زكاة السوم (¬7) . ¬

_ (¬1) أي وإن اشترى عرض تجارة بنصاب من السائمة، أو باع عرض تجارة بنصاب من السائمة، لم يبن على حوله وفاقًا، وفي الإنصاف: بلا نزاع فيهما. (¬2) فيكون ابتداء حوله من وقت اشترائه أو بيعه. (¬3) فإنه يبني على حوله. (¬4) أي التجارة، لكونه يكفي في وجوب الزكاة فيها نيتها حين التملك، ولوجوبها فيما أعد للتجارة، حصل السوم أو لا. (¬5) أي على التجارة، فيزكى زكاة سائمة. (¬6) وفاقًا لأبي حنيفة، لأن وضع التجارة على التقليب فهي تزيل سبب زكاة السوم وهي الاقتناء، لطلب النماء معه، وقيل: زكاة السوم، وفاقًا لمالك والشافعي. لأنها أقوى، للإجماع عليها، وتعلقها بالعين، واختار المجد وغيره: الأحظ للفقراء. (¬7) قال في المغني والمبدع وغيرهما: بلا خلاف، لوجود سبب الزكاة بلا معارض، وإن سبق نصاب السوم زكي، وإذا حال حول التجارة زكى الزائد على النصاب، صوبه في الإنصاف، وإن اشترى أرضًا أو نخلاً للتجارة، فأثمر النخل، وزرعت الأرض، فعليه فيهما العشر، ويزكي الأصل للتجارة، وحيث أخرج عن الأصل والثمرة والزرع زكاة القيمة، لم يلزمه عشر للزرع والثمرة، وحكي اتفاقًا.

وإذا اشترى ما يصبغ به ويبقى أثره، كزعفران ونيل ونحوه (¬1) فهو عرض تجارة، يقوم عند حوله (¬2) وكذا ما يشتريه دباغ ليدبغ به كعفص (¬3) وما يدهن به كسمن وملح (¬4) ولا شيء في آلات الصباغ، وأمتعة التجارة، وقوارير العطار (¬5) إلا أن يريد بيعها معها (¬6) . ¬

_ (¬1) كعصفر وكشك وبقم وفوة، ونحو ذلك من سائر الأصباغ. (¬2) وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، لاعتياض الصباغ عن الصبغ القائم بنحو الثوب، ففيه معنى التجارة. (¬3) يقوم عند حوله، «والعفص» مولد أو عربي، أو شجرة من البلوط، تحمل سنة بلوطًا، وسنة عفصًا، يتخذ منه الحبر، ويدبغ به، وكذا القرظ ونحوه. (¬4) مائي أو معدني، والسمن من الأنعام، أو الأشجار كالزيتون والسمسم، ونحو ذلك أي فهو عرض تجارة، يقوم عند حوله. (¬5) والسمان والزيات، والعسال، ونحوهم وفاقًا، لأنه لا يبقى له أثر، ولا زكاة فيما لا يبقى له أثر. (¬6) فيزكيه مال تجارة، وكذا آلات الدواب لحفظها، إلا أن يبيعها معها فمال تجارة.

ولا زكاة في غير ما تقدم (¬1) ولا في قيمة ما أُعد للكراء، من عقار وحيوان (¬2) وظاهر كلام الأكثر: ولو أَكثر من شراء العقار فارا (¬3) . ¬

_ (¬1) مما ذكره الماتن، وكذا الشارح، من العروض وغيرها. (¬2) وغيرهما وفاقًا، لأنه لي بمال تجارة. (¬3) أي من الزكاة، فلا زكاة فيه، لأنه لم يرصد للنماء، وصوب في تصحيح الفروع، وتبعه في الإقناع: يزكيه إذا كان فارًا، معاملة له بنقيض قصده، كالفار من الزكاة ببيع أو غيره.

باب زكاة الفطر

باب زكاة الفطر (¬1) هو اسم مصدر، من: أَفطر الصائم إفطارًا (¬2) وهذه يراد بها الصدقة عن البدن (¬3) وإضافتها إلى الفطر، من إضافة الشيء إلى سببه (¬4) . ¬

_ (¬1) الأصل في وجوبها عموم الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} قال بعض السلف: زكاة الفطر. ورواه ابن خزيمة مرفوعًا، والمعنى أنها وجبت على الخلقة، تزكية للنفس، وتنمية لعملها، ولعموم {وَآتُوا الزَّكَاةَ} وفي الصحيحين وغيرهما، من غير وجه: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر. وحكى ابن المنذر وغيره إجماع أهل العلم على وجوبها، وقال إسحاق: هو كالإجماع. وهي صدقة تجب بالفطر من رمضان، طهرة للصائم من اللغو والرفث، فعن ابن عباس مرفوعًا: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين. وتقدم ما يدل أنها فرضت مع رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، ومصرفها كزكاة. (¬2) لأن المصدر منه الإفطار. (¬3) والنفس، وأما الفطرة فهي الخلقة، لقوله {ِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} قال في المبدع: وزعم بعضهم أنه مما يلحن فيها العامة، وليس كذلك، لاستعمال الفقهاء لها. والصدقة عطية يراد بها المثوبة من الله، سميت بها لأن بها يظهر صدق الرغبة في تلك المثوبة. (¬4) والمقصود هنا المضاف لا المضاف إليه، وسبب وجوبها الفطر من رمضان، فأضيفت إليه لوجوبها به، وأما مناسبتها هنا فلأنها من الوظائف المالية.

(تجب على كل مسلم) من أهل البوادي وغيرهم (¬1) وتجب في مال اليتيم (¬2) لقول ابن عمر: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، صاعًا من بر، أو صاعًا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأُنثى، والصغير والكبير من المسلمين (¬3) . ¬

_ (¬1) ممن تلزمه مؤنة نفسه، ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا كان أو كبيرًا، حرًا أو عبدًا، وإن كان مكاتبًا، قال في الإنصاف: بلا نزاع. لدخوله في عموم النص، ولأنه مسلم تلزمه نفقته، فلزمته فطرته كالحر، ولا تجب على كافر ولا مرتد إجماعًا، وذكر البوادي لأن بعضًا قال بعدم وجوبها عليهم، منهم عطاء وربيعة، وظاهر الأخبار العموم. (¬2) ويخرج عنه وليه من ماله، قال الموفق وغيره: لا نعلم أحدًا خالف فيه، إلا محمد بن الحسن، وعموم الخبر يرده. (¬3) فرض بمعنى: ألزم وأوجب. وفي رواية «أمر بزكاة الفطر صاعًا» إلى آخره، ونص أحمد وغيره على ذلك كله وفاقًا، ويأتي حديث أبي سعيد «صاعًا من طعام، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب» ولم يرد في البخاري ولا في مسلم «من بر» بالموحدة، وإنما فيهما «من تمر» بالمثناة، ولأبي داود «من حنطة» وقال: ليس بمحفوظ. و «صاعًا» تمييز أو بدل أو مفعول ثان، وذكر العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير وهو إجماع، وسواء كان من أهل القرى أو البوادي، بإجماع من يعتد به «من المسلمين» إجماعًا، دون الكافرين، لأنها طهارة، والكافر لا يطهره إلا الإسلام، فلا تجب عليه عن نفسه، باتفاق أهل العلم، ولا عن مستولدته المسلمة، حكاه ابن المنذر إجماعًا، ولا المسلم عن عبده الكافر، عند الجمهور.

وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. متفق عليه، ولفظه للبخاري (¬1) (فضل له) أي عنده (يوم العيد وليلته صاع، عن قوته وقوت عياله) (¬2) لأن ذلك أهم، فيجب تقديمه (¬3) لقوله صلى الله عليه وسلم «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» (¬4) . ¬

_ (¬1) أي قبل صلاة العيد، باتفاق أهل العلم، قال عكرمة {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} : هو الرجل يقدم زكاته يوم الفطر، بين يدي صلاته. وزاد البخاري: وكانوا يعطون – يعني الصحابة – قبل الفطر بيوم أو يومين، فكان إجماعًا منهم. (¬2) وفاقًا، وقال الشيخ وغيره: هو قول الجمهور. ولا فطرة على من لم يفضل له صاع وفاقًا، إلا أبا حنيفة قال: لا تجب إلا على من يملك نصابًا أو قيمته، فاضلاً عن قوته ومسكنه ونحوه، «والقوت» ما يقوم ببدن الإنسان من الطعام، وهو المؤنة «وقاته» يقوته قوتًا بالفتح، وقياته، والاسم القوت بالضم «وضل» بفتح الضاد وتكسر، والمضارع من المفتوح بالضم، ومن المكسور مضموم أيضًا، ومفتوح، «والعيال» الأولاد، وعيال الرجل أهل بيته، الذين تجب نفقتهم عليه. (¬3) أي تقدم قوته وقوت عياله على الفطرة، لأن القوت ضروري، وحفظ النفس مقدم، وفي الحديث، «إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم» ولا واجب مع ضرورة. (¬4) أي قدم نفسك، ثم بمن تمون، فإن فضل عنده فضل، لزم الإخراج عنه، وإلا فهو أحق بإغناء نفسه، وفي صحيح مسلم «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلذي قرابتك» .

لا يعتبر لوجوبها ملك نصاب

ولا يعتبر لوجوبها ملك نصاب (¬1) وإن فضل بعض صاع أخرجه (¬2) لحديث «إذا أَمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم» (¬3) (و) يعتبر كون ذلك كله بعد (حوائجه الأصلية) ، لنفسه، أو لمن تلزمه مؤنته، من مسكن وعبد (¬4) ودابة وثياب بذلة، ونحو ذلك (¬5) . ¬

_ (¬1) وقاله شيخ الإسلام وغيره، لأنه قد حصل له غنى هذا اليوم، فاحتمل ماله المواساة، ولعموم حديث ابن عمر، ولما رواه أبو داود قال «أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فسيرد الله عليه أكثر مما أعطاه» وقال أحمد: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر، على الغني والفقير. وظاهره صحة هذا الحديث عنده. (¬2) صححه في التصحيح وغيره، كنفقة القريب وفرقوا بينه وبين الكفارة. (¬3) وغيره، وقوله تعالى {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ولأنها طهرة، فوجب منها ما قدر عليه، كالطهارة بالماء. (¬4) لمن يخدم مثله، بيان لحوائجه، جمع حاجة، والأصلية ضد الفرعية، والمؤنة فعولة، وقيل مفعلة، من «ألأين» التعب والشدة، أو من «الأون» الحرج، ويقال: مأنتهم. بالهمز، ومنتهم. بتركه، بناء على المؤنة، وكذا حلي امرأة للبس وكرى، يحتاج إليه، لأنه مما تتعلق به حاجته الأصلية، فلم يلزمه بيعه، كمؤنة نفسه يوم العيد، وما فضل عن حوائجه الأصلية وأمكن بيعه، أو صرفه في الفطرة وجبت به. (¬5) كفراش وغطاء ووطاء وماعون، وما يشبهها وفاقًا، «وبذلة» بالكسر والفتح، أي مهنة في الخدمة، ومتى كان معسرًا لم تجب، وإن أيسر يوم العيد، فعنه: تجب، اختاره الشيخ.

لا يمنعها الدين إلا بطلبه

(ولا يمنعها الدين) ، لأنها ليست واجبة في المال (¬1) (إلا بطلبه) أي طلب الدين، فيقدمه إذًا (¬2) لأن الزكاة واجبة مواساة، وقضاء الدين أهم (¬3) (فيخرج) زكاة الفطر (عن نفسه) لما تقدم (¬4) (و) عن (مسلم يمونه) من الزوجات والأقارب (¬5) وخادم زوجته إن لزمته مؤنته (¬6) ، وزوجة عبده الحرة (¬7) وقريبه الذي يلزمه إعفافه (¬8) . ¬

_ (¬1) وقاله ابن عقيل وغيره، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أبي حنيفة، لتأكدها كالنفقة، وكالخراج والجزية، وقال الشيخ: كما يطعم عياله يوم العيد. (¬2) أي الدين على زكاة الفطر، لوجوب أدائه عندها، ولقوله «لا صدقة إلا عن ظهر غنى» رواه أحمد. (¬3) فيبدأ به، نص عليه، وهو رواية عن مالك، لأنه لا فضل عنده، قال في الفروع: واختاره الأكثر. (¬4) من خبر ابن عمر، وقوله «ابدأ بنفسك» والأحاديث صالحة بذلك، والمراد إخراجها عن نفسه من ماله، وأما من أخرجها من مال من تلزمه نفقته فلا تجزئه. (¬5) إن قدر وفاقًا، وقال الوزير: من أولاده الصغار، ومماليكه المسلمين، الذين ليسوا للتجارة. (¬6) بأن لم يكن مكرى ولا معارًا، وإلا فلا تلزمه مؤنته، فكذلك فطرته. (¬7) كما تجب نفقتها، بخلاف الأمة إذا تسلمها ليلاً فقط، فعلى سيدها. (¬8) وهو من تجب عليه نفقته وفاقًا، وترتيبها كالنفقة.

لعموم قوله صلى الله عليه وسلم «أَدوا الفطرة عمن تمونون» (¬1) ولا تلزمه فطرة من يمونه من الكفار، لأنها طهرة للمخرج عنه، والكافر لا يقبلها، لأنه لا يطهره إلا الإسلام، ولو عبدًا (¬2) ولا تلزمه فطرة أجير وظئر استأجرهما بطعامهما (¬3) ولا من وجبت نفقته في بيت المال (¬4) (ولو) تبرع بمؤنة شخص جميع (شهر رمضان) ، أدى فطرته (¬5) لعموم الحديث السابق (¬6) . ¬

_ (¬1) رواه البيهقي والدارقطني، وإسناده ضعيف، وصوب وقفه، ورواه أبو بكر في الشافي، من حديث أبي هريرة، «والفطرة» كأنها من الفطرة التي هي الخلقة، المرادة بقوله {فِطْرَةَ اللهِ} قال ابن تميم: قيل لها فطرة، لأن الفطرة الخلقة، وفي بعض طرق حديث ابن عمر «فرض صدقة الفطر، عن كل صغير وكبير، وحر وعبد، ممن تمونون» رواه الدارقطني، ولإطلاق «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وغيره. (¬2) نص عليه، وفاقًا لمالك والشافعي، ولا تلزم الكافر عن عبده المسلم وفاقًا، لظاهر الخبر. (¬3) وفاقًا، لأن الواجب هنا أجرة تعتمد الشرط في العقد، فلا يزاد عليها، كالأثمان، وكما لو كانت دراهم، وكذلك الضيف وفاقًا. (¬4) كلقيط، لأن ذلك ليس بإنفاق، بل إيصال حق إلى مستحقه، ولا لقن لا مالك له معين، كعبد الغنيمة والفيء. (¬5) نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب. (¬6) «أدوا الفطرة عمن تمونون» وعنه: لا تلزمه وفاقًا. وحكاه الوزير اتفاقًا، إلا ما روي عن أحمد، واختاره أبو الخطاب، وصاحب الفائق، والموفق وغيرهم، وقال: هو قول أكثر أهل العلم. قال الشارح: وهو الصحيح. وصوبه في تصحيح الفروع، والحديث محمول على من تلزمه مؤنته، لا حقيقة المؤنة، بدليل وجوبها على الآبق، ويحمل قول أحمد على الاستحباب، لعدم الدليل، ولأن سبب الوجوب وجوب النفقة، بدليل وجوبها لمن تجب له.

ذكر من يجب الإخراج عنهم والبداءة بالأقرب فالأقرب

بخلاف ما لو تبرع به بعض الشهر (¬1) (فإن عجز عن البعض) وقدر على البعض (بدأ بنفسه) لأن نفقة نفسه مقدمة، فكذا فطرتها (¬2) (فامرأته) لوجوب نفقتها مطلقًا (¬3) ولآكديتها، ولأنها معاوضة (¬4) (فرقيقه) لوجوب نفقته مع الإعسار (¬5) . ¬

_ (¬1) ولو لم يبق إلا ليلة، لأنه يصدق عليه اسم البعض، ولو كان الكثير، هذا على ما مشى عليه الأكثر، وعلى القول الثاني، الذي عليه الجمهور؛ لا تلزمه من باب أولى، وكذا إن مانه جماعة، جزم به في الإقناع وغيره. (¬2) مقدمة على فطرة غيره، فهي تبنى على النفقة، لخبر «ابدأ بنفسك» وخبر «أنفقه على نفسك» وفي الإنصاف: بدأ بنفسه، بلا نزاع. (¬3) معسرًا كان أو موسرًا، وموسرة هي أو معسرة، بخلاف الأقارب، وحكم فطرتها فيمن تدفع إليه، حكم فطرته، وكذا غيرها. (¬4) أي ووجه البداءة بفطرة امرأته، آكدية نفقتها عليه، ولأن نفقتها معاوضة، فتأكد تقديمها. (¬5) فتجب فطرته عليه إجماعًا، وقال ابن عقيل: ويحتمل تقديمهم على الزوجة، لأن فطرتهم متفق عليها، وكذا عبيده، لأنهم ملكه وفاقًا، ولعله ما لم تجب نفقتهم على العبد، فكذا فطرتهم.

ولو مرهونًا أو مغصوبًا، أو غائبًا، أو لتجارة (¬1) (فأُمه) لتقديمها في البر (¬2) (فأَبيه) لحديث: من أَبر يا رسول الله؟ (¬3) (فولده) لوجوب نفقته في الجملة (¬4) . ¬

_ (¬1) اتفاقًا، إلا أبا حنيفة فقال: لا يلزمه ذلك، لأنها زكاة، ولا تجب في مال واحد زكاتان. وعموم الأحاديث في وجوبها على الحر والعبد، يشملهم، وفي الحديث «ليس على المسلم في عبده صدقة، إلا صدقة الفطر» وهي إنما تجب على البدن، ونفقتهم واجبة، فكعبيد القنية، «والغائب» الذي لا تعلم حياته، تجب فطرته، إذا علم أنه حي، قال ابن المنذر: في قول أهل العلم «والرقيق» المملوك، واحد أو جمع «والرق» بالكسر العبودية، وبالفتح ما يكتب فيه، وبالضم مارق من ماء البحر والنهر. (¬2) أي على الأب وغيره من سائر الأقارب، وتكرير حقها وتأكده، وضعفها عن التكسب. (¬3) قال «أمك» قال: ثم من؟ قال «أمك» قال: ثم من؟ قال «أباك» ولحديث «أنت ومالك لأبيك» . وقال الوزير: اتفقوا على أنه يجب على الابن الموسر – وإن سفل – زكاة الفطر عن أبويه، وإن عليا، إذا كان معسرين، إلا أبا حنيفة، وقال مالك: إلا عن أجداده. (¬4) لأن الفطرة كالنفقة، أي فلا تجب له على كل حال، كما لا تجب النفقة على كل حال، ولو قال: لقربه، ولوجوب نفقته بالنص. لكان أولى، فأما ولده الصغير، فلأن نفقته ثابتة بالنص والإجماع، فكذلك فطرته، حتى قيل بتقديمه على الزوجة، وأما الكبار فالجمهور على أنه يجب عليه أن يخرج عنهم؛ إذا كانوا في عياله، إلا أبا حنيفة.

(فأقرب في ميراث) لأنه أولى من غيره (¬1) فإن استوى اثنان فأكثر، ولم يفضل إلا صاع، أُقرع (¬2) (والعبد بين شركاء عليهم صاع) بحسب ملكهم فيه، كنفقته (¬3) وكذا حر وجبت نفقته على اثنين فأكثر، يوزع الصاع بينهم، بحسب النفقة (¬4) لأن الفطرة تابعة للنفقة (¬5) (ويستحب) أن يخرج (عن الجنين) لفعل عثمان رضي الله عنه (¬6) ولا تجب عنه (¬7) . ¬

_ (¬1) فقدم كالميراث، ولحديث مسلم «فإن فضل شيء، فلذي قرابتك» . (¬2) بينهم كأولاد، وإخوة، وأعمام. ولم يفضل ما يكفيهم أقرع بينهم، لتساويهم، وعدم المرجح. (¬3) وحكاه الوزير وغيره اتفاقًا، إلا أبا حنيفة فقال: لا تجب عليهم. وأنهم اتفقوا على أنه لا يلزم المكاتب أن يخرج عن نفسه، إلا أحمد، وحكي عن مالك والشافعي أن السيد يزكي عنه. (¬4) كجد، وأخ لغير أم. (¬5) لقوله «عمن تمونون» وغيره. (¬6) واتفق عليه الأئمة الأربعة وغيرهم، وعن أبي قلابة: كان يعجبهم الفطر عن الحمل، في بطن أمه. (¬7) يعني عن الجنين، حكاه ابن المنذر: إجماع من يحفظ عنه، من علماء الأمصار. والجنين ما استتر في بطن أمه، فإن خرج حيًا فهو ولد، وإن خرج ميتًا فهو سقط.

لأنها لو تعلقت به قبل ظهوره، لتعلقت الزكاة بأجنة السوائم (¬1) (ولا تجب لـ) زوجة (ناشز) (¬2) لأنها لا تجب عليه نفقتها (¬3) وكذا من لم تجب نفقتها لصغر ونحوه (¬4) ، لأنها كالأجنبية، ولو حاملاً (¬5) ولا لأَمة تسلمها ليلاً فقط (¬6) وتجب على سيدها (¬7) (ومن لزمت غيره فطرته) كالزوجة والنسيب المعسر (¬8) (فأخرج عن نفسه بغير إذنه) أي إذن من تلزمه (أَجزأَت) (¬9) . ¬

_ (¬1) ولا قائل بذلك، فصار الجنين كذلك، لا تجب عنه، ولأنه لا تثبت له أحكام الدنيا، إلا في الإرث والوصية، بشرط خروجه حيًا. (¬2) أي لا تجب على الزوج فطرة الزوجة الناشز، وقت وجوب زكاة الفطر، وفاقًا لمالك والشافعي. (¬3) كغير المدخول بها، إذا لم تسلم إليه. (¬4) كحبسها، وسفرها لقضاء حاجتها أو حج نفل، ولو بإذنه. (¬5) بخلاف النفقة، فإنها لا تجب لها، بل لحملها. (¬6) دون نهار، لأنها زمن الوجوب عند السيد. (¬7) لأن نفقتها على سيدها، فكذا فطرتها، إلا أن يشترط تسلمها نهارًا، أو يبذله له سيد. (¬8) أي القريب، لما تقدم، وليس المراد به من كان من جهة الزوجة، كأخيها ونحوه، فإنها لغة عامية. (¬9) أي من مال نفسه، وهل يجزئ إخراج أهله عنه، أم لابد من الوكالة؟ استظهر ابن ذهلان: لا تجزئ إلا بوكالة، إلا إن أخرج عنه المتصرف والمخرج في حضوره وغيبته جاز، لأنه كالوكيل المطلق. وأما من أخرجها من مال، من تلزمه نفقته بدون إذنه، فلا تجزئ.

تجب بغروب الشمس ليلة العيد

لأنه المخاطب بها ابتداءً، والغير متحمل (¬1) ومن أَخرج عمن لا تلزمه فطرته بإذنه أَجزأَ، وإلا فلا (¬2) (وتجب) الفطرة (بغروب الشمس ليلة) عيد (الفطر) (¬3) لإضافتها إلى الفطر، والإضافة تقتضي الاختصاص والسببية (¬4) وأول زمن يقع فيه الفطر من جميع رمضان، مغيب الشمس من ليلة الفطر (¬5) (فمن أسلم بعده) أي بعد الغروب (¬6) (أو ملك عبدًا) بعد الغروب (¬7) . ¬

_ (¬1) لكونها طهرة له، لا أصيل، وإن كان مخاطبًا بها، ولو لم يخرج من تلزمه فطرة غيره مع قدرته، لم يلزم الغير شيء، وله مطالبته بالإخراج، كنفقته. (¬2) أي وإن لم يكن إخراجه عنه بإذنه، فلا تجزئ عنه، قال الآجري: هذا قول فقهاء المسلمين. (¬3) وفاقًا لمالك والشافعي. (¬4) يعني في قول صلى الله عليه وسلم «زكاة الفطر» فتجب بغروب شمس ليلة الفطر، حيث أضيفت إليه. (¬5) لما تقدم من حديث ابن عمر وابن عباس: فرض صدقة الفطر من رمضان؛ فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر للصائم. والفطر من رمضان في الحقيقة، يحصل بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، فوجب أن يتعلق الوجوب به. (¬6) لم تلزم فطرته، لعدم وجود السبب الموجب لها. (¬7) لم تلزم سيده فطرته.

متى يجوز إخراجها ومتى يستحب

(أو تزوج) زوجة بعد الغروب (¬1) (أو ولد له ولد) بعد الغروب (لم تلزمه فطرته) في جميع ذلك، لعدم وجود سبب الوجوب (¬2) (و) إن وجدت هذه الأشياء (قبله) أي قبل الغروب (تلزم) الفطرة لمن ذكر، لوجود السبب (¬3) (ويجوز إخراجها) معجلة (قبل العيد بيومين فقط) (¬4) لما روى البخاري بإسناده عن ابن عمر: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ¬

_ (¬1) لم تلزم الزوج فطرة زوجته، لعدم وجود السبب. (¬2) وهو وجود ما ذكر، قبل الغروب ليلة الفطر، فلا فطرة، وكذا لو أيسر بعد الوجوب، فلا فطرة وفاقًا، وعنه: إن أيسر يوم العيد وجبت، اختاره أبو العباس، لحصول اليسار في وقت الوجوب، فهو كالمتمتع إذا قدر على الهدي يوم النحر، وعنه: يخرج متى قدر. وقال الشيخ: من عجز عن صدقة الفطر وقت وجوبها عليه، ثم أيسر فأداها، فقد أحسن. (¬3) اتفاقًا، فإن الاعتبار بحال الوجوب، بأن أسلم، أو تزوج، أو ولد له، أو ملك عبدًا، أو أيسر، وإلا فلا، ولا تسقط بعد وجوبها، بموت ولا غيره، قال في الإنصاف: بلا نزاع. وذكره المجد إجماعًا في عتق عبد، وتخرج من مال من وجبت عليه، فإن مات قبل أدائها، أخرجت من ماله، فإن كان عليه دين، وله مال يفي بهما قضيا، وإلا قضي بين الدين والفطرة بالجصص. (¬4) باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، وأجاز أبو حنيفة والشافعي أكثر من يومين، حتى من أول الشهر، والنص يدل لمالك وأحمد، وقيل: يجوز بثلاث ونحوها، إلى من تجمع عنده، ليفرقها يوم العيد قبل الصلاة. وفي الموطأ أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر، إلى الذي تجمع عنده، قبل الفطر بيومين أو ثلاثة.

صدقة الفطر في رمضان. وقال في آخره: وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين (¬1) . وعلم من قوله: فقط. أنها لا تجزئٌ قبلهما (¬2) ، لقوله صلى الله عليه وسلم «أَغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» (¬3) ومتى قدمها بالزمن الكثير، فات الإغناءُ المذكور (¬4) (و) إخراجها (يوم العيد قبل) مضيه إلى (الصلاة أفضل) (¬5) لحديث ابن عمر، السابق أول الباب (¬6) . ¬

_ (¬1) ففيه الإشارة إلى جماعتهم، فيكون بالإجماع، ولم يختلف الأصحاب في ذلك، ولا الأئمة، وقوله «أغنوهم عن السؤال في ذلك اليوم» لا يدفع ذلك، إذ ما قارب الشيء، أعطي حكمه. (¬2) أي اليومين، كما هو مذهب مالك. (¬3) رواه الدارقطني والحاكم وغيرهما، والإغناء عن الطلب يوم العيد ونحو ذلك، يقتضي أنه لا يجوز التقديم مطلقًا، خرج منه التقديم باليوم واليومين لما تقدم، فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل. (¬4) في قوله «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» ومذهب مالك المنع قبل وجوبها، إلا إلى نائب الإمام ليقسمها في وقتها، بغير مشقة. (¬5) أي صلاة العيد، وبعد طلوع الفجر الثاني وفاقًا، وصرح به غير واحد، من الأصحاب وغيرهم، وقال غير واحد: الأفضل إذا خرج إلى المصلى. وقوله: قبل مضيه. ليس شرطًا، بل مثله: قبل قدر صلاة العيد، حيث لا تصلي. (¬6) وهو قوله فيه: وأمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. لفظ مسلم، ولفظ البخاري: وأن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، ولأبي داود، من حديث ابن عباس «من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات» . وقال عكرمة: يقدم الرجل زكاته يوم الفطر، بين يدي صلاته، فإن الله تعالى يقول {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} قال في الفروع: والأولى الاقتصار على الأمر بالإخراج، في الوقت الخاص، خرج التقديم باليوم واليومين لفعلهم.

(وتكره في باقيه) أي باقي يوم العيد، بعد الصلاة (¬1) (ويقضيها بعد يومه) ويكون (آثمًا) بتأْخيرها عنه (¬2) لمخالفته أمره صلى الله عليه وسلم بقوله «أغنوهم في هذا اليوم» رواه الدارقطني، من حديث ابن عمر (¬3) . ¬

_ (¬1) لمخالفة الأمر، وخروجًا من الخلاف في تحريمها، وقال شيخ الإسلام وغيره: إن أخرها بعد صلاة العيد، فهي قضاء، لخبر ابن عباس «فمن أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات» وقال ابن القيم: مقتضى قوله «من أداها قبل الصلاة» . الخ. أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد، وأنها تفوت بالفراغ من الصلاة، وصوبه، وقال: قواه شيخنا ونصره. (¬2) إذا أخرها عمدًا إجماعًا، وقال ابن رشد: تأخيرها عن يوم العيد، حرام بالاتفاق. وقال الوزير: اتفقوا على أنها لا تسقط عمن وجبت عليه بتأخير، وهو دين عليه، حتى يؤديها. (¬3) وهو عام في جميعه، وكان عليه الصلاة والسلام يقسمها بين مستحقيها بعد الصلاة، فدل على أن الأمر بتقديمها على الصلاة للاستحباب، ولأنها عبادة، فلم تسقط بخروج الوقت كالصلاة.

ولمن وجبت عليه فطرة غيره، إخراجها مع فطرته مكان نفسه (¬1) . ¬

_ (¬1) أي المحل الذي المخرج فيه، بلا نزاع، كما لو وجبت عليه زكاة قريب، وهو في مكان غير الذي هو فيه، فيخرجها مع زكاته في مكانه، وظاهر عبارته الجواز، وعبر غيره بالوجوب، وعليه أكثر الأصحاب، قالوا: ومن وجبت عليه فطرة غيره، أخرجها مكان نفسه مع فطرته، وصوبه في تصحيح الفروع، لأنها طهرة للمخرج عنه، بخلاف زكاة المال، وهذا مذهب مالك والشافعي، وقيل: يخرجها مكانهما، قريبًا كان أو بعيدًا، قال في الفروع: قدمه بعضهم، وفاقًا لأبي يوسف، وحكي عن أبي حنيفة، لأنها كمال مزكى في غير بلد مالكه.

فصل في قدر الواجب ونوعه ومستحقه

فصل (¬1) (ويجب) في الفطرة (صاع) أربعة أمداد، وتقدم في الغسل (¬2) (من بر أو شعير (¬3) أو دقيقهما أو سويقهما) أي سويق البر أو الشعير، وهو ما يحمص ثم يطحن (¬4) . ¬

_ (¬1) أي في قدر الواجب، ونوعه، ومستحقه، وما يتعلق بذلك. (¬2) وكذا تقدم تعريفها، في زكاة الحبوب والثمار، وأن الصاع أربع حفنات، بكفي الرجل المعتدل الخلق، وعبر بعضهم: بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خمسة أرطال وثلث بالعراقي، عند الجماهير. والحكمة كفاية الصاع للفقراء أيام العيد، وإن أخرج فوق صاع فأجره أكثر. (¬3) هذا مذهب الجمهور في البر، وأما الشعير فإجماع، وما أحسن ما قيل: زكاة رؤوس الناس في يوم فطرهم ... إذا تم شهر الصوم صاع من البر (¬4) رواه سفيان وهو ثقة، فتقبل زيادته، ولقوله «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» وهو مذهب أبي حنيفة، ولا ريب أن الغنى يحصل بالدقيق أكثر، قال المجد: بل هو أولى، لأنه كفي مؤنته، كتمر منزوع نواه، وعنه: لا يجزئ؛ وفاقًا لمالك والشافعي. وقال ابن القيم لما ذكر الخمسة الأنواع: وهذه كانت غالب أقواتهم بالمدينة، فأما أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك، فإنما عليهم صاع من قوتهم، فإن كان قوتهم من غير الحبوب، كاللبن واللحم والسمك، أخرجوا فطرتهم من قوتهم، كائنًا ما كان، هذا قول جمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره، إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد، ومواساتهم، من جنس ما يقتات أهل بلدهم، وعلى هذا، فيجزئ إخراج الدقيق، وإن لم يصح فيه الحديث، وأما إخراج الخبز أو الطعام، فإنه وإن كان أنفع للمساكين، لقلة المؤنة والكلفة فيه، فقد يكون الحب أنفع لهم، لطول بقائه. ثم قال: إلا أن يكون أهل بلد، عادتهم اتخاذ الأطعمة يوم العيد، فيسوغ القول به.

ويكون الدقيق أَو السويق بوزن حبه (¬1) (أو) صاع من (تمر (¬2) أو زبيب أَو أَقط) (¬3) يعمل من اللبن المخيض (¬4) لقول أبي سعيد الخدري: كنا نخرج زكاة الفطر – إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم - صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط. متفق عليه (¬5) . ¬

_ (¬1) لتفرق الأجزاء بالطحن، ولو بلا نخل، لأنه بوزن حبه. وقال الشيخ: يخرج بالوزن، لأن الدقيق يريع إذا طحن. (¬2) إجماعًا، ولا عبرة بوزنه، بل مكيل مثل مكيل البر، بأن يتخذ ما يسع صاعًا من جيد البر كما تقدم، ويحتاط في ثقيل التمر، وجوبًا إن أخرجه وزنًا. (¬3) وفاقًا، ومكيله مثل مكيل البر، وهو بفتح الهمزة وكسر القاف، ويجوز إسكانها مع فتح الهمزة وضمها وكسرها. (¬4) غير منزوع الزبد، معروف يابس، واختار شيخ الإسلام إخراج اللبن الحليب الخالص، عند فقد غيره، لأن الأصل المواساة. اهـ. وقال ابن تميم وابن حمدان: وظاهر كلام الإمام أحمد إجزاء اللبن، وقواه في تصحيح الفروع، عند عدم الأقط. (¬5) وفيهم من حديث أبي سعيد: كنا نخرج صاعًا من طعام. وفيه: حتى قدم معاوية المدينة، فقال: إني لأرى مدين من سمراء الشام، تعدل صاعًا من تمر. فأخذ الناس بذلك، ولأبي داود. من حديث ابن عمر: جعل نصف صاع حنطة، مكان صاع. وله وغيره، عن ابن المسيب وغيره نحوه، وعنه: لا يجزئ نصف صاع من بر، وفاقاً لمالك والشافعي، وفي خبر أبي هريرة: أو صاع من قمح، رواه الدارقطني، وله: «أدوا صاعًا من بر» وذكر ابن المنذر وغيره أن أخبار: نصف صاع. لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله «صاعًا من طعام» أي بر، لأن الطعام هو البر، في عرف أهل الحجاز، وقال الخطابي وغيره: قد كانت لفظة «الطعام» تستعمل في الحنطة عند الإطلاق، وقال: المراد بالطعام هنا الحنطة، وأنه اسم خاص له، ويدل عليه ذكر الشعير، وغيره من الأقوات، والحنطة أعلاها، فلولا أنه أرادها بذلك، لكان ذكرها على التفصيل، كغيرها من الأقوات، والجمهور يقولون: خالف معاوية أبو سعيد وغيره، ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم. وقال النووي: وظاهر الحديث والقياس على اشتراط الصاع من الحنطة كغيره، فوجب اعتماده.

الأفضل تمر فزبيب.... إلخ

والأَفضل تمر، فزبيب (¬1) فبر، فأَنفع (¬2) فشعير (¬3) فدقيقهما، فسويقهما، فأَقط (¬4) . ¬

_ (¬1) ولو كان التمر غير غالب قوت البلد، لفعل ابن عمر، ولأنه قوت وحلاوة، وأقرب تناولاً، وأقل كلفة، وعنه: البر. جزم به في الكافي، وفاقًا لمالك، ومذهب الشافعي: الأفضل البر مطلقًا. (¬2) أي مما سوى الثلاثة المذكورة. (¬3) أي فإن استوت فشعير. (¬4) سواء كان قوته، أو لم يكن، أو وجدت الأربعة الباقية، أو عدمت، ويجزئ أحدها وإن كان يقتات غيره، بلا خلاف.

(فإن عدم الخمسة) المذكورة (أَجزأَ كل حب) يقتات (وثمر يقتات) كالذرة، والدخن، والأَرز، والعدس، والتين اليابس (¬1) و (لا) يجزئ (معيب) كمسوس، ومبلول، وقديم تغير طعمه (¬2) . ¬

_ (¬1) وكذا الدبس، والمظلا، ونحو ذلك وفاقًا، إذا كان قوته، لظاهر الحديث، والعدول عنه عدول عن المنصوص عنه، وعنه: يجزئ كل حب وثمر يقتات، ولو لم تعدم الخمسة، اختاره الشيخ وغيره، وقال: هو قول جمهور العلماء، مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. واحتج بقوله {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} وبقوله «صاع من طعام» والطعام قد يكون برًا أو شعيرًا، وقال أيضًا: يخرج من قوت بلده، مثل الأرز وغيره، ولو قدر على الأصناف المذكورة في الحديث، وهو رواية عن أحمد، وقول أكثر العلماء. وقال في موضع آخر: هو قول أكثر العلماء، وهو أصح الأقوال، فإن الأصل في الصدقات، أنها تجب على وجه المساواة للفقراء. وذكر الآية والحديث، ثم قال: لأن هذا كان قوت أهل المدينة، ولو كان هذا ليس قوتًا لهم، بل يقتاتون غيره، لم يكلفهم أن يخرجوا مما لا يقتاتونه. اهـ. وكذا قال غير واحد: أي أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك، فإنما عليهم صاع من قوتهم، كائنًا ما كان، وأنه قول جمهور العلماء. وقال ابن القيم وغيره: وهو الصواب الذي لا يقال بغيره، إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد، ومواساتهم، من جنس ما يقتات أهل بلدهم، لقوله «أغنوهم في هذا اليوم» وصحح النووي أنه يتعين عليه غالب قوت بلده. (¬2) تغيرًا ظاهرًا، للآية وفاقًا، إذ المعلوم أن القديم ليس كالحديث في الطعم، ولو كان أقل قيمة، و «المبلول» لأن البلل ينفخه، «والمسوس» لأن السوس أكل جوفه، وما لم يتغير طعمه ولا ريحه أجزأ لصلاحيته، والجديد أفضل.

يعطى الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه

وكذا مختلط بكثير مما لا يجزئ (¬1) فإن قل زاد بقدر ما يكون المصفى صاعًا، لقلة مشقة تنقيته (¬2) وكان ابن سيرين يحب أن ينقى الطعام (¬3) وقال أحمد: وهو أَحب إلي (¬4) (ولا) يجزئ (خبز) لخروجه عن الكيل والادخار (¬5) (ويجوز أَن يعطى الجماعة) من أهل الزكاة (ما يلزم الواحد (¬6) ¬

_ (¬1) لأنه لا يعلم قدر المجزئ، كقمح اختلط بكثير زوان، وهي حبوب غير صالحة للأكل، ذكر الأطباء أن أكلها يورث خبالاً في العقل. (¬2) أي فإن قل الخلط مما لا يجزئ، زاد بقدر ما يكون المصفى المخرج صاعًا، وأجزأ، لقلة مشقة تنقية الصاع المجزئ. (¬3) وكذا غيره من السلف، وتقدم وجوب إخراج الحب مصفى. (¬4) أي تنقية المخرج في صدقة الفطر، كالزكاة. (¬5) فلا يعلم قدره، ويتغير بالبقاء، فتفوت منفعته على المساكين، وقال الوزير: اتفقوا على أنه لا يجوز إخراج القيمة في زكاة الفطر، إلا أبا حنيفة، فإنه قال: يجوز. اهـ. قال بعض الحنفية: إنه خلاف السنة، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه إخراج القيمة في زكاة الفطر، قال أحمد: لا يعطي القيمة. قيل له: قوم يقولون: عمر بن عبد العزيز كان يأخذ بالقيمة؟ قال: يدعون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: قال فلان، وقد قال ابن عمر: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا ... الخ» . (¬6) لأنها صدقة، فيدخل تحت قوله {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} وقوله «فترد إلى فقرائهم» وقال الموفق وغيره: لا أعلم فيه خلافًا. ويمنع منها من يمنع من صدقة الأموال، ومن لغير حاجة نفسه، فقوله «طعمة للمساكين» نص في ذلك فتجرى مجرى الكفارات، وتعطى لمن هو أحوج، لحاجة نفسه، لا في المؤلفة والرقاب، وهذا أقوى دليلاً ممن قال: تجرى مجرى زكاة المال. قال الشيخ: ولا يجوز دفعها إلا لمن يستحق الكفارة، وهم الآخذون لحاجة أنفسهم.

وعكسه) بأَن يعطى الواحد ما على الجماعة (¬1) والأَفضل أن لا ينقص معطى عن مدَّبّر، أو نصف صاع من غيره (¬2) وإذا دفعها إلى مستحقها، فأَخرجها آخذها إلى دافعها (¬3) ، أو جمعت الصدقة عند الإمام، ففرقها على أَهل السهمان (¬4) . ¬

_ (¬1) أي يجوز أن يدفع للواحد فيها ما يلزم الجماعة، كصدقة المال، ولما تقدم من الأدلة، وذكره النووي وغيره اتفاقًا، إلا ما روي عن الشافعي، وذكر الشيخ أنه قول جمهور العلماء، وقال: فإنهم يجوزون دفع صدقة الفطر إلى واحد، كما عليه المسلمون، قديمًا وحديثًا. وذكر أن ما كان على عهده صلى الله عليه وسلم وخلفائه وصحابته دفعها إلى الواحد، وأنهم لو رأوا من يقسم الصاع على بضعة عشر نفسًا لأنكروه، وعدوه من البدع، فإنَّ قدر المأمور به، صاع من تمر أو شعير، ومن البر إما نصف صاع، وإما صاع، على قدر الكفاية التامة للواحد من المساكين، فإذا أخذ المسكين حفنة، لم ينتفع بها، وكذلك من عليه دين، وإن جاز أن يكون مقصودًا في بعض الأوقات، كما لو فرض أن عددًا مضطرون، وإن قسم بينهم الصاع عاشوا، وإن خص به بعضهم مات الباقون، فهنا ينبغي تفريقه بين جماعة، لكن هذا يقتضي أن التفريق هو المصلحة. (¬2) أي البر، كتمر وشعير، ليغنيه عن السؤال ذلك اليوم. (¬3) أجزأت، لأن قبضه أزال ملك المخرج، وعادت إليه بسبب آخر، أشبه ما لو عادت إليه بميراث. (¬4) بضم السين، أجزأت.

يجوز الرجوع في الصدقة في ثلاث صور

فعادت إلى إنسان صدقته جاز، ما لم يكن حيلة (¬1) . ¬

_ (¬1) أي تواطًا على عدم إخراج الزكاة، كأن يشترط عليه عند الإعطاء أن يردها إليه عن نفسه، فيمتنع الإجزاء، كسائر الحيل المحرمة، وهو المشهور في المذهب. وقال أبو بكر: مذهب أحمد لا كشرائها فيجوز رجوع الصدقة فرضًا أو نفلاً إلى من تصدق بها في ثلاث صور، إذا دفعها إلى الإمام أو نائبه ثم ردها إليه، لأنها بلغت محلها، وأما إن تركها الإمام أو نائبه لصاحبها قبل القبض، لم تحل له، والثانية إذا ردها إليه الميراث، والثالثة إذا دفعها إلى من له عليه دين وردها إليه وفاء، بعد التمكن، إن لم يكن حيلة. وإذا كان من تدفع إليه ببلد، مسافة قصر فأكثر، ولا يمكن دفعها إليه، فإن المستحق يوكل من يقبضها، فإن دفعها إلى جاره ونحوه، وقال: اقبضها لفلان الغائب. لم تجزه، صرح به أبا بطين وغيره.

باب إخراج الزكاة

باب إخراج الزكاة (¬1) يجوز لمن وجبت عليه الزكاة الصدقة تطوعًا قبل إخراجها (¬2) (ويجب) إخراج الزكاة (على الفور مع إمكانه) (¬3) كنذر مطلق وكفارة (¬4) لأَن الأَمر المطلق يقتضي الفورية (¬5) . ¬

_ (¬1) أي زكاة المال المستقرة، وما يتعلق به، من حكم النقل والتعجيل ونحوه. (¬2) ولم يزل المسلمون يتصدقون من الأموال الظاهرة والباطنة قبل الإخراج، فكان إجماعًا، بخلاف صوم التطوع، فإنه لا يقدم على الفرض. (¬3) يعني قدرته على إخراجها في الجملة، وهو مذهب مالك والشافعي، لقوله تعالى {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} والمراد الزكاة المستقرة، كزكاة المال، وأما زكاة الفطر، فتقدم أنها تجب بدخول ليلة العيد، مع أن الأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة. (¬4) أي كما يجب إخراج النذر المطلق، كأن يقول: لله علي أن أصلي أربع ركعات. ولم يقيدها بوقت، أو: أن أصوم عشرة أيام. ولم يقيدها بشهر، ومثله موقت دخل وقته، وإخراج كفارة على الفور. (¬5) ومنه {وَآتُوا الزَّكَاةَ} فإنه يقتضي الفورية بدليل {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرتُكَ} وبدليل أن المؤخر يستحق العقاب، ولو جاز التأخير لكان: إما إلى غير غاية؛ وهو مناف للوجوب، وإما إلى غاية، ولا دليل عليه، وفي الصحيح: صلى العصر فأسرع، فقيل له؛ فقال «خلفت في البيت تبرًا من الصدقة» وللشافعي وغيره عن عائشة، قال: «ما خالطت الصدقة مالاً إلا أهلكته» ولأنها عبادة تتكرر، فلم يجز تأخيرها، فإن أخرها أثم، وفاقًا لمالك والشافعي، وقول بعض الحنفية.

وكما لو طالبه بها الساعي (¬1) ولأَن حاجة الفقير ناجزة، والتأْخير مخل بالمقصود (¬2) وربما أَدى إلى الفوات (¬3) (إلا لضرورة) كخوف رجوع ساع (¬4) أَو على نفسه، أَو ماله، ونحوه (¬5) وله تأْخيرها لأَشد حاجة (¬6) وقريب، وجار (¬7) . ¬

_ (¬1) فإن مطالبة الساعي بالزكاة، تقتضي الفورية إجماعًا، فكذا بطلب الله تعالى، وكعين مغصوبة، قال المجد بلزومه، وأما أبو حنيفة فإنما يوجب الفورية إذا طلبها الساعي «والساعي» هو العامل، «وسعى الرجل» يسعى؛ عمل وكسب، وكل من ولي شيئًا على قوم فهو ساع عليهم، وأكثر ما يقال ذلك، في ولاة الصدقة. (¬2) أي فيجب إخراجها على الفور لذلك. (¬3) بنحو طروء إفلاس، أو موت؛ ولأن النفوس طبعت على الشح، وهو أيضًا أخلص للذمة، وأنفى للحاجة، وأبعد من المطل المذموم، وأرضى للرب، وأمحى للذنب. (¬4) أي على صاحب المال، إذا أخرجها هو بنفسه، مع غيبة الساعي، فله تأخيرها إذًا. (¬5) كمعيشته، فله تأخيرها حينئذ، لما في تعجيلها من الضرر، وفي الحديث، «لا ضرر ولا ضرار» ولأنه يجوز تأخير دين الآدمي لذلك، فالزكاة أولى. (¬6) أي ليدفعها لمن حاجته أشد ممن هو حاضر، وكذا لأفضل، وقيده كثير من المحققين بالزمن اليسير، لأنه قد تقرر أنه لا يجوز ترك واجب لمندوب، وظاهر كلام جماعة المنع. (¬7) لأنها على القريب صدقة وصلة، والجار في معناه، وعنه: له أن يعطي قريبه كل شهر شيئًا، وينبغي أن يقيد الكل بما إذا لم يشتد ضرر الحاضر، لأن دفع ضررهم فرض، فلا يترك لحيازة فضيلة.

إن منعها جحدا لوجوبها كفر

ولتعذر إخراجها من المال، لغيبة ونحوها (¬1) (فإن منعها) أي الزكاة (جحدًا لوجوبها، كفر عارف بالحكم) (¬2) وكذا جاهل عرف فعلم وأصر (¬3) وكذا جاحد وجوبها، ولو لم يمتنع من أَدائها (¬4) (وأَخذت) الزكاة (منه (¬5) . ¬

_ (¬1) أي لغيبة المال، ونحو الغيبة، كالمنع من التصرف فيه، وكغصبه، وسرقته، وكونه دينًا، إلى قدرته عليه، أو كان المالك فقيرًا، محتاجًا إلى زكاته، تختل كفايته ومعيشته بإخراجها، وتؤخذ منه عند يساره، لفعل عمر، ولأنها مواساة، فلا يكلفها من غيره. ولو قدر أن يخرجها من غيره، ولإمام وساع تأخيرها عند ربها لمصلحة، كقحط ونحوه، لقوله «هي علي ومثلها» ولفعل عمر رضي الله عنه. (¬2) إجماعًا، لتكذيبه لله ورسوله، وإجماع الأمة. (¬3) أي ومثل من منعها جحدًا لوجوبها جاهل به، لقرب عهده من الإسلام، أو كونه نشأ ببادية بعيدة عن القرى، بحيث يخفى عليه وجوبها، وعرف وجوبها ليرجع عن الخطأ، «فأصر» أي على جحوده، كفر إجماعًا، لأنه مكذب لله ورسوله، وقوله «فعلم» ليس بقيد، ولهذا لم يذكره الأكثر، بل قالوا: عرف فأصر. وكذا لم يذكره في الصلاة. (¬4) يكفر إجماعًا، لظهور أدلة الوجوب من الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، فلا عذر له. (¬5) إن كانت وجبت عليه، لوجوبها عليه قبل كفره، فلم تسقط به كالدين، ولاستحقاق أهل الزكاة لها.

وقتل) لردته، بتكذيبه لله ورسوله، بعد أَن يستتاب ثلاثًا (¬1) (أو بخلاً) أي ومن منعها بخلاً، من غير جحد (أُخذت منه) فقط قهرًا، كدين الآدمي، ولم يكفر (¬2) (وعزر) إن علم تحريم ذلك (¬3) وقوتل إن احتيج إليه (¬4) . ¬

_ (¬1) إجماعًا، لقوله صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله؛ ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» وقال أبو بكر: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. متفق عليه. (¬2) وإنما تؤخذ منه الزكاة، وهو مذهب مالك والشافعي، كما يؤخذ العشر وفاقًا «والبخل» بضم الباء وفتحها، وسكون الخاء وبفتحها، منع الفضل، والبخل شرعي وعرفي، فالشرعي: منع الواجب؛ كالزكاة ونحوها. والعرفي: منع ما يعد مانعه بخيلاً. وقوله «فقط» أي من غير زيادة وفاقًا، لحديث الصديق «من سأل فوق ذلك فلا يعطه» مع توفر الصحابة، ولم ينقل عنهم أخذ الزيادة، ولا قول به، ولأنه لا يزاد على أخذ الحق من المظالم، كسائر الحقوق، وقيل: وشطر ماله؛ إن علم تحريمه، لحديث «فإنا آخذوها وشطر ماله» ، وهو من رواية بهز، قال الشافعي وغيره: حديث بهزلا يثبته أهل العلم، ولو ثبت لقلنا به. وإن غيب، أو كتم، وأمكن أخذها، أخذت من غير زيادة، وهو قول أكثر الفقهاء، لأنه لم ينقل أن الصحابة أخذوا زيادة عليها. (¬3) يعزره إمام عادل أو نائبه، لارتكابه محرمًا، وإن كان جاهلاً – كحديث عهد بالإسلام – لم يعزر، لأنه معذور، وعرف وبصر، وأخذت منه فقط. (¬4) يقاتله إمام يضعها في مواضعها، لاتفاق الصحابة مع الصديق على قتال مانعي الزكاة، ولأنها أحد مباني الإسلام، فإن تاب، وأخرجها، وإلا قتل حدًا، وأخذت من تركته، من غير زيادة، وكذا إن غيب، أو كتم، واستتيب فلم يخرج قتل حدًا، قال في المبدع: على الأصح، لظاهر الكتاب والسنة. وذكر الشيخ أن من أداها، لم تجز مقاتلته، للخلف في إجزائها.

ووضعها الإمام في مواضعها (¬1) ولا يكفر بقتاله للإمام (¬2) ومن ادعى أَداءَها، أو بقاءَ الحول، أو نقص النصاب (¬3) أَو أَن ما بيده لغيره ونحوه، صدق بلا يمين (¬4) . ¬

_ (¬1) أي وعلم أن الإمام يضعها في مواضعها قوتل، وإلا يضعها في مواضعها فلا. (¬2) وفاقًا، لأن الصحابة لم يعتقدوا كفرهم، حين امتنعوا، ولقول عبد الله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. رواه الترمذي، وما ورد من التكفير فيه، محمول على جاحد الوجوب، أو التغليظ. قال الشيخ: ولو كان لمانعي الزكاة ديون، لم تقم يوم القيامة بالزكاة، لأن عقوبة الزكاة أعظم. (¬3) أي ومن ادعى أداء الزكاة وقد طولب بها، صدق بلا يمين وفاقًا، أو ادعى بقاء الحول، أو ادعى نقص النصاب، أو زوال ملكه عن النصاب في الحول، أو تجدده قريبًا، صدق بلا يمين وفاقًا. (¬4) أي وإن ادعى أن ما بيده من مال زكوي لغيره، أو أنه منفرد، أو مختلط، ونحوه مما يمنع وجوبها، أو ينقصها، كدعوى علف سائمة نصف الحول أو أكثره، أو نية قنية بعرض تجارة، أو أقر بقدر زكاته، ولم يذكر قدر ماله، صدق بلا يمين وفاقًا، لأنها عبادة مؤتمن عليها، فلا يستحلف عليها، كالصلاة والكفارة، قال في المبدع: وظاهره لا تشرع. نقل حنبل: لا يسأل المصدق عن شيء، ولا يبحث، إنما يأخذ ما أصابه مجتمعًا، وفي الفروع: يتوجه احتمال: إن اتهم.

تجب في مال صبي ومجنون

(وتجب) الزكاة (في مال صبي ومجنون) ، لما تقدم (¬1) (فيخرجها وليهما) في مالهما (¬2) كصرف نفقة واجبة عليهما (¬3) لأَن ذلك حق تدخله النيابة، ولذلك صح التوكيل فيه (¬4) (ولا يجوز إخراجها) أي الزكاة (إلا بنية) من مكلف (¬5) لحديث «إنما الأعمال بالنيات» (¬6) والأولى قرن النية بدفع (¬7) . ¬

_ (¬1) من العمومات، كقوله «في كل أربعين شاة شاة» . (¬2) أي الصبي والمجنون، وتعتبر نيته، كما تعتبر من رب المال، وحكي اتفاقًا. (¬3) أي يخرجها عنهما كما أنه يصرف النفقة الواجبة عليهما. (¬4) أي في الإخراج، كما صحت النيابة عنهما في النفقة ونحوها. (¬5) لعدم أهلية غير المكلف لأداء الواجب، ولأن أداء الزكاة تصرف مالي، أشبه سائر التصرفات. (¬6) وأداؤها عمل، وقال صلى الله عليه وسلم «لا عمل إلا بنية» وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ولا نزاع عند الأصحاب في ذلك، إذا كان المخرج هو المالك، أو النائب عنه، كولي صبي ومجنون. وقال الشارح: مذهب عامة أهل العلم أن النية شرط في إخراج الزكاة. قال الوزير: أجمعوا على أن إخراج الزكاة لا يصح إلا بالنية. (¬7) فاعتبر بعضهم النية عند الدفع، وفاقًا لمالك والشافعي، فلو عزلها لم تكف النية، وقال أبو حنيفة: لا يصح أداؤها إلا بالنية مقارنة الأداء. وجوز بعضهم النية عند عزل مقدار الواجب منها، فاكتفي بوجود النية حالة العزل تيسيرًا.

الأفضل أن يفرقها بنفسه ويجوز دفعها للإمام

وله تقديمها بزمن يسير كصلاة (¬1) فينوي الزكاة، أَو الصدقة الواجبة، ونحو ذلك (¬2) وإذا أُخذت منه قهرًا أَجزأَت ظاهرًا (¬3) وإن تعذر وصول إلى المالك، لحبس أو نحوه، فأَخذها الإمام أو نائبه، أَجزأَت ظاهرًا وباطنًا (¬4) (والأَفضل أن يفرقها بنفسه) ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها (¬5) . ¬

_ (¬1) أي يجوز له تقديم النية قبل الإخراج بزمن يسير، كما يجوز تقديم النية على الصلاة بزمن يسير، وتقدم، وكالطهارة والحج. (¬2) كصدقة المال أو الفطرة، لا صدقة مطلقة، فلو نوى صدقة مطلقة لم تجز، ولو تصدق بجميع ماله، كصدقة نصاب من غير جنسه وفاقًا، ولأنها عبادة يتكرر وجوبها، فافتقرت إلى تعيين النية، وفاقًا كالصلاة، ولأن مصرف المال إلى الفقراء له جهات، فاعتبرت نية التمييز. (¬3) يعني من غير نية رب المال، فلا يطالب بها ثنانيًا، بلا نزاع، وأما باطنًا فلا تجزئ، لعدم النية، اختاره أبو الخطاب وابن عقيل، والشيخ وغيرهم، إذ الزكاة عبادة، فلا تجزئ بغير نية من وجبت عليه كالصلاة، وقال: ما يأخذه ولاة الأمور، بغير اسم الزكاة، لا يعتد بها. (¬4) لأن له إذاً ولاية على الممتنع، فقامت نيته مقام نيته، كولي صبي، وكالدين، ولأن له أخذها من الممتنع بالاتفاق، ولو لم تجزئه لما أخذها، وسواء المال الظاهر والباطن، وقيل: يجب دفع زكاة المال الظاهر إلى الإمام، ولا تجزئ بدونه، وهو قول الحنفية والمالكية، والقول القديم للشافعي. (¬5) وصيانة لحقهم عن الجنابة عليه، وتفريج كربة مستحقها، مع إعطائها للأولى بها، وفي المنتهى وغيره: ويفرقها بنفسه، بشرط أمانته، فإن لم يثق بنفسه، فالأفضل له دفعها إلى الساعي، لأنه ربما منعه الشح من إخراجها أو بعضها، وعند أبي الخطاب: دفعها إلى الإمام العادل أفضل، واختاره ابن أبي موسى وغيره، للخروج من الخلاف، وزوال التهمة.

ما يقول هو وآخذها عند دفعها

وله دفعها إلى الساعي (¬1) ويسن إظهارها (¬2) (و) أن (يقول عند دفعها هو) أي مؤديها (وآخذها ما ورد) (¬3) . ¬

_ (¬1) قال الشارح: لا يختلف المذهب أن دفعها للإمام جائز، سواء كان عدلاً أو غير عدل، وسواء الأموال الظاهرة والباطنة، ويبرأ بدفعها، تلفت في يد الإمام أو لا، صرفها من مصارفها أو لا، وقيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب، ويشربون بها الخمر. فقال: ادفعها إليهم، وللإمام طلبها من الأموال الظاهرة والباطنة إن وضعها في أهلها وفاقًأ وإن علم أنه لا يزكي، فعليه أن يقول: أدها، وإلا ادفعها إلي. وما يأخذه الولاة من العشر، وزكاة الماشية، وغير ذلك، فقال الشيخ وغيره: يسقط عن صاحبه، إذا كان الإمام عادلاً، يصرفه في مصارفه، باتفاق العلماء، فإن كان ظالمًا، لا يصرفه في مصارفه الشرعية، فينبغي لصاحبه أن لا يدفع الزكاة إليه، بل يصرفها هو إلى مستحقها، فإن أكره على دفعها إلى الظالم، بحيث لو لم يدفعها إليه يحصل له ضرر، فإنه يجزئه في هذه الصورة. اهـ. وللمالك أن يفرق زكاة ماله الباطن بنفسه، قال النووي: وهذا لا خلاف فيه، ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين. (¬2) سواء كان بموضع يخرجها أهله، أم لا، وسواء نفى عنه ظن السوء أم لا، لتنتفي عنه التهمة، ويقتدي به، وقوله {وَإِنْ تُخْفُوهَا} محمولة على صدقة التطوع. (¬3) ندبًا، للآية والأخبار، والصلاة هنا الدعاء والتبريك، وليس بواجب، لأنه لم يأمر معاذًا به، ولا يجب على الفقير.

فيقول دافعها «اللهم اجعلها مغنمًا، ولا تجعلها مغرمًا» (¬1) ويقول آخذها: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا (¬2) . وإن وكل مسلمًا ثقة جاز (¬3) وأَجزأَت نية موكل مع قرب (¬4) وإلا نوى موكل، عند دفع لوكيل (¬5) ووكيل عند دفع لفقير (¬6) . ¬

_ (¬1) رواه ابن ماجه، ويحمد الله على توفيقه لأدائها «ومغنمًا» أي مثمرة، لأن التثمير كالغنيمة «ومغرمًا» أي منقصة، لأن النقص كالغرامة. (¬2) لأنه مأمور به في قوله {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} أي ادع لهم، قال عبد الله بن أوفى: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال «اللهم صل عليهم» متفق عليه، وهذا إذا كان الدافع ربها، وإلا دعا له بالغيبة، وللرسول الحاضر، كرد السلام. (¬3) لأنها عبادة، والكافر ليس من أهلها، وغير الثقة لا يؤمن عليها، وظاهره ولو مميزًا، واشترط بعضهم التكليف، لأن المميز ليس أهلاً للعبادة، وصوبه في تصحيح الفروع، وتوسط عثمان وغيره، فاستحسن القول بجوازه مع القرب، دون البعد، ويجوز التوكيل في إخراج الزكاة وفاقًا. (¬4) أي قرب زمن الإخراج، من زمن التوكيل، لأن الفرض متعلق بالموكل، ولا يضر تأخير الأداء بزمن يسير. (¬5) لتعلق الفرض بالموكل، ووقوع الإجزاء عنه. (¬6) أي وينوي وكيل عند الدفع أيضًا، كما ينوي الموكل، صححه الشارح وغيره، لئلا يخلو الدافع إلى المستحق من نية مقارنة أو مقاربة، ولا تجزئ نية وكيل وحده إجماعًا، ويشترط لإجزائها، وملك فقير لها قبضها، ولا يصح تصرفه قبله، ولو وكل الفقير رب المال في القبض من نفسه، وأن يشتري بها بعد ذلك ثوبًا أو نحوه صح.

حكم نقل الزكاة إلى ما تقصر فيه الصلاة

ومن علم أَهلية آخذ، كره إعلامه بها (¬1) ومع عدم عادته، لا يجزئه الدفع له إلا إن أَعلمه (¬2) (والأَفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده) (¬3) ويجوز نقلها إلى دون مسافة قصر، من بلد المال، لأَنه في حكم بلد واحد (¬4) (ولا يجوز نقلها) مطلقًا (إلى ما تقتصر فيه الصلاة) (¬5) . ¬

_ (¬1) قال أحمد: لِمَ يُبكِّته؟ يعطيه ويسكت، ما حاجته إلى أن يقرعه؟، والمراد بالعلم هنا الظن. (¬2) أي ومن علم أهليته، مع علمه بعدم عادته للأخذ، لم يجزئه دفعها له، لأنه لا يقبل زكاة ظاهرًا. (¬3) أي المال ولو تفرق، أو كن المالك بغيره، بدليل الأحكام، ورخص السفر، ما لم تتشقص زكاة سائمة، ففي بلد واحد، وعلل المجد عدم النقل في الجملة، بأن فقراء كل مكان، لا يعلم بهم غالبًا إلا أهله، وكذلك تجب نفقة الفقير، على من علم بحاله، ويبذل الزكاة للمضطر، ويحرم نقلها إلى مضطر، أو محتاج، في مكان آخر، ويؤيده «أيما أهل عرصة، أصبح فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله» رواه أحمد. (¬4) ويبدأ بالأقرب فالأقرب، فإن نقلها إلى البعيد، لتحري قرابة، أو من كان أشد حاجة، لا بأس به. قال أحمد: لا بأس أن يعطي زكاته في القرى التي حوله. (¬5) وفاقًا للشافعي، سواء نقلها لقريب، أو أشد حاجة، أو لثغر أو غيره، أو لاستيعاب الأصناف، وسواء كان الناقل لها ربها أو غيره.

لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن «أَعلمهم أَن الله قد افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أَغنيائهم، فترد على فقرائهم» (¬1) . ¬

_ (¬1) متفق عليه، وعن طاووس قال: في كتاب معاذ «خرج من مخلاف إلى مخلاف، فإن صدقته وعشره في مخلاف عشيرته» رواه الأثرم، فيفرقها الساعي، في مكان رب المال وما قاربه، ويبدأ بأقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم، وعنه: يجوز النقل، ويجزئ، قال الشارح: وهو قول أكثر أهل العلم، لأنه دفع الحق إلى مستحقه، فبرئ كالدين، ولعموم قوله «فترد على فقرائهم» والضمير للمسلمين، ولقوله {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} إلى آخر الآية، ولم يفرق بين فقراء وفقراء، وقوله لقبيصة «أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها» فدل على أنها كانت تنقل إليه، فيفرقها في فقراء المهاجرين والأنصار، واختار أبو الخطاب وغيره الجواز، لأن الأدلة في المسألة متقاربة، وقد وصلت إلى الفقراء، فدخلت في عموم الآية. وقال الشيخ: يجوز نقل الزكاة وما في حكمها، لمصلحة شرعية، وإذا نقل الزكاة إلى المستحقين بالمصر الجامع، مثل أن يعطي من بالقاهرة، من العشور التي بأرض مصر، فالصحيح جواز ذلك، فإن سكان المصر إنما يعانون من مزارعهم، بخلاف النقل من إقليم إلى إقليم، مع حاجة أهل المنقول عنها، وإنما قال السلف: جيران المال أحق بزكاته، وكرهوا نقل الزكاة، إلى بلد السلطان وغيره، ليكتفي أهل كل ناحية بما عندهم من الزكاة، ولهذا في كتاب معاذ «من انتقل من مخلاف إلى مخلاف، فإن صدقته وعشره في مخلاف جيرانه» «والمخلاف» عندهم كما يقال «المعاملة» وهو ما يكون فيه الوالي والقاضي، وهو الذي يستخلف فيه ولي الأمر جابيًا، يأخذ الزكاة من أغنيائهم، فيردها إلى فقرائهم، ولم يقيد ذلك بمسيرة يومين، وتحديد المنع من نقل الزكاة، ليس عليه دليل شرعي.

بخلاف نذر، وكفارة، ووصية مطلقة (¬1) (فإن فعل) أي نقلها إلى مسافة قصر (أَجزأَت) (¬2) لأنه دفع الحق إلى مستحقه، فبرئَ من عهدته، ويأْثم (¬3) (إلا أَن يكون) المال (في بلد) أو مكان (لا فقراءَ فيه، فيفرقها في أقرب البلاد إليه) لأَنهم أولى (¬4) . ¬

_ (¬1) أي لم تقيد تلك بمكان معين، فله نقلها، ولو إلى مسافة قصر، والفرق كون الزكاة مواساة راتبة، فكانت لجيران المال، بخلاف هذه الأشياء، فإن كان النذر معينًا، بأن عينه الناذر لفقراء بلده، أو مكان معين، وجب صرفه لهم، لتعينهم، وكذا كفارة معينة، بأن قيدها الحالف بمكان معين، أو وصية، لم يجز إلا لما قيده به، من بلد معين، أو مكان معين. (¬2) للعمومات، وفاقًا لمالك، واختاره أبو الخطاب، والموفق، وغيرهما، وظاهر كلامهم يعني مع الحرمة. (¬3) يعني على القول بتحريم النقل، ولو لأجل رحم، أو شدة حاجة، والساعي وغيره في ذلك سواء، وله جعل الصرف إلى رب المال. (¬4) أو ما بقي منها بعد مستحقي مكانه، وبعث معاذ إلى عمر صدقة من اليمن، فأنكر ذلك عمر، وقال: لم أبعثك جابيًا، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس، فتردها في فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد من يأخذه مني. رواه أبو عبيد، قال الوزير: وأجمعوا على أنه إذا استغنى أهل بلد عنها، جاز نقلها إلى من هم أهلها. والمسافر يفرقها في موضع أكثر الإقامة فيه، ما لم يفض إلى تأخيرها.

وعليه مؤنة نقل، ودفع، وكيل، ووزن (¬1) (فإن كان) المالك (في بلد وماله في) بلد (آخر أخرج زكاة المال في بلده) أي بلد به المال، كل الحول أو أكثره، دون ما نقص عن ذلك (¬2) لأن الأطماع إنما تتعلق به غالبًا بمضي زمن الوجوب، أو ما قاربه (¬3) (و) أخرج (فطرته في بلد هو فيه) وإن لم يكن له به مال، لأن الفطرة إنما تتعلق بالبدن كما تقدم (¬4) . ¬

_ (¬1) أي وعلى من وجبت عليه مؤنة نقل زكاة، مع حله أو حرمته، وعليه مؤنة تسليمها إلى مستحقها كاملة، وذلك من تمام التوفية، وكتسليم المبيع، وهل يجوز أن يوكل الفقير من يقبضها من بلد المالك لأن وكيله كهو، وهي بعد قبض الوكيل في ملك الموكل أم لا؟ استحسن بعضهم الأول. (¬2) نص عليه وفاقًا، وكذا إذا كان أكثر إقامته به فيه، وقال في الغاية: ومع تساوٍ يخير. (¬3) ولئلا تنقل الصدقة عن بلد المال، ولأن المال سبب الزكاة، فوجب إخراجها حيث وجد السبب، متفرقًا كان البلد أو مجتمعًا، إلا في نصاب سائمة في بلدين، فيجوز في أحدهما، لئلا يفضي إلى تشقيص زكاة الحيوان، والمراد بالأطماع أطماع الفقراء، «وطمع في الشيء وبه» حرص عليه. (¬4) أي من قوله: ومن وجبت عليه فطرة غيره، أخرجها مع فطرته، مكان نفسه.

بعث السعادة زمن الوجوب لقبضها وتعجيلها وما يشترط له

ويجب على الإمام بعث السعاة قرب زمن الوجوب، لقبض زكاة المال الظاهر، كالسائمة، والزرع، والثمار، لفعله عليه الصلاة والسلام، وفعل خلفائه رضي الله عنهم بعده (¬1) (ويجوز تعجيل الزكاة لحولين فأقل) (¬2) لما روى أبو عبيد في الأموال، بإسناده عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقة سنتين (¬3) . ¬

_ (¬1) يعني لقبض الزكاة كل عام، كما هو مستفيض، وجرى عليه عمل المسلمين، وقال تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} ومن الناس من لا يزكي، ولا يعلم ما عليه، فإهمال ذلك، إضاعة للزكاة، وعن عبد الله بن عمرو مرفوعًا «تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم» رواه أحمد وأبو داود، وفي رواية «لا جلب ولا جنب، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا على مياههم» قال مالك: سنة السعاة أن يخرجوا أول الصيف، عند اجتماع أرباب المواشي بمواشيهم على المياه، للتخفيف عليهم، وعلى السعاة، واستظهر في الفروع عدم الوجوب، وأنه لم يذكر جماعة هذه المسألة بالكلية. (¬2) اقتصارًا على ما ورد، وتركه أفضل، خروجًا من الخلاف، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز تقديمها حولاً واحدًا. وفي الرواية الأخرى: أكثر من حول. وما زاد عن الحولين فلا يجوز عندنا، رواية واحدة. (¬3) ولفظ أحمد وأبي داود: أن العباس سأل النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك. «وأبو عبيد» هو الحافظ الفقيه، القاسم بن سلام، الأزدي، البغدادي، يقال: كان أبوه روميًا. ولد سنة مائة وأربع وخمسين، وله مصنفات كثيرة، منها «غريب الحديث» و «كتاب الأموال» وغيرهما، قال الحافظ: أحسن من صنف في الفقه وأجوده، توفي سنة مائتين وأربع وعشرين.

ويعضده رواية مسلم «فهي علي ومثلها» (¬1) وإنما يجوز تعجيلها إذا كمل النصاب (¬2) لاعمَّا يستفيده (¬3) . ¬

_ (¬1) أي تعجلتها منه، وفي لفظ غير مسلم «إنا تعجلنا منه صدقة عامين» ولفظ البخاري والنسائي «هي على صدقة، ومثلها معها» ، «وعضده» نصره وأعانه، أي يتقوى ما رواه أبو عبيد برواية مسلم، لأنه يحتمل أن معناه: تعجلت منه صدقة سنتين، فصارت دينًا علي، وقيل: قبض منه صدقة عامين، العام الذي شكا فيه العامل، وتعجل صدقة عام ثان، وكما لو تعجل لعام واحد، ولأنه حق مال، أجل للرفق، فجاز تعجيله قبل أجله كالدين، وقطع في الشرح والمنتهى بصحة التعجيل قبل الشروع فيه، وقدمه في الفروع، ونصره ابن نصر الله وغيره، فهو كتعجيله عن الحول الثاني قبل دخوله. (¬2) وفاقًا، لأنها سببها، فلم يجز تقديمها عليه، قال الموفق: بغير خلاف نعلمه «وكمل» بتثليث الميم، والضم أفصح، ويستعمل في الذوات والصفات، يقال: كمل. إذا تمت أجزاؤه، وكملت محاسنه، بمعنى التمام. (¬3) أي لا يجوز تعجيل الزكاة عما يستفيده من النصاب، لأنه تعجيل عما ليس في ملكه، لعدم وجوده، فلو ملك بعض نصاب، فعجل زكاته، أو زكاة نصاب، لم يجزئه، وفي الإقناع: ولا قبل السوم. واستظهر في المبدع الإجزاء بعد طلوع الطلع والحصرم، واختاره أبو الخطاب، وقدمه في الفروع، لأن وجود ذلك كالنصاب، والإدراك كالحول، وحكم الزرع كذلك، وقال الشيخ وغيره: يجوز تعجيل الزكاة قبل وجوبها، بعد سبب الوجوب، عند جمهور العلماء، أبي حنيفة والشافعي وأحمد، فيجوز تعجيل زكاة الماشية، والنقدين، وعروض التجارة، إذا ملك النصاب، ويجوز تعجيل العشريات قبل وجوبها، إذا كان قد طالع الثمر، قبل بدو صلاحه، ونبت الزرع، قبل اشتداد حبه، فإذا اشتد حبه، وبدا صلاح الثمر، وجبت الزكاة، وصرح ابن نصر الله وغيره بجواز تعجيلها من ولي كمالك.

وإذا تم الحول، والنصاب ناقص قدر ما عجله، صح وأَجزأَه (¬1) لأن المعجل كالموجود في ملكه (¬2) فلو عجل عن مائتي شاة شاتين، فنتجت عند الحول سخلة، لزمته ثالثة (¬3) وإن مات قابض معجلة، أَو استغنى قبل الحول، أَجزأَت (¬4) لا إن دفعها إلى من يعلم غناه فافتقر، اعتبارًا بحال الدفع (¬5) . ¬

_ (¬1) ولو ظن ماله ألفًا، فعجل زكاته، فبان خمسمائة، أجزأه المعجل عن عامين. (¬2) حقيقة أو تقديرًا، ولهذا يتم به النصاب، ويجزئه من ماله، وإن عجل عن أربعين شاتين منها، لحولين، لا يجزئه عنهما، وينقطع الحول لنقص النصاب. (¬3) فكأن الحول حال على مائتين وواحدة، تفريع على قوله: لأن المعجل كالموجود في ملكه. ولو عجل من أربعين شاة شاة، فتم الحول عليها كذلك أجزأت، فلو نقصت شاة أخرى، وتم عليها الحول كذلك، استأنف حولاً إذا تمت، ولو تجزئه المعجلة، ولو عجل عن أحد نصابيه وتلف، لم يصرفه إلى الآخر، كما لو عجل شاة عن خمس من الإبل فتلفت، وله أربعون شاة، لم تجزئه عنها وفاقًا. (¬4) لأنه أداها لمستحقها، كالدين إذا عجله المدين، وكما لو عدمت عند الحول، لأنه يعتبر وقت القبض، لئلا يمتنع التعجيل. (¬5) وهو فيها غير مستحق لها لغناه، وكذا لكافر فأسلم، لأنه لم يدفعها إلى مستحقها، أشبه ما لو لم يفتقر، أو يسلم.

ما أخذ العامل باسم الزكاة اعتد به

(ولا يتسحب) تعجيل الزكاة (¬1) ولمن أَخذ الساعي منه زيادة أَن يعتد بها من قابلة (¬2) قال الموفق: إن نوى التعجيل (¬3) . ¬

_ (¬1) في ظاهر كلام الأصحاب، وتقدم أن تركه أفضل، خروجًا من الخلاف، قال في الفروع: ويتوجه احتمال بأن تعتبر المصلحة. (¬2) ذكره الشيخ وغيره، ولفظه: ما أخذه باسم الزكاة، ولو فوق النصاب بلا تأويل، اعتد به، وإلا فلا، وظاهره أن ما أهداه لعامل، أو أخذه العامل لا باسم الزكاة، بل غصبًا، لا يحتسب به من الزكاة. (¬3) جمعًا بين رواية عدم الاحتساب بالزيادة، وبين الاحتساب، وكذا حمل المجد رواية الجواز، على أن الساعي أخذ الزيادة بنية الزكاة، إذا نوى التعجيل، فإن علم أنها ليست عليه، وأخذها، لم يعتد بها على الأصح، لأنه أخذها غصبًا.

باب أهل الزكاة وصدقة التطوع وحكم السؤال

باب أهل الزكاة (¬1) وهم (ثمانية) أصناف (¬2) لا يجوز صرفها إلى غيرهم (¬3) . ¬

_ (¬1) أي من يجزئ دفع الزكاة إليه، ومن لا يجزئ، وما يتعلق بذلك، من بيان شروطهم، وقدر ما يعطاه كل واحد، وصدقة التطوع، وحكم السؤال. (¬2) أي أهلها الذين جعلهم الله محلاً لدفعها إليهم، لا يجوز صرف شيء منها إلى غيرهم إجماعًا، قال أحمد: هي لمن سماهم الله تعالى، وأخرج أبو داود وغيره، عن زياد بن الحارث مرفوعًا: «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء» وقال للسائل «إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» وذلك لما اعترض بعض المنافقين على النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقات، بين الله تعالى أنه هو الذي قسمها، وبين حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمتها إلى أحد غيره، فجزأها تعالى لهؤلاء المذكورين. (¬3) أي غير الذين جعلهم الله محلاً لها، قال الشارح وغيره: لا نعلم خلافًا أنه لا يجوز دفعها إلى غيرهم، إلا ما روي عن أنس والحسن، ولا يلتفت إلى قول يخالف النص، وقال ابن نصر الله: لو فقدت الأصناف الثمانية، فهل يسقط وجوبها، أو الأداء خاصة؟ لأن الأصناف شرط للأداء، لا للوجوب، لأن إيجابها – وإن كانت حكمته إغناء الأصناف فإنما شرع لأمر عام – لا يختلف حكمه لفقد ما شرع لسببه، كالقصر في حق من سافر، فلم يجد مشقة، فيبقى الواجب في ذمته، متى وجد مستحقه دفع إليه. وقال الشيخ: ويجب صرفها إلى الأصناف الثمانية إن كانوا موجودين، وإلا صرفت إلى الموجود منهم، ونقلها إلى حيث يوجدون. وقال: ولا ينبغي أن يعطى منها من لا يستعين بها على طاعة الله، فإن الله فرضها معونة على طاعته، لمن يحتاج إليها من المؤمنين، أو من يعاونهم، فمن لا يصلي من أهل الحاجات لا يعطى منها، حتى يتوب، ويلتزم أداء الصلاة.

من لا يصلي لا يعطي منها حتى يتوب

من بناءِ المساجد، والقناطر، وسد البثوق، وتكفين الموتى، ووقف المصاحف، وغيرها من جهات الخير (¬1) لقوله تعالى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية (¬2) . ¬

_ (¬1) قال الوزير وغيره: اتفق الأئمة على أنه لا يجوز ولا يجزئ دفع الزكاة في بناء مساجد، وقناطر، ونحو ذلك، ولا تكفين موتى ونحوه، وإن كان من القربى، لتعيين الزكاة لما عينت له، «والقناطر» جمع قنطرة، بالقاف والنون، الجسر يبنى على الماء، للعبور معه، والبثق منبعث الماء من الكسر، في شط أو نهر ونحوهما. (¬2) وتمامها {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} قال الشيخ: وصدقة التطوع تدخل في آية الزكاة، بإجماع المسلمين، وكذا سائر المعروف. اهـ. و «إنما» المفيدة للحصر تفصح بإثبات ما بعدها، ونفي ما سواه، وكذلك تعريف الصدقات بـ «ألْ» فإنها تستغرقها، وقال الشيخ: «إنما» للحصر، وإنما يثبت المذكور، ويبقى ما عداه، والمعنى: ليست الصدقة لغير هؤلاء، بل لهؤلاء؛ ومعلوم أنه لم يقصد تبيين الملك، بل قصد تبيين الحل، أي لا تحل لغير هؤلاء، فيكون المعنى: بل تحل لهم. وذكر ابن جرير وغيره أن عامة أهل العلم يقولون: للمتولي قسمتها، وضعها في أي الأصناف الثمانية شاء، وإنما سمى الله الأصناف الثمانية، إعلامًا منه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها، لا إيجابًا بقسمتها بين الأصناف الثمانية، والصواب أن الله جعل الصدقة في معنيين، أحدهما سد خلة المسلمين، والثاني معونة الإسلام وتقويته.

أحدهم (الفقراء، وهم) أَشد حاجة من المساكين، لأن الله تعالى بدأ بهم، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم (¬1) فهم (من لا يجدون شيئًا) من الكفاية (¬2) (أو يجدون بعض الكفاية) أي دون نصفها (¬3) وإن تفرغ – قادر على التكسب – للعلم لا للعبادة، وتعذر الجمع أُعطي (¬4) (و) الثاني (المساكين) الذين (يجدون أكثرها) أي أكثر الكفاية (أو نصفها) (¬5) . ¬

_ (¬1) وبدأ بهما المصنف كغيره، اتباعًا للنص، وهم في أحكام الزكاة، غير المساكين، لأنهم إذا اجتمعوا افترقوا، وبالعكس، والفقير مشتق من فقر الظهر، فعيل بمعنى مفعول، أي مفقور، وهو الذي نزعت فقرة ظهره، فانقطع صلبه. (¬2) البتة، ولا قدرة لهم على شيء بالكلية، وذلك أشد الحاجة. (¬3) من كسب أو غيره، مما لا يقع موقعًا من الكفاية، ومثله بعضهم بالزمن والأعمى، لأنهما في الغالب كذلك، وربما لا يقدرون على شيء أصلاً، قال تعالى {لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ} الآية، قال الوزير: وهو الصحيح عندي، لأن الله عز وجل بدأ به، فقال {لِلْفُقَراءِ} الآية. (¬4) أي تعذر الجمع بين التكسب والاشتغال بالعلم، أعطي من الزكاة بقدر حاجته، لاشتغاله بالعلم، وإن لم يكن العلم لازمًا له، قال الشيخ: ويجوز أخذه ما يحتاج إليه، من كتب العلم، التي لا بد لمصلحة دينه ودنياه منها، بخلاف العبادة، والفرق بين العلم والعبادة تعدي العلم، وقصور العبادة. (¬5) من كسب أو غيره، مفعيل من السكون، وهو الذي أسكنته الحاجة، قال تعالى {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} فسماهم مساكين ولهم سفينة، وروي «اللهم أحيني مسكينًا» ولا يجوز أن يسأل شدة الحاجة، فدل على أن المسكين أحسن حالاً من الفقير، وعنه: أنه فقير، والأول مسكين، وأن المسكين أشد حاجة، اختاره ثعلب وغيره، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، لقوله {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} وأجيب بأنه يجوز التعبير عن الفقير بالمسكين، وهما صنفان في الزكاة، وصنف واحد في سائر الأحكام، لأن كل واحد من الاسمين ينطلق عليهما.

الغنى في باب الزكاة نوعان

فيعطى الصنفان تمام كفايتهما مع عائلتهما سنة (¬1) ومن ملك – ولو من أثمان – ما لا يقوم بكفايته، فليس بغني (¬2) . ¬

_ (¬1) من الزكاة وجوبًا، يتكرر بتكرر الحول، ما يكفيه إلى مثله، وكل واحد من عائلتهما مقصود دفع حاجته، فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد، ومن تمام الكفاية ما يأخذه الفقير ليتزوج، إن لم يكن له زوجة، واحتاج إلى النكاح. (¬2) وفي الوجيز وغيره: وكفاية عياله؛ أي فليس بذي غنى، يمنعه من أخذ الزكاة، وإن كثرت قيمته، أو ملك عقارات أو غيرها، لا تقوم بكفايته، لقوله «حتى يصيب قوامًا من عيش، أو سدادًا من عيش» رواه مسلم، والسداد الكفاية، ولم يحك متقدموا الأصحاب خلافًا و «ما» موصولة، و «لا» نافية، والغني ما عده الناس غنيًا، قال الشافعي: قد يكون الرجل بالدرهم غنيًا مع كسبه، ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه، وكثرة عياله. وقال أحمد: إذا كان له عقار وضيعة، يستغلهما عشرة آلاف، أو أكثر، لا تكفيه، يأخذ من الزكاة. وقيل له: يكون له الزرع القائم، وليس عنده ما يحصده، أيأخذ من الزكاة؟ قال: نعم. قال الشيخ: وفي معناه ما يحتاج إليه لإقامة مؤنة، وإن لم ينفقه بعينه في المؤنة، وكذا من له كتب يحتاجها، للحفظ والمطالعة، أو لها حلي للبس أو كراء، تحتاج إليه، فلا يمنع ذلك الأخذ من الزكاة. قال: والغنى في باب الزكاة نوعان، نوع يوجبها، ونوع يمنعها، والغنى هنا ما يحصل به الكفاية على الدوام، إما من تجارة، أو صناعة، أو أجرة عقار، أو غير ذلك، فمن كان محتاجًا، حلت له الزكاة، وإن ملك نصبًا، ومن لم يكن محتاجًا، لم تحل له، وإن لم يملك شيئًا، لحديث «لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة، رجل أصابته فاقة، حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو سداد من عيش» وذكر قول عمر: أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا، ولأن في العرف أن من كان محتاجًا فهو فقير، فيدخل في عموم النص.

(و) الثالث (العاملون عليها وهم) السعاة، الذين يبعثهم الإمام لأخذ الزكاة من أربابها (¬1) كـ (ـجباتها، وحفاظها) وكتابها، وقسامها (¬2) وشرط كونه مكلفًا، مسلمًا، أمينًا، كافيًا (¬3) . ¬

_ (¬1) للنص والعمل المستمر المجمع عليه. (¬2) بين مستحقيها، وعدادها وكيالها، ووزانها، وجماع المواشي، ورعاة وجمال، ومن يحتاج إليه فيها، لدخولهم في مسمى العاملين عليها، وكان صلى الله عليه وسلم يبعث على الصدقة سعاة، ويعطيهم عليها، فبعث عمر، وأبا موسى، وغيرهما، وليس فيه اختلاف، مع ما ورد من النص. (¬3) أي قادرًا على ذلك العمل وفاقًا، لأنها ضرب من الولاية، ولعل هذا الشرط متضمن لكونه: عالمًا بفرائض الصدقة، فقد قيل: من شرطه معرفة ما تجب فيه الزكاة، وجنسه. وقيل: إن كان من عمال التفويض. ولا تشترط حريته، وفاقًا للشافعي، لقوله «وإن استعمل عليكم عبد حبشي» ولا يشترط فقره إجماعًا، لحديث أبي سعيد «لا تحل لغني، إلا لخمسة، لعامل عليها» الحديث، والمراد بالأمانة هنا العدالة، ولأن غير الأمين لا تجوز توليته، وشرط كونه مسلمًا، لأنها ولاية على المسلمين، فاشترط الإسلام فيها، وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} وقال عمر: لا تأمنوهم وقد خونهم الله. ويأتي المنع من تولية أهل الذمة، في الجهاد إن شاء الله تعالى، وقيل: لا يشترط. لأن ما يأخذه بحق جبايته، ويجوز أن يكون حاملها وراعيها ونحوهما، وشرط التكليف، لأن غير المكلف مولى عليه، لعدم أهليته.

من غير ذوي القربى (¬1) ويعطى قدر أَجرته منها، ولو غنيًا (¬2) ويجوز كون حاملها، وراعيها ممن منع منها (¬3) . ¬

_ (¬1) وهم مؤمنوا بني هاشم، وكذا مواليهم، وفاقًا للشافعي، ولأن الفضل والمطلب سألا النبي صلى الله عليه وسلم العمالة على الصدقة، فقال «إنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد» رواه مسلم وغيره، إلا أن يدفع إليه أجرة من غيرها. (¬2) أي يعطي العامل قدر أجرته منها، ولو كان غنيًا، بغير خلاف، للخبر سواء جاوزت الثمن أو لا، لأنه أجرة، وقال ابن عبد البر: إجماعًا. وإن تلفت بلا تفريط، فمن بيت المال، وقال الشيخ وغيره: ويلزمه رفع حساب ما تولاه إذا طلب منه. وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه ابن اللتبية حاسبه، وقال في الفروع: يلزمه مع التهمة. (¬3) نحو كافر، أو من ذوي القربى، قال في الإنصاف: بغير خلاف. لأن ما يأخذه للعمل، لا للعمالة، بخلاف الجابي ونحوه، ولا يجوز للجابي قبول هدية من أرباب الأموال، ولا رشوة، وما خان فيه، أخذه الإمام، ليرده إلى مستحقه.

ثبوت حق المؤلفة قلوبهم عند الحاجة

الصنف (الرابع المؤلفة قلوبهم) جمع مؤلف (¬1) وهو السيد المطاع في عشيرته (¬2) (ممن يرجى إسلامه، أَو كف شره (¬3) أو يرجى بعطيته قوة إيمانه) (¬4) أو إسلام نظيره (¬5) . ¬

_ (¬1) من التأليف، وهو جمع القلوب، وهم قسمان: كفار، ومسلمون، والمسلمون أقسام. (¬2) ومن لم يكن كذلك فلا، وقال أبو حنيفة: حكمهم منسوخ، وعن مالك والشافعي قولان، الصواب الأول للنصوص، فيعطون إن احتيج إليهم، لوجود العلة، وبقاء المصلحة، «والعشيرة» القبيلة أبو بنو الأب الأدنون. (¬3) فيعطى من يرجى إسلامه، لتقوى نيته في الإسلام، وتميل نفسه إليه، ليسلم، لقصة صفوان بن أمية’ أو ليحسن إسلامه، كما أعطى صناديد الطلقاء، وأشرافهم، أو من يخشى شره، فيرجى بعطيته كف شره، وشر غيره معه، قال ابن عباس: كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم قالوا: هذا دين صالح. وإلا عابوه. ولو كان المؤلف امرأة، كملكة الفرس. (¬4) أو نصحه في الجهاد، لما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الأقرع بن حابس، وعينيه بن حصن، وزيدًا الطائي، فقالت قريش: تعطي صناديد نجد؟ فقال «لأتألفهم» ولا يحل للمؤلف المسلم ما يخذه إن أعطي لكف شره، كالهدية للعامل، وإلا حل، وقال الخلوتي: لعله: ولو مسلمًا، خلافًا لما في الإقناع، وعمومه يشمل الخوراج وغيرهم كالعرب. اهـ. والإقناع مثل بالهدية، فعلم منه أنه المؤلف المعطى لكف شره، لا يختص بالكافر؛ كما توهمه بعضهم، وعلى هامش المنتهى، بخط أبا بطين: ولو مسلمًا على ما في الإقناع فلا مخالفة. (¬5) لأن أبا بكر أعطى عديًا والزبرقان: رجاء إسلام نظرائهما «ونظير الشيء» مثله.

أو جبايتها ممن لا يعطيها (¬1) أو دفع عن المسلمين (¬2) ويعطى ما يحصل به التأْليف، عند الحاجة فقط (¬3) فترك عمر وعثمان وعلي إعطاءهم، لعدم الحاجة إليه في خلافتهم، لا لسقوط سهمهم (¬4) فإن تعذر الصرف إليهم، رد على بقية الأصناف (¬5) (الخامس الرقاب، وهم الكاتبون) (¬6) . ¬

_ (¬1) بأن يكونوا إذا أعطوا منها، جبوها ممن لا يعطيها. (¬2) بأن يكونوا في طرف بلاد الإسلام، وإذا أعطوا منها، دفعوا الكفار، عمن يليهم من المسلمين، فيعطون من الزكاة، لدخولهم في مسمى المؤلفة. (¬3) أي لا غيرها، لترك الخلفاء الإعطاء مع عدم الحاجة. (¬4) فإن حكمهم باق، لإعطاء النبي صلى الله عليه وسلم المؤلفة، من المسلمين والمشركين، وكذلك أبو بكر رضي الله عنه، وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم، وأعدل السياسة سياسته صلى الله عليه وسلم، ومنع وجود الحاجة على ممر الزمان، واختلاف أحوال النفوس، في القوة والضعف، لا يخفى فساده، واتباع سيرته صلى الله عليه وسلم أحق. قال الشيخ: ويجوز بل يجب الإعطاء لتأليف من يحتاج إلى تأليف قلبه، وإن كان لا يحل له أخذ ذلك، كما في القرآن العزيز، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة من الفيء. (¬5) قال المجد وغيره: لا أعلم فيه خلافًا. (¬6) أي الذين لا يجدون وفاء، ولو مع القوة والكسب، لعموم الآية، وقال أبو حنيفة والشافعي: لأنهم من سهم الرقاب، وفي المبدع: لا يختلف المذهب أنهم من الرقاب، لقوله {فَكَاتِبُوهُمْ} ولأنه يملك المال على سيده، ويصرف إليه أرش جنايته، فكان له الأخذ من الزكاة، إن لم يجد وفاء، كالغريم، وأما الرقاب فلا نزاع في ثبوت سهمهم.

فيعطى المكاتب وفاءَ دينه، لعجزه عن وفاء ما عليه، ولو مع قدرته على التكسب، ولو قبل حلول نجم (¬1) . ويجوز أن يشتري منها رقبة لا تعتق عليه، فيعتقها، لقول ابن عباس (¬2) (و) يجوز أن (يفك منها الأسير المسلم) لأَن فيه فك رقبة من الأَسر (¬3) لا أن يعتق قنه أَو مكاتبه عنها (¬4) . ¬

_ (¬1) لئلا يؤدي إلى فسخها عند حلول النجم ولا شيء معه، والأولى دفعها إلى سيده، قال في الإقناع وشرحه: ولو تلفت بيده أجزأت، كالغارم وابن السبيل. (¬2) ولعموم قوله {وَفِي الرِّقَابِ} وهو متناول للقن، بل صريح فيه، لأن الرقبة متى أطلقت، انصرف الإطلاق إليه، وهذا مذهب مالك، وظاهر عبارته: لا تعتق عليه مطلقًا، سواء كان برحم، أو تعليق، أو شهادة، بأن شهد على سيد عبد أنه أعتقه، وردت شهادته، فإنه إذا اشتراه يعتق عليه، قال في الفروع: ولو علق العتق بشرط، ثم نواه من الزكاة عند الشرط، لم يجزئه وفاقًا، وجعله المجد أصلاً للعتق بالرحم وفاقًا، لعود نفعها إليه. (¬3) أشبه ما يدفع إلى الغارم، لفك رقبته من الدين، وهو من أفضل الأعمال، المنجية من العذاب، فإنه تعالى لما ذكر اقتحام العقبة، أخبر أن المنجي منها {فَكُّ رَقَبَةٍ} . (¬4) لأنه بمنزلة إخراج العروض أو القيمة، ويشترط في الزكاة تميك المعطى وفاقًا، ليحصل الإيتاء، ولا يدفع زكاته إلى سيده، اختاره القاضي وغيره، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقال المجد: هي أقيس، لأن تعلق حقه بماله، أشد من تعلق الوالد بمال ولده.

الغارمون نوعان

(السادس الغارم) (¬1) وهو نوعان، أحدهما: غارم (لإصلاح ذات البين) أي الوصل (¬2) بأن يقع بين جماعة عظيمة – كقبيلتين، أو أهل قريتين – تشاجر، في دماء وأموال، ويحدث بسببها الشحناء، والعداوة (¬3) فيتوسط الرجل بالصلح بينهما، ويلتزم في ذمته مالاً، عوضًا عما بينهم، ليطفئ النائرة (¬4) فهذا قد أتى معروفًا عظيمًا، فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة، لئلا يجحف ذلك بسادات القوم المصلحين، أَو يوهن عزائمهم (¬5) . ¬

_ (¬1) وهو المدين، والغرم – في الأصل – لزوم ما يشق على النفس، وسمي الدين غرامًا لكونه شاقًا على الإنسان. (¬2) فالغارم لإصلاح ذات البين، هو من غرم لإصلاح حال الوصل الفاسد، قال تعالى {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} وقال {أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} وتقدم حديث قبيصة قال: تحملت حمالة، فقال له «أقم، حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها» . (¬3) ويتوقف صلحهم على من يتحمل ذلك، والتشاجر بالتاء، والشين، والجيم المضمومة، فاعل «يقع» أي يقع تخاصم. (¬4) بالنون مهموز، العداوة والشحناء، يقال: بينهم نائرة أي عداوة، وعند العامة بالثاء المثلثة، وأما الثور، والثوران، فالهيجان، والوثب، ومنه: ثارت الفتنة بينهم «ويتوسط» أي بين المتخاصمين، فيكون وسيطًا ومصلحًا. (¬5) عن تسكين الفتن، وكف المفاسد، وكانت العرب تفعل ذلك، فيحتمل الرجل الحمالة، ثم يخرج في القبائل يسأل، حتى يؤديه. فأقرت الشريعة ذلك، و «ويجحف» بضم الياء، وسكون الجيم، وكسر الحاء، من: أجحف به. إذا ذهب به.

فجاءَ الشرع بإباحة المسألة فيها، وجعل لهم نصيبًا من الصدقة (¬1) (ولو مع غنى) إن لم يدفع من ماله (¬2) النوع الثاني ما أُشير إليه بقوله (أو) تدين (لنفسه) في شراء من كفار، أَو مباح، أَو محرم وتاب (مع الفقر) (¬3) . ¬

_ (¬1) لما في صحيح مسلم وغيره، عن قبيصة قال: تحملت حمالة، فقال «أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها» وحديث أبي سعيد «لا تحل لغني إلا لخمسة» وذكر منهم الغارم، وكذا لو تحمل إتلافًا أو نهبًا عن غيره، أو ضمن عن غيره مالاً، وهما معسران. (¬2) أي فيأخذ من الزكاة، ولو كان غنيًا، لأنه من المصالح العامة، فأشبه المؤلف والعامل، هذا إن لم يدفع من ماله، فإن دفع فلا، لأنه قد سقط الغرم، فخرج عن كونه مدينًا بسبب الحمالة، وكذا إن لم يكن حمل الدين، أو كان ما لزمه ضمانًا وأعسر، فلكل منهما الأخذ منها لوفاء دينه. (¬3) بأن يشتري نفسه من الكفار، قال أبو المعالي: ومثله لو دفع إلى فقير مسلم، غرمه السلطان مالاً، ليدفع جوره، أو يستدين في نفقة نفسه، أو عياله، أو كسوتهم مع الفقر. قال الشارح وغيره: لا خلاف في استحقاق الغارمين لإصلاح نفوسهم، وثبوت سهمهم في الزكاة، وأن المدينين، العاجزين عن وفاء ديونهم، منهم. اهـ. أو يستدين في معصية، وشرب خمر، وزنا، وتاب. وإلا لم يجز، وتقدم قول الشيخ: إنه لا ينبغي أن يعطى منها من لا يستعين بها على الطاعة؛ وقال: فمن أظهر بدعة، أو فجورًا، فإنه يستحق العقوبة، بالهجر وغيره، واستتابته، فكيف يعان على ذلك.

من أهل الزكاة (في سبيل الله) وهم: الغزاة المتطوعة

ويعطى وفاءَ دينه ولو لله (¬1) ولا يجوز له صرفه في غيره، ولو فقيرًا (¬2) وإن دفع إلى الغارم لفقره، جاز أن يقضي منه دنيه (¬3) (السابع في سبيل الله، وهم الغزاة المتطوعة الذين لا ديوان لهم) (¬4) . ¬

_ (¬1) أي يعطى غارم وفاء دينه، بلا نزاع كمكاتب، لاندفاع حاجتهما، لقوله {وَالْغَارِمِينَ} ولو كان ما غرمه لله، فدين الله كدين الآدمي، وحكى ابن عبد البر وأبو عبيد الإجماع على أنه لا يقضى منها دين على ميت، غرم لمصلحة نفسه أو غيره. وقال الشيخ: يجوز أن يوفى منها الدين على الميت، في أحد قولي العلماء، لأن الله قال {وَالْغَارِمِينَ} ولم يقل {وَالْغَارِمِينَ} ، الغارم لا يشرط تمليكه على هذا، وعلى هذا يجوز الوفاء عنه، وأن يملك لوارثه ولغيره. (¬2) أي غير ما أعطي له، وإن كان فقيرًا، لأنه إنما يأخذ أخذًا مراعى. (¬3) لملكه إياه ملكًا تامًا، ومن فيه سببان، أخذ بهما وفاقًا، والمذهب أن من أخذ بسبب يستقر الأخذ به، وهو الفقر، والمسكنة، والعمالة، والتأليف، صرفه فيما شاء، كسائر ماله، وإن دفع المالك إلى الغريم، بلا إذن الفقير صح، كقضاء الإمام عن الحي بلا وكالة. (¬4) أي لا حق لهم في الديوان، وسموا به لأن السبيل عند الإطلاق هو الغزو، لقوله {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} ، وقوله {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ الله} وغير ذلك من الآيات والأحاديث، وإنما استعملت هذه الكلمة في الجهاد، لأنه السبيل الذي يقاتل فيه على عقد الدين، ولا خلاف في استحقاقهم، وبقاء حكمهم في الديوان، إذا كانوا متطوعة، لأن من له رزق من بيت المال راتب يكفيه، فهو مستغن به وفاقًا، وأبو حنيفة يخص به الفقير، ومالك والشافعي وأحمد قالوا: يأخذ الغني منهم، كما يأخذ الفقير، «والديوان» بالكسر، وأصله «دوَّان» فعوض من إحدى الواوين ياء، لقولهم في جمعه دواوين، وأول من دون الدواوين في الإسلام عمر رضي الله عنه.

المراد بـ "ابن السبيل" وما يعطى منها

أَولهم دون ما يكفيهم، فيعطى ما يكفيه لغزوه، ولو غنيًا (¬1) ويجزئُ أن يعطى منها لحج فرض فقير وعمرته (¬2) لا أَن يشتري منها فرسًا يحبسها، أو عقارًا يقفه على الغزاة (¬3) وإن لم يغز رد ما أَخذه (¬4) . ¬

_ (¬1) ذهاباً وإيابًا، وثمن سلاح، ودرع، وفرس، ونحو ذلك، لأنه مصلحة عامة، ومتى ادعى أنه يريد الغزو، قبل قوله، ودفع إليه، دفعًا مراعى، من سائر ما يحتاج إليه، من آلات ونفقة. (¬2) ويستعين به فيه، لأنه يحتاج إلى إسقاط الفرض، ولو لم يجب لفقره، ولأن الحج كالغزو، لقوله صلى الله عليه وسلم، «الحج والعمرة في سبيل الله» رواه أحمد وغيره، ولأبي داود في رجل جعل ناقته في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «اركبيها، فإن الحج من سبيل الله» وظاهر كلام أحمد والخرقي وغيرهما، جوازه في النفل أيضًا، وصححه جمع، لأنه من سبيل الله، ولا يحج بزكاة ماله، ولا يغزو، ولا يحج عنه بها، ولا يغزي. (¬3) وفاقًا، وكذلك لا يشترى بها درعًا ونحوه، ولا دارًا، أو ضيعة، ونحوهما للرباط ونحوه، لأن الشراء المذكور لوقفه، ليس من الإيتاء المأمور به. (¬4) أي وإن لم يغز من أخذ فرسًا وغيرها من الزكاة، رد الذي أخذه على الإمام وفاقًا، لأنه أعطي على عمل ولم يعمله.

نقل عبد الله: إذا خرج في سبيل الله، أكل من الصدقة (¬1) (الثامن بن السبيل) وهو (المسافر المنقطع به) أي بسفره المباح، أَو المحرم إذا تاب (¬2) (دون المنشئ للسفر من بلده) إلى غيرها، لأَنه ليس في سبيل (¬3) لأن السبيل هي الطريق، فسمي من لزمها ابن السبيل، كما يقال: ولد الليل؛ لمن يكثر خروجه فيه، "وابن الماء"، لطيره، لملازمته له (¬4) (فيعطى) ابن السبيل (ما يوصله إلى بلده) ولو وجد مقرضًا (¬5) . ¬

_ (¬1) ومفهومه: لا يجوز له الأكل قبل الخروج، لأن نفسه ليست مصرفًا لزكاته، كما لا يقضي بها دينه. (¬2) لأن التوبة تجب ما قبلها، وإلا فلا، لأنه إعانة على المعصية، ولا يعطى في سفر مكروه، أو نزهة، لأنه لا حاجة إليه، ونبه بالمباح على ما هو أولى منه، كسفر الطاعة لحج، أو طلب علم، أو صلة رحم، وليس معه ما يوصله إلى بلده، أو منتهى قصده، وعوده إلى بلده، وظاهر كلامهم: لا فرق بين السفر الطويل والقصير، وتقدم أن ما سمي سفرًا تعلق الحكم به. (¬3) لأن الاسم لا يتناوله حقيقة، نص عليه وفاقًا، وإنما يصير ابن سبيل في ثاني حال، ولأنه لم يصح عليه اسمه، بل مقامه ببلده مظنة الرفق به، وقال الشافعي: يدفع إليه كالمجتاز، في جواز الأخذ، وهو رواية عن أحمد. (¬4) أي للماء، ولولد الليل لليل، وكل من لازم شيئًا سمي به في الغالب. (¬5) أو متبرعًا بالأولى، وكذا لو كان موسرًا في بلده، لعجزه عن الوصول لماله، كمن سقط متاعه في بحر، أو ضاع منه، أو غصب فعجز عنه.

أهل الزكاة قسمان

وإن قصد بلدًا، واحتاج قبل وصوله إليها، أُعطي ما يصل به إلى البلد الذي قصده، وما يرجع به إلى بلده (¬1) وإن فضل مع ابن سبيل، أَو غاز، أَو غارم، أَو مكاتب شيءٌ رده (¬2) وغيرهم يتصرف بما شاء، لملكه له مستقرًا (¬3) (ومن كان ذا عيال، أَخذ ما يكفيهم) (¬4) . ¬

_ (¬1) وإن كان فقيرًا في بلده، أعطي لفقره ما يكفيه سنة، ولكونه ابن سبيل ما يوصله، ولا خلاف في استحقاق ابن السبيل، وبقاء سهمه، ويدخل في ابن السبيل الضيف، قاله ابن عباس وغيره، والسائلون يعطون منها، وذكر غير واحد أنها جعلت لسد خلة المساكين، ومعونة الإسلام، وتقويته، فيلحق به من كان في مصلحة عامة للمسلمين، مدة قيامه بها. (¬2) لأنهم لا يملكون ذلك من كل وجه، بل ملكًا مراعى، ولزوال السبب، فيجوز رد الفاضل، بزوال الحاجة، بخلاف الأصناف الأربعة، المذكورين أول الآية. (¬3) فلا يردون شيئًا، لأن اللام في ذلك للملك، فثبت لهم ملكًا مستقرًا، فأهل الزكاة قسمان، قسم يأخذ بسبب يستقر الأخذ به، بلا نزاع في الجملة، وهو الفقر، والمسكنة، والعمالة، والتأليف، وقسم يأخذ بسبب لا يستقر الأخذ به، وهو الكتابة، والغرم، والغزو، والسبيل، فالقسم الأول، من أخذ شيئًا، صرفه فيما شاء، كسائر ماله؛ والثاني إذا أخذ شيئًا منها، صرفه فيما أخذه له فقط، لعدم ثبوت ملكه عليه، من كل وجه، فإنما ملكه مراعى، فإن صرفه في الجهة التي استحق الأخذ بها، وإلا استرجع منه، فالتعبير في الآية باللام للملك، وفي القسم الثاني ينادي على المراعاة في ذلك بـ «في» وهي للظرفية. (¬4) أي ومن كان من الفقراء والمساكين ذا عيال، أخذ ما يكفي عياله، لأن الدفع للحاجة، فيتقدر بقدرها.

من ادعى عيالا أو فقرا والتحقيق في ذلك

لأَن كل واحد من عائلته مقصود دفع حاجته (¬1) ويصدق من ادعى عيالاً، أَو فقرًا، ولم يعرف بغنى (¬2) . ¬

_ (¬1) فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد. (¬2) لأن الظاهر صدقه، ولا يكلف يمينًا، ولا إقامة بينة، لأن ذلك لا يعلم إلا منه، ومن جهل حاله، وقال: لا كسب لي؛ ولو كان جلدًا، يخبره أنها لا تحل لغني، ولا لقوي مكتسب، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، ويعطيه بلا يمين وفاقًا، للخبر الصحيح، قال في الفروع: وإخباره بذلك يتوجه وجوبه، ولا يعطى أحد منهم مع غنى، لحديث قبيصة «لا تحل إلا لأحد ثلاثة» وتقدم، وحديث أبي سعيد «إلا لخمسة، العامل عليها، ومشتريها، والغارم، والغازي، ومسكين أهدى منها لغني» ، وفي رواية «وابن سبيل منقطع به» ، وإن كان غنيًا في بلده، وهذا مجمع عليه، ولقوله «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» . رواه أبو داود والترمذي، وهو مفهوم الآية، ولو ادعى الفقر من عرف بغنى، لم يقبل إلا ببينة، وعن أحمد: يعتبر ثلاثة، للخبر. وفي الإنصاف: من ادعى أنه مكاتب، أو غارم، أو ابن سبيل، لم يقبل إلا ببينة بلا نزاع، وإن ادعى أنه غارم لذات البين، أغنى عن إقامة البينة. ويستحب التعفف، لما في الحديث «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله» ، «لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب، خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه» ولا يأخذ الغني صدقة، ولا يتعرض لها، فإن أخذها مظهرًا للفاقة حرم، وفي الصحيحين «ومن يأخذ مالاً بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالاً بغير حقه، فمثله مثل الذي يأكل ولا يشبع» وقال «إن هذا المال حلوة خضرة» شبهه – بالرغبة فيه، والميل إليه، وحرص النفوس عليه – بالفاكهة الخضراء المستلذة، فإن الأخضر والحلو مرغوب فيهما «فمن أخذه بغير شره ولا إلحاح» أي بغير سؤال «بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس، لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع» ويقبح السؤال مع الحاجة. ومن له قدرة على الكسب، فصحح بعضهم أنه حرام، للأخبار، وكرهه بعضهم بشروط، إن لم يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسئول، فإن فقد أحدها حرم اتفاقًا، ومن أبيح له أخذ شيء من زكاة، وصدقة، ونحوهما أبيح له سؤاله، لظاهر «للسائل حق، وإن جاء على فرس» وهذا مذهب مالك والشافعي، ولأنه يطلب حقه، ويحرم سؤال ما لا يباح أخذه، قال ابن حزم وغيره: اتفقوا على أن المسألة حرام على كل قوي على التكسب، أو غني، إلا من تحمل حمالة، أو من السلطان، أو ما لا بد له منه. اهـ. ولا بأس بمسألة شرب الماء ونحوه، والاستعارة، والاستقراض، وسؤال الشيء اليسر، صرح به أحمد وغيره، ومن أعطي من غير مسألة، ولا استشراف نفس، مما يجوز له أخذه، استحب له أخذه، فإن استشرف، بأن حدث نفسه: سيبعث إلى فلان؛ سيعطيني فلان. فلا بأس بالرد، واختار أحمد وغير واحد الرد، وقال النووي: الذي عليه الجمهور: يستحب القبول، في غير عطية السلطان، وصحح: إن غلب الحرام حرمت، وإلا أبيحت، إن لم يكن في القابض مانع.

يجوز صرفها إلى صنف واحد

(ويجوز صرفها) أي الزكاة (إلى صنف واحد) (¬1) لقوله تعالى {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (¬2) ولحديث معاذ، حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقال: ¬

_ (¬1) وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وقول عمر، وحذيفة، وابن عباس وغيرهم، ويأتي ذكر جواز صرفها إلى شخص واحد، فالصنف أولى. (¬2) فلم يذكر تعالى في هذه الآية إلا الفقراء.

«أَعلمهم أَن الله قد افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أَغنيائهم، فترد على فقرائهم» متفق عليه (¬1) فلم يذكر في الآية والخبر إلا صنفًا واحدًا (¬2) ويجزئ الاقتصار على إنسان واحد (¬3) ولو غريمه أَو مكاتبه (¬4) . ¬

_ (¬1) أي فقراء المسلمين بالإجماع. (¬2) فدل على جواز صرفها إليه، ولما في استيعاب الثمانية من العسر، ويستحب صرفها في الأصناف الثمانية، حيث وجب الإخراج، خروجًا من الخلاف، وتحصيلاً للإجزاء يقينًا، ولا يجب الاستيعاب، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، كما لو فرقها الساعي إجماعًا، فإن قيل: الآية قاضية باختصاصهم بها، ووجوب الصرف إلى كل صنف منهم. قيل: ليست قاضية بذلك. وتقدم قول علماء الإسلام أن المراد أنها لا تخرج عنهم، لا لإيجاب قسمتها بينهم، وهو مدلول الكتاب والسنة، وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وخلفائه، والسلف بعدهم، قال الشيخ: ويجب تحري العدل بحسب الإمكان. (¬3) اختاره في المحرر والإنصاف، وقال في المبدع: هو قول جماهير العلماء، ونص عليه، واختاره الأصحاب، لقوله {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ} الآية ولحديث معاذ وغيره. (¬4) أي ويجوز الدفع إلى إنسان، ولو كان ذلك الإنسان غريمه، أو مكاتبه، أما الغريم فلكونه داخلاً في جملة الغارمين، ليقضي بها دينه، سواء دفعها إليه ابتداء، أو استوفى حقه منها، ثم دفعها إليه، وأما المكاتب فلكونه معه كالأجنبي في جريان الربا بينهما، ولأن الدفع تمليك، وهو من أهله، فإذا ردها إلى سيده بحكم الوفاء جاز، كوفاء الغريم.

الذي عليه الدين لا يعطيه ليستوفي دينه

إن لم يكن حيلة (¬1) . ¬

_ (¬1) نص عليه وقال: إن أراد إحياء ماله لم يصح، ولم يجزئه، وقيده في الوجيز وغيره بعدم الحيلة، قال بعضهم: المراد بالحيلة أن يعطيه بشرط أن يردها عليه من دينه، فلا يجزئه، لأن من شرطها تمليكًا صحيحًا، فإذا شرط الرجوع لم يوجد، ولأنها لله، فلا يصرفها إلى نفعه. وقال ابن القيم: إذا أفلس، وأعطاه منها بقدر ما عليه، فيصير مالكًا للوفاء، فيطالبه به، وهذه حيلة باطلة، سواء شرط عليه الوفاء، أو منعه من التصرف فيما دفعه إليه، أو ملكه إياه بنية أن يستوفيه من دينه، فكل هذا لا يسقط عنه الزكاة، ولا يعد مخرجًا لها، لا شرعًا ولا عرفًا، كما لو أسقط دينه، وحسبه من الزكاة. وقال الشيخ: الذي عليه الدين لا يعطيه، ليستوفي دينه، وقال في إسقاط الدين عن المعسر: أما زكاة العين فلا يجزئ بلا نزاع، وأما قدر زكاة دينه، ففيه قولان، أظهرهما الجواز، لأن الزكاة دين، وهنا قد أخرج من جنس ما يملك، بخلاف ما إذا كان ماله عينًا، وأخرج دينًا، فالذي أخرجه دون الذي يملك، فكان بمنزلة إخراج الخبيث عن الطيب، وهذا لا يجوز، ومنع صلى الله عليه وسلم المتصدق من شراء صدقته، ولو وجدها تباع في السوق، سدًا لذريعة العود فيما خرج عنه لله، ولو بعوضه، فإن المتصدق إذا منع من تملك صدقته بعوضها، فتملكه إياها بغير عوض أشد منعًا، وأفطم للنفوس عن تعلقها بما خرجت عنه لله. قال ابن القيم: والصواب ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم، من المنع من شرائها مطلقًا، ولا ريب أن في تجويز ذلك، ذريعة إلى التحيل على الفقير، بأن يدفع إليه صدقة ماله، ثم يشتريها منه، بأقل من قيمتها، فمن محاسن الشريعة، سد هذه الذريعة. وقال: العلة الثانية قطع طمع نفسه عن العود في شيء أخرجه لله، بكل طريق.

لأنه عليه السلام أَمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر (¬1) وقال لقبيصة: «أَقم يا قبيصة، حتى تأْتينا الصدقة، فنأْمر لك بها» (¬2) (ويسن) دفعها (إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم) (¬3) كخاله وخالته، على قدر حاجتهم، الأَقرب فالأَقرب (¬4) لقوله عليه السلام «صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة» (¬5) . ¬

_ (¬1) رواه أحمد، وفيه ابن إسحاق، ولفظه: أنه صلى الله عليه وسلم قال لسلمة «اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له فليدفعها إليك» . (¬2) أي بالصدقة، رواه مسلم وغيره، فدل الحديثان وغيرهما على جواز الاقتصار على شخص واحد، من الأصناف الثمانية، ولأنه لما لم يمكن استغراق الأصناف، حمل على الجنس، وكالعامل اتفاقًا، ولما في الاستيعاب من العسر، وهو منتفِ شرعًا. (¬3) ولا يرثونه، بقدر حاجتهم إجماعًا. (¬4) والأحوج فالأحوج، إجماعًا، وهي أفضل من العتق، لخبر ميمونة، مراعيًا المصلحة والحاجة، فيفرقها فيهم، على قدر حاجتهم، وإن كان الأجنبي أحوج، فلا يعطى القريب ويمنع البعيد، بل يعطى الجميع، والجار أولى من غير الجار إجماعًا، والعالم، والدَّيَّن، وذو العيلة، يقدمون على ضدهم، والصدقة زمن المجاعة لا يعدلها شيء، حتى قيل: الوصية بالصدقة، أفضل من الوصية بالحج، ومن الجهاد. (¬5) رواه الخمسة، وحسنه الترمذي، من حديث سلمان بن عامر، أي إحسان، وعطف، ورفق، وهم أولى من أعطي، للآيات، والأحاديث، ولأحمد وغيره من حديث أبي أيوب «أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح» لما فيه من الجمع بين الصدقة والصلة، والإحسان إلى من أساء إليه، وقهر النفس على بره.

فصل فيمن لا يجزئ دفع الزكاة إليه وفضل صدقة التطوع

فصل (¬1) (ولا) يجزئ أن (تدفع إلى هاشمي) (¬2) أي من ينسب إلى هاشم، بأَن يكون من سلالته (¬3) فدخل فيهم آل عباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب (¬4) لقوله عليه السلام: «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أَوساخ الناس» أخرجه مسلم (¬5) . ¬

_ (¬1) فيمن لا يجزئ دفع الزكاة إليه، وفضل صدقة التطوع. (¬2) حكاه الوزير وغيره اتفاق الأئمة، وكذا لا تجزئ إلى هاشمية. (¬3) بضم السين ما انسل من الولد. (¬4) ابن عبد المطلب، قال الشارح وغيره: لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة. وحكى الاتفاق على خمسة البطون غير واحد من أهل العلم، وأخرج بعض أهل العلم آل أبي لهب، لأن حرمة الصدقة عليهم كرامة لهم، ولذريتهم، حيث نصروه، في جاهليتهم وإسلامهم، وأبو لهب كن حريصًا على أذاه، فلم يستحقها بنوه، وعتبة ومعتب ابناه أسلما عام الفتح، وشهدا حنينًا، والطائف، ولهما عقب. (¬5) وأول الحديث: أن المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، والفضل ابن العباس انطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال المطلب: ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله جئنا لتؤمرنا على هذه الصدقات، فنصيب ما يصيب الناس من المنفعة، ونؤدي إليك ما يؤدي الناس. فقال «إن الصدقة لا تحل لآل محمد» الحديث، وعن أبي هريرة قال: أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كخ كخ، إرم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة» وفي رواية «إنا لا تحل لنا الصدقة» يعني المفروضة، متفق عليه، وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة، فكل من حرمت عليه الزكاة، فله أخذها هدية وفاقًا، لأكله مما تصدق به على أم عطية، ولا خلاف في إباحة المعروف إلى الهاشمي، وفي الصحيحين «كل معروف صدقة» .

الأصح إباحة الزكاة لبني المطلب ومواليهم

لكن تجزئ إليه إن كان غازيًا، أو غارمًا لإصلاح ذات البيت، أو مؤلفًا (¬1) (و) لا إلى (مطلبي) لمشاركتهم لبني هاشم في الخمس، اختاره القاضي وأصحابه، وصححه ابن المنجا، وجزم به في الوجيز وغيره (¬2) . والأَصح: تجزئ إليهم، اختاره الخرقي، والشيخان، وغيرهم (¬3) . ¬

_ (¬1) لجواز الأخذ بذلك مع الغنى، وعدم المنة فيه، واختار الشيخ، والقاضي، وأبو البقاء، وأبو صالح، وأبو طالب البصري، وأبو يوسف، والإصطخري، وغيرهم: جواز الأخذ لبني هاشم إذا منعوا الخمس، لأنه محل حاجة وضرورة. وقال الشيخ: يجوز لهم الأخذ من زكاة الهاشمي. (¬2) وفاقًا لمالك والشافعي. (¬3) كشيخ الإسلام وجزم به ابن البناء، وصاحب المنور، والمنتهى، والإقناع قال في العمدة: وآل محمد، بنو هاشم وموالهيم، وإذا أطلق الأصحاب الشيخين، فالمراد بهما الموفق والمجد، وفي العصور الأخيرة المراد بالشيخ: شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمهم الله تعالى.

لأَن آية الأَصناف – وغيرها من العمومات – تتناولهم (¬1) ومشاركتهم لبني هاشم في الخمس، ليس لمجرد قرابتهم، بدليل أَن بني نوفل وبني عبد شمس مثلهم، ولم يعطوا شيئًا من الخمس (¬2) وإنما شاركوهم بالنصرة مع القرابة، كما أَشار إليه عليه السلام بقوله «لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام» (¬3) والنصرة لا تقتضي حرمان الزكاة (¬4) (و) لا إلى (مواليهما) (¬5) لقوله عليه السلام «وإن مولى القوم منهم» رواه أبو داود، ¬

_ (¬1) وخرج بنو هاشم بالنص، فبقي من عداهم على الأصل. (¬2) ولأن بني المطلب في درجة بني أمية، وهم لا تحرم عليهم الزكاة إجماعًا، فكذا هم، وقياسهم على بني هاشم لا يصح، لأنهم أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأشرف. (¬3) رواه أبو داود وغيره وفيه «وإنما نحن وهم شيء واحد» . (¬4) وتقدم أنه كرامة لهم، وعلله صلى الله عليه وسلم بكونها أوساخ الناس، فحرمت عليه صلى الله عليه وسلم، وآله بني هاشم، ومواليهم فقط، لشرفهم. (¬5) وهم الذين أعتقهم بنو هاشم، يعني وبنو المطلب، أما موالي بن هاشم. فهو المذهب، وفاقًا لأبي حنيفة، وأكثر الشافعية، والصحيح من مذهب مالك، وتحريم الصدقة على موالي بني هاشم، كتحريمها عليهم، قال الطحاوي: تواترت عنه صلى الله عليه وسلم الآثار بذلك. ولم يذكر بعض الأصحاب موالي آل بني المطلب، والأكثر ذكرهم، وأومأ أحمد في رواية إلى الجواز، وهو مذهب مالك، لأنهم ليسوا من آل محمد.

والنسائي، والترمذي وصححه (¬1) لكن على الأَصح، تجزئ إلى موالي بني المطلب كإليهم (¬2) ولكل أَخذ صدقة التطوع (¬3) ووصية أَو نذر لفقراء (¬4) لا كفارة (¬5) (ولا إلى فقيرة تحت غني منفق) (¬6) . ¬

_ (¬1) من حديث أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني، كيما تصيب منها، فقال: لا، حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسأله. فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال «إنا لا تحل لنا الصدقة، وإن مولى القوم منهم» وتجوز لموالي مواليهم، لأنهم ليسوا من القوم، ولا من مواليهم. (¬2) ولم يتعرض الموفق لمواليهم، قال القاضي: لا نعرف فيهم رواية. والمراد «بالأصح» ما اصطلحوه وتقدم. (¬3) أي ممن سبق أنه لا يجوز دفع الزكاة إليهم، من بني هاشم وغيرهم إجماعًا، لقوله «كل معروف صدقة» وقوله «إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة» قال في المبدع: ولا خلاف في جواز اصطناع المعروف إليهم. وفي الفروع: موادهم بجواز المعروف: الاستحباب؛ ولهذا احتجوا بقوله «كل معروف صدقة» ولأنهم إنما منعوا من الزكاة، لأنها من أوساخ الناس، والتطوع ليس كذلك. (¬4) إجماعًا، لأنه لا يقع عليهما اسم الزكاة، قال في الفروع: ومعلوم أن هذا للاستحباب إجماعًا، وإنما عبروا بالجواز، لأنه أصل لم يختلف في تحريمه. (¬5) لأنها صدقة واجبة بالشرع، أشبهت الزكاة، بل أولى، لأن مشروعيتها لمحو الذنب، فهي من أشد أوساخ الناس. (¬6) وهو مذهب مالك والشافعي، كغناها بدينها عليه، وفاقًا، وكولد صغير فقير، أبوه موسر وفاقًا، بل أولى، للمعاوضة.

شرط دفع الزكاة إلى الوالدين والولد

ولا إلى فقير ينفق عليه من وجبت عليه نفقته من أَقاربه، لاستغنائه بذلك (¬1) (ولا إلى فرعه) أَي ولده وإِن سفل، من ولد الابن (¬2) أَو ولد البنت (¬3) (و) لا إلى (أَصله) كأَبيه، وأُمه، وجده، وجدته، من قبلهما وإن علوا (¬4) . ¬

_ (¬1) أي بتلك النفقة، فلم يجز دفعها إليه، قال في الإنصاف: لا يجوز دفعها إلى غني، بسبب نفقة لازمة، على الصحيح من المذهب، وأختاه الأكثر، وحكي إجماعًا، في الولد الصغير. (¬2) في حال تجب نفقتهما إجماعًا، وكذا إن لم تجب، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، لاتصال منافع الملك بينهما عادة، فيكون صارفًا لنفسه، وجوزها مالك، لسقوط نفقتهم عنده، وشيخ الإسلام وغيره، مع حاجتهم وعجزه و «سفل» أي نزل، بفتح الفاء من النزول، وبضمها، اتضع قدره بعد رفعة. (¬3) نص عليه، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي. (¬4) لأن ملك أحدهما في حكم ملك الآخر. وإذا كان كذلك لم يزل ملكه عنه، ومن شرط الزكاة زوال الملك، ولأن الإجماع قد انعقد على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى والديه، في الحال التي تجب عليه نفقتهما، وإن كانت لا تجب لم تجز على الصحيح من المذهب، وقال شيخ الإسلام: يجوز دفع الزكاة إلى الوالدين والولد، إذا كانوا فقراء، وهو عاجز عن الإنفاق عليهم، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، ويشهد له العمومات. وقال: الأقوى جواز دفعها إليهم في هذه الحال، لأن المقتضى موجود، والمانع مفقود، فوجب العمل بالمقتضى، السالم عن المعارض المقاوم. وقال أيضًا: إن كان محتاجًا إلى النفقة، وليس لأبيه ما ينفق عليه، ففيه نزاع، والأظهر أنه يجوز له أخذ زكاة أبيه، وأما إن كان مستغنيًا بنفقة أبيه، فلا حاجة به إلى زكاته. وقال: إذا كانت الأم فقيرة، ولها أولاد صغار، ولهم مال، ونفقتها تضر بهم، أعطيت من زكاتهم، وإذا كان على الولد دَيْنٌ لا وفاء له، جاز أن يأخذ النفقة من زكاة أبيه، في أظهر القولين، في مذهب أحمد وغيره. وفي الصحيح – في الرجل الذي وضع صدقته عند رجل، فجاء ولد المتصدق فأخذها ممن هي عنده – فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمتصدق «لك ما نويت» وقال للآخذ «لك ما أخذت» . قال ابن رجب: إنما يمنع من دفع زكاته إلى ولده، خشية أن تكون محاباة، وإذا وصلت إليه من حيث لا يشعر، كانت المحاباة منتفية، وهو من أهل الاستحقاق.

إلا أن يكونوا عمالاً، أو مؤلفين، أو غزاة، أو غارمين لذات بين (¬1) ولا يجزئ أيضًا إلى سائر من تلزمه نفقته (¬2) ما لم يكن عاملاً، أو غازيًا، أو مؤلفًا أو مكاتبًا، أو ابن ¬

_ (¬1) لأنهم إذا كانوا عمالاً، إنما يعطون أجرة عملهم، أو مؤلفين فللتأليف، أشبه ما لو كانوا أجانب. (¬2) من أقاربه، أو مواليه، ممن يرثه بفرض أو تعصيب، كأخت، وعم، وعتيق، حيث لا حاجب، لغناه بوجوب النفقة، ولأن نفعها يعود إلى الدافع، وفي المبدع: ظاهر المذهب – وقدمه في الفروع – أنه يجوز دفعها إلى غر عمودي نسبه، ممن يرثه بفرض أو تعصيب، لقوله «والصدقة على ذي الرحم صدقة وصلة» فلم يفرق بين الوارث وغيره، وذكر الرواية الثانية، وأنها الأشهر. ثم قال: وظاهره: أن من لا تلزمه نفقته – ولو ورثه – يجزئ الدفع إليه، قال في الإنصاف، وهو المذهب، نقله الجماعة، وكذا إذا لم يفضل عنه ما ينفقه عليهم، فأما ذووا الأرحام فالأصح أنه يدفع إليهم، لضعف قرابتهم.

حكم دفع الزكاة إلى الزوج أو الزوجة

سبيل، أو غارمًا لإصلاح ذات بين (¬1) ويجزئُ إلى من تبرع بنفقته، بضمه إلى عياله (¬2) أو تعذرت نفقته من زوج، أو قريب، بنحو غيبة أو امتناع (¬3) (ولا) تجزئُ (إلى عبد) كامل رق (¬4) غير عامل أو مكاتب (¬5) (و) لا إلى (زوج) فلا يجزئها دفع زكاتها إليه، ولا بالعكس (¬6) . ¬

_ (¬1) فتجزئ، لا تختلف الرواية في ذلك، لأنه يعطى لغير النفقة الواجبة، وتقدم أن عمودي النسب يعطون لذلك، فهؤلاء أولى. (¬2) كيتيم غير وارث، اختاره الأكثر، منهم الموفق، والشارح، والشيخ وغيرهم، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، لوجود المقتضي، ولدخوله في العمومات، ولا نص ولا إجماع يخرجه، وفي الصحيح أن امرأة عبد الله سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن بني أخ لها، أيتام في حجرها، أفتعطيهم زكاتها؟ قال «نعم» ولهذا لو دفع إليه شيئًا في غير مؤنته التي عوده إياها، جاز وفاقًا. (¬3) كمن غصب له مال وفاقًا، وكذا من تعطلت منافع عقاره، جاز له الأخذ، لوجود المقتضي مع عدم المانع. (¬4) من قن ومدبَّرٍ، ومعلق عتقه بصفة، وقال أبو محمد: لا أعلم فيه خلافًا، لأن نفقته واجبة على سيده، فهو غني بغناه. وظاهره: ولو كان سيده فقيرًا، وذكره في الإنصاف الصحيح من المذهب، ومفهومه أن من بعضه حر يأخذ بقدر حريته، بنسبته من كفايته. (¬5) لأن المكاتب في الرقاب، والعامل يأخذ أجرة عمله. (¬6) أي ولا يجزئ دفع زكاته إليها، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعًا، لأنها مستغنية بنفقتها عليه، كما لو دفعها إليها على سبيل الإنفاق عليها، وحكاه الأصحاب قولاً واحدًا فيهما، لأن كل واحد منهما يتبسط في مال الآخر، وعنه: يجوز؛ اختاره القاضي، وأصحابه، وأبو محمد، وهو مذهب الشافعي، لدخولها في عموم {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} ولحديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تصدقن يا معشر النساء، ولو من حليكن» قالت: فرجعت إلى عبد الله، فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بالصدقة، فأته فاسأله: إن كان ذلك يجزئ عني، وإلا صرفتها إلى غيركم. قالت: فقال عبد الله: بل ائتيه أنت. قالت: فانطلقت، فإذا امرأة من الأنصار، حاجتها حاجتي، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقيت عليه المهابة؛ قالت: فخرج علينا بلال، فقلنا: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أن امرأتين بالباب، يسألانك أتجزئ الصدقة عنهما، على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما، ولا تخبر من نحن. قالت: فدخل بلال، فسأله فقال له «من هما؟» قال: امرأة من الأنصار، وزينب. قال «أي الزينبات؟» قال: امرأة عبد الله. فقال «لها أجران، أجر القرابة، وأجر الصدقة» متفق عليه، وقال مالك: إن كان يصرفه في غير نفقتها، لأولاد فقراء عنده من غيرها، أو نحو ذلك جاز.

وتجزئ إلى ذوي أرحامه، من غير عمودي النسب (¬1) . ¬

_ (¬1) ممن لا يرثه بفرض، أو تعصيب، بنسب أو ولاء، كأخ، وابن عم، لأن الوارث منهما تلزمه مؤنته، فلا يدفع زكاته إليه، وغير الوارث يجوز بلا نزاع، قال ابن عباس: إذا كان ذو قرابة لا يعولهم، يعطيهم من زكاة ماله، وإلا فلا يعطهم. اهـ. ومن سواهم يجوز إعطاؤه، كعمته وبنت أخيه، ولو ورثه، لضعف قرابتهم، وعنه: يجوز ولو لعمودي نسبه، لعموم قوله «الصدقة على المسكين صدقة، وهي لذي الرحم ثنتان صدقة وصلة» رواه أحمد، والترمذي وغيرهما، والصدقة والرحم عامان، ولأحمد وغيره عن أبي أيوب «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» .

(إن أعطاها لمن ظنه غير أهل) لأخذها (فبان أهلاً) لم تجزئه، لعدم جزمه بنية الزكاة، حال دفعها لمن ظنه غير أهل لها (¬1) (أو بالعكس) بأن دفعها لغير أهلها، ظانًا أنه أهلها (لم تجزئه) (¬2) لأنه لا يخفى حاله غالبًا (¬3) وكدين الآدمي (¬4) (إلا) إذا دفعها (لغني ظنه فقيرًا) فتجزئه (¬5) . ¬

_ (¬1) كما لو هجم وصلى، فبان في الوقت، وفي الفروع: ويتوجه تخريج من الصلاة، إذا أصاب القبلة، ولأن العبرة المواساة وقد حصلت. (¬2) بأن دفعها لهاشمي، أو عبده، أو وارثه، أو كافر، وهو لا يعلم، لم تجزئه، وتقدم، وأما الكافر فحكى ابن المنذر وغيره: أنها لا تجزئ الكافر إجماعًا، وفي الصحيحين «أخبرهم أن الله افترض عليهم صدقةـ تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» والكافر ليس منهم، لأنها مواساة تجب للمسلم على المسلم، فلم تجب للكافر كالنفقة، ويستثنى منه ما إذا كان مؤلفًا، أو عاملاً، على رواية، زاد في المستوعب: أو غارمًا لذات البين، أو غازيًا، وذلك بخلاف صدقة التطوع، لقصة أسماء. (¬3) ولا يعذر بالجهالة، قال الشارح: رواية واحدة، ولأنه ليس بمستحق لها، ولأنه لا يبرأ بالدفع إلى من ليس من أهلها، فاحتاج إلى العلم به، لتحصل البراءة، والظن يقوم مقام العلم، لتعذره، أو عسر الوصول إليه. (¬4) إذا دفع مدِينُه دَيْنَه الذي عليه، إلى غير ربه، ظانًا أنه ربه، فبان أنه غيره، ضمن، لاشتراط تمليك المعطى. (¬5) وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين عن الشافعي، واختاره أكثر الأصحاب، وجزم به في الوجيز، للمشقة، ولخفاء ذلك عادة.

حد الغنى المانع من أخذ الزكاة

لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الرجلين الجلدين، وقال «إن شئتما أعطيتكما منها، ولاحظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب» (¬1) (وصدقة التطوع مستحبة) (¬2) . ¬

_ (¬1) رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي وغيرهم، من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر، ورآهما جلدين، الحديث، وللنسائي، في الذي وضعها في يد غني قال «قد تقبلت» وتقدم حديث الذي أخذ ولده صدقته، فقال صلى الله عليه وسلم «لك ما نويت، وله ما أخذ» قال ابن رجب وغيره: ولهذا لو دفع صدقته إلى من يظنه فقيرًا، وكان غنيًا في نفس الأمر، أجزأته على الصحيح، لأنه إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه، والفقر أمر خفي، لا يكاد يطلع على حقيقته، وعنه: لا تجزئه، اختاره الآجري، والمجد وغيرهما، وفاقًا لمالك والشافعي، كما لو بان عبده ونحوه. وكحق الآدمي، ولبقاء ملكه، لتحريم الأخذ، ويرجع على الغني، بها أو بقيمتها ذكره القاضي وغيره رواية واحدة، لأن الله حصرها في الفقراء، وللترمذي وأبي داود، عن عمر مرفوعًا «لا تحل الصدقة لغني ولا للذي مرة سوي» ، وفي رواية له «ولا لذي مرة قوي» وللنسائي عن أبي هريرة قال «لاحظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب» وتقدم: «لا تحل لغني إلا لخمسة عامل، أو غاز، أو غارم، أو مشتريها بماله، أو مهداة إليه» قال الباجي: فإن دفعها لغني غير هؤلاء، عالمًا بغناه، لم تجزئه بلا خلاف، وقال أحمد: الغني المانع من أخذ الزكاة، أن يكون له كفاية على الدوم، بتجارة، أو صناعة، أو أجرة عقار وغيره، وإلا فلا، وإن ملك نصبًا. (¬2) إجماعًا، بل سنة كل وقت، لإطلاق الحث عليها في الكتاب والسنة، وقال غير واحد: هي أفضل من الجهاد، لا سيما إذا كان زمن مجاعة، على المحاويج، خصوصًا صاحب العائلة، خصوصًا القرابة، ومن الحج، لأنه متعد، والحج قاصر، وهو ظاهر كلام المجد وغيره، وصوبه في تصحيح الفروع وغيره، وأفضل من العتق، لقوله لميمونة «لو أعطيتها أخوالكِ، كان أعظم لأجركِ» متفق عليه.

حث الله عليها في كتابه العزيز، في آيات كثيرة (¬1) وقال عليه السلام «إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء» رواه الترمذي وحسنه (¬2) . ¬

_ (¬1) ورغب فيها، فقال تعالى {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} الآية، وعده من البر وقال {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وغير ذلك من الآيات في الحث على الصدقة. وقال {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} . (¬2) وفي الصحيحين «سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله» وذكر منهم «رجلاً تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» ولابن حبان وغيره «كل امرئ في ظل صدقته، حتى يقضي بين الناس» وفي الصحيحين «من تصدق بعدل تمرة، من كسب طيب – ولا يصعد إليه إلا الطيب – فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها، حتى تكون مثل الجبل» وغير ذلك مما هو معلوم، وسرًا أفضل، لقوله {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، والكل مقبول إذا كانت النية صادقة، وبطيب نفس أفضل منها بدونه، لخبر «طيبة بها نفسه» وفي الصحة أفضل منها في غيرها، لقوله: «وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر» .

(و) هي (في رمضان) وكان زمان ومكان فاضل، كالعشر، والحرمين أَفضل (¬1) لقول ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أَجود الناس، وكان أَجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبرئيل. الحديث، متفق عليه (¬2) (و) في (أوقات الحاجات أفضل) (¬3) وكذا على ذي رحم (¬4) لا سيما مع عداوة، وجار (¬5) . ¬

_ (¬1) لأجل مضاعفة الحسنات، وهذا مما لا نزاع فيه، ويأتي «ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر» وفضل الحرمين الشريفين مشهور، ويأتي. (¬2) أي: كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس في خصال الخير، وأكثرهم جودًا، وكان أجود ما يكون في رمضان، فإن الحسنة فيه بسبعين حسنة فيما سواه، وللترمذي عن أنس مرفوعًا: أي الصدقة أفضل؟ أي أعظم أجرًا، قال «صدقة في رمضان» وفيه إعانة على أداء الصوم المفروض، ومن فطر صائمًا كان له مثل أجره، وكذا الصدقة. (¬3) لقوله تعالى {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} ولأبي سعيد مرفوعًا «من أطعم مؤمنًا جائعًا، أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمنًا على ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة» . (¬4) قرابة، وهم عشيرتك الأدنون، ويشمل الأصول، والفروع، والحواشي، والصدقة عليهم أفضل، إجماعًا. (¬5) لقوله «أن تصل من قطعك، وتعطي من منعك، وتعفو عمن ظلمك» ولقوله «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» أي العدو، المظهر للعداوة.

الصدقة على اليتيم والمسكين وذي الرحم

لقوله تعالى {يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} (¬1) ولقوله عليه السلام «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة» (¬2) (وتسن) الصدقة (بالفاضل عن كفايته و) كفاية (من يمونه) (¬3) لقوله عليه السلام «اليد العليا، خير من اليد السفلى، وابدأْ بمن تعول، ¬

_ (¬1) أي أطعم يتيمًا ذا قرابة بينه وبينه، أو فقيرًا مدقعًا، لقد لصق بالتراب، {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} أي برحمة الناس، والشفقة عليهم، ولقوله تعالى {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} وقوله {وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} وغير ذلك. (¬2) رواه الخمسة وغيرهم، والصدقة هي ما دفع لمحض التقرب إلى الله، فرضًا كانت أو تطوعًا، وهي واحدة على المساكين، وعلى ذي القرابة ثنتان، صدقة، وصلة، إحسان، وعطف، ورفق، وفي الصحيحين «أجران، أجر القرابة، وأجر الصدقة» ولأنه أولى الناس بالمعروف، ويسن أن يفرقها فيهم، على قدر حاجتهم، ويبدأ بالأحوج فالأحوج، وإن كان الأجنبي أحوج، فلا يعطي القريب، ويمنع البعيد، بل يعطي الجميع، والجار أولى من غيره، والعالم، وذو العيلة كما تقدم. (¬3) بسبب متجر، أو غلة ملك، أو وقف، أو صنعة، أو عطاء من بيت المال، ونحو ذلك، قال تعالى {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} ، يعني الفضل عن حاجته، وحاجة عياله، وذلك أن لا يجهد مالك، ثم تقعد تسأل الناس، وفي الخبر «ابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسك شر لك، ولا تلام على كفاف» .

وخير الصدقة عن ظهر غنى» متفق عليه (¬1) (ويأْثم) من تصدق (بما ينقصها) أي ينقص مؤنة تلزمه (¬2) وكذا لو أَضر بنفسه، أَو غريمه، أَو كفيله (¬3) لقوله عليه السلام «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» (¬4) . ¬

_ (¬1) من حديث حكيم بن حزام، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له «اليد العليا» وهي المعطية «خير من اليد السفلى» وهي السائلة «وابدأ» أيها المتصدق «بمن تعول» أي تمون، ممن تلزمك نفقته، فقدمه على التصدق على غيرهم، تقديمًا للواجب، على المندوب، فيبدأ بنفسه، وعياله، لأنهم الأهم، «وخير الصدقة، ما كان عن ظهر غنى» أي عفوًا، فقد فضل عن غنى، أو فضل عن العيال، والظهر قد يزاد في مثل هذا، إشباعًا للكلام، وتمكينًا، كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوي من المال، فأفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعد إخراجها مستغنيًا، بقي له ما يستظهر به على حوائجه، ومصالحه. (¬2) لتركه الواجب، ولأبي داود عن جابر مرفوعًا «يأتي أحدكم بما يملك، فيقول: هذه صدقة! ثم يقعد يتكفف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» . (¬3) في مال أو بدن، فالاختيار للمرء أن يبقي لنفسه قوتًا، فلا يضر بها، ويترك واجبًا لمندوب، مع اليسار، فكيف مع ترك حق واجب لنفسه، أو غريمه، أو كفيله، وإذا لم يضر فالأصل الاستحباب. (¬4) رواه أبو داود وغيره، وله عن أبي هريرة قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة، فقال رجل: يا رسول الله عند دينار. فقال «تصدق به على نفسك» فقال: عندي آخر. قال «تصدق به على ولدك» قال: عندي آخر. قال «تصدق به على زوجتك» قال: عندي آخر. قال «تصدق به على خادمك» قال: عندي آخر. قال «أنت أبصر» ولمسلم «أفضل دينار ينفقه الرجل، دينار ينفقه على عياله» وقال أبو قلابة: وأي رجل أعظم أجرًا، من رجل ينفق على عيال صغار، يعفهم، أو ينفعه الله بهم، ويغنيهم؟

من أراد الصدقة بماله كله

ومن أَراد الصدقة بماله كله، وله عائلة، لهم كفاية، أو يكفيهم بمكسبه، فله ذلك (¬1) لقصة الصديق (¬2) وكذا لو كان وحده، ويعلم من نفسه حسن التوكل، والصبر عن المسأَلة، وإلا حرم (¬3) . ¬

_ (¬1) قال في الإنصاف: بلا نزاع. لقوله تعالى {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} وقوله «أفضل الصدقة جهد المقل» رواه أبو داود، وخبر «سبق درهم ألف درهم» لدلالة المقل على الثقة بالله، والزهد في الدنيا، فصدقته أفضل الصدقة. (¬2) وهي أنه جاء بجميع ماله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «ما أبقيت لأهلك؟» فقال: الله ورسوله. وكان تاجرًا، ذا مكسب، وظاهر عبارته الإباحة فقط، وقصة الصديق تقتضي الاستحباب. (¬3) أي وكذا من أراد الصدقة بماله كله، ولا عيال له، ويعلم من نفسه حسن التوكل، يعني الثقة بما عند الله، واليأس مما في أيدي الناس، والصبر عن المسألة مما في أيديهم، استحب له ذلك، وقال القاضي: جوزه جمهور العلماء، وأئمة الأمصار، وقوله {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} وخبر «خير الصدقة جهد المقل» وقصة الصديق، وغير ذلك، يدل على الأفضلية، مع قوة اليقين، وكمال الإيمان، وإن لم يعلم من نفسه حسن التوكل، والصبر على الضيق، أو مما لا عادة له به، حرم عليه ذلك، ويمنع منه، ويحجر عليه، لتبذيره، ويقويه خبر جابر: أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة من ذهب، وقال: خذها، ما أملك غيرها. فحذفه بها. وقال «يأتي أحدكم بما يملك، فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يتكفف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر عنى» ولا ريب أنه يختلف باختلاف أحوال الناس، في الصبر على الفاقة والشدة، والاكتفاء بأقل الكفاية، وقال ابن عقيل: أقسم بالله لو عبس الزمان في وجهك مرة، لعبس في وجه أهلك وجيرانك، ثم حث على إمساك المال. وقال ابن الجوزي: الأولى أن يدخر لحاجة تعرض، وأنه قد يتفق له مرفق، فيخرج ما في يده، فينقطع مرفقه، فيلاقي من الضراء، ومن الذل، ما يكون الموت دونه، فلا ينبغي لعاقل أن يعمل بمقتضى الحال، بل يصور كل ما يجوز وقوعه، وأكثر الناس لا ينظر في العواقب، وقد تزهد خلق كثير، فأخرجوا ما بأيديهم، ثم احتاجوا، فدخلوا في مكروهات، والحازم من يحفظ ما في يده، والإمساك في حق الكريم جهاد، كما أن إخراج ما في يد البخيل جهاد. وقال غير واحد: نحن في زمان من احتاج فيه فأول ما يبذل دينه، والحازم يحفظ ما في يده، وإذا صدقت نية العبد وقصده، رزقه الله، وحفظه، من الذل، ودخل في قوله {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} . (تتمة) وفي المال حقوق سوى الزكاة، نحو مواساة قرابة، وصلة إخوان، وإعطاء سائل، وإعارة محتاج لنحو دلو أو ركوب ظهر، أو إطراق فحل، أو سقي منقطع، أو من حضر حلاب نعم، وهو قول جماعة من أهل العلم، وقال شيخ الإسلام: وإعطاء السائل فرض كفاية إن صدق، ولهذا جاء في الحديث «لو صدق لما أفلح من رده» واستدل أحمد بهذا الحديث، وأجاب بأن السائل إذا قال: أنا جائع. وظهر صدقه، وجب إعطاؤه، وهذا من تأويل قوله {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} وإن ظهر كذبهم، لم يجب إعطاؤهم، ولو سألوا مطلقًا، لغير معين، لم يجب إعطاؤهم. اهـ. وقال القرطبي: اتفق العلماء على أنه إذا نزل بالمسلمين حاجة، بعد أداء الزكاة، فإنه يجب صرف المال إليها، وقال مالك: يجب على الناس فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم. وحكاه غير واحد إجماعًا. وفي الإقناع وغيره: وإطعام الجائع ونحوه واجب إجماعًا، مع أنه ليس في المال حق واجب سوى الزكاة وفاقًا، وقوله {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} هي الزكاة عند الجمهور، وما جاء غير ذلك حمل على الندب، ومكارم الأخلاق، لا راتبًا، وما يعرض لجائع وعار ونحوهما، فيجب عند وجود سببه.

كتاب الصيام

كتاب الصيام (¬1) ¬

_ (¬1) هو أحد أركان الإسلام، وفرض من فروض الله، المعلوم من الدين بالضرورة، وإجماع المسلمين، بل من العلم العام، الذي توارثته الأمة، خلفًا عن سلف، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، وأجمعوا على أن من أنكر وجوبه كفر، قال تعالى {كُتِبَ} أي فرض {عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فهو وصلة إلى التقوى، لما فيه من قهر النفس، وترك الشهوات، وقال {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} والأمر للوجوب، لما في من تزكية النفس، وطهارتها، وتنقيتها من الأخلاط الرديئة، والأخلاق الرذيلة. وقال صلى الله عليه وسلم «بني الإسلام على خمس» وذكر منها صوم رمضان، والأحاديث كثيرة في الدلالة على فرضيته وفضله. وفي الحديث «كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به» ويأتي، وقال «والصوم جنة» . وقال «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع بالصوم» فإذا أكل أو شرب انبسطت نفسه إلى الشهوات، وضعفت إرادتها، ومحبتها للعبادات، ولما فيه من التزهيد في الدنيا، وشهواتها، والترغيب فيما عند الله، والرحمة، والعطف على المساكين، وموافقتهم، يتحمل ما يتحملون أحيانًا.

لغة مجرد الإمساك (¬1) يقال للساكت: صائم؛ لإمساكه عن الكلام (¬2) . ¬

_ (¬1) والكف، والامتناع، والترك، من «صام يصوم صومًا» أمسك، وفي اللسان، والمحكم: الصوم ترك الطعام، والشراب، والنكاح، والكلام. وكان معقولاً عندهم أن الصيام هو الإمساك عن هذه، لقوله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قال الشيخ: كانوا يعرفونه قبل الإسلام، ويستعملونه كما في الصحيحين: يوم عاشوراء كان يومًا تصومه قريش في الجاهلية. (¬2) وامسك عن الشيء، وكف عنه، وتركه، فهو صائم، وقال ابن قتيبة: كل ممسك عن طعام، أو كلام، أو سير، فهو صائم. ويقال: صام النهار إذا وقف سير الشمس، وصام الفرس، أمسك عن العلف وهو قائم، أو عن الصهيل في موضعه، قال الشاعر: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما أي ممسك عن الصهيل.

ومنه (إني نذرت للرحمن صومًا) (¬1) وفي الشرع: إمساك بنية (¬2) عن أشياء مخصوصة (¬3) في زمن معين (¬4) من شخص مخصوص (¬5) وفرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة (¬6) . ¬

_ (¬1) أي سكوتًا وإمساكًا عن الكلام، وأشار بـ «مِنْهُ» فصلاً له عما قبله، للخلاف في ذلك، وقد قرئ به (صيامًا) ، وكانوا لا يتكلمون في صيامهم. (¬2) فلا يجزئ بدون النية إجماعًا، وكذا سائر العبادات، والأولى «وشرعًا» للمناسبة. (¬3) هي مفسداته الآتية في الباب بعده، من أكل، وشرب، وجماع، وغيرها مما ورد به الشرع، ويتبع ذلك الإمساك عن الرفث، والفسوق. (¬4) وهو: من طلوع الفجر الثاني، إلى غروب الشمس، قال تعالى {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} يعني بياض النهار، من سواد الليل، فالخيط الأبيض هو الصباح، ولا يكون السحور إلا قبله إجماعًا، {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} وهذا مجمع عليه، قال ابن نصر الله: فظاهره أنه لا يجب إمساك جزء من الليل في أوله، والمذهب وجوبه، وكذا في آخره، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. (¬5) وهو المسلم، البالغ، العاقل، القادر، المقيم، غير الحائض والنفساء، فلا يتحتم فعله مع قيام العذر، بل يجب القضاء مع زوال العذر، كما سيأتي، والصوم خمسة أنواع، المفروض بالشرع، وهو صوم شهر رمضان أداء، وقضاء، والصوم الواجب في الكفارات، والصوم الواجب بالنذر، وصوم التطوع. (¬6) إجماعًا، حكاه غير واحد من أهل العلم.

يجب صوم رمضان برؤية هلاله

قال ابن حجر في شرح الأربعين: في شعبان. انتهى (¬1) فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات إجماعًا (¬2) (يجب صوم رمضان برؤية هلاله) (¬3) لقوله تعالى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (¬4) . ¬

_ (¬1) أي انتهى كلام ابن حجر، وصوبه في الإمداد، وفيه: أركانه ثلاثة: صائم، ونية، وإمساك عن المفطرات. اهـ. يعني حقيقة وحكما، وحكمه الأخروي نيل الثواب، والدنيوي سقوط الواجب إن كان لازمًا. (¬2) حكاه غير واحد من أهل العلم بالأخبار والسير، لفرضه في السنة الثانية في شعبان، وأكثر صيامه تسعًا وعشرين، والشهر ينقص أحيانًا، ويكمل، وثوابهما واحد، في الفضل المرتب على رمضان، لا المترتب على كل يوم، فيفوق الكامل. (¬3) بإجماع المسلمين، ويستحب ترائي الهلال، ليلة الثلاثين من شعبان، احتياطًا لصومهم، وحذارًا من الاختلاف، وعن عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان، ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه، عد ثلاثين، ثم صام. رواه أحمد، وأبو داود، والدارقطني، وقال: هذا إسناد صحيح. ويستحب قول ما ورد إذا رآه، ومنه «الله أكبر» ثلاثًا «اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله، هلال رشد وخير» الحمد لله الذي جاء بشهر رمضان، وذهب بشهر شعبان. (¬4) وهذا إيجاب من الله حتم، على من شهد شهر رمضان كله، فليصم الشهر كله، وقبله قوله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} أي فرض عليكم وأوجب {كَمَا} فرض {عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} إلى قوله {شَهْرُ رَمَضَانَ} أي كتب عليكم صيام شهر رمضان، ولا نزاع في ذلك.

ولقوله عليه السلام «صوموا لرؤْيته، وأَفطروا لرؤْيته» (¬1) والمستحب قول: شهر رمضان؛ كما قال الله تعالى (¬2) ولا يكره قول: رمضان (¬3) (فإن لم ير) الهلال (مع صحوٍ، ليلة الثلاثين) من شعبان (أَصبحوا مفطرين) (¬4) وكره الصوم، لأَنه يوم الشك المنهي عنه (¬5) . ¬

_ (¬1) أي صوموا لرؤية هلال شهر رمضان، فيجب صومه برؤيته، بإجماع المسلمين «وأفطروا لرؤيته» أي هلال شوال إجماعًا، هو حديث متواتر، قاله الطحاوي وغيره، ولانعقاد الإجماع على وجوبه بالرؤية، وللعلم بدخوله ثلاث طرق، الرؤية، والشهادة عليها أو الإخبار، وإكمال شعبان ثلاثين. (¬2) أي في كتابه العزيز {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ} . (¬3) لوروده في السنة الصحيحة، ولم يثبت فيه نهي، وما روي «لا تقولوا رمضان، فإنه اسم من أسماء الله تعالى» موضوع، قاله الشيخ وغيره، ولا يسمى به إجماعًا، وسمي شهر الصوم رمضان، قيل: لحر جوف الصائم فيه ورمضه، والرمضاء: شدة الحر. وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام شدة الحر ورمضه. وقيل: لأنه يحرق الذنوب. وروي مرفوعًا، وقيل غير ذلك، وثبت «رمضان سيد الشهور» . (¬4) بلا نزاع، وهو ما يلي التاسع والعشرين من شعبان، لأنه لا يعلم كونه من رمضان، وسمي شعبان من تشعب القبائل، وتفرق اللغات، ويقال لأول ليلة وثانية وثالثة هلال، ثم هو قمر، وقيل: الأولى والثانية. وقيل: إلى أن يستدير بخطة دقيقة، وقيل: إلى أن يبهر ضوءه سواد الليل، والصحو ذهاب الغيم. (¬5) وهو مذهب مالك، والشافعي، وجمهور أهل العلم، وقال عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود، والترمذي وصححه، وقال: العمل عليه عند أكثر أهل العلم. ورواه البخاري تعليقًا، وروي – من غير وجه النهي عن صومه – مرفوعًا عن حذيفة، وابن عباس، وغيرهما، قال أبو عمر: نهى صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الشك، اطراحًا لأعمال الشك. وهذا أصل عظيم من الفقه أن لا يدع الإنسان ما هو عليه، من الحال المتيقنة، إلا بيقين في انتقالها. وقال الشيخ: هو يوم شك أو يقين من شعبان، ينهى عن صومه بلا توقف، لأن الأصل والظاهر عدم الهلال، فصومه تقدم لرمضان بيوم، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره، فإن المشكوك في وجوبه لا يجب فعله، ولا يستحب، بل يستحب ترك فعله احتياطًا، فلم تحرم أصول الشريعة الاحتياط، ولم توجبه بمجرد الشك. اهـ. وكذا إن كان غير يوم شك، فقد نهى عنه صلى الله عليه وسلم فقال «لا تقدموا رمضان بيوم ولا بيومين، إلا أن يكون صوم يصومه رجل، فليصم ذلك الصوم» رواه الجماعة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم وله عن ابن عباس – وصححه، من غير وجه - «لا تصوموا قبل رمضان» ولأبي داود وغيره، عن حذيفة مرفوعًا «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة» وللترمذي وصححه «إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا» وذلك لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه، ويستثنى النذر، والورد، كمن عادته صوم الخميس، فوافق آخر الشهر، وصوم يوم وفطر يوم، للخبر، ومن عليه قضاء، وكره الشافعي وأحمد صومه قضاء، فتطوع أولى.

(وإن حال دونه) أَي دون هلال رمضان (¬1) . ¬

_ (¬1) أيُّ حائل، ومرادهم المانع الذي يمتنع مع وجوده رؤية الهلال، صغيرًا كان أو كبيرًا.

لا يجب صومه قبل رؤية هلاله بل يكره أو يحرم

بأن كان في مطلعه ليلة الثلاثين من شعبان (غيم (¬1) أَو قتر) بالتحريك أَي غبرة، وكذا دخان (¬2) (فظاهر المذهب يجب صومه) (¬3) . ¬

_ (¬1) وهو السحاب، وجمعه غيوم وغيام، وكذلك الضباب، وقيل: أن لا يرى شمسًا من شدة الدجن. (¬2) أي حال بين الأبصار وبين رؤية الهلال دخان، وهو معروف، ويقال له: العثان، والغبرة في الهواء، وقال أبو زيد: القترة ما ارتفع من الغبار، فلحق بالسماء، والغبرة ما كان أسفل في الأرض، وذكر بعضهم أن البعد مانع كالغيم، وكمن بينه وبينه شيء يحول، كالجبل ونحوه، وكالمسجون. (¬3) أي الظاهر البائن، الذي ليس يخفى أنه المشهور في المذهب، أنه يجب صومه، وعنه: لا يجب صومه قبل رؤية هلاله، أو إكمال شعبان ثلاثين، نص عليه وجزم به صاحب الإقناع وغيره وفاقًا، وقال الشيخ: هي المذهب الصريح، المنصوص عنه، وذهب إليها المحققون في مذهب أحمد وغيرهم، بل يكره أو يحرم، ورواية حنبل تحريمه، وفاقًا للأئمة الثلاثة واختاره القاضي، وأبو الخطاب، وابن عقيل، وابن رزين، وابن مندة، والشيخ، وجميع أصحابه، وهو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة المتواترة. واختاره إمام هذه الدعوة، ومن أخذ عنه، ونهوا عن صيامه، لوجوه، منها أن تلك الليلة من شعبان، بحسب الأصل، ولا تكون من رمضان إلا بيقين، ومنها النهي الصحيح الصريح عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، ومن صامه فقد تقدم رمضان، ومنها الأحاديث الصحيحة الصريحة بالنهي عن صيامه، كقوله «فإن غم عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين» من غيره وجه، والأمر بالشيء نهي عن ضده، ومنها حديث عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. ونحوه عن حذيفة، وابن عباس، وغيرهما، ومنها رواية المروذي: إن يوم الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال، يوم الشك؛ وهو قول جمهور أهل العلم والأئمة الأربعة وغيرهم، وجزم به شيخ الإسلام وغيره، والأصحاب كرهوا صومه كما ترى، واستدلوا بفعل صحابي، خالفه غيره من الصحابة، وقوله إنما هو حجة مع عدم المخالف، فكيف إذا خالف نصوص السنة.

أَي صوم يوم تلك الليلة، حكمًا ظنيًا، احتياطيًا، بنية رمضان (¬1) قال في الإنصاف: وهو المذهب عند الأصحاب، ونصروه، وصنفوا فيه التصانيف (¬2) . ¬

_ (¬1) للخروج من عهدة الوجوب، بنية أنه من رمضان، وقال ابن عقيل وغيره: لا يجوز تقديم يوم لا يتحقق من رمضان، للنهي عنه، وقيل: للتحريم. نقله حنبل، وهو مذهب مالك، والشافعي. وقال الشيخ: قولهم «احتياطًا» بناء على ما تأولوه من الحديث، وبناء على أن الغالب على شعبان هو النقص، فيكون الأظهر طلوع الهلال، كما هو الغالب، فيجب بغالب الظن، وقالت طائفة: لا يجوز. كابن عقيل، والحلواني، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، استدلالاً بما جاء من الأحاديث، وبناء على أن الوجوب لا يثبت، بل نهي عن صوم يوم الشك، لما يخالف، من الزيادة في الفرض. (¬2) من ذلك «إيجاب الصوم ليلة الغمام» للقاضي أبي يعلى و «رد اللوم والضيم، في صوم يوم الغيم» لابن الجوزي و «درء اللوم» ليوسف بن عبد الهادي وغيرهم، وقابلهم آخرون، فصنفوا أيضًا في كراهته وتحريمه، منهم محمد بن عبد الهادي، ولا تترك الأحاديث الصحيحة لقول مقلد بلا حجة ولا برهان، ولا يحتج بقول على قول، بل يتعين الأخذ بالحجج الشرعية، وقال شيخ الإسلام: يجوز صومه، ويجوز فطره، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره، وهو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه، وهو مذهب كثير من الصحابة، والتابعين أو أكثرهم، وأصول الشريعة كلها متقررة على أن الاحتياط ليس بواجب، ولا محرم، وتحريمه، وإيجابه فيه بعد عن أصول الشريعة، والأحاديث المأثورة في الباب إذا تؤملت، إنما يصرح غالبها بوجوب الصوم بعد إكمال العدة، ولو قيل بجواز الأمرين، واستحباب الفطر، لكان أولى.

لا أصل لوجوب صوم يوم الثلاثين في كلام أحمد

وردوا حجج المخالف، وقالوا: نصوص أَحمد تدل عليه انتهى (¬1) وهذا قول عمر وابنه، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأنس، ومعاوية، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق، رضي الله عنهم (¬2) . ¬

_ (¬1) قال في الفروع: كذا قالوا، ولم أجد عن أحمد أنه صرح بالوجوب ولا أمر به، فلا تتوجه إضافته إليه، ولهذا قال شيخنا: لا أصل للوجوب في كلام أحمد، ولا في كلام أحد من الصحابة. واحتج الأصحاب بحديث ابن عمر وفعله، وليس بظاهر في الوجوب، وإنما هو احتياط قد عورض بنهي، واحتجوا بأقيسة تدل على الاحتياط فيما ثبت وجوبه، أو كان الأصل، كثلاثين من رمضان، وفي مسألتنا لم يثبت الوجوب، والأصل بقاء الشهر. وقال: ولكن الثابت عن أحمد، أنه كان يستحب صيامه، اتباعًا لعبد الله بن عمر، وغيره من الصحابة، ولم يكن عبد الله بن عمر يوجبه على الناس، بل كان يفعله احتياطًا، وكان الصحابة فيهم من يصوم احتياطًا، ومنهم من لا يصوم، مثل كثير من الصحابة، ومنهم من كان ينهى عنه، كعمار وغيره، فأحمد كان يصومه احتياطًا، وأما إيجابه فلا أصل له. (¬2) قال الشيخ: وقد روي عنهم وعن غيرهم النهي عن صوم يوم الشك، والأمر بإكمال العدة، وذكره عن عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي سعيد، وأنس، وأبي هريرة، وحذيفة، وعمار، وعائشة، رضي الله عنهم، فيقابل ما روي عنهم بما ذكر الشارح، وتبقى النصوص التي لا دافع لها، وما عليه جماهير العلماء، وعمرو بن العاص، هو ابن وائل، بن هاشم، بن سعيد، بن سهم، بن عمرو، بن هصيص، بن كعب بن لؤي، القرشي، السهمي، أحد دهاة العرب، وأمير مصر، أسلم قبل الفتح، وتوفي سنة 43هـ، وله 99، ومعاوية هو ابن أبي سفيان، بن صخر، بن حرب، بن أمية، بن عبد شمس، بن عبد مناف، القرشي الأموي، أمير المؤمنين، كاتب الوحي، ولد قبل البعثة بخمس، وتأمر عشرين سنة، وعشرينًا خليفة، حلمه، وفقهه، وفصاحته مشهورة، مات سنة ستين، وأسماء بنت أبي بكر، كانت تحت الزبير، وهي ذات النطاقين، توفيت بعد قتل ابنها عب دالله بيسير، ولها مائة سنة.

لقوله صلى الله عليه وسلم «إنما الشهر تسعة وعشرون يومًا، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليك فاقدروا له» (¬1) قال نافع: كان عبد الله بن عمر إذا مضى من الشهر تسعة وعشرون يومًا، يبعث من ينظر له الهلال، فإن رؤي فذاك، وإن لم ير، ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر؛ أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب ¬

_ (¬1) بكسر الدال وضمها، يقال: قدرت الشيء، أقدره، وأقدره، بكسر الدال وضمها؛ وقدرته، وأقدرته؛ كلها بمعنى، «وغم» أي حال بينكم وبينه سحاب ونحوه، وفي لفظ غبي وغمي، وهو بمعنى «غم» من: غممت الشيء؛ إذا غطيته.

أو قتر أصبح صائمًا (¬1) . ومعنى «اقدروا له» أي ضيقوا، بأن يجعل شبعان تسعًا وعشرين، وقد فسره ابن عمر بفعله، وهو راويه، وأعلم بمعناه، فيجب الرجوع إلى تفسيره (¬2) . ¬

_ (¬1) رواه أحمد، وأبو داود، وعبد الرازق، وغيرهم، قال الشيخ: ثبت أن ابن عمر روى أن الشهر يكون مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين، والفارق بينهما هو الرؤية فقط. (¬2) بل يجب الرجوع إلى روايته، وثبت عنه مرفوعًا، من غير وجه «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه» فنهى صلى الله عليه وسلم عن الصوم قبل رؤيته، وعن الفطر قبل رؤيته، ورؤيته إحساس الأبصار به، فمتى لم يره المسلمون: كيف يجوز ذلك؟ وذهب جماهير أهل العلم، من السلف والخلف، إلى أن معنى «اقدروا له» إتمام العدد ثلاثين، أو: احسبوا تمام ثلاثين، وثبت من غير وجه، من حديث أبي هريرة وغيره «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين» وصححه الترمذي وغيره، وقال: العمل عليه عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام، قبل دخول رمضان، لمعنى رمضان، وإن كان يصوم صومًا، فوافق صيامه، فلا بأس به عندهم, وله عن ابن عباس مرفوعًا «لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال دونه غيابة، فأكملوا ثلاثين يومًا» وصححه، وذكر أنه روي من غير وجه. وقال الحافظ الزركشي: السنة الصحيحة ترد تأويلهم. اهـ. فتفسير الشارع وبيانه، أولى من رجوع إلى ظن تفسير، بفعل ثبت عنه تفسيره بخلافه، مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز خلاف ما تواتر عنه صلى الله عليه وسلم «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فأكملوا شعبان ثلاثين» «فاقدروا له» معناه، احسبوا له قدره، وذلك ثلاثون، من: قدر الشيء. ليس من الضيق في شيء، وصرح الراوي بمعناه، عن أفصح العرب صلى الله عليه وسلم، تصريحًا لا يقبل التأويل، وأيضًا فليس قول أحدهم، حجة على الآخر بالاتفاق، بل يجب الرد إلى الشرع، وقوله «فإن غم عليكم فأكملوا العدة» فاصل في المسألة، وابن عمر رضي الله عنه له أفعال انفرد بها، لم يتابع عليها، كغسل داخل عينيه في الوضوء، وتتبع المواضع التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم، ليصلي فيها، وغير ذلك، وكذلك لغيره من الأفاضل، وكل يؤخذ من قوله، وكذا فعله، ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله: فإن غم عليكم فأكملوا العدة، فاصل في المسألة

ويجزئ صوم ذلك اليوم، إن ظهر منه (¬1) وتصلى التراويح تلك الليلة (¬2) . ¬

_ (¬1) أي من رمضان، بأن ثبتت رؤيته بموضع آخر، لأن صومه وقع بنية رمضان، لمستند شرعي، أشبه الصوم، وقال الشيخ: إن صام بنية مطلقة، أو معلقة، بأن ينوي: إن كان غدًا من رمضان، كان عن رمضان، وإلا فلا، فإن ذلك يجزئه، في مذهب أبي حنيفة، وأحمد، والقول الثاني: لا يجزئه إلا بنية أنه من رمضان، وأصلها أن تعيين النية لشهر رمضان، هل هو واجب؟ فيه ثلاثة أقوال «احدها» لا يجزئه إلا أن ينوي رمضان، فإن صام بنية مطلقة، أو معلقة، أو بنية النفل، أو النذر لم يجزئه، كالمشهور من مذهب الشافعي وأحمد، وتحقيق المسألة أن النية تتبع العلم، فإن علم أن غدًا من رمضان، فلا بد من التعيين في هذه الصورة، فإن نوى نفلاً، أو صومًا مطلقًا لم يجزئه، لأن الله تعالى أمره أن يقصد أداء الواجب عليه، فإذا لم يفعل الواجب، لم تبرأ ذمته، وأما إذا كان لا يعلم أن غدًا من رمضان، فهنا لا يجب عليه التعيين، ومن أوجب التعيين مع عدم العلم، فقد أوجب الجمع بين الضدين. (¬2) احتياطًا، لأنه عليه الصلاة والسلام وعد من صامه وقامه بالغفران، ولا يتحقق قيامه كله إلا بذلك، وتثبت سائر أحكامه، كوجوب كفارة، ونحو ذلك، ما لم يتحقق أنه من شعبان، واختار أبو حفص والتميميون وغيرهم: لا تصلي التراويح، ولا تثبت بقية الأحكام، اقتصارًا على النص، قال في الفروع: وهو الأشهر، عملاً بالأصل.

ويجب إمساكه على من لم يبيت نيته (¬1) لا عتق أو طلاق معلق برمضان (¬2) (وإن رؤي) الهلال (نهارًا) ولو قبل الزوال (فهو لليلة المقبلة) (¬3) كما لو رؤي آخر النهار (¬4) . ¬

_ (¬1) أي يجب إمساك يوم الغيم ونحوه، في اليوم الذي يلي التاسع والعشرين من شعبان، قالوا: وكذا يجب على الواطئ فيه الكفارة، ما لم يتحقق أنه من شعبان، والأولى العمل بالأصل، ولا يخرج عنه إلا بيقين، فلا إمساك، كما أنه لا يصام لأنه يوم شك. (¬2) ولا تثبت بقية الأحكام الشهرية بالغيم، فلا يحل دين مؤجل به، ولا تنقضي به عدة، ولا عدة إيلاء به ونحوه، عملاً بالأصل. (¬3) إجماعًا، ولعل إتيان الشارح هنا بـ «لو» إشارة إلى الخلاف عن أحمد، أنه إذا رؤي قبل الزوال، فهو لليلة الماضية، ولا أثر لرؤية الهلال نهارًا، وإنما يعتد بالرؤية بعد الغروب، أول الشهر، أو آخره، فلا يجب به صوم، ولا يباح به فطر، وروى الدارقطني عن أبي وائل قال: جاءنا كتاب عمر: إن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارًا، فلا تفطروا حتى تمسوا، أو يشهد رجلان مسلمان، أنهما رأياه بالأمس عشية. (¬4) قال الزركشي: أما بعد الزوال فللمقبلة، بلا نزاع نعلمه، لقربه منها، ولقصة عمر. اهـ. وقد صرحت أئمة المذاهب الأربعة، بأن الصحيح أنه لا عبرة برؤية الهلال نهارًا، وإنما المعتبر رؤية الهلال ليلاً.

تصحيح اعتبار اختلاف المطالع

وروى البخاري في تأْريخه مرفوعًا «من أَشراط الساعة، أَن يروا الهلال، يقولون: هو ابن ليلتين» (¬1) (وإذا رآه أهل بلد) أي متى ثبتت رؤْيته ببلد (لزم الناس كلهم الصوم) (¬2) . ¬

_ (¬1) مرادهم بإيراده أنها تكبر الأهلة، وإن صح، فمن أجل ظنون المتأخرين، وتقدم قول عمر: إن الأهلة بعضها أكبر من بعض. ولا شك أن الله أجرى العادة بسير الشمس والقمر، وإن ثبت ما رواه البخاري، فقولهم راجع إلى كبره المعهود المتعارف، لا إلى تغير المنازل، فقد قال تعالى {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ*لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} وكبر الهلال، لتقدم سير الشمس عنه، فيظهر نورها عليه أكثر، قال الشيخ: وقول من يقول: إن رؤي الهلال صبيحة ثمان وعشرين، فالشهر تام، وإن لم ير فهو ناقص؛ هذا بناء على أن الاستسرار لا يكون إلا ليلتين، وليس بصحيح، بل قد يستسر ليلة تارة، وثلاث ليال أخرى. (¬2) لا خلاف في لزوم الصوم على من رآه، أو كان قريبًا منه، وقال الوزير: اتفقوا على أنه إذا رؤي بالليل، رؤية فاشية، فإنه يجب الصوم على أهل الدنيا. وظاهره: ولو اختلفت المطالع، وهو الصحيح من المذهب، والصواب أنه إنما يلزم من قرب مطلعهم، ولأصحاب أبي حنيفة قول، فيما يختلف فيه المطالع، حكاه الوزير، وقال الشافعي: إذا كانت البَلَدانِ متقاربتين. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أن الرؤية لا تراعى مع البعد، كالأندلس من خراسان، وخولف، وصحح النووي وغيره اعتبار اختلاف المطالع، فإن اختلاف المنازل لا نزاع فيه، بحيث أنه يطلع في إحدى البلدتين دون الأخرى، بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع فجر لقوم، وشمس لآخرين، وغروب لبعض، ونصف ليل لغيرهم، وقدر بمسيرة شهر فأكثر. وذكر شيخ الإسلام أن المطالع تختلف، باتفاق أهل المعرفة بهذا، وقال: إن اتفقت لزم الصوم، وإلا فلا. اهـ. وقطع به غير واحد، وصححوه، وتأخر سير القمر عن الشمس، معلوم بالحس، فإنه يطلع خلفها، ويغرب بعدها، في أخر نصف كرة الأرض، فضلاً عن كلها، فرؤية أهل المغرب، لا تكون لأهل المشرق، بخلاف عكسه.

إذا رآه جماعة ببلد فوصلوا آخر الليل إلى بلد آخر بعيدة لم ير الهلال به لم يلزمهم الصوم

لقوله صلى الله عليه وسلم «صوموا لرؤْيته وافطروا لرؤيته» وهو خطاب للأُمة كافة (¬1) فإن رآه جماعة ببلد، ثم سافروا لبلد بعيد، فلم ير الهلال به في آخر الشهر أفطروا (¬2) . ¬

_ (¬1) وكذا قوله «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه» خطاب عام، ولأنه إذا رآه أهل بلد، فقد رآه المسلمون، ولا يشترط رؤية كل إنسان إجماعًا، ولأن الشهر في الحقيقة ما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في جميع الأحكام، وهذا مع اتفاق المطالع كما تقدم، وإذا أخبر عدلان عن أهل بلد أنهم أفطروا، وفيهم قاض، اعتمد هذا الخبر، وكذا جرت العادة، على الاعتماد على كتاب القاضي، وتقرر فيه قبول شهادة الفرع عن الأصل. (¬2) لتعلق الحكم بهم، وأما أهل تلك البلد فباعتبار المطالع كما يأتي، وكذلك إذا رآه جماعة ببلد، ثم سارت بهم ريح، في سفينة أو نحو ذلك، فوصلوا آخر الليل إلى بلد بعيدة لم ير الهلال به، لم يلزمهم الصوم أول الشهر، ولم يحل لهم الفطر آخره، ولمسلم عن كريب، قال: قدمت الشام، واستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام، فرأيناه ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس. فأخبرته، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم، حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقال: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. والمناظر تختلف، باختلاف المطالع والعروض، فكان اعتبارها أولى، ونبه غير واحد على أنه يلزم من الرؤية في البلد الشرقي، الرؤية في البلد الغربي، من غير عكس، وعليه يحمل حديث كريب، وجزم الشيخ وغيره، بأن الشمس تطلع على أهل المشرق، قبل أهل المغرب بنصف يوم، وهو نصف منزلة للقمر، وانفصال الهلال من شعاع الشمس، بخروجه من تحتها، يجعل الله فيه النور، ثم هو يزداد كلما بعد، حتى يقابلها، فيختلف باختلاف الأقطار، وكل قوم مخاطبون بما عندهم، كما في أوقات الصلاة، وأجمعوا على أنه لا اعتبار بالحساب، لقوله «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» ولم يقل: للحساب. وقال الشيخ: المعتمد على الحساب في الهلال، كما أنه ضال في الشريعة، مبتدع في الدين، فهو مخطئ في العقل، وعلم الحساب، فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي، وإنما غاية الحساب منهم، إذا عدل، أن يعرف كم بين الهلال والشمس، درجة، وقت الغروب مثلاً، لكن الرؤية ليست مضبوطة بدرجات محدودة، فإنها تختلف باختلاف حدة النظر، وكلاله، وارتفاع المكان الذي يتراءى فيه الهلال، وانخفاضه، وباختلاف صفاء الجو، وكدره، وقد يراه بعض الناس لثمان درجات، وآخرون لا يرونه لثنتي عشرة درجة، فيجب طرحه، والمعول بما عول عليه الشرع.

تقبل شهادة الواحد في الصيام

(ويصام) وجوبًا (برؤْية عدل) مكلف (¬1) ويكفي خبره بذلك (¬2) . ¬

_ (¬1) لا صغير ولا مستور، فيعتبر كونه عدلاً باطنًا وظاهرًا، والعدالة ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة. (¬2) أي بدون لفظ الشهادة، لأنه من باب الرواية، فيصام بقوله: رأيت الهلال. ولو لم يقل: أشهد أو شهدت. وإن رجع المخبر فهل يقال: إن كان بعد ما شرعوا في الصيام لم يقبل، وإلا قبل كالشهادة. أو يقبل مطلقًا، كما إذا أقر الراوي أنه كاذب؟.

لقول ابن عمر: ترائى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود (¬1) ، (ولو) كان (أُنثى) أو عبدًا أو بدون لفظ الشهادة (¬2) ولا يختص بحاكم (¬3) فيلزم الصوم من سمع عدلاً يخبر برؤيته (¬4) . ¬

_ (¬1) ورواه غيره، وصححه ابن حبان، والحاكم، وابن حزم، وغيرهم، ولأبي داود وغيره عن ابن عباس: جاء أعرابي فقال: إني رأيت الهلال. يعني رمضان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «تشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم. قال «وتشهد أني رسول الله؟» قال: نعم. قال «قم يا بلال فناد في الناس فليصوموا» وأقره المنذري، وقال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قالوا: تقبل شهادة رجل واحد في الصيام وبه يقول الشافعي وأحمد، وأهل الكوفة، وقال النووي: وهو الأصح، ولأنه خبر ديني، لا تهمة فيه، بخلاف آخر الشهر، ولأنه الأحوط. (¬2) أي: ولو كان المخبر به أنثى، أو عبدًا، كالرواية، أو كان إخبار الأنثى والعبد بدون لفظ الشهادة، كسائر الأخبار، ولا يجوز لمن لم يره الشهادة برؤيته، أو بما يفيدها، وإن أخبره بها عدد متواتر. (¬3) أي ولا يختص ثبوته بحكم حاكم. (¬4) لأنه من باب الرواية، ويلزم الإمساك، إن كان أهلاً للوجوب، قال بعضهم: ولو رد الحاكم قوله، لجواز أن يكون لعدم علمه بحال المخبر، وقد يجهل الحاكم من يعلم غيره عدالته. وجزم به الموفق وغيره، ويأتي أن الصوم يوم يصوم الناس.

وتثبت بقية الأحكام (¬1) ولا يقبل في شوال وسائر الشهور إلا ذكران، بلفظ الشهادة (¬2) ولو صاموا ثمانية وعشرين يومًا، ثم رأوه، قضوا يومًا فقط (¬3) (وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا، فلم ير الهلال) لم يفطروا (¬4) لقوله صلى الله عليه وسلم «وإن شهد اثنان فصوموا وأفطروا» (¬5) . ¬

_ (¬1) إذا ثبت رؤيته بواحد، من حلول ديون ونحوها تبعًا، وكذا توابع الصوم، من تراويح، واعتكاف ونحوهما. (¬2) لقول ابن عمر وابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين. وقال الترمذي وغيره: لم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل إلا بشهادة رجلين، أي عدلين يشهدان، لأنه مما يطلع عليه الرجال غالبًا، وإنما اجتزي بواحد في الصوم احتياطًا للعبادة اهـ. إلا أبا ثور جوزه بعدل. وقال الوزير: أجمعوا أنه لا يقبل في شوال إلا عدلين ولأنه ليس بمال، ولا يقصد به المال، ولا احتياط فيه، أشبه الحدود، و «شوال» بوزن صوام، مصروف، سمي بذلك لأن الإبل فيه حال التسمية شوالاً. (¬3) احتج بقول علي، ولأنه يبعد الغلط بيومين، وثبت من غير وجه، عنه صلى الله عليه وسلم: «الشهر تسعة وعشرون» ، أي الشهر اللازم الثابت، الذي لا بد منه، تسعة وعشرون. وقال «ثلاثون» وزيادة اليوم عن التسعة والعشرين، قد تدخل فيه، وقد تخرج منه، وهذا معلوم بالشرع والحس. (¬4) كما أنه لا يعتبر عند الفطر، احتياطًا للعبادة. (¬5) رواه النسائي، ولحديث: شهد أعرابيان، فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يفطروا. صححه ابن المنذر وغيره، ولأن الفطر لا يستند إلى شهادة واحد، كما لو شهد بهلال شوال، بالإجماع، بخلاف غروب الشمس ونحوه، لما عليه من القرائن التي تورث غلبة الظن، فإذا انضم إليها إخبار الثقة قوي، وربما أفاد العلم.

(أو صاموا لأجل غيم) ثلاثين يومًا، ولم يروا الهلال (لم يفطروا) (¬1) لأن الصوم إنما كان احتياطًا، والأصل بقاء رمضان (¬2) وعلم منه أنهم لو صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يومًا ولم يروه أفطروا، صحوا كان أو غيمًا، لما تقدم (¬3) . ¬

_ (¬1) وجهًا واحدًا، قال الشارح وغيره، لاستناده إلى غير بينة، والأصل كونه من شعبان. (¬2) فموافقة الأصل أولى، فلو غم لشعبان ولرمضان، وجب تقدير رجب وشعبان ناقصين، فلا يفطروا قبل اثنين وثلاثين بلا رؤية، وكذا الزيادة، لو غم رمضان وشوال، وأكملنا شعبان ورمضان، وكانا ناقصين، وكذا لو غم رجب، ولا يقع النقص متواليًا في أكثر من أربعة أشهر، ذكره النووي عن أهل العلم، وقال الشيخ: قد يتوالى شهران وثلاثة وأكثر، ثلاثين ثلاثين، وقد يتوالى شهران وثلاثة وأكثر تسعة وعشرين يومًا. وقال: قول من يقول: إن رؤي الهلال صبيحة ثمان وعشرين، فالشهر تام، وإن لم ير فهو ناقص. هذا بناء على أن الإستسرار لا يكون إلا ليلتين، وليس بصحيح، بل قد يستسر ليلة تارة، وثلاث ليال أخرى، وتقدم. (¬3) من قوله صلى الله عليه وسلم «وإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا» وحكاه في المستوعب وجهًا واحدًا، ولأن شهادة العدلين يثبت بها الفطر ابتداء، فتبعًا لثبوت الصوم أولى، ولأن شهادتهما بالرؤية السابقة إثبات إخبار به، عن يقين ومشاهدة، فكيف يقابلها الإخبار بنفي وعدم، ولا يقين معه، وذلك أن الرؤية يحتمل حصولها بمكان آخر.

من رأى وحده هلال رمضان أو شوال والتفصيل في ذلك

(ومن رأى وحده هلال رمضان، ورد قوله) لزم الصوم، وجميع أحكام الشهر، من طلاق وغيرة، معلق به (¬1) لعلمه أنه من رمضان (¬2) . ¬

_ (¬1) أي الطلاق ونحوه، وكعتق، وظهار معلق بهلال رمضان، يعني إذا لم ير الحاكم الصيام بشهادة واحد، ونحو ذلك. (¬2) وفاقًا، للعموم، وكعلم فاسق بنجاسة، فلزمه حكمه، وإنما جعل من شعبان في حق غيره ظاهرًا، لعدم علمهم، ويلزمه إمساكه لو أفطر فيه، والكفارة إن جامع فيه، وإذا لم يجب صومه، وجب عليه أداء الشهادة، وإن لم يسألها، هذا المذهب، ونقل حنبل: لا يلزمه الصوم. وروي عن الحسن وابن سيرين، لأنه محكوم أنه من شعبان، أشبه التاسع والعشرين، واختاره الشيخ وغيره، وقال: لا يلزمه الصوم، ولا الأحكام المعلقة بالهلال، من طلاق وغيره. وقال: يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، وهذا أظهر الأقوال، لقوله صلى الله عليه وسلم «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون» وقال: فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة، وعظم الناس، وأنه لو رأى هلال النحر وحده، لم يقف دون سائر الحاج، وأصل هذه المسألة أن الله علق أحكامًا شرعية، بمسمى الهلال والشهر، كالصوم والفطر والنحر، فقال {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} وقال {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} إلى قوله {شَهْرُ رَمَضَانَ} أنه أوجب شهر رمضان، وهذا متفق عليه بين المسلمين. وذكر تنازع الناس في الصوم، ثم قال: لكن النحر ما علمت أن أحدًا قال: من رآه يقف وحده، دون سائر الحاج. وذكر تنازعهم في الصوم وتناقضهم. ثم قال: وتناقض هذه الأقوال، يدل على أن الصحيح صنعه مثل في ذي الحجة، وحينئذ فشرط كونه هلالاً وشهرًا: شهرته بين الناس، واستهلال الناس به، حتى لو رآه عشرة، ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد، لكون شهادتهم مردودة، أو لكونهم لم يشهدوا به، كان حكمهم حكم سائر المسلمين، فلذلك لا يصومون إلا مع المسلمين، فكما لا يقفون، ولا ينحرون، ولا يصلون العيد إلا من المسلمين، فكذلك لا يصومون إلا مع المسلمين، وهذا معنى قوله صومكم يوم تصومون ونحركم وأضحاكم الحديث. ولهذا قال أحمد: يصوم مع الإمام، وجماعة المسلمين، في الصحو والغيم. وقال: يد الله على الجماعة. قال الشيخ: وعلى هذا تفترق أحكام الشهر، هل هو شهر في حق أهل البلد كلهم، أو ليس شهرًا في حقهم كلهم، يبين ذلك قوله تعالى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فإنما أمر بالصوم من شهد الشهر، والشهود لا يكون إلا لشهر اشتهر بين الناس، حتى يتصور شهوده والغيبة عنه، وقوله صلى الله عليه وسلم «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» و «صوموا من الوضح، إلى الوضح» ونحو ذلك: خطاب للجماعة، لكن من كان في مكان ليس فيه غيره، إذا رآه صامه. فإنه ليس هناك غيره، وعلى هذا فلو أفطر، ثم تبين أنه رؤي في مكان آخر، وثبت نصف النهار، لم يجب عليه القضاء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، فإنه إنما صار شهرًا في حقهم، من حين ظهر واشتهر، ومن حينئذ وجب الإمساك، كأهل عاشوراء، الذين أمروا بالصوم في أثناء اليوم، ولم يؤمروا بالقضاء على الصحيح. اهـ. ولا يلزم طلاقه وعتقه، المعلق بهلال رمضان، وغير ذلك من خصائص الرمضانية، واختاره وفاقًا لأبي حنيفة، وذكر ابن عبد البر: أنه قول أكثر العلماء.

(أَو رأَي) وحده (هلال شوال صام) ولم يفطر (¬1) . ¬

_ (¬1) نقله الجماعة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، وقاله عمر وعائشة وغيرهما، قال الموفق: ولم يعرف لهما مخالف في عصرهما، فكان إجماعًا. وقال الشيخ: هو أصح القولين، ولاحتمال خطئه وتهمته، فوجب الاحتياط، وعند مالك يفطر سرًا، وحكى بعضهم الإجماع أنه لا يجوز له إظهار الفطر، وقال الشيخ: باتفاق العلماء إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر، كمرض وسفر.

الأصل أن الله علق الحكم بالهلال والشهر

لقوله صلى الله عليه وسلم «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس» رواه الترمذي وصححه (¬1) . ¬

_ (¬1) قال الشيخ: أي هذا اليوم الذي تعلمون أنه وقت الصوم والفطر والأضحى، فإذا لم تعلموه لم يترتب عليه حكم، والأصل أن الله علق الحكم بالهلال والشهر، والهلال اسم لما يستهل به، أي يعلن به، ويجهر به، فإذا طلع في السماء، ولم يعرفه الناس، ويستهلوا، لم يكن هلالاً، وكذا الشهر، مأخوذ من الشهرة، فإن لم يشتهر بين الناس، لم يكن الشهر قد دخل، ولأبي داود نحو حديث أبي هريرة، عن عائشة وأبي موسى، أن رجلين قدما المدينة، وقد رأيا الهلال، وقد أصبح الناس صيامًا، فأتيا عمر فذكرا ذلك له، فقال لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: بل مفطر. قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأصوم وقد رأيت الهلال. وقال للآخر، قال: أنا صائم. قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأفطر والناس صيام. فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا، لأوجعت رأسك. ثم نودي في الناس: أن أخرجوا. رواه سعيد. وهو وإن اعتقده من شوال يقينًا، فلا يثبت به اليقين في نفس الأمر، لجواز أنه خيل إليه، فينبغي أن يتهم في رؤيته، احتياطًا للصوم، وموافقة للجماعة. وتقدم قول الشيخ في صومه؛ ففي فطره أولى، ولأنه لا يسمى هلالاً إلا بالظهور والاشتهار، كما دل عليه الكتاب والسنة، وقال: والسبب أن الفطر يوم يفطر الناس، وهو يوم العيد، والذي صامه، المنفرد برؤية الهلال، ليس هو يوم العيد، الذي نهي عن صومه، والمنفرد بمفازة يبني على يقين رؤيته، لأنه لا يتيقن مخالفة الجماعة، وإن رآه عدلان، ولم يشهدا عند الحاكم، جاز لمن سمع شهادتهما الفطر، إذا عرف عدالتهما، ولكل واحد منهما أن يفطر بقولهما، إذا عرف عدالة الآخر، هذا كلامهم، وهو واضح فيمن كان بمكان ليس فيه غيره، وإلا فمع الجماعة، وإن شهدا عند الحاكم، فرد شهادتهما، لجهله بحالهما، فلمن علم عدالتهما الفطر، كما لو ثبتت عدالتهما بعد ذلك، وإن ردت فلا. وقال في الفروع: إن رآه عدلان، ولم يشهدا عند الحاكم، أو شهدا فردهما، لجهله بحالهما، لم يجز لأحدهما، ولا لمن عرف عدالتهما الفطر بقولهما، في قياس المذهب، قاله المجد؛ ولما فيه من الاختلاف، وتشتيت الكلمة، وجعل مرتبة الحكم لكل إنسان؛ قال الشيخ: وما ثبت من الحكم، لا يختلف الحال فيه، مجتهدًا، مصيبًا كان أو مخطئًا أو مفرطًا، فإنه إذا لم يظهر الهلال ويشتهر، لم يصر هلالاً.

إن اشتبهت الأشهر على نحو مأسور تحرى وصام

وإن اشتبهت الأَشهر، على نحو مأْسور، تحرى وصام (¬1) وأَجزأَه إن لم يعلم أنه تقدمه (¬2) ويقضي ما وافق عيدًا أو أيام تشريق (¬3) . ¬

_ (¬1) أي اجتهد في معرفة شهر رمضان، وصام ما غلب على ظنه أنه رمضان بأمارة، لأنه غاية جهده، ونحو المأسور من طمر، أو أسلم بدار كفر، ومن بمفازة، ونحوهم. (¬2) وفاقًا، كمن تحرى في غيم وصلى، وشك هل صلى قبل الوقت، أو بعده؛ كما لو وافقه وما بعده، وإن علم أنه تقدمه، كصومه شعبان مثلاً، لم يجزئه وفاقًا، لأنه أتى بالعبادة قبل وقتها، وإن ظن أن الشهر لم يدخل، فصام لم يجزئه، ولو أصاب، قال الوزير: أجمعوا على أن الأسير إذا اشتبهت عليه الشهور، واجتهد وصام، أجزأه إن وافق صومه أو ما بعده، سوى أيام العيد والتشريق، لا ما قبله فلا. (¬3) يعني لو صام ذا الحجة باجتهاده، قضى تلك، لعدم صحة صومها.

شروط من يلزمه الصوم

(ويلزم الصوم) في شهر رمضان (لكل مسلم) لا كافر (¬1) ولو أَسلم في أَثنائه قضى الباقي فقط (¬2) (مكلف) لا صغير ومجنون (¬3) . ¬

_ (¬1) إجماعًا، لقوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} والضمير عائد إلى المسلم، دون الكافر إجماعًا، فلا يجب عليه الصوم ولو مرتدًا، لأنه عبادة بدنية محضة تفتقر إلى نية، فكان من شرطه الإسلام، ولا يصح صوم كافر، بأي كفر كان إجماعًا، والردة تمنع صحته إجماعًا، لأن الصوم عبادة محضة، فنافاها الكفر، كالصلاة، بلا خلاف، ويقضي ما فاته زمن الردة، لأنه التزم الوجوب بالإسلام، دون الكفر الأصلي إجماعًا، وترغيبًا في الإسلام. (¬2) أي فلا يلزمه قضاء ما مضى من الأيام، وهو إجماع، لحديث وفد ثقيف: قدموا في رمضان، وضرب عليهم قبة في المسجد، فلما أسلموا، صاموا ما بقي من الشهر، فمن أسلم فيه صام بلا خلاف، ويلحق به من كلف أو أفاق، عند الجمهور، أو زال عذره المانع له من الصوم إجماعًا، ولأن كل يوم عبادة مفردة، وما قبله لا يلحق به، ومراد الشارح: لو أسلم الكافر في أثناء اليوم، أمسك بقية يومه، وقضى ذلك اليوم الذي أسلم فيه، جزم به الموفق وغيره، وفي عبارته غموض، وقال شيخ الإسلام وغيره: يمسك بقية يومه، ولا يقضي، وهو مذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن الشافعي. وهذا أصل عند الشيخ وغيره، وهو: أن العبادات لا تلزم قبل بلوغها المكلف. (¬3) باتفاق الأئمة، حكاه الوزير وغيره، لحديث «رفع القلم عن ثلاثة، مجنون حتى يفيق، وصغير حتى يبلغ» ولأنهما غير مخاطبين، ولا يصح من المجنون، لعدم إمكان النية منه، ويصح من مميز كصلاته، ولا يجب حتى يبلغ عند أكثر أهل العلم.

إذا قامت البينة أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء

(قادر) لا مريض يعجز عنه، للآية (¬1) وعلى ولي صغير مطيق، أمره به، وضربه عليه، ليعتاده (¬2) (وإذا قامت البينة في أَثناء النهار) برؤْية الهلال تلك الليلة (وجب الإمساك، والقضاء) لذلك اليوم الذي أَفطره (على كل من صار في أثنائه أهلاً لوجوبه) أي وجوب الصوم (¬3) . ¬

_ (¬1) وهي قوله تعلى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فإطاقته معتبرة، حسًا وشرعًا، وكذا يجب على مقيم إجماعًا، فدخل في عبارته المقيم والمسافر، والصحيح، والمريض، والطاهر، والحائض، والنفساء، والمغمى عليه، فإن هؤلاء كلهم يجب عليهم الصوم في ذممهم، بحيث أنهم يخاطبون بالصوم، ليعتقدوا الوجوب في الذمة، والعزم على الفعل، إما أداء، وإما قضاء، ثم منهم من يخاطب بالفعل في نفس الشهر أداء، وهو الصحيح المقيم، إلا الحائض والنفساء، ومنهم من يخاطب بالقضاء فقط، وهو الحائض، والنفساء، والمريض الذي لا يقدر على الصوم أداء، وهو يقدر عليه قضاء، ومنهم من يخير بين الأمرين، وهو المسافر، والمريض الذي يمكنه الصوم بمشقة شديدة، من غير خوف التلف، وهذا مما لا نزاع فيه. (¬2) وينشأ عليه، كالصلاة، وذلك إصلاح، لا عقوبة، إلا أن الصوم أشق، فاعتبرت له الطاقة، لأنه قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصوم، ولا يتقيد بسن، وقال المجد: لا يؤاخذ به، ويضرب عليه فيما دون العشر كالصلاة، وهو قول أكثر أهل العلم. قال: واعتباره بالعشر أولى للخبر. (¬3) وفاقًا، لثبوته من رمضان، ولم يأتوا فيه بصوم صحيح، فلزمهم قضاؤه، وإمساك بقية اليوم من خواص رمضان، وقال الموفق وغيره: كل من أفطر لغير عذر، ومن ظن أن الفجر لم يطلع، وقد طلع، أو أن الشمس قد غابت ولم تغب، والناسي للنية، ونحوهم، يلزمهم الإمساك بغير خلاف بين أهل العلم. وتقدم قول الشيخ في القضاء، وكذا إن لم يعلم بالرؤية إلا بعد الغروب، ومن شرط صحة الصوم الإمساك عن الأكل والشرب والجماع إجماعًا.

وإن لم يكن حال الفطر من أَهل وجوبه (¬1) (وكذا حائض ونفساءُ طهرتا) في أَثناء النهار، فيمسكان ويقضيان (¬2) (و) كذا (مسافر قدم مفطرًا) يمسك، ويقضي (¬3) . ¬

_ (¬1) بأن أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو بلغ صغير، لزمهم إمساك ذلك اليوم وقضاؤه، لحرمة الوقت، ولقيام البينة فيه بالرؤية، ولإدراكه جزءًا منه كالصلاة، وقال الشيخ: يمسك ولا يقضي. والقضاء في حقهم من المفردات. (¬2) أما الإمساك فعلى الأصح، وفاقًا لأبي حنيفة، واختاره الشيخ وغيره، وأما القضاء فحكي إجماعًا، وحكاه الوزير وغيره اتفاقًا، وقال الموفق وغيره: لا خلاف فيه. لقوله تعالى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} والتقدير: فأفطر. وفي الصحيحين عن عائشة: كنا نؤمر بقضاء الصوم. ويحرم فعله إجماعًا، قال الشيخ: ثبت بالسنة واتفاق المسلمين، أنه ينافي الصوم، فلا يحل مع الحيض أو النفاس ومن فعله منهن حاله، لم يصح منه، قال: وهو فق القياس، فإن الشرع جاء بالعدل في كل شيء، فصيامها وقت خروج الدم، يوجب نقصان بدنها، وضعفها، وخروج صومها عن الاعتدال، فأمرت أن تصوم في غير أوقات الحيض، فيكون صومها في ذلك صومًا معتدلاً، لا يخرج فيه الدم، الذي يقوي البدن، الذي هو مادته، بخلاف المستحاضة، ومن ذرعه القيء، مما ليس له وقت محدد، يمكن الاحتراز منه، فلم يجعل منافيًا للصوم. (¬3) لإدراكه جزءًا من الوقت مقيمًا، فلزمه الإمساك، والقضاء، كالصلاة، وكمقيم تعمد الفطر، وفاقًا.

وكذا لو برئَ مريض مفطرًا (¬1) أَو بلغ صغير في أثنائه مفطرًا، أَمسك وقضى (¬2) فإن كانوا صائمين أَجزأَهم (¬3) وإن علم مسافر أنه يقدم غدًا، لزمه الصوم (¬4) لا صغير علم أنه يبلغ غدًا، لعدم تكليفه (¬5) . ¬

_ (¬1) يلزمه الإمساك، على الأصح، وهو مذهب أبي حنيفة، ويلزمه القضاء إجماعًا، وكذا كل من أفطر في صوم يجب عليه، فإنه يلزمه الإمساك، والقضاء، كالفطر لغير عذر. (¬2) أي وإن بلغ صغير – ذكرًا كان أو أنثى في أثناء نهار رمضان، بسن أو احتلام – صائمًا أتم صومه بلا نزاع، وقضى عند أبي الخطاب، وهو مذهب أبي حنيفة، لأنه مَعْنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ أوجب الإمساك، وقال في الإقناع وغيره: لا قضاء عليه إن نوى من الليل وأجزأه، كالبالغ، ولا يمتنع أن يكون أوله نفلاً، وباقيه فرضًا، كنذر إتمام نفل. (¬3) أي المسافر، والمريض، إذا كانوا صائمين، ونووه من الليل، أجزأهم وفاقًا، كمقيم صائم مرض، ثم لم يفطر حتى عوفي وفاقًا، وأما الصغير فمشكل على ما تقدم، وعلى ما في الإقناع وغيره فظاهر، لعدم امتناع ذلك. (¬4) أي غلب على ظنه ذلك، وإلا فالعلم بالشيء قبل حصوله متعذر، لأنه قد يخطئ بعائقة قد تحصل له، تمنعه من القدوم في ذلك اليوم، وقال المجد، إن علم بمقتضى الظاهر. (¬5) يعني قبل دخول الغد، وقيل: يستحب وفاقًا؛ لوجود سبب الرخصة، قال المجد: وهو أقيس.

من أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينا

(ومن أفطر لكبر، أو مرض لا يرجى برؤُه (¬1) أطعم لكل يوم مسكينًا) (¬2) ما يجزئ في كفارة: مدبُرًّ، أو نصف صاع من غيره (¬3) لقول ابن عباس – في قوله تعالى {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} -: ليست بمنسوخة، هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم. رواه البخاري (¬4) والمريض الذي لا يرجى برؤُه، في حكم الكبير (¬5) . ¬

_ (¬1) كشيخ هرم، وعجوز يجهدهما الصوم، ويشق عليهما مشقة شديدة، وكسل، وله ذلك إجماعًا، لعدم وجوبه عليه، لأنه عاجز عنه، فلا يكلف به، لقوله تعالى {لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا} . (¬2) وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وجمهور العلماء، وصححه ابن كثير وغيره، وقال: وعليه أكثر العلماء، كما قاله ابن عباس وغيره. وفي الإنصاف: بلا نزاع. ولا قضاء عليه، لأنه ليس له حال يصير إليها، يتمكن فيها من القضاء، وقال ابن القيم: ولا يصار إلى الفدية إلا عند اليأس من القضاء. (¬3) تمر، أو زبيب، أو شعير، أو أقط. (¬4) ومعناه عن ابن أبي ليلى عن معاذ، رواه أحمد وغيره، ولأنه صوم واجب، فجاز أن ينوب عنه المال، كالصوم في كفارة الظهار، ولا يجزئ أن يصوم عنه غيره، لأنه عبادة بدنية محضة، وجبت بأصل الشرع، فلم تدخله النيابة، كالصلاة إجماعًا، وقال الشيخ: وإن تبرع إنسان بالصوم عمن لا يطيقه، لكبر ونحوه، أو عن ميت – وهما معسران – توجه جوازه، لأنه أقرب إلى المماثلة من المال، ويأتي. (¬5) أي فيطعم لكل يوم مسكينًا، ما يطعم كبير عاجز عن صوم، ويقضي عدد ما أفطره من الأيام، لقوله تعالى {َعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} .

لكن إن كان الكبير، أو المريض الذي لا يرجى برؤُه مسافرًا، فلا فدية، لفطره بعذر معتاد، ولا قضاء، لعجزه عنه (¬1) (وسن) الفطر (لمريض يضره) الصوم (¬2) (ولمسافر يقصر) (¬3) . ¬

_ (¬1) فيعايا بها، فيقال: مسلم مكلف، أفطر في رمضان، لم يلزمه قضاء، ولا كفارة؛ وجوابه: كبير، عاجز عن الصوم، كان مسافرًا. وكذا نذر، وقضاء، وكفارة. لأنه جاء عن جمع من الصحابة، ولا مخالف لهم، وإن أطعم، ثم قدر على القضاء، فكمعضوب. (¬2) وهذا بالإجماع في الجملة، وقال الوزير: أجمعوا على أن المريض، إذا كان الصوم يزيد في مرضه، أنه يفطر ويقضي، وإذا احتمل وصام أجزأ. ولم يذكروا خلافًا في الإجزاء، وفي الإنصاف: إن خاف المريض زيادة مرضه، أو طوله، أو صحيح مرضًا في يومه، أو خاف مرضًا لأجل العطش، استحب له الفطر، وكره صومه وإتمامه إجماعًا، وإن خاف التلف وصام أجزأ، وقيل: بلا خلاف. وكره، وقيل: يحرم. واختار الشيخ الفطر للتقوي على الجهاد. (¬3) قال أحمد: الفطر للمسافر أفضل، وإن لم يجهده الصوم. وقاله ابن حبيب المالكي، وثبت في السنن أن من الصحابة من يفطر إذا فارق عامر قريبته، ويذكر أن ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنه آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبارة المقنع: والمريض إذا خاف الضرر، والمسافر استحب لهما الفطر. وأما كونه جائزًا، فبالنصوص، وإجماع المسلمين، وقال الشيخ: سواء كان سفر حج، أو جهاد، أو تجارة، ونحو ذلك من الأسفار، التي لا يكرهها الله ورسوله، وتنازعوا في سفر المعصية، فأما السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فإنه يجوز فيه الفطر باتفاق الأمة. وقال: يجوز في كل ما يسمى سفرًا، ولو كان قصيرًا.

الصوم في السفر بلا مشقة أفضل عند الجمهور

ولو بلا مشقة (¬1) لقوله تعالى {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (¬2) . ¬

_ (¬1) فإن شق، بأن جهده، كره له فعله، وكان الفطر أفضل، وصومه صحيح حكاه الوزير وغيره اتفاقًا، وذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والأكثرون إلى أن الصوم أفضل لمن أطاقه، بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر، فإن تضرر، فالفطر أفضل من الصوم، لصوم النبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه، ولأنه يحصل به براءة الذمة في الحال، وأما جوازه، فقال الشيخ: باتفاق الأئمة، سواء كان قادرًا على الصيام، أو عاجزًا، وسواء شق عليه الصوم، أو لم يشق، ومن قال: إن الفطر لا يجوز إلا لمن عجز عن الصيام. فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك من أنكر على المفطر، فإنه يستتاب من ذلك، ومن قال: إن المفطر عليه إثم، فإنه يستتاب من ذلك، فإن هذه الأقوال خلاف كتاب الله، وخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلاف إجماع الأئمة. وقال: الشارع أطلق السفر، ولم يقيد، فما عد سفرًا جاز فيه القصر، والفطر، إذا ترك البيوت وراء ظهره، فإنه ما لم يتجاوزها، فهو حاضر، غير مسافر، فيدخل في قوله {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وقال: ويفطر من عادته السفر، إذا كان له بلد يأوي إليه، كالتاجر والجلاب، والمكاري، والبريد، ونحوهم، وكذلك الذي له مكان في البر يسكنه، وأما من كان في السفينة، ومعه أهله، وجميع مصالحه، ولا يزال مسافرًا، فلا يقصر ولا يفطر، وأهل البادية، الذي يشتون في مكان، ويصيفون في آخر، يفطرون في حال ظعنهم، لا في حال نزولهم، ويتتبعون المراعي. (¬2) أي فليفطر، وليقض عدد ما أفطره {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقال صلى الله عليه وسلم «ما خيرت بين أمرين، إلا اخترت أيسرهما» وفي الصحيحين «ليس من البر الصيام في السفر» ويذكر أنه متواتر، وفي المسند وغيره «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته» وفي الحديث «خياركم الذين في السفر يقصرون ويفطرون» وفي الصحيح أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني رجل أكثر الصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال «إن أفطرت فحسن، وإن صمت فلا بأس» وفي صحيح مسلم «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم، فلا جناح عليه» ومن كمال حكمة الشارع، أن خفف أداء فرض الصوم في السفر، فإنه قطعة من العذاب، وهو في نفسه مشقة وجهد، ولو كان المسافر من أرفه الناس، فإنه فيه مشقة، وجهد بحسبه، واتفق أئمة المسلمين على أنه يجوز للمسافر أن يصوم ويفطر، واستحباب الفطر مقيد برمضان، لأن له {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فأما صيام عاشوراء، فنص أحمد على استحبابه، وهو قول طائفة من السلف، وقياسه يوم عرفة لغير حاج بها، وكل ما يفوت محله لعدم المانع.

ويكره لهما الصوم (¬1) ويجوز وطء لمن به مرض ينتفع به فيه (¬2) . ¬

_ (¬1) أي يكره الصوم وإتمامه، لمريض يضره الصوم، أو يخاف زيادة مرضه، أو طوله، أو لصحيح مرض في يومه، أو خاف مرضًا بعطش، أو غيره، ويكره الصوم وإتمامه لمسافر يقصر، وعلة الكراهة إضرارهما بأنفسهما، وترك تخفيف الله تعالى، ورخصته، المطلوب إتيانها، ولأن بعض العلماء لا يصحح صومه، كما نقل عن أبي هريرة، وعبد الرحمن بن عوف، لكن لو فعل أجزأ إجماعًا، لإتيانه بالأصل الذي هو العزيمة، وصار كمن أبيح له ترك القيام في الصلاة، فتكلف وقام، وقال المجد: وعندي لا يكره لمسافر قوي عليه، واختاره الآجري، وفاقًا للجمهور، ولا يفطر مريض لا يتضرر بالصوم وفاقًا، فيشترط أن يخاف زيادة المرض، أو بطء البرء، قيل لأحمد: متى يفطر المريض؟ قال: إذا لم يستطع. قيل: مثل الحمى؟ قال: وأي مرض أشد من الحمى؟. (¬2) أي ينتفع بالجماع في مرضه.

أو به شبق، ولم تندفع شهوته بدون وطء (¬1) ويخاف تشقق أنثييه (¬2) ولا كفارة ويقضي (¬3) ما لم يتعذر لشبق، فيطعم كالكبير (¬4) وإن سافر ليفطر حرما (¬5) (وإن نوى حاضر صوم يوم، ثم سافر في أَثنائه فله الفطر) (¬6) . ¬

_ (¬1) كالإستمناء بيد زوجته، أو بوطء فيما دون الفرج، فله الفطر، لأنه يخاف على نفسه، فهو كالمريض، «والشبق» بفتح الشين المعجمة، والباء الموحدة، شدة الشهوة. (¬2) فإن اندفعت شهوته بدونه لم يجز، لعدم الحاجة إليه. (¬3) أي بدل ما وطيء فيه، ولا كفارة، لإمكان القضاء، ومتى لم يمكنه إلا بإفساد صوم موطوءة، جاز للضرورة، وصائمة أولى من حائض، وتتعين من لم تبلغ. (¬4) أي ما لم يتعذر عليه القضاء، لدوام شبقه فيطعم، كما يطعم الكبير العاجز عن الصوم، ولا قضاء، إلا مع عذر معتاد، كمرض أو سفر. (¬5) أي السفر والإفطار، حيث لا علة للسفر إلا الفطر، فأما الفطر فلعدم العذر المبيح، وهو السفر المباح، وأما السفر فلأنه وسيلة إلى الفطر المحرم، قال عثمان: ومنه يعلم أنه لو أراد السفر لتجارة مثلاً، فأخر السفر إلى رمضان ليفطر أنه يجوز له ذلك. (¬6) حكي اتفاقًا، ولما في السنن وغيرها عن بعض الصحابة أنه السنة، وقال ابن القيم: جاءت الآثار عن الصحابة، في الفطر لمن أنشأ السفر في أثناء يوم وبما شاء، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، من أكل، أو جماع أو غيره، لأن من له الأكل فله الجماع، ولا كفارة، لحصول الفطر بالنية قبل الفعل، وعدم لزوم الإمساك، وكذا مريض يباح له الفطر، وكما يفطر بعد سفره إجماعًا.

يفطر المسافر إذا فارق بيوت قريته

إذا فارق بيوت قريته ونحوها (¬1) لظاهر الآية، والأخبار الصحيحة (¬2) والأفضل عدمه (¬3) (وإن أفطرت حامل، أو) أفطرت (مرضع، خوفًا على أنفسهما) فقط، أو مع الولد (قضتاه) أي قضتا الصوم (فقط) من غير فدية (¬4) . ¬

_ (¬1) مما تقدم في قصر الصلاة، لأنه قبله لا يسمى مسافرًا، وتقدم قول الشيخ قريبًا، فلا يفطر قبل خروجه وفاقًا. (¬2) فالآية هي قوله تعالى {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} والأخبار منها ما روى عبيد بن جبير، قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري، من الفسطاط، في شهر رمضان، ثم قرب غداءه، فقال: اقترب. قلت: ألست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأكل. رواه أبو داود وغيره، وعن أنس أنه رحلت له راحلته، فدعا بطعام فأكل، وقال: سنة، ثم ركب، رواه الترمذي وغيره، وقال ابن العربي: صحيح. فصرح هذان الصحابيان أنه سنة، ولأن السفر مبيح للفطر، كالمرض الطارئ، واستظهر الشيخ وغيره جوازه، وقال: كما ثبت في السنن أن من الصحابة من كان يفطر إذا خرج من يومه، ويذكر أن ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نوى الصوم في السفر، ثم إنه دعا بماء، فأفطر، والناس ينظرون إليه. وأما اليوم الثاني، فيفطر بلا ريب، وإن كان مقدار سفره يومين، في مذهب جمهور الأئمة الأربعة وغيرهم. (¬3) أي والأفضل لمن سافر في أثناء يوم نوى صومه، إتمام صوم ذلك اليوم، خروجًا من خلاف من لم يبح له الفطر، وهو قول أكثر العلماء، وحكاه الوزير وغيره اتفاق الأئمة إلا أحمد في رواية عنه. (¬4) وفاقًا، وحكاه الوزير وغيره، مع اختلاف عن مالك، وفي المبدع: بغير خلاف نعلمه، كالمريض إذا خاف على نفسه، ولقدرتهما عليه، بخلاف الكبير.

لأنهما بمنزلة المريض، الخائف على نفسه (¬1) (و) إن أفطرتا خوفًا (على ولديهما) فقط (قضتا) عدد الأيام (¬2) (وأطعمتا) أي وجب على من يمون الولد أن يطعم عنهما (¬3) (لكل يوم مسكينًا) ما يجزئُ في كفارة (¬4) . ¬

_ (¬1) فإنه يقضي من غير إطعام، وكره صومهما مع خوف الضرر وفاقًا، وذكر ابن عقيل: إن خافت حامل ومرضع، على حمل وولد، حال الرضاع، لم يحل الصوم، وعليها الفدية، وإن لم تخف لم يحل الفطر. اهـ. وإن صامتا أجزأ، كالمريض والمسافر. (¬2) أي عدد أيام فطرهما فورًا، لقدرتهما على القضاء، ولا يؤخران القضاء كالمريض. (¬3) على الفور، لأنه مقتضى الأمر، كسائر الكفارات، ولا يؤخر إلى القضاء، ويجزئ فيه ما يجزئ في كفارة، ولا يسقط هذا الإطعام بالعجز، وكذا عن الكبير، والمأيوس منه. (¬4) وظاهره الوجوب على من يمون الولد من ماله، لأن الإفطار لأجله، وعبارة الماتن توهم أن الإطعام عليها نفسها، فلأجل ذلك صرفها الشارح، وفي الفروع: والإطعام على من يمونه. وفي الفنون: يحتمل أنه على الأم، وهو أشبه لأنه تبع لها، ويحتمل أنه بينها وبين من تلزمه نفقته من قريب، أو من ماله. لأن الإرفاق لهما.

لقوله تعالى {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (¬1) قال ابن عباس: كانت رخصة للشيخ الكبير، والمرأَة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام، أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكينًا (¬2) والمرضع والحبلى، إذا خافتا على أولادهما، أَفطرتا وأَطعمتا. رواه أبو داود (¬3) وروي عن ابن عمر (¬4) وتجزئ هذه الكفارة إلى مسكين واحد جملة (¬5) . ¬

_ (¬1) قال الشيخ: تفطر وتقضي، عن كل يوم يومًا، وتطعم عن كل يوم مسكينًا، رطلاً من خبز بأدمه. (¬2) أي إذا أفطر، والحامل والمرضع يطيقان الصوم، فدخلا في الآية الكريمة، لا يقال: إنها منسوخة بما بعدها من قوله {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} هكذا في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع، قال ابن عباس: أثبتت للحبلى والمرضع. وظاهره نسخ الحكم في حق غير الحامل والمرضع، وبقاء الحكم فيهما، وقوله الآتي: إنها محكمة غير منسوخة، وإنها إنما أريد بها هؤلاء؛ من باب إطلاق العام، وإرادة الخاص، وهو أولى من ادعاء النسخ، فإنه خلاف الأصل، فالواجب عدمه، أو تقليله مهما أمكن. (¬3) ورواه غيره من غير وجه، بألفاظ متقاربة. (¬4) أي نحو ما روى أبو داود وغيره عن ابن عباس، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة، وقال ابن القيم: أفتى ابن عباس وغيره من الصحابة في الحامل والمرضع، إذا خافتا على ولديهما، أن تفطرا، وتطعما كل يوم مسكينًا، إقامة للإطعام مقام الصيام. (¬5) واحدة، لظاهر الآية، وقال غير واحد: بلا نزاع.

أسباب الفطر أربعة

ومتى قبل رضيع ثدي غيرها وقدر أن يستأْجر له، لم تفطر (¬1) وظئر كأُم (¬2) ويجب الفطر على من احتاجه لإنقاذ معصوم من هلكة كغرق (¬3) . ¬

_ (¬1) أي أمه، لعدم الحاجة إليه، واستؤجر له، قال في الإنصاف: ولعله مراد من أطلق. (¬2) أي وحكم ظئر مرضعة لغير ولدها، كأم في إباحة فطر، إن خافت على نفسها، أو الرضيع، وعدمه، وفدية، وعدمها، فإن لم تفطر، وتغير لبنها، أو نقص، فلمستأجر الفسخ، وتجبر على فطر، إن تأذى الرضيع، جزم به الخطابي وغيره، لإمكان تداركه بالقضاء، وإن قصدت الإضرار أثمت، وللحاكم إلزامها بطلب مستأجر. (¬3) جزم به غير واحد من أهل العلم، وصوبه في تصحيح الفروع وغيره، ومثله من ذهب في طلب تائه، من مال، أو إنسان، أو مغصوب ليدركه، والحشاش والرعاة، ونحوهم، إذا اشتد بهم العطش، فلهم الفطر، فإن الضرورة تبيح مثل هذا، ولا يترك التكسب من أجل خوف المشقة، وقال الآجري: من صنعته شاقة. وتضرر بتركها، وخاف تلفًا، أفطر وقضى، وإن لم يضره تركها أثم، وإلا فلا. وقال: هذا قول للفقهاء رحمهم الله تعالى، وذكر الحنفية وغيرهم أنه لو ضعف عن الصوم لاشتغاله بالمعيشة، فله أن يفطر ويقضي، إن أدرك عدة من أيام أخر، وإلا أطعم عن كل يوم نصف صاع، وأنه لا شك في الحصاد ونحوه، إذا لم يقدر عليه مع الصوم، ويهلك الزرع بالتأخر مثلاً، جاز له الفطر، وعليه القضاء. اهـ. وكذا البناء ونحوه إذا خاف على المال إن صام، وتعذر العمل ليلاً، جزم به غير واحد. قال ابن القيم: وأسباب الفطر أربعة، السفر، والمرض، والحيض، والخوف على هلاك من يخشى عليه بصوم، كالمرضع، والحامل، ومثله مسألة الغريق، وأجاز شيخ الإسلام الفطر للتقوى على الجهاد، وفعله، وأفتى به لما نزل العدو دمشق في رمضان، وأنكر عليه بعض المتفقهة، وقال: ليس ذلك بسفر. فقال الشيخ: هذا فطر للتقوى على جهاد العدو، وهو أولى من الفطر للسفر، والمسلمون إذا قاتلوا عدوهم وهم صيام، لم يمكنهم النكاية فيهم، وربما أضعفهم الصوم عن القتال، فاستباح العدو بيضة الإسلام، وهل يشك فقيه أن الفطر ههنا، أولى من فطر المسافر؟ وقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح بالإفطار، للتقوى على عدوهم. قال ابن القيم: إذا جاز فطر الحامل والمرضع، لخوفهما، وفطر من يخلص الغريق، ففطر المقاتلين أولى بالجواز، وهذا من باب قياس الأولى، ومن باب دلالة النص وإيمائه. اهـ. فإن أفطر لضرر العطش فزال بالشرب، لزمه الإمساك حتى يضربه ثانيًا، ولا يجوز أن يعمل عملاً يصل به إلى الضعف.

وليس لمن أُبيح له فطر رمضان، صوم غيره فيه (¬1) (ومن نوى الصوم ثم جن، أَو أُغمي عليه، جميع النهار، ولم يفق جزءًا منه، لم يصح صومه) (¬2) . ¬

_ (¬1) أي لا يجوز لمن أبيح له الفطر في رمضان – مريضًا كان، أو مسافرًا، أو حاملاً، أو مرضعًا يضرهما، ونحوهم – صوم غير رمضان في رمضان، وفاقًا لمالك والشافعي، لأن الفطر أبيح تخفيفًا ورحمة، فإذا لم يؤده لزمه الإتيان بالأصل، كالمقيم الصحيح، ولأنه لا يسع غير ما فرض فيه، ولو من رمضان آخر، أو عن يوم من رمضان، في يوم ثان منه، وينكر على من أكل في رمضان ظاهرًا، وإن كان هناك عذر. (¬2) وهذا مذهب مالك والشافعي.

الصوم الشرعي: الإمساك مع النية

لأَن الصوم الشرعي الإمساك مع النية (¬1) فلا يضاف للمجنون، ولا للمغمى عليه (¬2) فإن أفاق جزءًا من النهار، صح الصوم (¬3) سواءً كان من أول النهار، أو آخره (¬4) (لا إن نام جميع النهار) فلا يمنح صحة صومه (¬5) لأن النوم عادة، ولا يزول به الإحساس بالكلية (¬6) . ¬

_ (¬1) ومتى لم يوجد إمساك ولا نية، لم يصر صائمًا. (¬2) يعني الصوم لعدم حصول الإمساك من المجنون والمغمى عليه، فلم يجزئهما، والنية وحدها لا تجزئ، لما في الصحيحين وغيرهما: يقول الله تعالى «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلي» فأضاف ترك الطعام والشراب إليه، ومن جن، أو أغمى عليه جميع النهار، لم يضف إليه إمساك البتة، فلا يصح صومه، إذ المركب ينتفي بانتفاء جزئه. (¬3) أي فإن أفاق المجنون، أو المغمي عليه، جزءًا من النهار الذي بيت النية له، صح الصوم منه، حيث بيت النية، للخبر، ولوجود الإمساك في الجملة، ولصحة إضافة الترك إليه. (¬4) أي سواء كانت إفاقة المجنون أو المغمى عليه من أول النهار، أو آخره، قال الوزير: اتفقوا على أن من وجد منه إفاقة في بعض النهار، ثم أغمي عليه باقيه، فإن صومه صحيح، وقليل الإغماء لا يفسد الصوم وفاقًا، والجنون كالإغماء وفاقًا، ومن جن في صوم قضاء، أو كفارة ونحوهما، قضاه بالوجوب السابق، كالصلاة. (¬5) وهو إجماع قبل الإصطخري من الشافعية، وإن استيقظ لحظة منه صح إجماعًا. (¬6) لأنه متى نبه انتبه، فهو كذاهلٍ وساهٍ.

يجب تعيين النية من الليل للصوم الواجب

(ويلزم المغمى عليه القضاءُ) أي قضاءُ الصوم الواجب زمن الإغماء (¬1) لأَن مدته لا تطول غالبًا، فلم يزل به التكليف (¬2) (فقط) بخلاف المجنون، فلا قضاء عليه، لزوال تكليفه (¬3) (ويجب تعيين النية) (¬4) بأَن يعتقد أنه يصوم من رمضان، أو قضائه، أو نذر، أو كفارة (¬5) . ¬

_ (¬1) على الأصح وفاقًا، وقال الشارح: لا نعلم فيه خلافًا، لأنه نوع مرض، وهو مغط على العقل. (¬2) وقال الزركشي وغيره: ولا نزاع في ذلك، لأن الولاية لا تثبت عليه، فلم يزل به التكليف كالنوم، ولهذا جاز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. (¬3) سواء فات بالجنون الشهر أو بعضه، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وليس في الشرع ما يوجب القضاء عليه، من نص، ولا قياس، بخلاف الصرع، وهو الخنق ثم يصحو منه وقتا، فصفاه ملحق بالإغماء، بخلاف الجنون، فإنه يزيل العقل خاصة، فيلحق بالبهائم، وينبغي تقييده بما إذا لم يتصل جنونه بشرب محرم، كما تقدم في الصلاة. (¬4) في كل صوم واجب، وفاقًا لمالك والشافعي. (¬5) وهذا مذهب مالك، والشافعي، والجماهير، فإن لم يعين لم يجزئه، وكذا إن نوى صوما مطلقًا، أو تطوعًا، لم يجزئه، قال الشيخ: لا بد من نية رمضان، فلا يجزئ نية مطلقة، ولا معينة بغيره، وهو قول الشافعي وأحمد في إحدى روايتيه. وقال: إنه مع العلم يجب عليه تعيين النية، ومع عدم العلم كمن لم يعلم.

لقوله عليه السلام «وإنما لكل امرئ ما نوى» (¬1) (من الليل) (¬2) لما روى الدارقطني بإسناده عن عمرة، عن عائشة مرفوعًا «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر، فلا صيام له» وقال: إسناده كلهم ثقات (¬3) ولا فرق بين أول الليل، ووسطه، وآخره (¬4) . ¬

_ (¬1) فالعامل لا يحصل له إلا ما نواه، ولأن التعيين مقصود في نفسه، فلا بد من حصوله، وأما أصل النية في الصوم وإن كان تطوعًا، فبإجماع المسلمين، لقوله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ولهذا الخبر وغيره، فلا يصح صوم إلا بنية، كالصلاة، والزكاة، والحج، وسائر العبادات إجماعًا. (¬2) أي يجب تعيين نية الواجب من الليل، لا من النهار، لأن النية لا تنعطف على الماضي، فإذا فات جزء من النهار لم توجد فيه، لم يصح صوم ذلك اليوم، الذي فات جزء منه. (¬3) وللخمسة عن ابن عمر عن حفصة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر، فلا صيام له» وفي لفظ «من لم يجمع» أي يعزم الصيام من الليل، فلا صيام له، وروي موقوفًا على ابن عمر، وصححه الترمذي، وهو مذهب جمهور أهل العلم، أن من لم يجمع الصيام من الليل، لم يجزئه إلا في التطوع، ولأن النية عند ابتداء الصيام، كالصلاة، والحج، وحكى الشيخ ثلاثة أقوال، ثالثها أن الفرض لا يجزئ إلا بتبييت النية من الليل، كما دل عليه حديث حفصة وابن عمر، لأن جميع الزمان يجب فيه الصوم، والنية لا تنعطف على الماضي، وقال: هذا أوسط الأقوال. (¬4) فأي جزء نواه فيه أجزأ، قال الوزير: قال مالك، والشافعي، وأحمد: يجوز في جميع الليل، وأول وقتها بعد غروب الشمس، وآخره طلوع الفجر الثاني، واتفقوا على أنه ما ثبت في الذمة من الصوم، كقضاء رمضان، وكقضاء النذور والكفارات، لا يجوز صومه إلا بنية من الليل.

ولو أتى بعدها ليلاً بمناف للصوم، من نحو أكل ووطء (¬1) (لصوم كل يوم واجب) (¬2) لأن كل يوم عبادة مفردة، لا يفسد صومه بفساد صوم غيره (¬3) (لا نية الفرضية) أي لا يشترط أن ينوي كون الصيام فرضًا، لأن التعيين يجزئ عنه (¬4) ومن قال: أنا صائم غدًا إن شاء الله. مترددًا، فسدت نيته (¬5) . ¬

_ (¬1) لم تبطل نيته وفاقًا، لإطلاق الحديث، ولأن الله أباح الأكل، والشرب، والجماع إلى آخر الليل، فلو بطلت به فات محلها، لا إن أتى بما ينافي النية كالردة، والشك فيها، فإنها تزيل التأهل للعبادة من كل وجه، ولا بد في صحة النية من إتيانه بشرطها الذي هو الإسلام، وأما المجنون فبمجرد إفاقته تصح عبادته. (¬2) أي نية مفردة، وفاقًا لمالك، والشافعي. (¬3) أي فيجب التعيين لصوم كل يوم، وعنه: تكفي النية أول الشهر، ما لم يقطعها. وكذا قال مالك وغيره: يجزئه بنية واحدة لجميع الشهر، ما لم يفسخها. ولو خطر بقلبه ليلاً: أنه صائم غدًا. فقد نوى. (¬4) فلا يتعين نية الفرضية، ولأن الواجب لا يكون إلا فرضًا، فأجزأ التعيين عنه، وكذا لا يجب تعيين الوجوب في واجبه. (¬5) لعدم الجزم بها.

يصح صوم النفل بنية من النهار إذا لم يفعل قبلها ما يفطره

لا متبركًا، كما لا يفسد إيمانه بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله. غير متردد في الحال (¬1) ويكفي في النية الأكل والشرب بنية الصوم (¬2) (ويصح) صوم (النفل بنية من النهار، قبل الزوال وبعده) (¬3) لقول معاذ، وابن مسعود، وحذيفة (¬4) وحديث عائشة: دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ذات ¬

_ (¬1) لم تفسد نيته، إذ قصده أن فعله للصوم بمشيئة الله، وتوفيقه، وتيسيره، وكذا في سائر العبادات، لا تفسد بذكر المشيئة في نيتها، وقولهم «غير متردد في الحال» جرى على طريقة الأشاعرة، لأن الاستثناء عندهم في الإيمان لأجل الموافاة، والذي عليه السلف أن الاستثناء للتقصير في بعض خصال الإيمان. (¬2) أي بدل نية الصوم، قال الشيخ: هو حين يتعشى يتعشى عشاء من يريد الصوم، ولهذا يفرق بين عشاء ليلة العيد، وعشاء ليالي رمضان. وقال: كل من علم أن غدًا من رمضان، وهو يريد صومه، فقد نوى صومه، وهو فعل عامة المسلمين. (¬3) أي بعد الزوال، اختاره أكثر الأصحاب، وقال الوزير: اتفقوا على أن صوم النفل كله يجوز بنية من النهار قبل الزوال، إلا مالكًا، فقال: لا يصح إلا بنية من الليل. والجمهور على خلافه. وقال الشيخ: وأما النفل فيجزئ بنية من الزوال، كما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم «إني صائم» كما أن الصلاة المكتوبة، يجب فيها من الأركان كالقيام، والاستقرار على الأرض، ما لا يجب في التطوع، توسيعًا من الله على عباده طرق التطوع، فإن أنواع التطوعات دائمًا أوسع من أنواع المفروضات، وهذا أوسط الأقوال. (¬4) وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وفعله أبو طلحة، وأبو هريرة، وابن عباس، وغيرهم.

يوم، فقال «هل عندكم من شيء؟» فقلنا: لا. قال «فإني إذًا صائم» رواه الجماعة إلا البخاري (¬1) وأمر بصوم يوم عاشوراء في أَثنائه (¬2) ويحكم بالصوم الشرعي، المثاب عليه، من وقتها (¬3) . ¬

_ (¬1) وله ألفاظ، منها أنه يقول «هل من غداء؟» فإن قالوا: لا. قال «فإني صائم» وقاله أبو الدرداء وغيره، ومنها: أنه إن قلنا: نعم. تغدى. وفيه دليلان، أحدهما طلبه الأكل، ويظهر منه أنه كان مفطرًا، والثاني قوله «إذا» التي هي للاستقبال، فخص عموم الحديث السابق، وأثبت جواز تأخير نية الصوم، إذا كان تطوعًا، وشرطه أن لا يوجد مناف، غير نية الإفطار، اقتصارًا على مقتضى الدليل، ونظرًا إلى أن الإمساك هو المقصود الأعظم، فلا يعفى عنه أصلاً، قال الشارح: فإن فعل قبل النية ما يفطره، لم يجز الصيام، بغير خلاف. اهـ. ولا يصح صوم من أكل، ثم نوى بقية يومه وفاقًا، لعدم حصول حكمة الصوم، ولأن من عادة المفطر الأكل بعض النهار، وإمساك بعضه، وأجمع المسلمون على أنه يدخل فيه بالفجر الثاني، وينقضي ويتم بتمام الغروب. (¬2) فدل على جوازه أثناء النهار بشرطه. (¬3) أي النية: إذ ليس للمرء إلا ما نوى، بنص الشرع، قال الشيخ: وهو نص أحمد، أن الثواب من حين النية، ولأن ما قبله لم يوجد فيه قصد القربة، فلا يقع عبادة. اهـ. فيصح تطوع حائض طهرت، وكافر أسلم في يوم، ولم يأكلا، بصوم بقية اليوم.

(ولو نوى: إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي؛ لم يجزئه) (¬1) لعدم جزمه بالنية (¬2) وإن قال ذلك ليلة الثلاثين من رمضان، وقال: وإلا فأَنا مفطر. فبان من رمضان، أَجزأَه (¬3) لأَنه بنى على أصل، لم يثبت زواله (¬4) (ومن نوى الإفطار أَفطر) (¬5) أي صار كمن لم ينو، لقطعه النية (¬6) . ¬

_ (¬1) أي التعيين، «وغدًا» بالنصب، أي إن كان الصيام غدًا، دل على تقديره قوة الكلام «وفرضي» بياء المتكلم، أي الذي فرض الله علي. (¬2) وكذا لو قال: إن كان غدًا من رمضان فهو عنه، وإلا فعن واجب غيره. وكذا إن عينه عن واجب، من قضاء، أو نذر، أو كفارة بنية، لم يجزئه، إن بان من رمضان، أو غيره، لعدم جزمه بالنية لأحدهما، وعنه: إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي. أجزأه، بناء على أنه لا يجب تعيين النية لرمضان، وتقدم تحقيق المسألة. (¬3) ولا يقدح تردده في النية. (¬4) وهو حكم صومه مع الجزم، بخلاف ما لو قاله ليلة الثلاثين من شعبان. (¬5) نص عليه، وفاقًا للشافعي ومالك. (¬6) أي قطع نية الصوم، بنية الإفطار، فكأنه لم يأت بها ابتداء، أو نوى: إن وجد طعامًا، أكل، وإلا أتم ونحوه، بطل، كصلاته، وأما ما يخالف فيه الصوم الصلاة، ففيما إذا عزم على فعل محظور في الصوم، كالأكل ونحوه، فإنه يبطل صومه، بخلاف ما إذا عزم على مبطل للصلاة، فإنها لا تبطل، ما لم يفعله.

وليس كمن أكل، أو شرب، فيصح أن ينويه نفلاً بغير رمضان (¬1) ومن قطع نية نذر، أو كفارة، ثم نواه نفلاً أو قلب نيتهما إلى نفل صح (¬2) كما لو انتقل من فرض صلاة إلى نفلها (¬3) . ¬

_ (¬1) فلا يصح أن ينوبه نفلاً في رمضان، أما بغير رمضان ونوى الإفطار، ثم عاد فنوى صومه نفلاً، صح نفلاً، جزم به في الفروع والتنقيح، وكره لغير غرض صحيح، أما إن قلب صومه رمضان إلى النفل، فسد صومه، ولزمه الإمساك. (¬2) بأن ينوي الانتقال من أحدهما إلى النفل، وهو صائم صح، جزم به في الفروع، لأن التابع يغتفر فيه، ما لا يغتفر في الاستقلال. (¬3) فيصح نقلاً كما تقدم، إلا أنه يكره، لغير غرض صحيح.

باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة

باب ما يفسد الصوم (¬1) ويوجب الكفارة (¬2) وما يتعلق بذلك (¬3) (من أكل، أو شرب (¬4) . ¬

_ (¬1) وهو كل ما ينافيه، من أكل، وشرب، وجماع، ونحوها، والإفساد الإبطال، وضد الإصلاح. (¬2) كالوطء في نهار رمضان، والكفارة عقوبة، أو زاجر، وتكفير لجرم الفاعل، واستدراك لفرطه. (¬3) مما يحرم فيه، أو يكره، أو يجب، أو يسن، أو يباح. (¬4) صحيحًا مقيمًا، عامدًا، ذاكرًا لصومه، فسد صومه، بالكتاب، والسنة، والإجماع، قال تعالى {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} . قال الشيخ وغيره: فعقل منه أن المراد الصيام من الأكل والشرب، فإنه تعالى أباحه إلى غاية، ثم أمر بالإمساك عنهما إلى الليل، وقال {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} وكان معقولاً عندهم أن الصيام هو الإمساك عنهما، وفي الحديث «يدع طعامه وشرابه من أجلي» وحكى الشيخ، والوزير والموفق، وغير واحد الإجماع على ذلك، ولا فرق بين القليل والكثير، ولا بين المعذور وغيره، والأكل إيصال جامد إلى الجوف من الفم، ولو بغير مضغ، ولو لم يتناول عادة، والشرب إيصال مائع إلى الجوف من الفم، ولو وجورًا، وأما أكل ما لا يتغذى به، فيحصل به الفطر، قال الموفق: في قول عامة أهل العلم، إلا ما روي عن الحسن بن صالح أنه يأكل البرد، ويقول: ليس بطعام، ولا شراب. ودلالة الكتاب والسنة على العموم، فلا يلتفت إلى خلافه.

أَو استعط) بدهن، أَو غيره، فوصل إلى حلقه، أو دماغه (¬1) (أَو احتقن، أَو اكتحل بما يصل) أَي بما يعلم وصوله (إلى حلقه) (¬2) لرطوبته، أَو حدته (¬3) . ¬

_ (¬1) أفطر بوصوله إلى حلقه وفاقًا، وكذا إلى دماغًا، إلا عند مالك، وفي الكافي: إلى خياشيمه؛ «واستعط» مطاوع «سعط» ، إذا جعل في أنفه سعوطًا، بفتح السين، وهو دواء يجعل في الأنف، والمارد هنا: ما يجعل في الأنف من دواء وغيره، لقوله صلى الله عليه وسلم «وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا» فلولا أنه يؤثر، لم ينه عنه، وكما لو دخل إلى الحلق، وعنه: لا يفطر، وهو مذهب مالك، واختاره الشيخ، ولعل المراد: بغير مغذ. (¬2) يعني من حقنة، أو كحل؛ فسد صومه، ولا يكفي الظن، بل لا بد من العلم بذلك، وفي الإنصاف: يتحقق الوصول إليه، وهذا الصحيح من المذهب. وإلا فلا، لعدم تحقق ما ينافي الصوم، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يفطر. حكاه الوزير وغيره، وفي الترمذي وغيره – وضعفه – عن أنس مرفوعًا: أنه كان يكتحل وهو صائم. وروى عبد الرزاق، عن الحسن، بإسناد صحيح: لا بأس بالكحل للصائم. وروى سعيد، عن إبراهيم: أيكتحل الصائم؟. قال: نعم. وروى أبو داود عن الأعمش: ما رأيت أحدًا من أصحابنا يكره الكحل للصائم؛ واختار الشيخ أنه لا يفطر، لأنها ليست منفذًا، فلم يفطر به، كما لو دهن رأسه، وإن اكتحل ليلاً فوجده في حلقه نهارًا، لم يفطر، لأنه لم يتسبب إليه في النهار، والحقنة ما يحقن به المريض من الدواء، «وقد احتقن الرجل» أي استعمل ذلك الدواء من الدبر، لأنه يصل إلى الجوف، وغير المعتاد كالمعتاد في الواصل، بل قد يكون أبلغ. (¬3) أي رطوبة ما يحتقن به، أو يكتحل به، من دواء أو غيره، أو حدة ذلك، وهي سورته وشدته.

من كحل، أَو صبر (¬1) أو قطور أو ذرور (¬2) أو إثمد كثير، أو يسير مطيب، فسد صومه (¬3) لأن العين منفذ، وإن لم يكن معتادًا (¬4) (أَو أَدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان (¬5) . ¬

_ (¬1) فيصل إلى حلقه أفطر، والكحل بضم الكاف الإثمد وكل ما يوضع في العين يستشفى به، والصبر بفتح الصاد، وكسر الباء، عصارة شجر مر، كثيرًا ما تداوى به العين. (¬2) فيصل إلى حلقه أفطر، والقطور بالفتح، ما يقطر في العين، وكذا «الذرور» بفتح الذال، ما يذر فيها، من أي شيء كان، من الأدوية وغيرها. (¬3) نص عليه، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، «وإثمد» بكسر الهمزة، حجر الكحل، معروف، و «مطيب» بالكسر نعت ليسير فقط، وفي الفروع: أو إثمد مطيب؛ وقال ابن أبي موسى: لا يفطر الإثمد غير المطيب إذا كان يسيرًا، نص عليه. (¬4) أي من المنفذ، لأن غير المعتاد كالمعتاد في الواصل، فكذا في المنفذ، وفساد الصوم متعلق بهما، بخلاف المسام، كدهن رأسه. (¬5) ينفذ إلى معدته أفطر، سواء كان بمائع ويغذي أو غير مغذ، كحصاة، وقطعة حديد، ورصاص، ونحوها، ولو كان خيطًا ابتلعه كله، وسواء كان من مداواة جائفة أو مأمومة، أو قطر في أذنه بما يصل إلى دماغه، لأنه أحد الجوفين، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، لأنه في الجميع أوصل إلى جوفه مأكولاً، وكذا إذا وجد طعم علك – مضغه – بحلقه، أو وصل إلى فمه نخامة مطلقًا، ويحرم بلعها، أو قيء ونحوه، أو تنجس ريقه، فابتلع شيئًا من ذلك، فسد صومه.

التحقيق في الكحل والحقنة والمداواة

غير إحْليله) فلو قطر فيه، أو غيب فيه شيئًا، فوصل إلى المثانة، لم يبطل صومه (¬1) . ¬

_ (¬1) لعدم المنفذ، وإنما يخرج البول رشحًا، كمداواة جرح عميق، لم يصل إلى جوفه، والإحليل مخرج البول من ذكر الإنسان، «وقطر» بتخفيف الطاء، قال الجوهري: قطر الماء وغيره يقطر، وقطرته أنا، يتعدى ولا يتعدى، «والمثانة» الموضع الذي يجتمع فيه البول، قال شيخ الإسلام، الإمام العادل، فارس المعقول والمنقول، أبو العباس، قدس الله روحه: وأما الكحل، والحقنة، وما يقطر في إحليله، ومداواة المأمومة، والجائفة، فمما تنازع الناس فيه، فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك، ومنهم من فطر بشيء دون شيء، والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك، فإن الصيام من دين المسلمين، الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ويفسد الصوم بها، لكان هذا مما يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة، وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه، فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لا حديثًا صحيحًا، ولا ضعيفًا، ولا مسندًا، ولا مرسلاً، علم أنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر شيئًا من ذلك، والحديث المروي في الكحل ضعيف، وقد عورض بحديث ضعيف، وقال الترمذي: لا يصح فيه شيء. والذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر. لم يكن معهم حجة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس، وأقوى ما احتجوا به قوله «وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا» قالوا: فدل ذلك على أن كل ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله، وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه بفعله، ومن حقنة وغيرها، وإذا كان عمدتهم هذه الأقيسة ونحوها، لم يجز إفساد الصوم بهذه الأقيسة، لوجوه. «أحدها» أن القياس، وإن كان حجة، فالأحكام الشرعية، بينتها النصوص، فإذا علمنا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحرم الشيء، ولم يوجبه، علمنا أنه ليس بحرام، ولا واجب، ونحن نعلم أنه ليس في الكتاب، ولا في السنة، ما يدل على الإفطار بهذه. «الثاني» أن الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم، بيانًا عامًا، ولا بد أن تنقله الأمة، فإذا انتفى هذا علمنا أن هذا ليس من دينه، ولو كان مما يفطر لبينه، كما بين الإفطار بغيره، فلما لم يبين ذلك، علمنا أنه من جنس الطيب، والبخور، والدهن؛ والبخور قد يتصاعد إلى الدماغ، والدهن يشربه البدن، ويدخل إلى الجوف، ويتقوى به البدن، وكذلك يتقوى بالطيب، فلما لم ينه الصائم عن ذلك، دل على جوازه، وقد كان المسلمون في عهده يجرح أحدهم مأمومة، وجائفة؛ فلو كان يفطر لبينه لهم، فلما لم ينه عنه، علم أنه لم يجعله مفطرًا. «الثالث» إثبات التفطير بالقياس، يحتاج إلى أن يكون صحيحًا، وليس في الأدلة ما يقتضي: أن المفطر الذي جعله الله ورسوله مفطرًا، هو ما كان واصلاً إلى دماغ، أو بدن، أو ما كان داخلاً من منفذ، أو واصلاً إلى الجوف، ونحو ذلك، من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند الله ورسوله، ويقولون: إن الله ورسوله إنما جعل الطعام والشراب مفطرًا لهذا المعنى المشترك، من الطعام والشراب، ومما يصل إلى الدماغ والجوف، من دواء المأمومة والجائفة، وما يصل إلى الجوف من الكحل، ومن الحقنة، والقتطير في الإحليل، ونحو ذلك، وإذا لم يكن على تعليق الله ورسوله للحكم بهذا الوصف دليل، كان قول القائل: إن الله ورسوله إنما جعل هذا مفطرًا لهذا؛ قولاً بلا علم، وكان قوله: إن الله حرم على الصائم أن يفعل هذا؛ قولاً بأن (هذا حلال، وهذا حرام) بلا علم، وذلك يتضمن القول على الله بما لا يعلم، وهذا لا يجوز. «الرابع» أن القياس إنما يصح، إذا لم يدل كلام الشارع على علة الحكم، إذا سبرنا أوصاف الأصل، فلم يكن فيها ما يصلح للعلة، إلا الوصف المعين، وحيث أثبتنا علة، فلا بد من السبر، فإذا كان في الأصل وصفان مناسبان، لم يجز أن نقول: الحكم بهذا دون هذا. ومعلوم أن النص والإجماع أثبتا الفطر بالأكل والشرب والنبي صلى الله عليه وسلم نهى المتوضئ عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائمًا، وقياسهم على الاستنشاق، أقوى حججهم، وهو قياس ضعيف، وذلك لأن من نشق الماء بمنخريه، ينزل الماء إلى حلقه، وإلى جوفه، فحصل له بذلك ما يحصل للشارب بفمه، ويغذي بدنه من ذلك الماء، ويزول العطش، ويطبخ الطعام في معدته، كما يحصل بشرب الماء، وليس كذلك الكحل، والحقنة، ومداواة الجائفة، والمأمومة، فإن الكحل لا يغذي البتة، ولا يدخل أحد كحلاً إلى جوفه، لا من أنفه، ولا من فمه، وكذلك الحقنة، لا تغذي، بل تستفرغ ما في البدن، كما لو شم شيئًا من المسهلات، أو فزع فزعًا أوجب استطلاق جوفه، وهي لا تصل إلى المعدة (*) ، والدواء الذي يصل إلى المعدة، في مداواة الجائفة، والمأمومة، لا يشبه ما يصل إليها من غذائه، بل ليس فيه تغذية، والله تعالى يقول {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} وقال صلى الله عليه وسلم «الصوم جنة» ، وقال «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع والصيام» فالصائم نهي عن الأكل والشرب، لأن ذلك سبب التقوى، فترك الأكل والشرب، الذي يولد الدم الكثير، الذي يجري فيه الشيطان، إنما يتولد من الغذاء، لا عن حقنة، ولا كحل، ولا ما يقطر في الذكر، ولا ما يداوى به المأمومة والجائفة، فإذا كانت هذه المعاني وغيرها، موجودة في الأصل الثابت بالنص والإجماع، فدعواهم أن الشارع علق الحكم ـــــــــــــ (*) كلامه رحمه الله على المعروف في عصره، ويوجد الآن حقن أخر، وهو إيصال المواد الغذائية للأمعاء وغيرها، يغذي بها المرضى وغيرهم، فالإعتبار بما كان في عصره، وما سواه يعطي حكمه. بما ذكروه من الأوصاف، معارض بهذه الأوصاف، والمعارضة تبطل كل نوع من الأقيسة، إن لم يتبين أن الوصف الذي ادعوه، هو العلة دون هذا. «الخامس» أنه ثبت بالنص والإجماع منع الصائم من الأكل والشرب، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» ولا ريب أن الدم يتولد من الطعام والشراب، وإذا أكل، أو شرب، اتسعت مجاري الشياطين، وإذا ضاقت، انبعثت القلوب إلى فعل الخيرات، وترك المنكرات، وصفدت الشياطين، فهذه المناسبة، ظاهرة في منع الصائم من الأكل والشرب، والحكم ثابت على وفقه، وكلام الشارع قد دل على اعتبار هذا الوصف، وتأثيره، وهذا المنع منتف في الحقنة، والكحل، ونحو ذلك، فإن قيل: بل الكحل قد ينزل إلى الجوف، ويستحيل دما. قيل: هذا كما يقال في البخار، الذي يصعد من الأنف إلى الدماغ، فيستحيل دمًا، وكالدهن الذي يشربه الجسم، والممنوع منه إنما هو ما يصل إلى المعدة، فيستحيل دمًا، ويتوزع على البدن، ونجعل هذا وجهًا سادسًا فنقيس الكحل والحقنة، ونحو ذلك، على البخور، والدهن، ونحو ذلك، لجامع ما يشتركان فيه، من أن ذلك ليس مما يتغذى به البدن، ويستحيل في المعدة دمًا، وهذا الوصف هو الذي أوجب أن لا تكون هذه الأمور مفطرة.

حكم من استقاء أو استمنى فأمنى أو أمذى

(أو استقاء) أي استدعى القيء فقاء، فسد أيضًا (¬1) . ¬

_ (¬1) أي فسد صومه، وفاقًا لمالك والشافعي، سواء كان القيء طعامًا، أو مرارًا، أو غيرهما، ولو قل، وعنه: بملء الفم. اختاره ابن عقيل وغيره، وهو إجماع، وإن عاد بنفسه فلا، وقال الخطابي وغيره: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم، في أن من استقاء عامدًا فعليه القضاء. وقال عامة أهل العلم: ليس عليه إلا القضاء «واستقاء، وتقيأ» تكلف القيء.

لقول عليه السلام «من استقاء عمدًا فليقض» حسنه الترمذي (¬1) (أو استمنى) فأمنى أو أمذى (¬2) (أو باشر) دون الفرج، أو قبل، أو لمس (فأمنى، أو أمذى (¬3) . ¬

_ (¬1) فرواه من حديث أبي هريرة وله شواهد، وقال: العمل عليه عند أهل العلم، ورواه أبو داود، والدارقطني، وغيرهم، وقال: إسناده كلهم ثقات. وعن ابن عمر نحوه موقوفًا، ويؤيده حديث أبي الدرداء: أنه صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر، رواه أحمد، والترمذي، وقال: هو أصح شيء في هذا الباب. قال الشيخ: فنهى عن إخراج ما يقويه، ويغذيه، من الطعام، والشراب، الذي به يتغذى، لما يوجب إخراجه من نقصان بدنه، وضعفه، فإنه إذا مكن منه ضره، وكان متعديًا في عبادته، لا عادلاً فيها. (¬2) «استمنى» استدعى خروج المني، بيده، أو يد زوجته، أو غير ذلك، فأمنى، أو أمذى، أفطر وفاقًا، ووجب عليه القضاء، فإن لم ينزل، فقد أتى محرمًا، ولم يفسد صومه، وإن أنزل بغير شهوة فلا، كالبول، لأنه يخرج من غير اختيار منه، ولا سبب. (¬3) فسد صومه، أما الإمناء فوفاقًا، لمشابهته الإمناء بجماع، لأنه إنزال بمباشرة، وأما الإمذاء فلتحلل الشهوة له، وخروجه بالمباشرة، فيشبه المني، وهذا الصحيح من المذهب، نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب، وعنه: لا يفطر بالمذي. اختاره الآجري، وأبو محمد، والشيخ، واستظهره في الفروع، وصوبه في الإنصاف، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، عملاً بالأصل، وقياسه على المني لا يصح، لظهور الفرق، وأما من هاجت شهوته، فأمنى، أو أمذى، ولم يمس، لم يفطر، جزم به صاحب الإنصاف وغيره ومفهومه أن القبلة، أو المباشرة لا تفطر، إذا خلت عن إنزال، ولا ريب في ذلك، ولا نزاع، لما في الصحيحين وغيرهما: كان يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه أملككم لإربه. والمباشرة هنا المس باليد، وهو من التقاء البشرة، وقال «أرأيت لو تمضمضت بالماء؟» وهذا فقه بديع، وهو أن المضمضة لا تنقض، وهي أول الشرب، ومفتاحه، فكذلك القبلة، وهي من دواعي الجماع، وأوائله، التي تكون مفتاحًا له، وفيه إثبات القياس، والجمع بين الشيئين في الحكمة.

أو كرر النظر فأنزل) منيًا، فسد صومه (¬1) لا إن أَمذى (¬2) (أو حجم، أَو احتجم، وظهر دم، عامدًا ذاكرًا) في الكل (لصومه فسد) صومه (¬3) . ¬

_ (¬1) لأنه إنزال بفعل يتلذذ به، يمكن التحرز عنه، أشبه الإنزال بالمس، وعليه القضاء، وأجمعوا على أن القضاء يوم، مكان يوم، لا خلاف بينهم في ذلك، وظاهر كلام أحمد: لا يفطر، ولا قضاء عليه. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، لأنه من غير مباشرة، أشبه الإنزال بالفكر، وإن كان يمكن صرفه، لكن لما في المؤاخذة به من الحرج. (¬2) يعني بتكرار النظر، فلا يفطر بذلك على الصحيح، وفاقًا، لأنه إنزال لا عن مباشرة، فلم يلتحق بالمني لضعفه، أو لم يكرر النظر فأنزل، لعدم إمكان التحرز، ولا إثم بفكر غالب وفاقًا، وقال الشيخ: ولا يفطر بمذي بسبب قبلة، أو لمس، أو تكرار نظر، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ومنصوص أصحابنا. (¬3) في كل ما تقدم من «أكل» وما بعده، وتقدم مفصلاً، وإن لم يظهر دم لم يفطر، لأنها لا تسمى إذًا حجامة، اختاره الشيخ، وضعف خلافه، وقال في الفروع: وهو متجه، وأنه ظاهر كلام أحمد والأصحاب. والحجامة: شرط ظاهر الجلد المتصل قصدًا، لإخراج الدم من الجسد، دون العروق. ولا يفطر إلا بشرط أن يكون عامدًا، قاصدًا للفعل، لأن من لم يقصد فهو غافل غير مكلف، ولا يلزم تكليف ما لا يطاق، وأن يكون ذاكرًا، غير ناس لصومه، في الصور السابقة كلها، ويجب القضاء إن كان واجبًا.

القول بأن الحجامة تفطر وفق الأصول والقياس

لقوله عليه السلام «أَفطر الحاجم والمحجوم» رواه أحمد والترمذي (¬1) قال ابن خزيمة: ثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك (¬2) . ¬

_ (¬1) من حديث رافع بن خديج، وقال أحمد والبخاري وغيرهما: إنه أصح حديث في الباب. ولأبي داود وأحمد وصححه من حديث ثوبان نحوه، وعن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم، لثمان عشرة خلت من رمضان فقال «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه أهل السنن، والحاكم وأحمد وصححاه، وإسحاق وابن المديني والدارمي وغيرهم، وقال: إنه وحديث ثوبان أصح شيء في الباب. ولابن ماجه من حديث أبي هريرة مثله، رواه أحمد. وله من حديث عائشة وأسامة، ومصعب وبلال، وصفية وأبي موسى، وعمرو بن شعيب، اثني عشر صحابيًا، قال الطحاوي وغيره: متواتر عن عدة من الصحابة رضي الله عنهم. (¬2) وقال الشيخ: الأحاديث الواردة فيه كثيرة، قد بينها الأئمة الحفاظ. وقد كره غير واحد من الصحابة الحجامة للصائم، وكان أهل البصرة يغلقون حوانيت الحجامين، والقول بأنها تفطر، مذهب أكثر فقهاء الحديث، كأحمد وإسحاق، وابن خزيمة وابن المنذر، وأهل الحديث، الفقهاء فيه، العاملون به، أخص الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وهو وفق الأصول والقياس؛ والذين لم يروه احتجوا بما في صحيح البخاري: أنه احتجم صلى الله عليه وسلم وهو صائم محرم. وأحمد وغيره: طعنوا في هذه الزيادة وهي قوله: وهو صائم. وقالوا: الثابت أنه احتجم وهو محرم. قال أحمد: «وهو صائم» ليس بصحيح. وأنكره يحيى بن سعيد، وقال أحمد: هو خطأ من قبل قبيصة. وقال أيضًا، عن حديث ابن عباس: ليس فيه «صائم» وقال رحمه الله: أصحاب ابن عباس، لا يذكرون «صائم» . قال الشيخ: وهذا الذي ذكره أحمد، هو الذي اتفق عليه الشيخان، ولهذا أعرض مسلم عنه، ولم يثبت إلا حجامة المحرم. قال: وأما الحاجم، فإنه يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه، والهواء يجتذب ما فيها من الدم، فربما صعد مع الهواء شيء من الدم، ودخل في حلقه وهو لا يشعر، والحكمة إذا كانت خفية أو مستترة، علق الحكم بالمظنة، كالنائم تخرج منه الريح ولا يدري، يؤمر بالوضوء فكذلك الحاجم، يدخل شيء من الدم مع ريقه، إلى بطنه وهو لا يدري، والدم من أعظم المفطرات، فإنه حرام في نفسه، لما فيه من طغيان الشهوة، والخروج من العدل، والصائم مأمور بحسم مادته، والدم يزيد الدم، فهو من جنس المحظور، فيفطر الحاجم لهذا، وأما الشارط فليس بحاجم، وهذا المعنى منتف فيه، وكذلك لو قدر حاجم لا يمص القارورة، بل يمتص غيره، أو يأخذ الدم بطريق أخرى لم يفطر، والنبي صلى الله عليه وسلم خرج كلامه على الحاجم المعتاد المعروف.

إخراج الدم بفصد أو رعاف ونحو ذلك يفطر كالحجامة

ولا يفطر بفصد، ولا شرط، ولا رعاف (¬1) . ¬

_ (¬1) هذا المذهب وفاقًا، «والفصد» : شق العرق لاستخراج الدم «والشرط» : بضع الجلد وبزغه، لاستفراغ الدم. وكذا جرح بدل حجامة للتداوي، ولا خروج دم يقطر على وجه القيء. «والرعاف» كغراب: خروج الدم مع الأنف، وتقدم، لأن القياس عندهم لا يقتضيه، وعن أحمد: يفطر بالفصد ونحوه، اختاره صاحب الفائق، والرعايتين، وصححه الزركشي وغيره، وجزم الوزير وغيره: أنه مذهب أحمد. قال الشيخ: وقد بينا أن الفطر بالحجامة، على وفق الأصول والقياس، وأنه من جنس الفطر بدم الحيض، والإستقاءة وبالإستمناء، وإذا كان كذلك، فبأي وجه أراد إخراج الدم، بفصاد أو شرط، أو رعاف أفطر، كما أنه بأي وجه أخرج القيء أفطر، فتلك طرق لإخراج القيء، وهذه طرق لإخراج الدم، والمعنى الموجود في الحجامة، موجود في الفصاد ونحوه، ويدل عليه كلام العلماء قاطبة، وصوبه أبو المظفر الوزير العالم العادل وغيره، ولهذا كان إخراج الدم، بهذا وهذا، سواء في باب الطهارة، فتبين بذلك كمال الشرع، واعتداله وتناسبه. وقال: إن احتاج إليه لمرض افتصد، وعليه القضاء، وإلا أخره، في أحد قولي العلماء. اهـ. قالوا: ولا يفطر إن جرح نفسه، أو جرحه غيره بإذنه، ولو كان بدل الحجامة. وهو كالشرط، والفصد، لأنه إخراج دم، ومعناه موجود في الحجامة، فيفسد به الصوم، كالحجامة، ويفسد الصوم بالردة مطلقًا، وكل عبادة أشرك فيها، لقوله تعالى {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} ولمنافاتها له كالصلاة، قال الموفق وغيره: بلا خلاف.

(لا) إن كان (ناسيًا أو مكرهًا) (¬1) ولو بوجور مغمى عليه معالجة (¬2) . ¬

_ (¬1) أي لا إن فعل شيئًا مما تقدم، ناسيًا لصومه فلا يؤاخذ بنسيانه، أو مكرهًا على فعل أحد تلك الأمور فعفو، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، وسواء أكره على الفعل حتى فعله، أو فعل به، بأن صب في حلقه الماء، مكرهًا أو نائمًا، أو أدخل فيه ماء المطر كالناسي، بل أولى، بدليل الإتلاف. (¬2) أي ولو كان إكراهه بوجور مغمى عليه، معالجة لإغمائه، والوجور: الدواء يوجر في الفم. «وعالجه» زاوله وداواه.

من نسى فأكل أو شرب أو فكر فأنزل أو احتلم لم يفسد صومه

فلا يفسد صومه، وأَجزأَه (¬1) لقوله عليه السلام «عفي لأُمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (¬2) ولحديث أبي هريرة مرفوعًا «من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أَطعمه الله وسقاه» متفق عليه (¬3) (أو طار إلى حلقه ذباب أو غبار) من طريق أو دقيق أو دخان، لم يفطر (¬4) ¬

_ (¬1) لعدم تعمده المفسد، كالناسي، ولا ينازع فيه من تأمل الأصول الشرعية، ويدخل فيه النائم، إذا فعل به شيء، فهو كالناسي أيضًا، لعدم قصده. (¬2) وقال تعالى {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وفي صحيح مسلم «قد فعلت» وقال {لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا} . (¬3) وفي لفظ «من أكل أو شرب ناسيًا، فإنما هو رزق رزقه الله إياه» وللدارقطني، معناه، وزاد: «ولا قضاء» وللحاكم – وقال: على شرط مسلم - «من أكل في رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه، ولا كفارة» . وهذا من لطف الله في حق عباده، تيسيرًا عليهم، ودفعًا للحرج، ففي قوله «فليتم صومه» دليل أن ثم صوم يتم، وقوله «إنما أطعمه الله وسقاه» إضافة الفعل إلى الرب تعالى، أنه سبحانه هو الذي أطعمه إياه، فدل على أنه لا أثر لذلك الأكل والشرب، بالنسبة إلى الصائم، وللدارقطني «إنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه» وفي لفظ «ولا قضاء عليه، لأن الله أطعمه وسقاه» ويقاس عليه ما عداه، لأنه في معناه، ولأن النسيان والخطأ ضرورة، والأفعال الضرورية غير مضافة في الحكم إلى فاعلها، ولا هو مؤاخذ بها، كما جاء به الكتاب، والسنة، وحينئذ: يكون بمنزلة من لم يفعل، فلا تبطل عبادته. (¬4) وفاقًا، كالنائم يدخل حلقه شيء، وقال الوزير: أجمعوا على أن الغبار، والدخان، والذباب، والبق، إذا دخل حلق الصائم، فإنه لا يفسد صومه.

لعدم إمكان التحرز من ذلك أشبه النائم (¬1) (أو فكر فأنزل) لم يفطر (¬2) لقوله عليه السلام «عفي لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلم به» (¬3) وقياسه على تكرار النظر غير مسلم، لأَنه دونه (¬4) (أَو احتلم) لم يفسد صومه (¬5) . ¬

_ (¬1) في عدم إمكان التحرز، وهو لا يفطر بشيء من ذلك، فكذا من طار إلى حلقه، من غير قصد، فإن قصد ذلك أفطر، ومثلوا بقصد الطيب، لعالم بالصوم، ولو جهل أنه يفطر به. وقال الشيخ: وشم الروائح الطيبة، لا بأس به للصائم. (¬2) وفاقًا، وأطلق بعضهم حكاية الإجماع، بأن الإنزال بالفكر لا يفطر، ونوزع فيه، وكذا لو أمنى من وطء ليل، وفاقًا، أو أمنى ليلاً، من مباشرته نهارًا، لم يفطر، وفاقًا. وقال الوزير: أجمعوا على أن من لمس فأمذى، أن صومه صحيح إلا أحمد. والفكر: إعمال الخاطر في الشيء. (¬3) متفق عليه، من حديث عائشة، فدل على أنه لا يفطر إن فكر فأنزل، ولأنه لا نص فيه، ولا إجماع. وبغير مباشرة، ولا نظر، فأشبه الاحتلام، والفكرة الغالبة. (¬4) أي دون التكرار، في استدعاء الشهوة، وإفضائه إلى الإنزال، ويخالفه في التحريم. (¬5) قال الشيخ: باتفاق الناس. «واحتلم» أي أنزل في نومه منيًا، والحلم – بالضم وبفتحتين – ما يراه النائم، لكن غلب اسم الرؤيا على الخير، والحلم على الشر.

لأن ذلك ليس بسبب من جهته (¬1) وكذا لو ذرعه القيء: أَي غلبه (¬2) (أو أصبح في فيه طعام فلفظه) أي طرحه، لم يفسد صومه (¬3) وكذا لو شق عليه أَن يلفظه، فبلعه مع ريقه، من غير قصد، لم يفسد، لما تقدم (¬4) . ¬

_ (¬1) وما كان من غير جهته فغير مؤاخذ به، وكذا لو أنزل بنظرة واحدة، أو لهيجان شهوة بلا مس ذكره، أو لغير شهوة، كمرض وسقطة، أو أنزل بعد يقظة بغير اختياره لم يفسد صومه بلا نزاع. (¬2) لم يفسد صومه وفاقًا، لخروجه بغير اختياره، أشبه المكره، وقال الخطابي وغيره: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء فلا قضاء عليه. وحكاه الوزير وغيره إجماعًا، لحديث أبي هريرة «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه» ولسبق القيء، وانتفاء الاختيار، ويلحق به ما في معناه، ولقوله «عفي لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ولو عاد إلى جوفه بغير اختياره، لأنه لا يمكنه التحرز منه، فلم يجعل منافيًا للصوم، ولأن من لم يقصد غافل، والغافل غير مكلف، «وذرعه» بالذال المعجمة، أي سبقه وغلبه في الخروج، كما قال الشارح، أي قهره، فليس في وسعه، ولو أعاده عمدًا، ولو لم يملء الفم، أو قاء ما لا يفطر به ثم أعاده عمدًا أفطر، كبلعه بعد انفصاله عن الفم وفاقًا، وقال ابن رشد: إن رده متعمدًا وهو قادر على طرحه، فلا ينبغي أن يختلف في فساد صومه. وقال غير واحد: إن أعاده أفطر إجماعًا. (¬3) قال في الإنصاف: بلا نزاع. ولا يخلو منه صائم غالبًا، «وطرح الشيء» رمى به وأبعده. (¬4) أي من مجموعه، لمشقة التحرز منه وفاقًا، وحكاه ابن المنذر إجماعًا، أو بلع ريقه ببقية طعام تعذر رميه، أو بلغ ريقه عادة، لم يفطر وفاقًا.

وإن تميز عن ريقه، وبلعه باختياره أَفطر (¬1) ولا يفطر إن لطخ باطن قدميه بشيء، فوجد طعمه في حلقه (¬2) (أَو اغتسل أَو تمضمض، أَو استنثر) يعني استنشق (¬3) (أَو زاد على الثلاث) في المضمضة، أَو الاستنشاق (¬4) (أَو بالغ) فيهما (فدخل الماءُ حلقه، لم يفسد) صومه، لعدم القصد (¬5) . ¬

_ (¬1) نص عليه، وهو قول الجمهور، لأنه يمكنه لفظه باختياره، فكما لو بلعه ابتداء من خارج، بخلاف ما يجري به ريقه، فإنه لا يمكنه لفظه. (¬2) أشبه ما لو دهن رأسه، فوجد طعمه في حلقه، فمجرد الطعم لا يفطر، كمن لطخ باطن قدميه بحنظل إجماعًا، والمراد بالمنفذ ماله شكل مفتوح، والقدم غير نافذ للجوف. (¬3) فوصل الماء حلقه بلا قصد، أو بلع ما بقي من أجزاء الماء بعد المضمضة، لم يفطر إجماعًا، لما ثبت من اغتساله بعد الصبح، ولأن الله أباح الجماع وغيره إلى طلوع الفجر، فيلزم جواز الإصباح جنبًا، ولو كان السنة أن يغتسل قبله، ولخبر عمر سأله عن القبلة للصائم، قال «أرأيت لو تمضمضت بالماء وأنت صائم؟» قلت: لا بأس. قال «فمه؟» وكذا العموم في المضمضة والاستنشاق، لأنه واصل بغير قصد. (¬4) لم يفسد صومه، وكره له، ما لم يكن لنجاسة ونحوها فكوضوء. (¬5) ومن لم يقصد غافل، فهو غير مكلف، أشبه الذباب، وغبار الدقيق، إذا دخل حلقه، وصححه غير واحد، وهو مذهب الشافعي وغيره.

حكم من أكل أو شرب أو جامع وهو شاك في طلوع الفجر أو غروب الشمس

وتكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم، وتقدم (¬1) وكرهًا له عبثًا أو إسرافًا، أَو لحر، أو عطش (¬2) كغوصه في ماء لغير غسل مشروع، أَو تبرد (¬3) ولا يفسد صومه بما دخل حلقه من غير قصد (¬4) (ومن أَكل) أَو شرب، أَو جامع (شاكًا ¬

_ (¬1) أي في باب سنن الوضوء، وثبت بالسنة من حديث لقيط «وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا» قال الشيخ: وذلك لأن من نشق الماء بمنخريه، ينزل الماء إلى حلقه، وإلى جوفه فيحصل له ما يحصل للشارب بفمه، ويغذي بدنه من ذلك الماء، ويزول العطش بشرب الماء. وتقدم. (¬2) نص عليه، لأنهما مظنة وصول الماء إلى الجوف، وقال أحمد: يرش على صدره أعجب إلي. ولأبي داود: أنه صب على رأسه الماء بالعرج، وهو صائم، من العطش، أو من الحر. وهذا مذهب الجمهور. (¬3) من حر، أو عطش، أي فيكره، والتشبيه لا من كل وجه، بل من جهة العبث والإسراف، ولا يكره أن يغتسل من الجنابة نهارًا، لخبر عائشة وغيرها: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج احتلم فاغتسل. ولأنه يصبح جنبًا، ثم يغتسل ويصوم، وكذا التبرد ونحوه. قال المجد: لأن فيه إزالة الضجر من العبادة، كجلوسه في الظل البارد، واختار أن غوصه في الماء كصب الماء عليه، وهو مذهب الشافعي ونقل حنبل: لا بأس به، إذا لم يخف أن يدخل الماء حلقه، أو مسامعه. ويستحب لمن لزمه الغسل ليلاً أن يغتسل قبل طلوع الفجر الثاني، خروجًا من الخلاف، واحتياطًا للصوم. (¬4) وحكمه حكم الداخل من الزائد على الثلاث، من أنه مكروه، وقال المجد: إن فعله لغرض صحيح، فكالمضمضة المشروعة، وإن كان عبثًا فكمجاوزة.

في طلوع الفجر) ولم يتبين له طلوعه (صح صومه) (¬1) ولا قضاء عليه، ولو تردد، لأَن الأَصل بقاءُ الليل (¬2) (لا إن أَكل) ونحوه (شاكًا في غروب الشمس) من ذلك اليوم الذي هو صائم فيه (¬3) ولم يتبين بعد ذلك أنها غربت، فعليه قضاءُ الصوم الواجب (¬4) . ¬

_ (¬1) ولو طرأ شكه، لأن الله أباح الأكل، والشرب، والجماع بالاتفاق. ولا جناح عليه إذا استمر الشك، وله الأكل، حتى يتيقن طلوع الفجر، وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، والله تعالى جعل الفجر غاية لإباحة الجماع، والطعام، والشراب، لمن أراد الصيام، وهو دليل على أن من أصبح جنبًا فليغتسل، وليتم صومه، ولا حرج عليه، قال ابن كثير وغيره: وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء، سلفًا وخلفًا، وحكاه الوزير وغيره إجماعًا، لما في الصحيحين: كان يصبح جنبًا، من جماع، ثم يغتسل، ويصوم. ولمسلم «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم» والآثار في ذلك متواترة، ومن ضرورة حل الرفث في جميع الليل أن يصبح صائمًا جنبًا، وأجمعوا على أنه إذا انقطع دم الحائض والنفساء قبل الفجر، ثم طلع الفجر قبل أن يغتسلا، فصومهما صحيح. (¬2) بعد، فيكون الشك منه، ما لم يعلم يقين زواله، لظاهر الآية، ولو أكل بعد الأذان، وهو شاك: هل طلع الفجر، أو لم يطلع؟ لأن الأصل بقاء الليل، فله أن يأكل ويشرب، حتى يتبين الطلوع. (¬3) ودام شكه قضى، لأن الأصل بقاء النهار، وقال الزركشي: اتفقوا على وجوب القضاء فيما إذا أكل شاكًا في غروب الشمس، لا في طلوع الفجر، نظرًا للأصل فيهما. (¬4) نص عليه، وفي الإنصاف: عليه القضاء إجماعًا، وإن أكل يظن بقاء النهار قضى إجماعًا، والفرق بين الشك والظن، أن الشك التردد بين أمرين لا يترجح أحدهما على الآخر، والظن أن يترجح أحد الأمرين على الآخر.

لأَن الأَصل بقاءُ النهار (¬1) (أو) أَكل ونحوه (معتقدًا أَنه ليل، فبان نهارًا) أي فبان طلوع الفجر (¬2) أو عدم غروب الشمس قضى (¬3) لأنه لم يتم صومه (¬4) وكذلك يقضي إن أَكل ونحوه يعتقده نهارًا، فبان ليلاً، ولم يجدد نية لواجب (¬5) . ¬

_ (¬1) فوجب القضاء، عملاً بالأصل، فإن بان ليلاً فيهما لم يقض. (¬2) قضى، لقوله {حَتَّى يَتَبَيَّنَ} وقد تبين، وهذا المشهور في مذاهب الفقهاء الأربعة، واختار الشيخ أنه لا قضاء على من أكل أو جامع معتقدًا أنه ليل، فبان نهارًا، وقال به طائفة من السلف والخلف. (¬3) أي فإن أكل ونحوه معتقدًا أنه ليل، فبان عدم غروب الشمس قضى، وحكي وفاقًا. (¬4) والله أمر بإتمام الصوم، وعنه: لا قضاء عليه. اختاره الشيخ وغيره، وقال: ثبت في الصحيح أنهم أفطروا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم طلعت الشمس، ولم يذكر في الحديث أنهم أمروا بالقضاء، ولو أمرهم لشاع ذلك، كما نقل فطرهم، فلما لم ينقل، دل على أنه لم يأمرهم به، وقول هشام: أوَ بُدٌّ من قضاء. برأيه، وثبت عن عمر أنه أفطر، ثم تبين النهار، فقال: لا نقضي، فإنا لم نتجانف لإثم. قال: وهذا القول أقوى أثرًا ونظرًا، وأشبه بدلالة الكتاب، والسنة، والقياس. (¬5) لأنه أكل أو شرب ونحوه بنية فطر، وهو فطر بالفعل، وقطع لنية الصوم، فإذا لم يجدد النية، وطلع الفجر، لم يصح صومه، لأنه صدق عليه أنه لم يبيت النية، إذ النية السابقة انقطعت حقيقة، فإن جدد نية قبل الفجر صح، ومفهومه: تجزئه عن غير الواجب، فإنه لو جَدَّدَها في غير ذلك الوقت، ولو جزءًا من النهار، وهو لم يأكل، صح وأثيب عليه من ذلك الوقت، ويقضي إن أكل ناسيًا، فظن أنه قد أفطر فأكل عامدًا.

لا من أَكل ظانًا غروب الشمس ولم يتبين له الخطأُ (¬1) . ¬

_ (¬1) فلا قضاء عليه، لأنه لم يوجد يقين يزيل ذلك الظن، كما لو صلى بالاجتهاد، ثم شك في الإصابة بعد صلاته، ولأن الأصل براءته، ولو شك في غروب الشمس بعد الأكل ونحوه، ودام شكه، فلا قضاء عليه، لأنه لم يوجد يقين أزال ذلك الظن الذي بني عليه، لجواز الفطر بغلبة الظن.

فصل فيما يتعلق بالجماع في نهار رمضان

فصل (¬1) (ومن جامع في نهار رمضان) (¬2) . ¬

_ (¬1) فيما يتعلق بالجماع في نهار رمضان، وهو مفسد للصيام، بالكتاب، والسنة، والإجماع، لقوله تعالى {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ} الآية فدلت على أن الصيام المأمور بإتمامه، ترك الوطء، والأكل، فإذا وجد فيه الجماع، لم يتم، فيكون باطلاً، وأما السنة فمشهورة، وكذا الإجماع في الجملة. (¬2) حضرا، في قبل أو دبر، فعليه القضاء والكفارة وفاقًا، وقال الشيخ: لا يقضي متعمد بلا عذر صومًا ولا صلاة، ولا يصح منه، وأنه ليس في الأدلة ما يخالف هذا، بل يوافقه. وضعف أمر المجامع بالقضاء، لعدول البخاري ومسلم عنه، وفي الصحيحين وغيرهما، عن أبي هريرة، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت. قال «وما أهلكك؟» قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟» قال: لا، ثم جلس فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، فقال «تصدق بهذا» فقال: أعلى أفقر منا؟، فما بين لأبتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، قال «اذهب فأطعمه أهلك» . ولما ذكر الشيخ انقسام المفطرات بالنص والإجماع، قال: وأما الجماع فاعتبار أنه سبب إنزال المني، يجري مجرى الاستقاءة، والحيض، والاحتجام، فإنه من نوع الاستفراغ، ومن جهة أنه إحدى الشهوتين، فجرى مجرى الأكل والشرب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «يدع طعامه وشرابه من أجلي» فترك الإنسان ما يشتهيه لله، هو عبادة مقصودة، يثاب عليها، والجماع من أعظم نعيم البدن، وسرور النفس، وانبساطها، وهو يحرك الشهوة والدم والبدن، أكثر من الأكل. فإذا كان الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم، والغذاء يبسط الدم، فتنبسط نفسه إلى الشهوات، فهذا المعنى في الجماع أبلغ، فإنه يبسط إرادة النفس للشهوات؛ ويضعف إرادتها عن العبادة أعظم، بل الجماع هو غاية الشهوات، وشهوته أعظم من شهوة الطعام والشراب، ولهذا أوجب على المجامع كفارة الظهار، فوجب عليه العتق، أو ما يقوم مقامه، بالسنة والإجماع، لأن هذا أغلظ، ودواعيه أقوى، والمفسدة به أشد، فهذا أعظم الحكمتين في تحريم الجماع، وأما كونه يضعف البدن كالاستفراغ، فذاك حكمة أخرى، فصار فيها كالإستقاء والحيض، وهو في ذلك أبلغ منهما، فكان إفساده الصوم، أعظم من إفساد الأكل والحيض. وذكر عدل الشرع في العبادات، وأن الصائم نهي عن أخذ ما يقويه، وإخراج ما يضعفه، ولو مكن ضره، وكان متعديًا في عبادته لا عادلاً.

ولو في يوم لزمه إمساكه (¬1) أو رأى الهلال ليلته، وردت شهادته، فغيب حشفة ذكره الأصلي (في قبل) أصلي (أو دبر) (¬2) ولو ناسيًا (¬3) . ¬

_ (¬1) أي ولو كان جامع في يوم من نهار رمضان لزمه إمساكه، لنحو ثبوته نهارًا، وعدم تبييت النية، لأنه يحرم عليه تعاطي ما ينافي الصوم. (¬2) فعليه القضاء والكفارة وفاقًا، حكاه الوزير وغيره، لجماعه في يوم من رمضان، ولا يتهم في حق نفسه. (¬3) فعليه القضاء والكفارة، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يستفصل، وعنه: لا قضاء عليه، ولا كفارة. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، قال النووي: وهو قول جمهور العلماء، والصحيح من مذاهبهم، لأنه صح الحديث أن أكل الناسي لا يفطر، والجماع في معناه، والأحاديث في العامد، لقوله: هلكت. وهذا لا يكون إلا في العامد، فإن الناسي لا إثم عليه بالإجماع. وقال في الإنصاف: لو أكل ناسيًا، واعتقد الفطر، ثم جامع، فحكمه حكم الناسي والمخطئ، إلا أن يعتقد وجوب الإمساك، فيكفر على الصحيح، يعني على المذهب، والجمهور على خلافه.

كل أمر غلب الصائم عليه فلا قضاء ولا كفارة

أو مكرهًا، أو جاهلاً (فعليه القضاءُ والكفارة) (¬1) . ¬

_ (¬1) كأن اعتقده ليلاً فبان نهارًا، أو قامت البينة أنه من رمضان، صرح به في المغني، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يستفصل المواقع عن حاله، ولأن الوطء يفسد الصوم، فأفسده على كل حال كالحج، وفي الفروع: والمكره كالمختار، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، ونقل ابن القاسم: كل أمر غلب عليه الصائم، فليس عليه قضاء ولا كفارة. قال أكثر الأصحاب: وهذا يدل على إسقاط القضاء والكفارة، وقال ابن عبد البر: الصحيح في الأكل والوطء، إذا غلب عليهما، لا يفطرانه، وكذا قال غير واحد من أهل العلم: الجماع كالأكل، فيما مر فيه، من الشك، والإكراه، والجهل. وفي المبدع: وعنه لا يكفر، وعليه أكثر العلماء. قال الوزير: وإن وطيء ظانًا أن الشمس قد غربت، أو أن الفجر لم يطلع، فبان بخلافه، فالقضاء واجب، ولم يوجب الكفارة الثلاثة، وإنما أوجبها أحمد، وعنه: لا قضاء على من جامع جاهلاً بالوقت، اختاره الشيخ، وقال: هو قياس أصول أحمد وغيره. وكذا لو كان جاهلاً بالحكم، لأن الكفارة ماحية، ومع النسيان، والإكراه، والجهل، لا إثم يمحى. وقال أيضًا: فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة أن من فعل محظورًا، مخطئًا، أو ناسيًا، لم يؤاخذه الله، وحينئذ يكون بمنزلة من لم يفعله، فلا يكون عليه إثم، ومن لا إثم عليه، لم يكن عاصيًا، ولا مرتكبًا لما نهي عنه، ومثل هذا لا تبطل عبادته. وفي الإنصاف – في الناسي – وعنه: لا يكفر. اختاره ابن بطة، قال الزركشي: ولعله مبني على أن الكفارة ماحية، ومع النسيان لا إثم يمحى. وعنه: لا يقضي، اختاره الآجري، وأبو محمد الجوزي، والشيخ، وصاحب الفائق، وعنه: كل أمر غلب عليه الصائم، فليس عليه قضاء، ولا غيره، وقاله أكثر الأصحاب، فدل على إسقاط القضاء، والكفارة مع الإكراه والنسيان، وهو اختيار الشيخ.

أَنزل أولاً (¬1) ولو أَولج خنثى مشكل ذكره في قبل خنثى مشكل، أَو قبل امرأة (¬2) أَو أَولج رجل ذكره في قبل خنثى مشكل، لم يفسد صوم واحد منهما (¬3) إلا أَن ينزل، كالغسل (¬4) وكذا إذا أَنزل مجبوب، أو امرأتان بمساحقة (¬5) . ¬

_ (¬1) فلا فرق بين أن ينزل أو لا، لأنه في مظنة الإنزال. (¬2) أي أو أولج خنثى مشكل ذكره في قبل امرأة. (¬3) لاحتمال الزيادة، اختاره وصححه غير واحد. (¬4) فإن أنزل وجب عليه القضاء فقط. (¬5) أي وكذا إن أنزل مجبوب، أي مقطوع الذكر، أو الخصيتين، يقال: جب الرجل، فهو مجبوب، إذا استؤصلت مذاكيره، أو أنزل ممسوح بمساحقة، فعليه القضاء والكفارة، أو أنزلت امرأتان بمساحقة، والسحق السهك، أو الدق، أو دون الدق، فعليهما القضاء والكفارة، وعنه: لا كفارة على واحد منهم، وهو المشهور، وصرح به في الإقناع وغيره، وفي حاشية التنقيح: حكمه حكم الواطئ دون الفرج، فإنه لا كفارة عليه من الإنزال، كما صححه المنقح وغيره، وحكاه في الإنصاف عن الأصحاب، ولأنه لا كفارة بغير الوطء، أطلقه الأصحاب، فما ذكر الشارح خلاف المذهب، لأن ذلك مباشرة دون الفرج، وليس بوطء حقيقة، وحقيقة الوطء إيلاج الذكر في الفرج، فليس فيه غير القضاء، وهو قول الجمهور.

إن جامع دون الفرج أو كانت المرأة معذورة فالقضاء ولا كفارة

(وإن جامع دون الفرج) ولو عمدًا (فأَنزل) منيًا أَو مذيًا (¬1) (أو كانت المرأة) المجامعة (معذورة) بجهل، أَو نسيان، أَو إكراه، فالقضاءُ، ولا كفارة (¬2) . ¬

_ (¬1) فالقضاء، ولا كفارة، اختاره وصححه غير واحد، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، لأن قوة النص تقتضي أنه جامع في الفرج وكنى عن ذلك بالمواقعة، والأصل براءة الذمة من الكفارة، وأما القضاء فيجب، باتفاق الأئمة، حكاه الوزير وغيره، وإن لم ينزل فلا قضاء، ولا كفارة عليه، إذ مع عدم الإنزال ضعف اعتباره، فصار بمنزلة اللمس ونحوه، وإن وطئ بهيمة في الفرج أفطر، لأنه وطء في فرج، أشبه وطء الآدمية في فرجها، ولم يقيده الموفق بالإنزال، لإقامة المظنة مقام الحقيقة، واختار أنه لا كفارة عليه. (¬2) وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، في أحد قوليه، واختاره الموفق، والمجد، وجماعة، واستظهره في الفروع، وصححه في تصحيحها، قال في المبدع: لأنها معذورة. قال في الشرح: وعليها القضاء، بغير خلاف نعلمه. وهذه الشروط، معتبرة في وجوب الكفارة، فإن كانت جاهلة، أو ناسية، أو مكرهة، أو نائمة، فلا كفارة، حكاه الوزير وغيره اتفاقًا، إلا في إحدى الروايتين عن أحمد، وذكر أن الرواية الأخرى عنه، في إسقاط الكفارة أصح وأظهر، والفرق بينها وبين الرجل في الإكراه، أن الرجل له نوع اختيار، يدل على الرغبة، بخلافها فأما النسيان فإن جهة الرجل في المجامعة لا تكون إلا منه غالبًا، بخلاف المرأة، فكان الزجر في حقه أقوى، فوجبت عليه في حالة النسيان دونها، وتقدم.

وإن طاوعت عامدة عالمة فالكفارة أيضًا (¬1) (أَو جامع من نوى الصوم في سفره) المباح فيه القصر (¬2) ، أَو في مرض يبيح الفطر (أَفطر، ولا كفارة) (¬3) لأنه صوم لا يلزم المضي فيه، أَشبه التطوع (¬4) ولأَنه يفطر بنية الفطر، فيقع الجماع بعده (¬5) . ¬

_ (¬1) وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحد القولين للشافعي، لأنها هتكت حرمة صوم رمضان، بالجماع مطاوعة، فهي كالرجل، ولأن تمكينها كفعله في حد الزنا، ففي الكفارة أولى، وعنه: لا كفارة عليها، لأن الشارع لم يأمرها بها، واتفقوا على أن عليها القضاء، وتدفعه إذا أكرهها، بالأسهل، وإن أدى إلى قتله، ولو طاوعته أمته كفرت بالصوم، ولو استدخلت ذكر نائم، أو صبي، أو مجنون، بطل صومها، ووجب عليها القضاء والكفارة. (¬2) فله الفطر، لفعله صلى الله عليه وسلم، ولا كفارة عليه، وقال الوزير: أجمعوا أنه إذا أفطر في السفر يباح له الجماع، وإذا صام وجامع، فقال أبو حنيفة والشافعي: لا كفارة عليه. وعن مالك وأحمد روايتان، لكن ينبغي أن يفطر بنية الفطر، فيقع الجماع بعده. (¬3) أي أو جامع من نوى الصوم في مرض يبيح له الفطر، أفطر بالجماع، ولا كفارة، كالمسافر، عند الجمهور، إلا أنه ينبغي أن يقع الجماع بعد نية الفطر. (¬4) ويأتي «أن المتطوع أمير نفسه» . (¬5) أي بعد نية الفطر، إن نواه قبل فعل الجماع، وهو أولى.

إذا كرر الوطء في يوم قبل أن يكفر فكفارة واحدة

(وإن جامع في يومين) متفرقين، أو متواليين (¬1) (أو كرره) أي كرر الوطء (في يوم، ولم يكفر) للوطء الأول (¬2) (فكفارة واحدة في الثانية) وهي ما إذا كرر الوطء في يوم، قبل أَن يكفر (¬3) قال في المغني والشرح: بغير خلاف (¬4) (وفي الأولى) وهي ما إذا جامع في يومين (اثنتان) لأن كل يوم عبادة مفردة (¬5) . ¬

_ (¬1) من رمضان واحد، أو رمضانين. (¬2) من اليومين المتفرقين، أو المتواليين، ولا من الوطء الأول، المتكرر في يوم. (¬3) لتداخلهما. (¬4) وحكي الإجماع فيه غير واحد لأن الكفارات زواجر، بمنزلة الحدود، فتتداخل كالحدود، فلو كفر بالعتق، للوطء الأول، ثم به للثاني، ثم استحقت الرقبة الأولى، لم يلزمه بدلها، وأجزأته الثانية عنهما، ولو استحقت الثانية وحدها، لزمه بدلها، ولو استحقتا جميعًا، أجزأته رقبة واحدة، لأن محل التداخل وجود السبب الثاني، قبل أداء موجب الأول. (¬5) تعلق الكفارة بفساده، فإذا عمهما الفساد، وجب أن تتعلق بكل منهما كفارة، وكون كل يوم بمنزلة عبادة مفردة، بدليل أن فساد بعضها، لا يسري إلى بقيتها، واحتياج كل يوم إلى نية، وكيومين من رمضانين، وهو مذهب مالك، والشافعي، وصححه في تصحيح الفروع وغيره، وكما لو كفر عن اليوم الأول، فإنه يلزمه لليوم الثاني كفارة ثانية، ذكره ابن عبد البر وغيره إجماعًا.

(وإن جامع ثم كفر، ثم جامع في يومه، فكفارة ثانية) (¬1) لأَنه وطءٌ محرم، وقد تكرر، فتكرر هي، كالحج (¬2) (وكذلك من لزمه الإمساك) (¬3) كمن لم يعلم برؤية الهلال إلا بعد طلوع الفجر (¬4) أَو نسي النية، أَو أَكل عامدًا (إذا جامع) (¬5) فعليه الكفارة، لهتكه حرمة الزمن (¬6) . ¬

_ (¬1) هذا المذهب، نص عليه في رواية حنبل والميموني. (¬2) أي فتكرر الكفارة، كما لو كرر المحظور في الحج، قبله وبعده، فالتشبيه معتبر في المسألتين، ولأنه وطء محرم لحرمة رمضان، فوجب أن تتعلق به الكفارة، كالوطء الأول، وعبادة يجب بالجماع بها كفارة، فجاز أن تتكرر الكفارة مع الفساد، وعنه: لا كفارة عليه. لأنه عبادة واحدة، وهو قول الجمهور، وقال الوزير: أجمعوا أنه إذا وطيء وكفر، ثم عاد فوطيء ثانيًا في يومه ذلك، أنه لا يجب عليه كفارة ثانية، وإن أخرج بعض الكفارة، ثم وطيء في يومه، دخلت بقية الأولى في الثانية. (¬3) أي وكذا حكم كل مفطر يلزمه الإمساك، إذا جامع، فعليه الكفارة وفاقًا. (¬4) إذا جامع فعليه الكفارة. (¬5) في نهار رمضان، وظاهره: ولو ناسيًا، أو جاهلاً؛ وتقدم. (¬6) أي بالجماع، ولأنها تجب على المستديم الوطء ولا صوم هناك، وكذا هنا، فمراده بالتشبيه وجوب الكفارة، لا التكرار، لكن نص أحمد – في مسافر قدم مفطرًا ثم جامع -: لا كفارة عليه، لأنه سنة عند أكثر العلماء، وحمله بعضهم على رواية عدم لزوم الإمساك.

(ومن جامع وهو معافى، ثم مرض، أو جن (¬1) أو سافر: لم تسقط) الكفارة عنه، لاستقرارها (¬2) كما لو لم يطرأ العذر (¬3) (ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان) (¬4) لأَنه لم يرد به نص (¬5) وغيره لا يساويه (¬6) . ¬

_ (¬1) أو حاضت، أو نفست، لم تسقط الكفارة، لأمره عليه الصلاة والسلام الأعرابي بالكفارة، ولم يسأله، وهذا مذهب مالك، وأحد أقوال الشافعي. (¬2) أي الكفارة عليه وفاقًا، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يسأل الأعرابي: هل طرأ له بعد وطئه مرض أو غيره؟ بل أمره بالكفارة، ولو اختلف الحكم لسأله عنه، ولأنه أفسد صيامًا واجبًا من رمضان بجماع، فاستقرت كفارته. (¬3) يعني من مرض، أو جنون، أو سفر، أو حيض، أو نفاس ونحو ذلك، ولو مات في أثناء النهار بطل صومه، فإن كان نذرًا، وجب الإطعام من تركته، وإن كان صوم كفارة تخيير، وجبت في ماله. (¬4) إجماعًا، فلا كفارة بمباشرة، أو قبلة ونحوها، ولو مع الإنزال وفاقًا، ولو كرر النظر، ولا بالجماع في قضائه أو نذر، أو كفارة، لأن الكفارة لهتك حرمة شهر رمضان. (¬5) ولأن الأصل براءة الذمة، فلا يثبت شغلها إلا بدليل من نص، أو إجماع، أو قياس، ولم يوجد واحد منها، وإنما ورد النص وثبت الإجماع في الجماع، في نهار رمضان. (¬6) أي غير رمضان لا يساوي رمضان، لاحترامه، وتعينه للعبادة، وليس في معناه، فلا يقاس عليه.

يجب النزع من الجماع بطلوع الفجر ولا شيء عليه

والنزع جماع (¬1) . ¬

_ (¬1) يتلذذ به كالإيلاج، فلو طلع عليه الفجر وهو مجامع، فنزع في الحال، قضى وكفر، وقال في تصحيح الفروع: الصواب أنه إن تعمد الوطء قريبًا من طلوع الفجر، مع علمه بذلك فعليه القضاء والكفارة. اهـ. وعنه: عليه القضاء فقط وفاقًا، وقال المجد: يقضي فقط، وهو أصح عندي. وقال ابن أبي موسى: يقضي قولاً واحدًا. وعنه: لا قضاء عليه، ولا كفارة. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، واختاره أبو حفص، وصاحب الفائق، والشيخ، وغيرهم، وقال: هذا قول طوائف من السلف، كسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، وإسحاق، وداود، وأصحابه، والخلف، وهؤلاء يقولون: من أكل معتقدًا عدم طلوع الفجر، ثم تبين أنه طلع، فلا قضاء عليه. وهذا القول أصح الأقوال، وأشبهها بأصول الشريعة، ودلالة الكتاب والسنة، وهو قياس أصول أحمد وغيره، فإن الله رفع المؤاخذة عن الناسي والمخطئ، وهذا مخطئ، وقد أباح الله الأكل، والوطء، حتى يتبين {الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} واستحب تأخير السحور، ومن فعل ما ندب إليه، وأبيح له، لم يفرط، فهذا أولى بالعذر من الناسي. اهـ. وقال غير واحد: إنما النزع ترك للجماع. وقال ابن القيم: من طلع عليه الفجر، وهو مجامع، فالواجب عليه النزع عينًا، ويحرم عليه استدامة الجماع واللبث، ولا شيء عليه، اختاره شيخنا، وهو الصواب، والحكم في حقه وجوب النزع، والمفسدة في حركة النزع، مغمورة في مصلحة إقلاعه ونزعه. اهـ. وإن استدام، فعليه القضاء والكفارة، وهو مذهب مالك، والشافعي وغيرهم، لأنه جماع في نهار رمضان باختيار، فلا فرق بين ابتدائه ودوامه، ولا يحرم وطء قبل كفارة رمضان، ولا في ليالي صيامها، عكس كفارة الظهار.

ذكر كفارة الوطء في نهار رمضان

والإنزال بالمساحقة كالجماع، على ما في المنتهى (¬1) (وهي) أي كفارة الوطء في نهار رمضان (¬2) (عتق رقبة) مؤمنة، سليمة من العيوب الضارة بالعمل (¬3) (فإن لم يجد) رقبة، (فصيام شهرين متتابعين (¬4) فإن لم يستطع) الصوم (فإطعام ستين مسكينًا) (¬5) . ¬

_ (¬1) يعني من وجوب القضاء، والكفارة، وجزم في الإقناع: أنه ليس فيه غير القضاء، وهو قول الجمهور وكذا الإنزال بها من مجبوب أو امرأة، وتقدم. (¬2) على الترتيب، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ورواية عن مالك. (¬3) على ما يأتي في الظهار، وكون الكفارة عتق رقبة، لا نزاع فيه. (¬4) أي فإن لم يجد رقبة، ولا ثمنها، وجب عليه، صيام شهرين متتابعين، إجماعًا، لحديث أبي هريرة المتقدم، فإنه نص فيه على الثلاثة بقوله «فهل تستطيع؟» «فهل تجد؟» وهو ظاهر في الترتيب، وجاء بلفظ «أو يصوم» «أو يطعم» واللفظ الأول، رواه أكثر من ثلاثين، ولأنه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، ومشتمل على زيادة، وأنص منه، ما رواه ابن ماجه في الحديث، أنه قال «أعتق رقبة» قال: لا أجدها، قال «صم شهرين متتابعين» قال لا أطيق، قال «أطعم ستين مسكينًا» فأمره بالعتق أولاً، وظاهر الأمر الوجوب، ولم ينقله إلى الصيام، إلا عند العجز، ثم أمره في صيام الشهرين، بالتتابع، ويشترط التتابع في أربعة مواضع، في كفارة الوطء في نهار رمضان، وكفارة الظهار، وكفارة القتل، وكفارة اليمين، وحكى الوزير وغيره: الإجماع على وجوب التتابع فيها. (¬5) قال النووي: أجمع عليه العلماء، في الأعصار المتأخرة، وهو اشتراط إطعام ستين مسكينًا. اهـ. فلو قدر لا بعد شروع فيه لزمته، لأنه عليه الصلاة والسلام: سأل المواقع عما يقدر عليه، حال المواقعة، وهي حالة الوجوب، والمعتبر وقت الوجوب، شرع فيه أولاً.

لكل مسكين مدبر، أَو نصف صاع من تمر، أَو زبيب، أو شعير، أو أقط (¬1) (فإن لم يجد) شيئًا يطعمه للمساكين، (سقطت) الكفارة (¬2) لأن الأعرابي لما دفع إليه النبي صلى الله عليه وسلم التمر ليطعمه للمساكين، فأخبره بحاجته قال «أطعمه اهلك» ولم يأمره بكفارة أخرى، ولم يذكر له بقاءها في ذمته (¬3) بخلاف كفارة حج (¬4) وظهار ويمين ونحوها (¬5) ويسقط الجميع، بتكفير غيره عنه بإذنه (¬6) . ¬

_ (¬1) مما يجزئ في فطرة، ولما يأتي في الظهار. (¬2) قال الوزير: أجمعوا على أنه إذا عجز عن كفارة الوطء، حين الوجوب، سقطت، إلا الشافعي، في أحد قوليه. اهـ. وكذا كفارة الوطء في الحيض، تسقط بالعجز، دون ما عداهما. (¬3) فدل الحديث، على أنه لما لم يجد شيئًا، يطعمه المساكين، سقطت عنه الكفارة. (¬4) أي فدية تجب في الحج، على ما سيأتي، فتبقى في الذمة. (¬5) ككفارة قتل، فإنها تبقى في الذمة، لعموم أدلتها للوجوب حال الإعسار، ولأنه القياس، خولف في رمضان للنص، قال القاضي وغيره: وليس الصوم سببًا، وإن لم تجب إلا بالصوم والجماع، لأنه لا يجوز اجتماعهما. (¬6) إن كان حيًا، وبدونه إن كان ميتًا، ولا يفتقر إلى إذن وليه، أو فعله، سواء كان عن كفارة وطء نهار رمضان أو حج، أو ظهار أو يمين، أو قتل، وإن كفر عنه غيره بإذنه فله أكلها، إن كان أهلاً، وكذا لو ملكه ما يكفر به.

باب ما يكره ويستحب في الصوم وحكم القضاء

باب ما يكره ويستحب في الصوم وحكم القضاء أي قضاء الصوم (¬1) (يكره) لصائم (جمع ريقه فيبتلعه) (¬2) للخروج من خلاف من قال بفطره (¬3) (ويحرم) على الصائم (بلع النخامة) ، سواءً كانت من جوفه أو صدره أو دماغه (¬4) . ¬

_ (¬1) لرمضان أو غيره، وما يتعلق بذلك، ويقع القضاء بمعنى الأداء، ممن أفطر بسبب مباح، أو محرم، كمن أبطل صومه، بجماع أو غيره، وقال الشيخ وغيره: وقولهم: بطل صومه، ونحو ذلك، بمعنى وجب القضاء، لا بمعنى أنه لا يثاب عليه بشيء، وجاءت السنة بثوابه على ما فعله، وعقابه على ما تركه، وأنه لو كان باطلاً كعدمه، ولا ثواب فيه، لم يجبر بالنوافل شيء وقوله {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ليس بطلان جميعه، بل قد يثاب على ما فعله، فلا يكون مبطلاً لجميع عمله. (¬2) فرضًا كان الصوم، أو نفلاً، لإمكان التحرز منه، والريق: الرضاب، وهو ماء الفم. (¬3) يشير إلى خلاف أبي حنيفة، وأقل أحوال المختلف فيه، أن يكون مكروهًا؛ وقال في الفروع: وقيل: يفطر؛ فيحرم ذلك كعوده وبلعه من بين شفتيه، ولا يفطر ببلعه مجموعًا، وفاقًا، لأنه إذا لم يجمعه، وابتلعه قصدًا، لا يفطر إجماعًا، فكذا إن جمعه ثم بلعه قصدًا، لأنه يصل إلى جوفه من معدنه، أشبه ما لو لم يجمعه. (¬4) إذا حصلت في فيه، للاختلاف في الفطر بها، فانبنى التحريم، وينبغي أن يقيد بالفرض، والنخامة: النخاعة، حكاه الجوهري وغيره، وفي المطالع: النخامة؛ في الصدر، وهو البلغلم اللزج. وقال غيره: النخاعة من الصدر، والنخامة من الرأس.

(ويفطر بها فقط) أي لا بالريق (¬1) (إن وصلت إلى فمه) لأنها من غير الفم (¬2) وكذلك إذا تنجس فمه بدم، أو قيء، ونحوه فبلعه، وإن قل (¬3) لإمكان التحرز منه (¬4) وإن أخرج من فمه حصاة، أو درهمًا، أو خيطًا ثم أعاده، فإن كثر ما عليه أفطر (¬5) وإلا فلا (¬6) ولو أخرج لسانه ثم أعاده لم يفطر بما عليه (¬7) . ¬

_ (¬1) فلا يفطر ببلع ريقه إجماعًا، لأن النخامة تنزل من الرأس، أو تخرج من الجوف، والريق من الفم. (¬2) كالقيء وتقدم، وذلك لإمكان التحرز منها، وهذا مذهب الشافعي وغيره، لا إن بلع نخامة لم تصل إلى فمه. (¬3) أفطر إن تحقق كونه بلع شيئًا نجسًا، نص عليه، لا إن بالغ في تفله، ثم بلع ريقه بعد، لم يضر. (¬4) ولأن الفم في حكم الظاهر، فيقتضي الفطر بكل ما يصل منه، وإن تنجس فمه فبصق النجاسة، وبقي الفم نجسًا، فابتلع ريقه لم يفطر، قطع به أبو البركات، لأنه لا يتحقق ابتلاعه لشيء من أجزاء النجاسة، وإن استقصى في البصق، ثم وجد طعمه في حلقه لم يفطر، وإلا أفطر على الصحيح من المذهب، قاله في الإنصاف. (¬5) لأنه واصل من خارج، لا يشق التحرز منه. (¬6) أي وإن لم يكثر، فلا إفطار، لعدم تحقق انفصاله، والأصل بقاء الصوم. (¬7) وفاقًا.

حكم ذوق الطعام ومضغ العلك القوي

ولو كثر، لأنه لم ينفصل عن محله (¬1) ويفطر بريق أخرجه إلى ما بين شفتيه ثم بلعه (¬2) (ويكره ذوق طعام بلا حاجة) (¬3) قال المجد: المنصوص عنه أنه لا بأْس به لحاجة ومصلحة (¬4) وحكاه هو والبخاري عن ابن عباس (¬5) (و) يكره (مضغ علك قوي) (¬6) . ¬

_ (¬1) بخلاف ما على الدرهم، ونحوه. (¬2) وكذا لو خرج ريقه إلى ثوبه، أو بين أصابعه، ثم عاد فابتلعه، لكونه فارق معدنه، مع إمكان التحرز منه عادة، أشبه الأجنبي، لا ما قل عن درهم، أو حصاة، أو خيط ونحوه، إذا عاد إلى فمه، كما على لسانه. (¬3) إلى ذوقه لأنه لا يأمن أن يصل إلى حلقه فيفطره، وقال أحمد: أحب أن يجتنب ذوق الطعام، فإن فعل فلا بأس، وظاهره الإطلاق، وهو مذهب مالك. (¬4) ككون زوجها أو سيدها سيء الخلق، فتذوقه لذلك، أو لا تجد من يمضغ لصبيها، ممن لا يصوم، وهو مفهوم ما في المتن. (¬5) أي حكى المجد والبخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما، جواز ذوق الطعام لحاجة ومصلحة، واختاره في التنبيه، وابن عقيل، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي. وقال الشيخ: أما إذا ذاق طعامًا ولفظه، أو وضع في فيه عسلاً ومجه، فلا بأس به للحاجة، كالمضمضة، والاستنشاق. وعلى قول المجد ومن تابعه، إذا استقصى في البصق، ثم وجد طعمه في حلقه لم يفطر، وإن لم يستقص أفطر، قال في الإنصاف: على الصحيح من المذهب. (¬6) لا يتحلل منه أجزاء، نص عليه وفاقًا، وهو أنواع، أقواه أبيض، ممضوغ ملتئم، ويطلق على كل ما يمضغ ويبقى في الفم، كالمصطكى واللبان، وقال ابن سيده: ضرب من صمغ الشجر. وفي القاموس: بالكسر، صمغ الصنوبر، والأرزة، والفستق، والسرو، والينبوت، والبطم، وهو أجودها.

وهو الذي كلما مضغه صلب وقوي (¬1) لأنه يحلب البلغم، ويجمع الريق، ويورث العطش (¬2) (وإن وجد طعمهما) أي طعم الطعام، والعلك (في حلقه أفطر) (¬3) لأنه أوصله إلى جوفه (¬4) (ويحرم) مضغ (العلك المتحلل) مطلقًا، إجماعًا، قاله في المبدع (¬5) (إن بلع ريقه) وإلا فلا (¬6) . ¬

_ (¬1) ولم يتحلل منه أجزاء، وقال أحمد – في الرجل يفتل الخيط: - يعجبني أن يبزق. (¬2) فكره له ذلك، و «حلب الشيء» استخرج ما فيه؛ و «البلغم» خلط من أخلاط البدن، وهو أحد الطباع الأربع. (¬3) صوبه في تصحيح الفروع، وغيره، لإطلاق الكراهة، ومقتضاه: أنه لا فطر إذا قلنا بعدم الكراهة، للحاجة، كما صرح به في شرح المنتهى، وذلك لأنه لا ينزل منه شيء، أشبه ما لو لطخ باطن رِجْلِه بحنظل، ومجرد الطعم لا يفطر. (¬4) أشبه ما لو تعمد الأكل. (¬5) وقاله في الفروع وغيرهما، لأنه يكون قاصدًا لإيصال شيء من خارج، إلى جوفه مع الصوم، وهو حرام، وتعريض لفساد صومه، وإطلاقه مخالف لقوله «إن بلع ريقه» وإن كان مراده به؛ على الصحيح من المذهب، فمحله القول الثاني أنه يحرم ولو لم يبتلعه، فمعنى الإطلاق هنا أنه سواء ابتلع ريقه أو لا. (¬6) أي وإن لم يبتلع ريقه، لم يحرم.

حكم قبلة من تباح قبلته إذا كانت بشهوة

هذا معنى ما ذكره في المقنع والمغني والشرح (¬1) لأَن المحرم إدخال ذلك إلى جوفه، ولم يوجد (¬2) وقال في الإنصاف: والصحيح من المذهب أَنه يحرم مضغ ذلك، ولو لم يبتلع ريقه، وجزم به الأكثر. اهـ. وجزم به في الإقناع والمنتهى (¬3) ويكره أن يدع بقايا الطعام، بين أسنانه (¬4) وشم ما لا يؤمن أن يجذبه نفسه، كسحيق مسك (¬5) (وتكره القبلة) ودواعي الوطء (لمن تحرك شهوته) (¬6) . ¬

_ (¬1) وغيرهما، بل تابعهما الشراح، وهو ظاهر الوجيز وغيره. (¬2) أي الإيصال إلى الجوف، فلم يحرم، لأن القاعدة أنه إذا انتفت العلة، انتفى المعلول. (¬3) وهو مقتضى إطلاق صاحب المبدع، والفروع وغيرهما. (¬4) خشية خروجه، فيجري به ريقه إلى جوفه. (¬5) وكافور، ودهن، وبخور بنحو عود، خشية وصوله مع نفسه إلى جوفه، ولا يكره شم نحو ورد، وقطع عنبر، ومسك غير مسحوق. (¬6) قال الوزير وغيره: أجمعوا على كراهة القبلة، لمن تحرك شهوته، وإلا فلا، إلا رواية عن مالك. اهـ. وعنه: تحرم لمن تحرك شهوته وجزم به في المستوعب وغيره، وفاقًا لمالك، والشافعي، ومرادهم: قبلة من تباح قبلته في الفطر، كزوجته، وسريته تلذذًا، لا رحمة وتوددًا، فأما من تحرم قبلته في الفطر، ففي الصوم أشد تحريمًا، وكذا دواعي الوطء كمعانقة ولمس، وتكرار نظر للتلذذ، والشهوة، وأما اللمس لغير شهوة، كلمس اليد ليعرف مرضها ونحوه، فلا يكره وفاقًا.

لأَنه عليه السلام «نهى عنها شابًا ورخص لشيخ» رواه أبو داود، من حديث أبي هريرة (¬1) ورواه سعيد عن أبي هريرة، وأبي الدرداء (¬2) وكذا عن ابن عباس، بإسناد صحيح (¬3) وكان صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، لما كان مالكًا لإربه (¬4) وغير ذي الشهوة في معناه (¬5) وتحرم إن ظن إنزالاً (¬6) . ¬

_ (¬1) وذلك أن رجلاً شابًا، سأل النبي صلى الله عليه وسلم، عن التقبيل وهو صائم، فنهاه، خشية أن تغلبه الشهوة، فلذلك ذهب قوم إلى تحريمه، على من تحرك شهوته، والشاب مظنة لذلك، بخلاف الشيخ، فإنه لما سأله عن المباشرة للصائم، رخص له، والتعبير بالشيخ والشاب: جري على الغالب، فلو انعكس الأمر، انعكس الحكم. (¬2) والبيهقي: أنه سأله شاب، فنهاه، وسأله شيخ، فرخص له. وقال: «الشيخ يملك إربه» . (¬3) أي وكذا روى سعيد في سننه، عن ابن عباس نحو ما تقدم، وقد أقام الشارع المظنة، مقام الحقيقة في مواضع، وتقدم. (¬4) ولفظه: كان يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه أملككم لإربه. متفق عليه. أي أملككم لنفسه، وآمنكم من الوقوع في قبلة، يتولد منها إنزال، أو شهوة، أو هيجان نفس، ورواه أكثر المحدثين، بفتح الهمزة والراء، وبعضهم بكسر الهمزة، وسكون الراء، حاجة النفس ووطرها، وقيل بالتسكين: العضو، وبالتحريك: الحاجة. (¬5) أي غير ذي الشهوة، يباح له، لفعله صلى الله عليه وسلم. (¬6) قال المجد: بغير خلاف، لتعريضه للفطر، ثم إن أنزل أفطر، وتقدم، وإن لم ينزل، لم يفطر، ذكره ابن عبد البر إجماعًا.

تأكد اجتناب كذب وغيبة وشتم في كل زمان ومكان فاضل

(ويجب) مطلقًا (¬1) (اجتناب كذب وغيبة) ونميمة (وشتم) ونحوه (¬2) لقوله صلى الله عليه وسلم «من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس لله حاجة في أَن يدع طعامه وشرابه» رواه أحمد، والبخاري، وأبو داود، وغيرهم (¬3) . ¬

_ (¬1) أي في كل وقت، وكل مكان، وفي رمضان، ومكان فاضل آكد، لأن الحسنات والسيئات، تتضاعف بالزمان والمكان الفاضل. (¬2) كفحش، إجماعًا في الجملة، والمراد: اجتناب الكذب إذا كان محرمًا، لأن من الكذب ما هو واجب، كتخليص مسلم من قتل، وما هو مباح، كإصلاح بين الزوجين، والكذب: هو الإخبار بما لا يطابق المخبر عنه، خلاف الصدق؛ «والغيبة» هي ذكر الإنسان بما فيه مما يكره، سواء ذكره بلفظه، أو كتابة أو إشارة إليه بعينه، أو يده أو رأسه، وضابطها: كل ما أفهم به غيره نقصان مسلم، فهو غيبة محرمة بالإجماع، وكما تحرم على المغتاب، يحرم استماعها، وإقرارها، واستثنى منها ما نظمه الجوهري: تظلم واستعن واستفت حذر ... وعرف واذكرن فسق المجاهر لأن تلك أغراض صحيحة شرعية، لا يمكن الوصول إليها إلا بذكره بما فيه، «والنميمة» اسم من «نم الحديث» أظهره على وجه الإشاعة، والإفساد، وزينه بالكذب «والشتم» السب، والكلام القبيح، ويقال: هو رمي أعراض الناس بالمعايب، وثلبهم، وذكرهم بقبيح القول، حضرًا وغيبًا. (¬3) ومعناه الزجر، والتحذير من قول الزور، وهو الكذب. ولأحمد «والجهل» وهو السفه «والعمل به» أي بمقتضاه، لما يحصل من الإثم، المقاوم للصوم، ولأنه لم يحصل منه مقصود الصائم، أو أنها قد تذهب بأجر الصوم، ويأتي حديث «فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم» وقال تعالى: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} وفي الصحيحين «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام» الحديث. وحديث: عرج به، فمر على قوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم، وصدورهم؛ فقال «يا جبرئيل من هؤلاء؟» قال: الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم. وحديث «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» وغير ذلك.

قال أحمد: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه (¬1) وكانوا إذا صاموا، قعدوا في المساجد وقالوا: نحفظ صومنا، ولا نغتاب أحدًا (¬2) ولا يعمل عملاً يجرح به صومه (¬3) . ¬

_ (¬1) فلا يرفث، ولا يفسق، ولا يجادل، ولا يغتب أحدًا، وإن كان ذلك لا ينبغي كل وقت، ففي حالة الصوم آكد. (¬2) صيانة لصيامهم. (¬3) من المعاصي، فيسقط أجره، ولا يفطر بغيبة ونحوها، وفاقًا، وقال أحمد: لو كانت الغيبة تفطر، ما كان لنا صوم. وذكره الموفق إجماعًا، لأن فرض الصوم بظاهر القرآن، الإمساك عن الأكل، والشرب، والجماع، وظاهره صحته، إلا ما خصه دليل ولم يأمر صلى الله عليه وسلم من اغتاب بترك صيامه، ولكن قد يكثر، فيزيد على الصوم، وقد يقل، وقد يتساويان، قال الشيخ: وهذا مما لا نزاع فيه. وقال الوزير: اتفقوا على أن الكذب والغيبة يكرهان للصائم، ولا يفطرانه، وإن صومه صحيح في الحكم.

يسن كثرة قراءة وذكر وكف لسان وتأخير سحور وتعجيل فطر

(وسن) كثرة قراءة، وذكر، وصدقة (¬1) وكف لسانه عما يكره (¬2) وسن (لمن شتم قوله) جهرًا (إني صائم) (¬3) لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن شاتمه أحد، أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم» (¬4) (و) سن (تأْخير سحور) (¬5) . ¬

_ (¬1) لتضاعف الحسنات به، وكان مالك يترك الحديث فيه، ويقبل على تلاوة القرآن، وكان الشافعي يختم ستين ختمة، وقال إبرهيم: تسبيحة في رمضان خير من ألف تسبيحة فيما سواه وأخبار مضاعفة الأعمال الصالحة، في رمضان، متظاهرة، والصدقة فيه أفضل، للأخبار الواردة في ذلك. (¬2) فيسن له أن يسعى في حفظ لسانه، عن جميع الكلام، إلا ما ظهرت فيه مصلحته، قال عليه الصلاة والسلام «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت» وعن المباح لقوله «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . (¬3) أي قول الصائم جهرًا، في رمضان وغيره: إني صائم؛ وهو ظاهر المنتهى، واختاره الشيخ، لأن القول المطلق باللسان، وفي الفرض لا نزاع فيه، حكاه ابن العربي وغيره، وإنما الخلاف في التطوع بعدًا عن الرياء. (¬4) متفق عليه، من حديث أبي هريرة، ولفظه «إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ، ولا يصخب فإن شاتمه» الحديث، وظاهره أنه يجهر بذلك، واختار المجد: في رمضان، لبعده عن الرياء، وليس مختصًا بالصائم، لكنه في حقه آكد، «والرفث» هو السخف، وفاحش الكلام، «والجهل» قريب منه، وهو خلاف الصواب. «وشاتمه» أي شتمه، متعرضًا لمشاتمته، «وقاتله» نازعه ودافعه. (¬5) إجماعًا، حكاه الوزير وغيره، وجزم الشيخ وغيره: أن السنة للصائم، أن يؤخر السحور، والسحور – بفتح السين – اسم لما يؤكل في السحر، وبالضم: اسم للفعل على الأشهر، وقيل: في اسم الفعل الفتح أيضًا، والمراد هنا الفعل فيكون بالضم على الصحيح الأشهر، وكل ما حصل من أكل، أو شرب، حصل به فضيلة السحور، لقوله «ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء» ولأبي داود «نعم سحور المؤمن التمر» .

إن لم يخش طلوع فجر ثان (¬1) لقول زيد بن ثابت: تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان بينهما؟ قال: قدر خمسين آية. متفق عليه (¬2) . ¬

_ (¬1) ذكره أبو الخطاب، والأصحاب، ويحرم الأكل وغيره: بطلوع الفجر وفاقًا، بل في قول عامة الفقهاء، للآية والأخبار، وما بعد الفجر من النهار، لا من الليل إجماعًا. (¬2) ولقوله «كلوا واشربوا، حتى يعترض لكم الأحمر» رواه الترمذي وغيره، وقال: العمل عليه عند أهل العلم. ولقوله «كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن مكتوم» ، وفيه الاعتماد على صوت المؤذن، وجواز الأكل بعد النية، ولأحمد عن أبي ذر: «لا تزال أمتي بخير، ما أخروا السحور، وعجلوا الفطر» ولأنه أقوى على الصوم، وما كان أقرب إلى الفجر، كان أعون عليه، ولا نزاع في مطلوبيته. وفي الحديث: «كلوا واشربوا حتى يستطير الفجر» ينتشر بياض الأفق معترضًا، وقال تعالى {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} والخيط اللون، وفي الحديث «سواد الليل وبياض النهار» وهل العبرة أول طلوعه، أو الاستطارة، أو الانتشار؟ استظهر الأكثر الانتشار، لتعريفهم الصادق به، قال ابن كثير، والنووي وغيرهما: فيه دليل على استحباب السحور، وتأخيره، لأنه من باب الرخصة، والأخذ بها محبوب، ووردت السنة بالحث عليه وفي الصحيحين وغيرهما: «تسحروا، فإن في السحور بركة» ولأحمد «السحور كله بركة، فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» ولأنه يقوي على الصيام، وينشط له، وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام، لخفة المشقة فيه على المتحسر، ولمسلم «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب آكلة السحر» لأن الله أباح لنا الطعام، وحرمه عليهم بعد أن يناموا، ومخالفتنا إياهم تقع موقع الشكر، لتلك النعمة، وفيه «إن هذا الدين يسر» . فحكمته التقوى، أو مخالفة أهل الكتاب، وأحاديث الأمر بالتسحر، والحث عليه وتأخيره، وتعجيل الفطر، متواترة، حكاه الطحاوي وغيره. ولا يجب السحور، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعًا.

وكره جماع مع شك في طلوع فجر، لا سحور (¬1) (و) يسن (تعجيل فطر) (¬2) . ¬

_ (¬1) لما في الجماع مع الشك من التعرض لوجوب الكفارة، ولأنه ليس مما يتقوى به، ولا يستحب وفاقًا، وأما السحور مع الشك فلا يكره، وظاهر كلام الموفق: يستحب. قال أحمد: يأكل حتى يتيقن. وقال ابن عباس: كل، ما شككت، حتى لا تشك. وقال الصديق: يا غلام أجف الباب، لا يفجأنا الفجر. ولا يعرف لهما مخالف، بخلاف الجماع، وفي الصحيحين «حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» ، وفي لفظ «حتى يقال له: أصبحت، أصبحت» ولأبي داود «إذا سمع أحدكم النداء، والإناء في يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه» والمراد – والله أعلم – ما لم يعلم طلوع الفجر، ولإمكان سرعة أكله وشربه، لتقارب وقته، واستدراك حاجته، واستشراف نفسه، وقوة نهمته، وتوجه شهوته، بجميع همته، مما يكاد يخاف عليه أنه لو منع منه لما امتنع، فأجازه الشارع رحمة عليه، وأما إذا علم انتشار الصبح، فيحرم اتفاقًا. (¬2) إجماعًا، حكاه الوزير وغيره، وجزم به الشيخ وغيره.

لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يزال الناس بخير، ما عجلوا الفطر» متفق عليه (¬1) . ¬

_ (¬1) أي مدة فعلهم ذلك، امتثالاً للسنة، ولحديث عائشة: كان يعجل الإطار، صححه الترمذي، ولحديث أبي هريرة مرفوعًا «يقول الله تعالى إن أحب عبادي إلي، أعجلهم وفطرًا» رواه أحمد، والترمذي؛ ولأبي داود «لا يزال الدين ظاهرًا، ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون» ونحوه في الصحيحين، أي لا يزال أمر هذه الأمة معظمًا، وهم بخير، ما داموا محافظين على هذه السنة، وقوام الدين على مخالفة الأعداء، ولمسلم في رجلين، أحدهما يعجل الإفطار، ويعجل المغرب، والآخر بالعكس، قالت عائشة – في الذي يعجلهما -: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الحافظ: ومن البدع المنكرة ما أحدث الناس من إيقاع الأذان الثاني، وطفي الأنوار، قبل ثلث ساعة لتحريم الأكل والشرب، للاحتياط، وجرهم إلى أنهم لا يؤذنون المغرب إلا بعد الغروب بدرجة، فأخروا الفطور، وعجلوا السحور، وخالفوا السنة، فلذلك قل عنهم الخير، وكثر فيهم الشر. وقال ابن عبد البر وغيره: أحاديث تعجيل الفطور، وتأخير السحور، صحيحة متواترة. وقوله تعالى {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} يقتضي الإفطار عند غروب الشمس، حكمًا شرعيًا، لما في الصحيحين وغيرهما «إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم» أي دخل في وقت الفطر، وجاز له أن يفطر، أو انقضى صومه وتم، ولا يوصف بأنه صائم، فإن بغروب الشمس خرج النهار، وليس الليل محلاً للصوم. وقال النووي: هي متلازمة، وإنما جمع بينهما لأنه قد يكون في واد ونحوه، بحيث لا يشاهد غروبها، فيعتمد إقبال الظلام، وإدبار الضياء، وأجمعوا على أن الصوم ينقضي ويتم، بتمام الغروب، وأنه يدخل فيه بالفجر الثاني، وقال الشيخ: إذا غاب جميع القرص، أفطر الصائم، ولا عبرة بالحمرة الشديدة، الباقية في الأفق، وإذا غاب جميع القرص، ظهر السواد من المشرق، كما قال صلى الله عليه وسلم «إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، فقط أفطر الصائم» . ويعرف في العمران بزوال الشعاع، وإقبال الظلام من المشرق، للنهي عن الوصال، ومن أحب أن يمسك إلى السحر فله ذلك، لما في الصحيحين «فأيكم أراد أن يواصل، فليواصل إلى السحر» .

والمراد إذا تحقق غروب الشمس (¬1) وله الفطر بغلبة الظن (¬2) . ¬

_ (¬1) إجماعًا، فإن شك كره. (¬2) وفاقًا، إقامة له مقام اليقين، ولأن الناس أفطروا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك، وكذلك أفطر عمر والناس في عهده كذلك، ولأن ما عليه أمارة، يدخله التحري كالوقت، والاحتياط إلى أن يتيقن، قال الشيخ: ومع الغيم المطبق، لا يمكن اليقين الذي لا يقبل الشك، إلا بعد أن يذهب وقت طويل من الليل، يفوت المغرب، ويفوت تعجيل الفطور، والمصلي مأمور بصلاة المغرب، وتعجيلها، وثبت في صحيح البخاري، عن أسماء: أفطرنا يومًا من رمضان في غيم، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلعت الشمس. فدل على أنه لا يستحب التأخير مع الغيم، إلى أن يتيقن الغروب، فإنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يأمرهم به، والصحابة مع نبيهم أعلم، وأطوع لله ورسوله، والفطر قبل صلاة المغرب أفضل، بالاتفاق، ولخبر عائشة، رواه مسلم، ولخبر أنس: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى يفطر، ولو على شربةٍ من ماء. رواه ابن عبد البر، وقد يستثنى ما لو أقيمت الجماعة، وكان بحيث لو أفطر على نحو تمر، بقي بين أسنانه، ولو اشتغل به فاتته الجماعة، أو فضيلة الإحرام مع الإمام، ما لم يكن بحضرة طعام.

يسن أن يفطر على رطبان ويقول ما ورد

وتحصل فضيلته بشرب، وكمالها بأَكل (¬1) ويكون (على رطب) (¬2) لحديث أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات، قبل أن يصلي، فإن لم تكن فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات، حسا حسوات من ماء. رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حسن غريب (¬3) . ¬

_ (¬1) أي وتحصل فضيلة الفطر بشرب، لقوله «ولو أن يجرع جرعة من ماء» وكمال الفضيلة بأكل، من أي نوع من المأكولات. (¬2) أي ويسن أن يكون الفطور على رطب، نضيج البسر قبل أن ييبس، جمع «رطبة» بضم ففتح. (¬3) أي قال الترمذي: حسن باعتبار سنده، غريب باعتبار كونه من طريق واحد، ويجوز تشديد النون من «تكن» وتخفيفها، فالتشديد على معنى: فإن لم يكنَّ رطبات. والتخفيف على معنى: فإن لم يكن رطب. واستظهر التشديد ابن نصر الله وغيره، وفيه سنية تعجيل الفطور، وأنه على رطب، قدمه على اليابس، فيقدم عليه إن وجد، فإن لم يوجد فيفطر على تمرات، ولفظ الطبراني: وإذا لم يكن رطب، لم يصل حتى يأتيه بتمر وماء. لأن التمر حلو، وكل حلو يقوي البصر، وله وصححه «إذا أفطر أحدكم، فليفطر على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء فإنه طهور» ولو كان بمكة، لأنه صلى الله عليه وسلم صام بمكة عام الفتح أيامًا من رمضان، ولم ينقل عنه في ذلك ما يخالف عادته المستقرة، من تقديم التمر، وفي معنى الرطب والتمر كل حلو لم تمسه النار، لأنه يرد للبصر ما زاغ منه بالصوم «وحسا حسوات» أي شرب شربات من ماء. وقال ابن القيم: هذا من كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته، ونصحه لهم، فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو، مع خلو المعدة، أدعى إلى قبوله، وانتفاع القوى به، لا سيما القوى الباصرة، فإنها تقوى به، وأما الماء، فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإن رطبت بالماء، كمل انتفاعها بالغذاء وبعده، هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية، التي لها تأثير في صلاح القلب، لا يعلمها إلا أطباء القلوب.

(فإن عدم) الرطب (فتمر (¬1) فإن عدم فـ) على (ماء) لما تقدم (¬2) (وقول ما ورد) عند فطره (¬3) ومنه «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك، اللهم تقبل مني، إنك أنت السميع العليم» (¬4) . ¬

_ (¬1) أي فإن عدم الرطب، أفطر على تمر، وهو يابسه. (¬2) من قوله: وتحصل فضيلته بشرب. وقوله في حديث أنس: فإن لم تكن تمرات، حسا حسوات من ماء. وفي صحيح مسلم «فاجدح لنا» وهو خلط السويق بالماء، فنزل فجدح له، فشرب، وروي عن جماعة من الصحابة آثار تدل على أن الإفطار بما ذكر سنة. (¬3) فإن للصائم دعوة لا ترد، كما في الحديث «للصائم عند فطره دعوة لا ترد» رواه ابن ماجه، وللترمذي وحسنه «ثلاثة لا ترد دعوتهم» منهم «الصائم حتى يفطر» . (¬4) رواه الدارقطني وغيره من حديث أنس، وابن عباس، وأوله «إذا أفطر أحدكم، فليقل» فدل على أنه قبل الفطر، وعن ابن عمر: اللهم إني أسألك رحمتك التي وسعت كل شيء، أن تغفر لي ذنوبي. وإن شاء قال بعد «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت» : فاغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، اللهم إنك عفو، تحب العفو، فاعف عني. ويستحب تفطير الصائم، لحديث «من فطر صائمًا فله مثل أجره، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء» رواه الترمذي وغيره وصححه، قال الشيخ: المراد أن يشبعه.

يستحب القضاء فورا متتابعا ويجوز تأخيره بشرط العزم عليه

(ويستحب القضاء) أي: قضاء رمضان، فورًا (متتابعًا) (¬1) لأن القضاء يحكي الأداء (¬2) وسواء أفطر بسبب محرم، أو لا (¬3) وإن لم يقض على الفور، وجب العزم عليه (¬4) . ¬

_ (¬1) وفاقًا، مسارعة لبراءة ذمته، ولا بأس أن يفرقه وفاقًا، وقاله البخاري عن ابن عباس، لقوله {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وعن ابن عمر مرفوعًا «قضاء رمضان إن شاء فرق، وإن شاء تابع» رواه الدارقطني، وعن محمد بن المنكدر قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن تقطيع قضاء رمضان، قال «ذاك إليك، أرأيت لو كان على أحد دين، فقضاه الدرهم والدرهمين، ألم يكن قضى؟ فالله أحق أن يعفو ويغفر» رواه الدارقطني، وحسن إسناده، ولأنه لا يتعلق بزمان معين، فلم يجب فيه التتابع، كالنذر المطلق. إلا إذا لم يبق من شعبان إلا قدر ما عليه، فيجب التتابع إجماعًا، لضيق الوقت، كأداء رمضان، في حق من لا عذر له، ولا يكره في عشر ذي الحجة، لأنها أيام عبادة، كعشر المحرم، ,واستحبه ابن عمر، ويقدم رمضان على نذر لا يخاف فوته، لتأكد القضاء، فإن خاف فوت النذر قدمه، ومن فاته رمضان، قضاه عدد أيامه، تامًا كان، أو ناقصًا إجماعًا. (¬2) أي يساويه، وفيه خروج من الخلاف. (¬3) أي أو أفطر بسبب غير محرم، يستحب القضاء على الفور متتابعًا. (¬4) قال النووي: الصحيح عند محققي الفقهاء وأهل الأصول فيه، وفي كل واجب موسع، أنه يجوز تأخيره، بشرط العزم عليه، وأجاز جماعة من الصحابة وغيرهم الأمرين، وقال المجد: يجوز تأخير قضاء رمضان بلا عذر، ما لم يدرك رمضان ثان، ولا نعلم فيه خلافًا. وكذا ذكر غير واحد، مذهب الأئمة، وجماهير السلف والخلف، أن القضاء يجب على التراخي، ولا يشترط المبادرة به في أول الإمكان، وتقدم قول الشيخ: إنه لا يأثم بتأخير قضاء رمضان ولو مات، لأنه وقت موسع.

(ولا يجوز) تأخير قضائه (إلى رمضان آخر، من غير عذر) (¬1) لقول عائشة: كان يكون على الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم. متفق عليه (¬2) فلا يجوز التطوع قبله، ولا يصح (¬3) . ¬

_ (¬1) نص عليه وفاقًا، «ورمضان آخر» مصروف، لأنه نكرة، لوصفه بـ «آخر» وكذا كل معرفة وصفت بـ «آخر» فإنها تنكر. (¬2) أي من كونها مهيئة نفسها له صلى الله عليه وسلم، متربصة لاستمتاعه في جميع أوقاتها، إن أراد ذلك، وهذا من الأدب، ولا ريب في إطلاعه على ذلك، واتفق أهل العلم أنها لا يحل لها صوم التطوع وزوجها حاضر، إلا بإذنه، وإنما كانت تصومه في شعبان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم معظم شعبان، فلا حاجة له فيها حينئذ في النهار، ولأنه إذا جاء شعبان، يضيق قضاء رمضان، فلا يجوز تأخيره عنه. (¬3) نص عليه لخبر «من أدرك رمضان، وعليه من رمضان شيء لم يقضه، لم يتقبل منه صومه» لكن قال الموفق وغيره: متروك. ونقل حنبل: لا يجوز، بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه. ولأن المبادرة إلى إبراء الذمة، من أكبر العمل الصالح، وعنه: يجوز، ويصح وفاقًا، وصوبه في تصحيح الفروع وغيره، للعموم، وكالتطوع بصلاة في وقت فرض متسع قبل فعله، فالأوجه أن يصوم العشر ونحوها تطوعًا وقضاء، والتطوع أفضل، كالسنن الراتبة، في أول وقت الصلاة، واستظهر صاحب التنقيح وغيره الجواز مع سعة الوقت، وصححه في تصحيح الفروع.

إن أخر القضاء لعذر فلا شيء عليه وإن مات

(فإن فعل) أي: أَخره بلا عذر، حرم عليه (¬1) وحينئذ (فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم) (¬2) ما يجزئ في كفارة، رواه سعيد، بإسناد جيد، عن ابن عباس (¬3) والدارقطني بإسناد صحيح، عن أبي هريرة (¬4) وإن كان لعذر، فلا شيء عليه (¬5) . ¬

_ (¬1) لأن مقتضاه وجوب القضاء على الفور، وكما لا تؤخر الصلاة الأولى إلى الثانية، خولف في المعذور، فيبقى ما عداه على الأصل. (¬2) وجوبًا، وفاقًا، لمالك والشافعي، وقال الوزير: أجمعوا أنه إن أخره لغير عذر يقضي، وعليه الفدية. وقال الشيخ: إن ترك الأداء لغير عذر وجبت، وإلا فلا. (¬3) ولفظه: فإذا قضى أطعم. (¬4) ورواه مرفوعًا من حديث أبي هريرة، لكن فيه ضعف، وروي نحوه عن ابن عمر، وذكره غيره عن جماعة من الصحابة، وقال يحيى بن أكثم: لا أعلم لهم مخالفًا. والمجزئ من البرمُدُّ، ومن غيره مُدَّانِ، ويجوز قبل القضاء وبعده، وقال المجد: الأفضل عندنا تقديمه، مسارعة إلى الخير، وتخلصًا من آفات التأخير. (¬5) أي وإن كان التأخير إلى رمضان آخر لعذر، كمرض، أو سفر، أو ضيق وقت، ونحو ذلك فيقضي فقط، بلا إطعام وفاقًا، ومن دام عذره بين الرمضانين، ثم زال، صام الرمضان الذي أدركه، ثم قضى ما فاته، ولا إطعام وفاقًا.

(وإن مات) بعد أَن أَخره لعذر، فلا شيء عليه (¬1) ولغير عذر أَطعم عنه، لكل يوم مسكين، كما تقدم (¬2) (ولو بعد رمضان آخر) (¬3) لأَنه بإخراج كفارة واحدة زال تفريطه (¬4) والإطعام من رأس ماله، أَوصى به أو لا (¬5) . ¬

_ (¬1) أي لا شيء عليه، وذكره النووي اتفاق أهل العلم، ولو مضى عليه أحوال، لأنه حق لله تعالى، وجب بالشرع، ومات من وجب عليه، قبل إمكان فعله، فسقط إلى غير بدل، كالحج، وأما الحي، فتسقط الكفارة، دون القضاء، لإمكانه. (¬2) أي من خبر ابن عباس، وأبي هريرة، ولفظ أبي داود: قال ابن عباس: إذا مرض الرجل في رمضان، ثم مات ولم يصم، أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر قضى عنه وليه، وللترمذي عن ابن عمر مرفوعًا «من مات وعليه صيام شهر رمضان، فليطعم عنه كل يوم مسكين» وقال: الصحيح أنه موقوف، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقال ابن القيم – في قول ابن عباس: يطعم عن الفرض، ويقضى عن النذر -: هذا أعدل الأقوال، وعليه يدل كلام الصحابة، وبه يزول الإشكال. (¬3) فأكثر، لم يلزمه لكل سنة فدية. (¬4) بالتأخير، أشبه ما لو مات من غير تفريط، ولأنه إنما لزمه للتأخير عن وقته، وكثرة التأخير لا يزاد بها الواجب، كما لو أخر الحج لسبب، لم يكن عليه أكثر من فعله. (¬5) أي أو لم يوص به، يخرج من رأس ماله، كسائر الديون.

لا يقضي عنه ما وجب بأصل الشرع من صلاة وصوم

وإن مات وعليه صوم كفارة، أطعم عنه، كصوم متعة (¬1) ولا يقضى عنه ما وجب بأَصل الشرع، من صلاة وصوم (¬2) . ¬

_ (¬1) أي أطعم عنه لكل يوم مسكين، كما يطعم عنه فيما إذا مات وعليه صوم متعة حج، ولا يجزئ صوم كفارة عن ميت، وإن أوصى به، وفاقًا. (¬2) لأنه لا تدخله النيابة في الحياة، فكذا بعد الموت، وكذا الاعتكاف، ولا فدية، لعدم ورود ذلك، ونقل جميع الإجماع، والمراد إجماع الأكثر، والنسائي وغيره «لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصومن أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه» وعن ابن عمر نحوه، رواه عبد الرزاق، قال مالك: ولم أسمع عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين أمر بصوم، أو صلاة عن أحد، ونقل الجماعة: لا تفعل عنه. وفاقًا، وأجمعوا على أن الصلاة المفروضة، من الفروض التي لا تصح فيها النيابة، بنفس، ولا مال، لأنها عبادة بدنية، محضة، لا يخلفها مال، ولا يجب بإفسادها، ونقل القاضي وغيره الإجماع على أنه لا يصلى عنه صلاة فائتة، وأنه لا يصام عن أحد في حياته. وقال ابن القيم: يصام عنه النذر، دون الفرض الأصلي، وهذا مذهب أحمد وغيره، والمنصوص عن ابن عباس، وعائشة؛ ولا تعارض بين روايتهما ورأيهما، وبهذا يظهر اتفاق الروايات، وموافقة فتاوى الصحابة، وهو مقتضى الدليل والقياس، لأن النذر ليس واجبًا بأصل الشرع، وإنما أوجبه العبد على نفسه، فصار بمنزلة الدين، ولهذا شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالدين، وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء، فهو أحد أركان الإسلام، فلا تدخله النيابة بحال، كما لا تدخل الصلاة والشهادتين، فإن المقصود منهما طاعة العبد بنفسه، وقيامه بحق العبودية التي خلق لها، وأمر بها، وهذا لا يؤديه عنه غيره، ولا يصلي عنه غيره، وهكذا من ترك الحج عمدًا، مع القدرة عليه حتى مات، أو ترك الزكاة، فلم يخرجها حتى مات، فإن مقتضى الدليل، وقواعد الشرع إن فعلها عنه أحد بعد الموت، لا يبرئ ذمته، ولا تقبل منه، والحق أحق أن يتبع. وقال الشيخ: يطعم عنه كل يوم مسكين، وبذلك أخذ أحمد وإسحاق، وغيرهما، وهذا مقتضى النظر، كما هو موجب الأثر، فإن النذر كان ثابتًا في الذمة، فيفعل عنه بعد الموت، وأما صوم رمضان، فإن الله لم يوجبه على عاجز عنه، بل أمر العاجز بالفدية، طعام مسكين، والقضاء إنما يجب على من قدر عليه، لا على من عجز عنه، فلا يحتاج أن يقضي أحد عن أحد، وأما الصوم وغيره من المنذورات، فيفعل عنه بلا خلاف، للأحاديث الصحيحة، والواجب بالشرع، أيسر من الواجب بالنذر. وقال: وأما الصلاة فلا يصلي أحد عن أحد، ولكن إذا صلى عن الميت أحد أبويه تطوعًا، وأهداه له، أو صام عنه تطوعًا، وأهداه له، نفعه ذلك. وقال في حديث «من مات وعليه صوم، صام عنه وليه» إنه إن تبرع بصوم عمن لا يطيقه، لكبر ونحوه، أو عن ميت، وهما معسران، يتوجه جوازه، لأنه أقرب إلى المماثلة من المال.

إن مات من نذر صوما أو حجا أو اعتكافا لوليه فضاؤه

(وإن مات وعليه صوم) نذر (¬1) (أو حج) نذر (¬2) . ¬

_ (¬1) استحب لوليه قضاء نذر الصوم عنه، نص عليه، وعليه الأصحاب، وتقدمت الأدلة عليه، مع ما يأتي، قال الموفق: ولا إطعام فيه بعد الموت، بخلاف رمضان، وقال هو والشيخ وغيرهما: ولا كفارة مع الصوم عنه، ولا إطعام. (¬2) استحب لوليه حج النذر عنه، وهو مذهب الشافعي، لصريح خبر ابن عباس فيمن نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت؛ أفأحج عنها؟ قال «نعم، حجي عنها» رواه البخاري وغيره، من غير وجه، قال في الفروع: ومن اعتذر عن ترك القول بذلك هنا، أو في الصوم، باضطراب الأخبار، فهو عذر باطل، لصحة ذلك عن أئمة الحديث.

(أو اعتكاف) نذر (¬1) (أو صلاة نذر، استحب لوليه قضاؤه) (¬2) لما في الصحيحين: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أُمي ماتت وعليها صوم نذر، أَفأَصوم عنها؟، قال «نعم» (¬3) ولأن النيابة تدخل في العبادة بحسب خفتها، وهو أخف حكمًا من الواجب بأصل الشرع (¬4) والولي: هو الوارث (¬5) . ¬

_ (¬1) استحب لوليه الاعتكاف عنه، نقله الجماعة، وهو قول الشافعي، وقال سعد بن عبادة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه. فقال «اقضه عنها» رواه أبو داود، والنسائي، بسند صحيح، ومعناه في الصحيحين، ولأنه يروى عن عائشة، وابن عباس، وابن عمر، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة. (¬2) نص عليه، وعليه الأصحاب. (¬3) أي صومي عنها، وفيه: فقال «أفرأيت لو كان على أمك دين، فقضيتيه عنها، أكان ذلك يؤدي عنها؟» قالت: نعم. قال «فصومي عن أمك» وفي الباب أحاديث أخر. (¬4) أي والنذر أخف من الواجب بأصل الشرع في الحكم، لكونه لم يجب بأصل الشرع، وإنما أوجبه الناذر على نفسه، فصحت النيابة فيه. (¬5) فإن لم يخلف الناذر ونحوه تركة، لم يلزم الولي شيء اتفاقًا، لكن يسن فعله عنه، لتفرغ ذمته، كقضاء دينه، قال النووي وغيره: الولي القريب، عصبة أو نسبًا، وارثًا، أو غير وارث.

كره إحرام قبل ميقات وبحج قبل أشهره

فإن صام غيره جاز مطلقًا، لأنه تبرع (¬1) وإن خلف تركة وجب الفعل (¬2) فيفعله الولي، أو يدفع إلى من يفعله عنه (¬3) ويدفع في الصوم عن كل يوم مسكين (¬4) وهذا كله فيمن أَمكنه صوم ما نذره فلم يصمه (¬5) . ¬

_ (¬1) أي وإن صام عن الميت – الذي وجب عليه النذر – غير ولي الميت، جاز مطلقًا، بإذن الولي والورثة وعدمه، لأن ذلك الصيام من الأجنبي تبرع، فجاز منه، كقضاء الدين، لأنه عليه الصلاة والسلام شبهه بالدين. (¬2) أي فعل النذر على ما تقدم، وكقضاء الدين. (¬3) أي يفعل الولي ذلك النذر، وكذا حجة الإسلام، بنفسه استحبابًا، أو يدفع من تركته إلى من يفعل عنه ذلك، ويجوز أن يحج عنه بإذن وليه، بلا نزاع، وبدونه على الصحيح من المذهب، ويجزئ صوم جماعة عنه في يوم واحد، عن عدتهم من الأيام، إلا فيما يشترط فيه التتابع، فلا تصح النيابة إلا من واحد، لا من جماعة، اختاره المجد، والنووي، واستظهره في الفروع، وصححه في تصحيحها. (¬4) أي فإن لم يفعل الولي، فعليه أن يدفع في الصوم، عن كل يوم طعام مسكين، لأنه فدية الصوم، ولا كفارة مع الصوم عنه، أو الإطعام، وكذا اختار الشيخ وغيره أن الصوم عنه بدل، يجزئ بلا كفارة. (¬5) أي كل ما تقدم لا يلزم إلا في حق شخص أمكنه صوم ما نذره، بأن مضى ما يتسع لفعله قبل موته فلم يصمه، فيفعل عنه، لثبوته في ذمته، كقضاء دينه من تركته.

فلو أمكنه بعضه قضي ذلك البعض فقط (¬1) والعمرة في ذلك كالحج (¬2) . ¬

_ (¬1) أي دون البعض الآخر، كمن نذر صوم شهر، ومات قبل ثلاثين يومًا، فيصام عنه ما مضى منه، دون الباقي، لأنه لم يثبت في ذمته، بخلاف المقدار الذي أدركه، فإنه يثبت في ذمته، وإن كان مريضًا، لأن المرض لا ينافي ثبوت الصوم في ذمته، بدليل وجوب قضاء رمضان مع المرض ونحوه، وكذا لو نذر صوم شهر معين، فمات في أثنائه، فعل عنه ما مضى من الشهر، إذا لم يفعله لمرض ونحوه، وكذا لو مات وعليه حج منذور، فعل عنه، ولو لم يمكنه فعله في حياته، لجواز النيابة فيه حال الحياة، فبعد الموت أولى، ومن مات قبل دخول شهر نذر صومه، لم يصم، ولم يقض عنه، قال المجد: هذا مذهب سائر الأئمة، ولا أعلم فيه خلافًا. (¬2) أي العمرة، في أنها تلزم بالنذر، كالحج في لزومه، لكن لا يعتبر تمكنه في حياته، على الصحيح من المذهب، ومن مات عليه صوم من كفارة، أو متعة، أو قران، ونحوه، أطعم عنه من رأس ماله.

باب صوم التطوع، وما نهي عن صومه وذكر ليلة القدر

باب صوم التطوع (¬1) وفيه فضل عظيم (¬2) لحديث «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة، ضعف، فيقول الله تعالى: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به» (¬3) . ¬

_ (¬1) وما نهي عن صومه، وذكر ليلة القدر، وما يتعلق بذلك، «وتطوع بالشيء» تبرع به، وتقدم. (¬2) كما دلت عليه الآيات والأحاديث، وقال أحمد: الصوم أفضل ما تطوع به. (¬3) فإنه أحب العبادات إليه، ولا ينحصر تضعيفه، ومن الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وخصه تعالى بإضافته إليه، قال «يدع طعامه، وشرابه من أجلي» وله من الفضائل والمثوبة، ما لا يحصيه إلا الله، لأنه سر بين الله وبين عبده، لا يطلع عليه سواه، فلا يكون العبد صائمًا حقيقة، إلا وهو مخلص في الطاعة، وقيل: لأنه لا يدخله الرياء، وقيل: جميع العبادات، عبد المشركون بها آلهتهم، إلا الصوم. فلذلك قال الله تعالى «إلا الصوم فإنه لي» لأنه يدع طعامه، وشرابه، وشهواته، من أجل ربه في صورة من لا حاجة له في الدنيا إلا رضى الله «وأنا أجزي به» لأنه لم يشاركني فيه أحد، ولا عبد به غيري، لأنه ليس يظهر من ابن آدم بلسانه، ولا يفعل فتكتبه الحفظة، إنما هو نية في القلب، وإمساك عن حركة المطعم، والمشرب، والجماع، فأنا أتولى الجزاء عليه بنفسي، على قدر اختصاصه بي، فدل على عظم فضل الصوم، والحث عليه، وكثرة ثوابه، لأن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء، اقتضى عظم قدر الجزاء، وسعة العطاء.

يسن صيام ثلاثة أيام من كل شهر، والاثنين والخميس، والحكمة في ذلك

وهذه الإضافة للتشريف والتعظيم (¬1) (يسن صيام) ثلاثة أيام من كل شهر (¬2) والأفضل أن يجعلها (أيام) الليالي (البيض) (¬3) لما روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له «إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر» رواه الترمذي وحسنه (¬4) . ¬

_ (¬1) كبيت الله، وما أضيف إليه تعالى، كان أشرف وأعظم. (¬2) وفاقًا، وفي الشرح والمبدع وغيرهما: بغير خلاف نعلمه. ويحصل له بصيامها أجر صوم الدهر، الحسنة بعشر أمثالها، من غير حصول ما في صوم الدهر من المشقة، لما في الصحيحين أنه قال لعبد الله بن عمرو «صم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر» قال الشيخ: مراده أن من فعل، هذا، حصل له أجر صيام الدهر، بتضعيف الأجر. ولمسلم «يصوم من كل شهر ثلاثة أيام» وللبخاري من حديث أبي هريرة «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر» الحديث. ولأبي داود، والنسائي وغيرهما «ثلاثة من كل شهر أول اثنين وخميسين» ولمسلم «ما يبالي من أي الشهر صام» فيحصل أصل السنة بصوم ثلاثة من أيام الشهر. (¬3) وهو قول أكثر أهل العلم، وحكاه الوزير اتفاقًا، وفي الإنصاف: بلا نزاع. ويشير بأن «البيض» صفة لمضاف محذوف، أقيم مقام موصوفها، وفي الإنصاف كغيره، ما يشير إلى أن الإضافة بيانية، وهي الليالي التي لياليهن مقمرة، وهي ليلة البدر، وما قبلها وما بعدها، خصت لتعميم لياليها بالنور المناسب للعبادة، والشكر على ذلك. (¬4) ورواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه وغيرهم، من طرق متعددة، وفي رواية «هو كصوم الدهر» وللنسائي بسند صحيح «صيام ثلاثة أيام من كل شهر، صيام الدهر، أيام البيض» وقيل: من داوم على صيامها، لم يعتل. لأن الفضلات تهيج في البدن في كل شهر، وهذه الليالي أشد، لقوة القمر، والصوم يذهب فضلات البدن، فمن صامها سلم.

وسميت بيضًا لبياض (*) لياليها كلها بالقمر (¬1) (و) يسن صوم (الاثنين والخميس) (¬2) لقوله صلى الله عليه وسلم «هما يومان تعرض فيهما الأَعمال، على رب العالمين, وأُحب أَن يعرض عملي وأنا صائم» رواه أحمد والنسائي (¬3) . ¬

_ (¬1) وهو قول أكثر أهل اللغة والحديث، وذكر أبو الحسين التميمي: أن الله تاب فيها على آدم، وبيض صحيفته. والثلاثة الأولى من الشهر تسمى: الغرر، والتي تليها النفل، والتي تليها التسع، والتي تليها العشر، والتي تليها البيض، والتي تليها الدرع، والتي تليها الظلم، والتي تليها الحنادس، والتي تليها الدآدي، والتي تليها المحاق، ونظمها بعضهم فقال: الشهر لياليه قسم ... فلكل ثلاث خص سُمُ منها غرر ونفل وتسع ... عشر بيض درع ظلم فحنادسها فدآدؤها ... فمحاق ثم فتختتم (¬2) بغير خلافة، «والاثنين» بهمزة الوصل، سمي بذلك لأنه ثاني الأسبوع، ولا يثنى، لأنه مثنى، وجمعه أثانين، «والخميس» لأنه خامس الأسبوع، وجمعه: أخمساء وأخمسة. (¬3) ولفظ أبي داود: وكان يصومهما فسئل عن ذلك، فقال: «إن أعمال الناس ـــــــــــ (*) وفي نسخة: لا بيضاض. تعرض يوم الاثنين، والخميس» ، وقال له رجل: أرأيت الاثنين؟، قال «فيه ولدت، وفيه أنزل علي القرآن» ، رواه مسلم. فينبغي تعظيمهما بصومهما، والتقرب إلى الله بالعبادة فيهما، شكرًا لله.

صيام ست من شوال مع رمضان كصيام الدهر

(و) صوم (ست من شوال) (¬1) لحديث «من صام رمضان، وأَتبعه بست من شوال، فكأنما صام الدهر» أخرجه مسلم (¬2) . ¬

_ (¬1) قال الموفق: بغير خلاف. وقال النووي وغيره: وكرهه مالك وغيره، وعللوه بأنه ربما ظن وجوبها، وهو باطل، في مقابلة السنة الصحيحة الصريحة، ولا تترك السنة لترك بعض الناس، أو أكثرهم أو كلهم لها، ويلزم ذلك في سائر أنواع الصوم وغيره، المرغب فيه، ولا قائل به. اهـ. وصائمها مع رمضان كأنما صام الدهر. وسمي «شوال» من: شالت الإبل بأذنابها للطراق، «وست» أصله «سدس» لأن تصغيره سديسة، وجمعها أسداس، وورد في الحديث الصحيح هكذا بغير تاء، والمراد الأيام لأن العرب تغلب في التأريخ الليالي على الأيام، ويحتمل أنه على حذف مضافين، التقدير: «وأتبعه بصيام أيام ست ليال» . (¬2) ورواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، من ثلاثة أوجه، حتى قيل إنه متواتر، وروى سعيد عن ثوبان مرفوعًا «من صام رمضان، شهر بعشرة، وصام ستة أيام بعد الفطر، وذلك سنة» يعني أن الحسنة بعشر أمثالها، فذلك سنة كاملة، كما جاء مفسرًا في رواية، سندها حسن «صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام من شوال بشهرين، فذلك صيام السنة» أي مثل صيامها، والمراد التشبيه في حصول العبادة به، على وجه لا مشقة فيه، وإنما كره صوم الدهر، لما فيه من الضعف، والتشبه بالتبتل، ولولا ذلك لكان فيه فضل عظيم، لاستغراق الزمان بالطاعة والعبادة.

أفضل شهر تطوع بصيامه بعد رمضان شهر الله المحرم

ويستحب تتابعها (¬1) وكونها عقب العيد، لما فيه من المسارعة إلى الخير (¬2) (و) صوم (شهر المحرم) (¬3) لحديث «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم» رواه مسلم (¬4) . ¬

_ (¬1) أي صوم ستة الأيام من شوال متتابعة، وهو ظاهر الخرقي وغيره، قال في الفروع: ويحصل فضلها متتابعة ومتفرقة، ذكره جماعة، وهو ظاهر كلام أحمد، وقال: في أول الشهر وآخره. واختاره الشيخ وغيره، لظاهر الخبر، وذكره قول الجمهور، وذكر بعض أهل العلم أنها تحصل الفضيلة بصومها في غير شوال، كما في خبر ثوبان، وغيره «وصام ستة أيام بعد الفطر» ولعل تقييده بشوال، لسهولة الصوم فيه لاعتياده. (¬2) واستحبه الشافعي وغيره، واستظهره في الفروع، وقال: ولعله مراد أحمد والأصحاب. قال الشيخ: وسمى بعض الناس الثامن عيد الأبرار، ولا يجوز اعتقاده عيدًا، فإنه ليس بعيد إجماعًا، ولا شعائره شعائر العيد. (¬3) وهو أفضل الصيام بعد شهر رمضان، وهو أول شهور العام، وسمي المحرم، لكونه شهرًا محرمًا، تصريحًا بفضله، وتأكيدًا لتحريمه، لأن العرب كانت تتقلب فيه، فتحله عامًا، وتحرمه عامًا. (¬4) من حديث أبي هريرة، ورواه أهل السنن وغيرهم، أي: أفضل شهر تطوع به كاملاً، بعد شهر رمضان، شهر الله المحرم، لأن بعض التطوع قد يكون أفضل من أيامه، كعرفة، وعشر ذي الحجة، فالتطوع المطلق، أفضله المحرم، كما أن أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يكثر فيه الصوم، إما لعذر، أو لم يعلم فضله إلا أخيرًا، وإضافته إلى الله تعالى تفخيمًا وتعظيمًا، كقولهم: بيت الله. قال بعض الفقهاء: وهو أفضل الأشهر، يعني بعد رمضان.

(وآكده العاشر، ثم التاسع) (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم «لئن بقيت إلى قابل لأَصومن التاسع والعاشر» احتج به أحمد (¬2) وقال: إن اشتبه عليه أول الشهر، صام ثلاثة ¬

_ (¬1) وعبارة غيره: وأفضله العاشر. وسمي عاشوراء، بالمد في الأشهر، وهو اسم إسلامي، لا يعرف في الجاهلية, وهو العاشر من المحرم، رواه الترمذي مرفوعًا وصححه، وأجمعوا على سنية صيام عاشوراء، وأنه ليس بواجب، وقال القاضي: حصل الإجماع على أنه ليس بفرض، وإنما هو مستحب، وعن أحمد: وجب ثم نسخ، اختاره الموفق، والشارح، والشيخ، وغيرهم، وفاقًا لأبي حنيفة، وبقي استحبابه إجماعًا، والأخبار فيه مستفيضة، أو متواترة. وسئل بن عباس عن صيامه فقال: ما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم، ولا شهرًا إلا هذا الشهر. يعني رمضان، رواه مسلم. (¬2) ورواه هو، والخلال, وغيرهما: بإسناد جيد عن ابن عباس، ولفظ مسلم عنه «لئن بقيت إلى عام المقبل، لأصومن التاسع» وفي رواية «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله، صمت اليوم التاسع» واستحب جمهور العلماء: الجمع بينهما، لأنه صلى الله عليه وسلم، صام العاشر، ونوى صيام التاسع، وهما أفضل الشهر، وقال بعض أهل العلم: لعل السبب في صوم التاسع مع العاشر، أن لا يتشبه باليهود. وفي الحديث إشارة إليه، ولأحمد بسند ضعيف «صوموا يومًا قبله، ويومًا بعده» والمذهب كراهة إفراده، قال الشيخ: وهو مقتضى كلام أحمد، وقول ابن عباس رضي الله عنهما، وقال في موضع: لا يكره إفراده بالصوم، مع مبالغته في مخالفة المشركين.

حديث «من وسع عليه عياله يوم عاشوراء» موضوع

أيام ليتيقن صومهما (¬1) وصوم عاشوراء كفارة سنة (¬2) ، ويسن فيه التوسعة على العيال (¬3) . ¬

_ (¬1) أي التاسع والعاشر، وليس من صوم الشك المنهي عنه في شيء، فإن صوم الشك المنهي عنه، في أول رمضان، ومتى شك في أول الشهر، فليعتبر القمر ليلة اثني عشر، فإن غاب مع الفجر فذاك، أو تقدم عليه بنحو عشر درج، فهو ليلة أحد عشر. (¬2) أي ماضية، للحديث الآتي، «إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» . (¬3) وسأل ابن منصور أحمد عنه فقال: نعم، رواه سفيان، عن ابن المنتشر – وكان أفضل أهل زمانه – أنه بلغه «من وسع على عياله يوم عاشوراء، وسع الله عليه سائر سنته» وقال أحمد، أيضًا: لا أصل له، وليس له إسناد ثابت. وقال الشيخ: موضوع، مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم. وقال – فيما نقل عن سفيان بن عيينة، أنه قال: جربناه منذ ستين عامًا، فوجدناه صحيحًا -: إنه لا حجة فيه، فإن الله أنعم عليه برزقه، وليس في إنعام الله بذلك أن سبب ذلك كان التوسيع يوم عاشوراء، وقد وسع الله على من هم أفضل الخلق من المهاجرين والأنصار، ولم يكونوا يقصدون أن يوسعوا على أهليهم يوم عاشوراء بخصوصه، وذكر أنه لا يتبع أحد في شيء، إلا أن يكون موافقًا لأمر الله ورسوله، وأن لا تعبد إلا بما شرع. وقال: ما يفعل من الكحل، والاغتسال، والحنا، والمصافحة، وطبخ الحبوب، وإظهار السرور، وغير ذلك، لم يرد في ذلك حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم، ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة، بل من البدع التي لم يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خلفاؤه، وإن كان يورد بعض أتباع الأئمة فيها آثارًا، ويقولون: إن بعض ذلك صحيح. فهم مخطئون، غالطون بلا ريب، عند أهل المعرفة بحقائق الأمور. وقال: وقوم يستحبون الاكتحال، والاغتسال، والتوسعة على العيال، واتخاذ أطعمة غير معتادة، وهو بدعة، وأصلها من المتعصبين بالباطل على الحسين رضي الله عنه، «وكل بدعة ضلالة» ولم يستحب ذلك أحد من الأئمة الأربعة، ولا غيرهم، ولا عند من استحب ذلك حجة شرعية، بل المستحب يوم عاشوراء الصيام، عند جمهور أهل العلم.

يسن صوم تسع ذي الحجة وآكدها التاسع لغير حاج

(و) صوم (تسع ذي الحجة) (¬1) لقوله عليه السلام «ما من أَيام العمل الصالح فيهن، أَحب إلى الله من هذه الأَيام العشر» قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل؟ قال «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء» رواه البخاري (¬2) . ¬

_ (¬1) أي ويسن صوم تسع ذي الحجة، وهو قول جمهور أهل العلم، وقال في الإنصاف: بلا نزاع. واتفقوا على فضلهن «وذي الحجة» - بكسر الحاء وتفتح – الشهر الثاني عشر من السنة، سمي بذلك لأن الحج فيه. (¬2) وأهل السنن وغيرهم، والمراد بالعشر ههنا: الأيام التسعة من أول ذي الحجة، وللنسائي وغيره: كان يصوم تسع ذي الحجة. وللبيهقي عن ابن عباس «صيام يوم منها يعدل صيام سنة» وفي لفظ «ما العمل الصالح في أيام، أفضل منه في هذه العشر» فدل على أن العمل في أيام العشر أفضل من العمل في غيرها، ومن العمل فيها صيامها، وفي رواية القاسم بن أبي أيوب «ما من عمل أزكى عند الله، ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر الأضحى» ، وأيام ذي الحجة أفضل الأيام، وليالي العشر أفضل الليالي، وقد يقال: مجموع عشر ذي الحجة، أفضل من مجموع العشر الأخير. قال الشيخ: وهو الأظهر. وهن الأيام المعلومات، في قول أكثر أهل العلم، وأكثر المفسرين في قوله {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} سميت بذلك للحرص على علمها بحسابها، من أجل وقت الحج في آخرها، وآخرهن يوم النحر، في قول أكثر أهل العلم، وإنما سميت التسع عشرًا من إطلاق الكل على الأكثر، لأن العاشر لا يصام، فإطلاق العشر تغليبًا، وفيه فضل الجهاد، ويأتي إن شاء الله تعالى، وقوله «إلا رجل» لأكثر رواه البخاري أي: إلا عمل رجل. وللمستملي «إلا من خرج بماله ونفسه، فلم يرجع من ذلك بشيء» أي فيكون من لم يرجع بشيء من ذلك أفضل من العامل في أيام العشر، أو مساويًا له، فدل على فضيلة أيام العشر على غيرها من السنة، وتخصيصها بهذه المزاياـ والعمل فيها لا ينحصر.

(و) آكده (يوم عرفة (¬1) لغير حاج بها) (¬2) . ¬

_ (¬1) إجماعًا، وهو التاسع، سمي بذلك للوقوف بعرفة، وتعارفهم فيها، أو لأن جبرئيل حج بالخليل، فلما أتى عرفة قال: قد عرفت. وقيل: لتعارف آدم وحواء بها. وغير ذلك. (¬2) أي فلا يستحب للحاج أن يصوم يوم عرفة بعرفة، وفاقًا لمالك والشافعي، وجمهور أهل العلم، وهو قول الصديق، والفاروق، وذي النورين، وغيرهم، وعن أبي هريرة مرفوعًا «نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة» رواه أبو داود، ولفطره بها صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس، متفق عليه، وفي خبر ابن عمر: أنه حج مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلم يصمه أحد منهم. وليتقوى على العبادة، والدعاء، في ذلك اليوم، وكرهه جماعة، وقال الشيخ: لأنه يوم عيد. ويشهد له ما رواه عقبة بن عامر مرفوعًا «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل، وشرب، وذكر لله» رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي، قال المجد وغيره: والمراد إلا المتمتع والقارن عدما الهدي، فيستحب أن يجعل آخر صيام الثلاثة يوم عرفة ويأتي.

إذا كفرت الصلاة ذنوب العبد فماذا تكفر الجمعات ورمضان.... إلخ

وهو كفارة سنتين (¬1) لحديث «صيام يوم عرفة أَحتسب على الله أَن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده» (¬2) وقال في صيام عاشوراء «إني أَحتسب على الله أَن يكفر السنة التي قبله» رواه مسلم (¬3) . ¬

_ (¬1) أي صوم يوم عرفة يكفر سنتين، الماضية، والآتية، لفضله وشرفه. (¬2) أي قبل وقوع المكفر، أو يلطف به بسبب صيامه، فلا يأتي بذنب، أو يوفق لما يكفره، وجعل على الضعف من عاشوراء، فقيل: لأن يوم عرفة محمدي، وعاشوراء موسوي، وأعمالنا على الضعف، ولو رأى أهل بلد هلال ذي الحجة، ولم يثبت عند الحاكم، فقال الشيخ: لهم أن يصوموا اليوم الذي هو التاسع ظاهرًا، وإن كان في الباطن العاشر، لحديث «صومكم يوم تصومون» الحديث وتقدم، وقال: وصوم اليوم الذي يشك فيه هل هو التاسع أو العاشر، جائز بلا نزاع، لأن الأصل عدم العاشر، كليلة الثلاثين من رمضان. (¬3) من حديث أبي قتادة، مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتقدم الإجماع على سنيته، ولو قال قائل: إذا كفرت الصلاة، فماذا تكفير الجمعات، ورمضان، وعاشوراء، وعرفة، ونحو ذلك؟ قيل: كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة، ولا كبيرة، كتبت به حسنات، ورفعت به درجات، وإن صادف كبيرة، أو كبائر، ولم يصادف صغيرة، رجونا أن يخفف من الكبائر، وقال النووي وغيره: المراد الصغائر للآية، فإن لم تكن رجي التخفيف من الكبائر، فإن لم تكن، رفعت له به درجات. وقيل: إطلاق القول أنه يكفر، لا يوجب أن يكفر الكبائر بلا توبة لقوله إذا اجتنبت الكبائر ويأتي قول الشيخ: إن إطلاق التكفير بالعمرة، متناول الكبائر، فكذا هو الخبر ونحوه.

أفضل صوم التطوع صوم يوم وفطر يوم إذا لم يضعف البدن

ويلي يوم عرفة في الآكدية يوم التروية، وهو اليوم الثامن (¬1) (وأَفضله) أَي أَفضل صوم التطوع (صوم يوم، وفطر يوم) (¬2) لأمره عليه السلام عبد الله بن عمرو وقال «هو أفضل الصيام» متفق عليه (¬3) . ¬

_ (¬1) لحديث «صوم يوم التروية كفارة سنة» رواه أبو الشيخ، وابن النجار، عن ابن عباس مرفوعًا، وسمي ثامن عشر ذي الحجة يوم التروية، لكون الحاج يتروون الماء من مكة ويأتي. (¬2) أي أفضل الصيام صوم يوم بين يومين، والزيادة عليه مفضولة. (¬3) ولفظه «صم يومًا، وأفطر يومًا، فذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام» فقال إني أطيق أفضل من ذلك؛ فقال «لا أفضل من ذلك» وقال «لا صام من صام الأبد» مرتين وقال «لا صام ولا فطر» ونهى من يسرد الصوم، وقال «لا صوم فوق صوم داود» رفقًا بأمته، وشفقة عليهم. وإرشادًا لهم إلى مصالحهم، وحثًا لهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيًا لهم عن التعمق، والإكثار من العبادات التي يخاف عليهم الملل بسببها، أو تركها، أو ترك بعضها، كما قال «عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وأحب العمل إلى الله ما داوم صاحبه عليه» وقال تعالى في أهل الرهبانية {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} . وقال ابن مسعود – لما قيل له: إنك تقل الصيام. قال -: إني أخاف أن تضعف نفسي عن القراءة، والقرآن أحب إلي من الصيام، وقال عليه الصلاة والسلام «إن لنفسك عليك حقًا» الحديث، ويحرم صيام الدهر إن أدخل فيه العيدين، وأيام التشريق، وإن أفطرها جاز، نص عليه، واختاره المجد وغيره؛ وفاقًا لمالك، والشافعي، وذكر مالك أنه يسمع أهل العلم يقولونه، لقول حمزة بن عمرو: يا رسول الله إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ قال «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» متفق عليه، ولأن أبا طلحة وغيره من الصحابة وغيرهم فعلوه، ولأن الصيام أمر مطلوب للشارع، إلا ما استثناه، وأجابوا عن حديث ابن عمرو: أنه خشية عليه، حتى تمنى أنه قبل الرخصة، ولا يبعد لو أن شخصًا لا يفوته من الأعمال الصالحة شيء بالصيام أصلاً، ولا يصوم يومي العيدين، وأيام التشريق، ولا يفوته حق من الحقوق التي خوطب بها، أن يكون أفضل في حقه، وظاهر مجموع النصوص أنه يختلف باختلاف الأحوال.

وشرطه أن لا يضعف البدن، حتى يعجز عما هو أفضل من الصيام، كالقيام بحقوق الله تعالى، وحقوق عباده اللازمة (¬1) وإلا فتركه أفضل (¬2) . ¬

_ (¬1) أي شرط فضيلة صوم يوم، وفطر يوم، أن لا يضعف عما هو أفضل منه، واجبًا كان أو سنة، فإن تقديم المفضول على الفاضل لا يحسن إلا في أشياء معدودة، وفي بعض الأوقات، أو الحالات. (¬2) أي وإن كان يضعف البدن، حتى يعجز عما هو أفضل منه، فترك ذلك أفضل، اختاره الشيخ وغيره وقال: الصواب قول من جعله تركًا للأولى، أو كرهه، ولهذا أشار الشارع إلى ذلك، فإن من حق النفس اللطف بها، حتى توصل صاحبها إلى المنزل، ويحرم إذا دخل فيه يوما العيد، وأيام التشريق.

كل حديث يروى في فضل صوم رجب أو الصلاة فيه فكذب

(ويكره إفراد رجب) بالصوم (¬1) لأَن فيه إحياء لشعار الجاهلية (¬2) فإن أَفطر منه، أَو صام معه غيره، زالت الكراهة (¬3) . ¬

_ (¬1) قال أحمد: من كان يصوم السنة صامه، وإلا فلا يصمه متواليًا، بل يفطر فيه، ولا يشبهه برمضان. وروى ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعًا «نهى عن صيام رجب» قال الشيخ: وكراهية إفراد رجب، وكذا الجمعة بصوم، سدًا للذريعة اتخاذ شرع لم يأذن به الله، من تخصيص زمان، أو مكان لم يخصه الله به، كما وقع من أهل الكتاب، وسمي رجبًا من الترجيب، وهو التعظيم، لأن العرب كانت تعظمه في الجاهلية، ولا تستحل فيه القتال، ويقال له: رجب مضر. لأنهم كانوا أشد تعظيمًا له، وهو الشهر الفرد من الأشهر الحرم، وقيل: هو أفضلها، وله فضل على غيره من الأشهر التي ليست بحرم، وقيل: المحرم؛ وقيل: ذو الحجة؛ واختاره ابن رجب، وليس رجب أفضل الشهور عند الله، بل شهر رمضان أفضل منه إجماعًا، وقال الشيح: يكفر من فضل رجب على رمضان. (¬2) يعني بتعظيمه، ولأحمد عن خرشة بن الحر، قال: رأيت عمر يضرب أكف المترجبين، حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كلوا، فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية. وله عن ابن عمر، أنه إذا رأى الناس، وما يعدونه لرجب كرهه، وقال: صوموا منه وأفطروا. وثبت عنه أنه كان يضرب فيه، ويقول: كلوا، إنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية. وقال الشيخ: وكل حديث يروى في فضل صومه، أو الصلاة فيه، فكذب باتفاق أهل العلم بالحديث. وقال: من صامه يعتقد أنه أفضل من غيره من الأشهر، أثم وعزر، وحمل عليه قول عمر. (¬3) أي أفطر من رجب بعضه، أو صام شهرًا آخر معه، - قال المجد: وإن لم يله – زالت كراهة صومه. وقال الشيخ: من نذر صومه كل سنة، أفطر بعضه وقضاه. ولا يكره إفراد شهر بالصوم غير شهر رجب، قال في المبدع: اتفاقًا؛ وقال المجد: لا نعلم فيه خلافًا؛ للأخبار، منها أنه كان يصوم شعبان ورمضان، ولم يداوم إلا على رمضان، ولم يستحب الأكثر صيام شعبان، ولم يستكمل غيره، كما ثبت عن عائشة، وغيرها، وقال: «ترفع فيه أعمال الناس، فأحب أن لا يرفع عملي إلا وأنا صائم» وسنده صحيح، وصومه كالراتبة مع الفرائض.

ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة وحديث «لا تصوموا يوم السبت» شاذ أو منسوخ

(و) كره إفراد يوم (الجمعة) (¬1) لقوله عليه السلام «لا تصوموا يوم الجمعة، إلا وقبله يوم، أو بعده يوم» متفق عليه (¬2) . ¬

_ (¬1) يعني إفراد صومه وفاقًا، إلا ما روي عن مالك، وقال النووي: السنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة، فيتعين القول به، ومالك معذور، فإنه لم يبلغه، قال الداودي: لم يبلغ هذا الحديث مالكًا، ولو بلغه لم يخالفه. وفي الإنصاف: لا خلاف في كراهة إفراد الجمعة. وقال الشيخ: لا يجوز. اهـ. فإن صام الجمعة والسبت لم يكره، لحديث أبي هريرة، ويكره إفراد قيام ليلتها، باتفاق أهل العلم، حكاه النووي وغيره، وقلما كان صلى الله عليه وسلم يفطر يوم الجمعة، واستحب قوم صيامه وقبله يوم، أو بعده يوم، وإن لم يقصده بعينه، وكان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، فإنه يصومه دون ما قبله، وما بعده، لكن في جملة أيام، أو أراد أن يصوم يوم عرفة، أو يوم عاشوراء، فكان ذلك يوم جمعة ونحوه لم يكره، قال الوزير: اتفقوا على كراهته إلا أن يوافق عادة. (¬2) ولمسلم «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بيان الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصوم من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» وعن جابر مرفوعًا: نهى أن يفرد بصوم. ودخل على جويرية وهي صائمة، فقال لها «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال «أتصومين غدًا؟» قالت: لا. قال «فأفطري» رواهما البخاري، قال النووي وغيره: والحكمة أنه يوم دعاء، وذكر، وعبادة، فاستحب الفطر فيه، ليكون أعون عليها، ولأنه عيد الأسبوع.

(و) كره إفراد يوم (السبت) (¬1) لحديث «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم» رواه أحمد (¬2) . ¬

_ (¬1) يعني بصوم، ما لم يوافق عادة، أو يصمه عن قضاء، أو نذر، أو نحوه، مأخوذ من «السبت» وهو القطع، والسبت الراحة، سمي بذلك لانتهاء العدد عنده، وكانت العرب تسمي الأيام «أول» ثم «أهون» ثم «جبار» ثم «دبار» ثم «مؤنس» ثم «العروبة» ثم «شيار» . (¬2) ورواه الترمذي وحسنه، والحاكم، وقال النووي: صححه الأئمة. ولأن اليهود تعظمه، وتخصه بالإمساك، وهو ترك العمل فيه، فيصير صومه تشبهًا بهم، وتخصيصه أيضًا بالإمساك عن الاشتغال والكسب، من عادتهم، فيشبه تعظيمهم ولو بالفطر، ومن ثم كره إفراد الأحد إلا لسبب، لأن النصارى تعظمه، بخلاف ما لو جمعهما بالصوم. وقال الشيخ: حديث «لا تصوموا يوم السبت» شاذ، أو منسوخ، واختار هو وغيره أنه لا يكره صوم يوم السبت منفردًا، وأنه قول أكثر العلماء، وحملوا الحديث على الشذوذ، أو أنه منسوخ. وقال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت، أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بشر، منها حديث أم سلمة: أنه كان يصوم السبت والأحد، ويقول «هما عيدان للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم» وإسناده جيد، وصححه جماعة، فإن صام معه غيره لم يكره إجماعًا، لهذا الخبر، وخبر جويرية، وغيرهما، وسبب تعظيم اليهود يوم السبت لما كان تمام الخلق فيه، ظنت أن ذلك يوجب فضيلة، وعظمت النصارى يوم الأحد لما كان بدء الخلق فيه، بحكم عقولهم، وهدى الله هذه الأمة المحمدية، فعظمت ما عظمه الله.

كره صوم يوم النيروز والمهرجان وكل عيد للكفار

وكره صوم يوم النيروز والمهرجان (¬1) وكل عيد للكفار، أو يوم يفردونه بالتعظيم (¬2) . ¬

_ (¬1) لئلا يوافق الكفار في تعظيمهما، وقاله الشيخ وغيره، لأن العادة لها أثر في ذلك «والمهرجان» معرب «مهركان» «ونيروز» اليوم الجديد، تحل فيه الشمس برج الحمل «والمهرجان» أول حلولها الميزان، وهو أول السنة القبطية، وهو وقت الاعتدال الخريفي، «والنيروز» وقت الاعتدال الربيعي، أول يوم تنتهي فيه الشمس إلى أول برج الحمل، وقيل الرابع منه، وقيل التاسع عشر منه، وهما عيدان للكفار، فيكره صومهما، لما فيه من موافقة الكفار في تعظيمهما، وقال عبد الله بن عمر: من صنع ببلاد الأعاجم نيروزهم، ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت، حشر معهم. (¬2) قال الشيخ وغيره؛ ما لم يوافق عادة، أو يصمه عن نذر ونحوه؛ قال: وكذلك يوم الخميس الذي يكون في آخر صومهم يوم عيد المائدة، ويوم الأحد يسمونه يوم عيد الفِصْح، وعيد النور، والعيد الكبير، ونحو ذلك، ليس للمسلم أن يشابههم في أصله ولا في وصفه. وقال: لا يحل للمسلمين يتشبهون بهم في شيء مما يختص بأعيادهم، لا من طعام، ولا لباس، ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران، ولا تبطيل عادة، من معيشة، أو عبادة، أو غير ذلك، ولا يحل فعل وليمة، ولا الإهداء، ولا الصنع بما يستعان به على ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب التي في الأعياد، ولا إظهار زينة، وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام، لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم، وتخصيصه بما تقدم، لا نزاع بين العلماء في كفر من يفعل هذه الأمور، لما فيها من تعظيم شعائر الكفر. وقد اشترط عمر، والصحابة، وسائر أئمة المسلمين أن لا يظهروا أعيادهم في ديار المسلمين، فكيف إذا أظهرها المسلمون، قال عمر: لا تتعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم، يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم. وإذا كان كذلك فكيف بمن يفعل ما يسخط الله به عليهم، مما هو من شعائر دينهم، قال غير واحد من السلف – في قوله تعالى {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} قالوا -: أعياد الكفار. وفي المسند والسنن «من تشبه بقوم فهو منهم» «ليس منا من تشبه بغيرنا» وإن كان في العادة، فكيف بما هو أبلغ من ذلك.

(و) يوم (الشك) (¬1) وهو يوم الثلاثين من شعبان، إذا لم يكن غيم ولا نحوه (¬2) لقول عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود، ¬

_ (¬1) أي ويكره صوم يوم الشك تطوعًا، نص عليه، وجزم به الأصحاب، وقال الترمذي: هو قول أكثر أهل العلم. وتقدم، وكذا تقدم كراهة استقبال رمضان بيوم أو يومين، في قول عامة أهل العلم، وظاهر نص أحمد التحريم، وكذا تقدمه بيوم أو يومين، أولى عنده بالتحريم، لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه. (¬2) الأولى: وهو اليوم الذي يلي التاسع والعشرين من شعبان، لأنه اليوم الذي يشك فيه، هل هو من شعبان، أو من رمضان؟ إذا كان صحوًا، فإن كان غيم، أو قتر، فعندهم لا يكره، بل عندهم يجب صيامه، وليس مقصورًا على الكراهية فحسب، كما تقدم في أوائل كتب الصيام، وإن وافق عادة فلا يكره وفاقًا، أو كان موصولاً بصيام أيام قبله لم يكره، لخبر أبي هريرة «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه» أو يكون قضاء، أو نذرًا أو كفارة، فيصومه لوجوبه.

يكره الوصال وقيل يحرم ويحرم صوم العيدين

والترمذي وصححه البخاري تعليقًا (¬1) ويكره الوصال، وهو أَن لا يفطر بين اليومين أو الأيام (¬2) ولا يكره إلى السحر (¬3) وتركه أولى (¬4) (ويحرم صوم) يومي (العيدين) إجماعًا (¬5) للنهي المتفق عليه (¬6) . ¬

_ (¬1) المعلق – في اصطلاح المحدثين – هو ما كان سقوطه من مبادئ السند، سواء كان واحدًا، أو أكثر، والمراد: من صام اليوم الذي يشك فيه، هل هو من رمضان، أو من شعبان؟ كأن يحول بينهم وبينه قتر ونحوه، ويتحدث الناس برؤيته، ولم تثبت رؤيته؛ فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. قال الشيخ: وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره، فإن المشكوك في وجوبه لا يجب فعله ولا يستحب، بل يستحب تركه احتياطًا، وتقدم. (¬2) في قول أكثر أهل العلم، لحديث ابن عمر: واصل النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، فواصل الناس، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل. قال: «إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقى» متفق عليه، ولم يحرم، لأن النهي وقع رفقًا ورحمة، وقيل: يحرم. حكاه ابن عبد البر عن الأئمة الثلاثة وغيرهم، ولا يبطل الصوم، قال المجد: بلا خلاف. (¬3) لحديث أبي سعيد مرفوعًا «فأيكم أراد أن يواصل، فليواصل إلى السحر» رواه البخاري وغيره. (¬4) أي ترك الوصال إلى السحر أولى، للنهي عنه، وللمحافظة على الإتيان بالسنة، وهو تعجيل الفطر. (¬5) حكاه جماعة ممن يحكي الإجماع، منهم ابن المنذر، والنووي. (¬6) من حديث أبي سعيد «نهى عن صيام يومين، يوم الفطر، ويوم النحر» وفي لفظ للبخاري «لا صوم في يومين» ولمسلم «لا يصح الصوم في يومين» وفيهما أيضًا عن أبي عبيد قال: شهدت العيد مع عمر رضي الله عنه، فصلى، ثم انصرف، فخطب الناس، فقال: إن هذين يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما، يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم.

حكم صيام أيام التشريق

(ولو في فرض (¬1) و) يحرم (صيام أيام التشريق) (¬2) لقوله صلى الله عليه وسلم «أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله» رواه مسلم (¬3) . ¬

_ (¬1) حكاه الوزير وغيره إجماعًا، إلا ما روي عن أبي حنيفة من الإجزاء عن النذر، فإن قصد صيامهما كان عاصيًا إجماعًا، لقصده ارتكاب ما نهى الشارع عنه، ولم يجزئه عن فرض، وهو مذهب مالك، والشافعي، لارتكابه النهي المقتضي للفساد، وهو لا يجامع الإجزاء، وحكم التطوع كذلك، أما عيد الفطر فحرم تمييزًا لوقت العبادة عن غيره، لئلا يكون ذريعة إلى الزيادة في الواجب، كما فعلت النصارى، وأكده بتعجيل الفطر، وتأخير السحور، واستحباب تعجيل الفطر يوم العيد قبل الصلاة، وعيد النحر للأكل من النسك المتقرب بذبحه، ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى، فعبر عن علة التحريم بقوله «تأكلون فيه من نسككم» وهو يستلزم النحر، ولما في صومهما من الإعراض عن ضيافة الله تعالى لعباده. (¬2) تطوعًا، وقال الوزير: أجمعوا على كراهة صيام أيام التشريق، ومن قصده نقلاً فقد عصى الله ورسوله، إلا أبا حنيفة فقال: ينعقد مع الكراهة. (¬3) من حديث نبيشة الهذلي، وأعقبها بالذكر، لئلا يستغرق العبد حظوظ نفسه، وينسى حق الله عليه، ولأحمد نحوه من حديث أبي هريرة، وسعد، قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن أنادي أيام منى إنها أيام أكل، وشرب، ولا صوم فيها» وروى الشافعي وأحمد النهي من حديث علي بإسناد جيد، وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم خمسة أيام في السنة، يوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق؛ رواه الدارقطني وغيره، وحكي أنه متواتر، ولعل من صامها، أو رخص في صيامها، لم يبلغه النهي، قال المجد: أو تأوله على إفرادها كيوم الشك، وسميت أيام التشريق، لتشريق الناس لحوم الأضاحي فيها، وهو تقديرها، ونشرها في الشمس، ويقال لها الأيام المعدودات.

من دخل في فرض موسع حرم قطعه، ويكره لنفل إلا الحج والعمرة فيجب إتمامهما

(إلا عن دم متعة وقران) فيصح صوم أيام التشريق لمن عدم الهدي (¬1) لقول ابن عمر وعائشة: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي. رواه البخاري (¬2) (ومن دخل في فرض موسع) من صوم أَو غيره (حرم قطعه) كالمضيق (¬3) . ¬

_ (¬1) فيصوم الثلاثة فيها إذا لم يصمها قبل، وحكي عن مالك في البدل عن دم المتعة فقط. (¬2) أي لم يجد هديًا، ولم يصم قبل أيام التشريق، «ويرخص، ويُصَمْنَ» بالبناء للمفعول، أي لم يرخص صلى الله عليه وسلم، فيصوم الثلاثة فيها إذا لم يصمها قبل، رخصة لمن كان متمتعًا أو قارنًا أو محصرًا، لإطلاق الحديث، وعموم الآية، وهو مذهب مالك، والشافعي في القديم، وعن أحمد: لا يجوز. وحكي اتفاقًا، لخبر «هي أيام أكل وشرب» وهذا الحديث يدل على الجواز، فإن حمل المطلق على المقيد واجب، وكذا بناء العام على الخاص، وأخرج الدارقطني والطحاوي بلفظ: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق. وإن كان فيه مقال، فأصله متفق على صحته، والقول به أقوى، فيصح صوم أيام التشريق لمن عدم الهدي، إذا لم يصمها قبل. (¬3) بغير خلاف، وذلك كقضاء رمضان، ومكتوبة في أول وقتها، ونذر مطلق، وكفارة، أو فرض كفاية، كصلاة جنازة.

فيحرم خروجه من الفرض بلا عذر (¬1) لأَن الخروج من عهدة الواجب متعين (¬2) ودخلت التوسعة في وقته رفقًا، ومظنة للحاجة (¬3) فإذا شرع تعينت المصلحة في إتمامه (¬4) (ولا يلزم) الإتمام (في النفل) من صوم، وصلاة، ووضوء، وغيرها (¬5) . لقول عائشة: يا رسول الله أُهدي لنا حيس؛ فقال: «أَرنيه، فلقد أصبحت صائمًا» فأَكل. رواه مسلم وغيره (¬6) . ¬

_ (¬1) قال المجد وغيره: لا نعلم فيه خلافًا. وقال في الفروع: من دخل في واجب موسع، كقضاء رمضان، والمكتوبة أول وقتها، وغير ذلك، كنذر مطلق، وكفارة – إن قلنا: يجوز تأخيرها – حرم خروجه منها بلا عذر وفاقًا. قال الشيخ: وإن شرعت في قضاء رمضان وجب عليها إتمامه، ولم يكن لزوجها تفطيرها، وإن أمرها أن تؤخره كان حسنًا، لحقه عليها. (¬2) فحرم قطعه بلا عذر، ولو خالف وخرج فلا شيء عليه. (¬3) قاله المجد وغيره، وذلك ما لم يشرع فيه. (¬4) ذكره الناظم، ويسن إتمامه خروجًا من الخلاف، ولأن به تكمل العبادة، وذلك مطلوب، وقد يجب قطع الفرض لرد معصوم عن هلكة، وإنقاذ غريق ونحوه، ولهرب غريم، وله قلبها نفلاً وتقدم. (¬5) وهو مذهب الشافعي، بل يستحب إتمامه خروجًا من خلاف من أوجبه، ولعموم قوله {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} وفي المبدع: ولا يلزم في الصدقة، والقراءة، والأذكار، بالشروع فيها وفاقًا، ولا يقضي من أفطر لعذر لا صنع له فيه إجماعًا. (¬6) فرواه الخمسة وغيرهم. والحيس – بفتح الحاء المهملة، وسكون الياء – تمر، مخلوط بسمن وأقط.

وزاد النسائي بإسناد جيد «إنما مثل صوم التطوع، مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها» (¬1) وكره خروجه منه بلا عذر (¬2) (ولا قضاءُ فاسده) أي لا يلزم قضاءُ ما فسد من النفل (¬3) (إلا الحج) والعمرة، فيجب إتمامهما (¬4) لانعقاد الإحرام لازمًا (¬5) . ¬

_ (¬1) وفي لفظ: قال طلحة: فحدثت مجاهدًا بهذا الحديث، فقال: تلك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها. وفي لفظ قال «إنما منزلة من صام في غير رمضان – أو في التطوع – بمنزلة رجل أخرج صدقة من ماله، فجاد منها بما شاء فأمضاه» قال الموفق وغيره: لو نوى الصدقة بمال مقدر، وشرع في الصدقة، فأخرج بعضه، لم يلزمه الصدقة بباقيه إجماعًا، وكذا القراءة، والأذكار بلا نزاع، ولأحمد عن أم هانئ، أنه صلى الله عليه وسلم قال لها «إن شئت فاقضي، وإن شئت فلا تقضي» . (¬2) لما روى أبو داود عن عائشة، قالت أهدي لحفصة طعام، وكنا صائمتين فأفطرنا، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أهدي لنا هدية واشتهيناها فأفطرنا؛ فقال «لا عليكما» أي لا بأس عليكما، أو لا حرج، ويسن إتمام التطوع، خروجًا من الخلاف. (¬3) نص عليه، لأن القضاء يتبع المقضي عنه، فإن لم يكن واجبًا لم يكن القضاء واجبًا بل يسن، لهذا الخبر، وقصة أم هانئ، وخروجًا من الخلاف، والخروج من الخلاف مستحب، بلا خلاف. (¬4) وفاقًا، وسيأتي إن شاء الله تعالى. (¬5) لظاهر آية الاحصار، ولأن نفله كفرضه في الكفارة إجماعًا، ولعدم الخروج منهما بالمحظورات.

ترجى ليلة القدر في العشر الأخير وهي أفضل الليالي

فإن أفسدهما أو فسدا، لزمه القضاء (¬1) (وترجى ليلة القدر في العشر الأَخير) من رمضان (¬2) لقوله صلى الله عليه وسلم «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» متفق عليه (¬3) . وفي الصحيحين «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه» (¬4) . ¬

_ (¬1) أي إن أفسد الحج أو العمرة، أو فسد الحج أو العمرة، لزمه القضاء وفاقًا، قاله في الفروع وغيره، وقال المجد وغيره: بغير خلاف نعلمه. (¬2) هذه الصحيح من المذهب، وقول جمهور العلماء، من الصحابة وغيرهم، ومذهب مالك، والشافعي، وأكثر الأحاديث الصحاح تدل عليه، وعلى هذا لو نذر الاعتكاف، أو الطلاق في ليلة القدر، لزمه اعتكاف العشر كلها، ووقع الطلاق في آخر ليلة منها، هذا إن صدر قبل مضي شيء منها، فإذا نذر أو علق بعد أن مضى ليلة، لم تطلق إلا بمضي العشر كلها من العام الآتي، ولم يف بالنذر إلا باعتكاف ما بقي، مع عشر الآتي أيضًا، وليلة القدر في رمضان وفاقًا، فتطلب فيه، لشرفها وعظمها، وبركتها، صرح به الموفق وغيره. (¬3) من حديث عائشة، أي اطلبوها في العشر الأواخر، ولهما من حديث أبي سعيد «قيل لي: إنها في العشر الأواخر» قال ابن عباس: دعا عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر «من كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر» ولمسلم قال «التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلب على السبع البواقي» . (¬4) أخرجاه من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من قام ليلة القدر» بالتهجد فيها، والصلاة، والذكر والدعاء، والفكر، وهذا صيغة ترغيب، وندب، دون إيجاب، وأجمعت الأمة على استحبابه، ويحصل بمطلق ما يصدق عليه القيام «إيمانًا» تصديقًا بأنه حق، قصد فضيلته «واحتسابًا» لثوابها عند الله وحده، لا يريد رؤية الناس، ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص «غفر له ما تقدم من ذنبه» .

زاد أحمد «وما تأخر» (¬1) وسميت بذلك لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة (¬2) أو لعظم قدرها عند الله (¬3) أو لأن للطاعات فيها قدرًا عظيمًا (¬4) وهي أفضل الليالي (¬5) . ¬

_ (¬1) أي من ذنبه، وله من عبادة «من قامها ابتغاءها، ثم وقعت له، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» وللنسائي من حديث قتيبة «غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» ، قال الحافظ: وإسناده على شرط الصحيح، وقيامها يكفر الذنوب لمن وافقت له، شعر بها أو لم يشعر. (¬2) أي لما تكتبه فيها الملائكة من الأقدار، والأرزاق، والآجال، وما يكون في تلك السنة، إلى مثلها من السنة المقبلة، لقوله تعالى {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} وهو قول أكثر المفسرين، والمراد التقدير الخاص، لا التقدير العام، فإنه متقدم على خلق السموات والأرض، كما صحت به الأخبار. (¬3) وشرفها، فهي شريفة معظمة. (¬4) يضاعف فيها الثواب، فسميت به. (¬5) إجماعًا، ذكره الخطابي وغيره، لقوله تعالى {خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} أي قيامها، والعمل فيها، خير من العمل في ألف شهر خالية منها، وتقدم أن من قامها غفر له، ولأحمد من حديث أبي هريرة «فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم» وأفضل الأيام يوم الجمعة، قال الشيخ: أفضل أيام الأسبوع يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وأفضل أيام العام يوم النحر، كما في الحديث «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر» رواه أبو داود. قال ابن القيم: وغير هذا الجواب لا يسلم صاحبه من الاعتراض الذي لا حيلة له في دفعه. اهـ. وقيل: أفضل الأيام يوم عرفة.

وهي باقية، لم ترفع للأخبار (¬1) (وأوتاره آكد) (¬2) لقوله عليه السلام «اطلبوها في العشر الأواخر، في ثلاث بقين، أو سبع بين، أو تسع بقين» (¬3) . ¬

_ (¬1) المتواترة بطلبها وقيامها، ونقل جمع من أهل المذاهب أنها خاصة بهذه الأمة، ولم تكن في الأمم قبلهم، وأمارتها ما في حديث أبي وغيره: أن الشمس تطلع في صبيحتها كالطشت، وهذا أشهر علاماتها، ولأحمد عن عبادة: إنها صافية، بالجة، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة ساجية، ولا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى يصبح، وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية، ليس فيها شعاع، مثل القمر ليلة البدر، لا يحل لشيطان أن يخرج معها حينئذ، قال الشيخ: وقد يكشف الله لبعض الناس في المنام، أو اليقظة، فيرى أنوارها، أو يرى من يقول له: هذه ليلة القدر، وقد يفتح الله على قلبه من المشاهدة ما يتبين به الأمر. (¬2) أي أوتار العشر الأخير من رمضان، آكد من الشفع، وأبلغ من بقية ليالي الشهر، وهو مذهب جمهور العلماء، وهي الحادية، والثالثة، والخامسة، والسابعة، والتاسعة والعشرون. (¬3) صححه الترمذي، ونحوه في الصحيحين، وفي الصحيح «فالتمسوها في العشر الأواخر، في الوتر منها» قال الشيخ: فعلى هذا إن كان الشهر تامًا فكل ليلة من العشر وتر، إما باعتبار الماضي، كإحدى وعشرين، وإما باعتبار الباقي كالثانية، وإن كان ناقصًا فالأوتار باعتبار الباقي، موافقة لها باعتبار الماضي، وإذا كان الأمر هكذا، فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأخير جميعه، كما قال صلى الله عليه وسلم «تحروها في العشر الأواخر» وتكون في السبع الأواخر أكثر.

(وليلة سبع وعشرين أبلغ) أي أرجاها (¬1) لقول ابن عباس وأبي بن كعب وغيرهما (¬2) وحكمة إخفائها ليجتهدوا في طلبها (¬3) (ويدعو فيها) لأن الدعاء مستجاب فيها (¬4) (بما ورد) عن عائشة، قالت: يا رسول الله إن وافقتها فبم أدعو؟ قال «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعف عني» (¬5) . ¬

_ (¬1) أي أكثر، وأشد رجاء يقال: ثناء أبلغ. أي مبالغ فيه «وأرجى» بغير همز، وكلاهما أفعل تفضيل. (¬2) كزر بن حبيش، وكان أبي بن كعب يحلف أنها ليلة سبع وعشرين، فقيل له: بأي شيء علمت ذلك؟ قال: بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الشمس تطلع في صبيحتها كالطشت. وللترمذي عنه وصححه: إنها في ليلة سبع وعشرين، ولكن كره أن يخبركم فتتكلوا، ولأبي داود عن معاوية مرفوعًا «ليلة القدر ليلة سبع وعشرين» . (¬3) ويجدوا في العبادة، طمعًا في إدراكها، بإحياء جميع ليالي العشر، كما أخفي ساعة الإجابة يوم الجمعة، واسم الله الأعظم، وغير ذلك. (¬4) والاستغفار، والتوبة، لشرفها. (¬5) أي تجاوز عني، فلا تؤاخذني بجرمي، واستر على ذنبي، واكفني عذابك، واصرف عن عقابك.

رواه أحمد وابن ماجه، وللترمذي معناه وصححه (¬1) ومعنى العفو: الترك (¬2) وللنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا «سلوا الله العفو والعافية، والمعافاة الدائمة، فما أُوتي أحد بعد يقين خيرًا من معافاة» (¬3) فالشر الماضي يزول بالعفو، والحاضر بالعافية، والمستقبل بالمعافاة، لتضمنها دوام العافية (¬4) . ¬

_ (¬1) ولفظه عنها: أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ أي من الدعاء، قال «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعف عني» ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. (¬2) وترك الشيء ودعه، وفي القاموس: العفو عفو الله عن خلقه، والصفح، وترك عقوبة المستحق. اهـ. وزنه فعول، من «العفو» وهو بناء المبالغة، والعفو الصفح عن الذنوب، وترك مجازاة المسيء، والمحو، من «عفت الريح الأثر» إذا درسته، فكأن العافي عن الذنب يمحوه بصفحه عنه. (¬3) ففيه مشروعية سؤال العفو والعافية، والمعافاة الدائمة، كل وقت، فما يتحرى فيه ليلة القدر آكد لشرفها. (¬4) فهو من أجمع الدعاء، وينبغي الإكثار فيها من الدعاء والاستغفار، لأن الدعاء فيها مستجاب، ويذكر حاجته في دعائه الذي يدعو به تلك الليلة.

باب الاعتكاف سنيته وحكمته وأقل مدته

باب الاعتكاف (¬1) (هو) لغة لزوم الشيء (¬2) ومنه (يعكفون على أصنام لهم) (¬3) واصطلاحًا: (لزوم مسجد) (¬4) . ¬

_ (¬1) الاعتكاف سنة وقربة، بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من الشرائع القديمة، وفيه من القرب المكث في بيت الله، وحبس النفس على عبادة الله، وقطع العلائق، عن الخلائق، للاتصال بخدمة الخالق، وإخلاء القلب من الشواغل عن ذكر الله، والتحلي بأنواع العبادات المحضة من الفكر، والذكر، وقراءة القرآن، والصلاة، والدعاء، والتوبة، والاستغفار، إلى غير ذلك من أنواع القرب، وفي الحديث «المعتكف يعكف الذنوب، ويجرى له من الحسنات كعامل الحسنات كلها» وأعقبه الصوم اقتداء بالكتاب العزيز، فإنه نبه على ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم، وفي ذكره بعده إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام، أو في آخر شهر الصيام، كما هو ثابت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وأتباعهم. (¬2) والاحتباس، والمكث، والوقوف، والمقام، والإقبال عليه، يقال: عكف على الشيء، يعكُف ويعكِف، عكوفًا، وربما قيل: عكفًا. إذا لزمه وأقبل عليه مواظبًا «واعتكف» لزم المكان، والعكوف الإقامة في المسجد. (¬3) بضم الكاف وفتحها، قراءتان، أي لفظة (يعكفون) من الاعتكاف اللغوي وقال تعالى {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} . (¬4) المراد الاصطلاح الشرعي لا العرفي، وعبر الأكثر بـ «شرعًا» ، قال الشيخ وغيره: وفي لسان الشرع عند الإطلاق، مختصًا بالعكوف لله وعليه في بيته. وقال الوزير: وهو في الشرع عبارة عن اللبث في المسجد بنية الاعتكاف، والتاء في الاعتكاف تفيد ضربًا من المعالجة والمزاولة، لأنه فيه كلفة، ولما كان المرء لا يلازم ويحتبس إلا على من يحبه ويعظمه، شرع الله لأهل الإيمان أن يعكفوا على ربهم، وأخص البقاع بذكر اسمه، والعبادة له، بيوته المبنية لذلك، ولذلك طهر الله المساجد لعبادته، وليس شيء من العبادات مختص بالمسجد بأصل الشرع إلا الاعتكاف، والطواف، وتحية المسجد.

أي لزوم مسلم، عاقل ولو مميزًا، لا غسل عليه، مسجدًا، ولو ساعة (¬1) (لطاعة الله تعالى) (¬2) ويسمى جوارًا (¬3) . ¬

_ (¬1) فلا يصح من كافر، ومجنون، وطفل، كصلاة وصوم، قال المجد وغيره: لا نعلم فيه خلافًا. فإن كان عليه غسل لم يصح، قال عثمان: لعله ما لم يحتج إلى الليث، لجواز الليث إذًا «ومسجدًا» مفعول لزوم، وأقل الاعتكاف عند جماعة «ساعة» ، وعند الشافعية «ولو لحظة» من ليل أو نهار، وظاهره أن اللحظة لا تسمى اعتكافًا، وجزم به الموفق وغيره، فلو نذر اعتكافًا وأطلق أجزأته الساعة، , وهي لبث قدر يسمى عكوفًا عرفًا، لأن مادة لفظ الاعتكاف تقتضيه، ويأتي قول الشيخ: من قصد المسجد لصلاة أو غيرها، لا ينوي الاعتكاف مدة لبثه فيه، ويستحب أن لا ينقص الاعتكاف عن يوم وليلة، خروجًا من خلاف من يقول أقله ذلك. (¬2) متعلق بـ «لزوم» ولو قال: لعبادة الله تعالى. لكان أصوب، وأركانه معتكف، ومعتكف فيه، ولبث، ونية. (¬3) لا خلوة، لما في الصحيحين عن عائشة: وهو مجاور في المسجد. ولهما عن أبي سعيد «جاورت هذه العشر، ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر» وقال الوزير: لا يحل أن يسمى هذا الاعتكاف خلوة، واستظهر في الفروع الكراهة.

مسنون كل وقت وفي رمضان في العشر الأخير آكد ويصح بلا صوم

ولا يبطل بالإغماء (¬1) وهو (مسنون) كل وقت إجماعًا (¬2) لفعله عليه السلام، ومداومته عليه (¬3) واعتكف أزواجه بعده، ومعه (¬4) وهو في رمضان آكد (¬5) لفعله عليه السلام (¬6) . ¬

_ (¬1) كنوم، لبقاء التكليف، ولو ارتد أو سكر بطل، ولو طرأ جنون، أو إغماء لم يبطل، إن لم يخرج، وحيض ونفاس، وجب الخروج. (¬2) حكاه غير واحد من أهل العلم، وقال أحمد: لا أعلم عن أحد من أهل العلم خلافًا أنه مسنون. اهـ. فلا يختص بزمان، إلا ما نهي عن صيامه، للاختلاف في جوازه بغير صوم. (¬3) ففي الصحيحين عن عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله. ولهما عن ابن عمر نحوه، وإنما لم يجب لأنه لم يأمر به أصحابه، بل ورد في الصحيحين وغيرهما «من أحب أن يعتكف فليعتكف» . (¬4) ففي الصحيحين عن عائشة قالت: ثم اعتكف أزواجه من بعده. واعتكفن معه، واستترن بالأخبية، وقال تعالى {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} فعمت الآية الرجال والنساء، ولا نزاع في ذلك. (¬5) إجماعًا، ولم يفرق بعضهم بين الثغر وغيره. (¬6) الثابت من اعتكافه: العشر الأواخر من رمضان؛ في الصحيحين وغيرهما، من غير وجه، قال نافع: أراني عبد الله المكان الذي يعتكف فيه، وهو معروف الآن.

وآكده في العشر الأخير (¬1) (ويصح) الاعتكاف (بلا صوم) (¬2) لقول عمر: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أَن أَعتكف ليلة بالمسجد الحرام؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أوف بنذرك» رواه البخاري (¬3) ولو كان الصوم شرطًا لما صح اعتكاف الليل (¬4) (ويلزمان) أي الاعتكاف والصوم (بالنذر) (¬5) . ¬

_ (¬1) إجماعًا، لأنه داوم عليه إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة: كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله. وتقدم قوله «ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان معتكفًا معي فليثبت في معتكفه» ولغيرهما من الأحاديث، ولأن ليلة القدر تطلب فيها، ولعل الحكمة فيها طلبها. (¬2) هذا المذهب، وهو مذهب الشافعي، واشترطه أبو حنيفة ومالك، والمذهب أسعد بالدليل. (¬3) ولمسلم نحوه، وزاد البخاري «فاعتكف ليلة» ولحديث ابن عباس «ليس على المعتكف صوم، إلا أن يجعله على نفسه» رواه الدارقطني «والجاهلية» ما كان قبل الإسلام، وتقدم تعريفها. (¬4) لأنه لا صيام فيه، ولأنه عبادة تصح في الليل، فلم يشترط له الصيام كالصلاة، ولأن إيجاب الصوم حكم لا يثبت إلا بالشرع، ولم يصح فيه نص ولا إجماع، وقال المجد، والشيخ، والشارح، وغيرهم: ليس في اشتراط الصوم في الاعتكاف نص من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس صحيح، وما روي عن عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم. فموقوف، ومن رفعه فقدوهم، ثم لو صح فالمراد به الاستحباب، فإن الصوم فيه أفضل. (¬5) إجماعًا حكاه الوزير وغيره، وإن علقه أو غيره بشرط، نحو: لله علي أن أعتكف شهر رمضان إن كنت مقيمًا، أو معافي، فصادفه مريضًا، أو مسافرًا، فله شرطه، لظاهر الآية والخبر، والمراد نذر التبرر، لا إن كان نذر لجاج، أو غضب، فيخير بين الفعل والكفارة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

فمن نذر أن يعتكف صائمًا، أو يصوم معتكفًا، لزمه الجمع (¬1) وكذا لو نذر أن يصلي معتكفًا ونحوه (¬2) لقوله عليه السلام «من نذر أَن يطيع الله فليطعه» رواه البخاري (¬3) وكذا لو نذر صلاة بسورة معينة (¬4) . ¬

_ (¬1) أي بين الاعتكاف والصيام، لحديث «ليس على المعتكف صوم، إلا أن يجعله على نفسه» فإن لم يجعله على نفسه لم يشترط له، وفي حاشية ابن فيروز: والنكتة في التعبير بما هنا – مع أن المؤدى واحد – رد على من يقول: إنه إن نذر أن يعتكف صائمًا ونحوه لزمه الجمع، وإن نذر أن يصوم ونحوه معتكفًا لم يلزمه، لأن الصوم من شعار الاعتكاف، وليس الاعتكاف من شعار الصوم، يرشحه الخلاف في أنه: هل هو شرط لصحته أم لا؟، وأنت خبير بأن الحال قيد لصاحبها المتصف بالصفة المذكورة، والقيد معتبر. (¬2) قياسًا على الصوم، لأن كلا منهما صفة مقصودة في الاعتكاف، فلزمت بالنذر، ولا يلزمه أن يصلي جميع الزمان، بل يكفيه ركعة، أو ركعتان. (¬3) من حديث عائشة رضي الله عنها، والأمر يقتضي الوجوب، وتقدم سؤال عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن نذره في الجاهلية، وقوله «أوف بنذرك» وظاهره الوجوب. (¬4) من القرآن، فلا يجوز غيرها، ولو أفضل، كـ (الإخلاص) مع (تبت) ولا يجوز تفريقها، ولو فرقها، أو اعتكف وصام من رمضان ونحوه لم يجزئه، ومتى قطعه فعليه قضاؤه، قال ابن عبد البر: لا يختلف في ذلك الفقهاء. لكن قال الموفق وغيره: لا يعرف هذا القول عن غيره. ولم يقع الإجماع على لزوم نافلة بالشروع فيها، سوى الحج والعمرة.

ولا يجوز لزوجة اعتكاف بلا إذن زوجها (¬1) ولا لقن بلا إذن سيده (¬2) ولهما تحليلهما من تطوع مطلقًا (¬3) ومن نذر بلا إذن (¬4) . ¬

_ (¬1) وفاقًا، لوجوب حقه عليها، وهي مقصورة على طاعته، والاعتكاف يفوت حقه ويمنع استيفاءه، وليس واجبًا بأصل الشرع، فلم يجز إلا بإذن مالك المنفعة وهو الزوج. (¬2) لتفويت حقه عليه، ومنافعه مملوكة لسيده، والعكوف ليس بواجب بأصل الشرع، فلم يجز إلا بإذنه وفاقًا، وفي الإنصاف: لا يجوز لهما بلا إذن بلا نزاع. و «مدين» و «أجير» كهما قياسًا عليهما. (¬3) أي وللزوج والسيد تجريد وإخراج زوجة وعبد من تطوع مطلقًا، سواء أذنا لهما فيه أو لم يأذنا، شرعًا فيه، أو لم يشرعا، بلا نزاع، لأنه صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة وحفصة وزينب في الاعتكاف، ثم منعهن بعد أن دخلن فيه، متفق عليه، ولأن حق الزوج والسيد واجب، والتطوع لا يلزم بالشروع فيه ولأن لهما المنع ابتداء، فكان لهما المنع دوامًا. (¬4) لحديث «لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يومًا من غير رمضان إلا بإذنه» رواه الخمسة، وحسنه الترمذي، ولما فيه من تفويت حقهما، فكان لرب الحق المنع منه، كمنع مالك غاصبًا، وإن لم يحللاهما صح وأجزأ، وليس لهما تحليلهما من منذور شرعًا فيه بالإذن، لتعينه بالشروع فيه، ووجوب إتمامه كالحج، وظاهره: لا فرق بين أن يكون مقيدًا أو مطلقًا، واختار المجد في النذر المطلق. الذي يجوز تفريقه، كنذر عشرة أيام متفرقة، أو متتابعة إذا اختار فعله متتابعًا، وأذن لهما، يجوز تحليلهما، ولو رجعا بعد الإذن، وقبل الشروع، جاز إجماعًا، والإذن في العقد، إذن في الفعل، ولمكاتب اعتكاف وحج بلا إذن، ما لم يحل عليه نجم، لأن السيد لا يستحق منافعه، فلا يملك إجباره.

لا يصح إلا بنية وفي مسجد يجمع فيه، إلا المرأة والمعذور ففي كل مسجد

(ولا يصح) الاعتكاف (إلا) بنية (¬1) لحديث «إنما الأعمال بالنيات» (¬2) ولا يصح إلا (في مسجد) (¬3) لقوله تعالى {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (¬4) (يجمع فيه) أي تقام فيه الجماعة (¬5) . ¬

_ (¬1) وفاقًا، وتقدم أن العبادات لا تصح إلا بالنية، وما لم ينو فليس بعبادة إجماعًا. (¬2) متفق عليه، وفي رواية «لا عمل إلا بنية» والاعتكاف عمل، وعبادة محضة، كالصوم، والصلاة، وإن كان منذورًا لزمه نية الفرضية، وإن نوى خروجه منه بطل، كصوم وصلاة، صححه في تصحيح الفروع، وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب. (¬3) إجماعًا، حكاه ابن عبد البر وغيره، وجوزه بعض المالكية، وبعض الشافعية في مسجد بيته، ولم يفعل في عهده صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد خلفائه، ولو جاز لفعلته أزواجه صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهن، لحاجتهن إلى التستر. (¬4) فوصف المعتكف بكونه في المسجد، فلو صح في غيرها لم يختص تحريم المباشرة فيه، إذ هي محرمة في الاعتكاف مطلقًا، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في مسجده، قالت عائشة: وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، ولأنه كان يدخل رأسها إليها وهو معتكف، فترجله، وفعله خرج بيانًا للمشروع، وتقدم قولها: لا اعتكاف إلا في مسجد جامع. (¬5) ولو من معتكفين، وفاقًا لأبي حنيفة، لما روى سعيد بسند صحيح، أنه قال لابن مسعود: لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» أو قال «في مسجد جماعة» ولأبي داود عن عائشة «ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة» وروي عن علي وغيره، قال الوزير: أجمعوا على أن كل مسجد تقام فيه الجماعات، فإنه يصح فيه الاعتكاف.

لأن الاعتكاف في غيره يفضي إما إلى ترك الجماعة (¬1) أو تكرار الخروج إليها كثيرًا، مع إمكان التحرز منه (¬2) وهو مناف للاعتكاف (¬3) (إلا) من لا تلزمه الجماعة كـ (المرأَة) والمعذور، والعبد، (ف) يصح اعتكافهم (في كل مسجد) للآية (¬4) . ¬

_ (¬1) والجماعة واجبة كما تقدم، ويحرم تكرها، ولا يترك واجب لمندوب. (¬2) أي من الخروج إلى الجماعة بالاعتكاف في مسجد جماعة. (¬3) أي الخروج مناف للاعتكاف، إذ الاعتكاف لزوم المسجد للعبادة. (¬4) وهي قوله تعالى {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} إذ لو صح في غيرها لم تختص بتحريم المباشرة، إذ هي محرمة في الاعتكاف مطلقًا كما تقدم، وخص من تجب عليه الجماعة بالمسجد التي تقام فيه، لما ذكره قبل، ولا يقال: إنه يصح الاعتكاف في مسجد البيت بلا ريب، لانتفاء حكم المسجد عنه في سائر الأحكام، فكذلك هنا، وحكى الوزير وغيره الإجماع على أنه لا يصح اعتكاف المرأة في بيتها، إلا ما روي عن أبي حنيفة، وحكوا الإجماع على أنه يصح الاعتكاف في كل مسجد، إلا أحمد فإنه قال: لا يصح إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، والمراد هنا من تلزمه الجماعة، وأما من تلزمه ففي مسجد يجمع فيه كما تقدم، ومن تدبر النصوص في وجوب الجماعة، علم رجحان قول الإمام أحمد رحمه الله.

وكذا من اعتكف من الشروق إلى الزوال مثلاً (¬1) (سوى مسجد بيتها) (¬2) وهو الموضع الذي تتخذه لصلاتها في بيتها، لأَنه ليس بمسجد حقيقة ولا حكمًا (¬3) ، لجواز لبثها فيه حائضًا وجنبًا (¬4) ومن المسجد ظهره (¬5) ورحبته المحوطة (¬6) . ¬

_ (¬1) لأنه لا يلزمه منه محذور، فصح منه في كل مسجد، وإلا فلا. (¬2) حكاه الوزير وغيره إجماعًا، إلا أن أبا حنيفة جوزه، والسنة الصحيحة أولى بالإتباع. (¬3) إذ لا يطلق عليه اسم مسجد إلا بقيد الإضافة، ولو كان حقيقة، وفيه أفضل – كما زعمت الحنفية – لنبه صلى الله عليه وسلم أزواجه على زواجه على ذلك، ولو أغنى عن المسجد لاعتكفت أمهات المؤمنين فيه دون المسجد، ولو مرة، تبينًا للجواز، ولا يقال: له حكمه من تحريم المكث فيه وهي جنب، أو هي حائض، من غير ما يبيحه. (¬4) وعدم صونه عن نجاسة، وروى حرب وغيره، بإسناد جيد، عن ابن عباس، أنه سئل عن امرأة جعلت عليها أن تعتكف في مسجد نفسها، في بيتها، فقال: بدعة، وأبغض الأعمال إلى الله البدع. فلا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة، وسن استتار معتكفة بخباء، في مكان لا يصلي فيه الرجال، ويباح لرجل، لفعله وفعل أزواجه. (¬5) وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، لعموم قوله {فِي الْمَسَاجِدِ} وفي الإنصاف: ظهره منه بلا نزاع. (¬6) منه وفاقًا «والرحبة» بالتحريك متسع يجعل أمام باب المسجد، وفي الصحاح: ساحته؛ وإن لم تكن محوطة فليست منه، وإن كانت محوطة بحيطانه وعليها باب فمنه.

ومنارته التي هي أو بابها فيه (¬1) وما زيد فيه (¬2) والمسجد الجامع أَفضل لرجل تخلل اعتكافه جمعة (¬3) . ¬

_ (¬1) منه، وعبارة غيره «بالواو» بدل «أو» إلا ما في المنتهى، وقال الخلوتي: صوابه العطف بالواو. وقال في الفروع: إن كان بابها خارجًا منه، بحيث لا يستطرق إليها إلا خارج المسجد، أو كانت خارج المسجد، والمراد: وهي قريبة منه؛ فخرج للأذان بطل اعتكافه. ونحوه في الإنصاف. (¬2) أي من المسجد في الثواب، لعموم الخبر، وهو قول بعض السلف، واختاره الشيخ، وقال: حكم الزيادة حكم المزيد، في جميع الأحكام. وكذا قال الخلوتي، وعثمان، وغيرهما: وفي المسجد ما زيد فيه، فيثبت له جميع أحكامه، حتى حكم المضاعفة في الثواب في المسجد الحرام، وعن أبي هريرة مرفوعًا «لو بني هذا المسجد إلى صنعاء، كان مسجدي» وقال عمر – لما زاد في المسجد -: لو زدنا فيه حتى يبلغ الجبانة، كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن رجب: وقد قيل: إنه لا يعلم عن السلف خلاف في المضاعفة، وإنما خالف بعض المتأخرين، منهم ابن الجوزي، وابن عقيل. (¬3) لئلا يحتاج إلى الخروج إليها فيترك الاعتكاف، مع إمكان التحرز منه، ولا يلزمه، وفاقًا لأكثر العلماء، منهم أبو حنيفة، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وحكاه النووي عن مالك، لأن الخروج إليها لا بد له منه، كالخروج لحاجة، والخروج إليها معتاد، فكأنه مستثنى، وأجمعوا على أنه يجب على المعتكف الخروج إلى الجمعة، وأن المستحب له أن يعتكف في المسجد الذي تقام فيه الجمعة، لئلا يخرج عن معتكفه لها، حكاه الوزير وغيره، ولا يصح – إن وجبت الجماعة – بالاعتكاف فيما تقام فيه الجمعة وحدها.

من نذره أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة لم يلزمه فيه

(ومن نذره) أي الاعتكاف (أو الصلاة، في مسجد غير) المساجد (الثلاثة) مسجد مكة، والمدينة، والأَقصى (¬1) (وأَفضلها) المسجد (الحرام (¬2) فمسجد المدينة، فالأقصى) (¬3) لقول صلى الله عليه وسلم «صلاة من مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» رواه الجماعة إلا أَبا داود (¬4) . ¬

_ (¬1) المفضلة – بالشرع – على غيرها من سائر المساجد. (¬2) وهو مسجد مكة، الصلاة فيه بمائة ألف صلاة فيما سواه. (¬3) فمسجده صلى الله عليه وسلم بالمدينة، المؤسس على التقوى، والصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه، فمسجد بيت المقدس، وهو بالشام، والصلاة فيه بخمسمائة صلاة، رواه البيهقي وغيره، وسمي الأقصى لبعده عن المسجد الحرام، وإضافة المسجد إليه من إضافة الموصوف إلى الصفة. (¬4) أي رواه البخاري، ومسلم، وأحمد، وأهل السنن الأربعة، من حديث أبي هريرة، إلا أبا داود، وله وأحمد من حديث جابر مثله، وزاد «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» قال ابن عبد البر: هو أحسن حديث روي في ذلك. ولأحمد من حديث ابن الزبير مثل حديث أبي هريرة، والمراد بالمسجد جميع الحرم، وصححه النووي وغيره، وقيل: يختص بالموضع الذي يصلى فيه، دون البيوت، وغيرها من أجزاء الحرم، ويتأيد بقوله «مسجدي هذا» .

(لم يلزمه) جواب «من» أي لم يلزمه الاعتكاف أو الصلاة (فيه) أي في المسجد الذي عينه (¬1) إن لم يكن من الثلاثة (¬2) . لقوله عليه السلام «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (¬3) فلو تعين غيرها بتعيينه لزمه المضي إليه، واحتاج لشد الرحل. ¬

_ (¬1) هذا الصحيح من المذهب، وظاهر كلام أكثر الأصحاب، واستظهره في الفروع، وقال الحافظ وغيره: وإن نذر إتيان غيرها لصلاة أو غيرها، لم يلزمه غيرها بلا خلاف، وحكاه النووي وغيره، واختار الشيخ في موضع: يتعين ما امتاز بمزية شرعية، كقدم وكثرة جمع، والمراد: بدون شد رحل, القياس لزومه، لكن ترك للخبر، واختاره ابن عقيل وغيره، وهو مذهب مالك وغيره، لأن الله تعالى لم يعين لعبادته موضعًا، فلم يتعين بالنذر. (¬2) فيلزمه، لأنها تتعين، لفضل العبادة فيها على غيرها، قال في المبدع: ولعل المراد: إلا مسجد قباء، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يأتيه كل سبت راكبًا وماشيًا، ويصلي في ركعتين، وكان ابن عمر يفعله، متفق عليه. (¬3) متفق عليه من غير وجه ولمسلم في رواية «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد» وذكرها، وفيه فضيلة هذه المساجد الثلاثة، ومزيتها على غيرها، لكونها مساجد الأنبياء، ولأن الأول قبلة الناس، وإليه حجهم، والثاني أسس على التقوى، والثالث كان قبلة الأمم السالفة فلا يستقيم أن يقصد بالزيارة غيرها، وإن نذره لصلاة أو غيرها لم يلزمه، قال الشيخ والجويني وغيرهما: يحرم شد الرحال إلى غيرها، عملاً بظاهر هذا الحديث.

إليه (¬1) لكن إن نذر الاعتكاف في جامع لم يجزئه في مسجد لا تقام فيه الجمعة (¬2) (وإن عين) لاعتكافه أو صلاته (الأفضل) كالمسجد الحرام (لم يجز) اعتكافه أو صلاته (فيما دونه) كمسجد المدينة أو الأقصى (¬3) (وعكسه بعكسه) (¬4) فمن نذر اعتكافًا، أو صلاة بمسجد المدينة، أو الأقصى أجزأه بالمسجد. ¬

_ (¬1) أي فلو كان تعين غيرها بتعيينه، للزم شد الرحال إليه، واللازم باطل، لدخوله في المنهي عنه، ولأن الله لم يعين لعبادته مكانًا في غير الحج، ثم إن أراد الناذر الاعتكاف فيما عينه غيرها، فإن كان قريبًا فهو أفضل، جزم به في الواضح، واستظهره في الفروع، وظاهر المغني وغيره: لزومه ما لم يحتج إلى شد رحل. والمذهب: يخير، فإن احتاج لشد رحل فلا، للنهي، وحكاه النووي عن الجمهور، ومنعه ابن عقيل، والشيخ، وغيرهما، للخبر. (¬2) استدراك في عموم قوله: ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة، في مسجد غير الثلاثة الخ. يريد رفع إبهام كون: أن نذر الاعتكاف في مسجد جامع، يكفي في غيره؛ وبيان أنه لا يجزئه إلا في مسجد تقام فيه، ولو لم يتخلل اعتكافه جمعه، لأنه ترك لبثًا مستحقًا التزمه بنذره، وإن تخلله جمعة ولم يعين، فأجمعوا على أنه إذا وجب عليه بالنذر اعتكاف أيام، يتخللها يوم الجمعة، أن المستحب له، أن يعتكف في المسجد الذي تقام فيه الجمعة، لئلا يخرج عن معتكفه لها. (¬3) لأن المسجد الحرام أفضلها، الحسنة فيه بمائة ألف حسنة فيما سواه، لما تواتر عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك. (¬4) أي وإن عين المفضول منها أجزأ فيما هو أفضل منه.

الحرام (¬1) لما روى أحمد، وأبو داود، عن جابر: أن رجلاً قال يوم الفتح: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة، أَن أُصلي في بيت المقدس؛ فقال «صل ههنا» فسأله فقال «صل ههنا» فسأله فقال «شأْنك إذًا» (¬2) (ومن نذر) اعتكافًا (زمنًا معينًا) كعشر ذي الحجة (¬3) (دخل معتكفه قبل ليلته الأُولى) (¬4) فيدخل قبيل الغروب، من اليوم الذي قبله (¬5) . ¬

_ (¬1) وإن عين الأقصى أجزأ في كل من المساجد الثلاثة، لأفضليتهما عليه. (¬2) فأمره بالصلاة في المسجد الحرام، لفضله على ما سواه من المساجد، فدل على أنه يجزئ في الأفضل، وأنه الأفضل لمزيد فضله. (¬3) وكعشر رمضان الأخير مثلاً، وكشهر بعينه، تعين عليه، لتعيينه له، ولم يجز فيما سواه بلا نزاع. (¬4) منه وفاقًا، لرؤياه عليه الصلاة والسلام ليلة القدر ليلة إحدى وعشرين. (¬5) أي قبل ذلك الزمن المنذور اعتكافه، لأن أوله غروب الشمس، إذ الشهر يدخل بدخول الليلة، بدليل ترتيب الأحكام المعلقة به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وخبر عائشة: أنه صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر دخل معتكفه. لم يكن نذره، والتطوع يشرع فيه متى شاء، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بهذا الحديث. ونوزع بقول الأوزاعي والليث وإسحاق، فيما إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر تطوعًا، فإنه يدخل بعد صلاة الفجر أول يوم منه، وحمل على الجواز، والمنصوص: يدخل قبل ليلته الأولى.

(وخرج) من معتكفه (بعد آخره) أي بعد غروب الشمس آخر يوم منه (¬1) وإن نذر يومًا، دخل قبل فجره، وتأخر حتى تغرب شمسه (¬2) وإن نذر زمنًا معينًا تابعًا ولو أطلق (¬3) . ¬

_ (¬1) وفاقًا، ويخرج بعد مدة الاعتكاف إجماعًا، وإن اعتكف رمضان، أو العشر الأخير منه، استحب أن يبيت ليلة العيد في معتكفه، ويخرج منه إلى المصلى نص عليه، وقال: هكذا حديث عمرة عن عائشة. وقاله مالك، وذكر أنه بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه بلغه عن أهل الفضل الذين مضوا، وعن إبراهيم: كانوا يستحبون ذلك. قال المجد وغيره: ليصل طاعة بطاعة. ولما ورد من الترغيب في قيام ليلة العيد، وقال ابن الماجشون: إنه السنة المجمع عليها. وإن نذر اعتكاف العشر الأواخر، فنقص أجزأه وفاقًا، بخلاف ما لو نذر عشرة أيام من آخر الشهر فنقص، يقضي يومًا وفاقًا، وإن فاته العشر فقضاه خارج رمضان جاز وفاقًا، لفعله صلى الله عليه وسلم في العشر الأول من شوال، متفق عليه، وعنه: مثله من قابل، لا سيما فيه ليلة القدر. ذكره المجد وغيره، وجزم به غير واحد، ويكفي شهر هلالي ناقص بلياليه، أو ثلاثون يومًا بلياليها، لأن الشهر اسم لما بين الهلالين. (¬2) ليستوفي جميعه، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، فإن اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وإن نذر يومين أو ليلتين، أو أكثر، أو أطلق، وقلنا: يجب التتابع. لزمه ما بينهما من يوم أو ليلة، وفاقًا للشافعي، ومذهب أبي حنيفة ومالك: يلزمه ما لفظ به مع الإطلاق، لقوله (ثلاث ليال) . وأجيب بأن الله نص عليها، كما يعمل باللزوم وعدمه وفاقًا. (¬3) أي فلم يقيد بالتتابع، لا بلفظه، ولا بنيته وجوبًا، وفاقًا لمالك وأبي حنيفة، لاقتضائه ذلك، سواء كان صومًا أو اعتكافًا ونحوه، كما لو حلف لا يكلم زيدًا شهرًا ونحوه، ولو أطلق فلم يقيده بالتتابع، لا بلفظه ولا بنيته، لفهمه من التعيين.

لا يخرج المعتكف إلا لما لابد له منه

«وعددًا» فله تفريقه (¬1) ولا تدخل ليلة يوم نذره (¬2) كيوم ليلة نذرها (¬3) (ولا يخرج المعتكف) من معتكفه (¬4) (إلا لما لا بد) له (منه) (¬5) . ¬

_ (¬1) أي العدد، ولو ثلاثين يومًا، لأنه مقتضى اللفظ، والأيام المطلقة توجد بدون تتابع، ما لم ينو تتابعًا فيلزمه، وإن نذر شهرًا متفرقًا، فله تتابعه، وفاقًا للشافعي، وقياس قول أهل الرأي، ولأنه الأفضل. (¬2) أي إن كان نذر أن يعتكف، يوم الخميس مثلاً، فلا تدخل ليلته في ذلك، وهو إجماع، إلا ما روي عن مالك: أنه لا بد أن يضيف إليه ليلته. وقال الخليل: «اليوم» اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس. (¬3) أي وعدم دخول ليلة ذلك اليوم نذر اعتكافه، كعدم دخول ذلك اليوم الذي نذر اعتكاف ليلته. (¬4) إذا عين مدة، أو شرط التتابع في عدد، حرم خروجه، مختارًا، ذاكرًا، لا ناسيًا أو مكرهًا بلا حق. (¬5) يعني فإنه لا يحرم ولا يبطل، بل ربما تعين، وليس المراد من نفي الحرمة ثبوت الإثم من الإباحة والكراهة، قالت عائشة: السنة للمعتكف، أن لا يخرج إلا لما لا بد له منه. وكان صلى الله عليه وسلم لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، متفق عليه، قال الشارح: وإلا لم يصح اعتكاف لأحد، لأنه لا يسلم من ذلك أحد.

كإتيانه بمأْكل ومشرب لعدم من يأْتيه بهما (¬1) وكقيء بغته، وبول، وغائط (¬2) وطهارة واجبة (¬3) وغسل متنجس يحتاجه (¬4) وإلى جمعة وشهادة لزمتاه (¬5) والأولى أن لا يبكر لجمعة (¬6) . ¬

_ (¬1) وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، من غير أن يأكل أو يشرب في بيته، ولا يجوز خروجه لأكله وشربه في بيته، اختاره الموفق والمجد، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره، لعدم الحاجة، لإباحته في المسجد، وعند الشافعي: يجوز، لما فيه من ترك المروءة، ويستحي أن يأكل وحده. (¬2) إجماعًا، حكاه الوزير وغيره. (¬3) إجماعًا، سواء كانت لصغرى، ولو قبل دخول وقت صلاة، أو لكبرى، لأن الجنب يحرم عليه اللبث في المسجد، والمحدث لا تصح صلاته بدون وضوء، وكذا غسل جمعة إن وجب، وإلا لم يجز وفاقًا، كتجديد الوضوء. (¬4) لأنه في معنى البول والغائط، ويجب غسله عند إرادة الصلاة. (¬5) إن كانت الجمعة واجبة عليه، والشهادة متعينة، لأداء الواجب، ووجوب الخروج إلى الجمعة إجماع، وكذا الشهادة المتعينة، والمعتاد من هذه الأعذار: حاجة الإنسان، وطهارة الحدث، والطعام والشراب إجماعًا، والجمعة منه، وكما لا يبطل الاعتكاف، فلا ينقص مدته، فلا يقضى شيئًا منه، لأن الخروج له كالمستثنى عادة، وبقية الأعذار إن لم تبطل لا يقضي الوقت الفائت بذلك، لكونه يسيرًا مباحًا، أو واجبًا، كحاجة الإنسان، وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب، واختاره الموفق والشارح، وصححه في تصحيح الفروع وغيره. (¬6) وعبارة المنتهى: وسن أن لا يبكر لجمعة، اقتصارًا على قدر الحاجة، وهو ظاهر كلام أحمد. وفي الإقناع وغيره: له التبكير إليها، لأنه خروج جائز فجاز تعجيله، كالخروج لحاجة الإنسان. وهو مذهب أبي حنيفة، وفي منتهى الغاية: احتمال تبكيره أفضل.

ولا يطيل الجلوس بعدها (¬1) وله المشي على عادته (¬2) وقصد بيته لحاجة، إن لم يجد مكانًا يليق به بلا ضرر ولا منة (¬3) وغسل يده بمسجد في إناء، من وسخ ونحوه (¬4) لا بول، وفصد، وحجامة بإناء فيه أو في هوائه (¬5) . ¬

_ (¬1) وفي المنتهى: وسن أن لا يطيل المقام بعدها، اقتصارًا على قدر الحاجة. وفي الإقناع وغيره: له إطالة المقام بعدها، ولا يكره، لصلاحية الموضع للاعتكاف. اهـ. ويستحب له سرعة الرجوع بعد الجمعة وغيرها. (¬2) من غير عجلة لأن عليه فيها مشقة، ولا يبطل بدخوله لحاجة تحت سقيفة وفاقًا. (¬3) كسقاية، ولا يحتشم مثله منها، ولا نقص عليه، وإن بذل له صديق أو غيره منزله القريب، لقضاء حاجته، لم يلزمه، للمشقة بترك المروءة، والاحتشام، ويقصد أقرب منزلية وجوبًا، لدفع حاجته به. (¬4) كزفر، وكغسل يدي القائم من نوم ليل، ويفرغ الإناء خارج المسجد، وذكر المجد: في غير إناء، ولعله ما لم يتأذ به أحد. (¬5) أي المسجد، وعبارة الفروع وغيره: ويحرم بوله في المسجد في إناء، وكذا فصد وحجامة، لعموم قول صلى الله عليه وسلم: «إن المساجد لم تبن لهذا، إنما هي لذكر الله، وقراءة القرآن، والصلاة» ويجوز للمستحاضة وفاقًا، مع أمن تلويثه، وإنما لم تمنع المستحاضة إذا أمنت التلويث، لأنها لا يمكنها ذلك إلا بترك الاعتكاف، والفرق بينها وبين الحائض، أن الاستحاضة لا تمنع من الصلاة، بخلاف الحيض إجماعًا.

لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة إلا أن يشترطه

(ولا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة) (¬1) حيث وجب عليه الاعتكاف متتابعًا (¬2) ما لم يتعين عليه ذلك، لعدم من يقوم به (¬3) . ¬

_ (¬1) ولا يزور قريبًا، ولا يحتمل شهادة، ولا يؤديها ولا يغسل ميتًا، ونحو ذلك، فلا يخرج لكل قربة لا تتعين عليه وفاقًا، لقول عائشة: كان لا يعرج للسؤال عن المريض. رواه أبو داود. وثبت عنها أنها كانت لا تسأل عن المريض إلا وهي مارة، ولأنه منه بد كغيره، ولأنه لا يجوز ترك فريضة – وهي النذر – لفضيلة، قال في الفروع وغيره: ويخرج لمرض يتعذر معه القيام فيه، أو لا يمكنه إلا بمشقة شديدة، بأن يحتاج إلى خدمة أو فراش وفاقًا، وإن كان خفيفًا، كالصداع والحمى الخفيفة، لم يجز وفاقًا. وتخرج المرأة لحيض ونفاس وفاقًا، ويستحب في الرحبة، فإن لم يكن رحبة رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت، رجعت إلى المسجد وفاقًا، وتخرج لعدة الوفاة في منزلها، وحكاه الوزير إجماعًا، لوجوبه شرعًا ويلزم الخروج إذا احتيج إليه لجهاد تعين، بلا نزاع، ولا يبطل، وكذا إن تعين لإطفاء حريق، أو إنقاذ غريق ونحوه، ولا يبطل بذلك، لأنه عذر في ترك الجمعة، فهنا أولى، ومن أكرهه السلطان أو غيره على الخروج، لم يبطل اعتكافه، ولو بنفسه، وإن أخرج لاستيفاء حق عليه، فإن أمكنه الخروج منه بلا عذر بطل وفاقًا، وإلا فلا، ومتى زال العذر رجع وقت إمكانه، وإن خرج ناسيًا لم يبطل، للآية والأخبار. (¬2) إما لتقييده بالنذر بالتتابع، أو نيته له، أو إتيانه بما يدل عليه، كشهر. (¬3) فله الخروج له، لتعينه كجمعة وشهادة لزمتاه، لوجوبهما بأصل الشرع.

(إلا أن يشترطه) ، أي يشترط في ابتداء اعتكافه الخروج إلى عيادة مريض، أو شهود جنازة (¬1) وكذا كل قربة لم تتعين عليه (¬2) وماله منه بد، كعشاء ومبيت في بيته (¬3) لا الخروج للتجارة (¬4) ولا التكسب بالصنعة في المسجد (¬5) ولا الخروج لما شاء (¬6) . ¬

_ (¬1) فيجوز له بالشرط، قال في المبدع: وهو قول جماعة من الصحابة، ومن بعدهم. وكذا قاله الشافعي وغيره، وقال الوزير: وهو الصحيح عندي. ولأن الاشتراط يصيره كالمستثنى، قال إبراهيم: كانوا يستحبون للمعتكف هذه الخصال. (¬2) كزيارة صديق، وصلة رحم، فله شرطه. (¬3) فيجوز له اشتراطه، جزم به الموفق وغيره، وكذا جزم به في المنتهى، لتأكد الحاجة إليهما، وامتناع النيابة فيهما. وعنه: له ذلك من غير شرط، لما روي عن علي قال: المعتكف يعود المريض، ويشهد الجنازة، والجمعة، وليأت أهله، وليأمرهم بالحاجة، وهو قائم. قال في المبدع: إسناده صحيح وهو محمول. على التطوع، لكن الأفضل مقامه على اعتكافه، لفعله صلى الله عليه وسلم. (¬4) أي فلا يصح اشتراطه ذلك، قولاً واحدًا، وهو مذهب مالك وغيره، لأنه ينافيه، قال أحمد: إن كان يحتاجه فلا يعتكف. (¬5) أي فلا يجوز اشتراطه. (¬6) لأنه ينافيه صورة ومعنى.

إن وطئ فسد اعتاكفه

وإن قال: متى مرضت، أَو عرض لي عارض خرجت، فله شرطه (¬1) وإذا زال العذر، وجب الرجوع إلى اعتكاف واجب (¬2) (وإن وطئ) المعتكف (في فرج) (¬3) . ¬

_ (¬1) كما في الإحرام، وفائدته: أنه يجوز له التحلل، إذا حدث عائق، من مرض أو غيره، ولو لم يكن المرض ونحوه شديدًا. وقال المجد: الشرط هنا سقوط القضاء في العدة المعينة، فأما المطلقة كنذر شهر متتابع، لا يخرج منه إلا لمرض، فإنه يقضي زمن المرض، لإمكان حمل الشرط هنا على انقطاع التتابع فقط، ويكون الشرط هنا أفاد سقوط الكفارة. (¬2) لأن الحكم يدور مع علته، فإن أخر رجوعه عن وقت إمكانه فكما لو خرج لما له منه بد، وله ثلاثة أحوال: نذر اعتكاف أيام غير متتابعة، ولا معينة، كعشرة أيام، فيلزمه إتمام الباقي من الأيام، محتسبًا بما مضى، بأن يقضي ما بقي، وعليه كفارة يمين، أو الاستئناف بلا كفارة، أو نذر أيامًا معينة، كالعشر الأخير من رمضان، فعليه قضاء ما ترك، ليأتي بالواجب، وكفارة يمين لفوات المحل. (¬3) فسد اعتكافه، منذورًا كان أو مسنونًا، إجماعًا، للآية، والنهي فيها للفساد، ولما روى حرب عن ابن عباس: إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه. وسنده صحيح، وظاهر إطلاقهم: ولو ناسيًا كالحج؛ وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والوطء في الاعتكاف: محرم بالإجماع، قال تعالى {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} أي ما دمتم عاكفين، في المسجد ولا في غيره، قال ابن كثير وغيره: هو الأمر المتفق عليه عند العلماء، أن المعتكف يحرم عليه النساء، ما دام معتكفًا في مسجد، ولو ذهب إلى منزله لحاجة، فلا يحل له أن يلبث فيه، إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك، وليس له أن يقبل امرأته، ولا أن يضمها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه.

أو أنزل بمباشرة دونه (فسد اعتكافه) (¬1) ويكفر كفارة يمين إن كان الاعتكاف منذورًا (¬2) ، لإفساد نذره، لا لوطئه (¬3) ويبطل أيضًا اعتكافه بخروجه لما له منه بد، ولو قل (¬4) . ¬

_ (¬1) أي أو أنزل المعتكف بمباشرة دون الفرج فسد اعتكافه وفاقًا، إلا في أحد قولي الشافعي، وإن لم ينزل لم يفسد، ولا تحرم المباشرة في غير الفرج بلا شهوة وفاقًا، وذكر القاضي احتمالاً: تحرم كشهوة وفاقًا، وحكى الوزير عن أبي حنيفة وأحمد، فيمن قيل، أو لمس بشهوة: أنه قد أساء، لأنه قد أتى ما يحرم عليه، ولا يفسد اعتكافه. (¬2) وهي أظهر الروايات عن أحمد، وعنه: لا تجب، وفاقًا لمالك والشافعي، حكاه الوزير وغيره في المنذور المعين، إذا نوى يمينًا وغير المنذور، اتفاقًا إلا رواية عن أحمد. (¬3) أي ليست الكفارة لوطئه، بل لإفساده نذره، فلو كان التكفير للوطء نفسه – لا لأجل النذر – للزمته الكفارة به، ولو كان الاعتكاف غير منذور، والصحيح من المذهب – واختاره الموفق وغيره – أنه لا يجب عليه كفارة بالوطء في الاعتكاف مطلقًا وفاقًا، وجزم به المجد وغيره، وأجمعوا على وجوب القضاء. (¬4) يعني زمن خروجه وفاقًا، لترك اللبث بلا حاجة، أشبه ما لو طال، لأنه لم يبق عاكفًا في المسجد، لا إن خرج لما لا بد منه فباع، أو اشترى، أو سأل عن مريض أو غيره، ولم يعرج أو يقف لذلك، فيجوز وفاقًا، أو دخل مسجدًا يتم اعتكافه فيه، أقرب إلى محل حاجته من الأول جاز، وإن كان أبعد، أو خرج إليه ابتداء بلا عذر، بطل اعتكافه وفاقًا، لتركه لبثًا مستحقًا، فإن وقف لمسألة بطل اعتكافه وفاقًا، لأنه لا يجوز ما يزاد به زمانه مما منه بد، لأنه يفوت به جزءًا مستحقًا من اللبث بلا عذر، كما لو خرج له، ويجوز معه ما لا يزاد به زمانه، غير المباشرة، وإن أخرج بعض جسده لما له منه بد، لم يبطل وفاقًا، لفعل عائشة في ترجيله صلى الله عليه وسلم. وإن خرج جميعه مختارًا عمدًا بطل وإن قل وفاقًا، وإن خرج لغير معتاد في المنذور المتابع، وتطاول خروجه، خير بين استئنافه، وإتمامه مع كفارة يمين، وإن فعله في متعين قضى، وإن خرج لماله منه بد في التتابع لزمه استئنافه، وإن فعل في متعين لزمه الكفارة، رواية واحدة.

يستحب اشتغاله بالقرب واجتناب ما لا يعنيه

(ويستحب اشتغاله بالقرب) (¬1) من صلاة، وقراءة، وذكر، ونحوها (¬2) (واجتناب ما لا يعنيه) بفتح الياء أَي يهمه (¬3) . ¬

_ (¬1) القرب جمع قربة وهي: كل ما يتقرب به إلى الله تعالى أي يطلب به القرب عنده. (¬2) كصيام وصدقة، وليس له ذكر مخصوص، ولا فعل آخر، سوى اللبث في المسجد بنية الاعتكاف، قال الوزير: أجمعوا على أنه يستحب للمعتكف ذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن؛ ونقل عن مالك وأحمد: لا يستحب إقراء القرآن والفقه. ثم قال: والذي عندي أن مالكًا وأحمد لم يريا استحباب أن لا يقرأ المعتكف غير القرآن في حال اعتكافه، إلا أنه من حيث أن إقراءه غيره يصرف همه عن تدبر القرآن إلى حفظ على القراء، فيكون قد صرف فهمه عن تدبر أسراره لنفسه، إلى حفظ ظاهر نطقه لغيره، وإلا فلا يظن بهما أنهما كانا يريان شيئًا من عمل اللسان للمعتكف يعدل قراءة القرآن في تدبر له، وهذا كله يشير إلى أن الاعتكاف حبس النفس، وجمع الهمة على نفوذ البصيرة في تدبر القرآن، ومعاني التسبيح، والتحميد، والتهليل، وذكر الله، فيكون كل جمع من الفكر يناسب هذه العبادة، وكل ما يسقط من الفكر ويكثر من الهم ينافيها. (¬3) من جدال، ومراء، وكثرة كلام وغيره، لأنه مكروه في غيره، ففيه أشد كراهة، حتى كره بعض أهل العلم تعليم القرآن كما تقدم.

لقوله عليه السلام «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (¬1) ولا بأْس أَن تزوره زوجته في المسجد، وتتحدث معه (¬2) وتصلح رأسه، أو غيره (¬3) ما لم يتلذذ بشيء منها (¬4) وله أن يتحدث مع من يأْتيه ما لم يكثر (¬5) . ¬

_ (¬1) من قول أو فعل، والعناية بالشيء شدة الاهتمام به، فما لا تتعلق عنايته به، ولا يكون من قصده ومطلوبه، فمن حسن إسلامه تركه، وإذا حسن الإسلام، اقتضى ترك ما لا يعنيه كله من المحرمات، والشبهات، والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها، فإن هذا كله لا يعني المسلم، إذا كمل الإسلام، وبلغ إلى درجة الإحسان. (¬2) لأن صفية رضي الله عنها زارته صلى الله عليه وسلم، فتحدثت معه. (¬3) أي تغسل رأسه وترجله، فإن عائشة رضي الله عنها رجلت رأسه صلى الله عليه وسلم، أو تصلح شيئًا غير رأسه من بدنه كمداواة ونحوها. (¬4) من مس أو كلام يتلذذ به، أو مباشرة ونحو ذلك فلا، لمنافاته حال المعتكف. (¬5) لخبر صفية، وله أن يأمر بما يريد خفيفًا، ولا يشغله وفاقًا، لأمره عليه الصلاة والسلام أهله بذلك، ولا بأس أن يتزوج، ويشهد النكاح، لنفسه ولغيره، ويصلح بين القوم، ويعود المريض، ويعزي، ويصلي على الجنازة، ويهنئ، ويؤذن ويقيم، كل ذلك في المسجد، وفاقًا للشافعي وأبي حنيفة، إلا في الصلاة على الجنازة، لكراهتها في المسجد عندهم، ولا بأس أن يتنظف، ولا يكره التطيب وفاقًا كالتنظف، استظهره في الفروع، ويستحب له ترك رفيع الثياب والتلذذ بما يباح له قبل الاعتكاف، ولا يكره.

يكره الصمت إلى الليل

ويكره الصمت إلى الليل (¬1) وإن نذره لم يف به (¬2) وينبغي لمن قصد المسجد أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه فيه، لا سيما إن كان صائمًا (¬3) . ¬

_ (¬1) إجماعًا، إلا أنه لا يتكلم إلا بخير، ولأنه ليس من شريعة الإسلام، وظاهر الأخبار تحريمه، حكاه الموفق وغيره، ورأى أبو بكر امرأة لا تتكلم، فقال: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية. رواه البخاري وقال الشيخ: يحرم إذا تضمن ترك واجب، أو تعبد به عن الكلام المستحب، ويجب عن الكلام المحرم، ويسن عن المفضول، ويكره عن المستحب. (¬2) لحديث علي «لا صمات إلى الليل» رواه أبو داود بسند حسن، وفي الصحيح، في الذي نذر أن لا يتكلم «مروه فليتكلم» وقال الشافعي: لو نذر الصمت في اعتكافه، ثم تكلم، فلا كفارة عليه. ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلاً من الكلام، لأنه استعمال له في غير ما هو له، كقوله لمن جاء: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} ، وقال الشيخ: إن قرأ به عند الحكم الذي أنزل له، أو ما يناسبه فحسن، كقوله لمن دعاه لذنب تاب منه (ما يكون لنا أن نتكلم بهذا) وقوله عندما أهمه {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ} وقال النووي – عند حديث الشفاعة – وفيه: وقال {خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} : فيه جواز الاستشهاد بالقرآن في مثل هذا الحديث، وفي الصحيح مثله من فعله صلى الله عليه وسلم، لما طرق فاطمة وعليا، ثم انصرف وهو يقول {وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} ونظائره كثيرة. (¬3) سواء كان لصلاة أو غيرها، لا لإقراء قرآن وعلم ونحوه إذا قيل: يكره للمعتكف؛ وقال الشيخ: من قصد المسجد لصلاة أو غيرها لا ينوي الاعتكاف مدة لبثه فيه.

ولا يجوز البيع ولا الشراء فيه للمعتكف وغيره، ولا يصح (¬1) . ¬

_ (¬1) قال الوزير: أجمعوا على أنه ليس للمعتكف أن يتجر ويكتسب بالصنعة على الإطلاق، ومنع منه مالك على الإطلاق في رواية. اهـ. والإجارة كالبيع، وقطع جمع من الأصحاب بالكراهة، وفاقًا لمالك والشافعي، لما روى أحمد، وأبو داود، وغيرهما. «نهى عن البيع والشراء في المسجد» . وروى الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا «إذا رأيتم من يبيع، أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك» وصحت الأخبار بالمنع من إنشاد الضالة، فالبيع في الاعتكاف أولى، ويكره فيه اليسير كالكثير وفاقًا.

كتاب المناسك

كتاب المناسك (¬1) ¬

_ (¬1) الحج أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، ودعائمه الخمس، وقواعده، قال الله تعالى {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} أي: ولله على الناس فرض واجب حج البيت، فحرف (علي) للإيجاب، لا سيما إذا ذكر المستحق، واتبعه بقوله (ومن كفر) فسمى تعالى تاركه كافرًا فدل على كفره، وحيث دل على كفره، فقد دل على آكدية ركنيته، وأما من لم يعتقد وجوبه فهو كافر إجماعًا. وقال {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} فأذن فيهم الخليل عليه السلام: إن لربكم بيتًا فحجوه. وللترمذي وغيره - وصححه - عن علي مرفوعًا «من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا» . وورد فيه أحاديث كثيرة (منها) «بني الإسلام على خمس» وذكر الحج، ولأحمد وغيره بسند حسن عن عياش مرفوعًا «إن هذه الأمة لا تزال بخير، ما عظموا هذه الحرمة» يعني الكعبة «حق تعظيمها، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا» . وأجمع المسلمون على أنه ركن من أركان الإسلام، وفرض من فروضه، إجماعًا ضروريًا، وهو من العلم المستفيض، الذي توارثته الأمة خلفًا عن سلف، والحكمة والله أعلم، أنه إنما وضع البيت، وأوجب حجه {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} كما ذكر الله في كتابه، لا لحاجة به تعالى إلى الحجاج، كما يحتاج المخلوق إلى من يقصده ويعظمه {فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} وأخر الحج عن الصلاة، والزكاة، والصوم، لأن الصلاة عماد الدين، ولشدة الحاجة إليها، ولتكررها كل يوم خمس مرات، وأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، ثم الزكاة لكونها قرينة لها، في أكثر المواضع من الكتاب والسنة، ولشمولها المكلف وغيره، ثم الصوم، لتكرره كل سنة، لكن البخاري قدم الحج على الصوم، للتغليظ في تركه، ولعدم سقوطه بالبدل، وترجم المصنف كالمقنع وغيره «بالمناسك» وترجم غيرهم بـ «الحج» .

جمع منسك، بفتح السين وكسرها (¬1) وهو التعبد (¬2) يقال: تنسك تعبد (¬3) وغلب إطلاقها على متعبدات الحج (¬4) والمنسك في الأَصل من النسيكة وهي الذبيحة (¬5) (الحج) بفتح الحاء في الأشهر (¬6) عكس شهر ذي الحجة (¬7) فُرض سنة تسع من الهجرة (¬8) . ¬

_ (¬1) فبالفتح مصدر، وبالكسر اسم لموضع العبادة. فيقال للعابد: ناسك. والكسر على خلاف القياس، وقد روي مفتوحًا على القياس. (¬2) أي التنسك هو التعبد. (¬3) «ونسك» ينسك أي تعبد، «ونسك» بالضم أي صار ناسكًا. (¬4) لكثرة أنواعها، لما تضمنته من الذبائح المتقرب بها، وفي المطالع: المناسك مواضع متعبدات الحج. فالمناسك إذًا المتعبدات كلها، وقد غلب إطلاقها على أفعال الحج، لكثرة أنواعها. (¬5) يعني المتقرب بها، ثم اتسع فيها فصار اسمًا للعبادة. (¬6) لا بكسرها في الأشهر، وبالفتح هو المصدر، وبالفتح والكسر جميعًا هو الاسم منه. (¬7) فالأشهر فيه الكسر. (¬8) عند أكثر أهل العلم، وجزم به غير واحد من أهل التحقيق، وقيل: سنة عشر، قال ابن القيم: تأخر فرضه إلى سنة تسع، أو عشر، عام تبوك، وهو قول جمهور المفسرين، ولم يحج صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلا حجة واحدة، وهي حجة الوداع، وكانت سنة عشر من الهجرة، بلا نزاع، وحج قارنا، لسوقه الهدي، وإنما سميت حجة الوداع لأنه ودع الناس فيها، وقال «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» واعتمر أربع عمر، وكلها في أشهر الحج، وقال ابن إسحاق: لم يبعث الله نبيًا بعد إبراهيم إلا حج هذا البيت. وقال غيره: ما من نبي إلا حج.

تعريف الحج والعمرة لغة وشرعا وحكمهما

وهو لغة القصد (¬1) وشرعًا: قصد مكة لعمل مخصوص (¬2) في زمن مخصوص (¬3) (والعمرة) لغة الزيارة (¬4) وشرعًا: زيارة البيت، على وجه مخصوص (¬5) . ¬

_ (¬1) أي إلى من تعظمه، أو كثرة القصد إليه، ويطلق على العمل أيضًا، وعلى الإتيان مرة بعد أخرى، قال الجوهري: ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة للنسك، وقال الشيخ: الحج في اللغة قصد الشيء وإتيانه، ومنه سمي الطريق محجة، ومنه في الاشتقاق الأكبر: الحاجة، وهو ما يقصد ويطلب للمنفعة به. (¬2) فالمعنى الشرعي يجب اشتماله على اللغوي، بزيادة المناسبة بين المعنيين، فالحج شرعًا: قصد، وهو النية، وزيادة الأفعال، كالصلاة، دعاء، وزيادة الأفعال. (¬3) هو يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، ويقال: الحج عبارة عن قصد البيت العتيق، بإحرام مخصوص، مشتمل على وقوف وغيره، على وجه مخصوص. (¬4) يقال: اعتمره. إذا زاره، وتسمى «حجًا أصغر» لمشاركتها له في الإحرام، والطواف، والسعي، والحلق، أو التقصير. (¬5) بإحرام، وطواف، وسعي، وتحلل، ولم يقل: بزمن مخصوص لأنها تجوز كل وقت، وقال الشيخ: ثم غلب – في الاستعمال الشرعي والعرفي – على حج بيت الله وإتيانه، فلا يفهم عند الإطلاق إلا هذا النوع الخاص من القصد، لأنه هو المشروع، الموجود كثيرًا، وذلك لقوله {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ} والمقصود من الحج والعمرة عبادة الله وحده، في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها، وقال صلى الله عليه وسلم «إنما جعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، لإقامة ذكر الله» بل الحج خاصة هذا الدين الحنيف، وسر التوحيد، قال بعض المفسرين – في قوله {حُنَفَاءَ للهِ} – أي حجاجًا. وجعل تعالى بيته قيامًا للناس، فهو عمود العالم الذي عليه بناؤه، فلو ترك الحج خرت السماء على الأرض، كما قال ابن عباس: لا يزال الناس قيامًا، ما زال هذا البيت محجوجًا. فهو خاصة الحنيفية، وزيارة المحب لمحبوبه، وإجابة دعوته، ومحل كرامته، ولهذا كان شعارهم «لبيك لبيك» .

وهما (واجبان) (¬1) لقوله تعالى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ} (¬2) . ¬

_ (¬1) أي الحج والعمرة، أما وجوب الحج فبإجماع المسلمين، بل هو ركن من أركان الإسلام، المشار إليها في حديث «بني الإسلام على خمس» فذكر حج البيت وتقدم، وفرض كفاية كل عام، على من لم يجب عليه عينًا، وأما وجوب العمرة فالمذهب وجوبها، وفاقًا للجديد من قولي الشافعي، وقول في مذهب مالك، وهو قول أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم، قاله في الفروع، والبغوي وغيرهما وتجب بالشروع فيها، باتفاق أهل العلم، حكاه ابن كثير وغيره، وأجمعوا على أن العمرة مشروعة، بأصل الإسلام، وأن فعلها في العمر مرة واحدة كالحج. (¬2) احتج بالآية على وجوب العمرة، وسبب نزولها: أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل وهو بالجعرانة، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فنزلت {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ} والسائل قد أحرم، وإنما سأل كيف يصنع؟ وتقدم أنه قد انعقد الإجماع على وجوب إتمامها، قال ابن القيم: وليس في الآية فرضها، وإنما فيها إتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء وورد في فضلها أحاديث كثيرة.

ولحديث عائشة: يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ قال «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة» رواه أحمد، وابن ماجه، بإسناد صحيح، وإذا ثبت ذلك في النساء، فالرجال أَولى (¬1) . ¬

_ (¬1) أي إذا ثبت وجوب الحج والعمرة على النساء في الخبر، فالرجال أولى بثبوتها في حقهم، وللبخاري عنها، أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال «لكن أفضل الجهاد حج مبرور» ولمسلم عن ابن عباس «دخلت العمرة في الحج، إلى يوم القيامة» وعن أبي رزين العقيلي، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج والعمرة، ولا الظعن، فقال «حج عن أبيك واعتمر» رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وفي حديث عمر، عند ابن خزيمة وغيره «وتحج البيت وتعتمر» . وقال الشافعي: العمرة سُنة، لا نعلم أحدًا رخص في تركها، وليس فيها شيء ثابت بأنها تطوع. وعنه: سنة، وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك، وأحد قولي الشافعي، واختاره الشيخ وغيره، لحديث جابر مرفوعًا: سئل عن العمرة، أواجبة هي؟ قال «لا، وأن تعتمر خير لك» رواه الترمذي وصححه، وقال: وهو قول بعض أهل العلم، قالوا: العمرة ليست بواجبة. ولأن الأصل عدم الوجوب، والبراءة الأصلية لا ينتقل عنها إلا بدليل يثبت به التكليف، ولا دليل يصلح لذلك، مع اعتضاد الأصل بالأحاديث، القاضية بعدم الوجوب، ويؤيده اقتصاره تعالى على الحج في قوله تعالى {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} واقتصار الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث «بني الإسلام على خمس» على الحج، وقال للذي قال: لا أزيد عليهن، ولا أنقص. «لئن صدق ليدخلن الجنة» وحديث «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» ولفظ «التمام» في الآية مشعر بأنه إنما يجب بعد الإحرام، لا قبله، للخبر في سبب النزول، وأما أهل مكة فالقول بوجوبها عليهم ضعيف، مخالف للسنة الثابتة، وهو الأصح عند أحمد، قاله الشيخ وغيره.

إذا تقدر ذلك فيجبان (على المسلم، الحر، المكلف، القادر) أي المستطيع (¬1) (في عمره مرة) واحدة (¬2) لقوله عليه السلام «الحج مرة، فمن زاد فهو مطَّوَّع» رواه أحمد وغيره (¬3) . ¬

_ (¬1) لقوله تعالى {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} (مَنْ) بدل من (الناس) فتقديره: ولله على المستطيع. وللسنة المستفيضة، وإجماع المسلمين، ولانتفاء تكليف ما لا يطاق عقلاً وشرعًا. (¬2) قال الوزير وغيره: أجمعوا على أن الحج يجب على كل مسلم، عاقل، حر، بالغ، صحيح، مستطيع، في العمر مرة واحدة، وأن المرأة في ذلك كالرجل، وأن الشرائط في حقها كالرجل. اهـ. وإذا فقد من هذه الشروط المذكورة واحد لم يجب أصلاً، ولا يجب على من قام به واحد من أضداد هؤلاء، وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن من فعل العمرة مرة واحدة كالحج، وتقدم الكلام في وجوبها. (¬3) فرواه النسائي بمعناه عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولأحمد عن علي نحوه، وفيه: أفي كل عام؟ قال «لا» وفي صحيح مسلم وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا «أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا» فقال رجل: أكل عام؟ فقال «لو قلت: نعم. لوجبت، ولما استطعتم» وفي الصحيحين عن سراقة: مُتعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ قال «لا، بل لأبد الأبد» «والمطَّوَّع» بتشديد الطاء المهملة، وكسر الواو المشددة، أي متنفِّل، غير مفترض، فإنه لم يفرض في العمر إلا مرة واحدة.

شروط الوجوب والإجزاء والصحة

فالإسلام والعقل، شرطان للوجوب والصحة (¬1) والبلوغ وكمال الحرية، شرطان للوجوب والإجزاء، دون الصحة (¬2) . ¬

_ (¬1) فلا يجبان على كافر أصلي إجماعًا، ولا على مرتد وفاقًا، ويعاقب عليه، وعلى سائر فروع الإسلام، كما تقدم، ولا يجبان عليه باستطاعته في حال ردته فقط، وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك، ولا تبطل استطاعته بردته، وإن حج ثم ارتد، ثم أسلم وهو مستطيع لم يلزمه، وفاقًا للشافعي، ولا يصحان منه إجماعًا، لأنهما عبادة من شرطها النية، وهي لا تصح من كافر، ولأنه ممنوع من دخول الحرم، وهو مناف له، وينعقد إحرامه معه ابتداء، بخلاف الردة إجماعًا، ولا يبطل إحرامه، ويخرج منهما بها، وهو مذهب أبي حنيفة، لعموم {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} ولا يجبان على مجنون إجماعًا، ولا يصحان منه إن عقده بنفسه إجماعًا، لأنه لا قصد له، وقصد الفعل شرط، وكذا لو عقده له وليه، وقيل: يصح. وهو مذهب مالك والشافعي، ولا تبطل استطاعته بجنونه، ولا إحرامه به، قياسًا على الصوم اتفاقًا، ولا يبطل الإحرام بالإغماء، والسكر، والموت. (¬2) فلا يجبان على الصغير وفاقًا، للخبر، لأنه غير مكلف، ولاشتمال الحج على المال والبدن، وفي نيته قصور، ولا يجبان على القن وفاقًا، لأن مدتهما تطول، فلم يجبا عليه، لما فيه من إبطال حق السيد، والمشغول بالحاجة الأصلية كالمعدوم شرعًا، ولأنه لا مال له، وكذا مكاتب، ومدبر، وأم ولد، ومعتق بعضه وفاقًا، وحكاه ابن الهمام إجماعًا، وإن فعلا انعقد وفاقًا، لحديث ابن عباس: أن امرأة رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم صبيًا، فقالت: ألهذا حج؟ قال «نعم، ولك أجر» رواه مسلم، ولأن العبد من أهل العبادة، فصحا منه كالحر، ولا يجزئ عن حجة الإسلام وعمرته بعد زوال المانع، وعليهما الحج والعمرة بعد البلوغ والعتق، لقول ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى» رواه أحمد، والشافعي والبيهقي، وغيرهم، والحاكم وصححه، ولأنهم فعلوا قبل وجوبه، فلم يجزئهم إذا صاروا من أهله، حكاه ابن عبد البر وغيره إجماعًا، وهو قول عامة أهل العلم إلا شذوذًا.

من كملت له الشروط وجب عليه السعي على الفور

والاستطاعة شرط للوجوب، دون الإجزاء (¬1) فمن كملت له الشروط وجب عليه السعي (على الفور) (¬2) ويأْثم إن أخره بلا عذر (¬3) لقوله عليه السلام «تعجلوا إلى الحج – يعني الفريضة – فإن أَحدكم لا يدري ما يعرض له» رواه أحمد (¬4) . ¬

_ (¬1) فلو حج كبير، أو مريض، أو فقير أجزأ إجماعًا، وحج خلق من الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا شيء لهم، ولم يأمرهم بالإعادة. (¬2) أي فمن كملت له الشروط الخمسة، الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة، وجب عليه السعي للحج والعمرة على الفور، وهو الشروع في الامتثال عقب الأمر، من غير فصل، ولا يجوز له تأخيره، عند أحمد، وأبي حنيفة، وأكثر الشافعية، قال الشيخ: والحج على الفور، عند أكثر العلماء، وإذا خاف العنت من يقدر على الحج قدم النكاح، وحكي إجماعًا، وإلا قدم الحج. (¬3) لأن الأمر يقتضي الفورية، ولما ورد في التأخير من التأثيم، ومع العذر فلا تأثيم. (¬4) وله من حديث الفضل «من أراد الحج فليتعجل» وليست الإرادة هنا على التخيير، لانعقاد الإجماع على خلافه، بل كقوله: من أراد الصلاة فليتوضأ. وكقوله {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} وعن عبد الرحمن بن سابط يرفعه «من مات ولم يحج حجة الإسلام، لم يمنعه مرض حابس، أو سلطان جائر، أو حاجة ظاهرة، فليمت على أي حال، يهوديًا أو نصرانيًا» رواه سعيد، وله طرق توجب أن له أصلاً، وعن الحسن، عن عمر: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين. رواه البيهقي وغيره، ولأنه أحد مباني الإسلام، فلم يجز تأخيره إلى غير وقت معين، كبقية المباني، بل أولى. وأما تأخيره صلى الله عليه وسلم، هو وأصحابه، بناء على أنه فرض سنة تسع، فيحتمل أنه كان في آخرها، أو لعدم استطاعته، أو حاجة خوف في حقه، منعه وأكثر أصحابه، أو لأن الله كره له الحج مع المشركين عراة، أو لاستدارة الزمان، أو غير ذلك، ومن جملة الأقوال أنه فرض سنة عشر، فلا تأخير، وقال ابن القيم: لما نزل عليه فرض الحج بادر، فإن فرضه تأخر إلى سنة تسع، أو عشر، عام تبوك. وإرداف الصديق بعلي ينادي بذلك مؤذن به، وهو قول جمهور المفسرين، ولم ير أحمد بالغزو قبل الحج بأسًا، قال الشيخ: هذا مع أن الحج واجب على الفور عنده، لكن تأخيره لمصلحة الجهاد، كتأخير الزكاة الواجبة، لانتظار قوم أصلح من غيرهم، أو تضرر أهل الزكاة، وتأخير الفوائت، للانتقال عن مكان الشيطان، وهذا أجود ما ذكروه إن كان وجب عليه متقدمًا، والتقديم أفضل إجماعًا، ولو حج في آخر عمره ليس عليه إثم بالإجماع، ولو مات ولم يحج مع القدرة أثم إجماعًا.

(فإن زال الرق) بأَن عتق العبد محرمًا (¬1) (و) زال (الجنون) بأَن أَفاق المجنون، وأَحرم إن لم يكن محرمًا (¬2) . ¬

_ (¬1) سواء كان قنا، أو مكاتبًا، أو مدبرًا، أو أم ولد، أو معتقًا بعضه، أو معلقًا بصفة. (¬2) قبل جنونه، لا فيه، إذ المجنون لا يصح إحرامه.

(و) زال (الصبا) بأَن بلغ الصغير وهو محرم، (في الحج) وهو (بعرفة) قبل الدفع منه، أَو بعده إن عاد فوقف في وقته (¬1) ولم يكن سعى بعد طواف القدوم (¬2) (وفي) أي أَو وجد ذلك في إحرام (العمرة قبل طوافها صح) أي الحج والعمرة فيما ذكر (فرضًا) (¬3) فتجزئه عن حجة الإسلام وعمرته (¬4) ويعتد بإحرام ووقوف موجودين إذًا (¬5) . ¬

_ (¬1) صح فرضه، وهو مذهب الشافعي، وكذا إن أسلم الكافر، ثم أحرم، قبل الدفع من عرفة أو بعده وعاد فوقف في وقته، صح فرضه، كما لو أحرم إذًا، ولأنه أتى بالنسك حال الكمال، فأجزأه، كما لو وجد قبل الإحرام. واستدل أحمد بأن ابن عباس قال: إذا عتق العبد بعرفة أجزأت عنه حجته، وإن عتق بجمع لم تجز وعنه، ويلزمه العود إن أمكنه، لوجوب الحج على الفور مع الإمكان، كالبالغ الحر. (¬2) يعني من عتق وأفاق وبلغ. (¬3) وفاقًا لأنهما أتيا بالنسك حال الكمال، فأجزأ عنهما، كما لو وجد قبل الإحرام. (¬4) أي ممن زال رقه وجنونه وصباه في الحج بعرفة، وفي العمرة قبل طوافها، ولا تجزئه العمرة بعد طوافها، ولا في أثنائه، ولا أثر لإعادته وفاقًا في الكل. (¬5) بالتنوين أي وقت البلوغ، والحرية، وزوال الجنون.

وما قبله تطوع، لم ينقلب فرضًا (¬1) فإن كان الصغير أَو القن سعى بعد طواف القدوم قبل الوقوف لم يجزئه الحج، ولو أَعاد السعي، لأَنه لا يشرع مجاوزة عدده، ولا تكراره (¬2) بخلاف الوقوف، فإنه لا قدر له محدود (¬3) وتشرع استدامته (¬4) وكذا إن بلغ أَو عتق في أَثناء طواف العمرة، لم تجزئه ولو أَعاده (¬5) (و) يصح (فعلهما) أَي الحج والعمرة (من الصبي) نفلاً (¬6) . ¬

_ (¬1) ولا اعتداد به، قاله الموفق ومن تابعه، وقدمه في التنقيح، والمنتهى، والإقناع، وقال المجد وجماعة: ينعقد إحرامه موقوفًا، فإذا تغير حاله تبينت فرضيته، كزكاة معجلة. وقال مرعي: لو حج وفي ظنه أنه صبي، أوقن، فبان بالغًا، أو حرًا أجزأ. (¬2) أي السعي وقلنا: هو ركن. كما هو المذهب، وقال غير واحد: يجزئه إذا أعاد السعي، ولو كان قد سعى مع طواف القدوم، لحصول الركن الأعظم وهو الوقوف، فلا فرق في وجود ذلك قبل السعي أو بعده. (¬3) يعني الوقوف، فإنه يكفي ولو لحظة، فلا تقدير بساعة أو نحوها. (¬4) أي الوقوف، لأن من وقف نهارًا وجب عليه أن لا يدفع إلا بعد الغروب، مع أنه يكفي لو دفع قبله. (¬5) لمضي بعض الركن حال الصغر والرق، وهو لا يشرع مجاوزة عدده، ولا تكراره. (¬6) وفاقًا، إلا أن أبا حنيفة قال: لا يتعلق به وجوب الكفارة، قال الوزير: أي يكتب له. وكذلك أعمال البر كلها، فهي تكتب له، ولا تكتب عليه، ومعنى قول أبي حنيفة: لا يصح منه. لا يصح صحة يتعلق بها وجوب الكفارات عليه، إذا فعل محظورات الإحرام.

يحرم الولي عن الصغير دون المميز، ولا تجزئهما عن حجة الإسلام، ويفعل الولي ما يعجزها

لحديث ابن عباس: أَن امرأة رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم صبيًا، فقالت: أَلهذا حج؟ قال «نعم، ولك أَجر» رواه مسلم (¬1) ويحرم الولي في مال، عمن لم يميز (¬2) . ¬

_ (¬1) ورواه الترمذي وغيره وصححه، وعن السائب بن يزيد، قال: حج بي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ابن سبع، وغير ذلك من الأخبار، قال الترمذي، وابن عبد البر، والوزير، وغيرهم: أجمع أهل العلم أن الصبي إذا حج قبل أن يبلغ، فعليه الحج إذا وجد وبلغ، ولا تجزئه تلك الحجة عن حجة الإسلام، وكذا عمرته، لقول ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيما صبي حج ثم بلغ، فعليه حجة أخرى» رواه الشافعي والبيهقي، ولأنه فعله قبل وجوبه، فلم يجزئه إذا صار مع أهله. (¬2) أي يعقد الإحرام ولي الصبي في المال – وهو الأب، أو وصيه، أو الحاكم – عن الصبي غير المميز، حيث لم يمكنه الإحرام بنفسه، ويقع لازمًا، وحكمه كالمكلف عند الجمهور، لا الولي في النكاح، كالعم، وابن العم، فإنه لا ينعقد إحرامه بهم، وإذا عدم الولي في المال، يقوم غيره مقامه، كما في قبول الزكاة له، وهو ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم «ولك أجر» حيث لم يستفصل، فيسأل: هل له أب حاضر، أو لا؟ ولقول جابر: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا النساء، والصبيان، فأحرمنا عن الصبيان. رواه سعيد، فيعقد له الولي – أو من يقوم مقامه – الإحرام، ويصير الصغير بذلك محرمًا، دون الولي، ولا يحرم الولي عن مميز، وفاقًا لمالك، والشافعي، لعدم الدليل.

ولو محرمًا، أَو لم يحج (¬1) ، ويحرم مميز بإذنه (¬2) ويفعل ولي ما يعجزهما (¬3) لكن يبدأ الولي في رمي بنفسه (¬4) . ¬

_ (¬1) أي ولو كان الولي محرمًا لنفسه، أو نائبًا عن غيره، أو لم يحج عن نفسه، ولا عن غيره. (¬2) أي ويحرم المميز عن نفسه بإذن وليه، لأنه يصح وضوءه، فيصح إحرامه، ولا يصح بغير إذن وليه، لأنه يؤدي إلى لزوم مال، فلم ينعقد بنفسه، كالبيع، واختار المجد: يصح كصوم وصلاة. (¬3) كرمي وتلبية، لحديث جابر: لبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم؛ رواه أحمد، وابن ماجه، وعن عمر في الرمي، وأبي بكر، أنه طاف بابن الزبير في خرقة، رواهما الأثرم، وعن عائشة، أنها كانت تجرد الصبيان إذا دنوا من الحرم، وقال عطاء: يفعل به كما يفعل بالكبير، ويشهد المناسك كلها، إلا أنه لا يصلي عنه، وكل ما أمكن الصغير – مميزًا كان أو دونه – فعله بنفسه، كالوقوف، والمبيت، لزمه فعله، بمعنى أنه لا يصح أن يفعل عنه، لعدم الحاجة إليه، ويجتنب في حجة ما يجتنب الكبير من المحظورات، والوجوب متعلق بالولي، لأن الصغير لا يخاطب بخطاب تكليفي، وزيادة نفقته في السفر عن نفقة الحضر في مال وليه، عند جمهور الأصحاب. (¬4) أي عن نفسه، لا عن غيره، كما في النيابة في الحج، وهذا استدراك من قوله: ويفعل ولي. الخ، لدفع توهم: أنه يبدأ في رمي بموليه، فإنه لو بدأ برمي عن موليه وقع عن نفسه هو، وقيده بعضهم بما إذ كان حجه فرضًا، وإن أمكن الصبي أن يناوله النائب الحصى ناوله، وإن أمكن أن يضعها في كفه فيجعل يده كالآلة فحسن، ليوجد من الصبي نوع عمل.

نية الحج تشمل أفعاله إلا البدل

ولا يعتد برمي حلال (¬1) ، ويطاف به لعجز راكبًا أَو محمولاً (¬2) . (و) يصحان من (العبد نفلاً) لعدم المانع (¬3) . ¬

_ (¬1) لأنه لا يصح لنفسه رمي، فلا يصح عن غيره، إلا الطواف لوجوده من الصبي، كمحمول مريض، ولم يوجد من الحامل إلا النية. (¬2) كالمريض، ولفعل أبي بكر، قال الشيخ: وإن لم يمكنه الطواف ماشيًا، فطاف راكبًا، أو محمولاً، أجزأ بالاتفاق. وتعتبر نية طائف به، لتعذر النية منه، إن لم يكن مميزًا، فإن لم يمكن الطواف به راكبًا، ولا محمولاً، طاف عنه وليه، قال الزركشي: لا يخلو من ثمانية أحوال «أحدها» نويا جميعًا عن الحامل فقط، فيصح له بلا ريب «الثاني» نويا جميعًا عن المحمول، فتختص الصحة به أيضًا «الثالث» نوى كل منهما عن نفسه، فيصح الطواف للمحمول، دون الحامل، جعلا للحامل كالآلة، وأخذ الأجرة عن المحمول يدل على أنه قصده به، وحسن أبو محمد صحة الطواف منهما كل لنفسه، لأنه لا يصرفه عن نفسه، ولأن كلا منهما طائف بنية صحيحة، كالحمل بعرفات، وذكر ذلك ابن الزاغوني احتمالاً، وصاحب الفروع قولاً، وهو مذهب أبي حنيفة. قال «والرابع، والخامس» نوى أحدهما عن نفسه، ولم ينو الآخر شيئًا، فيصح للناوي، دون غيره، «السادس، والسابع، والثامن» لم ينو أحد منهما، أو نوى كل منهما عن صاحبه، فلا يصح لواحد منهما، والسعي كالطواف، صرح به الشافعية، وقال غير واحد: هو كالعبادات المتنوعة، لتعلقه بأماكن، وأزمان، فيفتقر كل جزء منه إلى نية، وذكر القاضي وغيره أن نية الحج تشمل أفعاله كلها، إلا البدل وهو الهدي. (¬3) ولكونه من أهل العبادة، فصحا منه إجماعًا، وإن عتق فعليه الحج إن استطاع، وقال الترمذي: أجمع أهل العلم على أن المملوك إذا حج في حال رقه ثم عتق، فعليه الحج إذا وجد إلى ذلك سبيلاً، ولا يجزئ عنه ما حج في حال رقه.

ويلزمانه بنذره (¬1) ولا يحرم به، ولا زوجة، إلا بإذن سيد وزوج (¬2) فإن عقداه فلهما تحليلهما (¬3) ولا يمنعها من حج فرض كملت شروطه (¬4) . ¬

_ (¬1) أي يلزم الحج والعمرة العبد بنذره بلا خلاف، لأنه مكلف، فصح نذره كالحر، ولا يجوز له تحليله منه، لوجوبه، كما لو أحرم بواجب بأصل الشرع، وفي رواية: إن كان نذره بإذنه. (¬2) وفاقًا، لتفويت حق الزوج والسيد بالإحرام. (¬3) أي فإن عقد قن، أو امرأة الإحرام بلا إذن سيد وزوج، ولم يكن منذورًا، فللسيد والزوج منعهما منه وفاقًا، لأن حقهما لازم، فملكا إخراجهما منه، كالاعتكاف، وإن لم تقبل تحليله أثمت، وله مباشرتها، ويكونان كالمحصر، لأنهما في معناه، فإن نذره بإذن سيد فليس له تحليله، ولا لزوج تحليلها من منذور، ولو لم يأذن فيه، ومفهومه أنهما إن فعلاه انعقد إحرامهما، لأنه عبادة بدنية، فصحت بغير إذن كالصوم. (¬4) أي ولا يمنع الزوج زوجته، من حج فرض كملت شروطه، ولا يحللها منه، وفاقًا، لأنه واجب بأصل الشرع، أشبه الصوم والصلاة، وقال الشيخ: ليس للزوج منع زوجته من الحج الواجب، مع ذي رحم، عليها أن تحج وإن لم يأذن في ذلك، حتى إن كثيرًا من العلماء أو أكثرهم يوجبون لها النفقة عليه مدة الحج. وهذا مستدرك مما أجمله الشارح قبل، وأفردها بالفرض دون العبد، لأنه لا يجب عليه حج بحال بخلافها، ولو لم تستكمل شروطه فله منعها، وإن أحرمت به بلا إذنه لم يملك تحليلها، ويستحب أن تستأذنه.

تعريف القادر على الحج والعمرة وبيان المعتبر في ذلك

ولكل من أَبوي حر بالغ منعه من إحرام بنفل، كنفل جهاد (¬1) ولا يحللانه إن أَحرم (¬2) (والقادر) المراد فيما سبق (¬3) (من أَمكنه الركوب (¬4) ¬

_ (¬1) أي لهما منعه من نفل الحج، كما أن لهما منعه من نفل الجهاد، مع أنه فرض كفاية، لأن بر الوالدين فرض عين، واستغربه ابن مفلح وغيره، وقالوا: المعروف اختصاص الجهاد بهذا الحكم، والمراد – والله أعلم – أنه لا يسافر لمستحب إلا بإذنهما كسفر الجهاد، وأما ما يفعله في الحضر نحو ذلك فلا يعتبر فيه إذن، وإن لم يعتبره أحد، ولا وجه له، والعمل على خلافه، كصلاة النافلة. (¬2) أي بالحج والعمرة، لوجوبه بالشروع فيهما، ولا يجوز للولد طاعتهما في ترك الحج الواجب، أو التحلل منه، وكذا كل ما وجب من صلاة وصوم، وكالجماعة والجمع، والسفر للعلم الواجب، لأنه فرض عين، وهذا المستحب مقدم على فرض الكفاية، وتلزم طاعتهما في غير معصية فيحرم، ولو كانا فاسقين في ظاهر كلام أحمد، قال الشيخ: فيما نفع فيه لهما ولا ضرر عليه، فإن شق عليه ولم يضره وجب. وفي رواية: لا طاعة لهما إلا في البر، وفي رواية: لا طاعة لهما في مكروه، أو ترك مستحب. وقال: ليس للأبوين منع ولدهما من الحج الواجب، لكن يستطيب أنفسهما، فإن أذنا له وإلا حج. وقال: إذا وجب على المحجور عليه، لم يكن لوليه منعه منه على الوجه الشرعي. اهـ. وليس لولي سفيه مبذر منعه من حج الفرض، ولا يحلله، ويدفع نفقته إلى ثقة ينفق عليه في الطريق، ويتحلل بصوم إذا أحرم بنفل إن زادت نفقته على نفقة الإقامة. (¬3) أي المستطيع كما تقدم في قوله عند قول الماتن: المكلف القادر. (¬4) من غير ضرر يلحقه لكبر أو زمانه، أو مرض لا يرجى برؤه، أو ثقل لا يقدر معه أن يركب إلا بمشقة شديدة، أو كان معضوبًا كما سيأتي.

ووجد زادًا وراحلة) بآلتهما (¬1) (صالحين لمثله) (¬2) لما روى الدارقطني بإسناده عن أَنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} قال: قيل يا رسول الله ما السبيل؟ قال «الزاد والراحلة» (¬3) . ¬

_ (¬1) أي آلة الراحلة من رحل، وقتب، ومحمل، ونحوها، حيث اعتبرت في حقه، بكراء، أو شراء، لذهابه وعودته، ويعتبر الزاد مع قرب المسافة وبعدها، إن احتاج إليه، فإن وجده في المنازل، لم يلزمه حمله، إن وجده يباع بثمن مثله، والزاد ما يحتاج إليه من مأكول، ومشروب، وكسوة، وتعتبر الراحلة مع بعد المسافة فقط – ولو قدر على المشي – وهو ما تقصر فيه الصلاة، لا فيما دونها من مكي وغيره، ويلزمه المشي إلا مع عجز لكبر ونحوه. (¬2) فالمعتبر شرعًا في حق كل أحد ما يليق بحاله، عرفًا وعادة، لاختلاف أحوال الناس، فإن كان ممن يكفيه الرحل والقتب، ولا يخشى السقوط، اكتفي بذلك، وإلا اعتبر وجود محمل، وهو «الهودج» ، وفي معناه الشقدف المتعارف «ومحارة» يركب فيها الواحد والاثنان، وما أشبه ذلك مما لا يخشى سقوطه عنه، ولا مشقة فيه، وإن لم يكن يقدر على خدمة نفسه اعتبر من يخدمه، ومن أمكنه من غير ضرر يلحق بغيره، مثل من يكتسب بصناعة كالخراز، أو مقارنة من ينفق عليه، أو يكتري لزاده، ولا يسأل الناس استحب له الحج، ويكره لمن حرفته المسألة، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأكثر أهل العلم، وقال مالك: ليس الزاد والراحلة من شروط وجوبه، فإذا قدر راجلا، وله صنعة، أو من عادته السؤال فهو مستطيع. (¬3) ورواه البيهقي وغيره، وسنده إلى الحسن صحيح، ورواه الحاكم من طريق آخر وثقه أحمد، وعن ابن عباس عند ابن ماجه والدارقطني نحوه، وعن جماعة من الصحابة، يقوي بعضها بعضًا للاحتجاج بها، ومنها حديث ابن عمر: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما يوجب الحج؟ قال «الزاد والراحلة» قال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم. وقال شيخ الإسلام بعد سرد الآثار فيه: هذه الأحاديث مسندة من طرق حسان، ومرسلة، وموقوفة، تدل على أن مناط الوجوب الزاد والراحلة. ولأن الخطاب إنما هو للمستطيع، لأن (من) بدل من (الناس) ، فتفيد الآية: ولله على المستطيع. ولانتفاء تكليف ما لا يطاق عقلاً وشرعًا، ولأنه عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة، فكان ذلك شرطًا كالجهاد، ومتى وصل وفعل أجزأه بلا نزاع، فليس شرطًا في الصحة والإجزاء كما تقدم.

وكذا لو وجد ما يحصل به ذلك (¬1) (بعد قضاء الواجبات) من الديون، حالة أَو مؤجلة (¬2) والزكوات، والكفارات، والنذور (¬3) (و) بعد (النفقات الشرعية) له ولعياله (¬4) . ¬

_ (¬1) أي القادر من أمكنه الركوب، ووجد من نقد أو عرض، أو غيرهما ما يحصل به الزاد والراحلة، لأن ملك الثمن كملك المثمن، ونقل ابن الجوزي الإجماع على أن اكتساب الزاد والراحلة لا يجب، فتقرر أن تحصيل سبب الوجوب لا يجب. (¬2) لأن ذمته مشغولة به، وهو محتاج لبراءتها، فتجب مقدمة على الحج، وإن ترك حقًا يلزمه من دين وغيره حرم وأجزأه، لتعلقه بذمته. (¬3) أي الواجبة لله، فلا فرق بين حق الله وحق الآدمي. (¬4) إلى أن يعود، بلا خلاف، لقوله «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول» وقوله «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» ولأن ذلك مقدم على الدين، فلأن يقدم على الحج بطريق الأولى.

على الدوام (¬1) من عقار، أَو بضاعة، أَو صناعة (¬2) (و) بعد (الحوائج الأصلية) من كتب، ومسكن، وخادم، ولباس مثله (¬3) وغطاء، ووطاء، ونحوها (¬4) ولا يصير مستطيعًا ببذل غيره له (¬5) . ¬

_ (¬1) أي عامه، والدوام مصدر: دام يدوم. إذا ثبت واستمر، والمراد هنا مدة ذهابه ورجوعه، وقال جمهور الأصحاب: طريق التصحيح أن يحمل قوله هنا على ذلك، ويمكن أن يحمل علىظاهره صرح به في الهداية، حيث قال: وأن يكون له إذا رجع ما يقوم بكفايته، من عقار، أو بضاعة أو صناعة. ومشى عليه في الإقناع، والمنتهى وشرحه وغيرهم، لتضرره بذلك كالمفلس، قال في الإنصاف: والصحيح من المذهب أنه يعتبر أن يكون له إذا رجع ما يقوم بكفايته، وكفاية عياله، على الدوام، وعليه أكثر الأصحاب. (¬2) أي من أجور عقار، أو ربح بضاعة، أو من صناعة ونحوها، وكثمار، وعطاء من ديوان ونحو ذلك، لكن إن فضل عن حاجته، وأمكن بيعه وشراؤه قدر الكفاية منه، ويفضل له ما يحج به لزمه. (¬3) لأن المفلس يقدم به على غرمائه، والمراد: ومسكن للسكنى، أو يحتاج إلى أجرته لنفقته، أو نفقة عياله. (¬4) كأوانٍ، وما لا بد له منه، وإلا لم يلزمه، لتضرره بإنفاق ما في يده إذًا. (¬5) مالاً أو مركوبًا، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، ولو كان الباذل له قريبه كأبيه ونحوه، لأجل المنة، كبذل إنسان نفسه ليحج عن نحو مريض مرضًا لا يرجى برؤه، وليس له ما يستنيب به، قال الشيخ: وكل عبادة اعتبر فيها المال، فإنما المعتبر ملكه، لا القدرة على ملكه، كتحصيله بصنعة، أو قبول هبة، أو مسألة، أو أخذ من صدقة، أو بيت مال. اهـ. ومذهب الشافعي: يلزمه ببذل ولده، إذا كان قد أدى عن نفسه، فإن قبل المال المبذول، وقدر به، وجب عليه الحج إجماعًا.

ويعتبر أَمن الطريق (¬1) بلا خفارة (¬2) . ¬

_ (¬1) للنفس والمال، من ظالم، أو عدو، أو سبع، أو غير ذلك، لأن عدم أمن ذلك ضرر، وهو منفي شرعًا، ولا يتأتى الحج بدونه، قال ابن الجوزي: العاقل إذا أراد سلوك طريق يستوي فيها احتمال السلامة والهلاك، وجب عليه الكف عن سلوكها. واختاره الشيخ، وقال: أعان على نفسه، فلا يكون شهيدًا. وإن غلب لم يلزمه السلوك، وذكره المجد إجماعًا في البحر، قال أحمد: روي مرفوعًا «من ركب البحر حال ارتجاجه فمات، برئت منه الذمة» وإن كان غالبه السلامة وجب، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، وعن الشافعي رواية كالجماعة، وهل يستنيب لعدم أمن الطريق وغيره، قال سليمان بن علي: القادر على حج الفرض لا يستنيب، ولو مع خوف الطريق. (¬2) بتثليث الخاء، والفتح أشهر، اسم لجعل الخفير، يقال: خفرت الرجل. حميته، وأجرته من طالبه، فأنا خافره، لقوله تعالى {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فإن الخائف غير مستطيع، فإن لم يمكنه سلوكه إلا بها لم يجب، وظاهره: ولو يسيرة. كظاهر المنتهى وغيره، لأنها نكرة في سياق النفي، وعليه الجمهور، زاد الموفق وغيره: إذا أمن الغدر من المبذول له. ولعله مراد من أطلق، واستظهر بعضهم أنها ليست من قبيل المنهي عنه، لأنه إنما يبذلها ليتوصل بها إلى واجب، فهي جائزة اتفاقًا، وإذا جازت، وتوقف الواجب عليها، وجبت كثمن الزاد، وقال الشيخ: الخفارة تجوز عند الحاجة إليها، إلا في الدفع عن المستخفر، ولا يجوز مع عدمها، كما يأخذه السلطان من الرعايا، وقاله أبو الخطاب وغيره، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي.

يلزم العاجز أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من حيث وجبا

يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد (¬1) وسعة وقت، يمكن فيه السير على العادة (¬2) (وإن أعجزه) عن السعي (كبر، أو مرض لا يرجى برؤه) (¬3) . ¬

_ (¬1) أي بالمنازل في الأسفار، لأنه لو كلف حمل مائه وعلف بهائمه فوق المعتاد من ذلك لأدى إلى مشقة عظيمة، فإن وجد على العادة، ولو بحمل الماء من منهل إلى منهل، والعلف من موضع إلا آخر لزمه، لأنه المعتاد، واستمر عمل المسلمين عليه. (¬2) أي ويشترط للوجوب سعة وقت، لتعذر الحج مع ضيق وقته، كما يعتبر أمن الطريق، وقاله أبو الخطاب وغيره؛ وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وعنه: أن سعة الوقت، وأمن الطريق، وقائد الأعمى، ودليل الجاهل، ونحو ذلك من شروط لزوم الأداء، اختاره الأكثر، وفاقًا للمالكية، وصححه في الفروع، فيأثم إن لم يعزم على الفعل، ولو مات قبل وجود هذين الشرطين أخرج من ماله من ينوب عنه، دون القول أنهما من شرائط الوجوب، والمراد: من كملت له الشروط سوى هذين، والفرق بنيهما أن ما كان شرطًا في الوجوب، إذا مات لم يجب في ماله، وما كان شرطًا في الأداء وجب. (¬3) كالسَّل، لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر فورًا، من حيث وجبا، قال الزركشي وغيره: هذان شرطان لوجوب المباشرة بلا ريب، وإذا عدمهما، وبقيت الشروط موجودة فيه، ووجد مالاً فاضلاً عن حاجته المعتبرة، وافيًا بنفقة راكب، وجب عليه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من بلده، للخبر، أو من الموضع الذي أيسر منه، وظاهره أن المرجو برؤه ليس له أن يستنيب كالمحبوس، وفي الإنصاف: لو رجي زوال علته لم يجز أن يستنيب وهو صحيح، فإن فعل لم يجزئه بلا نزاع.

أو ثقل لا يقدر معه على ركوب إلا بمشقة شديدة (¬1) أو كان نضو الخلقة (¬2) لا يقدر أَن يثبت على راحلة إلا بمشقة غير محتملة (¬3) (لزمه أَن يقيم من يحج ويعتمر عنه) فورًا (¬4) (من حيث وجبا) أَي من بلده (¬5) . ¬

_ (¬1) غير محتملة، لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه على الفور، «والثقل» بكسر ففتح، ضد الخف، وأصله في الأجساد، ثم يقال في المعاني. (¬2) بكسر النون والخاء، وهو المهزول، ويسمى العاجز عن السعي لزمانة ونحوها «المعضوب» من «العضب» وهو القطع، كأنه قطع من كمال الحركة والتصرف، ويقال: بالصاد كأنه ضرب على عصبه، فانقطعت أعضاؤه. (¬3) فإن كانت مشقة خفيفة تحتمل فلا، «وحمل، وتحمل، واحتمل» ، بمعنى. (¬4) ومن أمكنه السعي لزمه ذلك، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كالسعي إلى الجمعة، ومن وجد الاستطاعة وهو معذور، أو طرأ عليه العذر وجب عليه، باتفاق أهل العلم، ووجه جواز دفع المال أن الحج واجب على المستطيع بماله، فلا بد أن يخرج هذا المال في الحج. (¬5) أو من الموضع الذي أيسر منه إن كان غير بلده، فتعتبر الجهة، فلو حج عنه من غير جهة بلده – ولو كانت أبعد مسافة – لم يصح، وقيل: يجزئ من ميقاته، وهو مذهب مالك، والشافعي، ويقع الحج عن المحجوج عنه، ويؤخذ منه جواز نيابة اثنين في حجة واحدة، كل واحد يأتي ببعضها، ولا بد لفاعل ما بقي من إحرام.

لقول ابن عباس: إن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال «حجي عنه» متفق عليه (¬1) (ويجزئ) الحج والعمرة (عنه) أي عن المنوب عنه إذًا (¬2) (وإن عوفي بعد الإحرام) قبل فراغ نائبه من النسك أَو بعده (¬3) . ¬

_ (¬1) ولحديث أبي رزين المتقدم، ولأنه عبادة تجب الكفارة بإفسادها، فجاز أن يقوم غيره فيه، كالصوم، سواء وجب عليه حال العجز أو قبله، وهو مذهب الشافعي، ولو كان النائب امرأة عن رجل، ولا كراهة، قال الشيخ: يجوز للرجل الحج عن المرأة، باتفاق أهل العلم، وكذا العكس، على قول الأئمة الأربعة، وخالف فيه بعض الفقهاء. اهـ. وتصح الاستنابة عن المعضوب، والميت في النفل اتفاقًا، وقال الترمذي: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب غير حديث، والعمل عليه عند أهل العلم، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وغيرهم، وبه يقول الشافعي، وأحمد. وقال مالك: إذا أوصى أن يحج عنه حج عنه، ولأنه عبادة تجب الكفارة بإفسادها فجاز أن يقوم غيره فيه كالصوم، سواء وجب عليه حال العجز أو قبله، ولا تشترط العدالة في النائب، إن كان متبرعًا، أو عينه الموصي، ولا يستنيب الوصي إلا عدلاً ولو ظاهرًا، فلا يحتاج لتزكيته، قال في الفروع: ويجزئ بلا مال، وفاقًا لمالك، والشافعي، وقول للحنفية، للخبر، ولشبهه بالدين. (¬2) حيث أعجزه عن السعي إلى الحج كبر، أو مرض لا يرجى برؤه ونحوه. (¬3) كما لو لم يبرأ، وكالمتمتع إذا شرع في الصوم، ثم قدر على الهدي، قال الشيخ: إذا أحج عن نفسه ثم برأ لا يلزمه إعادة الحج، من غير خلاف أعلمه.

لأنه أتى بما أمر به، فخرج من العهدة (¬1) ويسقطان عمن لم يجد نائبًا (¬2) ومن لم يحج عن نفسه، لم يحج عن غيره (¬3) . ¬

_ (¬1) ولا يرجع عليه بما أنفق قبل أن عوفي، بل بعده، لعزله إذًا، فإن لم يعلم النائب بزوال عذر مستنيبه، فهل يقع النسك عن النائب، أو عن المستنيب؟ رجح ابن نصر الله وقوعه عن المستنيب، ولزوم النفقة عليه، ومفهوم عبارته: أنه لو عوفي بعد إحرام أجزأه، ولو كان قبل الميقات. قال الحجاوي: وهو كذلك. وذكر غير واحد أنهم اتفقوا على أنه إن عوفي قبل إحرام النائب عن المعضوب، لم يجزئه حج النائب عن المعضوب، للقدرة على المبدل، قبل الشروع في البدل، كالمتيمم يجد لماء، وكما لو استناب من يرجى زوال علته، والجمهور أيضًا على أنه لا يجزئه ولو عوفي بعد الإحرام، لأنه تبين أنه لم يكن مأيوسًا منه، قال في المبدع: وهو الأظهر عند الشيخ تقي الدين. وقال الموفق: الذي ينبغي أن لا يجزئه. قال الشيخ: وهو أظهر الوجهين. (¬2) فإذا وجد النائب بعد لم تلزم الاستنابة إلا أن يكون مستطيعًا إذ ذاك، وإلا أن يقال: هو شرط للزوم الأداء، فيبقى في ذمته إلى أن يجد نائبًا. (¬3) وهذا مذهب الشافعي، وكرهه أبو حنيفة، ومالك، وكذا من عليه حج قضاء أو نذر لم يصح أن يحج عن غيره، ولا عن نذره، ولا نافلته، فإن فعل انصرف إلى حجة الإسلام، وفاقًا للشافعي، لحديث ابن عباس، أنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة؛ قال «حججت عن نفسك؟» قال: لا. قال «حج عن نفسك» أي استدمه «ثم حج عن شبرمة» وإسناده جيد، وصححه البيهقي وغيره، واحتج به أحمد وغيره، ولأنه حج عن غيره، قبل حجه عن نفسه، فلم يجزئه، كما لو كان صبيًا، والعمرة كالحج، ويرد النائب ما أخذه، لوقوعه عن نفسه، ومن أتى بواجب أحدهما فله فعل نذره ونفله قبل الآخر، والنائب كالمنوب عنه، ويصح أن ينوب في الحج من حج عن نفسه مفردًا، مع بقاء العمرة في ذمته.

متى تجوز الاستنابة في الحج وما يلزم النائب

ويصح أن يستنيب قادر وغيره، في نفل حج أَو بعضه (¬1) والنائب أَمين فيما يعطاه ليحج منه (¬2) . ¬

_ (¬1) كالصدقة، ولأنها لا تلزم القادر، ولا غير القادر بنفسه، فجاز أن يستنيب فيها، كالمعضوب، وعنه: لا يستنيب. قال في المبدع: ومحلها إذا أدى حجة الإسلام، وهو قادر على الاستنابة عليها بنفسه، أما لو كان قادرًا، ولم يؤد الفرض، لم يصح أن يستنيب في التطوع، لأنه ممنوع بنفسه، فنائبه أولى، ذكره الموفق والشارح. (¬2) فيركب وينفق بالمعروف، ويضمن ما زاد على ذلك، أو على نفقة طريق أبعد من الطريق القريب، إن لم يكن عذر، وفي الفروع وغيرها: يركب وينفق بالمعروف منه، أو مما اقترضه أو استدانه لعذر، ويرد ما فضل، إلا أن يؤذن له فيه، لأنه لا يملكه، وله صرف نقد بآخر لمصلحة، وشراء ماء لطهارته، وقال ابن قندس: من ضمن الحج بأجرة أو بجعل فلا شيء له، ويضمن ما تلف بلا تفريط، يعني إن لم يتفق له إتمامها، إما لكونه أحصر أو ضل، أو تلف ما أخذه، أو مات قبل تمام الحج، ولا شيء له. اهـ. وكرهت الإجارة، لأن ذلك بدعة، لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا على عهد السلف، وقال صلى الله عليه وسلم لمن استؤجر بدراهم يغزو بها، «ليس لك من دنياك وآخرتك إلا هذا» وقال تعالى {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} الآيات. والأجير يبيع عمله لمن استأجره، والحج: عَمَلٌ من شرطه أن يكون قربة لفاعله، فلا يجوز الاستئجار عليه، كغيره من القرب، وهذا لأن دخوله في عقد الإجارة، يخرجه عن أن يكون قربة، لأنه قد وقع مستحقًا للمستأجر، وإنما كان من شرطه أن يقع قربه، لأن الله أوجب على العبد أن يعمل مناسكه كلها، وتعبده بذلك، فلو أنه عملها بعوض من الناس، لم يجزئه إجماعًا، كمن صام أو صلى بالكراء، فإذا عجز عن ذلك بنفسه، جعل الله عمل غيره، قائمًا مقام عمل نفسه، وسادًا مسده، رحمة منه تعالى ولطفًا، فلا بد أن يكون مثله، ليحصل به مقصوده، لأنه صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين في الذمة، وإنما تبرأ ذمة المدين إذا قضي عنه الدين، من جنس ما عليه، فإذا كان هذا العامل إنما يعمل للدنيا، ولأجل العوض الذي أخذه، لم يكن حجه عبادة لله وحده، فلا يكون من جنس ما كان على الأول، وإنما تقع النيابة المحضة، ممن غرضه نفع أخيه المسلم، لرحم بينهما، أو صداقة، أو غير ذلك، وله قصد في أن يحج بيت الله الحرام، ويزور تلك المشاعر العظام، فيكون حجة لله، فيقام مقام حج المستنيب، والجعالة بمنزلة الإجارة، إلا أنها ليست لازمة، ولا يستحق الجعل حتى يعمل، والحج بالنفقة كرهه أحمد مرة، لأنه قد يكون قصده الإنفاق على نفسه مدة الحج، فلا يكون حجه لله، وإن كان شيئًا مقدرًا، مثل وصية ونحوها، فقد يكون قصده استفضال شيء لنفسه، فيبقى عاملاً لأجل الدنيا.

اشتراط المحرم للمرأة في الحج

ويحتسب له نفقة رجوعه (¬1) وخادمه إن لم يخدم مثله نفسه (¬2) (ويشترط لوجوبه) أَي الحج والعمرة (على المرأة وجود محرمها) (¬3) . ¬

_ (¬1) أي بعد أداء النسك، إن لم يقم بمكة، فوق مدة قصر بلا عذر، قال في الفروع: ويتوجه احتمال: ولا عادة به. فمن ماله، وإن اتخذها دارًا سقطت. (¬2) لأنه من المعروف، وإن مات أو ضل أو مرض، أو تلف بلا تفريط لم يضمن. (¬3) أي ويشترط لوجوب الحج على المرأة شرط آخر، زيادة على ما يشترط لوجوبه على الرجل. وأما الشروط المتقدمة، فأجمعوا على أنها في ذلك كالرجل، وأخر في حقها هذا الشرط، لاستيفاء الكلام عليه، وهو قول إسحاق، وابن المنذر، ومذهب أبي حنيفة، ولم يره مالك والشافعي، قال ابن المنذر: تركوا القول بظاهر الحديث، واشترط كل واحد ما لا حجة معه عليه، والمراد بقولهم: يشترط؛ لمن لعورتها حكم، تخاف أن ينالها الرجال.

لحديث ابن عباس «لا تسافر امرأة إلا مع محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم» رواه أحمد بإسناد صحيح (¬1) ولا فرق بين الشابة والعجوز (¬2) . ¬

_ (¬1) وفيه إني أريد أن أخرج في جيش كذا، وامرأتي تريد الحج، فقال «اخرج معها» وفي الصحيحين: إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا، قال «انطلق فحج معها» وفي الصحيح وغيره «لا يحل لامرأة تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم» سدًا لذريعة ما يحاذر من الفتنة وغلبات الطباع، وأجمعوا عليه، مع عدم الرفقة، والنساء الثقات، وأجمعوا على عدم جواز السفر للمرأة بلا محرم، في غير الحج والعمرة، والخروج من بلد الشرك، ويستثنى مواضع الضرورة، بأن يجد أجنبية منقطعة في برية، ونحو ذلك، فيباح له استصحابها، بل يجب عليه ذلك، إذا خاف عليها لو تركها بلا خلاف، لحديث عائشة في قصة الإفك، وقال أحمد: المحرم من السبيل، فمن لم يكن لها محرم، لم يلزمها الحج بنفسها، ولا بنائبها. (¬2) فيعتبر المحرم لكل من لعورتها حكم، وهي بنت سبع سنين فأكثر، لأنها محل الشهوة، ومن السفهاء من لا يرتفع عن الفاحشة، بالعجوز وغيرها، لغلبة شهوته، وقلة دينه ومروءته، وخيانته، وعند الشيخ: تحج كل امرأة آمنة، مع عدم المحرم، لزوال العلة، وقال: هذا متجه في سفر طاعة. وصحح في الفتاوى المصرية: أن المرأة لا تسافر للحج إلا مع رفقاء، أو ذي محرم.

من يصلح أن يكون محرما للمرأة

وقصير السفر وطويله (¬1) (وهو) أَي محرم السفر (زوجها (¬2) أَو من تحرم عليه على التأْبيد (¬3) بنسب) كأَخ مسلم مكلف (¬4) (أو سبب مباح) كأَخ من رضاع كذلك (¬5) . ¬

_ (¬1) ولا فرق بين حج الفرض والتطوع في ذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يستفصل عن حجها. وعنه: لا يعتبر المحرم إلا في مسافة القصر، وفاقًا لأبي حنيفة، كما لا يعتبر في أطراف البلد، مع عدم الخوف وفاقًا، وأما إماؤها فيسافرن معها، قال الشيخ: ولا يفتقرن إلى محرم، لأنهن لا محرم لهن في العادة الغالبة، وظاهر إطلاقهم اعتباره في حقهن. (¬2) وفاقًا، ويسمى محرمًا لها مع حلها له، لحصول المقصود، من صيانتها وحفظها، مع إباحة الخلوة بها بسفره معها. (¬3) الأبد الدهر، والأبد أيضًا الدائم، والتأبيد التخليد، لأن غير المؤبد لا يؤمن انقطاعه. (¬4) وفاقًا، فلا يجب بوجود كافر، لأنه لا يؤمن عليها، خصوصًا المجوسي وفاقًا، لأنه يعتقد حلها، وابن وأب وعم وخال، من باب أولى، وفي الفروع: ويتوجه أن مثله مسلم لا يؤمن، وأنه لا يعتبر إسلامه إن لم يؤمن عليها، ولا يجب بوجود صغير ومجنون، لعدم حصول المقصود من حفظها، وفي المنتهى: ولو عبدًا. قال الخلوتي: ولو كان رقيقًا للغير، وأما عبدها فليس محرمًا بالملك، وعلله شيخنا بأنها لا تحرم عليه أبدًا، وبأنه لا يؤتمن عليها، وكذا زوج أختها ونحوه، واشترط ابن عطوة في محرم المرأة أن يكون بصيرًا. (¬5) أو مصاهرة، كزوج أمها وفاقًا، وابن زوجها، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، لما في صحيح مسلم وغيره «لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تسافر سفرًا إلا ومعها أبوها أو ابنها، أو زوجها أو ذو محرم منها» .

وخرج من تحرم عليه بسبب محرم، كأُم المزني بها وبنتها (¬1) وكذا أُم الموطوءة بشبهة وبنتها (¬2) والملاعن ليس محرمًا للملاعنة (¬3) لأَن تحريمها عليه أبدًا عقوبة وتغليظ عليه، لا لحرمتها (¬4) ونفقة المحرم عليها (¬5) فيشترط لها ملك زاد وراحلة لهما (¬6) ولا يلزمه مع بذلها ذلك سفر معها (¬7) ومن أَيست منه استنابت (¬8) . ¬

_ (¬1) فلا يكون الزاني بها محرمًا للبنت، ولا الزاني بالبنت محرمًا لأمها. (¬2) لأن المحرمية نعمة، فاعتبر إباحة سببها كسائر الرخص، واختار الشيخ ثبوت المحرمية بوطء الشبهة، وذكره قول أكثر العلماء، لثبوت جميع الأحكام، وذكر هو وأبو الخطاب أن الوطء في نكاح فاسد كالوطء بشبهة. (¬3) من حين تمام تلاعنهما، وستأتي صفته إن شاء الله تعالى. (¬4) التي هي المقصود فلا يكون محرمًا لها. (¬5) أي المرأة، ولو كان زوجها، فيجب عليه لها بقدر نفقة الحضر، وما زاد عليها، لأنه من سبيلها. (¬6) أي المرأة ومحرمها، لوجوب النسك عليها، وأن يكون الزاد والراحلة صالحين لمثلهما على ما تقدم. (¬7) أي لا يلزم المحرم – مع بذلها له الزاد والراحلة الصالحين لمثلهما – سفر معها، للمشقة، كحجه عن نحو كبير وعاجز، وتكون كمن لا محرم لها، وأمره عليه الصلاة والسلام الزوج، إما بعد الخطر، أو أمر تخيير، لعلمه بحاله. (¬8) أي من أيست من وجود محرم ظاهر، وعادة، لزيادة سن، أو مرض أو غيره، مما يغلب على ظنها عدمه، بعد أن وجدته وفرطت بالتأخير حتى فقد، ونحوه استنابت من يحج عنها، ككبير عاجز، وإن تزوجت فكمعضوب، ومن لم تجده فلا يلزمها الحج، ولا يجب عليها أن تتزوج لتحج، فلا استنابة، إلا على القول بأنه شرط للزوم الأداء، قال ابن نصر الله: فإن كان حاجًا، فهل يلزمه صحبتها؟ ظاهر كلامهم هنا لزومه، لأنه إنما منع السفر، وهذا سفر حاصل، ولم يبق إلا الصحبة، وليس فيها مشقة غالبًا.

يحج النائب من حيث وجبا

وإن حجت بدونه حرم وأجزأ (¬1) (وإن مات من لزماه) أي الحج والعمرة (أُخرجا من تركته) من رأس المال (¬2) أوصى به أو لا (¬3) ويحج النائب من حيث وجبا على الميت (¬4) . ¬

_ (¬1) وفاقًا، كمن حج وترك واجبًا يلزمه من دين وغيره، فإنه يحرم عليه ذلك، ويجزئه الحج، وإن مات في الطريق مضت، لأنها لا تستفيد بالرجوع، لكونها بغير محرم، ومحله إذا تباعدت، وقال ابن نصر الله: لا إن اختارت، وجوبًا، وإذا كان حج تطوع، وأمكنها المقام في بلد، فهو أولى من سفرها بلا محرم، وهذا والله أعلم إنما يترجح إذا كان فيه من تأمن به على نفسها دون رفقتها. (¬2) لا من الثلث، وهو مذهب الشافعي، قال الشيخ: ومن وجب عليه، وخلف مالا، يحج عنه، في أظهر قولي العلماء. وفي الإنصاف: من وجب عليه، فتوفي قبله، أخرج عنه من جميع ماله، حجه وعمرته بلا نزاع، سواء فرط أو لا. (¬3) أي أو لم يوص به، كالزكاة والدين. (¬4) أي من الموضع الذي وجبا عليه، بخلاف النفل، إلا إن ضاق ماله، جاز ولو من غير مكانه، وليس بمعارض لما سيأتي، من أنه إذا مات في أثناء الطريق، حج عنه من حيث مات، لأن المراد هنا إذا مات غير قاصد للحج.

لأن القضاء يكون بصفة الأداء (¬1) وذلك لما روى البخاري عن ابن عباس، أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال «نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته، اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء» (¬2) ويسقط بحج أجنبي عنه (¬3) لا عن حي بلا إذنه (¬4) . ¬

_ (¬1) كصلاة وصوم. (¬2) وأداء الواجبات، فدل على أن من مات وعليه حج، وجب على ولده، أو وليه أن يحج، أو يجهز من يحج عنه من رأس ماله، كما أن عليه قضاء ديونه، وقد أجمعوا على أن دين الآدمي من رأس ماله، فكذا ما شبه به في القضاء، وله نحوه، وفيه: إن أختي نذرت أن تحج. وللدارقطني: إن أبي مات وعليه حجة الإسلام. وظاهره: أنه لا فرق بين الواجب بأصل الشرع، أو بإيجابه على نفسه، أوصى به، أو لا، ولأنه حق استقر عليه، فلم يسقط بموته كالدين، ولأنه صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين، فوجب مساواته له، وقال في الفروع: من ناب بلا إجازة ولا جعل جاز، نص عليه وفاقًا كالغزو. (¬3) أي عن الميت بدون مال، وبدون إذن وارث، لأنه صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين. (¬4) أي لا يسقط الحج عن الحي بحج غيره، بلا إذنه إذا ساغ، ولو معذورًا، كأمره بحج فيعتمر، وعكسه، كدفع زكاة مال غيره بلا إذنه، بخلاف الدين، فإنه ليس بعبادة، ويقع عن نفسه، ولو كان الحج نفلاً عن محجوج عنه بلا إذنه، وقياس ما سبق في الجنائز صحة جعل ثواب لحي وميت.

استحباب حجة عن أبويه وتخصيص نفسه أفضل

وإن ضاق ماله حج به من حيث بلغ (¬1) وإن مات في الطريق حج عنه من حيث مات (¬2) . ¬

_ (¬1) أي ومن وجب عليه نسك، ومات قبله، وضاق ماله عن أدائه من بلده، استنيب به من حيث بلغ، أو لزمه دين، أخذ لحج حصته، وحج عنه من حيث بلغ، لحديث «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . (¬2) هو أو نائبه، مسافة، وقولاً، وفعلاً، لأن الاستنابة من حيث وجب القضاء، وإن صُدَّ فعل ما بقي، وإن وصى بنفل وأطلق، جاز من ميقاته، ما لم تمنع قرينة، قال الشيخ وغيره: الحج يقع عن المحجوج عنه، كأنه فعله بنفسه، سواء كان من جهة المنوب مال أو لم يكن، ويكون الفاعل بمنزلة الوكيل والنائب، لأنه ينوي الإحرام عنه، ويلبي عنه، ويتعين النائب بتعيين وصي، ويكفيه أن ينوي النسك عنه، ولا تعتبر تسميته لفظًا، وإن جهل اسمه، أو نسيه، لبى عمن سلم إليه المال ليحج به عنه، وقيل: إذا لم يعلم النائب حتى أحرم، توجه وقوع الحج من مستنيبه، ولزوم نفقته عليه، وثبوت ثوابه له، لأنه إن فات إجزاء ذلك عنه لم يفت وقوعها عنه نفلاً، لوقوعها عن إذن. قالوا: ويستحب أن يحج عن أبويه، إن كانا ميتين، أو عاجزين أن يحجا، ويقدم أمه، لأنها أحق بالبر، ويقدم واجب أبيه لإبراء ذمته، وعن زيد بن أرقم مرفوعًا «إذا حج الرجل عن والديه يقبل عنه وعنهما، واستبشرت أرواحهما في السماء، وكتب عند الله برًا» ، وعن جابر نحوه، رواهما الدارقطني وغيره. وقال ابن عطوة: وحجه عن نفسه يضاعف، وعن غيره ثواب بلا مضاعفة، فهو عن نفسه أفضل، ولا نزاع في وصول ثوابه إليهم، ولكن كما قال ابن القيم وغيره: تخصيص صاحب الطاعة نفسه أفضل، ويدعو كما ورد في الكتاب والسنة، وأجمعت عليه الأمة. وللترمذي وصححه، عن ابن مسعود مرفوعًا «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب والفضة، وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة» ، وفي الصحيح عن عائشة قالت: نرى الجهاد أفضل العمل. يعني لما سمعت من فضائله، في الكتاب والسنة، فقالت: أفلا نجاهد؟ قال «لكن أفضل الجهاد حج مبرور» وهذا الخبر حجة لمن فضل نفل الحج، على نفل الصدقة، وجاء: «إن النفقة فيه، كالنفقة في سبيل الله، بسبعمائة ضعف» والمبرور الذي لا يخالطه شيء من الإثم، قد وفيت أحكامه، فوقع على الوجه الأكمل، وقيل المتقبل وإن الحج يهدم ما كان قبله، ومن وقف في تلك المشاعر العظام، وتجلت له الأنوار الإلهية، علم فضله. قال الشيخ: والحج على الوجه المشروع، أفضل من الصدقة التي ليست واجبة، لأنه عبادة بدنية مالية، لكن بشرط أن يقيم الواجب في الطريق، ويترك المحرمات، ويصلي الصلوات الخمس، ويصدق الحديث، ويؤدي الأمانة، ولا يتعدى على أحد. تتمة إذا لم يكن حجه فرضًا، ولم يعزم على الحج أو العمرة، وكذا غيرهما من الأمور المباحة، فينبغي أن يستشير من يثق به، ويستخير الله تعالى – فيصلي ركعتين، يدعو في آخرها أو بعد الفراغ، قبل العزم على الفعل – هل يحج هذا العام أو غيره إن كان نفلاً، أو لا يحج، قال الشيخ: وقبل السلام أفضل، وإذا استقر عزمه فليبادر فعل كل خير، ويبدأ بالتوبة من جميع المعاصي، والمكروهات، ويخرج من المظالم، بردها لأربابها، وكذا الودائع والعواري والديون، ويستحل من له عليه ظلامة، ومن بينه وبينه معاملة في شيء، أو مصاحبة، ويستمهل من لا يستطيع الخروج من عهدته، ويكتب وصيته، ويوكل من يقضي ما لم يتمكن من قضائه، ويترك لمن تلزمه نفقته نفقتهم، إلى حين رجوعه، ويرضي والديه، ومن يتوجه عليه بره وطاعته، ويحرص أن تكون نفقته حلالاً، ويستكثر من الزاد والنفقة، قال بعضهم في قوله {وَتَزَوَّدُوا} أي اتخذوا الزاد في الحج، ليغنيكم عن الحاجة إلى أزواد الناس {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} أي التعفف عن أزواد الناس، وليكن زاده طيبًا لقوله {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} والمراد الجيد، ويكون طيب النفس بما ينفقه، ليكون أقرب إلى قبوله. قال الشيخ: ومن جرد مع الحاج من الجند المقطعين وجمع له ما يعينه على كلفة الطريق، أبيح له أخذه، ولا ينقص أجره، وله أجر الحاج بلا خلاف. ويجتهد في رفيق صالح، يكون عونًا له على نصبه، وأداء نسكه، يهديه إذا ضل، ويذكره إذا نسي. وإن تيسر أن يكون الرفيق عالمًا، فليتمسك بغرزه، ليكون سببًا في بلوغه رشده، ويجب تصحيح النية، فيريد وجه الله، ويخرج يوم الخميس أو الاثنين أول النهار، لفعله عليه الصلاة والسلام، ويصلي في منزله ركعتين، ثم يقول: اللهم هذا ديني، وأهلي ومالي، وديعة عندك، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال والولد، اللهم اصحبنا في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى. ويودع أهله وجيرانه، وسائر أحبابه، ويودعونه، ويقول كل منهم: أستودعك الله الذي لا يضيع ودائعه. أو: استودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك، زودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسر لك الخير، حيثما كنت، للأخبار، ويدعو له من يودعه، ويطلب منه الدعاء، فيقول: لا تنسنا يا أخي من دعائك. أو: أشركنا في دعائك. ويتصدق بشيء عند خروجه، ويدعو بما صح عن أم سلمة «بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أظلم أو أُظلم، أو أجهل، أو يجهل علي» وعن أنس «بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله» وإذا أراد ركوب دابته، قال «بسم الله الرحمن الرحيم» وإذا استوى عليها قال «سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون» ويرافق جماعة، لما في الوحدة من الوحشة، ولما ورد من النهي عنها. وقد اشتهر عن خلائق من الصالحين الوحدة في السفر. قال النووي: إنما تكره لمن استوحش، فيخاف عليه من الإنفراد والضرر، بسبب الشياطين وغيرهم، أما الصالحون فإنهم أنسوا بالله، واستوحشوا من الناس، في كثير من أوقاتهم، فلا ضرر عليهم في الوحدة، بل مصلحتهم وراحتهم فيها، ولا يستصحب كلبًا، ولا يعلق على دابته جرسًا، ولا قلادة من وتر ونحوها، للأخبار. ولا يحمل دابته فوق طاقتها، ويريحها بالنزول عنها غدوة، وعشية، ولا يمكث على ظهرها، واقفة من غير حاجة، للأخبار، ويجوز الإرداف إذا كانت تطيق، ويجوز الاعتقاب عليها، لفعله صلى الله عليه وسلم، ويراعي مصلحة الدابة في المرعى، والسرعة والتأني، بحسب الأرفق بها، للخبر، وفيه «وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق، فإنها طريق للدواب، ومأوى لهوام الليل» ويستحب السير في آخر الليل. فإن الأرض تطوى فيه، ولا ينبغي أوله، لانتشار الشياطين، إذا غابت الشمس، حتى تذهب فحمة العشاء، ولا يكره أوله، ويسن مساعدة الرفيق، وإعانته وخدمته، ومن معه فضل ظهر، عاد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد، عاد به على من لا زاد معه، ويستعمل الرفق، وحسن الخلق، ويجتنب المخاصمة، والمخاشنة، ومزاحمة الناس في الطرق، وموارد الماء، إذا أمكنه ذلك. ويصون لسانه من الشتم، والغيبة، ولعن الدواب وغيرها، وجميع الألفاظ القبيحة، ويرفق بالسائل والضعيف ولا ينهر أحدًا منهم، ولا يوبخه على خروجه بلا زاد وراحلة، بل يواسيه بما تيسر، فإن لم يفعل رده ردًا جميلاً. قال النووي وغيره: ودلائل هذا، في الكتاب والسنة، وأجمع المسلمون عليها. ويستحب أن يكبر إذا صعد الثنايا ونحوها، ويسبح إذا هبط الأودية ونحوها، لخبر: إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا. وإذا أشرف على قرية يريد دخولها، قال «اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها» ، وفي لفظ: «اللهم رب السموات السبع، وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها، وشر أهلها وشر ما فيها» . ويستحب أن يدعو في سفره في كثير من الأوقات، فإن دعوته مجابة. وينبغي الحداء والزجر في السير، وتنشيط الدواب والنفوس، وترويحها وتيسير السير، للأخبار. وإذا جنه الليل قال «يا أرض ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما يدب عليك» الخ. وإذا نزل منزلاً قال: «أعوذ بكلمات الله التامة، من شر ما خلق» للخبر، وفيه «لم يضره شيء حتى يرحل من منزله» وينبغي للرفقة الاجتماع في المنزل، ويكره تفرقهم لغير حاجة، لقوله «إن تفرقكم في هذه الشعاب إنما ذلكم من الشيطان» ، رواه أبو داود. والسنة للمسافر – إذا قضى حاجته – أن يعجل الرحلة إلى أهله، لحديث: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره، فليعجل إلى أهله» متفق عليه. ويقول في رجوعه ما ورد في الصحيحين: أنه إذا قفل من الحج أو العمرة، كلما أوفى على ثنية أوفَدْ فَد كبر ثلاثًا، ثم قال «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له» إلى آخره، ويأتي.

.......................................................................

باب المواقيت

باب المواقيت (¬1) الميقات لغة: الحد (¬2) واصطلاحًا: موضع العبادة وزمنها (¬3) . (وميقات أهل المدينة: ذو الحليفة) بضم الحاء وفتح اللام (¬4) . ¬

_ (¬1) جمع ميقات، كمواعيد وميعاد، وهو: الزمان والمكان المضروب للفعل، أو هو الوقت المعين، استعير للمكان المعين. (¬2) فالتوقيت التحديد، وبيان مقدار المدة، وأصله أن يجعل للشيء وقت يختص به، ثم اتسع فيه، فأطلق على المكان، والمراد هنا: التحديد، أو تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن، بالشروط المعتبرة. (¬3) وهو أشهر الحج، والمواقيت: المكانية المنصوص على توقيتها، أو ما حاذاها، و «زمنُ» بالرفع عطف على المضاف، لا المضاف إليه، وليس من قبيل استعمال المشترك، بل من قبيل جمع ألفاظ المشترك، ولما كان بيت الله الحرام معظمًا مشرفًا، جعل الله له حصنًا، وهو مكة، وحمى، وهو الحرم، وللحرم حرم، وهو المواقيت، حتى لا يجوز لمن دونه، أن يتجاوزه إلا بالإحرام، تعظيمًا لبيت الله الحرام. (¬4) تصغير الحلفة، بفتح أوليه، واحدة الحلفات، نبات معروف، وهي قرية خربة، وفيها اليوم عشش قليلة، تعرف الآن بـ «أبيار علي» قال الشيخ: وتسمى وادي العقيق، ومسجدها يسمى مسجد الشجرة، وفيها بئر تسميها العامة بئر علي، لظنهم أن عليًا قاتل الجن بها، وهو كذب، فإن الجن لم يقاتلهم أحد من الصحابة، وعلى أرفع قدرًا من أن يثبت الجن لقتاله، ولا فضيلة لهذه البئر، ولا مذمة، ولا يستحب أن يرمى بها حجر ولا غيره.

بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة. وهي أَبعد المواقيت من مكة. بينها وبين مكة عشرة أيام (¬1) (و) ميقات (أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة (¬2) قرب «رابغ» (¬3) بينها وبين مكة ثلاث مراحل (¬4) . ¬

_ (¬1) وقاله الشيخ وغيره، ولفظه: عشر مراحل، أو أقل، أو أكثر؛ بحسب اختلاف الطرق، فإن منها إلى مكة عدة طرق. (¬2) وقاله أيضًا الشيخ وغيره. وقال: كانت قرية قديمة، كبيرة، معمورة، جامعة، وكانت تسمى «مهيعة» فجحف السيل بأهلها، فسميت الجحفة، بقرب «رابغ» على يسار الذاهب إلى مكة، وهي اليوم خراب، ولهذا صار الناس يحرمون قبلها، من المكان الذي يسمى رابغًا، ومن أحرم منه فقد أحرم قبل محاذاة الجحفة، وليس الإحرام منه مفضولاً، لأنه لضرورة انبهام الجحفة على أكثر الحاج، ولعدم مائها. (¬3) وادٍ عند الجحفة، يقطعه الحاج، بين الحرمين، قرب البحر، بين البزوى والجحفة، دون عزور. قال ابن ظهير: منهل حسن، والآن هو بلدة مشهورة. (¬4) قال النووي وغيره: فيه نظر ظاهر، وإنما بينهما خمس مراحل أو ست، وهذا الواقع بلا ريب، وستة أميال من البحر، وست أو خمس مراحل من المدينة. قال الشيخ: وهذا ميقات لمن حج من ناحية المغرب، كأهل الشام، ومصر، وسائر المغرب، لكن إذا اجتازوا بالمدينة النبوية، كما يفعلونه اليوم، أحرموا من ميقات أهل المدينة، فإن هذا هو المستحب لهما بالاتفاق، فإن أخروا الإحرام إلى الجحفة ففيه نزاع.

(و) ميقات (أهل اليمن: يلملم) (¬1) . بينه وبين مكة ليلتان (¬2) (و) ميقات (أَهل نجد) والطائف (قرن) بسكون الراء (¬3) ويقال: قرن المنازل، وقرن الثعالب (¬4) على يوم وليلة من مكة (¬5) (و) ميقات (أهل المشرق) أي العراق، وخراسان، ونحوهما (¬6) . ¬

_ (¬1) ويقال: ألملم. لغتان، وغلب على البقعة، فلا ينصرف، وهو جبل من جبال تهامة، ويقال «يرمرم» على البدل، وقيل: واد هناك يحرم منه أهل اليمن وفيه مسجد معاذ، واليمن: ما كان عن يمين الكعبة، كما أن الشام بالعكس، والنسبة إلى اليمن يماني ويمان، وإلى الشام شامي. (¬2) وكذا قال الشيخ وغيره، بينهما مرحلتان، فإذا أتى من سواكن إلى جدة، فإن رابغ ويلملم يكونان أمامه، فيصل جدة قبل محاذاتهما، فيحرم منها، لأنها على مرحلتين من مكة. (¬3) بلا خلاف، إلا ما غلط فيه الجوهري، فقال: بفتح الراء؛ والمراد نجد اليمن، ونجد الحجاز، وهو ما بين جرش إلى سواد الكوفة، ويقال: أوله من ناحية العراق ذات عرق، وآخره سواد العراق. (¬4) هو قرن المنازل، بلدة، أو اسم الوادي، «وقرن» الجبل الصغير المنفرد، وبه جبل صغير منفرد، فلعل القرية سميت به، وفي القاموس وغيره: أو اسم الوادي، ويعرف الآن بالسيل، لكثرة ممر السيل والغيول به، «وقرن الثعالب» كما في المصباح: جبل مطل على عرفات. (¬5) وقال الشيخ: مرحلتان. وهو كذلك. (¬6) مما يليهما من البلدان، وعلى جهتهما.

من مر على المواقيت من غير أهلها، ومن منزله دونها، ومن لم يمر بميقات

(ذات عرق) منزل معروف (¬1) سمي بذلك لأَن فيه عرقًا، وهو الجبل الصغير (¬2) وبينه وبين مكة نحو مرحلتين (¬3) (وهي) أَي هذه المواقيت (لأَهلها) المذكورين (¬4) (ولمن مر عليها من غيرهم) أَي من غير أَهلها (¬5) ومن منزله دون هذه المواقيت يحرم منه لحج وعمرة (¬6) . ¬

_ (¬1) قرية قديمة، من علاماتها المقابر القديمة، ثبت بالنص، وقيل: سنه عمر رضي الله عنه، وتبعه عليه الصحابة، واستمر العمل عليه، وقال ابن عبد البر: ميقات بالإجماع. (¬2) المشرف على العقيق، وقيل: عرق الأرض السبخة، تنبت الطرفاء، ويعرف اليوم بريع الضريبة. (¬3) قاله الشيخ، وقال: فالثلاثة متساوية، أو متقاربة، وهذه المواقيت كلها ثبتت بالنص والإجماع، وقال بعضهم: عرق العراق يلملم اليمني ... وذو الحليفة يحرم المدني والشام جحفة إن مررت بها ... ولأهل نجد قرن فاستبن (¬4) يعني الذين تقدم ذكرهم. (¬5) ممن يريد حجًا أو عمرة، ويجب عليه الإحرام منها بالإجماع، ويحرم تأخيره عنها بلا نزاع، لمن أراده، فإن مر الشامي أو المدني أو غيرهما، على غير ميقات بلده، كالشامي يمر بذي الحليفة، فإنه يحرم من الميقات الذي مر عليه، لأنه صار ميقاتًا له، وحكاه النووي إجماعًا، ونوزع بخلاف أبي ثور، وعطاء، وبعض المالكية، ولا يلتفت إلى خلافهم، لاستفاضة النصوص بالتوقيت. (¬6) أي يحرم من موضعه، ولو من غير أهلها، كأهل عسفان، لا من الحرم، فلا يجوز دخوله إلا محرمًا لمن قصد النسك، فإن كان له منزلان جاز أن يحرم من أقربهما إلى مكة، والأولى أن يحرم من البعيد.

(ومن حج من أهل مكة فـ) إنه يحرم (منها) (¬1) لقول ابن عباس: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأَهل الشام الجحفة، ولأَهل نجد قرنًا، ولأَهل اليمن يلملم، «هن لهن (¬2) ولمن أَتى عليهن، من غير أَهلهن، ممن يريد الحج والعمرة (¬3) ومن كان دون ذلك فمهلُّه من أَهله (¬4) وكذلك أهل مكة يهلون منها» متفق عليه (¬5) . ¬

_ (¬1) أي من مكة، وكذا من كان بها من غير أهلها، وسواء كان بمكة أو في الحرم، فقوله: من أهل مكة. ليس بقيد، إذ من كان بها من غير أهلها فحكمه كذلك إجماعًا. (¬2) مقتضاه «لهم» ، لكن عدل عن ذلك للتشاكل، أي لأهلها، الذين تقدم ذكرهم «ووقت» حد، بمعنى: أوجب. (¬3) أي وهذه المواقيت، مواقيت لمن مر بهن، من غير أهلهن، أي أهل تلك البلدان المذكورة، ممن يريد الحج والعمرة، فيجب أن لا يجاوزها إلا محرمًا بالاتفاق. (¬4) أي يهل بالحج أو العمرة، أو بهما من دويرة أهله، وفي رواية «ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ» أي فميقاته من حيث أنشا الإحرام، إذ السفر من مكانه إلى مكة، قال الحافظ: وهذا متفق عليه. (¬5) أي يهلون من مكة، فلا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه، بل منها، كالآفاقي الذي بينها وبين الميقات، وقال جابر: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نحرم، فأهللنا من الأبطح. رواه مسلم. وظاهره: لا ترجيح لموضع على آخر، وعن ابن عمر نحو حديث ابن عباس؛ ولمسلم عن جابر نحوه، وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق، رواه أبو داود، والنسائي، وثبت بتوقيت عمر، ولعله خفي النص، فوافقه برأيه، فإنه موفق للصواب، والصواب أن هذه الخمسة منصوصة عن النبي صلى الله عليه وسلم، للأحاديث الجياد والحسان، التي يجب العمل بمثلها، وقال الخطابي: معنى التحديد في هذه المواقيت، أن لا تتعدى، ولا تتجاوز إلا باستصحاب الإحرام.

عمرة المكي من أدنى الحل

ومن لم يمر بميقات، أَحرم إذا علم أَنه حاذى أَقربها منه (¬1) . لقول عمر: انظروا إلى حذوها من طريقكم. رواه البخاري (¬2) ويسن أَن يحتاط (¬3) فإن لم يحاذ ميقاتًا أَحرم عن مكة بمرحلتين (¬4) (وعمرته) أي عمرة من كان بمكة، يحرم لها (من الحل) (¬5) . ¬

_ (¬1) أي ومن كان طريقه بين ميقاتين مثلاً، أحرم إذاغلب على ظنه أنه حاذى أقربهما منه، بحيث أنه إذا حاذى أحدهما، يبقى بينه وبينه يوم، وإذا حاذى الآخر يبقى بينه وبينه يومان، وهو عند محاذاة أحدهما غير محاذ للآخر، فيحرم إذا حاذى الأقرب إليه، ولو كان الآخر أبعد. (¬2) ولفظه: فانظروا حذوها من طريقكم. (¬3) مع جهل المحاذاة، فيحرم من حذو الأبعد، لأن هذا من باب التقدير، ليخرج من العهدة، وكذا من أول كل ميقات، وهو الطرف الأبعد عن مكة، ويتعين الاحتياط عند المحاذاة، إذا لم يظهر له، والاحتياط: أن يجعل المعدوم كالموجود، والموهوم كالمحقق، وإن أحرم من الطرف الأقرب جاز، لإحرامه من الميقات، وصدق الاسم عليه، والعبرة بالبقعة. (¬4) لأنه لا ميقات دونهما، والمرحلتان ثلاثون ميلاً. (¬5) ومن التنعيم أفضل، وهو أدناه.

حكم تجاوز الميقات بلا إحرام والتفصيل في ذلك

لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أَن يعمر عائشة من التنعيم، متفق عليه (¬1) . ولا يحل – لحر مسلم مكلف أَراد مكة أَو الحرم – تجاوز الميقات بلا إحرام (¬2) . ¬

_ (¬1) فدل على أن من كان بمكة يحرم منه، وهو أقرب الحل من الحرم، فالتنعيم من الحل، بين مكة وسرف، على فرسخين من مكة، سمي بالتنعيم، لأن جبلاً عن يمينه اسمه نعيم، وآخر عن شماله اسمه ناعم، والوادي نعمان بفتح النون، وإن أحرم من مكة، أو من الحرم انعقد للخبر، ويأتي الكلام على الاعتمار من مكة، إن شاء الله تعالى. (¬2) لأنه صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت، وللشافعي قول: يجب، صححه جماعة، لإطباق الناس عليه. ولأن الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة، فإن الله جعل البيت معظمًا، وجعل المسجد الحرام فناء له، وجعل مكة فناء للمسجد الحرام، وجعل الميقات فناء للحرم، والشرع ورد بكيفية تعظيمه، وهو الإحرام على هيئة مخصوصة، فلا يجوز تركه، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنهم تجاوزوها بغير إحرام، وعن ابن عباس مرفوعًا – وفيه ضعف - «لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام» وصح من قوله رضي الله عنه، واختاره الأكثر، لأنه من أهل فرض الحج، ولعدم تكرر حاجته، وأما من أراد النسك فباتفاق الأئمة، حكاه الوزير وغيره. وقال الشيخ: ليس لأحد أن يجاوز الميقات، إذا أراد الحج والعمرة إلا بإحرام، وإن قصد مكة لتجارة أو لزيارة، فينبغي له أن يحرم، وفي الوجوب نزاع. اهـ. وظاهر مذهب الشافعي الجواز، وعن أحمد نحوه، صححه ابن عقيل، وهو ظاهر الخرقي، واستظهره في الفروع، للخبر، وحكاه أحمد عن ابن عمر، وأنه ينبني على عموم المفهوم، قال الزركشي: وهو ظاهر النص، والأصل عدم الوجوب، ومن قال بجوازه – لمن لم يقصد النسك – كره تركه، إلا أن يتكرر دخوله، وأما من لا يجب عليه كالعبد والصبي، فلا يلزمه الإحرام منه، لأنه لا يلزمه الحج، فلأن لا يلزمه الإحرام بطريق الأولى، واحترز بقوله: أراد مكة أو الحرم. عمن تجاوزه غير مريد له، فلا يحرم بغير خلاف، ولأنه صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه، أتوا بدرًا مرتين، وكانوا يسافرون للجهاد، فيمرون بذي الحليفة بغير إحرام، ولو تجاوزه الحر المسلم المكلف بلا إحرام، وهو مريد مكة، لم يلزمه قضاء الإحرام، جزم به وصححه غير واحد، من الأصحاب وغيرهم، ولأنه قد ثبت بالاتفاق أن الحج والعمرة – عند من أوجبها – إنما تجب مرة واحدة، فلو وجب على كل من دخل مكة أن يحج ويعتمر، لوجب أكثر من مرة.

إلا لقتال مباح أَو خوف (¬1) أو حاجة تتكرر، كحطاب، ونحوه (¬2) . ¬

_ (¬1) كقتال كفار بمكة، وبغاة، لدخوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، وعلى رأسه المغفر، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه الإحرام يومئذ، ولا خلاف في ذلك، وألحق الخوف بالقتال المباح. (¬2) كرسول سلطان، وبريد، وناقل ميرة، ولصيد، واحتشاش، ونحو ذلك، لقول ابن عباس: لا يدخل إنسان مكة إلا محرمًا، إلا الجمالين، والحطابين، وأصحاب منافعها، احتج به أحمد، وكذا مكي يتردد إلى قريته بالحل، إذ لو وجب لأدى إلى ضرر ومشقة، وهو منفي شرعًا، ثم إن بدا له، أو لمن لم يرد الحرم، أحرم من موضعه، لأنه حصل دون الميقات، على وجه مباح، وحاصله أن المار على الميقات، أو ما يحاذيه، لا يجوز له تجاوزه بلا إحرام، بسبعة شروط، أربعة وجودية، الإسلام والحرية، والتكليف، وإرادة مكة أو الحرم؛ وثلاثة عدمية: القتال المباح، والخوف، والحاجة المتكررة، وإن دخل من لا يجوز له تجاوز الميقات من غير إحرام، طاف وسعى، وحلق أو قصر، وقد حل.

ما يلزمه إذا تجاوز الميقات

فإن تجاوزه لغير ذلك (¬1) لزمه أن يرجع ليحرم منه (¬2) إن لم يخف فوت حج (¬3) أو على نفسه (¬4) وإن أحرم من موضعه فعليه دم (¬5) . وإن تجاوزه غير مكلف (¬6) . ¬

_ (¬1) أي من الأعذار المتقدمة: القتال والخوف، والحاجة المتكررة. (¬2) تداركًا لإثمه أو تقصيره، لأنه واجب، أمكنه فعله، فلزمه، كسائر الواجبات، ووجوبه بالسبعة الشروط المتقدمة، فإن أحرم منه فلا دم عليه، لأنه أتى بالواجب عليه، كما لو لم يتجاوزه. (¬3) فإن خاف لم يلزمه رجوع، ويحرم من موضعه، وعليه دم. (¬4) أو على أهله، أو ماله، ونحو ذلك، فإن خاف ذلك أو شيئًا منه، أحرم من موضعه، وعليه دم. (¬5) أي موضعه الذي دون الميقات، لعذر أولا وفاقًا، لحديث ابن عباس مرفوعًا «من ترك نسكًا فعليه دم» ولتركه الواجب، وإن رجع محرمًا إلى الميقات، لم يسقط الدم برجوعه، وفاقًا لمالك، وعنه: يسقط، لإتيانه بالواجب. وإن أفسد نسكه هذا، لم يسقط دم المجاوزة، ومن مر في الحرم، قبل مضيه إلى عرفة فلا دم، لإحرامه قبل ميقاته، كمحرم قبل المواقيت، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي. (¬6) فلا دم عليه، لأنه ليس من أهل فرض الحج، وكذا رقيق، أو كافر، قال الشيخ: إنما يجب الإحرام على الداخل، إذا كان من أهل وجوب الحج، وأما العبد، والصبي، والمجنون، فيجوز لهم الدخول بغير إحرام، لأنه إذا لم تجب عليهم حجة الإسلام وعمرته، فلأن لا يجب عليهم ما هو من جنسه، بطريق الأولى.

ثم كلف أَحرم من موضعه (¬1) وكره إحرام قبل ميقات (¬2) ويحج قبل أشهره، وينعقد (¬3) . ¬

_ (¬1) لأنه حصل دون الميقات، على وجه مباح، فكان له أن يحرم منه، كأهل ذلك الموضع، وكذا رقيق أو كافر. (¬2) أي كره أن يحرم بالحج أو العمرة، قبل الميقات الذي وقته الشارع، وروى الحسن أن عمران بن حصين: أحرم من مصر، فبلغ عمر، فغضب، وقال: يتسامع الناس أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من مصره، وقال: إن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان، فلما قدم على عثمان، لامه فيما صنع، وكرهه له. رواهما سعيد والأثرم. وقال البخاري: كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان، ولأبي يعلى عن أبي أيوب مرفوعًا «يستمتع أحدكم بحله ما استطاع، فإنه لا يدري ما يعرض له في إحرامه» وهو أفضل، لموافقته الأحاديث الصحيحة، وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه أخر إحرامه من المدينة إلى الحليفة، إجماعًا في حجة الوداع، وكذا في عمرة الحديبية، وقال ابن عباس: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره. وفيه حديث مرفوع «لا ينبغي أن يحرم بالحج إلا في أشهره» وسنده لا بأس به. قاله ابن كثير وغيره؛ ولما فيه من المشقة، وعدم الأمن من المحظور. (¬3) أي ويكره: أن يحرم بالحج قبل أشهر الحج، قال في الشرح: بغير خلاف علمناه. لقول ابن عباس: من السنة أن لا يحرم بالحج، إلا في أشهر الحج. رواه البخاري. وقال تعالى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} أي وقت الحج أشهر معلومات، أو: أشهر الحج أشهر معلومات. فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ولأنه أحرم بالعبادة قبل وقتها، فأشبه ما لو أحرم قبل الميقات المكاني، وينعقد الإحرام قبل الميقات المكاني، وينعقد أيضًا الإحرام بالحج قبل أشهره، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وحكى ابن المنذر وغيره الصحة في تقدمه على الميقات المكاني، إجماعًا، لأنه فعل جماعة من الصحابة والتابعين، ولم يقل أحد قبل داود: إنه لا يصح. ولكنه مكروه، وقوله {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} أي معظمه في أشهره، كقوله صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة» . وميقات العمرة الزماني جميع العام، ولا يكره الإحرام بها، يوم عرفة، والنحر، والتشريق، وهو مذهب مالك، والشافعي، وداود وغيرهم، والمذهب: في رمضان أفضل، لخبر «عمرة في رمضان تقضي حجة» أو قال «حجة معي» وفي رواية «تعدل» ولأحمد «تجزئ حجة» وقيل: وفي غير أشهر الحج، لأنه يكثر القصد إلى البيت في كل السنة، والنبي صلى الله عليه وسلم. إنما اعتمر في أشهر الحج، مخالفة لهدي المشركين. وقال ابن سيرين: ما أحد من أهل العلم يشك أن عمرة في أشهر الحج، أفضل من عمرة في غير أشهر الحج. قال ابن القيم: وهذا دليل على أن الاعتمار في أشهر الحج، أفضل من سائر السنة، بلا شك، سوى رمضان، لخبر أم معقل، ولكن لم يكن الله ليختار لنبيه صلى الله عليه وسلم إلا أولى الأوقات، وأحقها بها، فكانت في أشهر الحج، نظير وقوع الحج في أشهره، وهذه الأشهر، قد خصها الله بهذه العبادة، وجعلها وقتًا لها، والعمرة حج أصغر، فأولى الأزمنة بها أشهر الحج.

ذكر وقت العمرة وتعيين أشهر الحج

(وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة) (¬1) . ¬

_ (¬1) بكسر الحاء على الأشهر، وتفتح، وذو القعدة، بالفتح، وتكسر، والحديث، رواه ابن عمر مرفوعًا، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وقاله جمع من الصحابة، منهم عمر وعلي وابن مسعود، وابن الزبير وابن عباس وابن عمر. وقال مالك: وذو الحجة جميعه، وفائدة الخلاف عنده: تعلق الدم، بتأخير طواف الإفاضة، عن أشهر الحج، وعند الشافعي: جواز الإحرام فيها، وعندنا وأبي حنيفة: تعلق الحنث، وقال الوزير وغيره: ليس له فائدة تخصه حكمية. وتقدم أن «شوال» ، من: شالت الإبل بأذنابها للطراق؛ وذو القعدة، لقعودهم فيها عن القتال والترحال. وذو الحجة، لإقامتهم الحج فيه.

منها يوم النحر، وهو يوم الحج الأَكبر (¬1) . ¬

_ (¬1) الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حين خطب الناس بمنى، «وأي يوم هذا؟» ثم قال «أليس يوم الحج الأكبر؟» قالوا: بلى. ولحديث ابن عمر مرفوعًا: «يوم النحر يوم الحج الأكبر» ، وإنما فات الحج بفجر يوم النحر بخروج وقت الوقوف، لا لخروج وقت الحج.

باب الإحرام والتلبية وما يتعلق بهما

باب الإحرام (¬1) لغة: نية الدخول في التحريم (¬2) لأَنه يحرم على نفسه بنيته ما كان مباحًا له قبل الإحرام، من النكاح، والطيب، ونحوهما (¬3) وشرعًا: (نية النسك) أي نية الدخول فيه (¬4) لا نية أَن يحج أَو يعتمر (¬5) . ¬

_ (¬1) والتلبية، وما يتعلق بهما. (¬2) كأن الرجل يحرم على نفسه النكاح والطيب، وأشياء من اللباس، كما يقال «أشتى» دخل في الشتاء، و «أربع» إذا دخل في الربيع، حكاه ابن فارس وغيره، ومنه – في الصلاة - «تحريمها التكبير» وقال الجوهري وغيره: الحرم بالضم الإحرام، وأحرم بالحج. (¬3) كتقليم الأظفار، وحلق الرأس، وأشياء من اللباس، ونحو ذلك مما سيأتي بيانه. (¬4) فلا ينعقد بدونها، وهو مذهب مالك، والشافعي، وقيل: مع التلبية، أو سوق الهدي، وهو مذهب أبي حنيفة، واختاره الشيخ وغيره، وقاله الشافعي، وجماعة من المالكية. (¬5) فإن ذلك لا يسمى إحرامًا، وكذا التجرد، وسائر المحظورات، ليس داخلاً في حقيقته، بدليل كونه محرمًا بدون ذلك، ولا يصير محرمًا بترك المحظورات، عند عدم النية، فذات الإحرام مع النية، وجودًا وعدمًا، قال الشيخ: ولا يكون الرجل محرمًا بمجرد ما في قلبه، من قصد الحج ونيته، فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لا بد من قول، أو عمل يصير به محرمًا، هذا هو الصحيح من القولين.

ذكر استحباب الغسل وعدمه وأخذ الشعر ونحوه والتطيب

(سن لمريده) أي لمريد الدخول في النسك، من ذكر وأُنثى (غسل) (¬1) ولو حائضًا ونفساء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس – وهي نفساء – أَن تغتسل. رواه مسلم (¬2) . ¬

_ (¬1) فإنه صلى الله عليه وسلم اغتسل لإحرامه، رواه الترمذي وحسنه، وكان ابن عمر يتوضأ أحيانًا، ويغتسل أحيانًا، والغسل أفضل، وللحاكم وغيره عنه: من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم؛ ولأنه أعم، وأبلغ في التنظيف، والمراد منه تحصيل النظافة، وإزالة الرائحة، قال الشيخ: ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه في الحج، إلا ثلاثة أغسال، عند الإحرام، والغسل عند دخول مكة، والغسل يوم عرفة، وما سوى ذلك – كالغسل لرمي الجمار، والطواف. والمبيت بمزدلفة – فلا أصل له، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا استحبه جمهور الأئمة، لا مالك، ولا أبو حنيفة، ولا أحمد، وإن كان قد ذكره طائفة من متأخري أصحابه، بل هو بدعة، إلا أن يكون هناك سبب يقتضي الاستحباب، مثل أن يكون عليه رائحة يؤذي الناس بها، فيغتسل لإزالتها. وقال: فتركه الاغتسال للمبيت، والرمي، والطواف سنة، والقول بخلاف ذلك خلاف السنة. اهـ. واستحب بعض الحنفية أن يجامع أهله، أو جاريته، إن كان تحصينًا للفرج، وحفظًا للنظر، ولا خلاف أن الجماع مباح قبل الإحرام بطرفة عين، وينعقد الإحرام بلا خلاف. (¬2) وغيره، فدل على سنية غسلها، وسنية الاغتسال مطلقًا، لأن النفساء إذا أمرت به، مع أنها غير قابلة للطهارة، فغيرها أولى، ولا يضر حدث بين غسل وإحرام، بل يحصل له المسنون، وفيه صحة إحرام النفساء، ومثلها الحائض، وأولى منهما الجنب، وهو إجماع، ولفظه: أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟ فقال «اغتسلي، واستثفري بثوب، وأحرمي» .

وأَمر عائشة أَن تغتسل لإهلال الحج وهي حائض (¬1) (أَو تيمم لعدم) أي عدم الماء (¬2) أو تعذر استعماله لنحو مرض (¬3) (و) سن له أيضًا (تنظف) بأخذ شعر، وظفر، وقطع رائحة كريهة (¬4) لئلا يحتاج إليه في إحرامه، فلا يتمكن منه (¬5) . (و) سن له أيضًا (تطيب) في بدنه (¬6) . ¬

_ (¬1) متفق عليه، ولأبي داود عن ابن عباس مرفوعًا «النفساء، والحائض، تغتسل وتحرم، وتقضي المناسك كلها، غير أن لا تطوف بالبيت» والحكمة فيه التنظف، وقطع الرائحة الكريهة، وتخفيف النجاسة. (¬2) ولو قال: لعذر. لكان أشمل. (¬3) وخوف وعطش وتقدم، وقيل: لا يستحب له التيمم؛ اختاره الموفق، والشارح، وغيرهما، وصوبه في الإنصاف. (¬4) لقول إبراهيم: كانوا يستحبون ذلك. رواه سعيد. (¬5) أي مما يحتاج إليه، من نحو ظفر، لأن الإحرام يمنع من ذلك، ولأنه عبادة، فسن فيه، كالجمعة، وقال الشيخ: إن احتاج إليه فعل، وليس من خصائص الإحرام، ولم يكن له ذكر، فيما نقله الصحابة، لكنه مشروع بحسب الحاجة. (¬6) ولو امرأة، سواء كان بما تبقى عينه كالمسك، أو أثره كالعود، والبخور، وماء الورد، وهو مذهب مالك، والشافعي، وقال الشيخ: إن شاء المحرم أن يتطيب في بدنه فهو حسن، ولا يؤمر المحرم قبل الإحرام بذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، ولم يأمر به الناس، وظاهره: كراهة تطييب ثوبه كما سيأتي، وهو المذهب، قاله في المبدع.

بمسك، أَو بخور (¬1) أو ماء ورد، ونحوها (¬2) لقول عائشة: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أَن يحرم، ولحله قبل أَن يطوف بالبيت (¬3) . وقالت: كأني أنظر إلي وبيص المسك، في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم. متفق عليه (¬4) . ¬

_ (¬1) بفتح الموحدة: ما يتبخر به من الألوَّة وغيرها. وإن كان يبقى أثره، أو تبقى عينه، كالمسك، طيب معروف. (¬2) من أنواع الطيب الذي يبقى أثره أو عينه، وهذا مذهب مالك، والشافعي. (¬3) رواه البخاري وغيره، والمراد أنها كانت تطيبه عند إرادته فعل الإحرام، لأجل دخوله فيه، ولهما عنها: عند إحرامه، قبل أن يحرم. أي يدخل في الإحرام، والمراد بدنه، لا ثيابه، لما يأتي من النهي عنه. (¬4) فدل على تخصيص البدن بالطيب، واستحبابه، واستدامته، ولو بقي لونه ورائحته، بلا نزاع، «والوبيص» بفتح الواو، وكسر الموحدة، آخره صاد مهملة، البريق واللمعان، يقال: وبص وبيصًا. برق ولمع، وقيل: الوبيص زيادة على البريق. والمراد به التلألؤ، فدل على وجود عين باقية، لا الريح فقط، قال ابن القيم: ومذهب الجمهور: جواز استدامة الطيب، للسنة الصحيحة: أنه كان يرى وبيص الطيب في مفارقه بعد إحرامه. اهـ. ولأنه غير متطيب بعد الإحرام، وحديث صاحب الجبة عام حنين، سنة ثمان، وحديث عائشة عام حجة الوداع، سنة عشر، فهو ناسخ، ويستحب لها خضاب بحناء، لحديث ابن عمر: من السنة أن تدلك المرأة يديها في حناء.

التجرد من المخيط وحكمته وما يلبسه المحرم

وكره أن يتطيب في ثوبه (¬1) وله استدامة لبسه (¬2) ، ما لم ينزعه، فإن نزعه فليس له أَن يلبسه قبل غسل الطيب منه (¬3) ومتى تعمد مس ما على بدنه من الطيب (¬4) أَو نحاه من موضعه، ثم رده إليه (¬5) أو نقله إلى موضع آخر فدى (¬6) لا إن سال بعرق أَو شمس (¬7) (و) سن له أيضًا (تجرد من مخيط) (¬8) . ¬

_ (¬1) أي كره لمريد الإحرام أن يتطيب – بأي نوع من أنواع الطيب – في ثوبه، إزاره، أو ردائه، وحرمه الآجري. (¬2) ولو بقي لونه ورائحته، عند جمهور العلماء، من الصحابة، والتابعين، قال ابن القيم: للسنة الصحيحة. (¬3) أي من الثوب المطيب، لأن الإحرام يمنع الطيب ولبس المطيب، دون الاستدامة، لقوله «لا تلبسوا شيئًا من الثياب مسه ورس أو زعفران» . (¬4) فعلق الطيب بها فدى، لاستعماله الطيب. (¬5) يعني بعد إحرامه فدى. (¬6) لأنه ابتداء للطيب، فحرم فعله، ووجبت الفدية. (¬7) فلا فدية، لحديث عائشة قالت: كنا نخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فنضمد جباهنا بالمسك عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهاها. رواه أبو داود. (¬8) قبل نية إحرام، ليحرم عن تجرد، ويجوز أن يعقد إحرامه قبل تجرده، لكن إن استدام لبس المخيط – ولو لحظة فوق المعتاد من وقت خلعه – فدى، لأن الاستدامة كالابتداء، قال الشيخ: والتجرد من اللباس واجب في الإحرام، وليس شرطًا فيه، فلو أحرم وعليه ثياب، صح ذلك، بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وباتفاق أئمة أهل العلم، وعليه أن ينزع اللباس المحظور. اهـ. ويخلعه ولا يشقه، ولا فدية، لأن يعلى بن أمية أحرم في جبة، فأمره صلى الله عليه وسلم بخلعها، متفق عليه، ولأبي داود: فخلعها من رأسها. ولم يأمره بشق، ولا فدية.

وهو كل ما يخاط على قدر الملبوس عليه (¬1) كالقميص، والسراويل (¬2) لأنه صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله، رواه الترمذي (¬3) (و) سن له أيضًا أن (يحرم في إزار ورداء أبيضين) نظيفين، ونعلين (¬4) . ¬

_ (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم في المحرم «لا يلبس القميص» ويأتي. (¬2) والبرنس، والقباء، والدرع، ونحوه مما يصنع – من لبد ونحوه – على قدر الملبوس عليه، وإن لم يكن فيه خياطة، والحكمة أن يبعد عن الترفه، ويتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكر أنه محرم في كل وقت، فيكون أقرب إلى استذكاره، وأبلغ في مراقبته، وصيانته لعبادته، وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكر الموت، ولباس الأكفان، ويتذكر به البعث يوم القيامة، والناس حفاة عراة، مهطعين إلى الداعي، بل تعظيمًا لبيت الله الحرام، وإجلالاً وإكرامًا، كما تراه في الشاهد من ترجل الراكب، القاصد إلى عظيم من الخلق، إذا قرب من ساحته، خضوعًا له، فكذا لزم القاصد إلى بيت الله، أن يحرم قبل الحلول إجلالاً، متخليًا عن نفسه، فارغًا من اعتبارها. (¬3) أي تجرد من لباسه لإحرامه، ولأمره بنزع الجبة كما تقدم. (¬4) سواء كان الإزار والرداء جديدين، أو لبيسين، وكونهما نظيفين، لأنا أحببنا له التنظف في بدنه، فكذلك في ثيابه، فالرداء على كتفه، والإزار في وسطه، ويجوز في ثوب واحد، والإزار هو هذا اللباس المعروف، الذي يشد على الحقوين فما تحتهما، وهو «الميزر» والرداء ما يرتدي به على المنكبين، وبين الكتفين، من برد، أو ثوب ونحوه، يجعل نصفه على كتفيه، قال الشيخ: يجوز أن يحرم في جميع أجناس الثياب المباحة، من القطن، والكتان، والصوف، ويستحب في ثوبين نظيفين، فإن كانا أبيضين فهو أفضل، لحديث «خير ثيابكم البياض» وقال: السنة أن يحرم في إزار ورداء، سواء كانا مخيطين أو غير مخيطين، باتفاق الأئمة، ولو أحرم في غيرهما جاز، إذا كان مما يجوز لبسه، ويجوز أن يحرم في الأبيض، وغير الأبيض من الألوان الجائزة، وإن كان ملونًا. وقال الموفق: ولو لبس إزارًا موصلاً، أو اتشح بثوب مخيط، كان جائزًا.

الإحرام عقب نفل أو فريضة

لقوله عليه اسلام «وليحرم أحدكم في إزار، ورداء، ونعلين» رواه أحمد (¬1) . والمراد بالنعلين: التاسومة (¬2) . ولا يجوز له لبس السرموزة، والجمجم، قاله في الفروع (¬3) (و) سن (إحرام عقب ركعتين) نفلاً، أَو عقب فريضة (¬4) . ¬

_ (¬1) وقال ابن المنذر: ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وسيأتي ما في معناه إن شاء الله تعالى. (¬2) بالمثناة فوق، فسين مهملة فواو، مشهورة، وتعرف – بنجد والحجاز – بالنعال ذوات السيور. (¬3) السرموزة، هو البابوج معرب، والجمجم بضم الجيمين هو المداس، معرب أيضًا. (¬4) نص عليه، وفاقًا لأبي حنيفة، قال ابن بطال: هو قول جمهور العلماء، وقال البغوي: عليه العمل عند أكثر العلماء، وذكر النووي استحبابه قول عامة العلماء، وقال الترمذي: والذي يستحبه أهل العلم أن يحرم دبر الصلاة.

ليس للإحرام صلاة تخصه

لأنه عليه السلام أَهل دبر الصلاة، رواه النسائي (¬1) (ونيته شرط) (¬2) فلا يصير محرمًا بمجرد التجرد، أو التلبية، من غير نية الدخول في النسك (¬3) لحديث «إنما الأعمال بالنيات» (¬4) . ¬

_ (¬1) وعن أنس: صلى الظهر ثم ركب راحلته، وعن ابن عباس: صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتين. وقال الشيخ: إذا كان وقتها، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه. وقال ابن القيم: ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر. اهـ. وإن لم يتفق له بعد فريضة، وأراد أن يصلي، فلا يركعهما وقت نهي، للنهي عنه، وليستا من ذوات الأسباب. (¬2) كالنية في الوضوء وغيره، فإن قيل: تقدم أن الإحرام نية النسك، فكيف يقال: النية شرط في النية؟ قيل: لما كان التجرد هيئة تجامع نية النسك، ربما أطلق عليها، فاحتيج إلى التنبيه على أن تلك الهيئة ليست كافية بنفسها، بل لا بد معها من النية، فينوي بها نسكًا، كما تقدم. (¬3) بل لا بد من النية، ونية النسك كافية نص عليه، وهو مذهب مالك، والشافعي، وعنه: لا بد من النية مع التلبية، كما تواتر عنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أو سوق الهدي، وفاقًا لأبي حنيفة وغيره، واختاره الشيخ وغيره، وتقدم، وحكي وجوبه عن الشافعي، وحكي اشتراطه مع التلبية عن مالك وغيره، «والتجرد» يعني من المخيط «والتلبية» يعني بالحج أو العمرة. (¬4) أي: إنما العمل بحسب ما نواه العامل. وتقدم، والاعتبار بما نواه، لا بما سبق لسانه إليه وفاقًا، وقال ابن المنذر: أجمع عليه كل من يحفظ عنه من أهل العلم.

التلفظ بالنية والاكتفاء بالتلبية لقصد الإحرام

(ويستحب قول: اللهم إني أُريد نسك كذا) أَي أَن يعين ما يحرم به، ويلفظ به (¬1) وأَن يقول (فيسره لي) وتقبله مني (¬2) . ¬

_ (¬1) أي يعين ما يحرم به من عمرة وحج، أو عمرة، أو حج، ويلفظ بالنية بما أراد من حج، أو عمرة، أو تمتع بعمرة إلى الحج، أو قرن بين الحج والعمرة، فيقول: لبيك حجًا؛ أو عمرة؛ أو: أوجبت حجًا، أو عمرة. ومهما قال أجزأ بالاتفاق، ولا يجب شيء من هذه العبارات ونحوها بالاتفاق. قال شيخ الإسلام: تنازع العلماء: هل يستحب أن يتكلم بذلك؟ كما تنازعوا: هل يستحب التلفظ بشيء من ذلك؟ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع شيئًا من ذلك، ولا كان يتكلم بشيء من ذلك، ولا كان يتكلم بشيء من ألفاظ النية، لا هو، ولا أصحابه، وذكر قصة ضباعة، وكان يقول في تلبيته «لبيك عمرة وحجًا» وكان يقول للواحد من أصحابه «بم أهللت؟» وقال «مهل أهل كذا من كذا» والإهلال هو التلبية، وقال: بل متى لبى، قاصدًا للإحرام، انعقد إحرامه، باتفاق المسلمين، ولا يجب عليه أن يتكلم قبل التلبية بشيء. وقال: ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أحدًا بعبارة بعينها، وإنما يقال: أهل بالحج؛ أهل بالعمرة، أو يقال: لبى بالحج؛ لبى بالعمرة، وهذا تأويل قوله تعالى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} الآية فقوله: إني أريد. لا ينبغي، لأنه يكون كذبًا، إن لم يكن أراد، ويقع إخبارًا عن المحقق أنه أراده من غير حاجة، وإن نوى بعد النية، فقد أخبر الله بما في ضميره، مع أنه عالم به، فيكون مستفهمًا. (¬2) أي يسر لي هذا النسك، لأني محتاج في أداء أركانه، وواجباته، ومستحباته إلى تحمل المشقة، وتقبله مني، كما قال الخليل {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فيطلب التيسير، لأن سؤال التيسير يكون في العسير، لا في اليسير، وسؤال القبول في العمل الذي هو الطريق إلى الوصول.

له أن يشترط عند الإحرام إذا كان خائفا

وأَن يشترط فيقول (وإن حبسني حابس، فمحلي حيث حبستني) (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم لضباعة بنت الزبير حين قالت له: إني أُريد الحج، وأَجدني وجعة. فقال «حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني» متفق عليه (¬2) زاد النسائي في رواية إسنادها جيد «فإن لكِ على ربك ما استثنيت» (¬3) . ¬

_ (¬1) أي يستحب أن يشترط إن كان خائفًا خاصة، قاله شيخ الإسلام وغيره، وهو ظاهر نص حديث ضباعة، وإن لم يكن خائفًا لا يشترط، جمعًا بين الأدلة. قال الشيخ: ولم يأمرها صلى الله عليه وسلم أن تقول قبل التلبية شيئًا، لا اشتراطًا ولا غيره، ولا أمر بذلك كل من حج، وإنما أمرها أن تشترط على ربها، لما كانت شاكية، فخاف أن يصدها المرض عن البيت، وإن اشترط على ربه خوفًا من العارض فقال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني. كان حسنًا. اهـ. ونقل أبو داود: إن اشترط فلا بأس، وعند مالك وأبي حنيفة لا فائدة للاشتراط، لأن ابن عمر كان ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، إنه لم يشترط. رواه النسائي، وصححه الترمذي، «ومحل» بكسر الحاء المهملة، أي الموضع الذي اتحلل فيه، وفي المطلع: بفتح الحاء وكسرها، فالفتح مقيس، والكسر سماع. (¬2) وفي السنن قال «قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي من الأرض حيث تحبسني» وصححه الترمذي وغيره، قال الشيخ: المقصود بهذا اللفظ أنه أمرها بالاشتراط في التلبية. (¬3) أي تحللين بدون هدي ونحوه.

ذكر أفضل الأنساك مع التحقيق في ذلك

فمتى حبس بمرض، أَو عدو، أَو ضل عن الطريق، حل ولا شيء عليه (¬1) . ولو شرط: أَن يحل متى شاء (¬2) أو إن أفسده لم يقضه؛ لم يصح الشرط (¬3) ولا يبطل الإحرام بجنون، أو إغماء، أَو سكر كموت (¬4) ولا ينعقد مع وجود أحدها (¬5) والأنساك: تمتع، وإفراد، وقران (¬6) (وأَفضل الأنساك التمتع) فالإفراد، فالقران (¬7) . ¬

_ (¬1) إذا قال ذلك، إلا أن يكون معه هدي، فيلزمه نحره، فاستفاد باشتراطه شيئين «أحدهما» أنه إذا عاقه عائق فله التحلل «والثاني» متى حل فلا دم عليه، ولا صوم، وإن نوى الاشتراط، ولم يتلفظ به لم يفد، لقوله «قولي محلي» والقول لا يكون إلا باللسان. (¬2) لم يصح الشرط، لوجوب الإتمام. (¬3) لأنه لا عذر له في ذلك. (¬4) لخبر المحرم الذي وقصته راحلته. (¬5) أي الجنون، وما عطف عليه. (¬6) وهو مخير بينها، ذكره جماعة إجماعًا، لحديث عائشة «من أراد منكم أن يهل بحج فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج وعمرة، فليفعل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليفعل» قالت: وأهل بالحج، وأهل به ناس معه، وأهل ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بالعمرة. متفق عليه. (¬7) فأما التمتع فهو أفضل، لأن الله نص عليه في كتابه العزيز، وقال عمران: نزلت آية التمتع في كتاب الله، وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم تنزل آية تنسخها، ولم ينه عنها، حتى مات، أخرجاه، وأحاديث التمتع متواترة، رواها عنه صلى الله عليه وسلم أكابر الصحابة، وهو قول عمر، وابن عباس، وجمع، وهو المذهب، ومذهب الشافعي. وقال الترمذي: أهل الحديث يختارون التمتع بالعمرة في الحج وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق ولإتيانه بأفعالهما كاملة، على وجه اليسر والسهولة، والتمتع مأخوذ من المتاع أو المتعة، وهو الانتفاع والنفع، وأما القران فهو أفضل لمن ساق الهدي، اختاره الشيخ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنًا، وقال: «من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا» . وقال ابن القيم: محال أن يكون حج أفضل من حج خير القرون، وأفضل العالمين مع نبيهم، وقد أمرهم أن يجعلوها عمرة، إلا من ساق الهدي، فمن المحال أن يكون غيره أفضل منه إلا حج من قرن، وساق الهدي، كما اختاره الله لنبيه، فأي حج أفضل من هذين، وقد ذهب طائفة من السلف والخلف إلى إيجاب القران على من ساق الهدي، والتمتع على من لم يسقه، منهم ابن عباس، لفعله، وأمره صلى الله عليه وسلم، وأما الإفراد فلأن فيه إكمال النسكين، وهو أفضلها عند مالك، والشافعي، فهو أفضل بهذا الاعتبار. قال الشيخ: والتحقيق أنه يتنوع باختلاف حال الحاج، فإن كان يسافر سفرة للعمرة، وللحج سفرة أخرى، أو يسافر إلى مكة قبل أشهر الحج، ويعتمر، ويقيم بها، فهذا: الإفراد له أفضل، باتفاق الأئمة، وأما إذا فعل ما يفعله غالب الناس، وهو أن يجمع بين العمرة والحج، في سفرة واحدة، ويقدم مكة في أشهر الحج، فهذا إن ساق الهدي فالقران أفضل له، وإن لم يسق الهدي فالتحلل من إحرامه بعمرة أفضل. فإنه قد ثبت بالنقول المستفيضة، التي لم يختلف في صحتها أهل العلم بالحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حج حجة الوداع هو وأصحابه، أمرهم جميعهم أن يحلوا من إحرامهم، ويجعلوها عمرة، إلا من ساق الهدي، فإنه أمره أن يبقى على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله يوم النحر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ساق الهدي، هو وطائفة من أصحابه، وقرن هو بين الحج والعمرة. ولم يعتمر بعد الحج أحد ممن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا عائشة وحدها، لأنها كانت قد حاضت، فلم يمكنها الطواف، فأمرها أن تهل بالحج، وتدع أفعال العمرة، لأنها كانت متمتعة، ثم إنها طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمرها، فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن، فاعتمرت من التنعيم. ولم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين أحد يخرج من مكة ليعتمر إلا لعذر، لا في رمضان، ولا في غيره، والذين حجوا معه، ليس فيهم من اعتمر بعد الحج من مكة إلا عائشة، ولا كان هذا من فعل الخلفاء الراشدين، والذين استحبوا الإفراد من الصحابة، إنما استحبوا أن يحج في سفره، ويعتمر في أخرى، ولم يستحبوا أن يحج ويعتمر بعد ذلك عمرة مكية، بل هذا لم يكونوا يفعلونه قط، إلا أن يكون شيئًا نادرًا، وتنازع السلف هل تجزئه عن عمرة الإسلام أو لا؟

لم يكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه أحد يخرج من مكة ليعتمر إلا لعذر

قال أحمد: لا أَشك أنه عليه السلام كان قارنا، والمتعة أحب إلي. انتهى (¬1) وقال: لأنه آخر ما أَمر به النبي صلى الله عليه وسلم (¬2) . ¬

_ (¬1) وقال: إذا دخل بعمرة، يكون قد جمع الله له حجة وعمرة ودمًا. (¬2) أي أمر به أصحابه، الذين كانوا معه في حجة الوداع، لما طافوا طواف القدوم.

وقت إشعار الهدي إذا بلغ الميقات، وإن أرسله فمن بلده

ففي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم «أمر أصحابه – لما طافوا وسعوا – أن يجعلوها عمرة إلا من ساق هديًا» (¬1) . ¬

_ (¬1) فليبق على إحرامه، وإن لم يسق الهدي يجعل الحج عمرة، ويصير حلالاً بعد فراغه من أفعال العمرة، ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل، وقال «انظروا ما آمركم به فافعلوا» وأخبرهم «أنه لأبد الأبد» فلم ينسخ، ومن ساق الهدي فالأفضل له البقاء على إحرامه، كما فعله صلى الله عليه وسلم، وأمر به، وفضل سوق الهدي مشهور. وزمن إشعار الهدي إذا وصل إلى الميقات، إن كان ساقه مسافرًا به، وإن أرسله مع غيره فمن بلده. وعن ابن عباس: قلد نعلين، وأشعر الهدي في الشق الأيمن، بذي الحليفة، وأماط عنه الدم. صححه الترمذي، وقال: العمل عليه عند أهل العلم، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. قال وكيع: لا تنظروا إلى قول أهل العراق في هذا، فإن الإشعار سنة، وقولهم بدعة. وقال أحمد: لا ينبغي أن يسوقه حتى يشعره، ويجلله بثوب أبيض، ويقلده نعلاً، أو علاقة قربة، سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وتقليد الغنم مذهب العلماء، إلا مالكًا، ولعله لم يبلغه الحديث، فعن عائشة: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها غنمًا. صححه الترمذي وقال: العمل عليه عند بعض أهل العلم. واتفقوا على أنها لا تشعر، لضعفها عن الجرح, ولاستتاره بالصوف. وأما البقر فيستحب عند الشافعي ومن وافقه الجمع بين الإشعار والتقليد كالإبل، والمذهب أنه إن كان لها أسنمة أشعرت، وإلا فلا، لأنه تعذيب لها، وللترمذي فيما عطب «انحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم خل بين الناس وبينها فيأكلوها» وصححه وقال: العمل عليه عند أهل العلم.

صفة التمتع والإفراد والقرآن

وثبت على إحرامه لسوقه الهدي. وتأَسف بقوله «لو استقبلت من أَمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولأَحللت معكم» (¬1) (وصفته) أَي التمتع (أَن يحرم بالعمرة في أشهر الحج (¬2) ويفرغ منها (¬3) ثم يحرم بالحج في عامه) من مكة، أَو قربها، أَو بعيد منها (¬4) . ¬

_ (¬1) بفتح الهمزة، وسكون الحاء، وفي لفظ «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة» ولا يتحلل إلا بالطواف والسعي والتقصير أو الحلق إجماعًا، ولا يتأسف إلا على الأفضل، فدل على أنه الأفضل إلا لمن ساق الهدي، وهو مذهب الجمهور. (¬2) لأنه لو لم يحرم بها في أشهر الحج، لم يجمع بين النسكين فيه، ولم يكن متمتعًا. (¬3) أي يتحلل بعد فراغه من أعمالها، لأنه لو أحرم بالحج قبل التحلل من العمرة لكان قارنا، فإذا فرغ منها، ولم يكن معه هدي، أقام بمكة حلالاً، وتجزئه هذه العمرة بلا خلاف. (¬4) لقول عمر: إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع، وإن خرج ورجع فليس بمتمتع. وعن ابن عمر نحوه، ولأنه لو أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج، ثم رجع من عامه، لا يكون متمتعًا، فلأن لا يكون متمتعًا إذا لم يحج من عامه، بطريق الأولى، ويشترط أن يحج في عامه اتفاقًا، لقوله {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} وظاهره في عامه، وجزم بعدم التقييد في المنتهى وغيره، وعليه أكثر الأصحاب.

والإفراد أن يحرم بحج، ثم بعمرة بعد فراغه منه (¬1) والقران أن يحرم بهما معًا (¬2) أو بها ثم يدخله عليها قبل شروعه في طوافها (¬3) ومن أحرم به، ثم أدخلها عليه لم يصح إحرامه بها (¬4) . ¬

_ (¬1) أي يحرم بالحج وحده من الميقات، ثم يقف بعرفة، ويفعل أفعال الحج، فإذا تحلل فقالوا: يخرج إلى التنعيم، فيحرم بالعمرة، ويفعل أفعالها، إن لم يكن أتى بها قبل. وقال المجد: لا يأتي في أشهر الحج بغيره. قال الزركشي: وهو أجود. وتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يعتمروا بعد الحج، إلا ما كان من عائشة، وأن الذين استحبوا الإفراد من الصحابة، إنما استحبوا أن يحج في سفرة، ويعتمر في أخرى، ولم يستحبوا أن يحج ويعتمر بعد ذلك، حتى تنازعوا: هل تجزئه أو لا؟ (¬2) أي جميعًا، ينوي بالحج والعمرة من الميقات، ويطوف لهما، ويسعى، لفعله صلى الله عليه وسلم، كما هو مستفيض في بضعة وعشرين حديثًا، صحيحة، صريحة في ذلك، ومن ذكر أنه متمتع، فالمراد متعة القران، وهو لغة القرآن، والقران مصدر من: قرنت بين الشيئين. (¬3) أي العمرة قبل شروعه في طوافها، إلا لمن معه هدي، فيصح ولو بعده، وسواء كان في أشهر الحج، أولا، لقول عائشة: أهللنا بالعمرة، ثم أدخلنا عليها الحج. وفي الصحيح أنه أمرها بذلك، وفعله ابن عمر، وقال: هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم. متفق عليه، ويقتصر على أفعال الحج وحده، وهذا مذهب مالك، والشافعي. (¬4) أي ومن أحرم بالحج، ثم أدخل عليه العمرة، لم يصح إحرامه بها، لأنه لم يرد به أثر، ولم يستفد به فائدة، ولم يصر قارنا، بل مفردًا، لأنه لا يلزمه بالإحرام الثاني شيء، وعمل القارن، كعمل المفرد في الإجزاء، ويسقط ترتيب العمرة، ويصير الترتيب للحج، وتندرج أفعال العمرة في الحج، قال الشيخ، وابن القيم وغيرهما: إذا التزم المحرم أكثر مما كان لزمه جاز، باتفاق الأئمة، فلو أحرم بالعمرة، ثم أدخل عليها الحج، جاز بلا نزاع، وإذا أحرم بالحج، ثم أدخل عليه العمرة، لم يجز عند الجمهور، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجوزه أبو حنيفة، بناء على أن القارن يطوف ويسعى مرتين، أما لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة، لم يجز بلا نزاع، وإنما الفسخ جائز، لمن نيته أن يحج بعد العمرة، والمتمتع من حين يحرم بالعمرة فهو داخل في الحج.

على الأفقي المتمتع دم نسك بشروط سبعة

(و) يجب (على الأٌفقي) وهو من كان مسافة قصر فأكثر من الحرم (¬1) إن أَحرم متمتعًا، أَو قارنا (دم) نسك (¬2) لاجبران (¬3) . ¬

_ (¬1) والأفقي بضمتين نسبة إلى الأفق، وهو الناحية من الأرض أو السماء، وقال ابن خطيب الدهشة: لا يقال: آفاقي؛ فلا ينسب إلى الجمع، بل إلى الواحد. (¬2) إجماعًا في المتمتع، ونص عليه أحمد في القارن، ولا يجب على المفرد إجماعًا، قال الوزير وغيره: أجمعوا على أن المفرد إذا تم حجه بشرائطه، وتوقي محظوراته، لم يجب عليه دم، واتفقوا على استحباب التطوع بالهدي إذا لم يجب عليه. (¬3) أي لا نقص في التمتع يجبر به، لما تقدم من أفضلية التمتع على غيره، وإلا لما أبيح له التمتع بلا عذر، لعدم جواز إحرام ناقص، يحتاج أن يجبره بدم، قال أحمد: إذا دخل بعمرة يكون الله قد جمع له بين عمرة وحجة ودم. قال ابن القيم: الهدي في التمتع عبادة مقصودة، وهو من تمام النسك، وهو دم هدي، لا دم جبران، وهو بمنزلة الضحية للمقيم، ومن تمام عبادة هذا النسك، ولو كان دم جبران لما جاز الأكل منه، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أكل من هديه، وفي الصحيحين أنه أرسل لنسائه من الهدي الذي ذبحه عنهن، وقال تعالى {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا} وهو متناول هدي التمتع والقران قطعًا.

بخلاف أهل الحرم (¬1) ومن هو منه دون المسافة، فلا شيء عليه (¬2) لقوله تعالى {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (¬3) . ويشترط أن يحرم بها من ميقات (¬4) أو مسافة قصر فأكثر من مكة (¬5) . ¬

_ (¬1) فلا شيء عليهم إجماعًا، لكونهم من حاضري المسجد الحرام المنصوص عليهم. (¬2) لأن من دون المسافة من حاضره، إذ حاضر الشيء من حل فيه، أو قرب منه، وهذا مذهب الشافعي، وقال مالك: هم أهل مكة؛ وقال أبو حنيفة: من كان دون المواقيت. وكذا عند الموفق ومن تبعه. (¬3) أي الحرم، فلا متعة لهم، وقيل: ومن دون مسافة القصر؛ لأنه لا يعد مسافرًا، فلا شيء عليهم، وإن استوطن مكة أفقي فحاضر، فإن دخلها متمتعًا، ناويًا الإقامة بها، بعد فراغ نسكه، أو بعد فراغه منه، لزمه دم وفاقًا، وإن استوطن مكي بلدًا بعيدًا، ثم عاد مقيمًا متمتعًا لزمه دم، جزم به الموفق وغيره، لأنه حال الشروع فيه لم يكن من حاضرها. (¬4) أي فيشترط في وجوب دم على متمتع سبعة شروط «أحدها» أن يحرم بالحج والعمرة من ميقات بلده، قال ابن المنذر، وابن عبد البر، وغيرهما: أجمع أهل العلم على أن من أحرم بعمرة في أشهر الحج، وحل منها، وليس من حاضري المسجد الحرام، ثم أقام بمكة حلالاً، ثم حج من عامه، أنه متمتع، عليه دم. (¬5) فلو أحرم من دون مسافة القصر من مكة، لم يكن عليه دم تمتع، ويكون حكمه حكم حاضري المسجد الحرام، واختار الموفق وغيره أنه ليس بشرط، وصححه في الإقناع وغيره، وعليه، فيلزمه دم التمتع، وإن سافر، قال في شرح الإقناع: وهذا غير ناهض، لأنه لم يلزم من تسميته متمتعًا وجوب الدم.

وأن لا يسافر بينهما (¬1) فإن سافر مسافة قصر فأحرم فلا دم عليه (¬2) . وسن لمفرد وقارن فسخ نيتهما بحج (¬3) وينويان بإحرامهما ذلك عمرة مفردة (¬4) لحديث الصحيحين السابق (¬5) . ¬

_ (¬1) أي بين الحج والعمرة، وهو «الشرط الثاني» . (¬2) أي وليس بمتمتع، وهو مذهب الشافعي، لقول عمر: إذا اعتمر في أشهر الحج، ثم أقام، فهو متمتع، وإن خرج فليس بمتمتع. وعن ابن عمر نحوه، ولأنه مسافر، لم يترفه بترك أحد السفرين، كمحل الوفاق، وقال أبو حنيفة ومالك: إن رجع إلى أهله فلا دم عليه، «والشرط الثالث» أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام إجماعًا، للآية «والرابع» أن يحج من عامه وفاقًا، لأن ظاهر الآية الموالاة، ولأنه أولى لو اعتمر في غير أشهر الحج، ثم حج من عامه، وخالف بعض الحنفية «والخامس» أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج، وإلا صار قارنًا «والسادس» أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وقال أحمد: عمرته في الشهر الذي أهل فيه، وهو قول للشافعي، والقول الثاني يكون متمتعًا إذا طاف لها في شوال، وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك «والسابع» نية التمتع في ابتداء العمرة، أو أثنائها، وعليه أكثر الأصحاب، واختار الموفق والشيخ وغيرهما: لا تعتبر، لظاهر الآية، وهو مذهب الشافعية، ولا يعتبر وقوع النسكين عن واحد، ولا كونه متمتعًا، فإن المتعة تصح من المكي لغيره، مع أنه لا دم عليه. (¬3) حيث قد نوى حجًا، مفردًا أو قارنًا أولاً، فينقض نيته بالحج، سواء طاف وسعى أو لا، وقال الشيخ: يجب على من اعتقد عدم مساغه. (¬4) لا مقرونة بحج، ويفرغ من أعمالها. (¬5) أنه صلى الله عليه وسلم، أمر أصحابه لما طافوا وسعوا، أن يجعلوها عمرة، إلا من ساق هديًا، وثبت على إحرامه.

ما تحرم به الحائض إن خشيت فوات الحج

فإذا حلا أحرما به ليصيرا متمتعين (¬1) ما لم يسوقا هديًا (¬2) أو يقفا بعرفة (¬3) وإن ساقه متمتع لم يكن له أَن يحل (¬4) فيحرم بحج إن طاف وسعى لعمرته قبل حلق (¬5) . فإذا ذبحه يوم النحر حل منهما (¬6) (وإن حاضت المرأة) المتمتعة قبل طواف العمرة (فخشيت فوات الحج أحرمت به) وجوبًا (¬7) . ¬

_ (¬1) أي فإذا فرغا من عمرتهما، أحرما بالحج يوم التروية، ليصيرا متمتعين، منتفعين بإقامتهما حلالاً، إلى يوم التروية. (¬2) فإن ساق القارن أو المفرد هديًا، لم يكن لهما فسخه، لما تقدم من قوله «إلا من كان معه هدي» ولعدم ورود ما يدل على إباحة ذلك. (¬3) فإن وقفا بعرفة، لم يكن لهما فسخه، فإن من وقف بها أتى بمعظم الحج، وأمن من فوته، ولو فسخا في الحالتين فلغو. (¬4) أي من عمرته، لحديث ابن عمر: تمتع الناس بالعمرة إلى الحج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم عليه، حتى يقضي حجه» . (¬5) أي قبل تحلله بالحلق. (¬6) أي من الحج والعمرة معًا، لخبر ابن عمر وغيره، ولأن التمتع أحد نوعي الجمع بين الإحرامين، كالقران، والمعتمر غير المتمتع يحل بكل حال، إذا فرغ من عمرته في أشهر الحج وغيرها، وإن كان معه هدي نحره عند المروة إن أمكن، وحيث نحره من الحرم جاز. (¬7) لأنه لم يكن لها أن تدخل المسجد وتطوف بالبيت، لما تقدم في الحيض، ولما سيأتي، ولا تمنع من شيء من مناسك الحج، إلا الطواف وركعتيه إجماعًا، حكاه ابن جرير وغيره، وليس كونها خشيت فوات الحج شرطًا، لجواز إدخال الحج على العمرة، بل لوجوبه، لأن الحج واجب فورًا، ولا سبيل إليه إلا ذلك، فتعين، وكالصورة الثانية من القران، إدخال الحج على العمرة، قبل الشروع في طوافها، وإن لم يخف فوت الحج.

من أحرم وأطلق أو علقه على ما أحرم به فلان

(وصارت قارنة) (¬1) لما روى مسلم: أَن عائشة كانت متمتعة فحاضت، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم «أَهلي بالحج» (¬2) وكذا لو خشيه غيرها (¬3) . ومن أَحرم وأَطلق صح، وصرفه لما شاء (¬4) ¬

_ (¬1) نص عليه، وهو مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: ترفض العمرة. قال أحمد: لم يقله غيره. ومراد النبي صلى الله عليه وسلم: دعي أفعال العمرة. ولأنه لا يجوز رفض نسك يمكن بقاؤه، ثم قال لها صلى الله عليه وسلم «طوافك وسعيك يكفيك لحجك وعمرتك» فأثبت لها عمرة، وإعمارها من التنعيم تطيبًا لخاطرها. (¬2) لأنها معذورة، محتاجة إلى ذلك، وحديثها أصل في سقوط طواف القدوم عن الحائض، وكانت متمتعة فصارت قارنة، قال ابن القيم: وهو أصح الأقوال، والأحاديث لا تدل على غيره، ولأن إدخال الحج على العمرة، يجوز من غير خشية فوات الحج، فمعه أولى، لأنها ممنوعة من دخول المسجد. وفي الإنصاف: إذا دخلت متمتعة، فحاضت، فخشيت فوات الحج أحرمت به، وصارت قارنة، ولم تقض طواف القدوم، بلا نزاع فيه كله. (¬3) أي وكالحائض – إذا خشيت فوات الحج – غيرها إذا خشي فواته، أحرم بالحج لتعينه، وصار قارنًا، وهو مذهب مالك والشافعي، ولم يقض طواف القدوم، ويجب دم قران، وتسقط عنه العمرة لاندراجها في الحج للخبر. (¬4) وفاقًا: قال الشيخ: ولو أحرم إحرامًا مطلقًا جاز، فلو أحرم بالقصد للحج من حيث الجملة، ولا يعرف هذا التفصيل جاز، ولو أهل ولبى كما يفعل الناس قاصدًا للنسك، ولم يسم شيئًا بلفظه، ولا قصده بقلبه، لا تمتعًا، ولا إفرادًا، ولا قرانًا، صح حجه أيضًا، وفعل واحدًا من الثلاثة، وإن أحرم بنسك ونسيه، صرفه إلى أي الأنساك شاء.

وبمثل ما أَحرم فلان. انعقد بمثله (¬1) وإن جهله جعله عمرة، لأَنها اليقين (¬2) ويصح: أَحرمت يومًا (¬3) أو بنصف نسك (¬4) لا: إن أَحرم فلان؛ فأَنا محرم. لعدم جزمه (¬5) . ¬

_ (¬1) أي انعقد إحرامه، بمثل ما أحرم به فلان وفاقًا، علم به قبل الإحرام أو بعده، لحديث علي، لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم «بم أحرمت؟» قال: بما أحرمت به يا رسول الله. وفي خبر أنس: أهللت بإهلاك كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم. وعن أبي موسى أنه أحرم كذلك، ولم يكن ساق هديًا، فأمره أن يحل، ولأنه قصد الإحرام بصفة خاصة، حتى لو بطل بقي أصل الإحرام، «وفلان» مصروف، كناية عن الذكر من الناس. (¬2) أي وإن استمر الجهل به، جعل نسكه عمرة استحبابًا، لأن العمرة اليقين، والتمتع أفضل، وله صرف الحج والقران إليها مع العلم، فمع الإبهام أولى، ويجوز صرفه إلى غيرها. (¬3) وهذا مذهب الشافعي، لأنه إذا أحرم زمنًا لم يصر حلالاً فيما بعده، حتى يؤدي نسكه، ولو رفض إحرامه. (¬4) صح وهو مذهب الشافعي، لأنه إذا دخل في نسك لزمه إتمامه، فيقع إحرامه مطلقًا، ويصرفه لما شاء. (¬5) أي بالإحرام، قال في الفروع: فيتوجه أن لا يصح وفاقًا. وإن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد بواحدة، وهو مذهب مالك والشافعي، وفي الإنصاف: بلا نزاع. ولا ينعقد بهما كبقية أفعالهما، وكنذرهما في عام واحد، وفاقًا، فتجب إحداهما، لأن الوقت لا يصلح لهما، وإن أحرم عن اثنين، وقع عن نفسه بلا نزاع، لأنه لا يمكن عنهما، وكذا لو أحرم عن نفسه وغيره، وإن استنابه اثنان، فأحرم عن واحد معين، ثم نسيه وتعذرت معرفته، فإن كان فرط أعاد الحج عنهما، وإن فرط الموصى إليه غرم، وإلا فمن تركه الموصيين، إن كان النائب من غير جعل، وإلا لزمه، وإن لم ينسه صح، ويؤدب من أخذ عن اثنين ليحج عنهما عامًا واحدًا.

ابتداء التلبية عقب إحرامه

(وإذا استوى على راحلته قال) (¬1) قطع به جماعة (¬2) والأصح عقب إحرامه (¬3) (لبيك اللهم لبيك) (¬4) . ¬

_ (¬1) أي قال: لبيك، الخ، حال استوائه على راحلته، والتلبية سنة مؤكدة، وأوجبها مالك، وأبو حنيفة في ابتداء الإحرام. (¬2) وجزم به في المقنع وغيره، وتبعهم الماتن. (¬3) أي والأصح: أن السنة ابتداء التلبية عقب إحرامه، قدمه وجزم به في الإقناع، وصححه في شرحه. وعن سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: عجبًا لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلاله. فقال إني لأعلم الناس بذلك، إنما كانت منه حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا، لما صلى في مسجد ذي الحليفة أوجب في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام، فحفظوا عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، فأدرك ذلك أقوام، فحفظوا عنه، وذكر لما علا على البيداء، وايم الله لقد أوجبه في مصلاه. فأزال الإشكال رضي الله عنه. قال الشيخ: يلبي من حين يحرم، سواء ركب دابته أو لم يركبها، وإن أحرم بعد ذلك جاز. (¬4) إجابة لدعوته، قال ابن القيم: ولهذا كان للتلبية موقع عند الله، وكلما أكثر العبد منها كان أحب إلى ربه، وأحظى عنده، فهو لا يملك نفسه أن يقول: لبيك لبيك. حتى ينقطع نفسه.

تفسير التلبية وألفاظها

أي: أنا مقيم على طاعتك وإجابة أَمرك (¬1) (لبيك لا شريك لك لبيك (¬2) إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) (¬3) . ¬

_ (¬1) أي إقامة على طاعتك بعد إقامة، وإجابة لأمرك لنا بالحج بعد إجابة، «ولبيك» مصدر مثنى، قصد به التكثير، مأخوذ من «لب بالمكان» إذا لزمه، وقيل: اتجاهي وقصدي إليك. والأجود في اشتقاقها، هو العطف على الشيء، والإقبال عليه، والتوجه نحوه، وأصل «لبيك» لببتك، فاستثقلوا الجمع بين ثلاث باءات، فأبدلوا من الثالثة ياء، وقيل: لبيك. محبتي لك، وقيل: إخلاصي لك، وقيل معناها: الخضوع، فالتلبية جواب دعاء، والداعي هو الله تعالى، قال جل وعلا {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل إجابة دعوة الخليل حين نادى بالحج: أيها الناس أجيبوا ربكم. فأجابوه: لبيك، الخ، وفي لفظ: إن ربكم اتخذ بيتًا، وأمركم أن تحجوه. وقطع به البغوي وغيره. قال الشيخ: والتلبية إجابة دعوة الله تعالى لخلقه، حين دعاهم إلى حج بيته، على لسان خليله إبراهيم، والملبي هو المستسلم المنقاد لغيره، كما ينقاد الذي لبب وأخذ بلبته، والمعنى: إنا مجيبوك لدعوتك، مستسلمون لحكمك، مطيعون لأمرك، مرة بعد مرة، لإنزال على ذلك. اهـ. وفي مشروعية التلبية، تنبيه على إكرام الله لعباده، بأن وفودهم على بيته، إنما كان باستدعاء منه سبحانه. (¬2) كرر التلبية لأنه أراد إقامة بعد إقامة، ولم يرد حقيقة التثنية، وإنما هو التكثير كحنانيك. (¬3) قال القرطبي والطحاوي وغيرهما: أجمع العلماء على هذه التلبية، وكسر همزة «إن» أولى عند جماهير العلماء، وهو كذلك عند الحنفية والشافعية، وحكي الفتح عن أبي حنيفة وآخرين. وقال ثعلب: من كسر فقد عم، يعني حمد الله على كل حال، ومن فتح فقد خص، أي: لبيك لأن الحمد لك «والملك» بالنصب والرفع، النصب عطف على الحمد والنعمة، والرفع بالابتداء، وينبغي الوقف هنا وقفة لطيفة، لئلا يوصل بالنفي بعده فيوهم.

روي ذلك عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في حديث متفق عليه (¬1) . وسن أَن يذكر نسكه فيها (¬2) . ¬

_ (¬1) وقال الترمذي وغيره: ثبتت عن ابن عمر وغيره، والعمل عليه عند بعض أهل العلم، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وهو قول سفيان، والشافعي, وأحمد، وإسحاق. اهـ. ولا تستحب الزيادة عليها، لأنه صلى الله عليه وسلم لزم تلبيته فكررها، ولم يزد عليها، قال الشيخ: كان صلى الله عليه وسلم يداوم على تلبيته. وللنسائي «لبيك إله الحق» وإن زاد «لبيك ذا المعارج» أو «لبيك وسعديك» ، ونحو ذلك جاز، كما كان الصحابة يزيدون، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمعهم، ولم ينههم، وكذا جزم به ابن القيم وغيره. ولا تكره الزيادة وفاقًا، لما في الصحيحين أن ابن عمر كان يلبى تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزيد: لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل. وزاد عمر: لبيك ذا النعماء والفضل، لبيك لبيك مرغوبًا ومرهوبًا إليك لبيك. رواه الأثرم، وروي عن أنس أنه كان يزيد: لبيك حقًا حقًا، تعبدًا ورقًا. وروي عن بعض السلف: لبيك لا عيش إلا عيش الآخرة. وعن ابن عمر: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة. وقال الشافعي: وإن زاد شيئًا من تعظيم الله، فلا بأس، ولأن المقصود الثناء على الله، وإظهار العبودية له، فلا مانع من الزيادة، واستحبها أبو حنيفة. (¬2) فيقول: لبيك عمرة. أو: لبيك عمرة متمتعًا بها إلى الحج. أو: لبيك عمرة وحجًا. لحديث أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لبيك عمرة وحجًا» وعن جابر وابن عباس نحوه، متفق عليه، ويقول النائب: لبيك عن فلان. وتجزئ النية، قال أحمد: إذا حج عن رجل، يقول أول ما يلبي، عن فلان. ثم لا يبالي أن لا يقول بعد.

مواضع تأكد التلبية

وأَن يبدأَ القارن بذكر عمرته (¬1) وإكثار التلبية (¬2) وتتأكد إذا علا نشزًا (¬3) أو هبط واديًا (¬4) أو صلى مكتوبة (¬5) أو أقبل ليل أو نهار (¬6) . ¬

_ (¬1) أي يسن أن يبدأ القارن الحج بالعمرة بذكر العمرة، فيقول: لبيك عمرة وحجًا. للخبر المتفق على صحته. (¬2) بالرفع عطفًا على سابقه باعتبار سبكه، أي وسن إكثار التلبية، لخبر سهل ابن سعد «ما من مسلم يلبي، إلا لبى ما عن يمينه وشماله، من شجر، أو حجر، أو مدر، حتى تنقطع الأرض من ههنا ومن ههنا» رواه الترمذي وغيره، بسند جيد. (¬3) أي وتتأكد التلبية والإكثار منها «إذا علا نشزًا» بالتحريك: المكان المرتفع، باتفاق الأئمة، للخبر الآتي، وخبر: إذا علونا سبحنا، والتلبية حال الإحرام: تقال مكان التسبيح. (¬4) تأكد التلبية وفاقًا، للخبر. (¬5) أي وتتأكد التلبية دبر الصلاة المكتوبة وفاقًا، ولو في غير جماعة، لما روي عن جابر، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم «يلبي في حجته إذا لقي راكبًا، أو علا أكمة، أو هبط واديًا، وفي أدبار الصلاة المكتوبة، وفي آخر الليل. وقال إبراهيم: كانوا يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة، وفي آخر الليل، وإذا هبط واديًا، وإذا علا نشزًا، وإذا لقي راكبًا، وإذا استوت به راحلته. قال أحمد: يجزئ بعد الصلاة مرة، ولا يستحب تكرارها في حالة واحدة، وثلاث أحسن» . (¬6) وبالأسحار، واختلاف الأحوال.

حكم رفع الصوت بالتلبية في حق الرجل والمرأة

أو التقت الرفاق (¬1) أو سمع ملبيًا (¬2) أو فعل محظورًا ناسيًا (¬3) أو ركب دابته، أو نزل عنها (¬4) أو رأى البيت (¬5) (يصوت بها الرجل) أي يجهر بالتلبية (¬6) لخبر السائب بن خلاد مرفوعًا «أتاني جبرئيل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية» صححه الترمذي (¬7) . ¬

_ (¬1) اتفاقًا، و «التقت» بـ «القاف» قبلها تاء، وبعدها تاء، فوقيتان، وهو الصحيح كما في الإقناع والمنتهى وغيرهما. وفي بعض النسخ بـ «الفاء» قبلها تاء فوقية، وبعد الفاء فوقيتان. (¬2) لبى، فإنه كالمذكر له. (¬3) إذا ذكره، لتدارك الحج، واستشعار إقامته عليه، ورجوعه إليه. (¬4) لتغير حاله بالركوب أو النزول. (¬5) أي الكعبة المشرفة، وفي المستوعب: تستحب عند تنقل الأحوال به. اهـ. وتستحب في مكة والبيت، وسائر مساجد الحرم، كمسجد منى، وعرفات، وسائر بقاع الحرم، لأنها مواضع النسك، وذكر شيخ الإسلام وغيره استحباب الإكثار من التلبية، عند اختلاف الأحوال، كما تقدم، إلا بوقوفه بعرفة ومزدلفة، لعدم نقله، وقال: قد روي «أن من لبى حتى تغرب الشمس، فقد أمسى مغفورًا له» وقال النخعي: كانوا يستحبون التلبية في هذه الأحوال. ولأن التلبية كالتكبير في الصلاة، فيأتي بها عند الانتقالات من حال إلى حال، وإذا رأى شيئًا يعجبه، قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة. (¬6) باتفاق أهل العلم. (¬7) وأصل الإهلال في اللغة: رفع الصوت. ومنه: استهل المولود. صاح، وقال أنس: سمعتهم يصرخون بها صراخًا. رواه البخاري، ولأحمد من رواية ابن إسحاق إن جبرئيل قال للنبي صلى الله عليه وسلم «كن عجاجًا ثجاجًا» وللترمذي عن أبي بكر، وقال غريب: سئل أي الحج أفضل؟ قال «العج والثج» وقال أحمد وابن معين: أصل الحديث معروف. ولأنها شعار الحج، وليقتدى به. قال الشيخ وغيره: التلبية شعار الحج، فأفضل الحج العج والثج، والعج: رفع الصوت بالتلبية «والثج» إراقة دماء الهدي، ولهذا يستحب رفع الصوت بها للرجل، بحيث لا يجهد نفسه، وقال أبو حازم: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يبلغون الروحاء، حتى تبح حلوقهم من التلبية.

وإنما يسن الجهر بالتلبية، في غير مساجد الحل وأَمصاره (¬1) وفي غير طواف القدوم، والسعي بعده (¬2) وتشرع بالعربية لقادر، وإلا فبلغته (¬3) . ¬

_ (¬1) أي أمصار الحل، قال أحمد: إذا أحرم في مصره، لا يعجبني أن يلبي حتى يبرز، لقول ابن عباس - لمن سمعه يلبي بالمدينة -: إن هذا لمجنون، إنما التلبية إذا برزت. واحتج القاضي وأصحابه، بأن إخفاء التطوع أولى، خوف الرياء على من لا يشاركه أحد في تلك العبادة، بخلاف البراري: وعرفات، والحرم، ومكة. (¬2) أي فيكره رفع الصوت بها حينئذ، لئلا يخلط على الطائفتين، ولا بأس فيهما سرًا، قال الأصحاب: لا يظهرها في الحرم وفاقًا. وأما المتمتع والمعتمر، فيقطعانها إذا شرعا في الطواف، كما سيأتي، إلا عند مالك، فإذا دخل الحرم قطعها، وإن أحرم من أدنى الحل، فإذا رأى البيت. قال الشيخ: ويستحب أن يلبي عن أخرس، ومريض، وصغير، ومجنون، ومغمى عليه، تكميلاً لنسكهم كالأفعال. (¬3) أي وتشرع التلبية بالعربية لقادر عليها، لأنه ذكر مشروع، فلم يشرع بغير العربية مع القدرة، كسائر الأذكار، وإن لم يكن قادرًا على العربية، لبى بلغته، كالتكبير في الصلاة.

ويسن بعدها دعاء (¬1) وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (¬2) (وتخفيها المرأة) بقدر ما تسمع رفيقتها (¬3) ويكره جهرها فوق ذلك، مخافة الفتنة (¬4) . ¬

_ (¬1) بما أحب بلا نزاع، لأنه مظنة إجابة الدعاء، ويسأل الله الجنة، ويعوذ به من النار، لما رواه الدارقطني وغيره: كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله مغفرته، واستعاذ برحمته من النار. (¬2) أي ويسن - عقب التلبية والدعاء - صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه موضع يشرع فيه ذكر الله، فشرعت فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، كالصلاة والأذان، ولا يرفع بذلك صوته. قال الشيخ: وإن دعا عقب التلبية وصلى على رسوله الله صلى الله عليه وسلم، وسأل الله رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من سخطه والنار فحسن. وكذا قال غير واحد من أهل العلم، ويسأل ما شاء لنفسه، ولمن أحبه من المسلمين. (¬3) ويعتبر أن تسمع نفسها وفاقًا، فإنها لا تكون متلفظة بذلك إلا كذلك، وأجمع أهل العلم: أنه لا يلبي عنها غيرها، هي تلبي عن نفسها. (¬4) أي يكره رفع صوتها بالتلبية فوق ما تسمع رفيقتها، مخافة الفتنة بصوتها إذا رفعته، قال ابن المنذر وغيره: أجمع أهل العلم، على أن السنة في المرأة، أن لا ترفع صوتها. اهـ. والكراهة مقيدة بما إذا لم يتحقق سماع أجنبي لها، وإلا فيحرم.

ولا تكره التلبية لحلال (¬1) . آخر المجلد الثالث من حاشية الروض المربع ويليه المجلد الرابع وأوله «باب محظورات الإحرام» ¬

_ (¬1) وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وجمهور أهل العلم، لأنها ذكر مستحب للمحرم، فلم تكره لغيره، كسائر الأذكار، قال في الفروع: ويتوجه احتمال: يكره؛ وفاقًا لمالك، لعدم نقله، وتكره في خلاء، ومحل نجس، كسائر الأذكار. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

باب محظورات الإحرام وهي تسعة بالاستقراء

بسم الله الرحمن الرحيم باب محظورات الإحرام (¬1) أي المحرمات بسببه (¬2) و (هي) أي محظوراته (تسعة) (¬3) أحدها (حلق الشعر) من جميع بدنه بلا عذر (¬4) . ¬

_ (¬1) الممنوع فعلهن في الإحرام شرعًا، وكفارات المحظورات، وما يتعلق بذلك، والمحظورات جمع محظور، صفة لمحذور، تقديره: الخصلات، أو الفعلات المحظورات والمحظور المحرم، والمحظور الممنوع. (¬2) أي بسبب الإحرام، والممنوع فعلهن فيه، قال ابن نصر الله: وفي ثبوت الإثم عليها تردد عندي، إذ يحتمل أن معنى حظرها، وجوب الكفارة والفدية بها، لا تحريمها، وترتيب الإثم عليها، كاليمين تجب بفعل المحلوف عليه، ولا إثم إذ لم ينقل عن أحد أن من فعل محظورًا يأثم ولا أنهم أمروه بالاستغفار اهـ وهذا والله أعلم إذا كان فعل المحظور لحاجة، كحلق الشعر لمن آذته هو أم رأسه، فرخص له النبي صلى الله عليه وسلم وأما مع عدم الحاجة فلا، لارتكابه المنهي عنه عمدًا. (¬3) بالاستقراء. (¬4) من مرض أو قمل، أو قروح، أو صداع، أو شدة حر، لكثرته، مما يتضرر بإبقائه إجماعًا، ولو من أنفه، إذ حلق الشعر يؤذن بالرفاهية، وهي تنافي الإحرام، لكون المحرم أشعث أغبر، والقص في معنى الحلق فثبت حظره بدلالة النص.

تقليم الأظفار، وحلق الشعر

يعني إزالته بحلق، أو نتف، أو قلع (¬1) لقوله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلهُ} (¬2) . (و) الثاني (تقليم الأظفار) (¬3) أو قصها، من يد أو رجل بلا عذر (¬4) فإن خرج بعينه شعر، أو انكسر ظفره فأزالهما، أو زالا مع غيرهما فلا فدية (¬5) . ¬

_ (¬1) قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه، فقيس النتف والقلع، على الحلق المنصوص لأنهما في معناه، وإنما عبر به في النص، لأنه الغالب ولأن فيه إزالة الشعث وقضاء التفث. (¬2) أي مكانه الذي يجب أن يذبح فيه، ويفرغ الناسك من أفعال المناسك ونص تعالى على حلق الرأس، وعدي إلى سائر شعر البدن وفاقا، لأنه في معناه، ولحصول الترفه به، بل أولى، لأن الحاجة لا تدعو إليه، وشعر الرأس والبدن واحد، كسائر البدن، وكلبسه قميصًا، وسراويل، وعنه: لكل منهما حكم يخصه وفاقا، لأنهما كجنسين. (¬3) لأنه يحصل به الرفاهية، فأشبه إزالة الشعر، وذكره ابن المنذر إجماعًا، وقال الموفق: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، قال في المطالع: القلم يستعمل في الأخذ من الجوانب. (¬4) فيباح عند العذر كالحلق، فتقليم الأظفار أو تقصيصها أو قلعها محظور بغير خلاف، لكونه مؤذنًا بالرفاهية، وهي منافية لحال المحرم. (¬5) أي أزالهما هو أو زالا، يعني الشعر والظفر، ومع غيرهما كأن قطع جلدًا عليه شعر، أو أنملة بظفرها، فلا فدية في ذلك إجماعًا، أما في إزالتهما فقط فلأذاهما، كالصيد الصائل عليه، وأما زوالهما مع غيرها، فلكونهما بالتبعية والتابع لا يفرد بحكم، كما لو قطعت أشفار عيني إنسان، فإنها تضمن دون أهدابها، بخلاف ما إذا حلق شعره لقمل، أو صداع، أو شدة حر، فإنها تجب الفدية، كما يأتي لأن الأذى من غير الشعر.

وإن حصل الأذى بقرح أو قمل ونحوه (¬1) فأزال شعره لذلك فدى (¬2) ومن حلق رأسه بإذنه (¬3) أو سكت ولم ينهه فدى (¬4) ¬

_ (¬1) كصداع أو شدة حر، لكثرة ما يتضرر بإبقاء الشعر. (¬2) أي أزال شعره للقرح والقمل فدي، قولا واحدا، لقوله تعالى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} ولحديث كعب بن عجرة قال: كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى الجهد يبلغ بك ما أرى تجد شاة؟ قلت: لا فنزلت {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} قال: هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، نصف صاع، طعاما لكل مسكين، أو ذبح شاة متفق عليه، وكأكل صيد لضرورة، واستيعاب الحلق ليس بمعتبر في وجوب الفدية إجماعًا. (¬3) فدى المحلوق، ولا شيء على الحالق، وهو مذهب مالك، والشافعي وحلق بالبناء للمفعول. (¬4) أي المحلوق لأنه غير ذلك بإذنه أشبه ما لو باشره، ولأنه تعالى أوجب الفدية عليه، مع علمه أن غيره يحلقه، ولأنه فرَّط بالسكوت، وعدم نهيه، كما لو أتلف ماله وهو ساكت، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين للشافعي، ولا شيء على الحالق، وإن كان مكرها بيد غيره، ولو نائما، فعلى الحالق، نص عليه ومن طيب غيره فكحالق، وإن حلق محرم حلالا، أو قلم أظفاره فلا فدية عليه.

غسل المحرم وتسريح شعره، ونوع الفدية ومقدارها

ويباح للمحرم غسل شعره بسدر ونحوه (¬1) (فمن حلق) شعرة واحدة، أو بعضها فعليه طعام مسكين (¬2) . ¬

_ (¬1) كخطمي وكأشنان، وصابون، ما لم يقطع شعرا، لقوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته دابته «اغسلوه بماء وسدر» ، مع بقاء الإحرام، وله غسله في حمام وغيره بلا تسريح، وروي عن عمر، وعلي، وابن عمر، وجابر، وغيرهم، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه غسل رأسه وهو محرم، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، واغتسل عمر، وقال: لا يزيد الماء الشعر إلا شعثا، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ورجح في الفروع أن الأولى تركه، لأنه مزيل للشعث والغبار، مع الجزم بالنهي عن النظر في المرآة لإزالة شعثه وغباره، مع أن الحجة «انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا» ، ويحمل ما سبق على الحاجة أو أنه لا يكره، وقال الشيخ: له أن يغتسل من الجنابة بالاتفاق، وكذا لغير الجنابة، وقال النووي وغيره: أجمع العلماء على جوازه في الرأس وغيره، إذا كان له عذر، وأشار أبو أيوب بيديه، فأقبل بهما وأدبر ليريه كيف يغسل المحرم رأسه، لأنه المقصود بالسؤال، وخص ابن عباس الرأس بالسؤال، لأنه موضع الإشكال. وقال ابن القيم: يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتاب ولا سنة، ولا إجماع على منعه من ذلك، ولا تحريمه وليس في ذلك ما يحرم على المحرم تسريح شعره، فإن أمن من تقطيع الشعر، لم يمنع من تسريح رأسه، وإلا ففيه نزاع، والدليل يفصل بين المتنازعين، فإنه لم يدل كتاب، ولا سنة، ولا إجماع على منعه فهو جائز. (¬2) نص عليه، لأنه أقل ما وجب شرعا فدية، وعنه: قبضة طعام، لأنه لا تقدير فيه، فدل على أن المراد يتصدق بشيء، وهو ظاهر مذهب مالك، وأبي حنيفة، وثلث درهم عند الشافعي.

وشعرتين أو بعض شعرتين، فطعام مسكينين (¬1) وثلاث شعرات، فعليه دم (¬2) (أو قلم) ظفرا فطعام مسكين (¬3) وظفرين فطعام مسكينين (¬4) و (ثلاثة فعليه دم) أي شاة (¬5) أو إطعام ستة مساكين (¬6) . ¬

_ (¬1) وفي بعض النسخ فطعاما مسكينين بالتثنية وتقدم أن المثنى إذا أضيف أفرد. (¬2) شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، وخصت بالثلاث لأنها جمع، وهذا مذهب الشافعي، واعتبرت الثلاث في مواضع، كمحل الوفاق، وقال في الفروع: وسواء كان عامدا، أو مخطئا أو ناسيا، وعنه: لا يجب إلا في أربع شعرات فصاعدا، نقله الجماعة، واختارها الخرقي، لأن الأربع كثير، وعند أبي حنيفة: في ربع الرأس، وعند مالك، فيما يماط به الأذى، ويحصل به الترفه، وإزالة التفث قال في الفائق: والمختار تعليق الحكم به، وأنكر ابن القيم أنه يستفاد وجوب الدم على من قطع من جسده أو رأسه ثلاث شعرات أو أربعا من قوله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم} . (¬3) كما في شعرة لأنه أقل ما وجب شرعا فدية. (¬4) نص عليه وفي قص بعض الظفر ما في جميعه، كالشعرة لأنه غير مقدر بمساحة سواء طالا أو قصرا، بل هي كالموضحة مع كبرها وصغرها. (¬5) ما يجزئ في أضحية. (¬6) لكل مسكين مد بر، أو نصف صاع من تمر أو شعير، وكذا قال الشيخ: لكل مسكين نصف صاع من تمر، أو شعير، أو مد بر، وإن أطعمه خبزا جاز، ويكون رطلين بالعراقي، تقريبا من نصف رطل بالدمشقي، وينبغي أن يكون مأدوما، وإن أطعمه مما يأكل كالبقسماط، والرقاق، ونحو ذلك جاز، وهو أفضل من أن يعطيه قحما أو شعيرا، وكذلك في سائر الكفارات، إذا أعطاه مما يقتات به مع أدمه، فهو أفضل من أن يعطيه حبا مجردا، إذا لم يكن عادتهم أن يطحنوا بأيديهم، ويخبزوا بأيديهم، والواجب في ذلك كله ما ذكره الله بقوله {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} فأمر بإطعام المساكين من أوسط ما يطعم الناس أهليهم، ورجح أنه يرجع إلى العرف فيه، فيطعم كل مما يطعمون أهليهم، وذكر قصة كعب بن عجرة لما كانوا يقتاتون التمر أمره أن يطعم منه.

أو صيام ثلاثة أيام (¬1) وإن خلل شعره، وشك في سقوط شيء به استحبت (¬2) . ¬

_ (¬1) سواء كان حرم في الإحرام لأجل الرفه، أو كفارة ثبت فيها التخيير، وحكم الرأس والبدن في إزالة الشعر، وفي الطيب، وفي اللبس واحد، لأنه جنس واحد، وعنه: لكل منهما حكم منفرد، نقلها الجماعة، ونصرها جماعة، وفاقا للأئمة الثلاثة، لأنهما كجنسين لتعلق النسك بالرأس وحده، فهو كحلق ولبس فإن حلق شعر رأسه وبدنه، أو تطيب، أو لبس فيهما ففدية واحدة. (¬2) يعني الفدية له احتياطا، ولا تجب، وقال أحمد وغيره: لا شيء عليه، وإن تيقن أنه بان بالمشط أو التخليل فدى، وله حك بدنه ورأسه برفق ولا يقطع شعره، وقال الشيخ: إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضره، وإن تيقن أنه قطع بالغسل، وقال فيمن احتاج إلى قطعه بحجامة، أو غسل لم يضر، وقال: وله أن يحك بدنه، ويحتجم في رأسه، وغير رأسه، وإن احتاج أن يحلق شعرا لذلك جاز، فإنه قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في وسط رأسه وهو محرم، ولا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر، وله أن يفتصد إذا احتاج إلى ذلك، وفي المبدع: يخلل لحيته، ولا فدية بقطعه بلا تعد.

تغطية الرأس للرجل بملامس ممنوع بالاتفاق واختلف في الاستظلال

الثالث تغطية رأس الذكر إجماعا (¬1) وأشار إليه بقوله (ومن غطى رأسه بملاصق فدى) (¬2) سواء كان معتادا كعمامة، وبرنس (¬3) أم لا كقرطاس، وطين، ونورة، وحناء (¬4) أو عصبه بسير (¬5) . ¬

_ (¬1) حكاه الوزير وجمع، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن لبس العمائم والبرانس وقوله في المحرم الذي وقصته راحلته: لا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا متفق عليهما، ولنقل الخلف عن السلف، وقال ابن القيم وغيره، كل متصل ملامس يراد لستر الرأس، كالعمامة والقبع والطاقية والخوذة وغيرها، ممنوع بالاتفاق، وكان ابن عمر يقول: إحرام الرجل في رأسه، والأذنان منه للأخبار وتقدم، فما كان منه، حرم على ذكر تغطيته. (¬2) عند جمهور أهل العلم، لارتكابه النهي. (¬3) بالضم قلنسوة طويلة، أو كل ثوب رأسه منه، دراعة كان أو جبة أو ممطرا. (¬4) يعني أو ملاصق غير معتاد، كقرطاس فيه دواء أو غيره، أولا دواء فيه فعليه الفدية بلا نزاع، والقرطاس بكسر القاف وضمها، وهو الذي يكتب فيه، وفي المطالع، تسمى الصحيفة قرطاسا، من أي نوع كان والطين معروف وسواء طلاه به، أو بحناء، أو غيره لعذر أو غيره، والحناء بالتشديد والمد هو هذا المعروف، ويقال له الرقون، والرقان، والرنا، فعليه فدية وفاقا. (¬5) من جلود، أو غيرها، لصداع، أو رمد، أو نحوهما، أولا، لأنه فعل محرما في الإحرام، يقصد به الترفه، أشبه حلق الرأس، ويفدي وفاقا، ويجوز تلبيد رأسه بعسل، وصمغ، ونحوهما، لئلا يدخله غبار أو دبيب أو يصيبه شعث، ولا شيء عليه، لما في الصحيحين عن ابن عمر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يهل ملبدا، واتفقوا على أنه يجوز تضميد العين وغيرها بالصبر ونحوه مما ليس بطيب، ولا فدية في ذلك.

أو استظل في محمل، راكبا أو لا (¬1) ولو لم يلاصقه (¬2) ويحرم ذلك بلا عذر (¬3) . ¬

_ (¬1) وكذا هودك، وعمارية، ومحارة وفاقا للشافعي، وأبي حنيفة، وكذا لو استظل بثوب ونحوه، راكبا أو نازلا حرم وفدى، والمحمل بكسر الميم قاله ابن مالك وغيره، وهو مركب يركب عليه على البعير، وقال الجوهري: كمجلس شقتان على البعير، يحمل فيهما العديلان، ويقال: لمحمل الهودج: وفي معنى المحمل الشقدف المعروف بالحجاز، والهودج مركب للنساء، معروف عند العرب، والمحفة كالهودج، إلا أنها ليس لها قبة كقبة الهودج والعمارية نحوها، ويقال: رقعة مزينة تخاط في المظلة والمحارة يؤتى بها من جهة الشام، تقطر بين بعيرين، يركب فيها واحد أو اثنان. (¬2) أي ما تقدم من التغطية، ويفدي وهو مذهب مالك، لأنه قصد ما يقصد به الترفه، أو لأنه ستره بما يستدام ويلازمه غالبا، أشبه ما لو ستره بشيء يلاقيه، ولما روي عن ابن عمر من طرق: النهي عنه، واحتج به أحمد. (¬3) ورأى ابن عمر رجلا ظلل عليه، فقال: أيها المحرم أضح لمن أحرمت له، ولهذا كان السلف يكرهون القباب على المحامل التي لها رأس، وقال الشيخ: وأما الاستظلال بالمحمل كالمحارة التي لها رأس، في حال السير، فهذا فيه نزاع، والأفضل للمحرم أن يضحي لمن أحرم له، كما كان صلى الله عليه وسلم وأصحابه يحرمون، وذكر أثر ابن عمر لما رأى على رجل عودا يستره من الشمس، فنهاه واحتج به، وعنه: يكره الاستظلال بالمحمل، ولا يحرم، اختاره الموفق والشارح وصححه المجد، وعنه: يجوز وفاقا لأبي حنيفة والشافعي، ولأن أسامة رفع ثوبه يستر به النبي صلى الله عليه وسلم من الحر، حتى رمى جمرة العقبة رواه مسلم.

ليس المخيط على قدر البدن أو بعضه والطرح عليه

لا إن حمل عليه (¬1) أو استظل بخيمة أو شجرة أو بيت (¬2) الرابع لبس المخيط (¬3) . ¬

_ (¬1) أي على رأسه شيئا، كطبق ونحوه، لا لقصد التغطية، وكذا لو وضع يده عليه، لأنه لا يستدام، وما فيه فدية فلا أثر للقصد فيه ولا عدمه. (¬2) أو جدار، أو نصب حياله ثوبا، لحر أو برد، أمسكه إنسان، أو رفعه على عود لخبر جابر، فأتى عرفة، فوجد الخيمة قد ضربت له، فنزل بها واستمر عمل الناس عليه، ولخبر أسامة المتقدم، ولو قصد به الستر فلا شيء عليه، قال الشيخ وابن القيم وغيرهما باتفاق أهل العلم، ولأنه لا يقصد به الترفه في البدن عادة، وحكي عن مالك المنع من وضع ثوبه على الشجرة يستظل به، وخالفه الجمهور، وكذا لو غطى الرجل وجهه، وهو مذهب الشافعي، فقد روي عن عثمان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن الزبير، وغيرهم واتفق البخاري ومسلم وغيرهما على رواية «لا تخمروا رأسه» ، واختلف في تخمير الوجه، وقالوا: رواية النهي عنه غير محفوظة، وعدم تخميره أولى خروجا من الخلاف. (¬3) في بدنه، أو بعضه، بما عمل على قدره، إجماعا، قل، أو كثر، من قميص، وعمامة، وسراويل، وبرنس، ونحوها، ولو درعا منسوجا، أو لبدا معقودا، ونحوه مما يعمل على شيء من البدن. وفي الإنصاف: ما عمل على قدر العضو إجماعا، وكالخفين، والقفازين ولو غير معتاد، كجورب في كف، وخف في رأس، وكران، لما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل: ما يلبس المحرم؟ قال: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس، ولا السروايل ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران، ولا الخفين، الحديث قال الترمذي وغيره، والعمل عليه عند أهل العلم. فيلحق بالقميص الجبة والدراعة ونحوها، وبالعمامة كل ملاصق، أو ساتر معتاد، وبالسراويل التبان، وما في معناها، سواء كان مخيطا، أو درعا منسوجا، أو لبدا معقودا، ولا فرق بين قليل اللبس وكثيره، لظاهر الآية والخبر، ولأنه استمتاع، فاعتبر فيه مجرد الفعل، كالوطء في الفرج، وهو مذهب الشافعي. وقال شيخ الإسلام وغيره: النبي صلى الله عليه وسلم نهى المحرم أن يلبس القميص، والبرنس، والسراويل، والخف، والعمامة، ونهاهم أن يغطوا رأس المحرم بعد الموت، وأمر من أحرم في جبة أن ينزعها عنه، فما كان من هذا الجنس فهو ذريعة، في معنى ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فما كان في معنى القميص فهو مثله، وليس له أن يلبس القميص، بكم ولا بغيركم وسواء أدخل يديه أو لم يدخلهما، وسواء كان سليما أو مخروقا، وكذلك لا يلبس الجبة، ولا القباء الذي يدخل يديه فيه، وكذلك الدرع الذي يسمى عرق جبن يعني الفنيلة، وأمثال ذلك باتفاق الأئمة. وأما إذا طرح القباء على كتفيه، من غير إدخال يديه، ففيه نزاع، وهذا معنى قول الفقهاء: لا يلبس المخيط، والمخيط ما كان من اللباس على قدر العضو، ولا يلبس ما كان في معنى السراويل، وكالتبان ونحوه.

وإليه الإشارة بقوله: (وإن لبس ذكر مخيطا فدى) (¬1) . ¬

_ (¬1) عالم بالتحريم، ذاكر لإحرامه، مستديم لبسه فوق المعتاد في خلعه، وأجمعوا على اختصاص النهي بالرجل دون المرأة، واتفقوا على جواز ستر بدنه بغير المخيط.

العقد للرداء والإزار والهميان ولبس الخفين بلا قطع

ولا يعقد عليه رداء ولا غيره (¬1) إلا إزاره (¬2) ومنطقة وهميانا فيهما نفقة، مع حاجة لعقد (¬3) . ¬

_ (¬1) كمنطقة وهميان، لقول ابن عمر: ولا يعقد عليه شيئا، رواه النسائي، ويباح الهميان، قال ابن عبد البر: أجازه فقهاء الأمصار، متقدموهم ومتأخروهم وليس له أن يجعل لذلك زرًّا وعروة، ولا يخله بشوك، أو إبرة، أو خيط، ولا يغرز أطرافه في إزاره، وقال الشيخ: والرداء لا يحتاج إلى عقده، فلا يعقده، فإن احتاج إلى عقده ففيه نزاع، والأشبه جوازه حينئذ وهل المنع من عقده منع كراهة، أو تحريم؟ فيه نزاع، وليس على تحريم ذلك دليل، إلا ما نقل عن ابن عمر، واختلف متبعوه فيه. (¬2) أي فله عقده لحاجة ستر عورته فأبيح، كاللباس للمرأة، قال في الإنصاف، إذا لم يثبت إلا بالعقد فله بلا نزاع. (¬3) أي وإلا منطقة وهميانا جعل فيهما نفقة، فله عقدهما إذا لم تثبت المنطقة والهميان إلا بالعقد، لقول عائشة: أوثق عليك نفقتك، وروي عن ابن عباس وابن عمر معناه، ورفعه بعضهم، ولأن الحاجة تدعو إلى عقدهما، فجاز كعقد الإزار فإن ثبت بغير عقد أو بأن أدخل السيور بعضها في بعض لم يعقده لعدم الحاجة، وجوز الشيخ عقده مطلقا، لأنه ليس بلبس مخيط، ولا في معناه، وكذا السيف والسلاح، فلا يكره والمنطقة بكسر الميم، وفتح الطاء، كل ما شددت به وسطك والهميان بكسر الهاء، معرب يشبه تكة السراويل، وتوضع فيه الدراهم والدنانير ويشد على الحقو ويجوز شد وسطه بمنديل وحبل ونحوهما، إذا لم يعقده، قال أحمد في محرم حزم عمامته على وسطه: لا يعقدها ويدخل بعضها في بعض وقاله الشيخ وغيره: قال طاوس فعله ابن عمر، وقيل: لا بأس احتياطا للنفقة، ويتقلد بسيف لحاجة وفاقا، لقصة الحديبية.

وإن لم يجد نعلين لبس خفين (¬1) أو لم يجد إزارًا لبس سراويل، إلى أن يجد ولا فدية (¬2) . ¬

_ (¬1) ونحوهما من ران وسرموزة، وزربول، إلى أن يجد ولا فدية، سواء احتاج إلى لبس أولا، بأن يمكنه المشي حافيًا، أو لا يحتاج إلى شيء، لأن الرخصة في ذلك لمظنة المشقة، فلا تعتبر حقيقتها كالمشقة في السفر، وفي المنتهى، ويحرم قطعهما ونص عليه أحمد، وقال: هو إفساد، واحتج الموفق وغيره، بالنهي عن إضاعة المال، وهذا هو المختار، عملاً بإطلاق حديثي ابن عباس وجابر، فإنه لم يأمر فيهما بقطع، بل ثبت عن ابن عباس أنه قال: لم يقل: ليقطعهما ولو كان القطع واجبا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الجمع العظيم. قال الشيخ: فإن لم يجد نعلين لبس خفين، وليس عليه أن يقطعهما دون الكعبين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالقطع أولا، ثم رخص في ذلك في عرفات، في لبس الخفين، لمن لم يجد نعلين، وإنما رخص في المقطوع أولا، لأنه يصير بالقطع كالنعلين، وهذا أحسن من ادعاء النسخ، قال: ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يلبس ما دون الكعبين، مثل الخف المكعب، والجمجم، والمداس ونحو ذلك، سواء كان واجدًا للنعلين أو فاقدا لهما، وإذا لم يجد نعلين، ولا ما يقوم مقامهما مثل الجمجم والمداس ونحو ذلك، فله أن يلبس الخف ولا يقطعه هذا أصح قولي العلماء. (¬2) فإذا وجد إزارا نزع السراويل ولبسه، لخبر ابن عباس: سمعته يخطب بعرفات يقول: «السراويل لمن لم يجد الإزار» متفق عليه، قال الشيخ: وإن لم يجد إزارا فإنه يلبس السراويل ولا يفتقه، هذا أصح قولي العلماء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في عرفات في لبس السراويل لمن لم يجد إزارا، كما رواه ابن عباس، وكذا يجوز أن يلبس كل ما كان من جنس الإزار والرداء، فله أن يلتحف بالقباء والجبة، والقميص، ونحو ذلك ويتغطى به باتفاق الأئمة عرضا ويلبسه مقلوبا، يجعل أسفله أعلاه، ويتغطى باللحاف وغيره، ولكن لا يغطي رأسه إلا لحاجة اهـ. وإن اتزر بقميص فلا بأس، ولا يجوز لبسه ولو عدم الإزار اتفاقا، لأنه يمكن أن يتزر به وسروايل أعجمي مفرد معرب ممنوع من الصرف وجها واحدا لشبهه بمفاعيل.

الطيب وحكمه، واستعماله والإدهان بمطيب، والبخور

(الخامس الطيب (¬1) وقد ذكره بقوله: (وإن طيب) محرم (بدنه أو ثوبه) أو شيئا منهما (¬2) أو استعمله في أكل أو شرب (¬3) . ¬

_ (¬1) يعني من محظورات الإحرام، فيحرم على المحرم إجماعا، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر يعلى بن أمية بغسل الطيب، وقال في المحرم الذي وقصته راحلته «ولا تحنطوه» متفق عليهما ولمسلم «ولا تمسوه بطيب» ، ولأبي داود والترمذي وغيرهما قال رجل: من الحاج يا رسول الله؟ قال «الشعث التفل» ، والحكمة أن يبعد عن الترفه وزينة الدنيا وملاذها، ويجمع همه لمقاصد الآخرة، ولكونه من أسباب دواعي الوطء فتحريمه من باب سد الذرائع. (¬2) فدى لأنه يعد متطيبا بواحد منهما، ولو من غيره بإذنه، أو سكت ولم ينهه، ويحرم عليه لبس ما صبغ بزعفران، أو ورس لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم «ولا ثوبا مسه ورس أو زعفران» ، ولبس ما غمس في ماء ورد، أو بخر بعود ونحوه، والجلوس والنوم عليه، فإن فرش فوق الطيب ثوبا صفيقا، يمنع الرائحة والمباشرة غير ثياب بدنه فلا، وإذا تطيب ناسيا أو عامدا لزمه إزالته مهما أمكن، من الماء وغيره من المائعات، وإلا فمن الجامدات كحكه بخرقة وتراب، وله غسله بنفسه، ولا شيء عليه، لملاقاة الطيب ببدنه والأفضل والاستعانة على غسله بحلال. (¬3) يظهر فيه طعمه أو ريحه فدى، لأن الطعم مستلزم الرائحة والرائحة هي المقصود منه، ولو مطبوخا أو مسته النار، قال في الإنصاف: بلا نزاع أعلمه لأنه استعمال للطيب، أشبه شمه، حتى ولو ذهبت رائحته، وبقي طعمه، لبقاء المقصود منه، فمن فعل شيئا من ذلك فدى، لفعل ما حرم بالإحرام، فإن بقي اللون فقط فلا بأس بأكله، ومذهب أبي حنيفة ومالك: لا فدية.

(أو ادهن) أو اكتحل، أو استعط (بمطيب (¬1) أو شم) قصدا (طيبا (¬2) أو تبخر بعود ونحوه) (¬3) . ¬

_ (¬1) أثم وفدى، لأنه استعمال للطيب، أشبه شمه. (¬2) كمسك وكافور، وعنبر، وغالية، وماء ورد، وزعفران ونحوها مما يأتي ونحوه، أو شم الأدهان المطيبة كدهن ورد، وبنفسج وخيري ونحوها، اختاره القاضي والموفق وغيرهما، وصححه غير واحد، لأنها تقصد رائحتها وتتخذ للطيب أشبهت ماء الورد، وقال ابن القيم: تحريم شمه بالقياس، ولفظ النهي لا يتناوله بصريحه، ولا إجماع معلوم فيه، يجب المصير إليه، ولكن تحريمه من باب تحريم الوسائل، فيمنع منه للترفه واللذة اهـ. وفي رواية: يباح شم الريحان، والنرجس، والبنفسج، والورد، والبرم ونحوها، قال في المبدع: اختاره أكثر الأصحاب، وهو قول عثمان، وابن عباس لأنه إذا يبس ذهبت رائحته اهـ ويحرم الادهان بها «وقصدًا» وقع حالا، أي حال كونه قاصدًا الشم، ومفهومه أن الشم إذا لم يكن قصدًا لم يكن عليه إثم ولا فدية كما صرح به غير واحد. وقال ابن القيم وغيره: فأما من غير قصد، أو قصد الاستعلام عند شرائه، لم يمنع منه، ولم يجب عليه سد أنفه، ولمشتريه حمله، وتقليبه إذا لم يمسه، ولو ظهر ريحه، لأنه لم يقصد الطيب، وإن علق الطيب بيده كالسحوق والغالية وماء الورد فدى. (¬3) كعنبر وند فدى لأنها هكذا تستعمل على وجه التطيب.

من أنواع الطيب: مسك، وكافور، وعنبر إلخ

أو شمه قصدًا (¬1) ولو بخور الكعبة، أثم و (فدى) (¬2) ومن الطيب مسك، وكافور، وعنبر (¬3) وزعفران، وورس (¬4) وورد، وبنفسج (¬5) . ¬

_ (¬1) أي شم البخور بعود ونحوه قاصدًا الشم فدى، لأنه قصد للطيب المنهي عنه، قال الشيخ، ومما ينهى عنه المحرم أن يتطيب بعد الإحرام في بدنه، أو ثيابه، أو يتعمد لشم الطيب. (¬2) لأنه شمه قاصدًا، أشبه ما لو باشره، وإن جلس عند عطار، أو في موضع كقصد الكعبة، حال تجميرها ليشم الطيب فشمه، أوحمل عقدة فيها مسك ليجد ريحها فشمها فدى. (¬3) المسك بكسر الميم، فارسي معرب، وهو طيب من دم دابة كالظبي، يدعى، غزال المسك، وتقدم، وكانت العرب تسميه المشموم والكافور نبت طيب، نوره أبيض، كنور الأقحويان، وطيب معروف يؤخذ منه، أو أخلاط من الطيب، ويقال: من شجر بجبال الهند والصين، وتقدم، والعنبر طيب معروف، قيل: روث دابة بحرية، والمشموم رجيعها، أو نبع عين في البحر يكون جماجم، أو شمع عسل ببلاد الهند، يجمد وينزل البحر، وقيل غير ذلك، وأجوده الأبيض. (¬4) نبات أصفر كالسمسم باليمن، يزرع فيبقى عشرين سنة، يتخذ منه، الحمرة للوجه، نافع للكلف طلاء، وللبهق شربا، والزعفران من الطيب، وهو هذا الصبغ المعروف وتقدم. (¬5) الورد من كل شجرة نورها، وقد غلب على نوع الحوجم، وهو الأحمر المعروف الذي يشم، واحدته وردة ويقال إنه معرب والبنفسج بفتح الموحدة والنون، وسكون الفاء، وفتح السين، قيل معرب، وهو نبات زهره أزرق، طيب الرائحة، ينفع من السعال.

والينوفر (¬1) وياسمين (¬2) وبان (¬3) وماء ورد (¬4) وإن شمها بلا قصد (¬5) أو مس ما لا يعلق كقطع كافور (¬6) أو شم فواكه (¬7) أو عودا (¬8) أو شيحا (¬9) . ¬

_ (¬1) بلام التعريف، وفتح المثناة والنون، وسكون الواو، وفتح الفاء، ضرب من الرياحين، طيب الرائحة ينبت في المياه الراكدة. (¬2) ويقال: ياسمون نبات زهره طيب الرائحة، نوعان، أبيض، وأصفر يقال: شممت الياسمين. (¬3) شجر معروف، ينمو ويطول في استواء، مثل نبات الأثل، وورقه له هدب كهدب الأثل، وثمرته تشبه قرون اللوبيا، واحدته بانة، ولحب ثمره دهن طيب معروف. (¬4) عصارته معروف، وهو نوع من الطيب، قال الحافظ: وكل ما يتخذ منه الطيب يحرم بلا خلاف. (¬5) فلا فدية، وتقدم أنه لا يجب عليه سد أنفه، وأن له حمله، ولو ظهر ريحه، لأنه لم يقصد الطيب. (¬6) ومسك غير مسحوق، وعنبر، ونحوه، فلا فدية عليه بذلك بلا نزاع، لأنه غير مستعمل للطيب. (¬7) من الأترج، والتفاح، والسفرجل، ونحوها، فلا فدية وفاقا. (¬8) من غير تبخير وفاقا، لأنه لا يتطيب به إلا بالتبخير. (¬9) أو خزامي، أوقيصوما أو إذخر ونحوه مما لا يتخذ طيبا وفاقا، وكذا ما ينبته الآدمي لغير قصد الطيب، كحناء، وعصفر، وقرنفل، ودار صيني ونحوه، والشيح بكسر الشين، نبت سهلي من الأمرار، له رائحة طيبة، منبته القيعان والرياض، ترعاه الخيل والنعم.

قتل صيد البر المأكول، واصطياده وما تولد منه

أو ريحانا فارسيا (¬1) أو نماما (¬2) أو ادهن بدهن غير مطيب فلا فدية (¬3) السادس: قتل صيد البر واصطياده (¬4) . ¬

_ (¬1) وهو الحبق: نبت طيب الرائحة، معروف بالحجاز، والشام، والعراق، والريحان عند العرب هو الآس ولا فدية في شمه، وكذا ماء ريحان، وفواكه وعصفر، وقرنفل ونحوها. (¬2) بفتح النون، وتخفيف الميم، نبت طيب الرائحة مدر، يخرج الجنين الميت والدود، ويقتل القمل، وكذا نرجس وبرم ومرنجوش، وهو السمق، وقاله عثمان، وذكر البخاري قول ابن عباس، وذكر القاضي أنه يحتمل أن المذهب رواية واحدة لا فدية. (¬3) لأنه صلى الله عليه وسلم فعله، رواه أحمد، والترمذي وكذا لو ادهن بدهن زيت، وشيرج، وسمسم، ودهن بان، وساذج، ونحوها، قال الشارح: فأما الدهن الذي لا طيب فيه، فنقل ابن المنذر الإجماع على أن له أن يدهن بدنه بالشحم، والزيت، والسمن وعنه: لا يدهن رأسه، لأنه يزيل الشعث وأجمعوا على إباحته في اليدين، وقال شيخ الإسلام: وأما الدهن في رأسه وبدنه، بالزيت والسمن ونحوه، إذا لم يكن فيه طيب، ففيه نزاع مشهور، وتركه أولى، ولم يحرم الله إزالة الشعث بالاغتسال، وليس السدر من الطيب في شيء، وقد أمر به في غسل المحرم. (¬4) أي السادس من محظورات الإحرام قتل صيد البر المأكول، وذبحه، عمدا أو خطأ وعليه جزاؤه إجماعا لقوله تعالى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} أي يحرم عليكم الاصطياد من صيد البر، ما دمتم محرمين، ويحرم أذاه ولو لم يقتله أو يجرحه، قال الشيخ: ولا يصطاد صيدا بريا ولا يعين على صيد ولا يذبح صيدا، ولا يصطاد بالحرم صيدا، وإن كان من الماء كالسمك على الصحيح، بل ولا ينفر صيده مثل أن يقيمه ليقعد مكانه، وفي الإنصاف: لو نفر صيدا فتلف أو نقص في حال نفوره ضمنه، بلا خلاف فيهما اهـ، فأما صيد البحر كالسمك ونحوه فله أن يصطاده ويأكله، والصيد هو الحيوان الممتنع المتوحش بأصل الخلقة.

وقد أشار إليه بقوله (وإن قتل صيدًا مأكولاً بريًّا أصلاً) (¬1) كحمام وبط، ولو استأنس (¬2) بخلاف إبل، وبقر أهلية، ولو توحشت (¬3) (ولو تولد منه) أي من الصيد المذكور (¬4) (ومن غيره) كالمتولد بين المأكول وغيره (¬5) . ¬

_ (¬1) فعليه جزاؤه إجماعا لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} ويعتبر كونه أصلا لا وصفا فلو تأهل وحشي ضمنه لا إن توحش أهلي، وأما ما ليس بمأكول، كسباع البهائم، والمستخبث من الحشرات والطير، فيباح قتله، لحديث خمس فواسق يقتلن، إلخ، ويقاس عليها ما شابهها. (¬2) أي الحمام والبط وهو الأوز، اعتبار بأصله، فيجب فيه الجزاء إجماعا. (¬3) أي الإبل والبقر، اعتبارا بأصلهما، والأصل فيهما الإنسية قال أحمد في بقرة صارت وحشية: لا شيء فيها، لأن الأصل فيها الإنسية. (¬4) تغليبا للتحريم، كما غلبوا تحريم أكله، ويفديه إذا قتله، لتحريم قتله، قال الموفق: هو قول أكثر العلماء. (¬5) فيحرم أكله واصطياده.

إتلاف الصيد بمباشرة أو سبب

أو بين الوحشي وغيره، تغليبًا للحظر (¬1) (أو تلف) الصيد المذكور (في يده) بمباشرة (¬2) أو سبب كإشارة ودلالة، وإعانة ولو بمناولة آلة (¬3) . ¬

_ (¬1) وهو الجانب الذي من جهة صيد البر، والوحشي من دواب البر ما لا يستأنس غالبا، والجمع الوحوش، وقال الجوهري: الوحوش حيوان البر. (¬2) فعليه جزاؤه لأنه تحت يد عادية، أشبه ما لو أتلفه، إذ الواجب إما إرساله أو رده على مالكه. (¬3) أو إعارة ليقتله أو ليذبحه، سواء كان مع الصائد ما يقتله أو يذبحه أو لا، لأنه وسيلة إلى الحرام فكان حراما، كسائر الوسائل وفاقا، لحديث أبي قتادة لما صاد الحمار الوحشي، فأبصرته ثم ركبت ونسيت الرمح، قال: فقلت لهم: ناولوني فقالوا: لا والله لا نعينك عليه بشيء، إنا محرمون قال: فتناولته فأتيت الحمار فعقرته، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشار إليه إنسان منكم أو أمره بشيء؟ قالوا: لا فعلق الحكم بالإشارة أو الأمر، وكان أمرا معلوما متقررا عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك قالوا: «لا والله، لا نعينك عليه بشيء، إنا محرمون» ، فيضمن المحرم الصيد بالدلالة والإشارة والإعانة ونحو ذلك. قال القاضي: «لا خلاف أن الإعانة توجب الجزاء فكذا الإشارة والدلالة» خلافا لمالك، والشافعي، ولأن المحرم قد التزم بالإحرام أن لا يتعرض للصيد بما يزيل أمنه، والأمر به، والدلالة عليه، والإشارة إليه يزيل الأمن عنه فيحرم ولما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالإثاية، إذا ظبي حاقف، في ظل فيه سهم، فأمر رجلا أن يقف عنده، لا يريبه أحد من الناس، حتى يجاوزوه وأما الآلة فمقصودة هنا، بخلاف ما يأتي من: أن من دفع لشخص آلة، فقتل بها شخصا انفرد القاتل بالضمان، والفرق أن الآدمي لما كان من شأنه الدفع عن نفسه، ولا يقدر عليه إلا بمزيد قوة، تقدمت المباشرة فلم يلحق بها السبب بخلاف الصيد، فإن من شأنه أن لا يدفع عن نفسه، فضعفت المباشرة، فألحق بها السبب.

ما يحرم أكله من الصيد على المحرم، وما يحل، والتفصيل في ذلك

أو بجناية دابة هو متصرف فيها (فعليه جزاؤه) (¬1) وإن دل ونحوه محرم محرما فالجزاء بينهما (¬2) ويحرم على المحرم أكله مما صاده، أو كان له أثر في صيده (¬3) . ¬

_ (¬1) سواء كان بيدها، أو فمها، لا برجلها أو ذنبها، وسواء كان راكبا، أو سائقا، أو قائدا، فلا ضمان عليه، وإن أمسك صيدا حتى حل ضمنه بتلفه، لتحريم إمساكه، وكذا بذبحه، وكذا إن أمسك صيد حرم، وخرج به إلى الحل. (¬2) بأن أشار، أو أعان، وإن دل ونحوه حلال محرما على صيد، فقتله المحرم وحده، فلا ضمان على الحلال، لأنه ليس محلا للضمان، ويضمنه المحرم كله، تغليبا للإيجاب، كشركة نحو سبع، إلا أن يكون في الحرم، فيشتركان في الجزاء، كالمحرمين، وهو أحد قولي الشافعي، وعنهما: على كل واحد جزاء كامل، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، وإن جرحه محرم، ثم قتله حلال، ضمن المحرم أرش جرحه فقط، وإن جرحه محرم، ثم قتله محرم، فعلى الأول أرش جرحه، وعلى الثاني تتمته. (¬3) أي يحرم على المحرم ما صاده هو وغيره من المحرمين إجماعا، لأنه كالميتة إلا أنه حكي فيه قول للشافعي أنه يباح، وكذا لو كان له أثر في صيده كما لو أعان الصائد بإعارة آلة، أو مناولة وفاقا، كما تقدم، وإن ذبح المحرم صيدا، أو قتله فميتة وفاقا، ومثله صيد حرم ذبحه محل، وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد: له أن يأكل من الميتة ما يدفع به ضرورته ولا يأكل الصيد، ومن اضطر إليه أبيح له، بغير خلاف لقوله: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} .

أو ذبح أو صيد لأجله (¬1) وما حرم عليه لنحو دلالة، أو صيد له، لا يحرم على محرم غيره (¬2) . ¬

_ (¬1) بالبناء للمفعول نقله الجماعة، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، لما في الصحيحين من حديث الصعب بن جثامة، أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده إليك إلا أنا حرم، ولمسلم نحوه من حديث ابن عباس، ولأحمد: «لحم الصيد للمحرم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم» ، وهو في السنن وحسنه الترمذي، وقال الشافعي: هذا أحسن حديث في هذا الباب، وأقيس، والعمل على هذا، وقال عثمان لأصحابه: كلوا فقالوا: ألا تأكل؟ قال: إني لست كهيئتكم إنما صيد لأجلي، رواه مالك والشافعي، وعليه الجزاء إن أكل كقتله، وإن أكل بعضه ضمنه بمثله، وإن قتله المحرم ثم أكله، ضمنه لقتله، لا لأكله، لأنه ميتة، وفاقا لمالك، والشافعي، وصاحبي أبي حنيفة، ولا يضمنه محرم آخر وفاقا. (¬2) بالجر صفة لمحرم، أي غير الدال والمعين، والذي صيد أو ذبح له، لما سبق، وكحلال وفي خبر أبي قتادة هو حلال فكلوه وأكل منه وهو في الصحيحين وغيرهما من طرق بألفاظ كثيرة، وأمر أبا بكر فقسمه بين الرفاق، وفيه دلالة واضحة على جواز أكل المحرم من صيد الحلال، إذا لم يصد لأجله والحاصل أن ما صاده الحلال للمحرم ومن أجله، فلا يجوز للمحرم أكله، وما لم يصد من أجله، بل صاده الحلال لنفسه أو الحلال، لم يحرم على المحرم أكله وهذا قول الجمهور، وقال ابن عبد البر: وعليه تصح الأحاديث وإذا حملت عليه لم تختلف، وعلى هذا يجب أن تحمل السنن، ولا يعارض بعضها ببعض، ما وجد إلى استعمالها سبيل، وقال ابن القيم: وآثار الصحابة في هذا الباب إنما تدل على هذا التفصيل، ولا تعارض بين أحاديثه صلى الله عليه وسلم بحال.

يضمن المحرم البيض والحليب ولا يملك الصيد ابتداء

ويضمن بيض صيد (¬1) ولبنه إذا حلبه بقيمته (¬2) ولا يملك المحرم ابتداء صيدا بغير إرث (¬3) وإن أحرم وبملكه صيد لم يزل (¬4) ولا يده الحكمية (¬5) . ¬

_ (¬1) أي يضمن المحرم بيض صيد أتلفه، أو نقله إلى موضع ففسد، بقيمته ولو باض على فراشه فنقله برفق، لخبر الأنصاري في بيض نعامة، قال صلى الله عليه وسلم: «عليه بكل بيضة صوم يوم، أو إطعام مسكين» ، حديث حسن، وعن عائشة نحوه، وللشافعي عن ابن مسعود، وأبي موسى، ونحوه موقوفا، ولقول ابن عباس: في بيض النعام قيمته، ولخبر أبي هريرة عند ابن ماجه في بيض النعامة ثمنه وقال الوزير: اتفقوا على أن بيض النعام مضمون. (¬2) أي قيمة حليب الصيد مكان الإتلاف وفاقا، لأنه لا مثل له من بهيمة الأنعام والأولى بقيمتهما إذ العاطف الواو. (¬3) أي لا يملك ابتداءً ملكا تجدد بشراء، أو هبة، أو نحوهما، ولا بوكيله ولا باتهاب ولا باصطياد وفاقا، لخبر الصعب بن جثامة، فإنه ليس محلا للتمليك لأن الله حرمه عليه كالخمر، غير إرث وفاقا، لأنه أقوى من غيره ولا فعل منه، بدليل أنه يدخل في ملك الصبي، والمجنون ومثله لو أصدقها وهو حلال صيدا، ثم طلق قبل الدخول، عاد إليه نصفه، قال الشيخ: ولا يصيد صيدا بريا، ولا يتملكه بشراء، ولا اتهاب، ولا غير ذلك اهـ فإن أخذه بأحد هذه الأسباب الممنوع منها ثم تلف، فعليه جزاؤه لعموم الآية. (¬4) بضم الزاي أي لم يزل ملكه عنه لقوة الاستدامة. (¬5) بأن يكون الصيد في ملكه، ولا يكون معه، أو بيده بل في بلده مودعا عند غيره، بحيث لا يشاهده، أو في يد نائبه الغائب عنه، ونحو ذلك، ولا يضمنه لأنه لم يفعل في الصيد فعلا فيلزمه شيء، كما لو كان في ملك غيره، والياء مشددة ياء النسب، والتاء للتأنيث، لأنها صفة لليد، أي اليد الحكمية.

لا يحرم الحيوان الإنسي ولا صيد البحر

بل تزال يده المشاهدة بإرساله (¬1) (ولا يحرم) بإحرام أو حرم (حيوان إنسي) (¬2) كالدجاج وبهيمة الأنعام (¬3) لأنه ليس بصيد (¬4) وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذبح البدن في إحرامه بالحرم (¬5) . ¬

_ (¬1) إلى موضع يمتنع فيه، وتخليته وهو مذهب أبي حنيفة، والمشاهدة بفتح الهاء، اسم مفعول من شوهد، مثل ما إذا كان في قبضته، أو خيمته، أو رحله، أو قفصه، أومربوطا بحبل معه، لأن ذلك إمساك للصيد المحرم إمساكه، وقال مالك والشافعي: لا يلزمه إرساله لأن الشارع إنما نهى عن تنفير صيد مكة ولم يبين مثل هذا الحكم الخفي مع كثرة وقوعه، ولأنه إنما نهى عن فعله في الصيد ولم يفعل بخلاف المشاهدة فإنه فعل الإمساك، وفرق أحمد بين اليد الحكمية والمشاهدة، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحد القولين للشافعي. ومن أمسكه في الحل، فأدخله الحرم، لزمه إرساله فإن أتلفه ضمنه كمحرم، وفاقا لأبي حنيفة، وفي الفروع: يتوجه لا يلزمه ونظر قياسه على صيد الحرم، وإن أمسكه في الحرم، فأخرجه إلى الحل، لزمه إرساله، فإن تلف في يده ضمنه ولا ضمان على مرسله من يده قهرا، وفاقا لمالك، والشافعي، وصاحبي أبي حنيفة لأنه واجب في هذه الحالة، بخلاف أخذه في حال الإحرام، فإنه لم يملكه فلا يضمنه مرسله إجماعًا. (¬2) إجماعا والاعتبار في أهلي ووحشي بأصله وفاقا. (¬3) الإبل والبقر والغنم. (¬4) ولو توحش وتقدم أن الاعتبار بالأصل. (¬5) كما هو مستفيض مشهور، وقال: أفضل الحج العج والثج، والثج: إرسال الدماء بالذبح والنحر، والبدن، بضم الموحدة، جمع بدنة بفتحها، وفدى عن نسائه بالبقر، وذبح البقر والغنم، ونحر الإبل بالحرم، مما لا نزاع فيه.

لا يحرم قتل محرم الأكل وهو: ثلاثة أقسام

(ولا) يحرم (صيد البحر) إن لم يكن بالحرم (¬1) لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} (¬2) وطير الماء بري (¬3) (ولا) يحرم بحرم ولا إحرام (قتل محرم الأكل) (¬4) كالأسد، والنمر، والكلب (¬5) . ¬

_ (¬1) إجماعا، والبحر جميع المياه المالحة والحلوة والأنهار، والآبار، والعيون وفاقا، فإن كان مما لا يعيش إلا في الماء، فلا خلاف فيه، وإن كان مما يعيش فيهما كالسلحفاة والسرطان فإن كان بالحرم حرم صيده جزم به غير واحد، وصححه في التصحيح وغيره، والشارح، والشيخ، وغيرهما، لأن التحريم فيه للمكان ولا جزاء فيه. (¬2) صيده ما يصاد منه طريا وطعامه ما يتزود منه مليحًا يابسًا. (¬3) لأنه يبيض ويفرخ في البر، فيحرم على محرم صيده وفيه الجزاء، في قول عامة أهل العلم، وقال الشارح: لا نعلم فيه مخالفًا إلا عطاء. (¬4) وهو ثلاثة أقسام. (¬5) والفهد وما في معناه، مما فيه أذى للناس، لأنها أشد ضررا من الفواسق، وكالبازي، والصقر، والشاهين، والعقاب، والحشرات المؤذية، والزنبور، والبق، والبعوض، والبراغيث، والقسم الثاني الفواسق، وهي الحدأة والغراب والأبقع، وغراب البين والفأرة والحية، والعقرب، والثالث، ما لا يؤذي بطبعه كالرخم، والبوم والديدان، ولاجزاء في ذلك، واستحبه بعضهم، وقيل: يكره جزم به في المحرر وغيره. ويكره قتل النمر ونحوه، إلا من أذية شديدة، وقيل: يحرم، قال ابن كثير وغيره: وعليه الجمهور وحكى الوزير اتفاقهم على أنه لا يجوز أن يقتل المحرم الصيد على الإطلاق، ولا يقتل ما لا يؤكل لحمه ولا يصيده، ولا يدل عليه حلالا، ولا محرما، ولا يشير إليه، ويكره قتل ما لا يضر، كنمل وهدهد، إلا من أذى.

قتل الصائل، والمؤذي، وما فيه ترفه

إلا المتولد كما تقدم (¬1) (ولا) يحرم قتل الصيد (الصائل) دفعا عن نفسه، أو ماله (¬2) سواء خشي التلف أو الضرر بجرحه أولا (¬3) لأنه التحق بالمؤذيات، فصار كالكلب العقور (¬4) ويسن مطلقا قتل كل مؤذ غير آدمي (¬5) . ¬

_ (¬1) قريبا في قوله: تولد منه ومن غيره، تغليبا للحظر. (¬2) فعن نفسه خشية تلفها، أو مضرة كجرحه، ولا يضمنه وفاقا، أو ماله خشية تلفه، أو تلف بعض حيواناته، ولا يضمنه أيضا، لأنه قتله لدفع شره، وقد أذن الشارع في قتل الفواسق، لدفع أذى متوهم، فالمتحقق أولى، وكذا لو تلف بتخليصه من سبع، أو شبكة ونحوها ليطلقه، أو أخذه ليخلص من رجله خيطا ونحوه فتلف بذلك، لم يضمنه وفاقا، كقتله لحاجة أكله وفاقا، وظاهر كلامه أنه لو دفع عن غير نفسه، مما يجوز له الدفع عنه، أنه يضمنه، وليس كذلك، بل هو كالصائل عليه، والصائل عليه: هو القاصد الوثوب عليه. (¬3) أي أو لم يخش التلف أو الضرر بجرحه ونحوه، قال الوزير: اتفقوا على أنه إذا عدا السبع على المحرم، فقتله المحرم، فلا ضمان عليه، وإن قتله ابتداء فقال مالك، والشافعي، وأحمد: لا ضمان عليه. (¬4) وليس المحرم صيدا حقيقة، وفي الصحيحين «خمس فواسق، يقتلن في الحل والحرم» . (¬5) فلا يحل قتله إلا بإحدى ثلاث، والمراد غير الحربي، وما سوى الآدمي من كل مؤذ يستحب قتله، عدا عليه، أو لم يعد، وهو مذهب مالك، والشافعي، وكذا روي عن أبي حنيفة، العقور وغير العقور، والمستأنس والمستوحش، منهما سواء، والفأرة الوحشية، والأهلية، والإطلاق يقتضي ذلك، سواء كان بالحرم أو لا، وجده دنا منه أو لا، محرما كان أو غير محرم آذى بالفعل أو لا قال الشيخ وغيره: وللمحرم وغيره أن يقتل ما يؤذي بعادته الناس، كالحية، والعقرب، والفأرة، والغراب، والكلب العقور، وله أن يدفع ما يؤذيه من الآدميين والبهائم، حتى لو صال عليه أحد ولم يندفع إلا بالقتال قاتله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون حرمته فهو شهيد» وكذلك ما يتعرض له من الدواب، فينهى عن قتله وإن كان في نفسه محرما، كالأسد والفهد فإذا قتله فلا جزاء عليه، في أظهر قولي العلماء، واختاره أنه لا يجوز قتل نحل، ولو بأخذ كل عسله، وقال هو وغيره: إن لم يندفع ضرر نمل إلا بقتله جاز.

ويحرم بإحرام قتل قمل وصئبانه (¬1) ولو برميه (¬2) ولا جزاء فيه (¬3) لا براغيث وقراد، ونحوهما (¬4) . ¬

_ (¬1) لأنه يترفه بإزالته، كإزالة الشعر، وصئبانه بيضه وحكاه الوزير اتفاقا، ومفهومه أنه لا يحرم بغير إحرام، قال في المبدع: بغير خلاف، لأنه إنما حرم في حق المحرم لما فيه من الرفاهية، فأبيح في الحرم كغيره. (¬2) وفي مغني ذوي الأفهام، يكره رميه حيا، وصرح في الإقناع بحرمة رميه مقتولا في المسجد. (¬3) أي في قمل وصئبانه إذا قتله أو رماه، لأنه ليس بصيد، ولا قيمة له، جزم به الشيخ وغيره. (¬4) كبعوض ففي الفروع: قال الصحابة: ولا شيء في بعوض، وبراغيث وقراد، لأنها ليست بصيد، ولا متولدة من البدن، ومؤذية بطبعها، وقال شيخ الإسلام: وإذا قرصته البراغيث والقمل، فله إلقاؤها عنه، وله قتلها، ولا شيء عليه، وإلقاؤها أهون من قتلها، وقال أيضا: إن قرصه ذلك قتله مجانا، وإلا فلا يقتله، وقال غير واحد، لم يحرم الله قتله، وأما التفلي بدون التأذي فهو من الترفه، فلا يفعله، ولو فعله فلا شيء عليه اهـ ولا يكره أن يقرد بعيره، روي عن ابن عمر وغيره، كسائر المؤذي، ولا يقتل بنار قمل، ولا نمل، ولا برغوث، ولا غيرها، وصحح في الفروع التحريم، ولا يكره إذا لم يزل ضرره إلا بذلك.

ويضمن جراد بقيمته (¬1) ولمحرم احتاج لفعل محظور فعله ويفدي (¬2) ، وكذا لو اضطر إلى أكل صيد، فله ذبحه وأكله (¬3) كمن بالحرم (¬4) . ¬

_ (¬1) يضمن بالبناء للمفعول، وجراد اسم جنس، الواحدة منه جرادة، فإذا تلف بمباشرة أو سبب ضمن، لأنه بري يشاهد طيرانه في البر، وهذا مذهب الشافعي، وذكره الموفق قول أكثر العلماء، لأنه طير في البر، وقال عمر لكعب -لما حكم في جرادة بدرهم-: إنك لتجد الدراهم، لتمرة خير من جرادة. وقال مرة: قبضة من طعام، وعند الحنفية: يتصدق بما شاء، وقال مالك: عليه جزاؤه. وعنه: يتصدق بتمرة عن جرادة، قال القاضي، هذه الرواية تقويم لا تقدير، فتكون المسألة رواية واحدة وقيل: يضمن حتى لو انفرش في طريقه بمشيه فقتله، وأن مثله دابته المتصرف فيها، وقيل: لا لأنه اضطره إلى إتلافه كصائل وعنه: لا ضمان في الجراد، لما رواه الترمذي عن أبي هريرة: استقبلنا رجل من جراد، فجعلنا نضربه بسياطنا وعصينا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلوه فإنه من صيد البحر» ، قال: وقد رخص فيه قوم من أهل العلم، وعن أبي سعيد أن كعبا أفتى بأخذه وأكله. (¬2) لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} الآية وللخبر وتقدم، وظاهره العموم حتى في الوطء إلا أن يقال: إن الكلام في المحظور غير المفسد، كما استظهره غير واحد. (¬3) ما لم يجد ميتة وتقدم، ويفدي لأنه ذبحه لمصلحته. (¬4) أي كمضطر بالحرم، فله ذبح صيد الحرم وأكله لاضطراره إليه.

نكاح المحرم، وخطبته وعدم الفداء

ولا يباح إلا لمن له أكل الميتة (¬1) . السابع: عقد النكاح (¬2) وقد ذكره بقوله (ويحرم عقد نكاح) فلو تزوج المحرم، أو زوج محرمة (¬3) أو كان وليًّا، أو وكيلاً في النكاح حرم (ولا يصح) (¬4) لما روى مسلم عن عثمان مرفوعًا لا ينكح المحرم ولا يُنكح (¬5) . ¬

_ (¬1) أي ولا يباح الصيد الذي ذبحه المحرم المضطر إلى أكله إلا لمن يباح له أكل الميتة، وهو المضطر. (¬2) أي السابع من محظورات الإحرام عقد النكاح، قال الوزير وغيره: أجمعوا على أن المحرم لا يعقد عقد نكاح لنفسه، ولا لغيره. (¬3) أو غير محرمة، فلا مفهوم له، بل المحرمة وغيرها سواء، يحرم عليه ولا يصح، وهو مذهب مالك، والشافعي، سواء تعمد أولا، لصريح الخبر، والآثار الآتية وغيرها، ولأن الإحرام يمنع الوطء ودواعيه، فمنع صحة عقده، ولأنه من دواعيه، فمنعه الإحرام منه كالطيب، فيقع فاسدًا. (¬4) أي النكاح، وفاقا لمالك والشافعي، والاعتبار بحالة العقد، لا بحالة الوكالة فلو وكل محرم حلالا، فعقده بعد أن حل صح، ولو وكل حلاً حلالا، فعقده بعد أن أحرم هو أو موكله فيه لم يصح، ولا يصح أن يقبل له النكاح، ولو وكله ثم أحرم، فللوكيل عقده إذا حل لزوال المانع. (¬5) الأول: بفتح الياء وكسر الكاف، أي: لا يعقد لنفسه والثاني بضم الياء وكسر الكاف، أي: لا يتولى العقد لغيره، وفيه ولا يخطب ولأبي داود وغيره عن عمر مرفوعا مثله، وعن عمر أنه كان يقول: لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب على نفسه، ولا على غيره، رواه الشافعي وغيره، ولأحمد عنه مرفوعا، أن رجلا أراد أن يتزوج فنهاه وما في الصحيحين عن ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، فقال ابن المسيب، وأحمد، وغيرهما وَهِمَ رضي الله عنه. والصواب ما رواه مسلم عن ميمونة، أنه تزوجها وهو حلال، ولأبي داود: بسرف ولأحمد والترمذي، عن أبي رافع: تزوج ميمونة حلالا، وبني بها حلالا، وكنت السفير بينهما وإسناده جيد، ورواية الجل أولى، وفيها صاحب القصة، ولا مطعن فيها، بل ذكر بعضهم أنها متواترة ويوافقها ما سبق، وابن عباس إذ ذاك صغير. وروي مالك، والشافعي، وغيرهما: أن رجلاً تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر نكاحه، وعن علي، وزيد معناه، رواهما أبو بكر النيسابوري، وفي المبدع: وعليه عمل الخلفاء ولأن الإحرام يمنع الوطء ودواعيه، وعقد النكاح يراد به الوطء غالبا، فحرم مبالغة في حسم مواد النكاح عن المحرم.

(ولا فدية) في عقد النكاح كشراء الصيد (¬1) ولا فرق بين الإحرام الصحيح والفاسد (¬2) ويكره للمحرم أن يخطب امرأة (¬3) كخطبة عقده (¬4) . ¬

_ (¬1) أي لا فدية عليه في عقد النكاح، لأنه عقد فسد لأجل الإحرام، فلم يجب به فدية، كشراء صيد فسد عقده لأجل الإحرام. (¬2) فالإحرام الفاسد كالصحيح، في منع النكاح، وسائر المحظورات لأن حكمه باقٍ في وجوب ما يجب بالإحرام، فكذلك فيما يحرم به. (¬3) على نفسه أو غيره، لأن الوسائل لها حكم الغايات. (¬4) أي كما يكره للمحرم أن يقرأ خطبة عقد النكاح بضم الخاء، وهي قوله: إن الحمد لله نحمده، ونستعينه.. إلخ، لما تقدم في حديث عثمان، وحرمها ابن عقيل وغيره.

الرجعة، وشراء الأمة، والوطء

أو حضوره، أو شهادته فيه (¬1) (وتصح الرجعة) أي لو راجع المحرم امرأته، صحت بلا كراهة، لأنه إمساك (¬2) وكذا شراء أمة للوطء (¬3) الثامن: الوطء (¬4) وإليه الإشارة بقوله (وإن جامع) المحرم، بأن غيب الحشفة في قبل أو دبر، من آدمي أو غيره حرم (¬5) . ¬

_ (¬1) بالرفع عطف على المصدر المنسبك من أن ومدخولها أي: ويكره حضور المحرم عقد النكاح، أو شهادته فيه، من محلين، لا من محرمين لأن شهادته في الفاسد حرام مطلقا، وما روي ولا يشهد فلا يصح قاله في المبدع. (¬2) ولأنها مباحة قبل الرجعة، فلا إحلال، واختاره الخرقي وجماعة، وهو مذهب مالك، والشافعي، وروى المنع جماعة، ونصره القاضي وأصحابه كالنكاح. (¬3) وغيره، قال الموفق: لا نعلم فيه خلافا، لأنه ليس بعقد نكاح، لورود العقد على منفعة البضع وغيره، بخلاف عقد النكاح، فإنه على البضع خاصة، ولا فدية عليه في شيء من ذلك كله، كشراء الصيد. (¬4) أي الثامن من محظورات الإحرام الوطء في قبل يفسد به النسك في الجملة إجماعا، والمراد الموجب للغسل، فإن كان بحائل لم يفسد. (¬5) أي وإن جامع المحرم، بأن غيب حشفته الأصلية، وإنما ترك التقييد بذلك لتعريفها باللام المفيد لذلك، في قبل، أصلي، وتقييده بذلك أولى، أو دبر من آدمي حي أو ميت، أو غير الآدمي لوجوب الحد والغسل، قال الشيخ: ويحرم على المحرم الوطء ومقدماته، ولا يطأ شيئا، سواء كان امرأة أو غير امرأة، ولا يتمتع بقبلة، ولا مس بيد، ولا نظر بشهوة اهـ، والحكمة أن يبعد عن ملاذ الدنيا وشهواتها، ويجمع همه لمقاصد الآخرة.

لقوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ} قال ابن عباس: هو الجماع (¬1) وإن كان الوطء (قبل التحلل الأول فسد نسكهما) (¬2) ولو بعد الوقوف بعرفة (¬3) ولا فرق بين العامد والساهي (¬4) لقضاء بعض الصحابة رضي الله عنهم بفساد الحج، ولم يستفصل (¬5) . ¬

_ (¬1) أي الرفث المذكور في الآية هو الجماع لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} يعني الجماع وقال الشيخ: الرفث اسم للجماع قولا وعملا. (¬2) وحكى ابن المنذر والوزير وغيرهما إجماع العلماء، وأنه لا يفسد النسك إلا به، أنزل أو لم ينزل، وقال الشيخ: ليس في المحظورات ما يفسد الحج إلا جنس الرفث، فلهذا ميز بينه وبين الفسوق، وقال: فإن جامع فسد حجه، وأما سائر المحظورات كاللباس والطيب، فإنه وإن كان يأثم بها فلا تفسد الحج، عند أحد من الأئمة المشهورين اهـ والتحلل الأول يحصل بفعل اثنين من ثلاثة، ورمي وطواف وحلق ويأتي. (¬3) وهذا مذهب مالك والشافعي، لأنه صادف إحراما تاما، كقبل الوقوف، ولو إشارة إلى خلاف أبي حنيفة، وحديث «من وقف بعرفة تم حجه» ، أي قارب، وأمن فواته، وذكر أبو بكر في السنة: أن من وطئ في الحج قبل الطواف فسد حجه، وحمله بعضهم على ما قبل التحلل. (¬4) هذا المذهب المشهور، وقول جمهور العلماء. (¬5) وهو ابن عمر رضي الله عنهما، وعليه بدنة، لقول ابن عباس: أهد ناقة وهو مذهب مالك، والشافعي، ولو كان قارنا فدم واحد، وفاقا لهما أيضا، وعنه: لا يفسد حج الناسي، والجاهل، والمكره، ونحوهم، وهو جديد قولي الشافعي، واختاره صاحب الفائق، والشيخ: وغيرهما وأنه لا شيء عليه ولما حكى الأقوال في المجامع في رمضان ناسيًا أو جاهلا، ورجح أن لا قضاء عليه، ولا كفارة لما قد ثبت بدلالة الكتاب والسنة، قال: وطرد هذا أن الحج لا يبطل بفعل شيء من المحظورات لا ناسيًا، ولا مخطئا لا الجماع ولا غيره، وهو أظهر قولي الشافعي، قال في الفروع: وهو متجه.

يمضي المحرم في فاسده، ويقضي فيما بعد

(ويمضيان فيه) أي يجب على الواطئ والموطوءة المضي في النسك الفاسد (¬1) ولا يخرجان منه بالوطء (¬2) روي عن عمر وعلي، وأبي هريرة وابن عباس (¬3) فحكمه كالإحرام الصحيح (¬4) . ¬

_ (¬1) إجماعا، حجا كان أو عمرة. (¬2) حكاه الوزير وغيره إجماعا، وقال: اتفقوا على أنه إذا أفسد الحج، لم يتحلل منه بالإفساد، ومعنى ذلك أنه متى أتى بمحظور من محظورات الإحرام، فعليه فيه ما على المحرم في الحج الصحيح، ويمضي في فاسده، ويلزمه ذلك ثم يقضي فيما بعد، لكن إن حل من أفسد حجه لإحصار، ثم زال وفي الوقت سعة قضى في ذلك العام، قال جماعة: وليس يتصور القضاء في العام الذي أفسد الحج فيه في غير هذه المسألة، وقيل للقاضي، لو جاز طوافه في النصف الأخير لصح أداء حجتين في عام واحد، ولا يجوز إجماعًا. (¬3) فأثر عمر، وعلي، وأبي هريرة رواه مالك، والبيهقي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وغيرهم، وأثر ابن عباس رواه البيهقي وغيره. (¬4) في فعل ما يفعل بعد الإفساد، كما كان يفعل قبله، من الوقوف وغيره، وفي اجتناب ما يجتنب قبل الإفساد من الوطء وغيره، وعليه الفدية إذا فعل محظورا بعد نقله الجماعة، وذكره القاضي وغيره عن جماعة من الفقهاء.

لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ} (¬1) (ويقضيانه) وجوبا (ثاني عام) (¬2) روي عن ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو (¬3) . ¬

_ (¬1) ووجه الدلالة ما يفصح به عموم الآية، وقد روي مرفوعا أنه أمر المجامع بذلك، ولأنه معنى يجب به القضاء، فلم يخرج منه كالفوت. (¬2) أي بعد حجة الإسلام على الفور، إن كان ما أفسده حجا واجبا فبلا نزاع في وجوب القضاء، وكذا لو كان نذرًا أو نفلاً، لأنه لزم بالدخول فيه، ولأن الصحابة لم يستفصلوا قال الوزير وغيره: اتفقوا على أن عليهما القضاء، سواء كان الحج تطوعا أو واجبا، أو كانت مطاوعة أو مكرهة، واتفقوا على أنه إذا وطئ في العمرة أفسدها وعليه القضاء. (¬3) بسند جيد أن رجلاً أتى عبد الله بن عمرو، فسأله عن محرم واقع امرأته فأشار إلى عبد الله بن عمر فقال: اذهب إلى ذلك فاسأله قال شعيب: فلم يعرفه الرجل، فذهبت معه، فسأل ابن عمر، فقال: بطل حجك، فقال الرجل، أفأقعد؟ قال: لا بل تخرج مع الناس، وتصنع ما يصنعون، فإذا أدركت الحج قابلا، فحج وأهد، فرجع إلى عبد الله بن عمرو فأخبره، فقال: اذهب إلى ابن عباس فاسأله، فقال شعيب: فذهبت معه، فسأله فقال له مثل ما قال ابن عمر، فرجع إلى عبد الله بن عمرو فأخبره، ثم قال: ما تقول أنت؟ قال: أقول مثل ما قالا ونحوه عند أحمد، والدارقطني، والحاكم، وغيرهم، ورواه الأثرم وزاد، وحلا إذا حلوا، فإذا كان العام المقبل، فاحجج أنت وامرأتك، وأهديا هديا، فإن لم تجد فصوما ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتما. وفي حاشية المقنع: لما روى ابن وهب بإسناده عن سعيد بن المسيب، أن رجلا جامع امرأته وهما محرمان، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهما «أتما حجكما ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى، من قابل، حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتها فأحرما وتفرقا ولا يؤاكل واحد منكما صاحبه، ثم أتما مناسككما وأهديا» والمذهب لا يسقط الدم، وهو مذهب مالك، والشافعي.

يسن تفرقهما في قضاء من موضع الوطء

وغير المكلف يقضي بعد تكليفه، وحجة الإسلام، فورا (¬1) من حيث أحرم أولا إن كان قبل ميقات، وإلا فمنه (¬2) وسن تفرقهما في قضاء، من موضع وطء، إلا أن يحلا (¬3) . ¬

_ (¬1) أي يقضي غير المكلف، بعد تكليفه وبعد حجة الإسلام، ما أفسده فورا، لأن الحج الأصلي يجب على الفور، فهذا أولى لأنه قد تعين عليه بالدخول فيه. (¬2) أي يقضي من حيث أحرم، وهو الموضع الذي أحرم منه بما فسد، إن كان ما أحرم منه قبل ميقات، وإن لم يكن أحرم إلا من الميقات لم يلزمه إلا منه، وفاقا للشافعي، لما سبق من السنة، ولأن القضاء بصفة الأداء، وعند أبي حنيفة ومالك: من الميقات، لأنه المعهود، ولكراهة تقدم الإحرام، وفي الإنصاف: ويحرمانه من الميقات بلا نزاع. (¬3) أي يحل الواطئ والموطوءة من الإحرام، وفاقا للشافعي، لقوله: «أتما حجكما، ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى من قابل، حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتها فيه، فأحرما وتفرقا، ولا يؤاكل أحدكم صاحبه، ثم أتما نسككما وأهديا» وإن ضعفه بعضهم فقد عضدته الآثار عن الصحابة، وروى الأثرم عن ابن عمر، وابن عباس معناه، وعنه: من حيث يحرمان، وفاقا لمالك وزفر، لأن التفريق خوف المحظور، فجميع الإحرام سواء، ويحصل التفرق بحيث لا يركب معها على بعير، ولا يجلس معها في خباء، وما أشبه ذلك، بل يكون قريبا منها، يراعي أحوالها، لأنه محرمها، وعلم منه أن الواطئ يصلح محرما لها في حجة القضاء، ومن أفسد القضاء قضى الواجب، لا القضاء وفاقًا.

المباشرة دون الفرج لا تفسد الحج وعليه بدنة إن أنزل والمرأة كذلك

والوطء بعد التحلل الأول لا يفسد النسك (¬1) وعليه شاة (¬2) ولا فدية على مكرهة (¬3) ونفقة حجه قضائها عليه، لأنه المفسد لنسكها (¬4) التاسع: المباشر دون الفرج (¬5) وذكرها بقوله (وتحرم المباشرة) أي مباشرة الرجل المرأة (¬6) (فإن فعل) أي باشرها (فأنزل لم يفسد حجه) (¬7) . ¬

_ (¬1) وفاقا لقوله «الحج عرفة» بل يفسد الإحرام. (¬2) فدية لفعله المحظور في الإحرام، وأما العمرة فكالحج، يفسدها الوطء قبل الفراغ من السعي، لا بعده، وقبل حلق، ويجب المضي في فاسدها، والقضاء فورا كالحج، والدم شاة كما في الإقناع وغيره. (¬3) نص عليه، كالصوم، والمطاوعة كالرجل، لوجود الجماع منها بدليل الحد، والاشتراك في السبب، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، ولما تقدم من الأخبار. (¬4) أي نفقة حجة قضاء المكرهة على الزوج، لأنه هو المفسد لنسكها، فكانت عليه نفقتها، كنفقة نسكه، ولو طلقها، أو تزوجت بعد طلاقها، وإن كانت مطاوعة فعليها بلا نزاع، لقول ابن عمر: وأهديا هديا، وقول ابن عباس: أهد ناقة، ولتهد ناقة. (¬5) أي فيما دون الفرج بوطء في غيره، ولو تقبيل أو لمس أو نظر، لشهوة وفاقا. (¬6) لأنه وسيلة إلى الوطء المحرم، فكان حراما، وقال الجوهري وغيره: مباشرة المرأة ملامستها. (¬7) لعدم الدليل، ولأنه استمتاع لم يجب بنوعه الحد فلم يفسده وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي.

كما لو لم ينزل (¬1) ولا يصح قياسها على الوطء، لأنه يجب به الحد دونها (¬2) (وعليه بدنة) إن أنزل بمباشرة أو قبلة، أو تكرار نظر، أو لمس لشهوة (¬3) . ¬

_ (¬1) قال الوزير وغيره: اتفقوا على أنه إذا وطئ فيما دون الفرج، فلم ينزل وكان ذلك قبل الوقوف بعرفة، أن عليه دمًا، ولا يفسد حجه، وقال الموفق: لا نعلم فيه خلافا، وكذا لو لم يكن الإنزال لشهوة، والفرق بين الحج والصوم، أنه يفسده كل واحد من محظوراته، بخلاف الحج، فلا يفسده إلا الجماع، والرفث مختلف فيه، فلم نقل بجميع ما فسر به، مع أنه يلزم القول به في الفسوق والجدال. (¬2) أي المباشرة، فلم يفسد بها الحج، كما أنه لا يجب بها الحد. (¬3) لأنها مباشرة، اقترن بها الإنزال، فأوجبت الفدية، كما لو وطئ في الفرج والبدنة والبدن، يختص بالإبل، وهو قول الجمهور، من المفسرين وغيرهم، بل إطلاقها على البعير إجماع. وسميت بدنة لعظم بدنها وضخامتها، يقال: بدن الرجل بدنا وبدانة، إذا ضخم وإطلاق البدنة على البقرة على الأصح، لأنها تطلق عليها شرعا، وإذا أطلقت في كتب الفقه، فالمراد بها البعير، ذكرا كان أو أنثى. ويشترط عند الجمهور في جزاء الصيد ونحوه، أن تكون قد دخلت في السنة السادسة، وأن تكون بصفة ما يجزئ في الأضحية، وعنه: شاة وفاقا، إلا في تكرار النظر، فقال أبو حنيفة والشافعي: لا شي عليه، وتكرار الفكر من غير خروج مني ولا مذي، لا يجب به شيء إجماعا، لقوله: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تكلم» ، متفق عليه، ولأنه دون النظر، وإن أمذى بنظر من غير تكرار، لم يجب عليه شيء.

أو أمنى باستمناء، قياسا على بدنه الوطء (¬1) وإن لم ينزل فشاة كفدية أذى (¬2) وخطأ في ذلك كعمد (¬3) وامرأة مع شهوة كرجل في ذلك (¬4) (لكن يحرم) بعد أن يخرج (من الحل) ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم (لطواف الفرض) أي ليطوف طواف الزيارة محرما (¬5) وظاهر كلامه: أن هذا في المباشرة دون الفرج، إذا أنزل وهو غير متجه، لأنه لم يفسد إحرامه، حتى يحتاج لتجديده فالمباشرة كسائر المحرمات، غير الوطء، هذا مقتضى كلامه في الإقناع كالمنتهى والمقنع، والتنقيح، والإنصاف، والمبدع وغيرها، وإنما ذكروا هذا الحكم فيمن وطئ بعد التحلل الأول (¬6) . ¬

_ (¬1) أي وعليه بدنة إن أمنى باستمناء، قياسا على وجوب بدنة عليه بالوطء، وقال الوزير وغيره: إذا لم يفسد حجه، فمذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي: عليه شاة. (¬2) وفاقا لأبي حنيفة ومالك، ويخير بين الدم والصيام والإطعام، وقال الشافعي: لا شيء عليه. (¬3) أي وخطأ في مباشرة دون الفرج في التحريم، ووجوب الدم كعمد، وهو مذهب الجمهور. (¬4) إن باشرت أو قبلت. (¬5) أي للزيارة سمي بذلك، لأنهم يزورونها من منى، ومقتضاه أنه لو طاف قبل الوطء لا إحرام عليه, وجزم به في المغني. (¬6) يعني الإحرام من الحل.

إحرام المرأة وما يجوز لها مع التحقيق

إلا أن يكون على وجه الاحتياط، مراعاة للقول بالإفساد (¬1) (وإحرام المرأة) فيما تقدم (كالرجل (¬2) إلا في اللباس) أي لباس المخيط، فلا يحرم عليها (¬3) ولا تغطية الرأس (¬4) . (وتجتنب البرقع والقفازين) (¬5) لقوله عليه السلام «لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين» رواه البخاري وغيره (¬6) . ¬

_ (¬1) فهو متجه، من هذه الحيثية. (¬2) فيحرم عليها ما يحرم على الرجل، من إزالة الشعر، وتقليم الأظافر، والطيب، وقتل الصيد، وغير ذلك مما تقدم، لدخولها في عموم الخطاب. (¬3) إجماعا حكاه ابن المنذر وغيره، لحاجتها إلى الستر وكعقد الإزار للرجل. (¬4) ولا تظليل محمل ولا غيره، إجماعا للخبر، وحاجة الستر. (¬5) بلا خلاف يعتد به والبرقع بضم الباء وسكون الراء وضم القاف، لباس تغطي به المرأة وجهها، فيه نقبان على العينين، تنظر المرأة منهما «والقفازين» بالضم والتشديد. (¬6) وقال ابن المنذر: كراهية البرقع ثابتة عن سعيد، وابن عمر، وابن عباس وعائشة، ولا نعلم أحدا خالف فيه، وتحريم القفازين هو مذهب مالك وغيره قال ابن القيم: وخالف فيه أبو حنيفة، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع اهـ وكالنقاب، وكالرجل وفاقا وقال الشيخ: نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن تنتقب أو تلبس القفازين، كما نهى المحرم أن يلبس القميص ونحوه مع أنه يجوز له أن يستر يديه ورجليه، باتفاق الأئمة، والبرقع أقوى من النقاب، فلهذا ينهى عنه باتفاقهم، ولهذا كانت المحرمة لا تلبس ما يصنع لستر الوجه، كالبرقع ونحوه لأنه كالنقاب. وقال ابن القيم: نهيه أن تنتقب وتلبس القفازين، دليل على أن وجهها كبدن الرجل، لا كرأسه، فيحرم عليها فيه ما وضع وفصل على قدر الوجه، كالنقاب والبرقع، لا على سترة بالمقنعة والجلباب ونحوهما وهذا أصح القولين.

والقفازان، شيء يعمل لليدين، يدخلان فيه، يسترهما من الحر (¬1) كما يعمل للبزاة (¬2) ويفدي الرجل والمرأة بلبسهما (¬3) . (و) تجتنب (تغطية وجهها) أيضًا (¬4) لقوله صلى الله عليه وسلم: «إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها» (¬5) . ¬

_ (¬1) قاله الشيخ وغيره: وهو ما تلبسه النساء في أيديهن، يغطي الأصابع والأكف والساعد، وقال الجوهري: شيء يعمل لليدين، يحشى بقطن، ويكون له أزرار تزر على الساعدين من البرد، تلبسه المرأة في يديها، وفي المطالع، غشاء الأصابع مع الأكف، معروف يكون من الجلد وغيره. (¬2) بضم الموحدة نسبوا لها، وهم الذين يحملون البزاة، جمع باز، ضرب من الصقور، وكذلك الصقور، والشواهين، على أيديهم عند الصيد. (¬3) أي القفازين الذين يعملان لليدين، ومثلهما لو لفت على يديها خرقة وشدتها على حناء أو لا، كشده على جسده شيئا، لا تغطية ذلك منها أو منه، جزم بذلك في الإقناع وغيره، ثم قال: وظاهر كلام الأكثر، لا يحرم، وبلا شد فلا بأس. (¬4) كذا قاله بعض الأصحاب، وفي الإنصاف: إحرام المرأة في وجهها بلا نزاع. (¬5) كذا أوردوه عفا الله عنهم، وإنما رواه الدارقطني عن ابن عمر موقوفا، وقال ابن القيم: ما روي في إحرام المرأة في وجهها لا أصل له ولا تقوم به حجة، ولا يترك له الحديث الصحيح الدال على أن وجهها كبدنها، وقال شيخ الإسلام لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إحرام المرأة في وجهها» ، وإنما قال هذا القول بعض السلف، وقال ابن القيم: وإنما يحرم ستره بما أعد للعضو، كالنقاب ونحوه، لا مطلق الستر كاليدين، وليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرف واحد، في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام.

فتضع الثوب فوق رأسها (¬1) وتسدله على وجهها، لمرور الرجال قريبا منها (¬2) . ¬

_ (¬1) ويجب عليها تغطية رأسها كله، ولا يمكنها تغطية جميعه إلا بجزء من الوجه، ولا كشف جميع الوجه إلا بجزء من الرأس، فستر الرأس كله أولى، لأنه آكد لوجوب ستره مطلقا إجماعا في الجملة، قال الشيخ: فإنها عورة فلذلك جاز لها أن تلبس الثياب التي تستتر بها، وتستظل بالمحمل اهـ وكذا غير المحمل، كالهودج والمحفة، لحاجتها إلى الستر، وحكاه ابن المنذر وغيره إجماعا. (¬2) وفاقا، لقول عائشة: كان الركبان يمرون بنا، ونحن محرمات، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حاذوا بنا، سدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه، رواه أحمد، وأبو داود وغيرهما، ولا يضر مس المسدول بشرة وجهها، وإنما منعت من البرقع والنقاب، لأنه معد لستر الوجه، قال شيخ الإسلام: ولو غطت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه، جاز بالاتفاق، وإن كان يمسه، فالصحيح أنه يجوز أيضا. ولا تكلف المرأة أن تجافي سترتها عن الوجه، لا بعود ولا بيدها، ولا غير ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سوَّى بين وجهها ويديها، وكلاهما كبدن الرجل لا كرأسه، وأزواجه صلى الله عليه وسلم يسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة، وقال: يجوز لها تغطية وجهها بملاصق، خلا النقاب والبرقع، وقال الموفق: المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، ولو كان شرطا لبين.

(ويباح لها التحلي) بالخلخال، والسوار والدملج، ونحوها (¬1) ويسن لها خضاب عند إحرام (¬2) وكره بعده (¬3) وكره لهما اكتحال بإثمد لزينة (¬4) ولها لبس معصفر وكحلي (¬5) . ¬

_ (¬1) كالقلادة والخاتم والقرط وغير ذلك من الحلي والخلخال حلية معروفة عند العرب، تلبس فوق الكعبين، كالسوار في اليد والسوار هو حلية تلبسه المرأة في زندها أو معصمها والدملج، هو المعضد من الحلي وغيره، يجعل في العضد، قال نافع: كن نساء ابن عمر يلبسن الحلي، والمعصفر، وهن محرمات، رواه الشافعي، قال المجد: ويلبسن بعد ذلك ما أحببن ولا دليل للمنع، ولا يحرم عليهن لباس زينة، ما لم تظهر لغير محرم. (¬2) يعني بالحناء وتقدم، ويستحب في غير الإحرام لزوجه، لأن فيه زينة، ويكره لأيم، لعدم الحاجة، مع خوف الفتنة، وأما الرجل، فلا بأس به، فيما لا تشبه فيه النساء، ولهما النظر في المرآة، روي عن ابن عمر وغيره، ولم يرد فيه ما يقتضي المنع منه. (¬3) أي بعد الإحرام، لأنه من الزينة. (¬4) أي وكره للرجل والمرأة اكتحال بإثمد لزينة لا لغيرها، رواه الشافعي عن ابن عمر، ولا يكره غير الإثمد، لأنه لا زينة فيه، إذا لم يكن مطيبا وإلا حرم. (¬5) المعصفر: ما صبغ بالعصفر وتقدم والـ «كحلي» بالضم، نوع أسود من الثياب، ولها لبس كل مصبوغ، بغير ورس وزعفران، لأن الأصل الإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه، وقال صلى الله عليه وسلم في المحرمة، «ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من معصفر، أو خز، أو كحلي» رواه أبو داود، وكانت عائشة وأسماء يحرمان في المعصفر، ويكره لبسه للرجل في غير إحرام وتقدم، ففي الإحرام أولى.

للحاج إتجار وصنعة بشرطه، ويجتب الرفث والفسوق والجدال

وقطع رائحة كريهة بغير طيب (¬1) واتجار وعمل صنعة ما لم يشغلا عن واجب، أو مستحب (¬2) وله لبس خاتم (¬3) ويجتنبان الرفث والفسوق والجدال (¬4) . ¬

_ (¬1) لأنه ليس من المحظورات بل مطلوب فعله. (¬2) فإن شغلا عن واجب حرما، أو مستحب كرها قال ابن عباس: كانت عكاظ، ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم، فنزلت {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ} في مواسم الحج، رواه البخاري، ولأبي داود عن أبي أمامة قال: كنت رجلا أكري في هذا الوجه، وإن ناسا يقولون، ليس لك حج، فقال ابن عمر: أليس تحرم وتلبي، وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجمار؟ فقلت: بلى، قال: فإن لك حجا، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله مثل ما سألتني فلم يجبه حتى نزلت {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} الآية، فقرأها عليه، وقال: «لك حج» ونحوه لأحمد وغيره وسنده جيد. (¬3) من فضة أو عقيق ونحوهما، لما روى الدارقطني عن ابن عباس: لا بأس بالهميان، والخاتم للمحرم، وله بط جرح، وختان وقطع عضو، عند الحاجة إليه، وأن يحتجم لأنه لا رفاهية فيه، وفي الصحيحين أنه احتجم وهو محرم. (¬4) قال تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} وأجمعوا على أن المراد من (فرض) ههنا: الإيجاب والإلزام، أي أوجب على نفسه بإحرامه حجا أو عمرة، فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما تقدم ويطلق على التعريض به، وعلى الفحش في القول، وقال ابن عباس وابن عمر وغيرهما: الجماع، والجمهور على أن المراد به في الآية، الجماع، ويحرم تعاطي دواعيه، من المباشرة والتقبيل والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام. وقال الأزهري: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة والفسوق هو المعاصي لم يفسق، أي لم يأت بسيئة ولا معصية، وهو في حالة الإحرام أشد وأقبح، لأنها حالة التضرع، وهجر المباحات، والإقبال على طاعة الله، والجدال وهو المماراة فيما لا يعني، والخصام مع الرفقة، والمنازعة والسباب، بخلاف الجدال على وجه النظر في أمر من الأمور الدينية، وأما الأمر بالمعروف فواجب، وقال الشيخ: الجدال هو المراء في أمر الحج، فإن الله قد وضحه وبينه، وقطع المراء فيه، كما كانوا في الجاهلية، يتمارون في أحكامه، ولم ينه المحرم عن الجدال مطلقا، بل قد يكون واجبا مستحبا، وقد يكون محرما في الحج وغيره.

وتسن قلة الكلام إلا فيما ينفع (¬1) . ¬

_ (¬1) لا بما لا يعنيه، والمراد العدم، لا حقيقة القلة، وكان شريح إذا أحرم كأنه الحية الصماء، وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا، «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» ، وعنه مرفوعا، «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ، حديث حسن، ولأحمد عن علي مثله، ويستحب للمحرم، أن يشتغل بالتلبية، وذكر الله، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل، ونحو ذلك.

باب الفدية وهي على ضربين

باب الفدية (¬1) أي أقسامها، وقدر ما يجب، والمستحق لأخذها (¬2) (يخير بفدية) أي في فدية (حلق) فوق شعرتين (¬3) (وتقليم) فوق ظفرين (¬4) (وتغطية رأس، وطيب، ولبس مخيط، بين صيام ثلاثة أيام) (¬5) . ¬

_ (¬1) مصدر فداه، يقال: فداه وأفداه، أعطى فداه، وفداه بنفسه إذا قال: جعلت فداك، والفدية والفداء والفدى: ما يعطى في افتكاك الأسير، وإنقاذ من هلكة، وإطلاق الفدية في محظورات الإحرام، إشعار بأن من أتى محظورا منها، فكأنه صار في هلكة، يحتاج إلى إنقاذه منها، بالفدية التي يعطيها استعير هذا الاسم في محظورات الإحرام، وإنقاذا لمن تلبس بشيء منها، من تلك الهلكة بالفدية التي يعطيها لعظم شأنه، وتأكد حرمته، وسببه تعظيم أمر الإحرام، بأن محظوراته من المهلكات. (¬2) وهي دم أو إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام، والفدية على ضربين أحدهما على التخيير وهو نوعان والثاني على الترتيب وهو ثلاثة أنواع ومنها ما لم يرد فيه ترتيب ولا تخيير، كفدية الفوات، وعده بعضهم ضربا ثالثا. (¬3) فيتناول شعرتين وبعض الثالثة، قال في الفروع: وبعض شعرة كهي، وما دون ذلك تقدم حكمه. (¬4) فيتناول ظفرين وبعض الثالث. (¬5) هذا المذهب، وعليه الأصحاب، أن من فعل محظورا مما ذكر يخير بين صيام ثلاثة أيام، وكلها سوء في كونها حرم في الإحرام، لأجل الرفه، وكل كفارة ثبت فيها التخيير مع العذر ثبت مع عدمه.

مقدار الإطعام، وكونه مأدوما

أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مد بر، أو نصف صاع من تمر أو شعير (¬1) أو ذبح شاة (¬2) لقوله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة «لعلك آذاك هوام رأسك؟» قال: نعم يا رسول الله فقال: «احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة» متفق عليه (¬3) . ¬

_ (¬1) قال الشيخ: لكل مسكين نصف صاع من تمر، أو شعير، أو مد بر، وإن أطعمه خبزا جاز، ويكون رطلين بالعراقي، تقريبا من نصف رطل بالدمشقي، وينبغي أن يكون مأدوما، وإن أطعمه مما يأكل كالبقسماط، والرقاق، ونحو ذلك جاز، وهو أفضل من أن يعطيه قمحا، أو شعيرا، وكذلك في سائر الكفارات، إذا أعطاه مما يقتات به، مع أدمه فهو أفضل من أن يعطيه حبًّا مجردا، إذا لم يكن عادتهم أن يطحنوا بأيديهم، ويخبزوا بأيديهم، والواجب في ذلك كله ما ذكره الله بقوله: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} ورجح أيضا أنه يرجع إلى العرف فيه، فيطعم كل مما يطعمون أهليهم، وذكر قصة كعب لما كانوا يقتاتون التمر، أمره أن يطعم منه. (¬2) فدية عن فعل المحظور، والتخيير بين فعل أحد الثلاث مذهب الجمهور. (¬3) وقد روي بألفاظ متعددة، وقال البخاري: خير النبي صلى الله عليه وسلم كعبا في الفدية: ولقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} وانسك: أي اذبح، وفي رواية أتجد شاة؟ قلت: لا فنزلت الآية، ولا نزاع في أن النسك المأمور به شاة سواء كان حلقه لقمل أو صداع، أو شدة حر، وقد جاءت بروايات متفقة في المعنى، وله تقديم الفدية على فعل المحظور بعد وجود السبب المبيح.

جزاء الصيد المثلي، وما لا مثل له

و «أو» للتخيير (¬1) وألحق الباقي بالحلق (¬2) (و) يخير (بجزاء صيد بين) ذبح (مثل إن كان) له مثل من النعم (¬3) (أو تقويمه) أي المثل بمحل التلف أو قربه (¬4) (بدراهم يشتري بها طعاما) يجزي في فطره (¬5) . ¬

_ (¬1) أي في الآية والحديث، وهما حجة لمن ذهب إلى التخيير، وغير المعذور مثله، وهو مذهب مالك، والشافعي، لأنه تبع للمعذور، والتبع لا يخالف أصله، وفائدة التعبير بها، أن هذا الدم دم تخيير. (¬2) أي باقي المحظورات، من تقليم الأظافر، واللبس، والطيب، بالقياس الشبهي، لأن تحريمها فيه للترفه، فأشبهت الحلق، وثبت الحكم في غير المعذور بطريق التنبيه تبعا له. (¬3) وحكاه الوزير وغيره إجماعا، إلا ما روي عن أبي حنيفة، والآية والآثار حجة عليه، فله ذبحه، وإعطاؤه لفقراء الحرم، أي وقت شاء، فلا يختص بأيام النحر، ولأنه يجزئ أن يتصدق به حيا، وهذا هو النوع الثاني من نوعي التخيير. (¬4) أي قرب محل التلف نص عليه. (¬5) وهو إما مد بر، أو نصف صاع، تمرا، أو زبيبا، أو شعيرا وفاقا للشافعي، لأن كل متلف وجب بمثله إذا قوم، وجب مثله، كالمثلى من مال الآدمي، ومنه يعلم أنها ليست كالفطرة من كل وجه، والأفضل في الإخراج مما يأكل.

أو يخرج بعدله من طعامه (¬1) (فيطعم كل مسكين مدا) إن كان الطعام برا (¬2) وإلا فمدين (¬3) (أو يصوم عن كل مد) من البر (يوما) (¬4) لقوله تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) (¬5) . ¬

_ (¬1) أي بقدر قيمة المثل من طعامه، برا كان أو تمرا، أو غيرهما، متحريا العدل، لحصول المقصود، ولا يتصدق بالدراهم. (¬2) نص عليه، والماتن أطلق العبارة، كالموفق في المقنع وغيرهما، وصرفها الشارح كغيره، قال في المبدع: وبالجملة فيعتبر كل مذهب على أصله، فعندنا من البر مد، ومن غيره مدان. (¬3) أي وإن لم يكن الطعام برًا فمدين، لكل مسكين من مساكين الحرم، من تمر أو زبيب أو شعير، أو أقط، أو غيرها. (¬4) ويكون المساكين بقدر الأمداد، أو أنصاف الآصع، وهذا مذهب مالك والشافعي، وفقهاء الحجاز، في المد مطلقا، إلا أن أبا حنيفة اعتبر نصف صاع، وأيام الصوم بقدر المساكين، فكفارة جزاء الصيد على التخيير وفاقا، كفدية حلق للآية و (أو) حقيقة في التخيير، كأنه فدية الأذى، بخلاف هدي المتعة وفي الإنصاف، لا يجب التتابع في هذا الصيام بلا نزاع أعلمه للآية. (¬5) وتمامها {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} أي من ملتكم ودينكم، يكون المثل (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) أي يساق إلى الكعبة، والمراد كل الحرم {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} لكل مسكين مد بر، أو نصف صاع {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} أي أو ما ساوى ذلك، فعطف هذه الخصال بعضها على بعض بأو المقتضية للتخيير، كفدية الأذى بخلاف هدي المتعة.

دم المتعة والقران، والصوم لمن عدم الهدي

وإن بقي دون مد صام يوما (¬1) (و) يخير (بما لا مثل له) بعد أن يقومه بدراهم لتعذر المثل، ويشتري بها طعاما كما مر (¬2) (بين إطعام) كما مر (وصيام) على ما تقدم (¬3) (وأما دم متعة وقرآن فيجب الهدي) بشرطه السابق (¬4) لقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ} (¬5) . ¬

_ (¬1) يعني إذا اختار الصيام عن الإطعام، فبقي ما لا يعدل طعام مسكين، صام يوما كاملا وفاقا، كما لو كان الطعام عشرة أمداد بر ونصف، فيصوم أحد عشر يوما، أما لو وجب الإطعام في الصورة المذكورة فيخرج ما معه، ولا يجب عليه تكميل ولا صيام، وقال في الإقناع: ولا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء، ويطعم عن بعضه، وقال في الإنصاف: لا أعلم فيه خلافا. (¬2) في قوله: أو تقويمه. (¬3) في حكم الصيام، لأن النص بالتخيير بين الثلاثة، فإذا عدم أحدها فالتخيير ثانيا بين الباقيين أيضا، فإذا اختار الإطعام قوم الصيد، لأنه متلف غير مثلي، فلزمه قيمته، كمال الآدمي فيشتري بها طعاما، فيطعمه المساكين، وإذا اختار الصيام، صام عن كل مد من قيمة المتلف يوما، ويجب التتابع وفاقا، للآية. (¬4) بلا خلاف، وهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج عن عامة، وأن لا يكون أهله حاضري المسجد الحرام، وأن لا يسافر بينهما، إلى آخر الشروط المذكورة سابقا، وهذا النوع الأول من الضرب الثاني. (¬5) أي فمن كان منكم متمتعا بالعمرة إلى الحج، فليذبح ما قدر عليه من الهدي، ولا خلاف في وجوبه على المتمتع، وعلم منه أنه دم نسك وسع الله به على عباده، وأباح لهم بسببه التحلل في أثناء الإحرام، لما في استمراره عليهم من المشقة، فهو بمنزلة القصر والفطر، في السفر.

والقارن بالقياس على المتمتع (¬1) (فإن عدمه) أي عدم الهدي (¬2) أو عدم ثمنه ولو وجد من يقرضه (¬3) (فصيام ثلاثة أيام) في الحج (¬4) (والأفضل كون آخرها يوم عرفة) (¬5) . ¬

_ (¬1) أي في ترفهه بترك أحد السفرين، بل أولى، لأن أفعال المتمتع أكثر من أفعال القارن. (¬2) في موضعه، صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع. (¬3) لأن الظاهر استمرار عسرته، فجاز له الانتقال إلى الصوم، قبل زمن الوجوب، ولو قدر على الشراء بثمن في ذمته، وهو موسر في بلده، لم يلزمه ويعمل بظنه في عجزه عن الهدي. (¬4) أي في وقت الحج، لأنه لا بد من إضمار، لأن الحج أفعال لا صوم فيها، وإنما يصام في أشهرها، أو وقتها، ووقت وجوب صومها: طلوع الفجر يوم النحر، لأنه وقت وجوب الهدي، ويجوز تقديمها بعد إحرام المتمتع بالعمرة، قال الشيخ: في أشهر أقوال العلماء، وهو الأرجح، فإنه في تلك الحال في الحج، وقيل: يصومها بعد التحلل من العمرة، فإنه حينئذ شرع في الحج، ولكن دخلت العمرة في الحج، كما دخل الوضوء في الغسل، وأما إحرامه بالحج بعد ذلك، فكما يبدأ الجنب بالوضوء، ثم يغتسل بعده، ويجوز تأخيرها إلى أيام منى، وإن أوجب الصوم وشرع فيه، ثم وجد هديا، لم يلزمه، وأجزأه الصوم وهذا مذهب مالك والشافعي، وإن وجده قبل الشروع، ففيه روايتان والمذهب الإجزاء، صححه في تصحيح الفروع وغيره. (¬5) هذا المشهور، وعليه الأصحاب، ليكون إتيانه بها أو بعضها بعد إحرامه بالحج، فيصومه هنا استحبابا، للحاجة إلى صومه، ونظره في المبدع، وعنه: الأفضل أن يكون آخرها يوم التروية، وفي المجرد وغيره: أنه المذهب وهو قول: ابن عمر وعائشة لأن صوم يوم عرفة غير مستحب له، قال في المبدع: ولعله في الأولى أظهر، ووقت جوازها إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ولا يجوز قبله، وما نقل عن أحمد في جوازه، فقال الموفق: ليس بشيء وأحمد منزه عن هذا لمخالفته لأهل العلم اهـ ووجوبها وقت وجوب الهدي، لأنه بدل منه، وقال القاضي: لا خلاف أن الصوم يتعين، قبل يوم النحر، بحيث لا يجوز تأخيره إليه بخلاف الهدي.

وإن أخرها عن أيام منى صامها بعد (¬1) وعليه دم مطلقا (¬2) . (و) صيام (سبعة) أيام (إذا رجع إلى أهله) (¬3) قال تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ (¬4) ¬

_ (¬1) لوجوبه فقضاه بفواته كرمضان، وأيام منى هي أيام التشريق، أضيفت إلى منى، لإقامة الحج بها. (¬2) أي سواء أخره لعذر، أولا، صححه في تصحيح الفروع وغيره وعنه: لا يلزمه مع العذر، اختارها القاضي وغيره وهو مذهب مالك والشافعي، وقال أبو الخطاب: لا يلزمه مع الصوم دم بحال، لأنه صوم واجب، يجب القضاء بفواته، وكذا إن أخر الصوم عن أيام النحر لغير عذر فعليه دم، لتأخيره الواجب عن وقته، وعنه: لا كالتي قبلها وأما إن أخر الهدي لعذر فلا، لاتساع وقتها، فيندر استغراق العذر له، بخلاف أيام النحر. (¬3) وهو الأفضل، لحديث ابن عمر، «وسبعة إذا رجع إلى أهله» ، متفق عليه ولا يصح صوم شيء منها أيام منى لبقاء زمن الحج، ولا قبل طواف الزيارة، لأنه قبل ذلك لم يرجع من عمل الحج. (¬4) أي {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} الهدي أو لم يجد ثمنه (فصيام ثلاثة أيام في الحج) # أي قبل التروية، ويوم التروية ويوم عرفة، وإن صام قبلها بعدما يحرم بالحج، جاز كما تقدم.

وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} (¬1) وله صومها بعد أيام منى، وفراغه من أفعال الحج (¬2) ولا يجب تتابع ولا تفريق في الثلاثة، ولا السبعة (¬3) (والمحصر) يذبح هديا، بنية التحلل (¬4) لقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (¬5) . ¬

_ (¬1) أي إلى أهلكم، وقال عليه الصلاة والسلام «فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله» ، موافقا لنص القرآن، شاهدا بذلك وفي الإنصاف: إذا رجعتم يعني من عمل الحج. (¬2) لأن كل صوم واجب جاز في وطن فاعله، جاز في غيره، كسائر الفروض، فيجوز بعد أيام التشريق، نص عليه، وذلك إذا طاف للزيارة فيكون المراد من الآية إذا رجعتم، من عمل الحج لأنه المذكور. (¬3) فلا يلزمه التتابع إذا شرع في صوم الثلاثة، أو السبعة، وفاقا، لإطلاق الأمر، ولا يلزمه التفريق بين العشرة، إذا أخر الثلاثة إليه، ولذا إذا لم يصم الثلاثة قبل يوم النحر صام أيام منى. (¬4) أي يلزمه ما لم يشترط فمحلي حيث حبستني إجماعا، وهذا هو النوع الثاني وإنما اعتبرت فيه دون غيرها لأن من أتى بأفعال النسك، أتى بما عليه فحل بإكماله، فلم يحتج إلى نية، بخلاف المحصر، فإنه يريد الخروج من تلك العبادة قبل إكمالها فافتقر إلى نية. (¬5) أي {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} دون تمام الحج والعمرة فحللتم فعليكم {مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ} أي ما يهدى إلى البيت، وأعلاه بدنة، وأدناه شاة ويأتي.

ما يجب بالوطء في الحج أو العمرة

و (إذا لم يجد هديا صام عشرة) أيام بنية التحلل (ثم حل) قياسا على المتمتع (¬1) (ويجب بوطء في فرج في الحج) قبل التحلل الأول (بدنة) (¬2) وبعده شاة (¬3) فإن لم يجد البدنة، صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع، لقضاء الصحابة (¬4) (و) يجب بوطء (في العمرة شاة) (¬5) . ¬

_ (¬1) أي على هدي التمتع يخير فيه بين صيام أو صدقة، أو نسك ووجه القياس، كون وجوب الهدي فيها بالنص، فلما كان كذلك قاسوا ما يقوم مقامه، على ما نص عليه هناك، ولأنه دم واجب، فكان ذلك بدله، كدم المتعة. (¬2) قارنا كان أو مفردا، نص عليه، كسائر المحظورات وقال القاضي وغيره: إن لم يجد بدنة أخرج بقرة، فإن لم يجد، فسبعا من الغنم، لقيامها مقامها في الأضاحي. (¬3) أي ويجب بوطء في فرج في الحج، بعد التحلل الأول شاة قارنا كان أو مفردا. (¬4) قاله ابن عمر وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، رواه عنهم الأثرم وغيره، ولم يظهر لهم مخالف في الصحابة، فيكون إجماعا، وقال بعض الشافعية، لقضاء جميع الصحابة بها، ولم يعرف لهم مخالف فيكون بدله، مقيسا على بدل دم المتعة. (¬5) وهو مذهب أبي حنيفة ومالك كفدية الأذى أو صدقة أو نسك، ولأنها أحد النسكين، فوجبت شاة، لأن حكم العمرة أخف، وذكرها ههنا والله أعلم بطريق التبعية، لا لكونها من هذا القسم.

وتقدم حكم المباشرة (¬1) (وإن طاوعته زوجته لزمها) أي ما ذكر، من الفدية في الحج والعمرة، وفي نسخة: لزماها أي البدنة في الحج، والشاة في العمرة (¬2) والمكرهة لا فدية عليها (¬3) وتقدم حكم المباشر دون الفرج (¬4) ولا شيء على من فكر فأنزل (¬5) والدم الواجب لفوات (¬6) أو ترك واجب كمتعة (¬7) . ¬

_ (¬1) أنه يجب شاة إذا لم ينزل فإن أنزل فبدنة. (¬2) روي عن ابن عباس وجمع، لوجود الجماع منها، بدليل الحد، ولأنهما اشتركا في السبب الموجب. (¬3) نص عليه لقوله: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهو عليه» ولأنه لا يضاف إليها الفعل، وكالصوم. (¬4) أي في الباب قبله موضحا. (¬5) كما تقدم وأنه إجماع. (¬6) أي فوات الحج، يجب به بدنة في الأصح، وهذا هو الضرب الثالث، عند البعض وتقدم. (¬7) أي أو الدم الواجب لترك واجب، كدم متعة، يذبح هديا إن وجده، وإلا صام عشرة أيام، إلا أنه لا يمكن في الفوات صوم ثلاثة أيام، قبل يوم النحر، لأن الفوات بطلوع فجره قبل الوقوف، وقال القاضي: ما وجب لترك واجب ملحق بدم متعة، وما وجب للمباشرة ملحق بفدية الأذى.

فصل فيمن كرر محظورا، وما يسقط بالنسيان وغير ذلك

فصل (¬1) (من كرر محظورًا من جنس) واحد بأن حلق، أو قلم، أو لبس مخيطا، أو تطيب، أو وطئ ثم أعاده (¬2) (ولم يفد) لما سبق (¬3) (فدى مرة) سواء فعله متتابعا، أو متفرقا (¬4) لأن الله تعالى أوجب في حلق الرأس فدية واحدة، ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعات (¬5) . ¬

_ (¬1) أي في حكم فدية من كرر محظورا وما يسقط بالنسيان، ونحوه ومن تدفع له الفدية، وفي أي موضع نحر هدي وغير ذلك. (¬2) أي الحلق، أوالتقليم، أو اللبس، أو التطيب، أو الوطء، ولو بغير الموطوءة، مرة بعد أخرى، ومثله مقدماته. (¬3) من حلق وما عطف عليه. (¬4) أي سواء فعل جنسًا من المحظور متتابعا، بأن حلق رأسه، وسائر جسده، أو قلم أظفار يديه ورجليه، أو لبس عمامة وخفا، أو وطئ ونحوه، وذكر الزركشي وغيره، إذا لبس وغطى رأسه، ولبس الخفّ ففدية واحدة، لأن الجميع جنسه واحد، بل عموم كلامهم يقتضي: أن تغطيه الرأس بجميع أنواعها، حتى بالتظليل بمحمل متحدة مع لبس المخيط، وكذا لو فعل الجنس الواحد من المحظورات متفرقا. (¬5) وكالحدود، لأن ما تداخل متتابعا تداخل متفرقا، كالأحداث، قال الشيخ: وإذا لبس ثم لبس مرارا، ولم يكن أدى الفدية أجزأته فدية واحدة، في أظهر قولي العلماء.

من فعل محظورا من أجناس فدى لكل جنس

وإن كفَّر عن السابق ثم أعاده، لزمته الفدية ثانيا (¬1) (بخلاف صيد) ففيه بعدده، ولو في دفعة (¬2) لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} (¬3) . (ومن فعل محظورًا من أجناس) بأن حلق وقلم أظفاره، ولبس المخيط (¬4) (فدى لكل مرة) أي لكل جنس فديته الواجبة فيه (¬5) سواء (رفض إحرامه أو لا) (¬6) . ¬

_ (¬1) لعدم ما يسقطها، ولأنه صادف إحراما، فوجب كالأول، وكما لو حلف وحنث، ثم كفَّر، ثم حلف ثانيا وحنث فإنه يكفَّر. (¬2) وفاقا، وقال البغوي: في قول عامة أهل العلم. (¬3) أي فعليه جزاء من النَّعم، مثل ما قتل، فدلت على أن من قتل صيدا لزمه مثله، ومن قتل أكثر لزمه مثل ذلك، ولأنه لو قتل أكثر، تعدد الجزاء، فمتفرقا أولى، لأن حال التفريق ليس بأنقص، وكقتل آدمي، وبدل متلف. (¬4) وتطيب وباشر، ونحوه. (¬5) وفاقا، تفرقت أو اجتمعت لأنها محظورات مختلفة، فتتعدد الفدية بتعدد المحظورات، من أجناس، وإن كانت متحدة الكفارة وفاقا، كحدود مختلفة، وأيمان مختلفة. (¬6) أي سواء نوى فاعل المحظور الخروج من إحرامه، أو لم ينوه، لأن حكم الإحرام باق، لأنه لا يفسد بالرفض وفاقا، وقال الوزير: أجمعوا على أن المحرم إذا قال: أنا أرفض إحرامي، أو نوى الرفض لإحرامه، لم يخرج بذلك، كما لا يخرج منه بالإفساد له، ورفضه يرفضه، بضم الفاء وكسرها رفضا أي: تركه.

إذ التحلل من الحج لا يحصل إلا بأحد ثلاثة أشياء: كمال أفعاله (¬1) أو التحلل عند الحصر (¬2) أو بالعذر إذا شرطه في ابتدائه (¬3) وما عدا هذه لا يتحلل به (¬4) ولو نوى التحلل لم يحل (¬5) ولا يفسد إحرامه برفضه، بل هو باق، يلزمه أحكامه (¬6) وليس عليه لرفض الإحرام شيء (¬7) لأنه مجرد نية (¬8) ويسقط بنسيان أو جهل أو إكراه، فدية لبس، وطيب وتغطية رأس (¬9) . ¬

_ (¬1) بالجر بدل من ثلاثة، أو بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي أحدها كمال أفعاله، ومن وقوف ورمي، وطواف، وسعي، وسائر ما يكمل به. (¬2) أي عن الحج بما يأتي في بابه. (¬3) بأن قال: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني. (¬4) أي وما عدا ثلاثة الأشياء، من نحو حلق، ولبس، ووطء، لا يتحلل به. (¬5) إجماعا لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ} . (¬6) أي أحكام الإحرام، من اجتناب المحظورات، والفدية إن فعل ما تجب فيه، وغير ذلك مما تقدم، وفاقا، لأنه لا يخرج منه بالإفساد له. (¬7) أي ليس عليه لذلك دم ولا غيره. (¬8) فلم يلزمه شيء، لعدم تأثير مجرد النية فيه، ولأن حكم الإحرام باق، وهذا مذهب مالك والشافعي. (¬9) اختاره الخرقي وغيره، وهو مذهب الشافعي، وقال ابن القيم: الراجح من الأقوال أن الفدية في ذلك لا تجب مع النسيان والجهل.

لحديث: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (¬1) ، ومتى زال عذره أزاله في الحال (¬2) (دون) فدية (وطء وصيد، وتقليم وحلق) فتجب مطلقا (¬3) لأن ذلك إتلاف، فاستوى عمده وسهوه، كمال الآدمي (¬4) . ¬

_ (¬1) رواه ابن ماجه، والطبراني والدارقطني، والبيهقي، وجوَّد إسناده وقال ابن حزم: حديث مشهور، ولحديث الجبة، والخلوق، ولم يأمره صلى الله عليه وسلم بفدية، وقال تعالى عن المؤمنين: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال: قد فعلت، رواه مسلم. (¬2) أي ومتى زال عذره من نسيان، أو جهل أو إكراه بأن ذكر، أو علم أو ارتفع الإكراه أزال المحظور عليه في الحال. (¬3) سواء كان ذاكرًا أو ناسيًا، أو جاهلاً، أو مكرهًا، وفاقا، لأن الله تعالى أوجب الفدية على من حلق لأذى به، وهو معذور، فدل على وجوبها على معذور آخر. (¬4) أي كإتلاف مال آدمي، وقال ابن كثير وغيره: كالعمد في قتله والخطأ سواء عند جمهور العلماء، إلا أن المتعمد آثم، والمخطئ غير آثم، وقال غير واحد: تجب بقتل الصيد مطلقا لظاهر الخبر والأثر، في جزاء الصيد وبيضه، قال الزهري: على المتعمد بالكتاب، وعلى المخطئ بالسنة، وقال عطاء: نعم يعظم حرمات الله، ومضت به السنن. ولما ذكر شيخ الإسلام، عدم مؤاخذة الجاهل والناسي، وقال: وأما الكفارة والفدية، فتلك وجبت لأنها بدل المتلف من جنس ما يجب ضمان المتلف بمثله كما لو أتلفه صبي ضمنه، وجزاء الصيد وجب على الناسي والمخطئ، فهو من هذا الباب، بمنزلة دية المقتول خطأ، والكفارة الواجبة بقتله خطأ، بنص القرآن وإجماع المسلمين وأما سائر المحظورات فليست من هذا الباب، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والترفه المنافي للتفث، كالطيب واللباس، ولو فدى كانت فديته من جنس فدية المحظورات، ليست بمنزلة الصيد المضمون بالبدل، فأظهر الأقوال في الناسي والمخطئ إذا فعل محظورا، أن لا يضمن من ذلك إلا الصيد.

كل هدي أو إطعام، يتعلق بحرم أو إحرام، يلزم ذبحه في الحرام

وإن استدام لبس مخيط فيه، ولو لحظة، فوق المعتاد من خلعه فدى (¬1) ولا يشقه (¬2) (وكل هدي أو إطعام) يتعلق بحرم أو إحرام (¬3) كجزاء صيد، ودم متعة وقران، ومنذور (¬4) وما وجب لترك واجب (¬5) أو فعل محظور في الحرم (¬6) . ¬

_ (¬1) أي لاستدامت عالمًا ذاكرًا، كابتدائه، ولو إشارة إلى خلاف أبي حنيفة حيث قيده بيوم. (¬2) أي اللباس، إذا كان مخيطا، بل ينزعه، وإن غطى رأسه لأن شقه إتلاف مال لم يحتج إليه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم يعلى بن أمية ولم يأمره بشقه. (¬3) أي بجناية بحرم، أو جناية بإحرام، فهو لمساكين الحرم، إن قدر يوصله إليهم، ويجب نحره بالحرم وفاقا لقوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} أي واصلا إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم، بأن يذبح هناك، ويفرق لحمه على المساكين، قال ابن كثير: وهذا أمر متفق عليه، ولقوله: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} ويجزئ بجميع الحرم، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. (¬4) أي أنه يجب نحره بالحرم. (¬5) من واجبات الحج أو العمرة، فإنه يلزمه ذبحه في الحرم. (¬6) كحلق وتقليم، ولبس مخيط، وتغطية رأس، وطيب، ومباشرة وغير ذلك.

(فـ) ـإنه يلزمه ذبحه في الحرم (¬1) قال أحمد: مكة ومنى واحد (¬2) والأفضل نحر ما بحج بمنى (¬3) وما بعمرة بالمروة (¬4) ويلزمه تفرقة لحمه، أو إطلاقه لمساكين الحرم (¬5) لأن القصد التوسعة عليهم (¬6) وهم المقيم به (¬7) والمجتاز، من حاج وغيره (¬8) ممن له أخذ الزكاة لحاجة (¬9) . ¬

_ (¬1) لقوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} ، وقوله في جزاء الصيد: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وقيس عليه الباقي. (¬2) لما روى أحمد وغيره، عن جابر مرفوعا، «كل فجاج مكة طريق ومنحر» . (¬3) كهدي لفعله صلى الله عليه وسلم. (¬4) خروجًا من خلاف مالك، فإنه يوجب ذلك. (¬5) لقوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ولظاهر قوله: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} ، والمقصود أنه يلزمه تفرقة لحم الهدي، بعد ذبحه، على مساكين الحرم، أو يلزمه إطلاقه إن لم يذبحه، لمساكين الحرم، ليذبحوه وظاهر تعبيرهم بالجمع، أنه لا يجزئ الدفع لواحد، إلا أن يقال المراد الجنس، وقال منصور: إلحاقه بالكفار أشبه. (¬6) ولأنه نسك، يتعدى نفعه إلى المساكين فاختص بهم كالهدي. (¬7) أي مساكين الحرم، هم المقيمون بالحرم. (¬8) أي المجتاز بالحرم، من حاج وغيره، من غير أهل الحرم. (¬9) كالفقراء والمساكين لا العاملين على الزكاة، ولا المؤلفة وغيرهم ممن له الأخذ من الزكاة مع الغنى، وله الدفع لمحتاج، ولو تبين غناه بعد، كالزكاة لا إلى فقراء الذمة، وهو مذهب مالك، والشافعي، ولا إلى حربي وفاقًا.

فدية الأذى ودم الإحصار، حيث وجد السبب

وإن سلمه لهم حيا فذبحوه أجزأ (¬1) وإلا رده وذبحه (¬2) (وفدية الأذى) أي الحلق (واللبس ونحوهما) كطيب وتغطية رأس (¬3) وكل محظور فعله خارج الحرم (¬4) (ودم الإحصار، حيث وجد سببه) من حل أو حرم (¬5) لأنه صلى الله عليه وسلم نحر هديه في موضعه بالحديبية، وهي من الحل (¬6) ويجزئ بالحرم أيضًا (¬7) . ¬

_ (¬1) لتعينه عما في ذمته. (¬2) أي وإن لم يذبحوه استرده منهم وجوبا، وذبحه، لأن الله سماه هديا، والهدي يجب ذبحه، فإن أبى، أو عجز ضمنه، والطعام كالهدي، قال ابن عباس: الهدي والإطعام بمكة، وإن منع مانع من إيصاله إلى فقراء الحرم جاز ذبحه في غيره، جزم به الشارح وغيره، وصححه في تصحيح الفروع، لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} . (¬3) وتقليم فيفرقه حيث وجد سببه. (¬4) حيث وجد سببه، ووقت ذبحه حين فعله، وله الذبح قبله لعذر ككفارة قتل الآدمي والظهر واليمين. (¬5) أي يجوز ذبحه حيث وجد السبب. (¬6) ولا نزاع في ذلك، وأمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية وهي من الحل، واشتكى الحسين بن علي رأسه فحلقه علي، ونحر عنه جزورًا بالسقيا رواه مالك وغيره، ولأنه موضع تحلله، فكان موضع ذبحه، كالحرم. (¬7) لما تقدم من الآيات، والأخبار، في الهدي، وغيره، وأنه قيس عليه الباقي.

الدم المطلق: شاة، ويجزئ عن البدنة بقرة أو سبع شياه

(ويجزئ الصوم) (¬1) والحلق (بكل مكان) (¬2) لأنه لا يتعدى نفعه لأحد فلا فائدة لتخصيصه (¬3) (والدم) المطلق كأضحية (شاة) (¬4) جذع ضأن، أو ثني معز (¬5) (أو سبع بدنة) أو بقرة (¬6) فإن ذبحها فأفضل (¬7) وتجب كلها (¬8) . ¬

_ (¬1) بكل مكان وفاقا، وفي المبدع: لا نعلم فيه خلافا، لقول ابن عباس: الصوم حيث شاء. (¬2) وفاقا. (¬3) أي بمكان بخلاف الهدي ولعدم الدليل على التخصيص بمكان. (¬4) بلا خلاف، والمراد غير المقيد، إذ المقيد بحيث يعينه. (¬5) وفاقا. (¬6) يعني أو سبع بقرة لقوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} وصح عن ابن عباس: شاة أو شرك في دم، وفسر النبي صلى الله عليه وسلم النسك في خبر كعب بذبح شاة، والباقي مقيس. (¬7) أي فإن ذبح البدنة أو البقرة عن الدم الذي عليه، فهو أفضل من غيره، لأنها أوفر لحما، وأنفع للفقراء من الشاة. (¬8) أي البدنة أو البقرة لأنه اختار الأعلى لأداء فرضه، فكان حكمه واجبا كأعلى خصال الكفار إذا اختاره، ولا يقال: إن سبعها واجب، والباقي تطوع له أكله وهديته اختاره ابن عقيل، وصححه في تصحيح المحرر، والوجه الثاني: لا يلزمه إلا سبعها، قال ابن رزين: هذا أقيس وصوبه في تصحيح الفروع وقال: لها نظائر.

(وتجزئ عنها) أي عن البدنة (بقرة) (¬1) ولو في جزاء صيد، كعكسه (¬2) وعن سبع شياه بدنة، أو بقرة مطلقًا (¬3) . ¬

_ (¬1) وبالعكس لقول جابر: كنا ننحر البدنة عن سبعة، فقيل له: والبقرة؟ فقال: وهل هي إلا من البدن؟ رواه مسلم، وهذا مذهب الجمهور. (¬2) أي كما تجزئ البدنة عن بقرة وجبت، وعنه: لا تجزئ عنها في غير النذر، إلا لعدمها، واستظهره في المغني والشرح. (¬3) أي سواء وجد الشياه أو عدمها، في جزاء الصيد وغيره، لإجزائهما عن سبعة، ومن لزمته بدنة أجزأه سبع شياه بلا نزاع، لأن الشاة معدولة بسبع بدنة، وهي دم كامل، وأطيب لحمًا فهي أعلى منها.

باب جزاء الصيد، وهو ضربان

باب جزاء الصيد (¬1) أي مثله في الجملة إن كان (¬2) وإلا فقيمته (¬3) فيجب المثل من النعم فيما له مثل (¬4) . ¬

_ (¬1) أي باب حكم جزاء الصيد، وهو ما يستحق بدله على من أتلفه، بمباشرة أو سبب، وهو واجب، لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} وتقدم قول الزهري: تجب الفدية على قاتل الصيد متعمدا بالكتاب، وعلى المخطئ بالسنة، وجزاء بالمد والهمز، مصدر: جزيته، جزاء بما صنع، ثم أوقع موقع المفعول، تقول: الكبش جزاء الضبع، وجزي الشيء عنك وأجزأ إذا قام مقامك. (¬2) أي مثليا، فلا يقال: لا بد من المماثلة بالجملة، بل تكفي ولو أدنى مشابهة أو مقاربة، ليس المراد حقيقة المماثلة، فإنها لا تتحقق بين الأنعام والصيد وإنما أريد بها من حيث الصورة ويعتبر الشبه خلقة لا قيمة، كفعل الصحابة، وتقدم أن مرادهم في الجملة بعض الصور، وبالجملة جميع الصور. (¬3) أي وإن لم يكن له مثل فعليه قيمته، وهو مخير بين ذبح المثل، أو تقويمه بدراهم يشتري بها طعاما فيدفعه، إلى مساكين الحرم، أو يصوم عن كل مد بر يوما، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحد قولي الشافعي، والثاني على الترتيب. (¬4) نص عليه، وهو نوعان، ما قضت فيه الصحابة، ففيه ما قضت، وما لم تقض فيه، فيرجع فيه إلى قول عدلين وأما الضبع فحكم فيه سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

يعمل بما قضت فيه الصحابة فهم أعدل الأمة

لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} (¬1) وجعل النبي صلى الله عليه وسلم في الضبع كبشا (¬2) ويرجع فيما قضت فيه الصحابة إلى ما قضوا به (¬3) فلا يحتاج أن يحكم عليه مرة أخرى، لأنهم أعرف (¬4) وقولهم أقرب إلى الصواب (¬5) . ¬

_ (¬1) {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} (فَجَزَاءٌ) مبتدأ منون، خبره محذوف و (مثل) صفة أو بدل، {مِنَ النَّعَمِ} صفة لـ (جزاء) و {يَحْكُمُ بِهِ} صفة له أيضا أي يجب على المحرم جزاء مثل ما قتله، إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي، وهو مذهب مالك، والشافعي، وخالف أبو حنيفة، وما حكم به الصحابة، وذهب إليه الجمهور، أولى بالاتباع، وقرئ بالإضافة والعطف، وفي كل منهما دليل لما ذهب إليه الجمهور. (¬2) رواه أبو داود وغيره، بسند صحيح، عن جابر قال: هو صيد ويجعل فيه كبش، وعن ابن عباس نحوه، ويأتي ذكر بعض قضايا الصحابة، وقال الأصحاب، هو إجماع منهم، وليس على وجه القيمة، ولأن اختلاف القيمة بالزمان والمكان جار. (¬3) لقوله: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} أي يحكم بالجزء في المثل، أو بالقيمة في غير المثل والمراد ولو بعضهم فـ «أل» للجنس. (¬4) بمراد الله ورسوله، شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وهم أعدل الأمة. (¬5) وأعرف بمواقع الخطاب، فحكمهم حجة على غيرهم، ولا يقتضي تكرار الحكم، فكل ما تقدم لهم فيه حكم فهو على ذلك، قال أحمد وغيره: يتبع ما جاء عنهم، قد حكم فيه، وفرغ منه.

ولقوله عليه السلام، «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم» (¬1) ومنه (في النعامة بدنة) (¬2) روي عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وابن عباس ومعاوية (¬3) لأنها تشبهها (¬4) (و) في (حمار الوحش) بقرة روي عن عمر (¬5) (و) في (بقرته) أي الواحدة من بقر الوحش بقرة روي عن ابن مسعود (¬6) . ¬

_ (¬1) هذا الأثر لا يصح، وقال ابن حزم: كذب موضوع، وإنما الحجة في قول الصحابي إذا لم يخالفه غيره، ولا يجوز أن يستدل به في تصويب الاختلاف ولا بالأخذ بكل قول، إلا ما شهد له الشرع، وقال عليه الصلاة والسلام «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين، المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور» صححه الترمذي وقال: اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر حسنه الترمذي. (¬2) أي: ومما في جزاء الصيد عن الصحابة في النعامة بفتح النون، من الطير، تذكر وتؤنث، والنعام اسم جنس، وقد يقع على الواحد، طير معروف، يشبه البدنة، ففيه بدنة، والمراد بالبدنة هنا البعير، ذكرا كان أو أنثى. (¬3) ومالك والشافعي، وصاحبي أبي حنيفة، وأكثر العلماء. (¬4) في كثير من صفاتها، فكان مثلا لها فدخل في عموم النص. (¬5) وعروة ومجاهد والشافعي لأنها تشبهه. (¬6) وعطاء، وعروة وقتادة والشافعي.

ذكر أنواع من الصيد، وجزائه

(و) في الإيَّل على وزن قنب، وخلب وسيد بقرة، روي عن ابن عباس (¬1) (و) في الثيتل بقرة (¬2) قال الجوهري: الثيتل الوعل المسن (¬3) (و) في (الوعل بقرة) يروى عن ابن عمر أنه قال: في الأروى بقرة (¬4) قال في الصحاح: الوعل هي الأروى (¬5) . ¬

_ (¬1) أخرجه ابن جرير وغيره، والإيَّل هو الذكر من الأوعال، ويقال الثيتل وقنب بكسر القاف، وتشديد النون المفتوحة ضرب من الكتان، وخلب بضم الخاء المعجمة، وتشديد اللام المفتوحة، البرق لا مطر فيه، وسيد بفتح السين وكسر الياء. (¬2) هو والوعل كالإيَّل والثيتل بفتح المثلثة، وسكون المثناة من تحت وفتح التاء المثناة من فوق، وفي المحكم تقديم المثناة، وقال: هو الوعل عامة. (¬3) الجوهري هو أبو نصر إسماعيل بن نصر بن حماد الجوهري نسبة إلى بيع الجوهر، أو لحسن خطه، الفارابي ارتحل إلى بلاد ربيعة ومضر، ثم عاد إلى خراسان، وأقام بنيسابور فبرز في اللغة، حتى كان من أذكياء العالم، وأعاجيب الزمان، توفي سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة، والثيتل بالمثلثة فمثناة الوعل، وقيل: المسن منها، وقيل: ذكر الأروى وفي المصباح، الأروية تقع على الذكر والأنثى من الوعول، وجنس من بقر الوحش ينزل الجبال. (¬4) وهو من أولاد البقر ما بلغ أن يقبض على قرنه، ولم يبلغ أن يكون ثورا قال في القاموس: الأروى أنثى الوعول. (¬5) وفي العباب: ذكر الأروى والصحاح، بفتح الصاد اسم مفرد، بمعنى الصحيح، يقال: صححه الله، فهو صحيح، وصحاح بالفتح، والجاري على الألسنة كسر الصاد، على أنه جمع صحيح، قال التبريزي: وهو المشهور وقدمه في المزهر وبعضهم ينكره بالنسبة إلى تسمية هذا الكتاب وقال الدماميني: والمعنيان مستقيمان فيه، إلا أن يثبت عن مصنفه أنه سماه الصحاح بالفتح، فيصار إليه، واسمه تاج اللغة، وصحاح العربية قال فيه: أودعته ما صح عندي من هذه اللغة، بعد تحصيلها رواية، وإتقانها دراية، ومشافهتي بها العرب العاربة.

وقال في القاموس: الوعل بفتح الواو، مع فتح العين، وكسرها، وسكونها: تيس الجبل (¬1) (و) في (الضبع كبش) (¬2) قال الإمام: حكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبش (¬3) (و) في (الغزالة عنز) (¬4) . ¬

_ (¬1) له قرنان منحنيان وجمعه أوعال ووعول يقال: استوعلت الأوعال ذهبت في قلل الجبال، وتوعل الجبل علاه. (¬2) بلا نزاع والضبع، بفتح الضاد، وضم الباء، ويجوز إسكانها جمعها أضبع، في القليل: وضباع، وضبع بضمتين وبضمة والذكر: ضبعان بالكسر، والأنثى ضبعة، كالذئب إلا أنه إذا مشى كأنه أعرج. (¬3) رواه أبو داود بسند صحيح، وابن ماجه والشافعي، والدارقطني وغيرهم، وقضى به عمر، رواه مالك وغيره ورواه الدارقطني، عن ابن عمر: أنه قضى على جماعة في ضبع بكبش، والكبش فحل الضأن في أي سن كان، وقيل: إذا أثنى، وإذا أربع، والجمع أكبش، وأكباش. (¬4) هي أنثى المعز، وفيها شبه الغزال، لأنه أجرد الشعر، منقطع الذنب، وكذا العنز من الظباء، والأوعال، والغزال من الظباء الشادن إلى طلوع قرنه، وقيل: قبل الإثناء، من حين تتحرك وتمشي، ثم هو ظبي، وهذا مذهب الشافعي وكذا الثعلب إن أكل وفاقا للشافعي، ومالك، وإذا كان الغزال الصغير من الظباء فالعنز الواجبة فيه صغيرة مثله.

روي عن جابر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «في الظبي شاة» (¬1) في (الوبر) وهو دويبة كحلاء، دون السنور، لا ذنب لها، جدي (¬2) (و) في الضب جدي قضى به عمر، وأربد (¬3) والجدي: الذكر من أولاد المعز، له ستة أشهر (¬4) (و) في (اليربوع جفرة) لها أربعة أشهر (¬5) . ¬

_ (¬1) رواه مالك، وقضى به عمر، وابن عباس، وروي عن علي، وقاله عطاء، وقال ابن المنذر، لا يعرف عن غيرهم خلافهم، ويقال له أيضا: تيس الجبل، وذلك اسمه إذا أثنى، ولا يزال ثنيا حتى يموت، والأنثى ظبية. (¬2) قياسا على الضب، وهو مذهب الشافعي، وهذا التعريف للجوهري، وتمامه: ترجن في البيوت، وجمعها: وبر بفتح الباء، ووبار وعن ابن الأعرابي: الوبر الذكر، والأنثى وبرة، وهي في عظم الجرذ، إلا أنها أنبل، وأكرم وهي كحلاء، ولها أطباء، وهي من جنس بنات عرس. (¬3) براء مهملة بعدها باء موحدة مفتوحة، تميمي مفسر تابعي وقضى به عبد الرحمن بن عوف، وهو مذهب الشافعي، وقيل: فيه شاة، روي عن جابر وعطاء والجدي أقرب شبها إلى الضب من الشاة، والضب بفتح الضاد حيوان صغير، ذو ذنب، شبيه بالجرذون، بكسر الجيم، وقيل: الجرذون ذكر الضب، حكاه الجوهري وغيره. (¬4) فأكثر، ما لم تسقط ثناياه. (¬5) وهو مذهب الشافعي، قال ابن الزبير، فطمت ورعت، أي فصلت عن أمها، فأخذت في الرعي، وذلك بعد أربعة أشهر غالبًا، سميت بذلك لأنها جفرت جنباها، أي عظمتا، «واليربوع» هو الحيوان المعروف المشهور، رجلاه أطول من يديه والعامة تبدل ياءه جيمًا.

من الطيور الحمامة، ففيها شاة، وكذا كل طير يعب الماء

روي عن ابن عمر، وابن مسعود (¬1) (و) في (الأرنب عناق) روي عن عمر (¬2) والعناق الأنثى من أولاد المعز، أصغر من الجفرة (¬3) (و) في (الحمامة شاة) (¬4) حكم به عمر، وعثمان وابن عمر، وابن عباس (¬5) ونافع بن عبد الحارث: في حمام الحرم (¬6) . ¬

_ (¬1) وروي مرفوعا، والموقوف عن عمر وغيره أصح، وروى أثر ابن مسعود الشافعي وغيره، ورواه الشافعي عن جابر، ولمالك عن جابر أن عمر قضى في اليربوع بجفرة، وقال مالك: قيمة الوبر واليربوع كالضبِّ. (¬2) رواه مالك عن جابر عنه، وللدارقطني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة، وهو مذهب الشافعي، والأرنب حيوان معروف، شهرته تغني عن وصفه، وهو مصروف، ليس بصفة، بل اسم جنس. (¬3) تسمَّى: عناقا من حين تولد، إلى أن ترعى والصواب أنها فوق الجفرة لها ما بين ثلث سنة ونصفها، قبل أن تصير جذعة، والجمع أعنق وعنوق. (¬4) وهو مذهب الشافعي، ومالك، وجمهور أهل العلم، لشبهها بها في كرع الماء. (¬5) وغيرهم ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة، وحكم عمر، وابنه، وعثمان، رواه الشافعي، وحكم ابن عباس، رواه الشافعي وغيره، واشتهر قضاؤهم فيها، ورواه الشافعي أيضا عن جابر. (¬6) وقال الأصحاب: هو إجماع الصحابة، وليس ذلك على وجه القيمة، ونافع ابن عبد الحارث بن خالد الخزاعي، صحابي فتحي، أمَّره صلى الله عليه وسلم على مكة، وأقام بها إلى أن مات رضي الله عنه.

وقيس عليه حمام الإحرام (¬1) والحمام كل ما عب الماء، وهدر (¬2) فيدخل فيه الفواخت والوراشين (¬3) والقطا، والقمري، والدبسي (¬4) . ¬

_ (¬1) وقد روي عن ابن عباس أنه قضى في حمامة حال الإحرام بشاة، لأنها حمامة مضمونة لحق الله، فضمنت بشاة، كحمامة الحرم، وهذا مذهب الشافعي. (¬2) أي شرب الماء مرة واحدة من غير مص، كما تعب الدواب، وإنما يضع منقاره في الماء، فيكرع كما تكرع الشاة، ولا يأخذ قطرة قطرة، كالدجاج، والعصافير قال في الصحاح: الحمام يشرب الماء عبا كما تعب الدواب، وقال الكسائي: كل مطوق وهدر صوت وقيل: غرد، ورجع صوته كأنه يسجع فأوجبوا فيه شاة، لشبهه بها في كرع الماء. (¬3) الفواخت جمع فاختة، طيور معروفة، ضرب من الحمام المطوق قال ابن بري: مشتقة من الفخت الذي هو ضوء القمر، والوراشين جمع ورشان بالتحريك، طائر يشبه الحمام، وحشي، لحمه أخف من الحمام، كنيته أبو الأخضر. (¬4) القطا طائر مشهور، ومنه المثل: إنه لأصدق من قطاة: سميت بصوتها حيث تقول: قطا قطا، والقمري بضم القاف، ضرب من الحمام، واحدته قمرية، وجمعه قماري، قال الجوهري: منسوب إلى طير قمر، جبل أو موضع وقيل: الياء للمبالغة والدبسي بالضم اسم ضرب من الحمام، يقرقر والأنثى منه دبسية أدكن لونه بين السواد والحمرة، وفي كتاب غريب الحمام والأدبس الأخضر، وفيه حمرة وسواد، وهي الدبسة، قيل: إنه منسوب إلى طير دبس، أو دبس الرطب، قال أحمد: كل طير يعب الماء كالحمام، فيه شاة، فيدخل فيه الفواخت، والقمري والقطا، ونحوها لأن العرب تسميها حماما، وعلى قول الكسائي: كل مطوق حمام، فيدخل فيه الحجل لأنه مطوق إلا أنه لا يعب الماء ففيه خلاف.

ما لم تقض فيه الصحابة يرجع فيه إلى عدلين خبيرين

وما لم تقض فيه الصحابة يرجع فيه إلى قول عدلين خبيرين (¬1) وما لا مثل له كباقي الطيور (¬2) ولو أكبر من الحمام فيه القيمة (¬3) . ¬

_ (¬1) فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به من حيث الخلقة، لا القيمة، كقضاء الصحابة لقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} ولأنه لا يتمكن من الحكم بالمثل إلا بها، ولا يشترط كونهما أو أحدهما فقيها، لظاهر الآية، ويجوز كون القاتل أحدهما أو هما لقول عمر، لأربد لما وطئ ظبيا: احكم يا أربد فيه، فحكم وأمضاه عمر رضي الله عنه، ولأنه حق لله كتقويم الزكاة، وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، والمراد: لا عن عمد، لأجل العدالة. (¬2) أما ما دون الحمام كسائر الطير، فيضمنه وفاقا بالقيمة، قال ابن عباس: ما أصيب من الطير دون الحمام ففيه الدية، أي يضمنه بقيمته في موضعه الذي أتلفه فيه، وهذا هو الضرب الثاني. (¬3) وفاقا للشافعي، وفي الإنصاف: بلا نزاع، لأنه القياس خولف في الحمام، لقضاء الصحابة، والوجه الثاني: يجب شاة، وروي عن ابن عباس، وعطاء وكالحمام وأولى، وعلى الأول فيشتري بالقيمة طعاما، يفرقه على مساكين الحرم، أو يصوم عن كل مد يوما، وفاقا، كما تقدم إلا في أحد قولي الشافعي، ويضمن كبير وصغير، وصحيح ومعيب، وما خض بمثله، وذكر بأنثى وعكسه لظاهر الآية، والهدي فيها مقيد بالمثل، ويجوز فداء أعور بأعرج، وعكسه لعدم المماثلة.

إذا اشترك جماعة في قتل صيد فعليهم جزاء واحد

وعلى جماعة اشتركوا في قتل صيد جزاء واحد (¬1) . ¬

_ (¬1) سواء كفروا بالصيام أو غيره، للآية، فإنما أوجب تعالى المثل بقتله، فلا يجب غيره، وهو ظاهر في الواحد والجماعة. والقتل هو الفعل المؤدي إلى خروج الروح، وهو فعل الجماعة، لا كل واحد، ولأنه صلى الله عليه وسلم جعل في الضبع كبشًا، ولم يفرق وهو قول عمر، وابنه وابن عباس، ولم يعرف لهم مخالف، بخلاف ما إذا اشتركوا في قتل آدمي. وإن أتلف بيض صيد ضمنه وفاقا، وكل ما يضمن في الإحرام يضمن في الحرم إلا القمل.

باب حكم صيد الحرم، وما يجب فيه، وحكم نباته وغير ذلك

باب حكم صيد الحرم (¬1) أي حرم مكة (¬2) (يحرم صيده على المحرم والحلال) إجماعا (¬3) . ¬

_ (¬1) أي وما يجب فيه، وحكم نباته، وحكم صيد حرم المدينة، ونباته، وما يتعلق بذلك والحرم قد يكون الحرام كزمن، وزمان، والحرم ما لا يحل انتهاكه ومكة حرم الله، والمدينة حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم. (¬2) دفع به توهم أن المراد حرم مكة والمدينة، ودائرة حرم مكة قد نصبت عليها أعلام، في جهاتها الأربع، فحده من طريق المدينة من جهة التنعيم ثلاثة أميال، عند بيوت السقيا، ويقال: بيوت نفار، وتسمى إضاءة بني غفار، دون التنعيم، تعرف بمساجد عائشة، ومن جهة اليمن سبعة، عند إضاءة لبن، ومن جهة العراق كذلك، على ثنية رجل، جبل بالمقطع، قطع منه حجارة الكعبة زمن ابن الزبير، ومن جهة الطائف وبطن نمرة كذلك، في شعب عبد الله بن خالد بن أسيد، ومن جهة جدة عشرة، عند منقطع الأعشاش، دون الشميسي وهو الحديبية وليست داخلة فيه، ومن جهة بطن عرنة، على طريق عرفة، أحد عشر ميلا وعلى تلك أنصاب مشهورة، ترى من بعد لارتفاعها، لم تزل معلومة نصبها الخليل عليه السلام، ثم قصي وقيل: ثم النبي صلى الله عليه وسلم ثم عمر، ثم عثمان، ثم معاوية، ثم عبد الملك، ثم الراضي للذي بالتنعيم، ثم المظفر بجهة عرفة، ثم صاحب اليمين، ثم العثماني. (¬3) حكاه غير واحد، وقال بعض الأصحاب وغيرهم: ويحرم على دال لا يتعلق به ضمان، وهو مذهب مالك والشافعي، والكرخي من الحنفية، وكذا يحرم أكله، وتقدم أن له أن يأكل من الميتة ما يدفع به ضرورته، ولا يأكل الصيد عند الجمهور.

صيد الحرم، وقطع شجره وحشيشه

لحديث ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة (¬1) : «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله، إلى يوم القيامة» (¬2) (وحكم صيده كصيد المحرم) فيه الجزاء (¬3) . ¬

_ (¬1) سنة ثمان من الهجرة، ومن خصوصيته أن يعاقب المريد للمعصية فيه، إذا كان عازما عليها، وإن لم يوقعها لقوله: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ومن يهم فيه بمعصية من المعاصي الكبائر، عالما، عامدا، قاصدا أنه ظلم ليس بمتناول قاله ابن عباس وغيره، وقال: هو أن تستحل من الحرم ما حرم عليك. (¬2) أي حكم تعالى بتحريمه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بتحريمه، والمراد البقعة لا يقاتل أهلها، ولا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتفظ لقطتها، إلا من عرفها، ولا يحدث فيها حدثا، إلى يوم القيامة، أي مستمر تحريمها إلى قيام الساعة، فقال العباس: إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: إلا الإذخر متفق عليه، فمكة وما حولها كانت حرما قبل الخليل عليه الصلاة والسلام، في قول أكثر أهل العلم، لهذا الخبر المتفق عليه، وما جاء أن الخليل حرم مكة، فالمراد أظهر تحريمها وبينه. (¬3) على المسلم المكلف وفاقا، كصيد الإحرام إن كان مثليا ضمنه بمثله وإلا بقيمته، والحرمتان تساوتا في المنع منه، سواء كان عمدا، أو خطأ إجماعا وكل ما يضمن في الإحرام، يضمن في الحرم، قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه وفي الفروع وغيره: وإن قتل المحل صيدا في الحرم، بسهم أو كلب أو قتله على غصن في الحرم، أصله في الحل ضمنه وفاقا، لأن الشارع لم يفرق بين من هو في الحل أوالحرم، ولأنه معصوم في الحرم كالملتجئ وعكسه بعكسه وفاقا، لأن الأصل الإباحة، وإن دخل سهمه أو كلب الحرم ثم خرج فقتله، لم يضمنه، وفاقا، ولو جرحه في الحل، فمات في الحرم حل ولم يضمنه.

حتى على الصغير والكافر (¬1) لكن بحريه لا جزاء فيه (¬2) ولا يملك ابتداء بغير إرث (¬3) ولا يلزم المحرم جزاءان (¬4) (ويحرم قطع شجره) أي شجر الحرم (¬5) (وحشيشه الأخضرين) (¬6) . ¬

_ (¬1) أي يحرم صيد الحرم، ويضمن حتى في حق الصغير، ويحرم ويضمن حتى في حق الكافر، والحرمة عامة، ولم ير أبو حنيفة ضمان الصغير والكافر، فـ حتى إشارة إلى خلافه، والحرمة قد تعلقت بمحله، بالنسبة إلى الجميع، فوجب ضمانه كمال الآدمي، بل هو آكد من المال، لأن حرمة الحرم مؤبدة، فلزمها الجزاء. (¬2) استدراك من قوله: وحكم صيده كصيد الحرم، قيد استبداد الحرم بتحريم صيد بحريه، بخلاف المحرم، لكن لا جزاء فيه، وتقدم. (¬3) أي لا يملك صيد الحرم ابتداء، ببيع أو هبة ونحوهما بغير إرث وفاقا، لدخوله في ملكه بالإرث، كما تقدم في المحرم. (¬4) أي جزاء من جهة الحرم، وجزاء من جهة الإحرام، لدخول أحدهما في الآخر لعموم الآية. (¬5) البري إجماعا. (¬6) لا اليابسين، من الشجر، أو الحشيش لخروجهما بموتهما من الاسم الداخل في النهي، وقال الجوهري وغيره: الحشيش ما يبس من الكلأ ولا يقال له رطب، حشيش، والهشيم كالحشيش والعشب الرطب، والكلأ والخلا، يطلق على الجميع.

اللذين لم يزرعهما آدمي (¬1) لحديث «ولا يعضد شجرها ولا يحش حشيشها» (¬2) وفي رواية «ولا يختلي شوكها» (¬3) ويجوز قطع اليابس، والثمرة (¬4) وما زرعه الآدمي (¬5) والكمأة والفقع (¬6) . ¬

_ (¬1) فأما ما زرعه آدمي من البقول، والزروع، والرياحين فيباح أخذه، لأن في تحريمه ضررا على من زرعه، وهو منتفٍ شرعا، ولا جزاء فيه. (¬2) ولقوله ولا يختلى خلاها قال أحمد: لا يحش الحرم، ويعم الأراك والورق، ويعضد بالبناء للمفعول، أي يقطع بالمعضد وهو آلة كالفأس. (¬3) أي لا يحصد يقال: اختليته إذا قطعته وذكر الشوك دال على أن منع قطع غيره من باب أولى، وفي رواية ولا يعضد شوكه، فيحرم ولو كان فيه ضرر كعوسج، اختاره وصححه غير واحد من الأصحاب. (¬4) وما انكسر ولم يبن كظفر منكسر. (¬5) كقطع بقل، ورياحين وزرع إجماعا، وشجر غرس من غير شجر الحرم فإنه يباح أخذه، والانتفاع به، لأنه أنبته آدمي كزرع، ومملوك الأصل، وعليه عمل المسلمين، واختار في المغنى وغيره أن ما أنبته الآدمي من جنس شجرهم لا يحرم، كجوز، ونخل قياسا على ما أنبتوه من الزرع. (¬6) لأنهما لا أصل لهما، فليسا بشجر، ولا حشيش، وقيل: ليستا نباتا، وإنما هما مودعتان، فيجوز أخذهما والكمأة نبت معروف، ينفض الأرض قال الطيبي أبيض من شحم، ينبت من الأرض، يقال له: شحم الأرض وفي الحديث «الكمأة من المن، والفقع ضرب من الكمأة» ، قال أبو عبيد: هي البيضاء الرخوة، والجبأة إلى الحمرة، وفي القاموس: الفقع من الكمأة.

وكذا الإذخر (¬1) كما أشار إليه بقوله: {إلا الإذخر} قال في القاموس: حشيش طيب الرائحة (¬2) لقوله عليه الصلاة والسلام «إلا الإذخر» (¬3) ويباح انتفاع بما زال، أو انكسر بغير فعل آدمي، ولو لم يبن (¬4) وتضمن شجرة صغيرة عرفا بشاة (¬5) وما فوقها ببقرة (¬6) . ¬

_ (¬1) أي يجوز أخذه لاستثناء الشارع له. (¬2) وذكره غير واحد، وهو بكسر الهمزة والخاء، الواحدة، إذخر نبت معروف عند أهل مكة، طيب الرائحة، له أصل مندفن، وقضبان دقاق، ينبت في السهل والحزن، كان يسقف به أهل مكة بيوتهم، من بين الخشب، ويسددون به الخلل، بين اللبنات في القبور. (¬3) وذلك لما قال صلى الله عليه وسلم «لا يختلي خلاها» قال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنه لقينهم، وبيوتهم، قال «إلا الإذخر» ، متفق عليه. (¬4) بفتح المثناة التحتية، وكسر الموحدة، أي ينفصل من خشب ونحوه، وحشيش ونحوه، قال الموفق، لا نعلم فيه خلافا، لأن الخبر في القطع، وفي الإنصاف وغيره: ولا يحرم عود وورق زالا من شجرة أو زالت هي بلا نزاع، ويباح رعي حشيش ونحوه، وفاقا للشافعي، واختاره وصححه غير واحد، لأن الهدي كانت تدخل الحرم فتكثر فيه، ولم ينقل سد أفواهها، فإباحة رعية كالمستفيض وللحاجة إليه أشبه قطع الإذخر، بخلاف الإحشاش لها منه فيحرم. (¬5) وهذا مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: بالقيمة. (¬6) وهو مذهب الشافعي، وإن قطع غصنا في الحل، وأصله في الحرم ضمنه بلا نزاع.

روي عن ابن عباس (¬1) ويفعل فيها كجزاء صيد (¬2) ويضمن حشيش وورق بقيمته (¬3) وغصن بما نقص (¬4) فإن استخلف شيء منها، سقط ضمانه (¬5) كرد شجرة فتنبت (¬6) لكن يضمن نقصها (¬7) . ¬

_ (¬1) وابن الزبير، قال ابن عباس: في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة، وقاله عطاء وغيره، وعمر أمر بقطع شجر كان بالمسجد، يضر بأهل الطواف، وفدى، والدوحة الشجرة العظيمة، والجزلة الصغيرة، فالمتوسطة بقدرها، وكالصيد يضمن بمقدر وجزم به وصححه غير واحد من الأصحاب. (¬2) أي يفعل في الشجرة الصغيرة أو الكبيرة كما يفعل في جزاء الصيد، بأن يذبح الشاة أو البقرة، ويفرقها أو يطلقها لمساكين الحرم، كما مر، أو يقوم الشاة أوالبقرة، ويفعل بتلك القيمة كما يفعل بقيمة جزاء الصيد، بأن يشتري بها طعاما يجزئ في فطرة، فيطعم كل مسكين مد بر، أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوما. (¬3) وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقال الموفق، لا أعلم فيه خلافا، لأن الأصل وجوب القيمة ترك فيما تقدم لقضاء الصحابة فبقي ما عداه على مقتضى الأصل. (¬4) يعني من الشجرة، كأعضاء الحيوان، ولأنه نقص بقلعه، فوجب فيه ما نقصه. (¬5) أي الشجر والحشيش ونحوه، نص عليه، كما لو قطع شعر آدمي ثم نبت،. (¬6) أي المردود لرجوعها كما هي، ويبقى الإثم، إن كان تعمد القطع للنهي عنه. (¬7) أي الشجرة المردودة، إذا نقصت بالرد، كشعر الآدمي.

كره إخراج تراب الحرم وحجارته

وكره إخراج تراب الحرم، وحجارته، إلى الحل (¬1) لاماء زمزم (¬2) ويحرم إخراج تراب المساجد، وطيبها للتبرك وغيره (¬3) (ويحرم صيد) حرم (المدينة) (¬4) لحديث علي «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا يصلح أن تقطع منها شجرة، إلا أن يعلف رجل بعيره» رواه أبو داود (¬5) . ¬

_ (¬1) المراد بالحرم هنا: غير المسجد، لتخصيص المسجد بالتحريم، كما هو ظاهر كلام جماعة واستظهره في الفروع وغيره، وقال ابن عباس وغيره: ولا يدخل من الحل، وقال أحمد: الخروج أشد، لكراهة ابن عمر، وابن عباس تعظيما لشأنه. (¬2) فلا يكره إخراجه، قال أحمد: أخرجه كعب، ولخبر عائشة أنها كانت تحمله، وتخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله، ورواه الترمذي، وقال: غريب حسن. (¬3) وهو بدعة ولا أصل له في السنة. (¬4) وهو مذهب مالك والشافعي، وكذا شجرها، وحشيشها والمدينة علم على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بالغلبة لا بالوضع، وتواتر اسمها بالمدينة من الدين، ولهما «طابة» ولمسلم «إن الله سمى المدينة طابة» ، وله إنها طيبة وإنها تنفي الخبث، سميت بذلك لأنها طهرت من الشرك، ولهما «تقولون يثرب، وهي المدينة» ، قال أبو عبيد: يثرب أرض والمدينة بين ناحيتيها. (¬5) زاد أحمد «ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها» ، وفي الصحيحين «لا يقطع شجرها» ، ولمسلم: «إني حرمت ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها. ولمسلم أيضاً «لا يختلى خلاها، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين» وفي الصحيح «المدينة حرم، ما بين عائر إلى كذا» وفي لفظ «من عير إلى كذا» ولمسلم «من عير إلى ثور» ولهما «ما بين لابتيها حرام» زاد مسلم: وجعل اثني عشر ميلاً حول المدينة حمى. ولهما «إن إبراهيم حرم مكة، ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة، كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت في صاعها ومدها، بمثلي ما دعا إبراهيم لأهل مكة " وفي تحريمها أخبار كثيرة

(ولا جزاءَ) فيما حرم من صيدها، وشجرها، وحشيشها. قال أَحمد في رواية بكر بن محمد: لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أحداً من أصحابه حكموا فيه بجزاء (¬1) (ويباح الحشيش) من حرم المدينة (للعلف) لما تقدم (¬2) ¬

_ (¬1) قال في الفروع: واختاره غير واحد، وفاقاً للأئمة الثلاثة، وأكثر العلماء، لأنه يجوز دخولها بغير إحرام، ولا تصلح لأداء النسك، وذبح الهدايا، وقال الشيخ: إذا دخل عليه صيد، لم يكن عليه إرساله، لخبر أنس «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» والنغير قيل: هو عصفور. وقيل: بلبل صغار العصافير كان يلعب به. متفق عليه، وفي الإنصاف: له إمساكه، لا أعلم فيه نزاعاً. ولأنه لا يلزم من الحرمة، الضمان. (¬2) أي في حديث علي ولفظه «إلا أن يعلف رجل بعيره» قال الشيخ: ويؤخذ من حشيشه ما يحتاج إليه للعلف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، رخص لأهل المدينة في هذا، لحاجتهم إلى ذلك، إذ ليس حولهم ما يستغنون به عنه. وعنه: يسلب من العادي، ويتصدق به على فقراء المدينة، وسلب سعد عبداً يقطع شجراً ويخبطه، وأبى أن يرده عليهم، رواه مسلم. و «العلف» بفتح اللام، ما تأكله البهائم، يقال: علف الدابة، وأعلفها.

حرم المدينة بريد في بريد وهو ما بين عير إلى ثور

(و) يباح اتخاذ (آلة الحرث ونحوه) كالمساند، وآلة الرحل، من شجر حرم المدينة (¬1) لما روى أَحمد، عن جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حرم المدينة، قالوا: يا رسول الله، إِنا أصحاب عمل، وأَصحاب نضح، وإِنا لا نستطيع أَرضاً غير أرضنا، فرخص لنا. فقال " القائمتان، والوسادة، والعارضة، والمسند، فأَمَّا غير ذلك فلا يعضد، ولا يخبط منها شيءٌ " (¬2) والمسند: عود البكرة. (¬3) ومن أدخلها صيداً فله إمساكه، وذبحه (¬4) (وحرمها) بريد في بريد (¬5) . ¬

_ (¬1) وآلته: هي ما يعمل من الخشب له، وهو ـ بالحاء المهملة ـ ما يجعل على البعير كالسرج، وهو أصغر من القتب. (¬2) لا يعضد. أي لا يقطع، عطف تفسير، والقائمتان فسرا بقائمة الرحل، التي تكون في مقدمه. ومؤخره: والوسادة؛ جمعها وسائد، وهي التي يكون محور البكرة عليها، والعارضة: التي يسقف بها المحمل، قال الشيخ: ولا يقطع شجره إلا لحاجة كآلة الركوب والحرث. (¬3) وعود البكرة: محورها الذي تجرى عليه، والبكرة المحالة. (¬4) نص عليه، لحديث «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» وهو طائر صغير، كان يلعب به، فدل على جواز الإمساك، لأن إمساكه يفضي إلى تلفه، بغير فائدة، فذبحه المفضي إلى جواز أكله أولى. (¬5) من جهاتها الأربع، والبريد: أربع فراسخ.

وهو (ما بين عير) جبل مشهور بها (¬1) (إلى ثور) جبل صغير، لونه إلى الحمرة، فيه تدوير، ليس بالمستطيل، خلف أحد من جهة الشمال (¬2) وما بين عير إلى ثور هو ما بين لابتيها (¬3) واللابة الحرة، وهي أرض تركبها حجارة سود (¬4) . ¬

_ (¬1) عند الميقات، في الجنوب الغربي منها، قال الشيخ وغيره: جبل عند الميقات يشبه العير، وهو الحمار. (¬2) قاله الشيخ وغيره: وقد أنكره غير واحد، منهم مصعب الزبيري، والحازمي، وجماعة، وقال عبد السلام بن مزروع البصري، صحبت طائفة من العرب، من بني هيثم، فمررنا بجبل خلف أحد، فقلت: ما يقال لهذا الجبل؟ قالوا: هذا جبل ثور، فقلت: ما تقولون؟ قالوا: هذا ثور، معروف من زمن آبائنا، وأجدادنا، وقال الحافظ، عن شيخه المراغي، نزيل المدينة: إن خلف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم، أن خلف أحد من جهة الشمال، جبل صغير، إلى الحمرة بتدوير، يسمى ثورًا، قال: وقد تحقق بالمشاهدة وقال المحب الطبري: علمنا أن ذكر ثور، في الحديث صحيح، وأن عدم علم أكابر العلماء به، لعدم شهرته، وعدم بحثهم عنه اهـ، وحتى جاء في رواية الحديث إلى كذا، إشارة إلى عدم علمهم به. (¬3) وهو حد لحرمها من جهة المشرق والمغرب، وما بين جبليها حد لحرمها من جهتي الجنوب والشمال، قال الشيخ: وحرم المدينة هو ما بين لابتيها. (¬4) وقاله الشيخ وغيره: وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حول المدينة اثنى عشر ميلاً حمى، رواه مسلم قال الشيخ: بعد ذكر حرم مكة، وأما المدينة فلها حرم عند الجمهور، كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس في الدنيا حرم لا بيت المقدس ولا غيره، إلا هذان الحرمان، ولا يسمى غيرهما حرمًا، كما يسمى الجهال فيقولون: حرم القدس، وحرم الخليل، فإن هذين وغيرهما ليس بحرم، باتفاق المسلمين، ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث، إلا في وج، وهو واد بالطائف، وهو عند بعضهم حرم، وعند الجمهور ليس بحرم، قال الوزير: اتفقوا أنه غير محرم الاصطياد، ولا القطع إلا الشافعي، فقال: يمنع من صيدها وقتله، ولم يثبت فيه شيء.

حكم المجاورة بمكة والمدينة

وتستحب المجاورة بمكة (¬1) وهي أفضل من المدينة (¬2) قال في الفنون: الكعبة أفضل من مجرد الحجرة، فأما والنبي صلى الله عليه وسلم فيها فلا والله (¬3) . ¬

_ (¬1) وهو مذهب مالك والشافعي، إذا قدر على إظهار دينه، ولو كان يرى المنكر بها، وقال مالك: إن كان يرى المنكر بها ظاهرًا وجبت الهجرة. (¬2) وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة وجماهير العلماء، وأحب البلاد إلى الله، وللترمذي وغيره وصححه «إنك لأحب البقاع إلى الله، وإنك لأحب البقاع إلي» ، ولأن العمل فيها أفضل، فقد تظاهرت الأخبار أن الصلاة بالمسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما سواه، وعنه المدينة وفاقا لمالك، لأنها مهاجر المسلمين، ولترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في المجاورة فيها، وأنه يشفع لمن مات بها، وقال في الإرشاد وغيره، الخلاف في المجاورة فقط، وجزموا بأفضلية الصلاة وغيرها في مكة، واختاره الشيخ، واستظهره في الفروع، وقال الشيخ، المجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه، أفضل حيث كان. (¬3) أي الحجرة أفضل، في رأيه رحمه الله، ويقسم على ذلك اجتهادًا منه، وليس كل مجتهد مصيبًا فإن الحق واحد.

ولا العرش وحملته، ولا الجنة (¬1) لأَن بالحجرة جسداً لو وزن به لرجح اهـ (¬2) . وتضاعف الحسنة والسيئة بمكان وزمان فاضل (¬3) . ¬

_ (¬1) أي الحجرة أفضل منها، ومفهومه: تفضيل الأرض على السماء. (¬2) أي كلام ابن عقيل، قال الشيخ: لم أعلم أحداً فضل التربة على الكعبة، غير القاضي عياض، ولم يسبقه أحد، ولا وافقه أحد اهـ. وحاشا أن يكون بيت المخلوق، أفضل من بيت الخالق جلا وعلا، وكذا عرشه، وملائكته وجنته، أما رسول الله صلى الهل عليه وسلم أفضل الخلق على الإطلاق، بإجماع المسلمين، والنسبة إلى المدينة: مدني. ومدينة المنصور، وهي بغداد: مديني. ومدائن كسرى: مدائني، ومدين مدْيَني. (¬3) ذكره القاضي، والشيخ، وغيرهما، فالحسنات بالكمية بالإجماع، والسيئات بالكيفية، واختاره الشيخ وغيره، وحمل كلام ابن عباس عليه، واستدل بقوله (فلا يجزى مثلها) أي: واحدة. وإن كانت عظيمة، «وتضاعف» أصلها: تتضاعف. حذفت التاء الأولى، أو الثانية.

باب ذكر دخول مكة، وصفة الطواف والسعي، وما يتعلق بذلك

باب ذكر دخول مكة وما يتعلق به من الطواف والسعي (¬1) (يسن) دخول مكة (من أعلاها) (¬2) . ¬

_ (¬1) أي وصفة الطواف، والسعي، وما يتعلق بذلك، "ومكة» علم على جميع البلدة، وهي البلدة المعروفة، المعظمة المحجوجة، غير مصوفة، سميت "مكة": لأنها كانت تمك من ظلم فيها، أي: تهلكه. وقيل: لقلة مائها، وقيل: لأنها تمك المخ من العظم، مأخوذ من قولهم: مك الفصيل ضرع أمه وأمكه. إذا شرب ما فيه من اللبن، وتسمى "بكة» من البك وهو الإزدحام، ودق الأعناق لأنها تدق أعناق الجبابرة، إذا ألحدوا فيها، "وأم القرى"، ولها أسماء أخر، ويستحب الغسل لدخول مكة وفاقاً. قال الشيخ: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يغتسل لدخول مكة، كما كان يبيت بذي طوى، وهو عند الآبار، التي يقال لها آبار الزاهر، فمن تيسر له المبيت بها والإغتسال، ودخول مكة نهاراً، وإلا فليس عليه شيء من ذلك. وقال الترمذي: الصحيح ما روى نافع عن ابن عمر، أنه صلى الله عليه وسلم، اغتسل لدخول مكة. وفي الإختيارات: ولا يستحب الغسل لدخول مكة، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، ولا لطواف الوداع، ولو قلنا باستحبابه لدخول مكة، كان نوع عبث للطواف، لا معنى له. (¬2) من ثنية كداء، بفتح الكاف والدال، ممدود، ومهموز، مصروف، وغير مصروف، طريق بين جبلين، يقال له «الحجون» المشرف على المقبرة، والدخول معه سنة، باتفاق أهل العلم، لما روى ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم، دخل من الثنية العليا. وعن عائشة نحوه، متفق عليهما، وظاهره الإطلاق ليلاً أو نهارًا، ورواه النسائي في عمرة الجعرانة، وفي الإنصاف: دخولها نهارا مستحب بلا نزاع.

والخروج من أسفلها (¬1) (و) يسن دخول (المسجد) الحرام (من باب بني شيبة) (¬2) لما روى مسلم وغيره، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة، ارتفاع الضحى، وأناخ راحلته، عند باب بني شيبة، ثم دخل (¬3) . ¬

_ (¬1) من كدى بضم الكاف، والتنوين المعروف الآن بباب الشبيكة، عند ذي طوى، بقرب شعب الشافعيين. (¬2) هو المعلم عليه بالكمر، يدخل معه بين المقام وزمزم، وهو باب السلام، والمسجد من قبل، هو المرصوف الآن بالرخام عليه صف من الأعمدة المصنوعة من نحاس محيطة به، فيها المصابيح، أهبط مما يليه بنحو درجة، وما سواه مزيد، وتقدم أن الزيادة لها حكم المزيد. (¬3) أي دخل المسجد من باب بني شيبة، المشهور اليوم، عليه عقد منصوب، علم عليه، فيسن دخول المسجد منه، باتفاق أهل العلم، وإن لم يكن على طريقه لهذا الخبر وغيره، أنه صلى الله عليه وسلم دخل منه، والدوران إليه لا يشق، ومن ثم لم يجر خلاف في سنيته، بخلاف التعريج على ثنية كدا، ولأنه جهة باب الكعبة، والبيوت تؤتى من أبوابها، ومن ثم كانت جهة باب الكعبة، أشرف جهاتها الأربع، وفيه الحجر الأسود، وصح أنه يمين الله في الأرض، ونسبة باب البيت إليه، كنسبة وجه الإنسان إليه، وأماثل الناس يقصدون من جهة وجوههم ومن قصد ملكًا، أم بابه وقبل يمينه. وقال الشيخ: إذا أتى مكة جاز أن يدخل مكة، والمسجد من جميع الجوانب، لكن الأفضل، أن يأتي من وجه الكعبة، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه دخلها من وجهها، من الناحية العليا، من ثنية كداء المشرفة على المقبرة، ودخل المسجد من الباب الأعظم، الذي يقال له باب بني شيبة، ثم ذهب إلى الحجر الأسود، فإن هذا أقرب الطرق إلى الحجر الأسود، لمن دخل من باب المعلاة. وفي الصحيحين عن عائشة: أول شيء بدأ به حين قدم مكة، أن توضأ ثم طاف بالبيت ثم أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان كذلك، ثم معاوية، وعبد الله بن عمر، ثم ابن الزبير ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ولأن مقصوده بسفره زيارة البيت وهو في المسجد الحرام فلا يشتغل بغيره.

ما يقوله عند دخول المسجد ورؤية البيت

ويسن أن يقول عند دخوله: بسم الله، وبالله ومن الله، وإلى الله (¬1) اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: افتح لي أبواب فضلك، ذكره في أسباب الهداية (¬2) (فإذا رأى البيت رفع يديه) (¬3) . ¬

_ (¬1) وورد في دخول المسجد ما تقدم، فمسجد الحرام أولى. (¬2) لابن الجوزي، وإن قال ما ورد في دخول المسجد بسم الله أعوذ بالله العظيم، إلى قوله: وافتح لي أبواب رحمتك، كان أولى. (¬3) وكبر جزم به في المقنع والخرقي والرزكشي وغيرهم، وفي مراسيل مكحول، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل مكة، فرأى البيت، رفع يديه وكبر، وقال: اللهم أنت السلام، إلى آخره ذكره البيهقي، والطبري، وابن القيم، وغيرهم، وهو مذهب الحنفية وبعض المالكية، والشافعية، وروي عن عمر وغيره، قال في المبدع: وهو قول الأكثر، قال الشيخ: ولم يكن قديمًا بمكة بناء يعلو البيت، فكان البيت يرى قبل دخول المسجد اهـ أو وصل نحو أعمى إلى محل يراه منه لو كان بصيرًا.

لفعله عليه السلام، رواه الشافعي عن ابن جريج (¬1) (وقال ما ورد) ومنه «اللهم أَنت السلام، ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام» (¬2) «اللهم زد هذا البيت تعظيماً، وتشريفاً، وتكريماً ومهابة، وبراً (¬3) وزد من عظمه وشرفه، ممن حجه واعتمره، تعظيماً وتشريفاً وتكريماً، ومهابة، وبراً» (¬4) . ¬

_ (¬1) وقد ذكر ابن جرير وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال «اللهم زد هذا البيت تشريفاً» إلخ، قال الشيخ: فمن رأى البيت، قبل دخول المسجد فعل ذلك، وقد استحب ذلك من استحبه عند رؤية البيت، ولو كان بعد دخول المسجد، في حال سيره إلى البيت. (¬2) لأن عمر كان يقول ذلك، رواه الشافعي، واستحباب الدعاء عند رؤية البيت لا نزاع فيه. «والسلام» اسم من أسماء الله تعالى، فهو سبحانه السالم من كل عيب ونقص، ومنه السلام تعالى لمن أكرمه بالسلامة، أي التحية، ورفع الدرجة، أو السلامة من الآفات «حينا ربنا بالسلام» أي: الأمْنِ مما جنيناه، والعفو عما اقترفناه، أو بالسلام من الآفات، وقيل: التحية. لتعلقه بها. (¬3) بكسر الموحدة، اسم جامع للخير، وأصله الطاعة، «وتشريفاً» أي رفعة، وعلواً، «وتعظيماً» أي تبجيلاً، «وتكريماً» أي تفضيلاً، «ومهابة» أي تقديراً وإجلالاً. (¬4) رواه الشافعي وغيره مرسلاً، ونحوه عند الطبراني، وسمعه سعيد ابن المسيب عن عمر، وفي بعض سياق الحديث، بدل «من عظمه» : من كرمه. وتقديم، «تكريماً» ، على «تعظيماً» ، ورواه البيهقي عن عمر بسند لين. قالوا: وحكمة تقديم التعظيم على التكريم، في البيت، وعكسه في قاصديه، أن المقصود بالذات في البيت: إظهار عظمته في النفوس، حتى تخضع لشرفه، وتقوم بحقوقه ثم كرامته بإكرام زائريه، بإعطائهم ما طلبوه، وإنجازهم ما أملوه، وفي زائريه، وجود كرامتهم عند الله، بإسباغ رضاه عليهم، وعفوه عما جنوه، واقترفوه، ثم عظمته بين أبناء جنسه، بظهور تقواه وهدايته، ويرشد إليه ختم دعاء البيت بالمهابة، الناشئة عن تلك العظمة، إذ هي: التوقير والإجلال. ودعاء الزائر بالبر الناشئ عن ذلك التكريم، إذ هو الإتساع في الإحسان.

«الحمد لله رب العالمين، كثيراً، كما هو أهله (¬1) وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله» (¬2) والحمدلله الذي بلغني بيته، ورآني لذلك أهلاً (¬3) والحمد لله على كل حال (¬4) اللهم إنك دعوت إِلى حج بيتك الحرام (¬5) وقدجئتك لذلك (¬6) . ¬

_ (¬1) أي أهل للحمد الكثير جل وعلا، فهو المحمود على كل حال، وفي كل حال، وله الحمد كله. (¬2) أي وكما ينبغي الحمد لكرم وجهه، وكما ينبغي الحمد لعز جلاله، وعظمته، وكبريائه، فالحمد لله حمداً كثيراً. (¬3) أي جعلني لتبليغ بيته أهلاً فالحمد لله على ذلك. (¬4) وفي كل حال، لا في حال دون حال، بل له الحمد كله، أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً. (¬5) أي المحرم، وسمي البيت «محرماً» لأن حرمته انتشرت، فلا يصاد عنده ولا حوله، ولا يختلى ما عنده من الحشيش، وأريد بتحريم البيت: سائر الحرم. (¬6) أي لحج بيتك الحرام، متوسلاً بمجيئي إليك.

حكم الإضطباع، وحكمته وتعريفه

«اللهم تقبل مني، واعف عني (¬1) وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت» (¬2) ويرفع بذلك صوته (¬3) (ثم يطوف مضطبعا) (¬4) في كل أسبوعه استحبابا (¬5) وإن لم يكن حامل معذور بردائه (¬6) . ¬

_ (¬1) أي: تقبل: مني ما عملته في مجيئي إليك، واعف عني ما قصرت فيه من حقك، والعفو المحو مع الستر، وتقدم. (¬2) ذكره الأثرم، وإبراهيم الحربي، وهو دعاء لائق بالمحل، وإن قال غيره فلا بأس، والشأن الأمر والحال، ثم ختمه بكلمة التوحيد، اعترافا له بالألوهية وحده، ويمكنه هذا الدعاء إذا دخل مع باب المسجد، أما إذا وصل البيت فقال الشيخ وغيره: لا يشتغل بدعاء. (¬3) جزم به في المحرر والوجيز وغيرهما، لأنه ذكر مشروع، فاستحب رفع الصوت به كالتلبية. (¬4) نصبا على الحال، والاضطباع سنة، باتفاق الأئمة، سواء كان معتمرا أو قارنا، أو مفردا، وهو هيئة تعين على إسراع المشي، ويكون في جميع طوافه، لما رواه أبوداود وغيره، طاف مضطبعا، وهو قول عمر، وكثير من العلماء، وقيل: حال رمله، والطواف من قولهم: طاف به، أي: ألم يقال: طاف يطوف طوافا، وطوفانا، وتطوف واستطاف كله بمعنى. (¬5) أي يضطبع في كل الأشواط السبعة، استحبابا، عند جمهور أهل العلم لفعله صلى الله عليه وسلم. (¬6) متعلق بمضطبعا، أي يضطبع بردائه، إن لم يكن حال طوافه حامل معذور، أي حامل شخص معذور، كان فوق عاتقه، كمريض وصغير، فلا يستحب في حق حامل المعذور اضطباع ولا رمل كما سيأتي.

يبتدئ المعتمر بطواف العمرة والقارن والمفرد بطواف القدوم

والاضطباع: أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر (¬1) وإذا فرغ من الطواف أزال الاضطباع (¬2) (يبتدئ المعتمر بطواف العمرة) (¬3) لأن الطواف تحية المسجد الحرام، فاستحبت البداءة به (¬4) . ¬

_ (¬1) فيكون الأيمن مكشوفًا، على هيئة أرباب الشجاعة، إظهارا للجلادة في ميدان تلك العبادة، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لما روى أبو داود وغيره، عن ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسر، قال الشيخ وغيره: فإن تركه فلا شيء عليه. (¬2) لأنه زمنه فقط، وليس بمستحب في الصلاة، ولا يسعى مضطبعا عند جماهير العلماء، لتركه عليه الصلاة والسلام للاضطباع حالة السعي بين الصفا والمروة، وكذا الخلفاء بعده. (¬3) لأن الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بفسخ نسكهم إليها، أمرهم أن يطوفوا للعمرة، بدليل أنه أمرهم بالحل، ولم يحتج إلى طواف قدوم. (¬4) أي بالطواف قبل تحية المسجد لمن طاف وإن لم يطف، كأن دخل في وقت منع الناس فيه من الطواف، أو كان عليه فائتة مكتوبة أو خاف فوت المكتوبة أو الوتر أو سنة راتبة، أو فوت الجماعة في المكتوبة، أو دخل المسجد غير مريد الطواف، لم يجلس حتى يصلي الركعتين، فإن الطواف تحية الكعبة، وتحية المسجد الصلاة، وتجزئ منها الركعتان بعد الطواف، ولا ينافي أن تحية المسجد الحرام: الطواف: لشرف الكعبة، وتحية الكعبة مقدمة على تحية المسجد، وبخلاف السلام على النبي صلى الله عليه وسلم لتقديم حق الله على حق الأنبياء.

مبدأ الطواف وكيفيته

ولفعله عليه السلام (¬1) (و) يطوف (القارن والمفرد للقدوم) (¬2) وهو الورود (¬3) (فيحاذي الحجر الأَسود بكله) أَي بكل بدنه (¬4) فيكون مبدأَ طوافه (¬5) . ¬

_ (¬1) كما في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أول شيء بدأ به، حين قدوم مكة، أنه توضأ، ثم طاف بالبيت؛ وعن عطاء: لما دخل مكة، لم يلو على شيء، ولم يعرج، ولا بلغنا أنه دخل بيتاً، ولا لها بشيء، حتى دخل المسجد، فبدأ بالبيت، فطاف به. (¬2) أي قدوم مكة، وهو إتيانها من سفره. (¬3) أي الدخول إليها، فيطوف للقدوم، لفعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، الذين كانوا كذلك، واتفق الأئمة على أنه سنة من سنن الحج، وشدد فيه مالك، ويأتي. (¬4) بأن يقف مقابل الحجر، حتى يكون مبصراً لضلعي البيت، الذي عن أيمن الحجر وأيسره، احترازاً من أن يقف في ضلع الباب، وإذا حاذى الحجر الأسود بجميع بدنه أجزأ، قولاً واحداً، قال الشيخ: فيبتدئ من الحجر الأسود، يستقبله استقبالاً، وذكر أنه هو السنة، وقال: وليس عليه أن يذهب إلى ما بين الركنين، ولا يمشي عرضاً، ثم ينتقل للطواف، بل ولا يستحب ذلك، وفي الخلاف: لا يجوز أن يبتدئه غير مستقبل له، ومن قال: يستقبل البيت، بحيث يصير الحجر عن يمينه. فهو خلاف السنة، وما عليه الأئمة، فلا يكون داخلاً في الخروج من الخلاف، فإنه عليه الصلاة والسلام لم يتقدم عنه إلى جهة الركن اليماني، ولو فعله لنقل، وابتداء الطواف مما بين الركنين مخالف للإجماع. (¬5) أي فيكون الحجر مبدأ طوافه إجماعاً، فإن بدأ من اليماني لم يعتد بما بينهما، وإن بدأ من دون الحجر الأسود، لم يعتد بذلك الشواط.

لأَنه عليه السلام كان يبتدئُ به (¬1) (ويستلمه) أَي يمسح الحجر بيده اليمنى (¬2) . وفي الحديث «إنه نزل من الجنة، أَشد بياضاً من اللبن، فسودته خطايا بني آدم» رواه الترمذي وصححه (¬3) . (ويقبله) (¬4) لما روى عمر أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل الحجر، ووضع شفتيه عليه، يبكي طويلاً، ثم التفت، فإِذا بعمر بن الخطاب يبكي، فقال «يا عمر ههنا تسكب العبرات» رواه ابن ماجه (¬5) . ¬

_ (¬1) أي بالحجر اٍلأسود، لما ثبت أنه بدأ به، فاستلمه، وقال الشيخ: هو السنة. (¬2) قاله الشيخ وغيره، «واستلم» افتعل، من السلام وهو التحية، وأهل اليمن يسمون الحجر الأسود «المحيا» لأن الناس يحيونه بالسلام، وقيل: افتعل. من المسالمة، كأنه فعل ما يفعل المسالم، واستلامه سنة بالإتفاق، لحديث جابر وغيره: فاستلم الحجر، ثم مضى عن يمينه. قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، وفي الخبر «والله ليبعثنه الله يوم القيامة، له عينان يبصر بها، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق» . (¬3) وله عن عبد الله بن عمرو، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن الركن والمقام ياقوتتان، من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما، لأضاء لهما ما بين المشرق والمغرب» و «بياضاً» منصوب على الحال. (¬4) إن أمكن، بلا صوت يظهر للقبلة، ولا يؤذي أحداً بالمزاحمة عليه، قاله الشيخ وغيره. (¬5) فدل الحديث على سنية تقبيله، وثبت من غير وجه أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبله، وكان عمر يقبل الحجر، ويقول: إني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك، رواه الجماعة وإنما قاله عمر، لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي أن يظن الجاهل أن تقبيل الحجر من ذلك، فبين أنه لا يقصد به إلا تعظيم الله عز وجل، وفي الصحيحين عن ابن عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، يستحبون تقبيل الحجر. فإن لم يمكنه ولم يصل إليه استلمه بيده وإن لم يصل إليه استقبله إذا

إستلام الحجر سنة، وترك الإيذاء واجب

نقل الأثرم: ويسجد عليه (¬1) وفعله ابن عمر وابن عباس (¬2) (فإن شق) استلامه، وتقبيله لم يزاحم، واستلمه بيده، و (قبل يده) (¬3) . ¬

_ (¬1) () أي نقل الأثرم صاحب الإمام أحمد، عن الإمام أحمد رحمه الله، أنه كان يقبله، ويسجد عليه، وعمر سجد عليه، وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل هكذا. (¬2) أي السجود عليه، وقال ابن عباس: رأيت عمر، وإنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابن المنذر، والحاكم وصححه وللحاكم وصححه، ويضع جبهته عليه، وتقبيله والسجود عليه، مذهب الجمهور، وانفرد مالك ببدعة السجود عليه، واعترف القاضي بشذوذه عنهم. (¬3) لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر «إنك رجل قوي، فلا تزاحم على الحجر، فتؤذي الضعيف، وإن وجدت خلوة فاستلم» رواه أحمد، ولأن الاستلام سنة، وترك الإيذاء واجب، فالإتيان بالواجب أولى، وتقبيل اليد بعد الاستلام مذهب الجمهور والأئمة، إلا في أحد قولي مالك، ويلاحظ جلالة البقعة، ويتلطف بمن يزاحم، ويعذره، ويرحمه، لأن الرحمة ما نزعت إلا من شقي.

لا يستحب للنساء تقبيل، ولا استلام، إلا عند خلو المطاف

لما روى مسلم عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم استلمه وقبل يده (¬1) (فإن شق) استلمه بشيء وقبله (¬2) روي عن ابن عباس (¬3) فإن شق (اللمس أشار إليه) أي إلى الحجر، بيده أو بشيء ولا يقبله (¬4) لما روى البخاري عن ابن عباس، قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير كلما أتى الحجر أشار إليه بشيء في يده وكبر (¬5) . ¬

_ (¬1) لملامسته بها الحجر، فدل على استحباب تقبيل اليد المستلم بها، اقتداء به صلى الله عليه وسلم وفي الصحيحين قال نافع: رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده، ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، وورد في فضل تقبيله واستلامه أحاديث كثيرة، منها: أنه يحط الخطايا، ويكتب له الطواف كذا وكذا، وكعدل رقبة، وغير ذلك، وخص الحجر بالتقبيل لما ثبت في فضله، وأنه من الجنة. (¬2) أي الشيء المستلم به الحجر، وهذا على الترتيب فإن أمكنه تقبيل الحجر قبله، وإلا استلمه بيده وقبلها، وإلا استلمه بشيء، وقبل ذلك الشيء. (¬3) أي أنه كان يستلمه بشيء، ويقبل ذلك الشيء، وأجود من ذلك ما في صحيح مسلم، أنه صلى الله عليه وسلم يستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن، فدل على سنية ذلك، ولا يستحب للنساء تقبيل، ولا استلام، وإلا عند خلو المطاف ليلا أو نهارا. (¬4) أي ولا يقبل ما أشار به إليه، وقال الشيخ وغيره، لأن التقبيل إنما جاء للماس للحجر. (¬5) أي ولم يقبله، فالسنة ترك تقبيل ما أشار به إليه، اقتداء به صلى الله عليه وسلم وفي لفظ: كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر، فإذا لم يتمكن من التقبيل، أو اللمس، أشار إليه كلما أتى عليه، ولأن أشواط الطواف كركعات الصلاة، والاستلام أو الإشارة والتكبير كالتكبير في الصلاة، فيفتتح به كل شوط، كما يفتتح كل ركعة بالتكبير.

ما يقوله عند استلام الحجر، والحكمة في جعل البيت عن يساره

(ويقول) مستقبل الحجر بوجهه كلما استلمه (ما ورد) (¬1) ومنه: بسم الله والله أكبر (¬2) اللهم إيمانا بك (¬3) وتصديقا بكتابك (¬4) ووفاء بعهدك (¬5) . ¬

_ (¬1) أي من الأدعية اللائقة بالمقام، وسواء قبله أو أشار إليه، ويكون مستقبلا له حال الاستلام أو الإشارة إليه، قال الشيخ: استقباله بوجهه، هو السنة، ولأحمد من حديث عمر، إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلل وكبر. (¬2) قطع به الأكثر، وقاله الشيخ وغيره، وقال بعضهم يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، لحديث ابن عباس، وحديث عمر وإلا فاستقبله وهلل وكبر، وبسم الله، أي أطوف والله أكبر، أي من كل شيء، ولا يرفع يديه، كما يكبر للصلاة، كما يفعله من لا علم عنده، بل هو البدع، جزم به ابن القيم وغيره. (¬3) أي: أؤمن أو أطوف إيمانا بك، أي لأجل إيماني أنك حق، فعلت ذلك. (¬4) حيث قال تعالى: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} . (¬5) في قوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} فأجابوا وفاء لذلك العهد، وأصل الوفاء في اللغة التمام، يقال: وفى بالعهد وأوفى ووفَّى، وعن علي لما أخذ الله الميثاق، كتب كتابا فألقمه الحجر، فهو يشهد للمؤمن بالوفاء، وعلى الكافر بالجحود، ذكره أبو الفرج وغيره.

يطوف سبعا، يرمل الأفقي ثلاثة أشواط

واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم (¬1) لحديث عبد الله بن السائب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك عند استلامه (¬2) (ويجعل البيت عن يساره) (¬3) لأنه عليه السلام طاف كذلك، وقال: «خذوا عني مناسككم» (¬4) ويطوف سبعا (¬5) . ¬

_ (¬1) حيث أمر بذلك، وفعله صلوات الله وسلامه عليه. (¬2) أي الحجر الأسود، وللعقيلي نحوه، من حديث ابن عمر، والبيهقي وغيره، عن علي، وهو قول أكثر الفقهاء، قال الشيخ: وإن شاء قال: اللهم إيمانا بك إلخ. (¬3) إجماعًا، فيقرب جانبه الأيسر إليه، وقاله الشيخ وغيره. (¬4) أي: وحجوا كما رأيتموني أحج فيستلزم وجوب كل فعل فعله في حجه، إلا ما خصه دليل، ففي حديث جابر، أنه مشى على يمينه، فيجب أن يجعل البيت عن يساره، ويأخذ على يمينه بلا نزاع. قال الشيخ: لكون الحركة الدورية تعتمد فيها اليمنى على اليسرى، فلما كان الإكرام في ذلك للخارج، جعل لليمنى، وأول ركن يمر به يسمى الشامي، وهو جهة الشام، ثم يليه الركن الغربي، وهو جهة الغرب، ثم اليماني جهة اليمن، وهو آخر ما يمر عليه من الأركان. (¬5) قال في المطالع: بفتح السين أي سبع مرات، ويجوز ضمها، ويجوز سبوع وأسبوع، وجمعه: أسابيع اهـ، والمعروف سبعا بضم السين، والتاء محذوفة يريد الطوفات، وقال الوزير: اتفقوا على أن طواف القدوم سنة لمن قدم إلى مكة، وشدد فيه مالك، وقال: يعيده إذا رجع، وقال: اتفقوا على أنه سنة على أهل مكة، وعلى من أهل منها، إلا أبا حنيفة فقال: لا يسن لهم.

يرمل الأفقي أي المحرم من بعيد من مكة (في هذا الطواف) فقط (¬1) إن طاف ماشيا، فيسرع المشي، ويقارب الخطا (¬2) (ثلاثا) أي في ثلاثة أشواط (¬3) (ثم) بعد أن يرمل الثلاثة أشواط (¬4) . ¬

_ (¬1) أي طواف القدوم، مع الاضطباع دون غيره من الأطوفة، وقال الشيخ: ويستحب أن يرمل من الحجر إلى الحجر، في الأطواف الثلاثة، وقال الوزير وغيره: هو سنة باتفاق الأئمة، وقال في المبدع: لا نعلم خلافا في سنيته لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف سبعا، رمل ثلاثة أطواف، ومشي أربعا، ورواه جابر وابن عباس وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم وهذا كان لسبب زال، وبقي المسبب، ويرمل من الحجر، إلى الحجر، قول الأكثر اهـ ويرمل بضم الميم مضارع، ورمل، بفتحها، قال الجوهري: الرمل بالتحريك، الهرولة قال ابن القيم: يسرع مشيه، ويقارب خطاه، وقال الشيخ: الرمل مثل الهرولة وهو مسارعة المشي مع تقارب الخطا. (¬2) بلا نزاع ولا يثب وثبا، لأن ذلك ليس بمشي، فإذا فعله لم يكن آتيا بالرمل المشروع، ومفهومه، لا يكره طوافه راكبا بلا عذر، قال النووي: وهو قول الجمهور، لكنه خلاف الأولى، وفي المبدع: يجزئ مع العذر، بغير خلاف، لخبر ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم طاف على بعير، ولحديث أم سلمة، ولغير عذر يجزئ في رواية لأن الله أمرنا بالطواف مطلقا، والثانية: لا لتشبيهه بالصلاة، وعلم منه، أن الطواف راجلاً أفضل بغير خلاف. (¬3) جمع شوط، وهو جري مرة إلى الغاية، والمراد به هنا: الطوفة الواحدة حول الكعبة من الحجر إلى الحجر للأخبار. (¬4) الأولى بالتعريف قال أبو البقاء: أجمعوا أنه لا يجوز إضافة ما فيه الألف واللام إلى النكرة.

الرمل سببه إغاظة المشركين ثم صار سنة

(يمشي أربعًا) من غير رمل (¬1) لفعله عليه السلام (¬2) ولا يسن رمل لحامل معذور ونساء (¬3) . ¬

_ (¬1) أي يمشي أربع طوفات بلا رمل، لأن هيئاتها السكينة فلا تغير، قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلا الإبقاء عليهم متفق عليه. (¬2) في طواف القدوم، وليس في شيء من الأحاديث أنه طافه راكبا، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر وابن عباس أنه رمل من الحجر إلى الحجر في حجة الوداع، أي ابتدأ من الحجر الأسود، وأسرع حتى وصل إليه، وعن جابر، ثم مشى على يمينه، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، رواه مسلم، قال الترمذي وغيره: والعمل عليه عند أهل العلم، فإن قيل: رمل صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه لإظهار الجلد للمشركين، ولم يبق ذلك المعنى، إذ نفى الله المشركين، فلم أبقيتم الحكم بعد زوال علته؟ قيل: قد رمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حجة الوداع بعد الفتح، فثبت أنها سنة ثابتة. وقال ابن عباس: رمل في عمره كلها، وفي حجه، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، والخلفاء بعده، رواه أحمد وغيره، وفي الصحيحين عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد، وهنتهم حمى يثرب، فأمر أصحابه أن يرملوا الثلاثة الأول، وكان هذا أصل الرمل، وسببه إغاظة المشركين، وكان في عمرة القضية ثم صار سنة، ففعله في حجة الوداع، مع زوال سببه، كالسعي والرمي، ولعل فعله باعث لتذكر سببه. (¬3) أي: غير حامل شخص معذور، كمريض وصغير، فلا يسن في حق الحامل الطائف اضطباع، ولا رمل، ولا يسن لنساء، حكاه ابن المنذر إجماعا، لأنه إنما شرع لإظهار الجلد، وهو معدوم في حقهن.

الركن اليماني لا يقبل، ولا يشار إليه

ومحرم من مكة أو قربها (¬1) ولا يقضي الرمل إن فات في الثلاثة الأول (¬2) والرمل أولى من الدنو من البيت (¬3) ولا يسن رمل ولا اضطباع في غير هذا الطواف (¬4) ويسن أن (يستلم الحجر والركن اليماني) في (كل مرة) عند محاذاتهما (¬5) . ¬

_ (¬1) لعدم وجود المعنى الذي لأجله شرع، وهو إظهار الجلد والقوة لأهل البلد. (¬2) لأنه هيئة فات محلها، ولا قياس يقتضيه، وإن تركه في شيء من الثلاثة، أتى به فيما بقي منها، قال الشيخ: وإن تركه فلا شيء عليه. (¬3) لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بذات العبادة، أهم من فضيلة تتعلق بمكانها، قال الشيخ: فإن لم يمكن الرمل للزحمة، كان خروجه إلى حاشية المطاف والرمل، أفضل من قربه إلى البيت بدون الرمل، وأما إذا أمكن القرب من البيت، مع إكمال السنة فهو أولى، وإن حصل التزاحم في الأثناء فعل ما قدر عليه قال: ويجوز أن يطوف من وراء قبة زمزم، وما وراءها من السقائف، المتصلة بحيطان المسجد. (¬4) أي طواف القدوم، وهو طواف العمرة للمعتمر، والقدوم للقارن والمفرد، لأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما فعلوا ذلك في الطواف الأول. (¬5) بلا نزاع إن تيسر له استلام الحجر، وأما اليماني فعلى الصحيح، ويقبل يده عند استلامه الحجر، لما تقدم، دون اليماني، والاستلام، المسح، كما تقدم وعبارة الخرقي وغيره: ويقبل الحجر، فإن شق استلمه بيده وقبل يده، أو استلمه بشيء وقبله، كما تقدم، وهذا إجماع، وأما استلام اليماني فاتفقوا أنه مسنون إلا أبا حنيفة، فقال: ليس بسنة، وأما تقبيله فقال شيخ الإسلام: لا يقبل، وفي البدائع: لا خلاف أن تقبيله ليس بسنة، وجمهور أهل العلم، أنه لا يقبل، ولم يفعله صلى الله عليه وسلم كما قبل الحجر الأسود، فعلم أن ترك تقبيله هو السنة.

لقول ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني، والحجر في طوافه، قال نافع: وكان ابن عمر يفعله، رواه أبو داود (¬1) فإن شق استلامهما أشار إليهما (¬2) لا الشامي، وهو أول ركن يمر به (¬3) . ¬

_ (¬1) ولمسلم عنه: ما تركت استلام هذين الركنين، منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما وعنه مرفوعا «إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطا» ، وقال: سمعته يقول: «إن مسحهما كفارة للخطايا» ، ولأنهما بنيا على قواعد إبراهيم، فسن استلامهما وللطبراني بسند جيد: أنه كان إذا استلم الركن اليماني، قال: بسم الله، والله أكبر، وكلما أتى على الحجر الأسود قال: الله أكبر. (¬2) أما الإشارة إلى الحجر الأسود إن شق عليه التقبيل، أو الاستلام بيده أو شيء فهو إجماع، وأما اليماني فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يشير إليه، ولو فعله لنقل، كما نقل الإشارة إلى الحجر الأسود، فالسنة ترك ما تركه صلى الله عليه وسلم كما أن السنة فعل ما فعله صلى الله عليه وسلم. وما أحدثه بعض الموسوسة حين يستلم يرجع وراءه القهقري فيؤذي من خلفه، ويتأذى هو بدفعه فبدعة ومن أراد الخروج من العهدة وقف في محله واستلمه ورجع على حال طوافه، من غير عود إلى خلفه. وما يفعله بعض الظلمة، يدفعون الناس، ولا يراعون الأول فالأول، ضرره كبير لا سيما عند الحجر، فربما استقبل البيت في سيره، أو استدبره فخرج عن حكم التيامن في الطواف المجمع عليه. (¬3) فلا يستلمه ولا يقبله ولا يشير إليه إجماعًا.

ما يدعو به فيما بين الركنين وفي بقية طوافه وما يستلم ويقبل

ولا الغربي، وهو ما يليه (¬1) ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود {رَبَّنَا آَتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (¬2) . ¬

_ (¬1) أي يلي الشامي فلا يستلمه، ولا يقبله، ولا يشير إليه، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يستلمهما، ولم يقبلهما، ولم يشر إليهما، بل ذلك بدعة، باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، وفي الصحيحين لم أره يمس من الأركان إلا اليمايين، وقال الشيخ: لا يستلم من الأركان إلا الركنين اليمايين دون الشاميين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما استلم اليمايين خاصة، لأنهما على قواعد إبراهيم، والآخران هما في داخل البيت، قاله النبي صلى الله عليه وسلم. فالركن الأول يستلم ويقبل، واليماني يستلم ولا يقبل، والآخران لا يستلمان ولا يقبلان، وأما سائر جوانب البيت، ومقام إبراهيم وسائر ما في الأرض من المساجد وحيطانها ومقابر الأنبياء والصالحين كحجرة نبينا صلى الله عليه وسلم ومغارة إبراهيم، ومقام نبينا صلى الله عليه وسلم الذي كان يصلي فيه، وغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين، وصخرة بيت المقدس، فلا تستلم ولا تقبل باتفاق الأئمة، وذكر نحو ذلك ابن الملقن وغيره، وزاد، وإن التقبيل والاستلام تعظيم والتعظيم خاص بالله، ولا يجوز إلا فيما أذن فيه، قال الشيخ: وأما الطواف بذلك، فهو من أعظم البدع المحرمة، ومن اتخذه دينا، يستتاب فإن تاب وإلا قتل. (¬2) لما رواه عبد الله بن السائب، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك، وقال شيخ الإسلام: كان صلى الله عليه وسلم يختم طوافه بذلك، كما كان يختم سائر دعائه بذلك اهـ. ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم في الطواف غيره، وإن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية، في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا إلخ فحسن رواه أحمد عن أبي هريرة مرفوعا، «إن الله وكل بالركن اليماني سبعين ألف ملك، فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية، في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، قالوا: آمين» ، والدنيا من الدنو، أي: القرب، سميت بذلك لقربها من الأخرى، وقيل: لدنوها.

وفي بقية طوافه: اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا (¬1) رب اغفر وارحم، واهدني السبيل الأقوم (¬2) وتجاوز عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم (¬3) . ¬

_ (¬1) أي اجعل حجي حجا مبرورا، أي: خالصا لا يخالطه مأثم، وقيل: متقبلا، وأصله من البر وهو اسم جامع لكل خير، واجعل سعيي سعيا مشكورا وعملا متقبلا يزكو ثوابه، ومساعي الرجل: أعماله الصالحة، واحدتها مسعاة واجعل ذنبي ذنبا مغفورا، والغفر العفو مع الستر: وذكره بعضهم حال الرمل. (¬2) فيه تلويح لسلوك سبيل من سعى قبل، فكان سنة لمن بعده كالرمل. (¬3) لأنه لائق بالمحل، فاستحب ذكره، كسائر الأدعية اللائقة بمحالها، وإن قال قبل ذلك: اللهم إن هذا البيت بيتك، يعني الكامل الواصل لغاية الكمال اللائق به من بين البيوت هو بيتك هذا لا غيره، والحرم حرمك أي الحرم الواصل إلى غاية الكمال اللائق به، هو حرمك وهذا مقام العائذ بك من النار يعني الخليل عليه السلام اللهم أعذني من النار، أي أجرني من عذاب النار، «ومن الشيطان الرجيم، أن يضرني، ومن أهوال يوم القيامة التي تذهل فيه المرضعة عما أرضعت واكفني مؤنة الدنيا والآخرة، رب قني شح نفسي» ولابن ماجه عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من طاف بالبيت سبعا، ولم يتكلم إلا بـ سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، محي عنه عشر سيئات، وكتب له عشر حسنات، ورفع له عشر درجات» . وقال الشيخ: ويستحب له في الطواف أن يذكر الله، ويدعوه بما شرع، وليس فيه ذكر محدود قد استحبه صلى الله عليه وسلم لا بأمره ولا بقوله، ولا بتعليمه بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية، وما يذكره كثير من الناس، من دعاء معين تحت الميزاب، ونحو ذلك، فلا أصل له، وليس في ذلك ذكر واجب، باتفاق الأئمة، وقال ابن القيم، لم يدع عند الباب بدعاء معين، ولا تحت الميزاب، ولا عند ظهر الكعبة، وأركانها، ولا وقت للطواف ذكرًا معينا لا بفعله ولا بتعليمه.

القراءة والكلام في الطواف

وتسن القراءة فيه (¬1) . ¬

_ (¬1) أي في الطواف لأنها أفضل الذكر، قال الشيخ: ولا يجهر بها، وقال أيضا: وإن قرأ القرآن سرا، فلا بأس به، وقال في موضع: جنس القراءة أفضل من الطواف اهـ والدعاء والذكر هو المتوارث عن السلف، فكان أولى، ومأثور الدعاء أفضل من القراءة، لأنها لم تحفظ عنه صلى الله عليه وسلم فيه وحفظ في غيرها، فدل على أنه ليس محلها بطريق الأصالة، وفي المبدع: وظاهره أنه لا يقرأ وهو رواية لتغليطه المصلين، والمذهب لا يقرأ اهـ والقراءة أفضل من دعاء غير مأثور. ويستحب ترك الكلام، وكل عمل ينافي الخشوع، كالالتفات والتخصر وينبغي صون النظر عن كل ما يشغله، ويتأكد عما لا يحل كالنساء، والمرد، بشهوة فينزه طوافه عن كل ما لا يرتضيه الشرع، من القول والفعل، ولا يحتقر من فيه رثاثة أو جهل بالمناسك، أو غير ذلك، ولا ينبغي السلام على من يكون مشغولا بذكر، فكيف به حال الطواف؟ لاعتذار ابن عمر ممن يسلم عليه، لاستغراقه في حضوره، وقال الترمذي: أكثر أهل العلم يستحبون أن لا يتكلم في الطواف، إلا لحاجة، أو بذكر الله، أو من العلم.

إكمال الطواف مع الموالاة والنية

(ومن ترك شيئًا من الطواف) ولو يسيرًا من شوط من السبعة لم يصح (¬1) لأنه صلى الله عليه وسلم طاف كاملاً، وقال: «خذوا عني مناسككم» (¬2) (أو لم ينوه) أي ينوي الطواف، لم يصح (¬3) لأنه عبادة، أشبه الصلاة (¬4) . ¬

_ (¬1) لأنه لم يأت بالعدد المعتبر، المستفاد من فعله صلى الله عليه وسلم، وإن أحدث في بعض طوافه، أو قطعه بفصل طويل عرفًا، ابتدأه، وإن كان يسيرا بنى لأنه يتسامح بمثله، لما في الاتصال من المشقة فعفي عنه، فلو أقيمت الصلاة، أو حضرت جنازة، صلى في قول أكثر أهل العلم، وروي عن ابن عمر وغيره، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم، وبنى على طوافه، قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا خالف فيه، إلا الحسن فإنه قال: يستأنف والأول أصح لأنه فعل مشروع، فلم يقطعه كاليسير، قال غير واحد: والموالاة سنة، لأن الحسن غشي عليه، فلما أفاق أتم، وعن أحمد: ليس بشرط مع العذر. (¬2) أي أحكام حكم، وافعلوا كما أفعل، فيجب أن يطوف كاملا، اقتداء به صلى الله عليه وسلم وإن شك في عدد الطواف، بنى على اليقين، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك، لأنها عبادة، فمتى شك فيها وهو فيها، بنى على اليقين كالصلاة، فإن أخبره ثقة عن عدد طوافه قبل قوله، وإن شك في عدده بعد الفراغ منه، لم يلتفت إليه. (¬3) أي لم ينو الطواف نية حقيقية ولا حكمية، كقصده ملازمة غريم، أو هضم طعام ونحوه، وإن نوى الطواف، ثم عرض ذلك له، لم يضره إلا أنه ينقص ثوابه. (¬4) قال الشيخ: لا ريب أنه يشبه الصلاة من بعض الوجوه، ولأنه لا عمل إلا بنية إجماعًا.

ولحديث: «إنما الأعمال بالنيات» (¬1) (أو) لم ينو (نسكه) أن أحرم مطلقا، وطاف قبل أن يصرف إحرامه لنسك معين، لم يصح طوافه (¬2) (أو طاف على الشاذروان) بفتح الذال، وهو ما فضل عن جدار الكعبة (¬3) لم يصح طوافه لأنه من البيت (¬4) فإذا لم يطف به، لم يطف بالبيت جميعه (¬5) . ¬

_ (¬1) «وإنما لكل امرئ ما نوى» ، وفي لفظ «لا عمل إلا بنية» ، فالنية: هي الأساس في العبادة، ولأنه عبادة محضة تتعلق بالبيت، فاشترطت له النية كالصلاة وذهب أبو حنيفة وجمهور الشافعية إلى أنه لا يفتقر شيء من أفعال الحج مطلقا إلى نية، لأن نية الحج تشملها كلها، كما أن نية الصلاة تشمل جميع أفعالها، ولأنه لو وقف بعرفة ناسيًا أجزأه بالإجماع. (¬2) لعدم التعيين، وقال الموفق: أو منكسا، بكسر الكاف وتفتح أي جعل البيت على يمينه، لم يصح نسكه إجماعا. (¬3) وهو المرتفع عن وجه الأرض، قدر ثلثي ذراع، كان ظاهرا في جوانب البيت، كالذي عند الملتزم، وبالحجر، ثم صفح باجتهاد من المحب الطبري في تسنيمه. (¬4) أي الشاذروان، زعموا أنه ترك من نفس البيت، وإنما جعل حمى له وعمادًا، وقال الشيخ: ليس من البيت، بل جعل عمادًا للبيت، فيصح الطواف عليه. (¬5) أي إذا لم يطف بالشاذروان، بل دار عليه، لم يكن طاف بالبيت جميعه، بناء على أنه من البيت، وقال الشيخ: لو وضع يده على الشاذروان، الذي يربط فيه أستار الكعبة، لم يضره ذلك، في أصح قولي العلماء.

طوافه على جدار الحجر اللباس والظهارة مع التحقيق في طواف الحائض وشرط الطهارة

(أو) طاف على (جدار الحجر) بكسر الحاء المهملة (¬1) لم يصح طوافه (¬2) لأنه صلى الله عليه وسلم طاف من وراء الحجر والشاذروان وقال «خذوا عني مناسككم» (¬3) (أو) طاف وهو (عريان أو نجس) أو محدث (لم يصح) طوافه (¬4) . ¬

_ (¬1) سمي بالحجر، لتحجيره بالجدار، ليطاف من ورائه، وإن كان بعضه ليس من البيت، ويسمى الحطيم، كما يأتي لأنه محطوم من البيت، والأشهر أن الحطيم ما بين الحجر الأسود والمقام. (¬2) لتركه جزءا من البيت، المجمع على الطواف على جميعه، فمتى ترك شيئا منه، لم يكن طاف به جميعه. (¬3) لا نزاع أنه طاف من وراء الحجر، وقال لعائشة لما أرادت دخول البيت «عليك بالحجر، فإنه من البيت» فيجب أن يطوف من وراء الحجر إجماعًا، لأنه من أصل البيت الذي بناه الخليل إبراهيم عليه السلام، ومن لم يطف به لم يعتد بطوافه عند الجمهور، لفعله صلى الله عليه وسلم وإطباق المسلمين عليه، وشذ أبو حنيفة وقال: إن خرج أراق دما وإلا أعاده. (¬4) قال الوزير: اتفقوا أن من شرائطه الطهارة، وستر العورة، إلا أبا حنيفة، فقال: سنة، إلا أنه يجب بتركهما دم، وعنه يجزئه، لأن الطواف عبادة، لا يشترط فيها الاستقبال، فلم يشترط فيها ذلك، كالسعي قاله في المبدع، ويجبره بدم، وظاهره صحته من حائض بدم، وهو ظاهر كلام جماعة، واختاره الشيخ وقال: ما يعجز عنه من واجبات الطواف، مثل من كان به نجاسة لا يمكنه إزالتها كالمستحاضة، ومن به سلس البول، فإنه يطوف ولا شيء عليه، باتفاق الأئمة. وقال: وكذلك لو لم يمكنه الطواف إلا عريانا، وكذلك المرأة الحائض، إذا لم يمكنها طواف الفرض إلا حائضًا، بحيث لا يمكن التأخر بمكة، في أحد قولي العلماء الذين يوجبون الطهارة على الطائف، ومن المعلوم أن الشريعة لا تأتي بسوى هذا، فتطوف بالبيت والحالة، هذه، وتكون هذه ضرورة، مقتضية لدخول المسجد مع الحيض، والطواف معه، وليس في هذا ما يخالف قواعد الشريعة، بل يوافقها، إذ غايته سقوط الواجب، أو الشرط بالعجز عنه، ولا واجب في الشريعة مع العجز، ولا حرام مع ضرورة، وتتلجم، كما أبيح للمستحاضة دخول المسجد للطواف، إذا تلجمت اتفاقا لأجل الحاجة، وحاجة هذه أولى فلا يمتنع الإذن لها في دخول المسجد، لهذه الحاجة التي تلتحق بالضرورة هذا إذا قيل: إنها ممنوعة من المسجد، وأما أن عبادة الطواف لا تصح مع الحيض كالصلاة فغايته، أن تكون الطهارة شرطًا من شروط الطواف، فإذا عجزت عنه سقط، كما لو انقطع دمها، وتعذر عليها الاغتسال، والتيمم، فإنها تطوف على حسب حالها، كما تصلي بغير طهور لقوله: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وهذه قد اتقت الله ما استطاعت فليس عليها غيره، بالنص وقواعد الشريعة، والأشبه: لا يجب عليها دم، لأن الطهارة واجب يؤمر به مع القدرة، لا مع العجز، وأحمد يقول: لا دم عليها، كما صرح به فيمن طاف جنبا وهو ناسٍ. وقال ابن القيم: بل تفعل ما تقدر عليه من مناسك الحج، ويسقط عنها ما تعجز عنه من الشروط والواجبات، ومن المعلوم أن الشريعة لا تأتي بسوى هذا. وذكر أنه لم يدل على اشتراط الطهارة للطواف نص ولا إجماع، وإذا لم يمكنها إلا على غير طهارة، فليس عليها غيره، بالنص، وقواعد الشريعة. وقال: لم تفرط ولم تترك ما أمرت به، فإنها لم تؤمر بما لا تقدر عليه، وقد لا يمكنها السفر مرة ثانية، فإذا قيل: تبقى محرمة إلى أن تموت، فهذا لا يكون مثله في دين الإسلام، فتطوف وتكون هذه ضرورة مقتضية لدخول المسجد مع الحيض، والطواف معه.

........................................................

صلاة الركعتين بعد الطواف خلف المقام

لقوله عليه السلام «الطواف بالبيت صلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه» رواه الترمذي والأثرم عن ابن عباس (¬1) ويسن فعل باقي المناسك كلها على طهارة (¬2) وإن طاف المحرم لابس مخيط صح وفدى (¬3) (ثم) إذا تم طوافه (يصلي ركعتين) نفلا (¬4) . ¬

_ (¬1) قال النووي وغيره: رفعه ضعيف، والصحيح أنه موقوف، وقال الشيخ: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن هو ثابت عن ابن عباس، وقد روي مرفوعا، ولا ريب أنه يشبه الصلاة من بعض الوجوه، ليس المراد أنه نوع من الصلاة، التي يشترط لها الطهارة، وهذا كقوله: «إن العبد في الصلاة، ما دامت الصلاة تحبسه» «وما دام ينتظر الصلاة» «وإذا أتى المسجد، فلا يشبك بين أصابعه، فإنه في صلاة» ونحو ذلك. وقال: والطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير، ولهذا يؤمر الطائف أن يكون متطهرا الطهارة الصغرى والكبرى، مستور العورة، مجتنبا النجاسة التي يجتنبها المصلي، وفي وجوب الطهارة في الطواف نزاع بين العلماء، فإنه لم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالطهارة للطواف، ولا نهى المحدث أن يطوف ويمتنع أن يكون واجبا ولا يبينه للأمة، وتأخير البيان عن وقته ممتنع، إلا أنه طاف طاهرا، وثبت عنه أنه نهى الحائض عن الطواف ويأتي. (¬2) لأنها أكمل وكذا سائر الأوقات، ينبغي أن يكون فيها على طهارة، وتقدم. (¬3) أي حال كونه لابس مخيط، وتقدم. (¬4) قال الشيخ: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفاق السلف والأئمة، وحكي وجوبها عن أبي حنيفة، وفي المبدع: وعنه وجوبها، وهي أظهر، وحكاه الوزير عن مالك، ورواية عن الشافعي، واتفقوا على مشروعيتهما ولما أتى صلى إلى المقام قرأ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} بيانا منه لتفسير القرآن، ومراد الله منه، بفعله صلى الله عليه وسلم ويصح السعي قبل صلاة الركعتين، باتفاق الأئمة، وفي أسباب الهداية، يأتي الملتزم قبل الركعتين.

يقرأ فيهما بـ «الكافرون» ، و «الإخلاص» بعد «الفاتحة» (¬1) وتجزئ مكتوبة عنهما (¬2) وحيث ركعهما جاز (¬3) والأفضل كونهما (خلف المقام) لقوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (¬4) . ¬

_ (¬1) أي سورة الإخلاص، وبـ «الكافرون» على الحكاية، لما رواه مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قرأ فيهما {قل هو الله أحد} و {قل يا أيها الكافرون} وتقدم أن مشروعية قراءتهما لما اشتملتا عليه من التوحيد، واستحباب قراءتهما مجمع عليه، وإن قرأ غيرهما جاز. (¬2) كركعتي الإحرام، وعند أبي حنيفة ومالك والشافعي، لا تجزئ كما لا تجزئ المنذورة وعنه: أنه يصليهما بعد المكتوبة قال أبو بكر: وهو أقيس، كركعتي الفجر. (¬3) أي وفي أي مكان صلاهما جاز، ولو خارج المسجد، قال غير واحد: أجمع أهل العلم على أن الطائف، تجزئه ركعتا الطواف حيث شاء، وصلاهما عمر وغيره خارج الحرم، وفي المنتهى، والمبدع وغيرهما، وله جمع أسابيع بركعتين لكل أسبوع، وعليه، فلا تعتبر الموالاة بين الطواف وركعتيه، كما لا يكره الفصل بين الفرض وراتبته، بخلاف سجدة التلاوة ونحوها، فإنه يكره لأنه يؤدي إلى فواته. (¬4) أي لصلاة الطواف، على وجه الاستحباب، عند جمهور المفسرين والفقهاء المعتبرين قال البغوي وغيره: وهو الحجرالذي يصلي إليه الأئمة اهـ وهو حجر تقدم أنه نزل من الجنة، قام عليه الخليل، لبناء البيت، وكان إسماعيل يناوله الحجارة، وكان كلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية التي تليها، وهكذا حتى تم جدار الكعبة، وأثر قدمي الخليل فيه، قال أنس: رأيت فيه أصابعه، وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم، ثم صفح بالفضة، وكان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ملتصقا بالبيت، يمنة الداخل، ثم أخره عمر وأقره المسلمون، وهو نحو شبر ونصف طولا وعرضا، وضع عليه قبة من خشب، ثم من حديد، وعليه قبة عالية من خشب، قائم على أربعة أعمدة دقيقة من حجارة، بينها شبابيك من حديد، نصبت في القرن التاسع، فيصلي خلفه، لفعله صلى الله عليه وسلم متفق عليه، وما حوله مما يطلق عليه اسم المقام عرفا، ثم ما قرب من البيت خصوصا ما قرب من الملتزم والباب، ثم الحجر ثم ما قرب من سائر جوانب البيت، ويجوز في غير ذلك، لأن عمر ركعهما بذي طوى، رواه البخاري، ولا يشرع تقبيله ولا مسحه إجماعًا، ولا سائر المقامات وتقدم. قال الشيخ وغيره: ولو صلى المصلي في المسجد والناس يطوفون أمامه لم يكره، سواء مر أمامه رجل أو امرأة، وهذا من خصائص مكة اهـ، ولا خلاف أنه يأتي الملتزم إن شاء، متضرعا كما سيأتي في موضعه، ويشرب من ماء زمزم، ويتضلع منه، وحاصل كلامه أنه يشترط لصحة الطواف عشرة أشياء، النية وستر العورة والطهارة من الحدث، والخبث وتكميل السبع، وجعل البيت عن يساره، وأن لا يمشي على شيء منه، ولا يخرج من المسجد، وأن يوالي بينه، وأن يبتدئ من الحجر الأسود فيحاذيه وكذا في الإنصاف وغيره، وزاد عثمان وغيره: إسلام وعقل، والمشي مع القدرة، وفي الرعاية وغيرها، وله شرب الماء فيه، وجوز بعضهم الأكل، وله الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وسننه عشر، استلام الحجر، وتقبيله أو ما يقوم مقامه، واستلام الركن اليماني، واضطباع ورمل في مواضعه، ودعاء، وذكر ودنو من البيت، وركعتا الطواف، ولو ترك شيئا من ذلك صح بالاتفاق، وكان تاركًا للسنة.

صفة المقام وحاصل كلام الشارح في شروط الطواف وسننه

.............................................................

فصل في السعي بين الصفا والمروة، والتحلل من العمرة

فصل (¬1) (ثم) بعد الصلاة يعود و (يستلم الحجر) (¬2) لفعله عليه السلام (¬3) ويسن الإكثار من الطواف كل وقت (¬4) . ¬

_ (¬1) في السعي بين الصفا والمروة، والتحلل من العمرة، وما يتعلق بذلك، قال الشيخ: ولو أخر ذلك إلى ما بعد طواف الإفاضة جاز، فإن الحج فيه ثلاثة أطوفة، طواف عند الدخول، وهو يسمى طواف القدوم، والدخول والورود، والطواف الثاني هو بعد التعريف، ويقال له طواف الإفاضة، والزيارة وهو طواف الفرض الذي لا بد منه كما قال تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} والطواف الثالث هو لمن أراد الخروج من مكة وهو طواف الوداع، وإذا سعى عقب واحد منها أجزأه اهـ ولو لم يكن السعي متوقفا على تقدم الطواف عليه لما أخرته عائشة رضي الله عنها. (¬2) قال الشيخ وغيره: هو سنة إجماعا. (¬3) رواه مسلم وغيره، من حديث جابر وغيره، صلى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت ثم أتى الحجر بعد الركعتين، واستلمه، ثم خرج إلى الصفا، ورواه أحمد، وأهل السنن وغيرهم، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، فكل طواف بعده سعي، يسن أن يعود إلى الحجر فيستلمه إن أمكن لأن الطواف لما كان يفتتح بالاستلام، فكذا السعي، بخلاف ما إذا لم يكن بعده سعي. (¬4) ليلاً ونهارًا، كلما بدا له، لأنه يشبه الصلاة، والصلاة خير موضوع، وطواف التطوع للغرباء أفضل من صلاة التطوع اتفاقا، لأنهم لا يمكنهم الطواف في بلدانهم، فكان الاشتغال به أولى، قال ابن عباس: من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وقال ابن عمر: من طاف بهذا البيت أسبوعا فأحصاه كان كعتق رقبة، وقال: لا يضع قدمًا، ولا يرفع أخرى إلا حط الله بها عنه خطيئة وكتب له بها حسنة. قال الشيخ: والإكثار من الطواف من الأعمال الصالحة، فهو أفضل من أن يخرج الرجل من الحرم ويأتي بعمرة مكية، فإن هذا لم يكن من أعمال السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، ولا رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم أمته، بل كرهه السلف اهـ حتى قال أحمد: النظر إلى البيت عبادة، قال شيخنا: وأما في الصلاة فمأمور بنظره إلى موضع سجوده.

صفة السعي، وما ورد فيه وسبب مشروعيته

(ويخرج إلى الصفا من بابه) أي باب الصفا ليسعى (¬1) (فيرقاه) أي الصفا (¬2) (حتى يرى البيت) فيستقبله (¬3) . ¬

_ (¬1) أي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ويخرج إليه من أي باب شاء، لأن المقصود يحصل به، وإنما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من باب بني مخزوم وهو الذي يسمى باب الصفا، لأنه أقرب الأبواب إليه، فكان اتفاقا لا قصدا. (¬2) أي يصعد عليه استحبابًا بلا نزاع، لفعله صلى الله عليه وسلم ورواه مسلم وغيره، وهو بالقصر الحجارة الصلبة واحدتها صفاة كحصاة والمراد به هنا: المكان المعروف عند المسجد، في طرف المسعى الجنوبي أسفل جبل أبي قبيس ورقي يرقى، صعد، بكسر القاف في الماضي، وفتحها في المضارع، وحكي فتحها وكسرها مع الهمز، قال الشيخ: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرقى على الصفا والمروة، وهما في جانبي جبلي مكة، واليوم قد بني فوقهما دكتان، فمن وصل إلى أسفل البناء أجزأه السعي، وإن لم يصعد فوق البناء، وذكر الأزرقي وغيره أنه اثنتا عشرة درجة، وقال ابن بطوطة: وللصفا أربع عشرة درجة علياهن كأنه مصطب ومن تأمل علو الوادي اليوم، تيقن كثرة المدفون من درج الصفا. (¬3) ولو لم يره، وليس بواجب، لأنه لو ترك صعوده فلا شيء عليه إجماعًا.

(ويكبر ثلاثا (¬1) ويقول ما ورد) ثلاثا (¬2) ومنه «الحمد لله على ما هدانا (¬3) لا إله إلا الله وحده لا شريك له (¬4) له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير (¬5) وهو على كل شيء قدير (¬6) لا إله إلاالله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (¬7) . ¬

_ (¬1) لما رواه مسلم وغيره، وفي لفظ «فوحد الله وكبره» ، فيستحب توحيد الله وتكبيره، وتهليله. (¬2) أي يكرر ما ورد من الأدعية على الصفا والمروة ثلاث مرات، لفعله صلى الله عليه وسلم. (¬3) أن بلغنا مشاعر الحج. (¬4) في ربوبيته ولا في إلهيته، ولا في أسمائه وصفاته. (¬5) يحيي إلى آخره رواه النسائي وغيره، بسند صحيح. (¬6) ولابن عمر من رواية إسماعيل، عن أيوب عن نافع: «لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون» . (¬7) زاد مسلم، «أنجز وعده» إلخ وأنه قاله ثلاث مرات، فيسن الدعاء بما دعابه صلى الله عليه وسلم ولا نزاع في ذلك، لثبوته عنه صلى الله عليه وسلم وصدق الله وعده، يعني في إظهار الدين، «ونصر عبده» يعني محمدًا على أعدائه، والأحزاب الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء، والإشارة بالأحزاب هنا إلى الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق، وهم قريش، وغطفان، ويهود قريظة والنضير وغيرهم. وقال أحمد: يدعو بدعاء ابن عمر، وهو «اللهم اعصمني بدينك، وطواعيتك وطواعية رسولك، اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك، ويحب ملائكتك، وأنبياءك ورسلك، وأولياءك وعبادك الصالحين، اللهم يسرني لليسرى، وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واجعلني من أئمة المتقين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين اللهم قلت (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم إذ هديتنا للإسلام فلا تنزعه مني، ولا تنزعني منه، حتى توفاني وأنا على الإسلام، اللهم لا تقدمني للعذاب، ولا تؤخرني لسوء الفتن» .

ويدعو بما أحب، ولا يلبى (¬1) (ثم ينزل) من الصفا (ماشيا إلي) أن يبقى بينه وبين (العلم الأول) وهو الميل الأخضر في ركن المسجد، نحو ستة أذرع (¬2) . ¬

_ (¬1) لعدم فعله عليه الصلاة والسلام ولمسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله، ويدعو بما شاء، ولأنه موضع ترجى فيه الإجابة. (¬2) قول الماتن قاله جماعة وقدم غير واحد أنه يمشي حتى يأتي العلم، وما صرفه إليه الشارح، وهو أنه يمشي إلى أن يصير بينه وبينه ستة أذرع قاله آخرون، واختاروه واستظهره في الفروع، وصححه في التصحيح، وخرج بقوله: ماشيًا الراكب، وحامل المعذور، والمرأة، والصحيح من المذهب أن السعي راكبًا، كالطواف راكبًا، فإنه صح عنه أنه صلى الله عليه وسلم سعى ماشيًا، فلما كثروا عليه أتمه راكبًا، وقطع الموفق، والشارح، وغيرهما بجواز السعي راكبًا، لعذر وغيره، لأن المعنى الذي منع من أجله الطواف راكبًا غير موجود فيه، وقال أحمد: لا بأس به على الدواب لضرورة.

(ثم يسعى) ماشيًا سعيًا (شديدا إلى) العلم (الآخر) (¬1) وهو الميل الأخضر بفناء المسجد، حذاء دار العباس (¬2) . ¬

_ (¬1) فإنه صلى الله عليه وسلم نزل من الصفا يمشى، فلما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا جاوز الوادي وأصعد مشي، وعليه الجماهير واستظهره في الفروع، وصححه في التصحيح، وسبب مشروعية السعي والله أعلم أن إبراهيم لما ترك هاجر وإسماعيل هناك، عطش فصعدت الصفا تنظر: هل بالموضع ماء؟ فلم تر شيئا فنزلت فسعت في بطن الوادي، حتى خرجت منه إلى جهة المروة، لأنها توارت بالوادي عن ولدها، فسعت شفقة عليه، فجعل ذلك نسكًا، إظهارًا لشرفها، وتفخيمًا لأمرها. وعن ابن عباس: إنما سعى بين الصفا والمروة ليرى المشركين جلده وقوته، صححه الترمذي: وقال: وهو الذي يستحبه أهل العلم، وإن سعى ومشى رأوه جائزا، وله عن ابن عمر، لئن سعيت لقد رأيته يسعى، ولئن مشيت لقد رأيته يمشي، وأنا شيخ كبير، أي يشق عليه السعي، والسعي الشديد مشروط بأن لا يؤذي. (¬2) أي ركن المسجد، وإنما عبر به في الأول، وهنا بالفناء تفننا ودار العباس رباط معروف، منسوب إليه، والعلم في الأصل العلامة، والعلمان هنا هما ما عرفهما به، وفي مجمع البحرين، شيئان منحوتان من نفس جدار الحرم، علامتان لموضع السعي، وقال المطرزي وغيره: الميلان علامتان بموضع الهرولة في ممر بطن الوادي. وقال ابن القيم وغيره: بطن الوادي هو ما بينهما لم يتغير، واستمر عمل المسلمين عليه، خلفًا عن سلف اهـ والسعي بينهما وإن لم يكن اليوم هو بطن الوادي باعتبار ما كان سابقًا، فإن ما بينهما كان منخفضًا، وطرفا المسعي من جهة الصفا والمروة مرتفعان.

(ثم يمشي ويرقى المروة (¬1) ويقول ما قاله على الصفا (¬2) ثم ينزل) من المروة (فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه، إلى الصفا (¬3) يفعل ذلك) أي ما ذكر من المشي والسعي (سبعًا (¬4) ذهابه سعية، ورجوعه سعية) (¬5) . ¬

_ (¬1) وهي الحجارة البيضاء، البراقة أو الرخوة جمعها مروات، وجمع الكثير مرو، سمي بها المكان الذي في طرف المسعى الشمالي، واتفقوا على أن العقد الكبير المشرف، الذي بوجهها، هو حدها، علامة على أولها، وقال المحب الطبري وغيره: المروة في وجهها عقد كبير مشرف، قد تواتر كونه حدا، بنقل الخلف عن السلف، وكذا في مسالك الأبصار، وذكر الأزرقي وغيره أن على المروة خمس عشرة درجة، كحلت بالنورة في خلافة المأمون، وذلك قبل أن يعلو الوادي، ويتغطى أكثر الدرج، وعمارة العقد من جهة الملك الظاهر، سنة 880 هـ ضمن عمارة المنصور (¬2) من التكبير، والتهليل، والدعاء مستقبلا القبلة، لما رواه مسلم وغيره، أنه صلى الله عليه وسلم فعل على المروة ما فعله على الصفا، فيسن اتفاقًا. (¬3) كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يمشي إلى بطن الوادي، ثم يسعى فيه، وهو ما بين العلمين، ثم يمشي إلى المروة، قال الشيخ: وإن لم يسع في بطن الوادي بل مشى على هيئته، جميع ما بين الصفا والمروة، أجزأه باتفاق العلماء، ولا شيء عليه. (¬4) لأن رواة نسك النبي صلى الله عليه وسلم اتفقوا على أنه صلى الله عليه وسلم طاف بينهما سبعة أشواط. (¬5) باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، قال الوزير وغيره: اتفق الأئمة أنه يستحب بالذهاب سعية، وبالرجوع سعية، وغلطوا الطحاوي وغيره مما قال الذهاب والرجوع شوط، وقال ابن القيم: لم ينقله أحد، ولا قاله أحد من الذين اشتهرت أقوالهم، فلا خلاف أنه بدأ بالصفا، وختم بالمروة.

يفتتح بالصفا، ويختم بالمروة (¬1) ويجب استيعاب ما بينهما في كل مرة (¬2) فيلصق عقبه بأصلهما إن لم يرقهما (¬3) فإن ترك مما بينهما شيئًا ولو دون ذراع، لم يصح سعيه (¬4) (فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول) فلا يحتسبه (¬5) . ¬

_ (¬1) أي يفتتح سعيه بالصفا لقوله صلى الله عليه وسلم «ابدءوا بما بدأ الله به» وهو قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} فبدأ تعالى بالصفا، ولا يبدأ إلا بالأهم، وعن ابن عباس أنه قرأ الآية: وقال: نبدأ بالصفا، اتبعوا القرآن، فما بدأ به القرآن فابدءوا به، ويختم بالمروة، لقول جابر: فلما كان آخر طوافه يعني عند المروة قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، ولجعلتها عمرة» . (¬2) فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم رقى الصفا والمروة. (¬3) أي أصل الصفا والمروة، بأول الدرج، والراكب يفعل ذلك بدابته. (¬4) لتركه جزءا من المسعى الذي يجب استيعابه بالسعي. (¬5) لمخالفة فعل النبي صلى الله عليه وسلم المستفيض عنه، ولأمره صلى الله عليه وسلم بالبداءة بالصفا، كما رواه النسائي وغيره، أنه قال: «ابدءوا بما بدأ الله به» وعن جابر «نبدأ بما بدأ الله به» فبدأ بالصفا، وقرأ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} بيانا لمراد الله، وتقريرا وصححه الترمذي، وقال: والعمل على هذا عند أهل العلم، أنه يبدأ بالصفا قبل المروة، فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لم يجزئه، وبدأ بالصفا.

تشترط النية للسعي والموالاة، وتسن الطهارة والستارة.

ويكثر من الدعاء والذكر في سعيه (¬1) قال أبو عبد الله: كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: «رب اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم» (¬2) ويشترط له النية وموالاة (¬3) وكونه بعد طواف نسك ولو مسنونًا (¬4) (وتسن فيه الطهارة) من الحدث، والنجس (¬5) (والستارة) أي ستر العورة (¬6) . ¬

_ (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم «إنما جعل السعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله تعالى» . (¬2) وروي أنه كان يقوله بين الميلين، وأبو عبد الله هو الإمام أحمد رحمه الله. (¬3) أي بين أشواطه، اختاره الأكثر، فإن فصل يسيرًا أو أقيمت مكتوبة أو حضرت جنازة صلى وبنى وأما النية فالجمهور أنها شرط، لأنه عبادة قطعًا، فاعتبرت له، صححه غير واحد، وصوبه في تصحيح الفروع والإنصاف. (¬4) كطواف القدوم، لأنه يصدق عليه أنه مسنون، وطواف نسك وتقدم، ولأنه الوارد عنه صلى الله عليه وسلم وحكي فيه الإجماع، لخبر عائشة وغيره، فلا يجوز بدونه، ولا بعد طوف نفل، وإن سعى قبل أن يطوف لم يجزئه السعي إجماعًا. (¬5) كبقية المناسك، في قول أكثر أهل العلم، وفي الإنصاف: سنة بلا نزاع لأنه أكمل، ولا تجب لأنه عبادة لا تتعلق بالبيت، بل كالوقوف بعرفة، فاستحب له الطهارة ولم تجب فيه. (¬6) لأنه إذا لم تشترط له الطهارة مع آكديتها فغيرها أولى.

المعتمر لا يتحلل إلا بالطواف والسعي، والحلق أو التقصير.

فلو سعى محدثًا، أو نجسًا، أو عريانًا أجزأه (¬1) (و) تسن (الموالاة) بينه وبين الطواف (¬2) والمرأة لا ترقى الصفا ولا المروة (¬3) ولا تسعى سعيا شديدا (¬4) وتسن مبادرة معتمر بذلك (¬5) (ثم إن كان متمتعا لا هدي معه قصر من شعره) (¬6) . ¬

_ (¬1) لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالطهارة فيه، وليس بصلاة، فيشترط له ما يشترط لها، من طهارة وستارة ونحو ذلك. (¬2) في ظاهر كلام أحمد، قال في المبدع: وهو الأصح، ورجحه الموفق وغيره، لأنه لا تعلق له بالبيت، فلم تشترط، فلو فصل بينهما بطواف أو غيره، أو طاف أول النهار، وسعى آخره أجزأه. (¬3) لئلا تزاحم الرجال، وهو أستر، وقال ابن عمر: لا تصعد المرأة فوق الصفا والمروة، ولا ترفع صوتها بالتلبية رواه الدارقطني. (¬4) وفاقا وحكى ابن المنذر الإجماع على أنها لا ترمل، لأنه يقصد لها التستر وقال ابن عمر: ليس على النساء رمل بالبيت، ولا بين الصفا والمروة فالمطلوب منها التستر، وفي هذا، وفي الصعود على الصفا والمروة تعرض للانكشاف والقصد بشدة السعي إظهار الجلد، وليس ذلك مطلوبا في حقها. (¬5) أي بالطواف والسعي، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يلو على شيء، ولا دخل بيتًا، ولا اشتغل بشيء، بل بدأ بالبيت فطاف به، ثم خرج إلى الصفا والمروة، فسعى بينهما كما مر. (¬6) إن كان له شعر، والمعتمر لا يتحلل إلا بالطواف والسعي، والتقصير أو الحلق، والقص هو الأخذ من الشعر بمقص أو غيره، وهو هنا أفضل من الحلق، لأمره صلى الله عليه وسلم به في حديث جابر وغيره.

ولو لبده (¬1) ولا يحلقه ندبًا ليوفره للحج (¬2) (وتحلل) لأنه تمت عمرته (¬3) . ¬

_ (¬1) أي يقصر من مجموع شعره، لا من جميعه، ولو كان لبده، لقوله «ولبدت رأسي» والتلبيد هو: جعل نحو خطمي وصمغ في شعر رأسه، لينضم الشعر، ويلتصق بعضه ببعض، احترازًا عن تمعطه وتقميله. (¬2) ولأنه أكمل، ولقوله صلى الله عليه وسلم وليقصر وليحلل، فلم يأمره بالحلق ليبقى له شعر يحلقه في الحج، فإن الحلق في تحلل الحج، أفضل منه في تحلل العمرة، وقوله: «ويحلقوا، أو يقصروا» إن كان بحيث يطلع شعره، فإن الأولى له الحلق، وإلا فالتقصير، ليقع له الحلق، قال الشيخ: ويستحب له أن يقصر من شعره، ليدع الحلاق للحج، وكذلك أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم اهـ ولا يحلق بعضه في أحدهما، وباقيه في الآخر، لأنه من القزع المنهي عنه. (¬3) وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في غير ما حديث لما طافوا بالبيت، وسعوا بين الصفا والمروة، أن يحلوا، إلا من كان معه هدي، فيبقى على إحرامه حتى يتم حجه، وقاله الشيخ وغيره: ونزل عليه القضاء بين الصفا والمروة أن يأمرهم بالإحلال، ولما توقفوا من جعلها متعة قال: انظروا ما أمركم به فافعلوه. قال الشيخ وغيره: وهو مذهب أهل الحديث، وإمامهم أحمد بن حنبل، وأهل الظاهر، لبضعة عشر حديثًا صحيحًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها «من تطوف بالبيت، وسعى ولم يكن معه هدي حل» ومنها أنهم لما راجعوه قال: «انظروا ما آمركم به فافعلوه» فردوا عليه فغضب، وأقسم طائفة من أصحابه أنه ما نسخ، ولا صح حرف واحد يعارضه، وأنهم لم يخصوا به، بل أجرى الله على لسان سراقة أن يسأله، فقال: «بل للأبد» وفي لفظ «بل لأبد الأبد» . وتواتر عن حبر الأمة عبد الله بن عباس أنه قال: ما طاف بالبيت حاج، ولا غير حاج، إلا حل، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم لما تم سعيه أمر من لا هدي معه أن يحل حتما، ولا بد قارنا كان أو مفردًا، وأمرهم أن يحلوا الحل كله، من رداء وطيب وغيرهما، وأن يبقوا إلى يوم التروية. وقال رجل لابن عباس: ما هذه الفتيا؟ فقال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن رغمتم، قال ابن القيم: صدق ابن عباس، كل من طاف بالبيت وسعى، ممن لا هدي معه، من مفرد أو قارن، أو متمتع فقد حل إما وجوبا، وإما حكما، هذه هي السنة التي لا راد لها، ولا مدفع، وقال أحمد لسلمة: عندي أحد عشر حديثا صحاحًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتركها لقولك؟ ويقال أيضا: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قصد مخالفة المشركين، تعين مشروعيته إما وجوبا، وإما استحبابًا، وإذا حل حل له ما حرم عليه بالإحرام.

من طاف وسعى ممن لا هدي معه فقد حل

(وإلا) بأن كان مع المتمتع هدي لم يقصر (¬1) و (حل إذا حج) فيدخل الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا (¬2) والمعتمر غير المتمتع يحل، سواء كان معه هدي أو لم يكن، في أشهر الحج أو غيرها (¬3) . ¬

_ (¬1) ولم يحل حتى ينحر هديه والمفرد والقارن لا يحلان إلا يوم النحر. (¬2) يوم النحر، لحديث ابن عمر وعائشة المتفق عليهما، قال الشيخ: ولو أحرم بالحج، ثم أدخل عليه العمرة لم يجز، على الصحيح، ويجوز العكس بالاتفاق. (¬3) لفراغه من نسكه، واعتمر صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر، سوى عمرته التي مع حجه، وكان يحل إذا سعى بلا نزاع، وقال ابن رشد: اتفقوا على أن المعتمر يحل من عمرته إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، قال ابن القيم: ومن هديه ذبح هدي العمرة عند المروة.

يقطع التلبية إذا شرع في الطواف

(والمتمتع) والمعتمر (إذا شرع في الطواف قطع التلبية) (¬1) لقول ابن عباس يرفعه: كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر (¬2) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (¬3) ولا بأس بها في طواف القدوم سرا (¬4) . ¬

_ (¬1) وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ونص أحمد كما ذكر الموفق وغيره أنه إذا استلم الحجر قطع التلبية. (¬2) أي إذا شرع في الطواف، لأن التلبية إجابة إلى العبادة، وشعار الإقامة عليها، والأخذ في التحلل منافٍ، وهو يحصل بالطواف والسعي، فإذا شرع في الطواف فقد أخذ في التحلل، فيقطعها، كما يقطع الحاج التلبية إذا شرع في رمي جمرة العقبة، لحصول التحلل به. (¬3) ورواه أبو داود وغيره: قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قالوا: لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الحجر، وقال بعضهم: إذا انتهى إلى البيوت، والعمل على حديث النبي صلى الله عليه وسلم. (¬4) أي لا بأس بالتلبية حال طواف القدوم سرًّا، وكذا في السعي بعده، ويكره الجهر بها، لئلا يخلط على الطائفين، وقال النووي: الصحيح أنه لا يلبي في الطواف والسعي، لأن لهما أذكارا مخصوصة.

باب صفة الحج والعمرة وما شرع فيهما من أقوال وأفعال

باب صفة الحج والعمرة (¬1) (يسن للمحلين بمكة) وقربها، حتى متمتع حل من عمرته (الإحرام بالحج (¬2) يوم التروية) وهو ثامن ذي الحجة (¬3) سمي بذلك لأن الناس كانوا يتروون فيه الماء لما بعده (¬4) (قبل الزوال) (¬5) . ¬

_ (¬1) أي كيفيتهما، وبيان ما شرع فيهما من أقوال وأفعال، والأصل فيه حديث جابر، رواه مسلم وغيره. (¬2) من مكة أو من الحرم، على ما سيأتي وحل من إحرامه فهو حال وأحل فهو محل. (¬3) نص عليه، قال الوزير: اتفقوا على أنه يحرم بالحج يوم التروية وقبله، وقال مالك وأحمد: الأفضل يوم التروية، واستحب تقديمه أبو حنيفة، وفعله يوم التروية هو السنة، لفعله صلى الله عليه وسلم وأمره. (¬4) إذ لم يكن بمنى ولا عرفات ماء، فيتزودون من الماء ما يكفيهم أيام منى وعرفات، وأما الآن فكثر الماء، واستغنوا عن حمله، أو لأنهم كانوا يروون إبلهم فيه، وقيل: لأن إبراهيم رأى في تلك الليلة أنه يذبح ابنه، فلما أصبح روى أي: تفكر في النهار إنما رآه من الله، فلما رأى الليلة الثانية، عرف أنه من الله، فمن ثم سمي يوم عرفة، فلما رأى الليلة الثالثة، هم بنحره فسمي يوم النحر، وقيل: لأن الإمام يروي مناسكهم. (¬5) لحديث جابر: توجه قبل صلاة الظهر يوم التروية إلى منى، رواه مسلم وغيره.

فيصلي بمنى الظهر مع الإمام (¬1) ويسن أن يحرم (منها) أي من مكة (¬2) والأفضل من تحت الميزاب (¬3) (ويجزئ) إحرامه (من بقية الحرم) ومن خارجه (¬4) ولا دم عليه (¬5) . ¬

_ (¬1) إن أمكنه، لحديث ابن عمر، صلى الفجر يوم التروية بمكة، فلما طلعت الشمس راح إلى منى، فصلى بها الظهر، الحديث، واتفقت الرواة، أنه صلى الظهر بمنى، ومنى فرسخ من مكة. (¬2) بلا نزاع، وظاهره، أنه لا ترجيح لمكان على غيره، والجمهور من منزله وحكي أنه لا نزاع فيه، وفي صحيح مسلم عن جابر: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حللنا أن نحرم، فأهللنا من الأبطح، وكان منزلهم وقال الشيخ: السنة أن يحرم من الموضع الذي هو نازل فيه، وكذلك المكي يحرم من أهله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «ومن كان منزله دون الميقات، فمهله من أهله حتى أهل مكة يهلون من مكة» وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إنما أحرموا كما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأهلوا من البطحاء، وكان منزلهم إذ ذاك، وقال ابن القيم، وأحرموا من منزلهم، ومكة خلف ظهورهم، ولم يدخلوا المسجد ليحرموا منه اهـ ويستحب أن يفعل عند إحرامه هذا ما يفعله عند الإحرام من الميقات، من الغسل، والتنظيف ويتجرد من المخيط. (¬3) لم يذكره الأصحاب في الإيضاح، ولا المبهج، وقيل: من المسجد، والسنة من منزله كما فعل صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو الأفضل بلا ريب. (¬4) قال الشيخ: هذا هو الصواب، لأن الأبطح خارج البلد، ولم يرد ما يوجب قصر الإحرام على الحرم. (¬5) لعدم ورود وجوبه.

المتمتع إذا عدم الهدي وأراد الصوم يحرم يوم السابع

والمتمتع إذا عدم الهدي وأراد الصوم سن له أن يحرم يوم السابع، ليصوم الثلاثة محرما (¬1) (ويبيت بمنى) (¬2) ويصلي مع الإمام استحبابا (¬3) (فإذا طلعت الشمس) من يوم عرفة (سار) من منى (إلى عرفة) (¬4) . ¬

_ (¬1) يعني السابع والثامن والتاسع، فيكون آخرها يوم عرفة. (¬2) يصلي بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر، لحديث جابر: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، فركب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء والفجر، وكل من أدركه الليل فقد بات، نام أو لم ينم، وسمي مني لأنه يمنى فيه الدم، أي: يصب. (¬3) لصلاة الحاج معه صلى الله عليه وسلم بها الفروض الخمسة، قصرا بلا جمع، قال الشيخ: والإيقاد بمنى بدعة، مكروهة باتفاق العلماء. (¬4) قال الشيخ: والسنة أن يبيت الحاج بمنى، فيصلون بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر، لا يخرجون منها حتى تطلع الشمس، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فالمبيت بها، والمسير إذا طلعت الشمس، سنة باتفاق العلماء، قال: ويسيرون منها على طريق ضب، من يمين الطريق اهـ وهو المعروف الآن بطريق القناطر، والسنة في وصوله إلى عرفة أن يكون عليه، وافتراقه من مزدلفة، ينعطف على اليمين، قرب المشعر الحرام، وضب اسم للجبل الذي حذاء مسجد الخيف، قال ابن القيم: ومن أصحابه الملبي والمكبر، ولم ينكر على أحد منهم، وفيه حديث مرفوع، وقال الشيخ: ولا يزال يلبي في ذهابه من مشعر إلى مشعر، مثل ذهابه إلى عرفات، وذهابه منها إلى مزدلفة حتى يرمي جمرة العقبة اهـ، وعرفة: اسم لموضع الوقوف، سميت: «عرفة» ؛ لأن جبرئيل حج بالخليل حتى إذا أتاها قال: عرفت روي عن علي وعطاء وغيرهما، وقيل: لعلو الناس على جباله، والعرب تسمى ما علا عرفة، وقيل: لأن الناس يتعارفون في ذلك اليوم، ويسمَّى، المشعر الحرام، والمشعر الأقصى، قال أبو طالب. وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا له ... ... إلا إلى تلك الشراج القوابل.

يقيم بنمرة إلى الزوال، ويخطب الإمام بعرنة خطبة نسك

فأقام بنمرة إلى الزوال (¬1) يخطب بها الإمام أو نائبه (¬2) . ¬

_ (¬1) أي زوال الشمس عن كبد السماء إلى جهة المغرب، قال الشيخ: كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهي: قرية كانت خارجة عن عرفات من جهة اليمين اهـ، وموضعها أكمة، عليها أنصاب الحرم، على يمينك إذا خرجت من مأزمي عرفة، تريد الموقف، فهي شرقي شمالي عرفة، خراب اليوم، قال ابن الهمام: ونزول النبي صلى الله عليه وسلم بنمرة لا نزاع فيه، ولأبي داود وغيره عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم نزل بنمرة، وهو منزل الإمام الذي ينزل بعرفة، حتى إذا كانت عند صلاة الظهر، راح مهجرًا، فجمع بين الظهر والعصر، وفي حديث جابر: وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصوى فرحلت له. (¬2) أي يخطب الإمام أو نائبه بعرنة، كما خطب النبي صلى الله عليه وسلم رواه مسلم من حديث جابر، وروى الحاكم وغيره عن المستورد نحوه، قال عبد الحق: خطبته قبل الصلاة مشهورة، وعمل به الأئمة والمسلمون وقال الشيخ: يسير إليها من بطن الوادي: وهو موضع النبي صلى الله عليه وسلم الذي صلى فيه الظهر والعصر، وخطب وهو في حدود عرفة ببطن عرنة، وهناك مسجد يقال له، مسجد إبراهيم، يعني ابن محمد العباسي، لا الخليل وإنما بني في أول دولة بني العباس اهـ ثم زيد فيه من عرفة، والزيادة في نفس المسجد معلمة بصخرات كبار فرشت هناك، فصدر المسجد من عرنة، وآخره من عرفة، وبين المسجد والحرم نحو ألف ذراع.

حدود عرفة،ومساحتها

خطبة قصيرة (¬1) مفتتحة بالتكبير (¬2) يعلمهم فيها الوقوف، ووقته، والدفع منه والمبيت بمزدلفة (¬3) (وكلها) أي كل عرفة (موقف (¬4) إلا بطن عرنة) (¬5) . ¬

_ (¬1) قال سالم للحجاج: إن كنت تريد أن تصيب السنة، فقصر الخطبة وعجل الصلاة، قال ابن عمر: صدق، رواه البخاري، قال الشيخ: خطبة نسك لا خطبة جمعة. (¬2) وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم كان يفتتح خطبه بالحمد، وقال: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع» . (¬3) فيذكر العالم، ويتعلم الجاهل، ثم ينزل فيصلي بهم الظهر والعصر قصرا، يجمع بينهما، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه. (¬4) إجماعا فمن وقف في أي جزء كان من عرفات صح وقوفه، وحدها، من الجبل المشرف على عرنة، إلى الجبال المقابلة، إلى ما يلي حوائط بني عامر ويقال: قصور آل مالك، يبلغ طولها ميلين وكذا عرضها، قال الوزير: اتفقوا على أن عرفات وما قارب الجبل كله موقف، لقوله صلى الله عليه وسلم «وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف» وأرسل للناس، أن يكونوا على مشاعرهم، ويقفوا بها، فإنها من إرث أبيهم إبراهيم، إلا ما كان من الحمس. (¬5) بضم العين وفتح الراء والنون، الوادي الذي يقال له مسجد عرنة، وهي مسايل، يسيل فيها الماء إذا كان المطر، فيقال لها الجبال، وهي ثلاثة جبال أقصاها مما يلي الموقف، ذكره البكري وغيره.

يسن القصر والجمع بعرفة ومزدلفة لجميع الحاج

لقوله عليه السلام «كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عرنة» رواه ابن ماجه (¬1) (وسن أن يجمع) بعرفة من له الجمع (¬2) . ¬

_ (¬1) ولأنه لم يقف بعرفة، فلم يجزئه، كما لو وقف بمزدلفة، وحكاه ابن المنذر وغيره، إجماع الفقهاء، وقال الوزير وغيره: بطن عرنة لا يجزئ الوقوف به باتفاق الأئمة. (¬2) يعني المسافر ومن له عذر، ممن تقدم في بابه، بخلاف المكي، وقال في الشرح الكبير، والصحيح أن الإمام يجمع، وكل من صلى معه، وقال الشيخ: فيصلي الإمام، ويصلي خلفه جميع الحاج، أهل مكة وغيرهم، قصرًا وجمعًا، كما جاءت بذلك الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مذهب أهل المدينة، وأحد الأقوال في مذهب الشافعي وغيره، ومن قال: لا يجوز القصر إلا لمن كان منهم على مسافة القصر، فهو مخالف للسنة. وقال: ويصلي بعرفة ومزدلفة ومنى قصرًا، ويقصر أهل مكة، وغير أهل مكة، وكذلك يجمعون الصلاة بعرفة ومزدلفة، وكذلك كانوا يفعلون خلف أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه أحدا من أهل مكة أن يتموا الصلاة ولا قالوا لهم بعرفة ومزدلفة ومنى: أتموا الصلاة فإنا قوم سفر، ومن حكى ذلك عنهم فقد أخطأ وغلط غلطا بينا، ووهم وهما قبيحا وقال قولا باطلا، باتفاق أهل الحديث، ولكن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك في غزوة الفتح، لما صلى بهم بمكة، وأما في حجه فإنه لم ينزل بمكة، ولكن كان نازلا خارج مكة، وهناك كان يصلي بأصحابه، ثم لما خرج إلى منى وعرفة، خرج معه أهل مكة وغيرهم، ولما رجع من عرفة رجعوا معه، ولما صلى بمنى أيام منى صلوا معه، ولم يقل لهم: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ولم يحدد النبي صلى الله عليه وسلم السفر بمسافة، ولا بزمان، وفيه أوضح دليل على أن سفر القصر، لا يتحدد بمسافة معلومة، ولا بأيام معلومة.

وقت الوقوف، وكيفيته وبيان الأفضل

(بين الظهر والعصر) تقديما (¬1) (و) أن (يقف راكبا) (¬2) . ¬

_ (¬1) ليتفرغ للدعاء، قال الشيخ وغيره: فيصلي الظهر والعصر قصرا، إذا قضى الخطبة أذن ثم أقام، كما جاءت السنة بذلك، واستفاض النقل به، وفي حديث جابر: بأذان واحد وإقامتين. وفي لفظ: ثم أذن بلال، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، لم يصل بينهما شيئا، ويشمل كل واقف بعرفة من مكي وغيره، لأنه صلى الله عليه وسلم فعل بهم ذلك ولا يجهر بالقراءة. (¬2) أي ويسن بعد الصلاة بعرنة، أن يذهب إلى عرفات إجماعًا، لقول جابر: ثم ركب حتى أتى الموقف، وأن يقف راكبا للخبر، ولأنه أعون على الدعاء إلى غروب الشمس، لكن لا يكاد يذهب أحد إلى نمرة، ولا إلى مصلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا القليل، بل يدخلون عرفات بطريق المأزمين ويدخلونها قبل الزوال، ومنهم من يدخلها ليلاً، ويبيتون بها، قبل التعريف، كما قاله الشيخ وغيره، وكما هو الواقع اليوم، قال: وهذا الذي يفعله الناس كله مجزئ معه الحج، لكن فيه نقص عن السنة. قال ويجوز الوقوف ماشيا وراكبا، وأما الأفضل فيختلف باختلاف أحوال الناس، فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجتهم إليه، أو كان يشق عليه الوقوف، وقف راكبا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وقف راكبا، وهكذا الحج فإن من الناس من يكون حجه راكبا أفضل، ومنهم من يكون حجه ماشيا أفضل، وقال ابن القيم: التحقيق أن الركوب أفضل إذا تضمن مصلحة، من تعليم المناسك، والاقتداء به، وكان أعون له على الدعاء، ولم يكن فيه ضرر على الدابة.

لا يشرع صعود جبل الرحمة

مستقبل القبلة (¬1) (عند الصخرات وجبل الرحمة) (¬2) لقول جابر: إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بطن ناقته القصوى إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة (¬3) ولا يشرع صعود جبل الرحمة (¬4) . ¬

_ (¬1) لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف كذلك، ولأبي نعيم عن ابن عمر مرفوعا «خير المجالس ما استقبل به القبلة» . (¬2) أي ويسن أن يقف عند الصخرات المنفرشة عند الجبل الذي هو بوسط أرض عرفات. (¬3) رواه مسلم وغيره، فدل على سنية الموقف هناك، والقصواء هي التي كان يركبها في أسفاره، و «حبل المشاة» بالحاء المهملة، والحبل: المستطيل من الرمل، وقيل: الضخم منه؛ وهو هنا اسم موضع فيه رمال مجتمعة، وإنما أضيف إلى الماشي، لأنه لا يقدر أن يصعد عليه إلا الماشي، وهو طريق المشاة، ومجتمعهم الذي يسلكونه، ويقفون فيه، والرمل باق فيه إلى الآن، وقد أجريت معه العين. فموضع موقفه صلى الله عليه وسلم هو الفجوة المستعلية، التي عند الصخرات المفروشات، السود الكبار وبه مسجد، جداره فوق ذراع عند جبل الرحمة بحيث يكون أمامك إلى اليمين قليلا إذا استقبلت القبلة، وينبغي أن يقرب من موقف النبي صلى الله عليه وسلم بحسب الإمكان، وفي الفائق: المسنون تحري موقفه صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة، واستقبالها مستحب في كل طاعة إلا لدليل، وسواء كان جبل الرحمة بين يديه حال استقباله القبلة، أو خلفه، فإنه لم يرد في الشرع استقباله دون القبلة. (¬4) إجماعًا قاله الشيخ وغيره، وقال: وأما صعود الجبل الذي هناك فليس من السنة، وكذلك القبة التي فوقه، التي يقال لها قبة آدم لا يستحب دخولها، ولا الصلاة فيها، والطواف بها من الكبائر.

الإكثار من الدعاء والاستغفار في المشاعر وبيان أفضله

ويقال له: جبل الدعاء (¬1) (ويكثر الدعاء مما ورد) (¬2) كقوله «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، (¬3) اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، ويسر لي أمري» (¬4) . ¬

_ (¬1) لدعاء الناس هناك، ويقال له «إلال» على وزن «هلال» (¬2) من الأدعية في ذلك اليوم العظيم، والموقف الكبير، والدعاء في مشاعر الحج بعرفة، ومزدلفة، ومنى، والصفا، والمروة، أفضل من القراءة، بالنص والإجماع، قال الشيخ: ولم يعين النبي صلى الله عليه وسلم لعرفة دعاء، ولا ذكرا، بل يدعو الرجل بما شاء من الأدعية الشرعية، ويكبر ويهلل، ويذكر الله تعالى، حتى تغرب الشمس. (¬3) رواه أحمد والترمذي وغيرهما، وفيه: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله» ، إلخ وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» ، وقيل لسفيان بن عيينة: هذا ثناء، وليس بدعاء، فقال: أما سمعت قول الشاعر: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حباؤك إن شيمتك الحباء؟ إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء كيف وهي أعلى وأرفع مقامات الذكر والدعاء. (¬4) رواه البيهقي وغيره وكقوله: «اللهم لك الحمد كالذي تقول وخيرا مما نقول» إلخ.. «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر» إلخ رواه الترمذي وغيره: «اللهم إنك ترى مكاني، وتسمع كلامي» إلخ رواه الطبراني وغيره.

ويكثر الاستغفار، والتضرع، والخشوع، وإظهار الضعف والافتقار (¬1) ويلح في الدعاء (¬2) . ¬

_ (¬1) والتذلل، وتفريغ الباطن والظاهر من كل مذموم، وليكن على طهارة في هذا المشعر العظيم، ويوم الحج الأكبر، فإنه موقف تسكب فيه العبرات، وتقال فيه العثرات، وهو أعظم مجامع الدنيا، فإذا فرغ قلبه، وطهره وطهر جوارحه، واجتمعت الهمم وتساعدت القلوب، وقوي الرجاء، وعظم الجمع كان جديرا بالقبول، فإن تلك أسباب نصبها الله مقتضية لحصول الخير، ونزول الرحمة ويجتهد أن يقطر من عينه قطرات، فإنها دليل الإجابة، وعلامة السعادة كما أن خلافه علامة الشقاوة، فإن لم يقدر على البكاء، فليتباك بالتضرع، والدعاء {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ *} . (¬2) لأنه يوم ترجى فيه الإجابة، ويرفع يديه، قال ابن عباس: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات يدعو، ويداه إلى صدره، كاستطعام المسكين، رواه أبو داود قال الشيخ: ويجتهد في الذكر والدعاء هذه العشية فإنه ما رؤي إبليس في يوم هو فيه أصغر، ولا أحقر، ولا أغيظ، ولا أدحض من عشية عرفة، لما يرى من تنزيل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رؤى في يوم بدر، وروى أبو ذر الهروي عن أنس مرفوعا، «إن الله يباهي بهم الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبادي شعثا، غبرا، أقبلوا يضربون إلي من كل فج عميق، فاشهدوا أني قد غفرت لهم، إلا التبعات التي بينهم» ، وقال: وأما التلبية في وقوفه بعرفة ومزدلفة، فلم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم، وقد نقل عن الخلفاء الراشدين وغيرهم أنهم كانوا يلبون يوم عرفة.

وقت الوقوف بعرفة، وكونه أهلا له

ولا يستبطئ الإجابة (¬1) (ومن وقف) أي حصل بعرفة (¬2) (ولو لحظة) أو نائما، أو مارا، أو جاهلا أنها عرفة (¬3) (من فجر يوم عرفة (¬4) إلى فجر يوم النحر (¬5)) . ¬

_ (¬1) لقوله عليه الصلاة والسلام «ليدع أحدكم، ولا يستبطئ الإجابة فيقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي، فإن الله تعالى قال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} » وإذا صادف يوم الجمعة يوم عرفة اجتمع فضيلتان، وفي آخر الجمعة ساعة الإجابة على الراجح، فيكون له مزية على سائر الأيام، قال ابن القيم: «وأما ما استفاض على ألسن العوام، أنها تعدل اثنتين وسبعين حجة، فباطل لا أصل له.» (¬2) وقت الوقوف، وهو أهل له، صح حجه، فلا يقال: لا بد من الإرادة. (¬3) صح حجه، صححه صاحب التلخيص، وجزم به الموفق، وهو مذهب الجمهور، ولو كان حصوله فيها لحظة لطيفة للخبر. (¬4) هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وعنه: الوقوف من الزوال يوم عرفة، وفاقا للأئمة الثلاثة، واختاره الشيخ وغيره، وحكاه ابن المنذر وابن عبد البر إجماعا، لأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يقفوا إلا بعد الزوال وما قبله لا يعتد به، في قول أكثر الفقهاء، فإنه لم ينقل عن أحد أنه وقف قبله، فكأنهم جعلوا هذا الفعل مقيدا لمطلق خبر «من ليل أو نهار» . (¬5) إجماعا لقوله صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة» ثلاثا «فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك» رواه أحمد، وأهل السنن، بإسناد صحيح، وفي لفظ «الحج عرفة، فمن وقف ساعة من ليل أو نهار، فقد تم حجه» رواه بمعناه أبو داود وغيره، وصححه الترمذي وغيره، وقال وكيع: هذا الحديث أم المناسك.

وهو أهل له أي للحج، بأن يكون مسلمًا، محرمًا بالحج (¬1) ليس سكرانًا، ولا مجنونًا، ولا مغمى عليه (صح حجه) (¬2) لأنه حصل بعرفة في زمن الوقوف (¬3) (وإلا) يقف بعرفة (¬4) أو وقف في غير زمنه (¬5) أو لم يكن أهلا للحج (فلا) يصح حجه (¬6) . ¬

_ (¬1) فالكافر لا يصح منه، وغير المحرم لا يعتبر وقوفه، لأنه لم يكن أهلاً للحج، فلا يعتبر وقوفه بعرفة. (¬2) لانتفاء الموانع، وإن أفاق من ذكر، وحصل منه الوقوف، ولو لحظة صح حجه، ولا تشترط له الطهارة، فلو وقفت حائض، أو نفساء صح حجها إجماعًا لقصة عائشة وأسماء، وغيرهما. (¬3) وهو أهل للحج، فصح حجه بالإجماع للأخبار. (¬4) وقد تقدم ذكر حدودها لم يصح حجه، لقوله: «الحج عرفة» وقوله «وقد وقف بعرفة» لتركه ركنا من أركان الحج المجمع عليها، فلم يصح حجه. (¬5) لم يصح حجه إجماعًا، لقوله: «من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر» الحديث قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، أن من لم يقف بعرفات قبل طلوع الفجر فقد فاته الحج، ولا يجزئ عنه بعد طلوع الفجر، ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل، وهو قول أهل العلم. (¬6) سواء كان كافرا، أو غير محرم، أو سكرانًا أو مجنونًا بلا خلاف أو مغمى عليه لعدم أهليته.

حكم من دفع قبل الغروب ولم يعد

لفوات الوقوف المعتد به (¬1) (ومن وقف) بعرفة (نهارا، ودفع) منها (قبل الغروب (¬2) ولم يعد) إليها (قبله) أي قبل الغروب، ويستمر بها إليه (فعليه دم) أي شاة (¬3) لأنه ترك واجبا (¬4) فإن عاد إليها، واستمر للغروب (¬5) أو عاد بعده قبل الفجر، فلا دم عليه (¬6) لأنه أتى بالواجب، وهو الوقوف بالليل والنهار (¬7) . ¬

_ (¬1) ومن فاته الوقوف المعتد به فاته الحج، قال في المبدع وغيره: بغير خلاف نعلمه، لقوله: «الحج يوم عرفة، ومن جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فقد تم حجه» رواه أبو داود، ولأنه ركن للعبادة فلم يتم بدونه، كسائر أركان العبادة وتقدم أن من كان بينه وبين الموقف مقدار صلاة صلاها صلاة خوف، واختاره الشيخ. (¬2) خالف السنة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينصرف حتى غابت الشمس وغاب القرص. (¬3) وفاقا لأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وشدد مالك فقال: إن لم يرجع فاته الحج، والنص حجة عليه، وقال ابن عبد البر: لا نعلم أحدًا من العلماء قال بقوله. (¬4) أي ومن ترك واجبا فعليه دم عند الجمهور. (¬5) فلا دم عليه إجماعًا، لإتيانه بالواجب. (¬6) كمن تجاوز الميقات بلا إحرام، ثم عاد إليه فأحرم منه. (¬7) ومن أتى بالواجب فلا دم عليه، وتقدم قوله: وقد وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه.

من وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه

(ومن وقف ليلا فقط فلا) دم عليه (¬1) قال في شرح المقنع: لا نعلم فيه خلافا (¬2) لقول النبي صلى الله عليه وسلم «من أدرك عرفات بليل، فقد أدرك الحج» (¬3) (ثم يدفع بعد الغروب) مع الإمام أو نائبه (¬4) على طريق المأزمين (¬5) . ¬

_ (¬1) لأنه لم يتصور منه انصراف قبل الغروب، وأجزأه الوقوف ليلاً، بالنص والإجماع، وأشبه من منزله دون الميقات. (¬2) وكذا قاله الموفق وغيره، وفي الإنصاف: بلا نزاع. (¬3) وللخمسة «من جاء ليلة جمع، قبل طلوع الفجر، فقد أدرك الحج» ، وتقدم قوله: «من وقف بعرفة، ساعة من ليل أو نهار، فقد تم حجه» . (¬4) لحديث علي «دفع حين غابت الشمس» رواه أبو داود، وقال: صحيح وفي حديث جابر: «لم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا» ، رواه مسلم، ولأن فيه إظهار مخالفة المشركين، فإنهم كانوا يدفعون قبل أن تغيب الشمس، فقال: «وإنا ندفع بعد أن تغيب، مخالفا هدينا هديهم» وقال في المزدلفة عكسه، والأفضل أن يقف في مكانه، كيلا يؤذي ويخالف السنة (¬5) بالهمزة، وكسر الزاي، مضيق بين الجبلين الذين بين عرفة ومزدلفة وكل طريق بين جبلين يقال له «مأزم» فالسنة في رجوعه من عرفة أن يكون على على طريق المأزمين، قال الشيخ: وهو طريق الناس اليوم، وإنما قال الفقهاء: على طريق المأزمين، لأنه إلى عرفة طريق أخرى، تسمى طريق ضب، ومنها دخل إلى عرفات، وخرج على طريق المأزمين، وكان في الأعياد والمناسك يذهب من طريق ويرجع من أخرى، وقال: إذا غربت الشمس يخرجون إن شاءوا بين العلمين وإن شاءوا من جانبيها، والعلمان الأولان حدود عرفة، فلا يجاوزونهما حتى تغرب الشمس، والميلان بعد ذلك حد الحرم، وما بينهما بطن عرنة.

حدود مزدلفة، وكيفية سيره إليها، والجمع بين العشاءين

(إلى مزدلفة) وهي ما بين المأزمين، إلى وادي محسر (¬1) ويسن كون دفعه (بسكينة) (¬2) لقوله عليه السلام «أيها الناس السكينة السكينة» (¬3) (ويسرع في الفجوة) (¬4) . ¬

_ (¬1) وكذا ما على يمين ذلك، وشماله من الشعاب، ونبهوا على ذلك، ليعلم أن أي موضع وقف الحاج منها أجزأ لأنه صلى الله عليه وسلم وقف بجمع، وقال: «ارفعوا عن بطن محسر» ومحسر بضم الميم، وفتح الحاء، وكسر السين المشددة بعدها راء، واد معروف، بين مزدلفة ومنى، ويأتي «ومزدلفة» سميت بذلك من الزلف، وهو التقرب، لأن الحاج إذا أفاضوا من عرفة ازدلفوا إلى منى، أي تقربوا منها، ومضوا إليها، وتسمى جمعا، لاجتماع الناس بها، قال البغوي وغيره: هي ما بين جبلي المزدلفة، وليس المأزمان، ولا المحسر من المشعر الحرام. وسئل عليه الصلاة والسلام عن المشعر، فسكت حتى هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة، فقال: «هذا المشعر الحرام» وكلها موقف إجماعا، قال الشيخ: يقال لها المشعر الحرام، وهي ما بين مأزمي عرفة إلى بطن محسر، وكلها موقف، لكن الموقف عند قزح أفضل، وهو جبل الميقدة، وهو المكان الذي يقف فيه الناس اليوم، وقد بني عليه بناء، وهو المكان الذي يخصه كثير من الفقهاء بالمشعر الحرام. (¬2) أي تؤدة ووقار، وخضوع مستشعرًا فضل تلك المشاعر والوقت، مستغفرًا ذاكرا لله تعالى، وملبيا، لقوله: «ولم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» . (¬3) بالنصب على الإغراء، أي الزموا السكينة، ألزموا السكينة، لما يرى من شدة انزعاجهم كما هو الواقع. (¬4) بفتح الفاء وسكون الجيم، الفرجة بين الشيئين والمتسع أي سعة الطريق، قال الشيخ وغيره: ولا يزاحم الناس.

لقول أسامة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص، أي أسرع (¬1) لأن العنق انبساط السير (¬2) والنص فوق العنق (¬3) (ويجمع بها) أي بمزدلفة، (بين العشائين) (¬4) أي يسن لمن دفع من عرفة أن لا يصلي المغرب حتى يصلي إلى مزدلفة، فيجمع بين المغرب والعشاء، من يجوز له الجمع (¬5) قبل حط رحله (¬6) . ¬

_ (¬1) أي أسرع سيره فوق المعتاد، متفق عليه، ولمسلم عن جابر «أيها الناس السكينة السكينة» ، كلما أتى حبلا أرخى لها قليلا حتى تصعد، والعنق بفتحات آخرها قاف. (¬2) وأعنقت الدابة، سارت سيرا واسعا فسيحا ممتدا. (¬3) نص الدابة استحثها شديدا. (¬4) بلا نزاع، وقال ابن المنذر وغيره: لا اختلاف بين العلماء، أن السنة الجمع بينهما، لفعله صلى الله عليه وسلم رواه جابر وابن عمر وأسامة، والسنة أن لا يتطوع بينهما بلا نزاع. (¬5) أي فالسنة بالإجماع لمن دفع من عرفة إلى المزدلفة، أي لا يصلي المغرب حتى يصل إلى المزدلفة، فيجمع بين المغرب والعشاء، بأذان واحد، وإقامتين لفعله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لمن يجوز له الجمع، وتقدم أنه كان يصلي معه صلى الله عليه وسلم جميع الحجاج أهل مكة وغيرهم، قصرا وجمعا، كما جاءت بذلك الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأن من قال: لا يجوز إلا لمن كان منهم على مسافة قصر فهو مخالف للسنة. (¬6) وتبريك الجمال، فإذا صلى المغرب حط عن رحله ثم أقام الصلاة ثم صلى العشاء، لما في الصحيح: ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، وقال الشيخ: فإذا وصل إلى المزدلفة صلى المغرب قبل تبريك الجمال إن أمكن، ثم إذا بركوها صلوا العشاء، وإن أخر العشاء لم يضره ذلك.

يتأكد المبيت والوقوف بمزدلفة بأمور..إلخ

وإن صلى المغرب بالطريق ترك السنة وأجزأه (¬1) (ويبيت بها) وجوبا (¬2) لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها، وقال «خذوا عني مناسككم» (¬3) . ¬

_ (¬1) أي فعلها، لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز التفريق، كالظهر والعصر بعرفة، والسنة المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم: الجمع بينهما ومن فاتته الصلاة مع الإمام بمزدلفة، أو بعرفة جمع ولو وحده، لفعل ابن عمر، ولأن كل جمع جاز مع الإمام جاز منفردا. (¬2) أي بمزدلفة، قال الوزير وغيره: أجمعوا أنها تجب البيتوتة جزءا من الليل في الجملة، إلا مالكا، فقال: سنة، وهو قول للشافعي، ويتأكد المبيت والوقوف بمزدلفة بأمور، منها قول: «من صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وكان وقد وقف بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه» صححه الترمذي وغيره، وقوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خرج مخرج البيان لهذا الذكر المأمور به، وينبغي أن يجتهد تلك الليلة في الدعاء والتضرع، فإنها ليلة عيد، جامعة لأنواع الفضل، من الزمان والمكان، وأمر الله بذكره فيها، وليس بركن لحديث «الحج عرفة» . (¬3) فيجب المبيت بها، لفعله صلى الله عليه وسلم المستفيض، وفي الحديث: ثم رقد بعد الصلاة، ولم يحي تلك الليلة، ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء، كما حكاه ابن القيم وغيره، وقال الشيخ: السنة أن يبيت بها إلى أن يطلع الفجر، فيصلي بها الفجر في أول الوقت، ثم يقف بالمشعر الحرام إلى أن يسفر جدًّا قبل طلوع الشمس.

دفع الضعفة من مزدلفة بعد غيبوبة القمر، ورميهم بعد طلوع الشمس

(وله الدفع) من مزدلفة قبل الإمام (بعد نصف الليل) (¬1) لقول ابن عباس: كنت فيمن قدم النبي صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله، من مزدلفة إلى منى متفق عليه (¬2) (و) الدفع (قبله) أي قبل نصف الليل (فيه دم) (¬3) . ¬

_ (¬1) قال الوزير: اتفقوا على جوازه، إلا أبا حنيفة، وقال: عليه دم، ولا يلزمه الرجوع إليها. (¬2) قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، لم يروا بأسا أن يتقدم الضعفة من المزدلفة بليل، يصيرون إلى منى، لما فيه من الرفق بهم، ودفع المشقة عنهم، رموا قبل الزحمة، وقال: أكثر أهل العلم بالحديث إنهم لا يرمون حتى تطلع الشمس، ورخص بعض أهل العلم في أن يرموا بليل، والعمل على حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يرمون، وهو قول الشافعي، ولفظه: وقال: «لا ترموا حتى تطلع الشمس» والضعفة بفتح الضاد المعجمة والعين المهملة والفاء جمع ضعيف: النساء والصبيان، والمشايخ العاجزون، وأصحاب الأمراض، قال الشيخ وغيره: فإن كان من الضعفة، كالنساء والصبيان ونحوهم، فإنه يتعجل من مزدلفة إلى منى، إذا غاب القمر، ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر فيصلون بها الفجر، ويقفون بها، قال ابن القيم: وقول جماعة أهل العلم، الذي دلت عليه السنة، جواز التعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف الليل، وليس مع من حده بنصف الليل دليل. (¬3) وهو مذهب الشافعي، إلا أنه يجزئ جزء من الليل، وكذا قال مالك، مع أنه سنة عنده، وقال أبو حنيفة: لا دم عليه.

يصلي الصبح في أول الوقت، ثم يقف عند المشعر الحرام ويدعو

على غير سقاة ورعاة (¬1) سواء كان عالما بالحكم أو جاهلا، عامدا أو ناسيا (¬2) (كوصوله إليها) أي إلى مزدلفة (بعد الفجر) فعليه دم (¬3) لأنه ترك نسكا واجبا (¬4) (لا) إن وصل إليها (قبله) أي قبل الفجر، فلا دم عليه (¬5) وكذا إن دفع من مزدلفة قبل نصف الليل، وعاد إليها قبل الفجر، لا دم عليه (¬6) (فإذا) أصبح بها (صلى الصبح) بغلس (¬7) ثم (أتى المشعر الحرام) وهو جبل صغير بالمزدلفة (¬8) . ¬

_ (¬1) ونحوهم فإن لهم السقي، والرعي، وغير ذلك مما يماثله، ولا يلزمهم المبيت كليالي منى. (¬2) أي إن دفع قبل نصف الليل، لأنه فعل مأمور به، فلم يعذر بتركه. (¬3) قال في الإنصاف: بلا نزاع. (¬4) وهو المبيت بمزدلفة، لفعله صلى الله عليه وسلم وتقدم: أنه يجب جزء من الليل في الجملة، عند الجمهور. (¬5) لقوله: «من صلى صلاتنا هذه» ، يعني الفجر «ووقف معنا حتى ندفع فقد تم حجه» وتقدم. (¬6) لأنه حصل منه الوقوف المشروع في الوقت المنصوص. (¬7) وهو اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل، والمراد في أول الوقت، لقول جابر صلى الصبح بها، حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة، وليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام. (¬8) يقال له: «قُزح» عليه بناء، وبه الميقدة، مشهور، يقف به الناس.

سمي بذلك لأنه من علامات الحج (¬1) (فيرقاه أو يقف عنده (¬2) ويحمد الله ويكبره) ويهلله (¬3) (ويقرأ {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} الآيتين) (¬4) . ¬

_ (¬1) مأخوذ من الشعيرة، وهي العلامة، وسميت المزدلفة، المشعر الحرام لأنها داخل الحرم، والحرام يعني: المحرم فيه الصيد وغيره، أو ذا الحرمة الأكيدة، وأصله: من المنع، فهو ممنوع أن يفعل فيه ما لم يؤذن فيه. (¬2) لفعله صلى الله عليه وسلم ولمسلم: فصلى الفجر، ثم ركب، حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، لأنها أشرف الجهات، ويستحب استقبالها في كل طاعة إلا لدليل، والوقوف عند المشعر الحرام، مشروع إجماعا، ومذهب مالك وأحد القولين للشافعي وأحمد وجوبه. (¬3) وفي صحيح مسلم: فدعا الله، وكبره، وهلله، ووحده، أي قال: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله» ونحو ذلك. (¬4) ويكثر من الدعاء، ومنه: اللهم كما وفقتنا للوقوف فيه، وأريتنا إياه، فوفقنا لذكرك، كما هديتنا، واغفر لنا، كما وعدتنا بقولك، وقولك الحق {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} وقوله: {أَفَضْتُمْ} أي: دفعتم، فالإفاضة دفع بكثرة، من «أفاض الماء» أي صبه (واذكروه) أي بالتوحيد والتعظيم (كَمَا هَدَاكُمْ) أي أنعم عليكم: من الهداية، والإرشاد إلى مشاعر الحج، على ما كان عليه الخليل عليه السلام، و {النَّاسُ} يعني سائر العرب سوى الحمس.

الإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس

(ويدعو حتى يسفر) (¬1) لأن في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل واقفا عند المشعر الحرام حتى أسفر جدا (¬2) فإذا أسفر سار قبل طلوع الشمس بسكينة (¬3) (فإذا بلغ محسرا) وهو واد بين مزدلفة ومنى سمي بذلك لأنه يحسر سالكه (¬4) . ¬

_ (¬1) أي إسفارا بليغا، وهو مذهب الجمهور، وما روي عن مالك من الدفع قبل الإسفار، لا يدفع به ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم والضمير في يسفر للصبح، أو الداعي، ويكثر الدعاء، ويبالغ في الابتهال والتضرع، وإظهار الضعف والافتقار، وتقدم ما رواه أبو ذر الهروي، مباهاة الله بهم في عرفة، وفيه ثم قال: «إن القوم أفاضوا من عرفات إلى جمع، فقال: يا ملائكتي انظروا إلى عبادي، وقوفا وعادوا في الطلب، والرغبة، والمسألة، اشهدوا أني قد وهبت مسيئهم لمحسنهم، وتحملت التبعات التي بينهم» . (¬2) أي لم يزل قائما راكبا على ناقته، حتى أسفر جدًّا رواه مسلم وغيره، وحكى الطبري وغيره الإجماع على أن من لم يقف بها حتى طلعت الشمس فاته الوقوف. (¬3) وقاله الشيخ وغيره، ولا خلاف في استحبابه، لفعله صلى الله عليه وسلم وقال ابن القيم: الإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس سنة باتفاق المسلمين، وعن ابن عباس: أفاض قبل طلوع الشمس، حسنه الترمذي: وللبخاري عن عمر أهل الجاهلية كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، وكانوا يقولون: أشرق ثبير، كيما نغير، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خالفهم فأفاض قبل طلوع الشمس. (¬4) أي يعييه، وقيل: لأن أصحاب الفيل حسروا فيه، أو الفيل، أي أعيي وانقطع عن الذهاب، وحسر من باب نصر، ويسميه أهل مكة: وادي النار، ومحسر برزخ بين منى ومزدلفة، لا من هذه ولا من هذه كما أن عرنة برزخ بين عرفة والمشعر الحرام، فبين كل مشعرين برزخ ليس منهن، فمنى من الحرم، وهي مشعر، ومحسر من الحرم، وليس بمشعر ومزدلفة حرم ومشعر وعرنة ليست مشعرا، وهي من الحل، وعرفة حل ومشعر.

يلتقط مثل حصى الخذف من حيث شاء لا ما يفعله العوام اليوم

(أسرع) قدر (رمية حجر) (¬1) إن كان ماشيا، وإلا حرك دابته (¬2) لأنه صلى الله عليه وسلم لما أتى بطن محسر حرك قليلا، كما ذكره جابر (¬3) (وأخذ الحصى) أي حصى الجمار، من حيث شاء (¬4) . ¬

_ (¬1) قال ابن القيم: وغيره: والإسراع في وادي محسر سنة، نقلها طوائف عنه صلى الله عليه وسلم. (¬2) قال بعضهم: وعليه السكينة والوقار، ويلبي مع ذلك. (¬3) رواه مسلم وغيره، ولفظه: حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا وللخمسة عنه: أوضع في وادي محسر، يعني أسرع السير فيه، وهذه عادته صلى الله عليه وسلم في المواضع التي نزل بها بأس الله بأعدائه، فإن هناك أصاب أصحاب الفيل ما قص الله علينا، ولذلك سمي الوادي محسرا، لأن الفيل حسر فيه، كما ذكره غير واحد من أهل العلم، قال النووي في قوله: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين» فيه الحث على المراقبة عند المرور بدار الظالمين ومواضع العذاب، ومراده بالإسراع بوادي محسر، لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك، فينبغي للمار في مثل هذه المواضع المراقبة، والخوف، والبكاء، والاعتبار بمصارعهم وأن يستعيذ بالله من ذلك. (¬4) وقاله الشيخ وغيره وقال أحمد: لا خلاف في الإجزاء، لقوله لابن عباس غداة العقبة وهو على ناقته القصواء «القط» فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف رواه ابن ماجه وغيره، وهو في صحيح مسلم عن الفضل، ولفظه: حتى إذا دخل منى، قال: «عليكم بحصى الخذف» وهو الجمار، واحدتها جمرة وهي في الأصل الحصاة، ثم يسمى الموضع الذي ترمى فيه الحصيات السبع جمرة وتسمى الحصيات السبع جمرة أيضا، تسمية للكل باسم البعض.

الرمي تحية منى، يبدأ به قبل كل شيء

وكان ابن عمر يأخذ الحصى من جمع (¬1) وفعله سعيد بن جبير، وقال: كانوا يتزودون الحصى من جمع (¬2) والرمي تحية منى (¬3) فلا يبدأ قبله بشيء (¬4) . ¬

_ (¬1) اسم للمزدلفة، سميت به لاجتماع الناس بها، وتقدم. (¬2) أي الصحابة رضي الله عنهم، ولم يثبت أخذه صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه من غير منى، وإن لم يرد التصريح به، فهو كالظاهر، بل ثبت أنه صلى الله عليه وسلم لما كان في طريقه إلى منى أمر ابن عباس أن يلتقطها له، ولم يلتقطها بالليل، حال نزوله بمزدلفة، كما يثابر عليه بعض العوام قبل الصلاة، ولا أمر أصحابه، ولم ينقل أنه التقط سبعين منها، كما يفعله كثير من العوام اليوم، وفيه استعارة تبعية مكنية وذلك أنه شبه الأخذ الذي هو مصدر المستعار له، بالتزويد الذي هو مصدر المستعار منه، ثم اشتق منه الفعل، فسرت الاستعارة إليه، ثم شبه الحصى بالزاد فحذف المشبه، وأبقى المشبه به. (¬3) لفعله صلى الله عليه وسلم وبداءته به قبل كل شيء، واستمر العمل عليه، وكتحية الكعبة بالطواف، والمسجد بتحيته. (¬4) لا بحلق، ولا ذبح، ولا طواف، اتباعا لسنته صلى الله عليه وسلم حيث بدأ به قبل كل شيء.

وادي محسر، وجمرة العقبة ليسا من منى

(وعدده) أي عدد حصى الجمار (سبعون) حصاة (¬1) كل واحدة (بين الحمص والبندق) (¬2) كحصى الخذف (¬3) فلا تجزئ صغيرة جدًّا (¬4) ولا كبيرة (¬5) ولا يسن غسله (¬6) (فإذا وصل إلى منى، وهي من وادي محسر، إلى جمرة العقبة) (¬7) . ¬

_ (¬1) يرمي يوم النحر بسبع، وأيام التشريق بثلاث وستين إن لم يتعجل، وذكر الرافعي أن أخبار رميه صلى الله عليه وسلم الجمار بسبعين متواترة. (¬2) قاله الشيخ وغيره، دون الأنملة طولا وعرضا، قدر حبة الباقلا المعتدلة وقيل: كقدر النواة، «والحمص» حب معروف يؤكل، بفتح الميم وكسرها، أعجمي معرب، والعامة تقول له: الحنبص، و «البندق» بضم الباء والدال، الذي يرمى به، الواحدة بندقة، بهاء، والجمع بنادق، وثمر شجر. (¬3) بالخاء والذال المعجمتين، الرمي بنحو حصاة، أو نواة بين السبابتين يحذف بها، لحديث جابر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار بمثل حصى الخذف، رواه الترمذي وغيره، وصححه، وقال: وهو الذي اختاره أهل العلم، أن تكون الجمار مثل حصى الخذف، ولابن ماجه: قال لي «القط» فلقطت له سبع حصيات، من حصى الخذف، ويكره بهيئة الخذف، للنهي الصحيح عنها، الشامل للحج وغيره. (¬4) لخروجها بالصغر عن الحد المعتاد المتعارف الخذف به، لما مر. (¬5) لقوله صلى الله عليه وسلم «بمثل هذا فارموا، وإياكم والغلو» وقال «عليكم بحصى الخذف» وهو يشير بيده، كما يخذف الإنسان، قال الشيخ: وإن كسره جاز، والتقاط الحصى أفضل من تكسيره من الجبل. (¬6) أي حصى الجمار، ما لم يكن عليه نجاسة. (¬7) فليسا من منى، لأن الحد غير المحدود، وجمرة العقبة هي آخر الجمرات من ناحية منى، وأقربهن من مكة، وهي الجمرة الكبرى، والجمع العقبات، وقد صارت علما على العقبة التي ترمى عندها الجمرة، وتعريفها بالعلمية بالغلبة، لا باللام، وامتازت عن الأخريين بأربعة أشياء، اختصاصها بيوم النحر، وأن لا يوقف عندها، وترمى ضحى يوم النحر، ومن أسفلها، ويجزئ من فوقها، لفعل عمر، والأول أفضل، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وخروجا من الخلاف، ويستحب سلوك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى.

كيفية الرمي لجمرة العقبة، وسببه وما لا يجزئ الرمي به.

بدأ بجمرة العقبة (¬1) فـ (رماها بسبع حصيات متعاقبات) واحدة بعد واحدة (¬2) فلو رمى دفعة واحدة لم يجزئه إلا عن واحدة (¬3) . ¬

_ (¬1) لبداءته صلى الله عليه وسلم منها، ولأنها تحية منى، فلم يتقدمها شيء كالطواف بالبيت. (¬2) أي ترمى واحدة بعد واحدة، لما في الصحيحين وغيرهما، عن ابن عمر وغيره، أنه صلى الله عليه وسلم رماها بسبع حصيات، وقال الوزير وغيره: أجمعوا على وجوب رمي جمرة العقبة يوم النحر خاصة بسبع حصيات، وقال ابن الماجشون: هو ركن، لا يتحلل إلا به، كسائر الأركان، وقال صلى الله عليه وسلم «إنما جعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، لإقامة ذكر الله» صححه الترمذي وغيره، وذكر غير واحد من أهل التفسير أنها من شعائر الله، وسئل سعيد بن منصور عنها فقال: الله ربكم تكبرون، وملة أبيكم تتبعون، ووجه الشيطان ترمون، وسببه: رمي الخليل الشيطان الذي كان يراه في تلك المواضع، ثم بقي بعده كسبب السعي والرمل. (¬3) عند جمهور أهل العلم، لفعله صلى الله عليه وسلم قال في الإنصاف: بمنزلة حصاة، لا أعلم فيه خلافا، ودفعة بفتح الدال المرة وبالضم، اسم لما يدفع بمرة.

ولا يجزئ الوضع (¬1) (يرفع يده) اليمنى حال الرمي (حتى يرى بياض إبطه) (¬2) لأنه أعون على الرمي (¬3) (ويكبر مع كل حصاة) (¬4) ويقول: «اللهم اجعله حجا مبرورا، وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا» (¬5) (ولا يجزئ الرمي بغيرها) أي غير الحصا (¬6) كجوهر، وذهب، ومعادن (¬7) . ¬

_ (¬1) أي من غير رمي أو طرح، قولا واحدا، لأنه خلاف الوارد، ولا يسمى رميا، ولا في معنى الرمي الذي هو مجاهدة الشيطان، بالإشارة إليه بالرمي الذي يجاهد به العدو، كما يدل عليه ما تقدم عن سعيد بن منصور، قال: ووجه الشيطان ترمون، والأولى أن يكون بينه وبين المرمى خمسة أذرع، وإن طرحه طرحا أجزأ، جزم به الموفق وغيره، ولو رمى بها، فذهبت بها ريح عن المرمى لم يجزئه، أو وقعت على ثوب إنسان فنفضها، لم يجزئه، لأن حصولها في المرمى بفعل غيره. (¬2) مبالغة في الرفع «ويرى» بالبناء للمجهول. (¬3) وأمكن لحصولها في المرمى. (¬4) أي يستحب أن يكبر مع كل حصاة، وفي صحيح مسلم: رماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة. (¬5) لأن ابن عمر، وابن مسعود كانا يقولان، ذلك «ومبرورا» أي متقبلا يقال: بر الله حجك أي قبله. (¬6) أي غير جنس الحصا، لفعله صلى الله عليه وسلم وأمره به. (¬7) قال في الإنصاف: قولا واحدا، وخشب، وعنبر، ولؤلؤ، لأنها ليست من جنس الأرض، ولأنه نثار وليس برمي.

(ولا) يجزئ الرمي (بها ثانيا) (¬1) لأنها استعملت في عبادة، فلا تستعمل ثانيا، كماء الوضوء (¬2) (ولا يقف) عند جمرة العقبة بعد رميها (¬3) لضيق المكان (¬4) وندب أن يستبطن الوادي (¬5) وأن يستقبل القبلة (¬6) . ¬

_ (¬1) أي بحصاة رمى بها، قال الشيخ: ولا يرمى بحصى قد رمي به. (¬2) أي كما لا يجزئ استعمال ماء الوضوء مرة ثانية، فكذا حصى الرمي. (¬3) حكاه غير واحد إجماعا، لفعل ابن عمر وغيره، وقوله: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، وقد تظافرت به الأخبار. (¬4) وعدم مشروعية الوقوف عندها، وانتهاء العبادة. (¬5) أي يدخله من بطنه، وبعضهم يرى وجوبه، وأنه لا يجوز من أعلى الجبل، والأكثر أنه جائز، وخلاف السنة، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، يختارون أن يرمي الرجل من بطن الوادي، وقد رخص بعض أهل العلم: إن لم يمكنه أن يرمي من بطن الوادي، رمي من حيث قدر عليه، وقال ابن الهمام: ثبت أنه رمى خلق كثير من الصحابة من أعلاها، ولم يؤمروا بالإعادة. (¬6) فتكون الجمرة عن يمينه، وعنه: يستقبلها، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم كان يرميها من بطن الوادي، مستقبلا لها، البيت عن يساره، ومنى عن يمينه وفي لفظ: حتى إذا حاذى بالشجرة اعترضها وقال الشيخ: يرميها مستقبلا لها، يجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، هذا هو الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها: وفي الصحيحين عن ابن مسعود: انه انتهى إلى جمرة العقبة، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه ورمى بسبع، وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة، ولا تكون منى عن يمينه، ومكة عن يساره، إلا وهو مستقبل للجمرة، وفيهما عنه أنه استقبل الجمرة حالة الرمي، فهو السنة المتبعة.

لا يشترط بقاء الحجر في المرمى، ويقطع التلبية عند الشروع في الرمي

وأن يرمي على جانبه الأيمن (¬1) وإن وقعت الحصاة خارج المرمى، ثم تدحرجت فيه أجزأت (¬2) . ¬

_ (¬1) لفعل ابن عمر، صححه الترمذي، ولفظ المبدع: على حاجبه الأيمن. (¬2) أي فإن وقعت خارج مجتمع الحصى، وهو الجمرة، والشاخص المرتفع منه، وإنما وضع علما على الجمرة، فهو ثلاثة أذرع من سائر الجوانب، إلا جمرة العقبة، فليس لها إلا جهة واحدة من بطن الوادي، وإذا وقع الرمي قريبا من الجمرة جاز، لأن هذا القدر مما لا يمكن الاحتراز عنه، وقال النووي وغيره: المراد مجتمع الحصى في موضعه المعروف، وهو الذي كان في زمنه صلى الله عليه وسلم وحده الطبري وغيره بأنه ما كان بينه وبين الجمرة ثلاثة أذرع، والمشاهدة تؤيده فإن مجتمعه غالبا لا ينقص عن ذلك. ومن مجتمع الحصى موضع الشاخص، ولم يقل أحد: إنه لا يجوز قصد الشاخص بالرمي، ولا يبعد أن يكون في موضع الشاخص أحجار موضوعة أصلا، أو بأمره صلى الله عليه وسلم، بني الشاخص عليها، والناس في زمنه صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يرمون حوالي محله، ويتركون محله، ولو وقع ذلك لنقل. ولو فرش جميع المرمى بأحجار كفى الرمي عليه، لأن المرمى وإن كان هو الأرض، فالأحجار عليه تعد منه، ويعد الرمي عليها رميا على تلك الأرض، فالشاخص المبني يكفي الرمي عليه، واتفق الناس عليه خلفا عن سلف، ولم ينقل عن أحد طعن في ذلك، والناس لا يقصدون إلا فعل الواجب، والرمي إلى المرمى، وقد حل بفعل الرامي، وهو الذي يسع الناس، ولا يشترط بقاء الحجر في المرمى، فلا يضر تدحرجه، بعد وقوعه في المرمى، لحصول اسم الرمي.

(ويقطع التلبية قبلها) (¬1) لقول الفضل بن العباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، أخرجاه في الصحيحين (¬2) (ويرمي) ندبا (بعد طلوع الشمس) (¬3) لقول جابر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة ضحى يوم النحر، وحده أخرجه مسلم (¬4) . ¬

_ (¬1) أي قبل رمي الجمرة، وعند الشروع فيه، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وجماهير العلماء، لأنه شرع فيما يحصل به التحلل. (¬2) قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يرمى الجمرة، ولهما عن ابن عباس أن أسامة والفضل كلاهما قالا: لم يزل يلبي حتى رمي جمرة العقبة، أي حتى شرع في رمي جمرة العقبة، وروى حنبل: قطع عند أول حصاة، وقال الطحاوي وغيره: جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم آثار متواترة بتلبيته بعد عرفة، إلى أن رمى جمرة العقبة، وقال الشيخ: فإذا شرع في الرمي قطع التلبية، فإنه حينئذ يشرع في التحلل، وهكذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ولا يزال يلبي في ذهابه إلى عرفات، وذهابه منها إلى مزدلفة حتى يرمي جمرة العقبة. (¬3) هذا هو الأفضل وحكاه ابن عبد البر وغيره إجماعا. (¬4) فدل على أفضلية رميها بعد طلوع الشمس يوم النحر لا غير، فوحده راجع ليوم النحر، وليس هو راجعا لقول جابر: رأيت ... إلخ، فجمرة العقبة يندب أن ترمى ضحى يوم العيد وحده، وما بعد يوم العيد بعد الزوال، ويأتي وعن ابن عباس أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة ماشيا، رواه الترمذي وحسنه، وقال: العمل عليه عند بعض أهل العلم، ويجوز راكبا، والأكثر ماشيا.

وقت الرمي للضعفة، والقادرين

(ويجزئ) رميها (بعد نصف الليل) من ليلة النحر (¬1) لما روى أبو داود عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة ليلة النحر، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت (¬2) . ¬

_ (¬1) وهذا مذهب الشافعي، وقال غير واحد: بعد الفجر، وأبو حنيفة وطوائف لا يجوزونه إلا بعد طلوع الفجر. (¬2) أي طافت طواف الإفاضة، ولأن أسماء نزلت بجمع، عند المزدلفة فقامت تصلي، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قال مولاها عبد الله: نعم قالت: فارتحلوا فارتحلنا، ومشينا، حتى رمينا الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت: يا هنتاه، ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت: يا بني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن متفق عليه، وقال ابن القيم: أنكره أحمد وغيره، وما روى هو وغيره عن ابن عباس أنهم رموها قبل الفجر، قد روى هو وغيره حديثا أصح منه، ولفظه «أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» رواه الخمسة وفيه انقطاع. وعلى كل تقدير فلا تعارض، فإنه أمر الصبيان أن لا يرموا حتى تطلع الشمس، فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي، أما من قدمه من النساء، فإن قيل: رمين قبل طلوع الشمس، للعذر، والخوف عليهن من مزاحمة الناس، لأجل الرمي فقد يسوغ وأما القادر فلا يجوز له ذلك، وقول جماعة أهل العلم، الذي دلت عليه السنة رمي القادر بعد طلوع الشمس، قال ابن المنذر وغيره: السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز قبل طلوع الفجر، لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رماها بعده فلا إعادة عليه إذ لا أعلم أحدا قال: لا يجزئه.

وقت النحر، وموضعه، والحلق أو التقصير، وكيفيتهما وبيان الأفضل.

فإن غربت شمس يوم الأضحى قبل رميه، رمى من غد، بعد الزوال (¬1) (ثم ينحر هديا إن كان معه) واجبا كان أو تطوعا (¬2) . ¬

_ (¬1) جزم به في الإنصاف وغيره، وتقدم أن وقت الرمي بعد طلوع الشمس، وإن أخره إلى آخر النهار جاز، وأما الليل فرخص فيه للرعاة خاصة. (¬2) لحديث أنس أتى منى، فأتى الجمرة، فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر: الحديث رواه مسلم، وعليه إجماع المسلمين، قال ابن القيم: ولم ينحر هديه إلا بعد أن حل، ولم ينحره قبل يوم النحر، ولا أحد من أصحابه ألبتة، وقال صلى الله عليه وسلم «ونحرت ههنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم» أي فلا تتكلفوا النحر في موضع نحري، بل يجوز لكم النحر في منازلكم وظاهره أن نحره في ذلك المكان وقع عن اتفاق، لا لشيء يتعلق بالنسك، ومنزله بين منحره ومسجد الخيف، ومنحره عند الجمرة الأولى. قال الوزير وغيره: اتفقوا على أنه أي موضع نحر فيه من الحرم أجزأه إلا مالكا فقال: لا ينحر في الحج إلا بمنى، ولا في العمرة إلا بمكة، قال الشيخ: وكل ما ذبح بمنى، وقد سيق من الحل إلا الحرم فإنه هدي، سواء كان من الإبل، أو البقر، أو الغنم، ويسمى أيضا أضحية، بخلاف ما يذبح يوم النحر بالحل، فإنه أضحية، وليس بهدي، وليس بمنى ما هو أضحية وليس بهدي، كما في سائر الأمصار. وقال هو وابن القيم: هدي الحاج بمنزلة الأضاحي للمقيم، ولم ينقل أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية، بل كان هديهم هو أضاحيهم، فهو هدي بمنى، وأضحية بغيرها، قال: فإذا اشترى الهدي من عرفات، وساقه إلى منى، فهو هدي باتفاق العلماء وكذلك إن اشتراه من الحرم فذهب به إلى التنعيم، وأما إذا اشترى الهدي من منى، وذبحه فيها، ففيه نزاع، فمذهب مالك أنه ليس بهدي، وهو منقول عن ابن عمر، ومذهب الثلاثة أنه هدي، وهو منقول عن عائشة.

فإن لم يكن معه هدي، وعليه واجب اشتراه (¬1) وإن لم يكن عليه واجب سن له أن يتطوع به (¬2) وإذا نحر الهدي فرقه على مساكين الحرم (¬3) (ويحلق) (¬4) ويسن أن يستقبل القبلة (¬5) . ¬

_ (¬1) وذبحه والأفضل بمنى، للخبر. (¬2) لقوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} إلى قوله: {لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ *} ولا نزاع في سنيته. (¬3) لقوله: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا} الآية، ولا يتعين ذبحه، فلو أطلقه لهم أجزأ، كما تقدم. (¬4) أي ثم بعد النحر يحلق، على هذا الترتيب، لثبوته في صحيح مسلم وغيره، فـ «الواو» هنا بمعنى «ثم» لأنه رمى جمرة العقبة، ثم عاد إلى منى، فذبح بدنة، ثم دعا بالحلاق فحلق رأسه، صلاة الله وسلامه عليه، وروي في الحديث «لكل من حلق رأسه بكل شعرة سقطت نور يوم القيامة» قال ابن الهمام: ومقتضى الدليل في الحلق وجوب الاستيعاب، كما هو قول مالك، وهو الذي أدين الله به قال مالك: ولا يخرج منه إلا بالاستيعاب، وحكى النووي الإجماع على حلق الجميع، والمراد إجماع الصحابة والسلف، ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه الاكتفاء بحلق بعض شعر الرأس، وتقدم النهي عنه. (¬5) لما تقدم من استحباب استقبال القبلة في كل طاعة إلا لدليل.

ويبدأ بشقه الأيمن (¬1) (أو يقصر من جميع شعره) (¬2) لا من كل شعرة بعينها (¬3) . ¬

_ (¬1) للأمر بالبداءة باليمين، ولقوله صلى الله عليه وسلم للحلاق «خذ» وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، رواه مسلم وغيره، ولأبي داود، فأخذ شقه الأيمن فحلقه، فجعل يقسمه بين من يليه، ثم حلق شق رأسه الأيسر، وذكر جماعة: ويدعو وقت الحلق، لأنه نسك، وذكر الموفق وغيره، ويكبر، لأنه نسك، ولا يشارط على أجرة، ونقل عن بعض الأئمة أنه قال: أخطأت في حلق رأسي في خمسة أحكام، علمنيها حجام بمنى، قلت: بكم تحلق؟ قال: النسك لا يشارط عليه، فجلست، فقال: حول وجهك إلى القبلة، وقال: أدر الأيمن، وكبر فلما فرغت قال: صل ركعتين، فقلت: من أين لك؟ قال: رأيت عطاء يفعله والأربعة الأول هي فعل السلف. (¬2) نص عليه، لدعائه صلى الله عليه وسلم للمحلقين والمقصرين، ولقوله: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} ويعمه لذلك لأنه بدل عن الحلق، فاقتضى التعميم للأمر بالتأسي، وظاهره التخيير بين الحلق والتقصير، لأن بعضهم حلق، وبعضهم قصر، ولم ينكر، والحلق أفضل من التقصير إجماعا، لما في الصحيحين أنه دعا للمحلقين ثلاثا، ثم قال: «والمقصرين» قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، يرون أن يحلق رأسه، وإن قصر يرون ذلك يجزئ عنه، ولأن المقصود قضاء التفث، وهو بالحلق أتم، فكان أولى، ولأنه أبلغ في العبادة، وأدل على صدق النية، لقوله: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} مرتبا على الذبح، وعن أنس: أتى جمرة العقبة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق «خذ» فقدم الذبح عليه لأن الذبح ليس بمحلل على سبيل العموم، فقدمه على الحلق، ليقع في الإحرام. (¬3) وقال شيخ الإسلام، وفي الإنصاف: هذا لا يعدل عنه، ولا يسع الناس غيره، وقال الشيخ: وإذا قصر جمع شعره، وقص منه بقدر الأنملة، أو أقل أو أكثر.

المرأة تقصر قدر أنملة للنهي عن الحلق، ولأنه مثلة في حقهن

ومن لبد رأسه، أو ضفره أو عقصه فكغيره (¬1) وبأي شيء قصر الشعر أجزأ (¬2) وكذا إن نتفه (¬3) أو أزاله بنورة (¬4) لأن القصد إزالته (¬5) لكن السنة الحلق أو التقصير (¬6) (وتقصر منه المرأة) أي من شعرها (¬7) (قدر أنملة) فأقل (¬8) . ¬

_ (¬1) يقصر من مجموعه، و «لبده» بالتشديد: ألزقه بصمغ ونحوه حتى يتلبد، وضفره، أي: جعله ضفائر، وعقصه: لواه وعقده، فكغيره في التقصير. (¬2) سواء كان بموسي أو غيره. (¬3) أجزأ، وهو خلاف السنة. (¬4) أو غيرها أجزأ (¬5) بعد أن منعه الإحرام من الترفه بأخذه. (¬6) للأمر به، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه له، وذكر بعض أهل العلم فيمن عدم الشعر، إمرار الموسي على رأسه، وحكى اتفاقا، وذكره الهيتمي إجماعا، تشبها بالحالقين، وقال غير واحد: إذا سقط ما وجب الحلق لأجله، سقط الحلق، وإمرار الموسي عبث وقد حل، وينبغي أن يأخذ من شاربه ليكون قد وضع من شعره شيئا لله. (¬7) أي تقصر المرأة من شعرها، وهو واجب إجماعا. (¬8) بلا خلاف، لعدم التقدير الشرعي، فيجب ما يقع عليه الاسم، وأجمعوا أنه لا يجب عليها حلق، وإنما شرع لهن التقصير، قال الشيخ: ولا تقصر أكثر من ذلك وأما الرجل فله أن يقصر ما شاء اهـ ونقل أبو داود، تجمع شعرها إلى مقدم رأسها، ثم تأخذ من أطرافه قدر أنملة.

يقصر العبد ولا يحلق إلا بإذن سيده

لحديث ابن عباس يرفعه «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير» رواه أبو داود (¬1) فتقصر من كل قرن قدر أنملة أو أقل (¬2) وكذا العبد (¬3) ولا يحلق إلا بإذن سيده (¬4) وسن لمن حلق أو قصر أخذ ظفر، وشارب، وعانة، وإبط (¬5) (ثم) إذا رمى وحلق أو قصر فـ (قد حل له كل شيء) كان محظورا بالإحرام (إلا النساء) وطأ (¬6) . ¬

_ (¬1) وللترمذي وغيره عن علي: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها، قال: والعمل عليه عند أهل العلم، لا يرون على المرأة حلقا، ويرون أن عليها التقصير، ولأن الحلق مثلة في حقهن. (¬2) من الأنملة، قال في المبدع، بعد حكاية ابن الزاغوني، يجب أنملة، والأشهر يجزئ أقل منها، إذ لم يرد فيه تقدير. (¬3) أي حكمه حكم المرأة أنه يقصر قدر أنملة. (¬4) لأن الشعر ملك للسيد ويزيد في قيمته، ولم يتعين زواله، فلم يكن له ذلك كغير حالة الإحرام، فإن أذن له جاز، إذ الحق له. (¬5) قال ابن المنذر: صح أنه صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه قص أظفاره، ولأنه من التفث، فيستحب قضاؤه. (¬6) وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، لأن تحريم المرأة ظاهر في وطئها، ولأنه أغلظ المحرمات، ويفسد النسك، بخلاف غيره، قال الشيخ: فإذا فعل ذلك فقد تحلل، باتفاق المسلمين، التحلل الأول، فيلبس الثياب، ويقلم أظفاره، وكذلك له على الصحيح أن يتطيب ويتزوج، ويصطاد، يعني خارج الحرم، ولا يبقى عليه من المحظورات إلا النساء، وحكى الوزير وغيره: اتفاقهم على أن للمحرم تحللين، أولهما رمي جمرة العقبة، وآخرهما طواف الإفاضة.

ومباشرة، وقبلة، ولمسا لشهوة، وعقد نكاح (¬1) لما روي سعد عن عائشة مرفوعا، «إذا رميتم وحلقتم، فقد حل لكم الطيب، والثياب، وكل شيء إلا النساء» (¬2) (والحلاق والتقصير) ممن لم يحلق (نسك) (¬3) . ¬

_ (¬1) وهو أحد قولي الشافعي، وظاهر كلام جماعة حله، اختاره شيخ الإسلام وذكره رواية عن أحمد. (¬2) ورواه الأثرم وغيره، ولأحمد عن ابن عباس مرفوعا معناه، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، يرون أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر، وذبح، وحلق أو قصر، فقد حل له كل شيء حرم عليه، إلا النساء، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وروي عن عمر وغيره: والطيب، وهو قول أهل الكوفة، وعن عائشة طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت، بطيب فيه مسك. (¬3) وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وقال النووي وغيره: عند جماهير العلماء، والنسك العبادة فيثاب على فعله، ويعاقب على تركه، قال تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} فوصفهم ومنَّ عليهم بذلك، فدل على أنه من العبادة مع قوله: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} قيل: المراد به الحلق، ولو لم يكن نسكا لم يتوقف الحل عليه، ولأنه صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين والمقصرين، وفاضل بينهم، فلولا أنه نسك لما استحقوا لأجله الدعاء منه لهم، والحلاق بكسر الحاء، مصدر: حلق حلقا وحلاقا، والواو هنا بمعنى «أو» وعلم من كونهما نسكا أنه لا بد من نيتهما كنية الطواف.

من قدم شيئا قبل شيء فلا حرج

في تركهما دم (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم «فليقصر ثم ليتحلل» (¬2) (ولا يلزم بتأخيره) أي الحلق أو التقصير عن أيام منى (دم (¬3) ولا بتقديمه على الرمي والنحر) (¬4) ولا إن نحر أو طاف قبل رميه، ولو عالما (¬5) لما روى سعيد، عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قدم شيئا قبل شيء فلا حرج» (¬6) . ¬

_ (¬1) أي ترك جميعهما لا مجموعهما، لأنه لو حلق ولم يقصر، أو عكس، لا شيء عليه، لأنه فعل الواجب. (¬2) ووجه الدلالة منه: أنه رتب الحل على التقصير، فلو لم يكن نسك لم يرتب ذلك عليه. (¬3) لقوله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلهُ} فبين أول وقته دون آخره، فلا آخر لوقته، فمتى أتى به أجزأ كالطواف. (¬4) أي ولا يلزم بتقديم الحلق على الرمي والنحر دم، عند أكثر أهل العلم. (¬5) لو إشارة إلى الرواية الثانية أنه يلزمه دم، بدليل قوله: لم أشعر والأكثر وصححه وجزم به غير واحد، واستظهره في المبدع، أنه لا دم عليه للإطلاق ونفي الحرج كما يأتي. (¬6) وللترمذي وصححه: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: «اذبح ولا حرج» وقال آخر: نحرت قبل أن أرمي؟ قال: «ارم ولا حرج» وقال: والعمل عليه عند أهل العلم، وهو قول أحمد، وإسحاق، وقال الشارح: لا نعلم خلافا أن الإخلال بالترتيب لا يخرج هذه الأفعال عن الأجزاء، وإنما الخلاف في وجوب الدم اهـ وجمهور أهل الحديث والفقهاء على الجواز، وعدم وجوب الدم، لأن قوله: «ولا حرج» مقتض لرفع الإثم والفدية.

السنة: أن يرمي ثم ينحر، ثم يحلق ثم يطوف

ويحصل التحلل الأول باثنين من حلق، ورمي، وطواف (¬1) والتحلل الثاني بما بقي مع سعي (¬2) ثم يخطب الإمام بمنى يوم النحر، خطبة يفتتحها بالتكبير (¬3) . ¬

_ (¬1) حكاه الوزير وغيره اتفاق الأئمة، وذكروا أنه يتحلل التحلل الأول بالرمي والحلاق، أو بالرمي والطواف، أو بالطواف والحلاق، ويحصل التحلل الثاني بما بقي منها اتفاقا، ويبيح جميع محظورات الإحرام، ويعيد المحرم حلالا، وفي المبدع: والأكثر على أنه لا يحصل التحلل إلا بالرمي والحلق أو التقصير، لأمره صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي أن يطوف ويقصر، ثم يحل وتقدم أن الأنساك ثلاثة، رمي وحلق، وطواف وقال ابن القيم: والمحفوظ جواز تقديم الرمي، والنحر، والحلق، بعضها على بعض اهـ والسنة أن يرمي، ثم ينحر، ثم يحلق، ثم يطوف، يرتبها رواه أبو داود وغيره، عن أنس: أنه فعل هكذا صلى الله عليه وسلم. (¬2) من متمتع مطلقا، وقارن لم يسع مع طواف القدوم، لأنه ركن، وعليه فالتحلل الأول باثنين من ثلاثة كما مر، والتحلل الثاني باثنين من أربعة، وفاقا. (¬3) وفاقا للشافعي، لقول ابن عباس: خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوم النحر، رواه البخاري، وعن نافع، عن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى، حين ارتفع الضحى، على بغلة شهباء، وعلي بعيد عنه، والناس بين قائم وقاعد.

يعلمهم فيها النحر، والإفاضة، والرمي (¬1) . ¬

_ (¬1) لقول عبد الرحمن بن معاذ: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى، فطفق يعلمهم مناسكهم، حتى بلغ الجمار، رواه أبو داود، ولأن الحاجة تدعو إليه وقال الشيخ: وليس بمنى صلاة عيد، بل رمي الجمرة لهم، صلاة العيد لأهل الأمصار. وهذا اليوم هو يوم الحج الأكبر، قاله غير واحد من أهل العلم، واختاره ابن جرير وغيره، لأن فيه تمام الحج، ومعظم أفعاله، وقال عليه الصلاة والسلام عند الجمرات، هذا يوم الحج الأكبر، ولابن جرير وغيره بسند صحيح قال: «أليس هذا يوم الحج الأكبر؟» وأصله في الصحيح.

فصل في طواف الإفاضة والسعي ... إلخ

فصل (¬1) (ثم يفيض إلى مكة (¬2) ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة، طواف الزيارة) (¬3) ويقال طواف الإفاضة (¬4) فيعينه بالنية (¬5) . ¬

_ (¬1) أي في حكم طواف الإفاضة، والسعي، وأيام منى، والوداع، وغير ذلك. (¬2) لفعله صلى الله عليه وسلم المتفق عليه، واستمر عمل المسلمين عليه «وأفاض الحاج» أسرعوا في دفعهم من عرفة إلى المزدلفة، وأيضا رجعوا من منى إلى مكة يوم النحر. (¬3) سمي بذلك لأنهم يأتون من منى، زائرين البيت، ويعودون في الحال، أو لأنه يفعل عند زيارة البيت، قال الشيخ: إن إمكنه فعله يوم النحر، وإلا فعله بعد ذلك. (¬4) سمي بذلك لإتيانهم به عقب الإفاضة من منى، وهذه التسمية عند أهل العراق، ويقال: «طواف الفرض» لتعينه، (وطواف الركن) عند أهل الحجاز، ويقال: طواف يوم النحر، وطواف النساء، لأنهن يبحن بعده، و «طواف الصدر» لأنه يصدر إليه من منى. (¬5) لحديث «إنما الأعمال بالنيات» ولأن الطواف بالبيت صلاة، وهي لا تصح إلا بنية معينة، فإن طاف للقدوم، أو الوداع، أو بنية النفل، وكان ذلك كله بعد دخول وقت الطواف المفروض، لم يقع عنه، وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، لا يجب تعيينها.

الأطوفة ثلاثة، ولا يستحب أن يطوف للقدوم بعد التعريف

وهو ركن، لا يتم حج إلا به (¬1) وظاهره أنهما لا يطوفان للقدوم، ولو لم يكونا دخلا مكة قبل (¬2) وكذا المتمتع، يطوف للزيارة فقط (¬3) كمن دخل المسجد وأقيمت الصلاة، فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد (¬4) واختاره الموفق، والشيخ تقي الدين، وابن رجب (¬5) ونص الإمام واختاره الأكثر أن القارن والمفرد، وإن لم يكونا دخلاها قبل يطوفان للقدوم برمل، ثم للزيارة (¬6) . ¬

_ (¬1) وتقدم لقوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} فإن آخر المناسك الطواف، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم ولقوله: «أطافت يوم النحر؟» قالوا: نعم. قال: «فانفري» وفي لفظ «أحابستنا هي؟» فثبت أن من لم يطف يوم النحر لم يحل له أن ينفر حتى يطوف، وأنه حابس لمن لم يأت به، ووصفه صلى الله عليه وسلم بالتمام، لأنه لم يبق من أركان الحج سواه، فإذا أتى به حصل تمام الحج. (¬2) أي ظاهر كلام المصنف، حيث لم ينبه إلا على طواف الزيارة، أنهما لا يطوفان للقدوم، والأطوفة ثلاثة بالإجماع، طواف القدوم، والوداع والإفاضة بعد الرمي، وأجمعوا على أنه يفوت الحج بفواته، وهو المعني بالآية ولا يجزئ عنه دم، والجمهور أنه يجزئ عن طواف الوداع. (¬3) أي وكالقارن والمفرد المتمتع، في الكفاية بطواف الزيارة، وإنما فصله عما قبله لعدم الصراحة به في كلامه. (¬4) أي فطواف الزيارة يكتفي به المتمتع عن طواف القدوم. (¬5) قال الشيخ: ولا يستحب للمتمتع ولا لغيره أن يطوف للقدوم بعد التعريف. (¬6) بلا رمل، لأنه رمل قبل، قال الموفق: لا أعلم أحدا وافق أبا عبد الله على هذا الطواف، بل المشروع طواف واحد للزيارة، كمن دخل المسجد وأقيمت الصلاة، وحديث عائشة دليل على هذا، فلم تذكر طوافا آخر، ولو كان الذي ذكرته طواف القدوم، لكانت أخلت بذكر الركن الذي لا يتم الحج إلا به، وذكرت ما يستغنى عنه.

وأن المتمتع يطوف للقدوم، ثم للزيارة بلا رمل (¬1) (وأول وقته) أي وقت طواف الزيارة (بعد نصف ليلة النحر) لمن وقف قبل ذلك بعرفات (¬2) وإلا فبعد الوقوف (¬3) (ويسن) فعله (في يومه) (¬4) لقول ابن عمر: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، متفق عليه (¬5) . ¬

_ (¬1) قال الشيخ: لا يستحب للمتمتع أن يطوف طواف القدوم، بعد رجوعه من عرفة، قبل الإفاضة، وصوبه وقال: هو قول جمهور الفقهاء، وقال ابن القيم: لم يذكر أحد أن الصحابة لما رجعوا من عرفة طافوا للقدوم وسعوا، ثم طافوا للإفاضة بعده، ولا النبي صلى الله عليه وسلم هذا لم يقع قطعا. (¬2) لأن أم سلمة رمت، ثم طافت، ثم رجعت، فوافت النبي صلى الله عليه وسلم عند جمرة العقبة، وبينها وبين مكة فرسخان:. (¬3) أي وإن لم يكن وقف قبل ذلك، فوقت طواف الإفاضة في حقه بعد الوقوف، وآخر وقت الوقوف إلى فجر يوم النحر، ولا آخر لوقته لأنه لم يرد فيه توقيت، وكذا السعي كما سيأتي. (¬4) أي يسن فعل طواف الإفاضة في يوم النحر بعد الرمي، والنحر، والحلق. (¬5) ولقول جابر: ثم أفاض النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر إلى البيت، ونحوه عن عائشة، وابن عمر، ولم يرجع صلى الله عليه وسلم بعد أن طاف للإفاضة إلى حين الوداع.

دخول البيت والصلاة فيه وفي الحجر

ويستحب أن يدخل البيت (¬1) فيكبر في نواحيه (¬2) ويصلي فيه ركعتين بين العمودين، تلقاء وجهه (¬3) ويدعو الله عز وجل (¬4) . ¬

_ (¬1) لفضله وشرفه، وفعله صلى الله عليه وسلم وقالت عائشة: كنت أحب أن أدخل البيت، فأصلي فيه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأدخلني الحجر، فقال: صلي في الحجر إن أردت دخول البيت فإنما هو قطعة من البيت، قال الشيخ: والحجر أكثره من البيت من حيث ينحني حائطه، فمن دخله فهو كمن دخل الكعبة، وقال هو وابن القيم: لم يدخل صلى الله عليه وسلم البيت في حجته، ولا في عمرته، وإنما دخله عام الفتح. وقال في الفنون، تعظيم دخوله فوق الطواف يدل على قلة العلم، وللترمذي وغيره وصححه عن عائشة: خرج من عندي قرير العين طيب النفس، فرجع إليَّ وهو حزين، فقلت له، فقال: «إني دخلت الكعبة، ووددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون أعتبت أمتي من بعدي» . (¬2) لخبر أسامة عند أحمد، والنسائي، أنه صلى الله عليه وسلم قام إلى ما بين يديه من البيت، فوضع صدره عليه، وخده ويديه، ثم هلل، وكبر، ودعا، ثم فعل ذلك بالأركان كلها. (¬3) قال الشيخ: فإذا دخل مع الباب، تقدم حتى يصير بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع، والباب خلفه، فذلك المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وللترمذي وصححه عن بلال، أنه صلى الله عليه وسلم صلى في جوف الكعبة، قال: والعمل عليه عند أهل العلم، لا يرون بالصلاة في الكعبة بأسًا، وكره صلاة المكتوبة فيه الشافعي، وقال مالك: لا بأس بالصلاة النافلة. (¬4) ويذكره قاله الشيخ وغيره، فإن لم يدخله فلا بأس ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يدخله في حجه ولا في عمرته، وإنما دخله عام الفتح، ويكثر النظر إليه لأنه عبادة إلا في الصلاة فإن المطلوب فيها النظر إلى موضع سجوده، لأنه أجمع لقلبه على العبادة.

له تأخير الطواف، وينبغي أن يكون في أيام التشريق

(وله تأخيره) أي تأخير الطواف عن أيام منى (¬1) لأن آخر وقته غير محدود كالسعي (¬2) (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعا) (¬3) لأن سعيه أولا كان للعمرة فيجب أن يسعى للحج (¬4) . ¬

_ (¬1) لأنه تعالى أمر بالطواف مطلقا، فمتى أتى به صح، قال الشارح: بغير خلاف، وظاهره أنه لا دم عليه بتأخيره. (¬2) قال في الإنصاف: وإن أخره عنه، وعن أيام منى جاز بلا نزاع وقال الشيخ: ينبغي أن يكون في أيام التشريق، فإن تأخيره عن ذلك فيه نزاع اهـ فالمذهب كقول الشافعي، أن آخره غير موقت، وعند أبي حنيفة: أيام التشريق ومالك: ذي الحجة، والتعجيل أفضل، فإن أخره فعليه دم. (¬3) هذا المذهب وهو إحدى الروايات عن أحمد، ومذهب أبي حنيفة. (¬4) وقال أحمد: إن طاف طوافين بين الصفا والمروة فهو أجود وإن طاف طوافا واحدا فلا بأس، وقال: وإن طاف طوافين فهو أعجب إلي، قال الشيخ وهذا منقول عن غير واحد من السلف، وعنه: يجزئه سعي واحد، قال ابن عباس: المفرد والمتمتع يجزئه طواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، واختاره الشيخ، وقال، هو أصح أقوال جمهور العلماء، وأصح الروايتين عن أحمد، فإن الصحابة الذين تمتعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة قبل التعريف، وأكثرهم متمتعون وحلف على ذلك طاوس، وثبت مثله عن ابن عمر، وابن عباس وجابر، وغيرهم وهم أعلم الناس بحجه صلى الله عليه وسلم وذكر ابن القيم رواية أبي داود، ولم يطف بين الصفا والمروة، وفيه اكتفاء المتمتع بسعي واحد. وقال الشيخ: لم ينقل أحد منهم أن أحدا منهم طاف وسعى، ثم طاف وسعى. ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقله أحد علم أنه لم يكن، وعمدة من قال بالطوافين ما روى أهل الكوفة عن علي، وابن مسعود، وعن علي: أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، خلاف ما رواه عنه أهل الكوفة، قال ابن حزم: وما روي في ذلك عن الصحابة لم يصح منه ولا كلمة واحدة، قال الشيخ: فإذا اكتفى المتمتع بالسعي الأول أجزأه، كما يجزئ المفرد والقارن، وهو الذي ثبت في صحيح مسلم عن جابر: لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا، طوافه الأول. وقد روي في حديث عائشة أنهم طافوا مرتين، لكن هذه الزيادة قيل: إنها من قول الزهري، وقال ابن القيم: قيل: من كلام عروة اهـ قال الشيخ: وقد احتج بها بعضهم على أنه يستحب طوافان بالبيت، وهذا ضعيف، والأظهر ما في حديث جابر، ويؤيده «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» فالمتمتع من حيث أحرم بالعمرة دخل بالحج، لكنه فصل بتحلل، ليكون أيسر على الحاج، وأحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة.

(أو) كان (غيره) أي غير متمتع بأن كان قارنا، أو مفردا (ولم يكن سعي مع طواف القدوم) (¬1) . ¬

_ (¬1) فيسعى لأنه إما ركن، وإما واجب، أو سنة، ولم يأت به، لأنه لا يكون إلا بعد طواف، لفعله صلى الله عليه وسلم وأمره بمتابعته فإن كان سعى مع طواف القدوم لم يسع، لقول جابر: لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا، طوافه الأول فأجزأه سعي واحد، قال الشيخ عند جمهور العلماء إلا أبا حنيفة في القارن، وأما جواز تقديمه فقال الوزير: أجمعوا على أن السعي بين الصفا والمروة، يجوز تقديمه على طواف الزيارة، بأن يفعل عقب طواف القدوم، ويجزئ، فلا يحتاج إذا طاف طواف الزيارة إلى السعي بين الصفا والمروة، ولا خلاف بينهم في ذلك.

التحلل الثاني يبيح المحظورات حتى النساء

فإن كان سعى بعده لم يعده (¬1) لأنه لا يستحب التطوع بالسعي، كسائر الأنساك (¬2) غير الطواف، لأنه صلاة (¬3) (ثم قد حل له كل شيء) حتى النساء (¬4) وهذا هو التحلل الثاني (¬5) (ثم يشرب من ماء زمزم لما أحب (¬6)) . ¬

_ (¬1) لأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يسعوا إلا بعد طواف القدوم، رواه مسلم وغيره. (¬2) قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه، وقال النووي: يكره. (¬3) أي حكمه حكم الصلاة. (¬4) وأجمعت الأمة على ذلك، وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أن التحلل الثاني يبيح محظورات الإحرام جميعها، ويعود المحرم حلالا، لقول عمر: لم يحل النبي صلى الله عليه وسلم من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر فأفاض بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وعن عائشة نحوه، متفق عليهما، و «النساء» بالرفع عطف على «كل» (¬5) وفاقا، حيث رمى، ونحر، وحلق، وطاف، وبها تمت أركان الحج الثلاثة، ولم يبق من أعمال الحج إلا المبيت بمنى، والرمي، وهما من الواجبات. (¬6) أي يستحب أن يشرب من ماء زمزم، لقول جابر: ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب، وهم يسقون فناولوه، فشرب، وينوي بشربه لما أحب أن يعطيه الله منه من خيري الدنيا والآخرة، فعن ابن عباس مرفوعا «ماء زمزم لما شرب له» رواه أحمد وابن ماجه والحاكم، وغيرهم بسند حسن، أي لما أحب من خيري الدنيا والآخرة، وفي الصحيحين أنه قال لأبي ذر، «إنها مباركة إنها طعام طعم» ، ولمسلم عن ابن عباس مرفوعا، «ماء زمزم طعام طعم» أي تشبع شاربها كالطعام، زاد الطيالسي (وشفاء سقم) وفي قوله صلى الله عليه وسلم «لولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» استحباب شرب مائها، وفضيلة الاستقاء، والعمل فيه، وسميت «زمزم» لكثرة مائها، وقيل: لضم هاجر لمائها حين انفجرت، وزمها إياه، وقيل: لزمزمة جبريل وكلامه عند فجره لها، وقال علي: «هي خير بئر في الأرض» .

ويتضلع منه (¬1) ويرش على بدنه وثوبه (¬2) ويستقبل القبلة (¬3) ويتنفس ثلاثا (¬4) (ويدعو بما ورد) (¬5) فيقول: «بسم الله، اللهم اجعله لنا علما نافعا، ورزقا واسعا، وريا، وشبعا، وشفاء من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك وحكمتك» (¬6) . ¬

_ (¬1) أي يملأ أضلاعه منه بلا نزاع في الجملة، بأن يروي، أو يزيد على الري، ويكره نفسه عليه، لما روى ابن ماجه وغيره «آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم» وقال ابن عباس لرجل: تضلع منها، وذكر الخبر. (¬2) صرح به في التبصرة، وذكر الواقدي وغيره: أنه صلى الله عليه وسلم لما شرب صب على رأسه. (¬3) لقول ابن عباس: إذا شربت منها فاستقبل القبلة، واذكر اسم الله، ولا بأس بالشرب قائما للحاجة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم شرب منها قائما للحاجة. (¬4) لأنه أهنى، وأمرى، وأروى، قال ابن عباس: إذا شربت من زمزم فاستقبل القبلة، واذكر اسم الله، وتنفس وتضلع منه، فإذا فرغت فاحمد الله. (¬5) من الأدعية الشرعية، ولا يستحب الاغتسال منها، قاله الشيخ وغيره. (¬6) روي عن عكرمة وغيره، ولأنه لائق به، وشامل لخيري الدنيا والآخرة، فيرجى له حصوله، وروي عن ابن عباس أنه كان إذا شرب منه يقول: اللهم إني أسألك علما نافعا، ورزقا واسعا، وشفاء من كل داء، و «الري» بكسر الراء وفتحها، ضد الظمأ «والشبع» بكسر الشين المعجمة وفتح الموحدة «والداء» المرض.

يبيت الحاج بمنى ثلاث ليال إن لم يتعجل إلا السقاة والرعاة ويرمي الجمرات الثلاث.

(ثم يرجع) من مكة بعد الطواف والسعي (¬1) (فـ) يصلي ظهر يوم النحر بمنى (¬2) (ويبيت بمنى ثلاث ليال) إن لم يتعجل (¬3) وليلتين إن تعجل في يومين (¬4) ويرمى الجمرات أيام التشريق (¬5) . ¬

_ (¬1) ولا يبيت بمكة ليالي منى، بلا نزاع في الجملة، بل بمنى، ليتم ما بقي عليه من أعمال الحج، ولم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم لأحد يبيت بمكة إلا العباس، من أجل سقايته. (¬2) لقول ابن عمر: أفاض النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى، متفق عليه، قال الشيخ، والسنة أن يصلي بالناس بمنى، ويصلي خلفه أهل الموسم، ويستحب أن لا يدع الصلاة في مسجد منى، وهو مسجد الخيف، مع الإمام فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر، كانوا يصلون بالناس قصرا بلا جمع بمنى، ويقصر الناس خلفهم، أهل مكة، وغير أهل مكة، فإن لم يكن للناس إمام عام صلى الرجل بأصحابه، والمسجد بني بعد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على عهده. (¬3) قال الوزير وغيره: هو مشروع إجماعًا، إلا في حق سقاة ورعاة، وهو واجب عند أحمد، في رواية وقول للشافعي اهـ وعنه: سنة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، والقول الثاني للشافعي. (¬4) أي ويبيت بمنى غير سقاة ورعاة ونحوهم ليلتين إن تعجل في يومين ولا نزاع في جوازه. (¬5) وجوابًا إجماعًا وهي الثلاثة بعد يوم النحر، وقال الوزير: اتفقوا على وجوبه كل جمرة بسبع حصيات، قال الشيخ: ويستحب أن يمشي إليها اهـ، ولأن بعده وقوف ودعاء، فالمشي أقرب إلى التضرع، وقال ابن القيم: لما زالت الشمس مشى من رحله إلى الجمار ولم يركب.

كيفية الرمي ووقته وترتيبه وصفة المشي بين الجمرات والتكبير والدعاء

(فيرمي الجمرة الأولى (¬1) وتلي مسجد الخيف (¬2) بسبع حصيات) متعاقبات (¬3) يفعل كما تقدم في جمرة العقبة (¬4) (ويجعلها) أي الجمرة (عن يساره) (¬5) . ¬

_ (¬1) إجماعا، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بدأ بها، وسميت الأولى، والدنيا لقربها من مسجد الخيف، وهي أبعدهن من مكة، ويرميها بعد الزوال كما سيأتي، ويسن قبل الصلاة. (¬2) وهو المسجد المعروف، وأول من بناه المنصور العباسي، وهو محل خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بمنى وصلواته «والخيف» ما انحدر من غلظ الحبل وارتفع عن مسيل الماء. (¬3) واحدة بعد واحدة يكبر مع كل حصاة، وفعله صلى الله عليه وسلم بيان للصفة المشروعة، وثبت رميه بسبع، من حديث عمر، وابن مسعود، وعائشة وغيرهم، وثبت التساهل عن بعض الصحابة في البعض، قال سعد: رجعنا من الحجة بعضنا يقول: رميت بست وبعضنا يقول: بسبع، فلم يعب بعضنا على بعض، رواه الأثرم، وعن ابن عمر معناه، قال الموفق: الظاهر عن أحمد لا شيء في حصاة ولا حصاتين. (¬4) بأن يرميها بسبع حصيات، واحدة بعد واحدة، يرفع يده، حتى يرى بياض إبطه، ويكبر مع كل حصاة، قاله الشيخ وغيره، قال: وإن شاء قال: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا إلخ. (¬5) لما في الصحيحين وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم تقدم أمامها فوقف مستقبل القبلة، وفي لفظ: ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة، ولا يكون كذلك إلا بجعلها عن يساره.

تضمن حجة ست وقفات للدعاء

ويتأخر قليلاً) بحيث لا يصيبه الحصى (¬1) (ويدعو طويلاً) رافعا يديه (¬2) (ثم) يرمي (الوسطى مثلها) بسبع حصيات ويتأخر قليلاً، ويدعو طويلاً (¬3) لكن يجعلها عن يمينه (¬4) (ثم) يرمي (جمرة العقبة) بسبع كذلك (¬5) . ¬

_ (¬1) وعبارة الموفق وغيره: ثم يتقدم قليلاً، كما في الصحيح وغيره، فإنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه تقدم أمامها، حتى أسهل فقام مستقبل القبلة. (¬2) بقدر سورة البقرة، وقاله الشيخ، وتلميذه وغيرهما، لما في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما: فيقوم مستقبل القبلة، قيامًا طويلاً ويدعو ويرفع يديه وقيده بعضهم بقدر سورة البقرة. (¬3) بلا نزاع، وظاهر كلام غيره، يتقدم قليلاً ويدعو لما في الصحيحين وغيرهما، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة، ويدعو، ويرفع يديه ويقوم طويلاً، يحمد الله، ويثني عليه، ويهلل ويكبر، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو بحاجته، ويرفع يديه، وقال ابن القيم: ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي، فوقف مستقبل القبلة، رافعًا يديه يدعو قريبًا من وقوفه الأول، فتضمن حجه ست وقفات للدعاء، على الصفا، والمروة وبعرفة، ومزدلفة وعند الجمرتين، وإن ترك الوقوف عندها والدعاء فقد ترك السنة ولا شيء عليه. (¬4) لما تقدم ولا يكون كذلك إلا بجعلها عن يمينه. (¬5) أي بسبع حصيات متعاقبات يرفع يده حتى يرى بياض إبطه ويكبر ويدعو إلى آخره، وقال الموفق وغيره: لا نعلم مخالفا لما تضمنه حديث ابن عمر، إلا ما روي عن مالك في رفع يديه، والسنة متظاهرة بذلك.

(ويجعلها عن يمينه (¬1) ويستبطن الوادي (¬2) ولا يقف عندها (¬3) يفعل هذا) الرمي للجمار الثلاث، على الترتيب والكيفية المذكورين (¬4) (في كل يوم من أيام التشريق (¬5) بعد الزوال) فلا يجزئ قبله (¬6) . ¬

_ (¬1) فيكون مستقبل القبلة، وعنه: يستقبلها لما ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم أنه كان يرميها من بطن الوادي، مستقبلاً لها، ويكون البيت عن يساره، وقال الشيخ: هذا هو الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وتقدم. (¬2) لما تقدم من الأخبار، والعمل عليه عند أهل العلم، وبعضهم يرى وجوبه. (¬3) قال الحافظ وغيره: لا نعلم فيه خلافا، لما في الصحيحين وغيرهما: أنه صلى الله عليه وسلم لا يقف عندها، وحكمة الوقوف عندهما دونها والله أعلم تحصيل الدعاء لكونه في وسط العبادة، بخلاف جمرة العقبة، لأن العبادة قد انتهت بفراغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها، أفضل منه بعد الفراغ منها، كالصلاة. (¬4) أي في «المتن» وذلك باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، وبنقل الخلف عن السلف. (¬5) فيرمي في اليوم الثاني من أيام منى، مثل ما رمى في الأول، ثم إن شاء رمى في اليوم الثالث، وهو الأفضل، وإن شاء تعجل في اليوم الثاني بنفسه، قبل غروب الشمس. (¬6) عند جمهور العلماء فعن عائشة: مكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمار، إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة يقف عند الأولى، والثانية، فيطيل القيام والتضرع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها، رواه أبو داود، ولمسلم عن جابر، رأيته يرمي على راحلته يوم النحر، وأما بعد ذلك، فبعد زول الشمس، وللترمذي وحسنه: عن ابن عباس كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس، قال: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، أنه لا يرمي بعد يوم النحر إلا بعد الزوال، فوقت الزوال للرمي، كطلوع الشمس لرمي يوم النحر، وله عن ابن عمر مرفوعًا: أنه كان يمشي إلى الجمار، وله عنه أيضا وصححه: كان إذا رمى الجمار مشى إليها، ذاهبًا وراجعًا، وقال: العمل عليه عند أكثر أهل العلم.

حكم ترك حصاة، وشرط سقوطها

ولا ليلاً لغير سقاة ورعاة (¬1) والأفضل الرمي قبل صلاة الظهر (¬2) ويكون (مستقبل القبلة) في الكل (¬3) (مرتبًا) أي يجب ترتيب الجمرات الثلاث على ما تقدم (¬4) . ¬

_ (¬1) فهم يرمون ليلاً ونهارًا «والسقاة» جمع ساق، اسم فاعل والسقاية: مصدر، كالحماية والرعاية، مضاف إلى المفعول: وليس المراد الذين يأتون بالماء للحاج، إنما الرخصة لسقاة زمزم خاصة، لأنها إنما وقعت للعباس، وهو صاحب زمزم، كما قاله المجد وغيره، والرعاة: هم رعاة الإبل خاصة، بضم الراء، جمع راع، ويجمع على رعيان. (¬2) لفعله صلى الله عليه وسلم. (¬3) أي حال الرمي، وآخر وقت كل يوم: المغرب، وتقدم: أنه يرمي جمرة العقبة مستقبلاً لها، والكعبة عن يساره. (¬4) قريبًا، بأن يرمي الأولى، وتلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، وهو شرط، إلا عند أبي حنيفة، فلو نكسه فبدأ بغير الأولى، لم يحتسب له إلا بها، ويعيد رمي الأخيرتين مرتين، وإن أخل بحصاة من الأولى لم يصح رمي. الثانية، وإن جهل محلها بنى على اليقين، والموالاة ليست بشرط، جزم به مرعي وغيره، قال الخلوتي، يدل عليه قول: وإن جهل من أيها ترك، بنى على اليقين، أي فيجعلها من الأولى فيذهب إليها، فيرميها بحصاة واحدة فقط، ثم يعيد رمي ما بعدها، فإنها لو كانت الموالاة غير معتبرة، لما أعاد رمي الأولى. وقال في قوله: وفي ترك حصاة ما في إزالة شعرة، بشرط أن تكون الأخيرة وأن يكون سائر ما قبلها من الجمرات وقع تاما، وأن تكون أيام التشريق قد مضت، فإنه لو كان الترك من غير الأخيرة، لم يصح رميه، ولم يصح رمي ما بعدها بالمرة، ولو كان جميع الترك من الأخيرة، ولم تمض أيام التشريق، وجب عليه أن يعيد، ولم يجزئه الإطعام، لبقاء وقت الرمي، وفي حاشيته، قوله: ومن له عذر، من نحو مرض، وحبس جاز أن يستنيب من يرمي عنه، هذا فيما إذا كان فرضًا، وأما إن كان نفلا جاز أن يستنيب ولو لغير عذر.

تأخير الرمي إلى اليوم الثالث وترتيبه واستنابة من يرمي

(فإن رماه كله) أي رمى حصى الجمار السبعين كله (في) اليوم (الثالث) من أيام التشريق (أجزأه) الرمي أداءً (¬1) لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي (¬2) (ويرتبه بنيته) فيرمي لليوم الأول بنيته (¬3) ثم للثاني مرتبا، وهلم جرا (¬4) . ¬

_ (¬1) قال في الإنصاف: بلا نزاع، كتأخير وقوف بعرفة إلى آخر وقته. (¬2) لأنه عليه الصلاة والسلام جوزه للرعاة، فلزم تجويزه لغيرهم. (¬3) فيرمي الأولى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة. (¬4) أي يرمي لليوم الثاني مرتبًا بنيته، يبتدئ بالأولى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة وهلم جرا، فيرمي للثالث كذلك، ويوالي بين الرمي.

من له مال يخاف ضياعه حكمه حكم الرعاة

كالفوائت من الصلاة (¬1) (فإن أخره) أي الرمي (عنه) أي عن ثالث أيام التشريق فعليه دم (¬2) (أو لم يبت بها) أي بمنى (فعليه دم) (¬3) لأنه ترك نسكًا واجبًا (¬4) ولا مبيت على سقاة ورعاة (¬5) . ¬

_ (¬1) أي يرتبه بنيته، كما يرتب الفوائت من الصلاة بنيته. (¬2) أي فيستقر عليه الدم شاة. (¬3) وهو مذهب مالك، وقول للشافعي، وعنه: لا شيء عليه، وفاقا لأبي حنيفة. (¬4) فاستقر عليه الدم، لقول ابن عباس: من ترك نسكًا فعليه دم، والمبيت نسك عند الجمهور. (¬5) أي أهل سقاية الحج، القائمين بها، قولاً واحدًا، لما روي عن ابن عمر: أن العباس استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى، من أجل سقايته فأذن له، متفق عليه، وكذا الرعاة، قال في الإنصاف: بلا نزاع، لما روى الترمذي وصححه: رخص لرعاة الإبل في البيتوتة، في أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، يرمونه في أحدهما، ولأنهم يشتغلون بإسقاء الماء والرعي، فرخص لهم في ذلك، وكان العباس يلي السقاية، في الجاهلية والإسلام فمن قام بذلك بعده إلى الآن، فالرخصة له، وهم أهل سقاية زمزم. ولما نزلت {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ} الآية قال العباس: ما أراني إلا تارك سقايتنا فقال صلى الله عليه وسلم «أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرًا» ورواه البغوي بلفظ «اعملوا فإنكم على عمل صالح» وقال الموفق وغيره: أهل الأعذار كالمرضى ونحوهم، ومن له مال يخاف ضياعه، أو فواته، أو موت مريض، حكمه حكم الرعاة والسقاة، في ترك البيتوتة، وجزم به جمع، وصوبه في الإنصاف. وقال ابن القيم: يجوز للطائفتين ترك المبيت بالسنة، وإذا كان قد رخص لهم، فمن له مال يخاف ضياعه، أو مريض يخاف من تخلفه عنه، أو كان مريضًا لا تمكنه البيتوتة، سقطت عنه، بتنبيه النص على السقاة والرعاة اهـ، وإن أدرك الليل الرعاة بمنى، لزمهم المبيت إلا أن تكون إبلهم في المرعى، ونحوه، فلهم الخروج لها إن خافوا عليها، وأهل السقاية يسقون ليلاً ونهارًا فلا يلزمهم.

خطبة الإمام في اليوم الثاني وخروج من تعجل قبل الغرب

ويخطب الإمام ثاني أيام التشريق، خطبة يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير والتوديع (¬1) (ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب) (¬2) ولا إثم عليه (¬3) وسقط عنه رمي اليوم الثالث (¬4) . ¬

_ (¬1) لما روي أبو داود عن رجلين من بنى بكر قالا: رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بمنى، أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك، ليذكر العالم، ويعلم الجاهل. (¬2) قال في الإنصاف: بلا نزاع، وهو النفر الأول. (¬3) قال تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} أي أن يصيب في حجه شيئا نهاه الله عنه، خيرَّه تعالى ونفى الحرج، وظاهره، يشمل مريد الإقامة بمكة وغيره، قال في المبدع: وهو قول أكثر العلماء اهـ والأفضل أن يمكث ويرمي لفعله صلى الله عليه وسلم ونفي الإثم لا يقتضي المساواة، لنزولها بسب أن أهل الجاهلية منهم من يؤثِّم المتقدم، ومنهم من يؤثِّم المتأخر، فنفى الإثم تعالى عنهما لأخذ أحدهما بالرخصة، والآخر بالأفضل، وقيل: معناه: يغفر لهما بسبب تقواهما، فلا يبقى عليهما ذنب، كما روي عن ابن عباس وغيره. (¬4) حيث تعجل، ولا نزاع في ذلك، سوى الإمام، فالسنة بقاؤه، ليقيم لمن تأخر من الحاج نسكهم.

السنة أن يقيم الإمام إلى اليوم الثالث، واختلف في التحصيب

ويدفن حصاه (¬1) (وإلا) يخرج قبل الغروب (لزمه المبيت، والرمي من الغد) بعد الزوال (¬2) قال ابن المنذر: وثبت عن عمر أنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني، فليقم إلى الغد، حتى ينفر مع الناس (¬3) . ¬

_ (¬1) لا حاجة لدفنه، ولا يتعين عليه، بل له طرحه، أو دفعه إلى غيره. (¬2) لأن الشارع إنما جوز التعجيل في اليومين، واليوم: اسم لبياض النهار، فإذا غربت الشمس لزمه المبيت، والرمي من الغد بلا نزاع. (¬3) رواه مالك، وقال الشافعي، ليس له أن ينفر بعد غروب الشمس، وهو رواية عن أبي حنيفة وقاله الشيخ وغيره؛ وقال: ولأن الشارع جوز التعجيل في اليوم وهو اسم لبياض النهار، فإذا غربت الشمس خرج من أن يكون في اليوم فهو ممن تأخر، فلزمه المبيت بمنى، والرمي بعد الزوال، ونص عليه جمهور أهل العلم، وقال: ولا ينفر الإمام الذي يقيم للناس المناسك، بل السنة أن يقيم إلى اليوم الثالث، وقال أيضا: ليس له التعجيل لأجل من يتأخر اهـ، ثم إن نفر في اليوم الثاني، ثم رجع في اليوم الثالث، لم يضره رجوعه، وليس عليه رمي، لحصول الرخصة. قال الشيخ: ثم إن نفر من منى، فإن بات بالمحصب، وهو الأبطح، وهو ما بين الجبلين إلى المقبرة، ثم نفر بعد ذلك فحسن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بات به وخرج، ولم يقم بمكة بعد صدوره من منى، لكنه ودع البيت، وقال: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت. وقال ابن القيم: اختلف السلف في التحصيب، هل هو سنة أو منزل اتفاق؟ فقالت طائفة: هو من سنن الحج، لما في الصحيحين: «نحن نازلون غدا إن شاء الله، بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر» فقصد إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، والعداوة لله ورسوله، ولمسلم: أن أبا بكر وعمر كانوا ينزلونه، وابن عمر يراه سنة. وذهبت طائفة منهم ابن عباس وعائشة، إلى أنه ليس بسنة، وإنما هو منزل اتفاق، وقال أبو رافع: لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أنا ضربت قبته فيه، ثم جاء فنزل، فأنزل الله فيه بتوفيقه، تصديقًا لقوله صلى الله عليه وسلم قال في المبدع: ولا خلاف في عدم وجوبه.

يجب طواف الوداع عند العزم على الخروج وخفف عن الحائض

(فإذا أراد الخروج من مكة) بعد عوده إليها (¬1) (لم يخرج حتى يطوف للوداع) (¬2) إذا فرغ من جميع أموره (¬3) . ¬

_ (¬1) من منى، وظاهره: طال عوده إليها أو قصر؛ طال عهده بالبيت أو لا؛ ومفهومه أيضا أنه لو سافر لبلده من منى، ولم يأت مكة، ولم يكن عليه وداع، وصرح به شيخ الإسلام وغيره، وقال في الفروع: فإن ودع ثم أقام بمنى، ولم يدخل مكة فيتوجه جوازه اهـ ورجحه شيخنا. (¬2) لوجوبه عليه، ولم يصرحوا به، ويؤخذ من قولهم: من ترك طواف الزيارة ولم يقولوا: من اكتفى به، وقال الشيخ وغيره: هو واجب عند الجمهور وقال الوزير وغيره: واجب عند أبي حنيفة، وأحمد، والمشهور عند أصحاب الشافعي، وقال القاضي والأصحاب، إنما يستحق عليه عند العزم على الخروج، واحتج به الشيخ على أنه ليس من الحج، وهو مذهب الشافعي، وفي الإنصاف: يستحب أن يصلي ركعتين بعد الوداع، ويقبل الحجر. (¬3) حتى يكون آخر عهده بالبيت، وهذا مما لا نزاع في مشروعيته.

لقول ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. متفق عليه (¬1) ويسمى طواف الصدر (¬2) (فإن أقام) بعد طواف الوداع (¬3) (أو اتجر بعده أعاده) إذاعزم على الخروج، وفرغ من جميع أموره (¬4) . ¬

_ (¬1) «أمر الناس» على البناء للمجهول، والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم وكذا «خفف» ولمسلم: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال صلى الله عليه وسلم «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» وفيه دليل على وجوبه، وقال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم، ومن حديث الحارث، «من حج هذا البيت أو اعتمر، فليكن آخره عهده بالبيت» وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ارتحل من الأبطح، فمر بالبيت فطاف به، ثم سار متوجها إلى المدينة، من أسفل مكة من ثنية كدى. (¬2) بفتح الصاد والدال المهملتين، وهو: رجوع المسافر من مقصده صححه في الإنصاف وغيره، وقيل: طواف الصدر، هو الإفاضة كما تقدم لأنه يصدر إليه من منى. (¬3) لغير شد رحل ونحوه أعاده نص عليه للأخبار. (¬4) ليكون آخر عهده بالبيت قولاً واحدًا، كما ثبت من قوله وفعله صلى الله عليه وسلم لكن لو اتجر من غير تعريج لم تلزمه الإعادة، وصرح في المغني والشرح وغيرهما أنه: إن قضى حاجة في طريقه، أو اشترى زادًا، أو شيئًا لنفسه في طريقه، لم يعده بلا خلاف، لأن ذلك ليس باتجار، ولا إقامة وقال الشيخ فلا يشتغل بعده بتجارة ونحوها، ولكن إن قضى حاجته أو اشترى شيئا في طريقه بعد الوداع، أو دخل إلى المنزل الذي هو فيه ليحمل على دابته، ونحو ذلك مما هو من أسباب الرحيل، فلا إعادة عليه، وإن أقام بعد الوداع أعاده.

من ترك طواف الوداع ولم يرجع قريبا فعليه دم عند أكثر العلماء

ليكون آخر عهده بالبيت (¬1) كما جرت العادة في توديع المسافر أهله وإخوانه (¬2) (وإن تركه) أي طواف الوداع (غير حائض رجع إليه) بلا إحرام، إن لم يبعد عن مكة (¬3) ويحرم بعمرة إن بعد عن مكة، فيطوف ويسعى للعمرة، ثم للوداع (¬4) (فإن شق) الرجوع على من بعد عن مكة دون مسافة قصر (¬5) . ¬

_ (¬1) كما أنه أول مقصود له عند قدومه إليه. (¬2) يودعهم عند خروجه، فكذا يكون آخر عهده بالبيت طواف الوداع، ومن أقام بمكة فلا وداع عليه، بإجماع من أوجبه، إلا ما حكي عن أبي حنيفة فيمن نواه بعد ما حل له النفر الأول، وإن خرج غير حاج فظاهر كلام الشيخ لا يودع، ولو خرج من عمران مكة لحاجة فطرأ له السفر، لم يلزمه دخولها لأجل طواف الوداع، لأنه لم يخاطب به حال خروجه. (¬3) لقرب المسافة، ما لم يخف على نفس، ولا مال، ولا فوات رفقة، ولأنه رجوع لإتمام نسك مأمور به، أشبه من رجع لطواف الزيارة، ويأتي بالواجب من غير مشقة تلحقه. (¬4) واستشكله ابن نصر الله، لأنه إذا أحرم بعمرة مع أنه في بقية إحرام الحج، يكون قد أدخل عمرة على حجة، وقال: الصحيح عدم جوازه، وقال الشيخ: ليس الوداع من الحج ولا يتعلق به. (¬5) فعليه دم، لتركه الواجب في الحج، وظاهره، لا يلزمه الرجوع، لما فيه من المشقة، أشبه ما لو وصل إلى بلده.

إن أخر طواف الزيارة أجزأه عن الوداع

أو بعد عنها مسافة قصر فأكثر، فعليه دم (¬1) ولا يلزمه الرجوع إذا (¬2) (أو لم يرجع) إلى الوداع (فعليه دم) (¬3) لتركه نسكًا واجبًا (¬4) (وإن أخر طواف الزيارة) (¬5) ونصه: أو القدوم (فطافه عند الخروج أجزأ عن) طواف (الوداع) (¬6) لأن المأمور به: أن يكون آخر عهده بالبيت، وقد فعل (¬7) . ¬

_ (¬1) رجع أو لا. (¬2) دفعا للحرج، سواء تركه عمدا، أو خطأ، لعذر أو غيره، وحاصله أن من خرج قبل الوداع إما أن يرجع قبل مسافة قصر من مكة، أو بعدها، ففي الأول لا شيء عليه، ويعود بلا إحرام، وفي الثاني يحرم بعمرة، ولا يسقط عنه الدم كمن لم يرجع. (¬3) قال النووي وغيره: في قول أكثر العلماء اهـ يوصله إلى الحرم إن أمكن وإلا فرقه في مكانه، أو بلده. (¬4) في قول أكثر أهل العلم، فوجب بتركه دم، وقال ابن المنذر وغيره: هو واجب، للأمر به، إلا أنه لا يجب بتركه شيء، وهو ظاهر كلام الشيخ. (¬5) فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع. (¬6) قطع به الأكثر، وظاهره، ولو لم ينو طواف الوداع. (¬7) أي كان آخره عهده بالبيت الطواف، ولأن ما شرع، كتحية المسجد، يجزئ عنه الواجب من جنسه، كركعتي الطواف، تجزئ عنها المفروضة، فيجزئ طواف الزيارة عن طواف الوداع.

الوقوف بالملتزم والدعاء بما ورد من خيري الدنيا والآخرة

فإن نوى بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة (¬1) ولا وداع على حائض ونفساء (¬2) إلا أن تطهر قبل مفارقة البنيان (¬3) (ويقف غير الحائض) والنفساء بعد الوداع في الملتزم (¬4) وهو أربعة أذرع (¬5) . ¬

_ (¬1) لعدم نيته طواف الزيارة، وهو ركن من أركان الحج، لا يتم إلا به، فلا بد من نيته لتعينه. (¬2) في قول عامة الفقهاء، وفي الإنصاف، بلا نزاع، لقول ابن عباس: إلا أنه خفف عن الحائض، متفق عليه، وتقدم، وهو أصل في سقوط الوداع عنها، والنفساء مثلها فيما يجب، ويسقط، ولا فدية لذلك، قال في المبدع: وألحق الطبري وغيره بهن من خاف نحو ظالم، وغريم وهو معسر، وفوت رفقة. (¬3) أي فعليها أن ترجع، وتغتسل وتودع، لأنها في حكم الحاضرة، فإن لم تفعل، ولو لعذر فعليها دم، لتركها نسكًا واجبًا، وإن كان بعد مفارقة البنيان لم يلزمها الرجوع، لخروجها عن حكم الحضر. (¬4) وهو مذهب الشافعي وغيره، وكان ابن عباس يلتزم ما بين الركن والباب، وكان يقول: لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، والملتزم اسم مفعول من: التزم ويقال له المدعى، والمتعوذ سمي بذلك بالتزامه للدعاء والتعوذ، ويسمى الحطيم، لأن الناس يزدحمون على الدعاء فيه، ويحطم بعضهم بعضًا. (¬5) أي الملتزم ذرعه أربعة أذرع بذراع اليد.

(بين الركن) أي الذي به الحجر الأسود (والباب) (¬1) ويلصق به وجهه، وصدره، وذراعيه، وكفيه مبسوطتين (¬2) (داعيا بما ورد) (¬3) ومنه «اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك (¬4) حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك، حتى بلغتني بنعمتك إلى ¬

_ (¬1) أي باب الكعبة المشرفة، قال النووي: وهذا متفق عليه، فيلتزم ذلك الموضع. (¬2) وجميعه، لقول عبد الرحمن بن صفوان، وافقت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج من الكعبة، وأصحابه قد استلموا البيت، من الباب إلى الحطيم، وقد وضعوا صدورهم على البيت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم رواه أبو داود، وله عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: طفت مع عبد الله، فلما جاء دبر الكعبة، قلت: ألا تتعوذ؟ قال: أعوذ بالله من النار، ثم مضى، حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب، فوضع صدره، وذراعيه وكفيه، هكذا وبسطهما بسطًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه موضع تجاب فيه الدعوات. (¬3) وقال الشيخ وغيره، والمراد إن أحب ذلك، قال: وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع، فإن هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع أو غيره، والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة، قال: ولو وقف عند الباب، ودعا هنالك، من غير التزام للبيت كان حسنًا، وإن شاء قال في دعائه الدعاء المأثور عن ابن عباس. (¬4) اعترافا لله بالعبودية التي هي أشرف مقامات العبد.

بيتك (¬1) وأعنتني على أداء نسكي (¬2) فإن كنت رضيت عني، فازدد عني رضى (¬3) وإلا فمن الآن (¬4) قبل أن تنأى عن بيتك داري (¬5) وهذا أوان انصرافي (¬6) إن أذنت لي، غير مستبدل بك، ولا ببيتك (¬7) ولا راغب عنك، ولا عن بيتك (¬8) اللهم فأصحبني العافية في بدني (¬9) والصحة في جسمي (¬10) » ¬

_ (¬1) يعني الكعبة المشرفة، وسخرت لي أي ذللت لي من مخلوقك ما أسير عليه، و «بلَّغتني» بتشديد اللام، أي أوصلتني «بنعمتك» أي بإنعامك علي «إلى بيتك» الذي لا أصل إليه إلا بتيسيرك. (¬2) يعني من الحج، والعمرة «وأداء» بالمد اسم للتأدية. (¬3) طلبا لزيادة الرضى من الله، وهي صفة من صفاته جل وعلا. (¬4) أي الوقت الحاضر علي، «وُمنَّ» بضم الميم، وتشديد النون، من: منَّ يمنُّ فعل دعاء، ويروى بكسر الميم، وتخفيف النون، فيصير حرفًا لابتداء الغاية. (¬5) و «تنأى» مضارع «نأت» أي تبعد. (¬6) أي وقت منقلبي. (¬7) أي إن أذنت لي في الانصراف، غير متخذ عوضًا ولا خلفًا بك ولا ببيتك. (¬8) أي معرض، يقال: رغب عنه، أعرض عنه وتركه. (¬9) إذ لم يعط أحد بعد الإسلام خيرًا من العافية، «وأصحبني» بقطع الهمزة. (¬10) وفي الخبر: «اثنتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ» .

الحطيم: الحجر، وعند أكثر أهل اللغة، ما بين الباب وزمزم

والعصمة في ديني (¬1) وأحسن منقلبي (¬2) وارزقني طاعتك ما أبقيتني (¬3) واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير (¬4) ويدعو بما أحب (¬5) ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم (¬6) ، ويأتي الحطيم أيضا، وهو تحت الميزاب فيدعو (¬7) . ¬

_ (¬1) العصمة منع الله عبده من المعاصي. (¬2) أي منصرفي و «أحسن» بقطع الهمزة. (¬3) فمن رزقه الطاعة فقد فاز. (¬4) روي عن ابن عباس، وأورده في المحرر، وفي الشرح حكاه عن بعض الأصحاب وهو لائق بالمحل. (¬5) فأي شيء دعا به فحسن من خيري الدنيا والآخرة. (¬6) لأن الدعاء لا يرد إذا اقترن به. (¬7) فهو من المواضع التي تستجاب فيها الدعوات، قال ابن القيم: الصحيح أن الحطيم الحجر نفسه اهـ سمي الحجر «حطيمًا» لما حطم من جداره، وكانت قريش قصرت بها النفقة عن إتمام البيت، وأتمه ابن الزبير على قواعد إبراهيم، لما بلغه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخرجه الحجاج، ولم يسوه ببناء البيت، وتركه خارجا منه، محطوم الجدار. وأصل الحطم الكسر، وإنما سمي حجرا لأنه «حجر» أي اقتطع من الأرض، بما أدير عليه من البنيان، وليس كله من البيت كما تقدم، بل ستة أذرع وثلث، وأكثر أهل اللغة على أن الحطيم هو ما بين الباب وزمزم.

المشي قهقرى بعد وداعه بدعة

ثم يشرب من ماء زمزم (¬1) ويستلم الحج، ويقبله، ثم يخرج (¬2) (وتقف الحائض) والنفساء (ببابه) أي باب المسجد (¬3) (وتدعو بالدعاء) الذي سبق (¬4) (وتستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقبري صاحبيه) رضي الله عنهما (¬5) . ¬

_ (¬1) قال الشيخ وغيره: لما أحب، ويدعو بما ورد؛ كما تقدم، قال الشيخ: ومن حمل من ماء زمزم جاز، فقد كان السلف يحملونه. (¬2) ذكره الشيخ، ورواه منصور، عن مجاهد، فإذا ولى لا يقف، ولا يلتفت، حتى قيل: إن التفت رجع وودع استحبابًا، ذكره جماعة وفي الفائق وغيره: لا يستحب له المشي قهقرى بعد وداعه. قال الشيخ: بدعة مكروهة فإذا ولى لا يقف، ولا يلتفت، ولا يمشي القهقرى وهي مشية الراجع إلى خلف، بل يخرج كما يخرج الناس من المساجد عند الصلاة، وكذلك عند سلامه عليه صلى الله عليه وسلم. (¬3) ولا تدخله لأنها ممنوعة من دخوله، لخبر «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» وقال ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف، إلا أنه خفف عن الحائض، متفق عليه، والنفساء في منزلتها، فيتناولها النص دلالة، وقال لما حاضت صفية «أحابستنا هي؟» قالوا: إنها قد أفاضت، فهما أصل في سقوط طواف الوداع، وقال: والعمل عليه عند أهل العلم، أن المرأة إذا طافت طواف الزيارة، ثم حاضت، أنها تنفر وليس عليها شيء، وهو قول الشافعي وأحمد. (¬4) أو بغيره، إذ لا محذور من ذلك، ولمشاركتها الرجل فيه. (¬5) أي ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه، وهو مراد من أطلق من الأصحاب، فإن الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، قال الشيخ: فإذا دخل المدينة قبل الحج، أو بعده، فإنه يأتي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي فيه، والصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، ولا تشد الرحال إلا إليه، وإلى المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، هكذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد وهو مروي من طرق أُخر، قال: ومسجده كان أصغر مما هو اليوم، وكذلك المسجد الحرام، لكن زاد فيهما الخلفاء الراشدون، ومن بعدهم وحكم الزيادة حكم المزيد في جميع الأحكام. قال: والنية في السفر إلى مسجده وزيارة قبره مختلفة، فمن قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه، فهذا مشروع، بالنص والإجماع، وكذا إن قصد السفر إلى مسجده وقبره معًا، فهذا قصد مستحبًّا مشروعًا بالإجماع، وإن لم يقصد إلا القبر، ولم يقصد المسجد، فهذا مورد النزاع، فمالك والأكثرون: يحرمون هذا السفر، وكثير من الذين يحرمونه، لا يجوزون قصر الصلاة فيه، وآخرون يجعلونه سفرا جائزا، وإن كان السفر غير جائز، ولا مستحب، ولا واجب بالنذر. ولم يعرف عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو لا تستحب، ونحو ذلك، ولا علق بهذا الاسم حكمًا شرعيًّا، وقد كره كثير من العلماء التكلم به، وذلك اسم لا مسمى له، ولفظ لا حقيقة له، وإنما تكلم به من تكلم من بعض المتأخرين، ومع ذلك لم يريدوا ما هو المعروف من زيارة القبور، فإنه معلوم أن الذاهب إلى هناك، إنما يصل إلى مسجده صلى الله عليه وسلم والمسجد نفسه يشرع إتيانه، سواء كان القبر هناك أو لم يكن.

حديث «من حج فزار قبري..» ضعيف باتفاق أهل العلم

لحديث «من حج فزار قبري بعد وفاتي، فكأنما زارني في حياتي» رواه الدارقطني (¬1) . ¬

_ (¬1) قال الشيخ: هذا الحديث ضعيف، باتفاق أهل العلم، ليس في شيء من دواوين الإسلام التي يعتمد عليها، ولا نقله إمام من أئمة المسلمين، والدارقطني وأمثاله يذكر هذا ونحوه ليبين ضعف الضعيف من ذلك، وقال ابن عبد الهادي: منكر المتن ساقط الإسناد، لم يصححه أحد من الحفاظ، ولا احتج به أحد من الأئمة بل ضعفوه وطعنوا فيه، وذكر بعضهم أنه من الأحاديث الموضوعة، والأخبار المكذوبة، وقال: منكر جدًّا.

كيفية السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه

فيسلم عليه مستقبلاً له (¬1) . ¬

_ (¬1) وذلك بأن يستقبل مسمار الفضة، في الرخامة الحمراء، ويسمى الآن الكوكب الدري، وظهره إلى القبلة بعد تحية المسجد، فيقول: السلام عليك يا رسول الله، لما رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة مرفوعا «ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله علي روحي، حتى أرد عليه السلام» وظاهره، أن هذه الفضيلة تحصل لكل مسلم، قريبًا كان أو بعيدًا، وكان ابن عمر لا يزيد على ذلك، ثم يتقدم قليلاً، ويسلم على أبي بكر رضي الله عنه، ثم يتقدم قليلا فيسلم على عمر رضي الله عنه. قال الشيخ: يسلمون عليه مستقبلي الحجرة، مستدبري القبلة، عند أكثر العلماء، كمالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة قال: يستقبل القبلة، ومن أصحابه من قال: يستدبر الحجرة ومنهم من قال: يجعلها عن يساره، وقال: ويسلم عليه، وعلى صاحبيه، فإنه قال: «ما من رجل يسلم علي، إلا رد الله على روحي حتى أرد عليه السلام» قال: وإذا قال: السلام عليك يا نبي الله، يا خيرة الله من خلقه، يا أكرم الخلق على ربه، يا إمام المتقين، فهذا كله من صفاته يأبى هو وأمي صلى الله عليه وسلم وكذلك إذا صلى عليه مع السلام، فهذا مما أمر الله به اهـ. وإن قال: السلام عليك يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعيه، ورحمة الله وبركاته اللهم اجزهما عن نبيهما وعن الإسلام خيرًا (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ *) اللهم لا تجعله آخر العهد بقبر نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ولا من مسجدك، يا أرحم الراحمين فلا بأس.

الدعاء عند القبر لنفسه بدعة، ويحرم الطواف بالحجرة، والتمسح بها، وتقبيلها

ثم يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره، ويدعو بما أحب (¬1) ويحرم الطواف بها (¬2) . ¬

_ (¬1) هكذا ذكره بعض الأصحاب، وغيرهم مجردًا عن الدليل، قال الشيخ: ولا يدعو هناك مستقبل الحجرة، فإنه منهي عنه باتفاق الأئمة، ومالك من أعظم الناس كراهة لذلك، ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه، فإن هذا بدعة، ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده يدعو لنفسه، ولكن كانوا يستقبلون القبلة، ويدعون في مسجده، فإنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» وقال «لا تجعلوا قبري مسجدًا وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» فأخبر أنه يسمع الصلاة والسلام من القريب، وأنه يبلغ ذلك من البعيد، وقال «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا، أخرجاه. فدفنته الصحابة في موضعه الذي مات فيه، من حجرة عائشة، وكانت هي وسائر الحجر خارج المسجد، من قبليه وشرقيه، لكن لما كان في زمن الوليد، أمر عمر بن عبد العزيز، أن تشترى الحجر، ويزاد في المسجد، فدخلت الحجرة في المسجد، وبنيت منحرفة عن القبلة، مسنمة لئلا يصلي إليها أحد، فإنه قال صلى الله عليه وسلم «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» رواه مسلم. (¬2) بإجماع المسلمين، وقال الشيخ وغيره: يحرم الطواف بغير البيت العتيق اتفاقا.

رفع الصوت في المساجد منهي عنه، وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أشد

ويكره التمسح بالحجرة (¬1) ورفع الصوت عندها (¬2) . ¬

_ (¬1) وتقبيلها والمراد كراهة التحريم، قال الشيخ: اتفقوا على أنه لا يقبل جدار الحجرة ولا يتمسح به، فإنه من الشرك، والشرك لا يغفره الله، وإن كان أصغر إلا بالتوبة منه. (¬2) أي يكره رفع الصوت، عند حجرته صلى الله عليه وسلم كما لاترفع فوق صوته لأنه في التوقير والحرمة كحياته، قال الشيخ: ورفع الصوت في المساجد منهي عنه، وهو في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أشد، وقد ثبت: أن عمر رأى رجلين يرفعان أصواتهما في المسجد، فقال: لو أعلم أنكما من أهل البلد، لأوجعتكما ضربا، إن الأصوات لا ترفع في مسجده صلى الله عليه وسلم، فما يقوله بعض جهال العامة، من رفع الصوت عقب الصلاة، من قولهم: السلام عليك يا رسول الله، بأصوات عالية، أو منخفضة، بدعة محدثة، بل ما في الصلاة من قول المصلين: السلام عليك أيها النبي هو المشروع، كما أن الصلاة مشروعة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل زمان ومكان، وقد ثبت أنه قال «من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرًا» . وفي الفنون: قدم أبو عمران، فرأى ابن الجوهري يعظ، قد علا صوته، فقال: ألا، لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم في التوقير، والحرمة، بعد موته كحال حياته، وكما لا ترفع الأصوات بحضرته حيًّا، ولا من وراء حجرته، فكذا بعد موته؛ انزل فنزل ابن الجوهري، وفزع الناس لكلام أبي عمران قال ابن عقيل: لأنه كلام صدق وعدل، وجاء على لسان محق، فتحكم على سامعه اهـ وأوجبه بعضهم وكذا عند حديثه يعدونه كرفع الصوت فوق صوته صلى الله عليه وسلم. قال الشيخ: ويستحب أن يأتي مسجد قباء، ويصلي فيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تطهر في بيته وأحسن الطهور، ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة، غفرت له ذنوبه» في أحاديث كثيرة، وأما زيارة المساجد، التي بنيت بمكة، غير المسجد الحرام، كالمسجد الذي تحت الصفا، وما في سفح أبي قبيس، ونحو ذلك، من المساجد التي بنيت على آثار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كمسجد المولد وغيره، فليس قصد شيء من ذلك من السنة، ولا استحبه أحد من الأئمة ومثل جبل حراء، والجبل الذي عند منى، الذي كان يقال فيه، إنه قبة الفداء، ونحو ذلك، فإنه ليس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم زيارة شيء من ذلك، بل هو بدعة، وكذلك ما يوجد في الطرقات، من المساجد المبنية. قال: وقبر الخليل كان مسدودًا، بمنزلة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فأحدث عليه المسجد، وكان أهل العلم والدين، العالمون العاملون بالسنة، لا يصلون هناك، وأما التمر الصيحاني، فلا فضيلة فيه، بل غيره من البرني والعجوة خير منه، والأحاديث إنما جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه، كما في الصحيح «من تصبح بسبع تمرات عجوة، لم يصبه ذلك اليوم سم ولا سحر» وكذا قول بعض الجهال، إن عين الزرقاء جاءت معه من مكة، ولم يكن بالمدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عين جارية، لا الزرقاء، ولا عيون حمزة، ولا غيرها، بل كل ذلك مستخرج بعده.

دعاء من توجه إلى بلده، وإخبار أهله بقدومه، وما يقال له إذا قدم من الحج

وإذا أدار وجهه إلى بلده، قال: «لا إله إلا الله (¬1) آئبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون (¬2) » ¬

_ (¬1) أي إذا توجه إليها قال ذلك، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لما رأى المدينة راجعًا من حجة الوداع، كبر ثلاث مرات، وقال: «لا إله إلا الله آئبون..» إلخ. (¬2) «آئبون» راجعون من سفرنا، تائبون لربنا، عابدون لربنا، حامدون له أن بلغنا بيته، وقضينا مناسكنا، فله الحمد.

صفة العمرة وهي نوعان

صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده (¬1) (وصفة العمرة أن يحرم بها من الميقات) (¬2) إن كان مارا به (¬3) (أو من أدنى الحل) كالتنعيم (¬4) (من مكي ونحوه) ممن بالحرم (¬5) و (لا) يجوز أن يحرم بها (من الحرم) لمخالفة أمره صلى الله عليه وسلم (¬6) . ¬

_ (¬1) ويخبرهم، لئلا يقدم بغتة، ويكره أن يطرقهم ليلا لغير عذر، ويبدأ بالمسجد فيصلي ركعتين، ويستحب أن يقال للقادم من الحج، قبل الله حجك، وغفر ذنبك، وأخلف نفقتك، وكانوا يغتنمون أدعية الحاج، قبل أن يتلطخوا بالذنوب. (¬2) الذي وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل كل جهة من جهات الأرض، وتقدم تفصيلها. (¬3) أي بميقاته الموقت له، أو محاذيا له على ما تقدم. (¬4) موضع معروف، بينه وبين مكة، فرسخان، وكذا «الجعرانة» بكسر فسكون، وتخفيف الراء، على الأفصح، وهي على طريق الطائف، على ستة فراسخ من مكة، عذبة الماء، والأفضل منها، لاعتماره منها عام حنين، ثم الحديبية بئر قريب جدة، بالمهملة بينها وبين مكة، كما بين الجعرانة إليها. (¬5) وكان ميقاتا له، قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه، ولا فرق بين المكي وغيره. (¬6) يعني لعائشة رضي الله عنها، حيث أمرها أن تخرج إلى التنعيم، فتأتي بعمرة منه.

وينعقد وعليه دم (¬1) (فإذا طاف وسعى، و) حلق أو (قصر حل) (¬2) لإتيانه بأفعالها (¬3) . ¬

_ (¬1) أي وينعقد إحرامه بالعمرة من الحل وفاقا، كما لو أحرم بعد أن جاوز الميقات الواجب، لإرساله عائشة، قالوا: ولو لم يجب، لما أرسلها لضيق الوقت. قال ابن القيم: والعمرة التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعلها: نوعان، لا ثالث لهما، عمرة التمتع، وهي التي أذن فيها عند الميقات، وندب إليها في أثناء الطريق، وأوجبها على من لم يسق الهدي، عند الصفا والمروة، والثانية العمرة المفردة التي ينشئ لها سفرًا، كعمره صلى الله عليه وسلم ولم يشرع عمرة مفردة غيرهما، وفي كليهما المعتمر داخل إلى مكة، وأما عمرة الخارج منها إلى أدنى الحل فلم تشرع، وأما عمرة عائشة فزيادة محضة، وإلا فعمرة قرانها قد أجزأت عنها بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الشيخ: يكره الخروج من مكة لعمرة تطوع، وذلك بدعة، لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه على عهده، لا في رمضان، ولا في غيره، ولم يأمر عائشة، بل أذن لها بعد المراجعة، تطييبًا لقلبها، وطوافه بالبيت أفضل من الخروج اتفاقا، وخروجه عند من لم يكرهه، على سبيل الجواز، وإنما اعتمر صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر: عمرة الحديبية في ذي الحجة، سنة ست، وعمرة القضية سنة سبع، وعمرة الجعرانة سنة ثمان، والرابعة مع حجة الوداع سنة عشر. (¬2) أي من العمرة، لأنها أحد النسكين فيحل بفعل ما ذكر، كحله من الحج بأفعاله. (¬3) من طواف وسعي، وحلق أو تقصير، وهذا مما لا نزاع فيه.

تباح العمرة كل وقت وأولى الأزمنة بها أشهر الحج

(وتباح) العمرة (كل وقت) فلا تكره بأشهر الحج (¬1) ولا يوم النحر أو عرفة (¬2) ويكره الإكثار (¬3) والموالاة بينها باتفاق السلف، قاله في المبدع (¬4) . ¬

_ (¬1) قال الوزير وغيره: أجمعوا أن فعلها في جميع السنة جائز، فقد ندب صلى الله عليه وسلم عليها، وفعلها في أشهر الحج، وقال «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» ويكفي كون النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة من التنعيم، سوى عمرتها التي كانت أهلت بها مع الحج، قال ابن القيم: هو أصل في جواز العمرتين في سنة في سنة بل في شهر اهـ فثبت الاستحباب من غير تقييد، خلافًا لمالك، وأبى حنيفة، فاستثنى أبو حنيفة الخمسة الأيام، ومالك لأهل منى، وكراهة أحمد على الإطلاق، قال الشيخ وغيره: ولا وجه لمن لم يتلبس بأعمال الحج. (¬2) أي ولا تكره العمرة يوم النحر، أو يوم عرفة، لمن لم يكن متلبسًا بالحج باتفاق الأئمة. (¬3) أي من العمرة، وتكرارها في غير رمضان وكره مالك والحسن العمرة في كل شهر مرتين، وقال مالك: يكره في السنة مرتين، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في سنةمرتين. (¬4) والموفق وقدمه في الفروع، وقال: اختاره الموفق وغيره، وقال أحمد: إن شاء كل شهر وتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة، ولم يأت نص بالمنع من العمرة ولا بالتقرب إلى الله بشيء من الطاعات، ولا من الازدياد من الخير، وهذا قول الجمهور، وقوله: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» دليل على التفريق بين الحج والعمرة في التكرار، وتنبيه على ذلك إذ لو كانت لا تفعل في السنة إلا مرة، لسوى بينهما ولم يفرق.

ويستحب تكرارها في رمضان، لأنها تعدل حجة (¬1) (وتجزئ) العمرة من التنعيم (¬2) . ¬

_ (¬1) فإنه قد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر أم معقل لما فاتها الحج معه، أن تعتمر في رمضان، وأخبرها أنها تعدل حجة وورد أمره بها لغيرها، ولاجتماع فضل الزمان والمكان، ولكن كانت عمره صلى الله عليه وسلم كلها، في أشهر الحج، مخالفة لهدي المشركين، فإنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج، ويقولون: هي من أفجر الفجور. قال ابن القيم: وهذا دليل على أن الاعتمار في أشهر الحج أفضل من سائر السنة بلا شك، سوى رمضان، لخبر أم معقل، ولكن لم يكن الله ليختار لنبيه صلى الله عليه وسلم إلا أولى الأوقات، وأحقها بها، فكانت في أشهر الحج، نظير وقوع الحج في أشهره، وهذه الأشهر قد خصها الله بهذه العبادة، وجعلها وقتًا لها والعمرة حج أصغر، فأولى الأزمنة بها أشهر الحج، وقد يقال: إنه يشتغل في رمضان من العبادات، بما هو أهم منها، فأخرها إلى أشهر الحج، مع ما فيه من الرحمة لأمته، فإنه لو فعله لبادرت إليه. (¬2) وكره الشيخ وابن القيم الخروج من مكة لعمرة تطوعًا كما تقدم، وأنه بدعة لم يفعله صلى الله عليه وسلم هو ولا أصحابه على عهده، إلا عائشة تطييبًا لنفسها، وكانت طلبت منه أن يعمرها، وقد أخبرها أن طوافها وسعيها قد أجزأها عن حجها وعمرتها، فأبت عليه إلا أن تعتمر عمرة مفردة، وكانت لا تسأله شيئا إلا فعله، فلم يخرج لها في عهده غيرها، لا في رمضان، ولا في غيره اتفاقا، ولم يأمر عائشة، بل أذن لها بعد المراجعة ليطيب قلبها، وتقدم قوله: طوافه وعدم خروجه لها أفضل اتفاقًا، وقال ابن القيم: وأما عمرة الخارج إلى الحل، فلم تشرع، وعمرة عائشة زيادة محضة، ولم يشرع إلا عمرة مع الحج أو مفردة بسفر، لا من الحرم، وفي إجزاء العمرة من التنعيم نزاع.

أركان الحج ثلاثة بالاتفاق واختلف في الرابع وهو السعي

وعمرة القارن (عن) عمرة (الفرض) التي هي عمرة الإسلام (¬1) (وأركان الحج) أربعة (¬2) (الإحرام) الذي هو نية الدخول في النسك (¬3) لحديث «إنما الأعمال بالنيات» (¬4) (والوقوف) بعرفة (¬5) لحديث «الحج عرفة» (¬6) . ¬

_ (¬1) قال في المبدع وغيره: وهي الأصح أنها تجزئ عنها، لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة لما قرنت وطافت «قد حللت من حجك وعمرتك» رواه مسلم ولأن الواجب عمرة واحدة، وقد أتى بها صحيحة، فأجزأت كعمرة المتمتع وهي لا نزاع في إجزائها، ولأن عمرة القارن أحد النسكين للقارن، فأجزأت كالحج، وأما عمرة عائشة فتطييب لقلبها، كما جزم به الشيخ وغيره، ولو كانت واجبة لأمرها بها قبل سؤالها. (¬2) حكاه الوزير وغيره اتفاقا، إلا السعي فعند أبي حنيفة أنه واجب، ينوب عنه الدم، واختاره القاضي. (¬3) مع تلبية، أو سوى الهدي، لا تجرد من مخيط فقط لأن ذلك واجب كما يأتي، وهو عبادة، ولا يتم إلا بنية كالصلاة، وركن من أركان الحج بالإجماع. (¬4) فلا عمل إلا بنية كما تقدم في غير موضع. (¬5) أي هو ركن من أركان الحج إجماعًا، وتقدم أنه يجزئ منه ساعة من ليل أو نهار، من فجر يوم عرفة، إلى فجر يوم النحر، وأن الأرجح من الزوال. (¬6) أي أنه صلى الله عليه وسلم أمر مناديه «الحج عرفة» أي الحج الصحيح حج «من أدرك عرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج» رواه الخمسة، وقال سفيان: العمل عليه عند أهل العلم فالوقوف بها ركن، من أركان الحج، لا يتم إلا به إجماعًا، قال في الإنصاف: من طلع عليه الفجر يوم النحر، ولم يقف بها فاته الحج بلا نزاع، لعذر حصر أو غيره أو لغير عذر.

واجباته سبعة، يجب بتركها دم

(وطواف الزيارة) (¬1) لقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (¬2) (والسعي) (¬3) لحديث «اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي» رواه أحمد (¬4) (وواجباته) سبعة (¬5) . ¬

_ (¬1) فهذه الثلاثة هي، أركان الحج، المجمع عليها، قال ابن القيم وغيره: باتفاق المسلمين. (¬2) أي الطواف الواجب، الذي لا يحصل التحلل من الإحرام، مالم يأت به، وهو طواف الإفاضة، وآخر المناسك، وكذلك صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة، ثم نحر، ثم حلق، ثم أفاض فطاف به، وقال لصفية وقد حاضت «أحابستنا؟» ، فأخبروه أنها طافت يوم النحر، فمن لم يطف هذا الطواف لا يجوز أن ينفر. (¬3) أي هو ركن أيضًا، وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن مالك، واختاره جمع، ورجحه ابن كثير. (¬4) ولمسلم عن عائشة قالت: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطاف المسلمون -يعني بين الصفا والمروة- ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة، وطاف بهما، وقال «لتأخذوا عني مناسككم» فكل ما فعله في حجته تلك واجب، لا بد له من فعله، في الحج، إلا ما خرج بدليل، وقال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} أي أعلام دينه، والمراد المناسك التي جعلها الله أعلاما لطاعته، لا يتم الحج إلا بها، ولأنه نسك في الحج والعمرة، فكان ركنًا فيهما كالطواف، واختار القاضي أنه واجب، ليس بركن، قال الموفق: وهو أقرب إلى الحق إن شاء الله تعالى، وفي الشرح: وهو أولى، لأن دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب، لا على أنه لا يتم الحج إلا به، فيجبره بدم. (¬5) بالاستقراء، وهي عبارة عما يجب فعله، ولا يجوز تركه إلا لعذر، وإذا تركه كان عليه دم يجبر به حجه.

(الإحرام من الميقات المعتبر له) وقد تقدم (¬1) (والوقوف بعرفة إلى الغروب) على من وقف نهارًا (¬2) (والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية بمنى) ليالي أيام التشريق على ما مر (¬3) (و) المبيت بـ (مزدلفة إلى بعد نصف الليل) لمن أدركها قبله على غير السقاة والرعاة (¬4) (والرمي) مرتبًا (¬5) (والحلاق) أو التقصير (¬6) . ¬

_ (¬1) أي في المواقيت، لقوله صلى الله عليه وسلم «هن لهن، ولمن مرَّ عليهن من غير أهلهن» وفي لفظ: وقت لأهل كذا كذا وكذا، فدل على وجوب الإحرام منه، ولا نزاع في ذلك. (¬2) لأن من أدركها نهارًا، يجب عليه أن يجمع بينه وبين جزء من الليل. لفعله صلى الله عليه وسلم وهو مذهب الجمهور. (¬3) من الرخصة لهم على الأصح، وعليه الجمهور للأخبار. (¬4) كما تقدم لأن من أدرك مزدلفة أول الليل، يجب عليه المبيت بها معظم الليل، بخلاف السقاة والرعاة، فلا يجب عليهم، وكذا نحوهم عند الجمهور. (¬5) أي هو واجب إجماعًا مرتبًا، يوم النحر، ثم أيام التشريق، الأول فالأول، وما تركه من اليوم الأول أو الثاني، يرتبه بنية في آخرها على ما تقدم. (¬6) أي أحدهما من واجبات الحج، على ما تقدم، وعند بعضهم: نسك لا يتحلل بدونه.

حكم الباقي من أفعاله وأقواله

(والوداع (¬1) والباقي) من أفعال الحج وأقواله السابقة (سنن) (¬2) كطواف القدوم (¬3) والمبيت بمنى ليلة عرفة (¬4) والاضطباع، والرمل في موضعهما (¬5) وتقبيل الحجر (¬6) والأذكار، والأدعية (¬7) وصعود الصفا والمروة (¬8) (وأركان العمرة) ثلاثة (¬9) (إحرام وطواف وسعي) كالحج (¬10) . ¬

_ (¬1) أي طواف الوداع في الأصح، ويسمَّى طواف الصدر، لقوله صلى الله عليه وسلم «لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت» رواه مسلم، وفي الترغيب والمستوعب، لا يجب على غير الحاج، واختاره الشيخ. (¬2) لا يجب بتركه شيء. (¬3) عند الجمهور. (¬4) قطع به الأكثر، لأنها استراحة والدفع مع الإمام. (¬5) فالاضطباع في الأشواط السبعة، والرمل في الثلاثة الأول منها. (¬6) كلما حاذاه للأخبار. (¬7) في مواضعها المندوب إليها فيها كما تقدم. (¬8) للرجال دون النساء، وتقدم ذكر عدد درجه. (¬9) بالاستقراء وهو إجماع. (¬10) أما الطواف فكالحج، والإحرام كذلك، جزم به المجد وغيره، وقال الوزير: أجمعوا على أن أفعال العمرة، من الإحرام، والطواف، والسعي، أركان لها كلها، وفي الفصول، السعي فيها ركن، بخلاف الحج، لأنها أحد النسكين فلا يتم إلا بركنين كالحج.

واجبات العمرة وسننها وما تخالف به الحج

(وواجباتها الحلاق) أو التقصير (¬1) (والإحرام من ميقاتها) لما تقدم (¬2) (فمن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه) حجًّا كان أو عمرة (¬3) كالصلاة لا تنعقد إلا بالنية (¬4) (ومن ترك ركنا غيره) أي غير الإحرام (¬5) (أو نيته) حيث اعتبرت (¬6) (لم يتم نسكه) أي لم يصح (إلا به) أي بذلك الركن المتروك هو أو نيته المعتبرة (¬7) . ¬

_ (¬1) عند الجمهور، يجب بتركه دم، والأفضل الحلاق لغير المتمتع، إن لم يطل الوقت، فوفر الشعر للحج، وإلا فالتقصير في حقه أفضل، كما تقدم ليحلقه في الحج. (¬2) يعني في صفة العمرة، وهو أنه يحرم بها من الميقات، إن كان مارا به، أو من الحل عندهم لمن بالحرم، وتقدم كلام الشيخ وتلميذه، وسننها الغسل، والذكر والدعاء، والحاصل: أنه يجب للعمرة ما يجب للحج، ويسن لها ما يسن له، وبالجملة فهي كالحج في الإحرام، والفرائض، والواجبات والسنن والمحرمات، والمكروهات، والمفسدات، والإحصار، وغير ذلك، إلا أنها تخالفه في أنه ليس لها وقت معين، ولا تفوت، ولا وقوف بعرفة، ولا نزول بمزدلفة وليس فيها رمي جمار، ولا خطبة، ولا طواف قدوم. (¬3) أي إلا بالإحرام وهو نية النسك، فلو ترك النية لم يصح نسكه إلا بها. (¬4) إجماعا وكذا كل عبادة. (¬5) لم يصح نسكه إلا به. (¬6) كالطواف، والسعي، بخلاف الوقوف بعرفة، فلا تعتبر له النية. (¬7) أي الركن غير الإحرام، لأن الإحرام هو نفس النية، وغير الوقوف لأنه لا يحتاج إليها، لقيام الإحرام عنها، ولا تجبر الأركان ولا بعضها، بدم ولا غيره، لانعدام الماهية بانعدامها أو بعضها.

من ترك واجبا فعليه دم، أو سنة فلا شيء عليه من الحج أو العمرة

وتقدم أن الوقوف بعرفة يجزئ، حتى من نائم، وجاهل أنها عرفة (¬1) (ومن ترك واجبًا) ولو سهوًا (فعليه دم) (¬2) فإن عدمه فكصوم المتعة (¬3) (أو سنة) أي ومن ترك سنة (فلا شيء عليه) (¬4) قال في الفصول وغيره: ولم يشرع الدم عنها (¬5) لأن جبران الصلاة أدخل (¬6) فيتعدى إلى صلاته من صلاة غيره (¬7) . ¬

_ (¬1) لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم «وكان وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار» فلا تعتبر له نية، ولا يضر جهله بها، لكن لا بد من حصوله فيها. (¬2) سواء كان من حج أو عمرة، ولا إثم مع سهو، وكذا جهل أو نسيان وقال في الفروع: وفي الخلاف وغيره: الحلاق والتقصير لا ينوب عنه، ولا يتحلل إلا به على الأصح. (¬3) عشرة أيام، فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. (¬4) أي هدر، لأنها ليست واجبة، فلم يجب جبرها، كسنن سائر العبادات جزم به الشارح وغيره. (¬5) لعدم استحباب سجود السهو لترك مسنون، فالأولى عدم استحباب الدم لترك مسنون، وصاحب الفصول، هو: أبو الوفاء بن عقيل، صاحب الفنون وغيرها، وله الفصول، عشرة مجلدات. (¬6) أي لأن جبران الصلاة وهو سجود السهو، أدخل من جبران الحج، وهو الدم. (¬7) كما لو سها إمامه فإنه يتعدى إلى صلاة المأموم.

باب الفوات والإحصار، وما يتعلق بذلك

باب الفوات والإحصار (¬1) الفوات كالفوت، مصدر «فات» إذا سبق فلم يدرك (¬2) والإحصار مصدر «أحصره» (¬3) مرضًا كان أو عدوًّا (¬4) ويقال: حصره أيضا (¬5) (من فاته الوقوف) بأن طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة (فاته الحج) (¬6) لقول جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع، قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؟ قال: نعم، رواه الأثرم (¬7) . ¬

_ (¬1) أي بيان أحكامهما، وما يتعلق بذلك. (¬2) وهو هنا كذلك لغة واصطلاحًا، ولا يتأتى إلا في الحج، إذ العمرة لا تفوت إلا تبعًا لحج القارن. (¬3) إذا حبسه، وأصل الحصر المنع والحبس عن السفر وغيره. (¬4) أي مرضًا كان الحاصر يعني الحابس، أو كان الحاصر عدوًّا، وشرعًا: المنع عن إتمام أركان الحج، أو العمرة، أو هما، لا الواجبات. (¬5) أي ورد مزيدًا، ومجردًا، وحصره أي منعه عن المضي في مقصده، دون الرجوع أو معه. (¬6) إجماعا، وسقط عنه توابع الوقوف، كمبيت بمزدلفة ومنى، ورمي جمار، وظاهره، ولو كان الجمهور وتقدم. (¬7) أي فمفهومه فوت الحج بخروج ليلة جمع، لحديث «الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر، فقد أدرك الحج» ولا نزاع في ذلك.

(وتحلل بعمرة) (¬1) فيطوف ويسعى، ويحلق أو يقصر (¬2) ، إن لم يختر البقاء على إحرامه ليحج من قابل (¬3) (ويقضي) الحج الفائت (¬4) . ¬

_ (¬1) جزم به في المحرر والوجيز، واختاره ابن حامد، لأن قلب الحج عمرة جائز بلا حصر، فمعه أولى، وتجزئه عن عمرة الإسلام. (¬2) فقد اتفقوا على أنه لا يخرج من إحرامه، إلا بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ولا بد فيحل بعمرة، واتفقوا على أن من فاته الحج لا يبقى محرما إلى العام القابل. (¬3) فإن اختار البقاء على إحرامه، فله استدامة الإحرام لأنه رضي بالمشقة على نفسه، ويحتمل أن يتحلل بطواف وسعي، وهو قول للشافعي لظاهر الخبر، وقول الصحابة، وصححه الشارح، وزاد: وحلقٍ لأن إحرامه انعقد بأحد النسكين فلم ينقلب إلى الآخر، كما لو أحرم بالعمرة، وعنه: ينقلب قال في المبدع: اختاره الأكثر، وهو المذهب واستدل بقول عمر لأبي أيوب. (¬4) إن كان فرضًا إجماعًا، لأنه لم يأت به على وجهه، فلم يكن بد من الإتيان به، ليخرج من عهدته، وإن كان نفلا فلأن الحج يلزم بالشروع فيه، وهو قول مالك والشافعي، وأصحاب الرأي لقوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ} ولتفريطه ولإجماع الصحابة، ولأنه يلزم بالشروع فيه، فيصير كالمنذور، بخلاف غيره من التطوعات، والصغير والبالغ في وجوب القضاء سواء إلا عند أبي حنيفة لكن لا يصح قضاء الصغير إلا بعد بلوغه، والحج الصحيح والفاسد في ذلك سواء، فإن حل، ثم زال الحصر، وفي الوقت سعة، فله أن يقضي في ذلك العام، قال الموفق وغيره، وليس يتصور القضاء في العام الذي أفسد حجه فيه، في غير هذه المسألة.

(ويهدي) هديًا يذبحه في قضائه (¬1) (إن لم يكن اشترط) في ابتداء إحرامه (¬2) لقول عمر لأبي أيوب -لما فاته الحج- اصنع ما يصنع المعتمر، ثم قد تحللت (¬3) فإن أدركت الحج قابلا فحج، وأهد ما استيسر من الهدي، رواه الشافعي (¬4) والقارن وغيره سواء (¬5) ومن اشترط بأن قال: في ابتداء إحرامه وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني فلا هدي عليه ولا قضاء (¬6) . ¬

_ (¬1) أي يجب من حين الفوات، ويؤخره إلى القضاء، وهو الصحيح من المذهب وقول الموفق، والجماهير من الأصحاب، وغيرهم. (¬2) فلا قضاء ولا هدي، ما لم يكن واجبًا قبل في ذمته. (¬3) أي إذا طفت بالبيت وسعيت بين الصفا والمروة، وحلقت أو قصرت، فقد تحللت، كالمعتمر. (¬4) وروى النجاد عن عطاء مرفوعًا نحوه، وروى الأثرم أن هبار بن الأسود، حج من الشام، فقدم يوم النحر، فقال عمر: انطلق إلى البيت، فطف به سبعا، وإن كان معك هدي فانحره، ثم إذا كان عام قابل فاحجج، فإن وجدت سعة فأهد، فإن لم تجد، فصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعت، وللدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا: «من فاته عرفات، فاته الحج، وليتحلل بعمرة، وعليه الحج من قابل» ولأنه يجوز فسخ الحج إلى العمرة من غير فوات، فمعه أولى، وعموم الآثار يشمل الفرض والنفل، بخلاف المحصر. (¬5) لأن عمرته لا تلزمه أفعالها، وإنما يمنع من عمرة على عمرة، إذا لزمه المضي في كل منهما. (¬6) لقوله: «فإن لك على ربك ما استثنيت» رواه أبو داود، ولأحمد «فإن حبست أو مرضت فقد حللت من ذلك، بشرطك على ربك،» ولأن للشرط تأثير في العبادات فتستفيد التحلل وسقوط الدم.

إن أخطأ الناس فوقفوا في الثامن أو العاشر أجزأهم

إلا أن يكون الحج واجبا فيؤديه (¬1) وإن أخطأ الناس، فوقفوا في الثامن، أو العاشر أجزأهم (¬2) وإن أخطأ بعضهم فاته الحج (¬3) (ومن) أحرم فـ (صده عدو عن البيت) ولم يكن له طريق إلى الحج (أهدى) أي نحر هديًا في موضعه (¬4) . ¬

_ (¬1) وفاقًا، إلا رواية عن مالك، واستحسنها الوزير، واتفقوا أنه لا يلزمه مع الحج عمرة، إلا أبا حنيفة، فقال: يلزمه، وإن كان تطوعًا، لم يلزمه القضاء للشرط. (¬2) إجماعًا والعاشر هو يوم عرفة في حقهم، والحادي عشر، هو العيد شرعًا، في حق كل من أحرم بالحج، أو أحرم في ذلك اليوم، ولا يجزئ تضحية في اليوم التاسع، وإذا وقفوا في الثامن، وعلموا قبل فوت الوقت، وجب الوقوف في الوقت، وإن لم يعلموا أجزأ لقوله صلى الله عليه وسلم «الحج يوم يحج الناس» ولمشقة القضاء عليهم مع كثرتهم مشقة عظيمة، ولأنهم لا يأمنون وقوع مثله في القضاء، والمقصود أنه لا لغلط في العدد أو الطريق، فقد قال الشيخ: الهلال اسم لما يراه الناس، يدل عليه لو أخطئوا لغلط في العدد، أو في الطريق ونحوه، فوقفوا العاشر لم يجزئهم إجماعا. (¬3) وظاهر عبارته -كالمقنع والتنقيح- ولو كان الجمهور، والمذهب إن كان الخطأ من الجمهور أجزأهم أيضًا كالناس، فقد ألحق الأكثر بالكل في مواضع، فكذا هنا، وعبارة المنتهى، وإن وقف الكل إلا يسيرًا الثامن أو العاشر خطأ أجزأ نصًّا فيهما، وفي الانتصار، عدد يسير، قال الشيخ: والوقوف مرتين بدعة، لم يفعله السلف. (¬4) قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه، وقال في الشرح وغيره: بلا خلاف للآية، ولفعله صلى الله عليه وسلم وينوي بذبحه التحلل به.

(ثم حل) (¬1) لقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (¬2) سواء كان في حج أو عمرة أو قارنًا (¬3) وسواء كان الحصر عاما في جميع الحاج، أو خاصا بواحد، كمن حبس بغير حق (¬4) . ¬

_ (¬1) إن شاء، ولا يجب عليه، قال الوزير: اتفقوا على أن الإحصار بالعدو يبيح التحلل، وقال أبو حنيفة والشافعي، يجب عليه الهدي، ولا يتحلل إلا بهدي، ينحره وقت حصره في محله، وقال أبو حنيفة: في الحرم، وإذا أمكنه سلوك طريق آخر غلبت فيه السلامة، ووجدت شروط الاستطاعة لزمه سلوكه، وإن علم الفوت وتحلل بعمرة، والأولى لمعتمر وحاج، -اتسع زمن إحرامه- الصبر إن غلب على ظنه انكشاف العدو وإمكان الحج. (¬2) أي: وأردتم التحلل، إذ الإحصار بمجرده، لا يوجب هديًا، قال الشافعي: لا خلاف بين أهل التفسير، أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صلح الحديبية، لما فرغ من قضية الكتاب، لأصحابه «قوموا فانحروا ثم احلقوا» ولأن الحاجة داعية إلى الحل، لما في تركه من المشقة العظيمة، وهي منتفية شرعًا، والآية ظاهرة في حصر العدو، وحملها غير واحد على العموم في حق كل من أحصر، سواء كان قبل الوقوف، أو بعده، وبمكة أو غيرها، طاف بالبيت أو لم يطف لأن الله أطلق ولم يخص، اختاره الشيخ وغيره. (¬3) لأن الصحابة حلوا في الحديبية، وكانت عمرة ولا فرق بين الحج الصحيح والفاسد ولا قبل الوقوف ولا بعده. (¬4) أو أخذته اللصوص، يهدي ثم يحل، لعموم النصوص ووجود المعنى في الكل، وأما من حبس بحق يمكنه الخروج منه، فلا يجوز له التحلل في الحبس، فإن كان عاجزًا فبغير حق، ولا قضاء على المحصر المتطوع، بحصر عام أو خاص، وإن اقترن به فوات الحج، إذ لم يرد الأمر به، وقد أحصروا عام الحديبية، ولم يعتمر منهم معه في عمرة القضية إلا البعض، فعلم أنها لم تكن قضاء، ولم ينقل أنه أمر الباقين بالقضاء، ولأنه تطوع جاز التحلل منه، مع صلا ح الزمان له، فلم يجب قضاؤه، وفارق الفوات، لأنه مفرط، بخلاف المحصر، وقال ابن القيم: لا يلزم المحصر هدي، ولا قضاء، لعدم أمر الشارع به اهـ ومعنى القضية: الصلح الذي وقع في الحديبية، ولا يرد عليه أن المحصر يلزمه القضاء، إذا أخر التحلل مع إمكانه حتى فاته، أو فاته ثم أحصر، أو زال الحصر والوقوف باق ولم يتحلل ومضى في النسك ففاته، أو سلك طريقا آخر ففاته، وذلك لأن القضاء في هذه الصور للفوات لا للحصر.

(فإن فقده) أي فقد الهدي (¬1) (صام عشرة أيام) بنية التحلل (ثم حل) (¬2) ولا إطعام في الإحصار (¬3) وظاهر كلامه كالخرقي وغيره: عدم وجوب الحلق أو التقصير (¬4) . ¬

_ (¬1) فلم يكن معه، ولا قدر عليه. (¬2) وهو أحد قولي الشافعي، والثاني: له التحلل قبل الإتيان بالبدل، من غير توقف على الصوم، لتضرره ببقاء إحرامه إلى فراغ الصوم، وقال: أحب أن لا يحل حتى يصوم إن قدر، فإن صعب عليه حل ثم صام بالنية عن الهدي، ولأنه دم واجب للإحرام فكان له بدل ينتقل إليه، كدم المتعة. (¬3) لعدم وروده وقال الآجري: إن عدم الهدي قومه طعاما، وصام عن كل مد يوما وحل، فإن شق عليه حل ثم صام. (¬4) لأنه من توابع الوقوف، كالرمي.

تحلل المحصر سواء كان بمكة أو غيرها، وإن اشترط كان مجانا

وقدمه في المحرر، وشرح ابن رزين (¬1) (وإن صد عن عرفة) دون البيت (تحلل بعمرة) (¬2) ولا شيء عليه (¬3) لأن قلب الحج عمرة، جائز بلا حصر، فمعه أولى (¬4) وإن أحصر عن طواف الإفاضة فقط، لم يتحلل حتى يطوف (¬5) . ¬

_ (¬1) والمغني والشرح وغيرهم، لأن الله ذكر الهدي وحده، ولم يشترط سواه، وقال أكثر الأصحاب، يجب عليه الحلق أو التقصير وفاقا، واختاره القاضي وغيره، وقال في تصحيح الفروع: على الصحيح، لأن الصحيح من المذهب أنه نسك فكذا يكون هنا، وابن رزين هو عبد الرحمن بن رزين بن عبد الله الغساني الحوراني ثم الدمشقي، له شرح على الخرقي قتل سنة 656 هـ شهيدا بسيف التتار. (¬2) مجانًا، لتمكنه من وصوله إلى البيت، فيفسخ نية الحج، ويجعله عمرة، وإن كان قد طاف للقدوم وسعى، ثم حصر أو مرض، أو فاته الحج، تحلل بطواف وسعي آخرين لأن الأولين لم يقصدهما للعمرة، وليس عليه أن يجدد إحرامًا. (¬3) أي لا دم عليه، لأنه في معنى الفسخ. (¬4) جزم به في الشرح وغيره، ولأنه يمكنه أن يأتي بعمل العمرة، فعلي هذا يتحلل بطواف وسعي وحلق. (¬5) بأن رمى وحلق بعد وقوفه، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، والقديم من قولي الشافعي، ويبقى محرمًا أبدًا، حتى يطوف طواف الزيارة، وقال الإمام العادل أبو المظفر، الصحيح عندي ما ذهب إليه الشافعي في قوله الجديد، وأحمد فإن قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} محمول على العموم في حق كل من أحصر سواء كان قبل الوقوف أو بعده، وبمكة أو غيرها وسواء كان طاف بالبيت أو لم يطف، وأن له أن يتحلل، كما قال الله تعالى، أطلق ذلك في قوله ولم يخصصه. في الكل، وأما من حبس بحق يمكنه الخروج منه، فلا يجوز له التحلل في الحبسن فإن كان عاجزا فبغير حق، ولا قضاء على المحصر المتطوع، بحصر عام أو خاص، وإن اقترن به فوات الحج، إذ لم يرد الأمر به، وقد أحصروا عام الحديبية ولم يعتمر منهم معه في عمرة القضية إلا البعض، فعلم أها لم تكن قضاء، ولم ينقل أنه أمر الباقين بالقضاء، ولأنه تطوع جاز التحلل منه، مع صلاح الزمان له، فلم يجب قضاؤه، وفارق الفوات، لأنه مفرط، بخلاف المحصر، وقال ابن القيم: لا يلزم المحصر هدي، ولا قضاء لعدم أمر الشارع به اهـ ومعنى القضية: الصلاح الذي وقع في الحديبية، ولا يرد عليه أن المحصر يلزمه القضاء، إذا أخر التحلل ومضي في النسك ففاته، أو سلك طريقا آخر ففاته، وذلك لأن القضاء في هذه الصور الفوات لا للحصر.

وإن أحصر عن واجب، لم يتحلل، وعليه دم (¬1) و (إن حصره مرض (¬2) أو ذهاب نفقة) (¬3) . ¬

_ (¬1) لأنه متمكن منه بالطواف والحلق كرمي، فلم يجز له التحلل، والتحلل مباح لحاجته في الدفع إلى قتال أو بذل مال، فإن كان البذل يسيرا فقياس المذهب وجوبه، ومع كفر العدو يستحب قتاله إن قوي المسلمون عليه. (¬2) بقي على إحرامه، حتى يبرأ لأن المرض لا يمنع الإتمام، وفي شرح الإقناع، ومثله حائض تعذر مقامها، أو رجعت ولم تطف، لجهلها بوجوب طواف الزيارة، أو لعجزها عنه، أو لذهاب الرفقة، وقال أبو حنيفة: المحصر بالمرض كمن أحصر بالعدو سواء، وهو رواية عن أحمد، اختاره الشيخ، وقال: يجوز له التحلل، قال الزركشي، ولعلها أظهر، لظاهر قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} ، ولما روى الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل» قال سمعته يقول ذلك فسألت ابن عباس وأبا هريرة عما قال فصدقاه، رواه الخمسة وحسنه الترمذي، ولفظ الإحصار إنما هو للمرض، يقال: أحصره المرض إحصارًا فهو محصور قال الأزهري: هو كلام العرب. وقال ابن قتيبة في الآية: هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج، من مرض أو كسر أو عدو، اهـ واستفيد حصر العدو بطريق التنبيه، فيكون حكمه كمن حصره العدو، على ما تقدم، واختار الشيخ: أن الحائض لها التحلل، كمن حصره عدو، فإن الله لم يوجب على المحصر أن يبقى محرمًا حولاً بغير اختياره ولتحلل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما حصروا عن إتمام العمرة، مع إمكان رجوعهم محرمين، إلى العام القابل. (¬3) أي وإن حصره ذهاب نفقة بقي محرمًا، وهذا مذهب مالك والشافعي وعنه: له التحلل، وهو مذهب أبي حنيفة، وجماعة من السلف، للخبر المتقدم ولعموم {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} .

أو ضل الطريق (بقي محرمًا) حتى يقدر على البيت (¬1) لأنه لا يستفيد بالإحلال التخلص من الأذى الذي به (¬2) بخلاف حصر العدو (¬3) فإن قدر على البيت بعد فوات الحج، تحلل بعمرة (¬4) ولا ينحر هديًا معه إلا بالحرم (¬5) هذا (إن لم يكن اشترط) في ابتداء إحرامه أن محلي حيث حبستني (¬6) وإلا فله التحلل مجانًا في الجميع (¬7) . ¬

_ (¬1) هذا المذهب عند بعض الأصحاب، وعنه: له التحلل لعموم الآية. (¬2) ولا يستفيد بالإحلال، الانتقال من حاله، لمفهوم خبر ضباعة. (¬3) فإنه يفيد التخلص، والانتقال من حاله. (¬4) فيطوف ويسعى، ويحلق أو يقصر. (¬5) فليس كالمحصر فيبعث الهدي. (¬6) لتأثير الشرط كما تقدم. (¬7) أي وإن كان اشتراط في ابتداء إحرامه، أن محله حيث حبس، فله التحلل بلا هدي، ولا قضاء في جميع ما تقدم، وهو مذهب الشافعي، فإن له شرطه، ويستفيد به التحلل إذا وجد الشرط، سواء كان الحصر بمرض، أو عدو أو غيره، فيستفيد بالشرط عند المرض والخطأ التحلل، وإسقاط الهدي، وعند العدو إسقاط الدم، لأن للشرط تأثيرًا في العبادات، بدليل قوله: إن شفي الله مريضي صمت شهرًا، فيلزمه بوجود الشرط، ويعدم بعدمه، ولأنه صار بمنزلة من أكمل أفعال الحج.

باب الهدي، والأضحية والعقيقة، وما يتعلق بذلك

باب الهدي والأضحية والعقيقة (¬1) الهدي ما يهدى للحرم، من نعم وغيرها (¬2) سمي بذلك لأنه يهدى إلى الله سبحانه وتعالى (¬3) والأُضحية بضم الهمزة وكسرها، ¬

_ (¬1) أي بيان أحكامها، وما يتعلق بذلك، قال ابن القيم: والذبائح التي هي قربة إلى الله وعبادة، هي الهدي والأضحية والعقيقة، وقال: القربان للخالق، يقوم مقام الفدية عن النفس المستحقة للتلف وقال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} فلم يزل ذبح المناسج وإراقة الدماء على اسم الله مشروعًا في جميع الملل، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يدع الهدي ولا الأضحية وحث عليهما. (¬2) وقال ابن المنجا: هو ما يذبح بمنى، وأصل الهدي التشديد، من: هديت الهدي أهديه، وكلام العرب: أهديت الهدي إهداء. (¬3) قربانا لله تعالى، وفداء عن النفس، وسوقه مسنون ولا يجب إلا بالنذر، ويستحب أن يقفه بعرفة، ويجمع فيه بين الحل والحرم بلا نزاع، فلو اشتراه في الحرم، ولم يخرجه إلى عرفة وذبحه كفاه.

واحدة الأضاحي (¬1) ويقال: ضحية (¬2) وأجمع المسلمون على مشروعيتهما (¬3) . (أفضلها إبل ثم بقر) إن أخرج كاملاً (¬4) لكثرة الثمن، ونفع الفقراء (¬5) (ثم غنم) (¬6) . ¬

_ (¬1) والجمع ضحايا، وأضحاة، والجمع أضحى، كأرطاة وأرطى. (¬2) بفتح الضاد المعجمة كسوية، وبتشديد الياء والتخفيف. (¬3) أي الهدي والأضحية، وحكاه غير واحد ممن يحكي الإجماع لقوله تعالى {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} قال المفسرون: المراد به الأضحية بعد صلاة العيد، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين، وأهدى في حجته مائة بدنة، ولم يكن يدعهما وأوجبها أبو حنيفة على كل حر مسلم مقيم، مالك لنصاب، وروي عن مالك، والجمهور: أنها سنة مؤكدة، على كل من قدر عليها، من المسلمين المقيمين والمسافرين إلا الحجاج بمنى، فقال مالك: لا أضحية عليهم، واختاره شيخ الإسلام، اكتفاء بالهدي، ولم يعد الضمير إلى الجميع، لعدم الإجماع في مشروعية العقيقة، فإن أبا حنيفة لا يراها. (¬4) من إبل أو بقر، قال في الإنصاف، بلا نزاع. (¬5) فكانت أفضل من غيرها، ولحديث أبي هريرة يرفعه في «من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، وفي الثانية بقرة، وفي الثالثة كبشا» قربتها على قدر الفضيلة، وسألت امرأة ابن عباس: أي النسك أفضل؟ قال: إن شئت فناقة أو بقرة، قالت: أي ذلك أفضل؟ قال: انحري ناقة. (¬6) ولا نزاع في جواز كل منها لا من غيرها، ولو كان أحد أبويه وحشيًّا، وذلك فيما إذا قوبل الجنس بالجنس، وإلا فسيأتي أن سبع شياه أفضل من البدنة والبقرة.

وأفضل كل جنس أسمن، فأغلى ثمنًا (¬1) لقوله تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ *} (¬2) . فأشهب وهو الأملح أي الأبيض (¬3) أو ما بياضه أكثر من سواده (¬4) فأصفر، فأسود (¬5) . ¬

_ (¬1) إجماعًا إلا ما روي عن بعض أصحاب مالك، وعند الشيخ: الأجر على قدر القيمة مطلقًا. (¬2) أي ومن يعظم أعلام دينه، والهدي والأضاحي من أعلام دين الإسلام قال ابن عباس: تعظيمها استسمانها، واستعظامها، واستحسانها (فإنها) أي فإن تعظيمها (من) فعال ذوي (تقوى القلوب) وخصَّ القلوب لأنها مراكز التقوى، ومن تمكن الإخلاص من قلبه، بالغ في أداء الطاعات، على سبيل الإخلاص وقال تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ} أي تهدى إلى بيته الحرام (مِنْ شَعَائِرِ اللهِ) أي من أعلام دينه، سميت شعائر لأنها تشعر، وهو أن تطعن بحديدة في سنامها فيعلم أنها هدي، ومن شعائر الله تعظيمها، وروي «استفرهوا ضحاياكم فإنها في الجنة مطاياكم» وفي الصحيح عن سهل: كنا نسمن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون. (¬3) قاله ابن الأعرابي وغيره، وهذا تفريع على التفضيل بين أنواع الغنم، وفي الصحيح عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ولأحمد عن أبي هريرة مرفوعًا «دم عفراء أحب إلى الله من دم سوادين» والعفراء البيضاء بياضًا ليس بالشديد وقال أحمد: يعجبني البياض. (¬4) قاله الكسائي وغيره. (¬5) أي بعد الأبيض، أو ما بياضه أكثر من سواده، والأصفر يعني ما لونه أصفر، فأسود لما في السنن، ضحى بكبش أقرن كحيل، يأكل في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد، والذكر والأنثى سواء، لقوله تعالى: {عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} وثبت أنه صلى الله عليه وسلم أهدى جملاً لأبي جهل في أنفه برة فضة، وقيل: اتفقوا على أن الضأن من الغنم أفضل من المعز، وفحول كل جنس أفضل من إناثه، وقال في المبدع: المقصود هنا اللحم، ولحم الذكر أوفر، ولحم الأنثى أرطب، فيتساويان، بخلاف الزكاة، وفي الإنصاف: جذع ضأن أفضل من ثني معز.

المجزئ في الأضحية: جذع ضأن وثني سواه، مع التفصيل لمن تجزئ عنه

(ولا يجزئ فيها إلا جذع ضأن) ماله ستة أشهر كما يأتي (¬1) (وثني سواه) أي سوى الضأن، من إبل، وبقر، ومعز (¬2) (فالإبل) أي السن المعتبر لإجزاء إبل (خمس) سنين (¬3) (والبقر سنتان (¬4) والمعز سنة (¬5) والضأن نصفها) أي نصف سنة (¬6) لحديث «الجذع من الضأن أضحية» رواه ابن ماجه (¬7) . ¬

_ (¬1) أي قريبا، وقال الجوهري وغيره: الجذع من الضأن، هو ماله ستة أشهر، وقال الوزير: اتفقوا أنه لا يجزئ من الضأن إلا الجذع، وهو ماله ستة أشهر، وقد دخل في السابع، ويعرف بنوم الصوف على ظهره، قاله الخرقي عن أبيه عن أهل البادية. (¬2) لأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يذبحون لهما، قال الوزير: اتفقوا أنه لا يجزئ مما سوى الضأن إلا الثني على الإطلاق، من المعز، والإبل، والبقر، وذكره كما صرحوا به فيما يأتي. (¬3) ودخل في السادسة، قال الأصمعي والجوهري وغيرهما: سمي بذلك لأنه حينئذ يلقى ثنيته. (¬4) قاله الجوهري أيضا وغيره. (¬5) وهو كذلك عند أهل اللغة وغيرهم، وقد سبق في الزكاة. (¬6) قال الوزير: اتفقوا على أنه من ذبح الأضحية من هذه الأجناس، بهذه الأسنان، فما زاد فإن أضحيته مجزئة صحيحة، وأن من ذبح منها ما دون هذه الأسنان، من كل جنس منها، لم تجزئه أضحية. (¬7) وللترمذي وأحمد من حديث أبي هريرة، «نعمت الأضحية الجذع من الضأن» وله عن هلال نحوه، وكذا لأبي داود عن مجاشع، والنسائي عن عقبة وما رواه مسلم عن جابر مرفوعا «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن» فعلى الاستحباب عند أهل العلم بالأخبار، واتفقوا على أنه يجزئ من الضأن، الجذع، وهو ما له ستة أشهر، حكاه الوزير وغيره، وتقدم عن بعضهم: أنه أفضل من ثني معز.

(وتجزئ الشاة عن واحد) وأهل بيته وعياله (¬1) لحديث أبي أيوب: كان الرجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه، وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون، قال: في شرح المقنع، حديث صحيح (¬2) (و) تجزئ (البدنة والبقرة عن سبعة) (¬3) . ¬

_ (¬1) أي وتجزئ الشاة في الهدي، والأضحية، عن واحد لحصول الوفاء به، والخروج عن الأمر المطلق، وتجزئ عن أهل بيته، وعن عياله ولو كثروا. (¬2) ورواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وغيرهم وصححه، وضحى صلى الله عليه وسلم بكبشين، أحدهما عن محمد وآل محمد، والآخر عن أمة محمد، ولمسلم عن عائشة مرفوعا «اللهم تقبل من محمد، وآل محمد، ومن أمة محمد» . (¬3) يعني الواجب، إذ الإجزاء يشعر بذلك، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، وأكثر أهل العلم، سواء أراد جميعهم القربة أو بعضهم، وبعضهم اللحم، لأن الجزء المجزئ لا ينقص بإرادة الشريك غير القربة، فجاز، كما لو اختلفت جهات القرب، فأراد بعضهم المتعة، وبعضهم القران، وأما عنه، وعن أهل بيته، ونحو ذلك في التطوع، فتقدم أن جنس الإبل والبقر أفضل من جنس الغنم، وإجزاء الواحدة من الغنم لا نزاع فيه، فالبدنة والبقرة أولى.

التشريك في سبع، وبيان الأفضل

لقول جابر: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة في واحد منهما» رواه مسلم (¬1) . ¬

_ (¬1) وفي لفظ: نحرنا بالحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، يرون الجزور عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وفي لفظ: فنذبح البقرة عن سبعة، نشترك فيها، وحينئذ فيعتبر ذبحها عنهم، قال الوزير: اتفقوا على أن الاشتراك في الأضحية على سبيل الازدياد من البعض للبعض جائز وأجازه بالأثمان والأعراض أبو حنيفة، والشافعي وأحمد، وقال: أجاز الشافعي وأحمد الاشتراك مطلقًا. وقال الزركشي وغيره: الاعتبار أن يشترك الجميع دفعة واحدة، فلو اشترك ثلاثة في بقرة ضحية، وقالوا: من جاء يريد أضحية أشركناه، فجاء قوم فشاركوهم، لم تجز إلا عن ثلاثة، وقال الشيرازي: والمراد إذا أوجبوها على أنفسهم، كما يفهم من كلامه في الإنصاف وغيره، وصرح به في الإقناع، ولو ذبحوها على أنهم سبعة فبانوا ثمانية ذبحوا شاة وأجزأتهم، على الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، ولو اشترك اثنان في شاتين على الشيوع أجزأ على الصحيح، ولو اشترى سبع بقرة، أو سبع بدنة ذبحت للحم، على أن يضحى به لم يجزئه، قال أحمد: هو لحم اشتراه، وليس بأضحية، صرح به في الإنصاف وغيره. وأما التشريك في السبع منها، فمفهوم هذا الحديث وحديث «تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته» أنه لا يجزئ شرك في سبع من بدنة أو بقرة، وجزم به شيخنا وغيره، وتعبير الشارع بجواز البدنة عن سبعة لأن الأصل أنه لا يضحي بالدم إلا عن شخص، فإن أصل الأضحية، هي فداء إسماعيل بكبش كامل فخص الشارع الشاة عن الرجل وأهل بيته، وضحى بكبش عن محمد وآل محمد، وبكبش عن أمة محمد، والبدنة والبقرة أولى، دون التشريك في سبع بدنة أو بقرة.

ما لا يجزئ مما به عيب، وما يجزئ بدون كراهة، أو مع الكراهة

وشاة أفضل من سبع بدنة أو بقرة (¬1) (ولا تجزئ العوراء) بينة العور (¬2) بأن انخسفت عينها (¬3) في الهدي ولا في الأضحية (¬4) ولا العمياء (¬5) (و) لا (العجفاء) الهزيلة التي لا مخ فيها (¬6) (و) لا (العرجاء) التي لا تطيق مشيًا مع صحيحة (¬7) . ¬

_ (¬1) أي أو سبع بقرة، وسبع بضم الباء، وزيادة العدد من جنس أفضل، قال أحمد: بدنتان سمينتان بتسعة، وبدنة بعشرة، البدنتان أعجب إلي، ورجح الشيخ تفضيل البدنة وفي سنن أبي داود، وحديث علي ما يدل عليه، والجواميس في الهدي والأضحية كالبقر، ومن جنس في الزكاة. (¬2) أي في هدي، ولا في أضحية ولا عقيقة، قال في الإنصاف: بلا نزاع فإذا لم تكن بينة العور، بل كانت عينها قائمة لم تنخسف، إلا أنها لا تبصر بها، أجزأت وكذا إن كان عليها بياض وهي قائمة لم تذهب، أجزأت وصرح في المنتهى، بأن قائمة العينين لا تجزئ فمفهومه إجزاء قائمة العين الواحدة. (¬3) أي ذهب جرمها، لا القائمة، أو عليها بياض. (¬4) حكاه الوزير وغيره اتفاقًا، ومثلهما العقيقة، ورجح أهل الحديث عدم الإجزاء، إذا ذهبت إحدى عينيها بأي حال من الأحوال، سواء فقدت الحدقة، أو بقيت، لفوات المقصود وهو النظر، وجاء النهي عن البخقاء، وهي التي تبخق عينها، فيذهب بصرها، والعين صحيحة الصورة في موضعها. (¬5) من باب أولى، لأن في النهي عن العور تنبيهًا على العمى، وإن لم يكن عماهما بينًا إجماعًا. (¬6) أي ذهب مخ عظامها، وشحم عينها لهزالها، وفاقا، والمخ: الودك الذي في العظم، وخالص كل شيء، وقد سمي الدماغ مخًّا. (¬7) قولا واحدا في الجملة، وقيده بذلك، لما في كلام الماتن من إطلاق العرج، وليس كذلك، قال غير واحد: لا تجزئ العرجاء البين عرجها وفاقا، والمراد أن فيها عرجا فاحشا، يمنعها مما ذكر، لأنه ينقص لحمها بسبب ذلك فإن كان عرجها لا يمنعها أجزأت، وعلم منه: أن الكسيرة لا تجزئ من باب أولى.

(و) لا (الهتماء) التي ذهبت ثناياها من أصلها (¬1) (و) لا (الجداء) أي ما شاب ونشف ضرعها (¬2) (و) لا (المريضة) بينة المرض (¬3) لحديث البراء بن عازب: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أربع لا تجوز في الأضاحي، العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والعجفاء التي لا تنقي» رواه أبو داود والنسائي (¬4) . ¬

_ (¬1) قاله جماعة، وفي التلخيص: هو قياس المذهب، وقال الشيخ: هي التي سقط بعض أسنانها، وتجزئ في أصح الوجهين. (¬2) جد الضرع يبس فهو أجد «وشاب» أي أبيض ضرعها ونشف، فانقطع منه اللبن، فالجداء اسم لما لم يكن في ضرعها لبن، ولو كان لا يزيد في ثمنها، فإذا وجد فيه شيء فليست بجداء، وتجزئ لو جدَّ فيها شطر، وسلم الآخر. (¬3) وهو المفسد للحمها، والمقلص له وفاقًا، وكذا جرب وغيره، ومفهومه أنه إذا لم يكن بينا أنها تجزئ، لأنها قريبة من الصحيحة، وذكر الخرقي أنها التي لا يرجى برؤها لأن ذلك ينقص قيمتها ولحمها. (¬4) ونحوه للترمذي وصححه، قال النووي: أجمعوا على أن التي فيها العيوب المذكورة في حديث البراء لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها، كالعمي وقطع الرجل ونحوه، اهـ، وهذه العيوب تنقص اللحم لضعفها وعجزها عن استكمال الرعي، فلا تجزئ كما هو ظاهر الحديث، وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أنه لا يجزئ في الأضحية ذبح معيب ينقص، و «ظلعها» بفتح الظاء المشالة، وسكون اللام وتفتح الغمز والعرج، والعجفاء، والمصفرة، والهزيلة بمعنى، وأنقت الإبل وغيرها، إذا سمنت وصار فيها نقي، وهو مخ العظم، وشحم العين من السمن، ويقال: ناقة منقية وهذه لا تنقي بضم التاء. وعن علي قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة، ولا شرقاء، ولا خرقاء» رواه أحمد، وأهل السنن، وصححه الترمذي، ولهم عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضحي بأعضب القرن والأذن، وفي الإنصاف: وكره بعضهم معيبة الأذن بخرق، أو شق، أو قطع لأقل من النصف.

(و) لا (العضباء) التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها (¬1) (بل) تجزئ (البتراء) التي لا ذنب لها (خلقه) أو مقطوعا (¬2) . ¬

_ (¬1) لا النصف فأقل، قال أحمد: لا تجزئ الأضحية بأعضب القرن والأذن، لحديث علي، صححه الترمذي، وظاهره التحريم والفساد، وذكر الخلال أنهم اتفقوا على ذلك، ولأبي داود عن عتبة «نهي عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء، والمشيعة والكسيرة» فهذه العيوب كلها مانعة من الإجزاء عند الجمهور، وصحح في الفروع الإجزاء مطلقًا، وهو مذهب الشافعي، لأن في صحة الخبر نظر، ولأن الأذن والقرن لا يقصد أكلها غالبا، ثم هي كقطع الذنب وأولى بالإجزاء، وصوبه في الإنصاف. (¬2) دفع ما في كلام الماتن من الإيهام، والبتراء بوزن حمراء، وقال الموفق وغيره في التي انقطع منها عضو كالألية: لا تجزئ.

والصمعاء، وهي صغيرة الأذن (¬1) (والجماء) التي لم يخلق لها قرن (¬2) (وخصي غير مجبوب) بأن قطع خصيتاه فقط (¬3) (و) يجزئ مع الكراهة (ما بأذنه أو قرنه) خرق أو شق (¬4) أو (قطع أقل من النصف) (¬5) أو النصف فقط، على ما نص عليه في رواية حنبل وغيره (¬6) . ¬

_ (¬1) فتجزئ لعدم النهي والإخلال بالمقصود. (¬2) لعدم النهي، ولأنه لا يخل بالمقصود، بخلاف التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها كما تقدم. (¬3) ولم يقطع ذكره، أجزأ بلا خلاف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين موجوءين وعن عائشة نحوه، رواه أحمد، وسواء رضت، أو سلت أو قطعت لأنه إذهاب عضو غير مستطاب، بل يطيب اللحم بزواله، ويسمن، قال أحمد: والخصي أحب إلينا من النعجة، لأن لحمه أوفر وأطيب، فإن قطعت خصيتاه أو سلت، أو رضت وقطع ذكره، فهو الخصي المجبوب، ولا يجزئ نص عليه، وجزم به غير واحد. (¬4) أقل من النصف. (¬5) كيلا يقع فيها نقص وعيب. (¬6) لما تقدم من حديث علي: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء وحمل على الكراهة، لأن ذلك لا ينقص لحمها، ولا يوجد سالم منها.

كيفية نحر الإبل، وذبح غيرها، وما يقوله عند ذلك

قال في شرح المنتهى: وهذا هو المذهب (¬1) (والسنة نحر الإبل قائمة (¬2) معقولة يدها اليسرى (¬3) فيطعنها بالحربة) أو نحوها (¬4) (في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر) (¬5) لفعله عليه السلام، وفعل أصحابه (¬6) كما رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن سابط (¬7) . ¬

_ (¬1) أي إجزاء ما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف، لأنه لا يقصد أكلها غالبًا وتقدم أنها أولى بالجواز من قطع الذنب. (¬2) لقوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} أي قياما على ثلاث قوائم، قد صفت رجليها وإحدى يديها، ولفعله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عمر -وقد رأى رجلاً أناخ بدنة ينحرها- ابعثها قيامًا مقيدة، سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه، وقوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} دال على ذلك، وهو مذهب الجمهور مالك، والشافعي، وغيرهم، وقال الموفق وغيره: لا خلاف في استحباب نحر الإبل، وذبح ما سواها. (¬3) أي مربوطة قائمتها اليسرى، مشدود وظيفها مع ذراعها بالعقال ونحوه. (¬4) كسكين «ويطعن» بضم العين، في الطعن الحسي، وبفتحها في المعنوي، كالطعن في العرض ونحوه، هذا الأكثر، وقيل: بضمها وفتحها فيهما. (¬5) الوهدة بسكون الهاء، المكان المطمئن والجمع وهد ووهاد، والعنق بضم العين والنون وسكونها، الرقبة والجمع أعناق. (¬6) ينحرون الإبل قائمة بالحربة ونحوها في الوهدة، لأنه أسهل لخروج روحها. (¬7) عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها، في الوهدة، فتطعن بين أصل العنق والصدر لأن عنق البعير طويل، فلو طعن بالقرب من رأسه لحصل له تعذيب عند خروج روحه، وكيفما نحر أجزأ وعبد الرحمن بن سابط هو ابن عبد الله بن سابط الجمحي المكي، ثقة كثير الإرسال، قاله الحافظ وغيره.

(و) السنة أن (يذبح غيرها) أي غير الإبل (¬1) على جنبها الأيسر (¬2) موجهة إلى القبلة (¬3) (ويجوز عكسها) أي ذبح ما ينحر، ونحر ما يذبح (¬4) لأنه لم يتجاوز محل الذبح (¬5) . ¬

_ (¬1) لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} ولفعله صلى الله عليه وسلم. (¬2) عند الذبح، يضع رجله على صفحته، ليكون أثبت له، وأمكن، لئلا يضطرب فيمنعه من كمال ذبحه أو يؤذيه، وأجمع المسلمون على إضجاع الغنم والبقر في الذبح، ولأنه صلى الله عليه وسلم أمر بكبش فأضجعه، ثم قال: «بسم الله، والله أكبر» ثم ضحى به، ولأنه أسهل على الذابح. (¬3) استحبابًا إجماعًا، لما رواه أبو داود وغيره، أنه صلى الله عليه وسلم وجهها إلى القبلة، وفي خبر الكبشين حين وجههما إلى القبلة، وقال لعائشة: «ما من مسلم يستقبل بذبيحته القبلة إلا كان دمها، وقرنها، وصوفها، حسنات في ميزانه يوم القيامة» ولأنها أشرف الجهات، وتستحب في كل طاعة إلا بدليل، وكره ابن عمر، وابن سيرين الأكل من الذبيحة الموجهة إلى غير القبلة. (¬4) أي من البقر والغنم، بأن تطعن في الوهدة كالإبل، وذبح الإبل كما تذبح البقر والغنم، وسيأتي إن شاء الله تعالى أن محل الذبح الحلق واللبة، وأنه لا يجوز في غيرهما. (¬5) فجاز هذا المذهب والأولى فعل السنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعليه عامة المسلمين.

ولحديث «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل» (¬1) (ويقول) حين يحرك يده بالنحر أو الذبح (¬2) (بسم الله) وجوبا (¬3) (والله أكبر) استحباب (¬4) (اللهم هذا منك ولك) (¬5) . ¬

_ (¬1) وإن كان عند الحاجة، فما جاز فيها جاز في غيرها، وقالت أسماء: نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه، وقال بعضهم: يكره، قال ابن القيم: والمستحب في الإبل النحر، وفي البقر والغنم الذبح، لموافقة السنة المتواترة، ويكره العكس لمخالفة السنة. (¬2) أي فيما السنة فيه النحر، أو السنة فيه الذبح. (¬3) لقوله: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} أي إنما شرعت لكم نحر هذه الهدايا والضحايا لتذكروه عنه ذبحها ولقوله {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} من البدن، والذبائح والتجارات، ورضى الله في الآخرة {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} وقال الغزالي: الأخبار متواترة فيها واتفقوا على استحبابها، أي وتسقط سهوا، كما يأتي في الذبائح، وقال مالك: إن تعمد ترك التسمية لم يجز أكلها، والمشروع عند الذبح الاقتصار على (بسم الله) بخلاف الأكل والشرب، فالسنة زيادة (الرحمن الرحيم) . (¬4) إجماعا لقوله {وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} وقاله ابن المنذر: ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ذلك، واختير التكبير هنا اقتداء بأبينا إبراهيم عليه السلام حين أتى بفداء إسماعيل عليه السلام. (¬5) وقاله الشيخ وغيره، أي من فضلك ونعمتك علي، لا من حولي ولا من قوتي، ولك التقرب به، لا إلي من سواك، ولا رياء، ولا سمعة وكره مالك، قول: اللهم هذا منك ولك، وقال بدعة، وقد جاء من غير وجه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال حين وجهها إلى القبلة «بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك ولك» رواه أبو داود وغيره، وفي لفظ: «بسم الله، والله أكبر، لا إله إلا لله، اللهم منك ولك» ، قال الشيخ: ويقول: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض» إلخ.

يتولاها صاحبها، أو يوكل ويشهدها

ولا بأس بقوله: اللهم تقبل من فلان (¬1) ويذبح واجبًا قبل نفل (¬2) (ويتولاها) أي الأضحية (صاحبها) إن قدر (¬3) (أو يوكل مسلما ويشهدها) أي يحضر ذبحها إن وكل فيه (¬4) . ¬

_ (¬1) لقوله صلى الله عليه وسلم «اللهم تقبل من محمد، وآل محمد، وأمة محمد» ثم ضحى، رواه مسلم، وقال الشيخ: يقول اللهم تقبل مني، كما تقبلت من إبراهيم خليلك، قال الخرقي: وليس عليه أن يقول عند الذبح: عن فلان، قال الشارح: بغير خلاف. (¬2) استحبابًا، مع سعة الوقت، وتقدم فيمن عليه زكاة، له الصدقة تطوعا قبل إخراجها، ولا فرق. (¬3) أي يتولى ذبحها بيده، إن قدر على ذلك، استحبابًا وفاقا لأنه صلى الله عليه وسلم نحر هديه ثلاثا وستين، وضحى بكبشين ذبحهما بيده الشريفة صلوات الله وسلامه عليه، وقال في الإنصاف: وإن ذبحها بيده كان أفضل بلا نزاع ولأن فعل القرب أولى من الاستنابة فيها، واتفقوا على أن ذبح العبد من المسلمين في الجواز كالحر، والمرأة من المسلمين والمراهق في ذلك كالرجل. (¬4) أي الذبح، لأنه قال لفاطمة «احضري أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة من دمها» وعن ابن عباس نحوه، وتعتبر نيته حال التوكيل في الذبح، لا نية وكيل، ولا تعتبر النية إن كانت الأضحية معينة، ولا تسمية المضحى عنه، ولا المهدي عنه، اكتفاء بالنية، قال الوزير: إذا ذبح أضحية غيره بغير إذنه، ونواه بها، أجزأت عن صاحبها، ولا ضمان عليه واتفقوا على أنها لا تكون بهذا الذبح ميتة.

وقت الذبح، واستمراره وبيان الأفضل، وما يكره

وإن استناب ذميًّا في ذبحها أجزأت مع الكراهة (¬1) (ووقت الذبح) لأضحية وهدي نذر، أو تطوع، أو متعة، أو قران (بعد صلاة العيد) بالبلد (¬2) فإن تعددت فيه فبأسبق صلاة (¬3) فإن فاتت الصلاة بالزوال ذبح بعده (¬4) (أو) إن كان بمحل لا تصلى فيه العيد فالوقت بعد (قدره) أي قدر زمن صلاة العيد (¬5) ويستمر وقت الذبح (إلى) آخر (يومين بعده) أي بعد يوم العيد (¬6) . ¬

_ (¬1) لأنها قربة وطاعة، فلا يتولاها غير أهل القرب، وإن استنابه جاز، كغير الأضحية، لكن تعتبر نية المسلم اتفاقا. (¬2) الذي هو فيه، قال ابن القيم: والاعتبار بنفس فعل الصلاة والخطبة، لا بوقتهما، وما ذبح قبل الصلاة ليس من النسك، وإنما هو لحم قدمه لأهله، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص في نحر الهدي قبل طلوع الشمس ألبتة فحكمه حكم الأضحية إذا ذبحت قبل الصلاة. (¬3) لتعلق الحكم بالصلاة لا بالوقت. (¬4) أي بقية يومه بعد الزوال، سواء كان لعذر أو لا. (¬5) في حق من لم يصل، جزم به الأكثر، ومنه منى، فإنه لا يصلى فيه العيد، فيجوز الذبح من بعد أسبق صلاة، وإذا اجتمع عيد وجمعة، وصليت الجمعة قبل الزوال، واكتفى بها عن صلاة العيد، جاز الذبح بعد صلاة الجمعة، لقيامها مقام صلاة العيد. (¬6) وهو مذهب أبي حنيفة ومالك.

قال أحمد: أيام النحر ثلاثة، عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (¬1) والذبح في اليوم الأول عقب الصلاة والخطبة وذبح الإمام أفضل (¬2) ثم ما يليه (¬3) (ويكره) الذبح (في ليلتهما) أي ليلتي اليومين بعد يوم العيد، خروجا من خلاف من قال بعدم الإجزاء فيهما (¬4) . ¬

_ (¬1) وفي رواية عن خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وروي عن أنس، وعنه إلى آخر اليوم الثالث من أيام التشريق، وهو مذهب الشافعي وغيره، واختاره ابن المنذر، والشيخ وغيرهما، لقوله صلى الله عليه وسلم «كل أيام التشريق ذبح» ، وقال علي: أيام النحر يوم الأضحى، وثلاثة أيام بعده، قال ابن القيم: ولأن الثلاثة تختص بكونها أيام منى، وأيام التشريق، ويحرم صيامها، فهي إخوة في هذه الأحكام فكيف تفترق في جواز الذبح؟ بغير نص، ولا إجماع؟ وروي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر «كل أيام التشريق ذبح» وروي من حديث جبير بن مطعم وفيه انقطاع، ومن حديث أسامة بن زيد، عن عطاء، عن جابر. (¬2) أي مما يليه، وكان صلى الله عليه وسلم يذبح بعد الصلاة، ولا نزاع في ذلك. (¬3) أي ما يلي اليوم الأول، يعني الثاني، ثم الثالث، كذلك ما بادر به فهو أفضل مما تأخر. (¬4) ومنهم مالك رحمه الله، والخرقي من أصحابنا، وجماعة وقال الوزير: اتفقوا على أنه يجوز ذبح الأضحية ليلا، وفي وقتها المشروع لها، كما يجوز في نهاره إلا مالكًا وأبو حنيفة يكرهه مع جوازه.

إن فات وقت الذبح قضى الواجب من حينه، وما لعذر فله ذبحه قبله

(فإن فات) وقت الذبح (قضي واجبه) (¬1) وفعل به كالأداء (¬2) وسقط التطوع لفوات وقته (¬3) ووقت ذبح واجب بفعل محظور من حينه (¬4) فإن أراد فعله لعذر فله ذبحه قبله (¬5) وكذا ما وجب لترك واجب، وقته من حينه (¬6) . ¬

_ (¬1) كالمنذور والمعين، وكذا الموصى به، لأن حكم القضاء كالأداء، ولا يسقط بفواته، لأن الذبح أحد مقصودي الأضحية، فلا يسقط بفوات وقته كما لو ذبحها ولم يفرقها حتى خرج الوقت. (¬2) أي وفعل بالواجب المقضي كما يفعل بالمذبوح في وقته، وليس المراد أن القضاء في وقت الأداء من العام القابل. (¬3) لأن المحصل للفضيلة الزمان وقد فات، فلو ذبحه وتصدق به كان لحما تصدق به، لا أضحية في الأصح، قال الوزير: اتفقوا على أنه إذا خرج وقت الأضحية على اختلافهم فقد فات وقتها، وأنه إن تطوع به متطوع لم يصح إلا أن تكون منذورة، فيجب عليه ذلك وإن خرج الوقت. (¬4) أي حين فعل المحظور. (¬5) أي فإن أراد فعل المحظور لعذر من الأعذار المتقدمة، فله ذبح ما يجب به قبل فعل ذلك المحظور الذي يريد فعله، لوجود سببه، كحر وبرد وقمل. (¬6) أي ومثل ذبح واجب بفعل محظور، ما وجب لترك واجب من واجبات الحج المتقدمة، وقته الذي يذبح فيه من حين ترك ذلك الواجب، فـ «وقت» مبتدأ خبره «من حينه» والجملة سيقت لبيان ما قبلها، فلا محل لها.

فصل في أحكام تعيين الهدي والأضحية والمنع من البيع وغير ذلك

فصل (¬1) (ويتعينان) أي الهدي والأضحية (بقوله: هذا هدي أو أضحية) أو لله (¬2) لأنه لفظ يقتضي الإيجاب، فترتب عليه مقتضاه (¬3) وكذا يتعين بإشعاره، أو بتقليده بنيته (¬4) (لا بالنية) حال الشراء أو السوق (¬5) . ¬

_ (¬1) في أحكام التعيين، والمنع من بيع شيء منها، وأحكام الأكل والصدقة وغير ذلك، وبيان ما يتعلق بذلك. (¬2) أي الهدي أو الأضحية، ونحو ذلك، لا بالنية فقط، فإذا تلفظ بأحد هذه الثلاثة مشيرا إلى بدنة، أو بقرة، أو شاة بعينها، وجبت بذلك، وإن عين معيبا لم يجزئه عما في ذمته. (¬3) لأنه دال عليه، وقال ابن نصر الله: الهدي منه واجب، وليس في هذا اللفظ ما يقتضي الوجوب، إذ يجوز أن يريد: هذا هدي تطوعت به، وقال الحجاوي: أو تطوع بأن ينوي هديًا ولا يوجبه بلسانه، ولا بتقليده وإشعاره وقدوم نية فيه، قبل ذبحه، فإن فسخ نيته فعل به ما شاء. (¬4) لأن الفعل مع النية كاللفظ، إذا كان الفعل دالاًّ على المقصود، كمن بنى مسجدًا وأذن للناس بالصلاة فيه، والإشعار هو أن يشق جانب سنامه الأيمن، والتقليد أن يعلق نعالاً أو آذان قربة ونحوها، وكان ابن عمر وغيره يجللها، ويدع السنام ليرى الإشعار، فيعرف أنها هدي. (¬5) وهو مذهب مالك والشافعي، قال الوزير: لا يوجبها عندهم إلا القول، لأن التعيين إزالة ملك على وجه القربة، فلم يؤثر فيه مجرد النية، كالعتق، والوقف.

كإخراجه مالاً للصدقة (¬1) (وإذا تعينت) هديًا أو أضحية (لم يجز بيعها، ولا هبتها) (¬2) لتعلق حق الله تعالى بها (¬3) كالمنذور عتقه نذر تبرر (¬4) (إلا أن يبدلها بخير منها) فيجوز (¬5) وكذا لو نقل الملك فيها (¬6) واشترى خيرًا منها جاز نصًّا، واختاره الأكثر (¬7) . ¬

_ (¬1) فإنه لا يتعين بذلك، وفي الإنصاف، يحتمل أن يتعين الهدي والأضحية بالنية حال الشراء، وهو رواية عن أحمد، ومذهب أبي حنيفة، واختاره الشيخ، وقال المجد، ظاهر كلام أحمد أنه يصير أضحية إذا اشتراها بنيتها، كما يتعين الهدي بالإشعار. (¬2) بل يلزمه ذبحها متى أتت، ولو بعد وقت الأضحية، لوجوبها بالتعيين لأنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يعطى الجزار شيئا منها، فلأن يمنع من بيعها من باب أولى، قال أحمد: كيف يبيعها وقد جعلها لله تعالى؟ (¬3) فلم يجز بيعها، وإذا عينها ثم مات وعليه دين لم يجز بيعها فيه مطلقا. (¬4) وكما لو نذر أن يذبحها بعينها بخلاف نذر اللجاج. (¬5) نظرا لمصلحة الفقراء لحصول مقصودهم، ولأنه عدول عن المعين إلى خير منه من جنسه كما لو أخرج حقه عن بنت لبون، ويجوز بمثلها، ما لم يكن أهزل. (¬6) ببيع أو هبة. (¬7) ونقله الجماعة عن أحمد، وفي المبدع: والمذهب كما نقله الجماعة أنه يجوز نقل الملك فيه، وشراء خير منه، وذكر ابن الجوزي أيضًا أنه المذهب، لأنه صلى الله عليه وسلم أشرك عليًّا في هديه، وهو نوع منها ولأنه إذا اشترى أضحية لم يزل ملكه عنها.

الانتفاع بها ومنها بلا ضرر وعدم إعطاء الجزار شيئا منها واختلف في بيع الجلد

لأن المقصود نفع الفقراء، وهو حاصل بالبدل (¬1) ويركب لحاجة فقط بلا ضرر (¬2) (ويجزُّ صوفها ونحوه) كشعرها ووبرها (إن كان) جزه (أنفع لها (¬3) ويتصدق به) (¬4) وإن كان بقاؤه أنفع لها لم يجز جزُّه (¬5) . ¬

_ (¬1) سواء كان ببيعها بخير منها، أو بنقد أو غيره، ثم يشتري به خيرًا منها، وكذا إبدال لحم بخير منه، لا بمثل ذلك لعدم الفائدة، ودونه لأنه تفويت جزء منها فلم يجز بلا خلاف. (¬2) لما في الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: «اركبها» قال: إنها بدنة، قال: «اركبها ويلك» في الثانية أو في الثالثة، ولمسلم «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها، حتى تجد ظهرًا» وذلك ما لم يضرها. (¬3) بلا نزاع مثل كونه في زمن الربيع، فإنه يخف بجزء ويسمن لأنه لمصلحتها. (¬4) كما بعد الذبح، ولا يتعين التصدق به، بل له الانتفاع به كالجلد لجريانه مجراه في الانتفاع به دوامًا، وإذا قيد العلماء بذكر الصدقة فإنها تختص بالفقراء والمساكين، لأن تعبيرهم لغير الفقير بالهدية، وعلى هذا لا يهدى جلد الأضحية ونحوه، ولا يتصدق به على غني وإذا أعطيه قريب أو صديق غني على طريق الإباحة والانتفاع، لا على طريق التمليك، فإنه يجوز أن ينتفع به مع غناه، لكون المعطي إقامة مقامه، ويمنع مما يمنع منه المعطي، كالبيع ونحوه من المعاوضات. (¬5) ككونه يقيها الحر أو البرد، أو كان لا يضر بها لقرب مدة الذبح لم يجز.

ولا يشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها (¬1) (ولا يعطي جازرها أجرته منها) (¬2) لأنه معاوضة (¬3) ويجوز أن يهدى له أو يتصدق عليه منها (¬4) (ولا يبيع جلدها ولا شيئا منها) سواء كانت واجبة أو تطوعًا (¬5) . ¬

_ (¬1) إجماعًا لأن شرب الفاضل لا يضر بها، ولا بولدها، فكان كالركوب فإن أضر بها أو نقص لحمها حرم، قال الوزير، اتفقوا على أن ما فضل عن حاجة الولد من لبن الأضحية يجوز شربه، إلا أبا حنيفة فإنه قال: لا يجوز اهـ وإن ولدت المعينة ذبح ولدها معها، قال في الإنصاف: بلا نزاع، وعن علي أن رجلا سأله عن بقرة اشتراها ليضحي بها وإنها وضعت عجلاً، فقال: لا تحلبها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم الأضحى فاذبحها وولدها، رواه سعيد وغيره. (¬2) لا من اللحم، ولا من الجلد، في نظير أجرته، باتفاق الأئمة، وأمر صلى الله عليه وسلم عليًّا أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئا منها، وقال: «نحن نعطيه من عندنا» . (¬3) وهي غير جائزة فيها، وقد يفهم من إطلاق الشارع منع الصدقة على الجازر، لئلا تقع مسامحة في الأجرة لأجل ما يأخذ، فيرجع إلى المعاوضة. (¬4) بالبناء للمجهول، لأنه ساوى غيره، وزاد عليه بمباشرتها، وتتوق نفسه إليها، قال الزركشي، وبهذا يتخصص عموم حكم الحديث. (¬5) وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليًّا أن يقسم بدنه كلها، لحومها، وجلودها، وجلالها قال الوزير: اتفقوا على أنه لا يجوز بيع شيء من الأضاحي بعد ذبحها إلا جلدها، عند أبي حنيفة، فيجوز بآلة البيت، قال ابن رجب وغيره: لو أبدل جلود الأضاحي بما ينتفع به في البيت من آلة جاز، نص عليه، لأن ذلك يقوم مقام الانتفاع بالجلد نفسه في متاع البيت. وقال بعض الأصحاب: لو دبغه بجزء منه، أو بصوفه صح كما يجوز إصلاح الوقف ببعضه، وإن اشترى نصيب الدباغ صح، وعنه يجوز بيع جلدها، ويشتري بالثمن ماعونًا لبيته، وعنه: يبيعه ويشتري به أضحية أخرى.

حكمها إن تعيبت بفعله أو تفريطه

لأنها تعينت بالذبح (¬1) (بل ينتفع به) أي بجلدها أو يتصدق به استحبابًا (¬2) لقوله عليه السلام «لا تبيعوا لحوم الأضاحي والهدي، وتصدقوا واستمتعوا بجلودها» (¬3) وكذا حكم جلها (¬4) . (وإن تعيبت) بعد تعينها (¬5) (ذبحها وأجزأته) (¬6) وإن تلفت، أو عابت بفعله أو تفريطه لزمه البدل، كسائر الأمانات (¬7) . ¬

_ (¬1) فلم يجز بيع شيء منها لتعينها به. (¬2) لا نزاع في الانتفاع بجلدها، وروي عن علقمة، ومسروق أنهما كانا يدبغان جلد أضحيتهما ويصليان عليه، وكذا الصدقة به، لأنه جزء من الأضحية كلحمها، ونقل ما لم تكن واجبة. (¬3) روي من حديث قتادة بن النعمان. (¬4) بضم الجيم: كساء من كتان أو غيره، يطرح على ظهر الدابة. (¬5) بقوله: هذا هدي، أو أضحية، أو لله ونحو ذلك. (¬6) أي التي حدث بها عيب من نحو عمى وعرج، لأنه عيب حدث بها، فلم يمنع الإجزاء، لحديث أبي سعيد قال: ابتعنا كبشا نضحي به، فأصاب الذئب من أليته، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرنا أن نضحي به، رواه ابن ماجه. (¬7) أي إذا تلفت ونحوه بفعله أو تفريطه لزمه بدلها، واستظهر في حاشية المنتهى أن المراد المعين عن واجب، أما إذا كان معينًا ابتداء فلا، لعدم وجوب بدله، وفي الإنصاف: وإن تلفت بغير تفريطه لم يضمنها، بلا نزاع عند الأكثر، قبل ذبحها أو بعده، وإذا ذبحها فسرقت فلا شيء عليه، وإن ذبحها ذابح في وقتها، بغير إذن، أجزأت ولا ضمان على ذابحها لأنه وقعت موقعها.

(إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين) (¬1) كفدية ومنذور في الذمة، عين عنه صحيحًا فتعيب، وجب عليه نظيره مطلقا (¬2) وكذا لو سرق أو ضل ونحوه (¬3) . ¬

_ (¬1) يعني الهدي أو الأضحية لتعلقها بذمته. (¬2) سواء كان مساويًا لما في ذمته أولا، وسواء فرط أو لا، وسواء تعيب بفعل الله أو فعل غير الله فعليه بدله، لأن عليه دمًا سليمًا، ولم يوجد ذلك، فلم يجزئه، وكما لو كان الرجل عليه دين فاشترى منه مكيلاً، فتلف قبل قبضه انفسخ البيع، وعاد الدين في ذمته، وفي الإنصاف: لا خلاف في ضمان صاحبها إذا أتلفها مفرطًا، فإن ضمنها بمثلها وأخرج فضل القيمة جاز، ويشتري بها شاة أو سبع بدنة بلا نزاع. (¬3) كما لو غصب ونحوه فيجب عليه نظيره، وكذا قال غير واحد: يلزمه نظيره ولو زاد عما في ذمته، وإن أتلفها أجنبي فعليه قيمتها، قال في الإنصاف: بلا نزاع، وإن عطب الهدي في الطريق نحره في موضعه، وصبغ نعله في دمه، وضرب به صفحته، ليعرفه الفقراء فيأخذوه، ولا يأكل هو ولا أحد من رفقته، لحديث ابن عباس رواه مسلم، والعلة أن لا يقصر في حفظها، فيعطبها ليتناول هو ورفقته منها، وقال أحمد: ما كان من واجب فعطب أو مات فعليه البدل، وإن شاء باعه أو نحره يأكل منه، ويطعم، وإن كان تطوعًا فعطب فلينحره ولا يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته، وليخله للناس.

حكم الأضحية وبيان فضلها وتقسيمها

وليس له استرجاع معيب وضال ونحوه وجده (¬1) (والأضحية سنة) مؤكدة على المسلم (¬2) وتجب بنذر (¬3) (وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها) (¬4) . ¬

_ (¬1) أي ليس لمن نحر بدل ما ذكر استرجاعه وإبقاؤه على ملكه، بل يلزمه ذبحه إذا وجده، ويتعين للفقراء ولو ذبح بدله، في أصح الروايتين لفعل عائشة لما أهدت هديين فأضلتهما، فبعث إليها ابن الزبير بهديين فنحرتهما ثم عاد الضالان فنحرتهما، وقالت: هذا سنة الهدي، رواه الدارقطني وروي عن عمر، وابنه، وابن عباس. (¬2) وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأكثر أهل العلم، وصرح به ابن القيم، وابن نصر الله، لفعله صلى الله عليه وسلم وفعل خلفائه وعنه: واجبة ذكرها جماعة، واختارها أبو بكر، وغيره من الأصحاب، وذهب أبو حنيفة، ومالك، وغيرهما إلى القول بوجوبها على من ملك نصابا، وزاد أبو حنيفة اشتراط الإقامة، لحديث «من وجد سعة فلم يضح، فلا يقربن مصلانا» رواه أحمد وغيره، وقال ابن عمر: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين يضحي وقال الشيخ: الأضحية من النفقة بالمعروف، فتضحي المرأة من مال زوجها عن أهل البيت بلا إذن ومدين لم يطالبه رب الدين، وقال في الرعاية وغيرها: يكره تركها مع القدرة نص عليه. (¬3) كالهدي يجب بنذره، كقوله لله علي كذا لقوله صلى الله عليه وسلم «من نذر أن يطيع الله فليطعه» . (¬4) لأنه صلى الله عليه وسلم وخلفاءه بعده واظبوا عليها، وعدلوا عن الصدقة بثمنها، وهم لا يواظبون إلا على الأفضل، وهي عن ميت أفضل، لعجزه، واحتياجه للثواب، ويعمل بها كأضحية الحي، قال الشيخ وابن القيم وغيرهما، التضحية عن الميت أفضل من الصدقة بثمنها.

كالهدي والعقيقة (¬1) لحديث «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إراقة الدم» (¬2) . (وسن أن يأكل) من الأضحية (ويهدي ويتصدق أثلاثا) (¬3) فيأكل هو وأهل بيته الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث، حتى من الواجبة (¬4) . ¬

_ (¬1) ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، لفعله صلى الله عليه وسلم وخلفائه، والتابعين، وقال أحمد وغيره: إحياء السنن واتباعها أفضل. (¬2) «وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها، وأظلافها، وأشعارها، وإن الدم ليقع عند الله بمكان قبل أن يقع من الأرض، فطيبوا بها نفسًا» رواه ابن ماجه، والترمذي وحسنه وللطبراني «ما أنفق الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد» ، وقال تعالى لما أخبر أنه الغني فلا تناله: {لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} أي يرفع إليكم منكم التقوى، والأعمال الصالحة الخالصة. (¬3) لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} والقانع السائل، والمعتر المتعرض لك تطعمه، فتقسم أثلاثا، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كلوا وادخروا وتصدقوا» وفي رواية «فكلوا وأطعموا وتصدقوا» وهو أحد قولي الشافعي، ولم يقدر أبو حنيفة ومالك ذلك، وإنما قالا: يأكل ويتصدق، ويهدي وقال ابن عمر: الهدايا والضحايا ثلث لك، وثلث لأهلك، وثلث للمساكين وهو قول ابن مسعود، ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة وقيل: يأكل النصف، ويتصدق بالنصف، لقوله: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} ومن أهدي له أوتصدق عليه بجلد الأضحية أو الهدي جاز التصرف فيه بما شاء، من بيع وغيره. (¬4) أي بنذر، أو تعيين، أو وصية، أو وقف على أضحية ونحو ذلك وقال الشيخ: مما عينه، لا عمَّا في ذمته، وجمهور الأصحاب أنه لا يأكل من الأضحية المنذورة وصرح بعضهم بعدم جواز أكل الوكيل من أضحية موكله بلا نص، ومال الشيخ أبا بطين إلى الجواز، واختار أبو بكر، والقاضي، والموفق والشارح الجواز.

وما ذبح ليتيم، أو مكاتب لا هدية ولا صدقة منه (¬1) وهدي التطوع، والمتعة، والقران، كالأضحية (¬2) والواجب بنذر أو تعيين لا يأكل منه (¬3) . (وإن أكلها) أي الأضحية (إلا أوقية تصدق بها جاز) (¬4) لأن الأمر بالأكل والإطعام مطلق (¬5) . ¬

_ (¬1) بل يوفر لهم وجوبًا كما يأتي في الحجر، لأن الصدقة لا تحل من ماله تطوعًا، جزم به الموفق وغيره، وقال في الإنصاف: لو قيل بجواز الصدقة والهدية منها باليسير عرفًا لكان متجهًا. (¬2) يأكل ويتصدق ويهدي ولا ريب في هدي التطوع وفي الإنصاف: بلا نزاع، ودم المتعة والقران سببه غير محظور، فأشبها هدي التطوع. (¬3) ظاهره الإطلاق، وهو غير مراد، بل مقيد بما إذا كان واجبًا في الذمة ثم عينه، لا ما عين ابتداءً، قال الموفق وجماعة: أن يأكل من هدي التطوع وسواء في ذلك ما أوجبه بالتعيين من غير أن يكون واجبًا في ذمته، وما نحره تطوعًا من غير أن يوجبه، قال الشيخ: مما عينه، لا عمَّا في ذمته. (¬4) عند جمهور أهل العلم، وقيل: أدنى جزء، وهو المشهور عن الشافعي، وأجازها مطلقًا، وقد حمل الجمهور الأمر بالصدقة على الاستحباب في أضحية التطوع. (¬5) أي من غير تقييد، فيعم القليل والكثير ويخرج عن العهدة بصدقته بالأقل وللترمذي وصححه، كان الرجل من الصحابة يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون ويجوز الادخار، إلا في مجاعة لأنه سبب تحريمه، واختاره الشيخ، قال في الإنصاف: وهو ظاهر في القوة.

حكم أخذ الشعر والتقليم لمن أراد أن يضحي عن نفسه أو غيره

(وإلا) يتصدق منها بأوقية بأن أكلها كلها (ضمنها) أي الأوقية بمثلها لحمًا (¬1) لأنه حق يجب عليه أداؤه مع بقائه، فلزمته غرامته إذا أتلفه كالوديعة (¬2) (ويحرم على من يضحي) أو يضحى عنه (¬3) (أن يأخذ في العشر) الأول من ذي الحجة (من شعره) أوظفره (أو بشرته شيئا) إلى الذبح لحديث مسلم عن أم سلمة مرفوعا «إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره شيئًا حتى ¬

_ (¬1) للأثر بالإطعام منها، لا بقيمتها، هذا مذهب جمهور العلماء. (¬2) في أنه يضمنها بإتلافها، قال في المبدع: ويتوجه، لا يكفي التصدق بالجلد والقرن. (¬3) أي من يضحي لنفسه، أو يضحي عنه غيره في قول، ولم يدل عليه الأثر، والوجه الثاني: يكره نص عليه واختاره القاضي وجماعة، قال في الإنصاف: وهو أولى وأما إذا ضحى عن غيره فلا يحرم عليه حلق ونحوه، ولا يكره. ولو بواحدة كمن يضحي بأكثر منها، لعموم (حتى يضحي) قال الوزير اتفقوا على أنه يكره لمن أراد الأضحية أن يأخذ من شعره وظفره من أول العشر، إلى أن يضحي وقال أبو حنيفة: لا يكره.

يضحي (¬1) وسن حلق بعده (¬2) . ¬

_ (¬1) وفي رواية «لا يمس من شعره أو بشرته شيئًا» والحكمة أن يبقى كامل الأجزاء، ليعتق من النار، فإن فعل شيئا من ذلك استغفر الله، ولا فدية عليه، عمدًا كان أو سهوًا إجماعًا. (¬2) أي بعد الأضحية، وقيل: وإن لم يضح، لقوله لمن لم يجد «ولكن تأخذ من شعرك، وتقلم أظفارك، وتقص شاربك» رواه أبو داود وغيره، وعنه: ليس بسنة، ولا مستحب مطلقا، اختاره الشيخ.

فصل في العقيقة

فصل (¬1) (تسن العقيقة) أي الذبيحة عن المولود في حق أب (¬2) ولو معسرًا ويقترض (¬3) قال أحمد: العقيقة سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عقَّ عن الحسن والحسين (¬4) وفعله أصحابه (¬5) . ¬

_ (¬1) في العقيقة، وبيان مشروعيتها، -وهي في الأصل- صوف الجذع وشعر كل مولود من الناس والبهائم، الذي يولد وهو عليه، وقال الوزير: هي في اللغة أن يحلق عن الغلام أو الجارية شعرهما الذي ولدا به، ويقال لذلك عقيقة وإنما سميت الشاة عقيقة لأنها تذبح في اليوم السابع، وهو اليوم الذي يعق فيه شعر الغلام الذي ولد وهو عليه، أي يحلق. (¬2) أي فلا يعق غيره إلا إن تعذر بموت أو امتناع، وقالوا: فلو تركها الأب لم يسن للمولود أن يعقَّ عن نفسه، سواء كان غنيًّا أو فقيرًا، وبعد بلوغه فلا تسمى عقيقة، واستحب جمع أن يعق عن نفسه إذا بلغ، قال في الرعاية: تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولأنها مشروعة عنه، ومرتهن بها، فينبغي أن يشرع له فكاك نفسه، وقال الشيخ: يعق عن اليتيم كالأضحية وأولى، لأنه مرتهن بها. (¬3) قال أحمد: إن استقرض رجوت أن يخلف الله عليه، أحيا سنة، وقال الشيخ: محله لمن له وفاء. (¬4) رواه أبو داود وغيره. (¬5) وكذا التابعون، وهو مذهب الشافعي، وقال مالك: وهو الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا، وعن أحمد: واجبة: اختارها أبو بكر وغيره، وقال الحسن عن سمرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل غلام مرتهن بعقيقته» وفي الصحيح «مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى» وقال «كل غلام رهين بعقيقته» صححه الترمذي، وقال أحمد: مرتهن عن الشفاعة لوالديه، وقال ابن القيم: في حسن أخلاقه وسجاياه، إن عق عنه صار سببا في ذلك. ودل الحديث على أنها لازمة لا بد منها، فإنه شبه لزومها بالرهن، فهي سنة مؤكدة، ولو بعد موت المولود، مشروعة في قول الجمهور، وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، لأنها سنة، ونسيكة مشروعة بسبب تجدد نعمة الله على الوالدين، وفيها معنى القربان، والشكران، والصدقة والفداء، وإطعام الطعام عند السرور، فإذا شرع عند النكاح، فلأن يشرع عند الغاية المطلوبة، وهو وجود النسل أولى.

(عن الغلام شاتان) متقاربتان سنا وشبها (¬1) فإن عدم فواحدة (¬2) . ¬

_ (¬1) وهذا مذهب الشافعي، وللنسائي: عق النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين، كبشين كبشين، ولأبي داود وغيره، كبشًا كبشًا، ولكن تضمنت رواية النسائي الزيادة فكان أولى، إذ قد صح من قوله صلى الله عليه وسلم كما يأتي، وحكي تواتره، وهو أعم، والله فضله على الأنثى، فتلحق العقيقة به، ويدل القول على الاستحباب، والفعل على الجواز، وتتفق السنة قال ابن القيم: والتفضيل تابع لشرف الذكر، وما ميزه الله به على الأنثى، ولما كانت النعمة به على الوالد أتم، والسرور والفرحة به أكمل، فكان الشكران عليه أكثر، فإنه كلما كثرت النعمة كان شكرها أكثر. (¬2) أي فإن عدم الشاتين فشاة واحدة، أي لكل واحدة شاة، ولو ولدا في بطن، فلكل حكمه، قال ابن عبد البر: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافه، وتجزئ كما يأتي.

تذبح يوم سابعه، ويحلق رأسه ويسمى

(وعن الجارية شاة) (¬1) لحديث أم كرز الكعبية، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة» (¬2) . (تذبح يوم سابعه) أي سابع المولود (¬3) ويحلق فيه رأس ذكر (¬4) ويتصدق بوزنه ورقا (¬5) ويسمى فيه (¬6) . ¬

_ (¬1) وفاقًا، قال ابن القيم: سنة عن الجارية، كما هي سنة عن الغلام، وهو قول جمهور أهل العلم من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. (¬2) رواه أحمد والترمذي وصححه، من حديث عائشة ولأنها على النصف من أحكام الذكر، و «متكافئتان» أي متساويتان سنا وشبها، وفي الشمائل: بأن تكون هذه نظيرة هذه، ولعله للتفاؤل بتناسب أخلاقه، فإنه يعجبه الفأل «وأم كرز» بضم الكاف، وسكون الراء بعدها زاي، المكية صحابية لها أحاديث. (¬3) وفاقا، والتقييد بذلك استحباب، فلو ذبح في الثالث، أو التاسع، أو غيرها أجزأ، والحكمة والله أعلم أن الطفل حين يولد متردد فيه بين السلامة والعطب، إلى أن يأتي عليه ما يستدل به على سلامة بنيته وأقل مقداره أيام الأسبوع. (¬4) أي في يوم سابعه استحباب وفاقا، قال ابن عبد البر: كانوا يستحبون ذلك، وقد ثبت أنه قال «ويحلق رأسه» (¬5) أي فضة لقصة فاطمة وغيرها، وأما الأنثى فيكره. (¬6) أي في اليوم السابع، وفي السنن وغيرها «يذبح عنه يوم سابعه ويسمى» وفي الشرح: وإن سماه قبله فحسن، وفي قوله تعالى: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} دليل على جوازه يوم الولادة، وفي الصحيحين «ولد لي الليلة ولد، سميته باسم أبي إبراهيم وفيهما عن أنس أنه ذهب بأخيه إليه صلى الله عليه وسلم حين ولدته أمه، فحنكه وسماه عبد الله، وسمى المنذر، وسمى غيره، وقال لرجل «سم ابنك عبد الرحمن» وذلك يوم الولادة، وقال البيهقي: باب تسمية المولود يوم يولد اهـ وهو أصح من السابع، وحقيقة التسمية تعريف الشيء المسمى، فتعريف المولود يوم الولادة أولى، ويجوز إلى يوم العقيقة، وقبله وبعده. قال ابن القيم: والأمر فيه واسع، والتسمية للأب، فلا يسمِّى غيره مع وجوده، والتسمية واجبة، وقال ابن حزم: اتفقوا على أن التسمية للرجال والنساء فرض» .

تحسين الاسم، وتحريم أن يعبد لغير الله، فالأسماء قوالب للمعاني

ويسن تحسين الاسم (¬1) ويحرم بنحو عبد الكعبة، وعبد النبي، وعبد المسيح (¬2) ويكره بنحو حرب ويسار (¬3) . ¬

_ (¬1) وفاقا لحديث «إنكم تدعون بأسمائكم، وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم» رواه أبو داود: أي تدعون على رءوس الأشهاد بالاسم الحسن، والوصف المناسب له، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الاسم الحسن، ولما جاء سهيل يوم الحديبية قال: «سهل أمركم» وفي تحسين الأسماء تنبيه على تحسين الأفعال. (¬2) وعبد علي، وعبد الحسين، وعبد النور، وروى ابن أبي شيبة عن شريح ابن هانئ، أنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم قوم، فسمعهم يسمون رجلا عبد الحجر، فقال: «إنما أنت عبد الله» وقال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، كعبد عمر، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب، لأنه إخبار، كبني عبد الدار، وعبد شمس، ليس من باب إنشاء التسمية بذلك، ويحرم بنحو مالك الأملاك، ففي الصحيحين «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله» وكذا قاضي القضاة وسيد الناس. (¬3) كالعاص، وكلب، وشيطان، وعتلة، وحباب، وشهاب، وحنظلة، ومرة، وحزن، وحية، وثبت «أقبحها حرب ومرة» وكره صلى الله عليه وسلم مباشرة الاسم القبيح من الأشخاص والأماكن، وذلك لأنه لما كانت الأسماء قوالب للمعاني، ودالة عليه، فتضمنت الحكمة الإلهية أن يكون بينها ارتباطا وتناسبا، وأن لا تكون معها بمنزلة الأجنبي المحض الذي لا تعلق له بها، فإن حكمة أحكم الحاكمين تأبى ذلك، والواقع يشهد بخلافه، بل لها تأثير في المسميات وللمسميات تأثر عن أسمائها في الحسن، والقبح، والخفة، والثقل، واللطافة، والكثافة. وثبت «لا تسمين غلامك يسارا، ولا رباحا، ولا نجاحا، ولا أفلح، فإنك تقول: أثمة هو. فلا يكون، فيقال: لا» أي فتوجب تطيرا تكرهه النفوس، ويصدها عما هي بصدده، فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن يمنعهم من أسماء توجب لهم سماع المكروه أو وقوعه، وأن يعدل عنها إلى أسماء تحصل المقصود من غير مفسدة، أو لئلا يسمى يسارا من هو أعسر الناس، ونجيحًا من لا نجاح عنده، ورباحا من هو من الخاسرين، فيكون قد وقع في الكذب، أو يطالب بمقتضى اسمه فلا يوجد عنده، فيجعل سببا لذمه، أو يعتقد في نفسه أنه كذلك فيقع في تزكية نفسه وتعظيمها، فيكره بالتقيف، والمتقي والراضي، والمحسن، والمرشد، ونهى الشارع أن يسمى «برة» ويكره أن يستعمل الاسم الشريف المصون، في حق من ليس كذلك، والمهين في حق من ليس من أهله، وإن لقب بما يصدقه فعله جاز، ويحرم ما لم يقع على مخرج صحيح، ولا يكره بأبي القاسم بعد موته صلى الله عليه وسلم وقد وقع من الأعيان ولم ينكر، والجمع بين اسمه وكنيته ممنوع، جزم به في الغنية، ويجوز بأي فلان، وفلانة كبيرًا كان أو صغيرًا، إجماعًا، ويجوز التصغير مع عدم الأذى. وقال أبو جعفر النحاس: لا نعلم بين العلماء خلافا أنه لا ينبغي أن يقول أحد لأحد من المخلوقين: مولاي، ولا يقول: عبدك ولا عبدي، وإن كان مملوكا، ولمسلم «لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله وإماؤه، ولا ربي ومولاي، فإن مولاكم الله» وقد حظر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم على المملوكين، فيكف بالأحرار، ومنهم من كره أن يقال: يا سيدي. أدبًا مع الله عز وجل، وأجازه بعضهم لغير منافق للخبر، وينبغي أن لا يرضى المخاطب بذلك، وأن ينكره، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «السيد الله تبارك وتعالى» الذي يستحق السيادة، وأحب التواضع.

الأذان في أذنيه وتحنيكه والاعتناء به

وأحب الأسماء عبد الله وعبد الرحمن (¬1) . ¬

_ (¬1) لحديث «إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن» رواه مسلم وغيره، وقال «يا بني عبد الله، إن الله قد أحسن اسمكم، واسم أبيكم» لتعبيدهم لله، وقال ابن حزم: اتفقوا على استحسان الأسماء المضافة إلى الله تعالى، قال ابن القيم: ولما كان الاسم مقتضيًا لمسماه، ومؤثرا فيه، كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه، كعبد الله، ضد ملك الأملاك ونحوه، فإن ذلك ليس لأحد سوى الله، فتمسيته بذلك من أبطل الباطل، ويليه قاضي القضاة وسيد الناس، ولأبي داود «تسموا بأسماء الأنبياء» لأن الاسم يذكر بمسماه ويقتضي التعلق بمعناه. ويسن الأذان في يمنى أذني المولود، والإقامة في اليسرى، لحديث «من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، لم تضره أم الصبيان» أي التابعة من الجن، رواه البيهقي وغيره، وأذن عليه الصلاة والسلام في أذن الحسين، حين ولدته فاطمة صححه الترمذي، وليكن التوحيد أول شيء يقرع سمعه حين خروجه إلى الدنيا، كما يلقن عند خروجه منها، ولما فيه من طرد الشيطان، فإنه ينفر عن سماع الأذان، ويسن تحنيكه، لما في الصحيحين من حديث أبي موسى، وأنس: وحنكه بتمرة زاد البخاري: ودعا له. ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خلقه، فإنه ينشأ على ما عوده المربي من حرد، وغضب ولجاجة، وعجلة، وخفة مع هواه، وطيش، وحدة وجشع، فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك، وتصير هذه الأخلاق صفات وهيئات راسخة له، فلو تحرز منها غاية التحرز فضحته، ولا بد يوما ما يعاودها، ولهذا تجد أكثر الناس منحرفة أخلاقهم، وذلك من التربية التي نشئوا عليها، وكذلك يجب أن يجتنب الصبي إذا عقل مجالس الباطل واللهو، فإنه إذا علق سمعه عسر عليه مفارقته في الكبر وعزَّ على وليه استنقاذه منها، وتغيير العوائد من أصعب الأمور، يحتاج صاحبها إلى استحداث طبيعة ثانية، والخروج عن حكم الطبع عسر جدًّا.

إذا فات الذبح في اليوم السابع ففي أربعة عشر، أو إحدى وعشرين

(فإن فات) الذبح يوم السابع (ففي أربعة عشر (¬1) فإن فات ففي إحدى وعشرين) من ولادته، روي عن عائشة (¬2) ولا تعتبر الأسابيع بعد ذلك (¬3) فيعق في أي يوم أراد (¬4) . ¬

_ (¬1) ليأتي عليه أسبوع ثان، وهو مذهب الجمهور. (¬2) رضي الله عنها، قال الميموني: قلت لأبي عبد الله: متى يعق عنه؟ قال: أما عائشة فتقول: سبعة أيام، وأربع عشرة، وإحدى وعشرين، وقال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم، يستحبون أن يذبح عن الغلام العقيقة يوم السابع، فإن لم يتهيأ يوم السابع فيوم الرابع عشر، فإن لم يتهيأ عق عنه يوم إحدى وعشرين. (¬3) أي بعد الأيام التي ذكرها ولا آخر لوقتها. (¬4) ولو بعد بلوغ ولده، لأنه قضاء، فلا يتوقف على وقت معين، وإن اتفق وقت عقيقة وأضحية فعق أو ضحى أجزأ عن الآخر، كما لو ولد له أولاد في يوم أجزأت عقيقة واحدة، أو ذبح أضحية يوم النحر وأقام سنة الوليمة في عرسه أجزأت، لحصول المقصود، كالجمعة والعيد إذا اجتمعا، وصوبه في تصحيح الفروع، قال أحمد: أرجو أن تجزئ الأضحية عن العقيقة لمن لم يعق، وكر أنه قال به غير واحد من التابعين، وقال ابن القيم: ووجه الإجزاء حصول المقصود منها بذبح واحد. والأضحية عن المولود مشروعة كالعقيقة عنه، فإذا ضحى ونوى أن تكون عقيقة وأضحية واقع عنهما، كما لو صلى ركعتين ينوي بهما تحية المسجد وسنة المكتوبة، أو صلى بعد الطواف فرضًا أو سنة وقع عن ركعتي الطواف، وكذا لو ذبح المتمتع والقارن شاة يوم النحر أجزأت عن دم المتعة والأضحية وصرح به شيخ الإسلام.

حكم العقيقة حكم الأضحية إلا الشرك في الدم

(تنزع جدولاً) جمع جدل بالدال المهملة أي أعضاء (¬1) (ولا يكسر عظمها) تفاؤلا بالسلامة (¬2) كذلك قالت عائشة رضي الله عنها (¬3) وطبخها أفضل (¬4) ويكون منه بحلو (¬5) (وحكمها) أي حكم العقيقة فيما يجزئ ويستحب ويكره (¬6) . ¬

_ (¬1) كاليد وحدها، أو الرجل وحدها، ونحو ذلك. (¬2) قاله الوزير وغيره، وقال مالك: ليس فعل ذلك بمستحب ولا بممنوع، ولا بأس به، وقال الزرقاني: لا يلتفت إلى قول من يقول: فائدته التفاؤل بسلامة الصبي وبقائه، إنه لا أصل له من الكتاب، ولا سنة، ولا عمل. (¬3) تطبخ جدولا لا يكسر لها عظم. (¬4) نص عليه للخبر. (¬5) تفاؤلا بحلاوة أخلاقه، ويستحب أن تعطى القابلة فخذ العقيقة. (¬6) أي حكم العقيقة كالأضحية فيما يجزئ من إبل وبقر وغنم وفيما يستحب، كالسلامة من كل عيب مما مر ونحوه، وكاستسمان، واختيار الأفضل، وفيما يكره، كمعيبة الأذن والألية، ونحو شق أو قطع.

حكم الفرعة والعتيرة

والأكل، والهدية، والصدقة (كالأضحية) (¬1) لكن يباع جلد ورأس وسواقط، ويتصدق بثمنه (¬2) (إلا أنه لا يجزئ فيها) أي في العقيقة (شرك في دم) فلا تجزئ بدنة ولا بقرة إلا كاملة (¬3) قال في النهاية: وأفضلها شاة (¬4) (ولا تسن الفرعة) بفتح الفاء والراء: نحر أول ولد الناقة (¬5) . ¬

_ (¬1) وفاقا لأنها نسيكة مشروعة، أشبهت الأضحية، بل بسبب تجدد نعمة الله على الوالدين، وفداء يفديه عند ولادته بذبح يذبح عنه، كما فدى الخليل، وصار سنة بعده، ونفس الذبح، وإراقة الدم عبادة مقرونة بالصلاة، فأما الأكل فقال أحمد: يأكل ويطعم جيرانه، لكن لا يعتبر فيها تمليك بخلاف هدي وأضحية. (¬2) استدراك من قوله: وحكمها إلخ، يفيد جواز بيع ما ذكر من العقيقة دون الأضحية، لأن الأضحية أدخل منها في التعبد، وهذا عند بعض أهل العلم، ولم يرد عن السلف بيع ما ذكر منها بخصوصها. (¬3) نص عليه، لكونها فدية عن النفس، فلا تقبل التشريك ولم يرد الاجتزاء فيها بشرك، ولم يفعله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، ولا التابعون. (¬4) يعني أن الشاة أفضل من البدنة والبقرة، لأنه لم يرد أنه عق بهما، ويقول: «باسم الله والله أكبر، اللهم لك وإليك» ، هذه عقيقة فلان، لحديث عائشة رواه ابن المنذر وحسنه. (¬5) كانوا يذبحونه في الجاهلية لآلهتهم، رجاء البركة في نسلها، ويأكلون لحمه، ويلقون جلده على شجرة.

(ولا) تسن (العتيرة) أيضا وهي ذبيحة رجب (¬1) لحديث أبي هريرة مرفوعًا «لا فرع ولا عتيرة» متفق عليه (¬2) ولا يكرهان (¬3) والمراد بالخبر نفي كونهما سنة (¬4) . ¬

_ (¬1) بوزن عظيمة، كانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب، ويسمونها الرجبية، ومنهم من ينذرها، تذبح للصنم، فيصب دمها على رأسه، وجعلوا ذلك في رجب سنة فيما بينهم، كالأضحية في الأضحى. (¬2) قال ابن المنذر: فانتهى الناس عنهما لنهيه إياهم عنهما، ومعلوم بأن لا يكون إلا عن شيء قد كان يفعل، ولا نعلم أن أحدا من أهل العلم يقول: نهى عنهما ثم أذن فيهما، ولأنهما من أعمال الجاهلية، وفي الحديث: «من تشبه بقوم فهو منهم» وشرع الله الأضحية بدل ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من الفرع والعتير، وورد في المسند وغيره «من شاء أفرع ومن شاء لم يفرع، ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر، وفي الغنم أضحية» وجاء في السنن ما يدل على إباحتها إذا كانت على غير الوجه الذي كانت عليه في الجاهلية، بإدخالها في عموم الصدقة، وهذا ولا شك مع إجماع عوام علماء الأمصار على عدم استعمالهم ذلك، وقوف عن الأمر بهما، مع ثبوت النهي عن ذلك. (¬3) أي الفرعة والعتيرة عند جمهور العلماء، إذا لم يكن على وجه التشبه، بما كان عليه أهل الجاهلية، لأخبار النهي عن التشبه بهم، وللطبراني من حديث أبي «أعقر كعقر الجاهلية» . (¬4) أي بقوله «لا فرع ولا عتيرة» وفي رواية (في الإسلام) فلو ذبح شاة في رجب على وجه الصدقة، من غير تشبه بالجاهلية، أو ذبح ولد الناقة لحاجة إلى ذلك، أو للصدقة به وإطعامه، لم يكن ذلك مكروهًا.

كتاب الجهاد

كتاب الجهاد (¬1) مصدر: جاهد، أي بالغ في قتال عدوه (¬2) وشرعا: قتال الكفار (¬3) . ¬

_ (¬1) ختم به العبادات لأنه أفضل تطوع البدن، ولا يخفى أن له مناسبة خاصة بالعبادات، وعده بعضهم ركنًا سادسًا لدين الإسلام، فلذا أوردوه بعد أركان الإسلام الخمسة، وإن كان أتبعه بعض المصنفين بالحدود لإخلاء العالم من الفساد، وقال الوزير: وحيث أن الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج تحتاج إلى طمأنينة وظهور يد لإقامة ذلك، والمدافعة لمن نهى عنه من المشركين، كان الجهاد لازما فتعين ذكر علمه عقبه، وهو مشروع بالكتاب، والسنة، والإجماع، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} وفعله صلى الله عليه وسلم وأمر به، وقال «من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق» . (¬2) فهو لغة: بذل الطاقة والوسع، وغلب في عرفهم على جهاد الكفار، وهو دعوتهم إلى الدين الحق، وقتالهم إن لم يقبلوا. (¬3) خاصة، بخلاف المسلمين من البغاة، وقطاع الطريق، وغيرهم، فبينه وبين القتال عموم مطلق، ويأتي حكم قتال البغاة وغيرهم، وجنس الجهاد كما قال ابن القيم وغيره، فرض عين، إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع، وقال الحافظ: الجهاد شرعا، بذلك الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضا على مجاهدة النفس، والشيطان، والفساق، فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين، ثم على العمل بها، ثم تعليمها، وأما مجاهدة الشيطان، فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات، وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد، والمال، واللسان، والقلب، وأما مجاهدة الفساق فباليد، ثم اللسان، ثم القلب.

(وهو فرض كفاية) (¬1) إذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس (¬2) وإلا أثم الكل (¬3) ويسن بتأكد مع قيام من يكفي به (¬4) . ¬

_ (¬1) إجماعا لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} مالم يحضر العدو فيتعين على كل أحد، وفرض الكفاية ما قصد حصوله من غير شخص معين، فإن لم يوجد إلا واحد تعين عليه، ومعنى الكفاية هنا: نهوض قوم يكفون في قتالهم جندا، كان لهم دواوين أو أعدوا أنفسهم له تبرعًا، بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة به، ويكون بالثغور من يدفع العدو عن أهلها. (¬2) أي سقط فرض الجهاد عن باقي الناس الذين لا يقومون به لقوله {فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} وقوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا، ويقيم هو وأصحابه، ولم يخرج قط للغزو إلا ترك بعض الناس، فاقتضى كونه فرض كفاية، إذا قام به البعض يكون سنة في حق الباقين، وإذا فعله الجميع كان كله فرضا، قال الشيخ: لعله إذا فعلوه جميعًا، فإنه لا خلاف فيه. (¬3) أي وإن لم يقم بجهاد الكفار أحد من المسلمين أثم كل المسلمين بتركه. (¬4) باتفاق الأئمة، وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أنه يجب على أهل الثغر أن يقاتلوا من يليهم من الكفار، فإن عجزوا ساعدهم من يليهم، ويكون ذلك على الأقرب فالأقرب ممن يلي ذلك الثغر، وصار فرض عين إن لم يكن عذر، والأمر في ذلك مبني على غلبة الظن أن الغير يقوم به.

وهو أفضل متطوع به (¬1) . ¬

_ (¬1) قال أحمد: لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد، وقال الشيخ: اتفق العلماء فيما أعلمه أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد، وفي الصحيحين «لغدوة في سبيل الله أو روحة، خير من الدنيا وما فيها» وفيهما «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» فهذا ارتفاع خمسين ألف سنة في الجنة لأهل الجهاد، وقيل: يا رسول الله أي الناس أفضل؟ قال: «مؤمن مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» والأحاديث متظاهرة بذلك. وهو سنام العبادة، وذروة الإسلام، وهو المحك، والدليل المفرق بين المحب والمدعي، فمن صدق المحب بذل مهجته وماله لربه، حتى يود لو أن له بكل شعرة نفسًا بذلها في مرضاته، ويود أن لو قتل ثم أحيى، ثم قتل ثم أحيي، قد سلم نفسه لمشتريها، وعلم أن لا سبيل إلى أخذ تلك السلعة الغالية إلا ببذل ثمنها {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} الآية، ففيه خير الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة، وفيه إحدى الحسنين، إما النصر والظفر، وما الشهادة والجنة. وفضله عظيم، كيف وحاصله بذل أعز المحبوبات، وإدخال أعظم المشقات على النفس، ابتغاء مرضاة الله، وتقربا إليه، ونفعه يعم المسلمين كلهم، وغيره لا يساويه في نفعه وخطره، فلا يساويه في فضله، والشهادة فيه تكفر الذنوب غير الدين، لقوله صلى الله عليه وسلم للذي سأله: أيكفر الله عني خطاياي إن مت صابرا محتبسا في سبيل الله؟ قال: «نعم إلا الدين» . وقال الآجري: هذا إنما هو لمن تهاون في قضاء دينه، أما من استدان دينا وأنفقه في واجب عليه، أو في مشروع، من غير سرف ولا تبذير، ثم لم يمكنه قضاؤه بعد ذلك، فإن الله يقضيه عنه، مات أو قتل، قال الشيخ: وغير مظالم العباد كقتل، وظلم، وزكاة، وحج، وغيرها، ولا يسقط حق الآدمي من دم، أو مال، أو عرض، بالحج إجماعًا، ولا بالجهاد.

ذكر من يجب عليه الجهاد ووقته

ثم النفقة فيه (¬1) (ويجب) الجهاد (¬2) . ¬

_ (¬1) أي في الجهاد، وفي الاختيارات، من عجز عنه ببدنه، وقدر عليه بماله، وجب عليه الجهاد بماله، نص عليه وقطع به القاضي في أحكام القرآن، عند قوله: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ} فيجب على الموسرين النفقة في سبيل الله، وعلى هذا فيجب على النساء الجهاد في أموالهن إن كان فيها فضل، وكذلك في أموال الصغار إذا احتيج إليها، كما تجب النفقات والزكاة. قال الشيخ: سئلت عمن عليه دين وله ما يوفيه، وقد تعين الجهاد؟ فقلت: من الواجبات ما يقدم على وفاء الدين، كنفقة النفس، والزوجة، والولد الفقير، ومنها ما يقدم وفاء الدين عليه، كالعبادات من الحج والكفارات، ومنها ما يقدم عليه إلا إذا طولب به، كصدقة الفطر، فإن كان الجهاد المتعين لدفع الضرر كما إذا حضره العدو، أو حضر الصف، قدم على وفاء الدين، كالنفقة وأولى، وإن كان استنفار الإمام، فقضاء الدين أولى، إذ الإمام لا ينبغي له استنفار المدين مع الاستغناء عنه، ولذلك قلت: لو ضاق المال عن إطعام جياع، والجهاد الذي يتضرر بتركه، قدمنا الجهاد، وإن مات الجياع، وقلت أيضا: إذا كان الغرماء يجاهدون بالمال الذي يستوفونه، فالواجب وفاؤهم، لتحصيل المصلحتين، الوفاء والجهاد، ونصوص أحمد توافق ما كتبته. (¬2) أي عينا على ذكر، مسلم، حر، مكلف، صحيح، ولو أعشى أو أعور، واجد -بملك، أو بذل إمام- ما يكفيه وأهله في غيبته، ومع مسافة قصر ما يحمله بلا خلاف، لقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ} وقال: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ} لأن هذه الأعذار تمنع من الجهاد، ولا يجب على أنثى بلا نزاع، ويلزم العاجز ببدنه في ماله، اختاره الشيخ وغيره.

قتال الدفع متعين على كل أحد، بحسب الإمكان

(إذا حضره) أي حضر صف القتال (أو حضر بلده عدو) (¬1) أو احتيج إليه (¬2) (أو استنفره الإمام) حيث لا عذر له (¬3) . ¬

_ (¬1) أي يجب عليه الجهاد عينًا إن لم يكن عذر بلا نزاع، وإن كانت المقاتلة أقل من النصف، فإنهم لو انصرفوا استولوا على الحريم، وهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب، لا يجوز الانصراف فيه بحال، قال الشيخ: جهاد الدفع للكفار متعين على كل أحد. وقال: إذا هجم العدو، فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة، واجب إجماعا وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا، وهو خير مما في المختصرات، لكن هل يجب على جميع أهل المكان النفير إذا نفر إليه الكفاية أولا؟ (¬2) أي في القتال والمدافعة، تعين عليه ولو بعد، إن لم يكن عذر، لدعاء الحاجة إليه، وقتال الدفع، مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به، لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين، فهنا يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا. (¬3) أي طلبه الإمام أو نائبه للخروج للقتال تعين عليه، ولم يجز لأحد أن يتخلف إلا من يحتاج إليه لحفظ أهل أو مال ونحو ذلك، بلا نزاع، وذكر الشيخ حديث عبادة «على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه، وأثره عليه» ، قال: فأوجب الطاعة التي عمادها الاستنفار في العسر واليسر، وهذا نص في وجوبه مع الإعسار، بخلاف الحج، وهذا في قتال الطلب، وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب من دفعه بعد الإيمان فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان.

يجب النفير مع كل أمير بشرط أن يحفظ المسلمين ولا غنى لولي الأمر من المشاورة

لقوله تعالى: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} (¬1) وقوله: {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} (¬2) وإذا نودي: الصلاة جامعة (¬3) لحادثة يشاور فيها، لم يتأخر أحدٌ بلا عذر (¬4) . ¬

_ (¬1) أي ( {إِذَا لَقِيتُمْ} ) أيها المسلمون {فئة} أي جماعة كافرة {فَاثْبُتُوا} لقتالهم ووطنوا أنفسكم للقائهم، {وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا} أي ادعوه بالنصر والظفر بهم {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي كونوا على رجاء الفلاح {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ} يعني في أمر الجهاد والثبات {وَلا تَنَازَعُوا} أي لا تختلفوا {فَتَفْشَلُوا} تجبنوا وتضعفوا {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} جرأتكم وجدكم وحدتكم {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ *} وهذه تعليم من الله لعباده آداب اللقاء، وطريق الشجاعة عند مواجهة العدو. (¬2) {انْفِرُوا} أي اخرجوا {فِي سَبِيلِ اللهِ} لجهاد عدوكم {اثَّاقَلْتُمْ} أي تثاقلتم، وتباطأتم، وتكاسلتم، وملتم (إِلَى) المقام في {الأَرْضِ} في الدعة والخفض وطيب الثمار، وكانت في غزوة تبوك، حين طابت الثمار والظلال {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ *} كزاد الراكب، ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، فهو في سبيل الله، ويجب النفير مع كل أمير، برا كان أو فاجرا بلا نزاع، بشرط أن يحفظ المسلمين. (¬3) بنصبهما على الإغراء والحال، ويرفعهما مبتدأ وخبر، أي قيل في الجيش: الصلاة جامعة. (¬4) لوجوب الجهاد بغاية ما يمكن من بدن، ورأي، وتدبير لا سيَّما العرفاء، ورجال النجدة والرأي، قال الشيخ: الجهاد منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالدعوة، والحجة، واللسان، والرأي، والتدبير، والصناعة، فيجب بغاية ما يمكنه ويجب على القعدة لعذر أن يخلفوا الغزاة في أهليهم ومالهم، قال: ولا غنى لولي الأمر من المشاورة فقد أمر بها تعالى فقال: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} وقال قتادة: ما شاور قوم قط يبتغون وجه الله إلا هدوا إلى رشدهم، وما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين، وتثبت في أمره، ولم يكن أحد أكثر مشاورة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: إن الله أمر بها لتأليف قلوب أصحابه، وليقتدي به من بعده، وإذا استشارهم فبين له ما يجب اتباعه من الكتاب والسنة، وإجماع المسلمين فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك، وإن كان عظيما في الدين والدنيا، وإن كان أمرا قد تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يكون مستخرج رأيه ووجهه ما كان أشبه بكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى أمكن معرفة ما دل عليه كان هو الواجب، فإن لم يمكن لضيق الوقت، أو عجزا لطالب أو تكافئ الأدلة عنده، فله أن يقلد من يرتضي عمله ودينه، هذا أقوى الأقوال.

تمام الرباط، وفضله وبيان أقله، ووجوب الهجرة عن ديار الكفر

(وتمام الرباط أربعون يومًا) (¬1) لقوله عليه السلام «تمام الرباط أربعون يوما» (¬2) . ¬

_ (¬1) أي كماله المستحق عليه الأجر الجزيل، وإلا فيؤجر على ما دون الأربعين كما سيأتي، والرباط من توابع الجهاد في سبيل الله، ولزوم الثغور من أفضل الأعمال. (¬2) وعن أبي هريرة مرفوعًا، «من رابط أربعين يوما فقد استكمل الرباط» رواه سعيد، ونص عليه أحمد، وجزم به غير واحد، وفي السنن «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» ولمسلم «رباط يوم وليلة» وفي لفظ: «ليلة» خير من صيام شهر وقيامه، فإن مات أجري عليه عمله ورزقه، وأمن من الفتان، وفي الصحيح «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» . وقال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود، وفضائل الرباط في سبيل الله كثيرة، وتظاهرت الأحاديث بالترغيب فيه، وكثرة الثواب، وهو أفضل من المجاورة بمكة، حكاه الشيخ إجماعًا، وقال: المقام في ثغور المسلمين أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة، بلا نزاع، لأن الرباط من جنس الجهاد، والمجاورة غايتها أن تكون من جنس الحج، وقال تعالى: {لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ} وكذا الحرس في سبيل الله، ثوابه عظيم للأخبار ولعظيم نفعه.

رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب (¬1) والرباط لزوم ثغر (¬2) لجهاد مقويا للمسلمين (¬3) وأقله ساعة (¬4) وأفضله بأشد الثغور خوفا (¬5) وكره نقل أهله إلى مخوف (¬6) . ¬

_ (¬1) أبو الشيخ هو الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن حبان الأصبهاني. (¬2) وفي النهاية: الرباط في الأصل: الإقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها. اهـ والثغر كل مكان يخيف أهله والعدو أو يخيفهم وسمي المقام بالثغر رباطا، لأن هؤلاء يربطون خيولهم، وهؤلاء يربطون خيولهم. (¬3) فمن أقام فيه بنية دفع العدو فهو مرابط، والأعمال بالنيات. (¬4) أي أقل ما يقع عليه اسم الرباط ساعة، قال أحمد: يوم رباط، وليلة رباط، وساعة رباط، والأجر بحسب ذلك. (¬5) لأنه مقامه به أنفع، وأهله به أحوج. (¬6) أي نقل ذريته ونسائه إلى ثغر مخوف، مخافة الظفر بهم، وإلا فلا يكره، كأهل الثغر به بأهليهم، وإن كان مخوفًا، لأنه لا بد لهم من السكنى بهم، وإلا لخربت الثغور، وتعطلت ويجب على عاجز عن إظهار دينه، بمحل يغلب فيه حكم الكفر أو البدع المضلة، الهجرة، إحرازا لدينه وقال الوزير وغيره اتفقوا على وجوب الهجرة عن ديار الكفر لمن قدر على ذلك، وسن لقادر على إظهار دينه بنحو دار كفر، ولا تجب من بين أهل المعاصي لقوله صلى الله عليه وسلم «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده» الحديث. والهجرة الخروج من تلك الدار إلى دار الإسلام، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، متوعد من تركها، بل فرضها الله على رسوله قبل فرض الصوم والحج، قال الشيخ: لا يسلم أحد من الشرك إلا بالمباينة لأهله لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} أي في أي فريق كنتم، في فريق المسلمين، أو فريق المشركين؟ {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} الآيات، وقال: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ*} والمهاجرة مصادمة الغير، ومقاطعته ومباعدته، ولأبي داود وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» .

يعتبر إذن والدية في التطوع وكذا المدين

(وإذا كان أبواه مسلمين) حرين أو أحدهما كذلك (¬1) (لم يجاهد تطوعًا إلا بإذنهما) (¬2) لقوله عليه السلام «ففيهما فجاهد» صححه الترمذي (¬3) . ¬

_ (¬1) أي مسلم حر عاقل. (¬2) قال الوزير وابن رشد وغيرهما: باتفاق العلماء، إلا أن يكون عليه فرض عين، مثل أن لا يكون هناك من يقوم بالفرض إلا بقيام الجميع به. (¬3) وروي البخاري معناه من حديث ابن عمر، ولأبي داود من حديث أبي سعيد «إن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما» يعني بطاعتهما بعدم الخروج في الجهاد، وذلك لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية، وجمهور العلماء أنه يحرم إذا منعاه أو أحدهما يشرط كونهما مسلمين حرين، قال الوزير: ولا تصح الاستنابة في الجهاد بجعل، ولا بتبرع، ولا بأجرة عند أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، سواء تعين المستنيب، أو لم يتعين.

يتفقد الإمام جيشه، ويمنع المخذل والمرجف، ومعروفا بنفاق ويمنع المعاصي والفساد

ولا يعتبر إذنهما لواجب (¬1) ولا إذن جد وجدة (¬2) وكذا لا يتطوع به مدين آدمي (¬3) لا وفاء له (¬4) إلا مع إذن (¬5) أو رهن محرز (¬6) أو كفيل مليءٍ (¬7) . (ويتفقد الإمام) وجوبا (جيشه عند المسير) (¬8) . ¬

_ (¬1) كما إذا استنفره الإمام، أو حصر العدو البلد، وإن استويا فمصلحة الجهاد أعم، إذ هي لحفظ الدين، والدفاع عن المسلمين. (¬2) لظاهر الأخبار، ولا للكافرين، لفعل الصحابة، ولا لرقيقين لعدم الولاية، ولا لمجنونين لأنه لا حكم لقولهما. (¬3) بالإضافة احترازا ممن عليه دين لله، كحج وزكاة. (¬4) بالاتفاق، لقوله صلى الله عليه وسلم، وقد سأله رجل: أيكفر الله عني خطاياي إن مت صابرا محتبسا في سبيل الله؟ قال: «نعم إلا الدين، كذلك قال لي جبرئيل آنفا» والجمهور على الجواز إذا خلف وفاء، كما لو كان الدين لله. (¬5) أي إذن رب الدين، فيجوز لرضاه. (¬6) أي يمكن وفاء منه، لقصة عبد الله بن حرام، وعدم ضياع حق الغريم. (¬7) أي بالدين، أو وكيل يقضيه متبرعا فيجوز، لأنه لا ضرر على رب الدين، فإن تعين عليه الجهاد فلا إذن لغريمه، لتعلق الجهاد بعينه، فيقدم على ما في ذمته، كسائر فروض الأعيان. (¬8) فيعرض جيشه، ويتعاهد الخيل والرجال، ويلزم كل أحد من إمام ورعية إخلاص النية لله تعالى في الطاعات كلها، من جهاد وغيره، لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ، ويلزم كل أحد بذل وسعه في ذلك، ويستحب أن يدعو سرا بحضور قلب، وكان صلى الله عليه وسلم إذا غزا قال: «اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل» رواه أبو داود.

ويمنع) من لا يصلح لحرب من رجال وخيل (¬1) كـ (المخذل) الذي يفند الناس عن القتال، ويزهدهم فيه (¬2) . (والمرجف) كالذي يقول: هلكت سرية المسلمين (¬3) ومالهم مدد أو طاقة (¬4) وكذا من يكاتب بأخبارنا (¬5) أو يرمي بيننا بفتن (¬6) . ¬

_ (¬1) كفرس حطيم، وشيخ هرم، ونحو ذلك، لكونه كلاًّ على الجيش، ومضيقًا عليهم، وربما كان سببًا للهزيمة. (¬2) كالقائل: الحر شديد، أو البرد شديد، والمشقة شديدة، أو لا تؤمن هزيمة الجيش، فلا يصحبهم ولو لضرورة، قال تعالى: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} . (¬3) وتشتت أمرهم، وضعفوا. (¬4) أي بالكفار، ونحو ذلك، ويحدث بقوة الكفار، وكثرتهم، وضعفنا وقلتنا، وغير ذلك، مما يوهن عزائم الجيش، ويفت في أعضادهم. (¬5) أي ويمنع أيضا من يكاتب بأخبارنا ويفشي أسرارنا. (¬6) ومعروف بنفاق وزندقة، ويمنع صبي لم يشتد، ونساء إلا لمصلحة. ولا يغزى مع مخذل ومرجف، ومعروف بهزيمة، أو تضييع المسلمين، ويمنع جيشه من المعاصي والفساد، ويقدم الأقوى، لحديث «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» ويحرم أن يستعين بمشرك، اختاره الشيخ وغيره، وقال غير واحد: لا تختلف الرواية أنه لا يستعان بهم، لقوله «ارجع فلن أستعين بمشرك» رواه مسلم، ولأن الكافر لا يؤمن مكره وغائلته، لخبث طويته إلا لضرورة، لما روى الزهري أنه صلى الله عليه وسلم استعان بناس من المشركين في حرب خيبر، وشهد صفوان حنينًا. والضرورة مثل كون الكفار أكثر عددًا أو يخاف منهم، وإن جوز اشترط أن يكون حسن الرأي في المسلمين، قال الشيخ: وتحرم الاستعانة بأهل الأهواء في شيء من أمور المسلمين، لأن فيه أعظم الضرر، ولأنهم دعاة بخلاف اليهود والنصارى، ويحرم أن يعينهم المسلمون على عدوهم إلا خوفا من شرهم، لقوله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ} الآية.

يعرف الأمير العرفاء، ويعقد الألوية

ويعرف الأمير عليهم العرفاء (¬1) ويعقد لهم الألوية والرايات (¬2) . ¬

_ (¬1) جمع عريف وهو القائم بأمر القبيلة أو الجماعة من الناس، كالمقدم عليهم ينظر في حالهم ويتفقدهم، ويتعرف الأمير منه أحوالهم، لأنه صلى الله عليه وسلم جعل على كل عشرة عريفًا يوم خيبر، و «يعرف» بضم المثناة التحتية مضارع «عرف» المشدد ويؤمر في كل ناحية أميرًا يقلده أمر الحرب، وتدبير الجهاد، ويكون من له رأي، وعقل، وخبرة بالحرب ومكائد العدو، مع أمانة، ورفق بالمسلمين، ونصح لهم، ومدار القتال على قوة البدن وصنعته للقتال، وعلى قوة القلب وخبرته به. (¬2) اللواء هو العلم الذي يحمل في الحرب، يعرف به موضع صاحب الجيش، والراية بمعنى اللواء، وصرح جماعة بترادفهما، لكن روى أحمد والترمذي عن ابن عباس: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء، ولواؤه أبيض وينبغي أن يغاير بين ألوانها ليعرف كل قوم رايتهم، ويجعل لكل طائفة شعارًا يتداعون به عند الحرب، قال سلمة: تمرونا مع أبي بكر، وشعارنا: أمت أمت.

يتخير لهم المنازل، ويبعث العيون وينفل من يغير

ويتخير لهم المنازل (¬1) ويحفظ مكامنها (¬2) ويبعث العيون، ليتعرف حال العدو (¬3) (وله أن ينفل) أي يعطي زيادة على السهم (¬4) . ¬

_ (¬1) أي أصلحها لهم كالخصبة، وأكثرها ماءً ومرعى. (¬2) جمع مكمن وهو المكان الذي يختفي فيه العدو، ليأمنوا هجوم العدو عليهم، ولا يغفل الحرس والطلائع، لئلا يأخذهم العدو بغتة. (¬3) ويتجسسون أخباره، ويكونون ممن لهم خبرة بالفجاج، لأنه صلى الله عليه وسلم بعث الزبير يوم الأحزاب، وحذيفة أيضا وغيرهما، وينبغي أن يبتدئ الإمام بترتيب قوم في أطراف البلاد، يكفون من بإزائهم، من المشركين، ويأمر بعمر حصونهم، وحفر خنادقهم، وجميع مصالحهم، لأن أهم الأمور الأمن، ويجوز أن يجعل مالا لمن يعمل ما فيه غناء، أو يدل على طريق، أو قلعة أو ماء ونحوه، وبلا شرط، ويعد الصابر في القتال بأجر ونفل، ويف الجيش، لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ *} . ولأن فيه ربط الجيش بعضه ببعض، ويجعل في كل جنبة كفوا، فقد جعل صلى الله عليه وسلم خالدا عن إحدى الجنبتين، والزبير على الأخرى، وأبا عبيدة على الساقة، ولأنه أحوط في الحرب، وأبلغ في إرهاب العدو. (¬4) أي المستحق مع سائر الجيوش، لعنايته، وقتاله، وغير ذلك، مأخوذ من النفل وهو الزيادة، ومنه نفل الصلاة، وجمهور العلماء على جوازه قال: الشيخ: وعلى القول الصحيح أن يقول: من أخذ شيئا فهو له، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وكما قال ذلك في غزوة بدر، لمصلحة راجحة على المفسدة، وكل ما دل على الإذن كهو، وأما إذا لم يأذن، أو أذن إذنا غير جائر، فللإنسان أن يأخذ مقدار ما يصيبه بالقسمة، متحريا للعدل في ذلك. ومن حرم على المسلمين جميع الغنائم، والحالة هذه، أو أباح للإمام أن يفعل فيها ما يشاء، فقد تقابل الطرفان، ودين الله وسط، واستمر فعله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده على قسمة الغنائم، والإذن قد يفضي إلى اشتغالهم بالنهب عن القتال، وظفر العدو بهم، ولأن الغزاة إذا اشتركوا في الغنيمة على سبيل التسوية فقسمتها بينهم هي العدل والإنصاف.

(في بدايته) أي عند دخوله أرض العدو (¬1) ويبعث سرية تغير، ويجعل لها (الربع) فأقل (بعد الخمس (¬2) وفي الرجعة) أي إذا رجع من أرض العدو (¬3) وبعث سرية (¬4) ويجعل لها (الثلث) فأقل (بعده) أي بعد الخمس (¬5) . ¬

_ (¬1) وذلك أنه إذا دخل أمير دار حرب، بعث سرية تغير وإذا رجع بعث سرية أخرى، فما أتت به أخرج خمسه، وأعطى السرية ما وجب لها، وقسم الباقي في الكل. (¬2) مما غنموا، ويقسم الباقي في الجيش كله، للخبر الآتي. (¬3) الثلث مما غنموا بعد الخمس، إذا أوقعوا بالعدو مرة ثانية، وزيد في الرجعة على البدأة لمشقة الرجعة، لأجل ما لحق الجيش من الكلال، وعدم الرغبة في القتال. (¬4) بعد القفول تغير على العدو. (¬5) وهذا مذهب جمهور أهل العلم.

طاعة الجيش ولي الأمر، والصبر معه، والغزو بإذنه، وشرط الحرب

ويقسم الباقي في الجيش كله (¬1) لحديث حبيب بن مسلمة: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم «نفل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة» رواه أبو داود (¬2) (ويلزم الجيش طاعته) (¬3) والنصح (والصبر معه) (¬4) . ¬

_ (¬1) أي يقسم ما بقي بعد الخمس والتنفيل في الجيش كله، ومنهم السرية المنفلة. (¬2) وغيره، ورواه ابن ماجه بمعناه وعن عبادة بن الصامت مرفوعًا نحوه رواه الترمذي وغيره. وقال شيخ الإسلام: كان صلى الله عليه وسلم ينفل السرية الربع، وإذا رجعوا الثلث بعد الخمس، وقال: ويجوز أن ينفل السرية من أربعة الأخماس، وإن كان فيه تفضيل بعضهم على بعض، ويأتي حديث ابن عمر وأنه صلى الله عليه وسلم كان ينفل بعض السرايا، قال: ويجوز أن ينفل من ظهر منه زيادة نكاية، كسرية تسري من الجيش، أو رجل صعد على حصن ففتحه، أو حمل على مقدم العدو فقتله، ونحو ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه يفعلون ذلك. (¬3) أي طاعة ولي أمرهم، والطاعة والانقياد، وهو امتثال أمره، ما لم يأمر بمعصية. (¬4) في اللقاء، وأرض العدو لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} قال الوزير: اتفقوا على أنه إذا التقى الزحفان، وجب على المسلمين الحاضرين الثبات، وحرم عليهم الانصراف والفرار، إذ قد تعين عليهم إلا أن يكون متحرفًا لقتال، أو متحيزًا إلى فئة، أو يكون الواحد مع ثلاثة، أو المائة مع ثلاثمائة. وقال ابن رشد: لا يجوز الفرار عن الضعف إجماعًا لقوله: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} وذهب مالك إلى أن الضعف إنما يعتبر في القوة، لا في العدد، وأنه يجوز أن يفر الواحد عن واحد، إذا كان أعتق جوادًا منه، وأجود سلاحًا وأشد قوة، وهو مع ظن تلف أولى من الثبات، ويسن الثبات مع عدم ظن التلف، والقتال مع ظنه، فهما أولى من الفرار، وكذا قال الشيخ وغيره. وقال الشيخ: لا يخلو إما أن يكون قتال دفع أو طلب، فالأول بأن يكون العدو كثيرا لا يطيقهم المسلمون، ويخافون إن انصرفوا عنهم عطفوا على من تخلف من المسلمين، فهنا صرح الأصحاب بوجوب بذل مهجهم في الدفع حتى يسلموا، ومثله لو هجم عدو على بلاد المسلمين، والمقاتلة أقل من النصف، لكن إن انصرفوا استولوا على الحريم، والثاني لا يخلو إما أن يكون بعد المصافة، أو قبلها فقبلها وبعدها حين الشروع في القتال لا يجوز الإدبار مطلقا، إلا لمتحرف أو متحيز وقال: يسن انغماسه في العدو لمنفعة المسلمين، وإلا نهي عنه، وهو من الهلكة وإن ألقي في مركبهم نار فعلوا ما يرون السلامة فيه بلا نزاع.

لقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} (¬1) . ¬

_ (¬1) أي وأطيعوا أولي الأمر منكم، وهم أمراء المسلمين، في عهده صلى الله عليه وسلم وبعده، ولقوله صلى الله عليه وسلم «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني» رواه النسائي، ولا نزاع في وجوب طاعته ما لم يأمر بمعصية، ولا نزاع في وجوب الغزو معه، برًّا كان أو فاجرًا، لحديث أبي هريرة مرفوعًا «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برًّا كان أو فاجرًا» رواه أبو داود، وفي الصحيح «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» . وفي الصحيحين من حديث عبادة: بايعناه على السمع والطاعة، في منشطنا، ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروًا كفرًا بواحًا، عندكم، فيه من الله برهان، ولأن تركه مع الفاجر يفضي إلى تركه مطلقًا، وإلى ظهور الكفار على المسلمين، واستئصالهم وإعلاء كلمة الكفر.

تبييت الكفار ورميهم وإتلاف ما تدعو الحاجة إليه والنكاية بهم

(ولا يجوز) التعلف والاحتطاب و (الغزو إلا بإذنه (¬1) إلا أن يفجأهم عدو يخافون كلبه) بفتح اللام أي شره وأذاه (¬2) لأن المصلحة تتعين في قتاله إذًا (¬3) ويجوز تبييت الكفار (¬4) . ¬

_ (¬1) وكذا خروج من عسكر، وتعجيل، وبراز، وإحداث أمر إلا بإذنه، لأنه أعرف بحال الناس، وحال العدو، وقوتهم لقوله تعالى: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} قال ابن رشد: اتفقوا على محاربة جميع المشركين، لقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ} وقال: شرط الحرب بلوغ الدعوة باتفاق، أي لا تجوز حرابتهم حتى يكونوا قد بلغتهم الدعوة، وذلك شيء مجمع عليه بين المسلمين لقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} وقال: «فادعهم إلى الإسلام» . (¬2) فلا يحتاجون إلى الإذن إذًا، لأن دفع الصائل عن الحرمة والدين واجب إجماعًا. (¬3) لا يشترط فيه الإذن ولا غيره، بل يجب الدفع بحسب الإمكان، ولا شيء بعد الإيمان أوجب من دفع الصائل الذي يفسد الدين والدنيا. (¬4) بلا نزاع، وهو كبسهم، وقلتهم وهم غارون، وقد ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم أنه كان يبيت العدو، ويغير عليهم مع الغدوات.

ورميهم بالمنجنيق (¬1) ولو قتل بلا قصد صبيا ونحوه (¬2) . ¬

_ (¬1) فإنه صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف، ونصبه عمرو بن العاص على الإسكندرية، ويجوز رميهم بنار، وقطع سابلة، وماء، وهدم عامر، وقال الشيخ: اتفقوا على جواز إتلاف الشجر والزرع الذي للكفار، إذا فعلوا بنا مثل ذلك، ولم نقدر عليهم إلا به، وقال: اتفقوا على جواز قطع الشجر، وتخريب العامر، عند الحاجة إليه، وليس ذلك بأولى من قتل النفوس، وما أمكن غير ذلك، وفي الإنصاف، ولا يجوز عقر دابة، ولا شاة إلا لأكل يحتاج إليه، وذكره الموفق وغيره إجماعا في دجاجة وطير، واختار جواز عقر دواب قتالهم، إن عجز المسلمون عن سوقه، ولا يدعها لهم. وفي البلغة: يجوز قتل ما قاتلوا عليه في تلك الحال، جزم به الموفق وغيره، وقال: لأنه يتوصل به إلى قتلهم، وهزيمتهم، وليس فيه خلاف، وإن أحرزنا دوابهم إلينا لم يجز إلا للأكل، وإن تعذر حمل متاع، ولم يشتر، فللأمير أخذه لنفسه وإحراقه، وإلا حرم، ويجوز إتلاف كتبهم المبدلة، وقيل: يجب إتلاف كفر وتبديل. والزرع والشجر ثلاثة أصناف، ما تدعو الحاجة إلى إتلافه لغرض ما، فيجوز قطعه وحرقه، قال الموفق: بلا خلاف نعلمه، والثاني ما يتضرر المسلمون بقطعة، فيحرم قطعه وما عداهما فقيل: يجوز, وهو المذهب، وقيل: لا إلا أن لا يقدر عليهم إلا به، أو يكونوا يفعلونه بنا، قال أحمد: يكافئون على فعلهم، وكذا رميهم بالنار، وفتح الماء ليغرقهم، وهدم عامرهم، وجزم الموفق وغيره بالجواز إذا عجزوا عن أخذه بغير ذلك وإلا لم يجز. (¬2) كنساء وشيوخ ورهبان، لجواز النكاية بالإجماع في جميع المشركين، وقال ابن رشد: النكاية جائزة بطريق الإجماع، في جميع أنواع المشركين ذكرانهم، وإناثهم، شيوخهم، وصبيانهم، صغارهم وكبارهم، إلا الرهبان، فإن قوما رأوا أن يتركوا، ولا يؤسروا، بل يتركون دون أن يعرض لهم، لا بقتل ولا استعباد، لقوله عليه الصلاة والسلام «ذرهم وما حبسوا أنفسهم عليه» واتباعا لفعل أبي بكر، وفي الإنصاف: وإن تترسوا بمسلم لم يجز رميهم، إلا أن يخاف على المسلمين فيرميهم، ويقصد الكفار، وهذا بلا نزاع، قال القاضي: يجوز رميهم حال قيام الحرب، لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد.

لا يجوز قتل من لا رأي له، ولم يقاتل، أو يحرض ويكون رقيقا

ولا يجوز قتل صبي، ولا امرأة وخنثى، وراهب (¬1) وشيخ فإن (¬2) وزمن وأعمى لا رأي لهم (¬3) ولم يقاتلوا أو يحرضوا (¬4) . ¬

_ (¬1) لا رأي لهم ولم يقاتلوا، وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان، وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أن النساء ما لم يقاتلن فإنهن لا يقتلن، إلا أن يكون ذوات رأي فيقتلن، ولأنهم يصيرون أرقاء بنفس السبي، ففي قتلهم إتلاف المال، ونبه بذكر الخنثى لاحتمال أن يكون امرأة، وأما الرهبان فقال الشيخ: هم قوم منقطعون عن الناس، محبوسون في الصوامع، يسمَّى أحدهم حبيسًا، لا يعاونون أهل دينهم على أمر فيه ضرر على المسلمين أصلا، ولا يخالطونهم في دنياهم، ولكن يكتفي أحدهم بقدر ما يتبلغ به، والجمهور على أنه لا يقتل، ولا تؤخذ منه جزية. (¬2) لا رأي له، ولم يقاتل، أو يحرض على القتال، وإلا فيقتل اتفاقًا. (¬3) فإن شاركوا العدو في الرأي قتلوا اتفاقًا. (¬4) أي على القتال، فيقتلون، قال الوزير وغيره: اتفقوا على أنه إذا كان الأعمى والمقعد، والشيخ الفاني، وأهل الصوامع لهم رأي وتدبير وجب قتلهم، وإن تترس الكفار بهم جاز رميهم، قال الشيخ: والمثلة حق لهم، فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر، ولهم تركها، والصبر عنها أفضل، وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد، أو يكون نكالا لهم عن نظيرها، وأما إذا كان فيه دعاء لهم إلى الإيمان، وزجر لهم عن العدوان فإنه هنا نوع من إقامة الحدود، والجهاد المشروع، والمندوب إليه، وكذا قال الخطابي وغيره.

الإمام مخير في الأسرى، بين القتل، والاسترقاق والمن والفداء

ويكونون أرقاء بسبي (¬1) . ¬

_ (¬1) أي الصبي وما عطف عليه، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يسترق النساء والصبيان إذا سباهم، وأجمعت الصحابة على استعباد أهل الكتاب، ذكرانهم وإناثهم حكاه أبو عبيد وغيره، ويجوز استرقاق من لا تقبل منهم جزية عند بعض أهل العلم، ومن أسر أسيرا لم يجز قتله حتى يأتي به الإمام وإن قتله فلا شيء عليه، ويخير الإمام بين قتل لقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} واسترقاق لقوله صلى الله عليه وسلم «أعتقيها» ومنٍّ، وفداء لقوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} ولفعله صلى الله عليه وسلم بمنه على ثمامة وغيره، وفدائه الرجلين بالرجل. قال الوزير وغيره: اتفقوا على أن الإمام مخير في الأسرى بين القتل والاسترقاق وبين المن والفداء، واختار الشيخ: يعمل المصلحة في المال وغيره، كما فعل صلى الله عليه وسلم بأهل مكة، ومن أسلم منهم قبل حكمه فكمسلم قبل القدرة عليه، فيعصم نفسه، وولده الصغير، وماله، وحمل امرأته، لا هي ولا ينفسخ نكاحه برقها، ومن أسلم بعده لزمه حكمه. ويجب هدم الأوثان، لقصة وفد ثقيف، وسؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم اللات ولو شهرا، فأبى وكذلك جميع القباب على القبور، وفي الإنصاف: وإن سألوا الموادعة بمال أو غيره جاز، إن كانت المصلحة فيه، وإذا نزلوا على حكم حاكم جاز، ولا يحكم إلا بما فيه الحظ للمسلمين، من القتل والسبي، والفداء بلا نزاع، وإن حكم بقتل أو سبي فأسلموا، عصموا دماءهم، بلا نزاع، وإن سألوا أن ينزلوا على حكم الله لزمه أن ينزلهم، ويجري فيهم كالأسرى.

المسبي غير البالغ مسلم، بخلاف من مات أو أسلم أحد أبويه

والمسبي غير بالغ منفردًا أو مع أحد أبويه مسلم (¬1) وإن أسلم أو مات أحد أبوي غير بالغ بدارنا فمسلم (¬2) وكغير البالغ من بلغ مجنونًا (¬3) (وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب) (¬4) . ¬

_ (¬1) ولو مميزًا إن سباه مسلم تبعًا، لحديث «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو يمجسانه، أو ينصرانه» رواه مسلم، وقد انقطعت تبعيته لأبويه، لانقطاعهما عنه، أو أحدهما وإخراجه من دارهما إلى دار الإسلام. (¬2) وظاهره أن الحربي والذمي في ذلك سواء، وقال ابن القيم: الراجح في الدليل قول الجمهور أنه لا يحكم بإسلامه بذلك، وهي رواية عن أحمد، اختارها الشيخ، والفرق بينهما وبين مسألتي السبي أن المسبي قد انقطعت تبعيته لمن هو على دينه، وصار تابعًا لسابيه المسلم، بخلاف من مات أبواه أو أحدهما، فإنه تابع لأقاربه، أو وصي أبيه، فإن انقطعت تبعيته لأبويه، فلم تنقطع لمن يقوم مقامهما من أقاربه، وأوصيائه، ويدل عليه العمل المستمر من عهد الصحابة إلى اليوم، بموت أهل الذمة وتركهم الأطفال، ولم يتعرض أحد من الأئمة وولاة الأمور لأطفالهم، ولم يقولوا: هؤلاء مسلمون. (¬3) أي فحكمه حكمه فيما ذكر. (¬4) وفي الانتصار باستيلاء تام، لا في فور الهزيمة، للبس الأمر، هل هو حيلة أو ضعف؟ وقال ابن القيم في قصة حنين: إن الغنيمة لا تملك بالاستيلاء عليها، إنما تملك بالقسمة لا بمجرد الاستيلاء، إذ لو ملكها المسلمون بمجرد الاستيلاء لم يستأن بهم ليردها عليهم، فلو مات أحد من الغانمين قبل القسمة أو إحرازها بدار الإسلام رد نصيبه على بقية الغانمين دون ورثته، وهو مذهب أبي حنيفة.

تعريف الغنيمة، وبيان من يستحقها

وتجوز قسمتها فيها (¬1) لثبوت أيدينا عليها (¬2) وزوال ملك الكفار عنها (¬3) والغنيمة ما أخذ من مال حربي قهرًا بقتال، وما ألحق به (¬4) . ¬

_ (¬1) أي قسمة الغنيمة في دار الحرب، وهذا مذهب مالك والشافعي وجماهير العلماء، وقال أصحاب أبي حنيفة، إن لم يجد الإمام حمولة جاز له قسمتها فيها، وقول الجمهور أولى، قال الأوزاعي، ما قفل صلى الله عليه وسلم عن غزاة قط أصاب فيها غنيمة إلا خمسَّه وقسمه قبل أن يقفل، واتفقوا على أنه إذا قسمها الإمام بها نفذت قسمته. (¬2) بالاستيلاء عليها، وطرد الكفار عنها وقهرهم. (¬3) بأخذها من أيديهم، وحصولها في أيدي المسلمين، فزال ملكهم بذلك، والملك لا يزول إلى غير مالك، فصارت ملكًا للمسلمين، وأما أموال المسلمين فنص أحمد أنهم لا يملكونها إلا بالحيازة إلى دارهم، وقال الشيخ: الصواب أن الكفار يملكون أموال المسلمين، بالقهر ملكًا مقيدًا، لا يساوي ملك المسلمين من كل وجه، سواء اعتقدوا تحريمه أو لا، وإذا أسلموا وفي أيديهم أموال المسلمين فهي لهم، نص عليه، وقال في رواية أبي طالب: ليس بين المسلمين اختلاف في ذلك. قال الشيخ: وهذا يرجع إلى أن كل ما قبضه الكفار من الأموال، قبضًا يعتقدون جوازه، فإنه يستقر لهم بالإسلام، كالعقود الفاسدة، والأنكحة والمواريث وغيرها، ولهذا لا يضمنون ما أتلفوه على المسلمين بالإجماع اهـ وما لم يملكوه فإن ربه يأخذه مجانا، ولو بعد إسلام من هو معه، أو قسمته، وشرائه منهم، وإن جهل ربه وقف أمره، ولا يملك الكفار حرًّا مسلمًا، ولا ذميًا بالاستيلاء عليه، ويلزم فداؤهم لحفظهم من الأذى، ولا يملكون وقفا ونحوه. (¬4) مما أخذ فداء، أو أهدي للأمير، أو نوابه ونحوه وخرج بحربي ما يؤخذ من أموال أهل الذمة، من جزية، وخراج ونحوه، و «قهرا بقتال» خرج به ما رحلوا وتركوه فزعا، وما يؤخذ من العشر، إذا اتجروا إلينا ونحوه.

مشتقة من الغنم وهو الربح (¬1) (وهي لمن شهد الوقعة) أي الحرب (من أهل القتال) بقصده (¬2) قاتل أو لم يقاتل (¬3) حتى تجار العسكر وأجرائهم المستعدين للقتال (¬4) . ¬

_ (¬1) لحله للمسلمين بقهرهم العدو عنه، واستيلائهم عليه قال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا} وقال صلى الله عليه وسلم «وجعل رزقي تحت ظل رمحي» والغنم بضم الغين فالغنيمة فعيلة بمعنى مفعولة أي مغنومة، ولم تحل لغير هذه الأمة، لحديث «وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي» وكانت قبل أن تنزل عليها نار فتأكلها. (¬2) أي بقصد الجهاد، بخلاف من لم يكن قاصدًا له. (¬3) وفاقا حكاه الوزير وغيره، وقال ابن رشد: الأكثر على أنه إذا شهد القتال وجب له السهم وإن لم يقاتل، وأنه إذا جاء بعد القتال فليس له سهم في الغنيمة، وبهذا قال الجمهور، وقال: إنما تجب عند الجمهور للمجاهد بأحد شرطين، إما أن يكون ممن حضر القتال، وإما أن يكون ردءا لمن حضر القتال، ويسهم لدليل وجاسوس، ومن بعثهم الأمير لمصلحة وشبههم، وإن لم يشهدوا لفعله صلى الله عليه وسلم. (¬4) ومعهم السلاح، لأنهم ردء للمقاتل، لاستعدادهم، أشبه المقاتل، ولإسهام النبي صلى الله عليه وسلم لمسلمة، وكان أجيرا لطلحة، رواه مسلم، بخلاف من لم يكن قاصدا للقتال، كتاجر ونحوه، خرج بلا استعداد، ولا هو من العسكر، لأنهم لا نفع فيهم.

يخرج الإمام الخمس، بعد دفع سلب وأجرة جمع، وغير ذلك مما هو مستحق ويجعله خمسة أسهم

لقول عمر: الغنيمة لمن شهد الوقعة (¬1) (فيخرج) الإمام أو نائبه (الخمس) بعد دفع سلب لقاتل (¬2) وأجرة جمع، وحفظ، وحمل (¬3) وجعل من دل على مصلحة (¬4) . ¬

_ (¬1) رواه الشافعي وسعيد عن طارق أن عمر قاله. (¬2) حال الحرب أو انهزم والحرب قائمة فأدركه وقتله، فسلبه له لما في الصحيحين «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه» قال الشافعي: قد حفظ هذا الحكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة اهـ، أو قتله منفردًا لقصة ابن الأكوع، فإن المقتول كان منفردًا ولا قتال هناك، والسلب بالتحريك: ما كان على المقتول، من ثياب وحلي وسلاح، والدابة وما عليها بآلتها، والمراد بالدابة التي قاتل عليها، هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب، قال ابن رشد: وعليه جماعة السلف. (¬3) أي للغنيمة، فالخمس بعد ذلك، لاستحقاقهم لها من جميع الغنيمة. (¬4) أي ودفع جعل، بضم الجيم، لمن دل على مصلحة، من ماء أو قلعة ونحوهما لتقديم حقهم، وكذا ما أخذ من مال مسلم، أو معاهد، فأدركه صاحبه قبل قسمه، لم يقسم ورد إلى صاحبه بغير شيء، لما روى البخاري: أن غلاما لابن عمر أبق إلى العدو، فظهر عليه المسلمون، فرده النبي صلى الله عليه وسلم وذهب فرس له فرده عليه خالد. قال الشيخ: وإذا كان المغنوم مالاً، قد كان للمسلمين قبل، من عقار ومنقول، وعرفه صاحبه قبل القسمة، فإنه يرد إليه، بإجماع المسلمين، اهـ فإن قسم بعد العلم أنه مال مسلم، لم تصح قسمته، وإن أدركه مقسومًا فهو أحق به بثمنه لخبر ابن عباس مرفوعًا، «إن أصبته قبل القسمة فهو لك، وإن أصبته بعد ما قسم، أخذته بالقيمة» ، وكذا بعد بيعه وقسم ثمنه، وما لم يملكوه، فلا يغنم بحال.

ويجعله خمسة أسهم (¬1) منها سهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم (¬2) مصرفة كفيء (¬3) وسهم لبني هاشم وبني المطلب (¬4) حيث كانوا، غنيهم وفقيرهم (¬5) وسهم لفقراء اليتامى (¬6) . ¬

_ (¬1) متساوية لقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} والذي عليه الجمهور: أنه لا يتعدى الخمس تلك الأصناف المنصوص عليها. (¬2) في حياته صلوات الله وسلامه عليه، واليوم هو لمصالح المسلمين، وذكر اسمه تعالى للتبرك، لأن الدنيا والآخرة له، قال تعالى: {للهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} له الملك كله جل وعلا، وبيده الخير كله. (¬3) قال ابن رشد: وهو قول مالك وعامة الفقهاء، وكان صلى الله عليه وسلم يصنع بهذا السهم ما شاء، قال الشيخ: يتصرف فيه الإمام كالفيء، وهو قول مالك وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال. (¬4) وهو ثابت بعد موته صلى الله عليه وسلم لم ينقطع، ولأحمد من حديث جبير بن مطعم قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى لبني هاشم وبين المطلب، وقال: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» . (¬5) يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين حيث كانوا حسب الإمكان، غنيهم وفقيرهم فيه سواء. (¬6) خص فقراء اليتامى لأنه قد يكون يتيمًا ويكون غنيًّا فلا حظ له فيها، و «اليتيم» في العرف للرحمة، ومن أعطي لذلك اعتبرت فيه الحاجة، واليتيم في الأصل، من لا أب له ولم يبلغ.

يقسم الأربعة الأخماس الباقية على الغانمين للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم

وسهم للمساكين (¬1) وسهم لأبناء السبيل (¬2) يعم من بجميع البلاد حسب الطاقة (¬3) (ثم يقسم باقي الغنيمة) وهو أربعة أخماسها (¬4) بعد إعطاء النفل والرضخ (¬5) . ¬

_ (¬1) أي أهل الحاجة، فيدخل فيهم الفقير، فهما صنفان في الزكاة فقط، وفي سائر الأحكام صنف واحد، ويجب أن يعطوا كالزكاة، واختار الشيخ إعطاء الإمام من شاء منهم للمصلحة كالزكاة، وقال: لا يختلف اثنان من المسلمين، أنه لا يجوز أن يعطي الأغنياء الذين لا منفعة لهم، ويحرم الفقراء، فإن هذا مضاد لقوله تعالى: {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} واختار أن الخمس والفيء واحد، يصرف في المصالح، كمذهب مالك، وهو رواية عن أحمد. (¬2) وهم المسافرون، البعيدون من مالهم، المحتاجون، كما في الزكاة لا الأغنياء. (¬3) يعني ممن ذكر، وحسب: بفتح السين، ويشترط في إعطاء ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، أن يكونوا مسلمين، فلا حق فيها لكافر ولا قن. (¬4) قال ابن رشد وغيره، اتفق المسلمون على أن الغنيمة التي تؤخذ من أيدي الروم، ما عدا الأرضين، أن خمسها للإمام، وأربعة أخماسها للذين غنموها لقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} لأن الله لما جعل لنفسه الخمس فهم منه أربعة الأخماس للغانمين قال: وأجمع جمهور العلماء على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين، إذا خرجوا بإذن الإمام لعموم الآية. (¬5) وبعد الخمس على ما تقدم، والنفل بالتحريك هو الزائد على السهم لمصلحة، لما روى أبو داود «لا نفل بعد الخمس» والرضخ بالضاد، والخاء المعجمتين هو ما دون السهم لمن لا سهم له من الغنيمة.

لنحو قن ومميز على ما يراه (¬1) (للراجل سهم) ولو كافرًا (¬2) (وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له سهمان لفرسه) إن كان عربيًّا (¬3) . ¬

_ (¬1) أي الإمام أو نائبه فيفضل ذا البأس، والأنفع من العبيد، والصبيان المميزين، والنساء، قال الوزير: اتفقوا على أن من حضرها من مملوك، أو امرأة، أو ذمي، أو صبي رضخ له، على ما يراه الإمام، ولا يسهم لهم، وقال: اتفقوا على أن للإمام أن يفضل بعض الغانمين على بعض، فمن لا سهم له أحق، وقال عمر: ليس أحد إلا وله في هذا المال حق، إلا ما ملكت أيمانكم وانتشر في الصحابة، فلا سهم للغلمان إجماعًا، وإنما يرضخ لهم والجمهور أن المرأة لا سهم لها، ويرضخ لها لحديث أم عطية، وكان يرضخ لنا من الغنيمة. وقال ابن القيم: نص أحمد على أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، والعطاء الذي أعطاه رسول الله لقريش والمؤلفة هو من النفل، نفل به النبي صلى الله عليه وسلم رءوس القبائل، والعشائر، ليتألفهم به وقومهم، على الإسلام، فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس، والربع بعده، لما فيه من تقوية الإسلام وشوكته، وأهله، واستجلاب عدوه إليه، وهكذا وقع سواء، وللإمام أن يفعل ذلك، لأنه نائب عن المسلمين إذا دعت الحاجة، فيتصرف لمصالحهم وقيام الدين، وإن تعين للدفع عن الإسلام والذب عن حوزته، واستجلاب رءوس أعدائه إليه، ليأمن المسلمون شرهم، تعين عليه، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين. (¬2) إذا خرج بإذن الأمير، والمراد المكلف، وأجمعوا على أن حكم الردء حكم المباشر في الجهاد، لا يشترط في الغنيمة مباشرة كل واحد في القتال. (¬3) أي العتيق، وهو ما أبوه وأمه عربيَّان، لخلوصه ونفاسته فخرج الهجين، وهو ما أبوه عربي فقط، والمقرف عكسه، وهو ما أمه عربية فقط، والبرذون وهو ما أبواه نبطيان.

لأنه صلى الله عليه وسلم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم، سهمان لفرسه، وسهم له، متفق عليه عن ابن عمر (¬1) وللفارس على فرس غير عربي سهمان فقط (¬2) ولا يسهم لأكثر من فرسين، إذا كان مع رجل خيل (¬3) ولا شيء لغيرها من البهائم (¬4) . ¬

_ (¬1) ولأبي داود من حديث أبي عميرة نحوه وذلك سنة سبع، وقيل: كان أسهم كذلك يوم بني قريظة، وقال الحذاء لا يختلف فيه عن الصحابة، وهو قول جمهور العلماء، ولأن سهم الفارس إنما استحقه الإنسان الذي هو الفارس بالفرس، وغير بعيد أن يكون تأثير الفارس بالفرس في الحرب ثلاثة أضعاف تأثير الراجل. (¬2) لما روى مكحول أنه صلى الله عليه وسلم أعطى الفرس العربي سهمين وأعطى الهجين سهما رواه سعيد وأبو داود مرسلا. (¬3) للخبر ولما رواه الأوزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسهم للخيل، وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين، ولأن حاجته إلى الثاني لكون إدامة ركوب واحد يضعفه، ويمنع القتال عليه، بخلاف ما فوق ذلك، فإنه مستغنى عنه، فيعطى صاحبها خمسة أسهم، سهم له، وأربعة لفرسيه العربيين، وهذا رواية عن أحمد، والجمهور أنه لا يسهم لغير فرس واحد، لظاهر الخبر، ولو أسهم لفرسين لاستفاض ذلك. (¬4) كفيل وبغل وبعير ونحوها، ولو عظم غناؤها، وقامت مقام الخيل، ولم تخل غزاة منها، ولم يسهم لها صلى الله عليه وسلم وكذا أصحابه لم ينقل أنهم أسهموا لغير الخيل، ولا خلاف في ذلك، ولأنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الفارس من الكلفة، قال الشيخ وغيره: ويرضخ للبغال، والحمير، وهو قياس الأصول، كما يرضخ لمن لا سهم له من النساء، والعبيد والصبيان.

يشارك الجيش سراياه فيما غنمت، ويشاركونه

لعدم وروده عنه عليه السلام (¬1) (ويشارك الجيش سراياه) التي بعثت منه من دار الحرب (فيما غنمت (¬2) ويشاركونه فيما غنم) (¬3) قال ابن المنذر: روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وترد سراياهم على قعدهم» (¬4) . ¬

_ (¬1) أي أنه أسهم لغير الخيل، وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرا، وغيرها من الغزوات، ولم يسهم لها. (¬2) قال ابن رشد: الجمهور أن العسكر يشاركونهم فيما غنموا، وإن لم يشهدوا الغنيمة ولا القتال، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم «وترد سراياهم على قعدهم» رواه أبو داود، ولأن لهم تأثيرا أيضا في أخذ الغنيمة. (¬3) أي شارك السرايا الجيش فيما غنم الجيش، فأيهما غنم شاركه الآخر، نص عليه، وإذا لحق بالجيش مدد، أو صار الفارس راجلا، أو عكسه ونحوه، قبل تقضي الحرب، جعلوا كمن كان فيها كلها، وبعد تقضي الحرب، ولو لم تحرز الغنيمة لا شيء له. (¬4) ورواه أبو داود وغيره، ولأنها في مصلحة الجيش، قال الشيخ: كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم لطلحة والزبير، يوم بدر، لأنه بعثهما في مصلحة الجيش، فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها، فيما لهم وعليهم، وذكر حديث ابن عمر وهو في سرية، وأنهم نفلوا بعيرًا بعيرًا، وعنه: كان ينفل بعض من يبعث من السرايا، لأنفسهم خاصة، سوى قسمة عامة الجيش، قال: ولم يرد ما يدل على الاقتصار على نوع معين، ولا مقدار معين، فيفوض إلى رأي الإمام، وهو قول الجمهور.

الغال مرتكب كبيرة، يحرق رحله، وقيل يعزر بما يراه الإمام

وإن بعث الإمام من دار الإسلام جيشين، أو سريتين، انفردت كل بما غنمت (¬1) (والغال من الغنيمة) (¬2) . ¬

_ (¬1) لانفراد كل منهما بما تعانيه. (¬2) قد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب إجماعًا، للنهي الأكيد، والوعيد الشديد قال تعالى: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} حاملا له على عنقه، وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، والأحاديث في تحريم الغلول مستفيضة متعددة، منها قوله صلى الله عليه وسلم، «أدوا الخيط والمخيط، فإن الغلول عار ونار على أهله يوم القيامة» رواه أحمد وغيره، ومنها قوله: «لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة بكذا، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك» وقوله: «إن الشملة لتلتهب عليه نارًا» متفق عليهما. واتفق المسلمون على تحريم الغلول للآية والأحاديث، وأجمعوا على أن على الغال رد ما غله، ويؤخذ للمغنم، ومن ستر على غال، أو أخذ مما أهدي له منها، أو باعه إمام أو جاب فهو غال، وقال الشيخ: وما أخذه العمال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق، فلولي الأمر العاد استخراجه منهم، كالهدايا التي يأخذونها بسب العمل، قال أبو سعيد: هدايا العمال غلول، وروي مرفوعًا، ويشهد له قصة ابن اللتبية، وكذلك محاباة الولاة في المعاملة من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة والمساقاة والمزارعة ونحو ذلك هو من نوع الهدية، ولهذا شاطرهم عمر، لما خصوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها، لأنه إمام عادل يقسم بالسوية. وقال الشيخ: وعمال الفيء إذا خانوا فيه، وقبلوا هدية أو رشوة، فمن فرض له دون أجرته، أو دون كفايته عياله بالمعروف، لم يستخرج منه ذلك القدر، وإن قلنا: لا يجوز لهم الأخذ خيانة، فإنه يلزم الإمام الإعطاء.

وهو من كتم ما غنمه أو بعضه، لا يحرم سهمه (¬1) (يحرق) وجوبا (رحلة كله) ما لم يخرج عن ملكه (¬2) (إلا السلاح، والمصحف، وما فيه روح) وآلته ونفقته (¬3) وكتب علم (¬4) وثيابه التي عليه (¬5) وما لا تأكله النار فله (¬6) . قال يزيد بن يزيد بن جابر (¬7) : السنة في الذي يغل أن يحرق رحله، رواه سعيد في سننه (¬8) . ¬

_ (¬1) أي من الغنيمة، لوجود السبب الذي استحقه به، ولم يثبت حرمان سهمه في خبر، ولا دل عليه قياس، فبقي بحاله. (¬2) ببيع ونحوه، ولا يحرق سهمه، لأنه ليس من رحله، واتفقوا على أنه لا يقطع إذا كان له فيها سهم. (¬3) أي نفقة الغال، والآلة هي كسرجه ولجامه، وحبله ونحوه وعلفه. (¬4) أي وإلا كتب علم، فلا تحرق. (¬5) أي فلا تحرق، نص عليه. (¬6) لبقاء ملكه عليه، ولا تأثير للنار فيه. (¬7) عالم أهل دمشق، وتلميذ مكحول، وثقه غير واحد من الحفاظ. (¬8) ولأحمد، وأبي داود، عن ابن عمر: سمعت أبي يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه، واضربوه» فيعزر ولا ينفي وعنه: يعزر بما يراه الإمام، ولا يحرق، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، والشافعي، وجمهور العلماء، وأئمة الأمصار، ومن لا يحصى من الصحابة والتابعين، واختار الشيخ وتلميذه، أن تحريق رحل الغال من باب التعزير لا الحد، فيجتهد الإمام بحسب المصلحة، واستظهره في الإقناع، وصوبه في الإنصاف، وقال البخاري: قد امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على الغال، ولم يحرق متاعه، وقال الدارقطني: هذا الخبر لا أصل له عن النبي صلى الله عليه وسلم.

أرض العنوة يخير الإمام بين قسمها ووقفها وكذا التي جلوا عنها أو صولحوا عليها

(وإذا غنموا) أي المسلمون (أرضًا) بأن (فتحوها) عنوة (بالسيف) (¬1) فأجلوا عنها أهلها (خير الإمام بين قسمها) بين الغانمين (¬2) (ووقفها على المسلمين) بلفظ من ألفاظ الوقف (¬3) . ¬

_ (¬1) أي غلبة وقهرا، وهذا أحد أصناف الأرضين بالاستقراء. (¬2) تخيير مصلحة، كالتخيير في الأسرى، فيفعل ما يراه أصلح، لأنه نائب المسلمين، فلا يفعل إلا الأصلح لهم، قال الشيخ: ومذهب الأكثرين أن الإمام يفعل ما هو الأصلح للمسلمين، من قسمها، أو حبسها، ولأنه صلى الله عليه وسلم قسم نصف خيبر، ووقف نصفها لنوائبه، رواه أبو داود، فتملك بقسمتها، ولا خراج عليها، لأنها ملك للغانمين. (¬3) لأن الوقف لا يثبت بنفسه، فحكمها قبل الوقف حكم المنقول، وعنه: تصير وقفا بنفس الاستيلاء، قال في الإنصاف: هذا المذهب وعليه الأصحاب، وجزم به في الإقناع، وقال ابن القيم: معنى وقفها إقرارها على حالها، وضرب الخراج عليها، مستمرا في رقبتها، وقال: جمهور الصحابة والأئمة بعدهم على أن الأرض ليست داخلة في الغنائم التي تجب قسمتها، وهذه كانت سيرة الخلفاء ولما قال بلال وذووه لعمر: اقسمها قال: اللهم اكفينهم فما حال عليهم الحول، ثم وافق سائر الصحابة عمر، وكذلك جرى في سائر البلاد التي فتحت عنوة، لم يقسم منها الخلفاء قرية واحدة، وكان الذي رآه وفعله عين الصواب، فجعلها وقفا على المقاتلة تجرى عليهم، حتى يغزو منها آخر المسلمين.

(ويضرب عليها خراجًا مستمرًّا يؤخذ ممن هي بيده) (¬1) من مسلم وذمي، يكون أجرة لها في كل عام (¬2) كما فعل عمر رضي الله عنه فيما فتحه من أرض الشام، والعراق، ومصر (¬3) وكذا الأرض التي جلوا عنها خوفا منا (¬4) . ¬

_ (¬1) يتصرف فيها بنفسه أو يؤجرها، فالخراج في رقبتها. (¬2) تتكرر الجزية بتكرر الأعوام، بلا نزاع في الجملة. (¬3) ضرب عليها خراجًا مستمرًّا يؤخذ ممن هي بيده، وقال: أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببَّانا، أي لا شيء لهم، ما فتحت عليَّ قرية إلا قسمتها، كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، ولكني أتركها لهم خزانة يقتسمونها رواه البخاري، قال الشيخ: وجمهور الأئمة رأوا أن ما فعله عمر بن جعل الأرض مفتوحة عنوة فيئًا حسن جائز، وإن حبسها بدون استطابة الغانمين ولا نزاع أن كل أرض فتحها لم يقسمها. وقال ابن القيم: إن كان الأصلح للمسلمين قسمتها قسمها، وإن كان الأصلح أن يقفها على جماعتهم وقفها، وإن كان الأصلح قسمة البعض، ووقف البعض فعل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل الأقسام الثلاثة، وقال الشارح: ولم نعلم أن شيئا مما فتح عنوة قسم بين الغانمين إلا نصف خيبر، فصار لأهله، لا خراج عليه، وسائر ما فتح عمر، ومن بعده لم يقسم منه شيء، قال الشيخ: وتنقلت أحوالها كالعراق، فإن خلفاء بني العباس نقلوه إلى المقاسمة، ومصر رفع عنها الخراج من مدة لا أعلم ابتداءها، وصارت الرقبة للمسلمين، وهذا جائز في أحد قولي العلماء. (¬4) أي كالعنوة في تخيير الإمام بين قسمها ووقفها على المسلمين، وضرب خراج مستمر عليها، وهذا الصنف الثاني.

المرجع في مقدار الخراج والجزية إلى الإمام، وليس لأحد تغييره، وإنما التغيير لما استؤنف

أو صالحناهم على أنها لنا ونقرها معهم بالخراج (¬1) بخلاف ما صولحوا على أنها لهم ولنا الخراج عنها، فهو كجزية تسقط بإسلامهم (¬2) (والمرجع في) مقدار (الخراج والجزية) حين وضعهما (إلى اجتهاد الإمام) الواضع لهما (¬3) فيضعه بحسب اجتهاده لأنه أجرة، يختلف باختلاف الأزمنة (¬4) فلا يلزم الرجوع إلى ما وضعه عمر رضي الله عنه (¬5) . ¬

_ (¬1) فيضرب عليها خراج، وهذا الصنف الثالث، وهو «نوعان» هذا أحدهما وهي كالعنوة في التخيير، ولا يسقط خراجها بإسلامهم، وعنه: تصير وقفا كالثانية، ويضرب عليها الخراج، ولا يغير إذا ضربه أحد الأئمة، لأنه نقض للحكم اللازم، ما لم يتغير السبب، فيغير المسبب لتغير سببه. (¬2) أي فإن ما يؤخذ من خراجها كجزية، كما ذكر، إن أسلموا، أو انتقلت إلى مسلم يسقط بإسلامهم، ويقرون فيها بغير جزية، لأنها ليست بدار إسلام، بخلاف ما قبلها، فلا يقرون فيها سنة بلا جزية، وهذا هو النوع الثاني. (¬3) فيرجع في قدر الخراج في ابتداء الوضع إلى تقدير الإمام من زيادة ونقص، على قدر حسب ما يؤدي إليه اجتهاده وتطيقه الأرض. (¬4) فرجع فيه إلى اجتهاد الإمام، قال الشيخ: ويجتهد الإمام في الخراج والجزية، فيزيد وينقص بقدر الطاقة. (¬5) بل يستأنف الوضع فيما استؤنف فتحه، وما وضعه عمر رضي الله عنه على كل جريب درهما وقفيزا، وهو ثمانية أرطال، قيل بالمالكي، والجريب عشر قصبات في مثلها، والقصبة ستة أذرع، بذراع عمر، وهو ذراع متوسط، وقبضة وإبهام قائمة فيكون الجريب ثلاثة آلاف ذراع وست مائة مكسرًا.

وما وضعه هو أو غيره من الأئمة ليس لأحد تغييره (¬1) ما لم يتغير السبب (¬2) كما في الأحكام السلطانية (¬3) لأن تقديره ذلك حكم (¬4) . ¬

_ (¬1) لأنه حكم من الإمام، ولا نقض لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من وقف أو قسمة، أو فعله الأئمة بعده، ولا تغيير، لأنه نقض للحكم اللازم، وإنما التخيير والاستئناف فيما استؤنف فتحه، قال الوزير وغيره: الزيادة مع عدم الاحتمال لا تجوز، ولا النقصان، ومدار الباب أن تحمل الأرض ما تطيقه، وأن لا يتبع غيره مما لم يأذن فيه الشرع بحال، وأكد بالضمير البارز المنفصل لصحة العطف عليه، على المذهب الراجح. (¬2) كما لو تغيرت حال الأرض بأن غلت، أو رخصت، فيغير المسبب لتغيير سببه، قال الشيخ: ولو يبست الكروم بجراد أو غيره أو بعضها، سقط من خراجها بقدر ذلك، وإذا لم يمكن الانتفاع بها ببيع، أو إجارة، أو غيرها لم تجز المطالبة بخراجها. (¬3) للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء، عالم زمانه، المتوفى ببغداد، سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وله مصنفات كثيرة منها الأحكام، ذكر فيها ما وضعه عمر وغيره، وأنه يختلف بما يختص بالأرض من جودة وبالزرع من اختلاف أنواعه، وبالسقي والشرب فلا بد لواضع الخراج من اعتبار ما وصف، من اختلاف الأرض، والزرع، والشرب، ليعلم ما تحمله الأرض من خراجها، فيقصد العدل فيما بين أهلها وأهل الفيء. (¬4) أي ما وضعه عمر ومن بعده حكم لازم، وليس لأحد تغييره، ولا نقضه، وإنما التغيير فيما استؤنف فتحه، ما لم يتغير السبب كما تقدم.

من عجز عن عمارتها أجبر على إجارتها، ويجري فيها الميراث

والخراج على أرض لها ماء تسقى به، ولو لم تزرع (¬1) لا على مساكن (¬2) (ومن عجز عن عمارة أرضه) الخراجية (¬3) (أجبر على إجارتها (¬4) أو رفع يده عنها) بإجارة أو غيرها (¬5) لأن الأرض للمسلمين فلا يجوز تعطيلها عليهم (¬6) (ويجري فيها الميراث) فتنتقل إلى وارث من كانت بيده، على الوجه الذي كانت عليه في يد مورثه (¬7) . ¬

_ (¬1) كالمؤجرة، وواجبها والحال ما ذكر خراج أقل ما يزرع، وهو درهم وقفيز، ولا خراج على ما لا يناله ماء، ولو أمكن زرعه، وإحياؤه ولم يفعل، وما لم ينبت، أو لم ينله إلا عاما بعد عام، نصف خراجه في كل عام، وهو على المالك، لأنه على رقبة الأرض كما تقدم. (¬2) فليس عليها خراج بالاتفاق، وإن حولت مزارع ونحوها فعليها. (¬3) وهي ما فتحت عنوة. (¬4) لئلا يتعطل خراجها على المسلمين. (¬5) أي أو غير الإجارة، كدفعها لمن يعمرها ويقوم بخراجها. (¬6) بسبب عجزه عن عمارتها، ويجوز شراء أرض الخراج استنقاذا، وذلك أن تنتقل إليها بما عليها من خراج، لامتناع الشراء الحقيقي، ويكره شراؤها للمسلم، لما في دفع الخراج من الذل، وإن رأى الإمام المصلحة في إسقاط الخراج عن إنسان، أو تخفيفه جاز، وسيأتي في المساقاة أن القائم في الكلف بالعدل كالمجاهد في سبيل الله. (¬7) كالملك ينتقل من مورث إلى وارث، إلا أنه ليس مثله من كل وجه.

لا خراج على مزارع مكة، ورجح الشيخ جواز البيع فقط

فإن آثر بها أحدًا صار الثاني أحق بها، كالمستأجرة (¬1) ولا خراج على مزارع مكة والحرم (¬2) (وما أخذ) بحق بغير قتال (¬3) (من مال مشرك) أي كافر (¬4) (كجزية وخراج، وعشر) تجارة من حربي (¬5) أو نصفه من ذمي اتجر إلينا (¬6) . ¬

_ (¬1) أي فإن آثر بالأرض الخراجية من كانت بيده أحدًا، صار المؤثر أحق بها، كالأرض المستأجر، إذا آثر بها المستأجر أحدًا، بإجارة ونحوها، كان الثاني أحق بها، لقيامه مقام الأول. (¬2) وإن كانت فتحت عنوة، كما هو مذهب أبي حنيفة، ومالك، ويحرم، بيعها، وإجارتها، وفاقًا لهما، كبقاع المناسك واختار الشيخ جواز البيع فقط، وتابعه ابن القيم، لأنه إنما يستحق التقدم على غيره بهذه المنفعة، واختص بها لسبقه وحاجته فهي كالرحاب، والطرق، من سبق إليها، فهو أحق بها، وإنما جاز البيع لوروده على المحل الذي كان البائع أحق به من غيره. (¬3) أي بحق الكفر لا من ذمي غصبًا ونحوه، أو ببيع ونحوه، و «بلا قتال» أخرج الغنيمة. (¬4) والفرق بين المشرك والكافر، أن المشرك هو المتخذ مع الله إلهًا آخر، والكافر هو الجاحد. (¬5) وكخراج وزكاة تغلبي، ولا يؤخذ في السنة إلا مرة واحدة. (¬6) أي نصف عشر تجارة من ذمي اتجر إلينا ففيء.

أصل الفيء واسمه عند الإطلاق، ومصرفه

(وما تركوه فزعًا) منا (¬1) أو تخلف عن ميت لا وارث له (¬2) (وخمس خمس الغنيمة (¬3) فـ) هو (فيء) سمي بذلك لأنه رجع من المشركين إلى المسلمين (¬4) وأصل الفيء الرجوع (¬5) . ¬

_ (¬1) وهربوا أو بذلوه فزعًا منا في الهدنة وغيرها، وهذا إذا لم نقصدهم بقتال، وإلا كان غنيمة. (¬2) مسلمًا كان أو كافرًا، يستخرج جميع ماله، فيصرف في مصالح المسلمين، قال الشيخ وغيره: اتفق المسلمون على أنه من مات ولا وارث له معلوم، فماله يصرف في مصالح المسلمين. (¬3) سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم، فإنه يصرف في مصالح المسلمين، قال الشيخ: يقسمه الإمام بنفسه في طاعة الله ورسوله، كما يقسم الفيء وهذا قول أكثر السلف، وهو قول عمر بن عبد العزيز، ومذهب أهل المدينة والرواية الأخرى عن أحمد، وهو أصح الأقوال، وعليه يدل الكتاب والسنة، اهـ وكذا ما يهدى لأمير الجيش، وبعض الغانمين، وغير ذلك مما سيأتي بيانه وغيره. (¬4) لأن المشركين لما أشركوا مع الله غيره، لم يبقوا مستحقين لتلك الأموال، التي إنما جعلها الله للاستعانة بها على عبادته، فأرجعها الله لعباده المسلمين، ليستعينوا بها على عبادته وحده. (¬5) قاله الشيخ وغيره، قال: والله خلق الخلق لعبادته، وأعطاهم الأموال ليستعينوا بها على عبادته، فالكفار لما كفروا بالله، وعبدوا معه غيره، لم يبقوا مستحقين للأموال، فأباح الله لعباده قتلهم، وأخذ أموالهم فصارت فيئا أعاده الله على عباده المؤمنين، لأنهم هم المستحقون له، وكل مال أخذ من الكفار قد يسمى فيئًا، حتى الغنيمة، لقوله في حنين «ما يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، وهو مردود عليكم» لكن لما قال الله {مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ} الآيات، صار اسم الفيء عند الإطلاق، لما أخذ من الكفار بغير قتال. وجمهور العلماء على أن الفيء لا يخمس، كقول مالك وأبي حنيفة، وأحمد، وهو قول السلف قاطبة، وهو الصواب، فإن السنة الثابتة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه، تقتضي أنهم لم يخمسوا فيئًا قط، ومنشأ الخلاف، أنه لما كان لفظ آية الخمس، وآية الفيء واحدًا، اختلف فهم الناس للقرآن، وصوب: أن مال الخمس والفيء سواء.

(يصرف في مصالح المسلمين) (¬1) . ¬

_ (¬1) وقاله الشيخ وغيره، قال: وسائر الأموال السلطانية لجميع المصالح اتفاقًا، وقال: وما اجتمع من بيت المال، ولم يرد إلى أصحابه، فصرفه في مصالح أصحابه والمسلمين، أولى من صرفه فيما لا ينفع أصحابه، أو فيما يضر قال: ومثله المظالم المجهول أربابها، والواجب على من حصلت بيد أموال، ردها إلى مستحقها، فإذا تعذر ذلك، فالمجهول كالمعدوم، وقد دل على ذلك قوله في اللقطة «فإن وجدت صاحبها فارددها إليه» . وذكر أن من مات لا وارث له، ففي المصالح، ثم قال: فإن ما لم يعلم بحال، أو لا يقدر عليه بحال، هو في حقنا كالمعدوم، فلا نكلف إلا بما نعلمه ونقدر عليه، وهذا النوع ونحوه، إنما حرم لتعلق حق الغير به، فإذا كان الغير معدومًا، أو مجهولاً بالكلية، أو معجوزًا عنه بالكلية سقط حق تعلقه به مطلقا، والإعدام ظاهر، والإعجاز مثل الأموال التي قبضها الملوك، كالمكوس وغيرها من أصحابها، فهذان قياسان قطعيان من السنة، والدليل الثاني، القياس، وهو إما أن تحبس إلى أن تتلف، وإتلافها حرام، وحبسها أشد فتعين إنفاقها. وليس لها مصرف معين، فتصرف في جميع جهات البر، والثواب الذي يتقرب به إلى الله، فتصرف في سبيل الله. قال: والغنيمة والخراج لمصالح المملكة، فيفتقر إلى اجتهاد الإمام، لعدم تعيين مصرفه، ولأن به يجتمع الجند على باب السلطان، فينفذ أحكام الشرع، ويحمي البيضة، ويمنع القوي من ظلم الضعيف، ويوصل كل ذي حق حقه، فلو فرقه غيره تفرقوا عنه، وزالت حشمته وهيبته وطمع فيه، فجر ذلك إلى الفساد، قال: وبيت المال ملك للمسلمين، يضمنه متلفه، ويحرم الأخذ منه إلا بإذن الإمام، ولا يجوز الصدقة به، ويسلمه إلى الإمام. قال: ولا تتم رعاية الخلق إلا بالحق الذي هو العطاء، والنجدة التي هي الشجاعة، بل لا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك، ولذلك من لم يقم بها سلب الأمر ونقل إلى غيره، وذكر آيات في الإنفاق والشجاعة، ثم قال: فعلق الأمر بالإنفاق الذي هو السخاء، والقتال الذي هو الشجاعة،، وأن هذا مما اتفق عليه أهل الأرض. وذكر أنه افترق الناس أربع فرق، فريق صاروا نهابين، وهابين، وفريق عندهم خوف ودين، يمنعهم عما يعتقدونه قبيحًا، لكن لا يعتقدون أن السياسة لا تتم بما يفعله أولئك من الحرام، فينهون أحيانا عن ترك واجب يكون النهي عنه من الصد عن سبيل الله، فيقاتلون المسلمين كما فعلت الخوارج، والفريق الثالث الأمة الوسط، دين محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه، وهو إنفاق المال في المنافع للناس، فإن كانوا رؤساء فبحسب الحاجة إلى صلاح الأحوال، وإقامة الدنيا والدين ولا يأخذون ما لا يستحقونه، فيجمعون بين التقوى والإحسان، ولا تتم السياسة الدينية إلا بهذا، والفريق الرابع يأخذ ولا يعطي غيره، فلا يصلح به دين ولا دنيا.

لا تتم رعاية الخلق إلا بالحق والنجدة

.......................................................

لا يختص الفيء بالمقاتلة ويبدأ بالأهم فالأهم، وولاة الأمور: أمناء، ونواب ووكلاء

ولا يختص بالمقاتلة، ويبدأ بالأهم فالأهم (¬1) . ¬

_ (¬1) قاله الشيخ وغيره، وقال: يبدأ بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين، المقاتلة الذين هم للنصرة والجهاد، وهم أولى الناس بالفيء لأنه لا يحصل إلا بهم، حتى قيل: إن مال الفييء مختص بهم، ولا يجب عطاء إلا لبالغ، عاقل، حر، صحيح يطيق القتال، ومن مات بعد حلوله، دفع لورثته حقه، وصغار أولاده كفايتهم، فإذا بلغ ذكرهم أهلا فرض له إن طلب، وإلا ترك، قال عمرك ما أحد منا بأحق به من أحد، إلا أنا على منازلنا من كتاب الله، الرجل وقدمه، والرجل وبلاؤه، والرجل وغناؤه، والرجل وحاجته. قال الشيخ: «بلاؤه» هو الذي يجتهد في قتال الأعداء، «وغناؤه» هو الذي يغني عن المسلمين في مصالحهم، كولاة أمورهم، ومعلميهم، وأمثال هؤلاء، والرجل وسابقته، وهو من كان من السابقين الأولين، فإنه كان يفضلهم في العطاء على غيرهم، والرجل وفاقته، فإنه كان يقدم الفقراء على الأغنياء، وذكر نحوه ثم قال: وإذا عرفت أن العطاء بحسب منفعة الرجل، وبحسب حاجته في حال المصالح، وفي الصدقات أيضا، علمت أنه يبدأ بالأهم فالأهم. قال: فإنه مع وجود المحتاجين، كيف يحرم بعضهم، ويعطي لغني لا حاجة له، ولا منفعة به، لا سيَّما إذا ضاقت أموال بيت المال عن إعطاء كل المسلمين، غنيهم وفقيرهم فكيف يعطى الغني الذي ليس فيه نفع عام، ويحرم الفقير المحتاج، بل الفقير النافع أولى. قال: ولا يجوز لولي الأمر أن يعطي أحدًا ما لا يستحقه، لهوى نفسه، من قرابة، أو مودة أو نحو ذلك، وليس لولاة الأمور أن يقسموها بحسب أهوائهم، كما يقسم المالك ملكه، فإنما هم أمناء، ونواب، ووكلاء، ونص العلماء أنه يجب أن يقدم في مال الفيء والمصالح أهل المنفعة العامة، وإذا كان العطاء لمنفعة المسلمين لم ينظر إلى الآخذ، هل هو صالح النية أو فاسدها؟ وإنما العطاء بحسب مصلحة دين الله. قال: فأقوام من ذوي الحاجات، والدين، والعلم، لا يعطى أحدهم كفايته، ويتمزق جوعًا، وهو لا يسأل، ومن يعرفه فليس عنده ما يعطيه، وأقوام يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، وأقوام لهم رواتب فوق حاجاتهم، وقوم لهم رواتب مع غناهم، وعدم حاجتهم، ولا يستريب مسلم أن السعي في تمييز الحق من غيره، والعدل بين الناس بحسب الإمكان، من أفضل أعمال ولاة الأمور، بل ومن أوجبها عليهم.

يقسم فاضل بين أحرار المسلمين

من سد بثق (¬1) وتعزيل نهر (¬2) وعمل قنطرة (¬3) ورزق نحو قضاة (¬4) ويقسم فاضل بين أحرار المسلمين، غنيهم وفقيرهم (¬5) . ¬

_ (¬1) وهو الخرق في أحد حافتي النهر، وقدم في الإقناع، من سد ثغر، وكفاية أهله، وحاجة من يدفع عن المسلمين. (¬2) أي تنحية ترابه، وإفرازه عنه إلى جانبيه. (¬3) أي جسر وهو آزج يبنى بالآجر ونحوه، أو بالحجارة وغيرها، على الماء يعبر عليه. (¬4) كمفتين، وفقهاء، ومؤذنين، ومن يحتاج إليه المسلمون، وكل ما يعود نفعه للمسلمين. (¬5) أي يقسم فاضل بيت المال عمن ذكر بين أحرار المسلمين، دون رقيقهم، قال عمر: ما أحد من المسلمين إلا له في هذا المال نصيب إلا العبيد وقرأ {مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ} حتى بلغ {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} فقال: هذه استوعبت المسلمين عامة، غنيهم وفقيرهم، وقال: والله لئن بقيت لهم لأوتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال، وهو يرعى مكانه، وقال مالك وأحمد: لاحظ للرافضة فيه، واختاره الشيخ، وقال: ليس لولاة الأمور أن يستأثروا منه فوق الحاجة، كالإقطاع يصرفونه فيما لا حاجة إليه، وقال: لو قدر أنه لم يحصل للفقراء من الزكاة ما يكفيهم، وأموال بيت المال مستغرقة بالمصالح العامة، كان إعطاء العاجز منهم عن الكسب فرض كفاية، فعلى المسلمين جميعًا أن يطعموا الجائع، ويكسوا العاري ولا يدعوه بينهم محتاجًا.

.........................................................

فصل: يصح الأمان عشر سنين منجزا، ومعلقا

فصل (¬1) ويصح الأمان من مسلم، عاقل، مختار (¬2) ، غير سكران (¬3) ولو قنا أو أنثى (¬4) . ¬

_ (¬1) أي في الأمان ضد الخوف، ذكره الشارح، والأصل في الأمان قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} قال الأوزاعي: هي إلى يوم القيامة، فمن طلب أمان ليسمع كلام الله، ويعرف شرائع الإسلام، لزم إجابته، ثم يرد إلى مأمنه، وفي الصحيحين: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم» . (¬2) أي يشترط أن يكون الأمان من مسلم، فلا يصح من كافر ولو ذميا، للخبر، عاقل، لا طفل ولا مجنون، فإن كلامه غير مفيد، مختار، فلا يصح، من مكره عليه، ويصح من أسير غير مكره، للعموم، ويصح من هرم، وسفيه، لعموم ما سبق، ولا ينقض الإمام أمان المسلم، إلا أن يخاف خيانة من أعطيه. (¬3) لأنه لا يعرف المصلحة. (¬4) أي ولو كان الأمان من قن، فإذا أمن العبد المسلم شخصًا أو مدينة يمضي أمانه، وهو مذهب مالك والشافعي، سواء أذن له سيده في القتال، أو لم يأذن قال عمر: العبد المسلم رجل من المسلمين، يجوز أمانه، رواه سعيد، وللخبر المتقدم، ولأنه مسلم عاقل، أشبه الحر، وكذا لو كان الأمان من أنثى، لما في الصحيحين «قد أجرنا من أجرت، يا أم هانئ» ولقصة زينب، وذكر الإجماع على صحة أمانها غير واحد.

بلا ضرر (¬1) في عشر سنين فأقل (¬2) منجزًا ومعلقًا (¬3) . ¬

_ (¬1) أي علينا من تأمين الكفار. (¬2) أي لا أزيد، قال الوزير: اتفقوا على أن الإمام يجوز له مهادنة المشركين عشر سنين فما دونها، وقال الشيخ وابن القيم: تجوز ما شئنا لقوله: «نقركم ما أقركم الله» واختار الشيخ صحته، وقال ابن القيم: في غزوة الحديبية جواز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين، ويجوز فوقها، للحاجة، والمصلحة الراجحة، كما إذا كان بالمسلمين ضعف، وعدوهم أقوى منهم، وفي العقد لما زاد عن العشر مصلحة للإسلام، وأخذ ابن القيم من قوله: «نقركم ما شئنا» جواز إجلاء أهل الذمة من دار الإسلام، إذا استغني عنهم، كما أجلاهم عمر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قول قوي، يجوز للمصلحة، وفي قصة هوازن دليل على أن المتعاقدين إذا جعلا بينهما أجلا غير محدود جاز. (¬3) أي يصح الأمان منجزًا، بغير تعليق، كقوله: أنت آمن، ويصح معلقًا بشرط، نحو إن فعلت كذا أو: من فعل كذا فهو آمن، لقوله صلى الله عليه وسلم «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ويصح بكل ما يدل عليه من قول، كـ لا «بأس عليك» أو «أجرتك» أو «لا تخف» ونحو ذلك، وبرسالة، وكتاب وبإشارة مفهومة، قال عمر: «لو أن أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء إلى مشرك فنزل بأمانه فقتله، لقتلت به» رواه سعيد، وقال أحمد: إذا أشير إليه بشيء غير الأمان، فظنه أمانًا، فهو أمان، وكل شيء يرى العدو أنه أمان فهو أمان، ويصح لرسول ومستأمن، لقوله: «لو كنت قاتلاً أحدًا، لقتلتكما» فمضت السنة أن لا تقتل الرسل ومن جاء بلا أمان، وادعى أنه رسول، أو تاجر وصدقته عادة قبل، وإلا فكأسير، وإن أسر مسلم فأطلق بشرط أن يقيم عندهم، لزمه الوفاء إلا المرأة، وبلا شرط، وكونه رقيقا، فإن أمنوه فله الهرب، وإلا فيقتل ويسرق، قال الشيخ: لو سرق أولادهم، وخرج بهم إلى بلاد المسلمين ملكهم، ويجوز عقد الأمان للرسول، والمستأمن، ويقيمون مدة الهدنة بلا جزية، وعند أبي الخطاب: لا يجوز سنة فصاعدا إلا بجزية، واختاره الشيخ.

يكون الأمان من إمام لجميع المشركين وغيرهم، لأن ولايته عامة، ويحرم به قتل ورق، وأسر

من إمام لجميع المشركين (¬1) ومن أمير لأهل بلدة جعل بإزائهم (¬2) ومن كل أحد لقافلة وحصن صغيرين عرفا (¬3) ويحرم به قتل، ورق، وأسر (¬4) . ¬

_ (¬1) ولبعضهم، ولأهل جهة، ومحلة وعدد، وفرد، رجل، أو امرأة لأن ولايته عامة، ويصح من إمام وأمير لأسير كافر، بعد الاستيلاء عليه، وليس ذلك لآحاد الرعية إلا أن يجيزه الإمام، وعنه: يصح لآحادهم قطع به في المنتهى لقصة زينب. (¬2) لعموم ولايته وقتالهم، وفي حق غيرهم هو كآحاد الرعية. (¬3) أي يصح أمان كل واحد من آحاد الرعية لقافلة صغيرة، وحصن صغير عرفًا، وقدره بعضهم مائة فأقل، لأن عمر أجاز أمان العبد لأهل الحصن، ولا يصح لأهل بلدة كبيرة كرستاق، ولا جمع كبير، لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد، والإفتيات على الإمام. (¬4) وكذا أخذ مال، أو التعرض لهم، لعصمتهم بالأمان، وإذا أودع المستأمن ماله مسلمًا، أو أقرضه إياه، ثم عاد إلى دار الحرب، بقي الأمان في ماله، ويبعث به إليه إن طلبه، وإن مات بعث به إلى ورثته، ومن دخل منا دارهم بأمان، حرمت عليه خيانتهم، ومعاملتهم بالربا، فإن خانهم، أو سرق منهم أو اقترض شيئا، وجب رده إلى أربابه.

من طلب الأمان ليسمع القرآن ويعرف الشريعة، لزم إجابته

ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله (¬1) ويعرف شرائع الإسلام، لزم إجابته (¬2) ثم يرد إلى مأمنه (¬3) والهدنة عقد الإمام أو نائبه (¬4) على ترك القتال مدة معلومة (¬5) ولو طالت، بقدر الحاجة (¬6) وهي لازمة (¬7) . ¬

_ (¬1) لزمت إجابته لقوله تعالى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ} الآية، وتقدم قول الأوزاعي هي إلى يوم القيامة. (¬2) ليعلم أمر الدين، وما له من الثواب إن آمن، وما عليه من العقاب إن أصر على الكفر. (¬3) لقوله تعالى: {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} أي إلى الموضع الذي يأمن فيه، وهو دار قومه. (¬4) وهي في اللغة الدعة والسكون، وتسمى مهادنة، وموادعة ومعاهدة، ومسالمة، ولا يعقدها إلا الإمام الذي بيده الحل والعقد، أو نائبه، لأنها تتعلق بنظرهما واجتهادهما، وليس غيرهما محلا لذلك، لعدم ولايته، وصلاحيته لترك القتال، والأصل فيها قوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *} وقوله: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} . (¬5) والجمهور: ومجهولة. لفعله صلى الله عليه وسلم ذلك في صلح الحديبية كما في الصحيحين وغيرهما، من غير ذكر مدة. (¬6) فإن زادت على عشر عندهم بطل الزائد فقط. (¬7) قال الشيخ: ويجوز عقدها مطلقا وموقتا، والموقت لازم من الطرفين يجب الوفاء به، ما لم ينقضه العدو، ولا ينقض بمجرد الخيانة، في أظهر قولي العلماء، وأما المطلق فهو عقد جائز، يعمل الإمام فيه بالمصلحة ومتى مات الإمام، أو عزل لزم من بعده الوفاء بعقده.

يجوز عقدها لمصلحة، حيث جاز تأخير الجهاد، لنحو ضعف بالمسلمين (¬1) ولو بمال منا ضرورة (¬2) ويجوز شرط رد رجل جاء منهم مسلما للحاجة (¬3) وأمره سرا بقتالهم، والفرار منهم (¬4) ولو هرب قن فأسلم لم يرد، وهو حر (¬5) ويؤخذون بجنايتهم على مسلم من مال، وقود، وحد (¬6) . ¬

_ (¬1) أي عن القتال، أو لمشقة الغزو، أو مانع بالطريق، ونحو ذلك، أو في أداء الجزية، فإن لم تكن حاجة، كظهور المسلمين وقوتهم، لم يصح ذلك. (¬2) لدعاء المصلحة لها، ولا تصح إلا حيث جاز تأخير الجهاد لمصلحة. (¬3) مثل أن يخاف على المسلمين الهلاك، أو الأسر، وكذا بمال منهم، وبغير عوض، بحسب المصلحة، لفعله صلى الله عليه وسلم. (¬4) لأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في صلح الحديبية، ولا يمنعهم الإمام أخذه، ولا يجبره على العود معهم، لقصة أبي بصير، ولأنه رجوع إلى الباطل، فكان له الأمر بعدمه، وله لمن أسلم معه أن يتحيزوا ناحية، ويقتلوا من قدروا عليه من الكفار، ويأخذوا أموالهم، ولا يدخلون في الصلح، وإذا عقدها من غير شرط، لم يجز رد من جاء مسلما أو بأمان. (¬5) لأنه لم يدخل في الصلح، ولأنه ملك نفسه بإسلامه لقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً *} وكلمة «هو حر» جملة مستأنفة سيقت لبيان حكم لا حالية. (¬6) أي حد قذف مسلم، وحد سرقة، لأن الهدنة تقتضي أمان المسلمين منهم، وأمانهم من المسلمين، في النفس، والمال، والعرض، ولا يحدون لحق الله، لأنهم لم يلتزموا حكمنا.

ويجوز قتل رهائنهم إن قتلوا رهائننا (¬1) وإن خيف نقض عهدهم أعلمهم أنه لم يبق بينه وبينهم عهد قبل الإغارة عليهم (¬2) . ¬

_ (¬1) على الأصح، جزم به في الإقناع، والمنتهى، وغيرهما. (¬2) والقتال، فيقول: قد نبذت عهدكم، وصرتم حربا، ونحو ذلك، لقوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} أي أعلمهم بنقض العهد، حتى تصير أنت وهم سواء في العلم، قال الوزير: اتفقوا على أنه إذا عوهد المشركون عهدا وفي لهم به، إلا أبا حنيفة، فشرط بقاء المصلحة، واتفقوا على أنه لا يجوز نقضه إلا بعد نبذه في مدة العهد، ولا يصح نقضه إلا من إمام، ومتى حارب أهل العهد من هم في ذمة الإمام أو جواره وعهده، صاروا حربا له بذلك، وله أن يبيتهم في ديارهم، ولا يحتاج أن يعلمهم على سواء، كما في قصة الفتح، وإنما الإعلام إذا خاف منهم خيانة، فإذا تحققها صاروا نابذين لعهده، وأما الذمة فليس له نبذها، لأنها مؤبدة.

باب عقد الذمة وأحكامها وما يتعلق بذلك

باب عقد الذمة وأحكامها (¬1) الذمة لغة العهد، والضمان، والأمان (¬2) ومعنى عقد الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم، بشرط بذل الجزية (¬3) والتزام أحكام الملة (¬4) والأصل فيه قوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (¬5) . ¬

_ (¬1) وما يتعلق بذلك، وصيغة عقدها: أقررتكم بالجزية، والاستسلام، أو يبذلون ذلك فيقول لهم: أقررتكم على ذلك، أو نحوهما. (¬2) فعله من: أذم يذم، إذا جعل له عهدا، قال صلى الله عليه وسلم «يسعى بذمتهم أدناهم» والفرق بين المعاهد، والمستأمن، والذمي، أن المعاهد هو من أخذ عليه العهد من الكفار، والمستأمن هو من دخل دارنا منهم بأمان، والذمي من استوطن دار الإسلام بتسليم الجزية. (¬3) بدلا عن قتلهم، وإقامتهم بديارنا، كما يأتي، لا إقرارا منا لهم على دينهم الباطل، وقال الشيخ: وجبت عقوبة وعوضا عن حقن الدم، عند أكثر العلماء، وليس للإمام نقض عهدهم، وتجديد الجزية عليهم، لأن عقد الذمة مؤبد، وقد عقده عمر معهم. (¬4) من إقامة الحد عليهم فيما يعتقدون تحريمه كالزنا، لا السرقة، وأخذهم بالقصاص من قتل نفس، أو أخذ مال أو غيره. (¬5) أي يؤدوا الخراج المضروب عليهم إن لم يسلموا، على وجه الصغار كل عام، أو جزاء على أماننا لهم، لأخذها منهم رفقا، واختاره الشيخ، ويأتي ما في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، وصالح أكيدر دومة على الجزية، رواه أبو داود وغيره، وبعث معاذا إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالم دنيارا، رواه الخمسة.

(لا يعقد) أي لا يصح عقد الذمة (لغير المجوس) (¬1) لأنه يروى أنه كان لهم كتاب فرفع، فصارت لهم بذلك شبهة (¬2) ولأنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، رواه البخاري عن عبد الرحمن بن عوف (¬3) (وأهل الكتابين) اليهود والنصارى، على اختلاف طوائفهم (¬4) . ¬

_ (¬1) هذا المذهب، وقول بعض العلماء، وكانوا عربا، فاعتنقوا المجوسية لمجاورتهم فارس. (¬2) قال الشيخ: إنما وقعت الشبهة فيهم لما اعتقد بعض أهل العلم أنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب، وقد أخذت منهم بالنص والإجماع، قال: وإذا كان أهل الكتاب لا تجوز مهادنتهم إلا مع الجزية والصغار، فغيرهم أولى بذلك. (¬3) ورواه الترمذي وغيره عن عمر أنه لم يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، وعن المغيرة أنه قال لعامل كسرى، أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، ورواه البخاري، وقال ابن رشد: اتفق عامة الفقهاء على أخذها من المجوس، لقوله صلى الله عليه وسلم «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» . (¬4) كما أخبر صلى الله عليه وسلم أن اليهود إحدى وسبعون فرقة والنصارى اثنتان وسبعون فرقة، واليهود: قيل لأنهم هادوا عن عبادة العجل، أي تابوا أو نسبة إلى يهوذا، بالمعجمة، ثم عرب بالمهملة وقيل غير ذلك، والنصارى نسبة إلى قرية بالشام يقال لها ناصرة.

أخذ الجزية من جميع الكفار

(ومن تبعهم) فتدين بأحد الدينين (¬1) كالسامرة والفرنج والصابئين (¬2) لعموم قوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} (¬3) . ¬

_ (¬1) أي دين اليهودية أو النصرانية. (¬2) التابعين لليهودية أو النصرانية، فالسامرة: قبيلة من قبائل بني إسرائيل وهم طائفة من اليهود، إليهم نسب السامري، ويقال لهم: «السمرة» والفرنج: هم الروم، ويقال لهم «بنو الأصفر» والأشبه أنها مولدة، ولعل ذلك نسبة إلى فرنجة، بضم أوله وثانيه، وسكون ثالثه، جزيرة من جزائر البحر، والنسبة إليها فرنجي ثم حذفت الياء، والصائبين جمع صابئ، وهم الخارجون من دين إلى غيره، وأصل الصبو الخروج، فيعقد لهؤلاء، وقاله شيخ الإسلام وغيره، وتنوخ وبهرا، وبنو تغلب، نصارى، لمجاورتهم للروم، وقبائل من اليمن تهودوا لمجاورتهم ليهود اليمن، قال ابن القيم: فأجرى الجزية ولم يعتبر آباءهم ولا متى دخلو في دين أهل الكتاب. (¬3) فشملت الآية من تدين باليهودية أو النصرانية، فمن اختار اليهودية أو النصرانية من هؤلاء أو غيرهم، أقر وعقدت له، قال الوزير وابن رشد وغيرهما: اتفقوا على أن الجزية تضرب على أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وكذلك اتفقوا على ضربها على المجوس، واختلفوا فيمن لا كتاب له ولا شبهة، فقال مالك: تؤخذ من كل كافر، عربيا كان أو عجميا، إلا من مشركي قريش، وقال أبو حنيفة: لا تقبل إلا من العجم، وهو رواية عن أحمد، واختار أبو العباس أخذ الجزية من جميع الكفار، وأنه لم يبق أحد من مشركي العرب بعد، بل كانوا قد أسلموا. وقال: ومذهب الأكثرين: أنه يجوز مهادنة جميع الكفار، بالجزية والصغار، قال: وإذا عرفت حقيقة السنة، تبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين عربي وغيره، وأن أخذ الجزية، كان أمرا ظاهرا مشهورا، وقدوم أبي عبيدة بمال البحرين معروف، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخص العرب بحكم في الدين، لا بمنع الجزية ولا منع الاسترقاق، ولا تقديمهم في الإمامة، ولا بجعل غيرهم ليس كفوا لهم في النكاح، ولا بحل ما استطابوه دون ما استطابه غيرهم، بل إنما علق الأحكام، بالأسماء المذكورة في القرآن، كالمؤمن والكافر، والبر والفاجر.

لا يعقد الذمة إلا الإمام أو نائبه

(ولا يعقدها) أي لا يصح عقد الذمة (إلا) من (إمام أو نائبه) (¬1) لأنه عقد مؤبد فلا يفتات على الإمام فيه (¬2) ويجب إذا اجتمعت شروطه (¬3) (ولا جزية) وهي مال يؤخذ منهم، على وجه الصغار، كل عام (¬4) . ¬

_ (¬1) ويحرم عقدها من غيرهما ولا يصح. (¬2) ولأن ذلك يتعلق بنظر الإمام، وما يراه من المصلحة. (¬3) وهي بذل الجزية والتزام أحكامنا، قالوا: وكون المعقود له كتابيا، وتقدم اختيار أخذها، من جميع الكفار، وأما نصارى العرب، ويهودهم ومجوسهم، من بني تغلب وغيرهم، فلا جزية عليهم، ولو بذلوها، ويؤخذ عوضها زكاتان من أموالهم مما فيه الزكاة لأن عمر أضعفها عليهم، وقاله الشيخ وغيره، وإذا عقدها كتب أسماءهم وأسماء آبائهم، وخلاهم ودينهم، وجعل لكل طائفة عريفا يكشف حال من تغير حاله. (¬4) أي كل سنة هلالية، وتجب بآخره، تتكرر بتكرر السنين، فإن انقضت سنون استوفيت كلها، وإن مات في أثناء السنة فقال مالك، والشافعي وأحمد: تؤخذ جزية ما مضى، وإن لم يؤدها حتى أسلم، سقطت، والصغار بالفتح: الذل والهوان.

بدلا عن قتلهم وإقامتهم بدارنا (¬1) (على صبي، ولا امرأة) ومجنون (¬2) وزمن وأعمى، وشيخ فان (¬3) وخنثى مشكل (¬4) (ولا عبد، ولا فقير يعجز عنها) (¬5) . ¬

_ (¬1) فإن لم يبذلوها لم يكف عنهم. (¬2) لأنهم ليسوا من أهلها، لما رواه الخمسة وغيرهم، وصححه ابن حبان والحاكم، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذا أن يأخذ من كل حالم دينار أي بالغ، ومفهومه: أنها لا تؤخذ من غير بالغ. (¬3) ولا أهل الصوامع، قال الشيخ: إلا من يخالط الناس، ويتخذ المتاجر، فكالنصارى بالاتفاق، و «فان» بالفاء والنون، أي ضعيف، لأنهم لا يقتلون قال الوزير وغيره: اتفقوا على أن الجزية، لا تضرب على نساء أهل الكتاب، ولا على صبيانهم حتى يبلغوا، ولا على عبيدهم، ولا على مجنون، ولا ضرير، ولا شيخ فان، ولا أهل الصوامع، وقال الشيخ: تؤخذ من راهب بصومعة ما زاد على بلغته، ويؤخذ منهم ما لنا كالرزق للديورة، والمزارع إجماعا، قال: والرهبان الذين يخالطون الناس، ويتخذون المتاجر والمزارع، فكسائر النصارى، تؤخذ منهم الجزية باتفاق المسلمين. (¬4) لأن الأصل براءته منها، لكونه لا يعلم أنه رجل. (¬5) لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} .

من بذل الواجب منهم وجب قبوله، وحرم قتاله، وأخذ ماله

وتجب على عتيق ولو لمسلم (¬1) (ومن صار أهلا لها) أي للجزية (¬2) (أخذت منه في آخر الحول) بالحساب (¬3) (ومتى بذلوا الواجب عليهم) من الجزية (وجب قبوله) منهم (¬4) (وحرم قتالهم) وأخذ مالهم (¬5) ووجب دفع من قصدهم بأذى (¬6) ما لم يكونوا بدار حرب (¬7) . ¬

_ (¬1) أي ولو أعتقه المسلم، لأنه حر، مكلف، موسر، من أهل القتال، فلم يقر بدارنا بلا جزية، كحر الأصل، وتجب على مبعض بحسابه. (¬2) كتابيا كان أو مجوسيا، واختار الشيخ وغيره، أخذها من كل كافر، كما تقدم. (¬3) أي بمقدار ما بقي من الحول، إن نصفا فنصف، أو ربعا فربع، ونحو ذلك، ولا يترك حتى يتم له حول، لئلا يحتاج إلى إفراده بحول، ولا يصح شرط تعجيلها، ولا يقتضيه الإطلاق. (¬4) لقوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} فجعل إعطاء الجزية غاية لكف القتال عنهم ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة «فاسألهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم» . (¬5) أي بعد إعطاء الجزية، لأن الله تعالى جعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكف عنهم بعد إجابتهم، فحرم قتالهم، وأخذ مالهم، بعد بذلهم ما وجب عليهم. (¬6) ولو انفردوا ببلد، ولو شرطنا أن لا نذب عنهم لم يصح. (¬7) أي فلا يجب الدفع عنهم، لبقائهم بدار الحرب، فحكمهم حكمهم.

كيفية أخذ الجزية منهم

ومن أسلم بعد الحول سقطت عنه (¬1) (ويمتهنون عند أخذها) أي أخذ الجزية (¬2) (ويطال وقوفهم (¬3) وتجر أيديهم) وجوبا لقوله تعالى: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} (¬4) ولا يقبل إرسالها (¬5) . ¬

_ (¬1) أي سقطت الجزية عن الذمي، ودخل في قوله تعالى: {إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} وقوله صلى الله عليه وسلم «من أسلم على شيء فهو له» وإن أسلم في أثناء الحول فبطريق الأولى. (¬2) يعني من أهل الذمة. (¬3) حتى يألموا ويتعبوا، وتؤخذ منهم وهم قيام، والآخذ جالس. (¬4) أي أذلاء مقهورون، ولا يعذبون في أخذها، ولا يشطط عليهم، قال عمر: بلا سوط ولا نول. (¬5) أي مع رسول، لفوات الصغار، ويمتهنون عند كل جزية، ويصح أن يشرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، ودوابهم، ويصح أن يكتفي بها عن الجزية، بشرط أن تقابل ما عليهم، ويعتبر بيان قدرها، وأيامها، وعدد من يضاف، ولا تجب الضيافة بلا شرط.

فصل في أحكام أهل الذمة

فصل في أحكام أهل الذمة (¬1) (ويلزم الإمام أخذهم) أي أخذ أهل الذمة (بحكم الإسلام في) ضمان (النفس (¬2) والمال والعرض (¬3) وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه) كالزنا (¬4) (دون ما يعتقدون حله) كالخمر (¬5) لأن عقد الذمة لا يصح إلا بالتزام أحكام الإسلام كما تقدم (¬6) . ¬

_ (¬1) أي فيما يجب عليهم ولهم، بعقد الذمة، مما يقتضيه عقدها لهم. (¬2) فمن قتل أو قطع طرفا، أخذ بموجب ذلك كالمسلم، لما في الصحيحين، أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها، فقتله صلى الله عليه وسلم. (¬3) فلو أتلف مالا لغيره ضمنه، أو قذف إنسانا، أو سبه ونحوه، أقيم عليه ما يقام على المسلم. (¬4) والسرقة كما تقدم على المسلم إذا زنا أو سرق، ونحو ذلك. (¬5) وأكل لحم خنزير، ونكاح محرم، ولأنهم يقرون على ذلك، وهو أعظم جرما، إلا أنهم يمنعون من إظهار ذلك بين المسلمين، لتأديهم به، وكذا دون ما يرون صحته من العقود، ولو رضوا بحكمنا، ما لم يرتفعوا إلينا، قال الشيخ: وإذا تزوج اليهودي بنت أخيه، أو بنت أخته، كان ولده منها يلحقه، ويرثه باتفاق المسلمين، وإن كان هذا النكاح باطلا باتفاق المسلمين لاعتقادهم حله. (¬6) أي قريبا فيشترطه الإمام عليهم لاشتراط أهل الجزية ذلك على أنفسهم حيث قالوا: وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسلمين، في لبس قلنسوة ولا عمامة، ولا فرق شعر، إلخ، وأمضاه عمر رضي الله عنه.

يلزمهم التميز عن المسلمين، وعدم التشبه بهم، ولا يجوز تصديرهم في المجالس، ولا بداءتهم بالسلام ولا تهنئتهم ولا تعزيتهم، ويلجئون إلى أضيق الطرق

وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بيهوديين قد فجرا، بعد إحصانهما، فرجمهما (¬1) (ويلزمهم التميز عن المسلمين) (¬2) بالقبور، بأن لا يدفنوا في مقابرنا (¬3) والحلي بحذف مقدم رءوسهم (¬4) لا كعادة الأشراف (¬5) ونحو شد زنار (¬6) ولدخول حمامنا جلجل (¬7) . ¬

_ (¬1) وهو في الصحيحين، ولمسلم من حديث جابر: أنه صلى الله عليه وسلم رجم رجلا من اليهود، وامرأة يعني من جهينة وقال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ} . (¬2) فقد شرط عليهم عمر رضي الله عنه، والخلفاء بعده، وملوك المسلمين أن لا يتشبهوا بالمسلمين. (¬3) بل تميزا ظاهرا كالحياة وأولى، بل ينبغي مباعدة مقابرهم عن مقابر المسلمين، وكلما بعدت كان أصلح. (¬4) أي حلق مقدمها، بأن يجزوا نواصيهم. (¬5) فلا يتخذوا شوابين، ولا يفرقوا شعورهم، بل تكون جمة. (¬6) فوق ثياب نصراني وتحت ثياب نصرانية، وكخرج بقلانسهم، وعمائمهم، وثوب أدكن، وبين لون خف، وعمامة صفراء، وزرقاء وبما يحصل به التميز. (¬7) بالضم: الجرس الصغير، الذي يجعل في الأعناق، وغيرها، والجلجلة صوته.

أو نحو خاتم رصاص برقابهم (¬1) (ولهم ركوب غير خيل) كالحمير (بغير ساج) فيركبون (بإكاف) وهو البرذعة (¬2) لما روى الخلال أن عمر أمر بجز نواصي أهل الذمة (¬3) وأن يشدوا المناطق (¬4) وأن يركبوا الأكف بالعرض (¬5) (ولا يجوز) تصديرهم في المجالس (¬6) ولا القيام لهم (¬7) ولا بداءتهم بالسلام (¬8) . ¬

_ (¬1) ونحو ذلك كحديد، وطوق من ذلك، لا من ذهب ونحوه، ليتميزوا عنا في الحمام، ولا يجوز لهم جعل مكانه صليبا، لمنعهم من إظهاره، ويلزمهم التميز عنا بكناهم، وبألقابهم، حكاه الشيخ وغيره، وقال: فلا يتكنون بكناية المسلمين، كأبي عبد الله، ولا بألقابهم، كزين العابدين. (¬2) كساء يلقى على ظهر الدابة، وقاية تحت الراكب. (¬3) فدل على وجوب تميزهم بنحو ذلك. (¬4) وهي ما يشد به الوسط، وتسمى الحياصة. (¬5) بأن تكون رجلاه إلى جانب، وظهره إلى آخر، قال الشيخ: ويمنعون من حمل السلاح والعمل به، وتعلم المقاتلة، بالدقاق ونحوه، والرمي وغيره. (¬6) لأن فيه تعظيما لهم، وقد حكم عليهم بالصغار. (¬7) لأنه في معنى التصدير، ولا لمبتدع كرافضي يجب هجره، ولا يوقرون كما يوقر المسلم. (¬8) إجماعا، وحكى النووي وغيره تحريمه عن عامة السلف، وأكثر العلماء، وفي الصحيحين «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم» واتفق أهل العلم على أنه يرد كذلك، واختلف كلام الشيخ: هل ترد مثلها، أو «وعليكم» فقط للخبر؟ وجوز طائفة من العلماء ابتداءهم للضرورة والحاجة.

أو بكيف أصبحت، أو أمسيت، أو حالك (¬1) ولا تهنئتهم، وتعزيتهم، وعيادتهم (¬2) وشهادة أعيادهم (¬3) لحديث أبي هريرة مرفوعا «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقها» قال الترمذي حديث حسن صحيح (¬4) . ¬

_ (¬1) أي ولا يجوز أن يقال لهم: كيف أنت وكيف حالك؟ قال أحمد: هذا عندي أكبر من السلام، وجوز الشيخ أن يقال: أهلا وسهلا، وكيف أصبحت وكيف حالك؟ ويجوز بأكرمك الله، وهداك الله، يعني للإسلام ويجوز: أطال الله بقاءك، وأكثر مالك وولدك، قاصدا بذلك كثرة جزيته، وكره الشيخ الدعاء بالبقاء ونحوه، لأنه شيء فرغ منه، وذكره النووي اتفاقا وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم دعا لأنس بطول العمر، وتكره مصافحة الذمي، وتشميته والتعرض لما يوجب المودة. (¬2) وهو مذهب الجمهور، وعنه: يجوز إن رجي إسلامه، لأنه صلى الله عليه وسلم عاد يهوديا، وعرض عليه الإسلام فأسلم، رواه البخاري، وجوز الشيخ عيادتهم وتهنئتهم، وتعزيتهم، ودخولهم المسجد للمصلحة الراجحة، كرجاء الإسلام، وقال العلماء: يعاد الذمي، ويعرض عليه الإسلام. (¬3) قال الشيخ: يحرم شهود عيد اليهود، والنصارى، وغيرهم من الكفار، وبيعه لهم فيه، ومهادتهم لعيدهم، لما في ذلك من تعظيمهم وتعظيم أعيادهم. (¬4) نهى صلى الله عليه وسلم عن بداءتهم بالسلام، لما فيه من تعظيمهم وقد حكم عليهم بالصغار، وأمر باضطرارهم إلى أضيق الطريق إذلالا لهم وإهانة، وشهادة أعيادهم أولى بالتحريم، قال الشيخ: ويحرم بيعهم ما يعملونه كنيسة أو تمثالا ونحوه، وكل ما فيه تخصيص كعيدهم، وتمييز لهم، وهو من التشبه بهم، والتشبه بهم منهي عنه إجماعا، للخبر، وتجب عقوبة فاعله وأصل دروس الدين والشرائع التشبه بالكفار، كما أن أصل كل خير المحافظة على سنن الأنبياء وشرائعهم. قال: والكنائس ليست ملكا لأحد، وأهل الذمة ليس لهم منع من يعبد الله فيها، لأنا صالحناهم عليه، والعابد بينهم، وبين الغافلين أعظم أجرا، ودل أيضا على وجوب تميزهم عن المسلمين في اللباس، والشعور، والمراكب وغيرها لئلا يعاملوا معاملة المسلم، قال ابن القيم: فالشروط المضروبة على أهل الذمة تضمنت تمييزهم عن المسلمين، في اللباس، والشعور، والمراكب، وغيرها، لئلا تفضي مشابهتهم إلى أن يعامل الكافر معاملة المسلم، فسدت هذه الذريعة بإلزامهم التميز عن المسلمين.

يمنعون من إحداث كنائس وبيع، ومن تجديدها، وتعلية بنيان، ومن إظهار شيء من شعائر الكفر

(ويمنعون من إحداث كنائس وبيع) (¬1) ومجتمع لصلاة في دارنا (¬2) (و) من (بناء ما انهدم منها ولو ظلمًا) (¬3) لما روى كثير بن مرة قال سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تبنى الكنيسة في الإسلام، ¬

_ (¬1) بدار الإسلام، وبناء صومعة لراهب، قال الوزير وغيره: اتفقوا على أنه لا يجوز إحداث كنائس، ولا بيعة في المدن، والأمصار، في بلاد الإسلام، والكنائس والبيع معابد اليهود والنصارى. (¬2) لتأذي المسلمين بذلك. (¬3) وهذا اختيار أكثر الأصحاب، والاصطخري، وغيره من أصحاب الشافعي.

ولا يجدد ما خرب منها» (¬1) (و) يمنعون أيضًا (من تعلية بنيان على مسلم) ولو رضي (¬2) . ¬

_ (¬1) لأنها بعد الهدم كأنها لم تكن، كما يمنعون من زيادتها، ورم شعثها وقال ابن عباس: أيما مصر مصرته العرب، فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة رواه أحمد، واحتج به، ولأبي داود عن ابن عباس مرفوعًا: «لا يجتمع قبلتان بأرض» وفي أثر آخر «لا يجتمع بيت رحمة، وبيت عذاب» ولهذا أقرهم المسلمون في أول الفتح على ما في أيديهم من أرض العنوة، بأرض مصر، والشام، وغير ذلك، فلما كثر المسلمون، وبنيت المساجد في تلك الأرض، أخذ المسلمون تلك الكنائس، فأقطعوها، وبنوها مساجد، وغير ذلك. وقال: اتفق المسلمون أن ما بناه المسلمون من المدائن، لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة، وإذا كان لهم كنيسة بأرض العنوة، فبنى المسلمون مدينة عليها، فإن لهم أخذ تلك الكنيسة، ولو هدم ولي الأمر كل كنيسة بأرض العنوة كمصر، والسواد بالعراق، وبر الشام ونحو ذلك، مجتهدًا في ذلك، ومتبعًا في ذلك لمن يرى ذلك، لم يكن ظلما منه، بل تجب طاعته ومساعدته في ذلك. قال: والمدينة والقرية التي يسكنها المسلمون، وفيها مساجدهم، لا يجوز أن يظهر فيها شيء من شعائر الكفر، لا كنائس ولا غيرها، إلا أن يكون لهم عهد، فيوفى لهم بعهدهم، فلو كان بأرض القاهرة ونحوها كنيسة قبل بنائها، لكان للمسلمين أخذها، لأن الأرض عنوة، فكيف وهذه الكنائس أحدثها لهم النصارى، قال: والكنائس العتيقة إذا كانت بأرض العنوة، فلا يستحقون إبقاءها، ويجوز هدمها مع عدم الضرر علينا، وإذا كانت في مكان قد صار فيه مسجد للمسلمين يصلى فيه، وهو أرض عنوة فإنه يجب هدم الكنيسة التي به. (¬2) أي المسلم بذلك.

لقوله عليه السلام: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» (¬1) وسواء لاصقه أو لا، إذا كان يعد جارًا له (¬2) فإن علا وجب نقضه (¬3) و (لا) يمنعون من (مساواته) أي البنيان (له) أي لبناء المسلم، لأن ذلك لا يقتضي العلو (¬4) وما ملكوه عاليًا من مسلم لا ينقض (¬5) . ¬

_ (¬1) بل يظهر، ويرفع على سائر الأديان، قال تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} ولاطلاعهم على عوراتنا، ولأنه حق لله تعالى، ويدوم على دوام الأوقات، ورضاه يسقط حق من يأتي بعده، ولأن فيه ترفعا على المسلمين، فمنعوا منه، كالتصدير في المجالس، قال العلماء: ولو في ملك مشترك بين مسلم وذمي، حكاه الشيخ وغيره، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. (¬2) فيمنع من تعلية بنائه على المسلم. (¬3) أي إن علا بنيان الكتابي، على بنيان المسلم، وجب نقض بنيان الكتابي. (¬4) ولا إطلاعهم على عورات المسلم. (¬5) وهذا والله أعلم اعتبار منهم بتعلية البناء بعد الملك، ولا فرق بين تعليته بعده أو قبله، فلو احتال مبطل بأن يعليه مسلم، ثم يشتريها الكافر فيسكنها فقال ابن القيم: هذه أدخلت في المذهب غلطًا محضًا، ولا توافق أصوله، ولا فروعه، فالصواب المقطوع به، عدم تمكينه من سكناها، فإن المفسدة لم تكن في نفس البناء، وإنما كانت في ترفع الذمي على المسلمين، ومعلوم قطعا أن هذه المفسدة في الموضعين واحدة، ولو وجدنا دار ذمي عالية، ودار مسلم أنزل منها، وشككنا في السابقة، فقال ابن القيم: لا تقر دار الذمي عالية، لأن التعلية مفسدة، وقد شككنا في شرط الجواز، والأصل عدمه.

يمنعون من إظهار خمر، وخنزير وناقوس، وأكل وشرب برمضان، إلا في بلادهم إن صولحوا عليها

ولا يعاد عاليًا لو انهدم (¬1) (و) يمنعون أيضا (من إظهار خمر وخنزير) فإن فعلوا أتلفناهما (¬2) (و) من إظهار (ناقوس (¬3) وجهر بكتابهم) ورفع صوت على ميت (¬4) ومن قراءة قرآن (¬5) ومن إظهار أكل، وشرب بنهار رمضان (¬6) . ¬

_ (¬1) لأنها بعد الانهدام كأن لم تكن موجودة قبل. (¬2) أي أتلفنا الخمر والخنزير إذا أظهروهما، في أسواق المسلمين وغيرها، لتأذي المسلمين بذلك وسببية فشوه فيهم، وإن لم يظهروهما لم نتعرض لهم، قال الشيخ: وإذا كثر منهم بيع الخمر لآحاد المسلمين، استحقوا العقوبة التي تردعهم وأمثالهم عن ذلك. (¬3) لأن في شروطهم، وأن لا نضرب ناقوسًا، إلا ضربًا خفيفًا في جوف كنائسنا، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، فيمنعون من إظهار المنكر كنكاح محارم، وإظهار عيد، وصليب ونحو ذلك. (¬4) لأنه من شعارهم، وقال الشيخ: وليس لهم إظهار شيء من شعار دينهم، في دار الإسلام، لا وقت استسقاء، ولا عند لقاء الملوك. (¬5) لئلا ينالوه فلا يمسه إلا المطهرون، قال الشيخ: ويمنعون من شراء مصحف، وكتاب فقه، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ارتهان ذلك، ولا يصحان لقوله تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} ولما يؤدي إليه ذلك من امتهان كلام الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. (¬6) قال الشيخ: فإن هذا من المنكر في دين الإسلام، ومن إظهار بيع مأكول فيه كشوي.

ليس لكافر دخول مسجد ولو أذن له مسلم

وإن صولحوا في بلادهم على جزية، أو خراج، لم يمنعوا شيئا من ذلك (¬1) وليس لكافر دخول مسجد، ولو أذن له مسلم (¬2) . ¬

_ (¬1) لأنهم في بلادهم أشبهوا أهل الحرب زمن الهدنة، ولأن بلدهم ليست بلد إسلام، لعدم ملك المسلمين لها، فلا يمنعون من إظهار دينهم فيه كمنازلهم. (¬2) لأن أبا موسى دخل على عمر ومعه كتاب فيه حساب عمله، فقال له عمر: ادع الذي كتبه ليقرأه، قال: إنه لا يدخل المسجد، قال: ولم لا يدخله؟ قال: إنه نصراني، فانتهره عمر، ولأن عليا بصر بمجوسي وهو على المنبر فنزل وضربه، وأخرجه، وهذا يدل على اتفاقهم على أن الكفار لا يدخلون المساجد، ولأن حدث الجنابة والحيض يمنع، فالشرك أولى. وقال مالك، وأحمد: لا يجوز لهم دخول المساجد بحال، وقال الوزير: اتفقوا على أنه يمنع الكافر من دخول الحرم، ويمنع هو والذمي من استيطان الحجاز، ومن دخل منهم تاجرا أقام ثلاثة أيام، ثم ارتحل، ولم ير أبو حنيفة المنع في الكل، وصحح في الشرح وغيره أنه يجوز، لإنزاله صلى الله عليه وسلم وفد الطائف في المسجد، والجمهور يرون المنع. ويرون المنع أيضا من المقام في الحجاز، وهو مكة، والمدينة، واليمامة، والينبع، وفدك، وتبوك ونحوها، وما دون المنحنى، وهو عقبة الصوى من الشام كمعان، لقوله صلى الله عليه وسلم «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب» صححه الترمذي. ولأحمد: آخر ما تكلم به «اخرجوا اليهود من أرض الحجاز» وقال تعالى في حق مكة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} والمراد حرم مكة، سواء أذن له أو لا، بالإقامة أو غيرها ولو غير مكلف، فإن قدم رسول من الكفار لا بد له من لقاء الإمام وهو به، خرج إليه ولم يأذن له، فإن دخل عالما، عزر وأخرج.

إن تحاكموا إلينا فلنا الحكم أو الترك، وقيل يلزم الحكم بشريعتنا

وإن تحاكموا إلينا فلنا الحكم والترك (¬1) لقوله تعالى: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} (¬2) وإن اتجر إلينا حربي (¬3) أخذ منه العشر (¬4) وذمي نصف العشر (¬5) لفعل عمر رضي الله عنه، مرة في السنة فقط (¬6) . ¬

_ (¬1) هذا المذهب، وكذا لو استعدى بعضهم على بعض، خير الحاكم بين الحكم وتركه. (¬2) فيحكم لأحدهما على الآخر إن شاء، ولا يحكم إلا بحكم الإسلام، ويلزمهم حكمنا لا شريعتنا، وقال بعض أهل العلم: إنها منسوخة بقوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ} وإن لم يتحاكموا إلينا فليس للحاكم أن يتبع شيئا من أمورهم، ولا يدعوهم إلى حكمنا، وإن تحاكموا إلى حاكمنا مع مسلم ألزم الحكم بينهم لما فيه من إنصاف المسلم من غيره، أورده عن ظلمهم، وذلك واجب، وإن تبايعوا بيوعًا فاسدة، وتقابضوا من الطرفين، ثم أتونا أو أسلموا لم ينقض فعلهم وإن لم يتقابضوا فسخه الحاكم، وإن تبايعوا بربا في سوقنا منعوا. (¬3) ذكرا أو أنثى، أعمى أو بصيرًا، كبيرًا أو صغيرًا. (¬4) دفعة واحدة، سواء عشروا أموال المسلمين أو لا، لأن عمر أخذ من أهل الحرب العشر، واشتهر ولم ينكر، وعمل به الخلفاء بعده، وكذا حكم المستأمن إذا اتجر إلى بلد الإسلام. (¬5) فليس كالحربي من كل وجه. (¬6) وذلك أن نصرانيا جاء إلى عمر فقال: إن عاملك عشرني في السنة مرتين، فكتب إلى عامله أن لا يعشر في السنة إلا مرة، رواه أحمد، ومتى أخذه كتب له به حجة.

لا تعشر أموال المسلمين، وإذا تهود نصراني أو عكسه لم يقر، فإن أبي هدد، وحبس، وضرب ولم يقتل

ولا تعشر أموال المسلمين (¬1) (وإن تهود نصراني (¬2) أو عكسه) بأن تنصر يهودي (لم يقر) لأنه انتقل إلى دين باطل، قد أقر ببطلانه أشبه المرتد (¬3) (ولم يقبل منه إلا الإسلام أو دينه) الأول (¬4) فإن أباهما هدد، وحبس، وضرب (¬5) . ¬

_ (¬1) فليس يجب عليهم في أموالهم سوى الزكاة المشروعة، وكذا تحرم الكلف التي ضربها الملوك على الناس بغير طريق شرعي إجماعًا، ولا يسوغ فيها اجتهاد. (¬2) لم يقر على اليهودية لأنه انتقل إلى دين باطل، قد أقر ببطلانه، أشبه المرتد هذا المذهب. (¬3) فلا يقر على النصرانية، لأن الإسلام دين الحق، والدين الذي كان عليه دين صولح عليه، فلم يقبل منه غيرهما، قال الموفق وغيره: لا نعلم فيه خلافًا، قال الشيخ: اتفقوا على التسوية بين اليهود والنصارى، لتقابلهما، وكانوا يسمون بها قبل النسخ والتبديل، وكانوا يسمون مؤمنين، أو مسلمين. (¬4) وهو اليهودية، أو النصرانية. (¬5) ولم يقتل، لأنه لم يخرج عن دين أهل الكتاب، فلم يقتل كالباقي على دينه ولأنه مختلف فيه فلا يقتل للشبهة.

حكم الزنديق من أهل الذمة

قيل للإمام: أنقتله؟ قال: لا (¬1) . ¬

_ (¬1) أي قيل للإمام أحمد رحمه الله فيمن انتقل من اليهودية إلى النصرانية وبالعكس، أنقتله؟ فقال: لا للشبهة في قتله، وإن انتقل إلى دين المجوس، أو إلى غير دين أهل الكتاب، لم يقر، ولم يقبل منه إلا الإسلام، أو السيف وإن انتقل غير الكتابي إلى دين أهل الكتاب أقر. قال الشيخ: ومن كان من أهل الذمة زنديقًا يبطن جحود الصانع، أو جحود الرسل، أو الكتب المنزلة، أو الشرائع، أو المعاد ويظهر التدين بموافقة أهل الكتاب، فهذا يجب قتله بلا ريب، كما يجب قتل من ارتد من أهل الكتاب إلى التعطيل، فإن أراد الدخول في الإسلام فهل يقال: إنه يقتل أيضا، كما يقتل منافق المسلمين، لأنه ما زال يظهر الإقرار بالكتب والرسل؟ أو يقال: بل دين الإسلام فيه ما يزيل شبهته؟ هذا فيه نظر.

فصل فيما ينقض العهد، وما يتعلق بنقضه

فصل فيما ينقض العهد (¬1) . (فإن أبى الذمي بذل الجزية) (¬2) أو الصغار (¬3) (أو التزام حكم الإسلام) (¬4) أو قاتلنا (¬5) . ¬

_ (¬1) وما يتعلق بنقضه، من مخالفة شيء مما صولحوا عليه، لما في كتاب أهل الجزية، وإن نحن غيرنا، أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا، وقبلنا الإمام عليه فلا ذمة لنا، وقد حل لك منا ما يحل لك من أهل المعاندة والشقاق، وأمره عمر أن يقرهم على ذلك. (¬2) من مجيئه بها، ووقوفه، ونحوه، لأن الله تعالى أمر بقتالهم {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . (¬3) أي الذلة، والامتهان من بذل الجزية، أو التزام أحكامنا. (¬4) في ضمان النفس، والمال، والعرض، وإقامة الحدود كما تقدم انتقض عهده، لعدم وفائه بمقتضى الذمة من أمن جانبه، قاله الشيخ وغيره، ولأنها نسخت كل حكم يخالفها، فلا يجوز بقاء العهد مع الامتناع بذلك. (¬5) أي منفردا أو مع أهل الحرب، أو لحق بدار الحرب مقيمًا بها، انتقض عهده، لأنه صار حربا لنا بدخوله في جملة أهل الحرب، ولو لم نشترط عليهم أنهم إذا فعلوا شيئا من ذلك انتقض عهدهم، لأن ذلك هو مقتضى العقد، وقال ابن القيم: أهل العهد إذا حاربوا من في ذمة الإمام وعهده، وصاروا بذلك أهل الحرب، نابذين لعهده، فله أن يبيتهم وإنما يعلمهم إذا خاف منهم الخيانة، وأنه ينتقض عهد الجميع، إذا لم ينكروا عليهم، وينتقض عهد النساء والذرية بذلك.

(أو تعدى على مسلم بقتل (¬1) أو زنا) بمسلمة (¬2) وقياسه اللواط (¬3) (أو) تعدى بـ (قطع طريق (¬4) أو تجسيس أو إيواء جاسوس) (¬5) . ¬

_ (¬1) عمدًا، أو فتنة عن دينه، انتقض عهده، وحل دمه وماله، لعدم وفائه بمقتضى الذمة من أمن جانبه. (¬2) قال الشيخ: ولا يعتبر في الشهادة على الوجه المعتبر في المسلم، بل يكفي استفاضة ذلك، واشتهاره، لما روي عن عمر، أنه رفع إليه ذمي أراد استكراه امرأة على الزنا، فقال: ما على هذا صالحناكم، وأمر به فصلب في بيت المقدس، وكذا لو أصابهما باسم نكاح. (¬3) أي قياس الزنا بجامع الحد اللواط فينتقض عهد بذلك. (¬4) أي على المسلمين. (¬5) أي تعدى على المسلمين بتجسيس للكفار، أو إيواء جاسوسهم، وهو عين الكفار، انتقض عهده، لما فيه من الضرر على المسلمين، قال ابن القيم: وفي غزوة الفتح جواز قتل الجاسوس، وإن كان مسلمًا لقوله «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر» فمنع من القتل بشهوده بدرًا، اهـ. قال الشيخ: ومن قطع الطريق على المسلمين، أو تجسس عليهم، أو أعان أهل الحرب على سبي المسلمين، أو أسرهم وذهب بهم إلى دار الحرب، ونحو ذلك مما فيه مضرة على المسلمين، فهذا يقتل، ولو أسلم، ولو قال الذمي هؤلاء المسلمون الكلاب، أبناء الكلاب، ينغصون علينا، إن أراد طائفة معينين، عوقب عقوبة تزجره وأمثاله، وإن ظهر منه قصد العموم، ينتقض عهده، ويجب قتاله. قال: وليس لأحد من أهل الذمة أن يكاتب أهل دينه في طلب فتح الكنائس ولا يخبرهم بشيء من أخبار المسلمين، ولا يطلب من رسولهم أن يكلف ولي أمر المسلمين ما فيه ضرر على المسلمين، ومن فعل ذلك منهم وجبت عقوبته باتفاق المسلمين، وفي أحد القولين، يكون قد نقض عهده، وحل دمه وماله.

أو ذكر الله، أو رسوله (¬1) أو كتابه أو دينه (بسوء انتقض عهده) لأن هذا ضرر يعم المسلمين (¬2) وكذا لو لحق بدار حرب (¬3) لا إن أظهر منكرًا (¬4) أو قذف مسلمًا (¬5) وينتقض بما تقدم عهده (دون) عهد (نسائه، وأولاده) فلا ينتقض عهدهم تبعا له (¬6) . ¬

_ (¬1) بسوء، انتقض عهده، قيل لابن عمر: إن راهبًا يشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لو سمعته لقتلته إنا لم نعط الأمان على هذا. (¬2) أشبه الامتناع من الصغار، وأشبه ما لو لطمه. (¬3) انتقض عهده، وحل دمه وماله. (¬4) أو رفع الصوت بكتابه، أو ركب الخيل، ونحوه مما تقدم أنهم ينهون عنه، لم ينقض عهده بذلك، لأن العقد لا يقتضيه، ولا ضرر على المسلمين في ذلك، يوجب نقض عهده، وحل دمه، وماله. (¬5) بالزنا، أو اللواط، أو آذاه بسحر، في تصرفه فلا ينتقض عهده. (¬6) أي لا ينتقض عهد نسائه وأولاده، بانتقاض عهده سواء لحقوا بدار الحرب أو لا.

يخير الإمام فيمن نقض عهده بين قتل ورق، ومن فداء وماله فيء

لأن النقض وجد منه فاختص به (¬1) (وحل دمه) ولو قال: تبت (¬2) فيخير فيه الإمام -كأسير حربي- بين قتل، ورق، ومن وفداء بمال، أو أسير مسلم (¬3) . (و) حل (ماله) لأنه لا حرمة له في نفسه، بل هو تابع لمالكه، فيكون فيئا (¬4) وإن أسلم حرم قتله (¬5) . ¬

_ (¬1) ولو لم ينكروا عليه النقض، قال ابن القيم: إذا كان الناقض واحدًا من طائفة لم يوافقه بقيتهم، لم يسر النقض إلى زوجته، وأولاده كما أن من أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم ممن كان يسبه، لم يسب نساءهم، وذريتهم وهذا هديه، وهو لا محيد عنه. (¬2) لانتفاض عهده بما تقدم ونحوه. (¬3) وقال الشيخ: وإذا نقضوا العهد، لم يجب على المسلمين أن يعاهدوهم ثانيًا، بل لهم قتالهم، وإن طلبوا أداء الجزية، وللإمام أن يقتلهم حتى يسلموا وأن يجليهم من ديار الإسلام، وإذا رأى ذلك مصلحة، بل يجوز قتل كل من نقض العهد وقتاله، وإن بذل الجزية ثانيا قال تعالى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ} الآية فأمر بقتال الناكثين مطلقا. (¬4) أي حكمه حكم الفيء، لأن المال لا حرمة له في نفسه، إنما هو تابع لمالكه حقيقة، وقد انتقض عهد المالك في نفسه فكذا في ماله. (¬5) وكذا رقه، لا إن رق ثم أسلم، وفي الفروع، يقتل سابه صلى الله عليه وسلم وإن أسلم، قال الشيخ: وهو الصحيح من المذهب، وقال: إن سبه حربي ثم تاب بإسلامه، قبلنا توبته إجماعًا.

كتاب البيع

كتاب البيع (¬1) جائز بالإجماع (¬2) لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ} (¬3) (وهو) في اللغة أخذ شيء وإعطاء شيء؛ قاله ابن هبيرة (¬4) . ¬

_ (¬1) تقدم ذكر أركان الإسلام التي لا يستقيم إلا بها، وحيث أنه لا يتصور منها صدورها إلا بقوة يخلقها الله في أبداننا، وقد أجري العادة بأن تلك القوة لا تدوم إلا بمادة، تحصيلها عن الكسب فيما أباحه الله، من السعي في وجوه المعاملات، من البيع وغيره، وقد حكي الإجماع، على أنه لا يجوز لمكلف أن يقدم على فعل، حتى يعلم حكم الله فيه، أتبعه بالأركان وقدمه على الأنكحة وما بعدها، لشدة الحاجة إليه، وقد بعث عمر من يقيم من الأسواق من ليس بفقيه. (¬2) بل بالكتاب والسنة، وبالقياس، والإتيان بأصول الدين الأربعة أكمل إذا اتفقت. (¬3) أي أحل الله لكم الأرباح في التجارة، بالبيع والشراء، ويشمل بيع المنافع كالإجارة، وكذا بقية البيوع، كالسلم ونحوه، فـ «أل» فيه للاستغراق، وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ} وغير ذلك من الآيات، الدالة على جواز البيع، ومن السنة «البيعان بالخيار» وغيره والإجماع معلوم في الجملة، والقياس معلوم أن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، ولا يبذله غالبًا ففي تجويز البيع حصول لغرضه، ودفع لحاجته. (¬4) أي دفع عوض، وأخذ ما عوض عنه، وابن هبيرة هو الوزير، عون الدين، أبو المظفر، يحيى بن محمد بن هبيرة، بن سعد بن الحسن بن أحمد الشيباني الدوري ثم البغدادي الحنبلي، العامل العادل، صاحب المصنفات الكثيرة منها الإفصاح عدة مجلدات لما بلغ: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين» ذكر ما اتفق عليه الأئمة في الفقه، وما اختلفوا فيه، توفي سنة ستين وخمسمائة.

مأخوذ من الباع، لأن كل واحد من المتبايعين، يمد باعه للأخذ والإعطاء (¬1) وشرعا (مبادلة مال ولو في الذمة) (¬2) بقول أو معاطاة (¬3) والمال عين مباحة النفع بلا حاجة (¬4) (أو منفعة مباحة) مطلقًا (¬5) (كممر) في دار أو غيرها (¬6) (بمثل أحدهما) متعلق بمبادلة، أي بمال أو منفعة مباحة (¬7) . ¬

_ (¬1) هذا قول الأكثر، وقيل من المبايعة في العهد، مصدر باع يبيع إذا ملك، ولفظ البيع والشراء، كل منهما يطلق على ما يطلق عليه الآخر، وما دخلت عليه الباء فهو الثمن. (¬2) كعبد وثوب صفته كذا، والمبادلة: جعل شيء في مقابلة شيء آخر، وأتى بصيغة المفاعلة لأن البيع لا يكون إلا بين اثنين، حقيقة أو حكما، كتولي طرفي العقد. (¬3) وهما صورتا البيع الآتي ذكرهما. (¬4) احترازًا من كلب الصيد ونحوه، فإنه لا يباح إلا لحاجة. (¬5) أي لا تختص إباحتها بحال دون أخرى، بل في كل حال. (¬6) كبقعة تحفر بئرًا. (¬7) نحو بيع كتاب بكتاب، أو بممر في دار، أو بيع نحو ممر في دار بكتاب أو بممر في دار أخرى.

تناول التعريف تسع صور للبيع

فتناول تسع صور، عين بعين (¬1) أو دين، أو منفعة (¬2) دين بعين أو دين (¬3) بشرط الحلول والتقابض قبل التفرق (¬4) أو بمنفعة (¬5) منفعة بعين، أو دين، أو منفعة (¬6) وقوله: (على التأبيد) يخرج الإجارة (¬7) (غير ربا وقرض) فلا يسميان بيعًا، وإن وجدت فيهما المبادلة (¬8) لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (¬9) . ¬

_ (¬1) كهذا الكتاب بهذا الدينار. (¬2) أي أو عين بدين، كهذا الكتاب بدينار في الذمة، أو عين بمنفعة. كهذا الثوب بعلو بيت، ليضع عليه بنيانًا ونحوه. (¬3) فالدين بعين كعبد موصوف، بهذا الدينار، والدين بالدين: كعبد موصوف، بعبد موصوف ونحوه. (¬4) أي لأحدهما إذا باع دينًا بدين. (¬5) أي أو دين بمنفعة، كجارية موصوفة بموضع بحائطه يفتحه بابًا. (¬6) فالمنفعة بعين: كممر دار بهذا الدرهم، والمنفعة بدين: كممر دار بدرهم في الذمة، والمنفعة بمنفعة: كممر دار بممر دار. (¬7) وإن لم تقيد مبادلة المنفعة بمدة، أو عمل معلوم، وتخرج الإعارة وإن لم تقيد بزمن، لأن المستأجرات والعواري مردودة. (¬8) فقد أخرجا من حكم البيع، أما الربا فمحرم. (¬9) فرد تعالى قول المشركين، لما اعترضوا على أحكام الله في شرعه و {قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} أي نظيره مع علمهم بتفريق الله بين البيع والربا حكما وأخبر أن الذين يعاملون فيه {لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} .

ينعقد البيع بإيجاب وقبول، فإن تشاغلا بما يقطعه بطل

والمقصود الأعظم في القرض الإرفاق، وإن قصد فيه التملك أيضًا (¬1) (وينعقد) البيع (بإيجاب وقبول) بفتح القاف، وحكي ضمها (¬2) (بعده) أي بعد الإيجاب (¬3) فيقول البائع: بعتك أو ملكتك أو نحوه بكذا (¬4) ويقول المشتري: ابتعت أو قبلت ونحوه (¬5) (و) يصح القبول أيضا (قبله) أي قبل الإيجاب بلفظ أمر (¬6) . ¬

_ (¬1) أي وإن قصد بالقرض التملك، فهو غير مسمَّى بيعًا، وإنما هو عقد إرفاق. (¬2) حكاه في اللباب، والفتح أشهر وإيجاب الشيء، جعله واجبًا وقبوله التزامه والرضى به. (¬3) بأي لفظ دال على الرضا. (¬4) كوليتكه، أو أشركتك فيه، أو وهبتكه بكذا من الثمن، وكأعطيتكه بكذا. (¬5) كاشتريته، أو أخذته فليست منحصرة في لفظ بعينه، بل بكل ما أدى معنى البيع، لأن الشارع لم يخصه بصيغة معينة، وفي الإنصاف: بعتك أو قبلت إن شاء الله، صح بلا نزاع أعلمه. (¬6) نحو: بعني كذا بكذا، وينعقد الإيجاب بلفظ الأمر نحو: خذه ونحوه: لا بنحو ابتعه واشتره.

أو ماض مجرد عن استفهام ونحوه (¬1) لأن المعنى حاصل به (¬2) ويصح القبول (متراخيًا عنه) أي عن الإيجاب ما داما (في مجلسه) (¬3) لأن حالة المجلس كحالة العقد (¬4) (فإن تشاغلا بما يقطعه) عرفًا (¬5) أو انقضى المجلس قبل القبول (بطل) (¬6) لأنهما صارا معرضين عن البيع (¬7) وإن خالف القبول الإيجاب لم ينعقد (¬8) . ¬

_ (¬1) كترج وتمن، فالمجرد نحو: اشتريته بكذا، أو ابتعته أو أخذته، بخلاف: أبعتني؟ أتبيعني؟ لعلك بعتني، ليتك بعتني، أو تبيعني، إذ ليس بقبول. (¬2) أي معنى البيع حاصل، بنحو بعني: فيقول: بعتك. (¬3) أي مجلس البيع، وكذا إن تراخى الإيجاب عن القبول، في نحو بعني كذا بكذا. (¬4) لعموم ما لم يتفرقا، ولأنه يكتفى بالقبض فيه لما يعتبر قبضه. (¬5) من كلام أجنبي أو سكوت طويل، أو أكل، ونحو ذلك بطل. (¬6) أي البيع للخبر. (¬7) أشبه ما لو صرحا بالرد وإن كان المشتري غائبًا عن المجلس، فكاتبه البائع أو راسله، إني بعتك داري بكذا، فلما بلغه الخبر قبل البيع، صح العقد، لأن التراخي مع غيبة المشتري لا يدل على إعراضه عن الإيجاب، واختار الشيخ صحة البيع بكل ما عده الناس بيعًا، من متعاقب أو متراخ، من قول أو فعل. (¬8) أي البيع سواء كانت المخالفة في قدر الثمن، أو صفته أو غيرهما، كما لو قال: بألف صحيحة، فقال: اشتريته بألف مكسرة، لم يصح ولو قال بعتك بكذا، فقال: أنا آخذه بكذا، لم يصح، فإن قال: أخذته بكذا، أو: منك صح.

الصيغة للبيع: القولية والفعلية؛ ولها صور

(وهي) أي الصورة المذكورة أي الإيجاب والقبول (الصيغة القولية) للبيع (¬1) (و) ينعقد أيضا (بمعاطاة وهي) الصيغة (الفعلية) (¬2) مثل أن يقول: أعطني بهذا خبزًا، فيعطيه ما يرضيه (¬3) أو يقول البائع: خذ هذا بدرهم، فيأخذه المشتري (¬4) أو وضع ثمنه عادة وأخذه عقبه (¬5) . ¬

_ (¬1) فإن له صيغتين يوجد عقده بكل واحدة منهما، والإيجاب والقبول إحدى الصيغتين. (¬2) يعني الحالة بين العاقدين لعموم الأدلة، ولأن الله أحل البيع، ولم يبين كيفيته، فرجع فيه إلى العرف، ولم يزل المسلمون على البيع بالمعاطاة. (¬3) وهو ساكت والفاء للترتيب، فإن تراخى لم يصح البيع. (¬4) وهو ساكت أيضًا، وكذا لو ساومه سلعة بثمن، فيقول البائع: خذها فيأخذها المشتري وهو ساكت، أو: هي لك، أو أعطيتكها، فيأخذها. (¬5) أو قال: كيف تبيع الخبز، فيقول: كذا بدرهم، فيقول خذ درهمًا، قال الشيخ: بيع المعاطاة له صور أحدها: أن يصدر من البائع إيجاب لفظي فقط، ومن المشتري أخذ كقوله: خذ هذا الثوب بدينار فيأخذه، وكذلك لو كان الثمن معينًا، مثل أن يقول: خذ هذا الثوب بثوبك فيأخذ، ولا بد أن يميز هذا الأخذ عن أخذ المستام، الثانية: أن يصدر من المشتري لفظ، والبائع إعطاء سواء كان الثمن معينًا أو مضمونًا في الذمة، الثالثة: لا يلفظ واحد منهما، بل هناك عرف بوضع الثمن، وأخذ المثمن اهـ وظاهره اعتبار الترتيب في بيع المعاطاة، قال ابن قندس، وهو أولى منه في الصيغة القولية، وظاهره أيضا: ولو لم يكن المالك حاضرًا، للعرف، ولو ضاع الثمن، فمن ضمان المشتري، لعدم قبض البائع له.

لفظ الإيجاب والقبول: يشتمل على صور العقد

فتقوم المعاطاة مقام الإيجاب، والقبول (¬1) للدلالة على الرضا (¬2) لعدم التعبد فيه (¬3) وكذا حكم الهبة، والهدية، والصدقة (¬4) ولا بأس بذوق المبيع حال الشراء (¬5) (ويشترط) للبيع سبعة شروط (¬6) . ¬

_ (¬1) لأن المعاطاة لا تتضمن الصيغة، والصواب، أن جميع هذه الصور تسمى إيجابا وقبولا، لأن إيجاب الشيء جعله واجبًا، وقبول ذلك التزامه، كما تقدم، وقال الشيخ: عبارة أصحابنا وغيرهم أن المعاطاة ونحوها ليست من الإيجاب والقبول، وهذا تخصيص عرفي، فالصواب الاصطلاح الموافق للغة، وكلام المتقدمين أن لفظ الإيجاب والقبول، يشتمل على صور العقد، قولية أو فعلية. (¬2) أي من غير لفظ، اكتفاء بالقرائن، والأمارات الدالة على الرضى، الذي هو شرط في صحة البيع. (¬3) أي في البيع، وهو عدم تعليل المعنى، بل المعنى الذي شرع له متعقل، وهو الإرفاق بالناس، والمصلحة لهم، فتقوم المعاطاة مقامه للعرف. (¬4) أي تنعقد بالمعاطاة، قال الشيخ: تجهيز المرأة بجهاز إلى بيت زوجها تمليك. (¬5) ظاهره ولو لم يستأذن، لجريان العادة به. (¬6) إذا فقد شرط منها لم يصح البيع، وهي معروفة بالاستقراء.

أحدها (التراضي منهما) أي من المتعاقدين (¬1) (فلا يصح) البيع (من مكره بلا حق) (¬2) لقوله عليه السلام «إنما البيع عن تراض» رواه ابن حبان (¬3) فإن أكرهه الحاكم على بيع ما له، لوفاء دينه صح (¬4) لأنه حمل عليه بحق (¬5) وإن أكره على وزن مال، فباع ملكه، كره الشراء منه وصح (¬6) . ¬

_ (¬1) بأن يأتيا به اختيارا، ظاهرا وباطنا، فإن لم يقصدا البيع باطنا، بل أظهراه تلجئة خوفًا من ظالم ونحوه لم يصح، وكذا بيع هازل، وبيع الأمانة الذي هو في معنى القرض بعوض. (¬2) سواء أكرها أو أحدهما، والمكره: هو المضطهد، الملجأ بأي نوع من أنواع الإكراه وقال الشيخ: من استولى على ملك إنسان بلا حق، ومنعه إياه حتى يبيعه له، فهو كبيع المكره بلا حق، فلا يصح البيع، لأنه ملجأ إليه اهـ ويقبل من البائع أن البيع وقع تلجئة أو هزلاً، بقرينة دالة على ذلك، لاحتمال كذبه، فإن لم توجد فلا يقبل إلا ببينة. (¬3) وابن ماجه وغيرهما، وأصرح منه قوله تعالى: {إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} أي عن طيب نفس كل واحد منكم، وحقيقة البيع: المبادلة الصادرة عن تراض، فدلت الآية والحديث على اشتراط التراضي من المتعاقدين. (¬4) يعني البيع، سواء رضي بذلك أو لم يرض، ولا بأس بالشراء منه. (¬5) أي إلزام له بقضاء واجب عليه. (¬6) أي وإن أكره على دفع مقدار من المال، كأسير يقال له: ما نفك إسارك إلا بكذا وكذا فباع ملكه لذلك، كره الشراء منه، أو لبيعه بدون ثمن مثله في الغالب، وهو بيع المضطر، وصح الشراء منه، لأنه غير مكره على البيع، واختار الشيخ: الصحة من غير كراهة، لأن الناس لو امتنعوا من الشراء منه، كان أشد ضررا عليه، وسئل أحمد عن رجل مقر بالعبودية، حتى يباع فقال: يؤخذ البائع والمقر بالثمن، فإن مات أحدهما أو غاب، أخذ الآخر بالثمن، واختاره الشيخ: وصوبه في الإنصاف، وفي الفروع، يتوجه في كل غار، ولو أقرأنه عبده فرهنه فكبيع.

الثاني: أن يكون العاقد جائز التصرف

(و) الشرط الثاني (أن يكون العاقد) وهو البائع والمشتري (جائز التصرف) أي حرًا مكلفًا رشيدًا (¬1) (فلا يصح تصرف صبي وسفيه بغير إذن ولي) (¬2) فإن أذن صح، لقوله تعالى (وابتلوا اليتامى) أي اختبروهم (¬3) وإنما يتحقق بتفويض البيع والشراء إليه (¬4) . ¬

_ (¬1) لأن العبد محجور عليه من قبل سيده، وغير المكلف -وهو الصبي والسفيه- محجور عليه خوف ضياع ماله قال تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} أي صلاحا في المال {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} . (¬2) لأنه قول يعتبر له الرضا، فلم يصح من غير رشيد، ولو تعارضت بينة السفه والرشد، فأفتى ابن رجب وغيره ببينة الرشد، ولا يصح من مجنون مطلقا، ولا من سكران، ونائم، ومبرسم، وأما الهبة، والوصية، فاختار الموفق والشارح وغيرهما صحة قبول المميز والسفيه، وصوبه في الإنصاف، وتقبل الهدية من مميز أرسل بها، ومن كافر إجماعًا. (¬3) أي في عقولهم، وحفظ أموالهم، فدلت على جوازه مع الإذن. (¬4) أي إنما يتحقق الصلاح بالإذن وإذا كان لا بد منه وقد أمر الله به، فيصح التصرف معه.

الثالث: أن تكون العين مباحة النفع

ويحرم الإذن بلا مصلحة (¬1) وينفذ تصرفهما في الشيء اليسير بلا إذن (¬2) وتصرف العبد بإذن سيده (¬3) (و) الشرط الثالث: (أن تكون العين) المعقود عليها، أو على منفعتها (مباحة النفع من غير حاجة) (¬4) بخلاف الكلب، لأنه إنما يقتنى لصيد، أو حرث، أو ماشية (¬5) وبخلاف جلد ميتة ولو مدبوغًا لأنه إنما يباح في يابس (¬6) والعين هنا مقابل المنفعة، فتتناول ما في الذمة (¬7) (كالبغل، والحمار) (¬8) . ¬

_ (¬1) لما فيه من إضاعة المال، ويضمن كما في الحجر. (¬2) أي ينفذ تصرف الصبي والسفيه في الشيء اليسير، كرغيف وحزمة بقل ونحوهما بلا إذن، واشترى أبو الدرداء عصفورًا من صبي فأرسله. (¬3) أي وينفذ تصرف العبد فيما أذن له سيده فيه، لزوال الحجر عنه. (¬4) أو ضرورة، فخرج ما لا نفع فيه كالحشرات، وما فيه منفعة محرمة كالخمر، وما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب، وما فيه منفعة تباح للضرورة كالميتة ويأتي مفصلاً. (¬5) فلا يصح بيعه، للنهي عن ذلك، ولأنه لا ينتفع به إلا لحاجة. (¬6) بناء على عدم طهارته بالدبغ، وتقدم أنه يطهر بالدبغ، للأخبار ويجوز بيعه عند الجمهور، واختاره الشيخ وغيره. (¬7) أي والعين في قول المصنف: وأن تكون العين مباحة النفع. (¬8) والعقار، والمأكول، والمشروب، والملبوس، والمركوب، وغير ذلك، فالكاف للتمثيل، لأن ما بعدها جزء ما قبلها.

بيع الكلب، والخنزير، والقرد، وآلة اللهو، والخمر، والحشرات

لأن الناس يتبايعون ذلك في كل عصر، من غير نكير (¬1) (و) كـ (دود القز) لأنه حيوان طاهر، يقتنى لما يخرج منه (¬2) (و) كـ (بزره) لأنه ينتفع به في المآل (¬3) (و) كـ (الفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد) (¬4) كالفهد، والصقر (¬5) لأنه يباح نفعها، واقتناؤها مطلقا (¬6) (إلا الكلب) فلا يصح بيعه (¬7) لقول ابن مسعود: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، متفق عليه (¬8) . ¬

_ (¬1) أي فكان إجماعا، وقياسا لما لم يرد به النص من ذلك على ما ورد. (¬2) وهو الحرير الذي هو أفخر الملابس. (¬3) «بزرة» بفتح الباء وكسرها ولد الدود قبل أن يدب، أي يجوز بيعه، لأنه ينتفع به في المآل، يحصل منه الدود الذي يستخرج منه الحرير. (¬4) أما الفيل فلأنه يباح نفعه واقتناؤه، فجاز بيعه، أشبه البغل، وسباع البهائم التي تصلح للصيد، بشرط أن تكون معلمة، أو تقبل التعليم. (¬5) والبازي، وولدها، وفرخها وبيضها. (¬6) أي مع الحاجة وعدمها، وقيل: والهر، لأنه طاهر العين، مباح النفع، وعن أحمد: لا يجوز بيعه، وقد ثبت النهي عن ثمنه، واختاره ابن القيم: وابن رجب وغيرهما. (¬7) ولو كان مباح الاقتناء معلمًا كان أو غير معلم، عند جمهور العلماء. (¬8) والنص على تحريم ثمنه يدل باللزوم على تحريم بيعه، ولأنه لا ينتفع به، إلا لحاجة، ويحرم اقتناؤه، كما يحرم اقتناء خنزير إجماعًا، ولو لحفظ البيوت إلا كلب صيد، أو ماشية، أو حرث، فيباح للخبر، وكره أحمد بيع قرد، وشراءه وحرم اقتناؤه للعب.

بيع المصحف، والمعاوضة على المنافع الدينية

ولا بيع آلة لهو، وخمر، ولو كانا ذميين (¬1) (والحشرات) لا يصح بيعها، لأنه لا نفع فيها (¬2) إلا علقًا لمص الدم (¬3) وديدانًا لصيد سمك (¬4) وما يصاد عليه كبومة شباشا (¬5) (والمصحف) لا يصح بيعه (¬6) ذكر في المبدع أن الأشهر: لا يجوز بيعه (¬7) قال أحمد: لا نعلم في بيع المصحف رخصة (¬8) . ¬

_ (¬1) أي ولا يصح بيع آلة لهو، كمزمار، وطنبور، ونرد وشطرنج ولا يصح بيع خمر للخبر، ولو لإتلافها، لأنه لا نفع فيها، قال أحمد ومالك وغيرهما: لا يجوز بيعها، ولا ضمان على متلفها. (¬2) الحشرات كفأر، وحيات، وعقارب، وخنافس، ونحوها. (¬3) لأنه نفع مقصود، فجاز بيعها لذلك. (¬4) وهو نفع مقصود أيضا، فجاز بيعها، ولأن الأصل في الأشياء الإباحة وإنما اعتنى الشارع بتوضيح البياعات الفاسدة. (¬5) مفعول لفعل محذوف، أي: تجعل شباشا، أو مفعول لأجله، أي خيالا. تخاط عيناها، وتربط لينزل عليها الصيد، وكره فعل ذلك، لما فيه من تعذيبه، ويجوز بيع صيد لأجل صوته كبلبل. (¬6) ولو في دين أو غيره، لما فيه من ابتذاله، وترك تعظيمه. (¬7) ومقتضى كلام الإنصاف أنه المذهب. (¬8) واختاره الموفق وغيره.

قال ابن عمر: وددت أن الأيدي تقطع في بيعها (¬1) ولأن تعظيمه واجب، وفي بيعه ابتذال له (¬2) ولا يكره إبداله (¬3) وشراؤه استنقاذًا (¬4) وفي كلام بعضهم، يعني من كافر (¬5) ومقتضاه أنه إن كان البائع مسلمًا حرم الشراء منه، لعدم دعاء الحاجة إليه (¬6) بخلاف الكافر (¬7) . ¬

_ (¬1) أي المصاحف، وروي عن عمر: لا تبيعوا المصاحف، وكرهه ابن مسعود، وجابر، وغيرهما، وتخصيص المصحف يدل على الإباحة في كتب العلم، ولكن قال الشيخ: وكذا المعاوضة على المنافع الدينية، من العلم ونحوه، إذ لا فرق بين الأعيان الدينية، والمنافع. (¬2) وابتذاله ضد الصيانة المأمور بها، فتجب صيانته عن الابتذال، وكثرة إيجاده اليوم بالطبع والنشر بذل له، وتسهيل للراغب فيه. (¬3) ولو مع أحدهما دراهم زيادة، ولو كانت المبادلة بيعا، فإنما أجازها أحمد لأنها لا تدل على الرغبة عنه، ولا عن الاستبدال به بعوض دنيوي، بخلاف أخذ ثمنه، ويجوز وقفه، وهبته، والوصية به، لأنه لا اعتياض في ذلك عنه. (¬4) أي ولا يكره شراؤه من كافر، أو ممن هو مستخف به، لأن الاستنقاذ شراؤه ممن لا يكرمه فيعم. (¬5) أي في البيع بشرط الاستنقاذ لا مطلقًا، ويدخل المصحف في ملك الكافر ابتداء بالإرث، والرد عليه لنحو عيب، وبالقهر، وغير ذلك. (¬6) يعني إلى الاستنقاذ، وأما الحاجة إلى اقتنائه فالواقع أن الحاجة داعية إليه، فلو منع من بيعه، وشرائه لعز وجوده. (¬7) أي فلا يحرم، قال الحجاوي، وقد يفهم من كلام المنقح أنه يصح بيعه للمسلم مع التحريم، وليس بمراد، لكن الشراء استنقاذا جائز للمسلم فقط.

بيع الميتة والسرجين النجس والأدهان النجسة، والمتنجسة

ومفهوم التنقيح، والمنتهى يصح بيعه لمسلم (¬1) (والميتة) لا يصح بيعها (¬2) لقوله عليه السلام: «إن الله حرم بيع الميتة، والخمر، والأصنام» متفق عليه (¬3) ويستثنى منها السمك، والجراد (¬4) (و) لا (السرجين النجس) لأنه كالميتة (¬5) . ¬

_ (¬1) وعن أحمد: لا يكره، وقال الوزير: كرهه أحمد وحده، وأجازه الباقون من غير كراهة، واتفقوا على جواز شرائه اهـ والعمل عليه في سائر الأقطار، من غير نكير، قال في تصحيح الفروع: عليه العمل، ولا يسع الناس غيره، ولما ذكر الشيخ: والمنافع الدينية من العلم ونحوه، قال: ويتوجه في هذا وأمثاله أنه يجوز للحاجة، كالرواية المذكورة في التعليم، فينبغي أن يفرق في الأعيان بين المحتاج وغيره، كما فرق في المنافع. (¬2) بالإجماع، ولو اضطر، ولو طاهرة كميتة آدمي. (¬3) وفيه «والخنزير» ولأبي داود «حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه» والصنم ما كان مصورا، وسماها تعالى رجسا، لأن وجوب تجنبها أوكد من وجوب تجنب النجس، وعبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات. (¬4) أي يستثنى من الميتة ميتة السمك، والجراد، ونحوهما من حيوانات البحر التي تعيش إلا فيه، لحديث «أحلت لنا ميتتان، ودمان، أما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان، فالطحال والكبد» وسمي جرادًا لأنه يجرد بأكل نباتها. (¬5) وللإجماع على نجاسته، ويقال له السرقين، وهو الزبل، وتحريم بيعه مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة، ويجوز بيع السرجين والنجس، وأهل الأمصار يتبايعونه من غير نكير، وحكي إجماعًا، واختار الشيخ جواز الانتفاع بالنجاسات.

وظاهره، أنه يصح بيع الطاهر منه قاله في المبدع (¬1) (و) لا (الأدهان النجسة ولا المتنجسة) (¬2) لقوله عليه السلام «إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه» (¬3) وللأمر بإراقته (¬4) (ويجوز الاستصباح بها) أي بالمتنجسة، على وجه لا تتعدى نجاسته (¬5) كالإنتفاع بجلد الميتة المدبوغ (¬6) (في غير مسجد) لأنه يؤدي إلى تنجيسه (¬7) ولا يجوز الاستصباح بنجس العين (¬8) ولا يجوز بيع سم قاتل (¬9) . ¬

_ (¬1) والطاهر منه كروث الإبل، والبقر، والغنم، والحمام. (¬2) النجسة كدهن شحم الميتة، والمتنجسة كدهن زيت، وشيرج متنجس. (¬3) متفق عليه، وهو حجة في تحريم بيع النجس، وعلى تحريم بيع ما حرم على العباد، إلا ما خصه الدليل. (¬4) يعني النجس، كما في قصة لحوم الحمر، ودنان الخمر، فدل على أنه لا يجوز بيع النجس. (¬5) لأنه أمكن الانتفاع بها من غير ضرر، واختاره الشيخ وغيره، وهو مذهب الجمهور، لأنه يجري مجرى الإتلاف بلا ضرر. (¬6) يعني في يابس، على ما تقدم لعد تعدي نجاسته. (¬7) فلا يجوز الاستصباح بها فيه مطلقًا. (¬8) باستصباح ولا غيره، لحديث «أرأيت شحوم الميتة، فإنه تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟» فقال: «لا هو حرام» متفق عليه. (¬9) كسم الأفاعى، لخلوه من نفع مباح، وأما سم النبات، فإن أمكن النفع به، والتداوي بيسيره جاز، ويصح بيع ترياق خال من لحوم الحيات، ومن الخمر، لأنه مباح، كسائر المعاجين.

الرابع: أن يكون العقد من مالك أو من يقوم مقامه

(و) الشرط الرابع (أن يكون) العقد (من مالك) للمعقود عليه (¬1) (أو من يقوم مقامه) كالوكيل، والولي (¬2) لقوله عليه السلام لحكيم بن حزام «لا تبع ما ليس عندك» رواه ابن ماجه، والترمذي، وصححه (¬3) وخص منه المأذون له، لقيامه مقام المالك (¬4) (فإن باع ملك غيره) بغير إذنه لم يصح (¬5) ولو مع حضوره وسكوته (¬6) ولو أجازه المالك (¬7) . ¬

_ (¬1) وقت العقد، وكذا الثمن، ملكا تاما، لا يحتاج لحق توفية. (¬2) وذلك أن يكون مأذونًا له في البيع وقت العقد، من مالكه، أو من الشارع كالوكيل، وولي الصغير ونحوه، وناظر الوقف، وإن ظن عدم الإذن لأن الاعتبار بما في نفس الأمر. (¬3) أي لا تبع ما ليس في ملكك من بيوع الأعيان، وقال الوزير، اتفقوا على أنه لا يجوز بيع ما ليس عنده، ولا في ملكه، ثم يمضي فيشتريه له، وأنه باطل. (¬4) أي خص بالبناء للمفعول، أو الفاعل، من قوله «لا تبع ما ليس عندك» المأذون له في البيع من المالك، أو من الشارع، لقيامه مقام المالك في التصرف. (¬5) بالاتفاق لفوات الشرط. (¬6) لأن السكوت ليس دالاًّ على الرضا، إلا في مسائل مستثناة، وليس هذا منها. (¬7) بعد، لفوات شرطه، وهو الإذن وقت العقد، وعن أحمد: يقف على الإجازة، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، لحديث عروة بن الجعد، فإنه أعطاه دينارًا ليشتري به شاة، فاشتري به شاتين، فباع إحداهما بدينار، ثم عاد بالدينار والشاة، رواه البخاري.

إن اشترى لغيره في ذمته بلا إذنه صح بالإجازة

ما لم يحكم به من يراه (¬1) (أو اشترى بعين ماله) أي مال غيره (بلا إذنه لم يصح) (¬2) ولو أجيز لفوات شرطه (¬3) (وإن اشترى له) أي لغيره (في ذمته بلا إذنه، ولم يسمه في العقد صح) العقد (¬4) لأنه متصرف في ذمته، وهي قابلة للتصرف (¬5) ويصير ملكًا لمن اشتري (له) من حين العقد (بالإجازة) (¬6) لأنه اشتري لأجله، ونزل المشتري نفسه منزلة الوكيل، فملكه من اشتري له، كما لو أذن (¬7) (ولزم) العقد (المشتري بعدمها) أي عدم الإجازة (¬8) . ¬

_ (¬1) فإن حكم به حنفي لم ينقض، لقوة الدليل، وارتفاع الخلاف. (¬2) أي العقد بالاتفاق، لفوات شرطه. (¬3) وهو كونه من مالكه، أو مأذونا له فيه. (¬4) وذلك بأن قال: اشتريت هذا، ولم يقل: لفلان، سواء نقد الثمن من مال الذي اشترى له، أو من مال نفسه، أو لم ينقده، فصح تصرفه بشرطين، أن يشتري في ذمته، وأن لا يسمي المشتري له، وعنه: يصح تصرفه، ويقف على الإجازة، قال الشيخ وغيره: المقاصد معتبرة في التصرفات، وتغير أحكامها، فإذا اشترى لموكله، كان له، وإن لم يتكلم به في العقد، وإن لم ينوه له وقع للعاقد، عند الجمهور، إلا النكاح، فلا بد من تسميته الموكل. (¬5) وما نقده عوض عما فيها. (¬6) ومنافعه ونماؤه له. (¬7) أي بالشراء، ولا يصح مع عدم الإذن إلا في هذه الصورة. (¬8) فيقع الشراء له من حين العقد.

بيع المساكن وغيرها مما فتح عنوة، وما صولحوا عليه، وبقاء الخراج، والإجارة

لأنه لم يأذن فيه، فتعين كونه للمشتري (ملكًا) كما لو لم ينو غيره (¬1) وإن سمي في العقد من اشترى له لم يصح (¬2) وإن باع ما يظنه لغيره، فبان وارثًا، أو وكيلاً صح (¬3) . (ولا يباح غير المساكن مما فتح عنوة (¬4) كأرض الشام، ومصر، والعراق) (¬5) وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، رضي الله عنهم (¬6) ، لأن عمر رضي الله عنه وقفها على المسلمين (¬7) . ¬

_ (¬1) أي غير نفسه، ومتى لم ينو غير نفسه وقع الملك له، عند الجمهور كما تقدم. (¬2) لفوات شرطه، وهو الملك أو الإذن، وإن أذن له، ولم يسمه في العقد ضمن، قال الشيخ: ومن وكل في بيع، أو استئجار، أو شراء، فلم يسم الموكل في العقد فضامن، ومن ادعى بعد البيع أن المبيع لغيره، وأنه فضولي، أو غاصب لم يقبل منه، ولا تسمع بينته على ذلك، فإن أقام المقر له البينة بالملك سمعت، فإن لم تكن له بينة، حلف المشتري أنه لا يعلم مالكا سوى البائع. (¬3) وذلك كموت أبيه وهو وارثه، أو توكيله، لأن الاعتبار في المعاملات بما في نفس الأمر، لا بما في ظن المكلف. (¬4) أي فتحه المسلمون قهرًا وغلبة ولم يقسم. (¬5) وغيرها مما فتحه المسلمون عنوة. (¬6) وغيرهم، وهو مذهب الأكثر، وأحد قولي الشافعي. (¬7) وأقرها في أيدي أربابها بالخراج، إلا إذا باعها الإمام لمصلحة، أو باعها غيره، وحكم به من يرى صحته، وفي الاختيارات، يصح بيع ما فتح عنوة ولم يقسم، من أرض الشام، ومصر، والعراق، ويكون في يد مشتريه بخراجه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وأحد قولي الشافعي، والمؤثر بها أحق بلا خلاف، وقال: لا يجوز رفع أيدي المسلمين الثابتة على حقوقهم كأرض السواد، وذكر أنها نتنقل إلى ورثتهم وغيرهم من بعدهم بالإرث، والوصية، والهبة وكذا البيع تنتقل في أصح قولي العلماء، وليس هذا بيعًا للوقف، كما غلط في ذلك من منع بيع أرض السواد، معتقدا أنها كالوقف الذي لا يجوز بيعه. وقال: معنى وقفها إقرارها على حالها، وضرب الخراج عليها، مستمرًّا في رقبتها، وليس معناه الوقف الذي يمنع من نقل الملك في الرقبة، بل يجوز بيعها كما هو عمل الأمة، وإجماعهم على أنها تورث، والوقف لا يورث ونقل الملك في رقبته إبطال لحق البطون الموقوف عليهم، من منفعته، والمقاتلة حقهم في خراج الأرض، فمن اشتراها صارت عنده خراجية.

وأما المساكن فيصح بيعها (¬1) لأن الصحابة اقتطعوا الخطط في الكوفة، والبصرة، في زمن عمر، وبنوها مساكن، وتبايعوها من غير نكير (¬2) ولو كانت آلتها من أرض العنوة (¬3) أو كانت موجودة حال الفتح (¬4) وكأرض العنوة في ذلك ما جلوا عنه فزعًا منا (¬5) . ¬

_ (¬1) أي يصح بيع المنازل ما زالت عامرة، وإن عادت مزارع فلها حكمها. (¬2) أي فكان كالإجماع على جواز بيع المساكن، وكبيع غرس محدث فيها. (¬3) أي يصح بيع المساكن، ولو كانت آلتها التي بنيت بها من أرض العنوة. (¬4) يعني المساكن، لجريان ذلك في زمن الصحابة من غير نكير. (¬5) أي وكأرض العنوة في الأحكام المتقدمة ما تفرقوا عنه خوفًا من المسلمين، فالضمير عائد إلى «ما» باعتبار لفظها.

وما صولحوا على أنه لنا، ونقره معهم بالخراج (¬1) بخلاف ما صولحوا على أنه لهم كالحيرة (¬2) وأليس وبانقيا (¬3) وأرض بني صلوبا (¬4) من أراضي العراق، فيصح بيعها (¬5) كالتي أسلم أهلها عليها، كالمدينة (¬6) (بل) يصح أن (تؤجر) أرض العنوة، ونحوها (¬7) . ¬

_ (¬1) أي حكمه حكم أرض العنوة، من عدم جواز بيع المزارع، وجواز بيع المساكن وغير ذلك. (¬2) بكسر الحاء المهملة، مدينة قرب الكوفة، فإنها فتحت صلحًا، على أنها لأهلها. (¬3) أليس بضم الهمزة، وتشديد اللام المفتوحة، بعدها ياء ساكنة، ثم سين مهملة، مدينة بالجزيرة، وبانقيا بالباء الموحدة فنون مكسورة، ناحية بالنجف، دون الكوفة. (¬4) بفتح الصاد، وضم اللام. (¬5) أي هذه الأماكن المذكورة من أراضي العراق، فإنها فتحت صلحًا، على أنها لهم، فيصح بيعها عند الجمهور، وعمل الناس عليه. (¬6) فإنها ملك لأربابها، وكذا ما فتح عنوة، وقسم بين الغانمين، كنصف خيبر، يصح بيعه. (¬7) كالأرض التي جلا عنها أهلها، أو صولحوا على أنها لهم، ولنا الخراج عنها، وتكون الإجارة مدة معلومة بأجر معلوم.

بيع رباع مكة، وإجارتها، والتحقيق في ذلك

لأنها مؤجرة في أيدي أربابها، بالخراج المضروب عليها في كل عام (¬1) وإجارة المؤجر جائزة (¬2) ولا يجوز بيع رباع مكة (¬3) ولا إجارتها (¬4) لما روى سعيد بن منصور، عن مجاهد مرفوعًا «رباع مكة حرام بيعها، حرام إجارتها» (¬5) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا «مكة لا تباع رباعها، ولا تكرى بيوتها» رواه الأثرم (¬6) . ¬

_ (¬1) لأن عمر رضي الله عنه وقفها على المسلمين، وأقرها في أيدي أربابها، بالخراج الذي ضربه أجرة لها في كل عام، ولم يقدر مدة الإجارة. (¬2) علل صحة إجارتها بأنها مؤجرة في أيدي أربابها، وهو كذلك، وأن إجارة المؤجر جائزة، وهو مذهب الجمهور كما سيأتي. (¬3) جمع ربع، وهو المنزل والدار الذي يربع به الإنسان ويستوطنه لأنها فتحت عنوة، ولم تقسم بين الغانمين، فصارت وقفا على المسلمين، ولا الحرم كله، وبقاع المناسك، كالمسعى، والمرمى، والموقف ونحوها، بل بقاع المناسك أولى بعدم الصحة، إذ هي كالمساجد، لعموم نفعها. (¬4) أي ولا تجوز إجارة رباع مكة، وبقاع المناسك. (¬5) وهذا على تقدير صحته، وهو مرسل. (¬6) وقالت عائشة: ألا تبني لك بيتًا، أو بناء يظلك من الشمس؟ فقال: «لا إنما هو مناخ من سبق إليه» رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وحسنه، وقال ابن القيم: مثل هذا الحديث حسن عند أهل الحديث، وعن أحمد: يجوز بيعها وإجارتها، وهو أظهر في الحجة، واختار الشيخ وابن القيم جواز البيع # لأنه إنما يستحق التقدم على غيره بهذه المنفعة، واختص بها لسبقه وحاجته، فهي كالرحاب، والطرق الواسعة، وغيرها، من سبق إليها فهو أحق بها، وإنما جاز البيع لوروده على المحل، الذي كان البائع اختص به عن غيره، وهو البناء. وما روي من الأحاديث في خلاف ذلك فضعيف، لا تقوم به حجة، وكانوا يتبايعونها قبل الإسلام وبعده، كما اشترى معاوية دار الندوة، من عكرمة ابن عامر، فما أنكر بيعها أحد من الصحابة، وابتاع عمر وعثمان ما زاده في المسجد، وتملك أهلها أثمانها، ولو حرم ذلك لما بذلاه من أموال المسلمين، فكان إجماعًا متبوعًا وفعلاً مشروعًا، لورودها على المنفعة، وهي مشتركة، قال في الإنصاف: ويستثنى بقاع المناسك بلا نزاع.

بيع نقع البئر، وماء العيون، وما ينبت في أرضه، ومعادن جارية

فإن سكن بأجرة، لم يأثم بدفعها، جزم به في المغني وغيره (¬1) (ولا يصح بيع نقع البئر) وماء العيون (¬2) لأن ماءها لا يملك (¬3) لحديث «المسلمون شركاء في ثلاث، في الماء، والكلأ والنار» رواه أبو داود، وابن ماجه (¬4) . ¬

_ (¬1) وصححه في الإنصاف، وقال ابن القيم: ليس له أن يعاوض على منفعة السكنى بعقد الإجارة، فإن هذه المنفعة إنما يستحق أن يقدم فيها على غيره، ويختص بها لسبقه وحاجته. (¬2) وهو كل ماء عد، له مادة لا تنقطع. (¬3) يعني نفس النقع، هذا المذهب. (¬4) وللنهي عن بيع فضل الماء، وسئل عن الذي لا يحل منعه قال: «الماء» فليس لأحد بيع ماء نبع، ولا كلأ ونحوه، ما لم يجزه، ولا يدخل ما في الأرض من ذلك في بيعها، لأن البائع لم يملكه، فلم يتناوله البيع، كما لو كان في أرض مباحة.

بل رب الأرض أحق به من غيره (¬1) لأنه صار في ملكه (¬2) (ولا) يصح بيع (ما ينبت في أرضه من كلأ وشوك) لما تقدم (¬3) وكذا معادن جارية، كنفط، وملح (¬4) وكذا لو عشش في أرضه طير (¬5) . ¬

_ (¬1) قاله الموفق وغيره، وقال ابن القيم: بل يكون أولى به من كل أحد، وما فضل منه لزمه بذله لبهائم غيره وزرعه. (¬2) فلا يلزمه أن يبذل إلا الفاضل عن حوائجه، ولا ريب أن الماء يملك بالعمل فيه لا نفس النقع، فإنه لا يملك إذا لم يكن نبع في ملكه، والعمل هو احتفار السواقي وإصلاحها وبعث الآبار وعمارتها، فبهذا تكون مملوكة، وفي الاختيارات، ومن ملك ماء نابعًا كبئر محفورة في ملكه، أو عين ماء في أرضه، فله بيع البئر والعين جميعًا، ويجوز بيع بعضها مشاعًا، وإن كان أصل القناة في أرض مباحة، فكيف إذا كان أصلها في أرضه؟ قال الشيخ: وهذا لا أعلم فيه نزاعا، وإنما تنازعوا لو باع الماء دون القرار، وفي الصحة قولان، ومذهب مالك والحنفية الصحة ونص الشافعي على أنه يملك. (¬3) أي في قوله: «الناس شركاء في ثلاث، في الماء، والكلأ، والنار» بل يكون أولى به من غيره، ولو سبق غيره، وعن أحمد: يجوز وهو مذهب مالك، والشافعي، إذا كان في أرض عادة ربها ينتفع بها، وفي الاختيارات، يجوز بيع الكلأ ونحوه الموجود في أرضه، إذا قصد استنباته، والكلأ بإثبات الهمزة: العشب، رطبًا كان أو يابسًا، و «الشوك» واحدته شوكة. (¬4) أي ولا يصح بيع معادن جارية، وهي ما إذا أخذ منه شيء خلفه غيره، كنفط وهو دهن معدني، وملح جار، وكقار، لأن نفعه يعم، فلم يملك كالماء العد، فإن كان جامدا ملك بملك الأرض. (¬5) أو نضب الماء عن سمك في أرضه، لم يصح بيعه، ما لم يجزه.

يجوز دخول الأرض المملوكة لأخذ الماء والكلأ

لأنه لا يملكه به، فلم يجز بيعه (¬1) (ويملكه آخذه) لأنه من المباح (¬2) لكن لا يجوز دخول ملك غيره بغير إذنه (¬3) وحرم منع مستأذن بلا ضرر (¬4) (و) الشرط الخامس (أن يكون) المعقود عليه (مقدورًا على تسليمه) (¬5) . ¬

_ (¬1) أي لا يملكه بمجرد وجوده في أرضه، قبل حيازته، فلم يصح بيعه للخبر. (¬2) أي يملك آخذ ما نبت في أرض الغير، من كلأ، وشوك، ونحوه، بحوزه، لأنه من المباح أخذه بالشرع، ومضت العادة بذلك من غير نكير. (¬3) استدراك من قوله: ويملكه آخذه فإنه أفاد المنع من دخول أرض الغير، لأجل ما ذكر، بلا إذنه، وهو مقيد بما إذا كانت الأرض محوطة لتعديه، أما إذا لم تكن محوطة، جاز الدخول بلا إذنه، بلا ضرر على رب الأرض، قال ابن القيم: يجوز دخول الأرض المملوكة لأخذ الماء والكلأ لأنه له حقا في ذلك، ويحرم منعه، ولا يتوقف دخول على الإذن، إنما يحتاج إليه في الدار، إذا كان فيها سكن اهـ وطلول بأرض تجنى منها النحل ككلأ وأولى، ونحل رب الأرض أحق به، لأنه في ملكه، قال الشيخ: ولا حق على أهل النحل لأهل الأرض، لأنه لا ينقص من ملكهم شيئًا. (¬4) للخبر: ويدخل قهرًا والحالة هذه، قال في القواعد: ومتى تعذر الاستئذان بغيبة مالكه أو غيرها، أو استئذن فلم يأذن سقط الإذن، كما في الولي في النكاح. (¬5) أي تسليم المبيع حال العقد، وكذا الثمن المعين لخبر «نهى عن بيع الغرر» وهو أصل من أصول الشرع، ولغيره من الأحاديث.

بيع الآبق، والشارد والطير في الهواء والسمك في الماء، والمغصوب

لأن ما لا يقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم، فلم يصح بيعه (¬1) (فلا يصح بيع آبق) علم خبره أو لا (¬2) لما روى أحمد عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى عن شراء العبد وهو آبق» (¬3) (و) لا بيع (شارد (¬4) و) لا (طير في هواء) ولو ألف الرجوع (¬5) إلا أن يكون بمغلق، ولو طال زمن أخذه (¬6) . ¬

_ (¬1) إذ المعدوم لا يصح بيعه بالإجماع في الجملة، فكذا شبيهه، ولأن عدم القدرة على التسليم غرر، فيحرم البيع ولا يصح. (¬2) أي سواء علم المشتري مكان الآبق أو جهله، ولو قدر على تحصيله. (¬3) وللنهي عن بيع الغرر، وبيع ما ليس عندك، ومنه بيع الآبق. (¬4) كجمل، وكفرس غائر ونحوهما، علم مكانهما أو لا، ولو لقادر على تحصيله كالآبق، لأنه ظن مجرد، لا ينافي تحقق عدمه، ولا ظنه. (¬5) لأنه غير مقدور على تسليمه، فبيعه غرر، وقد نهى الشارع عن بيع الغرر، وأجمعوا على النهي عنه لأنه إن قدر عليه كان المشتري قد قمر البائع، حيث أخذ ما له بدون قيمته، وإن لم يقدر عليه، كان البائع قد قمر المشتري، وفي كل منهما أكل مال بالباطل، فهو قمار، وفي الإنصاف: يجوز إذا كان يألف الرجوع، قال في الفنون: هو قول الجماعة، وقال الموفق: يجوز بيع النحل في كوراته، ومنفردًا عنها، إذا رئي وعلم قدره قال الشيخ: وهذا يقتضي أنه اشتراط العلم فقط، وأنه يصح بيعه طائرا كالعبد الخارج من المنزل، وهو أصح اهـ وعلى قياسه الطائر الذي له منزل يرجع إليه في العادة. (¬6) أي إلا أن يكون الطير في مكان مغلق، فيصح بيعه، ولو طال زمن أخذه، لأنه مقدور على تسليمه.

كل بيع كان المقصود منه مجهولا أو معجوزا عنه غرر

(و) لا بيع (سمك في ماء) لأنه غرر (¬1) ما لم يكن مرئيا بمحوز يسهل أخذه منه (¬2) لأنه معلوم، يمكن تسليمه (¬3) (ولا) يصح بيع (مغصوب من غير غاصبه، أو قادر على أخذه) من غاصبه (¬4) لأنه لا يقدر على تسليمه (¬5) فإن باعه من غاصبه، أو قادر على أخذه صح، لعدم الغرر (¬6) . ¬

_ (¬1) وقد نهى الشارع عن بيع الغرر، والنهي يقتضي الفساد، والغرر ما طوي عنك علمه، وخفي عليك باطنه، أو ما كان مترددا بين الحصول وعدمه، فكل بيع كان المقصود منه مجهولا، أو معجوزا عنه، غير مقدور عليه غرر، وقال الوزير: اتفقوا على أنه لا يجوز بيع الغرر، كالضالة، والآبق، والطير في الهواء، والسمك في الماء. (¬2) أي ما لم يكن السمك مرئيا في ماء محوز، في نحو بركة، وحوض، يشاهده فيه، غير متصل بنهر، يسهل أخذه من ذلك الموضع فيصح بيعه. (¬3) يعني إذا كان في نحو بركة يشاهده، وسهل أخذه، فيصح بيعه، لانتفاء الغرر، ولو طال زمن تحصيله، فإن لم يسهل، بحيث يعجز عن تسليمه لم يصح البيع. (¬4) وعبارة غيره: ولا يصح بيع مغصوب إلا لغاصبه، لانتفاء الغرر، أو لقادر على أخذه منه، فيصح وإلا فلا، والمراد: إذا باعه راضيا، ولم يمنعه حتى باعه، فيصير حكمه حكم بيع المكره بلا حق. (¬5) أي لأن البائع، لا يقدر على تسليم المغصوب، فلم يصح البيع. (¬6) وإمكان القبض الذي هو أحد شروط البيع.

السادس: أن يكون المبيع معلوما برؤية أو صفة

فإن عجز بعد فله الفسخ (¬1) (و) الشرط السادس: (أن يكون) المبيع (معلوما) عند المتعاقدين (¬2) لأن جهالة المبيع غرر (¬3) ومعرفة المبيع إما (برؤية) له (¬4) أو لبعضه الدال عليه (¬5) مقارنة أو متقدمة بزمن لا يتغير فيه المبيع ظاهرًا (¬6) . ¬

_ (¬1) أي فإن طرأ العجز عن تحصيل المغصوب بعد العقد، خير بين الإمضاء والفسخ، لأنه إذا ظن القدرة ثم تبين عدمها حال العقد، فالبيع غير صحيح، فإن اختلفا في العجز حال البيع أو طروئه بعده، فالقول قول المشتري. (¬2) أي الشرط السادس، من شروط البيع، التي لا يصح إلا بها، أن يكون المبيع معلومًا عند المتعاقدين، البائع والمشتري، معروفًا بينهما. (¬3) والغرر منهي عنه، وتقدم أن من الغرر: كل بيع كان المقصود منه مجهولا غير معلوم، ويفسر بما لا تعلم عاقبته، وبالخداع الذي هو مظنة أن لا يرضى به عند تحققه، فيكون من أكل المال بالباطل. (¬4) أي ومعرفة المبيع، تحصل بأحد شيئين، إما برؤية لجميع المبيع، إن لم تدل بقيته عليه، كالثوب المنقوش. (¬5) أي أو تحصل معرفة المبيع برؤية لبعضه، الدال على بقيته، كرؤية أحد وجهي ثوب غير منقوش وظاهر الصبرة المتساوية، ووجه الرقيق، وما في ظروف أعدال من جنس واحد، متساوي الأجزاء، لحصول العلم بالمبيع بذلك، وانتفاء الغرر، ويستثنى ما يدخل تبعًا، وما يتسامح بمثله، إما لحقارته، أو للمشقة، في تمييزه، أو تعيينه، كأساسات البنيان، والقطن المحشو في الجبة وذلك بالإجماع. (¬6) مقارنة أو متقدمة بالجر، صفتان لرؤية، ويصح نصبهما أي: ويحصل معرفة المبيع برؤية مقارنة العقد، بأن لا تتأخر عنه، أو برؤية متقدمة العقد، بزمن لا يتغير فيه المبيع، تغيرًا ظاهرًا، لحصول العلم بالمبيع بتلك الرؤية، ولا حد لذلك الزمن، إذ المبيع منه ما يسرع تغيره، وما يتباعد وما يتوسط فيعتبر كل بحسبه وقال الوزير: اتفقوا على أن العين إذا كانا رأياها وعرفاها، ثم تبايعا بعد ذلك، أن البيع جائز، ولا خيار للمشتري، إن رآها على الصفة التي عرفها فإن تغيرت فله الخيار.

ويلحق بذلك ما عرف بلمسه، أو شمه أو ذوقه (¬1) (أو صفة) تكفي في السلم (¬2) فتقوم مقام الرؤية، في بيع ما يجوز السلم فيه خاصة (¬3) . ¬

_ (¬1) أي ويلحق بمعرفته بالرؤية ما عرف من المبيع بلمسه، أو عرف بشمه، أو عرف بذوقه، لحصول معرفته بذلك، كرؤيته ولانتفاء الجهالة. (¬2) أي: أو يكون المبيع معلومًا بصفة تكفي في السلم، بأن يذكر ما يختلف به الثمن غالبًا، وفي الإقناع، نوعان بيع عين معينة غائبة، كعبدي التركي، ويذكر صفاته، أو حاضرة مستورة كأمتعة في ظروفها، والثاني موصوف غير معين، كعبد تركي، ويصفه بشرط قبض المبيع، أو ثمنه في مجلس العقد، وقال الشيخ: تارة يصفه بقوله، وهذا هو المعروف، وتارة يقول: هو مثل هذا فيجعل له مثالا يرد إليه، فإن هذا كما لو وصفه، وأولى اهـ ومعرفة الشيء بمثله أتم. (¬3) أي تقوم صفة المبيع مقام الرؤية، في بيع ما يجوز السلم فيه خاصة، كالمكيل، والموزون والمعدود، والمذروع الذي يمكن وصفه، وهذا مذهب الجمهور، قال الشيخ: وجوازه مع الصفة أعدل الأقوال، ويصح تقدم الوصف على العقد.

بيع الأعمى وشراؤه ومالم يره وحمل في بطن ولبن في ضرع

ولا يصح بيع الأنموذج (¬1) بأنه يريه صاعا مثلا، ويبيعه الصبرة على أنها من جنسه (¬2) ويصح بيع الأعمى وشراؤه بالوصف (¬3) واللمس، والشم، والذوق فيما يعرف به كتوكيله (¬4) (فإن اشترى ما لم يره) بلا وصف (¬5) (أو رآه وجهله) بأن لم يعلم ما هو (¬6) (أو وصف له بما لا يكفي سلمًا (¬7) لم يصح) البيع، لعدم العلم بالمبيع (¬8) (ولا يباع حمل في بطن (¬9) ¬

_ (¬1) بضم الهمزة، وهو ما يدل على صفة الشيء. (¬2) فلا يصح، لعدم رؤية المبيع وقت العقد، وقيل: ضبط الأنموذج كذكر الصفات، فإذا جاء على صفته ليس له رده، وصوبه في الإنصاف. (¬3) لما تمكن معرفته بوصفه، فيما يصح فيه السلم، لحصول العلم بحقيقة البيع، وله الخيار في الخلف في الصفة كالبصير. (¬4) أي ويصح بيعه وشراؤه باللمس، والشم، والذوق، فيما يمكن معرفته به، بغير حاسة البصر، كما يصح توكيله في بيع وشراء مطلقا اتفاقا. (¬5) يكفي في السلم، لم يصح البيع، لجهالة المبيع. (¬6) لم يصح البيع للجهالة أيضا، وإن كان رآه قبل. (¬7) كأن يذكر ما يختلف به الثمن، على ما يأتي في السلم. (¬8) وتقدم أن جهالة المبيع غرر منهي عنه، وحكم ما لم يره بائع حكم مشتر فيما تقدم. (¬9) إجماعًا، للنهي عن بيع حبل الحبلة، وبيع المضامين، والملاقيح، وبيع المجر، وهو ما في بطن الناقة.

بيع المسك في فأرته، ونوى في تمره، وصوف على ظهر، وفجل ونحوه قبل قلعه.

ولبن في ضرع منفردين) للجهالة (¬1) فإن باع ذات لبن، أو حمل دخلا تبعا (¬2) (ولا) يباع (مسك في فأرته) (¬3) أي الوعاء الذي يكون فيه، للجهالة (¬4) (ولا نوى في تمره) للجهالة (¬5) (و) لا (صوف على ظهر) (¬6) لنهيه عليه السلام عنه في حديث ابن عباس (¬7) . ¬

_ (¬1) ولكونه معدومًا، وغير مقدور على تسليمه، ولا يصح بيع الحمل مع أمه، بأن يعقد عليه معها، للعموم، ولا يصح بيع شاة وما في ضرعها من لبن، وقال الشيخ: إن باع لبنًا موصوفا في الذمة، واشترط كونه من هذه الشاة أو البقرة صح، واستدل بخبر: نهى أن يسلم في حائط، إلا أن يكون قد بدا صلاحه. (¬2) أي فإن باع شاة، أو بقرة، أو غيرهما ذات لبن، أو ذات حمل، ولم يتعرض للبن، ولا للحمل في العقد، ودخل اللبن والحمل تبعا للأم، ويغتفر في التبعية، ما لا يغتفر في الاستقلال. (¬3) المسك طيب معروف، وفأرته بالهمز ودونه، دم ينعقد في سرة حيوان يسمى غزال المسك، وهو نوع من الظبا، يتميز بهذا الكيس. (¬4) أي فأرة المسك، هي الوعاء الذي يكون فيه المسك، ويسمى النافجة، لا يباع المسك فيها للجهالة، كاللؤلؤ في الصدف، ما لم يفتح ويشاهد، فيصح، لعدم الجهالة، واختار ابن القيم وغيره صحة بيعه فيها، لأنها وعاء له يصونه ويحفظه، أشبه ما مأكوله في جوفه، وتجاره يعرفونه، فانتفى الغرر. (¬5) بلا خلاف، كبيض في طير ونحوه، إلا إذا بيعا تبعا، ومفهومه، أنه إذا شاهده صح. (¬6) هذا المذهب عند بعض الأصحاب. (¬7) ولفظه: «نهى أن يباع صوف على ظهر، أو لبن في ضرع» رواه ابن ماجه.

لا يصح بيع الملامسة والمنابذة، وعبد من عبيده، للجهالة والغرر

ولأنه متصل بالحيوان، فلم يجز إفراده بالعقد، كأعضائه (¬1) (و) لا بيع (فجل ونحوه) (¬2) مما المقصود منه مستتر بالأرض (قبل قلعه) للجهالة (¬3) (ولا يصح بيع الملامسة) (¬4) بأن يقول: بعتك ثوبي هذا، على أنك متى لمسته فهو عليك بكذا (¬5) أو يقول: أي ثوب لمسته فهو لك بكذا (¬6) . ¬

_ (¬1) فإنه لا يجوز إفرادها بالبيع، وعنه: يصح بيع الصوف على الظهر، بشرط القطع في الحال، وهو مذهب مالك. (¬2) كلفت، وجزر، وقلقاس، وبصل، وثوم ونحوه، والفجل بالضم أرومة معروفة تؤكل. (¬3) أي بما يراد منه، وقال الشيخ: يجوز بيع المغروس في الأرض الذي يظهر ورقه، كاللفت، والجزر، والقلقاس، والفجل، والبصل، وشبه ذلك، وهو رواية عن أحمد، وقول بعض الأصحاب، وأصحاب مالك، وغيرهم، قال: وهو الصواب لوجوه، منها أنه ليس من التغرير، وأهل الخبرة يستدلون بظواهره على بواطنه. (¬4) للغرر المنهي عنه والجهالة. (¬5) وفسرها أبو هريرة بأن يقول الرجل للرجل: أبيعك ثوبي بثوبك، ولا ينظر أحدهما إلى ثوب الآخر، ولكنه يلمسه، وفسرت بغير ذلك قال الحافظ: وتفسير أبي هريرة أقعد بلفظ الملامسة، لأنها مفاعلة فتستدعي وجود الفعل، وأجمعوا على تحريمه. (¬6) وفسرت بأن يلمس الثوب بيده، ولا ينشره، قال الوزير وغيره: اتفقوا على أن بيع الملامسة والمنابذة باطل، وهو أن ينبذ الثوب أو يلمسه فيجب البيع.

(و) لا بيع (المنابذة) (¬1) كأن يقول: أي ثوب نبذته إلي –أي طرحته- فعليك بكذا (¬2) لقول أبي هريرة: إن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن الملامسة والمنابذة» متفق عليه (¬3) وكذا بيع الحصاة (¬4) كارمها فعلى أي ثوب وقعت فلك بكذا، ونحوه (¬5) (ولا) بيع (عبد) غير معين (من عبيده ونحوه) (¬6) . ¬

_ (¬1) أي ولا يصح بيع المنابذة، من النبذ وهو الطرح، للجهالة والغرر. (¬2) أو: إن نبذت هذا الثوب ونحوه فلك بكذا، أو: متى نبذت هذا الثوب ونحوه فعليك بكذا، وأجمع العلماء على تحريمه. (¬3) وفسر أبو هريرة المنابذة، فقال: أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، لم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه، وكذا فسرهما أبو سعيد، وقال: ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض، والعلة الغرر، واتفقوا على أنه بيع باطل. (¬4) أي وكبيع الملامسة والمنابذة بيع الحصاة محرم، ولا يصح بيعه، لخبر «نهى عن بيع الحصاة» ، لما فيه من الجهالة، والغرر، وأفردت لكونها مما يبتاعه أهل الجاهلية، وأضيف البيع إليها لاعتبارها فيه. (¬5) كبعتك من هذه الأرض قدر ما تبلغ الحصاة إذا رميتها بكذا، أو يعترض القطيع من الغنم، فيأخذ حصاة ويقول: أي شاة أصابتها فهي لك بكذا، أو هذا بكذا على أني متى رميت هذه الحصاة فقد وجب البيع، وكل هذا ونحوه متضمن لبيع الغرر. (¬6) كعبد من عبدين، أو عبد من عبيد، إن لم يوصف بما يكفي في السلم.

استثناء ما لا يصح بيعه منفردا، واستثناء الرأس، والجلد، والشحم والحمل

كشاة من قطيع، وشجرة من بستان، للجهالة، ولو تساوت القيم (¬1) (ولا) يصح (استثناؤه إلا معينًا) (¬2) فلا يصح: بعتك هؤلاء العبيد إلا واحدًا، للجهالة (¬3) ويصح: إلا هذا ونحوه (¬4) لأنه عليه السلام نهى عن الثنيا إلا أن تعلم؛ قال الترمذي: حديث صحيح (¬5) (وإن استثنى) بائع (من حيوان يؤكل رأسه، وجلده، وأطرافه صح) (¬6) . ¬

_ (¬1) أي قيم العبيد، والشياه، والأشجار، فلا يصح البيع، للغرر المنهي عنه، والقطيع الطائفة من البقر أو الغنم، والغالب أنه من العشرة إلى الأربعين. (¬2) أي العبد، أو الشاة أو الشجرة، ونحو ذلك، لينتفي الغرر والجهالة وضابطه أنه لا يصح استثناء ما لا يصح بيعه منفردًا. (¬3) أي جهالة الواحد من العبيد، غير معين، وكذا الشاة من القطيع، غير معينة، أو شجرة من بستان مبهمة، وكشيء مثلاً بعشرة دراهم ونحوها إلا ما يساوي درهمًا، لأن استثناء المجهول من المعلوم يصيره مجهولاً، أو صبرة إلا قفيزًا، وعنه: يصح قال في الإنصاف: وهو قوي، ومحل الخلاف، إذا لم يعلما قفزانها وإلا صح. (¬4) أي ويصح: بعتك هؤلاء العبيد إلا هذا العبد، لأن اسم الإشارة معينة ومميزة، ونحو ذلك كـ «إلا سالما» ولم يكن ثم غير هذا الاسم. (¬5) أي نهى عن الاستثناء المجهول، إلا أن تعلم الثنيا، فيصح البيع، واتفقوا على أنه متى كان المستثنى معلومًا، يعرفانه صح البيع، لانتفاء الغرر. (¬6) أي الاستثناء والبيع، في هذه الصورة.

لفعله عليه السلام في خروجه من مكة إلى المدينة، ورواه أبو الخطاب (¬1) فإن امتنع المشتري من ذبحه لم يجبر بلا شرط (¬2) ولزمته قيمته على التقريب (¬3) وللمشتري الفسخ بعيب يختص هذا المستثنى (¬4) (وعكسه) أي عكس استثناء الأطراف في الحكم استثناء (الشحم والحمل) ونحوه (¬5) مما لا يصح إفراده بالبيع، فيبطل البيع باستثنائه (¬6) . ¬

_ (¬1) ولفظه: اشترى أبو بكر وعامر من راعي غنم شاة، وشرطا له سلبها، وفي الفروع: اشترطا له رأسها، وجلدها، وسواقطها، وكذلك كان أصحابه يتبايعون، ولأن الاستثناء استبقاء، وهو يخالف ابتداء العقد، ولو باع ذلك منفردًا لم يصح. (¬2) أي فإن امتنع المشتري من ذبح الحيوان المستثنى منه رأسه وجلده، وأطرافه، لم يجبر على ذبحه، لتمام ملكه عليه، وللبائع الفسخ، بلا شرط ذبحه في العقد، لأن الذبح ينقصه، فإن كان اشترط لزم ذبحه، ودفع المستثنى للبائع. (¬3) أي ولزمت المشتري قيمة المستثنى من الحيوان على التقريب للبائع، وقال ابن القيم: إذا اشترى رأس المبيع، ولم يذبحه، فإن الصحابة قضوا بشرائه أي برأس مثله في القيمة. (¬4) لأن الجسد شيء واحد، يتألم كله بتألم بعضه، فلو وجد في رأسه قرحة مثلاً، فضررها يتعدى لسائر الجسد. (¬5) أي استنثاء الشحم من حيوان مبيع مأكول، والحمل من أمة، أو بهيمة مأكولة أو لا، لأنهما مجهولان، وكالكبد، والقلب، ونحوهما، لا يصح استثناؤهما ولا بيعهما منفردتين. (¬6) للجهالة، وتقدم النهي عن الثنيا إلا أن تعلم.

بيع ما مأكوله في جوفه، والباقلا في قشره، والحب في سنبله

وكذا لو استثنى منه رطلاً من لحم ونحوه (¬1) (ويصح بيع ما مأكوله في جوفه، كرمان، وبطيخ) وبيض (¬2) لدعاء الحاجة لذلك (¬3) ولكونه مصلحة، لفساده بإزالته (¬4) (و) يصح بيع (الباقلا ونحوه) كالحمص، والجوز، واللوز (في قشره) (¬5) يعني ولو تعدد قشره، لأنه مفرد مضاف فيعم (¬6) وعبارة الأصحاب: في قشريه (¬7) . ¬

_ (¬1) أي وكالشحم واللحم في عدم الصحة استثناء الرطل من اللحم والشحم من مأكول، لجهالة ما يبقى بعده، وفي الإنصاف: يصح بيع حيوان مذبوح، ويصح بيع لحمه فيه، ويصح بيع جلده وحده، هذا المذهب وقدمه في الفروع، واختاره الشيخ وغيره، وقال: يجوز بيعه وجلده، كما قبل الذبح، وكذلك يجوز بيع اللحم وحده، والجلد وحده. (¬2) والعمل على ذلك في أسواق المسلمين، من غير نكير. (¬3) أي لبيعه كذلك، والحاجة هي الحكمة في مشروعية البيع. (¬4) أي ولكون الساتر بما ذكر مصلحة للرمان، والبيض، ونحوه، لفساد ذلك المستتر بإزالة الساتر له. (¬5) سواء كان مقطوعًا أو في شجرة، وهو مذهب الجمهور، لعموم النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، فإنه دل على الجواز بعد بدو الصلاح، سواء كانت مستورة بغيرها أولا. (¬6) أي يعم ما ذكر من الباقلا ونحوه. (¬7) أي فلا تنافي لصدق ما ذكر المصنف على ذلك.

السابع: أن يكون الثمن معلوما للمتعاقدين

لأنه مستور بحائل من أصل خلقته أشبه الرمان (¬1) (و) يصح بيع (الحب المشتد في سنبله) (¬2) لأنه عليه السلام جعل الاشتداد غاية للمنع (¬3) وما بعد الغاية يخالف ما قبلها (¬4) فوجب زوال المنع (¬5) (و) الشرط السابع (أن يكون الثمن معلومًا) للمتعاقدين أيضا كما تقدم (¬6) . ¬

_ (¬1) أي والبيض، ونحوهما، مما مأكوله في جوفه مستتر بقشره، ويصح بيع طلع قبل تشققه، إذا قطع من شجره. (¬2) أي المتقوي، المتصلب، في سنبله، مقطوعًا، أو في شجره، والمراد بعد بدو صلاحه، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وغيرهما، وكذا الأرز في قشره، والدخن في غلافه. (¬3) يعني في قوله صلى الله عليه وسلم من حديث أنس: «نهى عن بيع الحب حتى يشتد» متفق عليه، فدل على صحة بيعه بعد اشتداده. (¬4) أي ما بعد الغاية، وهو الاشتداد، يخالف ما قبلها، وهو غايته، فإن قيل: المقرر دخول ما بعد حتى، قيل: ليس على الإطلاق، بل إذا عدمت القرينة، وهنا القرينة قائمة على عدم دخول المشتد في النهي. (¬5) وهو عدم صحة البيع، وثبتت صحة بيع الحب المشتد في سنبله ونحوه. (¬6) أي في المثمن، وهو إما رؤيته لجميعه مقارنة، أو متقدمة على البيع بزمن لا يتغير معها تغيرا ظاهرًا، أو صفة تكفي في السلم، أو بعضه الدال عليه، أو شم أو ذوق أو مس.

بيعه برقمه، أو بألف درهم ذهبا وفضة، وبما ينقطع به السعر، وبما باع به زيد، مع التحقيق في ذلك

لأنه أحد العوضين، فاشترط العلم به كالمبيع (¬1) (فإن باعه برقمه) أي ثمنه المكتوب عليه (¬2) وهما يجهلانه أو أحدهما، لم يصح للجهالة (¬3) (أو) باعه (بألف درهم ذهبًا وفضة) لم يصح (¬4) لأن مقدار كل جنس منهما مجهول (¬5) . ¬

_ (¬1) أي كما يشترط العلم بالمبيع، وكرأس مال السلم. (¬2) أي فإن باع الثوب ونحوه برقمه، أي ختمه لفظا ومعنى، وفسره بثمنه المكتوب عليه، وهو من بيع التولية، فعليه: لا بد أن يكون هو الراقم، أو رقم وهو ينظره. (¬3) والغرر لأنه لا بد أن يكون الثمن معلومًا للمتعاقدين، فإن علم المتعاقدان الرقم، صح البيع بلا خلاف، واختار الشيخ: صحة بيع السلعة برقمها، وجوزه أحمد في روايات عنه فيه، وفي معناه قال الشيخ: وقول أحمد: كل ذلك جائز دليل على أنه ذكر صورتين إحداهما: أن يعين الرقم كذا وكذا، والثانية: أن يقول: بزيادة على الرقم كذا وكذا، ولا يعينه، فقال: كل ذلك جائز، ولولا أن الرقم غير معين، لم يكن لسؤالهم وجه، ولا يقول أبو داود: كان لم ير به بأسًا. (¬4) وكذا إن باعه بألف، بعضها ذهب، وبعضها فضة، أو قال بألف ذهبًا وفضة، ولم يقل درهما ولا دينارا، لم يصح البيع، وقيل: قوله بألف درهم ذهبا وفضة، لا جهالة فيه، لأنه يئول الأمر إلى أن البيع وقع بألف درهم، وهو المعلوم من الفضة، إلا أن يكون استعمله في المقدار من الذهب أيضا. (¬5) فلم يصح البيع مع الجهالة، لما تقدم من النهي عن الغرر، وقال الشيخ: الذي يقتضيه كلام أحمد أنه إذا باعه بكذا درهما صح، وله نقد الناس، وإن كانت النقود مختلفة فأوسطها، وفي رواية: أقلها، وكلامه نص لمن تأمله، أن البيع بالنقد المطلق يصح بكل حال.

(أو) باعه (بما ينقطع به السعر) أي بما يقف عليه، من غير زيادة لم يصح، للجهالة (¬1) . (أو) باعه (بما باع) به (زيد وجهلاه (¬2) أو) جهله (أحدهما لم يصح) البيع للجهل بالثمن (¬3) وكذا لو باعه كما يبيع الناس (¬4) أو بدينار أو درهم مطلق، وثم نقود متساوية رواجا (¬5) . ¬

_ (¬1) هذا المذهب، ومنصوص أحمد: يصح اختاره الشيخ، وقال: هو أطيب لنفس المشتري من المساومة، يقول: لي أسوة بالناس، آخذ بما يأخذ به غيري، قال ابن القيم: وهو الصواب المقطوع به، وهو عمل الناس في كل عصر ومصر، وليس في كتاب الله، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع الأمة ولا قول صاحب، ولا قياس صحيح، ما يحرمه والمانعون منه يفعلونه، ولا يجدون بدا منه، ولا تقوم مصالح الناس إلا به اهـ والبيع بالسعر له صور إما أن يقول: يعني بالسعر، وقد عرفاه فلا ريب فيه، أو يكون عرف عام أو خاص، أو قرينة تقتضي البيع بالسعر، وهما عالمان فقياس ظاهر المذهب صحته، كبيع المعاطاة، والثالث: إن تبايعا بالسعر لفظا وعرفا، وهما أو أحدهما لا يعلمه صح، ووجه الصحة، إلحاقه بقيمة المثل في الإجارة، إذا دخل الحمام ونحوه. (¬2) لم يصح البيع، للجهل بالثمن. (¬3) وتقدم أنه لا بد أن يكون الثمن معلوما كالمبيع، سواء جهلاه أو أحدهما. (¬4) أي لم يصح البيع، والفرق بينه وبين قوله: أو ما ينقطع به السعر. أن ما يبيع الناس قد شرعوا في البيع فيه، وما ينقطع به السعر لم يشرع فيه، وأجازهما الشيخ وتلميذه كما مر، وفي الاختيارات، ولو باع ولم يسم الثمن، صح بثمن المثل كالنكاح. (¬5) أي أو باعه بدينار أو درهم، مطلق غير معين ولا موصوف وهناك في البلد نقود من المسمى المطلق متساوية رواجا بفتح الراء، أي نفاقا يعني كلها رائجة لم يصح البيع، لتردد المطلق بينهما لأن الثمن غير معلوم حال العقد.

بيع كل الصبرة، أو القفيز، أو البعض بكذا

وإن لم يكن إلا واحدًا (¬1) أو غلب صح، وصرف إليه (¬2) ويكفي علم الثمن بالمشاهدة، كصبرة، من دراهم أو فلوس (¬3) ووزن صنجة، وملء كيل، مجهولين (¬4) (وإن باع ثوبا أو صبرة) وهي: الكومة المجموعة من الطعام (¬5) (أو) باع (قطيعا كل ذراع) من الثوب بكذا (¬6) . ¬

_ (¬1) أي وإن لم يكن في البلد المعقود فيه إلا نقد واحد، صح البيع وانصرف إليه لأنه تعين بانفراده. (¬2) لدلالة القرينة الحالية على إرادته، قال الوزير: اتفقوا على أنه إذا أطلق البيع بالثمن، ولم يعين النقد، انصرف إلى غالب نقد البلد. (¬3) أو بر، ولو لم يعلما عددها، ولا وزنها. (¬4) عرفا، وعرفهما المتعاقدان بالمشاهدة، كبعتك ونحوه، هذه الدار، بوزن هذا الحجر فضة أو بملء هذا الوعاء، أو الكيس دراهم، صح البيع، ولو كان في موضع فيه كيل معروف، اكتفاء بالمشاهدة، والصنج: شيء يتخذ من صفر، يضرب أحدهما بالآخر. (¬5) بلا كيل ولا وزن، جمعها صبار وصبر، وسميت صبرة، لإفراغ بعضها على بعض، وروى الأوزاعي مرفوعًا «من عرف مبلغ شيء فلا يبعه جزافًا» . (¬6) أي بدرهم ونحوه، صح البيع (وكل) بالنصب: بدل من مفعول مقدر، والقطيع: الطائفة من البقر والغنم، وقال ابن سيده: من العشرة إلى الأربعين وقيل: ثلاثون.

(أو) كل (قفيز) من الصبرة بكذا (¬1) (أو) كل (شاة) من القطيع (بدرهم صح) البيع (¬2) ولو لم يعلما قدر الثوب والصبرة والقطيع (¬3) لأن المبيع معلوم بالمشاهدة (¬4) والثمن معلوم، لإشارته إلى ما يعرف مبلغه، بجهة لا تتعلق بالمتعاقدين (¬5) وهي الكيل والعد والذرع (¬6) (وإن باع من الصبرة كل قفيز بدرهم) لم يصح (¬7) لأن «من» للتبعيض و «كل» للعدد فيكون مجهولا (¬8) . ¬

_ (¬1) أي بدرهم ونحوه، صح البيع، والقفيز: ثمانية أرطال بالمكي، ستة عشر بالعراقي، وقيل: ثمانية بالعراقي، وعليه: فهو قفيز الحجاز، وصاع عمر، والقفيز الهاشمي مكوكان، ثلاثون رطلاً عراقيًا. (¬2) لمشاهدة البيع، والعلم به. (¬3) فإنه لا يضر جهلها، ويحرم على بائع، جعل صبرة على نحو ربوة مما ينصبها، ويثبت لمشتر الخيار إن لم يعلم، لأنه عيب، وإن كان تحتها حفرة لم يعلمها بائع، فله الفسخ. (¬4) فانتفت الجهالة وصح البيع. (¬5) فصح البيع، للعلم بالثمن والمثمن. (¬6) أي كيل الصبرة وذرع الثوب، وعد القطيع، فانتفى الغرر. (¬7) البيع، لأنه لم يبعها كلها، ولا قدرًا معلومًا. (¬8) لتناوله القليل والكثير، فإن قصدا بـ «من» ابتداء الغاية، أو أنها للبيان صح، بخلاف ما إذا لم يتفقا على قصد ذلك، ويحتمل أن يصح، بناء على قولهم، إذا آجر الدار كل شهر بدرهم، قال ابن عقيل: وهو الأشبه.

الاستثناء من غير الجنس، وبيع معلوم ومجهول لم يحدد ثمنه

بخلاف ما سبق، لأن المبيع الكل، لا البعض، فانتفت الجهالة (¬1) وكذا لو باعه من الثوب كل ذراع بكذا (¬2) أو من القطيع كل شاة بكذا، لم يصح لما ذكر (¬3) (أو) باعه (بمائة درهم إلا دينارا) لم يصح (¬4) (وعكسه) أن باع بدينار أو دنانير إلا درهما، لم يصح (¬5) لأن قيمة المستثنى مجهولة، فيلزم الجهل بالثمن (¬6) . ¬

_ (¬1) يعني في بيع ما سبق، من قوله: وإن باع ثوبا أو صبرة، إلخ، لإسقاطه «من» التبعيضية. (¬2) لم يصح البيع لأن «من» للتبعيض. (¬3) بالبناء للمجهول، من أن «من» للتبعيض و «كل» للعدد فيكون مجهولا، وفي المحرر وغيره: وإن باع ذراعًا مبهما من أرض، أو ثوب، لم يصح، باتفاق الأئمة، ويصح بيع ما بوعاء مع وعائه موازنة، كل رطل بكذا، ودونه مع الاحتساب بزنته، إن علما مبلغ كل منهما، ويصح جزافا، مع ظرفه ودونه. (¬4) قال في الفروع: وفاقا: لأنه قصد استثناء قيمة الدينار مع المائة الدرهم، وذلك غير معلوم، لأنه من غير جنسه، والاستثناء من غير الجنس لا يصح. (¬5) وكذا لو باعه سلعة بمائة درهم إلا قفيزا من حنطة، أو غيره مما فيه المستثنى من غير جنس المستثنى منه، لم يصح البيع، ونقله أبو طالب وفاقا. (¬6) وإذا كان الثمن مجهولا، لم يصح البيع كما تقدم.

إذ استثناء المجهول من المعلوم يصيره مجهولا (¬1) (أو باع معلوما ومجهولا يتعذر علمه) (¬2) كهذه الفرس، وما في بطن أخرى (¬3) (ولم يقل كل منهما بكذا، لم يصح) البيع (¬4) لأن الثمن يوزع على المبيع بالقيمة (¬5) والمجهول لا يمكن تقويمه (¬6) فلا طريق إلى معرفة ثمن المعلوم (¬7) وكذا لو باعه بمائة ورطل خمر (¬8) . ¬

_ (¬1) أي يصير المعلوم مجهولا، بعد أن كان معلومًا، وهذه قاعدة مطردة وإذا تقرر أن ثمن المعلوم مجهول لم يصح البيع. (¬2) وتجهل قيمته مطلقا، بحيث لا يتمكن الإطلاع عليها، لم يصح البيع. (¬3) وهو المجهول مطلقا، فلا يطمع في قيمته، وقال الموفق وغيره: بغير خلاف نعلمه. (¬4) فيهما لعدم اتحاد الصفقة وجهالة الثمن في الحال، حيث لم يقل حال العقد في كل من المعلوم والمجهول، هذا بكذا وهذا بكذا. (¬5) أي في نحو ما مثل به ولا بد، والحمل لا يمكن تقويمه، فالمعلوم مجهول الثمن، فلم يصح بيعه. (¬6) ولا نزاع في أنه لا يصح بيعه. (¬7) لجهالة ثمن المجهول، وقيل: يصح في المعلوم، صوبه في تصحيح الفروع. (¬8) لم يصح البيع، لأن الخمر لا قيمة له في حقنا اتفاقا، وما لا قيمة له، ولا ينقسم عليه الثمن، لا يصح مع البيع، وكذا لو باع شيئًا بثمن معلوم وكلب، أو جلد ميتة نجس، لم يصح البيع.

تعريف الصفقة، ومسائل تفريقها الثلاث

وإن قال: كل منهما بكذا، صح في المعلوم بثمنه، للعلم به (¬1) (فإن لم يتعذر) علم مجهول بيع مع معلوم (¬2) (صح في المعلوم بقسطه) من الثمن لعدم الجهالة (¬3) وهذه إحدى مسائل تفريق الصفقة الثلاث (¬4) والثانية أشير إليها بقوله (ولو باع مشاعًا بينه وبين غيره كعبد) مشترك بينهما (¬5) (أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء) كقفيزين متساويين لهما (¬6) . ¬

_ (¬1) مما سماه للمعلوم من الثمن، بخلاف بيعه الفرس وحملها بكذا، فلا يصح، ولو بين ثمن كل منهما، وتقدم. (¬2) كما لو قال: بعتك هذا الثوب وثوبا صبغته كذا، موجودًا عنده، يقدر أن يريه إياه، وكهذا العبد وثوب غير معين. (¬3) وبطل في المجهول، لأن المعلوم صدر فيه البيع بشرطه، ومعرفة ثمنه ممكنة بتقسيط الثمن على كل منهما وهو ممكن. (¬4) والصفقة في الأصل: المرة من صفق له بالبيع، ضرب بيده على يده، ثم نقلت للبيع، لفعل المتعاقدين ذلك، وفي الاصطلاح أن يجمع بين ما يصح بيعه، وما لا يصح بيعه، في عقد واحد، وتفريقها هو: تفريق ما اشتراه في عقد واحد. (¬5) أي بين البائع وشريكه، بغير إذن شريكه، صح البيع في نصيبه، بقسطه من الثمن. (¬6) أي للبائع وشريكه، صفقة واحدة، بثمن واحد.

(صح) البيع (في نصيبه بقسطه) من الثمن لفقد الجهالة في الثمن، لانقسامه على الأجزاء (¬1) ولم يصح في نصيب شريكه، لعدم إذنه (¬2) والثالثة، ذكرها بقوله: (وإن باع عبده وعبد غيره بغير إذنه (¬3) أو) باع (عبدًا وحرًّا (¬4) أو) باع (خلاًّ وخمرًا صفقة واحدة) بثمن واحد (¬5) (صح) البيع (في عبده) بقسطه (¬6) (وفي الخل بقسطه) من الثمن (¬7) . ¬

_ (¬1) ويوزع الثمن عليها، وهو مذهب الجمهور. (¬2) أي من شريكه في البيع، وتقدم أنه لا بد أن يكون العقد من مالك أو مأذونًا له فيه، ولمشتر الخيار إن لم يعلم الحال، لتفريق الصفقة عليه. (¬3) صفقة واحدة، بثمن واحد. (¬4) صفقة واحدة بثمن واحد. (¬5) لا بعقدين، ولا بثمنين، فيخرج عن حكم تفريق الصفقة، فمعنى تفريق الصفقة، تفريق ما اشتراه في عقد واحد، وهو أن يجمع بين ما يصح بيعه وما لا يصح بيعه، صفقة واحدة، بثمن واحد، في هذه الصور الثلاث. (¬6) دون عبد غيره، ودون الحر، لأن العقد يتعدد بتعدد المبيع، وهذا الفرق بين هذه والتي قبلها فتكون بمنزلة عقدين، ويعطي كل عقد حكم نفسه، وهذا بخلاف حكم الثمن، فإنه لا يتعدد بتعدده إلا إن فصل. (¬7) على قدر قيمة المبيعين، ليعلم ما يخص كل منهما، فيؤخذ ما يصح التصرف فيه بقسطه.

لمشتر الخيار إن جهل الحال، بين إمساك ما يصح فيه البيع ورد المبيع

لأن كل واحد منهما له حكم يخصه (¬1) فإذا اجتمعا بقيا على حكمهما (¬2) ويقدر خمر خلا (¬3) وحر عبدًا، ليتقسط الثمن (¬4) (ولمشتر الخيار إن جهل الحال) بين إمساك ما يصح فيه البيع بقسطه من الثمن (¬5) وبين رد المبيع، لتبعيض الصفقة عليه (¬6) وإن باع عبده وعبد غيره بإذنه (¬7) أو باع عبديه لاثنين (¬8) . ¬

_ (¬1) لأنه يصح بيعه مفردا، فلم يبطل بانضمام غيره إليه، وتسمية ثمن في مبيع، وسقوط بعضه، لا يوجب جهالة تمنع الصحة. (¬2) أي من الصحة فيما تناط به، والفساد فيما يتعلق به. (¬3) ليقسط الثمن عليهما، والمراد إذا لم يعلم. (¬4) لكون الحر والخمر لا يمكن تقسيط الثمن عليهما، لعدم صحة بيعهما، فيقدر الخمر خلا، والحر عبدا. (¬5) لإمكان العلم بالثمن، وانتفاء الغرر. (¬6) وإن علم فلا خيار له، لدخوله على بصيرة، ويتجه بطلان البيع مع العلم، كما لو باعه شاة وكلبًا بدينار، أو اشترى بمائة درهم ورطل خمر، ولا خيار لبائع مطلقا، على الصحيح من المذهب، وفي الفائق عن الشيخ: أنه يثبت له الخيار، وإن علما بالخمر ونحوه لم يصح. (¬7) بثمن واحد، صح البيع، لأن جملة الثمن معلومة، كما لو كانا لواحد، ويقسط الثمن على قدر القيمة، فيأخذ قدر ما يقابل عبده. (¬8) بثمن واحد، لكل واحد منهما عبد، صح البيع، ويقسط الثمن على قيمة العبدين، ويؤدي كل مشتر ما يقابل عبده.

أو اشترى عبدين من اثنين (¬1) أو وكيلهما بثمن واحد صح، وقسط الثمن على قيمتهما (¬2) وكبيع إجارة، ورهن، وصلح، ونحوها (¬3) . ¬

_ (¬1) بثمن واحد صح البيع، ويأخذ كل ما قابل عبده. (¬2) أي على قيمة العبدين، ليعلم ثمن كل منهما، وكذا لو كان لاثنين عبدان فباعاهما لرجلين بثمن واحد، صح وقسط الثمن. (¬3) كالهبة والسلم، وغير ذلك من سائر العقود، فيما سبق تفصيله، لأن الإجارة ونحوها بيع للمنافع، فلو آجر داره ودار غيره بإذنه، بأجرة واحدة صحت وقسطت الأجرة على الدارين، وكذا باقي الصور، وقال الموفق وغيره: الحكم في الرهن، والهبة وسائر العقود، إذا جمعت ما يجوز وما لا يجوز، كالحكم في البيع، إلا أن الظاهر فيها الصحة، ولو لم نصحح البيع، لأنها ليست عقود معاوضة فلا توجد جهالة العوض فيها.

فصل فيما نهي عنه من البيوع ونحوها

فصل (¬1) (ولا يصح البيع) ولا الشراء (ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني) (¬2) أي الذي عند المنبر عقب جلوس الإمام على المنبر (¬3) لأنه الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختص به الحكم (¬4) . ¬

_ (¬1) أي فيما نهي عنه من البيوع ونحوها. (¬2) أي لا يصح ممن تلزمه بنفسه، كالحر، المكلف، المقيم، وقيل: أو بغيره، كالمسافر المقيم مدة لا يقصر فيها، بعد الشروع، في النداء الثاني، الذي عند الخطبة، ولو لم يعلم به، وهو مذهب مالك وغيره، واتفقوا على كراهته، واحترز بقوله: ممن تلزمه، عن المسافر، والمقيم في قرية لا جمعة فيها عليهم، والعبد، والمرأة، ونحوهم، لأن غير المخاطب بالسعي لا يتناوله النهي. ولو وكل في بيع أو شراء، من لا تلزمه فعقد بعد النداء مع من لا تلزمه جاز، وكره منه مع من تلزمه، لما فيه من الإعانة على الإثم، وتحرم الصناعات، ممن تلزمه، بعد ندائها الثاني، لأنها تشغل عنها، وذريعة إلى فواتها. (¬3) لخطبة الجمعة، ولو أذن بعيدًا منه، أو في المكان الذي يؤذن فيه الأول. (¬4) أي لأن النداء الثاني، الذي عند المنبر، هو الذي كان على عهده صلى الله عليه وسلم لا النداء الأول، لأنه حادث بعد، أحدثه عثمان رضي الله عنه لما كثر الناس، فاختص الحكم بما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لقوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} (¬1) والنهي يقتضي الفساد (¬2) وكذا قبل النداء، لمن منزله بعيد، في وقت وجوب السعي عليه (¬3) وتحرم المساومة، والمناداة إذًا (¬4) لأنها وسيلة للبيع المحرم (¬5) وكذا لو تضايق وقت مكتوبة (¬6) . ¬

_ (¬1) أي اتركوا البيع، إذا نودي للصلاة، نهى تعالى عن البيع وقت نداء الجمعة، لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها، وخص البيع لأنه من أهم ما يشتغل به المرء من أسباب المعاش، والنهي يقتضي التحريم، وعدم صحة البيع، وكذا الشراء لأن اسم البيع يتناولهما جميعًا، ثم قال تعالى: {ذَلِكُمْ} يعني الذي ذكرت من حضور الجمعة وترك البيع (خير لكم) من المبايعة (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) مصالح أنفسكم. (¬2) أي فساد البيع، وهو ظاهر الآية، فلا يصح البيع بعد ندائها الثاني، على الصحيح من المذهب. (¬3) وهو الوقت الذي يمكنه إدراكها فيه، وإن كان في البلد جامعان تصح الجمعة فيهما فبسبق أحدهما. (¬4) أي وقت وجوب السعي، ويستمر التحريم إلى انقضاء الصلاة، وتحرم أيضًا الصناعات كلها. (¬5) يعني المساومة وسيلة للبيع المحرم، الذي هو ذريعة إلى فواتها، والوسائل لها حكم الغايات. (¬6) أي ولا يصح البيع إذا تضايق وقت مكتوبة ولو وقت الاختيار، وإن كان متسعًا لم يحرم.

لا يصح بيع ما قصد به الحرام، أو الإعانة على المعصية

(ويصح) بعد النداء المذكور البيع لحاجة، كمضطر إلى طعام، أو سترة ونحوهما، إذا وجد ذلك يباع (¬1) ويصح أيضا (النكاح، وسائر العقود) (¬2) كالقرض، والرهن، والضمان، والإجارة، وإمضاء بيع خيار (¬3) لأن ذلك يقل وقوعه (¬4) فلا تكون إباحته ذريعة إلى فوات الجمعة، أو بعضها (¬5) بخلاف البيع (¬6) (ولا يصح بيع عصير) ونحوه (ممن يتخذه خمرا) (¬7) . ¬

_ (¬1) أي الطعام، أو السترة المضطر إليهما أو المحتاج لهما، ونحوهما كوجود أبيه ونحوه يباع، مع من لو تركه معه لذهب به، أو يبيعه لغيره، وكشراء كفن، لميت خيف عليه، أو مركوب لعاجز ونحو ذلك. (¬2) لأن النهي ورد في البيع وحده. (¬3) أو فسخه. (¬4) ولا يساوي البيع في التشاغل المؤدي لفواتها. (¬5) ولو وقت الاختيار. (¬6) فلا يصح لأنه ذريعة لتركها، وتقييده بالجمعة يفهم منه صحته لغيرها، ويحرم إذا فاتته الجماعة، وتعذر عليه جماعة أخرى. (¬7) أي ولا يصح بيع ما قصد به الحرام، كعصير، وعنب، وزبيب، ونحو ذلك ممن يتخذه خمرا، علم ذلك ولو بالقرائن، أو غلب على ظنه، قال الشيخ وغيره: كمن يؤجر أمة لزنا، أو دارًا لمعصية، قال ابن القيم: القصود في العقود معتبرة، فعصر العنب بنية أن يكون خمرا معصية، وخلاًّ ودبسًا جائز.

لقوله تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (¬1) (ولا) بيع (سلاح في فتنة) بين المسلمين (¬2) لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه، قال أحمد (¬3) قال: وقد يقتل به، وقد لا يقتل به (¬4) وكذا بيعه لأهل حرب (¬5) . ¬

_ (¬1) وبيع ما قصد به الحرام من التعاون على الإثم والعدوان، ولحديث «من حبس العنب أيام القطاف، حتى يبيعه ممن يتخذه خمرا، فقد تقحم النار على بصيرة» وهو مع القصد محرم إجماعًا ويكره مع عدم القصد. (¬2) أي ولا يصح بيع سلاح لمن يقتل به، وكذا ترس، ودرع، ونحوه من آلة القتال، في حال فتنة بين المسلمين، وهو من التعاون على الإثم والعدوان. (¬3) ولقوله تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وقال ابن القيم: قد تظاهرت أدلة الشرع على أن القصود في العقود معتبرة، وأنها تؤثر في صحة العقد وفساده، وفي حله وحرمته، وذكر السلاح يبيعه الرجل لمن يعرف أنه يقتل به مسلما، حرام باطل، لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان، وإذا باعه لمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل الله فهو طاعة وقربة. (¬4) وإنما هو ذريعة للقتل به، وتعطى الوسائل أحكام المقاصد، في غالب الأحكام فلا يتوقف المنع على القتل به، والتحريم منوط بالعلم، ولو بقرائن، لا بالظن على الصحيح، فإن ظن ولم يتحقق كره وصح، واختار الشيخ: لا يصح ولو ظنا، وهو ظاهر نص أحمد، وصوبه في الإنصاف. (¬5) أي وكما أنه لا يصح بيع سلاح ونحوه في فتنة لا يصح بيعه لأهل حرب للمسلمين لأنه إعانة على معصية.

لا يصح بيع عبد مسلم لكافر، وإن أسلم في يده أجبر على إزالة ملكه

أو قطاع طريق، لأنه إعانة على معصية (¬1) ولا بيع مأكول ومشموم لمن يشرب عليهما المسكر (¬2) ولا قدح لمن يشرب به خمرا (¬3) ولا جوز، وبيض لقمار (¬4) ويحرم أكله ونحو ذلك (¬5) (ولا) بيع (عبد مسلم لكافر، إذا لم يعتق عليه) (¬6) لأنه ممنوع من استدامة ملكه عليه (¬7) لما فيه من الصغار (¬8) . ¬

_ (¬1) أي وكذا لا يصح بيع سلاح ونحوه لقطاع طريق، لأن بيعه لهم إعانة على معصية الله، وقد قال تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ} والمراد إذا علم ذلك ممن يشتريه، ولو بقرائن. (¬2) قال أحمد: إذا كان عندك يريده للنبيذ فلا تبعه اهـ لأن ذلك إثم وعدوان. (¬3) لأنه إعانة على المعصية، وإثم وعدوان. (¬4) أي ولا يصح بيع جوز، ولا بيع بيض، وبندق، ونحوه لقمار، وهو من الميسر، المنهي عنه في الكتاب والسنة، وكذا بيع غلام لمن عرف بالوطء في الدبر، أو بيع أمة للغناء، للنهي عن بيع المغنيات، ولأن ذلك إثم وعدوان. (¬5) كشرائه ممن اكتسبوه لأنه لم ينتقل إلى ملك المكتسب. (¬6) ولو كان الكافر وكيلاً لمسلم، لأنه لا يصح أن يشتريه لنفسه، فلم يصح أن يتوكل فيه، و «عبد» بالإضافة، ليعم المسلم والكافر إن كان عبدًا لمسلم، فإن بيع العبد الكافر للكافر لا يجوز على المشهور، لرجاء إسلامه، وصنيع الشارح يقضي بقراءته بالتنوين. (¬7) لما يأتي من الآية والخبر. (¬8) وإذلال المسلم تحت الرق للكافر.

فمنع من ابتدائه (¬1) فإن كان يعتق عليه بالشراء صح (¬2) لأنه وسيلة إلى حريته (¬3) (وإن أسلم) قن (في يده) أي يد كافر (¬4) أو عند مشتريه منه، ثم رده لنحو عيب (¬5) (أجبر على إزالة ملكه) عنه (¬6) بنحو بيع، أو هبة، أو عتق (¬7) لقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} (¬8) (ولا تكفي مكاتبته) (¬9) . ¬

_ (¬1) أي ابتداء ملك الكافر للمسلم، وهو أولى بالمنع من الاستدامة فلم يصح البيع. (¬2) أي الشراء واغتفر هذا الزمن اليسير لأجل العتق. (¬3) ولأن ملكه لا يستقر عليه، وهذا قول أكثر الأصحاب، وهو مذهب أبي حنيفة، ومن يعتق عليه هو كل ذي رحم محرم منه. (¬4) أجبر على إزالة ملكه عنه. (¬5) أي أو أسلم قن عند مشتريه من كافر، ثم رد على الكافر بنحو عيب في القن، أوجب الرد، كغبن، أو نجش، وكذا لو وجد الثمن المعين معيبا فرده، وكان قد أسلم. (¬6) أي عن العبد المسلم من حين القدرة، وإنما ثبت الملك لأن الاستدامة أقوى من الابتداء. (¬7) مما يرفع يد الكافر عن المسلم. (¬8) فدلت على أنه لا يجوز إبقاء المسلم تحت يد الكافر، ولقوله صلى الله عليه وسلم «الإسلام يعلو ولا يعلى» وغير ذلك. (¬9) لأن له تعجيزه، وهو قن ما بقي عليه درهم.

إن جمع بين بيع وكتابة، أو بيع وصرف ونحو ذلك، صح البيع، وما جمع إليه في غير الكتابة، ويقسط العوض

لأنها لا تزيل ملك سيده عنه (¬1) ولا بيعه بخيار، لعدم انقطاع علقه عنه (¬2) (وإن جمع) في عقد (بين بيع وكتابة) بأن باع عبده شيئًا وكاتبه، بعوض واحد، صفقة واحدة (¬3) (أو) جمع بين (بيع وصرف) (¬4) أو إجارة، أو خلع (¬5) أو نكاح، بعوض واحد (¬6) (صح) البيع وما جمع إليه (¬7) . ¬

_ (¬1) بل يبقى إلى الأداء، ولأنه قد يعجز نفسه. (¬2) أي ولا يكفي في إزالة ملك الكافر عن القن المسلم بيعه بخيار، لعدم انقطاع علق الكافر عن الرقيق المسلم، ويدخل أيضًا في ملك الكافر ابتداء بالإرث، وإفلاس المشتري، وإذا رجع في هبة لولده، وفيما إذا ملكه الحربي، وغير ذلك، ويجبر على إزالة ملكه عنه. (¬3) أي بعقد واحد، وبثمن واحد، بطل البيع. (¬4) كأن باعه دينارا بثوب وستة دراهم صح، فإن اشترى الثوب بنصف دينار، واشترط عليه أن يصرف النصف الآخر بستة دراهم لم يصح، قال الشيخ: ولا بد أن يكون الثمن من غير جنس ما مع المبيع، مثل أن يبيعه ثوبا ودراهم بذهب، فإن كان من جنسه فهي مثل مسألة (مد عجوة) . (¬5) بأن باعه عبده، وآجره داره بعوض واحد، أو اشترت منه دارا أو غيرها، واختلعت نفسها بعوض واحد. (¬6) كبعتك عبدي، وزوجتك بنتي بألف درهم. (¬7) أي صح البيع وما معه من صرف، وإجارة وخلع، ونكاح، وغير ذلك، قال الشيخ: في أظهر قولي العلماء، لأن اختلاف العقدين لا يمنع الصحة، كما لو جمع بين ما فيه شفعة، وما لا شفعة فيه، ويقسط الثمن على قيمتهما.

يحرم بيعه على بيع أخيه المسلم وكذا شراؤه على شرائه، وسومه على سومه، وكذا سائر العقود

(في غير الكتابة) فيبطل البيع (¬1) لأنه باع ماله لماله (¬2) وتصح هي (¬3) لأن البطلان وجد في البيع فاختص به (¬4) (ويقسط العوض عليهما) أي على المبيع وما جمع إليه بالقيم (¬5) (ويحرم بيعه على بيع أخيه) المسلم (¬6) (كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة) (¬7) . ¬

_ (¬1) أي في صورة: ما إذا كاتبه وباعه صفقة واحدة، كبعتك عبدي هذا، وكاتبتك بمائة درهم. (¬2) فالعبد المكاتب ماله، والعبد ونحوه الذي باعه إياه مع الكتابة مال السيد، فلم يصح البيع، ومفهومه أنه لو كاتبه ثم باعه شيئا صح، لأن تصرفه إذا مع سيده كالأجنبي. (¬3) أي تصح الكتابة بقسطها من الثمن، لعدم المانع. (¬4) ولم يسر إلى الكتابة، لأن اختلاف العقدين لا يمنع الصحة، كما تقدم. (¬5) أي وما جمع إلى المبيع من إجارة وصرف، وخلع ونكاح، وكتابة ونحوها، بالقيم، ليعرف عوض كل منهما تفصيلاً، وذلك بأن ينظر إلى قيمة العبد لو بيع وحده، وإلى أجرة الدار ونحوها سنة، لو أجرت وحدها، ويجمع بين عوضيهما، وينسب كل واحد من العوضين إلى مجموع العوضين، ويؤخذ له من المسمَّى بقسطه. (¬6) قال الحافظ: لا خلاف في التحريم اهـ واتفق أهل العلم على كراهته، وأبطله مالك، والمذهب عدم صحته. (¬7) أو أعطيك خيرًا منها بثمنها، أو يعرض عليه سلعة يرغب فيها المشتري، ليفسخ البيع ويعقد معه.

لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يبع بعضكم على بيع بعض» (¬1) (و) يحرم أيضا (شراؤه على شرائه (¬2) كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة) (¬3) لأنه في معنى البيع المنهي عنه (¬4) ومحل ذلك إذا وقع في زمن الخيارين (¬5) . ¬

_ (¬1) متفق عليه، ولهما أيضًا لا يبع الرجل على بيع أخيه، والنهي يقتضي الفساد. (¬2) أي شراؤه على شراء مسلم، بلا خلاف، ولا يصح، قال الشيخ: يحرم الشراء على شراء أخيه، وإذا فعل كان للمشتري الأول مطالبة البائع بالسلعة، وأخذ السلعة أو عوضها اهـ، وكذا اقتراضه على اقتراضه، واتهابه على اتهابه، وطلبه العمل من الولايات، ونحو ذلك، لما فيه من الإضرار بالمسلم، والإفساد عليه. (¬3) لإدخاله الضرر على أخيه المسلم، بما بذل من الزيادة بنحو ما ذكر. (¬4) يعني في قوله صلى الله عليه وسلم «لا يبع بعضكم على بيع بعض» «ولا يبع الرجل على بيع أخيه» والبيع: يشمل البيع والشراء، كما تقدم، فيدخل في عموم النهي. (¬5) أي خيار المجلس، وخيار الشرط، واختار الشيخ، وابن القيم، وابن رجب، وغيرهم، التحريم، ولو فات زمن الخيار، لأن ذلك يورث عداوة بين المسلمين. وذكر الشيخ: أن كلام أحمد، وقدماء أصحابه يدل عليه، لأنه يتسبب إلى ردها بأنواع من الطرق، المقتضية لضرره، وأما قبل العقد فهو سومه على سومه.

(ليفسخ) المقول له العقد (ويعقد معه) (¬1) وكذا سومه على سومه (¬2) بعد الرضا صريحا لا بعد ردٍّ (¬3) . ¬

_ (¬1) أي ليفسخ المقول له العقد في صورة ما إذا قيل للمشتري، أنا أعطيك مثلها بتسعة؛ وفي صورة ما إذا قيل للبائع، عندي فيها عشرة، ونحو ذلك ويعقد هذا القائل مع المشتري والبائع، ويدخل الضرر على أخيه المسلم. (¬2) أي وكما يحرم بيعه على بيع أخيه، يحرم سومه على سومه، لقوله «ولا يسم على سومه» وفصله عما قبله بكلمة «كذا» تنبيهًا على عدم اتصافه بكل ما اتصف به ما قبله، والسوم: أن يتفق مالك السلعة، والراغب فيها، على البيع، ولم يعقداه، فيقول الآخر للمالك: استرده، فأنا أشتريه بأكثر، وللمستام: رده، لأبيعك خيرا منه بثمنه؛ أو مثله بأرخص وإن كان تصريحًا فقال الحافظ: لا خلاف في التحريم، وليس المراد السوم في السلعة التي تباع في سوق من يزيد، فلا يحرم بالاتفاق، لما في السنن، «من يزيد على درهم؟» وفي الصحيحين، في قصة المدبر «من يشتريه مني؟» عرضه للزيادة، ولم يزل المسلمون يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة. وقال الشيخ: لو قيل إنه في بيوع المزايدة: ليس لأحدهما أن يفسخ، لما فيه من الضرر بالآخر، كان متوجهًا، لأنه لو لم يقبل أمكنه أن يبيع الذي قبله، فإذا قبل ثم فسخ كان قد غر البائع، بل يتوجه، كقول مالك إنه في بيع المزايدة إذا زاد أحدهما شيئا لزمه، ألا ترى أنه في النجش إذا زاد غر المشتري، فكذلك هنا إذا زاد فقد غر البائع، وقد نهي عن أنواع من العقود، لما فيها من الضرر بالغير، فعلى قياسه ينهى عن الفسوخ التي فيها ضرر للبائع. (¬3) أي يحرم سومه على سوم أخيه بعد الرضا صريحًا، من المالك والمستام، وركون أحدهما إلى الآخر، واستقرار الثمن، لا بعد رد من المالك أو المستام فلا يحرم، لعدم المحذور، قال الشيخ: يفرق فيه بين الركون وعدمه، ولهذا جاز بيع المزايدة، لأن البائع طلب المزايدة فلم يركن.

يحرم بيع حاضر لباد، ويبطل بشروط خمسة

(ويبطل العقد فيهما) أي في البيع على بيعه (¬1) والشراء على شرائه (¬2) ويصح في السوم على سومه (¬3) والإجارة كالبيع في ذلك (¬4) ويحرم بيع حاضر لبادٍ (¬5) . ¬

_ (¬1) وهو إعطاء مشتري سلعة بعشرة، مثلها بتسعة. (¬2) وهو أخذ السلعة المشتراة بتسعة بعشرة، وتقدم أنه لا يصح، وأبطله مالك في الصورتين ونحوهما، وقال الشيخ: للمشتري الأول مطالبة البائع بالسلعة، وأخذها أو عوضها. (¬3) أي ويصح العقد مع التحريم، في مسألة السوم على سوم أخيه، لأن المنهي عنه السوم لا البيع. (¬4) وسائر العقود، وطلب الولايات ونحوها، بحيث تختلف جهة المالك ونحوه، لأنه ذريعة إلى التباغض والتعادي، فيحرم أن يؤجر أو يستأجر على مسلم، ولا يصح، ولا يسوم على سومه للإجارة وغيرها، بعد الرضا صريحًا، للإيذاء. (¬5) الحاضر المقيم في المدن، والقرى، والبادي المقيم بالبادية، لقوله «ولا يبع حاضر لباد» وفسره ابن عباس بقوله: لا يكون له سمسارًا، أي دلاَّلاً يتوسط بين البائع والمشتري، وفي لفظ: «وإن كان أخاه لأبيه وأمه» وفي لفظ «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» وكما أنه لا يجوز أن يبيع الحاضر للبادي، كذلك، لا ينبغي أن يشتري له، وفي لفظ «أن تبيعوا وتبتاعوا» ولفظ البيع يتناول الشراء، وليس كالبيع له في التضييق على الناس.

مسألة العينة وعكسها وصورها مع التحقيق في ذلك

ويبطل إن قدم لبيع سلعته، بسعر يومها (¬1) جاهلاً بسعرها (¬2) وقصده الحاضر (¬3) وبالناس حاجة إليها (¬4) (ومن باع ربويا بنسيئة) أي مؤجل (¬5) وكذا حال لم يقبض (¬6) (واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة) (¬7) . ¬

_ (¬1) أي ويبطل البيع بشروط خمسة: أحدها إن قدم البادي والمراد به الغريب، سواء كان من البادية أو غيرها، لبيع سلعة، لا لخزنها أو أكلها وأن يكون بسعر يومها، لأنه إذا قصد بيعها بزائد على ذلك، كان المنع من جهته. (¬2) لأنه إذا علمه لم يزده الحاضر على ما عنده. (¬3) أي العارف بالسعر، أما إذا كان جاهلاً أولاً، أو كان القاصد البادي فلا محذور. (¬4) أي وأن يكون بالناس حاجة إلى تلك السلعة، وهو الخامس، فإن فقد شيء مما ذكر، لم يوجد الذي من أجله نهى الشارع، وهو التضييق، وصح البيع ومفهومه أنه إن لم يباشر له البيع، بل أشار إليه عدمت الحرمة، فإن استشاره جاهل بالسعر، وجب بيانه، لوجوب النصح لكل مسلم. (¬5) ويقال: باعه بنسيئة بآخرة، ونسأه أخره، والربوي: كل مكيل وموزون ويأتي. (¬6) أي ومثل من باع ربويًّا بنسيئة في الحكم، من باع بثمن حال لم يقبض، واستنكر بعضهم القبض، وقال: ليس بشرط، وفي الإنصاف وغيره، بثمن حال. (¬7) لم يجز، وقال ابن القيم: إما أن يواطئه على الشراء منه لفظا، أو يكون العرف بينهما قد جرى بذلك، أو لا يكون، فإن كان الأول فباطل، وإن لم تجر بينهما مواطأة، لكن قد علم المشتري أن البائع يريد أن يشتري منه ربويًّا بربوي فكذلك، وإن قصد البائع الشراء منه بعد البيع، ولم يعلم المشتري، فكرهه أحمد وغيره، والمتقدمون حملوا المنع على التحريم.

كثمن بُرٍّ اعتاض عنه برًّا، أو غيره من المكيلات لم يجز (¬1) لأنه ذريعة لبيع ربوي بربوي نسيئة (¬2) وإن اشترى من المشتري طعامًا بدراهم، وسلمها إليه، ثم أخذها منه وفاء (¬3) أو لم يسلمها إليه، لكن قاصه جاز (¬4) . ¬

_ (¬1) وكذا لو اشترى بثمن الموزون موزونًا لم يجز، قال الشيخ: لا يجوز أن يبتاع منه بالثمن ربويًّا لا يباع بالأول نسأ، لأن أحكام العقد الأول لا تتم إلا بالتقابض، فإذا لم يحصل صار ذريعة إلى الربا، وقال: الأظهر أنه إذا كان أرفق بالمشتري، مثل أن لا يكون عنده إلا حنطة يحتاج أن يبيعها ويوفيه بثمنها، وإعطاؤه الحنطة أرفق به، جاز، وإلا فلا، والمراد والله أعلم ولم يكن مواطأة لما تقدم. (¬2) ويكون الثمن المعوض عنه بينهما كالمعدوم، لأنه لا أثر له، والطريق إلى الحلال هي العقود المقصودة، المشروعة، التي لا خداع فيها، ولا تحريم، ولا يصح أن يلحق بها صورة عقد لم تقصد حقيقته، وإنما قصد التوصل به إلى استحلال ما حرم الله، بتسمية ثمن تلبيسا وخداعا، ووسيلة إلى الربا. (¬3) أي عن ثمن الربوي الأول جاز. (¬4) حيث سقط عن كل واحد منهما ما يلزمه للآخر، ولا يحتاج لرضاهما كأن يشتري منه صاعا بدرهم مؤجلا، ثم يشتري البائع من المشتري صاعا بدرهم مثلا، فيكون لكل واحد منهما على صاحبه درهم، فيتقاصان، بأن يقول أحدهما: أسقط الذي علي من الذي عليك، وإن عين الدرهم، بأن قال: اشتريت منك صاعًا بالدرهم الذي عندك لم يصح.

(أو اشترى شيئًا) ولو غير ربوي (نقدًا بدون ما باع به نسيئة) (¬1) أو حالا لم يقبض، (لا بالعكس لم يجز) (¬2) لأنه ذريعة إلى الربا، ليبيع ألفًا بخمس مائة (¬3) وتسمى مسألة العينة (¬4) وقوله: لا بالعكس، يعني: لا إن اشتراه بأكثر مما باعه به، فإنه جائز (¬5) . ¬

_ (¬1) لم يجز للأحاديث والآثار المتظاهرة، في المنع من